تربة الحسين عليه السلام- الجزء 3
التجميع الإمام الحسين عليه السلام
الکاتب الشيخ أمين حبيب آل درويش
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

تربة الحسين عليه السلام الجزء الثالث

الشيخ أمين حبيب آل درويش

دار المحجّة البيضاء





إشراقة البحث

ـ الموضوع ودوافع إختياره

ـ أهميته

ـ تساؤلات البحث

ـ منهج واسلوب البحث



بسم الله الرحمن الرحيم

اَلحَمْدُ لله رَبِّ الْعالَمينَ ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلى مُحَمَّد وآلهِ الطَّاهِرينَ ، وبعد.

الموضوع ودوافع إختياره :

واقعة كربلاء من الوقائع التي لا تضاهيها أي واقعة أخرى في تاريخ البشرية ، فقد أبرزت بطولات كربلاء شرف التضحية على نحو باهر وجليل ، حتى لنكاد نحسب أنّ الأقدار إنما أرادت ذلك اليوم بكل أهواله وتضحياته ، لتؤكد شرف التضحية في وعي البشرية كلها ، ولتضيء بمغزاه العظيم ضمير الحياة ، من أجل ذلك إختارت لها في يوم كربلاء نماذج رفيعة بالغة الرفعة ، وقضية عادلة بالغة العدالة ، إذن هي شرف الإنسان وشرف الحياة ، ومن ثَمّ فالناس يخطئون عندما يقفون أمام شكل التضحية وما يصاحبها من ألم وفاجعة ، ثم لا يتجاوزون هذا الشكل إلى جوهر التضحية حيث العظمة والجلال ، ومن شاء فلينظر فهؤلاء نفر من أكرم الخلق ، وأتقى الناس. تُمزّق أجسادهم بسيوف الباغين ، ثم تنحر رؤوسهم وتغرس في أسنة الرماح ، فهل إنتفض ذلك مثقال ذرة من شرف التضحية وعظمتها! إنّ الأجساد بمجرد إلقائها النفس الأخير يزايلها الإحساس بالألم ثم تنال الأرواح مكانها العالي عند الله بقدر بلائها وتضحياتها ، كما تنال مكانها العالي في ضمير التاريخ بقدر بذلها وعطائها.


إنّ مظاهر الرقي البشري كثيرة ، ولكن شرف الإنسان وجدارته بالحياة لا يزالان وسيظلان منوطين بقدرته على التضحية النبيلة والجليلة من أجل الحق ، واللوحة التي رسمتها تضحيات الحسين عليه السلام وأهله وصحبه ؛ بَوّأت هذا الشرف وتلك الجدارة أعلى المنازل والذرى ، ولذا إستأثرت العناية والإهتمام في شتى النواحي والمجالات ، وحظيت بسهم وافر من التأليف والدراسة ، فكتبت الأشعار والمقالات ، وأفردت لها الدراسات الخاصة بها ، على مستوى البحث التأريخي ، والسياسي ، والعقائدي ، والأدبي.

حتى أحصى بعض الباحثين أنّها أكثر من ثلاثة آلاف كتاب ، هذا عدا المخطوطات التي لم تزل مجهولة المكان ، خافية عن أعين أهل التتبع والتحقيق ، وعدا كثير من الكتب والمقالات التي هي تحت الطبع أو قيد التأليف ، فمهما كثرت فيها الدراسات وتنوعت ، ستبقى في الكثير من آفاقها تتسع للمزيد من البحث والدراسة والنظر مدى العصور ، ولذا نحن بحاجة إلى إستخراج الدروس والعبر بصياغة تتناسب مع لغة العصر ، حتى ينجذب لها شباب اليوم ليدركوا مواطن الضعف فيهم ، وارتفاع كثير من الغموض في هذه السيرة الحسينية على أرض كربلاء ، ومن بين تلك الصور التي تجذب عواطفهم ، وتملك قلوبهم وتعني بالوجهة التهذيبية النفسية لهذه الحادثة الجليلة ، باسلوب يجذب الطالب المتجدد ويفيده علمياً وخلقياً ، هو البحث القصصي بجميع صوره وأساليبه الفنية ، سواء على نطاق الحدق أو الرؤى أو الحوار ، فإنّها أساليب لها دور إقناعي عقائدي علمي ، وهو موضوع بحثنا.


ولعلّ أهم الدوافع التي دفعتني لاختيار هذا الموضوع ما يلي :

١ ـ وجود فئة متسامحة في نقل القصص والقضايا المتعلقة بالحسين عليه السلام وتربته الطاهرة ، من دون دراسة وتمحيص.

٢ ـ وجود فئة أخرى مبالغة في رفض نقل تلك القصص ، مُركِّزة في ذلك على البحث العقلي المحض ، ومهملة الجوانب العلمية الأخرى.

٣ ـ وجود فئة ثالثة من طبقة الشباب والناشئة ، في حالة من الغموض والحيرة تجاه تلك الأمور.

أهميته :

إنّ القصص لون من ألوان الأدب لاقى إقبالاً من الناس ، بحيث تهواه نفوسهم وتصغي إليه أسماعهم ، كما إعتاد الكثير منهم على قراءة القصة للمتعة والتسلية ؛ لأنّ أكثر القصص لا تمثل الحقيقة ، وإنّما هي لون من ألوان التأليف والتلفيق والخيال ، ومن هذا اللون كثير من القصص الشعبية المرويّة عن الأوائل ـ وخاصة الفرس والروم ـ ولا زال له وجود إلى يومنا هذا ، فقد إبتدع الكُتّاب في هذا العصر نوعاً يسمى بالخيال العلمي ، يتخيل فيه الكاتب ما يمكن أن يصل إليه البشر مستقبلاً ، ويُصَوِّر حال الناس في ذلك الوقت.

كما يقوم البعض بترجمة القصص غير الواقعية من المجلّات الأجنبية ، والغريب في الأمر أنّ تلك القصص الخيالية يقرأها الجميع بحالة من الشوق والتلذذ ، وهذا يدل على صحة ما ذكر من أنّ طبع الإنسان مَيّال إلى سماع القصص ، ويمكن توجيه هذه الغريزة إلى الطريق الصحيح ، كي تصحوا القلوب من الغفلة والضياع ، وذلك عن طريق الرجوع إلى ما ذكره القرآن الكريم من


القصص التي اُستخدمت كاسلوب من أساليب الإعلام ، وخاطب العقل والشعور جميعاً ، وفتح أمام قلب الإنسان وعقله أبواب الإدراك واليقين.

وما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، حيث إتخذ من القصة إسلوباً مهماً من أساليب الدعوة ، تحملها قيم الإسلام ومعانيه ، وتربية الرعيل الإسلامي الأول ، ويوجههم من خلالها إلى إستلهام هذا الدين عقيدة في الفكر والتصور ، وطريقة في السلوك وواقع الحياة ، مما جعله يستعمل القصة في حديثه إلى المسلمين على نطاق واسع وفي شتى الموضوعات ، وسار على نهجه أهل بيته عليهم السلام. والذي توصلنا إليه ، أنّ القصص القرآنية والحديثية تمثل الصورة الواقعية والعملية التي ترسم التعاليم الإسلامية ، وكثيرون من الناس يرون الحق من خلال الواقع العملي أكثر مما يعرفونه من خلال التعاليم المجردة ؛ لذا فإنّ المستقيم من البشر قد يؤثر مسلكه في الناس مما تؤثر أقواله فيهم ، وهذا ما دعى المسلمين أنّ يتأثروا بما يروى في فضائل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الأطهار عليهم السلام ، ومن بين تلك الأمور التي أكّد عليها هو وأهل بيته قضية إستشهاد الحسين عليه السلام على تراب كربلاء ، مما دعى محبيهم والمتعلقين بهم أن يهتموا بكتابة القصص الكثيرة المتعلقة بالحسين عليه السلام وتربته الطاهرة ، وبهذا ظهر لنا أهمية موضوع البحث.

تساؤلات البحث :

لعلّ من أهم التساؤلات التي ينبغي طرحها ما يلي :

١ ـ نقرأ ونسمع الكثير من القصص الدينية التي يدعي علماء الإسلام أنّ لها فوائد في حياة الإنسان ، فهل هذه الدعوى صحيحة من الناحية العلمية أم لا؟.


٢ ـ هل ما نسبه الشيعة الإمامية من القصص والكرامات التي لها تَعلّق بالحسين عليه السلام وتربته الطاهرة لها واقع ، أم أنّها اسطورة وخرافة ، الهدف منها دعم معتقدهم؟.

٣ ـ يتسائل بعض شبابنا قائلاً : نسمع ونقرأ قصصاً مفادها ، أنّ السماء إحمرّت وأمطرت دماً عبيطاً ، وأنّ التربة التي اُودعت عند أم سلمة (رض) ، تحَوّلت إلى دم عبيط ، وأنّ بعض الأشجار في اليوم العاشر من المحرّم في كل عام يسيل منها الدم.

وجاء في زيارة الإمام الصادق عليه السلام لجده سيد الشهداء عليه السلام : (أشهد أنّ دمك سكن في الخلد ، واقشعرّت له أظلة العرش)(١) ، فهل هذا صحيح أم لا؟ ولماذا التركيز على الدم؟.

منهج واسلوب البحث :

إنّ اسلوب القصة لها وقع وتأثير على النفوس البشرية ، وهي متعددة الدروس ، متنوعة المضامين ، هدفها خلق الشخصية الإسلامية الملتزمة ، التي تلتمس منار الهدى والصلاح في طريقها ، ولذا كُتِبَت الأبحاث حول القصّة ـ خصوصاً القرآنية والنبوية ـ ولعلّ من أروع ما كتب بطريقة علمية مستوعبة ما يلي :

١ ـ القصص في الحديث النبوي دراسة فنية وموضوعية (لمحمد بن حسن الزير).

٢ ـ قصص أهل البيت العجيبة (لعلي عاشور).

وهناك الكثير من الأبحاث التي قامت بدراسة القصّة في شتى جوانبها.

__________________

(١) ـ الكليني ، الشيخ محمد بن يعقوب : الكافي ، ج ٤ / ٥٧٦.


أما بالنسبة إلى ما يتعلق بالحسين وتربته من القصص ، فالموجود منها في الكتب والمذكرات والمجلات فكثير ـ سواء المروي عن أهل البيت عليهم السلام ، أو العلماء ، أو عامة الناس ـ إلا أنّها متناثرة في بطون الكتب ، تحتاج إلى كتاب مستقل يجمع شتاتها ، ثم دراستها وبحثها ، حيث إنّ عرض ودراسة القصة تُؤصِّل منهجاً إسلامياً فيها ، وتعطي فرصة كبيرة في ظهورها بشكل مقبول لدى الطبقة المثقفة والناشئة ، وهذا ما نسعى إليه ، لعلنا نوفق لذلك.

وخطة البحث التي رسمت ؛ هي دراسة هذه القصص بتوثيقها حتى تكون مورداً للإطمئنان لدى المؤمن في كل مكان وزمان ، وسيكون منهجنا المتبع هو التالي :

أولاً : بحوث تمهيدية حول القصة بشكل عام.

ثانياً : التركيز على القصة القرآنية والنبوية ، لتكون مثالاً ومؤيداً للقصة الحسينية.

ثالثاً : التعرض لأهم الآراء المتعلقة بالموضوع.

رابعاً : سيكون محور البحث مُرَكِّزاً على العناوين التالية :

الأول ـ القصص الواقعية.

الثاني ـ الرؤى.

الثالث ـ الحوار.

وفي الختام سيكون أجوبة التساؤلات التي ذكرت في بداية البحث.

والله من وراء القصد ، وهو ولي التوفيق والتسديد

أمين بن الحاج حبيب آل درويش

الإثنين ٣ / ٣ / ١٤٢٤ هـ


بحوث تمهيدية

أولاً ـ تعريق القصة

ثانياً ـ أقسام القصة

ثالثاً ـ أهمية القصة



تعريف القِصّة

١ ـ التعريف الوصفي

أ ـ اللغوي

ب ـ الإصطلاحي

٢ ـ التعريف التركيبي



١ ـ التعريف الوصفي :

لا بد لكل موضوع من المواضيع عنوان يبرزه يُسَمّى بالتعريف ، والتعاريف تختلف حسب واضعيها ، ولعل أهم التعاريف المستخدمة ، هي الوصفية (اللفظية) ، ويمكن حصرها فيما يلي :

أ ـ اللغوي :

القِصَصَ بكسر القاف : جَمْعٌ واحدة قِصَّة. والقِصّة في لغة العرب : الأخبار المروية ، والأنباء المحكية ، وقد سَمّى القرآن الكريم ما ذكره من أنباء الغابرين قصصاً ، قال تعالى :( كَذَٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ ) [طه / ٩٩] ، وقال تعالى :( ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْقُرَىٰ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ ) [هود / ١٠٠]. والعرب تجعل كل خبر قِصّة ، إلا أنّ المتأمل فيما تعارف عليه أهل الأدب أنّ القِصّة لون خاص من الأخبار ذو طبيعة خاصة ، وعلى ذلك فكل قِصّة خبر ، وليس كل خبر قِصّة ، فعلى سبيل المثال : ما ذكره القرآن الكريم من خلق السموات والأرض والملائكة ونحو ذلك أخبار وليست بقصص ، وأما أخبار الرسل مع أقوامهم ونحو ذلك ، فهي قصص وأخبار.

وبعد هذا التمهيد يمكن حصر ما ذكره اللغويون في تعريف القِصّة فيما يلي :

١ ـ القَصّ : تتبع الأثر ، يقال : قصصت أثره ، والقَصَصَ : الأثر ، قال تعالى :( فَارْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصًا ) [الكهف / ٦٤](٢) .

__________________

(٢) ـ الراغب الإصفهاني ، الحسين بن محمد : المفردات في غريب القرآن ، ج ٢ / ٥٢٢ ـ ٥٢٣.


٢ ـ «القِصّة : الخبر وهو القصَصَ. وقصّ عليَّ خبره يقصُّه قصّاً وقَصَصَاً : أورده»(٣) .

٣ ـ «القِصّة : الأمر والحديث ، واقتصصت الحديث : رويته على وجهه ، وقَصّ عليه الخبر قصصا.

وفي الحديث الرؤيا : لا تقصها إلا على وَادٍّ. يقال : قصصت الرؤيا على فلان إذا أخبرته بها»(٤) .

٤ ـ «القَصّ : البيان ، قال تعالى :( نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ) [يوسف / ٣] ؛ أي نبين لك أحسن البيان»(٥) .

هذه أهم المعاني التي ذكرها اللغويون للفظة (القِصّة).

ب ـ الإصطلاحي :

«القِصّة : فنّ حكاية الحوادث والأعمال بأسلوب لغوي ينتهي إلى غرض مقصود»(٦) .

٢ ـ التعريف التركيبي :

يمكن تعريف القِصّة من خلال ما تحويه من عناصر فنية من : الشخصية ، والحدث ، والحوار ، والزمان والمكان ، وهذه العناصر تتحقق في نَصّ القِصّة في صورة فنية من التداخل والتشابك ، بحيث لا يمكن فصل بعضها عن بعض ، وبخاصة عنصري الحدث والشخصية ؛ إذ أنّ الحدث هو فعل الشخصية ، كما أنّ

__________________

(٣) ـ ابن منظور ، جمال الدين محمد بن مكرم : لسان العرب ، ج ٧ / ٧٤.

(٤) ـ نفس المصدر.

(٥) ـ الطريحي ، الشيخ فخر الدين : مجمع البحرين ، ج ٤ / ٧٦.

(٦) ـ الأشقر ، الدكتور عمر سليمان : صحيح القصص النبوي / ١٢.


الشخصية لا تثبت وجودها إلا من خلال ما تقوم به من أحداث ، أو ما تؤديه من أقوال ، وهذا التداخل له دور في بناء القصة ، كما يجعل بعضها ذا تأثير واضح في بعضها الآخر ؛ أي أنّ الحدث مؤثر في الشخصية ، وأنّ الحوار له دوره في بلورة الشخصية أمامنا ، كما يقوم بكشف الكثير من جوانبها وتعميق الحدث وتطويره.

ويمكن دراسة هذه العناصر بصورة مختصرة ، كي تتضح لنا تركيبة القصة الفنية.

أولاً ـ الراوي في القصة :

قبل الدخول في الحديث عن العناصر لتركيبة القصة ، ينبغي أن نذكر العلاقة التي بين الراوي والعمل القصصي ؛ إذ يوجد تقارب لا ينكر بين الراوي وعمله ، منشؤها علاقات مختلفة منها ما يلي :

١ ـ علاقته بحدث القصة وشخصياتها ، فقد يكون أحد شخصياتها المشاركين في صنع أحداثها ، فيكون الراوي متحدثاً عن نفسه في القصة ، وكأنّما يكتب مذكرات ويَقصّ بعض تجاربه التي مرت به.

٢ ـ علاقته بمجتمعه ، سواء كان ذلك المجتمع في داخل القصة ـ باعتباره أحد شخصياتها ـ أو كان المجتمع خارج القصة الذي توجه إليه.

ثانياً ـ الشخصية :

يمكن التركيز على الشخصية من حيث التَعرّف على أنواعها ـ وخصوصاً التعرف على ذات الشخصية من حيث ذاتها وطيبعتها بشرية أو غير بشرية ـ إذ نجد كثيراً من الشخصيات التي حفلت بها القصة القرآنية والنبوية وما يرتبط بهما من هذا النوع ، والذي يهمنا دراسته هي الأنواع التالية :


١ ـ البشر :

وتتمثل الشخصيات البشرية في الأنبياء والأولياء والعلماء وعامة الناس.

أمّا الأنبياء ؛ فقد حظيت باهتمام كبير ، والغالب في شخصيات الأنبياء أنّها تذكر بأسمائها ، ولا شك أنّ ذكر ال إسم أكثر قرباً وارتباطاً بها ، مما يعطيها نوعاً من الواقعية في اعتبار السامع ؛ إذ أنّهم خلق مكرمون لهم قيمتهم الكبيرة عند الباري عَزّ وجَلّ ، وكذلك بالنسبة للأولياء والعلماء.

وأمّا بالنسبة إلى بقية البشر ـ سواء كانوا رجالاً أو نساء ـ ؛ فهذه الشخصيات تُصوّر الإنسان بما فطر عليه من طباع ، وما جبل عليه من غرائز مختلفة تنكشف من وقت لآخر في أحداث القصة ، وتعكس ما تنطوي عليه النفس الإنسانية من خير أو شر. ففي النفس إستعداد للتأثر بما يلقى إليها من القول والفعل ، لكنْ هذا الإستعداد موقت في الغالب ، ولذلك يلزمه التكرار ، فالموعظة المؤثرة تفتح طريقها إلى النفس مباشرة عن طريق الوجدان وتهزّه هَزّاً عنيفاً ، وتثير كوامنه لحظة من الوقت ، ولكنّها إذا تركت تترسب من جديد ؛ لذلك لا تكفي الموعظة وحدها في تربية النفوس ، إذا لم يكن بجانبها القدرة والوسط الذي يسمح بتقليد القدوة ويشجع على الأسوة بها ، وحين توجد القدوة الصحيحة ؛ فإنّ الموعظة تكون مُؤثِّرة في النفس ، وتكون من أعظم الدوافع في تربية النفس.

٢ ـ الملائكة :

خَلْقٌ من نور ، وهم جواهر مقدسة تسيرها الإرادة العليا على وجه التسخير المطلق ، وهم معصومون عن طلب الشهوة. وبعد هذا نقول إنّ من شخصيات القصة البارزة الملاركة ، حيث تحفل بها القصص القرآنية والنبوية ،


وذلك لأهمية الملائكة من خلال تنفيذهم للأوامر الإلهية ؛ كإيصال الوحي إلى الأنبياء ، وكتابة أعمال البشر ، وقبض الأرواح ونحو ذلك من الأوامر. فهم جند الله الذين لا يعصونه ما أمرهم ، يوجههم بوحيه وأمره.

٣ ـ الجن :

خلق الله من نار السموم ، وهم خلق غير مرئي. وذهب بعض الباحثين إلى القول بـ : «أنّ الجن له قاسم مشترك مع الملائكة والإنس ، فالجن هم بين بين.

أولاً ـ إشتراك بالخفاء مثل الملائكة تماماً ؛ أي أنّهم كائنات غير مرئية.

ثانياً ـ إشتراك بحرية الإرادة والإختيار مثلهم بذلك كالانس تماماً ...» (٧).

وقد جاء لفظ الجن في القرآن الكريم في (٢٢ مورداً). والملاحظ لهذه الآيات يخرج بهذه النتيجة التالية :

١ ـ الجن خلق قبل الإنس كما أشار القرآن الكريم في قوله تعالى :( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ * وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ ) [الحجر / ٢٦ ـ ٢٧].

٢ ـ أنّهم يشاركون الإنس في التكليف والعبادة.

٣ ـ أنّهم يشاركون الإنس في الحياة على هذه الأرض ، ولهم إرتباط بهم ، قال تعالى :( وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ) [الجن / ٦١].

٤ ـ أنهم يشاركون الإنس في أنبيائهم ، وخير شاهد على ذلك ما ذكره القرآن عن قصة سليمان عليه السلام مع الجن ، كما في سورة النحل / ١٧ ، ٣٩ ، وسبأ / ١٢ ، ١٤. وقصة إستماع الجن للقرآن كما في سورة الأحقاف / ٢٩ ،

__________________

(٧) ـ العبد الله ، رياض : الجن والشياطين بين العلم والدين / ٣١.


والجن / ١. وأيضاً نلاحظ هذا واضحاً في السيرة الحسينية ، نذكر منها ما يلي :

عن أبي عبد الله عليه السلام قال : (لما سار أبو عبد الله عليه السلام من المدينة أتته أفواج من مسلمي الجنّ ـ إلى أن قال ـ قال عليه السلام : وإذا أقمت بمكاني فبماذا يبتلى هذا الخلق المتعوس ، وبماذا يختبرون؟ ومن ذا يكون ساكن حفرتي بكربلاء؟ وقد إختارها الله تعالى لي يوم دحو الأرض ، وجعلها معقلاً لشيعتنا ، ويكون لهم أماناً في الدنيا والآخرة)(٨) . وفي خطبة السجاد عليه السلام في مجلس يزيد : (أنا ابن من ناحت عليه الجن في الأرض والطير في الهواء)(٩) .

٤ ـ الشيطان :

إبليس لعنه الله كان من الجن كما قال تعالى :( إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ) [الكهف / ٥٠].

وبذلك شَطَن عن الحق ، ونال اللعنة الأبدية ، فأصبح شَيطاناً مَرِيداً يقوم باغواء الإنسان ، وهو العدو المبين له ، إبتداء من آدم عليه السلام حيث وردت قصته معه في سبع سور من القرآن الكرمي : في الأعراف / ١١ ، ٢٧ ، والحجر / ٢٦ ، ٤٣ ، والإسراء / ٦١ ، ٦٥ ، والكهف / ٥٠ ، وطه / ١١٦ ، ١٢٣ ، وص / ٧١ ، ٨٥ ، والبقرة / ٣٠ ، ٣٩.

والمفهوم من سياق القصة أنّها قد إستهدفت العظة والتنبيه ، كما أنّها تنوعت في اسلوبها ، وهكذا يوضح لنا القرآن عداوة الشيطان وقد أكد على

__________________

(٨) ـ النوري ، ميرزا حسين : مستدرك الوسائل ، ج ١٠ / ٢١٧ ـ (باب ١٧ من أبواب المزار ـ حديث ٤).

(٩) ـ المجلسي ، الشيخ محمد باقر : بحار الأنوار ، ج ٤٥ / ١٧٤.


ذلك في ستة وتسعين مرة ، وفي كل مرة يذكرنا بأنّه عدو مبين ، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه : كيف يوسوس لنا الشيطان فيغوينا؟

إنّ وسوسة الشيطان لا ندري كيف تتم ، ومتى يقترب منا ، لأننا لا ندري عن كنه وحقيقة الشيطان ، حتى ندرك كيفيات أفعاله ، إلا أننا نعلم أنّ الشيطان يغوينا بطريقة ما. وبهذه الظاهرة الشيطانية والإعتقاد بوجودها ليست مقتصرة على المسلمين فقط ، بل لها وجود حتى عند غيرهم من الديانات كالمسيحية ، فقد عَبّر البابا (بولس الثاني) عن معارضته للأقوال المغايرة لعدم وجود الشيطان ، وقد صَرّح بحزم وقوة بأنّ الشيطان موجود فعلاً ، وذلك في خطبة ألقاها وسط حشد كبير في الفاتيكان عام ١٩٧٢ م.

قال فيها : «وإنّ من يرفض الإقرار بوجود الشيطان ، فهذه الحقيقة المرعبة المخيفة ، يخرج عن تعاليم العهد القديم والعهد الجديد. وبهذا فقد استقبل المؤمنون تلك الكلمات لبابا روما بحماس كبير مما جعلهم يستعيدون إيمانهم بحقيقة وجود الشيطان وبحقيقة مكافحته بأي وسيلة ، وخاصة الصلاة للرب بإيمان مخلص ، فلا يمكن للشيطان الإقتراب منهم إذا كانوا حذرين منه»(١٠) .

«وأما القضية الهامة التي شغلت الصحف الإنكليزية في منتصف عام ١٩٣٤ م ، فقد كانت تتلخص في أنّ الدكتور : (الكسندر كانون) وهو طبيب وباحث ومتخصص في معالجة الأمراض العقلية ، قد وضع كتاباً بعنوان (الشيطان وتأثيره الخفي) وأورد ضمن صفحاته كافة صنوف السحر وآثاره وتعلقه بالشيطان ، ولم يسردها على شكل رواية ، بل على شكل بحث علمي

__________________

(١٠) ـ العبد الله ، رياض : الجن والشياطين بين العلم والدين / ١٦٩.


علق عليه بحوادث مشاهدة من قبله بالذات ، وجميع نظرياته تؤكد وجود الشيطان والمسيطر على عدد كبير من سكان العالم»(١١) .

إنّ قضية الشيطان قد أخذت أشواطاً وأبعاداً في هذا العصر ، وما زالت قصص الشيطان تحدث في العالم بأسره ، والشيطان ما زال منذ الخليقة سيد موقفه يمارس كافة وساوسه. وبعد هذا نقول : إنّ القصص القرآنية والنبوية تحفل بالتحذير من هذه الشخصية ، وكذلك السيرة الحسينية حافلة بذلك كما في خطبة يوم كربلاء : (لقد استحوذ عليكم الشيطان فأنسانكم ذكر الله العظيم فتباً لكم ولما تريدون)(١٢) . وعَبّر عن أعدائه : (ونفثة الشيطان ومطفئي السنن)(١٣) .

٥ ـ الحيوانات والطيور والحشرات :

ومن الشخصيات التي لها دور بارز في القصة سواء كانت قرآنية أو نبوية أو غير ذلك من أنواع القصة الحيوانات والطيور ، وهذا الدور يمكن تقسيمه إلى قسمين :

الأول ـ أنّ يكون لهذه الشخصية دور بارز ، وتعامل كأنّها شخصيات بشرية ، ومن أمثلة هذا النوع ما ذكره القرآن الكريم في قصة الهدهد مع النبي سليمان عليه السلام في قوله تعالى :( وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ *لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ) [النمل / ٢٠ ـ ٢١]. وأيضاً في قصة النملة معه عليه السلام ، كما في قوله تعالى :( حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ) [النمل / ١٨].

__________________

(١١) ـ المصدر السابق / ١٦٢.

(١٢) ـ المقرم ، السيد عبد الرزاق : مقتل الحسين / ٢٢٧ ـ ٢٢٨.

(١٣) ـ نفس المصدر / ٢٣٤.


الثاني ـ أن تكون الأدوار عادية ؛ بحيث تعرض القصة أمثال هذه الشخصيات في صورة عادية ، كأنّ لها دور تكميلي للحدث أو لها صلة به ، كما في قصة النبي ابراهيم عليه السلام والطيور وقد ذكرها القرآن في قوله تعالى :( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) [البقرة / ٢٦٠]. وأيضاً قصة حمار عزير ، كما في قوله تعالى :( ...وَانظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) [البقرة / ٢٥٩]. هذه بعض النماذج القرآنية لهذا النوع من الشخصية ، وأما بالنسبة للسيرة الحسينية ، فقد ذكرت مثل ذلك. فمن النماذج التي لها دور بارز فرس الحسين عليه السلام حينما خاطبه بقوله : «أنت عطشان وأنا عطشان ، فلا أشرب حتى تشرب! فرفع الفرس رأسه كأنّه فهم الكلام»(١٤) .

وأيضاً للفرس موقف آخر حينما وقع الحسين عليه السلام : «وأقبل الفرس يدور حوله ويلطخ ناصيته بدمه ، فصاح ابن سعد دونكم الفرس ، فإنّه من جياد خيل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فأحاطت به الخيل فجعل يرمح برجله حتى قتل أربعين رجلاً وعشرة أفراس ، فقال ابن سعد : دعوه لننظر ما يصنع؟ فلما أمن الطلب أقبل نحو الحسين يمرغ ناصيته بدمه ويشمه ويصهل صهيلاً عالياً. قال أبو جعفر الباقر عليه السلام : كان يقول : الظليمة الظليمة من أمة قتلت ابن بنت نبيها. وتوجه نحو

__________________

(١٤) ـ المصدر السابق / ٢٧٥.


المخيم بذلك الصهيل. فلما نظرت النساء إلى الجواد مخزياً ، والسرج عليه ملوياً ، خرجن من الخدور ، ناشرات الشعور! على الخدود لاطمات ، وللوجوه سافرات ، وبالعويل داعيات ، وبعد العزّ مذللات ، وإلى مصرع الحسين مبادرات»(١٥) .

ومن النماذج التي لها إرتباط تكميلي بالحدث ، أو أدنى صلة بذلك العقرب الأسود ، وذلك حينما دعا الحسين عليه السلام على محمد بن الأشعث «فقال الحسين : اللهم إنّ محمد بن الأشعث يقول : ليس بيني وبين محمد قرابة. اللهم أرني فيه هذا اليوم ذلاً عاجلاً. فاستجاب الله دعاءه ، فخرج محمد بن الأشعث من العسكر ، ونزل عن فرسه لحاجته ، وإذا بعقرب أسود ، يضربه ضربة تركته مُتَلَوِثاً في ثيابه ومات بادي العورة»(١٦) .

وأيضاً ما ورد عن الحسن عليه السلام مخاطباً أخاه الحسين عليه السلام عن بكاء الوحوش والحيتان قال : «ويكن لا يوم كيومك يا أبا عبد الله ، وقد ازدلف إليك ثلاثون ألفاً يَدّعُون أنّهم من أمة جدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وينتحلون دين الإسلام ، فيجتمعون على قتلك وسفك دمك ، وإنتهاك حرمتك ، وسبي ذراريك ونسائك ، وانتهاب ثقلك فعندها تحل ببني أمية اللعنة وتمطر السماء رماداً ودماً ، ويبكي عليك كل شيء حتى الوحوش في الفلوات ، والحيتان في البحار)(١٧) .

__________________

(١٥) ـ المصدر السابق / ٢٨٣.

(١٦) ـ نفس المصدر / ٢٣١.

(١٧) ـ نفس المصدر / ٢١١.


ثالثاً ـ الحدث :

يعتبر الحدث في أي قصة رُوحُها الذي يمنحها الحياة والحيوية ، وهو محط الإعتبار فيها ؛ بحيث تجده هو المسيطر ، فالشخصيات حين ترد في القصة لا يُهتم بها لذاتها بل لما سيحدث لها ، وتكون العناية بمواقفها. وقد أثار الدكتور محمد خلف الله في دراسة للفن القصصي في القرآن الكريم ملاحظة جدير بالاهتمام والعناية ؛ لما تلقيه من ضوء على ظاهرة العناية بالحدث في القصة النبوية ، فقد لاحظ أنّ القرآن الكريم وخاصة في عهده الأول لم يكن يعنى بتصوير الشخصيات ، وعزا ذلك ـ وهذا ما يهمنا هنا ـ إلى أنّه هو المذهب السائد في إعتبار قصاص العربية ؛ لأنّ العرب كانوا يهتمون بالحادثة أكثر من إهتمامهم بالبطل ، ويهتمون بالفكرة والرأي أكثر من إهتمامهم بالأشخاص ، وهذا هو الواضح تماماً فيما يروى عن العرب من قصص ، فنجد في (العقد الفريد) بعض هذه النوادر التي وإن تكن إسلامية ، إلا أنّها قد حافظت ـ إلى حد ما ـ على الشكل والصورة في لون من ألوان القصص والنوادر»(١٨) .

ويضيف محمد الزير : «ومما يؤكد هذه الملاحظة التي تحمل قدراً كبيراً من المعقولية ، أنّ البيئة التي عاش فيها العربي ، بيئة أحداث تتردد أصداؤها كل يوم في مسامعه ، فهو منذ أن يتفتح وعيه على الحياة ، إلى أن يغمض عينيه في نومة الموت ، وهو يعيش أعنف صور الأحداث ، متمثلة في تلك الحروب التي لا تبقي ولا تذر. مما أعطى هذا العربي وعياً خاصاً (بالحدث) وجعل له مكانة معينة في حسه ونفسه بحيث يزن به الأمور والأشياء ، ويقيمها من خلال تصوره

__________________

(١٨) ـ الزير ، محمد بن حسن : القصص في الحديث النبوي / ٢٤٢ (بتصرف).


للحدث وقد كان أمراً منطقياً أن تعتني القصة النبوية (بالحدث) وأن تسخره كنقطة قوة فيها ، من أجل تأثير أكثر عمقاً في نفوس مستمعيها وقارئيها»(١٩) .

وبعد هذا يمكن دراسة الحدث من جهتين :

الأولى ـ دراسة الحدث من حيث التأثير بالحادثة ، وذلك عن طريق الوسائل التالية :

١ ـ تصور الحادثة بما يثير عوامل الرغبة أو الرهبة في النفوس ، ومن هذا القبيل ما نجده في تصوير القرآن لحياة الشهداء ، كما في قوله تعالى :( وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) [آل عمران / ١٦٩]. ومن الشواهد على ذلك في السيرة الحسينية ما يلي : ما بَشّر به الحسين عليه السلام أصحابه لما فرغ من الصلاة قال لأصحابه : «يا كرام هذه الجنة قد فتحت أبوابها ، وإتصلت أنهارها ، وأينعت ثمارها ، وهذا رسول الله والشهداء الذين قتلوا في سبيل الله ، يتوقعون قدومكم ، ويتباشرون بكم فحاموا عن دين الله ودين نبيه ، وذبوا عن حرم رسول ، فقالوا : نفوسنا لنفسك الفداء ، ودماؤنا لدمك الوقاء ، فوالله لا يصل إليك والى حرمك سوء وفينا عرق يضرب»(٢٠) . نعم إنّ الحسين عليه السلام قدوة الأحرار في أقواله وأفعاله ، وخير شاهد على ذلك بعض مواقف أصحابه ليلة العاشر من المحرم منها : «هازل برير عبد الرحمن الأنصاري ، فقال له عبد الرحمن : ما هذه ساعة باطل؟ فقال برير : لقد علم قومي ما أحببت الباطل كهلاً ولا شاباً ولكني مستبشر بما

__________________

(١٩) ـ المصدر السابق / ٢٤٢ ـ ٢٤٣.

(٢٠) ـ المقرم ، السيد عبد الرزاق : مقتل الحسين / ٢٤٦.


نحن لاقون ، والله ما بيننا وبين الحور العين إلا أن يميل علينا هؤلاء بأسيافهم ، ولو وددت أنّهم مالوا علينا الساعة».(٢١) ومنها «وخرج حبيب بن مظاهر يضحك ، فقال له يزيد بن الحصين الهمداني : ما هذه ساعة ضحك! قال حبيب : وأي موضع أحق بالسرور من هذا؟ ما هو إلا أن يميل علينا هؤلاء بأسيافهم فنعانق الحور»(٢٢) .

٢ ـ عرض الحوادث المثيرة في ذاتها ؛ ومن هذه الأحداث المثيرة ما نجده في قصة (صوت في سحابة) حين فوجئ الرجل الذي كان يسير في أرض فلاة بصوت في سحابة يقول : «إسق حديقة فلان»(٢٣) . فالصوت الذي كان ينادي بصوت إنسان باسم فلان مثير في ذاته باعث على العجب ، وتزداد إثارته حين يستجيب ذلك السحاب للنداء فينتحى ويفرغ ماءه وإذا الماء يتجه إلى حديقة الرجل صاحب الاسم.

وفي السيرة الحسينية كثير من الأدلة والشواهد منها التالي :

أ ـ «لما رجع ابن زياد من معسكره بالنخيلة ودخل قصر الإمارة ، ووضع أمامه الرأس المقدس ، سالت الحيطان دماً ، وخرجت نار من بعض نواحي القصر وقصدت سرير ابن زياد ، فولى هارباً منها ودل بعض بيوت القصر فتكلم الرأس الأزهر بصوت جهوري سمعه ابن زياد وبعض من حضر : «إلى أين تهرب؟! فإن لم تنلك في الدنيا فهي في الآخرة مثواك. ولم يسكت حتى ذهبت النار! وادهش من في القصر لهذا الحادث الذي لم يشاهد مثله»(٢٤) .

__________________

(٢١) ـ المصدر السابق / ٢١٦.

(٢٢) ـ نفس المصدر.

(٢٣) ـ النيسابوري ، مسلم بن الحجاج : صحيح مسلم ، ج ٤ / ٢٢٨٨.

(٢٤) ـ المقرم ، السيد عبد الرزاق : مقتل الحسين / ٣٢٣.


ب ـ «ولما نصب الرأس الأقدس في موضع الصيارفة وهناك لغط المارة وضوضاء المتعاملين ، فأراد سيد الشهداء توجيه النفوس نحوه ليسمعوا بليغ عظاته ، فتنحنح الرأس تنحنحاً عالياً فاتجهت إليه الناس ، واعترتهم الدهشة حيث لم يسمعوا رأساً مقطوعاً يتنحنح قبل يوم الحسين عليه السلام ، فعندها قرأ سورة الكهف إلى قوله تعالى :( إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ) [الكهف / ١٣]. وصلب على شجرة فاجتمع الناس حولها ينظرون إلى النور الساطع ، فأخذ يقرأ( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) »(٢٥) [الشعراء / ٢٢٧].

٣ ـ محاولة التنقل السريع في تسلسل الأحداث والإعتماد على تتابع الأحداث سريعاً لخلق جوٍ مليء بالحركة ، وكأنّما نحن أمام مسرح حافل بالنشاط في مشاهدة حيوية متتابعة ، كما في قصة الإسراء والمعراج ، حيث تتابع الأحداث فيها إبتداء من ركوب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على البراق ، ثم إتيانه بيت المقدس وصلاته فيها ، ثم العروج إلى السماء ، حيث أخذ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومعه جبرائيل في التنقل من سماء إلى سماء صعوداً إلى أعلى ، وفي كل سماء يقابل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم نبياً من الأنبياء إلى سدرة المنتهى ، إلى أن أنهى رحلته المقدسة إلى مكة المكرمة في ليلة واحدة ، ولهذا عَبّر عنها القرآن الكريم في قوله تعالى :( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) [الإسراء / ١].

وأيضاً ما نجده في السيرة الحسينية ، إبتداءاً من خروج الحسين عليه السلام من المدينة المنورة إلى مكة المكرمة ثم إلى كربلاء ، وما جرى على أرض كربلاء من

__________________

(٢٥) ـ المصدر السابق.


المجازر الرهيبة في يوم العاشر من المحرم ، وما ترتب على ذلك من سبي حرمه وأطفاله من كربلاء إلى الكوفة إلى الشام ، إلى أن رجعوا إلى المدينة ، حيث تتابع الأحداث بصورة متلاحقة وسريعة.

الثانية ـ دراسة أنواع الحدث ، وهي كالتالي :

١ ـ أن يكون من قبيل القضاء والقدر ، بحيث تحدث القصة بصورة تجعلنا ننسبها مباشرة إلى تدخل قدرة الله في إجرائها ، كما نجد ذلك في قصة مبيت أمير المؤمنين علي عليه السلام على فراش النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليلة الهجرة ، وهنا تبدأ قصة من أروع ما عرفه التاريخ البشري ، فقد ذكر اليعقوبي في تاريخه : «... وإنّ الله عَزّ وجَلّ ، أوحى في تلك الليلة إلى جبرائيل وميكائيل أني قضيت على أحدكما بالموت ، فأيكما يواسي صاحبه؟ فاختار الحياة كلاهما ، فأوحى الله إليهما ، هَلّا كنتما كعلي بن أبي طالب؟! ، آخيت بينه وبين محمد ، وجعلت عمر أحدهما أكثر من الآخر ، فاختار علي الموت وآثر محمداً بالبقاء وقام في مضجعه ، إهبطا فاحفظاه من عدوّه ، فهبط جبرائيل وميكائيل ، فقعد أحدهما عند رأسه ، والآخر عند رجليه يحرسانه من عَدوِّه ، ويصرفان عنه الحجارة ، وجبريل يقول : بخ بخ لك يا ابن أبي طالب ، من مثلك يباهي الله بك ملائكة سبع سموات! وخَلّف علياً على فراشه لرد الودائع التي كانت عنده وصار إلى الغار ، فكمن فيه وأتت قريش فراشه ، فوجدوا علياً فقالوا : أين ابن عمّك؟ قال : قلتم له اخرج عنّا ، فخرج عنكم. فطلبوا الأثر فلم يقعدوا عليه ، وأعمى عليهم المواضع ، فوقفوا على باب الغار وقد عشعشت عليه حمامة ، فقالوا : ما في هذا الغار أحد. وانصرفوا ، وخرج رسول الله متوجهاً إلى المدينة»(٢٦) . من تتبع أحداث

__________________

(٢٦) ـ اليعقوبي ، احمد بن ابي يعقوب : تاريخ اليعقوبي ، ج ٢ / ٣٩.


هذه القصة ؛ توصل إلى تدخل يد القدرة فيها. كما نجد هذا النوع من الحدث له نماذج في السيرة الحسينية ، ومن تلك النماذج : «وأراد رجل منهم أخذ تكة سرواله وكان لها قيمة ، وذلك بعد ما سلبه الناس. يقول : أردت أن أنزع التكة فوضع يده اليمنى عليها ، فلم أقدر على رفعها فقطعت يمينه! فوضع يده اليسرى عليها فلم أقدر على رفعها فقطعتها ، وهممت بنزع السروال ، فسمعت زلزلة فخفت وتركته وغشي عليّ ، وفي هذه الحال رأيت النبي وعلياً وفاطمة والحسن ، وفاطمة تقول : يا بني قتلوك قتلهم الله. فقال لها : يا أم قطع يدي هذا النائم. فدعت عليّ فقالت : قطع الله يديك ورجليك ، وأعمى بصرك ، وأدخلك النار. فذهب بصري ، وسقطت يداي ورجلاي ، فلم يبق من دعائها إلا النار»(٢٧) .

من تأمل أحداث هذه القصة ؛ تَبيّن له جلياً أنّ الحوادث تنبأ عن إرتباطها بالسماء مباشرة كي تظهر للبشر مدى عظمة هؤلاء ومنزلتهم الجليلة عند الله عَزّ وجَلّ.

٢ ـ خوارق ومعجزات ، يجربها الله تبارك وتعالى لنصرة أوليائه من الأنبياء والأوصياء ونحوهم. ولعل الهدف من ذلك ، هو طمأنت المؤمنين على التمسك بالحق الذي هم عليه ، وأن يثبتوا مهما كَلّفهم ذلك من عناء ومن تلك المعجزات : «أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قام يصلي عند الكعبة ، وقد حلف أبو جهل لئن رآه يصلي ليدمغنّه ، فجاءه ومعه حجر ، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم قائم يصلي ، فجعل كلما

__________________

(٢٧) ـ المقرم ، السيد عبد الرزاق : مقتل الحسين / ٢٨٥.


رفع الحجر ليرميه أثبت الله يده إلى عنقه ، ولا يدور الحجر بيده ، فلما رجع إلى أصحابه سقط الحجر من يده»(٢٨) .

ومن الخوارق والمعجزات الحسينية في كربلاء : «وأقبل القوم يزحفون نحوه ، وكان فيهم عبد الله بن حوزة التميمي فصاح : أفيكم حسين؟ وفي الثالثة قال أصحاب الحسين : هذا الحسين فما تريد منه؟

قال يا حسين ، أبشر بالنار. قال الحسين : كذبت بل أقدم على رب غفور كريم مطاع شفيع فمن أنت؟!

قال : أنا ابن حوزة. فرفع الحسين يديه حتى بان بياض إبطيه وقال : اللهم حزه إلى النار. فغضب ابن حوزة وأقحم الفرس إليه وكان بينهما نهر ، فسقط عنها وعلقت قدمه بالركاب وجالت به الفرس ، وانقطعت قدمه وساقة وفخذه وبقي بجانبه الآخر مُعلّقاً بالركاب ، وأخذت الفرس تضرب به كل حجر وشجر ، وألقته في النار المشتعلة في الخندق ، فاحترق بها ومات ، فخر الحسين ساجداً شاكراً حامداً على إجابة دعائه ، ثم انّه رفع صوته يقول : اللهم إنّا أهل بيت نبيك وذريته وقرابته ، فاقصم من ظلمنا وغصبنا حقنا ، إنّك سميع قريب»(٢٩) .

٣ ـ أحداث غير ماألوفة ، لا تحدث إلا نادراً ، بحيث تبدو في نظر السامع أو القارئ أحداثاً غريبة ، كالأحداث التي كان يقدم عليها الخضر في قصته مع موسى (عليهما السلام) : من خرقه للسفينة ، وقتله للغلام ، وإقامته للجدار الذي يريد أن ينقض ، وكانت هذه الأحداث مثار عجب موسى وإستغرابه ،

__________________

(٢٨) ـ القمي ، الشيخ عباس : منتهى الآمال ، ج ١ / ٥٦.

(٢٩) ـ المقرم ، السيد عبد الرزاق : مقتل الحسين / ٢٣٠.


ولذلك كان يستنكر على الخضر في كل مرة ، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه القصة في سورة الكهف من آية (٦٦ إلى ٨٨). ومن هذا النوع ما ذكر في السيرة الحسينية ، كما في حوار محمد بن الحنفية للحسين عليه السلام في الخروج الى العراق : «وأتاه محمد بن الحنفية في الليلة التي سار الحسين في صبيحتها إلى العراق وقال : عرفت غدر أهل الكوفة بأبيك وأخيك ، وأني أخاف أن يكون حالك حال من مضى ، فأقم هنا فإنّك أعزّ من في الحرم وأمنعه. فقال الحسين : أخاف أن يغتالني يزيد بن معاوية في الحرم ، فأكون الذي تستباح به حرمة هذا ال بيت ، فأشار عليه ابن الحنفية بالذهاب إلى اليمن أو بعض نواحي البر ، فوعده عبد الله في النظر في هذا الرأي ، وفي سحر تلك الليلة ، إرتحل الحسين عليه السلام فأتاه ابن الحنفية وأخذ بزمام ناقته وقد ركبها ، وقال : ألم تعدني النظر فيما سألتك؟ قال : بلى ، ولكن بعدما فارقتك أتاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقال : يا حسين ، اخرج فإنّ الله تعالى شاء أن يراك قتيلاً ، فاسترجع محمد ، وحينما لم يعرف الوجه في حمل العيال معه ، وهو على مثل هذا الحال ، قال الحسين عليه السلام : قد شاء الله تعالى أن يراهن سبايا»(٣٠) .

رابعاً ـ الحوار :

ينظر إلى الحوار كاسلوب هام من الأساليب العملية القصصية ، وبناء الشخصية في القصة ، بحيث نستطيع أن نشهد هذه الشخصية وهي تتحدث في حوار مع الآخرين ، مُعَبِّرة عما تحمله من أفكار ، وسوف يأتي البحث مُفَصّلاً في (القصة الحوارية).

__________________

(٣٠) ـ المصدر السابق / ١٦٧.


خامساً ـ الزمان والمكان :

يمكن دراسة عنصري الزمان والمكان في القصة من خلال ما يلي :

أولاً ـ علاقة الحدث بالقصة :

إنّ الحدث في القصة عبر إنتظام في الإطار الزمني ، هذا الإطار الذي يعتبر وسيلة من وسائل الحركة والتطور في القصة ؛ أي أنّ الأحداث تبرز العرض السردي في صورة زمنية منطقية تترتب فيها النتائج على المقدمات ، وتنتقل الشخصيات من حال إلى حال ، عبر تسلسل زمني له أثره في السير بالأحداث إلى النهاية.

ثانياً ـ النظر إلى الزمن كوعاء للحدث :

أو بلفظ آخر تحديد الفترة الزمنية التي وقع فيها الحدث ، وقد نجد إشارات متناثرة تبرز في القصة حين يكون لهذا الزمن أهمية خاصة في تقدير الحدث نفسه ، وطبعه بطابع الأهمية والخطورة ، وهذا ما نجده واضحاً في القرآن ، كيوم القيامة أو اليوم الآخر ، فهذا اليوم تتكرر فيه الإشارة إليه في كل قصة تكون أحداثها فيه. وكذلك ما ذكره القرآن في غزوة بدر التي عبّر عنها في قوله تعالى :( ...وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) [الأنفال / ٤١]. وأيضاً ما ذكر في قوله تعالى :( لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ) [التوبة / ٢٥].


وأمّا ما ورد في السيرة الحسينية ؛ فكثير نذكر منه ما يلي :

١ ـ «أنّ الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام ، دخل يوماً إلى الحسن عليه السلام فلما نظر إليه بكى فقال له : ما يبكيك يا أبا عبد الله؟ قال أبكي لما يصنع بك. فقال له الحسن عليه السلام : إنّ الذي يُؤتي إليّ سَمّ يُدس إليَّ فأقتل به ، ولكن لا يوم كيومك يا أبا عبد الله ، يزدلف إليك ثلاثون ألف رجل يَدّعُون أنّهم من أمة جدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وينتحلون دين الإسلام فيجتمعون على قتلك وسفك دمك ...»(٣١) .

٢ ـ قال الرضا عليه السلام : «إنّ المحرم شهر كان أهل الجاهلية يُحرِّمُون فيه القتال ، فاستحلت فيه دماؤنا ، وهتكت فيه حرمتنا ، وسبي فيه ذرارينا ونساؤنا ، واُضرمت النيران في مضاربنا ، وانتهبت ما فيها من ثقلنا ، ولم ترع لرسول الله حرمة في أمرنا ، إنّ يوم الحسين أقرح جفوننا ، وأسبل دموعنا ، وأذَلّ عزيزنا بأرض كرب وبلا الخ»(٣٢) .

ثالثاً ـ كون المكان وعاء للأحداث :

فهو مسرحها الذي تقع عليه ، والقصة أحياناً تحاول أن تشعرنا بالمكان ، والواقع أنّ هناك وظيفة غير مباشرة لعنصري الزمان والمكان من الناحية الفنية ، فهما يعمقان لدى القارئ أو السامع ، الإحساس بالحدث والشخصيات ، بحيث يأتي العرض القصصي أكثر تأثيراً وفاعلية ، فالشخصية التي تمارس الحدث في مكان ، كالجنة أو النار كمكانين لهما دلالات معينة ، تختلف في تأثيرها عن الشخصية التي تتحرك وتعمل من غير ارتباط بمكان ما ، وقد أشار القرآن

__________________

(٣١) ـ البحراني : الشيخ عبد الله بن نور الله : عوالم العلوم ، ج ١٧ / ١٥٤.

(٣٢) ـ المجلسي ، الشيخ محمد باقر : بحار الأنوار ، ج ٤٤ / ٢٨٣ ـ ٢٨٤.


الكريم في قوله تعالى :( إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ) [طه / ١٢] ، إلى دور الشخصية ـ وهو موسى عليه السلام ـ التي تمارس الحدث ـ وهو خلع النعلين ـ في المكان وهو : وادي طوى. وأما ما ورد في السيرة الحسينية ؛ فكثير نذكر منه التالي :

١ ـ جاء الحسين عليه السلام إلى قبر جده وصلى ركعات ، ولما كان قريباً من الصبح وضع رأسه على القبر فغفا ، فرأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كتيبة من الملائكة عن يمينه وشماله وبين يديه ، فَضَمّ الحسين إلى صدره ، وقبّل ما بين عينيه وقال : (حبيبي يا حسين ، كأنّي أراك عن قريب مرملاً بدمائك ، مذبوحاً بأرض كربلا بين عصابة من أمتي ، وأنت مع ذلك عطشان ، وظمآن لا تروى ، وهم بعد ذلك يرجون شفاعتي ، لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة)(٣٣) .

٢ ـ وقال في خطبة في مكة : (... وخِيرَ لي مصرع أنا لاقيه ، كأنّي بأوصالي تُقَطِّعُها عُسْلَان الفَلاة بين النواويس وكربلاء ...)(٣٤) .

وبعد هذا العرض المتقدم ؛ قد تَمّ ما يمكن دراسته في عناصر القصة الفنية.

__________________

(٣٣) ـ المقرم ، السيد عبد الرزاق : مقتل الحسين / ١٣٣.

(٣٤) ـ نفس المصدر / ١٦٦.



أقسام القصة

١ ـ القصة الواقعية.

أ ـ القضايا الشخصية

ب ـ القضايا التاريخية

ج ـ قصص متعلقة بتربة الحسين (عليه السلام)



١ ـ القصة الواقعية :

لعلّ أهم ما يمكن دراسته في القصة الواقعية ، يرجع إلى ما يلي :

أ ـ القضايا الشخصية :

هي لون واقعي مقصود بأشخاصه ، وذلك كقصص الأنبياء والرسل ، وهذا اللون من القصص يتم التركيز فيه على أسماء معينة ، هي أهم شخصية لها ارتباط بالقضية والحدث ، ولعلّ أهم نماذجه في القرآن الكريم ما ذكر من شخصيات محددة بأسمائها كآدم ، وداود ، وسليمان ونحو ذلك.

تتحدث فيه عن بعض مواقف الأنبياء ، محاولة أن تُصوِّر للسامعين والقراء بعض ما فيها من عظات وعبر. وقد نلاحظ من خلال ذلك حديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن رحلته في الإسراء والمعراج ، ومن هذا النوع ما يطلق عليه إسلام الصحابة ، حيث نجدهم يرصدون لنا أهم المواقف وأخطرها في حياتهم ، وأعمقها أثراً في نفوسهم ، فوجدوا أنفسهم يهربون من تلك الحياة في رحلة حق وخير إلى مرفأ الأمان والنجاة في ظل الاسلام ، ويبدوا أنّهم أحَسُّوا أنّ رحلتهم تلك وما صاحبها من ظروف وملابسات أولى أن يسجلوها ويهتموا بها ، حتى تظل دائماً في ذكرياتهم وعلى اللسان في أحاديثهم ، ومما يندرج تحت هذا النوع قصة المشركين مع الصحابي الجليل عَمّار بن ياسر «في جماعة اُكرهوا وهم : عَمّار ، وياسر أبوه ، وأمه سُمَيّة ، وصُهَيْب ، وبِلَال ، وخَبّاب عُذّبوا ، وقتل أبو عَمّار وأمه ، وأعطاهم عمار بلسانه ما أرادوا منه ، ثم أخبر سبحانه بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فقال قوم : كفر عَمّار. فقال صلى الله عليه وآله وسلم : كلا إنّ عَمّاراً مليء إيماناً من قرنه إلى قدمه ، واختلط الإيمان بلحمه ودمه. وجاء عَمّار إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يبكي ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ما وراءك؟ فقال : شرٌّ يا رسول الله ، ما تركت حتى


نلت منك وذكرت آلهتهم بخير ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يمسح عينيه ويقول : إن عادوا لك ؛ فعدلهم بما قلت»(٣٥) . وفي السيرة الحسينية كثير من النماذج ، نذكر منها ما يلي :

١ ـ بعد نزوله في كربلاء في اليوم الثاني من المحرم سنة إحدى وستين ، فجمع عليه السلام ولده واخوته ، وأهل بيته ونظر إليهم وبكى وقال : (اللهم إنا عترة نبيك محمد ، قد اُخرجنا وطردنا واُزعجنا عن حرم جدنا ، وتَعدّت بنو أميّة علينا ، اللهم فخذ لنا بحقنا ، وانصرنا على القوم الظالمين)(٣٦) .

٢ ـ «ولما اثخن سعيد بالجراح سقط إلى الأرض وهو يقول : اللهم العنهم لعن عاد وثمود ، وابلغ نبيك مني السلام ، وابلغه مالقيت من ألم الجراح ، فإنّي أردت بذلك ثوابك في نصرة ذرية نبيك صلى الله عليه وآله وسلم والتفت إلى الحسين قائلاً : أوفيت يا ابن رسول الله؟ قال : نعم أنت أمامي في الجنة. وقضى نحبه فوجدوا فيه ثلاثة عشر سهماً غير الضرب والطعن»(٣٧) .

ب ـ القضايا التاريخية :

وهي مأخوذة من أحداث التاريخ الواقعة فيما مضى ، وكان الهدف منها في القرآن أو على لسان النبي صلى الله عليه وآله وسلم التربية والتوجيه وتعليم المسلمين ، دون أن تعنى بكل تفاصيل الواقعة التاريخية ، وما صاحبها من أحداث جزئية ، فالمقصود هي الحالة التي تمثل القصة لا الشخصية في ذاتها ، فالحدث هو محط الإهتمام ، ولذلك تكون القصة بأشخاصها الواقعيين ، أو بأي شخص ، أو أشخاص

__________________

(٣٥) ـ الطبرسي ، الشيخ الفضل بن الحسن : مجمع البيان في تفسير القرآن ، ج ٦ / ٥٠١.

(٣٦) ـ المقرم ، السيد عبد الرزاق الموسوي : مقتل الحسين / ١٩٣.

(٣٧) ـ نفس المصدر / ٢٤٦.


آخرين يمكن أن يحصل منهم ذلك الحدث ، أو يتمثل فيهم ذلك النموذج الذي تحكيه القصة ، أو تتحقق فيهم مثل تلك المواقف التي تتحدث عنها القصة ، أنّ المقصود هنا هو نوع الحدث ، ونوع الموقف بغض النظر عن كون حصل لفلان بعينه من الناس ، ولذلك تجد شخصيات هذا النوع لا تذكر معينة بأسمائها ، وإنما تذكر بشكل عام غير مدد ، ومن هذا القبيل قصة أصحاب الأخدود التي أشار إليها القرآن الكريم في قوله تعالى :( قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ *النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ ) [البروج / ٤ ـ ٥]. ومن الروايات التي أشارت إلى قصتهم ، ما روي عن أبي جعفر عليه السلام قال : (بعث الله نبياً حبشياً إلى قومه فقاتلهم ، فقتل أصحابه واسروا ، وخَدُّوا لهم اُخْدُودَاً من نار ، ثم نادوا : من كان من أهل ملتنا فليعتزل ، ومن كان على دين هذا النبي ؛ فليقتحم النار ، فجعلوا يقتحمون النار ، وأقبلت امرأة معها صبي لها فهابت النار ، فقال لها صبيها : إقتحمي ، قال : فاقتحمت النار وهم أصحاب الأخدود)(٣٨) . وأيضاً ورد في حديث حَمّاد البصري ، عن أبي عبد الله عليه السلام ثم قال : (بلغني أنّ قوماً يأتونه من نواحي الكوفة ، وناساً من غيرهم ، ونساء يندبنه ، وذلك في النصف من شعبان ، فمن بين قارئ يقرأ ، وقاص يقصّ ، ونادب يندب ، وقائل يقول المرائي. فقلت له : نعم جعلت فداك قد شهدت بعض ما تصف. فقال : الحمد لله الذي جعل في الناس من يفد إلينا ، ويمدحنا ويرثي لنا ، وجعل عدونا يطعن عليهم من قرابتنا وغيرهم يَهْدِرُونهم ، ويُقَبِّحُون ما يصنعون)(٣٩) .

__________________

(٣٨) ـ البحراني ، السيد هاشم الموسوي : البرهان في تفسير القرآن ، ج ٨ / ٢٥٣.

(٣٩) ـ ابن قولويه ، الشيخ جعفر بن محمد : كامل الزيارات / ٥٣٩ ، (الباب ١٠٨ نوادر الزيارات ـ حديث ١).



ج ـ قصص متعلقة بتربة الحسين (عليه السلام)

أولاً ـ الإستشفاء

ثانياً ـ حرز وأمان

ثالثاً ـ عقوبة وحرمان



أولاً ـ الإستشفاء

١ ـ جابر الجعفي

٢ ـ السيد نعمة الله الجزائري

٣ ـ الشيخ الدربندي

٤ ـ السيد البروجردي

٥ ـ السيد الخوئي

٦ ـ الشيخ محسن المعلم

٧ ـ الشيخ الفشاركي

٨ ـ الشيخ علي الجنبي

٩ ـ الشيخ عبد الكريم مهدي پور (أبو عقيل)

١٠ ـ الطبيب كاظم التبريزي

١١ ـ الحاج علي الكردي البغدادي

١٢ ـ زوجة أحد السادة الخطباء

١٣ ـ أحمد عبد الواحد الزين

١٤ ـ زوجة الحاج عبد الرضا الجعفري الخوزستاني

١٥ ـ جعفر الخلدي



تمهيد :

عرفت الإنسانية بتقديس عظمائها ، سواء في ذلك الأنبياء أم غيرهم ، لا تتخلف عنها أمة حتى الأمم المتحضرة المعاصرة ، وقد أنكر ذلك بعض الناس ، ردّاً بذلك على كتاب الله الحكيم ، وعناداً منهم للمسلمين ، الذين يبتغون إلى الله الوسيلة في نجاح حوائجهم الدنيوية والأخروية ، كما هو مندوب إليه شرعاً وعقلاً وعرفاً ، قال تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ) [المائدة / ٣٥].

فيستشفعون برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، صاحب المقام المحمود عند الله ، وعترته المعصومين عليهم السلام ؛ لأنّهم عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون. قال الشيخ المجلسي (قده) : «قد ثبت في الأخبار المستفيضة أنّهم عليهم السلام الوسائل بين الخلق وبين الحق في إفاضة جميع الرحمات ، والعلوم ، والكمالات ، على جميع الخلق ، فكلما يكون التوسل بهم ، والإذعان بفضلهم أكثر ؛ كان فيضان الكمالات من الله أكثر»(٤٠) .

وقال أيضاً : «ولقد جَرّبنَا مراراً لا نحصيها ، أنّ عند إنغلاق الأمور وإعضال المسائل ، والبعد عن جناب الحق تعالى ، وإنسداد أبواب الفيض ، لمّا إستشفعنا بهم ، وتوسلنا بأنوارهم ـ فبقدر ما يصلح الإرتباط المعنوي بهم في ذلك الوقت ـ ؛ تنكشف تلك الأمور الصعبة ، وهذا معاين لمن أكحل الله عين قلبه بنور الإيمان»(٤١) . وللتوسل والإستشفاع بهم إلى الباري عَزّ وجَلّ طرق مختلفة ، ولعلّ من أهمها الإرتباط بسفينة النجاة ، ابي عبد الله الحسين عليه السلام ، من

__________________

(٤٠) ـ الرضوي ، السيد محمد الرضي : التحفة الرضوية / ٢١٠.

(٤١) ـ نفس المصدر.


تجديد عزائه ، والتبرك والإستشفاء بتربته الطاهرة ، والدعاء تحت قبته السامية ، وبعد هذا التمهيد ؛ نذكر بعض الكرامات المتعلقة بتربته الشريفة ، كالتالي :

أولاً ـ الإستشفاء :

قد إستفاد الكثير من العلماء وعامة الناس ـ عبر العصور ـ من الإستشفاء بالتربة الحسينية ، على مشرّفها آلاف التحية والسلام ، نذكر منهم ما يلي :

١ ـ جابِر الجُعْفِي(٤٢) :

الشيخ المشهدي في المزار : باسناده عن جابر الجعفي قال : (دخلت على مولانا أبي جعفر بن علي الباقر عليها السلام) ، فشكوت إليه علتين متضادتين بيّ ، إذا داويت إحداهما إنتفضت الأخرى وكان بي وجع الظهر ووجع الجوف ، فقال لي : عليك بتربة الحسين بن علي (عليهما السلام). فقلت كثيراً : ما أستعملها ولا تنجح فيَّ. قال جابر : فتبيّنت في وجه سيدي ومولاي الغضب ، فقلت يا مولاي أعوذ بالله من سخطك ، وقام فدخل الدار وهو

__________________

(٤٢) ـ جابر بن يزيد الجعفي ، المتوفى عام (١٦٧ هـ) ، من تلامذة الإمام الباقر (ع) ، روى عنه سبعين الف حديث ، عَبّر عنه المحقق الشيخ عباس القمي في منتهى الآمال ، ج ٢ / ١٣٠ : (كان جابر بن يزيد من كبار التابعين ، حاملا لأسرار علوم أهل البيت الأطهار (عليهم السلام) ، تظهر منه أحياناً بعض المعجزات التي لا قدرة للناس على تحمل سماعها ، فينسبون إليه الإختلاط ، غير أن المرويات في مدحه كثيرة ، بل قيل ـ في رجال الكشي ـ : إنّ علم الأئمة (عليهم السلام) ينتهي إلى أربعة : الأول ـ سلمان الفارسي (رضي الله عنه) ، والثاني ـ جابر بن يزيد الجعفي والثالث ـ السيد (المراد السيد الحميري) ، والرابع ـ يونس بن عبد الرحمن ؛ والمراد بجابر : جابر بن يزيد الجعفي ، لا جابر الأنصاري ؛ وذلك بتصريح من علماء الرجال ويقول ابن شهر آشوب ، والكفعمي : بأنه باب الإمام الباقر (عليه السلام) ، والمراد ظاهراً باب علومهم وأسرارهم ، سلام الله عليهم ، وروى حمدان الحضيني ، نقلاً عن الصادق (عليه السلام) أنه قال : (إنما سمي جابراً ؛ لأنه جبر المؤمنين بعلمه ، وهو بحر لا يُنزح ، وهو الباب في دهره ، والحجة على الخلق ، من حجة الله أبي جعفر ، محمد بن علي (عليهما السلام).


مغضب ، فأتى بوزن حبّة في كفّه فناولني إيّاها ، ثم قال لي : إستعمل هذه يا جابر. فاستعملتها فعوفيت لوقتي ، فقلت يا مولاي : ما هذه التي ما كذبت فيها ، ولكن قلت : لعلّ عندك علماً فأتعلّمه منك ، فيكون أحبّ إليّ مما طلعت عليه الشمس. فقال لي : إذا أردت أن تأخذ من التربة ؛ فتعمد لها آخر الليل ، واغتسل لها بماء القراح ، والبس أطهر أطمارك وتَطيّب بِسُعْد ، وادخل فقف عند الراس فصلِّ أربع ركعات ، تقرأ في الأولى الحمد وإحدى وعشر مرة قل يا أيها الكافرون ، وفي الثانية الحمد مرة وإحدى عشر مرة إنا أنزلناه في ليلة القدر ، وتُقنت فتقول في قنوتك : (لا إله إلا الله حقاً حقاً ، لا إله إلا الله عبودية ورقاً ، لا إله إلا الله وحده وحده ، أنجز وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده ، سبحانه الله مالك السموات وما فيهن وما بينهن ، سبحان الله ذي العرش العظيم ، والحمد لله رب العالمين ، ثم تركع وتسجد ، وتصلي ركعتين أخريين وتقرأ في الأولى الحمد وإحدى عشر مرة قل هو الله أحد ، وفي الثانية الحمد مرة وإحدى عشر مرّة إذا جاء نصر الله والفتح ، وتقنت كما قنت في الاوليين ، ثم تسجد سجدة الشكر وتقول : ألف مرة شكراً ، ثم تقوم وتتعلق بالتربة وتقول : يا مولاي يا ابن رسول الله ، إني آخذ من تربتك بإذنك ، اللهم فاجعلها شفاء من كل داء ، وعزاً من كل ذل ، وأمناً من كل خوف ، وغنى من كل فقر لي ولجميع المؤمنين والمؤمنات ، وتأخذ بثلاث أصابع ثلاث مرات ، وتدعها في خرقة نظيفة أو قارورة زجاج ، وتختمها بخاتم عقيق عليه ما شاء الله لا قوة إلا بالله ، استغفر الله ، فإذا علم الله منك صدق النية ، لم يصعد معك في الثلاث قبضات إلا سبعة مثاقيل ، وترفعها لكل علة فإنّها تكون مثل ما رأيت)(٤٣) .

__________________

(٤٣) ـ النوري ، الشيخ ميرزا حسين الطبرسي : مستدرك الوسائل ، ج ١٠ / ٣٣٨ (باب ٥٦ من أبواب المزار ـ حديث ١).


٢ ـ السيد نِعْمَة الله الجزائي(٤٤) :

قال السيد نعمة الله الجزائري (طاب ثراه) : «وقد أصابني ضعف في الباصرة ، فحضرت زيارة عاشوراء تحت قبة سيد الشهداء (عليه أفضل الصلوات) ، فلما خرج زوّاره في اليوم الثاني أو الثالث ؛ كنس الخدمة الروضة المطهرة عن التراب ؛ ليضعوا الفرش ، فوقفت أنا وجماعة تحت القبة الشريفة ، فثار غبار لم نتراءى من تحته ، ففتحت عيني حتى امتلأت من ذلك التراب ، فما خرجت من الروضة إلا وعيناي كالمصباح المتوقد ، وإلى الآن ما أعالج وجع العين إلا بالتكحل من ذلك التراب»(٤٥) .

٣ ـ الشيخ الدَرْبَنْدِي(٤٦) :

قال الشيخ الدربندي (طاب ثراه) : «ومن العجائب ، ما وقع لي في بعض الليالي من أزمنة إبتلائي بذلك المرض ، وبيانه : أنّ جناب الأعلى السيد الأفخم الأجل الحاج سيد أسد الله الطبيب الشيرازي ، هو الذي كان يمرضني ويعالجني ، وكان يبيت مع جمع من المؤمنين عندي مدة أسبوع ، ففي ليلة من الليالي قد

__________________

(٤٤) ـ السيد نعمة الله بن السيد عبد الله الموسوي الجزائري ، من أعاظم علمائنا المتأخرين ، ولد في قرية الصياغية من الجزائر الواقعة في أطراف شط العرب ، في حدود عام ١٠٥٠ هـ. وتوفي في قرية جايدر ليلة الجمعة ، الثالثة والعشرين من شوال سنة ١١١٢ هـ.

(٤٥) ـ الجزائري ، السيد نعمة الله الموسوي : زهر الربيع / ٣٠٣ ـ ٣٠٤.

(٤٦) ـ الشيخ المولى آغا بن عابد ، الشيرواني الأصل ، الشهير بالدربندي ، عالم متبحر ، وحكيم بارع ، ورجالي مُحدّث ، ولد في (دربند) عام ١٢٠٨ هـ ، ونشأ فيها مكباً على العلم ، حتى أتم فيها مقدماته وسطوحه على يد علماء بلده ، ثم هاجر إلى قزوين وأخذ علوم الفقه والحكمة والفلسفة ، ثم انتقل إلى كربلاء مجاوراً سيد الشهداء (ع) ، وبعد وفاة استاذه المازندراني عام (١٢٤٦ هـ) ، هاجر إلى النجف الأشرف ، فاستقر بها مجاوراً باب مدينة العلم. ثم عاد إلى كربلاء المقدسة وتصدى للتدريس ، ثم انتقل إلى طهران وتوفي بها عام (١٢٨٥ هـ) ، ثم حمل بعد ستة أشهر إلى الحائر الحسيني ودفن في الصحن الصغير مع العلماء.


عرض لي وجع بعد مضيّ نصفها ، فكانت شدة الوجع في الغاية وتمام النهاية ، وكنت أظن كأنّ قلبي في مخالب بُزَاة قوية ، وأظافر جوارح كثيرة ، فصحت صيحة شديدة ، وكانت الجماعة نائمين فانتبهوا ، ورأى الطبيب أنّ هذه الحالة مهلكة على نمط الفوريّة ، فعالجني ببعض المعالجات الجزئية الميسرة ل بالنسبة إلى ذلك الوقت ، فلم تؤثر معالجته أصلاً ، بل إزدادت قوة الألم وشدّة الوجع ، وظننت وظنوا جميعاً بالهلاك فصحت وقلت : أما تدركني أما تغيثني يا أبا عبد الله؟ روحي لك الفداء يا ابن رسول الله ، فقلت لواحد من الجماعة : كم مرّة استشفيت بتربة القبر المقدس الحسيني روحي له الفداء ، منذ إبتليت بذلك المرض الوبائي؟ قال : خمس مرات أو ست مرات. فقلت : إئتني بالتربة المطهّرة ، ثم اشهدوا أني أقول : أنا أنجو في هذه الساعة ، وينقطع الوجع والألم مني في هذه الدقيقة ببركة التربة الحسينية ، فأكلت من التربة مقدار حمّصة ، فانقطع الألم والوجع في الفور ، فتعجبت الجماعة تعجباً شديداً. ثم قلت لهم : إستعملوا التربة الشريفة في مقامات الإستشفاء بها مرات كثيرة ، ولا تكتفوا بمرة أو مرتين ؛ لأنّ هذا هو المستفاد من الأخبار عند أصحاب الأنظار الدقيقة»(٤٧) .

٤ ـ السيد البُرُوجَرْدِي(٤٨) :

قال المرجع الشهير ، المرحوم آية الله العظمى السيد البروجردي : «لما كنت في بروجرد (مدينة بإيران) كنت أعاني من ألم شديد في عيني ، فراجعت

__________________

(٤٧) ـ الدربندي ، الشيخ آغا بن عباد الشيرواني ، أسرار الشهادة ، ج ٢ / ٤٨٧.

(٤٨) ـ السيد حسين بن السيد علي الحسني البروجردي ، فقيه أصولي ، رجالي من كبار مراجع التقليد ، وله في بروجرد عام ١٢٩٢ هـ ، أخذ المقدمات في إصفهان حدود عام ١٣٠٢ هـ ، هاجر إلى النجف وتخرج على شيوخها وأعلامها ، وفي عام ١٣٢٨ هـ عاد إلى بروجرد وتصدى للتدريس والفتيا ، إلى أن هاجر إلى قم المقدسة عام ١٣٦٤ هـ لتنظيم الحوزة فيها ، وأقام فيها إلى أن توفي عام ١٣٨٠ هـ.


الأطباء ولكنهم يأسوا من علاجي ، ففي أيام عاشوراء حيث كانت العادة أن تأتي بعض مواكب العزاء إلى بيتنا ، جسلت أبكي في المجلس الحسيني ، وكانت عيني تؤلمني بشدة ، وبينما كنت في تلك الحالة ، إذ خطر ببالي أن أمس التراب الذي كان على وجوه وأجسام المعزين(٤٩) وأمسحه بعيني عَلّها تبرأ ، ففعلت ذلك من دون أن يلتفت إلي أحد هناك وما إن مسحت به على عيني حتى شعرت بتخفيف الألم ، وأخذت عيناي تتماثلان إلى الشفاء شيئاً فشيئاً حتى زال الألم تماماً ولم يعد إلى اليوم ، بل صرت أرى بجلاء أفضل دون الحاجة إلى النظارة. هذا والغريب أنّ المرحوم البروجردي (قده) ، لما بلغ من العمر التاسع والثمانين ، قام بعض الأطباء الأخصائيين بفحص عينه ، فلم يجدوا فيها ضعفاً ، حتى قالوا : إنّ الأعراف الطبية تقتضي ضعف عين الإنسان في هذا العمر ، فكيف بانسان أنهك عينه طوال هذه السنوات في القراءة والكتابة ، وكان يعاني ضعفاً وألماً في عينيه سابقاً ، إنّها ليست إلا معجزة الحسين عليه السلام»(٥٠) .

٥ ـ السيد الخوئي(٥١) :

حدثني فضيلة الشيخ مدن فَتِيل القطيفي ، في منزله ليلة الأربعاء الموافق ٤ / ٧ / ١٤٢٣ هـ : أنّ فضيلة الشيخ علي فَرْدَان القطيفي قال له : سمع من آية

__________________

(٤٩) ـ ذكر لي الفاضل الخطيب الشيخ عبد الكريم الماربوري الخوزستاني : أن من عادة أهل بروجرد ، في أيام عاشوراء يضعون التراب على رؤوسهم وأبدانهم حزناً على أبي عبد الله الحسين (ع).

(٥٠) ـ البحراني ، الشيخ عبد العظيم المهتدي : قصص وخواطر؟ ص ١٧٩ ـ ١٨٠.

(٥١) ـ السيد ابو القاسم بن السيد علي اكبر الموسوي الخوئي ، فقيه اصولي كبير ، من كبار مراجع التقليد وأساتذة الفقه والأصول ، تخرج على يديه جمع من الفقهاء والمجتهدين ، ولد عام ١٣١٧ هـ ، وهاجر إلى النجف الأشرف عام ١٣٢٨ هـ ، وتلمذ على أساتذتها الكبار ، إلى أن أصبح أحد أعلامها. وتوفي عام ١٤١٣ هـ.


الله السيد نَصْر االله المسْتَنْبِط(٥٢) : أنّ زوجة السيد الخوئي ، كانت تقيم مأتماً نسائياً لسيد الشهداء عليه السلام ، وكان السيد الخوئي يتضايق من أصوات النساء ؛ لأنّه يريد أن يشتغل بكله في دروسه وفي تدريسه ، وبعد ذلك قرر أن يمنع زوجته من إقامة المأتم حتى يتفرغ ، فاصيبت عينه بآلام شديدة ، فتعالج عند بعض الأطباء ولكنه لم يحصل على فائدة ، فقال له زوج ابنته السيد نصر الله المستنبط : أنا عندي علاج لعينك ، شيء من تربة الحسين عليه السلام. فقال له السيد : لماذا تأخرت هذه المدة؟ يقول : فجئت بها إلى عمي السيد الخوئي ، ومجرد أن وضع التربة ؛ ذهبت الآلام كلها ، وبعد ذلك قرر السيد الخوئي أن لا يمنع زوجته من إقامة المأتم على الحسين فعادت تقيم المأتم.

ويُنقل عن الفاضل الشيخ حِجِّي الجُوَيد ـ من أهالي الأحساء ـ أنّه سمع من آية الله السيد نصر الله المستنبط القصة برواية ونقل مختلف عن النقل السابق كما يلي : كان عند زوجة السيد الخوئي مأتم للنساء ، وكان من صغر منزله أن السيد الخوئي إذا جاء وقت المأتم يخرج من البيت حتى ينتهين ثم يرجع ، وهكذا مرة فترة من الزمن.

وفي ذات يوم من الأيام لم يخرج السيد الخوئي من المنزل وجلس فيه ، فجاءت النساء كعادتهن في المأتم فعلمن بوجود السيد الخوئي ، فاستحيين فدخلن غرفة من غرفات المنزل وتراصصن فيها ، وقرأن مأتمه ثم خرجن. وفي الليل نام

__________________

(٥٢) ـ السيد نصر الله بن السيد رضي المستنبط ، مجتهد محقق ، عالم جليل ورع ، من أساتذة الفقه والأصول كثير البحث والتدقيق ، ولد في تبريز عام ١٣٢٧ هـ ، قرأ مقدمات الفقه والأصول على والده في تبريز ، وسافر إلى النجف الأشرف وحضر على أعلامها ، وشرع في التدريس والبحث ، وتخرج على يديه جمع من الفضلاء ، صاهر السيد الخوئي ولازمه في مجالسه الخاصة والعامة ، توفي في ١٦ / ٣ / ١٤٠٦ هـ.


السيد الخوئي وزوجته ، وعند الصباح إستيقظت زوجة السيد الخوئي مرعوبة ، فقال لها السيد الخوئي : ما الخبر؟ فقالت له : لقد رأيتك في المنام وأنت أعمى.

فخاف السيد الخوئي من هذه الرؤيا. وبعد فترة ضعف نظر السيد الخوئي ، ثم ضعف إلى أن ترك درسه وأصبح رهين الفراش. ويقول السيد نصر الله المستنبط : دخلت عليه ذات ليلة لا يعرف أنفه من وجهه ، فلقد أصبح وجهه قطعة منتفخة حمراء.

فقال لي : أيها السيد ، إفتح لي الدرج ، ففتحته فإذا بها صرة من تراب. فقال لي : انثرها على عيني فعلمت أنّها تربة الحسين (عليه السلام) ، فنثرت التراب في عينيه ثم جلست بجواره قليلاً ، ثم خرجت من المنزل ، وفي الصباح وأنا القي الدرس ؛ جاء أحد الطلبة مذهولاً ، وهو يقول : إنّ السيد الخوئي يلقي بحثه وكأنّه لا شيء به. فقلت : هذه من بركات تربة الإمام الحسين (عليه السلام).

٦ ـ الشيخ محسن المعلِّم(٥٣) :

قال الشيخ محسن المعلم القطيفي : «ومن بركات تربته ما منّ الله به عليّ ، وذلك حينما كنت مهاجراً لطلب العلم في عش آل محمد قم المقدسة ، فكان يعاودني ألم شديد في حزام الظهر ، وكنت أشدّ حزاماً من صوف عليه ، وكان الألم يحد من نشاطي وحركتي ، وألاحظ آثاره عليّ ، وعقيب صلاة الظهرين في البيت اُلقي في روعي أنّ تربة سيد الشهداء مباركة يستشفى بها ، فتناولتها

__________________

(٥٣) ـ الشيخ محسن بن الحاج علي المعلم ، أحد فضلا القطيف البارزين ، أديب شاعر ومؤلف ، ولد في الجارودية إحدى قرى القطيف عام ١٣٧٢ هـ ، هاجر إلى النجف الأشرف عام ١٣٨٦ هـ ودام بها إلى عام ١٣٩٢ هـ ، ثم هاجر إلى قم المقدسة وبقي فيها إلى عام ١٤٠٢ هـ ، وخلال هذه الفترة كان مواظباً على دراسته ، حتى أصبح من رجال العلم والفضيلة.


ومسحت بها مواضع الألم ، مبتدءاً ـ على ما أذكر ـ من الطرف الأيسر ، فما رفعتها من الطرف الأيمن إلا وارتفع معها وبها الألم ، فعرتني حالة خاصة وجرت عبرتي ، والحمد لله واهب العطاء ، مكرم سيد الشهداء بجزيل الحباء.

مولى بتربته الشفاء وتحت قبـْ

ـتِه الدعا من كل داع يسمع(٥٤)

٧ ـ الشيخ الفَشَارِكِي :

نقل الفاضل الشيخ نزار سُنْبُل ، عن فضيلة الشيخ جعفر بن المرجع الكبير الشيخ ميرزا جواد التبريزي حفظه الله : إنّ الشيخ الفشاركي ـ من طلاب الشيخ التبريزي ـ ، قد أصيب في عينه بدملة داخل الجفن ، وتسبب حكة في داخل العين ، فتحدث جروحاً فيها ، ولعله قال : في بياض وسواد العين ، فقرر له الدكتور عملية ، فحدث بذلك الميرزا التبريزي ، فقال له : لا تعملها ، ولكن خذ من هذه التربة فاستعملها. فشافاه الله سبحانه وتعالى ببركتها.

٨ ـ الشيخ علي الجَنَبِي(٥٥) :

حدثني الشيخ علي الجنبي ـ في ليلة الأربعاء ٥ / ١١ / ١٤٢١ هـ ـ قائلاً : أصبت بمرض في رجلي ، فاستمر معي هذا المرض مدة طويلة ، فذهبت إلى المستشفى لتشخيص المرض وأخذ العلاج ، فأفادني بأنّ رجلي مُسَطّحة ، فأخذت العلاج ، فكلما إستخدمته إزداد عليّ الألم ، ومن ضمن العلاج أن أضع رجلي في الماء الحار ، واستمريت لمدة من الزمن فلم يتغير عليّ شيء من الألم ، حتى ذكرت لي تربة الحسين عليه السلام ، فأخذتها من سماحة السيد علي

__________________

(٥٤) ـ المعلم ، الشيخ محسن : الحسين في موكب الخالدين / ٢٦٤.

(٥٥) ـ الشيخ علي الجنبي ، أحد طلبة العلم في القطيف ، ولد في قرية حِلّة محيش في ١٠ / ٧ / ١٣٨٨ هـ ، هاجر إلى النجف الأشرف في ٤ / ١٠ / ١٤١١ هـ.


السبزواري(٥٦) ، فعملت من الأعمال التي يتقرب بها إلى الله ، فقمت بالمداومة على زيارة عاشوراء لمدة أربعين صباحاً ، وبعد ذلك وضعت تربة الحسين عليه السلام على رجلي اليسرى الشديدة الألم ، فكنت حينما أجلس من النوم أبكي من شدة الألم ، فأقف على رجلي ولا أستطيع الوقوف حتى أقع من شدة الألم ، فلما وضعت التربة على رجلي اليسرى ؛ دخلت كالثقب برودة في رجلي أول مرة أحسها في حياتي ، فشعرت في داخل قلبي أني شفيت ببركة الحسين عليه السلام ، وفعلاً ذهب ذلك الألم. حدثت هذه الكرامة الحسينية عام ١٤٢٠ هـ في النجف الأشرف.

٩ ـ الشيخ عبد الكريم مهدي پور (أبو عقيل) :

حدثنا سماحة العلامة الحجة السيد محمد علي الشيرازي في مشهد المقدسة ، ليلة الأحد الموافق ٩ / ١١ / ١٤٢٣ هـ ، في الساعة الثانية عشر إلا خمسة وعشرين دقيقة ، وخلاصة حديثه ما يلي : كان الشيخ عبد الكريم مهدي پور من الملازمين للسيد الوالد ـ سماحة المرجع الراحل السيد عبد الله الشيرازي ـ أصيب بمرض السرطان في حلقه ، وقد اُجريت له عملية في إحدى المستشفيات في مشهد ، بفتحة في رقبته لإدخال الغذاء ، وقال الطبيب : إنّه منتهي ـ أي سيموت قريباً ـ ، وكان من عادة الأطباء في إيران ، لمثل هؤلاء الأشخاص أن يخرجوا المريض مغطى بثوب أبيض إلى الثلاجة ، وقد أخرج هذا الرجل مغطى إلا وجهه ، وقد سأل سماحة السيد الوالد عنه قائلا : هل قالوا لكم إنّه ميت ، أم أنّه سيموت؟ فأجابوه : قالوا لنا : إنّه منتهي. وكان عند سماحة السيد شيئاً

__________________

(٥٦) ـ سماحة الحجة السيد علي نجل الفقيه الكبير السيد عبد الأعلى الموسوي السبزواري ، أحد أساتذة النجف الذين يشار لهم بالبنان في العلم والورع ، والشخصية المحترمة على الصعيدين العلمي والشعبي.


من تربة الحسين عليه السلام ، قد جاء بها من العراق في حقيبته الخاصة ، فأعطاهم قليلاً منها فوضعوه في فم الشيخ عبد الكريم مهدي پور ، فتحرك قليلاً فعاد للحياة ، وهو ما زال حياً إلى الآن ، وبعد وفاة سماحة السيد الوالد ، صار من المقدسين ولازم العبادة. حدثت هذه الكرامة في حدود عام (١٣٩٩ هـ أو ١٤٠٠ هـ).

١٠ ـ الطبيب كاظم التبريزي :

نقل الفاضل الشيخ نزار سنبل ، عن فضيلة الشيخ جعفر بن المرجع الكبير الشيخ ميرزا جواد التبريزي (حفظه الله) ، في اليوم الثامن من شهر محرم الحرام سنة ١٤٢٢ هـ ، في مجلس الفاضل السيد حسين العوامي ، وقال : كان أخوه كاظم يدرس في بنغلادش ، فاتصل يوماً من الأيام ـ وهو يبكي ـ وقال : إنّي أريد الرجوع إلى ايران! فسأله والده الشيخ : لماذا؟ فقال : وهو يبكي : إنّ إحدى عيني ستذهب ، ويغلب بياضها على سوادها ، وقال الدكتور ـ وكان برفسوراً باكستانياً ـ : سوف نضربها تسع أبر ثم ننظر ، والأمر إليك. فقال له سماحة الشيخ : لا تنزل ، سوف أرسل لك شيئاً لتغسل به عينك ، فإذا لم يفد فانزل. ثم سأل سماحة الشيخ ابنه الشيخ جعفر : هل هناك من يسافر قريباً إلى بنغلادش؟ فقال له : نعم فأعطاه شيئاً من تربة الإمام الحسين عليه السلام ، وكانت قد أهديت للشيخ قطعة منها على أنّها من تراب القبر الشريف ، فلما أخذها كاظم غسل بها عينه في الليل فأصبح الصباح ، وإذا بعينه سليمة ويرى بها أقوى من العين السليمة.

يقول : في العصر ذهبت إلى الدكتور ـ وكان عندي معه موعد ـ فاستقبلني ، وجلست عند الجهاز فأخذ الدكتور يفحص ، فرأيته يضرب على الجهاز ؛ ثم


قال : قم وائت لي مرة أخرى ، في الجهاز خلل اليوم ، خرجت من العيادة وأنا أعلم بأن عيني صحيحة ، ولم أخبره بذلك ، فامسك بيدي رجل هناك ، وقال : أنت إيراني؟ قلت له : نعم.

فقال : أنا أعرف أنكم الشيعة عندكم أمور ، فما هي القضية ؛ فقلت : غسلت عيني بماء فيه تربة الإمام الحسين (عليه السلام) ؛ فشافاني الله سبحانه وتعالى ببركتها ، وقصصت عليه ما جرى على الإمام الحسين عليه السلام.

قال لي : أريد أن تعطيني منها شيئاً ؛ فجاء معي إلى البيت فأعطيته ، وكان وقتها متزوجاً منذ إحدى عشرة سنة ولم ينجب له ، ثم ببركة تلك التربة قد أنجب له ، فاستبصر الرجل وعشيرته ، وهذه القضية قبل أربع سنين ، وعنده ثلاثة أولاد.

١١ ـ الحاج علي الكُرْدِي البغدادي :

«حَدّث العالم العامل ، والواعظ المتعظ ، الشيخ الثقة الجليل محمد علي الخراساني النجفي (طاب ثراه) ، عن الحاج علي الكردي البغدادي ، قال : حججت في العهد العثماني بيت الله الحرام ، وكنت في إحدى الليالي نائماً في موضع بين مكة والمدينة ، فانتبهت من النوم ، وأنا أحسّ بحرارة شديدة في عضدي ، فالتفت وإذا بيّ أحس بجنبي أفعى كبيراً ، رافعاً رأسه ، وكان قد لدغني في عضدي ، فتحيرت ولم أدر ما أصنع ، وقد إنتصف الليل وأنّي لي بالطبيب في ذلك الحين والمكان ، فقلت في نفسي : الداء الكبير يحتاج إلى دواء كبير ، فبادرت إلى صرّة كانت معي فيها شيء من تربة الحسين فأخذتها ، وأخرجت منها التربة المباركة وحللتها في الماء ، ورششته على عضدي ، وشددته شدّاً قوياً ، وما إن فرغت من شده ، حتى غابت من شدة الألم وحرارة السم


روحي ، فنمت سويعات وانتبهت على عادتي في السحر للتهجد ، وإذا بيدي سالمة ، ولم أشعر بألم فيها»(٥٧) .

١٢ ـ زوجة أحد السادة الخطباء :

حدثني فضيلة الشيخ مدن فتيل قائلاً : كان لي جار في قم ، وكان هذا الجار من السادة الخطباء ، وكنت واقفاً معه على باب بيته ، فقال لي : إنظر إلى هذا البيت ، بنيته وأثثته فتراكمت عليّ الديون ، وفي ذلك الوقت بالذات أصيبت زوجتي بآلام شديدة في بطنها ، فأخذتها إلى الطبيب فلما كشف عليها ، قال : إنّها مصابة بالحصوة ، ويحتاج علاجها إلى عملية جراحية ، وهذه العملية تكلف أربعين الف تومان ، وكنت في ذلك الوقت لا أملك شيئاً ، فبقيت متحيراً وضاقت بيّ الدنيا ، إلى من أذهب؟ وفي النهاية إهتديت إلى التوسل بأمي فاطمة الزهراء عليها السلام ، ورأيت أحسن مكان للتوسل بها عند ضريح إبنتها السيدة فاطمة المعصومة عليها السلام ، وصرت أتوسل بالزهراء عليها السلام وابنتها فاطمة المعصومة عليها السلام ، وصادف أن هناك شيخاً عالماً ، وكان على عهد قريب جاء من النجف ، فرآني أبكي وأتوسل ، فناداني وقال لي : يا بنيّ ماذا عندك؟ فأخبرته بقصة زوجتي. فقال : دواء زوجتك عندي في البيت وهلمى معي إلى البيت ، فسرت معه إلى بيته فأخرج لي قليلاً من تربة سيد الشهداء عليه السلام فقال لي : فقط تأكل زوجتك شيئاً من هذه التربة ، فسوف يمنّ الله عليها بالصحة والعافية. يقول السيد : أقسم بحق جدتي فاطمة عليها السلام ، بمجرد وضعت التربة في فمها وأكلتها ، وإذا هي تشعر بأنّ الحصوة قد خرجت من جسدها.

__________________

(٥٧) ـ الرضوي ، السيد محمد الرضي : التحفة الرضوية / ٣٠٦.


١٣ ـ أحمد عبد الواحد الزَيْن :

حدثني فضيلة الشيخ مدن فتيل قائلاً : خال زوجتي اسمه عبد الواحد بن الحاج عبد المهدي الزين ، صعد إلى سطح بيته ـ وكانت هذه القصة أثناء أيام عاشوراء ـ لإصلاح أنتل التلفزيون ، وصعد خلفه ابنه الأكبر (أحمد) ـ وكان طفلاً صغيراً عمره خمس سنوات ـ فبينما كان يصلح الأنتل أصابت إحدى حدائده عين الطفل ، وفي ذلك الوقت أحس بآلام شديدة ، وبعدها أخذه أبوه إلى مستشفى القطيف المركزي ، ولكن الطبيب أخطأ فوضع ضمادة على عينه ، مما زاد في آلام عينه ، فأخذه أبوه إلى طبيبة كانت تعالج في مستشفى الشويكة ، فلما كشفت الطبيبة ، رفعت الضمادة عن عين الطفل ، وقالت : إنّ الطبيب قد أخطأ في حق الولد ، المفروض أن لا يضع الضمادة ، فلما فحصت عينه ؛ قالت إنّ هذه الضربة سببت نزيفاً حاداً في عين الطفل ، ووصلت الضربة إلى داخل العين ، ونصحت والد الطفل أن يذهب به إلى مستشفى كبير ، حتى يعالج بقدر المستطاع ، فلما أخبرني بالقضية ؛ إتصلت بالدكتور عبد الرزاق آل سيف ، وكان يعمل في مستشفى الملك خالد التخصصي للعيون بالرياض ، وبالفعل نسقت مع الدكتور ـ وطلب مني أن يحضر والد الطفل مع الطفل في يوم معين ـ ، فرتب له موعداً مع بروفسور أمريكي ، فلما كشف على عين الطفل ؛ قرر وقال لوالد الطفل : لا فائدة في علاجها لأنّها تالفة ؛ حيث وصلت الضربة إلى العدسة الداخلية ، ولكن كل ما أستطيع فعله أن أضع له عدسة خارجية لتجميل العين ، فرجع مع الطفل حزيناً ، وأخبرني بالقضية ، فقلت له : إذن نتوسل بالإمام الحسين عليه السلام وتربته الطاهرة ، وكنت ساكناً في شقة تملكها إمرأة كبيرة السن ، إسمها مليكة بنت المقدس الشيخ محمد صالح الماحوزي ، وهذه المرأة الصالحة


جاورت في كربلاء المقدسة سنين طويلة ولهذا قصدتها ، وقلت : لعل عندها شيئاً من تربة الحسين عليه السلام ، وبالفعل إتصلت بها تلفونياً فأجابتني : نعم يا ولدي ، تعال وخذ هذه التربة ، فلما حضرت عندها ، أعطتني علبة كبريت فيها قليلاً من تربة الحسين عليه السلام وكانت لها رائحة زكية وعطرة جداً ، تختلف عن تربة الحسين عليه السلام التي نسجد عليها ، أخذت التربة الشريفة ، ووضعت شيئاً منها في الماء ، وجئت إلى بيت والد الطفل ، وكان الطفل في تلك الليلة يبكي من شدة الألم ، فقال أبوه وأمه : إنّ الآلام لا تسكن عنه ، دائماً يبكي. فتوسلنا بالإمام الحسين عليه السلام وقرأنا دعاء التربة الشريفة المخصوص ، وقطرت في عين الطفل بقطارة بعض النقاط ، فسبحان الله هدأ الطفل عن البكاء ونام ، فقال أبوه وأمه : هذه أول ليلة ينام بدون آلام ، وبعد ذلك قطرنا مرات ولعلها مرتين ، فأخذه أبوه إلى الدكتور الأمريكي ، فتفاجئ الطبيب أنّ الإصابة الداخلية إلتحمت ، وعادت العين كما كانت ، حتى العدسة الداخلية ، التي قال عنها أنّها تلفت عادت كما كانت ، وعادت العين من الخارج كما كانت على طبيعتها ، ثم قال الدكتور متجاهلاً : هل هذا الطفل المريض؟ إنّه ليس هو! فأخبروه : بأنه هو. فقال : العين عادت سليمة ، فبأي علاج عالجتموه؟ ليس في عالم الطب له علاج. يقول : فأخبرت المترجم أن يعلمه عن سر العلاج : إنّ عندنا إمام إسمه الإمام الحسين عليه السلام وتربته مباركة ، فوضعنا شيئاً من التربة في عينه ، والله سبحانه وتعالى مَنّ عليه بالصح والعافية ، والآن ـ ولله الحمد ـ الطفل ترك لبس النظارة ، وأنا لم أره إلى قبل أيام قلائل يلبس النظارة.


١٤ ـ زوجة الحاج عبد الرضا الجعفري الخوزستاني :

حدثني الفاضل الخطيب الشيخ عبد الكريم الماربوري الخوزستاني ـ المجاور لثامن الأئمة الإمام الرضا عليه السلام ـ في عصر يوم الأحد الموافق ١٠ / ١٠ / ١٤٢٣ هـ ، في السنابس في البحرين ، بعد أن إلتمست منه التحدث عن بعض الكرامات التي سمعها للتربة الحسينية ، فذكر لي ما يلي : إنّ شخصاً اسمه السيد عبد الصاحب المحمّدِي ، ذهب لزيارة أبي عبد الله الحسين عليه السلام ، وكان عنده أقارب لهم علاقة بالكليدار ـ أي مسؤول الحرم ـ ، وكان من عادة مسؤولي الحرم يأتون بالتربة الشريفة من أماكن مخصوصة من كربلاء ، ويضعونها داخل الضريح لمدة سنة تقريباً (٥٨) ، ثم بعد ذلك يوزعونها في الحرم على العلماء والوجهاء والزائرين ، فحصل هذا السيد على شيء من تلك التربة ، وقد أصيبت

__________________

(٥٨) ـ قال السيد ابن طاووس في كتابه الإقبال / ٥٨٩ : «أقول : وكنت أجد جماعة من أصحابنا يأخذون التربة الشريفة من ضريح مولانا الحسين عليه السلام والصلاة والرضوان ، ليلة ثلاثة وعشرين من شهر رمضان ، فقلت لمن قلت منهم : هل وجدتم أثراً أو خبراً بأخذ هذه التربة في هذه الليلة؟ فقالوا : لا ، لكن نرجوا أن يكون ليلة القدر. فقلت : فما أراكم تتركون بعد هذه الليلة الدعاء في كل يوم بالظّفر بليلة القدر من تمام العشر الأخبر ، ولأنها لو كانت ليلة القدر على التقدير ، من أين عرفتم أن ليلة القدر المنيفة محل لأخذ التربة الشريفة ، ثم قلت : كان مقتضى المعقول ، وظواهر المنقول يقتضي أن يكون أخذ التربة للشفاء والدواء ، ودفع أنواع البلاء في وقت إطلاق الجوائز للأنام ؛ وهو يوم جوائز شهر الصيام ، ليسأل العبد يوم العيد أن يكون من جملة جوائزه التي ينعم الله جلّ جلاله بها عليه الإذن في أخذ تربة الحسين (ع) فيأتي أخذها في وقت إطلاق العطايا والمواهب الجزيلة ، مناسباً لإطلاق التربة المقدسة الجليلة». أقول : إن عامة المؤمنين إعتمدوا على المشهور بين العلماء ، أن ليلة القدر ؛ هي ليلة ثلاثة وعشرين ، ويحيونها بالعبادة لما ورد في فضلها من الأجر والمثوبة ، ومن ضمن الأعمال والأدعية لأخذ التربة للإستشفاء قراءة (إنا أنزلناه في ليلة القدر) ، فلعلّ بعض المؤمنين إعتمد على ذلك ، وأيضاً ما أشار إليه السيد ابن طاووس له ارتباط بذلك حيث أن من أعمال هذا اليوم المبارك زيارة سيد الشهداء (ع) ، وورد إستحباب الإفطار على القليل من تربة سيد الشهداء ، فلا مانع من أخذ التربة للاستشفاء في هذين الزمانين.


زوجة الحاج عبد الرضا الجعفري بمرض القلب ، وقد أخبر الحاج عبد الرضا السيد منصور الخراساني ؛ بأن زوجته تحتاج إلى علاج. فذهب إلى السيد عبد الصاحب فأخبره بذلك وقال له : أريد منك شيئاً من تربة الحسين عليه السلام فأعطاني شيئاً منها ، ثم أخذها الحاج عبد الرضا لعلاج زوجته ، فمنذ أن تناولتها شفيت من مرضها ، وهذه القضية قبل (١٢ ـ ١٤ سنة) ، أي في حدود عام ١٤٠٩ هـ أو ١٤١١ هـ.

١٥ ـ جعفر الخَلَدِي :

«أخبر ابن ناصر ، قال : أخبرنا المبارك بن عبد الجبار قال : أخبرنا ـ أبو الحسين ـ أحمد بن محمد العتيفي قال : سمعت أبا بكر ـ محمد بن الحسن بن عيدان الصيرفي يقول : سمعت جعفر الخلدي يقول : كان فيّ جرب عظم ، فتمسحت بتراب قبر الحسين ، فغفوت فانتبهت وليس عليَّ منه شيء»(٥٩) .

__________________

(٥٩) ـ ابن الجوزي ، أبو الفرج ، عبد الرحمن بن علي : المنتظم من تاريخ الأمم والملوك ، ج ٥ / ٣٤٦ ـ ٣٤٧.



ثانياً ـ حرز وأمان

١ ـ الأسدي

٢ ـ السيد محمد حجت الكوه كمري

٣ ـ المدرّسي والسبزواري

٤ ـ الفيض الكاشاني

٥ ـ عباس محمود العقّاد

٦ ـ المرأة التي قبلتها الأرض ببركة تربة الحسين عليه السلام

٧ ـ إمرأة إلتصقت يداها بضريح السيدة المعصومة وفكتا بتربة الحسين عليه السلام

٨ ـ سكون البحر عند تلاطم أمواجه

٩ ـ سكون نهر قم بعد الفيضان

١٠ ـ (باهو بكم) أرملة شجاع الدولة

١١ ـ الخواجات الإسماعيلية

١٢ ـ فتح علي شاه



إنّ للتربة الحسينية فوائد جَمّة ، فهي شفاء من كل داء ، وأمان من كل خوف ، ولذا إعتاد الشيعة الإمامية على تقديس هذه التربة الطاهرة ، إعتماداً على ما ورد عن أئمتهم عليهم السلام في فضل هذه التربة ، وقد سار على هذا النهج علماؤهم وعامتهم ، فقد نقل عن الشيخ أحمد بن فهد الحلي(٦٠) «من إلتزامه بعدم تلويث تربة كربلاء المقدسة ، وقضائه لحاجته في طابية ، وإرسالها إلى خارج كربلاء لإفراغها هناك»(٦١) . وإليك بعض النماذج كالتالي :

١ ـ الأسدي :

«قال هشام بن محمد : لما جرى الماء على قبر الحسين ؛ نَصَبَ بعد أربعين يوماً وانمحى أثر القبر ، فجاء أعرابي من بني أسد ، فجعل يأخذ قبضة قبضة من التراب ويشمه ، حتى وقع على قبر الحسين فبكى ، وقال بأبي وأمي ما كان أطيبك حياً ، وأطيب تربتك ميتاً ، ثم بكى وأنشأ يقول :

أرادوا ليخفوا قبره عن عداوة

وطيب تراب القبر دلّ على القبر(٦٢)

٢ ـ السيد محمد حُجّت الكُوه كمري(٦٣) :

«كان شديد المحبة والولاء لسيد الشهداء ، أبي عبد الله الحسين عليه السلام ، ولدى إحتضاره ، وفي تلك الدقائق الأخبرة التي كان يفارق فيها الحياة ، أمر

__________________

(٦٠) ـ الشيخ احمد بن محمد بن فهد الحلي ، أحد أعلام الإمامية البارزين ، ولد في الحلّة عام ٧٥٧ هـ ، وتوفي عام ٨٤١ هـ ، ودفن في بستان قرب المخيم الحسيني بكربلاء. وكان صاحب الرياض ـ السيد علي الطباطبائي ـ يتبرك بمزاره كثيراً ، ويكثر الورود عليه.

(٦١) ـ الحكيمي ، الشيخ محمد رضا : تاريخ العلماء / ٣٢.

(٦٢) ـ ابن عساكر ، ابو القاسم علي بن الحسين : تاريخ مدينة دمشق ، ج ١٤ / ٢٤٥.

(٦٣) ـ من كبار الفقهاء ، وأعلام الفقه والأصول ، ولد عام ١٣١٠ هـ ، أخذ مقدماته في تبريز ، ثم هاجر إلى النجف الأشرف في عام ١٣٤٥ هـ ، عاد إلى قم المقدسة إلى أن مات بها عام ١٣٧٢ هـ.


المؤمنين والعلماء الذين حوله أن يكسروا خاتمه الذي عليه ختمه الشريف ، لئلا يقع بأيدي من يسيئون الإستفادة من ختمه للرسائل. فتردد بعض محبيه في تنفيذ أمره ، لشدة رغبته في الإحتفاظ بالخاتم الذي كان يعني بالنسبة إليه من أجمل ذكرياته مع السيد ، فاستماح السيد بأن يسمح له بالإحتفاظ بالخاتم ، فرد عليه السيد قائلاً : إستخيروا القرآن الحكيم ، فإذا كانت الآية جيدة اعملوا بكلامي ، وإلا اعملوا ما شئتم. فلما استخاروا ؛ جاءت الآية الكريمة :( لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ ) [الرعد / ١٤]. فأمر بكسر الخاتم ، وتَذوّق شيئاً من تربة الحسين عليه السلام ، وهو يقول : إنّها آخر زادي من الدنيا»(٦٤) .

٣ ـ المدَرِّسِي(٦٥) ، والسَبْزَوارِي(٦٦) :

«كان لدى المرحوم آية الله السيد محمد كاظم المدرسي (قده) بعض التراب الحسيني الأصيل ، الذي أخذه بنفسه من على قبر الإمام الشهيد سبط النبي المصطفى ، الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام ، في السنوات السابقة ، وكان ينقلب أحمر بلون الدم في كل عام في يوم عاشوراء ، حتى أنّ المرحوم كان يتأكد من ثبوت يوم العاشر من المحرم بهذه العَلَامَة. يقول ولده سماحة العلامة السيد عباس المدرسي (دام ظله) : حينما أنزلنا جثمان الوالد في القبر ، وكان ابن عمتي آية الله السيد محمد السبزواري ، نجل المرجع الراحل السيد

__________________

(٦٤) ـ البحراني ، الشيخ عبد العظيم المهتدي : قصص وخواطر / ٧٤ ـ ٧٥.

(٦٥) ـ والد الكاتبين المشهورين السيد محمد تقي والسيد هادي المدرسي.

(٦٦) ـ عالم جليل مجتهد من أساتذة النجف الأشرف على مستوى السطوح ، ولما هاجر من العراق إلى إيران بعد الإنتفاضة الشعبانية عام ١٤١٣ هـ ، بدأ التدريس على مستوى البحث الخارج ، ولد عام ١٣٦٤ هـ ، وتوفي إثر حادث مؤلم بين قم المقدسة وطهران ، في ذي القعدة عام ١٤١٤ هـ. ودفن في صحن السيدة المعصومة (ع).


عبد الأعلى السبزواري ، على شفير القبر يتابع مراسيم الدفن والتلقين ، طلب مني شيئاً من تلك التربة الحسينية ليضعها تحت رأس المرحوم ، فلما ناولتها إيّاه وجدها كثيرة ، قال : إنّها كثيرة دعوا شيئاً منها لي ، فوضع من التربة قِسْمَاً في القبر ، وإستبقى البقية عنده. ورُبّما قال : نصف لي ونصف لخالي. وسبحان الله الذي لا يحمد على مكروه سواه ، إنتهينا من الدفن وعاد الحاضرون إلى بيوتهم ، لنعود إلى مراسيم اليوم الثالث بعد الدفن. وكان السيد محمد السبزواري من العائدين إلى قم ، وقد باغته المنية أثناء الطريق في حادث مروري مؤلم جداً ، وكان حزننا بفقده الأليم بعد فقد والدنا مضاعفاً ، ودفنا المرحوم السبزواري بقرب المرحوم الوالد ، ووضعنا معه في القبر شيئاً من نفس التربة الحسينية ، التي إحتفظ بها لنفسه قبل يومين ، وكانت عائلته الكريمة قد جلبتها معها من طهران لهذا الغرض»(٦٧) .

٤ ـ الفَيْض الكَاشَانِي(٦٨) :

«وقد أرسل الفرِنْج في زمان الشاه عباس شخصاً من قبل سلطانهم ، وكتب للسلطان الصفوي أن يدعو علماء مذهبه لمناظرة رسوله ، لمناظرته في أمر ال دين والمذهب ، فإن أجاب عليهم فأدخل في ديننا ، وكان عمل ذلك المرسل أن يصف كل شيء يؤخذ في اليد. فجمع السلطان العلماء وكان على رأسهم الملا

__________________

(٦٧) ـ البحراني ، عبد العظيم المهتدي : قصص وخواطر / ٥٧٨ ـ ٥٧٩.

(٦٨) ـ هو محمد بن مرتضى بن محمود ، المدعو بالمولى محسن الكاشاني ، الملقب بالفيض ، المحدث الفاضل والحكيم العارف ، والفقيه المتبحر ، أحد نوابغ العلم في القرن الحادي عشر ، ولد في عام ١٠٠٧ هـ ، ونشأ في قم ، وانتقل إلى كاشان ، ثم نزل شيراز بعد سماعه بورود العلامة السيد ماجد البحراني هناك. ألف كتباً في كثير من العلوم المختلفة ، مما يقارب مائتي كتاب ، وتوفي في مدينة كاشان سنة ١٠٩١ هـ.


محسن الفيض ، فقال الملّا محسن للسفير الأفرنجي : ألم يكن عند السلطان عالم ليرسله حتى أرسل مثلك من العوام ، ليناظر العلماء؟

فقال له : أنت لا تستطيع أن تتخلص مني ، فخذ شيئاً بيدك لأقول : فأخذ الملا محسن سبحة من تربة سيد الشهداء عليه السلام ، فسبّح الأفرنجي في بحر التفكير وأطال ، فقال له الملّا محسن : ما لك عجزت؟ فقال له : لم أعجز ، لكن حسب طريقتي أرى أنّ في يدك قطعة تربة الجنة ، فقلت : كيف يمكن أن تصل يدك تربة الجنة؟ فقال له الملا محسن: صدقت فإنّ في يدي قبضة من تربة الجنة ، وهي هذه السبحة من تربة القبر المطهر لإبن بنت نبينا الإمام ، فظهرت حقانية ديننا وبطلان دينك ، فأسلم الرجل»(٦٩) .

٥ ـ عَبّاس محمود العَقّاد(٧٠) :

يقول الكاتب العلّامة الشيخ علي الكورَانِي : «سألت صديقنا محمد خليفة التونسي : عن إعتقاد أستاذه عباس محمود العقاد بأهل البيت (عليهم السلام)؟

فقال لي : إنّه كان شديد الإعتقاد بهم وبكراماتهم ، وأحكي لك قصة وحكى : أنّه ذهب إلى العقاد يوماً فبادره قائلاً : تعالى يا سي محمد خليفة شُوف كرامة عمك الحسين ـ لأنّ محمد خليفة التونسي حسني ـ اليوم ، ثم أخذ بيدي إلى غرفة داخل بيته وقال : أنظر فقلت : ماذا؟ قال : هنا فإذا زجاج الشبك مكسور قلت : ماذا؟

__________________

(٦٩) ـ التنكابني ، الميرزا محمد بن سليمان ، قصص العلماء / ٣٤٥ (ترجمة مالك وهبي).

(٧٠) ـ صحفي وشاعر وناقد مصري ، دعا إلى التجديد في الأدب ، متأثراً بمطالعاته الواسعة في الأدب الإنكليزي ، يعتبر من أغرز الكتاب المصريين إنتاجاً ، ولد عام ١٨٨٩ م ، وتوفي عام ١٩٦٤ م.


قال : كنت واقفاً هنا ـ أي رأسه مقابل الزجاج المكسور ـ أتكلم بالتلفون ، فوقعت هذه العلبة ـ وهي علبة فيها قطعة من ستار ضريح الحسين عليه السلام ، وشيء من تربته أهدوها له في زيارة لكربلاء ـ ومن إحترامي لها إنحنيت إلى الأرض وأخذتها وفي تلك اللحظة التي إنحنيت جاءت الرصاصة من متخاصمين في الشارع ، وأصابت الزجاج مقابل رأسي تماماً ...!!»(٧١) .

٦ ـ المرأة التي قبلتها الأرض ببركة تربة الحسين عليه السلام :

«الحسن بن يوسف بن المطَهّر ـ العلّامة ـ في (منتهى المطلب) رفعه قال : إنّ إمرأة كانت تزني وتوضع أولادها وتحرقهم بالنار خوفاً من أهلها ، ولم يعلم به غير أمها ، فلما ماتت دفنت فانكشف التراب عنها ولم تقبلها الأرض ، فنقلت من ذلك المكان إلى غيره فجرى لها ذلك ، فجاء أهلها إلى الصادق عليه السلام وحكوا له القصة ، فقال لأمها : ما كانت تصنع هذه في حياتها من المعاصي؟ فأخبرته بباطن أمرها. فقال الصادق عليه السلام : إنّ الأرض لا تقبل هذه ؛ لأنّها كانت تعذّب خلق الله بعذاب الله ، إجعلوا في قبرها شيئاً من تربة الحسين عليه السلام ، ففعلوا ذلك بها فسترها الله»(٧٢) .

أقول : أشار إلى هذه القصة بعض الفقهاء في مبحث دفن الميت ، نذكر منهم ما يلي :

١ ـ الشيخ محمد حسن النجفي في (جواهر الكلام ـ ج ٤ / ٣٠٥).

٢ ـ المحقق الكَرْكِيّ في (جامع المقاصد ـ ج ١ / ٤٤٠).

٣ ـ السيد محمد الموسوي العاملي في (مدارك الأحكام ـ ج ١ / ١٤٠).

__________________

(٧١) ـ عن موقع هجر على الإنترنت.

(٧٢) ـ الحر العاملي ، الشيخ محمد حسن : وسائل الشيعة ، ج ٢ / ٧٤٢ (باب ١٢ من أبواب التكفين ـ الحديث ١).


٤ ـ الشيخ يوسف البحراني في (الحدائق الناضرة ـ ج ٤ / ١١٢).

٧ ـ إمرأة إلتصقت يداها بضريح السيدة المعصومة عليها السلام وفكتا بتربة الحسين عليه السلام :

«الناس يجتمعون عند ضريح السيدة المعصومة عليها السلام ، ويلتفون حول إمرأة قد إلتصقت يداها بالضريح ، ولا تستطيع فكاكها ، إنّها إمرأة فاجرة كان تمسك بأطراف الضريح وتغرر بشابة لتسوقها إلى الحرام ، فهي تهتك حرمة المكان الشريف ، فكان أن عاقبتها السيدة المعصومة (عليها السلام) ، فإلصاق يديها بشباك الضريح ، ولحلّ المشكلة لجأوا إلى أحد مراجع ذلك العصر(٧٣) فأمرهم بوضع شيء من تربة الإمام الحسين عليه السلام في الماء ، ثم يُصَبْ على يدي تلك المرأة ، فوضعوا ما أمرهم به ، وما أن صَبُّوا ذلك الماء الممزوج بتربة سيد الشهداء ، على يديها إلا وانفكتا عن الضريح.

ولكنّ هذه الفاجرة على أثر تلك الحادثة كانت قد فقدت وعيها ، ولهذا كانت تجوب الشواع ولاأسواق والأزقة هائمة على وجهها ، فكانت بذلك عبرة لمن يعتبر ، إلى أن جاء يوم دهستها فيه سيارة ، فختمت حياتها السوداء بذلك»(٧٤) .

٨ ـ سكون البحر عند تلاطم أمواجه :

قال الكَفْعَمِي (طاب ثراه) في هامش (المصباح) : «ومما جُرِّبَ لسكون البحر أن يرمي فيه شيئاً من تربة الحسين (عليه السلام). وذكر رحمه الله أيضاً فيه ـ عن كتاب (طريق النجاة) : أخبرني جماعة ثقاة : إنّ نفراً من البحارة

__________________

(٧٣) ـ السيد محمد الحجة ، المتوفى عام ١٣٧٢ هـ.

(٧٤) ـ هاشم ، السيد ابو الحسن : سيدة عشّ آل محمد / ١٢٢.


عصفت بهم الرياح حتى خافوا الغرق ، ورمى شخص منهم شيئاً من التربة الحسينية في البحر ، فسكن بإذن الله تعالى.

وأضاف رحمه الله : ركبت في بحر الحرير نحواً من عشرين يوماً مع جماعة ، فهاج ماء البحر حتى ظننا الغرق ، وكان معي شيء من التربة الحسينية على مُشَرِّفها السلام والتحية ، فألقيتها في البحر فسكن بإذن الله تعالى ، وكان في البحر مركب غير مركبنا بمرأى منا ، فغرق جميع من فيه غير رجلين نجيا على لوحين»(٧٥) .

وقال السيد محمد الرضوي : «حدثني أوثق الناس عندي وأورعهم السيد العلّامة الوالد (طاب ثراه) إنّ ذلك من المجربات. وحدثني أيضاً العلّامة الكبير الشيخ الجليل محمد علي الغَرَوِي الأرْدُوبَادِي (طاب ثراه) ، عن ثقة قُفْقَازِي قال : ركبت في بحر الخزر ، فهاج ماء البحر وأشرفنا على الهلاك ، فجاءني الريّان وطلب مني التربة الحسينية ، فلم أفهم كلامه ؛ لأنّه كان يتكلم باللغة الروسية ، فأشار إلى التربة الحسينية ووضع يده على فيه وعلى عينيه ، فأشار إلى قداستها وأنّها تُقبّل وتوضع على العينين ، فأخرجت التربة الحسينية وألقيتها في البحر فسكن ماؤها ، ونجينا من الغرق ، وأمنا من العطب»(٧٦) .

باخرة تنجو من الغرق ببركة تربة الحسين عليه السلام :

«بواسطة فضيلة الشيخ جهاد ال خَيّاط من الكويت ، روى لي عن عمه السيد علي الموسوي ، الملقب بـ(گلاف) ؛ أي نجّار البواخر ، وهو إصْفَهانِي الأصل من منطقة (آب ملخ) ، قريب (سميرم) ، من محافظة إصْفَهَان.

__________________

(٧٥) ـ الرضوي ، السيد محمد الرضي : التحفة الرضوية / ٣٠٥ ـ ٣٠٦.

(٧٦) ـ نفس المصدر.


يقول : منذ صغري ذهبت إلى الكويت ، وكان عمري آنذاك حدود سبع سنوات ، ونشأت هناك وزاولت أعمالاً مختلفة منها التجارة ، ثم أصبحت أعمل في تجارة البواخر وتعميرها ، وقد إتفق لي في أحد السنين ، أن نذهب إلى الهند مع مجموعة من ال تجار ، ولم يكن في الباخرة إلا أنا وشخص آخر على مذهب الشيعة الإمامية ، وأما الباقي ؛ كلهم من أهل السنة. يقول السيد الگلاف : ونحن في وسط البحر وإذا ارتفع بنا موج البحر ، وأوشكنا على الهلاك والغرق ، قال لي صاحبي الشيعي : سيد علي ، هل لديك شيء من تربة الحسين؟

قلت له : نعم ، فأعطيته التربة ، فأخذ منها شيئاً ورماه في البحر ، وإذا البحر يسكن والأمواج تهدأ كاملاً ، وتسير الباخرة ببركة تربة الحسين عليه السلام ، وتصل بسلام»(٧٧) .

الظمأ الشديد ومطر غزير ينجيهم من الهلاك.

«وذكر لي الشيخ جهاد أيضاً حادثة أخرى عن عمه مفادها : أنّ السيد (گلاف) كان في إحدى سفراته راجعاً من الهند إلى الكويت ، وقد ضلّوا الطريق ، ونفذ ماء الشرب عندهم وقد أشرفوا على الهلاك مما اضطروا إلى شرب ماء البحر المالح ولكن من دون جدوى.

كانت الباخرة التي تقلهمم محملة بـ(جوز الهند) ، فأخذ كابتن السفينة يعطي لكل واحد من الركاب (جوزة واحدة) ؛ ليشرب ما فيها من الماء ، ومع هذا فقد أوشك (الجوز) الذي في الباخرة على النفاذ. يقول السيد علي گلاف : ونحن في هذه الحيرة ، ولا ندري مصيرنا إلى أين يكون ، فبادر أحدنا إلى أخذ شيء من تربة الإمام الحسين عليه السلام ورماه في البحر ، وإذا بسحابة ملئت السماء ،

__________________

(٧٧) ـ الغفار ، الشيخ عبد الرسول : كرامات الإمام الحسين ، ج ٣ / ١٠٨ ـ ١٠٩.


فامطرت مطراً غزيراً بحيث جمعنا ذلك الماء ـ ماء المطر ـ واستفدنا منه ، بل واهتدينا إلى الطريق ووصلنا إلى الكويت بسلام»(٧٨) .

٩ ـ سكون نهر قم بعد الفيضان :

يُنقل عن سماحة آية الله العظمى الشيخ بَهْجَت حفظه الله(٧٩) : «من كرامات المرحوم الشيخ عبد الكريم الحَائِرِي(٨٠) ، أن فاض نهر قم في إحدى السنين وطغى فيه الماء بسبب الأمطار الغزيرة ، وارتفع مستوى الماء إلى حافة جسر (علي خاني) ، بحيث إنّ البعض كانوا يتوضأون من مياه النهر وهم على الجسر ، ولهذا سارع خُدّام مسجد الإمام (الواقع قريباً من النهر) إلى جمع سجّاد المسجد حذراً من وصول الماء إليها ، وعندها : ذهب الشيخ عبد الكريم الحائري إلى الجسر المذكور ، وأخذ مقداراً من تربة سيد الشهداء عليه السلام بيده وقرأ عليها شيئاً ثم رماها في الماء ، فأخذ مستوى المياه ينفخض بالتدريج من ذلك الوقت ، وبعد عدّة ساعات إنخفض مستوى المياه عدّة أمتار»(٨١) .

__________________

(٧٨) ـ المصدر السابق.

(٧٩) ـ الشيخ محمد تقي بهجت الغروي ، من الفقهاء المعاصرين المعروفين بالإتجاه العرفاني. ولد في إيران عام ١٣٣٤ هـ ، هاجر إلى قم المقدسة ودرس فيها بعض مراحله العلمية ، ثم هاجر إلى النجف الأشرف وحضر أبحاث : أغا ضياء الدين العراقي ، والميرزا النائيني ، والشيخ محمد كاظم الشيرازي والسيد أبو الحسن الإصفهاني ، والسيد علي القاضي (العارف المشهور) ، والسيد حسين البادكوبي (أستاذ الفلسفة) ثم رجع إلى قم المقدسة وبدأ البحث الخارج منذ عام ١٦٤ هـ وما زال بها.

(٨٠) ـ مؤسس الحوزة العلمية في قم المقدسة ، ومن كبار فقهاء عصره ، ولد في إيران عام ١٢٧٦ هـ ، هاجر إلى سامراء وحضر أبحاث : المجدد السيد محمد حسن الشيرازي ، والميرزا محمد تقي ، والسيد محمد الفشاركي ، والشيخ إبراهيم المحلاتي. وحضر في النجف أبحاث الشيخ محمد كاظم الخراساني. واتجه إلى كربلاء وإشتغل بالتدريس ، ثم رجع إلى إيران وإستقر في قم المقدسة ، توفي سنة ١٣٥٥ هـ.

(٨١) ـ إعداد لجنة وترجمة ونشر آثار الشيخ بهجت : نوادر وكرامات أسئلة ومراجعات في مدرسة الشيخ بهجت ، ج ٢ / ١٠٤.


١٠ ـ (باهو بكم) أرملة شجاع الدولة :

ذكر جعفر الخليلي في كتابه (موسوعة العتبات المقدسة) : «ويذكر الدكتور هوليستر في كتابه (شيعة الهند) ـ المار ذكره) ـ : أنّ تربة كربلاء يقدسها الشيعة دون غيرها من ترب العتبات المقدسة الأخرى. فهم يتمنون الدفن فيها والتبرك بها. ويروي بالمناسبة أنّ (باهو بكم) أرملة شجاع الدولة : أحد ملوك أوده المعروفين (تسنم الملك في ١٧٥٣ م) ، وكانت قد أحضرت لنفسها مقداراً من تراب كربلاء قبل أن يتوفاها الله ، لأجل أن يفرش في قبرها عندما تدفن فيه ، فتم لها ذلك ، وظل ألف قارئ من القراء يقرأون القرآن على قبرها من المساء حتى الصباح عدّة أيام»(٨٢) .

١١ ـ الخَواجَات الإسماعيلية :

ذكر جعفر الخليلي في كتابه (موسوعة العتبات المقدسة) : «ويروى كذلك عن الخواجات الإسلماعيلية في الهند ، أنّ الفرد منهم قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة عند الموت ، يقطرون له ويرطبون شفتيه بشيء من الماء الذي تحل فيه التربة المستوردة من كربلاء ، ثم يرشون على وجهه وعنقه وصدره مثل هذا الماء كذلك ، ليجنبوه الألم الذي قد يعانيه في سكرات الموت على ما يقولون»(٨٣) .

١٢ ـ فَتْح علي شَاه :

قال الشيخ مُروِّج الإسلام في كتابه (الكرامات الرضوية) : «توفي في ١٩ جمادي الآخر ١٢٥٠ هـ ، في قصره (هفت دست) خارج اصفهان ، حملت

__________________

(٨٢) ـ الخليلي ، جعفر بن الشيخ أسد الله : موسوعة العتبات المقدسة ، ج ١٣ / ٣٦٩ ـ ٣٧٠.

(٨٣) ـ نفس المصدر.


جنازته إلى قم ، ودفن في القبر الذي كان قد أعدّه لنفسه قبل سنة من وفاته ، وأمر بجلب خمسين منّاً من تراب كربلاء ووضعوها فيه»(٨٤) .

__________________

(٨٤) ـ مروج الإسلام ، علي أكبر : الكرامات الرضوية ، ج ١ / ١٦٩.



ثالثاً ـ عقوبة وحرمان

١ ـ سالم العراقي

٢ ـ موسى بن عيسى الهاشمي

٣ ـ الرجل الذي أحدث على قبر الحسين

٤ ـ الصوفية

٥ ـ السامرائي



تمهيد :

إنّ من أفض الطرق إلى الله عَزّ وجَلّ الوسيلة ، وقد حَثّ عليها القرآن الكريم في قوله :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ) [المائدة / ٣٤].

إذن ، الوسلة مما عليه الشرع والعقل ، وخير وسيلة إليه عَزّ وجَلّ هم محمد وآله الأطهار ، لأنّهم عباد مكرمون ، إصطفاهم على خلقه ، وجعلهم حججاً على بريته ، وإلى هذا يشير قول ا لشاعر :

وإذا الرجال توسّلوا بوسيلة

فوسيلتي حُبّي لآل محمد

الله طَهّرَهم بفعل نبيِّهِ

وأبَانَ شِيعتَهم بطيب المولد(٨٥)

وقد جهل ذلك قوم وأنكروه ، فحرمهم الله من بركات ذلك ، وممن حُرِمُوا من تلك الخيرات والبركات أهل النفاق ، فقد روي : «أنّ أمير المدينة شكى إلى الإمام الصادق (عليه السلام) وجعاً يجده في جوفه ، فعلّمه (عليه السلام) ما يزيل عنه ذلك ، فاعترض على الإمام رجل من أهل المدينة من الهمج الرَّعَاع وقال : فعلنا هذا ـ يعني ما وصفت ـ فلم ينفعنا. فقال (عليه السلام) : إنما ينفع الله بهذا أهل الإيمان ، والتصديق برسوله ، ولا ينتفع به أهل النفاق ...»(٨٦) .

وبعد هذا التمهيد نذكر بعض القصص المتعلقة بذلك كالتالي :

١ ـ سالم العراقي :

الحسين بن محمد الأزْدِي ، عن أبيه قال : «صَلّيت في جامع المدينة وإلى جانبي رجلان على أحدهما ثياب السفر ، فقال أحدهما لصاحبه : يا فلان أما

__________________

(٨٥) ـ الرضوي ، السيد محمد الرضي : التحفة الرضوية / ٢٠٩.

(٨٦) ـ نفس المصدر / ١٣٠ ـ ١٣١.


علمت أنّ طين قبر الحسين عليه السلام شفاء من كل داء؟ وذلك أنّه كان فيّ وجع الجوف ، فتعالجت بكل دواء فلم أجد فيه عافية ، وخفت على نفسي وأيست منها ، وكانت عندنا إمرأة من أهل الكوفة عجوز كبيرة ، فدخلت عليّ وأنا في أشد ما بي من العلّة ، فقالت لي : يا سالم ، ما أرى عليك عِلّتكَ إلا كلّ يوم زائدة ، فقلت لها : نعم. فقالت : فهل لك أن نعالجك فتبرأ بإذن الله عَزّ وجَلّ؟ فقلت لها : ما أنا إلى شيء أحوج مني إلى هذا. فسقتني ماء في قدح ، فسكنت عني العِلّة وبرئت حتى كأن لم يكن في عِلّة قط.

فلما كان بعد أشهر دخلت عَليّ العجوز ، فقلت لها : بالله عليك يا سلمة ـ وكان إسمها سلمة ـ بماذا داويتني فقال : بواحدة مما في هذه السبحة ، من سبحة كانت في يدها ، فقلت : وما هذه السبحة؟

فقالت : إنّها من طين قبر الحسين عليه السلام. فقلت لها : يا رَافضِيّة داويتني بطين قبر الحسين عليه السلام؟! فخرجت من عندي مغضبة ورجعت والله عِلتِي كأشدّ ما كانت ، وأنا أقاسي منها الجهد والبلاء ، وقد والله خشيت على نفسي ، ثم أذّن المؤذّن فقاما يصليان وغابا عني»(٨٧) .

٢ ـ موسى بن عيسى الهاشمي :

«عن محمد بن موسى الشريعي ، عن أبيه موسى بن عبد العزيز قال : لقيني يوحنا ابن سراقيون النصراني المتطبب في شارع أبي أحمد فاستوقفني وقال لي : بحق نبيك ودينك من هذا الذي يزور قبره قوم منك بناحية قصر ابن هبيرة؟ من هو؟ من أصحاب نبيك؟ قلت : ليس من أصحابه ، هو ابن بنته ، فما دعاك إلى المسألة لي عنه؟ فقال له : عندي حديث طريف. فقلت : حدثني به.

__________________

(٨٧) ـ المجلسي ، الشيخ محمد باقر : بحار الأنوار ، ج ٤٥ / ٣٩٩.


فقال : وَجّه إليّ سَابُور الكبير الخادم الرشيدي في الليل فصرت إليه فقال : تعال معي ، فمضى وأنا معه حتى دخلنا على موسى بن عيسى الهاشمي فوجدناه زائل العقل متكئاً على وساده ، وإذا بين يده طست فيه حشو جوفه ، وكان الرشيد إستحضره من الكوفة.

فأقبل سَابُور على خادم كان من خَاصّة موسى فقال له : ويحك ما خبره؟ فقال له أخبرك إنّه كان من ساعته جالساً وحوله ندماؤه ، وهو من أصح الناس جسماً وأطيبهم نفساً ؛ إذ جرى ذكر الحسين بن علي عليه السلام قال يوحَنّا : هذا الذي سألتك عنه. فقال موسى : إنّ الرافضة ليغلون فيه حتى أنّهم فيما عرفت يجعلون تربته دواء يتداوون به ، فقال له رجل من بني هاشم كان حاضراً : قد كانت فيّ عِلّة غليلة ، فتعالجت لها بكل علاج فما نفعني حتى وصف لي كاتبي أن خذ من هذه التربة ، فأخذتها فنفعني الله بها وزال عني ما كنت أجده. قال : فبقي عندك منها شيء؟ قال : نعم ، فوجّه فجاءه منها بقطعة فناولها موسى بن عيسى ، فأخذها موسى فاستدخلها دبره إستهزاء بمن تداوى بها ، وإحتقاراً وتصغيراً لهذا الرجل الذي هي تربته ـ يعني الحسين عليه السلام ـ فما هو إلا أن إستدخلها دبره ، حتى صاح : النار النار ، الطست الطست. فجئناه بالطست فأخرج فيها ما ترى. فانصرف الندماء ، وصار المجلس مأتماً فأقبل عليّ سابور فقال : إنظر هل لك فيه حيله؟ فدعوت بشمعة فنظرت ، فإذا كبده وطحاله وريته وفؤاده خرج منه في الطست ، فنظرت إلى أمر عظيم ، فقلت : ما لأحد في هذا صنع إلا أن يكون لعيسى الذي كان يحيي الموتى ، فقال لي سابور : صدقت ولكن كن ههنا في الدار إلى أن يتبين ما يكون من أمره ، فبتُّ عندهم وهو بتلك الحال ما رفع رأسه ، فمات في وقت السحر. قال محمد بن موسى :


قال لي موسى بن سريع : كان يُوحَنّا يزور قبر ال حسين وهو على دينه ، ثم أسلم بعد هذا وحسن إسلامه»(٨٨) .

٢ ـ الرجل الذي أحدث على قبر الحسين (عليه السلام) :

«كتابي ابن بطة والنطنزيّ : روى عبد الرحمان بن احمد بن حنبل ، بإسناده عن الأعمش قال : أحدث رجل على قبر الحسين عليه السلام ، فأصابه وأهل بيته جنون وجذام وبرص ، وهم يتوارثون الجذام إلى الساعة»(٨٩) .

٤ ـ الصوفية :

قال السيد نعمة الله الجزائري (قده) : «واعلم أنّ مشايخ الصوفية إنما يستعملون سبحة الخشب إقتداء بأسلافهم من صوفية أهل الخلاف ، وسألت : شيخاً منهم عن إستعمال سبحة الخشب فقال : إنّها أخف وأنظف من التربة الحسينية ؛ لأنها توسخ اليد ، مع أنّها ثقيلة في الوزن. وقد عميت بصيرته عن أن وسخ السبحة الحسينية ، إنما هو عنبر إلهي خرج من تربة حسينية. أما أنا فأكثر إستعمالي السبحة الحسينية قبل الطبخ لقربها إلى ترابه عليه السلام ، وتمحضها له ، وأما المطبوخة ؛ فقال بعضهم : إنّها تستحيل بالطبخ وتخرج عن التراب ، ولا ريب أنّها أفضل من المطبوخة والكل حسن»(٩٠) .

٥ ـ السامرائي :

قال عبد المنعم السامرائي : «ونتيجة هذا التفضيل ، فإنّ الرافضة جعلت من تربة قبر ال حسين الشفاء من كل داء ، وإنهم يتداوون بها ، ولها من المنزلة

__________________

(٨٨) ـ المجلسي ، الشيخ محمد باقر : بحار الأنوار ، ج ٤٥ / ٣٩٩ ـ ٤٠١.

(٨٩) ـ نفس المصدر / ٤٠١.

(٩٠) ـ الجزائري ، السيد نعمة الله : زهر الربيع / ٣٠٣.


الشيء الكثير ، ولقد رأيت أثناء زيارتي لكربلاء في شعبان ١٤١٠ هـ ، التزاحم الكثير حول قبر الحسين (رضي الله عنه) ، ورأيت بعض القبوريين يجمع التراب عند قبره (رضي الله عنه) ، فسألته عن سبب هذا الإهتمام ، فأخبرني بأنّ هذا التراب شفاء من كل داء. فقتل له : إذا كان العلاج يتم بواسطة هذا التراب ، فلماذا المستشفيات والمراكز الصحية المفتوحة لعلاج الناس؟ فنظر إليّ نظرة ملؤها الإنكار والإستخفاف وقال لي : يبدو أنك من غير الشيعة. فأجبته ـ بعد حمد الله تعالى ـ أنني لست كذلك. ونضع بين يدي القراء الكرام نماذج من تلك المرويات التي تقدس تلك التربة. مقترحين على وزارة الصحة في العراق ، وأيضاً إيران وبعض دول الخليج العربي ، إغلاق المستشفيات وكليات الطب والإكتفاء بهذه التربة العجيبة والغريبة»(٩١) .

وقال أيضاً : «ولا نملك إلا أن نقول : ما هي الطريقة المثلى لحفظ بركة هذا الطين؟ لأنّ الرافضة في عصرنا الحاضر إمتلأت أمعاءهم من ذلك الطين ، وهم مع ذلك فالمستشفيات تَغصّ بهم ، إنّ راوي هذا الإفك نسي أن يذكر تلك الطريقة ؛ لأنّ الواقع يدحض كذبه وافتراءه ، وهنيئاً للرافضة بذلك الطين المبارك. إستزيدوا قَطّع الله أمعاءكم»(٩٢) .

وقال أيضاً : «وهذه الرواية مخالفة لإعتقاد الرافضة في مسألة الطين الذي يؤكل ، فقد وردت روايات متعددة تجعل من أكل الطين من غير قبر الحسين (رضي الله عنه) ، ويزعمون أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من أكل الطين فهو ملعون ، وأيضاً : (الطين كله حرام كلحم الخنزير ، ومن

__________________

(٩١) ـ السامرائي ، عبد المنعم : الرافضة وتفضيل زيارة قبر الحسين / ١٨ ـ ١٩.

(٩٢) ـ نفس المصدر / ٢٥ ـ ٢٦.


أكله ثم مات منه لم أصلِّ عليه ، إلا طين قبر الحسين (عليه السلام) فإنّ فيه شفاء من كل داء ، ومن أكله لشهوة لم يكن فيه شفاء ، وغير ذلك من الروايات المكذوبة المتناقضة ، أعرضنا عنها خشية الإطالة ، وألى الله تعالى إلا أن يظهر كذبهم ودجلهم»(٩٣) .

مناقشة المؤلف للسامرائي :

أقول : بعد عرض مقالة السامرائي المتقدمة ؛ ينبغي إيضاح ما يلي :

إنّ الدكتور عبد المنعم السامرائي يحمل شهادة جامعية عُليا ، والمعروف عن هذا الصنف من الناس سعة الثقافة ، والتحلي بالأخلاق الفاضلة ، وفي حالة الحوار مع الآخرين يتحدث بمنطق الدليل العلمي ، لكن مما يؤسف له نلاحظ أنّ الشخص المذكور ؛ خرج عن لغة الحوار العلمي واعتمد لغة العصبية ، فقد قرأت كتابه (الرافضة وتفضيل زيارة الحسين على حج بيت الله الحرام) ، فرأيت فيه لغة عامة الناس في الأسواق والشوارع العامة؟! حيث يقول في مقدمة كتابه المذكور : «إنّ مخطط الرافضة في هدم الإسلام نابع من الأسس التي بني عليها ، حيث إنّه خليط من الأحقاد اليهودية والنصرانية والمجوسية ، ولا يهدأ لهم بال إلا بعد أن يقضوا على هذا الدين الذي أضاع أمجادهم وقضى على تراثهم»(٩٤) . إلى أن قال : «فتمحض هذا الأسلوب عن مولود جديد لقيط ألا وهو التشيع فكان هذا المولود باراً بآباه فنفّذ ما رُسِمَ له بإتقان»(٩٥) .

__________________

(٩٣) ـ المصدر السابق / ٢٨ ـ ٢٩.

(٩٤) ـ نفس المصدر / ٦.

(٩٥) ـ نفس المصدر.


أقول : وبعد عرض مقالته ؛ تبين لنا أنّه لو كان يملك روح الثقافة والبحث ؛ لما تعدى على أتباع أهل البيت عليهم السلام الذين مدحهم القرآن الكريم في قوله تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) [البينه / ٧].

قال السيوطي : «وأخرج ابن عدي عن ابن عباس قال لما نزلت قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لعلي : هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين».

وأخرج ابن مردويه ، عن علي قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ألم تسمع قول الله :( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) أنت وشيعتك ، موعدي وموعدكم الحوض إذا جاءت الأمم للحساب تدعون غرّا محجلين»(٩٦) . إلى غير ذلك من الروايات التي ذكرها علماء العامة في كتبهم في فضل الشيعة. ثم بعد هذا التمهيد ندخل معه في الحوار التالي :

أولاً ـ إنّ قولك : «إذا كان العلاج يتم بواسطة هذا التراب ، فلماذا المستشفيات والمراكز الصحية المفتوحة لعلاج الناس؟».

يجاب عليه : بأنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حَثّ على الإستشفاء بتربة المدينة في قوله (غبار المدينة شفاء من الجذام)(٩٧) . وقوله (إنّ في غبارها شفاء من كل داء)(٩٨) ، إلى غير ذلك من الروايات التي ذكرها علماء العامة في كتبهم ، وقد أشرنا إلى ذلك في الجزء الأول من هذه الموسوعة. وعلى هذا يمكن القول : فلماذا

__________________

(٩٦) ـ السيوطي ، جلال الدين عبد الرحمن : الدر المنثور ، ج ٧ / ٥٨٩.

(٩٧) ـ المتقي الهندي ، علاء الدين : كنز العمال ، ج ١٣ / ٢٠٥ ، والسمهودي ، السيد نور الدين : وفاء الوفا ، ج ١ / ٦٧ ـ ٦٨.

(٩٨) ـ نفس المصدر.


المستشفيات والمراكز الصحية المفتوحة لعلاج الناس ، مع علم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بذلك يا دكتور؟!

قانياً ـ قولك : «ولا نملك إلا أن نقول : ما هي الطريقة المثلى لحفظ بركة هذا الطين؟ لأنّ الرافضة في عصرنا الحاضر إمتلأت أمعاءهم من ذلك الطين الخ».

يجاب عنه : ماذا نصنع وقد روى علماؤكم كيفية إهتمام الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم بهذه التربة الطاهرة حسب تعليمات وأوامر ذي الجلال بذلك ، عن طريق جبرئيل عليه السلام حينما سلّمه تلك التربة الطاهرة ، ثم أعطاها لأم سلمة (رضي الله عنها) ، فما ذنب الشيعة في ذلك حينما ساروا على نهج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الكرام عليهم السلام؟!.

ثالثاً ـ قولك : «وهذه الرواية مخالفة لإعتقاد الرافضة في مسألة الطين الذي يؤكل الخ» يتضح الجواب من خلال ما يلي :

١ ـ إنّ الرواية ليست مخالفة لإعتقادنا في مسألة الذي يؤكل ، وقد تقدم في الجزء الأول من هذه الموسوعة أنّ أكل الطين مُحرّم عندنا إلا القليل من تربة الحسين عليه السلام بمقدار الحمصّة للإستشفاء ، والرواية التي ذكرتها موجود فيها (إلا طين قبر الحسين عليه السلام ، فإنّ فيه شفاء من كل داء الخ). فأين المخالفة المدعاة يا دكتور؟!.

٢ ـ على فرض أنّ الطين أكله حرام ، إلا أنّ هناك قاعدة معروفة عند الفقهاء : (الضرورات تبيح المحضورات) ، فهل قرأتها واطلعت عليها يا دكتور؟!.

٣ ـ إننا نسير على نهج أهل بيت العصمة والطهارة من آل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، في تقديس هذه التربة ولا يهمنا تكذيبك لنا ؛ لأنّك لا تعتمد في دعواك على


منهج علمي ، بل على منهج جاهلي أكل عليه الدهر وشرب ، وصدق عليه قوله تعالى :( وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ) [الفرقان / ٦٣].



٢ ـ القصة الغيبية

أ ـ تعريفها.

ب ـ أقسام القصة الغيبية.

الأول ـ قصص الماضي.

الثاني ـ قصص المستقبل.



١ ـ تعريفها :

هي التي ترتبط في أحداثها بمصدر الوحي ؛ أي من قبيل الغيب الذي كشفه الباري عَزّ وجَلّ لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم. وقبل بحثها ودراستها ، لا بد من الإجابة على السؤال التالي :

س / ما المراد بالغيب؟

ج / الغيب لغة : «غاب الشيء في الشيء : بطن فيه واستتر ، والغيب : كل ما غاب عنك ، وسمعت صوتاً من وراء الغيب ؛ أي من موضع لا أراه»(٩٩) وعَبّر عنه الشي المجلسي (ره) : «.. الغيب : ما غاب عن الشخص ؛ إما باعتبار زمان وقوعه كالأشياء الماضية والآتية ، أو باعتبار مكان وقوعه كالأشياء الغائبة عن حواسنا في وقتنا ، وإما باعتبار خفائه في نفسه ، كالقواعد ا لتي ليست ضروريات ، ولا مستنبطة منها بالفكر ، وضد الغيب الشهادة»(١٠٠) .

مما تقدم نخرج بالنتيجة التالية :

أولاً ـ إنّ علم الغيب من مختصات الباري عَزّ وجَلّ ، كما أوضحته الآيات التالية :

قال تعالى :( وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ) [الأنعام / ٥٩].

وقال تعالى :( فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ ) [يونس / ٢٠].

وقال تعالى :( قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ) [النمل / ٦٥].

__________________

(٩٩) ـ معلوف ، لويس : المنجد في اللغة / ٥٦٣ (بتصرف).

(١٠٠) ـ المجلسي ، الشيخ محمد باقر : مرآة ال عقول ، ج ٣ / ١١١.


ثانياً ـ إنّ الأنبياء والملائكة عندهم علم الغيب ، كما في الآيات الآتية : قال تعالى :( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَـٰكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ ) [آل عمران / ١٧٩].

وقال تعالى :( قُل لَّا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ ) [الأنعام / ٥٠]. وقال تعالى :( عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا *إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا ) [الجن / ٢٦ ـ ٢٧].

فالمستفاد من هذه الآيات أنّ منصب النبوة والرسالة يستدعي العلم بالغيب لمصلحة تبليغ الرسالات ، وإلى هذا تشير الآيات التالية :

قال تعالى :( وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَـٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ) [هود / ١٢٠]. وقال تعالى :( تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ) [هود / ٤٩]. وقال تعالى :( ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْقُرَىٰ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ ) [هود / ١٠٠].

ثالثاً ـ حصر علم الغيب في أمور خمسة ، كما في الآية التالية :

قال تعالى :( إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) [لقمان / ٣٤].

وبعد بيان هذه الأمور الثلاثة المتقدمة ؛ نطرح السؤال التالي :

س / إنّ حصر الغيب في الله عَزّ وجَلّ ، ثم حصر الغيب في أمور خمسة خلاف ما تقدم ، فما وجه الجمع بينهما؟.

ج / لا يمكن الإجابة على ذلك بما لي :


١ ـ أن يكون المراد بالأدلة الحاصرة للغيب في الله سبحانه النافية عن غيره ، أنّه سبحانه عالم به بذاته ، أما بالنسبة لغيره ، فبعلم مستفاد منه سبحانه بوحي أو إلهام ، أو نكث في القلوب ، ونقر في الأسماع أو غير ذلك من جهات العلم.

٢ ـ ما ذكره الشيخ المجلسي (قده) : «وأما الخمسة التي وردت في الآية ؛ فتحتمل وجوهاً :

الأول ـ أن يكون المراد أنّ تلك الأمور لا يعلمها على التعيين والخصوص إلا الله تعالى ، فإنّهم إذا أخبروا بموت شخص في اليوم الفلاني ، فيمكن أن لا يعلموا خصوص الدقيقة التي تفارق الروح الجسد فيها مثلاً ، ويحتمل أن يكون ملك الموت أيضاً لا يعلم ذلك.

الثاني ـ أن يكون العلم الحتمي بها مختصاً به تعالى ، وكل ما أخبر الله به من ذلك كان محتملاً للبداء.

الثالث ـ أن يكون المراد عدم علم غيره تعالى بها إلا من قبله ، فيكون كسائر الغيوب ، ويكون التخصيص بها لظهور الأمر فيها أو لغيره.

الرابع ـ ما أومأنا إليه سابقاً ؛ وهو أنّ الله تعالى لم يُطْلِع على تلك الأمور كلية أحداً من الخلق على وجه لا بداء فيه ، بل يرسل علمها على وجه الحتم في زمان قريب من حصولها كليلة القدر ، أو أقرب من ذلك. وهذا وجه قريب تدل عليه الأخبار الكثيرة ؛ إذ لا بد من علم ملك الموت بخصوص الوقت ، كما ورد في الأخبار ، وكذا ملائكة السحاب والمطر بوقت نزول المطر ، وكذا المدبرات من الملائكة بأوقات وقوع الحوادث»(١٠١) .

__________________

(١٠١) ـ المجلسي ، الشيخ محمد باقر : بحار الأنوار ، ج ٢٩ / ١٠٣ ـ ١٠٤.


س / ما هي عقيدتنا في الغيب؟

ج / تتمثل عقيدتنا في الغيب من خلال ما يلي :

إنّ أغلب ما يعتقده المؤمن يرجع إلى الغيب ؛ كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، والحياة بعد الموت والبعث والنشور ونفخ الصور ، وجنتة ونار إلى آخر ما آمن به وصَدّقه فكل هذا من الغيب ، وقد أشارت إليه الآيات القرآنية ، وبذلك عَرّف الله المؤمن كما في قوله تعالى :( إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ ) [فاطر / ١٨]. وقوله تعالى :( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) [البقرة / ٣]. وقوله تعالى :( جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ ) [مريم / ٦١].

والنتيجة التي توصلنا إليها : أنّ الأنبياء والأولياء والمؤمنين يعلمون الغيب بنصّ من الكتاب العزيز لكل منهم نصيب من العلم على حسب مراتبهم ، إلا أنّ علمهم مهما بلغ فهو محدود ـ كمّاً وكيفاً.

س : يفهم من عقيدة الشيعة الإمامية أنّهم يَدّعون أنّ أئمتهم يشاركون الله عَزّ وجَلّ في صف علم الغيب وعلم ما كان وما سيكون ، وأنّه لا يخفى عليهم شيء ، والمسلمون كلهم يعلمون أنّ الأنبياء والمرسلين لم يكونوا يشاركون الله في هذه الصفة ، فما الدليل على ذلك؟

ج / يتضح الجواب على هذا السؤال من خلال عرض أقوال علماء الإمامية كما يلي :

الشيخ المفيد (٣٣٦ ـ ٤١٣ هـ)

«إنّ الأئمة من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم قد كانوا يعرفون ضمائر بعض العباد ، ويعرفون ما يكون قبل كونه ، وليس ذلك بواجب في صفاتهم ولا شرطاً في


إمامتهم ، وإنّما أكرمهم الله تعالى به وأعلمهم إياه للطف في طاعتهم والتمسك بإمامتهم ، وليس ذلك بواجب عقلاً ، ولكنه وجب لهم من جهة السماع. فأما إطلاق القول عليهم بأنهم يعلمون الغيب ؛ فهو منكر بَيّن الفساد ، لأنّ الوصف بذلك إنما يستحقه من علم الأشياء بنفسه لا يعلم مستفاد ، وهذا لا يكون إلا الله ـ عَزّ وجَلّ ـ وعلى قولي هذا جماعة أهل الإمامة إلا من شدّ عنهم من المفوّضة ومن إنتمى اليهم من الغلاة» (١٠٢).

الشيخ الطبرسي (٤٧٠ هـ ـ ٥٢٨ هـ) :

«ووجدت بعض المشايخ ممن يتسم بالعدوان والتشنيع ، قد ظلم الشيعة الإمامية في هذا الموضع من تفسيره ، فقال : هذا يدل على أنّ الله سبحانه يختص بعلم الغيب ، خلافاً لما تقول الرافضة أنّ الأئمة يعلمون الغيب ، ولا شك أنّه عنى بذلك من يقول بإمامة الإثني عشر ، ويدين بأنّهم أفضل الأنام بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فإنّ هذا دأبه وديدنه فيهم ، يشنع في مواضع كثيرة من كتابه عليهم ، وينسب الفضائح والقبائح إليهم ، ولا نعلم أحداً منهم إستجاز الوصف بعلم الغيب لأحد من الخلق ، فإنّما يستحق الوصف بذلك من يعلم جميع المعلومات لا بعلم مستفاد ، وهذه صفة القديم سبحانه العالم لذاته لا يشركه فيها أحد من المخلوقين ، ومن إعتقد أنّ غير الله سبحانه يشركه في هذه الصفة فهو خارج عن ملة الإسلام ، فأما ما نقل عن أمير المؤمنين عليه السلام ، ورواه عنه الخاص والعام من الأخبار بالغائبات في خطب الملاحم وغيرها وما نقل من هذا الفن عن أئمة الهدى (عليهم السلام) فإنّ جميع ذلك متلقى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مما أطلعه الله عليه ، فلا معنى لنسبة من روى عنهم هذه الأخبار المشهورة ، إلى أن يعتقد

__________________

(١٠٢) ـ المفيد ، الشيخ محمد بن محمد العبكري : أوائل المقالات / ٦٧.


كونهم عالمين للغيب ، وهل هذا إلا سبب قبيح وتضليل لهم بل تكفير لا يرتضيه من هو بالمذاهب خبيرة ، والله يحكم بينه وبينهم وإليه المصير؟!» (١٠٣).

الشيخ المجلسي (١٠٣٧ ـ ١١١١ هـ) :

«قد عرفت مراراً أنّ نفي علم الغيب عنهم معناه أنهم لا يعلمون ذلك من أنفسهم بغير تعليمه تعالى بوحي أو إلهام ، وإلا فظاهر أنّ عمدت معجزات الأنبياء والأوصياء عليهم السلام من هذا القبيل. وأحد وجوه إعجاز القرآن أيضاً إشتماله على الأخبار بالمغيبات ، ونحن أيضاً نعلم كثيراً من المغيبات بإخبار الله تعالى ورسوله والأئمة عليهم السلام ، كالقيامة وأحوالها والجنة والنار والرجعة وقيام القائم عليه السلام ونزول عيسى وغير ذلك من أشراط الساعة ، والعرش والكرسي والملائكة»(١٠٤) .

وبعد عرض أقوال علماء الإمامية ؛ تبين لنا عقيدتهم الواضحة في أنّ العلوم والإخبارات الغيبية ، إنما أخذها أئمة أهل البيت عليهم السلام عن جدهم سيد الرسل عن الباري عَزّ وجَلّ ، ولا يستلزم هذا المشاركة في صفاته تعالى ، وهذه العقيدة واضحة البيان في كتابه العزيز في قوله تعالى :( أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ) [آل عمران / ٤٩]. فلم يقل أحد من المسلمين أنّ عيسى عليه السلام قد شارك الباري عَزّ وجَلّ في صفته الخالقية؟!.

وكذلك قوله تعالى :( قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ) [السجدة / ١١]. فلم يعترض أحد على ملك الموت بأنّه شارك الباري في هذه الصفة أنّه المميت؟!

__________________

(١٠٣) ـ الطبرسي ، الشيخ ابو علي الفضل بن الحسن : مجمع البيان في تفسير القرآن ، ج ٥ / ٢٦٤ ـ ٢٦٥.

(١٠٤) ـ المجلسي ، الشيخ محمد باقر : بحار الأنوار ، ج ٢٦ / ١٠٣.


وهكذا نلاحظ كثيراً من الأدلة القرآنية التي تؤيد هذا الأمر. إذن ما ذهب إليه الإمامية صحيح ، لا يخالف القرآن كما إدعاه البعض.

وبعد هذا البيان والدراسة في بحث (الغيب) ، ندخل في دراسة القصة الغيبية.

ب ـ أقسام القصة الغيبية :

سبق أن قلنا أنّ هذا النوع من القصص تعد أحداثها بتفاصيلها مصدرها الوحي ، فهذه القصص من قبيل الغيب الذي كشفه الله عَزّ وجَلّ لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم ، وهي غيب سواء أكانت في الماضي أو المستقبل ، فعلى هذا يمكن تقسيم القصة الغيبية إلى ما يلي :

الأول ـ قصص الماضي :

يحتوي القرآن الكريم على كثير من علوم الغيب ، خصوصاً ما جرى على الأمم الماضية ، فعلى سبيل المثال ما جاء في قصة يوسف عليه السلام مع اخوته حيث أوحى الله سبحانه إلى يوسف في قوله تعالى :( لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ) [يوسف / ١٥]. ففي الآية غيب موحى إلى يوسف ، وكذلك غيب موحى إلى نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم بإخبار الوحي له بما حصل ليوسف عليه السلام وأكّد على ذلك في قوله تعالى :( ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ) [يوسف / ١٠٢]. إلى غير ذلك مما ذكره القرآن الكريم من أخبار الأمم الماضية ، فالقرآن ذكر تلك القصص على نحو الإختصار ، ثم جاء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يوضحها ، فالملاحظ أنّ تلك القصص وما تضمنته من أحداث ليست في متناول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولم تحدث أمامه ، كما أنّه لم يُنشئها ولم يأخذها عن طريق غيره


من المؤرخين ، بل مصدره الوحي ، وأخذ عنه أهل بيته عليهم السلام. «وذكر العلامة الجليل الورع الثقة النبيل ، السيد هاشم البحراني في كتابه (مدينة المعاجز) أكثر من ستمائة رواية في إخبارات الأئمة الإثني عشر صلوات الله عليهم»(١٠٥) .

الثاني ـ قصص المستقبل :

يتناول هذا اللون من القصص أموراً مختلفة كلها تتحدث عن أمور غيبية خاصة تحدث في الواقع ، ولو تأملنا ما ذكر في القرآن الكريم ، وعلى لسان النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ؛ لأمكن تقسيمه إلى ما يلي :

أولاً ـ أخبار تحققت في حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) :

رأى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في المنام ـ وكان ذلك في المدينة المنورة قبل أن يخرج إلى الحديبية ـ أنّ المسلمين دخلوا المسجد الحرام ، فأخبر بذلك أصحابه ففرحوا وحسبوا أنّهم داخلوا مكة عامهم هذا ، فلما إنصرفوا ولم يدخلوا مكة ؛ قال المنافقون : ما حلقنا ولا قصرنا ولا دخلنا المسجد الحرام. فأنزل الله هذه الآية :( لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ) [الفتح / ٢٧]. وكان بين نزول الآية والدخول مدة سنة. وكان عام سبع للهجرة وتَمّ الفتح القريب من دونه ـ وهو صلح الحديبية ـ ، الذي كان مقدمة لفتح مكة سنة ثمان للهجرة.

ثانياً ـ أخبار تحققت بعد حياته :

وهذا ال نوع من القصص منه ما هو مشهور كأخبار آخر الزمان ، المسمى بـ(أحاديث الفتن والملاحم) ، ويندرج تحت هذا النوع كثير من الإخبارات ،

__________________

(١٠٥) ـ النمازي ، الشيخ علي الشاهرودي : مستدرك سفينة البحار ، ج ٨ / ٨٠.


كخبر الدابة التي تخرج للناس في آخر الزمان ، وقد جاء في القرآن الكريم خبرها في قوله تعالى :( وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ ) [النمل / ٨٢]. ومن أراد تفاصيل ذلك ؛ فليراجع كتب التفسير.

كما ورد على لسان النبي صلى الله عليه وآله وسلم عدة إخبارات غيبية ، من أهمها ما يحل على أهل بيته عليهم السلام كإخباره بمقتل سبطه الحسين عليه السلام في كربلاء ، وقد ذكر منها ابن الأثير في ترجمة أنس بن الحارث حيث قال : «روى حديثه أشعث بن سحيم ، عن أبيه عن أنّه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول : (إنّ ابني هذا يقتل بأرض من أرض ال عراق ، فمن أدركه فلينصره) ، فقتل مع الحسين عليه السلام»(١٠٦) .

وأيضاً إخباره عن الإمام المهدي عليه السالم ، وقد ذكرها علماء المسلمين ، لا ينكر ذلك إلا مكابر لا قيمة لرأيه.

ثالثاً ـ أخبار البعث والنشور :

لعلّ من أهم القضايا التي واجه بها نبينا الأعظم عليه السلام مشركي قريش قضية البعث والنشور ، فقد أنكر المشركون هذا الأمر باصرار عنيف ، واستغربوا من ذلك أشد الإستغراب ، وقد سجل القرآن الكريم هذا الإنكار في أكثر من آية ، منها ما يلي :

قوله تعالى :( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ * أَفْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ ) [سبأ / ٧ ـ ٨].

__________________

(١٠٦) ـ ابن الاثير ، علي بن محمد : أسد الغابة ، ج ١ / ١٢٣.


وقوله تعالى :( وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ) [الجاثية / ٢٤].

وقوله تعالى :( أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ *أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ *قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ *فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ ) [الصافات / ١٦ ـ ١٩].

وإزاء هذا الإنكار لهذه القضية ، إستخدم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم القصة في عرض البعث واليوم الآخر ، وأكّد على ذلك بأن نَزّل المستقبل منزلة الحار ، فهذه القصص في الوقت الذي تحمل الرد على المنكرين ، فإنّها تُؤكِّد الإيمان بالبعث والنشور ، كما أنّ هناك عاملاً جوهرياً يضاف إلى وجود هذا النوع من قصص العالم الآخر ، ووراء كثرته وتكراره أنّ ذلك العالم هو محل العقاب والثواب ، وقضية العقاب والثواب أساسية يتمد عليها منهج التربية في الشريعة الإسلامية ، من أجل قيام الإنسان المسلم على مبادئ دينه والإلتزام بها ، حيث سيظل وازع الإحساس بالمسؤولية ، ـ عما يقول أو يفعل ـ مائلاً أمامه من خلال تصوره لحياة أخرى يؤمن بأنّه سيجازي فيها على سلوكه ، على الخير بالخير في الجنة والنعيم ، وعلى الشر بالشر في النار والعذاب ، كما في قوله تعالى :( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ *وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) [الزلزلة / ٧ ـ ٨].


٣ ـ القصة الخيالية

أ ـ الخرافية

ب ـ التمثيلية

ج ـ الخيال العلمي



٢ ـ القصة الخيالية :

هي حكايات يبتدعها خيال المؤلف ، قد تكون نثراً أو نظماً ، والروايات والقصص القصيرة ، هي من أشهر أشكال قصص الخيال رواجاً ، وسمات هذه القصص أنّها تحتوي على عناصر خيالية ، إما كلياً أو جزئياً ، وهذه العناصر تشمل الشخصيات والأوضاع المحيطة ، وفي بعض قصص الخيال تكون العناصر الخيالية واضحة ـ أي بعيدة عن الواقع ـ مثل القصة الإطارية ، وهي قصة تروي في إطارها مجموعة من الحكايات ، ومن أحسن الأمثلة عليها قصة شَهْرَيَار الملك وشَهْرَزَاد في كتاب (ألف ليلة وليلة) ، ومع ذلك ليس من الضروري أن تختلف كثيراً عن الواقع ؛ إذ أنّ كثيراً من نماذج قصص الخيال تمثل شخصيات قريبة من الواقع ، وتصف أوضاعاً واقعية ، وبعض القصص ترتكز على شخصيات وحوادث حقيقية ، وتدمج عادة العناصر الواقعية في قصص الخيال مع الأوضاع والشخصيات والحوادث الخيالية ، والغرض الرئيس لمعظم قصص الخيال هو التسلية ، إلا أنّ هناك بعض الأعمال الجادة من قصص الخيال التي تحفز العقل وتدعو إلى التفكير عن طريق إيجاد الشخصيات ، ووضعها في مواقف محددة ، وتأسيس وجهات النظر ، ويقوم مؤلفو قصص الخيال الجادة بتوضيح الأحكام المميزة بين الأشياء ، وهذه الأحكام تتناول المسائل الأخلاقية والفلسفية والنفسية والإجتماعية ، ولعلّ أهم ما يمكن دراسته من أقسامها هي التالي :

أ ـ الخرافية :

الخُرافَة : «الحديث المستملح من الكذب. وقالوا : حديث خرافة ، ذكر إبن الكلبي في قولهم حديث خرافة أنّ خرافة من بني عُذْرَة أو من جُهَيْنَة ، إختطفته الجن ، ثم رجع إلى قومه فكان يُحدث بأحاديث مما رأى يعجب منها


الناس ، فكذبوه فجرى على ألسن الناس»(١٠٧) . وعُرِّفت الخرافة أيضاً بـ«معتقد لا عقلاني أو ممارسة لا عقلانية. والخرافات قد تكون دينية ، وقد تكون ثقافية أو إجتماعية. فمن الخرافات الدينية إيمان بعض المشلولين أو المقعدين ، بقدرة قديس بعينه أو قديسة بعينها على شفائهم.

ومن الخرافات الثقافية أو الإجتماعية ، إيمان كثير من الناس بأنّ الخرزة الزرقاء تدفع الشر ، وبأنّ نعل الفرس مجلبة للخير»(١٠٨) وبعد هذا التعريف فالحكاية الخرافية : «قصة أو حكاية خيالية قصيرة ذات مغزى في معظم الحكايات الخرافية ، يمثل واحد أو أكثر من الشخصيات حيواناً أو نباتاً أو شيئاً يتكلم ويتصرف كمخلوق بشري ، ويمكن أن نُقص الحكاية الخرافية نثراً أو شعراً ، وفي عديد من الحكايات يمكن تلخيص المراد من القصة ، أو مغزاها في النهاية على شكل مثل شعبي»(١٠٩) .

وهذا النوع من القصة الخيالية لا قيمة له على المستوى الديني ، لا في القرآن الكريم ، ولا في السنة النبوية.

ب ـ التمثيلية :

لست بصدد دراسة القصة التمثيلية من جميع جوانبها ، وإنّما الهدف هو التعريف بها من بعض جوانبها ، في القرآن الكريم والسنة النبوية ، والذي يهمنا بحثه هو التالي :

__________________

(١٠٧) ـ ابن منظور ، محمد بن مكرم : لسان العرب ، ج ٩ / ٦٥ ـ ٦٦.

(١٠٨) ـ البعلبكي ، منير : موسوعة المورد العربية ، ج ١ / ٤٦١.

(١٠٩) ـ الموسوعة العربية العالمية ، ج ٩ / ٤٨١.


١ ـ التعريف بالمثل :

يطلق المثل على معانٍ ثلاثة ، هي كالتالي :

الأول ـ المثل السائر :

هو كلمة موجزة قيلت في مناسبة تناقلتها الأجيال بدون تبديل ، كقوله صلى الله عليه وآله وسلم : (إنّ من البيان لسحرا)(١١٠) ، قال الميداني : «يعني أنّ بعض البيان يعمل عمل السحر ، ومعنى السحر : إظهار الباطل في صورة الحق ، والبيان : إجتماع الفصاحة والبلاغة ، وذكاء القلب مع اللسَنِ ، وإنما شُبّه بالسحر ، لحدّة عمله في سامعه وسرعة قبول القلب له. يضرب في إستحسان المنطق ، وإيراد الحجة البالغة»(١١١) . والهدف منه مقصور على التطبيق.

الثاني ـ المثل القياسي :

ويقصد به البيانيون متشكل من أي وصف أو قصة أو تصوير رائع لتوضيح فكرة ، عن طريق تشبيه يسميه البلاغيون (التمثيل المركب) لتقريب أمر معقول من محسوس يجمع بذلك بين عمق الفكرة ، وجمال التصوير ولم يقصر على سماع أو نقل ، والإهتمام بصياغة الفكر فيه أكثر من إقتباس مثل سائر ، وحاصل القياسي : هو ما يخلقه المتمثل لغرض ينشده ، ومن نماذجه في القرآن الكريم ، قوله تعالى :( وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ) [النحل / ١١٢]. فالآية فيها إستعارة تمثيلية ؛ حيث أخذ اللباس في الجوع والخوف الدال على إستعمالها لمن

__________________

(١١٠) ـ الميداني ، احمد بن محمد النيسابوري : مجمع الأمثال ، ج ١ / ٧.

(١١١) ـ نفس المصدر.


كفر بأنعم الله تعالى ـ الأمن والصحة والكفاية في الرزق وغيرها من النعم التي لا تحصى ـ ، ولو إكتفى بالإذاقة لفات ذلك. وفي الأمثال النبوية قوله صلى الله عليه وآله وسلم : (أيها الناس إياكم وخضراء من الدِمَن. قيل يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : وما خضراء الدمن؟ قال : المرأة الحسناء في منبت السوء)(١١٢) .

قال الشريف الرضي : «... أنّه عليه الصلاة والسلام نهى عن نكاح المرأة على ظاهر الحسن ـ وهي منبت السوء ، أو في البيت السوء ـ ، فوجه المجاز في هذا القول ، أنّه عليه الصلاة والسلام ، شَبّه المرأة الحسناء بالروضة الخضرة لجمال ظاهرها ، وشبّه منبتها السوء بالدِمْنَة لقباحته ، والدِمْنَة هي : الأبعار المتجمعة تركبها السوافي ، ويعلوها الهابي ، فإذا أصابها المطر أنبتت نباتاً خضراء يروق منظره ويسوء مخبره ، فنهى عليه الصلاة والسلام عن نكاح المرأة إذا كانت مغموضة في نفسها ، أو مطعوناً عليها في نسبها ، لأنّ أعراق السوء تنزع إلى ولدها ، وتضرب في نسلها ، قال الشاعر :

وأدركنه خالاته فخذلنه

ألا إنّ عِرق السوء لا بدّ مدرك(١١٣)

وفي السيرة الحسينية ما جاء في خطبته في مكة المكرمة : «خُطّ الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة ، وما أولهني إلى أسلافي إشتياق يعقوب إلى يوسف ، وخِيرَ لي مصرع أنا لاقيه ، فكأنّي بأوصالي تُقطعها عُسْلَان الفَلوات بين النَوَاوِيس وكربلا ، فيملأن مني أكراشاً جُوفَاً ، وأجْرُبَة سُغُبَاً»(١١٤) .

__________________

(١١٢) ـ الغروي ، الشيخ محمد : الأمثال النبوية ، ج ١ / ٢٧٢.

(١١٣) ـ الشريف الرضي ، محمد بن الحسين : المجازات النبوية / ٦٠ ـ ٦١.

(١١٤) ـ السماوي ، الشيخ محمد طاهر : إبصار العين في أنصار الحسين / ٦.


إنّ بلاغة هذه الخطبة وعُلو مضمونها ، يوجب لنا الإطمئنان بصدورها عن سيد الشهداء عليه السلام ، كما أنّها على وجازتها تضمنت نهج الحسين عليه السلام وهدفه ، ونهايته ووصف مصرعه ومكانه ، والذي يهمنا بحثه ـ هنا ـ بيان بعض أوجهها البلاغية ، المتمثلة فيما يلي :

أولاً ـ عَبّر الحسين عليه السلام عن الموت الذي هو طبيعي للبشر بأنّه : (خط مخط القِلادة على جِيدْ الفَتاة). وهذا التعبير براعة إستهلال عجيبة المعنى ؛ حيث أنّ مخط القلادة يراد منه شيئين :

أ ـ إسم مكان : وهو موضع خط القلادة ـ وهي الجلد المستدير من الجيد ـ ، فكما أنّ ذلك الجلد لازم على الرقبة ، كذلك الموت على ولد آدم.

ب ـ إسم مصدر : والمراد به نفس الخط ، فيكون معنى ذلك : أنّ الموت دائرة لا يخرج ابن آدم عن وسطها ، كما أنّ القلادة دائرة لا يخرج الجيد منها حال تقليده. فإذا كان الموت لابد منه ؛ فليختر الإنسان أفضل ميتة ، وأعظمها شرفاً ونفعاً ، وإن أدّت إلى تقطيع أوصاله.

ثانياً ـ إختيار الحسين عليه السلام لنفسه الموتة الكريمة ، التي هي مرتبطة بأمر السماء التي تتم فيها شهادة الحسين وسعادته ، وسعادة من سار على نهجه ، لقد قضي الأمر وتمت الخيرة ، وكيفية القتلة ومكانها وعَبّر عن ذلك بقوله : (وخِير لي مصرع أنا لاقيه ، كأنّي بأوصالي تُقَطّعها عُسْلَان الفَلوات ، بين النَواوِيس وكربلاء).

فعسلان الفلوات : هي الذئاب ، ولعلّ الحسين عليه السلام يعني بها ـ مجازاً ـ الوحوش البشرية من أعدائه التي وَزّعت جسده الطاهر ، وتركته بالعراء وسلبته ووطأته بالخيول ، ثم تركته بلا مواراة ثلاثة أيام ، وقد عَبّر عن وحشيتهم بقوله


(فيملأن مني أكراشاً جُوْفَاً ـ أي واسعة ـ ، وأجربة سُغُباً ـ أي البطون الجائعة ـ ، وهذا تعبير عن شدتها وكثرة أكلها من دون محام ولا دافع عن الأعضاء المقطعة ، ويُؤَيّد هذا المعنى ما قاله لأصحابه لما نزل بَطْن العَقَبة : «ما أراني إلا مقتولاً ، فإنّي رأيت في المنام كلاباً تنهشني ، وأشدّها عليّ كلب أبقع»(١١٥) . أراد الحسين عليه السلام أن يُبيّن للمسلمين من خلال خطبته ، تلك الجريمة النكراء التي إقترفها الأمويون في حق البيت النبوي الطاهر ، ومدى اللثم والخسة في نفوس أعدائه ، حيث إمتدت تلك الجريمة ـ بعد تقطيع الحسين عليه السلام بالسيوف ، ووطئ جثته بالخيول ـ لتدخل الرعب والهلع في نفوس النساء والأطفال ، وتُعَرِّضَهم للعطش والحرق والسحق والأسر وضرب السياط ، وبهذا أراد الحسين عليه السلام أن يسجل على صفحات التاريخ ، صوراً من البطش والهمجية التي لا يرتكبها إلا الذئاب المفترسة والوحوش الضارية.

الثالث ـ مطلق ما يسمى بالمثل :

سواء فيه المثل السائر ، والقياسي والفرضي المعروف بالخياليات التي صنعت للإعتبار والموعظة ، كفرضيات كتاب (كليلة ودمنة) ، وكل وصف به نوع غرابة أو إعجاب زائد ، كقوله تعالى :( مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ .) [محمد / ١٥]. المستفاد من كلمات اللغويين أنّ المثل بمعنى التمثيل والتنظير ، وسمي المثل مثلاً لأنّه ماثل بخاطر الإنسان ؛ أي شاخص به. يقول الجوهري : «ومثلت له كذا تمثلاً إذا صَوّرت له مثاله

__________________

(١١٥) ـ المقرّم ، السيد عبد الرزاق الموسوي : مقتل الحسين / ١٨١.


بالكتابة وغيرها»(١١٦) . فكأنّ مراد الجوهري الصورة بالكتابة والتمثال بخير الكتابة ؛ لأنّ غير الكتابة إما يكون وصفاً ؛ فهو أمر تخييلي محض ، وإما أن يكون عملاً يدوياً محسوساً فهو التمثال. فيكون الغاية من سوق المثل والتنظير له إقامة الحجة أو إظهار آية دالة على شيء ما. فالأسلوب في الآية عرضها مثول وانتصاب لحقيقتها أمام الناظر. ومن هذا الباب ما جاء عن الحسين عليه السلام في اليوم العاشر من المحرم ، حينما إستدعى ابن سعد ومَثّل له نهايته ، حيث قال له : «أي عمر ، أتزعم أنك تقتلني ويوليك الدّعي بلاد الرّي وجُورجَان ، والله لا تهنأ بذلك ، عهد معهود فاصنع ما أنت صانع ، فإنّك لا تفرح بعدي بدنيا ولا آخرة ، وكأنّي برأسك على قصبة يتراماه الصبيان بالكوفة ، ويتخذونه غرضاً بينهم ، فصرف بوجهه عنه مغضباً»(١١٧) .

وعند خروج الأكبر عليه السلام إلى الميدان ؛ صاح بعمر بن سعد : «مالك؟! قطع الله رحمك كما قطعت رحمي ، ولم تحفظ قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسَلّط عليك من يذبحك على فراشك»(١١٨) .

٢ ـ أهمية المثل :

للمثل أهمية كبرى يمكن تلخيصها فيما يلي :

١ ـ إنّ أهمية الأمثال بيانية ، حيث لم يكن في كلام العرب أوجز منها ، ولا أشد إختصاراً. قال إبراهيم النظام : «إجتمع في المثل أربعة لا تجتمع في

__________________

(١١٦) ـ الجوهري ، إسماعيل بن حَمّاد : تاج اللغة وصحاح العربية ، ج ٥ / ١٨١٦.

(١١٧) ـ المقرّم ، عبد الرزاق : مقتل الحسين / ٢٣٥.

(١١٨) ـ نفس المصدر / ٢٥٧.


غيره من الكلام : إيجاز اللفظ ، وإصابة المعنى ، وحسن التشبيه ، وجودة الكناية ، فهو نهاية البلاغة»(١١٩) .

٢ ـ إنّ المقصود من ضرب الأمثال ، أنّها تؤثر في القلوب ما لا يؤثره وصف الشيء في نفسه ؛ وذلك لأنّ الغرض في المثل أن تنفعل به النفوس ، وتؤمن به القلوب ، فإن كان مدحاً ؛ كان أبهى وأفخم وأنبل في النفوس ، وأعظم وأهز للعطف ، وأسرع للإلف ، وأذكر وأيسر على الألسن ، وأولى بأن تعتلقه القلوب وأجدر. وإن كان ذماً ؛ كان مَسّه أوجع ، ووقعه أشدّ ، وحَدّه أحد. ومن هذا ما ورد في الخطب الحسينية في الطريق وفي كربلاء. وكذلك ما ورد عن أهل بيته عليهم السلام أثناء الخطب في الكوفة ، ويمكن التركيز منها على ما يلي :

المثل في خطب الإمام الحسين (عليه السلام) :

قال عليه السلام لابن عباس : «والله لا يدعوني حتى يستخرجوا هذه العَلَقَة من جوفي ، فإذا فعلوا ذلك ؛ سَلّط الله عليهم من يذبهم ، حتى يكونوا أذلّ من فِرَام المرأة»(١٢٠) .

وقال أثناء طريقه إلى الكوفة : «إنّ هؤلاء أخافوني ـ وهذه كتب أهل الكوفة ـ وهم قاتليَّ ، فإذا فعلوا ذلك ولم يدعوا الله محرماً إلا انتهكوه ؛ بعث

__________________

(١١٩) ـ الغروي ، الشيخ محمد : الأمثال النبوية ، ج ١ / ١٠.

(١٢٠) ـ المقرّم ، السيد عبد الرزاق : مقتل الحسين / ٢٣٤.


الله إليهم من يقتلهم ، وحتى يكونوا أذلّ من فِرَام الأمّة»(١٢١) . وخاطب الأعداء يوم عاشوراء بقوله : (يا عَبيد الأمّة)(١٢٢) تحقيراً لهم.

إيضاح أهم مفردات المثل الحسيني :

الفِرَام : ورد في كتب اللغة أنّ (الفِرَام) : دواء تُضيِّق به المرأة المسلك ، أو حب الزبيب تحتشى به لذلك ، وكانت في أحراح ثقيف سعة يتضيقن بعجم الزبيب. والفرامة : هي الخرقة تحتشي بها المرأة عند الحيض كالفِرَام ، وفيها يقول الشاعر :

وجَدْتُك فيها كأمِّ الغلام

متى ما تَجِدْ فَارِما تَفْترِم(١٢٣)

وأيضاً قال في (بَطْن العَقَبة) : «إنّهم لن يدعوني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جَوفي ، فإذا فعلوا ذلك ؛ سَلّط الله عليهم من يذلهم ، حتى يكونوا أذلّ فرق الأمم»(١٢٤) .

وقال في (الرُهَيَمة) : «وطلبوا دمي فهربت ، وأيم الله ليقتلوني فيلبسهم الله ذِلّاً شاملاً ، وسيفاً قاطعاً ، ويسلط عليهم من يذلهم ، حتى يكونوا أذلّ من قوم سَبأ ؛ إذ ملكتهم إمرأة فحكمت في أموالهم ودمائهم»(١٢٥) . هذه بعض الأمثال الحسينية الواردة في خطبه عليه السلام.

__________________

(١٢١) ـ المصدر السابق / ١٧٥.

(١٢٢) ـ نفس املصدر / ١٦٨.

(١٢٣) ـ ابن منظور ، محمد بن مكرم : لسان العرب ، ج ١٢ / ٤٥١ ـ ٤٥٢.

(١٢٤) ـ المقرم ، السيد عبد الرزاق : مقتل الحسين / ١٨١.

(١٢٥) ـ نفس المصدر / ١٨٥.


وإن كان وعظاً ؛ كان أشفى للصدر ، وأدعى للفكر ، وأبلغ في التنبيه والزجر ، ويبصر الغاية.

المثل في خطبة السيدة زينب (عليها السلام) في الكوفة :

ومما ورد في الخطبة الزينبية التي خطبتها في الكوفة ـ من الأمثال ما يلي : «الحمد لله ، والصلاة على أبي محمد وآله الطيبين الأخيار ، أما بعد يا أهل الكوفة ، يا أهل الخَتَل والغَدْر ، أتبكون؟! فلا رقأت الدمعة ، ولا هدأت الرنّه ، إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً ، تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم»(١٢٦) . تشير أم المصائب زينب عليها السلام إلى قوله تعالى :( وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) [النحل / ٩٢].

وبعد مراجعة كتب المفسرين حول هذه الآية ؛ نخرج بالنتيجة التالية :

أولاً ـ هذا مثل قرآني يشير إلى المرأة التي غزلت ثم نقضت غزلها من بعد إمرار وفَتلٍ للغزل ؛ وهي إمرأة حمقاء من قريش ، واسمها رَيطَة بنت عمرو ، بن كعب ، بن سعد ، بن تميم ، بن مُرّة ، وكانت تسمى خَرْقَاء مكة ، كانت تغزل مع جواريها إلى إنتصاف النهار ، ثم تأمرهن أن ينقضن ما غزلن ، ولا يزال ذلك دأبها.

ثانياً ـ هذا نهي من الله للمكلفين أن يتصفوا بالصفات المذكورة في الآية ، المندرجة تحت الألفاظ التالية :

__________________

(١٢٦) ـ المصدر السابق / ٣١١.


١ ـ أنْكَاثاً : جمع نِكْث ، وكل شيء نقض بعد الفتل ؛ فهو أنكاث حبلاً كان أو غزلاً.

٢ ـ دَخَلاً : الدَخَل ، ما أدخل في الشيء على فساد ، فالمراد بالدخل وسيلته ، من تسمية السبب باسم المسبب ؛ أي وسيلة للغدر والخدعة والخيانة ؛ تطيبون بها نفوس الناس ثم تخونون وتدعونهم بنقضها. ومعنى ذلك : أنكم كمثلها ، إذا تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم فتؤدونها وتعقدونها ، ثم تخونون وتخدعون بنقضها ونكثلها ، والله ينهاكم عنه.

٣ ـ أرْبَى : أي أكثر عدداً ومنه أربا فلان للزيادة التي يزيدها على غريمة في رأس ماله. ومعنى ذلك لا ينقضوا العهد بسبب أن يكون قوم أكثر من قوم ؛ أي لا تنقضوا عهدكم ، متخذيها دغلاً وغدراً وخديعة ، لمداراتكم قوماً هم أكثر عدداً ممن عاهدتم له ، بل عليكم الوفاء والحفظ لما عاهدتم عليه. فالسيدة زينب عليها السلام تذكرهم وتوبخهم بالعهد والبيعة لسيد الشهداء عليه السلام التي نقضوها ، وشبهتهم بالمرأة التي نقضت غزلها من بعد قوة ، إلى أن قالت : «ألا وهل فيكم إلا الصَلَف النَطَف ، والعجب والكذب والشَنِف ، ومَلِق الإماء ؛ وغَمَز الأعداء؟!» وفي هذا المقطع عَبّرت عنهم بألفاظ تعيبهم وتكشفهم بها توبيخاً لهم (فالصَلَف) : الذي يمتدح بما ليس عنده. وفي حديث المؤمن : (لا عنف ولا صَلَف) ، يقال : سحاب صلف ، إذ كان قليل الماء ، كثير الرعد ، وفي المثل (رُبّ صَلَف تحت الرَاعِدَة) يضرب للرجل يتوعد ثم لا يقوم فيه»(١٢٧) .

__________________

(١٢٧) ـ الطريحي ، الشيخ فخر الدين : مجمع البحرين ، ج ٥ / ٨٢.


(والنَطَفَ) : «القذف بالفجور ، أو الفساد ، أو الشر»(١٢٨) .

(والشنف) : المبغض(١٢٩) .

(ومَلِق الإماء) :

«المَلأِق : الضعيف. أو التودد والتذلل ، وإبداء ما باللسان من الإكرام والودّ ما ليس في القلب»(١٣٠) .

(وغَمَز الأعداء) :

«الغَمَز : الضعف والميل والعيب»(١٣١) ؛ أي أنتم ضعاف في عقولكم وعملكم بحيث إستزِهدكم الأعداء ، وسخروا بكم بإطاعتكم لهم. إلى أن قالت : «أو كَمَرْعَى على دِمّنَة ، أو كقَصّةٍ على مَلْحُودَة».

(الدِمنَة) :

«هي ما تُدمّنُه الإبل والغنم بأبوالها وأبعارها ؛ أي تلبّده في مرابضها ؛ فربما نبت الحسن النضير. ومنه الحديث : (فينبتون نبات الدِّمن في السيل) ، هكذا جاء في رواية بكسر الدال وسيكون يرعى البعير ؛ لسرعة ما ينبت فيه»(١٣٢) .

وقيل الدِّمنة : هي المنزل الذي ينزل فيه أخيار العرب وتحصل فيه بسبب نزولهم تغيّر في الأرض بسبب الأحداث الواقعة منهم ومن مواشيهم ، فإذا أمطرت أنبتت نبتاً حسناً شديد الخضرة والطراوة ؛ لكنّه مرعى وَبِيء للإبل

__________________

(١٢٨) ـ لويس ، معلوف : المنجد في اللغة / ٨١٦.

(١٢٩) ـ نفس المصدر / ٤٠٤.

(١٣٠) ـ نفس المصدر / ٧٧٤.

(١٣١) ـ نفس المصدر / ٥٥٩.

(١٣٢) ـ ابن الأثير ، المبارك بن محمد الجزري : نهاية في غريب الحديث ، ج ٢ / ١٣٤.


مُضرّبها)(١٣٣) . ومن هذا ، ما ورد في الحديث النبوي (.. إياكم وخَضْرَاء الدِّمن ، وقيل يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : وما خضراء الدِّمن؟ قال : المرأة الحسناء في منبت السوء)(١٣٤) .

قال الشريف الرضي (ره) : «والقول الآخر : أن يكون عليه الصلاة والسلام ؛ إنّما نهى في الحقيقة عن تغارض النفاق وتعاير الأخلاق ، وأن يتلقى الرجل أخاه بالظاهر الجميل ، وينطوي عن الباطن الدميم ، أو يخدعه بحلاوة اللسان ، ومن خلفها مرارة الجنان ، وإلى هذا المعنى ذهب الشاعر في قوله :

وقد يَنْبُتُ المرْعَى على دِمَنِ الثّرَى

وتَبْقَى حَزَازَاتُ النفوس كما هِيَا

كأنه أراد ، إنا وإن لقيناكم بظاهر الطلاقة والبشر ، فإنّا نضمر لكم على باطن الغش والغمز ، ومثل هذا قول الآخر :

وفِينَا وإن قِيلَ إصْظَلحْنَا تَضَاغُنٌ

كما طرّ أوبارُ الجِرَابِ على النّشْرِ

وقال أهل العربية : النشر أن ينبت وبر البعير وتحته داء العرّ ؛ وهو الجرب فيرى كأن ظاهره سليم وباطنه سقيم»(١٣٥) ، وبعد هذا الإيضاح يظهر لنا مغزى ما يستفاد من كلام السيدة زينب عليها السلام ، حيث أنّ الغرض هو التعريف بأن الدِّمنَة وإن زها ظاهرها بالنبت ، إلا أنّه لا يفيد الحيوان قوة ؛ لأنّها مجمع الأوساخ والكشافات السامة القاتلة ، فنتاج الدِّمنة لا يكون طيباً ، وأهل الكوفة وإن زها

__________________

(١٣٣) ـ الطريحي ، الشيخ فخر الدين : مجمع البحرين ، ج ٦ / ٢٤٨.

(١٣٤) ـ الحر العاملي ، الشيخ محمد بن الحسن : وسائل الشيعة ، ج ٢٠ / ٣٥ (الباب ٧ من أبواب مقدمات النكاح ـ الحديث ٧).

(١٣٥) ـ الشريف الرضي ، محمد بن ابي احمد الحسين : المجازات النبوية / ٦١.


ظاهرهم بالإسلام ؛ إلا أنّ الصدور إنطوت على قلوب مظلمة لا يصدر منها إلا بما يقوم به أهل الجاهلية والإلحاد»(١٣٦) .

(أو كقَصّةٍ على مَلْحُودة) :

«القَصّةُ والقِصّة والقَصُّ ، الجَصّ : لغة حجازية. وقيل : الحجارة من الجَصّ ، وقد قصّصَ داره ، أي جصّصَها. ومدينة مُقصّصَة : مطلية بالقصّ ، وكذلك قبر مُقصّصٌ ، والتقصيص : هو التجصيص ، وذلك أنّ الجَصّ يقال له ، القَصّة. يقال : قصصت البيت وغيره ؛ أي جصّصته. وفي حديث زينب (يا قَصّةٌ عُلى مَلحُودَةٍ) ؛ شبهت أجسادهم بالقبور المتخذة من الجصّ ، وأنفسهم بجيف الموتى التي تشتمل عليها القبور»(١٣٧) .

قال السيد المقرّم (ره) : «والذي أراه ، أنّ النكتة في هذه الإستعارة ، أنّ القصّة بلغة الحجاز الجصّ ، والملحودة ؛ القبر لكونه ذا لحد ، فكان القبر يتزين ظاهره ببياض الجصّ ، ولكن داخله جيفة قذرة ، وأهل الكوفة وإن تزين ظاهرهم بالإسلام ، إلا أنّ قلوبهم كجيف الموتى ؛ بسبب قيامهم بأعمال الجاهلية الوخيمة العاقبة من الغدر وعدم الثبات على المبادئ الصحيحة ؛ وقد إنفردت (متتمة الدعوة الحسينية) بهذه النكات البديعة ، التي لم بسبقها مهرة البلغاء إليها»(١٣٨) .

إلى أن قالت عليها السلام : (ولقد أتيتم بها خَرْقَاء ، شَوْهَاء كِطلَاعِ الأرض ، ومِلء السماء).

__________________

(١٣٦) ـ المقرم ، السيد عبد الرزاق : مقتل الحسين / ٣١١ (بتصرف).

(١٣٧) ـ ابن منظور ، محمد بن مكرم : لسان العرب ، ج ٧ / ٧٦ ـ ٧٧.

(١٣٨) ـ المقرم ، السيد عبد الرزاق : مقتل الحسين / ٣١٢.


(خَرْقَاء) :

«والتَخرّق لغة في التَخلُّق من الكذب. وخَرَقَ الكذب وتخَرّقه كله : إختلقه ؛ قال عَزَ وجَلّ :( وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ ) (١٣٩) .

قال أبو الهيثم : الإخْتِرَاق ، والإخْتِلَاق ، والإخْتِرَاص ، والإفْتِرَاء واحد»(١٤٠) .

«والخُرْقُ والخُرُق : نقيض الرِّفق ، والخَرَق مصدره ، وصاحبه أخْرَق ، وخَرِقَ بالشيء يَخْرَقُ : جهله ولم يحسن عمله ، ونَاقةٌ خَرْقَاء : لا تتعهد مواضع قوائمها. وريحٌ خَرْقَاء : لا تدوم على جهتها في هبوبها ؛ وقال ذو الرمة : بَيْتُ أطَافَتْ به خَرْقَاء مَهْجُوم. وقال المازني في قوله (أطافت به خرقاء) : «إمرأة غير صَناع ولا لها رِفق ، فإذا بنت بيتاً إنهدم سريعاً»(١٤١) . يضرب لمن يفسد عمله بسوء تصرفه.

(شَوْهَاء) :

«الشوه : قبح الخلقة ، وهو مصدر من باب تعب. ورجل أشوه ؛ قبيح المنظر ، وامرأة شوهاء ، والجمع شوه مثل أحمر وحمراء وحمر»(١٤٢) .

(كَطِلَاع الأرض) :

«طِلاعُ الأرض ملؤُها حتى يطالع أعلاه فيساوه. وفي حديث : جاءه رجل به بَذَاذَةُ تعلو عنه العين ، فقال : هذا خير من طِلَاع الأرض ذهباً ، أي ما يملؤها حتى يطلع عنها ويسيل»(١٤٣) .

__________________

(١٣٩) ـ الأنعام / ٦.

(١٤٠) ـ ابن منظور ، محمد بن مكرم : لسان العرب ، ج ١٠ / ٧٥.

(١٤١) ـ نفس المصدر.

(١٤٢) ـ الطريحي ، الشيخ فخر الادين : مجمع البحرين ، ج ٦ / ٣٥١.

(١٤٣) ـ ابن منظور ، محمد بن مكرم : لسان العرب ، ج ٨ / ٢٣٥ ـ ٢٣٦.


وبعد هذا الإيضاح نخرج بما يلي :

لقد تعديتم بنقضكم البيعة وتخاذلكم عنّا إلى قبيح فعلكم ، فملأ الأرض والسماء خبركم ، حتى إحمرّت السماء وبكت لعظيم جنايتكم. ويُؤيّد هذا المعنى ما يلي :

أولاً ـ ما جاء في خطبة سيد الشهداء عليه السلام في اليوم العاشر من المحرم : (ويحكم ، أهؤلاء تَعْضدون وعَنّا تتخاذلون؟! أجل والله غدر فيكم قديم ، وَشَجَت عليه أصولكم ، وتأزّرت فروعكم ، فكنتم أخبث ثمرة شَجى للناظر ، وأكْلَة للغاصب)(١٤٤) .

ثانياً ـ ما جاء في خطبتها عليها السلام على رواية أخرى : (لقد جئتم شيئاً إدّا تكاد السماوات يتفطرن منه ، وتنشق الأرض وتخرّ الجبال هَدّا ، لقد جئتم بها صَلْعَاء عَنْقَاء سَوْدَاء فَقْمَاء ، كَطِلَاعِ الأرض ، أو مِلء السماء)(١٤٥) .

١ ـ صَلْعَاء : في كلام العرب الداهية والأمر الشديد(١٤٦) .

٢ ـ عَنْقَاء : العنقاء المُغْرِبُ ، كلمة لا أصل لها ، يقال : إنّها طائر عظيم لا ترى إلا في الدهور ، ثم كثر ذلك حتى سَمّوا الداهية عَنْقَاء مُغْرِبَاً ومُغْرِبة ؛ قال :

ولولا سليمانُ الخليفةُ ، حَلّقَتْ

به ، من يد الحَجّاج ، عَنْقَاء مُغْرِب(١٤٧)

__________________

(١٤٤) ـ المقرم ، السيد عبد الرزاق : مقتل الحسين / ٢٣٤.

(١٤٥) ـ القمي ، الشيخ عباس : منتهى الآمال ، ج ١ / ٥٧١.

(١٤٦) ـ ابن منظور ، محمد بن مكرم : لسان العرب ، ج ٨ / ٢٠٥.

(١٤٧) ـ نفس المصدر ، ج ١٠ / ٢٧٦.


٣ ـ فَقْمَاء : «فَقِمَ الإناء : إمتلأ ماء. ويقال : فَقِمَ الشيء إتسع. وأمر مُتَفَاقِم ، وتفاقم الأمر ؛ أي تعاظم. وفَقِمَ الأمر فُقُومَاً : عظم»(١٤٨) .

المثل في خطبة السيدة فاطمة بنت الحسين عليها السلام في الكوفة :

قالت في خطبتها : (وافتخر بذلك مفتخركم :

نحن قتلنا علياً وبني علي

بسيوف هندية ورماحِ

وسبينا نساءهم سبي تركٍ

ونطحناهم فأي نطاحِ

بفيك أيها القائل الكِثْكِث والأثْلَب ، إفتخرت بقتل قوم زَكّاهُم وطَهّرهم وأذهب عنهم الرجس ، فاكْظِمْ وأقْعَ كما أقْعَى أبوك ، لكل إمرئ ما اكتسب ، وما قدّمت يداه)(١٤٩) .

(الكِثْكِث) : «الحجارة وفي حديث حُنَين : قال ابو سفيان ـ عند الجَوْلَة التي كانت من المسلمين ـ غلبت والله هَوَازِن. فقال له صَفْوَان بن أميّة : بفيك الكِثْكِثُ. هو ـ بالكسر والفتح ـ : دقاق الحصى والتراب ، ومنه الحديث الآخر : (وللعَاهِر الكِثْكِثْ»(١٥٠) .

(والأقْلَب) : «دقاق التراب ، وفتات الحجارة. وقيل : التراب مع الحجر. وقيل : التراب عامّة»(١٥١) .

إنّ الذي ذكرته السيدة الجليلة ـ هنا ـ من باب المثل والحديث النبوي الشريف : (الولد للفراش ، وللعاهر الحجر). وعَلّق على هذا الحديث الشريف

__________________

(١٤٨) ـ ابن منظور ، محمد بن مكرم : لسان العرب ، ج ١٢ / ٤٥٧.

(١٤٩) ـ المقرّم ، السيد عبد الرزاق : مقتل الحسين / ٣١٥.

(١٥٠) ـ ابن منظور ، محمد بن مكرم : لسان العرب ج ٢ / ١٧٩ ـ ١٨٠.

(١٥١) ـ نفس المصدر / ١٧٩.


الرضي (ره) بقوله : «وهذا مجاز على أحد التأويلين ؛ وهو أن يكون المراد أنّ العاهر لا شيء له في الولد ، فعَبّر عن ذلك بالحجر ؛ أي له من ذلك ما لا حظ فيه ولا إنتفاع به ، كما لا ينتفع بالحجر في أكثر الأحوال ؛ كأنّه يريد أنّ له من دعواه الخيبة والحرمان ، كما يقول القائل لغيره ـ إذا أراد هذا المعنى ـ : ليس لك من هذا الأمر إلا الحجر والجلمد ، والتراب والكِثْكِث ؛ أي ليس لك منه إلا ما لا محصول له ولا منفعة فيه. ومما يؤكد هذا التأويل ، ما رواه عمر بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : (الولد للفراش وللعاهر الحجر) والأثلب المختلط بالحجارة. وهذا الخبر يحقق أنّ المراد بالحجر ـ ها هنا ـ ما لا ينتفع به كما قلناه أولا»(١٥٢) .

وهذا المعنى يصدق على أهل الكوفة الذين حاربوا الحسين عليه السلام ، وقد أكّدت عليه السيدة زينب عليها السلام في خطبتها بالكوفة ، بقولها : (فَتعْسَاً ونَكْسَاً وبعداً لكم وسُحقَاً ، فلقد خاب السعي ، وتَبّت الأيدي ، وخَسِرَت الصّفْقَة ، وبؤتم بغضب من الله ورسوله ، وضربت عليكم الذلّة والمسكنة)(١٥٣) .

(فآكْظِمْ وأقْعَ كما أقْعَى أبوك) :

«كظم الغيظ : تجرّعه وإحتمال سببه والصبر عليه والكُظُوم : السكوت»(١٥٤) .

__________________

(١٥٢) ـ الشريف الرضي ، محمد بن الحسين : المجازات النبوية / ١٠٤ ـ ١٠٥.

(١٥٣) ـ المقرّم ، السيد عبد الرزاق : مقتل الحسين / ٣١٢.

(١٥٤) ـ ابن منظور ، محمد بن مكرك : لسان العرب ، ج ١٢ / ٥٢٠.


«أقْعَى : إقْعَاء : ألصق إليته بالأرض ونصب ساقيه ، ووضع يديه على الأرض ، كما يُقْعِي الكلب»(١٥٥) . والمراد به هنا ؛ السكوت والقعود عن الأمر ، وإلى هذا يشير ابن الأعرابي بقوله :

فأقْعِ كما أقْعَى أبوكَ على اسْتِهِ

يرى أنّ رَيْماً لا يُعَادِ لُه(١٥٦)

الرَيْمُ : «الفضل والزيادة ، تقول : في هذا العِدْل رَيْمٌ على الآخر ، إذا كان أثقل منه»(١٥٧) .

وبعد هذا الإيضاح ، نستفيد التالي :

إنّ هذه السيدة الجليلة ، بعد أنّ وبختهم على عظيم جنايتهم وفعلهم ؛ كظمت غيظها وتحملت هذه المصائب العظام ، لعلمها بأنّ الباري عَزّ وجَلّ سينتقم من أعدائهم ، ويرفع درجتهم في الآخرة ، وهذا هو المعروف من سيرة أهل البيت عليهم السلام ، ويؤيد ذلك التالي :

ورد في خطبتها عليها السلام : (فإنّ ما أصابنا من المصائب الجليلة ، والرزايا العظيمة :( فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) [الحديد / ٢٢ ـ ٢٣]. تباً لكم فانظروا اللعنة والعذاب ، فكأن قد حَلّ بكم ، وتواترت من السماء نقمات ، فيسحتكم بعذاب ويذيق بعضكم بأس بعض ، ثم تخلدون في العذاب الأليم ، يوم القيامة بما ظلمتمونا ، ألا لعنة الله على الظالمين)(١٥٨) .

__________________

(١٥٥) ـ الفيومي ، أحمد بن محمد : المصباح المنير ، ج ٢ / ٥١٠.

(١٥٦) ـ ابن منظور ، محمد بن مكرم : لسان العرب ، ج ١٢ / ٢٦٠.

(١٥٧) ـ معلوف ، لويس : المنجد في اللغة / ٢٩٠.

(١٥٨) ـ المقرم ، السيد عبد الرزاق : مقتل الحسين / ٣١٥.


ج ـ الخَيَال العلمي :

يُعد الخيال العلمي لوناً من ألوان الأدب الروائي الذي إشتهر في هذا القرن وذاع صيته ، وتعود بداياته إلى أساطير ما قبل التاريخ ، وقصص الرحلات والمغامرات الوهمية ، وفي القرن الثاني الميلادي حَوّل الكاتب اليوناني لوسيان الساموساتي هذه المغامرات إلى فن قصص الخيال العلمي ، وأصبح هذا الفن ذا شعبية كبيرة في روسيا واليابان ، خلال أواسط القرن العشرين وأواخره ، واشترك في الكتابة فيه عدد من الكتاب الأوروبيين أمثال : جول فيرن ، وميرلي شيلي ويوهان سويفت. وقد إمتد أثر هذا اللون إلى الأدب العربي ، فكتب فيه أمثال :

١ ـ طالب عمران في كتابه (في العلم والخيال العلمي) ـ وزارة الثقافة ـ دمشق ١٩٨٩ م ، طبعة ثانية معدلة الأولى عام ١٩٨٠ م.

٢ ـ حسن حسين شكري ، في كتابه (من أدب الخيال العلمي) ـ الهيئة المصرين العامة للكتاب ـ القاهرة ـ ١٩٨٧ م.

٣ ـ والدكتورة عزة الغنام ، في كتابها (الإبداع الفن في قصص الخيال العلمي) ـ مكتبة الأنجلو المصرية ـ القاهرة ١٩٨٨ م. كما أنّ هناك كُتّاب آخرين ، أمثال نهاد شريف ، ومصطفى محمود ، وأنيس منصور وغيرهم(١٥٩) .

وبعد هذا التمهيد ، يمكن دراسة هذا اللون القصصي كالتالي :

أ ـ تعريفه :

إختلف الباحثون في هذا الفن في الإتفاق على تعريف مُوحّد له كالتالي :

__________________

(١٥٩) ـ أبو هيف ، عبد الله : (أدب الخيال العلمي في المؤلفات العربية) ، مجلة القافلة ، مج ٤٢ ـ جمادي الآخر سنة ١٤١٤ هـ ، ص / ٣٦ ـ ٣٩. بتصرف


«(إيزاك اسيموف) يُعرِّفه بأنه : أدب قصصي يدور حول العلم والعلماء. وقد أطنب الكاتب (روبرت شولز) في تعريف لهذا الأدب وقصصه ؛ فهو يرى أنّ القصة العلمية هي : قصة خيال تبحث عن المجهول بعبارات علمية مفهومة ، مستعملة الإختراعات والإكتشافات في أمكنة تشمل جوف الأرض والكواكب الأخرى وحتى الذرّة ، أما الإنسان ؛ فغالباً ما يكون في المستقبل البعيد ، أو في الماضي قبل التاريخ ، وفي أبعاد جديدة»(١٦٠) .

ب ـ قواعده وأصوله :

لو تأملنا في مجاميع قصص الخيال العلمي ؛ لوجدنا أنّ أصلها عبارة عن قواعد وأسس علمية بحثة ، قد وضعت في إطار قصصي من الحكايات والحوار الجَذّاب الشائق ، وذلك لكي يتمكن كاتب هذه القصة العلمية من إجتذاب القارئ إلى قصته تلك ؛ لأنّ هدف الكاتب قد يكون تعليمي ، أو إيصال رأي علمي له ، فالكاتب من هذا المنطلق الغريب ـ والطريف في الوقت نفسه ـ قَدّم معلومات واستنتاجات علمية إلى الناس.

وهذه القصص العلمية لا تدور في زمان ومكان معينيين ومحدودين ، بل أنّها تتقدم نحو المستقبل وهو الأشهر فيها. كما أنّ من هذه القصص الخيالية ، من يعمد كاتبها إلى الرجوع إلى عصور ما قبل التاريخ والصراع الرهيب مع الحيوانات المتوحشة في تلك الحقبة التاريخية ، ومنهم من يجمع بين الماضي والحاضر في صراع مثير عبر زمنين مختلفين ومتباينين في كل شيء. إنّ غرابة أحداث قصص الخيال العلمي وبُعد بعضها عن الواقع ، وغرابة أحداثها

__________________

(١٦٠) ـ الجراخ ، عباس هاني : (أدب الخيال العلمي في آثار هـ ، ج. ويلز) ، مجلة القافلة ، مج ٣٨ ـ جمادي الأولى سنة ١٤١٠ هـ ، ص / ١٨.


وشخوصها ، دعى بعض النقاد إلى تسمية هذا الأدب بـ(أدب العجب) أو (أدب الأحلام).

ج ـ أهدافه :

لعلّ من أهم أهداف الخيال العلمي ما يلي :

أولاً ـ يهدف أدب الخيال العلمي إلى عرض الحقيقة العلمية بأمانة وصدق وبنظرة مستقبلية ، وإن تَغلّفت بغلاف القصة ، فقد نرى أنّ قصص الخيال العلمي تصف أحداثاً يمكن أن تحدث فعلاً ، بناء على نظريات مقبولة أو ممكنة ، وتعطي بعض القصص تفسيرات علمية مفصّلة ، فعلى سبيل المثال : كتب فرانسيس بيكون ـ الذي يُدعى أحياناً بأبي العلم الحدث ـ ، كتابه أطلنتس الجديدة (١٩٢٧ م) ويستخدم هذا العمل موضوع رحلة عجيبة ، ليصف مجتمعاً مبنياً على العلم التجريبي ، كما يصف العجائب العلمية التي يمكن للعلم أن يوجدها. ووصف الفلكي الألماني (كيبلر بوهانز) رحلة إلى القمر في مؤلف له بعنوان (سومنيوم) نشر عام ١٦٣٤ م بعد وفاته ، فكان هذا الكتاب أول قصة علمية خيالية تسرد بدقة علمية»(١٦١) .

ثانياً ـ يعالج الأفكار الإجتماعية والعلمية بشكلها الصرف الخالص ، ويصور لنا المستقبل الممكن ؛ فمن الناحية العلمية يشترك (أدب الخيال العلمي) مع الأدب القصصي العام ـ خصوصاً الخيالي منه ـ في كونه يسعى نحو تحقيق ما يتعذر تحقيقه بالفعل من جهة ، وفي كونه يتعامل مع ما هو غير موجود من الناحية الواقعية ، تعاملاً يستند إلى الخيال ، ويخضع الخيال

__________________

(١٦١) ـ الموسوعة العربية العالمية ، ج ١٨ / ٢٠٣.


الأدبي لمنطق العلم. أما من الناحية الإجتماعية ؛ فإنّ أدب الخيال العلمي يمكن أن يعمق الشعور بالنمو التقني ، وعواقب هذا التطور ، كما يستطيع أن يُلفت إنتباهنا إلى فوائد وأضرار تغير النظم الإجتماعية ، حسب أساليب مختلفة ، ويجعلنا أكثر إحساساً بأنّ قيمتنا إنّما هي نسبية ، ويساعدنا على معرفة الأبعاد القانونية والسياسية للمشكلات الإجتماعية ، ويستطيع أن يحدد عواقب الإتجاهات الإجتماعية ، وعواقب النمو السكاني المستمر»(١٦٢) .

__________________

(١٦٢) ـ الجراخ ، عباس هاني : (أدب الخيال العلمي في آثار هـ. ج. ويلز) ، مجلة القافلة ، ج ٣٨ ، جمادي الأولى سنة ١٤١٠ هـ ، ص ١٨ ـ ١٩.



ثالثاً ـ أهمية القِصّة

ـ الجانب القرآني

ـ الجانب النبوي

ـ الجانب الإعلامي



الجانب القرآني :

وردت القصة في القرآن الكريم كوسيلة تنفذ من خلالها الدعوة إلى القلوب ، ومن ثم أصبحت القصة من أنجح الوسائل التعبيرية في تهذيب النفوس ، وصقل القلوب ورياضتها على الصلاح ، وتقويم السلوك وتعديله ، وتشخيص الحقيقة المجردة ، وأخذ العبرة والعظة ، وهذه القصص بأنواعها وتنوعاتها في القرآن ، توضح لنا طريقة إلقاء التعاليم والمبادئ والآداب والأحكام الإسلامية ، وهذا الإسلوب الحكيم ينادي به اليوم علماء التربية ، وخبراء التعليم في المدرسة الحديثة ، حيث يكون المتلقون أكثر إستعداداً لتلقي التوجيهات والحلول بقلوب متشوقة إلى المعرفة ، وأذهان متفتحة لاكتشاف الحقيقة.

وتظهر أهمية القصة في القرآن الكريم من خلال تنوعها ، فالتنوع القصصي باب كبير يحتاج إلى دراسة ؛ لأنّه يتناول طريقة العرض القرآني في السرد القصصي ، وإيراد الحدث ما يتضمنه من إجمال وتفصيل وخوارق ومعجزات ، وفجوات تثير الذهن وتحمل الخيال على تجسيد المشهد وتصوره ، ورصد الموقف والشخصية ، مما يعطي للنص تأثيره الفعال في سرعة النفاذ إلى جوهر النفس.

والذي يهمنا بحثه في هذا التنوع يمكن تلخيصه فيما يلي :

أولاً ـ تتنوع القصة القرآنية من حيث الشكل الفني تنوعاً يتراوح بين الإجمال والتفصيل ، وفي كل حالاتها يتلائم التنوع مع السياق والنسق التعبيري والغرض الديني ، وذلك أنّ القرآن الكريم إيفاء للغرض والفني معاً ، يورد من القصة التي تتنامى وموضوع السورة وتتلاءم


والغرض الديني ، ومع ذلك ، فإنّ الوحدة القصصية ـ بالرغم من التوزع ـ إحدى سمات القصة القرآنية.

ثانياً ـ يتنوع شكل القصة القرآنية كالتالي :

١ ـ القصة الملحمية الطويلة الزاخرة بالأحداث ، والصراع والجدل والمأساة والوجدان المختلط ، والشخصيات المتعددة ؛ وذلك في إطار شخصية محورية واحدة تقود الصراع وتحسمه ، ونموذج هذا النوع القصصي الملحمي ، قصة موسى عليه السلام ؛ فهي قصة مكتملة في البناء التعبيري ورسم الشخصية ، حيث وردت منذ المولد وحتى وقوفه بقومه أمام الأرض المقدسة ، وقد عرضها القرآن في حلقات تتوزع على سور قرآنية عدة ، بدءاً بالإشارة وإنتهاء بالتفصيل فيما يربوا على الثلاثين سورة ، ما بين مكية ومدنية.

٢ ـ القصة المتوسطة الطول ، ونموذج هذا النوع القصصي قصة ابراهيم عليه السلام ، فقد عرضت في حلقات ، فحلقة عن إيمانه ، واُخرى عن المحاورة حول الأصنام ، وثالثة عن الذبح والفداء ، ورابعة عن بناء الكعبة ، وخامسة حول البعث ، والحلقات تتابع لتكون جسم القصة ككل.

٣ ـ القصة القصيرة ، ونموذج هذا النوع القصصي قصة نوح عليه السلام وإن إكتنفها بعض البسط والتفصيل ، وتبقى القصة القصيرة ، حيث تبرز الموقف إبرازاً موجزاً غاية الإيجاز.

ثالثاً ـ تبدأ معظم القصص بإشارة مقتضبة ، ثم تطول هذه الإشارات شيئاً فشيئاً ، ثم تعرض حلقات كبيرة تكون في مجموعها أحداث القصة.


رابعاً ـ لعلّ من أبرز خصائص الإسلوب القرآني عامة ، وإسلوب القصص خاصة ، خاصية الإيجاز المعجز ، الذي ينقل إليك المعنى كاملاً ومؤثراً في أقل القليل من الألفاظ مع إسقاط التفاصيل الجزئية.

الجانب النبوي :

لو ألقينا الضوء سريعاً على أهمية نصوص القصة النبوية من الناحية الأدبية والحضارية ؛ لظهرنا بالنتيجة التالية :

١ ـ أنّها تمثل لوناً من ألوان النشر الفني الممتع الجميل ، الذي جاء معبراً عن فكرته في ألفاظ سهلة ميسرة ، وأنّه لون جَدّ بعد الإسلام ، بعيداً عن منهج النشر الجاهلي ، الذي كان يخضع لسيطرة سَجْع الكُهّان ، وهي بذا تضيف رصيداً جديداً إلى عطاء العهد الإسلامي في المجال الأدبي ، ثم أنّها تتقدم خطوة أوسع من حيث أهميتها الفنية ، حيث جاءت في لون قصصي حافل بالعناصر القصصية العامة لهذا الفن.

٢ ـ أنّها محتوى رائع لتجارب قصصية متنوعة في مختلف المجالات ، وبهذا تتيح فرصة كبيرة جداً للأدباء كي يستفيدوا منها ، وتفتح لهم آفاقاً واسعة ، بعيدة المدى في أعماق التاريخ والحضارة والوجود الإنساني والكوني في الماضي والمستقبل.

٣ ـ تظهر قيمتها الحضارية في أنّها تُعبِّر عن صورة الحضارة ، التي يجب أن ينشدها الإنسان ، وهي أن يمارس حياته وفقاً للنظام الذي أودعه الله في هذا الكون من التوازن والإنسجام ؛ وذلك بأن يعيش حياته بجوانبها المادية والمعنوية الروحية ، ومجموعة القصص النبوي تفيض بالعطاء والخير للإنسانية في مجالها الحضاري.


الجانب الإعلامي :

إنّ فاكهة المجالس والأندية البشرية ، هي تلك الأحاديث الشايعة بينهم ، المشتملة على ما هو صحيح وما هو باطل ، ولعل من أهم تلك الروافد ما سمعه الناس من القُصّاص ، وذلك فإنّ عامة الناس يشكلون السواد الأعظم ، الذين يولعون بسماع القصاص ، ويتهافتون على مجالسهم ، وإنّ هذه الظاهرة لها جوانبها النافعة المفيدة ، والضارة المؤذية ، ويمكن دراسة هذه الظاهرة من خلال ما يلي :

أولاً ـ تأثير القُصّاص على الناس :

إنّ مهمة القصاص هي الكلام فيما يستحوذ على إعجاب السامعين ، حيث أنّهم يتطلعون دائماً إلى سماع الغريب الجديد. قال ابن قتيبة : «... القصاص ، فإنّهم يميلون وجه العوام إليهم ويستدرون ما عندهم بالمناكير والأكاذيب من الأحاديث ، ومن شأن العوام القعود عند القاص ما كان حديثه عجيباً خارجاً عن نظر العقول ، أو كان رقيقاً يحزن القلوب ويستفرز العيون ...»(١٦٣) .

ووصل من سيطرتهم على عقول الناس : «أنّ أم الإمام أبي حنيفة لا تقبل بفتوى ولدها ، ولكنها ترضى بقول قاصٍ يقال له : زرعة»(١٦٤) . «وحين حاول الشعبي أن ينكر على أحد القصاصين في بلاد الشام ما يأتي به من ترهات ، قامت عليه العامة تضربه ، ولم يتركه أتباع ذلك القاص ، حتى قال

__________________

(١٦٣) ـ ابن قتيبة ، عبد الله بن مسلم ، تأويل مختلف الحديث / ٢٧٩.

(١٦٤) ـ ابن الجوزي ، عبد الرحمن بن علي : القصاص والمذكرين / ٩٠.


برأي شيخهم نجاة بنفسه»(١٦٥) . بل بلغ من إحترامهم وتقديسهم لمجلس القصاص ، أن تخيل البعض : أنّ الكلام أثناء القصص لا يجوز ، كما لا يجوز في خطبة الجمعة ، حتى أعلمه عطاء : أنّ الكلام أثناء القصص لا يضر(١٦٦) .

ولعلّ من أهم أسباب بروزهم لعامة الناس ما يلي :

١ ـ إنّ عدداً كبيراً من القصاص إتخذها مهنة يعيش من ورائها ، ولم يكن خوف الله هو الدافع لها عند هؤلاء ، وإنما غدت وسيلة للكسب يسعى صاحبها وراء رزقه ، ولذلك تراه يسارع في إبتغاء مرضاة العامة ، وليس حريصاً على تقويمهم ولا تعليمهم ، حتى أصبح القاص كالمغني الذي لا هَمّ له إلا إطراب السامعين ، وكانوا بعد الإنتهاء من إلقاء قصصهم ، يعمدون إلى إستجداء الناس وسؤالهم العطايا.

٢ ـ تشجيع الولاة والحكام لهم ، حيث كانوا يهتمون بأمر القصاص بصورة واضحة ، ومن نماذج ذلك ما يلي :

أولاً ـ إعطاء الصلاحية لهم للقيام بهذا الدور ، فقد قام به أمثال : تميم الداري(١٦٧) الذي هو في نظر الخليفة الثاني أنّه خير أهل المدينة(١٦٨) ، فكان يقص في مسجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كل جمعة فاستزاده يوماً آخر فزاده ، فلما تولى عثمان زاده يوماً آخر أيضاً(١٦٩) . وقيل : إنّ أول من قصّ هو عُبَيْدَة

__________________

(١٦٥) ـ الخطيب ، محمد عجاج : السنة قبل التدوين / ٢١١.

(١٦٦) ـ الصنعاني ، عبد الرزاق بن همام : المصنّف ، ج ٣ / ٣٨٨.

(١٦٧) ـ كان نصرانياً من نصارى اليمن ، أسلم في سنة تسع من الهجرة.

(١٦٨) ـ ابن حجر ، احمد بن علي العسقلاني : الإصابة في تمييز الصحابة ، ج ١ / ٢١٥.

(١٦٩) ـ الصنعاني ، عبد الرزاق بن همام : المصنّف ، ج ٣ / ٢١٩.


بن عميرة ، وذلك في عهد الخليفة الثاني(١٧٠) . وكعب الأحبار الذي كان يقص في عهد معاوية بأمر منه(١٧١) .

ثانياً ـ إنّ الخلفاء والولاة يولون للقصاصين مركزاً من مراكز الدولة ، فيجعلون للجند قَاصّاً(١٧٢) من أجل تحريكهم وبعث الحماس فيهم ، كما يجعلون للجماعة قَاصّاً ، فنرى في كتاب القضاة للكندي أنّ كثيراً من القضاة كانوا يعينون قصاصاً أيضاً ، فيقول : أنّ أول مَن قَصّ بمصر سليمان بن عِتر التُّجِيبيُّ في سنة ٣٨ هـ ، وجمع له القضاء إلى القصص ، ثم عزل عن القضاء وأفرد بالقصص(١٧٣) .

ثالثاً ـ جعلوا للقصاص أجراً على عملهم ، وكان عمر بن عبد العزيز ـ حسبما يقولون ـ ، يعطي القاص الذي رتبه للقيام بهذه المهمة دينارين شهرياً ، فلما ولي هشام بن عبد الملك جعل له ستة دنانير(١٧٤) .

رابعاً ـ الإستفادة منهم في تثبيت أمرهم ، بل هم الإعلام الذي يخدمهم في كثير من الأمور ، ومن النماذج على ذلك ما يلي :

١ ـ إنّ معاوية حينما بلغه : أنّ علياً عليه السلام قَنَت فدعا على أهل حربه ، أمر القاص الذي يقص بعد الصبح ، وبعد المغرب : أنّ يدعو له ولأهل الشام(١٧٥) .

__________________

(١٧٠) ـ ابن الجوزي ، عبد الرحمن بن علي التميمي : القصاص والمذكرين / ٢٢.

(١٧١) ـ نفس المصدر / ٢٥.

(١٧٢) ـ ابن ابي حاتم ، عبد الرحمن بن محمد : الجرح والتعديل ، ج ٦ / ١٦٣.

(١٧٣) ـ أمين ، أحمد : فجر الاسلام / ١٦٠.

(١٧٤) ـ ابن شَبّه ، زيد بن عمر : تاريخ المدينة المنورة ، ج ١ / ١٥.

(١٧٥) ـ المقريزي ، تفي الدين احمد بن علي : الواعظ والإعتبار بذكر الخطط والآثار ، ج ٢ / ٢٥٣.


٢ ـ شكا عبد الملك إلى العلماء ما إنتشر عليه من أمر رعيته ، وتخوفه من كل وجه ، فأشار عليه ابو حبيب الحمصي القاضي بأن يستنصر عليهم برفع يديه إلى الله تعالى ، فكان عبد الملك يدعو ويرفع يديه ، وكتب بذلك إلى القصاص ، فكانوا يرفعون أيديهم بالغداة والعشي(١٧٦) .

٣ ـ وكان محمد بن واسع الأزدي من جملة القصاص والوعاظ في جيش قتيبة بن مسلم في خراسان ، وكان يقول قتيبة بن حقه : إنّه بالنسبة إليه أفضل من ألف سيف ورمح(١٧٧) .

ثانياً ـ ضرر القُصّاص :

بعد أن سيطر القصاص على عقول الناس ، بل إغترّ بهم كثير من الأعيان والمعروفين ، الذين كانوا يحضرون مجالسهم ويستمعون إليهم لمدة من الزمن ، إنكشفت حقيقتهم وظهر أمرهم لأكثر الناس ، فبدأ الأعيان وكثير من الناس بفضح أمرهم والتحذير منهم كالتالي :

وصرّح البعض : أنّ السبب في إنتشار الإسرائيليات في كتب التاريخ والتفسير هم القصاص ، إنّهم ينسبون ما يسمعونه من الناس إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ويخلطون الأحاديث بعضها ببعض ، ولعلّ أهم المنابع في ذلك هما : وهب بن مُنَبِّه ، وكَعْب الأحْبَار ، فأما وهب بن منبه ؛ فَيَمَنِي من أصل فارسي ، وكان من أهل الكتاب الذين أسلموا ، وله أخبار كثيرة وقصص تتعلق بأخبار الأُوَل ومبدأ العالم وقصص الأنبياء ، وكان يقول : قرأت من كتب الله إثنين وسبعين كتاباً ، وقد توفي بصنعاء سنة (١١٠ هـ). وأما كعب الأحبار ، أو كعب بن مانع ؛

__________________

(١٧٦) ـ المصدر السابق ، ج ٢ / ٢٥٤.

(١٧٧) ـ الجاحظ ، ابو عثمان عمرو بن بحر : البيان والتبيين ، ج ٣ / ٢٧٣.


فيهودي من اليمن ، ومن أكبر من ترسبت منهم أخبار اليهو إلى المسلمين ، أسلم في خلافة أبي بكر أو عمر على خلاف في ذلك ، وإنتقل بعد إسلامه إلى المدينة ثم إلى الشام ، وقد أخذ عنه أبو هريرة. وعلى الجملة فقد دخل على المسلمين من هؤلاء وأمثالهم في عقيدتهم وعلمهم ، كثير كان له فيهم أثر غير صالح ، وقد أنحى باللوم كثير من العلماء على القصاص والوعاظ ، كما فعل الغزالي في كتابه (إحياء العلوم) ، فقد عَدّ عملهم من منكرات المساجد ، لما كانوا يقترفون من كذب(١٧٨) . وقال أبو قلابة : «ما أمات العلم إلا القصاص ، يجلس الرجل إلى القاص السنة ، فلا يتعلم منه شيئاً»(١٧٩) . وأخرج العقيلي ، عن عاصم قال : كان ابو عبد الرحمن يقول : إتقوا القصاص(١٨٠) . إلى غير ذلك مما قيل في ذمهم والتحذير منهم.

ثالثاً ـ موقف أهل البيت (عليهم السلام) من القصّاص :

إنّ لأهل البيت عليهم السلام موقفاً من القصاص ، وهذا الموقف يمكن دراسته من ناحيتين كما يلي :

الأولى ـ منع القصاص :

قد واجه الأئمة عليهم السلام القصّاص بصرامة وحزم في بعض الأحيان ، وأعلنوا للناس زيف تلك الأباطيل ، بل تَمّ معاقبة بعضهم ، وخصوصاً في عهد أمير المؤمنين عليه السلام ، ومن النماذج على ذلك ما يلي :

__________________

(١٧٨) ـ أمين ، أحمد : فجر الاسلام / ١٦٠ ـ ١٦١ «بتصرف».

(١٧٩) ـ الزمخشري ، محمود بن عمر : ربيع الأبرار ، ج ٣ / ٥٨٨.

(١٨٠) ـ أبو ررية ، محمود : أضواء على السنة المحمدية / ٩٧.


موقف أمير المؤمنين (عليه السلام) :

أما موقف أمير المؤمنين عليه السلام ؛ فيمكن تلخيصه فيما يلي :

أ ـ توبيخهم أمام الناس وإظهار حقيقتهم ومثال ذلك : ما رواه الحارث ، عن علي : أنّه دخل المسجد ، فإذا بصوت قاصّ ، فلما رآه سكت ، قال علي : ما هذا؟!

قال القاصّ ، أنا. فقال علي : أما أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : سيكون بعدي قصّاص لا ينظر الله إليهم(١٨١) .

ب ـ طردهم من المساجد ، ومثال ذلك : ما رواه أبو البختري ، قال : دخل علي بن أبي طالب المسجد فإذا رجل يوّف ، فقال ما هذا؟

فقالوا : رجل يُذكِّر الناس. فقال ليس برجل يُذكِّر الناس ، لكنّه يقول : أنا فلان بن فلان فاعرفوني. فأرسل إليه فقال : أتعرف الناسخ من المنسوخ؟! فقال : لا. قال : فاخرج من مسجدنا ، ولا تُذكِّر فيه(١٨٢) . وحين قدم البصرة طرد القَصّاصِين من المسجد ، حيث أنّه لا ينبغي القصص في المسجد(١٨٣) .

ج ـ إقامة الحدود عليهم بالضرب ، ومثال ذلك : عن أبي عبد الله عليه السلام ، أنّه قال : (إنّ أمير المؤمنين عليه السلام ، رأى قاصّاً في المسجد فضربه بالدرّة وطرده)(١٨٤) .

__________________

(١٨١) ـ الهندي ، علي المتقي بن حسام الدين : كنز العمال ، ج ١٠ / ١٧٢.

(١٨٢) ـ القرطبي ، محمد بن احمد الأنصاري : الجامع لأحكام القرآن ، ج ٢ / ٦٢.

(١٨٣) ـ الطرطوشي ، محمد بن الوليد : الحوادث والبدع / ١٠٠.

(١٨٤) ـ الكليني ، الشيخ محمد بن يعقوب : الكافي ، ج ٧ / ٢٦٣.


وأيضاً ما روي ، من أنّه حينما بلغه عليه السلام ما يقوله القصاصون في قصة أوريا قال : من حَدّث بحديث داود على ما يرويه القصاص ؛ جلدته مائة وستين جلدة ، وذلك حد الفرية على الأنبياء»(١٨٥) .

موقف بقية الأئمة (عليهم السلام) :

وأما بقية الأئمة عليهم السلام : فاستخدموا الأسلوب التالي :

١ ـ ذكر اليعقوبي : «ومَرّ الحسن يوماً وقاصّ يقصّ على باب مسجد رسول الله : فقال الحسن : ما أنت؟! فقال : أنا قاصّ يا ابن رسول الله. قال كذبت ، محمد القاصّ ، قال الله عَزّ وجَلّ :( فَاقْصُصِ الْقَصَصَ ) (١٨٦) . قال : فأنا مذّكر. قال : كذبت ، محمد المذكر ، قال له عَزّ وجَلّ :( فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ ) (١٨٧) . قال : فما أنا؟ قال : المتكلف من الرجال»(١٨٨) .

٢ ـ «إنّ الإمام السجاد عليه السلام قد نهى الحسن البصري عن مزاولة عمل القصص ، فاستجاب للنهي»(١٨٩) .

٣ ـ وعن الإمام الباقر عليه السلام ، في تفسير قوله تعالى :( وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا ) (١٩٠) قال منه القصاص(١٩١) .

__________________

(١٨٥) ـ العاملي ، السيد جعفر مرتضى : الصحيح من سيرة الرسول الأعظم ، ج ١ / ١٩٠.

(١٨٦) ـ الأعراف / ١٧٦.

(١٨٧) ـ الغاشية / ٢١.

(١٨٨) ـ اليعقوبي ، أحمد بن ابي يعقوب : تاريخ اليعقوبي ، ج ٢ / ٢٢٧ ـ ٢٢٨.

(١٨٩) ـ ابن خلكان ، أحمد بن محمد : وفيات الأعيان ، ج ٦ / ٧٠.

(١٩٠) ـ الأنعام / ٦٨.

(١٩١) ـ العياشي ، الشيخ محمد بن مسعود : تفسير العياشي ، ج ٢ / ٣٦٢.


٤ ـ ذكر القصاصون عند الصادق عليه السلام فقال : لعنهم الله إنهم يشيعون علينا. وسئل الصادق عليه السلام عن القصاص ، أيحل الإستماع لهم؟ فقال : لا وقال عليه السلام : من أصغى إلى ناطق ؛ فقد عبده ، فإن كان الناطق عن الله ؛ فقد عبد الله ، وإن كان الناطق عن إبليس ؛ فقد عبد إبليس.

وسئل الصادق عليه السلام عن قول الله تعالى :( وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ) (١٩٢) ، قال : هم القصاص(١٩٣) .

وعن عباد بن كثير قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : (إني مررت بقاصّ يقص وهو يقول : هذا المجلس لا يشقى به جليس. قال : فقال أبو عبد الله عليه السلام : هيهات هيهات ، أخطأت أستاهم الحفرة ، إنّ لله ملائكة سيّاحين ، سوى الكرام الكاتبين ، فإذا مرّوا بقوم يذكرون محمداً وآل محمد قالوا : قفوا فقد أصبتم حاجتكم ، فيجلسون ، فيفقهون معهم ، فإذا قاموا عادوا مرضاهم وشهدوا جنائزهم ، فذلك المجلس الذي لا يشقى به جليس)(١٩٤) .

بيان وإيضاح :

الإستاه : بفتح الهمزة والهاء ؛ جمع الإست باكسر ، وهي حلقة الدبر. والمراد بالحفرة : الكنيف الذي يتغوط فيه ، وكأنّ هذا كان مثلاً سائراً ، يضرب لمن إستعمل كلاماً في غير موضعه ، أو أخطأ خطأ فاحشاً. وقد يقال : شبهت أفواههم بالأستاه تفضيحاً لهم ، وتكرير هيهات ـ أي بعد هذا القول عن الصواب ـ للمبالغة في البعد عن الحق.

__________________

(١٩٢) ـ الشعراء / ٢٢٤.

(١٩٣) ـ المجلسي ، الشيخ محمد باقر : بحار الأنوار ، ج ٦٩ / ٢٦٤ ـ ٢٦٥.

(١٩٤) ـ الكليني ، الشيخ محمد يعقوب : الكافي ، ج ٢ / ١٨٦.


والمراد بـ(فيتفقهون معهم) ؛ أي يطلبون العلم ويخوضون فيه. وفي بعض النسخ (فيفقهون معهم) أي يصدقونهم ، أو يذكرون بينهم مثل ذلك(١٩٥) . هذه بعض المواقف التي عالج بها الأئمة عليهم السلام ظاهرة القصّاص.

الثانية ـ السماح لهم تحت شروط معيّنة :

المستفاد من سيرة الأئمة عليهم السلام السماح للقصاصين بمزاولة القَصّ ، لكن بشروط معينة ، ولعلّ أهم شرط هو ما يلي :

أن يكون القاص عارفاً بأمور دينه ؛ كي يقوم بتفسير القرآن وإيضاح السنة والأحكام ، وإيضاح ما هو مدسوس في القصص من الإسرائيليات ؛ ولذا ينبغي لخطباء المنبر الحسيني سَلّمَهم الله ، أو يوضحوا للناس ما في القصص من الفوائد الدينية ، وينبهونهم على السلبيات الموجودة فيها ، بالأدلة العلمية المقنعة حتى لا يكون الخطيب قَاصّاً ، ويترتب عليه ما ورد عن الأئمة عليهم السلام في شأن القصّاص.

ومن النماذج على ذلك ما يلي :

١ ـ عن ابي عبد الرحمن السلمي قال : «مَرّ علي بن أبي طالب عليه السلام برجل يقَصّ ، فقال : أعَرِفت الناسخ من المنسوخ؟! قال : لا. قال : هلكت وأهلكت»(١٩٦) .

٢ ـ «قال علي عليه السلام للقاص : أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال : نعم. قال : قال : قُصّ»(١٩٧) .

__________________

(١٩٥) ـ المجلسي ، الشيخ محمد باقر : بحار الأنوار ، ج ٧١ / ٢٥٩ ـ ٢٦٠ «بتصرف».

(١٩٦) ـ السيوطي ، عبد الرحمن بن ابي بكر : الدر المنثور ، ج ١ / ١٠٦.

(١٩٧) ـ ابن الجوزي ، عبد الرحمن بن علي : القصاص والمذكرين / ١٠٥.


٣ ـ فقد رووا : أنّه عليه السلام إنتهى إلى قَاصّ يقص فقال : تقص؟ ونحن حديثوا عهد برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟! أما أني أسألك عن مسألتين ، فإن أصبت وإلا أوجعتك ضرباً.

قال : سل يا أمير المؤمنين. قال : ما ثبات الإيمان وزواله؟ قال : ثبات الإيمان الورع ، وزواله الطمع(١٩٨) .

٤ ـ وروي عن سعد الإسكاف : قال لأبي جعفر عليه السلام : إني أجلس فأقصّ ، وأذكر حقكم وفضلكم! قال : وددت أنّ على كل ثلاثين ذراعاً قاصاً مثلك(١٩٩) .

وكان أبان بن تغلب «قاصّ الشيعة»(٢٠٠) . وكان عدي بن ثابت الكوفي ـ المتوفى سنة ١١٦ هـ ، إمام مسجد الشيعة وقاصهم(٢٠١) .

رابعاً ـ موقف العلماء والباحثين :

لاحظ العلماء والباحثون من العامة والخاصة ، أنّ نصيب القصاص في وضع الحديث كان كبيراً ، حيث أدخل على الحديث وتاريخ المسلمين الكثير من أساطير الأمم التي سبقت الإسلام ، لتكون مَعْوَل هدمً وتخريب فسارع عدد منهم إلى بحث ودراسة هذا الموضوع على نحو الخصوص ، لتنبيه المسلمين من هذه الأساطير الدخيلة على الإسلام. وممن بحث هذا الموضوع من العلماء والباحثين ما يلي :

__________________

(١٩٨) ـ المصدر السابق / ٢٣.

(١٩٩) ـ الأردبيلي ، الشيخ محمد بن علي : جامع الرواة ، ج ١ / ٣٥٣.

(٢٠٠) ـ الحاكم النيسابوري ، محمد بن عبد الله ، معرفة علوم الحديث / ١٣٦.

(٢٠١) ـ الذهبي ، محمد بن احمد : تاريخ الإسلام / ٤١٨ و ٤١٩ (حوادث سنة ١٠٠ ـ ١٢٠ هـ).


١ ـ عبد الرحمن بن علي ، المعروف بابن الجوزي ، المتوفي سنة (٥٩٧ هـ) ، في كتابه (القصاص والمذكرين).

٢ ـ الحافظ العراقي : المتوفي سنة (٨٠٦ هـ) ، في كتابه (الباعث على الخلاص من حوادث القصاص).

٣ ـ الحافظ السيوطي ، المتوفي سنة (٩١١ هـ) ، في كتابه (تحذير الخواص من أكاذيب القصاص).

٤ ـ ملا علي القاري ، المتوفي سنة (١٠١٤ هـ) ، في كتابه (الأسرار المرفوعة).

كما أنّ هناك من تعرض لهذا الموضوع في بعض الأبحاث منهم ما يلي :

ـ السيد هاشم معروف الحسيني ، المتوفي سنة (١٤٠٤ هـ) ؛ في كتابه (الموضوعات والآثار ـ ص ١٥٣ ـ ١٧٦).

ـ محمود ابو رية ، المتوفى سنة (١٩٧٠ م) ، في كتابه (أضواء على السنة المحمدية ـ ص ٩٧ ـ ٩٩).

ـ السيد جعفر مرتضى العاملي (المعاصر) ، في كتابه (الصحيح من سيرة النبي الأعظم ، ج ١ / ١٢١ ـ ١٩٣).

هذه بعض الكتب والأبحاث المتعلقة بهذا الموضوع ، وبهذا تنتهي البحوث التمهيدية ، وسوف نشرع في أبحاث هذا الجزء إن شاء الله تعالى.


المبحث الأول

قصص الحوار



مدخل البحث

١ ـ معنى الحوار

٢ ـ تاريخ ونشأة الحوار



١ ـ معنى الحوار :

تناولت المعاجم اللغوية والعلمية هذه اللفظة كالتالي :

قال الشيخ الطريحي (قده) : «التحاور : التجاوب. والمحاورة : المجاوبة ؛ يقال : تحاور الرجلان إذا رَدّ كل منهما على صاحبه ، ومنه ناظرته وحاورته»(٢٠٢) .

وقال ابن منظور : «والمحاورة : المجاوبة ، والتحاور : التجاوب ، والمحاورة : مراجعة المنطق والكلام في المخاطبة»(٢٠٣) .

وقال البعلبكي : «الحوار ؛ المحاورة : يقصد بالحوار في القصة والمسرحية ؛ ما يدور من حديث بين شخصين أو أكثر. أما المحاورة ؛ فنوع أدبي قائم بذاته يهدف إلى طرح مواقف فلسفية أو فكرية متعارضة ، ومناقشتها من طريق حوار يجري بين شخصين أو أكثر في موضوع ما»(٢٠٤) .

وبعد عرض ما ذكر في تعريف الحوار ، ينبغي طرح السؤال التالي :

س / لماذا تَمّ إختيار لفظة (الحوار) ، مع العلم أنّ هناك لفظة (الجَدَل والمنَاظَرَة) ، وهي تؤدي نفس الهدف؟

ج / يتضح الجواب بعد بيان معنى الجدل والمناظرة ، كالتالي :

الجدل لغة : «جَدِل الرجل جدلاً ، فهو جدل من باب تعب إذا إشتدت خصومته ، وجادل مجادلة وجِدَالاً : إذا خاصم بما يشغل عن ظهور الحق ووضوح الصواب. هذا أصله ثم اُستعمل على لسان حملة الشرع في مقابلة

__________________

(٢٠٢) ـ الطريحي ، الشيخ فخر الدين : مجمع البحرين ، ج ٣ / ٢٧٩.

(٢٠٣) ـ ابن منظور ، محمد بن مكرم : لسان العرب ، ج ٤ / ٢١٨.

(٢٠٤) ـ البعلبكي ، منير : موسوعة المورد العربية ، ج ١ / ٤٥٣.


الأدلة لظهور أرجحها ، وهو محمود إن كان للوقوف على الحق ، وإلا فمذموم»(٢٠٥) .

وفي إصطلاح المناطقة عَبّر عنه الشيخ محمد رضا المظفر بقوله : «صناعة علمية يُقتدر معها ـ حسب الإمكان ـ على إقامة الحجة من المقدمات المسلمة على أي مطلوب يراد ، وعلى محافظة أي وضع يتفق(٢٠٦) ، على وجه لا تتوجه عليه مناقضة. وإنما قُيّد التعريف بعبارة (حسب الإمكان) ، فلأجل التنبيه على أنّ عجز المجادل عن تحصيل بعض المطالب لا يقدح في كونه صاحب صناعة ، كعجز الطبيب مثلاً عن مداواة بعض الأمراض ، فإنّه لا ينفي كونه طبيباً»(٢٠٧) .

والمناظرة : «هي المحاورة بين فريقين حول موضوع لكل منهما وجهة نظر فيه تخالف وجهة نظر الفريق الآخر ، فهو يحاول إثبات وجهة نظره وإبطال وجهة نظر خصمه ، مع رغبته الصادقة بظهور الحق والإعتراف به لدى ظهوره»(٢٠٨) .

وبعد عرض هذه المعاني الثلاثة للحوار والجدل والمناظرة ، نخرج بالنتيجة التالية :

١ ـ إنّ لفظ (الحوار) ينسجم مع بحثنا أكثر من لفظ (الجدل والمناظرة) ؛ إذ أنّ الجدل وإن كان أكثر إستعمالاً في القرآن الكريم ـ حيث ورد في سبعة وعشرين موضعاً ، والحوار في ثلاثة مواضضع ـ ، إلا أنّ الغالب في إستعمال لفظ (الجدل) في النزاع والخصومة الفكرية ، وما يترتب على ذلك من نتيجة

__________________

(٢٠٥) ـ الفيومي ، احمد بن محمد : المصباح المنير ، ج ١ / ٩٣.

(٢٠٦) ـ الوضع : هو الدعوى التي يراد إثباتها أو إبطالها.

(٢٠٧) ـ المظفر ، الشيخ محمد رضا : المنطق / ٣٧٥.

(٢٠٨) ـ الميداني ، عبد الرحمن حسن : ضوابط المعرفة / ٣٨١.


عقيمة ، وقد تَحوّلت إلى صناعة يُقْصَد بها التدريب على الأخذ والرد لتعطيل قوة الخصم ، لا للوصول للقناعة والحقيقة ، بخلاف الحوار فإنّ الهدف منه هو الوصول للحقيقة.

٢ ـ إنّ لفظ (الحوار) أوسع مدلولاً من لفظ (الجدل والمناظرة) ، حيث يشمل الخصومة وغيرها ، ولذا جاء لفظ (الحوار والجدل) بمعنى واحد ، كما في قوله تعالى :( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ) [المجادلة / ١].

قال الشيخ الطوسي (قده) في تفسير الآية : «وقد يقال : للمراجعة والمقابلة للمعنى بما يخالفه مجادلة ومن قابل المعنى بخلافه طلباً للفائدة فليس بمجادلة ، وقال أيضاً : والتحاور التراجع ؛ وهو المحاورة ، تقول : تحاور تحاوراً ؛ أي راجعه في الكلام»(٢٠٩) . إذن ، المحاورة تشمل الجدل والمناظرة.

٢ ـ تاريخ ونشأة الحوار :

الحوار مظهر بارز في القصة ، سواء القرآنية أو النبوية أو غير ذلك ، بل يعتبر جانباً مهماً في القصة ، حيث كان منتشراً فيها بشكل ملحوظ ، وعلى ذلك نرى أنّ موضوع الحوار يرتبط بشخصية الإنسان ، وإلى هذا يشير القرآن الكريم في قوله تعالى :( ...وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا ) [الكهف / ٥٤]. فيمكن الإستفادة من هذه الآية الكريمة ، أنّ صفة الجدل والحوار من الصفات اللازمة للإنسان في طبعه كبقية الصفات التي تميزه عن سائر المخلوقات ، فقد طبع الإنسان على مواجهة الحياة ، بكل ما تحويه من أوضاع وأحداث وملابسات

__________________

(٢٠٩) ـ الطوسي ، الشيخ محمد بن الحسن : التبيان في تفسير القرآن ، ج ٩ / ٥٤١ ـ ٥٤٢.


فكرية ، ذات آراء مختلفة وأفكار متنوعة ، لتجسد له المعنى الذي تنطلق فيه آراؤه وأفكاره في مجال العرض وميادين الصراع ، والذي يهمنا بحثه هو الوصول إلى أنّ الحوار يتجسد في الإنسان المحاور الذي يعرف كيف يصل إلى عقل الإنسان الآخر بأقرب طريق وأفضل اسلوب ، وكان الحوار أسلوب الأنبياء ورسالتهم الإلهية إلى الإنسان ، وينطلق الحوار ليحرك الفكر والعاطفة والوجدان ، ومنهجاً للسير بالحياة إلى أهدافها الكبيرة ، وبعد كل ذلك تطرح السؤال التالي :

س / متى بدأ الإهتمام بلغة الحوار والجدل من الناحية العلمية؟

يمكن الإجابة على هذا السؤال فيما يلي :

يعتبر الفلاسفة أوّل من تبنى هذه الفكرة ، وتبعهم فيها المتكلمون ، وهكذا تطورت الفكرة بعد مرورها بأطوار إنسانية مختلفة ، يمكن حصرها فيما يلي :

أ ـ الفلاسفة :

مرت لفظة (الحوار والجدل) عند الفلاسفة بالأدوار التالية :

١ ـ «إستخدمت كلمة الجدل لأوّل مرة في الفلسفة من قبل زينون تلميذ برمنديس ينكر وجود الكثرة والتغيير في عالم الوجود أساساً ، بما أنّ هذا الإعتقاد يتنافى مع البديهيات الحِسيّة ، فقد أصبح موضع سخرية وإستهزاء من قبل الناس ، وإنطلاقاً من رغبة زينون في الدفاع عن أستاذه ، فقد إتخذ الجدل كأسلوب لنفض آراء الناس القائلة بوجود الكثرة والتغيير ، وهكذا فقط كان الجدل يمثل عند زينون وسيلة لنقش آراء الطرف المقابل ، وإثبات آرائه عن طريق برهان الخلف.

٢ ـ إستخدم السوفسطائيون الجدل في التغلب في المحاكم القضائية ، وإستحصال الأموال من الموكلين.


٣ ـ إستخدم الجدل في القرون الوسطى بمعناى المنطق ، والأساليب المنطقية لإثبات القضايا الفلسفية»(٢١٠) .

ب ـ الديانات :

إنّ الجدل والحوار كان شائعاً بين أتباع الديانات والملل السابقة على الإسلام كالتالي :

١ ـ الحوار والجدل بين الحنفاء الموحدين والمشركين.

٢ ـ الحوار والجدل بين اليهود والنصارى.

٣ ـ الحوار والجدل بين الفرق والمذاهب المسيحية ، في قضية التثليث وعلاقة عيسى عليه السلام بالله.

٤ ـ الحوار والجدل بين المذاهب اليهودية ، كالرّبانيّين والقُرّاء.

هذه بعض نماذج الحوار ، التي مرت بها الملل والديانات ، وما زالت مستمرة إلى هذه العصور ، ولكن باسلوب وطور مختلف.

ج ـ الإسلام :

عرف الإسلام بين الديانات بظهوره وبروزه في الحوار ، ولعلّ من أهم الشواهد على ذلك ، ما استعرضه القرآن الكريم من نماذج الحوار بين الديانات ، وكذلك ما ذكره المؤرخون من حوارات للنبي الاكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الكرام عليهم السلام ، مع المشركين واليهود والنصارى والزنادقة ، التي تشكل قواعد وأسس يبتني عليها الحوار في كل زمان ومكان ، بل تعتبر تاريخاً مشرقاً وحضارة إسلامية من أجل توعية ال أمم البشرية عبر العصور ، إلى نشر الفضيلة

__________________

(٢١٠) ـ الرّي شهري ، محمد : الحوار بين الحضارات / ١٤ ـ ١٥.


والوصول بها إلى منتهى الكمال البشري المراد في الدنيا ، وسوف تتضح من خلال الأبحاث المدرجة في هذا البحث.


الفصل الأول

الحوار في القصّة

أ ـ طبيعة الحوار

ب ـ وظائف الحوار



أ ـ طبيعة الحوار :

تظهر أهمية الحوار في أنّه عملية سردية تتبع فيها الأحداث والمواقف بطريقة سردية رتيبة ، ولكي لا تبدو هذه الرتابة بصورة مُملّة ، فإنّ القصة تلجأ إلى إستعمال الحوار ، لإعطاء هذا السرد نوعاً من الحيوية والإثارة ، حتى تستطيع القصة أن تَشدّ المستمع إليها وتحمله على المتابعة المستمرة ، لأنّ المستمع سيجد في الحوار تشويقاً ومتعة لا حدّ لهما ، كما أنّ الحوار سيلبي لديه حاجته النفسية في حبه لإستطلاع معنى الحوار وأبعاده ، وما يترتب عليه من مواقف وما يُخلّفه من أحداث. فالملاحظ في الحوار أنّه يأتي في سياق القصة في صورة طبيعية ؛ أي أنّه يبرز إلى الوجود في ساحة القصة ، من خلال الموقف وبدافع منه ، فهو لا يقحم على السياق ولا يفرض عليه فرضاً ، والحوار قصير لا يستمر وقتاً طويلاً يمضيه المتحاوران في حديثيهما ، فلا يلبث بعد عدة فقرات أن يتوقف عند نقطة معينة ، والحوار في القصة لا يعرض علينا في مظهر مسرحي. بحيث يتم التحاور بين الأشخاص بالصورة المباشرة التي لا تشعر معها بوجود الراوي ، ولكنّه يعرض بصورة يكون فيها الحوار مضمناً في السرد ، فهو ذو علاقة وثيقة بالسرد بحيث نَحسّ بحضور الراوي يحكي لنا في أثناء سرده للقصة مقولات المتحاورين ، وينقلها لنا مسبوقة بلفظ «قال أو قالوا أو ما شابه ذلك» من ألفاظ ، وهذه هي الطريقة التي يصورها الحوار في قصص القرآن والسيرة النبوية.

ب ـ وظائف الحوار :

تظهر أهمية عنصر الحوار في القصة ، الدور البارز في بناء القصة والذي يتضح جلياً من خلال الوظائف المتعددة التي يؤديها في البناء الروائي لها كالتالي :


١ ـ المساعدة في رسم الشخصية ، فهو سيجعل الشخصية أكثر حضوراً وتجسيماً من خلال حضورها في الحوار ، وسيجعلها كاملة الوضوح أمام القارئ أو السامع الذي سيحس بها من خلال حديثها وكلامها والدور الحقيقي هنا للحوار ، وهو ما يحمله من ترجمة لمشاعر الشخصية وعواطفها وأحاسيسها المختلفة ، التي ستبوح بها من خلال الكلمات الواردة على لسانها.

٢ ـ تطوير الحدث ، والسعي به نحو حلقات جديدة ، ودفعه لبعث مواقف جديدة في خط سير القصة إلى أن تصل إلى النهاية المقصودة.

٣ ـ عميق الحدث في نفس السامع أو القارئ وتجسيده من خلال فقرات الحوار الدائرة حوله والمنبعثة منه.

٤ ـ المساعدة على تصوير مواقف معينة في القصة.

٥ ـ الكشف مغزى القصة ، وإبانة غرضها الذي ترمي إليه.

٦ ـ إنّ الحوار يضفي على القصة نوعاً من الواقعية الحيّة في نظر السامع أو القارئ ؛ إذ يحس أنّه أمام أحياء يمارسون وجودهم فعلاً ، من خلال ما يقرؤه أو يسمعه من أحاديثهم ومحاورتهم التي تردد على مسامعه في ثنايا القصة ، ومن خلال مواقفها المتعددة»(٢١١) .

__________________

(٢١١) ـ الزير ، محمد بن حسن : القصص في الحديث النبوي / ٢٥٠ ـ ٢٥٩ «بتصرف».


الفصل الثاني

ضوابط الحوار وآدابه

١ ـ شروط الحوار

٢ ـ آداب الحوار



لما كان الحوار في الواقع الإنساني من الوسائل التي تستخدم لنشر الأفكار والإقتناع بها ؛ كان الهدف منه تعاون أطراف الحوار على معرفة الحقيقة والتوصل إليها ، تبصير كل منهما صاحبه بالأمور التي خفيت عنه حينما أخذ بنظر باحثاً عن الحقيقة ، وذلك باستخدام الحوار البريء من التعصب ؛ الخالي من العنف والإنفصال ، المتمشي وفق الأصول العامة للحوار الهادف البنّاء.

ولا يتحقق هذا الحوار إلا بعد تطبيق ما ذكره العلماء من الضوابط والآداب كما يلي :

١ ـ شروط الحوار :

ذكر العلماء والباحثون أنّ للحوار المّذون به شروطاً ينبغي إتباعها ، خشية أن يتحول إلى مماراة بعيدة عن الوصول إلى الحقيقة ، أو إلى مشاحنات أنانية ، ونحو ذلك مما يفسد القلوب ، ويهيج النفوس ، ويورث التعصب ولا يوصل إلى الحق ، نذكر منها التالي :

١ ـ أن يكون أطراف الحوار على معرفة بقوانين وقواعد الحوار ، متبعين المعايير العقلية والمنطقية ، باسلوب علمي رصين.

٢ ـ أن يكونوا على معرفة بالموضوع الذي يراد التحاور فيه ، بحيث يمكن التكلم بما يتناسب مع طبية المضوع المتحاور فيه ، بحيث لو تكلم أحد الأطراف لم يخبط خبط عشواء ، ولم يناقش في البديهيات بغير علم ، وإذا لُزم بالحق إلتزم به دون مكابرة.

٣ ـ أن يكون الموضوع مهماً ، أو مما يجوز أن تجري فيه المحاورة ضمن قواعد هذا الفن وضوابطه ، فالمفردات والبديهيات الجلية مثلاً ، لا تجري فيها المحاورة أصلا.


٤ ـ أن يكون المحاور متمكناً من الحوار ، بحيث يتمتع بوجهة علمية ومقدرة بيانية ، ومطلعاً على أفكار وآراء خصمه ، مستخدماً الألفاظ المناسبة الجزلة الفخمة ، متجنباً العبارات والألفاظ الركيكة.

وإلى هذا يشير إمامنا الصادق عليه السلام في الحديث التالي :

عن أبي خالد الكابلي ، قال : (رأيت أبا جعفر ـ صاحب الطاق ـ وهو قاعد في الروضة قد قطع أهل المدينة أزراره ، وهو دائب يجيبهم ويسألونه ، فدنوت منه فقلت : إنّ أبا عبد الله نهانا عن الكلام فقال : أمرك أن تقول لي؟ فقلت : لا ، ولكنه أمرني ألا أكَلِّم أحداً.

قال : فاذهب فأطعه فيما أمرك. فدخلت على أبي عبد الله عليه السلام فأخبرته بقصة صاحب الطاق ، وما قلت له ، وقوله لي : إذهب وأطعه فيما أمرك ، فتبسم أبو عبد الله عليه السلام وقال : يا أبا خالد ، إّ صاحب الطاق يكلّم الناس فيطير وينقض ، وأنت إو قصوك لن تطير)(٢١٢) .

٢ ـ آداب الحوار :

وضع العلماء لفَن آداب البحث والمحاورة جملة من الآداب ، وألزموا المتحاورين بها ، محافظة على سلامة المحاورة ، وتحقيقاً للغرض منها ، نذكر فيما يلي أهمها :

١ ـ أن يجتنب المحاور محاورة ذي هيبة يخشاه ، لئلا يؤثر ذلك عليه ، فيضعفه عن القيام بحجته كما ينبغي.

٢ ـ ألا يظن خصمه أقوى منه بكثير ، حتى لا يتخاذل ويضعف عن تقديم حجته على الوجه المطلوب.

__________________

(٢١٢) ـ الطوسي ، الشيخ محمد بن الحسن : رجال الكشي ، ج ٢ / ٤٢٤.


٣ ـ ألا يظن خصمه حقيراً ضعيفاً قليل الشأن ، فذلك يقلل من إهتمامه ، فيمكن خصمه الضعيف منه.

٤ ـ ألا يكون في حالة قلق نفسي وإضطراب ؛ أو في حالة نفسد عليه مزاجه الفكري والنفسي ، كأن يكون جائعاً ، أو ظامئاً ، أو نحو ذلك.

٥ ـ أن يتقابل المتحاوران في المجلس ، ويبصر أحدهما الآخر إن أمكن ، ويكونا متماثلين أو متقاربين علماً ومقداراً.

٦ ـ أن يجتنب كلا المتحاورين الهزء والسخرية ، وكل ما يشعر بإحتقار وإزدراء لصاحبه ، أو وسمه بالجهل أو قلة الفهم ، كالتبسم والضحك والغمز واللمز ونحو ذلك ، مما يثير عواطف الغير ، ويؤدي إلى إفساد المحاورة التي ينبغي أن تكون بالتي أحسن.

٧ ـ ألا يرفع صوته فوق المتعارف المألوف ، فإنّ هذا يدل على الشعور بالضعف والشعور بالمغلوبية ، بل ينبغي إلقاء الكلام قوي الأداء ، وإن كان بصوت منخفض هادئ ، فإنّ تأثيره أقوى بكثير من اسلوب الصياح والصراخ.

٨ ـ أن يتجنب ـ حد الإمكان ـ مجادلة طلب الرياء والسمعة ومُؤثر الغلبة والعناد ، فإنّ هذا من جهة يُعديه بمرضه فينساق بالأخير مقهوراً إلى أن يكون شبيهاً به في هذا المرض ، ومن جهة أخرى لا يستطيع الوصول مع مثل هذا الشخص إلى نتيجة مرْضِيّة.

٩ ـ ألا يكون المحاور متسرعاً يقصد إسكات خصمه في زمن يسير ؛ لأنّ ذلك يفسد عليه رويته الفكرية ، ويبعده عن منهج المنطق السديد ، والتفكير في الوصول إلى الحق.


١٠ ـ أن يحترز المحاور عن الإختصار المخل في الكلام ، وعن إطالة الكلام بلا فائدة ترجى من ذلك.

١١ ـ أن يأتي كل من المتحاورين بالكلام الملائم للموضوع ؛ فلا يخرج عما هما بصدده.

١٢ ـ ألا يتعرض أحدهما لكلام خصمه قبل أن يفهم مراده تماماً.

١٣ ـ أن ينتظر كل واحد منهما صاحبه حتى يفرغ من كلامه ، ولا يقطع عليه كلامه قبل أن يتمه.

١٤ ـ الإستعانة بالله عَزّ وجَلّ ، للتوفيق والوصول إلى الحقيقة ، فقد ورد عن إمامنا زين العابدين عليه السلام في الصحيفة السجادية ، من دعائه في مكارم الأخلاق : (اللهُمّ صل على محمد وآله ، واجعل لي يداً على من ظلمني ، ولساناً على من خاصمني ، وظفراً بمن عاندني)(٢١٣) .

وعنه عليه السلام ـ كما في المناجاة (المعروفة بالإنجيلية الطويلة) ـ : وأعوذ بك من دعاءٍ محجوبٍ ، ورجاء مكذوب ، وحياء مسلوب ، وإخاء مَعْبُوب ، وإحتجاج مغلوب ، ورأي غير مصيب)(٢١٤) .

__________________

(٢١٣) ـ زين العابدين ، الإمام علي بن الحسين : الصحيفة السجادية / ١١١ (جمع السيد محمد باقر الأبطحي).

(٢١٤) ـ نفس المصدر / ٤٣٩ ـ ٤٤٠.


الفصل الثالث

الحوار المتعلق بتربة الحسين (عليه السلام)

بحوث تمهيدية :

١ ـ الوحدة الإسلامية.

٢ ـ التقريب بين المذاهب الإسلامية.

٣ ـ دعوة إلى الحوار.



تلعب الشائعات وحجب الحقائق دوراً كبيراً في محاربة الأفكار والمعتقدات ، ولعل مرجع هذه الشائعات ، هي عوامل سياسية ومصلحة نفعية ، ومن بين تلك المعتقدات التي حوربت بهذه الطريقة عقيدة الشيعة الإمامية ، الذين يمثلون فئة كبيرة من المسلمين ، فقد بالغ المغرضون والوضاعون النفعيون ، في تصوير معتقداتهم ، وتحريفها عن واقعها ومدلولها الصحيح. وقد أشار إلى هذه الحقيقة الناصعة ، الدكتور حامد حنفي داود(٢١٥) بقوله : «يخطئ كثيراً من يدّعي أنّه يستطيع أن يقف على عقائد الشيعة الإمامية وعلومهم وآدابهم مما كتبه عنهم الخصوم من العلم والإحاطة ، ومهما أحرزوا من الأمانة العلمية في نقل النصوص والتعليق عليها بأسلوب نزيه بعيد عن التعصب الأعمى. أقول ذلك جازماً بصحة ما أدعي بعد أن قضيت ردحاً طويلاً من الزمن ، أدرس فيه عقائد الأئمة الإثني عشرة بخاصة وعقائد الشيعة بعامة. فما خرجت من هذه الدراسة الطويلة التي قضيتها متصفحاً في كتب المؤرخين والنقاد من علماء أهل السنة بشيء ذي بال. وما زادني إشتياقي إلى هذه الدراسة وميلي الشديد في الوقوف على دقائقها إلا بعداً عنها وخروجاً عما أردت من الوصول إلى حقائقها ذلك لأنّها كانت دراسة بتراء أحلت نفسي فيها على كتب الخصوم لهذا المذهب وهو المذهب الذي يمثل شطر المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ، ومن ثم اضطررت بحكم ميلي الشديد إلى طلب الحقيقة حيث كانت ، والحكمة حيث وجدت ، والحكمة ضالة المؤمن ، أن أدير دفة دراستي العلمية لمذهب الأئمة الإثني عشر إلى الناحية الأخرى ، تلك هي دراسة المذهب

__________________

(٢١٥) ـ أستاذ الأدب العربي بكلية الألسن العليا ، ورئيس قسم الأدب العربي بجامعة عين شمس ، من رواد الإصلاح ، ودعاة التقريب بين المذاهب الإسلامية.


في كتب أربابه ، وأن أتعرف عقائد القوم مما كتبه شيوخهم والباحثون المحققون من علمائهم وجهابذتهم. ومن البديهي أنّ رجال ال مذهب أشدّ معرفة لمذهبهم من معرفة الخصوم به ، مهما بلغ أولئك الخصوم من الفصاحة والبلاغة ، أو أوتوا حظاً من اللسن والإبانة عما في الشمس»(٢١٦) .

وقال الدكتور مصطفى الرافعي(٢١٧) : «... أجل ، عن مثل هؤلاء المستشرقين أو أولئك الجهلة والمغرضين أخذ خصوم الشيعة معلوماتهم عن الشيعة ، وأثاروا الكثير من الشبهات حول بعض المعتقدات التي يدينون بها ؛ أو الأحكام الفرعية التي يمارسونها ، فشوهوها وألبسوها لباس العداوة للإسلام حتى ظن معها قصار النظر ومن ليس لديه معلومات واسعة عن فقه الشيعة أنّ أتباع هذا المذهب بسبب إيمانهم بتلك المعتقدات أو ممارستهم لهذه الأحكام ، قد نؤوا عن الحق وجانبوا الصواب وربما بالغوا في التشنيع عليهم فقالوا : أنهم فرقة مرقت من الدين وخرججت من ربقة الإسلام»(٢١٨) .

هذه بعض كلمات الكتاب والباحثين من السنة ، الذين أنصفوا الشيعة الإمامية ، فيما حصل لهم من مظلومية وتشويه لسمعتهم أمام المسلم وغيره؟! والسؤال الذي ينبغي طرحه : ما هو الحل لعلاج هذه المشكلة الخطيرة؟

__________________

(٢١٦) ـ المظفر ، الشيخ محمد رضا : عقائد الإمامية / ٤١ ـ ٤٢ (تقديم).

(٢١٧) ـ كاتب وباحث لبناني ، ولد في طرابلس عام ١٩٢٣ م ، جمع بين الدراسة في الأزهر ـ حيث نال إجازة تخصص في القضاء عام ١٩٤٧ م ـ ، والدراسة في جامعة السوربون بفرنسا ، حيث نال شهادة الدكتوراه في الحقوق عام ١٩٤٨ م ، مثّل لبنان في كثير من المؤتمرات الإسلامية والثقافية ، وله مجموعة من المؤلفات.

(٢١٨) ـ الرافعي ، الدكتور مصطفى : إسلامنا / ١٣١.


لعلّ أهم الحلول التي طرحت لحلّ هذه المشكلة ، هي كالتالي :

١ ـ الوحدة الإسلامية :

والمراد بها إدماج مذهب في مذهب ، أو تغليب مذهب على مذهب ، وممن يرى هذه الفكرة الأستاذ أمين خولي(٢١٩) ، حيث قال : «أنا في العام الماضي تكلمت مع الشيخ محمد تقي الحكيم(٢٢٠) ، وقلت : فلنتنازل نحن السنة وأنتم الشيعة عن بعض الأشياء ، ونتفق على أشياء ونكون يداً واحدة»(٢٢١) .

وهذه الفكرة يصعب تطبيقها ، وقد أجاب عنها السيد مرتضى الرضوي بقوله ـ مخاطباً الأستاذ أمين الخولي ـ : «يا أستاذ ؛ لا يمكن التفاهم والإتفاق على شيء قبل أن نضع رجال الصدر الأول في ميزان الحساب ؛ لأنّهم خَلّفُوا أموراً خلافية كثيرة لا يمكن التغاضي عنها ، وتركها من دون علاج ، وبعد ذلك ، فمن السهل أن نتحد ونتفق على كل شيء. فسكت الأستاذ الخولي»(٢٢٢) .

٢ ـ التقريب بين المذاهب الإسلامية :

قامت مجموعة من أعلام المسلمين ـ ويأتي في طليعتهم الشيخ عبد المجيد سليم ، والشيخ محمود شلتوت ، والشيخ محمد تقي القمي ، والشيخ محمد محمد المدني ـ ، بتأسيس (دار التقريب بين المذاهب الإسلامية) وذلك سنة (١٣٦٦ هـ

__________________

(٢١٩) ـ من كبار الأساتذة وعمالقة الفكر في مصر ، ولد عام ١٩٠٤ م ، من أوائل أساتذة كلية الآداب بجامعة القاهرة ، وصل إلى منصب كرسي الأدب العربي بكلية الآداب بجامعة القاهرة ، كان من أبرز أعضاء المجلس الأعلى لدار الكتب المصرية ، الذي يضم جهابذة رجال الفكر والقلم في مصر.

(٢٢٠) ـ المراد به ، هو سماحة السيد محمد تقي الحكيم ، أحد علماء النجف ، عميد كلية الفقه في النجف الأشرف ، وأستاذ الفقه المقارن في جامعة بغداد ، وعضو المجمع العلمي في العراق ، وعضو مراسل المجمع اللغوي بمصر ، له بعض المؤلفات القيمة. ولد عام ١٣٤١ هـ ، وتوفي عام ١٤٢٣ هـ.

(٢٢١) ـ الرضوي ، السيد مرتضى : مع رجال الفكر في القاهرة / ٥١.

(٢٢٢) ـ نفس المصدر.


ـ ١٩٤٧ م) ، في القاهرة ، وكان هدف هذه المجموعة ، عدم إستغلال الفوارق المذهبية ، وما يترتب على ذلك من شق صف المسلمين ، وإضعاف وحدتهم. كما كانت دعوتهم إلى تقريب وجهات النظر ، من خلال إلقاء الضوء على المشتركات بينهم ، وعدم السعي إلى إلغاء بعضها على حساب بعض ، وبعبارة أخرى ، تسعى إلى بقاء المسلمين كل على مذهبه ، وعدم دمجهم في مذهب واحد. وكان من ثمارها ، إصدار مجلة (رسالة الإسلام) صدر العدد الأول منها سنة ١٣٦٨ هـ ، وتوقفت في شهر رمضان سنة ١٣٩٢ هـ ، بعد ما صدر منها ستون عدداً ، إهتمت بأدب التقريب بين المذاهب. وإدخال الفقه الشيعي إلى مواد التدريس في الأزهر الشريف ، كما أصدر شيخ الأزهر محمود شلتوت فتواه بجواز التعبد بالمذهب الجعفري ، ونشرتها مجلة (رسالة الإسلام ـ في العدد الثالث ، من السنة الحادية عشر ، ص ٢٢٨ ـ عام ١٩٥٩).

يقول الشيخ الشعراوي ـ بعد هذه الفتوى : «الشيعة الإمامية الإثني عشرية ، وإمامهم جعفر الصادق ؛ بن محمد ، بن علي زين العابدين ، بن الحسين ، بن علي بن أبي طالب ، وهو أحد أساتذة الإمام ابي حنيفة ، رضي الله عنهم جميعاً ، وهؤلاء الإمامية الجعفرية ؛ الذين نوضح أنهم من أرباب ال مذاهب النقيّة ؛ هم الذين أصدر شيخنا المرحوم شيخ الأزهر محمود شلتوت ، فتواه المشهورة في صحة التعبد على مذهبهم ؛ معلّلاً ذلك بأنّه من المذاهب الإسلامية ، الثابتة الأصول المعروفة المصادر ، المتبعة لسبيل المؤمنين. نعم : لقد أخذنا في مصر طائفة من الأحكام في قوانين الأحوال الشخصية عن الشيعة الإمامية الإثني عشريّة ، ومنها بعض أحكام الطلاق ، والقول بالوصيّة الواجبة


في الميراث»(٢٢٣) . وخلاصة هذه الفكرة ـ على حد تعبير الشيخ كاشف الغطاء (قده)(٢٢٤) . «وليس معنى الوحدة في الأمة أن يهضم أحد الفريقين حقوق الآخر فيصمت ، ويتغلب عليه فيسكت ، ولا من العدل أن يقال للمهضوم إذا طالب بحق ، أو دعا إلى عدل إنك مفرق أو مشاغب ، بل ينظر الآخرون إلى طلبه ، فإن كان حقاً نصروه ، وإذا كان حيفاً أرشدوه وأقنعوه ، وإلا جادلوه بالتي هي أحسن مجادلة الحميم لحميه ، والشقيق لشقيقه ، لا بالشتائم والسباب ، والمنابزة بالألقاب ، فتحتدم نار البغضاء بينهما حتى يكونا لها معغاً حطباً ، ويصبحا معاً للأجنبي لقمة سائغة ، وغنيمة باردة»(٢٢٥) .

وبعد هذا البيان المستفاد من كلمات العلماء والباحثين ، نقول : أنّ الهدف من التقريب بين المذاهب الإسلامية هو الحد من تضييق شقة الخلاف ، وبعض الظروف في عهود غابرة ، ولو قدر لها أن تبحث بحثاً موضوعياً ؛ لوصل الفريقان إلى الوحدة والتعاون المشترك ، في المنافع والفوائد في النهاية.

٣ ـ الدعوة إلى الحوار :

إذا أراد المسلمون تشكيل قوة متحدة متماسكة ، تستطيع أن تفرض إرادتها وإحترامها ، وترفع راية الإسلام فوق ربوع الأرض ؛ فعليهم أن ينبذوا الخلاف بالحوار الهادف المخلص ، وهذه المهمة يتحمل عِبْأَها العلماء ورواد الفكر السلامي ، فقد قام جماعة منهم بالدعوة إلى الحوار ونبذ الخلاف ،

__________________

(٢٢٣) ـ الأهرام ـ السنة ١٠٣ ـ العدد ٣٢٩٣٢.

(٢٢٤) ـ الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء (١٢٩٤ هـ ـ ١٣٧٣ هـ) ، من أعلام الشيعة الإمامية ، ومنابع العلم والأدب ودعاة الاصلاح والتقريب بين المذاهب الاسلامية ، من فقهاء العراق.

(٢٢٥) ـ كاشف الغطاء ، الشيخ محمد حسين : أصل الشيعة وأصولها / ٦٦.


وعلى رأسهم العلمان البارزان : السيد عبد الحسين شرف الدين(٢٢٦) ، والشيخ سليم البشري(٢٢٧) .

وقد طَبّق هذا الحوار العلمان المذكوران بروح إتصفت بالنزاهة والطهر ، عَبّر عنها السيد شرف الدين (قده) بقوله : «وما أحسن ما يتعارف به العلماء من الورح النقي ، والقول الرضي ، والخلق النبوي ، ومتى كان العالم بهذا اللباس الأنيق المترف ، كان على خير ونعمة ، وكان ال ناس منه في أمان ورحمة ، لا يأبى أحد أن يفضي إليه بدخيلة رأيه ، أو يبثه ذات نفسه ، ذلك كان علم مصر وإمامها ، وهكذا كانت مجالسنا التي شكرناها شكراً لا إنقضاء له ولا حد»(٢٢٨) .

وقد إستغرق هذا الحوار مائة وإثنتي عشر حلقة ، وكان ذلك في الفترة ما بين ذي القعدة عام ١٣٢٩ هـ ، وجمادي الأولى عام ١٣٣٣ هـ ، وكانت حصيلة هذا الحوار كتب (المراجعات) ، الذي دَوّنه العالم الشيعي السيد عبد الحسين شرف الدين (قده) ، مما جعل لهذا الحوار أثره في العصر الذي جرى فيه والعصور المتأخرة ، بل يعتبر نموذجاً لكل من أراد الحوار الهادف ، وصرخة مدوية في أذن كل سني وشيعي ، أراد الوصول إلى الحقيقة ، أو على الأقل يعرف المذهب الجعفري بحقيقته الناصعة ، ولا يأخذها من كتب وأفواه خصومهم ، الذين لَفّقَوا فيهم التهم والأكاذيب. ومن بين تلك الأكاذيب ، عبادة التربة الحسينية الشريفة ، التي هي موضوع بحثنا.

__________________

(٢٢٦) ـ الشيخ عبد الحسين شرف الدين (١٢٩٠ هـ ـ ١٣٧٧ هـ) من أعلام الشيعة الإمامية ، ومنابع العلم والأدب ودعاة الإصلاح ، والتقريب بين المذاهب الإسلامية ، من فقهاء جبل عامل في لبنان.

(٢٢٧) ـ الشيخ سليم البشري (المالكي) ، ولد في محلة بشر ، بمحافظة البحيرة عام (١٢٤٨ هـ وتوفي عام ١٣٣٥ هـ) تولى مشيخة الأزهر مرتين : الأولى ـ من عام ١٣١٧ هـ إلى عام ١٣٢٠ هـ ، والثانية ـ من عام ١٣٢٧ هـ إلى عام ١٣٣٥ هـ. وفي عهده طبق نظام إمتحان الراغبين في التدريس بالأزهر.

(٢٢٨) ـ شرف الدين ، السيد عبد السحين : المراجعات / ٣٢.


نماذج للحوار في التربة الحسينية

١ ـ السيد الشيرازي مع رجل دين مصري.

٢ ـ السيد سلطان الواعظين مع الشيخ عبد السلام الأفغاني.

٣ ـ الشيخ الأنطاكي مع بعض أعلام السنة.

٤ ـ الدكتور التيجاني مع الشهيد الصدر.

٥ ـ المستر رايلي مع سكرتير وزارة المعارف العراقية.

٦ ـ الأستاذ محمد خير مع خصوم الشيعة.



١ ـ السيد الشيرازي(٢٢٩) مع رجل علم مصري :

قال السيد عبد الله الشيرازي (قده) : «كنت يوماً جالساً في الروضة النبوية المطهرة بعد الفراغ من فريضة الصبح ، قرب المنبر مشغولاً بقراءة القرآن وكان المصحف بيدي ، فجاء رجل شيعي ووقف على يساري وكَبّر للصلاة ، وكان على يميني رجلان من أهل العلم مصريان ـ على الظاهر ـ متكئان على الإسطوانة ، فأدخل المصلي يده في جيبه بعد تكبير الإحرام لإخراج التربة أو الحجر للسجود عليه ، فقال أحدهما للآخر : إنظر إلى هذا العجمي يريد أن يسجد على الحجر. فلما هوى المصلي للسجود بعد ركوعه ، حمل عليه أحدها ليختطف ما في يده ، لكني أمسكت على يده قبل وصولها إلى المصلي ، وقلت : لماذا تبطل صلاة الرجل المسلم ، وهو يصلي مقابل قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟

قال : يريد أن يسجد على الحجر. قلت : وأيّ بأس في ذلك؟ وأنا أيضاً أسجد على الحجر.

قال : كيف؟ قلت : هو جعفري ، وهذا هو الصحيح على مذهبنا ، ثم قلت : هل تعرف جعفر بن محمد عليهما السلام؟

قال : نعم. قلت : هو من أهل البيت؟ قال : نعم. قلت : هو رئيس مذهبنا ، ويقول لا يجوز السجود على الفراش أو السجاد ، ويقول : لابد أن يكون السجود على أجزاء الأرض. فسكت قليلاً ، ثم قال : الدين واحد ، والصلاة واحدة. قلت : إذا كان واحداً ، والصلاة واحدة ، فكيف تُصلون

__________________

(٢٢٩) ـ أحد الفقهاء الكبار ، والمراجع العظام ، ولد في شيراز عام ١٣٠٩ هـ ، وهاجر الى النجف الأشرف عام ١٣٣٣ هـ ، حتى أصبح أحد أعلامها ، وفي عام ١٣٩٥ هـ إستقر في مشهد المقدسة ، قائماً بأعباء المرجعية وإدارة حوزتها العلمية ، وتوفي بها عام ١٤٥ هـ ، ودفن بجوار الإمام الرضا (ع).


أنتم السنة في حال القيام على أربعة أشكال من جهة التكتف : فالمالكية يصلون مرسلين الأيدي ، والحنفية يتكتفون ، والشافعية نحو ثالثاً ، والحنبلية نحواً رابعاً ، مع أنّ الدين واحد ، والصلاة التي صلاها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت نحواً واحداً؟!

ولقنته الجواب ، وقلت : غير أنكم تقولون إنّ أبا حنفية هكذا قال : والشافعي هكذا ، والمالكي هكذا ، والحنبلي هكذا ، وصوّرت له بيدي صور الحالات الأربع. قال : نعم.

قلت : جعفر بن محمد الصادق عليه السلام رئيس مذهبنا الذي إعترفت بأنّه من أهل البيت أدرى بما في البيت ، لم يكن أقل من أبي حنفية ، ومن هؤلاء علمنا أنّه لابدّ أن يكون السجود على أجزاء الأرض ، ولا يجوز السجود على الصوف والقطن ، وهذا الإختلاف بيننا وبينكم لا يكون إلا مثل الإختلاف بين أنفسكم في كيفية الصلاة من جهة التكتف وغيرها من سائر الإختلاف بينكم في الفروع ولا يرتبط بالأصول ، ولا يكون مربوطاً بالشرك أصلاً. فصدقني الجالسون من أهل السنة ، حتى صاحب هذا الشخص الذي كان جالساً إلى جانبه ، ولما وجدت الجو مناسباً بعد تصديقه كلامي حملت عليه بالكلام الحاد ، وقلت : أما تستحي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تبطل صلاة رجل مسلم يصلي عند قبره ـ صلوات الله عليه وآله ـ بمقتضى مذهبه ، وهو مذهب أهل البيت صاحب هذا القبر ، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تهيراً ، ولا يكون قولهم ومذهبهم إلا قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومذهبه.

فحمل الجالسون عليه أيضاً بالكلام الخشن ، واعتذروا مني من إعتقادهم بأنّ السجود على التربة أو الحجر شرك من الشيعة. أقول : لا يكاد ينقضي تعجبي من أنّ علماءهم كيف أشربوا في قلوب عوامهم أنّ الجسود على التربة


الحسنية ، أو الحجر ، أو الخشب من سائر أجزاء الأرض شرك بالله ، مع أنّه في حال السجود يذكرون الله تعالى بالتحميد والعلو ، وكثيراً في حال السجود عليها ، يقولون : لا إله إلا الله ، أليس السجود على الحجر الذي هو جزء ـ من ـ الأرض مثل السجدة على نفس الأرض ، أو السجدة على الفراش ، أو الحصير أو السجاد؟ فإذا سجد على الأرض أو الحصير أو السجاد ، هل يكون ذلك بمعنى أنّه عبدها؟ فليكن السجود على الحجر مثل السجود عليها!

وأعجب من أصل الموضوع أنّ لسان أكثرهم عربي ، وهم أعرف بمعاني اللغة وخصوصيات معاني الألفاظ ، فكيف غفلوا أو تجاهلوا عن الفرق بين السجود عليه ، والسجود له؟ والسجدة على شيء سواء كان أرضاً أو حجراً أو فراشاً يحتاج تحقق العبادة معه إلى شيء آخر يكون هو المعبود ، ولا يكون نفس السجود عليه معبوداً وهل رأى أحد وثنياً أو صنمياً في مقام العبادة يضع الصنم على الأرض ويسجد عليه؟

لا والله ، بل يجعلون الأصنام في مقابلهم ويسجدون على الأرض ويخرّون عليها تخضعاً وتخشعاً لها ، فحينئذ المعبود هل الصنم أو ما سجد عليه من الأرض أو الحجر أو الشيء الذي سجد عليه ووقع تحت جبهته بلا إختيار ولا إلتفات أو معهما؟

فيا ليت كان في البين ثالث عارف باللغة يحكم بين الفريقين ، هل السجود لله على أجزاء الأرض عبادة لها وشرك بالله ، أو يكون مثل السجدة على نفس الأرض والمعبود في كليهما هو الله الواحد؟

وإن كان بحمد الله الحاكم موجوداً وهو اللغة. فنرجو ـ من الله ـ أن يتنبّه العلماء والفضلاء منهم إلى هذه النقطة ، وإن لم يكن تجااهلاً ، وينبّهوا عوامهم


إلى عدم نسبة الشرك إلى الشيعة ، لسجودهم على أجزاء الأرض من التربة الحسينية أو الحجر أو الخشب»(٢٣٠) .

٢ ـ السيد سلطان الواعظين(٢١٣) ، مع الشيخ عبد السلام الأفغاني :

قال السيد سلطان الواعظين (طاب ثراه) : «ولكنا إذا خالفنا العامة في صلاتنا ، بأن سجدنا على طينة يابسة فبدل أن يسألونا عن الدليل والسبب ، يتهمونا بعبادة الأصنام ويسمون تلك الطينة التي نسجد عليها بالصنم ، فلماذا هذا الجهل والجفاء؟! ولماذا هذا التفريق بين المسلمين؟!

قال الشيخ عبد السلام : كما قلتم بأنّ مجلسنا هذا إنما إنعقد للتعارف والتفاهم ، وأنا أشهد الله سبحانه بأنّي لم أقصد الإساءة إليكم والتجاسر عليكم ، فإذا صدر مني ما يسوء فسببه عدم إطلاعنا على مذهبكم وعدم مطالعتنا لكتبكم ، فما كنا نعرفكم حق المعرفة ، لأنّا ما عاشرناكم ولا جالسناكم ، وانما سمعنا وصفكم من لسان غيركم وتلقيناها بالقبول من دون تحقيق ، فإلتبست علينا كثير من الحقائق ، ومع تكرار الإعتذار أرجوكم أن تُبينوا لنا سبب سجودكم على الطينة اليابسة؟

قلت : أشكر شعوركم الطيب ، وبيانكم الحلو العذب ، وأشكركم على هذا الإستفهام ؛ لأنّ السؤال والإستفهام أجمل طريقة وأعقل وسيلة لإزاحة أي شبهة وابهام.

__________________

(٢٣٠) ـ الشيرازي ، السيد عبد الله : الإحتجاجات العشرة / ٥٥ ـ ٥٩.

(٢٣١) ـ السيد محمد الموسوي الشيرازي ، المعروف بسلطان الواعظين ، كان من العلماء العاملين ، والخطباء البارعين ، ولد في طهران عام ١٣١٤ هـ. وأخذ المقدمات والأوليات على أساتذتها ، وفي عام ١٣٢٦ هـ. هاجر إلى كربلاء مع والده وحضر على أعلام حوزتها ، حتى برع وكمل في كربلاء ، ثم إتصل بالزعيم الشيخ عبد الكريم الحائري في قم وحضر دروسه ، وتوفي يوم الإثنين ٢٠ شعبان عام ١٣٩١ هـ.


وأما جواب السؤال : راجعوا كتب التفاسير واللغة فإنّهم قالوا في معنى السجود ، وضع الجبهة على الأرض للعبادة ، وهو منتهى الخضوع ، ولقد أفتى أئمتكم بأنّ كل ما يفرش به الأرض يجوز السجود عليه ، سواء كان من صوف أو قطن أو إبريسم أو شيء آخر ، فأجازوا السجود على كل شيء حتى أفتى بعضهم بجواز السجود على العذرة اليابسة!

لكن فقهاءنا تبعاً لأئمة أهل البيت من العترة الهادية عليهم السلام قالوا بعدم جواز السجود إلا على الأرض أو ما أنبتته مما يؤكل ولا يلبس ، فالبساطة والفرش لا يصدق عليه اسم الأرض ، بل يكون حاجزاً بينها وبين الجبهة ، لذلك فنحن نأخذ طينة يابسة ـ تسهيلاً للأمر ـ ونسجد عليها في الصلاة.

الشيخ عبد السلام : نحن نعلم بأنكم تخصصون تراب كربلاء للسجود ، فتصنعون منه أشكالاً مثل الأصنام فتقدسونها وتحلونها في مخابئكم وتقبلوها وتوجبن السجود عليها ، وهذا العمل يخالف سيرة المسلمين ولذلك يهاجمونكم ويشنون عليكم تلك التهم والكلمات غير اللائقة بكم.

قلت : هذه المعلومات الي أبديتها هي من تلك المسموعات التي سمعتها من مخالفينا وأعدائنا ، وتلقيتها بالقبول بدون تحقيق وتفحّص ، وإنّ من دواعي الأسف وجود هذه الحالة ؛ إذ تذعنون بشيء من غير تحقيق ، فترسلونها إرسال المسلمات ، وتنتقدون الشيعة في أشياء وهميّة ليس لها وجود ، وقد قيل : «ثَبّت العرش ثم انقش». وإنّ كلامكم بأننا نصنع من تراب كربلاء أشكالاً مثل الأصنام فنقدسها كلام فارغ ، وتقول باطل وليس إلا إتهاماً وإفتراء علينا ، وغرض المفترين إلقاء العداوة والبغضاء بيننا وبينكم ، وتمزيق المسلمين وتفريقهم ، كل ذلك لأجل الوصول إلى مصالحهم الشخصية ، ومنافعهم المادية


الفردية ، كما قيل : «فرّق تسد» ولو كنتم ـ قبل الحين وقيل أن تصدقوا كلام المغرضين ـ تفتشون عن الواقع وتحققون عن الموضوع ، بأن تسألوا عن الشيعة الذين تعرفونهم وتجاورونهم ما هذه الطينة التي تسجدون عليها؟ لسمعتم الجواب إننا نسجد لله سبحانه على التراب ، خضوعاً وتعظيماً له عَزّ وجَلّ ، ولقالوا : لا يجوز عندنا السجود بقصد العبادة سوى الله سبحانه وتعالى ، واعلم أيها الشيخ بأنّ علمائنا وفقهاءنا لم يوجبوا السجود على تراب كربلاء كما زعمت! ويكفيك مراجعة كتبهم الفقهية ورسائلهم العملية التي تتضمن الفروع والمسائل الأولية في العبادات والمعاملات وغيرها ، فإنّهم أجمعوا على جواز السجود على الأرض ، سواء التراب أو الحجر والمدر والرمال ، وغيرها من ملحقات الأرض وعلى كل ما يطلق عليه الأرض عدا المعادن ، وكذلك أجازوا السجود على كلما تنبتها من غير المأكول والملبوس ، هذا بحكم السنة الشريفة ، والأول بحكم الكتاب العزيز. ولذا قالوا : بأنّ السجود على الأرض أفضل ، وبعض فقهائنا أجاز السجود على النبات من غير المأكول والملبوس عند فقدان مشتقات الأرض ، لذلك وعملاً بالأفضل نحمل معنا طينة يابسة لكي نضعها على الفرش والبساط ونسجد عليها في الصلوات ؛ لأنّ أكثر الأماكن مفروشة بما لا يجوز السجود عليه كالبُسط المحاكة من الصوف أو القطن وما شابه ذلك ، وتسهيلاً للأمر فإننا نحمل معنا الطينة اليابسة ، لنسجد عليها في الصلاة ، وأما إذا صادف أن وقفنا على التراب للصلاة ، فلا نضع الطينة اليابسة ، بل نسجد على نفس التراب مباشرة ، إذ يتحقق السجود الذي أراده الله تعالى من عباده المؤمنين.


الشيخ عبد السلام : لكنا نرى أكثركم تحملون تربة كربلاء وتقدسونها ، وكثيراً ما نرى الشيعة يقبلونها ويتبركون بها ، فما معنى هذا؟ وهي ليست إلا تربة كسائر التراب؟

قلت : نعم نحن نسجد على تراب كربلاء ، ولكن هذا لا يعني الوجوب ، فلا يوجد فقيه واحد من فقهاء الشيعة في طول التاريخ أفتى بوجوب السجود على تراب كربلاء ، وإنّما أجمعوا على جواز السجود على تربا أي بلد كان ؛ إلا أنّ تراب كربلاء أفضل ؛ وذلك للروايات الواردة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام بأنّ السجود على تراب كربلاء يخرق الحجب السبع ، يعني : يصل الى عرش الرحمن والصلاة تقع مقبولة عند الله سبحانه وتعالى.

وهذا تقدير معنوي لجهاد الإمام الحسين عليه السلام ؛ إذ أنّه أقدم على الشهادة في سبيل الله لأجل إحياء الصلاة وسائر العبادات ، فتقديس التربة التي أريق عليها دماء الصفوة من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وتقديس التربة التي تحتضن الأجساد المخضبة بدماء الشهادة والجهاد المقدس ، والتربة التي تضم أنصار دين الله وأنصار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأهل بيته الأطهار ، تقديسها تقديس للدين وللنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولكل المكارم والقيم ولكل المثل العليا التي جاء بها سيد المرسلين وخاتم النبيين محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ولكن مع كل الأسف نرى بعض من ينتسبون إلى السنة ـ وهم أشبه بالخوارج والنواصب ـ يفترون على لاشيعة بأنهم يعبدون الإمام الحسين ، ويستدلون لإثبات فريتهم وباطلهم ، بسجود الشيعة على تراب قبر الحسين عليه السلام؟! مع العلم بأنّه لا يجوز عندنا عبادة الإمام الحسين عليه السلام ، ولا عبادة جَدّه المصطفى وأبيه المرتضى الذين هما أعظمرتبة وأكبر جهاداً من الحسين عليه السلام.


وأقول بكل وضوح : بأنّ عبادة غير الله سبحانه وتعالى كائناً من كان ، كفر وشرك. ونحن الشيعة لا نعبد إلا الله وحده لا شريك له ولا نسجد لغيره أبداً ، وكل من ينسب إلينا غير هذا فهو مفترٍ كذاب.

الشيخ عبد السلام : الدلائل التي نقلتموها في سبب تقديسكم لتراب كربلاء ، إنّما هي دلائل عقلية مستندة إلى واقعة تاريخية ، أو بالأحرى هي دلائل عاطفية ، ونحن بصدد الإستماع إلى أدلة نقلية ، فهل توجد روايات معتبرة تحكي تقديس النبي صلى الله عليه وآله وسلم واعتنائه بتراب كربلاء؟

قلت : أما في كتب علمائنا المحدثين ، ونقلة الأخبار والروايات ، فقد ورد الكثير عن أئمة أهل البيت عليهم السلام وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في تقديس تربة كربلاء ، وإهتمامهم وإعتنائهم بها ، وهم قد رغّبوا شيعتهم بالسجود عليها ، وفضلوها على سائر التراب ، وكلامهم سند محكم لنا ودليل أتم للعمل بين الله عَزّ وجَلّ.

وأما الروايات المنقولة في كتبكم ؛ فكثيرة جداً ، منها : كتاب الخصائص الكبرى ، للعلامة جلال الدين السيوطي ، فقد ذكر روايات كثيرة عن طريق أبي نعيم الحافظ ، والبيهقي ، والحاكم وغيرهم ، وهم بالإسناد إلى أم المؤمنين ـ أم سلمة وعائشة ـ ، وأم الفضل زوجة العباس عمّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وابن عباس ، وأنس بن مالك ، وغيرهم ، ومن جملة تلك الروايات قول الراوي : رأيت الحسين في حجر جدّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وفي يده تربة حمراء وهو يشمها ويبكي ، فقلت ما هذه التربة يا رسول الله؟ وممّ بكاؤك؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم : كان عندي جبرئيل فأخبرني أنّ ولدي الحسين يقتل بأرض العراق ، وجاءني بهذه التربة من مصرعه. ثم ناولها لأم سلمة (رض) وقال لها : إنظري إذا انقلبت دماً عبيطاً فاعلمي بأنّ ولدي الحسين قد قتل. فوضعتها أم سلمة في قارورة وهي


تراقبها كل يوم ، حتى إذا كان يوم عاشوراء من سنة ٦١ هجرية ، فإذا بالتربة قد إنقلبت دماً عبيطاً ، فصرخت : وا ولداه واحسيناه وأبرت أهل المدينة بقتل الحسين.

ولقد أجمع علماؤنا أنّ أوّل من إتخذ من تراب كربلاء ـ بعد إستشهاد أبي عبد الله الحسين ، سيد الشهداء وأنصاره وصحبه السعداء الشهداء الأوفياء ، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ـ هو السجاد زين العابدين ؛ إذ حمل معه كيساً من تلك التربة الزاكية الطيّبة ، فكان يسجد على بعضها وصنع ببعضها مسباحاً يُسبّح به ، وهكذا فعل أئمة أهل البيت عليهم السلام من بعده ، وهم أحد الثقلين.

فيلزم الإقتداء بهم والأخذ بقولهم وفعلهم لقول النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم : (إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا ، وهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض)(٢٣٢) ، فالتمسك بهم وبقولهم وفعلهم أمان من الضلال ، وموجب لدخول الجنة معهم إن شاء الله تعالى. ولقد روى شيخ الطائفة ابو جعفر الطوسي ، رضوان الله تعالى عليه ، في كتابه «مصباح المتهجد» بأنّ الإمام الصادق ، جعفر بن محمد عليهما السلام كان يحمل معه شيئاً من تربة كربلاء في منديل أصفر ، وكان وقت الصلاة يفتح ذلك المنديل ، ويسجد على تلك التربة ، وكان يقول : إنّ السجود على تراب قبر جدي الحسين عليه السلام غير واجب ، ولكن أفضل من السجود على غيره من بقاع الأرض ، وهذا رأي جميع فقهاء الشيعة بلا إستثناء.

__________________

(٢٣٢) ـ الطوسي ، الشيخ محمد بن الحسن : مصباح المتهجد / ٥١٠.


فكانت الشيعة أيضاً تحمل من تراب كربلاء في مناديل معهم ، فإذا صار وقت الصلاة فتحوا المنديل ، وسجدوا على التراب الذي فيه ، وبعد ذلك فكروا بصنع قطعات يسهل حملها ، فمزجوا تراب كربلاء بالماء وجعلوا منه قطعات من الطين اليابس تسهيلاً لحمله ونقله ، فكل من أحب يأخذ معه طينة يابسة يحملها معه ، فإذا صار وقت الصلاة ؛ يضعها حيث يشاء فيسجد عليها ، وهو من باب الفضيلة والإستحباب ، وإلا فنحن نسجد على كل ما يطلق عليه إسم الأرض ، من الحجر والمدر والتراب والحصى والرمل من كل بقاع الأرض. والآن فكروا ، هل يصح منكم ـ وأنتم علماء القوم ـ أن تهاجموا الشيعة المؤمنين ، لأجل سجودهم على تراب كربلاء؟ فتلبسوا الواقع على أتباعكم ، فيظنون بأنّ الشيعة كفار ومشركون ، يعبدون الأصنام ، ومن المؤسف أنّ بعض علماء أهل السنة أيضا يماشي عامة الناس ، ويؤيدهم من غير أن يتحقق في الموضوع ، ليعرف ما هو دليل الشيعة على عملهم؟ وما معنى ومغزى سجودهم على الطينة اليابسة؟!

ولو كان علماء العامة يحققون في ذلك لعرفوا أنّ الشيعة أكثر خضوعاً ، وأكثر تذللاً لله عَزّ وجَلّ ، إذ يضعون جباههم ـ وهو أفضل مواضع الجسم ـ على التراب الذي يسحق بالأقدام ، يضعون جباههم عليه خضوعاً لله وعبودية له سبحانه ، وهكذا يتصاغرون أمام عظمة الله تعالى ، ويتذللون له عَزّ وجَلّ.

فالعتب على علماء العامة ؛ إذ يتبعون بعض أسلافهم في إثارة التُّهم والإفتراءات والأكاذيب على الشيعة ، بغير تحقيق وتدبّر ، فنحن ندعوهم إلى


التفكّر والتعمق في معتقداتهم ومعتقداتنا ، ونطلب منهم بإلحاح أن يحققوا المسائل الخلافية بيننا وبينهم ، فيعرفوا دلائلنا ، لعلّهم يجدوا الحق فيتبعوه»(٢٣٣) .

٣ ـ الشيخ الأنطاكي(٢٣٤) مع بعض أعلام السنة :

«وفي يوم الرابع عشر من شهر محرم الحرام سنة ١٣٧٤ هـ ، أتاني جماعة من علماء السنة وبعضهم زملائي في الأزهر ، حاملين عليّ حقداً في صدورهم لأخذي بمذهب أهل البيت وتركي مذهب السنة ، ودار البحث بيننا طويلاً يقرب حوالي عشر ساعات تقريباً ، وذلك في كثير من المسائل ، ومنها إنتقادهم على الشيعة بأنّهم يسجدون على التربة الحسينية فهم مشركون ، وإجراءهم التعازي على الإمام الحسين عليه السلام وهو بدعة. فقلت لهم : كلاهما أمر محبوب محبذ إليه من الشارع المقدس ، أما قولكم أنّ الشيعة يسجدون على التربة الحسينية ، فهم مشركون! هذا غير صحيح ؛ لأنّ السجود على التربة لا يكون شركاً ؛ لأنّ الشيعة تسجد على التربة لا لها وإن كانت الشيعة تعتقد على حسب مدعاكم وزعمكم «على الفرض المحال» ، أنّ التربة هي أو في جوفها شيء يسجدون لأجلها ، فكان اللازم السجود لها لا السجود عليها ؛ لأنّ الشخص لا يسجد على معبوده ، ولأنّ السجود يجب أن يكون للمعبود وهو الله يعني تكون الغاية من السجود والخضوع هو الله سبحانه ، أما السجود على الله ؛ فهو كفر محض ، فسجود الشيعة على التربة ليس شركاً فأجابني أحدهم

__________________

(٢٣٣) ـ سلطان الواعظين ، السيد محمد الموسوي : ليالي بيشاور / ١٠٥٦ ـ ١٠٧١.

(٢٣٤) ـ العلامة الكبير الشيخ محمد مرعي الأمين الأنطاكي ، أحد أعلام سوريا ، ولد سنة ١٣١٤ هـ في قرية من القرى التابعة إلى أنطاكية ، تبعد عنها ما يقرب من أربعة فراسخ تدعى (عنصو) ، ثم نزل حلب وتخرج من الأزهر وأصبح أحد أعلام سوريا ، كان في بداية أمره شافعياً ثم إعتنق مذهب أهل البيت (ع) ، توفي عام ١٣٨٣ هـ.


ـ وهو أعلمهم ـ قائلاً : أحسنت يا فضيلة الشيخ على هذا التحليل اللطيف ، ولنا أن نسألك : ما سبب إصرار الشيعة على السجود على التربة ، ولم لا تسجدون على سائر الأشياء ، كما تسجدون على التربة؟

فأجبته : ذلك عملاً بالحديث المتفق عليه باجماع جميع فرق المسلمين ، وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم : (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً). فالتراب الخالص هو الذي يجوز السجود عليه باتفاق جميع طوائف المسلمين ، ولذلك نسجد دائماً على التراب الذي اتفق المسلمون جميعاً على صحة السجود عليه ، فسألني : وكيف إتفق المسلمون عليه؟

فأجبته : أول ما جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة وأمر ببناء مسجد فيها ، هل كان المسجد مفروشاً بفرش؟ فأجابني : كلا لم يكن مفروشاً. قلت : فعلى أي شيء كان يسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون؟ أجابني : على أرض المسجد المفروشة بالتراب. قلت : ومن بعد النبي في زمن (أبي بكر وعمر وعثمان وأمير المؤمنين علي عليه السلام ، هل كان المسجد مفروشاً بفرش؟

فأجابني : على أرض مفروشة بالتراب. فقلت : إذن جميع صلوات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت على الأرض ، وكان يسجد على التراب صحيح قطعاً ، ومعاشر ال شيعة إذ تسجد على التراب تأسياً برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فتكون صلواتهم صحيحة قطعاً.

فأورد عليَّ : بأنّ الشيعة لم لا تسجد على غير التربة التي يحملونها معهم من سائر مواضع الأرض ، أو غيرها من التراب؟


فأجبته :

أولاً ـ إنّ الشيعة تجوز السجود على كل أرض ، سواء في ذلك المتحجر منها أو التراب.

ثانياً ـ حيث أنّه يشترط في محل السجود الطهارة من النجاسة ، فلا يجوز السجود على أرض نجسة ، أو تراب غير طاهر ، لذلك يجعلون معهم قطعة من الطين الجاف الطاهر ، تَفصّياً عن السجود على ما لا يعلم طهارته من نجاسته ، مع العلم أنّهم يجوزون السجود على التربة أو أرض لا يعلم نجاسته.

فأورد عليَّ : إن كانت الشيعة يريدون بذلك السجود على التراب الطاهر الخالص ، فلم يحملون معهم تراباً يسجدون عليه؟

فأجبته : حيث أنّ حمل التراب يوجب وسخ الثياب ـ لأنّه أينما وضع من الثوب ، فلا بد أن يوسخه ـ لذلك تمزجه بشيء من الماء ، ثم ندعه ليجف حتى لا يوجب حمله وسخ الثوب؟ ثم إنّ السجود على قطعة من الطين الجاف أكثر دلالة على الخضوع والتواضع لله ، فإنّ السجود هو غاية الخضوع ، ولذا لا يجوز السجود لغير الله سبحانه ، فإذا كان الهدف من السجود هو الخضوع لله ، فكلما كان مظهر السجود أخفض من موضع اليدين والرجلين ؛ لأنّ ذلك أكثر دلالة على الخضوع لله تعالى.

وكذلك يستحب أن يُغفِّر الأنف بالتراب في حال السجدة ؛ لأنّ ذلك أشد دلالة على التواضع والخضوع لله تعالى ؛ ولذلك فالسجود على الأرض ؛ أو على قطعة من الطين الجاف أحسن من السجود على غيرها مما يجوز السجود


عليه ؛ لأنّ في ذلك وضع أشرف مواضع الجسد ـ وهو الجبهة ـ على الأرض ، خضوعاً لله تعالى ، وتصاغراً أمام عظمته.

أما أن يضع الإنسان ـ في حال السجدة ـ جبهته على سجاد ثمين ، أو على معادن كالذهب والفضة وأمثالهما ، أو على ثوب غال القيمة ؛ فذلك مما يقلل من الخضوع والتواضع ، وما أدى إلى عدم التصاغر أمام الله العظيم ، إذن ، فهل يمكن أن يعتبر السجود على ما يزيد من تواضع الإنسان أمام ربه شركاً وكفراً ، والسجود على ما يذهب بالخضوع لله تعالى تقرباً من الله ، إن ذلك إلا قول وزور؟!

ثم سألني فما هذه الكلمات المكتوبة على التربة التي تسجد الشيعة عليها؟

فأجبته :

أولاً ـ المكتوب على بعضها ، سبحان ربي الأعلى وبحمده رمزاً لذكر السجود ، وعلى بعضها أنّ هذه التربة متخذة من تراب أرض كربلاء المقدسة ، بالله عليك أسأل من فضيلتك ، هل في ذلك بأس؟ وهل يُعد ذلك شركاً؟ وهل ذلك يخرج التربة عن كونها تراباً جائز السجود عليه؟

فأجابني : كَلّا!

ثم سألني : ما هذه الخصوصية في تربة أرض كربلاء ، حيث أنّ أكثر الشيعة مقيدين بالسجود عليها مهما أمكن؟

قلت : السر في ذلك ، أنّه ورد في ال حديث الشريف : (السجود على التربة الحسينية يخرق السماوات السبع الخ)(٢٣٥) . يعني أنّ السجود عليها يوجب قبول

__________________

(٢٣٥) ـ هذا ال حديث منقول بالمعنى ، والموجود في النص هكذا : (السجود على تربة أبي عبد الله (ع) ، يخرق الحجب السبع).


الصلاة وصعودها إلى السماء ، وما ذلك إلا لإدراك أفضلية ، ليست في تربة غير كربلاء المقدسة.

فأورد عليَّ : هل السجود على تربة الحسين تجعل الصلاة مقبولة عن دالله تعالى ، ولو كانت الصلاة باطلة؟

فأجبته : أنّ الشيعة تقول : بأنّ الصلاة الفاقدة لشرط من شرائط الصحة باطلة غير مقبولة ، ولكن الصلاة الجامعة لجميع شرائط الصحة ، قد تكون مقبولة عند الله تعالى ، وقد تكون غير مقبولة ـ أي لا يثاب عليها ـ ، فاذا كانت الصلاة الصحيحة على تربة الحسين ؛ قبلت ويثاب عليها ، فالصحة شيء ، والقبول شيء آخر.

فسألني : وهل أرض كربلاء المقدسة أشرف من جميع بقاع الأرض ، حتى من أرض مكة المعظمة ، والمدينة المنورة ، حتى يكون السجود عليها أفضل؟

فقلت : وما المانع من ذلك؟

قال : إنّ تربة مكة التي لم تزل منذ نزول آدم عليه السلام إلى الأرض كعبة ، وأرض المدينة التي تحتضن جسد الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ، تكونان في المنزلة دون منزلة كربلاء ، قال : هذا أمر غريب! وهل الحسين بن علي أفضل من جده الرسول؟

قلت : إنّ عظمة الحسين من عظمة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وشرف الحسين من شرف الرسول ، ومكانة الحسين عند الله تعالى إنما هي لأجل أنّه إمام سار على دين جده الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، حتى استشهد في ذلك لا ليست منزلة الحسين إلا جزءاً من منزلة الرسول ، ولكن حيث أنّ الحسين عليه السلام قتل هو وأهل بيته


وأنصاره في سبيل إقامة الإسلام ، وإرساء قواعده ، وحفظها عن تلاعب متبعي الشهوات ، عَوّضه الله تعالى باستشهاده ثلاثة أمور :

١ ـ إستجابة الدعاء تحت قبته.

٢ ـ الأئمة من ذريته.

٣ ـ الشفاء في تربته(٢٣٦) .

فعظم الله تعالى تربته ؛ لأنّه قتل في سبيل الله أفجع قتلة ، وقتل معه أولاده وأخوته وأصحابه ، وسبي حريمه وغير ذلك من المصائب التي نزلت به من أجل الدين ، فهل في ذلك مانع؟ أم هل في تفضيل تربة كربلاء على سائر بقاع الأرض حتى على أرض المدينة ، معناه أنّ الحسين عليه السلام أفضل من جده الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، بل الأمر بالعكس ، فتعظيم تربة الحسين تعظيم للحسين ، وتعظيم الحسين عليه السلام تعظيم لله ولجده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقام أحدهم عن مجلسه وعليه آثار البشاشة والسرور ، فحمدني كثيراً ، وطلب مني بعض مؤلفات الشيعة ، بعد أن قال : مولاي إفادتك ، هذا صحيح وأني كنت أتخيل أنّ الشيعة يفضلون حتى على جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والآن عرفت الحقيقة ، وأشكرك على هذه المناظرة اللطيفة والإلتفاتات الطيبة التي زودتنا بها ، وسوف أحمل معي أبداً قطعة من أرض كربلاء المقدسة لأسجد عليها أينما صليت ، كما أني سأدع السجود على غير التراب ، ومخصوصاً التربة الحسينية»(٢٣٧) .

__________________

(٢٣٦) ـ هذا مأخوذ من حديث محمد بن مسلم ، حيث قال : سمعت أبا جعفر ، وجعفر بن محمد (ع) يقولان (إنّ الله تعالى عَوّض الحسين (ع) من قتله ، أن جعل الإمامة في ذريته ، والشفاء في تربته ، واجابة الدعاء عند قبره ، ولا تُعدُّ أيام زائريه جائياً وراجعاً من عمره الخ) ـ راجع بحار الأنوار للمجلسي : ج ٤٤ / ٢٢١.

(٢٣٧) ـ الأنطاكي ، الشيخ محمد مرعي : لماذا اخترت مذهب أهل البيت / ٣٤١.


٤ ـ الدكتور التيجاني مع الشهيد الصدر :

يقول الدكتور التيجاني : «سألته بعد ذلك عن التربة الحسينية التي يسجدون عليها ، والتي يسمونها بـ(التربة الحسينية).

أجاب قائلاً : يجب أن يُعرف قبل كل شيء أننا نسجد على التراب ، ولا نسجد للتراب ـ كما يتوهم البعض الذين يشهرون بالشيعة ـ فالسجود هو لله سبحانه وتعالى وحده ، والثابت عندنا وعند أهل السنة أيضاً أنّ أفضل السجود على الأرض ، أو ما أنبتت الأرض من غير المأكول ، ولا يصح السجود على غير ذلك ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفترش التراب ، وقد إتخذ له خمرة من التراب والقش يسجد عليها ، وعَلّم أصحابه ـ رضوان الله عليهم ـ فكانوا يسجدون على الأرض ، وعلى الحصى ، ونهاهم أن يسجد أحدهم على طرف ثوبه ، وهذا من المعلومات بالضرورة عندنا. وقد إتخذ الإمام زين العابدين وسيد الساجدين علي بن الحسين عليهما السلام تربة من قبر أبيه أبي عبد الله عليه السلام باعتبارها تربة زكية طاهرة ، سالت عليها دماء سيد الشهداء ، وإستمر على ذلك شيعته إلى يوم الناس هذا ، فنحن لا نقول بأنّ السجود لا يصَحّ إلا عليها ، بل نقول بأنّ السجود يصَحّ على أي تربة أو حجرة طاهرة ، كما يصح على الحصير والسجاد المصنوع من سعف النخيل وما شابه ذلك»(٢٣٨) .

٥ ـ المستر رايلي مع سكرتير وزارة المعارف العراقية

يقول الدكتور عبد الجواد الكليدار : «وقبل ذلك حوالي عام ١٩٢٢ ـ ١٩٢٣ ، زار كربلاء المستر رايلي وكيل مستشار المعارف ، إذ ذاك يصحبه

__________________

(٢٣٨) ـ التيجاني ، الدكتور محمد السماوي : ثم اهتديت / ٦٦.


سكرتير الوزارة ، وكان الرجل بالأصل قِسّاً يتتبع مثل هذه الأمور ، ولا سيما في بغداد كانوا قد أدخلوا في ذهنه بعض المسائل ، فعندما كان يتجول في أسواق كربلاء ، وصل إلى حانوت لبيع الترب على الزائرين ، فسأل السكرتير مستغرباً ، كأنّه لا يعرف ذلك : ما هذا الذي يبيعونه في هذا الحانوت؟

فأجابه السكرتير إرتجالاً ، هذه تربة كربلاء ، وهي مثل حصى كنيسة القديس بطرس عندكم ، التي تباع كل واحدة منها بفرنك واحد ـ أي بدرهم ـ على الزائرين.

وما كان ينتظر المستشار هذا الجواب الفجائي غير المنتظر ، فضحك وقال : صدقت ، نحن أيضاً في أوروبا عندنا مثل هذه العوائد ولا غرابة في ذلك ، إذ أنّ كل من يزور تلك الكنيسة في روما يشتري من حصاها للتبرك والإستشفاء ، فتجد أنّ مثل هذه العادات في تقديس بعض الأشياء الدينية لا تخلو منها أمة ، وحتى الأمم الأوروبية المتحضرة الراقية توجد بأكثر من ذلك»(٢٣٩) .

٦ ـ الأستاذ محمد خير(٢٤٠) مع خصوم الشيعة :

يقول الأستاذ محمد خير : «ومما يثير أعداء الشيعة عليهم ، هو قولهم : أنّ الشيعة يخالفون جمهور أهل السنة لسجودهم على أحجار من الطين ، يحملونها في جيوبهم ويقدسونها تقديسا. والحقيقة أنّ الشيعة يحملون ألواحاً من الطين من التربة التي دفن فيها سيدنا الحسين ، ويتبركون بها عند سجودهم.

__________________

(٢٣٩) ـ الكليدار ، الدكتور عبد الجواد : تاريخ كربلاء وحائر الحسين (ع) / ١٣٦.

(٢٤٠) ـ محمد أحمد حامد محمد خير ، سوداني مالكي المذهب ، أشعري العقيدة ، ينتمي إلى أسرة دينية عريقة في العلم في منطقة الخندق بالشمالية ، إلتحق بجامعة الخرطوم ـ كلية الاقتساد ـ وتخرج منها عام ١٩٨١ م ، تلقى العلوم الدينية على يد عدد من العلماء.


وتفسير هذه المسألة بسيط جداً ، وهو أنّ الشيعة ـ حسب المذهب الجعفري ـ يعتقدون أنّ السجود على الأرض ، أو ما خرج منها واجب ، وهم لم ينفردوا بهذا الرأي ، بل أنّ الراجح من مذهب السادة المالكية أنّ السجود على الأرض أفضل ، ولذلك فهم يعملون هذه الأحجار ، ويسجدون عليها حيثما ذهبوا. أما القول بأنّ هذه الأحجار من تربة كربلاء ، وأنهم يتبركون بها ؛ فلا بأس من ذلك فقد تواتر عند الأئمة من أهل البيت ، أنهم كانوا يسجدون على تربة سيدنا الحسين وقد روى شيخ الطائفة الطوسي : (أنّه كان للإمام الصادق بن محمد الباقر ، خريطة ديباج صفراء ، فكان إذا حضرت الصلاة صَبّها على سجادته وسجد عليها ، وقال : إنّ السجود على تربة أبي عبد الله ، يخرق الحجب السبع)(٢٤١) إنّ فضل التربة التي ضمت سيدنا الحسين ، فضل عظيم ولها خبر عجيب ، لقد كان أول من عظم هذه التربة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. فقد روى الحاكم ، والبيهقي ، وأبي نعيم عن عدد من الصحابة ، أنّ أم سلمة دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؛ فوجدت بيده تربة حمراء ، والحسين في حجره ، وعينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تهرقان الدموع. فقالت أم سلمة : ما هذه التربة يا رسول الله؟

فقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : أتاني جبريل فأخبرني أنّ أمتي ستقتل ابني هذا ، وأتاني بتربة من تربته حمراء)(٢٤٢) .

وورد في بعض الروايات : أنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم سلم تلك التربة إلى أم سلمة ، وقال لها : (إذا رأيتها فاضت دماً فاعلمي أنّ الحسين قتل. فكانت تتعهدها ،

__________________

(٢٤١) ـ الطوسي ، الشيخ محمد بن الحسن : مصباح المتهجد / ٥١٠.

(٢٤٢) ـ خير ، محمد احمد حامد : براءة الشيعة / ٤٥ ـ ٤٦.


وحفظتها في قارورة إلى أن وجدتها فاضت يوم عاشوراء ، فقالت لجاريتها : إعلمي أنّ ابني قد قتل.

والمقصود أنّ تربة سيدنا الحسين تبركت بيد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وأنّ فيها سرّ سيدنا الحسين وبركته ؛ إذ تغيرت بموته ، ولذا تبرك بها أتباع أهل البيت إلى يوم القيامة ، وحرم الله منها من حرم»(٢٤٣) .

__________________

(٢٤٣) ـ خير ، محمد أحمد حامد : براءة الشيعة / ٤٥ ـ ٤٦.


البحث الثاني

قصص الرؤى



بحوث تمهيدية

١ ـ بيان حقيقة الرؤى

٢ ـ أقسام الرؤى

٣ ـ أهمية الرؤى

٤ ـ نتيجة البحث



١ ـ بيان حقيقة الرؤى

أ ـ علاقة الرؤى بالنوم

ب ـ أقوال العلماء في حقيقتها

ج ـ بيان أسمائها ومعانيها



أ ـ علاقة الرؤى بالنوم :

إنّ أجسامنا صنعت من الطبيعة ولها ، وقد روعي فيها أن تتبع القوانين الطبيعية ، فالنوم حالة طبيعية متكررة يتوقف فيها الكائن الحي عن اليقظة ، وتصبح حواسه معزولة نسبياً عما تحيط بها من أحداث ، وقد عَبّر عنها القرآن الكريم في قوله تعالى :( وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا) [النبأ / ٩]. أي راحة لأبدانكم بانقطاعكم عن الأشغال. ويتضح هذا من خلال التقسيم العلمي للنوم ، وهو كالتالي :

هناك نوعان من النوم :

«النوم التقليدي : Orthodox Sleep (النوم الهادئ) (لا يترافق بحركة سريعة في العين) : ويشكل الجزء الأعظم من النوم ويبدأ بالنعاس وتصبح أمواج الدماغ الكهربائية فيه أبطأ وأكثر عمقاً من الأمواج التي تحدث في اليقظة ويتباطؤ نشاط الدماغ وعمليات الإستقلاب في الجسم (العمليات الكيمياوية الحيوية) وتصل إلى أدنى مستوى لها ، وتحدث فيه بعض الأحلام»(٢٤٤) .

وخصائص هذا النوم الهادئ : «ينخفض ضغط الدم ويتباطئ القلب في هذا النوع من النوم ويستطيع النائم التحرك في المراحل الخفيفة منه. لكنه لا يقوى على الحركة حين يدخل المرء في مراحل متقدمة من نوم عميق حيث ترتخي العضلات ويضعف نشاط الدماغ وقد تُرى الأحلام حول ما سيجري في غدٍ من أعمال ..»(٢٤٥) .

__________________

(٢٤٤) ـ باشا ، الدكتور حسان شمسي : النوم والأرق والأحلام بين الطب والقرآن / ٢٢.

(٢٤٥) ـ نفس المصدر / ٢٣.


وحول دور النوم الهادئ تقول دائرة المعارف البريطانية (طبعة ١٩٨٩ م) : «إنّ النوم الهادئ هو النوم الذي يعطي الراحة والسكينة للجسم ، كما أنّه يدعم إحدى وظائف النوم الكبرى. وهي تعويض الجسم ما خسره في يقظته وترميم ما بلى منه وتخرّب»(٢٤٦) .

النوم المتناقض : Paradoxical Sleep (النوم الحالم) (يترافق بحركة سريعة في العين) :

وخصائص هذا النوم ـ كما تعبّر عنه دائرة المعارف البريطانية (طبعة ١٩٨٩ م) : «يتسم النوم الحالم بحالة من نشاط جسمي عام فموجات الدماغ تتسارع وتنخفض سعتها والقلب يتسارع في دقاته ويتصاعد إيقاع التنفس في شهيق وزفير ويرتفع ضغط الدم. ويحدث فيه الإنتصاب عند الذكور. وتكثر فيه حركة الجسم وتظهر فيه تقلصات عضلية في الوجه والأطراف ويزداد استهلاك الدماغ للأوكسجين كما يزداد تدفق الدم إلى الدماغ وترى خلايا الدماغ في هذا النوع من النوم نشاطه أثناء اليقظة»(٢٤٧) .

وحول دور النوم الحالم (المتناقض) : «أشارت التجارب والبحوث العلمية في مجال النوم إلى أنّ النوم ليس مرحلة ركود وخمول ، إنما هو مرحلة صيانة للجسم ، وإستعادة لما فقده من عناصر حيوية ؛ وهو مرحلة يستطيع خلالها الجسم أن يحضر ما يلزمه من مواد يحتاجها في الفترة التالية من اليقظة والنشاط ويعتقد بعض الباحثين أنّ صيانة أنسجة المخ تتم أثناء فترة النوم ،

__________________

(٢٤٦) ـ المصدر السابق / ٢٥.

(٢٤٧) ـ نفس المصدر / ٢٦ ـ ٢٧.


ومن المعروف أنّ أنسجة الدماغ تتوقف عن النمو بعد عمر معين ، ويقتصر جهد الجسم بعد ذلك على الصيانة والترميم ..»(٢٤٨) .

ب ـ أقوال العلماء في حقيقتها :

يقول العلامة الطباطبائي (قده) : «كان الناس كثير العناية بأمر الرؤى والمنامات منذ عهود قديمة لا يضبط لها بدء تاريخي ، وعند كل قوم قوانين وموازين متفرقة متنوعة يزنون بها المنامات ويعبرون بها ويكشفون رموزها ، ويحلون بها مشكلات إشاراتها فيتوقعون بذلك شراً أو نفعاً أو شراً بزعمهم»(٢٤٩) .

وقد أثير حول حقيقتها التساؤل التالي :

س / هل للرؤى حقيقة أم لا؟

ج / إختلف العلماء في ذلك على قولين :

الأول ـ ذهب الباحثون من علماء الطبيعة الأوروبيين إلى عدم وجود حقيقة للرؤى ، بل ليس للبحث عن شأنها وإرتباطها بالحوادث الخارجية وزناً علمياً ، وهذا ما ذهب إليه علم الهدى السيد المرتضى (قده) ، وملخص عبارته هو : «أنّ النائم غير كامل العقل ؛ لأنّ النائم يفقد شعوره عند النوم ، فما يراه حصيلة عدم الشعور فلا قيمة له ، وجميع منامات الإنسان من هذا القبيل»(٢٥٠) .

__________________

(٢٤٨) ـ المصدر السابق / ٣٠.

(٢٤٩) ـ الطباطبائي ، السيد محمد حسين : الميزان في تفسير القرآن ، ج ١١ / ٢٦٨.

(٢٥٠) ـ الشريف المرتضى ، السيد علي بن الحسين الموسوي : أمالي المرتضى ، ج ٢ / ٣٩٢.


الثاني ـ ذهب علماء النفس إلى أهمية الرؤيا وقيمتها لإتخاذها في القضية النفسية ـ في أواخر القرن التاسع عشر ـ وإحتجوا ببعض المنامات الصحيحة التي تنبأ عن حوادث مستقبلية ، أو أوامر خفية أوردوها في كتبهم مروية بطرق صحيحة لا يخالطها شك. وهذا ما ذهب إليه العلامة الطباطبائي (قده) في قوله : «ما منا واحد إلا وقد شاهد من نفسه شيئاً من الرؤى والمنامات دَلّهُ على بعض الأمور الخفية أو المشكلات العلمية أو الحوادث التي ستستقبله من الخير أو الشر أو وقوع سمعه بعض المنامات التي من هذا القبيل ، ولا سبيل إلى حمل ذلك على الإتفاق وإنتفاء أي رابطة بينها وبين ما ينطبق عليها من التأويل ، وخاصة في المنامات الصريحة التي لا تحتاج إلى تعبير»(٢٥١) .

وبعد ذكر أهم الأقوال في مسألة الرؤى ؛ نخرج بالنتيجة التالية :

أولاً ـ لا ينكر الإنسان أنّ للعوامل الخارجية المرتبطة ببدنه كالحر والبرد ونحو ذلك ، وكذلك للعوامل الداخلية الطارئة عليه ، كأنواع الأمراض ، وإمتلاء المعدة تأثير في المتخيلة ، وتأثير على الرؤى ولذا نلاحظ أنّ أغلب الرؤى والمنامات من التخيلات النفسانية التي لها إرتباط بشيء من الأسباب المذكورة ، فمثلاً : من أثّرَت فيها حرارة أو برودة بالغة ؛ يرى في منامه نيراناً مؤججة أو الشتاء ونزول الثلج. وأنّ من إنحرف مزاجه أو امتلأت معدته ؛ يرى رؤيا مشوشة.

وهذا الذي ذكره منكروا حقيقة الرؤى من علماء الطبيعة. وهذه الدعوى يمكن إبطالها بما يلي :

__________________

(٢٥١) ـ الطباطبائي ، السيد محمد حسين ، الميزان في تفسير القرآن : ج ١١ / ٢٦٩.


توجد بعض المنامات والرؤى الصادقة التي تكشف حقائق لا سبيل إلى إنكارها ونفي الرابطة بينها وبين الحوادث الخارجية والأمور المستكشفة ، ومن الشواهد على ذلك التالي :

١ ـ رؤيا ابراهيم عليه السلام في ابنه اسماعيل عليه السلام حيث أخبر عنها القرآن الكريم في قوله تعالى :( فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ) [الصافات / ١٠٢].

٢ ـ رؤيا الملك :( وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ ) [يوسف / ٤٣].

٣ ـ رؤيا صاحبي يوسف عليه السلام في السجن :( قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) [يوسف / ٣٦].

٤ ـ ومن هذا القبيل ما ذكره الشهيد المطهري ـ حكاية عن زوجته ـ : «وأخبرتني ليلة ـ وكان ذلك قبل السحر ، من شهر رمضان بساعتين ـ بأنها رأت في المنام أبيها وهو غضبان : أين فلان؟ قلت له : لماذا؟ قال : إنّه يريد الزواج من شابة نصرانية. ثم قالت زوجتي : بأنها رأت في المنام ليلة أخرى هذه البنت النصرانية وقالت لها : لماذا لا تتركي هذا الشاب؟ فأنتِ نصرانية وهو مسلم ، أنت غريبة وهو شرقي ، وليس بينكما وجه إشتراك.

فقالت هذه الشابة : سوف تصلكم غداً رسالتي عليها علامة رقم (٨٨). فلما صلينا صلاة الصبح بقينا إلى طلوع الشمس ، وإذا بالباب يطرق ، فلما ذهب الشاب يفتح الباب ؛ إذا بساعي البريد على الباب ، أخذ الشاب الرسالة


وفَضّها يقرأها ؛ فوجدها رسالة البنت النصرانية ، فقال : يا سبحان الله ، وأخذ يقرأها وكانت قد كتبت فيها : إني في المستشفى وقد أجريت لي عملية جراحية ـ وكانت قد أخبرته بأنها مريضة وقد تجري عملية جراحية ـ ولا أدري هل تتحسن صحتي أم لا؟ لأني الآن أملي على شخص بكتابة هذه الرسالة ، ولعله لا يصلك بعد هذه الرسالة شيء ، ثم قالت : بأنّ عنوانها قد تغير ، فإنّ أردت المراسلة فراسل على هذا العنوان : (.. رقم المنزل ٨٨) وكتبت هذا الرقم بظهر الرسالة أيضاً ، كل ذلك كان بعد ساعات من الرؤيا»(٢٥٢) .

فظهر مما ذكرناه أنّ جميع الرؤى لا تخلو عن حقيقة ، أي أنّ هذه الإدراكات المتنوعة المختلفة التي تعرض النفس الإنسانية ـ وهي الرؤى ـ لها أصول وأسباب تستدعي وجودها للنفس وظهورها للخيال ، وهي على اختلافها تحكي أنّ لكل منام تأويل وتعبير ، غير أنّ بعضها السبب الطبيعي العامل في البدن حال النوم ، وتأويل بعضها ، السبب الخلقي أو أسباب متفرقة.

إذن لا ربط لبعض الرؤى بذكريات وسوابق في الماضي ، لتكون راجعة للأسباب التي ذكرت سابقاً!

ثانياً ـ ما ذكر في القرآن الكريم من أنّ الرؤيا ، قد تكون أضغاث أحلام كما في قوله تعالى :( قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ ) [يوسف / ٤٤].

وقد تكون رؤيا صادقة كرؤيا يوسف عليه السلام ، كما في قوله تعالى :( إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ) [يوسف / ٤].

__________________

(٢٥٢) ـ المطهري ، الشيخ مرتضى : التوحيد / ١٥١ ـ ١٥٢.


فعبرها له أبوه بما سيكون له من شأن ، وأنّ هذه الكواكب الإحدى عشر ؛ هي أخوته والشمس والقمر أبويه. إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك.

ثالثاً ـ إتضح لنا مما تقدم ، أنّ ما ذهب إليه العلامة الطباطبائي (قده) ، وعلماء النفس هو الصحيح.

ج ـ بيان أسمائها ومعانيها :

تظهر أهمية الرؤى والمنامات قديماً وحديثاً ، من خلال ما ذكره المؤرخون والباحثون في الطب الحديث ، وأهم من ذلك ما ذكره القرآن الكريم من الرؤى وأسماءها ، ولعلّ أهم ما ذكره من أسماء هو التالي :

١ ـ الرؤيا :

هي : «تخيل النفس للمعنى في المنام حتى كأنه يراه» (٢٥٣).

وقد وردت هذه اللفظة في القرآن الكريم تسع مرات ، منها قوله تعالى :( وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ *قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ) [الصافات / ١٠٤ ـ ١٠٥].

٢ ـ الحِلْم :

«والأحلام جمع حلم ، وهو الرؤيا في النوم ، وقد يقال : جاء بالحلم ؛ أي الشيء الكثير ، كأنّه جاء بما لا يرى إلا في النوم لكثرته»(٢٥٤) .

وقد وردت في القرآن الكريم ثلاثة مرات ، منها قوله تعالى :( قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ ) [يوسف / ٤٤].

__________________

(٢٥٣) ـ الطوسي ، الشيخ محمد بن الحسن : التبيان في تفسير القرآن ، ج ٦ / ١٤٥.

(٢٥٤) ـ نفس المصدر / ١٤٦.


وسميت بـ(أضغاث أحلام) ؛ لأنّ الضغث : هو الحزمة من الحشيش ، والبقل وغيره ، وهو غير متشاكل ولا متلائم ، فشبهوا به تخليط المنام. والفرق بين الرؤيا والحلم : يغلب على الرؤيا ما يراه الإنسان من الخيرو الشيء الحسن ، وغلب الحلم عل ىما يراه الإنسان من الشر والقبيح. ويؤيد هذا المعنى ما في الدرة الباهرة : «قال أبو محمد العسكري عليه السلام : من أكثر المنام رأى الأحلام»(٢٥٥) .

قال الشيخ المجلسي (قده) : «.. أنّ كثرة الغفلة عن ذكر الله وعن الموت وأمور الآخرة موجبة للأماني الباطلة والخيالات الفاسدة التي هي كأضغاث الأحلام ولا يلتفت إليها الكرام. مع أنّ الحمل على ظاهره أظهر وأصوب ، بحمل الأحلام على الفاسدة منها ، كما ورد : (أنّ الحلم من الشيطان ..)(٢٥٦) .

٣ ـ الأحاديث :

قال تعالى :( وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ) [يوسف / ٨]. وسميت الرؤيا بالأحاديث لما يلي :

أ ـ والأحاديث جمع الحديث وربما أريد به الرؤى ؛ لأنّها من حديث النفس ، فإنّ نفس الإنسان تصور له الأمور في المنام ، كما يصور المحدّث لسماعه الأمور في اليقظة فالرؤيا حديث مثله(٢٥٧) .

ب ـ إنّها سميت أحاديث ؛ لأنّها من حديث الملك إن كانت صادقة ، ومن حديث الشيطان إن كانت كاذبة(٢٥٨) .

__________________

(٢٥٥) ـ المجلسي ، الشيخ محمد باقر : بحار الأنوار ، ج ٥٨ / ١٩٠.

(٢٥٦) ـ نفس المصدر / ١٥٣.

(٢٥٧) ـ الطباطبائي ، السيد محمد حسين : الميزان في تفسير القرآن ، ج ١١ / ٧٩ ـ ٨١.

(٢٥٨) ـ نفس المصدر.


ج ـ قال العلامة الطباطبائي (ره) : «وبالجملة معنى كون الرؤيا من الأحاديث ، أنّها من قبيل تصور الأمور للنائم كما يتصور الأنباء والقصص بالتحدي اللفظي ، فهي حديث إما ملكي أو شيطاني أو نفسي كما تقدم ، لكم الحق أنّها من أحاديث النفس بالمباشرة ، وسيجيء إستيفاء البحث في ذلك إن شاء الله تعالى. هذا لكن الظاهر المتحصل من قصته عليه السلام المسرودة في هذه السورة أنّ الأحاديث التي عَلّمه الله تعالى تأويلها أعم من أحاديث الرؤيا ، وإنما هي الأحاديث ؛ أعني الحوادث والوقائع التي تتوصر للإنسان أعم من أن تتصور له في يقظة أو منام ، فإنّ بين الحوادث والأصول التي تنشأ هي منها والغايات التي تنتهي إليها إتصالاً لا يسع إنكاره ، وبذلك يرتبط بعضها ببعض ، فمن الممكن أن يهتدي عبد بإذن الله تعالى إلى هذه الروابط فينكشف له تأويل الأحاديث والحقائق التي تنتهي هي إليها. ويؤيده فيما يرجع إلى المنام ما حكاه الله تعالى من بيان يعقوب تأويل رؤيا يوسف عليه السلام ، وتأويل يوسف لرؤيا نفسه ، ورؤيا صاحبيه في السجن ، ورؤيا عزيز مصر وفيما يرجع إلى اليقظة ما حكاه عن يوسف في السجن بقوله :( قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ) [يوسف / ٣٧] ، وكذا قوله :( فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ) [يوسف / ١٥] ، وسيوافيك توضيحه إن شاء الله تعالى»(٢٥٩) .

__________________

(٢٥٩) ـ الطباطبائي ، السيد محمد حسين : الميزان في تفسير القرآن ، ج ١١ / ٧٩ ـ ٨١.


٤ ـ البشرى :

هي الرؤيا الحسنة التي يبشر بها المؤمن ، وإلى ذلك يُشير قوله تعالى :( لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ) [يونس / ٦٤].

٥ ـ النجوى :

هي الرؤيا المحزنة للمؤمن ، كما يوضح ذلك قوله تعالى :( إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) [المجادلة / ١٠].

قال الشيخ الطبرسي (ره) : «وقيل : إنّ الآية المراد بها أحلام المنام التي يراها الإنسان في نومه محزنة. وورد في الخبر عن أبي عبد الله بن مسعود قال : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج إثنان دون صاحبهما ، فإنّ ذلك يحزنه»(٢٦٠) .

وبعد بيان وإيضاح أسماء المنامات والرؤى في القرآن الكريم ؛ تبين لنا أنّها من المسائل المهمة في حياة وطبيعة البشر ، بل هي من المسائل التي شغلت أذهان البشر للتعرف على حقيقتها ، وما الفائدة منها.

__________________

(٢٦٠) ـ الطبرسي ، الشيخ الفضل بن الحسن : مجمع البيان في تفسير القرآن ، ج ٩ ـ ١٠ / ٣١٧.


٢ ـ أقسام الرؤى

الأول ـ تقسيم الروايات

الثاني ـ تقسيم العلماء

الثالث ـ تقسيم العلم الحديث



الأول ـ تقسيم الروايات :

يمكن تقسيم الرؤى في الروايات من خلال ما رواه المسلمون في كتبهم كالتالي :

أ ـ مرويات الإمامية :

١ ـ عن علي بن إسماعيل بن موسى بن جعفر ، عن أبيه ، عن آبائه عليهم السلام ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (الرؤيا ثلاثة : بشرى من الله ، وتحزين من الشيطان ، والذي يُحدِّث به الإنسان نفسه فيراه في منامه)(٢٦١) .

٢ ـ وقال صلى الله عليه وآله وسلم : (الرؤيا من الله ، والحلم من الشيطان)(٢٦٢) .

٣ ـ عن أبي عبد الله عليه السلام قال : (الرؤيا على ثلاثة وجوه : بشرى من الله للمؤمن ، وتحذير من الشيطان ، وأضغاث أحلام)(٢٦٣) .

ب ـ مرويات السنة :

١ ـ عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب ، وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثاً ، ورؤيا المسلم جزء من ستة وأربعين جزء من ال نبوة.

والرؤيا ثلاث : فالرؤيا الصالحة بشرى من ا لله ، والرؤيا من تحزين الشيطان ، والرؤيا مما يُحدِّث نفسه ، وإذا رأى أحدكم ما يكره ، فليقم وليتفل ولا يحدث به الناس ، وأحب القيد في النوم ، واكره الغلّ ، القيد ثبات في

__________________

(٢٦١) ـ المجلسي ، الشيخ محمد باقر : بحار الأنوار ، ج ٥٨ / ١٩١.

(٢٦٢) ـ نفس المصدر.

(٢٦٣) ـ الكليني ، الشيخ محمد بن يعقوب : الروضة من الكافي ، ج ٨ / ٩٠.


الدين ، فإن رأى أحدكم رؤيا تعجبه فليقصها إن شاء ، وإن رأى شيئاً يكرهه فلا يقصه على أحد وليقم يصلي)(٢٦٤) .

٢ ـ عن عوف بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (الرؤيا على ثلاثة : منها تخويف من الشيطان ليحزن به ابن آدم ، ومنها لاأمر يحدِّث به نفسه في اليقظة فيراه في المنام ، ومنها جزء من ستة وأربعين جزء من أجزاء النبوة)(٢٦٥) .

وبعد ذكر المرويات المتقدمة ؛ نخرج بالنتيجة التالية :

أولاً ـ أنّها متفقة على التقسيم الثلاثي وإن إختلفت الألفاظ ، إلا أنّ المعنى واحد ؛ إذ بعض المرويات عبرت بـ(بشرى من الهل) ، وبعضها بـ(جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة) والمعنى ـ بقرينة بعض الروايات ـ كما عن أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : (الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزء من النبوة)(٢٦٦) . وعن أبي قتادة ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (الرؤيا الصالحة بشرى من الله ، وهي جزء من أجزاء النبوة)(٢٦٧) . إذن ، لا خلاف بين هذه الروايات في المعنى.

ثانياً ـ قوله صلى الله عليه وآله وسلم : (إذا اقترب الزمان) ، وعلى رواية أخرى : (إذا تقارب الزمان) : فيه وجوه أهمها ما ذكره ابن الأثير : «أراد إقتراب الساعة. وقيل : إعتدال الليل والنهار ، وتكون الرؤيا صحيحة لإعتدال الزمان»(٢٦٨) .

__________________

(٢٦٤) ـ السيوطي ، عبد الرحمن بن ابي بكر : الدر المنثور ج ٣ / ٣١٢.

(٢٦٥) ـ نفس المصدر / ٣١٣.

(٢٦٦) ـ نفس المصدر.

(٢٦٧) ـ ابن الأثير ، المبارك بن محمد الجزري : النهاية في غريب الحديث والأثر ، ج ٤ / ٣٣.

(٢٦٨) ـ نفس المصدر.


ثالثاً ـ قوله : (لم تكن رؤيا المؤمن تكذب ، وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثاً) ،

فيه وجوه :

١ ـ قال النووي ـ في شرح الصحيح ـ : «ظاهره أنه على إطلاقه ، حكى القاضي عن بعض العلماء أنّ هذا يكون في آخر الزمان عند إنقطاع العلم موت العلماء والصالحين ومن يستضاء بقوله وعمله ، فجعله الله تعالى جابراً وعوضاً ومنبهاً لهم ، والأول أظهر ؛ لأنّ غير الصادق في حديثه يتطرق الخلل إلى رؤياء وحكايته إياها»(٢٦٩) .

٢ ـ قال الشيخ المجلسي (قده) : «لما غَيّب الله تعالى في آخر الزمان عن الناس حجتهم ؛ تفضل عليهم وأعطاهم رأياً في إستنباط الأحكام الشرعية ، مما وصل إليهم من أئمتهم عليهم السلام ، ولما حجب عنهم الوحي وخُزّانه ؛ أعطاهم الرؤيا الصادقة أزيد مما كان لغيرهم ، ليظهر عليهم بعض الحوادث قبل حدوثها»(٢٧٠) .

رابعاً ـ قوله : (جزء أو سبعين جزء من أجزاء النبوة). فيه وجوه كالتالي :

١ ـ قال ابن عبد البر : «إختلاف الآثار في هذا الباب في عدد أجزاء الرؤيا ليس ذلك عندي إختلاف متضاد متدافع ـ والله أعلم ـ ؛ لأنّه يحتمل أن تكون الرؤيا الصالحة من بعض من يراها على حسب ما يكون من صدق الحديث وأداء الأمانة والدين المتين وحسن اليقين ، فعلى قدر إختلاف الناس فيما وصفناه تكون الرؤيا منهم على الأجزاء المختلفة العدد ، فمن خلصت نيته في عبادة ربه ويقينه وصدق حديثه ؛ كانت رؤياه أصدق ، وإلى النبوة

__________________

(٢٦٩) ـ الووي ، محي الدين بن شرف : شرح صحيح مسلم ، مج ٨ ، ج ١٥ / ٢٠ (كتاب الرؤيا).

(٢٧٠) ـ المجلسي ، الشيخ محمد باقر : بحار الأنوار ، ج ٥٨ / ١٧٧.


أقرب ، كما أنّ الأنبياء يتفاضلون ، قال الله تعالى :( وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا ) [الإسراء / ٥٥].

وأيّد القرطبي بقوله : «فهذا التأويل يجمع شتات الأحاديث ، وهو أولى من تفسير بعضها دون بعض وطرحه»(٢٧١) .

٢ ـ قال الشيخ المجلسي (قده) : «لعل المراد أنّ للنبوة أجزاء كثيرة ، سبعون منها من قبل الرأي ؛ أي الإستنباط اليقيني ، لا الإجتهاد والتظني ، والرؤيا الصادقة ، فهذا المعنى الحاصل لأهل آخر الزمان ، على تلك السبعين ، ومشابه لها وإن كان في النبوة أقوى»(٢٧٢) .

٣ ـ يمكن الجمع بين هذين القولين بما يلي :

أ ـ إنّ ذكر عدد الأجزاء بـ(سبعين ، أو ستين ، أو خمسين ، أو أربعين) ـ كما ورد في الروايات ، لعله من باب التمثيل ، كما قيل في قوله تعالى :( إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً ) [التوبة / ٨٠]. وقوله تعالى :( ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا ) [الحاقة / ٣٢].

وأيضاً ورد عدد (أربعين) في بعض الآيات كما في قوله تعالى :( وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ) [البقرة / ٥١]. وقوله تعالى :( فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً ) [المائدة / ٢٦]. وقوله تعالى :( حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ) [الأحقاف / ١٥]. ففي كل هذه الآيات لعلها كناية عن الكثرة وطول المدة وما شابه ذلك.

__________________

(٢٧١) ـ القرطبي ، محمد بن احمد : الجامع لأحكام القرآن ، ج ٩ / ١٢٣.

(٢٧٢) ـ المجلسي ، الشيخ محمد باقر : بحار الأنوار ج ٥٨ / ١٧٧.


ولهذا لم يهتم ابن عبد البر بالعدد ، وقال : «إختلاف الآثار في هذا الباب في عدد أجزاء الرؤيا ، ليس ذلك عندي إختلاف متضاد متدافع». فبقوله هذا جمع بين هذه الروايات.

ب ـ يتفق الشيخ المجلسي وابن عبد البر على أنّ العبد كلما أخلص لله صدقت رؤياه وشُبِّه بالأنبياء من حيث صدق الرؤيا ، فكما أنّ المؤمنين على درجات من الإخلاص ، كذلك الأنبياء على درجات من المراتب والفضل.

خامساً ـ قوله : (وأكره الغُلّ) ، يمكن إرجاع ذلك إلى معنيين كالتالي :

١ ـ (الغُلّ : مختص بما يُقيّد به فيجعل الأعضاء وسطه ، وجمعه أغلال ، وغُلَّ فلان قيّد به. قال :( خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ) [الحاقة / ٣٠] وقيل للبخيل هو مغلول اليد ، قال تعالى :( وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ ) [الإسراء / ٢٩].

٢ ـ الغِلّ : العداوة والضغن ، قال تعالى :( وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ ) [الأعراف / ٤٣](٢٧٣) .

وبعد هذا لا مانع من إرادة المعنيين ؛ حيث أنّ البخل والضغن والعداوة مانعة من الرؤيا الصادقة.

الثاني ـ تقسيم العلماء :

لعلّ أهم تقسيم للعلماء هو ما يلي :

١ ـ حديث النفس بالشيء والفكر فيه ، حتى يحصل كالمنطبع في النفس ، فيخيل إلى النائم ذلك بعينه وأشكاله ونتائجه ، فمثلاً : ضعيف النفس الخائف

__________________

(٢٧٣) ـ الراغب الإصفهاني ، الحسين بن محمد : المفردات في غريب القرآن ، ج ٢ / ٤٧٠.


الذعران يتصور في نومه أموراً هائلة ، وكذلك البغض والعداوة والعجب ونحو ذلك يرى صوراً تناسبه وتلائمه.

٢ ـ تأثير الطبايع وما يكون من قهر بعضها لبعض ، فيطرب المزاج ويتخيل لصاحبه ما يلائم ذلك الطبع الغالب ، فترى من أثرت فيه حرارة أو برودة بالغة يرى في منامه نيراناً مؤججة ، أو نزول ثلج والمطر ، ومن إمتلأت معدته يرى رؤيا مشوشة لا ترجع إلى طائل.

٣ ـ ألطاف من الله عَزّ وجَلّ لبعض خلقه ، من تنبيه وتيسير وأعذار وإنذار ، فيلقى في روعه ما ينتج له تخيلات وأمور تدعوه إلى الطاعة والشكر على النعمة ، وتزجره عن المعصية وتخوّفه الآخرة ويحصل له مصلحة وزيادة فائدة ، وفكر يحدث له معرفة.

٤ ـ أسباب من الشيطان ووسوسة يفعلها للإنسان ويُذكره بها ، أموراً تحزنه وأسباباً تغمه فيما لا يناله ، أو يدعوه إلى ارتكاب محظور يكون فيه هلاكه ، أو تخيل شبهة في دينه ، وذلك مختص بمن عدم التوفيق لعصيانه وكثرة تفريطه في طاعات الله سبحانه.

٥ ـ ما يكون من غير سبب إعتقاداً مبتدأ.

الثالث ـ تقسيم العلم الحديث :

تفيد الأبحاث العلمية أنّ النائم يحلم بمعدل مرة واحدة كل حوالي مائة دقيقة نوم ويدوم كل حلم حوالي ١٥ دقيقة في النصف الأول من الليل في حين تزيد المدة في النصف الثاني من الليل إلى حوالي الضعفين. أي ثلاثة دقيقة.

وقد قسم العلماء الأحلام التي تحدث للإنسان أثناء النوم إلى ما يلي :

١ ـ ما تحدث للإنسان أثناء النوم إلى عدة مجموعات :


الأولى ـ وتمثل أحلام القلق ؛ وهي تدل على أنّ الشخص الذي يحلم بها يعاني من القلق وغير واثق من نفسه ، ويبحث دائماً عن سبب ـ ربما يكون وهمياً ـ يلقي عليه قلقه.

الثانية ـ وهي أحلام تؤدي دور التعويض عن أمور خاسرة في الحياة وهي تدل على أنّ الشخص الذي يحلم بها غير راضٍ عن نفسه.

الثالثة ـ وهي أحلام العدوان والغريب أنّ الشخص الذي يحلم بها في حياته الواقعية يبدو هادئاً خجولاً ، يحرص على شعور غيره ، في حين أنّه في الحقيقة يخفي تحت هذا المظهر الهادئ شخصية أخرى مختلفة تماماً عما يبدو عليه.

الرابعة ـ وهي الأحلام المتكررة ؛ حيث يتكرر نفس الحلم أكثر من ليلة ، وقد يتحقق ، ولم يستطع العلماء تفسير هذه الظاهرة ، ولكنهم يحذرون منها إذا كانت لها دلالة معينة لصاحبها.

هذا وتعد الأحلام وتفسيرها مجالاً واسعاً خاض فيه العلماء بالبحث والدراسة المستضيفة ، وبرغم هذا فما زال عالم الأحلام عالماً خفياً يحتاج إلى كثير من البحوث والدراسات العلملية»(٢٧٤) .

٢ ـ دلت الأبحاث العلمية الحديثة في فيزيولوجيا النوم والأحلام على أنّ هناك نوعين من الأحلام ، وعلى أنّ الأحلام لا تنجم فقط عن مشاعر وأحاسيس وأفكار في العقل الباطن ، وإنما يكون الكثير منها نتيجة لتفكير عقلي ومنطقي ناجم عن أعمال القشرة المخية نفسها ، وقد أظهرت الإكتشافات الحديثة أنّ الأحلام لا تقتصر على فترة النوم الحالم ، بل تحدث أيضاً في

__________________

(٢٧٤) ـ عبد الصمد ، محمد كامل : ثبت علمياً ، ج ٣ / ٤١.


فترة النوم الهادئ. ويقول الدكتور الجلبي : في الحقيقة هناك نوعان من الأحلام :

النوع الأول ـ يحدث في فترة النوم الهادئ ، وتتصف هذه الأحلام بكونها ذات علاقة مباشرة بالحياة ، وبصورة منطقية وعقلية سليمة. وقد تكون نتائج هذه الأحلام في بعض الأحيان إيجاد معدلة حسابية أو إكتشاف علمي أو حل معضلة إجتماعية.

ويتصف هذا النوع من الأحلام بأنّه نتائج أفعال ونشاط القشرة المخية في مقدمة الدماغ.

النوع الثاني ـ ويحدث في فترة النوم الحالم. ويكون نتيجة فعالية شديدة في منطقة تقع في الجزء الخلفي من المخ ، وتسمى بتشكيلة الشبكية ، ونوايا المنطقة الذيلية من البونس (في جذع الدماغ) أو تكون نتيجة نشاط الجزء الخلفي من المخ.

وتتصف هذه الأحلام بكونها نتيجة لرغبات وأفكار وعوامل مكبوتة في اللاشعور.

وهكذا نجد أنّ النوع الأول من الأحكام أكثر منطقية ، وأقل تشويهاً ، ويتصف بقلة الخيالات الوهمية ، ويتعلق أساساً بواقع الحياة ومنطقها ، ويتصل إتصالاً مباشراً بالتجربة العملية التي يمر بها الشخص في تلك المرحلة ، ويخلو من العواطف والأحاسيس العميقة.

أما النوع الثاني من الأحلام ؛ فهو نوع عاطفي ، يتصف بالغرابة ، وإختلاط المرئيات والأسماع. ويجب الإنتباه إلى أنّه كثيراً ما يشترك هذان


النوعان من الأحلام بالظهور في آن واحد ، وقد يختلط الأول بالآخر ، وليس من الضروري وجودهما كلاً على حده»(٢٧٥) .

وبعد عرض هذين النوعين ، ترتب على ذلك النتيجة التالية :

١ ـ الأحلام الإختراعية :

ساعدت الأحلام الكثير من المخترعين على إكتشافاتهم الفريدة ، التي أسهمت فيما بعد في تطوير الحياة الإجتماعية ، ومن الشواهد على ذلك ما يلي :

«فقد رأى (إلياس هاو) في القرن التاسع عشر في منامه أنّ الأهالي يرمون بالرماح وفي نهاية كل رمح ثقب على شكل العين. وعندما إستيقظ عرف على الفور أنّه حَلّ مشكلة موضع الثقب في إبرة ماكينة الخياطة التي إخترعها»(٢٧٦) .

ومن تلك الأحلام الإختراعية ، حلم رآه (أوجست كيكولي) الذي كان يبحث طويلاً لمعرفة التركيب الكيميائي للبنزين. فقد أعلن أمام المؤتمر العلمي في جامعة غنت عام ١٨٩٠ م :

«أدركت الكرسي جهة النار ، وغلبني النعاس ومرة أخرى أخذت الذرات تتناثر أمام عيني ، وكانت جميعها تتواءم وتتلوى فيما يشبه حركة الثعبان ، ولكن انظر ما هذا؟

إنّ أحد الثعابين قد أمسك بذيله ، وبرزت الصيغة الكيميائية ساخرة أمام عيني ، واستيقظت في لمح البصر.

__________________

(٢٧٥) ـ باشا ، الدكتور حسان شمسي : النوم والأرق والأحلام بين الطب والقرآن / ١٤٠ ـ ١٤١.

(٢٧٦) ـ نفس المصدر / ١٤٤.


لقد استطاع أستاذ الكيمياء (كيكولي) رؤية الثعبان يضع ذيله في فمه ، وأن يتحول ذلك إلى نظرية الحلقة التي وضعت أساس تركيب البنزين ، وهو إكتشاف أحدث فيما بعد ثورة في الكيمياء العضوية»(٢٧٧) .

٢ ـ الأحلام التنبؤية :

ويتسائل سيد قطب عن طبيعة الأحلام التنبؤية قائلاً :

«تقول مدرسة التحليل النفسي : إنّها صور من الرغبات المكبوتة تتنفس بها الأحلام في غياب الوعي. وهذا يمثل جانباً من الأحلام ، ولكنه لا يمثلها كلها. و (فرويد) ذاته على كل تحكمه غير علمي وتحكمه في نظريته ـ يقرر أنّ هناك أحلاماً تنبؤية. فما طبيعة هذه الأحلام التنبؤية؟

إنّ حواجز الزمان والمكان هي التي تحول بين هذا المخلوق البشري وبين رؤية ما نسميه الماضي أو المستقبل وإن ما نسميه ماضياً أو مستقبلاً إنما يحجبه عنا عامل الزمان وإنّ حاسة ما في الإنسان لا نعرفه كنهها تستيقظ أو تقوى في بعض الأحيان فتتغلب على حاجز الزمان أو المكان.

ويقول : إننا ملزمون بالإعتقاد بأن بعض الرؤى تحمل نبؤات عن المستقبل القريب أو البعيد» ، وقد أورد سيد قطب قصة حدثت معه ، يقول : وأستطيع أن أكذب كل شيء قبل أن أكذب حادثاً وقع لي وأنا في أمريكا وأهلي في القاهرة ، وقد رأيت فيما يرى النائم ابن أخت لي شاباً ، وفي عينه دم يحجبها عن الرؤية ، فكتبت أستفسر عن عينه بالذات ، فجاءني الرد بأنّ عينه قد أصيبت بنزيف داخلي وأنّه يعالج. ويلاحظ أنّ النزيف الداخلي لا يرى من الخارج ،

__________________

(٢٧٧) ـ المصدر السابق / ١٤٥.


فقد كان منظر عينه لمن يراها بالعين المجردة منظراً عادياً ، ولكنها كانت محجوبة عن الإبصار بالنزف الداخلي في قاعها.

أما الرؤيا فقد كشفت عن هذا الدم المحجوب في الداخل! ولا أذكر غير هذه لأنّها وحدها تكفي»(٢٧٨) .

__________________

(٢٧٨) ـ سيد قطب : في ظلال القرآن ، ج ٤ / ١٩٧٢.



٣ ـ أهمية الرؤيا

أ ـ تاريخ الرؤى

ب ـ فوائد الرؤى



أ ـ تاريخ الرؤى :

يمكن تركيز البحث في تاريخ الرؤى وتفسيرها عند الإنسان فيما يلي :

«من أوائل الكتب التي كتبت في تفير الأحلام ما كتبه أرتيميدورس الروماني عام ١٥٠ م ، ولكن من تفسير الأحلام ما يرجع إلى ما قبل هذا التاريخ بعدة قرون. فألواح الصلصال التي كانت تضمها مكتبة الملك الآشوري (آشور بانيبال) ، تحمل مجموعة تفسيرات الأحلام وتشري إلى أنّها مستمدة من تراث أقدم ، بل إنّ أوراق البردي المصرية التي يعود تاريخها إلى عام ٣٠٠ قبل الميلاد كان تتضمن تفسيراً للعديد من الأحلام»(٢٧٩) .

١ ـ الأحلام عند فلاسفة الإغريق :

«كان (أفلاطون) يعتقد أنّ الكبد هو مقر الأحلام ، وكان (جالينوس) يرى أنّ كل الأحلام تحذيرات صحية. لكن (أرسطو) كان يعتقد أنّها تأثيرات عقلية ناجمة عن أسباب جسمية. وكان (ديمقريطس) يعتقد أنّ سببها أشياء تسبح في الفضاء وتهاجم الروح أثناء النوم.

ويرى (بليني) أنّ أسبابها (فوق طبيعية Supernatural ) ، ومن المحتمل أن يكون (أبو قراط) أقربهم إلى الحقيقة عندما قال : إنّ بعض الأحلام أساسه مقدس ، والبعض الآخر هو نتيجة مباشرة للجسم أو البدن»(٢٨٠) .

٢ ـ موقف الكنيسة من الأحلام في العصور الوسطى في أوروبا :

«تقول الكاتبة (نيريس دي) : (بعد ملوك تيودور أصبحت الأحلام ملعونة من وجهة نظر الكنيسة. فقد تناسى الرسميون في نظام الكنيسة المسيحية

__________________

(٢٧٩) ـ باشا ، الدكتور حسان شمسي : النوم والأرق والأحلام بين الطب والقرآن / ١٥١ ـ ١٥٢.

(٢٨٠) ـ نفس المصدر.


حقيقة أنّ الأحلام كانت في الماضي تحذِّر وتلهم ، ومن ثم صنّفت الأحلام مع غيرها من الفنون التي لها أسرارها ، على أنّها من عمل الشيطان»(٢٨١) .

٣ ـ الأحلام في العصور الوسطى في اليابان :

«قبل هور البوذية كان الإمبراطور الياباني هو الذي يقوم بالحلم ، وكانت حضانة الأحلام جزءاً من واجباته الدينية ، وقد إحتوى قصره على قاعة خاصة بالأحلام مزودة بسرير خاص يعرف باسم كامودوكو ينام عليه ، كلما واجهت البلاد كارثة يريد حلاً لها»(٢٨٢) .

ب ـ فوائد الرؤى :

س / هل توجد فوائد للرؤى أم لا؟

ج / قبل الإجابة على هذا السؤال ، ينبغي الإشارة إلى ما روي عن إمامنا الصادق عليه السلام : (فَكِّر يا مُفَضّل في الأحلام ، كيف دبّر الأمر فيها؟ فمزج صدقها بكاذبها ، فإنّها لو كانت تصدق ؛ لكان الناس كلهم أنبياء ، ولو كانت كلها تكذب ؛ لم يكن فيها منفعة ، بل كانت فضلاً لا معنى له ، فصارت تصدق أحياناً فينتفع بها الناس ، في مصلحة يهتدى لها ، أو مَضرّة يتحذر منها ، وتكذب كثيراً لئلا يعتمد عليها كل الإعتماد)(٢٨٣) .

وبعد الإشارة إلى هذا الحديث : نستعرض الفوائد التالية :

أولاً ـ إنّها الحوادث التي يستدل بها على وجود عالم قادر مختار ، ولشدّة لطافتها ، ودقة مأخذها ، وفسحة عالمها ، وكثرة العجايب المودعة فيها ، فإنّ

__________________

(٢٨١) ـ المصدر السابق.

(٢٨٢) ـ نفس المصدر.

(٢٨٣) ـ الخليلي ، محمد بن الشيخ صادق : من أمالي الإمام الصادق ، ج ١ / ٢٨١ ـ ٢٨٢.


الحادث كلما كان أتم وأعجب وأتقن ؛ كان دلالته على ما ذكر أوضح وأحسن ، بل لكونها من عالم الغيب ـ ولا ريب في وجودها لأحد ؛ إذ ما من أحد إلا ورأى في عمره منامات كثيرة ـ صادقة ؛ فكانت من أحسن الطرق إلى تصديق الغايب عن جميع الحواس.

ثانياً ـ أنّها تدل على صدق الرسل المستلزم لثبوت مرسلها ، وعلى صدق ما أخبروا به من أحوال بعد الموت وأحواله المستلزمة لثبوت رسالتهم المستلزم له أيضاً ولعل إلى هذا يشير قوله تعالى :( وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ ) [الروم / ٢٣] ، إن كان المراد بالمنام الرؤيا وهو أحد إطلاقاته كما في قوله عليه السلام : (لا يزال المنام طايراً حتى يُقصّ). ويُؤيّد بما رواه الحسن بن عبد الرحمن ، عن أبي الحسن عليه السلام قال : (إنّ الأحلام لم تكن فيما مضى في أول الخلق ، وإنما حدثت. فقلت : وما العلة في ذلك؟ فقال : إنّ الله عَزّ ذكره بعث رسولاً إلى أهل زمانه فدعاه إلى عبادة الله وطاعته ، فقالوا : إن فعلنا ذلك فمالنا؟ فوالله ما أنت بأكثرنا مالاً ولا بأعزنا عشيرة. فقال : إن أطعتموني أدخلكم الله الجنة ، وإن عصيتموني أدخلكم الله النار ، فقالوا : وما الجنة والنار؟ فوصف لهم ذلك. فقالوا : متى نصير إلى ذلك؟ فقال : إذا متم. فقالوا : لقد رأينا أمواتنا صاروا عظاماً ورفاتاً فازدادوا له تكذيباً وبه استخفافاً ، فأحدث الله عَزّ وجَلّ فيهم الأحلام ، فأتوا فأخبروه بما رأوا وما أنكروا من ذلك. فقال : إنّ الله عَزّ وجَلّ أراد أن يحتج عليكم بهذا ، هكذا تكون أرواحكم إذا متم وإن بليت أبدانكم تصير الأرواح إلى عقاب حتى تبعث الأبدان)(٢٨٤) .

__________________

(٢٨٤) ـ المجلسي ، الشيخ محمد باقر : مرآة العقول ، ج ٢٥ / ٢٠٢ ـ ٢٠٣.


ثالثاً ـ إنّها طريق لتلقي التكاليف الكلية ، والنواميس الإلهية التي بها تنظيم أمور العباد ، مما يتعلق بالمعاش والمعاد ، وهو مختص بمن إصطفاهم الله تعالى للإنباء ، وجعلهم وسايط ما ينزله من السماء ، وهذا ما يستفاد من الرويات التالية :

١ ـ ما ورد في حديث الزنديق مع أمير المؤمنين عليه السلام : (وكلام الله ليس بنحو واحد ، منه : ما كَلّم الله به الرسل ، ومنه : ما قذف في قلوبهم ، ومنه : رؤيا يراها الرسل ، ومنه وحي وتنزيل يتلى ويقرأ ، فهو كلام الله عزّ وجلّ)(٢٨٥) .

٢ ـ ما روي عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى :( وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا ) (٢٨٦) . أنّ النبي الذي يرى في منامه(٢٨٧) . إلى غير ذلك من الروايات التي تؤكد على هذه الفائدة.

رابعاً ـ إنّها طريق إلى معرفة وجود عالم كبير واسع مشتمل على نظير جميع ما يوجد في هذا العالم.

خامساً ـ إنّها طريق إلى معرفة حال نفسه من السعادة والشقى ، ومقامه عند ربه في السخط والرضا ، وتصديق جزء الأعمال الحسنة والقبيحة ، ومن هذا قوله تعالى :( الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) [يونس / ٦٣ ـ ٦٤]. والمشهور بين الإمامية وغيرهم الإتفاق على أنّ المقصود بالبشرى في الآية الرؤيا الصالحة ، يراها المؤمن في الدنيا ، ويؤيد ذلك الروايات التالية :

__________________

(٢٨٥) ـ الطبرسي ، احمد بن علي : الإحتجااج ، ج ١ / ٢٤٣.

(٢٨٦) ـ مريم / ٥١.

(٢٨٧) ـ الكليني ، الشيخ محمد بن يعقوب : الكافي ، ج ١ / ١٧٦.


١ ـ عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال : أتى رجل من أهل البادية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا رسول الله ، أخبرني عن قول الله( الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ *لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ) ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أما قوله( لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) ؛ فهي الرؤيا الحسنة تُرى للمؤمن فيبشر بها في دنياه. وأما قوله( وَفِي الْآخِرَةِ ) فإنّها بشارة المؤمن عند الموت ، أنّ الله قد غفر لك ، ولمن يحملك إلى قبرك)(٢٨٨) .

٢ ـ عن أبي الدرداء ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله تعالى :( لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ) قال : (هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له ، فهي بشراه في الحياة الدنيا ، وبشراه في الآخرة الجنة)(٢٨٩) .

سادساً ـ إنّه مثال للموت والإنتباه بعده ، ومثال للبعث والنشور ، ونستفيد هذا من قوله صلى الله عليه وآله وسلم : (يا بني عبد المطلب ، إنّ الرايد لا يكذب أهله ، الذي بعثني بالحق لتمتن كما تنامون ، ولتبعثون كما تستيقظون ، وما بعد الموت دار ، إلا جنة أو نار)(٢٩٠) . وإلى هذا يشير قوله تعالى :( وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) [الأنعام / ٦].

سابعاً ـ الرؤيا سبب لتجلي الأسرار ؛ لأنّ في نفس كل إنسان أموراً مكتومة يخفيها عن الآخرين تظهر وتتجلى بصورة ما في المنام ، بحيث يتعجب عندما يسمع بها على لسان الآخرين ، لشدة خفائها في مكنون نفسه ، ومن هذا الباب ما يلي :

__________________

(٢٨٨) ـ المجلسي ، الشيخ محمد باقر : بحار الأنوار ، ج ٥٨ / ١٩١ ـ ١٩٢.

(٢٨٩) ـ السيوطي ، عبد الرحمن بن ابي بطر : الدر المنثور ، ج ٣ / ٣١١.

(٢٩٠) ـ النوري ، ميرزا حسين الطبرسي : دار السلام ، ج ١ / ٢٤.


«إنّ رجلاً جاء إلى ابن سيرين وقال ل : رأيت في المنام كأنْ أقشّر بيض الدجاج المسلوق ، فآكل بياضه وأرمي بصفاره. فقال له هل أنت رأيت ذلك؟ قال : نعم. قال ابن سيرين لمن حوله هذا هو سارق الأكفان. ولما تحققوا الأمر ؛ وجدوا أنّه كما أخبر ابن سيرين»(٢٩١) .

ثامناً ـ تقول الكاتبة الشهيرة (نيريس دي) : «ولا شك في أنّ أحلام المشهورين ، وغير المشهورين عبر العصور قد ساعدت في عمل التاريخ ، وتشكيل حياتنا المعاصرة ، وأحلامهم على أية حال لا تختلف في جوهرها عن أحلامنا. فعندنا جميعاص أحلام تنبؤية وتحذيرية وإلهامية ، كما عندهم. ولكننا إذا لم نقبل هذه الأحلام كمصادر للقوة والفكر الأصيل ، وإذا لم نسلم بأننا نستطيع أن نحصل منها على كل المعلومات والحلول التي نحتاجها في حياتنا فإنّها ستقنع بالبقاء منزوية في الوراء كأصدقاء خجولين»(٢٩٢) .

__________________

(٢٩١) ـ المطهري ، الشيخ مرتضى : التوحيد / ١٥٠.

(٢٩٢) ـ باشا ، الدكتور حسّان شمسي : النوم والأرق والأحلام بين الطب والقرآن / ١٥٤.


٤ ـ نتيجة البحث

أولاً ـ توجيه العلماء لحديث (من رآني).

ثانياً ـ بيان حقيقة رؤيا النبي وأهل بيته (عليهم السلام).

ثالثاً ـ حجية رؤيا المعصوم (عليهم السلام).



بعد عرض ما تقدم من أبحاث الرؤى والمنامات ؛ تبين لنا أنّ هناك أبحاثاً لا ينبغي إهمالها ، ولعلّ من أهمها ما يلي :

أولاً ـ توجيه العلماء لحديث (من رآني) :

هذا الحديث رواه الحسين بن علي بن فضال ، عن الرضا عليه السلام : (أنّه قال له رجل من أهل خراسان : يا ابن رسول الله ، رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المنام كأنّه يقول لي : كيف أنتم إذا دفن في أرضكم بضعتي ، واستحفظتم وديعتي ، وغُيِّب في ثراكم نجمي. فقال الرضا عليه السلام : أنا المدفون في أرضكم ، وأنا بضعة من نبيكم ، وأنا الوديعة والنجم ، ولقد حدثني أبي عن جدي ، عن أبيه ، عن آبائه (عليهم السلام) أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : من رآني في منامه ؛ فقد رآني ؛ لأنّ الشيطان لا يتمثل في صورتي ، ولا في صورة أحد من أوصيائي ، ولا في صورة أحد من شيعتهم ، وإنّ الرؤيا الصادقة جزء من سبعين جزء من النبوة)(٢٩٣) .

وقد أوضحه العلماء بالوجوه التالية :

١ ـ الشيخ المفيد :

«فأما الخبر الذي يروى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قوله : (من رآني فقد رآني ، فإّ الشيطان لا يتشبه بي). فإنّه إذا كان المراد بن المنام ، يحمل على التخصيص دون أن يكون في كل حال ، ويكون المراد به القسم الأول من الثلاثة أقسام ـ أي المحتمل فيه الصحة والبطلان ـ ؛ لأنّ الشيطان لا يتشبّه بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في شيء من الحق والطاعات»(٢٩٤) .

__________________

(٢٩٣) ـ الصدق ، الشيخ محمد بن علي ابن بابويه القمي : عيون أخبار الرضا ج ١ / ٢٨٧ ـ ٢٨٨.

(٢٩٤) ـ الكراجكي ، الشيخ محمد بن علي بن عثمان : كنز الفوائد ، ج ٢ / ٦٣.


٢ ـ السيد المرتضى :

«.. هذا خبر واحد ضعيف من أضعف أخبار الآحاد ، ولا مُعَوّل على مثل ذلك ، على أنّه يمكن مع تسليم صحته أن يكون المراد به : من رآني في اليقظة ؛ فقد رآني على الحقيقة ؛ لأنّ الشيطان لا يتمثل بي لليقظان ؛ فقد قيل : إنّ الشياطين ربّما تمثلت بصورة البشر ؛ وهذا أشبه بظاهر ألفاظ الخبر ؛ لأنّه قال : (من رآني ؛ فقد رآني) فأثبت غيره رائياً له ، ونفسه مرئية ، وفي النوم لا رائي في الحقيقة ولا مرئيّ ، وإنّما ذلك في اليقظة. ولو حملناه على النوم ؛ لكان تقدير الكلام : من إعتقد أنّه يراني في منامه وإن كان غيره راءٍ لي على الحقيقة ، فهو في الحكم كأنّه قد رآني ، وهذا عدول عن ظاهر لفظ الخبر وتبديل لصيغته»(٢٩٥) .

٣ ـ الشيخ المجلسي :

«والظاهر أنّها ليست رؤية بالحقيقة ، وإنما هو بحصول الصورة في الحس المشترك أو غيره بقدرة الله تعالى. والغرض من هذه العبارة ، كأنّه يقول رجل : من أراد أن يراني ؛ فليرَ فلان ، أو من رأى فلان ؛ فقد رآني ، أو من وصل فلان ؛ فقد وصلني. فإنّ كل هذه محمولة على التجوز والمبالغة ، ولم يرد بها معناها حقيقة»(٢٩٦) .

__________________

(٢٩٥) ـ المرتضى ، علي بن الحسين الموسوي : أمالي المرتضى ، ج ٢ / ٣٩٤ ـ ٣٩٥.

(٢٩٦) ـ المجلسي ، الشيخ محمد باقر : بحار الأنوار ، ج ٥٨ / ٢٣٧.


٤ ـ الشيخ فخر الدين الطريحي :

«وفي الخبر : (من رآني ؛ فقد رآني) ؛ يعني أنّ رؤيته صلى الله عليه وآله وسلم ليست أضغاث أحلام ، ولا تخيلات شيطان ، والرؤية بخلق الله لا يشترط فيها مواجهة ولا مقابلة. إن قيل : بالجزاء هو الشرط؟

أجيب بإرادة الزمه ؛ أي فليستبشر فإنّه رآني )(٢٩٧) .

أقول : هذا الرأي قال به الكرماني في شرح البخاري : «(فقد رآني) ؛ أي رؤيته ليست أضغاث ولا تخيلات الشيطان ، كما روي : (فقد رآني الحق). ثم الرؤية بخلق الله لا يشترط فيها مواجهة ولا مقابلة. فإن قيل : كثيراً ما يرى على خلاف صفته ، ويراه شخصان في حالة في مكانين.

قلت : ذلك ظن الرائي أنّه كذلك ، وقد يظن الظان بعض الخيالات مرئياً لكونه مرتبطاً بما يراه عادة ، فذاته الشريفة هي مرئية قطعاً لا خيال فيه ولا ظن. فإن قلت : الجزاء هو الشرط؟ قلت : أراد لازمه ، أي فليستبشر فإنّه رآني. وقال الطيبي : إيجاد الشرط والجزاء يدل على المبالغة ؛ أي رأى حقيقتي على كمالها)»(٢٩٨) .

أولاً ـ إنّ لفظ (من رآني) ، هو الشرط. ولفظ (فقد رآني) ، هو الجزاء.

ثانياً ـ لعلّ ما ذكره الشيخ الطريحي هو أساساً للكرماني ، وإقتصر على ما وافقه عليه ، وسيأتي زيادة إيضاح ورَدّ بالنسبة إلى ما ذهب إليه من إنكار رؤيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بصفات مختلفة أو يراه شخصان.

__________________

(٢٩٧) ـ الطريحي ، الشيخ فخر الدين : مجمع البحرين ، ج ١ / ١٦٨.

(٢٩٨) ـ المجلسي ، الشيخ محمد باقر : بحار الأنوار ، ج ٥٨ / ٢٣٧.


٥ ـ الشيخ يوسف البحراني :

«ظاهر الأخبار ذلك ؛ لأنّ قوله صلى الله عليه وآله وسلم : (من رأني فقد رآني) معناه في حال نومه ، فقد رآني حقيقة ، ما أنا عليه في اليقظظة. قال في النهاية : الحق ضد الباطل ، ومنه الحديث : (من رآني ؛ فقد رآني الحق) ؛ أي رؤيا صادقة ، ليست من أضغاث الأحلام. وقيل : فقد رآني حقيقة غير مُشَبِّه»(٢٩٩) .

هذه أهم الأقوال في توجيه الحديث المذكور.

ثانياً ـ بيان حقيقة رؤيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليه السلام :

إختلف العلماء في أنّ رؤيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وأهل بيته الأطهار عليهم السلام في صدورهم الحقيقة ، أو بأي صورة كانت؟

يمكن تلخيص ما ذهبوا إليه فيما يلي :

١ ـ ذهب الشيخ المفيد ، والسيد المرتضى ، والشيخ المجلسي إلى أنّها ليست على نحو الحقيقة ، كما هو المستفاد من عباراتهم السابقة ، وكما هو نَصّ الشيخ المفيد الصريح التالي :

قال الشيخ المفيد : «وقولنا في المنام الصحيح : إنّ الإنسان إذا رأى في نومه النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

إنّما معنا : أنّه كان قد رآه ، وليس المراد به التحقيق في إتصال شعاع بصره بجسد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وأي بصر يدرك به في حال نومه؟ وإنّما هي معانٍ تصورت في نفسه يخيل له فيها أمر لطف الله تعالى له به ، قام مقام العلم ،

__________________

(٢٩٩) ـ البحراني ، الشيخ يوسف : الدرر النجفية : ج ٢ / ٢٧٨.


وليس هذا بمنافٍ للخبر الذي من قوله (من رآني فقد رآني) ؛ لأنّ معناه : فكأنما رآني»(٣٠٠) .

٢ ـ ذهب الشيخ يوسف البحراني ، والشيخ فخر الدين الطريحي ، والسيد عبد الله شبّر ، إلى أنّها على نحو الحقيقة ، كما هو المستفاد من عبارة الشيخ البحراني والطريحي ، وكما هو المستفاد من عبارة السيد عبد الله شبّر التالية :

«في كون هذه الرؤيا هل هي على سبيل الحقيقة ـ بمعنى أنّ الرائي له في المنام مقل الرائي له في اليقظة ـ أم لا؟

ظاهر الأخبار ، وفي بعض أخبار العامة : (من رآني ؛ فقد رآني الحق) قال ابن الأثير في النهاية(٣٠١) : أي رؤيا صادقة ليست من أضغاث الأحلام. وقيل : فقد رآني حقيقة غير مشتبه»(٣٠٢) .

وبعد ذكر آراء العلماء حول هذا الموضوع ، ينبغي ذكر ما إستدل به الشيخ البحراني من أدلة تنفع في هذا المجال ، وهي كالتالي :

قال في مناقشة للشيخ المفيد والمجلسي : «ولا يخفى بُعده :

أما أولاً ـ فلما رواه في كتاب (كمال الدين)(٣٠٣) ، من أنّه روى في الأخبار الصحيحة ، عن أئمتنا عليهم السلام : أنّ من رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أو أحداً من الأئمة ـ صلوات الله عليهم ـ قد دخل مدينة أو قرية في منامه ،

__________________

(٣٠٠) ـ الكراجكي ، الشيخ محمد بن علي بن عثمان : كنز الفوائد ، ج ٢ / ٦٤ ـ ٦٥.

(٣٠١) ـ ابن الأثير ، مجد الدين المبارك بن محمد : النهاية في غريب الحديث والأثر ، ج ١ / ٤١٣.

(٣٠٢) ـ شبر ، السيد عبد الله : مصابيح الأنوار ، ج ٢ / ١١ ـ ١٢.

(٣٠٣) ـ كمال الدين وتمام النعمة ، للشيخ الصدوق.


فإنّه أمن لأهل المدينة أو القرية ممّا يخافون ويحذرون ، وبلوغ لما يأملون ويرجون ، فإنّ ترتب هذه الأمور على مجرد وجود الصورة في الحسن المشترك ونحوه بعيد غاية البعد.

وأما ثانياً ـ فلما تقدم من أنّ الرؤيا الصادقة عبارة عما تراه الروح بعد خروجها من الجسد حال النوم وصعودها إلى الملكوت ، فكل ما رأته فهو حق ، وهذا القائل قد إعترف بذلك في الكتاب المشار إليه ، فما المانع من أن تتصل بأحد منهم ـ صلوات الله عليهم ـ وهم في ذلك العالم بلا ريب ، ولما ورد في الأخبار من أنهم ـ صلوات الله عليهم ـ ينتقلون بعد الدفن بأجسادهم الشريفة إلى السماء ، وأنّ الزائر إنما يزور مواضع قبورهم ، فهم أحياء في السماء منعّمون كما كانوا في الدنيا ، فأي مانع من إتصال الروح لهم هناك حينئذ؟

وأما ثالثاً ـ فلا ريب أنّ الأخبار قد إستفاضت بأنّه ما من ميت يموت في شرق الأرض ولا غربها إلا ويرى حال موته النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام وليست هذه الرؤية بحاسة البصر ؛ لشمول ذلك للأعمى ومن تعطّل بصره في تلك الحال ، بل الرؤية حال النوم على حسب تلك الرؤية حال الموت ، ولا أظن هذا القائل يلتزم التجوز في رؤيتهما ـ صلوات الله عليهما ـ حال الموت ، لإستفاضة الأخبار وصحتها وصراحتها بكون الرؤية حقيقة.

غاية الأمر أنّ في المقام إشكالاً مذكوراً في محله من أنّه : كيف يمكن القول بحضورهم عليهم السلام على جهة الحقيقة مع جواز أن يموت في ساعة واحدة ألوف من الناس في أطراف الأرض من شرقها وغربها وشمالها وجنوبها؟


وهذا مجرد إستبعاد عقلي ، فإنّا لما قام لنا الدليل على ذلك ، وجب علينا القول به ، وبيان كيفية ذلك غير واجب علينا ، فإنّ ذواتهم المقدسة عليها مسحة من الذات الإلهية التي تاهت في بيداء معرفتها العقول ، وضلت في الوصول إلى حقيقتها ألباب الفحول ، ونورهم الذي خلقوا منه منشعب من نور ذاته السبحانية ، ومشتق من لوامع تلك البروق الصمدانية ، ولذا ورد في الخبر عنه صلى الله عليه وآله وسلم : (يا علي ، ما عرف الله إلا أنا وأنت ، ولا عرفني إلا الله وأنت ، ولا عرفك إلا الله وأنا)(٣٠٤) ، وهذه المعرفة جارية فيهما وفي أبنائهما المعصومين ، صلوات الله عليهم أجمعين. وحينئذ ، فلا مطمع للوقوف على كنه حقائقهم وذواتهم المقدسة كسائر الأنام ، وقياسهم على غيرهم من البشر في أمثال هذه الأحكام ، ومن نظر إلى عباداتهم وأذكارهم وتسبيحهم في عالم الأرواح ؛ علم أنّه لا مساح له عما ذكرنا ولا براح»(٣٠٥) .

ثالثاً ـ حجية رؤيا المعصوم (عليهم السلام) :

إذا رؤي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، أو أحد المعصومين عليهم السلام في عالم الرؤيا ، وأمر بأمر أو نهى عنه ، هل يجب الإلتزام به أم لا؟

قبل الإجابة على هذا السؤال ، ينبغي الإشارة إلى ما ذكره الشيخ المفيد فيما يرتبط بهذا البحث حيث قال : «فأما منامات الأنبياء ـ صلوات الله عليهم ـ فلا تكون إلا صادقة ، وهي وحي في الحقيقة ، ومنامات الأئمة ـ عليهم

__________________

(٣٠٤) ـ النمازي ، الشيخ علي : مستدرك سفينة البحار ، ج ٧ / ١٨٢.

(٣٠٥) ـ البحراني ، الشيخ يوسف : الدرر النجفية ، ج ٢ / ٢٧٩ ـ ٢٨١.


السلام ـ جارية مجرى الوحي وإن لم تُسمّ وحياً ، ولا تكون قط إلا حقاً وصدقا»(٣٠٦) .

وبعد هذا التمهيد ، نعرض ما أجاب به علماء المسلمين ، وهو كالتالي :

عند علماء العامة :

١ ـ الصفدي :

«قد تكلم الفقهاء فيمن رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمره بأمر ، هل يلزمه العمل به أم لا؟

قالوا : إن أمره بما يوافق أمره يقظة ، ففيه خلاف ، وإنْ أمره ، بما يخالف أمره يقظة ، فإن قلت : إنّ من رآه صلى الله عليه وآله وسلم على الوجه المذكور من صفته ؛ فرؤياه حق ، فهذا من قبيل تعارض الدليلين والعمل بأرجحهما ، وما ثبت في اليقظة فهو أرجح ، فلا يلزمنا العمل بما أمره مما خالف أمره يقظة»(٣٠٧) .

٢ ـ ابن حجر :

«من رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المنام فأمره بحكم يخالف حكم الشرع المستقر ، في الظاهر أنّه لا يكون مشروعاً في حقه ولا حق غيره. فالرؤيا لا تحرم حلالاً ولا تحل حراماً ، وقد حكي أنّ رجلاً صالحاً فقيراً رأى رؤيا أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم جاءه في نومه وقال له : إنّ في موضع كذا ركازاً ، إحفر وخُذهُ ، ولا تؤد خمسه ، فقام من نومه صباحاً ، فأخرج الركاز ثم ذهب إلى الشيخ عز الدين بن عبد السلام يستفتيه في عدم إعطاء خمسه لبيت المال ، حسب ما قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المنام ، فقال الشيخ عِزّ الدين : يجب عليك أن تؤدي خمسه لبيت المال

__________________

(٣٠٦) ـ الكراجكي ، الشيخ محمد بن علي : كنز الفوائد ، ج ٢ / ٦١.

(٣٠٧) ـ البهائي ، الشيخ محمد بن الشيخ حسين : الكشكول ، ج ٢ / ١٢٣.


كما أفتانا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في يقظته ، وفتواه في اليقظة مقدمة على فتواه في المنام»(٣٠٨) .

عند علماء الإمامية :

ذكر هذه المسألة مجموعة من العلماء نذكر منهم ما يلي :

١ ـ العلامة الحلي :

ذكر في أجوبة مسائل السيد مهنا بن سنان المدني ، حيث قال : «ما يقول سيدنا فيمن رأى في منامه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أو بعض الأئمة عليهم السلام ، وهو يأمره بشيء أو ينهاه عن شيء؟

هل يجب عليه إمتثال ما أمر به أو إجتناب ما نهاه عنه أم لا يجب ذلك ، مع ما صَحّ عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال : (من رآني في منامه ؛ فقد رآني ، فإنّ الشيطان لم يتمثل بيَّ) ، وغير ذلك من الأحاديث؟

وما قولكم ، لو كان ما أمر به أو نهى عنه على خلاف ما في أيدي الناس من ظاهر الشريعة ، هل بين الحالين فرق أم لا؟

أتنا في ذلك مبيّناً ، جعل الله كل صعب عليك هيّناً.

فأجاب ـ نوّر الله مرقد ه، وأعلى مقعده ـ : أما ما يخالف الظاهر فلا ينبغي المصير إليه ، وأما ما يوافق الظاهر ، فالأولى المتابعة من غير وجوب ؛ لأنّ رؤيته عليه السلام لا تعطي وجوب الإتباع في المنام»(٣٠٩) .

__________________

(٣٠٨) ـ باشا ، الدكتور حسان شمسي : النوم والأرق والأحلام بين الطب والقرآن / ١٧١.

(٣٠٩) ـ الحلي ، العلامة الشيخ الحسن بن يوسف : أجوبة المسائل المنهائية : ٩٧ ـ ٩٨. (المسألة ١٥٩).


٢ ـ الشيخ يوسف البحراني :

بعد أن ذكر جواب العلامة الحلي على سؤال مهنا بن سنان ، قال : «لا يخفى ما في كلام السائل والمسئول من التأييد لما قدمناه ، من كون الحس المشترك ، الذي هو عبارة عن مجرد تخليه وتصوره ؛ إذ مجرد التخيل والتصور لا يصح أن يترتب عليه حكم شرعي ، لا وجوباً ولا إستحباباً ، وحاصل جواب العلامة ـ رحمه الله ـ أنّه وإن كان قد رآه في المنام ، إلا أنّه لم يقم دليل على وجوب الإتباع في الرؤية النومية وهو جيد.

أما أولاً ـ فلأن الأدلة الدالة على وجوب متابعتهم وأخذ الأحكام منهم (عليهم السلام) إنما تحمل على ما هو المعروف المتكرر دائماً على الأفراد الشايعة التي ينصرف إليها الإطلاق دون النادرة.

وأما ثانياً ـ فلأنّ الرؤيا وإن كانت صادقة فإنّها قد تحتاج إلى تأويل وتفسير وهو لا يعرفه ، فالحكم بوجوب العمل بها والحال كذلك مشكل.

وأما ثالثاً ـ فلأنّ الأحكام الشرعية إنما بنيت على علوم الظاهرة ، لا على العلم بأي وجه إتفق ، ألا ترى أنهم عليهم السلام إنما يحكمون في الدعاوى بالبينات والأيمان وربما عرفوا المحقّ من المبطل واقعاً ، وربما عرفوا كفر المنافقين وفسق الفاسقين ، ونجاسة بعض الأشياء بعلومهم المختصة بهم؟ إلا أنّ الظاهر أنهم ليسوا مأمورين بالعمل بتلك العلوم في أحكام الشريعة ، وقد روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم : (إنّا نحكم بالظاهر ، والله المتولى للسرائر)(٣١٠) .

__________________

(٣١٠) ـ فخر المحققين ، الشيد محمد بن الحسن : إيضاح الفوائد ، ج ٣ / ٤٨٦.


وأما رابعاً ـ فلما ورد بأسانيد متعددة عن الصادق عليه السلام ، في أحاديث الأذان : (إنّ الله تبارك وتعالى ، أعَزّ من أن يرى في النوم)(٣١١) ...»(٣١٢) أقول : بعد ذكر ما تعرّض له العلماء من آراء حول الموضوع ، يتضح لنا أنّ إختلاف الرؤى والمنامات في تلقي الأحكام من المعصومين عليهم السلام ، أشكل الأمر على العلماء في الإعتماد على حجية الرؤيا وجعلها دليلاً شرعياً يجب العمل به ؛ إذ ليس له قاعدة كليه يجب إطرادها ، وذلك لأ نّ ما يرى في المنام قد يحتاج إلى تعبير وتأويل ، فلعلّ ما رآه مما له تعبير وهو لا يعرفه ، فكيف يمكن الإعتماد على ذلك في مقام التشريع؟ وبعد هذا البيان بقي في البحث العنوان التالي :

رؤيا المتخالفين في المذهب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) :

إنّ المتخالفين في المذهب والمعتقد قد يرى كل منهما النبي صلى الله عليه وآله وسلم في النوم ويخبر كل واحد منهما عنه صلى الله عليه وآله وسلم بضد ما يخبر به الآخر ، فكيف يكون رائياً له في الحقيقة مع هذه الإختلاف ، وقد ورد في الحديث المتقدم : (من رآني ؛ فقد رآني)؟

يتضح لنا جواب هذا السؤال من خلال ما ذكره العلماء حول هذا الموضوع ، ولعل أهم ذلك ما يلي :

الشيخ المفيد :

«إنّ من المنامات التي يتخيل للإنسان أنّه قد رأى فيها رسول الله والأئمة (صلوات الله عليهم) ، منها ما هو حق ومنها ما هو باطل ، أنك ترى المتخالفين

__________________

(٣١١) ـ المجلسي ، الشيخ محمد باقر : بحار الأنوار ج ٧٩ / ٢٣٧.

(٣١٢) ـ البحراني ، الشيخ يوسف : الدرر النجفية ، ج ٢ / ٢٨٤.


في المذهب ، يقول أحدهما : رأيت في المنام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في النوم وأمرني بكذا مما يوافق مذهبه. ويقول الآخر : رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في النوم وأمرني بكذا ، مما يوافق مذهب الآخر. فتعلم لا محالة أنّ أحد المنامين حق والآخر باطل ، فأولى الأشياء أن يكون الحق منهما ما ثبت الدليل في اليقظة على صحة ما تضمنه ، والباطل ما أوضحت الحجة عن فساده وبطلانه وليس يمكن أحدهما أن يقول للآخر : إنك كذبت في قولك إنك رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأنّه يقدر أن يقول له مثل هذا بعينه ، وقد شاهدنا بعض من إنتقل عن مذهبه وأخبرنا بأنّه يرى منامات بالضد مما كان يراه قبل ، فبان بذلك أنّ أحد المنامين باطل ، وأنّه من نتيجة حديث النفس أو وسوسة إبليس ونحو ذلك»(٣١٣) .

الشيخ يوسف البحراني :

«... لابد من تخصيص الخبر المذكور برؤيا المؤمن خاصةً ، لما عرفت آنفاً من إشتراط صحة الخبر غالباً بالإيمان والصلاح والتقوى ، وإن فرضنا صدق رؤيا غيره ، فهو نادر ، فيحمل الخبر على ما هو الأكثر الغالب.

وأما الكافر والكاذب والمخلط وإن صدقت رؤياهم في بعض الأحيان ؛ فلأنّها لا تكون من الوحي ولا من النبوة ، إذ ليس كل من صدق في حديث عن غيب يكون خبره نبوة ، بدليل الكاهن والمنجم ، فإنّ أحدهم قد يحدث ويصدق ، لكن على الندرة ، وكذلك الكافر قد تصدق رؤياه ، كرؤيا العزيز سبع بقرات ، ورؤيا الفتيين في السجن ، ولكن ذلك قليل بالنسبة إلى مناماتهم المخلّطة الفاسدة»(٣١٤) .

__________________

(٣١٣) ـ الأمين ، السيد محسن : معادن الجواهر ونزهة الخواطر ، ج ١ / ٣١٠ ـ ٣١١.

(٣١٤) ـ البحراني ، الشيخ يوسف : الدرر النجفية ، ج ٢ / ٢٨١ ـ ٢٨٢.


السيد محسن الأمين :

«واعلم أنّ من علامات صحة المنام كونه منتظماً غير مشوش كأنّه مرئي في اليقظة ، ومن علامات عدم صحته كونه مشوشاً غير منتظم ، ومن إمارات كذب مدعي رؤية المنام ذكره أموراً مطوّلة ، وتفاصيل مرتبة منظمة قلّما يتفق مثلها في اليقظة ومن هذا القبيل ما أورده معاصرنا الشيخ يوسف النبهاني البيروتي في كتاب له أسماه (سعادة الدارين) مملوه بالمنامات ، ومما أورده فيه صفحة (١٥٨) : عن عمر بن نجا الساري أنّه قال ـ ما ملخصه على طوله ـ : دخلت المسجد الحرام وكان بيَّ نوعاً تكسر ودوران رأس ، ووقعت على جنبي الأيمن ؛ لئلا يأخذني النوم فتنتقض طهارتي ، فإذا رجل من أهل البدع جاء ونشر مصلاه وأخرج لويحاً من جيبه أظنه الحجر وعليه كتابه وصلى صلاة طويلة مرسلاً يديه فيها على عادتهم (وما الذي عابهُ من إرسال اليدين في الصلاة وهو مذهب الإمام مالك) ، وكان يسجد على ذلك اللوح ، وإذا فرغ من صلاته سجد عليه وأطال ، وكان يمرغ خديه ويتضرع في الدعاء ، فلما رأيت ذلك كرهت وقلت في نفسي : لئن كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيننا لنخبره بسوء صنيعهم من أرض مباركة ، والسجود على الأرض أفضل باتفاق المسلمين) ثم غلبني النوم فكنت بين اليقظة والمنام فرأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحاب المذاهب بيد كل منهم كتاب مجلد يريدون قراءة مذاهبهم واعتقادهم عليه والنبي على زي أهل التصوف (طبعاً لأنّ رائي المنام صوفي) ، فجاء الإمام الشافعي ، ثم الإمام أبو حنيفة وبيد كل كتاب فقرأ عليه مذهبه وإعتقاده وجلس بجنب صاحبه ، ثم جاء صاحب كل مذهب وكلهم يقرأ ويقعد بجنب الآخر. فلما فرغوا إذا واحد


من المبتدعين الملقبة بالرافضة جاء (ولا شك أنّه جعفر بن محمد إمام الرافضة ، أو رجل من قبله جاء ليقرأ مذهبه على جده أسوة ببقية أئمة المذاهب ، وهو إنما أخذ مذهبه عن آبائه عن جده عن جبرئيل عن الله تعالى) وفي يداه كراريس غير مجلدة (والظاهر أنّ المجلد كان مشغولاً بتجليد كتب أئمة المذاهب ، فلم يتيسر للإمام جعفر الصادق أن يجلدها بجلد قماش فضلاً عن جلد أفرنجي) فيها ذكر عقائدهم الباطلة (ومن أين عرف بطلانها قبل قراءتها) وهمّ أن يدخل الحلفة ويقرأ فخرج واحد وزجره وأخذ الكراريس من يده ورمى بها وطرده وأهانه (والعجب كيف ساغ له طرده واهانته قبل إقامة الحجة عليه؟! وكيف مكنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من ذلك؟!) ، ثم قرأت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم قواعد العقائد للغزالي إلى أن بلغت إلى صفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فما رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم أكثر إستبشاراً بقراءة أحد مثلما كان بقراءتي وعليه (وهذا يقتضي أنّه أكرم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من جميع أئمة المذاهب) ، ثم إنتبهت وعلى عيني أثر الدمع.

فانظر وأمل واعجب إلى أي حد يبلغ الجهل والعصب وإتباع الأهواء وحب نصرتها بالإنسان وقد فصلنا ما في هذا المنام المختلق من الطرائف في كتابنا (القول الصادق) ، وفي كتاب النبهاني من طرائف المنامات المضحكات المبكيات ما لا يتسع لنا المقام لذكره»(٣١٥) .

خلاصة وإستنتاج :

وبعد باين ما ذكره العلماء من توجيه لحديث (من رآني) ، يمكن الخروج بالنتيجة التالي :

__________________

(٣١٥) ـ الأمين ، السيد محسن : معادن الجواهر ونزهة الخواطر ، ج ١ / ٣١٢ ـ ٣١٤. أقول : ما ذكر بين القوسين في هذا المنام ، هو من تعليق السيد محسن الأمين ، رداً على الشيخ النبهاني.


أولاً ـ حينما يرى النائم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو أحد المعصومين عليهم السلام لا يخلو من الحالات التالية :

الأولى ـ أن يراه ويخبره المعصوم عليه السلام بإسمه ، كأن يقول له (أنا الحسين) مثلاً ففي هذه الحالة لا مانع من إنطباق الحديث عليه ؛ لأنّ الشيطان لا يمثل بشخصية وصورة المعصوم عليهم السلام.

الثانية ـ أن يراه بصفات توافق ما ورد في الروايات ، وفي هذه الحالة قد يثولد الإطمئنان بانطباق الحديث على ذلك.

الثالثة ـ أن يرى شخصاً روحانياً ، يعتقد أنّه المعصوم عليهم السلام ، ففي هذه الحالة يصعب الجزم بانطباق الحديث على ذلك ، إذ قد يكون بسبب إفاضة الله تعالى في منامه ، إما بتوسط الملائكة ، أو بدونه ، كما يشير إلى ذلك حديث أبي بصير ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : (إنّ رجلاً كان على أميال من المدينة ، فرأى في منامه ، فقيل له : إنطلق فصلّ على أبي جعفر ، فإنّ الملائكة تغسله في البقيع. فجاء الرجل فوجد أبا جعفر عليه السلام قد توفي)(٣١٦) .

ثانياً ـ إنّ من ال مسائل التي قد يستبعدها الإنسان وقد لا يتعقلها ، هي حضور النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام عند الموتى حال الإحتضار ؛ إذ قد يموت في وقت واحد عدة أشخاص ، وكذلك بالنسبة إلى من يراهم في حال النوم ؛ إذ قد يراهم أكثر من شخص في وقت واحد فكيف يتم ذلك؟

__________________

(٣١٦) ـ المجلسي ، الشيخ محمد باقر : بحار الأنوار ، ج ٥٨ / ١٨٣.


يمكن الإجابة على هذا السؤال كما يلي :

١ ـ إنّ الإنسان الذي يعيش في عالم الماديات قد لا يتعقل ذلك ، أما حينما يؤمن بعالم ما وراء الطبيعة ، أو عالم الغيب ؛ فلا يستبعد ذلك ؛ لأنّ قدرة الله تعالى لا يمكن الإحاطة بها ، فليس على الله بعسير أن يحقق كل ذلك ، فالذي يؤمن بمعاجز الأنبياء وكرامات الأولياء ـ عبر العصور وإلى يومنا هذا ـ لا يستغرب من حضورهم عليهم السلام عند الموتى حال الإحتضار في وقت واحد أو رؤياهم كذلك ، «وفي الفتاوي الحديثية ، لابن حجر ص ٢١٣ ، عن ابن العربي : أنّ الأنبياء ترد إليهم أرواحهم في القبور ، ويؤذن لهم في الخروج والتصرف في الملكوت العلوي أو السفلي ، فلا مانع من أن يرى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الكثيرون ؛ لأنّه كالشمس»(٣١٧) .

٢ ـ لو تأملنا إلى ما توصل إليه العلم الحديث من إكتشافات علمية ، كما هو الحال بالنسبة إلى ما نراه عبر الشاشات التلفزيونية ، والقنوات الفضائية ، حينما تنقل لنا الأحداث اليومية على الهواء مباشرة ، فيشاهد الملايين من البشر الحدث المعيّن في وقت واحد ـ وما زال العلم يزودنا بالجديد من التقنية ـ ؛ لتعقلنا مثل هذه الأشياء المنسوبة إلى الأنبياء والأوصياء ، الذين لهم إرتباط بعالم الغيب.

__________________

(٣١٧) ـ المقرم ، السيد عبد الرزاق : مقتل الحسين / ١٣٢.


الفصل الأول

رؤى لها إرتباط بتربة الحسين (عليه السلام)

أولاً ـ رؤى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته.

١ ـ الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)

٢ ـ أمير المؤمنين (عليه السلام)

٣ ـ الإمام الحسين (عليه السلام)

٤ ـ أم سلمة

٥ ـ عبد الله بن عباس

٦ ـ السيدة سكينة

٧ ـ السيدة رُقيّة

٨ ـ الرباب زوجة الحسين (عليه السلام)



١ ـ الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) :

لا شك ولا ريب أنّ رؤى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وحي ، وقد ذكر لنا التاريخ الكثير من رؤاه ، أما ما يخص بالحسين ؛ فمنها ما يلي :

أ ـ عن عبد الله بن وهيب بن زمغة قال : أخبرتني أم سلمة (رض) : (أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إضطجع ذات ليلة للنوم فإستيقظ وهو خائر ، ثم إضطجع فرقد ، ثم إستيقظ وهو خائر دون ما رأيت به المرة الأولى ، ثم إضطجع فإستيقظ وفي يده تربة حمراء يقبلها ، فقلت : ما هذه التربة يا رسول الله؟ قال : أخبرني جبرئيل عليه الصلاة والسلام : إنّ هذا يقتل بأرض العراق ـ للحسين ـ فقلت لجبرئيل : أرني تربة الأرض التي يقتل بها فههذ تربتها)(٣١٨) .

ب ـ ذكر ابن عبد البر في كتاب (بهجة المجالس وأنس المجالس) : «أنّه قيل لجعفر الصادق عليه السلام ـ وهو أحد الأئمة الأثني عشر ـ : كم تتأخر الرؤيا؟ فقال : خمسين سنة ، لأنّ النبي صلى الله عليه وآله) رأى كأنّ كلباً أبقع ولغ في دمه ، فأوّله ؛ بأنّ رجلاً يقتل الحسين ابن بنته صلى الله عليه وآله وسلم ، فكان الشّمِر بن ذي الجوشن قاتل الحسين صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان أبرص ؛ فتأخرت الرؤيا بعده خمسين سنة»(٣١٩) .

ويُؤيِّد هذه الرواية ما ذكره الشيخ الطريحي (قده) ـ من حوار الإمام الحسين عليه السلام مع الشمر ـ : «فقال الحسين عليه السلام : الله أكبر ، صدق جدي رسول الله في رؤياه من قبل. فقال له الشمر : في أي شيء صدق جدك؟ فقال عليه السلام :

__________________

(٣١٨) ـ الحاكم النيسابوري ، محمد بن عبد الله : مستدرك الصحيحين ، ج ٤ / ٣٩٨.

(٣١٩) ـ الدّميري ، كمال الدين محمد بن موسى : حياة الحيوان الكبرى ، ج ٢ / ٢٢٩.


قال جدي : رأيت في منامي كلباً أبقع يأكل من لحوم أهل بيتي ويلعق من دمائهم ، وأما أنا فإنّي رقدت الآن فرأيت في منامي كلاباً كثيرة تريد تنهش من لحمي وتشرب من دمي ، وكان فيهم كلب أبقعع وكان أشدهم عليّ جرأة ، وأكثرهم عليّ حنقاً ، وهو أنت يا شمر ، وكان الشمر لعنه الله أبقع الجسد ، قال : فغضب الشمر من كلام الحسين ، وإزداد حنقاً وبغضاً»(٣٢٠) .

٢ ـ أمير المؤمنين (عليه السلام) :

عن ابن عباس قال : (كنت مع أمير المؤمنين عليه السلام في خروجه إلى صفين ، فلما نزل بنينوى ـ وهو بشط الفرات ـ ، قال بأعلى صوته : يا ابن عباس ، أتعرف هذا الموضع؟ قلت له : ما أعرفه يا أمير المؤمنين ، فقال : لو عرفته كمعرفتي لم تكن تجوزه حتى تبكي كبكائي. قال : فبكى طويلاً حتى إخضلت لحيته ، وسالت الدموع على صدره ، وبكينا معاً وهو يقول : أوه أوه ، مالي ولآل أبي سفيان؟! مالي ولآل حرب حزب الشيطان وأولياء الكفر (والطغيان)؟!

صبراً يا أبا عبد الله فقد لقي أبوك مثل الذي تلقى منهم. ثم دعا بماء فتوضأ وضوء الصلاة فصلى ما شاء الله يصلي ؛ ثم ذكر نحو كلامه الأول إلا أنّه نعس عند إنقضاء صلاته وكلامه ساعة ، ثم إنتبه فقال : يا ابن عباس فقلت : ها أنا ذا. فقال : ألا أحدّثك بما رأيت في منامي آنفاً عند رقدتي ، فقلت : نامت عيناك ورأيت خيراً يا أمير المؤمنين. قال : رأيت كأنّي برجال نزلوا من السماء معهم أعلام بيض قد تقلدوا سيوفهم وهي بيض تلمع ، وقد خطوا حول هذه الأرض خطة ، ثم رأيت كأنّ هذه النخيل قد ضربت بأغصانها

__________________

(٣٢٠) ـ الطريحي ، الشيخ فخر الدين : المنتخب. ج ٢ ، (المجلس السابع ـ الباب الثالث) / ٣٧٩ ـ ٣٨٠.


الأرض تضطرب بدم عبيط ، وكأنّي بالحسين عليه السلام سخلي وفرخي ومضغتي ومخي قد غرق فيه يستغيث فلا يغاث ، وكأنّ الرجال البيض قد نزلوا من السماء ينادونه ويقولون : صبراً آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فإنّكم تقتلون على أيدي شرار الناس ، وهذه الجنة يا أبا عبد الله إليك مشتاقة ، ثم يعزونني ويقولون : يا أبا الحسن أبشر فقد أقرّ الله عينيك (يوم القيامة) ، يوم يقوم الناس لرب العالمين. ثم إنتبهت هكذا ، والذي نفس علي بيده ، لقد حدثني الصادق المصدّق ، أبو القاسم أني سأراها في خروجي إلى أهل البغي علينا ، وهذه أرض كربلاء يدفن فيها الحسين عليه السلام ، وسبعة عشر رجلاً من ولدي وولد فاطمة عليها السلام ، وإنّها لفي السماوات معروفة تذكر أرض كرب وبلاء ، كما تذكر بقعة الحرمين ، وبقعة بيت المقدس)(٣٢١) .

٣ ـ الإمام الحسين (عليه السلام) :

إنّ نهضة الحسين عليه السلام مرتبطة بأوامر إلهية ، سواء عن طريق إخبارات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في حياته ، أو من خلال الرؤى التي رآها سبطه سيد الشهداء عليه السلام ، في المدينة أو مكة ، أو في أثناء طريقه إلى كربلاء ، أو في كربلاء ، فكلها رؤى صدق ، مفادها العناية بتلك النهضة التي أحيت الدين الحنيف ، نذكر منها ما يلي :

ـ عند قبر النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) :

«وقال محمد بن أبي طالب الموسوي ـ في سياق خروجه عليه السلام من المدينة ـ : (فلما كانت الليلة الثانية ، خرج إلى القبر أيضاً وصلى ركعات ، فلما فرغ من صلاته ؛ جعل يقول : (اللهم هذا قبر نبيك محمد ، وأنا ابن بنت نبيك ، وقد

__________________

(٣٢١) ـ الصدوق ، الشيخ محمد بن علي بن بابويه : أمالي الصدوق / ٤٧٨ (مجلس ٨٧ ـ حديث ٥).


حضرني من الأمر ما قد علمت ، اللهم إني أحب المعروف وأنكر المنكر ، وأنا أسألك يا ذا الجلال والإكرام ، بحقِّ القبر ومن فيه إلا إخترت لي ما هو لك رضى ، ولرسولك رضى.

قال : ثم جعل يبكي عند القبر حتى إذا كان قريباً من الصبح ؛ وضع رأسه على القبر فأغفى ، فإذا هو برسول الله قد أقبل في كتيبة من الملائكة ، عن يمينه وعن شماله وبين يديه ، حتى ضَمّ الحسين إلى صدره ، وقَبّل بين عينيه وقال : حبيبي يا حسين ، كأنّي أراك عن قريب مرملاً بدمائك ، مذبوحاً بأرض كرب وبلاء من عصابة من أمتي ، وأنت مع ذلك عطشان لا تسقى ، ظمآن لا تروى ، وهم مع ذلك يرجون شفاعتي ، لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة ، حبيبي يا حسين ، إنّ أباك وأمك وأخاك ، قدموا عليّ وه مشتاقون إليك ، وإنّ لك في الجنان لدرجات لن تنالها إلا بالشهادة.

قال : فجعل الحسين عليه السلام في منامه ينظر إلى جده ويقول : يا جداه لا حاجة لي في الرجوع إلى الدنيا ، فخذني اليك وأدخلني معك في قبرك ، فقال له رسول الله : لا بد لك من الرجوع إلى الدنيا حتى ترزق الشهادة ، وما كتب الله لك فيها من الثواب العظيم ، فإنّك وأباك وأخاك ، وعم أبيك تحشرون يوم القيامة في زمرة واحدة حتى تدخلوا الجنة ، قال : فانتبه الحسين عليه السلام من نومه فزعاً ، فقَصّ رؤياه على أهل بيته وبني عبد المطلب ، فلم يكن ذلك في مشرق ولا مغرب ؛ قوم أشدّ غماً من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا أكثر باك ولا باكية منهم»(٣٢٢) .

__________________

(٣٢٢) ـ المجلسي ، الشيخ محمد باقر : بحار الأنوار ، ج ٤٤ / ٣٢٨.


ـ في مكة المكرمة :

«فلمّا كان السحر ، إرتحل الحسين عليه السلام فبلغ ذلك ابن الحنفية ، فأتاه فأخذ بزمام ناقته ـ وقد ركبها ـ فقال : يا أخي ألم تعدني النظر فيما سألتك؟ قال : بلى. قال : فما حداك على الخروج عاجلاً؟ قال : أتاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعدما فارقتك فقال : يا حسين اخرج فإنّ الله قد شاء أن يراك قتيلاً. فقال محمد ابن الحنفية. إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، فما معنى حملك هؤلاء النساء معك ، وأنت تخرج على مثل هذا الحال؟

قال : فقال لي صلى الله عليه وآله وسلم : إنّ الله قد شاء أن يراهنّ سبايا ، فسلّم عليه ومضى»(٣٢٣) .

ـ في الثعلبية(٣٢٤) :

قال الخوارزمي : «وسار الحسين حتى نزل : الثعلبية وذلك في وقت الظهيرة ، ونزل أصحابه فوضع رأسه فأغفى ، ثم انتبه باكياً من نومه ، فقال له ابنه (علي بن الحسين) : ما يبكيك يا أبت لا أبكى الله عينيك؟

فقال له : يا بني هذه ساعة لا تكذب فيها الرؤيا ، فأعلمك أنّي خفقت برأسي خفقة ، فرأيت فارساً على فرس وقف عليّ وقال : يا حسين ، إنكم تسرعون والمنايا تسرع بكم إلى الجنة ، فعلمت أنّ أنفسنا نعيت إلينا ، فقال ابنه علي : يا أبت أفلسنا على الحق؟

__________________

(٣٢٣) ـ المصدر السابق ، ج ٤٤ / ٣٦٤.

(٣٢٤) ـ من منازل طريق مكة من الكوفة بعد الشُّقوق ، وقبل الخزيمية وهي ثلثا الطريق ، وأسفل منها ما ء يقال له الضُّويجعة على ميل منها مشرف. معجم البلدان ، ج ٢ / ٧٨.


قال : بلى ، يا بني والذي إليه مرجع العباد. فقال إبنه علي : إذن لا نبالي بالموت. فقال له الحسين : جزاك الله يا بني ما جزى به ولداً عن والده»(٣٢٥) .

ـ في عقبة البطن(٣٢٦) :

عن أبي عبد الله عليه السلام أنّه قال : «لما صعد الحسين بن علي عليهما السلام عقبة البطن قال لأصحابه : ما أراني إلا مقتولاً. قالوا : وما ذاك يا أبا عبد الله؟ قال : رؤيا رأيتها في المنام. قالوا : وما هي؟

قال : رأيت كلاباً تنهشني ، أشدّها عليّ كلب أبقع»(٣٢٧) .

ـ في عُذيب الهجانات(٣٢٨) :

«ثم سار حتى نزل العُذيب ، فقال فيها قائلة الظهيرة ، ثم انتبه من نومه باكياً فقال له ابنه : ما يبكيك يا أبه؟ فقال : يا بني إنّها ساعة لا تكذب الرؤيا فيها ، وإنّه عرض لي في منامي عارض ، فقال : أتسرعون السير والمنايا تسير بكم إلى الجنة»(٣٢٩) .

__________________

(٣٢٥) ـ الخوارزمي ، الموفق بن احمد المكي : مقتل الحسين ، ج ١ / ٣٢٤.

(٣٢٦) ـ أو بطن العقبة : منزل في طريق بعد واقصة وقبل القاع لمن يريد مكة من الكوفة ، وفي هذا المكان ماء لبني عكرمة ، من بكر بن وائل. معجم البلدان ، ج ٤ / ١٣٤.

(٣٢٧) ـ بن قولويه ، الشيخ جعفر بن محمد : كامل الزيارات / ١٥٧ (باب ٢٣ ـ حديث ١٩).

(٣٢٨) ـ العذيب : تصغير العذب ـ وهو الماء الطيب ـ وهو ما بين القادسية والمغيثة ، بينه وبين القادسية أربعة أميال ، وإلى المغيثة إثنان وثلاثون ميلاً. وقيل هو وادٍ لبني تميم ، وهو من منازل حاج الكوفة. راجع معجم البلدان ، ج ٤ / ٩٢.

(٣٢٩) ـ البحراني ، الشيخ عبد الله بن نور الله : عوالم العلوم ، ج ١٧ / ١٦٢ ـ ١٦٣.


ـ في قصر بني مقاتل(٣٣٠) :

ذكر الشيخ المفيد (ره) : «ولما كان آخر الليل أمر فتيانه بالإستسقاء من الماء ، ثم أمر بالرحيل من قصر بني مقاتل ، فقال عقبة بن سمعان : سرنا معه ساعة فخفق وهو على ظهر فرسه خفقة ثم إنتبه ، وهو يقول : إنا لله وإنا إليه راجعون ، ففعل ذلك مرّتين أو ثلاثاً ، فأقبل إليه إبنه علي بن الحسين (عليهما السلام) على الفرس ، فقال : ممّ حمدت الله واسترجعت؟ فقال : يا بني ، إنّي خفقت خفقة فعنّ لي فارس على فرس وهو يقول : القوم يسيرون ، والمنايا تسير إليهم ، فعلمت أنّها أنفسنا نعيت إلينا. فقال له : يا أبت لا أراك الله سوءاً ، ألسنا على الحق؟ قال : بلى ، والذي إليه مرجع العباد. قال : فإننا إذا لا نبالي أن نموت محقين ؛ فقال له الحسين (عليه السلام) : جزاك الله من ولد خير ما جزء ولداً عن والده»(٣٣١) .

ـ في كربلاء :

لسيدنا الحسين عليه السلام عدّة رؤى في كربلاء ، نذكر منها ما يلي :

١ ـ (الشيخ الطريحي في المنتخب) قال : «نقل أنّ الحسين عليه السلام ، لما كان في موقف كربلاء أتته أفواج من الجن الطيارة وقالوا له : يا حسين نحن أنصارك فمرنا بما تشاء ، فلو أمرتنا بقتل كل عدو لكم لفعلنا ، فجزاهم خيراً وقال لهم : إني لا أخالف قول جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، حيث

__________________

(٣٣٠) ـ ينسب القصر إلى مقاتل حَسّان بن قعلبة ، ونسبة الحموي في المعجم إلى امرئ القيس بن زيد بن مناة بن تميم ، يقع بين عين التمر والقطقطانية والقريان ، خرّبه عيسى بن علي بن عبد الله بن العباس ، ثم جَدّده.

(٣٣١) ـ المفيد ، الشيخ محمد بن محمد النعمان : الإرشاد ، ج ٢ / ٨٢.


أمرني بالقدوم عليه عاجلاً ، وإنّي الآن قد رقدت ساعة ، فرأيت جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد ضمني إلى صدره ، وقبّل ما بين عيني وقال لي : يا حسين ، إنّ الله عَزّ وجَلّ قد شاء الله أن يراك مقتولاً ، ملطخاً بدمائك ، مخضباً شيبك بدمائك ، مذبوحاً من قفاك ، وقد شاء الله أن يرى حرمك سبايا ، على أقتاب المطايا. وإنّي والله أصبر حتى يحكم الله بأمره وهو خير الحاكمين»(٣٢٢) .

٢ ـ ذكر الشيخ المفيد (قده) : «... ثم نادى عمر بن سعد : يا خيل الله إركبي وأبشري ، فركب الناس ثم زحف نحوهم بعد العصر ، وحسين (عليه السلام) جالس أمام بيته محتب بسيفه ، إذ خفق برأسه على ركبتيه ، وسمعت اخته الصيحة فدنت من أخيها فقالت : يا أخي ، أما تسمع الأصوات قد إقتربت؟ فرفع الحسين (عليه السلام) رأسه فقال : إنّي رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الساعة في المنام فقال لي : إنّك تروح إلينا. فلطمت أخته وجهها ونادت باويل ، فقال لها : ليس لك الويل يا أخيّه ، اسكتي رحمك الله»(٣٣٣) .

٣ ـ «وقال في المناقب : فلمّا كان وقت السحر خفق الحسين رأسه خفقة ثم إستيقظ فقال : أتعلمون ما رأيت في منامي الساعة؟ فقالوا : وما الذي رأيت يا ابن رسول الله؟ فقال : {أيت كأنّ كلاباً قد شدّت عليّ لتنهشني ، وفيها كلب أبقع رأيته أشدّها عليّ ، وأظنّ أنّ الذي يتولى قتلي رجل أبرص من بين هؤلاء القوم ، ثم أنّي رأيت بعد ذلك جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعه

__________________

(٣٣٢) ـ النوري ، ميرزا حسين : دار السلام ، ج ١ / ٧٧.

(٣٣٣) ـ المفيد ، الشيخ محمد بن محمد بن النعمان : الإرشاد ، ج ٢ / ٨٩ ـ ٩٠.


جماعة من أصحابه وهو يقول لي : يا بنيّ أنت شهيد آل محمد ، وقد إستبشر بك أهل السماوات وأهل الصفيح الأعلى ، فليكن إفطارك عندي الليلة ، عَجّل ولا تؤخر ، فهذا ملك قد نزل من السماء ليأخذ دمك في قارورة خضراء. فهذا ما رأيت ، وقد أزف الأمر ، وقد إقترب الرّحيل من هذه الدنيا ، لا شك في ذلك»(٣٣٤) .

خلاصة وإستنتاج :

وبعد ذكر الرؤى الخاصة بالمعصومين ـ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وأمير المؤمنين والحسين عليه السلام ـ المتضمنة لكثير من الأسرار والأهداف ، ينبغي الإشارة إلى ما يلي :

١ ـ نستفيد من رؤيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم إهتمام وحي السماء بتربة الحسين عليه السلام. وأنّها هدية ربانية سُلّمت لجده المصطفى ، تحكي مستقبل سبطه سيد الشهداء عليه السلام ، وعلامة على رضا الباري عَزّ وجَلّ ، عما سيقوم به من نهضة مباركة من أجل دينه وبقاء شريعته.

٢ ـ تحكي رؤيا الحسين عليه السلام عند قبر جده صلى الله عليه وآله وسلم ، وفي عقبة البطن ، وفي كربلاء وقت السحر ، ما عليه القوم من خِسّة الطبع وتحولهم من الإنسانية إلى الوحشية ، حيث صورتهم بالسباع والكلاب الضارية ، بل هذا ما أكد عليه سيد الشهداء في خطبته حينما أراد الخروج من مكة المكرمة ، حيث قال عليه السلام : (.. كأني بأوصالي تُقطعها عُسلان الفلوات بين النواويس وكربلا ، فيملأن مني أكرشاً جوفاً ، وأجربه سغباً ..)(٣٣٥) .

__________________

(٣٣٤) ـ المجلسي ، الشيخ محمد باقر : بحار الأنوار ، ج ٤٥ / ٣.

(٣٣٥) ـ ابن طاووس ، السيد علي الحسيني : اللهوف في قتلى الطفوف / ٢٥.


٣ ـ وتحكي رؤيا أمير المؤمنين عليه السلام ، رؤيا الحسين عليه السلام عند قبر جده صلى الله عليه وآله وسلم ، وفي كربلاء في سحر ليلة التاسع ، عظمة فاجعة ورزية كربلاء ، ومدى تأثيرها على أهل السماوات والأرض.

٤ ـ يستفاد من بعض الرؤى السابقة ، الأوامر الإلهية الموجهة إلى سيد الشهداء عليه السلام عن طريق جده المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد أشار إلى ذلك في إخباره لأخيه محمد بن الحنفية في سحر الليلة التي أراد الخروج من مكة؟ وفي إخباره لأفواج الجن الطَيّارة في كربلاء ، وكذلك في إخباره لأخته زينب عليها السلام في كربلاء أيضاً ، وفي إخباره لأنصاره يوم عاشوراء ، بل يستفاد ذلك من بعض محاوراته مع ابن عباس ، كما في النصّ التالي :

فقال عليه السلام : (يا ابن العم ، إنّي رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في منامي وقد أمر بأمر لا أقدر على خلافه ، وأنّه أمرين بأخذهم معي ، إنهنّ ودائع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا آمن عليهنّ أحداً ، وهنّ أيضاً لا يفارقنني ..)(٣٣٦) .

وأيضا ما جاء في جواب رسالته لعبد الله بن جعفر ، حيث قال عليه السلام : (أما بعد ، فإنّ كتابك ورد عليّ فقرأته وفهمت ما ذكرت ، وأعلمك أنّي قد رأيت جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في منامي ، فخبّرني بأمر وأنا ماضٍ له ، لي كان أو عليّ ، والله يا ابن عمي ، لو كنت في حجر هامّة من هوامّ الأرض لاستخرجوني ويقتلوني! والله يا ابن عمي ليعدينّ عليّ كما عدت اليهود على السبت والسلام)(٣٣٧) .

٥ ـ تشير بعض النصوص إلى أنّه لم يصرح ببعض الرؤى منها ما يلي :

__________________

(٣٣٦) ـ البحراني ، السيد هاشم : مدينة المعاجز ، ج ٢ / ٢٨٢.

(٣٣٧) ـ ابن أعثم ، أحمد : الفتوح ، ج ٥ / ٧٤.


أ ـ ذكر ابن عساكر في جواب الحسين عليه السلام لإبن عمه عبد الله بن جعفر بن أبي طالب : (... إنّي رأيت رؤيا ، ورأيت فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمرني بأمر أنا ماضٍ له ، ولست بمخبر بها أحداً حتى ألاقي عملي)(٣٣٨) .

ب ـ ذكر الشيخ المفيد (ره) ـ في جواب سيد الشهداء عليه السلام ، ليحيى بن سعيد بن العاص ، حينما أراد منعه من السفر إلى العراق ـ قال عليه السلام : (إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المنام ، وأمرني بما أنا ماضٍ له ، فقالا له : فما تلك الرؤيا؟

قال : ما حدثت أحداً بها ، ولا أنا مُحدّث أحداً ، حتى ألقى ربي جَلّ وعَزّ)(٣٣٩) .

وبعد ذكر هذا النصّ ، نبحثه كالتالي :

أولاً ـ أنّ أساس هذه المحاورة التي جرت بين سيد الشهداء عليه السلام ويحيى بن سعيد هو ما ذكر في الرواية التالية :

«وقام عبد الله بن جعفر إلى عمرو بن سعيد بن العاص ، فكلّمه وقال : اكتب إلى الحسين عليه السلام كتاباً تجعل له فيه الأمان ، وتمنّيه في البرّ والصلة ، وتوثق له في كتابك ، وتسأله الرجوع ، لعلّه يطمئن إلى ذلك فيرجع ، وابعث به مع أخيك يحيى بن سعيد ، فإنّه أحرى أن تطمئن نفسه إليه ويعلم أنّه الجدّ منك. فقال عمرو بن سعيد : أكتب ما شئت وأتني به حتى أختمه. فكتب عبد الله بن جعفر الكتاب : بسم الله الرحمن الرحيم ، من عمرو بن سعيد إلى الحسين بن علي ، أما بعد ، فإنّي أسأل الله أن يصرفك عما يوبقك ، وأن يهديك لما

__________________

(٣٣٨) ـ ابن عساكر ، علي بن حسن : تاريخ دمشق (ترجمة الإمام الحسين) / ٢٠٢ ـ تحقيق المحمودي.

(٣٣٩) ـ المفيد ، الشيخ محمد بن محمد النعمان : الإرشاد ، ج ٢ / ٦٩.


يرشدك ، بلغني أنّك قد توجّهت إلى العراق ، وإنّي اعيذك من الشقاق ، فإنّي أخاف عليك فيه الهلاك ، وقد بعثت إليك عبد الله بن جعفر ، ويحيى بن سعيد ، فأقبل إلي معهما ، فإنّ لك عندي الأمان والصلة والبرّ وحسن الجوار ، لك الله بذلك شهيد وكفيل ، ومراع ووكيل ، والسلام عليك»(٣٤٠) .

ثانياً ـ تفيد هذه الرواية وتنصّ على أنّ الذي كتب الرسالة هو عبد الله بن جعفر ، وأمضاها عمرو بن سعيد ، وهذا غير صحيح لما يلي :

١ ـ إنّ جماعة من المؤرخين ذكروا أنّ الذي كتبها هو عمرو بن سعيد ، نذكر منهم : ابن الأعثم الكوفي في كتابه (الفتوح ـ ج ٥ / ٧٥) ، والشيخ المفيد في كتابه (الإرشاد ـ ج ٢ / ٦٩) ، والخوارزمي في كتابه (مقتل الحسين ـ ج ١ / ٣١٢).

٢ ـ إنّ ألفاظ الرسالة المذكورة ، لا تتناسب مع مقام عبد الله بن جعفر ، الذي يقرّ بإمامة سيد الشهداء عليه السلام ؛ حيث تتضمن الكثير من سوء الأدب ، مثل «أسألك الله أن يصرفك عمّا يوبقك ، وأن يهديك لما يرشدك وانّي اعيذك بالله من الشقاق».

ثالثاً ـ تنصّ هذه الرواية على أنّ الذي نقلها مع يحيى بن سعيد ، عبد الله بن جعفر ، مع أنّ هناك بعض المؤرخين ، يذكر أنّ الذي نقلها هو يحيى بن سعيد ولم يكن معه عبد الله بن جعفر ، منهم ابن أعثم الكوفي في كتابه (الفتوح ـ ج ٥ / ٧٥) ، والخوارزمي في كتابه (مقتل الحسين ـ ج ١ / ٣١٢).

__________________

(٣٤٠) ـ موسوعة كلمات الإمام الحسين / ٣٣٢.


٦ ـ في غالب الرؤى التي أخبر بها رأيت جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي بعضها عَبّر بـ(أتاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) ، كما في حواره مع أخيه محمد بن الحنفية. والسؤال الذي ينبغي طرحه : ما المراد بهذه العبارة ، هل في حال اليقظة أو المنام؟

هذه العبارة محتملة لحال اليقظة والمنام ، والنتيجة واحدة بالنسبة للتكليف الذي يتلقاه المعصوم عليهم السلام من النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حال اليقظة أو المنام ؛ لأنّ رؤية الإمام عليه السلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المنام كرؤيته في اليقظة ، وكذلك بالنسبة لرؤية الإمام المعصوم عليهم السلام للمعصوم الآخر ، من دون فرق رؤيته في اليقظة أو المنام ، ويؤيد هذا المعنى ما رواه الحسن بن علي ابن بنت إلياس ، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال : قال لي إبتداءاً : (إنّ أبي كان عندي البارحة. قلت : أبوك؟! قال : أبي. قلت : أبوك؟! قال : أبي. قلت : أبوك؟!

قال في المنام ، إنّ جعفراً كان يجبيء إلى أبي فيقول : يا بني إفعل كذا ، يا بني إفعل كذا.

قال : فدخلت عليه بعد ذلك فقال لي : يا حسن ، إنّ منامنا ويقظتنا واحدة(٣٤١) .

٤ ـ أم سلمة :

المرأة الجليلة ، والسيدة المحجبة ؛ هند بنت حذيفة (أبو أميّة) ، بن المغيرة ، بن عبد الله ، بن عمر ، بن مخزوم القرشي. وكان أبوها أحد أجواد قريش المذكورين ، وكان يعرف بـ(زاد الراكب) ولقب بهذا اللقب ؛ لأنّه إذا كان في سفر لا يدع أحداً من رفقته يحمل معه زاداً ، بل هو يكفيهم ذلك.

__________________

(٣٤١) ـ الحميري ، الشيخ عبد الله بن جعفر : قرب الإسناد / ٣٤٨.


تزوجها أبو سلمة ؛ عبد الله ، بن عبد الأسد المخزومي ، ابن عمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، حيث أنّ أمه هي برة بنت عبد المطلب. كان من المسلمين الأوائل ، أسلم بعد عشرة ، وهاجر مع أم سلمة إلى الحبشة ، وولدت له سلمة ، ورجعا إلى مكة المكرمة ، ثم هاجرا إلى المدينة ، وكانت أول ضعينة أدخلت إلى المدينة المنورة مهاجرة ، وولدت عمراً ، ودرّة ، وزينب ، شهدا بدراً ، وأحداً وجرح فيها ، جرحه أبو أسامة الجشعي ، رماه بمجلة (نصل طويل عريض) ، فمكث شهراً يداوي جرحه فبرئ ، واندمل الجرح ، فبعثه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على رأس خمسة وثلاثين شهراً من الهجرة ، فاشتكى ثم مات لثلاث ليالٍ بقين من جمادى الآخرة في السنة الثانية أو الثالثة من الهجرة. وهناك من يذهب إلى أنّه توفي في السنة الأولى أو الثانية من الهجرة. قبل وقعة بدر ، تزوجها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في السنة الثانية من الهجرة قبل وقعة بدر(٣٤٢) . كانت من أفضل النساء ، موصوفة بالجمال البارع ، والعقل البالغ ، والرأي الصائب ، وكانت لها أساليب بديعة في إستعطاف النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند غضبه ، وأدب بارع في مخاطبته ، أو طلب الحوائج منه. كما عرفت بالمنزلة الرفيعة في العلم ورواية الحديث ، فقد بلغت رواياتها (٢٧٨ حديثاً) ، وهذه فضيلة من فضائلها الكثيرة ، ومنقبة من مناقبها العظيمة التي إمتازت بها من بين زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فهي أفضل زوجاته بعد خديجة ، وأتقاهن وأعلمهن بالكتب والسنة ، قالت لها عائشة : «يا بنت أبي أمية ، أنت أول مهاجرة من أزواج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأنت كبيرة أمهات المؤمنين ،

__________________

(٣٤٢) ـ الحاكم ، محمد بن عبد الله : المستدرك ، ج ٤ / ٢٠.


وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقسم لنا من بيتك ، وكان جبرئيل أكثر ما يكون في منزلك»(٣٤٣) .

كما أنّ لها مكانة عالية عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الأطهار ، ومن الشواهد على ذلك ما جاء في حديث الكساء : (أنت إلى خير ، مرتين)(٣٤٤) . إلى غير ذلك من مواقفها في الدفاع عن أهل البيت عليهم السلام. توفيت سنة ٦٣ هـ ، عن عمر يناهز ٨٤ سنة ، وهي آخر أمهات المؤمنين موتاً ، ودفنت في البقيع. وبعد هذا التعريف بأم المؤمنين (أم سلمة) ، نذكر الروايات الخاصة برؤياها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في المنام وهي كالتالي :

١ ـ روى غياث بن ابراهيم ، عن الصادق ؛ جعفر بن محمد عليما السلام قال : (أصبحت يوما أم سلمة (رحمها الله) تبكي ، فقيل لها : ممَّ بكاؤكِ؟ فقالت : لقد قتل إبني الحسين الليلة ، وذلك إنني ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منذ قبض إلا الليلة ، فرأيته شاحباً كئيباً قالت : فقلت : ما لي أراك يا رسول الله شاحباً كئيباً؟ قال ما زلت الليلة أحفر قبوراً للحسين وأصحابه (عليهم السلام)(٣٤٥) .

أقول : وفي أمالي الصدوق ـ مجلس ٢٩ ـ حديث ١ ـ عن وهب بن وهب عن الصادق عليه السلام بإختلاف يسير لا يضرّ بمعنى الحديث.

٢ ـ عمرو بن ثابت ، عن أبيه أبي المقدام ، عن ابن جبير ، عن ابن عباس قال : (بينا أنا راقد في منزلي إذ سمعت صراخاً عالياً من بيت أمّ سلمة زوج

__________________

(٣٤٣) ـ دخيل ، علي محمد علي : مجموعتي ، ج ٦ / ٢٢٩.

(٣٤٤) ـ السيوطي ، عبد الرحمن : الدر المنثور ، ج ٥ / ١٩٨.

(٣٤٥) ـ المفيد ، الشيخ محمد بن محمد النعمان : أمالي المفيد / ٣١٩.


النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فخرجت يتوجّه بي قائدي إلى منزلها ، وأقل أهل المدينة إليها الرجال والنساء. فلما إنتهيت إليها قلت : يا أم المؤمنين ، مالك تصرخين وتغوثين؟ فلم تجبني ، وأقبلت على النسوة الهاشميات ، وقالت : يا بنات عبد المطلب أسعديني وأبكين معي ، فقد قتل والله سيدكن وسيد شباب أهل الجنّة ، قد والله قتل سبط رسول الله وريحانته الحسين. فقلت : يا أم المؤمنين ، ومن أين علمت ذلك؟ قالت : رأيت رسول الله في المنام السعة شَعْثَاً مذعوراً فسألته عن شأنه ذلك؟ فقال : قتل إبني الحسين عليه السلام وأهل بيته اليوم ، فدفنتهم ، والساعة فرغت من دفنهم.

قالت : فقمت حتى دخلت البيت وأنا لا أكاد أن أعقل ، فنظرت فإذا بتربة الحسين التي أتى بها جبرئيل من كربلا فقال : إذا صارت هذه التربة دماً ؛ فقد قتل ابنك وأعطانيها فقال : إجعل هذه التربة في زجاجة ؛ أو قال في قارورة ولتكن عندك ، فإذا صارت دماً عبيطاً ؛ فقد قتل الحسين ، فرأيت القارورة الآن وقد صارت دماً عبيطاً تفور. قال : فأخذت أم سلمة من ذلك الدم فلطخت به وجهها ، وجعلت ذلك اليوم مأتماً ومناحة على الحسين عليه السلام ، فجاء الركبان بخبره وأنّه قتل في ذلك اليوم.

قال عمرو بن ثابت : إني دخلت على أبي جعفر محمد بن علي منزله فسألته عن هذا الحديث وذكرت له رواية سعيد بن جبير هذا الحديث ، عن عبد الله بن عباس؟ فقال أبو جعفر عليه السلام حدثنيه عمر بن أبي سلمة ، عن أمّه أم سلمة.


قال عمرو بن أبي المقدام : فحدثني سدير ، عن أبي جعفر عليه السلام : أنّ جبرئيل جاء الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالتربة التي يقتل عليها الحسين عليه السلام. قال أبو جعفر عليه السلام : فهي عندنا)(٣٤٦) .

٣ ـ عن حبيش قال : حدثتني سلمى ، قالت : (دخلت على أم سلمة وهي تبكي ، فقلت لها : ما يبكيك؟ قالت. رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المنام ، وعلى رأسه ولحيته أثر التراب ، فقلت : مالك يا رسول الله مغبرّاً؟ قال : شهدتُ قتل الحسين آنفاً)(٣٤٧) .

٤ ـ وجاء في (المراسيل) : (أنّ سلمى المدنية ، قالت : رفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أم سلمة قارورة فيها رمل من الطف ، وقال لها : إذا تَحوّل هذا دماً عبيطاً ، فعند ذلك يقتل الحسين.

قالت سلمى : فارتفعت واعية من حجرة أم سلمة ، فكنت أوّل من أتاها ، فقلت لها : ما دهاك يا أم سلمة؟ قالت : رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المنام ، والتراب على رأسه ، فقلت : مالك؟ قال : وثب الناس على ابني فقتلوه ، وقد شهدته قتيلاً الساعة.

فاقشعرّ جلدي وانتبهت وقمت إلى القارورة فوجدتها تفور دماً ، قالت سلمى : ورأيتها موضوعة بين يديها)(٣٤٨) .

__________________

(٣٤٦) ـ المجلسي ، الشيخ محمد باقر : بحار الأنوار ، ج ٤٥ / ٢٣٠ ـ ٢٣١.

(٣٤٧) ـ الخوارزمي ، الموفق بن أحمد : مقتل الحسين ، ج ٢ / ١٠٩.

(٣٤٨) ـ نفس المصدر / ١٠٩ ـ ١١٠.


٥ ـ عبد الله بن عباس :

عبد الله بن عباس ، بن عبد المطلب ، القرشي الهاشمي. ابن عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، والجد الأكبر للعباسيين.

أمه (أم الفضل) ، لبابة الكبرى ، بنت الحارث ، بن الحزن الهلالية. ولد قبل الهجرة بثلاث سنوات ـ أي حينما حوصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته في شعب أبي طالب ـ وتوفي في الطائف سنة ٦٨ هـ ، ودفن بها.

لازم النبي صلى الله عليه وآله وسلم منذ طفولته ، وشهد عن كثب أسراراً كثيرة في النبوة والرسالة ، ووعاها ؛ لأنّه شهد كثيراً من الحوادث والظروف التي نزلت فيها بعض الآيات القرآنية. ثم لازم أمير المؤمنين علي عليه السلام ، وصار من خاصته ، ثم الحسنين عليه السلام.

إشتهر ابن عباس منذ صدر الإسلام بألقاب علمية ، ثم إزدادت هذه الألقاب بين المسلمين بمرور الزمن أهميته في التفسير. ونحن نذكر هذه الألقاب باختصار كالتالي :

ترجمان القرآن ، وفارس القرآن ، حبر الأمّة ، حبر العرب ، بحر هذه الأئمة ، رئيس المفسرين ، شيخ المفسرين.

وأما بالنسبة إلى عقيدته وولائه لأهل البيت عليهم السلام ؛ فيكاد يتفق أغلب المحققين من الإمامية على تشيع ابن عباس وإخلاصه لأهل البيت عليهم السلام ، ولا سيما أمير المؤمنين علي عليه السلام ، وأما ما ورد في حقه من طعن ؛ فموقف العلماء منه كالتالي :

١ ـ «قال العلامة في القسم الأول من الخلاصة ١ ، من الباب ٢ ، من حرف العين : عبد الله بن العباس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله.


كان محباً لعلي عليه السلام وتلميذه ، حاله في الجلالة والإخلاص لأمير المؤمنين عليه السلام أشهر من أن يخفى ، وقد ذكر الكشي أحاديث تتضمن قدحاً فيه! وهو أجلّ من ذلك ، وقد ذكرناها في كتابنا الكبير وأجبنا عنها رضي الله تعالى عنه»(٣٤٩) .

٢ ـ «وذكره ابن داود في القسم الأول (٨٦٤) ، قال : عبد الله بن العباس (رضي الله عنه) ، حاله أعظم من أن يشار إليه في الفضل والجلالة ، ومحبة أمير المؤمنين (عليه السلام) وإنقياده إلى قوله»(٣٥٠) .

٣ ـ وقال السيد الخوئي (قده) : «والمتحصل مما ذكرنا ، أنّ عبد الله بن عباس ، كان جليل القدر ، مدافعاً عن أمير المؤمنين والحسنين (عليهم السلام) ، كما ذكره العلامة وابن داود»(٣٥١) .

وبعد هذه الترجمة المختصرة ، نذكر رؤياه المرتبطة بتربة الحسين عليه السلام ، حسب الروايات التالية :

١ ـ روي عن ابن عباس قال : «كنت نائماً في منزلي في مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقت الظهر ، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو مقبل من نحو كربلا وأشعث أغبر والتراب على شيبته وهو باكي العينيين ، حزين القلب ومعه قارورتان مملوتان دماً ، فقلت له : يا رسول الله ، ما هذه القارورتان المملوتان دماً؟

فقال لي : هذه فيها من دم الحسين عليه السلام ، وهذه الأخرى من دم أهل بيته وأصحابه ، وأنا الآن رجعت من دفن ولدي الحسين ، وهو مع ذلك لا يفيق من

__________________

(٣٤٩) ـ الخوئي ، السيد ابو القاسم الموسوي : معجم رجال الحديث ، ج ١٠ / ٢٢٩ ، ٢٣٠ ، ٢٣٩.

(٣٥٠) ـ نفس المصدر.

(٣٥١) ـ نفس المصدر.


البكاء والنحيب. قال ابن عباس : فاستيقظت من نومي فزعاً مرعوباً محزوناً على الحسين عليه السلام ، ولم أعلم بقتله ، فبقيت في الهم والغم أربعة وعشرين يوماً ، حتى جاء الناعي إلى المدينة بقتل الحسين عليه السلام ، فحسب من ذلك اليوم الذي رأيت فيه الرؤيا ، فإذا هو يوم قتل الحسين عليه السلام ، وفي تلك الساعة رأيت فيها المنام كان مقتل الحسين عليه السلام ، فتعجبت من ذلك ، وتزايدت أحزاني وتصاعدت أشجاني»(٣٥٢) .

٢ ـ عن ابن عباس قال : (رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما يرى النائم بنصف النهار ، وهو قائم أشعث أغبر بيده قارورة فيها دم ، فقلت : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما هذا؟

قال : هذا دم الحسين وأصحابه ، لم أزل ألتقطه منذ اليوم فأحصينا ذلك اليوم فوجدوه قتل في ذلك اليوم)(٣٥٣) .

٣ ـ علي بن زيد بن جدعان : قال : (استيقظ ابن عباس من نومه فاسترجع وقال : قتل الحسين والله ، فقال له أصحابه : لِمَ يا ابن عباس؟ فقال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعه زجاجة من دم ، فقال : أتعلم ما صنعت أمتي من بعدي؟

قتلوا الحسين وهذا دمه ودم أصحابه أرفعهما إلى الله ؛ فكتب ذلك اليوم الذي قال فيه وتلك الساعة ، فما لبثوا إلا أربعة وعشرين يوماً حتى جاءهم الخبر بالمدينة أنّه قتل في ذلك اليوم وتلك الساعة)(٣٥٤) .

__________________

(٣٥٢) ـ النوري ، الميرزا حسين الطبرسي : دار السلام ، ج ١ / ١٦١ ـ ١٦٢.

(٣٥٣) ـ المرعشي ، السيد شهاب الدين : ملحقات إحقاق الحق ، ج ١١ / ٣٦٩.

(٣٥٤) ـ نفس المصدر ، ج ١ / ٣٧٠.


٦ ـ السيدة سكينة (عليها السلام) :

إنّ الحديث عن تاريخ السيدة سكينة عليها السلام ، طويل وذو شجون ، ولكن يمكن إلقاء الضوء عليه على نحو الإختصار كالتالي :

إسمها : آمنة ، أو أمينة ، أو أميمة ، ولقبتها أمها بـ(سَكِينَة) ؛ لسكونها وهدوئها.

وأمها : هي الرباب بنت إمرئ القيس ، بن عدي الكلبية ـ ولدت عاما ٤٢ هـ بالمدينة المنورة.

وزوجها : هو عبد الله بن الإمام الحسن عليه السلام فقط ، قتل مع عمه في واقعة الطف ، وبقيت بعده ولم تتزوج بغيره ، إلى أن توفيت في يوم الخميس في الخامس من ربيع الأول سنة ١١٧ هـ ، وعمرها ٧٥ سنة ودفنت في البقيع.

عرفت هذه السيدة الجليلة الطاهرة ، بالعفة والطهارة ، والسيرة الجميلة ، ومما يدل على ذلك ، ما روي في التعريف بها عن طريق والدها سيد الشهداء ، أبي عبد الله الحسين عليه السلام ، وهو كالتالي :

١ ـ قال عليه السلام : (وأما سكينة ؛ فغالب عليها الإستغراق مع الله ، فلا تصلح لرجل)(٣٥٥) .

٢ ـ وقال عليه السلام : في يوم عاشوراء :

سيطول بعدي يا سكينة فاعلمي

منكِ البكاء إذا الحِمَامُ دهاني

لا تحرقي قلبي بدمعك حسرة

ما دام مني الروح في جثماني

وإذا قتلت فأنت أولى بالذي

تأتينه يا خيرة النسواني(٣٥٦)

__________________

(٣٥٥) ـ دخيل ، علي محمد علي : مجموعتي ، ج ٦ / ٣٢٤.

(٣٥٦) ـ ابو مخنف ، لوط بن يحيى : مقتل ابي مخنف / ١٩٤.


نعم هذا ما ذكره التاريخ عن مقام هذه السيدة الطاهرة ، بل هذه سيرة ربيبة البيت النبوي ، لكن أعداء هذا البيت الشريف ، ما زالوا على ظلمهم جيلاً بعد جيل ، من الدّس والتهم ، وكان نصيب هذه السيدة الجليلة ، من هذا التحامل والدّس ، أن صَوّروها ملكة الشعر ، حيث تجالس الشعراء وتجيزهم وقولها الفصل ، ونسبوا لها تعدد الأزواج ، ومن الشواهد على ذلك ما يلي :

مناقشة المؤلف للدكتور بشرى عبد العظيم :

قرأت في العدد (٤٤٨ ـ من أعداد مجلة المنهل السعودية ـ الصادر في ذي الحجة عام ١٤١١ هـ) ـ موضوعاً للدكتور بشرى عبد العظيم ، بعنوان ـ السيدة سكينة صاحبة أول صالون أدبي في مصر الإسلامية ؛ فناقشته كالتالي :

كان عنوان مناقشتي (حول موضوع السيدة سكينة ـ للدكتور بشرى عبد العظيم) ، ذكرت هذه المناقشة في العدد (٤٩٢ ـ الصادر في جمادى الآخرة ١٤١٢ هـ) (٣٥٧) كالتالي :

بعد قراءتي للموضوع ؛ تبين لي أنّ هناك أموراً أغفلها الكاتب المحترم في شخصية السيدة سكينة ، ولم يهتم بتحقيقها ، والأمور التي أريد ذكرها هي :

١ ـ تعدد أزواجها.

٢ ـ إجازتها للشعراء ، جرير والفرزدق ، وعمر بن أبي ربيعة.

__________________

(٣٥٧) ـ أحب أن أنبه على شيئين :

أولاً ـ أنّ هذه المناقشة كتبت بإسمي القديم (عبد رب الرسول).

وثانياً ـ تم تصحيح الأخطاء التي حصلت أثناء طبع عدد المجلة المذكورة ، وأيضاً أضيفت ـ هنا ـ بعض الأمور التي لم تذكر في العدد المذكور «المؤلف».


٣ ـ صاحبة أول صالون أدبي في مصر. وقبل الدخول في الحوار مع الكاتب ، ينبغي بيان مقدمة وهي : لابد لكل كاتب وباحث تاريخي ، بعد جمعه للمصادر ، أن يعتمد على المصادر ، البعيدة عن الوضع والضعف ؛ إذ قد يكون المصدر ضعيفاً ؛ لضعف صاحبه لإعتماده على الضعفاء والكذابين ، أو أنّ المؤلف نفسه كَذّاب ، وحينئذ لا يعتمد عليه ، وبعد كل ذلك أقول :

من قرأ تراجم الرجال هم أساس الرواية في شخصية السيدة سكينة ـ كمصعب الزبيري ، وابن أخيه الزبير بن بكار ، والهيثم بن عدي الطائي ، وصالح بن حسان ـ ؛ عرف أنّه لا يعتمد عليهم.

في تهذيب التهذيب ، لابن حجر ـ ج ٣ / ٣١٣ : «ولم يعتمد احمد بن علي السليماني ، بروايات الزبير بن بكار ؛ لإكثاره الرواية عن الضعفاء». وفي الكامل ، لابن الأثير ، ج ٧ في حوادث سنة ٢٣٦ : «ان مصعب بن عبد الله بن ثابت ، بن عبد الله ، بن الزبير بن العوام ، منحرفاً عن علي». وفي وفيات الأعيان ، لابن خلكان ـ في مادة فاطمة بنت الحسين ـ : «الزبير بن بكار ، كان عدواً آل علي ، بل لسائر بني هاشم ، كان يصنع المفتريات في رجالهم ونسائهم ، حتى أرادوا قتله ، ففرّ من مكة إلى بغداد أيام المتوكل». وأول من وضع الأحاديث الشائعة في بنت الحسين سكينة ، هو مصعب الزبيري ، المتوفى سنة ٢٣٦ هـ. في كتابه (نسب قريش) ؛ لينصرف المغنون عن ابنتهم سكينة بنت خالد بن مصعب بن الزبير ، التي تجتمع مع ابن أبي ربيعة الشاعر ، والمغنيات يغنين لهم ، ما في الأغاني ج ١ / ٦٧. وزَوّد بها مرافقه في بغداد المدائني ، المتوفى سنة ٢٢٥ هـ ، وزاد عليها الزبير بن بكار وابنه ، وتلقاها المبرّد ، المتوفى سنة ٢٨٥ هـ ، وعنه أخذ تلميذه الزجاج وغيره من دون تمحيص ، فأضلوا كثيراً


من الكتاب والمؤرخين ، حتى رووها بلا إسناد ، موهمين أنّها من المسلمات ، ثم جاء أبو علي القالي ـ تلميذ الزجاج ـ ؛ فَسَجّل في أماليه ما نقله عن أستاذه. ثم جاء دور صاحب الأغاني ، وإتخذ روايات من ذكرناهم حجة في نشر الشائع من المنكرات ، وأفعم كتابه المذكور بتلك الروايات ، وفيه وفي كتابه المذكور من الضعف.

قال القاضي محمود بن محمد عرنوس ؛ في تاريخ القضاء في الإسلام / ١٨٢ : «إنّ كتاب الأغاني ، إشتمل على كثير من الأخبار الواهية ، بل الموضوعة». وفي المنظم ، ج ٧ / ٤٠ ـ حوادث سنة ٣٥٦ هـ : «لا يوثق بروايته ؛ فإنّه يُصرّح في كتبه بما يوجب عليه الفسق ، ويهوى شرب الخمر ، وربما حكى ذلك عن نفسه ، ومن تأمل كتابه الأغاني ؛ رأى كل قبيح ومنكر». وبعد بيان كل ذلك ؛ إتضح لنا عدم الإعتماد على مروياتهم.

حوار مع الكاتب :

قال : «وتذكر إحدى الروايات : أنّ سكينة قد رافقت عمتها زينب حين اُبعدت إلى مصر الخ».

وقال أيضاً : «وفي تحفة الأحباب للسخاوي : أنّ سكينة أول علوية قدمت إلى مصر ، وسبب قدومها أنّ الأصبغ بن عبد العزيز ، أمير مصر خطبها من أخيها الخ».

أولاً ـ سؤالي للكاتب المحترم : كيف تجمع بين الروايتين المتضاربتين بالنسبة إلى سفرها؟

ثانياً ـ إنّ الدكتورة بنت الشاطئ ـ كما حققته في كتابها (سكينة بنت الحسين) ـ ذكرت أنّ الزواج لم يتم ؛ باعتبار تضارب الروايات. وكفى بذلك ضعفا.


١ ـ تعدد أزواجها :

قال الكاتب المحترم : «وكان أول أزواج سكينة (رضي الله عنها) ، مصعب بن الزبير الخ».

وأصل هذه الرواية صاحب (نسب قريش) ، وصاحب (الأغاني) ، وهي ضعيفة كما ذكرنا من ضعف الروايتين ، على أنّ علماء النسب والتاريخ يشهدون بأنّ زواجها الأول من ابن عمها عبد الله الأكبر بن الإمام الحسن ، قتل يوم الطف ، نذكر منهم.

النسابة أبو الحسن العمري ـ في القرن السادس ـ في كتابه (المجدي) ، والشيخ محمد الصبان في (إسعاف الراغبين) ، على هامش (نور الأبصار ص ٢١٠).

والرأي القوي أنّ زواجها الأول والأخير من ابن عمها ، أما الأزواج المدّعاة ؛ لا يمكن الإعتماد عليهم ، وقد إقتطفتُ بعض ما قالته الدكتورة بنت الشاطئ في كتابها المذكور ، بعد أن أوردت قوائم الأزواج قالت : «وتختلط الأسماء إختلاطاً عجيباً بل شاذاً ، حتى ليشطر الإسم الواحد شطرين ، يؤتي بكل شَطْرٍ منهما على حده ، منهما زوجان للسيدة سكينة ، فعبد الله بن عثمان ، بن عبد الله بن حكيم بن حزام ، شطر شطرين ، فكان منه زوجان عبد الله بن عثمان ، وعمرو بن حكيم بن حزام ، أو كما ترجم في دائرة المعارف ، عمرو بن الحاكم.

وقالت أيضاً : ففي صفحة واحدة من الأغاني ـ مثلاً ـ تقرأ أربع روايات متناقضة متضاربة سردها ابو الفرج متتابعة ، ثم لا شئ أكثر من هذا السرد.


وقالت أيضاً : وإذا بلغ الشذوذ فيما يروى عن حياتها الزوجية ؛ أن تلد لمصعب بنتاً تتزوج من عمها أخي مصعب ، كما في الترجمة العربية لدائرة المعارف الإسلامية. وأن تزوجها (دائرة المعارف) عبد الله بن عثمان ، ابن أخي مصعب ، وعمرو بن الحاكم ابن حزام ، ولا خبر في نسب قريش ، وأنساب العرب ، عن وجود أخ لمصعب إسمه عثمان ، أو حفيد لحزام إسمه عمرو بن الحاكم.

٢ ـ إجازتها للشعراء : جرير ، والفرزدق ، وعمر بن أبي ربيعة :

ومن مرويات صاحب الأغاني ، عن المدائني ، وعن عبد الله الزبيري ، إجتماع الشعراء في بيت سكينة للضيافة ، واختصامهم عندها للمفاضلة الخ.

أولاً ـ إنّ الراوي لها المدائني ، وعبد الله الزبيري ، وصاحب الأغاني ، وكما قلنا : لا يمكن الإعتماد على هذه الروايات لضعفها.

ثانياً ـ إنّ المبرد في الكامل ج ٢ / ١٥٠ ، وابن قتيبة في عيون الأخبار ، ج ٢ / ١٤٦ : قد ذكر إجتماع الشعراء عند عبد الملك بن مروان ، وكذلك ابن كثير في البداية والنهاية ، ج ٩ / ٢٦٢ : ذكر إجتماع الشعراء ، عند عمر بن عبد العزيز ، وهم الفرزدق ، وجرير ، وعمرو بن ابي ربيعة ، والأحوص وتفاضلهم ونقده لهم.

ثالثاً ـ إنّ بيت الضيافة الذي ذكرته الرواية دعوى بلا دليل ، ولا يناسب شرف السيدة سكينة أن تفتح لها مكاناً للضيافة ، ومن أين لها الأموال؟! بل الأمر مستبعد ، إذ كيف تقبل غيرة بني هاشم أن تجالس الرجال والشعراء؟!.


٣ ـ صاحبة أول صالون أدبي في مصر :

هذه دعوى بلا دليل ، بل موضوعة على السيدة سكينة ، وما نسب إليها من كثرة الشعر ـ كما أخبر صاحب الأغاني ـ ، فغير صحيح ، إذ لو كان عندها كل ذلك لقالته في رثاء والدها ، بل المعروف أنّ لها أبياتاً قليلة في رثاء والدها :

لا تَعْذليه فهم قاطعٌ طُرُقه

فعينه بدموع دُرَّفٍ غدقه

إنّ الحسين غداة الطف يرشقه

ريب المنون فما أن يخطئ الحدقه

بكفّ شر عباد الله كلهم

نسل البغايا وجيش المرَّق الفسقة

يا أمة السوء هاتوا ما احتجاجكم

غداً وجلُّكم بالسيف قد صفقه

الويل حل بكم إلا بمن لحقه

صيرتموه لأرماح العدى درقه

يا عين فاحتفلي طول الحياة دماً

لا تبك ولداً ولا أهلاً ولا رفقه

لكن على ابن رسول الله فانسكبي

قيحاً ودمعاً وفي أثريهما العلقة(٣٥٨)

والكلمة الأخيرة في حق السيدة سكينة لوالدها الحسين : «أما سكينة ؛ فغالب عليها التوجه إلى الله تعالى. فنفهم من هذه الكلمة ، أنّ كل ما قيل : من لقاء الشعراء وبيت الضيافة غير صحيح وكل أملي للكاتب المحترم ، أنّ يتنبّه للحقائق التاريخية قبل كتابتها ، حتى يكون قد أنصف في كتابته ، ولا يعتمد على نقل الروايات فقط من دون تتحقيق ، والعصمة لله» (٣٥٩).

__________________

(٣٥٨) ـ شُبّر ، جواد : أدب الطف ، ج ١ / ١٥٨.

(٣٥٩) ـ المنهل ـ العدد ٤٩٢ ، جمادى الآخرة ١٤١٢ هـ / ١٨٠ ـ ١٨١. وهنا تصحيح للأخطاء المطبعية وذكر النواقص التي لم تذكر في هذا الععدد «المؤلف».


رؤياها في دمشق :

وبعد ذكر هذه الترجمة المختصرة للسيدة سكينة عليها السلام ، نذكر بعض الروايات التي ذكرت رؤياها في دمشق ، وهي كالتالي :

١ ـ ذكر السيد ابن طاووس في كتابه (اللهوف في قتلى الطفوف) : «قال الراوي : ووعد يزيد علي بن الحسين عليهما السلام في ذلك اليوم أنّه يقضي له ثلاث حاجات ، ثم أمر بهم إلى منزل لا يكنهم من حرٍ ولا برد ، فأقاموا به حتى تقشرت وجوههم ، وكانوا مدة إقامتهم في البلد المشار إليه ، ينوحون على الحسين عليه السلام. قالت سكينة : فلما كان في اليوم الرابع من مقامنا ؛ رأيت في المنام رؤيا ـ وذكرت مناماً طويلاً تقول في آخره ـ : رأيت إمرأة راكبة في هودج ويدها موضوعة على رأسها ، فسألت عنها فقيل لي : هذه فاطمة بنت محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أم أبيك صلوات الله عليه ، فقلت : والله لأنطلقن إليها ، ولأخبرنّها ما صنع بها ، فسعيتُ مبادرةً نحوها حتى لحقتُ بها ، فوقفتُ بين يديها أبكي وأقول : يا أمّاه ، جحدوا والله حَقّنا ، يا أمّاه ، بَدّدوا والله شملنا ، يا أمّاه ، إستباحوا والله حريمنا ، يا أمّاه ، قتلوا والله الحسين أبانا ، فقالت لي : كفّي صوتك يا سكينة ، فقد قطعت نياط قلبي ، هذا قميص أبيك الحسين لا يفارقني حتى ألقى الله به» (٣٦٠).

٢ ـ وذكر الشيخ ابن نما في كتابه (مثير الأحزان) : «ورأت سكينة في منامها وهي بدمشق ، كأنّ خمسة نجب من نور قد أقبلت ، وعلى كل نجيب شيخ والملائكة محدقة بهم ، ومعهم وصيف يمشي ، فمضى النجب وأقبل الوصيف إليّ وقرب مني وقال : يا سكينة ، إنّ جدّك يسلم عليك.

__________________

(٣٦٠) ـ ابن طاووس ، السيد علي الحسني الحسيني : اللهوف في قتلى الطفوف / ٧٩.


فقلت : وعلى رسول الله السلام ، يا رسول ، رسول الله من أنت؟ قال وصيف من وصائف الجنة. فقلت : من هؤلاء المشيخة الذين جاؤوا على النجب؟

قال الأول آدم صفوة الله ، والثاني إبراهيم خليل الله ، والثالث موسى كليم الله ، والرابع عيسى روح الله. فقلت : من هذا القابض على لحيته يسقط مرة ويقوم أخرى؟ فقال : جدك رسول الله صلى الله عليه وآله.

فقلت : وأين هم قاصدون؟ قال : إلى أبيك الحسين عليه السلام. فأقبلت أسعى في طلبه لأعرفه ما صنع بنا الظالمون بعده. فبينا أنا كذلك إذ أقبلت خمسة هوادج من نور ، وفي كل هودج إمرأة. فقلت : من هذه النسوة المقبلات؟ قال : الأولى حواء أم البشر ، والثانية آسية بنت مزاحم ، والثالثة مريم بنت عمران ، والرابعة خديجة بنت خويلد ، والخامسة الواضعة يدها على رأسها تسقط مرة وتقوم أخرى ، جدتك فاطمة بنت محمد أم أبيك. فقلت : والله لأخبرنها ما صنع بنا ، فلحقتها ، فوقفت بين يديها أبكي ، وأقول : يا أمّاه جحدوا والله حقنا ، يا أمّاه بددوا والله شملنا ، يا أمّاه إستباحوا والله حريمنا ، يا أمّاه قتلوا والله الحسين أبانا. فقالت : كفي صوتك يا سكينة ، فقد أحرقت كبدي ، وقطعت نياط قلبي ، وحدثت به أهلي ، فشاع بين الناس»(٣٦١) .

٣ ـ قال الراوي : «فلما سكن الروع ، قالت سكينة : إعلم يا يزيد ، أني البارحة كنتُ بين النوم واليقظة ؛ إذ رأيت قصراً شرفاته من الياقوت ، وإذا بباب قد فتح ، فخرج منه خمسة مشايخ قد عظم الله تعالى أجورهم ، وزاد في نورهم ، ويقدمهم وصيف فتقدمت إليه وقلت : يا فتى لمن هذا

__________________

(٣٦١) ـ ابن نما ، الشيخ محمد جعفر الحلي : مثير الأحزان / ١٠٤ ـ ١٠٥.


القصر؟ فقال : لأبيك الحسين. فقلت : ومن هذه المشايخ؟ فقال : هذا آدم ، ونوح ، وابراهيم ، وموسى ، وعيسى ، فبينما هو يخاطبني إذ أقبل رجل قمري الوجه كأنه قد إجتمع عليه هَمّ الدنيا ، وهو قابض على لحيته ، فقلت : من هذا؟ فقال : جدك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

فدنوت منه وقلت : يا جداه ، قد قتلت والله رجالنا ، وذبحت والله أطفالنا ، وهتكت والله حريمنا ، فإنحنى عليّ وضمني إلى صدره ، وبكى بكاء عالياً ، فأقبل إبراهيم ، وآدم ، ونوح ، وموسى ، وعيسى وقالوا : إخفضي من صوتك يا بنت الصفوة ، فقد أوجعت قلب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ثم أخذ الوصيف بيدي وأدخلني القصر. وإذا بخمس نسوة كالبدور الطالعة ، وبينهن إمرأة ناشرة شعرها ، قد صبغت أثوابها بالسواد ، وبين يديها قميص مضمخ بالدماء ، إن هي قامت قمن النساء مها ، وإن هي جلست جلسن معها ، وكانت تحثو التراب على رأسها بعد مرة ، وتعض الأكف غيضاً وحنقاً ، تكاد أن تذوب مهجتها ، قد إحترق قلبها حزناً لمصاب الحسين ، فقلت للوصيف فمن هؤلاء النسوة؟ فقال : هذه حواء ، ومريم ، وأم موسى ، وآسية ، وخديجة الكبىر ، وصاحبة القميص المضمّخ بالدم جدتك فاطمة الزهراء. فدنوت منها وقلت لها : يا جدتاه ، قتلوا والله أبي ، وأيتمت على صغر سني ، فضمنتني إلى صدرها وقالت : يعزّ والله عليّ ذلك ، وصارت صارخة وقالت : أحرقت قلبي يا سكينة ، من غسّل ابني؟ من كفّنه؟ من صلى عليه؟ من جهّزه؟ من سار بنعشه؟ من حفر له قبراً؟ من تحفّى له؟ من لحّده في لحده؟ من شرج له لبناً؟ من أهال التراب على وجه ولدي وقرّة عيني الحسين؟ من ذا كفل أيتامكم يا سكينة بعده؟ من حَنّ عليكم


بعوائد اللطف؟ من تكفل أرامله؟ ثم قالت : وا ولداه ، وا مهجة قلباه ، وا ثمرة فؤاداه. فتناوحت النساء من حولها ، حتى ظننت أنّ القصر يريد أن ينطبق ، وهي من عبرتها تخنق ، فجعلت النساء يعزونها تعزية شديدة ، ويهدئنها ولم تكن تهدأ ولا تقنق ، كأنّها قد أخذت حزن أهل الدنيا على رأسها ، هذا والنساء يقلن لها : يا فاطمة (سلام الله عليكم) ، يحكم الله تعالى بينكم وبين يزيد (لع) وهو خير الحاكمين ، وودعتني وهي باكية ، فانتبهت وجلة قد زادني حزناً إلى حزني فراقها. قال : فعند ذلك ضحك يزيد (لع) مستهزءاً وقال : إنكم تسلون بالأحلام ولم يعبأ بكلام الطاهرة ، ولم يخف من ملالها»(٣٦٢) .

نتيجة بحث رؤياها :

وبعد عرض هذه الروايات التي ذكرت رؤيا السيدة سكينة في دمشق ؛ نخرج بالنتيجة التالية :

أولاً ـ إنّ الروايات مختلفة من حيث الإجمال والتفصيل ، وإختلاف الألفاظ والفقرات والزيادة والنقصان ، ومع ذلك يمكن القول بوحدة القضية وكونها رواية واحدة ، ولعل ذلك يرجع إلى ما يلي :

١ ـ إنّ من دأب الرواة الزيادة والنقصان ، سواء من باب العمد أو السهو أو النسيان.

٢ ـ قد يرجع ذلك إلى النسّاخ في نقل الرواية من مصادرها الأساسية ، وهذا معروف عنهم.

__________________

(٣٦٢) ـ الدربندي ، الشيخ آغا بن عابد الشيرواني الحائري : أسرار الشهادة ، ج ٣ / ٦٢٢ ـ ٦٢٣.


ثانياً ـ إنّ رواية الشيخ ابن نما الحلي تنصّ على أنّ سكينة لم تقص الرؤيا على يزيد (بع) ، بل أرادت إخفائها عنه ، فشاعت بين الناس ، وهذا هو الأقرب إلى الصحة ، وذلك لما يلي :

١ ـ إنّ بعض الروايات التي نصت على إخبارها ليزيد برؤياها ، تنص على أنّ يزيد تارة يسخر من كلامها ، وتارة أخرى يبكي ويقول : ما لي ولقتل الحسين. فهي متضاربة من حيث النتيجة من الإستهزاء تارة والبكاء تارة أخرى؟!

٢ ـ إنّ مخاطبة السيدة سكينة وقصّ رؤياها ليزيد (لع) مستبعدة ؛ وذلك لما هو الملاحظ من سيرته مع أهل البيت عليهم السلام من الشماتة والإستهزاء بهم ، وقد عَبّرت عنه هذه السيدة الجليلة بما روي عنها : (ما رَأيت أقسى قلباً من يزيد ، ولا رأيت كافراً ولا مشركاً شرّاً منه ، ولا أجفى منه)(٣٦٣) .

ثالثاً ـ تنصّ بعض الروايات على أنّ يزيد (لع) كان يهزأ من رؤيا سكينة ، وبعضها تنصّ على أنّه بكى وقال : مالي ولقتل الحسين؟ وإن صح هذا ال قول المنسوب إليه ، فيدل على أنّه لما افتضح بين أهل الشام ، أراد أن يبرر موقفه بالندم تارة ، ونسبة القتل إلى ابن زياد تارة أخرى ، وهذا هو المعروف من سيرته مع أهل البيت عليهم السلام في دمشق. نذكر منها ما يلي :

أ ـ ذكر الشيخ عباس القمي (ره) : «وفي رواية أخرى ، أنّ هند زوجة يزيد بنت عبد الله بن عامر بن كريز ، كانت قبل ذلك تحت الحسين عليه السلام ، فلما دخلت على يزيد كان الملعون جالساً في مجلس عام ، فقالت : يا يزيد ، أرأس ابن افطمة بنت رسول الله مصلوب على فناء داري. فوثب إليها يزيد

__________________

(٣٦٣) ـ المجلسي ، الشيخ محمد باقر : بحار الأنوار ، ج ٤٥ / ١٥٥ ـ ١٥٦.


فغطاها وقال : نعم ، فأعولي عليه يا هند ، وأبكي على ابن بنت رسول الله وصريخة قريش ، عَجّل عليه ابن زياد لعنه الله فقتله ، قتله الله ، ثم إنّ يزيد أنزلهم في داره الخاصة ، فما كان يتغدى ولا يتعشى حتى يحضر علي بن الحسين (عليه السلام)»(٣٦٤) .

ب ـ وذكر الشيخ عباس القمي أيضا : «وقيل لما وصل الحسين (عليه السلام) إلى يزيد حسنت حال ابن زياد عنده ، وزاده ووصله وسره ما فعل ، ثم لم يلبث إلا يسيراً حتى بلغه بغض الناس له ولعنهم وسبهم ، فندم على قتل الحسين (عليه السلام) ، فكان يقول : وما عليّ لو إحتملت الأذى وأنزلت الحسين معي في داري وحكمته فيما يريد ، وإن كان عليّ في ذلك وهن في سلطاني ، حفظاً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ورعاية لحقه وقرابته ، لعن الله ابن مرجانة ، فإنّه إضطره وقد سأله أن يضع يده في يدي ، أو يلحق يثغر حتى يتوفاه الله ، فلم يجبه إلى ذلك فقتله فبغّضني بقتله إلى المسلمين ، وزرع في قلوبهم العداوة فأبغضني البر والفاجر بما استعظموه من قتل الحسين (عليه السلام) ، مالي ولابن مرجانة (لعنه الله وغضب عليه). ثم عَقّب الشيخ عباس القمي على ذلك بقوله : «يظهر لمن تأمل في أفعال يزيد وأقواله ، أنّه لما جيء برأس الحسين (عليه السلام) وأهل بيته سُرّ بذلك غاية السرور ، ففعل ما فعل مع الرأس الشريف ، وقال ما قال ، وحبس علياً بن ال حسين (عليه السلام) وسائر أهل بيته في محبس لا يكنّهم من حَرّ ولا قَرّ ، حتى تقشرت وجوههم ، فلما عرفهم الناس واطلعوا على جلالتهم وأنهم مظلومون ، ومن أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه

__________________

(٣٦٤) ـ القمي ، الشيخ عباس : نفس المهموم / ٤١٩ ـ ٤٢٠.


وآله) كرهوا فعل يزيد ، بل لعنوه وسبوه وأقبلوا على أهل البيت ، فلما إطلع يزيد على ذلك أراد أن يفرغ ذمته من دم الحسين (عليه السلام) ، فنسب قتله إلى إبن زياد ولعنه بفعله ذلك ، وأظهر الندم على قتله (عليه السلام) ، وغَيّر حاله مع علي بن الحسين (عليه السلام) وسائر أهل بيته ، فأنزلهم في داره الخاصة ، حفظاً للملك والسلطنة ، وجلباً لقلوب العامة ، لا أنّه ندم على قتل الحسين ، وساءه ما فعل إبن زياد ، بحسب الواقع ونفس الأمر.

والذي يدل على هذا ، ما نقله السبط ابن الجوزي في التذكرة : أنّه إستدعى ابن زياد إليه واعطاه أموالاً كثيرة ، وتحفاً عظيمة ، وقَرّب مجلسه ، ورفع منزلته وأدخله على نسائه ، وجعله نديمه ، وسكر ليلة وقال للمغني : غَنِّ ، ثم قال يزيد بَدِيهاً :

إسقني شربة تروي مَشَاشِي

ثم مِل فاسقِ مثلها ابن زيادِ

صاحب السر والأمانة عندي

ولتسديد مغنمي وجهادي

قاتل الخارجي أعني حسيناً

ومبيد الأعداء والحساد»(٣٦٥)

رابعاً ـ في رواية السيد ابن طاووس في كتابه (اللهوف) : أنّ السكينة عليها السلام رأت جدها الزهراء عليها السلام وفي بعض الروايات أنّها رأت جدها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأولي العزم من الأنبياء.

وفي رواية الشيخ ابن نما الحلي ، رأت جدتها الزهراء عليها السلام وسيدات النساء المفضلات على العالمين ، وفي رواية المجلسي في كتابه (بحار الأنوار ج ٤٥ /

__________________

(٣٦٥) ـ المصدر السابق / ٤٢٠ ـ ٤٢١.


١٩٥) : أنّها رأت زيادة على ذلك جدها أمير المؤمنين عليه السلام. هذا ما أردنا بيانه ، والله سبحانه العالم بحقائق الأمور.



٧ ـ السيدة رُقَية (عليها السلام)

أولاً ـ أخوات السيدة رقية

١ ـ السيدة فاطمة

ـ زوجها وأولادها

ـ منزلتها وعلوّ شأنها

ـ وفاتها ومدفنها

٢ ـ السيدة فاطمة الصغرى (العليلة)



٧ ـ السيدة رُقيّة بنت الإمام الحسين (عليه السلام) :

قبل عرض ما ذكرته الروايات لرؤياها في الشام ، ينبغي التعرف على شخصيتها ، وبما أنّ هناك تكراراً لإسم فاطمة في بنات الإمام الحسين عليه السلام ، وأيضاً يضاف له الكبرى ، والصغرى ، والصغيرة ، لذا ينبغي البحث في عددها ، وإعطاء نبذة عنها ؛ كي يتضح لنا التَعرّف على السيدة رقية من خلال ذلك ، والبحث في ذلك يرتكز على التالي :

أولاً ـ اخوات السيدة رقية (عليها السلام) :

المستفاد من كلمات المؤرخين أنّ بنات الحسين عليه السلام أربع : فاطمة ، وسكينة ، وزينب ، ورقية ، وقد مضى الحديث عن السيدة سكينة عليها السلام ، وبقي الحديث عن أخواتها كالتالي :

١ ـ السيدة فاطمة (عليها السلام) :

السيدة فاطمة المعروفة بـ(فاطمة الكبرى ، وفاطمة الصغرى ، وزينب الصغرى).

قال السيد جعفر آل بحر العلوم (ره) : «وكانت تُلقّب بفاطمة الصغرى ، قبال فاطمة الصِدِّيقة الكبرى ، ويظهر من (الكافي) أنّها أكبر سناً من أختها سكينة بنت الحسين عليه السلام ؛ لأنّه عليه السلام في يوم الطف أوصى إليها لتوصل الوصية إلى السجاد عليه السلام»(٣٦٦) .

__________________

(٣٦٦) ـ بحر العلوم ، السيد جعفر : تحفة العالم ، ج ١ / ٢٩٨.


وذكر الشيخ الحائري (ره) في كتابه (معالي السبطين) : «وفاطمة الكبرى ، الملقبة بزينب الصغرى ، وقيل : أمها قضاعية ، فعلى هذا هي وجعفر بن الحسين عليه السلام من أم واحدة»(٣٦٧) .

أقول : تبين لنا بعد عرض هذين النصين ، أنّ هذه السيدة تعرف بـ(فاطمة الكبرى) باعتبار أنّها أكبر بناته عليه السلام ، وفاطمة الصغرى باعتبار جدتها الصديقة الكبرى (فاطمة) ، ولعلّ من قال : بأنّ للحسين عليه السلام بنتاً إسمها (زينب) ، هي هذه السيدة ؛ لأنّها تعرف بـ(زينب الصغرى).

والدتها هي : أم إسحاق ، بنت طلحة ، بن عبيد الله التيمي ، كانت زوجة الإمام الحسن عليه السلام ، وولدت له طلحة ، وقد درج ولا عقب له ، ثم تزوجها الإمام الحسين عليه السلام بوصية منه ، فولدت له فاطمة.

وذكر الشيخ عباس القمي (ره) في كتابه (نفثة المصدور) : «قال ابو الفرج : وأمها ـ أي أم إسحاق ـ جرباء بنت قسامة ، بن رومان من طيء ، إنّما سميت جرباء لحسنها ، كانت لا تقف إلى جانبها إمرأة ـ وإن كانت جميلة ـ إلا إستقبح منظرها لجمالها ، وكانت النساء يتحامين أن يقفن إلى جانبها ، فشبهت بالناقة الجرباء التي تتوقاها الإبل مخافة أن تعديها ، وقد كانت أم إسحاق عند الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) ، قبل أخيه الحسين (عليه السلام) ، فلما حضرته الوفاة دعا بالحسين (عليه السلام) ، فقال : يا أخي ، إنّي أرضى هذه المرأة لك ، فلا تخرجن من بيوتكم ، فإذا إنقضت عدتها فتزوجها ،

__________________

(٣٦٧) ـ الحائري ، الشيخ محمد مهدي : معالي السبطين ، ج ٢ / ٢١٤.


فلما توفي (عليه السلام) ؛ تزوجها الحسين ، وقد كان ولدت من الحسن (عليه السلام) طلحة ، وقد درج ولا عقب له»(٣٦٨) .

هل أم إسحاق والدة السيدة فاطمة؟

المشهور بين المؤرخين أنّ أمّها هي (أم إسحاق) ؛ إلا أنّ هذه الشهرة قابلة للنقاش والتحقيق ، وذلك كالتالي :

أولاً ـ أنّ (أم إسحاق) كانت زوجة للإمام الحسن عليه السلام ثم تزوجها من بعده الإمام الحسين عليه السلام.

والأقوال في تاريخ وفاة الامام الحسن هي :

(٥٠ هـ ، ٤٩ هـ ، ٥١ هـ ، ٤٤ هـ ، ٤٧ هـ ، ٥٨ هـ).

والأقوال في وفاة السيدة فاطمة عليها السلام مرددة بين عام (١١٧ هـ و ١١٠ هـ) ، وأن عمرها (٧٠ أو أكثر من ٧٠ ، أو قاربت التسعين) ، ويمكن الجمع بين هذه الأقوال بأنّ عمرها (٧٠ ـ ٨٠) ، فيكون تاريخ ولادتها كالتالي :

(١١٧ – ٧٠ = ٤٧ هـ ، فيكون عمرها يوم الطف (١٣ سنة)

(١١٧ – ٨٠ = ٣٧ هـ ، فيكون عمرها يوم الطف (٢٣ سنة)

(١١٠ – ٧٠ = ٤٠ هـ ، فيكون عمرها يوم الطف (٢٠ سنة)

(١١٠ – ٨٠ = ٣٠ هـ ، فيكون عمرها يوم الطف (٣٠ سنة)

وعلى كل هذه الفروض والإحتمالات ، فأقربها هو أنّ ولادتها عام (٤٧ هـ) ، ومع هذا فهو قابل للنقاش ؛ حيث أنّه أحد الأقوال الغير قوية في وفاة الإمام الحسن عليه السلام ، ومع هذا لا يقبل هذا الإحتمال ؛ إذ أنّها أكبر من أختها السيدة سكينة ، وقد عَبّر عنها الحسين عليه السلام بـ(يا خيرة النسوانِ) وعلى بعض

__________________

(٣٦٨) ـ القمي ، الشيخ عباس : نفثة المصدور / ٤٨٢.


الأقوال أنّ عمرها يوم وفاتها (٧٥ سنة) ، وتاريخ وفاتها عام (١١٧ هـ) ، فتكون ولادتها عام (٤٢ هـ) ، وعمرها يوم الطف (١٨ سنة) ، فعلى هذا يُستبعد هذا الإحتمال.

ثانياً ـ قد يكون هناك خلط بين فاطمة بنت الإمام الحسن عليه السلام وفاطمة بنت الإمام الحسين عليه السلام ، فقد ذكر الشيخ المفيد (قده) في كتابه (الإرشاد) ـ في تعداد أولاد الإمام الحسن عليه السلام ـ : «والحسين بن الحسن الملقب بالأثرم ، وأخوه طلحة بن الحسن ، وأختهما فاطمة بنت الحسن ، أمهم أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله التيمي»(٣٦٩) .

ثالثاً ـ وقد تكون أمّاً لغير فاطمة الكبرى من بنات الحسين عليه السلام ، فقد ذكر الشيخ الحائري (ره) في كتابه (معالي السبطين) : «وفاطمة الكبرى ، الملقبة بزينب الصغرى ، أمّها قضاعية ، فعلى هذا هي وجعفر بن الحسين عليه السلام من أم واحدة»(٣٧٠) .

وقال أيضاً : «وفاطمة الصغرى ، وقال صاحب (الحدائق الوردية) وفاطمة الصغرى ، هي أخت عبد الله الرضيع من أمه ، وهو الذي ولد في الحرب وقت صلاة الظهر ، وقتل في حجر أبيه»(٣٧١) .

وقال أيضاً : «وفاطمة الصغرى ؛ هي التي خلفها الحسين عليه السلام بالمدينة لمصلحة ، أو لأنّها مريضة ، وفي كتاب (مشارق الأنوار) ، نقلاً عن كتاب (درر الأصداف (: إنّ للحسين عليه السلام فاطمة صغرى ، وفاطمة كبرى ، ثم قال : وجاء

__________________

(٣٦٩) ـ المفيد ، الشيخ محمد بن محمد : الإرشاد ، ج ٢ / ٢٠.

(٣٧٠) ـ الحائري ، الشيخ محمد مهدي : معالي السبطين ، ج ٢ / ٢١٤.

(٣٧١) ـ نفس المصدر.


غراب وتمرّغ في دمه وطار حتى وقع بالمدينة على جدار فاطمة بنت الحسين عليه السلام وهي صغيرة»(٣٧٢) .

فبعد هذا البيان ؛ إتضح لنا ، أنّ هناك فاطمة أخرى للحسين عليه السلام قد تكون أمها (أم إسحاق) ، وسيتضح لنا فيما بعد أنّها أم (لرقية وعلي الأصغر ، الرضيع المولود وقت صلاة الظهر يوم عاشوراء ، ولم يتضح لنا أنّها أمّاً لفاطمة الكبرى بنت الحسين عليه السلام ، بل أمّها قضاعية ، والله العالم بحقايق الأمور.

زوجها وأولادها :

تزوجت بابن عمها الحسن بن الحسن بن أمير المؤمنين عليه السلام ، كما ذكر ذلك الشيخ المفيد (قده) في كتابه (الإرشاد) : «وروي : أنّ الحسن بن الحسن ، خطب إلى عمِّه الحسين بن علي (عليهما السلام) إحدى إبنتيه ، فقال له الحسين ، إختر يا بُنيّ أحبهما إليك ، فاستحيا الحسن ولم يُحِرْ جواباً ، فقال الحسين (عليه السلام) : فإنّي قد إخترت لك ابنتي فاطمة ، وهي أكثرهما شبهاً بأمي فاطمة بنت رسول الله (صلى اللع عليهما) ...»(٣٧٣) والمستفاد من نَصّ الشيخ المفيد (قده) ، جلالة وحسن حال هذا الرجل ، حيث قال : فأما الحسن بن الحسن ؛ فكان جليلاً رئيساً فاضلاً ورعاً ، وكان يلي صدقات أمير المؤمنين (عليه السلام) في وقته»(٣٧٤) . وقال أيضاً : «وكان الحسن بن الحسن حضر مع عمه الحسين بن علي (عليهما السلام) الطف ، فلما قتل الحسين ، وأسر الباقون من أهله ؛ جاءه أسماء بن خارجة فانتزعه من بين الأسرى ، وقال : والله لا يوصل

__________________

(٣٧٢) ـ المصدر السابق.

(٣٧٣) ـ المفيد ، الشيخ محمد بن محمد : الإرشاد ، ج ٢ / ٢٣.

(٣٧٤) ـ نفس المصدر / ٢٥.


إلى ابن خولة أبداً. فقال عمر بن سعد : دعوا لأبي حَسّان ابن أخته. ويقال : إنّه أسر وكان به جراح قد أشفي منها»(٣٧٥) . وقال أيضاً : «ومضى الحسن بن الحسن ولم يَدّعِ الإمامة ، ولا إدّعَاها له مُدّعٍ ، كما وصفناه من حال أخيه زيد رحمة الله علهيما)(٣٧٦) .

وأنجب من بنت عمه ثلاثة أولاد وبنتا واحدة كالتالي :

١ ـ عبد الله بن الحسن (المحض)(٣٧٧) :

«شيخ بني هاشم ، والمقدم فيهم وذا الكثير منهم فضلاً وعلماً وكرماً ، ولد في بيت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المسجد. وقتل في محبسه بالهاشمية ، وهو ابن خمس وسبعين ، سنة خمس وأربعين ومائة»(٣٧٨) .

٢ ـ الحسن بن الحسن :

كان فاضلاً ورعاص ، توفي في محبسه بالهاشمية ، في ذي القعدة سنة خمس وأربعين ومائة ، وهو ابن ثمانٍ وستين سنة.

٣ ـ إبراهيم بن الحسن (الغمر)(٣٧٩) :

يكنى أبا الحسن ، كان أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وتوفي في محبسه بالهاشمية في شهر ربيع الأول سنة خمس وأربعين ومائة ، وهو أول من توفي منهم في السجن ، وهو ابن سبع وستين.

__________________

(٣٧٥) ـ المصدر السابق.

(٣٧٦) ـ نفس المصدر / ٢٦.

(٣٧٧) ـ سمي بـ(المحض) ؛ لأنّ أباه ال حسن بن الحسن ، وأمه فاطمة بنت الحسين (ع) ، وكان يشبه برسول الله (ص).

(٣٧٨) ـ الإصفهاني ، ابو فرج ، علي بن الحسين : مقاتل الطالبيين / ١٨٠ ـ ١٨٤.

(٣٧٩) ـ سمي بـ(الغمر) ؛ لجوده وكرمه.


٤ ـ زينب (أم جعفر) :

لم نعرف عن تاريخها شيئاً.

مناقشة تعدد أزواجها :

وزوج السيدة فاطمة عليها السلام الوحيد هو ابن عمها ، ولم تتزوج بغيره ، كما هو المعروف عند الإمامية ، وأما إدّعَاء ابو الفرج الإصفهاني ، نقلاً عن الزبير بن بكار : «وقد كانت فاطمة تزوجت بعد الحسن ، عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان ـ وهو عَم الشاعر الذي يقال له : العَرْجِي ـ ، فولدت له أولاداً ، منهم المقتول مع أخيه عبد الله بن الحسن ، ويقال له : الدِيببَاج ، والقاسم والرقية ، بنو عبد الله بن عمرو»(٣٨٠) . فيمكن مناقشة ذلك بما يلي :

أولاً ـ لم يذكر ذلك علماء الشيعة ورجال التاريخ ، مع ما عرفوا به من الإطلاع والتحقيق ، أمثال الشيخ المفيد ، والسيد المرتضى ، وابن شهر آشوب ، وغيرهم من أعلام البحث والتحقيق.

ثانياً ـ ما ذكره أبو الفرج الإصفهاني في روايته عن الزبير بن بكار ، عن عمه مصعب ؛ مقدوح فيه ، لإنحرافهما عن أهل البيت عليهم السلام وعداوتهما الواضحة ، فقد ألصقا التهم وكثرة الأزواج بأختها السيدة سكينة كذلك ، وهذا واضح لكل من قرأ ما ذكره أبو الفرج الإصفهاني من المهازل والأساطير ، بالنسبة للأزواج المدّعَاة للسيدة فاطمة بنت الحسين عليهما السلام.

ثالثاً ـ ما ذكره الشيخ المفيد (قده) : «ولما مات الحسن بن الحسن ـ رحمة الله عليه ـ ضربت زوجته فاطمة بنت الحسين على قبره فسطاطاً ، وكانت

__________________

(٣٨٠) ـ الإصفهاني ، ابو الفجر ، علي بن الحسين : مقاتل الطالبيين / ١٨٠.


تقوم الليل وتصوم النهار ، وكانت تُشبّه بالحور العين لجمالها ، فلما كان رأس السنة ؛ قالت لمواليها : إذا أظلم الليل ؛ فقوِّضوا هذا الفسطاط. فلما أظلم الليل ، سمعت قائلاً يقول : هل وجدوا ما فقدوا؟ فأجابه آخر : بل يئسوا فانقلبوا»(٣٨١) .

وبعد هذا نقول : هل مثل هذه المرأة التي ضربت المثل في الحب والوفاء لزوجها ، تُفكِّر في الزواج من غيره؟!

منزلتها وعلو شأنها :

كانت السيدة فاطمة عليها السلام جليلة القدر ، عظيمة المنزلة ، ويكفيها شرفاً وفخراً أنّها تربت في بيت الطهر والقداسة والشرف ، وإليك ـ أيها القارئ الكريم ـ بعض النماذج من سيرتها الطاهرة ، ففي العبادة عَبّر عنها والدها سيد الشهداء عليه السلام : «.. (أما في الدين ؛ فتقوم الليل كله وتصوم النهار) وفي علو المنزلة ما رواه الشيخ الكليني بسنده عن الإمام الباقر عليه السلام قال : (إنّ الحسين بن علي عليهما السلام لما حضره الذي حضره ، دعا ابنته الكبرى فاطمة بنت الحسين عليهما السلام ، فدفع إليها كتاباً ملفوفاً ، ووصية ظاهرة ، وكان علي بن الحسين عليهما السلام مبطوناً معهم لا يرون إلا أنّه لما به ، فدفعت فاطمة الكتاب إلى علي بن الحسين عليهما السلام ، ثم صار والله ذلك الكتاب إلينا يا زياد. قال : قلت : ما في ذلك الكتاب جعلني الله فداك؟ قال : فيه والله ما يحتاج إليه ولد آدم منذ خلق الله آدم إلى أن تفنى الدنيا ، والله إنّ فيه الحدود ، حتى أنّ فيه أرش الخدش»(٣٨٢) .

__________________

(٣٨١) ـ المفيد ، الشيخ محمد بن محمد : الإرشاد ، ج ٢ / ٢٦.

(٣٨٢) ـ الكليني ، الشيخ محمد بن يعقوب ، الكافي ، ج ١ / ٣٠٣.


وأما في المنطق والفصاحة ؛ فخطبتها البليغة في الكوفة تبرهن لنا ذلك. ونختم الحديث عن هذه السيدة الجليلة بكرامة من كراماتها ، قال السيد المقرّم (قده) : «وفي كتاب «تحقيق النصرة إلى معالم دار الهجرة» ص ١٨ ، تأليف ابي بكر بن الحسين بن عمر المراغي ، المتوفي سنة ٨١٦ : من كرامات فاطمة بنت الحسين ، أنّ الوليد بن عبد الملك لما أمر بادخال الحجرات في المسجد ، خرجت فاطمة بنت الحسين إلى الحرة ، وبنت داراً لها وأمرت بحفر بئر فظهر فيه جبل ، فقيل لها فتوضأت ، ورشت بفاضل وضوئها عليه فلم يتصعب عليهم ، فكانوا يتبركون بمائه ويُسمُّونه زمزم»(٣٨٣) .

وفاتها ومدفنها :

توفيت عام ١١٧ هـ ، أي في السنة التي توفيت فيها أختها السيدة سكينة ، ودفنت في البقيع.

وعمرها أكثر من سبعين سنة. وقول آخر يَنصّ على أنّ وفاتها عام ١١٠ هـ. ونَصّ ابن حجر في تهذيب التهذيب : «ماتت وقد قاربت التسعين»(٣٨٤) .

٢ ـ السيدة فاطمة الصغرى (العليلة) :

مما يؤسف له ، لم نعرف عن هذه السيدة الجليلة إلا ما ذكر في بعض كتب السيرة الحسينية ، فقد ذكر السيد رضي القزويني (ره) : «روي في كتاب المناقب القديم بإسناد طويل ، عن علي بن الحسين عليهما السلام قال : (فلمّا قتل الحسين بن علي عليهما السلام ؛ جاء غراب فوقع في دمه ، ثم تَمرّغ ثم طار ، فوقع بالمدينة على

__________________

(٣٨٣) ـ المقرم ، السيد عبد الرزاق : مقتل الحسين / ٣١٤.

(٣٨٤) ـ ابن حجر ، احمد بن علي : تهذيب التهذيب ، ج ٤ / ٦٨٤.


جدار فاطمة بنت الحسين بن علي عليهما السلام ـ وهي الصغرى ـ فرفعت رأسها فنظرت إليه ، فبكت بكاءً شديداً وأنشأت تقول :

نعب الغراب فقلت مَن

تنعاه ويلك يا غراب

قال : الإمام فقلت : مَن

قال : الموفق للصواب

إنّ الحسين بكربلاء

بين الأسنّة والضراب

فأبكي الحسين بعبرة

ترجي الإله مع الثواب

قال محمد بن علي : فنعته لأهل المدينة ، فقالوا : قد جاءتنا بسحر عبد المطلب ، فما كان بأسرع أن جاءهم الخبر بقتل الحسين عليه السلام.

أقول : هذا الخبر منافٍ للأخبار الماضية أنّ فاطمة كانت مع أبيها عليه السلام في كربلاء ، إلا أن يقال له عليه السلام بنتان كلتاهما مسميتان بفاطمة ، كما أنّ بنيه كلهم مُسمّى بعلي ، ويؤيده قوله : وهي الصغرى»(٣٨٥) . وبعد عرض ما ذكرته بعض كتب السيرة الحسينية عن السيدة فاطمة الصغرى (العليلة) ، نتساءل عن السيدة زينب بنت الإمام الحسين عليه السلام ، حيث ورد هذا الإسم في تعداد بنات الحسين عليه السلام ، ولم نعرف شيئاً عنها؟ والذي يبدو لي أنّ هذا الإسم لعلّه إسم السيدة فاطمة الصغرى المتقدم ذكرها ، والله العالم بحقائق الأشياء. هذا ما أردنا بحثه على نحو الإختصار لحياة أخوات السيدة رقية ؛ وأمّا البحث والحديث عن السيدة رقية ؛ فيحتاج إلى دقة وتأمل ؛ حيث لا يوجد رأي متفق عليه بين المؤرخين والباحثين ، في معرفة إسمها ووجودها ونسبتها إلى بنات سيد الشهداء (عليه السلام) ، ولكن يمكن بحث ذلك فيما يلي :

__________________

(٣٨٥) ـ القزويني ، السيد رضي بن نبي : تلظم الزهراء / ٢٤٩.


ثانياً ـ البحث في سيرة السيدة رُقَيّة

١ ـ أسماؤها في الكتب التاريخية

٢ ـ والدتها وولادتها

٣ ـ رؤياها

٤ ـ مدفنها وحرمها الطاهر



١ ـ أسماؤها في الكتب التاريخية :

من راجع كتب السيرة الحسينية ؛ توصّل إلى أنّ هناك تسميات تطلق على بنت الحسين عليه السلام كالتالي :

أ ـ بنت صغيرة :

ذكر السيد رضي القزويني (ره) في كتابه (تظلم الزهراء) : «وروي أنّه كانت للحسين عليه السلام بنت صغيرة ، وكانت بين تلك النساء جالسة بجنب أبيها الحسين عليه السلام ، وهي قابضة بكتفه وكفه في حجرها ، فتارة تشمّ كفه ، وتارة تقبل كتفه ، وتارة تضع أصابعه على فؤادها ، وتارة على عينيها ، وقد أخذت من دمه الشريف وخضبت به وجهها وهي تقول : يا أباه قتلك أقَرّ عيون الشامتين ، وفَرّح قلوب المعاندين ، وشفت بنا جميع المبغضين ، يا أباه ألبسوني بنو أمية ثوب اليتم ، وسقوني شربة السبي على صغر سني ، يا أبتاه إذا أظلم عليّ من يحمي حماي ، يا أبتاه وإن عطشت فمن يروي ظماي ، يا أبتاه نهبوا قرطي وجذبوا ردائي ، يا أبتاه انظر إلى رؤوسنا المكشفة ، وإلى أكبادنا المتلهفة ، وإلى عمتي المضروبة ، وأمي المسحوبة ـ فدرفت عن ندبها العيون ، وسالت على سجعها الجفون ـ فأتاهم زجر ، قال الأمير ابن سعد قد نادى مناديه بالرحيل فهلموا واركبوا ، فأيقنت البنيّة بالرحيل ، فقامت إلى السائق ووقفت عنده وقالت له : سألتك بالله يا هذا ، أنتم مقيمون اليوم أم راحلون؟ فقال : بل راحلون. قالت : يا هذا إذا عزمتم على المسير فسيروا بهذا النسوة واتركوني أبكي على والدي وأستأنس به ، فإن مت عنده فقد سقط عنكم ذمامي ، وأنا بنت صغيرة السن ضعيفة القوة ، فدفعها عنه وأبعدها منه ، فلاذت البنت بالحسين عليه السلام واستجارت به وقبضت زنده ، فأتى إليها من جوار أبيها فقالت


له : يا هذا إنّ لي أخ صغير قد قتلوه القوم فدعني أتودع منه كافأك الله ، فأمهلها السائق فتخطت نحو خطوات قليلة ، فإنّه كان قريباً من أبيه الحسين عليه السلام ، فلما وقعت عين البنت على أخيها وتحسرت وأنّت وبكت وجعلت تنوح نوحة تذاب الحجر ، ثم إنّها لثمت أخاها متعددات ونامت بطوله ، ثم جلست فرفعته في حضنها وجعلت فمها على منحره ، ونادته : يا ابن أمي لو خيروني بين القيام عندك وأن السباع تأكل لحمي ، وبين الرواح عنك لتخيرت مقامي عندك على الحياة ، فها أنا ذا راحلة عنك ، غير جافية لك ولا لقربك ، وهذه نياق الرحيل تتجاذب بنا على المسير ، فما أدري أين يريدون بنا أهل العناد ، فاقرأ جدي وجدتي عني السلام ، ثم إنّها وضعت فمها على شفتيه وقبّلت خديه وعينيه ، فأتاها السائق وهو يبكي على حالها ، فجَرّها عنه وأبعدها وأركبها مع النساء ، فلما ركبت البنت على الناقة إلتفتت إلى أخيها وقالت : ودعتك السميع العليم إنا لله وإنا إليه راجعون»(٣٨٦) .

ب ـ فاطم الصغيرة :

وبهذا الإسم خاطبت السيدة زينب عليها السلام أخاها الحسين عليه السلام حينما رأت رأسه فوق الرمح بالكوفة :

يا أخي فاطم الصغيرة كَلِّمها

فقد كاد قلبها أنّ يذوبا

__________________

(٣٨٦) ـ القزويني ، السيد رضي بن نبي : تظلم الزهراء / ٢٣٥ ـ ٢٣٦.


ج ـ رُقيّة :

قال الشيخ الحائري (ره) في كتابه (معالي السبطين) : «.. وبنته الأخرى (رُقيّة). وقال الحمزاوي في كتاب (النفحات) : وكانت للحسين عليه السلام بنت تسمى رقية ، وأمها شاه زنان بنت كسرى ، خرجت مع أبيها الحسين عليه السلام من المدينة حين خرج ، وكان لها من العمر خمس سنين ، وقيل : سبع سنين حتى جاءت معه إلى كربلاء»(٣٨٧) .

أقول إتضح لنا بعد مراجعة كتب سيرة الحسين عليه السلام أنّ لبنت الحسين عليه السلام عدة تسميات ، إلا أنّ من أبرز أسمائها (فاطمة الصغيرة) ، وهو المعروف في الكتب القديمة ، أما الإسم الآخر (رقية) ؛ فهو المشهور على ألسن الموالين في العصور المتأخرة ، ولم يذكر في كتب المتقدمين ، وأما ما ذكره بعض الكتاب ، حيث قال : «يُعدّ كتاب «اللهوف» للسيد ابن طاووس ، المتوفى عام ٦٦٤ هـ ، المعروف بكثرة إحاطته بالنصوص الروائية ، والأحداث التأريخية الإسلامية الشيعية ، من أقدم الكتب التي جاء فيه ذكر السيدة ررقية عليها السلام ، فقد ذكر السيد في كتابه هذا ، عبارة للإمام الحسين عليه السلام حينما دعا أخته زينب عليها السلام للصبر والتحمل فقال : (يا أختاه يا أم كلثوم ، وأنت يا زينب ، وأنت يا رقية ، وأنت يا فاطمة ، وأنت يا رباب ، أنظرن إذا أنا قتلت فلا تشققن عليّ جيباً ، ولا تخمشن عليّ وجها ، ولا تقلن عليّ هجرا). وهذا يعني أنّ السيدة رقية عليها السلام كانت في كربلاء ، ومما يؤيد ذلك أيضاً ، ما ذكره الشيخ سليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي المتوفى عام (١٢٩٤ هـ) ، في كتابه (ينابيع المودة) ، نقلاً عن مقتل أبي مخنف : فبعد ما ذكر كيفية إستشهاد أصغر أولاد الحسين عليه السلام ـ وهو

__________________

(٣٨٧) ـ الحائري ، الشيخ محمد بن مهدي : معالي السبطين ، ج ٢ / ٢١٤.


الذي لم يتجاوز الستة أشهر ـ ، قال : (ثم نادى عليه السلام : يا أم كلثوم ، ويا سكينة ، ويا رقية ، ويا عاتكة ، ويا زينب ، يا أهل بيتي ، عليكن مني السلام»(٣٨٨) .

فعلى القول بنسبة ما تقدم للحسين عليه السلام ؛ فهو في مقام مخاطبة أخواته ، وكبار بناته ، فلعلّ المراد بـ(رقية) هي بنت أمير المؤمنين عليه السلام ، لا بنت الحسين عليه السلام ، والقرينة المقامية واللفظية تساعد على ذلك. ذكر الشيخ الحائري (ره) في كتابه (معالي السبطين) : «.. ومنهن (رقية الكبرى) ، وكانت عند مسلم بن عقيل ، فولدت منه عبد الله بن مسلم ، ومحمد بن مسلم ، الذين قتلا يوم الطف مع الحسين عليه السلام ، وعاتكة ولها من العمر سبع سنين ، التي سحقت يوم الطف بعد شهادة الحسين عليه السلام لما هجم القوم على المخيم للسلب ، على ما رواه الشيخ حسن بن سليمان الشويكي في مقتله. وأمها ـ أي رقية ـ الصهباء الثعلبية ، تكنى أم حبيب ، من سبي عين التمر ، التي إشتراها أمير المؤمنين عليه السلام من خالد بن الوليد بأربعين ديناراً ، فولدت منه رقية الكبرى ، وعمر الأطراف توأمين»(٣٨٩) .

وذكر أيضاً : «ومنهن رقية الصغرى ، أمها أم ولد ، وكانت عند صَلْت بن عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ولا عقب له»(٣٩٠) .

وذكر السيد رضي القزويني (ره) في كتابه «تظلم الزهراء عليها السلام» : «.. أنّ الحريم لما أدخلن على يزيد كان ينظر إليهن وسأل عن كل واحدة ، فقيل :

__________________

(٣٨٨) ـ الخلخالي ، الشيخ علي الرباني : السيد رقية بنت ال حسين / ١٣.

(٣٨٩) ـ الحائري ، الشيخ محمد مهدي : معالي السبطين ، ج ٢ / ٢٢٧.

(٣٩٠) ـ نفس المصدر.


هذه أم كلثوم الكبرى ، وهذه أم كلثوم الصغرى ، وهذه صفية ، وهذه أم هاني ، وهذه رقية ، بنات علي عليه السلام ، وهذه فاطمة ، وهذه سكينة بنتا الحسين ، وهن مربقات بحبل طويل ...»(٣٩١) .

والدتها وميلادها :

إختلف المؤرخون والباحثون في ذلك ، كما يلي :

أ ـ ذكر الشيخ الحائري (ره) في كتابه (معالي السبطين) : «وقال الحمزاوي في كتاب (النفحات) : وكانت للحسين عليه السلام بنت تسمى رقية ، وأمها شاه زنان ، بنت كسرى ، خرجت مع أبيها الحسين عليه السلام من المدينة حين خرج ، وكان لها من العمر خمس سنين ، وقيل : سبع سنين حتى جاءت معه إلى كربلاء»(٣٩٢) .

وهذا القول خلاف المشهور بين المؤرخين ، من أنّ شاه زنان توفيت في نفاسها بولادتها بالإمام زين العابدين عليه السلام ، إذن هذه الدعوى في غاية البعد ، ولا يمكن الإعتماد عليها.

ب ـ ما احتمله السيد عامر الحلو في كتابه (السيدة رقية عليها السلام) : «أوصى الإمام الحسن المجتبى عليه السلام ، أخاه أبا عبد الله عليه السلام أن يتزوج من (أم إسحاق) ، وكانت أم إسحاق زوجة للإمام الحسن عليه السلام سابقاً ، وعمل الحسين عليه السلام بوصية أخيه. وكانت ثمرة ذلك الزواج فتاة إسمها (رقية) ولم يمضِ وقت طويل حتى لَبّت (أم إسحاق) نداء ربها ، وأصبحت (رقية) بلا أم ، ولعل هذا كان سبب الحب الشديد للإمام الحسين عليه السلام لطفلته الصغيرة ، ومن هنا

__________________

(٣٩١) ـ القزويني ، السيد رضي بن نبي : تظلم الزهراء / ٢٧٨.

(٣٩٢) ـ الحائري ، الشيخ محمد مهدي : معالي السبطين ، ج ٢ / ٢١٤.


أوصى أخته السيدة زينب عليها السلام أنّ ترعى رقية دائماً ، وتكون لها بمثابة الأم»(٣٩٣) .

وهذا الإحتمال لا بأس به ، إلا أنّه يحتاج إلى دليل.

ج ـ ذكر الشيخ الحائري في كتابه (معالي السبطين) : «... وقال صاحب الحدائق الوردية : وفاطمة الصغرى ؛ هي اُخت عبد الله الرضيع من أمه ، وهو الذي ولد في الحرب وقت صلاة الظهر وقتل في حجر أبيه»(٣٩٤) . وهذا الإحتمال من أقوى الإحتمالات التي ذكرت ، إلا أنّه يحتاج إلى زيادة إيضاح أكثر ، وسوف نذكر ذلك في الإحتمال الأخير.

د ـ المستفاد من الرواية السابقة التي ذكرها السيد رضي القزويني في كتابه (تظلم الزهراء) ـ حيث قالت في وداعها لأخيها الرضيع ـ : «... ونادته : يا ابن أمي ، ...» ، أنّها أخت الرضيع ، لكن السؤال الذي ينبغي طرحه : إنّ لسيد الشهداء رضيعين : رضيع قتل في حجر أبيه عند الخيام ، وهو الذي ولد به وقت صلاة الظهر ، والرضيع الآخر عبد الله وعمره ستة أشهر ، وأمه الرباب بنت أمرئ القيس ، فأي الرضيعين هو المراد؟

مما تقدم ، يمكن القول باحتمال أن تكون أخت الرضيع علي الأصغر المولود في الحرب وقت صلاة الظهر ، وأنّ أمه هي (أم إسحاق) ، والله العالم بحقائق الأمور ، وبعد هذا العرض الموجز لتاريخها ، يمكن القول بأنّ عمرها كان (٣ ـ ٤ سنوات) ، فيكون تاريخ ولادتها عام (٥٧ هـ ـ ٥٦ هـ).

__________________

(٣٩٣) ـ الشيرازي ، علي : القصة المحزنة للسيدة رقية / ١٦ ـ ١٧.

(٣٩٤) ـ الحائري ، الشيخ محمد مهدي : معالي السبطين ، ج ٢ / ٢١٤.


٣ ـ رؤياها :

ذُكِرَت رؤياها بعدة روايات ، ولعَلّ أهم المصادر التي يمكن الإطمئنان بها ، هي التالي :

ذكر الشيخ الطريحي في كتابه (المنتخب) : «روي أنّه لما قدم آل الله وآل رسوله على يزيد في الشام ؛ أفردهم داراً وكانوا مشغولين بإقامة العزاء ، وأنّه كان لمولانا الحسين عليه السلام بنتاً عمرها ثلاث سنوات ، ومن يوم إستشهد الحسين ما بقيت تراه ، فعظم ذلك عليها واستوحشت لأبيها ، وكانت كلما طلبت يقولون ، لها غداً يأتي ومعه ما تطلبين ؛ إلى أن كانت ليلة من الليالي رأت أباها بنومها ، فلما إنتبهت صاحت وبكت وإنزعجت فهجعوها وقالوا : لما هذا البكاء والعويل؟ فقالت : آتوني بوالدي وقرّة عيني ، وكلما هجعوها إزدادت حزناً وبكاءاً ، فعظم ذلك على أهل البيت فضجوا بالبكاء ، وجددوا الأحزان ولطموا الخدود ، وحثوا على رؤوسهم التراب ، ونشروا الشعور وقام الصياح ، فسمع يزيد صيحتهم وبكاءهم ، فقال : ما الخبر؟ قالوا : إنّ بنت الحسين الصغيرة رأت أباها بنومها فانتبهت وهي تطلبه وتبكي وتصيح ، فلما سمع يزيد ذلك قال : إرفعوا رأس أبيها وحطوه بين يديها لتنظر إليه وتتسلى به فجاءوا بالرأس الشريف إليها مغطى بمنديل دَيبقِي ، فوضع بين يديها وكشف الغطاء عنه ، فقالت : ما هذا الرأس؟ قالوا لها : رأس أبيك ، فرفعته من الطشت حاضنة له وهي تقول : يا أباه من ذا الذي خضبك بدمائك؟ يا أبتاه من الذي قطع وريدك؟ يا أبتاه من ذا الذي أيتمني على صغر سني؟ يا أبتاه من بقي بعدك نرجوه؟ يا أبتاه من لليتيمة حتى تكبر؟ يا أبتاه من للنساء الحاسرات؟ يا أبتاه من للأرامل المسبيات؟ يا أبتاه من للعيون الباكيات؟ يا أبتاه من للضائعات


الغريبات؟ يا أبتاه من للشعور المنشرات؟ يا أبتاه من بعدك واخيبتنا؟ يا أبتاه من بعدك واغربتنا ، يا أبتاه ليتني كنت الفدى ، يا أبتاه ليتني كنت قبل هذا اليوم عميا ، يا أبتاه ليتني وسدت الثرى ، ولا أرى شيبك مخضباً بالدماء.

ثم إنّها وضعت فمها على فمه الشريف ، وبكت بكاءاً شديداً حتى غشي عليها ؛ أعلنوا البكاء واستجدوا العزاء ، وكل من حضر من أهل دمشق ، فلم ير في ذلك اليوم إلا باكٍ وباكية»(٣٩٥) .

٢ ـ نقل المحدث الخبير الشيخ عباس القمي (قده) ، عن كتاب (كامل البهائي)(٣٩٦) لعماد الدين الطبري «إنّ نساء أهل بيت النبوة أخفين على الأطفال شهادة آبائهم ، وكن يقلن لهم : أنّ آبائكم قد سافروا إلى كذا وكذا ، وكان الحال على ذلك المنوال حتى أمر يزيد أن يدخلن داره ، وكان للحسين عليه السلام بنت صغيرة لها أربع سنين ، قامت ليلة من منامها وقالت : أين أبي الحسين ، فإنّي رأيته في المنام مضطرباً شديداً؟ فلما سمع النسوة ذلك بكين وبكى معهنّ سائر الأطفال ، وارتفع العويل فانتبه يزيد من نومه وقال : ما الخبر؟ ففضحوا عن الواقعة وقَصُّوها عليه ، فأمر (لع) أن يذهبوا برأس أبيها ، فأتوا بالرأس الشريف وجعلوه في حجرها ، فقالت :

__________________

(٣٩٥) ـ الطريحي ، الشيخ فخر الدين : المنتخب ، ج ١ / ١٣٦ ـ ١٣٧ (الباب الثاني ـ المجلس السابع).

(٣٩٦) ـ عَبّر عنه الشيخ عباس القمي في كتابه (الفوائد الرضوية / ١١١) : «الشيخ العالم ، والماهر الخبير والمتدرّب النحرير ، والمتكلم الجليل ، والحدث النبيل ، والفاضل الفهّامة ، فرغ من تأليفه سنة (٦٧٥ هـ) بعد عناء طويل استغرق (١٢ سنة) ويعلم من الكتاب أن الكثير من نسخ الأصول والكتب القديمة للأصحاب كانت موجودة عند المؤلف».


ما هذا؟ قالوا : رأس أبيك. ففزعت الصَبِيّة وصاحت ، فمرضت وتوفيت في أيامها بالشام»(٣٩٧) .

٤ ـ مدفنها وحرمها الطاهر :

منذ وفاة هذه السيدة الجليلة في خرابة الشام ـ وقد ذكر العلامة البيرجندي (ره) في كتاب (وقائع الأيام والشهور) : أنّ طفلة صغيرة للإمام الحسين عليه السلام ، توفيت في الخامس من شهر صفر سنة ٦١ هـ ، عرفت عند أهل الشام ، ومن زارها بأنّها طفلة الحسين عليه السلام ، صاحبة المنزلة الجليلة عند الباري عَزّ وجَلّ ، لما لاحظوه وسمعوه من الكرامات المنسوبة إليها ، ولهذا كثر زوارها.

وقد مرت عمارة مشهدها الشريف بعدة أطوار من التوسعة والبناء كالتالي :

ذكر هاشم عثمان في كتابه (مشاهد ومزارات ، ومقامات آل البيت عليهم السلام في سورية) : «مسجد رقية : في محلة العمارة ، خلف باب الفراديس ، وعليه تابوت حديث ثمين من خشب الموزاييك المرصّع بالعاج ، وحوله قفص من النحاس المزخرف.

والقبر ضمن مسجد حسنٍ ، له باب حديث من الحجر الأسود المزي ، جدد سنة ١٣٢٣ هـ. وفي المسجد محراب ومنبر عاديان ، أما قبة الضريح ، فقديمة من طراز قباب المماليك ، ولكنّها مجددة ومدهونة.

من أشهر أئمة هذا المشهد ، شخص يُدعى مجد الدين ؛ هو الذي قام بسرقة رأس الملك الكامل ـ ناصر ا لدين محمد بن شهاب الدين غازي ـ عندما

__________________

(٣٩٧) ـ القمي ، الشيخ عباس : نفس المهموم / ٤١٥ ـ ٥١٦.


عَلّقه هولاكو على باب الفراديس بدمشق سنة (٦٥٧ هـ) ، فأخذه ودفنه في طاق إلى جانب محراب المسجد.

ويفهم مما ذكره الحصني ، أنّ مسجد رقية عليها السلام ، صار بيتاً في مرحلة من المراحل ، ثم أعيد مشهداً مرّة ثانية ، قال الحصني : دفنت رقية عليها السلام في مسجد الرأس عند بلاط معاوية في القباقبية ، داخل باب الفراديس ، وقبرها داخل الستر المحيط به وكان عليه قبة ، والآن صار بيتاً»(٣٩٨) .

ويقول عبد الوهاب بن أحمد الشافعي المصري ، المشهور بالشعراني ، المتوفي عام ٩٧٣ هـ ، في كتاب (المنن) : «وأخبرني بعض الخواص : أنّ رقية بنت الحسين عليه السلام في المشهد القريب من جامع دار الخليفة ، وهو معروف الآن بجامع شجرة الدّر والمكان الذي فيه السيدة رقية عن يمينه ، ومكتوب على الحجر الذي ببابه هذا البيت :

بقعة شُرِّفَت بآل النبي

وبنت الحسين الشهيد رقية»(٣٩٩)

«وذكر المرحوم الحاج آية الله الميرزا هاشم الخراساني ، المتوفي عام (١٣٥٢ هـ) ، في كتابه (منتخب التواريخ) : قال لي العالم الجليل الشيخ محمد علي الشامي ـ وهو من جملة العلماء العاملين في النجف الأشرف ـ : أنّ جد أمي السيد ابراهيم الدمشقي ، الذي ينتهي نسبه إلى السيد المرتضى علم الهدى ، كان في زمانه قد تجاوز عمره التسعين ، ويُعد في عصره من الأشراف الأجلاء ، وكان عنده ثلاث بنات فقط وليس له أي ذكر.

__________________

(٣٩٨) ـ عثمان ، هاشم : مشاهد ومزارات ، ومقامات آل البيت (ع) في سورية / ٢٩.

(٣٩٩) ـ الخلخالي ، الشيخ علي الرباني : السيدة رقية / ١١.


وفي واحدة من الليالي ، رأت ابنته الكبيرة السيدة رقية عليها السلام في عالم الرؤيا ، وقد طلبت منها أن تخبر والدها : أنّ الماء قد تسَرّب إلى قبرها ولحدها ، مما تسبب في إحداث ضرراً في بدنها الشريف ، وطالبتها أن تقول له بضرورة إصلاح القبر طالباً ذلك من والي الشام ، فامتثلت الفتاة لذلك ، إلا أنّ السيد خشيَ من أهل السنة ، فلم يُبدِ إعتناء بهذا المنام.

وفي الليلة الثانية تكرر الأمر مع ابنته الوسطى ، وأخبرته بذلك أيضاً ، إلا أنّ السيد بقي متردداً وخائفاً. وفي الليلة الثالثة ؛ جاءت السيدة رقية عليها السلام لابنته الصغرى في عالم الرؤيا ، وجرى ما جرى سابقاً ، إلى أن رأى السيد نفسه السيدة رقية في المنام في الليلة الرابعة ، وهي تقول له معاتبة : لماذا لم تخبر الوالي؟!

وفي الصباح إنطلق السيد إلى والي الشام وحَدّثه بالرؤيا وما حصل معه ومع بناته ، فأمر الوالي علماء السنة والشيعة بالغسل وإرتداء أنظف ثيابهم ، ثم قال لهم : إنا سنعطي مفتاح القبر لكل واحد منكم ، وكلّ مَن فتح القفل بيده هو الذي ينزل إلى القبر ، ويخرج الجسد الطاهر ليتم إصلاحه ، وفعلاً قد إغتسلوا كلهم ولبسوا أنظف ثيابهم ، وذهبوا برفقة الوالي إلى القبر الطاهر ، وحينها لم يعمل المفتاح عمله إلا بيد سيد إبراهيم ، وحينما حاولوا نبش القبر وحفره لم تعمل الفؤوس إلا بيد سيد إبراهيم ، وفعلاً فقد حفروه بعد ما أخرجوا الناس من الحرم الشريف ، ثم شاهدوا جسد هذه الطاهرة طريّاً وهي مكفنة ، إلا أنّ الماء قد تجمّع في لحدها ، فحمل السيد الشريف هذه المخدّرة الطاهرة بيديه ، وحملها على ذراعيه وخرج بها ، وهكذا بقيت على ذراعيه وهو يهمل عليها الدموع الجاريات على ما نزل بهذه الماجدة الصغيرة ، فاستمر


الوضع ثلاثة أيام ، كان السيد خلالها لا يترك هذه السيدة العظيمة إلا في أوقات الصلاة ، فكان يضعها على شيء طاهر ونظيف ، ويؤدي صلاته ثم يعود ليحملها مرة أخرى ، ومن العجائب أنّ السيد طيلة هذه الفترة ما كان بحاجة إلى الأكل والشرب والوضوء ببركة السيدة رقية عليها السلام ، وهي إحدى كراماتها ، حتى إنتهوا من إصلاح القبر ، وقام السيد ليدفنها ، ولكنّه طلب من الله تعالى متوسلاً إليه بهذه السيدة الماجدة أن يرزقه ولداً ، فحقق الله له مرامه ورزقه ولداً ، سَمّاه السيد مصطفى. ثم قام الوالي بنقل هذه الإعجوبة إلى السطان عبد الحميد العثماني ، فأمر ال أخير بجعل تولية مرقد السيدة زينب عليها السلام ، ومرقد السيدة رقية عليها السلام ، ومرقد السيدة أم كلثوم عليها السلام ، ومرقد السيدة سكينة عليها السلام ، بيد السيد إبراهيم ، ومنه إنتقلت إلى ولده السيد مصطفى ، ومنه إلى ولده السيد عباس. قال ناقل هذه القصة ، آية الله الحاج الميرزا هاشم الخراساني : وقد كان تأريخ هذه الحادثة الجليلة في حدود عام (١٢٨٠ هـ)»(٤٠٠) .

وذكر الشيخ علي الرباني في كتابه (السيدة رقية) : «وقبل التعمير الأخير الذي حصل في السنين الأخيرة ، عُمِّرَ المرقد الشريف على يد الميرزا علي أصغر خان أتابك ، أمين السلطان الأعظم الصدر الأعظم لإيران سنة (١٣٢٣ هـ) ، وقد نظم السيد محسن الأمين العاملي المتوفى عام (١٣٧١ هـ) أشعاراً ذكرها في كتابه القيّم (أعيان الشيعة) ، منها هذين البيتين واللذين ذكر فيهما تاريخ تعمير المرقد الشريف ، عِلْمَاً أنّ البيتين مكتوبين على باب الحرم الشريف ، وهما :

__________________

(٤٠٠) ـ الخلخالي ، الشيخ علي الرباني : السيدة رقية بنت الإمام الحسين / ٩ ـ ١٠.


له ذو ال رتبة العليا عليّ

وزير الصدر في ايران جدّد

وقد أرّختها تزهو بناءً

بقبر رقيّة من آل أحمد»(٤٠١)

وفي السنين الأخيرة تصدى الشيخ نصر الله الخلخالي (ره) لتوسعة الحرم الشريف ، وبمساعدة العديد من الخيرين ، وُفِّقَ لشراء البيوت المجاورة للحرم الشريف. بدأ في هذا المشروع من عام (١٣٩٩ هـ) ، ولكن بعض أصحاب البيوت إمتنعوا عن إخلاء منازلهم ، بسبب عسبيات قائمة على الجهل وأطماع ، ولهذا إستمر إخلاء البيوت المحيطة وهدمها بصورة تامة سنين ، وفي عام (١٤٠٤ هـ) بدأ البناء وأكمل عام (١٤١٠ هـ). تَمّ هذا البناء على أرض تبلغ مساحتها (٦٠٠٠ م ٢) ، من قبل مهندسين ومعماريين إيرانيين ، تَمّ إيفادهم من قم وإصفهان. وبلغت مساحة البناء (٤٥٠٠ م ٢) ، وشمل المكان الواقع أسفل القبة ، وباحة ومسجداً ومكاناً للارحة ، ومكاناً للتوضؤ وحماماً. وفي الجزء الجنوبي لبناية الحرم ، بُنِيَ مسجد تبلغ مساحته (٨٠٠ م ٢) ، وتبلغ مساحة الحرم وباحاته في البناء الجديد (٢٦٠٠ م ٢). والضريح الجديد للسيدة رقية الذي يبلغ وزنه (٥ أطنان) ، هو حصيلة (٤ سنوات) من الجهود المستمرة التي قام بها أربعون فناناً إصفهانياً ، وقد صنع بصورة جميلة ، ووضعت على الضريح مزهرية ذهبية ، يبلغ إرتفاعها أكثر من متر ، ووضعت مزهريات على الزوايا الأربع العليا للضريح. وتَمّ تزيين زوايا الضريح المطهر بأربعة أعمدة فضية مُتَعرِّجَة ، يبغلغ إرتفاع كل منها (٢٨٥ سم) ، وقد إتصلت به أوراق زهور الذهب ، كما كتبت على جدران الضريح آيات من القرآن المجيد ، وأسماء

__________________

(٤٠١) ـ المصدر السابق / ١٧٦.


شريفة. فقد تَمّ نقل هذا الضريح إلى دمشق عام ١٤١٤ هـ. وقد قدرت كلفة بناء المقام بما يقارب الخمسين مليون دولاراً ، غير نفقات الضريح الجديد ، ويظل هذا المعلم الخالد شاهداً على مظلومية طفلة الحسين عليه السلام ، بل على مظلومية الحسين عليه السلام وأهل بيته الكرام عليهم السلام.


٨ ـ الرّبَاب (زوجة الإمام الحسين عليه السلام)

١ ـ نسبها

٢ ـ قصة زواجها من الإمام الحسين (عليه السلام)

٣ ـ مناقشة القصة

٤ ـ أولادها

٥ ـ علاقتها بالإمام الحسين (عليه السلام)

٦ ـ وفاتها ومدفنها

٧ ـ رؤياها



١ ـ نسبها :

قال السيد محسن الأمين (قده في كتابه (الأعيان) : «الرباب بنت إمرئ القيس ، بن عدي ، بن أوس ، بن جابر ، بن كعب ، بن عليم ، بن هبل ، بن عبد الله ، بن كنانة ، بن بكر ، بن عوف ، بن عذرة ، بن زيد اللات ، بن رفيدة ، بن ثور ، بن كلب ، ما ذكرناه في نسبها هو المذكور في طبقات ابن سعد الكبير ، ج ٨ ص ٣٤٨ ، وفي غيره ما يخالف ذلك كثيراً.

ففي نسمة السحر : الرباب بنت إمرئ القيس ، بن عدي ، بن أوس ، بن جابر ، بن كعب ، بن حليم ، بن خباب ، بن كلب الكلبية.

وفي الأغاني : بنت إمرئ القيس ، بن جابر ، بن كعب ، بن علي ، بن وبرة ، بن ثعلبة ، بن عمران ، بن الحاف ، بن قضاعة.

(وأمها) : هند الهنود بنت الربيع ، بن مسعود ، بن مصاد ، بن حصين ، بن كعب المذكور.

وفي الأغاني : أمها هند بنت الربيع ، بن مسعود ، بن مروان ، بن حصين ، بن كعب ، بن عليم ، بن كليب. وأمها ميسون بنت عمر بن ثعلبة ، بن حصين ، بن ضمضم. وأمها الرباب بنت أوس بن حارثة ابن الأم الطائي»(٤٠٢) .

٢ ـ قصة زواجها من الإمام الحسين (عليه السلام) :

ذكر أبو الفرج الإصفهاني ، في كتابه (الأغاني) : «.. عوف بن خارجة المري قال : والله إني لعند عمر بن الخطاب (ره) في خلافته ، إذ أقبل رجل

__________________

(٤٠٢) ـ الأمين ، السيد محسن : أعيان الشيعة ، ج ٦ / ٤٤٩.


أفحج أجلى أمعر يتخطى رقاب الناس حتى قام بين يديه عمر فحيّاه بتحية الخلافة. فقال له عمر : ممن أنت؟ قال : أنا أمرؤ نصراني ، أنا امرؤ القيس ابن عدي الكلبي. قال : فعرفه عمر فقال له رجل : هذا صاحب بكر بن وائل الذي أغار عليهم في الجاهلية يوم فلج. قال : فما تريد؟ قال. أريد الإسلام. فعرضه عليه عمر (ره) فقبله ، ثم دعا له برمح فعقد له على من أسلم بالشام من قضاعة ، فأدبر الشيخ واللواء يهتز على رأسه. قال عوف : فوالله ما رأيت رجلاً لم يصلِّ لله ركعة قط أمر على جماعة من المسلمين قبله ، ونهض علي بن أبي طالب عليه السلام ، ومعه إبناه : حسن وحسين (عليهم السلام) ، حتى أدركه وأخذ بثيابه ، فقال له : يا عم ، أنا علي بن أبي طالب ، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصهره ، وهذان إبناي من ابنته ، وقد رغبنا في صهرك ، فأنكحنا فقال : قد أنكحتك يا علي ، المحياة بنت امرئ القيس ، وانكحتك يا حسن ، سلمى بنت المرئ القيس ، وانكحتك يا حسين ، الرباب بنت امرئ القيس»(٤٠٣) .

٣ ـ مناقشة هذه القصة :

وبعد عرض هذه القصة والتأمل فيها ؛ إتضح لنا أنّها أسْطُورَة ، وذلك من عدة أمور أهمها التالي :

أولاً ـ إنّ قوله : «ونهض علي بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ ، ومعه إبناه : حسن وحسين (عليهما السلام) ، حتى أدركه وأخذ بثيابه الخ». هذا التصرف لا يتناسب مع مقام أمير المؤمنين عليه السلام وخُلقه التي أخذها عن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم حيث يُعبِّر عن نفسه ـ كما في الخطبة القَاسِعَة ـ : «ولقد كنت أتّبِعُه إتّباع الفصيل ، أثَرَ أمّه ، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه

__________________

(٤٠٣) ـ ابو الفرج الإصفهاني ، علي بن الحسين : الأغاني ، ج ١٤ / ١٥٩.


علماً ، ويأمرني بالإقتداء به ..»(٤٠٤) لمثل هذا الرجل العظيم الذي لم يسجد لصنم ، وولد في جوف الكعبة ، وظهرت مناقبه ومقاماته في القرآن الكريم ، وعلى لسان النبي العظيم صلى الله عليه وآله وسلم ، ينسب إليه هذا التصرف؟!.

ثانياً ـ إنّ قوله (أنكحتك يا علي ، ابنتي المحياة اله). إنّ هذا التصرف فيه مخالفة للشريعة الإسلامية ، حيث فيها إهمال رأي البنات في الرضا وعدمه ، وكذلك لم يتم تعيين المهر؟!

ثالثاً ـ لماذا هذه العجلة والسرعة من أمير المؤمنين عليه السلام وخوفه من فوات هذا (الكنز الثمين) ، الموجود عند هذا الرجل النصراني ، الحديث عهد بالإسلام؟!

إنّ الذي يُعبِّر عن نفسه بقوله : (سلوني قبل أن تفقدوني ، ألا تسألون من عنده علم المنايا والبلايا والأنساب)(٤٠٥) .

لا يخاف من فوات بنات هذا الرجل ، لو لم يبادر إليه بهذه السرعة؟!

رابعاً ـ إنّ تزويج الإمام الحسين عليه السلام من الرباب كان في عهد وخلافة عمر بن الخطاب ، ولا أقل من التقدير بآخر أيامه ـ أي في سنة ٢٥ هـ ، فترتب على ذلك بقاء الرباب حائلاً هذه المدة التي تتجاوز العشرين سنة ، وإذا فرضنا الزواج في أوائل خلافته ، فتكون المدة أطول وبعدها لا حجة ولا دليل قاطع يأخذ بنا إلى الإيمان بصحة هذه القصة.

__________________

(٤٠٤) ـ عبده ، محمد : شرح نهج البلاغة ، ج ٢ / ١٥٧.

(٤٠٥) ـ المجلسي ، الشيخ محمد باقر : بحار الأنوار ، ج ٤٠ / ١٣٩.


٤ ـ أولادها :

ولدت الرباب من سيد الشهداء عليه السلام ، سكينة وعبد الله الرضيع ، وقد تقدم الحديث عن السيدة سكينة عليها السلام وبقي الحديث عن الرضيع.

عبد الله الرضيع (عليه السلام) :

المستفاد من مراجعة كتب السيرة الحسينية ، إمكان تقسيم النصوص المتعرِّضة إلى قصة مقتله إلى ثلاث مجموعات كالتالي :

الأولى ـ النصوص المصرّحة باسمه :

ويمكن حصرها في ثلاثة أسماء كالتالي :

أ ـ عبد الله الرضيع :

ذكر الشيخ المفيد (قده) في كتابه (الإرشاد) : «ثم جلس الحسين (عليه السلام) أمام الفسطاط ، فأتى بابنه عبد الله ابن الحسين ـ وهو طفل ـ فأجلسه في حجره ، فرماه رجل من بني أسد بسهم فذبحه ، فتلقى الحسين (عليه السلام) دمه ، فلما ملأ كفّه صَبّه في الأرض ، ثم قال : ربِّ إن تكن حبست عنّا النصر من السماء ، فاجعل ذلك لما هو خير ، وانتقم لنا من هؤلاء القوم الظالمين. ثم حمله حتى وضعه مع قتلى أهله»(٤٠٦) .

وذكر السيد المقرّم (ره) في كتابه «مقتل الحسين» : «ودعا بولده الرضيع يودعه ، فأتته زينب بابنه عبد الله ـ وأمّه الرباب ـ فأجلسه في حجره يقبله ويقول : بُعْدَاً لهؤلاء القوم إذا كان جدك المصطفى خصمهم. ثم أتى به نحو

__________________

(٤٠٦) ـ المفيد ، الشيخ محمد بن محمد النعمان : الإرشاد ، ج ٢ / ١٠٨.


القوم يطلب له الماء ، فرماه حرملة بن كاهل الأسدي بسهم ، فذبحه فتلقى الحسين الدم بكفه ورمى به نحو السماء.

قال ابو جعفر الباقر عليه السلام : (فلم تسقط منه قطرة). وفيه يقول حجة آل محمد (عَجّل الله فرجه) : (السلام على عبد الله الرضيع ، المرمي الصريع ، المتشحط دما ، والمصعد بدمه إلى السماء ، المذبوح في حجر أبيه ، لعن الله راميه حرملة بن كاهل الأسدي وذويه).

ثم قال الحسين عليه السلام : هَوّن ما نزل بيّ أنّه بعين الله تعالى ، اللهم لا يكون أهون عليك من فصيل ، إلهي إن كنت حبست عنا النصر ، فاجعله لما هو خير منه ، وانتقم لنا من الظالمين ، واجعل ما حَلّ بنا في العاجل ذخيرة لنا في الآجل ، اللهم أنت الشاهد على قوم قتلوا أشبه الناس برسولك محمد (صلى الله عليه وآله) ، وسمع (عليه السلام) قائلاً يقول : دَعْهُ يا حسين ، فإنّ له مرضعاً في الجنّة. ثم نزل (عليه السلام) عن فرسه ، وحفر له بجفن سيفه ودفنه مرملاً بدمه ، وصلى عليه ، ويقال : وضعه مع قتلى أهل بيته»(٤٠٧) .

وذكر السيد هاشم البحراني (قده) في كتابه «مدينة المعاجز» : «روى أبو حمزة الثمالي قال : سمعت علي بن الحسين زين العابدين عليهما السلام يقول : لما كان اليوم الذي استشهد فيه أبي عليه السلام ، جمع أهله وأصحابه في ليلة ذلك اليوم ـ إلى أن قال ـ : (فقال له القاسم بن الحسن : وأنا فيمن يقتل؟ فأشفق عليه فقال له : يا بني كيف الموت عندك؟ قال : يا عم أحلى من العسل. فقال : أي والله فداك عمك ، إنّك لأحد من يقتل من الرجال معي بعد أن تبلو بلاء عظيماً ، وابني عبد الله. فقال : يا عم ، ويصلون إلى النساء حتى يتقل عبد الله وهو

__________________

(٤٠٧) ـ المقرّم ، السيد عبد الرزاق : مقتل الحسين / ٢٧٢ ـ ٢٧٣.


رضيع! فقال : فداك عمك ، يقتل عبد الله إذا جفت روحي عطشاً ، وصرت إلى خيمنا فطلبت ماء ولبناً فلا أجد قط ، فأقول : ناولوني إبني لأشرب من فيه فيأتوني به ، فيضعونه على يدي فأحمله لأدنيه من فمي ، فيرميه فاسق (لعنه الله) بسهم ، فينحره وهو يناغي فيفيض دمه في كفي ، فأرفعه إلى السماء وأقول : اللهم صبراً واحتساباً فيك»(٤٠٨) .

٢ ـ علي الأصغر :

ومن النصوص المصرحة بهذا الإسم ، ما يلي :

ذكر ابن أعثم الكوفي ، في كتابه (الفتوح) : «وله ابن آخر يقال له : علي في الرضاع ، فتقدم إلى باب الخيمة فقال : ناولوني ذلك الطفل حتى أودِّعه ، فناولوه الصبي فجعل يقبله وهو يقول : يا بني ، ويل لهؤلاء القوم ، إذا كان غداً خصمهم جَدّك محمد! قال : وإذا بسهم قد أقبل حتى وقع في لبّة الصبي فقتله. فنزل الحسين عن فرسه ، وحفر له بطرف السيف ورَمّله بدمه وصلى عليه ودفنه»(٤٠٩) .

ونَصّ ابن شهر آشوب في كتابه (المناقب) على علي الأصغر بقوله : «فبقى الحسين وحيداً وفي حجره علي الأصغر ، فرمي إليه بسهم فأصاب حلقه ، فجعل الحسين عليه السلام يأخذ الدم من نحره فيرميه إلى السماء فما يرجع منه شيء ، ويقول : لا يكون أهون عليك من فصيل»(٤١٠) .

__________________

(٤٠٨) ـ البحراني ، السيد هاشم : مدينة المعاجر ، ج ٣ / ٣٧.

(٤٠٩) ـ ابن أعثم ، ابو محمد احمد الكوفي : الفتوح ، ج ٥ / ٣٧.

(٤١٠) ـ ابن شهر آشوب ، الحافظ محمد بن علي : مناقب آل ابي طالب ، ج ٤ / ١٠٩.


وذكر السيد ابن طاووس في كتابه (الإقبال) في زيارة للحسين عليه السلام يوم عاشوراء «.. صلى الله عليك وعليهم ، وعلى ولدك عليّ الأصغر ، الذي فجعت به»(٤١١) .

٣ ـ عبيد الله :

وجاء في تسمية من قتل مع الحسين عليه السلام : «وعبيد الله بن الحسين عليه السلام وأمه الرباب بنت إمرئ القيس ، قتله حرملة بن كاهل الأسدي الوالبي ، وكان ولد للحسين عليه السلام في الحرب فأتى به وهو قاعد ، وأخذه في حجره ولَبّاه بريقه وسَمّاه عبد الله ، فبينما هو كذلك ؛ إذ رماه حرمله بن الكاهل بسهم فنحره ، فأخذ الحسين عليه السلام دمه فجمعه ورمى به نحو السماء ، فما وقعت منه قطرة إلى الأرض) ..»(٤١٢) .

الثانية ـ النصوص غير المصرّحة باسمه :

ذكر الدينوري في كتابه الأخبار الطوال» : «فدعا بصبي له صغير فأجلسه في حجره ، فرماه رجل من بني أسد ـ وهو في حجر الحسين عليه السلام ـ بمشقص ، فقتله»(٤١٣) .

وذكر ابن الجوزي في كتابه «تذكرة الخواص» : «عن هشام بن محمد ، قال : فإلتفت الحسين ، فإذا بطفل له يبكي عطشاً ، فأخذه على يده وقال : يا قوم إنّ لم ترحموني ، فارحموا هذا الطفل ، فرماه رجل منهم بسهم فذبحه.

__________________

(٤١١) ـ ابن طاووس ، السيد رضي الدين الحسني الحسيني : إقبال الأعمال / ٤٧.

(٤١٢) ـ الطبسي ، الشيخ مجمد جعفر : مع الركب الحسيني ، ج ٤ / ٤٠٨.

(٤١٣) ـ الدينوري ، احمد بن داود : الأخبار الطوال / ٢٥٨.


فجعل الحسين يبكي ويقول : اللهم احكم بيننا وبين قوم دعونا لينصرونا فقتلونا. فنودي من الهواء : دَعْهُ يا حسين ، فإنّ له مرضعاً في الجنّة»(٤١٤) .

«وروي : أنّ زينب عليها السلام ، وهي التي أخرجت الصبي وقالت : يا أخي ، هذا ولدك له ثلاث أيام ، ما ذاق الماء ، فأخذه على يده وقال : يا قوم قد قتلتم شيعتي وأهل بيتي ، وقد بقي هذا الطفل يتلظى عطشاناً ، فاسقوه شربة من الماء ، فبينما هو يخاطبهم ، إذ رماه رجل منهم بسهم فذبحه»(٤١٥) .

الثالثة ـ النصوص المصرِّحة بعمره :

ويمكن حصرها فيما يلي :

١ ـ ثلاث سنوات :

ذكر الذهبي في كتابه (سير أعلام النبلاء) : «فوقعت نبلة في ولد له ابن ثلاث سنين»(٤١٦) ، إنطباق هذا على الرضيع بعيد جداً ؛ لأنّه لا يقال لطفل رضيعاً إذا لم يكمل السنتين ، ولعلّ هذا العنوان ـ أي ابن ثلاث سنين ـ على ابن له آخر ، فقد ذكر الشيخ الحائري (ره) : «وممن قتل من أولاده ، ذلك الغلام الذي قتل عند باب الخيمة بعد شهادة علي الأكبر عليه السلام ، كما ذكره صاحب الناسخ ونحن عنه نقلنا»(٤١٧) .

__________________

(٤١٤) ـ ابن الجوزي ، يوسف بن فرغلي : تذكرة الخواص / ٢٢٧.

(٤١٥) ـ الطبسي ، الشيخ محمد جعفر : مع الركب الحسيني ، ج ٤ / ٤٠٧ «حاشية».

(٤١٦) ـ الذهبي ، محمد بن أحمد : سير أعلام النبلاء ، ج ٣ / ٣٠٢.

(٤١٧) ـ الحائري ، الشيخ محمد مهدي : معالي السبطين ، ج ١ / ٤٢٨.


٢ ـ ظهر يوم العاشر :

ذكر اليعقوبي في كتابه «تاريخ اليعقوبي» : «فإنّه لواقف على فرسه ، إذ اُتي بمولود قد ولد له في تلك الساعة ، فأذّن في أذنه ، وجعل يحنّكه ، إذ أتاه سهم ، فوقع في حلق الصبيّ فذبحه ، في تلك الساعة ، فأذّن في أذنه ، وجعل يلطخه بدمه ويقول : والله لأنت أكرم على الله من الناقة ، ولمحمد أكرم على الله من صالح! ثم أتى فوضعه مع ولده وبني أخيه»(٤١٨) .

وذكر الشيخ الحائري (ره) في كتابه (معالي السبطين) : «وممن قتل من أولاد الحسين عليه السلام ـ كما حكي عن الحدائق الوردية ـ ، أنّه ولد بالطف في يوم عاشوراء للحسين عليه السلام ، ابن في وقت صلاة الظهر عند المحاربة ، فاُتي به إلى الحسين عليه السلام وهو قاعد بباب الخيمة ، فأخذه في حجره وأذن في أذنه اليمنى ، وأقام في اليسرى ولَبّاه بريقه ، وقَبّله وسَمّاه ، إذ رماه عبد الله بن عقبة الغنوي بسهم في نحره ، فذبح في حجر الحسين عليه السلام ، وجعل عليه السلام يأخذ دمه ويرمي به إلى السماء.

قال الباقر عليه السلام : (لو وقعت منه على الأرض قطرة ؛ لنزل العذاب) وإلى هذه المصيبة أشار السيد في قصيدته :

ومنعطفاً أهوى لتقبيل طفله

فقبل منه قبله السهم منحرا

لقد ولدا في ساعة هو والردى

ومن قبله في نحره السهم كبرا»(٤١٩)

__________________

(٤١٨) ـ اليعقوبي ، احمد بن ابي يعقوب : تاريخ اليعقوبي ، ج ٢ / ٢٤٥.

(٤١٩) ـ الحائري ، الشيخ محمد مهدي : معالي السبطين ، ج ١ / ٤٢٨.


٢ ـ ستة أشهر :

ذكر الشيخ الحائري (ره) في كتابه «معالي السبطين» : «وقال أبو مخنف ـ بعد ذكر شهادة علي الأكبر ـ : ثم أقبل الحسين عليه السلام إلى أم كلثوم وقال لها : يا أختاه ، أوصيكِ بولدي الصغير خيراً ؛ فإنّه طفل صغير ، وله من العمر ستة أشهر. فقالت : يا أخي ، إنّ هذا الطفل له ثلاثة أيام ما شرب الماء ، فاطلب له شربة من الماء ، فأخذ الطفل وتوجه نحو القوم ، وقال : يا قوم ، قد قتلتم أخي وأولادي وأنصاري ، وما بقي غير هذا الطفل ، وهو يتلظى عطشاً من غير ذنب أتاه إليكم ، فاسقوه شربة من الماء»(٤٢٠) .

تعقيب على النصوص المتقدمة :

وبعد عرض هذه النصوص ؛ نخرج بالنتيجة التالية :

١ ـ إنّ للحسين عليه السلام رضيعين : أحدهما (عبد الله الرضيع) ، وعمره ستة أشهر ، قتل في معركة حينما ذهب به أبوه إلى القوم ، طالباً منهم أن يسقوه ماءً ، فرماه حرملة بن كاهل الأسدي بسهم ، فذبحه من الأذن إلى الأذن. وأمه الرباب ، وهو أخ سكينة عليها السلام لأمه.

٢ ـ إنّ الرضيع الآخر ؛ هو علي الأصغر ، الذي وُلِدَ به وقت صلاة الظهر عند المحاربة ، وقتل عند باب الخيمة ، وهو في حجر أبيه ، رماه عبد الله بن عقبة الغنوي بسهم في نحره فذبحه ، وأمه أم إسحاق بنت طلحة ، وأخ رقية ، كما تقدم البحث فيه في رؤيا السيدة رقية.

__________________

(٤٢٠) ـ المصدر السابق ، ج ١ / ٤٢٤.


٣ ـ إنّ ما ذكر في كتاب (مع الركب الحسيني) : من أنّ إسم الرضيع عبيد الله ؛ فهو غير صحيح ؛ وذلك لوجهين :

أولاً ـ نلاحظ الإضطراب في نقل العبارة بين قوله : «وعبيد الله بن الحسين عليه السلام ، وأمه الرباب بنت امرئ القيس» ، وقوله : «وأخذه في حجره ، ولَبّاه وسَمّاه عبد الله عليه السلام». فكيف نجمع بين ذلك؟

ثانياً ـ لعل النسخة التي إعتمد عليها فيها تصحيف ؛ أي بدل (عبد الله) عبيد الله ، وهذا يرجع إلى غلط النسّاخ ، وهذا كثيراً ما ينبه عليه المحققون وعلماء الرجال في معرفة الأشخاص. ولكن النص الذي ذكروه ، هو ما تقدم عن الشيخ الحائري في كتابه (مالي السبطين) عن الحدائق الوردية : «.. فأخذه في حجره وأذّن في أذنه اليمنى ، وأقام في اليسرى ، ولَبّاه بريقه ، وقَبّله وسَمّاه ؛ إذ رماه عبد الله بن عقبة الغنوي».

٥ ـ علاقتها بالإمام الحسين (عليه السلام) :

الرباب من خيار النساء وأفضلهن ، ومما يدل على صحة ذلك ، ما روي عن الحسين عليه السلام في حبها قوله :

لعمرك إنني لأحب داراً

تكون بها سكينة والرباب

أحبهما وأبذل كل مالي

وليس لعاتب عندي عتاب

فلستُ لهم وإن غابوا مضيعاً

حياتي أو يغيبني التراب(٤٢١)

__________________

(٤٢١) ـ كحّالة ، عمر رضا : أعلام النساء ، ج ١ / ٤٣٩.


وذكر ابو الفرج الإصفهاني في كتابه (الأغاني) : «عن مالك بن أعين قال : سمعت سكينة بنت الحسين (عليهما السلام) تقول : عاتب عمي الحسن أبي في أمي فقال :

لعمرك إنني لأحب داراً

تكون بها سكينة والرباب

أحبهما وأبذل كل مالي

وليس لعاتب عندي عتاب»(٤٢٢)

مناقشة رواية أبي الفرج الإصفهاني :

من تصفح سيرة الحسنين عليهما السلام ؛ لاحظ شيئين مهمين هما كالتالي :

الأول ـ وجود الأكاذيب والأساطير ، للحط من مقام السبطين عليهما السلام ، ومن الشواهد على ذلك ما ذكره ابو الفرج الإصفهاني في الرواية من العتاب!

وأيضاً ما ذكره ابن عساكر في قضية المهاجرة والمخاصمة بين السبطين عليهما السلام ؛ حيث يروي عن المدائني قوله : «جرى بين الحسن بن علي عليهما السلام وأخيه الحسين عليه السلام كلام حى تهاجرا ، فلما أتى على الحسن ثلاثة أيام تأثم من هجر أخيه ، فأقبل إلى الحسين ـ وهو جالس ـ فأكبّ على رأسه فقبله ، فلما جلس الحسن ، قال له الحسين عليه السلام : إن الذي منعني من إبتدائك ، والقيام إليك ، أنّك أحقُّ بالفضل مني ، فكرهت أنّ أنازلك ما أنت أحق به»(٤٢٣) .

الثاني ـ كثرة ما ورد في فضلهما وعلو شأنهما ، وما يثبت عصمتهما كما في آية الطهارة ؛ وهي قوله تعالى :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) [الأحزاب / ٣٣]. ومودتهما ومحبتهما في قوله تعالى :( قُل لَّا

__________________

(٤٢٢) ـ ابو الفرج الاصفهاني ، علي ابن الحسين : الأغاني ، ج ١٤ / ١٥٧.

(٤٢٣) ـ ابن عساكر ، علي بن الحسن : تاريخ ابن عساكر (ترجمة الإمام الحسين (ع) / ١٥٢ ـ حديث ١٩٧).


أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) [الشورى / ٢٣]. كما أنّه لما أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم المباهلة مع نصارى نجران ذهب بهما ، كما في قوله تعالى :( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) [آل عمران / ٦١]. وبعد هذا ، هل يقبل مسلم غيور على الدين ومقدساته ، تلك الأساطير التي ما يُراد من وضعها واختلاقها ، إلا القدح في عصمتها والنيل من تلك المكانة التي حَثَّ ودعا إليها القرآن الكريم؟!

هل يقبل غيور أن يقرأ أو يسمع أنهما يتعاتبان لأجل إمرأة ، ويعرف كل منهما فضل الآخر؟!

إذن ، فالرواية مكذوبة. وأما الأبيات المنسوبة إليه عليه السلام ؛ فهي تبين مدى حبه لزوجته الرباب وابنته سكينة عليهما السلام فقط. ولعلّ الذين وضعوا هذه الرواية إستغلوا هذا الشطر (وليس لعاتب عندي عتاب) في نبز الإمام الحسن عليه السلام!

ومما يدل على حب الرباب لزوجها الحسين عليه السلام ما يلي :

إنّها من النساء اللاتي جاء بها الحسين عليه السلام مع حرمه إلى الطف ، وحُملت معهن إلى الكوفة والشام ، ورجعت مع الحرم إلى المدينة ، فأقامت فيها لا تهدأ ليلاً ولا نهار ، من البكاء على الحسين عليه السلام. ومن المواقف المشجية لها في الكوفة ، حينما رأت الرأس ، طلبته من ابن زياد ، فلما رأته أخذته ووضعته في حجرها وقبلته وقالت :

واحيناً فلا نسيت حسيناً

أفصدته أسنة الأعداء

عادروه بكربلاء صريعاً

لا سقى الله جانبي كربلاء(٤٢٤)

__________________

(٤٢٤) ـ المقرم ، السيد عبد الرزاق : السيدة سكينة / ١٣٧.


وكان من رثاء الرباب لسيد الشهداء عليه السلام :

إنّ الذي كان نوراً يُستضاء به

بكربلاء قتيل غير مدفون

سبط النبي جزاك الله صالحة

عَنّا وجنبت خسران الموازين

قد كنت لي جبلاً صعباً ألوذ به

وكنت تصحبنا بالرحم والدين

من لليتامى ومن للسائلين ومن

يغني ويأوي إليه كل مسكين

والله لا أبتغي صهراً بصهركم

حتى اُغيّب بين الرمل والطين

ولما رجعت من الشام ؛ أقامت المأتم على الحسين ، وبكت النساء معها حتى جفت دموعهن ، ورثته بقولها :

تنعى ليوث البأس من فتيانها

وغيوثها إنّ عمت البؤساء

تبكيهم بدم فقل بالمهجة الحرى

تسيل العبرة الحمراء

ناحت فلما غضضت من صوتها

بزفيرها أنفاسها الصعداء

حنت ولكن الحنين بكى وقد

ناحت ولكن نوحها إيماء

ولما أعلمتها بعض جواريها ، بأنّ السّويق يسيل الدمعة ؛ أمرت أن يضع السّويق ، وقالت : إنما نريد أن نقوى على البكاء»(٤٢٥) .

وكيف كان ، ففي تلك السنة التي عاشت فيها ، خطبها الأشراف فأبت ، «وقالت : ما كنت لأتخذ حماً بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم»(٤٢٦) .

__________________

(٤٢٥) ـ المصدر السابق / ١٣٧.

(٤٢٦) ـ ابو الفرج الاصفهاني ، علي بن الحسين : الأغاني ، ج ١٤ / ١٥٨.


٦ ـ وفاتها ومدفنها :

يقول ابن كثير : «توفيت الرباب بنت أنيف ، إمرأة الحسين بن علي عليهما السلام ، في سنة (٦٢ هـ) ، وكانت حاضرة أهل العراق ؛ إذ هم يعدون في السبت ، أو الجمعة ، على زوجها الحسين بن علي ، ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم»(٤٢٧) . ودفنت في المدينة المنورة.

٧ ـ رؤياها :

ذكر الفاضل الشيخ علي المحسن القطيفي (ره) في كتابه (الدمعة القطيفية) : «وعن سكينة بنت الحسين قالت : بتنا ليلة الحادية عشر من المحرم ، والله ما رقدت لنا عين ، ولا جَفّت لنا عبرة ، وقد أضرّ بنا التعب وسهر الليل ، فلمّا أن وصل الفجر ؛ غفت عينا الرباب هنيئة ، ثم انتبهت وتَوجّهت نحو المعركة وتحسرت وانسكبت مدامعها ، وقالت : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فقالت لها زينب : ما الذي دهاك وأزعجك في نومك؟ إنّي أعلم أنّ الرزايا لا تفارقنا يقظة ونوماً. فبكت رباب وقالت : لو يشترى الموت اشتريته. فقالت زينب لها : ولم يا رباب؟ فقالت رباب : إعلمي يا ابنة الصّفوة ، اني رأيت في منامي أمّك فاطمة الزهراء ، وبين يديها ولدي عبد الله الرضيع يبكي ، وهي تعالجه لتسكته فلم يسكت ، فحانت منه إلتفاتة قرآني ، فجعل يطلبني ، فمددت يدي وقلت لأمّك فاطمة : ناوليني ولدي ، فَقَرّبته مني فأخذته وناولته ثديي ، فقالت لي أمّك : يا رباب أترضعينه ولم تسئلي عَمّا به ، مدي يدك إلى

__________________

(٤٢٧) ـ ابن كثير ، ابو الفدا اسماعيل : البداية والنهاية ، ج ٨ / ٢١٧.


وريده؟ فمددت يدي إلى نحره فإذا هو مذبوح من الأذن إلى الأذن ، فلما أحَسّ بذلك صرخ وترك الرضاع ، فانفجعت فاطمة ونادت : وا ولداه.

قالت رباب : فذكرت ما جرى وكنت قد نسيت ذلك ، فأخذته من أمك وهي تبكي ، فانتبهت فنظرت إلى الثدي الذي ناولته إياه قد دَرّ لبنه ، وأنا الآن أريد ولدي يا زينب ، فلما سمعن النساء كلامها ؛ تصارخن في وجهها وجعلن يبكين على حالها ، وهي تبكي على ولدها ، فقالت لها زينب : دونك ولدك ، فها هو مقتول مطروح ، فقامت وهي تعثر في مشيتها ، حتى أتت إلى المعركة فرأت ولدها مطروحاً والسهم قد ذبحه من الأذن إلى الأذن ، فانحنت عليه وجعلت تقبله في فمه ووجنته ، وهي تنادي : يا بني ، قم إلى الثدي الذي رضعت منه هذه الساعة ، فها هو قد دَرّ لبنه ، فلم يجبها ، فنادت : وا ولداه ، وا مهجة قلبي ، وا قرة عيناه»(٤٢٨) .

__________________

(٤٢٨) ـ القطيفي ، الشيخ علي المحسن : الدمعة القطيفية ، ج ١ / ١٤٧ ـ ١٤٨.


ثانياً ـ العلماء والفضلاء

١ ـ الأميرزا محمد مهدي الشيرازي

٢ ـ السيد علي الطباطبائي

٣ ـ السيد محمد الفلفل القطيفي

٤ ـ الشيخ محمد كمونة

٥ ـ الوحيد البهبهاني

٦ ـ الشيخ جعفر التستري

٧ ـ الشيخ يوسف البحراني

٨ ـ الشيخ ضياء الدين النعماني

٩ ـ بعض العلماء



١ ـ الأميرزا محمد مهدي الشيرازي(٤٢٩) :

جاء في كتاب «تحفة المجاور» : «سمعت عن جناب الأميرزا محمد مهدي الشهرستاني (ره) ـ وهو العالم الكبير المشهور ، الذي تولى الصلاة على بحر العلوم ، أعلى الله مقامه ، وأنّه أخبر بذلك ـ قال : تشرفت بمجاورة قبر ابي عبد الله الحسين عليه السلام في عنفوان الشباب ، وكان رجل كثير الصلاح من أهل (خواتون آباد) ، يسمى حاجي حسنعلي ، مجاوراً في النجف الأشرف ، ويقول : هو أحسن من كربلاء ؛ ومجاورة كربلاء تُورِّث قَسَاوَة القلب. فرأيت ليلة في المنام ، أنّي في رِوَاق حرم أمير المؤمنين عليه السلام من جهة الرأس تجاه الشباك الذي يرى منه الضريح المقَدّس ، والحاج المزبور أيضاً هناك ، وهو على عادته مشغول بانكار مجاورة كربلا ، فرأيت أنّ مولانا صاحب الزمان عليه السلام أيضاً في هذا المكان ، فسئل عنه الحاج حسنعلي وقال : إنّ جنابك مقيم في هذا المكان والناس يسيرون إلى سامراء لزيارتكم؟ فقال صلوات الله عليه : أنا فيه أيضاً فقال ذلك الرجل : إن تأذن لي أذهب وأفتح الباب واكنس ، فأذن له ثم قال الحجة عليها لسلام إبتداءً : لا يذهب بأحد من كربلاء إلى جهنم ، ثم أشار عليه السلام إلى ضريح أمير المؤمنين عليه السلام وقال : بحق أمير المؤمنين لا يقودون أحداً من كربلاء إلى جهنم. فوقع في خاطري أنّ قسم المعصوم لإنكار الحاج حسنعلي مجاورة كربلاء. ثم قال عليه السلام : بشرط أن يبيت فيه ليلة. وفهمت من كلامه عليه السلام أنّ مقصوده من بيتوتته ؛ هي القيام بعبادتها ؛ فقلت : إنّا ننام في الليالي إلى طلوع الشمس.

__________________

(٤٢٩) ـ هو السيد الأجل العالم الرباني ، المجاور للمشهد الحسيني على مُشَرِّفِه السلام ، يروي عن صاحب الحدائق ، ويروي عنه صاحب المستند ، توفي سنة ١٢١٦ هـ.


فقال عليه السلام : وإن نام إلى طلوع الشمس ، وكان تلك الرؤيا سبباً لإختياري كربلاء للمجاورة»(٤٣٠) .

٢ ـ السيد علي الطباطبائي(٤٣١) :

جاء في كتاب «تحفة المجاور» : «عن السيد الجليل ، والعالم المحقق النبيل ، شيخ الفقهاء المبرزين الأمير سيد علي صاحب الرياض ـ أعلى الله مقامه ـ ، قال : كنت أتعاهد في أيام التحصيل زيارة القبور التي كانت في خارج بلد كربلاء ، في حول خيمگاه في عصر الخميس ، فرأيت ليلة في المنام كأني ذهبت إلى تلك المقابر ، فرأيت البلد خالياً عن العمارات والبيوت ، وفي مكان الجميع قبور وقد إرتفعت مكانها ، فصرت متفكراً مستوحشاً فسمعت هاتفاً يقول بلسان الفارسي : (خوشا حال كسيكه در اين ارض مقدس مدفون گردد ؛ اگر چه با هزاران گناه باشد از هول قيامت بسلامت در رود ، هيهات هيهات كه كسى در آنجا مدفون نشود واز هول قيامت بسلامت در رود) ؛ أي هنيئاً لمن دفن في هذه الأرض المقدسة ؛ فإنّه يخلص من أهوال القيامة ، وإن كان عليه ألوف من المعاصي ، وهيهات هيهات أن يدفن في غيرها ويخلص من أهوال القيامة»(٤٣٢) .

__________________

(٤٣٠) ـ النوري ، الميرزا حسين : دار السلام ، ج ٢ / ١٤٨ ـ ١٤٩.

(٤٣١) ـ السيد علي بن السيد محمد علي ، بن السيد ابي المعالي الصغير ، بن ابي المعالي الكبير الطباطبائي ، المولود سنة (١١٦١ هـ) في الكاظمية في العراق ، والمتوفي سنة (١٢٣١ هـ) ، وهو ابن أخت العلامة الوحيد البهبهاني وصهره على ابنته ، عالم فقيه جليل القدر ، شيخ في الفقه وأصوله ، من أشهر كتبه «رياض المسائل في بيان الأحاكم بالدلائل». حتى عرف بصاحب (الرياض).

(٤٣٢) ـ النوري ، الميرزا حسين : دار السلام ، ج ٢ / ١٤٩.


٣ ـ السيد محمد الفِلْفِل القطيفي(٤٣٣) :

ذكر العلامة الشيخ حسين البلادي القديحي (ره) في كتابه (سعادة الدارين) : «وجدت بخط الوالد الماجد (ره) ما لفظه : سمعت من الثقة الشيخ علي الحمامكي (ره) ـ من قراء النجف الأشرف ، على مشرفه السلام ـ ، عن العالم الفاضل الثقة الأفخر ، الشيخ جعفر الشوستري (ره) ، عن العالم الشاعر السيد محمد بن السيد مال الله القطيفي (ره) ، أنّه قال : رأيت في المنام كأنّي جئت إلى غدير ماء ، وعلى حَافّة ذلك الغدير إمرأة حزينة باكية ، وبيدها قميص تغسله فيه ، وهي تردد هذا البيت :

فكيف يطوفُ القلب مني ببهجةٍ

وبهجةُ قلبي في الطفوف غريبُ

قال السيد (ره) : فدنوت منها ، فقلت : مَنْ أنتِ ، ومَنِ إبنك؟

فقالت لي : أو ما تعرفني؟! أنا جدتك فاطمة الزهراء ، وهذا قميص ولدي الحسين. قال السيد (ره) : فلما أصبحت ؛ علمت قصيدة ، وضَمّنت البيت فيها ، وأولها : (أراك متى هَبّت صبا وجنوب) ..»(٤٣٤) .

__________________

(٤٣٣) ـ السيد محمد بن السيد مال الله بن السيد محمد ، ابو الفلفل القطيفي ، مسقط رأسه (التوبي) إحدى القرى القطيفية. عَبّر عنه صاحب أنوار البدرين : «العالم السيد الحسيب ، الشاعر الأديب الأسعد كان من الشعراء المجيدين المكثرين في مرائي الحسين (ع) ، وأصحاب الحسين (سلام الله عليهم أجمعين). وله يد قوية في العلم ، إلا أنّ الشعر غلبه. إنتقل من القطيف للعراق ، وجاور جده الحسين سيد الشهداء وإمام السعداء ، حتى مات فيها سنة (١٢٦١ هـ).

(٤٣٤) ـ القديحي ، الشيخ حسين البلادي : سعادة الدارين / ٦٧.


٤ ـ الشيخ محمد كَمّونَة(٤٣٥) :

«أخبرني الشيخ العالم ، العابد المعمِّر ، الشيخ عبد الله بن معتوق القطيفي ـ سَلّمه الله ـ أيام مجاورته في النجف الأشرف لطلب العلم سنة (١٣١٠ هـ) ، قال : أخبرني من أثق به من العلماء. قال : أخبرني الشيخ الفاضل الأديب الحاج محمد علي ، ابن الحاج محمد المعروف بابن كمونة الأسدي الحائري ، المتوفي سنة (١٢٨٣ هـ) ، وكان ينوب عن أخويه : الميرزا مهدي الخازنين في الروضة الحسينية ، ويلازم الروضة ، قال رأيت ذات ليلة في المنام سيد الحسين (عليه السلام) في الروضة الشريفة واقفاً ينظر إلى الزائرين ، وهو يردد قوله (فمنا المنادي ومنا السميع). قال : فانتبهت من منامي وأنا أحفظ هذا الشطر فأكملته بقولي :

سبقنا فلا أحد قبلنا

سوى من يرانا ومنا الصنيع

فذا الخف منا إلينا لنا

(فمنا المنادي ومنا السميع)

__________________

(٤٣٥) ـ الشيخ محمد علي ، ابن الشيخ محمد ، ابن عيسى النجفي الكربلائي ، كان شيخاً فاضلاً مبجلاً ، وأديباً كاملاً ، وشاعراً جليلاً ، كثر النظم ، مدح الأئمة المعصومين ورثاهم. وآل كمونة هؤلاء الذين يقيمون الآن في كربلاء كانوا يقيمون في النجف بمحلة البراق ، في شارع الجمالة التي فيه المغتسل القديم للموتى في النجف ، ولهم عدة دور فيه ، غير أنّه على أثر حادث عشائري عرفي متداول بين النجفيين ، نزحوا عن النجف تدريجياً وسكنوا مدينة كربلاء ، وصارت لهم فيها الوجاهة والشأن والكرامة والأمر والنهي ، ولهم دار ضيافة قرب التل المعروف بـ(الزينبي) يرحبون بالقادم ، ويحترمون أهل العلم ، ودفن داخل المشهد الحائري ، خلف رأس الحسين (عليه السلام) ، مع أخويه الحاج مهدي ، والحاج حسن. عن معجم رجال الفكر والأدب في النجف خلال الف عام ص ١٠٩٧.


قال الشيخ عبد الله(٤٣٦) : فخمستها عند سماعي لهما سنة (١٣٠٥ هـ) لأتعلق بسبب إلى الحسين (عليه السلام) فقلت :

أجرنا عقولاً سعت نحونا

فتاهت وما بلغت كنهنا

ونحن عبيد ولكننا

سبقنا فلا أحد قبلنا

سوى من يرانا ومنا الصنيع

فمن ساء فعلاً ومن أحسنا

يؤب لنا قبل أن يوزنا

ننادي ونسمع أن يدعنا

فذا الخلق منا إلينا لنا

(فمنا المنادي ومنا السميع)(٤٣٧)

٥ ـ الوَحِيد البَهْبَهَانِي(٤٣٨) :

ذكر الشيخ محمد رضا الحكيمي في كتابه «تاريخ العلماء» : «وكان ميلاده الشريف في سنة ثمانية عشر ، أو سبعة عشر بعد المائة والألف في إصفهان ، وقطن برهو في بهبهان ، ثم انتقل إلى كربلاء ـ شَرّفها الله ـ وكان ربما يخطر بخاطره الشريف الإرتحال منها إلى بعض البلدان ؛ لتغيّر الدهر وتَنكِّد الزمان ،

__________________

(٤٣٦) ـ العالم المحقق والفاضل المدقق التقي الورع ، الشيخ عبد الله بن معتوق ، بن الحاج درويش ، ابن الحاج معتوق ، ابن الحاج عبد الحسين ، بن الحاج مرهون البحراني البلادي القطيفي التاروتي. ولد سنة (١٢٧٤ هـ) ، وتوفي ليلة الخميس ١١ / ٥ / ١٣٦٢ هز فقيه من الفقهاء المعروفين بالزهد والتقوى ، وظهور الكرامات التي يشهد بها المعاصرون له.

(٤٣٧) ـ السماوي ، الشيخ محمد : ظرافة الأحلام / ٦٦ ـ ٦٧.

(٤٣٨) ـ العلامة المجدد الآقا محمد باقر بن الآقا محمد باقر بن محمد أكمل بن محمد صالح الإصفهاني ، البهبهاني الحائري ، ينتهي نسبه بثلاث عشرة واسطة من طرف أبيه إلى الشيخ المفيد ، ومن جهة أمه بثلاث وسائط إلى المحدث الكبير المجلسي الأول. توفي في ٢٩ / ١٠ / ١٢٠٥ هـ. ودفن داخل الحرم الحسيني الشريف.


فرأى الإمام (عليه السلام) في المنام يقول له (لا أرضى لك أن تخرج من بلادي) فجزم العزم على الإقامة بذلك النادي ، وقت كانت بلدان العراق ـ سيما المشهدين الشريفين ـ مملوءة قبل قدومه من معاشر الأخباريين ، بل ومن جاهليهم والقاصرين ، حتى أنّ الرجل منهم كان إذا أراد حمل كتاب من كتب فقهائنا ـ رضي الله عنهم ـ حمله مع منديل ، وقد أخلى الله البلاد منهم ببركة قدومه ، واهتدى المتحيرة في الأحكام بأنوار علومه ، وبالجملة كل من عاصره من المجتهدين ، فإنّما أخذ من فوائده ، واستفاد من فرائده»(٤٣٩) .

٦ ـ الشيخ جعفر التُسْتَرِي(٤٤٠) :

ينقل الشيخ النوري عن الشيخ التستري (ره) : «لما فرغت من تحصيل العلوم الدينية في المشهد الغروي [نسبة إلى الغرب من أرض النجف] ، وآن أوان النشر ووجوب الإنذار رجعت إلى وطني ، وقمت بأداء ما كان عليّ من هداية الناس على تفاوت مراتبهم. ولعدم تَضَلُّعِي بالآثار المتعلقة بالمواعظ والمصائب كنت مكتفياً بأخذ (تفسير الصافي) بيدي على المنبر والقراءة منه في شهر رمضان والجمعات ، و (روضة الشهداء) للمولي الكاشفي في أيام عاشوراء. ولم أكن ممن يمكنه الإنذار والإبكاء بما أودعه في صدره. إلى أن مضى عليّ عام ، وقرب

__________________

(٤٣٩) ـ الحكيمي ، الشيخ محمد رضا : تاريخ العلماء / ٩٥.

(٤٤٠) ـ الشيخ جعفر ، ابن المولى حسين ، بن الحسن ، بن علي ، بن الحسين النجفي. ولد عام (١٢٢٧ هـ) من أعاظم العلماء وأجلاء الفقهاء المشاهير في عصره ، هاجر إلى النجف وتلمذ على الشيخ صاحب الجواهر ، والشيخ الأنصاري سنيناً ، ثم عاد إلى (تستر) وأصبح مرجعاً للتقليد والفتيا ، وزعيماً مطاعاً للدنيا والدين ، ثم هاجر ثانية إلى النجف الأشرف وتصدى فيها للتدريس والتأليف وامامة الجماعة والخطابة ، وأصبح من كبار المراجع ومشاهير العلماء. إلى أن توفي بمدينة كرند في صفر سنة (١٣٠٣ هـ) ، وحمل جثمانه إلى النجف. عن معجم رجال الفكر والأدب في النجف خلال ألف عام ، ج ١ / ٣٢١.


شهر محرم الحرام ، فقلت في نفسي الليلة : إلى متى أكون صحفياً (أعتمد على صحائف الكتب) ، لا أفارق الكتب؟! فقمت أتفكّر في الإستغناء عنه والإسقلال في الخطاب ، وسَرّحت بريد فكري في أطراف هذا المقام ، إلى أن سئمت منه وأخذني المنام ، فرأيت كأنّي بأرض كربلاء في أيام نزول المواكب الحسينية فيها ، وخيمهم مضروبة ، وعساكر الأعداء في تجاههم كما في الرواية. فدخلت على فسطاط سيد الأنام أبي عبد الله (عليه السلام) ، فسلّمت عليه ، فقربني وأدناني ، وقال (عليه السلام) لحبيب بن مظاهر : إنّ فلاناً (وأشار إليّ) ضيفنا. أما الماء ؛ فلا يوجد عندنا منه شيء ، وإنّما يوجد عندنا دقيق وسمن ، فقم واصنع له منهما طعاماً واحضره لديه. فقام وصنع فيه شيئاً ووضعه عندي ، وكان معه ملعقة ، فأكلت مه لقيمات وانتبهت. وإذا أنا أهتدي إلى دقائق وإشارات في المصائب ولطائف وكنايات في آثار الأطايب ما لم يسبقني أحد ، وزاد كل يوم إلى أن أتى شهر الصيام ، وبلغت في مقام الوعظ والبيان غاية المرام»(٤٤١) .

٧ ـ الشيخ يوسف البَحْرَانِي(٤٤٢) :

«حكى السيد محمد بن هاشم الحضراوي الخَطّي ، ـ المتوفى ٢٩ / ١ / ١٣٩٦ هـ ـ عن الشيخ حسين بن علي القديحي قال : إنّ العلامة الشيخ يوسف بن احمد ، بن ابراهيم. المحدث صاحب الحدائق الناضرة ، آل عصفور

__________________

(٤٤١) ـ النوري ، الميرزا حسين : دار السلام ، ج ٢ / ٣١٤.

(٤٤٢) ـ الشيخ يوسف ، بن الشيخ احمد ، بن ابراهيم ، بن احمد ، بن صالح ، بن احمد ، بن عصفور الدرازي البحراني ، العالم العامل ، المحدث الفقيه ، من أعاظم علماء الإمامية في عصره ، ولد في قرية (ماحوز) سنة (١١٠٧ هـ) ، حيث كان هاجر إليها والده من موطنه (دراز) لينهي دراسته على شيخه المحقق سليمان الماحوزي ، وتوفي في كربلاء بعد الظهر من يوم السبت ٤ ربيع الأول (١١٨٦ هـ).


الماحوزي البحراني ، المتوفى عام ١١٨٦ هـ. كان يسكن في أواخر حياته بجوار سيد الشهداء في كربلاء ، فلما وقع في شكواه الذي توفي فيه أوصى أن ينقل بعد وفاته ؛ ليوارى في جوار أمير المؤمنين عليه السلام بالنجف الأشرف ؛ ليأمن من حساب القبر ، فرأى في منامه الإمام الحسين عليه السلام يقول له : (يا يوسف ، شرفتنا بجوارك لنا حال الحياة فلم حرمتنا منه بعد الوفاة؟! وهل صدر منا بحقك مساءة أو تقصير؟!). قال : حاشى لله يا مولاي ، إنّي ما رأيت منكم إلا كل جميل وإحسان ، ولكني كما تعلم قد قمت بتأليف هذه الموسوعة الفقهية في الأحكام الشرعية ، وناقشت في بعضها العلماء ، وطرحت بعض النصوص ، ورددت بعض الآراء ، وأخشى أن تحاسبني الملائكة في ذلك ، فلو حاسبتني على كل جملة وفقرة من الكتاب ، لإستمر حسابي إلى عشرين سنة على الأقل ، فرأيت أن آمن بجوار أبيك مما أخشاه. قال عليه السلام : يا يوسف ، أقم في جوارنا ولك علينا أن لا يصل إليك أحد من ملائكة الحساب ، نحن نكفيك كل ما تخشاه وتنال منا كلما تؤمله وتتمناه من أمير المؤمنين عليه السلام. فلما أصبح دعا أولاده فأخبرهم بما تعهد به الحسين عليه السلام ونهاهم عن نقله إلى كربلاء. وأمرهم أن يواروه عند الباب الذي يدخل منه الزوار لزيارة الشهداء ، مما يلي رجلي علي الأكبر وأبيه الحسين. فلما توفي اُودع جثمانه حيث طلب على باب المدخل للحضرة المقدسة من ناحية مقابر الشهداء ، وقد ضَمّ إليه بعد ذلك من العلماء السيد علي صاحب الرياض ، والسيد محمد باقر البهبهاني ، والسيد مرتضى بحر العلوم ، والد السيد مهدي بحر العلوم ، صاحب (الدرّة النجفية) ، وقد وضع على المقابر الأربعة ساجة كبيرة ، وكتب عليها أسماؤهم»(٤٤٣) .

__________________

(٤٤٣) ـ البحراني ، السيد محمد صالح : النمارق الفاخرة ، ج ٣ / ٧٨ ـ ٧٩ ، «بتصرف» ـ المؤلف.


٨ ـ الشيخ ضياء الدين النعماني :

ذكر الشيخ عبد العظيم المهتدي البحراني في كتابه «قصص وخواطر» : «.. حكى لنا سماحة الشيخ ضياء الدين النعماني : أنّ شخصاً جاءه قبل وفاتة والده بأيام وقال : إنّي رأيت فيما يراه النائم رجلين قادمين من زيارة مرقد الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء ، وبيد أحدهما تربتان حسينيتان ، فأعطاهما إياك وقال : إنّهما هدية لك ، إحدهما ولوالدك الأخرى. مضت أيام حتى يوم وفاة والدي ، وأنا في المغتسل ؛ إذ جاءني أحد المؤمنين وناولني تربتين حسينيتين ، وقال : إنّ إثنين من أصدقائه قدما من كربلاء وهذه هديتهما ، إليك واحدة والأخرى لوالدك المرحوم. فغُمِرْت بالعجب الشديد من تطابق تلك الرؤيا وهذا الواقع ، فأخذت التربتين وخلطت التي لوالدي بالماء وحينما وضعته في القبر مسحت بها على صدره ووجهه ، وإزددت عجباً عندما كنت ألقّنه بالعقائد الحَقّه ، وأقول : (إذا سألك الملكان المقرّبان من نبيك : فقل : محمد بن عبد الله ، خاتم الأنبياء بني ..) وإذا بجفون عيني والدي إنتفضت ونزلت من تحتها دمعة كبيرة بيضاء كالدرّ!

وأضاف الشيخ النعماني ـ الذي يقال : أنّه حافظ ثلاثين ألف حديث مع سلسلة إسناده ـ أنّ والده المرحوم (الحاج كريم) ، كان عالماً غير معمم ، وكان شديداً في الولاء لأهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان مواظباً منذ أربعين عاماً على أن لا تفوته زيارة الإمام الحسين عليه السلام ، فحتى بعدما جئنا إلى إيران كان يصعد على سطح المنزل ليلة كلّ جمعة ، فيتجه نحو العراق ويُسلِّم على الحسين عليه السلام.

وهنا عَلّق على هذه القصة العجيبة سماحة الشيخ صَحّت ـ وهو من حفاظ أحاديث أهل البيت عليهم السلام ـ قائلاً : إنّ ما حكاه الشيخ النعماني يؤيده


الراوي عن الإمام الصادق عليه السلام قال : سمعته يقول : عن دمعة عين الميت (ذلك عند معاينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فيرى ما يسره) ثم قال : (اما ترى الرجل يرى ما يَسرُّه ويحبّ فتدمع عينه لذلك ويضحك).(٤٤٤) ...)(٤٤٥) .

٩ ـ بعض العلماء :

«عن كتاب «مناقب السبطين» : إرتاض بعض العلماء ليستظهر قاتله مَنْ هو؟ فرأى في منامه الحسين عليه السلام وسأله عن قاتله؟ فقال عليه السلام : وإن كان المشهور أنّ الشمر قاتلي ، ولكن صنع ما صنع بيَّ طعنة سنان بن أنس»(٤٤٦) .

__________________

(٤٤٤) ـ راجع الأصول من الكافي ، ج ٣ / ١٣٣.

(٤٤٥) ـ البحراني ، الشيخ عبد العظيم المهتدي : قصص وخواطر / ٦١٨.

(٤٤٦) ـ الحائري ، الشيخ محمد مهدي : معالي السبطين ، ج ٢ / ٤٤.


ثالثاً ـ عَامّة الناس

أ ـ هداية ورحمة :

١ ـ هند زوجة يزيد (لع)

٢ ـ جارية يزيد (لع)

٣ ـ زوجة شمر (لع)

٤ ـ زوجة خولي الأصبحي (لع)

«النوار بنت مالك»

٥ ـ رأس الجالوت

٦ ـ الخَلِيعي الموصِلي

٧ ـ الرجل النصراني

٨ ـ الرجل اليماني

٩ ـ المرأة الزانية التائبة

١٠ ـ المهراجا الهندوسي



١ ـ هند زوجة يزيد :

هند بنت عبد الله ، بن عامر ، بن كريز ؛ وهي زوج يزيد بن معاوية (لع). قال الدربندي (ره) :

«وخرجت هند بنت عبد الله ، بن عامر ، بن كريز إمرأة يزيد (لع) ـ وكانت قبل ذلك تحت الحسين ـ ، حتى شَقّت الستر وهي حاسرة ..» (٤٤٧).

مناقشة السيد المقرّم لقصة زواجها من الحسين :

وقال المحقق السيد المقرّم (ره) : «قصة تزويج هند ـ زوجة عبد الله بن عامر ، بن كريز ـ من يزيد ، وإجبار زوجها على الطلاق من الأساطير التي أراد واضعها الحَطّ من كرامة سيدي شباب أهل الجنة الحسن والحسين (عليهما السلام) ، فرويت بصور مختلفة.

(الصورة الأولى ) ـ مقتل الخوارزمي ج ١ ٢ ١٥١ ـ فصل ٧ ، طبع النجف : بالإسناد إلى يحيى بن عبد الله بن بشير الباهلي ، قال : «كانت هند بنت سهيل ، بن عمرو عند عبد الله بن عامر بن كريز ، وكان عامل معاوية على البصرة ، فأقطعه خراج البصرة على أن يتنازل عن زوجته هند ؛ لرغبة يزيد فيها ، وبعد إنتهاء العدة أرسل معاوية أبا هريرة ومعه ألف دينار مهراً لها ، وفي المدينة ذكر أبو هريرة القصة للحسين بن علي (عليه السلام). فقال : إذكرني لهند. ففعل أبو هريرة ، وإختارت الحسين فتزوجها ، ولما بلغه رغبة عبد الله بن عامر فيها طلقها ، وقال له : (نعم المحلل كنت لكما). وفي إسناده يحيى بن عبد الله بن بشير الباهلي ، عن ابن المبارك ، وهو مجهول عند علماء الرجال.

__________________

(٤٤٧) ـ الدربندي ، الشيخ آغا بن عابد الشيرواني : اسرار الشهادات ، ج ٣ / ٦٦٠.


(الصورة الثانية ) ـ في مقتل الخوارزمي ج ١ ، ص ١٥٠ : فصل ٧ مسنداً عن الهذلي ، عن ابن سيرين : أنّ عبد الرحمن بن عناب بن أسيد كان أبا عذرتها ، طلقها وتزوجها عبد الله بن عامر بن كريز ، وذكر كما في الصورة الأولى ، إلا أنّه أبدل الحسين بالحسن عليه السلام ، وأنّه قال لعبد الله بن عمر بعد أن طلقها : (لا تجد محللاً خيراً لكما مني) ، وكانت هند تقول : سيدهم حسن وأسخاهم عبد الله ، وأحَبّهم إلي عبد الرحمن. وفي تهذيب التهذيب لابن حجر ج ١ / ٤٥ : «إنّ الهذلي : هو أبو بكر ، كذّاب عند ابن معين ، ضعيف عند ابي زرعة ، متروك الحديث عند النسائي. وفي الوافي بالوفيات ـ للصفدي ج ٣ ص ١٤٦ : إعتراف محمد بن سيرين على نفسه بأنّه يسمع الحديث وينقص منه ، وكان من سبي جرجايا. وفي طرح التثريب ج ص ١٠٣ ، كان ابن سيرين من سَبْي عَين التّمرْ.

(الصورة الثالثة ) ـ في نهاية الارب للنوبري ج ٦ ص ١٨٠ : كانت (زينب) بالزاء المعجمة عند عبد الله بن سلام ، عامل معاوية على العراق ، فطلب منه معاوية طلاق زوجته ؛ لرغبة يزيد فيها على أن يزوجه من إبنته ، فلما طَلّقَها لم توافق إبنة معاوية على التزويج منه ، فأرسل معاوية أبا هريرة ، وأبا الدرداء إلى العراق ليخطبا (زينب بنت إسحاق) ليزيد ، فقدما الكوفة وكان بها الحسين بن علي عليهما السلام فذكرا له القصة. فقال لهما : إذكراني. فإختارت الحسين عليه السلام وتزوجها ، ولما عرف رغبة عبد الله بن سلام فيها طلقها لتحل لزوجها الأول.

وهذه القصة المطولة التي أرسلها النويري في نهاية الأرب ، من دون إسناد أرسلها ابن بدرون في شرح قصيدة ابن عبدون ص ١٧٢ ، طبع سنة ١٣٣٠ هـ ، وسَمّاها (رينب) بالراء المهملة ، والحسين عليه السلام لم يرد إلى الكوفة بعد إرتحالهم منها.


(الصورة الرابعة ) ـ في الأمثال للميداني ج ١ ص ٢٧٤ : حرف الراء ، عنوان (رُبّ سَاعِ لقاعد) روي مرسلاً : أنّ معاوية سأل يزيد عن رغباته فذكر له رغبته في التزويج من (سلمى أم خالد) ، زوجة عبد الله بن عامر بن كريز ، فاستقدمه معاوية وسأله طلاق إمرأته (أم خالد) على أن يعطيه خراج فارس خمس سنين ، فَطَلّقها فكتب معاوية إلى وليه على المدينة (الوليد بن عتبة) أن يعلم أم خالد بطلاقها ، وبعد إنقضاء العدة أرسل معاوية أبا هريرة ومعه ستون ألفاً وعشرون الف دينار ، مهرها وعشرون الف كرامتها ، وعشرون الف هديتها ، وفي المدينة حكى القصة لأبي محمد الحسن بن أمير المؤمنين (عليه السلام). فقال لأبي هريرة : إذكرني. وقال له الحسين : إذكرني لها. وقال عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب : إذكرني. وقال عبد الله بن جعفر الطيار : إذكرني. وقال عبد الله بن الزبير : إذكرني. وقال عبد الله بن مطيع بن الأسود : إذكرني. ولما دخل عليها ابو هريرة حى لها ما أراده معاوية ، ثم ذكر رغبة الجماعة فيه. فقالت له : إختر لي أنت. فاختار لها الحسن بن علي عليهما السلام ، وزَوّجَها منه وانصرف إلى معاوية بالمال ، ولما بلغ معاوية القصة ، عَتَبَ على أبي هريرة فرد عليه : المستشار مؤتمن.

هذا كل ما في عَيْبَة المؤرخين الأمناء في تسجيل الحقايق كما وقعت ، ومن المؤسف عدم تحفظهم عن الطعن بكرامة المسلمين ، والتأمل في هذه الأسطورة لا يعدوه الإذعان بأن الغاية منها هو النيل من إبني رسول الله (صلى الله عليه وآله) الإمامين على الأئمة إن قاما وإن قعدا ، لَعَلّ من يبصر الأشياء على علاتها من دون تمحيص ، وقد وجد من انطلت عليه هذه الأكذوبة ، فرمى أبا محمد الحسن عليه السلام بما تسيخ منه الجبال بالإعتذار عن كثرة الزوجات للحسن ، أن


الطلاق بالثلاث شايع ولم يجدوا محللاً صادقاً بأن يتزوج المرأة على الدوام ، ثم يطلقها إلا الحسن عليه السلام ، وما أدري بما يعتذر يوم يقول له ـ أبو محمد عليه السلام ـ : على أي إستناد وثيق هتكتني ولم تتبصر؟! ..»(٤٤٨) .

وبعد عرض ما ذكره المحقق السيد المقرّم (ره) ؛ تبين لنا أنّ هند لم يتضح لنا نسبها ، بل ولا إسمها ولا إسم زوجها قبل يزيد. فتأمل ـ أيها القارئ النبيل ـ ولاحظ معي ما ذكر في الصور الأربع المتقدمة ،

ففي الصورة الأولى : (هند بنت سهيل بن عمر ، وزوجها عبد الله بن عامر بن كريز).

وفي الصورة الثانية : (عبد الله بن عناب بن اسيد ، كان أبا عذرتها طلقها وتزوجها عبد الله بن عامر بن كريز ..).

وفي الصورة الثالثة : (زينب بنت إسحاق ، عند عبد الله بن سلام).

وفي الصورة الرابعة : (سلمى بنت خالد ، زوجة عبد الله بن عامر بن كريز).

علاقتها بأهل البيت عليهم السلام :

وبعد هذا نقول : لا يهمنا كل ذلك ، بل المهم أن نذكر أنّها ذات إرتباط بأهل بيت العصمة عليهم السلام ، ومن الشواهد على ذلك ما ذكره المؤرخون في السيرة الحسينية ـ منها ما يلي :

«وخرجت هند بنت عبد الله ، بن عامر ، بن كريز ، إمرأة يزيد ـ وكانت قبل ذلك تحت الحسين عليه السلام ـ حتى شَقّت الستر وهي حاسرة ، فوثبت إلى يزيد وهو في مجلس عام ، فقالت : يا يزيد أرأس ابن فاطمة بنت رسول الله مصلوب

__________________

(٤٤٨) ـ المقرم ، السيد عبد الرزاق : مقتل المقرم / ٤٠ ـ ٤١. «حاشية».


على فناء بابي؟! فوثب إليها يزيد فَغَطّاها ، وقال : نعم فأعولي عليه يا هند وأبكي على ابن بنت رسول الله ، وصريخة قريش ، عَجّل عليه ابن زياد (لعنه الله) فقتله ، قتله الله»(٤٤٩) .

قال الراوي : فسمعته بنت عبد الله زوجة يزيد (لع) ، وكان يزيد (لع) مشغوفاً بها ، قال : فدعت برداء فتردت بها ، ووقفت من وراء الستر وقالت ليزيد (لع) : هل عندك من أحد؟

قال : أجل ، فأمر من كان عنده بالإنصارف ، وقال اللعين : ادخلي. فدخلت ، قال : فنظرت إلى رأس الحسين ؛ فصرخت فقالت : ما هذا الرأس الذي معك؟ فقال : رأس الحسين بن علي بن أبي طالب. قال : فبكت وقالت : يعزّ والله على فاطمة أن ترى رأس ولدها بين يديك ، وأنك يا يزيد قد فعلت فعلاً إستوجبت به اللعن من الله ورسوله ، والله ما أنا لك بزوجة ولا أنت ببعل. فقال لها : ما أنت وفاطمة؟ فقالت : بأبيها وبعلها وبنيها هدانا الله تعالى ، وألبسنا هذا القميص ، ويلك يا يزيد ، بأي وجه تلق الله ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟! فقال لها : يا هند ، دعي هذا الكلام فما إخترت قتله ، فخرجت باكية ...»(٤٥٠) .

وذكر الشيخ الحائري (ره) في كتابه (معالي السبطين) : «وروي أنّ هند بنت عبد الله ، بن عامر ، بن كريز. لما قتل أبوها ، بقيت عند أمير المؤمنين عليه السلام ، ولما قبض أمير المؤمنين ؛ بقيت في دار الحسن ، فسمع بها معاوية (لع) ، فأخذها من الحسن فزوجها من ولده يزيد ، وفي خبر كانت تحت الحسين فطلقها وتزوجها يزيد ، فبقيت عند يزيد إلى أن قتل الحسين عليه السلام ، ولم يكن لها علم

__________________

(٤٤٩) ـ المجلسي ، الشيخ محمد باقر : بحار الأنوار ، ج ٤٥ / ١٤٣.

(٤٥٠) ـ الدربندي ، الشيخ آغا بن عابد الشيرواني : أسرار الشهادات ، ج ٣ / ٦٥٩ ـ ٦٦٠.


بأن الحسين قد قتل ، ولما قتل الحسين وأتوا بنسائه وبناته وأخواته إلى الشام ؛ دخلت إمرأة على هند وقالت : يا هند ، هذه الساعة أقبلوا بسبايا ولم أعلم من أين هم ، فلعلك تمضين إليهم وتتفرجين عليهم ، فقامت هند ولبست أفخر ثيابها وتَخَمّرَت بخمارها ولبست إِزارها ، وأمرت خادمة لها أن تحمل الكرسي ، فلما رأتها الطاهرة زينب ؛ إلتفتت إلى أختها أم كلثوم وقالت لها أخيه : أتعرفين هذه الجارية؟. قالت : لا والله. قالت لها : أخيه ، هذه خادمتنا هند بنت عبد الله. فسكتت أم كلثوم ونكست رأسها ، وكذلك زينب ، فقالت هند : أخيه أراكِ طأطأت رأسكِ؟ فسكتت زينب ولم ترد عليها جواباً ، ثم قالت : أخية ، من أي البلاد أنتم؟ فقالت لها زينب : من بلاد المدينة. فلما سمعت هند ، بذكر المدينة ؛ نزلت عن الكرسي وقالت : على ساكنها أفضل السلام ، قم إلتفتت إليها زينب وقالت : أراك نزلت عن الكسي؟ قالت هند : إجلالاً لمن سكن أرض المدينة ، ثم قالت هلا : أخية ، أريد أن أسئلك عن بيت في المدينة ، قالت لها الطاهرة زينب : إسئلي ما بدا لك. قالت : أريد أن أسألك عن دار علي بن أبي طالب. فقالت لها زينب : وأين لك معرفة بدار علي عليه السلام؟ فبكت وقالت : إني كنت خادمة عندهم ، قالت لها : زينب ، وعن أيما تسئلين؟ قالت : أسألك عن الحسين وعن أخوته وأولاده ، وعن بقية أولاد علي ، وأسألك عن سيدتي زينب ، وعن أختها أم كلثوم ، وعن بقية مخدرات فاطمة الزهراء؟ فبكت عند ذلك زينب بكاءاً شديداً وقالت لها : يا هند ، أما إن سألت عن دار علي عليه السلام ؛ فقد خَلّفَنَاها تنعى أهلها ، وإن سألت عن الحسين عليه السلام ؛ فهذا رأسه بين يدي يزيد ، وأما إن سألت عن العباس ، وعن بقية أولاد علي عليهم السلام ؛ فقد خلفناهم على الأرض مجزرين كالأضاحي بلا رؤوس ، وإن


سألت عن زين العابدين عليه السلام ، فها هو عليل نحيل لا يطيق النهوض من كثرة المرض والأسقام ، وإن سألت عن زينب ؛ فأنا زينب بنت علي ، وهذه أم كلثوم ، وهؤلاء بقية مخدرات فاطمة الزهراء ، فلما سمعت هند كلام زينب ؛ رَقّت وبكت ونادت : وا إماماه ، وا سيداه ، وا حسيناه ، ليتني كنت قبل هذا اليوم عمياء ولا أنظر بنات فاطمة الزهراء على هذه الحالة ، ثم تناولت حجراً وضربت به رأسها فسال الدم على وجهها ومقنعتها وغشي عليها ، فلما أفاقت من غشيتها أتت إليها الطاهرة زينب وقالت لها : يا هند ، قومي واذهبي إلى دارك ؛ لأنّي أخشى عليك من بعلك يزيد. فقالت هند : والله لا أذهب حتى أنوح على سيدي ومولاي أبي عبد الله ، وحتى أدخلك وسائر النساء الهاشميات معي في داري ، فقامت وحسرت رأسها ، وشققت الثياب ، وهتكت الستر وخرجت حافية إلى يزيد وهو في مجلس عام ، وقالت : يا يزيد ، أنت أمرت برأس الحسين عليه السلام يشال على الرمح عند باب الدار؟!

رأس ابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، مصلوب على فناء داري؟! وكان يزيد في ذلك الوقت جالساً وعلى رأسه تاج مكلل بالدّر والياقوت والجواهر النفيسة ، فلما رأى زوجته على تلك الحالة ؛ وثب إليها فغطاها ، وقال : نعم فأعولي يا هند وأبكي على ابن بنت رسول الله وصريخة قريش ، فقد عَجّلَ عليه ابن زياد لعنة الله عليه فقتله قتله الله ، فلما رأت هند أنّ يزيد غَطّاهَا ؛ قالت له : ويلك يا يزيد أخذتك الحمية عليّ ، فلم لا أخذتك الحمية على بنات فاطمة الزهراء ، هتكت ستورهن وأبديت وجوههن ، وأنزلتهن في دار خربة ، والله لا أدخل حرمك حتى أدخلهن معي؟!


وأمر يزيد بهن إلى منزله ، وأنزلهم في داره الخاصة ، فلما دخلت النسوة ؛ إستقبلتهن نساء آل أبي سفيان وقبلن أيدي بنات رسول الله وأرجلهن ، ونُحْنَ وبَكَيْنَ وقلن : واحسيناه ، وألقين ما عليهن من الثياب والحلي ، وأقمن المآتم ثلاثة أيام ، فما كان يزيد يتغذى ولا يتعشى إلا ويحضر علي بن الحسين عليهما السلام ، وقال يوماً لعلي بن الحسين : إن شئت أقمت عندنا ، فبررناك ، وإن شئت رددناك إلى المدينة. فقال عليه السلام : لا أريد إلا المدينة. فردّه إليها مع أهله»(٤٥١) .

رؤياها :

«ونقل عن هند زوجة يزيد قالت : كنت أخذت مضجعي فرأيت باباً من السماء وقد فتحت ، والملائكة ينزلون كتائب كتائب إلى رأس ال حسين ، وهم يقولون : السلام عليك يا أبا عبد الله ، السلام عليك يا ابن رسول الله ، فبينما أنا كذلك إذا نظرت إلى سحابة قد نزلت من السماء ، وفيها رجال كثيرون ، وفيهم رجل درّي اللون قمري الوجه ، فأقبل يسعى حتى إنكبّ على ثنايا الحسين يقبلهما وهو يقول : يا ولدي قتلوك ، أتراهم ما عرفوك ، ومن شرب الماء منعوك ، يا ولدي أنا جَدّك رسول الله ، وهذا أبوك علي المرتضى ، وهذا أخوك الحسن ، وهذا عمك جعفر ، وهذا عقيل ، وهذان حمزة والعباس ، ثم جعل يعدد أهل بيته واحداً بعد واحد. قالت هند : فانتبهت من نومي فزعة مرعوبة ، وإذا بنور قد إنتشر على رأس الحسين ، فجعلت أطلب يزيد ، وهو قد دخل إلى بيت مظلم ، وقد دار وجهه إلى الحائط وهو يقول : ما لي وللحسين؟ وقد وقعت عليها الهمومات ، فقصت عليه المنام وهو منكّس الرأس»(٤٥٢) .

__________________

(٤٥١) ـ الحائري ، الشيخ محمد مهدي : معالي السبطين ، ج ٢ / ١٧٣ ـ ١٧٥.

(٤٥٢) ـ المجلسي ، الشيخ محمد باقر : بحار الأنوار ، ج ٤٥ / ١٩٦.


٢ ـ جارية يزيد :

ذكر الدربندي في كتابه (أسرار الشهادات) رؤيا جارية يزيد كالتالي :

«قال سهل : وخرجت جارية من قصر يزيد (لع) فرأته ينكث ثنايا الإمام عليه السلام ، فقالت : قطع الله يديك ورجليك ، أتنكث ثنايا طالما قَبّلَها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟

إنّي كنت بين النائمة واليقظانة ، إذ نظرت إلى باب السماء قد فتح ، وإذا أنا بسلّم من نور قد نزل من السماء إلى الأرض ، وإذا بغلامين أمر دين عليهما ثياب خضر ، وهما ينزلان على ذلك السِلّم ، وقد بسط لهما في ذلك الحال بسطاً من زبرجد الجنّة ، وقد أخذ نور ذلك البساط من المشرق إلى المغرب ، وإذا برجل رفيع القامة مدور الهامة قد أقبل يسعى ، حتى جلس في وسط ذلك البساط ونادى : يا آدم اهبط ، فهبط رجل درِّيّ اللون طويل ، ثم نادى : يا أبي سَام إهبط ، فهبط ، ثم نادى : يا إبراهيم يا أبي إهبط ، فهبط ، ثم نادى : يا أبي إسماعيل ، إهبط ؛ فهبط ، ثم نادى يا أخي موسى إهبط ، فهبط ، ثم نادى : يا أخي عيسى فاهبط ؛ فهبط ثم رأيت إمرأة واقفة ؛ وقد نشرت شعرها وهي تنادي : يا أمّي حَوّا إهبطي ، يا أمّي خديجة إهبطي ، يا أمّي هاجر إهبطي ، ويا أختي سارة إهبطي ، ويا أختي مريم إهبطي. وإذا هاتف من الجو يقول : هذه فاطمة الزهراء ، ابنة محمد المصطفى ، زوجة علي المرتضى ، أم سيد الشهداء المقبور بكربلاء ، ثم إنّها نادت : يا أبتاه ، ألا ترى ما صنعت أمتك بولدك الحسين؟ فبكى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال : يا أبي آدم ، ألا ترى إلى ما فعلت الطغاة بولدي؟ فبكى آدم وبكى كل من كان حاضراً ، حتى بكت الملائكة لبكائهم. ثم رأت رجالاً كثيراً حول الرأس الشريف وقائلاً يقول : خذوا


صاحب الدار واحرقوه بانلار ، فخرجت أنت يا يزيد من الدار وانت تقول : النار النار ، أين المفَرّ من النار. فأمر يزيد بضرب عنقها»(٤٥٣) . وفي رواية أخرى : (.. وكان لها جارية ـ أي زوجة يزيد أم حبيب ـ ، كانت نائمة فانتبهت من نومها ، ولطمت وجهها ومَزّقَت ما كان عليها من الثياب الفاخرة وقالت : شاهت وجوهكم وتعست جدودكم يا أولاد الشجرة الملعونة في القرآن ، ونسل الرجس والطغيان ، يا آل أبي سفيان ، المتهمين في أنسابكم ، المعروفين بقبائح أحسابكم ، حيث لم يصحّ إسلامكم ، ولم يثبت عند الله إيمانكم ، ويلكم هؤلاء أولاد اليعسوب الزكي ، والبر التقي أمير المؤمنين ، ثم أنشأت تقول :

وجوه نورها يزهو

كنور البدر والشمسِ

رسول الله والطهر

خيار الجن والانس

حسين السبط مقتول

بسيف الفاسق الرّجس

قال الشعبي : ثم خرجت إلى يزيد (لع) ، وهي منشورة الشعر فقالت : ويلك يا يزيد ، كُفّ عن ولد فاطمة الزهراء عليها السلام ، فإنّي كنت الساعة نائمة فرأيت في منامي كأن أبواب السماء قد فتحت ، ورأيت أربعة من الملائكة قد أحاطوا بقصرك وهم يقولون : إحرقوا هذه الدار ، فقد سخط على أهلها الملك الجبار. قال سهل : وكانت هذه المرأة زوجة ليزيد (لع) فقال لها : ويلك وترثين لأولاد فاطمة الزهراء ، والله لأقتلنك شَرّ قتلة. قالت له : وما ينجني من القتل؟ قال : تقومين على قدميك وتسبين علي ابن ابي طالب وعترته ؛ فإنّك تنجين

__________________

(٤٥٣) ـ الدربندي ، الشيخ آغا بن عابد الشيرواني : إكسير العبادات في أسرار الشهادات ، ج ٣ / ٦٥٣ ـ ٦٥٤.


من القتل. قالت : نعم أفعل ذلك إذا أنت من يسمع مقالي ، فأمر باحضار الناس ، فلما إجتمعوا ؛ قامت قائمة على قدميها وقالت : يا معشر من حضر ، إنّ هذا يزيد بن معاوية قد أمرني أن أسب علي بن أبي طالب وعترته ، فانصتوا لما أقول : ألا أنّه لعنة الله ، ولعنة اللاعنين ، والملائكة والناس أجمعين على يزيد وأبيه وجده أبي سفيان ، وحزبه وأتباعه إلى يوم الدين. قال : فلما سمع الناس كلامها ؛ غضب يزيد (لع) غضباَ شديداً ، وقال : من يكفيني أمرها؟ فقام إليها رجل من أهل الشام ، فضربها ضربة جَدّلها صريعة ، فإنتقلت إلى رحمة الله تعالى»(٤٥٤) .

أقول : لَعَلّ القارئ النبيل ، يلاحظ إختلافاً بين الروايتين ، فقد يكون ذلك راجعاً إلى أنّ هذه المرأة التي في الرواية السابقة ، فعلى هذا تكون إمرأتان لا إمرأة واحدة.

٣ ـ زوجة شمر (لع) :

ذكر الشيخ محمد مهدي الحائري في كتابه «معالي السبطين» : «وفي كتاب «التبر المذاب» : أنّ حامل الرأس الشريف إلى الكوفة ، شمر بن ذي الجوشن. وفيه لما حمل الشمر رأس ال حسين عليه السلام ؛ جعله في مخلاة وذهب به إلى منزله فوضعه على التراب وجعل عليه إجانة ، فخرجت إمرأته ليلاً ـ وكانت صالحة ـ فرأت نوراً ساطعاً عند الرأس إلى عنان السماء ، فجاءت إلى الإجانة فسمعت أنيناً من تحتها ، فجاءت إلى شمر (لع) وقالت : رأيت كذا وكذا ، فأي شيء تحت الإجانة؟ قال لعنه الله : رأس خارجي قتلته وأريد أذهب به إلى يزيد (لع) ليعطيني عليه مالاً كثيراً. قالت : ومن يكون؟ قال (لع) : الحسين بن علي.

__________________

(٤٥٤) ـ الدربندي ، الشيخ آغا بن عابد الشيرواني : أسرار الشهادات ، ج ٣ / ٦٤١ ـ ٦٤٢.


فصاحت وخَرّت مغشية فلما أفاقت قالت : يا شَرّ المجوس ، أما خفت من إله الأرض والسماء ، قتلت ابن بنت رسول الله ، وابن علي المرتضى ، ثم خرجت من عنده باكية ورفعت الرأس وقبلته ووضعته في حجرها ، ودعت نساء يساعدنها بالبكاء عليه وقالت : لعن الله قاتلك. فلما جَنّ الليل غلبها النوم ، فرأت كأنّ الحائط قد إنشق بنصفين ، وكأنّ البيت قد غشيه نور ، وجاءت سحابة فإذا فيها إمرأتان فأخذتا الرأس ، فسألت عنهما فقيل : إنّهما خديجة وفاطمة عليهما السلام. ثم رأت رجالاً وفي وسطهم إنسان وجهه كالقمر ليلة تمامه وكماله ، فسألت عنه. فقيل : محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وعن يمينه حمزة وجعفر وأصحابه ، فبكوا وقَبّلُوا الرأس ، ثم جاءت خديجة وفاطمة عليها السلام إلى إمرأة شمر (لع) ، وقالتا : تمني ما شئت فإنّ لك مِنّة ويداً بما فعلت ، فإن أردت أن تكوني من رفقائنا في الچنّة ؛ فأصلحي أمرك فإنّا منتظروك ، فإنتبهت من النوم ورأس الحسين عليه السلام في حجرها ، فجاء شمر (لع) لطلب الرأس فلم تدفعه إليه ، وقالت له : يا عدو الله طَلّقْنِي فإنّك يهودي ، والله لا أكون معك أبداً فطلقها ، فقالت : والله لا أدفع إليك هذا الرأس ، أو تقتلني. فضربها ضربة كانت منيتها فيها ، وعَجّل الله بروحها إلى الجنة» (٤٥٥).

٤ ـ زوجة خَوْلِي الأصبحي (النّوَار بنت مالك) :

«روي : أنّ عبيد الله بن زياد (لع) ، بعدما عرض عليه رأس ال حسين عليه السلام دعا بخولي بن يزيد الأصبحي (لع) وقال له : خذ هذا الرأس حتى أسألك عنه فقال : سمعاً وطاعة فأخذ الرأس وإنطلق به إلى منزله ، وكان له إمرأتان : إحداهما ثَعْلَبِيّة ، والأخرى مَضَرِيّة ، فدخل على المضرية فقالت : ما هذا؟

__________________

(٤٥٥) ـ الحائري ، الشيخ محمد مهدي : معالي السبطين ، ج ٢ / ٩٣ ـ ٩٤.


فقال : هذا رأس الحسين بن علي عليهما السلام ، وفيه ملك الدنيا. فقالت له : إبشر فإنّ خصمك غداً جده محمد المصطفى ؛ ثم قالت : والله لا كنت لي ببعل ، ولا أنا لك بأهل ، ثم أخذت عموداً من حديد وأوجعت به دماغه ، فانصرف من عندها وأتى به إلى الثعلبية ؛ فقالت : ما هذا الرأس الذي معك؟ قال : رأس خارجي خرج على عبيد الله بن زياد. فقالت : وما إسمه؟ فأبى أن يخبرها ما إسمه ، ثم تركه على التراب وجعل عليه إجانة ، قال : فخرجت إمرأته في الليل فرأت نوراً ساطعاً من الرأس إلى عنان السماء ، فجاءت إلى الإجانة فسمعت أنيناً وهو يقرأ إلى طلوع الفجر ، وكان آخر ما قرأ( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) [ابراهيم / ٤٢] ، وسمعت حول الرأس دوي كدوي الرعد ، فعلمت أنّه تسبيح الملائكة ، فجاءت إلى بعلها وقالت : رأيت كذا وكذا ، فأي شيء تحت الإجانة؟ فقال : رأس خارجي قتله الأمير عبيد الله بن زياد ، وأريد أذهب إلى يزيد بن معاوية ليعطيني عليه مالاً كثيراً قالت : ومن هو؟ قال الحسين بن علي. فصاحت وخَرّت مغشية عليها ، فلما أفاقت قالت : يا ويلك يا شَرّ المجوس ، لقد آذيت محمداً في عترته ، أما خفت من إله الأرض والسماء حيث تطلب الجائزة على رأس ابن سيدة نساء العالمين ، ثم خرجت من عنده باكية ، فلما قام رفعت الرأس ابن سيدة نساء العالمين ، ثم خرجت من عنده باكية ، فلما قام رفعت الرأس وقبلته ووضعته في حجرها ، وجعلت تقبله وتقول : لعن الله قاتلك وخصمه جدك المصطفى ، فلما جَنّ الليل ؛ غلب عليها الليل فرأت كأنّ البيت قد إنشق بنصفين وغشيه نور ، فجاءت سحابة بيضاء فخرج منها إمرأتان فأخذتا الرأس من حجرها وبكتا ، قالت : فقلت لهما : بالله من أنتما؟ قالت إحداهما : أنا خديجة بنت خويلد ، وهذه إبنتي فاطمة


الزهراء ، ولقد شكرناك وشكر الله لك عملك ، وأنت رفيقتنا في درجة القدس في الجنة. قال : فانتبهت من النوم والرأس في حجرها ، فلما أصبح الصبح ، جاء بعلها لأخذ الرأس ، فلم تدفعه إليه وقالت : ويلك طَلّقْنِي فوالله لا جمعني وإياك بيتاً. فقال : إدفعي لي الرأس وإفعلي ما شئت. فقلت : لا والله لا أدفعه إليك ، فقتلها وأخذ الرأس ، فَعَجّل الله بروحها إلى الجنة بجوار سيدة النساء»(٤٥٦) .

٥ ـ رأس الجَالُوت :

ذكر الشيخ محمد باقر المجلسي (قده) في كتابه (بحار الأنوار) قصة رأس الجالوت كالتالي :

«وروي عن زين العابدين عليه السلام : أنّه لما أتي برأس الحسين إلى يزيد ، كان يتخذ مجالس الشراب ، فحضر في مجلسه ذات يوم رسول ملك الروم ، وكان من أشراف الروم ، فقال : يا ملك العرب هذا رأس من؟ فقال له يزيد : مالك ولهذا الرأس؟ فقال :إنّي إذا رجعت إلى ملكنا يسألني عن كل شيء رأيته ، فأحببت أن أخبره بقصة هذا الرأس وصاحبه حتى يشاركك في الفرح والسرور.

فقال له يزيد : هذا رأس الحسين بن علي بن أبي طالب. فقال الرومي : ومن أمه؟ فقال : فاطمة بنت رسول الله. فقال النصراني : أُفٍ لك ولدينك لي دين أحسن من دينك ، إنّ أبي من حوافد داود عليه السلام ، وبيني وبينه آباء كثيرة ، والنصارى يعظموني ويأخذون من تراب قدمي تبركاً بأبي من حوافد داود ، وأنتم تقتلون ابن بنت رسول الله ، وما بينه وبين نبيكم إلا أمّ واحدة؟ فأي دين دينكك؟١

__________________

(٤٥٦) ـ البحراني ، السيد هاشم : مدينة المعاجز ، ج ٢ / ٣٥٩ ـ ٣٦٠.


ثم قال ليزيد : هل سمعت حديث كنيسة الحافر؟ فقال له : قل حتى أسمع. فقال : بين عُمَان والصين بحر مسيرة سنة ، ليس فيها عمران إلا بلدة واحدة في وسط الماء ، طولها ثمانون فرسخاً في ثمانين ، ما على وجه الأرض بلدة أكبر منها ، ومنها يحمل الكافور والياقوت ، أشجارهم العود والعنبر ، وهي في أيدي النصارى ، لا ملك لأحد من الملوك فيها سواهم ، وفي تلك البلدة كنائس كثيرة أعظمها كنيسة الحافر في مرحباها حقّة ذهب معلقة ، فيها حافر يقولون إنّ هذا حافر حمار كان يركبه عيسى وقد زَيّنوا حول الحُقّة بالذهب والدِّيباج ، يقصدها في كل عام عالم من النصارى ، ويطوفون حولها ويقبلونها ويرفعون حوائجهم إلى الله تعالى ، هذا شأنهم ودأبهم بحافر حمار يزعمون أنّه حافر حمار يركبه عيسى نبيهم ، وأنتم تقتلون ابن بنت نبيكم؟ فلا بارك الله تعالى فيكم ولا في دينكم. فقال يزيد : إقتلوا هذا النصراني لئلا يفضحني في بلاده ، فلما أحس النصراني بذلك قال له : تريد أن تقتلني؟ قال : نعم. قال : اعلم أنّي رأيت البارحة نبيكم في المنام يقول لي : يا نصراني أنت من أهل الجنة. فتعجبت من كلامه! وأنا أشهد أن لا إله إلا الله ، وأنّ محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم وثب إلى رأس الحسين فضّمّه إلى صدره ، وجعل يقبله ويبكي حتى قتل»(٤٥٧)

٦ ـ الخَلِيعِي الموصلي :

أبو الحسن ، جمال الدين ، علي بن عبد العزيز الخليعي الحائري الحلي ، الشاعر الأديب المعروف ، المتوفى سنة (٧٥٠ هـ) في الحِلّة. ولد من أبوين ناصبيين.

__________________

(٤٥٧) ـ المجلسي ، الشيخ محمد باقر : بحار الأنوار ، ج ٤٥ / ١٤١ ـ ١٤٢.


قصة تشيعه :

والقصة كما ذكرها العلماء والمؤرخون ، تتلخص فيما يلي :

إنّ والديه ناصبيين ، ولم يكن لهما ولد ذكر ، فنذرت أمه إن ولد لها ذكر تبعثه لقطع الطريق السابلة من زوّار الإمام الحسين بن علي عليهما السلام ، من أهل جبل عامل الذين يعبرون الموصل ، فولد لها المترجم ، فلما بلغ أشدّه إبتعثته إلى جهة نذرها ، فلما بلغ إلى نواحي (المسَيّب) بمقربة من كربلاء المشَرّفة ، ينتظر قدوم الزائرين فإستولى عليه النوم ، وإجتازت عليه القوافل ، فأصابه الغبار ، فرأى فيما يراه النائم أنّ القيامة قد قامت وأمر به إلى النار ولكنها لم تمسه ، لما عليه من ذلك الغبار ، فانتبه مرتدعاً عن نيته السيئة ، وإعتنق ولاء العترة ، ذهب إلى كربلاء خلف الزائرين يعتذر من سيد الشهداء ، ونظم هذين البيتين :

إذا شئت النجاة فزر حسيناً

لكي تلقى الإله قرير عين

فإنّ النار ليس تمس جسماً

عليه غبار زوار الحسين

وقد إعتنى الشعراء بهذين البيتين تخميساً لهما ، نذكر منهم ما يلي :

١ ـ الشاعر المبدع الحاج مهدي الفلوجي الحلي ، المتوفى سنة (١٣٥٧ هـ) :

أراك بحيرة ملأئكَ رَيْنا

وشَتّتك الهوى بيناً فبينا

فطب نفساً وقر بالله عيناً

(إذا شئت النجاة فزر حسينا

لكي تلقى الإله قرير عين)

إذا علم الملائكُ منك عزماً

تروم مزارهَ كتبوك رسماً

وحُرِّمتِ الجحيمُ عليك حتماً

(فإنّ النار ليس تمس جسماً

عليه غبار زوّار الحسين)(٤٥٨)

__________________

(٤٥٨) ـ الأميني ، الشيخ عبد الحسين : الغدير ، ج ٦ / ١٢ ـ ١٣.


٣ ـ الخطيب الملا عبد العزيز الناصر السّيَهاتِي القطيفي ، المتوفى في ٣٠ / ٧ / ١٤٠٦ هـ.

تَمسّك بالحسين تكن أمينا

ولِذْ بالقبّة النورا حزينا

وكنْ بالحزن مشتغلاً رهينا

(إذا شئت النجاة فزر حسينا

غداً تلقى الإله قرير عين)

إذا جاب(٤٥٩) الزمان عليك هماً

فزر من قد حوى شرفاً وعلماً

بهذا أوعد الرحمن حتماً

(بأنّ النار ليس تمس جسماً

عليه غبار زوار الحسين)(٤٦٠)

٣ ـ وشَطّر هذين البيتين آية الله الشيخ علي الجشي ال قطيفي(٤٦١) .

(إذا شئت النجاة فزر حسيناً)

ففيه نجاو مَنْ في العالمين

وأحسن في حبيب الله ظناً

لكي تلقى الإله قرير عين

(فإنّ النار ليس تَمسُّ جسماً

غذاه حب سرّ النشأتين

بل الأنوار تطفي النار عن مَن

(عليه غبار زوّار الحسين)(٤٦٢)

__________________

(٤٥٩) ـ وعلى رواية أخرى : (إذا جلب الزمان عليك هَمّاً).

(٤٦٠) ـ نقلت هذه الأبيات عن الفاضل الشيخ منصور السلمان الجشي ، والخطيب الملا عارف سنبل.

(٤٦١) ـ العلامة الفقيه الورع آية الله الشيخ علي بن حسن الجشي القطيفي ، ولد به ليلة ١٧ / ٩ / ١٢٩٦ هـ حصل على إجازة الإجتهاد من فقيه عصره السيد محسن الحكيم (قده) عام ١٣٥٩ هـ ، ورجع من النجف الأشرف عام ١٣٦٧ هـ. ـ إلى القطيف ، وتولى منصب القضاء للمحكمة الشرعية الجعفرية بالقطيف ، ، إلى أن وافاه الأجل في آخر نهار يوم الثلاثاء ١٥ / ٤ / ١٣٧٦ هـ. ودفن بمقبرة الحَبّاكة.

(٤٦٢) ـ الجشي ، الشيخ علي : الشواهد المنبرية / ٥٣ ـ ٥٤.


بحث حول هذه القصّة :

إستشكل بعض المفكرين في هذه القصة بقوله : «وعلى أساس مثل هذه الأرضية ، قامت الأساطير والخرافات ، وصارت تروى الحكايات الخرافية ، فقيل ـ مثلاً ـ : إنّ رجلاً من قُطّاع الطرق المعروفين ، والمشتهرين بالسرقة والنصب والإحتيال وقتل المؤمنين ، والإغارة على أموال الناس ، صادف أن كمن يوماً لقافلة من المؤمنين ، ممن كانوا يقصدون زيارة الحسين ، وأخذته الغفوة ، فمَرّت من جانبه دون أن ينتبه ، ولما أفاق كانت قد إبتعدت عنه القافلة كثيراً ، وإذا به يُحدِّث أنّه رأى في المنام : أنّ يوم القيامة قد حان ، وإنّه لما أخذ بيده إلى النار نتيجة الأعمال الكبيرة التي إرتكبها طوال حياته ، وليأخذ جزاءه المنصوص عليه في القرآن الكريم :( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم ) [المائدة / ٣٣]. رفضت النار إستقباله ، وجاء الأمر بارجاعه ؛ ذلك أنّه قد أصابه من غبار الحسين شيء ، وهو من تلك الغفوة!! وهكذا نظموا :

فإن شئت النجاة فزر حسيناً

لكي تلقى الإله قرير عين

فإنّ النار ليس تَمسُّ جسماً

عليه غبار زوّار الحسين

وإذا كان غبار زوار الحسين كافياً لأن ينجي القاتل ، والمجرم من عذاب يوم الآخرة ، وينقذه من نار جهنم ، فما بالك بجزاء زوار الحسين أنفسهم! حتماً سيكونون أرفع مقاماً من إبراهيم الخليل!»(٤٦٣) .

__________________

(٤٦٣) ـ المطهري ، الشيخ مرتضى : الملحمة الحسينية ، ج ٣ / ٢٤١ ـ ٢٤٢.


مناقشة هذا النصّ :

يمكن التركيز في هذا النصّ المذكور على شيئين :

الأول ـ صحيح أنّ القُصّاص لعبوا دوراً كبيراً في نسخ القصص الخيالية والخرافية ، وذلك لنشر أفكارهم ومعتقداهم ، وإنّ القصة المذكورة مُحرّفة عن حقيقتها ؛ إذ جاءت على ألسن عامة الناس ، وهذا الشيء موجودا حتى في عالم الروايات ، ولكنّ المناقشة تتم في دعوى أنّها خرافية ، إعتماداً على نقل عامة الناس ، من دون مراجعة المصادر ، هذه مجازفة لا قيمة لها من الناحية التاريخية والعلمية ، لكن البحث العلمي الذي تطمئن إليه النفوس ، هو ما يلي :

أولاً ـ إنّ القصة الخيالية الخرافية لا واقع لها ، بل المصدر ال أساسي هو القُصّاص ، ومع هذا لا تخفى على العلماء وذوي الإختصاص! ولو سَلّمْنَا جدلاً أنّ القصة التي ذكرناها من هذا النوع من القصص الخرافية ، فهل هذا يخفى على الأعلام الذين ذكروا هذه القصة ، نذكر مهم التالي :

١ ـ القاضي الشيخ نور الله المرعشي (٩٥٦ هـ ـ ١٠١٩ هـ) ، في كتابه (مجالس المؤمنين ـ ج ٢ / ٥٥٥).

٢ ـ السيد حسن الحسيني الزنوزي الخوئي (١١٧٢ هـ ـ ..........) في كتابه (رياض الجنة).

٣ ـ الشيخ عبد الحسين الأميني (١٣٢٠ هأ ـ ١٣٩٠ هـ) في كتابه (الغدير ، ج ٦ / ١٢).


٤ ـ الميرزا حسين النوري (١٢٥٤ هـ ـ ١٣٣٠ هـ) في كتابه (دار السلام ، ج ٢ / ١٤٩ ـ ١٥٠).

٥ ـ الشيخ محمد حرز الدين (١٢٧٣ هـ ـ ١٣٦٥ هـ) ، في كتابه (مراقد المعارف ، ج ١ / ٢٨١).

٦ ـ الشيخ عباس القمي (١٢٩٤ هـ ـ ١٣٥٩ هـ) في كتابه (الكنى والألقاب ، ج ٢ / ٢١٩).

هذه بعض المصادر التي ذكرت القصة المذكورة ، بل إنّ صاحب القصة له وجود ، وقد ترجموه واهتموا بشعره ، ومما قالوه فيه ما يلي :

(أبو الحسن ، جمال الدين ، علي بن عبد العزيز بن أبي محمد ، الخَلَعِي (الخليعي) ، الموصلي الحِلِّي ، شاعر أهل البيت عليهم السلام ، نظم فيهم فأكثر ، وسمي بـ(الخلعي أو الخليعي) لما يلي :

١ ـ لما دخل الحرم الحسيني المقدّس أنشأ قصيدة في الحسين عليه السلام وتلاها عليه ، وفي أثنائها وقع عليه ستار من الباب الشريف ، وسمي بالخلعي أو الخليعي)(٤٦٤) .

٢ ـ جرت بينه وبين ابن حَمّاد الشاعر المعروف(٤٦٥) ، وحسب كل أنّ مديحه لأمير المؤمنين عليه السلام أحسن من مديح الآخر ، فنظم كل قصيدة وألقياها في الضريح العلوي المقدس محكمين الإمام عليه السلام ، فخرجت قصيدة الخليعي مكتوباً عليها بماء الذهب أحسنت. وعلى قصيدة ابن حَمّاد بماء الفضة ، فتأثر ابن حَمّاد وخاطب أمير المؤمنين عليه السلام بقوله : أنا محبك القديم ، وهذا حديث

__________________

(٤٦٤) ـ الأميني ، الشيخ عبد الحسين : الغدير ، ج ٦ / ١٣.

(٤٦٥) ـ علي بن الحسين ، بن حَمّاد الليثي الواسطي ، أحد شعراء أهل البيت المعروفين ، وعلم من أعلام الشيعة.


العهد بولائك. ثم رأى أمير المؤمنين عليه السلام في المنام وهو يقول له : إنّك مِنّا ، وإنّه حديث عهد بأمرنا فمن اللازم رعايته)(٤٦٦) .

سكن الحائر الحسيني ردحاً من الزمن ، وسكن الحِلّة إلى أن مات بها ، في حدود سنة (٧٥٠ هـ) ، ودفن بها وله هناك قبر معروف.

إذاً ، بعد كل ذلك ثبت لدينا أنّ القصة المذكورة لها مصدر ، وأنّ صاحبها له وجود في كتب التراجم ، فأين الخرافة والتحريف؟! وهل يخفى ذلك على هؤلاء العلماء المحققين؟!

الثاني ـ إنّ قوله : «وإذا كان غبار الحسين كافياً لا ينجي القاتل ، والمجرم من عذاب يوم الآخرة ، وينقذه من نار جهنم ، فما بالك بجزاء زوار الحسين أنفسهم!. حتماً سيكونون أرفع مقاماً من إبراهيم الخليل!».

والجواب على هذه الدعوى بما يلي :

أولاً ـ أنّ الخليعي منذ بداية شبابه أرسلته أمه لتفي بنذرها لقطع الطريق على زوار الحسين عليه السلام ، فلما وصل إلى المكان الذي يمرّ عليه الزوار ، نام ورأى الرؤيا ، فارتدع عن هذا العمل ـ وهي من الرؤيا المحذِّرة من الشيطان ، كما ذكرناها سابقاً في أقسام الرؤى ـ ولم تذكر القصة أنّه قتل المؤمنين.

ثانياً ـ إنّ زيارة الأئمة تعبيراً عن جليل مكانتهم ، وسيراً على منهجهم ، وتأكيداً على ولائهم ، وإحياءاً لذكرهم ، كما أنّ الزيارة في حقيتها وسيلة من وسائل التقرب إلى الله عَزّ وجَلّ ، فلا شك أنّ للزائرين جزيل الثواب كما ورد في الروايات ، فيقرب على ذلك أنّ التراب الذي يمشي

__________________

(٤٦٦) ـ المصدر السابق.


عليه الزُوّار ، له قيمته القُدْسِيّة ، ويكون من قبيل الجنة تحت أقدام الأمهات ، والجنّة تحت ظلال السيوف ، فكل شيء له إرتباط بعمل عبادي له قدسيته ، فالمستفاد من القصة أنّ الرؤيا تحذره من التعرض لزوار الحسين عليه السلام ، فإنّ لهم مكانة عند الله عَزّ وجَلّ ؛ فلذا ترابهم وغبارهم ينجي من النار ، كرامة لسيد الشهداء ومكانتة عند الباري عَزّ وجَلّ ، وهذا ما نراه مسطوراً في حياة الأعلام ، فإنّهم يُقَدّسُون كل من له إرتباط بسيد الشهداء ، نذكر من ذلك ما يلي :

١ ـ إستشفاء الفقيه الكبير المرحوم السيد حسين البروجردي بالتراب الموجود على أجسام المعزين.

٢ ـ إنّ من وصايا الفقيه الراحل سيد شهاب الدين المرعشي : «إني أوصيت أولادي ، وعليك أنّ تذكرهم في ليلة وفاتي ، أن يضعوني في الحسينية بجوار المنبر ، ويشدّون طرفاً من عمامتي بالمنبر ، والطرف الآخر بجنازتي ، لأكون دخيلاً على سيد الشهداء (عليه السلام) ، في ليلتي الأولى من وفاتي ، وفعلاً ذكرت بذلك للأولاد بعد رحلته ، وعملوا بوصيته ، جزاهم الله خيراً»(٤٦٧) .

«وأوصيه أن يدفن معي ثوبي الأسود الذي كنت ألبسه في شهر محرم وصفر ، حزناً في مصائب آل النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأوصيه أن يجعل على صدري في كفني المنديل الذي نشفت دمعاتي في رثاء جدي الحسين المظلوم ، وأهل بيته المكرمين ، سلام الله عليهم أجمعين»(٤٦٨) .

__________________

(٤٦٧) ـ العلوي ، السيد عادل : قبسات من حياة سيدنا الأستاذ المرعشي / ١١٨ ـ ١١٩.

(٤٦٨) ـ نفس المصدر.


٧ ـ الرجل النصراني :

ذكر الفقيه الشيخ الدربندي (قده) : «عن الشيخ الأجل الشيخ جواد ، عن أبيه الفاضل الأتقى الأورع الشيخ حسين أنّه قال : كان في زماننا رجل نصراني في البصرة ، وكان ذا أموال كثيرة وثروة وفبرة ، وكان في كثرة أمواله بمرتبة لا يحاذيه فيها أحد ، لا من تجار البصرة ولا من تجار بغداد ، فجمع أمواله وكل ما كان له من الأشياء النفيسة وغيرها فوضعها في سفينة وركبها مع من كان معه من خدامه وغلمانه ، وأراد المجيء إلى بغداد فلما جرت السفينة في الشط مدة ثلاثة أيام أو أزيد ؛ خرجت من جانب البر جماعة من اللصوص وقطاع الطرق من أشار الأعراب ، وأخذوا السفنية ونهبوا ما فيها من الأموال ، وقتلوا جمعاً من أهل السفينة ، ونجى الله تعالى ذلك التاجر النصراني من القتل ، إلا أنّه كان بما اُصيب به مسلوب الفؤاد ، ومنزوع العقل ، وواقعاً على وجهه في ناحية ، فلما جَنّ الليل مَرّ به واحد من أهل الحي الساكنين في قرب من ذلك الموضع ، فحرّكه من ذلك المكان ورفعه إلى الحي ، وأنزله في مضيف شيخ تلك القبيلة ، فلما إطلعوا على حاله وما جرى عليه تَرَحّمُوا عليه ، فكان الشيخ يكرمه ويُعزِّيه ويُصَبّره ، حتى بعد الإطلاع على كونه نصرانياً ، وذلك بالنظر إلى ما تقتضيه الغيرة والحمية ، وبملاحظة قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (اكرموا الضيف ولو كان كافراً) ، فكان النصراني يُصبر نفسه ويُعزيها بالإئتلاف والإستيناس بذلك الشليخ وجماعة من رجال الحي ونساء القبيلة أن يروحوا إلى النجف الأشرف للتشرف بزيارة أمير المؤمنين عليه السلام ، فكان رواحهم إلى النجف على نمط المشاة والحفاة ، وقد جرت عادة أهل القبائل على ذلك ، أي على


مسافرتهم إلى زيارة العتبات العاليات في أوقات الوقفات والزيارات المخصوصة على حالة كونهم مُشّاة حُفَاة ، والركبان منهم في سفر الزيارات في غاية القلة بالنسبة الى المشاة والحفاة ، وذلك أنّ أفواجهم في سفر الزيارات في غاية الكثرة وإن أكثرهم فاقدوا الإستطاعة للركوب على الخيول أو البغال أو الحمير ، وكيف كان ، فإنّ ذلك الرجل النصراني لما إطلع على ما أراد الشيخ وجماعة من أهل القبيلة ، هاجت أحزانه وتحركت غمومه وزادت همومه : قال الشيخ لا تحزن فإنّك في المضيف ، والباقون منا في الحي أكثر من المسافرين للزيارة.

قال النصراني : كنت مستأنساً بك ، ومزيلاً أحزاني بمصاحبتك ، وأخشى أن أهلك بعد فراقك من هيجان أحزاني ومراجعة همومي وغمومي ، فإن كنت تترحم عليّ فارض بمصاحبتي معك في هذا السفر.

قال الشيخ : لا وجه لسفرك معنا ، فإنّ الطريق بعيد ونحن مشاة حفاة ، فترضى بما نتحمله من التعب والنصب وإرتكاب الشدائد لأجل ما نرجوا من مثوبات جزيلة ودرجات عظيمة في الآخرة ، وأنت رجل نصراني غير معتقد بما نحن عليه ، فلما ألَحّ النصراني في ال سؤال ؛ رضي الشيخ بما يريد ، ثم ساروا إلى النجف الأشرف ـ زاد الله تعالى شرافته ـ فلما وصلوا إلى تلك البقعة المباركة ، أسكنوا الرجل النصراني في بيت من البيوت ومنعوه عن الدخول في الصحن الشريف ، فلما زاروا الإمام عليه السلام في يوم الغدير ، بقوا بعده مدة من الأيام في ذلك البلد الأمين ، قَسّم الشيخ أهل القبيلة قسمين ، فقال النصراني للشيخ : أنا لا أفارقك وأكون معك حيث ما كنت ، ثم عرضت لهم جملة من العوائق فلم يصلوا إلى كربلاء. إلا قبيل غروب الشمس في التاسع من المحرم أو بعد دخول ليلة العاشورا.


فقال الشيخ للنصراني : قد قضت الضرورة والحاجة بأن تدخل الصحن وتجلس عند المسرجة الكبرى المسماة بالفارسية (بچهل چراغ) لتحرس ما نضع في ذلك المكان من أوعية زادنا ونفقتنا ورماحنا وعصينا ، وجملة أخرى من الحلس والعباء واللباس ونحو ذلك. فإنا لا ننام في هذه الليلة أصلاً بل نكون مع الطائفين والصارخين والضاربين رؤسهم الداقين صدورهم في الحرم الشريف ، وفي حرم العباس ، وفي الصحنين الشريفين.

فجلس النصراني عند هذه الأشياء الموضوعة قدام المسرجة الكبرى ، فلما شاهد النصراني بعد مضي ساعة من الليل ما حضر وحصل في الصحن الشريف ، زعم أنّ القيامة قد قامت ، ونفخ بالصور حيث رفعت من كربلاء مرة واحدة صيحة واحدة وضجة عالية تذهل بها العقول وتدهش بها الألباب ، فكأنّ أرض كربلاء وما فيها من الأبنية والدور ، والقلعة والسور والجدران والحيطان والفضاء والهواء تضج وتبكي ، فكم من مشاعل نصبت فيها ، وكم من أفواج من رجال العجم من الشيوخ والشبان والكهول والصبيان في مقدمهم شبيه جواد الإمام عليه السلام ملطخاً بالدماء ، مشبهاً من كثرة النبال الواقعة به بالقنفذ أو الطير الفتاح الجناح وهم مكثفوا الرؤوس ، يدقون رؤوسهم ويضربون صدورهم بالأكف والأيادي ، ويصيحون صيحة الثكلى ، وكم من أناس بينهم أشباه الأسارى والسبايا النادبات الصارخات ، وهم يحثون التراب والرماد على الرؤوس ، ويأنّون أنّه من قطعت أعضاؤه إربا إربا ، ويقولون : وا إماما وا قتيلا وا حسينا وا شهيدا.

وكم من معشر من أهل بلاد الهند والبربر ينوحون وينحبون نوحه فيها ذوبان شحوم الأمعاء والحوايا ، وكم من جمع عراة حفاة منهم يضربون


رؤوسهم وصدورهم ومناكبهم بساسل من الحديد ، وكم نساء من العرب قد حلقن حلقة الإستدارة ، فيصرخن ويندبن ندبة الثكلى على السبايا ، فكان الناس على ذلك المنوال حتى مضى ثلثا الليل بل أزيد ، فشرع الناس إلى التضرح وبادروا إلى الرجوع إلى منازلهم ، ففي قريب من طلوع الفجر لم يبق في الصحن الشريف أحد ، ولا سراج مشعل ، فبينما النصراني في الحيرة والتفكير فيما شاهد ورأى ، فإذا برجل عظيم الشأن جليل الرتبة قد خرج من الحرم الشريف ، فملأ الصحن الشريف بنور وجهه وسطع نوره إلى السماء ، فجاء إلى أن وقف في آخر الأيوان في قبال المسرجة الكبرى ، وقد حضر عنده شخصان قائمان بغاية الخضوع والخشوع ، ونهاية التأدب ومتمثلا مثول العبد الذليل بين يدي المولى الجليل ، فقال لهما : إئتيا بدفتركما فأتيا بما عندهما من الطرس والدفتر ، فلما نظر إليه قال : ما أجدتما حيث لم تستوفيا في الكتابة فرد الدفتر إليهما ، فارتعدت فرائسهما فقالا : بحقك وبحق من فضلكم أهل البيت على العالمين ، إنا كتبنا كل من كان في الحرم والرواق والإيوان والصحن ، وهكذا كمل من في حرم العباس ورواقه وأبوابه وصحنه وفوق الحجرات وسطحها. فقال لهما ثانياً : إنظر إلى الطرس فناولاه الدفتر فنظر إليه وقال : الأمر كما ذكرت لكما ، فأنتما ما إستوفيتما ، فحلفا كما سبق وقالا : ما قصرنا حتى أنا كتبنا الطفل الرضيع. وقال أحدهما بعد التدبر والتفكر : نعم إنا ما كتبنا هذا الرجل النصراني.

فقال عليه السلام : فلماذا؟ قالا : لكونه كافراً. فقال عليه السلام : سبحان الله أما أحَلّ هو بساحتنا؟


فلما رأى النصراني تلك الحالة وسمع هذه المقالة من سيد الشهاء أغمي عليه ، فلما أستفيق من غشوته وقد حضر عنده شيخ القبيلة والجماعة الذين كانوا معه قالوا له : ما الذي عرض لك؟ قال : أقسمكم بالله تعالى لقنوني كلمة الإسلام ، فعلموه كلمة الشهادتين ، فلما أسلم حَدّثهم بما رأى وسمع»(٤٦٩) .

٨ ـ الرجل اليماني :

ذكر الشيخ كمال معاش ، في كتابه (الحسين ريحانة النبي صلى الله عليه وآله وسلم) : «.. قد إلتقيت قريباً بأحد الأخوة اليمنيين ـ إلتقيت به ليلة الثامن من شهر ربيع الأول سنة ١٤٢٢ هـ ، المصادف ليلة الجمعة ـ ؛ فسرد لي قصة رآها في عالم الرؤيا ، وهي كالتالي :

رأيت في عالم الرؤيا في يوم مقتل سيدنا الحسين عليه السلام ـ أي يوم العاشر من شهر محرم ـ أنّي مسافر من أرض إلى أرض ، فوجدت نفسي في صحراء كبيرة ، ورأيت جيشاً قد سَدّ الأرض ـ أي ملأها ـ خيولاً وأسلحة ورجالاً ، ورأيت في الجهة المقابلة رجلا على فرس ووراءه نساء وأطفال سمعته يقول : هل من مغيث يغيثنا ، هل من مجير يجيرنا ، هل من موحدٍ يخاف الله فينا ، هل من ذابٍّ يذبُّ عن حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجئت إليه وقلت له : لبيك وسعديك يا ابن رسول الله ، سأقاتل عنكم مخافة من الله ، وحُبّاً لنبيكم ، ومخافة من النار ، فقال : خذ بارك الله فيك ، وأعطاني سيفاً لم أرَ أحسن منه ، وكان شديد اللمعان ، فنظرت إلى وجه سيدي الحسين عليه السلام ، وله لحية سوداء شديدة السواد ، شبيه بسواد الكحل ، إلا أنّ به شعرات بِيض يَشعّ منها نور عجيب

__________________

(٤٦٩) ـ الدّربندي ، الشيخ آغا بن عابد الشيرواني : إكسير العبادات في أسرار الشهادات ، ج ١ / ٢١٦ ـ ٢٢٠.


كنور المصباح الأبيض ، وحَانَة مني إلتفاتة إلى جبهته الكريمة ، فرأيت نوراً يسطع منها كنور الشمس ، بل أقوى ، فأحرق عيني ، فصرخت بأعلى صوتي؟ قد عميت. فمسح بيده اليمنى الكريمة على عيني ، فردَّ لي بصري ، وأصبح بصري قوياً ، وقال لي : «قاتل بارك الله فيك». فقاتلت الأعداء قتال المستميتين ، وقد قتلت منهم ما يقارب الثلاثين فارساً ، وكنت أضربهم بالسيف فيموتون ، وهم يضربونني وتخرج الدماء مني ولكن لا أموت ، وكان سيدي الحسين عليه السلام يقاتل على الجهة اليمنى ، فحال الفرسان بيني وبين الحسين عليه السلام ، فرأيتهم أحاطوا به ، فحاولت أن أمضي إليه لأخلصه منهم ، وهم يحيطون بي من كل مكان ، فرأيتهم قد أثخنوه بالجراح ، وسقط بأبي وأمي على الأرض ، والعجيب في الأمر أنّ جواد سيدنا الحسين عليه السلام لا يفرّ عنه ولا يهرب ، وكان الجواد متعلقاً بسيدنا الحسين عليه السلام كتعلق الأمّ بولدها ، وبقي يدافع عنه ويضرب برجليه كل فارس يقترب من جسد الحسين عليه السلام ، ورأيت نوراً يخرج من الجواد ، وكان قد أصيب بجراحات كثيرة يخرج منها نور ، وبدا لي كأنّه ليس من خيول الأرض ، حيث إنّه كان مطيعاً لسيدنا الحيسن عليه السلام وهو ملقى على الأرض ، فيأتيه ويشم جراحات الحسين عليه السلام ، ثم يلطخ جبينه بدمه عليه السلام ، إنشغلت بالقتال ولم أرَ الجواد ، وجعلت أنظر إلى الحسين عليه السلام وقد إشترك في قتله ثلاثة ، أحدهم ضربه برمح ، والآخر بسيف ضربات ، ثم نزل الثالث ـ وكان الإمام عليه السلام ملقى على الأرض ـ فضرب برجله صدر الحسين عليه السلام ، ثم أمسك برأس الحسين وذبحه كما تذبح الشاة ، فجئت إلى الرجل وأمسكته من رقبته ودفعته عن جسد سيدي الحسين عليه السلام وقلت : لعنك الله ،


أتدري من قتلت؟ هذا سيد شباب أهل الجنة ، هذه ابن سيد المرسلين وحبيب ربّ العالمين ، كأنّي ألهمت وقلت ذلك على الطبيعة ، فقال : أعطوني مالاً ، وقالوا : أقتله فقتلته. فاستيقظت من النوم مرعوباً محزوناً ، وقد توقّف شعر رأسي ، وأصابني حزن وبكاء عظيم.

بعد ذلك أعطاني الله قوة عجيبة في بصري ، فصرت أرى النملة السوداء في الغرفة الظلماء ، كأنّما في وضح النهار ، وصرت أرى أموراً عجيبة ، وإستمرّ في حديثه قائلاً : كنت أبكي على سيدنا الحسين عليه السلام في ذات ليلة ، وكانت ليلة جمعة ، فدعوت الله عَزّ وجَلّ أن يبلغ روحه مني السلام ، وأنا في أرض بعيدة لا أستطيع زيارة سيد الشهداء عليه السلام ، وفي عالم الرؤيا جاءني رجل مرتدياً عمامة مثل عمامتكم ولباسكم في المنام ، وقال لي : أتريد أن تزور الحسين؟ قلت : نعم. قال : فأخذ بيدي وذهب بي إلى مكان في منزلي لا يوجد فيها أثاث ولا فرش ، بل أرض خالية قال لي : إنظر ، فإذا أنا بحفرة في وسط المنزل. فقال لي : إنظر هذا قبر الحسين عليه السلام ، بحبك للحسين وآله يَسّر لك قبره وأنت في بيتك ، فنزلت إلى هذه الحفرة ، فوجدت فيها حفرة ثانية داخل تلك الحفرة الأولى ، فنزلت ، فرأيت جسداً بدون رأس ، ولمسته بيديَّ هاتين ، فرأيت أنّه لا يوجد موضع من جسده إلا وفيه ضربة سيف ، أو طعنة برمح ، وكان مُقَطّع الأعضاء قُطَعَةً قُطَعَة. والعجب في الأمر أنّ هذه الأوصال المقطعة مخيطة بخيوط سود ، ويخرج دم قانٍ كأنّه قتل في هذه الساعة ، وتفوح منه رائحة طيبة أطيب من رائحة المسك ، لم أشمّ مثلها قبل ذلك اليوم ، فجعلت أبكي عليه ، وإجتمع أهلي على صوت بكائي ، وكان ضمن من غجتمع من أهلي هو خالي ، وكان يشكو ألماً في رجله اليمنى لا يستطيع المشي ، فقلت لهم


وأنا أبكي داخل القبر : إنظروا ما فعل بنو أميّة لعنهم الله ، لقد قطعوا جسده الشريف تقطيعاً ، وأنا في حالة بكاء زاد حزني وبكائي وحبي للحسين وآل الحسين عليه السلام.

وفي الصباح جاء خالي لزيارتنا ، فإذا هو سالم معافى ، فأخبرته بهذه الرؤيا ، فازدادوا يقيناً وحباً لآل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم»(٤٧٠) .

٩ ـ المرأة الزانية التائبة :

ذكر السيد رضي بن نبي القزويني (ره) ، نقلاً عن الشيخ طريح النجفي في كتابه (المقتل) :

«حكى أنّ إمرأة ذات فحش كانت معهودة بالمدينة ، ولها جار وكان مواظباً على مأتم الحسين عليه السلام ، وكان عنده ذات يوم رجال ينشدون ويبكون على الحسين عليه السلام ، فأمر لهم باصطناع طعام ، فدخلت المرأة الفاحشة تريد ناراً ، وإذا بالنار قد إنطفأت من غفلتهم عنها ، فعالجتها تلك الفاحشة بالنفخ ساعة طويلة حتى إتسخت يداها وذرفت عيناها ، فلما إتقدت أخذت منها ومضت لقضاء مآربها ، فلما صار الظهر وكان الوقت صائفاً فرقدت ، وكان لها عادة بالقيلولة ساعة ، وإذا هي ترى طيفاً كأنّ القيامة قامت ، وإذا بزبانية جهنم يسحبونها بسلاسل من نار ، وهم يقولون : يا زانية غضب الله عليكِ وأمرنا أن نلقيكِ في قعر جهنم ، وهي تستغيث فلا تغاث ، وتستجير فلا تجار ، قالت : والله لقد صرت على شفير جهنم ، وإذا برجل أقبل يصيح بهم خَلّوها. قالوا : يا ابن رسول الله ، وما سببه؟ قال : نعم إنّها دخلت على قوم يعملون عزائي ، وقد أوقدت لهم ناراً يعملون بها طعاماً. فقالوا : كرامة لك يا ابن الشافع

__________________

(٤٧٠) ـ معاش ، الشيخ كمال : الحسين ريحانة النبي (ص) / ١٢٣ ـ ١٢٦.


والساقي. قالت : فقلت : من أنت الذي مَنّ الله عليّ بك؟ قال : أنا الحسين بن علي. فإنتبهت وأنا مذهولة ومضيت إلى المجلس قبل أن يتفرقوا ، فحكيت لهم وتعجبوا ، فقام البكاء والعويل وتبت على أيديهم من فعل القبيح»(٤٧١) .

١٠ ـ المهراجا الهندوسي :

«... وأنّ المهراجا الهندوسي في (غواليور) يقود المواكب كلّ سنة في عاصمته ، ويقال : إنّ منشأ هذا ، هو أنّ المهراجا كان قد مرض قبل خمسين أو ستين سنة ، فرأى ذات ليلة من ليالي مرضه الإمام الحسين في المنام ، فقيل له : إنّه سوف يشفى ويبل من مرضه في الحال ، إذا ما أقام مجلساً من مجالس التعزية في محرم بإسم الحسين عليه السلام ، ووزع الصدقات فيه ، وقد فعل ذلك ، فشفى بإذن الله ، فبقيت العادة حتى يومنا هذا. لكن المهراجا الحالي من نسله صار يكتفي اليوم بركوب حصان فَارِه ، يتقدم به موكب العزاء في يوم عاشوراء ، وتقوم خزينة الدولة هناك بتسديد مصاريف الموكب»(٤٧٢) .

__________________

(٤٧١) ـ القزويني ، السيد رضي بن نبي : تظلم الزهراء / ٦٢ «عن المنتخب» ج ١ / ٢٠٤ ـ ٢٠٥.

(٤٧٢) ـ الشهرستاني ، السيد صالح : تاريخ النياحة ، ج ٢ / ٨٠.



ب ـ ضلالة وعقاب

١ ـ هارون المعَرِّي

٢ ـ الرجل الأعمى

٣ ـ الحَدّاد الكوفي



١ ـ هارون المعَرِّي :

ذكر الشيخ النوري (ره) في كتابه (دار السلام) : «.. عن أبي الفضل ، عن محمد بن ابراهيم ، بن أبي السلاسل الكاتب قال : حدثني أبو عبد الله الباقطاني قال : ضمني عبيد الله بن يحيى بن خاقان إلى هارون المعري ـ وكان قائداً من قواد السلطان ـ أكتب له. وكان بدنه كله أبيض شديد البياض ، حتى يديه ورجليه كانا كذلك ، وكان وجهه أسود شديد السواد كأنّه القِير ، وكان يتقيأ مع ذلك مادة نتنة. قال : فلما آنس بي سألته عن سواد وجهه فأبى أن يخبرني ، ثم أنّه مرض مرضه الذي مات فيه ، فقعدت فسألته فرأيته كأن يحب أن يكتم عليه ، فضمنت له الكتمان ، فحدثني ، قال : وَجّهَنِي المتوكل أنا والدَيزَج لنبش قبر الحسين عليه السلام ، وإجراء الماء عليه ، فلما عزمت على الخروج والمسير إلى الناحية ، رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المنام ، فقال : لا تخرج مع الديزج ، ولا تفعل ما أمرتم به في قبر الحسين عليه السلام. فلما أصبحنا جاؤوا يستحثونيفي المسير ، فسرت معهم حتى وافينا كربلاء ، وفعلنا ما أمرنا به المتوكل ، فرأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المنام فقال : ألم آمرك ألا تخرج معهم ولا تفعل فعلهم ، فلم تقبل حتى فعلت ما فعلوا؟! ثم لطمني وتفل في وجهي ، فصار وجهي مسوداً كما ترى ، وجسمي على حالته الأولى»(٤٧٣) .

٢ ـ الرجل الأعمى :

ذكر الشيخ المجلسي (ره) في كتابه (البحار) : «روى السيد في كتاب (الملهوف) ، وابن شهر آشوب ، وغيرهما عن عبد الله بن رباح القاضي قال :

__________________

(٤٧٣) ـ النوري ، الميرزا حسين الطبرسي : دار السلام ، ج ١ / ٢٤٥.


لقيت رجلاً مكفوفاً قد شهد قتل الحسين عليه السلام ، فسئل عن بصره؟ فقال : كنت شهدت قتله ، عاشر عشرة ، غير أنّي لم أطعن برمح ، ولم أضرب بسيف ، ولم أرمِ بسهم ، فلما قتل ؛ أجب رسول الله! فقلت : ما لي وله؟ فأخذ بتلبيبي وجَرّني إليه ، فإذا النبي جالس في صحراء حاسر عن ذراعيه ، آخذ بحربة ، وملك قائم بين يديه ، وفي يديه سيف من نار يقتل أصحابي التسعة ، فكلما ضرب ضربة إلتهب أنفسهم ناراً ، فدنوت منه وجثوت بين يديه ، وقلت : السلام عليك يا رسول الله. فلم يردَّ عليّ ، ومكث طويلاً ثم رفع رأسه وقال : يا عدو الله إنتهكت حرمتي ، وقتلت عترتي ، ولم ترعَ حقي ، وفعلت وفعلت؟! فقلت : يا رسول الله ، ما ضربت بسيف ، ولا طعنت برمح ، ولا رميت بسهم ، فقال : صدقت : ولكنّك كَثّرت السواد ، إدني مني! فدنوت منه ، فإذا طست مملوء دماً ، فقال لي : هذا دم ولدي الحسين ، فكحّلني من ذلك الدّم فإنتبهت حتى الساعة لا أبصر شيئاً»(٤٧٤) .

٣ ـ الحَدّاد الكوفي :

ذكر الشيخ الطريحي (ره) في كتابه (المنتخب) : «حكي عن رجل كوفي حَدّاد قال : لما خرج العسكر من الكوفة لحرب الحسين بن علي عليهما السلام ، جمعت حديداً عندي وأخذت آلتي وسرت معهم ، فلما وصلوا وطنبوا خيمهم ؛ بنيت خيمة وصرت أعمل أوتاداً للخيم ، وسككاً ومرابط للخيل وأسنة للرماح وما إِعْوَجّ من سنان أو خنجر أو سيف ، كنت بكل ذلك بصيراً فصار رزقي كثيراً ، وشاع ذكري بينهم حتى أتى الحسين مع عسكره فإرتحلنا إلى كربلاء وخيمنا على

__________________

(٤٧٤) ـ المجلسي ، الشيخ محمد باقر : بحار الأنوار ، ج ٤٥ / ٣٠٦.


شاطئ العلقمي ، وقام القتال فيما بينهم وحموا الماء عليه وقتلوه وأنصاره وبنيه ، وكان مدة إقامتنا وإرتحالنا تسعة عشر يوماً ، فرجعت غنياً إلى منزلي والسبايا معنا ، فعُرِضَتْ على عُبَيد الله فأمر أن يشهروهم إلى يزيد إلى الشام ، فلبثت في منزلي أياماً قلائل ، وإذا أنا ذات ليلة راقد على فراشي ، فرأيت طيفاً كأنّ القيامة قامت والناس يموجون على الأرض كالجراد إذ فقدت دليلها ، وكلهم دالع لسانه على صدره من شدة الظمأ ، وأنا أعتقد أنّ فيهم أعظم مني عطشاً ؛ لأنّه كلّ سمعي وبصري من شدته ، هذا غير حرارة الشمس تغلي منها دماغي ، والأرض تغلي كأنّها القير إذ أشعل تحته نار ، فخلت أنّ رجلي قد تقلعت قدماها ، فوالله العظيم لو أنّي خيرت بين عطشي وتقطيع لحمي حتى يسيل دمي لأشربه ؛ لرأيت شربه خيراً من عطشي ، فبينما أنا في العذاب الأليم والبلاء العميم ، إذ أنا برجل قد عَمّ الموقف نوره وابتهج الكون بسروره ، راكب على فرس وهو ذو شيبة قد حفت به الوف من كل نبي ووصي وصديق وشهيد وصالح ، فمَرّ كأنّه ريح أو سيران فلك ، فمرت ساعة وإذا أنا بفارس على جواد أعزّ ، له وجه كتمام القمر تحت ركابه الوف إن أمر ائتمروا ، وإن زجر إنزجروا ، فإقشعرت الأجسام من لفتاته ، وإرتعدت الفرائص من خطواته ، فتأسفت عن الأول ما سألت عنه خيفة من هذا ، وإذا به قد قام في ركابه وأشار إلى أصحابه وسمعت قوله خذوه ، وإذا بأحدهم قابض بعضدي كلبة حديد خارجة من الناس ، فمضي بي إليه فخلت كتفي اليمنى قد إنقلعت ، فسألته الخفة فزادني ثقلاً ، فقلت له : سألتك بمن أمرك عليّ من تكون؟ قال : ملك من ملائكة الجبار. قلت : ومن هذا؟ قال : علي الكَرّار. قلت : والذي قبله؟ قال : محمد المختار. قلت : والذين حوله؟ قال : النبيون والصديقون


والشهداء والصالحون والمؤمنون. قلت : أنا ما فعلت حتى أمّرَك عليّ؟ قال : إليه يرجع الأمر ، وحالك حال هؤلاء. فحققت النظر وإذا بعمر بن سعد ، أمير العسكر وقوم لم أعرفهم ، وإذا بعنقه سلسلة من حديد والنار خارجة من عينيه وأذنيه ، فأيقنت بالهلاك وباقي القوم منهم مغلل ، ومنهم مقيد ومنهم مقهور بعضده مثلي ، فبينما نحن نسير وإذا برسول الله الذي وصفه الملك جالس على كرسي عال يزهو ، أظنه من اللؤلؤ ورجلين ذي شيبتين بهيتين عن يمينه ، فسألت الملك عن الرجلين؟ فقال : آدم ونوح. وإذا برسول الله يقول : ما صنعت يا عليّ؟ قال : ما تركت أحداً من قاتلي الحسين إلا وأتيت به. فحمدت الله تعالى بأني لم أكن منهم ورَدّ إليّ عقلي ، وإذا برسول الله يقول : قدموهم! قدموهم إليه وجعل يسألهم ويبكي ويبكي كل من في الموقف لبكائه ، لأنّه يقول للرجل : ما صنعت بطف كربلاء بولدي الحسين؟ فيجيب : يا رسول الله ، أنا حميت الماء عليه ، وهذا يقول : أنا قتلته. وهذا يقول : أنا سلبته. وهذا يقول : أنا وطأت صدره بفرسي ، ومنهم يقول : أنا ضربت ولده العليل. فصاح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال : وا ولداه ، واقلة ناصراه ، وا حسيناه وا علياه ، هكذا صدر عليكم بعدي أهل بيتي ، انظر يا أبي يا آدم ، انظر يا أخي يا نوح كيف أخلفوني في ذريتي؟ فبكوا حتى إرتج المحشر ، فأمر بهم زبانية جهنم يجرونهم أولاً فأولاً إلى النار ، وإذا بهم قد أتوا برجل فسأله قال : ما صنعت شيئاً ، قال : أما أنت نجار؟ قال : صدقت يا سيدي ، لكني ما علمت شيئاً إلا عموداً لخيمة الحصين بن نمير ؛ لأنّه إنكسر من ريح عاصف فوصلته. فبكى صلى الله عليه وآله وسلم وقال : كَثّرت السواد على ولدي خذوه للنار وصاحوا : لا حكم إلا لله ولرسوله ووصيه. قال الحدّاد : فأيقنت بالهلاك. فأمرني فقدموني ، فاستخبرني


فأخبرته ، فأمرني إلى النار ، فلما سحبوني إلا وإنتبهت ، وحكيت لكل من لقيته ، وقد يبس لسانه ومات نصفه ، وتبرأ كل من يحبه ومات فقيراً لا رحمه الله تعالى :( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) [الشعراء / ٢٧] ...»(٤٧٥) .

__________________

(٤٧٥) ـ الطريحي ، الشيخ فخر الدين : المنتخب ، ج ١ / ١٩٠ ـ ١٩٢ (المجلس التاسع ـ الباب الثالث).



نتائج

تساؤلات البحث



بعد الإنتهاء من البحث ، يأتي دور الإجابة على التساؤلات المذكورة في بدايته ، وهي كالتالي :

السؤال الأول : نقرأ ونسمع الكثير من القصص الدينية ، التي يدعي علماء الإسلام أنّ لها فوائداً في حياة الإنسان ، فهل هذه الدعوى صحيحة من الناحية العلمية أم لا؟

تمهيد :

والجواب على هذا السؤال يحتاج إلى بيان ما يلي :

ليس كل ما يُسمى بالقصص الدينية صحيح ويُؤخذ به ؛ إذ هناك بعض العلوم يستفاد منها في معرفة الصحيح من غيره ، ومن أهم تلك العلوم عِلمَيّ الرجال والدِرَاية ، وموضوع علم الرجال : هو دراسة وفهم الراوي ، من حيث إتصافه بشرائط قبول خبره وعدمه ، وموضوع علم الدراية : هو معرفة الصحيح من الحديث عن سقيمه ، والمقبول من المردود سنداً كان أو متناً. إذن ، فكل قصة تنسب إلى الدين تحتاج إلى هذه الدراسة التي أشرنا إليها ، سواء كانت في العقائد أو الأحكام أو غير ذلك مما ينسب إلى الدين.

وبعد التسليم بصحة القصص الدينية ، فلا ينبغي عرض كل قصة على البحث العلمي الحديث ؛ إذ الدين ليس مادياً بحثاً ، حتى نلجئ في كل شيء فيه إلى البحث والتجربة العلمية المعاصرة ، بل يرجع إلى أمر السماء والوحي الإلهي ، وهذا أمر غيبي ؛ وهو المعبّر عنه ، بما وراء الطبيعة. أو كما يقول وحيد الدين خان : «بأنّ الدين ليس (مادياً) ، بل فوق المادة ، وبناء على ذلك ليس للعلوم المادية أن تعترض طريق الدين»(٤٧٦) . ومن هناك يأتي دور الإعتقاد

__________________

(٤٧٦) ـ خان ، وحيد الدين : الإسلام يتحدى / ٢٣.


بالمعجزات والكرامات ، وما يترتب على ذلك من النقاش حول وجود هذه العقيدة عند معتنقيها ، أو نفيها عند من يراها خرافة ، وبعد هذا التمهيد ، ندخل في دراسة هذا الموضوع المعبّر عنه بـ(المعجزات) ؛ حيث أنّ كثيراً من القصص الدينية لها إرتباط به ، ويمكن دراسته كالتالي :

١ ـ تعريف المعجزة :

هي فعل خارق للعادة ، يعجز البشر عن الإتيان بمثله ، مقروناً بدعوى النبوة ، موافقاً للدعوى. ويمكن إيضاح هذا التعريف ، بأنّ النبوة وظيفة مرموقة ، لها قيمتها الكبرى وسلطانها الروحي النافذ ، مما يحفز المشعوذين على إدّعَائها زَيفَاً وباطلاً ، ويترتب على ذلك إلتباس الصادق بالكاذب ، فيعتذر تشخيص صاحبها الشرعي ، من أجل ذلك لا بد لمدعي النبوة إثبات دعواه بأمر خارق للعادة ، يعجز البشر عن تزويره ومحاكاته ، ويكون موافقاً لدعواه المعجزة التي تحداهم بها ، بحيث لا يأتي بشيء مخالفاً لدعواه ؛ وهو المعبّر عنه بـ(المُكَذّبة) وهي : ما تكون مخالفة للدعوى فتكذب دعوى المدعي ؛ لوقوعها على خلاف ما أراد ، كما حصل لمسيلمة الكذاب ، فإنّه دعا لواحد العين ؛ فعميت عينه الصحيحة. ودعا لفور ماء البئر ؛ فجفّ ماؤها ، ومتى أظهر النبي المعجزة ؛ علمنا صحة نبوته وصدق دعواه.

٢ ـ أنواع المعجزة :

نقل الشيخ عبد الواحد المظفر (ره) عن المارودي الشافعي في (أعلام النبوة ص ٢٠٠) أنواع المعجزة كالتالي :


الأول ـ ما يخرج جنسه عن قدرة البشر ؛ كإختراع الأجسام ، وقلب الأعيان ، وإحياء الموتى ، فقليل هذا وكثيره معجز ؛ لخروج قليله عن القدرة كخروج كثيره.

الثاني ـ ما يدخل من جنسه في قدرة البشر ، لكن يخرج مقداره عن قدرة البشر ، كطي الأرض البعيدة في المدة القريبة ، فيكون معجزاً لخرق العادة. واختلف المتكلمون في المعجز منه ، فعند بعضهم أنّ ما خرج عن القدرة منه يكون هو المعجز خاصة ، لا إختصاصه بالمعجز. وعند آخرين منهم في جميعه يكون معجزاً ؛ لإتصاله بما لا يتميز منه.

الثالث ـ ظهور العلم بما خرج عن معلوم البشر ، كالأخبار بحوادث الغيوب فيكون معجزاً بشرطين :

أحدهما ـ أن يتكرر حتى يخرج عن حَدّ الإتفاق.

الثاني ـ أن يتجرد عن سبب يستدل به عليه.

الرابع ـ ما خرج نوعه عن مقدور البشر وإن دخل في جنسه في مقدور البشر ، كالقرآن في خروج إسلوبه عن أقسام الكلام فيكون معجزاً بخروج نوعه عن القدرة ، فصار جنساً خارجاً عن القدرة ، ويكون المعجز مع القدرة على آلته من الكلام ليبلغ في المعجز.

الخامس ـ ما يدخل في أفعال البشر ويفضي بخروجه عن مقدار البشر ، كالبرء الحادث من المرض ، والزرع الحادث عن البذر ، فإنّ برء المزمن لوقته ، وإستحصاد الزرع المتأكل قبل أوانه ، كأن يخرق العادة معجزاً لخروجه عن القدرة.


السادس ـ عدم القدرة عما كان داخلاً في القدرة ؛ كإنذار الناطق بعجزه عن الكلام ، وإخبار الكاتب بعجزه عن الكتابة ، فيكون معجزاً يختص بالعاجز لا يتعداه ؛ لأنّه على يقين من عجزه وليس على يقين من عجزه.

السابع ـ إنطاق حيوان أو حركة جماد ، فإن كان بإستدعائه أو عن إشارته كان معجزاً له ، وإن ظهر بغير إستدعاء ولا إشارة لم يكن معجزاً له وإن خرق العادة ؛ لأنّه ليس إختصاصه به أولى من إختصاصه بغيره ، وكان من نوادر الوقت وحوادثه.

الثامن ـ أظهار الشيء في غير زمانه ، كأظهار فاكهة الصيف في الشتاء ، وفاكهة الشتا في الصيف ، وإن كان إستبقاؤهما في غير زمانهما ممكناً ، لم يكن معجزاً ، وإن لم يمكن إستبقاؤهما ؛ كان معجزاً سواء بدأ إظهاره أو طولب به.

التاسع ـ إنفجار الماء ، وقطع الماء المنفجر إذا لم يظهر بحدوثه أسباب من غيره ؛ فهو من معجزاته لخرق العادة به.

العاشر ـ إشباع العدد الكثير من الطعام اليسير ، وإروائهم من الماء القليل يكون معجزاً في حقهم ، وغير معجز في حق غيرهم لما قدمناه من التعليل ، وهذه الأقسام ونظائرها الداخلة في حدود الإعجاز متساوية الأحكام في ثبوت الإعجاز ، وتصديق مظهرها على ما إدعاه من النبوة»(٤٤٧) .

__________________

(٤٤٧) ـ المظفر ، الشيخ عبد الواحد : بطل العلقمي ، ج ٣ / ٣٩٧ ـ ٣٩٨.


٢ ـ إنكار المعجزة :

إنّ العلماء في المختبرات وغيرها يبحثون كشف الروابط بين العلل المادية ومعاليلها ، فيصطدمون بعنوان المعجزة والكرامة الواردة في الكتب السماوية ، فعلى سبيل المثال : أنّ موسى عليه السلام ألقى عصاه ، فانقلبت حَيّة تسعى ، وعيسى عليه السلام كان يمسح بيده على المرضى فيبرؤون. وأنّ الحصى سَبّحت في كفّ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم. فمن لاحظ هذه المعاجز ؛ يقف حائراً ويقول : ما علاقة العصا بالثعبان الذي يتولد من ال بيضة بعد مرورها بمراحل وأدوار؟

وما علاقة يد النبي عيسى عليه السلام بعلاج الأمراض المختلفة في لحظة من الزمن؟

وكيف تنطق الحصى من دون لسان وحنجرة وفم ، وهكذا في بقية معاجز الأنبياء؟

فالنتيجة التي توصلوا إليها : أنّ ظهور المعاجز بهذا الشكل على الطبيعة ، مع عدم علل مادية. ويمكن مناقشة هذا الإنكار بما يلي :

أولاً ـ مناقشة أساس الفكرة :

١ ـ هناك خلط ولبس عند أصحاب هذه الدعوى ؛ إذ هم يَدّعون أنّ المعجزة معلول بلا علة ، وهذا لا يقول به أحد ممن يعتقد بنسبة المعاجز إلى الأنبياء ، وإنما المنفي في مورد المعجزة هو العلل المادية المتعارفة ، التي يأنس بها الفكر البشري ، ولكن قد يكون للمعجزة علّة لا يعرفها الفكر البشري ، ولم تقف عليها التجربة. وبهذا إتضح لنا الفرق بين كون المعجزة ظاهرة إتفاقية لا تستند إلى علة أبداً ، وبين كونها ذات علّة غير معروفة عند البشر.


٢ ـ إنّ المعاجز حادث بقدرة الباري عَزّ وجَلّ ونواميسه المجهولة ، التي يستحيل على الخلق محاكاتها وإدراك أسرارها ، وبهذا تتميز عن الإختراعات العلمية تميزاً واضحاً. ومن الأمثلة على ذلك ما يلي :

«إستطاع الإنسان أن يغور في الغواصات إلى أعماق البحار ، ويمكث في أغوار لججها أياماً عديدِة ، متذرعاً إلى ذلك بالوسائل العلمية ال حديثة. أما بقاء ذي النون عليه السلام في بطن الحوت وأغوار البحر محروماً من نسيم الهواء ، وعرضة للهضم والتلاشي في جوفها ، كما تتلاشى فيه الأغذية ، فهو سر إعجازي يعجز الإنسان عن إدراك كنهه ، وهكذا إستطاعت حضارة القرن العشرين أن ترتاد الفضاء الخارجي ، وتُحلق إلى سطح القمر ، مستخدمة في ذلك طاقاتها العلمية ووسائلها الفنية. أما المعجزة الخارقة ؛ فهي التي حققها الرسول الأعظم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم بعروجه إلى قمم السماء ، مجرداً من جميع الأجهزة والوسائل العلمية ، إلا الوسائل الإلهية المعجزة التي بلغته ذلك المستوى الأرفع ، الذي يقصر الإنسان عن إدراكه والتطلع إليه»(٤٧٨) .

٣ ـ إعتراف علماء الغرب بعجزهم عن الوصول إلى كل أسرار الكون نذكر منهم ما يلي :

البروفسور (سيسيل بايس هامان) ـ أستاذ أمريكي في البيولوجيا قال : «إنّ الطبيعة لا تفسر شيئاً من الكون ، وإنما هي نفسها بحاجة إلى تفسير». ف لو أنك سألت طبيباً : ما السبب وراء إحمرار الدم؟ لأجاب : لأنّ الدم خلايا حمراء ، حجم كل خلية منها ٧٠٠ / ١ من البوصة!

ـ حسناً ، ولكن لماذا تكون هذه الخلايا حمراء؟

__________________

(٤٧٨) ـ الصدر ، السيد مهدي : أصول العقيدة ، ج ٢ / ٧٩ ـ ٨٠.


ـ في هذه الخلايا مادة تسمى (الهميوجلوبين) ؛ وهي مادة تحدث لها الحمرة حين تختلط بالأوكسجين في القلب.

ـ هذا جميل. ولكن من أين تأتي هذه الخلايا التي تحمل الهميوجلوبين؟

ـ إنّها تصنع في كبدك.

ـ عجيب! ولكن كيف ترتبط هذه الأشياء ا لكثيرة من الدم والخلايا والكبد وغيرها ، بعضها ببعض إرتباطاً كلياً ، وتسير نحو أداء واجبها المطلوب بهذه الدقة الفائقة؟

ـ هذا ما نسميه بقانون الطبيعة.

ـ ولكن ما المراد بقانون الطبيعة هذا ، يا سيدي الطبيب؟

ـ المراد بها القنون : هو الحركات الداخلية العمياء للقوى الطبيعية والكيمياوِية.

ـ ولكن لماذا تهدف هذه القوى دائماً إلى نتيجة معلومة؟ وكيف تنظم نشاطها حتى تطير الطيور في الهواء ، ويعيش السمك في الماء ، ويوجد إنسان في الدنيا ، بجميع ما لديه من إلإمكانات والكفاءات العجيبة المثيرة؟

ـ لا تسألني عن هذا ، فإنّ علمي لا يتكلم إلا عن : (ما يحدث) ، وليس له أن يجيب : (لماذا يحدث؟)(٤٧٩) .

ثم عَلّق على هذه الأسئلة وحيد الدين خان بقوله : «يتضح من هذه الأسئلة مدى صلاحية العلم الحديث لشرح العلل والأسباب وراء هذا الكون ولا شك أنّه قد أبان لنا عن كثير من الأشياء التي لم تكن على معرفة بها ، ولكن الدين جواب لسؤال آخر لا يتعلق بهذه الكشوف العلمية ، فلو أنّ هذه الكشوف

__________________

(٤٧٩) ـ خان ، وحيد الدين : الإسلام يتحدى / ٣٢ ـ ٣٤.


زادت مليون ضعف عنها اليوم ، فسوف تبقى الإنسانية بحاجة إلى الدين ، إنّ جميع هذه الكشوف (حلقات ثمينة من السلسلة) ، ولكن ما يحل محل الدين لا بد أن يشرح الكون شرحاً كلياً وكاملاً ، فما الكون على حاله هذه إلا كمثل ماكينة تدور تحت غطائها ، لا نعلم عنها إلا أنّها (تدور) ، ولكنا لو فتحنا غطاءها ؛ فسوف نشاهد كيف ترتبط هذه الماكينة بدوائر وتروس كثيرة ، يدور بعضها ببعض ، ونشاهد حركاتها كلها ، هل معنى هذا أننا قد علمنا خالق هذه الماكينة بمجرد مشاهدتنا لما يدور بدورها ذاتياً؟ هل يفهم منطقياً أنّ مشاهدتنا هذه أثبتت أنّ الماكينة جاءت من تلقاء ذاتها ، وتقوم بدورها ذاتياً؟ لو لم يكن هذا الإستدلال منطقياً ، فكيف إذن نثبت بعد مشاهدة بعض عمليات الكون ـ أنّه جاء تلقائياً ، ويتحرك ذاتياً؟

لقد إستغل البروفيسور هيرز ( A. Harris ) هذا الإستدلال حين نقد فكرة داروين عن النشوء والإرتقاء ، فقال : «إنّ الإستدلال بقانون الإنتخاب الطبيعي يفسر عملية (بقاء الأصلح) ولكنّه لا يستطيع أن يفسر حدوث هذا الأصلح»(٤٨٠) .

الدكتور ألكسيس كارليل :

«ليس من اللازم أن تكون الحقيقة بسيطة وقابلة للفهم ، فمن الممكن أن توجه حقائق في العالم لا نعلمها ، أو يستعصي علينا فهمها»(٤٨١) .

__________________

(٤٨٠) ـ خان ، وحيد الدين : الإسلام يتحدى / ٣٢ ـ ٣٤.

(٤٨١) ـ مُروِّج الإسلام ، الشيخ علي أكبر : الكرامات الرضوية ، ج ١ / ٣٥.


الفيلسوف اليوناني «أشين» :

«الآن وقد هرمت فإنني أرى الأشياء على حقيقتها ، فتعلمت كثيراً ، ولم يبقَ شيء لم أتعلمه إلا أنني أرى نفسي جاهلاً ، يبحث لا أفهم كيفية ذَرّة واحدة لا قيمة لها»(٤٨٢) .

إذن ، نستفيد مما تقدم من دعاة العلم والثقافة العصرية ، الذين يعبرون عن المعجزات والكرمات بأنّها خزعبلات وخرافات ، بناء منهم على أنّ أي ظاهرة غريبة على العقول يتم تفسيرها على أساس من دراسة وبحث علمي ، وعندما تفسر ويدرك سرُّها تنتفي في الحال معجزاتها ؛ ولهذا يقولون : إذا بزع نور العقل ؛ ولى زمن المعجزات!. وهذا الإدعاء غير صحيح لسوء فهم معنى المعجزة ، وقد برهنا على هذا العجز في وصولهم إلى سرّ المعجزة. وذلك من خلال إعترافات بعض علماء العلم الحديث في ذلك.

ثانياً ـ إعتراف علماء الغرب بوجود المعجزة :

يقول الدكتور ألكسيس كاريل(٤٨٣) في كتابه (الإنسان ذلك المجهول) :

__________________

(٤٨٢) ـ المصدر السابق.

(٤٨٣) ـ جَرّاح وعالم أحياء فرنسي ، ولد بالقرب من ليون بفرنسا عام (١٨٧٣ م) ، وحصل على إجازة الطب من هذه المدينة ، كما حصل على إجازة في العلوم من ديّجون ، وبعد أن تعلم ومارس التدريس في ليون عدة أعوام ، سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام (١٩٠٥) ، وتوظف في معهد روكفلر للأبحاث العلمية (جامعة روكفلر) بنيويورك ، وبقي قرابة ثلاثين عاماً حتى إعتزال وعاد إلى فرنسا في عام (١٩٢٩ م). وقد منح جائزة نوبل لأبحاثه الطبية الفَذّة عام (١٩١٢ م) ، تقديراً لجهوده في جراحة الأوعية الدموية ، وفي زراعة الأعضاء والأنسجة. وفي فترة الحرب العالمية الأولى عام (١٩١٤ م ـ ١٩١٨ م) ، طَوّر مع العالم الإنجليزي هنري داكين ، المحلول المطهر كاريل ـ داكين ، لعلاج الأصابات والجروح. وبعد إعتزاله في عام (١٩٣٩ م) إستمر في أبحاثه المتعلقة بـ(القلب الميكانيكي) ، الذي قيل : إن في امكانه وصل (الحياة) لأ عضاء الجسم التي تفصل عن القلب الحقيقي فترة غير محدودة. ومن بين مؤلفاته (الإنسان ذلك المجهول ، والدعاء). وقد مات في باريس في شهر نوفمبر من عام (١٩٤٤ م).


«ففي جميع البلاد والأزمان آمن الناس بوجود المعجزات وبشفاء المرض سريعاً في أماكن الحج وفي معابد معينة. بيد أنّ قوة العلم الدافعة إبان القرن التاسع عشر ، جعلت مثل هذا الإيمان يختفي تماماص ، ولقد كان المعترف به بصفة عامة أنّ مثل هذه المعجزات لم تحدث فحسب ، بل أيضا أنّها مستحيلة الحدوث ، فكما أنّ قوانين علم الحرارة الديناميكي تجعل الحركة مستمرة مستحيلة ، فإنّ القوانين السيكولوجية تعارض المعجزات. ذلك هو إذن موقف علماء النفس والأطباء ومع ذلك ، فبالنظر إلى الحقائق التي لوحظت خلال الخمسين عاماً الأخيرة ، فلن يكون في الإمكان الإصرار على هذا الموقف ، فإنّ أكثر حالات الشفاء الإعجازي أهمية هي التي سجلها المركز الطبي للورد ، أما فكرتنا الحالية عن تأثير الصلاة على الأمراض الباثولوجية ؛ فقائمة على ملاحظة المرضى الذين شفوا فوراً تقريباً من الأمراض المختلفة ، مثل : سل البريتون ، والخراجات الباردة ، وإلتهاب العظام والجروح العفنة ، وسِل الأنسجة والسرطان الخ. وتختلف عملية الشفاء قليلاً من شخص لآخر.

وغالباً ما يشعر المريض بألم حاد يعقبه على الفور إحساس مفاجئ بالشفاء ففي ثوان معدودة ، أو دقائق معدودة ، أو على الأكثر في ساعات معدودة تلتئم الجروح وتختفي الأعراض الباثولوجية (المرضية) ، ويسترد المريض شهيته. وقد تختفي الإضطرابات الوظيفية أحياناً قبل أن نصلح الجروح التشريحية. وقد تستمر التشوهات الهيكلية الناتجة من مرض بوت أو الغدد السرطانية ، يومين أو ثلاثة أيام بعد شفاء القروح الرئيسية ، وتتصف المعجزة الرئيسية بسرعة متناهية في عملية الإصلاح العضوي. وليس هناك شك في أنّ درجة إلتئام التناقص التشريحية أكثر بكثير من الدرجة العادية ، بيد أنّ الشرط


الذي لا مَفرّ منه لحدوث الظاهرة هو : الصلاة إلا أنّه لا توجد ضرورة تدعو المريض نفسه للصلاة ، أو أن يكون على درجة من الإيمان الديني ، وإنما يكفي أن يصلي أحد الموجودين حوله ، إنّ لمثل هذه الحقائق مغزى عظيماً ، فإنّها تدل على حقيقة علاقات معينة ، ذات طبيعة ما زالت غير معروفة بين العمليات السيكولوجية والعضوية ، وتبرهن على الأهمية الواضحة للنشاط الروحي التي أهمل علماء الصحة والأطباء والمربون ورجال الإجتماع دراستها إهمالاً يكاد يكون تاماً إنّها تفتح للإنسان عالماً جديداً»(٤٨٤) .

إذن ، بعد الإعتراف من هذه الشخصية البارزة في الأوساط العلمية الأوربية ، التي أثبتت وجود المعجزات والكرامات ، لا داعي لما يقوله منكري المعجزات والكرامات. بل يمكن القول : بأنّ وقوع هذه المعجزات والكرامات ضروري كي يتوجه البشر إلى عظمة الخالق عَزّ وجَلّ ، وما يفيضه عليهم من العم والسعادات الدنيوية والأخروية. لكن مما يؤسف له ، أنّ الإنسان بدل أن يتوجه إلى الخالق سبحانه وتعالى بالحمد والشكر على ما توصل إليه من إنجازات علمية ، تجعله يلتزم بالقيم الإنسانية ، إنغمس في الحياة المادية ، فأوقعه في مهالكها وشرورها ، فحطم شرفه وسعادته بذلك.

يقول ألكسيس كاريل : «إنّ الحضارة لم تفلح حتى في خلق بيئة مناسبة للنشاط العقلي وترجع القيمة العقلية والروحية المنخفضة لأغلب بني الإنسان إلى حد كبير ، للنقائض الموجودة في جَوّهم السيكولوجي ؛ إذ أنّ تفوق المادة ومبادئ دين الصناعة حطمت الثقافة والجمال والأخلاق»(٤٨٥) .

__________________

(٤٨٤) ـ كاريل ، ألكسيس : الإنسان ذلك المجهول / ١٥٩ ـ ١٦١.

(٤٨٥) ـ نفس المصدر / ١٦٣.


إلى أن قال : «وتدهورت الطبقات المثقفة لإنتشار الصحف إنتشاراً واسع المدى ، كذا الأدب الرخيص والراديو ودور السينما. ومن ثم فإنّ إزدياد الطبقة الغبية آخذ في الإزدياد أكثر فأكثر ، بالرغم من كمال المناهج التي تدرس في المدارس والكليات والجامعات. ومن العجيب أنّ بلادة الذهن توجد غالباً حيثما تتقدم المعرفة العلمية»(٤٨٦) .

وبعد هذا الباين إتضح لنا جواب هذا السؤال ، وتبين لنا أنّ القصص الدينية التي أهمها المعجزات ، هي أكبر برهان على إثبات الرسالات والمعتقدات الدينية ، التي جاءت لنشر ال علم وكل ما هو مفيد لسعادة الإنسان.

السؤال الثاني : هل ما نسبه الشيعة الإمامية من القصص والكرامات ، التي لها إرتباط بالحسين عليه السلام ، وتربته الطاهرة لها واقع ، أم أنّها اسطورة وخرافة ، الهدف منها دعم معتقدهم؟

يتضح جواب هذا السؤال بعد بيان العناوين الآتية :

الأول ـ الإمامة :

قبل الحدث عن الكرامة التي هي صلب موضوع السؤال ، لا بد من الحديث عن الإمامة التي يرجع إليها موضوع هذا السؤال ؛ إذ الكرامات هي إحدى الصفات التي تبرز شخص الإمام أمام عامة الناس ، وخصوصاً المعاندين والمشككين منهم في هذا الأمر. وقد عَرّفوا الإمامة بأنها :

رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا ، نيابة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

فنستفيد من هذا التعريف ، أنّ الإمامة تشكل ركناً هاماً باعتبارها إمتداداً للنبوة ، فكما أنّ النبوة عهد إلهي يصطفي له الباري عَزّ وجَلّ من يشاء من

__________________

(٤٨٦) ـ المصدر السابق ١٦٣.


عباده ؛ باعتباره خالق البشر ومحيط بأسرارهم ومصالحهم الحقيقة ، فكذلك الإمامة التي هي إمتداد لها. وهذا هو معتقد الإمامية ، إذ تنفرد عن بقية المذاهب الإسلامية ؛ بأنّ الإمامة أصل من أصول الدين لا يتم الإيمان إلا به ، وأنّها بمثابة روح الشريعة والقلب النابض فيها ، وأنّ حذفه أو تهميشه سيجعل من الدين جثة هامدة لا حياة فيها ، وإلى هذا يشير النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في حديثه الشريف : (من مات ولم يعرف إمام زمانه ؛ مات ميتة جاهلية). وهذا الحديث معروف مشهور بين علماء المسلمين ، فعلى هذا إتضح لنا أنّ الجهل بالإمامة ، هو إبتعاد عن الدين ، بل هو جاهلية لا تعرف الدين ، ولذا لا بد أن يلي أمر الدين بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى ، شخص لائق تتجسد فيه كل مقومات النبوة باستثناء الوحي ، كما أشار إلى ذلك سيد الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله وسلم في حديثه الشريف : (أما ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ، إلا أنّه لا نبي بعدي). وهذا حديث مشهور لا ينكره إلا جاهل معاند.

نستفيد منه أنّ لأمير المؤمنين عليه السلام كل ما كان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم من رتبة وعمل ومقام وحكم وسيادة ، عدا ما أخرجه الإستثناء من النبوة ، كما كان هارون من موسى عليه السلام ، بل هو نفس النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في آية المباهلة( وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ) [آل عمران / ٦١]. وخلاصة القول : إنّ الإمام بمنزلة المرآة التي تنعكس فيها كل حقايق الإسلام ، وقد بلغ من الصفاء والطهر درجة ، مدحه وأثنى عليه العدو والصديق.

الثاني ـ الكرامة :

إنّ الله عَزّ وجَلّ قد وَفّرَ كل ما هو ضروري لحاجات الإنسان الفردية والإجتماعية ، لتي تؤدي إلى سعادته الدنيوية والأخروية ، ولا يضمن توجيه


الإنسان إلى كل ذلك إلا الشخص الذي تنعكس من خلاله فيوضات السماء ، ويكون حلقة الوصل بين عالمي الغيب والشهادة ، المصان المسدد من وحي السماء ، فلا مانع من ظهور الكرامة على يديه ، تأييداً أو إبرازاً لمقامه ومنصبه المرتبط بعالم الغيب. وبعد هذا الإيضاح توصلنا إلى تعريف الكرامة ، وهي :

«أن يظهر الله تعالى على يدي ولي من الأولياء شيئاً يخالف العادة»(٤٨٧) .

وسميت بالكرامة ؛ لأنّها مشتقة من كَرُمَ. والتكريم والتعظيم والتنزيه والتشريف ، كل هذه الألفاظ يشتركن في مدلول واحد ، وهو أنّ الله تعالى يُكرِّم العبد الصالح بما يُظهره على يده ، أو عند قبره بما يخرق به العادة ، وما يسهله من الأمور الصعبة وإن لم تكن خارقة للعادة : كشفاء المرض وتعجيل البرء ، وإعطاء الأماني وما شاكل ذلك ، حتى تصل إلى حد الإعجاز ، فكل هذه الكرامات التي يكرم الله تعالى بها الأولياء والبررة الأتقياء ، وكل مقدور لله فهو ممكن.

إذن ، فالكرامة كالمعجزة في الشكل والصورة والتأثير على الطبيعة ، فما هو الفرق بينهما؟

يمكن التفريق بينهما بما يلي :

١ ـ أنّ المعجزة أمر خارق للعادة يقترن بإدعاء النبوة ، بخلاف الكرامة ، فإنّها ليست مقرونة بهذا الإدعاء ، أي أنّ المعجزة والكرامة كلاهما أمر إلهي ، لكنّه إن صدر من عبد صالح من دون إدعاء يقال له : كرامة. وإن كان مقترناً للإدعاء يقال له : معجزة. إذن ، فالمعجزة في حالة الإدعاء للنبوة أو الإمامة ـ باعتبارهما دليل إلهي لإتمام الحجة على الناس ، وإثبات مقامهما

__________________

(٤٨٧) ـ إعداد مجمع البحوث الإسلامية : شرح المصطلحات الكلامية / ٢٨٦.


من باب اللطف ـ ، مقترناً بالتحدي لمن خالف ذلك مما يؤدي إلى عجز المخالف عن المكابرة.

٢ ـ إنّ المعجزة لا بد أن تقع وقت الطلب ، ولا يمكن تأخيرها ؛ حتى لا يلزم كذب المرسل إلى هداية الخلق من قبل الله تعالى. بخلاف الكرامة ، فإنّه يجوز إظهارها تفضلاً وإكراماً للولي وتشريفاً لا لزوم فيها ولا تحتمة ، وفائدتها صيانة ا لولي عن التعدي عليه وهتك حرمته ، وبظهور الكرامة لديه لا يمتهن ولا يحتقر ، بل يعظم ويحترم.

٣ ـ أطلق بعض العلماء إسم المعجزة على كل الخوارق للعادة ، التي صدرت من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو الأئمة عليهم السلام سواء صدرت في مقام التحدي أو في غير مقام التحدي. إلا أنّ البعض الآخر قسم الكرامة إلى قسمين :

أولهما ـ الكرامة الثابتة للرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو الإمام عليه السلام ، وأنّها بيده وإختياره ، فإنّ أراد حصولها ؛ حصلت بإذن الله تعالى ، وإن لم يرد لم تحصل.

ثانيهما ـ الكرامة الثابتة لأولياء الحق من العبّاد والزهّاد الصالحين والشهداء والعلماء والأتقياء الورعين. فغالباً لا تكون باختيارهم ، فإنّ دعوتهم لشخص أو عليه ، قد تستجاب وقد لا تستجاب ، وكذلك ما يطلبونه لأنفسهم ، وأن ظهور الكرامة على يد أحدهم ، دليل على فضله وكونه مقرباً عند الله عَزّ وجَلّ.

الثالث ـ نهضة الحسين (عليه السلام) في نظر الآخرين :

إنّ نهضة الحسين عليه السلام ذات طابع روحاني مقدس يُهيمن على النفوس البشرية بشتى مللها ودياناتها ، وقد تفاعل معها منذ حدوثها بعض علماء اليهود والنصارى ، وقتلوا في مجلس يزيد (لع) ، بل استشهد فيها بعض من لا يعتقد


بالحسين عليه السلام ، أمثال : وهب الكلبي ، فقد كان نصرانياً قبل دخوله في أنصار الحسين عليه السلام ، وكذلك زهير بن القين ، فقد كان عثمانياً ، كما هو مذكور في السيرة الحسينية ، وما زالت محوراً للدراسة والبحوث إلى يومنا هذا.

فقد ظهرت في هذا العصر عِدّة كتب ومقالات وبحوث ودراسات ، هدفها إعادة كتابة التاريخ الإسلامي من جديد ، ومن بين تلك الدراسات واقعة كرباء وما تحويه من شعائر حسينية. إلا أنّ الواقع هو تحريف التاريخ الإسلامي ، وهذا واضح للباحث والقارئ المنصف ، حينما يتأمل في خطوات هذه الدراسات ؛ إذ يلاحظ مبدأ التشكيك والرفض ، ونزع لباس الحقيقة والموضوعية عنها ، بجمع الأكاذيب والإفتراءات التي قيلت وكتبت فيها ، والهدف من كل ذلك هو تشوييها وتحريفها عن واقعها ، ورسم صورة سوداء وغريبة في مخيلة القارئ ، بحيث تجعله يستعد نفسياً وعقلياً لتقبل تلك التشكيكات والطعون ، بعيداً عن البحث النزيه ، والحقيقة أنّ هذه الأفكار تدور في حلقة مفرغة لا تتعداها ، لا تفهم إلا لغة السب والشتم والقذف من دون دليل أو برهان ، لكل من يعتقد بقداسة وشعائر هذه النهضة الحسينية ، إلا أنّ هذا لا يُغيِّر من الواقع شيئاً ؛ إذ يوجد كثير من العقلاء الأحرار من المسلمين وغيرهم ، ممن وقف أمام هذه النهضة الحسينية وقفة إجلال وإكبار ، نذكر منهم ما يلي :


١ ـ الشيخ عبد الله العلايلي(٤٨٨) :

درس الشيخ عبد الله العلايلي التاريخ يثقافة واعية ، وتجرّد وموضوعية وجرأة ، بعيداً عن التعصب الأعمى ، والنزعات المذهبية ، تعاطى مع قضية الحسين عليه السلام بحيادية وتجرد عن الميول والهوى ، قرأ حياة الحسين عليه السلام وحياة يزيد. قرأ سيرة بني هاشم ، وسيرة بني أمية ، وبعد دراسة السيرتين أحصى أعمال الهاشميين ، وإذا بها تدور في حقل الفضائل ، متناهية في حبّ الخير وفعله. وأحصى أعمال الأمويين ؛ فوجدها تدور في حقل الشرّ والحقد ، والإنتقام. والدسائس ، والدهاء. والمكر والقتل. عرض أعمال الهاشميين وتركها تشرق بفضائلها. وعرض أعمال الأمويين تتلفّح بعتمة الشرّ

كان منصفاً لم يحاول تجميل خبائث الأمويين ، وتصرفاتهم مثلما فعل كثير من المؤرخين الذين وقعوا في فتنة الأمويين ، فبدّلوا سيئاتهم إلى حسنات ، ودافعوا عن شرورهم ومفاسدهم ، أو ممن كتب بروح عدائية لآل البيت عليهم السلام أمثال : أبي بكر بن العربي ، المتوفي ام (٥٤٣ هـ) ، وعبد الرحمن بن خلدون المتوفي (٨٠٨ هـ) ، صاحب المقدمة التي تضمنت أسساً لكتابة التاريخ ، وما إستطاع أن يعمل بها عند ما كتب عن الحسين عليه السلام ، بل أظهر نصبه وتخبطه في ذلك ، فقد سار هؤلاء على منهاج يزيد ، وابن زياد ، وعمر بن سعد ، إلا أنّهم

__________________

(٤٨٨) ـ علم من أعلام المسلمين اللبنانيين ؛ فهو لغوي ، عريق مجدد ، وأديب مبدع : شعراً ونثراً. وفقيه ومصلح إجتماعي سياسي. ولد في بيروت سنة (١٩٢٤ م) ، الموافق لسنة (١٣٣٥ هـ) ، وتلقى علومه الإبتدائية في مدارس جمعية المقاصد ، ثم تابع تحصيله العلمي في الأزهر الشريف بالقاهرة من عام (١٩٢١ م حتى عام ١٩٢٧ م). ومما ينبغي الإشارة به ، أن الشيخ العلايلي أظهر إهتماماً كبيراً بالدرس والإتجاه بكله إلى العلم ، وإنتفع بتجارب نخبة من الأعلام ، حتى تسنى له أن يصل إلى هذه المكانة من النشاط الثقافي المنقطع النظير ، حتى حاز هذه المنزلة في العالم العربي والاسلامي. وافاه الأجل المحتوم ، مساء الثلاثاء في ٣ كانون الأول سنة (١٩٩٦ م).


أسفوا ، لأنّهم لم يكونوا على عهده ليشركوا في دمه ، فشاركوا في قتل مبدئه وشعائر نهضته. نعم إنّها الجرأة التي حملت الشيخ العلايلي على الخوض في هذا الموضوع ، لكشف المغالطات التاريخية التي سيطرت على قضية الحسين عليه السلام ، تعاطى مع هذه النهضة في كتبه الثلاثة التي أدرجها تحت عنوان الإمام الحسين عليه السلام : (ـ تاريخ الإمام الحسين ـ نقد وتحليل ، وأيام الحسين ، وسمو المعنى في سمو الذات ، أو أشعة من حياة الحسين). بحيث شغل فكره في سيرة الحسين عليه السلام وأخباره ، ويمكن التركيز على نقاط مهمة في حياة وسيرة الحسين عليه السلام نذكر منها التالي :

الأولى ـ طفولة الحسين (عليه السلام) :

قال الشيخ العلايلي (ره) : «جاء في أخبار الحسين أنّه كان صورة إحتبكت ظلالها من أشكال جده العظيم ، فأفاض النبي عليه شُعَاعة غامرة من حبه وأشياء نفسه لِيَتمَّ له أيضا من وراء الصورة معناها ، فتكون حقيقته ، من بعدُ كما كانت من قبلُ ، إنسانية إرتقت إلى نبوّة (أنا منْ حُسَيْن).

ونبوّة هبطت إل ىإنسانية (حُسَيْنٌ مني) فسلام عليه يوم ولد

والحسين الطفل حَلّ في بيئة النبوة التي هي الإنسانية العليا في المظهر البشري ، فكان بذلك أسمى رجل ؛ لأنّه أسمى طفل في أسمى بيئة. فسلام عليه يوم ولد ...»(٤٨٩) .

وقال أيضاً : «إرتحل الحسين عليه السلام ظهر جده العظيم وهو ساجد في الصلاة ، وجاء في الحديث إنّ أقرب ما يكون المرء من ربه وهو ساجد.

__________________

(٤٨٩) ـ العلايلي ، الشيخ عبد الله : الإمام الحسين / ٢٩٠ ـ ٢٩١.


ومع هذا أنّ النبوة الساجدة كانت معراجاً روحياً لهذا الطفل الذي إستودع في النبي أسراره العظمى وإنسانيته العليا. فسلام عليه يوم ولد»(٤٩٠) .

الثانية ـ شخصية الحسين (عليه السلام) :

«ونحن إذا قدمنا حسيناً بين العظماء ، فإنا لا نقدم فيها عظيماً فحسب ، وإنما نقدم فيه عظيماً دونه كل عظيم ، وشخصية أسمى من كل شخصية ، ورجلاً فوق الرجال مجتمعين.

فرجل كيفما سموت به من أي جهاته إنتهى بك إلى عظيم ، فهو ملتقى عظمات ومجمع أفذاذ ؛ فإنّ من ينبثق من عظمة النبوة (محمد) ، وعظمة الرجولة (علي) ، وعظمة الفضيلة (فاطمة) ، يكون امثولة عظمة الإنسان ، وآية الآيات البينات ، فلم تكون ذكراه ذكرى رجل بل ذكرى الإنسانية الخالدة ، ولم تكن أخباره أخبار بطل بل خير البطولة الفذّة.

ومن ثم كان جديراً بنا أن نستوحيه على الدوام ، كمصدر إلهامي إنبثق وهاجاً قوياً ، وإمتد بأنواره أجيالاً وأجيالاً. ولا يزال يسطع كذلك حتى ينتظم اللانهايات وينفذ إلى ماوراء الأرض والسموات ، وهل لنور الله حد يقف عنده أو مَعْلم ينتهي إليه (ويأبى الله إلا أن يتمّ نوره).

على أنّ السبط الشهيد عليه السلام من وجه آخر ، تمت به روعة القداسة التي إبتدأت بجده المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم فإنّ القداسة جلالها ، ولكن روعة القداسة لن تكون إلا بالدم على جوانبها.

نحيى الطهارة في بيتها

إطار الطهارة قُدسٌ ودم

__________________

(٤٩٠) ـ المصدر السابق / ٢٩٣.


فلتسمع الأجيال ولتستيقظ الإنسانية ، على صوت الرّجاف الذي ينبعث من أعماق الرّجم ومن وراء القبور ، حياً جيّاشاً ينفذ إلى الأعماق فتستعر له الضمائر ، وينثال إلى مواطن الشعور فيحيا به الوجدان ، وعلى نبرات مثل هذا الصوت فقط ، يتأتى للإنسانية أن تغسل آثامها وتخلص من أدرانها وتتطهر من أرجاسها ، حتى تعود إنسانية كما أرادتها الشرائع واحتفلت بها الأديان. وحتى تكون إنسانية عمادها المثل العليا والفضائل الصالحة والخير المطلق وإحقاق الحق ، فإنّ لهذه الخصال وحدها ضَحّى الحسين عليه السلام»(٤٩١) .

هذه بعض المقتطفات التي ذكرها الشيخ العلايلي (ره) من دراسته لشخصية الحسين عليه السلام ونهضته المباركة.

٢ ـ الأديب الكبير بولس سلامه(٤٩٢) .

لقد أبرز مرئياته ودراسته حول الحسين عليه السلام ونهضته المباركة ، من خلال مقدمته لملحمته (عيد الغدير) ، مع العلم بأنه مسيحي العقيدة ؛ إلا أنّ حرية

__________________

(٤٩١) ـ المصدر السابق / ٩٠ ـ ٩١.

(٤٩٢) ـ بولس يوسف سلامة ، أديب لبناني ، واسع المعرفة ، من الرعيل الأول من أدباء العرب ، ولد في قرية (بتدين اللقش) ، قضاء جزين (لبنان الجنوبي) ، سنة (١٩٠٢ م) ، درس في مدرسة قريته ، ثم دخل مدرسة الأخوة المريمين في صيدا سنة (١٩١٣ م) ، لم تكتمل السنة المدرسية حتى وقعت الحرب العالمية الأولى ، فانقطع عن الدرس حتى سنة (١٩١٨ م) ، ثم دخل مدرسة الحكمة ، ثم مدرسة الفرير في صيدا وجونيه ، فكان مجموع سني الدراسة في هذه الفترة ثلاث سنوات ، ثم دخل بعدها مدرسة الحقوق الفرنسية في بيروت ، ونال شهادة (الليسانس) ، وقد تدرج في المحاماة زهاء سنتين ، ثم انخرط في سلك القضاء مدة خمس عشرة سنة. وقد نظم بين سنة (١٩٤٦ م) ، وسنة (١٩٤٨ م) ، أروع مطولاته التي طبعت في كراريس على حده ، وهي : علي والحسين ، وفلسطين وأخواتها ، والأمير بشير. أما آياته ؛ فهي ملحمة (عيد الغدير) ، أو ملحمة عربية تنطوي على ثلاثة آلاف وخمسمائة بيت من الشعر الرفيع ، وتناول أهم نواحي التاريخ الإسلامي. أصيب بناسور في العمود الفقري منذ سنة (١٩٣٦ م) ، وبقي على فراش المرض منذ سنة (١٩٤٢ م) ، حتى وافاه الأجل عام (١٩٧٩ م).


الفكر المبتني على الإنصاف ، هو الذي دعاه إلى ذلك. ويمكن تلخيص هذه الدراسة من خلال التالي :

أولاً ـ إختيار الشخصية :

وقد أشار إلى ذلك بقوله : «ولا يخفى أنّ في ذلك نشراً لناحية عظمى من التاريخ العربي ، وأنّ العروبة المستيقظة اليوم في صدور أبنائها من المغرب الأقصى إلى آخر جزيرة العرب ، لأحوج ما تكون إلى التمثل بأبطالها الغابرين ، وهم أكثر ، على أنّه لم يجتمع لواحد منهم ما اجتمع لعلي من البطولة والعلم والصلاح ، ولم يقم في وجه الظالمين أشجع من الحسين ، فقد عاش الأب للحق وجَرّد سيفه للذياد عنه منذ يوم بدر ، واستشهد الابن في سبيل الحرية يوم كربلاء ، ولا غرو فالأول ربيب محمد ، والثاني فلذة منه»(٤٩٣) .

ثانياً ـ مبررات الإختيار :

وقد برر وبرهن على إختيار الشخصية من خلال ما يلي :

١ ـ «ولما عزمت على النظم إنصرفت إلى درس المراجع التأريخية ولكنني قطعاً للظن والشبهات ـ قلما إعتمدت مؤرخي الشيعة بل الثقات من أهل السنة ـ الذين عصمهم الله من فتنة الأمويين ـ ، وتقيدت بالتاريخ جهد الإستطاعة ، فلو تقيدت أكثر مما فعلت ؛ لكنت كاتب عدل يخضع التاريخ للقوافي»(٤٩٤) .

«ورب قارئ حسبني متحاملاً على بني أمية ، ويعلم الله أني لم أقل فيهم إلا ما أجمعت عليه السير النبوية ، ومؤرخو الإسلام : كأبي الفداء ، والمسعودي ، والطبري ، وابن الأثير ، وابن خلكان.

__________________

(٤٩٣) ـ سلامة ، بولس : عيد الغدير / ٨.

(٤٩٤) ـ نفس المصدر.


وما أقره الأدباء المعاصرون ، وقد أشرت إلى مراجع في الهوامش ؛ ليكون الكلام على بينة ، ولا ريب أنّ الأمويين شادوا في الشرق والغرب حضارة لها مكانتها الشامخة في عين من ينظر إلى الدنيا ولكنني قمت بالمقاييس الروحية ، وإنّ قصور العالم جميعاً لا تعادل في كفة الفضيلة جناح بعوضة.

فإنّ سقراط الفيلسوف الخيّر الذي كان يمشي حافياً في أسواق أثينا لأجلّ قدراً في ميزان القيم الروحية من الإسكندر على عرشه ، ومن كسرى انوشروان في ايوانه»(٤٩٥) .

٢ ـ ورُبّ معترض قال : «ما بال هذا المسيحي يتصدى لملحمة إسلامية بحتة؟

أجلّ إنني مسيحي ولكن التاريخ مشاع للعالمين. أجلّ إني مسيحي ينظر من أفق رحب لا من كوة ضيقة ، فيرى في غاندي الوثني قديساً ، مسيحي يرى (الخلق كلهم عيال الله) ، ويرى أن (لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى) ..»(٤٩٦)

٣ ـ «بقي لك بعد هذا أن تحسبني شيعياً ، فإذا كان التشيع تنقصاً لأشخاص ، أو بغضاً لفئات ، أو تهوراً في المزالق الخطرة فلست كذلك ، أما إذا كان التشيع حباً لعلي وأهل البيت الطيبين الأكرمين ، وثورة على الظلم وتوجعاً لما حَلّ بالحسين وما نزل بأولاده من النكبات في مطاوي التاريخ ، فإنني شيعي»(٤٩٧)

__________________

(٤٩٥) ـ المصدر السابق / ٩ ـ ١٠.

(٤٩٦) ـ نفس المصدر.

(٤٩٧) ـ نفس المصدر / ١٢.


هذه بعض النماذج من الأقلام الحرّة من غير الشيعة ـ سواء كانوا مسلمين أو غيرهم ـ ، وهذا دليل واضح على مظلومية سيد الشهداء عليه السلام الذي جذب إليه القلوب ؛ فهذا المسلم ، والمسيحي ، والمجوسي ، والبوذي ، يقف بخضوع إعظاماً للحسين عليه السلام ونهضته المباركة ، ولم نرَ شخصية لقيت هذا الإهتمام والعناية من جميع الفئات الفكرية المختلفة جيلاً بعد جيل ، كالحسين عليه السلام. ومن الشواهد على ذلك ما قاله الكاتب الفرنسي (الدكتور جوزف) : «ومن جملة الأمور التي صارت سبباً في ترقي هذه الفرقة وشهرتها في كل مكان ، هو غزادة أنفسهم بالرأي الحسن ؛ بمعنى أنّ هذه الطائفة بواسطة مجلس المآتم واللطم والدوران وحمل الأعلام في مأتم الحسين ، جلبت إليها قلوب باقي الفرق ، بالجاه والإعتبار ، والقوة والشوكة». ويختم الكاتب كلامه بقوله : «لهذا نرى أنّه في كل مكان ولو كانت جماعة من الشيعة قليلة ، يظهر عددها في الأنظار بقدر ما هي عليه مرتين ، وشوكتها وقدرتها بقدر ما هي عليه عشرات المرات ، وأكثر أسباب معروفية هؤلاء القوم وترقيهم هي هذه النكبة. ومصنفوا أوربا الذين كتبوا تفصيل مقاتلة الحسين وأصحابه وقتلهم ، مع أنّه ليس لهم عقيدة بهم قط ، أذعنوا بظلم قاتليهم وتعدّيهم ، وعدم رحمتهم ، ويذكرون أسماء قاتليهم بالإشمئزاز ، وهذه الأمور طبيعية لا يقف أمامها شيء ، وهذه النكبة من المؤيدات الطبيعية لفرقة الشيعة»(٤٩٨) .

السؤال الثالث : يتساءل بعض شبابنا قائلاً : نسمع ونقرأ قصصاً مفادها ، أنّ السماء إحمرّت وأمطرت دماً عبيطاً ، وأنّ التربة التي أودعت عند أم سلمة (رض) تحوّلت إلى دم عبيط ، وأنّ بعض الأشجار

__________________

(٤٩٨) ـ الشهرستاني ، السيد صالح : تاريخ النياحة ، ج ٢ / ٣٥ ـ ٣٦.


في اليوم العاشر من المحرم في كل عام يسيل منها الدم ، وجاء في زيارة الإمام الصادق عليه السلام لجده سيد الشهداء عليه السلام : (أشهد أنّ دمك سكن في الخلد ، واقشعرّت له أظلة العرش) ، فهل كل ذلك صحيح أم لا؟ ولماذا التركيز على الدم؟

يتضح جواب هذا السؤال بعد دراسة العنوانين التاليين :

الأول ـ صحة هذه القصص والروايات :

قصص وروايات الدم المرتبطة بشهادة الحسين عليه السلام ، هي من الواضحات في كتب المسلمين كالتالي :

أولاً ـ في كتب السنة والجماعة :

ذكرت روايات الدم في كثير من مصادر العامة نتقصر منها على التالي :

١ ـ أسد الغابة ـ لإبن الأثير الجزري ، ت (٥٥٥ هـ أو ٦٣٠ هـ) :

بإسناده عن ابن عباس قال : (رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما يرى النائم نصف النهار ، وهو قائم أشعث أغبر ، بيده قارورة فيها دم ، فقلت : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما هذا الدم؟

ثال : هذا دم الحسين ، لم أزل ألتقطه منذ اليوم ، فوجد قد قتل في ذلك)(٤٩٩) .

٢ ـ أنساب الأشراف ـ لأبي جعفر البلاذري ، ت (٢٧٩ هـ) :

١ ـ قال البلاذري : حدثنا سعيد بن سليمان ، عن عباد بن العوام ، عن أبي حصين ، قال : (لما قتل الحسين مكثوا شهرين أو ثلاثة أشهر ، وكأنما يلطخ الحيطان بالدم ، من حين صلاة الغداة ، إلى طلوع الشمس).

__________________

(٤٩٩) ـ ابن الأثير ، علي بن محمد : أسد الغابة ، ج ٢ / ٣٠.


٢ ـ وقال : حدثني عمر بن شبه ، عن موسى بن إسماعيل ، عن حَمّاد بن سلمة ، عن سالم القاص قال : (مطرنا أيّام قتل الحسين دما).

٣ ـ وقال : حدثني عمر بن شبة ، عن عفان ، عن حمادة عن هشام ، عن محمد بن سيرين قال : «لم نرّ هذه الحمرة في آفاق السماء حتى قتل الحسين».

٤ ـ وقال : وحدثت عن ابي عاصم النبيل ، عن بن جريح ، عن ابن شهاب قال : «ما رُفع حجر بالشام يوم قتل الحسين إلا عن دم»(٥٠٠) .

٣ ـ تاريخ الخلفاء ـ للحافظ أبي بكر السيوطي ، ت (٩١١ هـ) :

١ ـ قال السيوطي : «ولما قتل الحسين مكثت الدنيا سبعة أيام والشمس على الحيطان كالملاحف المعصفرة ، والكواكب يضرب بعضها بعضاً ، وكان قتله يوم عاشوراء ، وكسفت ذلك اليوم ، واحمرت آفاق السماء ستة أشهر بعد قتله ، ثم لا زالت الحمرة ترى فيها بعد ذلك ، ولم تكن ترى فيها قبله».

٢ ـ وقال : «إنّه لم يقلب حجر البيت المقدس يومئذ إلا وجد تحته دم عبيط ، وصار الورس الذي في عسكرهم رماداً ، ونحروا ناقة في عسكرهم ، فكانوا يرون في لحمها مثل النيران ، وطبخوها فصارت مثل العلقم ، وتكلم رجل في الحسين بكلمة ؛ فرماه الله بكوكبين من السماء فطمس بصره».

٣ ـ وقال : أخرج البيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال : (رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنصف النهار أشعث أغبر ، وبيده قارورة فيها دم ، فقلت : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، ما هذا؟ قال : هذا دم الحسين وأصحابه ، لم أزل ألتقطه منذ اليوم ، فأحصى ذلك اليوم فوجدوه قتل يومئذٍ)(٥٠١) .

__________________

(٥٠٠) ـ البلاذري ، أحمد بن يحيى : أنساب الأشراف / ترجمة الإمام الحسين (ع).

(٥٠١) ـ السيوطي ، عبد الرحمن بن أبي بكر : تاريخ الخلفاء / ٢٠٧ ـ ٢١٠.


٤ ـ تاريخ ابن عساكر ـ للحافظ علي بن الحسن الدمشقي ، ت (٥٧١ هـ) :

١ ـ ابن عساكر ، باسناده عن خلاد صاحب السمسم ـ قال : (حدثتني أمي قالت : كنّا زماناً بعد مقتل الحسين ، وإنّ الشمس تطلع محمرّة على الحيطان والجدران بالغداة والعَشيّ. قالت : وكانوا لا يرفعون جدراً إلا وجدوا تحته دماً).

٢ ـ وباسناده عن الأسود بن قيس قال : (إِحمرّت آفاق السماء بعد قتل الحسين ستة أشهر يرى ذلك في آفاق السماء كأنّها الدم).

قالت : فحدثت بذلك شريكاً فقال لي : ما أنت من الأسود؟ قلت : هو جدي أبو أمي.

قال : أما والله إن كان لصدوق الحديث ، عظيم الأمانة ، مكرماً للضيف.

٣ ـ وبإسناده عن أم شرف العبدية قالت : حدثتني نصرة الأزدية ، قالت : (لما قتل الحسين بن علي مطرت السماء دماً ، فأصبحت وكل شيء ملآن دماً).

٤ ـ وبإسناده عن حَمّاد بن زيد ، عن هشام ، عن محمد قال : (تعلم هذه الحمرة في الأفق ممّ هو؟

فقال : من يوم قتل الحسين بن علي).

٥ ـ وبإسناده عن يحيى بن السري ، عن روح بن عبادة ، عن ابن عون ، عن محمد بن سيرين قال : (لم تكن ترى هذه الحمرة في السماء حتى قتل الحسين بن علي).


٦ ـ وبإسناده عن مروان ـ مولى هند بنت المهلب ـ يقول : (قال أبو غالب : قال : حدثني بَوّاب عبيد الله بن زياد ، أنّه لما جيء برأس الحسين فوضع بين يديه ، رأيت حيطان دار الإمارة تتسايل دماً)(٥٠٢) .

٥ ـ تاريخ اليعقوبي ـ لأحمد بن إسحاق اليعقوبي ، ت (٢٨٤ هـ) :

قال : «.. وكان أول صارخة صرخت في المدينة أم سلمة زوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، كان دفع إليها قارورة فيها تربة ، وقال لها : إنّ جبرئيل أعلمني إنّ أمتي تقتل الحسين وأعطاني هذه التربة ، وقال لي : إذا صارت دماً عبيطاً فاعلمي أنّ الحسين قد قتل. وكانت عندها ، فلما حضر ذلك الوقت ؛ جعلت تنظر إلى القارورة في كل ساعة ، فلما رأتها قد صارت دماً ، صاحت : وا حسيناه ، وا ابن رسول الله ، وتصارخت النساء من كل ناحية ، حتى إرتفعت المدينة بالرجّة التي ما سُمِعَ بمثلها قط»(٥٠٣) .

٦ ـ تهذيب التهذيب ـ لابن حجر العسقلاني ، ت (٨٥٢ هـ) :

١ ـ وقال يعقوب بن سفيان : حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا حماد بن زيد ، عن معمر قال : (أول ما عرف الزهري تكلم في مجلس الوليد بن عبد الملك ، فقال الوليد : أيكم يعلم ما فعلت أحجار بيت المقدس يوم قتل الحسين بن علي؟ فقال الزهري : بلغني أنّه لم يقلب حجر إلا وجد تحته دم عبيط).

٢ ـ وقال ابن حجر في حاشية التهذيب : (لما قتل الحسين ، إسودت السماء نهاراً ، ووجد تحت أحجار بيت المقدس دم عبيط يوم قتله)(٥٠٤) .

__________________

(٥٠٢) ـ ابن عساكر ، علي بن الحسن : تاريخ ابن عساكر / ٢٤٣ ـ ٢٤٤ ترجمة الإمام الحسين (ع).

(٥٠٣) ـ اليعقوبي ، احمد بن إسحاق : تاريخ اليعقوبي ، ج ٢ / ٢٤٦.

(٥٠٤) ـ ابن حجر ، احمد بن علي : تهذيب التهذيب ، ج ٢ / ٣٥٢.


٧ ـ جامع كرامات الأولياء ـ ليوسف بن إسماعيل النبهاني ، ت (١٣٥٠ هـ) :

قال : «وحكى إنّ شخصاً حضر قتله عليه السلام فقط فعمي ، سئل عن سبب عماه فقال : إنّه رأى النبي وعشرة من قاتلي الحسين مذبوحين بين يديه صلى الله عليه وآله وسلم ثم لعنه وسَبّه بتكثيره سوادهم ، ثم أكحله بمرود من دم الحسين ، فأصبح أعمى»(٥٠٥) .

٨ ـ الخصائص الكبرى ـ للحافظ أبي بكر السيوطي ، ت (٩١١ هـ) :

١ ـ قال : وأخرج أبو نعيم ، عن أم سلمة قالت : (كان الحسن والحسين يلعبان ببيتي ، فنزل جبريل فقال : يا محمد ، إنّ أمتك تقتل ابنك هذا من بعدك ، وأومأ إلى الحسين وأتاه بتربة فشَمّها ، ثم قال : ريح كرب وبلاء ، وقال : يا أم سلمة ، إذا تحولت هذه التربة دماً فاعلمي أنّ ابني قد تقل فجعلتها في قارورة).

٢ ـ قال : وأخرج أحمد ، والبيهقي ، عن ابن عباس قال : (رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في النوم ذات يوم نصف النهار أشعث أغبر بيده قارورة فيها دم ، فقلت : ما هذا؟ قال : هذا دم الحسين وأصحابه لم أزل ألتقطه منذ اليوم ، فأحصى ذلك الوقت فوجد قد تقل ذلك اليوم).

٣ ـ وأخرج البيهقي ، وابو نعيم عن الزهري قال : بلغني أنّه يوم قتل الحسين لم يقلب حجر من أحجار بيت المقدس إلا وجد تحته دم عبيط)(٥٠٦) .


٩ ـ ذخائر العقبى ـ لمحب الدين الطبري ، ت (٦١٥ أو ٦٩٤ هـ) :

١ ـ قال : عن جعفر بن سليمان قال : حدثتني خالتي أم سالم قالت : (لما قتل الحسين عليه السلام مطرنا مطراً كالدم على البيوت والجدر ، قالت : وبلغني إنّه كان بخراسان ، والشام والكوفة). قال : خَرّجه ابن بنت منيع.

٢ ـ وقال : وعن أم سلمة قالت : (لما قتل الحسين مطرنا دما).

٣ ـ وقال : وعن ابن لهيعة ، عن أبي قبيل قال : لما قتل الحسين بن علي عليه السلام بعث برأسه إلى يزيد ، فنزلوا أوّل مرحلة فجعلوا يشربون ويتحيّون بالرأس ، فبينما هم كذلك ؛ إذ خرجت عليهم من الحائط يد معها قلم حديد ، فكتبت سطراً بدم.

أترجوا أمّة قتلت حسيناً

شفاعة جدّهِ يوم الحسابِ

فهربوا وتركوا الرأس).

٤ ـ وقال : عن ابي نعيم ـ الحافظ في كتاب النبوة ـ عن نظرة الأزديّة إنّها قالت : (لما قتل الحسين بن علي ، أمطرت السماء دماً ، فأصبحنا وجبابنا (الآبار) ، وجرارنا مملوءة دماً)(٥٠٧) .

١٠ ـ الصواعق المحرقة ـ لابن حجر الهيثمي ، ت (٩٧٣ هـ) :

١ ـ قال : «ومما ظهر يوم قتله من الآيات أيضاً ، أنّ السماء إسودّت إسوداداً عظيماً ، حتى رؤيت النجوم نهاراً ، ولم يرفع حجر إلا وجد تحته دم عبيط».

__________________

(٥٠٧) ـ الطبري ، أحمد بن عبد الله : ذخائر العقبى / ١٤٧.


٢ ـ وقال : (وإنّ السماء إحمرّت لقتله ، وإنكسفت الشمس حتى بدت الكواكب نصف النهار ، وظن الناس أنّ السماء قد قامت ، ولم يرفع حجر في الشام إلا رؤي تحته دم عبيط).

٣ ـ قال : (ونقل ابن الجوزي ، عن ابن سيرين : (أنّ الدنيا أظلمت ثلاثة أيام ، ثم ظهرت الحمرة في السماء).

٤ ـ وقال : قال أبو سعيد : (ما رفع حجر من الدنيا إلا وتحته دم عبيط ، ولقد مطرت السماء دماً بقي أثره في الثياب مدّة حتى تقطعت).

٥ ـ وقال : وأخرج الثعلبي : (أنّ السماء بكت وبكاؤها حمرتها).

٦ ـ وقال : وإنّ ابن سيرين قال : (أخبرنا إنّ الحمرة التي مع الشفق لم تكن قبل).

٧ ـ وقال : وذكر ابن سعد : (إنّ هذه الحمرة لم تُرَ في السماء قبل قتله).

٨ ـ وقال : قال ابن الجوزي : (وحكمته أنّ غضبنا يؤثر حمرة الوجه ، والحق ننزّه عن الجسميّة فأظهر تأثير غضبه على من قتل الحسين بحمرة الأفق ، إظهاراً لعظم الجناية)(٥٠٨) .

١١ ـ الكامل في التاريخ ـ لابن الأثير ، علي بن محمد ، ت (٦٣٠ هـ) :

١ ـ قال : (ومكث الناس شهرين أو ثلاثة ، كأنما تلطخ الحوائط بالدماء ساعة تطلع الشمس حتى ترتفع).

٢ ـ قال ابن عباس : (رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم الليلة التي قتل فيها الحسين بيده قارورة وهو يجمع فيها دماً. فقلت : يا رسول الله ما هذا؟ قال : هذه دماء الحسين

__________________

(٥٠٨) ـ ابن حجر ، أحمد بن علي : الصواعق المحرقة / ١٩٠ ـ ١٩٤.


وأصحابه أرفعها إلى الله تعالى ، فاصبح ابن عباس ، فأعلم الناس بقتل الحسين وقصّ رؤياه ، فوجد قد قتل الحسين في ذلك اليوم).

٣ ـ وروي : (أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعطى أم سلمة تراباً من تربة الحسين حمله إليه جبرئيل ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأم سلمة : إذا صار هذا التراب دماً ؛ فقد قتل ال حسين. فحفظت أم سلمة ذلك ، التراب في قارورة عندها ، فلما قتل الحسين ؛ صار التراب دماً ، فأعلمت الناس بقتله أيضاً)(٥٠٩) .

١٢ ـ مجمع الزوائد ـ للحافظ أبي بكر الهيثمي ، ت (٩٧٣ هـ) :

١ ـ قال : عن دويد الجعفي ، عن أبيه قال : (لما قتل الحسين عليه السلام أنتهبت جزور من عسكره ، فلما طبخت إذا هي دم). رواه الطبراني ورجاله ثقات.

٢ ـ وقال : وعن الزهري قال : قال لي عبد الملك : (أيّ واحد أنت إن أعلمتني أيّ علامة كانت يوم قتل عليه السلام؟ فقال : قلت : لم تُرفع حصاة ببيت المقدس إلا وجد تحتها دم عبيط ، فقال لي عبد الملك : إني وإياك في هذا الحديث لقرينان). قال : رواه الطبراني ، ورجاله ثقات.

٣ ـ وقال : عن محمد بن سيرين قال : (لم تكن في السماء حمرة حتى قتل الحسين)(٥١٠) .

١٣ ـ مستدرك الصحيحين ـ للحاكم النيسابوري ، ت (٤٠٥ هـ) :

١ ـ قال : بسنده عن عمّار بن عمّار ، عن ابن عباس ، قال : (رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما يرى النائم نصف النهار ، أشعث وأغبر معه قارورة فيها دم ، فقلت : يا نبي الله ، ما هذا؟

__________________

(٥٠٩) ـ ابن الأثير ، علي بن محمد : الكامل في التاريخ ، ج ٤ / ٩٠ ـ ٩٣.

(٥١٠) ـ الهيثمي ، علي بن أبي بكر : مجمع الزوائد ج ٩ / ١٩٦ ـ ١٩٧.


قال : هذا دم الحسين وأصحابه ، لم أزل ألتقطه منذ اليوم. قال : فأحصي ذلك اليوم ، فوجدوه قتل قبل ذلك بيوم ، قال : هذا حديث صحيح على شرط مسلم)(٥١١) .

١٤ ـ ينابيع المودّة ـ للحافظ الحنفي القندوزي ، ت (١٢٩٤ هـ) :

١ ـ قال : وفي جواهر العقدين : أخرج البيهقي ، عن الزهري قال : (دخلت على عبد الملك بن مروان فقال لي : يا ابن شهاب ، أتعلم ما كان في بيت المقدس ، صباح قتل علي بن أبي طالب؟ قلت : نعم. قال : هَلمّ ، فقمنا حتى أتينا خلف العقبة وخلينا عن الناس ، فقال لي : لم يُرفَع حجر من بيت المقدس إلا وجد تحته دم. فقال : لم يبق أحد يعلم هذا غيري وغيرك ، فلا يسمعنّ هذا منك هذا أحد. قال : فما حدّثت به حتى توفي)(٥١٢) .

ثانياً ـ في كتب الشيعة الإمامية :

هناك الكثير من المصادر الشيعية التي تعرضت لأخبار وقصص الدم ، المرتبطة بمقتل وشهادة سيد الشهداء عليه السلام ، منذ شهادته إلى عصرنا الحاضر ، نذكر منها ما يلي :

١ ـ أمالي الصدوق ـ للشيخ محمد بن علي بابويه القمي ، ت (٣٨١ هـ) :

١ ـ بإسناده عن المفضل بن عمر ، عن الصادق (جعفر بن محمد) ، عن أبيه ، عن جده عليه السلام ، (أنّ الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام ، دخل يوماً إلى الحسن عليه السلام ، فلما نظر إليه ؛ بكى فقال له : ما يبكيك يا أبا عبد الله؟ قال : أبكي لما يصنع بك. فقال له الحسن عليه السلام : إنّ الذي يؤتى إلى سمّ

__________________

(٥١١) ـ النيسابوري ، محمد بن عبد الله : مستدرك الصحيحين ، ج ٤ / ٣٩٧.

(٥١٢) ـ القندوزي ، سليمان بن ابراهيم : ينابيع المودة ، ج ٢ / ١٥٤.


يُدس إليّ فأقتل به ، ولكن لا يوم كيومك يا أبا عبد الله ، يزدلف إليك ثلاثون الف رجل ، يَدّعون أنهم من أمّة جدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وينتحلون دين الإسلام ، فيجتمعون على قتلك وسفك دمك ، وإنتهاك حرمتك ، وسبي ذراريك ونسائك ، وإنتهاب ثقلك ، فعندها تحلّ ببني أميّة اللعنة ، وتمطر السماء رماداً ودماً ، ويبكي عليك كل شيء حتى الوحوش في الفلوات ، والحيتان في البحار)(٥١٣) .

٢ ـ في حديث ابن عباس مع أمير المؤمنين عليه السلام حينما خرج إلى صفين ، ونزل نينوى بشط الفرات ، ذكر حديث مرور عيسى بن مريم عليها السلام مع الحواريين بهذه البقعة الطاهرة ، ورأى الظباء مجتمعة فبكى وأخبر الحواريين عن سبب بكائه ، قائلاً : (فهذه الظباء تكلمني وتقول : إنّها ترعى في هذه الأرض شوقاً إلى تربة الفرخ المبارك ، وزعمت أنّها آمنة في هذه الأرض ، ثم ضرب بيده إلى هذه الصيران فشمها وقال : هذه بعر الظباء على هذا الطيب لمكان حشيشها ، اللهم فابقها أبداً حتى يشمها أبوه ، فيكون له عزاء وسلوة) قال : فبقيت إلى يوم الناس هذا وقد إصفرّت لطول زمنها ، وهذه أرض كرب وبلاء ، ثم قال بأعلى صوته : يا رب عيسى بن مريم لا تبارك في قتلته والمعين عليه والخاذل له ، ثم بكى بكاءً طويل وبكينا معه حتى سقط لوجهه وغشى عليه طويلاً ، ثم أفاق فأخذ البعر فصَرّه في ردائه ، وأمرني أن أصرّها كذلك.

ثم قال : يا ابن عباس ، إذا رأيتها تنفجر دماً عبيطاً ، ويسيل منها دم عبيط ، فاعلم إنّ أبا عبد الله قد قتل بها ودفن. قال ابن عباس : فوالله لقد كنت

__________________

(٥١٣) ـ الصدوق ، الشيخ محمد بن علي بابويه القمي : أمالي الصدوق / ١٠١ (مجلس ٢٤ ـ حديث ٣).


احفظها أشدّ من حفظي لبعض ما إفترض الله عَزّ وجَلّ عليّ ، وأنا لا أحلها من طرف كمي ، فبينما أنا نائم في البيت إذ إنتبهت ، فإذا هي تسيل دماً عبيطاً ، وكان كمي قد إمتلأ دماً عبيطاً ، فجلست وأنا باكٍ : قد قتل والله الحسين ، والله ما كذبني عليُ قط في حديث حدثني ، ولا أخبرني بشيء قط أنّه يكون إلا كان كذلك ؛ لأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يخبره بأشياء لا يخبر بها غيره ، ففزعت وخرجت وذلك عند الفجر ، فرأيت والله المدينة كأنّها ضباب لا يستبين منها أثر عين ، ثم طلعت الشمس فرأيت كأنها منكسفة ، ورأيت كأنّ حيطان المدينة عليها دم عبيط ، فجلست وأنا باكٍ فقلت : قد قتل والله الحسين ، وسمعت صوتاً من ناحية البيت وهو يقول :

اصبروا آل الرسول

قتل الفرخ النحول

نزل الروح الأمين

ببكاء وعويل

ثم بكى بأعلى صوته وبكيت ، فأثبت عندي تلك الساعة ، وكان شهر المحرم يوم عاشوراء لعشر مضين منه ، فوجدت قتل يوم ورد علينا خبره وتاريخه كذلك ، فحدثت هذا الحديث أولئك الذين كانوا معه ، فقالوا : والله لقد سمعنا ما سمعت ونحن في المعركة ، ولا ندري ما هو فكنا نرى إنّه الخضر عليه السلام)(٥١٤) .

٣ ـ بإسناده عن جبلة المكية قالت : سمعت ميثم التمار يقول : (والله لتقتلن هذه الأمة ابن نبيها في المحرم ، لعشر مضين منه ، وليتخذن أعداء الله ذلك اليوم يوم بركة ، وإنّ ذلك لكائن قد سبق في علم الله تعالى ذكره ، أعلم ذلك بعهد عهده إلى مولاي أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) ، ولقد أخبرني أنّه

__________________

(٥١٤) ـ المصدر السابق / ٤٧٩ ـ ٤٨٠ (مجلس ٨٧ ـ حديث ٥).


يبكي عليه كل شيء حتى الوحوش في الفلوات ، والحيتان في البحار ، والطير في جو السماء ، وتبكي عليه الشمس والقمر والنجوم والسماء والأرض ، ومؤمنوا الإنس والجن ، وجميع ملائكة السماوات ، ورضوان ، ومالك ، وحملة ، العرش ، وتمطر السماء دماً ورماداً.

ثم قال : وجبت لعنة الله على قتلة الحسين عليه السلام ، كما وجبت على المشركين الذين يجعلون مع الله إلهاً آخر ، وكما وجبت على اليهود والنصارى والمجوس. قالت جبلة : فقلت له : يا ميثم ، وكيف يتخذ الناس ذلك اليوم الذي يقتل فيه الحسين بن علي عليهما السلام يوم بركة؟ فبكى ميثم ثم قال : سيزعمون بحديث يضعونه أنّه اليوم الذي تاب الله فيه على آدم عليه السلام ، وإنما تاب الله على آدم عليه السلام في ذي الحجة ، ويزعمون أنّه اليوم الذي قبل الله توبة داود ، وإنما قبل الله توبته في ذي الحجة ، ويزعمون أنّه اليوم الذي أخرج الله فيه يونس من بطن الحوت ، وإنما أخرجه الله من بطن الحوت في ذي القعدة ، ويزعمون أنّه اليوم الذي إستوت فيه سفينة نوح على الجودي ، وإنما إستوت على الجودي يوم الثامن عشر من ذي الحجة ، ويزعمون أنّه اليوم الذي فلق الله فيه البحر لبني إسرائيل ، وإنّما كان ذلك في شهر ربيع الأول. ثم قال ميثم : يا جبلة ، إعلمي أنّ الحسين بن علي سيد الشهداء يوم القيامة ، ولأصحابه على سائر الشهداء درجة ، يا جبلة ، إذا نظرت إلى الشمس حمراء كأنّها دم عبيط فاعلمي أنّ سيدك الحسين قد قتل. قالت جبلة : فخرجت ذات يوم فرأيت الشمس على الحيطان كأنها الملاحف المعصفرة ، فصحت حينئذ وبكيت وقلت : قد والله قتل سيدنا الحسين بن علي عليه السلام)(٥١٥) .

__________________

(٥١٥) ـ المصدر السابق / ١١٠ ـ ١١١ (مجلس ٢٧ ـ حديث ١).


٢ ـ بحار الأنوار ـ للشيخ محمد باقر المجلسي ، ت (١١١١ هـ) :

١ ـ بإسناده عن أم سلمة (رض) أنّها قالت : (خرج رسول الله من عندنا ذات ليلة فغاب عنّا طويلاً ، ثم جاءنا وهو أشعث أغبر ، ويده مضمومة فقالت له : يا رسول الله ، مالي أراك شعثاً مغبراً؟ فقال : أسري بي في هذا الوقت إلى موضع من العراق يقال له : كربلاء فرأيت فيه مصرع الحسين إبني وجماعة من ولدي وأهل بيتي ، فلم أزل ألقط دماءهم فها هو في يدي وبسطها إليّ فقال : خذيها فاحفظي بها فأخذتها فإذا هي شبه تراب أحمر ، فوضعته في قارورة وشددت رأسها واحتفظت بها. فلما خرج الحسين عليه السلام من مكة متوجهاً نحو العراق كنت أخرج تلك القارورة في كل يوم وليلة وأشمها ، وأنظر إليها ثم أبكي لمصابه. فلما كان (في) اليوم العاشر من المحرم ، وهو اليوم الذي قتل فيه عليه السلام أخرجتها في أول النهار وهي بحالها ، ثم عدت إليها آخر النهار فإذا هي دم عبيط ، فصحت في بيتي وبكيت وكظمت غيظي مخافة أن يسمع أعداؤهم بالمدينة فيتسرعوا بالشماتة فلم أزل حافظة للوقت واليوم حتى جاء الناعي ينعاه فحقق ما رأيت)(٥١٦) .

٢ ـ بإسناده عن عبد الرحمن بن محمد ، ابن عمر بن أبي سلمة ، عن جده ، عن أم سلمة قالت : (جاء جبرئيل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : إنّ أمتك تقتله ـ يعني الحسين ـ بعدك. ثم قال : ألا أريك من تربته؟ قالت : فجاء بحصيات فجعلهنَّ رسول الله في قارورة ، فلما كان ليلة قتل الحسين ؛ قالت أم سلمة : سمعت قائلاً :

__________________

(٥١٦) ـ المجلسي ، الشيخ محمد باقر : بحار الأنوار ، ج ٤٤ / ٢٣٩ ـ ٢٤٠.


أيها القاتلون جهلاً حسيناً

أبشروا بالعذاب والتنكيل

قد لعنتم على لسان داود

وموسى وصاحب الإنجيل

قالت : فبكيت ففتحت القارورة ، فإذا قد حدث فيها دم)(٥١٧) .

٣ ـ من معجزاته صلوات الله عليه أنّه لما اردا العراق قالت له أم سلمة : (لا تخرج إلى العراق فقد سمعت رسول الله يقول : يقتل ابني الحسين بأرض العراق ، وعندي تربة دفعها إليّ في قارورة ، فقال : إني والله مقتول ومصرع أصحابي ، ثم مسح بيده على وجهها ، ففسح الله عن بصرها حتى رأيا ذلك كله وأخذ تربة فأعطاها من تلك التربة أيضاً في قارورة أخرى ، وقال عليه السلام : إذا فاضت دماً ؛ فاعلمي أني قتلت. فقالت أم سلمة : فلما كان يوم عاشوراء ؛ نظرت إلى القارورتين بعد الظهر ، فإذا هما قد فاضتا دماً ، فصاحت. ولم يقلب في ذلك اليوم حجر ولا مدر إلا وجد تحته دم عبيط)(٥١٨) .

٤ ـ وبإسناده عن ابي بصير ، عن ابي عبد الله عليه السلام قال : (بعث هشام بن عبد الملك إلى أبي فأشخصه إلى الشام ، فلما دخل عليه قال له : يا أبا جعفر ، أشخصك لنسألك عن مسألة لم يصلح أن يسألك عنها غيري ، ولا أعلم في الأرض خلقاً ينبغي أن يعرف أو عرف هذه المسألة إن كان إلا واحد.

فقال أبي : ليسألني أمير المؤمنين ، عمّا أحبّ ، فإن علمت أجبت ذلك ، وإن لم أعلم قلت : لا أدري ، وكان الصدق أولى بي. فقال هشام : أخبرني عن الليلة التي قتل فيها علي بن ابي طالب ، بما إستدل به الغائب عن المصر

__________________

(٥١٧) ـ المصدر السابق ، ج ٤٤ / ٢٤١.

(٥١٨) ـ نفس المصدر ، ج ٤٥ / ٨٩.


الذي قتل فه على قتله؟ وما العلامة فيه للناس ، فإن علمت ذلك وأحببت فأخبرني ، هل كان تلك العلامة لغير علي عليه السلام فيه على قتله؟ فقال له أبي : يا أمير المؤمنين إنّه لما كان تلك الليلة التي قتل فيها أمير المؤمنين علي بن الب طالب عليهما السلام ، لم يرفع حجر عن وجه الأرض إلا وجد تحته دم عبيط حتى طلع الفجر ، وكذلك كانت الليلة ا لتي قتل فيها يوشع بن نون ، وكذلك الليل ، التي رفع فيها عيسى ابن مريم ، وكذلك كانت الليلة التي قتل فيها شمعون بن حمّون الصّفا ، وكذلك كانت الليلة قتل فيها علي بن ابي طالب عليهما السلام ، وكذلك كانت الليلة التي قتل فيها الحسين بن علي (عليهما السلام). قال : فتربّد وجه هشام حتى إنتقع لونه)(٥١٩) .

٥ ـ وبإسناده عن علي بن مُسهر ، عن جدّته قالت : (كنت أيام الحسين جارية شابّة ؛ فكانت السماء أياماً علقة)(٥٢٠) .

٦ ـ وبإسناده عن أم سرق العبديّة ، عن نرظة الأزدية قالت : (لما أنّ قتل الحسين عليه السلام ؛ مطرت السماء فأصبحت وكل شيء لنا ملآن دماً)(٥٢١) .

٣ ـ عوالم العلوم ـ للشيخ عبد الله البحراني الإصفهاني ، ت (القرن ١٢) :

بإسناده : عن عبد الله بن عمر الخزاعيّ ، عن هند بنت الجون قالت : (نزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بخيمة خالتها أم معبد ومعه أصحاب له ، فكان من أمره في الشاة ما قد عرفه الناس ، فقال في الخيمة هو وأصحابه حتى أبرد ، وكان يوم

__________________

(٥١٩) ـ المصدر السابق ، ج ٤٥ / ٢٠٣ ـ ٢٠٤.

(٥٢٠) ـ نفس المصدر / ٢١٦.

(٥٢١) ـ نفس المصدر / ٢١٦.


قائظ شديد حَرّه. فلما قام من رقدته دعا بماء فغسل يديه فأنقاهما ثم مضمض فاه ـ ومجّه على عَوْسَجَة كانت إلى جنب خيمة خالتها ـ ، ثلاث مرات ، وإستنشق ثلاثاً ، وغسل وجهه وذراعيه ، ثم مسح برأسه ورجليه وقال : لهذه العَوْسَجَة شأن ، ثم فعل من كان معه من أصحابه مثل ذلك ، ثم قام فصلى ركعتين ، فعجبت وفتيات الحيّ من ذلك ، وما كان عهدنا ولا رأينا مصلياً قبله. فلما كان من الغد أصبحنا وقد علت العوسجة حتى صارت كأعظم دوحة عارية وأبهى ، وخضد الله شوكها ، وساخت عروقها ، وكثرت أفنانها ، وإخضرّ ساقها وورقها ، فأثمرت بعد ذلك ، وأينعت بثمر كأعظم ما يكون من الكمأة في لون الوَرْس المسحوق ، ورائحة العنبر ، وطعم الشهد ، والله ما أكل منها جائع إلا وشبع ، ولا ظمآن إلا روي ، ولا سقيم إلا برأ ، ولا ذو حاجة وفاقة إلا إستغنى ، ولا أكل من ورقها بعير ولا ناقة ولا شاة إلا سمنت ودَرّ لبنها ، ورأينا النما والبركة في أموالنا منذ يوم نزل. وأخضبت بلادنا وأمرعت ، فكنّا نسمي تلك الشجرة (المباركة) ، وكان يأتينا من حولنا من أهل البوادي يستظلون بها ، ويتزودون من ورقها في الأسفار ، ويحملون معهم في الأرض القفار ، فيقوم لهم مقام الطعام والشراب ، فلم نزل كذلك ، وعلى ذلك أصبحنا ذات يوم وقد تساقط ثمارها ، واصفر ورقها ، فأحزننا ذلك وفرقنا له ، فما كان إلا قليل حتى جاء نعي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فإذا هو قد قبض ذلك اليوم ، فكانت بعد ذلك تثمر ثمراً دون ذلك في العظم والطعم والرائحة ، فأقامت على ذلك ثلاثين سنة ، فلما كانت ذات يوم أصبحنا وإذا بها قد تَشَوّكت من أولها إلى آخرها ، فذهبت نظارة عيدانها ، وتساقط جميع ثمارها ، فما كان إلا يسيراً حتى وافى مقتل أمير المؤمنين ، علي بن أبي طالب عليه السلام فما أثمرت بعد ذلك لا


قليلاً ولا كثيراً ، وإنقطع ثمرها ، ولم نزل ومن حولنا نأخذ من ورقها ونداوي مرضانا بها ، ونستشفي به من أسقامنا.

فأقامت على ذلك برهة طويلة ، ثم أصبحنا ذات يوم فإذا بها قد إنبعثت من ساقها دماً عبيطاً جارياً. وورقها ذابة تقطر دماً كماء اللحم ، فقلنا : إنّه قد حدث عظيمة ، فبتنا ليلتنا فزعين مهمومين نتوقع الداهية ، فلما أظلم الليل علينا ؛ سمعنا بكاءً وعويلاً من تحتها ، وجلبة شديدة ورَجّة ، وسمعنا صوت باكية تقول :

أيا ابن النبي ويا ابن الوصي

ويا بقية ساداتنا الأكرمينا

ثم كثرت الونات والأصوات ، فلم نفهم كثيراً مما كانوا يقولون ، فأتانا بعد ذلك قتل الحسين عليه السلام ويبست الشجرة وجَفّت ، فسرتها الرايح والأمطار بعد ذلك ، فذهبت وإندرس أثرها»(٥٢٢) .

٤ ـ قبس من كرامات الإمام الحسين (عليه السلام) ـ للدكتور الشيخ عبد الرسول الغفار (معاصر) :

١ ـ «يقول الأستاذ الحاج عبد الغني البستاني ـ مدير القسم العربي في إذاعة قم حالياً ـ لما مرضت العائلة وكانت أيام محرّم الحرام من عام ١٤٠٩ هـ ، إشتريت كميّة من البطيخ من بائع الجملة (ميدان بار) وكانت الكميّة أكثر من خمسة عشر بطيخة ، ربّما يصل مجموع وزنها أكثر من خمس وعشرين كيلو غراماً. وزمان الشراء على وجه التقريب كان اليوم الثامن من المحرّم ، أمّا الكميّة ؛ فكانت أكثر من حاجة اليوم ؛ وذلك لئلا يخلو البيت من هذه

__________________

(٥٢٢) ـ البحراني ، الشيخ عبد الله بن نور الله : عوالم العلوم ، ج ١٧ / ٤٩٦ ـ ٤٩٧.


الفاكهة لإحتمال زيارة بعض الضيوف في الأيام القليلة المقبلة له. وقد تناولنا منه مقداراً. ولكن في يوم العاشر عندما فتحنا أحد البطيخات ، وإذا فيها قطعة حمراء كأنّه دم متخثر ومساحته يقرب من حجم الدرهم المتعارف. وكان للحدث أثر كبير في نفسي ونفس العائلة ، وشعرنا بالدهشة والتحيّر ، وإنتابتنا هَزّة دَبّت في كل أعضائنا. يقول الحاج : وذلك بسبب إطلاعنا على بعض الروايات التي تحَذِّر من إدّخار الطعام في يوم عاشوراء ، وأنّه غفلنا عن هذا التحذير لأسباب معيّنة»(٥٢٣) .

٢ ـ قال : «الفصل الثامن (شجرة زر آباد) ، والدم المشاهد منها» : خصص المؤلف هذا الفصل لبحث كثير من القضايا المرتبطة بهذه الشجرة ، بعد أن قام برحلة إلى تلك البقعة وسَجّل ما رآه هناك ، وذلك عام (١٤٢١ هـ) ، نقتطف منه ما يلي :

يطلق على هذه الشجرة (چنار خونبار) ، وشهرة هذه الشجرة لا تقل عن شهرة المرقد الذي بجوارها والمنسوب إلى السيد (علي أصغر) ، من أحفاد الإمام الكاظم عليه السلام ، وفي زمان الشاه حسين الصفوي إشتهر بين الناس موضوع هذه الشجرة ، وما فيها من معجزة كبيرة وأمر عجيب ، وإسترعت هذه الشجرة إنتباه الشاه حسين الصفوي ، فأرسل هيئة علمائية للتحقيق فيها ، من بينهم الميرزا قوام الدين محمد بن مهدي الحسيني السيفي القزويني ، المتوفي عام ١١٥٠ هـ. وقد إعتنى الباحثون بهذه الشجرة وأشار الدكتور الشيخ الغفاري إلى (٢٦ مصدراً) تَعرّض لهذه الشجرة ، كما ذكر بعض العلماء والباحثين الذين زاروا تلك البقعة ، وسجلوا ما رأوا وسمعوا ، نذكر منهم ما يلي :

__________________

(٥٢٣) ـ الغفار ، الدكتور الشيخ عبد الرسول : قبس من كرامات الإمام الحسين (ع) / ١٨٧ ـ ١٨٨.


١ ـ زارها سماحة المرجع الراحل السيد الميلاني (قده) سنة (١٣٤١ هجرية شمسي)(٥٢٤) ، قاصداً من مشهد المقدسة حيث محل إقامته ، وقد إستغرب الناس مجيئه إلى هذا المكان في مناسبة العشر من المحرم ، إذ مئات الألوف تقصد مشهد الإمام الرضا عليه السلام لعقد مجالس العزاء بجوار الإمام الرضا عليه السلام!.

كيفما كان تقدم أحد وجهاء القرية آنذاك ، واسمه (أحمد اقبالي) بالسؤال إلى السيد الميلاني ومفاد سؤاله هو : إنّ الناس في أيام المحرم ـ وبالذات تاسوعاء وعاشوراء ـ يذهبون إلى مشهد الإمام الرضا عليه السلام في خراسان ، وأنت يا سيدنا نراك قد جئت إلى إمام زاده علي أصغر في زر آباد؟!

فرد عليه السيد الميلاني قائلاً : إنّ القصّة هنا إنّه أمر مُهم جداً ، إنّه الإمام زاده (السيد علي أصغر) وإنّه شجرة چنار ، إنّه شجرة الدم ..!! وفي أثناء حديث السيد الميلاني ، سأل السيد عن قصة الطيور التي تأتي مساء يوم التاسع والعاشر من المحرم؟ فأجاب أحمد اقبالي السيد : إنّه صحيح ، نشاهد ذلك في كل عام.

٢ ـ وزارها السيد عبد الصاحب اللنگرودي (دام ظله). وقال : «دخلنا قرية زر آباد في يوم عاشوراء وفي لحظات إستشهاد أبا عبد الله الحسين عليه السلام ، سمعنا صوتاً من تلك الشجرة ، ثم سالت من بعض أغصانها مادّة سائلة حمراء كالدم ، وإني إلتقطت من تلك المادّة بواسطة قطعة من القطن بضعاً منها تيمّناً وشفاء ووضعتها في قنينة صغيرة وأتيت بها معي إلى قم.

يجب أنّ أنوّه أني سألت مسؤول تلك البقعة فخر الأقارن والأماثل وسليل الأطياب السيّد (الحسيني) عن سبب تقطير تلك الشجرة بالدم حين إستشهاد

__________________

(٥٢٤) ـ أي عام ١٣٨٣ هـ. ق.


الإمام الحسين عليه السلام؟ فذكر لي ما سمعه ممّن عاصرهم ، وفي الأثناء ذكر الحسيني : أنّ هذه الشجرة التي تقطر دماً هي فرع من شجرة أصلية كانت سابقاً ، وقبل سنين طويلة جفّت تلك الشجرة ويبست ؛ لذا قُلِعَت. وقد ذكر كل من أجدادنا إلى أولاده وأحفاده : أنّ هناك أحداً من آبائنا كان قد رآى تلك الشجرة الأصلية في عصره ، وهي في طريقها إلى الجفاف ، وقد تَمّ جفافها بعد مدّة ، ولكن نبتت في أطرافها براعم ، وصارت تلك البراعم بعد مدة أشجاراً ، وهذه الأشجار التي تشاهدونها الآن هي نفس تلك البراعم ، قد إستقامت وأصبحت أشجاراً غليظة ، وهي تمتلك نفس ميزات تلك الشجرة الأصلية ، حيث يتدفق منها في كل يوم عاشوراء من كل عام ، وفي لحظات إستشهاد الحسين عليه السلام دماً. وأضاف : إني إقتلعت تلك الشجرة الجافة وأردت أن أستخدمها حطباً بطبخ الغداء في يوم عاشوراء حيث كنّا في كل عام نصنع الغذاء لعزاء أبي عبد الله الحسين عليه السلام ، لكني رأيت أنّ ذلك الحطب لا يشتعل أبداً ، ولهذا وضعت ذلك الحطب في تلك الزاوية ـ وأشار السيد (الحسيني) بيده إلى الزاوية ـ ، وحفظته هناك ، وإنّ أهالي زر آباد كانوا يأخذون قطعة قطعة من ذلك الحطب يُمناً وتبركاً ودفعا للبلايا وللإستشفاء ، وما تبقى منه فهو موجود في ذلك المكان ، وكل ما جَفّ من تلك الأشجا غصناً وضعناه هناك ، لأنّ ذلك الحطب لا يشتعل أبداً. هذا بعض ما ذكره لنا آية الله اللنگرودي (دام ظله).

٣ ـ «نُقل أنّ الدكتور الجراح آقاي كريمي ـ طبيب مختص بالجراحة ـ قد ذهل وأقام في القرية ثلاثة أيام ، وقد شاهد الكرامات الأخرى لهذه البقعة منها الأسماء الخمسة المكتوبة على أوراق هذه الشجرة».


وبعد هذا العرض الموجز من البحث حول هذه الشجرة ، نختمه بما ذكره الدكتور الشيخ الغفاري حول هذه الشجرة ، حيث قال : «بحثنا هذا والمعزز بالصور ، كما نحتفظ بكاسيت فيديو قمنا بتسجيله وضبطه خلال سفرتنا التأريخية للقرية ؛ إذ يُشاهد في هذا التسجيل الوثائقي ، قطرات الدم التي تقذفها الشجرة في منتصف ليلة العاشر من المحرم ، ويستمر هذا القذف إلى ما قبل طلوع الفجر. علماً إنّ هذه الشجرة ليست من الأشجار التي يرشح منها عصارة أو سائل ؛ أو صمغ ، أو ما شاكل ، فهي من فصيلة الأشجار المعمّرة ، كالصفصاف ، والكالبتوز ، ويُقدِّر الخبراء الزراعيون عمر هذه الشجرة بين (٢٥٠ ـ ٣٠٠ عام)

٥ ـ قصص الراوندي ـ للشيخ سعد بن هبة الله الراوندي ، ت (٥٧٣ هـ) :

١ ـ عن جابر بن عبد الله ، عن ابي جعفر عليه السلام في قوله تعالى :( لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا ) [مريم / ٧].

قال : (يحيى بن زكريا لم يكن له سميّ قبله ، والحسين بن عليّ لم يكن له سميّ قبله ، وبكت السماء عليهما أربعين صباحاً ، وكذلك بكت الشمس عليهما ، وبكاؤهما أن تطلع حمراء وتغيب حمراء. وقيل : أي بكى أهل السماء وهم الملائكة)(٥٢٥) .

٢ ـ عن ابي عبد الله عليه السلام : «أنّ الحسين بن علي (صلوات الله عليهما) بكى لقتله السماء والأرض واحمرتا ، ولم تبكيا على أحد قط ، إلا على يحيى بن زكريا (عليهما السلام)» (٥٢٦).

__________________

(٥٢٥) ـ الراوندي ، الشيخ سعيد بن هبة الله : قصص الأنبياء / ٢٢٠.

(٥٢٦) ـ نفس المصدر.


٦ ـ القطرة من بحار مناقب النبي والعترة ـ لسيد أحمد تلكستنبط ، ت (١٤٠٦ هـ) :

«عن كتاب السيد الجليل الأمير محمد حسين بن الأمير محمد صالح ، سبط المجلسي (قده) ما هذا لفظه :

فائدة : من وقائع نَيّف وتسعين ، أنّه وجدت حصاة في سبيل وادٍ من بلدة تستر ، منقوش عليها هذه الكلمات بخط أحمر ، فأرسلها حاكم البلدة إلى حضرة السلطان سليمان ، وأرسلها السلطان إلى جدي العلامة ـ يعن المجلسي ـ ، وقد رآها أكثر الحذّاق من الحكاكين والصناعة وأصحاب الصناعات وأهل الفطانة. وبالجملة شاهدها أكثر الناس وتأملوا في نقشها ، فلم يجدوها إلا مجبولة على تلك الحال ، بحيث لم يكن لتصنّع الصانعين فيها مجال.

والكلمات المكتوبة عليها هذه : «بسم الله الرحمن الرحيم ، لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ، علي ولي الله ، قتل الإمام الشهيد المظلوم الحسين ، بن الإمام علي بن أبي طالب (عليهما السلام) ، وكتب بدمه بإذن الله وحوله على كل أرض وحصاة( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) [الشعراء / ٢٢٧].

قال : ثم أمر السلطان بنصبها على الفضّة وتزيينها ببعض الزينة ليعلقها على عضده. ويواطئ هذا الخبر ، ما نقل شيخنا البهائي : أنّه وجد في أرض كربلاء درّ أحمر مكتوب عليه هذين البيتين :

أنا درّ من السماء نثروني

يوم تزويج والد السبطين

كنت أصفى من اللجين بياضاً

صبغتني دماء نحر الحسين»(٥٢٧)

__________________

(٥٢٧) المستنبط ، السيد احمد : القطرة من بحار مناقب النبي والعترة ، ج ١ / ٢٩٣.


«وروى الشيخ جعفر النقدي في (الأنوار العلوية) / ٣٧ ، عن الشيخ محمد بن حسين البهائي ، عن أبيه : أنّه رأى في مسجد الكوفة درّة حمراء مكتوب عليها :

أنا درّ من السماء نثروني

يوم تزويج والد السبطين

كنت مثل اللجين أبيض لكن

أحمرتني دماء نحر الحسين»(٥٢٨)

وقد إعتنى الأدباء والشعراء بهذين البيتين كالتالي :

١ ـ خال صاحب (رياض المدح والرثاء) :

لابن طه لبست ثوب شجون

لشجوني بين الملأ جهلوني

قلت للناظرين أن تنكروني

(أنا درّ من السماء نثروني

يوم تزويج والد السبطين)

أنا من رزؤه سقيت حياضاً

كل يوم تزيدني إجهاضاً

حلل الوجد ألبستني إعتياضاً

(كنت أبهى من اللجين بياضاً

صبغتني دماء نحر الحسين)(٥٢٩)

٢ ـ لبعضهم في تخميس البيتين السابقين :

أيها السايل المسايل دوني

كل ذي جوهر عزيز ثمين

ما أنا ذا من الثرى أخرجوني

(أنا درّ من السماء نثروني

يوم تزويج والد السبطين)

كنت من جوهر ولا أعراضاً

موضعي في السما وليس إنخفاضاً

إنما حمرتي أتتني إعتراضاً

(كنت أصفى من اللجين بياضاً

صبغتني دما نحر الحسين)(٥٣٠)

__________________

(٥٢٨) ـ البحراني ، السيد محمد صالح : النمارق الفاخرة إلى طرائق الآخرة ، ج ٢ / ١١٧.

(٥٢٩) ـ القديحي ، الشيخ حسين : رياض المدح والرثاء / ٢١٢.

(٥٣٠) ـ نفس المصدر / ٢٢١ ـ ٢٢٢.


٣ ـ لبعضهم في تشطير هذين البيتين :

(أنا درّ من السماء نثروني)

للثرى لا لخفض قدر وهون

إنّما اختارني الإله نثاراً

(يوم تزويج والد السبطين)

(كنت أصفى من ا للجين بياضاً)

يرجع الطرف خاسئاً من دوني

وبياضي أشد شيء ولكن

(صبغتني دماء نحر الحسين)(٥٣١)

٧ ـ كامل الزيارات ـ للشيخ جعفر بن محمد بن قولويه القمي ، ت (٣٦٨ هـ) :

١ ـ بإسناده عن محمد بن سلمة ، عمن حدّثه قال : (لما قتل الحسين بن علي عليهما السلام ، أمطرت السماء تراباً أحمر(٥٣٢) .

٢ ـ وبإسناده عن عمرو بن ثبيت ، عن أبيه ، عن علي بن الحسين عليهم السلام قال : (إنّ السماء لم تبك منذ وضعت ، إلا على يحيى بن زكريا ، والحسين بن علي عليهما السلام. قلت : أي شيء كان بكاؤها؟

قال : كانت إذا إستقبلت بثوب ؛ وقع على الثوب شبه أثر البراغيث من الدم)(٥٣٣) .

٣ ـ وبإسناده عن الحسن بن زياد ، عن ابي عبد الله عليه السلام قال : (كان قاتل يحيى بن زكريا ولد زنا ، وقاتل الحسين عليه السلام ولد زنا ، ولم تبكِ السماء على أحد إلا عليهما. قال : قلت : وكيف تبكي؟ قال : تطلع الشمس في حمرة ، وتغيب في حمرة)(٥٣٤) .

__________________

(٥٣١) ـ المصدر السابق / ٢٢٢.

(٥٣٢) ـ ابن قولويه ، الشيخ جعفر بن محمد : كامل الزيارات / ١٨٣ (الباب ٢٨ ـ حديث ١٣).

(٥٣٣) ـ نفس المصدر / ١٨٤ (الباب ٢٨ ـ حديث ١٤).

(٥٣٤) ـ نفس المصدر / ١٨٥ (باب ٢٨ ـ حديث ١٨).


٨ ـ كرامات الحسين ـ للدكتور الشيخ عبد الرسول الغفار (معاصر) :

١ ـ قال : «نقل لنا سماحة السيد محمد صالح ـ أبو مقداد الحكيم ـ ، عن السيد محمد علي الحكيم ـ والد آية الله السيد محمد سعيد الحكيم دام ظله ـ ، قال : إنّ اليوم الأول من شهر محرم كان مشكوكاً في رؤيته ، لهذا فقد كان السيد محسن الحكيم (قده) متأثراً جداً ، إذ ربما ليلة العاشر هذه ليست الليلة الصحيحة ، بل قد تكون هي ليلة تاسوعاء. وعلى هذا البناء لم يذهب السيد إلى كربلاء. وكان السيد في بيت حاج مهدي عجينة في الكوفة ، وعدة من الوجهاء والأخيار أيضاً كانوا مجتمعين هناك ، ومن بين أولئك السيد محمد علي الحكيم ، وكان ولده السيد محمد تقي صغيراً ـ أي حدود ٨ سنوات ـ ، والجميع كانوا جالسين ، وإذا يشاهدون في الأثناء قطرة دم قد سقطت في الغرفة ، وقد تخيلوا أنّها من محمد تقي. وبعد الفحص وجدوا أنّ هناك قطرة دم معلقة في سقف الغرفة ، لذا مما دفعهم إلى أن يصعدوا إلى أعلى السطح ، وإذا بهم يشاهدون قطرات عديدة من الدم ، موزّعة على سطح الدار.

عند ذلك يتوجّه سماحة المرحوم آية الله السيد محسن الحكيم إلى كربلاء ، لزيارة الإمام الحسين ويقطع أنّها ليلة عاشوراء. ويعقِّب السيد : أنّ سماحة المرجع الحكيم لما وصل كربلاء بمعيّة جملة من حفدته وأهل بيته ؛ وجدوا أيضاً عدة قطرات من الدم على سطح داره في كربلاء»(٥٣٥) .

__________________

(٥٣٥) ـ الغفار ، الدكتور الشيخ عبد الرسول : كرامات الإمام الحسين (ع) ، ج ٣ / ١٠٥.


٢ ـ وقال : «نقل لي الشيخ إحسان الفضلي(٥٣٦) . سبط السيد محمد رضا الحكيم ـ ، عندما كنت في سوريا ، إذ إلتقينا في مكتب سماحة آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم فقال : كان عندنا بيت في بغداد ، في منطقة الكرادة منذ عام ١٩٨٠ م ، وفي وسط المنزل كانت شجرة سدر كبيرة. وفي عام ١٩٨٦ م يقول الشيخ الفضلي : حانت مني إلتفاتة إلى الشجرة وإذا يتساقط منها قطرات الدم. وقد لاحظت أنّ الدم قد سال على ساقها مقدار نصف متر ، ثم منها إلى الأرض ، وبعد التدقيق ومتابعة الشجرة بين فترة وأخرى ، وإذا هذا النزف يتفق من الشجرة في جميع ذكرى وفيات الأئمة المعصومين عليهم السلام. وأما في مناسبة شهادة الإمام الحسين عليه السلام ؛ فيستمر النزف من السدرة لمدة أربعين يوماً متتالية.

وقد سألت الشيخ إحسان عن عنوان البيت ، فتفضّل لنا بالعنوان الكامل : بغداد ـ منطقة الكرادة ـ شارع العباسي ـ زقاق ٥ محلة ٩٠٩. ويعقب الشيخ إحسان فيقول : إنّ تقاطر الدم في وفيات المعصومين يشكل دائرة في الأرض قطرها ٢٥ م ، أما في يوم عاشوراء ، فتكبر الدائرة أضعافاً مضاعفة والدم مستمر. وبقيت هذه الظاهرة حتى إنتقلنا من ذلك البيت عام ١٩٩٠ م ، فانقطعت أخبارها»(٥٣٧) .

٩ ـ مثير الأحزان ـ للشيخ محمد بن جعفر ابن نما ، ت (٤٦٥ هـ) :

بإسناده عن سليمان بن مهران الأعمش ، قال : (بينما أنا في الطواف أيام الموسم إذا رجل يقول : اللهم اغفر لي وأنا أعلم أنك لا تغفر. فسألته عن

__________________

(٥٣٦) ـ نقلها فضيلة الشيخ إحسان الفضلي في سوريا ، بتاريخ ٤ / ٩ / ٢٠٠٢ م.

(٥٣٧) ـ المصدر السابق / ١٠٤.


السبب فقال : كنت أحد الأربعين الذين حملوا رأس الحسين إلى يزيد على طريق الشام ، فنزلنا أول مرحلة رحلنا من كربلاء على دير للنصارى والرأس مركوز على الرمح ، فوضعنا الطعام ونحن نأكل إذا بكف على حائط الدير يكتب عليه بقلم حديد سطراً بدم :

أترجوا أمّة قتلت حسيناً

شفاعة جدّه يوم الحساب

فجزعنا جزعاً شديداً ، وأهوى بعضنا إلى الكف ليأخذه ؛ فغاب ، فعاد أصحابي)(٥٣٨) .

١٠ ـ معالي السبطين ـ للشيخ محمد مهدي الحائري ، ت (١٣٨٤ هـ) :

وقال في حبيب السير : «إنّ اللعين ابن زياد حمل الرأس على يديه وجعل ينظر إليه ، فارتعدت يداه فوضع الرأس على فخذه فقطرت قطرة من الدم من نحره الشريف على ثوبه فخرقه ، حتى إذا وصل إلى فخذه فجرحه وصار جرحاً منكراً فكلما عالجه لم يتعالج حتى إزداد نتناً وعفونة ، ولم يزل يحمل معه المسك لإخفاء تلك العفونة حتى هلك»(٥٣٩) .

١١ ـ مناقب آل ابي طالب ـ للشيخ محمد بن علي بن شهر آشوب ، ت (٥٨٨ هـ) :

ابو مخنف في رواية : «لما دخل بالرأس على يزيد ، كان للرأس طيب قد فاح على كل طيب ، ولما نحر الجمل الذي عليه رأس الحسين ، كان لحمه أمرّ من الصبر ، ولما قتل الحسين ؛ صار الوَرْس دماً ، وانكسفت الشمس إلى ثلاث

__________________

(٥٣٨) ـ ابن نما ، الشيخ محمد بن جعفر : مثير الأحزان ، ج ١ / ٩٦.

(٥٣٩) ـ الحائري ، الشيخ محمد مهدي : معالي السبطين ، ج ٣ / ١٠٩.


أسبات(٥٤٠) ، وما في الأرض حجر إلا وتحته دم ، وناحت عليه الجن كل يوم فوق قبر النبي إلى سنة كاملة»(٥٤١) .

١٢ ـ نفس المهموم ـ للشيخ عباس القمي ، ت (١٣٥٩ هـ)

في روضة الشهداء ، ما مُلخصه : «أنّ القوم لما أرادوا أن يدخلوا الموصل ، أرسلوا إلى عامله أن يهيئ لهم الزاد والعلوقة ، وأن يزين لهم البلدة ، فإتفق أهل الموصل أن يهيئوا لهم ما أرادوا ، وأن يستدعوا منهم أن لا يدخلوا البلدة ، بل ينزلوا خارجها ويسيرون من غير أن يدخلوا فيها ، فنزلوا ظاهر البلد على فرسخ منها ، ووضعوا الرأس الشريف على صخرة ، فقطرت عليها قطرة دم من الرأس المكرم ، فصارت تنبع ويغلي منها الدم كل سنة في يوم عاشوراء ، وكانوا يجتمعون عندها من الأطراف ويقيمون مراسم العزاء والمآتم في كل عاشوراء ، وبقي هذا إلى أيام عبد الملك بن مروان ، فأمر بنقل الحجر فلم يُرَ بعد ذلك منه أثر ، ولكن بنوا على ذلك المقام قبة سموها مشهد النقطة»(٥٤٢) .

نتيجة البحث :

وبعد عرض هذه الروايات والنصوص الكثيرة ، الواردة في المصادر الإسلامية ، لا ينبغي التشكيك في هذه القصص المذكورة ، فإنّ رؤيا الدم بين الحين والآخر ، دليل على مظلومية الحسين عليه السلام ، بل رسالة إنذار عن الإبتعاد عن نهج الحسين ونهضته المباركة ، التي كانت السبب في إرواء شجرة الإسلام بدماء الحسين عليه السلام وأهل بيته وصحبه الكرام ، ولذا نلاحظ شيعة الحسين عليه السلام يزدادون تعلقاً بإمامهم الحسين عليه السلام كلما رأوا معجزة وكرامة له. بل نلاحظ

__________________

(٥٤٠) ـ أي ثلاثة أسابيع.

(٥٤١) ـ ابن شهر آشوب ، الشيخ محمد بن علي : مناقب آل ابي طالب ، ج ٤ / ٦١.

(٥٤٢) ـ القمي ، الشيخ عباس : نفس المهموم / ٣٨٨ ـ ٣٨٩.


هذا المعنى عند المنصفين من غيرهم ، ومن الشواهد على ذلك ما يترنم به الشعراء في فلسفتهم للدم الطاهر ، نذكر من ذلك ما يلي :

١ ـ الدكتور الشاعر محمد إقبال(٥٤٣) .

عرف الدكتور محمد إقبال بفلسفة الذات ، التي تهدف إلى إدراك الذات وتقويتها بالقرب إلى الله ، بحيث تكون الحياة رقي مستمر ، تسخر كل الصعاب التي تعترض طريقها ، ويرى الحياة في العمل والجهاد ، والموت في الإستكانة والسكون ، وهذا ما نلاحظه في قصائده في تمجيد الشخصيات الإسلامية ، خصوصاً الشهداء منهم ، حيث قال :

ارفعوا الورد والشقائق

اكليل ثناء على ضريح الشهيد

ذاك لون الدم الذي أنبت

المجد وروّى به حياة الخلود(٥٤٤)

على الأمم أن لا تنسى عظماءها ـ وخصوصاً الشهداء ـ ولو بإهدائها الورد فوق أضرحتها رمزاً للوفاء ، فإنّهم بذلوا دماءهم ، من أجل عزكم وشرفكم. فكما أنّ الورد يُعطي جمالاً على ضريح الشهيد ، فإنّ الدم يتلألأ

__________________

(٥٤٣) ـ شاعر نابغة وفيلسوف باكستاني مبدع ، وممن شغف بحب الإسلام. ولد في مدينة سيالكوت عام (١٨٧٣ م) الموافق (١٢٨٩ هـ) ، درس في مدارس عالية وكليات شهيرة ، فانتدب لتدريس التاريخ والفلسفة في الكلية الشرقية في لاهور ، ثم اُختير لتدريس الفلسفة واللغة الإنكليزية بكلية الحكومة التي تخرج فيها ، ولبث فيها عشر سنوات. ثم سافر إلى أوروبا بعدما دَوّى صوته في محافل الأدب ، سافر إلى إنكلترا وإلتحق بجامعة كمبردج ، درس الفلسفة ونال درجة فلسفة الأخلاق ، ثم سافر إلى ألمانيا فتعلم الألمانية ، وإلتحق بجامعة مونخ وكتب رسالته (تطور ما وراء الطبيعة في فارس) ، ثم عاد إقبال إلى لندن فدرس القانون ، وحاز إمتحان المحامات ، وإلتحق بمدرسة العلوم السياسية زماناً. ورجع إلى بلاده عام (١٩٠٨ م) حيث عمل بالمحامات ومكث سنيناً عميداً لكلية الدراسات الشرقية ، ورئيساً لقسم الدراسات الفلسفية. وفي اليوم الحادي والعشرين من شهر نيسان سنة (١٩٣٨ م) الموافق لعام (١٣٥٧ هـ) توفي في لاهور.

(٥٤٤) ـ الأعظمي ، محمد حسين : فلسفة إقبال / ٧٣.


جمالاً على مجدكم وفخركم ، فدماء الشهيد أغلى هدية قدمها لكم. ويظهر فلسفة الذات ومدى تقويتها بالقرب إلى الله بقوله :

في الكعبة العليا وقصتها

نبأ يفيض دما على الحجر

بدأت باسماعيل عبرتها

ودم الحسين نهاية العبر(٥٤٥)

تظهر عظمة الذات بالتضحيات والدماء الغالية ، لأجل المبدأ والعقيدة ، وأبرز مقال لها قصة تبدأ بالدم وتنتهي به ، بدأت بإسماعيل الذي أراد أن يضحي بنفسه في مقام التسليم لله ، فهي قصة دامية وإن لم تُرَقْ فيها الدماء ، وإنتهت بذكرى الحسين عليه السلام الذي جاءت إلى الحرم تقطر دماً في كربلاء ، فكلا الدمين مبداهما ومنهاهما الكعبة مجمع العباد لله عَزّ وجَلّ.

٢ ـ أمير الشعراء (شَوْقِي)(٥٤٦) :

عرف أحمد شوقي باحترامه وإجلاله لأهل البيت عليهم السلام ، وهذا واضح في ثنايا أشعاره ، يتفجع لما أصابهم ، ويتألم لرزاياهم ، نذكر من ذلك ما يلي :

أ ـ في منظومته الرائعة (دول العرب وعظماء الإسلام) يقول :

__________________

(٥٤٥) ـ المصدر السابق.

(٥٤٦) ـ أحمد شوقي بن علي ، بن أحمد شوقي أمير الشعراء ، وشاعر الأمراء ، بايعه أدباء عصره أميراً للشعراء في حفل أقيم في القاهرة عام (١٩٢٧ م). ولد في القاهرة عام (١٨٦٨ م). نشأ في ظل البيت المالك بمصر ودرس في بعض المدارس الحكومية ، وقضى سنتين في قسم الترجمة بمدرسة الحقوق ، وأرسله الخديوي توفيق سنة (١٨٨٧ م) إلى فرنسا ، فتابع دراسة الحقوق واطلع على الأدب الفرنسي ، وعاد سنة (١٨٩١ م) ، فعيّن رئيساً للقلم الأفرنجي في ديوان الخديوي عباس حلمي ، وندب سنة (١٨٩٦ م) ، لتمثيل الحكومة المصرية في مؤتمر المستشرقين بجنيف ، ولما نشبت الحرب العالمية الأولى ، ونُحي عباس حلمي عن (خديوي) مصر ؛ أوعز إلى صاحب الترجمة بإختيار مقام مصر ، فسافر إلى أسبانيا سنة (١٩١٥ م) وعاد بعد الحرب فجعل من أعضاء مجلس الشيوخ إلى أن توفي في القاهرة عام (١٩٣٢ م) الموافق لعام (١٣٥١ هـ).


هذا الحسين دمه بكربلاء

رَوّى الثرى لما جرى على ظما

واستشهد الأقمار أهل بيته

يهوون في الترب فرادى وثُنا

ابن زياد ويزيدُ بغيا

والله والأيام حربُ من بغى

لولا يزيد بادئاً ما شربت

مروانُ بالكاس التي بها سقى(٥٤٧)

وتظهر فلسفة الدم في البيت الأول ؛ حيث أوضح أنّ الحسين عليه السلام قدّم دمه الغالي فداء للدين والعقيدة وعزّة وشرف الإسلام والإنسانية ، وهو مع ذلك ظمآن.

ب ـ ويقول في عنوان (الحرية الحمراء) :

في مهرجان الحق أو يوم الدم

مهج من الشهداء لم تتكلم

يبدو عليها نور نورُ دماتها

كدم الحسين على هلال محرم

يوم الجهاد بها كمصدر نهاره

متمايلُ الأعطاف مبسَمُ النغم(٥٤٨)

ويُظهر في هذه الأبيات أنّ دم الحسين عليه السلام نور يستضاء به ، لدم كل شهيد كافح من أجل الحق وحرية الإنسانية في جميع العصور ، ويطيب له أن يربط الحوادث بيوم الحسين عليه السلام الذي لا يغيب عن خاطره. يقول في رواية (مجنون ليلى) : «كان الحسين بن علي كعبة القلوب والأبصار في جزيرة العرب ، بعد أن قتل أبوه علي ، ومات أخوه الحسن وكذلك ظل الحسين قائماً في نفوس هناك ، صورة مقدّسة لبداوة الإسلام تستمد أنظر ألوانها من صلته القريبة بجده

__________________

(٥٤٧) ـ شبّر ، جواد : أدب الطف ، ج ٩ / ١٤٢ ـ ١٤٣.

(٥٤٨) ـ نفس المصدر.


رسول الله ، وبنوته لرجل كان أشدّ الناس زهداً وإستصغاراً لدنياه ، وكذلك ظهرت بلاد العرب وقلبها يخفق بإسم الحسين»(٥٤٩) .

٣ ـ أبو العَلا المَعرِّي(٥٥٠)

وتظهر فلسفة المَعرِّي في دم علي والحسين عليهما السلام في قوله :

وعلا الأفق من دماء الشهيدين

علي ونجله شاهدانِ

فهما في أواخر الليل فجران

وفي أولياته شفقان

ثبتاً في قميصه ليجيئ الحشر

مستعدياً إلى الرحمان(٥٥١)

إنّ الحمرة التي في الفجر وهي بداية اليوم ، هي علامة الشفق على نهاية اليوم مستمرة إلى الحشر ، علامة ثابتة على قميص الحسين عليه السلام ، حينما تأتي به أمّة شاكية إلى الجبّار عَزّ وجَلّ مظلومية ولدها. كما هو مذكور في الروايات. ذكر سبط بن الجوزي : «قال سليمان بن يسار : وجد حجر عليه مكتوب بالنظم ، وهو هذا :

__________________

(٥٤٩) ـ المصدر السابق / ١٤٢.

(٥٥٠) ـ أبو العلا ، أحمد بن عبد الله ، بن سليمان المعري ، الشاعر الفيلسوف ، ولد بمعرة النعمان سنة (٣٦٣ هـ) ، وجُذِرَ في الثالثة من عمره فكف بصره ، وتعلم على أبهي وغيره من أئمة زمانه ، وكان يحفظ كل ما يسمعه من مرّة واحدة. وقال الشعر وعمره إحدى عشرة سنة ، ودخل بغداد وأقبل عليه السيد المرتضى ، المتوفي سنة (٤٣٦ هـ) إقبالاً عظيماً ثم جفاه ، ولما رجع إلى المعرّة أقام ولم يبرح منزله وسمى نفسه رهين المحبسين ـ محبس العمى ، ومحبس المنزل ـ وبقي فيه مكباً على التدريس والتأليف ونظم الشغر وما يخرج منه مدّة (٤٥ سنة) ، وعاش عزباً ، وعمّر إلى أن مات سنة (٤٤٩) بالمعرة ، وأوصى أن يكتب على قبره :

هذا جُناهُ ابي عليّ

وما جنيت على أحد

(٥٥١) ـ شُبّر ، جواد : أدب الطف ، ج ٢ / ٢٩٨.


لابد أنْ ترد القيامة فاطم

وقميصها بدم الحسين مُلطّخ

ويل لمن شفعاؤه خصماؤه

والصور في يوم القيامة يُنفخ»(٥٥٢)

قال السمهودي : «وهو شاهد لما أخرجه ابن الأخضر في (العترة الطاهرة) : من حديث علي الرضا ، عن أبيه موسى الكاظم ، عن أبيه جعفر الصادق ، عن أبيه محمد الباقر ، عن أبيه علي بن الحسين ، عن أبيه الحسين ، عن أبيه علي بن أبي طلب (رضي الله عنهم) قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : (تحشر ابنتي فاطمة يوم القيامة ، ومعها ثياب مصبوغة بدم ، فتتعلق بقائمة من قوائم العرش فتقول : يا عدل ، احكم بيني وبين قاتل ولدي ، فيحكم لابنتي وربِّ الكعبة)»(٥٥٣) .

الثاني ـ لماذا التركيز على الدم :

يتضح جواب ذلك ، من خلال دراسة العناوين الآتية :

أولاً ـ أهمية الدم لحياة الإنسان :

وتظهر هذه الأهمية بعد دراسة وبحث ما يلي :

أ ـ الدم في التشريع الإسلامي :

الدم : سائل أحمر يجري في قلب الحيوان الفقاري وشراينه وأوردته وأوعيته الشعرِية ، حاملاً الغذاء والأوكسجين إلى جميع أجزاء الجسم ، وناقلاً منها ضروب الفضلات والنفايات إلى أعضاء الإخراج.

يتألف من أربعة عناصر هي : البلازما والكريات (الكريات الحمر) والكريْضات (الكريات البيض) ، واللويحات. فأما البلازما ـ وهي الجزء المائع

__________________

(٥٥٢) ـ ابن الجوزي ، عبد الرحمن بن علي : تذكرة خواس الأمة / ١٥٥.

(٥٥٣) ـ السمهودي ، نور الدين علي بن أحمد : جواهر العقدين / ٤٢.


من الدم ـ ، فتتألف من الماء (٩٠ %) والبروتين (٩ %) والسكر والملح والبولة Urea ، والحامض البولي Uricacid وغيرها. وأما الكريات الحمر ـ وتحتوي على الهيموغلوبين ، أو اليحمور ، فتحمل الأوكسجين إلى جميع أنسجة الجسد وأعضائه. في حين تعمل الكريات البيض ـ وهي أنواع متعددة ـ على محاربة الجراثيم الناقلة للأمراض. أما اللويحات ـ وهي أقراص بروتوبلازمية بالغة الصغر ـ ، فتساعد على تجلط الدم ومنه النزف» (٥٥٤).

وبعد معرفة التركيب العام للدم ، تظهر لنا بعض الحكم الصحية في تحريم ونجاسة الدم ، ولكن ينبغي التنبيه على أنّ كل ما توصلنا إليه ليس هو الحكمة الواقعية التي هي في علم الغيب ، وإنما هي دراسات يطمع من خلالها العلم الحديث الوصول إلى الحقيقة ، فتراه بين فترة وأخرى يكتشف الجديد من أسرار الحياة. إذن ، سنعرض ما ذكره الطب الحديث حول الدم كالتالي :

«ثبت علمياً أنّ الدم هو أصلح الأوساط لنمو شتى الجراثيم ، كما أنّه أيضاً يحمل مخلفات الجسم التي تنتج عن الفعل الهدمي Catabolism في الأنسجة المختلفة.

كما أنّ شرب الدم المسفوح قد يؤدي إما إلى إرتفاع البولينا بالدم مما يهدد بحدوث فشل كلوي ، أو إرتفاع نسبة الأمونيا في الدم ، وحدوث غيبوبة كبدية ، ويحتوي الدم على مواد تدعى انتيجنات ، وبتكرار شرب الدم قد تحدث حالة حساسية شديدة من تفاعل الانتيجنات مع الأجسام المضادة. ويحتوي الدم إلى جانب ذلك على الكثير من المواد السامّة التي تعمل الكبد على تخليص الجسم منها. والدم يحتوي على جراثيم في كثير من الأحيان ، مما يحدث بالمعدة والأمعاء

__________________

(٥٥٤) ـ البعلبكي ، منير : موسوعة المورد العربية ، ج ١ / ٤٩٧.


تهيجاً في أغشيتها ، مما يسبب أخطر الأمراض ؛ لذا كان للتشريع القرآني نظرة علمية فيت حريمه لتناول الدم»(٥٥٥) . وبعد عرض هذا النص العلمي حول الدم ، يمكن تقسيم حكم الدم في التشريع الإسلامي إلى ما يلي :

١ ـ النجاسة :

نَصّ الفقهاء على نجاسة الدم من كل حيوان له نفس سائلة ، بلا فرق في ذلك بين الإنسان وغيره ، ولا بين المحلل أكله ومحرّمه ، صغيراً كان أم كبيراً ، قليلاً أم كثيراً. حسب التفصيل المذكور في الرسائل العملية للفقهاء.

وإستثنوا من النجاسة دم الحيوان الذي ليس له نفس سائلة ، كدم السمك والبرغوث والقمل ونحوها ، والدم المتخلف في الذبيحة بعد خروج المقدار المتعارف منها بعد الذبح. فإنّ هذا الدم طاهر لا تترتب عليه النجاسة.

٢ ـ حرمة الأكل والشرب :

الدم نجس لا يجوز أكله ولا شربه ، وعلى هذا ، فالدم الموجود في اللبن عند الحلب ، فهو نجس وحرام أكله ، وكذلك الدم الموجود في البيضة ، بل كل طعام أو شراب تنجس بالدم.

٣ ـ حرمة الجنس :

إستفاد الفقهاء حرمة مقاربة الزوجة أثناء الحيض ، من الآية الشريفة( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ) [البقرة / ٢٢٢].

وقد إستفاد الطب الحديث من هذه الآية الشريفة ـ خصوصاً من لفظة (أذى) ـ ، ترتب الضرر على المرأة والرجل ، كالتالي :

__________________

(٥٥٥) ـ عبد الصمد ، محمد كمال : الإعجاز العلمي «القرآن الكريم» / ٢٦١ ـ ٢٦٢.


أ ـ الأضرار المترتبة على المرأة :

١ ـ إنّ إدخال القضيب إلى الفرج والمهبل في أثناء الحيض ، ليس إلا إدخالاً للميكروبات في وقت لا تستطيع فيه أجهزة الدفاع أن تقاوم. كما أنّ وجود الدم في المهبل والرحم يساعد على نمو تلك الميكروبات وتكاثرها.

٢ ـ إمتداد الإلتهابات إلى قناتي الرحم فتسدها ، أو تؤثر على شعيراتهما الداخلية ، التي لها دور كبير في دفع البويضة من المبيض إلى الرحم ، مما يؤدي إلى العقم ، أو إلى الحمل خارج الرحم وهو أخطر أنواع الحمل على الأطلاق.

٣ ـ إمتداد الإلتهاب إلى قناة مجرى البول ، فالمثانة ، فالحالبين ، فالكلى مما يسبب أمراضاً خطيرة ومزمنة في الجهاز البولي.

٤ ـ يصاحب الحيض آلام تختلف في شدتها من إمرأة إلى أخرى ، وتصاب كثير من النساء بحالة من الكآبة والضيق أثناء الحيض وخاصة عند بدايته ، وتكون المرأة عادة متقلبة المزاج ، سريعة الإهتياج قليلة الإحتمال ، كما أنّ حالتها العقلية والفكرية تكون في أدنى مستوى لها.

٥ ـ تقل الرغبة الجنسية لدى المرأة ، وخاصة عند بداية الطمث ، بل إنّ كثيراً من النساء يكن عازفات تماماً عن الإتصال الجنسي أثناء الحيض ، ويملن إلى العزلة والسكينة ، إذ أنّ فترة الحيض هي فترة نزيف دموي من قعر الرحم ، وتكون الأجهزة التناسلية بأكملها في حاله شبه مرضية ، فالجماع في هذه الآونة ليس طبيعياً ، ويؤدي إلى كثير من الأذى.


ب ـ الأضرار المترتبة على الرجل :

١ ـ إنّ إدخال القضيب إلى المهبل المليء بالدماء يؤدي إلى تكاثر الميكروبات ، وإلتهاب قناة مجرى البول لدى الرجل.

٢ ـ وقد ظهر بحث حديث قَدّمه البروفسور عبد الله باسلامه ، إلى المؤتمر الطبي السعودي السادس ، جاء فيه : إنّ الجماع أثناء الحيض قد يكون أحد أسباب سرطان عنق الرحم ، ويحتاج الأمر إلى مزيد من الدراسة للتأكد من ذلك.

٣ ـ وتنتقل الميكروبات من قناة مجرى البول إلى البروستاتا والمثانة وإلتهاب البروستاتا سرعان ما يزمن ؛ لكثرة قنواتها الضيقة الملتفة والتي نادراً ما يصلها الدواء بكمية كافية لقتل الميكروبات المختفية في تلافيفها فإذا ما أزمن إلتهاب البروستاتا فإنّ الميكروبات سرعان ما تغزو بقية الجهاز البولي التناسلي ، فتنتقل إلى الحالبين ، ومنه الى الكلى وما أدراك ما إلتهاب الكلى المزمن ، إنّه العذاب المستمر حتى يحين الأجل ولا علاج.

٤ ـ وقد ينتقل الميكروب من البروستاتا إلى الحويصلات المنوية ، فالحبل المنوي ، فالربخ فالخصيتين كما أن الآلام المبرحة التي يعانيها المريض تفوق ما قد ينتج عن ذلك الإلتهاب من عقم. هذا موجز للأذى الذي يصيب كلاً من المرأة والرجل ، إذا خالفنا الأوامر الإلهية وقرار منع الوطء في الحيض»(٥٥٦) .

٤ ـ حرمة سفك الدم :

حَرّمت الشريعة الإسلامية سفك الدم المحترم ، إلا ما إستثني في حال القصاص والجهاد ، والدفاع عن النفس والعرض ونحو ذلك ، كما أكد على

__________________

(٥٥٦) ـ البارّ ، الدكتور محمد علي : خلق الإنسان بين الطب والقرآن / ١٠١ ـ ١٠٥ «بتصرف».


ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى :( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ ) [البقرة / ٨٤]. وقوله تعالى :( قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ) [البقرة / ٣٠]. فالمراد من سفك الدماء في الآيتين هو :

إراقة الدماء بغير حق ؛ أي من غير إجازة شرعية ، حيث أنّ الإجازة في موارد معدودة ، كالقصاص والجهاد في سبيل الله ، والدفاع عن النفس والعرض ، ونحو ذلك. كما هو موضّح في كتب الفقه الإسلامي.

٥ ـ بيع الدم :

ذكر الفقهاء في (المعاملات) : يجوز بيد الدم لمعالجة المرضى المحتاجين إليه. هذه بعض الأحكام المتعلقة بالدم ، ومن أراد التوسع ؛ فعليه بمراجعة كتب الفقهاء في هذا الموضوع.

ج ـ تأثير الدم على طباع وشخصية الإنسان :

أثبت العلم الحديث مدى تأثير الدم على طباع وميول الإنسان ، فقد : «أثبتت المختبرات العلمية في اليابان ، أنّ دم كل إنسان يكشف عن طباع صاحبه وميوله وقدراته العملية ، ومن تحليل هذا الدم يمكن تعيين كل فرد في العمل ، أو في الوظيفة التي تتفق مع ميوله وطاقته وفي هذا الصدد يذكر الدكتور الياباني (توشيتا كانومي) في كتابه حول تحليل أنواع الدماء ، أنّه قد أتم دراسة ثلاثمائة ألف نوع من الدماء ، وعلاقة كل نوع بشخصية صاحبه ، وخلص من دراسته بتقسيم عينات الدماء كما يلي :

ـ النوع O : يدل على إستقامة صاحبه ووثوقه من نفسه ، وأصحابه يصلحون لشئون الإدارة والقيادة.


ـ النوع A : يتميز أصحابه بالشدة والعنف والصرامة ، وهؤلاء يصلحون في الغالب للأعمال الفنية والهندسية.

ـ النوع B : يتميز أصحابه بالقدرة على الخلق والإبتكار والإختراع ، وهؤلاء يصلحون للعمل في المختبرات العلمية والطبية والصناعية.

ـ النوع AB : يتميز أصحابه بالطموح والجرأة والإقدام ، وهؤلاء يصلحون في المجالات العسكرية والحربية»(٥٥٧) .

«وتوصل علماء السوفيت إلى إكتشاف فريد من نوعه وهو الربط بين بعض الصفات الشخصية للأفراد وحالتهم الصحية وفصيلة دمهم فذكروا على سبيل المثال :

أنّ فصيلة ( A ) هم أصدقاء أوفياء ومثابرون نجباء يتدرجون بنجاح في سلم الوظيفة أو المهنة وبرغم ذلك فصحتهم هشة ، كما أنهم معرضون أكثر من غيرهم للإصابة بمرض القلب وتصلب الشرايين والسكر.

أما أصحاب الدم ( B ) ، الرجال فيتميزون بحساسية الطباع ، والتفوق في العمل ، وأما النساء فسريعات التقلب ، شديدات الغيرة ، ويخضعن لأهوائهن بشكل كبير.

أما أصحاب فصيلة الدم ( O ) الناذرة التي تعطي لجميع الفصائل ، ولكن لا تأخذ إلا من فصيلتها فيتمتع أصحابها بالنشاط والعمل الدؤوب»(٥٥٨) .

كما أنّ الدماء المتكونة من الأغذية المحرمة تحرف مسار الإنسان الطبيعي إلى طباع ونوعية الغذاء المحرم ، فمثلاً الإنسان الذي يتغذى على لحوم الحيوانات

__________________

(٥٥٧) ـ عبد الصمد ، محمد كامل : ثبت علمياً ، ج ٤ / ١٣٤.

(٥٥٨) ـ نفس المصدر ، ج ٢ / ١٨٧.


المفترسة يتطبع بطباعها ، وإلى هذا يشير العلم الحديث : «كما أثبت علم التغذية الحديث ، أنّ الشعوب تكتسب بعض صفات الحيوانات التي تأكلها ؛ لإحتواء لحومها على سميات ومفرزات داخِلية تسري في الدماء وتنتقل إلى معدة البشر فتؤثر في أخلاقياتهم. فقد تبين أنّ الحيوان المفترس عندما يهمّ بإقتناص فريسته تفرز في جسمه هرمونات ومواد تساعده على القتال وإقتناص الفريسة وقد لوحظ على الشعوب آكلات لحوم الجوارح أو غيرها من اللحوم التي حَرّم الإسلام أكلها ـ أن تصاب بنوع من الشراسة والميل إلى العنف ولو بدون سبب إلا إلى الرغبة في سفك الدماء ، ولقد تأكدت الدراسات والبحوث من هذه الظاهرة على القبائل المتخلفة التي تستمرئ أكل مثل تلك اللحوم إلى حد أنّ بعضها يصاب بالضراوة فيأكل لحوم البشر ، كما إنتهت تلك الدراسات والبحوث أيضاً إلى ظاهرة أخرى في هذه القبائل ، وهي إصابتها بنوع من الفوضى الجنسية وإنعدام الغيرة على الجنس الآخر ، فضلاً على عدم إحترام نظام الأسرة ومسألة العرض والشرف وهي حالة أقرب إلى حياة تلك الحيوانات المفترسة ، حيث أنّ الذكر يهجم على الذكر الآخر من القطيع ويقتله ، لكي يحظى بإناثه إلى أن يأتي ذكر آخر أكثر شباباً وحيوية وقوة فيقتل المغتصب السابق وهكذا ..»(٥٥٩) .

ثانياً ـ قداسة الدم :

مما تقدم نستفيد أنّ الدم يحكي طباع الإنسان وينبأ عن شخصيته من خير وشر ، فالإنسان الذي مصدر دمه من الحرام ، فهو شرير يفعل فعل الحيوانات المفترسة ، والطيور الجارحة ، وهكذا ينطبق على أعداء ومحاربي سيد الشهداء

__________________

(٥٥٩) ـ عبد الصمد ، محمد كامل : الإعجاز العلمي في السنة / ٨٤ ـ ٨٥.


عليه السلام فقد عَبّر عنهم في خطبته بكربلاء (أملئت بطونكم من الحرام؟!!) وخطبته بمكة المكرمة : (كأنّي بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء فيملأن مني أكراشاً جوفا ، وأجربة سغبا). وقد مضى شرح هذه الخطبة في بداية هذا الجزء. والإنسان الذي مصدر دمه من الحلال ، فينبأ عن طيب عنصره وإنسانيته التي يريدها الله عَزّ وجَلّ. وبعد هذا التمهيد ؛ تظهر لنا قداسة الدم كالتالي :

أ ـ التبرك بدم النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) :

إنّ بعض البشر لهم تركيبة إلهية خاصة ، وهم الأنبياء والأوصياء ، وفي طليعتهم نبينا الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الأطهار عليهم السلام ، الذين نَصّ القرآن الكريم على عصمتهم وطهارتهم في قوله تعالى :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) [الآحزاب / ٣٣].

فدمهم مُقدّس له مكانة عند الباري عَزّ وجَلّ لا يجوز سفكه ولا التعدي عليه. ومن الشواهد على قداسته عند المسلمين أنهم يتبركون بدم أشرف الخلق نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما في الروايات التالية :

١ ـ شرب مالك بن سنان ، بن عبيد الأنصاري الخزرجي ـ والد أبي سعيد الخدري ـ ، دمه (صلى الله عليه وآله) يوم احد حين مسح الدم عن وجهه ، ثم إزدرده فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من أحب أن ينظر إلى من خالط دمي دمه ، فلينظر إلى مالك بن سنان)(٥٦٠) .

__________________

(٥٦٠) ـ الأحمدي ، الشيخ علي بن حسين : التبرك / ٥٦ (عن الإصابة ج ٢ / ٦ ، وأسد الغابة / ٣٤٧ ، وكنز العمال ج ١٩ / ١١٩.


وفي رواية (البحار) هكذا : (قال : وأما الدم ؛ فإنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إحتجم مرة فدفع الدم الخارج منه إلى أبي سعيد الخدري ، وقال له : غَيّبُه؟ فقال : غيبته في وعاء حريز ، فقال له صلى الله عليه وآله وسلم : إياك وأن تعود لمثل هذا ، ثم إعلم أنّ الله قد حَرّم على النار لحمك ودمك لما إختلط بدمي ولحمي ، فجعل أربعون من المنافقين ـ يهزؤن برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويقولون : زعم أنّه قد أعتق الخدري من النار لاختلاط دمه بدمه ، وما هو إلا كذاب مفتر! وأما نحن فنستقذر دمه. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أما إنّ الله يعذبهم بالدم ويميتهم به ، وإن كان لم يمت القبط. فلم يلبثوا إلا يسيراً حتى لحقهم الرعاف الدائم ، وسيلان الدماء من أضراسهم ، فكان طعامهم وشرابهم يختلط بالدم فيأكلونه ، فبقوا كذلك أربعين صباحاً معذبين ثم هلكوا)(٥٦١) .

٢ ـ إنّ عبد الله بن الزبير قال : (إحتجم النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخذت الدم لأهريقه ، فلما برزت حسوته ، فلما رجعت ؛ قال : ما صنعت؟ قلت : جعلته في أخفى مكان. قال : ألفاك شربت الدم؟ ثم قال : ويل للناس منك ، وويل لك من الناس)(٥٦٢) .

٣ ـ عن جابر ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : (إحتجم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، حجمه مولى لبني بياضه وأعطاه ، (ولو) كان حراماً ما أعطاه ، فلما فرغ قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أين الدم؟ قال : شربته يا رسول الله. فقال : ما كان ينبغي لك أن تفعله ، وقد جعله الله لك حجاباً من النار)(٥٦٣) .

__________________

(٥٦١) ـ المجلسي ، الشيخ محمد باقر : بحار الأنوار ، ج ١٧ / ٢٧٠ ـ ٢٧١.

(٥٦٢) ـ نفس المصدر ، ج ١٨ / ١١٢ ـ ١١٣.

(٥٦٣) ـ نفس المصدر ، ج ٥٩ / ١١٩.


٤ ـ عن أبي عبد الله ، جعفر الصادق ، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام أنه قال : (ما إشتكى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجعاً قط إلا كان مفزعة إلى الحجامة. وقال أبو طيبة : حجمت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأعطاني ديناراً وشربت دمه. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أشربته؟ قلت : نعم. قال : وما حملك على ذلك؟ قلت : أتبرك به. قال : أخذت أماناً من الأوجاع والأسقام والفقر والفاقة والله ما تمسك النار أبداً)(٥٦٤) .

ـ نظرة في هذه الروايات :

بعد عرض هذه الروايات ؛ نخرج بالنتيجة التالية :

١ ـ نلاحظ أنّ قسماً من الروايات مفادها ، أنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم ينكر على من شرب دمه للتبرك ، بل أقرّهم على ذلك ، فقال لمالك بن سنان : (من أحب أن ينظر إلى من خالط دمي دمي ؛ فلينظر إلى مالك بن سنان) ، وقال لمولى بني بياضه : (وقد جعله الله لك حجاباً من النار) ، وقال لأبي طيبة (أخذت أماناً من الأوجاع والأسقام والفقر والفاقة ، والله ما تمسك النار أبداً).

٢ ـ ينكر على بعضهم شرب الدم من حيث حرمته ، فقال لسالم الحجام : (يا سالم ، أما علمت أنّ الدم حرام أكله ، أو ويحك يا سالم أما علمت أنّ الدم كله حرام لا تعد)(٥٦٥) وقال لعبد الله بن الزبير : (ويل للناس منك ، وويل لك من الناس ، والنتيجة التي توصلنا إليها :

إنّ جمعاً من الصحابة شربوا من دمه عليه السلام تبركاً وتعظيماً لمقامه صلى الله عليه وآله وسلم. وأما المنافقين الذين قالوا : (زعم أنّه قد أعتق الخدري من النار ، لإختلاط دمه

__________________

(٥٦٤) ـ المصدر السابق.

(٥٦٥) ـ الأحمدي ، الشيخ علي بن حسين : التبرك / ٥٦ (عن السيرة الحلبية ، ج ٢ / ٢٤٨ ، وتبرك الصحابة / ١٥).


بدمه ، وما هو إلا كذاب مفتر ، وأما نحن فنستقذر دمه) ؛ فدعا عليهم بقوله (أما إنّ الله يعذبهم بالدم ويميتهم به).

ب ـ قداسة دم الحسين (عليه السلام) :

إنّ الدم أغلى وأثمن شيء في جسد الإنسان ، إذا فقد فقدت معه الروح ، فعلى هذا من يبدي إستعداده لبذل دمه في سبيل الدين والعقيدة ، فدمه مقدس. ولذا أعلن سيد الشهداء هذا المبدأ منذ بداية مسيره إلى كربلاء ، فقال : (من كان باذلاً فينا مهجته ، موطناً على لقاء الله نفسه ، فليرحل معنا)(٥٦٦) .

وإطلاق القداسة على دم الشهداء ، باعتبار تعاملهم مع الله عَزّ وجَلّ ؛ ولذا كافأهم بالمغفرة والرحمة مع أول قطرة تراق من دمهم ، ففي حديث الإمام الصادق عليه السلام : (مَن قتل في سبيل الله لم يُعرِّفه الله شيئاً من سيئاته)(٥٦٧) .

وفي الحديث النبوي الشريف : (الشهادة تكفر كل شيء إلا الدين)(٥٦٨) .

وفي حديث الإمام الباقر عليه السلام : (كل ذنب يكفره القتل في سبيل الله إلا الدين ، فإنّه لا كفارة له إلا أداؤه ، أو يقضي صاحبه ، أو يعفوا الذي له الحق)(٥٦٩) .

أي أنّ الحق ينقسم إلى قسمين : حق الله عَزّ وجَلّ ، وحق الناس. فحق الله تشمله المغفرة الإلهية. وأما حق الناس ، كالدين ، فيحتاج إلى عفو صاحب الحق أو أدائه ، حتى تتحقق المغفرة.

__________________

(٥٦٦) ـ المقرم ، السيد عبد الرزاق : مقتل الحسين / ١٩٤.

(٥٦٧) ـ الحر العاملي ، الشيخ محمد بن الحسن : وسائل الشيعة ، ج ١٥ / ١٦ (باب ١ ـ من ابواب جهاد العدو ـ حديث ١٩).

(٥٦٨) ـ الرّيشهري ، محمد : ميزان الحكمة ، ج ٥ / ٢٠٠٨.

(٥٦٩) ـ نفس المصدر.


فمقام الشهادة يحتاج إلى الإبتعاد عن حقوق الناس ، وإلى هذا يشير الحديث الذي رواه موسى بن عمير ، عن أبيه قال : (أمر الحسين منادياً فنادى : لا يقتل معنا رجل عليه دين. فقال رجل : إنّ إمرأتي ضمنت ديني. فقال الحسين عليه السلام : وما ضمان إمرأة)(٥٧٠) .

إذن ، فمقام الشهادة يحتاج إلى تصفية حقوق الناس ، حتى يكون الإنسان مرشحاً لهذه المنزلة الرفيعة عند الله عَزّ وجَلّ ، وقد أشارت الروايات إلى هذه المنزلة ، نذكر منها ما يلي :

١ ـ في الحديث النبوي : (ما من نفس تموت لها عند الله خير يَسُرُّها أنّها ترجع إلى الدنيا ، ولا أنّ لها الدنيا وما فيها ، إلا الشهيد ؛ فإنّه يَتمنّى أن يرجع فيُقتل في الدنيا ، لما يرى من فضل الشهادة)(٥٧١) .

٢ ـ وعنه صلى الله عليه وآله وسلم : (ما من أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا ، وأنّ له ما على الأرض من شيء ، غير الشهيد ، فإنّه يتمنى أن يرجع فيقتل عشر مرات ، لما يرى من الكرامة)(٥٧٢) .

وقد ورد في زيارات الحسين عليه السلام تعابير من هذا القبيل ، نذكر منها ما يلي :

(وَاَشْهَدُ اَنَّ الَّذينَ سَفَكُوا دَمَكَ ، وَاسْتَحَلُّوا حُرْمَتَكَ ، مَلْعُونُونَ مُعَذَّبُونَ عَلى لِسانِ داوُدَ ، وَعيسَى بْنِ مَرْيَمَ ، ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدْونَ)(٥٧٣) .

__________________

(٥٧٠) ـ المرعشي ، السيد شهاب الدين : ملحقات إحقاق الحق ، ج ١١ / ٤٣٧.

(٥٧١) ـ الرّيشهري ، محمد : ميزان الحكمة ، ج ٥ / ٢٠٠٩.

(٥٧٢) ـ نفس المصدر.

(٥٧٣) ـ القمي ، الشيخ عباس : مفاتيح الجنان / ٥٢١.


وورد في زيارة أخرى :

أاَشْهَدُ لَقَدِ اقْشَعَرَّتْ لِدِمائِكُمْ اَظِلَّةُ الْعَرْشِ ، مَعَ اَظِلَّةِ الْخَلائِقِ)(٥٧٤) .

وورد في زيارة ثالثة :

(اَشْهَدُ أَنَّ دَمَكَ سَكَنَ فِي الْخُلْدِ ، وَاقْشَعَرَّتْ لَطُ اَظِلَّةُ الْعَرْشِ ، وَبَكى لَهُ جَميعُ الْخَلائِقِ ، وَبَكَتْ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالأَرَضُونَ السَّبْعُ ، وَما فيهِنَّ وَما بَيْنَهُنَّ ، وَمَنْ يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ وَالنّارِ مِنْ خَلْقِ رَبِّنا ، وَما يُرى وَما لا يُرى)(٥٧٥) .

وبعد هذا البيان نقول : إنّ دم الحسين عليه السلام مُقَدّس ، وسفكه يغضب الباري عَزّ وجَلّ ، وقد سفكه الأعداء في واقعة الطف الأليمة ، ومما تقدم ينبغي التركيز على ما ورد في الزيارة : (أَشْهَدُ أَنَّ دَمَكَ سَكَنَ فِي الْخُلْدِ الخ) ، وما يترتب على ذلك من بحث مهم ، فما المراد من سكنى دم الحسين عليه السلام في الخلد؟ يتضح جواب هذا السؤال بعد بيان الآتي :

١ ـ الدرجة العالية للحسين عند الله عَزّ وجَلّ :

ينبغي أن نقف وقفة إجلال عند شهادة الإمام الصادق عليه السلام : (أَشْهَدُ أَنَّ دَمَكَ سَكَنَ فِي الْخُلْدِ) ، ونتأمل بما يمكننا الوصول إليه من مغزى وأسرار هذه الشهادة. ونسأل : كيف صعد دم الحسين عليه السلام إلى جنّة الخلد وسكن فيها؟

والجواب عن هذا السؤال ، يستدعي مِنّا التعرض إلى ما يلي :

أولاً ـ قال تعالى :( مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ) [فاطر / ١٠].

__________________

(٥٧٤) ـ المصدر السابق / ٥٣٥.

(٥٧٥) ـ الكليني ، الشيخ محمد بن يعقوب : الكافي ، ج ٤ / ٥٧٥.


قال العلامة الطباطبائي (قده) : «من كان يريد العزة ، فليطلبها منه تعالى ؛ لأنّ العزة له جميعاً لا توجد عند غيره بالذات. فوضع قوله( فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ) في جزاء الشرط من قبيل وضع السبب موضع المسبب ؛ وهو طلبها من عنده ، أي إكتسابها منه بالعبودية ، التي لا تحصل إلا بالإيمان والعمل الصالح.

والمراد بالكلم ما يفيد معنى تاماً كلامياً ويشهد به توصيفه بالطيب ، فطيب الكلم ؛ هو ملاءمته لنفس السامع ومتكلمه ، بحيث تنبسط منه وتستلذ وتستكمل به ؛ وذلك إنّما يكون بإفادته معنى حقاً فيه سعادة النفس وفلاحها. وبذلك يظهر أنّ المراد به ليس مجرد اللفظ بل بما أنّ له معنى طيباً ، فالمراد به الإعتقادات الحقّة التي يسعد الإنسان بالإذعان لها ، وبناء عمله عليها والمتيقن منها كلمة التوحيد التي يرجع إليها سائر الإعتقادات الحقّة ، وهي المشمولة لقوله تعالى :( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ) [إبراهيم / ٢٥]. وتسمية الإعتقاد قولاً وكلمة أمر شائع بينهم.

وصعود الكلم الطيب إليه تعالى ، هو تقربه منه تعالى إعتلاء ، وهو العلي الأعلى رفيع الدرجات ، وإذا كان إعتقاداً قائماً بمعتقده ، فتقربه منه تعالى تقرب المعتقد به منه ، وقد فسروا صعود الكلم الطيب بقبوله تعالى له ، وهو من لوازم المعنى. ثم أنّ ال إعتقاد والإيمان إذا كان حق الإعتقاد صادقاً إلى نفسه صدقه العمل ولم يكذبه ، أي يصدر عنه العمل على طبقه ، فالعمل من فروع العلم وآثاره التي لا تنفك عنه ، وكلما تكرر العمل ؛ زاد الإعتقاد رسوخاً وجلاء وقوي في تأثيره ، فالعمل الصالح ـ وهو العمل الحري بالقبول الذي طبع


عليه ـ ، ببذل العبودية والإخلاص لوجهه الكريم بعين الإعتقاد الحق في ترتب أثره عليه ، وهو الصعود إليه تعالى ، وهو المعزي إليه بارفع ، فالعمل الصالح يرفع الكلم الطيب»(٥٧٦) . فمن أعظم مصاديق هذه الآية ، سيد الشهداء الحسين عليه السلام ، القائل عند إخراج السهم المثلث من قفاه ، وإنبعاث الدم كالميزاب ، فوضع يده تحت الجرح ، فلما إمتلأت ؛ رمى به نحو السماء : (هَوّن عليّ ما نزل بيّ أنّه بعين الله فلم يسقط من ذلك قطرة إلى الأرض)(٥٧٧) . وهذا ما أكد عليه جده المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم في رؤياه عند القبر الشريف بقوله : (وإنّ لك في الجنان لدرجات لا تنالها إلا بالشهادة).

ثانياً ـ قوله تعالى :( كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ *كِتَابٌ مَّرْقُومٌ *يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ) [المطففين / ١٨ ـ ٢١] ، المستفاد من كلمات المفسرين لهذه الآية ما يلي :

(كِتَابَ الأَبْرَاِ) : كتاب المطيعين لله ، مكتوب فيه جميع طاعاتهم وما تقرّبه أعينهم ، ويوجب سرورهم.

(عِلّيِّينَ) : المراتب العالية ، محفوفة بالجلالة ، سواء كانت تلك المراتب في السماء السابعة أو سدرة المنتهى : وهي التي ينتهي إليها كل شيء من أمر الله تعالى ، أو الجنة ، أو لوح من زبرجدة خضراء معلق تحت العرش ، على إختلاف الأقوال في ذلك.

__________________

(٥٧٦) ـ الطباطبائي ، السيد محمد حسين : الميزان في تفسير الميزان ، ج ١٧ / ٢٢ ـ ٢٣.

(٥٧٧) ـ المقرم ، السيد عبد الرزاق : مقتل الحسين / ٢٧٩.


(يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ) : أي الملائكة الذين هم في عليين ، يشهدون ويحضرون ذلك الكتاب ، أو ذلك الكتاب إذا صعد به إلى عليين.

قال وهب ، وابن إسحاق : الْمُقَرَّبُونَ ـ هنا ـ إسرافيل (عليه السلام) ، فإذا عمل المؤمن عمل البر ؛ صعدت الملائكة بالصحيفة وله نور يتلألأ في السموات كنور الشمس في الأرض ، حتى ينتهي بها إسرافيل ، فيختم عليها ويكتب ، فهو قوله :( يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ) ؛ أي يشهد كتابتهم)(٥٧٨) .

وبعد هذا التمهيد ؛ وصلنا إلى النتيجة التالية :

إنّ سيد الشهداء الحسين ابن علي عليهما السلام ، حينما إنبعث دم قلبه الطاهر رفعه نحو السماء ، فتلقاه جده المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم فرفعه ـ بواسطة الملائكة ـ إلى المقام العالي في الخلد ، فهو أغلى هدية قدّمها النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرباناً للباري عَزّ وجَلّ. وقد أهداد الباري عَزّ وجَلّ قبل ذلك ـ عن طريق جبرئيل عليه السلام ـ تربة الحسين عليه السلام ، فشمها فإذا هي أطيب مسك خلقه الله ، ثم إحتفظ بها وأكد على حفظها عند أفضل زوجاته بعد خديجة عليها السلام. فهذا يدل على منزلة الحسين ودرجاته العالية عند ربه ، فدمه الممتزج بتربته نور ورحمة لأهل الأرض ، ودمه الطاهر نور ورحمة لأهل السماء ، وإلى هذا المعنى يشير الحديث الشريف عن الحسين بن علي عليهما السلام قال : (دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعند اُبيّ بن كعب ، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : مرحباً بك يا رسول الله ، زين السماوات والأرضين أحد غيرك؟ فقال : يا اُبيّ ، والذي بعثني بالحق نبيّاً ، إنّ الحسين بن علي في السماء

__________________

(٥٧٨) ـ القرطبي ، محمد بن أحمد الأنصاري : الجامع لأحكام القرآن ، ج ١٩ / ٢٦٤.


أكبر منه في الأرض ، فإنّه لمكتوب عن يمين عرش الله : مصباح هدى وسفينة نجاة ..)(٥٧٩) .

وقد إستبشر أهل السماء بهذا النصر الذي حققه الحسين عليه السلام من أجل الدين والعقيدة ، وقد بَشّرَه النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بذلك في سحر يوم عاشوراء ، حينما رآه : (ثم أني رأيت بعد ذلك جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعه جماعة من أصحابه وهو يقول لي : يا بني ، أنت شهيد آل محمد ، وقد إستبشر بك أهل السموات وأهل الصفيح الأعلى ، فليكن إفطارك عندي الليلة ، عَجّل ولا ت}خِّر ، فهذا ملك قد نزل من السماء ليأخذ دمك في قارورة خضراء ..)(٥٨٠) .

٢ ـ شكاية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لربه عَزّ جَلّ :

مما تقدم نستفيد أنّ صعود الدم إلى الخلد ، وإضطراب أظلة العرش ، وبكاء أهل السماء وبقية الخلائق ، دليل على عظم الجريمة ، وشكاية النبي صلى الله عليه وآله وسلم لربه على من إقترفها ، ومن الشواهد على ذلك ما يلي :

١ ـ روى ابن عساكر ، بإسناده عن علي بن زيد بن جدعان ، قال : (إستيقظ ابن عباس من نومه فاسترجع وقال : قتل الحسين والله ، فقال له أصحابه : كَلّا يا ابن عباس كَلّا ، قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ومعه زجاجة من دم ، فقال : ألا تعلم ما صنعت أمتي بعدي؟! قتلوا ابني الحسين وهذا دمه ، ودم أصحابه أرفعه إلى الله عَزّ وجَلّ. قال : فكتبت ذلك اليوم الذي قال فيه ، وتلك الساعة ـ قال ـ : فما لبثوا إلا أربعة

__________________

(٥٧٩) ـ المجلسي ، الشيخ محمد باقر : بحار الأنوار ، ج ٢٦ / ٢٠٤ ـ ٢٠٥.

(٥٨٠) ـ نفس المصدر ، ج ٤٥ / ٣.


وعشرين يوماً حتى جاءهم الخبر بالمدينة ، أنّه قتل ذلك اليوم ، وتلك الساعة)(٥٨١) .

٢ ـ ذكر السيد المقرّم (ره) : «ولما ضعف عن القتال ، وقف يستريح فرماه رجل بحجر على جبهته فسال الدم على وجهه ، فأخذ الثوب ليمسح الدم عن عينيه ، رماه آخر بسهم محدد له ثلاث شعب وقع على قلبه ، فقال : بسم الله وبالله ، وعلى مِلّة رسول الله ، ورفع رأسه إلى السماء وقال : إلهي إنك تعلم إنهم يقتلون رجلاً ليس على وجه الأرض ابن بنت نبي غيري!! ثم أخرج السهم من قفاه وانبعث الدم كالميزاب ، فوضع يده تحت الجرح فلما إمتلأت رمى به نحو السماء وقال : هَوّن عليّ ما نزل بيّ أنّه بعين الله ، فلم يسقط من ذلك الدم قطرة إلى الأرض ، ثم وضعها ثانياً ، فلما إمتلأت ؛ لطخ به رأسه ووجهه ولحيته ، وقال : هكذا ألقى الله وجدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا مخضب بدمي ، وأقول : يا جدي قتلني فلان وفلان»(٥٨٢) . هذه بعض الشواهد التي ذكرها الخاصة والعامة ، ولكن بعد ذكر هذه الشواهد ، نقول : ما السِّر في إتفاق الروايات على قضية الدم؟ هل لمحض الإتفاق والصدفة ، أم لشيء آخر؟

من تأمل في ذلك ، إتضح له ما ورد في الزيارة : (أَشْهَدُ أَمَّ دَمَكَ سَكَنَ فِي الْخُلْدِ) ، وخلاصة ما توصلنا إليه هو ما يلي :

أولاً ـ إنّ صعود الدم إلى السماء وسكناه في الخلد ، هو شكاية من الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم إلى الباري عَزّ وجَلّ ، كما ذكرنا في الشواهد السابقة.

__________________

(٥٨١) ـ الميلاني ، السيد محمد هادي : قادتنا كيف نعرفهم ، ج ٦ / ١٣٠ ـ ١٣١ (عن البداية والنهاية ، ج ٨ / ٢٠٠).

(٥٨٢) ـ المقرّم ، السيد عبد الرزاق : مقتل الحسين / ٢٧٨ ـ ٢٧٩.


ثانياً ـ إنّ الدم لم يسكن في الأرض كعادته ، بل سكن في الخلد ، وما زال يضطرب ويفور حتى إقشعرت له أظلة العرش ، فبكى له سكان السماوات وترتب على ذلك إستنكار الخلائق بأجمعها على هذه الجريمة النكراء ، فهي شهود عيان على كل ذلك ، فإنتشار الدم في الأفق وفوق الأشجار وتحت الأحجار ، نتيجة للدم الذي سكن الخلد ، وغضب الباري عَزّ وجَلَ ، لشكاية النبي صلى الله عليه وآله وسلم.



معجم المفردات



وردت في هذا الجزء من موسوعة (تربة الحسين دراسة وتحليل) ، بعض المفردات التي تحتاج إلى إيضاح ، ورتبناها حسب الحروف الهجائية كالتالي :

الحـ أ ـ رف

إجّانَة :

الإجانة ، جمع أجَاجِين : إناء تُغْسَل فيه الثياب. أو جَرّة كبيرة ، أو موقع الماء تحت الشجرة.

ومنه : (يجب على العامل تنقية الأجاجين ؛ أي ما يحوط حول الأشجار. راجع : منجد اللغة / ٤ ومجمع البحرين ج ٦ / ١٩٧).

إدّا :

الأديد : الجَلَبَة ، من قولهم : أدّت الناقة تَئِدُّ ؛ أي رجعت حنينهاً ترجيعاً شديداً. والمراد به في قوله تعالى :( لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا ) [مريم / ٨٩]. الأمر المنكر يقع فيه جَلَبَة. راجع : المفردات في قريب القرآن ، ج ١ / ١٦.

أسَنَ :

يقال : أسَنَ الماء يأسُنُ ؛ وآسِنُ يأسن إذا تغير رَيحُه تَغيُّراً مُنكَراً ، وماء آسِنٌ ، قال تعالى :( مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ ) [محمد / ١٥]. وأسَنَ الرجل مرض من أسَنَ الماء إذا غُشيَ عليه ، قال الشاعر :

«يَمِيدُ في الرُّمح مَيْدَ المَائِح الأسِنِ». وقيل : تأسّنَ الرّجُلُ إذا إعْتَلْ تشبيهاً به. راجع : المفردات في غريب القرآن ، ج ١ / ٢١ ـ ٢٢.


الحـ ب ـ رف

بَحْر الخَزَر :

وهو بحر طبرستان وجُرْجَان ، وآبسكون كلها واحد ، وهو بحر واسع عظيم لا إتصال له بغيره. ويسمى أيضاً : الخراساني والجيلي ، وربما سمّاه بعضهم : الدًّوّاره الخراسانية ، وقال الإصطخري : وأما بحر الخزر ؛ ففي شرقيه : بعض الديلم ، وطبرستان ، وجرجان ، وبعض المفازة التي بين جرجان وخوارزم. وفي غريبه : اللان من جبال القبق إلى حدود السرير ، وبلاد الخزر ، وبعض مفازة الغُزية. وشماليه : مفازة الغزية ـ وهم صنف من الترك بناحية سياه كوه ـ ، وجنوبيه : الجبل وبعض الديلم. وبحر الخزر ليس له إتصال بشيء من البحور على وجه الأرض ، فلو أنّ رجلاً طاف بهذا البحر ؛ لرجع إلى الموضع الذي إبتدأ منه ، لا يمنعه مانع إلا أن يكون نهر يصب فيه ، وهو بحر ملح لا مَدّ فيه ولا جَزْر ، وهو بحر مظلم قعره. راجع : معجم البلدان ، ج ١ / ٣٤٢.

الخَزَر :

شعب تتاري عاش حول بحر قزوين ـ الذي يعرف أيضا بسبب من ذلك بـ(بحر الخزر) ـ ، وفي سفوح جبال القوقاز ، من حوالي العام (١٩٠) للميلاد إلى العام (١١٠٠ م). وقد أنشأ الخزر إمبراطورية تجارية بلغت أوج قوتها في النصف الثاني من القرن الثامن ، عندما إمتدت من نهر دينبر غرباً إلى نهر الغولفا الأدنى وبحر قزوين شرقاً. وفي منتصف الثامن تَهَوّد كثير من الخزر على أيدي اليهود الذين غادروا القسطنطينية آنذاك هرباً من الإضطهاد. راجع : موسوعة المورد العربية. ج ١ / ٤٦٤.


الحـ ج ـ رف

جامعة غَنْت :

جامعة حكومية في بلجيكا ، وسميت بهذا الإسم نسبة إلى المدينة الواقعة فيها (غَنْت) ، وتقع هذه المدينة على بعد حوالي ٥٠ كم شمال غربي مدينة بروكسل ، في الجزء الذي يتحدث اللغة الهولندية ، عند ملتقى نهري شيلدي وليبه ، وهي ميناء مهم ، حيث تربط قناة حفرت في عام (١٨٨٦ م) المدينة ببحر الشمال أصبحت غَنْت مدينة مهمة في العصور الوسطى ، وبلغت قمة الأهمية في القرن الخامس عشر الميلادي ، إلا أنّ الثورات والحروب فرقت المدينة عدة مرات بعد ذلك ، وقد إحتلها الأسبان ، والفرنسيون والنمساويون في فترات مختلفة قبل إستقلال بلجيكا. كما إحتلت القوات الألمانية مدينة غنت في الحربين العالميتين الأولى والثانية. وقعت فيها معاهدة بين بريطانيا والولايات المتحدة عام (١٨١٤ م) إتفقتا بموجبها على حَلّ المنازعات بينهما سلمياً. راجع : الموسوعة العربية العالمية ، ج ١٧ / ١٢٣ ، وج ٥ / ٧٠.

جَرْجَرَايا :

بلد من أعمال النهروان الأسفل ، بين واسط وبغداد من الجانب الشرقي ، كانت مدينة وخربت مع ما خرب من النهروانات ، وقد خرج منها جماعة من العلماء والشعراء والكتاب والوزراء ، ولها في الشعر كثير ؛ قال ابزون العَمّاني :

ألا يا حَبّذا يوماً جَرَرْنا

دُيُولَ اللّهوُ فيه بَجْر جَرَايا

راجع : معجم البلدان ، ج ٢ / ١٢٣.


الحـ ح ـ رف

الحِسّ المشترك :

هو القوة التي ترتسم فيها صور الجزئيات المحسوسة ، فالحواس الخمسة الظاهرة ، كالجراسيس لها ، فتطلع عليها النفس من ثَمة فتدركها ، ومحله مقدم التجويف الأول من الدماغ. كأنّها عين تنشعب منها خمسة أنهار. راجع التعريفات للجرجاني.

حُقّة ذهب :

الحُقّة : جمع حُقّ وحُقّق وحِقَاق : الوعاء الصغير. راجع : منجد اللغة / ١٤٤. والحُقُ والحُقّة ، بالضم : معروفة ، هذا المنحوت من الخشب والعاج وغير ذلك مما يصلح أن ينحت منه ، عربي معروف قد جاء في الشعر الفصيح ، ومنه قول عمرو بن كُلْثُوم :

وثَدْيَاً مثلَ حُقّ العاجِ رخصاً

حِصاناً من أكُفّ اللامِسيسِنا

قال الجواهري : والجمع حُقّ وحُقَقٌ وحِقَاقٌ ؛ قال ابن سيدة : وجمع الحُقّ أحْقَاقٌ وحِقَاقٌ ، وجمع الحُقّة حُقَقَ ، وقال رؤبة : (سَوّى مساحِيهنَّ تَقْطِيطَ الحُقَقْ). صف حوافر حمر الوحش أي أنّ الحجارة سَوّت حوافرها كأنّما قُطِطَتْ تَقْطِيطَ الحُقَقِ. راجع : لسان العرب ، ج ١٠ / ٥٦.

حَمَأ مَسْنُون :

الحمأة والحمأ : طين أسود منتن. والمسنون : الذي أسن وتغير ، وهو صفة للحمأ. ويقول العلم الحديث : أنّ نشأة الحياة كانت من الطين الآسن طين المستنقعات التي تتصاعد منه الغازات الكريهة الرائحة. وهي غاز الميثان Methane ، وترى صورة ضخمة في قاعة المتحف الطبيعي بلندن تصور كيف


تطورت هذه لتكون البروتينات ، وأهمها الحامض النووي الذي به سر الحياة راجع : المفردات في غريب القرآن ، ج ١ / ١٧٥. وخلق الانسان بين الطب والقرآن / ١٧.

الحـ خ ـ رف

خَضِلَ :

نَدِيّ وإبتَلّ وإخْضَلّت لحيته ؛ أي إبتلّت. راجع : منجد اللغة / ١٨٣.

الخطبة القَاصِعَة :

قال ابن ابي الحديد : «ومن الناس من يسمي هذه الخطبة بالقاصعة ، وهي تتضمن ذمّ إبليس لعنه الله ، على إستكباره وتركه السجود لآدم عليه السلام ، وأنّه أول من أظهر العصبية وتبع الحمية وتحذير الناس من سلوك طريقته.

يجوز أن تسمى هذه الخطبة (القاصعة) من قولهم : قصعت الناقة بجِرّتها ، وهو : أن تردها إلى جوفها ، أو تخرجها من جوفها فتملأها ، فلما كانت الزواجر والمواعظ في هذه الخطبة مرددة من أولها إلى آخرها ، شبهها بالناقة التي تقصع الجِرّة ، وتجوز أن تسمى القاصعة ؛ لأنّها كالقاتلة لإبليس وأتباعه من أهل العصبية ، من قولهم : قَصَعَتْ القملةُ إذا هَشَمْتَها وقتلتها. ويجوز أن تسمى القاصعة ؛ لأنّ المستمع لها المعتبر بها يذهب كبره ونحوته ، فيكون من قولهم : قصع الماء عطشه ؛ أي أذهبه وسكنه ، قال ذو ال رمة بيتاً في هذا المعنى :

فانْصَاعَتْ الحُقْبُ لَم تقْصَعْ صَرَائِرَها

وقد تشحّ فَلَا رِيّ ولا هِيمُ

الصّرائر : جمع صريرة ، وهي العطش (والحقب : الحمر الوحشية ، وإنصاعت : ذهبت هاربة».


وتجوز أن تسمى القاصعة ؛ لأنّها تتضمن تحقير إبليس وأتباعه وتصغرهم ، من قولهم : قصعت الرجل إذا إمتهنتَه وحَقّرتَه ، وغلام مقصوع ؛ أي قمئ لا يَشِبّ ولا يزداد).

راجع : شرح ابن ابي الحديد ، ج ١٣ / ١٢٧ ـ ١٢٨.

الحـ د ـ رف

دُرِّي اللون :

الدُرِّي : نسبة إلى الدُرّ في صفائه وحسنه وبياضه ، ولذا يقال : دُرِّي السيف : تلألؤه وإشراقه.

راجع : لسان العرب ، ج ٤ / ٢٨٢.

الحـ ذ ـ رف

دَرَارِينَا :

الذُرّية : فُعْلِية ؛ وهي منسوب إلى الذُرّ الذي هو النمل الصغار. وذُرِّيةُ الرجل : ولده ، والجمع الذّرَارِي والذُّرّيّات. إسم تجمع نسل الإنسان من ذكر وانثى ، وأصلها الهمز لكنهم حذفوها فلم يستعملوها إلا غير مهموزة. راجع : لسان العرب ، ج ٤ / ٣٠٤.

الحـ ر ـ رف

الرِكَاز :

إختلف أهل العراق والحجاز في معناه ؛ فقال أهل العراق : الركاز ، المعادن كلها.

وقال أهل الحجاز : المدفون خاصة مما كنزه بنو آدم قبل الإسلام ، والقولان يحتملهما أهل اللغة : لأنّ كُلاً منهما مركوز في الأرض ، أي ثابت ، يقال :


ركزه ركزاً ؛ إذا دفنه ، وإنما كان فيه الخمس ؛ لكثرة نفعه وسهولة أخذه. وفي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ وقد سئل ، وما الركاز؟ ـ فقال : (الذهب والفضة ، الذي خلقه الله في الأرض يوم خلقه). راجع : مجمع البحرين ، ج ٤ / ٢١.

الرُّهَيْمَة :

بلفظ التصغير لرهمة. ضيعة قرب الكوفة. وقيل : عين بعد خَفيَّة بثلاثة أميال إذا أردت الشما من الكوفة. راجع مراصد الإطلاع ، ج ٢ / ٦٤٥.

رَيْن :

الرّيْن : الطبع والدنس. والحجاب الكثيف ، والصدأ الذي يعلو السيف والمرآة ، وقد جمعت هذه المعاني في قوله تعالى :( كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) [المطففين / ١٤].

أي غلب على قلوبهم كسب الذنوب ، كما يرين الخمر على عقل السكران. ورانت نفسه ترين : خبثت.

راجع : مجمع البحرين ، ج ٦ / ٢٥٩ ، ولسان العرب ، ج ١٣ / ١٩٢.

الحـ س ـ رف

سُعْد :

السُعْد : نبتة عشبية معمرة تنمو إلى إرتفاع مترين. ذات عقد منتفخة ، الساق أسطوانية مثلثة الزوايا أحياناً ، تكون عند قاعدة النبات أغماد ورقية كبيرة ، ينتمي النبات إلى جنس السعد ، التابع للفصيلة السعدية ، وهو جنس يحتوي على ٦٠٠ نوع. منتشرة في المناطق الإستوائية والدافئة. لبعض هذه الأنواع درنات تؤكل وتوضع في العطور ، وأشهر أنواع هذا الجنس نبات البردي.


تضم الفصيلة ١١٠ جنساً و ٣٦٠٠ نوع. راجع : الموسوعة العربية العالمية ، ج ٢٥ / ١٣٥.

السُوْفِسْطَائِيّون :

السَفْسَطَة : أصل هذا اللفظ في اليونانية (سوفيسما) ، وهو مشتق من لفظ (وفوس) ومعناها الحكيم والحاذق. والسفسطة عند الفلاسفة : هي الحكمة المموهة. وعند المنطقتيين : هي القياس المركب من الوهميات ، الغرض منه تغليط الخصم وإسكاته ، وقيل أيضا : أنّ السفسطة قياس ظاهره الحق وباطنه الباطل ، ويقصد به خداع الآخرين ، أو خداع النفس ، فإذا كان القياس كاذباً ، ولم يكن مصحوباً بهذا القصد لم يكن سفسطه ، بل كان مجرد غلط أو إنحراف عن المنطق. والسوفسطائي : هو المنتسب إلى السفسطة ، تقول : فيلسوف سوفسطائي ونظرية سوفسطائية. وقد اُطلق هذا اللفظ في الأصل على الحاذق في الخطابة أو الفلسفة ، ثم اُطلق بعد ذلك تبذلاً على كل دجال مخادع.

راجع : المعجم الفلسفي ، ج ١ / ٦٥٨ ـ ٦٥٩.

الحـ ش ـ رف

شَاحِبَاً باكياً :

شَحَبَ لونه : تغير من جوع أو مرض ونحوهما ، فالشاحب : المهزول ، أو المتغير اللون أو نحو ذلك.

راجع : المنجد في اللغة / ٣٧٦.


الحـ ص ـ رف

ألواح الصَلْصَال :

اللَوْح : جمع ألواح : كل صفيحة عريضة خشباً كانت أو عظماً أو غيرهما. المنجد / ٧٣٨.

الصَلْصَال :

الطين اليابس الذي يصل من يسبه ؛ أي يصوت. وكان البابليون وغيرهم من الحضارات القديمة يستخدمون ألواح الصلصال للكتابة المسمارية وثائق لهم. راجع : المنجد في اللغة / ٤٣٠. والموسوعة العربية العالمية ، ج ١٩ / ١٢١.

الصِيرّان :

الصَوْر ، جمع صَيْرَان وأصْوَار : الرائحة الطيبة ، أو القليل من المسك ، أو وعاء المسك ، فعلى هذا كأنه أراد تشبيه البعر بنافجة المسك. وقد ورد في صفة الجنة : وترابها الصِوَار ، يعني المسك ، وصِوَار المسك : نافجته ، والجمع أصورة. وأصورة المسك نافقاته ، راجع : لسان العرب ، ج ٤ / ٤٧٦.

والصّوْر :

جماعة النخل الصغار ، ويقال لغير النخل من الشجر : صَوْر وصِيْرَان. وذكره كثير.

وقيل : المجتمع من النخل الصغر. راجع : لسان العرب ، ج ٤ / ٤٧٥.

الحـ ع ـ رف

عِجَاف :

العِجَاف : الإبل التي بلغت في الهزال النهاية. جمع أعجف ، والأعجف : المهزول ، والأنثى عَجْفَاء والجمع عِجَاف على غير قياس.


قال الجوهري : لأنّ أفْعَل فَعْلَاء لا يجمع على فِعَال ، ولكنهم بنوه على سِمَان ، والعرب قد تبني الشيء على ضده. راجع : مجمع البحرين ، ج ٥ / ٩٢.

الحـ غ ـ رف

غواليبور :

إمارة سابقة في الجزء الشمالي من وسط الهند تشكل اليوم جزءاً من ولاية مَدْيابرادش ، يرقى تاريخها إلى القرن الخامس للميلاد سكانها ٤٥٠٠٠٠٠ نسمة. راجع : موسوعة المورد ، ج ٢ / ٨١٢.

فُسَيْفِسَاء :

شكل من أشكال الفن ، حيث تنتظم فيه قطع صغيرة من الزجاج الملون ، أو الحجارة ، أو أي مادة أخرى ملونه معاً بالملاط. ويطلق عليه أيضا الموزاييك. والقطع الصغيرة ، وهي تسمى تَسّرا ، تركب معاً بحيث تكون صورة. ومعظم الفسيفساء يستخدم في تزيين السقوف ، والأرضيات والجدران الداخلية ، ولكن بعضه يستخدم لأسطح خارجية مثل الأرصفة والجدران الخارجية ، وربما كان سكان بلاد ما بين النهرين ، قد صنعوا الفسيفساء منذ ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد.

وعلى أي حال ، فإنّ الإستخدام الواسع للفسيفساء بدأ منذ القرن الرابع قبل الميلاد في مناطق كان يحكمها اليونانيون ، وفيما بعد نقل اليونانيون تصميم الفسيفساء إلى الرومانيين الذين توصلوا إلى طريقتهم الخاصة في هذا الفن ، فيما بين القرنين الثاني والثالث الميلاديين ، وقد نشر الرومان فن الفسيفساء في أرجاء الإمبراطورية الرومانية. راجع الموسوعة العربية العالمية ، ج ١٧ / ٣٦٥.


فَصِيل :

ولد الناقة أو البقرة إذا فصل عن أمه ووجه الشبه بين مصيبة الحسين عليه السلام وفصيل ناقة صالح عليه السلام ، ما أكد عليه الحسين عليه السلام بقوله بعد مقتل الرضيع عليه السلام : «اللهم لا يكون أهون عليك من فصيل» وفي نصّ آخر : «والله لأنت اكرَم على الله من الناقة ، ولمحمد أكرم على الله من صالح». ذكر القوم بعظيم ما صنع بناقة صالح عليه السلام وفصيلها ، حيث إنطلق قدار ومصدع وأصحابهما السبعة ، فرصدوا الناقة حين صدرت عن الماء ، وقد كمن لها قدار في أصل صخرة في طريقها ، وكمن لها مصدع في أصل أخرى ، فمرت على مصدع فرماها بسهم ؛ فإنتظم به عضلة ساقها ، وخرجت عنيزة وأمرت إبنتها ـ وكانت من أحسن الناس ـ فأسفرت لقدار ، ثم زمرته فشدّ على الناقة بالسيف فكشف عرقوبها ، فخرجت ورغت رغاء واحداً ، ثم طعنها في لبتها فنحرها ، وخرج أهل البلدة واقتسموا لحمها وطبخوه ، فلما رأى الفصيل ما فعل بأمه ، ولى هارباً ثم صعد جبلاً ، ثم رغا رغاء تقطع منه قلوب القوم ، وأقبل صالح عليه السلام فخرجوا يعتذرون إليه ، إنما عقرها فلان ولا ذنب لنا. فقال صالح : انظروا ، هل تدركون فصيلها؟ فإن أدركتموه فعسى أن يرفع عنكم العذاب. فخرجوا يطلبونه في الجبل فلم يجدوه. فنزل عليهم العذاب ؛ بأن صاح بهم جبرئيل عليه السلام تلك الصيحة ؛ فماتوا أجمعين في طرفة عين.

راجع : المنجد في اللغة / ٥٨٥ ، والبحار ، ج ٤٥ / ٤٧ ، وتاريخ اليعقوبي ، ج ٢ / ٢٤٥ ، وقصص الأنبياء للجزائري / ٩٤.

أقول : إنّ الناقة نحروها بعد شرب الماء وكذلك فصيلها شرب الماء. أما الحسين عليه السلام ؛ فهو عطشان وكذلك رضيعه ، فقد أخرجت زينب عليها السلام طفل


الحسين عليه السلام وقالت : يا أخي ، هذا ولدك له ثلاثة أيام ما ذاق الماء ، فاطلب له شربة ماء ، فأخذه على يده وقال : (يا قوم ، قد قتلتم شيعتي وأهل بيتي ، وقد بقي هذا الطفل يتلظى عطشاً ، فاسقوه شربة من الماء) فبينما هو يخاطبهم ، إذ رماه رجل منهم بسهم فذبحه ، ثم تلقى الدم بكفّيه حتى إمتلأتا ، ورمى بالدم نحو السماء وقال : هَوّن عليّ ما نزل بيّ ، أنّه بعين الله) إنّ حالة الطفل من العطش وحرارة الصيف ، وذبحه على هذه الحالة وهو على يد أبيه العطشان ، لأعظم جريمة عرفها التاريخ البشري ، يستحق مقترفيها أعظم العذاب ، بل هي أعظم من جريمة قتل الناقة وفصل ولدها عنها ، بعد أن رأى ما صنع بأمه ، وبقي يرغو رغاء يقطع القلوب.

الحـ ق ـ رف

قَتَب :

رحل البعير ، صغير على قدر السنام ، وجمعه أقتاب ، وفي حديث المرأة مع زوجها : (ولا تمنعه نفسها وإن كانت على ظهر قتب). راجع : مجمع البحرين ، ج ٢ / ١٣٩.

قصة أورْيَا :

أوريا : إسم رجل من أصحاب النبي داود عليه السلام وفي حديث ابي الصلت الهروي قال : سأل الرضا عليه السلام علي بن محمد ، بن الجهم فقال : (ما يقول من قبلكم في داود عليه السلام؟ فقال : يقولون : إنّ داود عليه السلام كان في محرابه يصلي ، إذ تصور له إبليس على صورة طير أحسن ما يكون من الطيور ، فقطع داود صلاته وقام ليأخذ الطير ، فخرج الطير إلى الدار ، فخرج في أثره ، فطار الطير إلى السطح فصعد في طلبه ، فسقط الطير في دار اوريا بن حنّان ، فاطلع داود عليه السلام


في أثر الطير فإذا بامرأة تغتسل ، فلما نظر إليها هواها ، وكان قد أخرج اوريا في بعض غزواته ، فكتب إلى صاحبه أن قدم اوريا أمام الحرب ، فقدم فظفر اوريا بالمشركين ، فصعب ذلك على داود ، فكتب إليه ثانية أن قدمه أمام التابوت ؛ فقدم فقتل رحمه الله ، وتزوج داود بامرأته. فضرب عليه السلام بيده على جبهته وقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، لقد نسبتم نبياً من أنبياء الله عليه السلام إلى التهاون بصلاته حين خرج في أثر الطير ، ثم بالفاحشة ، ثم بالقتل؟! فقال : يا ابن رسول الله ، فما كانت خطيئته؟ فقال عليه السلام : ويحك إنّ داود عليه السلام إنما ظن أنّ ما خلق الله عَزّ وجَلّ خلقاً هو أعلم منه ، فبعث الله عَزّ وجَلّ إليه الملكين فتسورا المحراب فقالا :( إِذْ دَخَلُوا عَلَىٰ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَىٰ سَوَاءِ الصِّرَاطِ * إِنَّ هَـٰذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ ) فجعل داود عليه السلام على المدعي عليه فقال :( قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ ) ولم يسأل المدعي البينة على ذلك ، ولم يقبل على المدّعي عليه فيقول له : ما تقول؟ فظن هذا خطيئة حكم لا ما ذهبتم إليه ، ألا تسمع الله عَزّ وجَلّ يقول :( يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ ) إلى آخر الآية؟ فقال يا ابن رسول الله ، فما قصته مع أوريا؟ قال الرضا عليه السلام : إنّ المرأة في أيام داود كانت إذا مات بعلها أو قتل لا تتزوج أبداً ، وأول من أباح الله عَزّ وجَلّ أن يتزوج بامرأة قتل بعلها داود عليه السلام فتزوج بامرأة اُوريا لما قتل وانقضت عدتها منه ، فذلك الذي شَقّ على الناس من قتل أوريا. راجع : البحار ح ١٤ / ٢٣ ـ ٢٤.


القَشّ :

الواحدة (قَشّة) : ما صغر ودق من يبيس النبات ، أو عيدان دقاق من قشر القصب والخيزران تقشش بها الكراسي. كما يطلق القشّ على : ردئ التمر ، أو ما يكنس من المنازل.

راجع : المنجد في اللغة / ٦٢٩.

الحـ ك ـ رف

كنيسة القِدِّيس بُطْرِس :

توجد كنيسة القديس بطرس في مدينة الفاتيكان. وتسمى أيضا ـ بازيليقا القديس بيتر ـ وتعد أكبر كنيسة نصرانية في أوريا ، وهي ثاني كنيسة تقام على ضريح يعتقد أنّه يضم جسد القديس بطرس (أول بابا في النصرانية). ويبلغ طول هذه الكنيسة نحم ٢١٠ م ، بينما يبلغ عرضها في أوسع نقطة فيها نحو ١٣٥ م ، وتغطي مساحة تزيد على ١٥١٠٠ م ٢.

وأبرز معلم عمراني في المبنى هو قبته الكبيرة ، التي صممها مايكل أنجلو. وتنتصب هذه القبة على إرتفاع ١٢٠ م من الأرض ، ويبلغ قطرها ٤٢ م.

راجع : الموسوعة العربية ، ج ١٨ / ٩٤.

كَتِيبَة من الملائكة :

الكتيبة : الطائفة من الجيش ، والجمع الكتائب. ويختلف عدد أفراد الكتيبة حسب التسمية ، ذكر المحبي الدمشقي في كتابه (التكتيب) الطريقة التي قسم بها العرب جيوشهم إلى وحدات كبيرة وصغيرة ، ومن هذا المرجع النفيس تعرق نقطاً شتى عن الجندية في الإسلام ، وقد ذكر في هذا السفر الأقسام العسكرية عند الحرب ، وهي :


إسم الكتيبة

عدد الجنود

إسم الكتيبة

عدد الجنود

الصف

زمرة كوكبتان

طائفة زمرتان

عسكر طائفتان

خميس عسكران

معسكر خميسان

١٩

١٠٢٤

٢٠٤٨

٤٠٩٦

٨١٦٣

٨٣٨٤

عصبة صفان

مقنب عصبتان

كردوس مقنان

جحفل كردوسان

كوكبة جحفلان

٣٣

٦٤

١٢٨

٢٥٦

٥١٣

وكان الروم إذا بشبت الحرب قسموا جنودهم إلى أقسام يسمونها كراديس (كورئيس) في اليونانية ، ومعناها الكتلة والكتيبة ، ويسمون كل كردوس كتيبة ، يصنفونها فيجعلون الملك أو القائد العام وحاشيته ورايته في الوسط ، وشعاره كتيبة تقوم في الوسط ويسمونها القلب ، وأمامها كتيبة يغلب أن تكون من الفرسان ـ وهي المقدمة ـ ، ويقيمون كتيبة أخرى عن يمين كتيبة الملك ؛ يسمونها الميمنة ، وأخرى إلى يساره يسمونها الميسرة ، وكتيبة وراء يسمونها ساقة الجيش ، هذه الصورة :

مقدمة

ميمنة

قلب

ميسرة

ساقة

وترى التعبئة على هذه الكيفية خمسة أجزاء ، ومنها تسمية الجيش بالخميس.

راجع : مجمع البحرين ج ٢ / ١٥٦ ، وبطل العلقمي ج ٣ / ١٩٤ ـ ١٩٧.


ولعلّ التعبير بـ(كتيبة من الملائكة) ، كناية عن الكثرة ، وكونهم على شكل الكتيبة ، وهذا ما يستفاد من حديث رؤيا الإمام الحسين عليه السلام لجده المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم : (قد أقبل في كتيبة من الملائكة عن يمينه وعن شماله وبين يديه ..).

الحـ م ـ رف

مَثَاقِيل :

المثقال واحد مثاقيل الذهب والمثقال الشرعي ، فعلى هذا ينقسم المثقال إلى ما يلي :

١ ـ المثقال الشرعي :

هو الدينار ـ وهو ثلاثة أرباع المثقال الصيرفي ـ ، والدينار الشرعي لم يتغير عما كان عليه في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى زمن العلامة المجلسي ، كما نصّ على ذلك في أول رسالته (أوزان المقادير ص ١٣٢). وعن الحدائق : لا خلاف بين الأصحاب وغيرهم في أنّ الدنانير لم تختلف في جاهلية ولا إسلام ، ويريدون أنّ المسكوكة لم تختلف كما إختلفت الدراهم ، وإلا فالمثقال الذي وزنه وزن الدينار مختلف ؛ إذ الشرعي منه غير العرفي ، كما هو واضح.

٢ ـ المثقال الصيرفي :

وهو المستعمل الآن في العراق كثيراً ، وفي سائر البلاد العربية قليلاً. وهو إختراع الدولة الفارسية. قال السيد عدنان شبّر الموسوي ـ في رسالة الأوزان ـ : «ولم يزل الأمر على ذلك ـ يعني المثقال الشرعي ـ ، حتى نبعث الدولة الشاهية والعثمانية ، فوضعت الفارسية مثقالاً جديداً ، زنته درهم وثلث من الدرهم السابق ، يعني الشرعي. إلى أن قال : فيكون المثقال الشرعي ثلاثة


أرباع الفارسي. واشتهر هذا المثقال وهذا الدرهم بالصيرفيين ، أربعة غرامات وثمانون جزءاً من مئة جزء من الغرام. راجع : الأوزان والمقادير / ١١١ ، ١١٥ ، ١١٦.

والمراد بـ (٧ مثاقيل) ، مثاقيل ذهب ، بالمثقال الشرعي ، فالمشهور أنّ كل سبعة مثاقيل عشرة دراهم ، فيكون المثقال : درهم وخمس ؛ وهو بحساب حب الشعير إثنين وأربعين حبة. راجع : مجمع البحرين ج ٥ / ٣٣١.

مُشَاشِي :

المشّ : مصدر ، يقال : أطعمهُ هَشُا مَشّا ؛ أي طيباً. والمُشَاش : جمع المشاشة النفس أو الطبيعة ، مَشّ مَشّاً الناقة : حلبها بإستقصاء. وامتش ما في الضرع ، وامتشع إذا حلب جميع ما فيه. راجع : المنجد في اللغة / ٧٦٢ ، ولسان العرب ج ٦ / ٣٤٦.

الحـ و ـ رف

ورق البَرْدِي :

البَرْدِي : نبات مائي مصري ، إستخدم قدماء المصريين أليافه لصنع صحائف يكتبون علهيا ، كما إستخدم في صناعة الحصر والنعال وأشرعت المراكب الصغيرة ، وكانت أزهاره الداكنة تستخدم في صنع أوراق الزينة ، لوضعها في المزارات الدينية عند الفراعنة. ويعتقد فريق من الناس أنّ الصندوق الصغير الذي أخفت فيه أم موسى صغيرها كان مصنوعاً من ورق البردي ولا يزال نبات البردي يزرع في دلتا نهر النيل بمصر ، وتنمو فروع السيقان إلى طول يتراوح ما بين متر وثلاثة أمتار ، لكنها لا تحمل أوراقاً ؛ إذ تنموا الأوراق الخشنة مباشرة من الجذور. ويحيط شعر الألياف بزهور الأشجار. وكان الفراعنة


يصنعون أوراق البردي من قشور الساق ، وكانت توضع على صفوف من الحجارة ويضغط عليها ، تتحول الأوراق المطحونة غير اللامعة إلى نسيج مسامي ، ويشكل ورقة بيضاء. وعن المصريين أخذ اليونان قراطيس البردي. ومنذ عام ١٧٧٨ م إكتشف في مقابر وتحت أنقاض مدنها القديمة آلاف من هذه القراطيس التي يعتقد أنّ بعضها يرقى إلى ما قبل الميلاد بأربعة آلاف سنة ، والقراطيس التي صنفها المصريون من البردي لم تكن تزيد على ستين سنتيمتراً طولا ، وعلى ٢٥ سنتيمتراً عرضاً ، ولكنهم كانوا كثيراً ما يلصقون بعضها ببعض ، ويجعلون منها أدراجاً أو مدارج ، ومعظم قراطيس البردي التي وصلت إلينا يحمل كتابات باللغة اليونانية ، وفي العهود السابقة لظهور النصرانية ، ولسنوات عديدة بعد ذلك ، كان صنع قراطيس البردي حكراً على مدينة الإسكندرية بخاصة ، وكانت كل ورقة تدمغ بعلامة تشير إلى نوعيتها. راجع الموسوعة العربية العالمية ج ٤ / ٣١٨ ، وموسوعة المورد العربية ج ١ / ٢١٥.

الوَصِيف :

الخادم دون المراهق. والوَصِسفَة : الجارية كذلك ، والجمع وصفاء ووصائف ، مثل كريم وكريمة وكرماء وكرائم. وقد يطلق الوصيف على الخادم غلاماً كان أن جارية. راجع : البحرين ج ٥ / ١٢٩.

الحـ ن ـ رف

نِيْط :

جمعها نِيَاط وأنياط ، النِيَاط كَكِتَاب : عِرْق غليظ ينط به القلب إلى الوتين ، فنياط القلب ؛ هو ذلك ال عرق الذي يعلق به القلب ، وكل شيء علق


في شيء ؛ فهو نوط ومنوط بمعاء من سرته ؛ أي معلق ، وفي ححديث بلال : (قال : ويحك يا غلام قطعت أنياط قلبي).

راجع : مجمع البحرين ـ ٤ / ٢٧٧.

الحـ ي ـ رف

الياقوت :

ثاني أكثر المعادن النقية صلابة ، ولا يفوقه صلابة إلا الماس ، يوجد الياقوت على شكل شذرات شَفَافَة في الحصى ، وعلى شكل عروق غير شَفَافَة في الحصى ، وعلى شكل عروق غير شَفَافَة في الصخور. وله الصيفة الكيميائية A ٣ O ٢.

وهناك عدة أصناف من الياقوت الشفاف تصقل وتستعمل مجوهرات ، وتشمل جواهر الياقوت الأحمر ، والسفير ، والجمشت الشرقي ، والزُمُرّد الشرقي ، والتوباز الشرقي ، وألوان الجواهر تعود إلى عدم صفاء الياقوت ، فعلى سبيل المثال ، يأخذ الياقوت الأحمر لونه من وجود آثار من الكروم ، يأخذ السفير لونه من الحديد والتيتانيوم ، وياقوت الجواهر يأتي بصورة أساسية من إستراليا وجنوب شرق أفريقيا وسريلانكا والهند.

ويستعمل الياقوت غير الشفاف مادة كاشطة (المادة الكاشطة ، هي التي تستخدم في سحق المواد وتنعيمها وتلميعها وصقلها ، والسنباذج ، وهو كاشط مألوف ، خليط طبيعي من الياقوت والمعادن الأخرى ، ويستخرج السنباذج ، وكذلك الياقوت ذو خاصية الكشط الجيدة من مناجم في تركيا واليونان.

الياقوت الأحمر : النوع الأحمر من الأحجار الكريمة التي تنتمي إلى معدن الياقوت ، ويطلق على الياقوت إسم السفير إذا كان أزرق اللون ، والسفير الوهمي إذا كان لونه ليس بالأزرق أو الأحمر ، والإسم الكيميائي للياقوت :


هو اكسيد الألومنيوم ، وتكسب اليواقيت لونها الأحمر من آثار الكروم الداخلة في اكسيد الآلومنيوم ، تميل معظم اليواقيت إلى البُنّي أو الأصفر ، ولكن أثمن أنواعها تميل إلى الزرقة ، ويقال لها أحمر دم الحمام ، ولا يفوق اليواقيت وأحجار السفري في صلابتها سوى الماس ، وتعد الأنواع النفيسة من اليواقيت من أثمن الأحجار الكريمة ، وتأتي أنفس اليواقيت من بورما ، كما تستخرج اليوم في تايلاند كميات منها ذات قيمة تجارية مهمة وتنتج الهند الكثير من الأنواع الأقل جودة ، وإن كانت يواقيتها النجمية من نوع ممتاز ويتراءى لمن ينظر لياقوت من هذا النوع في الضوء الساطع ، أنّ بها نجمة ذات ستة إشعاعات. أما اليواقيت المستخرجة من سريلانكا ؛ فيغلب الشحوب على لونها. ويقدر الإنتاج السنوي من اليواقيت الحمراء الصناعية الرخيصة بملايين القراريط ، وإن كان الطلب على اليواقيت الحقيقية قد مكنها من أن تحتفظ بقيمتها الثمينة ، ويصعب التمييز بين اليواقيت الطبيعية والمصنعة حتى على الخبراء ويستخدم العقيق الأحمر أحياناً كبديل للياقوت الأحمر ، وتطلع عليه أسماء خادعة من قبيل ياقوت اريزونا ، أو ياقوت رأس الرجاء.

الياقوت الأصفر (التّوباز) : معدن قوامه سليكان الألومنيوم والفلور أو الفلورين. يكون عادة في عروق الغرانيت متحداً بالكاستريت والترمالين والأبانيت والميكة. والتوباز قد يكون في حالته النقية عدم اللون ، ولكنه كثيراً ما يكون أصفر أو أزرق أو بُنِّياً. وأنفس التوباز توباز البرازيل ، وتوباز سيبيريا وجبال الأورال في الإتحاد السوفياتي. وهو يستخدم في صناعة الحلي بوصفه حجراً شبه كريم.

راجع : الموسوعة العربية العالمية ، ج ٢٧ / ٢٩٦ ، وموسوعة المورد ج ٢ / ١٣١٩.


مصادر البحث



مصادر البحث

١ ـ القرآن ال كريم وتفسيره

١ ـ البحراني (١١٠٩ هـ) : السيد هاشم بن السيد سليمان التوبلي.

(البرهان في تفسير القرآن) ـ حققه وعَلّق عليه الجنة من العلماء والمحققين الأخصائيين ـ ، بيروت ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، ط ١ / ١٤١٩ هـ ـ ١٩٩٩ م.

٢ ـ السيوطي (٩١١ هـ) : عبد الرحمن بن ابي بكر.

(الدر المنثور في التفسير بالمأثور) ، مصر ، ط / ١٣٧٧ هـ.

٣ ـ سيد قطب (١٣٨٥ هـ) : إبراهيم حسين الشاربي.

(في ظلال القرآن) ـ بيروت ، دار الشروق ، ط ١٠.

٤ ـ الطباطبائي (١٤٠٢ هـ) : السيد محمد حسين.

(الميزان في تفسير القرآن) ، بيروت ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، ط ٥ / ١٤٠٣ هـ.

٥ ـ الطبرسي (٥٤٨ هـ) : الشيخ ابو علي الفضل بن الحسن بن المفضل.

(مجمع البيان في تفسير القرآن) ـ تحقيق وتعليق السيد هاشم المحلاتي ـ بيروت ، دار إحياء التراث العربي ، ط ١ / ١٤١٢ هـ ـ ١٩٩٢ م.

٦ ـ الطوسي (٤٦٠ هـ) الشيخ محمد بن الحسن بن علي.

(التبيان في تفسير القرآن) ـ تحقيق أحمد بن حبيب قصير العاملي ـ ، قم المقدسة ، مكتب الإعلام الاسلامي ، ط ١ / ١٤٠٩ هـ.

٧ ـ العياشي (٣٢٠ هـ) محمد بن مسعود السلمي السمرقندي.

(تفسير العياشي) ـ تحقيق السيد هاشم لرسولي المحلاتي ، طهران ، منشورات المكتبة العلمية الإسلامية ، ط / ١٣٨٠ هـ.


٨ ـ القرطبي (٦٧١ هـ) : محمد بن احمد الأنصاري.

(الجامع لأحكام القرآن الكريم) ـ تصحيح احمد عبد العليم البردوني بيروت دار الفكر ، ط ٢.

٩ ـ عبد الباقي (١٣٨٨ هـ) : محمد فؤاد.

(المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم) بيروت ، إحياء التراث العربي.

١٠ ـ الراغب الإصفهاني (٥٠٢ هـ) ابي القاسم ، الحسين بن محمد.

(المفردات في غريب القرآن) ـ تحقيق مركز البحوث والدراسات بمكتبة نزار مصطفى الباز ـ مكة المكرمة ، ط ١ / ١٤١٨ هـ.

١١ ـ الأحمدي (١٤٢١ هـ) : الشيخ علي بن حسين بن علي الميانجي.

(التبرك) ، بيروت ، الدار الإسلامية ، ط ١ / ١٤٠٣ هـ.

١٢ ـ ابن حجر (٩٧٤ هـ) : أحمد بن محمد بن علي الهيثمي.

(الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة) ـ تعليق عبد الوهاب عبد اللطيف ـ القاهرة ، مكتبة القاهرة ، ط ٢ / ١٣٨٥ هـ.

١٣ ـ الأنطاكي (١٣٨٣ هـ) : الشيخ محمد مرعي الأمين.

(لماذا إخترت مذهب الشيعة؟) ، قم المقدسة ، مكتبة الثقلين ، ط ٣ / ١٣٨٢ هـ.

١٤ ـ التيجاني (معاصر) : الدكتور محمد السماوي.

(ثم اهتديت) ، بيروت ، المؤسسة الفكرية للمطبوعات ، ط ٢ / ١٤١١ هـ.

١٥ ـ خان () : وحيد الدين.

(الإسلام يتحدى) : تعريب ظفر الإسلام خان ـ دار البحوث العلمية ، ط ٦ / ١٤٠١ هـ.


١٦ ـ خير (معاصر) : محمد احمد حامد السوداني.

(براءة الشيعة ......) ، كراس مطبوع بالصف الكمبيوتري وبدون تاريخ.

١٧ ـ الرافعي (١٩٣٧ م) مصطفى صادق.

(إسلامنا) ، بيروت ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، ط ١ / ١٤٠٤ هـ.

١٨ ـ السامرائي (معاصر) : عبد المنعم.

(الرافضة وتفضيل زيارة الحسين على حج بيت الله الحرام) ، مكتبة ابن تيمية ، ط ١ / ١٤١٢ هـ.

١٩ ـ شرف الدين (١٣٧٧ هـ) السيد عبد الحسين.

(المراجعات) بيروت ، مؤسسة أهل البيت (ع) ـ أوفست على مطبعة الزمان صيدا ، ط / ١٣٥٥ هـ.

٢٠ ـ الشيرازي (١٤٠٥ هـ) : السيد عبد الله بن السيد محمد طاهر الموسوي.

(الإحتجاجات العشرة مع العلماء في مكة المكرمة والمدينة المنورة) ، مشهد المقدسة ، مطبعة الناقوس ، ط ٦ / ١٤٢٥ هـ.

٢١ ـ الصدر () : السيد مهدي.

(أصول العقيدة في التوحيد والعدل) ، بيروت ، دار الزهراء ، ط ٣ / ١٤٠١ هـ.

٢٢ ـ صليبا () : الدكتور جميل.

(المعجم الفلسفي بالألفاظ العربية والفرنسية والإنكليزية واللاتينية ، بيروت ، الشركة العالمية للكتاب ، ط / ١٤١٤ هـ.

٢٣ ـ الطرطوشي (٥٢٠ هـ) : محمد بن الوليد بن خلف القرشي الأندلسي.

(الحوادث والبدع) ـ تحقيق محمد الطالبي ـ جدة ، دار الإصفهاني.


٢٤ ـ الغافر (معاصر) : الشيخ عبد الرسول.

أ ـ (كرامات الإمام الحسين) ، بيروت ، الدار الإسلامية ، ط ١ / ١٤٢٤ هـ.

ب ـ (قبس من كرامات الإمام الحسين) بيروت ، مؤسسة المعارف للمطبوعات ، ط ١ / ١٤٢٣ هـ.

٢٥ ـ القندوزي (١٢٩٤ هـ) : الشيخ محمد حسين بن الشيخ إبراهيم البلخي.

(ينابيع المودة) ، بيروت ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات.

٢٦ ـ كاشف الغطاء (١٣٧٣ هـ) الشيخ محمد حسين بن الشيخ علي.

(أصل الشيعة وأصولها) ، القاهرة ، مطبوعات مكتبة النجاح ، ط ١٠ / ١٣٧٧ هـ.

٢٧ ـ المرعشي (١٤١١ هـ) : السيد شهاب الدين بن السيد محمود.

(ملحقات إحقاق الحق) ، قم المقدسة ، مطبعة الخيام ، ط / ١٤٠٦ هـ.

٢٨ ـ مُروِّج الإسلام (معاصر) : الشيخ علي أكبر.

(الكرامات الرضوية) ، قم المقدسة ، مطبعة سرور ، ط ١ / ١٤٢٤ هـ.

٢٩ ـ المفيد (٤١٣ هـ) : الشيخ محمد بن محمد بن النعمان.

(أوائل المقالات) ـ تحقيق الشيخ إبراهيم الأنصاري ـ ، بيروت ، دار المفيد ، ط ٢ / ١٤٠١ هـ.

٣٠ ـ الميداني () : عبد الرحمن حسن حسبنكة.

(ضوابط المعرفة وأصول الإستدلال والمناظرة) ، دمشق ، دار القلم ، ط ٢ / ١٤٠١ هـ.

٣١ ـ النبهاني (١٣٥٠ هـ) : يوسف بن إسماعيل.

(جامع كرامات الأولياء) ، مصر ، ط.


٣٢ ـ إعداد قسم الكلام ، في مجمع البحوث الإسلامية.

(شرح المصطلحات الكلامية) ، مشهد المقدسة ، مؤسسة الطبع والنشر في الآستانة الرضوية المقدسة ، ط ١ / ١٤١٥ هـ.

٢ ـ الحديث :

٣٤ ـ ابن الأثير (٦٠٦ هـ) : مجد الدين أبي السعادات ، المبارك بن محمد الجزري.

(النهاية في غريب الحديث والأثر) ـ تحقيق طاهر احمد الزاوي ومحمود محمد الطناحي ـ ، بيروت ، دار الفكر.

٣٥ ـ ابن قتيبة (٢٧٦ هـ) : ابي محمد ، عبد الله بن مسلم.

(تأويل مختلف الحديث) ، بيروت ، دار الجيل ، ط ١٣٩٣ هـ.

٣٦ ـ ابن قولويه (٣٦٧ هـ) : الشيخ جعفر بن محمد.

(كامل الزيارات) ـ تحقيق الشيخ جواد الفيومي ـ ، قم ، نشر الفقاهة ، ط ١٤١٧ هـ.

٣٧ ـ الحافظ البرسي (٨١٣ هـ) : الشيخ رجب بن محمد بن رجب.

(مشارق أنوار اليقين) ، بيروت ، مؤسسة الأعلمي.

٣٨ ـ الحر العاملي (١١٠٤ هـ) : الشيخ محمد بن الحسن بن علي.

(وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة) ـ تحقيق مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث ، بيروت ، مؤسسة آل البيت (ع) ط ١ / ١٤١٣ هـ.

٣٩ ـ الحميري (القرن الثالث) : الشيخ عبد الله بن جعفر.

(قرب الإناد) ـ تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث ـ ، بيروت ، ط ١ / ١٤١٣ هـ.


٤٠ ـ الرّيشهري (معاصر) : الشيخ محمد.

(ميزان الحكمة) ، بيروت ، مؤسسة دار الحديثو النشر والتوزيع ، ط ١ / ١٤٢٢ هـ.

٤١ ـ شُبّر (١٢٤٢ هـ) السيد عبد الله بن السيد محمد رضا.

(مصابيح الأنوار في حَلّ مشكلات الأخبار) ـ تحقيق السيد علي بن السيد محمد شُبّر ـ ، بيروت ، مؤسسة النور ، ط ٢ / ١٤٠٧ هـ.

٤٢ ـ الشريف الرضي (٤٠٦ هـ) : السيد محمد بن الحسين الموسوي العلوي.

(المجازات النبوية) ـ تقديم طه عبد الرؤوف سعد ـ ، القاهرة ، مطبعة مصطفى البابي الحلبي ، ط ١ / ١٣٩١ هـ.

٤٣ ـ الصدوق (٣٨١ هـ) : الشيخ محمد بن علي بن بابويه.

(كمال الدين وتمام النعمة) ـ تحقيق علي أكبر الغفاري ـ ، بيروت ، مؤسسة أهل البيت (ع) ، ط / ١٤٠٨ هـ.

٤٤ ـ الصنعاني (٢٢١ هـ) : عبد الرزاق بن همام.

(المصنف) ـ تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي ـ ، بيروت ، نشر المكتب الإسلامي ، ط ١ / ١٣٩٠ هـ.

٤٥ ـ الغروي (معاصر) : الشيخ محمد ، بن الشيخ محمد إسماعيل القزويني.

(الأمثال النبوية) ، بيروت ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات : ط ١ / ١٠١ هـ.

٤٦ ـ الكليني (٣٢٩ هـ) : الشيخ محمد بن يعقوب إسحاق الرازي.

(الكافي) ـ صححه وعَلّق عليه علي أكبر الغفاري ـ ، بيروت ، دار صعب ، ودار التعارف ، ط ٤ / ١٤٠١ هـ.


٤٧ ـ المجلسي (١١١١ هـ) : الشيخ محمد باقر بن الشيخ محمد تقي.

١ ـ (بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار) ـ تحقيق مجموعة من العلماء ، بيروت ، مؤسسة أهل البيت (ع) ، ط ٤ / ١٤٠٩ هـ.

٢ ـ (مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول) ـ إخراج وتصحيح السيد هاشم الرسولي وآخرون ـ طهران ، دار الكتب الإسلامي.

٤٨ ـ النوري (١٣٢٠ هـ) ميرزا حسين الطبرسي.

(مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل) ـ تحقيق مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث ـ ، قم المقدسة ، دار الهداية ، ط ٥ / ١٤١٢ هـ.

٤٩ ـ النووي (٦٧٦ هـ) : محي الدين بن شرف بن حسين.

(شرح صحيح مسلم) ، بيروت ، دار الفكر ، ط / ١٤٠١ هـ.

٥٠ ـ النيسابوري (٤٠٥ هـ) : محمد بن عبد الله.

(المستدرك على الصحيحين في الحديث) ، بيروت ، دار الفكر ، ط / ١٣٩٨ هـ.

٥١ ـ النمازي (١٤٠٥ هـ) : الشيخ علي بن الشيخ محمد بن إسماعيل السعد آبادي الشاهرودي.

(مستدرك سفينة البحار) ـ تحقيق الشيخ حسن بن علي النمازي ـ ، قم المقدسة ، مؤسسة النشر الإسلامي ع ط ١ / ١٤١٨ هـ.

٥٢ ـ المتقي الهندي (٩٧٥ هـ) : علاء الدين ، علي بن حسام الدين.

(كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال) ، حيدر آباد الدكن ، دائرة المعارف ، ط ٢ / ١٣٧٣ هـ.

٥٣ ـ الهيثمي (٩٧٣ هـ) : الحافظ نور الدين ، علي بن ابي بكر.

(مجمع الزوائد ومنبع الفوائد) ، بيروت ، دار الكتب ، ط ٢ / ١٩٦٧ م.


٣ ـ الفقه :

٥٤ ـ ابن المطهّر (٧٧١ هـ) : الشيخ ابي طالب ، محمد بن الحسن الحلي.

(إيضاح الفوائد في شرح إشكالات القواعد) ـ عَلّق عليه السيد حسين الموسوي وآخرون ، قم المقدسة ، المطبعة العلمية ، ط ١ / ١٣٨٧ هـ.

٥٥ ـ البحراني (١١٨٦ هـ) : الشيخ يوسف بن أحمد بن إبراهيم الدرازي.

(الدرر النجفية من الملتقطات اليوسفية) ـ تحقيق ونشر شركة دار المصطفى لإحياء التراث ، بيروت ، ط ١ / ١٤٢٣ هـ.

٥٦ ـ العلامة الحلي (٧٢٦ هـ) : الشيخ الحسن بن الشيخ يوسف بن المطهّر.

(أجوبة المسائل المهنائية) ، قم المقدسة مطبعة الخيام ، ط ١ / ١٤٠١ هـ.

٤ ـ الدعاء

٥٧ ـ الأبطحي (١٤٢٣ هـ) : السيد محمد باقر بن السيد مرتضى الإصفهاني.

(الصحيفة السجادية الجامعة لأدعية الإمام علي بن الحسين) بيروت ، مؤسسة البلاغ ، ط ١ / ١٤٢٥ هـ.

٥٨ ـ ابن طاووس (٦٦٤ هـ) : السيد رضي الدين ، علي بن موسى الحسني الحسيني.

(إقبال الأعمال) بيروت ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، ط ١ / ١٤١٧ هـ.

٥٩ ـ الرضوي (معاصر) : السيد محمد الرضي.

(التحفة الرضوية في مُجرَّبات الإمامية) عُمان ، روي ، منشورات مؤسسة أهل البيت (ع).

٦٠ ـ الطوسي (٤٦٠ هـ) : الشيخ محمد بن الحسن.

(مصباح المتهج) ـ عَلّق عليه الشيخ حسين الأعلمي ـ بيروت ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ط ١ / ١٤١٨ هـ.


٦١ ـ القمي (١٣٥٩ هـ) : الشيخ عباس بن محمد رضا.

(مفاتيح الجنان) ـ ترجمة العلامة السيد محمد رضا النوري ـ ، بيروت ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، ط ١ / ١٤١٢ هـ.

٥ ـ تاريخ الرجال :

٦٢ ـ ابن الأثير (٦٣٠ هـ) : عز الدين ، علي بن ابي الكرم الشيباني.

١ ـ (أسد الغابة في معرفة الصحابة) بيروت ، دار المعرفة ، ط / ١٩٩٧ م.

٢ ـ (الكامل في التاريخ) بيروت ، دار صادر.

٦٣ ـ ابن ابي حاتم (٣٢٧ هـ) : عبد الرحمن التميمي الحنظلي الرازي.

(الجرح والتعديل) ، حيدر آباد الدكن ، ط / ١٣٧٣ هـ.

٦٤ ـ ابن أعثم (٣١٤ هـ) : ابو محمد ، احمد الكوفي.

(الفتوح) ـ تحقيق علي شيري ـ بيروت ، دار الأضواء.

٦٥ ـ ابن حجر (٨٥٢ هـ) : احمد بن علي العسقلاني.

١ ـ (الإصابة في تمييز الصحابة) ، بيروت ، دار الكتاب العربي.

٢ ـ (تهذيب التهذيب) ـ تحقيق مؤسسة الرسالة ـ ، بيروت ، دار الرسالة ، ط ١ / ١٤١٦ هـ.

٦٦ ـ ابن الجوزي (٥٩٧ هـ) : عبد الرحمن بن علي.

(المنتظم من تاريخ الأمم والملوك) ـ تحقيق محمد عبد القادر عطا وآخر ، راجعه نعيم زرزور ـ بيروت ، دار الكتب العلمية ، ط ١ / ١٤١٢ هـ.

٦٧ ـ ابن خلكان (٦٨١ هـ) : شمس الدين ، احمد بن محمد.

(وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان) ـ تحقيق الدكتور إحسان عباس ـ ، بيروت دار صادر ، ط / ١٣٩٧ هـ.


٦٨ ـ ابن شَبّه (١٧٣ هـ) : زيد بن عمر.

(تاريخ المدينة المنورة) ـ تحقيق فهيم محمود شلتوت ـ بيروت ، دار التراث العربي ، ط / ١٤١٠ هـ.

٦٩ ـ ابن شهر آشوب (٥٨٨ هـ) : الشيخ رشيد الدين ، محمد بن علي السروي المازندراني.

(مناقب آل ابي طالب) قم المقدسة ، نشر مؤسسة إنتشارات العلامة.

٧٠ ـ ابن نما (٦٤٥ هـ) : الشيخ محمد بن جعفر الحلي.

(مثير الأحزان) بيروت ، مؤسسة أهل البيت (ع) ، ودار الكتاب الإسلامي ، ط / ١٤١٢ هـ.

٧١ ـ ابو ريّة (١٩٧٠ م) : محمود.

(أضواء على السنة المحمدية) ، القاهرة ، دار المعارف.

٧٢ ـ ابن كثير (٧٧٤ هـ) : أبو الفداء.

(البداية والنهاية) ، بيروت ، دار الكتب العلمية.

٧٣ ـ ابن طاووس (٦٦٤ هـ) : السيد رضي الدين علي بن موسى الحسني الحسيني.

(الملهوف على قتلى الطفوف) ـ تحقيق فارس الحسون ـ بيروت ، مؤسسة البلاغ ، ط ١ / ١٤٢٥ هـ.

٧٤ ـ إعداد لجنة الحديث ، معهد تحقيقات باقر العلوم.

(موسوعة كلمات الإمام الحسين (ع) قم المقدسة ، دار المعروف ، ط ٣ / ١٤١٦ هـ.


٧٥ ـ ابو الفرج الإصفهاني (٣٥٦ هـ) : علي بن الحسين.

١ ـ (الأغاني) ، بيروت ، دار إحياء التراث العربي.

٢ ـ (مقاتل الطالبيين) ـ شرح وتحقيق السيد احمد صقر ـ بيروت ، دار المعرفة.

٧٦ ـ ابن عساكر (٥٧١ هـ) : الحافظ علي بن الحسين ، بن هبة الله الشافعي.

(تاريخ ابن عساكر) ـ تحقيق محمد باقر المحمودي ـ ، بيروت ، ط ١ / ١٩٧٨ م.

٧٧ ـ أمين (١٣٧٤ هـ) : احمد بن إبراهيم.

(فجر الإسلام) ، بيروت ، دار الكتاب العربي ، ط ١٠ / ١٩٩٦ م.

٧٨ ـ الأمين (١٣٧١ هـ) : السيد محسن بن السيد عبد الكريم العاملي.

(أعيان الشيعة) ـ حققه وأخرجه واستدرك عليه حسن الأمين ـ بيروت ، دار التعارف للمطبوعات ، ط / ١٤٠٦ هـ ـ ١٤٢٣ هـ.

٧٩ ـ الأميني (١٣٩٠ هـ) : الشيخ عبد الحسين بن الشيخ أحمد.

(الغدير) ـ تحقيق مركز الغدير للدراسات الإسلامية ـ قم المقدسة ، مؤسسة دائرة معارف الفقه الإسلامي ، ط ٢ / ١٤٢٤ هـ.

٨٠ ـ الأردبيلي (١١٠٠ هـ) : الشيخ محمد بن علي الغروي الحائري.

(جامع الرواة وإزاحة الإشتباهات عن الطرق والإسناد) بيروت ، دار الأضواء / ١٤٠٣ هـ.

٨١ ـ البحراني (معاصر) : الشيخ عبد العظيم المهتدي.

(قصص وخواطر) ، قم المقدسة ، دفتر نشر نويد إسلام ، ط ٥ / ١٤٢١ هـ.


٨٢ ـ البحراني (القرن ١٢ هـ) : الشيخ عبد الله بن نور الله الإصفهاني.

(عوالم العلوم والمعارف والأحوال من الآيات والأخبار والأقوال) ـ تحقيق مدرسة الإمام المهدي (ع) ، قم المقدسة.

٨٣ ـ البحراني (معاصر) : السيد محمد صالح بن السيد عدنان الموسوي.

(النمارق الفاخرة إلى طرائق الآخرة) ، بيروت ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، ط ١ / ١٤٠٨ هـ.

٨٤ ـ البحراني (١١٠٩ هـ) : السيد هاشم بن السيد سليمان التوبلي.

(مدينة المعاجز) بيروت ، مؤسسة النعمان للطباعة والنشر ، ط / ١٤٢٢ هـ.

٨٥ ـ بحر العلوم (١٣٧٧ هـ) : السيد جعفر بن السيد باقر.

(تحفة العالم في شرح خطبة المعالم) ، طهران ، مكتبة الصادق ، ط ٢ / ١٤٠١ هـ.

٨٦ ـ البلاذري (٢٧٩ هـ) : احمد بن يحيى البغدادي.

(أنساب الأشراف) ـ تحقيق الشيخ محمد باقر المحمودي ـ بيروت ، دار التعارف للمطبوعات.

٨٧ ـ الحائري (١٣٨٤ هـ) : الشيخ محمد مهدي بن الشيخ عبد الهادي المازندراني.

(معالي السبطين في أحوال السيدين الإمامين الحسن والحسين) ، بيروت ، مؤسسة النعمان للطباعة والنشر.

٨٨ ـ الحكيمي (معاصر) : الشيخ محمد رضا.

(تاريخ العلماء عبر العصور المختلفة) ، بيروت ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، ط ١ / ١٤٠٣ هـ.


٨٩ ـ الخليلي (١٤٠٦ هـ) : جعفر بن الشيخ أسد الله بن المولى علي.

(موسوعة العتبات المقدسة) ، بيروت ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، ط ٢١ / ١٤٠٧ هـ.

٩٠ ـ الخطيب (معاصر) : محمد عجاج.

(السِنّة قبل التدوين) ، القاهرة مكتبة وهبة ، ط / ١٣٨٣ هـ.

٩١ ـ الدربندي (١٢٨٥ هـ) : الشيخ آغا عابد الشيرواني.

(إكسير العبادات في أسرار الشهادات) ـ تحقيق محمد جمعة وآخر ، المنامة ، شركة المصطفى ، ط ١ / ١٤١٥ هـ.

٩٢ ـ الدينوري (٢٨٢ هـ) : أحمد بن داود.

(الأخبار الطوال) ، بيروت ، دار إحياء الكتب العربية ، ط / ١٩٦٠ م.

٩٣ ـ دخيل (معاصر) : علي محمد علي.

(أعلام النساء) : بيروت ، دار المرتضى ، ط ٢ / ١٤١٠ هـ.

٩٤ ـ الذهبي (٧٤٨ هـ) : شمس الدين ، محمد بن أحمد.

١ ـ (تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام) ـ تحقيق الدكتور عمر بن عبد السلام تدمري ـ دار الكتاب العربي ، ط ٢ / ١٤١٠ هـ.

٢ ـ (سير أعلام النبلاء) ـ حققه جمع من الأساتذة ، بيروت ، مؤسسة الرسالة ، ط / ١٤٠٦ هـ.

٩٥ ـ الرباني (معاصر) : الشيخ علي الخلخالي.

(السيدة رقية بنت الإمام الحسين (ع)) ـ ترجمة الشيخ جاسم الأديب ـ قم المقدسة ـ إنتشارات مكتب الحسين ، ط ١ / ١٤٢٥ هـ.


٩٦ ـ الراوندي (٥٧٣ هـ) : قطب الدين ، سعيد بن هبة الله.

(قصص الأنبياء) ـ تحقيق غلام رضا عرفانيان اليزدي ـ بيروت ، مؤسسة المفيد للطباعة والنشر ، ط ١ / ١٤٠٩ هـ.

٩٧ ـ السمهودي (٩١١ هـ) : نور الدين ، علي بن احمد الحسني.

١ ـ (وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى) ـ تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد ـ بيروت ، دار الكتب العلمية ط ٤ / ١٤٠٤ هـ.

٢ ـ (جواهر العقدين في فضل الشرفين ، شرف العلم الجلي والنسب النبوي) ـ تحقيق مصطفى عبد القادر عطا ـ بيروت ، دار الكتب العلمية ، ط ١ / ١٤١٥ هـ.

٩٨ ـ السماوي (١٣٧٠ هـ) : ال شيخ محمد بن الشيخ طاهر.

١ ـ (إبصار العين في أنصار الحسين) ، قم ، المكتبة الحيدرية ، ط / ١٣٨١ ـ ١٤٢٣ هـ.

٢ ـ (ظرافة الأحلام في النظام المتلو في المنام لأهل البيت الحرام) ، بيروت ، دار العلوم ، ط ١ / ١٤٢٣ هـ.

٩٩ ـ سبط ابن الجوزي (٦٥٤ هـ) : شمس الدين ـ ابو المظفر ـ يوسف بن فرغلي. (تذكرة الخواص).

١٠٠ ـ السيوطي (٩١١ هـ) : جلال الدين ، عبد الرحمن بن ابي بكر.

١ ـ (تاريخ الخلفاء) ـ تحقيق محمد محي الدين ، القاهرة ، المدني ، ط ٣ / ١٩٦٤ م.

٢ ـ (الخصائص الكبرى) ـ بيروت ، دار الكتب العلمية ، ط ١ / ١٩٨٥ م.


١٠١ ـ الشيرازي (معاصر) : علي.

(القصة المحزنة للسيدة رقية) ـ ترجمة خضير عبد الله ، بيروت ، دار الرسول الأكرم ، ودار المحجة البيضاء ، ط ١ / ١٤٢١ هـ.

١٠٢ ـ الشهرستاني (١٣٩٥ هـ) : السيد صالح بن السيد إبراهيم الموسوي.

(تاريخ النياحة على الإمام الشهيد الحسين بن علي (ع)) : تحقيق نبيل رضا علوان ـ بيروت ، دار الزهراء ، ط ١ / ١٤٠٤ هـ.

١٠٣ ـ الصدوق (٣٨١ هـ) : الشيخ محمد بن علي بن بابويه القمي.

(عيون أخبار الرضا) ـ تصحيح وتعليق العلامة الشيخ حسين الأعلمي ـ بيروت ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، ط ١ / ١٤٠٤ هـ.

١٠٤ ـ الطوسي (٤٦٠ هـ) : الشيخ محمد بن الحسن.

(إختيار معرفة الرجال ، المعروف برجال الكشي) ـ تصحيح وتعليق المعلم الثالث ميرداماد الإسترابادي (تحقيق السيد مهدي الرجائي) ـ قم المقدسة ، مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث ط / ١٤٠٤ هـ.

١٠٥ ـ الطريحي (١٠٨٥ هـ) : الشيخ فخر الدين بن الشيخ محمد علي.

(المنتخب للطريحي في جمع المرائي والخطب ، المشتهر بـ الفخري) ، بيروت ، مؤسسة الأعلمي ، للمطبوعات ، ط ١ / ١٤١٢ هـ.

١٠٦ ـ الطبسي (معاصر) : الشيخ محمد جعفر.

(مع الركب الحسيني من المدينة إلى المدينة) ـ قم المقدسة ، مركز الدراسات الإسلامية ، لمثلية الولي الفقيه في حرس الثورة الإسلامية ، ط ١ / ١٤٢٣ هـ.

١٠٧ ـ الطبري (٩٦٤ هـ) : احمد بن عبد الله.

(ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى) بيروت ، دار المعرفة.


١٠٨ ـ طعمة (١٩٦٩ م) : السيد عبد الجواد بن السيد علي الكليدار.

(تاريخ كربلاء وحائر الحسين (ع)) ، قم المقدسة ، منشورات الشريف الرضي ، ط / ١٤١٨ هـ.

١٠٩ ـ العلوي (معاصر) : السيد عادل.

(قبسات من حياة سيدنا الأستاذ آية الله العظمى السيد شهاب الدين المرعشي النجفي) ، قم المقدسة ، مكتبة السيد المرعشي العامة ، ط ٢ / ١٤١٤ هـ.

١١٠ ـ عثمان () : هاشم.

(مشاهد ومزارات ومقامات آل البيت في سورية).

١١١ ـ العلايلي (١٩٩٦ م) : الشيخ عبد الله.

(الإمام الحسين ، سمو المعنى في سمو الذات ، أو أشعة من حياة الحسين ، تاريخ الحسين ، أيام الحسينة قم المقدسة) ، منشورات الشريف الرضي ، ط ١ / ١٤١٥ هـ.

١١٢ ـ القمي (١٣٥٩ هـ) : الشيخ عباس بن محمد رضا.

١ ـ (منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل) ، بيروت ، الدار الإسلامية ، ط / ١٤١٤ هـ.

٢ ـ (نفس المهموم في مصيبة سيدنا الحسين المظلوم) ، بيروت ، دار المحجة البيضاء ، ودار الرسول الأكرم ، ط ١ / ١٤١٢ هـ.

٣ ـ (نفثة المصدور فيما يتجدد به حزن يوم العاشور) (مطبوع مع نفس المهموم).

١١٣ ـ القطيفي (١٣٤٩ هـ) : الشيخ علي المحسن.

(الدمعة القطيفية للعترة النبوية) ، النجف الأشرف ، المطبعة الحيدرية ، ط / ١٣٧٨ هـ.


١١٤ ـ القديحي (١٣٨٧ هـ) : الشيخ حسين بن الشيح علي البلادي.

(سعادة الدارين فيما يتعلق بالإمام الحسين) ، تحقيق شركة دار المصطفى لإحياء التراث ، بيروت ، ط ١ / ١٤٢٢ هـ.

١١٥ ـ مرتضى العاملي (معاصر) : السيد جعفر.

(الصحيح من سيرة النبي الأعظم) ، بيروت ، دار السيرة.

١١٦ ـ معاش (معاصر) :

(ال حسين ريحانة النبي بطل الإسلام الخالد) ، بيروت ، دار العلوم ، ط ٢ / ١٤٢٢ هـ.

١١٧ ـ المعلم (معاصر) ـ الشيخ محسن بن علي.

(الحسين في موكب الخالدين) ، بيروت ، شركة شمس المشرق ، ط / ١٤١٣ هـ.

١١٨ ـ المفيد (٤١٣ هـ) : الشيخ محمد بن محمد النعمان.

(الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد) ـ تحقيق مؤسسة آل البيت (ع) لاحياء التراث ، ط ٢ / ١٤١٤ هـ.

١١٩ ـ المقرّم (١٣٩١ هـ) : السيد عبد الرزاق الموسوي.

(مقتل الحسين ، ـ قدم له محمد حسين المقرم ـ ، دار الكتاب الإسلامي ، ط ٥ / ١٤٠٨ هـ.

١٢٠ ـ المطهري (١٣٩٩ هـ) : الشيخ مرتضى بن الشيخ محمد حسين.

(الملحمة الحسينية) ـ تعريب الأستاذ نادر التقي ، بيروت ، دار الارشاد ، ط ١ / ١٤١٠ هـ.


١٢١ ـ المظفر (١٣٩٥ هـ) : الشيخ عبد الواحد بن الشيخ احمد.

(البطل العلقمي العباس الأكبر بن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)) قم المقدسة ، إنتشارات الشريف الرضي ، ط / ١٤١٣ هـ.

١٢٢ ـ الميلاني (١٣٩٥ هـ) : السيد محمد هادي.

(قادتنا كيف نعرفهم) ـ تحقيق السيد محمد علي الميلاني ، بيروت ، مؤسسة أهل البيت (ع) ، ط ١ / ١٤٠٦ هـ.

١٢٣ ـ اليعقوبي (٢٨٤ هـ) : احمد بن ابي يعقوب بن جعفر.

(تاريخ اليعقوبي) ، بيروت ، دار صادر.

٦ ـ علوم اللغة العربية.

١٢٤ ـ ابن منظور (٧١١ هـ) : محمد بن مكرم بن علي الأنصاري.

(لسان العرب) بيروت ، دار صادر ، ط ١ / ١٤١٢ هـ.

١٢٥ ـ الجوهري (٣٩٣ هـ) : إسماعيل بن حَمّاد.

(تاج اللغة وصحاح العربية) ـ تحقيق أحمد بن عبد الغفور عطار ـ بيروت ، دار العلم للملايين ، ط ٤ / ١٩٩٠ م.

١٢٦ ـ الطريحي (١٠٨٥ هـ) : الشيخ فخر الدين بن الشيخ محمد علي.

(مجمع البحرين) ـ تحقيق احمد الحسيني ـ بيروت ، مؤسسة الوفاء ، ط ٢ / ١٤٠٣ هـ.

١٢٧ ـ الفيومي (٧٧٠ هـ) : احمد بن محمد بن علي المقري.

(المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي) ، بيروت ، المكتبة العلمية.

١٢٨ ـ معلوف (١٩٤٦ م) : الأب لويس اليسوعي.

(المنجد في اللغة) بيروت ، دار المشرق ، ط ٢١ / ١٩٧٣ م.


١٢٩ ـ الميداني (٥١٨ هـ) : احمد بن محمد بن ابراهيم النيسابوري.

(مجمع الأمثال) ـ تحقيق محمد بن محي الدين عبد الحميد ـ القاهرة ، السنة المحمدية ، ط / ١٣٧٤ هـ.

١٣٠ ـ الأمين (١٣٧١ هـ) : السيد محسن بن السيد عبد الكريم العاملي.

(معادن الجواهر ونزهة الخواطر) ، بيروت ، دار الزهراء ، ط / ١٤٠١ هـ.

١٣١ ـ باشا (معاصر) : الدكتور حسان شمسي.

(النوم والأرق والأحلام بين الطب والقرآن) جدة ، دار المنارة ، ط ١ / ١٤١١ هـ.

١٣٢ ـ ابن الجوزي (٦٥٤ هـ) : يوسف بن فرغلي بن عبد الله البغدادي.

(القصاص والمذكرين) بيروت ، دار الكتب العلمية ، ط / ١٤٠٦ هـ.

١٣٣ ـ البهائي (٩٥٣ هـ) : الشيخ محمد بن حسين بن عبد الصمد الحارثي العاملي.

(الكشكول الكامل) ـ قدم له الدكتور السيد محمد بحر العلوم ـ بيروت ، دار الزهراء ، ط ٢ / ١٤٠٣ هـ.

١٣٤ ـ الجاحظ (٢٥٥ هـ) : ابو عثمان ، عمرو بن بحر.

(البيان والتبيين) ـ تحقيق حسن السندوبي ـ القاهرة ، المطبعة الرحمانية ، ١٩٣٢ هـ.

١٣٥ ـ الجزائري (١١١٢ هـ) : السيد نعمة الله بن عبد الله الموسوي التستري.

(زهر الربيع) : بيروت ، الإرشاد للطباعة والنشر ، ط ٢ / ١٤١١ هـ.

١٣٦ ـ الخليلي (١٣٨٨ هـ) : محمد بن الشيخ صادق.

(من أمالي الإمام الصادق) ، بيروت ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، ط ١ / ١٤٠٤ هـ.


١٣٧ ـ الرّيشهري (معاصر) : محمد.

(الحوار بين الحضارات في الكتاب والسنة) ـ بمساعدة رضا بربجكارـ ، قم المقدسة ، مؤسسة دار الحديث ، ١ / ٢٠٠٠ م.

١٣٨ ـ الدميري (٨٠٨ هـ) : محمد بن موسى.

(حياة الحيوان الكبرى) ، بيروت ، دار الألباب.

١٣٩ ـ البار (معاصر) : الدكتور محمد علي.

(خلق الإنسان بين الطب والقرآن) جدة ، الدار السعودية ، ط ٨ / ١٤١٢ هـ.

١٤٠ ـ البعلبكي () : منير.

(موسوعة المورد العربية) ـ إعداد الدكتور رمزي البعلبكي ـ بيروت ، دار العلم للملايين ، ط ١ / ١٩٩٩ م.

١٤١ ـ عبد الصمد (معاصر) : محمد كامل.

١ ـ (ثبت علمياً) ، بيروت ، الدار المصرية اللبنانية ، ط ٢ / ١٤١٣ هـ.

٢ ـ (الإعجاز العلمي في الإسلام ـ السنة النبوية) بيروت ، ط ٢ / ١٤١٣ هـ.

٣ ـ (الإعجاز العلمي في الإسلام ـ القرآن الكريم) بيروت ، ط ٢ / ١٤١٣ هـ.

١٤٢ ـ العبد الله () : رياض.

(الجن والشياطين بين العلم والدين) ، دمشق ، المركز العربي للكتاب ، ط / ١٩٨٥ م.

١٤٣ ـ كاريل (١٩٤٤ م) : ألكسيس.

(الإنسان ذلك المجهول) ـ تعريب شفيق أسعد فريد ـ بيروت ، مكتبة المعارف ، ط ١ / ١٤٢٣ هـ.


١٤٤ ـ مجموعة من العلماء والمتخصصين.

(الموسوعة العربية العالمية) الرياض ، مؤسسة أعمال الموسوعة للنشر والتوزيع ، ط ٢ / ١٤١٩ هـ.

١٤٥ ـ إعداد لجنة وترجمة ونشر آثار الشيخ بهجت.

(خطب وحوزويات) ، بيروت ، دار الأنام ، ط ١ / ١٤٢٦ هـ.



فهرس الجزء الأول

فهرس الموضوعات

الموضوعات

الإهداء ٥

تقديم سماحة الشيخ باقر القرشي ٧

شعر عبد الرؤوف آل درويش ٩

إشراقة البحث

الموضوع ودوافع إختياره ١٣

أهميته ١٤

تساؤلات البحث ١٦

منهج وأسلوب البحث ١٦

البحث الأول

السجود على تربة الحسين (ع)

الباب الأول

أهمية الأرض

ـ التعرف على الأرض ٢٣

أ ـ أنواع التربة ٢٣

ب ـ ألوان التربة ٢٤

ـ تكليف وعبادة ٢٦

١ ـ إبتلاء وامتحان ٢٦

٢ ـ تقديس وعبادة ٢٧

توضيح حديث (تمسحوا بالأرض) ٢٨

السيد عبد الله شبر ٢٨

الشريف الرضي ٢٩


ـ تكريم إلهي ٣٠

ـ الأرض بداية ونهاية ٣٢

الباب الثاني

السجود بمنظار عام

الفصل الأول ـ السجود في اللغة ٣٧

الفصلا لثاني ـ السجود في الإصطلاح ٣٧

الفصل الثالث ـ السجود في القرآن ٣٨

١ ـ معنى السجود ٣٨

٢ ـ هيئة السجود وكيفيته ٤٠

٣ ـ أهمية السجود ٤١

الفصل الرابع ـ السجود في السنة ٤٢

أولاً ـ تعريف السجود ٤٢

ثانياً ـ مكان السجود ٤٣

الأول ـ السجود على الأرض مباشرة ٤٣

مرويات الإمامية ٤٣

مرويات السنة ٤٤

الثاني ـ السجود على غير الأرض لغير عذر ٤٥

مرويات الإمامية ٤٥

مرويات السنة ٤٦

الثالث ـ السجود على غير الأرض لعذر ٤٨

مرويات الإمامية ٤٨

مرويات السنة ٤٨

الأول ـ القول بعدم جواز السجود عليها إلا لعذر وهو الأكثبر ٤٩

الثاني ـ القول بالكراهة ٤٩


الثالث ـ القول بالجواز ٤٩

الفصل الخامس ـ أنواع السجود ٥٢

أولاً ـ السجود في الصلاة ٥٢

ثانياً ـ سجود السهو ٥٢

ثالثاً ـ سجود التلاوة ٥٣

رابعاً ـ سجود الشكر ٥٣

الفصل السادس ـ أسرار السجود ٥٤

الباب الثالث

أدلة الشيعة الإمامية

الدليل الأول ـ الإحتياط طريق النجاة ٥٩

الأول ـ إتخاذ تربة طاهرة للسجود ٥٩

الثاني ـ قاعدة الإعتبار والتفاضل ٦٠

الدليل الثاني ـ فضل التربة الحسينية ٦٥

تمهيد ٦٧

أولاً ـ عرض الروايات ٦٨

مرويات الإمامية ٦٩

الأول ـ الرسول الأعظم (ص) ٦٩

الثاني ـ أمير المؤمنين (ع) ٦٩

الثالث ـ الأئمة من بعده (ع) ٦٩

مرويات السنة ٧١

أولاً ـ الإمام علي (ع) ٧١

ثانياً ـ نساء النبي (ص) ٧١

أ ـ أم سلمة ٧١


ب ـ عائشة ٧٢

ج ـ أم الفضل بنت الحرث ٧٢

د ـ زينب بنت جحش ٧٢

ثالثاً ـ أصحاب النبي (ص) ٧٣

١ ـ عبد الله بن عباس ٧٣

٢ ـ معاذ بن جبل ٧٣

٣ ـ أنس بن مالك ٧٤

ثانياً ـ نظرة حول الروايات ٧٤

التفاضل بين مكة والمدينة وكربلاء ٧٥

رأي السنة والجماعة ٧٥

رأي الشيعة الإمامية ٧٦

خلاصة واستنتاج ٧٧

توجيه الأعلام لجديث (حسين مني) ٧٧

ثالثاً ـ سر السجود على تربة الحسين ٨١

الدليل الثالث ـ الإقتداء بأهل البيت (ع) ٨٣

الطور الأول ـ بداية السجود عليها ٨٥

الطور الثاني ـ إنتشارها على مستوى الشيعة ٨٦

توضيح «الحجب السبع» ٨٦

الأول ـ السماوات السبع ٨٧

١ ـ الميرزا أبي الفضل الطهراني ٨٧

٢ ـ الشيخ جعفر التستري ٨٧

٣ ـ الشيخ حسين الوحيد الخراساني (دام ظله) ٨٧

الثاني ـ الذنوب والمعاصي ٨٨


١ ـ الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء ٨٨

٢ ـ الميرزا أبي الفضل الطهراني (قده) ٨٩

٣ ـ الشيخ جعفر التستري (قده) ٨٩

الثالث ـ إستنتاج المؤلف ٨٩

أولاً ـ السجود ٨٩

ثانياً ـ معنى (الخَرْق) ٩٠

١ ـ الفُرْجَة والشَقّ والقطع ٩٠

٢ ـ البلوغ ٩٠

ثالثاً ـ أهمية السماء ٩٠

الطور الثالث ـ عملها ألواحاً ٩٤

البحث الثاني

التسبيح بتربة الحسين

الفصل الأول ـ مقدمة في تاريخ السُّبحة ٩٩

مناقشة هذا النص التأريخي ٩٩

أولاً ـ أنّ المسلمين عرفوا السبحة عن طريق الصوفية؟ ٩٩

ثانياً ـ أنها بدعة لا أساس لها في الدين؟ ١٠٠

أدلة الشيعة الإمامية ١٠٢

أولاً ـ الزهراء تسبح بتربة حمزة ١٠٢

ثانياً ـ الإمام السجاد يُسبح بتربة الحسين ١٠٣

ثالثاً ـ روايات أهل البيت ١٠٥

الفصل الثاني ـ السُّبحة الحسينية تُسبح عن صاحبها ١٠٧

١ ـ السيد نعمة الله الجزائري ١٠٧

٢ ـ الشيخ البهائي ١٠٧


٣ ـ الشيخ أبو عبد الله القرطبي ١٠٨

الفصل الثالث ـ السُّبحة الحسينية حرز وأمان ١١٠

البحث الثالث

الإستشفاء بتربة الحسين

الباب الأول

توطئة حول الإستشفاء والطب

معنى الإستشفاء ١١٥

مبدأ ظهور الطب ١١٦

أهمية الإستشفاء والطب ١١٦

ـ الطب القرآني ١١٧

ـ ال طب ١١٩

أراء حول الطب النبوي ١٢١

رأي الشيعة الإمامية ١٢٢

١ ـ الشيخ الصدوق ١٢٢

٢ ـ الشيخ المفيد ١٢٢

رأي السنة ١٢٣

١ ـ الحافظ السيوطي ١٢٣

٢ ـ ابن خلدون ١٢٣

٣ ـ الدكتور محمد علي البار ١٢٤

٤ ـ الدكتور محمود ناظم النسيمي ١٢٦

تعقيب واستدراك ١٢٧

رأي السنة في الرقي والتمائم ونحوها ١٢٩


الباب الثاني

حكم أكل الطين

توطئة ١٣٥

آراء المذاهب الأربعة ١٣٥

رأي الشيعة الإمامية ١٣٦

خلاصة واستنتاج ١٣٧

الباب الثالث

الشيعة والاستشفاء بتربة الحسين

١ ـ آداب الاستشفاء

تحديد التربة الحسينية ١٤١

طريقة الإستشفاء ١٤٢

المقدار المحدد للإستشفاء ١٤٣

إيضاح واستنتاج ١٤٤

الدعاء عند الإستشفاء بتربة الحسين (ع) ١٤٥

ـ عند تناول التربة وأخذها ١٤٥

ـ عند أكلها للإستشفاء ١٤٧

ـ عند حملها للإحتراز ١٤٨

٢ ـ أدلة الشيعة الإمامية

الدليل العقلي ١٥٣

الأول : حث الرسول (ص) على الإستشفاء بتربة المدينة المنورة ١٥٣

الأولى ـ الإستشفاء بغبار المدينة ١٥٣

الثانية ـ الإستشفاء بتراب المدينة ١٥٣

تعقيب وإستدراك ١٥٤

الثاني : حث أهل البيت (ع) على الإستشفاء بتربة الحسين (ع) ١٥٥


الدليل العلمي ١٥٧

الأول : التبرك والإيحاء ١٥٧

الثاني : التبرك ووجود خصائص طبية وكيميائية ١٥٨

البحث الرابع

أحكام التربة الحسينية

١ ـ للميت ١٦٥

أ ـ في الحنوط ١٦٥

ب ـ في الكفن ١٦٥

جـ ـ في القبر ١٦٦

٢ ـ للمصلي ١٦٦

أ ـ أحكام المسجد ١٦٦

ب ـ صلاة المسافر ١٧١

جـ ـ فوائد تتعلق بهذا البحث ١٧٢

٣ ـ للإستشفاء ١٧٤

٤ ـ للوليد ١٧٦

٥ ـ لتعامل بها ١٧٦

نتائج تساؤلات البحث ١٧٩

الملاحق ١٩٣

١ ـ تربة أرض المدينة المنورة تحمي من أورام الثدي والجلد ١٩٥

٢ ـ الله أكبر والعزة للإسلام ٢٠٠

معجم المفردات ٢٠٣

مصادر البحث ٢١٧

فهرس الموضوعات ٢٢٩


فهرس الجزء الثاني

فهرس الموضوعات

الموضوعات

مقدمة البحث ٥

الموضوع ودوافع إختياره ٧

ـ أهميته ٩

ـ تساؤلات البحث ١٠

ـ منهج وأسلوب البحث ١٠

البحث الأول

أسماء التربة في الروايات

بحوث تمهيدية ١٧

ـ الجانب اللغوي للإسم ١٩

أ ـ إشتقاق الإسم ٢١

ب ـ معنى الإسم ٢١

ج ـ أقسام الإسم ٢٢

ـ الجانب الديني للإسم ٢٥

أولاً ـ أسماء الله الحسنى ٢٧

١ ـ كم عدد أسماء الله الحسنى؟ ٢٧

٢ ـ الأسماء وظهورها في الخلق ٣٠

ثانياً ـ أسماء الأنبياء والأوصياء ٣٣

ثالثاً ـ أسماء الأشياء ٣٨

١ ـ الجانب التفسيري ٣٩

٢ ـ الجانب العلمي ٣٩


ـ الجانب الإجتماعي للإسم ٤١

توطئة وتمهيد ٤٣

إختيار الإسم الجميل ٤٤

تبديل الأسماء المستقبحة ٤٥

تأثير الإسم على شخصية الإنسان ٤٦

تخليد أسماء العظماء ٤٨

الفصل الأول

أسماء شرف وقداسة

١ ـ أرض الله المقدّسة ٥٣

بحث في تفضيل كربلاء على الكعلة ٥٤

الأول ـ الأعوام والسنون في الآيات والروايات ٥٤

آراء بعض الأعلام ٥٧

١ ـ الفيض الكاشاني ٥٧

٢ ـ الشيخ أحمد آل طوق القطيفي ٥٧

٣ ـ السيد صادق الروحاني ٥٧

٤ ـ إستنتاج المؤلف ٥٨

الثاني ـ دحو الأرض من تحت الكعبة ٦٣

٢ ـ أطهر بقاع الأرض ٦٤

٣ ـ أكرم أرض الله ٦٥

٤ ـ البقعة الطيبة ٦٥

٥ ـ بقعة كثيرة الخير ٦٦

٦ ـ البقعة المباركة ٦٦


٧ ـ البطحاء الجنة ٦٧

٨ ـ تربة الحسين (ع) ٧١

٩ ـ التربة الطاهرة ٧٢

١٠ ـ تربة الفرخ المبارك ٧٣

١١ ـ تربة قبر الحسين ٧٣

١٢ ـ تربة كربلاء ٧٤

١٣ ـ التربة المباركة ٧٤

١٤ ـ تربة المظلوم ٧٥

١٥ ـ ترعة من ترع الجنة ٧٥

ما المراد بالترعة؟ ٧٦

١٦ ـ الحائر أو الحير ٨٢

أولاً ـ في الروايات ٨٢

ثانياً ـ في اللغة ٨٨

ثالثاً ـ في التاريخ ٩١

أ ـ وجه تسميتها بالحائر أو الحير ٩١

نتيجة البحث ٩٣

إستنتاج المؤلف ٩٥

أولاً ـ حيرة الأنبياء في كربلاء ٩٥

ثانياً ـ حيرة أفراس الحسين (عليه السلام) في كربلاء ٩٥

ثالثاً ـ حيرة أصحاب الحسين (عليه السلام) في تصرفاته وقتاله للقوم ٩٥

رابعاً ـ حيرة الجيش في أمر الرضيع ٩٦

خامساً ـ حيرة القوم في قتل الحسين عليه السلام ٩٧


سادساً ـ حيرة بنات الرسالة في كربلاء ٩٨

سابعاً ـ حيرة القوم في قتل العليل (عليه السلام) ١٠١

ثامناً ـ حيرة بني أسد في مواراة الأجساد الطاهرة ١٠١

تاسعاً ـ حيرة البشر في قراءة ودراسة يوم كربلاء ١٠٢

الأول ـ عظمة المأساة وفضاعتها ١٠٣

الثاني ـ إعتراف الجناة بعظيم ما جنوا ١٠٤

الثالث ـ جراستها وفهم مغزاها ١٠٥

تاريخ بناء الحائر الحسيني ١٠٧

هندسة الحائر في الروايات ١٠٩

أحدهما ـ باب القبلة ١٠٩

ثانيهما ـ الباب الذي عند رجلي علي بن الحسين (عليهما السلام) ١٠٩

هندسة الحائر في العصر الحاضر ١١٢

١ ـ الضريح الحسيني ١١٢

٢ ـ القبة الذهبية ١١٣

٣ ـ ضريح الشهداء ١١٣

٤ ـ الأروقة ١١٣

الرواق الغربي ١١٤

الرواق الجنوبي ١١٤

الرواق الشرقي ١١٤

الرواق الشمالي ١١٤

٥ ـ أبواب الأروقة الداخلية ١١٤

٦ ـ المذبح ١١٤


٧ ـ الصحن ١١٥

٨ ـ أبواب الصحن ١١٥

باب القبلة ١١٥

باب الرجاء ١١٦

باب قاضي الحاجات ١١٦

باب الشهداء ١١٦

باب الكرامة ١١٦

باب السلام ١١٦

باب السدرة ١١٦

باب السلطانية ١١٧

باب الرأس الشريف ١١٧

باب الزينبية ١١٧

٩ ـ الطّارْمة (إيوان الذهب) ١١٧

١٠ ـ خزانة الروضة الحسينية ١١٧

١١ ـ مكتبة الروضة الحسينية ١١٨

ب ـ مبدأ تسميتها بالحائر أو الحير ١١٨

١٧ ـ حرم الحسين (ع) ١١٩

أولاً ـ عرض الروايات ١٢٠

ثانياً ـ ما المراد بالحرم الحسيني؟ ١٢١

ثالثاً ـ حدود الحرم الحسيني ١٢٢

رابعاً ـ الفرق بين الحائر والحرم ١٢٦

١ ـ موارد الإتفاق ١٢٦


٢ ـ موارد الإختلاف ١٢٧

١٨ ـ روضة من رياض الجنة ١٢٧

معنى الروضة ١٢٨

١ ـ الروضة لغة ١٢٨

٢ ـ الروضة في القرآن الكريم ١٢٩

٣ ـ رأي الأعلام في تفسير الروضة ١٢٩

١٩ ـ طين الحائر أو الحير ١٣٧

٢٠ ـ طين الحسين (ع) ١٣٧

٢١ ـ طين قبر الحسين (ع) ١٣٧

٢٢ ـ ظهر الكوفة ١٣٨

٢٣ ـ قبر الحسين () ١٤٥

٢٤ ـ قُبّة الإسلام ١٤٦

٢٥ ـ كربلاء ١٤٧

أ ـ مرويات السنة ١٤٩

ب ـ مرويات الإمامية ١٥٠

٢٦ ـ كرب وبلاء ١٥٢

أ ـ مرويات السنة ١٥٢

ب ـ مرويات الإمامية ١٥٣

٢٧ ـ مِسْكة مباركة ١٥٥

٢٨ ـ مشهد الحسين ١٥٦

٢٩ ـ مُقَدّسَة مباركة ١٥٧

٣٠ ـ مكاناً قَصِيّا ١٥٨


أ ـ العامة ١٥٨

ب ـ الخاصة ١٥٨

الفصل الثاني

أسماء تاريخية

١ ـ أرض بابل ١٦٣

٢ ـ أرض العراق ١٦٤

٣ ـ شُفَيّة ١٦٥

٤ ـ العَقْر ١٦٧

٥ ـ عَمُورَا ١٧٠

٦ ـ الغَاضِرِيّة ١٧١

الأولى ـ في أقوال الباحثين ١٧١

الثانية ـ في الرويات ١٧٢

٥ ـ نِيْنَوَى ١٧٣

٦ ـ النّوَاوِيس ١٧٥

٧ ـ المقدفان ١٧٧

الفصل الثالث

أسماء طبيعية

١ ـ أرض غربة ١٨١

٢ ـ أرض فَلَاة ١٨١

٣ ـ بَطْحاء ١٨٢

٤ ـ التربة أو تربة ١٨٢

أ ـ مرويات السنة ١٨٣


ب ـ مرويات الإمامية ١٨٥

٥ ـ تربة بيضاء ١٨٧

٦ ـ تربة حمراء ١٨٨

أ ـ مرويات السنة ١٨٨

ب ـ مرويات الإمامية ١٩٠

٧ ـ تَلْ أعْفَر ١٩١

إيضاح وبيان ١٩١

أولاً ـ معنى (تَلْ) ١٩٢

ثانياً ـ معنى (الأعفر) ١٩٣

ثالثاً ـ تلّعْفَر ١٩٤

٨ ـ شاطئ أو شط الفرات ١٩٤

أ ـ مرويات السنة ١٩٤

ب ـ مرويات الإمامية ١٩٥

٩ ـ الطين أو الطينة ١٩٦

١٠ ـ طين أحمر ١٩٧

١١ ـ طين القبر ١٩٧

١٢ ـ الطّف أو الطُّفُوف ١٩٧

أ ـ مرويات السنة ١٩٨

ب ـ مرويات الإمامية ١٩٩

١٣ ـ عَرْصَة ٢٠٠

١٤ ـ الغَائِط ٢٠١


البحث الثاني

نتائج البحث

١ ـ إهتمام النبي الأعظم (ص) بالتربة الحسينية ٢٠٥

٢ ـ أهتمام الملائكة بالحسين (ع) وتربته ٢٠٨

أولاً ـ عالم السماء بشكل عام ٢٠٨

ثانياً ـ إخبارهم بمصرع الحسين (ع) والإتيان بتربته ٢٠٩

ثالثاً ـ الملائكة الذين استأذنوا لنصرته ٢١٠

رابعاً ـ الملائكة الحافين بقبره الشريف ٢١١

مرويات السنة ٢١٢

مرويات الإمامية ٢١٢

٣ ـ إهتمام الأنبياء بالحسين (ع) وتربته ٢١٤

رأي ابن كثير في روايات حادثة كربلاء ٢٢١

مناقشة ابن كثير ٢٢١

إمام الشافعية يشير إلى هذا المنهج ٢٢٢

الدكتور عبد العزيز نور ولي نهج منهج ابن كثير ٢٢٣

٤ ـ تقديس التربة والتبرك بها ٢٢٤

معنى التبرك ٢٢٥

معنى والتقديس ٢٢٦

أدلة التبرك والتقديس ٢٢٧

الأول ـ القرآن الكريم ٢٢٧

الثاني ـ السنّة النبوية ٢٢٨

الثالث ـ سيرة المسلمين ٢٢٩


دواعي التبرك والتقديس ٢٣٢

٥ ـ خصايص التربة الحسينية ٢٣٣

٦ ـ مجاورة في كربلاء والأماكن المقدسة ٢٣٧

تمهيد ٢٣٩

أ ـ المؤتَفِكَات ٢٣٩

أولاً ـ في الرويات ٢٤٠

ثانياً ـ التعريف بهذه الأماكن ٢٤٠

١ ـ ضَجْنَان ٢٤٠

٢ ـ وادي الشُقْرَة ٢٤٣

٣ ـ البَيْدَاء ٢٤٤

إيضاح وبيان ٢٤٦

أ ـ مُعَرّس النبي صلى الله عليه وآله وسلم ٢٤٦

ب ـ الحُفَيرَة ٢٤٦

٤ ـ صُلاصُل ٢٤٧

٥ ـ بَابل ٢٥٠

ب ـ المرحومات ٢٥٠

١ ـ تعريف المجاورة ٢٥١

٢ ـ أقسام المجاورة ٢٥٣

القسم الأول ـ سكنى البقعة المقدسة ٢٥٣

أ ـ عند العامة ٢٥٣

الأول ـ كراهة سكنى مكة ٢٥٣

الثاني ـ كراهة سكنى مكة والمدينة ٢٥٤


الثالث ـ إستحباب سكنى المدينة ٢٥٤

ب ـ عند الإمامية ٢٥٥

١ ـ مكة المكرمة ٢٥٥

الأول ـ الإستحباب ٢٥٥

الثاني ـ الكراهة ٢٥٦

٢ ـ المدينة المنورة ٢٥٨

٣ ـ كربلاء المقدسة ٢٥٨

الأول ـ الإستحباب ٢٥٨

الثاني ـ الكراهة ٢٥٩

القسم الثاني ـ الدفن فيها ٢٥٩

أ ـ عند العامة ٢٦٠

١ ـ المالكية ٢٦٠

٢ ـ الحنفية ٢٦٠

٣ ـ الشافعية ٢٦٠

٤ ـ الحنابلة ٢٦١

ب ـ عند الإمامية ٢٦١

١ ـ السيد شرف الدين ٢٦١

٢ ـ السيد اليزدي ٢٦٢

٣ ـ السيد الحكيم ٢٦٣

فروع فقهية ٢٦٣

٣ ـ آداب المجاورة ٢٦٦

٤ ـ أهداف المجاورة ٢٦٧


أ ـ قصة دفن صافي الصفا في النجف الأشرف ٢٧٥

ب ـ علاقته بأمير المؤمنين (عليه السلام) ٢٧٥

نتيجة البحث ٢٧٥

نتائج تساؤلات البحث ٢٨١

معجم الألفاظ ٢٨٩

مصادر البحث ٣١٩

فهورس الموضوعات ٣٣٥


فهرس الجزء الثالث

فهرس الموضوعات

الموضوعات

إشراقة البحث

ـ الموضوع ودوافع إختياره ٧

ـ أهميته ٩

ـ تساؤلات البحث ١٠

ـ منهج وإسلوب البحث ١١

بحوث تمهيدية

أولاً ـ تعريف القصة ١٣

١ ـ التعريف الوصفي ١٧

أ ـ اللغوي ١٧

ب ـ الإصطلاحي ١٨

٢ ـ التعريف التركيبي ١٨

أولاً ـ الراوي في القصة ١٩

ثانياً ـ الشخصية ١٩

١ ـ البشر ٢٠

٢ ـ الملائكة ٢٠

٣ ـ الجن ٢٠

٤ ـ الشيطان ٢٢

٥ ـ الحيوانات والطيور والحشرات ٢٤

ثالثاً ـ الحدث ٢٧

رابعاً ـ الحوار ٣٤


خامساً ـ الزمان والمكان ٣٥

أولاً ـ علاقة الحدث بالقصة ٣٥

ثانياً ـ النظر إلى الزمن كوعاء للحدث ٣٥

ثالثاً ـ كون المكان وعاء للأحداث ٣٦

ثانياً ـ أقسام القصة ٣٩

١ ـ القصة الواقعية ٤١

أ ـ القضايا الشخصية ٤٢

ب ـ القضايا التاريخية ٤٥

ج ـ قصص متعلقة بتربة الحسين (ع) ٤٩

تمهيد ٤٩

أولاً ـ الإستشفاء ٥٠

١ ـ جابر الجعفي ٥٠

٢ ـ السيد نعمة الله الجزائري ٥٢

٣ ـ الشيخ الدربندي ٥٢

٤ ـ السيد البروجردي ٥٣

٥ ـ السيد الخوئي ٥٤

٦ ـ الشيخ محسن المعلم ٥٦

٧ ـ الشيخ الفشاركي ٥٧

٨ ـ الشيخ علي الجنبي ٥٧

٩ ـ الشيخ عبد الكريم مهدي پور (ابو عقيل) ٥٨

١٠ ـ الطبيب كاظم التبريزي ٥٩

١١ ـ الحاج علي الكردي البغدادي ٦٠


١٢ ـ زوجة أحد السادة الخطباء ٦١

١٣ ـ احمد عبد الواحد الزين ٦٢

١٤ ـ زوجة الحاج عبد الرضا الجعفري الخوزستاني ٦٤

١٥ ـ جعفر الخلدي ٦٥

ثانياً ـ حرز وأمان ٦٧

١ ـ الأسدي ٦٩

٢ ـ السيد محمد حجت الكوه كمري ٦٩

٣ ـ المدرسي والسبزواري ٧٠

٤ ـ الفيض الكاشاني ٧١

٥ ـ عباس محمود العقّاد ٧٢

٦ ـ المرأة التي قبلتها الأرض ببركة تربة الحسين (ع) ٧٣

٧ ـ إمرأة إلتصقت يداها بضريح السيدة معصومة وفكتا بتربة الحسين (ع) ٧٤

٨ ـ سكون البحر عند تلاطم أمواجه ٧٤

باخرة تنجو من الغرق ببركة رتبة الحسين ٧٥

الظمأ الشديد ومطر غزير ينجيهم من الهلاك ٧٦

٩ ـ سكون نهر قم بعد الفيضان ٧٧

١٠ ـ (باهوبكم) أرملة شجاع الدولة ٧٨

١١ ـ الخواجات الإسماعيلية ٧٨

١٢ ـ فتح علي شاه ٧٨

ثالثاً ـ عقوبة وحرمان ٨١

تمهيد ٨٣

١ ـ سالم العراقي ٨٣


٢ ـ موسى بن عيسى الهاشمي ٨٤

٣ ـ الرجل الذي أحدث على قبر الحسين ٨٦

٤ ـ الصوفية ٨٦

٥ ـ السامرائي ٨٦

مناقشة المؤلف للسامرائي ٨٨

٢ ـ القصة الغيبية ٩٣

أ ـ تعريفها ٩٥

ما المراد بالغيب؟ ٩٥

ما هي عقيدتنا في الغيب؟ ٩٨

الشيخ المفيد ٩٨

الشيخ الطبرسي ٩٩

الشيخ المجلسي ١٠٠

ب ـ أقسام القصة الغيبية ١٠١

الأول ـ قصص الماضي ١٠١

الثاني ـ قصص المستقبل ١٠٢

أولاً ـ أخبار تحققت في حياة النبي (ص) ١٠٢

ثانياً ـ أخبار تحققت بعد حياته ١٠٣

ثالثاً ـ أخبار البعث والنشور ١٠٧

٣ ـ القصة الخيالية ١٠٧

أ ـ الخرافية ١٠٨

ب ـ التمثيلية ١٠٩

١ ـ التعريف بالمثل ١٠٩


الأول ـ المثل السائر ١٠٩

الثاني ـ المثل القياسي ١٠٩

الثالث ـ مطلق ما يسمى بالمثل ١١٢

٢ ـ أهمية المثل ١١٣

المثل في خطب الحسين (ع) ١١٤

إيضاح أهم مفردات المثل الحسيني ١١٥

المثل في خطبة السيدة زينب (ع) في الكوفة ١١٦

المثل في خطبة السيدة فاطمة بنت الحسين (ع) في الكوفة ١٢٣

ج ـ الخيال العلمي ١٢٦

أ ـ تعريفه ١٢٦

ب ـ قواعده وأصوله ١٢٧

ج ـ أهدافه ١٢٨

ثالثاً ـ أهمية القصة ١٣١

ـ الجانب القرآني ١٣٢

ـ الجانب النبوي ١٣٥

ـ الجانب الإعلامي ١٣٦

أولاً ـ تأثير القصاص على الناس ١٣٦

ثانياً ـ ضرر القصاص ١٣٩

ثالثاً ـ موقف أهل البيت (ع) من القُصّاص ١٤٠

الأولى ـ منع القصاص ١٤٠

ـ موقف أمير المؤمنين (ع) ١٤١

ـ موقف بقية الأئمة (ع) ١٤٢


الثانية ـ السماح لهم تحت شروط معينة ١٤٤

رابعاً ـ موقف العلماء والباحثين ١٤٥

المبحث الثاني

قصص الحوار

مدخل البحث ١٤٩

١ ـ معنى الحوار ١٥١

٢ ـ تاريخ ونشأة الحوار ١٥٣

أ ـ الفلاسفة ١٥٤

ب ـ الديانات ١٥٥

ج ـ الإسلام ١٥٥

الفصل الأول

الحوار في القصة

أ ـ طبيعة الحوار ١٥٩

ب ـ وظائف الحوار ١٥٩

الفصل الثاني

ضوابط الحوار وآدابه

١ ـ شروط الحوار ١٦٣

٢ ـ آداب الحوار ١٦٤

الفصل الثالث

الحوار المتعلق بتربة الحسين (ع)

بحوث تمهيدية ١٦٧

١ ـ الوحدة الإسلامية ١٧١


٢ ـ التقريب بين المذاهب الإسلامية ١٧١

٣ ـ الدعوة إلى الحوار ١٧٣

نماذج للحوار في التربة الحسينية ١٧٥

١ ـ السيد الشيرازي مع رجل علم مصري ١٧٧

٢ ـ السيد سلطان الواعظين مع الشيخ عبد السلام الأفغاني ١٨٠

٣ ـ الشيخ الأنطاكي مع بعض أعلام السنة ١٨٧

٤ ـ الدكتور التيجاني مع الشهيد الصدر ١٩٣

٥ ـ المستر رايلي مع سكرتير وزارة المعارف العراقية ١٩٣

٦ ـ الأستاذ محمد خير مع خصوم الشيعة ١٩٤

البحث الثاني

قصص الروى

بحوث تمهيدية ١٩٩

١ ـ بيان حقيقة الرؤى ٢٠١

أ ـ علاقة الرؤى بالنوم ٢٠٣

ب ـ أقوال العلماء في حقيقتها ٢٠٥

ج ـ بيان أسمائها ومعانيها ٢٠٩

١ ـ الرؤيا ٢٠٩

٢ ـ الحلم ٢٠٩

٣ ـ الأحاديث ٢١٠

٤ ـ البشرى ٢١٢

٥ ـ النجوى ٢١٢

٢ ـ أقسام الرؤى ٢١٣


الأول ـ تقسيم الروايات ٢١٥

أ ـ مرويات الإمامية ٢١٥

ب ـ مرويات السنة ٢١٥

الثاني ـ تقسيم العلماء ٢١٩

الثالث ـ تقسيم العلم الحديث ٢٢٠

١ ـ الأحلام الإختراعية ٢٢٣

٢ ـ الأحلام التنبؤية ٢٢٤

٣ ـ أهمية الرؤى ٢٢٧

أ ـ تاريخ الرؤى ٢٢٩

١ ـ الأحلام عند فلاسفة الإغريق ٢٢٩

٢ ـ موقف الكنيسة من ا لأحلام في العصور الوسطى في أوربا ٢٢٩

٣ ـ الأحلام في العصور الوسطى في اليابان ٢٣٠

ب ـ فوائد الرؤى ٢٣٠

٤ ـ نتيجة البحث ٢٣٥

أولاً ـ توجيه العلماء لحديث (من رآني) ٢٣٧

١ ـ الشيخ المفيد ٢٣٧

٢ ـ السيد المرتضى ٢٣٨

٣ ـ الشيخ المجلسي ٢٣٨

٤ ـ الشيخ فخر الدين الطريحي ٢٣٩

٥ ـ الشيخ يوسف البحراني ٢٤٠

ثانياً ـ بيان حقيقة رؤيا النبي (ص) وأهل بيته (ع) ٢٤٠

حجية رؤيا المعصوم (ع) ٢٤٣


عند علماء العامة ٢٤٤

١ ـ الصفدي ٢٤٤

٢ ـ ابن حجر ٢٤٤

عند علماء الإمامية ٢٤٥

١ ـ العلامة الحلي ٢٤٥

٢ ـ الشيخ يوسف البحراني ٢٤٦

رؤيا المتخالفين في المذهب للنبي (ص) ٢٤٧

الشيخ المفيد ٢٤٧

الشيخ يوسف البحراني ٢٤٨

السيد محسن الأمين العاملي ٢٤٩

خلاصة وإستنتاج ٢٥٠

الفصل الأول

رؤى لها إرتباط بتربة الحسين (ع)

أولاً ـ رؤى النبي (ص) وأهل بيته (ع) ٢٥٣

١ ـ الرسول الأعظم (ص) ٢٥٥

٢ ـ أمير المؤمنين (ع) ٢٥٦

٣ ـ الإمام الحسين (ع) ٢٥٧

عند قبر النبي الأعظم (ص) ٢٥٧

في مكة المكرمة ٢٥٩

في الثعلبية ٢٥٩

في عقبة البطن ٢٦٠

في عُذيب الهجانات ٢٦٠


في قصر بني مقاتل ٢٦١

في كربلاء ٢٦١

خلاصة وإستنتاج ٢٦٣

٤ ـ أم سلمة ٢٦٧

٥ ـ عبد الله بن عباس ٢٧٢

٦ ـ السيدة سكينة بنت الإمام الحسين (ع) ٢٧٥

مناقشة المؤلف للدكتور بشرى عبد العظيم ٢٧٦

حوار مع الكاتب ٢٧٨

١ ـ تعدد أزواجها ٢٧٩

٢ ـ إجازتها للشعراء ؛ جرير ، والفرزدق ، وعمرو بن أبي ربيعة ٢٨٠

٣ ـ صاحبة أول صالون أدبي في مصر ٢٨١

رؤياها في دمشق ٢٨٢

نتيجة بحث رؤياها ٢٨٥

٧ ـ السيدة رقية (ع) ٢٩٣

أولاً ـ أخوات السيدة رقية ٢٩٣

١ ـ السيدة فاطمة ٢٩٣

هل أم إسحاق والدة السيدة فاطمة؟ ٢٩٥

زوجها وأولادها ٢٩٧

١ ـ عبد الله بن الحسن (المحض) ٢٩٨

٢ ـ الحسن بن الحسن (المثنى) ٢٩٨

٣ ـ إبراهيم بن الحسن (الغمر) ٢٩٨

٤ ـ زينب بنت الحسن (أم جعفر) ٢٩٩


مناقشة تعدد أزواجها ٢٩٩

منزلتها وعلو شأنها ٣٠٠

وفاتها ومدفنها ٣٠١

٢ ـ السيدة فاطمة الصغرى (العليلة) ٣٠١

ثانياً ـ البحث في سيرة السيدة رقية ٣٠٣

١ ـ أسماؤها في الكتب التاريخية ٣٠٥

أ ـ بنت صغيرة ٣٠٥

ب ـ فاطم الصغيرة ٣٠٦

ج ـ رقية ٣٠٧

٢ ـ والدتها وميلادها ٣٠٩

٣ ـ رؤياها ٣١١

٤ ـ مدفنها وحرمها الطاهر ٣١٣

٨ ـ الرباب زوجة الإمام الحسين (ع) ٣١٩

١ ـ نسبها ٣٢١

٢ ـ قصة زواجها من الإمام الحسين (ع) ٣٢١

٣ ـ مناقشة هذه القصة ٣٢٢

٤ ـ أولادها ٣٢٤

عبد الله الرضيع ٣٢٤

الأولى ـ النصوص المصرحة باسمه ٣٢٤

١ ـ عبد الله الرضيع ٣٢٤

٢ ـ علي الاصغر ٣٢٦

٣ ـ عبيد الله ٣٢٧


الثانية ـ النصوص غير المصرِّحة باسمه ٣٢٧

الثالثة ـ النصوص المصرِّحة بعمره ٣٢٨

١ ـ ثلاث سنوات ٣٢٨

٢ ـ ظهر يوم العاشر ٣٢٩

٣ ـ ستة أشهر ٣٣٠

تعقيب على النصوص المتقدمة ٣٣٠

٥ ـ علاقتها بالإمام الحسين (ع) ٣٣١

مناقشة رواية ابو الفرج الإصفهاني ٣٣٢

٦ ـ وفاتها ومدفنها ٣٣٥

٧ ـ رؤياها ٣٣٥

ثانياً ـ العلماء والفضلاء ٣٣٩

١ ـ الأميرزا محمد مهدي الشيرازي ٣٤٠

٢ ـ السيد علي الطباطبائي ٣٤٠

٣ ـ السيد محمد الفلفل القطيفي ٣٤١

٤ ـ الشيخ محمد كمونة ٣٤٢

٥ ـ الوحيد البهبهاني ٣٤٣

٦ ـ الشيخ جعفر التستري ٣٤٤

٧ ـ الشيخ يوسف البحراني ٣٤٥

٨ ـ الشيخ ضياء الدين النعماني ٣٤٧

٩ ـ بعض العلماء ٣٤٨

ثالثاً ـ عامة الناس ٣٤٩

أ ـ هداية ورحمة ٣٤٩


١ ـ هند زوجة يزيد (لع) ٣٥١

مناقشة السيد المقرّم لقصة تزويجها من الحسنين ٣٥١

علاقتها بأهل البيت (ع) ٣٥٤

رؤياها ٣٥٨

٢ ـ جارية يزيد (لع) ٣٥٩

٣ ـ زوجة شمر (لع) ٣٦١

٤ ـ زوجة خولي الأصبحي (النّوَار بنت مالك) ٣٦٢

٥ ـ رأس الجالوت ٣٦٤

٦ ـ الخليعي الموصلي ٣٦٥

قصة تشيّعه ٣٦٦

بحث حول هذه القصة ٣٦٨

مناقشة هذا النص ٣٦٩

٧ ـ الرجل النصراني ٣٧٣

٨ ـ الرجل اليماني ٣٧٧

٩ ـ المرأة الزانية التائبة ٣٨٠

١٠ ـ المهراجا الهندوسي ٣٨١

ب ـ ضلالة وعقاب ٣٨٣

١ ـ هارون المعري ٣٨٥

٢ ـ الرجل الأعمى ٣٨٥

٣ ـ الحَدّاد الكوفي ٣٨٦

نتائج تساؤلات البحث ٣٩١

السؤال الأول : القصص الدينية ومدى صحتها وفائدتها في حياة الإنسان؟ ٣٩٣


تمهيد ٣٩٣

١ ـ تعريف المعجزة ٣٩٤

٢ ـ أنواع المعجزة ٣٩٤

٣ ـ إنكار المعجزة ٣٩٨

أولاً ـ مناقشة أساس الفكرة ٣٩٨

الدكتور ألكسيس كارليل ٤٠٠

الفيلسوف اليوناني «أشين» ٤٠١

ثانياً ـ إعتراف علماء الغرب بوجود المعجزة ٤٠١

السؤال الثاني : عن صحة ما نسب إلى الحسين (ع) وتربته من الكرامات؟ ٤٠٤

الأول ـ الإمامة ٤٠٤

الثاني ـ الكرامة ٤٠٥

الثالث ـ نهضة الحسين (ع) في نظر الآخرين ٤٠٧

١ ـ الشيخ عبد الله العلايلي ٤٠٩

الأولى ـ طفولة الحسين (ع) ٤١٠

الثانية ـ شخصية الحسين (ع) ٤١١

٢ ـ الأديب الكبير بولس سلامة ٤١٢

أولاً ـ إختيار الشخصية ٤١٣

ثانياً ـ مبررات الإختيار ٤١٣

السؤال الثالث ـ عن صحة روايات وقصص الدم المرتبطة بالحسين (ع) ونهضته؟ ٤١٥

الأول ـ عن صحة هذه القصص والروايات ٤١٦

أولاً ـ في كتب السنة والجماعة ٤١٦


١ ـ أسد الغابة ٤١٦

٢ ـ أنساب الأشراف ٤١٦

٣ ـ تاريخ الخلفاء ٤١٧

٤ ـ تاريخ ابن عساكر ٤١٨

٥ ـ تاريخ اليعقوبي ٤١٩

٦ ـ تهذيب التهذيب ٤١٩

٧ ـ جامع كرامات الأولياء ٤٢٠

٨ ـ الخصائص الكبرى ٤٢٠

٩ ـ ذخائر العقبى ٤٢١

١٠ ـ الصواعق المحرقة ٤٢١

١١ ـ الكامل في التاريخ ٤٢٢

١٢ ـ مجمع الزوائد ٤٢٣

١٣ ـ مسترك الصحيحين ٤٢٣

١٤ ـ ينابيع المودة ٤٢٤

ثانياً ـ في كتب الشيعة الإمامية ٤٢٤

١ ـ أمالي الصدوق ٤٢٤

٢ ـ بحار الأنوار ٤٢٨

٣ ـ عوالم العلوم ٤٣٠

٤ ـ قبس من كرامات الحسين (ع) ٤٣٢

٥ ـ قصص الراوندي ٤٣٦

٦ ـ القطرة من بحار مناقب النبي والعترة ٤٣٧

٧ ـ كامل الزيارات ٤٣٩


٨ ـ كرامات الحسين (ع) ٤٤٠

٩ ـ مثير الأحزان ٤٤١

١٠ ـ معالي السبطين ٤٤٢

١١ ـ مناقب آل ابي طالب ٤٤٢

١٢ ـ نفس المهموم ٤٤٣

نتيجة البحث ٤٤٣

١ ـ الدكتور الشاعر محمد إقبال ٤٤٤

٢ ـ أمير الشعراء (شوقي) ٤٤٥

٣ ـ ابو العلا المعري ٤٤٧

الثاني ـ لماذا التركيز على الدم؟ ٤٤٨

أولاً ـ أهمية الدم لحياة الإنسان ٤٤٨

أ ـ الدم في التشريع الإسلامي ٤٤٨

١ ـ النجاسة ٤٥٠

٢ ـ حرمة الأكل والشرب ٤٥٠

٣ ـ حرمة الجنس ٤٥٠

أ ـ الأضرار المتربة على المرأة ٤٥١

ب ـ الأضرار المتربة على الرجل ٤٥٢

٤ ـ حرمة سفك الدم ٤٥٢

٥ ـ بيع الدم ٤٥٣

ب ـ تأثير الدم على طباع وشخصية الإنسان ٤٥٣

ثانياً ـ قداسة الدم ٤٥٥

أ ـ التبرك بدم النبي الأعظم (ص) ٤٥٦


نظرة في هذه الروايات ٤٥٨

ب ـ قداسة دم الحسين (ع) ٤٥٩

١ ـ الدرجة العالية للحسين عند الله عَزّ وجَلّ ٤٦١

٢ ـ شكاية النبي (ص) لربِّه عَزّ وجَلّ ٤٦٥

معجم المفردات ٤٦٩

مصادر البحث ٤٩١

فهرس الموضوعات ٥١٤


الفهرس

إشراقة البحث ٥

بحوث تمهيدية ١٣

أقسام القصة ٣٩

ج ـ قصص متعلقة بتربة الحسين (عليه السلام) ٤٥

أولاً ـ الإستشفاء ٤٧

ثانياً ـ حرز وأمان ٦٧

ثالثاً ـ عقوبة وحرمان ٨١

٢ ـ القصة الغيبية ٩٣

٣ ـ القصة الخيالية ١٠٥

ثالثاً ـ أهمية القِصّة ١٣١

المبحث الأول ١٤٧

قصص الحوار ١٤٧

مدخل البحث ١٤٩

الحوار في القصّة ١٥٧

ضوابط الحوار وآدابه ١٦١

الحوار المتعلق بتربة الحسين (عليه السلام) ١٦٧

نماذج للحوار في التربة الحسينية ١٧٥

البحث الثاني ١٩٧

قصص الرؤى ١٩٧

بحوث تمهيدية ١٩٩

١ ـ بيان حقيقة الرؤى ٢٠١


٢ ـ أقسام الرؤى ٢١٣

٣ ـ أهمية الرؤيا ٢٢٧

٤ ـ نتيجة البحث ٢٣٥

رؤى لها إرتباط بتربة الحسين (عليه السلام) ٢٥٣

٧ ـ السيدة رُقَية (عليها السلام) ٢٩١

ثانياً ـ البحث في سيرة السيدة رُقَيّة ٣٠٣

٨ ـ الرّبَاب (زوجة الإمام الحسين عليه السلام) ٣١٩

ثانياً ـ العلماء والفضلاء ٣٣٧

ثالثاً ـ عَامّة الناس ٣٤٩

ب ـ ضلالة وعقاب ٣٨٣

نتائج ٣٩١

تساؤلات البحث ٣٩١

معجم المفردات ٤٦٩

الحـ أ ـ رف ٤٧١

الحـ ب ـ رف ٤٧٢

الحـ ج ـ رف ٤٧٣

الحـ ح ـ رف ٤٧٤

الحـ خ ـ رف ٤٧٥

الحـ د ـ رف ٤٧٦

الحـ ذ ـ رف ٤٧٦

الحـ ر ـ رف ٤٧٦

الحـ س ـ رف ٤٧٧

الحـ ش ـ رف ٤٧٨

الحـ ص ـ رف ٤٧٩


الحـ ع ـ رف ٤٧٩

الحـ غ ـ رف ٤٨٠

الحـ ق ـ رف ٤٨٢

الحـ ك ـ رف ٤٨٤

الحـ م ـ رف ٤٨٦

الحـ و ـ رف ٤٨٧

الحـ ن ـ رف ٤٨٨

الحـ ي ـ رف ٤٨٩

مصادر البحث ٤٩١

مصادر البحث ٤٩٣

فهرس الجزء الأول ٥١٥

فهرس الموضوعات ٥١٥

الموضوعات ٥١٥

فهرس الجزء الثاني ٥٢٣

فهرس الموضوعات ٥٢٣

الموضوعات ٥٢٣

فهرس الجزء الثالث ٥٣٥

فهرس الموضوعات ٥٣٥

الموضوعات ٥٣٥

الفهرس ٥٥٢