الحسين عليه السلام وبطلة كربلاء
التجميع الإمام الحسين عليه السلام
الکاتب محمد جواد مغنية
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

الحسين بطلة كربلاء

العلامة الشيخ محمد جواد مغنية


بسم الله الرحمن الرحيم




فهرس الموضوعات

المجالس الحسينيّة

مقدّمة ١٣

الشّيعة ويوم عاشوراء ١٩

مودّة أهل البيت ٢٧

رضا الله رضانا أهل البيت ٤٣

روح النّبي والوصي ٤٧

خروج الإمام بأهله ٥٣

ما ذنب أهل البيت ٥٩

ما هذا البكاء ٧٩

من أخلاق الإمام زين العابدينعليه‌السلام ٨٣

حبّ الله والرّسول ٩١

عداء في الله ٩٩

هذا كتاب الله ١٠٣

يوم الطّفّ يوم الفصل ١٠٩


يوم الفتح ١١٧

بدر والطّفّ ١٢٣

إنّه ابن عليّعليه‌السلام ١٢٩

لا عذّب الله أمّي ١٣٧

الإستهانة بالموت ١٤٥

أنتم مؤمنون ١٥١

أولوا العزم ١٥٧

أمضي على دين النّبيّ ١٦١

لا عمل بعد اليوم ١٦٥

ما أحبّ الباطل شابّا ولا كهلا ١٧١

السّيّدة زينب رمز لشيء عميق الدّلالة ١٧٧

الإمام الصّادقعليه‌السلام ١٩١

نسبه : ١٩٧

وصفه الجسمي : ١٩٧

تسميّته بالصّادق : ١٩٧

صفاته النّفسيّة : ١٩٨

علومه : ٢٠٠

الحسينعليه‌السلام عمره ، وأولاده ، والشّهداء من أهله ٢٠٥

مولده : ٢٠٥

عمره الشّريف : ٢٠٦


أولاده : ٢٠٦

الشّهداء من أقاربه : ٢٠٩

مطلّقة الحسين وزوّجة يزيد : ٢١١

يزيد ٢١٣

ولادته وشكله : ٢١٥

مهنته : ٢١٦

حكمه ومشاريعه : ٢١٧

وفاته : ٢١٩

يزيد والمستعمرون : ٢٢٠

مشهد الحسينعليه‌السلام ٢٢٣

معاوية ٢٢٩

عقيل ومعاوية ٢٤٥

مع بطلة كربلاء

مقدّمة ٢٥٩

نسب السّيّدة زينب ٢٦١

عليّ : ٢٦١

إسلام أبي طالب : ٢٦٦

فاطمة بنت أسد ٢٧٧

الإنتساب إلى النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ٢٨١


في بيت فاطمة ٢٨٥

جعفر الطّيّار ٢٩٧

بيت أبي طالب ٢٩٧

إسلامه : ٢٩٨

أخلاقه : ٢٩٩

منزلته عند الله ورسوله : ٣٠٠

الهجرة إلى الحبشة : ٣٠١

استشهاده : ٣٠٤

عبد الله بن جعفر : ٣٠٧

الزّواج ٣٠٩

شرف المصاهرة : ٣٠٩

حياتها الزّوجيّة : ٣١٠

أولادها : ٣١١

وضع الأحاديث والأخبار : ٣١٥

المصائب والأحزان ٣٢١

نوايا يزيد ٣٣١

الحسين ومعاوية : ٣٣١

فكتب معاوية إلى الحسين : ٣٣٢

فوران الحقد : ٣٣٥

الخروج بالنّساء : ٣٤٣


في الكوفة والشّام ٣٤٩

الدّعوة لأهل البيت ٣٦٣

صور من كربلاء ٣٧١

بكاء ابن سعد ٣٧١

ابتسام الحسين ٣٧٤

المرتزقة : ٣٧٦

في طريق الشّام ٣٨١

القربان : ٣٨١

شأن أهل البيت ٣٨٢

تكريت ٣٨٥

لينا ٣٨٥

جهينة ٣٨٥

معرّة النّعمان ٣٨٦

كفر طاب ٣٨٦

حمص ٣٨٦

بطبك ٣٨٦

أدب الشّيعة ٣٨٩

قبر السّيّدة ٣٩٥


مقالات في أهل البيت

الحسين ومعنى الإستشهاد ٤٠١

السّيّدة زينب ٤٠٥

ثأر الله ٤١١

يسأل ابنته في العيد ٤١٧

أهل البيت ٤١٩

أصغر البنات ٤٢٠

الإمام عليّ ٤٢٣

الحسن ٤٢٧

الحسين ٤٢٩

أمّ العواجز ٤٣١

لحظات في نور أمّ هاشم ٤٣٣

كتاب للإمام جعفر الصّادق ٤٣٧

معنى الإحتفال بمولد السّيّدة ٤٣٩

خلافة النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لمن بات على فراشه ٤٤٥

الشّعب المصري وآل البيت ٤٥٧

حقّ الجماعة يغلب حقّ النّفس! ٤٥٩

نظرة والنّبيّ ٤٦١

فهرس الآيات ٤٦٥

فهرس الأحاديث ٤٧٧

فهرس المصادر ٤٨٩


المجالس الحسينيّة



المقدّمة

ابتديء بسم الله وبحمده ، واصلّي على النّبيّ وآله ، والسّلام على سبطه الشّهيد أبي عبد الله الحسين إمام الهدى والعروة الوثقى.

وبعد ، فقد اعتاد الباحثون أن ينظروا إلى يوم الحسينعليه‌السلام على أنّه امتداد للصّراع بين هاشم واميّة ، وأنّه نتيجة لحوادث متتابعة ، منها محاربة أبي سفيان جدّ يزيد للرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله جدّ الحسين ، ومنها محاربة معاوية أبي يزيد للإمام عليّعليه‌السلام أبي الحسين ، ومنها وقوف الحسين حائلا بين يزيد وزينب زوّجة عبد الله بن سلّام ، إلى غير ذلك(١) .

وسواء أكان يوم الحسين من ثمرات التّخاصم بين الآباء والأجداد ، أم بين الأولاد والأحفاد فإنّ الإمام الصّادقعليه‌السلام قد أوضح سبب ذا العداء بقوله : «نحن وآل أبي سفيان تعادينا في الله ، قلنا : صدق الله. وقالوا كذب الله»(٢) .

وهذه الصّفحات تقدّم الأرقام على هذه الحقيقة ، وإنّ العداء بينهما إنّما هو

__________________

(١) انظر ، الإتحاف بحبّ الأشراف الشّيخ عبد الله بن محمّد بن عامر الشّبراوي : ٤٤٩ ، بتحقّيقنا ، الإمامة والسّياسة : ١ / ٢١٧ ، النّصائح الكافية لمن يتولى معاوية : ١٢٩ ، ومن أراد المزيد فعليه مطالعة (دراسة عن أرينب بنت إسحاق) لعبد الله بن حسّون العليّ ، مطبعة الزّهراء سنة (١٩٥٠ ه‍ ٢).

(٢) انظر ، مجمع الزّوائد : ٧ / ٢٣٩ ، مسند البزّار : ٢ / ١٩١ ح ٥٧١ ، وقعة صفّين لنصر بن مزاحم : ٣١٨ ، معاني الأخبار : ٢٤٦ ، النّصائح الكافية لمن يتولى معاوية : ٤٦ ، المعيار والموازنة : ١٤٥.


عداء بين الكفر الّذي يتمثّل في الأمويّين ، وبين الإيمان الّذي يتجسّم في أهل البيتعليهم‌السلام ، وذكرت مع كلّ رقم جملة تناسبه ممّا حدث يوم الطّفّ ، عسى أن يتلو الموالون لأهل البيت بعض صفحات الكتاب في المجالس الحسينيّة ، لأشارك في الثّواب ، والحسنات من أحيا أمرهم ، وعظّم شعائرهم. قال الإمام زين العابدينعليه‌السلام :

«أللهمّ صلّ على محمّد وآله ، واشغل قلوبنا بذكرك عن كلّ ذكر ، وألسنتنا بشكرك عن كلّ شكر ، وجوارحنا بطاعتك عن كلّ طاعة فإن قدّرت لنا فراغا من شغل فاجعله فراغ سلامة لا تدركنا فيه تبعة ، ولا تلحقنا فيه سأمة ، حتّى ينصرف عنّا كتّاب السّيّئات بصحيفة خالية من ذكر سيّئاتنا ، ويتولّى كتّاب الحسنات عنّا مسرورين بما كتبوا من حسناتنا ...»(١) .

لا شيء أسوأ أثرا ، وأكثر ضررا من الفراغ ، هذا فقير عاطل عن العمل لا يجد وسيلة تدر عليه ثمن الرّغيف ، فيجرم ، ويحتال بكلّ طريقة للحصول على العيش ، وذاك غني كسول يقتل وقته ونفسه بإدمان الشّراب ، والإفراط في أنواع الملذّات ، وثالث يقبض راتبا ، أو يملك عقارا ، أو يجد كفيلا يؤمّن له الحياة ، ويتّسع وقته لأكثر من الأكل والنّوم ، ولا شيء يؤهله لغير الأكل والنّوم ، فيملأ فراغه بالقال ، والإشتغال بهذا طويل ، وذاك قصير

وإذا عرفنا ما في الفراغ من مفاسد عرفنا السّر في قول الإمام زين العابدينعليه‌السلام :

«اللهمّ صلّ على محمّد وآله ، واشغل قلوبنا بذكرك عن كلّ ذكر ، وألسنتنا

__________________

(١) انظر ، الصّحيفة السّجاديّة : ١٦٥ ، الدّعاء الحادي عشر ، (دعاؤه بخواتم الخير). بتحقّيقنا.


بشكرك عن كلّ شكر ، وجوارحنا بطاعتك عن كلّ طاعة فإن قدّرت لنا فراغا من شغل فاجعله فراغ سلامة لا تدركنا فيه تبعة ، ولا تلحقنا فيه سأمة ، حتّى ينصرف عنّا كتّاب السّيّئات بصحيفة خالية من ذكر سيّئاتنا ، ويتولّى كتّاب الحسنات عنّا مسرورين بما كتبوا من حسناتنا ...».

خاف الإمام من الفراغ ؛ لأنّه يؤدي بصاحبه إلى المحرمات ، والموبقات ، فسأل الله أن قدّر له شيئا منه أن يجعله فراغ سلامة لا فراغ تهلكة. فراغ المؤمن الّذي يشغل قلبه ولسانه بذكر الله عن عيوب النّاس ، وعن كلّ ذكر ، وجوارحه بطاعة الرّحمن عن طاعة الشّيطان.

إنّ المجرم لا يشعر باللّذة في ذكر الله ، ومرضاته ، بل لا شيء أثقل عليه من ذلك ، تماما كالمريض الّذي يجد العسل مرّ المذاق ، ومن استحوذ عليه الشّيطان لا يطمئن قلبه إلى ذكر الله وشكره ، ولا تسكن نفسه إلّا الى الحرام ، والمنكرات ، ولا يرتاح ضميره إلّا بعيوب النّاس ، وأكل لحومهم

إنّ الحصول على مرضاة الله سهل يسير ، والسّبيل إلى طاعته يجدها الغنيّ والفقير ، والقويّ والضّعيف ؛ لأنّها ليست سلعة تحتاج إلى مال ، ولا عملا شاقّا يفتقر إلى قوّة ، إنّها طهارة النّفس ، وتنزيه اللّسان عن الغيبة والكذب ، أنّها الشّغل بذكر الله عن كلّ ذكر ، وبشكره عن كلّ شكر ، فمن حمد الله مخلصا فهو مطيع ، ومن قال حقّا فله الأجر والثّواب ، ومن اثنى على الصّالحين ، وأحبّ عملهم كان معهم ، وأي شيء أيسر من الكلام ، وتحريك اللّسان؟!

أجل ، لا شيء أسهل عليك من أن ترضي الرّقيب الّذي عناه الله بقوله : ما


( يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) (١) . ترضيه بترك الإساءة إلى خلقه ، وبكلمة طيّبة يسجلها لك كتاب الحسنات ، ويدّخرونها ليوم ينادي فيه النّاس :( وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ما ذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ) (٢) .

إنّ تعاليم أهل البيت لا تنحصر بعلم دون علم ، وفضائلهم لا تختص بالكمال في جهة دون جهة ، ومبائهم ليست لزمان دون زمان ، أنّهم كالقرآن النّاطق الّذي فيه تبيان كلّ شيء ، فالمجال ، إذن ، يتّسع للعارف الّذي قدّر له شيء من فراغ أن يملأه بنشر فضائلهم ، وبثّ تعاليمهم ، وإحياء ما تركوه للإنسانيّة من تراث. فهذه المجلّدات ، في فقههم ، ومناقبهم ، واخلاقهم ، وأحاديثهم ، ومناجاتهم ، لا يبلغها الإحصاء ، وهي ميسورة لكلّ طالب ، فبدلا من أن يقتل الوقت بكلام لا طائل تحته يستطيع أن يحدّث ، أو يكتب في جهادهم ، ونصرتهم للحقّ وأهله ، وفي فلسفتهم في الحياة ، وفقههم ، وأخلاقهم ، وأن يفكّر ، ويطيل التّفكير في أدعيتهم ، وكلامهم الّذي كانوا يناجون به خالق الكائنات. يستطيع أن يقتبس ما شاء ، ومتى شاء من أنوارهم الّتي لا تبلغ إلى نهاية ، ولا تحدّ بلفظ.

وأي شيء أفضل من الحديث عن العترة الطّاهره ومناقبهم؟! وأي علم أجدى ، وأنفع من علومهم ومواعظهم؟! أنّها تذكر الله ، وتبعث على طاعته ، والبعد عن معصته ، أنّها كالغيث تحيي النّفوس بعد موتها ، وتجعلها مع الخالدين والأنبياء والصّالحين ، وبمقدار ما يبلغ الإنسان من علوم أهل البيت يبلغ حدّه من العظمة والخلود.

__________________

(١) سورة ق : ١٨.

(٢) القصص : ٦٥.


إنّ عظمة الكليني ، والطّوسي ، والمفيد ، والحلّي ، والمجلسي ، والشّهيد ، والأنصاري وغيرهم وغيرهم ، لا مصدر لها إلّا علوم أهل البيت ، وإلّا لأنّهم عرفوا شيئا من آثارهم ، لقد وجد في كلّ عصر أقطاب من الشّعية تنحني الرّؤوس إجلالا لقدرهم مقامهم ، ويرتبط تأريخ العلوم بتأريخهم ، ولا سرّ إلّا مدرسة أهل البيت وهدايتهم ، وحكمتهم ولولاها لم يكونوا شيئا مذكورا.

وبالتالي ، فإنّ تأريخ الإماميّة في عقيدهم ، وفقههم وأدبهم هو تأريخ الولاء لأهل البيت ، وهذه كتبهم ومؤلفاتهم تزخر بأقوال الرّسول ومناقب الأئمّة الأطهار من أبنائه ، وإنّ في هذه الصّفحات ذكرا لآل الرّسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد شغلت أمدا من عمري ، ولا أعرّفها بأكثر من ذلك.

و( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا ـ لو لايتهم ـوَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) (١) .

__________________

(١) الأعراف : ٤٣.



الشّيعة ويوم عاشوراء

لماذا يهتّم الشّيعة هذا الإهتمام البالغ بذكرى الحسين ، ويعلنون الحداد عليه ، ويقيمون له عشرة أيّام متوالية من كلّ عام؟ هل الحسين أعظم ، وأكرم على الله من جدّه محمّد ، وأبيه عليّ؟! وإذا كان الحسين إماما فأنّ جدّه خاتم الأنبياء ، وأباه سيّد الأوصياء! لماذا لا يحيي الشّيعة ذكرى النّبيّ ، والوصيّ ، كما يفعلون بذكرى الحسين؟!.

الجواب : أنّ الشّيعة لا يفضلون أحدا على الرّسول الأعظم. أنّه أشرف الخلق دون استثناء ، ويفضلون عليّا على النّاس بإستثناء الرّسول ، فقد ثبت عندهم أنّ عليّا قال مفاخرا : «أنا خاصف النّعل»(١) . أي مصلح حذاء الرّسول. وقال : «لقد

__________________

(١) انظر ، المعجم الكبير : ٦ / ٢٦٩ ح ٦١٨٤ ، تأريخ مدينة دمشق : ٤٢ / ٤٣ ، شرح النهج لابن أبي الحديد : ١٣ / ٢٢٨ ، بشارة المصطفى : ١٤٠ ، لسان الميزان : ٣ / ٢٨٣ ، ينابيع المودّة : ٨٢ و ١٢٩ ، الإصابة : ٧ / ٢٩٤ و ٣٥٤ ح ١٤٠٧٨ ، كنز العمّال : ١١ / ٦١٦ ح ٣٢٩٩٠ ، ميزان الإعتدال : ٢ / ٢١٢ ، أرجح المطالب لعبيد الله الأمر تسري : ٢٣ ، مجمع الزّوائد : ٩ / ١٠٢ ، المصنّف : ٧ / ٥٠٣ و : ٨ / ٣٥٠ ، الآحاد والمثاني : ١ / ١٤٩ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ٤ / ١١٧ ، نظم درّر السّمطين : ٨٢ ، إكمال الكمال : ٧ / ١٢٧ ، كنز العمّال : ١٣ / ١٤٤ ، اسد الغابة : ٤ / ١٨ ، تهذيب الكمال : ٢٠ / ٤٨٠ ، جواهر المطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب لابن الدّمشقي : ١ / ٣٨ ، المسترشد في الإمامة لمحمّد ابن جرير الطّبريّ : ٣٥٤ ، مناقب أمير المؤمنين لمحمّد بن سليمان الكوفي : ١ / ٢٦٣ و ٢٩٤ ، مناقب


رأينا يوم بدر ونحن نلوذ برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو أقربنا إلى العدوّ ، وكان من أشد النّاس يومئذ بأسا»(١) . وقال : «دخلت على رسول الله وكانت له هيبة وجلال ، فلمّا قعدت بين يديه أفحمت ، فو الله ما استطعت أن أتكلّم»(٢) .

أجل ، أنّ الشّيعة الإماميّة يعتقدون أنّ محمّدا لا يوازيه عند الله ملك مقرّب ، ولا نبيّ مرسل ، وأنّ عليّا خليفته من بعده ، وخير أهله ، وصحبه ، وإقامة عزاء الحسين مظهر لهذه العقيدة ، وعمل مجسّم لها ، وتتضح هذه الفكرة إذا عرفنا هاتين الحقّيقتين.

__________________

آل أبي طالب : ٣ / ٢٥ ، ذخائر العقبى : ٥٨ ، مناقب أهل البيت : ٤٠ ، الاستيعاب بهامش الإصابة : ٣ / ٤٦ ، و : ٤ / ١٧٤٤ ح ٣١٥٧ ، مسند البزار : ٩ / ٣٤٢ ح ٣٨٩٨ ، أمثال الحديث : ١ / ٦٨ ، البيان والتّعريف : ٢ / ١١٠ و ١١١ ، فيض القدير : ٤ / ٣٥٨ ، سير أعلام النّبلاء : ٢٣ / ٧٩ ، ميزان الاعتدال في نقد الرّجال : ٣ / ٤ ح ٢٥٩ و ٩٣ ح ٤٣٠٠ ، لسان الميزان : ٢ / ٤١٣ ح ١٧٠٤ و : ٣ / ٢٨٢ ح ١١٩٠ ، العلل المتناهية : ١ / ٢٤٠ ح ٣٨٣ ، كشف الخفاء : ١ / ٢٨٨ ح ٥٩٦.

فهو أمير المؤمنين ، ويعسوب الدّين والمسلمين ، ومبير الشّرك والمشركين ، وقاتل النّاكثين والقاسطين والمارقين ، ومولى المؤمنين ، وشبه هارون ، والمرتضى ، ونفس الرّسول ، وأخوه ، وزوج البتول ، وسيف الله المسلول ، وأبو السّبطين ، وأمير البررة ، وقاتل الفجرة ، وقسيم الجنّة والنّار ، وصاحب اللّواء ، وسيّد العرب ، وخاصف النّعل ، وكاشف الكرب ، والصّدّيق الأكبر ، وأبو الرّيحانتين ، وذو القرنين ، والهادي ، والفاروق ، والدّاعي ، والشّاهد ، وباب المدينة ، والولي ، والوصي ، وكشّاف الكرب ، وقاضي دين الرّسول ، ومنجز وعده إلخ.

(١) انظر ، مسند أحمد : ١ / ٨٦ ، مجمع الزّوائد : ٩ / ١٢ ، المصنّف للكوفي : ٧ / ٥٧٨ ، نظم درّر السّمطين : ٦٢ ، كنز العمّال : ١٠ / ٣٩٧ ح ٢٩٩٤٣ ، تأريخ دمشق : ٤ / ١٤ ، البداية والنّهاية : ٣ / ٣٤٠ ، الشّفا بتعريف حقوق المصطفى : ١ / ١١٦ ، السّيرة النّبويّة لابن كثير : ٢ / ٤٢٥ ، سبل الهدى والرّشاد : ٤ / ٤٦.

(٢) انظر ، ذخائر العقبى : ٢٧ ، كنز العمّال : ١٣ / ٦٨٣ ح ٣٧٧٥١ ، البداية والنّهاية : ٣ / ٤١٨ ، المناقب للخورزمي : ٣٣٥ ، الذّرّيّة الطّاهرة : ١ / ٦٣ ح ٩٢ ، مستدرك سفينة البحار : ١٠ / ٥٧٩.


١ ـ تزوّج الرّسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله (١) ، وهو ابن (٢٥) سنة(٢) ، وقبض وله (٦٣) سنة(٣) ، وبقي بعد خديجة دون نساء سنة واحدة(٤) ، ثمّ تزوّج الكثيرات حتّى

__________________

(١) أوّل أزواجهصلى‌الله‌عليه‌وآله : خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصيّ ، تزوّجهاصلى‌الله‌عليه‌وآله قبل الوحي وعمره حينئذ خمس وعشرون سنة ، وقيل : إحدى وعشرون سنة. وكان عمرها حينئذ أربعين سنة ، وأقامت معه أربعا وعشرين سنة ، ولم ينكح عليها إمرأة حتّى ماتت. وأمّها : فاطمة بنت زائدة بن الأصمّ ، من بني عامر بن لؤي.

وكانت خديجة رضي الله عنها أوسط نسآء قريش نسبا ، وأعظمهنّ شرفا ، توفيت بعد أبي طالب رضى الله عنه بثلاثة أيّام ، وسمّى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ذلك العام بعام الحزن. (انظر ، جوامع السّيرة : ٣١ ، اسد الغابة : ٧ / ٧٨ ، المعارف لابن قتيبة : ١٣٢ تحقّيق ثروة عكاشة طبعة قم ، السّيرة النّبويّة لابن هشام : ١ / ١٨٩).

(٢) انظر ، السّيرة النّبويّة لابن هشام : ١ / ١٨٧.

(٣) انظر ، شرح صحيح مسلم : ٩ / ١٤٠ ، و : ١٧ / ١٣٣ ، الدّيباج على مسلم : ٣ / ٤٠٨ و : ٦ / ١٤٨ ، تلخيص الحبير لابن حجر : ٤ / ٥٩٥ ، مسند أحمد : ١ / ٣٦٣ و : ٥ / ٨٩ ، السّنن الكبرى : ٣ / ١٩٦ ، دلائل النّبوّة للبيهقي : ٢ / ١٥٣ ، سنن الدّارمي : ١ / ١٥ و ١٨ و ٣٦٧ ، مجمع الزّوائد : ٢ / ١٨٢ و : ٨ / ٢٩٨ ، البداية والنّهاية : ٦ / ١٤١ و : ٣٠٨ ، المصنّف لابن أبي شيبة الكوفي : ٧ / ٤٣٣ ، صحيح ابن خزيمة : ٣ / ١٤٠ ، المعجم الكبير : ١٢ / ١٤٥ و : ٢٣ / ٢٥٥ ، الطّبقات الكبرى : ١ / ٢٥٢ ، تأريخ دمشق : ٤ / ٣٩٠ و : ٧ / ٢٠٢ ، اسد الغابة : ١ / ٢٩ ، الكامل في التّأريخ : ٣ / ٢٨٨ ، تهذيب الكمال : ١ / ٢٣٥.

(٤) أوّل أزواجهصلى‌الله‌عليه‌وآله : خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصيّ ، تزوّجهاصلى‌الله‌عليه‌وآله قبل الوحي وعمره حينئذ خمس وعشرون سنة ، وقيل : إحدى وعشرون سنة. وكان عمرها حينئذ أربعين سنة ، وأقامت معه أربعا وعشرين سنة ، ولم ينكح عليها إمرأة حتّى ماتت. وأمّها : فاطمة بنت زائدة بن الأصمّ ، من بني عامر بن لؤي.

وكانت خديجة رضي الله عنها أوسط نساء قريش نسبا ، وأعظمهنّ شرفا ، توفّيت بعد أبي طالب رضى الله عنه بثلاثة أيّام ، وسمّى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ذلك العام بعام الحزن. (انظر ، جوامع السّيرة : ٣١ ، اسد الغابة : ٧ / ٧٨ ، المعارف لابن قتيبة : ١٣٢ تحقّيق ثروة عكاشة طبعة قم ، السّيرة النّبويّة لابن هشام : ١ / ١٨٩).


جمع في آن واحد بين تسع(١) ، وامتدت حياته الزّوجية (٣٧) عاما ، ورزق من خديجة ذكرين : القاسم وعبد الله ، وهما الطّيب ، والطّاهر ، ماتا صغيرين(٢) ، ورزق منها أيضا أربع بنات : زينب(٣) ، وأمّ كلثوم(٤) ، ورقيّة(٥) ، وفاطمة(٦) ، أسلمنّ

__________________

(١) وبعد وفاتها تزوّج سؤدة بنت زمعة ، ثمّ عائشة ، عقد له عليها أبو بكر في مكّة ، وهي بنت ست سنوات ، وبني بها النّبيّ في المدينة بعد أن أكملت التّسع وحين توفّي النّبيّ كان لها من العمر ثماني عشرة سنة ، وعاشت إلى السّبعين ، وماتت في أيّام معاوية ، وأيضا تزوّج النّبيّ أمّ سلمة ، وهي بنت عمّته عاتكة بنت عبد المطلب ، وحفصة بنت عمر ، وزينب بنت جحش ، وهي بنت عمّته أميمة بنت عبد المطلب ، وجويرية بنت الحارث ، وأمّ حبيبة بنت أبي سفيان ، وصفية بنت حي بن أحطب ، وميمونة بنت الحارث ، خالة عبد الله ابن عبّاس ، ومارية القبطية ، وريحانة بنت زيد ، وتكانة بنت عمرو ، وقد دخل بهؤلاء جميعا ، وكنّ ثيّبات إلّا عائشة كانت بكرا ، وله زوّجات أخر طلقهنّ قبل الدّخول.

انظر ، اسد الغابة : ٧ / ١٥٧ ، المعارف : ١٢٣ ، السّيرة لابن هشام : ٤ / ٢٨٣ ، الإصابة : ٧ / ٢٠٩ و : ٨ / ١٥٧ ، الإستيعاب : ٤ / ١٨١٣ ، الطّبقات الكبرى : ٨ / ٨٣ و ١١٢ و ٢٣٣ ، صحيح مسلم : كتاب الرّضاع : ١٠٦٥ ح ٤٩ ، صحيح البخاري : تفسير سورة الأحزاب : ٣ / ١١٨ وكتاب النّكاح : ٣ / ١٦٤ و ١٦٥ ، البداية والنّهاية : ٦ / ٣٩٠ ، جواهر المطالب في مناقب الإمام عليّ : ٢ / ١٢٢ ، تأريخ الطّبري : ٦ / ٢١ ، نسب قريش : ٤٠ ، جمهرة أنساب العرب : ٣٣.

(٢) انظر ، صحيح البخاري : ٢ / ٨٤ و ٨٥ ، كنز العمّال : ح ٤٠٤٧٩ ، السّنن الكبرى للبيهقي : ٤ / ٦٩ ، مسند أحمد : ٣ / ١٩٤ ، صحيح مسلم : ٧ / ٧٦ ، مسند أبي يعلى : ٦ / ٤٣ ، الإصابة : ٤ / ٢٨٣ ـ ٢٨٤ و : ٧ / ٢٠٩ ، البداية والنّهاية : ٦ / ٣٩٠ ، الطّبقات الكبرى : ٨ / ٢٣٣ ، جواهر المطالب في مناقب الإمام عليّ : ٢ / ١٢٢ ، الأم للشّافعي : ٤ / ٢٥٩ و : ٧ / ٣٦٨ ، المجموع : ٣ / ١٥٠. السّيرة النّبويّة لابن هشام : ١ / ١٩٠ ، الطّبقات الكبرى : ١ / ١٣٣ ، شرح الأخبار : ٣ / ١٥ ، مناقب آل أبي طالب :١ / ١٤٠ ، مناقب الخوارزمي : ١ / ١٦١.

(٣) انظر ، الأم للشّافعي : ٤ / ٢٥٩ و : ٧ / ٣٦٨ ، المجموع : ٣ / ١٥٠.

(٤) انظر ، قصّة زواجها من عثمان بن عفّان في تلخيص الحبير لابن حجر العسقلاني : ٥ / ٢١٠ ، مسند أحمد : ٦ / ٣٨٠ ، مستدرك الحاكم : ٢ / ٣٧٩ و : ٤ / ١٤ ، السّنن الكبرى : ٢ / ٤٢٥ و : ٧ / ٧٠.

(٥) انظر ، بدائع الصّنائع : ١ / ٣٠٨ ، مسند أحمد : ١ / ٦٨ و : ٧٥ ، مستدرك الحاكم : ٢ / ٦٢٣ و : ٣ / ٢١٨ و : ٤٦.


وتزوّجن ، وتوفين في حياته ما عدا فاطمة ، وولدت له مارية القبطيّة إبراهيم ، واختاره الله ، وله من العمر سنة وعشرة أشهر ، وثمانيّة أيّام(١) ، فانحصر نسل الرّسول بفاطمة ، وولديها من عليّ ، الحسن ، والحسين(٢) ، فهم أهله الّذين ضمّهم وإيّاه «كساء»(٣) واحد ، وبيت واحد.

__________________

(٦) انظر ، مطالب السّؤول في مناقب آل الرّسول : ٢١٠ ، وكذلك زبدة المقال في فضائل الآل : (مخطوط ورق ٩٦ في النّسخة تحت رقم ٣٠٣) ، مقاتل الطّالبيّين : ٥٩ ، الإصابة : ٨ / ١٥٧ ، الطّبقات الكبرى لابن سعد : ٨ / ١١.

(١) انظر ، النّهاية في غريب الحديث : ١ / ١٥٧ ، سبل الهدى والرّشاد : ١١ / ١٩ ، السّيرة النّبوية لابن هشام : ١ / ١٩٠ ، الطّبقات الكبرى لابن سعد : ١ / ١٣٣ ، شرح الأخبار : ٣ / ١٥ ، مناقب آل أبي طالب : ١ / ١٤٠ ، مناقب الخوارزمي : ١ / ١٦١ ، صحيح البخاري : ٢ / ٨٤ و ٨٥ ، كنز العمّال : ح ٤٠٤٧٩ ، السّنن الكبرى للبيهقي : ٤ / ٦٩ ، المحلى : ٥ / ١٤٦.

(٢) انظر ، تأريخ الطّبريّ : ٤ / ٥٠ ، والإصابة (قسم النّساء) ، الرّوض الأنف : ٢ / ٢٦٨ ، وقعة صفّين : ٥٤١ ، شرح النّهج لابن أبي الحديد : ٢ / ٢٥٢ و : ٣ / ١٩٠ ، ، الإصابة حرف الميم : ٣ ق ٢ / ٤٥١ طبعة أخرى ، الاستيعاب : ٣ / ٣٢٨ ، الفتوح لابن أعثم : ١ / ٤٧٢ وما بعدها ، الإمامة والسّياسة لابن قتيبة : ١ / ٥٥ ، وما بعدها ، تهذيب الكمال : ٢٤ / ٥٤١ رقم ٥٠٩٧ ، والإصابة : ٤ / ٢٩٨ طبعة أخرى ، المعارف : ١٣٦ ، تذكرة خواصّ الأمّة : ١١٤ طبعة النّجف ، التّمهيد والبيان : ٢٠٩ ، الأغاني : ٢١ / ٩ ، الإشتقاق : ٣٧١.

(٣) انظر ، مسند أحمد : ٢ / ٤٤٢ ، منتخب كنز العمّال بهامش مسند أحمد : ٥ / ٩٢ ، الإصابة : ٤ / ٣٧٨ ، الصّواعق المحرقة : ١٦٣ ، الإستيعاب المطبوع بهامش الإصابة : ٢ / ٣٧ ، مصابيح السّنّة للبغوي الشّافعي : ٢ / ٢٨٠ ، الفردوس بمأثور الخطاب : ١ / ٥٣ الطّبعة الأولى ، سنن التّرمذي : ٥ / ٣٦٠ ح ٣٩٦١ و ٣٩٦٢ طبعة بيروت ، سنن ابن ماجه : ١ / ٥٢ / ١٤٥ ، مودّة القربى : ٣٣ ، المناقب لابن المغازلي : ٦٤ ، المستدرك على الصّحيحين : ٣ / ١٤٩ ، كنز العمّال : ١٣ / ٦٤٠ ، اسد الغابة : ٣ / ١١ ، و : ٥ / ٥٢٣ ، مجمع الزّوائد : ٩ / ١٦٦ و ١٦٩ ، كفاية الطّالب : ٣٣٠ طبعة الحيدريّة ، و : ١٨٨ و ١٨٩ طبعة الغري ، نزل الأبرار : ٣٥ و ١٥٠ ، فرائد السّمطين للجويني : ٢ / ٣٩ / ٣٧٣ ، سمط النّجوم :


وقد كان هؤلاء الأربعةعليهم‌السلام بعد الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله سلوة وعزاء للمسلمين عن فقد نبيّهم ، وإن عظم الخطب ، لأنّ البيت الّذي كان يأويه ما زال مأهولا بمن يحبّ ، عامرا بأهله وابنائه ، وماتت فاطمة بعد أبيها ب (٧٢) يوما(١) ، فبقي بيت النّبيّ مزينا ومضيئا بعليّ ، والحسن ، والحسين ، ثمّ قتل عليّ فظل الحسنان ، وكان حبّ المسلمين لهما لا يعادله شيء إلّا الحبّ لنّبيهم الكريم ، لأنّهما البقية الباقية من نسله ، وأهل بيته ، وبعد أن ذهب الحسن إلى ربّه(٢) لم يبق من أهل البيت إلّا الحسين ، فتمثلوا جميعا في شخصه ، فكان حبّ المسلمين له حبّا لأهل البيت

__________________

ـ ٢ / ٤٨٨ ، شواهد التّنزيل : ٢ / ٢٧ ، المناقب للخوارزمي : ٩١ ، مقتل الحسين : ١ / ٦١ و ٩٩ ، نظم درّر السّمطين للزّرندي : ٢٣٢ و ٢٣٩ ، المعجم الصّغير للطّبراني : ٢ / ٣ ، الفتح الكبير : ١ / ٢٧١ ، مشكاة المصابيح للعمري : ٣ / ٢٥٨ ، الرّياض النّضرة : ٢ / ٢٤٩ الطّبعة الثّانية ، ينابيع المودّة للقندوزي : ٣٥ و ١٦٥ و ١٧٢ و ١٩٤ و ٢٣٠ و ٢٦١ و ٢٩٤ و ٣٠٩ و ٣٧٠ طبعة اسلامبول ، بشارة المصطفى : ١٢٨ ، تهذيب تأريخ دمشق لابن عساكر : ٤ / ١٩٩ ، مطالب السّؤول : ٦٤ ، الإستيعاب : ١ / ٣٦٨ ، المقاتل : ٥٩ ، تأريخ الخلفاء : ٧٣ ، شذرات الذّهب : ١ / ١٠.

(١) اختلف في وفاة الصّدّيقة على أقوال. انظر ، المناقب للخوارزمي : ١ / ٨٣ ، الإصابة : ٤ / ٣٨٠ ، مقاتل الطّالبيين : ٣١ ، الطّبقات الكبرى : ٨ / ١٨ ، الملل والنّحل : ١ / ٥٧ ، لسان الميزان : ١ / ٢٩٣ ، فرائد السّمطين : ٢ / ٣٦ ، شرح النّهج لابن أبي الحديد : ١٤ / ١٩٣ ، إثبات الوصية للمسعودي : ٢٣ ، الذّرّيّة الطّاهرة : ٢١٦ ، مروج الذّهب : ١ / ٤٠٣ ، المعارف : ١٤٢.

(٢) انظر ، وقعة صفّين : ٢٣٤ ، طبعة القاهرة ، تأريخ الطّبريّ : ٦ / ٩ ، ابن الأثير : ٣ / ١٢٨ ، الإستيعاب: ١ / ٣٤٠ ، شرح النّهج لابن أبي الحديد : ١ / ٤٨٣ و : ٤ / ١١ و ١٧ ، المقاتل : ٤٣ ، وأنساب الأشراف : ١ / ٤٠٤ ، و : ٤ / ١١ و ١٧ ، ابن كثير : ٨ / ٤١ ، تأريخ الخلفاء : ١٣٨ ، الإصابة ترجمة الحسن ، ابن قتيبة : ١٥٠ ، الصّواعق : ٨١ ، المسعودي في مروج الذّهب بهامش الكامل : ٢ / ٣٥٣ ، ٦ / ٥٥ ، وتهذيب تأريخ دمشق لابن عساكر : ٤ / ٢٢٦ ، وأسماء المغتالين من الأشراف : ٤٤ ، وتأريخ اليعقوبي : ٢ / ٢٢٥ ، وابن الأثير : ٢ / ١٩٧ ، وابن شحنة بهامش ابن الأثير : ١١ / ١٣٢ ، تأريخ الدّول الإسلاميّة : ١ / ٥٣ ، تذكرة الخواصّ : ٦٢ ، تأريخ أبي الفداء : ١ / ١٩٤ ، الاستيعاب : ١ / ٣٨٩.


أجمعين ، للنّبيّ ، وعليّ ، وفاطمة ، والحسن ، والحسين ، تماما كما لو كان خمسة أولاد أعزاء ، ثمّ فقدت منهم أربعة ، وبقي منهم واحد فإنّه يأخذ سهم الجميع وتوازي منزلته من قلبك منزلة الخمسة مجتمعين ، وبهذا نجد تفسير قول سيّدة الطّفّ زينب ، وهي تندب أخاها الحسين يوم العاشر من المحرّم «اليوم مات جدّي رسول الله ، اليوم ماتت أمّي فاطمة ، اليوم قتل أبي عليّ ، اليوم سمّ أخي الحسن». ونجد تفسير ما قاله الإمام الشّهيد لجيش يزيد حين صمّموا على قتله : «أفتشكّون في أنّي ابن بنت نبيّكم؟ فو الله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري منكم ولا من غيركم ، وأنا ابن بنت نبيّكم خاصّة. أخبروني أتطلبوني بقتيل منكم قتلته؟ أو مال لكم استهلكته؟ أو بقصاص من جراحة؟»(١) .

ولذا أقفل بيت الرّسول بقتل الحسين كان ، والحال هذه ، استشهاده استشهادا لأهل البيت جميعا ، وإحياء ذكراه إحياء لذكرى الجميع.

٢ ـ إنّ وقعة الطّفّ كانت وما زالت أبرز ، وأظهر مأساة عرفها التّأريخ على الإطلاق ، فلم تكن حربا ، ولا قتالا بالمعنى المعروف للحرب ، والقتال ، وإنّما كانت مجزرة دامية لآل الرّسول كبارا وصغارا ، فلقد أحاطت بهم من كلّ جانب كثرة غاشمة باغية ، ومنعت عنهم الطّعام ، والشّراب أيّاما ، وحين أشرف الجميع على الهلاك من الجوع ، والعطش انهالوا عليهم رميا بالسّهام ، ورشقا بالحجارة ،

__________________

(١) انظر ، ينابيع المودّة لذوي القربى القندوزي : ٣ / ٦٤ ، تأريخ الطّبري : ٤ / ٢٤٠ ، الكامل لإبن الأثير : ٤ / ٢٤ ، مقتل الخوازمي : ١ / ٢٣٨ فصل ١١ ، مقاتل الطّالبين لأبي الفرج : ٤٥ طبع إيران.

(١) انظر ، الإرشاد الشّيخ المفيد : ٢ / ٩٨ ، إعلام الورى بأعلام الهدى الشّيخ الطّبرسي : ١ / ٤٥٩ ، تأريخ الطّبري : ٤ / ٢٨٠ ـ ٢٨١ و


وضربا بالسّيوف ، وطعنا بالرّماح ، ولمّا سقطوا صرعى قطعوا الرّؤوس ، وووطأوا الجثث بحوافر الخيل ، مقبلين ومدبرين ، وبقروا بطون الأطفال ، وأضرموا النّار في الأخبية على النّساء ؛ فجدير بمن والى نبيّه الأكرم ، وأهل بيته أن يحزن لحزنهم ، وأن ينسى كلّ فجيعة ورزية إلّا ما حلّ بهم من الرّزايا ، والفجائع معدّدا مناقبهم ، ومساويء أعدائهم ما دام حيّا.

أنّ الحسين عند شيعته ، والعارفين بأهدافه ومقاصده لزيس اسما لشخص فحسب ، وإنّما هو رمز عميق الدّلاله ، رمز للبطولة ، والإنسانية ، والأمل ، وعنوان للدّين والشّريعة ، والفداء والتّضحية في سبيل الحقّ ، والعداله ، كما أنّ يزيد رمز للفساد والإستبداد ، والتّهتك ، والرّذيلة ، فحيثما كان ويكون الفساد ، والفوضى واتنهاك الحرمات ، وإراقة الدّماء البريئة ، والخلاعة ، والفجور ، وسلب الحقوق والطّغيان فثمّ اسم يزيد وأعمال يزيد ، وحيثما كان ويكون الثّبات والإخلاص والبسالة ، والفضيلة ، والشّرف فثمّ اسم الحسين ، ومبادىء الحسين ، وهذا ما عناه الشّاعر الشّيعي من قزوله :

كان كلّ مكان كربلاء لدى

عيني وكلّ زمان يوم عاشورا(١)

__________________

(١) انظر الشّيعة في الميزان : ٨٦٩. بتحقّيقنا.


مودّة أهل البيت

مهما اختلفت الأفراد في أوجه الشّبه فإنّك واحد بين ابناء الأمة الواحدة والدّين الواحد جامعا مشتركا ، وطابعا يميزها عن غيرها من الأمّم والطّوائف ، وأقرب وسيلة لمعرفة هذا الجامع المشترك هي أقوال الأدباء والشّعراء ، فإنّهم يمثلون تقاليد قومهم ، ويعبرون عن عقائد طوائفهم أصدق تعبير.

ولقد تقوّلت فئة من النّاس الأقاويل في عقيدة التّشيّع ، وافتروا عليهم بما يغضب الله والرّسول ، ولكن للشّيعة تأريخا طويلا ، وحافلا بالحوادث والثّورات ، والعلوم والآداب ، وكلّها تنبيء عن حقيقة التّشيّع ، فيستطيع طالب الحقّ أن يعرفه بنظرة واحدة إلى آثار علمائهم أو أدبائهم يقول شاعرهم :

آل بيت النّبيّ أنتم غياثي

في حياتي وعدتي لمعادي

ما تزودت للقيامة إلّا

صفو ودّي لكم وحسن اعتقادي(١)

فعقيدة التّشيّع ، إذن ترتكز على أمرين : حسن الإعتقاد ، وصفو الود لأهل البيت. وحسن الإعتقاد هو الإيمان بالله وكتابه ، وبالنّبيّ وسنّته ، وقد أوجب القرآن ، والحديث مودّة أهل البيت ، وإنّ إنكار مودّتهم وولائهم إنكار كتاب الله

__________________

(١) من قصيدة طويلة للمرحوم الشّيخ عبد الحسين الأعسم يرثي بها الحسينعليه‌السلام ، وهو من علماء الإماميّة ، وشعرائهم ، توفّي (١٢٤٧ ه‍). (منهقدس‌سره ).


وسنّة الرّسول.

ولسائل أن يسأل : هل من دليل يلزم النّاس بمودّتهم غير شهادة كتاب الله والحديث؟ هل من سبيل يقنع من لا يؤمن بالله ، ولا بالرّسول يقنعه بدليل معقول مقبول أنّ مودّة أهل البيت يفرضها الوجدان ، ومنطق العدل على كلّ إنسان مسلما كان أو غير مسلم؟.

أجل ، أنّ من يوالي الحقّ والعدل يوالي أهل البيت ، ومن يعادي الحقّ يعادي أهل البيت ، لأنّ أهل البيت هم الحقّ ، والحقّ هو أهل البيت.

وقد تقول : هذه دعوى تفتقر إلى إثبات.

والجواب : أنّ أي دليل على ذلك أدل من أن يكون الحسين بنفسه صاعقة إلهية تنفجر على الباطل؟! وأي شاهد أصدق من الدّماء والأرواح تبذل لنصرة الحقّ؟! ثمّ هذا النّشيد ، والهتاف باسم الحسين ألا يدل على أنّ الحسين هو الحقّ؟! وإذا لم يكن الحسين هو الحقّ فلماذا كلّ هذا العداء والبغض من يزيد الباطل؟.

وبقدر ما بلغ الحسين من الحقّ ، إن صحّ التّعبير بلغ يزيد من الباطل ، وكما عبّر الحسين بإستشهاده عن مكانته من الحقّ فقد عبّر يزيد بضراوته عن منزلته من الباطل. لقد بلغ الحنذق والغيظ بيزيد إن فعل بالحسين وأهله ما فزعل ، لا لشيء إلّا عداوة للحقّ ، وهذا ما أراد الحسين أن يعلنه للملأ ، ويخبر به الأجيال ، فسأل يزيد قائلا : «ويّحكم! أخبروني أتطلبوني بقتيل منكم قتلته؟ أو بمال لكم استهلكته؟ أو بقصاص من جراحة؟»(١) .

__________________

(١) انظر ، الإرشاد الشّيخ المفيد : ٢ / ٩٨ ، إعلام الورى بأعلام الهدى الشّيخ الطّبرسي : ١ / ٤٥٩ ، تأريخ ـ


أجل ، أنّهم يطلبونه بأكثر من ذلك ، يطلبونه بما طلبه النّمرود من إبراهيم الخليل. وبما طلبه فرعون من موسى الكليم ، وبما طلبه أبو سفيان من محمّد الحبيب ، وما طلبه معاوية من عليّ المرتضى ، أنّهم يطلبون؟!

أن لا يوجد شيء على الكرة يقال له دين ، وإيمان ، وعدالة ، وإنسانيّة ، ويأبى الحسين إلّا الدّين ، لأنّه لا شيء أعظم من الدّين عند الحسين ، أنّه أعظم من الأرواح ، ومن الأنبياء ، والأوصياء ، فكم من نبيّ قدّم نفسه فداء للدّين؟! وكم من إمام استشهد من أجل حمايته وصيانته؟! أنّ عظمة الدّين لا يساويها شيء لأنّها من عظمة الله الّذي ليس كمثله شىء.

وما أدرك هذه الحقيقة أحد كما أدركها النّبيّ ، وأهل بيته ، ومن أجل ذلك بذلوا في سبيله ما لم يبذله إنسان ، وعبدوا الله عبادة الخبير بما له من عظمة وسلطان ، فلقد أجهد النّبيّ نفسه في صلاة حتّى تورّمت قدماه(١) ، وحتّى عاتبه الله بقوله :( طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى ) (٢) . وقد كان من عادة الإمام إذا سجد أصابته غشية لا يحس معها بمن حوله ، قال أبو الدّرداء :

«رأيت عليّا ، وقد اعتزل في مكان خفي ، وسمعته ذ ، وهو لا يشعر بمكاني ، يناجي ربّه ، ويقول : إلهي إن طال في عصيانك عمري ، وعظم في الصّحف ذنبي

__________________

ـ الطّبري : ٤ / ٢٨٠ ـ ٢٨١.

(١) انظر ، مسند أحمد : ٤ / ٢٥١ ، سنن النّسائي : ٣ / ٢١٩ ، شرح مسلم : ١٧ / ١٦٢ ، مجمع الزّوائد : ٢ / ٢٧١ ، تحفة الأحوذي : ٢ / ٣٨٣ ، المصنّف ، للصّنعاني : ٣ / ٥٠ ، مسند الحميدي : ٢ / ٣٣٥ ، السّنن الكبرى : ١ / ٤١٨ ، صحيح ابن حبّان : ٢ / ٩ ، المعجم الصّغير للطّبراني : ١ / ٧١ ، النّعيم المقيم لعترة النّبأ العظيم : ٦٠٤ ، بتحقّيقنا.

(٢) طه : ٢ ـ ١.


فما مؤمل غير غفرانك ، ولا أنا براج غير رضوانك ، ثمّ ركع ركعات ، ولمّا فرغ اتّجه إلى الله بالدّعاء ، والبكاء ، والبث والشّكوى ، فكان ممّا ناجى به : «إلهي أفكر في عفوك فتهون عليّ خطيئتي ، ثمّ أذكر العظيم من أخذك ، فتعظم عليّ بليتي. آه إن أنا قرأت في الصّحف سيئة أنا ناسيها ، وأنت محصيها ، فتقول خذوه ، فياله من مأخوذ ، لا تنجيه عشيرته ، ولا تنفعه قبيلته ، ولا يرحمه الملأ إذا أذن فيه بالنّداء! آه من نار تنضج الأكباد والكرلى! آه من نار نزّاعة للشّوى! آه من غمرة من ملهبات لظى! ثمّ أنعم بالبكاء ، ثمّ سكت لا يسمع له حس ، ولا حركة.

قال أبو الدّرداء : فأتيته فإذا هو كالخشبة الملقاة ، فحرّكته ة فلم يتحرّك ، فقلت :( إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ) (١) ، مات والله عليّ بن أبي طالب. فأتيت منزله أنعاه لفاطمة ، فقالت فاطمة لأبي الدّرداء : «ما كان من شأنه؟ فلمّا أخبرها ، قالت : هي والله الغشية الّتي تأخذه من خشية الله»(٢) .

وكان الإمام زين العابدينعليه‌السلام في الصّلاة فسقط ولده في البئر فلم ينثن عن صلاته ، وحين فرغ منها مدّ يده ، وأخرجه ، وقال : أنّي كنت بين يدي جبّار ، لو ملت بوجهي عنه لمال عنّي بوجهه»(٣) . وإذا كان أهل البيت يهتمون بالصّلاة هذا الإهتمام حتّى في الحرب ، وساعة العسرة ، فكيف يدّعي التّشيّع لهم من يتركها ويتهاون بها في السّلم ، وساعات الفراغ ، ويفضّل عليها اللهو والمجون.

ومرّة ثانية نكرّر القول بأنّ التّشيّع يرتكز على الإعتقاد بالله ، والرّسول ، واليوم

__________________

(١) البقرة : ١٥٦.

(٢) انظر ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ١٨ / ٢٢٥ ، الأمالي للشّيخ الصّدوق : ١٣٧ ، روضة الواعظين : ١١٢ ، مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب : ١ / ٣٨٩.

(٣) انظر ، الهداية الكبرى : ٢١٥ ، دلائل الإمامة : ١٩٨ ، مناقب آل أبي طالب : ٣ / ٢٧٨.


الآخر. وإقام الصّلاة ، وإيتاء الزّكاة ، وعلى صفو الود لأهل البيت الّذين قتلوا وقتلوا من أجل الصّلاة ، وعبادة الواحد الأحد. انتحي الإمام ناحية يصلّي لله في صفّين ، والحزرب قائمة على أشدّها ، وحين افتقده أصحابه اضطربوا ، وكسروا جفون أسيافهم ، وآلوا أن لا يغمدوها حتّى يشاهدوا الإمام ، ولمّا وجده الأشتر قائما للصّلاة انتظره حتّى فرغ منها ، وقال له : «أفي مثل هذه السّاعة؟! فأجابه : نقاتل لأجلها ونتركها(١) ؟!

وقام الحسين إلى الصّلاة في قلب المعركة ، وأصحابه يتساقطون قزتلى بين يديه ، فصلّى بمن بقيّ منهم ، وسعيد بن عبد الله الحنفي قائم بين يديه يستهدف من النّبال والرّماح حتّى سقط إلى الأرض ، وهو يقول : «أللهمّ العنهم لعن عاد وثمود ، أللهمّ بلّغ نبيّك عنّي السّلام ، وابلغه ما لقيت من ألم الجراح ، فأنّي أردت ثوابك في نصرة نبيّك»(٢) . ثمّ قضى نحبه ، فوجد به ثلاثة عشر سهما سوى ما به من ضرب السّيوف ، وطعن الرّماح.

__________________

(١) انظر ، وسائل الشّيعة : ٤ / ٢٤٦ ح ٢ ، كشف اليقين : ١٢٢.

(٢) انظر ، تأريخ الطّبري : ٥ / ٤٢٢ وفي ٤٣٦ ، و : ٤ / ٣٢٠ طبعة أخرى ، مقتل الحسين لأبي مخنف : ١١٣ ، الإرشاد للشّيخ المفيد : ٢ / ٩٥ ، الأخبار الطّوال : ٢٥٦. مناقب آل أبي طالب : ٤ / ١٠٣ ، مقتل الحسين : ١ / ١٩٥ و : ٢ / ٢٠.



هل أقدم الحسين على التّهلكة

قد يتساءل : كيف تحدّى إبراهيم الخليلعليه‌السلام شعور قومه ، وأهانهم في آلهتهم وأعظم مقدّساتهم ، ولم يعبأ بالنّمرود صاحب الحول والطّول؟! هذا ، وهو أعزل من السّلاح ، والمال لا ناصر له ، حتّى أبويه لم يجرءا على مناصرته والذّب عنه.

حطّم الخليل آلهة قومه ، وداسها بقدميه ، وقال للألوف المؤلّفة :( أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) (١) ، ولم يخش سطوتهم ، ونارهم الّتي أو قدوها لحرقة حيّا.

وموسى الكليمعليه‌السلام الشّريد الطّريد الّذي أكل بقلة الأرض حتّى بانت خضرتها من شفيف بطنه لهزاله ، وحتّى سأل ربّه قطعة خبز ، وتضرّع إليه بقوله :( رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) (٢) . هذا الفقر إلى لقمة الخبز يصرخ في وجه فرعون المتألّه ، صاحب النّيل ، والملك العريض الطّويل ، ويقول له : «أنت الضّال المضّل!

ومحمّد اليتيمصلى‌الله‌عليه‌وآله (٣) الّذي لا يملك شيئا من حطام الدّنيا(٤) كيف سفّه أحلام

__________________

(١) الأنبياء : ٦٧.

(٢) القصص : ٢٤.

(٣) ماتت أمّه ، وله ست سنين. انظر ، الخصائص الكبرى : ١ / ٨٠. الحاوي للفتاوي : ٢ / ٢٢ ، السّيرة


قريش سادة العرب ، وسبّ آلهتهم؟! وبأيّة قوّة هدّد كسرى ملك الشّرق ، وقيصر ملك الغرب ، وكتب إلى كل أسلم تسلم(١) ؟!.

وبكلمة واحدة ، ما هي القوّة؟ وما هو الدّافع الّذي بعث الأنبياء والرّسل على تلك المغامرات الّتي لا يقدم عليها إلّا معتوه لا يدري ما يقول ، أو رسول لا ينطق بلسانه ، بل لسان قوّة خارقة ، وفوق القوى جميعا؟!.

وليس من شك أنّ الأنبياء حين يدعون الجبابرة الطّغاة ، وأهل الجاه والسّلطان دعوة الحقّ إنّما يدعونهم مدفوعين بقوّة لا تقاوم ، ويخاطبونهم باسم الله الّذي يؤمنون به أكثر من إيمانهم بأنفسهم ، وباسم الوحي الّذي يسمعونه بعقولهم وآذانهم.

يقدم الجيش أو يحجم بأمر قائده ورئيسه ، ويبرز الفرسان إلى الميدان فيقتلون أو يقتلون ، ومن يقتل فهو شهيد تقام له حفلات التّكريم والتّعظيم ، وترفع له في السّاحات العامّة النّصب والتّماثيل ، وتوضع على قبره أكاليل الأوراد

__________________

ـ لزيني دحلان بهامش السّيرة الحلبيّة : ١ / ٥٧. السّيرة لابن هشام : ١ / ١٦٨ ، مروج الذّهب : ٢ / ٢٧٥ ، الطّبقات الكبرى لابن سعد : ١ / ١١٦ ، البداية والنّهاية لابن كثير : ٢ / ٢٥٥ ، تأريخ الطّبريّ : ٢ / ٢٧٢ ، الرّوض الأنف للسّهيلي : ١ / ٨ ، تأريخ اليعقوبيّ : ٢ / ٦ ، حاشية البجيرميّ : ٢ / ٢٤٩ ، مسالك الحنفا : ٦٣ ، دلائل النّبوّة للبيهقي : ١ / ١٨٨.

(٤) كلّ ما ورثه النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله من أبويه أمة ، وهي أمّ أيمن ، وخمسة جمال ، وقطيعة غنم ، وقد أعتق أمّ أيمن حين تزوّج بخديجة. (منه قدس‌سره). انظر ، تركة النّبي : ١ / ١٠١.

(٥) انظر ، صحيح البخاري : ١ / ٩ ، صحيح مسلم : ٣ / ١٣٩٦ ، مسند أحمد : ١ / ٢٦٢ ، صحيح ابن حبّان : ١٤ / ٤٩٥ ، مسند أبي عوانه : ٤ / ٢٦٨ ، السّنن الكبرى للبيهقي : ٩ / ١٧٦ ، معتصر المختصر : ١ / ٢٠٧ ، المعجم الكبير : ٨ / ١٥ ، تفسير ابن كثير : ٣ / ٣٩٥ ، تفسير البيضاويّ : ٤ / ٩ ، أسباب النّزول : ١٦٩.


والزّهور. وهكذا الأنبياء يقدمون بدافع من الله وقيادته ، ويتّحدون أهل القوّة والسّلطان بأمر الله وإرادته ، فينتصرون أو يقتلون ، وهم في الحالين عظماء يمتثلون أمر الله ، وبه يعملون ، فإذا استشهدوا فإنّما يستشهدون ، وهم يبلغون كلمة الله إلى خلقه ، ويمثلون الإنسان في أسمى حالات الإخلاص والتّضحية.

هذا هو منطق أهل الدّين والعقل ، وهذي هي عقيدة أصحاب الإيمان والوجدان ، أمّا الملحدون الّذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر من شباب هذا العصر ، ومثلهم السّذّج المغفلون من قبل ومن بعد ، أمّا هؤلاء فيقولون : لقد جازف الحسين بخروجه إلى العراق ، لأنّ أهله أهل الغدر ، والنّفاق ، وأصحاب أبيه وأخيه ، وإذا خرج ، وخدعته كتبهم ورسلهم فكان عليه أن يستسلم ، بعد أن رأى ما رأى ، من عزمهم وتصميمهم على قتله ، وعجزه عن الذّب والدّفاع عن نفسه وأهله. قالوا هذا ، وهم يعتقدون أنّ الإستشهاد فضيلة ممّن استشهد مع قائد يملك العدّة والعدد. أمّا الحسين في نظرهم فقد خاطر وجازف ، لأنّه استشهد ولا قوّة تدعمه ، وسلطان يناصره(١) .

__________________

(١) انظر ، العواصم من القواصم ، تحقّيق : محبّ الدّين الخطيب ـ طبع سنة (١٣٧١ ه‍) : ٢٣٢. مثل هذه الأكاذيث والمقولات الموضوعة ، أو الّتي لا تفسّر بشكلها الصّحيح هي الّتي شلّت حركة الأمّة ، وجعلتها قابعة تحت سيطرة الحاكم المستبد ، وأطفأت الرّوح الجهاديّة في الأمّة. هذا أوّلا.

وثانيّا : ليست هذه هي المرّة الأولى الّتي نقرأ فيها الزّور ، والبهتان على الشّيعة ، فلقد عودنا بعض الكتّاب المستأجرين من المستعمرين ، والوهابيّين على شحنائهم ، وأسوائهم الّتي استفاده منها أعداء الإسلام والمسلمين ، ولم تضر الشّيعة شيئا ، ولكن الشّيء الجديد هو هذا الكذب الصّراح على الله والرّسول ، وتحريف آي الذّكر الحكيم ، والدّس في سنّة الرّسول العظيم

ووليس من شكّ أنّ السّكوت عن الجبهان ، ومحبّ الدّين الخطيب ، وغيرهما ممّن كتب ونشر ، وحمل ـ


إنّ الّذين يقولون هذا القول يخطئون الفهم ، ولا ينظرون إلى أبعد من أنوفهم ، أنّ الحسين لم ينهض من تلقاء نفسه ، ولم يخرج إلى العراق رغبة في شيء من أشياء هذه الحياة ، وإنّما خرج بأمر الله ، وقاتل بإرادة الله ، واستشهد بين يدي الله ، فكما أنّ الجندي لا مناص له من البراز والنّزال حين صدرت أوامر رئيسه وقائده ، كذلك الحسين لا ندحة له إلى التّخلص ، والفرار بعد أن أمره الله ممّا كان وفعل ، ويؤكد هذه الحقيقة قول الحسين لمن نهاه عن الخروج ، فلقد أتاه فيمن أتاه جابر بن عبد الله الأنصاري ، وقال له : أنت ولد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأحد سبطيه لا أرى إلّا أن تصالح كما صالح أخوك ، فأنّه كان موقفا رشيدا.

فقال له الحسين ، يا جابر! قد فعل ذلك أخي بأمر الله تعالى ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنا أيضا أفعل بأمر الله تعالى ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله (١) .

__________________

ـ وتحامل على الشّيعة والتّشيّع لآل الرّسول قد أدّى كنتيجة طبيعيّة إلى الكذب والإفتراء على الله وآياته ، والنّبيّ وعترته ، والإسلام وحماته.

وثالثا : وهذه «رسالة العقيدة الواسطية» لابن تيميّة الّذي يقدّسه الوهابيون «فصل في سنّة رسول الله» جاء فيه : «ينزل ربّنا إلى سماء الدّنيا كلّ ليلة حين يبقى ثلث اللّيل الآخر فيقول : من يدعوني استجب له؟ من يسألني أعطيه؟ من يستغفرني فاغفر له؟» ثمّ قال ابن تيمية : هذا متفق عليه وأيضا جاء فيه : «لا تزال جهنّم يلقى فيها وهي تقول : هل من مزيد؟ حتّى يضع ربّ العزّة فيها رجله فتقول : قطّ قطّ» وقال أيضا : متفق عليه. انظر ، الفصل في الأهواء والملل والنّحل : ١ / ١٦٧. ورابعا : لقد وجد معاوية أبا هريرة ، وسمرة بن جندب يضعان الأحاديث الكاذبة على لسان الرّسول في مدح معاوية ، والطّعن على عليّ ؛ كما وجد ولده يزيد شيخا يقول : أنّ الحسين قتل بسيف جدّه! لم توجد هذه الكلمة في تأريخ ابن خلدون الموجود الآن ، وكأنّه ذكرها في النّسخة الّتي رجع عنها كما قال بعض المؤرّخين. انظر ، الضّوء اللّامع : ٤ / ١٤٧ ، فيض القدير شرح الجامع الصّغير : ١ / ٢٦٥ ح ٢٨١ و : ٥ / ٣١٣ ح ٧١٦٣.

(١) انظر ، الثّاقب في المناقب : ٣٢٢ ح ٢٦٦ ، معالم السّبطين : ١ / ٢١٦.


وهذا الجواب يحدّد لنا سلوك الحسين في حياته كلّها ، ولا يدع قولا لقائل ، وإنّه يسير بأمر الله ، وعلى سنّة جدّه محمّد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلقد أوقع النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله صلح الحديبية مع مشركي مكّة بأمر الله ، ومحا كلمة بسم الله الرّحمن الرّحيم ، ومحمّد رسول الله من كتاب الصّلح بأمر الله(١) ، ورضي أبوه بالتّحكيم يوم صفّين بأمر الله(٢) ،

__________________

(١) في سنة خمس للهجرة خرج النّبيّ من المدينة إلى مكّة في ناس من أصحابه يريد العمرة ، فمنعه المشركون من دخولها ، ثمّ وقع الصّلح بينه وبينهم على أن يترك العمرة هذه السّنة إلى السّنة القادمة فيدخل مكّة بلا سلاح ، وأمر النّبيّ عليّا أن يكتب كتاب الصّلح ، فكتب بسم الله الرّحمن الرّحيم : هذا ما قاضى عليه محمّد رسول الله ، فأبى المشركون إلّا محو البسملة والشّهادة لمحمّد بالرّسالة ، فقال النّبيّ للإمام : أمح. فقال الإمام : إنّ يدي لا تنطلق بمحو اسمك من النّبوّة ، والتفت إلى مندوب المشركين ، وقال له : أنّه رسول الله رغم أنفك ، فتولى النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله المحو بنفسه. (منهقدس‌سره ).

انظر ، سنن التّرمذي : ٥ / ٢٩٨ ح ٣٧٩٩ ، الفضائل لأحمد : ٢ / ٦٤٩ ، مسند أحمد : ١ / ١٥٥ ، المستدرك للحاكم : ٢ / ١٣٧ ، تأريخ الطّبري : ٤ / ٤٨ ، مروج الذّهب : ٢ / ٤٠٤.

(٢) لقد تكلّم الشّارحون عن حرب الخوارج ، ومروقهم ، وأطال المؤرخون الحديث عن أحوالهم ، ووضع فيهم العديد من المؤلفات ، ومن أحبّ معرفة التّفاصيل فليرجع إليها ، وإلى أقوال شارحي النّهج وغرضنا الآن أن نشير إلى موقف أمير المؤمنينعليه‌السلام منهم ، ويتلخص بأنّه حاول جهد المستطاع أن لا يهيجهم في شيء. ومن جملة ما قال لهم : «ألم أقل عند رفع المصاحف : إنّ معاوية ورهطه ليسوا بأصحاب دين ، ولا قرآن ، وإنّما هم يكيدون ، ويخدعون ، ويتّقون حرّ السّيف؟. فأبيتم إلّا إيقاف القتال ، والكف عنه ، وإلّا التّحكيم ، وإلّا الأشعريّ فرضيت مكرها خوف الفتنة ، ورضوخا لأهون الشّرين وأيضا قلت لكم بعد التّحكيم : أخذنا عليهما ألّا يتعدّيا القرآن فتاها عنه ، وتركا الحقّ ، وهما يبصرانه ، وكان الجور هواهما فمضيا عليه»؟.

انظر ، نهج البلاغة من كلام له عليه‌السلام رقم (١٢٧) ، البداية والنّهاية : ٩ / ٣٣٩ ، الإحتجاج : ٢ / ٥٨ ، الإرشاد : ٢ / ١٦٥ ، أنساب الأشراف : ٢ / ٣٥٧ ، الأخبار الطّوال : ٢٠٩ ، تأريخ ابن خلدون : ق ٢ / ج ٢ / ١٧٧ ، ينابيع المودّة : ٢ / ٢٠ ـ ٢١ ، وقعة صفّين : ٥١٧ ، الإمامة والسّياسة : ١ / ١٦٨ ، الكامل لابن الأثير : ٢ / ٤٠٤.


وصالح أخوه الحسن معاوية بأمر الله(١) ، ونهض هو نهضته المباركة بأمر الله ، إنّ الّذين يعترضون على نهضة الحسين لا يفسرون الأشياء تفسيرا واقعيّا ، ولا تفسيرا دينيّا ، وإنّما يفسرونها تفسيرا ذاتيّا وشخصيّا محضا لا يمت إلى العلم والدّين بسبب ، ولا ينظرون إلى حكمة الله ، وحجته البالغة :( لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ) (٢) .

لقد بيّن سيّد الشّهداء كلمة الله ، ودعا إلى الحقّ ، وحذّر المخالفين من عاقبة الظّلم ، والطّغيان ، فمن خذطبة له يوم الطّفّ :

«فسحقا لكم يا عبيد الأمّة ، وشذاذ الأحزاب ، ونبذة الكتاب ، ونقثة الشّيطان ، وعصبة الآثام ، ومحرّفي الكتاب ، ومطفئي السّنن ، ويحكم هؤلاء ...! ، وعنّا

__________________

(١) اختلف المؤرّخون اختلافا كثيرا فيمن بدر لطلب الصّلح ، فابن خلدون في تأريخه : ٢ / ١٨٦ ذهب إلى أنّ المبادر لذلك هو الإمام الحسنعليه‌السلام حين دعا عمرو بن سلمة الأرحبي وأرسله إلى معاوية يشترط عليه بعد ما آل آمره إلى الإنحلال ، وقال ابن الأثير في الكامل : ٣ / ٢٠٥ مثل ذلك ؛ لأنّ الإمام الحسنعليه‌السلام رأى تفرّق الأمر عنه ، وجاء مثله في شرح النّهج لابن أبي الحديد : ٤ / ٨.

وأمّا ابن أعثم في الفتوح : ٢ / ٢٩٢ قال : ثمّ دعا الحسن بن عليّ بعبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب بن هاشم وهو ابن اخت معاوية فقال له : صرّ إلى معاوية فقل له عنّي : إنّك إن أمنت النّاس على أنفسهم وقريب من هذا في تأريخ الطّبري : ٦ / ٩٢ ، والبداية والنّهاية : ٨ / ١٥ ، وابن خلدون : ٢ / ١٨٦ ، وتأريخ الخلفاء : ٧٤ ، والأخبار الطّوال : ٢٠٠ ، وتأريخ اليعقوبي : ٢ / ١٩٢.

أمّا الفريق الآخر فقد ذكر أنّ معاوية هو الّذي طلب وبادر إلى الصّلح بعد ما بعث إليه برسائل أصحابه المتضمّنة للغدر والفتك به متى شاء معاوية أو أراد ، كما ذكر الشّيخ المفيد في الإرشاد : ٢ / ١٣ و ١٤ وصاحب كشف الغمّة : ١٥٤ ، ومقاتل الطّالبيّين : ٧٤ ، وتذكرة الخواصّ لسبط ابن الجوزي : ٢٠٦ ولكننا نعتقد أنّ معاوية هو الّذي طلب الصّلح ، وممّا يدل على ذلك خطاب الإمام الحسن عليه‌السلام الّذي ألقاه في المدائن وجاء فيه : ألا وإنّ معاوية دعانا لأمر ليس فيه عزّ ولا نصفه

انظر ، الكامل في التّاريخ : ٣ / ٢٠٥ ، وتأريخ الطّبري : ٦ / ٩٣.

(٢) الأنفال : ٤٢.


تخاذلون ، أجل والله ، الخذل فيكم معروف ، وشجت عليه أصولكم ، وتآزرت عليه فروعكم ، وثبتت عليه قلوبكم. وغشيت صدوركم ، فكنتم أخبث ثمرة : شجي للناظر ، وأكلة للغاصب.

ألا وإنّ الدعيّ ابن الدّعيّ قد ركز بين اثنتين بين السّلّة والذّلّة ، وهيهات منّا الذّلّة ، يأبي الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون ، وجدود طابت ، وحجور طهرت ، وأنوف حميّة ، ونفوس أبيّة ، لا تؤثر طاعة اللّئام على مصارع الكرام(١) .

أما والله لا تلبثون بعدها إلّا كريثّما يركب الفرس ، حتّى تدور بكم دور الرّحي ، وتقلق قلق المحور ، عهد عهده إليّ أبي عن جدّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :( فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ ) (٢) ؛( إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (٣) .

وقال الحسين ، حين بلغه مقتل ابن عمّه مسلم : «وأيم الله لتقتلني الفئة الباغية ، وليلبسنّهم الله ذلا شاملا ، وسيفا قاطعا»(٤) .

ليس هذا القول تنبأ بالصّدفة ، وأخذا من مجرى الحوادث. كلّا ، وإنّما هو كما قال الإمام عهد من الله سبحانه إلى نبيّه محمّد ، ومنه إلى أمير المؤمنين ، ومنه إلى الإمام الشّهيد ، وقد صدق التّأريخ ذلك ، وما نقص منه شيء ، فلم يلبث قاتلو

__________________

(١) انظر ، تأريخ الطّبري : ٥ / ٤٢٥ ـ ٤٢٦ طبعة سنة ١٩٦٤ م ، الكامل في التّأريخ : ٣ / ٢٨٧ ـ ٢٨٨.

(٢) يونس : ٧١.

(٣) هود : ٥٦.

(٤) انظر ، الفتوح لابن أعثم : ٥ / ٧٩ ، مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي : ١ / ٢٢٦ ، مثير الأحزان : ٤٦ ، أعيان الشّيعة : ١ / ٥٩٥ ، اللهوف في قتلى الطّفوف : ٢٩.


الحسينعليه‌السلام حتّى دار الزّمن بهم دوراته ، وضربهم بضرباته.

لقد دعا نبيّ الله يحيى إلى الواحد الأحد ، فقتله جبّار أثيم ، وأهدى رأسه بطست إلى بغي(١) ، ودعا الحسين إلى الحقّ والعدل ، فقتله الطّغاة ، وأهدوا رأسه إلى يزيد اللّعين ، وقتل زكريّا وغيره من الأنبياء ، وهم يبشرون وينذرون ، فإذا كان الحسين قد أخطأ في استشهاده من أجل الحقّ ، والعدل فقد أخطأ إذن الأنبياء ، والأولياء ، والمصلحون الّذين قتلوا ، وشردوا في سبيل الله ، وإعلاء كلمة الحقّ ، وإلقاء الحجّة على المبطلين.

قال عليّ بن الحسين : «ما نزل أبي منزلا ، أو ارتحل عنه في مسيره إلى العراق إلّا وذكر يحيى بن زكريا». وقال يوما ، «من هوان الدّنيا على الله أنّ رأس يحيى بن زكريّا أهدي إلى بغي من بغايا بني إسرائيل(٢) .

ذكر الحسين يحيى للشّبه بين الإثنين ، فلقد أهديّ رأس الحسين إلى بغي من بغايا الأمويّين الّذين كانوا أشرّ ، وأضرّ على العرب ، والمسلمين من صهاينة هذا العصر. نكث يزيد رأس الحسين بالخيزران عنادا لله ورسوله(٣) ، ولأنّ في هذا

__________________

(١) انظر ، الفتوح لابن أعثم : ٥ / ٤٢ مقتل الإمام الحسين : ١ / ١٩٢ ، اللهوف في قتلى الطّفوف : ١٢.

(٢) انظر ، مستدرك الحاكم : ٢ / ٢٩٠ و : ٣ / ١٧٨ ، كنز العمّال : ١٢ / ١٢٧ ح ٣٤٣٢٠ ، فيض القدير : ١ / ٢٦٥ ، تفسير القرطبي : ١٠ / ٢١٩ ، الدّر المنثور : ٤ / ٢٦٤ ، تأريخ ابن عساكر : ١٤ / ٢٢٥ و : ٦٤ / ٢١٦ ، بغية الطّلب في تأريخ حلب : ١ / ٩٣ ، تأريخ بغداد : ١ / ١٥٢.

(٣) انظر ، سنن التّرمذي : ٥ / ٦٥٩ ، موارد الظّمآن : ١ / ٥٥٤ ، مسند أبي يعلى : ٥ / ٢٢٨ ، المعجم الكبير : ٣ / ١٢٥ و : ٥ / ٢٠٦ و ٢١٠ ، تحفة الأحوذي : ١٠ / ١٩١ و ٣٠٧ ، سير أعلام النّبلاء : ٣ / ٢٦١ و ٣١٥ و ٣٢٠ ، تهذيب الكمال : ٦ / ٤٣٤ ، تأريخ واسط : ١ / ٢٢٠ ، فضائل الصّحابة لأحمد : ٢ / ٧٨٣ ، تأريخ الطّبري : ٣ / ٣٠٠ ، الإتحاف بحبّ الأشراف الشّيخ عبد الله بن محمّد بن عامر الشّبراوي : ١٥٢ ، بتحقّيقنا.


الرّأس الشّريف علوم القرآن الكريم ، والرّسول العظيم.

أيهدى إلى الشّامات رأس ابن فاطم

ويقرعه بالخيزرانة كاشحه

وتسبى كريمات النّبيّ حواسرا

تفادي الجوا من ثكلها وتراوحه

يلوح لها رأس الحسين على القنا

فتبكي وينهاها عن الصّبر لائحه



رضا الله رضانا أهل البيت

من كلام سيّد الشّهداء أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام :

«اللهمّ اجعلني أخشاك كأنّي أراك واجمعني عليك بخدمة توصلني إليك ، وكيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك؟! أيكون لغيرك من الظّهور ما ليس لك حتّى يكون المظهر لك؟! متى غبت حتّى تحتاج إلى دليل يدل عليك؟! عميّت عين لا تراك عليها رقيبا ، وخسرت صفقة عبد لم يجعل له من حبّك نصيبا»(١) .

هكذا عرف الله سبحانه أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام . عرفوه حتّى كأنّهم يرونه وجها لوجه ، وحتّى كأنّهم يسمعون أوامره ، ونواهيه رأسا وبلا واسطة ، لقد فتح الله لهم أبواب العلوم بربوبيته وعظمته ، وأضاء لهم طرق الإخلاص له في توحيده وطاعته ، وشرّفهم بالفضائل على جميع خلقه ، فما نطقوا إلّا بكلمة الله ، وما عملوا إلّا بما يرضي الله ، وما قطعوا أمرا ، إلّا بأمر من الله. لمّا عزم الحسين على الخروج إلى العراق قام خطيبا ، وقال :

«الحمد لله ما شاء الله ، ولا قوّة إلّا بالله ، وصلّى الله على رسوله ، خطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة ، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق

__________________

(١) انظر ، كتاب الإقبال لابن طاوس : ٣٤٩ ، من دعاء الحسين يوم عرفة.


يعقوب إلى يوسف وخير لي مصرع أنا لاقيه ، كأنّي بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النّواويس ، وكربلاء فيملأنّ منّي أكراشا جوفا ، وأجربة سغبا ، لا محيص عن يوم خطّ بالقلم ، رضا الله رضانا أهل البيت نصبر على بلائه ويوفينا أجور الصّابرين ، لن تشذّ عن رسول الله لحمته بل هي مجموعة له في حظيرة القدس تقرّ بهم عينه ، وينجز بهم وعده ، من كان باذلا فينا مهجته ، وموطّنا على لقاء الله نفسه فليرحل معنا فإنّني راحل ، مصبحا إنّ شاء الله تعالى»(١) .

قيل للإمام الصّادقعليه‌السلام : «بأي شيء يعلم المؤمن أنّه مؤمن؟

قال : بالتّسليم والرّضا فيما ورد عليه من السّرور أو السّخط»(٢) .

إذن لا يقاس المؤمن المخلص بالإعتقادات والعبادات ، وإنّما يقاس إيمانه وإخلاصه بالتّسليم لأمر الله ، وطيب نفسه بما يرضي الله ، ولو كان قرضا بالمقاريض ، ونشرا بالمناشير.

قال أمير المؤمنين : «أوحى الله إلى داود : تريد ، وأريد ، ولا يكون إلّا ما أريد ، فإن أسلمت لما أريد أعطيت ما تريد ، وإن لم تسلم لما أريد أتعبتك فيما تريد ، ثمّ لا يكون إلّا ما أريد»(٣) .

وقال : «... ولا تسخط الله برضا أحد من خلقه ، فإنّ في الله خلفا من غيره ، وليس من الله خلف في غيره ...»(٤) .

__________________

(١) انظر ، شرح الأخبار ، القاضي النّعمان المغربي : ١٤٦ ، كشف الغمّة : ٢ / ٢٣٩ ، اللهوف في قتلى الطّفوف : ٢٥.

(٢) انظر ، اصول الكافي : ٢ / ٦٢ ح ١٢.

(٣) انظر ، توحيد الصّدوق : ٣٣٧.

(٤) انظر ، نهج البلاغة : من كتاب لهعليه‌السلام تحت رقم (٢٧).


وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «من طلب رضا مخلوق بسخط الخالق سلّط الله عليه ذلك المخلوق»(١) .

وأوضح مثال على هذه الحقيقة جزاء ابن زياد لابن سعد. قاتل هذا الحسينعليه‌السلام طمعا في ملك الرّي ، فحرمه من الملك ، ثمّ سلّط الله عليه المختار(٢) فذبحه على فراشه ، وحرمه الحياة.( فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ) (٣) .

ولبى أصحاب الحسين نداءه ، ورحلوا معه ، وبذلوا مهجهم دونه طلبا لمرضاة الله ، ورغبة بلقائه وثوابه ، فلقد كان حنظلة بن أسعد الشّبامي(٤) يوم الطّفّ يقف بين يدي الحسين يقيه السّهام ، والرّماح ، والسّيوف بوجهه ونحره ، وينادي يا قوم! إنّي أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب ، مثل قوم نوح ، وعاد ، وثمود ، والّذين من بعدهم :( وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ ) (٥) ،( وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ ) (٦) . يا قوم لا تقتلوا حسينا :( فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ

__________________

(١) انظر ، تحف العقول : ٥٢.

(٢) انظر ، تأريخ الطّبري ، «ثورة المختار» : ٤ / ٤٨٧ ـ ٥٧٧ و : ٧ / ١٤٦ ، الفرق بين الفرق : ٣١ ـ ٣٧ ، الكامل لابن الأثير : ٤ / ٨٢ ـ ١٠٨ ، الحور العين : ١٨٢ ، الأخبار الطّوال : ٢٨٢ ـ ٣٠٠ ، أخبار اليمن : ٣٢ ، الفاطميون في مصر : ٣٤ ـ ٣٨.

(٣) الرّوم : ٤٧.

(٤) الشّبامي : شبام بطن من همدان ، من القحطانية (يمن ، عرب الجنوب) كوفي.

(٥) غافر : ٣١.

(٦) غافر : ٣٠ ـ ٣٢.


افْتَرى ) (١) .

ثمّ قال حنظلة : السّلام عليك يا أبا عبد الله ، صلّى الله عليك وعلى أهل بيتك ، وعرّف بيننا وبينك في جنته ، وقاتل حتّى قتل رضوان الله عليه(٢) ، وكان من الّذين عناهم الله بقوله تعالى :( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ ) (٣) .

__________________

(١) طه : ٦١.

(٢) انظر ، تأريخ الطّبري : ٥ / ٤٤٣ ، مقتل الحسين : ٢ / ٢٤.

(٣) البقرة : ٢٠٧.


روح النّبيّ والوصيّ

قال عبد الله بن عمّار ، وقد شهد معركة الطّفّ : «ما رأيت مكثورا قطّ ، قتل ولده وأهل بيته ، وأصحابه أربط جأشا من الحسين ، وإن كانت الرّجال لتشدّ عليه ، فيشدّ عليها بسيفه ، فتنكشف عنه إنكشاف المعزى إذا شدّ فيها الذّئب ، وكان يحمل فيهم ، وقد تكاملوا ثلاثين ألفا ، فينهزمون بين يديه ، كأنّهم الجراد المنتشر ثمّ يرجع إلى مركزه ، وهو يقول : «لا حوّل ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم»(١) .

لقد دهش هذا الرّاوي من شجاعة الحسين ، ومضي عزمه ، وذهل ، وهو ينظر إليه ، وقد شدّ على ثلاثين ألفا(٢) فتنكشف عنه إنكشاف المعزى إذا شدّ عليها اللّيث ، لقد دهش وذهل ، وما درى أنّه ابن عليّ القائل : «والله لو تظاهرت العرب

__________________

(١) انظر ، تأريخ بغداد : ٣ / ٣٣٤ ، شرح الأخبار : ٢ / ١٦٤ ، اللهوف في قتلى الطّفوف : ٤٩ و ٧٠ ، المجدي في أنساب الطّالبيّين : ١٢ ، البداية والنّهاية : ٨ / ٢٠٤ ، مقتل الحسين لأبي مخنف : ١٩٤ ، ترجمة الإمام الحسين لابن عساكر : ٣٣٣.

(٢) نعتقد أنّ عدد الجيش الأموي في كربلاء يتجاوز الأربعة آلآف ، وهو العدد الّذي يبدو مقبولا لدى المؤرّخين. فقد ورد على لسان الطّرمّاح بن عديّ في كلامه مع الحسين حين لقي الحسين في عذيب الهجانات ، قوله : «... وقد رأيت قبل خروجي من الكوفة إليك بيوم ظهر الكوفة وفيه من النّاس ما لم تر عيناي في صعيد واحد جمعا أكثر منه ، فسألت عنهم ، فقيل : اجتمعوا ليعرضوا ، ثمّ يسرحون إلى الحسين انظر ، الطّبري : ٥ / ٤٠٦. وتذكر كتب المقتل عدّة روايات في عدد أفراد الجيش الأموي ، أقربها إلى تمثيل الحقيقة في نظرنا أنّ العدد يتراوح بين عشرين وثلاثين ألفا.


على قتالي لما ولّيت عنها ، ولو أمكنت الفرص من رقابها لسارعت إليها»(١) . وتعجب الرّاوي من صبر الحسين وإيمانه ، ونسي أنّه ابن من خاطب الله بقوله : «اللهمّ أنّك تعلم لو أنّي أعلم أنّ رضاك في أن أضع ظبّة سيفي في بطني ، ثمّ انحني عليه حتّى يخرج من ظهري لفعلت»(٢) .

أنّ أهل البيت لا يقيمون وزنا لشيء في هذه الحياة ، ولا يكترثون ، ولو ملئت الأرض عليهم خيلا ، ورجالا ، ويصبرون على التّضحية بالنّفس ، والنّساء ، والأطفال ، ويطيقون كلّ حمل إلّا سخط الله وغضبه ، فإنّهم يفرون منه ، ويعجزون عنه ، ولا يستطيعون الصّبر على اليسير منه ، مهما تكن الظّروف.

وهنا تبرز خصائص الإمامة ، والعصمة(٣) ، ونجد السّر الّذي يميّز أهل البيت عن غيرهم من النّاس الّذين يصعب عليهم كلّ شيء إلّا معصية الله ، فإنّها أهون عندهم من التّنفس ، وشرب الماء ، أنّ الحسين بشر يأكل الطّعام ، ويمشي في الأسواق ، ولكنّه يحمل صفة تجعله فوق النّاس أجمعين ، وقد أشار النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى هذه الصّفة بقوله : «حسين منّي ، وأنا من حسين»(٤) ، ومحمّد من نور الله ،

__________________

(١) انظر ، نهج البلاغة : الرّسالة «٢٥».

(٢) انظر ، تأريخ الطّبري : ١ / ٣٣١٧ و : ٤ / ٢٢ و : ٥ / ٣٨ ، في عنوان «مقتل عمّار ....» ، المعيار الموازنة : ١٣٦ ، وقعة صفّين لنصر : ٣٢٠ ، سير أعلام النّبلاء : ٦ / ٦٥ ، الإصابة : ٤ / ٧٦٩.

(٣) استدل علماء الشّيعة على عصمة الإمام بأنّ الغاية من وجوده إرشاد النّاس إلى الحقّ ، وردعهم عن الباطل ، فلو أخطأ أو عصى لكان كمن يزيل القذارة بمثلها ، ولإفتقر الإمام إلى آخر ، ويتسلسل ، وهذا دليل نظري ، أمّا الدّليل العملي الملموس على عصمة عليّ وأولاده الأئمّة فسيرتهم وتضحياتهم في سبيل الحقّ ، والعدالة ، وكفى بموقف الحسين دليلا قاطعا ، وبرهانا ساطعا على عصمته. (منهقدس‌سره ).

(٤) انظر صحيح التّرمذي : ١٣ / ١٩٥ ، و : ٥ / ٦٥٦ / ٣٧٧٥ ، و : ٢ / ٣٠٧ ، سنن ابن ماجه : ١ / ٥١ ح ـ


فالحسين ، إذن من نور الله ، وقد علّق الأستاذ العلايلي على هذا الحديث : «بأنّه يفيد الإمتزاج ، والإتحاد»(١) .

قال الأستاذ العقّاد في كتاب «أبو الشّهداء» :

«ظل الحسين على حضور ذهنه ، وثبات جأشه في تلك المحنة المتراكمة الّتي تعصف بالصّبر ، وتطيش بالألباب وهو جهد عظيم لا تحتويه طاقة اللّحم والدّم. فإنّه رضى الله عنه كان يقاسي جهد العطش ، والجوع ، والسّهر ، ونزف الجراح ، ومتابعة القتال ، ويلقي باله إلى حركات القوم ومكائدهم ، ويدبّر لرهطه ما يحبطون به تلك الحركات ، ويتّقون به تلك المكائد ، ثمّ يحمل بلاءه وبلاءهم. ويتكاثر عليه وقر الأسى لحظة بعد لحظة ، كلّما فجع بشهيد من شهدائهم. ولا يزال كلّما أصيب عزيز حمله إلى جانب إخوانه ، وفيهم رمق ينازعهم وينازعونه ، وينسون في حشرجة الصّدور ما فيهم فيطلبون الماء ، ويحزّ طلبهم في قلبه كلّما أعياه الجواب ، ويرجع إلى ذخيرة بأسه ، فيستمد من هذه الآلام الكاوية عزما يناهض به الموت ، ويعرض به عن الحياة ويقول في أثر كلّ صريع : «لا خير في العيش بعدك»(٢) .

__________________

ـ ١٤٤ ، مسند أحمد : ٤ / ١٧٢ ، المستدرك على الصّحيحين : ٣ / ١٧٧ ، تهذيب الكمال : ٧١ ، اسد الغابة : ٢ / ١٩ ، و : ٥ / ١٣٠ ، تيسير الوصول : ٣ / ٢٧٦ ، مقتل الحسين للخوارزمي : ١ / ١٤٦ ، البخاري في الأدب المفرد : ح ٣٤٦ ، كنز العمّال : ٦ / ٢٢١ ، و : ١٦ / ٢٧٠ ، و : ١٣ / ١٠١ و ١٠٥ و ١٠٦ ، و : ١٢ / ١٢٩ ح ٣٤٣٢٨ ، و : ٧ / ١٠٧ ، المعجم الكبير للطّبراني : ٣ / ٣٢.

(١) انظر ، سمو المعنى في سمو الذّات : ٧٨ طبعة (١٩٣٩ م).

(٢) انظر ، كتاب «أبو الشّهداء الحسين بن عليّ» : ١٧٦ ، طبعة القاهرة.


«لا حوّل ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم»(١) .

يمس أحدنا الخطب مسّا خفيفا فيملاء الدّنيا صراخا وعويلا ، ويمتحنه الله بنقص من المال أو الأهل ، فيخرج من عقله ودينه ، ويجرأ على خالقه بألفاظ تصم منها المسامع ، وتخرس لها الألسن. وتنهال السّهام ، والسّيوف ، والرّماح على الحسين ، ويتفجّر جسده الشّريف بالدّماء ، ويتساقط القتلى من أولاده ، وأصحابه بالعشرات ، وهو ينظر إليهم ، ثمّ لا يزيد على قول : «لا حوّل ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم» ، أجل ، لقد قال حين سقط على الأرض مخاطبا ربّه ، وهو يسلّمه النّفس الأخير :

«أللهمّ أنّك قريب إذا دعيت ، محيط بما خلقت ، قابل التّوبة لمن تاب إليك ، قادر على ما أردت أدعوك محتاجا ، وأرغب إليك فقيرا ، وأفزغ إليك خائفا»(٢) .

أنت خائف من ربّك يا أبا عبد الله ، وغيرك في أمان من عقابه!. ومن أي شيء تخاف! من ظلمك وطغيانك وما ظلم أحد في الكون كما ظلمت أو من تهاونك بأمر الله ، وكنت تصلّي له في اليوم واللّيلة ألف ركعة!. أو من سكوتك عن حكّام الجور ، وترك الأمر بالمعروف. وما ضحى أحد في هذه السّبيل كما ضحيت! أو تخشى جبنك وخورك ، وقد لا قيت ثلاثين ألفا بصدرك ، وقلبك ، وكنت عنوانا لصبر الأنبياء ، ومثال الشّجاعة ، والإباء لكلّ جيل كان ويكون!

__________________

(١) انظر ، تأريخ بغداد : ٣ / ٣٣٤ ، شرح الأخبار : ٢ / ١٦٤ ، اللهوف في قتلى الطّفوف : ٤٩ و ٧٠ ، المجدي في أنساب الطّالبيّين : ١٢ ، البداية والنّهاية : ٨ / ٢٠٤ ، مقتل الحسين لأبي مخنف : ١٩٤ ، ترجمة الإمام الحسين لابن عساكر : ٣٣٣.

(٢) انظر ، مصباح المتهجّد : ٨٢٧ ، إقبال الأعمال : ٣ / ٣٠٤.


إذا ماذا أراد الحسين بقوله : «وأفزع إليك خائفا»(١) . أنّه أراد أن يقول لله سبحانه : على الرّغم من كلّ ما حلّ بي يا إلهي فأنا طيّب النّفس ، صابر على امتحانك وبلائك ، راض بحكمك وقضائك ، وما أنا بمتألم ولا متبرم ، لأنّه لا مطمح لي إلّا رضاك ، فإن تألمت وخفت من شيء فإنّما أخاف أن تمنعني حبّك وقربك.

وهنا يقف العقل حائرا ومتسائلا : هل في الكون أعظم ، وأكبر منزلة عند الله من الحسين؟؟ هل ضحى أحد في سبيل الله ، والحقّ كما ضحى الحسين ، وهل وجد من هو في عمقه ورحابته؟! ولو ابتلي أحد بما ابتلي به الحسين لوجدنا وجها للموازنة والمقارنة. لقد سمعنا بمن ضحى بنفسه ، أو بماله ، أو بأولاده ، أمّا من ضحى بكلّ هذه مجتمعة ، أمّا من ذبح أطفاله الصّغار والكبار ، وقتل جميع أهل بيته وأصحابه ، وسبيت نساؤه ، واحرقت دياره ، ونهبت أمواله ، ورفع رأسه على الرّمح ، ووطأت الخيل صدره وظهره ، أمّا كلّ هذه مجتمعة فلم تكن لأحد غير الحسين ، ولن تكون أبدا! وبالتالي ، فإنّنا نتساءل : هل في الكون أعظم من الحسين؟ ونحن نؤمن بأنّه الصّورة الكاملة لعظمة جدّه محمّد ، وأبيه عليّ.

__________________

(١) انظر ، المصدر السّابق.



خروج الإمام بأهله

قامت المرأة بدور هام في وقعة الطّفّ ، وكان لها أبعد الأثر في الكشف عن مخازي الأمويّين ، وانهيار حكمهم ، وتألّب النّاس عليهم ، فمن النّساء من دفعت بابنها أو زوّجها إلى القتل بين يدي الحسين تقربا إلى الله ، والرّسول ، كما فعلت أمّ وهب وزوّجته ، ومنهنّ من حملنّ السّلاح للدّفاع عن نساء النّبيّ وأطفاله ، ومنهنّ من تظاهرنّ ضدّ حكّام الجور الّذين قتلوا ابن بنت رسول الله ، ورشقنّ جيش الطّغاة بالحجارة هاتفات بسب يزيد وابن زياد.

أرسل الحسين رسولا إلى زهير بن القين ليأتيه ، ولمّا دخل عليه الرّسول وجده مع قومه يتغذون ، وحين أبلغه رسالة الحسين طرح على كلّ إنسان ما في يده ، وجمد حتّى كأنّ على رأسه الطّير ، فالتفتت امرأة زهير ، وقالت : يا سبحان الله! أيبعث إليك ابن رسول الله ، ثمّ لا تأتيه؟! فذهب زهير إلى الحسين ، وما لبث أن جاء مستبشرا مشرق الوجه ، وقال : قد عزمت على صحبة الحسين لأفديه بنفسي ، واقيه بروحي ، ثمّ التفت إلى زوّجته ، وقال لها : أنت طالق ، إلحقي بأهلك ، فإنّي لا أحبّ أن يصيبك بسببي إلّا خير ، وأعطاها ما لها ، وسلّمها إلى بعض أهلها. فقامت إليه ، وبكت وودعته قائلة : «كان الله عونا ومعينا لك ، خار


الله لك ، أسألك أن تذكرني يوم القيامة عند جدّ الحسين»(١) .

لقد دفعت هذه الحرّة المصونة المؤمنة بزوّجها إلى سعادة الدّارين ونالت الدّرجات العلى عند الله والنّاس ، فما زال اسمها يعلن على المنابر ويدوّن في الكتب مقرونا بالحمد والثّناء إلى يوم يبعثون ، وهي في الآخرة مع جدّ الحسين وأبيه وأمّه ، وحسن أولئك رفيقا ، وهكذا المرأة العاقلة المؤمنة تدفع بزوّجها إلى الخير ، وتردعه عن الشّر ما استطاعت إلى ذلك سبيلا.

وكانت امرأة من بني بكر بن وائل مع زوّجها في أصحاب عمر بن سعد ، فلمّا رأت القوم قد اقتحموا على أطفال الحسين ، ونساؤه هاربات حاسرات ، يستغثنّ ويندبنّ ، ولا مغيث ، اسودّ الكون في وجهها ، وفار الدّم في قلبها وعروقها ، وأخذت سيفا ، وأقبلت نحو الفسطاط منادية : يا آل بكر أتسلب بنات رسول الله؟! لا حكم إلا لله! يا لثارات رسول الله! فأخذها زوّجها ، وردها إلى رحله(٢) .

وليس من شك أنّ ثورة هذه السّيّدة النّبيلة قد بعثت الإستياء والنّقمة على الأمويّين ، وملأت النّفوس عليهم وعلى سلطانهم حقدا وغيظا ، وكلّ ما حدث في كربلاء ، وفي الكوفة ، وفي مسير السّبايا إلى الشّام كان من أجدى الدّعايات وأنفعها ضدّ الأمويّين.

أمر ابن زياد أن يطاف بالرّأس الشّريف في أزقّة الكوفة يهدد به كلّ من تحدّثه

__________________

(١) انظر ، تأريخ الطّبري : ٤ / ٢٩٨ ، مقتل الحسينعليه‌السلام ، لأبي مخنف : ٧٤ و ١١٣ ، روضة الواعظين : ١٧٨ ، مقتل الحسين للخوارزمي : ٢ / ٤ ، و : ٤ / ٣٢٠ ، إعلام الورى : ١ / ٤٥٧ ، الإرشاد للشّيخ المفيد : ٢ / ٩٥ ، مناقب آل أبي طالب : ٣ / ٢٥٠ ، البداية والنّهاية : ٨ / ١٩٣ ، الأخبار الطّوال : ٢٥٦ ، تأريخ الطّبري : ٥ / ٣٩٦ ـ ٣٩٧.

(٢) انظر ، اللهوف في قتلى الطّفوف : ٧٨.


نفسه بالخروج عن طاعته ، وطاعة أسياده ، فكان هذا التّطوّف خير وسيلة لنشر الدّعوة العلوية ، ومبدأ التّشيّع لأهل البيت ، ولعن من شايع ، وبايع ، وتابع على قتل الحسين ، وسلام الله على السّيّدة الحوراء حيث قالت ليزيد : «فو الله ما فريت إلّا جلدك ، وما حززت إلّا لحمك»(١) .

وبعد الطّواف بالرّأس أرسله ابن زياد وسائر الرّؤوس إلى يزيد مع أبي بردة ، وطارق بن ضبّان في جماعة من أهل الكوفة ، ثمّ أمر بنساء الحسين وصبيانه فشدّوا بالحبال على أقتاب الجمال مكشوفات الوجوه ، ومعهم الإمام زين العابدين قد وضعت الأغلال في عنقه ، وسرّح بهم ابن زياد مع مخفر بن ثعلبة وشمر بن ذي الجوشن(٢) ، فأسرعا حتّى لحقا بالقوم الّذين معهم الرّؤوس ، وكانوا إذا مرّوا ببلد استقبلهم أهله بالمظاهرات ، والهتافات المعادية ، ورشقتهم النّساء والأطفال بالحجارة يصرخون بهم : يا فجرة ، يا قتلة أولاد الأنبياء.

سبوا الأطفال ، والنّساء ، وطافوا بهنّ وبالرّؤوس ليقضوا على مبدأ عليّ وأبناء عليّ ، فكان السّبي ، والتّطوّاف ، ضربة مميتة لهم ولسطانهم ، ووسيلة حقّقت الغاية الّتي أرادها الحسين من نهضته ، فلقد أثار السّبي الأحزان ، والأشجان في كلّ نفس ، وزاد من فجائع الواقعة المؤلمة ، وكشف أسرار الأمويّين للقاصي والدّاني ، وظهرت قبائحهم ومخازيهم للعالم والجاهل ، واستبان للمسلمين في

__________________

(١) انظر ، الإحتجاج : ٢ / ٣٦ ، مثير الأحزان لابن نما : ٨١ ، مقتل الحسين لأبي مخنف الأزدي : ٢٢٧. (٢) انظر ، الكامل لابن الأثير : ٤ / ٩٢ ، ميزان الإعتدال : ١ / ٤٤٩ ، لسان الميزان : ٣ / ١٥٢ ، تأريخ علماء الأندلس : ١ / ١٦٦ ، جمهرة الأنساب : ٢٧٠ ، اللّباب : ٢ / ٦٩ ، المحبّر : ٣٠١ ، تأريخ الطّبري : ٤ / ٣٤٩ و : ٥ / ٤٥٥ ـ ٤٥٦ ، مثير الأحزان : ٦٥ ، اللهوف في قتلى الطّفوف : ٦٠ ، الإرشاد للشّيخ المفيد : ٢ / ١٦٣ ، الأخبار الطّوال : ٢٥٩ ، مقتل الحسين لأبي مخنف : ٢٠٤.


كلّ مكان وزمان إلّا الأمويّين أعدى أعداء الإسلام يبطنون الكفر ، ويظهرون الإيمان رياء ونفاقا.

وبذلك نجد الجواب عن هذا السّؤال : لماذا صحب الحسين معه النّساء والأطفال إلى كربلاء؟! وما كان أغناه عن تعرضهم للسّبي والتّنكيل؟!.

لقد صحبهم معه الحسين ليطوفوا بهم في البلدان ، ويراهم كلّ إنسان مكشّفات الوجوه ، يقولون للنّاس ـ وفي أيديهم الأغلال والسّلاسل ـ : «أيّها النّاس انظروا ما فعلت أميّة الّتي تدّعي الإسلام بآل نبّيكم».

نقل عن السّبط ابن الجوزي عن جدّه أنّه قال : «ليس العجب أن يقتل ابن زياد حسينا ، وإنّما العجب كل العجب أن يضرب يزيد ثناياه بالقضيب ، ويحمل نساءه ، سبايا على أقتاب الجمال! ...»(١) . لقد رأى النّاس في السّبايا من الفجيعة أكثر ممّا رأوا في قتل الحسين ، وهذا بعينه ما أراده الحسين من الخروج بالنّساء والصّبيان ، ولو لم يخرج بهنّ لما حصل السّبي والتّنكيل ، وبالتالي لم يتحقّق الهدف الّذي آراه الحسين من نهضته ، وهو إنهيار دولة الظّلم ، والطّغيان.

ولو افترض أن السّيّدة زينب بقيت في المدينة ، وقتل أخوها في كربلاء فماذا تصنع؟! وأي عمل تستطيع القيام به غير البكاء وإقامة العزاء؟!.

وهل ترضى لنفسها ، أو يرضى لها مسلم أن تركب جملا مكشوفة الوجه

__________________

(١) انظر ، تذكرة الخواصّ : ١٤٨ طبعة لكنهو ، صورة الأرض لابن حوقل : ١٦١ ، الكامل لابن الأثير : ٤ / ٣٥ ، مروج الذّهب للمسعودي : ٢ / ٩١ ، والعقد الفريد : ٢ / ٣١٣ ، أعلام النّساء : ١ / ٥٠٤ ، ومجمع الزّوائد : ٩ / ١٩٨ ، الشّعر والشّعراء : ١٥١ ، الأشباه والنّظائر : ٤ ، الأغاني : ١٢ / ١٢٠ ، الفتوح لابن أعثم : ٥ / ٢٤١ ، شرح مقامات الحريري : ١ / ١٩٣ ، البداية والنّهاية : ٨ / ١٩٧ ، الطّبري في تأريخه : ٦ / ٢٦٧ ، و : ٤ / ٣٥٢ ، الآثار الباقية للبيروني : ٣٣١ طبعة اوفسيت ، قريب منه.


تنتقل من بلد إلى بلد تؤلّب النّاس على يزيد ، وابن زياد؟! وهل كان يتسنى لها الدّخول على ابن زياد في قصر الإمارة ، وتقول له في حشد من النّاس : «الحمد لله الّذي أكرمنا بنّبيه محمّد ، وطهرنا من الرّجس تطهيرا ، إنّما يفتضح الفاسق ، ويكذّب الفاجر ، وهو غيرنا والحمد لله»(١) ؟! وهل كان بإمكانها أن تدخل على يزيد في مجلسه وسلطانه ، وتلقي تلك الخطب الّتي أعلنت بها فسقه ، وفجوره ، ولعن آبائه ، وأجداده على رؤوس الأشهاد؟!.

أنّ السّيّدة زينب لا تخرج من بيتها مختارة ، ولا يرضى المسلمون لها بالخروج مهما كان السّبب ، حتّى ولو قطّع النّاس يزيد بأسنانهم ، ولكن الأمويّين هم الّذين أخرجوها ، وهم الّذين ساروا بها ، وهم الّذين أدخلوها في مجالسهم ، ومهدوا لها طريق سبّهم ولعنهم ، والدّعاية ضدّهم وضدّ سلطانهم.

ومرّة ثانية نقول : هذه هي المصلحة في خروج الحسين بنسائه وأطفاله إلى كربلاء ، وما كان لأحد أن يدركها في بدء الأمر إلّا الحسين وأخته زينب ، عهد إلى الحسين من أبيه عليّ عن جدّه محمّد عن جبريل عن ربّ العالمين. سرّ لا يعلمه إلّا الله ، ومن ارتضاه لعلمه ورسالته.

__________________

(١) انظر ، الإرشاد : ٢ / ١١٥ ، إعلام الورى بأعلام الهدى : ١ / ٤٧١ ، ينابيع المودّة لذوي القربى : ٣ / ٨٧.



ما ذنب أهل البيت

سؤال ردّدته الأجيال منذ القديم ، ويردّده الآن كلّ إنسان ، وسيبقى خالدا إلى آخر يوم لا يقطعه مرور الزّمن ، ولا تحول دونه الحوادث وإن عظمت.

سؤال نظمه الشّعراء في آلاف القصائد ، ودونه الكتّاب في مئات الكتب ، وأعلنه الخطباء على المنابر في كلّ جزء من أحزاء المعمورة.

سؤال ردّده المؤمن والجاحد ، والكبير والصّغير حتّى الأطفال.

سؤال كبير في معناه ، صغير في مبناه يعبّر عنه بكلمتين فقط ، وهذا هو :

ما ذنب أهل البيت

حتّى منهم أخلوا ربوعه

تركوهم شتّى مصا

ئبهم وأجمعها فظيعه

فمغيّب كالبدر تر

تقب الورى شوقا طلوعه

ومكابد للسّم قد

سقيت حشاشته نقيعه

ومضرج بالسّيف آ

ثر عزّه وأبى خضوعه

ومصفّد لله سلّم

أمر ما قاسى جميعه

وسليبة باتت بأفعى

الهمّ مهجتها لسيعه

ومرّة ثانية

ما ذنب أهل البيت حتّى منهم أخلوا ربوعه؟!.


وأي ذنب أعظم من ذنب الحرّة الطّاهرة عند الفاجرات العاهرات؟! وأي جرم أكبر من جرم الأمين المجاهد في سبيل الله عند الخونة الّذين باعوا دينهم وضمائرهم للشّيطان؟! وأي إساءة تعادل إساءة المحقّ عند المبطلين؟! وأي عداء أقوى من عداء الجهلة السّفهاء للعالم الشّريف؟!.

ألا يكفي أهل البيت من الذّنوب أن يشهد القرآن بقداستهم وتطهيرهم ، وأن تعلن الإذاعات في شرق الأرض وغربها في كلّ يوم ، وفي كلّ صباح ومساء :( يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (١) ؟! ألّا يكفي

__________________

(١) لا بدّ لنا من تحديد معنى (الأهل) لغة واصطلاحا ـ كما وردت في كتاب الله ، وأحاديث رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله وقواميس اللّغة العربيّة ، وذلك لقطع الطّريق على المتلاعبين ، وإلقاء الحجة على الآخرين ، وليكن تحديدنا على نحو الإستعراض السّريع.

فالأهل في اللّغة : أهل الرّجل ، عشيرته ، وذو وقرباه ، جمعه : أهلون ، وأهلات ، وأهل. يأهل ويأهل أهولا وتأهل واتّهل : اتّخذ أهلا.

وأهل الأمر : ولاته ، وللبيت سكّانه ، وللمذهب من يدين به ، وللرّجل زوّجته كأهلته ، وللنّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أزواجه ، وبناته ، وصهره عليّعليه‌السلام أو نساؤه ، والرّجال الّذين هم آله ، ولكلّ نبيّ أمّته ، ومكان آهل ، له أهل ومأهول ، فيه أهل (انظر القاموس المحيط للفيروز آبادي).

وذكر في المعجم الوسيط تعريفا آخر للأهل : الأهل : الأقارب ، والعشيرة ، والزّوجة ، وأهل الشّيء : أصحابه ، وأهل الدّار ونحوها : سكّانها.

وذكر الرّازي صاحب مختارات الصّحاح معنى الأهل فقال : من الأهالة ، والأهالة لغة : الودك والمستأهل هو الّذي يأخذ الأهالة ، والودك دسم اللّحم ، والبيت عيال الرّجل والأهل ، والأرقاب ، والعشيرة ، والزّوجة ، وأهل الشّيء أصحابه ، وأهل الدّار سكّانها.

إذن ، كلمة «أهل» عند ما تطلق فإنّها تحتمل عدّة معان ، فربّما تعني : الزّوجة فقط ، أو الأولاد فقط ، أو الزّوجة والأولاد معا ، أو الأرقاب والعشيرة ، إلى غير ذلك. ولذا نجد كلّ واحدة من هذه المعاني قد وردت في القرآن الكريم ، حيث قال تعالى : ( فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ ـ


__________________

ـجانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ) القصص : ٢٩.

فأهل موسى عليه‌السلام في الآية الكريمة هي الزّوجة الّتي خرج بها عائدا من مدين إلى مصر ، وليس يصحبه أحد سواها ، فلا تنصرف كلمة «أهله» إلى معنى آخر. (انظر تفسير السّيّد عبد الله شبّر : ٣٧٣ الطّبعة الثّالثة دار إحياء التّراث).

وقال تعالى : ( قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) يوسف : ٢٥.

والأهل هنا أيضا تعني الزّوجة ، وهي زوّجة عزيز مصر لا غير.

وأمّا قوله تعالى : ( إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ ) العنكبوت : ٣٣ ، وقوله تعالى :

( وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها ) . طه : ١٣٢. فكلمة «الأهل» في الآيتين الشّريفتين تعني الأسرة المكوّنة من الزّوجين ، والأولاد ، ومتعلّقي الرّجال ، على الرّغم من استثناء زوّجة لوط عليه‌السلام فنالها العذاب.

وأمّا قوله تعالى : ( وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ) هود : ٤٥ و ٤٦ ، فكلمة «الأهل» هنا تعني اسرة الرّجل السّالكين لدربه ، والسّائرين على خطّه ، ولذا خرج ابنه عن الأسرة ، ولذا لم يعد أحد أبنائه ، لأنّه خرج عن خطّ أبيه عليه‌السلام . وكان نوح عليه‌السلام يحمل زوّجه وأولاده وزوّجات أولاده. (لا حظ تفسير الآية في كتب التّفسير وخاصّة تفسير الجلالين).

أمّا قوله تعالى : ( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها ) النّساء : ٣٥.

وقوله تعالى : ( وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها ) يوسف : ٢٦ ، فكلمة «الأهل» في الآية الأولى تعني أقارب وعشيرة الزّوجين. أمّا في الآية الثّانية فتعني أقارب وعشيرة إمرأة عزيز مصر. (لا حظ تفسير الآية في كتب التّفسير وخاصّة تفسير الجلالين ، ولا حظ تفسير الميزان : ١٢ / ١٤٢).

وأمّا قوله تعالى : ( فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ ) الأنبياء : ٨٤ ، فكلمة «أهل» في الآية هنا تشير إلى أبناء النّبيّ أيوب عليه‌السلام بعد كشف الضّرّ عنه.

أمّا قوله تعالى : ( وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ) فاطر : ٤٣ ، وقوله تعالى : ( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها ) النّساء : ٥٨ ، وقوله تعالى : ( قالَ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها ) الكهف : ٧١ ، ـ


__________________

ـ فكلمة «أهل» في هذه الآيات الشّريفة تعني أصحاب الشّيء أو أصحاب العمل.

والخلاصة : أنّ كلمة «أهل» قد وردت في القرآن الكريم (٥٤) مرّة (انظر المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم لمحمّد فؤاد عبد الباقي).

أمّا كلمة «بيت» الّتي وردت في مواطن عديدة من كتاب الله تعالى وسنّة نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، أيضا حملت عدّة معان ، منها : المسجد الحرام. ومنها : البيت النّسبي ، ومنها : البيت المادّي المعدّ للسكن ، وغير ذلك. فقد وردت بمعنى المسجد الحرام (١٥) مرّة ؛ (انظر ، البقرة : ١٢٥ و ١٢٧ و ١٥١ ، الأنفال : ٢٥ ، هود : ٧٣ ، الحجّ : ٢٦ و ٢٩ و ٣٣ ، آل عمران : ٩٦ و ٩٧ ، المائدة : ٢ و ٩٧ ، الأحزاب : ٣٣ ، الطّور : ٤ ، إبراهيم : ٢٧) لأنّها من الألفاظ المشتركة.

أمّا إذا أضفنا كلمة «البيت» إلى الأهل فقد وردت في القرآن الكريم مرّتين كما في قوله تعالى :( رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ) هود : ٧٣. وقوله تعالى :( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ) الأحزاب : ٣٣.

أمّا كلمة «أهل البيت» في السّنّة المطهّرة فكثيرة الورود ، ولا يمكن لنا استعراضها ، لإستلزام ذلك مراجعة قوله ، وفعله ، وتقريرهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهذا ممّا لا يمكن حصره.

وبما أنّ المدلول الحقيقي لهذا المصطلح الجليل قد تعرّض لحملة من التّزوير ، والتّشويه ، وهو مدار بحثنا فيقتضي التّنويه عمّا ورد عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله على سبيل الإجمال لا التّفصيل. فقد ورد عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله عن طريق أهل السّنّة والشّيعة ما يقارب الثّمانين ، روى منها أهل السّنّة ما يقرب من أربعين حديثا. وروى أهل الشّيعة أكثر من ثلاثين طريقا (راجع تفسير الميزان : ١٦ / ٣٢٩). وعلى الرّغم من ذلك فقد تمخّض عن إهمال القرينة قيام عدّة آراء ومذاهب كلّ منها تزعم سلامة الإتّجاه والتّفسير لهذا المصطلح.

فمنهم من يقول : إنّ أهل البيت الّذين عنتهم آية التّطهير هم : بنو هاشم ـ أي بنو عبد المطّلب جميعا ـ

ومنهم من قال : إنّهم مؤمنو بني هاشم وعبد المطّلب دون سائر أبنائهما (انظر ، روح المعاني للآلوسي : ٢٤ / ١٤).

ومنهم من يقول : إنّهم العبّاس بن عبد المطّلب وأبناؤه (انظر ، المصدر السّابق).

ومنهم من يقول : هم الّذين حرموا من الصّدقة : آل عليّ ، وآل عقيل ، وآل جعفر ، وآل العبّاس (انظر ، تفسير الخازن : ٥ / ٢٥٩).

ومنهم من يقول : هم نسآء النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وعليّ ، وفاطمة ، والحسن ، والحسين : (انظر ، تفسير الخازن : ـ


__________________

ـ ٥ / ٢٥٩ ، تفسير الكشّاف : ٣ / ٦٢٦ ، فتح القدير للشّوكاني : ٤ / ٢٧٨ و ٢٨٠).

ومنهم من يقول : هم نسآء النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله خاصّة ، حتّى أنّ عكرمة كان يقول : من شاء باهلته بأنّها نزلت بأزوّاج الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ولسنا بصدد مناقشة هذه الأقوال ، ولكن نذكّر القارىء الكريم بأنّ عكرمة بن عبد الله يرى رأي نجدة الحروريّ وهو من أشدّ الخوارج بغضا لعليّ بن أبي طالبعليه‌السلام . ويرى أيضا كفر جميع المسلمين من غير الخوارج. وهو القائل في موسم الحجّ : وددت أنّ بيدي حربة فأعترض بها من شهد الموسم يمينا وشمالا. وهو القائل أيضا عند ما وقف على باب المسجد الحرام : ما فيه إلّا كافر.

ومن مفاهيمه الإعتقادية : إنّما أنزل الله متشابه القرآن ليضلّ به. وقد اشتهر بكذبه ووضعه للحديث ابن عبّاس ، وابن مسعود ، ولذا وصفه يحيى بن سعيد الأنصاري بأنّه كذّاب. (انظر ، ترجمة عكرمة في ميزان الإعتدال للذّهبي : والمعارف لابن قتيبة : ٤٥٥ الطّبعة الأولى قم منشورات الشّريف الرّضي ، طبقات ابن سعد). أفيصحّ بعد هذا أن نأخذ بحديث يرويه؟!

أمّا الرّاوي الثّاني بعد عكرمة فهو مقاتل بن سليمان البلخي الأزديّ الخراساني ، كان مفسّرا للقرآن الكريم على طريقته الخاصّة ، حتّى قال فيه ابن المبارك : ما أحسن تفسيره لو كان ثقة. (انظر ، ميزان الإعتدال للذّهبي : ٤ / ١٧٣ الطّبعة الأولى بيروت ، تهذيب العمّال في اسماء الرّجال للحافظ الخزرجي الأنصاري). وكان من غلاة المجسّمة يشبّه الخالق بالمخلوقين ، حتّى قال أبو حنيفة : أفرط جهم في نفي التّشبيه حتّى قال : إنّه تعالى ليس بشيء ، وأفرط مقاتل في الإثبات حتّى جعله مثل خلقه. (انظر ، المصدر السّابق). وقال النّسائي : والكذّابون المعروفون بوضع الحديث : ابن أبي يحيى بالمدينة ، والواقدي ببغداد ، ومقاتل بن سليمان. (ميزان الإعتدال : ٣ / ٥٦٢ في ترجمة محمّد بن سعيد المصلوب). وكان مقاتل على مذهب المرجئة. (الفصل لابن حزم : ٤ / ٢٠٥) ، ويأخذ عن اليهود ، والنّصارى ويغرّر بالمسلمين ، حتّى قال فيه الذّهبي : كان مقاتل دجّالا جسورا. (انظر ، ميزان الإعتدال : ٣ / ٥٦٢).

عود على بدء : كيف يفسّر عكرمة أو مقاتل بأنّ الآية نزلت في نسآء النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله خاصّة مع أنّ المراد من الرّجس هو مطلق الذّنب؟! وهذا يلزم إذهاب الرّجس عنهنّ وبالتّالي لا يصحّ أن يقال : ( يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ ) الأحزاب : ٣٢ ، ولما صحّ قوله تعالى : ( يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً ) الأحزاب : ٣٠.


__________________

ـ وكيف يفسّران إيذاء هنّ لهصلى‌الله‌عليه‌وآله مع إذهاب الرّجس عنهنّ؟! حيث ذكر البخاريّ : إنّ النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله هجر عائشة ، وحفصة شهرا كاملا ، وذلك بسبب إفشاء حفصة الحديث الّذي أسرّة لها إلى عائشة ، فقالت للنّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّك أقسمت أن لا تدخل علينا شهرا. (انظر ، صحيح البخاريّ : ٣ / ٣٤). وفي رواية أنس: قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «آليت منهنّ شهرا». (انظر ، نفس المصدر السّابق). وها هو ابن عبّاس يقول : لم أزل حريصا على أن أسأل عمر بن الخطّاب عن المرأتين من أزوّاج النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله اللّتين قال الله تعالى فيهما :( إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما ) التّحريم : ٤. حتّى حجّ وحججت معه حتّى قال ابن عبّاس : فقلت للخليفة : من المرأتان؟ فقال عمر بن الخطّاب : وا عجبا لك يا ابن العبّاس! هما عائشة وحفصة. (انظر ، لمصدر السّابق : ٧ / ٢٨ ـ ٢٩ ، و : ٣ / ١٣٣). وها هي عائشة وتعقّبها للنّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بعد ما فقدته في ليالي نوبتها ، وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله لها : «ما لك يا عائشة! أغرت؟ فقالت : ومالي أن لا يغار مثلي على مثلك؟! فقال لهاصلى‌الله‌عليه‌وآله : أفأخذك شيطانك؟! (انظر ، مسند أحمد : ٦ / ١١٥ ، تفسير الطّبريّ : ٢٨ / ١٠١ ، طبقات ابن سعد : ٨ / ١٣٥ طبعة أوربا ، وصحيح البخاريّ : ٣ / ١٣٧ ، و : ٤ / ٢٢ ، صحيح مسلم كتاب الطّلاق ح ٣١ ـ ٣٤).

وكيف يفسّران قوله تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً ) الأحزاب : ٥٧ ، وقوله تعالى : ( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) التّوبة : ٦١ ، وقوله تعالى : ( عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ ) التّحريم : ٥ ، وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله لأمّ سلمة عند ما سألته : يا رسول الله ألست من أهل البيت؟ قال : أنت إلى خير إنّك من أزوّاج النّبيّ. وما قال : إنّك من أهل البيت؟! (انظر ، شواهد التّنزيل للحاكم الحسكاني : ٢ / ١٢٤ تحقّيق الشّيخ المحمودي نقلا عن كتاب معجم الشّيوخ : ٢ / الورق ٧ من المصوّرة ، تفسير الطّبريّ : ٢٢ / ٧).

أمّا المدلول الحقيقي لأهل البيت بعد تخصيص هذا التّعميم وتقييد الإطلاق في الآية الكريمة من خلال القرينة الّتي ترافق الإستعمال ، وكذلك من خلال الأحاديث النّبويّة المحدّدة للمراد من أهل البيت في آية التّطهير ، وهي ما أجمعت عليه الأمّة من خلال كتب الحديث المعتبرة أو كتب التّفسير فإنّه يظهر لنا أنّ هذه الآية نزلت في خمسة ، وهم : محمّد ، وعليّ ، وفاطمة ، والحسن ، والحسين :. ومصادر تلك الأحاديث غير محصورة ، ولكن نشير إلى ما هو متداول ومنشور منها :

١ ـ روت أمّ المؤمنين أمّ سلمة بشأن نزول هذه الآية : ( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ ـ


__________________

ـالْبَيْتِ ) قالت : إنّها نزلت في بيتي ، وفي البيت سبعة : جبريل ، وميكال ، وعليّ ، وفاطمة ، والحسن ، والحسين رضي الله عنهم وأنا على باب البيت ، قلت : يا رسول الله ، ألست من أهل البيت؟ قال : إنّك إلى خير ، إنّك إلى خير! إنّك من أزوّاج النّبيّ. (انظر ، الدّر المنثور للسّيوطي : ٤ / ١٩٨ ، ومشكل الآثار : ١ / ٢٣٣ ، ورواية أخرى في سنن التّرمذي : ١٣ / ٢٤٨ ، ومسند أحمد : ٦ / ٣٠٦ ، اسد الغابة : ٤ / ٢٩ ، وتهذيب التّهذيب : ٢ / ٢٩٧).

٢ ـ وروى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال : لمّا نظر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى الرّحمة هابطة قال : ادعوا لي ، ادعوا لي ، فقالت صفيّه بنت حيي بن أخطب زوّج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : من يا رسول الله؟ قال : أهل بيتي : عليّا ، وفاطمة ، والحسن ، والحسين. (انظر ، مستدرك الصّحيحين : ٣ / ١٤٧ ، صحيح مسلم : ٥ / ١٥٤ ، مسند أحمد : ١ / ٩ ، سنن البيهقيّ : ٦ / ٣٠٠). فجيء بهم ، فألقى عليهم النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كساءه ، ثمّ رفع يديه ، ثمّ قال : أللهمّ هؤلاء آلي فصلّ على محمّد وآل محمّد. فنزل قول الله عزوجل :( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ) .

٣ ـ وروت أمّ المؤمنين عائشة بشأن نزول هذه الآية قالت : خرج رسول الله غداة وعليه مرط مرحّل من شعر أسود ، فجاء الحسن بن عليّ فأدخله ، ثمّ جاء الحسين فدخل معه ، ثمّ جاءت فاطمة فأدخلها ، ثمّ جاء عليّ فأدخله. (انظر ، مستدرك الصّحيحين : ٣ / ١٤٧ طبعة حيدر آباد ، تفسير الطّبريّ : ٢٢ / ٥ طبعة بولاق) ، ثمّ قال :( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) .

٤ ـ وعن أنس بن مالك قال : إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله كان يمرّ بباب فاطمة ستة أشهر كلّما خرج إلى صلاة الفجر يقول : الصّلاة يا أهل البيت ، ( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) . (انظر ، المصادر السّابقة ، وتفسير ابن كثير : ٣ / ٤٨٣ ، والدّر المنثور ، ٥ / ١٩٩ ، ومسند الطّيّالسي : ٨ / ٢٧٤).

فهؤلاء أهل بيت النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله عليّ ، وفاطمة ، والحسن ، والحسين : كما جاء في النّقل المتواتر الّذي لا يقبل اللّبس ، وكما هو معروف من أحوال النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وسيرته معهم.

ونظرا لكثرة المصادر التّأريخية ، والحديثية ، والتّفسيرية نكتفي بذكرها فقط دون تدوين الواقعة.

أوّلا : بدء بالسّيّدة عائشة زوّجة النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله واعترافها بأنّ أهل البيت هم : عليّ ، وفاطمة ، والحسن والحسين عليهم‌السلام ، وهي خارجة عنهم ، أي لم تشملها الآية.


__________________

ـ انظر ، صحيح مسلم باب فضائل أهل البيت : ٢ / ٢٦٨ طبعة عيسى الحلبي بمصر ، و : ١٥ / ١٩٤ طبعة مصر أيضا بشرح النّووي ، فتح البيان لصدّيق حسن خان : ٧ / ٣٦٥ ، فتح القدير للشّوكاني : ٤ / ٢٧٩ ، شواهد التّنزيل للحسكاني الحنفي : ٢ / ٥٦ ح ٦٧٦ ـ ٦٨٤ تحقّيق الشّيخ المحمودي ، المستدرك للحاكم : ٣ / ١٤٧ ، الدّر المنثور للسّيوطي : ٥ / ١٩٨ ، كفاية الطّالب للحافظ الكنجي الشّافعي : ٥٤ و ٣٧٣ و ٣٧٤ طبعة الحيدرية ، نظم درّر السّمطين للزّرندي الحنفي : ١٣٣.

وثانيا : اعتراف أمّ المؤمنين أمّ سلمة زوّج النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بأنّ أهل البيت هم : عليّ ، وفاطمة ، والحسن والحسين عليهم‌السلام ، وهي خارجة عنهم.

انظر ، شواهد التّنزيل للحسكاني الحنفي : ٢ / ٣٩ ح ٦٥٩ و ٧٠٦ و ٧٠٧ ـ ٧١٠ و ٧١٣ و ٧١٤ و ٧١٧ و ٧٢٠ و ٧٢٢ و ٧٢٤ و ٧٢٥ و ٧٢٦ و ٧٢٩ و ٧٣١ و ٧٣٧ و ٧٣٨ و ٧٤٠ و ٧٤٧ و ٧٤٨ و ٧٥٢ و ٧٥٥ و ٧٥٧ ـ ٧٦١ و ٧٦٤ و ٧٦٥ و ٧٦٨ ، الرّياض النّضرة لمحبّ الدّين الطّبريّ الشّافعي : ٢ / ٢٤٨ الطّبعة الثّانية ، مطالب السّؤول لابن طلحة الشّافعي : ١ / ١٩ طبعة النّجف ، سنن التّرمذي : ٥ / ٣٢٧ ح ٣٢٠٥ ، صحيح التّرمذي : ٥ / ٣١ ح ٣٢٥٨ و ٣٢٨ ح ٣٨٧٥ و ٣٦١ ح ٣٩٦٣.

وانظر ، فتح البيان لصدّيق حسن خان : ٧ / ٣٦٤ ، فتح القدير للشّوكاني : ٤ / ٢٧٩ ، مناقب الإمام عليّ بن أبي طالب لابن المغازلي الشّافعي : ٣٠٣ ح ٣٤٧ و ٣٤٩ ، تفسير ابن كثير : ٣ / ٤٨٤ ، الدّر المنثور للسّيوطي : ٥ / ١٩٨ ، نظم درّر السّمطين للزّرندي الحنفي : ٢٣٨ ، كفاية الطّالب للحافظ الكنجي الشّافعي : ٣٧٢ طبعة الحيدرية ، ينابيع المودّة للحافظ القندوزي الحنفي : ١٠٧ و ٢٢٨ و ٢٣٠ و ٢٩٤ طبعة اسلامبول ، اسد الغابة لابن الأثير : ٢ / ١٢ ، و : ٣ / ٤١٣ ، و : ٤ / ٢٩ ، السّيرة النّبويّة بهامش السّيرة الحلبية : ٣ / ٣٣٠ طبعة البهية بمصر ، تفسير الطّبريّ : ٢٢ / ٧ ، إسعاف الرّاغبين بهامش نور الأبصار : ٩٧ طبعة عثمانيّة.

وثالثا : اختصاص أهل البيت بعليّ ، وفاطمة ، والحسن ، والحسين عليهم‌السلام من خلال قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «أللهمّ هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيرا. وقريب منه ألفاظ أخرى كما ورد عن جابر بن عبد الله : أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله دعا عليّا ، وابنيه وفاطمة ، فألبسهم من ثوبه ، ثمّ قال : أللهمّ هؤلاء أهلي ، هؤلاء أهلي.

انظر ، شواهد التّنزيل للحاكم الحسكاني الحنفي : ٢ / ٢٨ تحقّيق الشّيخ المحمودي ح ٦٤٧ ـ ٦٤٩ و ٦٥٤ و ٦٥٩ و ٦٧٠ و ٦٧٢ و ٦٧٣ و ٦٧٥ و ٦٨٢ و ٦٨٤ و ٦٨٦ و ٦٨٩ و ٦٩١ ـ ٦٩٣ و ٧١٨ ـ


__________________

ـ ٧٢٢ و ٧٢٤ و ٧٢٦ و ٧٣١ و ٧٣٢ و ٧٣٤ و ٧٣٧ ـ ٧٤١ و ٧٤٣ و ٧٥٤ و ٧٥٨ ـ ٧٦١ و ٧٦٥ و ٧٦٨ ، فرائد السّمطين : ١ / ٣١٦ ح ٢٥٠ و ٣٦٨ ح ٢٩٦ ، و : ٢ / ١٤ ح ٣٦٠ ، الرّياض النّضرة لمحبّ الدّين الطّبريّ الشّافعي : ٢ / ٢٤٨ الطّبعة الثّانية ، السّيرة الحلبية للحلبي الشّافعي : ٣ / ٢١٢ طبعة البهية بمصر ، صحيح التّرمذي : ٥ / ٣١ ح ٣٢٥٨ و ٣٢٨ ح ٣٨٧٥ و ٣٦١ ح ٣٩٦٣ ، صحيح مسلم باب فضائل عليّ بن أبي طالب : ١٥ / ١٧٦ طبعة مصر بشرح النّووي.

وانظر أيضا ، مناقب الإمام عليّ بن أبي طالب لابن المغازلي الشّافعي : ٣٠٢ ح ٣٤٦ ـ ٣٥٠ ، مطالب السّؤول لابن طلحة الشّافعي : ١ / ١٩ طبعة النّجف ، المناقب للخوارزمي الحنفي : ٦٠ ، مقتل الحسين للخوارزمي : ١ / ٧٥ ، خصائص أمير المؤمنين للنّسائي : ٤ و ١٦ طبعة القاهرة وص ٤٦ بتحقّيق الشّيخ المحمودي ، المستدرك على الصّحيحين للحاكم : ٢ / ١٥٠ و ٤١٦ ، و : ٣ / ١٠٨ و ١٤٦.

وانظر كذلك ، السّيرة النّبويّة لزين دحلان بهامش السّيرة الحلبية : ٣ / ٣٣٠ طبعة البهية بمصر ، فتح البيان لصدّيق حسن خان : ٧ / ٣٦٤ ، فتح القدير للشّوكاني : ٤ / ٢٧٩ ، الدّر المنثور للسّيوطي : ٥ / ١٩٨ ، تفسير ابن كثير : ٣ / ٤٨٣ ، مجمع الزّوائد : ٧ / ٩١ ، تأريخ الخلفاء للسّيوطي : ١٦٩ ، ينابيع المودّة للحافظ القندوزي الحنفي : ١٠٧ و ١٠٨ و ١٩٤ و ٢٢٨ ـ ٢٣٠ و ٢٤٤ و ٢٨١ و ٢٩٤ طبعة اسلامبول ، مسند أحمد : ١ / ١٨٥ ، و : ٣ / ٢٥٩ ، و : ٦ / ٢٩٨ طبعة الميمنية بمصر ، مشكاة المصابيح للعمري : ٣ / ٢٥٤ تأريخ ابن عساكر الشّافعي : ١ / ٢١ ح ٣ وص ١٨٤ و ٢٤٩ و ٢٧١ ـ ٢٧٣ ، تفسير الفخر الرّازي : ٢ / ٧٠٠ ، اسد الغابة لابن الأثير : ٢ / ١٢ ، و : ٣ / ٤١٣ ، و : ٤ / ٢٦ ، و : ٥ / ٦٦ و ١٧٤ و ٥٢١ و ٥٨٩.

وراجع منتخب كنز العمّال بهامش مسند أحمد : ٥ / ٥٣ ، مصابيح السّنّة للبغوي الشّافعي : ٢ / ٢٧٨ طبعة محمّد عليّ صبيح ، المعجم الصّغير للطّبراني : ١ / ٦٥ ، نظم درّر السّمطين للزّرندي الحنفي : ١٣٣ و ٢٣٨ و ٢٣٩ ، معالم التّنزيل للبغوي الشّافعي مطبوع بهامش تفسير الخازن : ٥ / ٢١٣ ، الصّواعق المحرقة لابن حجر : ١١٩ و ١٤١ ـ ١٤٣ و ٢٢٧ طبعة المحمّدية ، تفسير الخازن : ٥ / ٢١٣ ، مرآة الجنان لليافعي : ١ / ١٠٩ ، التّأريخ الكبير للبخاري : ١ / ق ٢ / ٦٩ رقم ١٧١٩ و ٢١٧٤ طبعة سنة ١٣٨٢ ه‍. أسباب النّزول للواحدي : ٢٠٣ ، الإتحاف للشّبراوي الشّافعي : ٥ ، الاسيعاب لابن عبد البرّ بهامش الإصابة : ٣ / ٣٧ طبعة السّعادة ، كفاية الطّالب للحافظ الكنجي الشّافعي : ٥٤ و ١٤٢ و ١٤٤ و ٢٤٢ طبعة الحيدرية.


__________________

ـ ورابعا : اختصاص أهل البيت بعليّ ، وفاطمة ، والحسن ، والحسين : وذلك من خلال أقوالهصلى‌الله‌عليه‌وآله عند ما يخرج للصلاة ، ويمرّ بباب عليّ وفاطمة عليهما‌السلام ، كرواية أنس بن مالك قال : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يمرّ بباب فاطمة ستة أشهر ، فإذا خرج إلى صلاة الفجر يقول : الصّلاة يا أهل البيت ،( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) .

انظر ، شواهد التّنزيل للحسكاني الحنفي : ٢ / ١٨ ح ٦٣٧ ـ ٦٤٠ و ٦٤٤ و ٦٩٥ و ٦٩٦ و ٧٧٣ تحقّيق الشّيخ المحمودي ، مطالب السّؤول لابن طلحة الشّافعي : ١ / ١٩ ، صحيح التّرمذي : ٥ / ٣ ح ٣٢٥٩ ، مسند أحمد : ٣ / ٢٥٩ و ٢٨٥ طبعة الميمنية بمصر ، منتخب كنز العمّال بهامش مسند أحمد : ٥ / ٩٦ ، الدّر المنثور للسّيوطي : ٥ / ١٩٩ ، تفسير الطّبريّ : ٢٢ / ٦ ، مجمع الزّوائد للهيثمي الشّافعي : ٩ / ١٦٨ ، تفسير ابن كثير : ٣ / ٤٨٣ و ٤٨٤ ، المستدرك للحاكم : ٣ / ١٥٨ ، ينابيع المودّة للقندوزي الحنفي : ١٩٣ و ٢٣٠ طبعة اسلامبول ، فتح البيان لصدّيق حسن خان : ٧ / ٣٦٥ طبعة القاهرة ، أنساب الأشراف للبلاذري : ٢ / ١٠٤ ح ٣٨ ، اسد الغابة لابن الأثير : ٥ / ٥٢١.

وخامسا : اختصاص أهل البيت بعليّ ، وفاطمة ، والحسن ، والحسين عليهم‌السلام من خلال سبب النّزول ، وما قالهصلى‌الله‌عليه‌وآله فيهم كحديث أمّ سلمة : إنّ النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كان في بيتها ، على منامة له ، عليه كساء خيبري ، فجاءت فاطمة ببرمة فيها خزيرة ، فقال : ادعي زوّجك وابنيك ، فدعتهم ، فبينّما هم يأكلون إذ نزلت على النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) . فأخذ النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بفضلة الكساء فغشّاهم إيّاها ، ثمّ قال : أللهمّ هؤلاء أهل بيتي وحامّتي فأذهب عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيرا. قالها النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ثلاث مرّات. قالت أمّ سلمة : فأدخلت رأسي في البيت ، فقلت : وأنا معكم يا رسول الله؟ قال : إنّك إلى خير.

انظر ، شواهد التّنزيل للحاكم الحسكاني : ٢ / ١٣ ح ٦٣٧ ـ ٦٤١ و ٦٤٤ و ٦٤٨ ـ ٦٥٣ و ٦٥٦ ـ ٦٦١ و ٦٦٣ ـ ٦٦٨ و ٦٧١ ـ ٦٧٣ و ٦٧٥ و ٦٧٨ و ٦٨٠ و ٦٨١ و ٦٨٦ و ٦٨٩ و ٦٩٠ و ٦٩١ و ٦٩٤ و ٧٠٧ و ٧١٠ و ٧١٣ و ٧١٤ و ٧١٧ و ٧١٨ و ٧٢٩ و ٧٤٠ و ٧٥١ و ٧٥٤ ـ ٧٦٢ و ٧٦٤ و ٧٦٥ و ٧٦٧ و ٧٦٩ و ٧٧٠ و ٧٧٤ طبعة وزارة الثّقافة والإرشاد الإسلامي ، صحيح مسلم : فضائل أهل البيت ٢ / ٣٦٨ طبعة عيسى الحلبي ، صحيح التّرمذي : ٥ / ٣٠ ح ٣٢٥٨ ، و : ٥ / ٣٢٨ ح ٣٨٧٥ طبعة دار الفكر ، مسند أحمد : ١ / ٣٣٠ طبعة الميمنية بمصر ، فرائد السّمطين للحمويني الشّافعي : ١ / ٣١٦ ح ٢٥٠ ، و : ٢ / ٩ ح ٣٥٦ و ٣٦٢ و ٣٦٤ ، إسعاف الرّاغبين للصبّان بهامش نور الأبصار : ١٠٤ و ١٠٥ ـ


أهل البيت جرما أن يقول عنهم الرّسول الأعظم : «مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ، ومن تخلف عنها غرق»(١) ؟! وماذا أبقى إذن إلى غيرهم؟ ألا يكفي

__________________

ـ و ١٠٦ طبعة السّعيدية ، فتح القدير للشّوكاني : ٤ / ٢٧٩.

وانظر كذلك ، نور الأبصار للشّبلنجي : ١٠٢ طبعة السّعيدية ، فتح البيان لصدّيق حسن خان : ٧ / ٣٦٣ ـ ٣٦٥ ، الرّياض النّضرة لمحبّ الدّين الطّبريّ الشّافعي : ٢ / ٢٤٨ الطّبعة الثّانية ، فضائل الخمسة : ١ / ٢٢٤ ـ ٢٤٣ ، ينابيع المودّة للقندوزي الحنفي : ١٠٧ و ١٠٨ و ٢٢٨ ـ ٢٣٠ و ٢٤٤ و ٢٦٠ و ٢٩٤ طبعة اسلامبول. العقد الفريد لابن عبد ربّه المالكي : ٤ / ٣١١ طبعة لجنة التّأليف والنّشر بمصر ، الاسيعاب لابن عبد البرّ بهامش الإصابة : ٣ / ٣٧ طبعة السّعادة ، خصائص أمير المؤمنين للنسّائي الشّافعي : ٧٢ تحقّيق الشّيخ المحمودي ، منتخب كنز العمّال بهامش مسند أحمد بن حنبل : ٥ / ٩٦. وانظر أيضا ، السّيرة النّبويّة لزين دحلان بهامش السّيرة الحلبية : ٣ / ٣٢٩ و ٣٣٠ طبعة البهية بمصر ، كفاية الطّالب للحافظ الكنجي الشّافعي : ٥٤ و ٣٧٢ ـ ٣٧٥ ، اسد الغابة في معرفة الصّحابة لابن الأثير الشّافعي : ٢ / ١٢ ـ ٢٠ ، و : ٣ / ٤١٣ ، و : ٥ / ٥٢١ و ٥٨٩ ، أسباب النّزول للواحدي : ٢٠٣ طبعة الحلبي بمصر ، الصّواعق المحرقة لابن حجر الشّافعي : ٨٥ و ١٣٧ طبعة الميمنية بمصر ، الإتقان في علوم القرآن للسّيوطي : ٤ / ٢٤٠ مطبعة المشهد الحسيني بمصر ، التّسهيل لعلوم التّنزيل للكلبي : ٣ / ١٣٧ ، التّفسير المنير لمعالم التّنزيل للجاوي : ٢ / ١٨٣ ، أحكام القرآن للجصّاص : ٥ / ٢٣٠ طبعة عبد الرّحمان محمّد ، مناقب عليّ بن أبي طالب لابن المغازلي الشّافعي : ٣٠١ ح ٣٤٥ و ٣٤٨ ـ ٣٥١. وراجع مصابيح السّنّة للبغوي الشّافعي : ٢ / ٢٧٨ طبعة محمّد عليّ صبيح ، رواية عن عمرو بن يزيد عن مكحول وفيها قال جبريل : وأنا منكم يا محمّد ، مجمع البيان : ٧ ـ ٨ : ٣٥٦ و ٣٥٧ طبعة إحياء التّراث العربي بيروت ، تفسير الشّوكاني : ٤ / ٢٨٠ ، المستدرك للحاكم : ٣ / ١٤٦ ، تفسير جامع البيان : ١ / ٢٩٦ دار المعرفة ، تفسير النّيسابوري : ٢٢ / ١٠ ، تفسير الطّبريّ : ٢٢ / ٦ و ٧ و ٢٨ طبعة مصر ، الدّر المنثور للسّيوطي : ٥ / ١٩٨ و ١٩٩ ، مشكاة المصابيح للعمري : ٣ / ٢٥٤ ، الكشّاف للزّمخشري : ١ / ١٩٣ طبعة مصطفى محمّد ، تفسير القرطبي : ١٤ / ١٨٢ الطّبعة الأولى بالقاهرة ، تفسير ابن كثير : ٣ / ٤٨٣ ـ ٤٨٥ و ٤٩١ الطّبعة الثّانية بمصر ، تذكرة الخواصّ للسّبط بن الجوزي الحنفي : ٢٣٣ ، مطالب السّؤول لابن طلحة الشّافعي : ١ / ١٩ و ٢٠ طبعة دار الكتب في النّجف ، أحكام القرآن لابن عربي : ٢ / ١٦٦ طبعة مصر.

(١) انظر ، مستدرك الصّحيحين : ٢ / ٣٤٣ ، طبعة حيدرآباد سنة ١٣٢٤ ه‍. وفي رواية : كمثل ، وفي


عليّ من الذّنوب والعيوب أن يقول النّبيّ :

«أنا مدينه العلم ، وعليّ بابها»(١) . وأن يقول له : «أنت أخي في الدّنيا

__________________

ـ ورواية اخرى : عن البزّار عن ابن عبّاس وعن ابن الزّبير. وللحاكم عن أبي ذّرّ مثلها.

وعن عليّ عليه‌السلام : ومن تعلّق بها فاز ، ومن تخلّف عنها زجّ في النّار. (ذخائر العقبى : ٢٠). وفي رواية عن عليّ عليه‌السلام : ومن تخلّف عنها اولج ـ يعني دخل ـ. مودّة القربى : ١٣ ، كنز العمّال : ١٢ / ١٠٠ / ٣٤١٨٠ ، و : ١٦ / ١٥٣ ، و : ١٢ / ٩٥ فضل أهل البيت ح ٣٤١٥١ ، وانظر جمع الفوائد : مناقب أهل البيت وأصهاره : ٢ / ٢٣٦ ، القول المبين في فضائل أهل البيت المطهرين : ، محمّد بن عبد الله سليمان العزيّ : ٢٩ ، مجمع الزّوائد : ٩ / ١٦٨ ، المعجم الكبير للطّبراني : ٣ / ٤٥ / ٢٦٣٦ ، منتخب كنز العمّال بهامش أحمد : ٥ / ٩٢ ، الفضائل لأحمد : ٢ / ٧٨٥ / ١٤٠٢ ، الجامع الصّغير : ٢ / ٥٣٣ / ٨١٦٢ ، حلية الألياء لأبي نعيم : ٤ / ٣٠٦ ، تأريخ بغداد للخطيب : ١٢ / ١٩ ، مجمع الزّوائد للهيثمي : ٩ / ١٦٨ ، فرائد السّمطين : ٢ / ٢٤٢ / ٥١٦ ، و : ٢ / ٢٤٧ ، جواهر العقدين : ٢ / ١٩٠ ، المناقب لابن المغازلي : ١٣٢ / ١٧٣ ـ ١٧٧ ، شواهد التّنزيل : ١ / ٣٦١ ، الدّر المنثور : ١ / ٧١ ، مناقب آل أبي طالب : ٣ / ٣٩ ، بلوغ الأرب وكنوز الذّهب في معرفة المذهب : ٧٣ ، من هم الزّيديّة : ١١٨ ، كتاب الأصول : ٤٢ ، الأمالي لأبي طالب : ١٠٥.

(١) لقد وصل إلينا الحديث متواترا عن طريق الشّيعة ، والسّنّة كما صرح بذلك أكثر الفقهاء ، والعلماء ، وأصحاب الحديث ، والسّنن مع وجود بعض الإختلاف في اللّفظ. انظر ، تأريخ دمشق / ترجمة الإمام عليعليه‌السلام : ٣ / ٤٦٧ ، والمناقب لابن المغازلي : ٨١ ، وصحيح التّرمذي : ٢ / ٢٩٩ ح ٣٨٠٧ ، سنن التّرمذي : ٥ / باب ٨٧ / ٣٠١ ، وأخرجه الطّبراني في المعجم الكبير : ٣ / ١٠٨ ، و : ١١ / ٥٥ / ١١٠٦١ عن ابن عبّاس ، الحاكم في المناقب : ٢٢٦ ، مستدرك الصّحيحين : ٣ / ١٢٦ و ١٢٧ و ١٢٩ ، أسنى المطالب للجزري : ٧٠ و ٧١ ، تأريخ بغداد : ١١ / ٢٠٤ و ٤٨ و ٤٩ و : ٢ / ٣٧٧ و : ٤ / ٢٤٨ ، و : ٧ / ١٧٢ ، لسان الميزان لابن حجر : ١ / ١٩٧ تحت رقم ٦٢٠ ، الصّواعق المحرقة : ٧٣ و ١٢٠ و ١٢٢ / ٩ طبعة المحمّدية أورد الحديثين «أنا مدينة العلم ...» و «أنا دار الحكمة ...».

وانظر تهذيب التّهذيب : ٦ / ٣٢٠ ، و : ٧ / ٤٢٧ ، تذكرة الحفّاظ : ٤ / ٢٨ طبعة حيدر آباد ، الفردوس لأبي شجاع الدّيلمي : ١ / ٧٦ / ١٠٩ ، مودّة القربى : ٢٤ ، مصابيح السّنّة للبغوي : ٢ / ٢٧٥ ، الجامع الصّغير للسّيوطي : ١ / ٣٧٤ ح ٢٧٠٥ و ٢٧٠٤ طبعة مصطفى محمّد ، منتخب كنز العمّال بهامش مسند ـ


والآخرة»(١) «من كنت مولاه فعليّ مولاه»(٢) . ولم يقل هذا في حقّ أحد

__________________

ـ أحمد : ٥ / ٣٠ ، وكنز العمّال : ٦ / ١٥٢ و ١٥٦ ، و ١١ / ٦١٤ / ٣٢٩٧٩ ، و ٦٠٠ / ٣٢٨٨٩ ، و : ١٣ / ١٤٧ / ٣٦٤٦٢ و ٣٦٤٦٣ ، و : ١٥ / ١٢٩ / ٣٧٨ الطّبعة الثّانية ، الفتح الكبير للنّبهاني : ١ / ٢٧٢ و ٢٧٦ ، البداية والنّهاية لابن كثير : ٧ / ٣٥٨ ، مجمع الزّوائد للهيثمي : ٩ / ١١٤ ، حلية الأولياء : ١ / ٦٤ و ٦٣ ، فرائد السّمطين : ١ / ٩٨ ، شواهد التّنزيل للحافظ الحسكاني : ١ / ٣٣٤ / ٤٥٩ و ٨١ / ١١٨ و ٨٢ / ١١٩ و ١٢٠ و ١٢١ طبعة أخرى ، الرّياض النّضرة : ٢ / ١٩٣ و ٢٥٥ الطّبعة الثّانية.

وراجع فضائل الخمسة : ٢ / ٢٤٨ و ٢٥٠ ، جامع الأصول : ٩ / ٤٧٣ / ٦٤٨٩ ، شرح النّهج لابن أبي الحديد : ٢ / ٢٣٦ طبعة بيروت ، و : ٧ / ٢١٩ طبعة مصر بتحقّيق محمّد أبو الفضل ، ميزان الإعتدال للذّهبي : ١ / ٤١٥ و ٤٣٦ تحت رقم ٤٢٩ ، و : ٢ / ٢١٥ ، و : ٣ / ١٨٢ ، و : ٤ / ٩٩ ، اسد الغابة : ٤ / ٢٢ ، تأريخ دمشق لابن عساكر الشّافعي / ترجمة الإمام علي عليه‌السلام : ٢ / ٤٥٩ / ٩٨٣ و ٤٦٤ و ٤٧٦ حديث ٩٨٤ و ٩٨٦ و ٩٩٧.

(١) انظر ، سنن التّرمذي : ٥ / ٢٠ ح ٣٨٠٤ ، صحيح البخاريّ : ٢ / ٢٩٩ ، و : ٥ / ٣٠٠ / ٣٨٠٤ و ٦٣٦ / ٣٧٢٠ ، جامع التّرمذي : ٢ / ٢١٣ ، مستدرك الحاكم : ٣ / ١٤ ، تيسير الوصول : ٣ / ٢٧١ ، مشكاة المصابيح هامش المرقاة : ٥ / ٥٦٩ الطّبعة الثّانية ، الرّياض النّضرة : ٢ / ١٦٧ و ٢١٢ ، تأريخ مدينة دمشق : ١ / ١٠٩ ح ١٤٩ ، الاسيعاب بهامش الإصابة : ٣ / ٣٥ ، مسند أحمد : ١ / ٢٣٠.

(٢) لم يكتف الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله بأبداء التّوجيهات ، وإصدار التّحذيرات ، بل اتّخذ إلى جانب ذلك مواقف عملية من أجل صيانة وحدة الأمّة ويأتي في مقدّمة تلك المواقف موقفه بشأن الإمامة والخلافة من بعده ، فأنّ المتتبع لسيرة الرّسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله لا يجد فيها اهتماما بشيء كالإهتمام بخلافة الإمام عليّعليه‌السلام من بعده بنصوص لا يبلغها الحصر والإحصاء بعضها في الإشادة بالإمام ، وبيان فضله ومنزلته ومزايا شخصيته ، وبعضها الآخر في تعيينه خليفة ، وإماما للمسلمين من بعده ، وأهمّ وأبرز تلك المواقف موقفه يوم قالصلى‌الله‌عليه‌وآله في آخر حجّة حجّها إلى بيت الله الحرام في مكّة المكّرمة ، والّتي تسمّى بحجّة الوداع. «أيّ بلد هذا ، أليست بالبلدة الحرام»؟.

قلنا : بلى يا رسول الله!.

قال : «إنّي أوشك أن أدعى فأجيب ..».

قالوا : نشهد أنّك بلّغت ونصحت فجزاك الله خيرا ؛ ـ


__________________

ـ قال : «أليس تشهدون أن لا إله إلّا الله ، وأنّ محمّدا عبده ورسوله ....؟».

قالوا : بلى نشهد ذلك.

قال : «أللهمّ اشهد».

ثمّ قال : «ألا تسمعون؟».

قالوا : نعم.

قال : «يا أيّها النّاس إنّي فرط ، وأنتم واردون عليّ الحوض ...». انظر ، الأمالي الخميسيّة : ١ / ١٥٦ ، مجمع الزّوائد : ٩ / ١٦٢ ، مستدرك الحاكم : ٣ / ١٠٩ ، ابن كثير : ٥ / ٢٠٩.

ثمّ قال : «ألستم تعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟».

قالوا : بلى يا رسول الله! انظر ، مسند أحمد : ١ / ١١٨ ، سنن ابن ماجه : ١ / ٤٣ ح ١١٦ ، ابن كثير : ٥ / ٢٠٩.

قال : «ألستم تعلمون ـ أو تشهدون ـ أنّي أولى بكلّ مؤمن من نفسه؟».

قالوا : بلى يا رسول الله. انظر ، مسند أحمد : ٤ / ٢٨١ و ٣٦٨ و ٣٧٠ ، ابن كثير : ٥ / ٢٠٩ و ٢١٢.

ثمّ أخذ بيد عليّ بن أبي طالب بضبعيه فرفعها حتّى نظر النّاس إلى بياض إبطيهما.

انظر ، الأمالي لأبي طالب : ٣٥ ، أمالي المؤيد بالله : ١٠٤ ، مستدرك الحاكم الحسكاني : ١ / ١٩٠ و ١٩٣ ، كتاب الأصول : ٣٨ ـ ٣٩.

ثمّ قال :

«أيّها النّاس! الله مولاي وأنا مولاكم ؛ فمن كنت مولاه ، فهذا عليّ مولاه. اللهمّ وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله ، وأحبّ من أحبّه ، وأبغض من أبغضه».

ثمّ قال : «اللهمّ اشهد». انظر ، مسند أحمد : ١ / ١١٨ و ١١٩ و : ٤ / ٢٨١ ، تذكرة الخواص للسّبط الجوزي الحنفي : ٣٠ ، السّيرة الحلبية : ٣ / ٢٥٧ ، السّيرة النّبوّية لزيني دحلان بهامش الحلبية : ٣ / ٣. انظر ، مسند أحمد : ١ / ١١٨ ، بلوغ الأرب وكنوز الذّهب في معرفة المذهب : ١٣٢ ، كتاب الأصول : ٣٨ ـ ٣٩ ، الأمالي لأبي طالب : ٣٣ ، أمالي المؤيد بالله : ٩٠ ، مجمع الزّوائد : ٩ / ١٠٤ و ١٠٥ و ١٠٧ ، شواهد التّنزيل : ١ / ١٩٣ ، تأريخ ابن كثير : ٥ / ٢١٠. انظر ، شواهد التّنزيل للحسكاني : ١ / ١٩١ ، تأريخ ابن كثير : ٥ / ٢١٠.

ثمّ لم يتفرّقا ـ رسول الله وعليّ ـ حتّى نزلت هذه الآية : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ ـ


سوى عليّ. ألا يكفي عليّ عيبا أن يقول عنه سيّد الرّسل حين برز عمرو بن ودّ : «برز الإيمان كلّه إلى الشّرك كلّه»(١) ؟! أمّا ذنب عليّ الّذي لا كفّارة له أبدا فهو

__________________

ـنِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً ) . المائدة : ٣.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :

«الله أكبر على إكمال الدّين ، وإتمام النّعمة ، ورضا الرّبّ برسالتي ، وبالولاية لعليّ من بعدي. ثمّ قال : «من كنت مولاه فعليّ مولاه ، أللهمّ وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله».

(١) فقد روى المؤرّخون في مبارزة عليّعليه‌السلام يوم الخندق ، وأنّها أفضل من أعمال الأمّة إلى يوم القيامة بألفاظ مختلفة تؤدّي إلى نفس المعنى. فقد روى صاحب المستدرك عن سفيان الثّوري أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال ذلك لعليّعليه‌السلام يوم الخندق. ورواه الخطيب البغدادي في تأريخ ه : ١٣ / ١٩ عن إسحاق بن بشر القرشيّ. وذكره الفخر الرّازي في تفسيره الكبير : ٣٢ / ٣١ ، وفي ذيل تفسير سورة القدر ورد بلفظ :لمبارزة عليّ عليه‌السلام مع عمرو بن عبد ودّ أفضل من عمل أمّتي إلى يوم القيامة. وذكر ابن أبي الحديد في شرح النّهج أيضا : ١٩ / ٦١ أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله قال حين برز عليّ عليه‌السلام لعمرو بن عبدودّ : برز الإيمان كلّه إلى الشّرك كلّه. وقال الإيجي في شرح المواقف : ٦١٧ قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : لضربة عليّ يوم الخندق أفضل من عبادة الثّقلين. وفي السّيرة الحلبية بهامش السّيرة النّبويّة : ٢ / ٣٢٠ قال صلى‌الله‌عليه‌وآله : قتل عليّ لعمرو بن عبدودّ أفضل من عبادة الثّقلين.

وقال الفخر الرّازي في نهاية العقول في دراية الاصول : ١١٤ أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله قال : لضربة عليّ يوم الخندق أفضل من عبادة الثّقلين ، تأريخ دمشق ترجمة الإمام عليّ عليه‌السلام : ١ / ١٥٥ ، وفرائد السّمطين : ١ / ٢٥٥ ح ١٩٧ ، وهامش تأريخ دمشق : ١٥٥ ، وشواهد التّنزيل : ٢ / ١٤ ح ٦٣٦ ، والمناقب للخوارزمي : ١٦٩ ح ٢٠٢ و ٥٨ الفصل ٩ ، في كتاب المواقف : ٣ / ٢٧٦ ، وهداية المرتاب : ١٤٨ ، وكنز العمّال : ٦ / ١٥٨ الطّبعة الأولى ، شرح المختار قال ابن أبي الحديد في (٢٣٠) في باب قصار كلام أمير المؤمنين من نهج البلاغة : ٥ / ٥١٣ تعدل أعمال المهاجرين والأنصار وطاعاتهم كلّها ، الدّر المنثور : ٥ / ١٩٢.

وها هو عليه‌السلام يقول : نشدتكم الله ، أفيكم أحد يوم عبر عمرو بن عبدودّ الخندق وكاع عنه جميع النّاس فقتله غيري؟ قالوا : أللهمّ لا. (انظر ، تأريخ بغداد : ١٣ / ١٩ ، مقتل الحسين للخوارزمي : ٤٥ ، ـ


أن يسأل الله النّاس غدا عن ولايته ومتابعته ، كما يسألون عن الإيمان بالله ، والرّسول ، واليوم الآخر ، قال ابن حجر ، وهو من علماء السّنّة في كتابه الصّواعق المحرقة : أنّ قوله تعالى :( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ) (١) ، نزلت في عليّ ، وأنّ

__________________

ـ تلخيص المستدرك : ٣ / ٣٢). ويوم الخندق لمّا سكت كلّ منهم ولم يجب طلب عمرو بن عبد ودّ العامري. وكادت تكون هزيمة نكراء لو لم ينهض بها عليّ بن أبي طالب ، وبهذا قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : برز الإيمان كلّه إلى الشّرك كلّه.

وبهذا وذاك تذهب أدراج الرّياح إيرادات ، وإشكالات ، وتبريرات ابن تيمية حين قال كما ورد في السّيرة الحلبية ومعها هامش السّيرة النّبويّة : ٢ / ٣٢٠ : إنّها أي ضربة عليّ يوم الخندق أفضل من عبادة الثّقلين ـ من الأحاديث الموضوعة الّتي لم ترد في شيء من الكتب الّتي يعتمد عليها ولا بسند ضعيف ، وكيف يكون قتل كافر أفضل من عبادة الثّقلين الإنس والجنّ ومنهم الأنبياء؟! ثمّ قال : بل إنّ عمرو بن عبدودّ هذا لم يعرف له ذكر إلّا في هذه الغزوة.

والجواب نحن لسنا بصدد هذا الكلام ومناقشته بل نورد ما قاله العلّامة برهان الدّين الحلبي الشّافعي في نفس كتابه السّيرة الحلبية وفي نفس الجزء والصّفحة : إنّ عمرو بن عبد ودّ هذا لم يعرف له ذكر إلّا في هذه الغزوة ، قيل وليس له أصل ، وكان عمرو بن عبدودّ قد قاتل يوم بدر حتّى أثبتته الجراحة فلم يشهد يوم أحد ، فلمّا كان يوم الخندق خرج معلّما وأنّه نذر لا يمسّ رأسه دهنا حتّى يقتل محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله وقوله «كيف يكون قتل كافر أفضل من عبادة الثّقلين» فيه نظر لأنّ قتل هذا كان فيه نصرة للدّين وخذلان الكافرين وقال الشّيخ المظفر في دلائل الصّدق : ٢ / ٤٠٢ : لمبارزة عليّ لعمرو أفضل من فكان هو السّبب في بقاء الإيمان واستمراره وهو السّبب في تمكين المؤمنين من عبادتهم إلى يوم الدّين ، لكن هذا ببركة النّبيّ الحميد ودعوته وجهاده في الدّين وانظر أيضا المعيار والموازنة : ٩١ ، حياة الحيوان الكبرى للدّميري : ١ / ٢٣٨ طبعة مصر عام ١٣٠٦ ه‍ ، المطبعة المشرفية ، عليّ بن أبي طالب بقية النّبوّة : ١٤٥ طبع مصر عام ١٣٨٦ ه‍ ، مطبعة السّنّة المحمّدية ، الإمام عليّ أسد الله ورسوله : ٢٨ ، الإمام عليّ رجل الإسلام المخلّد لعبد المجيد لطفي : ٧٥ ، خاتم النّبيين لمحمّد أبو زهره : ٢ / ٩٣٨.

(١) الصّافّات : ٢٤.


النّاس مسئولون عن ولايته(١) . هذي هي عيوب الإمام ، وهذي هي ذنوب أبنائهعليهم‌السلام !

قال الإمام أحمد بن حنبل لمّا سئل عن معاوية : «أنّ قوما أبغضوا عليّا ، فتطلبوا له عيبا فلم يجدوه ، فعمدوا إلى رجل قد ناصبه العداوة ، فأطروه كيدا لعليّ»(٢) .

أجل ، أنّهم لم يجدوا. ولن يجدوا عيبا واحدا للإمام ، ولو حرصوا كلّ الحرص ، ولكن هذا لا يمنعهم من الإفتراءات والأكاذيب ، كما لم يمنعهم مقام الرّسالة عمّا نسبوه إلى النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله من أن هوى إمرأة زيد ابن حارثة ، وأنّه لم يزل بها حتّى استخلصها لنفسه. واقرأ معي هذه الفرية لتعرف جرائمهم على الله والرّسول :

كان هاشم المرقال(٣) بطلا شجاعا ، ومؤمنا صادقا ، وكان من أفاضل أصحاب النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وصاحب لواء الإمام يوم صفّين قاتل قتالا شديدا حتّى قتل في نصرة

__________________

(١) انظر ، الصّواعق المحرقة لابن حجر : ٩٠ طبعة الميمنيّة بمصر و : ١٤٧ طبعة المحمّديّة ، نظم درّر السّمطين : ١٠٩ ، شواهد التّنزيل : ٢ / ٧٨٥ ـ ٧٨٩ ، كفاية الطّالب : ٢٤٧ طبعة الحيدريّة و ١٠٥ طبعة الغري ، فرائد السّمطين : ١ / ٧٩ ، تذكرة الخواصّ : ١٧.

(٢) انظر ، النّصائح الكافية لمحمّد بن عقيل : ٢٢.

(٣) طعنه الحرث بن المنذر في بطنه فسقط على الأرض ، وقد رأى عبيد الله بن عمر صريعا إلى جانبه ، فجشى حتّى دنا منه وعضّ على ثدييه حتّى تبيّنت فيه أنيابه ، ثمّ مات هاشم ، وهو على صدر عبيد الله. (منه قدس‌سره». انظر ، تأريخ الطّبري : ٦ / ٢٤ ، وقعة صفّين : ٣٥٦ ، اسد الغابة : ٥ / ٤٩ ، المستدرك : ٣ / ٣٩٦ ، الإصابة : ٣ / ٥٩٣ ، الإستيعاب بهامش الإصابة : ٣ / ٦١٦ ، تأريخ الخطيب البغدادي : ١ / ١٩٦ ، البداية والنّهاية : ٧ / ١٩٦ ، مروج الذّهب : ٢ / ٣٨٥ ، الفتوح لابن أعثم : ٢ / ٤٣٧ ، الأخبار الطّوال : ١٦٧.


الإمام في اليوم الّذي استشهد فيه عمّار بن ياسر ، وفي ذات يوم رأى شابّا يخرج من عسكر الشّام يضرب عسكر الإمام بسيفه ضزرب المستميت ، ومن غير وعي ، فأتاه وكلّمه بهدوء ، وقال له : يا هذا! أنّك تقف موقفا غريبا ، أنت مسئول عنه غدا. فقال له الشّاب : لقد قيل لي : أنّ صاحبكم لا يصلّي! فقال له هاشم : أنّهم خدعوك ، فعليّ ولد في الكعبة ، وأوّل من صلّى مع الرّسول إلى القبلة ، وقاتل معاوية وأباه من أجل الصّلاة ، ولو رأيت عسكر عليّ في ظلام اللّيل لرأيت التّهجد ، والتّضرع ، والصّلوات ، وتلاوة القرآن ، فاقتنع الشّاب ، وترك القتال(١) .

__________________

(١) انظر ، هذه القصّة في تأريخ الطّبري : ٣ / ٩٤ ، ووقعة صفّين : ٤٠٢ طبعة مصر ، الكامل في التّأريخ :

٣ / ١٣٥ ، المعيار والموازنة : ١٦٠ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ٢٧٨.

وهو هاشم بن عتبة بن أبي وقّاص الزّهري ، الملقّب بالمرقال ، وكان مع عليّ عليه‌السلام يوم صفّين ، ومن أشجع النّاس ، وكان أعور ، وهو القائل :

أعور يبغي أهله محلّا

قد عالج الحياة حتّى ملّا

لا بدّ أن يغلّ أو يغلّا

وقيل هكذا ترتيب الأبيات كما ورد في مروج الذّهب : ٢ / ٢٢ ، والطّبريّ : ٦ / ٢٢.

قد أكثروا لومي وما أقلّا

إنّي شريت النّفس لن أعتلّا

أعور يبغي نفسه محلّا

لا بدّ أن يغلّ أو يغلّا

قد عالج الحياة حتّى ملّا

أشدّهم بذي الكعوب شلّا

وفي الطّبريّ : ٦ / ٢٤ : يتلّهم بذي الكعوب تلّا.

فقتل من القوم تسعة نفر أو عشرة وحمل عليه الحارث بن المنذر التّنوخي فطعنه فسقط ؛ ، وقد رثاه الإمام عليّ عليه‌السلام فقال كما ذكر نصر بن مزاحم في وقعة صفّين : ٣٥٦.

جزى الله خيرا عصبة أسلمية

صباح الوجوه صرّعوا حول هاشم

ولكن ما أن سقط هاشم ؛ فأخذ رايته ابنه عبد الله بن هاشم وخطب خطبة عظيمة وقال فيها : إنّ هاشما كان عبدا من عباد الله الّذين قدّر أرزاقهم ، وكتب آثارهم ، وأحصى اعمالهم ، وقضى آجالهم ، فدعاه ـ


وقال الشّمر أو من هو على شاكلته ، قال للحسين ، وهو يصلّي في قلب المعركة قبل مصرعه ، صلّ يا حسين ، إنّ صلاتك لا تقبل»(١) . الله أكبر! لا يقبل الله صلاة الحسين ، ويقبل من الشّمر قتل الحسين! وقال ابن زياد حين بلغه قتل الحسين : الحمد لله الّذي قتل حسينا ، ونصر أمير المؤمنين يزيد»(٢) ! وعند ما أوتي بمسلم بن عقيل لابن زياد ، وكان قد آلمه العطش من أثر القتال ، فرأى قلّة ماء فطلب أن يسقوه منها ، فقال له باهلي : «لا تذوق منها قطرة حتّى تذوق الحميم في نار جهنّم»(٣) ، وكان يزيد ينكث ثنايا الحسين بقضيب مكتوب عليه : «لا إله إلّا الله محمّد رسول الله»(٤) ، وسجد معاوية شكرا لله بعد أن قتل الحسن بالسّم(٥) ، وهكذا يدلسون ويموهون ، ليثق بهم السّذّج البسطاء ، ويثنوا المخلصين عن طريق الحقّ ، والجهاد في سبيله ؛ ولكنّ الله ، وهو أحكم الحاكمين ، قد فضحهم إلى يوم يبعثون ، وعاملهم بخلاف قصدهم ، أمّا

__________________

ـ ربّه الّذي لا يعصى فأجابه ولهاشم المرقال مواقف كثيرة ذكرها ابن نصر في وقعة صفّين : ٩٢ و ١٥٤ و ١٩٣ و ٢٠٥ و ٢٠٨ و ٢١٤ و ٢٥٨ و ٣٢٦ و ٣٢٨ و ٣٣٥ و ٣٤٠ و ٣٤٦ و ٣٤٨ و ٣٥٣ و ٣٥٩ و ٣٨٤ و ٤٠١ ـ ٤٠٥ و ٤٢٦ و ٤٢٨ و ٤٣١ و ٤٥٥.

انظر ترجمته في اسد الغابة : ٥ / ٤٩ ، والمستدرك : ٣ / ٣٩٦ ، وتأريخ الطّبريّ : ٥ / ٤٤ ، الإصابة: ٣ / ٥٩٣ ، الاستيعاب بهامش الإصابة : ٣ / ٦١٦ ، وتأريخ الخطيب البغدادي : ١ / ١٩٦.

(١) انظر ، ينابيع المودّة : ٣ / ٧١ طبعة اسوة.

(٢) انظر ، تأريخ الطّبري : ٤ / ٣٥١ ، جواهر المطالب في مناقب أمير المؤمنين عليّ : ٢ / ٢٩٢.

(٣) انظر ، تأريخ الطّبريّ : ٤ / ٢٨١ ـ ٢٨٢.

(٤) انظر ، اسد الغابة : ٢ / ٢١ ، تأريخ الطّبري : ٤ / ٣٤٩ ، مناقب التّرمذي : ٥ / ٦٦٠ ح ٣٧٨٠.

(٥) انظر ، مروج الذّهب : ٢ / ٣٠٥ ، الإستيعاب : ١ / ٣٧٤ ، كفاية الطّالب : ٢٦٨ ، مقتل الحسين للخوارزمي : ١ / ١٤١ الفتوح لابن أعثم : ٢ / ٣٢٣ هامش رقم «٣».


المخلصون فلم يكترثوا.

يزري الجبان بسيف عن

تر والبخيل بجود حاتم

ومهما تكن الدّعايات ، والإفتراءات فلا تستطيع الصّمود أمام الحقيقة ، أمام عظمة الإمام وأبناء الإمام. فهذه المحافل في كلّ مكان ، وهذه الدّموع الجارية أنهرا على الحسين ، وهذه الأصوات المدويّة بالصّلاة عليهم ، واللّعنة على أعدائهم وقاتليهم ، وهذه القباب الذّهبية الّتي تناطح السّحاب ، وهذه الوفود الّتي تؤمّها من كلّ حدب وصوب ، كلّ هذه وما إليها إن هي إلّا صواعق ، وقنابل تنهال على أعداء أهل البيت ، وأناشيد الخلود يردّدها الدّهر إلى يوم يبعثون.

أجل ، لقد قتل الحسين ، وغرق جسمه الشّريف في بحر من دمائه ، أمّا روحه وذكراه ، أمّا مبدأه وعمله ففي بحر من عطر ونور.

إن يبق ملقى بلا دفن فإنّ له

قبرا بأحشاء من والاه محفورا


ما هذا البكاء

لك عندي ما عشت يا ابن رسول

الله حزن يفي بحقّ ودادي

ناظر بالدّموع غير بخيل

وحشي بالسّلو غير جواد

هذا هو شعار الشّيعة : قلب حزين ، وطرف دامع على مصاب أهل البيتعليهم‌السلام .

وقال قائل : ألا يجد الشّيعة سبيلا يعبّرون به عن ولائهم لأهل البيت غير البكاء والدّموع؟!.

قلت : أجل : نعبّر أيضا عن ولائنا لهم بالصّلوات إلى مقاماتهم المقدّسة ، والتّبرك بأضرحتهم ، وبشدّ الرّحال إلى مقاماتهم المقدّسة ، والتّبرك بأضرحتهم الشّريفة.

قال : تعيشون في عصر الذّرّة والكواكب ، ثمّ تبكون على من مات من مئات السّنين ، وتشدّون الرّحال إلى الأحجار والصّخور؟!.

قلت : أمّا البكاء على الحسينعليه‌السلام فليس بكاء على من مات ، كما يفهمها الجاهلون ، ولا هو بكاء الذّل والإنكسار ، وإنّما هو احتجاج صارخ على الباطل وأهله ، أنّه صواعق تنهال على رؤوس الطّغاة الظّالمين في كلّ زمان ومكان ، أنّه تعبير صادق عن الإخلاص للحقّ ، والنّقمة على الجور ، أنّه تعظيم للتّضحية والفداء ، والحقّ والواجب ، والشّجاعة على الموت ، وإكبار للأنفة من الضّيم ،


والصّبر في المحنة ، والشّدائد. أنّ الّذين ينشدون في محافل التّعزية :

لا تطهر الأرض من رجس العدى أبدا

ما لم يسل فوقها سيل الدّم العرم(١)

لا يبكون بكاء الذّل والضّعف ، بل ينظمون نشيد الحماسة من دموعهم ، ويردّدون هتاف الحقّ والعدل من الحسرات والزّفرات.

أمّا زيارات الأماكن المقدّسة ، أمّا الصّخور والأحجار فليست الهدف ، والغاية ، ولو كانت هي القصد لكان في هذه الجبال الشّامخات غنى عن مشقّة السّفر والتّرحال ، أنّ المقصود بالذّات هو صاحب المقام ، أمّا الأحجار فلها شرف الإنتساب ، تماما كالأحجار الّتي بني منها البيت الحرام ، ومسجد الرّسول ، وسائر المعابد ، وكجلد القرآن الكريم(٢) . وقد رأينا كيف تحتفظ الشّعوب والدّول ببيوت الأدباء الكبار ، كشكسبير ، ولامرتين ، وهوغو وغيرهم ، وتحيطها بهالة من التّقديس والتّعظيم. ولو عرض للبيع ساعة أو حذاء أو أي شيء ينسب لعظيم قديم لبذل في سبيله أغلى الأثمان ، وما ذاك إلّا لشرف الإنتساب.

جاء في التّأريخ أنّه حين أتي برأس الحسين إلى يزيد كان يتّخذ مجالس الشّرب ، والرّأس الشّريف بين يده ، فصادف أن دخل عليه رسول ملك الرّوم ،

__________________

(١) انظر ، ديوان سيّد حيدر الحلّي (قدس‌سره) من قصيدة في رياض المدح والثّناء : ٥٥.

(٢) حكم الفقهاء بتحريم تنجيس المساجد أرضها ، وحيطانها ، وحصيرها ، وفرشها ، وأوجبوا إزالة النّجاسة ، وقالوا : بتحريم مس كتابة القرآن الكريم إلّا مع الوضوء ، وقال الشّافعيّة : لا يجوز مس جلده أيضا ، حتّى ولو انفصل عنه ، ولا مس علّاقته ما دام القرآن معلّقا بها. (منهقدس‌سره ).

انظر ، السّنن الكبرى للبيهقي : ١ / ٨٧ ، تنوير الحوالك : ١ / ٣٠٣ ، سنن الدّار قطني : ١ / ١٢١ ، أحكام القرآن للجصّاص : ٥ / ٣٠٠ ، تفسير الثّعالبي : ٤ / ٣٥٧ ، المطالب العالية : ١ / ٢٨.


وهو على هذه الحال ، فأنكر عليه أشدّ الإنكار بعد أن علم أنّ الرّأس هو رأس الحسين ، وقال له فيما قال : هل سمعت يا يزيد! حديث كنسية الحافر؟

قال : وما هيّ؟.

قال الرّومي : عندنا مكان يقال بأنّ حمار عيسىعليه‌السلام مرّ به ، فبنينا فيه كنيسة الحافر(١) نسبة إلى حافر حمار عيسىعليه‌السلام ، ونحن نحجّ إلى المكان في كلّ عام ، ومن كلّ قطر ، ونهدي إليه النّذور ، ونعظمه كما تعظمون كتبكم ، فأشهد أنّك على باطل ، فأمر يزيد بقتل الرّسول. فقام الرّومي إلى الرّأس فقبّله وتشهد الشّهادتين ، ثمّ أخذ ، وصلب على باب القصر!(٢) .

وقال الأستاذ العقّاد في كتاب «أبو الشّهداء» ، تحت عنوان الحرم المقدّس : «عرفت قديما باسم كور بابل ثمّ صحفّت إلى كربلاء ، فجعلها التّصحيف عرضة لتصحيف آخر يجمع بين الكرب والبلاء ، كما وسمها بعض الشّعراء.

ولم يكن لها ما تذكر به في أقرب جيرة لها فضلا عن أرجاء الدّنيا البعيدة منها فليس لها من موقعها ، ولا من تربتها ، ولا من حوادثها ما يغري أحدا

__________________

(١) بين عمّان والصّين بحر مسيرة سنة ليس فيها عمران إلّا بلدة واحدة في وسط الماء طولها ثمانون فرسخا في ثمانين ما على وجه الأرض بلدة أكبر منها. ومنها يحمل الكافور والياقوت ، أشجارهم العود والعنبر ، وهي في أيدي النّصارى لا ملك لأحد من الملوك فيها سواهم ، وفي تلك البلدة كنائس كثيرة أعظمها كنيسة الحافر في محرابها حقّة ذهب معلقة ، فيها حافر يقولون إنّ هذا حافر حمار كان يركبه عيسى ، وقد زينوا حول الحقّة بالذّهب والدّيباج ، يقصدها في كلّ عام عالم من النّصارى ، ويطوفون حولها ، ويقبّلونها ، ويرفعون حوائجهم إلى الله تعالى. (منهقدس‌سره ).

(٢) انظر ، نور العين في مشهد الحسين للإسفراييني : ٨٠ ، نهج الإيمان لابن جبر : ٦١٠ ، الصّواعق المحرقة : ١١٩ ، مثير الأحزان : ٨٢ ، مقتل الحسين لأبي مخنف الأزدي : ٢٢٩ ، اللهوف في قتلى الطّفوف : ١١١.


برؤيتها ، ثمّ يثبت في ذاكرة من يراها ساعة يرحل عنها.

فلعلّ الزّمن كان خليقا أن يعبر بها سنة بعد سنة ، وعصرا بعد عصر دون أن يسمع لها اسم ، أو يحس لها بوجود وشاءت مصادفة من المصادفات أن يساق إليها ركب الحسين بعد أن حيل بينه وبين كلّ وجهة أخرى ، فاقترن تأريخها منذ ذلك اليوم بتأريخ الإسلام كلّه. ومن حقّه أن يقترن بتأريخ بني الإنسان حيثما عرفت لهذا الإنسان فضيلة تستحق بها التّنويه والتّخليد.

فهيّ اليوم حرم يزوره المسلمون للعبرة والذّكرى ، ويزوره غير المسلمين للنّظر والمشاهدة ، ولكنّها لو أعطيت حقّها من التّنويه والتّخليد ، لحقّ لها أن تصبح مزارا لكلّ آدمي يعرف لبني نوعه نصيبا من القداسة ، وحظّا من الفضيلة ، لأنّنا لا نذكر بقعة من بقاع هذه الأرض يقترن اسمها بجملة من الفضائل والمناقب أسمى وألزم لنوع الإنسان من تلك الّتي اقترنت باسم كربلاء بعد مصرع الحسين فيها»(١) .

هذه شهادة حقّ من خبير منصف ، لقد اقترن تأريخ كربلاء بتأريخ الإسلام كلّه ، فما من كتاب في تأريخ العرب والمسلمين إلّا ولكربلاء منه الحظّ الأوفر ، كما ظهر أثرها في كتّاب الغرب ، ودواوين الشّعراء ، وما ذكرت على لسان ، أو في كتاب إلّا بالإكبار والتّعظيم ، ولو لا الحسين لم تكن شيئا مذكورا :

ما روضة إلّا تمنّت أنّها

لك مضجع ولخطّ قبرك موضع(٢)

__________________

(١) انظر ، كتاب «أبو الشّهداء الحسين بن عليّ» : ١١٢ ، طبعة القاهرة.

(٢) انظر ، معجم الأدباء لياقوت الحموي : ١١ / ١١٠.


من أخلاق الإمام زين العابدينعليه‌السلام (١)

__________________

(١) سمي زين العابدين لكثرة عبادته وهو الإمام الرّابع عليّ مذهب الإماميّة.

انظر ، الصّواعق المحرقة : ٢٠٠ ، تهذيب التّهذيب للعسقلاني : ٧ / ٣٠٦ ، شذرات الذّهب : ١ / ١٠٤. ولد الإمام زين العابدين عليه‌السلام بالمدينة الشّريفة يوم الخميس خامس شعبان سنة ثمان وثلاثين في أيّاما جدّه عليّ بن أبي طالب قبل وفاته بسنتين (انظر ، أخبار الدّول : ١٠٩ ، مطالب السّؤول : ٢ / ٤١ ، تأريخ الأئمّة لابن أبي ثلج : ٤).

وكنيته المشهورة : أبو الحسن ، وقيل : أبو محمّد ، وقيل : أبو بكر (انظر ، بحر الأنساب : ٥٢ ، صبح الأعش : ١ / ٤٥٢ ، الإتحاف بحبّ الأشراف : ٢٧٧ ، بتحقّيقنا).

وألقابه كثيرة : أشهرها زين العابدين ، وسيّد العابدين ، والزّكي ، والأمين وذو الثّفثات (انظر ، ذخائر العقبى : ١٥١ ، تأريخ الطّبري : ٦ / ٢٦٠ ، تذكرة الخواصّ : ١٥٦).

وصفته : أصفر قصير نحيف (انظر ، الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة لابن الصّباغ المالكي : ٢ / ١٨٠ ، بتحقيقنا).

توفّي عليّ زين العابدين عليه‌السلام في ثاني عشر المحرّم (انظر ، مطالب السّؤول : ٧٩ ، تأريخ الملوك للقرماني : ١١١) سنة أربع وتسعين من الهجرة ، وكان عمره إذ ذاك سبعا وخمسين سنة (انظر ، المعارف لابن قتيبة : ٢١٥ ، مطالب السّؤول : ٧٩ ، الصّواعق المحرقة لابن حجر : ١٢٠).

وله خمسة عشر ولدا (انظر ، الصّواعق المحرقة : ٢٠١ ، تهذيب التّهذيب : ٤ / ٨٦ ، النّجوم الزّاهرة : ١ / ٢٠٢). ما بين ذكر وأنثى ، أحد عشر ذكرا ، وأربع إناث ، وهم : محمّد المكنّى بأبي جعفر الملقّب بالباقر ، أمّه أمّ عبد الله بنت الحسن بن عليّ عمّ عليّ زين العابدين ، وزيد ، وعمر ، أمّهما أمّ ولد ، وعبد الله ، والحسن والحسين أمّها أمّ ولد ، والحسين الأصغر ، وعبد الرّحمن ، وسلمان أمّهم أمّ ولد. وعليّ وكان أصغر ولد عليّ بن الحسين ، وخديجة ، أمّهما أمّ ولد ، وفاطمة ، وعليّة ، وأمّ كلثوم ، أمّهن أمّ ولد.


كان من أخلاق زين العابدين ، وما أخلاقه إلّا أخلاق أبيه الحسين ، وما أخلاق الحسين إلّا أخلاق أبيه عليّ ، وما أخلاق عليّ إلّا أخلاق ابن عمّه محمّد ، وما أخلاق محمّد إلّا أخلاق القرآن الّتي عبّر عنها الرّسول بقوله : «إنّما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»(١) . والّتي شهد الله بها لرسوله في محكم كتابه العزيز( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) (٢) ، وكلّ واحد من أئمّة أهل البيت على خلق جدّه النّبيّ المختارصلى‌الله‌عليه‌وآله .

كان من أخلاق الإمام زين العابدينعليه‌السلام الإحسان لمن أساء إليه ؛ فقد روي أنّه كان له ابن عمّ يؤذيه ، فكان يأتيه الإمام ليلا ، ويعطيه الدّنانير ، وهو متستّر ، فيقول له : لكن عليّ بن الحسين لا يصلني ، لا جزاه الله خيرا ، فيسمع الإمام ذلك ويصبر ، فلمّا مات انقطعت عنه الدّنانير ، فعلم أنّ الّذي كان يعطيه ويصله هو الإمام زين العابدينعليه‌السلام (٣) .

__________________

ـ فهولاء أولاده رضي الله عنهم أجمعين.

وفي بغية الطّالب : أن أولاد عليّ زين العابدين الذّكور عشرة فقط. والله أعلم (انظر ، بغية الطّالب في ذكر أولاد عليّ بن أبي طالب ، السّيّد محمّد بن طاهر بن حسين بن أبي الغيث الحسيني المعروف بابن بحر اليمني المتوفّى عام (١٠٨٦ ه‍). مخطوط ، الإرشاد للشّيخ المفيد : ٢ / ١٥٥ ، تأريخ أهل البيت : : ١٠٣ نقلا عن تأريخ ابن الخشّاب : ١٨٠ هامش رقم ٣٥ ، كشف الغمّة : ٢ / ٨١ ، تذكرة الخواصّ : ٣٤٢ ، الطّبقات الكبرى : ٥ / ٢١١).

(١) انظر ، بداية المجتهد : ٢ / ٣٢١ ، السّنن الكبرى : ١٠ / ١٩٢ ، تحفة الأحوذي : ٥ / ٤٧٠ ، نظم درّر السّمطين : ٤٢ ، كنز العمّال : ١١ / ٤٢٠ ح ٣١٩٦٩ ، فيض القدير شرح الجامع الصّغير : ٥ / ٢٠٩ ، كشف الخفاء : ١ / ٢١١ ح ٦٣٨ ، مكارم الأخلاق للطّبرسي : ٨ ، مكارم الأخلاق لابن أبي الدّنيا : ٦ ، مسند الشّهاب : ٢ / ١٩٢ ح ١١٦٤ ، تكملة حاشية ردّ المحتار : ١ / ٢٣٤.

(٢) القلم : ٤.

(٣) انظر ، تأريخ مختصر دمشق : ١٧ / ٢٤٠ و ٢٣٥ ، المناقب لابن شهر آشوب : ٤ / ١٥٧ و ١٦٢ ، سير ـ


وكان هشام بن إسماعيل(١) واليا على المدينة من قبل عبد الملك بن مروان ، وكان أيّام ولايته يتعمّد الإساءة إلى الإمام زين العابدينعليه‌السلام ، ولمّا حكم الوليد بعد والده عبد الملك عزل هشاما ، وأمر أن يوقف في طريق عام ، ويعرض للنّاس ، كي يقتص منه كلّ من أساء إليه أيّام ولايته ، فكان الّذين يمرون به من الّذين ظلمهم ، وأساء إليهم يشتمونه ، ويضربونه ، ويطالبونه بردّ ظلامتهم ، وكان أخوف ما يخاف من الإمام زين العابدينعليه‌السلام لكثرة ما أساء إليه.

ولكنّ الإمامعليه‌السلام جمع أهله وخاصّته ، وأوصاهم أن لا يتعرض له أحد منهم بما يكره ، وكان يمر به فيسلم عليه ، ويلطف به ، ويقول له : انظر ، إلى ما أعجزك من مال تطالب به ، فعندنا ما يسعدك فطب نفسا منّا ومن كلّ من يطيعنا(٢) . فقال هشام :( اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ ) (٣) .

وبعد مذبحة كربلاء ثار أهل المدينة على الأمويّين وطردهم منها ، وأراد مروان بن الحكم أن يستودع أهله وأولاده ، ويأمن عليهم عند من يحميهم من القتل ، والتّشريد ، فلم يقبلهم أحد ، فضمّهم الإمام زين العابدين إلى عياله ، وحماهم بكنفه ، وأحسن إليهم ، ودافع عنهم ، ولم يدع أحدا يصل إليهم بسوء(٤) .

__________________

ـ أعلام النّبلاء : ٤ / ٣٩٧ ، الطّبقات الكبرى : ٢١٤ ، كشف الغمّة : ٢ / ٧٥.

(١) انظر ، تهذيب التّهذيب : ٧ / ٣٠٦ ، تذكرة الحفّاظ : ١ / ٧١ ، شذرات الذّهب : ١ / ١٠٤.

(٢) انظر ، شرح الأخبار : ٣ / ٢٦٠ ، تذكرة الخواصّ : ٣٢٨ ، مناقب آل أبي طالب : ٣ / ٣٠ ، تأريخ الطّبري : ٥ / ٣١٧ ، الكامل في التّأريخ : ٤ / ٥٢٦ ، مختصر تأريخ دمشق : ١٧ / ٢٤ ، فيض القدير شرح الجامع الصّغير : ٥ / ٥٣٣ ، الطّبقات الكبرى : ٥ / ٢٢٠.

(٣) الأنعام : ١٢٤.

(٤) انظر ، صفوة الصّفوة : ٢ / ٥٤ ، تهذيب الكمال : ٣ / ٤٥٤ ، كانت وقعة الحرّة سنة (٦٣ ه‍).


والحكم والد مروان كان يؤذي الرّسول في مكّة ، ويستهزيء به ، ويخبر عنه المشركين ، وقد عفا النّبيّ عنه فيمن عفا من الأمويّين يوم الفتح(١) . وابنه مروان قاد الجيوش يوم الجمل(٢) مع عائشة ، وطلحة ، والزّبير لحرب أمير المؤمنين عليّ ، وعفا عنه بعد أن وقع أسيرا في قبضته ، فتركه لينضم إلى معاوية يحارب

__________________

(١) انظر ، النّزاع والتّخاصم فيما بين بني أميّة وبني هاشم : ٢٣ ، السّيرة النّبويّة : ٢ / ٨٢ ، طبعة ٢ مصر ، شرح النّهج : ١ / ٦٦ و ٢٣٣ ، مستدرك الحاكم : ٣ / ٣٣٧ و : ٣٤٥ ، الكامل لابن الأثير : ٣ / ٦٥ و ٧٣ ، الطّبريّ : ٥ / ٨٠ و ٩٤ ، مسند أحمد : ٥ / ١٥٥ و ١٦٦ ، و : ٦ / ٤٥٧ ، كنز العمّال : ٦ / ١٧٠ ، العقد الفريد : ٣ / ٩١ ، المعارف لابن قتيبة : ٨٤ ، تأريخ أبي الفداء : ١ / ١٦٨ ، الإصابة : ٣ / ٦١٩ ، سنن البيهقيّ : ٨ / ٦١ ، الطّبقات لابن سعد : ٥ / ٨ ، أنساب الأشراف : ٥ / ٢٨ ، كنز العمّال : ١١ / ٦٨٥ ، البداية والنّهاية : ٦ / ٢١٤ ، الإمامة والسّياسة : ١ / ٣٤ ـ ٣٨.

(٢) ذكر قصّة الجمل ، وكلاب الحوأب ، الطّبري في تأريخه : ٣ / ٤٧٥ ، واسم جمل أمّ المؤمنين يسمّى «عسكرا» وكان عظيم الخلق شديدا ، فلمّا رأته أعجبها ، وأنشأ الجمّال يحدّثها بقوّته ، وشدّته ، ويقول في أثناء كلامه «عسكر» فلمّا سمعت هذه اللّفظة استرجعت ، وقالت : ردّوه لا حاجة لي فيه ، وذكرت حين سئلت أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ذكر لها هذا الاسم ، ونهاها عن ركوبه وأمرت أن يطلب لها غيره ، فلم يوجد لها ما يشبهه فغيّر لها بجلال غير جلاله ، وقيل لها : قد أصبنا لك أعظم منه خلقا ، وأشدّ منه قوّة ، واتيت به فرضيت!

انظر ، شرح النّهج لابن أبي الحديد : ٦ / ٢٢٤ ، وفي : ٦ / ٢٢٧ (أنّ عائشة ركبت يوم الحرب الجمل المسمّى عسكرا في هودج قد البس الرّفوف ، ثمّ البس جلود النّمر ، ثمّ البس فوق ذلك دروع الحديد) ، في تأريخ ابن أعثم : ١٧٦ مثله ، وزاد الطّبريّ في تأريخه : ٥ / ٢١٢ ، وابن الأثير : ٣ / ٩٧ أنّ ضبّة ، والأزد أطافت بعائشة يوم الجمل. وإذا رجال من الأزد يأخذون بعر الجمل يفتّونه ـ يكسرونه بأصابعهم ـ ويشمّونه ويقولون : بعر جمل امّنا ريحه ريح المسك

مروج الذّهب : ٢ / ٣٦٦ ، تأريخ الطّبري : ٥ / ١٧٨ ، وطبعة اوروبا : ١ / ٣١٢٧ ، ابن كثير في تأريخه : ٦ / ٢١٢ ، السّيوطي في خصائصه : ٢ / ١٣٧ ، والبيهقيّ ، والمستدرك : ٣ / ١١٩ ، والإصابة : ٦٢ ، السّيرة الحلبية : ٣ / ٣٢٠ ، مسند أحمد : ٦ / ٩٧ ، السّمعاني في ترجمة الحوأب في الأنساب ، والسّيرة الحلبية : ٣ / ٣٢٠ ، ومنتخب الكنز : ٥ / ٤٤٤.


عليّا في صفّين(١) ، وبعد أن استتب الأمر لمعاوية ، ونصّب مروان واليا على المدينة جعل مروان يؤذي الإمام الحسن ، ويجرّعه الغيظ(٢) ، ثمّ كانت مجزرة الطّفّ ، وظهرت مخازي الأمويّين في أبشع صورها.

وبعد هذا كلّه لا يصفح الإمام زين العابدين عن أسواء اميّة ، ويتجاهلها فحسب ، بل أحسن إليهم ، وحمى لهم العيال والأطفال ، وضمّهم إلى أهله وأولاده ، ودفع عنهم السّوء والأذي ، هذا بعد أن ذبح الأمويون أخاه الرّضيع(٣) ، وأوطأوا الخيل صدر أبيه وظهره(٤) ، وأسروا الإمام زين العابدين مع عمّاته مكبّلا بالحديد ، وهو لما به من الأسقام والآلآم(٥) .

ويعجب كلّ من عرف هذه الحقيقة ، ويتساءل في حيرة وذهول : كيف فعل الإمام زين العابدين هذا الفعل مع من وقف ذاك الموقف معه ، ومع جدّه ، وأبيه ، وعمّه ، واخوته ، ونسائه؟! وهل هذا حلم وعقل ، أو إنسانيّة ورحمة؟!.

__________________

(١) انظر ، الاسيعاب : ٦٤ ـ ٦٧ ، وقعة صفّين : ٤٦٢ طبعة ٢ سنة ١٣٨٢ ه‍ ، شرح النّهج لابن أبي الحديد : ١ / ٢٦١ و : ٢ / ٣٠١ ، تهذيب ابن عساكر : ٣ / ٢٢٠ ، تأريخ الطّبريّ : ٦ / ٨٠ ، و : ٤ / ٢٠ ، تأريخ اليعقوبي : ٢ / ١٤١ ، تأريخ دمشق : ٣ / ٢٢٢ ، نهاية الأرب للقلقشندي : ٣٧١ ، مروج الذّهب بهامش ابن الأثير : ٦ / ٩٣ ، الجمهرة : ٢٢٨ و ٣٩١ ، اسد الغابة : ٣ / ٣٤٠ ، و : ١ / ١٨٠ ، ابن الأثير : ٣ / ١٥٣.

(٢) انظر ، المقاتل : ٤٣ ، أنساب الأشراف : ١ / ٤٠٤ ، شرح النّهج لابن أبي الحديد : ٤ / ١١ و ١٧ : تأريخ الخلفاء : ١٣٨ ، الإصابة الصّواعق المحرقة : ٨١ ، مروج الذّهب بهامش الكامل : ٢ / ٣٥٣ ، ٦ / ٥٥ ، تهذيب تأريخ دمشق لابن عساكر : ٤ / ٢٢٦ ، وأسماء المغتالين من الأشراف : ٤٤ ، تأريخ اليعقوبي : ٢ / ٢٢٥ ، ابن شحنة بهامش ابن الأثير : ١١ / ١٣٢.

(٣) انظر ، تأريخ الطّبري : ٤ / ٣٤٢ ، المعارف : ٢١٣ ، أنساب الأشراف : ٣ / ٣٦٢ ، مقاتل الطّالبيين : ٩٤ ، الأغاني : ١٤ / ١٦٣ ، المسعودي في ينابيعه : ٣ / ٧٧ ، مقتل الحسين للخوارزمي : ٢ / ٣٢.

(٤) انظر ، تأريخ الطّبري : ٤ / ٣١٤ ، والكامل في التّأريخ : ٣ / ٢٨٤.

(٥) تقدّمت تخريجاته. وانظر ، مقتل الخوارزمي : ٢ / ٦١.


والجواب : أنّ هذا سمو وترفع عن كلّ ما في هذه الحياة. سمو عن طبائع البشر ، وانفعالات النّاس. وعمّا يشترك فيه أنا ، وأنت ، وغيرنا. أنّ هذا من صنع الإمامة ، والعصمة لا من صنعي وصنعك ، ولا من صنع الّذين يخطبون ويعظون.

لقد عفا محمّد عن أبي سفيان ، وزوّجته هند ، وعن وحشي وغيرهم ، عفا عنهم ، لأنّه مختار من الله لا من النّاس ، وعفا عليّ عن مروان وابن العاصّ ، لأنّه إمام بإرادة السّماء لا بإنتخاب أهل الأرض ، وفعل زين العابدين ما فعل ، لأنّه الإمام ابن الإمام أبي الأئمّة الأطهار القائمين بحجّة الله على جميع خلقه.

فلا بدع إذن أن يحسن الإمام زين العابدين لمن أساء إليه ، ولا عجب أن يفعل الأمويون ما فعلوا ، وإنّما العجب أن لا يحسن الإمام لمن أساء إليه ، وأن لا يسيء الأمويون إلى من أحسن إليهم ، وإلى النّاس أجمعين(١) ، وهذا هو جواب الشّاعر الّذي قال(٢) :

وعليك خزي يا اميّة دائم

يبقى كما في النّار دام بقاك

فلقد حملت من الآثام جهالة

ما عنه ضاق لمن وعاك وعاك

__________________

(١) انظر ، صحيح مسلم : ٣ / ١٤٠٨ ح ٨٦ ، سنن أبي داود : ٣ / ١٦٣ ح ٣٠١٢. فهذا أبو سفيان أشدّ عداوة لرّسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في محاربته ، وغزواته تشهد بذلك ، وإنّما أسلم على يد العبّاس الّذي منع النّاس من قتله ، وجاء به رديفا ، شرّفه النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكرّمه فكان جزاء ذلك من بنيه أن حاربوا عليّاعليه‌السلام ، وسمّوا الحسنعليه‌السلام ، وقتلوا الحسينعليه‌السلام ، وحملوا النّساء على الأقتاب حواسرا ، وقيّدوا بالحديد زين العابدينعليه‌السلام الّذي لمّا أوقفوه على مدرج جامع دمشق في محلّ عرض السّبايا.

(٢) انظر ، الدّر النّضيد : ٢٤٠ ، الغدير : ٦ / ٥٨١ ، القصيدة للشّيخ عليّ الشّفهيني الحلّي.


هلّا صفحت عن الحسين ورهطه

صفح الوصي أبيه عن آباك؟

وعففّت يوم الطّفّ عفّة جدّه ال

مبعوث يوم الفتح عن طلقاك؟

أفهل يد سلبت إماءك مثلما

سلبت كريمات الحسين يداك؟

أم هل برزن بفتح مكّة حسّرا

كنسائه يوم الطّفوف نساك؟



حبّ الله والرّسول

( قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ ) (١)

أنّ هذه الآية الكريمة نصّ صريح في صفات عمر بن سعد ، حتّى كأنّها نزلت فيه بالذّات. فلقد دعاه الحسين إلى أن يكون معه ، ويدع ابن زياد ، فقال ابن سعد : أخاف أن تهدم داري. وهذا مصداق قوله تعالى :( وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها ) : قال الحسين : أنا أبنيها لك.

قال ابن سعد : أخاف أن تؤخذ ضيعتي. وهذا ما دلّ عليه قوله سبحانه :( وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها ) .

قال الحسين : أنا أخلف عليك خيرا منها.

قال ابن سعد : أنّ لي بالكوفة عيالا أخاف عليهم ابن زياد. وهذا ما أشار إليه قولهعزوجل :( وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ ) (٢) .

__________________

(١) التّوبة : ٢٤.

(٢) انظر ، تأريخ الطّبري : ٣ / ٣١٢ و : ٤ / ٣٤١ ، الكامل في التّأريخ لابن الأثير : ٣ / ٢٨٣ و : ٤ / ٥٥٤ ، ـ


هذا هو مبدأ ابن سعد الّذي عليه يموت ويحيا : ضيعته ، وداره ، وأهله ، وعشيرته ، أمّا الدّين والضّمير ، أمّا الله ورسوله فألفاظ يجترها ما دامت تحفظ له الضّيعة والدّار ، والأبناء والأقارب. حارب ابن سعد حسينا بدافع المنفعة الشّخصيّة ، وحبّ الدّنيا ، وكلّ من آثر المال والأهل على طاعة الله ، والرّسول فإنّه على مبدأ ابن سعد ودينه ، وإن بكى على الحسين حتّى ابيّضت عيناه ، ولعن ابن سعد في اليوم ألف مرّة ، ما دام لا يفعل إلّا بنفس الباعث الّذي بعث ابن سعد على قتل الحسين.

قال النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : «والّذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتّى أكون أحبّ إليه من نفسه ، وأبويه ، وأهله وولده ، والنّاس أجمعين»(١) .

وإذا عطفنا هذا الحديث الشّريف على الحديث الّذي رواه السّنّة والشّيعة :

__________________

ـ الكامل في التّأريخ لابن الأثير : ٤ / ٥٥٤ ، الفتوح لابن أعثم : ٥ / ١٠٣ ، مقتل الحسين للخوارزمي : ١ / ٢٤٥ ، البداية والنّهاية : ٨ / ١٨٩.

(١) انظر ، صحيح البخاريّ : ١ / ٩ ، مسند أحمد : ٣ / ٢٠٧ و ٢٧٥ و ٢٧٨ ، مغني المحتاج لمحمّد بن الشّربيني : ٤ / ٢٢٢ ، صحيح مسلم : ١ / ٤٩ ، شرح صحيح مسلم : ٢ / ١٥ ، سنن ابن ماجه : ١ / ٢٦ ، كشف القناع للبهوتي : ٥ / ٣٠ : الدّيباج على مسلم : ١ / ٦٠ ، منتخب مسند عبد بن حميد : ٣٥٥ ، السّنن الكبرى : ٦ / ٥٣٤ و : ٧ / ٤٨١ ح ١١٧٤٤ و ١١٧٤٦ ، مسند أبي يعلى : ٥ / ٣٧٨ و : ٦ / ٢٣ ، صحيح ابن حبّان : ١ / ٤٠٦ ، المعجم الأوسط : ٨ / ٣٥٥ ، مسند الشّاميّين : ٤ / ١٤ ح ٢٥٩٣ وص : ٩٢ ح ٣٣٣٨ ، كتاب الأربعون الصّغرى للبيهقي : ٨٥ ، كنز العمّال : ١ / ٣٧ ح ٧٠ و ٧١ وص : ٤١ ح ٩١ ، و : ١٢ / ١٨٣ ح ٣٤٥٨١ و ٣٤٥٨٤ ، فيض القدير شرح الجامع الصّغير : ٦ / ٥٧١ ، الشّفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عيّاض : ١٨ ، سبل الهدى والرّشاد : ١٠ / ٤٧٦ و : ١١ / ٤٣٠ ، سنن الدّارمي : ٢ / ٣٠٧ ، الإيمان لابن مندة : ١ / ٤٣٥ ، شعب الإيمان : ٢ / ١٣٢ ، الفردوس بمأثور الخطاب : ٥ / ١٥٣ ، مسند أبي يعلى : ٥ / ٣٧٨ ، السّنن الكبرى : ٧ / ٤٨١ و : ١٠ / ٣١٩ ، مسند أبي عوانة : ١ / ٣٣.


«حسين منّي ، وأنا من حسين»(١) ، تكون النّتيجة الطّبيعيّة أنّ العبد لا يؤمن حتّى يكون الحسين أحبّ إليه من نفسه ر ، وأبويه وأهله ، وولده ، والنّاس أجمعين.

وقد وجد بين المسلمين من الرّجال ، والنّساء من أحبّ النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله هذا الحبّ ، وفدوه بالأرواح ، والأولاد ، فلقد فرّ النّاس عنه يوم أحد ، وثبت معه الإمام عليّعليه‌السلام وأبو دجانة(٢) ، وسهل بن حنيف ، وعاصم بن ثابت ، ونسيبة بنت كعب المازنيّة ، وكانوا يتلقون الضّرب ، والطّعن عن الرّسول(٣) . وكانت نسيبة تخرج معه في غزواته تداوي الجرحى ، وكان ابنها مع من كان في أحد فأراد أن ينهزم ويتراجع ، فقالت له : يا بني أين تفرّ عن الله ، والرّسول؟! فردّته وحمل عليه رجل فقتله ، فأخذت سيفه ، وقتلت به قاتله ، فقال لها النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : «بارك الله فيك يا نسيبة» ، وكانت تقي الرّسول بصدرها ، وثدييها حتّى أصابتها جراحات كثيرة(٤) .

__________________

(١) تقدّمت تخريجاته.

(٢) انظر ، الكافي : ٨ / ٣١٩ ح ٥٠٢ ، تحف العقول : ٣٤٥ ، شرح الأخبار : ٢ / ٤٧٣. وانظر ، ترجمته في سير أعلام النّبلاء : ١ / ٢٤٣ رقم «٣٩» ، اسد الغابة : ٢ / ٣٥٢.

(٣) انظر ، الكامل في التّأريخ لابن الأثير : ٢ / ١٠٨ و ١٤٨ ، السّيرة الحلبية : ٢ / ٢٢٧ ، تأريخ الطّبريّ :٢ / ٢٠٣ ، الدّر المنثور : ٢ / ٨٠ و ٨٨ و ٨٩ ، شرح النّهج لابن أبي الحديد : ١٥ / ٢٠ و ٢٢ و ٢٤ و ٢٥ ، و : ١٣ / ٢٩٣ ، و : ١٤ / ٢٧٦ ، البداية والنّهاية لابن كثير : ٤ / ٢٨ و ٢٩ ، السّيرة النّبويّة لابن كثير : ٣ / ٥٥ و ٥٨ ، السّيرة النّبويّة لابن هشام : ٤ / ٨٥ ، لباب الآداب : ١٧٩ ، تفسير الرّازي : ٩ / ٥٠ و ٦٧ ، كنز العمّال : ٢ / ٢٤٢ ، و : ١٠ / ٢٦٨ و ٢٦٩ ، حياة الصّحابة : ١ / ٢٧٢ ، و : ٣ / ٤٩٧ ، المغازي للواقدي : ٢ / ٦٠٩ و ٩٩٠ ، طبقات ابن سعد : ٣ / ١٥٥ ، و : ٢ / ٤٦ و ٤٧ الطّبعة الأولى ، تأريخ الخميس : ١ / ٤١٣ و ٤٣١ طبعة آخر ، مستدرك الحاكم : ٣ / ٢٧ ، مجمع الزّوائد : ٦ / ١١٢.

(٤) انظر ، الطّبقات الكبرى : ٨ / ٤١٢ ، اسد الغابة : ١ / ٣٧٠ ، سير أعلام النّبلاء : ٢ / ٣١٨ ، تهذيب التّهذيب : ١٢ / ٤٢٢ ، الإصابة : ٨ / ٤٤١ ، شرح النّهج لابن أبي الحديد : ١٤ / ٢٦٥.


وتجمّع النّاس مع الحسين ، وهو سائر في طريقه إلى العراق ، ولمّا جدّ الجدّ تفرقوا عنه ، كما تفرقوا عن جدّه من قبل ، ولم يبق معه إلّا صفوة الصّفوة من الّذين أحبّوا الله ، والرّسول وآله ، وآثروا الموت من أجلهم على الأهل والمال ، قال عابس بن أبي شبيب :

(«يا أبا عبد الله ، أما والله أمسى على وجه الأرض قريب ولا بعيد أعزّ عليّ ، ولا أحبّ إليّ منك ، ولو قدرت على أن أدفع عنك الضّيم ، والقتل بشيء أعزّ عليّ من نفسي لفعلت(١) . السّلام عليك يا أبا عبد الله ، أشهد أنّي على هديك ، وهدي أبيك ، ثمّ مشى بالسّيف إلى المعركة».

فرآه رجل من جيش ابن سعد ، وكان قد شاهده في المغازي ، والحروب ، فنادى بأصحابه : «أيّها النّاس هذا أسد الأسود ، هذا ابن شبيب فلا يبرز إليه أحد» ، فأخذ شبيب ينادي : ألا رجل ألا رجل ، فتحاماه العسكر ، فنادى ابن سعد : ارضخوه بالحجارة ، فرموه بها من كلّ جانب ، فالقى درعه ومغفره ، وشدّ عليهم ، فكان يطرد أمامه أكثر من مئتين»)(٢) .

وما أشبه موقف أمّ وهب في كربلاء بموقف نسيبة في أحد ، قالت لابنها

__________________

(١) انظر ، تأريخ الطّبريّ : ٥ / ٣٥٥ و ٤٤٣ ، شرح الأخبار : ٣ / ٢٤٩ ، معجم رجال الحديث : ١٠ / ١٩٣ رقم «٦٠٥٢» ، رجال الطّوسي : ٢٠٣ ، مقتل الحسين للخوارزمي : ١ / ١٩٧ ، البداية والنّهاية : ٨ / ٢٠٠ ، مثير الأحزان : ٢١.

(٢) انظر ، تأريخ الطّبري : ٥ / ٣٥٥ و ٤٤٣ ، مقتل الحسين للخوارزمي : ١ / ١٩٧ ، شرح الأخبار : ٣ / ٢٤٩ ، معجم رجال الحديث : ١٠ / ١٩٣ رقم «٦٠٥٢» ، رجال الطّوسي : ٢٠٣ ، البداية والنّهاية : ٨ / ٢٠٠ ، مثير الأحزان : ٢١.


وهب : «قم يا بني! وانصر ابن بنت رسول الله. قال : أفعل يا أمّاه ، ولا أقصّر»(١) . وحمل على جيش الأعداء ، حتّى قتل منهم جماعة ، فرجع إلى أمّه وامرأته ، وقال : يا أمّاه أرضيت؟

فقالت : كلّا ، إلّا أن تقتل بين يدي الحسين.

فقالت له امرأته : بالله عليك لا تفجعني في نفسك.

فقالت أمّه : لا تقبل منها ، ارجع وقاتل ، فيكون رسول الله شفيعا لك يوم القيامة(٢) ، فرجع ، وهو يقول :

إنّي زعيم لك أم وهب

بالطّعن فيهم تارة والضّرب

إنّي امرء ذو مرّة وعصب

ولست بالخوار عند النّكب

حسبي إلهي من عليم حسبي

ولم يزل حتّى قتل تسعة عشر فارسا ، وإثني عشر راجلا ، ثمّ قطعت يداه ، فأخذت أمّه عمودا ، وأقبلت نحوه ، وهي تقول : «فداك أبي وأمّي قاتل دون الطّيبين حرم الرّسول» ، وأراد أن يردّها إلى النّساء ، فأخذت بجانب ثوبه ، وقالت : لن أعود أموت معك. فقال لها الحسين :

__________________

(١) انظر ، تأريخ الطّبري : ٥ / ٤٢٩ ـ ٤٣٠ و ٤٣٦ و ٤٣٨ ، البداية والنّهاية : ٨ / ١٩٧ ، الكامل في التّأريخ : ٢ / ٥٦٤ ، تأريخ الطّبري : ٤ / ٣٢٧ ، أعيان الشّيعة : ١ / ٦٠٢ ، مثير الأحزان : ٤٦ ، بحار الأنوار : ٤٥ / ١٧ ، العوالم : ٢٦٠ ، مقتل الحسين لأبي مخنف : ١٢٤ ، اللهوف في قتلى الطّفوف : ٦٣ و ١٣٠ ، أمالي الشّيخ الصّدوق : ٣٢٥ ، روضة الواعظين : ١٨٧ ، لواعج الأشجان : ١٤٤.

(٢) انظر ، مقتل الحسين للخوارزمي : ٢ / ١٢ ، ترجمة الإمام الحسين لابن عساكر : ٣٣١ ، العوالم : ٣٣٨ ، مقتل الحسين لأبي مخنف : ١٢٤ ، لواعج الأشجان : ١٣٨.


ارجعي ، جزيتم من أهل بيت خيرا». فرجعت.

وقاتل وهزب حتّى قتل ، فذهبت امرأته تمسح الدّم عن وجهه ، فبصر بها شمر ، فأمر غلاما له ، فضربها بعمود كان معه على رأسها ، فشجّها وقتلها ، وهي أوّل امرأة قتلت في عسكر الحسينعليه‌السلام (١) .

وكان غلام مع أمّه في كربلاء قتل أبوه في المعركة ، فقالت له أمّه : اخرج يا بني ، وقاتل بين يدي الحسين ، فخرج ، ولمّا رآه الحسين ، قال : هذا شاب قتل أبوه ، ولعلّ أمّه تكره خروجه. فقال الغلام : أمّي أمرتني بذلك؟ فبرز وهو يقول :

أميري حسين ونعم الأمير

سرور البشير النّذير

عليّ ، وفاطمة والداه

فهل تعلمون له من نظير

له طلعة مثل شمس الضّحى

له غرّة مثل بدر منير

وقاتل حتّى قتل. فأخذت أمّه رأسه ، وقالت : أحسنت يا بني ، يا سرور قزلبي ، ويا قرّة عيني ، ثمّ رمت برأس ابنها رجلا فقتلته ، وأخذت عمود خيمته ، وحملت عليهم وهي تقول :

أنا عجوز سيّدي ضعيفة

خاويّة بالية نحيفة

أضربكم بضربة عنيفة

دون بني فاطمة الشّريفة

وضربت رجلين فقتلتهما ، فأمر الحسينعليه‌السلام بصرفها ، ودعا لها(٢) .

أرأيت إلى هذه! أمّ لا ترضى عن ولدها ، وأعزّ من كبدها إلّا أن تراه مضرجا

__________________

(١) انظر ، تأريخ الطّبري : ٤ / ٣٢٧ ، وقعة الطّفّ : ٢١٧ ، البداية والنّهاية : ٨ / ١٩٧ ، مناقب آل أبي طالب : ٣ / ٢٥٠ ، مثير الأحزان : ٤٢ ، الكامل في التّأريخ : ٢ / ٥٦٤.

(٢) انظر ، تأريخ الطّبري : ٤ / ٣٣٣ ، مقتل الحسين للخوارزمي : ٢ / ٢١ و ٢٢.


بدمائه جثّة بلا رأس! ولا عجب أنّه حبّ الله ورسوله وعترته ، وليس كمثل الله ورسوله وعترته شيء ، فكذلك حبّهم عند المؤمنين حقّا لا يعادله شيء ، حتّى الأرواح والأبناء.

بهذا الحبّ ، بهذا الإخلاص لأهل البيت ، بهذه التّضحية ، بهذه الرّوح وحدها يستعد المؤمنون الخلّص لما بعد الموت ، بهذا الزّهد في العاجل يقفون غدا مرفوعي الرّؤوس أمام جبّار السّموات والأرض.

لقد ترك أصحاب الحسين الدّنيا وما فيها لله وفي الله ، وضحوا بالأرواح ، والأزواج ، والأبناء ، والأموال في حبّ الحسين ، ومودّة القربى ، وإعلاء كلمة الحقّ ، فكانوا مع الحسين وجدّه في الآخرة ، كما كانوا معه في الدّنيا ، وحسن أولئك رفيقا.

قال الإمام الباقرعليه‌السلام : «إذا أردت أن تعلم أنّ فيك خيرا ، فانظر إلى قلبك ، فإن كان يحبّ أهل طاعة اللهعزوجل ، ويبغض أهل معصيته فإنّ فيك خيرا ، وإن كان يحبّ أهل معصية الله ، ويبغض أهل طاعته فليس فيك خير ، والله يبغضك والمرء مع من أحب»(١) .

عجبا لقلبي وهو يألف حبّكم

لم لا يذوب بحرقة الأرزاء

وعجبت من عيني وقد نظرت إلى

ماء الفرات فلم تسل في الماء

__________________

(١) انظر ، صحيح البخاري : ٧ / ١١٢ ، صحيح مسلم : ٨ / ٤٣ ، سنن الدّارمي : ٢ / ٣٢١ ، المحاسن : ١ / ٢٦٣ ح ٣٣١ ، علل الشّرائع : ١ / ١١٧ ح ١٦ ، مصادقة الإخوان : ٥٠ ح ٣ ، بحار الكافي : ٢ / ١٢٦ ح ١١ ، بحار الأنوار : ٦٦ / ٢٤٧ ، ينابيع المودّة : ١٨٨ ، الإشراف على فضل الأشراف لإبراهيم الحسنيّ ، الشّافعيّ ، السّمهوديّ ، المدنيّ : ٢٦٧ بتحقّيقنا.



عداء في الله

وما كلّ جدّ في الرّجال محمّد

ولا كلّ أمّ في النّساء بتول(١)

أجل ، ولا كلّ أب كعليّ ، ولا كلّ آخ كالحسن ، ولا كلّ أخت كزينب ، ولا كل ابن كزين العابدين ، ولا كلّ أصحاب كحبيب ، وزهير ، وبرير ، ولا كلّ شهيد كالحسين ، ويقف يزيد في الموقف المعاكس المناقض في نسبه وأخلاقه وأصحابه ، فلا سكّير وشرّير كيزيد ، ولا أحد أخبث من أبيه معاوية ، ولا عدوّ لله ورسوله أعدى من جدّه أبي سفيان ، ولا آكلة لأكباد الشّهداء ، كجدّته هند ، ولا أصحاب أكثر لؤما وجرما من ابن زياد ، وشمر ، وابن سعد.

قال الإمام الصّادق بقوله : «نحن وآل أبي سفيان تعادينا في الله ، قلنا : صدق الله. وقالوا كذب الله»(٢) . فالعداء ، إذن ، بين الصّدق والكذب ، وبين الكفر الّذي يتمثّل بالأمويّين ، وبين الإيمان الّذي يتجسّم بأهل البيت ، وقد حاول معاوية أن يجمع الحقّ والباطل ، ويجري المصالحة بين الرّحمن والشّيطان ، فكتب إلى

__________________

(١) من قصيدة الشّيخ حسن آل أبي عبد الكريم المخزومي من شعراء الشّيعة في القرن الثّامن كما جاء في الغدير : ٦ / ٣٩٨ و : ١١ / ٢١٠.

(٢) انظر ، مجمع الزّوائد : ٧ / ٢٣٩ ، مسند البزّار : ٢ / ١٩١ ح ٥٧١ ، وقعة صفّين لنصر بن مزاحم : ٣١٨ ، معاني الأخبار : ٢٤٦ ، النّصائح الكافية لمن يتولى معاوية : ٤٦ ، المعيار والموازنة : ١٤٥.


مروان بن الحكم ، وكان على المدينة ، أن يخطب بنت زينب بنت أمير المؤمنين ، وأبوها عبد الله بن جعفر ، أن يخطبها لابنه يزيد ، فكلّم مروان أباها عبد الله ، فقال له : أنّ أمرها إلى سيّدنا الحسين خالها ، فذهب مروان إلى الحسين ، وقال له : أنّ معاوية أمرني أن أجعل مهرها حكم أبيها بالغا ما بلغ ، مع قضاء دينه ، وصلح ما بين هذين الحيّين ، وأن من يغبطكم بيزيد أكثر من يغبطه بكم ، والعجب كيف يستمهر يزيد ، وهو كفؤ من لا كفؤ له ، وبوجهه يستسقى الغمام!

فقال الحسين : الحمد لله الّذي اختارنا لنفسه ، وارتضانا لدينه ، واصطفانا على خلقه ، أمّا قولك يا مروان مهرها حكم أبيها ، فلعمري لو أردنا ذلك ما عدونا سنّة رسول الله في بناته ونسائه ، وهو أربعمئة وثمانون درهما ، وأمّا قولك عن قضاء دين أبيها فمتى كان نساؤنا يقضينّ عنّا الدّيون؟! وأمّا صلح ما بين الحيّين فنحن عاديناكم في الله ، فلا نصالحكم للدّنيا ، وأمّا قولك كيف يستمهر يزيد فقد استمهر(١) النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأمّا قولك يزيد كفؤ من لا كفؤ له فمن كان كفؤه قبل اليوم فهو كفؤه اليوم ما زادته إمارته في الكفاءة شيئا ، أمّا قولك بوجهه يستسقى الغمام فإنّما ذاك وجه رسول الله ، وأمّا قولك من يغبطنا به أكثر ممّن يغبطه بنا ، فإنّما يغبطنا به أهل الجهل ، ويغبطه بنا أهل العقل ، ثمّ أشهد الحسين من حضر على أنّه زوّج ابنة شقيقته ، وكانت تدعى أمّ كلثوم ، من ابن عمّها القاسم بن محمّد بن جعفر بن أبي طالب.

أراد يزيد ابن آكلة الأكباد الزّواج من بنت العقيلة زينب بنت عليّ وفاطمة ،

__________________

(١) استمهر ، أي دفع المهر.

وجعل المهر أربعمئة وثمانين درهما ، ونحلها ضيعة له ، وكانت غلتها ثمانية آلآف دينار.


وخيّل لأبيه معاوية ، وهو صاحب العرش والتّاج أنّ بمقدوره الجمع بين الفجور والقداسة ، بين الشّجرة الملعونة في القرآن ، ومن أذهب الله عنهم الرّجس ، وطهّرهم تطهيرا ، ولكن الحسين ألقى عليه درسا من أهم الدّروس وأبلغها ، وأفهمه أنّه ، وإن امتّد سلطانه ، وكثر ماله فهو أذل من ذليل ، وأخس من خسيس ، وأحقر من أن يكون كفؤا للطّيبين الأبرار ، أفهمه أنّهم أهل بيت لا يتزوّجون ولا يزوّجون زوّاجا تجاريّا ، وإنّ الخصومة بين البيتين ليست على الجاه والسّلطان ، ولا على المال والحطام ، وإنّما هي خصومة في الله ، وبين من كذّب الله وصدّقه(١) .

وهذا هو السّبب الأوّل والأخير الّذي باعد بين العترة الطّاهرة واميّة الفاجرة ، وهذا هو التّفسير الصّحيح لمذبحة كربلاء. ومن الخطأ أن يعدّ من أسباب هذه الكارثة ردّ يزيد حين أراد الزّواج من بنت العقيلة ، ومنعه من الوصول إلى زينب زوّجة عبد الله بن سلّام ، كلّا ، لا سبب إلّا العداء في الله ، إنّ أهل البيت لا يحبّون ولا يبغضون إلّا في الله ، فإذا زوّجوا ، أو تزوّجوا ، أو رفضوا ، فعلى هذا الأساس وحده ، فهو مبدأهم ، وهدفهم ، وشعارهم.

لم يطلبوك بثأر أنت صاحبه

ثأر لعمرك لو لا الله لم يثر(٢)

__________________

(١) انظر ، مناقب آل أبي طالب : ٣ / ٢٠٠. ورواه مختصرا صاحب الإصابة : ٨ / ٢٧٩ ، مقدّمة فتح الباري : ١ / ٢٤١ ، معجم ما استعجم : ٢ / ٦٥٩ ، مستدرك الوسائل : ١٥ / ٩٨ ح ٥.

(٢) انظر ، ديوان الأزري الكبير ، للشّيخ كاظم الأزري التّميمي : ٣٠٠.



هذا كتاب الله

نكث طلحة والزّبير بيعة الإمام عليّعليه‌السلام ، وتحالفا مع عائشة على حربه ، وجمعوا عليه المجموع يوم الجمل ، ونكّلوا بعامله ابن حنيف ، وقتلوا كثيرا من الصّالحين الآمنين ، وحين قابلوه وجها لوجه ، وشرّعوا عليه السّيوف والرّماح دعا أمير المؤمنين بمصحف ، وقال: («من يأخذه ويدعوهم إلى ما فيه ، فيحيون ما أحياه ، ويميتون ما أمات». فقام فتى ، اسمه مسلم المجاشعي ، وقال : يا أمير المؤمنين أنا آخذه وأدعوهم إلى ما فيه.

فقال له الإمام : إنّك إن فعلت ذلك لمقتول. فقال الفتى : والله يا أمير المؤمنين ما من شيء أحبّ إليّ من الشّهادة بين يديك ، فأخذ المصحف وتوجّه إلى عسكرهم ، فنظر إليه أمير المؤمنين ، وقال : «إنّ الفتى ممّن حشا الله قلبه نورا وإيمانا ، وهو مقتول ، وقد اشفقت عليه من ذلك ، ولن يفلح القوم بعد قتلهم إيّاه» ، فمضى الفتى بالمصحف حتّى وقف بأزاء عسكر عائشة ، وكان له صوت ، فنادى : «معشر النّاس ، هذا كتاب وأنّ أمير المؤمنين عليّ بن طالب يدعوكم إلى الحكم بما أنزل الله فيه ، فأنيبوا إلى طاعة الله ، والعمل بكتابه ، وكانت عائشة وطلحة والزّبير يسمعون فأمسكوا عن الجواب ، وبادر أصحاب الجمل إلى الفتى ، والمصحف في يمينه فقطعوا يده اليمنى ، فتناول المصحف بيده اليسرى ،


وناداهم بأعلى صوته مثل ندائه الأوّل ، فقطعوا يده اليسرى ، فاحتضن المصحف ، ودماؤه تجري عليه ، وناداهم إلى العمل به ، فقتلوه ، قطّعوه إربا إربا ، فقال الإمام : «والله ما كنت في شك ولا لبس من ظلالة القوم وباطلهم ، ولكن أحببت أن يتبيّن لكم ذلك»)(١) .

أحبّ الإمام أن يبيّن للنّاس وللأجيال أنّه ومن اتّبعه على حقّ وهداية ، وأنّ من حاربه وعانده على باطل وضلالة ، أراد أن يقيم الدّليل المحسوس الملموس على أنّه إمام العدل والرّحمة ، وخصومه أئمّة الظّلم والجور :( لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (٢) .

وهكذا فعل ولده الحسين يوم الطّفّ ، فما أن كانت صبيحة اليوم العاشر من المحرّم حتّى لبس عمامة جدّه رسول الله ورداءه ، وتقلّد سيف جدّه ، وركب ناقة أو فرسه المعروفة ، ووضع المصحف أمامه ، واتّجه إلى الّذين تجمعوا على قتله ، وشرّعوا السّيوف والرّماح في وجهه ، ورفع يديه إلى السّماء ، وقال على مسمع من الجميع :

«أللهمّ أنت ثقتي في كلّ كرب ، وأنت رجائي في كلّ شدّة ، وأنت لي في كلّ أمر نزل بي ثقة وعدّة ، كم من همّ يضعف فيه الفؤاد ، وتقل فيه الحيلة ، ويخذل فيه الصّديق ، ويشمت فيه العدوّ أنزلته بك ، وشكوته إليك رغبة منّي إليك عمّن سواك ، ففرجته عنّي وكشفته وكفيته؟! فأنت ولي كلّ نعمة وصاحب كلّ حسنة

__________________

(١) انظر ، الفتوح لابن أعثم : ١ / ٤٦٥ ، ابن حزم في الجمهرة : ١٦٢ ، الأغاني : ١٠ / ٢٠٣ ، شرح النّهج لابن أبي الحديد : ٩ / ١١٢ تحقيق محمّد أبو الفضل ، تأريخ الطّبري : ٣ / ٥١٧ و ، ٥ / ٢٠٦ و ٢١٦ ، و : ٣ / ٥٢٢ ، اسد الغابة : ٣ / ٣٠٨ ، نسب قريش : ١٩٣ ، مروج الذّهب : ٢ / ٩ و ١٣.

(٢) الأنفال : ٤٢.


ومنتهى كل رغبة»(١) .

وبعد أن ناجى ربّه بهذه الدّموع الحزينة ، والقلب النّقي التفت إلى جموع الضّلال ، وقال :

«أيّها النّاس اسمعوا قولي ، ولا تعجلوني حتّى أعظكم بما يجب لكم عليّ. وحتّى أعتذر إليكم من مقدمي عليكم ، فإن قبلتم عذري ، وصدّقتم قولي ، وأنصفتموني ، كنتم بذلك أسعد ، ولم يكن لكم عليّ سبيل ، وإن لم تقبلوا منّي العذر فاجمعوا أمركم وشركائكم ، ثمّ لا يكن أمركم عليكم غمّة ، ثمّ اقضوا إليّ ولا تنظرون وليي الله الّذي نزّل الكتاب وهو يتولى الصّالحين».

«أمّا بعد. فانسبوني ، فانظروا من أنا ، ثمّ ارجعوا إلى أنفسكم فعاتبوها ، وانظروا : هل يصلح لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟ ألست ابن بنت نبيّكمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وابن وصيّه وابن عمّه ، وأوّل المؤمنين بالله ، والمصدّق لرسوله بما جاء به من عند ربّه؟ أو ليس حمزة سيّد الشّهداء عمّ أبي ، أو ليس جعفر الشّهيد الطّيّار عمّي؟ أو لم يبلغكم قول مستفيض فيكم أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لي ولأخي : «هذان سيّدا شباب أهل الجنّة»(٢) ؟ فإن صدّقتموني بما أقول ـ وهو الحقّ ـ والله ما تعمدت

__________________

(١) انظر ، تأريخ الطّبري : ٣ / ٣١٨ ، ترجمة الإمام الحسين لابن عساكر : ٣١٣ ، تأريخ دمشق : ١٤ / ٢١٧ ، الكامل في التّأريخ : ٢ / ٥٦١ ، نظم درّر السّمطين : ٢١٦ ، البداية والنّهاية : ٨ / ١٨٣.

(٢) انظر ، كنز العمّال : ٦ / ٢٢٠ و ٢٢١ و ٢١٧ ، و : ٧ / ١٠٧ و ١١١ و ١٠٨ ، و : ١٢ / ٩٦ و : ١٢ / ٣٤٢٤٦ ، و : ١٣ / ٣٧٦٨٢ ، صحيح التّرمذي : ٢ / ٣٠٦ و ٣٠٧ ، مسند أحمد : ٣ / ٣ و ٦٢ و ٨٢ ، حلية الأولياء : ٥ / ٧١ و ١٣٩ ، و : ٤ / ١٣٩ و ١٩٠ ، مجمع الزّوائد : ٩ / ١٨٢ ـ ١٨٤ و ١٨٧ ، تأريخ بغداد : ٩ / ٢٣١ و ٢٣٢ ، و : ١٠ / ٩٠ و ٢٣٠ ، و : ١ / ١٤٠ ، و : ٢ / ١٨٥ ، و : ١٢ / ٤ ، و : ٦ / ٣٧٢ ، الإصابة : ١ / ق ١ / ٢٦٦ ، و : ٦ / ق ٤ / ١٨٦ ، مناقب أمير المؤمنين محمّد بن سليمان الكوفي : ٣ / ـ


كذبا مذ علمت أنّ الله يمقت عليه أهله ، ويضرّ به من اختلقه ، وإن كذبتموني فإنّ فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبركم : سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري ، أو أبا سعيد الخدري ، أو سهل بن سعد السّاعدي ، أو زيد بن أرقم ، أو أنس بن مالك يخبروكم أنّهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله ٩ لي ولأخي ، أفما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي؟».

فقال له شمر بن ذي الجوشن :

هو يعبد الله على حرف إن كان يدري ما تقول.

فقال له حبيب بن مظاهر :

والله إنّي لأراك تعبد الله على سبعين حرفا وأنا أشهد أنّك صادق ما تدري ما يقول ، قد طبع الله على قلبك.

ثمّ قال لهم الحسين :

«فإن كنتم في شك من هذا القول أفتشكّون في أنّي ابن بنت نبيّكم؟ فو الله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري منكم ولا من غيركم ، وأنا ابن بنت نبيّكم خاصّة. أخبروني أتطلبوني بقتيل منكم قتلته؟ أو مال لكم استهلكته؟ أو

__________________

ـ ٢٥٩ ، الجامع الصّغير للسّيوطي : ١ / ١٩.

وانظر ، ذخائر العقبى : ١٣٥ و ١٣٠ و ١٢٩ ، كنوز الحقائق : ١١٨ و ٨١ و ٣٦ ، خصائص النّسائي: ٣٤ و ٣٦ ، سنن ابن ماجه : ١ / ٤٤ / ١١٨ ، باب فضائل أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : وأورده الحاكم في المستدرك : ٣ / ١٦٧ و ٣٨١ ، تأريخ دمشق : ٧ / ١٠٣ ، اسد الغابة : ٥ / ٥٧٤ ، ابن حبّان في صحيحه : ٢١٨ ، تهذيب التّهذيب : ٣ / في ترجمة زياد بن جبير ، سنن التّرمذي : ٥ / ٣٢١ / ٣٨٥٦ و : ٣٢٦ / ٣٨٧٠ ، الفضائل لأحمد : ٢ / ٧٧٩ / ١٣٨٤ ، الصّواعق : ١٨٧ و ١٩١ ب ١١ فصل ٢ ، الجامع الصّغير : ١ / ٥٨٩ / ٣٨٢٠ و ٣٨٢١ و ٣٨٢٢ ، منهاج السّنّة : ٤ / ٢٠٩ ، فرائد السّمطين : ٢ / ٣٥ و ١٤٠ و ١٣٤ و ١٥٣ و ٢٥٩ ، الخرائج والجرائح : ٢٨٩ ، ينابيع المودّة : ٣٦٩ و ٣٧٢.


بقصاص من جراحة؟»؟(١) .

ولم يرد الحسين بهذه المظاهرة الّتي اهتزّت لها الأرض والسّماء ، وأغضبت الله في عرشه ، وأبكت محمّدا في قبره أن يستعطف ويسترحم ، كلّا ، أنّه أجل وأعظم من أن يطلب العطف من اللّئام والطّغام ، هذا ، إلى أنّه أعلم النّاس بما هم عليه من القساوة والفظاظة ؛ لقد أراد الحسين أن يثبت للعالم أن لا هدف لأعدائه وخصومه إلّا التّشفي والإنتقام من الإسلام ونبيّ الإسلام ، أراد كما أراد أبوه من قبل أن يبيّن للأجيال أنّ الولاء لأهل البيت ولاء لله وللرّسول ، وأنّ حربهم حرب لله وللرّسول.

وقد أدرك شيعة أهل البيت هذه الحقيقة ، فاتّخذوها شعارا لهم ولعقيدتهم. وأعلنوها في كلّ موطن وموقف تقربّا إلى الله ورسوله وعترته الأطهار.

__________________

(١) انظر ، تأريخ الطّبري : ٣ / ٣١٩ و : ٤ / ٢٨٠ ـ ٢٨١.



يوم الطّفّ يوم الفصل

أنّ يوم الطّفّ يشبه يوم القيامة من جهات :

١ ـ قال الله سبحانه :( وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ) (١) .

وعد الشّيطان أتباعه بالفوز والنّجاة ، وحذّرهم الله منه ، فعصوا الرّحمن ، واتّبعوا الشّيطان ، ولمّا جاء يوم الفصل أنكرهم ، وتبرأ منهم ، وقال :( إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ ) (٢) .

و (وعد عبيد الله بن زياد عمر بن سعد ولاية الرّي)(٣) إذا قاتل الحسين ، وكان يتطلّع إليها ، ويطمع فيها ، فقبل وقاد الجيوش ، وحذّره سيّد الشّهداء من العاقبة ،

__________________

(١) إبراهيم : ٢٢.

(٢) المائدة : ٢٨.

(٣) انظر ، الرّي : مدينة مشهورة من أمّهات البلاد وأعلام المدن كثيرة الفواكه والخيرات ، وهي محطّ الحاج ، وهي بين نيسابور ودارين ، وقال الإصطخري : هي مدينة ليس بعد بغداد في المشرق أعمر منها. وقال الأصمعي : هي عروس الدّنيا وإليها يتّجر النّاس : ٣٥٥ ـ ٣٥٨ ، معجم البلدان : ج ٤. انظر ، الطّبقات الكبرى : ٥ / ١٢٥ ، مروج الذّهب : ٤ / ٧٠ و : ٥ / ١٤٣ و ١٤٧ و ١٧٤ و ١٩٦ ، الكامل في التّأريخ : ٤ / ٢١ ، تأريخ الطّبري : ٥ / ٤٠٩ ، مقتل الحسين لأبي مخنف : ٥٠.


وقال له : يا ابن سعد أتقاتلني؟! أما تتقي الله الّذي إليه معادك؟ أتقاتلني وأنا ابن من علمت؟ ألا تكون معي ، وتدع هؤلاء ؛ فإنّه أقرب إلى الله تعالى؟!

ولمّا آيس منه الحسين قال له : «مالك؟ ذبحك الله على فراشك عاجلا ، ولا غفر لك يوم الحشر ، فو الله إنّي لأرجو ألّا تأكل من برّ العراق إلّا يسيرا».

فقال ابن سعد مستهزءا

في الشّعير كفاية(١) .

واخلف ابن زياد بوعده لابن سعد ، كما أخلف الشّيطان مع أتباعه ، وصدق الحسين ، فلم تمض الأيّام حتّى قتل عمر وابنه حفص على يد المختار.

٢ ـ قال تعالى في صفة أهل النّار :( وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا ) (٢) . وهذه بالذات صفات الّذين حاربوا الحسين في كربلاء ، فقد وعظهم وحذّرهم ، وذكّرهم بكتاب الله وآياته ، ولكنّهم صمّوا عن النّبأ العظيم كما عموا :

وذكرت ما فجّر الصّخور فلم يكن

إلّا قلوبهم هناك صخور

٣ ـ قال تعالى :( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ ) (٣) . ينادي المنادي يوم القيامة : أين أهل الحقّ الّذين اتّبعوا المصلحين؟ فتأتي بهم الملائكة يزفّون إلى الجنّة. ثمّ يقال : هاتوا متبعي رؤوس الضّلالة فتسوقهم الزّبانية إلى جهنّم(٤) .

__________________

(١) انظر ، الكامل في التّأريخ لابن الأثير : ٣ / ٢٨٣ و : ٤ / ٥٥٤ ، الفتوح لابن أعثم : ٥ / ١٠٣ ، مقتل الحسين للخوارزمي : ١ / ٢٤٥ ، البداية والنّهاية : ٨ / ١٨٩.

(٢) الإسراء : ٩٧.

(٣) الإسراء : ٧١.

(٤) انظر ، تفسير القرطبي : ١٠ / ٢٩٧ ، احكام القرآن للجصّاص : ٣ / ٢٦٧.


وقاد ابن سعد أهل الكوفة إلى غضب الله ونقمته ، وقاد الحسين أصحابه إلى رضوان الله ورحمته.

جاء الحديث عن النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه إذا كان يوم القيامة أقول لأمّتي : كيف خلّفتموني في الثّقلين؟ فيقولون : أمّا الأكبر فعصيناه ، وأمّا الأصغر فقتلناه. فأقول : اسلكوا طريق قادتكم ، فينصرفون ضمّا مسودّة وجوههم»(١) .

٤ ـ قال تعالى :( وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ) (٢) . وانقسم النّاس في كربلاء فريقين : فريقا مع الحسين ، وفريقا مع ابن سعد ، وبرز كلّ إنسان على حقيقته ، وأخذ المكان الّذي يستحقه ، فلم يختلط الطّالح مع الصّالحين ، ولا الصّالح مع المجرمين ، تماما كما هو الشّأن في يوم القيامة ، حيث لا رياء ، ولا نفاق ، ومساومات.

وقد اختلط ، في بدء الأمر وقبل المعركة ، الطّيب بالخبيثين ، والخبيث بالطّيبين ، فكان مع ابن سعد الحرّ الرّياحي ، وأبو الشّعثاء الكندي ، وحين جدّ الجدّ ، وجاء دور الغربلة والتّصفية عدلا إلى الحسين ، واستشهدا بين يديه. وبايع الحسين قوم على الموت ، وكاتبوه ، ثمّ نكثوا ، وعادوا إلى طبيعتهم. وهكذا لم يبق مع ابن سعد إلّا من كان على شاكلته لؤما وخساسة يوردهم النّار ، وبئس الورد المورود ، ولم يبق مع الحسين إلّا صفوة الصّفوة يسير بهم إلى الجنّة حتّى إذا جاؤها قال لهم خزنتها سلام عليكم فنعم عقبى الدّار.

ومن تتبّع سيرة أصحاب الحسين لا يجد لإخلاصهم وعزمهم نظيرا بين

__________________

(١) انظر ، الخصال : ٤٥٩ ، المسترشد : ٦٧٩ ، مثير الأحزان : ١٠.

(٢) الشّورى : ٧.


الشّهداء ، واتّباع الأنبياء ، كما لا يجد شبها لتضحيات الحسين في التّأريخ كلّه. وقد اثنى عليهم الشّعراء بما هم أهل لأكثر منه. قال الشّيخ حسن البحراني يصف إيمانهم وورعهم:(١) .

إن ينطقوا ذكروا أو يسكتوا فكروا

أو يغضبوا غفروا أزو يقطعوا وز صلوا

أو يظلموا صفحوا أو يوزنوا رجحوا

أو يسألوا سمحوا أو يحكموا عدلوا

وقال السّيّد مهدي الحلّي في شجاعتهم :

من تحتهم لو تزول الأرض لا تنصبوا

على الهوى هضبا أرسى من الهضب

وتكفيهم شهادة الحسين عن كلّ مدح وثناء ، قال : «والله لقد بلوتهم فما وجدت فيهم إلّا الأشوس الأقعس يستأنسون بالمنيّة دوني استئناس الطّفل بمحالب أمّه»(٢) .

وقال فيهم أيضا : «... أمّا بعد ، فإنّي لا أعلم أصحابا أوفى ولا خيرا من أصحابي ، ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي ، فجزاكم الله عنّي جميعا»(٣) .

روي أنّ الحسين كان في يوم الطّفّ كلّما اشتّد الأمر أشرق وجهه ، وهدأت جوارحه ، وسكنت نفسه ، حتّى قال النّاس بعضهم لبعض : انظروا لا يبالي بالموت! وكيف يبالي بالموت ، وهو ابن القائل : «دخلت إلى الموت ، أو خرج

__________________

(١) انظر ، الشّيعة في الميزان : ٨٢٦ بتحقّيقنا ، مناقب آل أبي طالب : ٣ / ٤٣٦ ، الصّراط المستقيم : ٢ / ٢١٤.

(٢) انظر ، مقتل الحسين للمقرّم : ٢٦٢.

(٣) انظر ، الإرشاد للشّيخ المفيد : ٣٢١ ، المطبعة الحيدريّة سنة (١٩٦٢ م ـ ١٣٨١ ه‍). و : ٢ / ٩١ ، العوالم : ٢٤٣ ، إعلام الورى : ١ / ٤٥٥.


الموت إليّ»(١) ، أو كما قال : «والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطّفل بثدي أمّه»(٢) . وهكذا كان أصحاب الحسين لا يبالون بالموت ، بل يستبشرون به حيث يعلمون أنّهم على حقّ ، وغيرهم على باطل ، فهم على يقين أنّهم سيقفون بين يدي الله مرفوعي الرّؤوس ، موفوري الكرامة.

قال برير بن خضير الهمداني لعبد الرّحمن الأنصاري : ولكنّي لمستبشر بما نحن لاقون ، والله ما بيننا وبين الحور العين إلّا أن يميل علينا هؤلاء بأسيافهم ، وودّدت أنّهم مالوا علينا السّاعة»(٣) .

هذه صورة صادقة ناطقة بحقيقة الأصحاب جميعا ، وأنّهم عند ثقة الإمام وقوله : «يستأنسون بالمنيّة دوني استئناس الطّفل بمحالب أمّه». لقد رخصت عندهم الأرواح ، ولم يكترثوا بالمال ، والعيال ، ما داموا مع النّبيّ وآله.

وقال الحرّ الرّياحي : «إنّي أخيّر نفسي بين الجنّة والنّار ، فو الله لا اختار على الجنّة شيئا ، ولو قطّعت وحرّقت»(٤) . أيقن الحرّ أنّ الجنّة مع الحسين ، وأنّ ثمنها القتل ، وأنّ الحياة «قليلا» مع ابن سعد ، ثمّ يعقبها العذاب الدّائم ، فاختار الموت مع الحقّ على الحياة مع الباطل ، وكان مثالا صادقا لقول الإمام : «أمّا بعد. فقد نزل من الأمر بنا ما ترون ، وإنّ الدّنيا قد تغيّرت وتنكّرت ، وادبر معروفها ، ولم يبق منها إلّا صبابة كصبابة الإناء ، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل ، ألا ترون إلى

__________________

(١) انظر ، شرح الخطبة : (٥٥).

(٢) انظر ، شرح الخطبة : (٥).

(٣) انظر ، تأريخ الطّبري : ٥ / ٤٢١ و ٤٢٣ ، الفتوح لابن أعثم : ٣ / ١٠٦ ، الكامل لابن الأثير : ٤ / ٣٧ ، مقتل الحسين لأبي مخنف : ١١٢.

(٤) انظر ، مقتل الحسين لأبي مخنف : ١٢١ ، إعلام الورى بأعلام الهدى : ٤٦٠.


الحقّ لا يعمل به ، وإلى الباطل لا يتناهى عنه ، ليرغب المؤمن في لقاء الله ، فإنّي لا أرى الموت إلّا سعادة ، والحياة مع الظّالمين إلّا برما»(١) .

وتقدّم جون مولى أبي ذرّ(٢) يطلب من الإمام الإذن بالبراز فقال له الإمام : «إذهب لشأنك ، إنّما طلبتنا للعافية فلا تبتل بطريقتنا ، فصعق جون من هذا الجواب ، وقال : يا ابن رسول الله : أنا في الرّخاء ألحس قصاعكم ، وفي الشّدة أخذلكم! والله أنّ ريحي لمنتن ، وإنّ حسبي للئيم ، وإنّ لوني لأسود ، فتنفس عليّ بالجنّة ، فيطيب ريحي ، ويشرف حسبي ، ويبيّض وجهي ، لا والله لا أفارقكم حتّى يختلط هذا الدّم الأسود بدمائكم»(٣) .

أي والله إنّ الجنّة في أنفاس الحسين ، وفي التّراب الّذي اريق عليه دم الحسين ، وأنّ بياض الوجه عند الله في الإستشهاد بين يدي الحسين ، وأنّ الدّم

__________________

(١) انظر ، تأريخ الطّبري : ٣ / ٣٠٧ ، و : ٤ / ٣٠٥ طبعة آخر ، و : ٥ / ٤٢٥ ـ ٤٢٦ طبعة سنة ١٩٦٤ م ، ابن عساكر (ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام ) : ٢١٤.

(٢) جون : عبد اشتراه الإمام عليّ بن أبي طالب ، ووهبه الصّخابي الجليل أبي ذرّ ، يعينه على متاعب الحياة ، وبعد وفاة أبي ذرّ انتقل جون إلى بيت الإمام عليّ ، وبعد وفاة الإمام عليّ انتقل إلى بيت الحسن ، وبعده إلى بيت الحسين ، وحين خرج إلى العراق صحبه معه. وهكذا نشأ جون في أطهر البيوت وأقدسها ، وكانت له هذه الخاتمة الطّيبة ، جون عبد رقّ يباع ويشترى كالسّلع والحيوانات ، ويزيد عربي قرشي يأمر وينهى ، وتخضع له رقاب المسلمين فيا للغبن وسخرية الأوضاع ورحم الله أبا العلاء ، القائل :

أليس قريشكم قتلت حسينا

وصار على خلافتكم يزيد

انظر ، الدّيوان : ١٦٥ ، مقتل الحسين : ١ / ٢٣٧ ، و : ٢ / ١٩ ، بحار الأنوار : ٤٥ / ٢٢ و ٧١ و : ٩٨ / ٢٧٣. رجال الشّيخ الطّوسي : ٧٢ ، تأريخ الطّبري : ٤ / ٣١٨ و : ٥ / ٤٢٠ ، المناقب لابن شهر آشوب : ٣ / ٢٥٣ و : ٤ / ١٠٣ ، شرح الأخبار : ٣ / ٢٤٦.

(٣) انظر ، اللهوف في قتلى الطّفوف : ٩٤ ـ ٩٦.


الحسيب النّسيب هو الّذي يختلط بدماء الحسين.

لقد امتاز شهداء الطّفّ بأمور :

«منها» : أن ضمّتهم والحسين تربة واحدة ، ومقام واحد ، حتّى أصبحت قبورهم مزارا لجميع زوار الحسين.

و «منها» : أنّهم ذهبوا إلى الله والرّسول في وفد يرئسه الحسين.

و «منها» : اختلاط دمائهم بدماء الحسين ، وارتفاع رؤوسهم مع رأسه على الرّماح ، ووطء أجسامهم مع جسمه.

سلّ كربلاء كم حوت منهم بدور دجى

كأنّها فلك للأنجم الزّهر

ويذكّرنا موقف جون في كربلاء بموقف عمرو بن الجموح في أحد ، كان عمرو من أصحاب الرّسول ، وكان رجلا أعرج ، وله بنون أربعة يشهدون المشاهد مع النّبيّ ، ويوم أحد خرج أولاده مع الرّسول ، فأراد هو الخروج أيضا فحاول قومه أن يحبسوه ، وقالوا له : أنت رجل أعرج ، ولا حرج عليك ، وقد ذهب بنوك مع النّبيّ ، وماذا تبغي بعد هذا؟!.

فقال : يذهب أولادي إلى الجنّة ، وأجلس أنا عندكم ثمّ أخذ درقته ، وذهب وهو يقول : أللهمّ لا تردّني إلى أهلي ، فخرج ولحقه بعض قومه. يكلمونه في القعود ، فأبى وجاء إلى النّبيّ ، وقال له : يا رسول الله : أنّ قومي يريدون أن يحبسوني عن هذه المكرمة والخروج معك ، والله إنّي أرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنّة.

فقال له : أمّا أنت ، فقد عذرك الله ، ولا جهاد عليك ، فأبى ، فقال النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله


لقومه وبنيه : لا عليكم أن تمنعوه ، لعلّ الله يرزقه الشّهادة ، فخلّوا سبيله فاستشهد رضوان الله عليه»(١) .

__________________

(١) انظر ، سنن البيهقي الكبرى : ٩ / ٢٤ ح ١٧٥٩٩ ، الجهاد لابن المبارك : ١ / ٥٩ ح ٧٨ ، صفوة الصّفوة : ١ / ٦٤٦ ، الإصابة : ٦ / ٤٥١ ، السّيرة النّبويّة : ٤ / ٣٩ ، تفسير القرطبي : ٨ / ٢٢٦.


يوم الفتح

قال الإمام الصّادقعليه‌السلام : «أنّ الحسين لمّا فصل متوجها إلى العراق أمر بقرطاس ، وكتب بسم الله الرّحمن الرّحيم من الحسين بن عليّ إلى بني هاشم ، أمّا بعد ؛ فإنّه من لحق بي استشهد ، ومن تخلّف لم يبلغ الفتح ، والسّلام»(١) .

ولم يرد الإمام بالفتح فتح البلاد والممالك ، وإنّما أراد ظهور أمر الله ، وانتصار كلمة الإسلام ، وقد كان الإمام على يقين من هذا الإنتصار ، ولذا قال : ومن تخلّف لم يدرك الفتح ، أي لم ينل شرف الجهاد في سبيل الدّين(٢) . حاربت أميّة صاحب الدّعوة ، وهي على الشّرك ظاهرا وباطنا ، ولمّا جاء نصر الله والفتح استسلمت ، وأظهرت الإسلام ، وأبطنت الكفر ، ولمّا انتقل النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى ربّه عادت إلى محاربة الإسلام ، ولكن عن طريق الكيد والتّآمر ، كما تدل حكاية أبي سفيان مع الإمام حين بويع أبو بكر بالخلافة ، حيث قال أبو سفيان لعليّ : «إن شئت ملأتها لك عليهم خيلا ورجالا»(٣) .

وقال للإمام : «والله إنّي لأرى عجاجة لا يطفئها إلّا دمّ يا آل عبد مناف ، فيما

__________________

(١) انظر ، اللهوف في قتلى الطّفوف السّيّد ابن طاوس الحسني : ٤٠.

(٢) انظر ، كامل الزّيارات لابن قولوية : ٧٥.

(٣) انظر ، شرح النّهج لابن أبي الحديد : ١ / ٧٤.


أبو بكر من أموركم ، أين المستضعفان ، أين الأذلان عليّ والعبّاس»(١) .

فردّه الإمام وأفهمه أنّه منافق يغش الإسلام ، ويكيد للمسلمين.

ظنّ أبو سفيان أنّ الفرصة قد سنحت لبلوغ مآربه بموت الرّسول ، والنّزاع على الخلافة ، وما درى أنّ عليّا حامي حمى الإسلام له بالمرصاد ، كما كان له في بدر ، واحد ، والأحزاب ؛ وتمضي الأيّام ، ويصبح ابن أبي سفيان ملكا على المسلمين ، فحاول أن يؤسّس للفكر والإلحاد ، ويجعل الملك في نسل الشّرّاك إلى آخر يوم ، ولكن الحسين له بالمرصاد كما كان عليّ لأبيه من قبل.

رأينا الإستعمار إذا ثارت عليه الشّعوب المستضعفة ، وأرادت ، التّحرر من نيره واستغلاله يختار من أهل البلاد خائنا كيزيد ، وينصّبه حاكما على الشّعب ، ويمنحه اسم الإستقلال ، فيكّون للخائن الإسم ، وللإستعمار الحكم ، وتبقى الأوضاع كما كانت ، أو أسوأ حيث صبغت بالصّبغة الشّرعيّة ، كما فعلت فرنسا بسورية ولبنان ، والإنجليز في مصر أيّام فاروق ، وفي العراق أيّام نوري سعيد ، يقول الشّاعر العراقي مخاطبا حاكم العراق في عهد الإنجليز :

فأنت للحكم اسم

والإنجليز المسمّى

وهذا ما أراد معاوية تطبيقه بالذات من خلافة ولده يزيد ، واستمرار الملك في نسل أبي سفيان ، أراد أن يكون الإسم للإسلام في الظّاهر ، والحكم للشّرك والإلحاد في الواقع. وسلك كلّ سبيل لتحقّيق هذه الغاية ، فمن دس السّم بالعسل ، إلى القتل بالسّيف ، ومن دفن الأحياء ، إلى سبّ الأموات ، إلى ما لا نهاية لجرائمه وموبقاته.

__________________

(١) انظر ، المصدر السّابق : ٣ / ٢٠٢.


وما كانت لتخفى هذه الحقيقة على الحسين ، وما كان ابن عليّ ليبخل بدمه على دين جدّه ، كيف وهو القائل : «فإنّي لا أرى الموت إلّا سعادة ، والحياة مع الظّالمين إلّا برما»(١) . رأى الحسين أنّ الأمويّين يخدعون النّاس باسم الإسلام ، كما يخدع عميل الإستعمار الشّعب باسم الإستقلال ، فأراد الإمام أن يفضحهم ، ويثبت للملأ أنّهم أعدى أعداء الإسلام ، فنهض باسم الدّين ، وحقوق المسلمين ، يمثّل شعور كلّ مسلم لا يستطيع الجهر بما ينوي ويضمر ، نهض وهو أعزل إلّا من الحقّ ، وجابه الباطل صاحب العدّة والعدد ، ودعا إلى كتاب الله ، وسنّة الرّسول ، فقتله الأمويون ، وذبحوا أطفال الرّسول وسبوا نساءه ، لا لشيء إلّا لأنّهم دعاة للدّين ، والحقّ ، فعرف النّاس بعد وقعة الطّفّ أنّ الأمويّين ما زالوا مشركين ، كما كانوا يوم بدر ، واحد ، والأحزاب ، وأنّهم لم يؤمنوا بالله ورسوله طرفة عين ، وأنّهم يضمرون للإسلام كلّ شرّ وعناد ، وقد صور الشّاعر هذه الحقيقة بقوله يصف يزيد بن معاوية(٢) :

لئن جرت لفظة التّوحيد في فمه

فسيفه بسوى التّوحيد ما فتكا

قد أصبح الدّين منه يشتكي سقما

وما إلى أحد غير الحسين شكا

فما رأى السّبط للدّين الحنيف شفا

إلّا إذا دمه في كربلاء سفكا

* * *

يا ويّح دهر جنى بالطّفّ بين بني

محمّد وبني سفيان معتركا

حاشا بني فاطم ما القوم كفؤهم

شجاعة لا ولا جودا ولا نسكا

ما ينقم النّاس منهم غير أنّهم

ينهون أن تعبد الأوثان والشّركا

__________________

(١) تقدّمت تخريجاته.

(٢) انظر ، ديوان سيّد جعفر الحلّي : ١٧٦.


وكان لفاجعة كربلاء دوي هائل اهتّزت له الدّنيا بكاملها ، حتّى كأنّ النّبيّ نفسه هو المقتول. وقامت الثّورات في كلّ مكان يتلو بعضها بعضا ، حتّى زالت دولة الأمويّين من الوجود ، وتمّت كلمة الله بالقضاء على الشّرك المستتر باسم الإسلام ، وهذا ما عناه الحسين بقوله لبني هاشم : «ومن تخلّف لم يبلغ الفتح ، والسّلام»(١) .

وإذا أردت مثالا يوضّح هذه الحقيقة فانظر إلى المظاهرات الّتي تقوم بها الشّعوب ضدّ الحاكم الخائن ، فإنّ المتظاهرين يعلمون علم اليقين أنّه سيطلق عليهم النّار ، وأنّ القتلى ستقع منهم بالعشرات ، ومع ذلك يقدمون ولا يكترثون بالموت ، لأنّ غايتهم أن يفتضح هذا الخائن ، وأن يعرف العالم مقاصده ونواياه ، فينهار حكمه ، ويبيد سلطانه ، وتكون الدّماء البريئة ثمنا لتحرر البلاد من العبودية والإستغلال.

ومن هنا كان لأصحابها هذا التّقديس ، والتّعظيم ، تقام لهم التّماثيل في كلّ مكان ، وتسمّى باسمائهم فرق الجيش والشّوراع ، وتشاد الأندية والمعاهد ، ويرتفع شأن اسرهم إلى أعلى مكان ، ومن قبل لم يكونوا شيئا مذكورا.

ودماء كربلاء لم تكن ثمنا لحرّية فرد أو شعب أو جيل ، بل ثمنا للدّين الحنيف ، والإنسانيّة جمعاء ، ثمنا لكتاب الله وسنّة الرّسول ومن هنا كان لها ما للقرآن والإسلام من التّقديس والإجلال ، كما أنّ لدماء الأحرار ما لأوطانهم من التّكريم والتّعظيم ، وكان لبني هاشم اسرة الحسين ما كان لأسر الشّهداء الأحرار.

__________________

(١) انظر ، اللهوف في قتلى الطّفوف السّيّد ابن طاوس الحسني : ٤٠ ، مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب : ٣ / ٢٣٠.


وهذا ما عناه الحسين قوله يوم الطّفّ مخاطبا أهله وأرحامه : «صبرا يا بني عمومتي ، صبرا يا أهل بيتي ، لا رأيتم هوانا بعد اليوم»(١) .

وسئل الإمام زين العابدينعليه‌السلام : «من كان الغالب يوم كربلاء؟ فقال : اسمع المؤذّن تعرف الجواب. أشهد أن لا إله إلّا الله ، وأنّ محمّدا رسول الله ، وأنّ عليّا أمير المؤمنين بالحقّ ولي الله»(٢) .

أوصى الحسين أهل بيته بالصّبر بعد ما استشهد جميع أصحابه ، ولم يبق معه إلّا ولده ، عليّ ، وولد جعفر ، وولد عقيل ، وولد الحسن ، وقد إجتمعوا يودّع بعضهم بعضا ، وهم كالزّهر في مقتبل العمر.

كرام بأرض الغارضية عرسوا

فطابت بهم أرجاء تلك المنازل

أقاموا بها كالمزن فاخضرّ عودها

وأعشب من أكنافها كلّ ماحل

زهت أرضها من بشر كلّ شمر دل

طويل تجاد السّيف حلو الشّمائل

كأنّ لعزرائيل قد قال سيفه

لك السّلم موفورا ويوم الكفاح لي

حموا بالظّبى دين النّبيّ وطاعنوا

ثباتا وخاضت جردهم بالجحافل

ولمّا دنت آجالهم رحبوا بها

كأنّ لهم بالموت بلغة آمل

عطاشى بجنب النّهر والماء حولهم

يباح إلى الورّاد عذب المناهل

عطاشى بجنب النّهر والماء حولهم

يباح إلى الوارد عذب المناهل

فلم تفجع الأيّام من قبل يومهم

بأكرم مقتول لا لأمّ قاتل

__________________

(١) انظر ، شرح الأخبار : ٣ / ٢٣٨ ، مقتل الحسين للمقرّم : ٣١٨ و ٣٢٢.

(٢) انظر ، مقتل الحسين للخوارزمي : ٦٩ ـ ٧١.



بدر والطّفّ

كان أصحاب الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله في بدر ثلاثمئة وبضعة عشر رجلا(١) ، وكان المشركون ألف رجل(٢) .

وكان أصحاب الحسينعليه‌السلام في كربلاء ثلاثة وسبعين(٣) ، وجيش العدوّ ثلاثين ألفا أو يزيدون(٤) .

وقال النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لقريش يوم بدر : «خلّوني والعرب ، فإن أك صادقا كنتم أعلى

__________________

(١) أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقد نصّ المؤرّخون أنّ عددهم كان (٣١٣) رجلا ولم يكن فيهم إلّا فارسين :المقداد بن عمرو الكندي ، والزّبير بن العوّام ، وكانت معهم (٧٠) بعيرا وكانوا يتعاقبون على البعير بين الرّجلين والثّلاثة والأربعة ، فمثلا كان بين النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ،وعليّ ، وزيد بن حارثة بعير. وكانت راية النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله مع عليّ عليه‌السلام كما جاء في الكامل لابن الأثير : ٢ / ١١٦ والسّيرة الحلبية بهامش السّيرة النّبويّة : ٢ / ١٤٣ ، تأريخ دمشق : ١ / ١٤٣ / ٣٠٢.

(٢) كان عدد المشركين يتراوح بين (٩٠٠ و ١٠٠٠) كما جاء في تأريخ الطّبريّ : ٤ / ٢٦٧ ، والسّيرة لابن هشام : ٢ / ٣٥٤ ، وفيهم العبّاس بن عبد المطّلب وأبو جهل ، وقتل من المشركين (٧٠) من رجالاتهم وساداتهم.

(٣) انظر ، تأريخ اليعقوبي : ٢ / ٢٣٠ ، الإتحاف بحبّ الأشراف للشّبراوي : ١٥١. بتحقيقنا ، مقتل الحسين : ٢ / ٤. والخوارزمي يروي غالبا عن تأريخ ابن أعثم ، أبو محمّد أحمد ، توفّي سنة (٣١٤ ه‍) في الفتوح : ٣ / ٩٤ ، وهذه الرّواية عن هذا المؤرخ ، فتكون إذن ، رواية في مستوى رواية الطّبري.

(٤) تقدّم الكلام حول عدد الجيش الأموي في كربلاء.


بي عينا ، وإن أك كاذبا كفتكم ذؤبان العرب أمري ، فارجعوا»(١) . فأبوا عليه إلّا القتال.

وقال الحسينعليه‌السلام لجيش ابن زياد : «كتبتم إليّ أن قد أينعت الثّمار واخضرّ الجناب ، وإنّما تقدم على جنود مجنّدة ، فاقبل. فإن كنتم كرهتموني فدعوني انصرف عنكم إلى مأمني من الأرض». فأبوا عليه ، كما أبى المشركون على جدّه من قبل(٢) .

وقال النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لأصحابه يوم بدر : «قوموا إلى جنّة عرضها السّماوات والأرض»(٣) .

وقال الحسينعليه‌السلام لأصحابه : «قوموا إلى الموت الّذي لا بدّ منه ، فنهضوا جميعا والتقى العسكران الرّجّالة والفرسان. واشتّد الصّراع وخفى لإثارة العثير الشّعاع. والسّمهرية ترهف نجيعا والمشرفية يسمع لها في الهام رقيعا ولا يجد الحسينعليه‌السلام في مساقط الحرب لوعظه سميعا»(٤) .

__________________

(١) انظر ، تأريخ دمشق : ٣٨ / ٢٥٤ و : ٦٦ / ٣١٨ ، مغازي الواقدي : ١ / ٦١.

(٢) انظر ، المقتل لأبي مخنف : ١٦ ، الفتوح : ٣ / ٣٣ ، مقتل الحسين للخوارزمي : ١ / ١٩٥ ، اللهوف في قتلى الطّفوف : ١٥ ، أنساب الأشراف : ٣ / ١٥٨ ، وقعة الطّفّ لأبي مخنف : ٩٢ ، تذكرة الخواصّ : ٢٢٠ ، الأخبار الطّوال : ٢٢٩ ، مختصر تأريخ دمشق : ٢٣ / ١٥١ ، جمهرة أنساب العرب : ٢٩٥ ، تأريخ الطّبري : ٤ / ٣٢٣ ، البداية والنّهاية : ٨ / ١٩٤ ، إعلام الورى بأعلام الهدى : ١ / ٤٥٩.

(٣) انظر ، مسند أحمد : ٣ / ١٣٦ ، صحيح مسلم : ٦ / ٤٤ ، المستدرك على الصّحيحين : ٣ / ٤٢٦ ، السّنن الكبرى : ٩ / ٤٣ و ٩٩ ، تفسير ابن كثير : ١ / ٥٤٣ و : ٢ / ٣٣٧ ، الطّبقات الكبرى : ٣ / ٥٦٥ ، سير أعلام النّبلاء : ١ / ٢٥٣ ، الإصابة : ٤ / ٥٤٩ و : ٧ / ٢٤٠ ، البداية والنّهاية : ٣ / ٣٣٨ ، السّيرة النّبويّة : ٢ / ٤٢١.

(٤) انظر ، مثير الأحزان : ٤١.


وقال الإمام الصّادقعليه‌السلام : «لقد كشف الله الغطاء لأصحاب الحسين حتّى رأوا منازلهم في الجنّة»(١) .

وكان أصحاب الرّسول يوم بدر يتسابقون إلى الموت ليصلوا إلى أماكنهم في الجنّة ، حتّى أنّ عمر بن الحمام لمّا سمع النّبيّ يقول : «قوموا إلى الجنّة كان يأكل تمرات في يده فرماها ، وقال : «لئن حيّيت حتّى آكلهنّ ، أنّها لحياة طويلة ...»(٢) .

وهكذا كان الرّجل من أصحاب الحسين يستقبل الرّماح والسّيوف بصدره ووجهه ، ليصل إلى مكانه في الجنّة.

وقال المقداد بن الأسود للنّبيّ يوم بدر : «والله لو أمرتنا أن نخوض جمر الغض وشوك الهراس لخضناه معك(٣) ، والله لا نقول لك ما قالت بنو إسرائيل لموسىعليه‌السلام :( قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ ) (٤) .

وقال الحسين لأصحابه : «... ألا وإنّي أظنّ يومنا من هؤلاء الأعداء غدا ، وإنّي قد أذنت لكم ، فانطلقوا جميعا في حلّ ليس عليكم من ذمام ، هذا اللّيل قد

__________________

(١) انظر ، علل الشّرائع : ١ / ٢٢٩ ح ١.

(٢) انظر ، تفسير ابن كثير : ٢ / ٣٣٧ ، صحيح البخاري : ٤ / ١٤٨٧ ح ٣٨٢٠ ، سنن النّسائي : ٦ / ٣٣ ح ٣١٥٤ ، موطّأ مالك : ٢ / ٤٦٦ ح ٩٩٧ ، مسند أبي يعلى : ٣ / ٤٦٥ ح ١٩٧٢ ، التّمهيد لابن عبد البر : ٢٤ / ٩٨ ح ٤٧٧ ، شرح الزّرقاني : ٣ / ٦٠ ، الإصابة : ٦ / ٦٥٢ رقم «٩٢٥١».

(٣) انظر ، مغازي الواقدي : ١ / ٤٨ ـ ٤٩ طبعة اكسفورد ، وإمتاع الأسماع للمقريزي : ٧٤ ـ ٧٥ ، تأريخ الخميس : ١ / ٣٧٣ ، التّعليق على هذا الحديث في كتابنا «البيعة وولاية العهد والشّورى وآثارها في تنصيب الخليفة» ، دراسة علمية تحليلية لردّ الشّبهات : ١٩٦ ، وما بعدها.

(٤) المائدة : ٢٤.


غشيكم فاتّخذوه جملا ، وليأخذ كلّ رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي ، فجزاكم الله جميعا خيرا ، وتفرّقوا في سوادكم ومدائنكم ، فإنّ القوم إنّما يطلبوني ، ولو أصابوني لذهلوا عن طلب غيري ...»(١) .

فقال : أنّكم تقتلون غدا كلّكم ، ولا يفلت منكم رجل.

قالوا : الحمد لله الّذي شرّفنا بالقتل معك(٢) .

وقال أبو جهل يوم بدر : «اللهمّ أنّ محمّدا أقطعنا للرّحم ، وأتانا بما لا نعرف ، فانصرنا عليه»(٣) .

وقال يزيد لعليّ بن الحسين : يا عليّ بن الحسين أنّ أباك الّذي قطع رحمي ، وجهل حقّي ، ونازعني سلطاني فنزل به ما رأيت ، فقال عليّ رضى الله عنه :( ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ ) (٤) .

فقال يزيد :( وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ

__________________

(١) انظر ، تأريخ الطّبري : ٥ / ٤١٩ ، تأريخ اليعقوبي : ٢ / ٢٣١ ، مقتل الخوارزمي : ١ / ٢٤٧. (منه قدس‌سره). انظر ، مقتل الحسين لأبي مخنف : ٧٩ ـ ٨٠ مع اختلاف يسير ، الإرشاد للشّيخ المفيد : ٢ / ٧٦ ، مقتل الحسين للخوارزمي : ١ / ٢٢٨ ، تأريخ الطّبري : ٤ / ٣٠١ ، الكامل في التّأريخ لابن الأثير : ٣ / ١٧ و ١٨ ، البداية والنّهاية لابن كثير : ٨ / ١٦٨ و ١٧١ ، الأخبار الطّوال : ٢٤٨.

(٢) انظر ، البداية والنّهاية : ٨ / ١٩١.

(٣) انظر ، تفسير الطّبري : ٢ / ٣٤ و : ٩ / ٢٠٨ و ٢٠٩ ، تفسير ابن كثير : ٢ / ٢٩٧ ، المصنّف لابن أبي شيبة ٧ / ٣٥٥ ح ٣٦٦٧٤ ، السّيرة النّبويّة : ٣ / ١٧٦ و : ٣ / ٢٢٢ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ١٤ / ١٣٢ ، تفسير القرطبي : ٧ / ٣٨٦.

(٤) الحديد : ٢٣.


كَثِيرٍ ) (١) فقال عليّ رضي الله عنه : هذا في حقّ من ظلم لا في من ظلم(٢) .

وقال يزيد فيما قاله للإمام زين العابدينعليه‌السلام : «الحمد لله الّذي قتل أباك.

فقال له الإمام : لعنة الله على من قتل أبي»(٣) .

وانتشر الإسلام بعد غزوة بدر ، وتحرّر الضّعفاء من سيطرة الأقوياء.

وولد بكربلاء مبدأ جديد ، هو الإيمان بأنّ الموت في سبيل الحقّ خير من الحياة مع المبطلين ، وقضى هذا المبدأ على الأمويّين وسلطانهم الجائر ، ولقد أثبتت التّجارب بأنّ إيمان الإنسان بحقّه ، وحرصه على حرّيته ، وحفاظه على رزقه أقوى من كلّ سلاح وعتاد ، فلقد تغلبت إفريقيا الجائعة العزلاء ، وغيرها من الشّعوب المستضعفة على المستبدين الأقوياء ، تغلبت بقوّة الإيمان بأنّ الإنسان يجب أن يعيش حرّا كريما ، وهذا هو مبدأ الحسين الّذي ضحّى من أجله بنفسه وأهله.

ولا شيء أدل على قوّة الصّلة والشّبه بين بدر وكربلاء من إنشاد يزيد ، وهو ينكث ثنايا الحسين بقضيبه(٤) :

__________________

(١) الشّورى : ٣٠.

(٢) انظر ، تأريخ الطّبري : ٦ / ٢٦٥ ، الفتوح : ٣ / ١٥٢ ، تأريخ ابن عساكر : ٤ / ٣٤١ ، سير أعلام النّبلاء : ٣ / ٣٠٣ ، البداية والنّهاية : ٨ / ٢١١ ، ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام لابن عساكر : ٣٣٨.

(٣) انظر ، الإحتجاج : ٢ / ٣٩ و ١٣٢.

(٤) انظر ، اللهوف في قتلى الطّفوف : ١٠٢ ، مقتل الحسين للخوارزمي : ٢ / ٦٦ ، شرح النّهج لابن أبي الحديد : ٢ / ٣٨٣ الطّبعة الأولى مصر ، الأمالي لأبي عليّ القالي : ١ / ١٤٢ ، والبكري فري شرحه : ١ / ٣٨٧ ، الأثار الباقية : ٣٣١ طبعة الاوفسيت ، الأخبار الطّوال : ٢٦١ ، سمط النّجوم العوالي : ٣ / ٧٣ ، فحول الشّعراء : ١٩٩ ـ ٢٠٠ ، سيرة ابن هشام : ٣ / ١٤٤ ، الحيوان للجاحظ : ٥ / ٥٦٤ ، مقاتل الطّالبيّين : ١١٩ ، مقتل الحسين لأبي مخنف : ٢١٣ و ٢٢٠.


لعبت هاشم بالملك فما

ملك جاء ولا وحي نزل

لست من خندف إن لم أنتقم

من بني أحمد ما كان فعل

لمّا بدت تلك الحمول وأشرقت

تلك الرّؤوس على شفا جيرون

نعت الغراب فقلت قل أو لا تقل

فقد اقتضيت من الرّسول ديوني

يا غراب البين ما شئت فقل

إنّما تندب أمرا قد حصل

إنّ أشياخي ببدر لو رأوا

مصرع الخزرج من وقع الأثل

لأهلوّا واستهلوا فرحا

ثمّ قالوا يا يزيد لا تسل

كلّا ، لم ينتقم يزيد من بني أحمد ، وإنّما انتقم الله منه ومن بني أميّة بني أحمد وللإنسانية جمعاء ، أنّه لم يقتل مبدأ الحسين ، وإنّما قتل نفسه ، وقضى على سلطانه ، كما قالت السّيّدة زينب فيما قالت ليزيد بعد ما سمعته يهتف بأشياخه : تهتف بأشياخك! زعمت أنّك تناديهم ، فلتردن وشيكا موردهم ، ولتردن أنّك شللّت وبكمت ، ولم تكن قلت ما قلت ، وفعلت ما فعلت ، أللهمّ خذّ لنا بحقّنا ، وانتقم ممّن ظلمنا ، واحلل غضبك بمن سفك دماءنا ، وقتل حماتنا ، فو الله ما فريت إلّا جلدك ، ولا حززت إلّا لحمك»(١) .

__________________

ـ وأصل هذه الأبيات لابن الزّبعرى كما جاء في الصّواعق : ١١٦ ، وزاد فيها بيتا مشتملا على الكفر. انظر ، صورة الأرض لابن حوقل : ١٦١ ، اليافعي في مرآة الجنان : ١ / ١٣٥ ، والكامل لابن الأثير : ٤ / ٣٥ ، ومروج الذّهب للمسعودي : ٢ / ٩١ ، والعقد الفريد : ٢ / ٣١٣ ، أعلام النّساء : ١ / ٥٠٤ ، ومجمع الزّوائد : ٩ / ١٩٨ ، الشّعر والشّعراء : ١٥١ ، الأشباه والنّظائر : ٤ ، الأغاني : ١٢ / ١٢٠ ، الفتوح لابن أعثم : ٥ / ٢٤١ ، تذكرة الخواصّ : ١٤٨ ، شرح مقامات الحريري : ١ / ١٩٣ ، البداية والنّهاية : ٨ / ٢٤٦ ، والطّبري في تأريخه : ٦ / ٢٦٧ ، و : ٤ / ٣٥٢ ، الآثار الباقية للبيروني : ٣٣١ طبعة اوفسيت ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ١٥ / ١٧٨ ، وقال :

(١) انظر ، بلاغات النّساء لابن طيفور : ٢٢ ، الإحتجاج : ٢ / ٣٦ ، مثير الأحزان لابن نما : ٨١ ، مقتل الحسين لأبي مخنف الأزدي : ٢٢٧.


إنّه ابن عليّ

لو حدّثك محدّث أنّ رجلا بذلت له الملايين على أن ينطق بكلمة باطل لا يسأله عنها سائل ، ولا يؤاخذ في هذه الحياة ، فأبى وامتنع لا لشيء إلّا لأنّ شفتيه تتنزّه عن التّفوه بالباطل ، أو قال لك أنّ الملك قد أتاه لقمة سائغة بلا معارض ولا منازع على أن يقطع على نفسه وعدا بأن يسير على طريق من مضى من الملوك والحكّام ، فأبى وامتنع لا لشيء إلّا لأنّه لا يريد أن يكون مقلّدا لغيره ، ولا أن يعد ويخلف ؛ فذهب الملك إلى غيره ، فلم يهتّم ولم يكترث ، حتّى كأنّه نواة يلفظها من فمه ، أو حصاة تسقط من يده ، أو أخبرك مخبر أنّ عدوّا قصد هذا الرّجل للقضاء على حياته ، ولمّا برز له وجها لوجه وتمكّن من عدوّه ، وأصبح في قبضة يده ، ورأى هذا العدوّ الموت نصب عينيه ، طلب منه العفو والصّفح ، فعفا وصفح لا لشيء إلّا رغبة في العفو والصّزفح ، وهو يعلم علم اليقين أنّه لو قتله لباء المقتول بالإثم ، وكان للقاتل الفضل والعذر عند الله ، والنّاس.

لو حدّثك بهذا أو بعضا منه إنسان ، أي إنسان ، لقلت : أنّ محدّثك لا يدري ما يقول ، وأنّه يتوهم ويتكلّم ، ذلك لأنّا قد اعتدنا أن نرى النّاس يكذبون ويرائون ، ويمرغون الجباة بتراب الأقدام من أجل الدّرهم والدّينار ، وألفنا أن نقرأ ونسمع العقود والمواثيق في بيانات الحكّام ، وكلّها عكس ما يؤمنون به ويدينون ، وضدّ


ما ينوون ويعملون ، ورأينا كيف ينتقم الظّافرون من خصومهم؟ وكيف يخيّرونهم بين الموت والعبودية؟ حتّى ولو كانت الخصومة في الرّأي والإجتهاد. لذلك وغير ذلك تستبعد هذا النّوع من الحديث ، لأنّك تأخذ بمبدأ قياس بعض النّاس على بعض.

ولكن هذا ما حصل بالفعل ، وشهد به القريب والبعيد ، إقرأ تأريخ الإمام عليّ ابن أبي طالب ، لتلمس هذه الحقيقة ، وتؤمن بها إيمانك بوجودك ، فقد بايعه عبد الرّحمن بن عوف على أن يعمل بكتاب الله ، وسنّة الرّسول ، وسيرة الخليفتين أبي بكر وعمر ، فقال له عليّ : أعمل بكتاب الله وسنّة الرّسول ، وأرجو أن أفعل على مبلغ علمي وطاقتي ، فبايع عبد الرّحمن عثمان ، ولو قال الإمام نعم لتمّت له الخلافة بدون معارض ، ولكنّه أبى أن يكون مقلّدا ، أو أن يعد ويخلف(١) .

__________________

(١) ألا يظهر من هذا كلّه أنّ الرّجل ـ أي عمر بن الخطّاب ـ قد جعل أمر التّرشيح بيد رجل واحد وهو عبد الرّحمان بن عوف ، وعبد الرّحمان هذا يعرف بأنّ الإمام عليّعليه‌السلام يرفض الإلتزام بسيرة الشّيخين ، ولذا اشترط الإلتزام حتّى يبعد عنها عليّا وذلك لما بينهما من الإختلاف من حيث السّيرة حتّى في الإستخلاف ، ولما بين سيرتهما وبين سيرة الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، طلب عبد الرّحمان في حقيقته تعجيزي لا يمكن أن يقبل به إلّا اللّعوب الّذي لا يرعى عهدا ولا يلتزم بتعهد ، وذلك مستحيل على مثل عليّعليه‌السلام ، لذا قبلها عثمان ولم يلتزم بها أبدا وهو يعلم أنّه لن يلتزم ، وكيف يلتزم بثلاثة أنماط من السّيرة متباينة ، مختلفة ، وليس فيها جامع.

ما هي الميزة ، والخصّيصة ، والمنقبة الّتي تميز بها عبد الرّحمان بن عوف حتّى يجعل هو الحكم بين طرفي الإختلاف إذا وقع حتّى وإن صفق بإحدى يديه على الأخرى كما ذكرنا سابقا من المصادر التّأريخية.

ألكون عبد الرّحمان بن عوف زوّج أمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ، وأمّها أروى بنت كريز ، وأروى أمّ عثمان فلذلك هو صهره كما يقولون؟ ـ


وفي يوم أحد برز إلى طلحة بن أبي طلحة ، وكان كبش الكتيبة فصرعه الإمام بضربة ، ولمّا أراد أن يجهز عليه بالثّانية ، قال له طلحة : أنشدك الله يابن عمّ والرّحم ، فانصرف عنه ، فقال له المسلمون : ألّا أجهزت عليه؟ فقال : ناشدني الله

__________________

ـ انظر ، أنساب الأشراف : ٥ / ١٩.

أم لكونه من أنصار ، وحزب أبي بكر في يوم السّقيفة مع عمر ، وأبي عبيدة ، والمغيرة بن شعبة ، وسالم مولى حذيفة؟.

انظر ، الاستيعاب : ٢ / ٣٨٥ ، الإصابة : ٢ / ٤٠٨ ، اسد الغابة : ٣ / ٣١٣.

أم لكونه قال يوم السّقيفة : «يا معشر الأنصار إنّكم وإن كنتم على فضل فليس فيكم مثل أبي بكر وعمر ..».

انظر ، تأريخ اليعقوبيّ : ٢ / ١٠٣.

أم لكونه من الرّجال الّذين دخلوا بيت فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مع عمر بن الخطّاب ، وخالد ، وثابت بن قيس ، وزياد بن لبيد ، ومحمّد بن مسلمة ، وزيد بن ثابت ، وسلمة بن سالم ، وسلمة بن أسلم ، وأسيد بن حضير؟

انظر ، تأريخ الطّبريّ : ٢ / ٤٤٣ ، شرح النّهج لابن أبي الحديد : ٢ / ١٣٠ ، الإستيعاب : ٢ / ٨٣ ، الإصابة : ٢ / ٦١ ، هذه المصادر على سبيل المثال لا الحصر.

أم أنّ عمر علم بأنّ عبد الرّحمان لا يختلف مع ختنه عثمان ، وابن عمّه سعد كما صرّح به أمير المؤمنين عليّ وقال له : حبوته حبو دهر ليس هذا أوّل يوم تظاهرتم فيه علينا فصبر جميل ، والله المستعان على ما تصفون ...؟

أم لكونه صاحب ثروة قدّروها بألف بعير ، وثلاثة آلاف شاة ، ومئة فرس كما ترك ذهبا قطّع بالفؤوس حتّى مجلت أيدي الرّجال منه؟.

انظر ، الطّبقات الكبرى : ٣ / ١٣٦.

ثمّ لماذا أدخل ـ جعل الحكم ـ عبد الله بن عمر أيضا كما في بعض الأخبار وهو القائل كما روي في تأريخ المدينة عن إبراهيم قال : قال عمر بن الخطّاب «يأمروني أن أبايع لرجل لم يحسن أن يطلق امرأته»؟

انظر ، تأريخ المدينة : ٣ / ٩٢٣ و ٣٤٣ ، تأريخ السّيوطيّ : ١٣٥.


والرّحم»(١) ، وترك ابن العاصّ بعد أن أصبحت حياته في يده ، ولو قتله لدبّ الذّعر في جيش معاوية ، وتمزّق شرّ ممزّق ، وعفا يوم الجمل عن مروان بن الحكم ، وهو ألد الخصوم وأخطرهم ، وسقى أهل الشّام الماء بعد أن منعوه منه(٢) .

وقال قائل جاهل : أنّ الإمام لا يعرف السّياسة ، لأنّه لو منع الماء عن أهل الشّام ، أو قتل مروان ، وابن العاصّ لضمن النّصر بأيسر الأسباب؟ ، ويصحّ هذا القول في حقّ الّذين تسيّرهم منافعهم الشّخصيّة ، ويستبيحون كل شيء في سبيلها ، أمّا في حقّ الإمام الّذي يرى الدّنيا بكاملها أحقر من ورقة في فم جرادة تقضمها ، وأهون عليه من رماد أذرته الرّياح في يوم عاصف»(٣) ، أمّا في حقّ الإمام الّذي يرى الموت أيسر عليه من شرب الماء على الظّمأ ، أمّا الّذي يرى

__________________

(١) انظر ، الطّبري في تأريخه : ٢ / ١٣١ ، السّيرة الحلبية : ٢ / ٢٢٤ ، والمعارف لابن قتيبة : ١٦١ ، تنوير المقباس من تفسير ابن عبّاس : ١٤٧.

(٢) فكّرت مليّا في صفح الإمام ، وبقيت اللّيالي والأيّام أبحث عن تفسير تركن إليه نفسي ، فلم أجد وجها إلّا أنّه مخلوق مستقل قائم بنفسه ، لا يشبه أحدا ، ولا يشبهه أحد من النّاس لا في الماضي ولا في الحاضر والمستقبل ، فهو بطبعه ومزاجه يصفح عن قاتله ، وقاتل أولاده دون أي تكلّف ، كما يصفح عمّن يسيء إليه بكلمة صغيرة نابية سواء بسواء ، ولا أدل على ذلك من وصيته بقاتله ابن ملجم ، وقوله : وإن تعفوا : أقرب إلى التّقوى. (منهقدس‌سره ).

انظر ، تأريخ الطّبري : ٣ / ٥٦٩ ، وقعة صفّين : ١٦١ ، الأخبار الطّوال : ١٦٨ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ٣ / ٣١٨ و : ٤ / ١٣.

مال جيش الإمام على أعدائهم ، واضطروهم إلى ترك الشّريعة ، فسيطر عليها الإمام ، وألحّ عليه جماعة من أصحابه أن يمنع معاوية من الماء كما منعه ، فأبى ، وقال : «لا أفعل ما فعله الجاهلون!! سنعرض عليهم كتاب الله ، وندعوهم إلى الهدى ، فإن أبوا أعطيتهم حدّ السّيف». انظر ، منهاج البراعة : ٤ / ٣١٠ ، شرح المختار : ٤٦ ، وقعة صفّين : ٥٣٩ ، الفصول المهمة لابن الصّباغ المالكي ، بتحقيقنا : ١ / ٤٤٧ و ٤٩٧ ، و «الإمام عليّ صوت العدالة الإنسانيّة» : ٤ / ٩٧٣.

(٣) انظر ، نهج البلاغة : الخطبة (٢٢٤).


الحذاء البالية خيرا ألف مرّة من الملك ، والسّلطان إلّا أن يقيم حقّا ، أو يدفع باطلا»(١) ، أمّا هذا الملاك الّذي لا يشبه أحدا ، ولا يشبهه أحد من النّاس ، فلا يصحّ في حقّه شيء من مقاييس النّاس الّتي تقوم على الأطماع ، والتهالك على الحطام.

وخير كلمة قرأتها في الإعتذار عن صفح الإمام عن أعدائه ، واستخفافه بالملك ما قاله الأستاذ جرداق : «أنّ الّذين يعترضون على الإمام يريدونه أن يكون معاوية بن سفيان ، ويأبى هو إلّا أن يكون عليّ بن أبي طالب»(٢) .

وهكذا أراد أتباع يزيد ومن على شاكلته أرادوا أن يكون الحسين كابن سعد وابن زياد حين طلبوا منه أن يبايع يزيد ، ويأبى هو إلّا أن يكون الحسين بن عليّ ، وإلّا أن يحمل روح أبيه بين جنبيه ، وإلّا أن يرى الموت سعادة ، والحياة مع الظّالمين ندما.

قال له قيس بن الأشعث يوم الطّفّ : انزل على حكم بني عمّك ، فإنّهم لم يروك إلّا ما تحبّ. فقال له الحسين : «لا والله ، لا أعطيهم بيدي إعطاء الذّليل ، ولا أقرّ إقرار العبيد. عباد الله :( إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ ) (٣) .( إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ ) (٤) ، ألا وإنّ الدّعي ابن الدّعي قد ركز بين اثنتين : بين السّلة والذّلّة ، وهيهات منّا الذّلّة ، يأبى الله لنا ذلك ، ورسوله ، والمؤمنون ، وجدود طابت ، وحجور طهرت ، وأنوف حميّة ، ونفوس أبيّة لا تؤثر

__________________

(١) انظر ، نهج البلاغة : الخطبة «٣٣»

(٢) انظر ، عليّ صوت العدالة الإنسانية : ٤ / ٧٧٥.

(٣) الدّخان : ٢٠.

(٤) غافر : ٢٧.


طاعة اللّئام على مصارع الكرام»(١) .

وحين هلك معاوية كتب يزيد إلى ابن عمّه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ، وكان واليا على المدينة : «أمّا بعد فخذ حسينا بالبيعة أخذا ليس فيه رخصة ، حتّى يبايع. والسّلام»(٢) . ولمّا وصل الكتاب إلى الوليد أرسل في طلب الحسين ، فدعا الإمام جماعة من مواليه ، وأمرهم بحمل السّلاح ، وقال لهم : «إنّ الوليد قد استدعاني ، ولست آمن أن يكلفني أمرا لا أجيبه إليه ، فإن سمعتم صوتي قد علا ، فادخلوا عليه ، لتمنعوه منّي ، وصار الحسين إلى الوليد ، فوجد عنده مروان بن الحكم ، فقرأ الوليد كتاب يزيد على الحسين ، فطلب الحسين منه الإمهال ، فقال له الوليد : انصرف إذا شئت على اسم الله ، فقال له مروان : «لئن فارقك السّاعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبدا حتّى تكثر القتلى بينكم وبينه ، ولكن احبسه فإن بايع وإلّا ضربت عنقه».

وفي رواية أنّ الحسين قال للوليد : «أيّها الأمير ، إنّا أهل بيت النّبوّة ، ومعدن الرّسالة ، ومختلف الملائكة ، بنا فتح الله ، وبنا ختم ، ويزيد فاسق ، فاجر ، شارب الخمر ، قاتل النّفس المحترمة ، معلن بالفسق والفجور ، ومثلي لا يبايع مثله»(٣) .

__________________

(١) انظر ، تأريخ الطّبري : ٥ / ٤٢٥ ـ ٤٢٦ طبعة سنة ١٩٦٤ م ، الكامل في التّأريخ : ٣ / ٢٨٧ ـ ٢٨٨.

(٢) انظر ، الكامل في التّأريخ : ٢ / ٥٢٩ و : ٣ / ٢٦٣ ، تأريخ الطّبري : ٤ / ٢٥٠ ، و : ٥ / ٣٣٨ ، الأخبار الطّوال : ٢٢٧ ، الفتوح لابن أعثم : ٢ / ٣٥٥ و : ٣ / ٩ ، مقتل الحسين للخوارزمي : ١ / ١٨٠ مثله. وهذا يبطل كلّ كلام يدافع به عن يزيد وعن تبرير المنافقين والمستشرقين الّذين يدّعون بأنّ يزيد لم يكن راغبا في قتل الإمام الحسينعليه‌السلام .

(٣) انظر ، مقتل الحسين للخوارزمي : ١ / ١٨٤ وزاد فيه : والله لو رام ذلك أحد لسقيت الأرض من دمه قبل ذلك ، فإن شئت ذلك فرم أنت ضرب عنقي إن كنت صادقا ، تأريخ الطّبري : ٤ / ٢٥١ ، تذكرة ـ


ولمّا جنّ اللّيل أقبل الحسين إلى قبر جدّه ، وقال : السّلام عليك يا رسول الله ، أنا الحسين بن فاطمة فرخك وابن فرختك ، وسبطك الّذي خلفته في أمّتك ، فاشهد عليهم يا نبي الله أنّهم قد خذلوني وضيعوني ، ولم يحفظوني ، وهذه شكواي إليك حتّى ألقاك ، ثمّ قام فصفّ قدميه للصّلاة. فلمّا كانت اللّيلة الثّانية خرج إلى القبر أيضا ، وصلّى ركعات ، فلمّا فرغ من صلاته ، جعل يقول :

«أللهمّ هذا قبر نبيّك محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنا ابن بنت نبّيك ، وقد حضرني من الأمر ما قد علمت ، أللهمّ إنّي أحبّ المعروف ، وأنكر المنكر ، وأنا أسألك يا ذا الجلال والإكرام ، بحقّ القبر ومن فيه إلّا اخترت لي ما هو لك رضى ، ولرسولك رضى ، ثمّ بكى حتّى إذا كان قريبا من الصّبح ، وضع رأسه على القبر فاغفى ، فإذا هو برسول الله قد أقبل في كتيبة من الملائكة عن يمينه وعن شماله وبين يديه ، فضمّ الحسين إلى صدره ، وقبّل بين عينيه ، وقال : حبيبي يا حسين كأنّي أراك عن قريب مرملا بدمائك ، مذبوحا بأرض كرب وبلاء ، من عصابة من أمّتي ، وأنت مع ذلك عطشان لا تسقى ، وظمآن لا تروى ، وهم مع ذلك يرجون شفاعتي ، لا

__________________

ـ الخواصّ لسبط ابن الجوزي : ٢٢٩ طبعة إيران ، الآداب السّلطانية للفخري : ٨٨ ، الكامل في التّأريخ لابن الأثير : ٤ / ٧٥ ، تأريخ ابن عساكر : ٧ / ٤٠٧ ، أنساب الأشراف : ٥ / ١٢٩ ، الفتوح : ٣ / ١٤ ، وكان يقال له ـ أي مروان ـ ولولده : بنو الزّرقاء ، يقول ذلك من يريد ذمّهم وعيبهم ، وهي الزّرقاء بنت موهب جدّة مروان بن الحكم لأبيه ، وكانت من ذوات الرّايات الّتي يستدلّ بها على بيوت البغاء ، فلهذا كانوا يذمّون بها. وقال البلاذري في أنساب الأشراف : ٥ / ١٢٦ اسمها مارية ابنة موهب وكان قينا. انظر ، تذكرة الخواصّ : ٢٢٩ ، تأريخ ابن عساكر : ٧ / ٤٠٧ ، تأريخ الطّبري : ٨ / ١٦ ، تفسير من آية ١٣ سورة القلم في قوله( عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ ) وانظر ، كنز العمّال للمتقي الهندي : ١ / ١٥٦ ، روح المعاني للآلوسي : ٢٩ / ٢٨ ، الإمامة والسّياسة : ١ / ٢٢٧ ، الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة لابن الصّباغ المالكي : ٢ / ١٠٦ ، بتحقيقنا.


أنيلهم الله شفاعتي يوم القيامة ، حبيبي يا حسين إنّ أباك وأمّك وأخاك قدموا عليّ وهم مشتاقون إليك ، وإنّ لك في الجنان لدرجات لن تنالها إلّا بالشّهادة. فجعل الحسينعليه‌السلام ينظر إلى جدّه ويقول : يا جدّاه لا حاجة لي في الرّجوع إلى الدّنيا فخذّني إليك وأدخلني معك في قبرك»(١) .

يا غيرة الله اغضبي لنّبيه

وتزحزحي بالبيض عن أغمادها

من عصبة ضاعت دماء محمّد

وبنيه بين يزيدها وزيادها

ضربوا بسيف محمّد أبناءه

ضرب الغرائب عدن بعد ذيادها

يا يوم عاشوراء كم لك لوعة

تترقص الأحشاء من إيقادها

ما عدت إلّا عاد قلبي غلة

حرّى ولو بالغت في إبرادها(٢)

__________________

(١) انظر ، مقتل الحسين لأبي مخنف : ٧ ، الفتوح لابن أعثم : ٣ / ١٩ ، تأريخ الطّبري : ٤ / ٢٥٣ ، و : ٦ / ١٩٠ مقتل الحسين للخوارزمي : ١ / ١٨٦ ، الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة لابن الصّباغ المالكي : ٢ / ١٠٧ ، بتحقيقنا ، نزهة الأبصار بطرائف الأخبار والأشعار : ١ / ٣٦٣ ، الكامل في التّأريخ : ٤ / ٨ ، تهذيب تأريخ دمشق لابن عساكر : ٤ / ٣٢٩ ، مروج الذّهب : ٢ / ٨٦.

(٢) انظر ، شرح الأخبار : ٢ / ١٧٣ ، الغدير : ٤ / ٢١٧ و : ٦ / ٣٦٢ ، رياض المدح والثّناء : ٣٢.


لا عذّب الله أمّي

لا عذّب الله أمّي أنّها شربت

حبّ الوصي وغذتنيه باللّبن

وكان لي والد يهوى(١) أبا حسن

فصرت من ذا وذي أهوى أبا حسن(٢)

طلب هذا الشّاعر من الله سبحانه الرّحمة والرّضوان لأمّه وأن يبعد عنها العذاب ، والهوان ، لأنّها غذّته حبّ الوصي منذ طفولته ونعومة أظفاره ، وكانت السّبب الأوّل لإيمانه ، وحبّه لمن أحبّ الله ورسوله ، فكان أنّى اتّجه وتحرك يرن في اذنيه هذا الاسم الحبيب الّذي يجد له أطيب الوقع على قلبه وسمعه ، فهو يحمد الله على هذه السّعادة ، ويشكر لوالدته فضلها وحسن تربيتها. ورضوان الله ورحمته عليها وعليه.

خلق الله محمّدا وأهل بيته معالم للدّين ، وسبلا إلى الحقّ ، فمن ضلّ عنهم فلن يهتدي إلى الله في طاعة ، ولا يقبل منه عملا ، فلقد قرن الله سبحانه طاعته بطاعة الرّسول ، فقال :( وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً ) (٣) ، وقال :

__________________

(١) في الأصل ، «يدعى».

(٢) تنسب هذه الأبيات إلى الشّاعر الكبير المتنبيّ ، وكذلك إلى الإمام الشّافعي. انظر ، تأريخ بغداد : ٤ / ٦٠٢ ، ريحانة الأدب : ٣ / ٤٤٠ ، شذرات الذّهب : ٣ / ١٣ ، الوفيّات : ١ / ١٠٢.

(٣) الأحزاب : ٧١.


( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ ) (١) ، وقال :( وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ) (٢) ، وقال :( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ ) (٣) ، إلى غير ذلك من الآيات لم تفرّق بين الله ومحمّد في الطّاعة والمعصية.

وكذلك الرّسول الأعظم لم يفرّق بين التّمسك به والتّمسك بأهل بيته ، فقد جاء في كتاب ذخائر العقبى : «أنّ النّبيّ قال : «أنا وأهل بيتي شجرة في الجنّة وأغصانها في الدّنيا فمن تمسك بنا اتّخذ إلى ربّه سبيلا»(٤) . وجاء في الصّفحة نفسها حديث الثّقلين ، وإذا عطفنا هذا الحديث على قوله تعالى :( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ ) (٥) ، كانت النّتيجة أنّ أهل البيت هم الطّاعات والحسنات ، وإنّ أعداءهم هم المعاصي والسّيئات ، ومن أجل هذا قال الفرزدق(٦) :

__________________

(١) محمّد : ٣٣.

(٢) الفتح : ١٧.

(٣) النّساء : ٨٠.

(٤) انظر ، ذخائر العقبى للحافظ الطّبري : ١٦ طبعة (١٣٥٦ ه‍» ، شواهد التّنزيل : ١ / ٣٨٠ ، الصّواعق المحرقة : ٩٠ ، ينابيع المودّة : ٢ / ٣٦٦ ح ٤٧ وص : ٣٦٦ ح ٢٠٨ ، مناقب أهل البيت : ١٧٣ ، الرّياض النّضرة : ٢ / ٣٦٨ ، طبعة (١٩٥٣ م).

(٥) النّساء : ٨٠.

(٦) انظر ، أنوار الرّبيع : ٤ / ٣٥ ، تأريخ الأدب العربي : ٢٦٨ طبعة بغداد عام ١٣٤٧ ه‍ ، كفاية الطّالب : ٣٠٣ ، حياة الحيوان : ١ / ١١ ، شذرات الذّهب : ١ / ١٤٢ ، البداية والنّهاية : ٩ / ١٠٩ ، شرح لاميّة العجم للصّفدي : ٢ / ١٦٢ ، مروج الذّهب : ٢ / ١٩٥ ، الصّواعق المحرقة : ١١٩ ، نهاية الإرب : ٢١ / ٣٢٧ ، و : ٣ / ١٠٧ ، طبعة اسوة ، سرح العيون لابن نباتة : ٣٩٠ ، تأريخ دمشق : ٣٦ / ١٦١.

قال : فلمّا سمع هشام هذه القصيدة غضب ، ثمّ إنّه أخذ الفرزدق وحبسه ما بين مكّة والمدينة ، وبلغ ـ


من معشر حبّهم دين وبغضهم

كفر وقربهم منجى ومعتصم

يدلنا هذا البيت دلالة صريحة واضحة على أنّ الموالين للعترة الطّاهرة إنّما يوالونهم ولاء عقيدة وإيمان ، لا ولاء سياسيّا ، ويبغضون أعداءهم بغضا دينيّا لا حزبيّا ؛ وقد صرّحت الآيات القرآنيّة ، والأحاديث النّبويّة بأنّ أعظم الفروض ، بعد التّوحيد ونبوّة محمّد ، المودّة في القربى. ولهذا وحده نجد تأريخ الإماميّة في

__________________

ـ عليّ بن الحسين امتداحه ، فبعث ـ بأربعة الآف درهم فردّها ، وكتب إليه : إنّما مدحتك بما أنت أهله ، فردّها عليه عليّعليه‌السلام ، وكتب إليه : أن خذّها وتعاون بها على دهرك ، فإنا أهل بيت إذا وهبنا شيئا لا نستعيده ، فقبلها منه.

وفي رواية فبعث بإثني عشر ألف درهم ، وفي رواية بعشرة الآف درهم ، وقال : اعذرنا يا أبا فراس ، فلو كان عندنا أكثر من هذا لوصلناك به ، وجعل الفرزدق يهجو هشاما وهو في السّجن ، فبعث إليه ، وأخرجه.

أتحبسني بين المدينة والّتي

إليها قلوب النّاس تهوي منيبها

يقلّب رأسا لم يكن رأس سيّد

وعينا له حولاء باد عيوبها

ذكر الجاحظ في رسائله (٨٩) أنّ هشام بن عبد الملك كان يقال له : الأحول السّراق ، وقد أنشده أبو النّجم العجلي ارجوزته الّتي يقول فيها : الحمد لله الوهوب المجزل.

فأخذ يصفق بيديه استحسانا لها حتّى صار إلى ذكر الشّمس قال : والشّمس في الأرض كعين الأحول ، فأمر بوج عنقه وإخراجه ، وعلّق الجاحظ على ذلك بقوله : وهذا ضعف شديد ، وجهل عظيم.

وقال الشّيخ عبد الجواد الشّربيني في كتاب درّر الأصداف في مناقب الأشراف كان عليّ بن الحسين عاملا على كتمان أسرار الله تعالى في العالم كما أشار إلى ذلك في قوله رضى الله عنه :

يا ربّ جوهر علم لو أبوح به

لقيل لي أنت ممّن يعبد الوثنا

ولاستحل رجال صالحون دمي

يرون أقبح ما يأتونه حسنا

انظر ، درّر الأصداف في فضل السّادة الأشراف ، لعبد الجواد بن خضر الشّربيني ، وتفسير الآلوسي : ٦ / ١٩٠ ، ديوان الفرزدق : ١ / ٥١ ، تهذيب الكمال : ٤١ / ٤٠٣ ، تهذيب الكمال : ٢٠ / ٤٠٢ ، تأريخ الخطيب البغدادي : ١٢ / ١٨١.


عقيدتهم ، وفقههم ، وأحاديثهم ، وشعرهم ، ونثرهم تأريخ ولاء وأتباع لأهل البيت ، ونجد مؤلفاتهم ، وكتبهم في شتى أنواعها تزخر بأقوال الرّسول ، وآثار أبنائه ، بل نجد العلماء ، والشّعراء وغيرهم من الإماميّة يستعذبون الموت والإضطهاد في حبّ آل محمّد ، والذّب عنهم وعن تعاليمهم ومبادئهم ؛ فلقد حبس الفرزدق لأنّه ثار من أجل الإمام زين العابدين ، وخاطب هشام بقصدته الذّائعة الّتي قال له فيها :

هذا الّذي تعرف البطحاء وطأته

والبيت يعرفه والحلّ والحرم

هذا ابن خير عباد الله كلّهم

هذا التّقيّ النّقيّ الطّاهر العلم

هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله

بجدّه أنبياء الله قد ختموا

من معشر حبّهم دين وبغضهم

كفر وقربهم منجى ومعتصم

إن عدّ أهل التّقى كانوا أئمّتهم

أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم

مقدّم بعد ذكر الله ذكرهم

في كلّ بدو ومختوم به الكلم

* * *

فليس قولك من هذا بضائره

العرب تعرف من أنكرت والعجم

والكميت القائل(١) :

__________________

(١) هو الكميت بن زيد بن خنس الأسدي ، أبو المستهل ، شاعر الهاشميين ، من أهل الكوفة ، اشتهر بالعصر الأموي ، شعره يقارب أكثر من خمسة آلاف بيت. انظر ، ترجمته في الشّعر والشّعراء : ٥٦٢ ، خزانة الأدب للبغدادي : ١ ـ ٦٩ ، جمهرة أنساب العرب : ١٨٧.

انظر ، مروج الذّهب : ٣ / ٢٤٢ طبعة ١٩٤٨ م ، الأغاني : ١٥ / ١٢٤ و : ١٧ / ٢٨ ، شرح هاشميات الكميت لأبي رياش القيسي : ٦٦ ، الهاشميات والعلويات ، قصائد الكميت ، وابن أبي الحديد : ٢٦ ، ـ


بني هاشم رهط النّبيّ فإنّني

بهم ولهم أرضى مرارا وأغضب

قهدمت داره ، وطرد وشرّد ، لأنّه أوقف لسانه وبيانه على نصرة الأئمّة الأطهار(١) .

ودعبل(٢) صاحب التّائية الذّائعة النّائحة الّتي يقول فيها(٣) :

أفاطم لو خلت الحسين مجدلا

وقد مات عطشانا بشطّ فرات

إذا للطمت الخدّ فاطم عنده

وأجريت دمع العين في الوجنات

هذا الشّاعر الثّائر لاقى في حبّ محمّد وعترته أبشع أنواع التّنكيل والتّعذيب. وقال المتوكّل للعالم الكبير ابن السّكّيت : أيّهما أحبّ إليك ، ولداي : المعتز ،

__________________

ـ أمالي السّيّد المرتضى : ١ / ٢٨ ، تأريخ دمشق : ٥ / ٢٣٣ ، سير أعلام النّبلاء : ٥ / ٣٨٨ ، شرح الشّريف الرّضي على الكافية : ٢ / ٢٤١.

(١) انظر ، الهاشميات والعلويات ، قصائد الكميت ، وابن أبي الحديد : ١٦١ ، أنساب الأشراف : ٣ / ٢٣٨.

(٢) أبو عليّ دعبل بن عليّ بن رزين الخزاعي من شعراء القرن الثّاني ، والثّالث الهجريّين ، ولد سنة (١٤٨ ه‍) في الكوفة ، تحدّى دعبل ظلم العبّاسيّين وطغيانهم حتّى أنّه قال : أنا أحمل خشبتي على كتفي منذ خمسين عاما ، لست أجد أحدا من يصلبني عليها. وقد عاصر هذا الشّاعر البارع الإمام الصّادق ، والكاظم ، والرّضا ، والجواد : ، قرأ قصيدته التّائية على الإمام الرّضاعليه‌السلام أثناء ولاية العهد فبكى الإمام لبعض أبياتها ، واستحسنها ودعا له وأكرمه ، توفّي ؛ سنة (٢٤٦ ه‍).

انظر ، ترجمته في سير أعلام النّبلاء : ١١ / ٥١٩ ، الكامل في التّأريخ : ٧ / ٩٤ ، مروج الذّهب : ١ / ١٧٩ ، و : ٢ / ٧٨ ، و : ٣ / ٢٣١ ، وفيّات الأعيان : ٢ / ٢٦٦ ، الأغاني : ١٨ / ٢٩ طبعة بولاق ، فرائد السّمطين للجويني : ٢ / ٣٣٧ ح ٥٩١ ، وهناك شعراء آخرون للإمام عليّ بن موسى الرّضا عليه‌السلام .

(٣) انظر ، ديوان دعبل : ١٢٤ ، الفصول المهمّة لابن الصّباغ المالكي : ٢ / ٣١٠ وما بعدها ، بتحقّيقنا ، مقصد الرّاغب : ١٦٧ ، الفرج بعد الشّدّة : ٣٢٩ ، كشف الغمّة : ٢ / ٣١٨ ـ ٣٢٧ ، سير أعلام النّبلاء : ٩ / ٣٩١ ، فرائد السّمطين للجويني : ٢ / ٣٣٧ ح ٥٩١ ، ينابيع المودّة للقندوزي الحنفي : ٤٥٤ ، مطالب السّؤول : ٨٥ ، معجم الادباء : ٤ / ١٩٦ ، تذكرة الخواصّ لسّبط ابن الجوزي : ٢٣٨ ، مقاتل الطّالبيّين لأبي فرج الإصفهاني : ٥٦٥.


أم الحسن والحسين؟!.

فقال له : «والله! إنّ قنبرا خادم عليّ بن أبي طالب خير منك ومن ولديك.

فأمر المتوكل جلاوزته بسل لسانه من قفاه فسل ، ومات في ساعته(١) .

والحبر الشّهير بالشّهيد الأوّل محمّد بن مكّي قتل وصلب ورجم ، ثمّ أحرق لا لشيء إلّا لأنّه يتشيّع لآل محمّد ، وهكذا كان مصير العالم العظيم زين الدّين المعروف بالشّهيد الثّاني ، وغير هؤلاء كثر لا يبلغهم الإحصاء تقبلوا القتل والعذاب مغتبطين بمرضاة الله ، ونصرة أوليائه.

لاقى محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله من المعاندين كلّ عنت في سبيل الإسلام ، فاستهزأوا به ، وقال له قائلهم : «أما رأى الله غيرك يبعثه رسولا ، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتّى اجتمع النّاس عليه فجعلوا يرمونه بالحجارة حتّى أدموا رجليه(٢) . وألقوا عليه الأوساخ ، وهو يصلّي لله ، وتآمروا على قتله ،

__________________

(١) انظر ، مقاتل الطّالبيّين : ٥٩٧ ـ ٥٩٩.

وقال ابن خلّكان : لمّا هدم المتوكّل قبر الحسين بن عليّ عليه‌السلام سنة (٢٢٦ ه‍) قال البسّامي :

تالله إن كانت أميّة قد أتت

قتلى ابن بنت نبيّها مظلوما

فلقد أتاه بنو أبيه مثلها

هذا لعمرك قبره مهدوما

أسفوا على أن لا يكونوا شايعوا

في قتله فتتبعوه رميما

(٢) انظر ، فتح الباري : ١٢ / ٢٥٠ ، تأويل مختلف الحديث : ١٥٠ ، تفسير مجمع البيان : ٢ / ٣٨٦ ، تفسير ابن كثير : ٢ / ٥٧٥ ، الدّر المنثور : ٢ / ٢٩٨ ، تفسير الثّعالبي : ٢ / ١٠٤ ، فتح القدير : ٢ / ٦١ ، تأريخ دمشق : ٦٢ / ٢٤٧ ، تأريخ الطّبريّ : ١ / ١٨٢ ، عصمة الأنبياء للفخر الرّازي : ٧٨ ، عيون الأثر لابن سيّد النّاس : ٢ / ٤٢١ ، الشّفا بتعريف حقوق المصطفى : ١ / ١٠٥ ، المواهب اللّدنيّة بالمنح المحمديّة للقسطلاني : ١ / ٦٥.


وعذّبوا أتباعه ، كصهيب(١) ، وبلال(٢) ، وخبّاب(٣) ، وعمّار ، وأبيه ياسر ، وأمّه سميّة(٤) الّتي طعنها أبو جهل في قلبها فماتت(٥) ، وهي أوّل شهيدة في الإسلام(٦) .

__________________

(١) صهيب بن سنان الرّبعي الّنمري فقد كان أبوه عاملا لكسرى على الابلة. فغارت الرّوم عليهم ، وأسرت صهيبا فنشأ فيهم ، ثمّ باعته إلى كلب فجاءت به إلى مكّة ، فباعته من عبد الله بن جدعان فأعتقه ، وكان من السّابقين إلى الإسلام الّذين عذّبوا في مكّة وكنّاه الرّسول أبا يحيى ، وكان في لسانه لكنّة ، توفّي بالمدينة (٣٨ أو ٣٩ ه‍) ودفن بها. (انظر ، اسد الغابة : ٣ / ٣١ ـ ٣٣).

(٢) هو بلال بن رباح ، وأمّه : حمامة. وكان من مولّدي «مكّة» لرجل من بني جمح فاشتراه «أبو بكر» بخمس أواق وأعتقه ، وكان يعذب في الله ، وشهد بدرا والمشاهد كلّها. وهو أوّل من أذّن لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ـ فما قبض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ـ أتى «أبا بكر» فاستأذنه إلى الشّام ، فأذن له ، فلم يزل مقيما بها ، ولم يؤذّن بعد النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله . انظر ، ترجمته في المعارف لابن قتيبة : ١٧٦.

(٣) انظر ، المستدرك على الصّحيحين : ٣ / ٢٨٥ ، مجمع الزّوائد : ٩ / ٣٠٥ ، المصنّف لعبد الرّزاق الصّنعاني : ١١ / ٢٤٢ ح ٢٠٤٣٢ ، المعجم الأوسط : ٣ / ٢٤١ ، المعجم الكبير : ٨ / ٢٩ و : ٢٤ / ٤٣٥ ، تأريخ المدينة : ٢ / ٤٧٩ ، تقريب التّهذيب : ٢ / ٥٨٧ ، الإصابة : ٣ / ٣٦٥ ، أسد الغابة : ٣ / ٣١ ، سير أعلام النّبلاء : ١ / ٣٤٩ و : ٨ / ٥٣٠ ، ميزان الإعتدال : ١ / ٣٣٦ ، الكامل في التّأريخ : ٢ / ٧٥ و : ٧ / ١٦٧ ، تأريخ دمشق : ١٠ / ٤٤٨ و : ٢٤ / ٢٢٠ ، كنز العمّال : ١١ / ٤٠٨ ح ٣١٩٠٩ و ٣٣١٣٣ و ٣٣٦٧٦ ، مسند الشّاميين : ٢ / ١١ ، الجامع الصّغير : ١ / ٤١٣ ح ٢٦٩٥ و : ٢ / ٦٦ ح ٤٧٩٣.

(٤) انظر ، الطّبقات الكبرى : ٣ / ٢٥٣ و ٢٥٩ ، عمدة القاري في شرح صحيح البخاريّ : ٢٤ / ١٩٢ ، مسند أحمد : ٢ / ١٦٤ و ٢٠٦ ، تأريخ الطّبريّ : ٤ / ٢ و ٣ و ٢٨ و ٢٩ ، كنز العمّال : ١٦ / ١٤٣ ، الكامل في التّأريخ : ٣ / ١٤٨ و ١٥٧ و ١٥٨ ، المرقاة في شرح المشكاة : ٥ / ٤٤٧ ، الإمامة والسّياسة : ١ / ١٢٦ ، تأريخ الخميس : ٢ / ٢٧٧ ، المستدرك على الصّحيحين : ٣ / ٣٧٨ ، نسيم الرّياض في شرح الشّفا : ٣ / ١٦٦ ، العقد الفريد : ٢ / ٢٠٣ ـ ٢٠٤ ، خصائص النّسائي : ١٣٣ ، الرّوض الأنف : ٤ / ٢٦٤ و ٢٦٥ ، تأريخ مدينة دمشق : ٤٣ / ٤٢٥ ، تفسير ابن العربي : ٢ / ٥١٩ ، تهذيب الكمال : ١٧ / ١١٤.

(٥) انظر ، تفسير ابن كثير : ٢ / ١٣٤ ، القرآن وإعجازه العلمي لمحمّد إسماعيل إبراهيم : ٢١ ، الرّوض الأنف: ١ / ٢٠٣ ، الإصابة ، التّرجمة رقم «٥٨٢».

(٦) انظر ، الإستيعاب بهامش الإصابة : ٤ / ٣٣١ ، الإصابة لابن حجر : ٤ / ٣٣٥ (٥٨٢) ، المعارف لابن ـ


وهكذا لاقى أبناء الرّسول وشيعتهم في سبيل الدّين والإسلام ، بل لاقوا أكثر وأكثر حتّى قال قائلهم(١) :

نحن بني المصطفى ذوو محن

تجرعها في الحياة كاظمنا

عجيبة في الأنام محنتنا

أوّلنا مبتل وآخرنا

يفرح هذا الورى بعيدهم

ونحن أعيادنا مآتمنا

وإذا كانت حياة الأئمّة الأطهار كلّها أحزان ومآتم حتّى أيّام الأعياد ، فحقيق بنا ، نحن الموالين لهم ، أن نجعل هذه المآتم من شعائر الدّين ، فإذا اجتمعنا للعزاء فإنّما نجتمع ، كما نكون في الجامع للصّلاة ، وكما نكون في مكّة المكرّمة للحجّ لا نبغي إلّا مرضاة الله وثوابه ، نجتمع للعزاء أملا أن تنالنا دعوة الإمام الصّادقعليه‌السلام حين سأل ربّه سبحانه بقوله :

«أللهمّ ارحم تلك الأعين الّتي جرت دموعها رحمة لنا» ، «وارحم تلك القلوب الّتي حزنت واحترقت لنا ...» ، «وارحم تلك الصّرخة الّتي كانت لنا ...».

__________________

ـ قتيبة : ١١١ ، وقعة صفّين : ١٩٩ ، سير أعلام النّبلاء : ١ / ٤٠٩ ، تأريخ بغداد : ١ / ١٦١ ، تأريخ دمشق : ٤٣ / ٣٥٩ و ٣٦٠.

(١) الأبيات في يتيمة الدّهر : ١ / ٢٥٤ ، سير أعلام النّبلاء : ١٥ / ١٦٧ ، مع بعض الإختلاف.


الإستهانة بالموت

قال ابن أبي الحديد في شرح النّهج :

«قيل لرجل شهد يوم الطّفّ مع عمر بن سعد : «ويحكم أقتلتم ذرّيّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟! فقال : عضضّت بالجندل(١) أنّك لو شهدت ما شهدنا لفعلت ما فعلنا ، ثارت علينا عصابة أيديها في مقابض سيوفها ، كالأسود الضّارية ، تحطّم الفرسان يمينا وشمالا ، وتلقي أنفسها على الموت ، لا تقبل الأمان ، ولا ترغب في المال ، ولا يحول حائل بينها وبين الورود على حياض المنيّة ، أو الإستيلاء على الملك ، فلو كففنا عنها رويدا لأتت على نفوس العسكر بحذافيرها ، فما كنّا فاعلين لا أمّ لك؟!».

ومن أجل ذلك صاح عمر بن الحجّاج برفاقه المارقين :

«ويلكم يا حمقاء ، مهلا ، أتدرون من تقاتلون؟ إنّما تقاتلون فرسان المصر ، وأهل البصائر ، وقوما مستميتين لا برز إليهم منكم أحد(٢) . ومن أجل ذلك

__________________

(١) الجندل : الصّخر العظيم. (منهقدس‌سره ). انظر ، لسان العرب : ١١ / ١٢٨.

(٢) انظر ، تأريخ الطّبريّ : ٤ / ٣٣١ و : ٥ / ٤٣٥ ، الإرشاد للشّيخ المفيد : ٢ / ١٠٣ ، بحار الأنوار : ٤٥ / ١٩ ، جواهر المطالب في مناقب الإمام عليّ لابن الدّمشقي : ٢ / ٢٨٦.


أيضا نهى ابن سعد أصحابه أن يبرزوا لأصحاب الحسين رجلا رجلا»(١) .

وليس هذا بعجيب ولا بغريب على من لا يبتغي شيئا في هذه الحياة إلّا وجه الله والدّار الآخرة ، ليس هذا غريبا على الحقّ إذا نازل الباطل ، وعلى من سمع بعقله وقلبه صوت الله يناديه إقدم ، ولك أحسن الجزاء. لقد عبّر كل شهيد في الطّفّ بأفعاله قبل أقواله عمّا قاله سيّد الشّهداء : «أما والله لا اجيبهم إلى شيء ممّا يريدون ، حتّى ألقى الله تعالى ، وأنا مخضّب بدمي»(٢) .

لم يكن المال والأمان من أهداف أبطال الطّفّ ، لم يكن لهم إلّا هدف واحد ، يفتدونه بكلّ ما غلا وعز ، ويستعذبون في سبيله كلّ شيء حتّى الموت ، ليس لأصحاب الحسين إلّا هدف واحد لا غير هو التّقرب إلى الله بنصرة العترة الطّاهرة ، ولا وسيلة إلى نصرتهم في هذا الموقف إلّا بذل النّفوس ، والإلتجاء إلى السّيوف ، فرحوا يحطمون الفرسان بسيوفهم يمينا وشمالا ويلقون بأنفسهم على الموت ، لا يحول بينهم وبين المنيّة حائل ، وما زادهم الحصار ، والجوع ، والعطش إلّا بسالة ومضاء.

ولم تكن لأصحاب الحسين هذه الشّجاعة والإستهانة بالموت ، ولا هذه العاطفة السّامية والمعاني النّبيلة لو لا إيمانهم بالله وبالحسين. إنّ الإخلاص للحقّ يبعث في النّفوس البطولة والتّضحية ، والعزم والصّراحة. وهذا ما يجعلنا نشكّك

__________________

(١) انظر ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ٣ / ٢٦٣ ، تأريخ الطّبري : ٤ / ٣٣١ و : ٥ / ٤٣٥ ، الإرشاد : ٢ / ١٠٣.

(٢) انظر ، اللهوف في قتلى الطّفوف : ٥٧ و ١٠٠ ، مثير الأحزان : ٥٨ ، مقتل الحسين للخوارزمي : ٢ / ٩ ، الحدائق الورديّة (مخلوط) ، ينابيع المودّة : ٣ / ٧٥ ، نسب قريش لمصعب الزّبيري : ٥٨ ، تأريخ اليعقوبي : ٢ / ٢١٧.


بالّذين يظهرون الإيمان ، ولا يجرأون على التّفوه بكلمة الحقّ طمعا في حطام زائل ، أو خوفا على منصب لا يدوم ، ومن أجله يؤثرون أهواء أهل الدّنيا على إرادة الله والرّسول. قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : «أغلب النّاس من غلب هواه بعلمه»(١) . وقال : علامة الإيمان أن تؤثر الصّدق حيث يضرك على الكذب حيث ينفعك. لا يؤنسنّك إلّا الحقّ. ولا يوحشنّك إلّا الباطل»(٢) .

وما نقله ابن أبي الحديد عن الرّجل الّذي يشهد يوم الطّفّ يدل دلالة صريحة واضحة على صدق ما روي عن شجاعة أبطال الطّفّ ، وأنّ الواحد منهم كان يقتل جمعا كثيرا من أصحاب ابن سعد قبل أن يقتل ، وأنّهم كانوا على قتلهم لا يحملون على جانب من جيش الكوفة إلّا كشفوه ، فلقد أرسل عروة بن قيس إلى ابن سعد ، وكان قائده على الخيّالة ، أرسل إليه يقول : ألا ترى ما تلقى خيلي منذ اليوم من هذه القلّة اليسيرة؟! فأمده بخمسمئة من الرّماة ، فأقبلوا حتّى دنوا من أصحاب الحسين ، ورشقوهم بالنّبل ، فلم يلبثوا حتّى عقروا خيولهم ، وصاروا رجّاله كلّهم ، وكان الباقون من أصحاب الحسين إثنين وثلاثين رجلا ، فأجمع عليهم عسكر ابن سعد ، وهم ألوف ، واشتبكوا معهم في أشد قتال ، حتّى انتصف النّهار ، وقد قتل أصحاب الحسين من أهل الكوفة المئات.

فقد رماهم أبو الشّعثاء الكندي ، وهو جاث بين يدي الحسين بمئة سهم لم يكد يخيب منها خمسة أسهم(٣) . وكان نافع البجلي يكتب اسمه على نبله ،

__________________

(١) انظر ، غرر الحكم : ٣١٨١ ، عيون الحكم والمواعظ : ١١٦.

(٢) انظر ، نهج البلاغة : الخطبة «١٢٠».

(٣) انظر ، مقتل الحسين للخوارزمي : ٢ / ٢٥ ، تأريخ الطّبري : ٣ / ٣٣ ، أعيان الشّيعة : ١ / ٦٠٣ ، وقعة الطّفّ : ٢٣٧.


ويرسلها ، فيقتل بها ، ويجرح ، وقلّما تخطيء ، فأحاطوا به من كلّ جانب ، وضربوه وأسمعهم ما يكرهون ، وقال لهم : قتلت منكم إثني عشر رجلا سوى من جرح ، ولو بقيت لي عضد لزدت(١) .

وقتل حبيب بن مظاهر اثنين وستين رجلا ، كان يصول ويجول على شيخوخه وكبر سنّه ، ويستقبل الرّماح بصدره ، والسّيوف بوجهه ، وقد عرضوا عليه الأمان والأموال ، فأبى وقال : «لا والله لا عذر لنا عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إن قتل الحسين ، وفينا عين تطرف». فاجتمعوا عليه ، وقتلوه(٢) . وكان حبيب صحابيّا أدرك النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وشهد مع أمير المؤمنين حرب الجمل ، وصفّين ، والنّهروان ، وكان من خاصّته ، وحملة علومه ، وكان عابدا زاهدا يختم القرآن في ليلة واحدة.

وبعد ما انتهت المعركة رجع ابن سعد إلى الكوفة ، ومعه سبايا الحسين ، فخرج النّساء ، والأطفال ينظرون إلى السّبايا ، وكان مع من خرج القاسم بن حبيب بن مظاهر ، وهو يومئذ غلام قد راهق الحلم ، فرأى رأس أبيه معلقا في عنق فرس(٣) فأقبل الغلام من الفارس لا يفارقه ، فإذا دخل القصر دخل معه ، وإذا

__________________

(١) انظر ، مقاتل الطّالبيّين : ٧٨ ، إقبال الأعمال : ٣ / ٧٨ ، مقتل الحسين لأبي مخنف : ٩٨ و ١٣٤ ، الكامل في التّأريخ : ٤ / ٢٩ ، شرح الأخبار : ٣ / ٢٤٧ ، المزار للشّهيد الأوّل : ١٥١ ، المزار للمشهدي : ٤٩٣ ، معجم رجال الحديث : ٢٠ / ١٣٥ رقم «١٣٠٠٢» ، الإرشاد للشّيخ المفيد : ٢ / ١٠٣ ، الأخبار الطّوال : ٢٥٥ ، الأعلام : ٨ / ٦ ، مثير الأحزان : ٤٥ ، الكامل في التأريخ : ٤ / ٢٩.

(٢) انظر ، تأريخ الطّبري : ٥ / ٣٥٢ ، مقتل الحسين : ٢ / ٤ ، و : ٤ / ٣٢٠ ، مقتل الحسين لابي مخنف : ١١٣ ، إعلام الورى : ١ / ٤٥٧ ، الإرشاد للشّيخ المفيد : ٢ / ٩٥ ، مناقب آل أبي طالب : ٣ / ٢٥٠ ، البداية والنّهاية : ٨ / ١٩٣ ، الأخبار الطّوال : ٢٥٦.

(٣) كان أمير المؤمنين قد أخبر حبيبا بما يحدث له ، وأخبر ميثم التّمار بأنّه يصلب ، وتبقر بطنه ، وبعد ـ


خرج منه خرج معه ، فارتاب به الرّجل ، وقال له : مالك يا بني تتّبعني؟ فقال الغلام : إنّ هذا الرّأس رأس أبي ، اعطني إيّاه حتّى أدفنه. قال : إنّ الأمير لا يرضى أن يدفن ، وأريد أن يثيبني على قتله. فقال له الغلام : ولكن الله لا يثيبك ، وبكى. ثمّ ذهب الغلام ، ولم يكن له من هم إلّا أن يقتل قاتل أبيه ، ولم تمض الأيّام حتّى خرج مصعب بن الزّبير(١) ، وكان القاتل مع جيش مصعب ، فراقبه الغلام يلتمس الفرصة السّانحة ، وفي ذات يوم دخل عسكر مصعب ، فوجد القاتل نائما في فسطاطه ، فضربه بسيفه حتّى برد(٢) .

__________________

ـ وفاة الإمام عليّعليه‌السلام التقى ميثم بحبيب ، وكان كلّ منهما يركب فرسا ، فقال حبيب يطايب ميثما : كأنّي بشيخ أصلع قد صلب في حبّ أهل البيت ، وتبقر بطنه فقال ميثم : أنّي لأعرف رجلا ثمّ افترقا ، فقال قوم كانوا جالسين يسمعون كلامهما ، ما رأينا أحدا أكذب من هذين. وقبل أن يفترق أهل المجلس أقبل رشيد الهجري ، فسأل أهل المجلس عنهما ، فقالوا : مرّا من هنا ، وقالا كذا وكذا. فقال رشيد ، نسي ميثم أن يقول : أنّه يزاد في عطاء من يأتي برأس حبيب مئة درهم. ثمّ أدبر ، فقال أهل المجلس : هذا ، والله أكذبهم. ولكن لم تمض الأيّام حتّى شاهد هؤلاء ميثما مصلوبا ، ورأس حبيب يطاف به ، وتحقّق كل ما سمعوه. (منه قدس‌سره). انظر ، أبصار العين في أنصار الحسين : ١٠١ ، رجال الكشي : ٧٨ رقم «١٣٣» ، منتهى المقال في أحوال الرّجال : ٢ / ٣٢٨.

(١) انظر ، الأخبار الطّوال : ٣١٨ ، تأريخ الطّبري : ٧ / ١٨١.

(٢) انظر ، تأريخ الطّبري : ٣ / ٣٢٧ و : ٦ / ٦٥٢ ، البداية والنّهاية : ٨ / ١٨٢ ، الكامل في التّأريخ : ٤ / ٧١.



أنتم مؤمنون

أين المؤمنون؟ أين المسلمون حقّا؟ أين الأسوة والعزاء بالأنبياء والأولياء؟ وبالتالي أين الموالون للنّبي وأهل بيته الّذين أحبّوا ما أحبّ الله ، ومحمّد ، وعليّ ، والحسن ، والحسين؟! قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : «ولو لم يكن فينا إلّا حبّنا ما أبغض الله ، ورسوله ، وتعظيمنا ما صغر الله ورسوله لكفى به شقاقا لله ومحادّة عن أمر الله»(١) .

نحن ننكر على عثمان بن عفّان ، لأنّه آثر الأقارب والأرحام ، وآوى عمّه الحكم طريد رسول الله ولعينه(٢) . وننكر على معاوية مبايعته لولده يزيد الّذي أهلك الحرث والنّسل ، وننكر على ابن العاصّ ، لأنّه باع دينه إلى معاوية بولاية مصر ، وننكر على ابن سعد ، لأنّه قتل الحسين أملا بملك الرّي ، أجل ، أنّنا ننكر

__________________

(١) انظر ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ٩ / ٢٣٢ ، شرح نهج البلاغة لمحمّد عبده : ٢ / ٥٩.

(٢) الحكم هذا هو أخو عفّان أبي عثمان ، وكان يؤدي رسول الله ، وينبيء المشركين بأخباره. ذات يوم بينما يمشي رسول الله مشى الحكم خلفه يتفكك ، ويتمايل يختلج بفمه وأنفه مستهزءا بالرّسول فالتفت إليه ، وقال له كن كذلك. فما زال بقيّة عمره كذلك. ثمّ أسلم خوفا من القتل ، فطرده الرّسول من المدينة ، ولم يزل خارجها بقيّة حياة الرّسول وخلافة أبي بكر وعمر حتّى تولى عثمان فردّه إليها وقرّبه ، وقالت عائشة لابنه مروان «أشهد أنّ الله لعن أباك وأنت في صلبه». (منهقدس‌سره ). انظر ، تفسير القرطبي : ١٠ / ٢٨٦ ، ترجمة الإمام الحسن من طبقات ابن سعد : ٣٦.


على هؤلاء وأمثالهم لا لشيء إلّا لأنّهم آثروا العاجلة على الآجلة ، واستجابوا لأهواء الأولاد والأرقاب ، واستبدّت بهم الشّهوات والمنافع ، ولم يرعوا أمر الله وحرمة الدّين.

ونحن نكرّم أهل البيت ، ونقيم لهم الحفلات ، ونحي الذّكريات لأنّهم جاهدوا وضحّوا في سبيل الله ، وجابهوا الباطل ، وقاوموا العدوّان ولم يثنهم الخوف على منصب أو ولد ، ولكنّا في نفس الوقت نستجيب لأهواء الأولاد والأرقاب ، وتستبد بنا الشّهوات ، ولم نراع لله أمرا ولا نهيا ، تماما كما فعل أعداء أهل البيت ، نحن في أقوالنا ومظاهرنا مع الرّسول وعترته ، وفي أفعالنا وواقعنا مع الّذين حاربوا الله ورسوله ، وعاندوا الحقّ وأهله.

نحن لا نطلب من المسلم أن يكون حسينا ، ولا كأصحاب الحسين ، ولكن نطلب منه أن لا يكون كابن سعد ، وأصحاب ابن سعد نطلب أن لا يسمّي الظّلم عدلا ، والباطل حقّا تملقا لأبناء الدّنيا ورغبة في ما بأيديهم ، نريده أن يقول للظّالم يا ظالم ، ولا يسكت عن الحقّ. أنّ السّكوت عن الحقّ ومدراة الطّغاة وأصحاب المال ، والجاه لا تجتمع مع موالاة أهل البيت الّذين كانوا حربّا على كلّ طاغ وباغ ؛ قال الإمام الباقرعليه‌السلام لجابر الجعفي :

«اعلم بأنّك لا تكون لنا وليّا إلّا إذا اجتمع عليك أهل مصرك وقالوا : إنّك رجل سوء لم يحزنك ذلك ، ولو قالوا : إنّك رجل صالح لم يسرّك ذلك ولكن اعرض نفسك على كتاب الله ، فإن كنت سالكا سبيله ، زاهدا في تزهيده ، راغبا في ترغيبه ، خائفا من تخويفه فأثبت وأبشر ، فإنّه لا يضرّك ما قيل فيك. وإن كنت مباينا للقرآن فماذا الّذي يغرّك من نفسك؟!. إنّ المؤمن معني بمجاهدة


نفسه ليغلبها على هواها»(١) .

فالمقياس هو القرآن. وما اهتمّ القرآن في شيء أكثر من اهتمامه بالمعروف والنّهي عن المنكر ، قال الله تعالى :( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ) (٢) .

وقال الفقهاء : المعروف قسمان واجب وندب ، والأمر بالواجب واجب ، والأمر بالنّدب ندب ، أمّا المنكر فكلّه حرام ، فالنّهي عنه واجب(٣) .

وقال الإمام الباقرعليه‌السلام : «يكون في آخر الزّمان قوم سفهاء ، لا يوجبون أمرا بمعروف ولا نهيا عن منكر إلّا إذا أمنوا الضّرر ، يطلبون لأنفسهم الرّخص والمعاذير ، يتّبعون زلّات العلماء وفساد علمهم ، يقبلون على الصّلاة والصّيام ، وما لا يكلّفهم في نفس ولا مال ، ولو أضرّت الصّلاة بسائر ما يعملون بأموالهم وأبدانهم لرفضوها كما رفضوا أتم الفرائض وأشرفها»(٤) .

أراد الإمام من أتم الفرائض وأشرفها الأمر المعروف والنّهي عن المنكر ، أمّا قوم آخر الزّمان فهم نحن ، حيث نفعل المنكر غير مكترثين ، أو نرضى به ، أو نغض الطّرف عن فاعله متذرعين بخوف الضّرر ، كما قال الإمام ، متجاهلين الصّبر على المكروه في جنب الله ، وخدمة الدّين؟ وأيّة فضيلة للمرشد إذا لم يعان

__________________

(١) انظر ، تحف العقول : ٢٨٤.

(٢) المائدة : ٧٩.

(٣) انظر ، تذكرة الفقهاء : ١ / ٤٥٨.

(٤) انظر ، مختلف الشّيعة : ٤ / ٤٦١ ، تذكرة الفقهاء : ١ / ٤٥٨ و : ٩ / ٤٤٠ ، الوافي : ٩ / ٢٩ ، تهذيب الأحكام : ٦ / ١٨٠.


المشقّة والصّعاب في سبيل الحقّ ، وإعلاء كلمته.

فإيّاك أن تغتر بقول من قال : لا يجب التّذكر إلّا مع أمن الضّرر واحتمال النّفع(١) ولو صحّ قولهم هذا لما وجب التّذكير في وقت من الأوقات ، لأنّه لا يخلو زمان من معاندين ، ولا يسلم محق من جاحدين ، أنّ الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر واجب ، وإلقاء الحجّة لا بدّ منه. وإليكم المثل والدّليل :

قبل أن يعلم الحسين بخبر ابن عمّه مسلم كتب إلى جماعة من أهل الكوفة :

«بسم الله الرّحمن الرّحيم ، من الحسين بن عليّ إلى إخوانه من المؤمنين والمسلمين ، سلام عليكم ، فإنّي أحمد إليكم الله الّذي لا إله إلّا هو ، أمّا بعد ، فإنّ كتاب مسلم بن عقيل جائني يخبرني فيه بحسن رأيكم ، وإجتماع ملئكم على نصرنا ، والطّلب بحقنا ، فسألت الله أن يحسن لنا الصّنع ، وأن يثيبكم على ذلك أعظم الأجر ، وقد شخصت إليكم من مكّة يوم الثّلاثاء لثمان مضين من ذي الحجّة يوم التّروية ، فإذا قدم عليكم رسولي فامكثوا في أمركم وجدّوا ، فإنّي قادم عليكم في أيّامي هذه ، إن شاء الله ، والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته»(٢) .

وأرسل الكتاب مع قيس بن مسهر الصّيداوي(٣) ، ولمّا قارب قيس الكوفة

__________________

(١) أمّا قوله تعالى :( فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى ) الأعلى : ٩ ؛ فليس النّفع شرطا حقيقيّا للتّذكير ، وإنّما هو أشبه بقول القائل : سله إن نفع السّؤال ؛ لأنّ الأنبياء بعثوا للأعذار والإنذار ، فعليهم التّذكير على كلّ حال نفع أو لم ينفع. (منهقدس‌سره ).

(٢) انظر ، البداية والنّهاية : ٨ / ١٨١ ، الإرشاد : ٢ / ٧٠ ، مقتل الحسين لأبي مخنف : ٧٢ ، تأريخ الطّبري : ٤ / ٢٩٧ ، الأخبار الطّوال : ٢٤٥ ، مثير الأحزان : ٣٠ ، ينابيع المودّة : ٣ / ٦١.

(٣) انظر ، الفتوح لابن أعثم : ٣ / ٩٢ ، مقتل الحسين للخوارزمي : ١ / ٢٢٩ و ٢٣٥ ، و ٢٤٨ طبعة آخر ، بحار الأنوار : ٤٤ / ٣٧٤ ، عوالم العلوم : ١٧ / ٢٢٤ ، اللهوف في قتلى الطّفوف : ٣٢ ، الملهوف : ٦٤ ، كشف الغمّة : ٢ / ٢٠٢ ، أعيان الشّيعة : ١ / ٥٩٥ ، وقعة الطّفّ : ١٦٦ ، مقتل الحسين لأبي مخنف : ٧٨.


اعترضه الحصين بن نمير(١) فأخرج قيس الكتاب وخرّقه ، فحمله الحصين إلى ابن زياد ، فلمّا مثل بين يديه ، قال له : من أنت؟ قال : أنا رجل من شيعة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب وابنهعليهما‌السلام ، قال : لماذا خرّقت الكتاب؟. قال : لئلّا تعلم ما فيه ، قال : وممّن وإلى من؟ قال : من الحسين بن عليّ إلى جماعة من أهل الكوفة لا أعرف أسماءهم ، فغضب ابن زياد ، وقال : والله لا تفارقني حتّى تخبرني بأسماء هؤلاء القوم أو تصعد المنبر وتلعن الحسين بن عليّعليهما‌السلام وأباه وأخاه ، وإلّا قطّعتك إربا إربا.

فاغتنم قيس هذا الفرصة لصعود المنبر ، وقال : أمّا القوم فلا أخبرك بأسمائهم ، وأمّا اللّعن فأفعل ، قال له : اصعد والعن ، فصعد قيس ، وحمد الله وأثنى عليه ، وصلّى على النّبيّ ، وأكثر من التّرحم على عليّ ، والحسين ، والحسن ، ولعن عبيد الله بن زياد وأباه ، ولعن عتاة بني أميّة عن آخرهم ، ثمّ قال : أيّها النّاس أنا رسول الحسين إليكم ، قد تركته في مكان كذا ، فأجيبوه ، فأمر ابن زياد بالقائه من أعلى القصر ، فتكسّرت عظامه ، وبقي به رمق ، فأتاه رجل يقال له عبد الملك ابن عمير اللّخمي فذبحه ، فقيل له في ذلك وعيب عليه ، فقال : أردت أن اريحه(٢) .

__________________

(١) كان الحصين على شرطة ابن زياد ، وهو الّذي رمى الكعبة بالمنجنيق لمّا تحصّن فيها ابن الزّبير ، وقتل الحصين في ثورة التّوابين ، قال ابن أبي الحديد : أنّ أبا الحصين هو الّذي سأل أمير المؤمنين عن عدد شعر رأسه حين قال: سلوني قبل أن تفقدوني ، فقال له : وما علاقه الصّدق لو أخبرتك؟ كيف تعد الشّعر ، ولكن اخبرك أنّ تحت كلّ شعرة في رأسك شيطانا يلعنك ، وعلامة ذلك أنّ ولدك سيحمل الرّاية ويخرج لقتال ولدي الحسين ، ولم تمض الأيّام حتّى تحقّق ما قال الإمام. (منهقدس‌سره ).

(٢) انظر ، تأريخ الطّبري : ٥ / ٣٩٥ ، إقبال الأعمال : ٣ / ٣٤٥ ، مقتل الحسين لأبي مخنف : ١٦ و ٧١ ، ـ


هؤلاء أصحاب يزيد ، وابن زياد كلّهم عبد الملك ينبشون الأموات ، ويمثلون بالأبرار ؛ أمّا أصحاب الحسين فكلّهم قيس بن مسهر. أقدم قيس رضوان الله عليه وهو على يقين من قتله والتّمثيل به ، ولكن استخف بالموت ما دام الغرض الأسمى الّذي قصد إليه قد تحقّق ، وهو تبليغ رسالة سيّده الحسين ، وإلقاء الحجّة على أعداء الله.

والسّر الأعظم في أصحاب الحسين أنّهم يطلبون الموت بلهفة المشتاق ، ويودون لو تكرّر قتلهم مرّات ومرّات في سبيل الحسين. وهكذا المؤمنون المنزّهون عن الأغراض ، والمطامع لا يخافون على أنفسهم من القتل ، ولا على أولادهم من اليتم والضّياع ، وإنّما يخشون الله وحده على دينهم وإيمانهم.

__________________

ـ تأريخ الطّبري : ٤ / ٢٦٢ و ٣٠٦ و : ٥ / ٣٩٤ ـ ٣٩٥ ، مناقب آل أبي طالب : ٣ / ٢٤١ و ٢٤٥ ، بحار الأنوار : ٤٥ / ٣٣٣ ، و : ٩٨ / ٢٧٣ و ٣٤٠ ، العوالم : ١٨٣ ، شرح الأخبار : ٣ / ٢٤٥ ، المزار للشّهيد الأوّل : ١٥٢ ، المزار للمشهدي : ٤٩٣ ، معجم رجال الحديث : ١٥ / ١٠٣ رقم «٩٦٩٨» ، اللهوف في قتلى الطّفوف : ٤٦ ، الإرشاد للشّيخ المفيد : ٢ / ٣٧ ، البداية والنّهاية : ٨ / ١٨١ ، الأخبار الطّوال : ٢٢٩.


أولوا العزم

قال الله جلّ وعلا :

( وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً ) (١) .

نصّت هذه الآية على أنّ أولي العزم من الأنبياء خمسة : وهم نوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، ومحمّد(٢) ، ومعنى أنّهم من أولي العزم أنّ لكلّ منهم شريعة خاصّة ، دعا إليها ، وحثّ على العمل بها ، ولاقى في سبيل ذلك الكثير من المصاعب ، والمتاعب ، ولكنّه صبر وثابر ، بخاصّة محمّد بن عبد اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الّذي قال : «ما أوذي نبّي بمثل ما أوذيت»(٣) ، وأوصاه الله سبحانه بالصّبر كما صبر من كان قبله من أولي العزم ، حيث قال عزّ من قائل :( فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ

__________________

(١) الأحزاب : ٧.

(٢) انظر ، شرح اصول الكافي : ٧ / ٣٧٥ ، مناقب آل أبي طالب : ١ / ٢٦٠ ، تفسير الميزان : ١٨ / ٢٢١.

(٣) انظر ، صحيح ابن حبّان : ٤ / ٥١٥ ح ٦٥٦٠ ، الأحاديث المختارة : ٥ / ٣٠ ح ١٦٣٣ ، موارد الظّمآن : ١ / ٦٢٦ ح ٢٥٢٨ ، سنن التّرمذي : ٤ / ٦٤٥ ح ٢٤٧٢ ، سنن ابن ماجه : ١ / ٥٤ ح ١٥١ ، المصنّف لابن أبي شيبة : ٦ / ٣١٣ ح ٣١٧٠٤ ، مسند البزّار : ٨ / ١٧٦ ح ٣٢٠٥ ، مسند أحمد : ٣ / ١٢٠ ح ١٢٣٣ ، مسند أبي يعلى : ٦ / ١٤٥ ح ٣٤٢٣ ، صفوة الصّفوة : ١ / ٤٣٨ ، سير أعلام النّبلاء : ٢١ / ١٨٩.


مِنَ الرُّسُلِ ) (١) .

أجل ، ما أوذي نبي بمثل ما أوذي به محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولكن ولده الحسينعليه‌السلام قد أصابه في سبيل الإسلام يوم كربلاء أشدّ وأعظم ممّا أصاب جدّه الرّسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وصبر صبر الأنبياء والرّسل ، أمر أهله وأصحابه بالصّبر ، فمن أقواله يوم الطّفّ :

«صبرا بني الكرام ، فما الموت إلّا قنطرة تعبر بكم عن البؤس ، والضّرّاء إلى الجنان الواسعة ، والنّعيم الدّائم ، فأيّكم يكره أن ينتقل من سجن إلى قصر ، وما هو لأعدائكم إلّا كما ينتقل من قصر إلى سجن وعذاب ، أنّ أبي حدّثني عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «الدّنيا سجن المؤمن ، وجنّة الكافر»(٢) ، والموت جسر هؤلاء إلى جنّاتهم ، وجسر هؤلاء إلى جهنّمهم ، ما كذبت ولا كذّبت»(٣) .

وقال وهو يودّع عياله :

«استعدوا للبلاء ، واعلموا أنّ الله حاميكم وحافظكم ، وسينجيكم من شرّ الأعداء ، ويجعل عاقبة أمركم إلى خير ، ويعذّب عدوّكم بأنواع العذاب ، ويعوضكم عن هذه البلية بأنواع النّعم والكرامه ، فلا تشكوا ولا تقولوا بألسنتكم ما ينقص من قدركم»(٤) .

لقد تحمّل من ارزائها محنا

لم يحتملها نبيّ أو وصيّ نبيّ

__________________

(١) الأحقاف : ٣٥.

(٢) انظر ، صحيح مسلم : ٨ / ٢١٠ ، مسند أحمد : ٢ / ٣٢٣ ، سنن التّرمذي : ٣ / ٣٨٥ ح ٢٤٢٦ ، صحيح ابن حبّان : ٢ / ٤٦٢ ح ٦٨٧.

(٣) انظر ، تحف العقول : ٥٣ ، معاني الأخبار : ٢٨٩ ح ٣.

(٤) انظر ، جلاء العيون ، للمجلسي : ١٥٦.


وأنّ أعظم ما لاقاه محتسبا

عند الإله فسامى كلّ محتسب

حمل الفواطم أسرى للشّام على

عجف النّياق تقاسي نهشة القتب

وما رأت أنبياء الله من محن

وأوصياؤهم في سالف للحقب

كمحنة السّيّد السّجّاد حين أتت

يزيد نسوته أسرى على النّجب

أمامها رفعت فوق الأسنّة من

حماتها أرؤس فاقت سنى الشّهب



أمضي على دين النّبيّ

قال الله تعالى :

( فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ ) (١) .

كلّ إنسان له عاطفة ، وشهوات ، وميول ، تقيّا كان أو شقيّا ، والفرق أنّ الشّقي إذا تصادمت عاطفته مع دينه تغلّبت العاطفة على الدّين ، وكانت هي الغالبة ، وهو المغلوب ، فإذا مالت نفسه إلى الحرام اقتحمه غير مكترث بواعظ ، ومزدجر بزاجر ، أمّا التّقيّ فعلى العكس يتغلب دينه على عاطفته ، فإذا راودته النّفس إلى المعصية وهمّ بها تذكّر أمر الله ونهيه ، وزجر مشاعره ، ونهى نفسه عن ميولها وهواها.

والأشياء الّتي تقود العاطفة وتحركها كثيرة لا يبلغها الإحصاء ، كالجاه ، والمال والنّساء ، والولد والصّداقة ، وما إلى ذلك ، ولكن عاطفة الأب تّجاه ولده أقواها جميعا ، فكم من عالم تثق به النّاس قادته هذه العاطفة إلى المهالك ، وأودت بدينه

__________________

(١) الصّافّات : ١٠٢ ـ ١٠٦.


وجاهه وكيانه ، وهنا يعرف المؤمن حقّا ، ويتميّز عن الزّائف.

والآية الكريمة خير مثال على ذلك ، فإنّ الوالد أرفق النّاس بولده. وأحبّهم إلى قلبه ، ومع هذا فإنّ دين إبراهيمعليه‌السلام تغلب على هذا الرّفق ، والحبّ ، وهذه العاطفة الأبويّة ، وأقدم على ذبح ولده طاعة لله سبحانه وأيضا استسلم ولده للذّبح طاعة لخالقه رغم عاطفته ورغبته في الحياة.

وكذلك الحسينعليه‌السلام سلّم للذّبح ولديه عليّ الأكبر(١) ، والطّفل الرّضيع(٢) ،

__________________

(١) انظر ، مقتل الحسين لأبي مخنف : ١٦١ ـ ١٦٤ ، إبصار العين : ٢١ طبعة النّجف ، تأريخ الطّبري : ٤ / ٣٤٠ ، و : ٦ / ٢٥٦ ، المعارف : ٢١٣ و ٢١٤ ، مقاتل الطّالبيّين : ٥٥ و ٥٦ ، الكامل لابن الأثير : ٤ / ٣٠ ، والأخبار الطّوال : ٢٥٤ ، تأريخ الطّبري : ٦ / ٦٢٥.

(٢) هو عبد الله بن الحسين بن عليّعليه‌السلام ولد في المدينة ، وقيل في الطّفّ ولم يصح ، وأمّه الرّباب بنت امرىء القيس وهي الّتي يقول فيها الإمام الحسينعليه‌السلام :

لعمرك إنّني لأحبّ دارا

تحلّ بها سكينة والرّباب

قال المسعودي في ينابيعه : ٣ / ٧٧ ، والإصبهاني : ٣٥ و ٩٥ ، والطّبري : ٤ / ٣٤٢ ، و : ٢ / ٣٦٠ طبعة أوربا ، وغيرهم : إنّ الحسين لمّا آيس من نفسه ذهب إلى فسطاطه فطلب طفلا له ليودّعه فجاءته به اخته زينب فتناوله من يدها ووضعه في حجره ، فبينما هو ينظر إليه إذ أتاه سهم فوقع في نحره فذبحه. قالوا : فأخذ دمه الحسين عليه‌السلام بكفّه ورمى به إلى السّماء وقال : أللهمّ لا يكون أهون عليك من دم فصيل قالوا : فروي عن الباقر عليه‌السلام أنّه لم تقع من ذلك الدّم قطرة إلى الأرض

والّذي رماه بالسّهم حرملة بن الكاهن (كاهل) الأسدي ، وقيل : إنّ الّذي رماه عقبة بن بشر الغنوي ، وقيل : غير ذلك. انظر ، مقتل الحسين لأبي مخنف : ١٧١ ـ ١٧٢ وهامش «١» من ص ١٧٣ ، الفتوح لابن أعثم : ٣ / ١٣١ ـ ١٣٢ ، المناقب لابن شهر آشوب : ٢ / ٢٢٢ ، الإختصاص للشّيخ المفيد : ٣٠ ، نسب قريش : ٥٩ ، سرّ السّلسلة العلوية : ٣٠ ، اللهوف في قتلى الطّفوف : ٦٥ ولم يذكر اسم أمّه ، تأريخ اليعقوبي : ٢ / ٢١٨ طبعة النّجف ، البحار : ١٠ / ٢٣ ، و : ٤٥ / ٤٦ و ٤٧ طبعة آخر ، مقتل الحسين للخوارزمي : ٢ / ٣٢ ، مثير الأحزان لابن نما الحلّي : ٣٦ ، البداية والنّهاية لابن كثير : ٨ / ١٨٦ ، أخبار الدّول للقرماني : ١٠٨ ، منتهى الآمال : ١ / ٦٩٣ ، تذكرة الخواصّ لسبط ابن الجوزي : ٢٥٢ ، ـ


وأخاه أبا الفضل(١) ، وجميع أقاربه وأصحابه ، ثمّ ضحّى بنفسه ، وسلّمها للسّيوف ، والرّماح ، والسّهام طاعة لله جلّ وعزّ ، وبرز إلى الموت مردّدا شعاره

__________________

ـ الإحتجاج : ٢ / ٢٥ ، ينابيع المودّة للقندوزي الحنفي : ٣ / ٧٨ طبعة اسوة ، الإرشاد للشّيخ المفيد : ٢ / ١٠٨ و ١٣٥.

(١) العبّاس بن عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ولد سنة ست وعشرين من الهجرة ، وكان له عقب ، وكان يسمّى بالسّقّاء ، ويكنى أيضا أبا قربة. وكان رجلا وسيما جميلا ، يركب الفرس المطهم ورجلاه تخطّان في الأرض ، وكان يقال له قمر بني هاشم ، وكان لواء الحسينعليه‌السلام معه يوم قتل.

انظر ، مقاتل الطّالبيّين : ٨٩ ـ ٩٠ ، و : ٥٨ طبعة آخر ، الفتوح لابن أعثم : ٣ / ١٢٩ ، الإمامة والسّياسة لابن قتيبة : ٢ / ١٢ ، تأريخ خليفة : ٢٣٥ ، مروج الذّهب للمسعودي : ٣ / ٧٧ ، المعارف لابن قتيبة : ٢١٧ و ٢١١ و ٨٨ ، الإشتقاق : ٢٩٦ ، جمهرة أنساب العرب : ٢٦٥ و ٢٦١ ، جمع الفوائد : ٢ / ٢١٨ ، ينابيع المودّة : ٣ / ١٧ ، و : ٦٧ و ٦٨ طبعة اسوة ، جواهر العقدين : ٢ / ٣٢٩ ، الإرشاد : ٢ / ١٠٩ ، و : ٢٥٥ طبعة آخر.

انظر أيضا ، الإرشاد : ٢ / ١٢٥ ، مقتل الحسين لأبي مخنف : ١٧٤ و ٢٣٤ ، إبصار العين في أنصار الحسين : ٢٥ طبعة النّجف الأشرف ، المناقب لابن شهر آشوب : ٣ / ٢٦٠ ، و : ٤ / ١٠٨ ، عوالم العلوم : ١٧ / ٣٤٣ ، البحار : ٤٥ / ٤٠ ، مقتل الحسين للخوارزمي : ٢ / ٢٩ و ٣٠ ، العقد الفريد : ٢ / ٨٣ ، تذكرة الخواصّ لسبط ابن الجوزي : ١٤٢ ، إعلام الورى : ٢٨ ، مثير الأحزان : ٢٨ ، أسرار الشّهادة : ٣٨٧ ، و : ٣٣٧ طبعة آخر ، تأريخ الطّبري : ٦ / ١٣٧ ، روضة الواعظين : ١٥٧ ، البداية والنّهاية : ٨ / ١٧٦ ، تظلّم الزّهراء : ١١٨ ، المنتخب للطّريحي : ٣١١ ، و : ٣٠٥ طبعة آخر ، رياض المصائب : ٣١٣ ، المقتل للمقرّم : ٢٦٦ ـ ٢٧٠ ، منتهى الآمال : ١ / ٦٨٦ و ٦٨٧ ، الخصال : ١ / ٦٨ ، معالي السّبطين : ١ / ٤٤١ و ٤٤٠ ، الدّمعة السّاكبة : ٤ / ٣٢٢ ـ ٣٢٤ ، الفصول المهمّة لابن الصّباغ المالكي : ١ / ٦٤٥ و : ٢ / ١٦٧ ، النّعيم المقيم لعترة النّبأ العظيم : ٢٣٥ ، بتحقّيقنا.

وفي المقاتل : ٨٩ قال : والعبّاس آخر من قتل من إخوته لأمّه وأبيه ولكنّ الإصفهاني كعادته يطلق العنان لقلمه بدون تروّي وبصيرة لأنّه يردف قائلا : فقدّمهم بين يديه ، فقتلوا جميعا ، فحاز ميراثهم ونحن نسأل كم تتصوّر أيّها المؤرّخ أنّ العبّاس بقي حيّا بعد إخوته حتّى يحوز ميراثهم؟ وهل أنّ العبّاس كان يفكّر بالمادّيات كما تفكّر أنت وغيرك؟ وهل وهل إلخ.

وكان يقال له «قمر بني هاشم» لو سامته وجماله. انظر ، تأريخ الطّبري : ٤ / ١١٨.


الوحيد : «أمضي على دين النّبيّ»(١) .

ومن أجل هذا الشّعار القدّسي استشهد عليّ ، والحسن ، والحسين وأصحابهم وشيعتهم الخلّص ، وهو المثل الأعلى لكلّ من والى آل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حقّا وصدقّا ، والفلسفة الصّحيحة للتّشيّع الحقّ الّتي لا يحلّ محلها أيّة فلسفة أخرى.

عش في زمانك ما استطعت نبيلا

واترك حديثك للرّواة جميلا

ولعزّتك استرخص حياتك أنّه

أغلى وإلّا غادرتك ذليلا

تعطي الحياة قيادها لك كلّما

صيرّتها للمكرمات ذلولا

العزّ مقياس الحياة وضلّ من

قد عدّ مقياس الحياة الطّولا

قل كيف عاش ولا تقل كم عاش من

جعل الحياة إلى علاه سبيلا

لا غرو أن طوت المنيّة ماجدا

كثرت محاسنه وعاش قليلا

قتلوك للدّنيا ولكن لم تدم

لبني اميّة بعد قتلك جيلا

ولرّب نصر عاد شرّ هزيمة

تركت بيوت الظّالمين طلولا

حلّت بصّفّين الكتاب رماحهم

ليكون رأسك بعده محمولا

يدعون باسم محمّد وبكربلا

دمه غدا بسيوفهم مطلولا(٢)

__________________

(١) انظر ، مقتل الحسين لأبي مخنف : ١٩٧ ، مناقب آل أبي طالب : ٣ / ٢٥٨.

(٢) انظر ، ديوان الأزري الكبير ، للشّيخ كاظم الأزري التّميمي : ٢٣٤.


لا عمل بعد اليوم

أنّ الّذين رصدوا خطوات الحياة منذ درج الإنسان على وجه الأرض ، واستعرضوا الماضي يدركون أنّ جيلنا هذا لم يستقل بخلق المدنيّة الحديثة وإيجادها ، وإنّما هي نتيجة لازمة لإطّراد تقدم الإنسان ورقيّة على سلّم التّصاعد منذ وجد حتّى الآن ، فالسّلف شريك الخلف في كلّ ما تحويه المدنيّة من أفانين وأعاجيب. إنّ حلقة الإتّصال بين الماضي والحاضر هي وراثة الثّاني للأوّل ، في جميع أشيائه الماديّة والمعنويّة ، إنّ حياة الإنسان من بدايتها إلى نهايتها بناية واحدة ، وكلّ عصر هو حجر في بنائها ، إذن نحن نعيش بالماضي والحاضر معا ، كما ستعيش الأجيال المقبلة بنا والمستقبل.

لمن هذه الأنظمة والقوانين الّتي ترتكز عليها السّياسة؟ ومتى نشأت هذه الأديان الّتي شيّدت لها المعابد والمعاهد ، ونبتت بذورها وأيعنت في كلّ قلب حتّى سيّرت الأمم والأفراد في مسالكها الخاصّة والعامّة؟ وأين أرباب هذه الألوف من الكتب الّتي فرضت نفسها على الكلّيات والجامعات؟ أمّا منشأ اللّغات وتطورها فعلمها عند ربّي ، فأي مادّة تقع عليها العين نجت من يد الماضي! وأي روح لم تسترشد بحكمته وتهتد بسنائه! وكم حوت كنوز آبائنا العرب من جواهر الحكمة ، فأضاعها ورّاثها الأقربون وانتفع بها الأباعد


الغاصبون ، واتّخذوا من ثمارها وسيلة إلى الكبرياء ، والتّعاظم علينا ، وهي لنا ومن ميراثنا الّذي ذهلنا عنه حتّى أصبح فريسة الذّئاب.

قرأت في مجلّة «المختار» كلمة بعنوان «أطع هذا الحافز» للدّكتور وليم مولتون ، وهي على طولها وعرضها تتلخص بجملة نطق بها أحد أبطال الطّفّ الّذين ناصروا الحسين بن عليّ. وهو عابس بن أبي شبيب البطل العربي ، قالها عند ما رأى السّيوف ، والرّماح ، والسّهام ، والأحجار تنهال وتتراكم على الحسين وأهل بيته وأصحابه ، فأججّ هذا المنظر في نفسه شعلة جعلت الدّماء تشب في عروقه كاللهب المضطرم ، وخيّل إليه أنّ السّماء والأرض قد استحالتا إلى دخان ورماد ، فنظر إلى مولى كان معه يدعى شوذبا(١) ، وناداه يا شوذب ما في نفسك أن تصنع اليوم ، قال شوذب : اقاتل حتّى أقتل دون ابن رسول الله ، قال عابس ذلك الظّن بك ـ أنّه لا عمل بعد اليوم ـ(٢) حكمة بالغة ليس كمثلها شيء إلّا العمل بها ، ولو قالها غربي لقرأتها في كلّ صحيفة وسمعتها من كلّ لسان ، ولكنّه منّا ، وعربي مثلنا.

وصدق شوذب القول بالفعل فقاتل حتّى قتل ، وماذا فعل عابس الّذي نطق بهذه الحكمة الخالدة ـ لا عمل بعد اليوم ـ تقدّم من الحسين وقال : أما والله ما أمسى على وجه الأرض قريب أو بعيد أحبّ عليّ منك ، ولو قدرت أن أدفع عنك القتل بشيء أعزّ عليّ من نفسي لفعلت ، ثمّ مضى إلى المعركة فعرفه رجل

__________________

(١) انظر ، تأريخ الطّبري : ٤ / ٣٣٨ و : ٥ / ٤٤٣ و ٤٤٤ ، مقتل الحسين : ٢ / ٢٢ ، شرح الأخبار : ٣ / ٢٤٩ ، الإرشاد للشّيخ المفيد : ٢ / ١٠٥ ، إقبال الأعمال : ٣ / ٧٩ ، بحار الأنوار : ٤٥ / ٧٣ ، ٩٨ / ٢٧٣ ، معجم رجال الحديث : ١٠ / ٤٥ رقم «٥٧٦٤» ، إعلام الورى : ١ / ٤٦٤.

(٢) انظر ، تأريخ الطّبري : ٤ / ٣٣٨ ، مقتل الحسين لأبي مخنف : ١٥٤.


من أصحاب ابن سعد يدعى ربيع بن تميم ، وكان شاهده مع الإمام عليّ في صفّين ، ورأى منه الأعاجيب ، فصاح ربيع بأصحابه : أيّها النّاس هذا أسد الأسود لا يخرجنّ إليه أحد ، فأخذ عابس ينادي ألا رجل فهابه القوم ، فنادى ابن سعد : ويلكم ارضخوه بالحجارة ، فانهالت عليه من كلّ جانب ، فلمّا رأى عابس ذلك ألقى درعه ومغفره وشدّ عليهم ؛ قال ربيع رأيته والله يطرد أمامه أكثر من مئتين ، ثمّ تكاثروا عليه فقتلوه ، واختصم الجيش في قتله وادّعاه الجميع ، فأصلح ابن سعد بينهم بقوله : هذا لم يقتله واحد ، كلّكم قاتله ، فهدأت الفتنة(١) .

قتل عابس وضحّى بنفسه في سبيل مبدئه وإحياء عقيدته ، ومات شهيد الحقّ والفضيلة ، وبلغ بعمل ساعة ما لم يبلغه غيره بعمل الدّهر كلّه ، وحاول ابن سعد أن يصرع الأقمار بالأحجار فهوت على رأسه وقلبه ، ترجمه بها يد التّأريخ ما وجد له قارئا أو سامعا.

أنّ نداء ـ لا عمل بعد اليوم ـ هو الشّعار الوحيد الّذي يعبّر عن مبدأ شهداء الطّفّ وعقيدتهم الّتي من أجلها نصبوا مهجهم هدفا للسّهام والرّماح دون الحسين ، وهل تجدي الأعمال كلّها بعد قتل الحسين! إذن العمل كلّه في هذا اليوم بل في هذه اللّحظة الّتي ما زال الحسين فيها حيّا.

وقد ندم التّوابون بعد قتل الحسين على تركهم نصرته ، فنهضوا وثاروا وقتلوا ، ولكن عملوا بعد قتل الحسين ، ولا عمل بعد قتله إلّا الحسرة والتّلهف ، قال

__________________

(١) انظر ، تأريخ الطّبري : ٥ / ٣٥٥ و ٤٤٣ ، مقتل الحسين للخوارزمي : ١ / ١٩٧ ، شرح الأخبار : ٣ / ٢٤٩ ، معجم رجال الحديث : ١٠ / ١٩٣ رقم «٦٠٥٢» ، رجال الطّوسي : ٢٠٣ ، البداية والنّهاية : ٨ / ٢٠٠ ، مثير الأحزان : ٢١.


شاعرهم عبد الله بن الحرّ(١) :

فيا لك حسرة ما دمت حيّا

تردّد بين حلقي والتّراقي

فلو فلق التّلهف قلب حيّ

لهمّ اليوم قلبي بإنفلاق

فقد فاز الألى نصروا حسينا

وخاب الآخرون أولوا النّفاق(٢)

وهذا تفسير قول أبي الشّهداء ـ فإنّي لا أرى الموت إلّا سعادة ، والحياة مع

__________________

(١) انظر ، تأريخ الطّبري : ٥ / ٤٦٩ ـ ٤٧٠. لعلّ من أصدق النّماذج الّتي حفظها لنا تأريخ تلك الفترة قول عبيد الله بن الحرّ ، الّذي فرّ من الكوفة حين اتّهمه عبيد الله بن زياد بعدم الولاء للسّلطة ، وقدم إلى كربلاء ، فنظر إلى مصارع الشّهداء وقال :

يقول أمير غادر حقّ غادر

ألا كنت قاتلت الشّهيد بن فاطمة

فيا ندمي ألّا أكون نصرته

ألا كلّ نفس لا تسدد نادمة

وإنّي لأنّي لم أكن من حماته

لذو حسرة ما إن تفارق لازمة

سقى الله أرواح الّذين تأزروا

على نصره سقيا من الغيث دائمة

وقفت على أجداثهم ومجالهم

فكاد الحشى ينفض والعين ساجمة

لعمري لقد كانوا مصاليت في الوغى

سراعا إلى الهيجا حماة خضارمة

تآسوا على نصر ابن بنت نبيّهم

بأسيافهم آساد غيل ضراغمة

فإن يقتلوا فكلّ نفس تقية

على الأرض قد أضحت لذلك واجمة

وما إن رأى الرّاؤون أفضل منهم

لدى الموت سادات وزهرا قماقمة

أتقتلهم ظلما وترجو ودادنا

فدع خطة ليست لنا بملائمة

لعمري لقد راغمتمونا بقتلهم

فكم ناقم منّا عليكم وناقمة

أهم مرارا أن أسير بجحفل

إلى فئة زاغت عن الحقّ ظالمة

فكفوا وإلّا زرتكم بكتائب

أشدّ عليكم من زحوف الدّيالمة

انظر ، تأريخ الطّبري : ٣ / ٦٣ و : ٤ / ٣٦٠ و : ٥ / ٤٦٩ ، البداية والنّهاية : ٨ / ٢٢٩ ، مقتل الحسين لابي مخنف : ٢٤٥ ، تأريخ دمشق : ٢٧ / ٤٣٠.

(٢) انظر ، خزانة الأدب : ٢ / ١٥٧ ، الأخبار الطّوال : ٢٦٢ ، ترجمة الإمام الحسين من الطّبقات الكبرى لابن سعد : ٩٤.


الظّالمين إلّا برما»(١) ـ لم يستفد من هذا الدّرس الّذي هو أبلغ دروس الحياة ، سوى أبطال الطّفّ الّذين تسابقوا إلى الموت بين يدي الحقّ ، والفضيلة فرحين مستبشرين.

وبين هؤلاء الأبطال شبه كبير من الوجهة النّفسيّة ؛ فدرس بعضهم يوقفنا على حقيقة الباقين لا نستثني منهم سوى رجل واحد ، هو الضّحاك ابن عبد الله المشرقي ، فإنّه لازم الحسين من أوّل يوم حتّى إذا لم يبق مع الإمام إلّا اثنان الضّحاك ثالثهم ، استأذن الحسين فأذن له فركب فرسه ونجا ، حاول الضّحاك أن يلائم بين إرادة الحياة واحترام العقيدة ، وأن تسالم كلّ واحدة جارتها ، ولمّا وقع بينها العداء الصّراع قدّم مصالحه الشّخصيّة على عقيدته(٢) ، على عكس النّتيجة الّتي انتهى إليها الحرّ الرّياحي(٣) .

تطوع الحرّ بن يزيد الرّياحي في جيش ابن زياد لحرب الحسين ، ولمّا أيقن أنّ الحسين مقتول لا محالة انسحب من جيش الكوفة وصحب معه ولده الشّاب بكير وانضمّا إلى الإمام وقتلا معا بين يديه ، لقد كان في الحرّ حنكة ومرونة إلى جانب إيمانه القوي ، فحاول أن يؤلّف بين إيمانه وتقلبات البيئة والظّروف ، فقال

__________________

(١) تقدّمت تخريجاته.

(٢) انظر ، تأريخ الطّبري : ٥ / ٤١٨ و ٤٤٥ و ٤٢٢ وفي ٤٣٦ و : ٤ / ٣٢٠ ، مقتل الحسين لأبي مخنف : ١١٣ ، الإرشاد للشّيخ المفيد : ٢ / ٩٥ ، الأخبار الطّوال : ٢٥٦.

(٣) انظر ، جمهرة أنساب العرب لابن حزم : ٢١٥ ، مقتل الحسين لأبي مخنف : ٨٢ ، مقتل الحسين للخوارزمي : ١ / ٢٣٠ ، الكامل في التّأريخ : ٢ / ٥٥١ ، البداية والنّهاية : ٨ / ١٦٨ ، الإمامة والسّياسة : ٢ / ١١ ، تأريخ الطّبري : ٤ / ٣٠٢ ، الأخبار الطّوال للدّينوري : ٢٤٨ ـ ٢٥٣ ، أنساب الأشراف : ١٦٩ ـ ١٧٦ ، الفتوح لابن أعثم : ٣ / ٨٥.


في نفسه ـ أصانع القوم بما لا ينفعهم ولا يضرّ الحسين كي لا يظنوا أنّي خرجت من طاعة ـ ولمّا امتنع عليه الوئام بين إحياء العقيدة وإرادة الحياة استجاب إلى صوت ضميره الحي وقام بواجب الحقّ فضحّى بحياته وحياة ولده في سبيل إحياء إيمانه الصّادق.

قدّم الحرّ عقيدته على حياته ، وقدّم الضّحاك حياته على عقيدته ، ولم يكن هذا الفارق الوحيد بين الرّجلين ، فقد بعث منظر القتل ، والقتلى في نفس الحرّ الشّجاعة والإقدام على الموت ، بينما بعث في نفس الضّحاك الجبن لذى أدّى به إلى الهزيمة والفرار. فرّ الضّحاك رغبة في البقاء على نفسه وأهله ، وقدّم الحرّ ولده الشّاب إلى المذبحة طيّب النّفس ، ولمّا رآه قتيلا يتخبط بدمه قال : الحمد لله يا بني الّذي نجّاك من القوم الظّالمين ، ومنّ عليك بالشّهادة بين يدي إمامك.

أنّ تطوع الحرّ في جيش ابن زياد وموقفه من الحسين باديء ذي بدء لا يدل على عقيدته ودخيلة نفسه السّامية ، كما أنّ انضمام الضّحاك إلى الإمام منذ اللّحظة الأولى إلى قرب الشّوط الأخير لا ينبيء عن زهده في الشّهادة لأجل الحقّ ، بل يشعر بالإقدام والتّضحية.

من هذه المقارنة يدرك البصير أنّ ثوب الوطنية والطّنطنة والتّهويل ، لا يدل على الإخلاص والتّضحية ، كما أنّ الهدوء وعدم الثّرثرة والتّشدق بالألفاظ الفارغة لا تكشف عن الخيانة والجبن ولكن :

إذا اشتبكت(١) دموع في خدود

تبين من بكى ممّن تباكى(٢)

__________________

(١) في بعض المصادر (انسكبت) وفي البعض (اشتبهت) وفي البعض (استبكت).

(٢) ينسب هذا الشّعر تارة إلى حكيم من حكماء العرب كما في تفسير القرطبي : ٨ / ٢٣٠ ، وتارة إلى ـ


ما أحبّ الباطل شابّا ولا كهلا

في ليلة العاشر من المحرّم ، ضرب للحسينعليه‌السلام فسطاط ، ليطلي بالمسك والنّورة ، ولمّا دخله وقف برير بن خضير الهمداني ، وعبد الرّحمن ابن عبد ربّه الأنصاري تختلف مناكبهما ، يتضايقان ، ليسبق كلّ واحد صاحبه إلى فاضل المسك ، فيفوز بما لمسته أنامل الطّهر والقداسة ، فيعبق نشره مع نشر الدّم الزّكي ، دم الشّهادة والتّضحية ، قال راوي الحديث : فأخذ برير يهازل عبد الرّحمن ويضاحكه فأجابه عبد الرّحمن دعنا ، فو الله ما هذه بساعة باطل.

قال برير : والله لقد علم قومي أنّي ما أحببت الباطل شابّا ولا كهلا(١) . ولكنّي لمستبشر بما نحن لاقون ، والله ما بيننا وبين الحور العين إلّا أن يميل علينا هؤلاء بأسيافهم ، وودّدت أنّهم مالوا علينا السّاعة(٢) .

أنّ الباطل في عرف القدّيسين مثل عبد الرّحمن وبرير أن يختار الإنسان الحسن مع القدرة على الأحسن ، فذكر الله في هذه السّاعة الّتي هي أشبه ما تكون

__________________

ـ المتنبي كما في الدّيوان : ٥٨٦ ، وتارة ثالثة إلى الشّريف المرتضي كما في التّرجمة.

(١) انظر ، تأريخ الطّبري : ٤ / ٣٢١ ، البداية والنّهاية : ٨ / ١٩٣ ، مقتل الحسين لأبي مخنف : ١١٥.

(٢) انظر ، تأريخ الطّبري : ٥ / ٤٢١ و ٤٢٣ ، الفتوح لابن أعثم : ٣ / ١٠٦ ، الكامل لابن الأثير : ٤ / ٣٧ ، مقتل الحسين لأبي مخنف : ١١٢.


بساعة النّزع وتسليم الرّوح خير من الدّعابة ، والبكاء أولى من الإبتسام ، وما كان عبد الرّحمن يجهل بريرا. كيف وقد تخرجا من مدرسة واحدة على معلم واحد ، على سيّد الوصيّين وإمام المتّقين الّذي كان يلقّنهم دروس الكمال بأفعاله قبل أقواله ، ويعلمهم أنّ الإستخفاف بصغير الذّنوب من أكبر الذّنوب ، لأنّه استخفاف بالله ، وشرائعه ، وقوانيه!.

لم تكن تلك الدّروس الّتي تلقّاها برير وعبد الرّحمن عن المعلم الأعظم ألفاظا تذروها الرّياح ، وأصواتا لا تتجاوز الآذان ، بل هي بذور تغرس في النّفس فتحيا وتنمو إلى أن تصبح غرائز وملكات تحرك أربابها ، وتقودهم إلى مرضاة الله ورضوانه.

لقد عرف عبد الرّحمن بريرا كهلا وما عرفه شابّا ، والشّباب مظنّة الوقوع في الخطايا ، فنفى برير الطّيب الّذي لم يلغ في حياته كلّها بألفاظ اللهو والعبث ، نفى عن نفسه هذه المظنّة بحجّة لا تعادلها حجّة في القوّة والصّدق ـ والله لقد علم قومي أنّي ما أحببت الباطل شابّا ولا كهلا ـ وأي حجّة أقوى في الدّلالة ، وأصدق في الشّهادة على سير الإنسان وسلوكه من شهادة قومه وعشيرته الّذين صاحبوه كبيرا وصغيرا ، وخالطوه غنيّا وفقيرا ، ورؤوا أفعاله ، وسمعوا أقواله في جميع أطواره وأدواره في سرّه وعلانيته ، ورضاه وغضبه ، وحزنه وسروره ، ونعيمه وبؤسه ، لقد تمكن برير من نفسه وتغلب على شهواته في دور شبابه ، دور طفولة العقل ، والإستسلام إلى الملذات والأهواء ، فهو كامل في شبابه ، كامل في كهولته ، لم يرتكب منكرا ولم يقترف سيئة لا أوّلا ولا آخرا. وما أحبّ باطلا ألبتة ، وهؤلاء قومه وعارفوه ، يشهد كبيرهم وصغيرهم أنّه منذ صغره اهتدى إلى


سبيل الرّشد والسّداد ، يستبق الخيرات ، ويسارع إلى المكرمات ، يناصر الحقّ والعدالة ، ويحارب الظّلم والعدوان. ومن أقواله وهو في معركة الطّفّ(١) :

يعرف فينا الخير أهل الخير

أضربكم ولا أرى من ضير

كذلك فعل الخير من برير

وكلّ خير فله برير

لقد ارتكز حبّه الخير ، وبغضه الشّر على إيمانه القوي ، وعقيدته في شخصيته ، وثباته في عزمه ، وثقته من مقدرته وشجاعته.

كان برير يوم الطّفّ كلّما تكرّرت الفظائع من العدوّ يقف منذرا ومحذرا عاقبزة البغي مذكرا بالله تعالى وأهل بيت الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله بقول لين خفيف على النّفوس والأسماع ، فما فاه بكلمة في موقف يشعر بهجر أو فحش.

فكان في مواقفه كلّها متّنزنا في أقواله ، كاظما لغيظه ، معتصما بالصّبر والأناة ، لذلك عند ما أكثر عليهم القول لم يزيدوا في جوابه حرفا على قولهم : «لقد أكثرت الكلام يا برير».

قال لهم في موقف : «يا قوم اتّقوا الله فإنّ ثقل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله قد أصبح بين أظهركم» ، وقال في موقف ثان : «أفجزاء محمّد هذا؟!» ، وفي ثالث : «لا أفلح قوم ضيعوا ابن بنت نبيّهم ، أفّ لهم غدا»(٢) .

ولمّا حمل جيش البغي على الحسين وأصحابهعليه‌السلام انقّض عليهم برير كالصّاعقة يفريهم بسيفه ويقول : «أضربكم ولا أرى من ضير»(٣) .

__________________

(١) انظر ، مناقب آل أبي طالب : ٣ / ٢٥٠.

(٢) انظر ، أمالي الشّيخ الصّدوق : ٢٢٢ ، بحار الأنوار : ٤٤ / ٣٨٣ و : ٤٥ / ٥.

(٣) تقدّمت تخريجاته.


هذه ألفاظه ، وهذا اسلوبه ، وخطابه مع قوم ما وضعت ألفاظ السّباب واللّعن إلّا للدّلالة على خساستهم. إنّ تلك الفظائع لم تخلق من برير رجلا غير برير ، فهو هو ذاك الوادع المتواضع ، والزّاهد الخاشع الدّاعي إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة ، وإذا كان برير عظيما فكيف يفوّه بالحقير الّذي يستطيع النّطق به الطّفل الصّغير ، والمرأة الضّعيفة ، والسّفيه الفاجر ، إذا كان برير عظيما فليدع الكلام للسّيف وحده. برز برير لقتال جيش الظّلام وبين جنبيه قلب يستبشر بالموت استبشاره بعناق الحور العين ، فلم يدن أحد منه لشجاعته وهيبته ، فكان يحمل على الأعداء ويفرون من بين يديه خشية من لقائه ، فيناديهم اقتربوا منّي يا قتلة المؤمنين ، اقتربوا منّي يا قتلة أولاد رسول ربّ العالمين ، ولمّا عجزوا عن مقاومته وجها لوجه اغتاله كعب بن جابر بطعنة رمح في ظهره ، بعد أن قتل منهم ثلاثين رجلا ، فأودت الطّعنة بحياته الطّاهرة الزّكيّة الّتي شهد لصاحبها الرّجال والنّساء من قومه وعارفيه أنّه ما عرف الباطل شابّا ولا كهلا ؛ قال بعض من أعان على الحسينعليه‌السلام لكعب عندما رآه قاصد اغتيال برير : ويّلك هذا الّذي كان يعلمنا القرآن(١) ، وأقسمت زوّجته لدى رجوعه إليها أن لا تكلمه أبدا(٢) . لقد لبّى برير

__________________

(١) انظر ، مقتل الحسين للخوارزمي : ١ / ٢٤٨ ولكن بلفظ «برير بن خضير» بدل «يزيد بن الحصين» كما جاء في الفصول المهمّة لابن الصّباغ المالكي : ٢ / ١٤٤ ، بتحقّيقنا. وكان من الزّهّاد الّذين يصومون النّهار ويقومون اللّيل ، فقال : يابن رسول الله إئذن لي أن آتي هذا الفاسق عمر بن سعد فأعظه لعلّه يتّعظ ويرتدع عمّا هو عليه ، فقال الحسين : ذاك إليك يا برير ، فذهب إليه حتّى دخل على خيمته فجلس ولم يسلّم ، فغضب عمر وقال : يا أخا همدان ما منعك من السّلام عليّ ألست مسلما اعرف الله ورسوله وأشهد بشهادة الحقّ؟ فقال له برير : لو كنت عرفت الله ورسوله كما تقول لما خرجت إلى عترة رسول الله تريد قتلهم ، وبعد فهذا الفرات يلوح بصفائه ويزلج كأنّه بطون الحيّات تشرب منه كلاب


دعوة ربّه وقدّم حياته قربانا بين يدي الله ورسوله ، وفاز بكرامة الدّنيا والآخرة. وذلك هو الفوز العظيم.

__________________

ـ السّواد وخنازيرها

انظر ، الفتوح لابن أعثم : ٣ / ١٠٦ وزاد فأطرق عمر بن سعد ساعة إلى الأرض ثمّ رفع رأسه وقال : إنّي والله أعلمه يا برير علما يقينا أن كلّ من قاتلهم وغصبهم على حقوقهم في النّار لا محالة ، ولكن ويّحك يا برير! أتشير عليّ أن أترك ولاية الرّي فتصير لغيري؟ ما أجد نفسي تجيبني إلى ذلك أبدا ومثله في الكامل لابن الأثير : ٤ / ٣٧ بلفظ «برير». ومثله في أمالي الصّدوق : ٩٦ مجلس ٣٠ طبعة أوّل ، تأريخ الفتوح التّرجمة الفارسية : ٣٨٠ ، منتهى الآمال : ١ / ٦٢٩ بلفظ «برير بن خضير» اللهوف في قتلى الطّفوف : ٩٥ ، المقتل لسّيّد عبد الرّزاق المقرّم : ٢٣٢ ، تأريخ الطّبري : ٦ / ٢٤٣ ، و : ٢٤٠ طبعة آخر ، ٤ / ٣٢٠ بلفظ «برير بن حضير» و : ٥ / ٢٤١ طبعة آخر ، بحار الأنوار : ٤٥ / ٤ و ٥ و ١٥ ، عوالم العلوم للشّيخ عبد الله البحراني الإصفهاني : ١٧ / ٢٣٣ ، مقتل الحسين لأبي مخنف : ١١٢ بلفظ «حضير».

(٢) كعب بن جابر : أحد جنود الجيش الأموي ، قالت له زوجته أو أخته لمّا رجع من المعركة : «أعنت على ابن فاطمة ، وقتلت سيّد القراء ، لقد أتيت عظيما من الأمر ، والله لا أكلمك من رأسي كلمة أبدا» فأجابها بشعر يفتخر فيه بفعله تضمّن بيتا يذكر فيه أنّه أنقذر رضي بن منقذ من القتل حين أعانه على خصمه في المعركة:

قتلت بريرا ، ثمّ حملت نعمة

أبا منقذ لمّا دعا : من يماصع

ونلفت النّظر إلى عقيدة الجبر الظّاهرة عند رضي بن منقذ العبدي في البيت الأوّل في قوله (لو شاء ربّي ما شهدت قتالهم) ، انظر ، تأريخ الطّبري : ٥ / ٤٣٢ ـ ٤٣٣.



السّيّدة زينب رمز لشيء عميق الدّلالة

يحتفل المصريون في كلّ عام بمولد السّيّدة زينب(١) ، وتجتمع الحشود لهذه الغاية في مسجدها بالألوف ، وكتب محرّر مجلة «الغد» مقالا خاصّا بهذه المناسبة عن السّيّدة ، قال:

«طوال ثلاثة أسابيع في الشّهر الماضي ، وكانت حشود من الرّجال ، والنّساء ، والأطفال تتّجه إلى حيّ السّيّدة ، وتظل تلك الحشود الكبيرة ساهرة رغم البرد الشّديد حتّى الفجر ، وسط الأنوار الزّاهية ألوف من النّاس تستمتع فعلا بالمولد الكبير لبطلة كربلاء زينب أخت شهيد الإسلام الخالد الحسين بن عليّ.

وفي السّرادقات ، والمقاهي المنتقلة ، وحول السّيرك والملاهي ، ترتفع دقّات الدّفوف ونغمات الرّبابة ، وإيقاع الطّبول ، وأصوات المطربين والمنشدين ، وتهتزّ

__________________

(١) السّيّدة زينب بنت الإمام عليّعليه‌السلام أمّها : فاطمة الزّهراء بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فهي شقيقة الحسن ، والحسينعليهما‌السلام . تزوّجها ابن عمّها عبد الله بن جعفر الطّيّار ذي الجناحين بن أبي طالب ، وولدت له عليّا ، وعونا ويدعى بالأكبر ، وعبّاسا ، ومحمّدا ، وأمّ كلثوم. وذرّيّتها موجودة إلى الآن بكثرة.

انظر ، السّيرة لابن إسحاق : ٢٢٦ ، صحيح البخاري : ٣ / ١٣٦٠ ح ٣٥٠٦ و : ٤ / ١٥٥٥ ح ٤٠١٦ و : ٥ / ٢٤ ، تهذيب الكمال : ١٤ / ٣٦٩ ، الإستيعاب : ١ / ٢٤٢ ، الطّبقات الكبرى : ٤ / ٣٩ ، الإصابة : ١ / ٤٨٧ ، تهذيب الأسماء : ١ / ١٥٥ ، التّرغيب والتّرهيب : ٢ / ٢٠٦ ح ٢١١٧ ، مجمع الزّوائد : ٩ / ٢٧٣ ، المعجم الكبير : ٢ / ١٠٧ ح ١٤٦٧ و : ١١ / ٣٦٢ ح ١٢٠٢٠ ، أنساب الأشراف : ٢ / ١٨٩ ، تأريخ اليعقوبي : ٢ / ٢١٣ ، تأريخ الطّبري : ٥ / ١٥٣.


القلوب وتمتليء بالبهجة العريضة وترتفع الأصوات من حناجر الألوف ممتلئة بالحبّ الحقيقي تنادي : «يا رئيسة الدّيوان» ...!

أنّ السّيّدة زينب «رئيسة الدّيوان» رمز لشيء عميق الدّلالة ، أنّها المرأة الباسلة الشّجاعة الّتي ظلّت تضمّد جراح الرّجال في معركة كربلاء من أبناء بيت الرّسول وأتباع الحسين ، حتّى سقطوا جميعا صرعى بين يديها.

لم يرهبها جنود «يزيد بن معاوية» الأنذال السّفّاحون ، الّذين اقتلع حكم يزيد الباطش المطلق من نفوسهم آخر خيط يربطهم بالإنسانيّة فكانوا يقطعون بسيوفهم رقاب الأطفال أمام السّيّدة زينب ، ورأتهم يبقرون بطن غلام من أبناء الحسين ، فلم يزدها ذلك إلّا بسالة وتماسكا ورغبة في النّصر.

ورأت أخاها العظيم الباسل «الحسين بن عليّ» وقد وقف بمفرده أمام جنود يزيد وهو يرفض التّسليم وراح يقاتلهم بعد أن استشهد كلّ أتباعه وأهله ما عدا ولده زين العابدين الّذي كان مريضا ، ونائما في حضن عمّته «زينب» فتركوه ظنّا منهم أنّه سيلفظ أنفاسه الأخيرة من المرض لكنّه عاش وكان شوكة في جنب الدّولة الأمويّة ، تلك الدّولة الّتي أقامها معاوية بالدّس والشّر ، والتّنكر لأعظم مباديء الإنسانيّة في ذلك الزّمان لرسالة محمّد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

واندفعت زينب من خبائها نحو أخيها حاسرة الرّأس ملتاعة ، وزعقت بكلّ قواها وا حسيناه ثمّ سقط مغمى عليها من الحزن العميق

كانت ترى في نهاية الحسين ، انهيارا لبناء هائل كبير أقامه جدّها النّبيّ في طول الأرض وعرضها ، ليخلّص البشريّة من انحطاطها واندفاعها نحو الفوضى


والشّر!.

ومع ذلك فإنّ مصرع الحسين كان نذيرا لدولة معاوية الآفاق ، وانهارت الدّولة بعد ذلك بنصف قرن وسط أفراح الشّعب.

ظلّ الشّعب العربي يلعن يزيد بن معاوية وخلفاءه حتّى سقطوا بل أنّ الشّعب العربي انتقم من قادة الجيش الأمويّين شرّ انتقام ، فلقي أكثرهم مصرعه بعد أن استشهد الحسين على أيديهم وهو الإمام ، والقائد ، والزّعيم السّياسي المثالي لأمّة العرب في ذلك الحين ، والرّجل الّذي قام برحلته الدّامية إلى العراق ، وهو يعلم أنّ ألوف الجنود المرتزقة من جيش يزيد ، سوف تلحق به وتحول بينه وبين الإتّصال بالشّعب.

وكان الحسين يعلم أنّه مستشهد لا محالة ، هو وأهل بيته ، لكنّه مضى في طريقه دون خوف أو تردّد ، وتلك صفات الزّعماء الحقّيقيّين للشّعوب.

طلبوا منه أن يسلّم نفسه فأبى طلبوا منه البيعة ليزيد ، فرفض أن يبايع شابّا فاسدا شرّيرا ، لا يصلح أن يقود أمّة حديثة في طريقها الطّويل.

وامتشق سيفه ، وظلّ يقاتل جنود الشّيطان يزيد ، خليفة المسلمين الّذي فرضه أبوه معاوية فرضا على الأمّة العربيّة

ولم يكن معه سوى العشرات من الرّجال ، والنّساء ، والأطفال ، كلّ جيشه كان يمكن لفصيلة من الجنود سحقها في لحظات لكن الجيش الصّغير صمد أيّاما طويلة وقاتل بقيادة الحسين ببسالة عجيبة مذهلة ، لم يشهد تأريخ الشّرق أو الغرب مثيلا لها.

كان الحسين عطشان جائعا ورجاله يفتك بهم الظّمأ مثله ، وأطفاله


يصرخون في طلب جرعة ماء كان الحصار من حوله في كربلاء محكما جدّا ، ألوف من جنود الشّيطان يمنعون عنه وعن عياله الماء ...!.

ومع ذلك قاتل وصمد ولم يترك سيفه ورمحه إلّا بعد أن تمزق جسده بعديد من السّيوف والحراب.

وخلال ذلك كلّه خلال أعظم معركة في سبيل العقيدة ، شهدها التأريخ القديم ، لأمّة العرب ، برزت شخصيّة السّيّدة زينب «رئيسة الدّيوان» كما نسمّيها نحن أبناء مصر بطلة باسلة مؤمنة شجاعة حتّى أنّ يزيد بن معاوية الآفاق ، لم يجرؤ على مناقشتها عندما ساقوها إليه ، ورفضت أن تبايعه ، ولعنته ، كما لعنت كلّ الّذين يغدرون ويطعنون المؤمنين في ظهورهم!

ومن أجل ذلك نحن في مصر وفي كلّ الوطن العربي ، نؤمن ببطولة السّيّدة زينب ، كما نؤمن بذلك البطل الخالد «الحسين بن عليّ» أبي الشّهداء جميعا نؤمن بأمثال هؤلاء الأعاظم ، ونحتفل بمولدهم ، ونرقص ، ونغني ، ونطرب ، وننشد الأغاني حول أضرحتهم ، وذلك لأننا نحبّهم ولا أحد يستطيع أن يزيل من قلوبنا الحبّ الصّادق لرائد البطولة الخارقة

وقد نحيا ونمتليء بالأمل فنعمل ونكافح لأنّ مثل هذا الرّمز يضيء لنا الطّريق ، ويشحننا بالرغبات الطّيبة والإيمان بالشّرف.

ونحن لا نبالغ إذا اعتبرنا مولد السّيّدة زينب ومولد الحسين من الأعياد القوميّة لأمّة العرب»(١) .

__________________

(١) انظر ، مجلّة الغد عدد فبراير شباط سنة (١٩٥٩ م) صفحة ٩ تحت عنوان «مولد السّيّدة وأعيان الأمّة العربيّة». (منهقدس‌سره ).


وصدق الكاتب «أنّ السّيّدة زينب رمز لشيء عميق الدّلالة» ولكن من أي نوع هذا الشّيء العميق؟ وهل كشف عنه الباحثون والمؤرّخون؟

لقد تكلّم العلماء والأدباء قديما وحديثا حول شخصية السّيّدة ، واتّفقوا على بسالتها وعلمها وقوّة صبرها وإيمانها وعقلها ، وعلى عظمة الدّور الّذي قامت به في كربلاء وحاول كثيرون أن يشرحوا هذا الدّور ، ويفسّروا لنا وللأجيال السّر الكامن في ذهابها مع أخيها إلى كربلاء ورأى بعضهم أنّ الغاية من وجودها مع أخيها أن تبث دعوة الحقّ ، وتعلن سرّ نهضة الحسين ، وتبلّغ حجّته للملأ ، وتبين مساويء الأمويّين ، وتؤلّب النّاس على الطّغاة البغاة بالمواعظ والخطب ، كما فعلت في الكوفة والشّام ، وفي الطّريق إليهما منتهزة الفرص ، لإنجاز مهمّة أخيها سيّد الشّهداء.

وليس من شك أنّها أدّت هذه المهمّة على أكمل وجه بخاصّة في مجلس يزيد وابن مرجانة ، فلقد عرفت كلّا منهما بمكانة من الخزي والعار ، وفضحتهما لدى الأشهاد ، ولعنتهما كما لعنت كلّ الّذين يغدرون ويفجرون ؛ وقد ذكرنا ذلك في غير مكان من هذا الكتاب بعنوان : «خروج الحسين بأهله إلى كربلاء» ولكن هل هذا وحده هو الشّيء العميق الّذي ترمز إليه السّيّدة زينب؟ كلّا ، فأنّ معه شيئا آخر أعمق وأبعد من هذا بكثير ، أنّه الإحتفاظ بالدّين ، والإبقاء على شريعة سيّد المرسلين ، أنّ هذا الشّيء العميق يعود إلى أبيها أمير المؤمنين ، وعلومه الّتي تلقّاها عن أخيه وابن عمّه خاتم الرّسل وجدّ السّيّدة زينب ، وإليك القصّة من أوّلها :

قال الشّيخ محمود أبو ريّة خريج الأزهر في كتاب «أضواء على السّنّة


المحمّديّة» :

«ولد عليّ قبل البعثة بنحو عشر سنين ، وتربى في حجر النبيّ ، وعاش تحت كنفه قبل البعثة ، وظلّ معه إلى أن انتقل إلى الرّفيق الأعلى ، ولم يفارقه أبدا لا في سفر ولا في حضر ـ وهو ابن عمّه ، وزوّج ابنته فاطمة الزّهراء ـ وشهد المشاهد كلّها سوى تبوك ، فقد استخلفه النّبيّ فيها على المدينة ، فقال : يا رسول الله! أتخلفني في الصّبيان ، والنّساء؟

فقال الرّسول : «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبّي بعدي»(١) .

ولمّا قال معاوية لسعد بن أبي وقّاص ما يمنعك أن تسب أبا تراب؟

قال له : أما ما ذكرت ثلاثا قالهنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لأنّ تكون واحدة منهنّ أحبّ إليّ من حمر النّعم ، فلن أسبّه(٢) ، ثمّ ذكر له هذه الثّلاث ، وهي حديث : «أنت منّي

__________________

(١) انظر ، الصّواعق المحرقة لابن حجر : ٢٩ ، صحيح البخاريّ : ٢ / ٢٠٠ و ٣٢٤ ، و : ٤ / ٢٠٨ ، و : ١٤ / ٢٤٥ / ٣٤٧٠ ، و : ١٦ / ٢١٧ / ٤١١٥ بشرح الكرماني. صحيح مسلم في فضائل عليّ : ٣٢٤ ، المستدرك للحاكم النّيسابوري : ٣ / ١٠٩ ، مسند ابن ماجه : ١ / ٢٨ ، مسند الإمام أحمد : ١ / ١٧٥ و ١٧٧ و ١٧٩ و ١٨٢ و ٣٣١ و ٣٦٩ ، كنز العمّال : ٦ / ١٥٢ ح ٢٥٠٤ ، الإصابة لابن حجر : ٤ / ٥٦٨ ، وينابيع المودّة للقندوزي : ٢ / ٥٨.

(٢) انظر ، مستدرك الصّحيحين : ١ / ١٢١ ، طبعة حيدر آباد سنة ١٣٢٤ ه‍ ، كفاية الطّالب : ٨٢ و ٨٣ ، فرائد السّمطين : ١ / ٣٠٢ و ٣٠٣ ح ٢٤١ ، مروج الذّهب : ٢ / ٤٣٥ ، الصّواعق المحرقة : ٧٤ طبعة الميمنية و : ١٢١ المحمّدية بتفاوت ، ذخائر العقبى : ٦٦ ، المناقب للخوارزمي : ١٣٧ ح ١٥٤ ، خصائص النّسائي : ٢٤ ، كنز العمّال : ٦ / ٤٠١ ، ومشكاة المصابيح : ٥٦٥ و ٣ / ١٧٢٢ ح ٦٠٩٢ طبعة أخرى ، وتأريخ الخلفاء : ٦٧ ، والرّياض النّضرة : ٢ / ١٦٦ بألفاظ متقاربة ، فضائل الخمسة من الصّحاح السّتة : ٢ / ٢٢٣ ، الفضائل لأحمد : ٢ / ٥٩٤ ح ١٠١١ ، جمع الزّوائد : ٩ / ١٣٠ ، منتخب كنز ـ


بمنزلة هرون من موسى»(١) ، وحديث : «لأعطين الرّاية إلى رجل يحبّه الله ورسوله»(٢) ، وحديث المباهلة. وقال له النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : «من كنت مولاه فعليّ مولاة»(٣) . وهو حديث متواتر مشهور.

وقال ابن تيميّة : عليّ أفضل أهل البيت ، وأفضل بني هاشم بعد النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد ثبت عن النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه أدار كساه على عليّ ، وفاطمة ، والحسن ، والحسين ، وقال : «أللهمّ هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيرا»(٤) .

ومغازيه الّتي شهدها مع رسول الله ، وقاتل فيها كانت تسعة : «بدر ، وأحد ، والخندق ، وخيبر ، وفتح مكّة ، ويوم حنين ، وغيرها»(٥) ، وثبت في الصّحيح أنّ النّبيّ قال: «لأعطينّ هذه الرّاية رجلا يحبّ الله ورسوله ، ويحبّه الله ورسوله ،

__________________

ـ العمّال بهامش مسند أحمد : ٥ / ٣٠ ، ينابيع المودّة : ١ / ١٥٢ ، و : ٢ / ١٠٢ و ٢٧٤ و ٢٧٧ طبعة اسوة ، الجامع الصّغير : ٢ / ٦٠٨ ح ٨٧٣٦ ، مودّة القربى : ١٥.

(١) تقدّمت تخريجاته.

(٢) انظر ، صحيح البخاريّ بشرح الكرماني : ١٦ / ٩٨ / ٣٩٣٥ ، و : ٥ / ٢٢ و ٢٣ ، عمدة القاري في شرح صحيح البخاريّ للعيني : ٤ / ٧٣ و ٢٠٨ و : ١٢ / ١٩٠ ح ٢٧٤٤ ، و ٢٠٧ ح ٢٧٧١ ، و : ١٦ / ٢١٦ ، الصّواعق المحرقة : ٨٧ ، والسّيوطي في تأريخه : ٦٦ ، ومنتخب كنز العمّال هامش مسند أحمد : ٥ / ٣٩. صحيح مسلم : ٢ / ٤٤٨ / ٢٤٠٤ و ٤٤٩ / ٢٤٠٥ ، الكامل لابن الأثير : ٢ / ٢١٦.

(٣) تقدّمت تخريجاته.

(٤) انظر ، فتاوى ابن تيميّة : ١ / ٢٥٠. (منهقدس‌سره ).

(٥) انظر ، السّيرة النّبويّة لابن هشام : ٥ / ٧٨ ، فتح الباري : ٧ / ٢٨٠ ، تحفة الأحوذي : ٥ / ٢٦٣ ، شرح الزّرقاني : ٢ / ٥٣٢ ، تفسير القرطبي : ٤ / ١٩١ و ٢١٤ ، مسند أبي عوانة : ٤ / ٣٦٥ ، الكامل لابن الأثير : ٢ / ١١٦ ، السّيرة الحلبية بهامش السّيرة النّبويّة : ٢ / ١٤٣ ، تأريخ دمشق : ١ / ١٤٣ / ٣٠٢ ، تفسير ابن كثير : ٤ / ٣٧٠ ، صحيح البخاري : ٤ / ١٥١٦ ح ٣٩٠٦ ، المستدرك على الصّحيحين :

٣ / ٥٩٤ ح ٦٢٠٣ ، مجمع الزّوائد : ٦ / ١٤٢.


يفتح الله على يديه». فأعطاها عليّا(١) .

هذا هو عليّ رضى الله عنه الّذي لو كان قد حفظ كلّ يوم عن النّبيّ ، وهو الفطن اللّبيب الذّكي ربيب النّبي حديثا واحدا ، وقد قضى معه رشيدا أكثر من ثلث قرن ، لبلغ ما كان يجب أن يرويه حوالي (١٢) ألف حديث على الأقل ، هذا إذا روى حديثا واحدا في كلّ يوم ، فما بالك لو كان قد روى كلّ ما سمعه(٢) ، ولقد كان له حقّ في روايتها ولا يستطيع أحد أن يماري فيها ، ولكن لم يصح عنه كما جاء بكتاب الفصل إلّا نحو خمسين حديثا لم يحمل البخاري ، ومسلم إلّا نحو عشرين حديثا ، هذا كلام أبي ريّة في كتابه «أضواء على السّنّة المحمّديّة»(٣) .

وقال الشّيخ محمّد أبو زهرة وهو من كبّار شيوخ الأزهر ، والمؤلّفين المعروفين ، قال في كتاب «الإمام الصّادق» :(٤)

«يجب علينا أن نقرّر هنا أنّ فقه عليّ وفتاوية وأقضيته لم ترو في كتب السّنّة وكان أكثر الصّحابة اتّصالا برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقد رافق الرّسول ، وهو صبي قبل أن يبعث ، واستمر معه إلى أن قبض الله تعالى رسوله إليه ، ولذا كان يجب أن يذكر له في كتب السّنّة أضعاف ما هو مذكور فيها.

وإذا كان لنا أن نتعرف السّبب الّذي من أجله اختفى عن جمهور المسلمين

__________________

(١) انظر ، فتاوى ابن تيميّة : ١ / ٣١٠. (منهقدس‌سره ).

(٢) نعم ، لقد روى كلّ ما سمعه من النّبيّ ، ولكن لأولاده وذرّيّته ورواه ذرّيّته للنّاس على لسان محمّد الباقر ، وجعفر الصّادق ، كما سيتّضح ذلك فتابع القراءة لتتأكد من هذه الحقيقة.

(٣) انظر ، أضواء على السّنّة المحمّديّة» : ٢٠٤ طبعة (١٩٥٨ م). (منهقدس‌سره ).

(٤) هذا الكتاب أكبر موسوعة علميّة عن الإمام الصّادق ، وبيان عظمته عند الله سبحانه ، وسموه في أخلاقه ، وخير مصدر للعلماء ، ومرشد لمن يجهل مقام الصّادق خاصّة وأهل البيت عامّة. (منهقدس‌سره ).


بعض مرويات عليّ وفقهه ، فإنّا نقول : أنّه لا بدّ أن يكون الحكم الأموي أثّر في إختفاء كثير من آثار عليّ في القضاء والإفتاء ، لأنّه ليس من المعقول أن يلعنون عليّا فوق المنابر ، وأن يتركوا العلماء يتحدّثون بعلمه ، وينقلون فتاويه وأقواله للنّاس وخصوصّا ما كان يتّصل منها بأساس الحكم الإسلامي.

ولكن هل كان إختفاء أكثر آثار عليّ رضى الله عنه ، وعدم شهرتها بين جماهير المسلمين سبيلا لإندثارها وذهابها في لجّة التّأريخ إلى حيث لا يعلم بها أحد ...!! أنّ عليّا رضي الله عنه قد استشهد ، وقد ترك وراءه من ذرّيّته أبرارا أطهارا كانوا أئمّة في علم الإسلام ، وكانوا ممّن يقتدى بهم ، ترك ولديه في فاطمة الحسن ، والحسين ، وترك روّاد الفكر محمّد ابن الحنفيّة ، فأودعهم عنه ذلك العلم ، وقد قال ابن عبّاس : «ما انتفعت بكلام بعد كلام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كانتفاعي بكتاب كتبه إليّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه(١) . وقام أولئك الأبناء بالمحافظة على تراث أبيهم الفكري ، وهو إمام الهدى ، فحفظوه من الضّياع ، وقد انتقل معهم إلى المدينة لمّا انتقلوا إليها بعد استشهاده رضي الله عنه برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وبذلك تنتهي إلى أنّ البيت العلوي فيه علم الرّواية كاملة عن عليّ رضى الله عنه ، رووا عنه ما رواه عن الرّسول كاملا ، أو قريبا من الكمال ، واستكنوا بهذا العلم المشرق في ركن من البيت الكريم»(٢) .

وإذا عطفت هذا القول للشّيخ أبي زهرة على قول الشّيخ أبي ريّة السّابق ، فإنّك واصل حتما إلى اليقين بأنّ علم محمّد عند عليّ ، وعلم عليّ عند أبنائه ،

__________________

(١) انظر ، شرح نهج البلاغة لمحمّد عبده : ٣ / ٢٠ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ١٥ / ١٤٠.

(٢) انظر ، الإمام الصّادق : ١٦٢ مطبعة أحمد عليّ مخيبر. (منهقدس‌سره ).


وهم الّذين نشروه وأذاعوه على النّاس.

نقلنا أقوال هذين الشّيخين الجليلين من شيوخ الأزهر باللّفظ لا بالمعنى ، نقلناهما بالحرف الواحد مع أرقام الصّفحات وهي تقدّم الأدلّة على حقيقة لا ترد ولا تقبل التّشكيك.

عليّ بن أبي طالب الّذي لازم النّبيّ منذ طفولته(١) إلى آخر يوم من أيّام الرّسول لا يروى عنه إلّا خمسون حديثا!! عليّ الّذي تربى في حجر الرّسول ، وكان منه بالمنزلة الخصّيصة ، كما قال الإمام يصف نفسه : «وما وجد لي كذبة في قول ، ولا خطلة في فعل ، ولقد قرن الله بهصلى‌الله‌عليه‌وآله من لدن أن كان فطيما أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم ، ومحاسن أخلاق العالم ليله ، ونهاره ، ولقد كنت أتّبعه اتّباع الفصيل أثر أمّه ، يرفع لي في كلّ يوم من أخلاقه علما ، ويأمرني بالإقتداء به»(٢) . لا يروي عن النّبيّ إلّا خمسين حديثا ، وأبو هريرة الّذي لم يصحب النّبيّ إلّا نحو ثلاث سنوات ، لا يراه فيها إلّا قليلا ، والحين بعد الحين ، يروي عنه (٥٣٧٤) حديثا(٣) ! ولو أخذنا بهذا القياس لوجب أن

__________________

(١) قال أمير المؤمنين في خطبته المعروفة بالقاصعة : «وقد علمتم موضعي من رسول الله ـصلى‌الله‌عليه‌وآله ـ بالقرابة القريبة ، والمنزلة الخصيصة. وضعني في حجره وأنا ولد يضمّني إلى صدره ، ويكنفني في فراشه ، ويمسّني جسده ، ويشمّني عرفه. وكان يمضغ الشّيء ثمّ يلقمنيه ، وما وجد لي كذبة في قول ، ولا خطلة في فعل». انظر ، نهج البلاغة : الخطبة (١٩٢» ، الكامل في التأريخ : ٢ / ٥٨ ، تأريخ الطّبري : ٢ / ٥٧ ، الإصابة : ٢ / ٥٠١.

(٢) انظر ، نهج البلاغة : الخطبة (١٩٢).

(٣) انظر ، هدي السّاري : ٤٧٧ ، قال : وله في البخاري «٤٤٦» حديثا ، جوامع السّيرة : ٢٧٦ ، مسند الإمام أحمد ، بتحقّيق أحمد محمّد شاكر : ١٢ / ٨٢ ، مسند ابن راهويه : ١ / ٨ ، أضواء على السّنّة المحمّديّة : ٢٢٤.


يروي الإمام (١٨٢١٦) حديثا ، لأنّه لازم النّبيّ رشيدا أكثر من ثلث قرن.

ومن هنا تعلم أنّ السّر الوحيد لقلّة الرّواية عن الإمام عليّ هو ما أشار إليه الشّيخ أبو زهرة ، هو عداء الأمويّين وموقفهم من الإمام ، وممّن يذكره بخير ، فقد عاقبوا من يروي منقبة من مناقبه ، أو ينقل حديثا عنه ، وتتبعوا تلاميذه وخاصّته في كلّ مكان ، كميثم التّمار ، وعمر بن الحمق ، ورشيد الهجري ، وحجر بن عدي ، وكميل بن زياد وغيرهم وغيرهم ، وقتلوهم الواحد بعد الآخر ، ونكلّوا بهم شرّ تنكيل ، كي لا يتسرب عن طريقهم أثر من آثار عليّ.

أجل ، لقد بذل الأمويون أقصى الجهود ، واستعملوا التّقتيل والتّنكيل ، وسلكوا جميع السّبل ، ليقضوا القضاء الأخير على كلّ أثر يتّصل بعليّ من قريب أو بعيد إلّا السّب واللّعن ، أنّ الأمويّين يعلمون حقّ العلم أنّ عليّا أخو رسول الله ووصيه ، ووارث علمه ، وأمينه على شرعه حجّته البالغة على النّاس أجمعين ، ويعلم الأمويون أيضا أنّهم ملعونون في كتاب الله ، وعلى لسان نبيّه ، فالإمساك عن عليّ وآثاره معناه القضاء على حكمهم ، لأنّ آثار عليّ هي آثار محمّد الّذي نصّ على أنّ الخلافة محرّمة على الأمويّين ، لذا لعنوا الإمام على المنابر ، وقتلوا خاصّته ، كي لا يروا شيئا عنه ، ولكن :( يَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ ) (١) ؛ فلقد أودع الإمام علوم الرّسول ذرّيّته وأولاده ، كما قال الشّيخ أبو زهرة ، ووصلت إلينا عن طريق آله وذرّيّته.

ولم تخف هذه الحقيقة على الأمويّين ، فحاولوا القضاء على ذرّيّة عليّ ، وأن لا يبقوا من نسله حيّا ، ليمحوا كل أثر من الوجود ، وأصدق شاهد على ذلك قول

__________________

(١) التّوبة : ٣٢.


شمر بن ذي الجوشن : «قد صدر أمر الأمير عبيد الله أن أقتل جميع أولاد الحسين». قال هذا حين شهر سيفه ليقتل الإمام زين العابدين ، وقد دفعه عنه حميد بن مسلم وعمر بن سعد ، وقالت عمّته الحوراء لمّا همّ بقتله : والله لا يقتل حتّى أقتل»(١) . وفي هذا نجد التّفسير الصّحيح لقتل الطّفل الرّضيع وغيره من أولاد أهل البيتعليهم‌السلام .

قتل الأمويون سيّدي شباب أهل الجنّة الحسن ، والحسين ، وقتلوا أبناء الحسين ، ولم ينج منهم إلّا الإمام زين العابدين ، والفضل الأوّل في نجاته من القتل للسّيّدة زينب ، دفعت عنه شمرا في كربلاء ، وابن زياد في الكوفة ، حيث أمر بقتله ، فتعلقت به السّيّدة ، واعتنقته قائلة : والله لا أفارقه ، فإن قتلته فاقتلني معه ، فنظر ابن مرجانه إليهما ساعة ، ثمّ قال : «عجبا للرّحم! والله إنّي لأظنّها ودّت أنّي قتلتها معه ، دعوه ، فأنّي أراه لما به»(٢) . أي يراه مريضا.

كلّا ، ليست المسألة مسألة رحم ، وكفى ، ولا مسألة حبّ وعطف فقط ، أنّها أعمق وأبعد من ذلك التّفكير ، أنّها الخوف على دين الله وعلوم رسول الله من الضّياع ، لقد استماتت السّيّدة دون الإمام زين العابدين ، لأنّه حلقة الإتّصال بين الحسين وبين الإمامين الباقر والصّادق اللّذين أشاعا وأذاعا علوم محمّد وعليّ.

كان علم الرّسول عند عليّ ، وعلم عليّ عند ولديه الحسن والحسين ، وعلم الحسين عند زين العابدين ، ومنه إلى ولده الباقر وحفيده الصّادق ظ ، وهكذا انتقلت علوم الرّسول من إمام إلى إمام حتّى ذهب الأمويون ، وزال حكمهم ، ولم

__________________

(١) انظر ، تأريخ الطّبري : ٤ / ٣٥٠ ، البداية والنّهاية : ٨ / ٢١١ ، مقتل الحسين لأبي مخنف : ٢٠٦.

(٢) انظر ، تأريخ الطّبري : ٣ / ٣٣٧ ، الإرشاد : ٢ / ١١٧ ، مثير الأحزان : ٧٢ ، البداية والنّهاية : ٨ / ٢١١.


يبق له عين ولا أثر في عهد الصّادقين حيث انتشرت علومهما في كلّ مكان ، ولم يكن من سبيل إلى بثّ هذه العلوم في عهد الأمويّين ، ويؤكّد هذه الحقيقة أنّ الحسين لمّا توجه إلى العراق دفع إلى أمّ سلمة الوصيّة والكتب ، وقال لها : إذا أتاك أكبر ولدي ، فادفعيها إليه ، وبعد أن قتل الحسين أتى زين العابدين إلى أمّ سلمة ، فدفعت إليه كلّ شيء أعطاها الحسين(١) .

فالإمام زين العابدين هو حلقة الإتّصال بين أبيه وجدّه وبين ولديه الصّادقين ، ولو فقدت هذه الحلقة لم يكن لعلوم عليّ خبر ولا أثر ، ولخسر الدّين والإسلام أعظم ثماره وأثمن كنوزه ، ولهذا وقفت السّيّدة موقفها مع الّذين حاولوا قتل الإمام زين العابدين ، وكان لها أكرم يد وأفضلها رمزا لشيء عميق الدّلالة» كما قال محرّر مجلّة «الغد» ولكنّه لم يدرك نوع هذا السّر على حقيقته ، وكفاه معرفة أن يدرك ، ولو على سبيل الإجمال ، أنّ السّيّدة زينب رمز لشيء عميق الدّلالة.

وقد يتساءل : إذا كانت الغاية الأولى والأخيرة هي المحافظة على الإمام زين

__________________

(١) انظر ، إثبات الوصيّة للمسعودي : ١٤٣ و ٢٢٧ و ٢٣٠ ، الكافي : ١ / ٤٤٢ / ٣ ، الإختصاص للشّيخ المفيد : ٢١٠ ، إكمال الدّين : ٣١١ / ١ ، و : ١ / ٢٣٦ ح ٥٣ طبعة آخر ، فرائد السّمطين للجويني : ٢ / ١٣٦ ح ٤٣٢ ـ ٤٣٥ و ٣١٩ ح ٥٧١ و ١٣٢ ح ٤٣١ ، ألقاب الرّسول وعترتهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ١٧٠ ، أمالي الشّيخ الطّوسي : ١ / ١٧ ، عيون أخبار الرّضا : ١ / ٤٠ ح ١ ، و : ٢ / ٢٣٧ ح ٢٢ ، كتاب الغيبة للنّعماني : ٦٢ و ٦٦ ، كتاب الغيبة للطة وسي : ١٤٣ ح ١٠٨ و ١٩٥ ح ١٥٩ ، الإرشاد : ٢ / ١٣٨ ، غاية المرام : ٧٤٣ ح ٥٧ ، العمدة لابن البطريق : ٤١٦ ، سنن أبي داود : ٣ / ٣٠٩ ح ٤٢٧٩ ، صحيح البخاري : ٨ / ١٠٤ ، و : ٩ / ٨١ ، صحيح مسلم : ٦ / ٤ ، و : ٢ / ١٨٣ و ١٨٤ / ١٨٢٢ ، سنن التّرمذي : ٣ / ٣٤٠ باب ٤٠ / ٢٣٢٣ ، مودّة القربى : ٢٩ ، كتاب سليم بن قيس : ٢٣ ح ٧ ، كفاية الأثر : ١٩ ، مسند أحمد : ١ / ٣٩٨ ، المناقب لابن شهر آشوب : ٤ / ١٧٢ ، مختصر البصائر : ٣٩ ، معاني الأخبار : ٣٥ ، أمالي الصّدوق : ١٢٤ ح ١٣.


العابدين فلماذا صحبه الحسين معه إلى كربلاء؟ ولماذا لم يبقه في حرم جدّه الرّسول؟

والجواب : أنّ المدينة كانت تحت سيطرة الأمويّين ، وكان فيها مروان ابن الحكم الّذي أشار على الوليد بقتل الحسين ، فكيف يأمن الحسين على أهله ، وهم بين أيدي الطّغاة ، وفي حكم أشدّ النّاس لؤما وعداءا للحسين ولكلّ من يمتّ إليه بسبب أو نسب.

وقد اسلفنا أنّ الأمويّين أصدروا أمرهم بقتل أولاد الحسين حتّى الطّفل الرّضيع ، فهل يعفون ويصفحون عن خليفته وأكبر أولاده ووارث علمه؟! وهل للأمويّين هدف من قتل الحسين وأولاده وأصحاب أبيه وأصحابه إلّا القضاء على كلّ أثر لأبي الحسين وجدّ الحسين؟!.

ومرّة ثانية نقول مع محرّر المجلّة : «أنّ السّيّدة زينب رمز لشيء عميق الدّلالة». أنّها لكلمة بالغة ، ما أنطق بها الكاتب إلّا الحقّ ، وإلّا عظمة السّيّدة ، أنّها لكلمة تحمل من المعاني ما تضيق عنها المجلّدات ؛ وكلّ مآثر أهل البيت الطّاهر لا تتّسع لها الكتب والأسفار.


الإمام الصّادقعليه‌السلام

في هذه السّنّة (١٣٨٠ ه‍) ظهر في الرّياض عاصمة المملكة السّعوديّة مجلّة تحمل اسم «راية الإسلام» ، وصاحب الإمتياز اسمه الشّيخ عبد اللّطيف بن إبراهيم آل الشّيخ. ورئيس التّحرير الشّيخ صالح بن محمّد بن لحيدان ، والمدير الشّيخ عليّ بن حمد الصّالحي(١) . «ثلاثة ليس ليس لهم شبيه» باعوا أنفسهم للشّيطان ، وقبضوا الثّمن كاملا ، فجرى منهم مجرى الدّم في العروق ، وما خالفوا له قولا ، ولا عصوا له أمرا حتّى أصاب منهم كل ما يبتغي ، وحتّى أصبحوا له نصيبا مفروضا ، وأطوع له من بنانه ، يديره كيف شاء ، ومتى أراد ، فإذا تكلموا فبلسانه ، وإذا كتبوا فبقلمه ، وإذا فكّروا فبوحي منه يفكرون ، وإذا فعلوا فبأمره يعملون.

وفي ربيع الآخر سنة (١٣٨٠ ه‍) صدرت الأوامر لهؤلاء «الثّلاثة» من سيّدهم «أبي مرّة» أن يكتبوا في مجلّته «راية الشّيطان» مقالا وضع لهم تصاميمه ، ورسم معالمه ، ثمّ أوحى إليهم أن يقيموا عليها أركانه وبنيانه ، فنشروا مقالا في العدد الخامس بعنوان «خطاب موجّه لشيخ الجامع الأزهر» ، وقّعوه

__________________

(١) كان من نتيجة الرّدود والإحتجاجات الّتي قام بها علماء جبل عامل ، وأهل القطيف ، والبحرين أن طرد المسؤولون في السّعوديّة الشّيخ الصّالحي من إدارة المجلّة. (منهقدس‌سره ).


باسم «إبراهيم الجبهان». وهذي هي الأسّس الّتي أوحى بها إبليس إلى شيوخه ، واحتواها مقال آله ورجاله.

١ ـ التّهجم على شيخ الأزهر بألفاظ السّفاهة والجهالة ؛ لأنّه ناصر دعوة التّقريب بين المذاهب الإسلاميّة ، وهذه الدّعوة ترضي الله الّذي قال :( وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا ) (١) ، وتغضب سيّدهم إبليس الّذي يفرّق بين المرء وزوّجه ، ويبث التّعصب ، والشّقاق بين العباد.

٢ ـ نعت الإمام الصّادقعليه‌السلام بما يهتزّ له العرش ، ويقوم له الكون بما فيه ، افتروا على عظمته لا لشيء إلّا لأنّه إمام العلم والدّين ، وقائد الخير والحقّ ، وحرب على الشّرك والمشركين ، وعزّ للإسلام والمسلمين ، وإلّا ، لأنّه مهجة الرّسول النّاطق بلسانه ، والحافظ لشريعته وتعاليمه.

٣ ـ تكفير الشّيعة بعامّة ، والإماميّة منهم بخاصّة ، والتّحريض على قتلهم وإبادتهم ، لأنّهم يعبدون الله مخلصين له الدّين ، لا يوالون فاجرا ، ولا يهادنون جائرا ، ولا يساومون مستعمرا.

هذي هي الأسّس الّتي رسمها الشّيطان لشيوخه ، وبنوا عليها بنيانه في مجلّته ، فتصدى لهم علماء جبل عامل في لبنان الّذين كانوا وما زالوا الرّكن الرّكين للإسلام ، والحصن للتّشيّع ومباديء أهل البيت الكرام ، فاحتجوا لدى المسؤلين في السّعوديّة ، وفي سفارتها ببيروت ، ونشروا الرّدود في المجلّات والجرائد ، كما قام أهل القطيف ، والبحرين بواجبهم في هذه السّبيل ، وهدموا ما بناه شيوخ مجلّة الشّيطان ونقضوا ما دبروا ، وعليه تآمروا ، حتّى اضطروهم

__________________

(١) الأنفال : ٤٦.


مرغمين إلى أن يكتبوا في العدد السّابع من هذه المجلّة مقالا ضافيا عن الإمام الصّادق وعظمته عند الله والنّاس ، فاقرّوا بالحقّ بعد أن جحدوا ، وأكذبوا أنفسهم بأنفسهم. وممّا جاء في المقال المذكور :

«نحن الآن بصدد علم من أعلام الإسلام ، وسيّد من سادات المسلمين ، لم يكن أميرا ولا ملكا ، ولم يكن قائدا ولا خليفة ، ولكنّه أسمى من ذلك وأجل ، أنّه عالم من خيار علماء المسلمين ، وخيرة بني هاشم ، أنّه من سلالة آل بيت الرّسول الّذي نكن لهم كلّ حبّ واحترام ، والّذين لا يحصل إيمان أحد إلّا وقلبه عامر بحبّ رسول الله وآله ، فآل البيت عند أهل السّنّة مكرمون محترمون معترف لهم فضلهم وقربهم من الرّسول ، وحبّهم دين وصلاح ، والتّرضي عنهم مبدأ يسير المسلمون عليه ، وصاحبنا من أفضل أهل البيت ، ولم يأت بعده أفضل ولا أتقى منه ، فهو الإمام الّذي اتّفق المسلمون على اختلاف طوائفهم وتعدد مذاهبهم على إمامته وورعه وتقواه ، وأثنوا عليه ومدحوه ، لفضله وزهده ، وعلمه ، وقرابته من رسول الله ونشر العلم ، وأخذ عنه خلق كثير ، وروى عنه سادة الأمّة وخيارها أمثال سفيان الثّوري ، وابن عيّنية ، وسلمان بن بلال ، والدّراوردي ، وابن حازم ، وأبو حنيفة ، ومالك وقال أبو حاتم : «لا يسأل عن مثله»(١) . وقال عمر بن المقداد : «كنت إذا نظرت إلى جعفر بن محمّد علمت أنّه من سلالة النّبيّين»(٢) ،

__________________

(١) انظر ، الجرح والتّعديل : ٢ / ٤٨٧ رقم «١٩٨٧» ، ميزان الإعتدال في نقد الرّجال : ٢ / ١٤٤ رقم «١٥٢١» ، تهذيب التّهذيب : ٢ / ٨٨ رقم «١٥٦» ، تهذيب الكمال : ٥ / ٧٨.

(٢) انظر ، تهذيب التّهذيب : ٢ / ١٠٤ ، حلية الأولياء : ٣ / ١٩٣ ، تذكرة الخواصّ : ٣٤٢ ، ينابيع المودّة : ٣ / ١٦٠ ، مناقب آل أبي طالب : ٣ / ٣٧٣.


وأثنى عليه شيخ الإسلام ابن تيميّة(١) في منهاج السّنّة ، وقال عنه : «أنّه من خيار أهل الفضل والدّين»(٢) ، وأشاد بفضله. وقال السّخاوي : «كان من سادات أهل البيت فقها ، وعلما ، وفضلا ، وجودا ، يصلح للخلافة بسؤدده ، وفضله ، وعلمه ، وشرفه ..»(٣) .

وقال عنه أبو حنيفة : «ما رأيت أفقه منه»(٤) .

وقال عنه مالك : «اختلفت إليه زمانا ، فما كنت أراه إلّا مصلّيا أو صائما ، وما رأيته يحدّث إلّا على طهارة»(٥) .

هذا ما قالته المجلّة في عددها السّابع بعد أن نشرت ما نشرته في العدد الخامس ، وهكذا أنكر أبو سفيان نبوّة محمّد ، وقاد الجيوش لحربه في بدر ، واحد ، والخندق ، ثمّ آمن به حين جاء نصر الله والفتح!

كتبت ردّا على مجلّة الشّيوخ الثّلاثة نشرته العرفان في عدد تشرين الثّاني سنة (١٩٦٠ م) ، ثمّ نشر في كراسة مستقلة.

ورغب إليّ بعض الإخوان الأفاضل أن أكتب كلمة حول كتاب جديد ، اسمه

__________________

(١) ابن تيميّة الحجّة الكبرى والقدوة العظمى عند الوهابيّين. (منهقدس‌سره ).

(٢) انظر ، منهاج السّنّة : ٤ / ٢٠٩.

(٣) انظر ، القول البديع في الصّلاة على الحبيب الشّفيع ، للحافظ السّخاوي : ١١٣ ، رجال مسلم : ١ / ١٢٠ رقم «٢٢١» ، سير أعلام النّبلاء : ١٣ / ١٢٠ ، شرح الأخبار : ٣ / ٢٩١ ، مناقب آل أبي طالب : ٣ / ٣٧٢.

(٤) انظر ، تهذيب الكمال : ٥ / ٧٩ ، الكامل في التّأريخ : ٢ / ١٣٢ ، جامع مسانيد أبي حنيفة : ١ / ٢٢٢ ، مناقب آل أبي طالب : ٣ / ٣٧٨ ، سير أعلام النّبلاء : ٦ / ٢٥٧.

(٥) انظر ، تهذيب الكمال : ٥ / ٧٨ ، تذكرة الحفّاظ : ١ / ١٦٦ ، سير أعلام النّبلاء : ٦ / ٢٥٧ ، الكامل في التّأريخ : ٢ / ١٣٣.


«الإمام الصّادق» لفضيلة الأستاذ العالم الشّيخ محمّد «أبو زهرة» ، وفي نفس الوقت طلب منّي الأستاذ نزار أن أكتب للعرفان مقالا مستقلا عن الإمام الصّادقعليه‌السلام ، لا أتعرض فيه لكتاب أبي زهرة ، لا تأيّيدا ولا تفنيدا ، وحجّته في تبرير هذا الشّرط أن يعرف أصحاب مجلّة الشّيطان على آيّة عظمة تجرأوا ، ومن أيّة قداسة نالوا ، فيأتي المقال ردّا ضمنيّا بعد الرّد الصّريح.

وما دامت هذي هي الغاية الأولى والأخيرة من هذا المقال(١) ، فإنّي أنقل للقرّاء ما ذكره الشّيخ أبو زهرة من النّعوت والأوصاف الّتي وصف بها الإمام الصّادق في كتابه المذكور ، هذا مع العلم بأنّ صاحب الكتاب أزهري ، بل من شيوخ الأزهر الكبّار ، والمؤلّفين المكثرين ، والباحثين المعروفين ، وقد بلغت صفحات الكتاب (٥٦٨) بالقطع الكبير ، وكلّها أو جلّها أرقام وشواهد على إمامة الصّادق في الدّين والعلوم ، وعلو منزلته في الفضائل ومكارم الأخلاق كاملة دون استثناء.

وقد اقتبست من مجموع صفحات الكتاب وسطوره كلمتي التالية مشيرا في آخرها إلى بعض الملاحظات. وسلفا أقول : أنّها لم تف بالغاية من عظمة الإمام الصّادق الّتي صورها الشّيخ في كتابه ، فلقد أبرز من شخصيّة الإمام ما لا يفي به إلّا كتاب ضخم في حجم كتابه الحافل ، وليس من شكّ أنّ إيمانه بقوى شخصيّة

__________________

(١) لم يكن من قصدي إدراج هذا المقال هنا ، بل كان العزم على نشره في العرفان ، وكفى ، ولكن رغب إليّ أكثر من واحد أن أنشره في كراسة على حدة ، وجاءتني رسائل بذلك من بعش الإخوان في البحرين بعد أن علموا به ، فرأيت أن أنشره هنا وفي العرفان ، لأنّ رسالتي أن تعم مناقب الآل الكرام كلّ مكان وزمان ، وأن تتردّد على كلّ لسان ، وفي كلّ صحيفة وكتاب ، هذا بالإضافة إلى أنّي عرّفت كتابي هذا في المقدّمة «بأنّ فيه ذكرا لآل الرّسول ، ولا شيء أكثر من ذلك». (منهقدس‌سره ).


الإمام وغزارتها قد اسعفاه وأمدّاه بتلك الصّحفات الطّوال ، وعكسا في نفسه وعقله سطورها وكلماتها.

استمع إلى المؤلّف ، وهو يقول في أوّل صفحة من مقدّمة الكتاب : كتبنا عن سبعة من الأئمّة الكرام ، وتأخرنا في الكتابة عن الإمام الصّادق تهيّبا لمقامه.

ثمّ أنّ الشّيخ الفاضل يوافق الإماميّة الإثني عشريّة عن علم وإيمان بكلّ ما يعتقدونه بالإمام الصّادق ، ولا يخالفهم إلّا في أمرين : الأوّل في وجوب العصمة له ، والثّاني في أنّه إمام سياسي ، كما أنّه إمام ديني بالنّص من إمام عن إمام إلى أن ينتهي النّص إلى الرّسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله . أنّ الشّيخ أبا زهرة يعتقد بإمامة الصّادق في الدّين والعلوم ، وأنّه الفصل والفارق بين الحقّ والباطل ، كما جاء في : ١٨٤ ، ولكنّه يختلف عن الإماميّة بالإتّجاه ، وقد بين ذلك صراحة في : ٧٤ حيث قال ما نصّه بالحرف الواحد :

«ندرس الإمام الصّادق بنظرنا وتفكيرنا وباتّجاهنا ، ولسنا بصدد تقرير ما يراه الّذين حملوا اسم الجعفريّة فقط ، ولا ضير في أن يختلف نظرنا إلى الإمام عن نظرهم ما دامت النّتيجة هي بيان شأن الإمام ، وبيان علو قدره ، وقد اعلوه بنظرهم ، ونعليه بنظرنا ، والغاية واحدة ، وحسبه شرفا أنّه يصل إلى أعلى مراتب الرّفعة باتّجاهنا واتّجاههم ، ونظرنا ونظرهم».

والآن ، وبعد هذا التّمهيد تعالوا معي لنرى إلى هذه الشّرارة من القبس الّذي آتانا به فضيلة المؤلّف من نور الإمام الصّادق وهديه :


نسبه :

ينتهي نسبه إلى سيف الله المسلول ، وفارس الإسلام عليّ بن أبي طالب ، وقد نال فوق هذا كلّه أكبر شرف في الإسلام بعد العمل الصّالح ، وهو من عترة النّبيّ الطّاهرة(١) .

وصفه الجسمي :

كان ربعة ليس بالطّويل ولا بالقصير ، أبيض الوجه أزهر ، له لمعان كأنّه سراج ، أسود الشّعر أجعده ، أشم الأنف ، وقد انحسر الشّعر عن جبينه فبدا مزهرا ، على خدّه خال أسود ، ولمّا تقدّم في السّن زاده الشّيب بهاء ووقارا وجلالا وهيبة(٢) .

تسميّته بالصّادق :

قال ابن خلّكان في كتاب وفيّات الأعيان : «لقّب بالصّادق لصدق مقالته»(٣) . وقال أبو زهرة : «ومن يكون أصدق قولا ممّن لقّبه الخصوم

__________________

(١) انظر ، كشف الغمّة : ٢ / ١٥٥ و ١٦١ و ١٨٧ ، عمدة الطّالب : ١٩٥ ، مطالب السّؤول : ٨١ ، وفيات الأعيان : ١ / ٢٩١ ، صفوة الصّفوة : ٢ / ٦١ ، الإرشاد للشّيخ المفيد : ٣٠٤ ، و : ٢ / ١٧٩ طبعة آخر ، الكافي : ١ / ٤٧٢ ، البحار : ٤٧ / ١ ح ١ ، و ٤ ح ١٢ ، و ٦ ح ١٧ ، دلائل الإمامة : ١١١ ، تذكرة الحفّاظ : ١ / ١٦٦ ، كفاية الطّالب : ٤٥٥ ، الفصول المهمّة : ٢ / ٢٣٧ ، بتحقّيقنا.

(٢) انظر ، الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة لابن الصّباغ المالكي : ٢ / ٢٣٨ ، بتحقيقنا) ، المناقب لابن شهر آشوب : ٣ / ٤٠٠ ، نور الأبصار للشّبلنجي : ٢ / ٨٨ ، بتحقّيقنا.

(٣) انظر ، الجامع الصّغير : ١ / ٢٣٨ ح ٣٩٨ ، التّمهيد لابن عبد البر : ٢ / ٦٦ ، تحفة الأحوذي : ١ / ١١٥ ، فيض القدير : ٣ / ٢٢٩ ، لسان الميزان : ٧ / ١٩٠ رقم «٢٥٢٦» ، تقريب التّهذيب : ١ / ١٤١ رقم «٩٥٠».


والأولياء ، والتأريخ كلّه بالصّادق ، وهو الإمام أبو عبد الله رضي الله عنه(١) وعن آبائه الأكرمين الأبرار الأطهار. ومن الأئمّة من اختلف فيه النّاس بين موال غالي في ولايته ، وخصم غالى في خصومته ، والإمام الصّادق أجمع العلماء على فضله ، وإذا غالى كثيرون في محبّته ، فإنّه لم يكن العكس بالنّسبة إلى الإمام الصّادق ، حيث لم يغال في عداوته أحد ، بل لم يعاده أحد(٢) .

صفاته النّفسيّة :

أمّا صفاته النّفسيّة والعقليّة فقد علا بها على أهل الأرض ، وأنّى لأهل الأرض أن يسامتوا أهل السّماء؟! سمو في الغاية ، تجرد في الحقّ ، ورياضة للنّفس ، وانصراف إلى العلم ، والعبادة ، وابتعاد عن الدّنيا ومآربها ، وبصيرة تبدّد الظّلمات ، وإخلاص لا يفوته إخلاص ، لأنّه من معدنه ، من شجرة النّبوّة ، وإذا لم يكن الإخلاص في عترة النّبيّ ، وأحفاد عليّ ففيمن يكون؟! فلقد توارث أحفاد عليّ الإخلاص خلفا عن سلف ، وفرعا من أصل ، فكانوا يحبّون لله ، ويبغضون لله ويعتبرون ذلك من أصول الإيمان وظواهر اليقين.

والصّادق مصداق لقوله تعالى :( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا ) (٣) ، وهو من أولياء الله الّذين قال فيهم :( أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ

__________________

(١) انظر ، تأريخ الخشّاب : ١٨٨ ، مقصد الرّاغب : ١٥٦ ، تأريخ أهل البيتعليهم‌السلام : ١٣٨ ، الهداية الكبرى: ٢٤٧ ، دلائل الإمامة : ١١٢ ، المعارف : ٢١٥ ، كفاية الطّالب : ٤٥٥.

(٢) انظر ، الإمام الصّادق ، أبو زهرة : ٣٦ ، الهداية الكبرى : ٢٤٧.

(٣) فاطر : ٣٢.


وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) (١) ، وهو من الّذين عناهم جدّه الرّسول بقوله : «أنّ الله يحبّ ذا البصر النّافذ عند ورود الشّبهات ، ويحب ذا العقل الكامل عند حلول المشكلات»(٢) . ومن غير الصّادق يبدد الشّبهات بعقله النّير ، وبصيرته الهادية المرشدة؟!.

وكان عليّ بي أبي طالب من أسخى الصّحابة ، بل من أسخى العرب ، وقد كان أحفاده كذلك من بعده ، فزين العابدين كان يحمل الطّعام ليلا ليوزعه على بيوت ما عرفت خصاصتها إلّا من بعده(٣) ، فلم يكن غريبا أن يكون الإمام الصّادق النّابت في ذلك البيت الكريم سخيّا جوادا ، فقد يعطي حتّى لا يبقي لعياله شيئا.

وكان حليما لا يقابل الإساءة بمثلها ، بل يقابلها بالّتي هي أحسن عملا بقوله تعالى :( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) (٤) .

أمّا الشّجاعة فقد كانت ملازمة لذرّيّة عليّ ، وهي فيهم كالجبلّة ، لا يهابون الموت ، وبخاصّة من يكونون في مثل حال أبي عبد الله الصّادق الّذي عمر الإيمان قلبه ، وانصرف عن الأهواء والشّهوات ، واستولى عليه خوف الله تعالى وحده ، ومن عمر قلبه بالإيمان لا يخاف أحدا إلّا الله.

وكان ذا فراسة قوّية جعلته ذا إحساس قوي يدرك به مغبة الأمور ، والفراسة من أخلاق المؤمنين ، كما أنّ الله سبحانه قد أضفى عليه جلالا ونورا من نوره ،

__________________

(١) يونس : ٦٢.

(٢) انظر ، البداية والنّهاية : ١ / ٣٦٢ ، مسند الشّهاب : ٢ / ١٥٢ ح ١٠٨٠.

(٣) انظر ، تأريخ دمشق : ٣٦ / ١٥١ ، تأريخ اليعقوبي : ٣ / ٤٥ ، البداية والنّهاية : ٩ / ١٠٥ ، مختصر تأريخ دمشق : ١٧ / ٢٣٨ ، حلية الأولياء : ٣ / ١٣٦.

(٤) المؤمنون : ٩٦.


وذلك لكثرة عبادته وصمته عن اللّغو ، وقد راع أبا حنيفة منظر الإمام الصّادق ، واعتراه من الهيبة له ما لم يعتره من الهيبة للمنصور صاحب الطّول والحول والقوّة ، والتقى به ابن أبي العوجاء ، وهو من دعاة الزّنادقة فارتاع ، ولم يحر جوابا ، فتعجب الصّادق من أمره ، وقال له : مالك؟! فقال : ما ينطق لساني بين يديك ، فإنّي شاهدت العلماء ، وناظرت المتكلمين ، فما داخلني قطّ مثل ما داخلني من هيبتك(١) !

هذه بعض صفاته النّفسيّة ، وببعضها يعلو على الرّجال ، ويرتفع إلى أعلى المراتب ، فكيف وقد تحلّى بهذه الصّفات وغيرها(٢) ؟!

علومه :

انصرف الإمام الصّادق بكلّه إلى العلم ، فلم يشغل نفسه بشيء سواه ، وكان مخلصا لله في إحياء العلم ونشره ، يرشد الضّال ، ويهدي إلى الحقّ ، ويردّ الشّبهات ، ويدفع الزّيغ ، ويعمل على تنقية عقائد المسلمين ممّا اعترى بعضها من الإنحراف ، ويبث روح التّسامح ، ويمنع الطّائفيّة ، فكان بذلك الإمام الصّادق حقّا ، وحفيد الإمام عليّ ، وسيّد العترة الطّاهرة.

وكان يدرس علم الكون ، وما اشتمل عليه ، ومن تلاميذه الكيمائي الشّهير جابر بن حيّان(٣) ، تلقى عنده علم الكيمياء ، ووضع فيه رسائل ، طبع منها

__________________

(١) انظر ، بحار الأنوار : ٣ / ٤٦.

(٢) انظر ، الإمام الصّادق ، الشّيخ أبو زهرة : ٣٦.

(٣) جابر بن حيّان بن عبد الله الكوفي ، أبو موسى : فيلسوف كيميائي ، كان يعرف بالصّوفي. من أهل ـ


خمسمئة رسالة في ألمانيا قبل ثلاثمئة سنة ، وهي موجودة في مكتبة الدّولة ببرلين ، وفي مكتبة باريس ؛ وممّا قاله الأستاذ أبو زهرة :

«أنّ الإمام جعفرا كان قوّة فكريّة في هذا العصر ، فلم يكتف بالدّراسات الإسلاميّة ، وعلوم القرآن ، والسّنّة ، والعقيدة ، بل اتّجه إلى دراسة الكون وأسراره ، ثمّ حلّق بعقله الجبّار في سماء الأفلاك ، ومدارات الشّمس ، والقمر ، والنّجوم ، وبذلك علم مقدار نعمة الله على عبيده وقد عني عناية كبرى بدراسة

__________________

ـ الكوفة ، وأصله من خراسان. اتّصل بالبرامكة ، وانقطع إلى أحدهم جعفر بن يحيى. وتوفّي بطوس. له تصانيف كثيرة قيل : عددها (٢٣٢) كتابا ، وقيل : بلغت خمسمئة. ضاع أكثرها ، وترجم بعض ما بقي منها إلى اللّاتينيّة. وممّا بين أيدينا من كتبه ـ أو الكتب المنسوبة إليه ـ (مجموع رسائل) نحو ألف صفحة ، و (أسرار الكيمياء) و (علم الهيئة) و (أصول الكيمياء) و (المكتسب) مع شرح بالفارسيّة للجلدكي ، وكتاب في (السّموم) و (تصحيحات كتب أفلاطون) و (الخمائر) و (الرّحمة) وكتاب (الخواصّ) الكبير المعروف بالمقالات الكبرى والرّسائل السّبعين ، و (الرّياض) و (صندوق الحكمة) و (العهد) في الكيمياء. وأكثر هذه المخطوطات رسائل. ولجابر شهرة كبيرة عند الإفرنج بما نقلوه ، من كتبه ، في بدء يقظتهم العلميّة. قال برتلو (لجابر في الكيمياء ما لأرسطو طاليس قبله في المنطق ، وهو أوّل من استخرج حامض الكبريتيك وسمّاه زيت الزّاج ، وأوّل من اكتشف الصّودا الكاوية ، وأوّل من استحضر ماء الذّهب ، وينسب إليه استحضار مركبات أخرى مثل كربونات البوتاسيوم وكربونات الصوديوم. وقد درس خصائص مركبات الزّئبق واستحضرها) وقال لوبون (تتألّف من كتب جابر موسوعة علمية تحتوي على خلاصة ما وصل إليه علم الكيمياء عند العرب في عصره). وقد اشتملت كتبه على بيان مركبات كيماويّة كانت مجهولة قبله. وهو أوّل من وصف أعمال التّقطير والتّبلور والتّذويب والتّحويل إلخ.

انظر ، فهرست ابن النّديم : ١ / ٣٥٤ ، أخبار الحكماء : ١١١ ، المقتطف : ١ / ١٢٣ ، معجم المطبوعات : ٦٦٤ ، الفهرس التّمهيدي : ٥١٢ ـ ٥٢٠ ، اكتفاء القنوع : ٢١٣ و ٢١٤.

كان في جملة البرامكة ومنقطعا إلى جعفر ابن يحيى. وفي الذّريعة : ٢ / ٥٥ نصّا جديدا ، له قيمته ، وهو رواية أبي الرّبيع سليمان بن موسى بن أبي هشام عن أبيه موسى ، في صدر كتاب (الرّحمة) لجابر ، قال : (لمّا توفّي جابر بطوس سنة المئتين من الهجرة وجد هذا الكتاب تحت رأسه).


النّفس الإنسانيّة ، وإذا كان التّأريخ يقرّر أنّ سقراط قد أنزل الفلسفة من السّماء إلى الإنسان ، فإنّ الإمام الصّادق قد درس السّماء ، والأرض ، والإنسان ، وشرائع الأديان»(١) .

وكان في علم الإسلام كلّه الإمام الّذي يرجع إليه ، وله في الفقه القدح المعلّى ، فهو أعلم النّاس بإختلاف الفقهاء ، يعلم الفقه العراقي ومناهجه ، وفقه المدينة وارتباطه بأدلّته وآثاره ، واعتبره أبو حنيفة أستاذه في الفقه ، فقد سئل أبو حنيفة : من أين جاء لك هذا الفقه؟

فقال : «كنت في معدن العلم ، ولزمت شيخا من شيوخه»(٢) ، وهو يقصد بمعدن العلم الإمام الصّادق.

وهيأ له أبو حنيفة أربعين مسألة بطلب من المنصور ، فأجاب عنها الإمام بما عند العراقيّين ، وما عند الحجازيّين ، وما ارتآه الإمام ؛ فقال أبو حنيفة : أعلم النّاس أعلمهم بإختلاف النّاس»(٣) . وأخذ عنه مالك ، ويحيى ، ابن سعيد الأنصاري ، وسفيان الثّوري ، وغيرهم كثير(٤) .

وروى عنه أصحاب السّنن : أبو داود ، والتّرمذي ، والنّسائي ، وابن ماجه ،

__________________

(١) انظر ، الإمام الصّادق ، الشّيخ أبو زهرة : ١٠١. (منهقدس‌سره ).

(٢) انظر ، تهذيب الكمال : ٥ / ٧٩ ، الكامل في التّأريخ : ٢ / ١٣٢ ، جامع مسانيد أبي حنيفة : ١ / ٢٢٢ ، مناقب آل أبي طالب : ٣ / ٣٧٨ ، سير أعلام النّبلاء : ٦ / ٢٥٧.

(٣) انظر ، مناقب أبي حنيفة (للموفق) : ١ / ١٧٢ ، جامع أسانيد أبي حنيفة : ١ / ٢٢٢ ، تذكرة الحفّاظ : ١ / ١٥٧.

(٤) انظر ، تهذيب الكمال : ٥ / ٧٨ ، تذكرة الحفّاظ : ١ / ١٦٦ ، سير أعلام النّبلاء : ٦ / ٢٥٧ ، الكامل في التّأريخ : ٢ / ١٣٣ ، الإمام الصّادق ، أبو زهرة : ٢٢ طبعة اولى ، انظر ، ترجمة هؤلاء في سير أعلام النّبلاء : ٦ / ١٥ ، تذكرة الحفّاظ للذّهبي : ١ / ١٣٧ ، الجرح والتّعديل : ٩ / ١٤٧ ، لسان الميزان : ٤ / ٣٨٠ ، شذرات الذّهب : ١ / ٢١٢ ، الثّقات : ٥ / ٥٢١.


والدّار قطني ، ومسلم ، وكثيرون غير هؤلاء من جمهور السّنّة. وقال الشّيخ أبو زهرة : «أنّ العلوم الّتي أخذها عليّ عن النّبيّ أودعها ذرّيّته ، وهم أذاعوها على النّاس حين اتيحت لهم الفرصة. وهذا عين ما تقوله الإماميّة في علوم أهل البيت دون زيادة ، وقد كرّروه وأكدوه في كتب العقائد والحديث ، والفقه والتّفسير ، ونظمه أحد شعرائهم(١) :

إذا شئت أن تبغي لنفسك مذهبا

ينجيك يوم البعث من لهب النّار

فدع عنك قول الشّافعي ومالك

وأحمد والمروي عن كعب أحبار

ووال أناسا نقلهم وحديثهم

روى جدّنا عن جبرئيل عن الباري

وبهذا يتبيّن معنا أنّ قول الشّيخ : «أنّ الإماميّة يقولون : أنّ علم الإمام جعفر إلهامي وليس بكسبي»(٢) ، من سهو القلم ، ونسبة بلا مصدر ، وإذا كان الإماميّة لا ينسبون علم النّبيّ إلى الإلهام بل إلى جبريل عن الله جلّ شأنه ؛ فكيف ينسبون علم أبنائه إلى الإلهام؟ وهناك ملاحظات أخرى على الكتاب :

«منها» : «أنّ المؤلّف لا يستطيع أن يقبل روايات الكليني صاحب الكافي ، لأنّ بعض رواياته لا يقول بصحتها كبّار علماء الإثنى عشريّة ، كالمرتضى والطّوسي»(٣) .

ونجيب فضيلة الشّيخ : بأنّ التّشكيك في بعض روايات الكافي لا يستدعي طرح رواياته كلّها. وقد شكّك كثير من الحفّاظ ببعض الرّواة الّذين اعتمد عليهم البخاري في صحيحه ، ومع ذلك لم يطرح أهل السّنّة كل ما في البخاري.

__________________

(١) انظر ، عولي اللّئالي : ١ / ٣٠١ ، الصّراط المستقيم : ٣ / ٢٠٧.

(٢) انظر ، الإمام الصّادق ، الشّيخ أبو زهرة : ٧٠.

(٣) انظر ، الإمام الصّادق ، الشّيخ أبو زهرة : ٣٦.


نقل صاحب كتاب «أضواء على السّنّة المحمّديّة» : أنّ الحفّاظ ضعّفوا من رجال البخاري ثمانين رجلا ، ومن رجال مسلم مئة وستين ، وبالرّغم من هذا فهما من الصّحاح عند السّنّة ، وإذا جاز لنا أن نطرح جميع روايات الكليني لحديث واحد ، أو أحاديث في موضوع من الموضوعات يجوز لنا ، والحال هذه ، أن نطرح جميع روايات البخاري ، ومسلم»(١) .

هذا ، وقد رجّح البخاري صدق راو ، ورجّح مسلم كذبه ، كعكرمة مولى ابن عبّاس(٢) ومع ذلك يعتبر أهل السّنّة كلا من كتاب البخاري ومسلم صحيحا ، وبديهة أنّ الشّيء الواحد لا يتّصف بصفة ونقيضها في آن واحد.

«ومنها» : «أنّ النّبيّ كان يجتهد ، وكان في إجتهاده عرضة للخطأ بل ثبت أنّه قد أخطأ وعلّمه ربّه الصّواب»(٣) .

إنّ خطأ الأنبياء في الأحكام محال بحكم العقل ؛ لأنّ وقوع الخطأ منهم مناف لحكمة البعثة المقصود منها إرشاد الخلق إلى الحقّ ، أنّ قول النّبيّ دليل قاطع لرفع الخطأ ، فإذا أخطأ انتفت عنه صفة الدّلالة ، وبالتالي تنتفي عنه صفة النّبوّة والرّسالة(٤) .

__________________

(١) انظر ، أضواء على السّنّة المحمّديّة : ٢٧٥ طبعة دار التّأليف سنة (١٩٥٨ م). (منهقدس‌سره ).

(٢) جاء في كتب السّنّة أنّ عكرمة هذا الّذي صدّقه البخاري وعمل بحديثه قد ملأ الدّنيا كذبا ، وأنّه كان يرى رأي الخوارج ، ويقبل جوائز الأمراء ، وجاء في كتب السّنّة أيضا أنّ أبا هريرة كذّبه عليّ ، وعمر ، وعائشة ، ومع ذلك روى عنه البخاري ، ومسلم. (منهقدس‌سره ).

(٣) انظر ، الإمام الصّادق ، الشّيخ أبو زهرة : ٧٣.

(٤) انظر ، كتابنا «الإجتهاد والتّقليد بداية وتطوّرا ، محاولة لفهم جديد ، على الصّعيد الأصوليّ المقارن».


الحسين عمره ، وأولاده ، والشّهداء من أهله

مولده :

ولد الحسينعليه‌السلام في شعبان سنة «٣ ه‍»(١) ، وولد أخوه الحسن في رمضان سنة «٢ ه‍»(٢) ، وحين وضعته فاطمة قالت لأبيه : سمه.

قال : ما كنت لأسبق باسمه رسول الله.

وحين رآه النّبيّ قال للإمام : هل سميّته؟.

فقال : ما كنت لأسبقك باسمه.

فقال النّبيّ : وما كنت لأسبق ربّيعزوجل .

فأوحى الله أن سمه الحسين(٣) .

__________________

(١) انظر ، الإرشاد للشّيخ المفيد : ٢ / ٢٧ مؤسّسة آل البيتعليهم‌السلام ، المقاتل : ٨٤ ، كشف الغمّة : ٢ / ٢١٥ ، معالم العترة النّبويّة للجنابذي (مخطوط) : ورق ٦٣ ، التّهذيب : ٦ / ٤١ ب ١٥ ، تهذيب تأريخ دمشق لابن عساكر : ٤ / ٣١١ ، تهذيب التّهذيب : ٢ / ٣٤٥ ، العقد الفريد : ٤ / ٣٧٦ ، تأريخ الطّبري : ٦ / ١٩٤ ، مروج الذّهب : ٢ / ٦٢ ، البداية والنّهاية : ٨ / ٨٨ ، اسد الغابة : ٢ / ٢٢ ، ابن الأثير : ٤ / ٨ ، الإصابة : ٢ / ١٤ ، تأريخ بغداد : ١ / ٢٤١ ، تهذيب الأسماء : ١ / ١٦٣ ، مجمع الزّوائد : ٩ / ١٩٤.

(٢) انظر ، دلائل الإمامة : ٦٠ ، تذكرة الخواصّ : ٢٠١ ، تهذيب تأريخ دمشق : ٤ / ١٩٩ ، مطالب السّؤول:٦٤ ، الإصابة : ١ / ٣٢٨ ، الإستيعاب : ١ / ٣٦٨ ، تأريخ الخلفاء : ٧٣.

(٣) انظر ، ذخائر العقبى : ٢١٢٠ ، مسند أبي داود الطّيالسي : ١ / ١٩ ، الإصابة : ٨ / ١١٧ ، مجمع الزّوائد : ـ


عمره الشّريف :

أقام مع جدّه ست سنوات ، ومع أبيه ثلاثين ، ومع أخيه الحسن بعد وفاة أبيه عشرا ، وبقي بعد أخيه عشرا(١) ، فكان عمره الشّريف ، (٥٦ ، وقيل ٥٧)(٢) .

أولاده :

له عشرة أولاد (٦) ذكور و (٤) أناث(٣) .

١ ـ عليّ الأكبر(٤) ،

__________________

ـ ٩ / ١٧٤ ، تأريخ الخميس : ١ / ٤٧٠ ، معاني الأخبار : ٥٧ ح ٦ ، علل الشّرائع : ١٣٨ / ٧ و ٥ ، أمالي الصّدوق : ١١٦ / ٣ ، عيون أخبار الرّضا : ٢ / ٢٤ / ٥ ، صحيفة الرّضا : ١٦ ، المناقب لابن شهر آشوب : ٣ / ١٨٩ ، اسد الغابة : ٢ / ١١ ، تأريخ الخلفاء للسّيوطي : ١٨٨ ، نهاية الإرب : ١٨ / ٢١٣ ، الإستيعاب بهامش الإصابة : ١ / ٣٦٨ ، تهذيب التّهذيب : ٢ / ٢٩٦ ، مسند زيد : ٤٦٨.

(١) انظر ، إعلام الورى : ٢١٤ بلفظ «سبع سنين» ، كشف الغمّة : ٢ / ١٧٠ ، الإرشاد للشّيخ المفيد : ٢ / ١٣٣ بلفظ «سبع سنين» ، الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة لابن الصّباغ المالكي : ٢ / ١٧٤ ، بتحقيقنا ، النّعيم المقيم لعترة النّبأ العظيم : ٢٨٨ ، بتحقّيقنا.

(٢) انظر ، مقاتل الطّالبيّين : ٨٤ ، الإرشاد : ٢ / ١٣٣ ، المعارف : ٢١٣ ، المناقب لابن شهر آشوب : ٣ / ٢٣١ ، كشف الغمّة : ٢ / ١٧٠ ، تأريخ اان الخشّاب : ٢ / ٢١٦ ، الإتحاف بحبّ الأشراف الشّيخ عبد الله بن محمّد بن عامر الشّبراوي : ١٨٧ ، بتحقّيقنا. بالإضافة إلى المصادر السّابقة.

(٣) انظر ، بغية الطّالب في ذكر أولاد عليّ بن أبي طالب ، السّيّد محمّد بن طاهر بن حسين بن أبي الغيث الحسيني المعروف بابن بحر اليمني المتوفّى عام (١٠٨٦ ه‍). مخطوط. الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة : ٢ / ١٧٥ بتحقّيقنا ، مطالب السّؤول في مناقب آل الرّسول : النّسخة المخطوطة في مكتبة آية الله العظمى السّيّد المرعشي النّجفي : ورق ١٢٤ ، وزبدة المقال في فضائل الآل (مخطوط) : ورق ١٣٥.

(٤) يكنى أبا الحسن ، ويلقّب بالأكبر ، لأنّه الأكبر على الأصح ، وهو أوّل من قتل بالطّفّ من بني هاشم بعد أنصار الحسينعليه‌السلام قتله مرّة بن منقذ بن النّعمان العبدي ، ثمّ اللّيثي ، وكان له من العمر بضع عشرة ـ


وأمّه ليلى بنت أبي مرّة الثّقفي(١) ، وأمّها ميمونة بنت أبي سفيان ، وأخت معاوية ، فعليّ الأكبر ، ابن بنت عمّة يزيد ، ويزيد ابن خال أمّ عليّ الأكبر(٢) . وناداه رجل يوم الطّفّ من عسكر ابن سعد ، وقال له : أنّ لك مع يزيد رحما ، فإن شئت آمنّاك ، فقال له : ويّلك لقرابة رسول الله أحقّ بالرّعاية.

وقال معاوية يوما لجلسائه : «من أحقّ النّاس بهذا الأمر؟

فقالوا له : أنت.

قال : كلّا ، أولى النّاس به عليّ بن الحسين ، جدّه رسول الله ، وفيه شجاعة بني

__________________

ـ سنة كما يقول الشّيخ المفيد في الإرشاد : ٢ / ١٠٦ و ١٠٧ ، وفي مقتل المقرّم : ٢٥٥ عمره سبع وعشرون سنة ، وفي مناقب آل أبي طالب : ٤ / ١٠٩ «كان عمره «٢٥» سنة.

انظر ، مقتل الحسين لأبي مخنف : ١٦١ ـ ١٦٤ ، إبصار العين في أنصار الحسين : ٢١ طبعة النّجف ، تأريخ الطّبري : ٤ / ٣٤٠ ، و : ٦ / ٢٥٦ طبعة آخر ، المعارف لابن قتيبة : ٢١٣ و ٢١٤ ، المناقب لابن شهر آشوب : ٤ / ١٠٩ ، و : ٢ / ٢٢٢ طبعة إيران ، مقاتل الطّالبيّين : ٥٥ و ٥٦ ، و : ٨٤ طبعة آخر ، البحار : ٤٥ / ٤٢ و ٤٣ ، ابن الأثير في الكامل : ٤ / ٣٠ ، الأخبار الطّوال : ٢٥٤ ، مقتل العوالم : ٩٥ ، تأريخ الطّبري : ٦ / ٦٢٥ ، الفصول المهمّة لابن الصّباغ المالكي : ٢ / ١٦٨ ، بتحقّيقنا ، الإتحاف بحبّ الأشراف للشّبراوي : ١٨٥. بتحقّيقنا.

(١) يكنى أبا الحسن ، ويلقّب بالأكبر ، لأنّه الأكبر على الأصح ، وهو أوّل من قتل بالطّف من بني هاشم بعد أنصار الحسينعليه‌السلام قتله مرّة بن منقذ بن النّعمان العبدي ، ثمّ اللّيثي ، وكان له من العمر بضع عشرة سنة كما يقول الشّيخ المفيد في الإرشاد : ٢ / ١٠٦ و ١٠٧ ، وفي مقتل المقرّم : ٢٥٥ عمره سبع وعشرون سنة.

انظر ، مقتل الحسين لأبي مخنف : ١٦١ ـ ١٦٤ ، إبصار العين : ٢١ طبعة النّجف ، تأريخ الطّبري : ٤ / ٣٤٠ ، و : ٦ / ٢٥٦ ، المعارف : ٢١٣ و ٢١٤ ، مقاتل الطّالبيّين : ٥٥ و ٥٦ ، الكامل لابن الأثير : ٤ / ٣٠ ، والأخبار الطّوال : ٢٥٤ ، تأريخ الطّبري : ٦ / ٦٢٥.

(٢) انظر ، مروج الذّهب للمسعودي : ٢ / ٩١. انظر ، مقتل الحسين للخوارزمي : ٢ / ٣٠ و ٣١. مقاتل الطّالبيّين : ٥٥ و ٥٦ ، و : ٨٤ طبعة آخر. تأريخ الطّبري : ٤ / ٣٥٨ و : ٦ / ٦٢٥.


هاشم ، وسخاء بني اميّة ، وزهو ثقيف»(١) .

٢ ـ عليّ الأصغر ، وهو الإمام زين العابدين عليه السلام(٢) ، وأمّه شاه زنان(٣) بنت كسرى يزدجرد ملك الفرس ، ومعنى شاه زنان بالعربيّة ملكة النّساء ، ونسل الحسين كلّه من الإمام زين العابدين(٤) .

٣ ـ عليّ الأوسط(٥) .

٤ ـ جعفر ، مات في حياة أبيه ، ولا بقية له(٦) .

٥ ـ محمّد(٧) .

٦ ـ عبد الله الرّضيع الّذي جاءه سهم ، فذبحه ، وهو في حجر أبيه(٨) .

__________________

(١) انظر ، البداية والنّهاية : ٨ / ٢٠١ ، تأريخ دمشق : ٤١ / ٣٦٢ ، شرح الأخبار : ٣ / ١٥٤ ، تأريخ خليفة بن خيّاط : ١٧٩ ، المنتخب من ذيل المذيل : ٢٤ ، ترجمة الإمام الحسين لابن عساكر : ٣٣١.

(٢) انظر ، الصّواعق المحرقة : ٢٠٠ ، تهذيب التّهذيب للعسقلاني : ٧ / ٣٠٦ ، شذرات الذّهب : ١ / ١٠٤ ، أخبار الدّول : ١٠٩ ، مطالب السّؤول : ٢ / ٤١ ، تأريخ الأئمّة لابن أبي ثلج : ٤.

(٣) انظر ، الإرشاد : ٢ / ١٣٧ ، دلائل الإمامة للطّبري : ٨١ ، الأخبار الطّوال : ١٤١ ، وفيّات الأعيان : ٢ / ٤٢٩ ، صفوة الصّفوة لابن الجوزي : ٢ / ٥٢ ، نهاية الإرب : ٢١ / ٣٢٤.

(٤) شاه زنان بفتح الشّين المعجمة ، وكسر الهاء ، وفتح الزّاي والنّون الثّانية بعد الألف. كلمة فارسيّة معناها : ملكة النّساء ، وهي بنت يزدجرد بفتح الياء المثناة من تحت ، وسكون الزّاي ، وفتح الدّال المهملة ، وكسر الجيم ودال مهملة بعد الرّاء السّاكنة ، ولد أنو شروان العادل ملك الفرس. انظر ، الأخبار الطّوال : ١٤١ ، فتوح البلدان للبلاذري : ٣٢٢ ، طبعة مصر ، مرآة الجنان : ١ / ١٩٠.

(٥) انظر ، مناقب آل أبي طالب : ٣ / ٢٣١.

(٦) انظر ، الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة لابن الصّباغ المالكي : ٢ / ١٧٥ ، بتحقيقنا) ، نور الأبصار للشّبلنجي : ٢ / ٥٦ ، بتحقّيقنا.

(٧) تقدّمت ترجمته.

(٨) تقدّمت ترجمته.


الشّهداء من أقاربه :

استشهد من أقارب الحسين اثنان من ولده ، وهما عليّ الابن الأكبر(١) . والطّفل الرّضيع(٢) .

وتسعة من اخوته أبناء عليّ ، وهم العبّاس ، وجعفر ، وعثمان ، وعبد الله ، ومحمّد ، وأبو بكر ، وعمر ، وعون ، ومحمّد الأوسط(٣) .

وأربعة من ولد الحسن وهم : القاسم ، وعبد الله ، وأبو بكر ، وأحمد ؛ وسبي مع النّساء ثلاثة من ولد الحسن ، الحسن بن الحسن المثنى ، وعمرو ، وزيد ؛ وحارب الحسن المثنى مع عمّه الحسين حتّى قطعت يده ، وأثّخن بالجراح ، ولم يقتل(٤) .

__________________

(١) تقدمت استخراجها.

(٢) تقدّمت ترجمتهما.

(٣) تقدّمت ترجمتهم. انظر ، بغية الطّالب في ذكر أولاد عليّ بن أبي طالب ، السّيّد محمّد بن طاهر بن حسين بن أبي الغيث الحسيني المعروف بابن بحر اليمني المتوفّى عام (١٠٨٦ ه‍). مخلوط. الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة : ٢ / ١٧٥ بتحقيقنا.

(٤) انظر ، تأريخ الطّبري : ٤ / ٣٤٢ ، و : ٦ / ٢٥٩ ، مقاتل الطّالبيّين ، : ٥٦ و ٥٨ و ١٢٨ ، المسعودي في ينابيعه : ٣ / ٧٧ ، الفصول المهمّة لابن الصّباغ المالكي : ٢ / ٦٩ ، بتحقّيقنا ، مقتل الحسين لأبي مخنف : ١٧٤ ، الإرشاد للشّيخ المفيد : ٢ / ١٠٩ ، ينابيع المودّة للقندوزي الحنفي : ٣ / ١٧ طبعة اسوة ، معجم رجال الحديث : ١٥ / ١٧ رقم «٩٥١٣» و : ٢٢ / ٧٠ رقم «١٤٠٠٠» ، شرح الأخبار : ٣ / ١٧٩ ، الكامل في التّأريخ : ٢ / ٥٧١ و : ٤ / ٩٢ ، ذخائر العقبى : ١١٧ ، أمالي الشّيخ الصّدوق : ٢٢٦ ، روضة الواعظين : ١٨٨ ، الأخبار الطّوال : ٢٥٧ ، مثير الأحزان : ٥٢ و ٥٥ ، الكامل في التّأريخ : ٤ / ٧٥ ، اللهوف في قتلى الطّفوف : ٥١ ، المناقب لابن شهر آشوب : ٣ / ١٩٢ ، الأخبار الطّوال : ٣ / ١٩٦ ، ٢ / ٥٧١ ، البداية والنّهاية : ٨ / ٢٠٣ ، مقتل الحسين لأبي مخنف : ١٩٣ ، جواهر المطالب في مناقب الإمام عليّ : ٢ / ٢٨٨ ، إقبال الأعمال : ٣ / ٧٥ و ٣٤٣.


واستشهد ثلاثة من أولاد زينب بنت أمير المؤمنين ، وهم عون ، ومحمّد ، وعبيد الله(١) ، وأبوهم عبد الله بن جعفر(٢) .

وواحد من ولد جعفر بن أبي طالب ، وهو عون أخو عبد الله ابن جعفر.

وثلاثة عشر من ولد عقيل بن أبي طالب ، وهم مسلم بن عقيل ، وعبد الله ابن مسلم بن عقيل ، ومحمّد بن مسلم بن عقيل ، ومحمّد بن سعيد بن عقيل ، وعبد الله الأصغر بن عقيل ، وعبد الله الأكبر بن عقيل ، وموسى بن عقيل ، وعليّ بن عقيل ، وأحمد بن عقيل ، وجعفر بن عقيل ، وعبد الرّحمن بن عقيل(٣) ، وصبيّان من ولد

__________________

(١) انظر ، مقتل الحسين لأبي مخنف : ١٦٧ و ٢٣٩ ، إبصار العين في أنصار الحسين : ٤٠ طبعة النّجف ، المناقب لابن شهر آشوب : ٢ / ٢٢٠ ، مقتل الحسين للخوارزمي : ٢ / ٢٧ ، تأريخ الطّبري : ٦ / ٢٥٦ و ٢٦٩ ، و : ٤ / ٣٤١ طبعة آخر ، مقاتل الطّالبيّين : ٦١ ، الإرشاد للشّيخ المفيد : ٢ / ٦٨ و ١٠٧ و ١٢٥ ، المعارف لابن قتيبة : ٢٠٧. وأمّه الخوصاء ، وأمّها هند بنت سالم بن ثعلبة. انظر ، الفصول المهمّة لابن الصّباغ المالكي : ٢ / ١٧٠ ، بتحقّيقنا.

(٢) انظر ، تأريخ الطّبري : ٤ / ٣٤١ و : ٦ / ٢٥٦ ، مقاتل الطّالبيّين : ٦٠ ، مروج الذّهب : ٣ / ٩٢ و ٣٣٣ ، مقتل الحسين للخوارزمي : ٢ / ٢٧ ، إبصار العين في أنصار الحسين : ٣٩ طبعة النّجف ، المعارف لابن قتيبة : ٢٠٦ ، مقتل الحسين لأبي مخنف : ٧٣ ، تأريخ الطّبري : ٦ / ٢٥٦. وفي الفصول المهمّة لابن الصّباغ المالكي : ٢ / ١٧٠ ، بتحقّيقنا ، «عون» أمّه جمانة ، وقد قتله عبد الله بن قطنة الطّائي النّبهاني. وقيل «قطبة» بدل «قطنة» كما ورد في مقتل الحسين لأبي مخنف : ١٦٥ ـ ١٦٦ و ٢٣٨ ، الفتوح لابن أعثم : ٣ / ١٢٧ ، جمهرة أنساب العرب : ٦١ وزاد «وهو عون الأصغر» ، الإمامة والسّياسة لابن قتيبة : ٢ / ١٢ ، البحار : ١٠١ / ٢٤٣ ، تأريخ الطّبري : ٦ / ٢٥٦ ، و : ٤ / ٣٤١ طبعة آخر ، المناقب لابن شهر آشوب : ٤ / ١٠٦ ، و : ٢ / ٢٢٠ طبعة آخر ، مقاتل الطّالبيّين : ٦٠ ، و : ١٢٢ طبعة آخر ، و : ٩٥ طبعة آخر ، منتهى الآمال للمحدّث القمي : ١ / ٦٧٨ ، مقتل الحسين للخوارزمي : ٢ / ٢٧ ، الإرشاد للشّيخ المفيد : ٢ / ٦٨ ، وفي ص ١٠٧ بلفظ : وحمل عليه عبد الله بن قطبة الطّائي وانظر : ١٢٥ أيضا ، ينابيع المودّة : ٣ / ٧٣ طبعة اسوة.

(٣) انظر ، مقتل الحسين لأبي مخنف : ١٦٨ و ٢٤٠ ، المناقب لابن شهر آشوب : ٢ / ٢٥٤ ، تأريخ ـ


عقيل كانا مع السّبايا ، وهربا من الخوف والذّعر ، فأتيا دار رجل طائي فلجآ إليه ، ولمّا علم أنّهما من سبايا الحسين وبقايا أهل البيت قتلهما ، وجاء برأسيهما إلى ابن زياد يطلب الجائزة. فقال له ابن زياد : جائزتك القتل. وأمر به فقتل ، فمجموع الّذين استشهدوا من نسل أبي طالب (٣٢) ما عدا الحسينعليه‌السلام (١) .

مطلّقة الحسين وزوّجة يزيد :

قال في نفس المهموم : «أنّ هند بنت عبد الله بن عامر كانت تحت الحسين : فطلّقها ، وتزوّجت يزيد ، وحين دخل السّبايا على يزيد في الشّام حسرت هند عن رأسها ، وشقّت الثّياب ، ودخلت على يزيد في مجلسه تندب وتصيح ، وقالت : يا يزيد أرأس ابن فاطمة بنت رسول الله مصلوب!(٢)

__________________

ـ الطّبري : ٦ / ٢٥٦ و ٢٦٩ ، و : ٤ / ٣٥٩ طبعة آخر ، مقاتل الطّالبيّين : ٦٨ ، الإرشاد للشّيخ المفيد :٢ / ٦٨ و ١٠٧ و ١٢٥ ، المعارف لابن قتيبة : ٢٠٧ ، معجم رجال الحديث : ٥ / ٥٠ رقم «٢٢٠١» ، لواعج الأشجان : ١٧٢ ، الفتوح لابن أعثم : ٥ / ٢٠٢ ، البداية والنّهاية : ٨ / ٢٠١ ، الكامل في التّأريخ : ٤ / ٧٣ ، شرح الأخبار : ٣ / ٢٣٨ ، أنساب الأشراف : ١٩٣ ، إقبال الأعمال : ٣ / ٧٦ و ٣٤٣ ، الفصول المهمّة لابن الصّباغ المالكي : ٢ / ١٧٠ ، بتحقّيقنا.

(١) انظر ، مجمع الزّوائد : ٩ / ١٩٨ ، المعجم الكبير : ٣ / ١١٨ ، سير أعلام النّبلاء : ٣ / ٣٢٠ ، تهذيب الكمال : ٢ / ٣٠٥ و : ٦ / ٤٣١ ، صفوة الصّفوة : ١ / ٣٠٩ ، الإستيعاب : ١ / ٣٩٦ ، الإصابة : ٥ / ٨ ، تأريخ خليفة : ٢٣٥.

(٢) انظر ، تأريخ دمشق : ٦٢ / ٨٥ ، تأريخ الطّبري : ٣ / ٣٤١ ، جواهر المطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب لابن الدّمشقي : ٢ / ٢٩٣ ، مقتل الحسين لأبي مخنف : ٢١٢ و ٢١٩ ، مختصر تأريخ دمشق :٢٦ / ١٥١ طبعة دار الفكر.



يزيد

هو يزيد بن معاوية(١) ، وينسب معاوية إلى أربعة رجال عمر بن مسافر ، وعمارة بن الوليد ، والعبّاس بن عبد المطّلب ، ورجل أسود يدعى الصّباح(٢) ،

__________________

(١) يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الأموي : ثاني ملوك الدّولة الأمويّة في الشّام.

انظر ، تأريخ الطّبري : حوادث سنة ٦٤ ، تأريخ الخميس : ٢ / ٣٠٠ ، منهاج السّنّة : ٢ / ٢٣٧ ـ ٢٤٥ ، الكامل في التّأريخ : ٤ / ٤٩ ، مختصر تأريخ العرب : ٧١ ـ ٧٦ ، البدء والتّأريخ : ٦ / ٦ ـ ١٦.

(٢) معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن اميّة بن عبد شمس ، وامّه هند بنت عتبة بن ربيعة ، تزوّجت هند أوّلا الفاكه بن المغيرة المخزومي فقتل عنها بالغميصاء ـ كما جاء في نسب قريش : ٣٠٠ ـ موضع قرب مكّة ، ثمّ تزوّجت حفص بن المغيرة فمات عنها ، ثمّ تزوّجت أبا سفيان. وكانت في زمن الفاكه متّهمة بالزّنا كما يذكر صاحب العقد الفريد : ٦ / ٨٦ ـ ٨٧ ، والأغاني : ٩ / ٥٣ ، وكانت ممّن تذكر في مكّة بفجور ، وعهر كما ذكر ابن أبي الحديد في شرح النّهج : ١ / ٣٣٦ تحقّيق محمّد أبو الفضل ، ربيع الأبرار للزّمخشري : ٢ / ٥٤٨.

دخل أبو سفيان في الإسلام ، غير أنّ المذسلمين لم ينسوا مواقفه منهم فكانوا لا ينظرون إليه ولا يقاعدونه كما جاء في صحيح مسلم : ٧ / ١٧١ وهو القائل : يا بني أميّة تلقّفوها تلقّف الكرة ، فو الّذي يحلف به أبذو سفيان ما زلت أرجوها لكم ولتصيرنّ إلى صبيانكم وراثة ذكر ذلك صاحب مروج الذّهب بهامش ابن الأثير : ٥ / ١٦٥ ـ ١٦٦. وأضاف صاحب كتاب الأغاني : ٦ / ٣٥٥ ، والإستيعاب : ٦٩٠ ، والنّزاع والتّخاصم للمقريزي : ٢٠ طبعة النّجف ، وغيرهم قوله : فو الله ما من جنّة ولا نار ، فصاح به عثمان : «قم عنّي ، فعل الله بك وفعل».

ومعاوية هذا أسلم بعد الفتح ، وقال فيه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله :لا أشبع الله بطنه. كما ذكره صاحب أنساب ـ


وكانت هند جدّة يزيد مغرمة بحبّ السّود ، وما نسب معاوية أحد ممّن يعرف حالها إلى أبي سفيان ، لأنّها وضعته بعد زوّاجها منه بثلاثة أشهر ، وهند هذه هي الّتي أكلت كبد الحمزة عمّ الرّسول ، حتّى أصبح لفظ «آكلة الأكباد» علما لها(١) .

وأمّ يزيد هي ميسون بنت عبد الرّحمن بن بجدل الكلبي ، مكّنت عبدا لأبيها من نفسها ، وحملت بيزيد(٢) .

__________________

ـ الأشراف : ١ / ٥٣٢ ، صحيح مسلم : ٨ / ٢٧ ، شرح النّهج لابن أبي الحديد : ١ / ٣٦٥ ، مسند الطّيالسي : ح ٢٧٤٦ ، وابن كثير : ٨ / ١١٩ ، وقال فيهصلى‌الله‌عليه‌وآله : في قصّة زوّاج المهاجرة الّتي استشارت النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله عندما خطبها : أمّا معاوية فصعلوك. كما جاء في صحيح مسلم : ٤ / ١٩٥ ، مسند الطّيالسي : ٢٢٨ / ١٦٤٥ ، وسنن ابن ماجه : ح ١٨٦٩. وقال فيهصلى‌الله‌عليه‌وآله عند ما نظر إلى أبي سفيان وهو راكب ، ومعاوية وأخوه أحدهما قائد والآخر سائق : أللهمّ العن القائد والسّائق والرّاكب. انظر ، الطّبريّ في تأريخه : ٤ / ٢٠٢ ، و : ١١ / ٣٥٧ ، وسبط ابن الجوزي في التّذكرة : ١١٥ ، ووقعة صفّين : ٢٤٧ ، والزّبير بن بكّار في المفاخرات برواية ابن أبي الحديد عنه في شرح النّهج : ٢ / ١٠٣ ، سير أعلام النّبلاء : ١ / ٢٣٧ ، ومسند أحمد : ٤ / ٤٢١ ، والمعجم الكبير : ١ / ٤٢٧ ، العقد الفريد : ٤ / ٣٤٥ ، الاستيعاب : ٤١٢ ، واسد الغابة : ٣ / ١٠٦ ، وتهذيب ابن عساكر : ١٠ / ٩٣ و : ٧ / ٢٠٦ ، والإصابة : ٢ / ٢٦٠ ، مروج الذّهب بهامش ابن الأثير : ٥ / ١٦٥ ـ ١٦٦ ، والنّزاع والتّخاصم للمقريزي : ٢٠ طبعة النّجف ، أنساب الأشراف : ١ / ٥٣٢ ، وصحيح مسلم : ٤ : / ١٩٥ ، ومسند الطّيّالسي : ح ٢٧٤٦ ، وابن كثير : ٨ / ١١٩ ، : ٤ / ١٩٥ ، وسنن ابن ماجه : ح ١٨٦٩ ، الآحاد والمثاني : ١ / ٣٧١ و : ٦ / ٩٨ ح ٣٣١٣ ، المعجم الأوسط : ٧ / ٤٨ ، مسند الشّاميّين : ١ / ٢٥٧ ح ٤٤٤ و ٤٤٥ ، الجامع الصّغير : ١ / ٤٣١ ح ٨١١ ، كنز العمّال : ٤ / ٣٠١ ح ١٠٥٩٨ وص : ٤٥٥ ح ١١٣٥٧ و : ١١ / ١٢٤ ح ٣٠٨٧٩ ، فيض القدير شرح الجامع الصّغير : ٣ / ١٠٩ ح ٢٨١١ ، تهذيب الكمال : ٣٥ / ٣٤٢ ، صحيح البخاريّ : ٣ / ٢٣٢ و : ٤ / ٥١ ، البداية والنّهاية : ٦ / ٢٤٨.

(١) تقدّم إستخراج ذلك.

(٢) إنّ ميسون ابنة بجدل الكلبية لمّا زوّجت معاوية بن أبي سفيان ، ونقلت إلى دمشق وأسكنت قصرا من قصور الخلافة ، حنّت ذات يوم إلى البادية فأنشأت هذه الأبيات. انظر ، خزانة الأدب : ٨ / ٥٠٣ ، ـ


وجدّه أبو سفيان أعدى أعداء الله ورسوله ، وهو الّذي قاد الحرب ضدّ الإسلام ، والقرآن في بدر ، واحد ، والأحزاب(١) .

ولادته وشكله :

ولد سنة (٢٥ ه‍) ، وكان رفيع الصّوت ، شديد السّمرة ، بدينا ، كثير اللّحم ، كثير الشّعر ، مجدّرا اصيب في صغره بالجدري بقيت آثارها إلى آخر عمره(٢) .

__________________

ـ تأريخ دمشق : ٦٥ / ٣٩٩ و : ٧٠ / ١٣٣ ، حاشية الصّبان على الأشموني : ٣ / ٣١٣ الشّاهد (٨٢٧) ، تفسير القرطبي : ٦ / ٢١٨ و : ١٥ / ٢٧٢ ، الأعلام : ٧ / ٣٣٩ ، لسان العرب : ١٣ / ٤٠٨ ، شرح الرّضيّ على الكافية : ٤ / ٥٣ ، بلاغات النّساء لابن طيفور : ١١٨ ، ولكنّه نسب الأبيات إلى زوجة يزيد بن هبيرة المحاربي أوّل أمير ولّي اليمامة لعبد الملك بن مروان فتزوّج امرأة من ولد طلبة بن قيس بن عاصم المنقري ، فقالت هذه الأبيات.

للبس عباءة وتقر عيني

أحبّ إليّ من لبس الشّفوف

وبيت تخفق الأرواح فيه

أحبّ إليّ من قصر منيف

وكلب ينبح الطّرق عني

أحبّ إليّ من هر ألوف

(١) انظر ، كنز العمّال : ١٣ / ١١٢ الطّبعة الثّانية ، و : ١٥ / ١٤٦ ، و : ٦ / ٢٢٣ الطّبعة الأولى ، تأريخ دمشق : ٢ / ٢٢٩ ح ٣٦٧ و ٣٢٧ ح ٨٣١ ، مجمع الزّوائد : ٩ / ١١٨ و ١٧٩ و ١٨٩ الفضائل لأحمد بن حنبل : ح ٢٣١ ، المستدرك للحاكم : ٣ / ١٣٩ ، و : ٤ / ٤٦٤ ، تأريخ بغداد : ١٢ / ٣٩٨ ، و : ٧ / ٢٧٩ ، المناقب للخوارزمي : ٢٦ ، ينابيع المودّة : ٥٣ و ١٣٥ ، سنن البيهقيّ : ٤ / ٧٠ ، سنن ابن ماجه : ٢ / ٥١٨ ، دلائل النّبوّة للبيهقي في ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام من تأريخ دمشق : ح ٦٢٢ و ٦١٢ ـ ٦١٤ و ٦٢٦ ـ ٦٣٠ ، المعجم الكبير للطّبراني حياة الإمام الحسينعليه‌السلام : ١٢٢ ح ٤٥ و ٤٨ و ٩٥ ، كفاية الطّالب : ٢٧٩ ، أعلام النّبوّة للماوردي : ٨٣ باب ١٢ ، نظم درر السّمطين : ٢١٥ ، البداية والنّهاية لابن كثير : ٦ / ٢٣٠ ، و : ٨ / ١٩٩ ، الرّوض النّضير : ١ / ٨٩ و ٩٢ و ٩٣ ، و : ٣ / ٢٤ ، مروج الذّهب : ٢ / ٢٩٨ ، اسد الغابة : ١ / ٢٠٨ ، حلية الأولياء : ٣ / ١٣٥ ، تفسير الرّازي : ٩ / ٥٠ و ٦٧.

(٢) انظر ، تأريخ بغداد : ١٠ / ٢٨٧ ، تأريخ دمشق : ٣٧ / ١١٨ و : ٦٥ / ٣٩٧ ، تأريخ الإسلام للذّهبي : ـ


مهنته :

عداوة الله ورسوله ، وقتل العترة الطّاهرة ، وسبي الحرائر(١) ، وذبح الأطفال ، ونكح الأمّهات ، والبنات ، والأخوات(٢) والصّيد ، شرب الخمر ، واللّعب بالكلاب والقرود(٣) . قال عبد الله بن حنظلة : «والله ما خرجنا على يزيد حتّى خفنا أن

__________________

ـ ١ / ٢٦٧ ، سمو المعنى في سمو الذّات : ٥٩ ، المناقب والمثالب للقاضي النّعمان المغربي : ٧١ ، جواهر المطالب في مناقب الإمام عليّ بن أبي طالب : ٢ / ١٤٣ ، أنساب الأشراف : ٢ / ٢ ، مروج الذّهب : ٣ / ٧٤ ، البداية والنّهاية : ٨ / ٢٣٩ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ٢٠ / ١٣٣ ، الأخبار الطّوال : ٢٦٥ ، النّزاع والتّخاصم : ٥٦.

(١) انظر ، وفاء الوفاء : ١ / ١٣١ ، ينابيع المودّة : ٣ / ٣٥ ، تأريخ الطّبري : ٣ / ٣٥٨ ، الأخبار الطّوال : ٢٦٥ ، فتح الباري : ١٣ / ٧٠ ، تأريخ خليفة بن خيّاط : ١٨٣ ، تأريخ مدينة دمشق : ٥٨ / ١٠٥.

(٢) انظر ، العروبة للخالصي : ٨٦ نقلا عن رسالة «تجويز لعن يزيد» لابن الجوزي ، وأبو الشّهداء للعقّاد : ٦٠ طبعة دار الهلال. (منهقدس‌سره ).

(٣) انظر ، الفرق بين الفرق للبغدادي : ٢٥ ، الإمامة والسّيّاسة لابن قتيبة : ١ / ١٥٢ ، الكامل في التّأريخ :

٤ / ٥١. قال الإمام الحسين عليه‌السلام مخاطبا الوليد : «إنّا أهل بيت النّبوّة ، ومعدن الرّسالة ، ومختلف الملائكة ، بنا فتح الله ، وبنا ختم ، ويزيد فاسق ، فاجر ، شارب الخمر ، قاتل النّفس المحترمة ، معلن بالفسق والفجور ، ومثلي لا يبايع مثله». انظر ، مقتل الحسين للخوارزمي : ١ / ١٨٤ وزاد فيه : والله لو رام ذلك أحد لسقيت الأرض من دمه قبل ذلك ، فإن شئت ذلك فرم أنت ضرب عنقي إن كنت صادقا ، تأريخ الطّبري : ٤ / ٢٥١ ، تذكرة الخواصّ لسبط ابن الجوزي : ٢٢٩ طبعة إيران ، الآداب السّلطانيّة للفخري : ٨٨ ، الكامل في التّأريخ لابن الأثير : ٤ / ٧٥ ، تأريخ ابن عساكر : ٧ / ٤٠٧ ، أنساب الأشراف : ٥ / ١٢٩ ، الفتوح : ٣ / ١٤ ، وكان يقال له ـ أي مروان ـ ولولده : بنو الزّرقاء ، يقول ذلك من يريد ذمّهم وعيبهم ، وهي الزّرقاء بنت موهب جدّة مروان بن الحكم لأبيه ، وكانت من ذوات الرّايات الّتي يستدلّ بها على بيوت البغاء ، فلهذا كانوا يذمّون بها. وقال البلاذري في أنساب الأشراف : ٥ / ١٢٦ اسمها مارية ابنة موهب وكان قينا.

انظر ، تذكرة الخواصّ : ٢٢٩ ، تأريخ ابن عساكر : ٧ / ٤٠٧ ، تأريخ الطّبري : ٨ / ١٦ ، تفسير من آية ـ


نرمى بالحجارة من السّماء ، إنّ رجلا ينكح الأمّهات ، والبنات ، والأخوات ، ويشرب الخمر ، ويدع الصّلاة ، والله لو لم يكن معي أحد من النّاس لأبليت لله فيه بلاء حسنا»(١) .

حكمه ومشاريعه :

تولّى الحكم بعد أبيه في رجب سنة (٦٠ ه‍)(٢) ، أمّا مشاريع دولته. ففي السّنة الأولى من حكمه قتل الحسين وأولاده وأصحابه(٣) ، وسبي نساءه ، وفي السّنة الثّانية أباح مدينة الرّسول ثلاثة أيّام(٤) ، وقتل من المهاجرين ، والأنصار ،

__________________

ـ ١٣ سورة القلم في قوله :( عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ ) وانظر ، كنز العمّال للمتقي الهندي : ١ / ١٥٦ ، روح المعاني للآلوسي : ٢٩ / ٢٨ ، الإمامة والسّياسة : ١ / ٢٢٧.

(١) انظر ، تأريخ دمشق : ٢٧ / ٤٢٩ ، تأريخ الإسلام : ٢ / ٣٥٦ ، تأريخ اليعقوبي : ٢ / ٢٥٠ ، الطّبقات الكبرى : ٥ / ٦٦ ، ينابيع المودّة : ٣ / ٣٢.

(٢) انظر ، الفتوح لابن أعثم : ٢ / ٣٧٨ ، تأريخ الطّبري : ٤ / ٢٣٩ ، مروج الذّهب : ٣ / ٣ ، تأريخ خليفة : ٢٢٦ ، الإستيعاب لابن عبد البرّ القرطبي : ترجمة «٤٩٧٧» ، اسد الغابة : ترجمة «٤٩٧٧» ، الإصابة : ترجمة «٨٠٧٤» ، مآثر الإناقة : ١ / ١٠٩ ، الكامل في التّأريخ : ٢ / ٥٢٤.

(٣) انظر ، اسد الغابة : ٢ / ٢١ ، البداية والنّهاية : ٨ / ٢١٦ ، المقاتل : ٤٣ ، أنساب الأشراف : ١ / ٤٠٤ ، ابن أبي الحديد في شرح النّهج : ٤ / ١١ و ١٧ ، ابن كثير : ٨ / ٤١ ، تأريخ الخلفاء : ١٣٨ ، الإصابة ترجمة الحسن ، ابن قتيبة : ١٥٠ ، الصّواعق : ٨١ ، المسعودي في مروج الذّهب بهامش الكامل : ٢ / ٣٥٣ ، ٦ / ٥٥ ، تهذيب تأريخ دمشق لابن عساكر : ٤ / ٢٢٦ ، تأريخ اليعقوبي : ٢ / ٢٢٥ ، ابن الأثير : ٢ / ١٩٧ ، ابن شحنة بهامش ابن الأثير : ١١ / ١٣٢ ، تأريخ الدّول الإسلاميّة : ١ / ٥٣ ، تذكرة الخواصّ : ٦٢ ، تأريخ أبي الفداء : ١ / ١٩٤ ، الإستيعاب : ١ / ٣٨٩ ، تأريخ الخلفاء للسّيوطي : ٧٤ ، مستدرك الحاكم : ٣ / ١٧٦ ، المناقب لابن شهر آشوب : ٣ / ١٩١ ، كشف الغمّة : ١ / ٥٨٤.

(٤) انظر ، تأريخ الخلفاء : ١٩٥ ، تأريخ الطّبري : ٥ / ٤٩١ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ـ


والتّابعين عشرة آلاف سوى النّساء ، والصّبيان(١) ، واستحل أعراض النّساء حتّى ولدت ألف عذراء لا يعرف لمواليدهن أب(٢) ، وفي هذه الوقعة المعروفة بوقعة

__________________

ـ ٣ / ٢٥٩ ، حواشي الشّرواني : ٦ / ٤٢٠ ، نيل الأوطار : ٧ / ٣٤٢ ، مروج الذّهب : ٣ / ٦٩ ، الكامل في التّأريخ : ٣ / ٦٣ ، أنساب الأشراف : ٥ / ٤٢ ، الإستيعاب بهامش الإصابة : ١ / ٢٥٨ ، تأريخ ابن كثير : ٢ / ٢٢١ ، الإصابة : ٣ / ٤٧٣ ، وفاء الوفا : ١ / ١٢٥ ـ ١٣٧ طبعة بيروت الثّالثة ، تأريخ الخميس : ٢ / ٣٠٢ ، تأريخ خليفة : ٢٣٦ ، تأريخ دمشق : ٤٣ / ٣٣١.

(١) انظر ، الإمامة والسّيّاسة لابن قتيبة : ١ / ١٥٢ ، الكامل : ٤ / ٥١. الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة لابن الصّباغ المالكي : ٢ / ٢٢٤ ، بتحقيقنا. أباح فيها يزيد المدينة المنوّرة ثلاثة أيّام ، ثمّ يأتي ابن عمر ويوجه جرائم يزيد حينما قال مخاطبا عبد الله بن مطيع : «سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجّة له ، ومن مات وليس في عنقه بيعة ...». انظر ، صحيح مسلم : ٦ / ٢٢. فهل تقبل هذه المدرسة ـ مدرسة الخلافة ـ أن يكون خليفتها يزيد بن معاوية الّذي قتل سبط رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وريحانته في كربلاء ، وأباح المدينة ثلاثة أيّام ، ورمى الكعبة بالمنجنيق ، و... و...؟ وكتب معاوية العهد إلى ابنه يزيد وجعل له الخلافة من بعده وقال : «... إنّي من أجلك آثرت الدّنيا على الآخرة ، ودفعت حقّ عليّ بن أبي طالب ، وحملت الوزر على ظهري ، وإنّي لخائف أن لا تقبل وصيتي ، فتقتل خيار قومك ، ثمّ تعدّو على حرمة ربّك فتقتلهم بغير الحقّ ، ثمّ يأتيك اليوم بغتة ، فلا دنيا تصيب ، ولا آخرة تحبّ ، يا بنيّ إنّي جعلت هذا مطمعا لك ، ولولدك من بعدك وكن حازما صارما فإنّي كفيتك الجدّ ، والتّرحال ولقد وطّأت لك يا بني البلاد ، وذلّلت لك رقاب العرب الصّعاب ومهدّت لك الملك من بعدي تمهيدا ...».

انظر ، نصّ الكلام في الفتوح : ٣ / ٣٥٣ و ٣٥٤ و ٣٥٥ و ٣٥٦ و ٣٥٧ ، تأريخ الطّبريّ : ٦ / ١٧٩ و ١٨٠ بإختلاف بسيط ، الإصابة : ٤ / ١٦٩ ، تهذيب التّهذيب : ٦ / ١٧٤ ، المقتل للخوارزميّ : ١ / ١٧ ، البيان والتّبيين : ٢ / ١٠٧ ، الكامل لابن الأثير : ٤ / ٤ ، مع إختلاف في بعض الألفاظ.

(٢) انظر ، مروج الذّهب : ٣ / ٧٩. وأباح المدينة. انظر ، تأريخ الخلفاء : ٢٠٩. وحاصر عبد الملك مكّة ، وهدم الكعبة ، وأطلق يد الحجّاج في دماء المسلمين ، وبعبد الملك اقتدى أولاده ، وأحفاده ، وزادوا عليه أضعافا مضاعفة. انظر ، الإمامة والسّياسة : ٢ / ٣٢ ، مروج الذّهب للمسعودي : ٣ / ١٧٥ ، العقد الفريد : ٣ / ٢١٤. ويقول صاحب مروج الذّهب ، وصاحب العقد الفريد في أقوال النّاس في الحجّاج : ـ


الحرّة دخل رجل من عسكر يزيد على امرأة نفساء من نساء الأنصار ، وفي حجرها طفل رضيع فقال لها : هل من مال؟ قالت : لا والله ما تركوا لنا شيئا.

فقال لها : اعطيني وإلّا قتلتك ، وهذا الطّفل.

قالت : أنّه ولد ابن أبي كبشة الأنصاري صاحب رسول الله. فلم يكترث ، وأخذ برجل الصّبي ، وفمه في ثدي أمّه ، وجذبه من حجرها ، وضرب به الحائط ، فانتثر دماغه على الأرض(١) .

وفي السّنة الثّالثة رمى يزيد الكعبة بالمنجنيق ، وقذفها بالحجارة ، وأحرقها بالنّار(٢) .

وفاته :

مات سنة (٦٤ ه‍) بذات الجنب «السّل» لإدمانه الشّراب ، وإفراطه في الملذّات ، بات ذات ليلة سكرانا ، فأصبح ميتّا متغيّرا كأنّه مطلي بالقار. وقيل :

__________________

ـ (احصي من قتلهم الحجّاج صبرا سواء من قتل في حروبه فكانوا (١٢٠) ألفا ، وكان في حبسه (٥٠) ألف رجلا ، و (٣٠) ألف إمرأة ستة عشر منهن عاريات ، وكان يطعم المساجين كما يقول ابن الجوزي في تأريخه ، الخبز ممزوجا بالرّماد). وجاء في العقد الفريد أيضا على لسان عمر بن العزيز : (لو جاء النّاس يوم القيامة بفساقهم ، وجئنا بالحجّاج لزدنا عليهم).

(١) انظر ، الإمامة والسّياسة لابن قتيبة : ١ / ٢٣٨.

(٢) انظر ، فتح الباري : ٣ / ٤٥٥ و : ٨ / ٣٢٧ ، المستدرك على الصّحيحين : ٣ / ٦٣٦ ، التّمهيد لابن عبد البر : ١٦ / ١٤٣ ، شرح الزّرقاني : ٢ / ٣٩٧ و : ٣ / ١٥٩ ، تهذيب الأسماء : ١ / ٢٣٧ ، سبل السّلام : ٤ / ٥٤ ، المحلى : ١١ / ٩٦ و ١١٦ ، نصب الرّاية : ٣ / ٣٨٢ ، تهذيب التّهذيب : ٢ / ١٨٥ و ٣٣٨ و : ٥ / ١٨٨ ، عون المعبود : ١٢ / ١٦٦ ، سير أعلام النّبلاء : ٤ / ٣٤٣ و : ٢٢ / ٢١٨ ، أخبار مكّة : ٢ / ٣٦٠ ، تعجيل المنفعة : ١ / ٤٥٢.


طارد غزالا ، فوقع عن الفرس ، ودق عنقه. مات في حوارين(١) ، ونقل إلى دمشق ، ودفن بمقبرة الباب الصّغير ، وقبره الأنّ مزبلة ، وفي عهد العبّاسيّين نبش قبره ، فوجد فيه خطّ أسود ممتد من أوله إلى آخره(٢) .

قال بعض المؤلّفين : لمّا رأى الشّيطان يزيد بن معاوية تعوذ منه ، وقال : ما كنت احسب أنّ في الكون من هو أشقى منّي ، حتّى رأيت يزيد! ولكن يزيد عند مروان بن الحكم يستسقي الغمام بوجهه(٣) ! وفي كلّ عصر يزيد ، ومروان ، وليس في الدّنيا إلّا حسين واحد.

ويسوس أمر المسلمين مولّه

رجس وتصرعه الطّلا فيعربد

ويقوم باسم الدّين فيهم آمرا

من لم يطب في النّاس منه المولد

ومن العجائب أن يسود مذمم

جمّ العيوب وأن ينحّى السّيّد

يزيد والمستعمرون :

اكتشف المستشرقون يزيد بن معاوية ، وهم ينقبون عن العورات في تأريخ المسلمين ، فطاروا به فرحا ، كأنّهم اهتدوا إلى آبار غنيّة بالبترول وأخذوا

__________________

(١) حوارين بلدة بين دمشق وحمص ، ولا يزال فيها آثار رومانيّة تنبيء عن قصر فخم كان يرتاده يزيد ، وأهلها إلى الآن يطلقون عليه اسم قصر يزيد. (منهقدس‌سره ).

(٢) انظر ، تأريخ دمشق لابن عساكر : ٤٩ / ٣٦٧ و : ٥٧ / ٣٠٨ ، قبر يزيد بن معاوية في قرية قريبة من حوارين تبعد مرحلتين من تدمر. انظر ، معجم البلدان : ٢ / ٣١٥ ، تأريخ خليفة بن خيّاط : ١٩٦ ، ابن الأثير : ٤ / ٩ ، تأريخ اليعقوبي : ٢ / ٢٥١ ، وقيل : لم يعرف له قبر ، كنز العمّال : ٦ / ٦٣١ ، البداية والنّهاية : ٨ / ١٠.

(٣) تقدّمت تخريجاته.


يمجدونه ، ويشيدون بأعماله الإصلاحيّة ، بخاصّة الأب لا مانس(١) فقد أطنب وأشاد بسمو أفكاره ومشاريعه الإنسانيّة ، وألّف فيه وفي أبيه معاوية كتابا ضخما قدّمه إلى قومه المستعمرين ، ليختاروا عملاء من العرب ، والمسلمين أمثال يزيد ينصّبونهم حكّاما على قومهم ، وحراسا لمصالح الإستعمار ، يمدونهم بالقوّة والسّلاح ، لينكّلوا بالمصلحين ، ويكيدوا للإسلام ، ويعملوا على هدمه ، وتقويض شعائره.

__________________

(١) لا مانس مستشرق فرنسي ، وهو أصدق مثال للمستشرق الطّاعن على الإسلام ، ورجاله ، والمبغض للقرآن ، ومحمّد وآله. يقول عن فاطمة سيّدة النّساء : كانت بنتا مقلقة مزعجة تثير الشّغب والإضطراب. أمّا معاوية وولده يزيد فمن المصطفين الأخيار ، ويا ليت جميع حكّام الشّرق في صفاتهما وأخلاقهما حتّى يطمئن الإستعمار «ولا يبيتن إلّا هاديء البال».

عمل بنظريّة جولد تسهير في الحديث ، وبيّن فيه بأنّه من الخيال لأنّه مأخوذ من الأصل القرآني ، ثمّ قال بأنّ السّيرة أيضا هي من الخيال كما جاء في كتابه حياة محمّد والسّيرة ، ثمّ تهجّم على فاطمة في كتابه الموسوم (فاطمة وبنات محمّد). ترجمة كتبه إلى اللّغة العربيّة ، والإنجليزيّة ، والألمانيّة.

«المترجم الدّكتور مسلم فداء حسين». من الهيئة العلميّة في زهراء عليها‌السلام آكاديمي.



مشهد الحسين

كان مصرع الحسينعليه‌السلام بدء نهاية الحكم الأموي ، إذ هو السّبب الأكبر لظهور الدّعوة إلى آل البيت النّبوي ، وانتشارها في أرجاء العالم الإسلامي ، حتّى اسفرت عن زوال تلك الدّولة وقيام دولة بني العبّاس. لأنّ العرب والمسلمين على السّواء اعتبروا هذا الحادث عدوانا أثيما على بيت النّبوّة ولذلك أصبح سهل كربلاء بقعة مقدّسة ، كثرت حولها المؤلّفات والأشعار والقصّص. وممّا رواه الإمام السّادس أنّ النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : «أنّ الملائكة حملت ترابا مقدّسا من القدس إلى كربلاء قبل ألف سنة ليكون قبرا»(١) . وقيل : «أنّ الإمام عليّ رضى الله عنه تحدّث عن قداسة المكان فقال : «أنّ مئتي نبي ومئتي مندوب للأنبياء ومئتين من أبناء الأنبياء يودون أن يدفنوا هنا»(٢) .

فليس بغريب إذن أن يصبح الموضع الّذي دفن فيه جسد سيّد الشّهداء مزارا ، يحجّ إليه النّاس للتّبرك به ، وتأدية واجب الإحترام له. واسم كربلاء أطلق أصلا

__________________

(١) انظر ، قريب من هذا في مستدرك الصّحيحين : ٣ / ١٧٦ ، الإصابة : ١ / ٦٨ و : ٨ / ٢٦٧ ، و : ٥ / ٢٣١ ، مسند أحمد : ٦ / ٣٩٩ ، تأريخ دمشق : ١٣ / ٦٢ ح ٦٣١ ، مجمع الزّوائد : ٩ / ١٧٩ و ١٨٧ ، الصّواعق المحرقة : ١٩٢ ح ٢٨ و ٢٩ ، المناقب لأحمد : ٢ / ٧٧٠ ح ١٣٥٧.

(٢) انظر ، مجلّة العالم عدد حزيران سنة «١٩٥٩ م». (منهقدس‌سره ). لم أعثر على هذا النّص.


على القسم الشّرقي من حدائق النّخل الّتي تحيط بالبلدة الّتي نمت وازدهرت بسرعة ، إلّا أنّنا نجد لها ذكرا في المراجع التّأريخيّة الأولى. وأوّل ما قرأنا عنها أنّ الخليفة العبّاسي المتوكّل أمر ـ عام (٨٥٠ ميلادي ـ) بإغراق المنطقة وهدم البيوت والأبنية الموجودة فيها وحرث الأرض كلّها ، وفرض عقوبات صارمة على الحجّاج القادمين إليها كي يمنع زيارتها(١) . لكنّ البلدة ما لبثت أن عادت

__________________

(١) عن عبد الله بن دانية الطّوري ، قال : حججت سنة (٢٤٧ ه‍) سبع وأربعين ومئتين ، فلمّا صدرت من الحجّ وصرت إلى العراق زرت أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب على حال خيفة من السلطان ، ثمّ توجهت إلى زيارة الحسين ، فإذا هو قد حرث أرضه ، وفجّر فيها الماء ، وأرسلت الثّيران ، والعوامل في الأرض فبعيني وبصري كنت أرى الثّيران تساق في الأرض فتنساق لهم حتّى إذا جاءت القبر حادت عنه يمينا وشمالا ، فتضرب بالعصي ، الضّرب الشّديد فلا ينفع ذلك ، ولا تطأ القبر بوجه ، فما أمكنني الزّيارة ، فتوجهت إلى بغداد وأنا أقول : تالله إن كانت أميّة قد أتت الأبيات جواد شبّر في أدب الطّفّ :١ / ٣٢٧ ، الطّبعة الأولى ـ بيروت ١٣٨٨ ه‍ ـ ١٩٦٩ م.

إذن لم يكتف المتوكل بتنكيل الأحياء ، حتّى اعتدى على قبور الأموات ، فهدم قبر الحسين عليه‌السلام وما حوله من المنازل والدّور ، ومنع النّاس من زيارته ، ونادى مناديه من وجدناه عند قبر الحسين حبسناه في المطبق ـ سجن تحت الأرض.

وينسب هذا الشّعر إلى عبد الله بن دانية ، كما جاء في مناقب آل أبي طالب : ٣ / ٢٢١ ، أمالي الشّيخ الطّوسي : ٣٢٩. قال هذا الشّعر وهو لا يعلم في قتل المتوكل ، فوصل إليه الخبر في تلك اللّيلة.

انظر ، الكامل في التّأريخ : ٧ / ٥٥ ، مقاتل الطّالبيين : ١٣٠ و ٤٢٨.

وكان المتوكل يقرّب عليّ بن جهم ؛ لأنّه كان يبغض عليّا أمير المؤمنين ، وكان أبي الجهم هذا مأبونا : سمعه يوما أبو العيناء يطعن على الإمام ، فقال له : إنّك تطعن عليه ، لأنّه قتل الفاعل والمفعول من قوم لوط ، وأنت أسفلهما. انظر ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ١ / ٣٦٣ ، مناقب آل أبي طالب : ٣ / ١٦ و ٢١٥ طبعة آخر.

وأبلغ ما قرأت عن هذه الجرأة والتّضحية : إنّ الأديب العالم المعروف بابن السّكّيت كان يوما في مجلس المتوكل المبغض المعلن بالعداء للإمام أمير المؤمنين ، فقال لابن السّكّيت (هو الشّيخ الأديب ـ


للظهور ثانية ، واعتقد الشّيعة أنّ المشهد لم يتأثر أبدا بالماء وظل على حاله. وبعد قرن من الزّمن كتب ابن حوقل عن المشهد الّذي بني فوق ضريح الحسينعليه‌السلام فوصفه بأنّه غرفة واسعة تعلوها قبّة ، لها باب في كلّ من جهاتها

__________________

ـ يعقوب بن إسحاق الدّورقي ، الأهوازي الشّهير بابن السّكّيت ، وكان عالما بنحو الكوفيين ، وعلم القرآن ، واللّغة ، والشّعر ، راوية ثقة ، أخذ عن البصريين ، والكوفيين ، كالفرّاء ، وأبي عمرو الشّيباني ، والأثرم ، وابن الأعرابي ، له تصانيف كثيرة في النّحو ، ومعاني الشّعر ، وتفسير دواوين الشّعر ، منها تهذيب الألفاظ ، وإصلاح المنطق ، قتله المتوكل بعد أن سل لسانه من قفاه فماترحمه‌الله يوم الاثنين لخمس خلون من رجب سنة أربع وأربعين ومئتين ، بعد إن كانت ولادته سنة (١٨٦ ه‍).

انظر ، بغية الوعاة : ٤١٨ ، وبغية الطّالب لابن العديم : ٨ / ٣٧٦٨ ، شذرات الذّهب : ٢ / ١٠٦ ، تأريخ دمشق : ١٨ / ٣١٧ ، ذيل تأريخ بغداد : ٥ / ٦ ، البداية والنّهاية : ١١ / ٢٣ ، سير أعلام النّبلاء : ١٢ / ١٩ ، وفيات الأعيان : ٦ / ٣٩٩.

وابن السّكّيت هذا هو القائل :

يصاب الفتى من عثرة بلسانه

وليس يصاب المرء من عثرة الرّجل

فعثرته في القول تؤدّي برأسه

وعثرته في الرّجل تبرا على مهل

وكان عند المتوكل مخنث يدعى عبّادة ، فيشد على بطنه مخدّة ، ويرقص بين يدي المتوكل ، والمغنون يغنون : اقبل البطين خليفة المسلمين وهم يعنون عليّا أمير المؤمنين ، والمتوكل يشرب ويضحك ، وفعل ذلك يوما ، وابنه المنتصر حاضر ، فقال لأبيه : أنّ الّذي يحكيه هذا الكلّب ويضحك منه النّاس هو ابن عمّك ، وشيخ أهل بيتك ، وبه فخرك ، فكلّ أنت لحمه إذا شئت ، ولا تطعم هذا الكلّب وأمثاله ، فقال المتوكل للمغنين : غنّوا.

غار الفتى لابن عمّه

رأس الفتى في حر أمه

انظر ، الكامل في التّأريخ : ٧ / ٥٥ ، إكمال الكمال ، لابن ماكولا : ٦ / ٢٨ ، تأريخ دمشق : ٢٦ / ٢٢١.

وسمعه يوما يشتم فاطمة بنت الرّسول ، فسأل أحد الفقهاء ، فقال له : قد وجب عليه القتل إلّا أنّه من قتل أباه لم يطل عمره.

فقال المنتصر : لا ابالي إذا أطعت الله بقتله أن لا يطول عمري ، فقتله ، فعاش بعده سبعة أشهر.

انظر ، أمالي الشّيخ الطّوسي : ٣٢٨ ح ١٠٢ ، مناقب آل أبي طالب : ٣ / ٣٢١ ، المجدي في أنساب الطّالبين : ٣٧٢ ، كتاب العبر للذّهبي : ١ / ٤٤٩.


الأربع. وبعد مئتي سنة (٩٧٩ م ـ ٩٨٠ م) هاجم البلدة فريق من الأعراب جاءوا من عين التّمر ، وخرّبوا المشهد وغيره من الأماكن ، فصبّ عليهم بنو بويه ـ وهم شيعيون ـ جام غضبهم وعاقبوهم ومن رافقهم أقسى عقوبة ، وأسرع عضد الدّولة(١) فأعاد بناء كربلاء وبسط عليها الحماية(٢) .

وفي ربيع الأوّل سنه (٤٠٧ ه‍ أو ١٠١٦ م) شبّ حريق في البناء فتهدّمت القبّة والأروقة واحترقت. وفي سنة (٤١٤ ه‍) أمر الحسين بن الفضل ببناء سور حول كربلاء. ومن ذلك الوقت تشابه تأريخ النّجف الأشرف وكربلاء إلى حدّ بعيد ، فاحترمها الأتراك الّذين احتلوا العراق ، وزار ملك شاة سنة (٤٧٩ ه‍ أو ١٠٨٦ م) المشهدين وفرّق الصّدقات والأموال. ونجت البلدتان من غزو المغول.

__________________

(١) عضد الدّولة البويهي (٣٢٤ ـ ٣٧٤ ه‍) فنا خسرو ، ابن الحسن الملقّب ركن الدّولة ابن بويه الدّيلمي ، أبو شجاع : أحد المتغلبين على الملك في عهد الدّولة العبّاسيّة بالعراق. تولى ملك فارس ، ثمّ ملك الموصل وبلاد الجزيرة. وهو أوّل من خطب له على المنابر بعد الخليفة ، وأوّل من لقّب في الإسلام «شاهنشاه. قال الزّمخشري في ربيع الأبرار : وصف رجل عضد الدّولة فقال : وجه فيه ألف عين ، وفم فيه ألف لسان ، وصدر فيه ألف قلب. كان شديد الهيبة ، جبّارا عسوفا ، أديبا ، عالما بالعربية ، ينظم الشّعر ، نعته الذّهبي بالنّحوي ، وصنّف له أبو عليّ الفارسي (الإيضاح) و (التّكملة). كما صنّف له أبو إسحاق الصّابي كتاب (التّاجي) في أخبار بني بويه ، ولقّبه بتاج الملّة ومدحه فحول الشّعراء كالمتنبي والسّلامي. قال الذّهبي : أظهر بالنّجف قبرا زعم أنّه قبر الإمام عليّعليه‌السلام وبنى عليه المشهد وأقام مأتم عاشوراء. انظر ، الكامل في التّأريخ : الجزآن ٨ و ٩ ، بغية الوعاة : ٣٧٤ ، البداية والنّهاية : ١١ / ، ٢٩٩ ، الأعلام : ٥ / ١٥٦.

(٢) هذا من أعمال عضد الدّولة نقلناه من كتاب «الحضارة الإسلاميّة في القرن الرّابع الهجري» لآدم متز ، تعريب الأستاذ محمّد عبد الهادي أبي ريدة. وانظر ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ٢٠ / ٤٢ ، إعجاز القرآن للباقلاني : ١٩ ، تأريخ بغداد : ١ / ١٢١ ، ميزان الإعتدال : ٤ / ٢٦ ، سير أعلام النّبلاء : ١٥ / ١٢١ ، المنتظم : ٧ / ١٠٤.


وفي سنة (١٣٠٣ م) زار الخان غازي كربلاء وحمل معه هدايا غالية الثّمن ، وشقّ «أرغون» قناة من نهر الفرات إلى البلدة أطلق عليها فيما بعد اسم نهر الحسينيّة. وجاء العثمانيون إلى الحكم فحافظوا على المشهدين ، وزار سليمان القانوني ضريح الحسين وأمر بتجديد حفر القناة ، وتوسيعها ، وزراعة الأراضي المحيطة بالبلدة ، وكانت الأوامر تصدر إلى الولاة في بغداد بأن يراعوا كربلاء ويعلوا بأبنيتها. وجدّد مراد الرّابع سنة (٩٩١ ه‍ أو ١٥٨٣ م) بناء الضّريح والمشهد وما حولهما من الزّوايا.

وعادت النّجف وكربلاء إلى حكم الشّيعة إذ انتزعها «عبّاس الكبير»(١) من الحكم العثماني ، فأعاد بناء المشهدين على الشّكل الّذي نراه في الوقت الحاضر. وفي سنة (١٧٤٣ م) شيّد نادر شاه(٢) قبّة مشهد الحسين ، وصادر في الوقت ذاته الأوقاف الّتي خصّص ريعها للأئمّة. وتوالت الهدايا من الأمراء ، والأغنياء الشّيعيّين من كل مكان. وفي أواخر القرن الثّامن عشر زين مؤسّس أسرة قاجار المالكة في إيران القبّة ، والمنارة بالذّهب.

ويقع ضريح الحسينعليه‌السلام في باحة مساحتها (٣٥٤ قدما ـ ٢٧٠ قدما(٣) تحيط بها الإيوانات والحجرات ، وجدرانها محلّاة بحجارة ذات لون أزرق نقشت عليها جميع آيات القرآن الكريم بأحرف بيضاء. ومساحة المشهد ذاته (١٥٦ ـ ١٣٨)

__________________

(١) انظر ، كتاب «تأريخ إيران» لمكاريوس : ١٥٣ طبعة سنة (١٨٩٨ م).

(٢) انظر ، تأريخ الشّعوب الإسلاميّة لبروكلمان ، معجم المؤلّفين : ٩ / ٦٠ ، الأنوار العلوية : ٤٢٠ ، أعيان الشّيعة : ٤٤ / ٢٧٠ ، الذّريعة : ٥ / ٦٣ و : ٢٦ / ١٥٢ ، معادن الجواهر للسّيّد الأمين : ج ٢ ، وتأريخ الشّيعة للشّيخ المظفر.

(٣) القدم ثلاثون سانتمتر ونصف على التّقريب. (منهقدس‌سره ).


قدما ، ويتألّف من عمارة قائمة الزّوايا لها قاعة خارجيّة مذهّبة تحف بها ممرّات أعدّت للطواف. وفي منتصف الغرفة المركزيّة المقبّبة توجد «صندوقة الحسين» وحولها مشبكان ، الخارجي مصنوع على شكل مشربية من الفضّة ، والدّاخلي من الذّهب. وفي هذين المشبكين يلقي المخلصون هداياهم من النّقود والمجوهرات ، ويفتحان مرّة في السّنّة لجمع هذه الهدايا بحفلة ضخمة. وهناك ضريح ثان دفن فيه عليّ الأكبر ابن الحسينعليه‌السلام .

وفي كربلاء مشهد كبير ثان للعبّاس بن عليّ ، وهو يشبه في نسق بنائه وحجمه وتعدد الأروقة والغرف فيه مشهد الحسين. والفرق الوحيد هو أنّ للثّاني مآذن وللأوّل مئذنتين ، كما أنّ قبّته غير مغطاة بصفائح الذّهب والسّبب في ذلك هو أنّ نادر شاه رأى (وهو يعتزم بناء المشهدين) العبّاس في منامه ، فقال له : «أنا أصغر سنّا من الحسين ، وما أنا إلّا قلامة ظفر لسيّدي. ولذلك وجب أن تجعل فرقا في البناء بين مقام السّيّد ومقام العبد». ويعتقد الزّوار أنّ النّقمة تحل بكلّ من يحلف كاذبا عند ضريح العبّاس.

وفرش داخل المشهدين بالسّجاجيد العجيبة النّفيسة ، وزين أبدع زينة تثير الإعجاب والرّوعة ، وتصعب على الواصف.

لقد مضى على مصرع سيّد الشّهداء الحسين بن عليّ رضي الله عنه (١٣١٧ سنة)(١) ، وما زال الألوف يزورون مشهده للتّبرك به ، وتقديم واجب الإحترام للمدفون فيه ، وتجديد ذكرى الفاجعة الّتي حدثت في العاشر من شهر المحرّم سنة (٦١ ه‍).

__________________

(١) وضع الشّيخ مغنيّة هذا الكتاب عام (١٣٧٨ ه‍). ونحن الآن في سنة (١٤٢٦ ه‍). المحقّق.


معاوية

حاول بعض الشّيوخ أن ينزّه معاوية بن أبي سفيان عن الجرائم بل ألّف ابن حجر كتابا للذّب عنه ، اسماه «تطهير الجنان واللّسان عن الخطور والتّفوه بثلب سيّدنا معاوية بن أبي سفيان»(١) . وقال آخر : «قل ما تشاء عن يزيد ولا

__________________

(١) التّأريخ في كلّ يوم يكشف لنا منقبة من مناقب هذا الصّعلوك! وهذا التّقويم لمعاوية ليس من الشّيعة حتّى تقول هذا من مفتريات الشّيعة ، بل إنّ الأعجب هنالك إعتراف صريح من قبل مؤرّخيكم ممّن يخلط بين الحقّ ، والباطل بعد إطلاعه على أحاديث الرّسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكذلك أقوال بعض الصّحابة ، والتّابعين ، بل حتّى من مستشاري معاوية نفسه ، وبطانته ، بأنّ معاوية ملعون على لسان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، بل أمر المصطفى الأمجد ، والّذي لا ينطق عن الهوى :( إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ) ، المسلمين إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه ، و... و... ثمّ بعد هذا الإطلاع يقول بكلّ صلافة ووقاحة أنّ سيّدنا معاوية دسّ السّم لسيّدنا الحسن ، بواسطة جعدة بنت الأشعث ، واشترك سيّدنا معاوية بسّم الأشتر ، و... ثمّ يقول : قتل سيّدنا يزيد سيّدنا الحسين ، وهكذا يستمر في هذه الخزعبلات ، والتّرهات ، ثمّ يدّعى بأنّه من المؤرّخين المنصفّين المحايدين وها هو عبد الله بن بديل يقول في معاوية : «إنّ معاوية ادّعى ما ليس له ، ونازع الأمر أهله ، ومن ليس مثله ...».

انظر ، وقعة صفّين : ٢٣٤ ، طبعة القاهرة ، تأريخ الطّبريّ : ٦ / ٩ ، ابن الأثير : ٣ / ١٢٨ ، الإستيعاب : ١ / ٣٤٠ ، شرح النّهج لابن أبي الحديد : ١ / ٤٨٣ و : ٤ / ١١ و ١٧ ، المقاتل : ٤٣ ، وأنساب الأشراف : ١ / ٤٠٤ ، ابن كثير : ٨ / ٤١ ، تأريخ الخلفاء : ١٣٨ ، الإصابة ترجمة الحسن ، ابن قتيبة: ١٥٠ ، الصّواعق : ٨١ ، مروج الذّهب بهامش الكامل : ٢ / ٣٥٣ ، ٦ / ٥٥ ، تهذيب تأريخ دمشق لابن عساكر : ٤ / ٢٢٦ ، أسماء المغتالين من الأشراف : ٤٤ ، تأريخ اليعقوبي : ٢ / ٢٢٥ ، ابن الأثير : ٢ / ١٩٧ ، وابن ـ


تزيد»(١) .

والحقيقية أنّ يزيد سيئة من سيئات معاوية ، وأنّ الابن لم يأت بمنكر إلّا أتى الأب بما هو أعظم وأخطر ، بل أنّ معاوية أحدث بدعا لا يعرفها يزيد ولا غير يزيد. وإليك الأرقام.

تأمّر يزيد على المسلمين بالقهر والغلبة ، وكذلك أبوه معاوية تأمّر عليهم من غير مشورتهم ، وعلى غير رضا من المهاجرين والأنصار ، وحارب يزيد الحسين في كربلاء ، وقتله وقتل أصحابه ، وحارب معاوية عليّا في صفّين ، وقتل عمّار بن ياسر الصّحابي الجليل(٢) ، وسمّ الحسن(٣) ، ومالك الأشتر(٤) ، وعبد الرّحمن بن

__________________

ـ شحنة بهامش ابن الأثير : ١١ / ١٣٢ ، تأريخ الدّول الإسلاميّة : ١ / ٥٣ ، تذكرة الخواصّ : ٦٢ ، تأريخ أبي الفداء : ١ / ١٩٤ ، الإستيعاب : ١ / ٣٨٩ ، تأريخ الخلفاء للسّيوطي : ٧٤ ، مستدرك الحاكم : ٣ / ١٧٦.

(١) تقدّم التّعليق على مخازي يزيد.

(٢) انظر ، صحيح البخاريّ : ١ / ١٢٢ و ٢ / ٣٠٥ ، صحيح مسلم : ٤ / ٢٢٣٥ ، صحيح التّرمذي :٥ / ٦٦٩ ، مسند أحمد : ٢ / ١٦١ و ١٦٤ ، و : ٤ / ١٩٧ ، و : ٦ / ٢٨٩ ، حلية الأولياء : ٤ / ١١٢.

(٣) انظر ، مروج الذّهب : ٢ / ١٣٩ طبعة بيروت ، المغتالين من الأشراف : ٣٩ ، وتأريخ اليعقوبي : ٢ / ١٣٩ طبعة بيروت ، شرح النّهج لابن أبي الحديد : ٢ / ٢٩ ، والطّبريّ في تأريخه : حوادث سنة (٣٨ ـ ٣٩ ه‍) ، تهذيب الكمال : ٢٧ / ١٢٦ رقم ٥٧٣١ ، التّأريخ الكبير للبخاري : ٧ / ٣١١ ، وتأريخ الصّغير : ١ / ٨٧ ، الثّقات لابن حبّان : ٢ / ٢٩٨ ، سير أعلام النّبلاء : ٤ / ٣٥ ، تأريخ مدينة دمشق : ٥٦ / ٣٧٦ و ٣٩١ ، الأنساب : ٥ / ٤٧٦ ، نظرات في الكتب الخالدة لحامد حفني : ١٦١ ، شيخ المضيرة أبو هريرة لمحمود أبو ريّة : ١٧٩ ، ولكن بعض المصادر نسبت القول إلى عمرو بن العاص.

العسل الّذي كان يدس فيه السّم ، وقتل به الإمام الحسن ريحانة رسول الله انظر ، المقاتل : ٤٣ ، وأنساب الأشراف : ١ / ٤٠٤ ، وابن أبي الحديد في شرح النّهج : ٤ / ١١ و ١٧ ، ابن كثير : ٨ / ٤١ ، تأريخ الخلفاء : ١٣٨ ، الإصابة ترجمة الحسن ، ابن قتيبة : ١٥٠ ، الصّواعق : ٨١ ، المسعودي في ـ


خالد ابن الوليد ، وقتل حجر بن عدي ، وأصحابه في مرج عذراء(١) ، ومحمّد بن أبي بكر(٢) ، وذبح جيش يزيد بقيادة عمر بن سعد أطفال الحسين ، وكذلك ذبح

__________________

ـ مروج الذّهب بهامش الكامل : ٢ / ٣٥٣ ، ٦ / ٥٥ ، وتهذيب تأريخ دمشق لابن عساكر : ٤ / ٢٢٦ ، وأسماء المغتالين من الأشراف : ٤٤ ، وتأريخ اليعقوبي : ٢ / ٢٢٥ ، وابن الأثير : ٢ / ١٩٧ ، وابن شحنة بهامش ابن الأثير : ١١ / ١٣٢ ، تأريخ الدّول الإسلاميّة : ١ / ٥٣ ، تذكرة الخواصّ : ٦٢ ، تأريخ أبي الفداء : ١ / ١٩٤ ، الإستيعاب : ١ / ٣٨٩ ، تأريخ الخلفاء للسّيوطى : ٧٤ ، مستدرك الحاكم : ٣ / ١٧٦ ،

(٤) انظر ، مروج الذّهب : ٢ / ١٣٩ طبعة بيروت ، المغتالين من الأشراف : ٣٩ ، وتأريخ اليعقوبي :٢ / ١٣٩ طبعة بيروت ، شرح النّهج لابن أبي الحديد : ٢ / ٢٩ ، والطّبريّ في تأريخه : حوادث سنة (٣٨ ـ ٣٩ ه‍) ، تهذيب الكمال : ٢٧ / ١٢٦ رقم ٥٧٣١.

(١) هو حجر بن عديّ الأبرد الكندي الملقّب بحجر الخير ، وكان من فضلاء الصّحابة ، وفد إلى النّبيّ وشهد القادسية ، وقد قتله معاوية صبرا ، ويقال : إنّه أوّل من قتل صبرا في الإسلام ، قتل معه ستة من أصحابه ، وهم : شريك بن شدّاد الحضرمي ، وصيفي بن فسيل الشّيباني ، وقبيصة بن ضبيعة العبسي ، ومحرز بن شهاب السّعدي ، وكدام بن حيّان العنزي ، وعبد الرّحمن بن حسّان العنزي. وكان حجر ثقة عينا ولم يرو عن غير عليّ شيئا ، وهو الّذي افتتح مرج عذراء ، وكان شريفا في قومه مطاعا ، آمرا بالمعروف ، صالحا عابدا يلازم الوضوء ، وبارا بأمّه ، كثير الصّلاة والصّيام.

انظر ، ترجمته في شرح نهج البلاغة : ١٥ / ١٠٠ ، طبقات ابن سعد : ٦ / ١٥١ و ١٥٤ ، المستدرك : ٣ / ٤٦٨ ، الاستيعاب : ١ / ١٣٤ الرّقم ٥٤٨ ، طبعة حيدر آباد ، اسد الغابة : ١ / ٣٨٥ ، سير أعلام النّبلاء : ٣ / ٣٠٥ التّرجمة رقم ٣١٤ ، تأريخ الذّهبي : ٣ / ٢٧٦ ، تأريخ ابن كثير : ٨ / ٥٠ ، الإصابة : ١ / ٣١٥ ، تأريخ الطّبريّ : ٢ / ١١١ ـ ١٤٩ و ٥ / ٢٧٧ ، تأريخ ابن الأثير : ٣ / ٤٠٣ و ٤٠٤ ، وقعة صفّين : ١٠٣ ، مروج الذّهب : ٣ / ٣ ـ ٤ ، تهذيب الكمال : ٥ / ٤٨٥ الرّقم ١١٤١ ، المعارف لابن قتيبة : ٣٣٤ ، الأغاني : ١٦ / ١٠ ، تأريخ دمشق : ٢ / ٣٧٩ ، مسند أحمد : ٤ / ٤٢١ ، والمعجم الكبير للطّبراني : ١ / ٤٢٧ ، والعقد الفريد : ٤ / ٣٤٥ ، وتهذيب ابن عساكر : ٧ / ٢٠٦ ، وصفوة الصّفوة : ١ / ٢٣٨ ، وسيرة ابن هشام : ٤ / ١٧٩.

(٢) انظر ، تذكرة خواصّ الأمّة : ١١٤ طبعة النّجف ، التّمهيد والبيان : ٢٠٩ ، الأغاني : ٢١ / ٩ ، الإشتقاق : ٣٧١ ، الطّبريّ ، وابن الأثير ، وابن كثير في ذكر حوادث سنة (٣٦ ه‍) ، الإصابة حرف الميم : ـ


عسكر معاوية بقيادة بسر بن أرطأة القثم وعبد الرّحمن طفلي عبيد الله بن العبّاس في حجر أمّهما(١) .

وشرب يزيد الخمر ، ولبس الحرير والدّيباج ، وشرب معاوية الخمر أيّام حكمه في الشّام(٢) ، ولبس الحرير والدّيباج ، وشرب بآنية الذّهب والفضّة ، وركب السّروج المحّلاة بهما ، وأباح يزيد مدينة الرّسول ، وأرسل معاوية بسرا إلى المدينة فأخافها ، وقتل منها خلقا كثيرا(٣) ، وحين رأى يزيد رأس الحسين

__________________

ـ ٣ ق ٢ / ٤٥١ ، الاستيعاب : ٣ / ٣٢٨ ، الفتوح لابن أعثم : ١ / ٤٧٢ ، الإمامة والسّياسة : ١ / ٥٥ وما بعدها ، تهذيب الكمال : ٢٤ / ٥٤١ رقم ٥٠٩٧ ، شرح النّهج لابن أبي الحديد : ٣ / ١٩٠.

(١) هو بسر بن أرطاة ، كان من شيعة معاوية ، أحد فراعنة الشّام ، وكان من أهل الرّدّة وقد دعا عليه عليّعليه‌السلام عند ما بلغه أنّه يقتل الصّبيان فقالعليه‌السلام : «اللهمّ أسلب دينه ، ولا تخرجه من الدّنيا حتّى تسلبه عقله ، فأصابه ذلك وفقد عقله. وقالوا : دخل المدينة فخطب النّاس ، وشتمهم يومئذ وتوعّدهم وقال : شاهت الوجوه. ولمّا دخل ثقل عبيد الله بن العبّاس ، وفيه ابنان له صغيران ، فذبحهما بيده بمدية كانت معه ، ثمّ انكفأ راجعا إلى معاوية. فقالت له إمرأة له : يا هذا قتلت الرّجال ، فعلام تقتل هذين؟ والله ما كانوا يقتلون في الجاهليّة والإسلام ، والله يا ابن أرطاة إنّ سلطانا لا يقوم إلّا بقتل الصّبي الصّغير ، والشّيخ الكبير ، ونزع الرّحمة ، وعقوق الأرحام لسلطان سوء.

انظر ، كتاب الغارات برواية ابن أبي الحديد : ٢ / ٣ ـ ١٤ ، تأريخ اليعقوبي : ٢ / ١٤١ ، تهذيب التّهذيب : ١ / ٤٣٦ ، تأريخ دمشق : ٣ / ٢٢٢ ، نهاية الأرب للقلقشندي : ٣٧١ ، الفتوح لإبن أعثم : ٢ / ٣٩ و ٩٢ ، الإمامة والسّياسة : ١ / ١٢٣ و ١٤٨ و ١٥٠ ، الاسيعاب : ٦٤ ـ ٦٧ ، وقعة صفّين : ٤٦٢ ط ٢ سنة ١٣٨٢ ه‍ وطبعة ٢ تحقّيق عبد السّلام هارون المؤسّسة العربيّة الحديثة ، تهذيب ابن عساكر : ٣ / ٢٢٠ ، تأريخ الطّبريّ : ٦ / ٨٠ ، و : ٤ / ٢٠ وما بعدها طبعة أخرى.

(٢) انظر ، فقد جاء في مسند أحمد : ٥ / ٣٤٧ ، «عن عبد الله بن بريدة الأسلمي قال : دخلت أنا وأبي على معاوية بن أبي سفيّان فأجلسنا على الفرش ، ثمّ أتينا بالطّعام فأكلنا ، ثمّ أتينا بالشّراب فشرب معاوية ، ثمّ ناول أبي ، قال : ما شربته منذ حرمه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله

(٣) انظر ، مروج الذّهب ، المسعودي. (منهقدس‌سره ).


فرح واستبشر ، وأنشد «ليت أشياخي ببدر شهدوا» ، وحين جاء نعي الحسن لمعاوية أظهر الفرح والسّرور ، ورفع صوته بالتّكبير.

وتشاء الصّدف أن يتم شبه الابن بالأب من جميع الوجوه ، ذلك أنّه عند ما كبّر معاوية معلنا الإبتهاج بموت الحسن سمعته فاخته بنت فرضة ابن عمرو بن نوفل ، فدخلت عليه ، وقالت : ما الّذي بلغك فسررت؟

قال : موت الحسن. فصاحت ، وبكت ، وقالت : يموت الحسن سيّد المسلمين وابن رسول الله ، فتظهر الشّماتة(١) ؟! وهكذا فعلت هند بنت عبد الله بن عامر مع يزيد حين أدخلوا الرّأس ، والسّبايا ؛ وسبّ معاوية عليّا ، لأنّه يحمل علم الله والرّسول ، وداس يزيد ظهر الحسين وصدره بسنابك الخيل ، لأنّ فيه علم الله والرّسول(٢) .

وتفرّد معاوية ببدع وأحداث لم يشاركه فيها أحد ، حتّى ولده يزيد ، فلقد حوّل الخلافة الإسلاميّة إلى ملك يتوارثه السّفهاء والغلمان(٣) ، وألحقّ ابن

__________________

(١) انظر ، مروج الذّهب : ٢ / ٣٠٥ ، الإستيعاب : ١ / ٣٧٤ ، كفاية الطّالب : ٢٦٨ ، مقتل الحسين للخوارزمي : ١ / ١٤١ الفتوح لابن أعثم : ٢ / ٣٢٣ هامش رقم «٣».

(٢) انظر ، تأريخ الطّبري : ٤ / ٣١٤ ، والكامل في التّأريخ : ٣ / ٢٨٤.

(٣) ذكر ذلك صاحب مروج الذّهب بهامش ابن الأثير : ٥ / ١٦٥ ـ ١٦٦. وأضاف صاحب كتاب الأغاني : ٦ / ٣٥٥ والإستيعاب : ٦٩٠ ، والنّزاع والتّخاصم للمقريزي : ٢٠ طبعة النّجف.

«وروى العقاد في آخر كتاب عثمان : «أنّ أبا سفيان دخل على عثمان حين صارت إليه الخلافة ، وقال له : «قد صارت إليك بعد تيم وعديّ ـ أي أبي بكر وعمر ـ فأدرها كالكرة ، واجعل أوتاها بني أميّة ، فإنّما هو الملك ، ولا أدري ما جنّة ولا نار». انظر ، الاستيعاب : ٤ / ١٦٧٩ ، والمطبوع بهامش الإصابة : ٤ / ٨٧ ، شرح الأخبار : ٢ / ٥٢٨ ، مناقب أهل البيت لحيدر الشّيرواني : ٤٠٧ ، النّزاع ـ


السّفاح بغير أبيه الشّرعي ، كما فعل مع زياد ابن أبيه(١) ، وخذل عثمان ، ثمّ نشر قميصه مطالبا بدمه ، وأعطى عهودا للحسن ، ثمّ نكث وأخلف. ودفن الأحياء تحت التّراب ، فقد دفن زياد ابن أبيه عبد الرّحمن بن حسّان العنزي حيّا بأمر معاوية(٢) ، ودبّر المكايد للتّفرقة بين المرء وزوّجه ، كما فعل مع عبد الله بن سلّام وزوّجته زينب بنت إسحاق(٣) ، وسنّ سبّ الصّلحاء والأولياء على المنابر(٤) ، ووهب مصر لابن العاص ثمنا لغدره وخيانته ، وكذب على الله ورسوله ، وشجع

__________________

ـ والتّخاصم : ٦٠ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ٢ / ٤٥ و : ٩ / ٥٣ و : ١٥ / ١٧٥ ، التّذكرة الحمدونية : ٩ / ١٧١ ح ٣٨٠ ، تأريخ الطّبري : ١١ / ٣٥٧ ولكن بلفظ : «تلقفوها تلقف الكرة». مروج الذّهب : ٦ / ٤٠٧ ، تقوية الإيمان : ١٩٧ ، تأريخ ابن عساكر : ٦ / ٤٠٧.

(١) انظر ، تأريخ الطّبريّ : ٤ / ٢٠٢ و : ١١ / ٣٥٧ ، سير أعلام النّبلاء : ١ / ٢٣٧ ، ومسند أحمد : ٤ / ٤٢١ ، وقعة صفّين : ٢٤٦ ، والمعجم الكبير : ١ / ٤٢٧ ، العقد الفريد : ٤ / ٣٤٥ ، الاسيعاب : ٤١٢ ، واسد الغابة : ٣ / ١٠٦ ، تهذيب ابن عساكر : ٧ / ٢٠٦ ، الإصابة : ٢ / ٢٦٠ ، الطّبقات الكبرى : ٤ / ٢٢٢ ، صفوة الصّفوة : ١ / ٢٣٨ ، سيرة ابن هشام : ٤ / ١٧٩.

(٢) تقدّمت تخريجاته.

(٣) انظر ، القصّة كاملة في الإتحاف بحبّ الأشراف ، الشيخ عبد الله بن محمّد بن عامر الشّبراوي ، بتحقيقنا : ٤٤٦ ، ومعاوية بن أبي سفيان في الميزان ، عبّاس محمود العقاد : ١٥٩ ، شيخ المضيرة أبو هريرة ، الشّيخ محمود أبو ريّه : ٢٣٥ ، الإمامة والسّياسة : ١ / ٢١٧ ، دراسة عن أرينب بنت إسحاق ، عبد الله بن حسون العلي ، مطبعة الزّهراء سنة ١٩٥٠ ه‍ ، وكمامة الزّهر وفريدة الدّهر ، لابن بدرون في شرح قصيدة ابن عبدون طبعت بمصر سنة ١٣٤٠ ه‍.

(٤) قال جاهل متعصب : أنّ الشّيعة كفّار ، لأنّهم يسبّون بعض الصّحابة. ونقول في جوابه : أنّ هذه النّسبة رواية لم تثبت ، ولكن سبّ معاوية عليّا على المنابر ثابت بشهادة التّأريخ ، ومع ذلك لا تقول بكفره ، فإن كان السّب يوجب الكفر فمعاوية كافر ، وإن كان لا يوجب الكفر فالشّيعة مسلمون ، وإن صحّ أنّهم يسبّون ، فإمّا أن تقول بإسلامهما معا وإمّا بكفرهما معا ، والتّفكيك جزهل وتعصب. (منهقدس‌سره ).


على وضع الأحاديث عن الرّسول الأعظم(١) .

في ذات يوم صعد المنبر ، وقال :

«أيّها النّاس أنّ رسول الله قال : أنّك ستلي الخلافة من بعدي ، فاختر الأرض المقدّسة ، فإنّ فيها الأبدال ، وقد اخترتكم ، فالعنوا أبا تراب(٢) ثمّ كتب كتابا ،

__________________

(١) انظر ، الطّبري في تأريخه : ٧ / ١٣ ، الفتوح لابن أعثم : ٥ / ٣٠٠ ، التّنبيه والأشراف : ٦٤ ، مروج الذّهب : ٣ / ٧١ ، طبقات ابن سعد : ٥ / ٢١٥ ، فتح الباري : ١٣ / ٧٠ ، كتاب المحن : ١ / ١٥٥ ، وفاء الوفاء : ١ / ١٣١ ، ينابيع المودّة : ٣ / ٣٥ ، تأريخ الطّبري : ٣ / ٣٥٨ ، الأخبار الطّوال : ٢٦٥ ، فتح الباري : ١٣ / ٧٠ ، تأريخ خليفة بن خيّاط : ١٨٣ ، تأريخ مدينة دمشق : ٥٨ / ١٠٥.

(٢) قال الشّيخ أبو زهرة في كتاب المذاهب الإسلاميّة : ٥١ : «كتبت أمّ سلمة زوّج الرّسول إلى معاوية كتابا تقول له فيه : أنّكم تلعنون الله ورسوله على منابركم ، وذلك أنّكم تلعنون عليّ بن أبي طالب ومن أحبّه وأشهد أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أحبّه».

وفي مسند أحمد ، وصحيح البخاري ، ومسلم أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال يوم خيبر : أنّي دافع الرّاية غدا إلى رجل يحبّ الله ورسوله ، ويحبّه الله ورسوله ، كرّار غير فرّار ، لا يرجع حتّى يفتح الله له ، ثمّ دفعها إلى عليّ. بعد أن كان قد أخذها كل من أبي بكر ، وعمر ورجع ، ولم يفتح له. (منه قدس‌سره).

انظر ، شواهد التّنزيل : ٢ / ٤٥٩ ، فرائد السّمطين : ١ ب ٣١ ح ١١٧ / ١٥٥ طبعة بيروت ، تأريخ دمشق : ٢ / ٣٤٨ و ٤٤٢ و ٤٤٣ ح ٨٥١ الطّبعة الثّانية ح ٩٥٩ ، لسان الميزان : ١ / ١٧٥ ، أنساب الأشراف : ٢ / ١٠٣ و ١١٣ ، أحمد بن حنبل : ح ٧٢ / ٤٦ طبعة قم ، كفاية الطّالب : ب ٦٢ / ٢٤٤ و ٢٤٦ ، كنوز الحقائق : ٨٢ و ٩٢ و ١٣١ ، المناقب للخوارزمي : ٦٢ و ١٨٧ فصل ١٧ ح ١١ فصل ٩ ، نور الأبصار : ٧٠ و ١٠١ ، الصّواعق المحرقة : ٩٦ و ١٦١.

انظر ، مجمع الزّوائد : ٩ / ١٣١ ، و : ٧ / ١٧ ، بشارة المصطفى : ١٦٣ ، تفسير الطّبريّ : ٦ / ١٨٦ ، و : ١٢ / ٦٥٧ ، وذخائر العقبى : ٨٨ و ١٠٢ ، وروح المعاني : ٣٠ / ٢٠٧ طبعة مصر ، وتأريخ بغداد : ٧ / ٤٢١ ، المسترشد في إمامة أمير المؤمنين : ٣٥٤ ، ينابيع المودّة : ٦٢ و ٧٤ و ٢٧٠ طبعة اسلامبول و : ٧١ و ٨٤ و ٣٦١ و ٣٦٢ طبعة الحيدريّة ، و : ١ / ١٩٦ و ٢٢٣ طبعة اسوة ، و : ٢ / ٣٥٧ و ٤٥٢ طبعة اسوة ، تذكرة الخواصّ : ١٨ ، فتح القدير للشّوكاني : ٥ / ٤٧٧ ، إسعاف الرّاغبين بهامش نور الأبصار : ١٧٢ ، جواهر العقدين : ٢ / ٢١٩ ، الصّواعق المحرقة : ١٦١ ب ١١ فصل ١


وقرأ النّاس ، وفيه هذا كتاب أمير المؤمنين معاوية صاحب وحي الله الّذي بعث محمّدا نبيّا ، وكان أميّا لا يقرأ ولا يكتذب فاصطفى له من أهله وزيرا كاتبا أمينا ، فكان الوحي ينزل على محمّد وأنا أكتبه ، وهو لا يعلم ما أكتب ، فلم يكن بيني وبين الله أحد من خلقه»(١) .

وولّى معاوية أبا هريرة على مدينة الرّسول ، لأنّه وضع حديثا كاذبا ، وهو : «أنّ لكلّ نبي حرما ، وأنّ حرمي بالمدينة ما بين عير وثور ، فمن أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين ، وأشهد بالله أنّ عليّا أحدث فيها»(٢) .

__________________

(١) انظر ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ٢ / ٧٢.

(٢) لا نريد التّعليق على هذه الرّواية الّتي يرويها الدّوسي الّذي كان يدلس في الأحاديث ، بل نرجع القارىء الكريم أن يدرس حياة الدّوسي في كتاب شيخ المضيرة أبو هريرة لمحمود أبو ريّة ، والبداية والنّهاية ، وانظر ، شرح النّهج لابن أبي الحديد : ٤ / ٦٧ ، مسند عليّ للسّيوطي : ١ / ١٨٠ ح ٥٦٥ ، كنز العمّال : ١٧ / ١٠٦ و : ١٢ / ٢٤٢ ح ٣٤٨٦٤ ، تأريخ دمشق : ٢٣ / ٢١٨ ، سير أعلام النّبلاء : ٤ / ٣٧٧ ، فتوح البلدان : ١ / ٦ ح ٢٠. تأريخ رواية هذا الإفتراء متأخر عن غزوة بسر للمدينة واستخلافه أبا هريرة بعده! عليّ الّذي قال عنه الرّسول : «يا عليّ ، لا يبغضك مؤمن ، ولا يحبّك منافق». عليّ في منطق أبي هريرة قد أحدث في المدينة ، أمّا معاوية الّذي مات على غير سنة محمّد ـ بشهادة عبد الله بن عمر معاوية هذا صان مدينة الرّسول ، ومنع عنها البدع ، والأحداث بشهادة بسر وخليفته أبي هريرة. انظر ، كنز العمّال : ١١ / ٥٩٨ ح ٣٢٨٧٨ و ٣٣٠٢٨ ، و : ١٣ / ١٧٨ ح ٣٦٢٩ ، الصّواعق المحرقة : ١٢٢ ، كفاية الطّالب : ٦٨ ، شرح الأخبار : ١ / ١٥٢ ح ٨٩ ، سنن ابن ماجه : ١ / ٤٢ ح ١١٤ ، اسد الغابة : ٣ / ٦٠٢ طبعة بيروت ، المصنّف لابن أبي شيبة : ١٢ / ٥٧ ، سنن التّرمذي : ٥ / ٣٠٦ ح ٣٨١٩ ، مجمع الزّوائد : ٩ / ١٣٣ ، فتح الباري : ١ / ٦٠ ، تحفة الأحوذي : ١٠ / ١٦٤ ، السّنن الكبرى : ٥ / ١٣٧ ح ٨٤٨٧ و : ٦ / ٥٣٤ ح ١١٧٤٩ ، الرّياض النّضرة : ٢ / ٢١٤ ، خصائص النّسائي : ١٠٥ ، مسند أبي يعلى : ١ / ٢١٥ ، المعجم الأوسط : ٢ / ٣٣٧ ، و : ٥ / ٨٧ ، مسند ـ


فجاء شاب من أهل الكوفة ، فجلس إلى أبي هريرة وقال له : يا أبا هريرة ، أنشدك الله ، أسمعت رسول الله يقول لعليّ بن أبي طالب : «أللهمّ وال من والاه ، وعاد من عاداه؟ فقال : اللهمّ نعم. فقال الشّاب : أشهد بالله لقد واليت عدوّه ، وعاديت ولّيه»(١) .

وبذل معاوية لسّمرة بن جندب(٢) مئة ألف درهم ليروي عن النّبيّ أنّ هذه

__________________

ـ أحمد : ٦ / ٢٩٢ ح ٢٦٥٥٠ ، سنن النّسائي : ٨ / ١١٦ ، تأريخ دمشق : ٢ / ١٩٠ ، الغارات : ٢ / ٥٢٠ ، مسند الحميدي : ١ / ٣١ ح ٥٨ طبعة المدينة المنوّرة ، مناقب أمير المؤمنين للكوفي : ٢ / ٤٦٩ ح ٩٦٣ ، كشف الخفاء : ٢ / ٣٨٢ ح ٣١٨١ ، شواهد التّنزيل : ١ / ٤٧٧ ح ٥٠٩ ، الفردوس بمأثور الخطاب : ٥ / ٣١٩ ح ٨٣١٣ ، سير أعلام النّبلاء : ١٢ / ٤٣٧ ، تهذيب الكمال : ١٥ / ٢٣٢ ، تأريخ بغداد : ٢ / ٢٩ ، تهذيب الأسماء : ١ / ٨٨ ، فضائل الصّحابة لأحمد بن حنبل : ٢ / ٦١٩ ح ١٠٥٩ و ١١٦٩.

(١) كتاب «أضواء على السّنّة المحمّديّة» للأستاذ محمود أبو ريّة : ١٩١ طبعة (١٩٥٨ م) ، وهذا الكتاب جديد وفريد في بابه ، لا غنى عنه للفقيه والمحدّث ، ولا لأي كان يريد أن يأخذ الدّين من معدنه ، فقد أثبت المؤلّف بالأرقام والبرهان أنّ الصّحاح السّتة الّتي تعتمد السّنّة على أحاديثها لم تتّخذ المقايّيس العلميّة لتميّيز الأحاديث الكاذبة من الصّحيحة ، وأنّ الكثير من رجال الصّحاح لا يجوز الأخذ بحديثهم بخاصّة أبا هريرة الّذي كذّبه عليّ ، وعمر ، وعثمان ، وعائشة ، وأنّي أشعر بالرّغبة الملحة في تلخيصه بفصل مستقل في بعض مؤلّفاتي ، وعسى أن تسنح الفرصة. (منهقدس‌سره ).

(٢) هو سمرة بن جندب بن هلال بن جريح الفزاري ، استعمله ابن زياد على شرطته في البصرة والكوفة ، واستعمله معاوية على ولاية البصرة ثمّ عزله ، فقال : لعن الله معاوية والله لو أطعت الله كما أطعته ما عذبني أبدا ، مات سنة (٥٨ أو ٥٩ ه‍).

انظر ، الإصابة : ٢ / ٧٨ ، اسد الغابة : ٢ / ٣٥٤ ، الجرح والتّعديل : ٤ / ١٥٤ ، شذرات الذّهب : ١ / ٦٥ ، تهذيب التّهذيب : ٤ / ٢٣٦.

وروي عن حماد بن سلمة عن عليّ بن زيد بن خالد ، قال : كنت إذا أتيت أبا هريرة سألني عن سمرة بن جندب ، وإذا أتيت سمرة بن جندب سألني عن أبي هريرة. فقلت : يا أبا هريرة ما أراك تسألني إلّا عن


الآية :( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ ) (١) نزلت في عليّ بن أبي طالب ، وأنّ آية :( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ ) (٢) نزلت في قاتله ابن ملجم ، فلم يقبل

__________________

ـ سمرة ، وأرى سمرة يسألني عنك؟ فقال : إذا والله أخبرك ولا أكتمك ، سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: اخركم موتا في النّار». انظر ، مناقب آل أبي طالب : ١ / ٩٦.

وعن محمّد بن قيس الأسدي ، قال : سمعت الشّعبي يقول : سمعت أبا عمر يقول : قال ، قال عمر بن الخطّاب ، وهو يخطب على المنبر : «لعن الله سمرة بن جندب كان أوّل من اتجر في الخمر في الإسلام ولا يحلّ من البيع إلّا ما يحل أكله».

انظر ، الغارات : ٢ / ٩٤١ ، تأريخ الطّبري : حوادث سنة ٥٣ ، طبعة مصر سنة ١٣٢٦ ه‍ ، أو ص : ١٦٢ ، وابن الأثير حوادث سنة ٥٣ أو ص : ١٨٣ وحوادث سنة ٥٤ ص : ١٩٦ و : ٣ / ١٩٥ ، الإصابة: ٣ / ١٥٠ ، مجمع الزّوائد : ٨ / ٢٩٠ ، جزء أشيب لأبي عليّ الحسن بن موسى الأشيب (شيخ الإمام أحمد ابن حنبل) : ٥٨ ، طبعة دار علوم الحديث ، الإمارات العربية المتحدة ، الطّبعة الأولى سنة ١٤١٠ ه‍.

وعن ابن عدي ، قال قدمت المدينة ، فجلست إلى أبي هريرة ، فقال : ممّن أنت؟ قلت : من أهل البصرة ، قال : ما فعل سمرة بن جندب؟ قلت : هو حيّ ، قال : ما أحد أحبّ إليّ طول حياة منه ، قلت : ولم ذاك؟ قال : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال ليّ ، وله ، ولحذيفة بن اليمان : آخركم موتا في النّار».

انظر ، المعرفة والتّأريخ : ٣ / ٣٥٦.

وعن أبي النّضرة عن أبي هريرة : أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لعشرة من أصحابه : آخركم موتا في النّار ، فيهم سمرة بن جندب ، قال أبو النّضرة ، فكان سمرة بن جندب آخرهم موتا. والخلاصة سمرة بن جندب باع دينه بدنياه وآثر العاجلة على الآخرة إذ ارتكب الكذب والبهتان.

انظر ، المعجم الأوسط : ٦ / ٢٠٨ و : ٧ / ١٧٧ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ٤ / ٧٨ ، التّأريخ الصّغير : ١ / ١٣٣ ، تهذيب الكمال : ١٢ / ١٣٣ ، و : ٣٤ / ٢٥٧ ، سير أعلام النّبلاء : ٣ / ١٨٤ ، تهذيب التّهذيب : ٤ / ٢٠٧ و : ١٢ / ٢٠٠ ، البداية والنّهاية : ٦ / ٢٥٣ ، البيهقيّ في الدّلائل : ٦ / ٤٥٩ ، الشّفا بتعريف حقوق المصطفى : ١ / ٣٣٩.

(١) البقرة : ٢٠٤.

(٢) البقرة : ٢٠٧.


سمرة بالمئة ألف ، فبذل له مئتي ألف ، فلم يقبل ، فبذل ثلاثمئة ألف فلم يزقبل ، فبذل له أربعمئة ألف فقبل ، وروى كذبا وافتراء(١) !

عليّ الّذي قال له الرّسول : «يا عليّ ، لا يبغضك مؤمن ، ولا يحبّك منافق»(٢) .

__________________

(١) لا نريد التّعليق على هذا الكلام مرّة ثانية ، والّتي أطبق المؤرّخون على أنّها نزلت في عليّعليه‌السلام ، وسبق وأن دللنا على ذلك بالمصادر الّتي ذكرناها سابقا ، كالطّبري : / ١٢٢ و ٦١٦٤ ، شواهد التّنزيل للحاكم الحسكاني : ١ / ١٢٣ ح ١٣٣ وما بعده ، والثّعلبي في الكشف والبيان : ١ / ١١٧ ، والرّازي في تفسيره : ٢ / ١٥٢ ، وغيرهم كثير.

فلاحظ بعض مخازي سمرة في ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة : ١ / ٧٨٩ طبعة الحديثه ببيروت ، والشّرح المختار المذكور : ٧٩٢ ، فإذا كانت المقارنة من هذا الباب فلا عتب ، ولا استدلال. انظر ، المناقب لابن شهر آشوب : ٢ / ٥٨ ، المسترشد في إمامة أمير المؤمنين : ٤٣٣ ، الخصائص لابن البطريق : ٩٨ ، كشف اليقين : ٩٠ ، بحار الأنوار : ٣٨ / ٢٨٩ ، و : ٣٦ / ٤٨ و ٤٩ ، إعلام الورى : ١٩١ ، الطّرائف : ٣٣ ، العمدة : ٣٤٠ ، دلائل الصّدق : ٢ / ٥٣٨ ، الشّافي للسّيّد المرتضى : ٤ / ٢٥ ، الغدير : ٢ / ٤٨ ، تذكرة الخواصّ لسّبط ابن الجوزي : ٤٠ ، تأريخ اليعقوبي : ٢ / ٣٣ ، الطّرائف لابن طاووس : ٤٠٧ ، اختيار معرفة الرّجال : ١ / ١٣٠ ، كفاية الطّالب : ١١٥ ينابيع المودّة : ١٠٥.

(٢) انظر ، كنز العمّال : ١١ / ٥٩٨ ح ٣٢٨٧٨ و ٣٣٠٢٨ ، و : ١٣ / ١٧٨ ح ٣٦٢٩ ، الصّواعق المحرقة: ١٢٢ ، كفاية الطّالب : ٦٨ ، شرح الأخبار : ١ / ١٥٢ ح ٨٩ ، سنن ابن ماجه : ١ / ٤٢ ح ١١٤ ، اسد الغابة : ٣ / ٦٠٢ طبعة بيروت ، المصنّف لابن أبي شيبة : ١٢ / ٥٧ ، سنن التّرمذي : ٥ / ٣٠٦ ح ٣٨١٩ ، مجمع الزّوائد : ٩ / ١٣٣ ، فتح الباري : ١ / ٦٠ ، تحفة الأحوذي : ١٠ / ١٦٤ ، السّنن الكبرى : ٥ / ١٣٧ ح ٨٤٨٧ و : ٦ / ٥٣٤ ح ١١٧٤٩ ، الرّياض النّضرة : ٢ / ٢١٤ ، خصائص النّسائي : ١٠٥ ، مسند أبي يعلى : ١ / ٢١٥ ، المعجم الأوسط : ٢ / ٣٣٧ ، و : ٥ / ٨٧ ، مسند أحمد : ٦ / ٢٩٢ ح ٢٦٥٥٠ ، سنن النّسائي : ٨ / ١١٦ ، تأريخ دمشق : ٢ / ١٩٠ ، الغارات : ٢ / ٥٢٠ ، مسند الحميدي : ١ / ٣١ ح ٥٨ طبعة المدينة المنوّرة ، مناقب أمير المؤمنين للكوفي : ٢ / ٤٦٩ ح ٩٦٣ ، كشف الخفاء : ٢ / ٣٨٢ ح ٣١٨١ ، شواهد التّنزيل : ١ / ٤٧٧ ح ٥٠٩ ، الفردوس بمأثور الخطاب : ٥ / ٣١٩ ح ٨٣١٣ ، سير أعلام النّبلاء : ١٢ / ٤٣٧ ، تهذيب الكمال : ١٥ / ٢٣٢ ، تأريخ بغداد : ٢ / ٢٩ ، تهذيب الأسماء : ١ / ٨٨ ، فضائل الصّحابة لأحمد بن حنبل : ٢ / ٦١٩ ح ١٠٥٩ و ١١٦٩.


وقال : «عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ»(١) ، وقال يوم خيبر : «سأعطي الرّاية إلى رجل يحبّ الله ورسوله ، ويحبّه الله ورسوله ، كرّار غير فرّار ، ثمّ أعطاها لعليّ»(٢) . عليّ هذا خصم لله ، وابن ملجم من الّذين اشتروا أنفسهم ابتغاء مرضاة الله!

وليس بعجب ولا غريب أن يفتري معاوية وسمرة الكذب على الله ، فالأوّل عدوّ الدّين ، والثّاني باع دينه للشّيطان ، ولكن العجب من الّذين يقدّسون معاوية وسمرة ، ويؤمنون بعد التهما لا لشيء إلّا لصحبتهما. فقد قرّر الكثير من شيوخ السّنّة في كتب الحديث والأصول أنّ جميع الصّحابة عدول لا يجوز نقدهم ولا تجريهم «واعتبروهم جميعا معصومين من الخطأ والسّهو والنّسيان»(٣) .

معاوية معصوم عن الخطأ حتّى ولو تعمد الكذب على الله والرّسول ، وسمرة عادل ، وإن باع دينه للشّيطان ، أمّا عليّ ، والحسن ، والحسين فغير معصومين ،

__________________

(١) هكذا روي الحديث : «الحقّ مع عليّ ، وعليّ مع الحقّ لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض».

انظر ، صحيح التّرمذي : ٥ / ٢٩٧ ح ٣٧٩٨ و : ١٢ / ١٢٦ ، وجامع التّرمذي : ٢ / ٢١٣ ، التّفسير الكبير للفخر الرّازي : ١ / ٢٠٥ ، فيض القدير : ٦ / ٣٥٦ ، مجمع الزّوائد : ٧ / ٢٣٥ و : ٩ / ١٣٤ ، تأريخ بغداد : ١٤ / ٣٢١ ، الإمامة والسّياسة : ١ / ٧٨ ، شرح الأخبار للقاضي النّعمان المغربي : ٢ / ٦٠ ، ربيع الأبرار للزّمخشري : ١ / ٨٢٨ ، فرائد السّمطين : ١ / ١٧٧ ح ١٣٨ ، المناقب لابن المغازلي : ١١٧ و ٢٤٤ ، والمستدرك : ٣ / ١٩ و ١٢٤ ، العقد الفريد : ٣ / ١٠٨ الطّبعة الثّالثة ، تأريخ ابن عساكر ترجمة الإمام عليّ : ٣ / ١١٩ ح ١١٦٢ و : ٤٢ / ٤٤٩ ، كنز العمّال : ١١ / ٦٠٣ ح ٣٢٩١٢ ، أنساب الأشراف : ٢ / ٢٨١ الطّبعة الأولى ، فضل آل البيت للمقريزي : ٦٠ ، جواهر المطالب في مناقب الإمام عليّ لابن دمشق : ١ / ٣٤٣ ، الملل والنّحل : ١ / ١٠٣.

(٢) تقدّمت تخريجاته.

(٣) انظر ، كتاب «الأضواء على السّنّة المحمّديّة» : ٣٢٢. (منهقدس‌سره ).


وإن كانوا أهل بيت الرّسول ، بل ولو ضحّوا في سبيل الإسلام بالأرواح ، والعيال ، والأطفال! لقد أنكر بعض الكتّاب على الشّيعة قولهم بعصمة من زكّاهم القرآن ، وطهّرهم من الرّجس ، ولم ينكر على بعض السّنّة القول بعدالة الصّحابة الّذين هم على شاكلة معاوية وسمرة!

معاوية عادل ، لأنّه بذل الأموال ، والمناصب لوضع الأحاديث في القدح بأخي الرّسول في الدّنيا والآخرة! ومعاوية مؤمن ، لأنّه شجّع الإفتراء على الله ، وأمر بوضع أحاديث في فضائله مثل «كتب معاوية آية الكرسي بقلم من ذهب جاء به جبرائيل هديّة له من فوق العرش»(١) . وهذا الحديث المفترى هو المصدر الوحيد لكتابة معاوية للوحي(٢) .

سئل النّسائي وهو في دمشق عن فضائل معاوية. فقال : ألا يرضى معاوية رأسا برأس ، حتّى يفضّل(٣) ؟!».

وإذا وجد في الصّحابة مثل سمرة بن جندب ، وأبي هريرة ، وابن العاصّ يقبضون ، ويكذبون فإنّ فيهم من يناصر الحقّ ، ولا تستهويه الأموال ، والمناصب فلقد وقف جماعة لمعاوية وجابهوه بالحقيقة ، وصارحوه بمثالبه ومروقه من

__________________

(١) انظر ، سير أعلام النّبلاء : ٣ / ١٢٩ ، شرح الأخبار : ٢ / ١١١ هامش رقم «٤».

(٢) انظر ، كتاب الأضواء على السّنّة المحمّديّة : ٨١١ ، والنّصائح الكافية لمن يتولّى معاوية : ١٧٢ طبعة (١٩٤٨ م). (منهقدس‌سره ). انظر ، تلخيص الحبير : ٤ / ١٨٨ ، الإكمال لابن ماكولا : ١ / ٥٢٦.

(٣) ذهب النّسائي إلى دمشق ، وهو أحد أصحاب الصّحاح السّتة عند السّنّة ، فقيل له : حدثنا عن فضائل معاوية ، فقال : أما يرضى معاوية رأسا برأس ، حتّى يفضل؟! وقال : لا أعرف له فضيلة إلّا لا أشبع الله بطنه ، فداسوه بالأرجل ، ومات بسبب ذلك. انظر ، العبر : ٣ / ٢٨ ، البداية والنّهاية : ١١ / ٣١٧ ، وفيّات الأعيان : ١ / ٥٩ ، أنساب الأشراف : ١ / ٥٣٢ ، صحيح مسلم : ٨ / ٢٧ ، شرح النّهج لابن أبي الحديد : ١ / ٣٦٥ ، مسند الطّيالسي : ح ٢٧٤٦ ، شيخ المضيرة أبو هريرة لمحمود أبو ريّة : ٢٠٤.


الدّين ؛ وأقوالهم مثبتة في كتب السّير والتّأريخ ، لو جمعت لجاءت في مجلّد ضخم ، وإليك بعضها :

كتب معاوية إلى سعد بن وقّاص يستحثه على الطّلب بدم عثمان فردّ عليه سعد : «أنّ عليّا أحقّ بالخلافة من غيره ، لأنّه شارك غيره في محاسنه ، ولم يشاركه أحد في محاسنه»(١) . وكتب قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري إلى معاوية جوابا له عن كتابه : «أمّا بعد فأنت وثن ابن وثن دخلت في الإسلام كرها ، وخرجت منه طوعا»(٢) .

وقالت له أروى بنت الحارث بن عبد المطّلب : «لقد كفرت النّعمة ، وتسميّت بغير اسمك ، وأخذت غير حقّك بلا بلاء كان منك ولا من أبيك بعد أن كفرتم بما جاء به محمّد ، فأتعس الله منكم الجدود ، وأضرع منكم الخدود حتّى ردّ الله الحقّ إلى أهله ، وكانت كلمة الله هي العليا ، ونبيّنا هو المنصور على كلّ من ناواه ، ولو كره المشركون ، فكنّا أهل البيت أعظم النّاس في هذا الدّين بلاء ، وعن أهله غناء وقدرا حتّى قبض الله نبيّه مغفورا ذنبه مرفوعة منزلته ، شريفا عند الله مرضيّا ، فوثب علينا بعده تيم وعدي ، وبنو اميّة ، فأنت منهم تهدي بهداهم ، وتقصد بقصدهم ، فصرنا فيكم بحمد الله أهل البيت بمنزلة قوم موسى وآل فرعون يذبّحون أبنآءهم ويستحيون نسآءهم ، وصار سيّدنا فيكم بعد نبيّنا بمنزلة هرون

__________________

(١) انظر ، الإمامة والسّياسة : ١ / ١٤٤ ، فتح الباري : ١٣ / ٥٧ ، قريب منه.

(٢) انظر ، مقاتل الطّالبيّين : ٤٣ ، الكامل للمبرد : ١ / ٣٠٩ ، البيان والتّبيّين : ٢ / ٦٨ ، تأريخ اليعقوبي : ٢ / ١٦٣ ، عيون الأخبار لابن قتيبة : ٢ / ٢١٣ ، مروج الذّهب : ٢ / ٦٢ ، شيخ المضيرة أبو هريرة لمحمود أبو ريّة : ٩٤ ، مقتل الخوارزمي : ٢٥٨ ، جواهر المطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب لابن الدّمشقي : ٢ / ٣٦ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ١٦ / ٤٣.


من موسى ، حيث يقول :( ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) (١) ، فلم يجتمع بعد رسول الله شمل ، ولم يسهل وعث ، وغايتنا الجنّة ، وغايتكم النّار»(٢) .

__________________

(١) الأعراف : ١٥٠.

(٢) انظر ، العقد الفريد : ١ / ٤٥٧ ، بلاغات النّساء : ٢٧ ، محادثات النّساء : ٨٣ ، جواهر المطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب لابن الدّمشقي : ٢ / ٢٤٩ ، النّصائح الكافية لمن يتولى معاوية : ٣٦ ، مناقب آل أبي طالب : ٢ / ٣٥٠.



عقيل ومعاوية

كان لأبي طالب ـ واسمه عبد مناف(١) ـ ستة أولاد : أربعة ذكور وابنتان ، طالب ، وعقيل ، وجعفر ، وعليّ ، وأمّ هاني ، وجمانة وأمّهم جميعا فاطمة بنت أسد ، وطالب أسنّ من عقيل بعشر سنين ، وعقيل أسنّ من جعفر بعشر سنين ، وجعفر أسنّ من عليّ بعشر سنين(٢) .

وليس فيما لدي من المصادر ذكر لجمانة سوى أنّها أختّ الإمام عليّ ، وأمّا أمّ هاني ، واسمها فاخته فقد أسلمت ، وتزوّجها هبيرة بن أبي لهب بن عمرو ،

__________________

(١) ويلقّب بأبي البطحاء لأنّهم استقوا به سقيا فكنّوه بذلك ، وهو شيبة بن هاشم ، وهو عمرو بن عبد مناف. انظر ، ذخائر العقبى ، الطّبري : ١٧١ ، المعارف لابن قتيبة تحقّيق ثروة عكاشة : ١ / ١١٧ ، البداية والنّهاية : ٤ / ٢٥٥ ، تهذيب التّهذيب : ٢ / ٩٨ ، اسد الغابة : ١ / ٢٨٦ ، الإصابة : ١ / ٢٤٨ ، طبقات ابن سعد: ٤ / ٢٨ ، شرح النّهج لابن أبي الحديد : ٣ / ٤٠٧ ، صفوة الصّفوة : ١ / ٢٠٨ ، الإستيعاب : ١ / ٨١ ، حلية الأولياء : ١ / ١١٤ ، معجم ما استعجم للبكري : ١ / ٧٧ ، صبح الأعشى للقلقشندي : ١ / ٣٥٥.

(٢) انظر ، سيرة النّبيّ لابن هشام : ٤ / ١٠٧٦ ، سنن ابن ماجه : ١ / ٥٢١ ، عون المعبود : ٦ / ٢٢ ، مسند ابن راهويه : ٣ / ٧٣٩ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ١٣ / ٣٩ ، الجامع الصّغير : ٢ / ٥٠٥ ح ٧٩٧٧ ، كنز العمّال : ٧ / ٢٢٩ ح ١٨٧٤٥ ، فيض القدير شرح الجامع الصّغير : ٥ / ٥٩٣ ، المعارف : ٢٠٣ ، ينابيع المودّة : ١ / ٤٦٧ هامش ٨ ، الفصول المهمّة في معرفة الأئمة لابن الصّباغ المالكي : ١ / ١٧٣ ، بتحقّيقنا ، اسد الغابة لابن الأثير : ١ / ٣٤١ طبعة مصر ، السّيرة لابن إسحاق : ٢٢٦ ، صحيح البخاري : ٥ / ٢٤.


وولدت له أولادا(١) ، ومات وهو مشرك ، وعن ابن عبّاس أنّ النّبيّ دخل يوم الفتح على أمّ هاني ، وكان جائعا ، فقالت : يا رسول الله أنّ أصهارا لي قد لجؤا إليّ ، وأنّ أخي عليّا لا تأخذه في الله لومة لائم ، وأخاف أن يعلم بهم ، فيقتلهم ، فجعل من دخل دار أمّ هاني آمنا.

فقال رسول الله : «أجرنا من أجارت أمّ هاني»(٢) .

ثمّ قال لها : هل عندك من شيء نأكله؟.

فقالت : ليس عندي إلّا كسر يابسة ، واستحي أقدّمها لك.

قال : هلمي بهنّ ؛ ولمّا أتته بكسر الخبز ، وضعهنّ بالماء والملح

وقال لها : هل من إدام؟

قالت : ما عندي إلّا شيء من خلّ ، فصبّه النّبيّ على طعامه. وأكل منه ، ثمّ حمد الله ، وقال : نعم الإدام الخلّ ، يا أمّ هاني ، لا يفتقر بيت فيه خلّ(٣) .

واسلم جعفر قبل هجرة الرّسول إلى المدينة ، وهاجر مع جماعة من المسلمين إلى الحبشة ، وكان النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله شديد الحبّ له ، فقد قال له يوما :

__________________

(١) انظر ، كتاب العقد الفريد : ٥ / ٣١٣ طبعة ١٩٥٣ م ، و : ٥ / ٨٧.

(٢) انظر ، المستدرك على الصّحيحين : ٤ / ٥٩ ح ٦٨٧٥ ، مجمع الزّوائد : ٦ / ١٧٦ ، سنن ابن ماجه : ٢ / ١١٠٢ ح ٣٣١٨ ، المعجم الأوسط : ٧ / ٨٧ ح ٦٩٣٤ ، المعجم الكبير : ٢٤ / ٤١٨ ح ١٠١٨ و ١٠٥٥ ، شعب الإيمان : ٥ / ١٠١ ح ٥٩٤٤ ، فيض القدير : ٥ / ٤٢٤ ، حلية الألياء لأبي نعيم : ٨ / ٣١٣ ، نصب الرّاية : ٤ / ٣١ ، الطّبقات الكبرى لابن سعد : ٨ / ٣٣.

(٣) أراد النّبيّ أن يهوّن على ابنة عمّه ، كي لا يدخل في روعها أنّها قصّرت بحقّه ، وأن يعطي درسا عامّا لجميع النّاس بأنّ كلّ ما تيسّر من الطّعام فهو خير خلّا كان أو غيره ، وإنّما ذكر الخلّ بالخصوص ؛ لأنّه الميسور في ساعته تلك ، وغير بعيد أنّه لو لم يوجد عند أمّ هاني إلّا الملح لقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «نعم الأدام الملح». (منه قدس‌سره). انظر ، المصادر السّابقة.


«أشبهت خلقي وخلقي»(١) ، وصادف قدوم جعفر من الحبشة يوم فزتح خيبر ، فتلقاه النّبيّ ، وقبّله بين عينيه ، وقال : «ما أدري بأيّهما أنا أشدّ فرحا بقدوم جعفر أو بفتح خيبر»(٢) . وقال له : حدّثني ببعض عجائب الحبشة.

فقال : نعم ، بأبي أنت وأمّي يا رسول الله ، بينا أنا سائر في بعض طرقات الحبشة إذا بعجوز على رأسها مكتل ، فأقبل شاب يركض على فرس له ، فألقاه على وجهها ، وألقى المكتل على رأسها ، فاسترجعت قائمة ، واتبعته النّظر ، وهي تقول : الويل لك غدا إذا جلس الملك على كرسيه ، فاقتص للمظلوم من الظّالم. ، فجرت دموع رسول الله على لحيته مثل الجمان ، ثمّ قال : لا قدّس الله أمّة لا تأخذ للمظلوم حقّه من الظّالم(٣) .

وكان جعفر خير النّاس للمساكين ، يطعمهم ويكسوهم ، ويجلس إليهم يحدّثهم ويحدثونه ، حتّى كنّاه رسول الله أبا المساكين ، وكان النّاس يعرفونه

__________________

(١) انظر ، صحيح البخاري : ٢ / ٩٦٠ ح ٢٥٥٢ و : ٣ / ١٣٥٩ ح ٣٥٠٤ و : ٤ / ١٥٥١ ح ٤٠٠٥ ، صحيح ابن حبّان : ١١ / ٢٢٩ ح ٤٨٧٣ و : ١٥ / ٥٢٠ ح ٧٠٤٦ ، المستدرك على الصّحيحين : ٣ / ١٣٠ ح ٤٦١٤ ، سنن التّرمذي : ٥ / ٦٥٤ ح ٣٧٦٥ ، مجمع الزّوائد : ٤ / ٣٢٤ و : ٩ / ٢٧٢ ، سنن البيهقي الكبرى : ٨ / ٥ ح ١٥٥٤٦ ، مسند أحمد : ١ / ٩٨ ح ٧٧٠.

(٢) انظر ، المصنّف لابن أبي شيبة : ٦ / ٢٨١ ح ٣٢٢٦ ، الآحاد والمثاني : ١ / ٢٧٦ ح ٣٦٣ ، المعجم الكبير : ٢ / ١٠٨ ح ١٤٦٩ ، شعب الإيمان : ٦ / ٤٧٧ ح ٦٩٦٨ ، فتح الباري : ١١ / ٥٢ ، تفسير القرطبي : ١٥ / ٢١٥ ، تفسير ابن كثير : ٣ / ٤٦٨ ، الطّبقات الكبرى : ٣ / ١٠٨ و : ٤ / ٣٥.

(٣) انظر ، الطّبقات الكبرى : ٣ / ١٠٨ و : ٤ / ٣٥ ، المعجم الأوسط : ٦ / ٣٣٥ ح ٦٠٠٩ و : ٥ / ٢٥٣ ح ٥٢٣٤ ، معجم الشّيوخ : ١ / ١٧١ و : ٦ / ٨١ ح ٧٥٤٩ ، السّنّة لابن عاصم : ١ / ٢٥٧ ح ٥٨٢ ، البيان والتّعريف : ٢ / ١٥٠ ، فيض القدير : ٥ / ٥٩.


وينادونه بهذره الكنية(١) ، وقتل جعفر في غزاة مؤتة بالبلقاء سنة ثمان من الهجرة ، وثبت عن النّبيّ بطريق السّنّة والشّيعة أنّه قال : «رأيت جعفرا يطير بجناحين في الجنّة مع الملائكة»(٢) .

وتزوّج جعفر أسماء بنت عميس ، وكانت معه في الحبشة ، وولدت له هناك

__________________

(١) انظر ، سنن التّرمذي : ٥ / ٦٥٥ ح ٣٧٦٧ ، سنن ابن ماجه : ٢ / ١٣٨١ ح ٤١٢٥ ، الآحاد والمثاني : ١ / ٢٧٧ ح ٣٦٥ ، شعب الإيمان : ٧ / ٤٣٧ ح ١٠٨٨٢ ، فتح الباري : ٩ / ٥٥٨ ، حلية الأولياء : ١ / ١١٧ ، سير أعلام النّبلاء : ١ / ٢١٧ ، تهذيب الكمال : ٥ / ٥٧ ، صفوة الصّفوة : ١ / ٥١٨ ، الإصابة: ١ / ٤٨٦.

(٢) جعفر بن أبي طالب (عبد مناف) بن عبد المطّلب بن هاشم (ت ٨ ه‍) صحابي هاشمي من شجعانهم ، يقال له جعفر الطّيّار ، وهو أخو أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام وكان أسنّ من الإمام عليّعليه‌السلام بعشر سنين ، وهو من السّابقين إلى الإسلام. هاجر إلى الحبشة في الهجرة الثّانية ، فلم يزل هناك إلى أن هاجر النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى المدينة. فقدم عليه جعفر وهو بخيبر سنة (٧ ه‍).

انظر ، تهذيب الكمال : ١٤ / ٣٦٩ ، الاستيعاب : ١ / ٢٤٢ ، الطّبقات الكبرى : ٤ / ٣٩ ، الإصابة : ١ / ٤٨٧ ، تهذيب الأسماء : ١ / ١٥٥ ، تلخيص الحبير : ٣ / ٢١٤ ح ١٦٠٧ ، خلاصة البدر المنير : ٢ / ٢٢٣ ح ٢٠٦٩ ، التّرغيب والتّرهيب : ٢ / ٢٠٦ ح ٢١١٧ ، مجمع الزّوائد : ٩ / ٢٧٣ ، المعجم الكبير : ٢ / ١٠٧ ح ١٤٦٧ و : ١١ / ٣٦٢ ح ١٢٠٢٠.

وفي صحيح البخاريّ : ٣ / ١٣٦٠ ح ٣٥٠٦ و : ٤ / ١٥٥٥ ح ٤٠١٦ ، أنّ ابن عمر كان إذا سلّم على ابن جعفر قال : السّلام عليك يا ابن ذي الجناحين) ، المستدرك على الصّحيحين : ٣ / ٤٤ ح ٤٣٥٢ ، السّنن الكبرى : ٥ / ٤٧ ح ٨١٥٧ ، المعجم الكبير : ٢ / ١٠٩ ح ١٤٧٤ و : ١٢ / ٢٦٣ ح ١٣٠٥٥ ، فتح الباري : ٧ / ٧٦ ح ٣٥٠٦ و : ١٠ / ١٨٣ ، سير أعلام النّبلاء : ١ / ٢١٥ ، تهذيب الكمال : ٢ / ٨٣ ح ١٤٦ و : ٥ / ٥٥ ، الإصابة : ١ / ٤٨٧ ، خلاصة البدر المنير : ٢ / ٢٢٣ ح ٢٠٦٩ ، فضائل الصّحابة لأحمد بن حنبل : ٢ / ٨٨٨ ح ١٦٨٤ ، فضائل الصّحابة للنّسائي : ١ / ١٨ ح ٥٥.

وفي الحديث المرفوع أنّ النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، بكى لمّا قتل جعفر بن أبي طالب عليه‌السلام في مؤته ، قال : «المرء كثير بأخيه». انظر ، مسند الشّهاب : ١ / ١٤١ ح ١٨٦ ، الفردوس بمأثور الخطاب : ٤ / ٢٠٥ ح ٦٦٢٥ ، فيض القدير : ٢ / ٣٩٩ ، تهذيب الكمال : ١٤ / ٣٦٩ ، كشف الخفاء : ٢ / ٢٦٤ ح ٢٢٨٢ و ٢٧٩١.


عبد الله ، ومحمّدا ، وعونا(١) ، ولمّا قتل عنها تزوّجها أبو بكر ، فولدت له محمّدا(٢) ، ولمّا توفّي أبو بكر تزوّجها أمير المؤمنين عليّ ، فولدت له يحيى ، وتوفّي في حياة أبيه ، ولا عقب له(٣) .

وأمّ أسماء بنت عميس هي هند بنت عوف بن الحارث الجرشي من جرش اليمن ، وكان لهند هذه أربع بنات :

١ ـ أسماء تزوّجها جعفر ، وأبو بكر ، وعليّ.

٢ ـ ميمونة تزوّجها رسول الله ، وهي آخر امرأة تزوّجها.

٣ ـ أمّ الفضل لبانة تزوّجها العبّاس بن عبد المطّلب ، وهي أمّ ولده عبد الله ، وعبيد الله ، والفضل ، ومعبد ، وقثم.

٤ ـ سلمى تزوّجها الحمزة بن عبد المطّلب(٤) .

__________________

(١) انظر ، ترجمة هؤلاء في جوامع السّيرة : ٢٨٢ ، والمعارف : ٢٠٥ ، اسد الغابة لابن الأثير : ١ / ٣٤١ طبعة مصر ، السّيرة لابن إسحاق : ٢٢٦ ، صحيح البخاريّ : ٥ / ٢٤.

(٢) انظر ، تذكرة خواصّ الأمّة : ١١٤ طبعة النّجف ، التّمهيد والبيان : ٢٠٩ ، الأغاني : ٢١ / ٩ ، الإشتقاق :٣٧١ ، الطّبريّ ، وابن الأثير ، وابن كثير في ذكر حوادث سنة (٣٦ ه‍) ، الإصابة حرف الميم : ٣ ق ٢ / ٤٥١ ، الاستيعاب : ٣ / ٣٢٨ ، الفتوح لابن أعثم : ١ / ٤٧٢ ، الإمامة والسّياسة : ١ / ٥٥ وما بعدها ، تهذيب الكمال : ٢٤ / ٥٤١ رقم ٥٠٩٧ ، شرح النّهج لابن أبي الحديد : ١ / ٢٦٤ و : ٣ / ١٩٠ ، شرح النّهج لمحمّد عبده : ١ / ١١٧.

(٣) انظر ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ١٦ / ١٤٢ ، مقاتل الطّالبيين : ١١ ، شرح معاني الآثار : ١ / ٤٨ ، لسان الميزان : ٧ / ٥٢٢ ، تقريب التّهذيب : ٢ / ٦٢٩ ، أنساب الأشراف : ٣٩٢ ، سبل الهدى والرّشاد : ٢ / ٥٢ ، تحفة الأحوذي : ٧ / ١٢٠ و : ٨ / ٥٢.

(٤) انظر ، اسد الغابة : ٧ / ١٥٧ و ٢٠٢ ، المعارف : ١٢٣ و ١٣٧ ، السّيرة لابن هشام : ٤ / ٢٨٣ ، الإصابة : ٧ / ٢٠٩ و : ٨ / ١٥٧ ، الإستيعاب : ٤ / ١٨١٣ ، الطّبقات الكبرى : ٨ / ٨٣ و ١١٢ و ٢٣٣ ، صحيح ـ


فأحماء هذه الجرشية رسول الله ، وأمير المؤمنين ، والحمزة ، وجعفر ، والعبّاس ، وأبو بكر ، وقيل : من أحمائها الوليد بن المغيرة ، وأنّ أمّ خالد بن الوليد ابنة هذه الجرشية ، ولذا اشتهر أنّ الجرشية أكرم النّاس أحماء(١) .

أمّا عقيل ، ويكنى أبا يزيد فقد أخرجه المشركون يوم بدر لحرب الرّسول مكرها ، فأسره مع عمّه العبّاس رجل من الأنصار يدعى أبا بشر(٢) ، ورآه أخوه

__________________

ـ مسلم : كتاب الرّضاع : ١٠٦٥ ح ٤٩ ، صحيح البخاري : تفسير سورة الأحزاب : ٣ / ١١٨ وكتاب النّكاح : ٣ / ١٦٤ و ١٦٥ ، البداية والنّهاية : ٦ / ٣٩٠ ، جواهر المطالب في مناقب الإمام عليّ : ٢ / ١٢٢ ، تأريخ الطّبري : ٦ / ٢١ ، نسب قريش : ٤٠ ، جمهرة أنساب العرب : ٣٣ ، مجمع الزّوائد : ٩ / ١٨٠ ، كنز العمّال : ٧ / ١٠٥ ، ميزان الإعتدال : ١ / ٩٧ ، سنن ابن ماجه : ٢٨٩ ، مستدرك الصّحيحين : ٣ / ١٧٦.

(١) انظر ، مقاتل الطّالبيّين : ١١ ، تهذيب الكمال : ٣٥ / ١٢٧.

(٢) انظر ، صحيح مسلم : ٣ / ١٤٠٨ ح ٨٦ ، سنن أبي داود : ٣ / ١٦٣ ح ٣٠١٢.

أمّا تشكيك الطّبري في : ٤ / ٢٢٦ من حضور العبّاس غزوة بدر فهو تشكيك في غير محله ولسنا بصدد مناقشة الطّبري وأمثاله حتّى أنّ ابن قتيبة في معارفه : ١٥٤ أوّل ما ذكر العبّاس بن عبد المطّلب ، وكذلك في سيرة ابن هشام : ٢٢ / ٣٢١ بل نورد الأحاديث الّتي وردت من قبلهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالنّهي عن قتل العبّاس خاصّة ، وقتل بني هاشم عامّة. وكذلك نهى عن قتل أبي البختري بن هشام بن الحارث بن أسد ، مع ملاحظة أنّ نهيهصلى‌الله‌عليه‌وآله عن قتل بني هاشم عامّة ونهيه عن قتل عمّه خاصّة تأكيد وتشديد ومبالغة لما عنده من العلم بأنّهم اخرجوا كرها ولم يؤذوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وكان يأمل توفيقهم وهدايتهم إلى الله تعالى ورسوله ومع ذلك فقد أبى ابن البختري عندما قال له المجذر بن زياد البلوي حليف الأنصار أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله نهانا عن قتلك ، فقال ابن البختري : أنا وصاحبي ـ جنادة بن مليحة من بني ليث؟ قال له : لا والله ما نحن بتاركي صاحبك وما أمرنا رسول الله إلّا بك وحدك فاختار القتال وقتله المجذر.

ومن أراد الإطّلاع على ذلك فليراجع المصادر مثل الكامل في التّأريخ : ٢ / ٨٩ ، والطّبري في تأريخه : ٢ / ٢٨٢ ، والصّحيح من سيرة النّبيّ الأعظم : ٣ / ١٧٢ ، والسّيرة النّبويّة لابن هشام : ـ


__________________

ـ ٢ / ٢٨١ ، والسّيرة الحلبية : ٢ / ١٦٨ ، وشرح النّهج لابن أبي الحديد : ١٤ / ١٣٣ و ١٨٣ ، والبداية والنّهاية : ٣ / ٢٨٤ ، ومجمع البيان : ٤ / ٥٥٩ ، وغيرها.

أمّا أنّ العبّاس قد اسر فلا شكّ ولا ريب في ذلك ، وقد نصّ عليه كلّ من أرّخ وقعة بدر من أهل السّير والأخبار ، وهوصلى‌الله‌عليه‌وآله الّذي قال : سمعت تضوّر عمّي العبّاس في وثاقه فمنعني النّوم ، فقاموا إليه فأطلقوه فنام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

انظر ، ابن الأثير في الكامل : ٢ / ٨٩ ، وشرح النّهج لابن أبي الحديد : ١٤ / ١٨٢ ، وكنز العمّال : ٥ / ٢٧٢ ح ٥٣٩١ ، والصّحيح من سيرة النّبيّ الأعظم : ٣ / ٥٢٠ ، والبداية والنّهاية : ٣ / ٢٨٥ ، وصحيح مسلم : ٦ / ١٥٧ ، شواهد التّنزيل : ١ / ٥١١ ح ٥٤١ ، الماوردي : ٢ / ٤٦.

وذكره أيضا ابن قتيبة في المعارف : ١٥٥ ، قال العبّاس : يا رسول الله إنّ هذا والله أسرني بعد ما أسرني رجل أجلح من أحسن النّاس وجها ، على فرس أبلق ما أراه فى القوم ، فقال الأنصاري أنا أسرته يا رسول الله ، فقال : أسكت لقد أيّدك الله عزوجل بملك كريم ، فقال النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : كيف أسرت العبّاس يا أبا اليسر ، قال : يا رسول الله لقد أعانني عليه رجل ما رأيته قطّ هيئته كذا وكذا ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : لقد أعانك عليه ملك كريم. وقال للعبّاس : افد نفسك ، وابني أخيك عقيل بن أبي طالب ، ونوفل بن الحارث ، وحليفك عتبة بن عمر ، فقال : يا رسول الله إنّي كنت مسلما ولكن القوم استكرهوني ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : أعلم باسلامك. فإن كان ما قلت فإنّ الله يجزيك.

ولذا نجد مفتي الشّافعيّة أحمد دحلان صاحب السّيرة النّبويّة : ١ / ٥٠٤ من هامش السّيرة الحلبية يدافع عن العبّاس ويقول : كان العبّاس يكتم إسلامه وكانصلى‌الله‌عليه‌وآله يطلعه على أسراره حين كان بمكّة ، وكانصلى‌الله‌عليه‌وآله قد أمره بالمكوث في مكّة ليكتب له أسرار قريش.

انظر ، صحيح البخاريّ : ٥ / ١٤٢ طبعة دار الفكر ، و : ٦ / ١٢٤ طبعة مطابع دار الشّعب ، و : ٣ / ١١٦ طبعة الخيرية بمصر ، و : ٥ / ٧٩ طبعة بمبي ، أسباب النّزول للسّيوطي بهامش تفسير الجلالين : ٤٤٢ طبعة بيروت ، تفسير القرطبي : ١٢ / ٢٥ ، وتفسير ابن كثير : ٣ / ٢١٢.

أمّا العاص بن سعيد بن العاص بن أميّة ، وعامر بن عبد الله ، ونوفل بن خويلد بن أسد ، ومسعود بن أميّة بن المغيرة ، وقيس بن الفاكه ، وعبد الله بن المنذر بن أبي رفاعة ، والعاص بن منبه بن الحجّاج ، وحاجب بن السّائب ذكرهم الواقدي في المغازي : ١ / ٤٨ طبعة اكسفورد ، والبخاريّ في صحيحه : ٦ / ٩٨ ، وصحيح مسلم : ٨ / ٢٤٥ ، والطّبري في تأريخه : ٢ / ١٩٧ و ٢٦٩ ، وكنز العمّال : ٥ / ٢٧٣ ، ـ


عليّ مع الأسرى فتجاهله وحاد عنه ، فقال له عقيل : يا ابن أمّ والله لقد رأيت مكاني ، فتركه ولم يلتفت إليه ، وهو أخوه لأمّه وأبيه»(١) . وكان عقيل حاضر الذّهن سريع الجواب ، رآه النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله مع الأسرى يوم بدر ، فقال له : يا أبا يزيد قتل أبو جهل. فقال له عقيل : إذن لا تنازعوني في تهامة(٢) . وأمر النّبيّ عمّه العبّاس أن يفدي نفسه ، وابن أخيه عقيلا ، فقال العبّاس : لا مال عندي. قال له النّبيّ : لقد تركت مالا عند أمّ الفضل ، وأوصيتها به. فقال : من أخبرك بهذا؟ قال جبرائيل عن الله. فقال العبّاس : ما علم بهذا أحد ، أشهد أن لا إله إلّا الله ، وأنّك رسول الله(٣) . فرجع الأسرى ، كلّهم مشركون إلّا العبّاس ، وعقيل ، ونوفل بن الحارث بن عبد المطّلب.

وكان النّبيّ يحبّ عقيلا. وقد صارحه بهذا الحبّ ، إذا قال له يوما ، «يا أبا يزيد إنّي أحبّك حبّين : حبّا لقرابتك منّي ، وحبّا لحبّ عمّي إيّاك»(٤) ، وكان عقيل فقيرا كثير العيال والأطفال لا يجد ما يسدّ حاجتهم الضّروريّة من المأكل والملبس ،

__________________

ـ والفلكي في الإبانة ، وشرح النّهج لابن أبي الحديد : ١٤ / ٢٠٨ ، والمغازي للواقدي : ١٤٣ ـ ١٥٣ طبعة آخر ، والسّيرة النّبويّة لابن هشام : ٢ / ٤٣٦ ، المعارف لابن قتيبة : ١٥٦.

(١) انظر ، مستدرك الحاكم : ٣ / ٢٤٦ ، السّنن الكبرى : ٦ / ٣٢٢ ، فتح الباري : ٦ / ١١٦.

(٢) انظر ، الطّبقات الكبرى : ٤ / ٤٣ ، المنتخب من ذيل المذيل للطّبري : ٣٠.

(٣) انظر ، مسند أحمد : ١ / ٣٥٣ ح ٣٣١٠ ، معتصر المختصر : ١ / ٣٤٣ ، دلائل النّبوّة للإصبهاني : ١ / ١٣٧ ح ١٥٠ ، الطّبقات الكبرى : ٤ / ١٤ ، سير أعلام النّبلاء : ٢ / ٨٢. وفدى العبّاس نفسه بمئة اوقية ، وفدى كلّ واحد من بني أخيه وحليفه بأربعين اوقية. انظر ، الأحكام السّلطانية للماوردي : ٤٦.

(٤) انظر ، المستدرك على الصّحيحين : ٣ / ٦٦٧ ح ٦٤٦٤ ، الإستيعاب : ٣ / ١٠٧٨ ح ١٨٣٤ ، الطّبقات الكبرى : ٤ / ٤٣ ، مجمع الزّوائد : ٩ / ٢٧٣ ، المعجم الكبير : ١٧ / ١٩١ ح ٥١٠ ، سير أعلام النّبلاء : ١ / ٢١٩ ، الذّرّيّة الطّاهرة : ١ / ٢٧ ، فضائل الصّحابة لأحمد : ٢ / ٦٦٣ ح ١١٣١.


ولمّا تولّى الإمام الخلافة قدم عليه يسترفده ، فعرض عليه الإمام عطاءه ، فقال : «إنّما أريد من بيت المال. فقال له الإمام : تقيم إلى يوم الجمعة ، فلمّا صلّى الجمعة قال له : ما تقول بمن خان هؤلاء؟ قال : بئس الرّجل. قال : إنّك امرتني أن أخونهم واعطيك»(١) . فخرج من عنده إلى الشّام(٢) .

ورحّب به معاوية ، وأعطاه مئة ألف درهم من مال المسلمين ، وقال للنّاس وعقيل حاضر : هذا أبو يزيد لو لا علمه بأنّي خير من أخيه ما تركه ، وأقام عندنا ، فقال عقيل : أخي خير لي في ديني ، وأنظر لنفسه منك ، وأنت خير لي في دنياي ، وأنظر لي من نفسك ، وقد آثرت دنياي ، وأسأل الله العفو»(٣) .

وقال له يوما : «غلبك أخوك على الثّروة.

قال : نعم ، وسبقني وإيّاك إلى الجنّة»(٤) .

وقال له : «أنّ فيكم للينا يا بني هاشم!

قال : أجل ، فينا لينا من غير ضعف ، وعزّا من غير عنف ، وأنّ لينكم يا معاوية غدر ، وسلمكم كفر.

__________________

(١) انظر ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ٤ / ٩٢ ، الإمامة والسّيّاسة لابن قتيبة : ١ / ١٠١ ، نظرات في الكتب الخالدة للدّكتور حامد حنفي : ١٤٧ ، مجلّة رسالة الإسلام العدد (١٤) تنظيم الصّدقة في الإسلام لحامد حنفي داود.

(٢) لم يحقق في سند هذا القول ، وإلّا من خلال التّتبّع التّأريخي ، لم نعثر على نصّ يؤكّد ذهاب عقيل إلى معاوية قبل استشهاد الإمام عليّعليه‌السلام . انظر ، سبل الهدى والرّشاد : ١١ / ١١٥ ، الغارات : ١ / ٥٥٢ ، جواهر المطاب في مناقب الإمام عليّ لابن الدّمشقي : ٢ / ٢٢٩ ، العقد الفريد : ٤ / ٩٠ طبعة بيروت.

(٣) انظر ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ٤ / ٩٣ ، الغارات : ١ / ٥٥٢ ، سبل الهدى والرّشاد : ١١ / ١١٥.

(٤) انظر ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ٤ / ٩٣ ، الغارات : ٢ / ٥٥٢.


فقال معاوية : ولا كلّ هذا يا أبا يزيد!»(١) .

وفي ذات يوم أقبل عقيل على معاوية ، وعنده عمرو ابن العاص فالتفت معاوية إلى ابن العاص ، وقال له : لأضحكنّك من عقيل ؛ ولمّا سلّم ، قال له معاوية : مرحبا بمن عمّه أبو لهب ـ مع العلم بأنّ أبا لهب عمّ النّبيّ كما هو عمّ عقيل وعليّ ـ فقال عقيل : وأهلا بمن عمّته حمّالة الحطب في جيدها حبل مّن مّسد ـ يشير إلى أمّ جميل العوراء زوّجة أبي لهب(٢) ، وهي أخت أبي سفيان وعمّة معاوية ـ فقال معاوية ما ظنّك بعمّك أبي لهب. فقال : إذا دخلت النّار ، فخذ على يسارك تجده مفترشا عمّتك حمّالة الحطب»(٣) .

وغدا يوما على معاوية ، وجلساؤه حوله ، فقال له معاوية : «يا أبا يزيد خبّرني عن عسكري وعسكر أخيك ، فقد وردت عليهما.

فقال عقيل : مررت بعسكر أخي فإذا ليل كليل رسول الله ، ونهار كنهاره ، ليس في القوم إلّا مصلّي لله أو قاريء للقرآن ، ومررت بعسكرك فاستقبلني قوم من المنافقين الّذين نفروا برسول الله ليلة العقبة.

ثمّ قال : من هذا عن يمينك يا معاوية؟.

قال : هذا عمرو ابن العاص.

قال : هذا الّذي اختصم فيه ستة نفر ، فغلب عليه جزّار ، فمن الآخر؟

قال : الضّحاك بن قيس.

__________________

(١) انظر ، المصادر السّابقة.

(٢) انظر ، ترجمتها في غوامض الأسماء المبهمة : ١ / ١٩٠ ، فتح الباري : ٣ / ٩.

(٣) انظر ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ٤ / ٩٣ ، الغارات : ٢ / ٥٥٣ ، أمالي السّيّد المرتضى : ٢٠٠.


فقال : والله لقد كان أبوه يجيد خصي التّيوس ، فمن الآخر؟

قال : أبو موسى الأشعري.

قال : هذا ابن السّراقة.

فلمّا رأى معاوية أنّه قد أغضب جلساءه سأله معاوية عن نزفسه ليقول فيه ما قال فيهم ، ويخفف عنهم ، فقال له : ما تقول فيّ؟

قال : دعني منك.

قال : لتقولنّ.

قال : أتعرف حمامة؟.

قال : ومن حمامة؟.

قال : سلّ عنها؟.

فسأل عنها معاوية ، فقيل له : هي جدّته أمّ أبي سفيان كانت بغيّا في الجاهليّة ، وصاحبة راية تدل على مهنتها ، فقال معاوية لجلسائه قد ساويتكم وزدت ، فلا تغضبوا»(١) .

لقد اضطر عقيل للشّخوص إلى معاوية ، وأعطاه هذا كلّ ما يريد وفوق ما يريد ، وحاول بجميع خدعه وحيله أن يجد لنفسه مدخلا في قلب عقيل ، أو ينتزع منه كلمة باطل ترضيه وتغضب الله فلم يفلح ، بل على العكس ، فكان كلّما أراد شيئا من هذا أجابه عقيل بما يفضحه ويخزيه ، كما رأينا.

ولمّا بلغ عقيلا خذلان أهل الكوفة لأخيه كتب إليه يعرض نفسه وأولاده عليه ، وقال له فيما قال : «والله لا أحبّ أن أبقى في الدّنيا بعدك ، إنّ عيشا نعيشه

__________________

(١) انظر ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ٢ / ١٢٥ ، الغارات : ١ / ٦٥.


بعدك لغير هنيء ولا مريء ولا نجيع»(١) . فأعفاه الإمام ، ولم يكلفه وأولاده حضور الحرب ، وكأنّ الإمامعليه‌السلام نظر بعين الغيب ، فادّخر أولاد أخيه إلى يوم ولده الحسين ، فقد قتل من ولد عقيل مع الحسين (١٣) شهيدا (٨) من أولاده و (٥) من أحفاده(٢) . توفّي عقيل سنة (٥٠) من الهجرة عن ست وتسعين سنة(٣) .

وصلّى الله على محمّد وآله ، وعلى عقيل وأولاده وأحفاده.

__________________

(١) انظر ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ٢ / ١١٩ ، الغارات : ٢ / ٤٣٠ ، المعيار والموازنة : ١٧٩ ، الإمامة والسّياسة : ١ / ٧٤.

(٢) تقدّمت تخريجاته. انظر ، الفصول المهمّة لابن الصّباغ المالكي : ٢ / ١٧٠ ، بتحقّيقنا.

(٣) انظر ، الطّبقات الكبرى : ٤ / ٢٨ ، الإصابة لابن حجر تحت الرّقم «٢٥٦٣٠» ، البيان والتّبيّين : ١ / ١٧٤ ، اسد الغابة : ٢ / ٥٦٠ تحت الرّقم «٣٧٢٦». وقيل : توفّي سنة «٦٠ ه‍».


مع بطلة كربلاء



المقدّمة

بسم الله الرّحمن الرّحيم والحمد لله ربّ العالمين ، وصلّى الله على محمّد وآله الطّاهرين.

وبعد :

فقد رغبت إليّ إحدى دور النّشر والتّوزيع أن أضع لها كتابا في «السّيّدة زينب بنت أمير المؤمنين» عليها وعلى آبائها أفضل الصّلاة والسّلام.

فقلت لصاحب الدّار : إنّ الّذين ألّفوا في هذا الموضوع لم يقصّروا ، ولم يتجافوا عن الغاية المنشودة من التّأليف بل بعض هؤلاء قد اجتذب إليه القرّاء ، واستقبلوا كتابه أحسن إستقبال.

فقال : أنّك كتبت في فضائل أبيها أمير المؤمنين ، مع أنّ غيرك كتب ، واجتذب إليه القرّاء.

فتوكلت على الله عزوجل ، وكتبت هذه الصّفحات ، وحاولت ما استطيع أن اضيف إلى ما كتبوا أشياء ، لها أهميتها ، على أن لا اضايق القاريء بذكر مطولات منقولة من هنا وهناك وإذا كتب البعض تملقا للجمهور ، أو رغبة في شيء يطلبه ، فإنّ هدفي الأوّل والأخير أن أوحي إلى القاريء الشّعور بعظمة السّيّدة ، وآل بيت الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله .


ومعلوم أنّ دور النّشر لا تستجيب لشيء إلّا للجمهور القاريء لذا تملكتني الغبطة بهذا الطّلب ، وقلت في نفسي : لم يبق أي مجال للسّكوت ما دام الطّلب قائما ، وحمدت الله سبحانه على أن يكون هذا الموضوع ، وما إليه مرغوبا ومفضلا عند القرّاء ، مع أنّ هذا اللّون من الكتب لا يعتمد على وسائل التّشويق والإغراء ، كما هي الحال في كتب الجنس والخلاعة ، والغرام والإجرام ـ إذن ـ فالدّافع الوحيد لإقبال القرّاء أنّ في أهل البيت سرّا ينبض بالحياة ويفيض بالخيرات ، وقوّة ذاتية تجذب إليها كلّ إنسان ، من حيث لا يدري.

هذا ، مع العلم بأنّ كلّ من كتب في فضائل أهل البيت ومناقبهم ، منذ البداية حتّى اليوم لم يتجاوز المرحلة الأولى ، ولن يتجاوزها ، مهما أطنب وأطال ولا أعرف أحدا عرض هذا الموضوع عرضا وافيا ، حتّى العلّامة المجلسي في بحاره وأنواره والسّر هو طبيعة الموضوع ، فإنّه أسمى وأعظم من أن تصل العقول إلى كنهه وحقيقته.

وقد سبق أن كتب خمسة كتب في أهل البيت وفضائلهم ـ ما عدا هذا الكتاب(١) وهي في مجموعها تعبّر عن عظمتهم تعبيرا جزئيّا ، أو قل : أنّها ليست تصويرا لتلك العظمة ، وإنّما هي مجرد إقرار واعتراف بمنزلتهم ومكانتهم وكذلك هذه الصّفحات إن هي إلّا إقرار واعتراف بعظمة بنت الوحي والنّبوّة.

والله سبحانه المسئول أن يجعل الوقت الّذي أمضيته في كتابتها أفضل أوقاتي كلّها ، أنّه خير مسئول ، وصلّى الله على محمّد وآله الطّيبين.

__________________

(١) هذا الكتاب هو الواحد بعد العشرين ، والسادس في الفضائل ، الخمسة تلك هي : «أهل البيت» ، «عليّعليه‌السلام والقرآن» ، «الشّيعة والحاكمون» ، «المجالس الحسينيّة» ، «فضائل الإمام عليّعليه‌السلام » ؛ (منهقدس‌سره ).


نسب السّيّدة زينب(١)

أبوها عليّ بن أبي طالب.

جدّها لأبيها أبو طالب.

جدّتها فاطمة بنت أسد.

أمّها فاطمة بنت محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله .

جدّها لأمّها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

جدّتها خديجة بنت خويلد.

أخوتها الإمامان الحسن والحسين ، ومحمّد بن الحنفيّة ، وقمر بني هاشم أبو الفضل العبّاس.

عمومتها جعفر الطّيّار في الجنّة ، وطالب ، وعقيل أبو مسلم.

وبالتالي ، فهيّ عمّة الأئمّة التّسعة المعصومين.

عليّ :

لقد أثنى الله على عليّ في كتابه ، ومحمّد في سنّته ، ودانت الملايين بالولاء

__________________

(١) الزّينب شجر حسن المنظر طيّب الرّائحة ، وبه سميّت المرأة ، وواحد الزّينب للشّجر زينبة. انظر ، لسان العرب : ١ / ٤٥٣.


له ، وألّف في فضائله العلماء القدامى والمحدثون من السّنّة والشّيعة وغير المسلمين من الشّرقيّين ، والغربيّين مئات المجلّدات ، وسيبقى الحديث عن عليّ إلى آخر يوم وأكتفي ـ هنا ـ وأنا أتكلّم عن نسب ابنته بقولهعليه‌السلام : «نحن أهل بيت لا يقاس بنا أحد ، فينا نزل القرآن ، وفينا معدن الرّسالة»(١) . وبكلمة الجاحظ الّتي علّق بها على هذه الجملة ، قال(٢) :

«صدق عليّ في قوله : نحن أهل بيت لا يقاس بنا أحد» ، وكيف يقاس بقوم ، منهم رسول الله ، والأطيبان عليّ وفاطمة ، والسّبطان الحسن والحسين ، والشّهيدان حمزة وذو الجناحين جعفر ، وسيّد الوادي عبد المطّلب ، وساقي الحجيج العبّاس ، وحليم البطحاء والنّجدة ، والخيرة فيهم ، والأنصار من نصرهم ، والمهاجرون من هاجر إليهم ومعهم ، والصّدّيق من صدّقهم ، والفاروق من فرّق بين الحقّ والباطل فيهم ، والحواري حواريهم ، وذو الشّهادتين ، لأنّه شهد لهم(٣)

__________________

(١) انظر ، المستدرك على الصّحيحين : ٢ / ٤٨٦ ح ٣٦٧٦ ، ينابيع المودّة : ١ / ٧١ ح ٢ ، مناقب أمير المؤمنين للكوفي : ٢ / ١٤٢ ح ٦٢٣ ، فرائد السّمطين : ٢ / ٤٢٣ ح ٥١٧ ، بشارة المصطفى : ٣٢ ، مئة منقبة : ٦٥ ، تذكرة الخواصّ : ١٨٢ ، فضائل الصّحابة لأحمد بن حنبل : ٢ / ٦٧١ ح ١١٤٥ ، الفردوس بمأثور الخطاب : ٤ / ٣١١ ح ٦٩١٣ ، ذخائر العقبى : ١٧ ، مقتل الحسين للخوارزمي : ١٨ ، الصّواعق المحرقة : ٢٣٣ ، الشّرف المؤيّد : ٢٩ ، كنز العمّال : ١٢ / ١٠٤ ح ٣٤٢٠١ ، تأريخ دمشق : ٣٠ / ٣٦١ ، تهذيب الكمال : ١٤ / ١٩٥ ، المعجم الكبير : ٧ / ٢٥ ، طبعة بغداد ، تسديد القوس في ترتيب مسند الفردوس مخطوط ورقة (٢٦٦).

(٢) انظر ، البيان والتّبيين للجاحظ : ٣ / ٢٨٠ ، الموفقيات : ٣٩٩.

(٣) يقال : أنّ اعرابيا باع فرسا لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ثمّ ندم ، وأنكر البيع ، وقال للرّسول : أين شاهدك على البيع؟ فشهد خزيمة بأنّ الأعرابي باع فرسه للنّبيّ.

فقال له النّبيّ أكنت حاضرا عند البيع يا خزيمة؟.


__________________

ـ فقال : لا يا رسول الله! ولكن هل أصدقك بما جئت به عن الله ، ولا أصدقك على هذا الأعرابي الخبيث؟.

فقال له النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : شهادتك شهادة رجلين.

انظر ، صحيح البخاريّ : ٣ / ١٠٣٣ ح ٢٩٥٢ و : ٤ / ١٧٩٥ ح ٤٥٠٦ ، المستدرك على الصّحيحين : ٢ / ٢١ ح ٢١٨٧ ، مجمع الزّوائد : ٧ / ١٨٢ و : ٩ / ٣٢٠ ، سنن البيهقيّ الكبرى : ٢ / ٤١ ح ٢٢٠٣ و : ٧ / ٦٦ ح ١٣١٨٢ و : ١٠ / ١٤٥ ، سنن النّسائي : ٧ / ٣٠١ ح ٤٦٤٧ ، المصنّف لابن أبي شيبة : ٤ / ٥٣٨ ح ٢٢٩٣٣ ، شرح معاني الآثار : ٣ / ٤٣ ، معتصر المختصر : ٢ / ٢٦ ، مسند أحمد : ٥ / ١٨٨ ح ٢١٦٨٣ و ٢١٩٣٣ و ٢١٩٣٥ ، الفردوس بمأثور الخطاب : ٢ / ٣٥٩ ح ٣٦٠٤ ، فتح الباري : ٦ / ٢٤ ح ٢٦٥٢ ، صفوة الصّفوة : ١ / ٧٠٣ ، الطّبقات الكبرى : ٤ / ٣٧٩ ، الإصابة : ٢ / ٢٧٨ ح ٢٢٥٣ ، تهذيب الأسماء : ١ / ١٧٧ ح ١٤٧ ، تحفة الطّالب : ١ / ٢٩٠ ، المحلى لابن حزم الظّاهري : ٨ / ٣٤٨ ، نيل الأوطار للشّوكاني : ٥ / ٢٧١.

ولسنا بصدد بيان ردّ المؤرّخ الكبير أبي جعفر محمّد بن جرير الطّبريّ في تأريخه : ٣ حوادث سنة (٣٧ ه‍) وما بعدها ، وما تبعه المؤرّخون من بعده بأنّه بدّل وغيّر اسم الصّحابي الجليل الّذي شهد بدرا وما بعدها ، إلى رجل آخر اسمه خزيمة بن ثابت الأوسي شهد بدرا ، أو أحدا وهو غير خزيمة الّذي قتل في صفّين مع الإمام عليّ عليه‌السلام بل قال : أنّه مات زمن عثمان ، وهذه من مختلقات سيف وهو يحرّف ، ويصحّف ، ويقلّب ، ويختلق أمّة من الصّحابة ، والتّابعين ، ورواة الحديث ، وقادة الفتوح ، والشّعراء ، وعددا كبيرا من أماكن ، وكتبا سياسيّة ، وأراجيز كما فعل في اسطورة القعقاع ، وعبد الله بن سبأ ، وسمّاك بن خرشة الّذي زعمه غير أبي دجانة ، وبرّة بن يحنس الخزاعي مرادفا لاسم الصّحابي وبر بن يحنس الكلبي وغيرهم ، ومن أراد المزيد فليراجع كتاب العلّامة السّيّد مرتضى العسكري في كتابيه : عبد الله بن سبأ وأساطير أخرى : ١ و ٢ ، وخمسون ومئة صحابي مختلق : ١ و ٢. وخزيمة هذا هو الّذي قاتل مع عليّ عليه‌السلام يوم الجمل ، وقاتل مع عليّ عليه‌السلام يوم صفّين.

انظر الطّبقات لابن سعد : ٣ / ٣٥٩ ، أنساب الأشراف : ١ / ١٧٠ ، الاستيعاب : ١ / ١٥٧ ، مسند أحمد : ٥ / ٢١٤ ، الفتوح لابن أعثم : ٢ / ٢٨٩ ، تأريخ الإسلام للذّهبي : ٢ / ١٧١ ، قارن بين خزيمة الحقيقي وخزيمة المختلق في الإصابة : ١ / ٤٢٥ رقم التّرجمة : ٢٢٥١ و ٢٢٥٢ ، شرح النّهج لابن أبي الحديد تحقّيق أبو الفضل : ١ / ١٠٩ ، الكامل : ٣ / ٨٤ ، تأريخ ابن خلدون : ٢ / ٤٠٧. وانظر كذلك أصحاب ـ


ولا خير إلّا فيهم ولهم ومنهم ، وأبان رسول الله أهل بيته بقوله : «إنّي تارك فيكم الثّقلين ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي ، أحدهما أعظم من الآخر ، كتاب اللهعزوجل حبل ممدود من السّماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، ولن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض ؛ فانظروا كيف تلحقوا بي فيهما»(١) . ولو كانوا كغيرهم لما قال عمر لمّا طلب مصاهرة عليّ : «إنّي سمعت رسول الله يقول : «كلّ سبب

__________________

ـ العيون والأقلام المأجورة مجلّة الأزهر : ٣٢ / العدد ١٠ / ١١٥٠ ، و : ٣٣ / العدد ٦ / ٧٦٠ ، ومجلّة «راهنمائي كتاب» الفارسيّة طبع طهران السّنة الرّابعة العدد : ٧ / ٦٩٦ ، والعدد : ٨ / ٨٠٠ ، والعدد : ٩ / ٨٩٤.

وقد رثته ابنته ضبيعة بنت خزيمة بن ثابت ذي الشّهادتين :

عين جودي على خزيمة بالدم

ع قتيل الأحزاب يوم الفرات

قتلوا ذا الشّهادتين عتوّا

أدرك الله منهم بالتّرات

قتلوه في فتية غير عزل

يسرعون الرّكوب للدعوات

إلى آخر الأبيات ، انظرها في وقعة صفّين : ٣٦٥ و ٣٦٦ ، شرح النّهج لابن أبي الحديد : ٢ / ٢٨٠ ، اسد الغابة : ٣ / ١٢٤ و ٢٨٢ ، الإصابة : ٢ / ٢٨٠ ، و : ٤ / ٢١٣ ، مروج الذّهب : ٢ / ٢٨٤ طبعة الأندلس ، الاستيعاب بهامش الإصابة : ٢ / ٢٦٨ و ٣٩٥ ، و : ٤ / ٢٠١ ، تأريخ الطّبريّ : ٥ / ٢٧ ، اسد الغابة : ١ / ٣٠٣.

(١) انظر ، سنن التّرمذي : ٥ / باب ٣٢ ، و : ١٣ / ١٧١ ، صحيح مسلم : ٤ / فضائل عليّ ح ٣٦ و ٣٧ و : ٧ / ١٢٠ ، سنن الدّارمي : ٢ / فضائل القرآن ، وخصائص النّسائي : ٥٠ ، تذكرة الخواصّ : الباب ١٢ ، واسد الغابة : ٢ / ١٢ ، وتأريخ اليعقوبي : ٢ / ١٠٢ ، والمستدرك على الصّحيحين : ٣ / ١٠٩ ، ومسند أحمد : ١ / ١٧٠ و ١٧٣ و ١٧٥ و ١٧٧ و ١٧٩ و ١٨٢ و ١٨٤ و ١٨٥ و ٣٣٠ ، و : ٣ / ٣٢ و ٣٣٨ ، و : ٦ / ٣٦٩ و ٤٣٨ ، والصّواعق المحرقة : ٢٥ المطبعة الميمنية بمصر ، وص : ٤١ المطبعة المحمّدية بمصر ، ومجمع الزّوائد : ٩ / ١٦٤ ، وتأريخ دمشق لابن عساكر : ٢ / ٤٥ ح ٥٤٥ ، وكنز العمّال : ١ / ١٦٨ ح ٩٥٩ الطّبعة الأولى ، وينابيع المودّة : ٣٧ طبع إسلامبول إلخ).

انظر ، البخاريّ في صحيحه : ٢ / ٢٠٠ ، والطّيّالسي : ١ / ٢٨ / ٢٠٥ و ٢٠٩ و ٢١٣ ، وابن ماجه: ح ١١٥ ، الأصول الثّمانيّة : ٦٧ ، مجمع الزّوائد : ٩ / ١٦٢ ، مستدرك الحاكم : ٣ / ١٠٩ ، ابن كثير: ٥ / ٢٠٩ ، من هم الزّيديّة ، السّيّد يحيى ابن عبد الكريم الفضيل : ٥٩ ، الأمالي الخميسيّة : ١ / ١٥٦. هذا الحديث الأخذ والعمل به ثقيل وخطير ؛ ولذا سمّي «بحديث الثّقلين» ـ كتاب الله والعترة.


ونسب منقطع يوم القيامة إلّا سببي ونسبي»(١) . أمّا عليّ فلو أردنا أن ندوّن

__________________

(١) أمّ كلثوم الكبرى تزوّجها عمر ابن الخطّاب ، وأصدقها أربعين ألفا ، وقيل مئة ألف

انظر ، تعليق الشّيخ المفيد في رسالته الخاصّة بهذا الموضوع ، وفي الإرشاد : ١ / ٣٥٤ ولكن بلفظ : زينب الصّغرى المكناة أمّ كلثوم ، وفي أنساب الأشراف : ٢ / ١٨٩ أضاف : تزوّجها عمر بن الخطّاب وتحت رقم (٢٣٥) يورد عن هشام الكلبي عن أبيه عن جدّه قال : خطب عمر بن الخطّاب من عليّ أمّ كلثوم فقال : إنّها صغيرة وساق الحديث ، وكذلك تحت رقم (٢٣٦) عن عثمان بن محمّد بن عليّ قال : خرج عمر إلى النّاس فقال زفّوني وساق الحديث ، وكذلك تحت رقم (٢٣٧) عن عكرمة عن ابن عبّاس وقال ابن الكلبي : ولدت أمّ كلثوم بنت عليّ لعمر ، زيد ، ورقية فمات زيد وأمّه في يوم واحد.

ونحن لسنا بصدد تحقيق حقيقة الزّواج ، وعدمه ؛ ولكن نشير إلى أنّ الحديث منقطع السّند ، وغير ناهض للحجّية. والطّبريّ في تأريخه : ٤ / ١١٨ لم يذكر ذلك ، ونكتفي بنقل كلام الشّيخ المفيد في جواب المسائل السّروية : ٦١ ـ ٦٣ حيث قال ؛ : إنّ الخبر الوارد بتزوّيج أمير المؤمنين عليه‌السلام ابنته من عمر غير ثابت ، وطريقه من الزّبير بن بكّار ، ولم يكن موثوقا به في النّقل ، وكان متّهما فيما يذكره ، وكان يبغض أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وغير مأمون فيما يدّعيه على بني هاشم والحديث بنفسه مختلف ، فتارة يروى أنّ أمير المؤمنين عليه‌السلام تولّى العقد له على ابنته ، وتارة يروى أنّ العبّاس تولّى ذلك عنه ، وتارة يروى أنّه لم يقع العقد إلّا بعد وعيد من عمر ، وتهديد لبني هاشم ، وتارة يروى أنّه كان عن إختيار ، وإيثار ، ثمّ إنّ بعض الرّواة يذكر أنّ عمر أولدها ولدا سمّاه زيدا ، وبعضهم يقول : إنّه قتل قبل دخوله بها ، وبعضهم يقول : إنّ لزيد بن عمر عقبا ، ومنهم من يقول : إنّه قتل ولا عقب له ، ومنهم من يقول : إنّه وأمّه قتلا ، ومنهم من يقول : إنّ أمّه بقيت بعده ، ويقال إنّه رمي بحجر بين حيين في حرب فمات ولا عقب له ، ويقال إنّه مات هو وأمّه في ساعة واحدة فلم يرث أحدهما من الآخر ، وصلّى عليهما عبد الله بن عمر ، وقدم زيدا على أمّه فصار سنّة ، ومنهم من يقول : إنّ عمر أمهر أمّ كلثوم أربعين ألف درهم ، ومنهم من يقول : أمهرها أربعة آلاف درهم ، ومنهم من يقول : كان مهرها خمسمئة درهم ، ويبدوّ هذا الإختلاف فيه يبطل الحديث ، فلا يكون له تأثير على حال ، انتهى.

وسبق وأن أوضحنا بأنّ أمّ كلثوم هي بنت الخليفة الأوّل أبي بكر وهي الّتي تزوّجها عمر بن الخطّاب ، ولكن الأقلام المأجورة ، والضّغائن والأحقاد هي الّتي أثبتت أنّها بنت الإمام عليّ عليه‌السلام لا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم.


لأيّامه الشّريفة ، ومقاماته الكريمة ، ومناقبه السّنية ، لأفنينا في ذلك الطّوامير ، العرق صحيح ، والمنشأ كريم ، والشّأن عظيم ، والعمل جسيم ، والعلم كثير ، والبيان عجيب ، واللّسان خطيب ، والصّدر رحب ، وأخلاقة وفق أعراقه ، وحديثه يشهد لقديمه»(١) .

إسلام أبي طالب :

ولا بدّ من كلمة في اسلام أبي طالب ، ونحن نتحدث عن نسب حفيدته السّيّدة زينب. وقد اشتهر بين السّنّة أنّه مات على غير الإسلام ، وأجمعت كلمة الشّيعة على أنّه مات مسلما ، ولكنّى نعرف الحقّ مع أي جانب من الطّائفتين ينبغي التّمهيد بما يلي :

١ ـ إذا اتّفقت كلمة المسلمين جميعا السّنّة والشّيعة على شيء ، كان اتّفاقهم دليلا بنفسه لا يحتاج معه إلى البحث والنّظر ، وكان لكلّ مسلم أن يجزم ويعتقد بما اتّفقوا عليه دون قيد أو شرط ، وبدون ترو وتريث ، فلو قال قائل : أنّ أبا جهل مات على غير السّلام ، فلا يحقّ لأحد أن يعترض عليه ، ويطلب منه التّثبت قبل الحكم بكفره ، لأنّ المفروض اتّفاق الجميع على ذلك ، وعدم وجود قولين ، ليجب النّظر ، والتّدقيق في أي القولين أصح ، وأي الدليلين أقوى؟.

أمّا إذا اختلف المسلمون فيما بينهم ، وذهبت كلّ طائفة إلى رأي فيجب حينئذ البحث والنّظر ، ومن جزم وحكم بدون تثبت ، ولمجرد الإعتماد على الشّهرة عند أحد الفريقين فهو مقلّد جاهل ، إذ ليس كلّ ما هو موجود واقعا يجب أن يشتهر ،

__________________

(١) انظر ، مئة منقبة للجاحظ : ٦٥ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ١ / ٤٥.


ولا كلّ مشهور يجب أن يكون موجودا في الواقع ، ولذا قيل : «ربّ مشهور لا أصل له ، وربّ متأصّل غير مشهور». ولو سلّمنا جدلا ، لا اعتقادا أنّ الشّهرة حقّ وصدق فإنّما تكون حقّا إذا لم يقم الدّليل المحسوس الملموس على ضدّها وكذبها وقد جاء في الحديث : «ليس المخبر كالمعاين»(١) ، على أنّ الأخذ بما اشتهر عند السّنّة دون الأخذ بما اشتهر عند الشّيعة تحكّم ، وترجيح بلا مرجّح. وعليه يتحتّم طرح القولين معا ، وترك التّعصب لأحدهما ، والتّجرد للبحث النّزيه فلقد دلّت التّجارب منذ القديم على أنّ الّذين يلجأون إلى نزوات العاطفة لا يهتدون إلى خير ، ومحال أن يهتدوا ما دامت الميول هي المسيطرة ، والتّقاليد هي المتحكّمة.

٢ ـ أنّ عقيدة الإنسان ، أي إنسان لا تعرف على حقيقتها إلّا في ضوء واقعة وحياته الخاصّة ، وما يحيط بها من الظّروف والملابسات ، فهي الّتي توجّهه في سلوكه ، وآرائه ، ومعتقداته ، ومحال أن نعرف شيئا من ميوله ورغباته بمعزل عن واقعه وعالمه الخاصّ.

٣ ـ أنّه كما اشتهر بين السّنّة أنّ أبا طالب مات على غير الإسلام ، فقد أجمعت الشّيعة أنّ أبا سفيان مات على النّفاق ، واختلفت السّنّة في حسن إسلامه ، أي في نفاقه وعدمه ، قال صاحب «الإستيعاب» : «اختلف في حسن إسلام أبي سفيان ، فطائفة تروي أنّه لمّا أسلم حسن إسلامه وطائفة تروي أنّه كان كهفا

__________________

(١) انظر ، معجم شيوخ أبي بكر الإسماعيلي : ٢ / ٦٨٩ ، تأويل مختلف الحديث : ١ / ٩٧ ، الكامل في ضعفاء الرّجال : ٦ / ٢٩١ ح ١٧٧٨ ، تأريخ بغداد ٣ / ٢٠٠ ، غريب الحديث لابن قتيبة : ١ / ٢٦٠.


للمنافقين منذ أسلم وكان في الجاهليّة ينسب إلى الزّندقة»(١) .

ويحتم علينا المنطق في مثل هذه الحال أن لا نجزم بإسلام أبي طالب ، ولا بحسن إسلام أبي سفيان إلّا بعد البحث والنّظر ، وأن لا نعتمد على قول أيّة فئة من الفئات بل علينا أن ننظر ـ أوّلا وقبل كلّ شيء ـ إلى حياة كلّ من أبي طالب وأبي سفيان وظروفة الخاصّة : هل تتّجه به إلى الإسلام ، والإيمان برسالة محمّد ، أو إلى الشّرك ، ومحاربة محمّد ورسالته؟

وإنّ واقع أبي سفيان ، وكلّ ما يتّصل بتأريخه وحياته من قريب أو بعيد يتّجه إلى التّعلق بالأوثان ، والدّفاع عنها ، والتّضحية من أجلها بكلّ غال وعزيز ، حتّى ولو كان في واقعة ، وبينه وبين نفسه لا يعتقد بها ولا بشيء أبدا لأنّ الأوثان تمنحه الإمتياز والسّيادة على الضّعفاء والمساكين ، ومحمّد يجرده من كلّ ذلك ، ويدعو إلى الإخاء والمساواة ، والأوثان تبيح له السّلب ، والنّهب ، والفسق ، والفجور ، وما إليه من الرّذائل ، ومحمّد يأمر بالفضائل ، ومكارم الأخلاق ، فمحمّد ـ إذن ـ خطر على الإستقراطيّين بعامّة ، وعلى أبي سفيان بخاصّة.

هذا ، إلى العداء الموروث المتأصّل بين هاشم واميّة ، فكيف يستسلم أبو سفيان وينقاد إلى ألد أعدائه ، وقد ظهر ذلك في الحروب والمكائد الّتي نصبها للرّسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله وهل بعد هذه الأرقام المحسوسة المستمدّة من واقع أبي سفيان من شكّ ، وريب في أنّه أظهر الإسلام عن خوف لا عن إيمان ، وحقنا لدمه لا بدافع من ضميره ووجدانه؟ وهل نأخذ بالشّهرة وغير الشّهرة بعد أن انكشف الواقع كشفا حسيّا تبددت معه الشّكوك والأوهام؟ أنّ أبا سفيان لا

__________________

(١) انظر ، الإستيعاب في اسماء الأصحاب : ٤ / ٨٦ المطبوع مع الإصابة سنة (١٩٣٩ م). (منهقدس‌سره ).


يرجع في سلوكه إلى عقل ، ولا دين ، ولا ضمير ، وإنّما المعيار ، والدّافع ، والمثل الأعلى عنده هي المنفعة الخاصّة لا غيرها شأن جميع الأقوياء الّذين لا يربطهم أي شيء بهذا العالم غير المصالح الشّخصيّة(١) .

أمّا واقع أبي طالب فعلى الضّد تماما من واقع أبو سفيان ، فلا يلتقيان في جهة ، ولا يتشابهان في شيء ، فأبو سفيان تأكل الضّغائن قلبه على محمّد ، وأبو طالب يحنو عليه حنو المرضع على فطيمها ، فعن طبقات ابن سعد أنّه كان يحبّه حبّا شديدا لا يحبّه ولده ، وكان لا ينام إلّا وهو إلى جنبه(٢) ، وإذا خرج أخرجه معه(٣) ،

__________________

(١) قال صاحب الإستيعاب : ٤ / ٨٨ : «لأبي سفيان أخبار رديئة ذكرها أهل الأخبار» ونحن نشير هنا إلى بعضها ، منها : ذكره صاحب الإستيعاب : ٨٧ «أنّ أبا سفيان دخل على عثمان حين صارت إليه الخلافة ، وقال له : درها كالكرة إنّما هو الملك ، ولا أدري ما جنّة وما نار.

ومنها : ما ذكره صاحب الإصابة : ٢ / ١٧٢ طبعة (١٩٣٩ م) (أنّ أبا سفيان قال في نفسه : ما أدري بم غلبنا محمّد؟ فضرب النّبيّ على ظهره ، وقال : بالله غلبك.

ومنها : ما جاء في العقد الفريد : ٥ / ١٠ طبعة (١٩٥٣ م) (أنّه حين بويع أبو بكر ، قال أبو سفيان : أنّي أرى غبرة لا يطفئها إلّا الدّم ، وجعل يطوف في أزقّة المدينة ويقول : انظر ، تأريخ اليعقوبي : ١ / ١٠٥ ، و : ٢ / ١٢٦ ، تأريخ المدينة : ٣ / ١٠٩٠ ، النّزاع والتّخاصم فيما بين بني أميّة وبني هاشم : ١٠٥.

بني هاشم لا تطمعوا النّاس فيكم

ولا سيما تيم بن مرّة أو عدي

فما الأمر إلّا فيكم وإليكم

وليس لها إلّا أبو حسن عليّ

فقال عمر لأبي بكر : أنّ هذا فاعل شرّا ، وكان يتألّفه على الإسلام ، فدع ما بيده من الصّدقة ، ففعل ، فرضي أبو سفيان وبايعه. انظر ، تأريخ الطّبريّ : ٥ / ٤٤٩ ، ابن عبد ربّه : ٣ / ٦٢.

(٢) انظر ، الطّبقات الكبرى لابن سعد : ١ / ١١٩ ، صفوة الصّفوة : ١ / ٦٦ ، بلوغ المآرب في نجاة آبائهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وعمّه أبي طالب تأليف العلّامة السّيّد سليمان الأزهريّ اللّاذقيّ ، بتحقّيقنا.

(٣) انظر ، البداية والنّهاية : ٢ / ٣٤٥ ، الكاشف : ٣ / ٢٦٤ ، تقريب التّهذيب : ٢ / ٣٨٤ ، وأخرجه أبو نعيم عن الواقديّ عن شيوخه ، وذكره ابن حجر في الإصابة : ١ / ١٧٩ ، وابن سعد في الطّبقات : ١ / ١٢١ ـ ،


وأبو سفيان يخشى من انتصار محمّد على مجد «اميّة» ، ويعتقد أبو طالب أنّ في انتصار أخيه المجد الدّائم والشّرف الخالد ، وأي شرف أعظم من أن يعهد الله سبحانه إلى ربيب أبي طالب بأمانته ، ويختاره على جميع خلقه؟.

هذا إذا قسنا أبا طالب بمقياس النّفعيّين والإنتهازيّين تماما كما نقيس أبا سفيان ، وقلنا : أنّ كلّا منهما يعمل بدافع من منافعه الخاصّة ، لا بوحي من عقله وضميرة فإنّ النّتيجة الحتيمة المنطقية هي إيمان أبي طالب بمحمّد ورسالته ، وجحود أبي سفيان بكلّ ما يمت إلى النّبيّ بسبب.

ولو نزّهنا أبا طالب عن الغايات والأهواء ، ونظرنا إليه كطالب للحقّ من مصدره وأدلّته لجاءت النّتيجة أيضا إيمانه بالله والرّسول ، فلقد شاهد من آيات ابن أخيه منذ طفولته إلى ما بعد النّبوّة ما لم يتسن لأحد سواه مات أبو النّبيّ قبل أن يرى ولده العظيم ، فكفله جدّه عبد المّطّلب(١) ، ثمّ توفّي الجدّ ، وللنّبيّ من العمر ثماني سنوات ، وكان قد عهد به إلى أبي طالب ، وقال له فيما قال : «استمسك به وانصره بلسانك ، ويدك ، ومالك فإنّ له شأنا وأرجو أن يبلغ

__________________

ـ والسّيوطيّ في الخصائص : ١ / ٢٠٨ ، ودلائل النّبوّة : ١ / ٢١٥ ، و : ٢ / ٢٤ ، ابن هشام في السّيرة : ١ / ١٨٠ ، والتّرمذيّ برقم «٣٦٢٤» ، والفتح : ١٠ / ٣٤٥.

(١) انظر ، شرح صحيح مسلم : ٩ / ١٤٠ ، و : ١٧ / ١٣٣ ، الدّيباج على مسلم : ٣ / ٤٠٨ و : ٦ / ١٤٨ ، تلخيص الحبير لابن حجر : ٤ / ٥٩٥ ، مسند أحمد : ١ / ٣٦٣ و : ٥ / ٨٩ ، السّنن الكبرى : ٣ / ١٩٦ ، دلائل النّبوّة للبيهقي : ٢ / ١٥٣ ، سنن الدّارمي : ١ / ١٥ و ١٨ و ٣٦٧ ، مجمع الزّوائد : ٢ / ١٨٢ و : ٨ / ٢٩٨ ، البداية والنّهاية : ٦ / ١٤١ و : ٣٠٨ ، المصنّف لابن أبي شيبة الكوفي : ٧ / ٤٣٣ ، صحيح ابن خزيمة : ٣ / ١٤٠ ، المعجم الكبير : ١٢ / ١٤٥ و : ٢٣ / ٢٥٥ ، الطّبقات الكبرى : ١ / ٢٥٢ ، تأريخ دمشق : ٤ / ٣٩٠ و : ٧ / ٢٠٢ ، اسد الغابة : ١ / ٢٩ ، الكامل في التّأريخ : ٣ / ٢٨٨ ، تهذيب الكمال : ١ / ٢٣٥.


من الشّرف ما لم يبلغه عربي قبله ولا بعده»(١) .

وكان أبو طالب يحدّث عن النّبيّ بعد أن ضمّه إليه ، ويقول :

«كنت كثيرا ما اسمع منه إذا ذهب اللّيل كلاما يعجبني ، وكنّا لا نسمي على الطّعام ، ولا الشّراب ، حتّى سمعته يقول : بسم الله الأحد ، ثمّ يأكل ، فإذا فرغ قال : الحمد لله كثيرا(٢) ، وكنت آتيه على غفلة فأرى من لدن رأسه نورا ممدودا قد بلغ السّماء ولم أرمنه كذبة قطّ ، ولا جاهليّة قطّ ، ولا رأيته يضحك في غير موضع الضّحك ، ولا وقف مع الصّبيان في لعب ، ولا التفقت إليهم ، وكانت الوحدة ، والتّواضع أحبّ إليه»(٣) .

ونقل ابن عساكر أنّ قحطا أصاب قريشا ، فاستسقى أبو طالب بمحمّد ، وما أن مدّ باصبعه ، حتّى أقبل السّحاب من هاهنا وهنا ، وأغدق الوادي ، وأخصب النّادي ، وفي ذلك يقول أبو طالب(٤) :

__________________

(١) انظر ، الخصائص الكبرى للسّيوطي : ١ / ٨١ ـ ٨٢ ، سبل الهدى والرّشاد : ١ / ٧٠ ، الإصابة : ٧ / ٢٠٢ دار الكتب العلميّة بيروت.

(٢) انظر ، صحيح البخاري : ٥ / ٢٠٧٨ ح ٥١٤٢ ، المستدرك على الصّحيحين : ١ / ٧١٠ ح ١٩٣٥ ، مجمع الزّوائد : ١٠ / ٩٦ ، سنن البيهقي الكبرى : ٧ / ٢٨٦ ح ١٤٤٤٨ ، مسند أحمد : ٥ / ٣٥٦ ح ٢٢٢٥٤.

(٣) انظر ، مناقب آل أبي طالب : ١ / ٣٥ ، العدد القوّية لعليّ بن يوسف الحلّي : ١٤٦.

(٤) انظر ، التّأريخ الكبير لابن عساكر : ١ / ٣٣٣ طبعة الشّام ، السّيرة الحلبيّة : ١ / ١٢٥ طبعة مصر ، الخصائص الكبرى : ١ / ١٢٤.

ذكر هذه القصيدة أكثر أهل السّير ، وشرحها أيضا كثيرون ، كالعلّامة الدّحلاني في أسنى المطالب في نجاة أبي طالب : ١١ ، وقال : قال ابن كثير هذه القصيدة بليغة جدّا ، لا يستطيع أن يقولها إلّا من نسبت إليه ، وهي أفحل من المعلقات السّبع وأبلغ في تأدية المعنى.

وأمّا سبب إنشائها فقد اختلف المؤرّخون في ذلك ط ، فقيل : إنّه قالها حين انتشر أمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ـ


وأبيض يستسقى الغمام بوجهه

ثمال اليتامى عصمة للأرامل

وكانت فاطمة بنت أسد زوّجة عمّه أبي طالب تحدّث عنه ، وتقول :

«كان في صحن داري شجرة قد يبست ، فأتى محمّد يوما إلى الشّجرة ، فمسّها بكفّه ، فصارت من وقتها وساعتها خضراء وحملت الرّطب»(١) . وفي طبقات ابن سعد : «أنّ أبناء أبي طالب إذا أكلوا جميعا أو فرادى لم يشبعوا ، وإذا كان معهم النّبيّ شبعوا»(٢) .

وبعد أن رأى أبو طالب هذه الآيات بعينيه ، وتكرّرت عليه مرّات ومرّات ، وبعد أن سمع من أبيه وغير أبيه التّنبؤات ، يقال له : أنّه مات على غير الإسلام ، وهو ذو العقل الكبير ، والنّظر البعيد؟. وهل عرب البادية وغيرهم من المهاجرين والأنصار أرجح عقلا من أبي طالب أو رأوا وشاهدوا من آيات محمّد أكثر ممّا رأى وشاهد أو كانوا ألصق به وأقرب إليه من عمّه؟. وبعد ، فبأي منطق أخذ الباحث ، وبأي مقياس قاس أبا طالب ، فالنّتيجة أنّ عدم إسلامه مستحيل أو شبه مستحيل.

__________________

ـ وخاف أبو طالب أن تعاضد العرب قومه على قلعهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلمّا أنشأها وتلاها عليهم وسمعها الأشراف تعوذوا بها. وقيل : إنّه قالها في الشّعب وفي بعض أبياتها ما يؤيد ذلك.

انظر ، ابن هشام في سيرته : ١ / ٢٨٦ ، أبا هفان العبدي في ديوان أبي طالب : ٢ ـ ١٢ ، ابن أبي الحديد في شرح النّهج : ٢ / ٣١٥ ، تأريخ ابن كثير : ٣ / ٥٣ ، إرشاد السّاري : ٢ / ٢٢٧ ، المواهب اللّدنية: ١ / ٤٨ ، عمدة القاريّ : ٣ / ٤٣٤ ، خزانة الأدب : ١ / ٢٥٢.

(١) انظر ، مناقب آل أبي طالب : ١ / ٣٦ ، العدد القوّية لعليّ بن يوسف الحلّي : ١٢٨.

(٢) انظر ، الطّبقات الكبرى لابن سعد : ١ / ١٢٠ طبعة دار بيروت سنة (١٩٥٧ م). (منهقدس‌سره ).

تأريخ دمشق : ٣ / ٨٦ ، البداية والنّهاية : ٢ / ٣٤٤ ، السّيرة النّبويّة لابن كثير : ١ / ٢٤٢ ، سبل الهدى والرّشاد : ٢ / ١٣٥.


أنّ من شكّ بإسلام أبي طالب فقد شكّ بنبوّة محمّد ، من حيث لا يدري ولا يشعر إذ لا يمكن بحال أن نجمع بين القول بأنّ النّبيّ أتى بالبرهان القاطع على نبوّته ، وبين القول بأنّ أبا طالب غير مسلم ، مع العلم والتّسليم بصحة إدراكه ، ورجحان عقله ، وخبرته التّامة بحقيقة ابن أخيه ، وشدّة حبّه وإخلاصه له. فكلّ من قال بأنّ محمّد أتى بالدّليل الكافي الوافي يلزمه القول بإسلام أبي طالب ، وكلّ من قال بعدم إسلامه يلزمه القول بأنّ النّبيّ لم يقم الدّليل المقنع بذاته على نبوّته ، والتّفكيك جهل وتحكم وبكلمة أنّ عدم إسلام أبي طالب ـ لو فرض ـ يدل على أنّ في الواقع سرّا يستدعي عدم الإيمان بمحمّد حاشا لله ولرسوله ، ولكافله ، وحاميه ، والذّاب عنه وعن رسالته.

وربّ من يسأل ويقول : ما هو السّبب للتّشكيك بإسلام أبي طالب ما دام بهذه المنزلة والوضوح؟.

الجواب : أنّ القول بنفي الإسلام عن أبي طالب جاء جوابا للقول بنفاق أبي سفيان أليس أبو طالب والد عليّ أمير المؤمنين ، وأبو سفيان والد معاوية؟! ولا بدّ من الموازنة ، وترجيح هذا على ذلك ، أو المساواة بينهما على الأقل

سؤال ثان : لماذا لم يجاهر أبو طالب بإسلامه منذ اليوم الأوّل لدعوة الرّسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله كما فعل ولده عليّ؟.

الجواب :

أوّلا : أنّه جاهر بذلك فيما قاله من الشّعر الّذي في كتب السّير والتّأريخ ، ومنه قوله:


ولقد علمت بأنّ دين محمّد

من خير أديان البرية دينا(١)

لو لا الملامة أو حذار مسبّة

لوجدتني سمحا بذاك مبينا

ودعوتني وعرفت أنّك ناصحي

ولقد صدقت وكنت فيه أمينا(٢)

ثانيا : أنّ الإسلام كان ضعيفا في بدء الأمر ، وقد تألّبت عليه قوى الشّرك من كلّ جانب ، فكان من صواب الرّأي ، والخير للإسلام ونبيّه أن يكتم أبو طالب إيمانه إحكاما لخطة الدّفاع ، وهذا كثيرا ما يحدث بين أصحاب المباديء ، فلقد كتم مؤمن من آل فرعون إيمانه ليمكّنه الدّفاع عن موسىعليه‌السلام :( وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ ) (٣) . وأمر رسول الله نعيم من مسعود الأشجعي أن يكتم إيمانه في وقعة الأحزاب ، ليخذّل بين اليهود وقريش ، بل أذن له أن يقول فيه ما يشتهون(٤) .

وقال السّيّد محسن الأمين في الأعيان :

__________________

(١) انظر ، تأريخ أبي الفداء : ١ / ١٢٠.

(٢) هذان البيتان هما من قصيدته النّونيّة الّتي قالها «أبو طالب» لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لمّا أخافته قريش أوّلها :

والله لن يصلوا إليك بجمعهم

حتّى أوسّد في التّراب دفينا

انظر ، تفسير الثّعلبيّ ، والّذي قال فيه : «قد اتّفق على صحّة نقل هذه الأبيات عن أبي طالب ، ديوان أبي طالب : ١٢ ، السّيرة النّبوّية لزيني دحلان هامش السّيرة الحلبية : ١ / ٩١ ، و ٢١١ ، شرح ابن أبي الحديد :

٣ / ٣٠٦ ، تأريخ أبي الفداء : ١ / ١٢٠ ، فتح الباري : ٧ / ١٥٣ ، الإصابة : ٤ / ١١٦ ، المواهب اللّدنيّة بالمنح المحمدية للقسطلاني : ١ / ٦١ ، تأريخ ابن كثير : ٣ / ٤٢ ، الواحديّ في أسباب النّزول : ١٦١ ، تفسير القرطبي : ٦ / ٤٠٦ ، الإصابة : ٧ / ٢٣٦ ، مناقب آل أبي طالب : ١ / ٥٣ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ١٤ / ٥٥ ، الكاشف : ١ / ٥٠٠ ، البداية والنّهاية : ٣ / ٥٦ ، السّيرة النّبويّة : ١ / ٤٦٤.

(٣) غافر : ٢٨.

(٤) انظر ، فتح الباري : ٧ / ٣٩٣ ، فيض القدير : ٣ / ٤١١.


«لو جاهر أبو طالب بإسلامه لم يمكنه ما أمكنه من نصرة رسول الله»(١) .

وقال صاحب السّيرة الحلبيّة : «وكان من حكمة أحكم الحاكمين بقاء أبي طالب على دين قومه ، لما في ذلك من المصالح الّتي تبدو لمن تأملها»(٢) .

ويأبى الله سبحانه إلّا أن يقيم الشّواهد على الحقّ ، ولو على لسان الجاحدين والمعاندين أنّ هذا القائل ينكر إيمان أبي طالب ، ويعترف في الوقت نفسه أنّ مصلحة الإسلام تستدعي ذلك ، وذهل عن بديهة لا تقبل الشّك ، وهي أنّ الكفر بالله قبيح في ذاته ، وأنّه لم ولن تكون فيه مصلحة ولا حكمة مهما تكن الظّروف والبواعث والأهداف وأيضا ذهل أنّ الغرض المطلوب يتحقّق في كتم الإيمان ، كما فعل نعيم بن مسعود ، ومؤمن آل فرعون ، ولو شاء الله عدم إسلام أبي طالب لمصلحة النّبيّ لكان كفره أفضل من إيمانه بل وجب أن يؤاخذ ويعاقب على الإسلام والإيمان بالله ورسوله ولا قائل بهذا الهجر ، والهذايان أحد فتعيّن ـ إذن ـ القول بأنّ كتم إيمانه ، جمعا بين مصلحة الإسلام ، وقبح الكفر.

وقد وضعت كتب خاصّة في إسلام أبي طالب ومناقبه ، فليرجع إليها من أراد التّفصيل ، تسهيلا على القاريء نزوده بهذين الرّقمين :

الأوّل : جاء في السّيرة النّبوّة لابن هشام أنّ أبا طالب قال لولده عليّ : «أنّ محمّدا لم يدعك إلّا إلى خير ، فالزمه»(٣) . ولا معنى للإسلام إلّا الإعتراف بأنّ

__________________

(١) انظر ، أعيان الشّيعة : ٣ / ٥ طبعة (١٩٦٠ م). (منهقدس‌سره ).

(٢) انظر ، السّيرة الحلبيّة : ١ / ٤٦٧ ، «باب وفاة أبي طالب وزوّجته». (منهقدس‌سره ).

(٣) انظر ، السّيرة النّبوّة لابن هشام : ١ / ٢٤٧ طبعة (١٩٥٥ م). (منهقدس‌سره ). وانظر ، الإصابة لابن حجر : ـ


دعوة محمّد خير يجب اتّباعه والإلتزام به.

الثّاني : جاء في الطّبقات الكبرى لابن سعد ، وفي السّيرة الحلبيّة : «أنّ عليّا حين أخبر النّبيّ بموت أبيه (أبي طالب) بكى ، وقال : إذهب ، فاغسله وكفّنه ، وواره ، غفر الله له ورحمه»(١) .

__________________

ـ ٤ / ١١٦ ، رقم «٦٨٤» الكنى تأريخ الطّبري : ٢ / ٢١٤ ، عيون الأثر : ١ / ٩٤ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ٣ / ٣١٤ ، أسنى المطالب : ١٠.

(١) انظر ، الطّبقات الكبرى لابن سعد : ١ / ١٢٣ طبعة (١٩٥٧ م) ، السّيرة الحلبيّة : ١ / ٤٦٧ (باب وفاة أبي طالب) (منه قدس‌سره). انظر ، السّنن الكبرى : ١ / ٣٠٥ ح ١٣٥٤ ، الدراية في تخريج أحاديث الهداية : ١ / ٢٣٦ ح ٣٠٧ ، تلخيص الحبير : ٢ / ١١٥ ح ٧٥٤ ، نصب الرّاية : ٢ / ٢٨١ ، تذكرة الخواصّ : ١٠ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ٣ / ٣١٤ ، تأريخ ابن كثير : ٣ / ١٢٥ ، الإصابة : ٤ / ١١٦ ، معجم القبور : ١ / ٢٠٤ ، العقد الفريد : ٢ / ٣١٥ طبعة الجماليّة بمصر.

انظر ، بلوغ المآرب في نجاة آبائهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وعمّه أبي طالب ، تألّيف العلّامة السّيّد سليمان الأزهريّ اللّاذقيّ ، بتحقّيقنا ، لتجد مناقشة هذا الحديث والآية. انظر ، أسنى المطالب : ٢١ ، الطّبقات الكبرى : ١ / ١٠٥ ، السّيرة الحلبيّة : ١ / ٣٧٣ ، تأريخ ابن كثير : ٣ / ١٢٥ ، الإصابة : ٤ / ١١٦ ، السّيرة الحلبيّة لدحلان : ١ / ٩٠ ، السّيرة النّبويّة : ١ / ٨٤ ، أسنى المطالب : ٢١.

وقال : أنا أموت على ملّة عبد المطّلب ، ثمّ مات. انظر ، بلوغ المآرب في نجاة آبائهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وعمّه أبي طالب ، تألّيف العلّامة السّيّد سليمان الأزهريّ اللّاذقيّ ، بتحقيقنا ، لتجد مناقشة هذا الحديث وأمثاله. وانظر ، المواهب اللّدنيّة بالمنح المحمديّة للقسطلاني : ١ / ٦٢ ، الرّوض الأنف : ٤ / ٢٩ ، ولكنّ المسعوديّ يرى في عبد المطلب ، أنّه قد قال فيه : أنّه مات مسلما لمّا رأى من الدّلائل على نبوّة محمّد ٩ ، وعلم أنّه لا يبعث إلّا بالتّوحيد. وانظر ، الحاوي للفتاوي : ٢ / ٢١٩ ، الإصابة : ٧ / ١٩٨ ، السّنن الكبرى : ٤ / ٦٠ ، مشكل الآثار للطّحاوي : ١ / ١٠٨ ، العلل المتناهية لابن الجوزيّ : ٢ / ٤٢١ ، مستدرك الحاكم : ١ / ٣٧٣ ، دلائل النّبوّة للبيهقي : ٢ / ٣٤٦ ، السّيرة النّبوّية لابن هشام : ٢ / ٥٩ ، دار إحياء التّراث العربي بيروت ، ابن حجر في فتح الباري : ٧ / ١٩٣.

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله بحقّه : وصلت رحمك وجزاك الله خيرا يا عمّ. انظر ، بلوغ المآرب في نجاة آبائه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وعمّه ـ


وما كان النّبيّ ليأمر بتجهيّز من أشرك وألحد ، ويطلب له من الله الرّحمة والرّضوان وغريب حقّا أن يحتاج إسلام أبي طالب إلى دليل ، وأن يكون محلا للتّساؤل ، وهو الّذي كفل رسول الله صغيرا ، ونصره كبيرا ، ولاقى من أجله أشدّ البلاء والعناء ، حتّى أنّ أحدا لم يطمع برسول الله ، وأنّ الله لم يأمره بالهجرة إلّا بعد وفاة عمّه أبي طالب غريب أن يكون إسلام أبي طالب محلا للتّساؤل ، وقد اتّفقت الكلمة على أنّه لو لا أبو طالب لقضي على دعوة محمّد ، وهي في المهد ، ولم يكن للإسلام عين ولا أثر.

فاطمة بنت أسد

وأبوها أسد أخو عبد المطّلب جدّ النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فهيّ أوّل هاشميّة(١) . تزوّجها هاشمي ، ولم يتزوّج أبو طالب بغيرها ، وولدت له طالبا ، ولا عقب له ، وعقيلا ، وجعفرا ، وعليّا ، وكلّ واحد أسنّ من الآخر بعشر سنين ؛ وأمّ هاني ، واسمها

__________________

ـ أبي طالب ، تأليف العلّامة السّيّد سليمان الأزهريّ اللّاذقيّ ، بتحقيقنا ، لتجد مناقشة هذا الحديث والآية. انظر ، شرح النّهج لابن أبي الحديد : ٤ / ٣١٤ ، معجم القبور : ١ / ١٩١ و ٢٠٤ ، شيخ الأبطح : ٤٣ ، تذكرة الخواصّ : ١٠ ، إيمان أبي طالب : ١٠ ، الطّبقات الكبرى : ١ / ١٠٥ ، السّيرة الحلبية : ١ / ٣٧٣ ، أسنى المطالب : ٣٥ ، تأريخ ابن كثير : ٣ / ١٢٥ ، الإصابة : ٤ / ١١٦ ، الحجّة على الذّاهب إلى تكفير أبي طالب لابن فخّار : ١٤٥.

(١) انظر ، النّعيم المقيم لعترة النّبأ العظيم ، محمّد بن عبد الواحد الموصليّ : ١٤٥ ، بتحقّيقنا ، طرز الوفا في فضائل آل المصطفى : ٢٩٧ ، بتحقّيقنا ، فرائد السّمطين : ١ / ٣٢٨ / ٣٠٨ ، تذكرة الخواصّ : ٢٠ ، شرح النّهج لابن أبي الحديد : ١ / ١٤ ، الإمامة والسّياسة : ١ / ٧٥ ، المناقب لابن المغازلي : ٦ ، المعارف : ٢٠٣ ، ينابيع المودّة : ١ / ٤٦٧ هامش ٨ ، الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة لابن الصّباغ المالكي : ١ / ١٧٣ ، بتحقّيقنا.


فاختة(١) .

ولمّا كفل أبو طالب محمّدا أنزلته من قلبها منزلة الأحشاء ، وجعلته نصب عينيها ، إن غاب عنها لحظة لم يغب مثاله ، ولم تفقد شخصه ، وتذهل عن كلّ شيء ، حتّى يحضر ، فتشتغل بتغذيته ، وغسله ، وتنظيفه ، وتلبيسه ، وتدهينه ، وتعطيره ، وإصلاح شأنه فإذا كان اللّيل اشتغلت بفرشه ، وتوسيده ، وتمهيده ، فكانت لا تغفل عنه وعن خدمته لحظة في ليل ولا نهار ، وكان يسميها أمّي.

ولمّا توفّيت كفّنها رسول الله بقميصه ، وأمر(٢) من يحفر قبرها ، فلمّا بلغوا اللّحد حفره بيده ، واضطجع فيه ، وقال ، «أللهمّ اغفر لأمّي فاطمة بنت أسد ، ولقّنها حجّتها ، ووسّع عليها مدخلها ، فقيل له : يا رسول الله! رأيناك صنعت شيئا لم تكن تصنعه بأحد قبلها ، فقال ألبستها قميصي لتلبس من ثياب الجنّة ، واضطجعت في قبرها ، ليوسع الله عليها ، وتأمن ضغط القبر ، أنّها كانت من أحسن خلق الله صنعا إليّ بعد أبي طالب»(٣) .

صنع النّبيّ بها هذا وفاء لإحسانها ، واعترافا بجميلها ، ومع هذا فقد جعله دون إحسان عمّه أبي طالب ، لأنّها أحسنت إليه بالذات ، وعمّه أحسن للإسلام

__________________

(١) تقدّمت تخريجاته. انظر ، كتاب «مناقب آل أبي طالب» : ٢ / ١٩. لا حظت ، وأنا اتّتبع كتب الفضائل أنّ ما من منقبة يذكرها الشّيعة لأهل البيت إلّا وفي كتب السّنّة مثلها.

(٢) أمر ، اسامة بن زيد ، وأبا أيوب الأنصاري ، وعمر بن الخطّاب ، وغلاما أسود. (منهقدس‌سره ).

(٣) انظر ، فرائد السّمطين : ١ / ٣٢٨ / ٣٠٨ ، شرح النّهج لابن أبي الحديد : ١ / ١٤ ، الإمامة والسّياسة :

١ / ٧٥ في الهامش رقم (٢) ، المعارف : ٢٠٣ ، ينابيع المودّة : ١ / ٤٦٧ هامش ٨ ، الفصول المهمّة في معرفة الأئمة لابن الصّباغ المالكي : ١ / ١٧٣ ، بتحقيقنا ، النّعيم المقيم لعترة النّبأ العظيم ، محمّد بن عبد الواحد الموصليّ : ١٤٥ ، بتحقّيقنا ، طرز الوفا في فضائل آل المصطفى : ٢٩٧ ، بتحقّيقنا ، تذكرة الخواصّ : ٢٠ ، المناقب لابن المغازلي : ٦ ، وكتاب «مناقب آل أبي طالب» : ٢ / ١٩.


والمسلمين جميعا ولو لا دفاع أبي طالب وسيف ولده عليّ لما قام للإسلام قائمة ، ولما عاش فى ظلّه إنسان وغريبة الغرائب أن يعترف النّبيّ بأنّ لعمّه حقوقا دونها حقوق الأمّهات على الأبناء ، ثمّ يقول من يدّعي الإسلام : أنّه في ضحضاح من نار(١) ، لا لشيء إلّا لأنّ في هذا الإفتراء مسّا بعليّ وخلافة عليّ وبالتالي ، فإنّ على الباحث المنصف أن يضع هذه الحقيقة في حسابه ، وهو يقرأ أو يسمع لمن أنكر إسلام أبي طالب عليه أن يقف موقف المدقق الّذي ينظر إلى أبعد الأسباب والدّوافع ، لا موقف الجاهل المقلّد الّذي لا يعرف إلّا المظاهر ، ويؤمن بالكلمة المطبوعة ، لا لشيء إلّا لأنّها مطبوعة ، وكفى.

__________________

(١) بفتح الضّاد المعجمة بعدها الحاء المهملة السّاكنة : هو في الأصل مارقّ من الماء على وجه الأرض ما يبلغ الكعبين ، فاستعاره للنّار ، ذكره (ابن الأثير في حرف الضّاد) بعد أن ذكر الحديث المذكور. وحديث الضّحضاح ، هذا الحديث من الأحاديث الموضوعة الّتي وضعها الوضّاعون لبني أميّة خاصّة. فقد ورد في صحيح مسلم : ١ / ١٣٤ و ١٣٥ باب شفاعة النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لأبي طالب ، وصحيح البخاريّ : ٢ / ٢٠١ باب قصّة أبي طالب.

انظر ، ترجمة رواة الحديث في تهذيب التّهذيب : ٧ / ٤١ ، ميزان الإعتدال للذّهبي : ٣ / ٩٦ و ١٥١.

انظر ، بلوغ المآرب في نجاة آبائهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وعمّه أبي طالب تألّيف العلّامة السّيّد سليمان الأزهريّ اللّاذقيّ ، بتحقّيقنا. فقد عالج الحديث الموضوع دلالة وسندا.



الإنتساب إلى النّبيّ

ليس من شك أنّ القربى من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ليست بالشّيء اليسير ، ولكن ما هي هذه القربى؟. وبأي شيء ينال الإنسان شرفها؟. هل يناله لمجرد الإنتساب بالولادة إلى محمّد ، أو لا بدّ من شيء آخر؟.

الجواب :

أنّ من انتسب إلى رسول الله بالولادة أشبه بمن انتسب إلى الإسلام ، لنطقه بالشّهادتين فمن قال : لا إله إلّا الله ، محمّد رسول الله تصحّ نسبته شرعا إلى الإسلام ، ولو فعل ما فعل وكذا من ولدته فاطمة الزّهراءعليها‌السلام تصّح نسبته إلى محمّد واقعا ، ولغة ، وعرفا ، ولو كان بينه وبينه ألف واسطة وواسطة(١) .

ولكن إذا اعتبر الإسلام الشّهادتين أساسا وركنا من أركانه ، فليس معنى ذلك أنّ هذه هي حقيقة الإسلام ، وكفى ، وأنّه في واقعة لا يعدو الشّكل والكلام ، كيف؟. ولو كانت هذه حقيقته ، وهذا واقعه لإستوى عند الله سبحانه الأئمّة والمقلّدون ، والمجاهدون ، والمتخلفون ما داموا جميعا يشهدون لله بالوحدانية ، ولمحمّد بالرّسالة.

__________________

(١) وقيل : مع كثرة الواسطات تصّح النّسبة لغة ، لا عرفا ، لأنّه مع بعد الزّمن وطول السّلسلة تكون النّسبة إلى الجدّ الأوّل تماما كنسبة أبناء هذا الجيل ومن بعده إلى أبي البشر آدم.


أنّ المسلم منه العالم والجاهل ، ومنه العادل وغير العادل ، ومنه المجاهد والقاعد ، ولكلّ درجته ومرتبته عند الله سبحانه ، وأحكامه الخاصّة في هذه الحياة فالعالم يرجع إليه في معرفة الشّريعة وفصل الخصومات ، والعادل يؤتّم به في الصّلاة ، ويؤخذ بحديثه وشهادته ، والمجاهد يعطي الأفضليّة في كثير من الحقوق الماديّة والأدبيّة.

أجل ، هناك آثار وأحكام تعم الجميع بالسّواء ، وبدون استثناء ، فكلّ من قال : لا إله إلّا الله محمّد رسول الله حفظ ماله ودمه ، وجرت عليه أحكام الزّواج والمواريث ، وكان له ما للمسلمين ، وعليه ما عليهم في الشّؤون العامّة وكذلك من انتسب بالولادة من طريق الأب إلى هاشم منه الصّالح والطّالح ولكلّ درجته وأحكامه الخاصّة ، ويشترك الجميع في بعض الأحكام من أخذ الأخماس ، والنّذورات ، والأوقاف الخاصّة بالسّادات المنتسبين ، وحرمان المنتسب من الزّكاة إلّا من منتسب مثله(١) . هذا ما يمتاز به المنتسب على غيره يأخذ من أموال الأغنياء ما يسد به حاجته وكفى أمّا أن يفخر ويعتز ، أمّا أن يشمخ ويعلو لمجرد الإنتساب فلا.

وهنا سؤال يفرض نفسه ، وهو إذا كان الأمر كذلك ، فعلام أمر الله ورسوله بمودّة القربى وطاعتهم والتّمسك بحبلهم؟.

ونجد الجواب في خطبة خطبها الحسينعليه‌السلام في مكّة وهو متوجّه إلى العراق ،

__________________

(١) يقول الشّيعة : أنّ لله حقوقا في أموال الأغنياء تنفق على المعوزين ، وفي وجوه البر والصّالح العام ، ويقسمون هذه الحقوق على نوعين : نوع يسمّونه الزّكاة ، وآخر يسمّونه الخمس ، وللفقير المنتسب إلى هاشم من طريق الأب إن يأخذ من الخمس ، سواء أكان الغني الّذي يعطي الخمس منتسبا أو غير منتسب ، أمّا الزّكاة فليس للمنتسب أن يأخذ منها إلّا إذا كان المعطي لها منتسبا مثل الآخذ.


فقد جاء فيها : «الحمد لله ما شاء الله ، ولا قوّة إلّا بالله ، وصلّى الله على رسوله ، خطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة ، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف وخير لي مصرع أنا لاقيه ، كأنّي بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النّواويس ، وكربلاء فيملأنّ منّي أكراشا جوفا ، وأجربة سغبا ، لا محيص عن يوم خطّ بالقلم ، رضا الله رضانا أهل البيت نصبر على بلائه ويوفينا أجور الصّابرين ، لن تشذّ عن رسول الله لحمته بل هي مجموعة له في حظيرة القدس تقرّبهم عينه ، وينجز بهم وعده ، من كان باذلا فينا مهجته ، وموطّنا على لقاء الله نفسه فليرحل معنا فإنّني راحل ، مصبحا إنّ شاء الله تعالى»(١) . فالقربى الّذين أمر الله بمودّتهم وطاعتهم هم أهل بيت الرّسول خاصّة ، وليس كلّ من انتسب إلى النّبيّ أو إلى جدّه هاشم بالولادة وأهل بيته هم الّذين لا يشذون عنه في قول أو فعل ، هم المثل الأكمل لشخص الرّسول وعلومه وأخلاقه ، وجميع مبادئه ، فإذا تكلموا نطقوا بلسانه ، وإذا فعلوا عبّروا عن رسالته ، ولا شيء أدل على ذلك من حديث الثّقلين الّذين أوجب التّمسك بهم ، تماما كما أوجب التّمسك بكتاب اللهعزوجل .

وهل لمنتسب ـ غير الأئمّة الأطهار ـ أن يدّعي ويقول تجب مودّتي وطاعتي على النّاس محتجّا بهذا الحديث وآية التّطهير وما إليهما؟

أنّ الّذين تجب طاعتهم ومودّتهم هم آل البيت الّذين حدّدهم سيّد الشّهداء بقوله : «رضا الله رضانا أهل البيت» ثمّ أومأ إلى سبب هذا الرّضا بقوله : «لن تشذّ عن رسول الله لحمته» فهم من الرّسول ، والرّسول منهم ، وهو لا يغضب ولا

__________________

(١) تقدّمت تخريجاته.


يرضى إلّا لله فهم كذلك ، حيث لا شذوذ ولا انفصال.

وبالتالي ، فإنّ الإنتساب إلى النّبيّ بالإسم واللّفظ يصحّ لمجرد الولادة ، أمّا الإنتساب إليه بالرّوح فيبحث ـ أوّلا وقبل كلّ شيء ـ عن دلائله في النّوايا والأعمال الّتي ترضي الله سبحانه ، لا في سلسلة الآباء والأجداد.


في بيت فاطمة

ولدت زينب الحوراء في بيت لا شيء فيه من الدّنيا وزخرفها ، وفيه من التّقى والصّلاح كلّ شيء رأت النّور في هذا البيت الطّاهر الّذي ضمّ أباها سيّد الوصيّين ، وأمّها سيّدة نساء العالمين(١) ، وأخويها ريحانتي رسول ربّ العالمين(٢) استقبل بيت فاطمة أبناءه الثّلاثة في ثلاث سنوات : الحسن سنة (٣ ه‍) ، والحسين سنة (٤ ه‍) ، وزينب سنة (٥ ه‍)(٣) .

__________________

(١) انظر ، مسند أحمد : ٥ / ٣٩١ ، و : ٣ / ٣ و ٦٢ و ٨٢ ، صحيح التّرمذي : ٢ / ٣٠٦ ، و : ٥ / ٣٢٦ باب ١١٠ ح ٣٨٧٠ ، كنز العمّال : ١٢ / ١١٢ و ٦ / ٢١٧ و ٢١٨ ، تأريخ دمشق : ٧ / ١٠٢.

(٢) هذه الكلمة مأخوذة من سورة الواقعة ٨٨ و ٨٩ :( فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ ) . ويشير إليها بقوله «من الدّنيا» فهو ريحانة رسول الله في الدّنيا في قبال ريحان الجنّة في الجنّة للمقّربين. انظر ، مطالب السّؤول في مناقب آل الرّسول : ٢٤٠ ، صحيح البخاري : ٢ / ١٨٨ ، و : ٤ / ٢١٧ ، سنن التّرمذي : ٥٣٩ ، خصائص النّسائي : ٢٦ ، الإستيعاب : ١ / ٣٨٥. صحيح التّرمذي : ٢ / ٣٠٦ ، ٥ / ٣٢٢ / ٣٨٥٩ ، البخاري في الأدب المفرد : ١٤ ، مسند أحمد : ٢ / ٨٥ و ٩٣ و ١١٤ و ١٥٣ ، مسند الطّيالسي : ٨ / ٢٦٠ ، حلية الأولياء : ٥ / ٧٠ ، و : ٣ / ٢٠١ ، خصائص النّسائي : ٣٧ ، فتح الباري في شرح البخاري : ٨ / ١٠٠ ، كنز العمّال : ٦ / ٢٢٠ ـ و ٢٢٢ ، و : ٧ / ١٠٩ و ١١٠ ، و : ١٢ / ١١٣ / ٣٤٢٥١ ، مجمع الزّوائد : ٩ / ١٨١ ، ذخائر العقبى : ٤١ ، مستدرك الصّحيحين : ٣ / ١٦٥ ، الرّياض النّضرة : ٢ / ٢٣٢ ، الصّواعق المحرقة : ١٩١ ب ١١ فصل ٣ ، مودّة القربى : ٣٤ ، ينابيع المودّة : ٢ / ٤٨ و ٣٧ و ٣٢٩ ، و : ٣ / ١٠ طبعة اسوة.

(٣) تقدّمت تخريجاته. وانظر ، السّيرة لابن إسحاق : ٢٢٦ ، صحيح البخاري : ٣ / ١٣٦٠ ح ٣٥٠٦ و : ـ


وكان النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لا يصبر عن بيته هذا ، ولا يشغله عنه شاغل ، بخاصّة بعد أن نبتت فيه رياحينه فإذا دخله قبل هذا ، وشمّ ذاك ، وابتسم لتلك ودخله ذات يوم فأخذ الحسن وحمله ، فأخذ عليّ الحسين وحمله ، فأخذت فاطمة زينب وحملتها(١) ، فاهتزّت أركان البيت طربا لجو الصّفوة المختارة ، وابتهاج الرّسول بآله ، وابتهاجهم به وتدلنا هذه الظّاهرة وكثير غيرها أنّ محمّدا كان أكثر الأنبياء غبطة وسعادة بأهل بيته ، كما أنّه كان أشدّهم بلاء بقومه من أمثال أبي جهل ، وأبي سفيان.

ولدت الحوراء في هذا البيت ، حيث كان النّبيّ يبتهج ، وينعم فيه بالسّكينة والإطمئنان ، ورضعت من ثدي الطّهر ، من بضعة الرّسول الأعظم ، ودرجت مع أخويها سيّدي شباب أهل الجنّة(٢) ، وأخذت العلم عن أبيها باب مدينة العلم(٣) ،

__________________

ـ ٤ / ١٥٥٥ ح ٤٠١٦ و : ٥ / ٢٤ ، تهذيب الكمال : ١٤ / ٣٦٩ ، الاستيعاب : ١ / ٢٤٢ ، الطّبقات الكبرى : ٤ / ٣٩ ، الإصابة : ١ / ٤٨٧ ، تهذيب الأسماء : ١ / ١٥٥ ، التّرغيب والتّرهيب : ٢ / ٢٠٦ ح ٢١١٧ ، مجمع الزّوائد : ٩ / ٢٧٣ ، المعجم الكبير : ٢ / ١٠٧ ح ١٤٦٧ و : ١١ / ٣٦٢ ح ١٢٠٢٠ ، أنساب الأشراف : ٢ / ١٨٩ ، تأريخ اليعقوبي : ٢ / ٢١٣ ، تأريخ الطّبري : ٥ / ١٥٣.

(١) انظر ، بحار الأنوار : ١٠ / ٥٨. (منهقدس‌سره ).

(٢) تقدّمت تخريجاته.

(٣) لقد وصل إلينا حديث «أنا مدينة العلم وعليّ بابها» متواترا عن طريق الشّيعة ، والسّنّة كما صرح بذلك أكثر الفقهاء ، والعلماء ، وأصحاب الحديث ، والسّنن مع وجود بعض الإختلاف في اللّفظ. انظر ، تأريخ دمشق / ترجمة الإمام عليّعليه‌السلام : ٣ / ٤٦٧ ، والمناقب لابن المغازلي : ٨١ ، وصحيح التّرمذي : ٢ / ٢٩٩ ح ٣٨٠٧ ، سنن التّرمذي : ٥ / باب ٨٧ / ٣٠١ ، وأخرجه الطّبراني في المعجم الكبير : ٣ / ١٠٨ ، و : ١١ / ٥٥ / ١١٠٦١ عن ابن عبّاس ، الحاكم في المناقب : ٢٢٦ ، مستدرك الصّحيحين : ٣ / ١٢٦ و ١٢٧ و ١٢٩ ، أسنى المطالب للجزري : ٧٠ و ٧١ ، تأريخ بغداد : ١١ / ٢٠٤ و ٤٨ و ٤٩ و : ـ


ثمّ خرجت من هذا البيت لتستقبل ما تخبئه لها الأيّام بصدر أوسع من الفضاء ، وقلب أثبت من الجبال الرّاسيات وليس هذا بغريب من السّيّدة الحوراء ما دام البيت الّذي نشأت فيه يتّجه بها إلى سبيل خاتم النّبيّين ، وسيّد المرسلين.

وقد روى الرّواة أنّ امرأة أصلها من الهند تسمّى فضّة كانت تختلف وتتردّد إلى بيت فاطمة تعينها على بعض الأعمال البيتية ، وأنّها أصبحت بعد ذلك من القانتات الصّالحات ، فكيف بمن كان من هذا البيت في الصّميم؟ وما يحكى عن فضّة هذه أنّها بقيت بعد سيّدتها فاطمة عشرين عاما لا تتكلم إلّا بالقرآن

__________________

ـ ٢ / ٣٧٧ و : ٤ / ٢٤٨ ، و : ٧ / ١٧٢ ، لسان الميزان لابن حجر : ١ / ١٩٧ تحت رقم ٦٢٠ ، الصّواعق المحرقة : ٧٣ و ١٢٠ و ١٢٢ / ٩ طبعة المحمّدية أورد الحديثين «أنا مدينة العلم ...» و «أنا دار الحكمة ...».

وانظر تهذيب التّهذيب : ٦ / ٣٢٠ ، و : ٧ / ٤٢٧ ، تذكرة الحفّاظ : ٤ / ٢٨ طبعة حيدر آباد ، الفردوس لأبي شجاع الدّيلمي : ١ / ٧٦ / ١٠٩ ، مودّة القربى : ٢٤ ، مصابيح السّنّة للبغوي : ٢ / ٢٧٥ ، الجامع الصّغير للسّيوطي : ١ / ٣٧٤ ح ٢٧٠٥ و ٢٧٠٤ طبعة مصطفى محمّد ، منتخب كنز العمّال بهامش مسند أحمد : ٥ / ٣٠ ، وكنز العمّال : ٦ / ١٥٢ و ١٥٦ ، و ١١ / ٦١٤ / ٣٢٩٧٩ ، و ٦٠٠ / ٣٢٨٨٩ ، و : ١٣ / ١٤٧ / ٣٦٤٦٢ و ٣٦٤٦٣ ، و : ١٥ / ١٢٩ / ٣٧٨ الطّبعة الثّانية ، الفتح الكبير للنّبهاني ، ١ / ٢٧٢ و ٢٧٦ ، البداية والنّهاية لابن كثير : ٧ / ٣٥٨ ، مجمع الزّوائد للهيثمي : ٩ / ١١٤ ، حلية الأولياء : ١ / ٦٤ و ٦٣ ، فرائد السّمطين : ١ / ٩٨ ، شواهد التّنزيل للحافظ الحسكاني : ١ / ٣٣٤ / ٤٥٩ و ٨١ / ١١٨ و ٨٢ / ١١٩ و ١٢٠ و ١٢١ طبعة أخرى ، الرّياض النّضرة : ٢ / ١٩٣ و ٢٥٥ الطّبعة الثّانية.

وراجع فضائل الخمسة : ٢ / ٢٤٨ و ٢٥٠ ، جامع الأصول : ٩ / ٤٧٣ / ٦٤٨٩ ، شرح النّهج لابن أبي الحديد : ٢ / ٢٣٦ طبعة بيروت ، و : ٧ / ٢١٩ طبعة مصر بتحقّيق محمّد أبو الفضل ، ميزان الإعتدال للذّهبي : ١ / ٤١٥ و ٤٣٦ تحت رقم ٤٢٩ ، و : ٢ / ٢١٥ ، و : ٣ / ١٨٢ ، و : ٤ / ٩٩ ، اسد الغابة : ٤ / ٢٢ ، تأريخ دمشق لابن عساكر الشّافعي / ترجمة الإمام علي عليه‌السلام : ٢ / ٤٥٩ / ٩٨٣ و ٤٦٤ و ٤٧٦ حديث ٩٨٤ و ٩٨٦ و ٩٩٧.


قال صاحب البحار :

أنّ فضّة حجّت مع أربعة من أولادها ، وانقطعت في الطّريق عن القافلة ، فرآها رجل من عرب البادية ، وقبل أن يسلّم قال لها :

من أنت؟.

فتلت قوله تعالى :( وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) (١) .

فسلّم الرّجل ، وقال : ما تصنعين هنا؟.

فتلت :( وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ ) (٢) .

فقال : أمن الجنّ أنت أم الإنس؟.

فتلت :( يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ ) (٣) .

قال : أين تقصدين؟.

فتلت :( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ) (٤) .

قال : متى انقطعت عن القافلة؟.

فتلت :( وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ) (٥) .

قال : أتشتهين طعاما؟.

فتلت :( وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ ) (٦) .

__________________

(١) الزّخرف : ٨٩.

(٢) الزّمر : ٣٦.

(٣) الأعراف : ٣١.

(٤) آل عمران : ٩٧.

(٥) سورة ق : ٣٨.

(٦) الأنبياء : ٨.


فاطعمها ، ثمّ قال لها : عجلي بالسّير معي.

فتلت :( لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ) (١) .

فقال : أردفك خلفي على النّاقلة؟

فتلت :( لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتا ) (٢) .

فنزل وأركبها.

فتلت :( سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا ) (٣) .

وحين أدرك الرّكب قال لها : ألك أحد فيه؟.

فتلت :( وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ ) (٤) .( يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ ) (٥) .

( يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ) (٦) .( يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ ) (٧) .

فصاح الرّجل بهذه الأسماء ، فأتى أربعة شباب ، فقال لها : من هؤلاء؟.

فتلت :( الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا ) (٨) ، ثمّ التفتت إلى أبنائها الأربعة ، وتلت( يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ) (٩) . فأعطوه بعض

__________________

(١) البقرة : ٢٨٦.

(٢) الأنبياء : ٢٢.

(٣) الزّخرف : ١٣.

(٤) آل عمران : ١٤٤.

(٥) مريم : ١٢.

(٦) القصص : ٣٠.

(٧) سورة ص : ٢٦.

(٨) الكهف : ٤٦.

(٩) القصص : ٢٦.


الشّيء ، فاستقلته فضّة ، وتلت :( وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ ) (١) فزادوه.

وسأل الرّجل الشّباب الأربعة عن عادة أمّهم هذه؟

فقالوا : هذه فضّة جارية الزّهراء ، وما تكلمت إلّا بالقرآن منذ (٢٠) عاما(٢) .

بقيت زينب مع أمّها ست سنوات ، ويقول علماء النّفس التّربوي : أنّ الطّفل بعد أن يتم الثّالثة تبدأ مرحلة التّوافق بينه وبين بيئته ، والتّميّيز بين الألفاظ والمعاني ، وأنموّه العقلي في هذه السّن يتّجه بصاحبه إلى كشف ما يحيط به ممّا يرى ويسمع ، وأنّ هذا الكشف يترك آثارا تعمل عملها في نفس الطّفل إلى آخر يوم في حياته وكانت زينب ترى ـ في هذه المرحلة ـ أمّها فاطمة تقوم للصّلاة ، حتّى تتورم قدماها ، وتبيت على الطّوى هي وصغارها ، وتطعم الطّعام( وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ) (٣) ، وتلبس الثّياب الخلقه ، وتكسوا الفقراء جديد الملابس(٤) .

رآها سلمان الفارسي(٥) مرّة ، فبكى ، وقال : «أنّ قيصر وكسرى في السّندس

__________________

(١) البقرة : ٢٦١.

(٢) انظر ، بحار الأنوار : ١٠ / ٢٦. (منهقدس‌سره ). و : ٤٣ / ٨٦ ح ٨ ، مناقب آل أبي طالب : ٣ / ١٢١.

(٣) الإنسان : ٨.

(٤) انظر ، درّر السّمط في خبر السّبط : ٦١ ، شواهد التّنزيل : ٢ / ٣٣٢ و ٤٠٣ ، أسباب نزول الآيات ، الواحدي : ٢٩٦ ، زاد المسير : ١ / ٣٢١ ، الدّر المنثور : ٦ / ٣٩٩.

(٥) هو من نسل الملوك ، وجدّ آبائه «منوجهر» مؤسّس الدّولة الثّانية من دول الفرس القديمة ، ولكنّ سلمان يرفض الانتساب لغير الإسلام ، وكان يقول : أنا ابن الإسلام ، أعتقني الله بمحمّد ، ورفعني بمحمّد ، وأغناني بمحمّد ، وصلّى الله على محمّد وآل محمّد ، فهذا حسبي ونسبي. هو منوجهر بن محمّد بن تركانشاه ، أبو الفضل بن أبي الوفاء. انظر مختصر ابن الدّبيثي : ٣٥٠ ، العبر : ٤ / ٢٢٦ ، بغية ـ


__________________

ـ الوعاة : ٣٩٩ ، ويظهر من بعض المؤرخين هو زراداشت ، كما يظهر من سؤالات حمزة للدّار قطني : ٥٠ ، فهرست منتخب الدّين : ١٥٢ و ٣٥١ ، ذيل تأريخ بغداد : ٢ / ٥١ ، تذكرة الحفاظ : ٢ / ٧٦٥ ، سير أعلام النّبلاء : ١ / ٥٥٥ ، ويظهر من ترجمته أنّه كان أديبا فاضلا صادقا ، حسن الطّريقة صدوقا. انظر المستفاد من ذيل تأريخ بغداد لابن الدّمياطي : ١ / ١٧٥ ، تأريخ ابن خلدون : ٤ / ٤٩٨ ، معجم الأدباء : ١٩ / ١٩٦.

وأقره محمّد على هذا الحسب والنّسب ، وقال : «سلمان منّا أهل البيت». وكان يقال له : سليمان المحمّدي ، وسلمان الخير ، وسلمان الحكمة والعلم ، وسلمان باك أي النّظيف في لغة الفرس ، والطّيّب ، والطّاهر ، وصاحب الكتابين : القرآن ، والإنجيل.

مكانته :

كان من رؤوس الصّحابة ، وأقطابهم علما ، وتقى ، وجهادا ، وكان عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الخليل الأثير ، قال ابن عبد البر في «الاستيعاب» : ٢ / ٥٦ طبعة سنة ١٩٣٩ م :

وروى أبو بردة عن أبيه عن النّبيّ أنّه قال : «أمرني ربّي بحبّ أربعة ، وأخبرني أنّه يحبّهم ، وهم عليّ ، وسلمان ، وأبوذرّ ، والمقداد». انظر ، سنن التّرمذي : ٥ / ٢٩٩ ح ٣٨٠٢ ، طبعة دار الفكر ، اسد الغابة : ٥ / ٢٥١ ح ٥٠٦٩ ، مسند أحمد : ٥ / ٣٥١ ، تأريخ الإسلام للذّهبي : ٢ / ٤٠٩ ، جامع الأصول لابن الأثير : ٨ / ٥٧٩ ح ٦٣٩٣ ، الصّواعق المحرقة : ١٢٢ ، تأريخ ابن عساكر : ٦ / ١٩٨ و : ٢١ / ٤٠٩ و : ٦٠ / ١٧٥ و : ٦٦ / ١٨٩ ، سنن ابن ماجه : ١ / ٥٣ ح ١٤٩ ، مجمع الزّوائد : ٩ / ١٥٥ ، المعجم الأوسط : ٧ / ١٥٦ ، كنز العمّال : ١١ / ٦٣٩ ح ٣٣١١١ ، فيض القدير شرح الجامع الصّغير : ٢ / ٢٧١ ح ١٦٩٢ ، تهذيب التّهذيب : ١ / ٢٨٦ طبع حيدر آباد الدّكن ، تهذيب الأسماء واللّغات : ٢ / ١١٢ طبع المنيرية بمصر ، كنى البخاريّ : ٣١ الرّقم «٢٧١» ، تهذيب الكمال : ١١ / ٢٥١ و : ٢٨ / ٤٥٦ و : ٣٣ / ٣٠٦ ، سير أعلام النّبلاء : ٢ / ٦١ ، الإصابة : ٦ / ١٦٦ ، مناقب الخوارزمي : ٧٥ ، مستدرك الحاكم : ٣ / ١٣٠ ، حلية الأولياء : ١ / ١٩٠ ، فضائل الصّحابة لأحمد بن حنبل : ٢ / ٦٨٩ ، سبل السّلام : ١١ / ٢٩١ ، ينابيع المودّة : ١ / ٣٧٥ و : ٢ / ٨٩ و : ٣ / ١٤٢.

وعن الإمام أمير المؤمنين أنّه قال : «أنا سابق العرب ، وسلمان سابق الفرس ، وصهيب سابق الرّوم ، وبلال سابق الحبش ، وخبّاب سابق النّبط». انظر ، المستدرك على الصّحيحين : ٣ / ٢٨٥ ، مجمع الزّوائد : ٩ / ٣٠٥ ، المصنّف لعبد الرّزاق الصّنعاني : ١١ / ٢٤٢ ح ٢٠٤٣٢ ، المعجم الصّغير : ١ / ١٠٤ ـ ،


__________________

ـ المعجم الأوسط : ٣ / ٢٤١ ، المعجم الكبير : ٨ / ٢٩ و : ٢٤ / ٤٣٥ ، تأريخ المدينة : ٢ / ٤٧٩ ، سبل السّلام : ١ / ٤٦٨ ، تقريب التّهذيب : ٢ / ٥٨٧ ، الإصابة : ٣ / ٣٦٥ ، اسد الغابة : ٣ / ٣١ ، سير أعلام النّبلاء : ١ / ٣٤٩ و : ٨ / ٥٣٠ ، ميزان الإعتدال : ١ / ٣٣٦ ، الكامل لابن عدي : ٢ / ٧٥ و : ٧ / ١٦٧ ، تأريخ دمشق : ١٠ / ٤٤٨ و : ٢٤ / ٢٢٠ ، الدّر المنثور : ٦ / ١٥٤ ، فيض القدير شرح الجامع الصّغير :٣ / ٥٧ ح ٢٦٩٥ و : ٤ / ١٧٧ ح ٤٧٩٣ ، كنز العمّال : ١١ / ٤٠٨ ح ٣١٩٠٩ و ٣٣١٣٣ و ٣٣٦٧٦ ، مسند الشّاميين : ٢ / ١١ ، الجامع الصّغير : ١ / ٤١٣ ح ٢٦٩٥ و : ٢ / ٦٦ ح ٤٧٩٣.

زوجته وأولاده :

تزوّج عربية توفيت في حياته ، فتزوّج عجمية ومات عنها. ذكر أنّه تزوّج مولاة له يقال لها بقيرة ، كوفية ثقة. انظر ، مسند أحمد : ٥ / ٤٣٩ ، مجمع الزّوائد : ٩ / ٣٤٤ ، سير أعلام النّبلاء : ١ / ٤٠٢ ، المصنّف لعبد الرّزاق الصّنعاني : ٨ / ١٨٢ ح ٢٥ ، الأدب المفرد : ٥٩ ح ٢٣٤ ، المعجم الكبير : ٦ / ٢١٥ ، الطّبقات الكبرى : ٤ / ٩٢ و ٩٤ ، التّأريخ الصّغير : ١ / ٩٧ ، معرفة الثّقات للعجلي : ٢ / ٤٤٩ ح ٢٣٢٥ ، إكمال الكمال : ٧ / ٣٦٢ ، تأريخ دمشق : ٢١ / ٤٥٧ ، سير أعلام النبلاء : ١ / ٥٥٣ ، حلية الأولياء : ١ / ٢٠٨.

له ستة أولاد : ثلاثة ذكور عبد الله وقد أعقب ، ومحمّدا أيضا أعقب ، ومن نسله علماء وشعراء ، وكثير ، ولا يعرف له عقب ، وثلاث بنات : واحدة كانت بأصفهان ، ولها عقب ، واثنتان كانتا بمصر. روي أنّ سلمان خطب إلى عمر بن الخطّاب ، فكره عبد الله بن عمر ذلك ، فقال له عمرو بن العاص : أنا أكفيك ، فلقى عمرو بن العاص سلمان الفارسي ، فقال : ليهنئك يا سلمان ، فقال : وما هو؟ فقال : تواضع لك أمير المؤمنين ، فقال سلمان : لمثلي يقال هذا؟ والله لا نكحتها أبدا.

انظر ، المبسوط للسّرخسي : ٥ / ٢٣ ، البحر الزّخّار : ٤ / ٨٠ ، سلمان المحمّدي للشّيخ عبد الواحد المظفر الطّبعة الحيدرية سنة ١٣٧١ ه‍ ، سبل السّلام : ٣ / ١٣٠ ، تأريخ الخميس : ١ / ٣٥١ ، السّنن الكبرى : ٧ / ٢٧٣ ، التّأريخ الصّغير للبخاري : ١ / ٩٧.

وفاته :

انتقل إلى ربّه سنة (٣٥ ه‍) ، ودفن في البلدة المعروفة بسلمان باك على ضفاف دجلة الشّرقي ، وتبعد ثلاثة فراسخ من بغداد ، ويؤم قبره الشّريف ألوف الزّائرين من كلّ فجّ.

انظر ، الاستيعاب : ٢ / ٥٣ ـ ٥٩ ، الإصابة : ٢ / ٦٠ ، الطّبريّ : ٢ / ٤٤٣ ، ابن هشام : ٤ / ٣٣٥ ، مسند ـ


والحرير ، وابنة محمّد في ثياب باليلة»(١) وروي أنّه كان عند عليّ وفاطمة جلد كبش. ولذا قال الإمام عليّعليه‌السلام : «لقد تزوّجت فاطمة ومالي ولها فراش غير جلد كبش ننام عليه باللّيل ، ونعلف عليه النّاضح(٢) بالنّهار ، ومالي ولها خادم غيرها»(٣) أمّا صدقها فقد نقل صاحب الإستيعاب في ترجمتها عن عائشة أنّها قالت : «ما رأيت أحدا كان أصدق لهجة من فاطمة إلّا أن يكون والدهاصلى‌الله‌عليه‌وآله »(٤) . وبكلمة أنّ زينب رأت جدّها الرّسول ممثلا في أمّها فاطمة

__________________

ـ أحمد : ١ / ٥٥ ، الرّياض النّضرة : ١ / ١٦٧ ، تأريخ الخميس : ١ / ١٨٨ ، ابن الأثير : ٢ / ١٢٦ ، ابن كثير : ٥ / ٢٤٥ ، تأريخ اليعقوبي : ٢ / ١٠٣ ، اسد الغابة : ٣ / ٢٢٢.

(١) انظر ، غاية المرام في رجال البخاري إلى سيّد الأنام : ٢٧٩ ، نفس الرّحمن في فضائل سلمان : ٥١٩.

(٢) النّواضح : البعير ، أو الثّور ، أو الحمار ، الّتي يستقى عليها ، واحدها ناضح. انظر ، لسان العرب : ٢ / ٦١٩ ، الغريب لابن سلّام : ٣ / ٢٥٧ ، مختار الصّحاح : ١ / ٢٧٧.

(٣) انظر ، صفوة الصّفوة : ٢ / ١٠ ، الزّهد لهنّاد : ٢ / ٣٨٧ ح ٧٥٣ ، الطّبقات الكبرى : ٨ / ٢٢ ، كتاب السّنن : ١ / ١٩٦ ح ٦٠١.

(٤) مع أنّ أبا بكر والد عائشة طلب البينة من الصّدّيقة الزّهراء على أنّها تملك فدكا «منهقدس‌سره ».

انظر ، صحيح البخاريّ : ١٢ / ٧ ، صحيح مسلم كتاب الجهاد رقم «٥١ و ٥٣ و ٥٤ و ٥٦» ، مسند أحمد : ١ / ٤ و ٦ ، عن عائشة إشارة إلى المحاورة الّتي دارت بين فاطمة الزّهراء البتول عليها‌السلام وبين أبي بكر حيث قال : إنّي سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : «إنّا معاشر الأنبياء لا نورّث ، ما تركناه فهو صدقة!!

وقد علّق الإمام يحيى بن الحسين الهادي في كتابه «تثبيت الإمامة» ، تحقيق العلّامة السّيّد محمّد رضا الحسيني الجلالي في : ٢٩ ما نصّه : «ولو سألنا جميع من نقل من أصحاب محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله : هل روى أحد منكم عن أحد من أصحاب محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه سمع من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مثل ما قال أبو بكر؟

لقالوا : أللهمّ ، لا.

ثمّ جاءت ـ من بعد ذلك ـ أسانيد كثيرة قد جمعها الجهّال لحبّ التّكثّر بما لا ينفع : عن عائشة ، وعن ابن عمر ، فنظرنا عند ذلك إلى أصل هذه الأحاديث الّتي أسندوها إلى عائشة عن النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فإذا عائشة تقول : سمعت أبا بكر ، وابن عمر يقول : سمعت أبا بكر يقول : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّا معاشر الأنبياء ـ


بجميع صفاته ومزاياه ، وتجلّت هذه الحقيقة فيما قالته ، وهي ترثي والدتها. «يا أبتاه يا رسول الله! الآن حقّا فقدناك فقدا لا لقاء بعده»(١) .

وقد انعكست صفات الزّهراء في نفس ابنتها زينب ، وظهرت جلية واضحة

__________________

ـ لا نورّث ما تركناه فهو صدقة.

وإذا هذه الأسانيد المختلفة ترجع إلى أصل واحد ، ولم يوجد أحد من أصحاب محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله يشهد بمثل شهادة أبي بكر في الميراث!.

فدفع أبو بكر فاطمةعليها‌السلام عن ميراثها بهذا الخبر الّذي أسند إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله . وهذا الخبر ينقض كتاب الله ، وحكمه في عباده!.

فويل لمن يهم أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ينقض ما جاء به محكما عن الله عزوجل.

وقد كان في كلام فاطمةعليها‌السلام لأبي بكر بيان لمن خاف الله سبحانه وتعالى : أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي ، لقد جئت شيئا فريّا!!؟؟ ثمّ انصرفت عنه.

ومن أعجب العجائب : أنّ جميع هذه الأمّة أجمعت : أنّ من ادّعى لنفسه ، أو دعوى له فيها حقّ أنّه «خصم» ، شهادته لا تقبل ، حتّى يشهد له على ذلك شاهدان عدلان لا دعوى لهما ما شهدا فيه.

وأجمعوا أيضا : أنّ الإمام لا يحكم لنفسه بحقّه دون أن يشهد له به غيره.

ثمّ النّاس على ذلك إلى يومنا هذا ، لا تقبل شهادة الرّجل لنفسه ، ولا يحكم لأحد على أحد في دعوى يدّعيها عليه إلّا بشاهدين عدلين غير فاطمة عليها‌السلام ، فإنّه حكم عليها خلاف ما حكم به على جميع الخلق ، وانتزع من يدها ما كانت تملكه ، وتحوزه ـ من ميراث أبيهاصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومالها من فدك المعروف بها ، ولها بلا شهود! إلّا بما ادّعى أبو بكر لنفسه ، وللمسلمين من الصّدقة عليهم بأموال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فكان أبو بكر المدعي لنفسه ، ولأصحابه أموال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فيا للعجب من قبضه ما ليس بيده ، ولا شهود له ، ولا بيّنة!؟ وطلبه الشّهود ، والبيّنة من فاطمةعليها‌السلام على ما هو بيدها ، ولها!

وقد أجمعت الأمّة على أنّ من كان في يده شيء ، فهو أحقّ به حتّى يستحقّ بالبيّنة العادلة ، فقلب أبو بكر الحجّة عليها في ما كان في يدها! وإنّما تجب عليه هو ولى أصحابه في ما ادّعاه له ، ولهم. فحكم على فاطمة عليها‌السلام بما لم يحكم به على أحد من المسلمين ، وطلب منها البيّنة على ما في يدها ، ومنعت ميراث أبيها. وشهد على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه لم يورّثها! والله تعالى قد ورّث الولد من والده ، نبيّا كان أو غيره.

(١) انظر ، روضة الواعظين : ١٥٢.


في زهدها ، وعبادتها ، وصبرها ، وجرأتها. قال الرّواة : «أنّ زينب بنت أمير المؤمنين لم تدّخر شيئا من يومها لغدها ، وأنّها كانت تقضي عامّة لياليها بالتّهجد وتلاوة القرآن ، حتّى ليلة العاشر من المحرّم ، وهي اللّيلة الّتي قتل الحسين في صبيحتها ، وليلة الحادي عشر ، حيث كان أخوها الحسين وأولاده وأصحابه صرعى مجزّرين كالأضاحي ، حتّى في هذه الحال لم تدع صلاة اللّيل والتّعبد والتّهجد أمّا صبرها وشجاعتها ، فسنتكلم عنهما مفصلا في الصّفحات الآتية.



جعفر الطّيّار

بيت أبي طالب

أنّ من نعم الله وفضله على الإنسانيّة أن أرسل محمّدا رحمة للعالمين ، وأن من بالغ حكمته وتدبيره تبارك وتعالى أن عزّز محمّدا ورسالته ببيت عمّه أبي طالب ، ولو بعث الله محمّدا إلى صناديد قريش وعتاتهم ، ولا ظهير له من قومه كأبي طالب ، وزوّجته وأولاده لكانت حال الرّسول كحال جيش يقاتل بدون عناد وسلاح ومن قبل قال الجاحدون لنّبيهم شعيب :( وَلَوْ لا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ ) (١) .

ولو لا بيت أبي طالب لكان مصير محمّد كمصير زكريا ، ويحيى وغيرهما من الأنبياء الّذين قتلهم الإسرائيليون قبل أن تنمو رسالتهم ، وتنتشر وقف أبو طالب بجانب ابن أخيه محمّد ، وأعلن أنّه سيمنع عنه كلّ من تحدّثه نفسه بالإساءة إليه ، والنّيل منه ، وأوقفت زوّجته فاطمة بنت أسد نفسها لخدمته منذ اليوم الأوّل الّذي مات فيه جدّه عبد المطّلب ، وسارع عليّ ، وجعفر إلى تصديقه ونصرته ، ومهما تقوّل المتقوّلون ، وتأوّل المتأوّلون فلا يسمعهم إلّا الإعتراف بأنّ بيت أبي طالب كان أوّل نواة في حقل الإسلام ، وأوّل قوّة دعمت الإسلام ونبيّ

__________________

(١) هود : ٩١.


الإسلام ، لقد تحدّى رسول الله صناديد قريش ، فسبّ آلهتهم ، وسفّه أحلامهم ، ولعن الطّغاة والأغنياء الّذين يكنزون المال ، ولا ينفقونه على الفقراء ولا جزاء عندهم لمن فعل هذا أو دون هذا إلّا القتل ، ولكن من يجرؤ على رسول الله ، وبيت أبي طالب بالمرصاد؟.

وسبقت منّا الإشارة إلى أبي طالب وزوّجته ، والآن تتحدّث بشيء من التّفصيل عن جعفر الطّيّار ، لأنّه أبو عبد الله زوّج السّيّدة الحوراء.

إسلامه :

لم يسبق جعفر بن أبي طالب إلى الإسلام إلّا خديجة زوّجة الرّسول ، وأخوه عليّ ، فكان جعفر ثالث المسلمين والمصلّين(١)

ومضى أمد غير قصير ، ولا أحد يعبد الله سبحانه سوى محمّد ، وعليّ ،

__________________

(١) حديث يحيى بن عفيف الكندي روي بطرق متعدّدة ، وبصور مختلفة ، ولكن من خلال تتبّع المصادر التّأريخية والحديثية ، والرّوائية نجدها تؤدّي نفس المعنى ، والمضمون بل بعضها يتطابق تماما في اللّفظ. انظر ، مجمع الزّوائد : ٩ / ١٠٣ و ٢٢٢ ، لسان الميزان : ١ / ٣٩٥ ، الكامل لابن عدي : ١ / ١٤٢ و ١٥٠ ، و : ٢ / ٥٧ ، تأريخ دمشق لابن عساكر ترجمة الإمام عليّعليه‌السلام : ١ / ٥٧ / ٩٣ و ٩٥ ، الطّبقات الكبرى لابن سعد : ٨ / ١٧ و ١٠ الطّبعة الأولى بيروت في ترجمة خديجة ، معجم الصّحابة : ٥ / ١٣٥ ، تأريخ الطّبري : ٢ / ٣١٢ ، وفي طبعة أخرى : ٥٦ و ٥٧ ، وفي الطّبعة الأولى : ١١٦٢ ، مستدرك الصّحيحين : ٣ / ١٨٣ ، الإصابة لابن حجر : ٤ / ٢٤٨ القسم الأوّل ، الإستيعاب لابن عبد البرّ : ٢ / ٤٥٨ و ٥١١ ، كنز العمّال : ٦ / ٣٩١ ، و : ٧ / ٥٦ ، حلية الأولياء : ٢ / ٢٤٥ ، مسند أحمد بن حنبل : ١ / ٢٩٠ و ٢٠٩ ، وفي طبعة أخرى ، و : ٢٥ / ٢٦ ، و : ٤ / ٤٢٨ و ٤٢٩ و ٤٤٠ ، المناقب لأحمد بن حنبل : ٢٥ و ١٨ ، شواهد التّنزيل للحاكم الحسكاني : ١ / ١١٣ / ١٢٥ تحقيق المحمودي ، مناقب الخوارزمي : ١٩٨ الفصل ١٧ ، النّسائي في الخصائص : ٤٤ ح ٥ ، و : ٣ وفي طبعة أخرى ، طرز الوفا في فضائل آل المصطفى : ٣١٦ ، بتحقّيقنا.


وخديجة ، وجعفر ، فكان النّبيّ يتقدّمهم للصّلاة ، ويقف عليّ عن يمينه ، وجعفر عن يساره ، وخديجة خلفه وروي أنّ أبا طالب رأى النّبيّ ، وعليّا يصلّيان ، فأمر ولده جعفر أن ينضم إليهما(١) ، ووصف جعفر بأنّه صلّى إلى القبلتين ، وهاجر الهجرتين ، وصاحب الجناحين(٢) .

أخلاقه :

قال رسول الله لجعفر : «أشبهت خلقي وخلقي ، وكان يكنيه أبا المساكين ، لأنّه خير النّاس لهم(٣) . وعن أبي هريرة أنّه قال : «كنت أسأل الرّجل من أصحاب رسول الله عن الآية من القرآن ، أنا أعلم بها منه ، ما أسأله إلّا ليطعمني شيئا وكنت إذا سألت جعفر بن أبي طالب لم يجبني ، حتّى يذهب بي إلى منزله ، فيطعمني ، ثمّ يجيبني»(٤) .

وروي عن جعفر أنّه كان يقول : «ما شربت خمرا قطّ ، لأنّي علمت إن شربتها زال عقلي ، وما كذبب قطّ ؛ لأنّ الكذب ينقص المروءة ، وما زنيت قطّ ، لأنّي خفت إنّي إذا عملت عمل بي ، وما عبدت صنما قطّ ، لأنّي علمت أنّه لا يضرّ ولا

__________________

(١) تقدّمت تخريجاته.

(٢) القبلتان هما بيت المقدّس ، والكعبة ، والهجرتان ، إلى الحبشة ، والمدينة ، والجناحان إشارة إلى حديث : «أنّ الله أبدل جعفرا عن يديه بجناحين يطير بهما بالجنّة». وفي بعض المؤلّفات وبايع البيعتين ، وهو اشتباه ، لأنّ بيعة الرّضوان والشّجرة كانت في الحديبيّة ، وكان جعفر غائبا عنها. (منهقدس‌سره ).

(٣) تقدّمت تخريجاته.

(٤) انظر ، سنن التّرمذي : ٥ / ٦٥٥ ح ٣٧٦٦ ، فتح الباري : ٧ / ٧٦ و : ١١ / / ٢٨٤ ، التّرغيب والتّرهيب : ٤ / ١٠٧ ح ٥٠٠١.


ينفع»(١) .

منزلته عند الله ورسوله :

في نهج البلاغة أنّ الإمام أرسل كتابا لمعاوية جاء فيه :

«ألا ترى ـ الخطاب لمعاوية ـ غير مخبر لك ، ولكن بنعمة الله أحدّث أنّ قوما استشهدوا في سبيل الله تعالى من المهاجرين والأنصار ، ولكلّ فضل ، حتّى إذا استشهد شهيدنا ـ الحمزة ـ قيل : سيّد الشّهداء ، وخصّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بسبعين تكبيرة عند صلاته عليه! أولا ترى أنّ قوما قطّعت أيديهم في سبيل الله ـ ولكلّ فضل ـ حتّى إذا فعل بواحدنا ـ جعفر ـ ما فعل بواحدهم ، قيل : «الطّيّار في الجنّة وذو الجناحين»! ولو لا ما نهى الله عنه من تزكية المرء نفسه ، لذكر ذاكر فضائل جمّة. تعرفها قلوب المؤمنين ، ولا تمجّها آذان السّامعين»(٢) .

أجل ، لا ينفر من أريج المسك إلّا الجعل ، ولا يعمي نور الشّمس إلّا عيون الخفافيش ، ولا يجد طعم العسل مرّا إلّا ذوو الأسقام والأمراض.

وفي الحديث أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : «إنّ الله اختارني في ثلاثة من أهل بيتي ، أنا سيّد الثلاثة ، اختارني ، وعليّا ، وجعفرا ، وحمزة»(٣) . وفي الجزء الثّاني من «الإستيعاب» ترجمة جعفر بن أبي طالب أنّ النّبيّ قال : «دخلت البارحة الجنّة

__________________

(١) انظر ، من لا يحضره الفقيه : ٤ / ٣٩٧ ح ٥٨٤٧ ، أمالي الصّدوق : ١٣٣ ، روضة الواعظين : ٢٥٩ ، الإصابة : ١ / ٢٣٧ رقم «١١٦٦» ، الإستيعاب : ١ / ٢١٠ ، اسد الغابة : ١ / ٣٤١ رقم «٧٥٩».

(٢) انظر ، نهج البلاغة : الرّسالة «٢٨».

(٣) انظر ، كنز العمّال : ١٣ / ٦٤٢ ح ٣٧٦٢٦ ، مناقب أمير المؤمنين لمحمّد بن سليمان الكوفي : ١ / ١٢٩ ، البيان والتّعريف : ١ / ٦ ، شواهد التّنزيل : ٢ / ٤٨.


فإذا جعفر يطير مع الملائكة ، وإذا حمزة مع أصحابه»(١) . وحين قدم جعفر من الحبشة قال النّبيّ : «ما أدري بأيّهما أنا أشدّ فرحا بقدوم جعفر أو بفتح خيبر ، وقبّل ما بين عينيه»(٢) .

الهجرة إلى الحبشة :

قال صاحب السّيرة النّبويّة :

«قال لمّا رأى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ما يصيب أصحابه من البلاء وما هو فيه من العافية بمكانه من الله ، ومن عمّه أبي طالب ، وأنّه لا يقدر على أن يمنعهم ممّا هم فيه من البلاء ، قال لهم : لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإنّ بها ملكا لا يظلم أحد عنده وهي أرض صدق حتّى يجعل الله لكم فرجا ممّا أنتم فيه ، فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة ، وفرارا إلى اللهعزوجل بدينهم فكانت أوّل هجرة في الإسلام»(٣) .

امتثلوا أمر الرّسول ، وذهبوا إلى الحبشة ، وكان فيمن هاجر إليها جعفر الطّيّار ،

__________________

(١) انظر ، ذخائر العقبى : ٢١٦ ، الإستيعاب : ١ / ٢١١ ـ ٢١٣ ، ربيع الأبرار : ٣ / ٣٦٤ ، فتح الباري : ٧ / ٦٢ ، تحفة الأحوذي : ١٠ / ١٨٣ ، الكامل في التّأريخ : ٣ / ٢٣٠.

(٢) انظر ، المصنّف لابن أبي شيبة : ٦ / ٢٨١ ح ٣٢٢٦ ، الآحاد والمثاني : ١ / ٢٧٦ ح ٣٦٣ ، المعجم الكبير : ٢ / ١٠٨ ح ١٤٦٩ ، شعب الإيمان : ٦ / ٤٧٧ ح ٦٩٦٨ ، فتح الباري : ١١ / ٥٢ ، تفسير القرطبي : ١٥ / ٢١٥ ، تفسير ابن كثير : ٣ / ٤٦٨ ، الطّبقات الكبرى : ٣ / ١٠٨ و : ٤ / ٣٥.

(٣) انظر ، السّيرة النّبويّة : ١ / ٣٢١ طبعة (١٩٥٥ م). (منهقدس‌سره ) ، و : ٢ / ١٦٤ ، تأريخ الطّبري : ٢ / ٧٠ ، البداية والنّهاية : ٣ / ٨٥ ، الثّقات : ١ / ٥٧ ، الطّبقات الكبرى : ٤ / ٣٤ ، الإستيعاب : ١ / ٢٤٢ ، أسد الغابة ١ : ٣٤١ ، مختصر تأريخ دمشق : ٦ / ٢٢.


وزوّجته أسماء بنت عميس ، وولدت له هناك عبد الله ، وعونا ، ومحمّدا(١) . ولقي المسلمون من النّجاشي ملك الحبشة حسن الجوار والضّيافة(٢) .

ولمّا رأت قريش أنّهم قد آمنوا بأرض الحبشة ، وأصابوا أمانا واطمئنانا ، جمعوا للنّجاشي وبطارقته هدايا ، وبعثوا بها مع عمرو بن العاص(٣) ، وعمارة بن الوليد أخ خالد بن الوليد ، ليردّ النّجاشي المسلمين إلى المشركين.

«وصحب عمرو بن العاص في رحلته زوّجة دخل عليها مذ قليل وهي امرأة جميلة فاتنة للألباب لعوب ، لم يكن عمرو يطيق أن يبتعد عنها وفي

__________________

(١) تقدّمت تخريجاته.

(٢) انظر ، المستدرك على الصّحيحين : ٢ / ٦٢٣ ، سيرة ابن إسحق : ٦٩ ، دلائل النّبوّة : ٢ / ٢٢ ، تأريخ اليعقوبيّ : ٢ / ١٣ ، أنساب العرب لابن حزم : ١٥٤ ، طبقات ابن سعد : ٧ / ق ٢ / ١٨٨ ، المعارف لابن قتيبة : ٢٨٥ ، اسد الغابة : ٤ / ٤٢٠ ، الكامل في التّأريخ : ٢ / ٢٣٢ ، البداية والنّهاية : ٤ / ٢٧٥ ، شرح النّج لابن أبي الحديد : ١ / ٢٠ و ٨ / ٥٣ ، مقاتل الطّالبيين : ٤٤.

(٣) أبو عبد الله أو أبرو محمّد عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم القرشيّ السّهمي وأمّه النّابغة بنت حرملة ، سبيت من بني جيلان بن عتيك ، وبيعت بعكاظ واشتراها الفاكه بن المغيرة ، ثمّ انتقلت إلى عبد الله بن جدعان ومنه إلى العاص بن وائل ، فولدت له عمرا. أرسلته قريش إلى النّجاشي ليغيّر رأيه على جعفر بن أبي طالب ، ومن معه من المهاجرين إلى الحبشة ، ويسترجعهم إلى مكّة فردّه النّجاشي. أسلم سنة ثمان ، وقبل الفتح بستّة أشهر. وافتتح مصر لعمر ، ووليها إلى السّنة الرّابعة من خلافة عثمان ، فعزله عنها ، فأخذ يؤلّب عليه حتّى قتل. ثمّ اشترك مع معاوية بصفّين مطالبا بثأر عثمان ، وأشار برفع المصاحف للصّلح فانخدع جيش عليّ وقبلوا الصّلح ، وعيّنوا أبا موسى من قبلهم ، وعيّن معاوية عمرا فغدر بأبي موسى وخلعا عليّا ونصب عمرو معاوية وأخذ مصر طعمة من معاوية ووليها بعد قتل محمّد بن أبي بكر حتّى توفّي سنة (٤٣ ه‍) أو بعدها ، ودفن هناك.

انظر ، جمهرة أنساب العرب لابن حزم : ١٥٤ ، وطبقات ابن سعد : ٧ / ق ٢ / ١٨٨ ، المعارف لابن قتيبة : ٢٨٥ ، اسد الغابة : ٤ / ٤٢٠ ، الكامل في التّأريخ : ٢ / ٢٣٢ ، البداية والنّهاية : ٤ / ٢٧٥ ، شرح النّهج لابن أبي الحديد : ١ / ٢٠ و ٨ / ٥٣ ، مقاتل الطّالبيّين : ٤٤.


الطّريق إلى النّجاشي رأت امرأة عمرو عمارة ، وتحدّثت إليه فشغفها حبّا وذات ليلة هجرت زوّجها عمرو بن العاص ، وارتمت في فراش ابن الوليد ولم تعد إلى عمرو إلّا بشرط أن تتردّد بينه وبين ابن الوليد(١) .

وسبقت أنباء هذه الفضيحة إلى النّجاشي ، وإلى المهاجرين ، فلم تنفع حيلة لعمرو بن العاص ، وردّ النّجاشي الرّسل إلى قريش خائبين ، وظل على كرمه مع المهاجرين إليه أمّا المسلمون في قريش فقد تلقوا عمرو بالسّخرية ، وعلموه أنّ الإسلام وحده هو الّذي كان يمكن أن يعصم امرأته ويعصمه من مثل هذا الهوان»(٢) .

ورجع جعفر الطّيّار ومن معه من المسلمين إلى المدينة سنة (٧ ه‍) فصادف رجوع النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله من خيبر ، فقال : «ما أدري بأيّهما أنا أشدّ فرحا بقدوم جعفر أو بفتح خيبر»(٣) . وقبّل ما بين عينيه وقال له : أنت أشبه النّاس بخلقي ،

__________________

(١) انظر ، السّيرة النّبويّة لابن كثير : ٢ / ٢٦.

(٢) ذكر أصحاب السّير ، والتّواريخ قصّة عمارة وزوّجة عمرو ، وأنّ النّجاشي جمع بين الرّسولين ، وبين المسلمين ، وتكلّم جعفر عن دعوة الرّسول ، ومحاسن الإسلام ، وكانت النّتيجة أن طرد النّجاشي الرّسول ، وزاد في إكرام المسلمين ، وقد آثرت نقل هذه العبارة من كتاب «محمّد رسول الحرّيّة» لعبد الرّحمن الشّرقاوي ، لجمعها واختصارها. (منهقدس‌سره ).

(٣) تقدّمت تخريجاته. وانظر ، المستدرك على الصّحيحين : ٢ / ٦٨١ ح ٤٢٤٩ ، و : ٣ / ٢٣٠ ح ٤٩٣١ وص : ٢٣٣ ح ٤٩٤١ ، مجمع الزّوائد : ٦ / ٣٠ و : ٩ / ٢٧١ ـ ٢٧٢ و ٤١٩ ، مسند البزار : ٦ / ٢٠٩ ح ٢٢٤٩ ، المعجم الكبير : ٢ / ٢٠٨ ح ١٤٦٩ و ١٤٧٠ و : ٢ / ١١٠ ح ١٤٧٨ و : ٢٢ / ١٠٠ ح ٢٤٤ ، فتح الباري : ١١ / ٥٢ ، تهذيب التّهذيب : ٢ / ٨٣ ح ١٤٦ ، تهذيب الكمال : ٥ / ٥٣ ، الطّبقات الكبرى : ٢ / ١٠٨ و : ٤ / ٣٥ ، السّيرة النّبويّة : ٥ / ٥.


وخلقي ، وخلقت من الطّينة الّتي خلقت منها»(١) .

استشهاده :

في سنة (٨ ه‍) ، بعث رسول الله أحد أصحابه ، وهو الحارث بن عمير(٢) بكتاب إلى ملك بصرى بأرض الشّام ، فلمّا نزل مؤتة عرض له شرحبيل الغسّاني أحد ولاة الرّوم ، فأوثقه ثمّ ضرب عنقه ، ولم يقتل غيره من بعوث رسول الله ، فاشتدّ ذلك على رسول الله ، وجهّز جيشا من ثلاثة آلاف ، وأمّر عليهم جعفر الطّيّار ، فإن قتل فزيد بن حارثة ، فإن قتل فعبد الله بن رواحة ، وانطلق الجيش إلى مشارف الشّام ، فجمع له الرّوم مئة ألف مقاتل ، وقيل : مئتا ألف ، وأخذ الرّاية جعفر ، وأقبل على الرّوم يجالدهم بعنف ، فقطعت يمينه ، فأخذ اللّواء بشماله فقطعت ، فاحتضن الرّاية بعضدية ، حتّى قتل(٣) .

__________________

(١) انظر ، ذخائر العقبى للمحبّ الطّبري : ٢١٤ و ٢١٥ طبعة سنة (١٩٥٦ م) (منهقدس‌سره ). ومجمع الزّوائد:٥ / ٢٠٨ و : ٩ / ٢٧٢ ، المعجم الأوسط : ٦ / ٣٣٥ ، كنز العمّال : ١٣ / ٣٢٢.

(٢) صحابي ، بعثه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى ملك بصرى بكتابه ، فلمّا نزل مؤتة (قرب الكرك ـ بشرقي الأردن) عرض له شرحبيل بن عمرو الغسّاني فأوثقه رباطا ، وضرب عنقه صبرا. ولم يقتل لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله رسول غيره. وعلى أثر مقتله كانت غزوّة مؤتة.

انظر ، الإصابة : ١ / ٦٨١ رقم «١٤٦١» ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ١٥ / ٦١ ، الطّبقات الكبرى : ٢ / ١٢٨ و : ٤ / ٣٤٣ ، اسد الغابة : ٢ / ٦٩ ، المصباح المضيء : ١ / ٣٥٩ ، الإستيعاب : ١ / ٣٠٤ ، تأريخ دمشق : ٢ / ٧ و : ١١ / ٤٦٤.

(٣) انظر ، تهذيب التّهذيب : ٥ / ٢١٢ ، إمتاع الأسماع : ١ / ٢٧ ، الإصابة رقم «٤٦٦٧» ، صفوة الصّفوة : ١ / ١٩١ ، حلية الأولياء : ١ / ١١٨ ، تأريخ ابن عساكر : ٧ / ٣٨٧ ، الطّبقات لابن سعد : ٣ / ٧٩ ، الكامل لابن الأثير ٢ / ٨٦ ، المحبّر : ١١٩ و ١٢١ و ١٢٣.


وروي أنّه حين اشتدّ القتل ، نزل عن فرسه ، وعقرها فكان أوّل رجل عقر فرسه في الإسلام ، وقاتل وهو يقول(١) :

يا حبّذا الجنّة واقترابها

طيبة وبارد شرابها

والرّوم روم قد دنا عذابها

كافرة بعيدة أنسابها

عليّ إذ لاقيتها ضرابها

وبعد أن استشهد وجدوا في مقدّم جسده الشّريف أكثر من تسعين ضربة وطعنة(٢) .

هذا هو بيت أبي طالب ، وهذه أبناؤه ، فمنذ اليوم الّذي نبتت فيه بذرة الإسلام إلى آخر يوم من أيّام العبّاسيّين عانى التّجويع ، والسّجن ، والحصر في شعب مكّة المكّرمة ، والتّشريد في أرض الحبشة ، ومجابهة الموت بالمبيت إلى فراش الرّسول ، والجهاد في بدر ، وأحد ، والأحزاب ، وفي جميع غزوات الرّسول وحروبه ، والقتل في أرض الشّام والعراق ، وفي كلّ مكان كلّ ذلك من أجل الإسلام ، وكلمة «لا إله إلّا الله محمّد رسول الله» ورغم ذلك فأبو طالب غير مسلم. ولماذا؟ لأنّه أبو عليّ

__________________

(١) انظر ، الكامل في التّأريخ : ٢ / ٢٣٤ و ٢٣٦ ، تأريخ الطّبري : ٣ / ٣٧ ، تأريخ الخميس : ٢ / ٧١ ، السّيرة لابن هشام : ٢ / ٣٧٢ و ٣٧٨ ، السّيرة الحلبية : ٣ / ٧٧ ، السّنن الكبرى : ٩ / ١٥٤ ، تأريخ دمشق : ٢٨ / ١٢٣ ، حلية الأولياء : ١ / ١١٨ ، تهذيب الكمال : ٥ / ٥٨ ، فتح الباري : ٧ / ٥١١ ، البداية والنّهاية : ٣ / ٤٦٦ و : ٤ / ٢٧٨ ، سير أعلام النّبلاء : ١ / ٢١٠.

(٢) انظر ، جوامع السّيرة : ٢٨٢ ، المعارف : ٢٠٥ ، اسد الغابة : ١ / ٣٤١ طبعة مصر ، السّيرة لابن إسحاق : ٢٢٦ ، صحيح البخاري : ٥ / ٢٤. بالإضافة إلى المصادر السّابقة.


وتحدّث الرّسول عن شهداء مؤتة(١) ، وبخاصّة جعفر الطّيّار ، وقال : أنّ الجوار الّذي صاروا إليه أحبّ إلى نفوسهم ، وأقرّ لعيونهم من الدّنيا وما فيها ، ومن فيها ، أمّا أبناؤهم وعيالهم ففي كفالة الله ، وهو نعم المولى ، ونعم المصير.

قال عبد الله بن جعفر : «جاءنا النّبيّ بعد موت أبي ، وقال : لا تبكوا على أخيّ بعد اليوم ، ودعا بالحلّاق فحلّق رؤوسنا ، وقال : أمّا محمّد فشبيه عمّنا أبي طالب ، وأمّا عبد الله فشبيه خلقي وخلقي ، ثمّ أخذ بيدي ، وقال : أللهمّ أخلف جعفرا في أهله ، وبارك لعبد الله في صفقة يمينه ؛ ولمّا ذكرت أمّي يتمنا قال لها : لا تخافي عليهم أنا ولّيهم في الدّنيا والآخرة»(٢) .

وكفى بالرّسول الأعظم وليّا ، وهل يبغي أبو طالب وآل أبي طالب سوى ولاية الله ورسوله؟.

واختلف المؤرّخون في عمر جعفر الطّيّار ، فمن قائل : أنّه استشهد ابن (٣٨) ، وقائل (٤١)(٣) .

__________________

(١) مؤتة قرية (موضع من بلد الشّزام) والآن في الأردن ، وفيها مقام لجعفر الطّيّار مزار ومشهور. انظر ، النّهاية في غريب الحديث : ٣ / ٣٧١.

(٢) انظر ، فقه السّيرة للشّيخ محمّد الغزّالي : ٢٨١ بعنوان غزوة مؤتة. (منهقدس‌سره ).

مسند أحمد : ١ / ٢٠٤ ح ١٧٥٠ ، الأحاديث المختارة : ٩ / ١٦٢ و ١٦٤ ح ١٣٩ و ١٤٤ ، المصنّف لابن أبي شيبة : ٦ / ٣٨١ ح ٣٢٢٠٥ ، سنن البيهقي الكبرى : ٤ / ٦٠ ح ٦٨٨٥ ، السّنن الكبرى : ٥ / ٤٨ ح ٨١٦٠ و ٨٦٠٤ ، مجمع الزّوائد : ٦ / ١٥٧ و : ٩ / ٢٧٣ و ٢٨٦ ، الإصابة : ٤ / ٧٤٤ رقم «٢٦١١١» ، فضائل الصّحابة للنّسائي : ١ / ١٨ ح ٥٧ ، معتصر المختصر : ١ / ٢١٠ ، المعجم الكبير : ٢ / ١٠٥ ح ١٤٦٠ ، المستدرك على الصّحيحين : ١ / ٥٢٨ ح ١٣٧٨.

(٣) انظر ، الإستيعاب لابن عبد البرّ : ٢ / ٤٥٨ و ٥١١ ، الإصابة : ٤ / ٧٤٤ رقم «٢٦١١١» ، حلية ـ


عبد الله بن جعفر :

كان لجعفر الطّيّار ثلاثة ذكور : عبد الله ، وبه يكنى ، ومحمّد ، وعون ، ولدوا كلّهم في أرض الحبشة ، وأمّهم أسماء بنت عميس ، ومحمّد بن أبي بكر أخوهم لأمّهم(١) .

وصحب عبد الله النّبيّ ، وحفظ الحديث عنه ، ولازم عمّه أمير المؤمنين والحسنين ، وأخذ عنهم العلم.

وكان أغنى بني هاشم وأيسرهم ، وكانت له ضياع كثيرة ، ومتاجر واسعة.

وكان أسخى رجل في الإسلام ، وله حكايات في الجود كثيرة وعجيبة ، منها أنّ أحد الخلفاء أرسل له ثلاثة ملايّين درهما ، ففرقها جميعا على الفقراء ، وزاد عليها من ماله(٢) . وله مواقف مع معاوية عرّفه فيها مكانه وحقيقته ، نقلنا بعضها

__________________

ـ الأولياء : ١ / ١١٨ ، تأريخ ابن عساكر : ٧ / ٣٨٧ ، الطّبقات لابن سعد : ٣ / ٧٩ ، الكامل لابن الأثير ٢ / ٨٦ ، المحبّر : ١١٩ و ١٢١ و ١٢٣ ، تأريخ الخميس : ٢ / ٧١ ، السّيرة لابن هشام : ٢ / ٣٧٢ و ٣٧٨ ، السّيرة الحلبية : ٣ / ٧٧ ، السّنن الكبرى : ٩ / ١٥٤.

(١) انظر ، تأريخ الطّبري : ٤ / ٣٤١ و : ٦ / ٢٥٦ ، مقاتل الطّالبيّين : ٦٠ ، مروج الذّهب : ٣ / ٩٢ و ٣٣٣ ، مقتل الحسين للخوارزمي : ٢ / ٢٧ ، المعارف لابن قتيبة : ٢٠٦ ، مقتل الحسين لأبى مخنف : ٧٣ ، الفصول المهمّة لابن الصّباغ المالكي : ٢ / ١٧٠ ، بتحقّيقنا ، الفتوح لابن أعثم : ٣ / ١٢٧ ، جمهرة أنساب العرب : ٦١ ، الإمامة والسّياسة لابن قتيبة : ٢ / ١٢ ، مقتل الحسين للخوارزمي : ٢ / ٢٧ ، ينابيع المودّة : ٣ / ٧٣ طبعة اسوة.

(٢) انظر ، المدائني (حياة الإمام الحسنعليه‌السلام ) ، كشف الغمّة : ١ / ٥٥٨ ، المناقب لابن شهر آشوب : ٣ / ١٨٢ ، الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة لابن الصّباغ المالكي : ٢ / ٣٢ ، بتحقيقنا ، تأريخ الطّبري : ٥ / ١٥٣ ، و : ٤ / ١١٨ طبعة أخرى ، الكامل في التّأريخ : ٣ / ٣٩٧ ، و : ٤ / ٢٧٢ ، الإصابة : ٣ / ٤٧١ ، لسان الميزان : ١ / ٢٦٨ ، ميزان الإعتدال : ١ / ١٣٩ ، مقاتل الطّالبيّين : ٨٦ و ٢٥.


في كتاب «الشّيعة والحاكمون»(١) .

وعن الشّعبي أنّ عبد الله دخل على معاوية ، وعنده يزيد ، فجعل يزيد يعرّض بعبد الله في كلامه ، وينسبه إلى الإسراف

فقال عبد الله ليزيد : إنّي لأرفع نفسي عن جوابك ، ولو قالها صاحب السّرير لأجبته

فقال معاوية : كأنّك تظن أنّك أشرف منه؟.

قال عبد الله : أي والله ، ومنك ومن أبيك ، وجدّك.

فقال معاوية : ما كنت أحسب أنّ أحدا في عصر حرب بن اميّة أشرف منه.

فقال عبد الله : بلى والله. إنّ أشرف منه من أكفأ عليه إناءه ، وأجاره بردائه.

قال صدقت ، يا أبا جعفر(٢) .

__________________

(١) انظر ، الشّيعة والحاكمون : ١٢٨ ، بتحقّيقنا ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ٦ / ٢٩٦.

(٢) انظر ، زينب الكبرى لجعفر النّقدي : ٨٩ طبع النّجف. (منهقدس‌سره ). انظر ، تأريخ دمشق : ٢٧ / ٢٦٥ ، شزرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ١٥ / ٢٢٩.


الزّواج

قالوا : «أنّ الفرس العتيق هو الّذي ينحدر من آباء لا هجنة فيها»(١) . وكذلك الأسر الطّيبة الطّاهرة العريقة في التّقى والقداسة تخشى الهجنة إذا زوّجت أبناءها وبناتها بمن دونها فضلا وصلاحا.

حين بلغت الزّهراء مبلغ الزّواج كثر طلابها ، فرفضهم النّبيّ جميعا ، لعدم الكفاءة ، وزوّجها عليّا ، لأنّها منه ، وهو منها ، وهما من النّبيّ في الصّميم. ونفس الشّيء حصل لابنتها الحوراء ، طلبها كثيرون ، فردّهم الإمام ، وزوّجها ابن أخيه عبد الله ، ومن أولى بها منه ، وهو ابن عمّها للأب والأمّ ، وسبق أبوه جعفر الطّيّار إلى الإسلام ، وهاجر وجاهد واستشهد في سبيله.

شرف المصاهرة :

وإذا كان الإقتران بنسل الرّسول شرفا وكرامة ، فآله أولى النّاس بهذا الحقّ ، لأنّه لهم ومنهم وفيهم ، وقد روي أنّ النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله نظر إلى أولاد عليّ ، وجعفر ، وقال : «بناتنا لبنينا ، وبنونا لبناتنا»(٢) . وإذا لم يكن النّبيّ جدّا لأولاد جعفر فإنّه لهم

__________________

(١) انظر ، لسان العرب : ١ / ٥٩٠.

(٢) انظر ، من لا يحضرة الفقيه : ٣ / ٣٩٣ ح ٤٣٨٤ ، وسائل الشّيعة : ٢٠ / ٧٤ ح ٢٥٠٦٨ ، مناقب آل أبي ـ


بمنزلة الأب والجدّ ، وهو ولّيهم في الدّنيا والآخرة ، ولا شيء أحبّ إلى الجدّ من اقتران أحفاده بعضهم ببعض ، لأنّ في ذلك تأكيدا لنسله وامتدادا لنوع من وجوده.

حياتها الزّوجيّة :

لم يتحدّث المؤرّخون وأصحاب السّير عن حياة السّيّدة زينب مع زوّجها عبد الله ، وكل ما ذكروه أنّه رزق منها أربعة ذكور وأنثى

وعن أي شيء يتحدّث المؤرّخون في هذا الباب؟ هل يتحدّثون عن نزاعها وشقاقها مع زوّجها ، أو مع الجيران ، أو عن وضعها الأحاديث على لسان جدّها في فضلها وفضل أبيها ، أو عن تحزّبها الأحزاب ، وركوب الجمال ، والبغال ، أو يتحدّثون عن مظاهر الأبّهة ، وعدد الجواري والعبيد ، أو عن رحلات النّزهة وشم النّسيم ، أو مجالس الأنس والطّرب؟.

لقد اكتفت الحوراء بذكر الله عن ذكر النّاس ، والقيل والقال ، وصرفها القيام بين يدي الله ، والإنقطاع إليه عن كلّ شيء فكان بيتها بيت العبادة ، والتّهجد ، وتلاوة القرآن(١) :

منازل كانت للرّشاد وللتّقى

وللصّوم والتّطهير والحسنات

قالت بنت الشّاطئ :

«لم يفرق الزّواج بين زينب وأبيها واخوتها ، فقد بلغ من تعلق الإمام عليّ

__________________

ـ طالب : ٣ / ٩٠ ، مكارم الأخلاق للطّبرسي : ٢٠٤.

(١) انظر ، ديوان دعبل : ١٢٤ ، الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة لابن الصّباغ المالكي : ٢ / ٣١٠ ، بتحقيقنا ، سير أعلام النّبلاء : ٩ / ٣٩١ ، فرائد السّمطين : ٢ / ٣٣٧ ح ٥٩١ ، تذكرة الخواصّ : ٢٣٨ ، مقاتل الطّالبيّين : ٥٦٥.


بابنته ، وابن أخيه أن أبقاهما معه ، حتّى إذا ولّى أمر المسلمين ، وانتقل إلى الكوفة انتقلا معه ، فعاشا في مقرّ الخلافة موضع رعاية أمير المؤمنين واعزازه ، ووقف عبد الله بجانب عمّه في نضاله الحربي ، فكان أميرا بين أمراء جيشه في صفّين»(١) .

وكيف يصبر الإمام عن جوهرته الكريمة ، وقد رأى فيها مثاله ، وطبائعه ، وجميع شمائله؟ فلقد روى الرّواة أنّها كانت تنطق بلسان أبيها إذا تكلّمت. ونقل الشّيخ النّقدي عن النّيسابوري : «أنّها كانت في فصاحتها ، وبلاغتها ، وزهدها ، وعبادتها كأبيها المرتضى ، وأمّها الزّهراء»(٢) .

وليست الفصاحة ، والبلاغة ، والزّهد ، والعبادة كلّ ما لعليّ من أوصاف كلّا ثمّ كلّا ، إنّ صفات أبيها عليّ لا تدركها عقولنا نحن ، وما كان لأحد أن يدركها أو يحيط بها إلّا الأنبياء ، والأوصياء ، ولست أدري : هل يتطور العقل البشري في المستقبل ، ويبلغ مرتبة تؤهله لتفهم هذه الشّخصيّة على حقيقتها ومن جميع جهاتها؟

أولادها :

ولد لعبد الله بن جعفر من السّيّدة زينب أربعة ذكور ، وأنثى ، وهم عليّ المعروف بالزّينبي ، ومحمّد ، وعبّاس ، وعون ، وأمّ كلثوم ، وهي الّتي خطبها معاوية لولده يزيد ، فزوّجها خالها الحسينعليه‌السلام من ابن عمّها القاسم ابن محمّد بن

__________________

(١) انظر ، بطلة كربلاء ، الدّكتورة عائشة عبد الرّحمن بنت الشّاطيء. موسوعة آل النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، النّاشر دار الكتاب العربي ، بيروت لبنان ، الطّبعة الأولى ١٩٦٧ م.

(٢) انظر ، زينب الكبرى ، جعفر النّقدي ، منشورات الرّضي ، قم المقدسة ، الطّبعة الثّانية ، والطّبعة الثّالثة ، منشورات الطّبعة الحيدرية ، النّجف الأشرف.


جعفر بن أبي طالب(١) .

ومحمّد وعون قتلا مع خالهما الحسين بكربلاء ، برز عون للقتال ، وهو يقول(٢) :

إن تنكروني فأنا ابن جعفر

شهيد صدق في الجنان أزهر

يطير فيها بجناح أخضر

كفى بهذا شرفا في المحشر

هؤلاء آل أبي طالب كبارا ، وصغارا ، إذا عملوا عملوا ليوم المحشر والخلود ، وإذا افتخروا افتخروا بالشّهداء والصّدّيقين ، وإذا انتقموا انتقموا لله لا لأنفسهم ، ولذا كان لهم عند المسلمين حقّ المودّة والولاء ، وعند الله سبحانه الكرامة والرّضوان

وقتل عون من الأعداء ثلاثة فوارس ، وثمانية عشر رجلا ، ثمّ ضربه عبد الله ابن قطنة الطّائي فقتله ، ولمّا خرج المختار قبض على ابن قطنة ، وقتله(٣) .

__________________

(١) انظر ، أعيان الشّيعة : ٣٣ / ١٩١ طبعة (١٩٥٠ م). (منه قدس‌سره). انظر ، السّيرة لابن إسحاق : ٢٢٦ ، صحيح البخاري : ٣ / ١٣٦٠ ح ٣٥٠٦ و : ٤ / ١٥٥٥ ح ٤٠١٦ و : ٥ / ٢٤ ، تهذيب الكمال : ١٤ / ٣٦٩ ، الإستيعاب : ١ / ٢٤٢ ، الطّبقات الكبرى : ٤ / ٣٩ ، الإصابة : ١ / ٤٨٧ ، تهذيب الأسماء : ١ / ١٥٥ ، التّرغيب والتّرهيب : ٢ / ٢٠٦ ح ٢١١٧ ، مجمع الزّوائد : ٩ / ٢٧٣ ، المعجم الكبير : ٢ / ١٠٧ ح ١٤٦٧ و : ١١ / ٣٦٢ ح ١٢٠٢٠ ، أنساب الأشراف : ٢ / ١٨٩ ، تأريخ اليعقوبي : ٢ / ٢١٣ ، تأريخ الطّبري : ٥ / ١٥٣.

(٢) انظر ، ناسخ التّواريخ : ٢ / ٣٢١ ، شرح الأخبار : ٣ / ٢٠٢ ، مناقب آل أبي طالب : ٣ / ٢٥٤.

(٣) انظر ، المعارف لابن قتيبة : ٢٠٦ ، مقتل الحسين لأبي مخنف : ٧٣ ، تأريخ الطّبري : ٦ / ٢٥٦ ، الفصول المهمّة لابن الصّباغ المالكي : ٢ / ١٧٠ ، بتحقّيقنا ، مقتل الحسين لأبي مخنف : ١٦٥ ـ ١٦٦ و ٢٣٨ ، الفتوح لابن أعثم : ٣ / ١٢٧ ، جمهرة أنساب العرب : ٦١ ، الإمامة والسّياسة لابن قتيبة : ٢ / ١٢ ، تأريخ الطّبري : ٦ / ٢٥٦ ، و : ٤ / ٣٤١ طبعة آخر ، المناقب لابن شهر آشوب : ٤ / ١٠٦ ، و : ـ


وبرز محمّد وهو يقول(١) :

أشكو إلى الله من العدوان

فعال قوم في الرّدى عميان

قد بدّلوا معالم القرآن

ومحكم التّنزيل والتّبيان

وقتل من الأعداء عشرة أنفس ، وحمل عليه ابن نهشل التّميمي فقتله(٢) .

ولمّا ورد نعي الحسين ونعي محمّد وعون إلى المدينة كان عبد الله بن جعفر جالسا في بيته ، فدخل عليه النّاس يعزونه ، وكان له غلام اسمه أبو السّلاس ، فقال ماذا لقينا من الحسين؟ فحذفه عبد الله بنعله ، وقال له : يا ابن اللّخناء أللحسين تقول هذا والله لو شهدته لما فارقته ، حتّى اقتل معه ، وقد هوّن عليّ مصابهما أنّهم قتلا مع أخي وابن عمّي مواسيين له صابرين معه ، ثمّ قال : الحمد لله ، لقد عزّ عليّ مصرع الحسين ، وإذا لم أكن قد واسيته بيدي ، فقد واسيته بولدي(٣) .

__________________

ـ ٢ / ٢٢٠ طبعة آخر ، مقاتل الطّالبيّين : ٦٠ ، و : ١٢٢ طبعة آخر ، و : ٩٥ طبعة آخر ، مقتل الحسين للخوارزمي : ٢ / ٢٧ ، ينابيع المودّة : ٣ / ٧٣ طبعة اسوة ، مروج الذّهب : ٣ / ٩٢ و ٣٣٣ ، مقاتل الطّالبيّين ، الإصبهاني : ٦٠ ، و : ١٢٢ طبعة آخر ، إبصار العين في أنصار الحسين : ٣٩ طبعة النّجف.

(١) انظر ، ناسخ التّواريخ : ٢ / ٣٢٢ ، شرح الأخبار : ٣ / ٢٠٣ ، مناقب آل أبي طالب : ٣ / ٢٥٤.

(٢) انظر ، مقتل الحسين لأبي مخنف : ١٦٧ و ٢٣٩ ، إبصار العين في أنصار الحسين : ٤٠ طبعة النّجف ، المناقب لابن شهر آشوب : ٢ / ٢٢٠ ، مقتل الحسين للخوارزمي : ٢ / ٢٧ ، تأريخ الطّبري : ٦ / ٢٥٦ و ٢٦٩ ، و : ٤ / ٣٤١ طبعة آخر ، مقاتل الطّالبيّين : ٦١ ، الإرشاد للشّيخ المفيد : ٢ / ٦٨ و ١٠٧ و ١٢٥ ، المعارف لابن قتيبة : ٢٠٧ الفصول المهمّة لابن الصّباغ المالكي : ٢ / ١٧٠ ، بتحقّيقنا.

(٣) انظر ، الغارات : ٢ / ٦٩٥ ، الكامل في التّأريخ : ٤ / ٨٩ ، مقتل الحسين لأبي مخنف : ١٦٦ و ٢٢٦ ، جواهر المطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب لابن الدّمشقي : ٢ / ٢٩٦ ، تأريخ الطّبري : ٤ / ٣٥٧ ، كشف الغمّة : ٢ / ٢٨٠ ، شرح الأخبار : ٢ / ٢٠٢.


وقد تساءل البعض عن عدم خروج عبد الله بن جعفر مع الحسين؟.

واعتذر عنه جماعة بأعذار لا تعدو الحدس ، والتّخمين. وقال بعضهم : أنّ بصره كان مكفوفا يومئذ.

والّذي نعتقده أنّ عبد الله بن جعفر كان مطيعا للإمامين الحسن والحسين بعد عمّه ، وأنّه لم يخالف لهما أمرا ، لا في السّر ولا في العلانية ، وقد رأيناه يترك أمر زوّاج ابنته أمّ كلثوم لخالها الحسين ، حين طلبها معاوية لولده يزيد ، كما ترك أمر خروج زوّجته زينب إليه وإليها ، وهو الّذي أمر ولديه عونا ومحمّدا بالخروج مع خالهما ، ولكنّ الحسينعليه‌السلام لم يلزمه بالخروج ولم يوجب عليه ذلك ، بل ترك له الخيار ، وقد رأى أنّ بقاءه في المدينة أصلح ، لإعتبارات نجهلها نحن ، ويعذر هو فيها ، ولو أنّ الحسين أوجب عليه الخروج لأسرع إلى الإجابة ، وليس من شكّ أنّه مأجور ومشكور عند الله والنّاس على رضاه واغتباطه باستشهاد ولديه بين يدي الإمام.

وأنّ سيرته ومواقفه بعد الحسين لأصدق دليل على إيمانه وإخلاصه وصدقه في المتابعة والولاء لعمّه وأبنائه ، وعن كتاب المحاسن والمساويء للبيهقي أنّ عبد الله بن عبّاس ، وعمرو بن العاص كانا في مجلس معاوية ، فعرّض عمرو بعبد الله بن جعفر ، ونال منه ، فقال ابن عبّاس :

«وليس كما ذكرت ، ولكنّه لله ذكور ولنعمائه شكور ، وعن الخنازجور ، جواد كريم ، سيّد حليم لا يدّعي لدعي ـ يعرض بابن العاص ـ ولا يدنو لدني ، كمن اختصم فيه من قريش شرّارها فغلب عليه جزّارها ـ كما حدث لابن العاص ـ فأصبح ألأمها حسبا ، وأدناها منصبا وليت شعري بأي قدم تتعرض


للرّجال؟. وبأي حسب تبارز عند النّضال؟! أبنفسك وأنت الوغد الرّنيم؟! أمّ بمن تنتمي إليه ، فأهل السّفه ، والطّيش ، والدّناءة في قريش ، لا بشرف في الجاهليّة اشتهروا ، ولا بقديم في الإسلام ذكروا ...»(١) .

وضع الأحاديث والأخبار :

أمّا ما جاء في بعض الكتب من ولع عبد الله بن جعفر بالقيان والغناء فهو ، إمّا افتراء لا أصل له ولا أساس ، وإمّا مبالغ فيه بقصد النّيل من مقام أمير المؤمنين ، لأنّه ابن أخيه ، وزوّج ابنته على طريقة السّلف الطّالح من أمثال الأمويّين وأذنابهم الّذين يضعون لهم الأحاديث والأخبار في عليّ وأولاده وأحفاده بعد أن يقبضوا الثّمن.

من ذلك ، وعلى سبيل المثال ، حديث : «إنّ ابني هذا سيّد ، ولعل الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ...»(٢) . وضعه معاوية ليثبت به إسلامه ،

__________________

(١) انظر ، المحاسن والمساويء للبيهقي : ١ / ١٤٣ ، الإصابة : ٢ / ٣٢٠ ، تأريخ دمشق : ٢٩ / ٧٤.

(٢) لا نريد التّعليق على هذا الحديث من باب وضعه سندا ومتنا ، بل نقول : هذا الحديث من وضع الأمويين وأنصارهم ، الّذين استأجرهم معاوية للكذب والإفتراء على الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله هذا أوّلا.

انظر ، الإصابة : ١ / ٦٤ ، فقال فيها ابن حجر : «وهكذا أصبحت الخلافة ملكا عضوضا على يد معاوية الّذي ورّثها لابنه يزيد ، وأجبر النّاس على بيعته في حياته ، لا ينازعه في ملكه منازع من بعده. بل قال في جواهر المطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب لابن الدّمشقي : ٢ / ٢٠١ ، الرّواة من حفّاظ بني أميّة. انظر ، الإصابة : ١ / ٣٣٠ ، مسند أحمد : ٥ / ٥١ ، العقد الفريد : ١ / ١٦٤ ، تهذيب تأريخ دمشق لابن عساكر : ٤ / ٢٠٢ ، صحيح البخاري : ٢ / ١١٨ ، و : ٤ / ١٤١ ، سنن النّسائي : ٣ / ١٠٧ سنن أبي داود : ٢ / ٢٨٥ ، و : ٣ / ١١٨ ، محاسن البيهقي : ٥٥ ، مستدرك الحاكم : ٣ / ١٦٩ ، الإستيعاب : ١ / ٣٨٤ ، ـ


وإسلام من كان معه في صفّين ، وينفي عنه وعنهم البغي الّذي دمغهم به حديث «ويح عمّار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنّة ، ويدعونه إلى النّار»(١) .

__________________

ـ وثانيا : إنّ هذا اللّفظ «بين فئتين من المسلمين عظيمتين» كيف يوجّهها أصحاب الرّأي والسّداد في حالة المقارنة بين قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله حول ريحانة الإمام الحسنعليه‌السلام : إنّ ابني هذا سيّد ، وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : وإنّ الحسنين خير النّاس جدّا وجدّة وأبا وأمّا ، وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ الحسن والحسين سبطا هذه الأمّة ، وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ الله زيّن الجنّة بالحسن والحسين ، وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة ، وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ الحسنين عضوان من أعضائه ، وغير ذلك كثير وبين قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه كما ذكر ذلك صاحب ميزان الإعتدال : ٢ / ٧ و : ١٢٩ ، طبعة مصر سنة ١٣٢٥ ه‍ ، وابن حجر في تهذيب التّهذيب : ٥ / ١١٠ ، و : ٧ / ٣٢٤ ، و : ٨ / ٧٤ ، طبعة حيدر آباد سنة ١٣٢٥ ه‍.

وفي لفظ ابن عيّينة «فارجموه» ، وكنوز الحقائق : ٩ ، طبعة استانبول سنة ١٢٨٥ ه‍ ، وابن سعد في الطّبقات : ٤ / ١٣٦ ق ١. وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : ويّح عمّار ، وكذلك تأسّف عبد الله بن عمر بن الخطّاب ، وتأسّف عبد الله بن عمرو بن العاص على أنّه كان مع الفئة الباغية؟؟! ومع هذا كلّه يطلقون لفظة «المسلمين» على معاوية وأصحابه ، وبالتالي فإنّ لفظ «المسلم» كما يطلق على المؤمن فكذلك يطلق على المنافق والباغي وغير ذلك من الفرق المنتحلة للإسلام.

(١) ذكرت ذلك في بعض مؤلّفاتي السّابقة ، وأعدته هنا ، لتّعم الفائدة. (منهقدس‌سره ).

وعمّار : هو أبو اليقظان عمّار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين بن الوذيم من بني ثعلبة ، وأمّه سميّة. وكان حليفا لبني مخزوم. وكان هو ووالده من السّابقين إلى الإسلام وهو سابع سبعة أجهروا بإسلامهم ، وقد استشهد والداه أثر تعذيب قريش إيّاهما على إسلامهما. وقد ورد عن الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله أحاديث صحيحة في مدحه منها قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنّ عمّارا ملئ إيمانا إلى مشاشه».

انظر ، صحيح البخاريّ : كتاب الصّلاة ، باب التّعاون في بناء المساجد ، و : ١ / ١٢٢ ، صحيح مسلم : ٤ / ٢٢٣٥ ، صحيح التّرمذي : ٥ / ٦٦٩ ، مسند أحمد : ٢ / ١٦١ و ١٦٤ ، و : ٤ / ١٩٧ ، و : ٦ / ٢٨٩ ، مسند أبي داود الطّيّالسي : ٣ / ٩٠ ، حلية الأولياء : ٤ / ١١٢ ، تأريخ بغداد : ١٣ / ١٨٦ ، و : ٥ / ٣١٥ ، و : ٧ / ٤١٤ ، طبقات ابن سعد : ٣ / ١٧٧ ، الطّبقات لابن سعد : ٣ / ٣٥٩ ، أنساب الأشراف : ١ / ١٧٠ ، الاسيعاب : ١ / ١٥٧ ، مسند أحمد : ٥ / ٢١٤ ، تأريخ الطّبريّ : ٣ / ٣١٦ ، الموضّح للخطيب : ١ / ٢٧٧. وانظر أيضا الرّوايات الّتي خلقها الطّبريّ : ١ / ٣٠٩٥ ـ ٣٠٩٦ ، والخطيب في الموضّح : ـ


__________________

ـ ١ / ٢٧٥ ، وابن عساكر بترجمة خزيمة بسنده عن سيف من مخطوطات المكتبة الظّاهرية بدمشق : ٥ رقم ٣٣٧ ورقة ٣٠٢ و ٣٠٣. وقارن أيضا مع ما رواه اليعقوبي في تأريخه : ٢ / ١٧٨ ، ومروج الذّهب : ٢ / ٣٦٦ ، والفتوح لابن أعثم : ٢ / ٢٨٩. وفي تأريخ الإسلام للذّهبي : ٢ / ١٧١.

وهنالك أحاديث أخرى ، وهو الّذي نزلت فيه آية ١٠٦ من سورة النّحل ( مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ ) انظر ، تفسير الآية في تفسير الطّبريّ ، والقرطبي ، وابن كثير ، والسّيوطي. وانظر طبقات ابن سعد : ٣ / ١٧٨ ، والمستدرك : ٣ / ١٧٨.

وانظر ترجمة عمّار بن ياسر في مروج الذّهب : ٢ / ٢١ و ٢٢ ، أنساب الأشراف : ٥ / ٤٨ ـ ٨٨ ، و : ٢ / ٣١٤ وما بعدها تحقيق المحمودي طبعة الأعلمي بيروت ، مسند أحمد : ١ / ٩٩ و ١٢٣ و ١٢٥ و ١٣٠ و ١٣٧ و ٤٠٤ ، و : ٢ / ١٦١ و ١٦٤ و ٢٠٦ ، و : ٣ / ٥ ، و : ٢٢ و ٢٨ و ٩٠ ، و : ٤ / ٧٦ و ٨٩ و ٩٠ و ١٩٧ و ١٩٨ و ٣١٩ ، و : ٥ / ٢١٤ ، و ٣٠٦ ، و : ٦ / ٢٨٩ ، و ٣٠٠ ، و ٣١١ و ٣١٥ و ٤٥٠ ، وصحيح البخاريّ : الجهاد ب ١٧ ، سنن ابن ماجه ب ١١ من المقدّمة ، وسنن التّرمذي : ب ٣٣ من كتاب المناقب ، ومسند الطّيّالسي : ١١٧ و ٦٠٣ و ٦٤٣ و ٦٤٩ و ١١٥٦ و ١٥٩٨ و ٢١٦٨ و ٢٢٠٢ ، والإسيعاب : ٢ / ٤٦٩ حرف العين ، الإصابة : ٢ / ٥ ، خصائص أمير المؤمنين للنّسائي : ١٣٢ ط الحيدرية ، حلية الأولياء : ٤ / ١٧٢ و ٣٦١ ، و : ٧ / ١٩٧ و ١٩٨ ، ومجمع الزّوائد : ٧ / ٢٤٠ و ٢٤٢ ، و ٢٤٤ و : ٩ / ٢٩٥ ، تأريخ الطّبريّ : ٥ / ٣٩ و ٤١ ، و : ١٠ / ٥٩.

وانظر ترجمته أيضا في اسد الغابة : ٢ / ١١٤ و ١٤٣ و ٢١٧ ، و : ٤ / ٤٦ ، الإمامة والسّيّاسة لابن قتيبة : ١ / ١١٧ ، تأريخ اليعقوبي : ٢ / ١٦٤ طبعة الغري ، وقعة صفّين : ٣٤١ و ٣٤٣ ، العقد الفريد : ٤ / ٣٤١ و ٣٤٣ ، المناقب للخوارزمي : ٥٧ و ١٢٣ و ١٢٤ و ١٥٩ و ١٦٠ ، الكامل في التّأريخ : ٣ / ٣١٠ و ٣١١ ، الإستيعاب بهامش الإصابة : ٢ / ٤٣٦ طبعة السّعادة ، فرائد السّمطين : ١ / ١١٤ و ١٢٠ و ٢٨٧ ، المعجم الصّغير للطبراني : ١ / ١٨٧.

وراجع أيضا شرح النّهج لابن أبي الحديد : ٨ / ١٠ و ١٧ و ١٩ و ٢٤ ، و : ١٥ / ١٧٧ طبعة مصر تحقيق محمّد أبو الفضل ، و : ٢ / ٢٧٤ الطّبعة الأولى مصر ، سيرة ابن هشام : ٢ / ١٠٢ ، نور الأبصار : ١٧ و ٨٩ طبعة السّعيدية بمصر ، كفاية الطّالب : ١٧٢ ـ ١٧٥ طبعة الحيدرية ، و ٧١ و ٧٣ طبعة الغري ، تذكرة الخواصّ : ٩٣ و ٩٤ ، ينابيع المودّة : ١٢٨ و ١٢٩ طبعة إسلامبول ، و : ١٥١ و ١٥٢ طبعة الحيدرية ، و : ١ / ١٢٨ و ١٢٩ طبعة العرفان ، وأحكام القرآن لابن عربي : ٤ / ١٧٠٥ الطّبعة الثّانية تحقيق ـ


ومنه الخبر المفترى على الإمام الحسنعليه‌السلام أنّه كان إذا رأى جمعا من النّسوة يقول لهنّ: «من منكنّ تأخذ ابن بنت رسول الله؟ فيجبنّه بصوت واحد : كلّنا مطلقات ابن بنت رسول الله»(١) .

وأي عاقل يصدق مثل هذا على الإمام الزّكي الّذي له عقل جدّه محمّد المصطفى ، وأبيه عليّ المرتضى؟! أي عاقل يصدق أنّ الإمام الحسن كان يقف على قارعة الطّريق ، وينادي معلنا عن نفسه ورغبته في الزّواج ، والنّكاح؟ وأغرب من كلّ ذلك جواب النّسوة كلّنا مطلقات ابن بنت رسول الله. متى تزوّج بهذه الكثرة الكثيرة؟! ومتى طلقهنّ؟! وكيف إجتمع مطلقاته كلهنّ في مجلس واحد؟! وكيف خفينّ عليه ، ولم يعرف حتّى ولا واحدة منهنّ ، وبالأمس كنّ في بيته وعلى فراشه؟!

ومن ذلك أخبار السّيّدة سكينة مع أشعب الطّمّاع وغيره من المغنّين والمخنثين(٢) ...إلى كثير من الأكاذيب والإفتراءات الّتي حاكتها الفئة الباغية

__________________

ـ البجاوي. وكان عمّار مع عليّ في حرب الجمل وصفّين ، وقتل بصفّين مساء الخميس ٩ صفر سنة (٣٧ ه‍) وله من العمر ٩٣ سنة.

انظر ، صحيح البخاريّ : ١ / ١٢٢ و ٢ / ٣٠٥ ، صحيح مسلم : ٤ / ٢٢٣٥ ، صحيح التّرمذي : ٥ / ٦٦٩ ، مسند أحمد : ٢ / ١٦١ و ١٦٤ ، و : ٤ / ١٩٧ ، و : ٦ / ٢٨٩ ، حلية الأولياء : ٤ / ١١٢.

(١) إنّ هذه الأباطيل قد افتعلها المنصور الدّوانيقي وأخذها عنه المؤرّخون كما ذكر صاحب المروج : ٣ / ٢٢٦ ، وصبح الأعشى : ١ / ٢٣٣ ، وجمهرة رسائل العرب : ٣ / ٩٢. ثمّ جاءت لجان التّبشير كلامنس وغيره في دائرة معارفه : ٧ / ٤٠٠ من تروّيج الأكاذيب عليهعليه‌السلام ، والمسلّم ، والمقطوع به هو تزوّجهعليه‌السلام بباكرة واحدة وتسع زوّجات ثيّبات.

(٢) لسنّا بصدد ردّ أكاذيب ابن خلّكان والإصبهاني بصدد سكينة وزوّاجها من فلان وفلان. ولا نريد أن ـ


بشهادة رسول الله(١) ، والشّجرة الملعونة في كتاب الله(٢) .

__________________

ـ نقف مع هذه الأساطير ، والأكاذيب الإصبهانيّة ، والدّمشقيّة ، والكثيريّة ، والأثيريّة على بنت الطّهارة ، ومعدن الوحي والرّسالة ، بل نقول : ألا لعنة الله على الكاذبين ، ألا لعنة الله على الظّالمين.

انظر ، مصادر هذه الأسطورة ، والأبيات الشّعريّة في تأريخ دمشق : ١١ / ٢٦١ و : ٦٩ / ٢٠٩ ، الأغاني : ١٦ / ١٦١ ، البداية والنّهاية : ٩ / ٢٩١ ، ديوان جميل : ٢٩ و ٤٠ طبعة بيروت ، ديوان الفرزدق : ١ / ٢٥٩ و : ٢ / ١٥٥ طبعة بيروت صادر ، مصارع العشاق : ٢ / ٨٠ ـ ٨٢ ، ديوان جرير : ٣٥٥ و ٤١٦ طبعة بيروت ، ديوان كثيّر : ٥٥ و ١١٦ طبعة بيروت.

انظر ، سير أعلام النّبلاء : ٥ / ٢٦٣ ، الطّبقات الكبرى : ٨ / ٤٧٥ ، تأريخ دمشق : ٦٩ / ٢٠٥ ، درّر الأصداف في فضل السّادة الأشراف ، لعبد الجواد بن خضر الشّربيني.

(١) انظر ، صحيح البخاري : ١ / ١٢٢ ، صحيح مسلم : ٤ / ٢٢٣٥ ، صحيح التّرمذي : ٥ / ٦٦٩ ، مسند أحمد : ٢ / ١٦١ و ١٦٤ ، و : ٤ / ١٩٧ ، و : ٦ / ٢٨٩ ، مسند أبي داود الطّيّالسي : ٣ / ٩٠ ، حلية الأولياء : ٤ / ١١٢ ، تأريخ بغداد : ١٣ / ١٨٦ ، و : ٥ / ٣١٥ ، و : ٧ / ٤١٤ ، طبقات ابن سعد : ٣ / ١٧٧ ، الطّبقات لابن سعد : ٣ / ٣٥٩ ، أنساب الأشراف : ١ / ١٧٠ ، الإستيعاب : ١ / ١٥٧ ، مسند أحمد : ٥ / ٢١٤ ، تأريخ الطّبريّ : ٣ / ٣١٦ ، الموضّح للخطيب : ١ / ٢٧٧ ، مروج الذّهب : ٢ / ٢١ و ٢٢ ، أنساب الأشراف : ٥ / ٤٨ ـ ٨٨ ، و : ٢ / ٣١٤ وما بعدها تحقيق المحمودي طبعة الأعلمي بيروت ، مسند أحمد : ١ / ٩٩ و ١٢٣ و ١٢٥ و ١٣٠ و ١٣٧ و ٤٠٤ ، و : ٢ / ١٦١ و ١٦٤ و ٢٠٦ ، و : ٣ / ٥ ، و : ٢٢ و ٢٨ و ٩٠ ، و : ٤ / ٧٦ و ٨٩ و ٩٠ و ١٩٧ و ١٩٨ و ٣١٩ ، و : ٥ / ٢١٤ ، و ٣٠٦ ، و : ٦ / ٢٨٩ ، و ٣٠٠ ، و ٣١١ و ٣١٥ و ٤٥٠ ، وصحيح البخاريّ : الجهاد ب ١٧ ، سنن ابن ماجه ب ١١ من المقدّمة ، وسنن التّرمذي : ب ٣٣ من كتاب المناقب ، ومسند الطّيّالسي : ١١٧ و ٦٠٣ و ٦٤٣ و ٦٤٩ و ١١٥٦ و ١٥٩٨ و ٢١٦٨ و ٢٢٠٢ ، والاسيعاب : ٢ / ٤٦٩ حرف العين ، الإصابة : ٢ / ٥ ، خصائص أمير المؤمنين للنّسائي : ١٣٢ ط الحيدرية ، حلية الأولياء : ٤ / ١٧٢ و ٣٦١ ، و : ٧ / ١٩٧ و ١٩٨ ، ومجمع الزّوائد : ٧ / ٢٤٠ و ٢٤٢ ، و ٢٤٤ و : ٩ / ٢٩٥ ، تأريخ الطّبريّ : ٥ / ٣٩ و ٤١ ، و : ١٠ / ٥٩.

(٢) انظر ، دلائل النّبوّة للبيهقي : ٦ / ٥١١ ، تفسير الطّبري : ١٥ / ٧٧ ، الدّر المنثور : ٤ / ١٩١ ، فتح القدير : ٣ / ٢٣٩ ، تأريخ دمشق : ٥٧ / ٢٧٣ ، النّزاع والتّخاصم : ٢٣ ، الهداية الكبرى : ٧٦ ح ٢٥ ، فتح الباري : ٨ / ٣٠٢ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ٩ / ٢٢٠.



المصائب والأحزان

شاءت الأقدار أن تلقي بالسّيّدة الحوراء في أحضان المصائب والأحزان منذ الطّفّ ولة إلى آخر يوم في حياتها فمن يقف على سيرتها يجد سلسلة من حلقات متّصلة من الآلآم منذ البداية ، حتّى النّهاية.

وأي إنسان خلت أو تخلو حياته من الهموم والأكدار ، حتّى أصحاب السّلطان ، والجاه ، والثّراء لا منجاة لهم من ضربات الزّمان ، وطواريء الحدثان وقديما قيل على لسان الإمام عليّ : «الدّهر يومان : يوم لك ، ويوم عليك ؛ فإذا كان لك فلا تبطر ، وإذا كان عليك فاصبر!»(١) . ومن الّذي حقّق جميع رغباته ، ولم يفقد قريبا من أقربائه ، وعزيزا من أعزائه.

ولكن من غير المألوف والمعروف أن يعيش «إنسان» في خضّم من المحن والأرزاء ، كما عاشت السّيّدة زينب الّتي إنهالت عليها الشّدائد من كلّ جانب الواحدة تلو الأخرى ، حتّى سميّت أمّ المصائب ، وأصبحت هذه الكنية علما خاصّا بها.

فقد شاهدت وفاة جدّها رسول الله ، وتأثيرها على المسلمين بعامّة ، وعلى أمّها وأبيها ، وأهل بيتها بخاصّة ، قال أمير المؤمنين : «نزل بي من وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ما

__________________

(١) انظر ، نهج البلاغة : الحكمة «٣٩٤».


لم أكن أظن الجبال لو حملته عنوة كانت تنهض به ورأيت النّاس من أهل بيتي ما بين جازع لا يملك جزعه ، ولا يضبط نفسه ، ولا يقوى على حمل فادح نزل به ، قد أذهب الجزع صبره ، وأذهل عقله ، وحال بينه وبين الفهم والإفهام ، والقول ، والأسماع»(١) .

وطبيعي أن يصيب أهل البيت هذا ، وأكثر منه ، فأنّ تأثير المصاب بالفقيد ، أي فقيد يقاس بقدره وقيمته

وكفى الرّسول عظمة أن يقترن اسمه باسم الله ، ولا يقبل الإيمان والإعتراف بالله الواحد الأحد إلّا مع الإعتراف والإيمان برسول الله محمّد

هذا ، إلى أنّ النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كان قد حدث أهل بيته بكلّ ما يجري عليهم من بعده ، وكرّره أكثر من مرّة على مسامعهم تصريحا وتلويحا ، حتّى ساعة الوفاة كان ينظر إلى وجوههم ويبكي ، ولمّا سئل قال : «أبكي لذّرّيتي ، وما تصنع بهم شرار أمّتي من بعدي»(٢) .

شاهدت زينب وفاة جدّها الرّسول ، وما تركه من آثار ، وشاهدت محنة أمّها الزّهراء ، وندبها لأبيها في بيت الأحزان ، ودخول من دخل إلى خدرها ، وانتهاك حرمتها ، واغتصاب حقّها ، ومنع إرثها ، وكسر جنبها ، وإسقاط جنينها ، وسمعتها ، وهي تنادي فلا تجاب ، وتستغيث فلا تغاث وكلّنا يعلم علاقة البنت بالأمّ ، وتطلعها إليها ، وتأثرها بها تلقائيّا وبدون شعور.

__________________

(١) انظر ، مناقب آل أبي طالب : ١ / ٢٣٣ ، الخصال للشّيخ الصّدوق : ٣٧١ ، شرح الأخبار : ١ / ٣٤٦ ، الإختصاص للشّيخ المفيد : ١٧٠.

(٢) انظر ، أمالي الشّيخ الطّوسي : ١٨٨ ح ١٨.


وشاهدت قتل أبيها أمير المؤمنين ، وأثر الضّربة في رأسه ، وسريان السّم في جسده الشّريف ، ودموعه الطّاهرة الزّكية تفيض على خدّيه ، وهو يقلب طرفه بالنّظر إليها ، وإلى أخويها الحسنين.

وشاهدت أخاها الحسن أصفر اللّون يجود بنفسه ، ويلفظ كبده قطعا من أثر السّم(١) ، ورأت عائشة تمنع من دفنه مع جدّه ، وتركب بغلة ، وتصيح ، والله لا يدفن الحسن هنا أبدا(٢) .

__________________

(١) روي أنّه لمّا وضع الطّشت بين يدي الحسن ، وهو يقذف كبده سمع أنّ أخته زينب تريد الدّخول عليه أمر برفع الطّشت إشفاقا عليها. (منهقدس‌سره ). الرّواية على تقدير صحّتها نصّت على أنّ السّمّ أثر في كبده حتّى قاء بعضا منه ، وهذا ممّا يرفضه الطّبّ الحديث بل يقول : إنّ السّمّ يحدث إلتهابا في المعدة وبالتالي يؤدّي إلى هبوط في ضغط الدّم ويؤدّي إلى إلتهاب الكبد ، والكبد هو الجهاز الخاصّ في الجانب الأيمن الّذي يقوم بإفراز الصّفراء كما جاء في القاموس : ١ / ٣٣٢ ، تاج العروس : ٢ / ٤٨١ ، ويسمّى الجوف بكامله كبدا ، وهنا تكون الرّواية غير منافية للطّبّ حيث إنّه ألقى من جوفه قطعا من الدّم المتخثّر ، والّتي تشبه الكبد.

(٢) انظر ، الإصابة : ١ / ٣٣٠ ، تأريخ دمشق : ٨ / ٢٢٨ ، البداية والنّهاية : ٨ / ٤٤ ، الإستيعاب : ١ / ٣٨٩ ، العقد الفريد : ٣ / ١٢٨ ، مروج الذّهب : ٢ / ٥١ ، رحلة ابن بطّوطزة : ٧٦ ، عيون الأخبار : ٢ / ٣١٤ ، الإمام الحسن بن عليّ للملطاوي : ٧٢ ، دلائل الإمامة : ٦١ ، المقاتل : ٧٤ ، شرح النّهج لابن أبي الحديد : ١٦ / ٤٩ ـ ٥١ ، كفاية الطّالب : ٢٦٨ ، الكامل في التّأريخ : ٣ / ١٩٧.

الفتنة الكبرى :

اتّجهت مواكب التّشيّيع نحو المرقد النّبوي لتجدّد العهد بجدّهصلى‌الله‌عليه‌وآله لكن لمّا علم الأمويون ذلك تجمّعوا وانضمّ بعضهم إلى بعض بدافع الأنانيّة والحقد والعداء للهاشميّين إلى إحداث شغب ومعارضة لدفن الإمام بجوار جدّه لأنّهم رأوا أنّ عميدهم عثمان دفن في حش كوكب ـ مقبرة اليهود ـ فكيف يدفن الحسنعليه‌السلام مع جدّه فيكون ذلك عارا عليهم وخزيا فأخذوا يهتفون بلسان الجاهليّة الحمقاء : يا ربّ هيجاء ، هي خير من دعة ، أيدفن عثمان بأقصى المدينة ويدفن الحسن عند جدّه؟

وانعطف مروان بن الحكم وسعيد بن العاص نحو عائشة وهما يستفزّانها ويستنجدان بها لمناصرتهم ـ


أمّا ما شاهدته في كربلاء ، وحين مسراها إلى الكوفة ، والشّام مع العليل ، والنّساء ، والأطفال فيفوق الوصف ، وقد وضعت فيه كتب مستقلّة.

هكذا كانت حياة السّيّدة ، وبيئتها من يومها الأوّل إلى آخر يوم ، حياة مشبّعة بالأحزان ، متخمة بالآلام لا تجد منها مفرّا ، ولا لها مخرجا.

وبعد هذه الإشارة نقف قليلا لنرى كيف قابلت السّيّدة هذه الصّدمة والأحداث الجسام : هل أصابها ما يصيب النّساء في مثل هذه الحال من الإضطراب

__________________

ـ بذلك وهما يعرفان دخيلة عائشة وما تنطوي عليها نفسها بما تكنّه من الغيرة والحسد لولد فاطمة عليها‌السلام قائلين لها : يا أمّ المؤمنين ، إنّ الحسين يريد أن يدفن أخاه الحسن مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله والله لئن دفن الحسن بجوار جدّه ليذهبنّ فخر أبيك ، وصاحبه عمر إلى يوم القيامة. فألهبت هذه الكلمات نار الثّورة في نفسها فاندفعت بغير اختيار لمناصرتهما راكبة على بغل وهي تقول : مالي ولكم تريدون أن تدخلوا بيتى من لا أحبّ؟! وكادت أن تقع الفتنة بين بني هاشم وبني أميّة ، فبادر ابن عبّاس إلى مروان فقال له : ارجع يا مروان من حيث جئت ، فإنّا ما نريد أن ندفن صاحبنا عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بل نريد أن نجدّد العهد به ، ثمّ نردّه إلى جدّته فاطمة بنت أسد فندفنه عندها لوصيته بذلك ، ولو كان وصّى بدفنه مع النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لعلمت أنّك أقصر باعا من ردّنا عن ذلك ، لكنّهعليه‌السلام كان أعلم بالله ورسوله وبحرمة قبره من أن يطرق عليه هدما كما طرق ذلك غيره ، ودخل بيته بغير إذنه. ثمّ أقبل على عائشة فقال لها : وا سوأتاه! يوما على بغل ويوما على جمل وفي رواية قال ابن عبّاس : يوما تجمّلت ويوما تبغّلت ، وإن عشت تفيّلت فأخذه ابن الحجّاج الشّاعر البغدادي فقال :

يا بنت أبي بكر

لا كان ولا كنت

لك التّسع من الثّمن

وبالكلّ تملّكت

تجمّلت تبغّلت

وإن عشت تفيّلت

هذا الخبر رواه الفريقان من أهل السّنّة والشّيعة بتغيّر ببعض عباراته كلّ بحسب مذهبه.

انظر ، مقاتل الطّالبيّين : ٨٢ ، شرح النّهج لابن أبي الحديد : ٤ / ١٨ ، و : ١٦ / ٤٩ ـ ٥١ ، تذكرة الخواصّ : ٢٢٣ ، تأريخ اليعقوبي : ١ / ٢٠٠ ، تأريخ أبي الفداء : ١ / ١٩٢ ، العقد الفريد : ٣ / ١٢٨ ، أنساب الأشراف : ١ / ٤٠٤ ، الطّبقات الكبرى : ٨ / ٥٠ ، كتاب عائشة والسّياسة : ٢١٨ ، الإستيعاب : ١ / ٣٧٤ ، كفاية الطّالب : ٢٦٨ ، الفتوح لابن أعثم : ٢ / ٣٢٣ هامش رقم «٣».


واختلال الأعصاب؟ هل هيمنت عليها العاطفة العمياء الّتي لا يبقى معها أثر لعقل ولا دين؟ وبالتّالي ، هل خرجت عن حدود الإتزان والإحتشام؟ حاشا بنت النّبيّ ، وفاطمة ، وعليّ ، وأخت الحسنين ، وحفيدة أبي طالب أن تنهزم أمام النّكبات ، وتستسلم للضّربات حاشا النّفس الكبيرة أن تتمكن منها العواطف ، أو تزعزعها العواصف فلقد تحولت تلك المحن ، والمصائب بكاملها إلى عقل ، وصبر ، وثقة بالله ، وكشفت كلّ نازلة نزلت بها عن معنى من أسمى معاني الكمال ، والجلال ، وعن سرّ من أسرار الإيمان النّبويّ المحمّديّ ، أنّ اعتصامها بالله ، وإيمانها به تماما كإيمان جدّها رسول الله.

وليس في قولي هذا أيّة شائبة من المغالاة ما دمت أقصد الإيمان الصّحيح الكامل الّذي لا ينحرف بصاحبه عن طاعة الله ومرضاته مهما تكن الدّوافع والملابسات وأي شيء أدل على هذه الحقيقة من قيامها بين يدي الله للصّلاة ليلة الحادي عشر من المحرّم ، ورجالها بلا رءوس على وجه الأرض تسفي عليهم الرّياح ، ومن حولها النّساء ، والأطفال في صياح وبكاء ، ودهشة وذهول ، وجيش العدو يحيط بها من كلّ جانب أنّ صلاتها في مثل هذه السّاعة تماما كصلاة جدّها رسول الله في المسجد الحرام ، والمشركون من حوله يرشقونه بالحجارة ، ويطرحون عليه رحم شاة ، وهو ساجد لله عزّ وعلا ، وكصلاة أبيها أمير المؤمنين في قلب المعركة بصفّين ، وصلاة أخيها سيّد الشّهداء يوم العاشر ، والسّهام تنهال عليه كالسّيل.

ولا تأخذك الدّهشة ـ أيّها القاريء ـ إذا قلت : أنّ صلاة السّيّدة زينب ليلة الحادي عشر من المحرّم كانت شكرا لله على ما أنعم ، ، وأنّها كانت تنظر إلى تلك


الأحداث على أنّها نعمة خصّ الله بها أهل بيت النّبوّة من دون النّاس أجمعين ، وأنّه لولاها لما كانت لهم هذه المنازل والمراتب عند الله والنّاس ولا يشك مؤمن عارف بأنّ أهل البيت لو سألوا الله سبحانه دفع الظّلم عنهم ، وألحوا عليه في هلاك الظّالمين لأجابهم إلى ما سألوا ، كما لا يشك مسلم بأنّ رسول الله لو دعا على مشركي قريش لإستجاب دعاءه(١) ولكنّهم لو دعوا واستجاب لم تكن لهم هذه الكرامة الّتي نالوها بالرّضا والجهاد ، والقتل والإستشهاد ، وفي هذا نجد تفسير قول الحسين : «رضا الله رضانا أهل البيت نصبر على بلائه ويوفينا أجور الصّابرين ، لن تشذّ عن رسول الله لحمته بل هي مجموعة له في حظيرة القدس تقرّ بهم عينه ، وينجز بهم وعده ، من كان باذلا فينا مهجته ، وموطّنا على لقاء الله نفسه فليرحل معنا فإنّني راحل ، مصبحا إنّ شاء الله تعالى»(٢) . وقول أبيه أمير المؤمنين ، وهو يجيب عن هذا السّؤال : فقال لي : «فكيف صبرك إذا»! فقلت : يا رسول الله ، ليس هذا من مواطن الصّبر ، ولكن من مواطن البشرى والشّكر.

__________________

(١) حين لقي المسلمون من المشركين شدّة شدّيدة قالوا لرسول الله : ألا تدعو الله : ألا تدعو الله لنا؟. قال : أنّ من كان قبلكم ليمشط أحدهم بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه ، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق بإثنين ما يصرفه ذلك عن دينه ، وليتمنّ الله هذا الأمر ، حتّى ليسير الرّاكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلّا الله». وهكذا تمّ أمر أهل البيت لا يخاف مواليهم إلّا الله ، والحمد الله. (منه قدس‌سره).

انظر ، صحيح البخاري : ٣ / ١٣٢٢ ح ٣٤١٦ و : ٦ / ٢٥٤٦ ح ٦٥٤٤ ، صحيح ابن حبّان : ٧ / ١٥٦ ح ٢٦٩٧ ، سنن البيهقي الكبرى : ٩ / ٥ ح ٢٧٤٩٨ ، السّنن الكبرى : ٣ / ٤٥٠ ح ٥٨٩٣ ، مسند البزّار : ٦ / ٦٧ ح ٢١٢٧ ، مسند أحمد : ٥ / ١٠٨ ح ٢١٠٩٥ و ٢١١٠٧ و ٢٧٢٦٠ ، مسند أبي يعلى : ١٣ / ١٧٤ ح ٧٢١٣ ، المعجم الكبير : ٤ / ٦٢ ح ٣٦٣٨.

(٢) تقدّمت تخريجاته.


وقال : «يا عليّ ، إنّ القوم سيفتنون بأموالهم ، ويمنّون بدينهم على ربّهم ، ويتمنّون رحمته ، ويأمنون سطوته ، ويستحلّون حرامه بالشّبهات الكاذبة ، والأهواء السّاهية ، فيستحلّون الخمر بالنّبيذ ، والسّحت بالهديّة ، والرّبا بالبيع».

قلت : يا رسول الله ، فبأيّ المنازل أنزلهم عند ذلك؟ أبمنزلة ردّة ، أم بمنزلة فتنة؟ فقال : «بمنزلة فتنة»(١) .

وزينب هي بنت أمير المؤمنين لا تعدوه في إيمانها ، ولا في نظرها إلى طريق الخلود والكرامة ولذا لم تترك الصّلاة شكرا لله ، حتّى ليلة الحادي عشر من المحرّم ، وحين مسيرها مسبيّة إلى الكوفة والشّام ، وحمدت الله ، وهي أسيرة في مجلس يزيد على أن ختم الله للأوّل من أهل البيت بالسّعادة ، وللآخر بالشّهادة والرّحمة.

ومن الخير أن ننقل كلمة لأبيها أمير المؤمنين تتّصل بالموضوع وتلقي عليه ضوءا من أنوار الحكمة كالهداية ، قال :

«أنّ أشدّ النّاس بلاء النّبيّون ، ثمّ الوصيون ، ثمّ الأمثل فالأمثل ، وإنّما يبتلى المؤمن على قدر أعماله الحسنة ، فمن صحّ دينه ، وحسن عمله اشتدّ بلاؤه ، ذلك أنّ الله لم يجعل الدّنيا ثوابا لمؤمن ، ولا عقوبة لكافر ، ومن سخف دينه ضعف عمله ، وقلّ بلاؤه ، وأنّ البلاء أسرع إلى المؤمن التّقي من المطر إلى قرار الأرض»(٢) .

__________________

(١) انظر ، نهج البلاغة : الخطبة «١٥٦».

(٢) انظر ، الكافي : ٢ / ٢٥٩ ح ٢٩ ، علل الشّرائع : ١ / ٤٤ ح ١ ، السّرائر لابن إدريس : ٣ / ١٤٣ ، وسائل الشّيعة : ٣ / ٢٦٢ ح ٨.


وبعد ، فإنّ الأحداث الّتي مرّت بالسّيّدة زينب لفتت إليها الأنظار ، فتحدّث عنها المؤرّخون وأصحاب السّير في موسوعاتهم ، ومنهم من وضع في سيرتها كتبا مستقلة ، وأشاد الخطباء بفضلها وعظمتها من على المنابر ، ونظم الشّعراء القصائد في أحزانها وأشجانها ، وصبرها وثباتها ، ونذكر هنا ـ على سبيل المثال ـ هذه القطعة الدّامية لهاشم الكعبي :

وثواكل في النّوح تسعد مثلها

أرأيت ذا ثكل يكون سعيدا

ناحت فلم تر مثلهنّ نوائحا

إذ ليس مثل فقيدهنّ فقيدا

لا العيس تحكيها إذا حنّت ولا

الورقاء تحسن عندها ترديدا

أن تنع أعطت كلّ قلب حسرة

أو تدع صدّعت الجبال الميدا

عبراتها تحيي الثّرى لو لم تكن

زفراتها تدع الرّياض همودا

وغدت أسيرة خدرها ابنة فاطم

لم تلق غير أسيرها مصفودا

تدعو بلهفة ثاكل لعب الأسى

بفؤاده حتّى إنطوى مفؤودا

تخفي الشّجا جلدا فإن غلب الأسى

ضعف فأبدت شجوها المكمودا

نادت فقطّعت القلوب بشجوها

لكنّما إنتظم البيان فريدا

ماذا نسمّي هذه النّغمات الحزينة؟ أنسميها شعرا ، والشّعر يحتاج إلى أعمال الفكر ، وتخير المعاني والألفاظ ، والكعبي لم يفعل شيئا من ذلك ، وإنّما انعكست في نفسه آلآم آل الرّسول ، ثمّ فاضت بها من حيث لا يشعر ، تماما كما فاضت عيون الثّاكلات بالعبرات وكل شيعي صادق الولاء لآل نبيّه يعبر عن ولائه بالبكاء ، وإقامة العزاء لمّا أصابهم وحلّ بهم ، أو بشد الرّجال لزيارة قبورهم ومشاهدهم المقدّسة ، أو بالإحتجاج لحقّهم ، ومنافحة خصومهم ، أو بثورة


شعريّة ، كما فعل السّيّد حيدر الحلّي(١)

أمّا أن تكون نفس المحبّ بالذات هي الأداة المعبّرة عن حبّه وولائه ، فهذا ما لا نعرفه إلّا من أفراد قلائل جدّا ، منهم هاشم الكعبي ، والشّريف الرّضي أنّ هذه القطعة ليست وصفا لندب الثّواكل وحنينها إلى سيّدها وكفيلها ، ولا تصويرا لأحزانها واشجانها ، وكفى ، ولا أخبار بالّذي أصاب آل محمّد ، كما قال بعض الشّعراء :

سبيت نساء محمّد وبناته

من بعد ما قتلت هناك رجاله

وإنّما هي قلب مضطرم قد استحال إلى كلمات تلهب القلوب والمشاعر فلقد هيمن الولاء على الكعبي ، وانتقل به من عالمه ودنياه إلى عالم الثّواكل في كربلاء ، فشعر بشعورهنّ ، وأحس بإحساسهنّ ، حتّى أصبح مثلهنّ ثاكلا يندب وينوح بعبرات تحيي الثّرى ، وزفرات تدع الرّياض هودا.

__________________

(١) شاعر مكثر ومجيد في رثاء الحسين ، وشعره كلّه أو جلّه ثورة ، وحماسة ، واستنهاض. (منهقدس‌سره ).



نوايا يزيد

مات معاوية ، وتولى يزيد الأمر من بعده ، وأبى إلّا أن يأخذ لنفسه بيعة الحسين وقال الحسين كلمته الّتي لا يحول عنها ، ولا يزول ، مهما تكن العواقب : «ومثلي لا يبايع مثله»(١) وكانت المأساة الّتي لا يزال ولن يزال يجري دمها طريّا على وجه الأرض ، كما قال السّيّد العبيدي أنّ معاوية ليس بشيء من الإسلام ، ولا من الإنسانيّة في حساب الحسين ، فكيف بولده يزيد؟! وإقرأ معي هذا التّأنيب والتّوبيخ الّذي وجّهه الحسين لمعاوية بصوت عال جريء.

الحسين ومعاوية :

كتب مروان بن الحكم ، وهو عامله على المدينة :

أمّا بعد ، فإنّ عمرو بن عثمان ذكر أنّ رجالا من أهل العراق ، ووجوه أهل الحجاز يختلفون إلى الحسين بن عليّ ، وأنّه لا يؤمن وثوبه ، وقد بحثت عن ذلك ، فبلغني أنّه يريد الخلاف يومه هذا ، فاكتب إليّ برأيك.

__________________

(١) تقدّمت تخريجاته.


فكتب معاوية إلى الحسين :

أمّا بعد : فقد انتهت إليّ أمور عنك إن كانت حقّا فقد أظنّك تركتها رغبة فدعها ، ولعمر الله أنّ من أعطى الله عهده وميثاقه لجدير بالوفاء ، فإن كان الّذي بلغني باطلا فإنّك أنت أعزل النّاس لذلك ، وعظ نفسك ، فاذكر ، وبعهد الله أوف فإنّك متى ما تنكرني أنكرك ، ومتى ما تكدني أكدك ، فاتّق شقّ عصا هذه الأمّة وإن يردهم الله على يديك في فتنة ، فقد عرفت النّاس وبلوتهم ، فانظر لنفسك ولدينك ولأمّة محمّد ، ولا يستخفنك السّفهاء والّذين لا يعلمون.

يا لسخرية الأقدار الشّجرة الملعونة في القرآن تقول لمن طهّره الله تطهيرا انظر لدينك ولأمّة محمّد عدوّ الله والرّسول الّذي قال لأهل الكوفة : «يا أهل الكوفة! أترون أنّي قاتلتكم على الصّلاة ، والزّكاة ، والحجّ ، وقد علمت أنّكم تصلّون ، وتزكون ، وتحجون ، ولكنّي قاتلتكم لأئتمر عليكم ، وألي رقابكم ، وقد أتاني الله ذلك وأنتم كارهون. ألا إنّ كلّ دم أصيب في هذه مطلول ، وكلّ شرط شرطته فتحت قدمي هاتين»(١) . يقول لربيب الوحي : أنظر لدينك ولأمّة محمّد؟ ولكنّ الحسين قد أبطل كيده ، وهدم كهفه ، وأرغم أنفه ، حيث أجابه : أمّا بعد : فقد بلغني كتابك تذكر فيه أنّه انتهت إليك عنّي أمور أنت عنها راغب وأنا بغيرها عندك جدير ، فإنّ الحسنات لا يهدى لها ولا يسدّد إليها إلّا الله تعالى.

وأمّا ما ذكرت أنّه رقيّ إليك عنّي ، فإنّه إنّما رقاه إليك الملاقون المشّاؤون

__________________

(١) انظر ، البداية والنّهاية : ٦ / ٢٤٦ ، تأريخ دمشق : ٥٢ / ٣٨٠ ، تأريخ ابن كثير : ٨ / ١٢١ ، الكامل في التّأريخ : ٦ / ٢٢٠ ، مقاتل الطّالبيين : ٧٠ ، شرح النّهج لابن أبي الحديد : ٤ / ١٦ و : ١٦ / ١٥ ، المعرفة والرّجال للبسوي : ٣ / ٣١٨ ، شرح الأخبار : ٢ / ١٥٧ ، مناقب آل أبي طالب : ٣ / ١٩٦ ، المصنّف لابن أبي شيبة الكوفي : ٧ / ٣٥١ ح ٢٣ ، تأريخ دمشق : ٥٢ / ٣٨٠ و : ٥٩ / ١٥٠ ، البداية والنّهاية : ٨ / ١٤٠.


بالنّميمة ، المفرّقون بين الجمع ، وكذب الغاوون.

وما أردت إليك حربا ، ولا عليك خلافا ، وإنّي لأخشى الله في ترك ذلك منك ، ومن الأعذار فيه إليك وإلى أوليائك القاسطين حزب الظّلمة وأولياء الشّياطين.

ألست القاتل حجر بن عدي أخا كندة وأصحابه المصلّين العابدين الّذين كانوا ينكرون الظّلم ، ويستعظمون البدع ، ويأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر ، ولا يخافون في الله لومة لائم ، ثمّ قتلتهم ظلما وعدوّانا ، من بعد ما أعطيتهم الأيمان المغلظة والمواثيق المؤكّدة ، لا تأخذهم بحدث كان بينك وبينهم ، جرأة منك على الله واستخفافا بعهده؟

أولست قاتل عمرو بن الحمق الخزاعي صاحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله العبد الصّالح الّذي أبلته العبادة ، فنحل جسمه ، واصفرّ لونه ، فقتلته بعد ما أمّنته ، وأعطيته ما لو فهمته العصم لنزلت من رؤوس الجبال؟

أولست بمدّعي زياد بن سميّة المولود على فراش عبيد ثقيف ، فزعمت أنّه ابن أبيك ، وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «الولد للفراش ، وللعاهر الحجر»(١) ، فتركت سنّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله تعمدا ، وتبعت هواك بغير هدى من الله ، ثمّ سلّطته على أهل الإسلام يقتلهم ، ويقطع أيديهم وأرجلهم ، ويسمّل أعينهم ، ويصلبهم على جذوع النّخل ، كأنّك لست من هذه الأمّة وليسوا منك؟

أولست قاتل الحضرمي الّذي كتب فيه إليك زياد أنّه على دين عليّ كرّم الله

__________________

(١) انظر ، مسند الإمام الشّافعي : ١٨٨ ، مسند أحمد : ٢ / ٣٨٦ ، سنن الدّارمي : ٢ / ١٥٢ ، صحيح البخاريّ : ٣ / ٣٩ ، صحيح مسلم : ٤ / ١٧١ ، سنن ابن ماجه : ١ / ٦٤٦ ، سنن التّرمذي : ٣ / ٢٩٣ ، مصباح الزّجاجة : ٢ / ١٢٢ ، مسند الشّهاب : ١ / ١٩٠ ، البيان والتّعريف : ٢ / ١٣٠ و ٢٦٧ ، الّتمهيد لابن عبد البر : ٨ / ١٩١ ، كشف الخفاء : ٢ / ٤٥١ ، شرح النّووي على صحيح مسلم : ١٠ / ٣٧.


وجهه ، فكتب إليه أن أقتل كلّ من كان على دين عليّ ، فقتلهم ، ومثّل بهم بأمرك ، ودين عليّ هو دين ابن عمّهصلى‌الله‌عليه‌وآله الّذي أجلسك مجلسك الّذي أنت فيه ، ولو لا ذلك لكان شرفك وشرف آبائك تجشم الرّحلتين رحلة الشّتاء والصّيف؟

وقلت فيما قلت : أنظر لنفسك ولدينك ولأمّة محمّد ، واتّق شقّ عصا هذه الأمّة وأن تردهم إلى فتنة. وإنّي لا أعلم فتنة أعظم على هذه الأمّة من ولايتك عليها ، ولا أزعلم نظرا لنفسي ولديني ولأمّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله علينا أفضل من أن جاهدك ، فإن أفعل فإنّه قربة إلى الله ، وإن تركته فإنّي استغفر الله لديني ، وأسأله توفيقه لإرشاد أمري

وقلت فيما قلت : إنّي إن أنكرتك تنكرني وإن أكدك تكدني ، فكدني ما بدا لك ، فإنّي أرجو الله أن لا يضرني كيدك ، وأن لا يكون على أحد أضرّ منه على نفسك ، لأنّك قد ركبت جهلك ، وتحرصّت على نقض عهدك. ولعمري ما وفيّت بشرط ، ولقد نقضت عهدك بقتلك هؤلاء النّفر الّذين قتلتهم بعد الصّلح والأيمان والعهود والمواثيق ، فقتلتهم من غير أن يكونوا قاتلوا وقتلوا. ولم تفعل ذلك بهم إلّا لذكرهم فضلنا ، وتعظيمهم حقّنا ، فقتلتهم مخافة أمر لعلّك لو لم تقتلهم متّ قبل أن يفعلوا أو ماتوا قبل أن يدركوا. فأبشر يا معاوية بالقصاص ، واستيقن بالحساب ، واعلم أنّ لله تعالى كتابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلّا أحصاها ، وليس الله بناس لأخذك بالظّنة وقتلك أولياءه على التّهم ، ونفيك أولياءه من دورهم إلى دار الغربة. وأخذك للنّاس بيعة ابنك ، غلام حدث ، يشرب الشّراب ، ويلعب بالكلاب ، وما أراك إلّا قد خسرت نفسك ، وبترت دينك ، وغششت رعيتك وأخربت


أمانتك ، وسمعت مقالة السّفيه الجاهل ، وأخفت الورع التّقي ، والسّلام(١) .

ولمّا قرأ معاوية الكتاب أطلع عليه ولده يزيد ، فقال له : أجبه جوابا يصغر إليه نفسه ، واذكر أباه عليّا بشر.

فقال معاوية : وما أقول في عليّ ، ومثلي لا يحسن أن يعيب بالباطل؟ ومتى ما عبت رجلا بما لا يعرفه النّاس كذّبوه ، وما عسيت أن أعيب حسينا؟ وو الله ما أرى للعيب فيه موضعا وقد رأيت أن أكتب إليه أتوعده أتهدده ، ثمّ رأيت أن لا أفعل ولا أمحكه(٢)

الحسين يبايع يزيد وهو يقف من أبيه معاوية هذا الموقف ، ويخاطبه بهذا الإحتقار والإزدراء : ركبت جهلك ، ونقضت عهدك ، وخسرت دينك ، وغششت الرّعية ، وقتلت أولياء الله ، وأخذت البيعة لغلام يشرب الشّراب ، ويلعب بالكلاب؟!.

قرأ يزيد هذا السّجل الخالد في مثالبه ، ومثالب من مهّد له ، وبايعه بالخلافة ، فحرّض أباه على أن ينال بالباطل من عليّ والحسين ، ولم يجد معاوية ما يقوله أللهمّ هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيرا ، فاجتر يزيد ضغينته وأحقاده ، وانطوى على غيظه وغضبه ينتظر الفرصة المؤاتية.

فوران الحقد :

وبعد أن هلك معاوية ، وتولّى يزيد الأمر من بعده صمّم أن يقتل الحسين على

__________________

(١) انظر ، أعيان الشّيعة : ٤ / ١٤٢ طبعة سنة (١٩٤٨ م) نقلا عن كتاب «الإمامة والسّياسة» لابن قتيبة.وذكر هذا الكتاب أيضا صاحب البحار : ١٠ / ١٤٩. (منه قدس‌سره ).

(٢) انظر ، معدن الحكمة : ١ / ٥٨٢ ، الإحتجاج للطّوسي : ٢٧٩ ، معجم رجال الحديث : ١٩ / ٢١٥ ، العوالم : ١٧ / ٩٣ ح ٦ ، إختيار معرفة الرّجال : ١ / ٢٥٩.


كلّ حال ، وبأيّ ثمن ، ومهما تكن النّتائج وسواء أصحّ أنّ معاوية أوصاه خيرا بالحسين ، أو لم يصحّ ، فإنّ فوران الحقد ، واللّؤم ، والبغض ، والغيظ من الحسين قد بلغ الغاية من نفسه ، وأدّى به إلى حمق لا تجدي معه النّصيحة ، وإلى داء لا يشفيه إلّا الإنتقام ، ولو كان به ذهابه وذهاب ملكه ، ومن قبل قال عبد الله بن الزّبير : «اقتلوني ومالكا»(١) .

صمّم الحسين أن لا يبايع يزيد ، قتل أو لم يقتل ، لسبب واحد وهو «مثله لا يبايع مثل يزيد»(٢) وصمّم يزيد على قتل الحسين بايع أو لم يبايع لأسباب : «منها» : العداء المبدئي الّذي أشار إليه الإمام الصّادق بقوله : «نحن وآل أبي سفيان تعادينا في الله ، قلنا : صدق الله. وقالوا كذب الله»(٣) .

و «منها» : العداء الشّخصي ، فقد كان يزيد يعلم علم اليقين بأنّ الحسين يزدريه ويحتقره وأباه معاوية ، وأيضا يعلم بأنّ الحسين ينظر إليه وإلى أبيه كما ينظر إلى المنافقين والمفترين ، ولا شيء أشدّ وطأة على النّفس من الإحتقار والإستخفاف.

و «منها» : الأخذ بثارت بدر ولذا هتف بأشياخه حين وضع رأس الحسين بين يديه ، وقال : «ليت أشياخي ببدر شهدوا».

__________________

(١) انظر ، الفتوح لابن أعثم : ١ / ٤٨٥ وما بعدها ، وقارن بين قوله وقول المؤرّخ في تأريخ الطّبري : ١ / ٣١٩٩ ـ ٣٢٠٠ ، و : ٥ / ٢٠٤ و ٢١٠ و ٢١١ ، والواقدي برواية شرح النّهج لابن أبي الحديد : ١ / ٨٧ في شرح الخطبة «كنتم جند المرأة» ، الكامل في التّأريخ : ٣ / ٩٩ ، العقد الفريد : ٤ / ٣٢٦ طبعة لجنة التّأليف ، الإمامة والسّياسة : ١ / ٩٦ ، الهامش رقم (١ و ٢) في نفس الصّفحة.

(٢) تقدّمت تخريجاته.

(٣) تقدّمت تخريجاته.


وقد تجاهل هذه الحقيقة الّذين اضمروا العداء لعليّ وبنيه ، وقالوا : أنّ الحسين ألقى بيده إلى التّهلكة ، وكان عليه أن يسلّم ليزيد ، ما دام عاجزا عن مقاومته قالوا هذا ، وهم يعلمون أنّ الحسن صالح معاوية ، وسلّم له الأمر ، ثمّ غدر به ، وأنّ معاوية أعطى العهود والمواثيق لأولياء الله كحجر بن عدي ، وعمرو بن الحمق وغيره ، ثمّ نقضها ، وقتلهم دون أن يقاتلوه ، وأنّ مسلم بن عقيل ألقى السّلاح بعد أن أخذ العهد والأمان من أذناب الأمويّين ، ثمّ قتلوه ومثّلوا به.

وجاء في البحار :

«أنّ يزيد أنفذ عمرو بن سعيد إلى مكّة ، وولّاه الموسم وأمره بقتل الحسين على أي حال اتّفق ، وأنّه دسّ مع الحاج ثلاثين رجلا ، ليغتالوا الحسين ، ولمّا علم الحسين بذلك خرج من مكّة ، وقبل خروجه قال لأخيه محمّد بن الحنفيّة : والله يا أخي لو كنت في حجر هامّة من هوام الأرض لإستخرجوني منه ، حتّى يقتلوني(١) وفي هذا دلالة ظاهرة أنّه مقتول ، حتّى ولو سالم وبايع ، وكانوا يعرضون عليه البيعة صورة ، لعلمهم بأنه لا يبايع ، ألا ترى كيف أشار مروان بن الحكم بقتل الحسين على والي المدينة؟ وكيف كتب ابن زياد لابن سعد :

__________________

(١) انظر ، بحار الأنوار : ١٠ / ١١٦. وما رأيت أجهل ممّن قال : كيف اطمأنّ الحسين لأهل الكوفة ، وقد غدروا بأخيه ر ، وأبيه من قبل؟ فهل كان الحسين يجهل ذلك؟. ألم يصرح أكثر من مرّة بأنّ الله شاء أن يراني قتيلا ، ويرى نسوتي سبايا؟ (منهقدس‌سره ).

انظر ، تأريخ الطّبري : ٣ / ٢٩٥ ، الكامل في التّأريخ : ٢ / ٥٤٦ ، تهذيب تأريخ دمشق لابن عساكر: (ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام ) : ٢١٢ ح ٦٦٤ ، وقعة الطّفّ : ١٥٢ ، مقتل الحسين للخوارزمي : ١ / ٢١٨ مقتل الحسين لأبي مخنف : ٦٧ ، مقاييس اللّغة لابن فارس : ٤ / ٤٩٦ ، الفتوح لابن أعثم : ٣ / ٧٤ البداية والنّهاية : ٦ / ١٦٣ ح ١٦٦٠٨ ، ينابيع المودّة : ٣ / ٦٠ ، الطّبقات لابن سعد : ح ٢٧٨.


أعرض على الحسين : أن ينزل على حكم بني عمّك ـ يقول : «لا والله ، لا أعطيهم بيدي إعطاء الذّليل ، ولا أقرّ إقرار العبيد. عباد الله : إنّي عذت بربّي وربكم أن ترجمون. أعوذ بربّي وربّكم من كلّ متكبّر لا يؤمن بيوم الحساب ، ألا وإنّ الدّعي ابن الدّعي قد ركز بين اثنتين : بين السّلة والذّلّة ، وهيهات منّا الذّلّة ، يأبى الله لنا ذلك ، ورسوله ، والمؤمنون ، وجدود طابت ، وحجور طهرت ، وأنوف حميّة ، ونفوس أبيّة لا تؤثر طاعة اللّئام على مصارع الكرام»(١) .

ومن عرف حقيقة يزيد ، وعوامله النّفسيّة ، وتربيته لا يشك في شيء من ذلك ...أنّ يزيد ينزع للإنتقام بطبيعته وفطرته ، وبنسبه وتربيته ، ولا يشبع نزعته هذه ، البيعة وغير البيعة ، لا يشبعها إلّا الدّم ، حتّى الدّم لم يشف غليل جدّته هند فلاكت كبد الحمزة ، واتّخذت من أطرافه قلادة تتزين بها لجدّه أبي سفيان(٢)

__________________

(١) انظر ، تأريخ الطّبري : ٥ / ٤٢٥ ـ ٤٢٦ طبعة سنة ١٩٦٤ م ، الكامل في التّأريخ : ٣ / ٢٨٧ ـ ٢٨٨.

(٢) قتل حمزة والّتمثيل به :

حمزة بن عبد المطّلب يكنى أبا عمارة ، وأبا يعلى ، وهو أسد الله وأسد رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله عمّ النّبيّ قتله غلام يقال له وحشي مولى مطعم بن جبير ، وقد بعثه مولاه مع قريش وقال له : إن قتلت حمزة بعمّي طعيمة بن عديّ فأنت عتيق ، وجعلت هند بنت عتبة لوحشي جعلا على أن يقتل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أو عليّا أو حمزة. فقال : أمّا محمّد فلا حيلة فيه ، لأنّ أصحابه يطوفون به. وأمّا عليّ فإنّه إذا قاتل كان أحذر من الذّئب. وأمّا حمزة فأطمع فيه ، لأنّه إذا غضب لا يبصر ما بين يديه ، فقتله وحشي ، وجاءت هند فأمرت بشقّ بطنه وقطع كبده والتّمثيل به ، فجدعوا أنفه واذنيه. وهي الّتي اتخذت من آذان الرّجال وآنافهم وأصابع أيديهم وأرجلهم ومذاكيرهم قلائد ومعاضد ، واعطت وحشي معاضدها وقلائدها جزاء قتله حمزة فلاكة كبده فلم تسفه فلفظته. (انظر ، الكامل في التّأريخ : ٢ / ١١١ ، الدّرجات الرّفيعة : ٦٦ ـ ٦٩ ، السّيرة النّبويّة لابن هشام : ٣ / ٩٦ ، السّيرة الحلبية : ٢ / ٢٤٦ ، كشف اليقين لابن ـ


__________________

ـ المطهّر الحلّي : ١٢٨).

وذكر أهل السّير والأخبار كابن جرير ، وابن الأثير ، وابن كثير ، وصاحب العقد الفريد وغيرهم ما قد أخرجه أحمد بن حنبل : ٢ / ٤٠ عن ابن عمر أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لما رجع من أحد جعلت نساء قريش يبكين على من قتل من أزواجهن. قال : فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ولكن حمزة لا بواكي له ، قال : ثمّ نام فانتبه وهنّ يبكين ، قال فهنّ اليوم إذا يبكين يندبن حمزة.

وفي ترجمة حمزة من الإستيعاب نقلا عن الواقدي بهامش الإصابة : ١ / ٢٧٥ قال : لم تبك امرأة من الأنصار على ميّت ـ بعد قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لكن حمزة لا بواكي له ـ إلى اليوم إلّا بدأنّ بالبكاء على حمزة. (انظر للمزيد اسد الغابة ، والطّبقات الكبرى : ٢ / ٤٤ ، و : ٣ / ١١ و ١٧ ـ ١٩ ، ذخائر العقبى : ١٨٣ ، والسّيرة النّبويّة لابن هشام : ٣ / ١٠٤ ، شرح النّهج لابن أبي الحديد : ١٥ / ٤٢ ، الكامل في التّأريخ : ٢ / ١١٣ ، مجمع الزّوائد : ٦ / ١٢٠.

كان حمزة ، يحمل على القوم ، فإذا رأوه انهزموا ولم يثبت له أحد ، لكن غدر وحشي وحقد هند هما اللّذان مكنّا حربة وحشي فأصابته في أربيته ، وانشغال المسلمون بهزيمتهم هي الّتي مكّنت هند من شقّ بطنه وقطع كبده والتّمثيل به ، ولذا قال الشّاعر كما في كشف الغمّة : ١ / ٢٥٨.

ولا عار للأشراف إن ظفرت بها

كلاب الأعادي من فصيح وأعجم

فحربة وحشي سقت حمزة الرّدى

وحتف عليّ من حسام ابن ملجم

وحين رآه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : لو لا أن تحزن صفيّة أو تكون سنّة بعدي تركته حتّى يكون في أجواف السّباع وحواصل الطّير ، ولئن أظهرني الله على قريش لأمثّلنّ بثلاثين رجلا منهم. كما ذكر ابن الأثير في الكامل : ٢ / ١٦١. وقال المسلمون : لنمثّلنّ بهم مثلة لم يمثّلها أحد من العرب ، فأنزل الله في ذلك :( وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ) النّحل : ١٢٦.

ولذا ورد في السّيرة الحلبية عن ابن مسعود : ٢ / ٢٤٦ قال : ما رأينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله باكيا أشدّ من بكائه على حمزة عليه‌السلام ووضعه في القبلة ، ثمّ وقف على جنازته وانتحب حتّى نشق ـ أي شهق ـ حتّى بلغ به الغش ، يقول صلى‌الله‌عليه‌وآله : يا عمّ رسول الله ، وأسد الله ، وأسد رسول الله ، يا حمزة فاعل الخيرات ، يا حمزة يا كاشف الكربات ، يا حمزة يا ذابّ عن وجه رسول الله. وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : جاءني جبريل عليه‌السلام وأخبرني بأنّ حمزة مكتوب في أهل السّماوات السّبع : حمزة بن عبد المطّلب أسد الله وأسد رسوله. وأمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله الزّبير أن يرجع أمّه صفيّة اخت حمزة ؛ عن رؤيته ، فقال لها : يا امّه ، إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ـ


__________________

ـ يأمرك أن ترجعي ، فدفعت في صدره وقالت : لم وقد بلغني أنّه مثّل بأخي ، وذلك في الله قليل فما أرضاني بما كان في الله من ذلك ، لأحتسبنّ ولأصبرنّ إن شاء الله تعالى ، فجاء الزّبير فأخبرهصلى‌الله‌عليه‌وآله بذلك؟ فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : خلّ سبيلها ، فجاءت واسترجعت واستغفرت له.

وفي رواية : كفّن حمزة بنمرة كانوا إذا مدّوها على رأسه انكشفت رجلاه ، وإن مدّوها على رجليه انكشف رأسه ، فمدّوها على رأسه وجعلوا على رجليه الأذخر ، وأمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله به فدفن. ذكر ذلك صاحب السّيرة الحلبية : ٢ / ٢٤٧ ، وابن الأثير في الكامل : ٢ / ١٦٢.

وذكر الواقدي أنّ النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يومئذ إذا بكت صفيّة يبكي وإذا نشجت ينشج. قال : وجعلت فاطمة تبكي فلمّا بكت بكى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وروى ابن مسعود قال : ما رأينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله باكيا قطّ أشدّ من بكائه على حمزة بن أبي طالب لما قتل ـ إلى أن قال : ـ ووضعه في القبر ثمّ وقفصلى‌الله‌عليه‌وآله على جنازته وانتحب حتّى نشغ من البكاء. ذكر ذلك صاحب الاستيعاب بهامش الإصابة : ١ / ٢٧٥ الطّبعة الأولى ، والإمتاع للمقريزي : ١٥٤ ، والكامل في التّأريخ : ٢ / ١٧٠ ، ومجمع الزّوائد : ٦ / ١٢٠ ، والصّحيح من سيرة النّبيّ الأعظم : ٤ / ٣٠٧ و ٣١٠ ، وذخائر العقبى : ١٨٠ ، وسيرة ابن هشام : ٣ / ١٠٥ ، والسّيرة الحلبية : ٢ / ٢٤٦ ، وشرح النّهج : ١٥ / ٣٨٧ و ١٧.

ولسنا بصدد بيان جواز أو حرمة البكاء على الميت ولكن نترك للقارئ الكريم مجال التّفكير عند مراجعة المصادر التّالية على سبيل المثال لا الحصر منذ بكاء آدمعليه‌السلام على ابنه هابيل إلى اليوم لأنّ البكاء سنّة طبيعية.

انظر ، العرائس للثّعالبي : ٦٤ طبعة بمبي و ١٣٠ و ١٥٥ ، الطّبقات الكبرى لابن سعد : ١ / ١٢٣ ، و : ٢ / ٦٠ الطّبعة الثّانية طبعة بيروت ، فرائد السّمطين : ١ / ١٥٢ ح ١١٤ ، و : ٢ / ٣٤ ح ٢٧١ ، والمصنّف لابن أبي شيبة : ٦ و ١٢ ، كنز العمّال : ١٣ / ١١٢ الطّبعة الثّانية ، و : ١٥ / ١٤٦ ، و : ٦ / ٢٢٣ الطّبعة الأولى ، تأريخ دمشق : ٢ / ٢٢٩ ح ٣٦٧ و ٣٢٧ ح ٨٣١ ، مجمع الزّوائد : ٩ / ١١٨ و ١٧٩ و ١٨٩ الفضائل لأحمد بن حنبل : ح ٢٣١ ، المستدرك للحاكم : ٣ / ١٣٩ ، و : ٤ / ٤٦٤ ، تأريخ بغداد : ١٢ / ٣٩٨ ، و : ٧ / ٢٧٩ ، المناقب للخوارزمي : ٢٦ ، ينابيع المودّة : ٥٣ و ١٣٥.

سنن البيهقيّ : ٤ / ٧٠ ، سنن ابن ماجه : ٢ / ٥١٨ ، ذخائر العقبى : ١١٩ و ١٤٧ و ١٤٨ ، دلائل النّبوّة للبيهقي في ترجمة الإمام الحسين عليه‌السلام من تأريخ دمشق : ح ٦٢٢ و ٦١٢ ـ ٦١٤ و ٦٢٦ ـ ٦٣٠ ، المعجم ـ


__________________

ـ الكبير للطّبراني حياة الإمام الحسينعليه‌السلام : ١٢٢ ح ٤٥ و ٤٨ و ٩٥ ، كفاية الطّالب : ٢٧٩ ، أعلام النّبوّة للماوردي : ٨٣ باب ١٢ ، نظم درر السّمطين : ٢١٥ ، البداية والنّهاية لابن كثير : ٦ / ٢٣٠ ، و : ٨ / ١٩٩ ، الرّوض النّضير : ١ / ٨٩ و ٩٢ و ٩٣ ، و : ٣ / ٢٤ ، مروج الذّهب : ٢ / ٢٩٨ ، اسد الغابة : ١ / ٢٠٨ ، حلية الأولياء : ٣ / ١٣٥ ، الرّياض النّضرة : ٢ / ٥٤ الطّبعة الأولى.

واستشهد من المهاجرين يوم أحد مع حمزة أسد الله وأسد رسوله : عبد الله بن جحش ، ومصعب بن عمير ، وشماس بن عثمان بن الشّريد ، واستشهد من الأنصار واحد وستون رجلا. (انظر ، المعارف لابن قتيبة : ١٦٠).

وروى ابن مسعود : أنّ النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله صلّى على حمزة وبكى وقال كما أسلفنا سابقا : يا حمزة يا عمّي ، يا حمزة يا أسد الله وأسد رسوطه ، يا حمزة يا فاعل الخيرات ، يا حمزة يا كاشف الكربات ، يا حمزة يا ذابّ عن وجه رسول الله قال : وطال بكاؤه ، قال : ودعا برجل رجل حتّى صلّى على سبعين رجلا سبعين صلاة وحمزة موضوع بين يديه. ذكر ذلك صاحب ذخائر العقبى : ١٨١.

أمّا الرّواية الّتي نقلها صاحب الينابيع عن عبد الله بن مسعود فقد جاء فيها : لمّا قتل حمزة وقتل إلى جنبه رجل من الأنصار يقال له سهيل ، قال : فجيء بحمزة وقد مثّل به. فجاءت صفيّة بنت عبد المطّلب بثوبين لكفنه ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : دونك المرأة فردّها ، فأتاها الزّبير بن العوّام ـ كما ذكرنا سابقا ـ فدفعت الثّوبين وانصرفت. فأقرع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بينه ـ حمزة ـ وبين سهيل فأصاب سهيلا أكبر الثّوبين ـ إلى أن قال : ـ فدعا برجل رجل حتّى صلّى عليه سبعين صلاة وحمزة على حالته. فقد أخرجها أحمد ، والبغوي ، وصاحب الصّفوة ، والمحاملي ، وابن شاذان.

أمّا مقتل مصعب بن عمير : فإنّه لمّا علمصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّ لواء المشركين مع طلحة من بني عبد الدّار أخذ اللّواء من عليّعليه‌السلام ودفعه إلى مصعب بن عمير لأنّه أيضا من بني عبد الدّار وقال : نحن أحقّ بالوفاء منهم.

ورد ذلك في الكامل في التّأريخ : ٢ / ١٥٠. وقال الطّبريّ : ٢ / ٢١٩٩ ، وابن الأثير أيضا : ٢ / ١٥٥ ، قاتل مصعب بن عمير دون رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومعه لواؤه حتّى قتل ، وكان الّذي أصابه وقتله ابن قميئة اللّيثي وهو يظنّ أنّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فرجع إلى قريش فقال : قتلت محمّدا ، فجعل النّاس يقولون قتل محمّد ، قتل محمّد ، فلمّا قتل مصعب بن عمير أعطى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله اللّواء عليّ بن أبي طالب.

وتفرّق أكثر أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وقصده المشركون وجعلوا يحملون عليه يريدون قتله ، وثبت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يرمي عن قوسه حتّى تكسّرت وقاتل قتالا شديدا ورمى بالنّبل حتّى فني نبله ـ


__________________

ـ وانكسرت سية قوسه وانقطع وتره. (انظر الكامل في التّأريخ لابن الأثير : ٢ / ١٥٤).

وهنا انخلعت القلوب وأوغلوا في الهروب كما قال تعالى :( إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍ ) آل عمران : ١٥٣ والرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله يدعوهم فيقول : إليّ عباد الله ، إليّ عباد الله ، أنا رسول الله من كرّ فله الجنّة. ولذا قال ابن جرير : ٢ / ٢٠٣ وابن الأثير في الكامل : ٢ / ١١٠ : وانتهت الهزيمة بجماعة المسلمين وفيهم عثمان بن عفّان وغيره إلى الأعوص فأقاموا بها ثلاثا ، ثمّ أتو النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال لهم حين رآهم : لقد ذهبتم فيها عريضة. ذكر هذا الحديث تأريخ الطّبريّ : ٢ / ٢٠٣ ، الكامل لابن الأثير : ٢ / ١١٠ ، السّيرة الحلبية : ٢ / ٢٢٧ ، البداية والنّهاية : ٤ / ٢٨ ، السّيرة النّبويّة لابن كثير : ٣ / ٥٥ ، شرح النّهج لابن أبي الحديد : ١٥ / ٢١ ، الدّر المنثور : ٢ / ٨٩ ، تفسير الفخر الرّازي : ٩ / ٥٠ للآية المذكورة.

ولسنا بصدد بيان من فرّ ورجع ، وماذا قال وقيل له ، كأنس بن النّضر عمّ أنس بن مالك حين قال لبعض المهاجرين حين ألقوا ما بأيديهم : ما يحبسكم قالوا : قتل النّبيّ ، قال : فما تصنعون بالحياة بعده؟ موتوا على ما مات عليه النّبيّ. ثمّ استقبل القوم فقاتل حتّى قتل رضى الله عنه فوجد به سبعون ضربة وطعنه وما عرفته إلّا أخته من حسن بنانه : وقيل : لقد سمع أنس بن النّضر جماعة يقولون لمّا سمعوا أنّ النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قتل : ليت لنا من يأتي عبد الله بن أبي بن سلول ليأخذ لنا أمانا من أبي سفيان قبل أن يقتلونا ، فقال لهم أنس : يا قوم إن كان محمّد قد قتل فإنّ ربّ محمّد لم يقتل ، فقاتلوا على ما قاتل عليه محمّد ، أللهمّ إنّي أعتذر إليك ممّا يقول هؤلآء وأبرأ إليك ممّا جاء به هؤلآء. ثمّ قاتل حتّى استشهد رضى الله عنه. علما بأنّ ابن جرير الطّبريّ ، وابن الأثير الجزري ، وابن هشام في السّيرة الحلبية وغيرهم قد ذكروا أسماء الّذين فرّوا يوم أحد ، ونحن نحيل القارئ الكريم على المصادر التّالية المتيسره لدينا على سبيل المثال لا الحصر : الكامل في التّأريخ لابن الأثير : ٢ / ١٠٨ و ١٤٨ ، السّيرة الحلبية : ٢ / ٢٢٧ ، تأريخ الطّبريّ : ٢ / ٢٠٣ ، الدّر المنثور : ٢ / ٨٠ و ٨٨ و ٨٩ ، شرح النّهج لابن أبي الحديد : ١٥ / ٢٠ و ٢٢ و ٢٤ و ٢٥ ، و : ١٣ / ٢٩٣ ، و : ١٤ / ٢٧٦ ، البداية والنّهاية لابن كثير : ٤ / ٢٨ و ٢٩ ، السّيرة النّبويّة لابن كثير : ٣ / ٥٥ و ٥٨ ، السّيرة النّبويّة لابن هشام : ٤ / ٨٥ ، لباب الآداب : ١٧٩ ، حياة محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله لهيكل : ٢٦٥. انظر ، تفسير الرّازي : ٩ / ٥٠ و ٦٧ ، كنز العمّال : ٢ / ٢٤٢ ، و : ١٠ / ٢٦٨ و ٢٦٩ ، حياة الصّحابة : ١ / ٢٧٢ ، و : ٣ / ٤٩٧ ، المغازي للواقدي : ٢ / ٦٠٩ و ٩٩٠ ، منحة المعبود في تهذيب مسند الطّيّالسي : ٢ / ٩٩ ، طبقات ابن سعد : ٣ / ١٥٥ ، و : ٢ / ٤٦ و ٤٧ الطّبعة الأولى ، تأريخ الخميس : ١ / ٤١٣.


الخروج بالنّساء :

قد يقول قائل : ما دام الحسين يعلم بأنّه مقتول لا محالة ، كما صرّح بذلك لأخيه محمّد بن الحنفيّة وحين علم بمقتل ابن عمّه مسلم ، وفي مناسبات شتى ، فلماذا صحب معه النّساء والأطفال ، حتّى جرى عليها ما جرى؟

الجواب :

أجل : أنّ الحسين والأصحاب والتّابعين كانوا يعلمون بمقتل الحسين قبل وقوعه ، فقد اشتهر وتواتر من طريق السّنّة والشّيعة أنّ النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أخبر بذلك أكثر من مرّة قال صاحب «العقد الفريد» :

«قالت أمّ سلمة : «كان جبرائيلعليه‌السلام عند النّبيّ والحسين معي فغفلت عنه فذهب إلى النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وجعله على فخذه

فقال له جبرائيل أتحبّه يا محمّد؟

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : نعم

فقال : إنّ أمّتك ستقتله ، وإن شئت أريتك تربة الأرض الّتي يقتل بها ، ثمّ فبسط جناحه إلى الأرض وأراه أرضا يقال لها كربلاء. تربة حمراء بطفّ العراق ، فبكى النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله »(١) .

__________________

(١) انظر ، العقد الفريد : ٥ / ١٢٤ طبعة (١٩٥٣ م). (منهقدس‌سره ).

انظر ، مسند أحمد : ٣ / ٢٤٢ ، و : ٦ / ٢٩٤ ، ذخائر العقبى : ١٤٦ ، كنز العمّال : ٧ / ١٠٦ و ١٠٥ و ١١٠ ، و : ٦ / ٢٢٢ و ٢٢٣ ، مجمع الزّوائد : ٩ / ١٨٧ ـ ١٨٩ ، الصّواعق المحرقة : ١١٥ و ١٩٢ ح ٢٨. المستدرك على الصّحيحين : ٣ / ١٧٦ و ٢١٧٩ ، الطّبقات الكبرى : ٨ / ٢٠٤ ، الإصابة : ١ / ٦٨ و : ٨ / ٢٦٧ ، و : ٥ / ٢٣١ ، اسد الغابة : ٣ / ٣٤٢ ، و : ٢ / ١٠ ، مسند أحمد : ٦ / ٣٩٩ ، صحيح ابن ماجه ـ


وقال صاحب ذخائر العقبى :

«قال رسول الله : «أنّ ابني هذا يعني الحسين يقتل بأرض من العراق فمن أدركه منكم فلينصره»(١) .

ثمّ قال صاحب الذّخائر : وهذا الحديث خرّجه البغوي في معجمه ، وأبو حاتم في صحيحه ، وأحمد في مسنده(٢) .

وبهذا يتبيّن معنى أنّ الّذين نهوا الحسين عن الخروج من الأصحاب والتّابعين ، وأعلموه بأنّه مقتول قد اعتمدوا على أحاديث النّبيّ ، وتجاهلوا قوله «فمن أدركه منكم فلينصره» إيثارا للعاجلة على الآجلة حين سمع ابن عمر بخروج الحسين أسرع خلفه حتّى أدركه في بعض المنازل ، فقال له : «إلى أين يا رسول الله؟.

__________________

ـ ٢٨٩ ، تأريخ دمشق : ١٣ / ٦٢ ح ٦٣١ ، مجمع الزّوائد للهيثمي : ٩ / ١٧٩ و ١٨٧ ، الصّواعق المحرقة : ١٩٢ ح ٢٨ و ٢٩ ، المناقب لأحمد : ٢ / ٧٧٠ ح ١٣٥٧ ، ينابيع المودّة للقندوزي الحنفي : ٣ / ٧ و ٨ طبعة اسوة ، مقتل الحسين للخوارزمي : ١ / ١٥٩ ، تذكرة خواصّ الأمّة : ١٣٣ ، تأريخ ابن كثير : ٦ / ٢٣٠ ، ٨ / ١٩٩ ، أمالي الشّجري : ١٨٨ ، الرّوض النّضير : ١ / ٨٩ ، كنز العمّال : ٦ / ٢٢٣ ، الخصائص الكبرى : ٢ / ١٢٥.

(١) انظر ، ذخائر العقبى : ١٤٦ طبعة (١٣٥٦ ه‍). (منهقدس‌سره ). اسد الغابة : ١ / ١٤٦ ، البداية والنّهاية : ٨ / ١٩٩ ، وأنس ـ راوي الحديث ـ هو أنس بن الحارث.

(٢) انظر ، المستدرك على الصّحيحين : ٤ / ٤٤٠ ح ٨٢٠٢ ، مسند أحمد : ٦ / ٢٩٤ ، الإصابة : ١ / ١٢١ رقم «٢٦٦» ، الآحاد والمثاني : ١ / ٣١٠ ح ٤٢٩ ، المعجم الكبير : ٣ / ١٠٩ ح ٢٨٢١ و : ٢٣ / ٣٠٨ ح ٦٩٧ ، سير أعلام النّبلاء : ٣ / ٢٨٩ ، الثّقات لابن حبّان : ٤ / ٤٩ ، تأريخ دمشق : ١٤ / ٢٢٤ ، معرفة الثّقات للعجلي : ١ / ١٧ ، الرّوض النّضير : ١ / ٩٣ ، تهذيب الكمال : ٦ / ٤١٠ ، تأريخ ابن الوردي : ١ / ١٧٣ ، سبل الهدى والرّشاد : ١١ / ٧٥ ، ينابيع المودّة : ٣ / ٨ ، تهذيب ابن عساكر : ٤ / ٣٣٨ ، أسد الغابة : ١ / ١٣٢ ، الجرح والتّعديل للرّازي : ١ / ٢٨٧ ، تأريخ البخاري الكبير : ١ / ٣٠ رقم «١٥٨٣».


قال : إلى العراق.

قال : اكشف لي عن الموضوع الّذي كان رسول الله يقبّله منك. فكشف له عن سرّته ، فقبّلها ابن عمر ثلاثا ، وبكى ، وقال : استودعك الله يا ابن رسول الله ، فإنّك مقتول في وجهك هذا(١) .

وإذا كان الحسين مقتولا لا محالة فليكن ثمن قتله واستشهاده ذهاب دولة الباطل من الوجود ، وخلاص المسلمين منها ومن الجور والبغي ولا طريق للخلاص إلّا بإنفجار الثّورة على الأمويّين وسلطانهم وكان ذبح الأطفال وسبي النّساء ، والتّطواف بهنّ من بلد إلى بلد من أجدى الوسائل لإنفجار الثّورة الّتي هزّت دولة البغي من الأركان.

لقد صحب الحسين النّساء معه عن قصد وتصميم ليطوف بهنّ الأمويون في البلدان ، ويراهن كلّ إنسان ، ويقلن بلسان الحال والمقال : «أيّها المسلمون ، انظروا ما فعلت اميّة الّتي تدّعي الإسلام بآل نبيّكم وكان النّاس يستقبلون جيش يزيد الّذي يطوف بالسّبايا ، يستقبلونه بالمظاهرات ، والرّشق بالأحجار ، والهتافات المعادية للأمويّين وحزبهم ، ويصرخون : في وجوههم يا فجرة يا قتلة أولاد الأنبياء

لقد رأى المسلمون في السّبايا من الفجيعة أكثر ممّا رأوا من قتل الحسين ، ولولاهنّ لم يتحقّق الهدف من قتل الحسين ، وهو إنهيار دولة الظّلم والطّغيان ولنفترض أنّ السّيّدة زينب بقيت في المدينة ، وقتل أخوها الحسين في كربلاء ، فماذا تصنع؟ وأي شيء تستطيع القيام به غير البكاء وإقامة العزاء؟

__________________

(١) انظر ، أمالي الشّيخ الصّدوق : ٢١٧ ، العوالم : ١٧ / ١٦٣ ، لواعج الأشجان : ٧٤.


وممّا قلته في كتاب المجالس الحسينيّة :

«هل ترضى لنفسها ، أو يرضى لها مسلم أن تركب جملا مكشوفة الوجه تنتقل من بلد إلى بلد تؤلّب النّاس على يزيد ، وابن زياد؟! وهل كان يتسنى لها الدّخول على ابن زياد في قصر الإمارة ، وتقول له في حشد من النّاس : «الحمد لله الّذي أكرمنا بنّبيه محمّد ، وطهرنا من الرّجس تطهيرا ، إنّما يفتضح الفاسق ، ويكذّب الفاجر ، وهو غيرنا والحمد لله»(١) ؟! وهل كان بإمكانها أن تدخل على يزيد في مجلسه وسلطانه ، وتلقي تلك الخطب الّتي أعلنت بها فسقه ، وفجوره ، ولعن آبائه ، وأجداده على رؤوس الأشهاد؟!.

أنّ السّيّدة زينب لا تخرج من بيتها مختارة ، ولا يرضى المسلمون لها بالخروج مهما كان السّبب ، حتّى ولو قطّع النّاس يزيد بأسنانهم ، ولكن الأمويّين هم الّذين أخرجوها ، وهم الّذين ساروا بها ، وهم الّذين أدخلوها في مجالسهم ، ومهدوا لها طريق سبّهم ولعنهم ، والدّعاية ضدّهم وضدّ سلطانهم.

ومرّة ثانية نقول : هذه هي المصلحة في خروج الحسين بنسائه وأطفاله إلى كربلاء ، وما كان لأحد أن يدركها في بدء الأمر إلّا الحسين وأخته زينب ، عهد إلى الحسين من أبيه عليّ عن جدّه محمّد عن جبريل عن ربّ العالمين. سرّ لا يعلمه إلّا الله ، ومن ارتضاه لعلمه ورسالته.

وكلّ ما فعله الأمويون في كربلاء عاد عليهم بالوبال والخسران قال الألماني ماريين: «بعد وقعة كربلاء انكشفت سرائر الأمويّين ، وظهرت قبائح أعمالهم ، وانتشر الخلاف على يزيد وبني أميّة. وما كان يجرؤ إنسان قبل كربلاء

__________________

(١) انظر ، الإرشاد : ٢ / ١١٥ ، إعلام الورى بأعلام الهدى : ١ / ٤٧١ ، ينابيع المودّة لذوي القربى : ٣ / ٨٧.


أن يجهر بتقدّيس عليّ والحسين ، وبعدها لم يكن للنّاس من حديث إلّا في فضل العلويّين ومحنهم ، حتّى في مجلس يزيد كان يذكر الحسين وأباه بالتّقدير والتّعظيم»(١) .

__________________

(١) انظر ، تأريخ الدّولة العربيّة وسقوطها لهاوزن : ١٢٩ طبعة ١٩٥٨ م. (منهقدس‌سره ).



في الكوفة والشّام

قيل للحسين : كيف أصبحت يا ابن رسول الله؟.

قال : «أصبحنا في قومنا مثل بني إسرائيل في آل فرعون ، يذبّحون أبنآءنا ويستحيون نسآءنا ، وأصبح خير البرية بعد محمّد يلعن على المنابر ، وأصبح عدوّنا يعطي المال والشّرف ، وأصبح من يحبّنا محتقرا منتقصا حقّه وكذلك لم يزل المؤمنون ، وأصبحت العجم تعرف للعرب حقّها ، لأنّ محمّدا منها ، وأصبحت العرب تعرف لقريش حقّها ، لأنّ محمّدا منها وأصبحنا أهل البيت لا يعرف لنا حقّ ، فهكذا أصبحنا»(١) .

وإذا كان غير العرب لم ينافسوا العرب في الحكم والسّلطان ، لأنّهم أقرب إلى محمّد ، والعرب لم ينافسوا قريشا للسّبب ذاته ، فالنّتيجة الحتميّة لهذا المنطق أن تنافس قريش أهل البيت في حقّهم بالخلافة ، وأن تسمع لهم ، وتطيع وهذي هي عقيدة التّشيّع لأهل البيت ، ولا شيء سواها ، وهي ـ كما ترى ـ نتيجة طبيعيّة لمنطق الّذي أنكروا هذا الحقّ ، ومدلول قهري لدليلهم الّذي اعتمدوا عليه بالذات ، ومن هنا فرض نفسه على جاحدية ، وظهر على فلتات ألسنتهم من

__________________

(١) انظر ، تأريخ دمشق : ٤١ / ٣٦٩ ، الطّبقات الكبرى : ٥ / ٢٢٠ ، تهذيب الكمال : ٢٠ / ٤٠٠ ، المنتخب من ذيل المذيل للطّبري : ١٢٠. ونسب بعضهم هذا القول إلى الإمام السّجّادعليه‌السلام .


حيث لا يشعرون.

قال الرّاغب الإصفهاني :

«كان عمر يسير مع ابن عبّاس ، فقرأ آية فيها ذكر عليّ بن أبي طالب

فقال : أما والله يا بني عبد المطّلب لقد كان عليّ فيكم أولى بهذا الأمر منّي ، ومن أبي بكر

فقال ابن عبّاس : أنت تقول ذلك يا أمير المؤمنين ، وأنت وصاحبك وثبتما ، وافترعتما الأمر منّا دون النّاس؟!

فقال عمر : إنّا والله ما فعلنا الّذي فعلنا عن عداوة ، ولكن استصغرناه ، وخشينا أن لا تجتمع عليه العرب وقريش لما قد وترها

قال ابن عبّاس : فأردت أن أقول : كان رسول الله يبعثه ، فينطح كبشها ، فلم يستصغره ، افتستصغره أنت وصاحبك؟

فقال عمر : لا جرم : فكيف ترى؟ والله ما نقطع أمرا دونه ، ولا نعمل شيئا ، حتّى نستأذنه»(١) .

وطبيعي أن يعتذر عمر بجميع الأعذار ، وأن يتشبث ولو بالطّحلب بعد أن اعترف صراحة أنّ عليّا أولى منه ومن صاحبه بالخلافة ولو وقف الأمر عند خلافة الشّيخين لهان الخطب ولكن هذه الخلافة جرّت الويلات على الإسلام والمسلمين إلى يوم يبعثون ، بخاصّة ما حدث على أهل البيت ، فلولاها لم يكونوا في قومهم كبني إسرائيل في آل فرعون ، ولا كان يوم عثمان ، ولا الجمل ، وصفّين ، والنّهروان ، ووقعة الحرّه ، وما إليها

__________________

(١) انظر ، محاضرات الأدباء : ٤ / ٤٧٨ طبعة سنة (١٩٦١ م). (منهقدس‌سره ). و : ٧ / ٢٦٣.


وقد لا تكون هذه الأحداث في حسبان الشّيخين ، ولا من مقاصدهما حين دبّر الأمر ضدّ عليّ ، ونحّيّاه عن الخلافة ، ولكنّها جاءت نتيجة طبيعيّة لخلافتهما وقد برّرا هذا التّدبير بخوف الفتنة ، وعدم إجتماع كلمة العرب وقريش على عليّ ، «لما قد وترها» ـ كما قال عمر ـ وقد أبطلت سيّدة النّساء هذا الزّعم بخطبتها الشّهيرة الّتي ألقتها على الخليفة الأوّل والأصحاب في مسجد أبيها ، حيث قالت : زعمتم خوف الفتنة :( أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ ) (١) .

فأفهمتهم أنّ الفتنة والشّقاق فيما دبّروا وتآمروا ، كما ذكّرتهم :

كيف كانوا في جاهليتهم؟ وكيف صاروا بفضل أبيها ، وجهاد ابن عمّها ، ثمّ وازنت بينهم وبين بعلها أمير المؤمنين ، بقولها :

«كان عليّعليه‌السلام مكدودا في ذات الله ، مجتهدا في أمر الله ، قريبا من رسول الله سيّدا من أولياء الله ، مشمّرا ناصحا ، مجدّا كادحا ، وأنتم في بلهنيّة من العيش ، وادعون فاكهون آمنون ، تتربصون بنا الدّوائر ، وتتوكفون الأخبار ، وتنكصون عند النّزال ، وتفرّون عند القتال ، فلمّا اختار الله لنبّيه دار أنبيائه ، ومأوى أصفيائه ظهرت فيكم حسيكة النّفاق وأطلع الشّيطان رأسه من مغرزه هاتفا بكم ، فالفاكم لدعوته مستجيبين ، وللغرّة فيه ملاحظين ، ثمّ استنهضكم فوجدكم خفافا»(٢) .

__________________

(١) التّوبة : ٤٩.

(٢) انظر ، بلاغات النّساء لابن طيفور : ١٤ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ١٦ / ٢٥١ ، جواهر المطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب لابن الدّمشقي : ١ / ١٦٠ ، شرح الأخبار : ٣ / ٣٦ ، السّقيفة وفدك للجوهري : ١٤٣ ، كشف الغمّة : ٢ / ١١١.


وبهذا يتبيّن أنّ الزّهراء أوّل من وضع أسّس الموازنة ، والمفاضلة بين أهل البيت وغيرهم ، وأوّل من دعا دعوة صريحة واضحة لولائهم ووجوب طاعتهم ومتابعتهم ، وأوّل من أعلن نفاق من صدّوا عليّا عن الخلافة بعد أبيها(١) خطبت الزّهراء بعد حادثة السّقيفة خطبتين :

الأولى : في المسجد الجامع بحضور المهاجرين والأنصار ، وفيهم أبو بكر وعمر.

والثّانية : في بيتها حين إجتمعت نّساء الأصحاب ، ليعدنها في المرض الّذي ماتت فيه ، وترتكز أقوالها في كلتا الخطبتين على أنّ ابن عمّها عليّا هو صاحب الحقّ في الخلافة بعد رسول الله ، وأنّ الّذين حالوا بينه وبينها قد خانوا العهد

__________________

(١) أوّل من أثبت الولاية لعليّ الله ورسوله ، فلقد فسّر المفسرون قوله تعالى :( وَالَّذِينَ آمَنُوا ) المائدة : ٥٦ فسّروها بعليّ وهي :( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ) . (منهقدس‌سره ).

انظر ، الكشف والبيان في تفسير القرآن : ٤ / ٢٣٤ ، جواهر العقدين في فضل الشّرفين : ٣ / ٥٣٤ ، الصّواعق المحرقة : ٢٩ ، صحيح البخاريّ : ٢ / ٣٢٤ ، صحيح مسلم في فضائل عليّ : ٣٢٤ ، المستدرك للحاكم : ٣ / ١٠٩ ، مسند ابن ماجه : ١ / ٢٨ ، مسند أحمد : ١ / ١٧٥ و ١٧٧ و ١٧٩ و ١٨٢ و ٣٣١ و ٣٦٩ ، كنز العمّال : ٦ / ١٥٢ ح ٢٥٠٤ ، خصائص النّسائي : ١٧ ، الإصابة : ٤ / ٥٦٨ ، ذخائر العقبى : ٨٨ ، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي : ١٨ / ٢٨٧ ، شواهد التّنزيل : ١ / ١٦٢ ، الإعتقاد للبيهقي : ٢٠٤ ، اسد الغابة : ٢ / ١٢ ، تأريخ اليعقوبي : ٢ / ١٠٢ ، مجمع الزّوائد : ٩ / ١٦٤ ، تأريخ دمشق : ٢ / ٤٥ ح ٥٤٥ ، المسامرة في شرح المسايرة : ٢٨٢ ، الإبانة عن أصول الدّيانة : ١٨٧ الطّبعة الأولى دمشق ١٩٨١.

أمّا أحاديث الولاية من السّنّة فلا يبلغها الإحصاء ، منها الحديث المتواتر عند جميع المسلمين ، وهو «من كنت مولاه فعليّ مولاة». تقدّمت تخريجاته.


والميثاق ؛( وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ) (١) .

أمّا مطالبتها بفدك فقد كانت وسيلة لهذه الغاية ، وإلّا فما لفاطمة بنت محمّد وفدك ، وغير فدك إنّ الدّنيا بكاملها ليست من آل محمّد في شيء ، ولا هم منها في شيء هذا ، إلى أنّها كانت على علم من موقف الخليفة قبل أن تخاصمه ، وتحتجّ عليه ، فقد أخبرها أبوها بكلّ ما يجري عليها وعلى بعلها ، وأولادها من بعده ، وصرّحت هي بمعرفتها هذه في آخر الخطبة بقولها : «وقد قلت ما قلت على معرفة منّي بالخذلة الّتي خامرتكم والغدرة الّتي استشعرتها قلوبكم»(٢) .

أنّها لا تريد فدكا وإنّما تريد أن ترسي أساس حقّ عليّ في الخلافة ، وتعلن للأجيال أنّ هذا الحقّ ركن من أركان الإسلام ، ودعامة من دعائمه ، ولا يهمها بعد هذا أن يصل بعلها إلى الخلافة أو لا يصل ، وإنّما المهم أن يعرف هذا الحقّ ، ويؤمن به كلّ من آمن بالله ونبّوّة محمّد وقد طعن معاوية على الإمام بأنّه أجبر على مبايعة من سبقه ، فأجابه : «ما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوما ما لم يكن شاكّا في دينه»(٣) .

أنّ الّذي لا يكترث بالأقاليم السّبعة ، تحت أفلاكها ، ويستهين بالحياة ، ويرى الشّهادة الفوز الأكبر ، لا يهتم بهذه الخلافة ، ومن تقمصّها وطبيعي أن لا يهتم

__________________

(١) البقرة : ٢٧ ، الرّعد : ٢٥.

(٢) انظر ، بلاغات النّساء لابن طيفور : ١٢ ـ ١٩ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ١٦ / ٢١٣ ، جواهر المطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب لابن الدّمشقي : ١ / ١٦٠ ، شرح الأخبار : ٣ / ٣٦ ، السّقيفة وفدك للجوهري : ١٠٢ ، كشف الغمّة : ٢ / ١١٤ ، أعلام النّساء : ٣ / ١٢٠٨ ، مناقب آل أبي طالب : ٢ / ٥٠.

(٣) انظر ، نهج البلاغة : الرّسالة (٢٨).


عليّ بالخلافة الّتي يتنافس عليها ابناء الدّنيا ما دام الحقّ يدور معه كيفما دار أنّ عليّا خليفة على كلّ حال ، لأنّ خلافته إلهية ، تماما كنبوّة محمّد لا يمكن أن يتولاها غيره ، أو ينتزعها أحد منه. وإذا جهل ، أو تجاهل هذه الحقيقة ، الّذي انقلب على عقبيه بعد نبيّه ، فقد وعدها وآمن بها الّذين ثبّتهم الله على الإيمان بإتّباع الرّسول وأهل بيته.

خطبت الزّهراء خطبتين : الأولى في المسجد الجامع ـ كما قدّمنا ـ والثّانية في نساء الأصحاب ، وقد جاء في هذه الخطبة :

«أصبحت والله عائفة لدنيا كنّ ، قالية لرجالكنّ( لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ ) (١) فجدعا ، وعقرا ، وبعدا للقوم الظّالمين وما الّذي نقموا من أبي الحسن؟. نقموا والله نكير سيفه ، وقلة مبالاته بحتفه ، وشدّة وطأته ، وتنمره في ذات اللهعزوجل ، وتالله لو مالوا عن المحجّة اللأئحة ، وزالوا عن قبول الحجّة الواضحة لردّهم إليها»(٢) .

وتكلّمت ابنتها زينب بعد يوم كربلاء في ثلاثة مواقف :

الأوّل : حين دخلت السّبايا الكوفة ، واستقبلها الكوفيون والكوفيّات بالبكاء والعويل ، فارتجلت خطبة ، جاء فيها :

__________________

(١) المائدة : ٨٠.

(٢) انظر ، بلاغات النّساء لابن طيفور : ٢٠ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ١٦ / ٢٣٣ ، جواهر المطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب لابن الدّمشقي : ١ / ١٦٦ ، شرح الأخبار : ٣ / ٣٦ ، السّقيفة وفدك للجوهري : ١٢٠ ، كشف الغمّة : ٢ / ١١٥ ، أعلام النّساء : ٣ / ١٢٠٨ ، مناقب آل أبي طالب : ٢ / ٥٠ ، معاني الأخبار : ٣٥٥ ، أمالي الطّوسي : ٣٧٥ ، الإحتجاج للطّبرسي : ١ / ١٤٧ ، النّزاغ والتّخاصم : ١٠٠.


«أمّا بعد : يا أهل الكوفة ، أتبكون؟ فلا سكنت العبرة ، ولا هدأت الرّنّة ، إنّما مثلكم مثل الّتي نقضت غزلها من بعد قوّة انكاثا ، تتخذون أيمانكم دخلا بينكم ، ألا ساء ما تزرون.

«أي والله ، فابكوا كثيرا ، واضحكوا قليلا ، فلقد ذهبتم بعارها وشنارها ، فلن ترحضوها بغسل أبدا وكيف ترحضون قتل سبط خاتم النّبوّة ، ومعدن الرّسالة ومدار حجتكم ، ومنار محجتكم ، وهو سيّد شباب أهل الجنّة ....؟.

لقد أتيتم بها خرقاء شوهاء. أتعجبون لو أمطرت دما.؟.

ألا ساء ما سوّلت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم ، وفي العذاب أنتم خالدون.

أتدرون أي كبد فريتم؟ وأي دم سفكتم؟ وأي كريمة أبرزتم؟ لقد جئتم شيئا إدّا ، تكاد السّموات يتفطرن منه وتنشق الأرض ، وتخر الجبال هدّا»(١) .

ومن تأمّل خطبتها هذه ، وخطبة أمّها تلك يبدو له لأوّل نظرة وجه الشّبه بين الخطبتين ، وأنّهما تصدران من معدن واحد ، وترميان إلى هدف واحد ، وهو بثّ الدّعوة لأهل البيت ، ونشر فضائلهم ومحاسنهم ، ومثالب غيرهم ومساوئهم وإفهام النّاس جميعا أنّ الإسلام في حقيقته لا يقوم على التّلفظ بالشّهادة ، وتأدية الفرائض المكتوبة ، وكفى ، بل لا بدّ ـ أوّلا وقبل كلّ شيء ـ من التّصديق بكلّ ما جاء به محمّد ، وممّا جاء به وجوب التّمسك بالكتاب والعترة «بنصّ حديث الثّقلين الّذي رواه مسلم وأحمد»(٢) ، ولكن المسلمين بعد نبيّهم نبذوا الكتاب ،

__________________

(١) انظر ، اللهوف في قتلى الطّفوف : ٨٧ ، مثير الأحزان : ٦٧ ، الإحتجاج : ٢ / ٩٦.

(٢) انظر ، صحيح مسلم : ٤ / فضائل عليّ ح ٣٦ و ٣٧ و : ٧ / ١٢٠ ، مسند أحمد : ١ / ١٧٠ و ١٧٣ ـ


وأضاعوا العترة ويقول الشّيخ المظفر : «ولا أدري متى تمسكت الأمّة بالعترة؟ أفي زمن أمير المؤمنين ، أو في زمن أبنائه الطّاهرين؟ بل جعلوا عداوتهم وسبّهم دينا ، وحاربوهم بالبصرة ، والشّام ، والكوفة ، وسبوا نساءهم سبي التّرك والدّيلم»(١) .

ولا احسبني بحاجة إلى التّنبيه أنّ زينب حين تخاطب أهل الكوفة ، وتقول : «أتدرون أي كبد فريتم؟ وأي دم سفكتم؟ وأي كريمة أبرزتم؟ إنّما تعني من ظلم أهل البيت ، ورضي بظلمهم ، وشايع وتابع عليه.

الموقف الثّاني للسّيّدة زينب : حين دخلت مجلس ابن زياد ، وقال لها :

الحمد لله الّذي فضحكم

فقال : «الحمد لله الّذي أكرمنا بنّبيه محمّد ، وطهرنا من الرّجس تطهيرا ، إنّما يفتضح الفاسق ، ويكذّب الفاجر ، وهو غيرنا والحمد لله»(٢) ؟!.

أجل ، يا ابنة أمير المؤمنين ، وسيّد الوصيّين أنّكم النّور الّذي انبثق من ذات. الله ، ومستودع سرّه وإمانته ، والطّهر الّذي انبعث من رسول الله ، ووارثو علمه وخلقه ، ومجده وشرفه ، وحكمه وسلطانه.

ثمّ قال ابن زياد : كيف رأيت فعل الله بأهل بيتك؟.

قالت : ما رأيت إلّا جميلا ، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل ، فبرزوا إلى مضاجعهم ، وسيجمع الله بينك وبينهم ، فتحاج وتخاصم ، فانظر لمن الفلج يومئذ ،

__________________

ـ و ١٧٥ و ١٧٧ و ١٧٩ و ١٨٢ و ١٨٤ و ١٨٥ و ٣٣٠ ، و : ٣ / ٣٢ و ٣٣٨ ، و : ٦ / ٣٦٩ و ٤٣٨.

(١) انظر ، دلائل الصّدق ، الشّيخ المظفر : ج ٣. (منهقدس‌سره ).

(٢) انظر ، الإرشاد : ٢ / ١١٥ ، إعلام الورى بأعلام الهدى : ١ / ٤٧١ ، ينابيع المودّة لذوي القربى : ٣ / ٨٧.


ثكلتك أمّك يا ابن مرجانة»(١) .

أسيرة تحتقر الحاكم الآسر وتزدريه ، ولا ترهب سلطانه وبطشه! أجل ، أنّها بنت عليّ لا تخشى الموت ، ومن لا يخشى الموت لا يخضع لشيء ، ولا يرهبه شيء.

وما أشبه قولها لابن زياد : «فانظر لمن الفلج يومئذ ثكلتك أمّك يا ابن مرجانة». يقول أمّها للخليفة الأوّل : «أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي ، لقد جئت شيئا فريّا!!؟؟ ثمّ انصرفت عنه(٢)

أجل ، أنّ كلّا منهما ـ المعني بخطاب الزّهراء ، والمعني بخطاب زينب ـ قد ترك الكتاب ، ونبذه وراء ظهره عن عمد ، ولم يختلفا في شيء إلّا في الأسلوب والمظهر

الموقف الثّالث : حين دخلت مجلس يزيد ، وسمعته يتمثل بأبيات من قال :

ليت أشياخي ببدر لو رأوا

مصرع الخزرج من وقع الأثل

لأهلوّا واستهلوا فرحا

ثمّ قالوا يا يزيد لا تسل

فقالت السّيّدة :

(الحمد لله رب العالمين ، والصّلاة على جدّي سيّد المرسلين ، صدق الله سبحانه كذلك يقول :( ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ ) (٣) ، أظننت يا يزيد حين أخذت علينا أقطار الأرض ،

__________________

(١) انظر ، مثير الأحزان : ٧١ ، اللهوف في قتلى الطّفوف : ٩٤.

(٢) تقدّمت تخريجاته.

(٣) الرّوم : ١٠.


وضيّقت علينا آفاق السّماء ، فأصبحنا لك في آسار ، نساق إليك سوقا في أقطار ، وأنت علينا ذو اقتدار إنّ بنا من الله هوانا وعليك منه كرامة ، وامتنانا ، وإنّ ذلك لعظم خطرك ، وجلالة قدرك ، فشمخت بأنفك ، ونظرت في عطفك ، تضرب اصدريك فرحا ، وتنقض مذرويك مرحا ، حين رأيت الدّنيا لك مستوسقة ، والأمور لديك متّسقة ، وحين صفا لك ملكنا ، وخلص لك سلطاننا ، فمهلا مهلا لا تطش جهلا أنسيت قول اللهعزوجل :( ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ ) (١) . أمن العدل يابن الطّلقاء؟! تخديرك حرائرك وآمائك ، وسوقك بنات رسول الله سبايا ، قد هتكت ستورهنّ ، وأبديت وجوههنّ ، تحدوا بهنّ الأعداء من بلد إلى بلد ، وتستشرفهنّ المناقل ، ويتبرزنّ لأهل المناهل ، ويتصفّح وجوههنّ القريب والبعيد ، والغائب والشّهيد ، والشّريف والوضيع ، والدّني والرّفيع ليس معهنّ من رجالهنّ ولي ، ولا من حماتهنّ حمي ، عتوا منك على الله ، وجحودا لرسول الله ، ودفعا لما جاء به من عند الله ، ولا غرو منك ، ولا عجب من نظر في عطفه فعلك ، وأنّى يرتجى مراقبة من لفظ فوه أكباد الشّهداء ، ونبت لحمه بدماء السّعداء ، ونصب الحرب لسّيّد الأنبياء ، وجمع الأحزاب ، وشهر الحراب ، وهزّ السّيوف في وجه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أشد العرب جحودا ، وأنكرهم له رسولا ، وأظهرهم له عدوانا ، وأعتاهم على الرّب كفرا وطغيانا اللهمّ خذّ بحقنا ، وانتقم من ظالمنا ، واحلل غضبك على من سفك دمائنا ، ونقض ذمارنا ، وقتل حماتنا( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ

__________________

(١) آل عمران : ١٧٨.


خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ) (١) ، وحسبك بالله وليّا وحاكما ، وبرسول الله خصما ، وبجبرئيل ظهيرا ، وسيعلم من بوّأك ومكّنك من رقاب المسلمين فكد كيدك ، واسع سعيك ، وناصب جهدك ، فو الله لا تمحو ذكرنا ، ولا تمّيت وحينا ، ولا يدحض عنك عارها ، وهل رأيك إلّا فند ، وأيّامك إلّا عدد ، وجمعك إلّا بدد)(٢) .

ثمّ تقول غير متألّم ولا مستعظم :

لأهلوّا واستهلوا فرحا

ثمّ قالوا يا يزيد لا تسل

منحنيا على ثنايا أبي عبد الله سيّد شباب أهل الجنّة ، تنكثها بمخصرتك؟ وكيف لا تقول ذلك؟ وقد نكأت القرحة ، واستأصلت الشّأفة بإراقتك دماء ذرّيّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ونجوم الأرض من آل عبد المطّلب ، وتهتف بأشياخك

زعمت أنّك تناديهم ، فلتردن وشيكا موردهم ، ولتردن أنّك شللّت وبكمت ، ولم تكن قلت ما قلت ، وفعلت ما فعلت ، أللهمّ خذّ لنا بحقّنا ، وانتقم ممّن ظلمنا ، واحلل غضبك بمن سفك دماءنا ، وقتل حماتنا ، فو الله ما فريت إلّا جلدك ، ولا حززت إلّا لحمك». ويأخذ بحبّهم :( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) (٣) .

وحسبك بالله حاكما ، وبمحمّد خصيما ، وبجبريل ظهيرا ، وسيعلم من سوّل

__________________

(١) آل عمران : ١٦٩ ـ ١٧٠.

(٢) انظر ، أخبار الزّينبيّات : ٨٦ ، بلاغات النّساء : ٢١ ، الحدائق الوردية : ١ / ١٢٩ ، الإحتجاج : ٢ / ٣٧ ، أعلام النّساء : ٢ / ٥٠٤ ، مقتل الحسين للخوارزمي : ٢ / ٦٤ ، اللهوف في قتلى الطّفوف : ٧٩ ، العوالم : ٢٠٥ ، بحار الأنوار : ٤٥ / ١٦٠.

(٣) آل عمران : ١٦٩.


لك ، ومكّنك من رقاب المسلمين بئس للظّالمين بدلا وأيّكم شرّ مكانا ، وأضعف جندا.

ولئن جرّت عليّ الدّواهي مخاطبتك ، إنّي لأستصغر قدرك ، وأستعظم تقريعك ، وأستكثر توبيخك ، ولكن العيون عبرى ، والصّدور حرّى ألا فالعجب كلّ العجب لقتل حزب الله النّجباء بحزب الشّيطان الطّلقاء! فهذه الأيدي تنطف من دمائنا ، والأفواه تنحلب من لحومنا ، وتلك الجثث الطّواهر الزّواكي تنتابها العواسل ، وتعفّرها أمّهات الفراعل.

ولئن اتّخذتنا مغنما لتجدنا وشيكا مغرما حين لا تجد إلّا ما قدّمت يداك ، وما ربّك بظلّام للعبيد ، وإلى الله المشتكى ، وعليه المعوّل.

فكد كيدك ، واسع سعيك ، وناصب جهدك ، فو الله لا تمحو ذكرنا ، ولا تميّت وحينا ، ولا يدحض عنك عارها ، وهل رأيك إلّا فند ، وأيّامك إلّا عدد ، وجمعك إلّا بدد. يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على الظّالمين.

والحمد لله ربّ العالمين الّذي ختم لأولنا بالسّعادة والمغفرة ، ولآخرنا بالشّهادة والرّحمة ، ونسأل الله أن يكمل لهم الثّواب ، ويوجب لهم المزيد. ويحسن علينا الخلافة. أنّه رحيم ودود. وحسبنا الله ونعم الوكيل»(١) .

وادع تحليل هذه الكلمات ، وبيان ما فيها من كنوز وأسرار ، لأنّي أخشى أن لا اعطيها قيمتها الحقيقة ، ومعناها الصّحيح ، واحاول أن أرسم ما استشعرته ، وأنا أتأمل ، وانعم الفكر في مدلول هذه الكلمات والنّبرات الّتي هي أمضى من

__________________

(١) انظر ، أخبار الزّينبيّات : ٨٦ ، بلاغات النّساء : ٢١ ، الحدائق الوردية : ١ / ١٢٩ ، الإحتجاج : ٢ / ٣٧ ، أعلام النّساء : ٢ / ٥٠٤ ، مقتل الحسين للخوارزمي : ٢ / ٦٤ ، اللهوف في قتلى الطّفوف : ٧٩ ، العوالم : ٢٠٥ ، بحار الأنوار : ٤٥ / ١٦٠.


حدّ السّيوف ، وأشدّ من طعن الرّماح واقسم أنّي قد نسيت ذلك المشهد الرّهيب ، ووقوف النّساء والأطفال أسارى بين يدي يزيد نسيت كلّ هذه المحن ، وأنا أستمع إلى الحوارء ، وهي تصفع الطّاغية بكلماتها الملتهبة ، وتلعنه وتخزيه ، وتشفي منه صدور قوم مؤمنين ؛ أجل ، نسيت كلّ شيء إلّا قولها :

«يا بن الطّلقاء؟! ومن لفظ فوه أكباد الأزكياء ونبت لحمه من دماء الشّهداء ...».

وقولها : «فو الله ما فريت إلّا جلدك ، وما حززت إلّا لحمك ....».

وقولها : «إنّي لأستصغر قدرك ، وأستعظم تقريعك ، وأستكثر توبيخك ، .....».

وقولها : «هل رأيك إلّا فند ، وأيّامك إلّا عدد ، وجمعك إلّا بدد يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على الظّالمين». أي عليه وعلى آبائه ، وعلى من مهّد له ولهم سبيل الحكم والتّحكم ...»(١) .

وبعد ، فليست هذه الكلمات نفثة مصدور ، ولا هذه الرّوح الّتي خاطبت يزيد في هذا الجور تشبه أرواحنا نحن أبناء الأرض في شيء. أنّها روح إلهية لا ترى غير جبّار السّماء ولو كانت زينب من هذه النّسوة لما استطاعت غير البكاء والرّجاء ولكنّها من بيت ، أساسه محمّد ، وبناؤه عليّ ، وفاطمة ، والحسن والحسين ، وبانيه الله الواحد الأحد.

أنّ كلّ موقف من مواقف أهل البيت ، وكلّ كلمة من كلماته ، شاهد صدق وعدل على أنّهم إن نطقوا نطقوا بلسان الوحي ، وإن فعلوا فعلوا بتسديد الله وعنايته.

__________________

(١) انظر ، بلاغات النّساء لابن طيفور : ٢٢ ، الإحتجاج : ٢ / ٣٦ ، مثير الأحزان لابن نما : ٨١ ، مقتل الحسين لأبي مخنف الأزدي : ٢٢٧.


وقد يسأل سائل : لماذا صبر يزيد على هذا التّقريع والتّوبيخ ، والتّهديد والوعيد ، وعلى لعنه ولعن آبائه؟!

ولماذا لم يسكّت السّيّدة ، أو يأمر بقتلها ، أو إخراجها ، وهو الحاكم المسيطر؟!

الجواب :

أنّ يزيد لم يسكت عن السّيّدة ، لأنّها امرأة ، والمرأة لا تعامل إلّا بالرّفق واللّطف كلّا إنّ يزيد لا يردعه شيء كيف؟ وقد تجرأ على قتل ريحانة الرّسول ، وذبح أطفاله ، وسبى نسائه وإنّما سكت مذهولا من هول الصّفعة ، وممّا رأى من اضطراب المجلس بأهله ، وسمع من الصّرخات بسبّه ولعنه ، حتّى من أهله ونسائه فلقد أو قعته السّيّدة زينب بنبراتها وكلماتها في مأزق خطير لا يملك معه إلّا الإعتراف بعظمة الجريمة ، وإلّا البراءة منها ، وإلقاءها على ابن زياد.

وبالتالي ، فإنّ كلمات الزّهراء بعد يوم السّقيفة ، وكلمات ابنتها زينب في يوم كربلاء ، وبعده ، وكلمات الإمام زين العابدين ، وأمّ كلثوم ، وفاطمة بنت الحسين ، جميعها ترمي إلى غرض واحد ، وهو إقامة الحججّ والبراهين على أنّ أهل البيت هم أصحاب الحقّ في خلافة الرّسول ، وأولى بالطّاعة ، وأنّ من عارض وعاند فقد ردّ على الله ورسوله.

فأهل البيت أوّل من وضع أسّس الحجاج لحقهم بالدّليل والمنطق ، وأوّل من تكلّم في فضائلهم ومحاسنهم ، ومثالب أعدائهم ومساوئهم ، وأوّل من أقام البراهين على وجوب التّمسك بحبلهم ، والبراءة ، ومن أعدائهم ، ثمّ سار على هذا النّهج كلّ موال ومحبّ لله ورسوله وأهل بيته.


الدّعوة لأهل البيت

لم يتوان أهل البيت لحظة في إعلان حقّهم بخلافة جدّهم الرّسول. وبكلّ ما فرض الله له على النّاس من سلطان ، وطاعة ، وولاء فلقد أعلنوا هذا الحقّ ، على أنّ الله سبحانه قد خصّهم به ، شاء النّاس أو أبوا ، تماما كما خصّ محمّدا بالنّبوّة ؛ أعلنوا هذا الحقّ ، ودعوا إلى الإيمان به بشتى الأساليب والوسائل ، واحتّجوا له بمنطق العقل ، ونصّ الكتاب والسّنّة.

فما أن توفّي النّبيّ ، وتولى الخلافة أبو بكر ، حتّى ذهبت الزّهراء بنفسها إلى المسجد الجامع ، وأعلنت هذا الحقّ ، واحتجّت له في ملأ من النّاس ، ومحضر الخليفة والأصحاب ، فأبكت النّساء والرّجال ، وبلبلت الأفكار ، واعتذر إليها الأنصار ، وحامت حول خلافة الأوّل ألف شبهة وشبهة

ولا أدري على أي شيء إعتمد من قال : أنّ عليّا لم يحتجّ لحقه بالخلافة على أبي بكر ، وجهل أو تجاهل أنّ إحتجاج الزّهراء هو إحتجاج عليّ بالذات ، وأنّها لم تنطق إلّا بلسانه ، ولم تحتج إلّا بدليله وبرهانه.

هذا ، إلى أنّ الإمام لم يدع مناسبة إلّا أقام فيها الحجّة البالغة على من جحد وعاند نذكر من ذلك على سبيل المثال قوله من على المنبر : «أما والله لقد تقمّصها فلان ، وإنّه ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرّحا. ينحدر عنّي


السّيل ، ولا يرقى إليّ الطّير ، فسدلت دونها ثوبا ، وطويت عنها كشحا ، وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذّاء ، أو أصبر على طخية عمياء ، يهرم فيها الكبير ، ويشيب فيها الصّغير ، ويكدح فيها مؤمن حتّى يلقى ربّه»(١) .

وقوله من كتاب له إلى معاوية :

«فدع عنك من مالت به الرّميّة فإنّا صنائع ربّنا ، ـ أي نحن أسراء فضل الله وإحسانه ـ والنّاس بعد صنائع لنا. لم يمنعنا قديم عزّنا ولا عاديّ طولنا على قومك أن خلطناكم بأنفسنا ، فنكحنا وأنكحنا ، فعل الأكفاء ، ولستم هناك! وأنّى يكون ذلك ومنّا النّبيّ ومنكم المكذّب ، ومنّا أسد الله ، ومنكم أسد الأحلاف ، ومنّا سيّدا شباب أهل الجنّة ، ومنكم صبية النّار ، ومنّا خير نساء العالمين ، ومنكم حمّالة الحطب ، في كثير ممّا لنا وعليكم!

فإسلامنا قد سمع ، وجاهليّتنا لا تدفع ، وكتاب الله يجمع لنا ما شذّ عنّا ، وهو قوله سبحانه وتعالى :( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) (٢) وقوله تعالى :( إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ) (٣) ، فنحن مرّة أولى بالقرابة ، وتارة أولى بالطّاعة. ولمّا احتجّ المهاجرون على الأنصار يوم السّقيفة برسول الله ـصلى‌الله‌عليه‌وآله ـ فلجوا عليهم ، فإن يكن الفلج به فالحقّ لنا دونكم ، وإن يكن

__________________

(١) انظر ، نهج البلاغة : الخطبة «٣». وتعرف بالشّقشقيّة لقول الإمامعليه‌السلام بعدها : «تلك شقشقة هدرت ، ثمّ قرّت».

(٢) الأنفال : ٧٥.

(٣) آل عمران : ٦٨.


بغيره فالأنصار على دعواهم(١) .

وزعمت أنّي لكلّ الخلفاء حسدت ، وعلى كلّهم بغيت ، فإن يكن ذلك كذلك فليست الجناية عليك ، فيكون العذر إليك»(٢) .

* وتلك شكاة ظاهر عنك عارها*(٣)

واحتجّ الحسن على معاوية ، والحسين على أهل الكوفة بالحديث المشهور «الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة»(٤) وهما إمامان قاما أو قعدا»(٥) .

__________________

(١) قال المفيد في كتاب «العيون والمحاسن» : زعم الجاحظ أنّ الكميت علّم الشّيعة الحجاج لتقديم آل محمّد. وهذه حماقة وسخف من الحافظ ، فإنّ أمير المؤمنين وأبناءهم هم الّذين احتجّوا لحقهم ، وعلّموا النّاس الحجاج له ، وإنّما نظم الكميت ما قالوه وأعلنوه ، بل أنّ متكلّمي الشّيعة قد احتجّوا واستدلوا قبل الكميت ، وكذلك أصحاب أمير المؤمنين. (منهقدس‌سره ).

(٢) انظر ، نهج البلاغة : الرّسالة (٢٨).

(٣) ينسب هذا الشّعر إلى أبي ذؤيب الهذلي من قصيدة طويلة يرثي بنيه الخمسة في عام واحد أصابهم الطّاعون ، وتارة ينسب إلى ابن الزّبير ، وهذا هو عجز البيت.

وعيرها الواشون أنّي أحبّها

وتلك شكاة ظاهر عنك عارها

انظر ، ديوان الهذليّين : ١ / ٢١ ، شرح أشعار الهذليّين : ١ / ٧٠ ، خزانة الأدب : ٩ / ٥٠٥ ، تنوير الحوالك : ٢٠ ، المحلّى : ٦ / ٤٣ ، مقدّمة فتح الباري : ١٣٧ ، تفسير القرطبي : ١٠ / ٣٨٤ ، معجم الأدباء : ١١ / ٨٩ ، صحيح البخاريّ : ٩ / ٥٣ ، تفسير الثّعالبي : ٣ / ٥١٨ ، العلل لأحمد بن حنبل : ١ / ٩٤ ، الفائق في غريب الحديث : ٣ / ٣٠٩ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ١ / ٨٠ و : ١٥ / ١٨٣ و : ١٨ / ١٢٣ و : ٢٠ / ١٠٨ ، تأريخ دمشق : ٦٩ / ١١ ، تهذيب الكمال : ٣٥ / ١٢٤ ، البداية والنّهاية : ٨ / ٣٧٩ ، شرح نهج البلاغة لمحمّد عبده : ٣ / ٣٣ ، النّهاية في غريب الحديث : ٢ / ٤٩٧. (٤) انظر ، كنز العمّال : ٦ / ٢٢٠ و ٢٢١ و ٢١٧ ، و : ٧ / ١٠٧ و ١١١ و ١٠٨ ، و : ١٢ / ٩٦ و : ١٢ / ٣٤٢٤٦ ، و : ١٣ / ٣٧٦٨٢ ، صحيح التّرمذي : ٢ / ٣٠٦ و ٣٠٧ ، مسند أحمد : ٣ / ٣ و ٦٢ و ٨٢ ، حلية الأولياء : ٥ / ٧١ و ١٣٩ ، و : ٤ / ١٣٩ و ١٩٠ ، مجمع الزّوائد : ٩ / ١٨٢ ـ ١٨٤ و ١٨٧ ، تأريخ بغداد : ٩ / ٢٣١ و ٢٣٢ ، و : ١٠ / ٩٠ و ٢٣٠ ، و : ١ / ١٤٠ ، و : ٢ / ١٨٥ ، و : ١٢ / ٤ ، و : ٦ / ٣٧٢ ـ


وقالت السّيّدة زينب ليزيد فيما قالت : «ما قتل الحسين غيرك. ولولاك لكان ابن مرجانة أقل وأذل ، أما خشيت من الله بقتله؟! وقد قال رسول الله فيه وفي أخيه : الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة فإن قلت : لا ، فقد كذبت ، وإن قلت : نعم ، فقد خصمت نفسك فقال يزيد : ذرّيّة بعضها من بعض.

وقال الإمام زين العابدين له ، قال المؤذّن : أشهد أنّ محمّدا رسول الله : هذا جدّي أو جدّك يا يزيد(١) !

وللإمام السّجّاد أسلوب خاصّ وجديد في بثّ الدّعوة لأهل البيت ، ذلك أنّه لا يبرز هذه الدّعوة بصورتها بل يضفي عليها ثوب المناجاة والخضوع والتّضرع إلى الله سبحانه ، لتمر في عصر الأمويّين بسلام دون أن تثير أي إهتمام ، ويبدو ذلك جليا لمن تتبع وتأمّل مناجاته في الصّحيفة السّجّاديّة فما مجّد الله وشكره ، أو سأله العفو والرّحمة أو أي شيء بجملة إلّا وقرنها بالصّلاة على محمّد

__________________

ـ الإصابة : ١ / ق ١ / ٢٦٦ ، و : ٦ / ق ٤ / ١٨٦ ، مناقب أمير المؤمنين محمّد بن سليمان الكوفي : ٣ / ٢٥٩ ، الجامع الصّغير للسّيوطي : ١ / ١٩. وانظر ، ذخائر العقبى : ١٣٥ و ١٣٠ و ١٢٩ ، كنوز الحقائق : ١١٨ و ٨١ و ٣٦ ، خصائص النّسائي : ٣٤ و ٣٦ ، سنن ابن ماجه : ١ / ٤٤ / ١١٨ ، باب فضائل أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، الحاكم في المستدرك : ٣ / ١٦٧ و ٣٨١ ، تأريخ دمشق : ٧ / ١٠٣ ، اسد الغابة : ٥ / ٥٧٤ ، صحيح ابن حبّان : ٢١٨ ، تهذيب التّهذيب : ٣ / في ترجمة زياد بن جبير ، سنن التّرمذي : ٥ / ٣٢١ / ٣٨٥٦ و : ٣٢٦ / ٣٨٧٠ ، الفضائل لأحمد : ٢ / ٧٧٩ / ١٣٨٤ ، الصّواعق : ١٨٧ و ١٩١ ب ١١ فصل ٢ ، الجامع الصّغير : ١ / ٥٨٩ / ٣٨٢٠ و ٣٨٢١ و ٣٨٢٢ ، منهاج السّنّة : ٤ / ٢٠٩ ، فرائد السّمطين : ٢ / ٣٥ و ١٤٠ و ١٣٤ و ١٥٣ و ٢٥٩ ، ينابيع المودّة : ٣٦٩ و ٣٧٢.

(٥) انظر ، سنن التّرمذي : ٣٢٣ ، الإستيعاب : ١ / ٢٨٧ ، التّنبيه والأشراف : ٢٦٠ ، تهذيب التّهذيب : ٢ / ٢٩٩ ، مناقب آل أبي طالب : ٣ / ١٤١ ، كشف الغمّة : ١ / ٥٣٣ ، مجمع البيان : ٨ / ٣٦١.

(١) انظر ، مقتل الحسين للخوارزمي : ٦٩ ـ ٧١.


وآل محمّد ، بحيث يتّجه القاريء تلقائيّا إلى تعظيم أهل البيت وتقدّيسهم ، واقتران اسمهم باسم الله ، واسم جدّهم رسول الله ، وهذا الأسلوب يحدث أثرا معينّا في النّفس من حيث تريد ، أو لا تريد وقد بلغت هذه الصّلوات القمّة في دعائه الّذي كان يدعو به يوم عرفة.

قال : «ربّ صلّ على محمّد وآله صلاة تجاوز رضوانك ، ويتّصل اتّصالها ببقائك ، ولا ينفد كما لا تنفد كلماتك. ربّ صلّ على محمّد وآله ، صلاة تنتظم صلوات ملائكتك وأنبيائك ورسلك وأهل طاعتك ، وتشتمل على صلوات عبادك من جنّك وإنسك وأهل إجابتك ، وتجتمع على صلاة كلّ من ذرأت وبرأت من أصناف خلقك ربّ صلّ عليه وآله ، صلاة تحيط بكلّ صلاة سالفة ومستأنفة ، وصلّ عليه وعلى آله ، صلاة مرضيّة لك ولمن دونك ، وتنشئ مع ذلك صلوات تضاعف معها تلك الصّلوات عندها ، وتزيدها على كرور الأيّام زيادة في تضاعيف لا يعدّها غيرك»(١) .

طلب الإمام من الله أن يصلّي على الرّسول وآله عدد الصّلوات الّتي صلّاها وتصلّيها الملائكة ، والأنبياء ، والجنّ ، والإنس ، وعدد التّسبيحات الّتي تسبحها بحدّه جميع مخلوقاته من حيوان ، ونبات ، وجماد(٢) ، وأن تبقى صلواته عليهم ببقائه ، وتدوم بدوامه ، على أن تتضاعف في كلّ لحظة أضعافا لا يحصيها إلّا

__________________

(١) انظر ، في ظلال الصّحيفة السجاديّة شرح العلّامة الشّيخ محمّد جواد مغنيّة : الدّعاء السّابع والأربعون ، دعاؤه في يوم عرفة : ٥٦٥ ، بتحقّيقنا.

(٢) جاء في الآية (٤٤) سورة الإسراء :( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً ) . (منهقدس‌سره ).


هو وبديهة أنّ هذه الصّلوات الّتي لا يعرف مداها إلّا الله ، إن هي إلّا صدى لعظمة الرّسول وآله ، ومكانهم عند الله وملائكته ورسله.

وهذه صورة أخرى أصرح وأوضح في بثّ الدّعوة لأهل البيت ، قال :

«ربّ صلّ على أطائب أهل بيته الّذين اخترتهم لأمرك ، وجعلتهم خزنة علمك ، وحفظة دينك ، وخلفآءك في أرضك ، وحججك على عبادك ، وطهّرتهم من الرّجس ، والدّنس تطهيرا بإرادتك ، وجعلتهم الوسيلة إليك ، والمسلك إلى جنّتك»(١) .

وأطائب أهل البيت هم الّذين نزلت بهم آية التّطهير ، وآية المباهلة ، وآية المودّة ، وحديث الثّقلين ، وحديث الموالاة ، وحديث المنزلة على أنّهم خزنة علمه ، وحفظة دينه ، وخلفاؤه في أرضه ، وهم محمّد ، وعليّ ، وفاطمة ، والحسن ، والحسين.

وقال طالبا من الله الصّلوات والرّحمة لشيعة أهل البيت :

«اللهمّ وصلّ على أوليائهم المعترفين بمقامهم ، المتّبعين منهجهم ، المقتفين آثارهم ، المستمسكين بعروتهم ، المتمسّكين بولايتهم ، المؤتمّين بإمامتهم ، المسلّمين لأمرهم ، المجتهدين في طاعتهم ، المنتظرين أيّامهم ، المادّين إليهم أعينهم ، الصّلوات المباركات الزّاكيات النّاميات الغاديات الرّائحات وسلّم عليهم وعلى أرواحهم ، واجمع على التّقوى أمرهم ، وأصلح لهم شئونهم ، وتب عليهم ، إنّك أنت التّوّاب الرّحيم ، وخير الغافرين ، واجعلنا معهم في دار السّلام برحمتك ،

__________________

(١) انظر ، في ظلال الصّحيفة السجّاديّة شرح العلّامة الشّيخ محمّد جواد مغنيّة : الدّعاء السّابع والأربعون ، دعاؤه في يوم عرفة : ٥٧٠ ، بتحقّيقنا.


يا أرحم الرّاحمين»(١) .

وليس من شكّ أنّ الدّعاء للشّيعة بإصلاح شئونهم ، والتّوبة عليهم ، والمغفرة لهم ، دعاية صريحة لأهل البيت ، والتّمسك بولائهم ، ونشر مبادئهم ؛ وليست مبادئهم إلّا مبادىء ، الإسلام وتعاليم القرآن.

ونقف قليلا عند قوله : «واجعلنا معهم في دار السّلام» ، لنتساءل : كيف طلب الإمام من الله سبحانه أن يجعله مع شيعة أهل البيت ، وهم الّذين يرجون النّجاة بشفاعته ، وشفاعة آبائه ، ويسألون الله أن يحشرهم في زمرته ، ويتّخذونه الوسيلة إلى رضوان الخالق ورحمته؟

الجواب :

أنّ قوله هذا تواضع لله لا لسواه فإنّ المعروف من طريقة آل الرّسول إذا ناجوا ربّهم خضعوا وتذلّلوا ، واتهموا أنفسهم ، ولم يقيموا لها أي وزن والشّواهد على ذلك لا يبلغها الإحصاء ، نذكر منها هذا المثال من أقوال الإمام زين العابدين : «إنّك إن تفعل ذلك يا إلهي تفعله بمن لا يجحد استحقاق عقوبتك ، ولا يبرّئ نفسه من استيجاب نقمتك ؛ تفعل ذلك يا إلهي بمن خوفه منك أكثر من طمعه فيك ، وبمن يأسه من النّجاة أوكد من رجآئه للخلاص ؛ لا أن يكون يأسه قنوطا ، أو أن يكون طمعه اغترارا ؛ بل لقلّة حسناته بين سيّئاته ، وضعف حججه في جميع تبعاته»(٢) .

__________________

(١) انظر ، في ظلال الصّحيفة السجاديّة شرح العلّامة الشّيخ محمّد جواد مغنيّة : الدّعاء السّابع والأربعون ، دعاؤه في يوم عرفة : ٥٧٥ ، بتحقّيقنا.

(٢) انظر ، في ظلال الصّحيفة السجّاديّة شرح العلّامة الشّيخ محمّد جواد مغنيّة : الدّعاء السّابع والثّلاثون ، دعاؤه في طلب العفو : ٤٥٦ ، بتحقّيقنا.


هذا ، إلى أنّ الإمام أراد أن يعرف الشّيعة المجتمعين على الخير والتّقوى أنّ لهم عند الله الحسنى ، والدّرجات العليا.

وبالتالي ، فإنّ أهل البيت قد أدركوا ـ منذ السّاعة الّتي صرف فيها الأمر إلى غيرهم ـ أنّ دين جدّهم معرّض للضّياع والأخطار ، لأنّ من قام ويقوم بالأمر لا يؤتمن على شيء لقد أحسوا وعلموا مقدّما بهذا الخطر ، فحاولوا بكلّ سبيل أن يرشدوا النّاس إلى الحقّ وأهله ، ويفهموا الأجيال أنّ الّذين تولوا الحكم والسّلطان باسم الدّين ليسوا شهداء لله في أرضه ، ولا خلفاء للرّسول في أمره ونهيه ، وإنّما الشّهداء والخلفاء حقّا هم الّذين أمر الله والرّسول بولائهم والتّمسك بحبلهم ، هم الّذين لا يفارقون الحقّ ، ولا يفارقهم في قول أو فعل ، ويدور معهم كيفما داروا ، وأنّى اتّجهوا ، تماما كالقرآن سواء بسواء وبديهة أنّ هذا الوصف لا ينطبق إلّا على أهل البيت بشهادة حديث الثّقلين.

لقد أراد أهل البيت أن تؤمن وتدين بهذا المبدأ النّاس. ولو طائفة من النّاس ، ولا يهمهم بعد ذلك أن يتولى الأمر من يتولّاه ؛ ومن أجل الإيمان بهذا المبدأ كانت حادثة كربلاء وغيرها من الحوادث والمجازر وقد تمّ لهم ما أرادوا فهؤلاء شيعتهم في شرق الأرض وغربها يحيون آثارهم ، ويقيمون شعائرهم ، وينشرون مناقبهم ومآثرهم.


صور من كربلاء

بكاء ابن سعد

حين وقف الحسين وحيدا في وسط المعركة ، وفي ساعته الأخيرة. والألوف تحيط به من كلّ جانب صاح بأعلى صوته :

هل من ذابّ يذبّ عن حريم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (١) ؟.

هل من موحّد يخاف الله؟.

هل من مغيث يرجو الله(٢) ؟.

فأغاثوه برمي السّهام ، وطعن الرّماح ، وضرب السّيوف ، فثبت وصبر ، حتّى قال من رآه : «ما رأيت مكثورا قطّ ، قتل ولده وأهل بيته ، وأصحابه أربط جأشا من الحسين ، وإن كانت الرّجال لتشدّ عليه ، فيشدّ عليها بسيفه ، فتنكشف عنه

__________________

(١) ذكرنا ، فيما تقدّم ، السّر الّذي من أجله خرج الحسين بحرم جدّه رسول الله ، واستغاثته هذه تعزّز ما قلناه. (منهقدس‌سره ).

(٢) انظر ، الحدائق الوردية (مخطوط) ، نسب قريش لمصعب الزّبيري : ٥٨ ، تأريخ اليعقوبي : ٢ / ٢١٧ ، مقتل الحسين للخوارزمي : ٢ / ٢٩ ، اللهوف في قتلى الطّفوف : ٥٧ ، الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة لابن الصّباغ المالكي : ٢ / ١٤٨ ، بتحقيقنا ، نور الأبصار للشّبلنجي : ٢ / ٣١ ، بتحقّيقنا ، الإتحاف بحبّ الأشراف الشّيخ عبد الله بن محمّد بن عامر الشّبراوي : ١٤٨ ، بتحقّيقنا.


إنكشاف المعزى إذا شدّ فيها الذّئب»(١) . وكان يردّد في موقفه هذا كلمات ، منها :

«لا حوّل ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم».

«اللهمّ أنّك ترى ما أنا فيه».

«إلهي إن كنت حبست عنّا النّصر ، فاجعله لما هو خير منه».

«اللهمّ اجعل ما حلّ بنا في العاجل ذخيرة لنا في الآجل».

«لا والله ، لا أعطيهم بيدي إعطاء الذّليل ، ولا أقرّ إقرار العبيد».

«إنّي لأرجو أن يكرمني الله بالشّهادة».

«صبرا على قضائك يا ربّ ، لا إله سواك ، يا غياث المستغيثين»(٢) .

ولمّا نزف الدّم من جسده الشّريف ، ضعف وهوى على الأرض ، فدنا عمر بن سعد في جماعة من أصحابه ، فرآه يجود بنفسه ، فبكى وسالت دموعه على لحيته ، ثمّ صاح ، وهو يبكي : انزلوا إليه وأريحوه!

بكى ابن سعد على الحسين ، وفي نفس الوقت أمر بذبحه(٣)

وتدّلنا هذه الظّاهرة على أنّ الإنسان قد يتأثر وينفعل في موقف من المواقف من غير قصد وشعور ، تماما كما يتنفس ، وبهذا نستطيع أن نفسّر بكاء المجرمين

__________________

(١) تقدّمت تخريجاته.

(٢) انظر ، تأريخ الطّبري : ٤ / ٣٤٢ ، البداية والنّهاية : ٨ / ٢٠٣ ، مقتل الحسين لأبي مخنف : ١٧٢ ، ترجمة الإمام الحسين لابن عساكر : ٣٣٢ ، جواهر المطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب لابن الدّمشقي : ٢ / ٢٨٨ ، الإرشاد : ٢ / ١٠٨ ، مثير الأحزان : ٥٢ ، اللهوف في قتلى الطّفوف : ١٦٦ ، معالي السّبطين : ١ / ٤٢٣ ، ينابيع المودّة : ٣ / ٧٧.

(٣) انظر ، مقتل الحسين للخوارزمي : ٢ / ٣٣ ، البيان والتّبيين للجاحظ : ٣ / ١٧١ الطّبعة الثّانية ، المعارف لابن قتيبة : ٢١٣ ، النّهاية : ٤ / ٣٤٣ ، تذكرة الخواصّ : ٢٥٣.


القساة ، وهم يستمعون إلى حديث كربلاء وفاجعتها.

وعن السّيّدة زينب أنّها قالت : حين استشهد أخي الحسين هجم العدوّ على خيامنا للسّلب والنّهب ، ودخل إلى خيمتي رجل أزرق العينين ، فأخذ ما في الخيمة ، ونظر إلى زين العابدين ، وهو على نطع ، وكان مريضا ، فجذبه من تحته ورماه إلى الأرض ، والتفت إليّ ، وأخذ القناع من رأسي ، وقرطين كانا في أذنيّ ، وجعل يعالجهما ، ويبكي ، حتّى انتزعهما فقلت له : تسلبني ، وأنت تبكي؟! فقال : أبكي لمصابكم أهل البيت

وما يدرينا أنّ بعض من يبكي لمصاب أهل البيت يحمل روح هذا المجرم؟ وإنّه لو تسنى له أن يسلب الحوراء خمارها لفعل وأيّ فرق بين أزرق العينين هذا ، وبين من لا يفعل ولا يترك إلّا على أساس منفعته ومصلحته الخاصّة ، غير مكترث بدين ولا بضمير؟

وإنّي أقدّم هذه الصّورة ، صورة بكاء أزرق العينين ، وسيّده ابن سعد للّذين يحسبون أنّ مجرد البكاء «التّباكي» يدخلهم الجنّة ، ولو راءوا ونافقوا ، ودسّوا وتآمروا ، وتجسموا وقبضوا

وأقدّمها للّذين يصعدون على منبر سيّد الشّهداء ، يشيدون ببطولته ، وإبائه ، وعظمته ، ومبادئه واعظين ومرشدين إلى سبيله وهدايته ، حتّى إذا نزلوا عنه طأطأوا رؤوسهم للوجهاء ، ومدوا أيديهم للأغنياء وإنّي رأيت أكثر من مرّة على منبر الحسين من يسبّح بحمد الظّالمين ، ويكيل لهم المديح والثّناء ناسيا أنّ هذا المنبر قد نصب لمحاربة الظّلم ومكافحة الإجرام

وأيضا أقدّمها للّذين يقضون حياتهم في معاقرة الخمرة ، واللّعب في القمار ،


وفي حوانيت الدّعارة ، ولا ينطقون إلّا بالكفر والفسق ، وسبّ الأديان والمذاهب ، ولا يتعرفون على صوم ولا صلاة ، حتّى إذا جاء يوم العاشر من المحرّم لبسوا الأكفان ، وضربوا الجباه بالسّيوف ، والأكتاف بالسّلاسل ، وأظهروا الشّيعة والتّشيّع بأبشع الصّور والمظاهر ، ووسموا الذّكرى المقدّسة بأقبح السّمات ، وأفسحوا المجال للمفترين والمتقوّلين بأنّنا لا نصلح للحياة ، وأنّ عقيدتنا بدعة وضلالة ، وسلّحوا العدوّ بأقوى سلاح وأمضاه ، وقبعوا في بيوتهم لا يفكرون إلّا في أنفسهم ، وتركوا غيرهم في وسط المعركة يكافح ، ويناضل ، بكلّ سلاح.

أنّ ذكرى الحسين ما زالت ولن تزال حيّة في القلوب ، فعلينا أن نستغلها لمرضاة الله ورسوله ، لصالح الإسلام والمسلمين ، وبثّ العلم والوعي ، وجمع الكلمة ، لا لإشاعة الجهل والتّفريق ، والإتّجار بالدين والعواطف.

ابتسام الحسين

روي أنّ شمرا ، حيت ارتقى الصّدر الشّريف ، وهمّ بذبح الإمام ، ابتسم عليه أفضل الصّلاة والسّلام ، وقال لشمر :

أتعرفني من أنا؟.

قال اللّعين : أجل ، حقّ المعرفة جدّك محمّد المصطفى ، وأبوك عليّ المرتضى ، وأمّك فاطمة الزّهراء ، وخصمي العليّ الأعلى(١) .

__________________

(١) انظر ، تأريخ الطّبري : ٤ / ٣٤٦ ، الفتوح لابن أعثم : ٣ / ١٣٧ ، الكامل في التّأريخ : ٤ / ٤٠ ، مروج ـ


لم يتعجب الحسين لهذه المفاجأة الّتي يحسب كلّ إنسان أنّها محال ، حتّى في التّصور والخيال ، وإنّما ابتسم مستبشرا بالشّهادة ، ولقاء جدّه وأبيه ، أمّه وأخيه ، وبالرّحمة من دار البلاء والفناء إلى دار النّعيم والبقاء ، تماما كما استبشر أبوه من قبل بضربة ابن ملجم ، وقال : «فزت وربّ الكعبة»(١) وروي أنّ الحسين كان في يوم الطّفّ ، كلّما اشتدّ الأمر ، أشرق وجهه ، وهدأت جوارحه ، وسكنت نفسه ، حتّى قال النّاس بعضهم لبعض : أنظروا لا يبالي بالموت(٢)

ولم يقل الحسين لشمر : هل تعرفني؟ ليقيم عليه الحجّة ، لأنّها قائمة عليه ، ولا رجاء أن يتّعظ ويرتدع ، لأنّ الإتعاظ في حقّه أكثر من محال ، وإنّما سأله هذا

__________________

ـ الذّهب : ٢ / ٩١ ، الأخبار الطّوال : ٢٥٨ ، تهذيب تأريخ دمشق لابن عساكر : ٣ / ٣٤٢ ، سمط النّجوم العوالي : ٣ / ٧٦ ، مقتل الحسين لأبي مخنف : ٢٠٠ ، مقتل الحسين للخوارزمي : ٢ / ٣٦ و ٣٧ ، المعارف : ٢١٣ ، ينابيع المودّة : ٣ / ٨٢ ـ ٨٣ ، اللهوف في قتلى الطّفوف : ٥١ ، المناقب لابن شهر آشوب : ٣ / ٢١٥ و ٢٣٣ ، و : ٤ / ٥٨ ، النّهاية : ٤ / ٣٤٣ ، تذكرة الخواصّ : ٢٥٣ ،

(١) ذكرت قصّة ضرب ابن ملجم مقطّعة في بعض الكتب التّأريخية ، وأهل السّير ، ولكن نحن بصدد تحقّيق هذا الكتاب ، ولسنا بصدد بيان وجمع المقاطع على الرّغم من أنّ بعض الكتب قد نقلتها تفصيلا مع إختلاف يسير في الألفاظ ، وكذلك من التّقديم ، والتّأخير.

انظر ، تأريخ الطّبريّ : ٥ / ١٤٣ ، مقاتل الطّالبيّين : ٢٩ و ٤٧ ، طبقات ابن سعد : ٣ / ٣٥ ، أنساب الأشراف : ٢ / ٤٨٩ و ٤٩٩ و ٥٢٤ ، مروج الذّهب : ٢ / ٤١١ ، الإمامة والسّيّاسة : ١ / ١٥٩ ، الكامل في التّأريخ : ٣ / ٣٨٩ ، مناقب الخوارزمي : ٣٨٠ ـ ٤١٠ ، مناقب ابن شهر آشوب : ٣ / ٣١١ ، تأريخ ابن عساكر : ٣ / ٣٦٧ ح ١٤٢٤ ، تأريخ دمشق : ٣٨ / ٩٧ ، و : ٣ / ٣٠٣ ح ١٤٠٢ وما بعدها ، كنز العمّال : ١٣ / ٦٩٧ ، الفتح الرّبّاني : ٢٣ / ١٦٣ ، والحاكم في المستدرك : ٣ / ١٤٤ ، ذخائر العقبى : ١١٠ فضائل عليّ عليه‌السلام ، الصّواعق المحرقة : ١٣٣ باب ٩ فصل ٥ مع تقديم وتأخير بما يناسب السّياق ، ويحفظ استرسال المعنى واللّفظ. الفتوح لابن أعثم : ٢ / ٢٧٦ ، الاسيعاب : ٣ / ٥٩ بإضافة «... لا يفوتنكم الكلب» ، اسد الغابة : ٤ / ٣٨ ، ينابيع المودّة : ١٦٤ ، أرجح المطالب : ٦٥١.

(٢) انظر ، معاني الأخبار للشّيخ الصّدوق : ٢٨٨ ، الإعتقادات للشّيخ المفيد : ٥٢.


السّؤال ليعلمه إلى أي حدّ بلغ منع اللّؤم ، والضّعة ، والجرأة على الله والرّسول وأجاب شمر بما أجاب مستخفّا بالله ونبّيه وبجميع الأخلاق والقيم.

وقد يسأل سائل : كيف تجرأ الشّمر وأقدم على ما أقدم عليه؟!. كيف بلغت القسوة منه هذا المبلغ؟!. هل هو من البشر ، أو من طبيعة أخرى؟!.

الجواب :

إنّ الشّمر فرد من النّاس لا يختلف عنهم في لحمه ودمه ، ولا في طبيعته وفطرته الّتي خلق عليها أوّل ما خلق ـ ولا في شيء إلّا إنّه مارس الذّنوب ، واعتادها ، وتمادى فيها ، واستهان بمعصية الله ، حتّى أصبحت عنده كشرب الماء ، ومن كانت هذه حاله قسا قلبه ، وعميت بصيرته ، ولم يعد يبالي بشيء مهما كان ويكون قال أمير المؤمنين : «ما قست القلوب إلّا لكثرة الذّنوب»(١) . وقال تعالى :( بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ) (٢) .

وهكذا كلّ من تمادى في غيّه ، واستخفّ بدينه ، ولم يخش حسابا ولا عقابا ، يجوز عليه أن يقدم على ما أقدم الشّمر ، قال الإمام الصّادق : «إذا أذنب الرّجل خرج من قلبه نكتة سوداء ، فإن تاب زالت ، وإن زاد ازدادت ، حتّى تغلب على قلبه ، فلا يصلح بعدها أبدا»(٣) .

المرتزقة :

خطب الحسين في جيش ابن سعد مرّتين ، وممّا قاله في الخطبة الأولى :

__________________

(١) انظر ، علل الشّرائع : ٨١ ، وسائل الشّعة : ١٦ / ٤٥ ح ٥ ، روضة الواعظين : ٤٢٠.

(٢) المطفّفين : ١٤.

(٣) انظر ، الكافي : ٢ / ٢٧١ ح ١٣ ، وسائل الشّيعة : ١٥ / ٣٠٢ ح ١٢ ، رسائل الشّهيد الثّاني : ١٠٥.


«أيّها النّاس اسمعوا قولي ، ولا تعجلوني حتّى أعظكم بما يجب لكم عليّ. وحتّى أعتذر إليكم من مقدمي عليكم ، فإن قبلتم عذري ، وصدّقتم قولي ، وأنصفتموني ، كنتم بذلك أسعد ، ولم يكن لكم عليّ سبيل ، وإن لم تقبلوا منّي العذر فاجمعوا أمركم وشركائكم ، ثمّ لا يكن أمركم عليكم غمّة ، ثمّ اقضوا إليّ ولا تنظرون وليي الله الّذي نزّل الكتاب وهو يتولى الصّالحين».

«أمّا بعد. فانسبوني ، فانظروا من أنا ، ثمّ ارجعوا إلى أنفسكم فعاتبوها ، وانظروا : هل يصلح لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟ ألست ابن بنت نبيّكمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وابن وصيّه وابن عمّه ، وأوّل المؤمنين بالله ، والمصدّق لرسوله بما جاء به من عند ربّه؟ أو ليس حمزة سيّد الشّهداء عمّ أبي ، أو ليس جعفر الشّهيد الطّيار عمّي؟ أو لم يبلغكم قول مستفيض فيكم أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لي ولأخي : «هذان سيّدا شباب أهل الجنّة»(١) ؟ فإن صدّقتموني بما أقول ـ وهو الحقّ ـ والله ما تعمدت كذبا مذ علمت أنّ الله يمقت عليه أهله ، ويضرّ به من اختلقه ، وإن كذبتموني فإنّ فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبركم : سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري ، أو أبا سعيد الخدري ، أو سهل بن سعد السّاعدي ، أو زيد بن أرقم ، أو أنس بن مالك يخبروكم أنّهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله ٩ لي ولأخي ، أفما في هذا حاجز لكم ع ن سفك دمي؟».

فقال له شمر بن ذي الجوشن :

هو يعبد الله على حرف إن كان يدري ما تقول.

فقال له حبيب بن مظاهر :

__________________

(١) تقدّمت تخريجاته.


والله إنّي لأراك تعبد الله على سبعين حرفا وأنا أشهد أنّك صادق ما تدري ما يقول ، قد طبع الله على قلبك.

ثمّ قال لهم الحسين :

«فإن كنتم في شك من هذا القول أفتشكّون في أنّي ابن بنت نبيّكم؟ فو الله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري منكم ولا من غيركم ، وأنا ابن بنت نبيّكم خاصّة. أخبروني أتطلبوني بقتيل منكم قتلته؟ أو مال لكم استهلكته؟ أو بقصاص من جراحة؟».

فأخذوا لا يكلمونه. فنادى : يا شبث بن ربعي ، ويا حجّار بن ابجر ، ويا قيس بن الأشعت ، ويا يزيد بن الحارث ، ألم تكتبوا إليّ : إن قد اينعت الثّمار ، واخضّر الجناب ، وطمت الجمام ، وإنّما تقدم على جند لك مجند ، فاقبل. قالوا له : لم نفعل. فقال : سبحان الله! ، بلى والله ، لقد فعلتم ، ثمّ قال : أيّها النّاس : إذ كرهتموني فدعوني أنصرف عنكم إلى مأمني من الأرض. فقال له قيس بن الأشعث أولا تنزل على حكم بني عمّك ، فإنّهم لن يروك إلّا ما تحبّ ، ولن يصل إليك منهم مكروه ، فقال له الحسين : أنت أخو أخيك ، أتريد أن يطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم بن عقيل؟(١) .

«لا والله ، لا أعطيهم بيدي إعطاء الذّليل ، ولا أقرّ إقرار العبيد. عباد الله : إنّي عذت بربّي وربكم أن ترجمون. أعوذ بربّي وربّكم من كلّ متكبّر لا يؤمن بيوم الحساب»(٢) .

__________________

(١) انظر ، تأريخ الطّبري : ٤ / ٢٨٠ ـ ٢٨١.

(٢) تقدّمت تخريجاته.


هذي هي لغة المرتزقين المأجورين الّذين يطلبون ويزمرون في كلّ عرس يدفع الأجر ، أمّا المباديء والأخلاق ، أمّا الدّين والعلم فكلام فارغ سألهم الحسين عن مكانته فيهم؟. وهل أساء إليهم ، وإلى أحد منهم؟ فاقرّوا واعترفوا بأنّه قدس الأقداس ، وأنّه خير النّاس أبا وأمّا ، ولكنّ الأمير هكذا أراد وهو طوع لمّا يريد

وقال لهم : كيف تناصرون أعداد الله على أولياء الله «من غير عدل أفشوه فيكم ، ولا أمل أصبح لكم فيهم؟ ..»(١) فوضعوا أصابعهم في آذانهم ، وأبو إلّا طاعة اللّئام ، لا بغضا للنّبيّ وأهل بيته ـ كما يظن ـ ولا حبّا بأبي سفيان وآل أبي سفيان ، كلّا وألف كلّا بل لأنّهم مرتزقة ، وكفى ولو كانت الدّنيا مع الحسين لكانوا معه على الأمويّين ، ولفعلوا بهم أكثر ممّا فعلوا به وبأهله ، لو أراد.

هذا هو مبدأ المرتزقة في كل عصر ومصر يصنعون كلّ شيء يجر إليهم النّفع فيطيعون الأمير والزّعيم ، ولو كان يزيد وابن زياد ، ويقتلون الصّادق الأمين ، ولو كان محمّدا أو حسينا

وبعد ، فإذا رأيت من يسير في ركاب زعماء هذا العصر وحكّامه فاحكم بأنّه محترف ، حتّى ولو توجّع وتفجّع لمصاب أهل البيت ولا تشك بأنّ الحسين لو كان حيّا ، وأمره الزّعيم بقتاله لأقدم ، وأوجد لنفسه ألف مبرّر ومبرّر.

__________________

(١) انظر ، مناقب آل أبي طالب : ٢ / ٢٥٧ ، مقتل الحسين لأبي مخنف : ١٩٤ ، كشف الغمّة : ٢ / ٢٢٨ ، الإحتجاج : ٢ / ٢٤.



لحظات في نور أمّ هاشم(١)

هي ابنة الإمام عليّ كرّم الله وجهه ، ابنة السّيّدة فاطمة بنت الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وشقيقة السّبطين النّيرين الحسن والحسين سيّدي شباب أهل الجنّة ، رضي الله عنهم أجمعين(٢) .

كانت رضي الله عنها من خيرة نساء بيت النّبوّة ، اتّخذت طوال حياتها تقوى الله بضاعة لها ، ولسانها لا يفتر عن ذكر الله ، عرفت بكريمة الدّارسين ، وحسبت عند أهل العزم بأمّ العزائم ، وعند أهل الجود والكرم بأمّ هاشم ، وهي صاحبة الشّورى طوال حياتها.

ولدت رضي الله عنها سنة خمس من الهجرة النّبوّيّة ، فسرّ لمولدها أهل بيت النّبوّة ، ونشأت نشأة حسنة كاملة فاضلة ، تربّت على مائدة الطّهر والشّرف والإباء وعزّة النّفس ، محوطة بكتاب الله الكريم وسنّة جدّها العظيم ، وكانت رضوان الله عليها على جانب عظيم من الجود والكرم ، تزوّجت رضي الله عنها بابن عمّها الإمام عبد الله بن جعفر الطّيّار ، وأعقبت منه محمّدا ، وعليّا ، وعبّاسا

__________________

(١) انظر ، جريدة الجمهورية المصرية (٣ / ١ / ١٩٧٣ م). (منهقدس‌سره ).

(٢) تقدّمت تخريجاته.


تستكثر شيئا في سبيل الله وطاعته ، حتّى قتل أخيها ، وذبح أبنائها ، والسّير بها مسبيّة من بلد إلى بلد لقد قدم إبراهيم على ذبح ولده إسماعيل طاعة لله ، واستسلم الولد مختارا للذّبح امتثالا لأمر الله وهكذا سيّدة الطّفّ استسلمت لقضاء الله ، ورضيت به ، ولم تستكثر وتستعظم ما حلّ بها ، تماما كما استسلم إبراهيم وإسماعيل لأمر الله وإرادته.

شأن أهل البيت

ارتحل ابن سعد بجيشه من كربلاء في زوال اليوم الحادي عشر من المحرّم ، ومعه نساء الحسين وصبيته وجواريه ، وبعض نساء أصحابه الّذين استشهدوا معه ، وكانت النّساء عشرين امرأة ، والإمام زين العابدين ، وولده الإمام الباقر ، وكان له من العمر سنتان وشهور ، وثلاثة من أبناء الإمام الحسن ، وهم الحسن المعروف بالمثنى ، وزيد ، وعمر ، وطلبت النّسوة من جيش الطّغاة أن يمروا بهنّ على القتلى وحين نظرنّ إلى جسد الحسين صحنّ وبكينّ ، لطمنّ الخدود ، فاشتدّت الحال على الإمام السّجّاد ، وجاد بنفسه ، وقد انهكه المرض ، فقالت له سيّدة الطّفّ :

«مالي أراك تجود بنفسك يا بقيّة جدّي وأبي واخوتي؟ فو الله أنّ هذا لعهد من الله إلى جدّك وأبيك أنّ قبر أبيك سيكون علما لا يدرس أثره ، ولا يمحى رسمه على كرور اللّيالي والأيّام ، وليجتهد أئمّة الكفر ، وأشياع الضّلال في محوه وتطميسه ، فلا يزداد أثره إلّا علّوا»(١) .

__________________

(١) انظر ، كامل الزّيارات لابن قولوية : ٤٤٥ ، العوالم : ٣٦٢ ، البحار : ٢٨ / ٥٧ و : ٤٥ / ١٧٩.


وإذا أخذت الإمام الرّقة والرّحمة على أبيه ، وهو على حاله تلك ، فقد حزن وبكى النّبيّ على ولده إبراهيم ، حتّى قال له بعض أصحابه :

ما هذا يا رسول الله؟.

فقال : أنّها الرّحمة الّتي جعلها في بني آدم ، وإنّما يرحم الله من عباده الرّحماء ثمّ قال: تدمع العين ، ويحزن القلب فلا نقول ما يسخط الرّب ؛ ولو لا أنّه قول صادق ، ووعد جامع ، وسبيل نأتيه ، وأنّ آخرنا سيتبع أوّلنا ؛ لوجدنا عليك أشدّ من وجدنا بك ، وإنّا عليك يا إبراهيم لمحزونون»(١) .

وآل الرّسول هم أهل بيت النّبوّة والرّحمة ، يحزنون رحمة ، ويبكون رقّة ، ولا يقولون ما يسخط الرّب ، بل يرضون بقضائه ، ويستسلمون لمشيئته ؛ وقد جاء في مناجاة الإمام السّجّاد : «أللهمّ سهّل علينا ما نستصعب من حكمك وألهمنا الإنقياد لما أوردت علينا من مشيّتك حتّى لا نحبّ تأخير ما عجّلت ، ولا تعجيل ما أخّرت ، ولا نكره ما أحببت ، ولا نتخيّر ما كرهت واختم لنا بالّتي هي أحمد عاقبة ، وأكرم مصيرا ، إنّك تفيد الكريمة ، وتعطي الجسميّة ، وتفعل ما تريد ، وأنت على كلّ شيء قدير»(٢) . وبهذا ، بحسن العاقبة والمصير ، بشّرت السّيّدة ابن أخيها الإمام ، رغم ما هما عليه من الأسر والسّبي.

لقد تألّبت قريش على رسول الله ، واتّفقت على تكذيبه وإيذائه ، والقضاء

__________________

(١) انظر ، صحيح البخاري : ٢ / ٨٤ و ٨٥ ، كنز العمّال : ح ٤٠٤٧٩ ، السّنن الكبرى للبيهقي : ٤ / ٦٩ ، دعائم الإسلام : ١ / ٢٢٤ ، بدائع الصّنائع : ١ / ٣١٠ ، المغني : ٢ / ٤١١ ، المحلّى : ٥ / ١٤٦ ، مسند أحمد : ٣ / ١٩٤ ، صحيح مسلم : ٧ / ٧٦ ، سنن ابن ماجه : ١ / ٥٠٧ ، سنن أبي داود : ٢ / ٦٤ ، مسند أبي يعلى : ٦ / ٤٣ ، المصنّف : ٣ / ٢٦٧ ، الإحكام للإمام يحيى الهادي : ١٥٠ ، ذخائر العقبى : ١ / ٢٢٤.

(٢) انظر ، الصّحيفة السّجاديّة : ٤٢٢ ، الدّعاء الثّالث والثّلاثون ، دعاؤه في الإستخارة. بتحقّيقنا.


على دعوته بكلّ وسيلة فأغرت به سفهاءها ، يرشقونه بالأحجار ، ويضعون في طريقه ر الأشواك ، ويلقون عليه الأوساخ ، وهو في الصّلاة ، وعذّبت أتباعه ، حتّى الموت ، وكان لا يملك دفاعا عنهم ولا عن نفسه ، ومع ذلك كلّه يقول لأنصار دين الله : «سترثون أرض الملوك والجبابرة وتأخذون أموالهم ، وتفترشون نساءهم»(١) .

وقالت سيّدة الطّفّ ، وهي أسيرة مسبيّة ، ورجالها جثث بلا رؤوس ، قالت : (المستقبل لذكرنا ، والعظمة لرجالنا ، والحياة لآثارنا ، والعلو لأعتابنا ، والولاء لنا وحدنا ، وجابهت يزيد بهذه الحقيقة ، وهو في عرشه ، وهي أسيرة في مجلسه ، وصرخت فيه قائلة : فكد كيدك ، واسع سعيك ، وناصب جهدك ، فو الله لا تمحو ذكرنا ، ولا تمّيت وحينا ، ولا يدحض عنك عارها ، وهل رأيك إلّا فند ، وأيّامك إلّا عدد ، وجمعك إلّا بدد)(٢) .

وصدقت نبوءة السّيّدة ، فولاؤهم تدين به الملايّين ، وتعاليمهم تدرّس في الجامعات ، والمدارس من مئات السّنين ، ومناقبهم تعلن على المنابر ليل نهار ، وقبورهم ، كالأعلام على رؤوس الجبال ، يحجّ إليها النّاس من كلّ فجّ عميق.

أنّ الأمويّين والعبّاسيّين ، ومعهم الإنس ، والجنّ لا يستطيعون أن يمحوا ذكر أهل البيت إلّا إذا استطاعوا أن يطفئوا نور الله ، واسم محمّد ابن عبد الله ، ويأبى الله إلّا أن يتمّ نوره بمحمّد وأهل بيت محمّد ، ولو كره المشركون.

__________________

(١) انظر ، قريب من هذا في الكامل لابن الأثير : ٢ / ٥٧ ، ذخائر العقبى : ١٤٧ ، الإستيعاب : ٣ / ١٠٩٥ ـ ١٠٩٦ ، ميزان الإعتدال : ١ / ٢٢٣ ـ ٢٢٤ ، مجمع الزّوائد : ٩ / ١٠٣.

(٢) تقدّمت تخريجاته.


تكريت

عن كتاب «المنتخب» أنّ عبيد الله بن زياد دعا شمر بن ذي الجوشن ، وشبث ابن ربعي ، وعمرو بن الحجّاج ، وضم إليهم ألف فارس ، وأمرهم بإيصال السّبايا والرّؤوس إلى الشّام(١) .

وقال أبو مخنف ، مرّ هؤلاء في طريقهم بمدينة تكريت ، وكان فيها عدد من النّصارى ، فلمّا حاولوا أن يدخلوها إجتمع القسيسون والرّهبان في الكنائس ، وضربوا النّواقيس حزنا على الحسين ، وقالوا : إنّا نبرأ من قوم قتلوا ابن بنت نبيّهم ، فلم يجرؤوا على دخول المدينة ، وباتوا ليلتهم في البريّة.

وهكذا كانوا يقابلون بالجفاء والإعراض كلّما مرّوا بدير من الأديرة ، أو بلد من بلدان النّصارى(٢) .

لينا

وحين دخلوا مدينة «لينا» ، وكانت عامرة بالنّاس ، تظاهر أهلها رجالا ونساء ، وشيبا وشبانا ، وهتفوا بالصّلاة على الحسين وجدّه وأبيه ، ولعن الأمويّين وأشياعهم وأتباعهم ، وصرخوا في وجوه الطّغاة : يا قتلة أولاد الأنبياء اخرجوا من بلدنا.

جهينة

وأرادوا الدّخول إلى «جهينة» فبلغهم أنّ أهلها تجمعوا وتحالفوا على قتالهم

__________________

(١) انظر ، المنتخب للطّريحي : ٣١١ ، و : ٣٠٥ طبعة آخر. (منهقدس‌سره ).

(٢) انظر ، مقتل الحسين لأبي مخنف : ١١٣. (منهقدس‌سره ).


إذا وطئوا أرض بلدهم ، فعدلوا عنها ، ولم يدخلوها.

معرة النّعمان

ودخلوا معرّة النّعمان فاستقبلهم أهلها بالتّرحاب ، وقدّموا لهم الطّعام والشّراب ، والمعرّة هذه هي بلدة الشّاعر الشّهير أبي العلاء الّذي قال :

أليس قريشكم قتلت حسينا

وصار على خلافتكم يزيد

وقال(١) :

وعلى الأفق من دماء الشّهيدي

ن عليّ ونجله شاهدان

كفر طاب

وأتوا حصن «كفر طاب» ، فأغلق أهلها الأبواب في وجوهم ، فطلبوا منهم الماء. فقال أهل الحصن : والله لا نسقيكم قطرة ، وأنتم منعتم الحسين وأصحابه من الماء.

حمص

ولمّا دخلوا حمص تظاهر أهلها ، وهتفوا : أكفرا بعد إيمان ، وضلالا بعد هدى؟ وقتلوا منهم رشقا بالحجارة (٢٦) فارسا.

بطبك

قال صاحب كتاب «الدّمعة السّاكبة» : حين دخل جيش الشّرك إلى بعلبك ،

__________________

(١) انظر ، ديوان المعرّي : ١٢٦ ، سقط الزّند : ١ / ٤٤١ ، دررّ السّمط في خبر السّبط : ٩٣.


ومعهم السّبايا والأطفال ، زيّنت المدينة ، ونشرت الأعلام ، ودقّت الدّفوف ، وضربت البوقات ، وقدّموا للطّغاة الطّعام ، والشّراب ، والحلوى(١) .

__________________

(١) انظر ، الدّمعة السّاكبة في المصيبة الرّاتبة ، والمناقب الثّاقبة ، والمثالب العائبة ، محمّد باقر بن عبد الكريم الدّمشقي : ٤ / ٢٢١.



أدب الشّيعة

الشّيخ عبد الحسيب طه حميدة عالم مصري من علماء الأزهر ومدرّس في كلّية اللّغة العربيّة. ألّف كتابا اسماه «أدب الشّيعة إلى نهاية القرن الثّاني الهجري». أثبت فيه بالأرقام أنّ أدب الشّيعة صميم في عروبته ، عنيف في ثورته ، وأنّه قد تظاهرت على إبرازه العاطفة ، والإحساس ، والعقيدة ، وأنّه لذلك كان جديرا بالحياة ، وأنّ الشّيعة قد تعرضوا للأذى في سبيل عقيدتهم وحرّيّتهم ، فلم يزدادوا إلّا تمسكا بالحرّيّة والعقيدة.

وكشف المؤلّف عن أسرار وجهات في أدب الشّيعة لم يسبقه أحد إلى شرحها وتبسيطها ـ فيما أعلم ـ وجرى قلمه بالعلم والحقّ في كلّ ما سطّره عن حقيقة هذا الأدب وأغراضه وصلته بالحياة ، كمحاربته للظّلم والطّغيان ، ولكنّه ـ يا للأسف ـ قد انحرف به القلم عن غير قصد إلى الأخطاء والأغلاط ، وهو يتحدث عن عقيدة الشّيعة ، وخلط بين الفرق المحقّة النّاجية ، وبين الفرق المغالية البائدة ، فكان في حديثه هذا كغيره من الّذين نسبوا إلى الشّيعة أشياء لا يعلمونها ، والّذي أوقع الشّيخ في الخلط والإشتباه اعتماده على «ولهوسن» و «دوزي» ، و «فان فلوتن» وغيرهم من المستشرقين والمفترين(١) ، وكان عليه أن يعتمد على كتب

__________________

(١) انظر ، الفصل الثّالث من كتاب «أدب الشّيعة» بخاصّة : ٧٥ الطّبعة الأولى. (منهقدس‌سره ).


العقائد عند الشّيعة أنفسهم ، ككتاب شرح التّجريد للعلّامة الحلّيّ ، وأوائل المقالات للمفيد ، والعقائد للصّدوق ، ومع الشّيعة الإماميّة للمؤلّف ، وغيره كثير.

ومهما يكن ، فنحن نحيي المؤلّف ، ونمنح ثقتنا الكاملة ، وتقديرنا البالغ لكلّ ما جاء في الكتاب ، ما عدا الفصل الثّالث ، وما يتّصل به من نسبة الغلو ، والرّجعة ، والتّناسخ ، والسّبئيّة(١) وما إلى ذاك ، إلى عقيدة الشّيعة بوجه عامّ ، نقول هذا مع الإعتراف بأنّ المؤلّف لم يتعمّد الإساءة إلى الشّيعة ، كيف؟ وقد اعترف لهم بالفضل في أشياء كثيرة وإنّما نلاحظ عليه اعتماده في حديثه عن عقيدة التّشيّع على غبي جاهل ، أو دسّاس خائن ، وإهماله المصادر الشّيعيّة الصّحيحة.

ومهما يكن ، فإنّ الغرض من هذا الفصل أن نذكر فيه مقتطفات من أقوال المؤلّف ، تصور أدب الشّيعة ، والأهداف الّتي يرمي إليها ، بخاصّة فيما يتعلق بحادثة كربلاء ، قال :

«أنّ أدب الشّيعة أخذ من لغة الآباء لغته وألفاظه ، ومن القرآن والحديث أسلوبه وحججه ، ومن عقليات العراق وحضارته معانيه وأخيلته ، ثمّ استخدم ذلك في أغراضه الشّيعيّة : حبّ آل الرّسول ، والإخلاص لقرابته ، والإحتجاج لحقّهم في الخلافة ، ومنافحة خصومهم من أمويّين وزبيريّين ، وخوارج وعبّاسيّين ، ورثاء قتلاهم ، ومدح عقيدتهم.

وكانت حادثة كربلاء الملطّخة بدماء الحسين وآل بيت الرّسول حدّا فاصلا بين طورين من أطوار هذا الأدب الخصب ، كان حبّا صادقا ، ومدحا خالصا ،

__________________

(١) ألّف السّيّد مرتضى العسكري كتابا أسماه «عبد الله بن سبأ» عرض فيه الأدلّة القاطعة على أنّ ابن سبأ اسطورة لا وجود له أبدا. (منهقدس‌سره ).


وموازنة جريئة ، وحجاجا عربيّا صريحا ، مؤسّسا على نظرة العربي الّذي هذّبه الإسلام للرّياسة ، وبيت الرّياسة ، فأسبق النّاس إلى الإسلام ، وأمسهم رحما بالرّسول ، وأشدّهم جهادا للعدوّ وبلاء في نصرة الدّين ، أحقّ النّاس بخلافة المسلمين وزعامتهم ، وذلك كلّه قد إجتمع لعليّ ابن أبي طالب ، لفضله ، وسبقه ر ، وقرابته ، وجهاده.

كانت حادثة كربلاء ، تلك الحادثة المروّعة المشئومة ، فاتحة طور جديد من أطوار هذا الأدب الشّيعي كما كانت ذات أثر عميق في النّفوس الإسلاميّة ، والعقائد الشّيعيّة ، والحياة السّياسيّة ؛ والواقع أنّ قتل الحسين على هذه الصّورة الغادرة ، والحسين هو من هو دينا ومكانة بين المسلمين لا بدّ أن يلهب المشاعر ، ويرهف الأحاسيس ، ويطلق الألسن ، ويترك في النّفس الإسلاميّة أثرا حزينا داميا ، ويجمع القلوب حول هذا البيت المنكوب.

نعم. ولا بدّ أن ينكر النّاس هذا التّنكيل الجائر ، والتّمثيل الشّائن بعترة الرّسول ، وسلالته ، وفلذّات كبده ، وقرّة عينه ، ويروا فيه إذاية له ، وكفرانا بحقّه ، وتعرضا لغضبه(١) :

ماذا تقولون إن قال النّبيّ لكم

ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم

بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي

منهم اسارى وقتلى ضرّجوا بدم

__________________

(١) اختلف في نسبت هذه الأبيات ، انظر ، الفتوح لابن أعثم : ٣ / ١٥٣ ، مروج الذّهب : ٢ / ٩٤ ، ذخائر العقبى : ١٥٠ ، اللهوف لابن طاووس : ٩٦ ، الكامل لابن الأثير : ٤ / ٣٦ ، الآثار الباقية للبيروني : ٣٢٩ ، تأريخ الطّبري : ٦ / ٢٦٨ ، و : ٤ / ٣٥٧ طبعة آخر ، عيون الأخبار لابن قتيبة : ١ / ٢١٢ ، مجمع الزّوائد للهيثمي : ٩ / ٢٠٠ ، كفاية الطّالب في مناقب عليّ بن أبي طالب للحافظ محمّد بن يوسف الكنجي الشّافعي : ٤٤١ ، تأريخ ابن عساكر : ٤ / ٣٤٢ ، ذخائر العقبى لأحمد بن عبد الله الطّبري : ١٥٠.


ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم

أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي

فبهذا وأمثاله قامت النّائحات في العواصم الإسلاميّة يندبنّ الحسين ، ويبكينّ مصرعه ، وبهذا وأمثاله انطلقت الألسن الشّاعرة ترثي ابن بنت الرّسول ، وتصور أسف النّبيّ في قبره ، وحزنه على سبطه ، واحتجاجه على أمّته ، وتلقي على بني حرب سوء فعلهم ، وقبح ضلالتهم ، وجور سلطانهم ، وتسجل ، في صراحة وعنف ، مروقهم عن الدّين وإنتهاكهم لحرم الله.

وهال النّاس هذا الحادث الجلل ، حتّى الأمويّين أنفسهم ، فأقضّ المضاجع ، وأذهل العقول ، وارتسم في الأذهان ، وصار شغل الجماهير ، وحديث النّوادي.

ومكث النّاس شهرين أو ثلاثة كأنّما تلطّخ الحوائط بالدّماء ساعة تطلع الشّمس ، حتّى ترتفع ، ورأى من حمل رأس الحسين نورا يسطع مثل العمود إلى الرّأس وطيرا بيضاء ترفرف حوله ، ورأى ابن عبّاس النّبيّ في اللّيلة الّتي قتل فيها الحسين ، وبيده قارورة ، وهو يجمع فيها دماء. فسأله : ما هذا يا رسول الله؟

قال : دماء الحسين وأصحابه أرفعها إلى الله تعالى.

وأمثال هذا كثير ، نراه في الطّبري ، وابن الأثير ، والأغاني ، والعقد الفريد ، وصبح الأعشى(١) .

ومهما يكن من شيء ، فقد صبغت حادثة الحسين ، ولا تزال تصبغ أدب الشّيعة بالحزن العميق ، والرّثاء النّائح ، والمدح المبتهل ، والعصبية الحاقدة ، وأمدته بمدد زاخر من المعاني والأخيلة والعواطف ، فعززت مادته ، واتّسع

__________________

(١) وابن حجر ، والثّعلبي ، وأبو نعيم ، وسبط ابن الجوزي ، والبيهقي ، وابن سيرين ، وابن القفطي ، والتّرمذي ، وغيرهم. (منهقدس‌سره ).


مجال القول فيه ، وغدونا أمام أدب تبعثه عاطفتان بارزتان : عاطفة الحزن ، وعاطفة الغضب ، تصدره الأولى حزينا باكيا ، وتبعثه الثّانية قويّا ثائرا.

والعاطفة أقوى دعائم الأدب ، فإذا أثيرت وهاجت ، وكان بجانبها لسان طلق ، وبيان ناصع ، ونفس شاعرة متوثبة ، فهناك الأدب الحي ، والقول السّاحر ، وكذلك كان الشّيعة. تجمعت لهم كلّ عناصر الأدب : لسان وعاطفة ، وفواجع من شأنها أن تستنزف الدّم ، وتذيب القلب ، وتنطق الأخرس ، فقالوا ، وبكوا : قالوا في الحقّ وطلبه ، والإرث وغصبه.

وبكوا على حقّ ضاع ، ودام أريق ، وحرمات انتهكت ، وبيوت دمّرت ، وجثث كريمة على الله والنّاس مثّل بها أبشع تمثيل ، وافتتان أموي أثيم في الفتك بالطّالبيّين وشيعتهم ، فقتل ، وصلب ، وإحراق ، وتذرية ، وهم يقابلون ذلك بالشّجاعة ، والصّبر ، والإحتساب.

وكانت القصائد الباكية ، والخطب الرّائعة ، والأقوال الدّامية(١) صدى لهذه الدّماء المسفوحة ، والجثث المطروحة ، تبعث ذكرها في كلّ قلب حزنا ، فيبعث الحزن أدبا ، يصور الآلآم ، ويعلن الفضائل ، ويستميل القلوب ، ويسجل العقائد ، ويشرح القضية الشّيعيّة ، ويحتج لها في صراحة وعنف ، فيتناولها من أطرافها ، متفننا في كلّ ذلك ، فمفاضلة جريئة ، ومعارضة شديدة ، ومناقشة فقهية ، ودعاية حزبيّة».

نقلنا هذه المقتطفات ، وهي قليل من كثير :

أوّلا : لأنّها تتّصل اتّصالا وثيقا بموضوع الكتاب.

__________________

(١) والمؤلّفات الّتي ملأت المكاتب في الفضائل والمناقب.


ثانيا : لأنّها من شيخ أزهري.

ثالثا : لننبّه إلى هذا الكتاب القيم الّذي لم يؤلّف مثله في موضوعه ، والّذي يجب أن يقرأه كلّ عالم ، وكاتب ، وطالب والغريب أن يكون مجهولا لدى كثير من الشّيعة ، وهو فيهم ولهم ، وقد مضى على تأليفه أكثر من ست سنوات.

وإذا دلّ جهلنا بهذا الكتاب وما إليه على كلّ شيء فإنّما يدل على أننا بعيدون عن الحياة كلّ البعد ، بعيدون ، حتّى عن تأريخنا ، وأنفسنا وواقعنا لقد أدرنا ظهورنا إلى المطابع ، وما تخرجه من كتب وصحف ، تصور حياة النّاس ، كلّ النّاس ، واستقبلنا بوجوهنا المادّة ، فلا نفكّر إلّا بها ، ولا نفتح أعيننا إلّا عليها ، ولا نمد أيدينا إلّا إليها ، ولا نستطعم شيئا سواها ، ومن أجلها نبغض ونحب ، ونقف على الأبواب نطبّل ونزمّر للزّعماء وأبناء الدّنيا. ومع ذلك أعلم النّاس ، وأحسن النّاس ، وأشرف من في الكون


قبر السّيّدة

انتقلت السّيّدة إلى جوار ربّها ورحمته في (١٥ رجب سنة ٦٥ ه‍». فعاشت بعد أخيها الحسين (٤ سنوات و ٦ أشهر ، و ٥ أيّام). وقيل : أنّها أوّل من لحق به من أهل بيته(١) .

واختلفوا في قبرها على ثلاثة أقوال(٢) :

القول الأوّل : أنّها دفنت في مدينة جدّها رسول الله ، ومال إلى ذلك المرحوم السّيّد محسن الأمين ، مستدلا بأنّه قد ثبت دخولها إلى المدينة ، ولم يثبت خروجها ، فنبقي ما كان على ما كان وكأنّه عليه الرّحمة يتمسك بالإستصحاب لإثبات دفنها بالمدينة وبديهة أنّ الأخذ بالإستصحاب هنا لا

__________________

(١) انظر ، السّيرة لابن إسحاق : ٢٢٦ ، صحيح البخاريّ : ٣ / ١٣٦٠ ح ٣٥٠٦ و : ٤ / ١٥٥٥ ح ٤٠١٦ و : ٥ / ٢٤ ، تهذيب الكمال : ١٤ / ٣٦٩ ، الاستيعاب : ١ / ٢٤٢ ، الطّبقات الكبرى : ٤ / ٣٩ ، الإصابة : ١ / ٤٨٧ ، تهذيب الأسماء : ١ / ١٥٥ ، التّرغيب والتّرهيب : ٢ / ٢٠٦ ح ٢١١٧ ، مجمع الزّوائد : ٩ / ٢٧٣ ، المعجم الكبير : ٢ / ١٠٧ ح ١٤٦٧ و : ١١ / ٣٦٢ ح ١٢٠٢٠ ، أنساب الأشراف : ٢ / ١٨٩ ، تأريخ اليعقوبي : ٢ / ٢١٣ ، تأريخ الطّبري : ٥ / ١٥٣.

(٢) انظر ، أنساب الأشراف : ٢ / ١٨٩ ، تأريخ اليعقوبي : ٢ / ٢١٣ ، المناقب لابن شهر آشوب : ٣ / ٣٥٨ ، تأريخ الطّبري : ٥ / ١٥٣ ، و : ٤ / ١١٨ طبعة أخرى ، الكامل في التّأريخ : ٣ / ٣٩٧ ، و : ٤ / ٢٧٢ ، الإصابة : ٣ / ٤٧١ ، لسان الميزان : ١ / ٢٦٨ ، ميزان الإعتدال : ١ / ١٣٩ ، مقاتل الطّالبيّين : ٢٥ و ٨٦.


يعتمد على أساس(١) .

لأنّ موضوع الإستصحاب أن نعلم بوجود الشّيء ، ثمّ نشك في ارتفاعه ، بحيث يكون المعلوم هو المشكوك بالذات. كما لو فرض أن علمنا بدفن الجثمان الشّريف في المدينة قطعا ، ثمّ شكّكنا : هل نقل إلى بلد آخر ، أو بقي حيث كان. فنستحصب. ونبقي ما كان على ما كان. لإتحاد الموضوع. أمّا إذا علمنا بدخولها إلى المدينة. ثمّ شكّكنا في محل قبرها فلا يمكن الإستصحاب بحال. لأنّ الدّخول إلى المدينة شزيء ، والقبر شيء آخر وإثبات اللّازم بإستصحاب الملزوم باطل. كما تقرّر في علم الأصول.

ثمّ لو كان قبرها في المدينة لعرف واشتهر. وكان مزارا للمؤمنين كغيره من قبور الصّالحات والصّالحين.

القول الثّاني : أنّها دفنت في قرية بضواحي دمشق. أي في المقام المعروف بقبر السّت ولم ينقل هذا القول عن أحد من ثقاب المنقدمين.

القول الثّالث : أنّها دفنت في مصر. ونقل هذا عن جماعة منهم العبيدلي ، وابن عساكر الدّمشقي ، وابن طولون ، وغيرهم(٢) .

__________________

(١) انظر ، أعيان الشّيعة : ٣٣ / ٢٧٠. (منهقدس‌سره ). انظر ، تأريخ المدارس : ٢ / ٣٤١ ، محاسن الشّام : ٢٢١ ، رحلة الشّام : ١٣ ، الرّوض الغنّاء في دمشق الفيحاء : ١٣١ ، منتخبات لتواريخ دمشق : ٣ / ٤٢٦.

(٢) انظر ، مشارق الأنوار في آل البيت الأخيار ، لعبد الرّحمن بن حسن بن عمر الأجهوري : ٢٦٠ ، الإشراف على فضل الأشراف ، إبراهيم الحسنيّ الشّافعيّ السّمهوديّ المدنيّ : ١٨٦ ، بتحقّيقنا ، أنساب الأشراف : ٢ / ١٨٩ ، تأريخ اليعقوبي : ٢ / ٢١٣ ، تأريخ الطّبري : ٥ / ١٥٣ ، و : ٤ / ١١٨ طبعة أخرى ، الكامل في التّأريخ : ٣ / ٣٩٧ ، و : ٤ / ٢٧٢ ، الإصابة : ٣ / ٤٧١ ، لسان الميزان : ١ / ٢٦٨ ، ميزان الإعتدال : ١ / ١٣٩ ، مقاتل الطّالبيّين : ٢٥ و ٨٦.


ويلاحظ أنّ علماءنا الّذين عليهم الإعتماد ، كالكليني ، والصّدوق ، والمفيد ، والطّوسي ، والحلّي لم يتعرضوا لمكان قبرها ، حتّى نرجّح بقولهم كلّا أو بعضا أحد الأقوال الثّلاثة ، فلم يبق إلّا الشّهرة بين النّاس. ولكن الشّهرة عند أهل الشّام تعارضها الشّهرة عند أهل مصر.

وهكذا لا يمكن الجزم بشيء وليس من شكّ أنّ زيارة المشهد المشهور بالشّام ، والجامع المعروف بمصر بقصد التّقرب إلى الله سبحانه تعظيما لأهل البيت الّذين قرّبهم الله ، ورفع درجاتهم ومنازلهم ، حسنة وراجحة ، لأنّ الغرض إعلان الفضائل ، وتعظيم الشّعائر ، والمكان وسيلة لا غاية ، وقد جاء في الحديث : «نيّة المرء خير من عمله»(١) .

__________________

(١) انظر ، تأويل مختلف الحديث : ١ / ١٤٨ و ١٤٩ ، اصول الكافي : ٢ / ٦٩ ح ٢ ، المحاسن : ١ / ٢٦٠ ح ٣١٥ ، أمالي الطّوسي : ٢ / ٦٩ ، فيض القدير شرح الجامع الصّغير : ٦ / ٣٧٩ ، هدية العارفين : ١ / ١٥٦.



مقالات في أهل البيت



الحسين ومعنى الإستشهاد

بقلم كمال النّجمي

في طباعة كويتيّة أنيقة ، صدرت هذه المسرحيّة الشّعريّة ذات الفصول الخمسة والمناظر العشرين

طباعتها كويتيّة لأنّ مؤلّفها الشّاعر المصري الشّاب محمّد العفيفي مقيم في الكويت الآن ، يعمل مدرسا أو موظفا بعد أن عمل في الصّحافة المصريّة بضع سنوات.

وقد رحلت معه إلى الكويت شاعريته ، وسوف تعود معه حين يعود ، لأنّها شاعريّة حقّيقيّة أشبه بشاعرية أعرابي قديم مطبوع على قول الشّعر حيثما كان!

والعفيفي يكاد يكون غريبا بين شعراء زماننا ، فإنّ فصاحة بيانه تلحقه بالأقدمين ، ولكن تطور فنّه الشّعري يلحقه بالأحدثين. وقد نجا من عجمة الشّعارير الشّبان أدعياء التّجديد ، ومن جمود الشّعراء الكهول النّائمين على التّراث ، ولكن العوائق في طريقه لم تتح له حتّى الآن بلوغ المرام!

ومسرحيّة الشّعرية الجديدة الّتي طارت إلينا من الكويت ، هي ثالث مسرحياته الشّعرية ، وله أيضا ديوانان من الشّعر الغنائي

عنوان المسرحيّة الجديدة : «هكذا تكلّم الحسين» فهل تقوم هذه


المسرحيّة على كلام الحسين؟! وكيف يمكن أن تقوم مسرحيّة على الكلام لا على الفعل وقد قرّر سادتنا نقاد الدّراما في صحائفهم المهيبة أنّ المسرح فعل لا كلام؟!.

الحقيقة أنّ العفيفي كان يسعه أن يسمي مسرحيته : «هكذا فعل الحسين» لو لا أنّ الحسين حين قال فعل ، فكلامه كان دعوة إلى عمل ، وبداية عمل ، ودفاعا عن عمل وفي النّهاية مشى إلى الحرب ليصبح كلامه حياة وموتا مقاومة واستشهادا!

أراد الشّاعر أن يبين بالفعل أو بالدّراما أنّ الكلمة حين تنبعث مخلصة صادقة ، لا تنطفيء في العواصف بل تتضوأ عملا ونجاحا ، أو تشتعل مقاومة واستشهادا. وإذا فاتها الصّدق والإخلاص ، فما أفدح الكارثة وما أرخص الكلام!

مع ذلك ، فعنوان المسرحيّة ليس كبير الأهميّة ، بل ليس مهما على الإطلاق المهم حقّا هو المسرحيّة ذاتها بفنّها ، وفكرها ، وشعرها ، وصراعها وما تضيفه إلى المسرح الشّعري العربي الّذي ما زال منذ بدأه شوقي قبل أربعين عامّا يخطو بعناء كأنّه يخطو على الأشواك!.

والإمام الحسين بن عليّ ـ بطل المسرحيّة ـ شخصيّة تأريخيّة لا يجهلها أحد. وما زال التّأريخ مهجرا خصبا للشّعر المسرحي في العالم كلّه قديما وحديثا ، لأنّ الشّخصيات التّأريخيّة بطبيعة الحال هالات خاصّة ترفعها فوق الواقع المعاشر ، فإذا نطقت شعرا لم يستشعر جمهور المسرح تكلفا فيما يسمع من هذا الشّعر ولو كان فخما جزلا ، موزونا مقفى

إلّا أنّ التّأريخ وإن كان مهجرا للشّعر المسرحي فإنّه ليس حيلة يهرب بها من


الحياة المعاصرة. وإذا فرغت المسرحيّة الشّعريّة من مضمون قادر على مخاطبة العصر فرغت من الحياة.

ومسرحيّة «هكذا تكلّم الحسين» تعود بنا سياسيّا وفكريّا إلى القرن الأوّل الهجري ، ولكنّها تقف على خشبة عصرنا بمضمون لم يستنفد أغراضه ، فضلا عن أنّها بغير هذا المضمون الإنساني الشّامل قادرة على مخاطبة جمهور ديني خاصّ ، هو جمهور الشّيعة ، ومأساة الحسين جرح في قلب هذا الجمهور لا يندمل!

تدور المسرحيّة حول الصّراع بين الإمام الحسين بن عليّ وبين الخليفة يزيد ابن معاوية الّذي طلب البيعة في بداية خلافته من الحسين وأنصاره في مدينة الرّسول ، فغادرها الحسين متوجّها إلى الكوفة في العراق استجابة لدعوة أهلها ، ولكن جند يزيد حالوا بين الحسين وبين الكوفة ، وحاصروه في كربلاء ومنعوا عنه الماء ، وكان جند يزيد بضعة آلآف ، ولم يكن يصحب الحسين إلّا بضع عشرات من أنصاره وبعض الأطفال ، والنّساء من آل بيته

وقال جند يزيد للحسين : بايع ليزيد ، نرفع عنك الحصار ولا ينلك منّا أذى وتذهب حيث أردت! فلم يبايع ، وصمّم على معارضة يزيد ، لأنّه تولّى الخلافة عنوة وأحالها إلى فراش غرام ومجلس شراب ، وانتهك حدود الدّين ، وظلم العباد ، وأفسد في البلاد

وجادل الحسين قادة جند يزيد مجادلة بليغة طويلة حتّى أوشك بعض الجند أن ينضمّوا إليه مقتنعين بوجهة نظره ، ولكنّ السّيف تكلّم في آخر الأمر ، وعصفت السّهام والنّبال ، فاستشهد الحسين ورجاله القلائل الشّجعان في حرب غير متكافئة كان الرّجل منهم يقاتل فيها مئة أو أكثر من جند الخليفة المغتصب


للخلافة انهزمت كلمات الحسين وانتصرت أسلحة يزيد.

كان الحسين مناضلا بالقول والعمل ، على طريقة المسلمين الأوّلين ، وشتّان بينها وبين طريقة أهل الطّريق والصّوفيّين. ولو كان الحسين متصوفا لقبع في دار أو لجأ إلى «الخانقاه» يتعبد ويأكل من مال السّلطان.

ولكنّ الحسين خرج يتكلّم ويرشد النّاس ويزع المفسدين ويجادلهم. ثمّ مشى إلى الحرب ليصبح كلامه حياة وموتا مقاومة واستشهادا.


السّيّدة زينب(١)

قال عليه الصلاة والسّلام ، «أربعة أنا لهم شفيع يوم القيامة : المكرّم لذرّيتي ، والقاضي حوائجهم ، والسّاعي لهم في امورهم عندما اضطرّوا إليه ، والمحبّ لهم بقلبه ولسانه»(٢) .

والسّيّدة زينب رضي الله عنها من هذه الذرّيّة الطّاهرة الصّالحة المؤمنة ، أمّها فاطمة الزّهراء بنت الرّسول عليه الصّلاة والسّلام ، وأبوها عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه.

ولدت في شعبان من السّنّة الخامسة للهجرة ، فحملتها أمّها وجاءت بها إلى أبيها ، وقالت :

ـ سمّ هذه المولودة.

فقال لها رضى الله عنه :

__________________

(١) انظر ، جريدة الجمهورية المصرية (٣١ / ١٠ / ١٩٧٢ م). (منهقدس‌سره ).

(٢) انظر ، الفردوس بمأثور الخطاب : ١ / ٢٤ الطّبعة الأولى ، مودّة القربى : ١٣ ، كنز العمّال : ١٢ / ١٠٠ ح ٣٤١٨٠ ، و : ٨ / ١٥١ ، و : ٦ / ٢١٧ ، جواهر العقدين : ٢ / ٢٧٤ ، الصّواعق المحرقة : ١٧٥ و ١٧٦ ، الفصول المهمّة في أحوال الأئمّة : ١ / ١٧٦ ، بتحقّيقنا ، ذخائر العقبى : ١٨ ، ينابيع المودّة لذوي القربى : ٢ / ١١٥ ح ٣٢٥ و ٣٨٠ و ٤٦٤ ح ٢٩٧ ، الإشراف على فضل الأشراف لإبراهيم السّمهوديّ : ٢٤٢ بتحقّيقنا ، تسديد القوس في ترتيب مسند الفردوس ، مخطوط ورقة (٣٥) ، مسند زيد بن عليّ : ٤٦٣.


ما كنت لأسبق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكان في سفر له.

ولمّا جاء النّبيّ وسأله عن اسمها قال :

ما كنت لأسبق ربّي.

فهبط جبريل يقرأ على النّبيّ السّلام من الله الجليل وقال له :

اسم هذه المولودة زينب ، فقد اختار الله لها هذا الاسم(١) .

ولقيت زينب من جدّها الأعظم كلّ عطف ومحبّة وحنان وأسبغ الله عليها نور النّبوّة والحكمة ، ودرجت تلك الدّرّة في بيت الرّسالة ، ورضعت لبان الوحي من لدى الزّهراء البتول.

وللسّيّدة زينب في طفولتها مواقف تريح النّفس ، وتطمئن الحسّ ، وتبشر بمستقبل لها عظيم ، فقد حدث إن كانت جالسة في حجر أبيها يلاطفها قائلا :

(قولي : واحد.

فقالت : واحد.

قولي : اثنين فسكتت ، فقال عليّ بن أبي طالب :

ـ تكلّمي يا قرّة عيني.

فقالت الطّاهرة :

يا أبتاه ما اطيق أن أقول اثنين بلسان أجريته بالواحد.

وسألت أباها ذات يوم :

أتحبّنا يا أبتاه؟.

فأجاب رضى الله عنه :

__________________

(١) انظر ، ناسخ التّواريخ : ٢ / ٣٢١. (منهقدس‌سره ).


وكيف لا احبّكم وأنتم ثمرة فؤادي.

فقالت :

يا أبتاه أنّ الحبّ لله تعالى والشّفقة لنا)(١) .

وقدّر للسّيّدة زينب أن تفقد جدّهاصلى‌الله‌عليه‌وآله وهي في الخامسة من العمر ، وفقدت أمّها الزّهراء بعد ذلك بشهور قلائل فحزنت وهي الصّبيّة الصّغيرة عليهما حزنا شديدا ، وواجهت حياة البيت ورعته ، وأدارت شئونه بعقليّة رتيبة واعية وحسّ صادق ، وقلب مؤمن

وعند ما بلغت سنّ الزّواج طلبها شباب هاشم وقريش ، واختار لها والدها عبد الله بن جعفر.

وكتب على السّيّدة زينب الجهاد مع الحسين رضى الله عنه وتتابعت قتلى بني هاشم ، فسقط عبد الله بن عقيل ، وعون بن عبد الله بن جعفر ، ومحمّد ابن عبد الله بن جعفر ، وعبد الرّحمن بن عقيل بن أبي طالب ، وجعفر بن عقيل وغيرهم.

ووجد بالحسين ثلاث وثلاثون طعنة وأربع وثلاثون ضربة غير الرّمية.

وتحرك موكب الأسرى والسّبايا من آل البيت النّبوّي الشّريف ، وما كاد الرّكب يمرّ على ساحة المعركة حتّى صاح النّساء وصاحت زينب :

«يا محمّداه! هذا حسين بالعراء مرمل بالدّماء مقطع الأعضاء؟ يا محمّد بناتك سبايا ، وذّريتك مقتلة فأبكت كلّ عدوّ وصديق(٢) .

__________________

(١) انظر ، ناسخ التّواريخ : ٢ / ٣٢٤. (منهقدس‌سره ).

(٢) انظر ، خطط المقريزي : ٢ / ٢٨٩ ، ترجمة الإمام الحسين لابن عساكر : ٣٣٦ ، تذكرة الخواصّ : ١٥٣ ، مقتل الحسين للخوارزمي : ٢ / ٧٦ الكامل لابن الأثير : ٤ / ٣٦ ، الآثار الباقية للبيروني : ٣٢٩ ، ـ


ودخل الموكب الحزين الكوفة وتجمع أهلها يبكون فقالت لهم زينب :

«أمّا بعد يا أهل الكوفة

أتبكون؟ فلا سكنت العبرة ، ولاهدأت الرّنّة

إنّما مثلكم مثل الّتي نقضت غزلها من بعد قوّة انكاثا ، تتخذون أيمانكم دخلا بينكم ، ألا ساء ما تزرون.

أي والله ، فابكوا كثيرا ، واضحكوا قليلا ، فلقد ذهبتم بعارها وشنارها ، فلن ترحضوها بغسل أبدا

وكيف ترحضون قتل سبط خاتم النّبوّة ، ومعدن الرّسالة ومدار حجتكم ، ومنار محجتكم ، وهو سيّد شباب أهل الجنّة ....؟.

لقد أتيتم بها خرقاء شوهاء.

أتعجبون لو أمطرت دما.؟.

ألا ساء ما سوّلت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم ، وفي العذاب أنتم خالدون.

أتدرون أي كبد فريتم؟ وأي دم سفكتم؟ وأي كريمة أبرزتم؟ لقد جئتم شيئا إدّا ، تكاد السّموات يتفطرن منه وتنشق الأرض ، وتخر الجبال هدّا».

قال من سمعها :

«فلم أر والله خفرة أنطق منها ، كأنّما تنزع عن لسان أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب. فلا والله ما اتّمت حديثها حتّى ضجّ النّاس بالبكاء ، وذهلوا ، وسقط ما في ايديهم من هول تلك المحنة الدّهماء».

__________________

ـ البداية والنّهاية : ٨ / ٢١٠ ، تأريخ الطّبري : ٣ / ٣٣٦ و : ٦ / ٢٦٨ ، ذخائر العقبى : ١٥٠ ، نور الأبصار للشّبلنجي : ٢ / ٢٤٥ ، بتحقّيقنا.


وتكلمت فاطمة بنت الحسين فقالت في كلام لها :

«أمّا بعد ، يا أهل الكوفة ، يا أهل المكر ، والغدر ، والخيلاء ، فإنّا أهل بيت ابتلانا الله بكم ، وابتلاكم بنا فكذبتمونا وكفّرتمونا ، ورأيتم قتالنا حلالا ، وأموالنا نهبا.

ويّلكم ، أتدرون أي يد طاعنتنا منكم ، وأيّة نفس نزعت إلى قتالنا ، أم بأيّة رجل مشيتم إلينا تبغون محاربتنا قست قلوبكم ، وختم على سمعكم وبصركم وسوّل لكم الشّيطان وأملى لكم ، وجعل على بصركم غشاوة فأنتم لا تهتدون.

«تبّا لكم يا أهل الكوفة ، أي ترات لرسول الله قبلكم؟ وذحول له لديكم؟ بما غدرتم بأخيه عليّ بن أبي طالب ، وعترته الطّيبين الأخيار»(١) .

ومرّت الأيّام ، ثمّ أمر يزيد النّعمان بن بشير أن يجهزها ومن معها بما يصلحهم في رحلتهم إلى المدينة المنورة.

وذهبت السّيّدة زينب إلى المدينة ، وكان وجودها فيها كافيا لأنّ تلهب المشاعر ، وتؤلّب النّاس على الطغاة ، فأخرجت من المدينة بعد أن اختارت مصر دارا لإقامتها.

وقد شرّفت مصر بقدومها رضي الله عنها عند بزوغ هلال شعبان سنة إحدى وستين هجريّة.

وتقدّم لها مسلمة بن مخلّد الأنصاري وإلي مصر ، وعزّاها في خشوع وخضوع ، وبكى فبكت ، وبكى الحاضرون.

محمود يوسف

__________________

(١) انظر ، مناقب آل أبي طالب : ٣ / ٢٦١ ، بلاغات النّساء : ٤ ، اللهوف في قتلى الطّفوف : ٨٧.



ثأر الله

بقلم : أمير اسكندر

منذ ثلاثة عشر قرنا ، خرج الحسين من أرض الحجاز متوجّها صوب العراق ، ملبيّا نداء أهلها ، كي يعلي كلمة الله الحقيقية ، كلمة الحقّ ، والعدل ، والحرّيّة. وكان خروجه حينذاك ، نذيرا بالنّهاية لكلّ قوى الشّر ، والبغي ، والظّلمة ، فتربصت به ، وتحفّزت له كي تخنق شعاع الضّوء الوليد ، وتحاصر كلمة الحقّ في الصّحراء تموت من الظّمأ قبل أن تبلغ أهلها

رحلة عذاب طويلة ومجيدة ، ما كان يقوى عليها سوى أصحاب الرّسالات وحدهم ناضل فيها الحسين بالكلمة والسّيف معا ، رفض السّلام الخانع وارتفع فوق السّلامة الشّخصيّة الذّليلة ، وظل حتّى آخر نبضة في جسده قوي الرّوح ، صامد الإرادة ، مرفوع الرّأس دائما ، حتّى تمكّنت منه قوى الظّلام والطّغيان فقتلته وفصلت رأسه عن جسده ، وحسبت أنّها بجريمتها قد اطمأنّت ، وأنّ الأرض من تحت أقدامها قد استقرّت. ولكنّها أدركت بعد فوات الأوان أنّها لم تستطع أن تبلغ من أمرها شيئا ، فلا السّلطان دام ولا دعوة الحقّ زالت. قتل الحسين ، ولكن كلمته غدت رسالة. قطع رأسه ولكنّه بات رمزا للشّهادة. تضرّج دمه ولكنّه أمسى في عصره ، وفي كلّ العصور ، نداء يصرخ في المؤمنين


والمناضلين من البسطاء والفقراء أن افتحوا دائما عيونكم ، وحدّقوا في كلّ قوى الشّر الّتي تحيطكم ، واقمعوا كلّ عوامل الضّعف والتّردد والخنوع في أعماقكم واثأروا لكلمة الله الحقيقة كلمة الحقّ ، والعدل ، والحرّيّة.

أيمكن أن نعثر في تراثنا على قصّة أروع من قصّة خروج الحسين واستشهاده لنستلهم منها العبرة ، والمثل ، والقدرة على الفداء؟ هل يمكن للفنّان الّذي يعيش بفكره ووجدانه هذه القصّة أن يقاوم في نفسه الرّغبة العميقة والمخلصة في تجسيد أحداثها بوسيلته الخاصّة أيّا كانت شعرا أو لونا أو نغما أو حركة ، أو هذه كلّها معا؟ وكيف يمكننا أن نظل ليل نهار نتحدّث عن التّراث العريق الّذي نملكه ، دون أن تتقدّم خطوة نحو بعث هذا التّراث ، واستخلاص أغلى ما فيه ، وأعزّ ما فيه وأبقى ما فيه ، ونشره وإشاعته بكلّ الوسائل بين النّاس

هكذا صنع شاعر كبير هو عبد الرّحمن الشّرقاوي. وهكذا صنع مخرج مسرحي كبير هو كرم مطاوع ؛ لقد كتب الشّر قاوي مأساة الحسين أو ملحمته ، في مسرحيّة شعريّة هي بالتّأكيد آخر نقطة بلغها في رحلته الفكريّة والفنيّة ، وهي أيضا آخر نقطة بلغها تطور المسرح الشّعري في بلادنا حتّى الآن. وتناولها كرم مطاوع من بعده ، فركّز فصولها ، وكثّف مشاهدها حتّى يمكّنه تجسيدها على خشبة المسرح ، لأنّها في أصلها تزيد عن أربعمئة صفحة واستغرق الإعداد والإخراج شهورا عدّة. كانت الأنباء تنشر في الصّحف خلالها ، عن قرب تقدّيمها للجمهور ، على خشبة المسرح القومي.

وأنا لا أكتب في هذا السّطور نقدا للنّص المسرحي المنشور في كتاب أو للعرض المسرحي الّذي أتيح لي أن أشهد «بروفته» النّهائية ولكنّني ـ للأسف ـ


أريد أن أشير إلى رحلة هذه المسرحيّة الطّويلة خلف كواليس المسرح ، وهي رحلة حافلة بأشد ألوان العذاب للفكر والضّمير ، حتّى يتاح لها أن تخرج للنّاس. ويبدو أنّ مأساة الحسين الّتي وقعت في العراق منذ أكثر من ثلاثة عشر قرنا(١) تتكرّر هنا مرّة أخرى رغم اختلاف الظّروف وبعد القرون. فمسرحيّة الحسين تتعرّض الآن مثلما تعرّض الحسين نفسه في الماضي للتّنكر والإنكار! وهي توشك أن تلقى مصيره الدّامي ، مختنقة وسط حصاد قوى غريبة تسلك سلوكا غير مبرّر وغير مفهوم

* * *

وحتّى يكون القاريء على بينة من القصّة كلّها ، أضع أمامه هذه الوقائع الّتي ترسم صورة تسجيليّة لكلّ ما حدث حتّى الآن

في (٨ يوليو عام ١٩٧٠ م) طلب مؤلّف المسرحيّة عبد الرّحمن الشّرقاوي من الجهات المعنيّة في الأزهر الشّريف فحص المسرحيّة وإبداء الرّأي فيها ، حتّى يتسنى البدء في إخراجها للمسرح القومي

رأى الأزهر تقليد متّبع في الأعمال الّتي تتناول موضوعات أو شخصيّات لها مسحة دينيّة.

في (٤ أغسطس عام ١٩٧٠ م) جاءت موافقة الأزهر الشّريف على نصّ المسرحيّة مع بعض التّحفظات الّتي تتحدد في أن يؤدي الممثّل الّذي يقوم بدور الحسين دوره متّخذا شخصيّة الرّاوية عن الحسين لا شخصية الحسين نفسه ، أي أن يبدأ كلماته قائلا «قال الحسين ...» وأن تؤدي الممثّلة الّتي تقوم بدور

__________________

(١) نحن الآن في القرن الرّابع عشر الهجري. المحقق.


السّيّدة زينب دورها متّخذة هي أيضا شخصية الرّاوية عن السّيّدة زينب ، لا شخصية السّيّدة زينب نفسها ، أي أن تبدأ كلماتها قائلة «قالت زينب ...» وهكذا على طول الرّواية ، وذلك كلّه حتّى يمكن تخطي عقبة التّقليد السّائر بعدم ظهور الشّخصيّات الدّينيّة على المسرح أو على شاشة السّينما والتّليفزيون. وبالفعل وافق المؤلّف والمخرج على هذه التّحفظات واقتضى ذلك خروج «عبد الله غيث وأمينة رزق» في بداية العرض إلى مقدّمة الخشبة ليقولا لجمهور المشاهدين أنّهما لا «يمثلان» الشّخصيتين الكريمتين : الحسين والسّيّدة زينب وإنّما يرويان عنهما فقط.

في (١٢ نوفمبر عام ١٩٧١ م) وافقت الرّقابة على المصنّفات الفنّية. على النّص المسرحي المقدم لها بناء على موافقة الجهات المعنيّة في الأزهر الشّريف على عرض المسرحيّة في أغسطس عام (١٩٧٠ م) ، وأصبح الأمر واضحا بعد هذا كلّه ؛ أنّ الضّوء الأخضر مفتوح إمام عرض المسرحيّة من كلّ الجهات الّتي يعنيها الأمر ، وخاصّة جهات الأزهر ، بل أنّ الدّكتور أحمد إبراهيم مهنا مدير إدارة البحوث والنّشر بمجمع البحوث الإسلاميّة أرسل إلى المؤلّف خطابا في (٢١ أكتوبر عام ١٩٧١ م) يقول له فيه : «أرجو أن تلتزموا بما اتّفق عليه بشأن مسرحيّتكم ـ يقصد عدم ظهور الحسين وزينب إلّا كراويتين ـ وفقكم الله».

بعد ذلك ، عقد إجتماع ضمّ ثمانية أشخاص هم : الدّكتور مهنا ، والشّيخ عبد المهيمن ، والأستاذ عبد الحميد جودّة السّحار رئيس هيئة المسرح والسّينما ، وسيّد بدير مدير عام الهيئة ، وحمدي غيث مستشار قطّاع المسرح ، وكرم مطاوع مخرج المسرحيّة ، وعبد الرّحمن الشّرقاوي مؤلّفها ، وسعد أردش الّذي كان


يشرف وقتها على المسرح القومي. واتّفق في هذا الإجتماع على الإلتزام بالتّحفظات الّتي أبداها الأزهر ؛ كما اتّفق على ضم جزئي المسرحيّة «الحسين تائرا والحسين شهيدا» وتقديمهما معا بعد التّركيز والتّكثيف في عرض واحد.

وبدأت بعدها بروفات المسرحيّة وأخذت الصّحف تنشر أنباء تتابع العمل في نموه واكتماله. ثمّ ظهرت في الصّحف والمجلّات ، وعلى جوانب الطّرقات ، الإعلانات الّتي تقول أنّ «ثأر الله» سوف تعرض على خشبة المسرح القومي هذا الأسبوع.

ولكن كانت هناك مفاجأة تنتظر الجميع. قيل : نحن لم نبد رأيا بعد في المسرحيّة! أيّة مسرحيّة؟ قيل أنّ ضم جزئي المسرحيّة وتركيزها في عرض واحد يحتاج إلى إعادة نظر ؛ ما الّذي يمكن أن يتغيّر في المسرحيّة لو عرضت في ساعة أو في سبع ساعات من وجهة نظر بعض الجهات في الأزهر الشّريف ...؟ أنّ تحفظاتها ملتزم بها سواء استغرق العرض ساعة أو عشر ساعات. أنّ مسألة الإقتصاد في الوقت والتّركيز في الفصول والتّكيّيف في المشاهد ، لأنّهم ـ بعد ذلك ـ سوى العاملين في المسرحيّة وجمهورها ونقّادها. أليس كذلك أيمكن أن تكون هذه قضية خلافية بحقّ؟ ومع ذلك فلقد أرسل لهم النّص المعد للعرض في (٩ ديسمبر عام ١٩٧١ م) أي منذ أكثر من شهرين ، وحتّى الآن لم يأت الرّد! رغم أنّ النّص الأصلي للمسرحيّة الّذي أرسل في عام (١٩٧١ م) لم تستغرق إلّا أقل من شهر واحد!.

ما ذا حدث إذن؟ ما ذا يجري خلف الكواليس؟ وأي جديد طرأ اليوم حتّى يحتاج الأمر لإعادة نظر ، وإعادة تقييم ، ومراجعة للموافقات السّابقة؟ وما الموقف الآن ، بعد أن ظهرت الإعلانات في الصّحف والمجلّات والطّرقات ،


واكتمل جهد فكري وفنّي كبير ، وانفق مال حلال من خزينة الدّولة.

لست أريد اليوم أن أتساءل عن الأساس الّذي يستند إليه أولئك الّذين يطالبون اليوم بإعادة النّظر ، أريد أن أسأل فحسب عن معنى الحرمان من عمل كبير هو بالتأكيد من أفضل الأعمال الّتي اتيح لمسرحنا أن يقدّمها ، ومن أكثره قيمة ، ومن أشدّها إستجابة للضّرورات الفكريّة ، والوطنيّة ، والرّوحيّة الّتي نواجهها الآن ؛ من الّذي يكسب من هذا الحرمان بحقّ؟ ومن الّذي يخسر في النّهاية؟ وباسم أيّة قيمة فكريّة ، أو دينيّة تحول جهة ما بين الجمهور وبين هذا العمل الّذي قال عنه بعض رجال الأزهر الشّريف أنفسهم مثل الأستاذ عبد الكريم الخطيب ، والشّيخ عبد الرّحيم فودة : أنّه خدمة كبيرة للقيم الإسلاميّة ، ويجب أن يعرض؟.

* * *

أنّ حرّيّة الفكر الّتي نصّ عليها الدّستور ، ليست مجرد عبارة مجردة ، ولكنّها ينبغي أن تكون فعلا وممارسة. وعلينا جميعا أن نحرص عليها ، وأن نناضل من أجلها ، فهي في النّهاية حجر الزّاوية في أي بناء إجتماعي ، وسياسي ، وثقافي متحضّر.

ونحن نناشدكم أيّها السّادة أن ترفعوا أيديكم عن هذا العمل الّذي يدافع عن أغلى وأعز ، وأبقى ما في تراثنا الماضي ، وحياتنا الرّاهنة أنّ الحسين العظيم لم يكن مجرّد شخصيّة دينيّة فقط ؛ ولكنّه كان أيضا رمزا إنسانيا نبيلا ينحني له المسلمون وغير المسلمين ، ويجسّد لهم كلّ معاني التّضحية الشّريفه في سبيل أسمى ما يدافع عنه الإنسان من قيم.

وهل هناك أسمى من قيم الحقّ ، والعدل ، والحرّيّة؟.

أليست هذه بحقّ ، كلمة الله الحقيقيّة؟


يسأل ابنته في العيد

من أين لك هذا؟(١)

تحدّث التّأريخ عن بطولات عليّ بن أبي طالب ، وشجاعته ، وفدائيته ، وتضحياته ، كما تحدّث عن زهده ، وعلمه ، وبلاغته ، وتلك صفحة مشرقة من حياته يرويها التّأريخ عنه ، ونستشف منها عدله ، ويقظته ، وشدّته في الحفاظ على أموال الدّولة ، وتطبيق قانون «من أين لك هذا»؟.

فقد حدّث عليّ بن أبي رافع قائلا(٢) : كنت على بيت المال أيّام ولاية عليّ بن

__________________

(١) انظر ، جريدة الأخبار المصريّة : (٢ / ١ / ١٩٦٨ م). (منهقدس‌سره ).

(٢) أبو رافع : هو مولى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، اختلف في اسمه ، فقيل : اسمه إبراهيم ، وقيل : أسلم ، وقيل : ثابت ، وقيل : هرمز ، وصالح.

يعدّ في الطّبقة الأولى من الشّيعة ، كان قبطيّا عند العبّاس بن عبد المطّلب ، فوهبه لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلمّا بشّرصلى‌الله‌عليه‌وآله بإسلام العبّاس أعتقه.

هاجر من مكّة إلى المدينة ، وشارك مع المسلمين في غزوات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

لزم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، وشهد معه حروبه ، وبعد استشهاد الإمام عليه‌السلام رجع إلى المدينة مع الإمام الحسن عليه‌السلام ، حيث أعطاه قسما من بيت عليّ عليه‌السلام ، لأنّه باع داره عند خروجه مع الإمام عليّ عليه‌السلام إلى الكوفة.

انظر ، ترجمته في : طبقات ابن سعد : ٤ / ٧٣ ق ٤ ، اسد الغابة : ١ / ٥٢ ، تهذيب التّهذيب : ٤ / ٢١٢ ح ٢ ، و : ١٢ / ١٠٠ ، الإصابة : ١١ / ١٢٨ ، رجال النّجاشي : ٤ / ١ ، الكنى والألقاب : ١ / ١٧٤ ، تنقيح المقال : ٣ / ١٦ (باب الكنى) ، وتأسيس الشّيعة : ٣١٩ و ٣٤١ ، أعيان الشّيعة :


أبي طالب رضى الله عنه ، وكان في بيت المال عقد ، فأرسلت إليّ بنت عليّ بن أبي طالب تقول : بلغني أنّ في بيت المال عقد لؤلؤ ، واحبّ أن أستعيره لأتجمّل به في يوم عيد الأضحى ، فأرسلت إليها قائلا : العقد عارية مضمونة مردودة بعد ثلاثة أيّام ، فقبلت ، وردّت تقول : نعم ، العقد عارية مضمونة مردودة بعد ثلاثة أيّام ؛ فدفعتها إليها.

فلمّا رآه أمير المؤمنين في جيدها قال لها : من أين جاء إليك هذا العقد؟.

فقالت : استعرته من ابن أبي رافع لأتزيّن به يوم العيد ثمّ أردّه.

فبعث أمير المؤمنين إلى ابن أبي رافع وابتدره بقوله : يا ابن أبي رافع ، أتخون المسلمين؟.

قال : معاذ الله يا أمير المؤمنين أن أخون المسلمين.

فقال : قد أعرت العقد الّذي في بيت المال بغير إذني ورضاي.

قال : يا أمير المؤمنين أنّها ابنتك.

فقال عليّ رضى الله عنه : ردّه من يومك ، وإيّاك أن تعود إلى مثل هذا ، فتلك عقوبتي ، وويل لابنتي(١) .

عليّ عمران

__________________

ـ ٢ / ٣٥٠ ، سير أعلام النّبلاء : ٢ / ١٦ / ٣ ، الجرح والتّعديل : ٢ / ١٤٩ ، تأريخ ابن معين : ٧٠٤.

والرّاوي لهذه القصّة هو عليّ بن أبي رافع ، والّذي عدّه الشّيخ من أصحاب أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وكان كاتبا له ، ومن خواصّ أصحابه ، وله كتاب في قضايا أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وكتاب في من شهد مع أمير المؤمنين عليه‌السلام ، الجمل ، وصفّين ، والنّهروان من الصّحابة.

انظر ، رجال النّجاشي : ٣ ، رجال البرقي : ٤ ، رجال الطّوسي : ٤٧ ، اسد الغابة : ٢ / ١٥٥ ، الإصابة : ١ / ٤٨٥.

(١) انظر ، تهذيب الأحكام : ١٠ / ١٥١ ، وسائل الشّيعة : ٢٨ / ٢٩٢ ح ١ ، مناقب آل أبي طالب : ١ / ٣٧٥ ، حلية الأبرار : ٢ / ٢٨٦ ، بحار الأنوار : ٤٠ / ٣٣٨ ح ٢٢.


أهل البيت

بقلم : محسن محمّد

تلاشى الزّمن اختفت القرون الّتي تفصل بيني وبينهم وأحسست كأنّي أقف أمامهم في بيت النّبوّة.

هؤلاء هم «أهل البيت» فاطمة الزّهراء ـ ابنة النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وزوّجها عليّ ـ ابن عمّ الرّسول ـ وأولادهما الحسن والحسين وأحفادهما(١) .

ولقد زرت مكّة والمدينة ، ووقفت بكربلاء وعبرت الطّريق إلى النّجف والكوفة وتمثّلت لي في كلّ لحظة مواقفهم بطولاتهم استشهادهم.

ولقد سرح بي الفكر فيما رأيت من بقايا آثارهم وأنا أقرأ آخر وأحدث ما كتب عنهم قد جمعهم المؤلّف في كتاب واحد وروى قصصّ حياتهم وآراءهم وحكاياتهم ومواقفهما البطوليّة والإنسانيّة معا ووصاياهم لأهلهم وللنّاس ، ولا يوجد سطر في هذا الكتاب الجديد ـ أكثر من (٦٠٠) صحفة ، إلّا وقد عزّزه الكاتب الباحث المحقّق بدليل تأريخي يؤيد وجهة نظره وبمرجع عربي أو أجنبي وبوقائع ثابتة ومحدّدة وينتهي الكاتب إلى

__________________

(١) تقدّمت تخريجاته.


النّتيجة الّتي ينتهي إليها وتحس في نهاية المطاف بأنّه لا توجد نهاية أخرى أو نتيجة أخرى غير تلك الّتي وصل إليها الكاتب توفيق أبو علم وكيل وزارة العدل ورئيس مجلس إدارة مسجد السّيّدة نفسية وهي واحدة من أهل البيت.

فالكتاب خلاصة حبّ طويل وشفافيّة استغرقت العمر كلّه وكلّ صفحة من الكتاب تجعلك تشعر بأنّ الكاتب يريد أن ينقل إليك الحبّ الكبير الّذي عاشه ، ووهبه لأهل البيت.

أصغر البنات

هذه هي السّيّدة فاطمة الزّهراء أصغر بنات الرّسول وأحبّهنّ إليه.

أمّها السّيّدة خديجة الّتي جاءها النّبيّ من غار حرّاء بعد نزول الوحي خائفا متردّدا غريب النّظرات فإذا بها تردّ إليه السّكينة ، والأمن ، وتسبغ عليه ودّ الحبيبة ، وإخلاص الزّوجة ، وحنان الأمّهات.

تعلّمت من أمّها أعظم الدّروس فكانت ـ فاطمة ـ تضمّد جراح أبيها ـ النّبيّ ـ في غزوة احد وتقوم وحدها بعمل البيت لا يعينها أحد ، عاشت على الكفاف لا تكذب ولا تشكو ، وكانت تردّد دائما قول أبيها : «طوبى لمن هدي للإسلام وكان عيشه كفافا قنع به»(١) . تركت الإعتراض والسّخط. وأعرضت عن طيبات الدّنيا ، واستوى عندها الفقر ، والغنى ، والرّاحة ، والعناء ، والصّحة ، والمرض ،

__________________

(١) انظر ، تفسير ابن كثير : ٢ / ٥٨٦ و : ٤ / ٥٥ ، المستدرك على الصّحيحين : ١ / ٩٠ ح ٩٨ و : ٤ / ١٣٦ ح ٧١٤٤ ، سنن التّرمذي : ٤ / ٥٧٦ ح ٢٣٤٩ ، مسند أحمد : ٦ / ١٩ ح ٢٣٩٨٩ ، المعجم الكبير : ١٨ / ٣٠٥ ح ٧٨٦ و ٧٨٧ ، كشف الخفاء : ١ / ١٧٨ ح ٤٧٣ و : ٢ / ٦٢ ح ١٦٨١.


والفناء ، والبقاء ، والموت ، والحياة.

صنع لها النّبيّ زيّا جديدا لليلة عرسها وزفافها وكان لها زي قديم ، فإذا بسائلة في الباب تطلب زيّا قديما فقدّمت لها القديم ، ثمّ تذكرت قول الله :( لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) (١) فدفعت إليها بالجديد.

روت عن النّبيّ كثيرا من الأحاديث ، وسمعته وهو يقول : «أنّ في الجمعة لساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل اللهعزوجل فيها خيرا إلّا أعطاه»(٢) .

ولكن فيها ملامح النّساء جميعا

بلغ العتاب يوما بين فاطمة وزوّجها عليّ ما يبلغه من خصومة بين الزّوجين ، عند ما علمت أن عليّا يزمع الزّواج على مألوف عادة قومة في الجمع بين زوّجتين وأكثر ويفعل ما أباح له الإسلام من تعدد الزّوجات قصدت أباها النّبيّ تروي القصّة قائلة : إنّ قومك يتحدثون أنّك لا تغضب لبناتك ، وهذا عليّ ناكح ابنة أبي جهل؟.

قال المسور : فقام النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فسمعته حين تشهد ، ثمّ قال : «أمّا بعد ، فإنّي أنكحت أبا العاص ابن الرّبيع فحدّثني فصدّقني ، وإنّ فاطمة بضعة منّي ، وإنّما أكره أن تفتنوها ، وإنّه والله لا تجتمع بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وبنت عدوّ الله عند رجل واحد أبدا». قال : فترك عليّ الخطبة»)(٣) .

__________________

(١) آل عمران : ٩٢.

(٢) انظر ، مسند أحمد : ٢ / ٢٣٠ ح ٧١٥١ و : ٢ / ٤٥٧ ح ٩٨٩٣ و ١٠٠٧٠ و ١٠٤٦٤ ، صحيح مسلم : ٢ / ٥٨٤ ح ٨٦٢ ، السّنن الكبرى : ٦ / ١٣٢ ح ١٠٣٠٧ و ١٩٣٠٨ ، مجمع الزّوائد : ٢ / ١٦٦ و : ٥ / ٩٢ ، سنن البيهقي الكبرى : ٩ / ٣ ح ١٧٤٨ ، المصنّف لابن أبي شيبة : ١ / ٤٧٧ ح ٥٥١٠.

(٣) انظر ، صحيح البخاري : ٤ / ١٩٠٣ ح ٢٤٤٩ ، صحيح مسلم : ٣ / ١٣٦٤ ح ٣٥٢٣ ، صحيح ابن


ويعدل عليّ عن هذا الزّواج الجديد. وتموت فاطمة في سنّ الثّامنة والعشرين(١) وقبل أن تموت توصي زوّجها بالزّواج من بنت أختها(٢) ، وأن تدفن ليلا(٣) .

__________________

ـ حبّان : ١٥ / ٤٠٨ ح ٦٩٥٧ و ٧٠٦٠ ، مسند أبي عوانه : ٣ / ٧١ ح ٤٢٣٥ ، سنن البيهقي الكبرى : ٧ / ٣٠٨ ح ١٤٥٧٧ ، سنن ابن ماجه : ١ / ٦٤٤ ح ١٩٩٩ ، المصنّف لعبد الرّزاق الصّنعاني : ٧ / ٣٠١ ح ١٣٢٦٧ ـ ١٣٢٦٩ ، معتصر المختصر : ١ / ٣٠٧ ، مسند أحمد : ٤ / ٣٢٦ ح ١٨٩٣١ و ١٨٣٢ ، مسند أبي يعلى : ١٣ / ١٣٤ ح ٧١٨١ ، المعجم الكبير : ٢٠ / ١٨ ح ١٨ و ٢١ ، البيان والتّعريف : ١ / ٢٧٠ ، فتح الباري : ٩ / ٣٢٨ ، سير أعلام النّبلاء : ٢ / ١٣٣ ، فضائل الصّحابة لأحمد بن حنبل : ٢ / ٧٥٦ ح ١٣٢٩ ـ ١٣٣٤ ، الذّرّيّة الطّاهرة : ١ / ٤٧ ح ٥٥.

(١) اختلف في وفاة الصّدّيقة على أقوال. انظر ، المناقب للخوارزمي : ١ / ٨٣ ، الإصابة : ٤ / ٣٨٠ ، مقاتل الطّالبيين : ٣١ ، الطّبقات الكبرى : ٨ / ١٨ ، الملل والنّحل : ١ / ٥٧ ، لسان الميزان : ١ / ٢٩٣ ، فرائد السّمطين : ٢ / ٣٦ ، شرح النّهج لابن أبي الحديد : ١٤ / ١٩٣ ، إثبات الوصية للمسعودي : ٢٣ ، الذّريّة الطّاهرة : ٢١٦ ، مروج الذّهب : ١ / ٤٠٣ ، المعارف : ١٤٢.

(٢) أمامة بنت أبي العاص بنت زينب بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله تزوّجها بعد موت خالتها فاطمة البتول.

انظر ، البداية والنّهاية : ٦ / ٣٩٠ ، الطّبقات الكبرى : ٨ / ٢٣٣ ، الإصابة : ٧ / ٢٠٩ ، جواهر المطالب في مناقب الإمام عليّ : ٢ / ١٢٢ ، النّعيم المقيم لعترة النّبأ العظيم ، الشّيخ العلّامة شرف الدّين أبي محمّد عمر بن شجاع الدّين العارف المتوفّى سنة (٦٤٦ ه‍) : ٢٢٩ ، بتحقيقنا ، تأريخ الطّبري : ٤ / ١١٨ ، الهداية الكبرى : ٤٠٧ ، أنساب الأشراف : ٢ / ١٨٩ المعارف : ٢١٠ ، ميزان الإعتدال : ١ / ١٣٩ ، الكامل في التّأريخ : ٣ / ٣٩٧ ، الإصابة : ٣ / ٤٧١ ، لسان الميزان : ١ / ٢٦٨ ، دلائل الإمامة : ١٣٤ ، تأريخ اليعقوبي : ٢ / ٢١٣ ، تذكرة الخواصّ : ٥٧.

(٣) انظر ، صحيح البخاري : ٢ / ٣٩ ، و : ٥ / ١٧٧ ، صحيح مسلم : ٢ / ٧٢ ، شرح النّهج لابن أبي الحديد : ٦ / ٤٩ و ٥٠ ، و : ١٦ / ٢١٤ و ٢١٨ ، اسد الغابة : ٥ / ٥٢٤ ، الإستيعاب : ٢ / ٧٥١ ، مسند أحمد : ٦ / ٤٦١ ، الإصابة : ٤ / ٤٧٨ ، تأريخ الطّبري ٤ / ٤٧٤ ، المناقب للخوارزمي : ١ / ٨٤ ، مستدرك الحاكم : ٣ / ١٦٣ ، روائع الحكم في أشعار الإمام عليّعليه‌السلام الدّيوان : ٩٢ ، فرائد السّمطين : ٢ / ٨٨ ، مروج الذّهب : ٢ / ٢٩٨.


ولمّا علم المسلمون بوفاتها وجدوا أربعين قبرا بناه عليّ حتّى لا يعرف قبرها أحد وهي الّتي لم يترك النّبيّ غيرها من الأولاد(١) .

ولقد تركت وصايا كثيرة تركتها لابنها الحسن دعاء يردّده : «الحمد لله الّذي لا ينسى من ذكره ، ولا يخيب من دعاه ، ولا يقطع رجاء من رجاه»(٢) .

الإمام عليّعليه‌السلام

وهذا عليّ بن أبي طالب قال عنه النّبيّ : «لقد كفاني أمري وهو ابن (١٢) سنة ، وضرب بين يدي بالسّيف وهو ابن (١٦) سنة. وقتل الأبطال وهو ابن (١٩) سنة. وفرّج همومي وهو ابن (٢٠) سنة ، ورفع باب خيبر وهو ابن (نيف وعشرين) سنة ، وكان لا يرفعه (٥٠) رجلا»(٣) .

اختلف عليّ عن الخلفاء بلقب الإمام. لم يبدأ أحدا يوما بقتال. ودخل عليه أحدهم يوما فوجد بين يديه لبنا حامضا وكسرة يابسة ، فقال الرّجل :

ـ لقد آذتني حموضة اللّبن يا أمير المؤمنين. أتأكل هذا.

فقال عليّ :

__________________

(١) انظر ، تأريخ الطّبريّ : ٢ / ٤٤٨ ، البخاريّ : ٣ / ٣٨ ، صحيح مسلم : ١ / ٧٢ و : ٥ / ١٥٣ ، ابن كثير : ٥ / ٢٨٥ ، ابن عبد ربّه : ٣ / ٦٤ ، ابن الأثير : ٢ / ١٢٦ ، كفاية الطّالب : ٢٢٥ ، المسعوديّ : ٢ / ٤١٤ ، التّنبيه والأشراف : ٢٥٠ ، الصّواعق المحرقة : ١ / ١٢ ، الإمامة والسّياسة : ١ / ١٤ ، والسّنن الكبرى : ٦ / ٣٠٠. كلّ هذه المصادر تتحدث بأنّه ـ أبو بكر ـ ، لم يصلّ عليها ، بل دفنت سرّا.

(٢) انظر ، مشارق الأنوار في آل البيت الأخيار ، لعبد الرّحمن بن حسن بن عمر الأجهوري المصري الأزهري المالكي (المتوفّى ١١٩٨ ه‍) : ٢٦٦ ، تأريخ مدينة دمشق ، ترجمة الإمام الحسنعليه‌السلام : ١٠.

(٣) انظر ، الأمالي للشّيخ الصّدوق : ٤٨٣ ، روضة الواعظين : ١٢٠ ، بحار الأنوار : ٤٠ / ٦ ، أمالي الشيخ الطوسي : ٤٣٩ ح ٤٠ ، دلائل الإمامة : ٧٠.


ـ كان رسول الله يأكل أيبس من هذا وأخشن من هذا(١)

ومنذ اليوم الأوّل لخلافة عليّ هزل الولاة الّذين استباحوا الغنائم المحظورة وتمرغوا بالدّنيا وطمعوا وأطمعوا رعاياهم في بيت مال المسلمين وجنّب الصّحابة الطّامحين إلى الإمارة فتنة الولايات خوفا عليهم من غوايتها.

ويترك لولده الحسن وصيّتة :

(أوصيكما بتقوى الله ، وألّا تبغيا الدّنيا ، وإن بغتكما ولا تأسفا على شيء منها ، زوي عنكما وقولا بالحقّ ، واعملا للأجر ، وكونا للظّالم خصما ، وللمظلوم عونا.

أوصيكما ، وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي ، بتقوى الله ، ونظم أمركم ، وصلاح ذات بينكم ، فإنّي سمعت جدّكما ـصلى‌الله‌عليه‌وآله ـ يقول : «صلاح ذات البين أفضل من عامّة الصّلاة والصّيام».

الله الله في الأيتام ، فلا تغبّوا أفواههم ، ولا يضيعوا بحضرتكم.

والله الله في جيرانكم ، فإنّهم وصيّة نبيّكم. ما زال يوصي بهم ، حتّى ظننّا أنّه سيورّثهم.

والله الله في القرآن ، لا يسبقكم بالعمل به غيركم.

والله الله في الصّلاة ، فإنّها عمود دينكم.

والله الله في بيت ربّكم ، لا تخلّوه ما بقيتم ، فإنّه إن ترك لم تناظروا.

والله الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم في سبيل الله.

وعليكم بالتّواصل والتّباذل ، وإيّاكم والتّدابر والتّقاطع. لا تتركوا الأمر بالمعروف

__________________

(١) انظر ، الغارات : ١ / ٨٥ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ٢ / ٢٠١ ، مكارم الأخلاق : ١٥٨.


والنّهي عن المنكر فيولّى عليكم شراركم ، ثمّ تدعون فلا يستجاب لكم.

ثمّ قال : يا بني عبد المطّلب ، لا ألفينّكم تخوضون دماء المسلمين خوضا ، تقولون : «قتل أمير المؤمنين». ألا لا تقتلنّ بي إلّا قاتلي.

انظروا إذا أنا متّ من ضربته هذه ، فاضربوه ضربة بضربة ، ولا تمثّلوا بالرّجل ، فإنّي سمعت رسول الله ـصلى‌الله‌عليه‌وآله ـ يقول : «إيّاكم والمثلة ولو بالكلب العقور»(١) .

وأوصى الإمام الحسن : «إنّي اوصيك يا حسن(٢) وكفى بك وصيّا بما أوصاني به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فإذا كان ذلك يا بنيّ فالزم بيتك وابك على خطيئتك ، ولا تكن الدّنيا أكبر همّك ، واوصيك يا بنيّ بالصّلاة عند وقتها ، والزّكاة في أهلها عند محلّها ، والصّمت عند الشّبهة ، والإقتصاد ، والعدل في الرّضا والغضب ، وحسن الجوار ، وإكرام الضّيف ، ورحمة المجهود ، وأصحاب البلاء ، وصلة الرّحم ، وحبّ المساكين ومجالستهم ، والتّواضع فإنّه أفضل العبادات ، وقصر الأمل ، وذكر الموت ، والزّهد في الدّنيا فإنّك رهن موت وغرض بلاء وطريح سقم.

وأوصيك بخشية الله تعالى في سرّ أمرك وعلانيتك ، وأنهاك عن التّسرّع بالقول والفعل ، وإذا عرض شيء من أمر الآخرة فابدأ به ، وإذا عرض شيء من أمر الدّنيا

__________________

(١) انظر ، نهج البلاغة : الرّسالة (٤٧) ، والحديث في مجمع الزّوائد : ٦ / ٢٤٩ و : ٩ / ١٤٢ ، المعجم الكبير: ١ / ١٠٠ و : ١٢ / ٤٠٣ ح ١٣٤٨٥ و : ١٨ / ١٥٧ ح ٣٤٣ و ٣٤٥ ، البداية في تخريج أحاديث الدّراية : ٢ / ٣٨ ح ٤٩٨ ، نصب الرّاية : ٣ / ٢٢٤ ، السّير الكبير للشّيباني : ١ / ١١٠ و : ٣ / ١٠٢٩ ، تنزيه الأنبياء : ٢١٨ ، وهنالك أحاديث كثيرة تنهى عن المثلة كما جاء في مسند أحمد : ٤ / ٢٤٦ و ٤٤٠ و : ٥ / ١٢ ، شرح معاني الآثار : ٣ / ١٨٣ ، السّنن الكبرى : ٩ / ٦٩.

(٢) انظر ، المعمّرون والوصايا للسّجستاني : ١٤٩ ، تأريخ الطّبري : ٦ / ٨٥ و ٦١ ، الأمالي للزّجاجي : ١١٢ ، مروج الذّهب : ٢ / ٤٢٥ ، ذخائر العقبى : ١١٦ ، المعارف : ٢ / ١٧٨.


فتأنّه حتّى تصيب رشدك فيه ، وإيّاك ومواطن التّهمة والمجلس المظنون به السّوء ، فإنّ قرين السّوء يغير جليسه.

وكن لله يا بنيّ عاملا ، وعن الخنا زجورا ، وبالمعروف آمرا ، وعن المنكر ناهيا ، وواخ الإخوان في الله ، وأحبّ الصّالح لصلاحه ، ودار الفاسق عن دينك وابغضه بقلبك ، وزايله بأعمالك لئلا تكون مثله ، وإيّاك والجلوس في الطّرقات ، ودع المماراة ومجاورة من لا عقل له ولا علم.

واقتصد يا بنيّ في معيشتك ، واقتصد في عبادتك ، وعليك فيها بالأمر الدّائم الّذي تطيقه ، والزم الصّمت وبه تسلم ، وقدّم لنفسك تغنم ، وتعلّم الخير تعلم ، وكن ذاكرا لله تعالى على كلّ حال ، وارحم من أهلك الصّغير ، ووقّر منهم الكبير ، ولا تأكلنّ طعاما حتّى تتصدّق منه قبل أكله ، وعليك بالصّوم فإنّه زكاة البدن ، وجنّة لأهله.

وجاهد نفسك ، واحذر جليسك ، واجتنب عدوّك ، وعليك بمجالس الذكر ، وأكثر من الدّعاء فإنّي لم آلك يا بنيّ نصحا وهذا فراق بيني وبينك.

واوصيك بأخيك محمّد خيرا فإنّه شقيقك ابن أبيك وقد تعلم حبّي له. أمّا أخوك الحسين فإنّه شقيقك وابن امّك وأبيك ، ولا ازيد الوصاة بذلك ، أزيدك وصياته ، والله الخليفة عليكم ، وإيّاه أسأل أن يصلحكم ، وأن يكفّ الطّغاة والبغاة عنكم ، والصّبر الصّبر حتّى يقضي الله الأمر ، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم(١) .

ـ ثمّ قال للحسن : يا حسن أبصروا ضاربي ، أطعموه من طعامي ، واسقوه من

__________________

(١) انظر ، الكامل في التّأريخ : ٢ / ٤٣٦.


شرابي»(١) .

الحسنعليه‌السلام

كان يحضر مجلس جدّه النّبيّ فيحفظ الوحي يستمع إلى دعائه : «أللهمّ أهدني فيمن هديت ، وعافني فيمن عافيت ، وتولّني فيمن تولّيت ، وبارك لي فيما أعطيت ، وقني شرّ ما قضيت فإنّك تقضي ولا يقضى عليك ، وإنّه لا يذل من واليت. تباركت ربّنا وتعاليت»(٢) .

ويستمع إلى نصيحة النّبيّ : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإنّ الشّر ريبة والخير طمأنية»(٣)

كان الحسن جريئا

وكان لا يرى للمال أهميّة سوى ما يردّ به جوع جائع ، أو يكسو به عاريا ، أو يغيث به ملهوفا أو يفي به دين غارم ورفض جميع مباهج الحياة وزهد في نعيمها(٤) . وردّد نصح النّاس فقال : «من لم يؤمن بقضاء الله وقدره خيره

__________________

(١) انظر ، الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة لابن الصّباغ المالكي : ١ / ٦٢٧ ، بتحقّيقنا) ، نور الأبصار للشّبلنجي : ١ / ٤١١ ، بتحقّيقنا.

(٢) انظر ، مجمع الزّوائد : ٢ / ٢٤٤ ، سنن التّرمذي : ٣ / ٢٤٨ ح ١٧٤٦ ، مسند أحمد : ١ / ١٩٩ ح ١٧١٨ ، فتح العزيز : ٣ / ٤٢١ ـ ٤٣٠ و : ٤ / ٢٤٩ ، المغني : ١ / ٨٢١ ، الشّرح الكبير : ١ / ٧٥٧ ، سنن التّرمذي : ٢ / ٣٢٨ ح ٤٦٤ ، سنن أبي داود : ٢ / ٦٣ ح ١٤٢٥ ، سنن ابن ماجه : ١ / ٣٧٢ ح ١١٧٨ ، سنن البيهقي : ٢ / ٤٩٨ ، تأريخ بغداد : ١٠ / ٢٨٤ ، تأريخ دمشق : ١٣ / ١٦٤.

(٣) انظر ، صحيح ابن خزيمة : ٤ / ٥٩ ح ٢٣٤٨ ، صحيح ابن حبّان : ٢ / ٤٩٨ ح ٧٢٢ ، المستدرك على الصّحيحين : ٢ / ١٥ ح ٢١٦ ، المعجم الكبير : ٣ / ٧٦ ح ٢٧١١ و : ٢٢ / ٨١ ح ١٩٧.

(٤) انظر ، حياة الحيوان للدّميري : ١ / ١٦٥ ، حلية الأولياء : ٢ / ٣٧ ، المناقب لابن شهر آشوب : / ٣ ـ


وشرّه فقد كفر ..»(١) .

ونصح الحكم فقال : «إنّ الحاكم المثالي هو من إذا خاف الله في السّر والعلانية وعدل عند الغضب والرّضا. وقصد في الفقر والغنى. ولم يأخذ الأموال غصبا. ولم يأكلّها إسرافا وتبذيرا»(٢) .

وآمن الحسن بالمساواة. وفي ذات يوم جاءته امرأتان تشكوان فقرهما ، فأعطاهما ، ولكن إحداهما سألته أن يزيدها ، ويفضلها على صاحبتها ، لأنّها هي عربية ، وصاحبتها من الموالي ، فأخذ قبضة من تراب ، ونظر فيه وقال : «إنّي نظرت في كتاب الله فلم أجد فضلا لولد إسماعيل على ولد إسحق ، ولا أعلم أنّ الله فضل أحدا من النّاس على أحد إلّا بالطّاعة ، والتّقوى»(٣) .

وتنازل عن الإمارة لمعاوية ، وعقد معه صلحا(٤) وكان هذا الصّلح ، ثمّ

__________________

ـ ١٨٠ ، تأريخ دمشق لابن عساكر (ترجمة الإمام الحسن) : ١٤٢ ، سنن البيهقي : ٤ / ٣٣١ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ١٦ / ١٠ ، تأريخ الخلفاء : ٧٣.

(١) انظر ، فقه الإمام الرّضا : ٤٠٨ ، المعجم الكبير : ٢ / ٤٨ ح ٩٠٣.

(٢) انظر ، تأريخ اليعقوبي : ٢ / ٢٢٧. ونسب القول إلى غير الإمام.

(٣) انظر ، الإمام جعفر بن محمّد الصّادق للجندي : ٣١٣. وقد نسبها إلى الإمام عليّ.

(٤) أنّ الشّريعة الإسلاميّة الإنسانية تقوم على أسّس عديدة ، أهمها ، وأدقّها رعاية المصلحة ، ودفع المفسدة ، لأنّ أحكام الإسلام تبتني بكلامها على هذا الأساس ، وقد يكون في الحادثة ، أو الفعل مصلحة من جهة ، ومفسدة من جهة ثانية ، وعندها لا مفرّ من عملية الموازنة بين رعاية المصلحة ، ودفع المفسدة ، وتقديم الأهم على المهم ، فإن كان درء المفسدة أوجب تجاهلنا المصلحة ، وعقدنا الهدنة ، والمصالحة مع المفسدة إلى أن تحين الفرصة ، وتسنح ، والشّرط الأوّل فيمن يجري عملية الموازنة أن يكون من العارفين الحكماء.

واختلف المؤرّخون اختلافا كثيرا فيمن بدر لطلب الصّلح ، فابن خلدون في تأريخه : ٢ / ١٨٦ ذهب ـ


استشهاد الحسين بعد ذلك من دعائم الإسلام ، ولو لا هما لما بقي للإسلام اسم.

الحسينعليه‌السلام

وهذا هو الحسين وتلك كلماته الباقية على مرّ الزّمن :

«لا تتكلّف ما لا تطيق. ولا تتعرض لما لا تدرك. ولا تعد بما لا تقدر عليه. ولا تنفق إلّا بقدر ما تستفيد. ولا تطلب من الجزاء إلّا بقدر ما صنعت ، ولا تفرح إلّا بما نلت من طاعة الله تعالى ، ولا تتناول إلّا ما رأيت نفسك أهلا له»(١) .

أقدم على الموت مقدّما نفسه وأولاده وأطفاله وأهل بيته للقتل ، وكان يردّد : «لست أخاف الموت. موت في عزّ خير من حياة في ذلّ»(٢) .

(وارتكب أحد عمّاله جناية توجب التّأديب ، فأمر بتأديبه ، فقال العامل :

قال الله تعالى( وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ ) (٣) .

قال الحسين : خلّوا عنه كظمت غيظي.

__________________

ـ إلى أنّ المبادر لذلك هو الإمام الحسن رضى الله عنه ، والكامل لابن الأثير : ٣ / ٢٠٥ ، والفتوح : ٢ / ٢٩٢ ، تأريخ الطّبري : ٦ / ٩٢ ، البداية والنّهاية : ٨ / ١٥. مثل ذلك.

أمّا الفريق الآخر فقد ذكر أنّ معاوية هو الّذي طلب وبادر إلى الصّلح بعد ما بعث إليه برسائل أصحابه المتضمّنة للغدر والفتك به متى شاء معاوية أو أراد ، كما ذكر الشّيخ المفيد في الإرشاد : ٢ / ١٣ ، وكشف الغمّة : ١٥٤ ، مقاتل الطّالبيّين : ٧٤ ، تذكرة الخواصّ : ٢٠٦ ولكنّنا نعتقد أنّ معاوية هو الّذي طلب الصّلح ، وممّا يدل على ذلك خطاب الإمام الحسن رضى الله عنه الّذي ألقاه في المدائن.

جاء فيه : ألا وإنّ معاوية دعانا لأمر ليس فيه عزّ ولا نصفه

(١) انظر ، أسرار الحكماء : ٩٠ ، أعيان الحكماء : ١ / ٦٢١.

(٢) انظر ، تأريخ الطّبري : ٥ / ٦٧١ ، مناقب آل أبي طالب : ٣ / ٢٢٤ ، أعيان الشّيعة : ١ / ٥٨١.

(٣) آل عمران : ١٣٤.


قال العامل :( وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ ) (١) .

قال الحسين : عفوت عنك.

قال :( وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) (٢) فأعتقه وأعطاه)(٣) .

وقفته في كربلاء ، وحربه معروفة عند ما قاتل جيوش الأمويّين قتل أمامه ولده وأهل بيته وأصحابه ، ولكنّه استمر يقاتل ، ومثله في هذه المواقف يسلّم ويستسلم ، ولكنّه وقف أمام ثلاثين ألف(٤) كالجراد المنتشر ، ينهزمون بسيفه ، وهو يقول : «لا حوّل ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم»(٥) .

وفي كربلاء في يوم عاشوراء استشهد كلّ كبير وصغير من أبناء عليّ واستشهد الحسين ، وحمل قاتله الرّأس إلى زوّجته ـ زوّجة القاتل ، قائلا :

ـ جئتك بغني الدّهر هذا رأس الحسين معك في الدّار.

فقالت الزّوجة :

ـ ويّحك. جاء النّاس بالذّهب والفضّة وجئت برأس ابن بنت رسول الله.

والله لا يجمع رأسي ورأسك بيت(٦) .

__________________

(١) آل عمران : ١٣٤.

(٢) آل عمران : ١٣٤.

(٣) انظر ، شعب الإيمان : ٦ / ٣١٧ ح ٨٣١٧ ، تأريخ دمشق : ٤١ / ٣٨٧ ، الدّر المنثور : ٢ / ٧٣ ، مناقب آل أبي طالب : ٣ / ٣٩٦ ، البداية والنّهاية : ٩ / ١٢٥ ، روضة الواعظين : ١٩٩ ، كشف الغمّة : ٢ / ٢٩٨ ، الإرشاد : ٢ / ١٤٧ ، الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة لابن الصّباغ المالكي : ٢ / ٩١ ، بتحقّيقنا).

(٤) تقدّمت تخريجاته.

(٥) تقدّمت تخريجاته.

(٦) انظر ، تأريخ الطّبري : ٤ / ٣٤٨ ، مقتل الحسين لأبي مخنف : ٢٠٣ ، الكامل في التّأريخ : ٤ / ٨٠.


ولقد كانت حركة الحسين عملية استشهاد كلّف الأيّام ضدّ طباعها.

عزّ عليه ـ على الحسين ـ النّصر العاجل وابتغى النّصر الآجل بعد موته ليحيي بذلك قضيّة مخذولة ليس لها بغير ذلك حياة وقد رفض الحسين إلّا أن يصحب أهله ليشهدوا النّاس على ما يقترفه أعداؤه بما لا يبرّره دين ، ولا وازع من إنسانيّة ، فلا تضيع قضيّة مع دمه المراق في الصّحراء.

وإذا كان الحسين قد هزم في معركة حربيّة أو خسر قضيّة سيّاسيّة ، فلم يعرف التّأريخ هزيمة كان لها من الأثر لصالح المهزومين كما كان لدم الحسين ، فقد قامت ـ بعد وفاته ـ الثّوارات لتدك عرش بني اميّة.

أمّ العواجز

وتمضي صفحات الكتاب مع أهل البيت لتنتهي عند السّيّدة نفيسة الّتي لقّبت بنفسية الدّارين ، ونفيسة العلم ، ونفيسة المصريژين وأمّ العواجز ولأمّ العواجز حديث آخر يطول(١) .

__________________

(١) انظر ، نور الأبصار للشّبلنجي : ٢ / ٢٥٩ ـ ٢٧٦ ، بتحقّيقنا ، فوات الوفيّات : ٢ / ٣١٠ ، وفيّات الأعيان : ٢ / ١٦٩ ، خطط المبارك : ٥ / ١٣٥ ، عمدة الطّالب : ٢٤٩ ، لسان الميزان : ٢ / ٢٠٨ ، المجدي في أنساب الطّالبيين : ١٦ ، الأعلام للزّركلي : ٣ / ٦٧ ، كتاب الشّهاب للقضاعي : ١٣ ، درّر الأصداف في فضل السّادة الأشراف ، لعبد الجواد بن خضر الشّربيني ، المآثر النّفيسة في مناقب السّيّدة نفيسة ، لجمال الدّين محمد الرّومي ، طبعة الحجر : ٤٧.



في طريق الشّام

القربان :

بعد أن قتل الحسين وقفت سيّدة الطّفّ عند جسده الشّريف ، ثمّ نظرت إلى السّماء ، وقالت :

«اللهمّ تقبل منّا هذا القليل من القربان»(١)

من أي معدن هذه الرّوح الّتي عرفت حقيقة الحسين وعظمته عندها وأبيها عليّ ، وأمّها فاطمة ، وأخيها الحسن ، ولكنّها تعرف أيضا عظمة الدّين ، الله وطاعته ومرضاته؟

أجل ، أنّها تعرف عظمة الحسين ، بل ترى فيه شخص جدّها محمّد ، وقد حاول الأمويون القضاء عليه ، فقدم آل الرّسول الحسين فداء له وأنّه يفدى بكلّ عظيم ، ويضحي في سبيله ، حتّى بالأنبياء والأوصياء فيحاة الحسين عظيمة وغالية ، كحياة جدّه وأبيه ، ولكنّ الدّين أغلى وأثمن ، وقد حاول الأمويون القضاء عليه ، فقدّم آل الرّسول الحسين فداء له.

وتضرعت سيّدة الطّفّ إلى الله سبحانه أن يتقبل هذا القربان القليل ، لأنّها لا

__________________

(١) «زينب الكبرى» للنّقدي عن كتاب «الطّراز المذهّب». (منهقدس‌سره ).

و : ٥٧ و ٩٦ ، الكبريت الأحمر : ٣ / ١٣.


وأمّ كلثوم(١) ، وعرف عنها أنّها كانت رضوان الله عليها خير أمّ صالحة في رعاية زوّجها وأولادها ، كما عرفت عنها الشّجاعة النّادرة والجرأة العظيمة الّتي ظهرت بعد موقعة كربلاء وموقفها من يزيد.

فلقد خاطرت السّيّدة زينب بحياتها لمّا ذهب أخوها الإمام الشّهيد أبي عبد الله الحسين إلى العراق ، وصاحبته إلى تلك البلاد واشتغلت بتضميد الجرحى ، والسّهر عليهم ، وإعانة أهل من قتل من جيش أخيها ، وجاهدت في سبيل الله حقّ الجهاد إلى أن استشهد الحسين وكثير من أهل بيته ، فحزنت ، لكنّها صبرت صبر أيوب ، وأخذت تخاطب الظّالمين ، والقتلة الكافرين بأعنف وأغلظ الأقوال قائلة : ماذا تقولون إذا قال النّبيّ لكم وطالبكم بدم أخي الحسين؟

وماذا يكون الجواب إذا سألكم جدّي رسول الله عن رحمه وضياع حقّ آل بيت النّبوّة على يد يزيد قبّحه الله.

وكانت رضي الله عنها عنيفة في قولها لابن زياد ممّا جعل بعض الكافرين من أصحاب ابن زياد والموالين ليزيد أن يهجم على خبائها ويقتل الإمام عليّ زين العابدين ابن أخيها الحسين والّذي أبقى به الله نسل النّبوّة إلى يومنا هذا وحتّى قيام السّاعة ، فصرخت في وجهه صرخة شديدة قائلة :

والله لا يقتل حتّى أقتل قبله فألقى الله في قلب ذلك الغادر الرّعب ، وسقط السّيف من يده ولم يتعرض لهما بسوء ورجع خاسرا(٢) .

بعد ذلك رحلت ومن معها من السّادة الأطهار إلى الشّام ، ولمّا مثلت في

__________________

(١) تقدّمت تخريجاته.

(٢) تقدّمت تخريجاته.


مجلس يزيد وظهر عليه الحقد وما أبداه من الشّماتة وما تفوّه به من ألفاظ ، قالت له السّيّدة زينب : صدق الله يا يزيد :( ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ ) (١) أظننت أننا غلبنا وسقنا كالأسارى هوانا من الله لنا ، وأنت جذل فرح حين رأيت الدّنيا مستوثقة لك ، فالله أكبر وأملك :( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ) (٢)

ثمّ رحلت بعد ذلك إلى المدينة ، ثمّ إلى القاهرة ، إلى أن توفّيت سنة (٦٢) ودفنت في مسجدها المعروف(٣) .

حسين البتنوني

__________________

(١) الرّوم : ١٠.

(٢) آل عمران : ١٧٨. انظر ، أخبار الزّينبيّات : ٨٦ ، بلاغات النّساء : ٢١ ، الحدائق الوردية : ١ / ١٢٩ ، الإحتجاج : ٢ / ٣٧ ، أعلام النّساء : ٢ / ٥٠٤ ، مقتل الحسين للخوارزمي : ٢ / ٦٤ ، اللهوف في قتلى الطّفوف : ٧٩ ، العوالم : ٢٠٥ ، بحار الأنوار : ٤٥ / ١٦٠.

(٣) تقدّمت تخريجاته.



كتاب للإمام جعفر الصّادق

في ألف صفحة

أنّ جابر بن حيّان الّذي اعترفت أوربا أنّ الكيمياء هي صنعة جابر ، حتّى أطلقوا عليها اسم «كيمياء جابر» هذا العبقري الّذي أسّس علم الكيمياء ونظريّاته الحديثة ينسب كلّ مواهبه العلميّة إلى التّعاليم المحمّديّة ، وله نظريّة تربط بين الدّين والعلم ، ويقول المستشرق الأوربي «كراوس» في دائرة المعارف عن نظرية جابر بن حيّان الّتي يربط بها بين الدّين والعلم وحتميّة ذلك فيقول : «يربط جابر بين نظريّات العلم الطّبيعي وعلم الأديان ويسمّي أستاذه جعفر الصّادق معدن الحكمة»

وكان النّاس في بغداد أيّام العبّاسيّين يهرعون إلى جعفر الصّادق ليتفقهوا في الدّين وفي علوم الإسلام وكان جابر بن حيّان ينسب كلّ معارفه في علم الكيمياء إلى الإلهام المحمّدي ، فيقول عن ذلك وهو يتحدّث عن كتبه العلميّة :

«تأخذ من كتبي علم النّبيّ وعليّ وسيّدي «جعفر الصّادق» وما بينهم من أولاد»

وجعفر الصّادق حفيد رسول الله كان من علماء الكيمياء ، وله كتاب في هذا العلم يقع في ألف صفحة كما تقول دائرة المعارف.


أي أنّ جابر بن حيّان عبقري الكيمياء في التّأريخ البشري كلّه والّذي أسقط نظريّة «ارسطو» في تكوين «الفلزّات» ، ينسب هذا العلم الخطير إلى الإلهام المحمّدي

وهو يرى أنّ مزج علوم الدّين بعلوم الدّنيا يجعل الإنسان متوحدا في مسيرته الكونيّة ولا مفرّ من ذلك ، لأنّ العلم في يد الجهّال ، كما يقول جابر بن حيّان ، فيه خراب العالم والجهّال هم الكفرة!!.

وروح الحضارة الإسلاميّة تتبلور في شعار الأمل أمام الباحث في العلوم.

وجابر بن حيّان ينصح تلاميذه وهم من العلماء أيضا بأنّ الأمل هو طريق العلم وكان يردّد هذه الآية :

( وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ ) (١) .

وكان جابر بن حيّان يعتقد أنّ الوحي مستمر بعد رسول الله ، لكن في الخفاء ، ويأتي هذا الوحي بالعلوم إلى الأئمّة ، ومنهم إلى الرّعيّة.

عليّ الدّالي

__________________

(١) يوسف : ٨٧.


معنى الإحتفال بمولد السّيّدة

المثال لعظمة الفداء وسيّادة الحبّ

والدّاعية إلى وحدة الصّفوف(١)

تحتفل مصر الآن بمولد السّيّدة الطّاهرة زينب ابنة الإمام عليّ رضي الله عنهما ، وحفيدة النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله من ابنتة فاطمة الزّهراء أنّ مئات الألوف من النّاس يفدون إلى الحي الزّينبي للمشاركة في هذا الإحتفال. يقودهم إليه حبّ النّبيّ وعترته فالسّيّدة زينب بضعة منه وعطر من سيرته وقبس من نوره وهم يعلمون جميعا أنّ الأحجار ، والأعتاب ، والأضرحة لا تنفع أحدا ولا تعطي شيئا ولكنّهم يعودون جميعا ومعهم فضل من دعاء صالح وقبضة من أثر دعوة النّبيّ الباقية الخالدة إلى الحبّ وليس إلى البغض وإلى السّلام وليس إلى الخصام وإلى الوحدة وليس إلى الفرقة دعوته إلى طهارة القلب وأمانة الإيمان وسماحة الإسلام

كانت أسرة الرّسول في مكّة ـ قبل بعثتهصلى‌الله‌عليه‌وآله ـ جديرة بأن تطوقها السّعادة ،

__________________

(١) انظر ، جريدة الأخبار المصريّة : (٢٥ / ٧ / ١٩٧٢ م). (منهقدس‌سره ).


وأن ترفرف عليها السّكينة ، وأن تتجافاها الهموم ، وأن يتطامن لها الزّمن ، فقد كان الزّوجان صالحين ، قد غنيا بتجارة رابحة ، وهما يتفيآن ظلال بيت الله ، ويحلّان من قريش سدنة البيت في أرفع محل ومكّة حافلة بكلّ عجيب من السّلع والرّفاهات ، والأخبار

ولكنّ الله الّذي رزق محمّدا وخديجة طفليهما القاسم وعبد الله يستردهما إليه في سنّي الطّفولة ، بعد أن ملأ البيت سرورا وحبورا ، في مجتمع كان الفتيان فيه يشغلون مكان الطّلائع ، فماذا كان يعني ذلك بالنّسبة للزّوجين السّعيدين المتوافقين؟ ما ذا كان يعني أن يذهب الأبناء دائما ـ حتّى فيما بعد عند ما جاء مع الشّبيه إبراهيم ـ وأن يبقى البنات الوديعات البارّات؟.

أليس هذا السّؤال ممّا يرد بالبال ترى لو أنّ الله كان قد أطال في أعمار القاسم ، وإبراهيم حتّى غدوا «رجالا» يشاركون بعد أبيهم في السّعي ، وفي الرّأي ، وفي الجهاد عن الدّين والجماعة ، أما كان تأريخ المسلمين في أهم منعطفاته قد تغيير إلى قرون طويلة؟.

سؤال هل سأله أحد؟ وهل أجاب عنه أحد؟ وهل وصل إلى حكمته أحد؟. وإذا كنّا نسأله لأنفسنا اليوم ـ تفكيرا بصوت مسموع ـ ونحن نكتب بمناسبة مولد السّيّدة الطّاهرة المطهّرة «زينب» إحدى شهيرات أسباط الرّسول أفلا يقودنا هذا إلى تلمس الحكمة ـ إن إستطعنا ـ في أن تكون سبطية أسباط الرّسول ـ على غير المألوف ـ من طريق بناته ، وليس من طريق أبنائه؟ ألم يكن هذا بنفسه مطعنا لبعض المشركين عليه ، ولبعض المستشرقين والحاقدين أيضا؟ فلما ذا لا يكون ذلك لحكمة ، وكرامة ، ورحمة أرادها الله


لنبّية وللمؤمنين وعلينا أن نعرفها جميعا؟.

حقّا ، في كتب السّيرة أنّ النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله اشتاق للولد ، كما أنّه أدرك لذعة الثّكل الّتي تعانيها زوّجته الأثيرة إليه رضي الله عنها. وكان زيد بن حارثة قد عرض للبيع رقيقا في مكّة ثمرة من ثمار حروب العرب المستمرة ، فطلب إلى السّيّدة خديجة أن تبتاعه ، فلمّا فعلت أعتقه وتبنّاه ، وأصبح يعرف بعد ذلك بأنّه زيد بن محمّد لقد أصبح زيد أخا بالتّبني لكلّ من زينب ، ورقيّة ، وأمّ كلثوم ، وفاطمة رضي الله عنهنّ.

وكانت البعثة وقام الرّسول بالدّعوة قام يدعو قومه ثمّ يدعو قومه وكلّ العرب ثمّ يدعو قومه وكلّ النّاس وظهر من المشركين من يعّيره بأنّه «الأبتر» الّذي سينقطع ذكره بين النّاس لأنّه لا ولد له وهنا تظهر أوّل الأضواء على الحكمة الّتي نبحث عنها تظهر في قول الله ردا على المشرك وتأمينا للنبي :( إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ) (١)

إنّ الإنقطاع إذن هو الكفر ولقد وهب الله نبّيه «الكوثر» أي وهبه كثرة الذّاكرين لسيرته ، والسّائرين بذكره والمصلّين عليه في صلاة كلّ يوم من

__________________

(١) الكوثر : ١ ـ ٣. وقد اتّفق المفسرون على أنّ العاص قال : أنّي لأشنأ محمّد الأبتر ، فأنزل الله فيه ، كان عمرو بن العاص من الّذين عادوا النّبيّ وآذوه ، وكاودا له وكذبوه : وقاتله مع جيوش الشّرك ، وهجاه بسبعين بيتا من الشّعر ، فقال رسول الله : «أللهمّ إنّي لا أقول الشّعر ، ولا ينبغي لي ، أللهمّ إلعنه بكلّ حرف ألف لعنة ، فكان عليه من الله ما لا يحصى من اللّعنات». انظر ، شرح النّهج لابن أبي الحديد : ٦ / ٢٩١ ، شرح الحميدي : ٢ / ١٠١ ـ ١٠٤ ، جواهر المطالب في مناقب الإمام عليّ لابن الدّمشقي : ٢ / ٢٢٣.


المؤمنين أبد الآبدين ودهر الدّاهرين(١) .

وهنا يظهر أيضا معنى تبني الرّسول الكريم لزيد بعد عتقه يظهر معنى البديل الّذي اتّخذه عن ولديه من ظهره لقد جاء محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ليعتق ويحرّر جميع المؤمنين بالإيمان ـ كما عتق زيدا ثمّ يكون بحقّه عليهم أبا كريما ، ورسولا رحيما ، واسرة حسنة ما قامت الدّعوة إلى الله والإسلام على أرض البشر.

وهنا تظهر حكمة الله للمرّة الثّالثة عند ما ولد إبراهيم بالمدينة ، وعند ما مات واشتدّ حزن الرّسول عليه وكان أسباطهصلى‌الله‌عليه‌وآله من أحبّ بناته إليه وأشدّهم حزنا عليه فاطمة الزّهراء ، هم أبناؤها من الإمام عليّ رضى الله عنه : الحسن ، والحسين ، ومحسن ، وزينب ، وأمّ كلثوم.

قال ابن إسحق في السّيرة : «كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لا يسمع شيئا يكرهه ، من ردّ عليه ، وتكذيب له ، فيحزنه ذلك ، إلّا فرّج الله عنه بخديجة رضي الله عنها ، إذا رجع إليها تثبته وتخفف عنه ، وتصدّقه وتهون عليه أمر النّاس ، حتّى ماتت رضي الله عنها»(٢) .

على هذا السّمت من البر ، وتفريج الأحزان ، والتّثبيت والتّخفيف ، في الدّعوة إلى الله ، والجهاد في سبيل الله كانت بنات الرّسول صلوات الله وسلامه عليه ، وبنات السّيّدة خديجة رضي الله عنها وكان أسباطه وأسباطها منهنّ وكانت السّيّدة زينب رضي الله عنها

__________________

(١) انظر ، صحيح البخاري : ٧ / ٢٠٧ ، المستدرك على الصّحيحين : ٢ / ٥٣٧ ، تحفة الأحوذي : ٩ / ٢٠٥ ، تفسير ابن كثير : ٤ / ٥٩٦ ، تفسير مجاهد : ٢ / ٧٩٠ ، زاد المسير : ٨ / ٣٢٠ ، تفسير الثّعالبي : ٥ / ٦٣٢ ، الكواكب النّيرات لابن كيال الشّافعي : ٧٣.

(٢) انظر ، سيرة ابن إسحق : ٦٩. (منهقدس‌سره ).


وكان حظّ السّيّدة زينب أن تكون المكرسّة لمواساة أخيها الإمام الحسين ، وأن تمضي معه على طريق مأساته إلى آخرها ، تثبته وتخفف عنه ، وتبدي له الرّأي ، وتتبعه إلى ما يريد ، فلمّا كان استشهاده وقفت كالقصّاص العادل من قاتليه ، وممّن غرّروا به ثمّ تبعت رأسه الطّاهر إلى دمشق تدفع عن ذكره وتبين عن حقّه ، وتطلب حكم الله بينه وبين من أصابوه ، وبغوا عليه.

ولمّا أوت إلى المدينة لم تنثن عن ذكره حتّى ضجروا بها ، وضجرت بهم وطلبوا إليها أن تختار غير المدينة منزلا وجاءها نساء من بني هاشم وعلى رأسهنّ ابنة عمّها «زينب بنت عقيل» الّتي قالت لها مشفقة عليها : «يا ابنة عمّي قد صدقنا الله وعده ، وأورثنا الأرض نتبوأ منها حيث نشاء ، وسيجيزي الله الشّاكرين إرحلي إلى بلد آمن»(١) .

__________________

(١) انظر ، وفيّات الأئمّة : ٤٦٨.



خلافة النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لمن بات على فراشه

ليلة الهجرة

التزمت في «التّفسير الكاشف» بما يدل عليه ظاهر الآية من معنى مع التّركيز ، والوضوح ، والإيجاز ، وإزاحة كلّ شبهة يمكن أن تمر بالخاطر حول الآية ودلالتها هذا في غير الآيات الّتي نزلت في فضل أهل البيتعليهم‌السلام ، حيث تركت الحديث عنها لعلماء السّنّة والمفسرين منهم ، اتّقاء للتّهمة وسوء الظّن ، فوجدت في تفاسيرهم وما نقلوه من أحاديث الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله في أهل بيته ـ ما عند الشّيعة وزيادة حتّى إسلام أبي طالب الّذي قال عنه السّيّد قطب في «ظلاله» ما قال على عكس ما صرّح به صاحب روح البيان عند تفسير الآية (٥٤) من سورة يوسف :( وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ ) . وقال : «لقد آسى أبو طالب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وذبّ عنه ما دام حيّا ، فالأصحّ أنّه من الّذين هداهم الله للإيمان كما سبق في المجلّد الأوّل».

وحذف المتعصبون الّذين في قلوبهم مرض الكثير ممّا يتّصل بفضائل أهل البيت الّتي كانت ثابتة في الطّبعة الأولى من كتب التّفسير والحديث عند السّنّة ، بخاصّة الأحاديث الصّريحة الواضحة الّتي لا تقبل التّأويل بحال كحديث : «هذا


أخي ووصييّ وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له ، وأطيعوا»(١) ولكن السّيّد الفاضل مرتضى الحسيني الفيروز آبادي تتبع الطّبعات الأولى لكتب التّفسير والأحاديث عند السّنّة ، ونقل عنها كلّ ما يتّصل بأهل البيت ، وذكر رقم الجزء والصّفحة ، وتأريخ الطّبع في كتابه القيّم والوحيد في بابه الّذي أسماه «فضائل الخمسة من الصّحاح السّتة» في ثلاثة أجزاء تبلغ حوالي (١٣٠٠) صفحة.

و «في ظلال نهج البلاغة» سلكت نفس الطّريق الّتي التزمتها بالتّفسير الكاشف من الأخد بظاهر اللّفظ مع التّركيز والوضوح والإيجاز ، وفيما يعود إلى فضائل أهل البيت نقلت عن كبّار علماء السّنّة وادبائهم كالبخاري ، ومسلم ، وابن حنبل من القدامى ، وطه حسين ، وعبد الرّحمن الشّرقاوي ، وأحمد عبّاس صالح ، وعبد الكريم من الجدّد ومرّة ثانية اشير إلى أنّي وجدت في هذه الأقوال ما عند الشّيعة وزيادة حتّى القول : أنّ ما حدث لأهل البيت في كربلاء

__________________

(١) ذكر هذا الحديث محمّد حسين هيكل في كتاب «حياة محمّد» طبعة أولى ، ثمّ حذفه في الثّانية لقاء (٥٠٠) جنية ، ودليلنا المقابلة بين الطّبعتين. انظر ، التّعليق : ١٤٤ من «أعيان الشّيعة» ١ / قسم ١ طبعة عام (١٩٦٠ م). انظر ، مسند أحمد بن حنبل : ٤ / ٢٨١ ، الصّواعق لابن حجر : ٢٦ ، التّمهيد في أصول الدّين لأبي بكر الباقلاني : ١٧١ ، الرّياض النّضرة لمحبّ الدّين الطّبري : ٢ / ١٦٩ ، حياة عليّ ابن أبي طالب للشّنقيطي : ٢٨ ، الملل والنّحل المطبوع بهامش الفصل في الملل والأهواء والنّحل لابن حزم الظّاهري : ١ / ٢٢٠ ، المناقب للخوارزمي : ٩٤ ، التّفسير الكبير لفخر الدّين الرّازي : ٣ / ٦٣٦ النّهاية لابن الأثير : ٤ / ٢٤٦ ، كفاية الطّالب للحافظ الكنجي : ١٦ ، التّذكرة لابن الجوري : ١٨ ، فرائد السّمطين للجويني الباب الثّالث عشر ، مشكاة المصابيح : ٥٥٧.

وانظر ، البداية والنّهاية لابن كثير الشّافعي : ٥ / ٢٠٩ ، خطط المقريزي : ٢ / ٢٢٣ ، كنز العمّال : ٦ / ٣٩٧ ، وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى للسّمهودي الشّافعي : ٢ / ١٧٣ ، المواهب اللّدنية لشهاب الدّين القسطلاني : ٢ / ١٣.


وغيرها إنّما هو للثّأر من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بأهل بيته ، أمّا الزّيادة فاقرأها فيما يلي لعبد الكريم الخطيب ، وهو يتحدّث ويحلل مبيت الإمام في فراش النّبيّ ليلة الهجرة وإن دلّ هذا على شيء فإنّه يدل على أنّ الشّيعة والسّنّة ينهلون من نبع واحد ، «ما فرّق بينكم إلّا خبث السّرائر ، وسوء الضّمائر»(١) . كما قال الإمام عليّعليه‌السلام .

وقال في خطبة أخرى : «أنا وضعت في الصّغر بكلاكل العرب ، وكسرت نواجم قرون ربيعة ومضر ، وقد علمتم موضعي من رسول الله ـصلى‌الله‌عليه‌وآله ـ بالقرابة القريبة ، والمنزلة الخصيصة. وضعني في حجره وأنا ولد يضمّني إلى صدره ، ويكنفني في فراشه ، ويمسّني جسده ، ويشمّني عرفه. وكان يمضغ الشّيء ثمّ يلقمنيه ، وما وجد لي كذبة في قول ، ولا خطلة في فعل ، ولقد قرن الله به ـصلى‌الله‌عليه‌وآله ـ من لدن أن كان فطيما أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم ، ومحاسن أخلاق العالم ، ليله ونهاره»(٢) . وكتب في شرح هذه الجملة فيما كتبت ، ونقلت عن أدباء السّنّة ما يلي :

رافق عليّ النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في مراحله كلّها ، وسبق النّاس إلى الإيمان بدعوته ، والتّمسك بعروته ، ودافع عنه وعنها بنفسه لا يرجو إلّا رضا الله ومودّة الرّسول ، بل كان عليّ يبث الدّعوة لمحمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله قبل البعثة ، ويحدّث الغلمان من أترابه عن خلق محمّد وعظمته ، قال الأستاذ عبد الرّحمن الشّرقاوي في كتاب «محمّد رسول الحرّيّة» : «كان عليّ ، وهو في الثّامنة يحدّث الغلمان في مثل سنه ابن

__________________

(١) انظر ، نهج البلاغة : الخطبة (١١٣).

(٢) انظر ، نهج البلاغة : الخطبة (١٩٢).


عمّه ، ويقول : إنّ محمّدا ألغى في بيته كلمة العبيد والجواري ، وأحلّ مكانهما كلمة فتاي ، وفتاتي ، وهو يصبر على الخدم ، فما يقول لواحد منهم «اف» مهما يخطىء»(١) .

وكان عتاة قريش يغرون الصّبيان برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فيصحب معه عليّا يذبهم عنه. ومن جهاده في المرحلة الأولى مبيته على فراش رسول الله ليلة الهجرة. وهنا أدع الحديث لغيري لمواضع التّهم فقد نشرت جريدة الأخبار المصرية ، كلمة بعنوان «مشاهدات فدائية في تأريخ الإسلام» جاء فيها :

«إنّ تأريخ الإسلام حافل بضروب باسلة من أمثلة الفدائية النّبيلة وأظهر من نعرف من فدائيي العصر النّبوّي عليّ بن أبي طالب ، ومواقفه الفدائية أكثر من أن تحصر ، لعل أوّلها في تأريخ الدّعوة مبيته ليلة الهجرة على فراش ابن عمّه متوقعا ما سيحيق به من الموت المباغت إذ أحاط به الأعداء من كلّ صوب ، فهانت عليه نفسه وراء ما ينشد من تفدية صاحب الدّعوة ، ومكث اللّيل الطّويل ينتظر ما بين لحظة وأخرى ، وقد برقت الأسنّة ، ولمعت السّيوف إنّ مخاطرات عليّ الفدائية تغلغلت في أعماقه حتّى غدت إحدى وسائل النّصر في بطولاته ، وحسبك أن تعلم إنّه في طليعة المتقدمين في ميدان المبارزة الحربية ، وإنّه بطل الإسلام»(٢) .

أمّا الكاتب الإسلامي المصري الاستاذ عبد الكريم الخطيب فقد استوحى من المبيت معنى دقيقا ما سبقه إليه عالم وباحث ، قال :

__________________

(١) انظر ، كتابه «محمّد رسول الحرّيّة» : ٦٥ ، الطّبعة الأولى. (منهقدس‌سره ).

(٢) انظر ، تأريخ نشر المقال في الجريدة : ٨ ـ ١٢ ـ ١٩٦٧ م. (منهقدس‌سره ).


«هذا الّذي كان من عليّ في ليلة الهجرة لم يكن أمرا عارضا ، بل هو عن حكمة لها آثارها ومعقباتها فلنا أن نسأل : أكان لإلباس الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله شخصية لعليّ أكثر من جامعة القرابة القريبة بينهما؟. وهل لنا أن نستشف من ذلك ـ أي من أنّ الرّسول ألبس شخصيته لعليّ أنّه إذا غاب شخص الرّسول كان عليّ هو الشّخصية المهيأة لأنّ يخلفه ، ويمثل شخصيته ، ويقوم مقامه؟

وأحسب أننا لم نتعسف كثيرا حين نظرنا إلى عليّ ، وهو في برد الرّسول ، وفي مثوى منامه الّذي اعتاد أن ينام فيه ـ فقلنا : هذا خلف الرّسول والقائم مقامه»(١) .

وبحقّ قال الأستاذ الخطيب : إنّ شيعة عليّ لا يقيمون شاهدا من هذه الواقعة يشهد لعليّ أنّه أولى برسول الله على حين نراهم يتعلقون بكلّ شيء يرفع عليّا إلى تلك المنزلة أي الخلافة.

ولي أن أجيب عن الشّيعة : بأنّهم لا يستدلون بشيء على خلافة إمامهم إلّا بأقوال السّنّة ، وعلى هذا جرت عادتهم منذ القديم تجنبا لمواطن التّهم وما رأوا أحدا قبل الأستاذ الخطيب استدل بهذه الواقعة على أوّلية عليّ بالخلافة ، ولمّا أنطقه الله به أخذوه عنه ، كما فعلت أنا. ثمّ قال الخطيب الكريم :

«إنّ عليّا خدع قريشا بمبيته على فراش رسول الله ، ومكر بها عن محمّد حتّى أفلت من بين أيديها ، وسلم من القتل ، وقد صفعها عليّ بفعلته هذه صفعة مذلّة مهينة ، فأضمرت قريش لعليّ السّوء ، وأرهقته وتجنت عليه بعد أن دخلت الإسلام إنّ هذا الّذي كان من عليّ ليلة الهجرة في تحديه لقريش ، هذا التّحدي

__________________

(١) انظر ، كتابه «عليّ بن أبي طالب بقية النّبوّة ، وخاتم الخلافة : ١٠٥ ، وما بعدها طبعة سنة ١٩٦٧ م.

(منهقدس‌سره ).


السّافر ، وفي استخفافه بها ، إنّ ذلك لا تنساه قريش لعليّ أبدا ، ولو لا أنّها وجدت في قتل عليّ يومئذ إثارة فتنة تمزق وحدتها لشفت ما بصدرها منه ، ولكنّها تركته ، وانتظرت الأيّام لتسوي حسابها معه ولحقّ النّبيّ بالرّفيق الأعلى ، وترك عليّا وراءه بالأحداث ، ويكابد الشّدائد حتّى يلحق بالرّسول ألّا يبدو لنا من هذه الموافقات ما نستشف منه أنّ لعليّ شأنا في رسالة الرّسول ، ودورا في دعوة الإسلام ليس لأحد غيره من صحابة الرّسول».

وبعد ، فإنّ الأستاذ عبد الكريم الخطيب لا يمت إلى الشّيعة بأمّ ولا أب ، ولا بتربية وبيئة ، وإنّما نطق بوحي من ضميره ودراسته مجردا عن كلّ غاية ، فالتقى مع شيعة عليّ من حيث لا يريد ثمّ تنبّه للعواقب ، وخاف من تهمة التّشيع ، وثورة المتعصّبين من الشّيوخ ، فاتقاهم بقوله : «وبعد فهذه خطرات لا نحسبها على تلك القضيّة ، ولا نأخذ بها فيها». ولكن أسلوبك في التّعبير ـ أيّها الأستاذ الكريم ـ ينم عن شعور قلبك وإيمانه ، لا عن خطرات خيالك ووساوسه ، إنّ هذه الخطرات والوساوس تتجلى في اعتذارك بقولك «لا نأخذ بها فيها» إنّ هذا الأسلوب إن دلّ على شيء فإنّه يدلّ على الشّك والحيرة والارتباك. وعلى أيّة حال فأنت معذور لقوله تعالى :( إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ ) (١) .

قدّمنا أنّ الدّعوة الإسلامية مرّت بثلاث مراحل أساسية :

الأولى : مجرد الإيمان والإعلان مع الثّبات والصّبر على الأذى.

والثّانية : ردع العدوان.

__________________

(١) آل عمران : ٢٨.


والثّالثة : الهجوم الرّادع ، وأشرنا إلى جهاد الإمام في المرحلة الأولى. ومن جهاده في المرحلة الثّانية بلاؤه يوم بدر ، وبعد أن تحدث عبد الكريم الخطيب عن هذا اليوم ، قال : «فأنت ترى كيف كان ابن أبي طالب سيفا بتّارا يضرب أئمة الكفر من قريش»(١) .

وقال عن يوم أحد : «كان لعليّ يوم أحد ما كان له يوم بدر من الإطاحة برؤوس أئمة الكفر من قريش ومن قتلى عليّ في هذا اليوم طلحة ابن أبي طلحة صاحب راية المشركين في تلك الواقعة ، فغير منكور إذن تلك اليد الضّاربة ، وهذا السّيف لعليّ في معركة الإسلام ، وأيضا غير منكور التّراث الّتي كانت للمشركين عند عليّ ، والّتي لم يخل منها بيت من بيوت قريش»(٢) .

وقال عن وقعة الأحزاب(٣) : «قال النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، حين برز عليّ لابن ودّ يوم

__________________

(١) انظر ، كتابه «عليّ بن أبي طالب بقية النّبوّة ، وخاتم الخلافة : ١٠٨ ، وما بعدها طبعة سنة ١٩٦٧ م.

(منهقدس‌سره ).

(٢) انظر ، كتابه «عليّ بن أبي طالب بقيّة النّبوّة ، وخاتم الخلافة : ١٢٥ ، وما بعدها طبعة سنة ١٩٦٧ م.

(منهقدس‌سره ).

(٣) غزوة الخندق وقعت في شوال سنة خمسة من الهجرة ، وتسمى بغزوة الأحزاب ، وتأتي بعد غزوة بني النّضير كما جاء في السّيرة الحلبية بهامش السّيرة النّبويّة : ٢ / ٣٠٩ ، أمّا ابن قتيبة في معارفه : ١٦١ أنّها وقعت سنة أربع ويوم بني المصطلق ، وبني لحيان سنة خمس. ولسنا بصدد بيان سببها تفصيلا بل نشير إلى ذلك إشارة وهي :

لمّا أجلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بني النّضير من المدينة بسبب نقضهم العهد ، ساروا إلى خيبر. وخرج جماعة منهم عبد الله بن سلّام بن أبي الحقيق النّضري ، وحييّ بن أخطب ، وكنانة بن أبي الحقيق (الرّبيع) ، وهوذة بن قيس الوالبي ، وأبو عمارة الوالبي إلى مكّة قاصدين أبا سفيان لعلمهم بشدة عداوّته للنّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وتشوّقه إلى إراقة الدّماء والقتال لما ناله هو وزوّجته هند ـ أمّ معاوية ـ منه صلى‌الله‌عليه‌وآله يوم بدر ـ ،


الخندق : «الآن برز الإسلام كلّه للشّرك كلّه(١) وقال حذيفة بن اليمان : «لو

__________________

ـ وسألوه المعونه على قتالهصلى‌الله‌عليه‌وآله وقال لهم : أنا لكم حيث تحبّون فاخرجوا إلى قريش وادعوهم إلى حربه واضمنوا لهم النّصرة حتّى تستأصلوه ، فطافوا على وجوه قريش ، ودعوهم إلى حربهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقالت قريش : أيدينا مع أيديكم ونحن معكم فتجهزّت قريش بقيادة أبي سفيان وتبعتها بعض القبائل ، واليهود وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصين في بني فزارة ، والحارث بن عوف في بني مرّة ، وبرّة بن طريف في بني أشجع.

فلمّا سمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله باجتماع الأحزاب استشار أصحابه وأجمع رأيهم على البقاء في المدينة وحرب القوم إن جاؤوا إليهم ، وهنا أشار سلمان رضي الله عنه بحفر الخندق ، فأمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بحفره وعمل فيه بنفسه ، وعمل فيه المسلمون لمدة أكثر من ستة أيّام وقطعه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أربعين ذراعا بين كلّ عشرة ، ولذا اختلف المهاجرون والأنصار في سلمان كلّ يقول هو منّا ، فقطع الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله نزاع القوم وقال قوله المشهور : سلمان منّا ، سلمان من أهل البيت.

وفرغ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من حفر الخندق قبل قدوم قريش بثلاثة أيّام.

وحاصرت قريش المدينة بضعا وعشرين ليلة ولم يكن بينهم حرب إلّا الرّمي بالنّبل ، ولمّا رأىصلى‌الله‌عليه‌وآله الوهن والضّعف في قلوب أكثر المسلمين بعث إلى عيينة ، والحارث يدعوهما إلى الصّلح ، والرّجوع عن حربه على أن يعطيهم ثلث ثمار المدينة ، واستشار في ذلك أصحابه منهم سعد بن معاذ ، وسعد بن عبادة وغيرهما. ولسنا بصدد بيان قول كلّ منهما. بل نقلنا ذلك بتصرّف من المصادر التّالية :

تأريخ دمشق لابن عساكر الشّافعي : ١ / ١٥٠ ، السّيرة الحلبية بهامش السّيرة النّبويّة : ٢ / ٣٠٩ ، كشف الغمّة : ١ / ٢٦٧ ، أعيان الشّيعة : ١ / ٢٩٢ و ٣٩٤ ، تأريخ الطّبري : ٢ / ٢٦٥ ، و : ٣ / ٢٣٤ ، و : ٥ / ٢٩ ـ ٣٣ ، الكامل لابن الأثير : ٣ / ١٧٨ ، دائرة المعارف الإسلامية الشّيعية : ١ / ٢٦٢ «معركة الخندق» ، السّيرة لابن هشام : ٣ / ١٨٤ و ١٩٢ و ٢٢٥ و ٣٢٠ ـ ٣٢٢ ، مغازي الواقدي : ٢ / ٤٤١ و ٤٧٧ ، الإرشاد للشّيخ المفيد : ١ / ٩٤ ، كشف اليقين في فضائل أمير المؤمنينعليه‌السلام : ١٣١ ، تأريخ اليعقوبي : ٢ / ٥٠ ـ ٥١ ، إمتاع الأسماع للمقريزي : ٢٣٥ و ٢٣٦ ، تفسير البغوي المسمى بمعالم التّنزيل : ٣ / ٥٢٣ ، وانظر ، الطّبقات الكبرى لابن سعد : ٢ / ١٧ و ١٨.

(١) فقد روى المؤرّخون في مبارزة عليّعليه‌السلام يوم الخندق ، وأنّها أفضل من أعمال الأمّة إلى يوم القيامة بألفاظ مختلفة تؤدّي إلى نفس المعنى. فقد روى صاحب المستدرك عن سفيان الثّوري أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال ذلك لعليّعليه‌السلام يوم الخندق. ورواه الخطيب البغدادي في تأريخه : ١٣ / ١٩ عزن إسحاق بن بشر ـ


__________________

ـ القرشيّ. وذكره الفخر الرّازي في تفسيره الكبير : ٣٢ / ٣١ ، وفي ذيل تفسير سورة القدر ورد بلفظ : لمبارزة عليّعليه‌السلام مع عمرو بن عبد ودّ أفضل من عمل أمّتي إلى يوم القيامة. وذكر ابن أبي الحديد في شرح النّهج أيضا : ١٩ / ٦١ أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال حين برز عليّعليه‌السلام لعمرو بن عبدودّ : برز الإيمان كلّه إلى الشّرك كلّه. وقال الإيجي في شرح المواقف : ٦١٧ قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : لضربة عليّ يوم الخندق أفضل من عبادة الثّقلين. وفي السّيرة الحلبية بهامش السّيرة النّبويّة : ٢ / ٣٢٠ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : قتل عليّ لعمرو بن عبدودّ أفضل من عبادة الثّقلين.

وقال الفخر الرّازي في نهاية العقول في دراية الأصول : ١١٤ أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله قال : لضربة عليّ يوم الخندق أفضل من عبادة الثّقلين ، تأريخ دمشق ترجمة الإمام عليّ عليه‌السلام : ١ / ١٥٥ ، فرائد السّمطين : ١ / ٢٥٥ ح ١٩٧ ، وهامش تأريخ دمشق : ١٥٥ ، وشواهد التّنزيل : ٢ / ١٤ ح ٦٣٦ ، المناقب للخوارزمي : ١٦٩ ح ٢٠٢ و ٥٨ الفصل ٩ ، كتاب المواقف : ٣ / ٢٧٦ ، هداية المرتاب : ١٤٨ ، كنز العمّال : ٦ / ١٥٨ الطّبعة الأولى ، شرح المختار قال ابن أبي الحديد في (٢٣٠) فى باب قصار كلام أمير المؤمنين من نهج البلاغة : ٥ / ٥١٣ بإضافة : تعدل أعمال المهاجرين والأنصار وطاعاتهم كلّها ، وفي الدّر المنثور : ٥ / ١٩٢.

وها هوعليه‌السلام يقول : نشدتكم الله ، أفيكم أحد يوم عبر عمرو بن عبد ودّ الخندق وكاع عنه جميع النّاس فقتله غيري؟ قالوا : أللهمّ لا. (انظر تأريخ بغداد : ١٣ / ١٩ ، مقتل الحسين للخوارزمي : ٤٥ ، تلخيص المستدرك : ٣ / ٣٢). ويوم الخندق لمّا سكت كلّ منهم ولم يجب طلب عمرو بن عبدودّ العامري. وكادت تكون هزيمة نكراء لو لم ينهض بها عليّ بن أبي طالب ، وبهذا قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : برز الإيمان كلّه إلى الشّرك كلّه.

وبهذا وذاك تذهب أدراج الرّياح إيرادات ، وإشكالات ، وتبريرات ابن تيمية حين قال كما ورد في السّيرة الحلبية ومعها هامش السّيرة النّبويّة : ٢ / ٣٢٠ : إنّها أي ضربة عليّ يوم الخندق أفضل من عبادة الثّقلين ـ من الأحاديث الموضوعة الّتي لم ترد في شيء من الكتب الّتي يعتمد عليها ولا بسند ضعيف ، وكيف يكون قتل كافر أفضل من عبادة الثّقلين الإنس والجنّ ومنهم الأنبياء؟! ثمّ قال : بل إنّ عمرو بن عبدودّ هذا لم يعرف له ذكر إلّا في هذه الغزوة.

والجواب نحن لسنا بصدد هذا الكلام ومناقشته بل نورد ما قاله العلّامة برهان الدّين الحلبي الشّافعي في نفس كتابه السّيرة الحلبية وفي نفس الجزء والصّفحة : إنّ عمرو بن عبد ودّ هذا لم يعرف له ذكر إلّا في هذه الغزوة ، قول ليس له أصل ، وكان عمرو بن عبدودّ قد قاتل يوم بدر حتّى أثبتته الجراحة فلم ـ


قسمت فضيلة عليّ بقتل عمرو يوم الخندق بين المسلمين أجمعهم لوسعتهم»(١) . وقال ابن عبّاس في قوله تعالى :( وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ ) (٢) بعليّ. والحقّ أنّ مكان عليّ في معارك الإسلام أكبر من أن تخفى وراء التّعصّب في مواقف الخصومة والملاحاة ، ولو أنّ بطولة عليّ كانت موضع شكّ لما سار الحديث عنها مسير المثل ، فكان ممّا قيل : «لا فتى إلّا علي ، ولا سيف إلّا ذو الفقار»(٣) . إنّ عليّا أكثر المسلمين شدّة على مشركي قريش ، وإفجاعا لهم في

__________________

ـ يشهد يوم أحد ، فلمّا كان يوم الخندق خرج معلّما وأنّه نذر لا يمسّ رأسه دهنا حتّى يقتل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله وقوله «كيف يكون قتل كافر أفضل من عبادة الثّقلين» فيه نظر لأنّ قتل هذا كان فيه نصرة للدّين وخذلان الكافرين وقال الشّيخ المظفر في دلائل الصّدق : ٢ / ٤٠٢ : لمبارزة عليّ لعمرو أفضل من فكان هو السّبب في بقاء الإيمان واستمراره وهو السّبب في تمكين المؤمنين من عبادتهم إلى يوم الدّين ، لكن هذا ببركة النّبيّ الحميد ودعوته وجهاده في الدّين وانظر أيضا المعيار والموازنة : ٩١ ، حياة الحيوان الكبرى للدّميري : ١ / ٢٣٨ طبعة مصر عام (١٣٠٦ ه‍) ، المطبعة المشرفيّة ، عليّ بن أبي طالب بقيّة النّبوّة : ١٤٥ طبع مصر عام (١٣٨٦ ه‍) ، مطبعة السّنّة المحمّديّة ، الإمام عليّ أسد الله ورسوله : ٢٨ ، الإمام عليّ رجل الإسلام المخلّد لعبد المجيد لطفي : ٧٥ ، خاتم النّبيين لمحمّد أبو زهره : ٢ / ٩٣٨.

(١) انظر ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ١٣ / ٢٨٤ ، شرح إحقاق الحقّ : ٢٠ / ٦٢٦.

(٢) الأحزاب : ٢٥.

انظر ، تفسير القرطبي : ١ / ٨٤ ، مناقب آل أبي طالب : ٢ / ٣٢٤ ، تفسير الدّر المنثور للسّيوطي : ٥ / ١٩٢. وكان ابن مسعود يقرأ : وكفى الله المؤمنين القتال بعليّ ، وكان الله قوّيا عزيزا. وفي ميزان الإعتدال : ٢ / ١٧ مثله. وفي شواهد التّنزيل : ٢ / ٧ ح ٦٢٩ ـ ٦٣٢ ، النّور المشعل : ١٧١ الطّبعة الأولى ، ابن عساكر في تأريخ دمشق : ٢ / ٤٢٠ الطّبعة الثّانية ح ٩٢٧ ، كفاية الطّالب : ٢٣٤ باب ٦٢ ، وانظر أيضا تهذيب التّهذيب : ٦ / ٣٤ ، شرح النّهج لابن أبي الحديد : ١٣ / ٢٨٤ ، خصائص الوحي : ٢١٩ ، تفسير الميزان : ١٦ / ٣١٤ ، المناقب لابن شهر آشوب : ٣ / ١٣٤ ، الدّلائل للشّيخ المظفر : ٢ / ١٧٤ طبعة بصيرتي / قم ، ينابيع المودّة : ٩٤ طبعة بصيرتي / قم ، نور الأبصار : ٩٧.

(٣) الرّواية المشهورة هي أنّ جبرائيلعليه‌السلام هو الّذي كان ينادي : لا سيف إلّا ذو الفقار ولا فتى إلّا عليّ.


الأبناء ، والآباء ، والأعمام ، والأخوال ، وهذه الاحن على عليّ ، وتلك التّرات في نفوس قريش المشركة ظّلت حيّة بعد أن دخلت في الإسلام وبعد موت النّبيّ تناولت قريش بسيوفها شيب بني هاشم ، وشبابها ، وصبيانها ، وشرّدت عقائلها ، وحرائرها ، وكأنّما تثأر بهذا لقتلاها في بدر وأحد ، وحسبنا أن نذكر هنا مصرع الحسين وآل بيته في كربلاء ، وما تلا ذلك من وقائع»(١) .

محمّد جواد مغنيّة

__________________

ـ وقيل : إنّ رضوانعليه‌السلام هو المنادي ، وهما ملكان كريمان كما ورد في كنز العمّال : ٣ / ١٥٤ بعد أن ساق حديث الإمام عليّعليه‌السلام يوم بيعة عثمان فقالعليه‌السلام : اناشدكم الله أنّ جبرائيل نزل على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : يا محمّد : لا سيف إلّا ذو الفقار ولا فتى إلّا علىّ ، فهل تعلمون هذا كان لغيري؟ وورد في ذخائر العقبى : ٧٤ أيضا عن الإمام أبي جعفر محمّد بن عليّعليه‌السلام قال : نادى ملك من السّماء يوم بدر يقال له رضوان ، أن : لا سيف إلّا ذو الفقار ولا فتى إلّا عليّ. وورد في الرّياض النّضرة : ٢ / ١٩٠ ، والمناقب لابن المغازلي : ١٩٧ ـ ١٩٩ ح ٢٣٤ و ٢٣٥.

وانظر ، شرح النّهج لابن أبي الحديد : ١ / ٢٨ ، و : ٧ / ٢١٩ ، و : ١٠ / ١٨٢ ، و : ١٤ / ٢٥١ ، تأريخ الطّبريّ : ٢ / ١٩٧ و ٥١٤ ، فرائد السّمطين : ١ / ٢٥٦ ـ ٢٥٨ ح ١٩٨ و ١٩٩ ، تأريخ دمشق : ١ / ١٤٨ ح ٢١٥ و ١٦٧ ، المناقب للخوارزمي : ١٦٧ و ٢١٣ طبعة الحيدريّة ح ٢٠٠ ، كفاية الطّالب : ٢٧٧ ، ابن هشام في السّيرة : ٣ / ٥٢ و ١٠٦ ، سنن البيهقيّ : ٣ / ٢٧٦ ، المستدرك : ٢ / ٣٨٥ ، الرّياض النّضرة : ٣ / ١٥٥ ، ميزان الإعتدال : ٢ / ٣١٢ و ٣١٧ ، و : ٣ / ٣٢٤ طبعة بيروت ، الكامل في التّأريخ : ٢ / ١٠٧ ، تذكرة الخواصّ : ٢٦ ، مجمع الزّوائد : ٦ / ١١٤ و ١٢٥ ، تأريخ الطّبريّ : ٢ / ١٩٧ طبعة آخر ، ربيع الأبرار : ١ / ٨٣٣ ، معارج النّبوّة : الرّكن الرّابع : ١٠٧ و ١٦٨ طبعة لكنهو ، الأغاني لأبي الفرج الاصفهاني : ١٥ / ١٩٢ ، نظم درر السّمطين للزّرندي : ١٢١.

(١) انظر ، كتابه «عليّ بن أبي طالب بقيّة النّبوّة ، وخاتم الخلافة : ١٣٥ ، وما بعدها طبعة سنة ١٩٦٧ م.

(منهقدس‌سره ).



الشّعب المصري وآل البيت(١)

لماذا نحتفل بمولد الحسين. وتزخر القاهرة العامرة بالوافدين إلى مسجده لإحياء ذكراه في هذه الأيّام من كلّ عام ...؟.

إنّ الإحتفال بمولده ، أنّ بمولد جدّهعليه‌السلام أو بمولد ولّي من أولياء الله الصّالحين لم يرد به أمر في كتاب أو سنّة ، ولكن طبيعة هذا الشّعب الطّيب المؤمن المتدين تهّتز إعجابا ببطولة الأبطال ، وحبّا لأهل البيت وتعبّر عن إعجابها لهذه الإحتفالات الّتي تقيمها في كلّ مناسبة طيّبة.

وقد كان الحسين رضى الله عنه مثلا فريدا في شجاعة القلب ، وشرف الكلمة وإباء الضّمير ، وكانت مكانته في قلب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مكانة الابن من قلب أبيه. ثمّ هو ابن فاطمة بنته ، وعليّ ابن عمّه ، وهو من الّذين ضمّهم النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله تحت كسائه وقال : «أللهمّ هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيرا»(٢) .

ولا شكّ أنّ مكانة أهل بيته في قلوب المؤمنين بالمثابة الّتي يشف عنها قول الله :( النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ ) (٣) ، وقول

__________________

(١) انظر ، جريدة الأخبار المصريّة : (٢٥ / ٥ / ١٩٧٢ م). (منهقدس‌سره ).

(٢) تقدّمت تخريجاته.

(٣) الأحزاب : ٦.


النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : «والّذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتّى أكون أحبّ إليه من نفسه ، وأبويه ، وأهله وولده ، والنّاس أجمعين»(١) .

وقد قال تعالى :( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) (٢) . وقد كان الحسين ـ وهو من ذرّيّته شبيها به في ملامحه وصفاته وسماته ، وكان موقفه من الّذين أحدقوا به وأطبقوا عليه ، شبيها بموقف جدّهعليه‌السلام وهو يواجه الّذين تحزبوا ضدّه وتألبوا عليه بقوله لعمّه : «لو وضعت الشّمس في يميني ، والقمر في شمالي ما تركت قول : لا إله إلّا الله محمّد رسول الله أبدا ، حتّى أنفذه أو اقتل دونه»(٣) .

وقد بذل في سبيل كلمة الحقّ والشّرف دمه الزّكي ، وبقي اسمه خالدا ماجدا في سجل المجد والخلود رضي الله عنه ، وأرضاه.

عبد الرّحيم فودة

__________________

(١) تقدّمت تخريجاته.

(٢) الطّور : ٢١.

(٣) انظر ، دلائل النّبوّة ، الإصبهاني : ١ / ١٩٧ ، السّيرة النّبويّة لابن هشام : ٢ / ١٠١ ، تأريخ الطّبري : ١ / ٥٤٥.


حقّ الجماعة يغلب حقّ النّفس!(١)

ذهب النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ذات يوم إلى بيت ابنته فاطمة ليزورها وعند باب البيت وعندما أوشك أن يدخل تراجع وعدل عن زيارتها. وتضطرب فاطمة وتسرع إلى زوّجها عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه تطلب إليه أن يلحق بالرّسول ليسأله عن سبب عدوله عن زيارتها.

ويسير عليّ إلى الرّسول يسأله فيجيبهعليه‌السلام : «إنّي رأيت على بابها سترا موشيّا!!.

ويعود عليّ إلى زوّجته ليخبرها الخبر فتقول : ليأمرني فيه بما يشاء ، وأمر النّبيّعليه‌السلام ـ بما معناه ـ أن تعطيه إلى أهل يحتاجون إليه(٢) .

ويريد النّبيّ زيارتها مرّة أخرى ، ولكنّه يعود دون أن يدخل بيتها ، وتبعث إليه بمن يسأله عن السّبب فيقولعليه‌السلام : «إنّي وجدت في يديها سوارين من ذهب!!.

__________________

(١) انظر ، جريدة الأخبار المصريّة : (١٦ / ٢ / ١٩٦٨ م). (منهقدس‌سره ).

(٢) انظر ، صحيح البخاري : ٢ / ٩٢٢ ح ٢٤٧١ ، سنن أبي داود : ٢ / ٢٧٨ ح ٤١٤٩ و : ٤ / ٧٢ ح ٤١٥٠ ، فتح الباري : ٥ / ٢٢٩ ، عون المعبود : ١١ / ١٣٨ ، شعب الإيمان : ٧ / ٣١٢ ح ١٠٤١٦ ، سبل الهدى والرّشاد : ٩ / ٥٥.


ولمّا بلغها ذلك أرسلتهما إليه فباعهما ـعليه‌السلام ـ بدرهمين ونصف درهم تصدّق بهذا المبلغ على الفقراء(١) .

ويعلق الكاتب الرّاحل مصطفى صادق الرّافعي على ذلك فيقول :

يا بنت النّبيّ العظيم :

وأنت أيضا لا يرضى لك أبوك حلية بدرهمين ونصف درهم وفي المسلمين فقراء لا يملكون مثلها؟.

أي رجل شعبي على الأرض كمحمّدعليه‌السلام فيه للأمّة كلّها غريزة الأب ، وفيه ـ على كلّ أحواله ـ اليقين الّذي لا يتحول ، وفيه الطّبيعة التّامّة الّتي يكون بها الحقّيقي هو الحقّيقي.

يا بنت النّبيّ العظيم :

أنّ زينة بدرهمين ونصف درهم لا تكون زينة ـ في رأي الحقّ ـ إذا أمكن أن تكون صدقة بدرهمين ونصف درهم!!.

أنّ فيها حينئذ معنى غير معناها :

فيها حقّ النّفس غالبا على حقّ الجماعة وفيها الإيمان بالمنفعة حاكما على الإيمان بالخير وفيها ما ليس بضروري قد جاء على ما هو الضّروري وفيها خطأ من الكمال إن صحّ في حساب الحلال والحرام ، لم يصحّ في حساب الثّواب والرّحمة.

__________________

(١) انظر ، مستدرك الوسائل : ٦ / ٥١٢ ح ٦ ، بحار الأنوار : ٨٥ / ٩٤ ح ٦٢.


نظرة والنّبيّ(١)

وفي جريدة الأهرام كتب وزير الثّقافة السّابق الأستاذ فتحي رضوان مقالا مطولا عن حي السّيّدة زينب بنت أمير المؤمنينعليه‌السلام ، جاء فيه.

مسجد السّيّدة زينب تشدّ إليه الرّحال ، وكأنّه الكعبة ، أكثر ممّا تشدّ الرّحال حتّى إلى المسجد الحسيني ، فالألوف الّذين يقصدون هذا المسجد من فقراء الرّيف والحضر ، من النّساء والرّجال ، من المرضى وأصحاب الحاجات ، من المغلوبين على أمرهم والّذين سدّت في وجوههم الأبواب ، وتحطّمت الآمال ، كانوا قد أطلقوا على صاحبة الضّريح أسماء تدخل إلى قلوبهم العزاء ، وتبعث فيهما الرجاء ، فقد كانوا يهتفون «يا أمّ العواجز ويا أمّ هاشم».

ولكم رأيت رجالا ونساء ، في مقتبل العمر ، وفي خريف الحياة ، قد وضعوا أيديهم على شبّاك ضريح السّيّدة ، ورائحة البخور تملأ المسجد كلّه ثمّ راحوا يهمسون في اذن أمّ العواجز ، وقد تمثّلت لهم بشرا سويّا ، يسمع ويتنفس ، ويمد راحتيه ويضع بينهما أيدي الزّائرين والقاصدين ، ولكن سمعت هذا الهمس الخفيض ، وأنا صبي أكاد أميّز الأشياء ، فأشعر أنّ هذا ليس سوى لقاء هيام وغرام ، يصل فيه الوجد إلى أقصاه وترق المناجاة تهطل فيه الدّموع ، وتصعد فيه

__________________

(١) انظر ، جريدة الأهرام المصريّة : (٢٣ / ٦ / ١٩٧٢ م). (منهقدس‌سره ).


الأهات ، وتتوالى خلاله القبلات ، وأسمع : يا أمّ العواجز يا أمّ هاشم يا طاهرة يا أخت الإمام يا بنت الإمام نظرة والنّبيّ


الفهارس الفنيّة العامّة

١ ـ فهرس الآيات

٢ ـ فهرس الأحاديث

٣ ـ فهرس المصادر



فهرس الآيات

الآية

رقمها

الصّفحة

البقرة

( وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ )

٢٧

٣٥٣

( وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ )

٢٦١

٢٩٠

( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا )

٢٠٤

٢٣٨

( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ )

٢٠٧

٤٦ و ٢٣٨

( إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ )

١٥٦

٣٠

( لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها )

٢٨٦

٢٨٩

آل عمران

( إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ )

١٥٣

٣٣٨

( إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ )

٢٨

٤٥٠

( إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُ )

٦٨

٤٥٠

( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ )

١٦٩ ـ ١٧٠

٣٥٨

( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً )

١٦٩

٣٥٩

( وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ )

١٤٤

٢٨٩


( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ )

٩٧

٢٨٨

( لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ )

٩٢

٤٢١

( وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ )

١٣٤

٤٢٩

( وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ )

١٣٤

٤٣٠

( وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ )

١٣٤

٤٣٠

النّساء

( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها )

٥٨

٦٠

( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ )

٣٥

٦٠

( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ )

٨٠

١٣٨

المائدة

( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي )

٣

٧١

( وَالَّذِينَ آمَنُوا )

٥٦

٣٥٢

( لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ )

٨٢

٣٥٤

( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ )

٧٩

١٥٣

( قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها )

٢٤

١٢٥

( إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ )

٢٨

١٠٩


الأنعام

( اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ )

١٢٤

٨٥

الأعراف

( يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ )

٣١

٢٨٨

( ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي )

١٥٠

٢٤٣

( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ )

٤٣

١٧

الأنفال

( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ )

٧٥

٣٦٤

( وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا )

٤٦

١٩٢

التّوبة

( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ )

٦١

٦٠

( أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ )

٤٩

٣٥١

( يَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ )

٣٢

١٨٧

( قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ )

٢٤

٩١

( وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها )

٢٤

٩١


يونس

( أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ )

٦٢

١٩٨

( فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ )

٧١

٣٩

هود

( رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ )

٧٣

٦٠

( وَلَوْ لا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ )

٩١

٢٩٧

( إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ )

٥٦

٣٩

يوسف

( وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها )

٢٦

٦٠

( قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ )

٢٥

٦٠

( وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ )

٨٧

٤٣٨

الرّعد

( وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ )

٢٨

٣٥٣

إبراهيم

( وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ )

٢٢

١٠٩


النّحل

( مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ )

١٠٦

٣١٦

( وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ )

١٢٦

٣٣٨

الإسراء

( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ )

٤٤

٣٦٧

( وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً )

٩٧

١١٠

( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ )

٧١

١١٠

الكهف

( قالَ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها )

٧١

٦٠

( الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا )

٤٦

٢٨٩

مريم

( يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ )

١٢

٢٨٩

طه

( وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها )

١٣٢

٦٠

( فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى )

٦١

٤٥

( طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى )

٢ ـ ١

٢٩


الأنبياء

( فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ )

٨٤

٦٠

( وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ )

٨

٢٨٨

( أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ )

٦٧

٣٣

( لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتا )

٢٢

٢٨٩

المؤمنون

( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ )

٩٦

١٩٩

القصص

( فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ )

٢٩

٦٠

( يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُ )

٢٦

٢٨٩

( يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ )

٣٠

٢٨٩

( وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ما ذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ )

٦٥

١٦

( رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ )

٢٤

٣٣

العنكبوت

( إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ )

٣٣

٦١


الرّوم

( ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا )

١٠

٣٥٧

( فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ )

٤٧

٤٥

الأحزاب

( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيا )

٥٧

٦٠

( يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ )

٣٠

٦٠

( يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَ )

٣٢

٦١

( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ )

٣٣

٦١

( النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ )

٦

٤٥٧

( وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ )

٢٥

٤٥٤

( وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ )

٧

١٥٧

( وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً )

٧١

١٣٧

فاطر

( وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ )

٤٣

٦٢

( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا )

٣٢

١٩٨

الصّافّات

( فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى )

١٠٢ ـ ١٠٦

١٦١


( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ )

٢٤

٧٤

ص

( يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ )

٢٦

٢٨٩

الزّمر

( وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ )

٣٦

٢٨٨

غافر

( وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ )

٢٨

٢٧٤

( إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ )

٢٧

١٣٣

( وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ )

٣٠ ـ ٣٢

٤٥

( وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ )

٣١

٤٥

الشّورى

( وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ )

٣٠

١٢٦

( وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ )

٧

١١١

الزّخرف

( سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا )

١٣

٢٨٩


( وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ )

٨٩

٢٨٨

الدّخان

( إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ )

٢٠

١٣٣

الأحقاف

( فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ )

٣٥

١٥٧

محمّد

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ )

٣٣

١٣٨

الفتح

( وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ )

١٧

١٣٨

ق

( وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما )

٣٨

٢٨٨

( ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ )

١٨

١٥

الطّور

( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ )

٢١

٤٥٨


الواقعة

( فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ )

٨٨ ـ ٨٩

٢٨٥

الحديد

( ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ )

٢٣

١٢٦

التّحريم

( إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما )

٤

٦٠

( عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً )

٥

٦٠

القلم

( عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ )

١٣

١٣٤

( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ )

٤

٨٤

المطفّفين

( بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ )

١٤

٣٧٦

الإنسان

( وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً )

٨

٢٩٠


الأعلى

( فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى )

٩

١٥٤

الكوثر

( إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ )

١ ـ ٣ /

٤٤١



فهرس الأحاديث

طرف الحديث

الصّفحة

اللهمّ صلّ على محمّد وآله ، واشغل قلوبنا

١٤

الحمد لله الّذى هدلنا لهذا

١٧

أنا خاصف النّعل

١٩

لقد رأينا يوم بدر ونحن نلوذ برسول

١٩

دخلت على رسول الله وكانت له هيبة

٢٠

اليوم مات جدّي رسول الله ، اليوم ماتت أمّي فاطمة

٢٥

أفتشكّون في أنّي ابن بنت نبيّكم؟

٢٥ و ١٠٦

ويّحكم! أخبروني أتطلبوني بقتيل؟

٢٨

إلهي إن طال في عصيانك عمري

٢٩

أنّي كنت بين يدي جبّار

٣٠

نقاتل لأجلها ونتركها؟!

٣١

أللهمّ العنهم لعن عاد وثمود

٣١

أسلم تسلم؟!

٣٤

يا جابر! قد فعل ذلك أخي بأمر الله

٣٦

هذا ما قاضى عليه محمّد رسول الله

٣٧


إنّ معاوية ورهطه ليسوا بأصحاب دين

٣٧

أخذنا عليهما ألّا يتعدّيا القرآن فتاها عنه

٣٧

فسحقا لكم يا عبيد الأمّة

٣٨

ألا وإنّ الدعيّ ابن الدّعيّ قد ركز

٣٩

وأيم الله لتقتلني الفئة الباغية

٣٩

ما نزل أبي منزلا ، أو ارتحل عنه

٤٠

من هوان الدّنيا على الله أنّ رأس يحيى

٤٠

اللهمّ اجعلني أخشاك كأنّي

٤٠

الحمد لله ما شاء الله ، ولا قوّة إلّا بالله

٤٣ و ٢٨٣

بأي شيء يعلم المؤمن أنّه مؤمن؟

٤٤

أوحى الله إلى داود : تريد ، وأريد

٤٤

ولا تسخط الله برضا أحد من خلقه

٤٤

من طلب رضا مخلوق بسخط الخالق

٤٥

لا حوّل ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم

٤٧ و ٥٠ و ٣٧٢

والله لو تظاهرت العرب على قتالي

٤٨

اللهمّ أنّك تعلم لو أنّي أعلم أنّ رضاك

٤٨

حسين منّي ، وأنا من حسين

٤٨

بأنّه يفيد الإمتزاج ، والإتحاد

٤٩

لا خير في العيش بعدك

٤٩


لا حوّل ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم

٥٠

أللهمّ أنّك قريب إذا دعيت ، محيط بما

٥٠

وأفزع إليك خائفا

٥١

فو الله ما فريت إلّا جلدك ، وما حززت إلّا لحمك

٥٥ و ٣٦١

الحمد لله الّذي أكرمنا بنّبيه محمّد

٥٧ و ٣٥٦

أللهمّ هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيرا

٦٠ و ١٨٣ و ٣٣٥ و ٤٥٧

مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا

٦٩

أنا مدينة العلم ، وعليّ بابها

٧٠

أنت أخي في الدّنيا والآخرة

٧٠

من كنت مولاه فعليّ مولاه

٧١

أيّ بلد هذا ، أليست بالبلدة الحرام؟

٧١

برز الإيمان كلّه إلى الشّرك كلّه

٧٣

لا إله إلّا الله محمّد رسول الله

٧٧ و ٣٠٥ و ٤٥٨

إنّما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق

٨٤

أنا أبنيها لك

٩١

والّذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتّى أكون أحبّ

٩١ و ٤٥٨

حسين منّي ، وأنا من حسين

٤٨ و ٩٣

بارك الله فيك يا نسيبة

٩٣


هذا شاب قتل أبوه ، ولعلّ أمّه تكره

٩٦

إذا أردت أن تعلم أنّ فيك خيرا

٩٧

نحن وآل أبي سفيان تعادينا في الله

١٣ و ٩٩ و ٣٣٦

الحمد لله الّذي اختارنا لنفسه ، وارتضانا

١٠٠

من يأخذه ويدعوهم إلى ما فيه

١٠٣

إنّ الفتى ممّن حشا الله قلبه نورا وإيمانا

١٠٣

والله ما كنت في شك ولا لبس من ظلالة

١٠٤

أللهمّ أنت ثقتي في كلّ كرب

١٠٤

أيّها النّاس اسمعوا قولي ، ولا تعجلوني

١٠٥

هذان سيّدا شباب أهل الجنّة

١٠٥ و ٣٧٧

فإن كنتم في شك من هذا القول أفتشكّون

١٠٦ و ٣٧٨

كيف خلّفتموني في الثّقلين؟

١١١

والله لقد بلوتهم فما وجدت فيهم

١١٢

أمّا بعد ، فإنّي لا أعلم أصحابا أوفى

١١٢

دخلت إلى الموت ، أو خرج الموت

١٢٢

والله لابن أبي طالب آنس بالموت

١١٣

يستأنسون بالمنيّة دوني استئناس الطّفل

١١٣

إذهب لشأنك ، إنّما طلبتنا للعافية

١١٤

لا عليكم أن تمنعوه ، لعلّ الله يرزقه

١١٦


أنّ الحسين لمّا فصل متوجها إلى العراق

١١٧

ومن تخلّف لم يبلغ الفتح ، والسّلام

١١٧ و ١٢٠

صبرا يا بني عمومتي ، صبرا يا أهل بيتي

١٢١

من كان الغالب يوم كربلاء؟ فقال : اسمع

١٢١

خلّوني والعرب ، فإن أك صادقا كنتم

١٢٣

كتبتم إليّ أن قد أينعت الثّمار واخضرّ

١٢٣

قوموا إلى جنّة عرضها السّماوات

١٢٤

قوموا إلى الموت الّذي لا بدّ منه

١٢٤

ألا وإنّي أظنّ يومنا من هؤلاء الأعداء

١٢٥

هذا في حقّ من ظلم لا في من ظلم

١٢٧

لعنة الله على من قتل أبي

١٢٧

زعمت أنّك تناديهم ، فلتردن وشيكا

١٢٨ و ٣٥٩

أعمل بكتاب الله وسنّة الرّسول

١٣٠

ناشدني الله والرّحم

١٣١

لا والله ، لا أعطيهم بيدي إعطاء الذّليل

١٣٣ و ٣٣٨ ٣٧٢ و ٣٧٨

أيّها الأمير ، إنّا أهل بيت النّبوّة

١٣٤

أللهمّ هذا قبر نبّيك محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنا ابن

١٣٥

أنا وأهل بيتي شجرة في الجنّة وأغصانها

١٣٨


أللهمّ ارحم تلك الأعين الّتي جرت

١٤٤

أما والله لا اجيبهم إلى شيء ممّا يريدون

١٤٦

أغلب النّاس من غلب هواه بعلمه

١٤٧

علامة الإيمان أن تؤثر الصّدق

١٤٧

اعلم بأنّك لا تكون لنا وليّا إلّا إذا اجتمع

١٥٢

يكون في آخر الزّمان قوم سفهاء

١٥٣

من الحسين بن عليّ إلى إخوانه

١٥٤

ما أوذي نبّي بمثل ما أوذيت

١٥٧

صبرا بني الكرام ، فما الموت إلّا قنطرة

١٥٧

الدّنيا سجن المؤمن ، وجنّة الكافر١٥٨

١٥٨

استعدوا للبلاء ، واعلموا أنّ الله حاميكم

١٥٨

أمضي على دين النّبيّ

١٦٧

فإنّي لا أرى الموت إلّا سعادة ، والحياة

١١٤ و ١١٩ و ١٦٨

أنت منّي بمنزلة هرون من موسى

١٨٢

لأعطين الرّاية إلى رجل يحبّه الله

١٨٢

من كنت مولاه فعليّ مولاة

١٨٣

لأعطينّ هذه الرّاية رجلا يحبّ الله

١٨٣

وما وجد لي كذبة في قول ، ولا خطلة

١٨٦ و ٤٤٧

والله لا يقتل حتّى أقتل

١٨٨


والله لا أفارقه ، فإن قتلته فاقتلني معه

١٨٨

إذا أتاك أكبر ولدي ، فادفعيها إليه

١٨٩

أنّ الله يحبّ ذا البصر النّافذ عند ورود

١٩٩

ما كنت لأسبقك باسمه

٢٠٥

أللهمّ العن القائد والسّائق والرّاكب

٢١٤

أللهمّ العن القائد والسّائق والرّاكب

٢١٤

أنّ الملائكة حملت ترابا مقدّسا

٢٢٣

أنّ مئتي نبي ومئتي مندوب للأنبياء

٢٢٣

أللهمّ وال من والاه ، وعاد من عاداه؟

٢٣٧

يا عليّ ، لا يبغضك مؤمن ، ولا يحبّك

٢٣٧

عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ

٢٣٨

سأعطي الرّاية إلى رجل يحبّ الله

٢٤٠

أجرنا من أجارت أمّ هاني

٢٤٦

أشبهت خلقي وخلقي

٢٤٧ و ٢٩٩

ما أدري بأيّهما أنا أشدّ فرحا بقدوم جعفر

٢٤٧ و ٣٠١ و ٣٠٣

رأيت جعفرا يطير بجناحين في الجنّة

٢٤٨

إنّك امرتني أن أخونهم واعطيك

٢٥٣

نحن أهل بيت لا يقاس بنا أحد

٢٦٢

إنّي تارك فيكم الثّقلين ما إن تمسّكتم

٢٦٤

كلّ سبب ونسب منقطع يوم القيامة

٢٦٥


ليس المخبر كالمعاين

٢٦٧

استمسك به وانصره بلسانك ، ويدك

٢٧٠

أنّ محمّدا لم يدعك إلّا إلى خير

٢٧٥

إذهب ، فاغسله وكفّنه ، وواره

٢٧٦

أللهمّ اغفر لأمّي فاطمة بنت أسد

٢٧٨

خطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة

٤٣ و ٢٨٣

يا أبتاه يا رسول الله! الآن حقّا فقدناك

٢٩٤

ألا ترى ـ الخطاب لمعاوية ـ غير مخبر

٣٠٠

إنّ الله اختارني في ثلاثة من أهل بيتي

٣٠٠

دخلت البارحة الجنّة فإذا جعفر يطير

٣٠٠

ما أدري بأيّهما أنا أشدّ فرحا بقدوم جعفر

٣٠١

أللهمّ أخلف جعفرا في أهله

٣٠٦

بناتنا لبنينا ، وبنونا لبناتنا

٣٠٩

إنّ ابني هذا سيّد ، ولعل الله يصلح به

٣١٥

ويح عمّار تقتله الفئة الباغية يدعوهم

٣١٦

الدّهر يومان : يوم لك ، ويوم عليك

٣٢١

نزل بي من وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ما لم أكن

٣٢١

أبكي لذّرّيتي ، وما تصنع بهم شرار أمّتي

٣٢٢

رضا الله رضانا أهل البيت نصبر على بلائه

٤٤ و ٢٨٣ و ٣٢٦


فكيف صبرك إذا! فقلت : يا رسول الله

٣٢٦

أنّ أشدّ النّاس بلاء النّبيّون ، ثمّ الوصيون

٣٢٧

فقد بلغني كتابك تذكر فيه أنّه انتهت إليك

٣٣٢

الولد للفراش ، وللعاهر الحجر

٣٣٣

إنّ أمّتك ستقتله ، وإن شئت أريتك

٣٤٣

أصبحنا في قومنا مثل بني إسرائيل

٣٤٩

كان عليّ مكدودا في ذات الله ، مجتهدا

٣٥١

أمّا بعد : يا أهل الكوفة ، أتبكون؟

٣٥٥

ما رأيت إلّا جميلا ، هؤلاء قوم كتب الله

٣٥٦

فانظر لمن الفلج يومئذ ثكلتك أمّك

٣٥٧

أظننت يا يزيد حين أخذت علينا أقطار

٣٥٧

أما والله لقد تقمّصها فلان

٣٦٣

فدع عنك من مالت به الرّميّة فإنّا

٣٦٤

الحسن والحسين سيّدا شباب أهل

٣٦٥

ما قتل الحسين غيرك

٣٦٦

هذا جدّي أو جدّك يا يزيد

٣٦٦

ربّ صلّ على محمّد وآله صلاة تجاوز

٣٦٧

ربّ صلّ على أطائب أهل بيته الّذين

٣٦٨

اللهمّ وصلّ على أوليائهم المعترفين

٣٦٨


هل من ذابّ يذبّ عن حريم رسول

٣٧١

أتعرفني من أنا؟

٣٧٤

فزت وربّ الكعبة

٣٧٥

ما قست القلوب إلّا لكثرة الذّنوب

٣٧٦

أللهمّ تقبل منّا هذا القليل

٣٨١

مالي أراك تجود بنفسك يا بقيّة جدّي

٣٨٢

أللهمّ سهّل علينا ما نستصعب من حكمك

٣٨٣

المستقبل لذكرنا ، والعظمة لرجالنا

٣٨٤

يا محمّداه! هذا حسين بالعراء مرمل

٤٠٧

فلم أر والله خفرة أنطق منها

٤٠٨

من أين لك هذا؟

٤١٧

طوبى لمن هدي للإسلام وكان عيشه

٤٢٠

صلاح ذات البين أفضل من عامّة الصّلاة

٤٢٤

أللهمّ أهدني فيمن هديت ، وعافني فيمن

٤٢٧

دع ما يريبك إلى ما لا يريبك

٤٢٧

لا تتكلّف ما لا تطيق

٤٢٩

هذا أخي ووصييّ وخليفتي فيكم

٤٤٥

ما فرّق بينكم إلّا خبث السّرائر

٤٤٧

أنا وضعت في الصّغر بكلاكل العرب

٤٤٧


الآن برز الإسلام كلّه للشّرك

٤٥٢

لا فتى إلّا علي ، ولا سيف إلّا

٤٥٤

إنّي رأيت على بابها سترا موشيّا!!

٤٥٩

إنّي وجدت في يديها سوارين

٤٥٩



فهرس المصادر المطبوعة والمخطوطة

١. القرآن الكريم ، كتاب الله تبارك وتعالى الحيّ القّيّوم.

حرف الألف

٢. الإبانة عن أصول الدّيانة ، لابن بطّة الفلكي ، دمشق ، الطّبعة الأولى.

٣. الإبانة عن اصول الدّيانة ، لأبي الحسن عليّ بن إسماعيل الأشعريّ ، طبعة القاهرة ١٣٥٩ ه‍ ، وطبعة مكتبة دار البيان دمشق ١٤٠١ ه‍.

٤. الإتحاف بحبّ الأشراف ، للشّبراويّ الشّافعيّ (ت ١١٧٢ ه‍ ق) ، تحقيق : محمّد جابر ، المطبعة الهندية العربية ١٢٥٩ ه‍ وطبعة ـ مصر ١٣١٣ ه‍ ، واعيد طبعه في ـ إيران ١٤٠٤ ه‍ ، وطبعة دار الكتاب الإسلامي بتحقّيقنا.

٥. إتحاف السّادة المتقين بشرح إحياء علوم الدّين ، لأبي الفيض محمّد بن محمّد الحسينيّ الزّبيديّ ، طبعة دار الفكر ـ بيروت.

٦. إسعاف الرّاغبين في سيرة المصطفى وأهل البيت الطّاهرين (بهامش نور الأبصار) ، للشّيخ محمّد بن عليّ الصّبان ، طبع العثمانية.

٧. الآثار الباقية عن القرون الخالية ، لمحمّد بن أحمد البيروني. طبعة ليبك


عام ١٩٢٣ م.

٨. الأخبار الطّوال ، لأحمد بن داود الدّينوريّ (أبو حنيفة ت ٢٨٢ ه‍) تحقّيق : عبد المنعم عامر. طبعة دار المسيرة ـ بيروت ، طبعة دار إحياء الكتب العربية سنة (١٩٦٠ م).

٩. الأنوار القدسيّة في بيان العهود المحمّديّة ، عبد الوهّاب بن أحمد الشّعراني ، أخذ بالواسطة.

١٠. الأنوار القدسيّة للسّنهوتي ، أخذ بالواسطة.

١١. الإرشاد الهادي إلى منظومة الهادي في العقائد الزّيديّة ، لابن الوزير ، (مخطوط) ، دار الكتب المصرية رقم(٥٨٧) .

١٢. أسباب النّزول ، أبي الحسن عليّ بن أحمد بن محمّد الواحدي. (ت ٤٦٨ ه‍ / ١٠٧٦ م) وبهامشه النّاسخ والمنسوخ لهبة الله سلامة. عالم الكتب. بيروت : لبنان.

١٣. الإستيعاب في معرفة الأصحاب ، يوسف بن عبد الله بن محمّد القرطبي أبو عمر المشهور بابن عبد البر الّنمري ، (ت ٤٦٣ ه‍). تحقّيق : عليّ محمّد معوض دار الكتب العلميّة. بيروت ـ لبنان. وتحقّيق عليّ البجاوي. طبعة القاهرة وبهامش الإصابة.

١٤. اسد الغابة في معرفة الصّحابة ، لأبي الحسن عزّ الدّين عليّ بن أبي الكرم محمّد ابن محمّد بن عبد الكريم الشّيبانيّ المعروف بابن الأثير الجزريّ (ت ٦٣٠ ه‍ ق) ، تحقيق : محمّد إبراهيم ، طبعة ـ القاهرة ١٣٩٠ ه‍ ، وطبع بالافست في المكتبة الإسلاميّة للحاج رياض ، وطبع المطبعة الوهبية بمصر.


١٥. أسنى المطالب في نجاة أبي طالب ، لأحمد زيني دحلان (ت ١٣٠٤ ه‍ ق) ، طبعة ـ مصر ١٣٠٥ ه‍. وطبع دار الكتاب العربي بيروت ١٤٠٥ ه‍.

١٦. أسنى المطالب في أحاديث مختلفة المراتب ، لمحمّد بن دويش الحوت البيروتي ، دار الكتاب العربي ١٣٩١ ه‍ ، ومطبعة مصطفى ـ مصر ١٣٥٥ ه‍ ، طبعة مصر ١٤١٦ ه‍ ، طبعة دار الفكر الإسلامي بيروت ١٤٠٨ ه‍.

١٧. أسنى المطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب ، لمحمّد بن عليّ بن يوسف الجزريّ الشّافعيّ (ت ٨٣٣ ه‍ ق) ، طبعة ـ مكّة المكرمة ١٣٢٤ ه‍ ، وطبع دار إحياء التّراث العربي ١٣٢٨ ه‍.

١٨. الإشراف على فضل الأشراف ، لإبراهيم الحسنيّ الشّافعيّ السّمهوديّ المدنيّ تحقيق : سامي الغريري ، طبع دار الكتاب الإسلامي.

١٩. الإصباح على المصباح في معرفة الملك الفتّاح ، الإمام النّاصر لدين الله إبراهيم بن محمّد بن أحمد المؤيدي ، تحقّيق : السّيّد العلّامة عبد الرّحمن بن حسين شايم ، طبع مؤسّسة الإمام زيد الثّقافية.

٢٠. الإصابة في تمييز الصّحابة ، محمّد بن حبيب البغدادي. طبعة مولاى عبد الحفيظ. القاهرة (١٣٢٨ ه‍).

٢١. الإصابة في تمييز الصّحابة ، (بهامش الإستيعاب لابن عبد البر). أحمد ابن حجر العسقلاني (٧٧٣ ـ ٨٥٢ ه‍). دار العلوم الحديثة. وطبعات أخرى لا حقة.

٢٢. الأعلام ، قاموس تراجم لأشهر الرّجال خير الدّين بن محمود بن محمّد ابن عليّ بن فارس ، أيلول سبتمبر ١٩٩٢ م دار العلم بيروت ـ لبنان.

٢٣. أعلام النّساء ، عمر رضا كحالة سنة (ت ١٤١٣ ه‍) مؤسّسة الرّسالة


بيروت ـ لبنان.

٢٤. الأغاني ، لأبي الفرج الإصبهاني (ت ٣٥٦ ه‍) ، تحقّيق : خليل محييّ الدّين دار الكتب المصرية ، الطبعة الأولى ١٣٥٨ ه‍ ، وكذا طبعة دار الفكر بيروت عام (١٤١٢ ه‍).

٢٥. الإمامة والسّياسة ، لأبي محمّد عبد الله ابن مسلم المعروف بابن قتيبة الدّينوريّ (ت ٢٧٦ ه‍ ق) ، مكتبة ومطبعة مصطفى بابي الحلبي ، مصر ١٣٨٨ ه‍.

٢٦. السّيرة الحلبية (إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون) ، عليّ بن برهان الشّافعي الحلبي ، دار الفكر العربي بيروت ١٤٠٠ ه‍.

٢٧. الأنساب ، عبد الكريم محمّد السّمعاني (ت ٥٦٢ ه‍). طبعة ليدن. وبتحقّيق : عبد الرّحمن المعلمي اليماني. طبعة ـ بيروت. الطبعة الأولى ١٤٠٨ ه‍ / ١٩٨٨ م دار الجنان بيروت ـ لبنان.

٢٨. أنساب الأشراف ، لأحمد بن يحيى بن جابر البلاذريّ ، (ت ٢٧٩ هق) ، تحقّيق : كمال الحارثيّ ، طبعة مكتبة الخانجيّ ـ مصر ١١٢٥ ه‍ ، طبعة مكتبة المثنّى بغداد ١٣٩٦ ه‍ ، وتحقّيق المحمودي ، مؤسّسة الأعلمي بيروت.

حرف الباء

٢٩. البداية والنّهاية ، لأبي الفداء إسماعيل بن كثير الدّمشقي ، تحقّيق : عليّ شيري ، دار الكتب العلمية ، الطبعة الخامسة ، (١٤٠٩) ه ، مطبعة السّعادة مصر عام ١٣٥١ ه‍.

٣٠. كتاب بحر الدّم فيمن تكلّم فيه الإمام أحمد ، طبعة القاهرة.


٣١. البداية والنّهاية ، محمّد بن عبد الحرّ الكناني (ت ١٣١٢ ه‍). طبعة القاهرة (١٣٥١ ـ ١٣٥٨ ه‍).

٣٢. بشارة المصطفى لشيعة المرتضى ، عماد الدّين أبو جعفر محمّد بن القاسم الطّبري ، المطبعة الحيدرية ، النّجف الأشرف ، الطّبعة الثّانية ١٣٨٣ ه‍ ، ونشر مطبعة الخانجي مصر ١٤٠٠ ه‍.

٣٣. بغيّة الوعاة في طبقات اللّغوين والنّحاة ، جلال الدّين السّيوطي (ت ٩١١ ه‍). طبعة مصر سنة ١٣٢٦ ه‍. طبعة أخرى بتحقّيق : محمّد أبو الفضل إبراهيم. القاهرة (١٩٦٤ م).

٣٤. البلدان ، لأبي بكر أحمد بن محمّد الهمداني المعروف بابن الفقيه ، طبعة النّجف الأشرف ، طبعة ليدن.

٣٥. البيان والتّبيين ، لعمرو بن بحر الجاحظ ، (ت ٢٥٥ ه‍ ق) ، شرح حسن السّندوبيّ ، نشر دار الجاحظ ١٤٠٩ ه‍ ، ومطبعة الإستقامة ، الطّبعة الثّالثة القاهرة ١٣٦٦ ه‍ ، وطبعة دار الوعي سوريا ١٤٠٢ ه‍.

٣٦. بلوغ الأرب وكنوز الذّهب في معرفة المذهب ، لعلي بن عبد الله بن القاسم ابن محمّد بن الإمام القاسم بن محمّد الحسني الشّهاري الصّنعاني ، تحقيق عبد الله بن عبد الله بن أحمد الحوثي ، طبع مؤسّسة الإمام زيد بن عليّ الثّقافية.

حرف التّاء

٣٧. تأريخ بغداد ، لأحمد بن عليّ الخطيب البغداديّ ، طبعة دار السّعادة مصر.

٣٨. التّأريخ يحيى بن معين (ت ٢٣٣ ه‍) ، رواية عبّاس الدّوري. تحقيق :


أحمد محمّد نور سيف. طبعة مكّة المكرّمة ١٩٧٩ م.

٣٩. التّأريخ الكبير لمحمّد بن إسماعيل البخاريّ ، طبعة حيدر آباد الدّكن.

٤٠. تأريخ جرجان. للسّهمي حمزة بن يوسف (ت ٤٢٧ ه‍). طبعة حيدر آباد الدّكن ٣٦٩ / ١٩٥٠ م.

٤١. تأريخ ابن خلدون ، المسمى التّأريخ أو العبر وديوان المبتدأ أو الخبر. عبد الرّحمن بن محمّد المشهور بابن خلدون (ت ٨٠٨ ه‍) ، طبعة دار الكتاب العربيّ بيروت ١٩٧١ ه‍.

٤٢. تأريخ الخلفاء لعبد الرّحمن بن أبي بكر السّيوطيّ (ت ٩١١ ه‍) ، تحقّيق محيي الدّين عبد الحميد ، طبعة القاهرة ، ١٩٥٩ م) طبعة دار السّعادة مصر عام (١٤١٦ ه).

٤٣. تأريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس ، لحسين بن محمّد بن الحسن الدّيار بكريّ (ت ٩٦٦ ه‍) ، طبعة القاهرة ١٢٨٣ ه‍.

٤٤. تأريخ دمشق ، حمزة بن أسد القلانسي (ت ٥٥٥ ه‍). طبعة بيروت عام (١٩٠٨ م).

٤٥. تأريخ دمشق ، عليّ بن الحرّ بن عساكر (ت : ٥٧١ ه‍). طبعة دمشق ١٩٥١ ـ ١٩٥٤ م. طبعة (١٩٨٢ م).

٤٦. تأريخ الإسلام ، محمّد بن أحمد بن عثمان الذّهبيّ ، (ت ٧٤٨ ه‍) مكتبة القدسي القاهرة (١٣٦٨ ه‍ تحقّيق بشار عواد معروف طبعة القاهرة (١٩٧٧ م).

٤٧. تأريخ الإسلام السّياسي والدّيني والثّقافي والإجتماعي ، الدّكتور حسن إبراهيم ، طبعة دار الكتاب بيروت ١٤٠١ ه‍.


٤٨. تأريخ الإسلام ووفيّات المشاهير والأعلام ، لشمس الدّين محمّد بن أحمد الذّهبيّ (ت ٧٤٨ ه‍ ق) ، تحقيق : عمر عبد السّلام تدمريّ ، طبعة دار الرّائد العربي ـ القاهرة ١٤٠٥ ه‍ ، ونشر دار الكتاب العربي ـ بيروت ١٤١١ ه‍ وطبعة حيدر آباد الدّكن ١٣٥٤ ه‍.

٤٩. تأريخ الطّبريّ تأريخ الرّسل والامم والملوك ، لأبي جعفر محمّد بن جرير الطّبريّ (... ـ ٣١٠ ه‍) ، تحقّيق محمّد أبو الفضل إبراهيم دار المعارف القاهرة (١٩٦٠ م) طبعة اوربا ، طبعة الإستقامة مصر.

٥٠. تأريخ ابن عساكر (تأريخ دمشق) ، الأجزاء الّتي حققّها المحمودي ، ترجمة الإمام عليّ والإمام الحسن والإمام الحسين.

٥١. تأريخ المدينة المنورة (أخبار المدينة) ، لعمر بن شيبة. تحقّيق : فهيم محمّد شلتون. دار التّراث والدار الإسلاميّة ١٩٩٠ م بيروت : لبنان.

٥٢. تأريخ اليعقوبيّ ، أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر العبّاسي المعروف باليعقوبيّ ، طبعة النّجف الأشرف ١٣٥٤ ه‍.

٥٣. تأريخ اليعقوبي ، لابن واضح. طبعة دار صادر بيروت. وأيضا النّجف.

٥٤. تاج العروس في جواهر القاموس ، محمّد مرتضى الزّبيدي. طبعة مصر.

٥٥. التّبيان في آداب حملة القرآن ، للنّووي ، أخذ بالواسطة.

٥٦. تحفة النّاظرين ، فيمن ولّى مصر من الولاة والسّلاطين ، طبعة مصر.

٥٧. تحفة الأحوذي بشرح جامع التّرمذي ، لعبد الرّحمن بن عبد الرّحيم المباركفوري ، طبع سنة (١٢٨٢ ه‍) ، دار الكتب العلمية.

٥٨. تحفة الأزهار ، لابن شدقم ، أخذ بالواسطة.


٥٩. تحفة الأحباب ، للسّخاوي ، أخذ بالواسطة.

٦٠. التّحفة اللّطيفة في تأريخ المدينة الشّريفة ، طبعة الرّياض.

٦١. التّحفة الأنسيّة على المقدّمة الأجروميّة ، لشمس الدّين محمّد الأزهري المالكي ، طبع مطبعة الفجّالة.

٦٢. تحف العقول ، لأبي محمّد الحسن بن عليّ الحرّاني المعروف بابن شعبة ، مؤسّسة النّشر الإسلامي ـ قم ، الطّبعة الثّانية ١٤٠٤ ه‍ ، وإنتشارات جامعة مدرسين ، وطبعة دار إحياء التّراث العربيّ ١٤٠٦ ه‍.

٦٣. التّذكرة ، لعبد الرّحمان بن عليّ بن محمّد بن عليّ البكري الحنبلي البغدادي (ابن الجوزي الحنفي) ، طبعة حيدر آباد الدّكن.

٦٤. تتمّة المختصر لابن الوردي : (حياة الإمام مالك) ، أخذ بالواسطة.

٦٥. تذكرة الحفّاظ ، محمّد أحمد بن عثمان الذّهبيّ ، (ت ٧٤٨ ه‍ ق) ، تحقّيق : أحمد السّقا ، طبعة ـ القاهرة ١٤٠٠ ه‍ ، طبعة حيدر آباد الدّكن ١٣٨٧ ه‍ طبعة دار إحياء التّراث العربيّ مكتبة الحرم المكيّ بمكّة المكرمة.

٦٦. تذكرة الخواص (تذكرة خواص الأمّة) ، ليوسف بن فرغلي بن عبد الله المعروف بسبط ابن الجوزيّ ، الحنبليّ ثمّ الحنفيّ ، نزيل دمشق (ت ٦٥٤ ه‍) ، طبعة ـ بيروت الثّانية ١٤٠١ ه‍ ، طبعة النّجف الأشرف ، طبعة مصر.

٦٧. ترجمة الإمام عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، من تأريخ دمشق الكبير ، لعليّ بن هبة الله المعروف بابن عساكر ، طبعة دمشق.

٦٨. ترجمة الإمام الحسين من كتاب الطّبقات الكبير القسم الغير المطبوع ، لابن سعيد الزّهري (٢٣٠ ه‍). تحقّيق : السّيّد عبد العزيز الطّباطبائي. نشر مؤسّسة آل


البيت لإحياء التّراث. ١٤١٥ ه‍.

٦٩. ترجمة الإمام الحسن من تأريخ دمشق الكبير (٥٧١ ه‍) ، تحقّيق : محمّد باقر المحمودي. مؤسّسة المحمودي. (١٤٠٠ ه‍).

٧٠. تفريح الخاطر في ترجمة عبد القادر ، طبعة عيسى البابي الحلبي وشركاؤه عام «١٣٣٩ ه‍».

٧١. تفسير روح المعاني ، لأبي الفضل شهاب الدّين السّيّد محمّد الآلوسي ، طبعة مكتبة المثنى بغداد ١٣٩٦ ه‍.

٧٢. تفسير القرآن العظيم ، (تفسير ابن كثير) ، لإسماعيل بن عمر بن كثرير البصريّ الدّمشقيّ ، (ت ٧٧٤ ه‍). طبعة بيروت دار المعرفة ١٤٠٧ ه‍ ، طبعة دار إحياء التّراث العربيّ ، طبعة دار صادر.

٧٣. تفسير البيضاويّ ، (أنوار التّنزيل وأسرار التّأويل) ، لأبي سعيد عبد الله ابن عمر الشّيرازيّ البيضاويّ ، طبعة دار النّفائس ١٤٠٢ ه‍ ، وطبعة مصطفى محمّد ـ مصر.

٧٤. تفسير الكشّاف ، لأبي القاسم جار الله محمود بن عمر بن محمّد بن أحمد الزّمخشري (ت ٥٣٨ ه‍) ، طبعة دار المعرفة بيروت ، قم ، دار البلاغة.

٧٥. تفسير الثّعلبي (الكشف والبيان في التّفسير) ، لأحمد بن محمّد بن إبراهيم النّيسابوري ، (ت ٤٣٧ ه‍) ، مطبوع الجزء الأوّل على الحجر ، و (مخطوط) في مكتبة المرعشي النّجفي العامّة.

٧٦. تفسير الخازن لعلاء الدّين الخازن الخطيب البغداديّ ، (ت ٧٢٥ ه‍ ق) ، طبعة دار الفكر ـ بيروت ١٤٠٩ ه‍ ، وطبعة مصر ١٤١٥ ه‍ دار الكتب العربية الكبرى.


٧٧. تقريب التّهذيب ، محمّد بن حبيب البغدادي (ت ٢٤٥ ه‍). تحقّيق : عبد الوهاب عبد اللطّيف. طبعة القاهرة (١٣٨٠ ه‍).

٧٨. تهذيب التّهذيب ، لأبي الفضل أحمد بن عليّ بن حجر العسقلانيّ (ت ٨٥٢ ه‍ ق) ، تحقيق : مصطفى عبد القادر عطا ، طبعة دار الكتب العلمية الطّبعة الأولى ـ بيروت ١٤١٥ ه‍ ، ومطبعة مجلس دائرة المعارف النّظامية الهند ١٣١٥ ه‍ ، النّاشر ، دار صادر بيروت ـ مصور من طبعة دائرة المعارف العثمانية ، حيدر آباد ـ الهند ١٣٢٥ ه‍.

٧٩. تهذيب تأريخ دمشق الكبير لابن عساكر ، الشّيخ عبد القادر ريدران. دار المسيرة بيروت : لبنان.

٨٠. تهذيب الأحكام ، لأبي جعفر محمّد بن الحسن الطّوسي (المتوفّى ٤٦٠ ه‍) ، تحقّيق الحجّة السّيّد حسن الخرسان ، الطّبعة الثّالثة ، بيروت دار الأضواء عام (١٤٠٦ ه‍).

٨١. تهذيب الأسماء واللّغات ، يحيى بن شرف محي الدّين (ت ٦٧٦ ه‍).

طبعة القاهرة (١٣٤٩ ه‍).

٨٢. تهذيب الكمال ، يوسف بن عبد الرّحمن المزي (ت ٧٤٢ ه‍). طبعة دار المأمون دمشق ، ومطبعة مؤسّسة الرّسالة.

حرف الثّاء

٨٣. الثّقات ، لأبي حاتم محمّد بن حبّان بن أحمد الّتميمي البستي ، (٣٥٤ ه‍) الطبعة الأولى ، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانيّة بحيدر آباد الدّكن ، الهند ،


عام ١٣٦٩ ه‍.

٨٤. ثمرات الأوراق ، للشّيخ تقّي الدّين أبي بكر بن عليّ المعروف بابن حجّة الحموي ، أخذ بالواسطة.

حرف الجيم

٨٥. جامع الأصول في أحاديث الرّسول ، لأبي السّعادات مجد الدّين المبارك بن محمّد ابن محمّد المعروف بابن الأثير الشّيباني الشّافعي ، (ت ٦٠٦ ه‍) طبعة الفجّالة مصر ١٤٠٦ ه‍.

٨٦. جامع البيان عن تأويل القرآن ، أبي جعفر محمّد بن جرير الطّبري (المتوفّى ٣١٠ ه‍).

٨٧. الجامع الصّحيح (سنن التّرمذي) ، لأبي عيسى محمّد بن عيسى بن سورة التّرمذي (ت ٢٩٧ ه‍) تحقّيق : أحمد محمّد شاكر ، دار إحياء التّراث ، بيروت.

٨٨. الجامع الصّحيح (صحيح مسلم) بشرح النّووي ، لمسلم بن الحجّاج بن مسلم القشيري النّيشابوري (ت ٢٦١ ه‍ ق) ، تحقّيق : محمّد فؤاد عبد الباقي ، دار الحديث ، القاهرة ، الطبعة الأولى ١٤١٢ ه‍.

٨٩. الجامع الصّغير ، في أحاديث البشير النّذير جلال الدّين عبد الرّحمن بن أبي بكر جلال الدّين السّيوطي (ت ٩١١ ه‍ ق) ، الطبعة الأولى ـ القاهرة ١٣٦٥ ه‍.

٩٠. الجامع لأحكام القرآن ، لأبي عبد الله محمّد بن أحمد القرطبيّ (ت ٦٧١ ه‍) ، طبعة الفجّالة القديمة مصر. ، والطبعة الأولى ، دار إحياء التّراث العربي ، تصحيح أحمد عبد العليم البردوني.


٩١. الجرح والتّعديل ، عبد الرّحمن بن أبي حاتم محمّد بن إدريس المنذر (ت ٣٢٧ ه‍). تحقّيق : عبد الرّحمن المعلمي اليماني. حيدر آباد.

٩٢. جواهر العقدين في فضل الشّرفين شرف العلم الجلي والنّسب العليّ ، لعلي بن عبد الله الحسني السّمهودي (٨٤٤ ـ ٩١١ ه‍) ، تحقّيق : الدّكتور موسى بناي العليلي ، مطبعة العاني بغداد ١٤٠٥ ه‍ ، نشر وزارة الأوقاف العراقية.

٩٣. الجمل ، للشّيخ المفيد. طبعة الحيدريّة. النّجف الأشرف. العراق. سنة (١٣٨١ ه‍. ق).

٩٤. جمهرة أنساب العرب ، عليّ بن أحمد بن جزم (ت : ٦٥٥ ه‍). تحقّيق : عبد السّلام هارون. طبعة القاهرة (١٩٦٢ م).

حرف الحاء

٩٥. الأحكام السّلطانية ، لأبي الحسن عليّ بن محمّد البصري البغدادي الماوردي ، الطّبعة الأولى مصر ، ١٣١٩ ه‍.

٩٦. الإحكام لابن حزم ، لعليّ بن أحمد بن حزم الأندلسي ، أبو محمّد ، دار الحديث ، القاهرة ، ١٤٠٤ ه‍ ، طبعة ١.

٩٧. الإحكام للآمدي ، لعليّ بن محمّد الآمدي ، أبو الحسن ، دار الكتاب العربي ، بيروت ١٤٠٤ ه‍ ، تحقّيق : الدّكتور سيّد الجميلي.

٩٨. حاشية البجيرمي على شرح النّهج لمحمّد علي البجيرمي ، المطبعة الهندية العربية مصر ١٣١٣ ه‍.

٩٩. حاشية الشّيخ عليّ على نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ، لشّمس الدّين


محمّد بن أحمد بن حمزة الرّمليّ (ت ١٠٠٤ ه‍ ق) ، طبعة القاهرة ـ مصر (١٢٤٥ ه‍).

١٠٠. حاشية ردّ المختار على الدّر المختار لابن عابدين ، المطبع المصطفائي ، لكهنو.

١٠١. الحاوي للفتاوي ، لجلال الدّين عبد الرّحمن بن أبي بكر محمّد السّيوطيّ (ت ٩١١ ه‍ ق) ، تحقّيق : محيي الدّين ، طبعة السّعادة ـ مصر ١٣٥٦ ه‍.

١٠٢. الحاكم في معرفة علوم الحديث ، لأبي عبد الله محمّد بن عبد الله بن الحاكم النّيشابوري (ت ٤٠٥ ه‍) ، طبعة دار الكتاب العربي.

١٠٣. الحدائق الورديّة في مناقب الأئمّة الزّيديّة ، لأبي عبد الله الشّهيد حميد ابن أحمد المحلي التّميمي الوادعي ، مطبوع ، ومخطوط في مكتبة آل كاشف الغطاء برقم(٧١٣) ، ومصوّرة عن مخطوطة نسخت سنة (١٣٥٧ ه‍). دار أسامة. دمشق ١٤٠٥ ه‍.

١٠٤. حلية الأوليّاء وطبقات الأصفياء ، أحمد بن عبد الله. أبو نعيم الإصبهاني (المتوفّى ٤٣٠ ه‍).

١٠٥. حياة الصّحابة ، لمحمّد بن يوسف إلياس الحنفي الهندي ، طبع لاهور.

١٠٦. حياة الحيوان الكبرى ، محمّد بن موسى الدّميري (ت ٨٠٨ ه‍). طبعة المكتبة الإسلاميّة ـ بيروت.

١٠٧. الحيوان ، للجاحظ. طبعة القاهرة ١٣٦٥ ه‍ ، وكذا طبعة الحلبي من سنة (١٣٥٧ ه‍).


حرف الخاء

١٠٨. خصائص أمير المؤمنين ـ ضمن السّنن ، الحافظ النّسائي (٣٠٣ ه‍) دار الكتب العلمية ـ بيروت.

١٠٩. خصائص أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ، للحافظ أبي عبد الرّحمن أحمد ابن شعيب النّسائي. دار الكتاب العربي ، بيروت : لبنان.

١١٠. الخصائص الكبرى (كفاية الطّالب اللّبيب في خصائص الحبيب) ، جلال الدّين السّيوطي. طبعة دار الكتاب العربي.

١١١. خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب ، عبد القادر بن عمر البغدادي. طبعة عام ١٢٩٩ ه‍.

١١٢. خلاصّة الأقوال في معرفة الرّجال (رجال العلّامة الحلي) ، لجمال الدّين أبي منصور الحسن بن يوسف بن عليّ بن المطهر الحلي (ت ٧٢٦ ه‍) ، تصحيح محمّد صادق بحر العلوم ، منشورات الشّريف الرّضي ، الطبعة الأولى (١٤٠٢ ه‍).

١١٣. خلاصة تذهيب تهذيب الكمال ، أحمد بن عبد الله الخزرجي الأنصاري (ت ٩٢٣ ه‍). طبعة بولاق (١٣٠١ ه‍) ، وكذا طبعة سنة (١٣٩١ ه‍).

١١٤. الخطط التّوفيقية ، لعليّ مبارك باشا بن سليمان بن إبراهيم الرّوجي المصري ، أخذ بالواسطة.

حرف الدّال

١١٥. دائرة معارف القرن العشرين ، محمّد فريد وجدي. دار المعرفة ، بيروت.

١١٦. دائرة المعارف الإسلاميّة ، نقلها إلى العربية محمّد ثابت الفندي وآخرون.


دار المعرفة. بيروت ـ لبنان.

١١٧. درّر الأصداف في فضل السّادة الأشراف ، لعبد الجواد بن خضر الشّربيني.

١١٨. الدّر المنثور في طبقات ربّات الخدور ، العاملي ـ زينب (ت ١٣٣٢ ه‍).

طبعة القاهرة (١٣١٢ ه‍).

١١٩. الدّر المنثور في التّفسير بالمأثور ، جلال الدّين السّيوطي (ت ٩١١ ه‍). دار الفكر بيروت : لبنان.

١٢٠. دلائل النّبوّة ، أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني (ت ٤٣٠ ه‍). نشر دار الوعي ـ حلب (١٣٩٧ ه‍).

١٢١. دلائل النّبوّة ، أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي (٤٥٨ ه‍) نشر دار الوعي حلب ١٣٩٧ ه‍.

١٢٢. ديوان أبي الأسود الدّؤليّ ، تحقّيق : عبد الكريم الدّجيليّ ، طبعة بيروت (١٤١٩ ه‍).

١٢٣. ديوان أبي طالب ، جمع وتحقّيق : العانيّ ، المطبعة الخيريّة بغداد ١٤٢٠ ه‍ ، وطبعة دار كوفان ـ المملكة المتحدة فلنده ، وطبعة فيض رسان ـ بمبي.

١٢٤. ديوان البوصيريّ (ت ٨٤٠ ه‍ ق) ، تحقّيق : محمّد الكوثريّ ، طبعة دائرة المعارف العثمانيّة ـ بيروت ١٤٠٦ ه‍.

١٢٥. ديوان المتنبي ، تحقّيق : عليّ الطّيب الزّغلول ، طبعة دار الكتاب العربي ـ بيروت (١٤١٥ ه‍).

١٢٦. الدّرر الكامنة في أعيّان المئة الثّامنة ، محمّد بن حبيب البغدادي (ت ٢٤٥ ه‍). تحقّيق : عبد المعين خان. طبعة حيدر آباد (١٩٧٢ م).


١٢٧. الدّيباج المذهب في معرفة أعيّان المذهب ، إبراهيم بن عليّ ابن فرحون (ت ٧٩٩ ه‍). تحقّيق : محمّد الأحمدي أبو النّور. طبعة القاهرة (١٣٥١ ه‍).

١٢٨. ديوان أمير المؤمنين وسيّد البلغاء والمتكلمين عليّ بن أبي طالب ، النّاشر : دار النّجم. بيروت ـ لبنان.

حرف الذّال

١٢٩. الذّريّة الطّاهرة ، لمحمّد بن أحمد الدّولابي (مخطوط) ، وتحقيق : محمّد جواد الجلالي ، مؤسّسة النّشر الإسلامي ١٤٠٧ ه‍.

١٣٠. ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى ، لمحبّ الدّين أحمد بن عبد الله الشّهير بالمحبّ الطّبري ، (ت ٦٩٤ ه‍ ق) ، نشره حسام الدّين القدسي بالقاهرة ١٣٥٦ ه‍.

١٣١. ذيل المذيل في تأريخ الصّحابة والتّابعين لابن جرير الطّبري ملحق بأحد أجزاءه من تأريخ الامم والملوك مؤسّسة الأعلمي بيروت.

١٣٢. ذيل المذيل لتّأريخ بغداد ، طبعة دار السّعادة مصر

١٣٣. الذّهب المسبوك في ذكر من حجّ من الخلفاء والملوك ، أحمد بن عليّ المقريزي (ت ٨٤٥ ه‍). تحقّيق : الشّيال. طبعة القاهرة ١٩٥٥ م.

حرف الرّاء

١٣٤. ربيع الأبرار ، لأبي القاسم جار الله محمود بن عمر بن محمّد بن أحمد الزّمخشري (ت ٥٣٨ ه‍).

١٣٥. رجال النّجاشي ، لأبي العبّاس أحمد بن عليّ النّجاشي تحقّيق محمّد


جواد النّائيني طبعة دار الأضواء بيروت.

١٣٦. رشفة الصّادي من بحور فضائل بني الهادي ، لأبي بكر بن شهاب الدّين العلوي ، الحسينيّ الشّافعي ، طبع مصر ١٣٠٣ ه‍.

١٣٧. الرّوض الأنف ، لعبد الرّحمن بن عبد الله السّهيلي (٥٨١ ه‍) تحقّيق طه عبد الرّؤوف سعد طبعة القاهرة.

١٣٨. الرّياض النّضرة في فضائل العشرة ، لمحبّ الدّين الطّبريّ الشّافعيّ (ت ٦٩٤ ه‍ ق) ، طبعة بيروت ١٤٠٣ ه‍ ، وطبعة ثانية في مصر ، ودار الغرب الإسلاميّ بيروت ١٩٩٦ م ، تحقّيق : عيسى عبد الله محمّد مانع الحميري.

١٣٩. رغبة الآمل من كتاب الكامل (شرح الأعلام لكتاب الكامل للمبرد) ، السّيّد ابن عليّ المرصفي. طبعة مصر ١٣٤٦.

١٤٠. الرّوض النّضير شرح مجموع الفقه الكبير ، لشرف الدّين الحسين بن أحمد ابن صالح السّياغي : ١ / ٧٧ ، طبع مكتبة المؤيد الطّائف سنة ١٩٨٦.

١٤١. الرّوض الفائق في المواعظ والرّقائق ، الشّيخ شعيب عبد الله بن سعد المصري ثمّ المكّي المشهور بالحريفيش (المتوفّى ٨٠١ ه‍). طبع في القاهرة بجزئين وكذلك طبع طبعة بولاق.

حرف الزّاي

١٤٢. زاد المسير في علم التّفسير لعبد الرّحمن بن الجوزي البغدادي (٥٠٨ ه‍) ، المكتب الإسلاميّ بيروت.

١٤٣. الزّهد ، الإمام أحمد بن محمّد بن حنبل (ت ٢٤١ ه‍). طبعة دار الكتب


العلميّة ـ بيروت.

١٤٤. زهر الأدب وثمر الألباب ، إبراهيم بن عليّ الحصري القيرواني (ت ٤٥٣ ه‍). تحقيق : محي الدّين عبد الحميد. طبعة القاهرة ١٩٥٣ م.

حرف السّين

١٤٥. سبل السّلام شرح بلوغ المرام من جمع أدلة الأحكام ، لمحمّد بن إسماعيل الكحلاني ثمّ الصّنعاني اليمني ، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر ، الطّبعة الرّابعة ١٣٧٩ ه‍.

١٤٦. سبل الهدى والرّشاد ، لصّالح الشّامي. طبعة مصر.

١٤٧. سرّ السّلسّلة العلوية (مخطوط) ، حياة الإمام زيد.

١٤٨. سفينة البحار ، المسمّى سفينة بحار الأنوار ومدينة الحكم والآثار. عبّاس ابن محمّد رضا القمي. طبعة النّجف سنة ١٣٥٥ ه‍.

١٤٩. السّقيفة (أو) أئمّة الشّيعة ، سليم بن قيس الكوفي الهلالي العامري (المتوفّى ٩٠ ه‍). طبعة مؤسّسة الأعلمي. بيروت ـ لبنان.

١٥٠. السّنن الكبرى ، لأبي بكر أحمد بن الحسين بن عليّ البيهقي (ت ٤٥٨ ه‍ ق) ، تحقّيق : محمّد محيي الدّين عبد الحميد ، دار إحياء التّراث العربي ـ بيروت ١٤٠٥ ه‍. وتحقّيق : محمّد عبد القادر عطا ، طبعة دار الكتب العلمية ، الطبعة الأولى ـ بيروت ١٤١٤ ه‍ مصوّرة من دائرة المعارف العثمانية ، حيدر آباد الدّكن ١٣٥٣ ه‍.

١٥١. سنن ابن ماجه ، لأبي عبد الله محمّد بن يزيد بن ماجه القزوينيّ


(ت ٢٧٥ هق) ، تحقّيق : فؤاد عبد الباقي ، دار إحياء التّراث ، بيروت ، الطبعة الأولى ١٣٩٥ ه‍. ونشر دار الفكر ، طبعة ـ بيروت ١٣٧١ ه‍.

١٥٢. سنن التّرمذي ، لأبي عيسى محمّد بن عيسى بن سورة التّرمذي (ت ٢٩٧ ه‍) تحقّيق : أحمد محمّد شاكر ، دار إحياء التّراث ، بيروت.

١٥٣. سنن الدّارقطني ، لأبي الحسن عليّ بن عمر البغدادي المعروف بالدار قطني ، (ت ٢٨٥ ه‍) تحقّيق : أبو الطّيب محمّد آبادي ، عالم الكتب ، بيروت ، الطبعة الرّابعة ١٤٠٦ ه‍ ، طبعة بولاق بالقاهرة.

١٥٤. سنن النّسائي ، الحافظ المتوفّى سنة (٣٠٣ ه‍). طبعة دار الكتب العلمية. بيروت ـ لبنان.

١٥٥. سنن أبي داود ، لأشعث السّجستانيّ الأزديّ (ت ٢٧٥ ه‍ ق) ، إعداد وتعليق : عزّت عبد الدّعاس ، طبعة دار الحديث الطّبعة الأولى ـ حمص ١٣٨٨ ه‍ وطبعة مصطفى البابيّ ـ مصر ١٣٩١ ه‍.

١٥٦. سير أعلام النّبلاء ، محمّد بن أحمد بن عثمان الذّهبي (ت ١٣٧٤ م). تحقّيق : مجموعة من الباحثين تحت إشراف : شعيب الأرناؤط. مؤسّسة الرّسالة بيروت ـ لبنان.

١٥٧. السّيرة النّبوّية ، لأبي محمّد عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري ، (ت ٢١٣ أو ٢١٨ ه‍ ق) ، تحقّيق : مصطفى السّقا ، وإبراهيم الأنباري ، وعبد الحفيظ شلبي ، مكتبة المصطفى ، قم ، الطبعة الأولى ١٣٥٥ ه‍.

١٥٨. السّيرة النّبوّية بهامش السّيرة الحلبية ، لأحمد بن زيني بن أحمد دحلان (ت ١٣٠٤ ه‍) طبعة دار الكتاب العربي بيروت ١٤٠٨ ه‍.


١٥٩. الشّافي ـ في الجواب على الرّسالة الخارقة للفقيه عبد الرّحيم بن أبي القبائل ، تأليف الإمام عبد الله بن حمزة الحسني (٥٦١ ـ ٦١٤). الطبعة الأولى ١٩٨٩ م. منشورات مكتبة اليمن الكبرى ، اليمن ـ صنعاء.

حرف الشّين

١٦٠. شذرات الذّهب في أخبار من ذهب ، لأبي الفلاح عبد الحي المعروف بابن العماد (ت ١٠٨٩ ه‍ ق) ، تحقّيق : الأرناؤط ، طبعة ـ بيروت ، ودمشق ١٤٠٩ ه‍ ، ونشر مكتبة القدسي ، القاهرة ١٣٥٠ ه‍.

١٦١. شرح البحر الرّائق ، لزين الدّين بن إبراهيم بن محمّد المعروف بابن نجيم المصري الحنفي.

١٦٢. شرح نهج البلاغة ، للشّيخ محمّد عبده ، طبعة دار الكتاب العربيّ ١٤٠٦ ه‍ ، طبعة الفجّالة الجديدة ـ مصر ١٤٠٣ ه‍.

١٦٣. شرح نهج البلاغة ؛ للخوئيّ ، طبعة دار الفكر بيروت ١٤٠٦ ه‍.

١٦٤. شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد المعتزليّ (ت ٦٥٦ ه‍ ق) ، تحقّيق : محمّد أبو الفضل ، طبعة ـ بيروت ١٤٠٩ ه‍.

١٦٥. شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد ، عبد الحميد بن هبة الله (ت : ٦٥٥ ه‍). طبعة بيروت (١٣٧٤ ه‍). وبتحقّيق : محمّد أبو الفضل إبراهيم.

طبعة دار إحياء الكتب العربية ـ مصر.

١٦٦. شرح الشّريشي على المقامات الحريرية ، أخذ بالواسطة.

١٦٧. الشّفاء بتعريف حقوق المصطفى ، لقاضي أحمد بن عيّاض بن محمّد بن


عبد الله ابن موسى بن عيّاض اليحصبي ، اندلسي الأصل ، (٤٩٦ ه‍ ـ ٥٤٤ ه‍) طبعة بيروت.

١٦٨. شواهد التّنزيل لقواعد التّفضيل ، لأبي القاسم عبيد الله بن عبد الله النّيسابوري المعروف بالحاكم الحسكاني (من أعلام القرن الخامس ، والمتوفّى بعد سنة ٤٧٠ ه‍) ، تحقّيق : محمّد باقر المحموديّ ، مؤسّسة الطّبع والنّشر ، طهران ، الطبعة الأولى ـ ١٤١١ ه‍.

١٦٩. الشّجرة المباركة في أنساب الطّالبيين ، محمّد بن عمر. الفخر الرّازي (٦٠٦ ه‍). تحقّيق : السّيّد مهدي الرّجائي. طبعة مكتبة المرعشي النّجفي ـ قم سنة (١٤٠٩ ه‍).

١٧٠. شرح ديوان حسّان بن ثابت ، وضعة وضبط الدّيوان وصححه : عبد الرّحمن البرقوقي. دار الكتاب العربي. بيروت : لبنان.

١٧١. شرح المواهب اللّدنية لمحمّد عبد الباقي الزّرقاني (١١٢٢ ه‍) ، دار المعرفة بيروت.

١٧٢. الشّعر والشّعراء ، عبد الله بن مسلم ابن قتيبة (ت ٢٧٦ ه‍). تحقّيق : أحمد شاكر. طبعة القاهرة (١٩٦٦ م).

١٧٣. الشّمائل المحمّدية ، محمّد بن عيسى التّرمذي (ت ٢٧٩ ه‍). تحقّيق : عزّت عبيد الدّعاس. حمص (١٩٧٦ م).

حرف الصّاد

١٧٤. صحيح البخاري ، لأبي عبد الله محمّد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة


الجعفي البخاري ، (ت ٢٥٦ ه‍) ، تحقّيق : مصطفى ديب البغا ، دار ابن كثير ، بيروت ، الطبعة الرّابعة ١٤١٠ ه‍ ، ومطبعة المصطفائي ١٣٠٧ ه‍.

١٧٥. شرح صحيح البخاريّ ، عبد الله محمّد بن إسماعيل ، لمحمود بن أحمد العينيّ (ت ٨٥٥ ه‍ ق) ، مطبعة الفجّالة الجديدة ـ مصر ١٣٧٦ ه‍.

١٧٦. صحيح التّرمذيّ ، لعيسى بن سورة التّرمذيّ ، (ت ٢٩٧ ه‍ ق) ، طبعة بيروت ١٤٠٥ ه‍. مطبعة المكتبة السّلفية بالمدينة المنورة.

١٧٧. الصّحيح من سيرة النّبيّ الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، السّيّد جعفر مرتضى العاملي. دار الهادي دار السّيرة. بيروت ـ لبنان.

١٧٨. صحيح مسلم ، لأبي الحسين مسلم بن الحجّاج القشيري النّيسابوري ، (ت ٢٦١ ه‍ ق) ، تحقّيق : محمّد فؤاد عبد الباقي ، طبعة ـ بيروت ١٣٧٤ ه‍. دار الحديث ـ القاهرة ، الطبعة الاولى ١٤١٢ ه‍ ، ودار إحياء التّراث العربي ، بيروت.

١٧٩. صفوة الصّفوة ، لأبي الفرج عبد الرّحمن بن عليّ الجوزي (٥٩٧ ه‍).

مؤسّسة الكتب الثّقافية. بيروت : لبنان. وبتحقّيق : ماخوري قلعجي.

١٨٠. الصّواعق المحرقة ، لابن حجر الهيثمي (٩٧٤ ه‍). تحقّيق : عبد الوهّاب اللّطيف. مكتبة القاهرة.

حرف الضّاد

١٨١. الضّعفاء الصّغير ، محمّد بن إسماعيل البخاري (ت ٢٥٦ ه‍). تحقّيق : محمود إبراهيم زايد. دار الوعي ـ حلب (١٣٩٦ ه‍).


١٨٢. الضّعفاء الكبير ، أبو جعفر العقيلي (٣٢٢ ه‍). تحقّيق الدّكتور : عبد المعطي أمين القلعجي. دار الكتب العلمية ـ بيروت. الطبعة الأولى (١٤٠٧ ه‍).

حرف الطّاء

١٨٣. الطّبقات الكبرى ، لمحمّد بن سعد الواقدي الزّهري (ت ٢٣٠ ه‍) ، دار صادر ، بيروت ١٤٠٥ ه‍ ، طبعة أوربا ، طبعة ليدن.

١٨٤. طبقات الشّافعية ، لعبد الوهّاب بن عليّ تاج الدّين السّبكي (٧٧١ ه‍) ، تحقّيق : الحلو ، والطّناحي ، دار إحياء الكتب العربية بالقاهرة ١٣٩٦ ه‍.

١٨٥. طبقات الحفّاظ ، لعبد الرّحمن بن أبي بكر جلال الدّين السّيوطي (ت ٩١١ ه‍) ، طبعة بولاق.

١٨٦. طبقات الحنابلة ، لأبي يعلى ، تحقّيق : محمّد حامد الفقي ، مطبعة السّنّة المحمّدية.

١٨٧. طبقات الشّافعية الكبرى ، لتقي الدّين أبي الحسن عليّ بن عبد الكافيّ السّبكيّ (ت ٧٧١ ه‍ ق) ، تحقّيق : عبد الفتّاح محمّد الحلو ، ومحمود محمّد الطّناحي ، دار إحياء الكتب العربية. طبعة عيسى البابيّ ـ مصر ١٣٨٣ ه‍.

١٨٨. طبقات الفقهاء ، إبراهيم بن عليّ الشّيرازي ، أبو إسحاق (ت ٤٧٦ ه‍) ، تحقّيق : إحسان عبّاس. الطبعة الثّانية ـ بيروت ١٩٨١ م ، وكذلك طبعة ـ بغداد.

حرف العين

١٨٩. العقد الفريد ، أحمد بن محمّد بن عبد ربّه الأندلسي (ت ٣٢٨ ه‍). دار


الكتب العلمية. بيروت : لبنان. وبتحقّيق أحمد أمين وجماعة ، طبعة القاهرة. وتحقّيق : محمّد سعيد العريان.

١٩٠. عمدّة الطّالب في أنساب آل أبي طالب ، لابن عنبه أحمد بن عليّ جمال الدّين الحسينيّ (ت ٨٢٨ ه‍) ، المطبعة الحيدرية النّجف الأشرف عام ١٣٨٠ ه‍.

١٩١. عيون الأثر ، لأحمد بن عبد الله بن يحيى المشهور بابن سيّد النّاس (ت ٧٣٤ ه‍ ق) ، طبعة دار المعرفة ـ بيروت ١٤٠١ ه‍ ، طبعة القدسي ١٣٥٦ ه‍.

١٩٢. عيون أخبار الرّضاعليه‌السلام ، لأبي جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمي المعروف بالشّيخ الصّدوق (ت ٣٨١ ه‍) ، ، منشورات المكتبة الحيدرية ، النّجف الأشرف.

١٩٣. عيون الأخبار وفنون الآثار ، لابن قتيبة الدّينوري (ت ٢٧٦ ه‍) ، طبع دار الكتاب العربي ، وطبع قديم.

١٩٤. عيون الأخبار ، لابن قتيبة. طبعة المؤسّسة المصرية العامة. سنة ١٣٩٢ ه‍.

١٩٥. العقد الثّمين في إثبات وصاية أمير المؤمنينعليه‌السلام ، للقاضي الحافظ الضّابط المحدث شيخ الإسلام محمّد ابن عليّ بن محمّد الشّوكانيّ اليمانيّ الصّنعانيّ المتوفّى بمدينة صنعاء في جمادى الأخرة سنة ١٢٥٠ ه‍. تحقّيق : سامي الغريري.

١٩٦. العقود الجوهريّة في مدائح الحضرة الرّفاعيّة ، طبع مصر سنة «١٣٠٦ ه‍».

١٩٧. العلل ومعرفة الرّجال ، أحمد بن محمّد بن حنبل (ت ٢٤١ ه‍). تحقّيق : الدّكتور طلعت قورج بيكت وداود إسماعيل جراح أوغلي. طبعة أنقره (١٩٦٣ م).

١٩٨. عمدة القارىء (شرح صحيح البخاري) ، بدر الدّين محمود بن أحمد


العيني (٨٥٥ ه‍). دار إحياء التّراث العربي ـ بيروت.

١٩٩. العمدّة ، الحسن بن رشيق (ت ٤٥٦ ه‍). تحقّيق : محمّد محيي الدّين عبد الحميد طبعة القاهرة.

حرف الغين

٢٠٠. الغارات ، لأبي إسحاق إبراهيم بن محمّد بن سعيد المعروف بابن هلال الثّقفي ، منشورات أنجمن آثار ملّي ـ طهران.

حرف الفاء

٢٠١. الإفادة في تأريخ الأئمّة السّادة ، للإمام النّاطق بالحقّ أبي طالب يحيى ابن الحسين بن هارون الهاروني الحسني ، تحقّيق : إبراهيم بن مجد الدّين بن محمّد المؤيدي ، وهادي بن حسن بن هادي الحمزّاوي ، منشورات مركز أهل البيت للدّراسات الإسلاميّة ، اليمن صعدة ، الطّبعة الأولى عام (١٤٢٢ ه‍). و (مخطوط).

٢٠٢. فتح الباري شرح صحيح البخاري ، محمّد بن حبيب البغدادي (ت ٢٤٥ ه‍). طبعة بولاق (١٣٠١ ه‍). طبعة السّلفية (١٣٩٠ ه‍).

٢٠٣. فتح الباري شرح صحيح البخاري ، لأحمد بن عليّ بن محمّد بن حجر العسقلاني ، (ت ٨٥٢ ه‍ ق) ، النّاشر : دار إحياء التّراث العربي ، بيروت ، والمطبعة السّلفية مصر ١٣٨٠ ه‍ ، وتحقّيق : عبد العزيز بن عبد الله بن باز ـ القاهرة ١٣٩٨ ه

٢٠٤. الفتح القدير (تفسير) ، لمحمّد بن عليّ الشّوكاني ، (ت ١٢٥٠ ه‍) ، دار


إحياء التّراث العربي ، طبعة دار الكتب العلمية بيروت ١٤٠٣ ه‍.

٢٠٥. الفتوح ، أحمد بن أعثم الكوفي. أجزاء. دائرة المعارف الحيدريّة. النّجف ١٩٦٢ م / ١٣٨٢ ه‍.

٢٠٦. فتوح البلدان ، أحمد بن يحيى البلاذري (ت ٢٧٩ ه‍). تحقّيق : رضوان محمّد رضوان. السّعادة ، القاهرة (١٩٩ م) ، وكذا طبعة (١٣١٩ ه‍).

٢٠٧. الفخري في أنساب الطّالبيين ، للسّيد عزّ الدّين بن أبي طالب إسماعيل ابن الحسين. تحقّيق : السّيّد مهدي الرّجائي. مكتبة آية الله العظمى المرعشي. قم (١٩٨٩ م / ١٤٠٩ ه‍).

٢٠٨. الفردوس بمأثور الخطاب ، لأبي شجاع شيرويه بن شهردار بن شيرويه بن فنا خسرو الدّيلمي الهمداني (إلكيا) (ت ٥٠٩ ه‍ ق) ، تحقيق : السّعيد بن بسيوني زغلول طبعة دار الكتب العلمية بيروت ، الطّبعة الأولى ١٤٠٦ ه‍ ، و ١٤١٩ ه‍.

٢٠٩. فرائد السّمطين في فضائل المرتضى والبتول والسّبطين والأئمة من ذّريتهم ، لإبراهيم ابن محمّد بن المؤيد بن عبد الله الجويني الحمويني ، (ت ٧٢٢ أو ٧٣٠ ه‍ ق) ، تحقّيق : محمّد باقر المحمودي ، طبعة مؤسّسة المحمودي بيروت ١٣٩٨ ه‍.

٢١٠. فيض القدير ، لمحمّد بن عليّ الشّوكاني ، (ت ١٢٥٠ ه‍) ، طبع دار الصّحابة.

٢١١. فيض القدير شرح الجامع الصّغير ، لأبي زكريا يحيى بن محمّد عبد الرّؤوف المناويّ (ت ١٠٣١ ه‍ ق) ، الطبعة الأولى ـ القاهرة ١٣٥٦ ه‍.

٢١٢. الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة. عليّ بن محمّد الصّباغ المالكي (٨٥٥ ه‍).


مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات ـ بيروت. (١٤٠٨ ه‍) ، وكذا طبعة الحيدريّة ـ النّجف. العراق عام (١٣٨١ ه‍) ، وكذا طبعة دار الحديث قم.

٢١٣. الفضائل ، لأبي الفضل سديد الدّين شاذان بن جبريل بن إسماعيل بن أبي طالب القمي (ت ٦٦٠ ه‍) ، طبعة دار الكتاب العربيّ بيروت ١٤٠٦ ه‍ ، والمطبعة الحيدرية النّجف الأشرف ، الطّبعة الأولى ١٣٣٨ ه‍.

٢١٤. فضائل الصّحابة ، لأبي عبد الله أحمد بن محمّد حنبل الشّيبانيّ (٢٤١ ه‍) ، تحقّيق : وصي الله بن محمّد عبّاس ، دار العلم ، الطّبعة الأولى ١٤٠٣ ه‍ ، وطبعة جامعة أمّ القرى السّعودية.

٢١٥. فضائل الخمسة من الصّحاح السّتة ، لمرتضى الحسينيّ الفيروز آبادي ، مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات ، بيروت ، الطبعة الثّالثة ١٩٧٣ م.

٢١٦. الفصل في الملل والأهواء والنّحل ، عليّ بن أحمد بن حزم (ت ٤٥٦ ه‍). طبعة القاهرة (١٣٢١ ه‍).

٢١٧. الفهرست ، لأبي جعفر محمّد بن الحسن المعروف بالشّيخ الطّوسيّ (ت ٤٦٠ ه‍ ق) ، طبعة ـ بيروت ١٤١٢ ه‍.

٢١٨. الفصول اللّؤلؤية في أصول العترة النّبويّة ، لإبراهيم بن محمّد بن عبد الله ابن إبراهيم ابن عليّ المرتضى الصّنعاني الشّهير بالوزيري الزّيدي ، مخطوط.

٢١٩. فوات الوفيّات ، محمّد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤ ه‍). تحقّيق : إحسان عبّاس. طبعة بيروت (١٩٧٣ م).


حرف القاف

٢٢٠. قاموس الرّجال في تحقّيق رواة الشّيعة ومحدثيهم ، لمحمّد تقي بن كاظم التّستري (ت ١٣٢٠ ه‍) ، مؤسّسة النّشر الإسلاميّ ، قم الطبعة الثّانية ١٤١٠ ه‍.

٢٢١. القاموس المحيط ، لمحمّد بن يعقوب الفيروز آبادي ، مطبعة مصطفى البابي الحلبي القاهرة ، الطبعة الثّانية ١٩٥٢ م.

٢٢٢. القاموس ، لمحمّد مرتضى الزّبيديّ (ت ١٢٠٥ ه‍ ق) ، طبعة دار إحياء التّراث العربي ـ بيروت ١٤٠٥ ه‍.

٢٢٣. قرّة العيون بأخبار اليمن الميمون ، لأبي الضّيا عبد الرّحمن بن عليّ الدّيبع الشّيباني الزّبيدي (الرّازي) ، حققّه وعلّق عليه محمّد بن عليّ الأكوع الحوالي طبع بيروت سنة ١٩٨٨. (ومخطوط).

٢٢٤. القول المبين في فضائل أهل البيت المطهرينعليهم‌السلام ، محمّد بن عبد الله سليمان العزيّ ، طبع مؤسّسة الإمام زيد بن عليّ الثّقافية.

حرف الكاف

٢٢٥. الكافي (الأصول) ، المطبعة الإسلاميّة. عام (١٣٨٨ ه‍. ق). طهران ، ثمّ طبع سنة (١٣٧٧ ه‍. ق) الحيدري. طهران ـ إيران.

٢٢٦. الكامل في التّأريخ ، لأبي الحسن عليّ بن أبي الكرام محمّد محمّد بن عبد الكريم الشّيباني المعروف بابن الأثير (ت ٦٣٠ ه‍). عني بمراجعة أصوله : نخبة من العلماء. دار الكتاب العربي. بيروت ـ لبنان.

٢٢٧. كتاب الهواتف لابن أبي الدّنيا ، أخذ بالواسطة.


٢٢٨. كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال ، لعلاء الدّين عليّ المتّقي ابن حسام الدّين الهندي (ت ٩٧٥ ه‍) ، تصحيح صفوة السّقا ، مكتبة التّراث الإسلامي ـ بيروت ، الطّبعة الأولى ١٣٩٧ ه‍ ، وطبع دار الوعي حلب ١٣٩٦ ه‍.

٢٢٩. كشف الغمّة في معرفة الأئمّة ، لعليّ بن عيسى الإربليّ (ت ٦٨٧ ه‍) ، تصحيح هاشم الرّسولي المحلاتي ، دار الكتاب الإسلاميّ ، بيروت ، الطبعة الأولى ١٤٠١ ه‍ ، طبعة تبريز بدون تأريخ.

٢٣٠. كشف الظّنون ، عبد الرّحمن بن محمّد بن إدريس الرّازي ، ابن أبي حاتم (ت ٣٢٧ ه‍). طبعة أستانبول (١٩٤١ م).

٢٣١. الكامل في الضّعفاء ، عبد الله بن عدي (ت ٣٦٥ ه‍). تحقّيق : عبد المعطي قلعجي. طبعة بيروت ١٩٨٤ م.

٢٣٢. كشف الظّنون عن أسامي الكتب والفنون ، لمصطفى بن عبد الله القسطنطيني (ت ١٠٦٧ ه‍ ق) ، طبعة ـ القاهرة ١٣٨٩ ه‍.

٢٣٣. كشف الظّنون عن أسماء الكتب والفنون ، حاجي خليفة ، منشورات مكتبة المثنّى ، بغداد.

حرف اللّام

٢٣٤. اللّباب ، لأبي السّعادات مجد الدّين المبارك بن محمّد بن محمّد المعروف بابن الأثير الشّيباني الشّافعي ، (ت ٦٠٦ ه‍) ، طبعة بولاق.

٢٣٥. لباب النّقول في أسباب النّزول ، لعبد الرّحمن بن أبي بكر جلال الدّين السّيوطي (ت ٩١١ ه‍) ، طبعة مصطفى البابي الحلبي.


٢٣٦. لسان العرب ، لأبي الفضل جمال الدّين محمّد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري ، (ت ٧١١ ه‍ ق) ، الطبعة الأولى دار صادر ـ بيروت ١٤١٠ ه‍.

٢٣٧. لسان الميزان ، لأبي الفضل أحمد بن عليّ بن حجر العسقلانيّ (ت ٨٥٢ هق) ، تحقّيق : عادل أحمد عبد الموجود ، وعليّ محمّد معوض ، طبعة دار الكتب العلمية بيروت ، الطبعة الأولى ١٤١٦ ه‍.

حرف الميم

٢٣٨. مآثر الإنافة في معالم الخلافة ، لأحمد بن عبد الله القلقشندي (ت ٨٢١ ه‍) تحقّيق : عبد السّتار فرّاج ، طبعة عالم الكتب بيروت.

٢٣٩. المآثر النّفيسة في مناقب السّيّدة نفيسة ، لجمال الدّين محمّد الرّومي ، طبعة الحجر.

٢٤٠. المئة المختارة ، لعمرو بن بحر الجاحظ بن محبوب الكناني اللّيثي (ت ٢٥٥ ه‍).

٢٤١. المختصر في أخبار البشر ، (تأريخ أبي الفداء) ، لعماد الدّين إسماعيل أبو الفداء ، (ت ٧٣٢ ه‍ ق) ، نشر مكتبة القدسيّ ، طبعة ـ القاهرة ١٤٠٨ ه‍ ، طبعة إدارة ترحاب السّنّة ـ باكستان ، المكتبة الإعدادية.

٢٤٢. المدونّة الكبرى للإمام مالك ، طبع القاهرة.

٢٤٣. مختصر تأريخ العرب ، سيّد أمير عليّ ، أخذ بالواسطة.

٢٤٤. مجمع الزّوائد ومنبع الفوائد ، لعليّ بن أبي بكر الهيثميّ (ت ٨٠٧ ه‍ ق) ، تحقّيق : عبد الله محمّد درويش ، طبعة دار الفكر ، الطبعة الأولى ـ بيروت


١٤١٢ ه‍ ق) ، مصوّرة عن طبعة القدسيّ ١٣٨٩ ه‍ ق ، طبعة ـ القاهرة الثّانية بدون تأريخ.

٢٤٥. المحاسن ، لأبي جعفر أحمد بن محمّد بن خالد البرقي (ت ٢٨٠ ه‍) ، تحقيق : السّيّد مهدي الرّجائي ، المجمع العالمي لأهل البيت ـ قم ، الطّبعة الأولى ١٤١٣ ه‍.

٢٤٦. محاضرات الأدباء ، الرّاغب الإصفهاني ، طبعة بيروت.

٢٤٧. المحتضر ، الحسن بن سليمان الحلي ، طبعة النّجف الأشرف.

٢٤٨. المحلى ، لأبي محمّد عليّ بن أحمد بن سعيد ابن حزم الظّاهري ، دار الفكر.

٢٤٩. مروج الذّهب ومعادن الجوهر ، لأبي الحسن عليّ بن الحسين المسعوديّ (ت ٣٤٦ ه‍ ق) ، تحقّيق : محمّد محييّ الدّين عبد الحميد ، مطبعة السّعادة ، الطبعة الرّابعة ـ القاهرة ١٣٨٤ ه‍.

٢٥٠. المستدرك على الصّحيحين ، لأبي عبد الله محمّد بن عبد الله الحاكم النّيسابوري ، دار الكتب العلمية ـ بيروت ، الطبعة الأولى ١٤١١ ه‍ ، طبعة حيدر آباد.

٢٥١. مسند الإمام زيد بن عليّ زين العابدين ، جمع عليّ بن سالم الصّنعانيّ ، طبعة دار الصّحابة ١٤١٢ ه‍. طهران دار الكتب الإسلاميّة ، الطّبعة الثّانية.

٢٥٢. مسند أحمد ، لمحمّد بن حنبل الشّيبانيّ (ت ٢٤١ ه‍ ق) ، تحقّيق : عبد الله محمّد الدّرويش ، طبعة دار الفكر ، الطبعة الثّانية ـ بيروت ١٤١٤ ه‍ ، طبعة جامعة أم القرى السّعودية ، طبعة دار العلم ١٤٠٣ ه‍.


٢٥٣. مسند ابن ماجه ، لمحمّد بن يزيد القزوينيّ (ت ٢٧٥ ه‍ ق) ، تحقّيق : فؤاد عبد الباقي ، نشر دار الفكر ، طبعة ـ بيروت ١٣٧١ ه‍ ، دار إحياء التّراث ، بيروت ، الطبعة الأولى ١٣٩٥ ه‍.

٢٥٤. مسند الطّيالسيّ ، لسليمان بن داود الطّيالسيّ (ت ٢٠٤ ه‍ ق) ، طبعة دار صادر ـ بيروت ١٤٠٢ ه‍.

٢٥٥. المصابيح ، لأحمد بن إبراهيم بن الحسن بن عليّ بن إبراهيم بن محمّد بن سليمان ابن داود بن الحسن بن الحسن السّبط بن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب : ٢٤٨ ، تحقيق عبد الله بن عبد الله بن أحمد الحوثي ، طبع مؤسّسة الإمام زيد ابن عليّ الثّقافية.

٢٥٦. مصابيح السّنّة ، البغوي الشّافعي ، طبع محمّد عليّ صبيح.

٢٥٧. مطالب السّؤول في مناقب آل الرّسول ، لكمال الدّين محمّد بن طلحة الشّافعي (ت ٦٥٤ ه‍) ، النّجف الأشرف ، ونسخة خطيّة في مكتبة المرعشي قم.

٢٥٨. المصنّف ، عبد الرّزاق بن همّام الصّنعاني (٢١١ ه‍). تحقّيق : حبيب الرّحمن الأعظمي. منشورات المجلس العلمي ، طبعة بيروت سنة (١٣٩٠ ه‍) وما بعدها.

٢٥٩. المعارف ، لأبي محمّد عبد الله بن مسلم المعروف بابن قتيبة الدّينوريّ (ت ٢٧٦ ه‍ ق) ، حقّقه وقدمّ له ثروت عكاشه : منشورات الشّريف الرّضيّ الطّبعة الأولى ١٤١٥ ه‍.

٢٦٠. معالم التّنزيل ، لمحمّد الحسين بن مسعود الفرّاء البغويّ (ت ٥١٦ ه‍ ق) ، تحقيق : خالد محمّد العك ، ومروان سوار ، نشر دار المعرفة ، الطّبعة الثّانية ـ


بيروت ١٤٠٧ ه‍.

٢٦١. معالم العترة النّبوّية ومعارف الأئمّة أهل البيت الفاطمية ، لأبي محمّد تقيّ الدّين عبد العزيز بن محمود بن المبارك بن الأخضر الجنابذي الحنبلي (٥٢٤ ـ ٦١١ ه‍) ، (مخطوط) ، ومطبوع في بيروت ١٤٠٧ ه‍.

٢٦٢. معجم الأدباء ، لأبي عبد الله ياقوت الحمويّ البغداديّ المغازيّ (ت ٦٢٦ ه‍ ق) ، طبعة دار المأمون ـ بغداد ١٣٥٥ ه‍.

٢٦٣. معجم البلدان ، لأبي عبد الله شهاب الدّين ياقوت بن عبد الله الحمويّ الرّوميّ (ت ٦٢٦ ه‍) ، طبعة دار إحياء التّراث العربيّ بيروت الطّبعة الأولى ١٣٩٩ ه‍ ق.

٢٦٤. المعجم الصّغير ، لأبي القاسم سليمان ابن أحمد بن أيوب بن مطير اللّخمي الشّامي الطّبراني (ت ٣٦٠ ه‍) ، تحقّيق : محمّد عثمان ، دار الفكر ، بيروت ، الطّبعة الثّانية ١٤٠١ ه‍.

٢٦٥. المعجم الأوسط ، أبو القاسم سليمان بن أحمد الطّبري (٣٦٠ ه‍). مكتبة المعارف ـ الرّياض. الطبعة الأولى (١٤٠٧ ه‍). قام بإخراجه : إبراهيم مظفر وآخرون. تحت إشراف : مجمع اللّغة العربية ـ مصر.

٢٦٦. المعجم الكبير ، لأبي القاسم سليمان بن أحمد اللّخمي الطّبراني (ت ٣٦٠ ه‍) ، تحقّيق : حمدي عبد المجيد السّلفي ، دار إحياء التّراث العربي ، بيروت الطبعة الثّانية ١٤٠٤ ه

٢٦٧. المعجم الأوسط ، لأبي القاسم سليمان ابن أحمد بن أيوب بن مطير اللّخمي الشّامي الطّبراني (ت ٣٦٠ ه‍) ، تحقيق : طارق بن عوض الله ، وعبد


الحسن بن إبراهيم الحسينيّ ، دار الحرمين ، القاهرة ، ١٤١٥ ه‍.

٢٦٨. معجم رجال الحديث ، السّيّد أبو القاسم بن عليّ أكبر الخوئي ، طبعة دار إحياء التّراث بيروت ١٤٠٦ ه‍ ، ومنشورات مدينة العلم ، قم ، الطبعة الثّالثة ١٤٠٣ ه‍.

٢٦٩. المعمّرون والوصايا ، لأبي حاتم السّجستاني (ت ٢٥٠ ه‍) ، تحقيق : عبد المنعم عامر ، الطّبعة الميمنية بمصر ١٣٥٦ ه‍.

٢٧٠. المعيار والموازنة ، لأبي جعفر محمّد بن عبد الله الإسكافي (ت ٢٤٠ ه‍) ، تحقيق : محمّد باقر المحمودي.

٢٧١. مجمع البيان في تفسير القرآن ، لأبي عليّ الفضل بن الحسن الطّبرسيّ (ت ٥٤٨ ه‍ ق) ، طبعة دار المعرفة ـ بيروت ١٤١٩ ه‍ ، طبعة دار إحياء التّراث العربي.

٢٧٢. المغازي ، لمحمّد بن سعد الواقدي الزّهري ، (ت ٢٣٠ ه‍) ، تحقيق : الدّكتور مارسون جونس ، مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات ، بيروت ، وطبعة مصر ، الدّار العامرة.

٢٧٣. المغني ، لأبي محمّد موفق الدّين محمّد بن عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي (ت ٦٢٠ ه‍) ، دار الكتاب العربي بيروت ١٣٥٩ ه‍ ، طبعة محمّد عليّ صبيح وأولاده.

٢٧٤. المغني ، لأبي محمّد عبد الله بن أحمد بن محمّد بن قدامة المقدسيّ ، على مختصر لأبي القاسم عمر بن الحسين بن عبد الله بن أحمد الخرقي مطبعة المنار ـ مصر ١٣٤٢ ه‍.


٢٧٥. مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج ، الشرح للشّيخ محمّد الشّربيني الهجري ، دار إحياء التّراث العربي ، بيروت.

٢٧٦. مقدّمة ابن خلدون ، لابن خلدون المغربي (ت ٨٠٨ ه‍) ، دار الجبل بيروت.

٢٧٧. مقدّمة كتاب المجموع ، شرح المهذب للنّووي ، أخذ بالواسطة.

٢٧٨. الملل والنّحل ، لأبي منصور عبد القاهر بن طاهر بن محمّد الّتميمي البغدادي (ت ٤٢٩ ه‍) ، تحقّيق : البير نصري نادر ، طبعة دار المشرق ، بيروت ١٩٧٠ م.

٢٧٩. الملل والنّحل ، لأبي الفتح ، محمّد بن عبد الكريم الشّهرستاني (ت ٥٤٨ ه‍) على هامش (الفصل) ، لابن حزم الظّاهري ، الطبعة الثّانية ، أفست ، دار المعرفة بيروت.

٢٨٠. مناقب آل أبي طالب ، لأبي جعفر رشيد الدّين محمّد بن عليّ بن شهر آشوب المازندراني (ت ٥٨٨ ه‍) ، المطبعة العلمية قم ، طبعة النّجف الأشرف.

٢٨١. مناقب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ، لمحمّد بن سليمان الكوفي القاضي (ت ٣٠٠ ه‍) تحقّيق : محمّد باقر المحمودي ، مجمع إحياء الثّقافة الإسلاميّ ، قم ، الطبعة الأولى ١٤١٢ ه‍.

٢٨٢. مناقب المغازلي ، لأبي الحسن عليّ بن محمّد بن محمّد الواسطي الشّافعي المعروف بابن المغازلي (ت ٤٨٣ ه‍) ، إعداد : محمّد باقر المحمودي ، دار الكتب الإسلامية ، طهران ، الطّبعة الثّانية ١٤٠٢ ه‍.

٢٨٣. مناقب السّيّد الرّفاعي للبكري ، أخذ بالواسطة.


٢٨٤. المنن والأخلاق في بيان وجوب التّحدث بنعمة الله ، الشّعراني.

٢٨٥. مقاتل الطّالبيين ، أبو الفرج عليّ بن الحسين بن محمّد القرشي الإصبهاني الأموري (٢٨٤ ـ ٣٥٦ ه‍). شرح وتحقّيق : السّيّد أحمد صقر. مؤسّسة الأعلمي. بيروت ـ لبنان.

٢٨٦. مقتل الحسينعليه‌السلام ومصرع أهل بيته وأصحابه بكربلاء (المشتهر : مقتل أبي مخنف) ، أبو مخنف لوط بن يحيى. مكتبة العلوم العامة. البحرين. مكتبة الخير. صنعاء ـ ج. ي. (مصور عن أصل مخطوط) يقع في (١٤٤) صفحة.

٢٨٧. مقتل الحسين ، لموفق بن أحمد المكي الخوارزمي الحنفي (ت ٥٦٨ ه‍) ، تحقيق : محمّد السّماوي ، مكتبة المفيد ، قم ، وطبع مطبعة الزّهراءعليها‌السلام .

٢٨٨. منتخب كنز العمّال ، عليّ بن حسام الدّين بن عبد الملك (٨٨٥ ـ ٩٧٥ ه‍).

دار إحياء التّراث العربي. بيروت ـ لبنان.

٢٨٩. موسوعة الملل والنّحل ، أبي الفتح الشّهرستاني عام ١٩٨١ م. بدون ذكر لإسم الدار النّاشر.

٢٩٠. مودّة القربى ، للسّيّد عليّ بن شهاب الدّين الحسينيّ العلوي الشّافعي الهمداني ، طبع ١٩٩٠ م.

٢٩١. ميزان الإعتدال في نقد الرّجال ، لأبي عبد الله محمّد بن أحمد الذّهبي ، (ت ٧٤٨ ه‍ ق) ، تحقّيق محمّد البجاوي ، طبعة دار المعرفة للطّباعة والنّشر بيروت ١٩٦٣ م ، وطبع القاهرة ١٣٢٥ ه‍ ، دار الفكر بيروت.

٢٩٢. الميزان في تفسير القرآن ، لمحمّد حسين الطّباطبائي ، دار الكتب الإسلاميّة ، طهران ، الطبعة الثّالثة ١٣٩٧ ه‍.


٢٩٣. ميزان الإعتدال ، محمّد بن أحمد بن عثمان الذّهبي (ت ٧٤٨ ه‍). تحقّيق : عليّ البجاوي. طبعة القاهرة (١٩٦٣ م).

٢٩٤. معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع ، عبد الله بن عبد العزيز البكري (ت ٤٨٧ ه‍). تحقّيق : مصطفى السّقاء. طبعة القاهرة (١٩٤٥ م) ، وكذا الطّبعة الثّالثة لعالم الكتب. بيروت ـ لبنان. سنة (١٤٠٣ ه‍).

٢٩٥. معجم المطبوعات العربية والمعربة ، سركيس ، يوسف إليان (ت ١٣٥١ ه‍). طبعة القاهرة (١٩٢٨ م).

٢٩٦. المعرفة والتّأريخ ، يعقوب بن سفيان الفسوييّ (ت ١٢٧٧ ه‍). تحقّيق : أكرم ضياء العمري. طبعة بيروت (١٩٨١ م).

٢٩٧. معرفة علوم الحديث ، محمّد بن عبد الله الحاكم (ت ٤٠٥٦ ه‍). طبعة القاهرة (١٩٣٧ م).

٢٩٨. معاهد التّنصيص على شواهد التّلخيص ، عبد الرّحمن بن عبد الرّحمن العبّاسي (ت ٩٦٣ ه‍).

٢٩٩. مفتاح السّعادة ومصباح السّعادة ، لطاش كبرى زادة. طبعة حيدرآباد عام (١٣٢٩ ه‍).

٣٠٠. منهل السّاعة ، في ذكر شيء ممّا كان عليه بعض صفوة السّادة من الزّهد والورع والعبادة ، السّيّد العلّامة عليّ بن محمّد العجري ، تحقّيق : عبد الله بن حمود العزيّ ، طبع مؤسّسة الإمام زيد بن عليّ الثّقافية.

٣٠١. الموطأ ، مالك بن أنس بن مالك الأصبحي الحميري. تحقّيق : محمّد فؤاد عبد الباقي. المكتبة الثّقافية. بيروت ـ لبنان بالإضافة إلى طبعات أخرى ، وكذا


طبعة القاهرة.

حرف النّون

٣٠٢. النّهاية في غريب الحديث والأثر ، لأبي السّعادات مبارك بن مبارك الجزري المعروف بابن الأثير الشّيباني الشّافعي (ت ٦٠٦ ه‍) ، تحقّيق : ظاهر أحمد الزّاوي ، مؤسّسة إسماعيليان ، قم ، الطبعة الرّابعة ١٣٦٧ ه‍.

٣٠٣. نهاية الإرب في فنون الأدب ، لشهاب الدّين النّويريّ (ت ٧٣٢ ه‍ ق) ، تحقّيق : كمال مروان طبعة ـ القاهرة ١٢٤٩ ه‍.

٣٠٤. نهاية الإرب في معرفة أنساب العرب ، لأحمد بن عبد الله القلقشنديّ (ت ٨٢١ ه‍ ق) ، نشر إدارة البحوث العلمية ، طبعة ـ بيروت ١٤٠٢ ه‍.

٣٠٥. نهاية الإرب في معرفة أنساب العرب ، للقلقشندي. طبعة بغداد.

٣٠٦. النّزاع والتّخاصم فيما بين بني أميّة وبني هاشم ، تحقيق : حسين مؤنس القاهرة دار التّعارف سنة ١٩٨٨ م.

٣٠٧. نسب قريش ، لأبي عبد الله المصعب بن عبد الله بن المصعب الزّبيري (١٥٦ ـ ٢٣٦ ه‍). عني بنشره. إليفي بروفنسال. دار المعارف ـ القاهرة.

٣٠٨. نظم درر السّمطين في فضائل المصطفى والمرتضى والبتول والسّبطين ، جمال الدّين محمّد ابن يوسف الزّرندي ، (٦٩٣ ـ ٧٥٠ ه‍) ، طبع بيروت ، دار الثّقافة للكتاب العربي ١٤٠٩ ه‍.

٣٠٩. نهاية الإرب في فنون الأدب ، لشهاب الدّين النّويريّ (ت ٧٣٢ ه‍ ق) ، تحقيق : كمال مروان طبعة ـ القاهرة ١٢٤٩ ه‍.


٣١٠. نهاية الإرب في معرفة أنساب العرب ، لأحمد بن عبد الله القلقشنديّ (ت ٨٢١ ه‍ ق) ، نشر إدارة البحوث العلمية ، طبعة ـ بيروت ١٤٠٢ ه‍.

٣١١. نصب الرّاية ، عبد الله بن يوسف الزّيلعي (ت ٧٦٢ ه‍). طبعة القاهرة (١٩٣٨ م).

٣١٢. النّجوم الزّاهرة في ملوك مصر والقاهرة ، ابن تغري بردي ، يوسف الأتابكي (ت ٨٨٤ ه‍). القاهرة (١٩٢٩ ـ ١٩٥٦ م).

٣١٣. نور العين في مشهد الحسين ، لأبي إسحاق الإسفراييني ، طبع القاهرة.

حرف الهاء

٣١٤. هديّة العارفين في أسماء المصتفين ، إسماعيل بن محمّد الباباني البغدادي (ت ١٣٣٩ ه‍). طبعة أستانبول (١٩٦٠ م).

حرف الواو

٣١٥. الوفاء بأخبار المصطفى ، لابن الجوزي. طبعة ١٣٩٥ م. مطبعة السّعادة. مصر.

٣١٦. الوافي بالوفيّات ، لصفيّ الدّين خليل بن أيبك الصّفدي ، دار النّشر فرانزشتانيز ـ قيسبادان.

٣١٧. وفيّات الأعيان وأنباء أبناء الزّمان ، لشّمس الدّين أبي العبّاس أحمد بن محمّد البرمكيّ المعروف بابن خلّكان (ت ٦٨١ ه‍ ق) ، تحقّيق : الدّكتور إحسان عبّاس ، طبعة دار صادر ـ بيروت ١٣٩٨ ه‍.


٣١٨. وقعة صفّين ، لنصر بن مزاحم المنقريّ ، تحقّيق وشرح عبد السّلام هارون ، القاهرة ، الطبعة الثّانية ونشر مكتبة السّيّد المرعشيّ النّجفيّ قم ١٣٨٢ ه‍.

٣١٩. الوزراء والكتّاب ، لأبي عبد الله محمّد بن عبدوس بن يحيى بن عبد الله المعروف بالجهشياري.

حرف الياء

٣٢٠. ينابيع المودّة لذوي القربى ، لسليمان ابن إبراهيم القندوزيّ الحنفيّ (ت ١٢٩٤ ه‍) ، تحقّيق : عليّ جمال أشرف الحسينيّ ، طبعة اسوة الطبعة الأولى ـ قم ١٤١٦ ه‍ ، والطّبعة الحيدريّة في النّجف الأشرف.