شفاء الصّدور في شرح زيارة العاشور- الجزء 1
التجميع متون الأدعية والزيارات
الکاتب ميرزا أبي الفضل الطهراني
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

شفاء الصّدور في شرح زيارة العاشور - ج ١

المؤلف: ميرزا أبي الفضل الطهراني



بسم الله الرحمن الرحيم

مقدّمة المترجم

اقترح عليّ أخي الأثير أبو زينب أن أشدَّ حيازيمي للترجمة وأغرق فيها حتّى شحمة اُذني ، وعلى الله سبحانه نجاتي وانتشالي ، وسارع ، فحمّل البريد لي كتابين من أعزّ الكتب عليه ، وهما : « شفاء الصدور في شرح زيارة العاشور » و « كامل البهائي »

أمّا الكتاب الثاني فكنت أعرفه عن قرب وقد تصفّحته ولم أتمّ قرائته ، فرأيته من مصادرنا المهمّة وتكون ترجمته خدمة جليلة للغة العربيّة ، وكنت عقدت العزم على ترجمة « مجالس المؤمنين » للقاضي التستري الشهيدرحمه‌الله ، ورحّب أبو زينب رعاه الله بالفكرة بادئ ذي بدء ، ثمّ تشاغل أو شغل عنها ، وبقيت معلّقة برأسي حتّى صرفني عنها أحد العلماء ، ونهاني عن ترجمته ، وعرض أسباباً ما اقتنعت بها وأضمرت الغدر أي أظهرت موافقته ولكنّي أسررت مخالفته ، لعلمي بجدوى الكتاب من الناحية العلميّة والأدبيّة والتاريخيّة ، أمّا كونه يسبغ التشيّع على الأولياء والخصوم فهو من هذه الناحية يصنعهم صنعاً من بعد صنع ، فهذا لا يضع من قيمة الكتاب العلميّة

لئن يكن الفعل الذي ساء واحداً

فأفعاله اللائي سررنَ اُلوف


ولكنّي أرجأت العمل بالفكرة إلى أجل غير مسمّى حتّى فاجأني الأخ العزيز الناشر أبو زينب بالكتابين السالفين ، وكان عليَّ أن أبدأ بالكامل لأهمّيّته القصوى من حيث كونه مصدراً لا يستهان به أبداً ، واللغة العربيّة محتاجة إليه حاجة ملحّة خلا أنّي رأيت أن أبدأ بشفاء الصدور تيمّناً بالموضوع ومن وضع له وبمؤلّفه ، وما كنت أعلم ـ والله شاهد عليّ ـ أن أجد في الكتاب هذا الكمّ الهائل من العلم المفيد ، وكلّما توغّلت في الكتاب قرائةً أو ترجمة اكتشفت جديداً تضرب إليه اَباط الإبل

ما عرفت كتاباً فيما ترجمته منحني هذه اللذّة النفسيّة وأني أنساب معه انسياب مواضيعه كالعذب الفرات ، ورأيت ذلك تسديداً من الله ، ناهيك بالاُسلوب الذي تفرّد به المؤلّف وهو ممّا ينشده المترجم ، فقد كنت ـ وأنا اُترجمه ـ كانّي اُعيد كتابته لأنّه يكتب بلغة فارسيّة واُسلوب عربيّ مبين

وطرف به فرحاً ـ وأنا اُترجمه ـ وخلت المؤلّف حاضراً معي اُساجله ويساجلني ، ويزجي خطواتي بأفكاره السامقة ، وعرفت فيه العالم الذي تهمّه الحقيقة وحدها لأنّه متعبّد في محرابها مِن ثَمّ تراه شديد الوطأة على العالم إذا أخطأ وليس معنى ذلك أنّ حرمة العالم العلميّة غير مصونة عند المؤلّف كلّاً ، فهو كثير الاحترام عظيم التبجيل للعلم وأهله ولكنّه لا يرحم إذا نَقَد لنأيه بالنقد عن التقريظ فهو عنده الجلد وإقامة الحدّ وإن ترائىٰ لبعضهم أنّه غزل وتقريظ

لذلك رأيته يلهب بسياط النقد قاموس الفيروزآبادي ، وينعى عليه تسرّعه في الحكم على اللغة وأخذه إيّاها عن كلّ من هبّ ودبّ ، بل ربّما لامه إلى درجة التحميق لأنّه يجعل من تصحيفه الكلمة لغة يفرضها على قارئيه فيخالونها مأثورة عن أوائل الواضعين وما هي إلّا جملة أدخل مقاطعها الآخر بالأوّل فحسبها بعد هذه العلميّة الجرّاحيّة لغة حيّة أو مفردة منقولة عن إقحاح العرب ، وقال عنه بعد أن تتبّع هفواته : ما رأيت أكثر أخطاءاً من صاحب القاموس هذا مع احتجاجه به


أحياناً لأنّ الخطأ والخطائين والثلاثة والأربعة مثل كبوات الجواد لا تسقط الكتاب من ميزان الاعتبار

وكما حاسب علماء اللغة حاسب إخوانهم في حقول العلم الاُخرى ، حتّى المجلسي مع إكباره لمقامه الشامخ ، سلّط عليه مشرط النقد فاستخرج من كتابه داءاً دويّاً علماً منه بأنّ المجلسي قام بعمل جدّ عظيم حين جمع الأحاديث والكتب في كتاب واحد وصيّره مكتبة سهلة التناول ، قريبة المأخذ في زمنه ، ولم يجمع الصحيح وحده بل حصر الأحاديث بجملتها في هذا الإطار ، وأطلق للعلماء الإذن في التدقيق والتحقيق ، واستخراج الصحيح من السقيم والمقطوع بصدوره من الموضوع فهو والحال هذه حلبة سباق تتفاضل فيه الجياد بين سابق ولاحق ومصلّ وهلمّ جرّاً

والشيخرحمه‌الله جوّال بفكره في هذا الكتاب الحافل والشرح الكامل فهو حين يعرض للمسألة لا يدرسها من وجه واحد أو وجهين اثنين بل يجيل فيها فكره حتّى ينهكها بحثاً وتدقيقاً ولا يترك القارئ إلّا على طرف الثماد بعد أن يعبّ العذب النمير من إبداعه وإفكاره الخلّاقة

ولست اُريد دراسة المؤلّف في هذه المقدّمة لأنّها لا تفي بحقّه ولو حوّلتها إلى كتاب مطوّل ، ولكنّي اُريد أن أضع القارئ على الواضحة من عمل هذا العملاق ثمّ أستودعه الله بعد أن يسلك الدرب إلى القمّة ليبلغها

كلّ هذا لم أكن أعلم به قبل الترجمة وإنّما بدأت به تعبّداً حتّى اكتشفت أنّي أعوم في بحر لجّيّ بعبد القاع نائي الشطئان من هذا الشرح العلمي التاريخي الأدبي الفلسفي الروائي الاُصولي الفقهي ففيه هذا وزيادة ، ومن يقرأه يدرك ما أقول ، وعلمت بأنّه التسديد من الله والإلهام حيث اختار لي هذه البدئة الموفّقة ، والحمد لله


وكنت قبل أن أتعرّف على المؤلّف عرض لي ديوان شعر مطبوع في طهران ضخم إلى حدٍّ ما بالعربيّة لأديب طهرانيّ ، فعجبت أن يكون البلد طهران والشاعر طهرانيّ والشعب القارئ فارسيّ والشاعر فارسي والشعر عربيّ ، ولا أكتم القارئ أنّي اقتنيته وأنا على مثل اليأس من العثور على الجيّد المفيد ، فلمّا طالعته أثار إعجابي واحتفظت به دليلاً على قدسيّة اللغة العربيّة وسحرها وما كنت أعلم أنّ شاعر الديوان هو نفسه شارح زيارة عاشوراء حتّى دخلت من البوّابة الواسعة لهذا الكتاب الرائع العظيم ، وعرفت مؤلّفه ، فازددت شوقاً على شوقي

ثمّ قرّبني من المؤلّف ولائه الشديد لأهل بيت نبيّه وحبّه لهم وبغضه لأعدائهم ونأيه بالروح والجسد عن خصومهم واتخاذهم خصوماً له ، ولو كان علم الله من بلد غير بلدي واُمّة غير اُمّتي لتعلّقت به تعلّق الحبيب بالحبيب فكيف وهو من البلد الذي أنتمي إليه وأحمل جنسيّته وأتكلّم لغته وإن نمتني الأعراق إلى العرب على علم منّي بأن لا موضوعيّة للأجناس هنا بعد قيام الدولة الإسلاميّة في إيران حين اتّخذت لكلّ رعاياها الجنسيّة الإسلاميّة أصلاً ومنشأً وانتماءاً وأنساباً ، والحمد لله

من جهة اُخرى رأيت أن اُواصل الترجمة فأدخل عالم الكامل للبهائي وهو ما يزال مغلقاً عليّ لأنّي لم أقرأه بعد لأبدأ بترجمته وسوف أبدأها قريباً بإذن الله تعالى وحسن توفيقه

بقي في نفسي شيء وددت أن أعرضه على القارئ وهو أنّ الأخطاء التي يراها في الكتاب جلّها تعود إلى الطبع والآلات الطابعة على أنّ السيّد محمّد المعلّم يبذل في الكتاب قصارى جهده المشكور لتفادي الأخطاء ولكنّها تقع حتماً لأنّ العصمة من الخطأ لله وحده ، ولأنّ مخطوطة الكتاب حين تصل إلى يده تصل مخطوطة بيد مرتجفة أثر بها حادث الاصطدام ـ أجاركم الله ـ فجعلها لا تستقرّ


بالحرف كما ينبغي أن يكتب فتتنائىٰ بعض حروفه عن بعضها أو بعض نقاطه على حروفه فتوضع هذه النقطة على غير حرفها وتلك الحركة على غير صاحبها ويضعّف ما حقّه التخفيف ، أو يخفّف ما حقّه التضعيف ، وهكذا دواليك ، فتأتي القرائة مصحّفة فيقع الخطأ ، أعاننا الله وإيّاكم على تفاديه

وآخر القول إنّي أردت قصداً أن لا اُطيل في المقدّمة ولا اُفردها عن مقدّمة الناشر ـ للمتن الفارسي ـ ولقد سبق سيّدنا المحقّق السيّد علي الموحّد الأبطحي أيّده الله وسدّده إلى هذا الخير العميم حيث بذل جهداً مشكوراً لإخراج هذه اللؤلؤة المشعة والدرّة اليتيمة بحلّةٍ قشيبة وأعطي من فيض قلمه عطاءاً ثراً مفيد حيث حلّى هذا الكتاب بصياغة الهوامش النافعة والتعاليق الجديرة بالثقة والاطمئنان

وإنّي والحق يقال استفدت من تحقيقاته الكثير وأغناني بذكر المصادر بدقّة عن البحث عنها إلّا ما رأيت البحث عنه وفيه لازماً خلا أنّي أخذت على المحقّق ذكره للمصدر الأوّل الذي نقل عنه المؤلّف ثمّ يسارع فيأتي بالمصدر الثاني الذي نقل عن المصدر الأوّل فهو حين يروي الرواية عن المناقب يسارع فيثني بالبحار الذي نقل عن المناقب وهذا لا داعي له لأنّ المصدر الثاني لا يضفي على الرواية قوّة أو صحّة مضاعفة لأنّه ناقل لها وليس مخرجاً ومع ذلك فهو لا يشين تحقيقه الرشيق الجميل الدالٍ على الفضل وسعة الإطّلاع وله الفضل أوّلاً لأنّه المتقدّم وآخراً لانتفاعنا بتحقيقه وأسئل الله لي وله التوفيق في خدمة هذا المذهب الشريف والنجاح كما أرجو لكلّ المتعاونين معناً في نشر هذا الكتاب الخير والأجر لا سيّما سيّدنا الاستاذ السيّد المعلّم أحسن الله إلى الجميع

لهذا جعلتها صدراً لها وها هي ـ أي مقدّمة الناشر للمتن الفارسي ـ تليها ، والحمد لله أوّلاً وآخراً ، والصلاة على حبيبه المصطفى وآله المستكملين الشرفاء


بسم الله الرحمن الرحيم

مقدّمة الناشر ( للمتن الفارسي )

بسم ربّ بطل الشهداء الحسين بن عليّعليهما‌السلام حمداً لا أمد له للربّ الرحيم الذي فتق في قلب الإنسان طاقات الودّ والمحبّة ، وعلّم أبجديّة الحبّ والإيثار والفداء سالكي طريقه ، وأنار مشعل التوحيد الوهّاج في طريقهم ، وأوقد بيادر أرواحهم ببارقة تجلّيه

والشكر العميق للربّ الذي زيّن المصطفين من أبناء البشر وأوليائه بزينة حبّه وعشقه ، وقضى عليهم الشهادة في سبيله

والحمد غير المتناهي للخالق العظيم الذي من أجل تعظيم الطريقة الحسينيّة وسالكها الحسين حلّى صدره المبارك بشارةِ لقب « ثار الله » وكنية « أبي عبد الله »

ومن اليوم إلى أن تقوم الساعة وما دام العالم قائماً ، يفتخر الكلّ في زيارته بترديد « السلام عليك يا ثار الله وابن ثاره » و « السلام عليك يا أبا عبد الله وعلى الأرواح التي حلّت بفنائك »

وجعل يوم عرفه أوّل يوم لعنايته بزوّاه وتوجّهه وتجلّيه لهم ثمّ للمثنين عليه والداعين في عرفاته ، وحمل ملائكة السماوات السبع والأرض وما فيها في قبال هذه العظمة والشموخ ونكران الذات على تعظيمه كي يعرفوا سرّ الحكمة التي


قدّرها في فطرة ابن آدم ، ويلمّوا بها حقّ الإلمام ولا ينظروا إلى هذا الوجود الربّاني العزيز إلّا بعين العناية

والسلام والتحيّات على الأرواح الطاهرة للمولهين به والمدلهين بحبّه وحبّ مسلكه وعلى الطلايع الاُولى والقادة العظام من آدم إلى الخاتم وعلى أوصيائهم لاسيّما أشرفهم أمير المؤمنينعليه‌السلام وأوصيائه الكرام ، المخبرين بصدق عن كربلاء وعاشوراء ، الذين عرّفوا البشريّة بعمق الحادثة العظمى قبل وقوعها لكي يهب محبّو أبي عبد الله بوعي لنصرته ، والذود عن أهدافه ، ولا يبخلوا ببذل الروح من أجل علوّ نداء التوحيد ونفي الشرك والنفاق ، والابتعاد عن الأراذل والأوباش ، لكي يحطّوا رحالهم في حريم القرب الربّاني

والصلاة والثناء العاطر على أصحاب ذلك الإمام الأوفياء المضحّين ، الذين أقبلوا من كلّ حدب وصوب يحدوهم العشق حتّى التحقوا بركبه ، واقاموا ملحمةً في يوم عاشوراء لا يذهب صداها إلى الأبد عن اُذن الوجود ، كي لا يغيبوا في حمئة النسيان والضياع ، وتشمخ جباههم غرّاء في الزمان كلّه ؛ لأنّ هواء العش خطير ، وعمل المحبّين المطهّرين المتعلّقين بالواحد الأحد أخطر

والحمد والشكر الذي لا قرار له لله الكريم الوهّاب الذي منحني التوفيق حتّى كتبت الكتاب القيّم ( مناديان راستين كربلاء وعاشوراء ) لأحشر في زمرة المحبّين ، وباستطاعتي أن اُردّد :

درون شعله چون پروانه بسوختم اى دوست

بدين اُميد كه از عاشقان حساب شوم

بنارك اُحرقت مثل الفراش

وآمل اُحسب في العاشقين

نعم ، لو نلت توفيق نشر هذا الكتاب لكنت قدّمت إضمامة من الورد التي لا يعتريها الذبول في تعاقب الزمان ولا يمحى رونقها في لفح زمهرير الشتاء إلى عاشقي الحسين ومحبّيه


ثمّ إنّ هذا الأثر الذي ترونه بين أيديكم ( شفاء الصدور في شرح زيارة العاشور ) الذي تحمل الكاتب عبأ تحقيقه وتصحيحه والتعليق عليه ، ورأيته لازماً لي واجباً عليّ لأنّه واحد من الآثار العلميّة والأدبيّة والتاريخيّة الثمينة الإسلاميّة ، ويفهم موضوعه من اسمه بأكمل وجه وهو الذي يفصح عن عظمته وخواصّه العلميّة والتاريخيّة

ومن المؤسف أنّ هذا الكتاب النفيس لم يقدّر حقّ قدره بشكل مؤلم ، ولم يوله أهل الفضل والعلم العناية اللازمة ، ولعلّ اللغة التي كتب بها وهي الفارسيّة دخلاً في عدم الاهتمام به ، وعسى أن يكون هو العامل الأصيل في ذلك أو من بعض عوامله ، على أنّه كنز عظيم لا يصحّ التفريط به على الإطلاق

والآن ومن أجل تبصّر القرّاء الكرام ومعرفتهم أكثر وأكثر بهذا الكتاب القيّم المفيد نوجّه عنايتهم إلى النكات التالية :

١ ـ ما هي الزيارة ومن هو الزائر ؟

الزيارة في الاصطلاح معناها رؤية علم عظيم والمثول في حضرته من أجل أداء التحيّة له وتقديم أدب الاحترام اللائق به

والزيارة للأقارب والأرحام والأحبّة أمر عاديّ ولكنّها إذا كانت للأنبياء والأئمّة المعصومين وكبار رجال الدين تحتوي على طقوس خاصّة وخصائص مميّزة

ولقد قيل : إنّ مجرّد توجّه القلب إلى اُولئك السادة تتحقّق الزيارة ولكن ما أحسن الزيارة لو تمّت على يد السالكين في معارج الحقّ ومناهج الربّ والرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ومحبّي آل البيت وأهل ولائهم من أجل نيل القرب منهم على نحو الزيارة ورؤية الحبيب بأحسن الكلام وأجمل العبارات يؤدّون هذه الزيارة في حضرتهم


وما أكمل هذه الزيارة أيضاً إذا اُخذت طرقها وآدابها وتحيّتها وثنائها وأخيراً كلّ ما يلتئم وهدف السالكين إلى حرم القرب من اُولئك الكبار أنفسهم ، وعملوا بدستور الحبّ والودّ بين التابع والمتبوع الذي ورد من جهتهم

ومن هذه الجهة اتفقت كلمة أئمّة المذهب وعلماء الطائفة على أنّ خير الزيارات وأفضل القربات ما جاء عن المعصومين فإنّه خير وسيلة من وسائل القرب لأهل الولاء ـ وكلام الملوك ملوك الكلام ـ ، وربّما ضمنوا مع بيان التحيّات والآداب حقائق العرفان ودقائقه الدائرة في فلك الولاية والإمامة ، بالشأن الذي ينبغي أن يكون عليه ، فأرووا عطاشى زلال المعرفة ، وأنقعوا غلّتهم ، بعناية وكفاية وسداد

٢ ـ دور الزيارة أو الدروس الحيّة

من المؤسف حقّاً أن يقلّ الاعتناء بمحتوى الزيارة ويزداد الإقبال على ظاهر الألفاظ والكلمات الخاصّة بهذه التعاليم الملكوتيّة ، في حين أنّ روح الزيارة في محتواها وهو دروس عميقة لتكوين الإنسان الفاضل وصنعه وهي تالية القرآن ونهج البلاغة والصحيفة السجّاديّة والأدعية المأثورة عن أهل بيت العصمة صلوات الله عليهم أي أنّها تأتي بعد هذه المحتويات المقدّسة في الرتبة لرقي الإنسان ورفع معنويّاته ومنحه الروح الفاضلة تضعه في المكانة التي تؤهّله لمعرفة معارف أهل البيت عليهم‌السلام ، لا سيّما تلك المقدّمات والتقاليد والآداب والدساتير الموضوعة للعتبات المقدّسة وبيان طرق إجرائها للمتشرّفين بلقاء الأحبّة على تلك الساحات المشرّفة التي بمجموعها تترك آثاراً عينيّة ومشاهدة في سوق الإنسان باتجاه الكمال المطلوب ، والبُعد عن الأدناس ، وعلى هذا الأساس رصد


جزاء عظيم وزائد عن الحدّ لمن وفّقهم الله فبلغوا حرم القرب ، ونالوا فضل الدنوّ من ذلك الحريم المطهّر

٣ ـ نظرة خاطفة على هذه التعاليم المفيدة

الأوّل : التوحيد ومعرفة الخالق

الثاني : العجز والخضوع المطلق في قبال الذات الوحدانيّة ، وخالق الوجود ذي الجلال عزّ اسمه

الثالث : الانعطاف نحو الجزاء والمثوبة الإلۤهيّة

الرابع : البعد عن المحارم واجتنابها

الخامس : تعاهد روح التقوى وتهذيبها وتربيتها

السادس : رعاية حقوق المؤمنين

السابع : تعليم روح الجهاد ، وتقويم النفس والاستماتة في سبيل الله

الثامن : إيجاد الصلة مع أولياء الله

التاسع : التوجّه إلى سيرة المصطفين وطريقتهم في الحياة ، حيث توجد في كلّ زاوية منها مدارس لتهذيب الإنسان ومثل عليا مقدّسة تحتذىٰ لكلّ إنسان

العاشر : بيان أهداف الأئمّة المعصومين من إعلاء كلمة الحقّ والطاعة الخالصة والإيثار في سبيل الحقّ

الحادي عشر : التوجّه إلى دقائق العرفان والاعتقاد والأخلاق والاجتماع والتاريخ وإجمالاً لما تقدّم الاُنس بالمعارف الإلۤهيّة المبثوثة في عبارات ومضامين تلك الزيارات والدروس


٤ ـ زيارة عاشوراء

زيارة عاشوراء هي مجموع الدروس الاعتقاديّة والسياسيّة والفكريّة ، وإظهار السخط والغضب على عدوّ أهل البيت المعصومين المطهّرين ، وهي المحك الذي يتميّز به النفيس من الخسيس ، وتقديم البرائة على الولاء أو التبرّي على التولّي وهي الدعاء والتضرّع إلى الله ، وطلب المعونة على الانتقام من العدوّ والتوفيق في أخذ الثأر منه ، وإرسال النداء تلو النداء بحيث تعكس كلّ عبارة فيه القيّم الفاضلة ، وفصولاً لا تحتمل التردّد تفتح للإنسان طريقه ، وفيها القدرة على منح الإنسان القوّة والاستقامة في قطع الطريق حتّى يصل إلى الحقيقة الراسخة

٥ ـ عظمة هذه الزيارة !

لا شكّ في أنّ زيارة عاشوراء من الأحاديث القدسيّة وتنتهي سلسلة إسنادها إلى قال الله تعالى ، وإمعان النظر في هذه المسألة يكشف لنا أهميّة زيارة عاشوراء أكثر فأكثر من حيث كونها كلام الله وليست كلاماً عاديّاً ، بحيث يستطيع المرء اجتيازه بسهولة ، ومن هذه الجهة يرى العلّامة الكبير الطهراني ميرزا أبو الفضل ـ مؤلّف الكتاب ـ وغيره من الشخصيّات العلميّة الإسلاميّة أنّ لكلّ كلمة من هذه الزيارة غوراً بعيداً وأسراراً مخبوثة ، تحتاج إلى من يكشفها ويجلّيها

٦ ـ آثار وبركات زيارة عاشوراء

ليست الآثار والبركات الظاهريّة والمعنويّة لزيارة عاشوراء وتعظيمها وقرائتها ومداومة قرائتها ما هو بحاجة إلى بيان لأنّه بمنزلة الشمس في رائعة النهار ، إلّا أنّنا إظهاراً لتعظيم مكانة الروحانية الشامخة وتبياناً لطرق أصحابها وسلوكهم نعمد إلى ذكر نموذج من تلكم التأثيرات ونكتفي بها


ذكر العلّامة عظيم الشأن صاحب كتاب « رياض الاُنس » عن اُستاذه جليل القدر آية الله العظمى الحاج عبد الكريم الحائري اليزدي أعلى الله مقامه الشريف(١) :

لمّا كان في مدينة سامرّاء نشتغل بالطلب ، دخل علينا ذات يوم المرحوم آية الله العظمى الاُستاذ الكبير السيّد محمّد فشاركي حلقة الدرس ، وهو مضطرب الحال لشيوع الهيضة في ذلك الزمان ، وقد أصاب جماعة من العراقيّين هذا الوباء المري فقضى عليهم ، فقال السيّد المذكور : هل تروني من المجتهدين ؟ قلنا : نعم ، فقال : ومن العدول ؟ قلنا : نعم ـ وكان غرضه بعد أخذ تأييدنا إصدار الحكم ـ ثمّ قال : إنّي أحكم على الشيعة جميعهم القاطنين في سامرّاء من ذكر واُنثى أن يتلو كلّ واحد منهم زيارة عاشوراء مرّة واحدة نيابة عن السيّدة المكرّمة اُمّ الإمام صاحب الزمان وأن يجعلوا هذه الاُمّ المقدّرة شفيعة عند ولدها المولى سيّدنا المهدي وليّ العصر وإمام الزمان عجّل الله فرجه ليسأل الله تعالى برفع هذا البلاء عن شيعة سامرّاء

قال المرحوم آية الله الحائري : فلمّا أصدر حكمه ، وبما أنّ الخطر عامّ ، فقد أطاعه الشيعة كلّهم فلم يصب الوباء واحداً منهم ، ونجّى الله تعالى من هذا البلاء العام ببركة زيارة عاشوراء الشيعة جمعاء(٢)

٧ ـ دور كتاب شفاء الصدور

يظهر هذا الكتاب العلمي والأدبي والعقيدي والتاريخ عقائد الشيعة ومعارفهم

_________________

(١) كان آية الله الحائري قبل الهجرة إلى إيران يسكن مدينة كربلاء وكان مشتغلاً فيها بالتدريس وتربية جماعة من الأفاضل وكان الكاتب من تلامذته المبرّزين ( هامش الأصل )

(٢) يحكي هذا النوع من القضايا عن عظمة عاشوراء وبركاته ، وقد جمعناها في مجموع واحد تحت اسم « زيارت عاشوراء وشگفتيها » وقد نشرناها والحمد لله ( المحقّق )


وعظمة سيّد الشهداءعليه‌السلام ودور ثورته في إسقاط المؤامرة من الشجرة الملعونة الخبيثة ـ على لسان النبيّ والأئمّة المعصومين ـ بني اُميّة ، ويبيّن كذلك عن عظمة عاشوراء وزيارتها ، ويشرح اللطايف والدقايق الاعتقاديّة والأخلاقيّة والعرفانيّة والاجتماعيّة المودعة في عباراتها ومضامينها

ولا يحتاج إلى بيان ما فيها من لزوم الاطّلاع على المعارف الروحيّة وفاعليّتها

وممّا يؤسف له حقّاً خفاء عظمة هذا الكتاب النفيس والدرّة البيضاء وسموّ شأنه ورفيع مرتبته على كثير من العلماء ، ومن هذه الجهة لم يطبع إلّا مرّتين : الاُولى في بمبئي ، والثانية في طهران بالاُفست مع الأخطاء الكثيرة والتصحيف الكبير ، وأحمد الله على لطفه بي حيث حملني حبّي للحسينعليه‌السلام وأصحابه على تحقيقه والتدقيق فيه وذكر مصادره ومداركه ـ بقدر الإمكان ـ ونشره باُسلوب جديد عصري ، وتحمّل هذا العبأ الخطير ، على أمل قبوله من سيّد الشهداء مولانا أبي عبد الله الحسين روحي وأرواح العالمين له الفداء ، وأن نكون مورد عناية شفيعة يوم الجزاء اُمّه المظلومة فاطمة الزهراء سلام الله عليها ، ومورد توجّه وقبول بقيّة الله مهدي الزمان وليّ العصر أرواحنا لمقدمه الشريف الفداء ، ويكون ذخيرة لنا في يوم الجزاء

٨ ـ في شرح أحوال المؤلّف

كان المرحوم الحاج ميرزا أبو الفضل الطهراني عالماً عاملاً ولم يتخطّ المرحلة الثانية والأربعين من مراحل حياته ، وفي هذا العمر القصير استطاع الإلمام بكثير من العلوم لا سيّما الفقه والاُصول والحكمة والعرفان والأدبيّات ، وفي كثير من العلوم النظريّة أوصل التحقيق فيها إلى درجة جعلها بمبعدة عن الوهم ومقربة من


الفهم الدقيق ، كان أقلّ مواهبه الشعر والقريحة ، ترسّل بالعربيّة حتّى لا تكاد تفرّق بينه وبين أكبر أساتيد العربيّة بحيث لم يصل إلى فصاحته وبلاغته في العربيّة نظير له من أبناء فارس ، ولو رآه العرب العرباء لما علمو أنّ منشئ هذا الكلام الفصيح رجل من العجم ولغته اللغة الفارسي ، وكان مشعلاً وهّاجاً يتباهى به الإسلام والمسلمون

ولد هذا العالم العظيم ـ وهو خلف الفقيه المحقّق ذي القدر الرفيع المرحوم الحاج ميرزا أبو القاسم الطهراني الكلانتري صاحب التقريرات ـ عام ١٢٧٣ هجريّة ، ولمّا كان يتحلّى بالفهم والفراسة والذكاء والعقل والدربة ، فقد كمل في أقصر وقت في العلوم العقليّة والأدبيّة والنقليّة كلّها ، ولشدّة حافظته وقوّتها كان يحفظ القصيدة إذا قرأها أو سمعها مرّةً واحدة ، وتنطبع في ضميره المنير كالنقش في الحجر ، وكان يحفظ غالب أشعار العرب والعجم ، فكان مثالاً يحتذىٰ لأهل زمانه ، ويشهد لمكانته العلميّة ما كتبه من المؤلّفات زمان بلوغه أو بعده بقليل ، فهي خير شاهد على الاُمور السالفة

هاجر المؤلّف إلى العتبات المقدّسة في سنة ١٣٠٠ لكي يكمل دراسته العلميّة ويحصل على الدرجات العالية مع ما كان يقول في حقّه المرحوم ملّا علي الكني ـ أعلى الله مقامه ـ من أنّه كمل في كلّ علم وبلغ رتبة الاجتهاد الرفيعة ، وما به من حاجة إلى الهجرة ، ولكنّه قصد يومئذٍ العراق وأفاد من محضر المرحوم آية الله الحاج ميرزا حبيب الله الرشتي ـ أعلى الله مقامه ـ ونال شرف المثول في سامرّاء بدعوةٍ من المرحوم آية الله العظمى الميرزا حسن الشيرازي ، ونال الفائدة الكبرى من كمالات ذلك الرجل العظيم ، وبأمره ألّف كتاب « شفاء الصدور »

وفي سنة ١٣٠٦ سافر إلى الحجّة بمعيّة الحاج السيّد محمّد الصرّاف الطهراني ، وعاد في سنة ١٣١٠ إلى مقرّه المألوف ووطنه الأصلي طهران ، واشتغل بالتدريس


في المدرسة الحديثة البناء الناصريّة ، وقام مع التدريس بالفتوى ورتق اُمور المواطنين وإقامة صلاة الجماعة

وكان لتحلّيه في طلاقة اللسان وحلاوة البيان مع ما هو عليه من الرُتب العلميّة ودرجات التقوى سبباً داعياً وعاملاً مؤثّراً في ميل قلوب أهل الفضل إليه ، وإقبالهم عليه من شتّى بقاع الدولة ، ممّا أثار حسد بعض معاصريه فبالغوا في إزعاجه وآذوه وحمّلوه العذاب والعنت حتّى وافاه الأجل في غرّة صفر سنة ١٣١٦ مصاباً بمرض « الحصبة » وفي الثامن من الشهر المذكور ذهب إلى رحمة الله تعالى ، وكان يعتقد بعض أهل العلم والاطّلاع أنّه رحل عن هذه الدنيا مسموماً

دفن المرحوم في مقبرة والده الماجد الواقعة في صحن الحمزة وفي جوار عبدالعظيم الحسنيرحمه‌الله

إعلان وإعلام

ما ذكر في بعض الكتاب والتراجم من كون اسم المؤلّف أبا الفضل أحمد ووفاته كانت عام ١٣١٧ وأنّ جسده نقل إلى النجف فدفن هناك في وادي السلام لا حقيقة له بل اسمه أبو الفضل ومولده سنة ١٢٧٣ ووفاته ١٣١٦ ومدفنه الشريف في مقبرة والده المعظّم في جوار عبدالعظيمرحمه‌الله في الري

شيوخ المؤلّف وأساتذته

حضر الشيخ أبو الفضل في مبتدء حياته العلميّة في محضر والده العظيم الحاج ميرزا أبي القاسم الطهراني الكلانتري وبعد أن لبّى والده نداء ربّه قضى أغلب أوقاته في حلقة فقيهي الزمان ووحيدي الأوان السيّد السند الآقا السيّد محمّد


الطباطبائي والعلم المعتمد الآقا ميرزا عبدالرحيم النهاوندي ـ نوّر الله مرقدهما ـ واشتغل عليهما بتحصيل الفقه والاُصول

وحضر في المعقول والعرفان على حكيمي العصر وفريدي الدهر الآقا ميرزا محمّد رضا القمشئي والآقا ميرزابي الحسن جلوه ـ طيّب الله تربتهما ـ وعمد إلى تدبيج بحوث الاُستاذ الفريد الآقا محمّد رضا القمشئي العرفانيّة والحكميّة بصورة تقريرات وما تزال هذه البحوث إلى الآن موجودة في ذلك البيت الشريف

وهاجر عام ١٣٠٠ هجريّة إلى العتبات المقدّسة وتشرّف بحضور مجلس آية الله العظمى الميرزا حبيب الله الرشتي ، ومن بعده حضر مجلس آية الله العظمى الحاج ميرزا حسن الشيرازي واستفاد من محضرهما كثيراً

زملاء المؤلّف في العلم والبحث

كان هذا العالم العظيم في أعماله العلميّة له مباحثات مركّزة علميّة مع آية الله الميرزا محمّد تقي الشيرازي وآية الله العظمى الآقا السيّد محمّد الاصفهاني

آثار المؤلّف العلميّة والأدبيّة

١ ـ اُرجوزة في النحو(١) ؛

٢ ـ الإصابة في قاعدة الإجماع على الإصابة(٢) ؛

٣ ـ تراجم ؛

٤ ـ تميمة الحديث ـ علم الدراية ( منظوم ) ؛

_________________

(١) مقدّمة ديوان المؤلّف

(٢) مقدّمة شفاء الصدور : ٢٢٨ و ٢٥٣


٥ ـ تنقيح المقالة في تحقيق الدلالة ؛

٦ ـ حاشية على رسائل الشيخ الأنصاري رحمة الله عليه ؛

٧ ـ حاشية وشرح على مكاسب الشيخ الأنصاري رحمة الله عليه(١) ؛

٨ ـ حاشية على رجال النجاشي(٢) ؛

٩ ـ ( شفاء الصدور في شرح زيارة العاشور ) طبع في بمبئي وفي طهران بالاُفست ؛

١٠ ـ صدح الحمامة ؛

١١ ـ قلائد الدرر في علم الصرف ؛

١٢ ـ الدر الفتيق في علم الرجال ؛

١٣ ـ ديوانه العربي ـ طبع في طهران ؛

١٤ ـ منية البصير في بيان كيفيّة الغدير ؛

١٥ ـ ميزان الفلك في علم الهيئة منظوم(٣) ؛

١٦ ـ منظومة في الإجماع

تذكّر وإعلام

من أجل اطّلاع أكثر ومعلومات أكبر عن أحوال هذا العالم الكبير المفيد الإسلامي وتأليفاته وآثاره العلميّة والأدبيّة بإمكان القارئ الكريم الرجوع إلى أقوال العلماء الذين تناولوا شخصيّته العلميّة والأدبيّة وتناولوا مكانته في عالم العلم ، منها :

_________________

(١) مقدّمة ديوان شفاء الصدور : ٢٢١

(٢) مقدّمة الديوان ، شفاء الصدور : ٢٤٣ و ٤٤٤ ( هامش الأصل )

(٣) مقدّمة الديوان ، شفاء الصدور : ٢٢٨


١ ـ إبداع البديع في صنعة الاشتقاق ، تأليف ميرزا حسن شمس العلماء الگرگاني ، طبع طهران سنة ١٣٢٨

٢ ـ أحسن الوديعة ، تأليف السيّد محمّد مهدي الكاظمي ، طبع الكاظميّة

٣ ـ أعيان الشيعة ، تأليف العلّامة الكبير السيّد محسن الشامي ، طبع بيروت

٤ ـ جُنّة النعيم في أحوال عبدالعظيم ، تأليف الحاج ميرزا باقر

٥ ـ الذريعة ، تأليف العلّامة عظيم الشأن الحاج الشيخ آغا بزرگ الطهرانيرحمه‌الله

٦ ـ طبقات أعلام الشيعة ١ : ٥٥ للعلّامة عظيم الشأن الحاج شيخ آغا بزرگ الطهرانيرحمه‌الله

٧ ـ الكنى والألقاب ، تأليف العلّامة العظيم المحدّث القمّي

٨ ـ مدينة الأدب ، تأليف عبرة النائيني

٩ ـ مدينة المدينة ، تأليف عبرة النائيني

١٠ ـ نامه فرهنگيان ، تأليف عبرة النائيني

١١ ـ ناسخ التواريخ ، الطراز المذهّب ، تأليف سپهر

١٢ ـ ناسخ التواريخ ، الإمام زين العابدين ، تأليف سپهر

١٣ ـ نامه دانشوران ، تأليف جماعة من الفضلاء

١٤ ـ مجموعة القدس ، تأليف الشيخ أبي الفضل الطهراني مؤلّف كتاب « شفاء الصدور »

١٥ ـ معجم المؤلّفين ٨ : ٧١ ، تأليف عمر رضا كحّالة

١٦ ـ مقدّمة ديوان المؤلّف ، تأليف العلّامة محدّث الاُرموي

ولا يخفى أنّ خير ما كتب في حقّ المؤلّف هو هذه المقدّمة لديوانه


الإهداء

إلى عتبة الحوراء الإنسيّة البتول العذراء فاطمة الزهراء ـ سلام الله عليها ـ المقدّسة ، تلك السيّدة التي سادت العالمين ، والتي جعلت وجودها فداء في سبيل صيانة الإسلام من أجل تسليمها ورضاها بقضاء الله في شهادة ولدها العزيز الحسينعليه‌السلام في طريق الإمامة حازت مقام الشفاعة وصارت شفيعة يوم الجزاء

وإلى روح السيّدة العابدة الطاهرة العلويّة الصالحة السلالة الصادقة للصدّيقة الكبرىعليها‌السلام التي تربّت في ظلّ والد محبّ وامق ، رهين القلب بذلك المقام الرفيع ، والمشرّف بحرم القرب المهدوي التي بكتابة كتاب « مكيال المكارم » بأمر الحجّة عجّل الله تعالى فرجه رفعت نفسها إلى درجة المصداق البارز لعنايتهعليه‌السلام وصارت مصداقاً لـ « شجرة طيّبة أصلها ثابت وفرعها في السماء » و « البلد الطيّب يخرج نباته بإذن ربّه »

وإلى السيّدة الكبرى التي بالتزامها بتلاوة القرآن والالتجاء بأهل بيت العصمة والطهارة لا سيّما صاحب الزمانعليه‌السلام وجدت جلوة اُخرى ، وبإدمانها التوسّل لاسيّما زيارة عاشوراء اتّخذت مرآة روحها شفّافيّة اُخرى ، وأصبحت عينها الناظرة في الظاهر والباطن ، في النوم واليقظة تشاهد العتبات النورانيّة والعوالم الروحانيّة ، وإلى تلك الاُمّ الرؤوم التي أدّت ما عليها من ديون للإسلام والروحانيّة بما بذلت من التربية لأولادها وقدّمتهم إلى الحوزة العلميّة المقدّسة في النجف وأصفهان ، وأخيراً في يوم الأحد(١) في فجره ساعة ينادي المنادي ( حيّ علی الفلاح ) أي دعي نفسك وارجعي إلى ربّك راضية مرضيّة وادخلي في عبادي

_________________

(١) اليوم المنسوب إلى مولى المتقين عليّ المرتضى وفاطمة الزهراء سلام الله عليها


وادخلي جنّتي ، لبّت النداء ، وفي وقت أذان الظهر اغتسلت غسل الشرف في حريم القدس مصحوباً بتلاوة زيارة عاشوراء وذكر يا زهراء أسلمت الروح ، ومع غروب الشمس وُوري جسمها المطهّر الثرى ، وسط بكاء المشيّعين ، والعيون العبرى(١) وانتقل مثالها البرزخي إلى حائر الحسينعليه‌السلام الأرض التي تلهج باسمها دائماً وعينها باكية ودموعها جارية وطائر روحها يرفّ بجناحه صوب حرم الأمن ذلك سرّ الله روحها ونور ضريحها

_________________

(١) ١٣ ربيع الأوّل ١٤٠٧ المصادف آبان ماه ١٣٦٥ ، وأقيم مرقدها الطاهر في حرم عالم كبير وشهيد امام زاده جعفر حفيد الإمام موسى الكاظمعليه‌السلام وامام زاده مرتضى حفيد الإمام زين العابدينعليه‌السلام مقابل حرم امام زاده إسماعيل بن المجتبىعليه‌السلام في اصفهان شارع الهاتف


صورة خطّ المؤلّف

من بديع الاتفاق موافقة تاريخ هذا الكتاب لقولنا شرح زيارة عاشوراء (١٣٠٩) مقصوراً وهو عنوانه وقلت فيه نظماً :

هاك مجموعة حوت كلّ معنىً

من معاني زيارة العاشور

وإذا تمّ جمعها قلت أرّخ

يالشرح مجد شفاء الصدور

وكتب مصنّفه العبد الآثم أبو الفضل (١٣٠٩) منتصف رجب الأصمّ من السنة المذكورة

صورة الخطّ المبارك لمجدّد المذهب سيّد البشر على رأس المأة الثالثة عشرة حجّة الإسلام الآقا الحاج ميرزا محمّد حسن الشيرازي أعلى الله مقامه وكتبه تقريظاً على هذا الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

الكتاب الشريف ( شفاء الصدور ) الحقّ إنّه كتاب غاية في الجودة والكمال والمتانة ، وجامع بين مراتب التحقيق والتتبّع ، ومحيط بذكر أنواع الفضائل والمعارف ، وهو بجميع أصناف الناس وطبقاتهم نافع وممتع ، وقلّ نظيره في بابه والجدير به أن يرجع إليه عامّة القرّاء وأن يزيلوا المشاكل ويصحّحوا العقائد بالتأمّل في مباحثه ، ونأمل من الله الأقدس جلّ ذكره أن يحشر مع خامس آل العبا ـ عليه وعلى جدّه وأبيه واُمّه وأخيه والطاهرين من ذرّيّته أفضل الصلاة والسلام ـ كلّ من ساعد في هذا الأمر وأعان بشكل من الأشكال لأنّ الكتاب أساساً موضوع لإحياء أمر ذلك الجناب وإعلاء كلمته بمحمّد وآله الطاهرين ، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين

حرّره الأحقر محمّد حسن الحسيني


بسم الله الرحمن الرحيم

[ مقدّمة المؤلّف ]

الحمد لله ربّ العالمين ، وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين

إنّ حمد الواحد المتعال شفاء لصدور سكّان صوامع الملكوت ، الرب الذي صبغ وجود الأنبياء العظام بلطفه الخاص بهم بأرجوان البلاء

وإنّ جلاء عيون سدنة جوامع اللاهوت بنشر نعمه الواسعة العطاء ، جلّت آلائه ، الذي خاط خياط عنايته الخاصّة حلّة المصائب والعزاء على قامة أوليائه الكرام ، ثمّ الاعتصام بحبل الولاية المتين والاستمساك بعروة ولايتهم الوثقى ، التي جعلها الله راية النجاة وسلّم ارتقاء الدرجات

وجعل لتوجّه القلوب النقيّة إلى عتباتهم المقدّسة من قريب أو بعيد ، وهذا هو حقيقة الزيارة التي هي بمثابة الدرياق للديغ المعاصي

ومن هذه الجهة وهب سيّد الكائنات ، وصفوة الموجودات وسيّد الأنبياء وخلاصة الأصفياء محمّد المصطفى وآله الكرام درجة خاصّة ، وخصّ من الذرّيّة الدرّيّة والعترة الفاطميّة طليعة الشهداء وإمام السعداء ، شمع محافل أصحاب المحبّة ، وسيّد شباب أهل الجنّة الحسين بن عليّعليهما‌السلام بمزيد الاختصاص حيث جعل الالتجاء إلى حضرته لذوي الحاجات الأكسير الأعظم ، لا سيّما زيارة عاشوراء من بينها فقد جعلها واسطة الفوز والرشاد ، وبمنزلة الحجر المكرّم


ثمّ جواهر الصلوات الزاكيات المنظومة ، ولئالي التحيّات الناميات المنثورة على تلكم الأرواح المطهّرة وعلى تلك الدرّة السماويّة المضيئة ، صاحب المقام المحمود ، وشافع يوم الموعود ، عظيم العظماء ، وخاتم الأنبياء وآله الأطهار وعترته الأبرار ، جنود الله في موضع الفداء والتضحية على الأولياء كافّة لا سيّما فاتحة كتاب الإمامة والهداية ، وخاتمة أبواب الوصاية والهداية الذي نال الخلافة بحقّ بل صار نفس الرسول المقدّسة بصدق ؛ أمير المؤمنين وإمام المتقين ، وخليفة ربّ العالمين ، وحجّة الله على أهل السماوات والأرضين صلّى الله عليهم وعلى من انتسب إليهم ولعنة الله على من غصب حقّه وجحد ما استحقّه وناصبه وآله بالعداوة ، أولئك طبع الله على قلوبهم وعلى أبصارهم غشاوة ، ما تلي باللسان زيارة أو قُرء على الآذان بشارة

وبعد : فيقول غارس رجله بالرمل ، المقيّد بسلاسل العلائق ، والمصفّد بفخوخ الأماني والعوائق ، الهائم في بيداء الجهل ، أبو الفضل ابن العلم المحقّق الطهراني حوسبا حساباً يسيراً ، وأُوتيا في النشأتين خيراً كثيراً لألواح الأرواح الصافية ، وصفائح الألباب الزاكية :

لمّا تشرّفت عام ستّة بعد الثلاثمائة والألف الهجريّة بزيارة بيت الله الحرام ، ونلت الفيض الربّانيّ هناك ، طلب منّي بعض الأخلّاء الروحانيّين ، وإخوان الإيمان أنا ـ القليل البضاعة ـ الكثير الإضاعة ، أذاقه الله حلاوة مناجاته ، وجعل النجح في الدارين مقروناً بحاجاته ـ أن أشرح زيارة عاشوراء ، وأُفسّر فقراتها ، فقرة بعد فقرة ببيان شاف وحديث كاف ، ليستفيد منه أبناء الفارسيّة وينالوا نصيبهم بمطالعته ، ويحظى بمراجعته العلماء بشوق ورغبة ، فاعتذرت ـ أنا القاصر ـ بقصور الباع ، وقلّة الاطّلاع ، وضعف الحال ، وترادف الأشغال ، وضيق المجال

وكلّما بالغ الإخوان في الطلب ، وكثر الإلحاح منهم عليّ والإصرار لديّ ، لم ألن


في الإجابة لعلمي بمقدار بضاعتي ، ولم أستقبلهم بالإيجاب ، وما زلت على هذا المنوال ، متباعداً على بليّة الرغبة وإجابة السؤال ، حتّى أتممنا مناسك الحجّ وعاد الحجيج إلى الأوطان ، ولمّا رجع « العبد لله » إلى مقرّه المألوف ، وهي الأرض المقدّسة والبقعة المباركة ، مقرّ سلطان الولاية ، ودار الغيبة ، مركز دائرة الهداية « عجّل الله تعالى فرجه » سامرّاء ، وقد نلت الشرف بجواره ، وما زال البريد يحمل إليّ الرسالة تلو الرسالة ، من خلّان اليقين ، وإخوان الدين ، تحثّني على إجابة الرجاء المطلوب ، ولم يبدر منّي سوى الردّ والزماع ، والصدّ والامتناع

إلى أن هلّت غرّة جمادى الأُولى من عام ١٣٠٨ ، عزم جناب محامد العضاب ، معالي الانتساب ، عمدة الأجلّاء الأنجاب ، وزبدة الأخلّاء الأحباب ، الحاج السيّد كاظم الصرّاف الطهراني دام توفيقه على تكرار الزيارة لبيت الله الحرام ، ولكنّه بدأ بتقبيل أعتاب فلك أئمّة سرّ من رأىعليهم‌السلام ، ففاز بدلك المقام ، ونال هذا المرام ، فألحف في السؤال ، وألحّ على حصول المقصود ، واستعان بصفوة البشر ، عيوق الرتبة والشأن ، حامي حمى المسلمين ، كنز الراجين ، وكهف المحتاجين ، طغراء صحائف الفقه والرياسة ، ومفترع رأس قائمة الكياسة والسياسة ، مجمع بحري السيادة والسعادة ، ومشرق شمس الإضافة والإفادة ، آية الله في العالمين ، وارث علوم الأنبياء والمرسلين ، أُستاذ العلماء والمجتهدين ، مربّي الفضلاء والمحصّلين ، شمس الإسلام والمسلمين ، سيّد الفقهاء والمجتهدين ، ذخر الحكماء والمتكلّمين ، خاتمة الزعماء ، قادمة الرؤساء ، غوث الملّة ، عماد الشريعة ، ركن الشيعة ، مستجار الأمّة ، محيي السنّة ، مميت البدعة ، مفني الأموال(١) ، معيد الآمال ، باب الأحكام ، علم الأعلام ، خليفة الإمام في رعيّته ، ووصيّ آدم في ذرّيّته ، مفتي الفرق ، مرتضى الأُمم ، سيّد الطائفة ، محقّق الوقت ،

_________________

(١) يعني بذلك أنّه كان ينفق ما لديه من الأموال ( هامش الأصل )


شيخ العصر ، علّامة الزمان ، مفيد الدهر ، مرآة السلف ، مشكاة الخلف ، عدّة الفرقة الناجية ، ناصر العترة الزاكية ، وهو الذي :

أتته الرياسة منقادة

إليه تجرّر أذيالها

ولم تك تصلح إلّا له

ولم يكن يصلح إلّا لها

المنعقد على أفضليّته الخناصر ، والمعترف بأعلميّته كلّ معاصر ، مولانا الأجلّ ، وكهفنا الأظلّ ، المنتهى إليه في عصرنا رياسة الإماميّه في العلم والعمل ، ذوالمناقب ، أبو المفاخر ، فلك المكرمات ، شمس المعالي ، سيّدنا الطاهر المعظّم ، وأُستاذنا البارع المقدّم « الحاج ميرزا محمّد حسين الحسيني » ؛ عترةً ونجاراً ، الشيرازيّ مولداً وداراً ، العسكريّ هجرة وجواراً ، المدعوّ في لسان الخاص والعامّ بحجّة الإسلام ، مجدّد مذهب سيّد البشر على رأس المائة الثالثة عشر لمؤلّفه :

علامة ملأ ثوبيه وليس له

من قبله أوّل أو بعده ثاني

زرت مطارفه والمجد حلّيتها

على كمال بدى في زيّ إنسان

من علمه يستمدّ المشتري شرفاً

فلا يقاس به يوماً بميزان(١)

لا زالت ألوية الإسلام بعلومه منشورة ، ولا برحت جنود العلم بإفادته منصورة :

من قال آمين أبقى الله مهجته

فإنّ هذا دعاءٌ يشمل البشرا

ومجمل القول أنّ الحاجّ المشار إليه لمّا بلغ زاوية بساط القرب الذي هو موضع سجود الصلحاء والزاهدين ، ومقبل الفضلاء الراشدين ، ونال فيض الوصول ، أسرع بطلب المأمول حتّى بلغ درجة القبول ولمّا تشرّفت بزيارته ، وبلغت محضر إفادته جرى الحديث بيننا حول الطلب المشار إليه ، فتمسّك الداعي بعذره من قلّة المؤونة وكثرة الأشغال النظريّة ، والبعد عن عالم التتبّع الذي

_________________

(١) ديوان المؤلّف : ٣٤٥


لا بدّ منه لإنجاح عمل كهذا ، ومحاولة التدقيق والنظر والتأمّل التي(١) هي واجب أهل الدعوة ، وبسطتُ هذا العذر بين يديه ؛ فلم يستمع إليه ، وأصدر أمره على نهج « الميسور لا يسقط بالمعسور » شريطة أن لا ينافي هذا العمل سائر الواجبات ، ولا يعارض بقيّة الأعمال والوظائف ، وينبغي أن يكون الشرح على نحو الاختصار ؛ ليرغب فيه عامّة الناس من كلّ طبقة ، وينتفع بتأمّل أبوابه وفصوله كلّ صنف ؛ ونظراً لما قاله الحكماء « المأمور معذور » ، وكان القول السائد « الميسور لا يسقط بالمعسور » من المقرّرات العقليّة والشرعيّة ، واستمدّ هذا القليل البضاعة من يمن توجّهات هذا الأُستاذ الكبير ، ومحاسن عناية هذا العلّامة الشهير الذي كانت قطب رحى الإماميّة إفاداته ، ومطاف أكابر فقهاء العصر تحقيقاته ، أدام الله ظلّه ، ولا أعدمنا فضله

ولمّا عُدت من زيارة المشهدين المقدّسين ، في سلخ شهر رمضان المبارك من السنة المذكورة ، نصبت شباك الهمّة لاصطياد وحش الفرصة ، فكانت تواتيني الفرصة بين الحين والحين ، عند أوقات الراحة وأزمنة الفراغ من البحث والنظر ، فأصرف هذا الفصل من العمر لتلكم الغاية

فابتدأت بالأهمّ وهو الباب الثاني فقدّمته ، ووجّهت القلب إليه ، واتّخذته نصب عين الهمّة إلى أن بلغت ختام الباب المذكور ، في التاريخ المسطور ، مع ندرة الكتاب وقلّة الأسباب ، لا سيّما في سامرّاء التي فقدت فيها روح الإعانة ، من حيث القلّة في العُدّة والعدد ، وسدّت أبواب الاستعارة .

في المحرّم العشر الأواخر منه شرعت في شرح الباب الأوّل من الكتاب ، على أنّ ذلك كان في أثناء المدارسة والمناظرة فانتهزت الفرصة حتّى أكملت الباب في غرّة صفر ببركة ساداتنا الأئمّة وفضل الإمداد العلوي

_________________

(١) « التي » تابع للفظ « محاولة » ( المترجم )


ولم تقع يدي أو تسمع أُذني على شرح متقدّم ، أو تعليقة سابقة بخصوص المورد لكي أستعين بمراجعتها وأقتدي بخطوطها على بلوغ الغاية ، وبفضل الله عزّ وجلّ ومنّه لم أخرج من أقسام التأليف السبعة ، التي لا ينبغي لكلّ عاقل أريب أو فاضل لبيب أن يصنّف خارج دائرتها وبعيداً عن مدارها ، وأنا أذكر هذه الأقسام من أجل تنبيه الناظرين وتذكرة المعاصرين

قال ابن حزم الظاهري في الرسالة الأندلسيّة ؛ وهي من ألطف الرسائل المصنوعة في هذا الباب ، وقد اقتفى أثره في هذه الأقوال جلّ الفضلاء والحكماء ، واتّخذوها قاعدة تبانوا عليها ، فقالوا : لا ينبغي للعاقل إذا عزم على الكتابة والتأليف أن يتجاوز هذه البنود السبعة :

الأوّل : أن يبتدع ويبتكر ما لم يسبق إليه

الثاني : أن يتمّ عملاً أو كتاباً ناقصاً ويكمل ذلك النقص منه

الثالث : أن يعمد إلى إشكال مغلق فيحلّ رموزه ويوضح إشكاله ويفتح مغلقه

الرابع : أن يختصر كتاباً مطوّلاً اختصاراً مفيداً غير مخلّ بحيث لا يتجاوز على أصله فيشوّه معالمه ويمسخ قواعده

الخامس : أن يعمد إلى مسائل في موضوعٍ مّا متشتّة هنا وهناك ، فيجمع شتاتها ويؤلّف أبعاضها ويجمع شواردها ويلمّ أوابدها ، ويحسن تصنيفها بحيث يسهل على المستفيد تناولها من أقرب وجه وأحسنه

السادس : أن يعمد إلى مسائل في باب من أبواب العلم أو موضوع من مواضيعه متشتّة الأجزاء متباعدة الأبعاض فيعمد إلى جمعها وتأليفها ، تحت سماع واحد ، فيضع السنخ إلى سنخه ، ويضمّ الصنف إلى صنفه ، والشقيق إلى شقيقه ، والشبيه إلى شبيهه ، فتتألّف بهذا الجمّ والتنظيم والتنضيد عائلة العلم ، ويجتمع شملها ، ويتلاقى شتاتها

السابع : أن يعمد إلى مسألة في العلم أخطأ فيها مؤلّف قبله ، فيصلح خطأها


ويقوم أوده ويهذّبها ويبعد عن ساحتها عرض المؤلّف الخاطئ وانحرافه ، ويزكّيها كما هي على الحقيقة

وسائر المؤلّفات التي تضرب على غير هذه الأوتار السبعة مثل جلّ المؤلّفات ، ليست أهلاً لعناية الفحول ولا تليق بمراجعة أرباب الألباب والعقول

قالوا : وينبغي لكلّ مؤلّف كتاب في فنّ قد سبق إليه ألّا يخلو كتابه من خمس فوائد :

١ ـ استنباط شيء كان معضلاً

٢ ـ أو جمعه إن كان متفرّقاً

٣ ـ أن شرحه إن كان غامضاً

٤ ـ أو حسن نظم وتأليف

٥ ـ أو إسقاط حشو وتطويل

قلت : وهذه الفوائد عند التحقيق قائمة بالأقسام السبعة(١) فليحافظ عليها أشدّ المحافظة فإنّها من أهمّ الأُمور وأصعبها

وقد سمّيت هذا الكتاب بـ :

« شفاء الصدور في شرح زيارة العاشور »

والآن إذا وقع هذا العمل موقع القبول عند الكبار والعظماء بلغت الأفلاك ارتفاعاً ، وأضع قدميّ على المشتري سعادة ، وبالطبع هذه الكرامة هي من ميامن التوجّهات والبركات القدسيّة لحضرة المستطاب الأجلّ السيّد الأُستاذ ضاعف الله قدره كما نشر بالخير في الآفاق ذكره « لأنّ من زنده قدحي وإيراثي »

بلبل از فيض گل آموخت سخن

ورنه نبود اين همه قول وغزل بقيه در منقارش

تلقّت من الورد البلابل لحنها

فلم يك في منقارها ذلك اللحن

_________________

(١) سبقت الإشارة إليها عن ابن حزم ( المترجم )


وإذا لم يسعف الحظّ فلم يقع موقع القبول ، ولم ينل المأمول فمردّ ذلك إلى قصور الباع وهبوط نجم هذا الشقيّ ذي البضاعة المزجاة ، ولكنّي أقول برجاء الواثق للعلماء الذين يسرحون الطرف في هذه الصحيفة أن يميطوا لثام المعاصرة من البين ويعتبروا هذا الفقير المحتاج من القدماء لا المعاصرين ، ويردّدوا الشعر الذي نظمه أبو تمام وجعله صاحب السرائر في ديباجة كتابه ، وهو قوله :

õ الفضل للشعر لا للعصر والدار õ

وأن لا يجعلوا القدم والمعاصرة مقياساً للتفوّق وميزاناً لتمييز الحقّ عن الباطل ، والحالي عن العاطل ، وأن يضعوا هذه النكتة نصب أعينهم وهو أنّ التقدّم والتأخّر أمران اعتباريّان ينتزعان من انتساب أجزاء الزمان وفي الحقيقة لا يقدّم هذا الاعتبار شيئاً ولا يؤخّر ، ولا يزيد ولا ينقص ؛ لأنّ المعاصر لا بدّ من تقدّمه على طبقة تأتي بعده ، والمتقدّم كان معاصراً لطبقة وجدت معه ، كما قال الشاعر :

قل لمن لا يرى المعاصر شيئاً

ويرى للأوائل التقديما

إنّ هذا القديم كان حديثاً

وسيبقى هذا الحديث قديما

وما أحسن ما قال أبوالعبّاس المبرّد في الكامل : ليس لقدم العهد يقدّم المخطئ ، ولا لحدثانه يهضم المصيب ، ولكن يعطى كلّ ما يستحقّ وقد نظمته بقولي :

وليس لسبق العهد يفضل قائل

ولا لحدوث من يهضم آخر

ولكن ليعط الكلّ ما يستحقّه

سواء قديم منهم ومعاصر(١)

_________________

(١) وفي الديوان ص ١٨٥ هكذا : « ولا لحدوث يحرم الفضل آخر » وبعده :

بل الكلّ يُعطى كلّ ما يستحقّه

سواء قديم منهم ومعاصر

( هامش الأصل )


وتمثّل السيّد الأجلّ ذوالمجدين المرتضى رضي الله عنه بل وسلام الله عليه في كتابه « الشهاب » بهذا السطر :

õ السبق بالإحسان لا الأزمان õ

ومن العجائب أنّ أهل كلّ زمان يشكون من هذه الظاهرة المفرّقة ، ولهم هذا الرجاء أن يكون في عداد القدماء إذا انقضى الزمان ، وابتلي المعاصرون بها

والغرض من هذا التطويل المملّ هو حمل الناظرين في هذا الكتاب على النظر في العيوب الواقعيّة والنقائص الحقيقيّة والابتعاد عن اختراع النقود والنقائض ، بحكم اتحاد العصر ووجود المعاصر ، وقصور المصنّف عن اللحوق بركب القدماء « فإنّ الإنصاف خير شيم الأشراف » ، وقال عليّعليه‌السلام : « أُنظر إلى ما قال ولا تنظر إلى من قال »(١) مضافاً إلى ذكر الأعذار التي سلفت وأنّي ذكرتها على سبيل الحقيقة والواقع لا استناناً بسنّة الكتاب والمصنّفين وعادة المؤلّفين الذين درجوا على ذكر شواغلهم واختلال أحوالهم في ديباجة كتبهم جرياً على سنن التأليف عندهم ، وإنّما ذكرتها لتكون باعثاً للمطالعين على رفع عيوبه ، ودفع نواقصه ، لينالوا المثوبة من الواحد الأحد ، وهو المستعان المنّان

ويشتمل هذا الكتاب على بابين وخاتمة :

الباب الأوّل : في شرح سند رواية زيارة عاشوراء ومتنها

الباب الثاني : في ترجمة ألفاظ الزيارة الشريفة

الخاتمة : في ترجمة وبيان مشكلات الدعاء المعروف بـ « دعاء علقمة »

ونسأل الله أن يوفّقنا وجميع المخلصين للحقّ

_________________

(١) من الأمثال المرويّة عنهعليه‌السلام في غرر الحكم ص ١٧٤ حرف الخاء وبلفظ آخر : « لا تنظر إلى من قال وانظر إلى ما قال » شرح ابن ميثم على المائة كلمة ، الكلمة العاشرة ص ٦٨ ، وغرر الحكم ص ٢٣٢ ، وقد روي بلفظين آخرين هما : « لا تنظر إلى من قال وانظر إلى ما قيل » ( امثال وحكم دهخدا ٣ : ١٣٤٣ ) « أُنظر إلى ما قيل ولا تنظر إلى ما قال » ( امثال وحكم دهخدا ١ : ٣٠٤ ) ( هامش الأصل )


الباب الأوّل
في شرح سند الزيارة الشريفة ومتنها

وهذه الزيارة كما هو المعروف في كتب الإماميّة ضاعف الله أقدارها ، وأحد مصادرها « المصباح » ، والثاني « كامل الزيارة » ونحن أوّلاً نرويها من طريق الشيخقدس‌سره ثمّ نعمد إلى ذكر مواضع الفرق والاختلاف بين الروايتين بإشارات وافية

ولي طرق كثيرة لهذا المتن تصلني بهذه الكتب ولكنّ ذكرها بأجمعها ينافي أسلوب هذا الشرح كما أنّ ترك السند من رأس أو تعليقه والاقتصار علی المتن مجرّداً عنه يباين واجب المؤمن في الأمانة بنقل الحديث ، من ثَمّ نكتفي بطريق واحد وهو أحبّها إليّ وأعزّها عَلَيّ ، وبهذا الطريق عينه نروي جميع الروايات الشيعيّة المذكورة في هذا الكتاب ، بل إنّ هذا الطريق واسطتي أيضاً إلى جُلّ كتب أهل السنّة سوى كتب معدودة من المتأخّرين ، وإنّما يحتاج إلى كمال السلسلة من حيث انشعابها في الأواسط حتّى تصل بهم إلى المصدر على التفصيل المذكور في كتب الإجازات المبسوطة فأقول مستمدّاً من آل الرسول(١) :

١ ـ حدّثني بالإجازة العامّة الصحيحة بجميع ما حقّت روايته وصحّت له إجازته الشيخ الفقيه السعيد ، الموفّق الثقة الثبت ، الرحّالة علّامة عصره وواحد

_________________

(١) جاء في المتن باللغة العربيّة فلم يحتج إلى ترجمة المترجم


دهره ، الرئيس المقدّم ، والمطاع المعظّم ، الجامع بين الفقه والزهادة ، والمؤلِّف بين العلم والعبادة« الشيخ محمّد حسين بن هاشم الكاظمي » أصلاً ، والغروي مسكناً ومزاراً ، روّح الله رمسه ، وقدّس نفسه ، عصر الأربعاء الثاني والعشرين من رجب الأصب سنة ١٣٠٥ في الدار التي نزلت فيها بالمشهد المقدّس الغروي على مُشرِّفه السلام

٢ ـ عن الشيخ الإمام ، معلِّم علماء الإسلام ، المُستسقى بوجهه الغمام ، المفضّل مداده على دماء الشهداء ، والمتبرّك بوطئ أقدامه أجنحة ملائكة السماء ، أُنموذج الأنبياء والمرسلين ، علّامة الأوصياء الغرّ الميامين ، حجّة الفرقة ، خير الأُمّة ، واحد الأعصار ، نادرة الفلك ، بكر المشتري ، أُسطوانة الأساطين ، وينبوع العلم والفقه واليقين ، من العلوم البحثيّة قسطاسها المستقيم ، ومن المعارف الإلۤهيّة محدّثها العليم ، رئيس الشيعة في عصره إلى يومنا هذا غير مدافع ، والمنتهى إليه رئاسة الإماميّة علماً وعملاً في الدنيا غير منازع ، مالك أزمّة التحرير والتأسيس ، ومربّي أكابر أهل التصنيف والتدريس ، مليك سماء التدقيق ، والمستوي فوق عرش التحقيق ، أكمل الفقهاء والمتبحّرين ، أتقن المتقدّمين والمتأخّرين ، قولاً بالإطلاق وشهادة بالاستحقاق ، المنكب على فهم إشاراته أذهان المحقّقين ، والمفتخر بحلّ عويصاته أفكار المدقّقين ، غاية فخر الفقهاء تحصيل مقاصده ، ومنتهى سعي الفضلاء تفصيل فوائده

المضرب بزهده الأمثال ، والمضروب إلى علمه آباط الآبال ، والمضروب سرادق رياسته على جبهة عيّوق ، فذلك لا حرج في مدحه بكلّ ما يمدح به بعد الأئمّة مخلوق ، المجتمع فيه محاسن الخلال ما لم يتّفق من عنق الدهر لأحد من الرجال من عموم رياسة طبّقت وجه البسيط ، ووفور علوم غيّضت البحر المحيط ، إلى زهد في الدنيا وضيق في العيش لم يعهد من غير الوصيّين ، وحشو في العبادة


ومواظبة عليها لم يسمع إلّا من النبيّين ، المنادىٰ مشهور فضله في الآفاق ، بحيّ على العلم والصلاح والمهيعل ، مبسوط كفّه في الأقطار ، بحيّ على الجود والسماح ، والداعي موفور زهده في الأصقاع ، بحيّ على الفوز والفلاح ، فلذلك طأطأ عنده كلّ شريف ، ولاذ إلى ظلّه كلّ عالم عريف ، فعكفت الهمم على الاقتداء بآثاره ، واتفقت الأُمم على الاهتداء بأنواره ، فلا الألسن تستطيع أن توفّي حقّ ثنائه ، ولا الأقلام تطيق تؤدّي وظيفة واجب إطرائه

صاحب المقامات المحمودة ، والكرامات المشهودة ، والآيات الغير مجحودة ، خلاصة الماء والطين ، برهان الإسلام والمسلمين ، قيّم الشيعة ، عظيم ( زعيم ) الإماميّة ، أُستاذ الأُمم ، شيخ العرب والعجم ، بركة الوجود ، شبكة السعود ، بدر الساري ، والمصون شمس علومه عن التواري ، شيخنا الإمام الأعظم ، آية الله العظمى ، حجّة الباري« مرتضى بن محمّد أمين الجابري الأنصاري » (١) أهدى الله إليه طرائف السلام ، وألحقه بمواليه الأصفياء الكرام ، وحشرنا تحت لوائه يوم القيام ، ونفعنا الله ببركات علومه ، ووفّقنا لاتّباعه ، فلقد كان قدّس الله نفسه كما شهد له بعض الأعاظم ، عيانه أعظم من سماعه(٢)

٣ ـ عن الشيخ الفقيه ، المحقّق المدقّق ، الأوحد الأوثق ، جامع أشتات الفضائل العلميّة والعمليّة ، والآخذ بأطراف العلوم الذوقيّة والبحثيّة ، مؤسّس أساس

_________________

(١) أقول : أثقلرحمه‌الله السند بهذه العبارات الفخمة المتلاحقة التي أبرزت إعجابه بشيوخه ولكنّها من دون طائل ، وما أحسنها عبارة لو خلت من هذه المبالغات وجائت سهلة على اللسان ، خفيفة على الجنان ، وقد تكلّف فيها السجع الذي زادها ثقلاً

(٢) في الحديث : « كلّ شيء من أشياء الدنيا سماعه أعظم من عيانه ، وكلّ شيء من أشياء الآخرة عيانه أعظم من سماعه » ( منه )


الشريعة ومناهج أحكامها ، ومحرّر مستند الشيعة وعوايد أيّامها« الحاج ملّا أحمد
النراقي »
أحلّه الله رياض الأُنس ، وكساه ملابس القدس

٤ ـ عن سيّد الأُمّة ، وكاشف الغمّة ، مهذّب مقاصد المنطوق والمفهوم ، ومحيي ما درس لشريعة جدّهعليه‌السلام من الرسوم ، الملقّب بالاستحقاق بـ « بحر العلوم » ، آية الله وبرهانه الجلي ، والآخذ بأطراف الفخار العادي والمجد العدملي(١) ، عرابة رأيه التأسيس والتعليم ، وجهينة خبر التحقيق والنظر القويم ، ودعيمص رمل التدقيق والفكر السليم ، من الأدب روضته الغضّ ، ومن التفسير نجمه الذي لا ينقضّ ، ومن الحديث عينه الفيّاض ، ومن العرفان درعه الفضفاض

عماد الحكماء المتألّهين ، أُستاذ الفقهاء المتبحّرين ، إمام المحدّثين والمفسّرين ، شمس المعارف ، كنز الطرائف ، ينبوع الفضل التالد والطارف ، سراج العارفين ، صاحب الكرامات(٢) الباهرة ، والمعجزات القاهرة« السيّد محمّد مهدي
الطباطبائي »
ضاعف الله قدره ، وأعظم في الإسلام أجره

٥ ـ عن الشيخ الأعظم والإمام المقدّم ، شيخ علماء الشيعة في الأمصار ، ومرجع فقهاء الإسلام فيما لحقه من الأعصار ، أُستاد الكلّ ، ومفزعهم في الجلّ والمقل ، ناشر لواء الاستنباط الاجتهادي ، وناهج طريقة استفادة الأحكام عن المبادي ، محيي مدارس التحقيق بعد اندارسها ، ومعيد مشاهد العلم بعد انطماسها ، صاحب النفس القدسيّة ، والأخلاق الزكيّة ، والآداب النبويّة ، والكرامات الولويّة ، مجدّد مذهب سيّد البشر على رأس المائة الثانية عشر ، شيخ الفقه وحامل لوائه ، ومدير الحديث وكوكب سمائه

_________________

(١) المجد التليد

(٢) رأيت هذا للقب له بخطّ شيخنا صاحب الجواهر في إجازته للشيخ عيسى الزاهد ( منهرحمه‌الله )


بفوائده استقام قنا الإيمان ، وبتحقيقاته نفق سوق العلم والبنيان ، كفيل أيتام آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، بحسن تأسيسه ، والمتطوّل حتّى على المشتري بفضل تدريسه ، المعروف بالفريد ، الملقّب بالوحيد ، المدعوّ بـ « الآقا » ، المشهور بالأُستاذ الأكبر والمولى الأعظم ، باقر علوم الأئمّة ، وباب نجاة الأُمّة ، مولانا الأعظم« محمّد باقر
البهبهاني »
ابن الشيخ الأفضل الأكمل الأعلم الأورع الأزهد« محمّد أكمل
الأصفهاني »
قدّس الله سرّهما النوراني

٦ ـ عن أبيه

٧ ـ عن خاله غوّاص بحار الأنوار ، ومروّج آثار الأئمّة الأطهار ، وناشر علومهم في الأقطار والأمصار ، خاتم المحدّثين ، سادس المحمّدين ، عماد الفقها الراسخين ، علّامة العلماء الشامخين ، مجدّد المذهب على رأس المائة الحادية عشر ، المذكور بالفضل والحديث على ألسنة البدو والحضر ، مولانا« محمّد باقر » ابن الشيخ المدقّق الورع الصفي الزكي المقدّس في عالم النور ، العلّامة في عالم الظهور« محمّد تقي المجلسي » روّح الله روحهما ، وكثر بالسعادات فتوحهما

٨ ـ عن والده المشار إليه

٩ ـ عن شيخ الإسلام والمسلمين ، أكمل الحكماء والمتكلّمين ، أبرع الفقهاء والمتقنين ، أفضل الفقهاء والمحدّثين جامع دقايق العلوم وغرائبها ، وعارف حقائق الرسوم وعجائبها ، المكشوف عن بصره الغطاء ، والممدود المؤيّد من سلطان السماء ، ناصر طريقة العترة الطاهرة ، ومحدّد مذهبهم على رأس المائة العاشرة ، المخصوص بالاتفاق على فضله والاعتراف [ مع أنّ ـ ظ ] طبع الأنام على الخلاف ، وفضله في الناس مسألة بغير خلاف ، شيخنا الإمام« بهاء الملّة والدين
محمّد »
بن العالم العلّامة ، والفاضل الفهّامة ، صاحب النفس القدسيّة والملكة الملكوتيّة ، والأخلاق المرضيّة ، رأس المحقّقين في زمانه ، ورئيس المصنّفين


بحكم أقرانه ، شيخ الفقهاء والمحقّقين« حسين بن عبد الصمد العاملي » سقى الله ضريحهما مياه الرضوان ، وأحلّهما أعلى فراديس الجنان

١٠ ـ عن والده

١١ ـ عن الشيخ الإمام ، خاتم فقهاء الإسلام ، جامع العلوم والمعارف ، والفائز بالتالد والطارف ، المجاهد في سبيل الله بقلمه ، والباذل في نصرة الإسلام لدمه ، أفضل المحقّقين ، أكمل المتبحّرين ، لسان المتقدّمين ، ترجمان المتأخّرين ، شارح صدور المحدّثين ، وجامع شمل المجتهدين ، جمال الصالحين ، طراز العارفين ، مقياس الحكماء والمتكلّمين ، المتلوّة آياته على الألسنة ، والمشهورة كرماته مدى الأزمنة ، العالم الربّاني ، والهيكل الصمداني ، شيخنا الشهيد« زين الدين بن علي العاملي » (١) المشهور بالشهيد الثاني ، قدّس الله سرّه النوراني

١٢ ـ عن الشيخ الجليل ، الفاضل النبيل« أحمد بن محمّد بن خاتون العاملي »

١٣ ـ عن الإمام الأعظم ، والرئيس المعظّم ، والمطاع المقدَّم ، ناصر الملّة ، ناشر السنّة ، غيث الأُمّة ، تاج الشريعة ، فخر الشيعة ، ركن الطائفة ، مروّج المذهب ، أُستاذ العجم والعرب ، مدار التحقيق ، منار التدقيق ، مهذّب الفرع ، محرّر الأُصول ، المغترف من بحر فضله الأساطين والفحول ، الفائز بقداح السعادة ، والضارب بسهام الشهادة ، مولانا الأفضل ، وشيخنا الأعلم الأكمل ، البدر الشعشعاني« عليّ
بن عبد العالي الكركي »
المعروف بالمحقّق الثاني ، رفع الله قدره ، وشرّف في الملأ الأعلى ذكره

١٤ ـ عن الفقيه النبيه ، والعالم الوجيه ، والثقة السديد ، والمحدّث السعيد« علي
ابن هلال الجزائري »
قدّس الله سرّه ، وضاعف أجره

_________________

(١) رأيت بخطّه في مواضع كاتباً اسمه الشريف كذلك ، وبه يرتفع الخلاف في اسمه ( منهرحمه‌الله )


١٥ ـ عن قدوة الزاهدين ، وعدّة السالكين ، وعمدة الفقهاء الراشدين ، جمال العارفين ، حليّة المحدّثين ، كنز المحقّقين ، شيخنا« الملّا أحمد بن فهد الحلّي » أعزّ الله قدره العلي

١٦ ـ عن الشيخ الأجل الأفخم ، والفقيه الأكمل الأكرم« زين الدين عليّ بن
الخازن »
قدّس سرّه

١٧ ـ عن الشيخ الإمام ، برهان علماء الإسلام ، أُستاذ فقهاء الأنام ، حجّة فضلاء الأيّام ، بركة الشهور والأعوام ، رئيس المذهب والملّة ، ورئيس المحقّقين الأجلّة ، منهل ا لفقه الصافي ، ودرع التحقيق الصافي ، مسهّل سبيل الاجتهاد والنظر ، أفقه أهل البدو والحضر ، شمع جمع اليقين ، ومشعل طريق المتقين ، سراج الاهتداء ، منهاج الاقتداء ، درّة تاج أرباب الإيمان ، قرّة عين أصحاب الإيقان ، المشروح صدره بالعلم والعرفان ، والمنوّر قلبه بنور التحقيق والإتقان ، الجامع في معارج السعادة ، بين أقصى مدارج العلم ورتبة الشهادة ، صاحب الآيات الباهرة والكرامات الظاهرة ، شيخنا الأقدم الأفضل المعروف بالشهيد الأوّل« شمس الدين
محمّد بن مكّي »
قدّس الله سرّه الزكي

١٨ ـ عن الشيخ الإمام ، واحد علماء الإسلام ، ذخر الحكماء والمتكلّمين ، فخر الإسلام والمسلمين ، أُستاذ الفقهاء والمحدّثين ، ديباجة كتاب التحقيق ، مصحف النظر الدقيق ، ملك العلماء والمناظرين ، الإمام« فخر الدين أبي طالب محمّد » طيّب الله مضجعه ، وأحسن إليه مرجعه

١٩ ـ عن والده الشيخ الإمام ، والمولى الهمام ، علّامة المشارق والمغارب ، مرغم الكفرة والنواصب ، آية الله في العالمين ، وسيفه المسلول على رقاب المخالفين ، حائز علوم الأنبياء والمرسلين ، أفضل المتقدّمين والمتأخّرين ، خليفة الأئمّة المهديّين ، محيي ما درس من مراسم الدين ، المنتهي إليه رياسة الإماميّة في


الأعصار ، والخاضع دون سدّة علمه الفلك الدوّار ، شيخ المذهب ، رئيس الملّة ، محرّر القواعد ، مهذّب العقائد ، بحر العلوم ، مفتي الفرق ، محيي السنّة ، مميت البدعة ، شمس الأُمّة ، كشف الغمّة ، كعبة الفقهاء ، مشعر العلماء ، مطاف الحمكاء ، ركن المتكلّمين ، قبلة المحدّثين ، مرجع الأفاضل أجمعين ، ما من عالم في الأرض من الشيعة من عصره إلى يومنا هذا إلّا واقتبس من مشكاته ، واستفاده من تحقيقاته ، بل هي العُدّة لكلّ محقّق ، وإليها اللجاء من كلّ مدقّق ، العلم المنصوب ، والعلم المصبوب ، المسعود بالنفس الملكوتيّة ، والمنصور بالآيات الجليّة ، المؤيّد من السماء ، المشهور بأكرم الأسماء ، الملقّب بالعلّامة ، المشتهر بآية الله ، مولانا الأعظم ، وإمامنا المعظّم ، أبي منصور ، جمال الدين« حسن بن يوسف الحلّي » حشرنا الله تحت لوائه ، ووفّقنا للمسير بضيائه

٢٠ ـ عن الشيخ الإمام الأعظم ، والهمام المقدَّم المفخّم ، مؤسّس الفقه والأُصول ، ومحرّر المعقول والمنقول ، شيخ الطائفة بغير جاحد ، وواحد هذه الفرقة وأيّ واحد ، الذي بكلّ لسان القلم عن تعداد فضائله ومقاماته ، مع أنّ جميع ما سمعت من مناقب من ذكرناه بعض كراماته ، الإمام السعيد أبي القاسم نجم الدين« جعفر بن سعيد الحلّي » المشهور بالمحقّق الأوّل ، تفضّل الله علينا بالانتفاع بعلومه

٢١ ـ عن السيّد الحسيب الأصيل ، والفقيه المحدّث النبيل ، والنسّابة الأديب الجليل« فخار بن معد الموسوي » نوّر الله ضريحه ، وأحسن في رياض الخلد شريحه

٢٢ ـ عن العالم العامل ، والمحدّث الكامل ، الفاضل الوجيه ، والفقيه النبيه« شاذان بن جبرائيل القمّي » حشره الله مع النبيّ الأُمّي


٢٣ ـ عن الشيخ الأجلّ الأقدم الثقة الفقيه الأكرم« عماد الدين محمّد بن
أبي القاسم الطبري »
رفع الله مقامه ، وزاد في الخلد إكرامه

٢٤ ـ عن الشيخ الإمام ، غرّة فضلاء الأنام ، شمس علماء الإسلام ، قطب رحى الفضائل ، بدر سماء الأفاضل ، منار الشيعة ، مدار الشريعة ، علّامة الآفاق ، واحد الأزمان ، معلّم الفرق ، مدرّس العلوم ، شيخنا الأقدم« أبي عليّ الحسن » بن الشيخ المعروف بالمفيد الثاني ، أمدّه الله بالفيض السبحاني

٢٥ ـ عن والده الشيخ الإمام ، مدار رحى الإيمان مدى الأيّام ، منقّح علوم الإسلام ، مشيّد مباني الفقه والأُصول والحديث والكلام ، محرّر العقائد السمعيّة ، مهذّب القواعد الفقهيّة ، مرصّص أركان الملّة المحمديّة ، مؤسّس أُصول الطريقة الجعفريّة ، فاتح أبواب التحقيق ، وممهّد سبل التحصيل والتدقيق ، محصّل مذهب الشيعة في الأُصول والفروع ، وجامع مختلف الأخبار في المقروع والمسموع ، كافل أيتام آل محمّدعليهم‌السلام ، والأب الروحاني لكافّة العلماء الأعلام ، معلّم الفضلاء المحقّقين بل إمامهم ، ومربّي الفقهاء المحصّلين بل ملكهم وهمامهم

أمير جيوش التأليف والتصنيف ، والملقي إلى أقلامه أزمّة الدين الحنيف ، بكتبه استفادت الإماميّة إلى يومنا هذا على كثرة فضلائها ، ولرياسته أذعنت على وفور رؤسائها ، فهو معلّمهم الذي لا يعلم ، ومقدّمهم الذي لا يقدّم عليه أحد وإن تقدّم ، حتّى لقّبوه عن آخرهم بشيخ الطائفة ورئيس المذهب ، وليس لأحد غيره ، كائناً من كان أن يدّعي بمثله ، ويلقّب بل غايته التقيّد بالأعصار ، أو التخصيص ببعض الأمصار ، أمّا الإطلاق فهو مالك زمامه ، والمعتقد فوق غاربه وسنامه ، إليه فزع عظمائها ، ومنه أخذ علمائها

واحد نوع الإنسان ، وحامل عرش العلم والإيمان ، والمشار إليه في جميع القنوع بالبنان ، أُستاذ العالمين في العالم ، وشيخ فقهاء بني آدم ، خير الأُمّة وإمامها


بعد الأئمّة ، شيخنا الأقدم وإمامنا الأعظم« أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي » قدّس الله سرّه القدّوسي ، وشكر الله في الإسلام مساعيه الجميلة ، كما نشر على ألسنة أهل الإيمان مدائحه الجليلة ، إنّه قدّس الله نفسه ، وطهّر رمسه قال في المصباح ما لفظه :

شرح زيارة أبي عبد اللهعليه‌السلام في يوم عاشوراء ، من قرب أو بُعد : روى محمّد بن إسماعيل بن بزيع ، عن صالح بن عقبة ، عن أبيه ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال :

من زار الحسين بن عليّعليه‌السلام في يوم عاشوراء من المحرّم حتّى يظلّ عنده باكياً ، لقي الله عزّ وجلّ يوم يلقاه بثواب ألفي حِجّة(١) وألفي عمرة ، وألفي غزوة(٢) ، وثواب كلّ غزوة وحِجّة وعمرة كثواب من حجّ واعتمر وغزى مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمّة الراشدين عليهم السلام(٣)

قال : قلت : جعلت فداك ، فما لمن كان في بعيد البلاد وأقاصيه(٤) ، ولم يمكنه المصير إليه في ذلك اليوم ؟

قال : إذا كان كذلك برز إلى الصحراء أو صعد سطحاً مرتفعاً في داره وأومأ إليه بالسلام واجتهد في الدعاء على قاتله ، وصلّى من بُعد ركعتين ، وليكن ذلك(٥) في صدر النهار قبل أن تزول الشمس(٦) ، ثمّ ليندب الحسينعليه‌السلام وليبكيه ، ويأمر من في

_________________

(١) حجّة بكسر الحاء للمرّة مع أنّ قياسها الفتح على خلاف القياس كما صرّحوا به ، فافهم ( منه )

(٢) ألفي ألف حجّة ، وألفي ألف عمرة ، وألفي ألف غزوة ( كامل الزيارة )

(٣) صلوات الله عليهم ( كامل الزيارة )

(٤) الضمير للبعيد لكن لا إشكال في نسخة كامل الزيارة فإنّ فيه : « وأقاصيها » وفيه أيضاً بعد البلاد في نسخة ( منهرحمه‌الله )

(٥) واجتهد على قاتله بالدعاء ، وصلّى ركعتين ، وليفعل ذلك ( كامل الزيارة )

(٦) قبل الزوال ( كامل الزيارة )


داره ممّن لا يتّقيه(١) بالبكاء عليهعليه‌السلام ، ويقيم في داره المصيبة(٢) بإظهار الجزع ، وليعزّ بعضهم بعضاً بمصابهم بالحسينعليه‌السلام ، وأنا الضامن(٣) إذا فعلوا ذلك على الله عزّ وجلّ جميع ذلك

قلت : جعلت فداك ، أنت الضامن ذلك لهم والزعيم(٤) ؟

قال : أنا الضامن(٥) ، وأنا الزعيم لمن فعل ذلك

قلت(٦) : فكيف يعزّي بعضنا بعضاً(٧) ؟

قال : تقولون : « أعظم الله(٨) أُجورنا بمصابنا بالحسين عليه السلام وجعلنا وإيّاكم من الطالبين بثأره مع وليّه الإمام المهدي من آل محمّد صلّی الله عليه وآله » وإن استطعت(٩) أن لا تنشر يومك في حاجة فافعل ؛ فإنّه يوم نحسن لا تقضى فيه

_________________

(١) ويأمر من في داره لا يتّقين ( خ ل )

(٢) مصيبه ( كامل الزيارة )

(٣) فأنا ضامن لهم ( كامل الزيارة )

(٤) والزعيم به ( كامل الزيارة )

(٥) الضامن لهم ( كامل الزيارة )

(٦) قال : قلت ( كامل الزيارة )

(٧) بعضنا بعضهم ( كامل الزيارة )

(٨) عظّم الله ( كامل الزيارة )

نسخ المصباح والبحار وغيره ممّا نقل عنه فيما رأيت ، وكثير من كتب الأدعية كـ « خلاصة الأذكار » و « جمال الصالحين » و « منهاج الفلاح » وغير ذلك من الكتب المعتبرة « أعظم » بصيغة باب الإفعال ، وكان اشتهار « عظّم » بصيغة باب التفعيل متابعه لزاد المعاد وهو عن الكامل ، والأوّل موافق لاستعمال القرآن في قوله تعالى :( وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا ) ( الطلاق : ٥ ) فلعلّ الأولى متابعة لفظه ولفظ رأس الحسينعليه‌السلام في قضيّة نزول الأنبياء عند رأس الحسين في الشام : « السلام على الولد الطيّب ، السلام على الخلق الطيّب ، أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك » ( راجع نور الأبصار ، ط مصر ، رواية سليمان الأعمش )

(٩) قال : وإن ( كامل الزيارة )


حاجة مؤمن ، وإن قضيت لم يبارك له فيها ، ولم ير فيها رشداً ، ولا يدّخر أحدكم لمنزله فيه شيئاً(١) ؛ فمن ادّخر في ذلك اليوم(٢) لم يبارك له فيما ادّخر(٣) ، ولم يبارك له في أهله ، فإذا فعلوا ذلك(٤) كتب الله لهم(٥) أجر ثواب ألف حِجّة(٦) ، وألف عمرة ، وألف غزوة(٧) كلّها مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكان لهم أجر(٨) ثواب مصيبة كلّ نبيّ ورسول ووصيّ وصدّيق وشهيد مات أو قتل(٩) منذ خلق الله الدنيا إلى أن تقوم الساعة

قال صالح بن عقبة أو سيف بن عميرة : قال علقمة بن محمّد الحضرمي : قلت لأبي جعفرعليه‌السلام : علّمني دعاءاً أدعو به إذا لم أزره من قرب وأومأت من بُعد البلاد ومن داري بالتسليم عليه

قال : فقال لي : يا علقمة ، إذا أنت صلّيت الركعتين بعد أن تومئ إليه بالسلام فقل عند الإيماء من بعد التكبير(١٠) هذا القول فإنّك إذا قلت ذلك فقد دعوت

_________________

(١) ولا تدّخرنّ لمنزلك شيئاً ( كامل الزيارة )

(٢) فإنّه من ادّخر لمنزله شيئاً ( كامل الزيارة )

(٣) يدخر ( كامل الزيارة )

(٤) فمن فعل ( كامل الزيارة )

(٥) له ( كامل الزيارة )

(٦) كذا في النسخ فهو إمّا بالتنوين « وثواب ألف حجّة » بدل عنه فيكون من قبيل التفصيل بعد الإجمال ، أو بلا تنوين فيكون إضافته بيانيّة ( منهرحمه‌الله )

(٧) ألف ألف حجّة وألف ألف عمرة وألف ألف غزوة ( كامل الزيارة )

(٨) وكان له ثواب ( كامل الزيارة )

(٩) الظاهر رجوع الضمير إلى « الشهيد » فيكون قرينة على إرادة الأعم من التحقيق والتنزيل وهو من كتب له أجر الشهيد ويمكن على بُعد إرجاع الضمير إلى الصدّيق ( منه )

(١٠) بعد الإيماء والتكبير ( خ ـ منه )


بما يدعو به زوّاره من الملائكة ، وكتب الله لك(١) مأة ألف ألف درجة ، وكنت كمن(٢) استشهد مع الحسينعليه‌السلام حتّى تشاركهم في درجاتهم ثمّ لا تعرف إلّا في الشهداء الذين استشهدوا معه ، وكتب لك ثواب زيارة كلّ نبيّ وكلّ رسول(٣) وزيارة كلّ من زار الحسينعليه‌السلام منذ يوم قتل عليه السلام(٤) وعلى أهل بيته تقول :

السَّلامُ عَلَيْكَ يَا أَبا عبد الله ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا بن رَسُولِ اللهِ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يَا بْنَ أمير المؤمنين ، وَابْنَ سَيِّدِ الْوَصِيِّينَ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا بن فاطِمَةَ سَيِّدَةِ نِساءِ الْعالَمِينَ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يَا ثارَ اللهِ وَابْنَ ثارِهِ وَالْوِتْرَ الْمَوْتُورَ ، السَّلامُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ الْأَرْواحِ الَّتِي حَلَّتْ بِفِنائِكَ ، عَلَيْكُمْ مِنِّي جَمِيعاً سَلامُ اللهِ أَبَداً مَا بَقِيتُ وَبَقِيَ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ ، يَا أَبا عبد الله لَقَدْ عَظُمَتِ الرَّزِيَّةُ وَجَلَّتْ الْمُصِيبَةُ بِكَ عَلَيْنا وَعَلَىٰ جَمِيعِ أَهْلِ الْإِسْلامِ ، فَلَعَنَ اللهُ أُمَّةً أَسَّسَتْ أَسَاسَ الظُّلْمِ وَالْجَوْرِ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ، وَلَعَنَ اللهُ أُمَّةً دَفَعَتْكُمْ عَنْ مَقامِكُمْ وَأَزالَتْكُمْ عَنْ مَراتِبِكُمُ الَّتِي رَتَّبَكُمُ اللهُ فِيها ، وَلَعَنَ اللهُ أُمَّةً قَتَلَتْكُمْ ، وَلَعَنَ اللهُ الْمُمَهِّدِينَ لَهُمْ بِالتَّمْكِينِ مِنْ قِتالِكُمْ ، بَرِئْتُ إِلَىٰ اللهِ وَإِلَيْكُمْ مِنْهُمْ وَمِنْ أَشْياعِهِمْ وَأَتْباعِهِمْ وَأَوْلِيائِهِمْ ، يَا أَبا عبد الله إِنِّي سِلْمٌ لِمَنْ سالَمَكُمْ ، وَحَرْبٌ لِمَنْ حارَبَكُمْ إِلىٰ يَوْمِ الْقِيامَةِ ، وَلَعَنَ اللهُ آلَ زِيادٍ وَآلَ مَرْوانَ ، وَلَعَنَ اللهُ بَنِي أُمَيَّةَ قاطِبَةً ، وَلَعَنَ اللهُ ابْنَ مَرْجانَةَ ، وَلَعَنَ اللهُ عُمَرَ بْنَ سَعْدٍ ، وَلَعَنَ اللهُ شِمْراً ، وَلَعَنَ اللهُ أُمَّةً أَسْرَجَتْ وَأَلْجَمَتْ وَتَنَقَّبَتْ لِقِتالِكَ ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي لَقَدْ عَظُمَ مُصابِي

_________________

(١) لها ( كامل الزيارة )

(٢) ممّن ( كامل الزيارة )

(٣) ورسول ( كامل الزيارة )

(٤) صلوات الله عليه ( كامل الزيارة )


بِكَ ، فَأَسْأَلُ اللهَ الَّذِي أَكْرَمَ مَقامَكَ ( مقٰامِي ) ، وَأَكْرَمَنِي بِكَ ، أَنْ يَرْزُقَنِي طَلَبَ ثارِكَ مَعَ إِمامٍ مَنْصُورٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ اللّٰهُمَّ اجْعَلْنِي عِنْدَكَ وَجِيهاً بِالْحُسَيْنِ عَلَيْهِ السَّلام فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ ، يَا أَبا عَبْدِ اللهِ إِنِّي أَتَقَرَّبُ إِلَى اللهِ وَإِلىٰ رَسُولِهِ وَإِلىٰ أمير المؤمنين وَإِلىٰ فاطِمَةَ وَإِلَى الْحَسَنِ وَإِلَيْكَ بِمُوَالاتِكَ وَبِالْبَراءَةِ مِمَّنْ قَاتَلَكَ ، وَنَصَبَ لَكَ الْحَرْبَ ، وَبِالْبَراءَةِ مِمَّنْ أَسَّسَ أَسَاسَ الْظُلْمِ وَالْجَوْرِ عَلَيْكُمْ(١) وَأَبْرَأُ إِلَىٰ اللهِ وَإِلىٰ رَسُولِهِ مِمَّنْ أَسَّسَ أَساسَ ذٰلِكَ وَبَنىٰ عَلَيْهِ بُنْيانَهُ ، وَجَرىٰ فِي ظُلْمِهِ وَجَوْرِهِ عَلَيْكُمْ وَعَلَىٰ أَشْياعِكُمْ ، بَرِئْتُ إِلَىٰ اللهِ وَإِلَيْكُمْ مِنْهُمْ ، وَأَتَقَرَّبُ إِلَىٰ اللهِ ثُمَّ إِلَيْكُمْ بِمُوالاتِكُمْ وَمُوالاةِ وَلِيِّكُمْ ، وَبِالْبَراءَةِ مِنْ أَعْدائِكُمْ ، وَالنَّاصِبِينَ لَكُمُ الْحَرْبَ ، وَبِالْبَراءَةِ مِنْ أَشْيَاعِهِمْ وَأَتْبَاعِهِمْ ، إِنِّي سِلْمٌ لِمَنْ سالَمَكُمْ ، وَحَرْبٌ لِمَنْ حارَبَكُمْ ، وَوَلِىٌّ لِمَنْ والاكُمْ ، وَعَدُوٌّ لِمَنْ عاداكُمْ ، فَأَسْأَلُ اللهَ الَّذِي أَكْرَمَنِي بِمَعْرِفَتِكُمْ وَمَعْرِفَةِ أَوْلِيَائِكُمْ ، وَرَزَقَنِي(٢) الْبَراءَةَ مِنْ أَعْدائِكُمْ ، أَنْ يَجْعَلَنِي(٣) مَعَكُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ، وَأَنْ يُثَبِّتَ لِي عِنْدَكُمْ قَدَمَ صِدْقٍ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ، وَأَسْأَلُهُ أَنْ يُبَلِّغَنِي الْمَقامَ الْمَحْمُودَ الَّذي لَكُمْ عِنْدَ اللهِ ، وَأَنْ يَرْزُقَنِي طَلَبَ ثارِي(٤) مَعَ إِمامِ مَهْدي(٥) ظَاهِرٍ نَاطِقٍ(٦) مِنْكُمْ ، وَأَسْأَلُ اللهَ

_________________

(١) في بعض نسخ مصباح السيّد زيادة « أهل البيت » هنا

(٢) أي يرزقني ( مصباح السيّد )

(٣) وأن يجعلني ( مصباح السيّد )

(٤) ثأركم ( كامل الزيارات ) راجع : شفاء الصدور ١ : ٦٢ هامش الأصل

(٥) هُدى ـ خ ل

(٦) هنا في مصباح السيّد زيادة « بالحقّ »


بِحَقِّكُمْ وَبِالشَّأْنِ الَّذِي لَكُمْ عِنْدَهُ أَنْ يُعْطِيَنِي بِمُصابِي بِكُمْ أَفْضَلَ مَا يُعْطِي مُصاباً بِمُصِيبَة ، مُصِيبَةً مَا أَعْظَمَها وَأَعْظَمَ رَزِيَّتَها فِي الْإِسْلامِ وَفِي جَمِيعِ السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ اللّٰهُمَّ اجْعَلْنِي فِي مَقَامِي هٰذَا مِمَّنْ تَنالُهُ مِنْكَ صَلَواتٌ وَرَحْمَةٌ وَمَغْفِرَةٌ اللّٰهُمَّ اجْعَلْ مَحْيايَ مَحْيا مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَمَماتِي مَماتَ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ اللّٰهُمَّ إِنَّ هٰذَا يَوْمٌ تَبَرَّكَتْ بِهِ بَنُو أُمَيَّةَ وَابْنُ آكِلَةِ الْأَكْبادِ ، اللَّعِينُ ابْنُ اللَّعِينِ عَلَىٰ لِسانِ(١) نَبِيِّكَ صَلَّی اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ وَمَوْقِفٍ وَقَفَ فِيهِ نَبِيُّكَ صَلَّی اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ اللّٰهُمَّ الْعَنْ أَبا سُفْيانَ وَمُعَاوِيَةَ وَيَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ عَلَيْهِمْ مِنْكَ اللَّعْنَةُ أَبَدَ الْآبِدِينَ ، وَهٰذَا يَوْمٌ فَرِحَتْ(٢) بِهِ آلُ زِيادٍ وَآلُ مَرْوانَ بِقَتْلِهِمُ الْحُسَيْنَ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِ ، اللّٰـهُمَّ فَضاعِفْ عَلَيْهِمُ اللَّعْنَ مِنْكَ وَالْعَذابَ(٣) اللّٰـهُمَّ إِنِّي أَتَقَرَّبُ إِلَيْكَ فِي هٰذَا الْيَوْمِ ، وَفِي مَوْقِفِي هٰذَا ، وَأَيَّامِ حَيَاتِي بِالْبَرَاءَةِ مِنْهُمْ ، وَاللَّعْنَةِ عَلَيْهِمْ ، وَبِالْمُوَالاةِ لِنَبِيِّكَ وَآلِ نَبِيِّكَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ

ثمّ تقول : اللّٰـهُمَّ الْعَنْ أَوَّلَ ظَالِمٍ ظَلَمَ حَقَّ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَآخِرَ تَابِعٍ لَهُ عَلَىٰ ذٰلِكَ اللّٰـهُمَّ الْعَنِ الْعِصَابَةَ الَّتِي(٤) جاهَدَتِ الْحُسَيْنَ وَشايَعَتْ وَبايَعَتْ وَتابَعَتْ عَلَىٰ قَتْلِهِ ، اللّٰـهُمَّ الْعَنْهُمْ جَمِيعاًتقول ذلك مأة مرّة

ثمّ تقول : السَّلامُ عَلَيْكَ يَا أَبا عبد الله وَعَلَىٰ الْأَرْواحِ الَّتِي حَلَّتْ بِفِنائِكَ ، عَلَيْكَ مِنِّي سَلامُ اللهِ أَبَداً مَا بَقِيتُ وَبَقِيَ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ ، وَلَاٰ جَعَلَهُ اللهُ آخِرَ

_________________

(١) لسانك ولسان نبيّك ( خ مصباح الشيخ والسيّد والكفعمي )

(٢) فرح ( مصباح السيّد )

(٣) هنا في « خ » زيادة « الأليم »

(٤) « الذين » كذا عن خطّ ابن ادريس وابن السكوني ( منه )


الْعَهْدِ مِنِّي لِزِيارَتِكَ ، السَّلامُ عَلَى الْحُسَيْنِ ، وَعَلَىٰ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ، وَعَلَىٰ أَوْلادِ الْحُسَيْنِ ، وَعَلَىٰ أَصْحابِ الْحُسَيْنِتقول ذلك مأة مرّة

ثمّ تقول : اللّٰـهُمَّ خُصَّ أَنْتَ أَوَّلَ ظالِمٍ بِاللَّعْنِ مِنِّي ، وَابْدَأْ بِهِ أَوَّلاً ثُمَّ الثَّانِيَ ثُمَّ الثَّالِثَ ثُمَّ الرَّابِعَ اللّٰـهُمَّ الْعَنْ يَزِيدَ بنَ مُعاوِيَة خامِساً ، وَالْعَنْ عبيد الله بْنَ زِيادٍ وَابْنَ مَرْجانَةَ وَعُمَرَ بْنَ سَعْدٍ وَشِمْراً وَآلَ أَبِي سُفْيانَ وَآلَ مَرْوَانَ إِلىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ

ثمّ تسجد وتقول : اللّٰـهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدَ الشَّاكِرِينَ لَكَ عَلَىٰ مُصَابِهِمْ(١) ، الْحَمْدُ لِلّٰهِ عَلَىٰ عَظِيمِ رَزِيَّتِي ، اللّٰـهُمَّ ارْزُقْنِي شَفاعَةَ الْحُسَيْنِ عَلَيْهِ السَّلامُ يَوْمَ الْوُرُودِ ، وَثَبِّتْ لِي قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَكَ مَعَ الْحُسَيْنِ وَأَصْحابِ الْحُسَيْنِ الَّذِينَ بَذَلُوا مُهَجَهُمْ دُونَ الْحُسَيْنِ

قال علقمة : قال أبو جعفرعليه‌السلام : إن استطعت أن تزوره في كلّ يومٍ بهذه الزيارة فافعل فلك ثواب جميع ذلك(٢)

قال الشيخرضي‌الله‌عنه : وروى محمّد بن خالد الطيالسي ، عن سيف بن عميرة قال : خرجت مع صفوان بن مهران الجمّال وجماعة من أصحابنا إلى الغري بعد ما خرج أبو عبد اللهعليه‌السلام ، فسرنا من الحيرة(٣) إلى المدينة ، فلمّا فرغنا من الزيارة_________________

(١) الحمد لله على مصابهم ( مصباح السيّد )

(٢) مصباح الطوسي : ٥٣٨ ـ ٥٤٢ ، كامل الزيارات : ١٧٤ ـ ١٧٦ ، بحار الأنوار ٩٨ : ٢٩٠ ـ ٢٩٦ ط لبنان ، هامش الأصل

(٣) الحيرة في أخبار الدول : الحيرة ـ بكسر الحاء ـ أربعة مواضع : الأوّل : مدينة كانت بأرض الكوفة على ساحل البحر ، فإنّ بحر فارس في قديم الزمان كان ممتدّاً إلى أرض الكوفة والآن لا أثر للمدينة ولا للبحر ،


صرف صفوان وجهه إلى ناحية أبي عبد اللهعليه‌السلام فقال لنا : تزورون الحسينعليه‌السلام من هذا المكان من عند رأس أمير المؤمنينعليه‌السلام من ها هنا ـ وأومأ إليه أبو عبد اللهعليه‌السلام (١) وأنا معه ـ

قال : فدعا صفوان بالزيارة التي رواها علقمة بن محمّد الحضرمي عن أبي جعفرعليه‌السلام وودّع في دبرها أمير المؤمنينعليه‌السلام وأومأ إلى الحسينعليه‌السلام منصرفاً بوجهه نحوه ، وودّع في دبرها وكان فيما دعاه في دبرها(٢) :

« يَا اللهُ يَا اللهُ يَا اللهُ ، يَا مُجِيبَ دَعْوَةِ الْمُضْطَرِّينَ ، يَا کاشِفَ کُرَبِ الْمَکْرُوبِينَ ، ‏ يَا غِياثَ الْمُسْتَغِيثِينَ ، يَا صَرِيخَ الْمُسْتَصْرِخِينَ ، وَيَا مَنْ هُوَ أَقْرَبُ إِلَيَّ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ، وَيَا مَنْ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ، وَيَا مَنْ هُوَ بِالْمَنْظَرِ الْأَعْلَىٰ وَبِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ، وَيَا مَنْ هُوَ الرَّحْمانُ الرَّحِيمُ عَلَىٰ الْعَرْشِ اسْتَوىٰ‏ ، وَيَا مَنْ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ، وَيَا مَنْ لَا تَخْفىٰ عَلَيْهِ خافِيَةٌ ، يَا مَنْ لَاٰ تَشْتَبِهُ عَلَيْهِ الْأَصْواتُ ، وَيَا مَنْ لَاٰ تُغَلِّطُهُ الْحاجاتُ ، وَيَا مَنْ لَاٰ يُبْرِمُهُ إِلْحَاحُ الْمُلِحِّينَ ، يَا مُدْرِكَ کُلِّ فَوْتٍ ، وَيَا جامِعَ کُلِّ شَمْلٍ ، وَيَا بارِئَ النُّفُوسِ بَعْدَ الْمَوْتِ ، يَا مَنْ هُوَ کُلَّ يَوْمٍ فِي شَأْنٍ ، يَا قاضِيَ الْحاجاتِ ،

_________________

ومكان المدينة دجلة ، وكانت المدينة عمرت في زمان عمرو بن عدي فأقامت عامرة خمسمائة سنة وقيل : بنيت في زمن بخت نصّر ينسب إليه النعمان ابن امرئ القيس صاحب الحيرة من ملوك لخم ، بنى بالحيرة قصراً يقال له الخورنق في ستّين سنة ، ما بنى أحد من الملوك مثله ، ينسب إليها كعب بن عدي الحميري ثمّ ذكر المواضع الثلاثة ولا حاجة إلى ذكرها ( منهرحمه‌الله )

(١) « وأومأ إليه » من كلام صفوان والمراد بأبي عبد الله الصادقعليه‌السلام ، فكأنّه استدلّ بفعلهعليه‌السلام على ما ادّعاه وطواه منقولاً على التفصيل الذي ذكرهرضي‌الله‌عنه ( منهرحمه‌الله )

(٢) يمكن رجوع الضمير إلى الزيارة أيضاً ، ويمكن على بُعد رجوعه إلى الإشارة المفهومة من سوق الكلام ( منه )


يَا مُنَفِّسَ الْکُرُباتِ ، يَا مُعْطِيَ السُّؤُلاتِ ، يَا وَلِيَّ الرَّغَباتِ ، يَا کافِيَ الْمُهِمَّاتِ ، يَا مَنْ يَکْفِي مِنْ کُلِّ شَيْ‏ءٍ وَلَاٰ يَکْفِي مِنْهُ شَيْءٌ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، أَسْأَلُكَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ وَعَلِيٍّ ، وَبِحَقِّ فاطِمَةَ بِنْتِ نَبِيِّكَ ، وَبِحَقِّ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ ، فَإِنِّي بِهِمْ أَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ فِي مَقَامِي هٰذَا ، وَبِهِمْ أَتَوَسَّلُ ، وَبِهِمْ أَتَشَفَّعُ إِلَيْكَ ، وَبِحَقِّهِمْ أَسْأَلُكَ وَأُقْسِمُ وَأَعْزِمُ عَلَيْكَ ، وَبِالشَّأْنِ الَّذِي لَهُمْ عِنْدَكَ وَبِالْقَدْرِ الَّذِي لَهُمْ عِنْدَكَ ، وَبِالَّذِي فَضَّلْتَهُمْ عَلَىٰ الْعَالَمِينَ(١) ، وَبِاسْمِكَ الَّذِي جَعَلْتَهُ عِنْدَهُمْ ، وَبِهِ خَصَصْتَهُمْ دُونَ الْعَالَمِينَ ، حَتَّىٰ فَاقَ فَضْلُهُمْ فَضْلَ الْعَالَمِينَ(٢) أَنْ تُصَلِّيَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَأَنْ تَکْشِفَ عَنْ غَمِّي وَهَمِّي وَکَرْبِي ، وَتَکْفِيَنِي الْمُهِمَّ مِنْ أُمُورِي ، وَتَقْضِيَ عَنِّي دَيْنِي(٣) وَتُجِيرَنِي مِنَ الْفَقْرِ ، وَتُجِيرَنِي مِنَ الْفاقَةِ ، وَتُغْنِيَنِي عَنِ الْمَسْأَلَةِ إِلَىٰ الْمَخْلُوقِينَ(٤) ، وَتَکْفِيَنِي هَمَّ مَنْ أَخافُ هَمَّهُ ، وَعُسْرَ مَنْ أَخافُ عُسْرَهُ ، وَحُزُونَةَ مَنْ أَخافُ حُزُونَتَهُ(٥) ، وَمَکْرَ مَنْ أَخافُ مَکْرَهُ ، وَبَغْيَ مَنْ أَخافُ بَغْيَهُ ، وَجَوْرَ مَنْ أَخافُ جَوْرَهُ ، وَسُلْطانَ مَنْ أَخافُ سُلْطانَهُ ، وَکَيْدَ مَنْ أَخافُ کَيْدَهُ ، وَمَقْدُرَةَ مَنْ أَخافُ بَلاءَ مَقْدُرَتَهُ عَلَيَّ(٦) ، وَتَرُدَّ عَنِّي کَيْدَ الْکَيَدَةِ ، وَمَکْرَ الْمَکَرَةِ اللّٰهُمَّ مَنْ أَرادَنِي فَأَرِدْهُ ، وَمَنْ کادَنِي فَکِدْهُ ، وَاصْرِفْ عَنِّي کَيْدَهُ وَمَکْرَهُ وَبَأْسَهُ وَأَمانِيَّهُ

_________________

(١) هنا في « خ ل » زيادة « جميعاً »

(٢) هنا في مصباح السيّد زيادة « أسألك »

(٣) ديوني ( مصباح السيّد )

(٤) للمخلوقين ( مصباح السيّد )

(٥) وحزن من أخاف حزنه ( مصباح السيّد )

(٦) أخاف مقدرته ( مصباح السيّد )


وَامْنَعْهُ عَنِّي کَيْفَ شِئْتَ وَأَنَّىٰ شِئْتَ اللّٰهُمَّ اشْغَلْهُ عَنِّي بِفَقْرٍ لَاٰ تَجْبُرُهُ ، وَبَلاءٍ لَاٰ تَسْتُرُهُ ، وَبِفاقَةٍ لَاٰ تَسُدُّها ، وَبِسُقْمٍ لَاٰ تُعافِيهِ ، وَذُلٍّ لَاٰ تُعِزُّهُ ، وَبِمَسْکَنَةٍ لَاٰ تَجْبُرُها اللّٰهُمَّ اضْرِبْ بِالذُّلِّ نَصْبَ عَيْنَيْهِ(١) ، وَأَدْخِلْ عَلَيْهِ الْفَقْرَ فِي مَنْزِلِهِ ، وَالْعِلَّةَ وَالسُّقْمَ فِي بَدَنِهِ حَتَّىٰ تَشْغَلَهُ عَنِّي بِشُغُلٍ شَاغِلٍ لَاٰ فَراغَ لَهُ ، وَأَنْسِهِ ذِکْرِي کَما أَنْسَيْتَهُ ذِکْرَكَ ، وَخُذْ عَنِّي(٢) بِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَلِسانِهِ وَيَدِهِ وَرِجْلِهِ وَقَلْبِهِ وَجَمِيعِ جَوَارِحِهِ ، وَأَدْخِلْ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ ذٰلِكَ السُّقْمَ وَلَاٰ تَشْفِهِ حَتَّىٰ تَجْعَلَ ذٰلِكَ لَهُ شُغْلاً شَاغِلاً بِهِ عَنِّي وَعَنْ ذِکْرِي ، وَاکْفِنِي يَا کَافِيَ مَا لَاٰ يَکْفِي سِواكَ ، فَإِنَّكَ الْکافِي لَاٰ کافِيَ سِواكَ ، وَمُفَرِّجٌ(٣) لَاٰ مُفَرِّجَ سِواكَ ، وَمُغِيثٌ(٤) لَاٰ مُغِيثَ سِواكَ ، وَجارٌ لَاٰ جارَ سِواكَ ، خابَ مَنْ کانَ رَجَائُهُ سِواكَ ، وَمُغِيثُهُ سِواكَ ، وَمَفْزَعُهُ إِلىٰ سِواكَ ، وَمَهْرَبُهُ وَمَلْجِئَهُ إِلىٰ غَيْرِكَ ، وَمَنْجَاهُ مِنْ مَخْلُوقٍ غَيْرِكَ ، فَأَنْتَ ثِقَتِي وَرَجائِي وَمَفْزَعِي وَمَهْرَبِي وَمَلْجَئِي وَمَنْجايَ ، فَبِكَ أَسْتَفْتِحُ ، وَبِكَ أَسْتَنْجِحُ ، وَبِمُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ أَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ وَأَتَوَسَّلُ وَأَتَشَفَّعُ ، فَأَسْأَلُكَ يَا اللهُ يَا اللهُ يَا اللهُ ، فَلَكَ الْحَمْدُ وَلَكَ الشُّکْرُ وَإِلَيْكَ الْمُشْتَکَىٰ وَأَنْتَ الْمُسْتَعانُ ، فَأَسْأَلُكَ يَا اللهُ يَا اللهُ يَا اللهُ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَأَنْ تَکْشِفَ عَنِّي هَمِّي وَکَرْبِي فِي مَقَامِي هٰذَا کَما کَشَفْتَ عَنْ نَبِيِّكَ هَمَّهُ وَغَمَّهُ وَکَرْبَهُ ، وَکَفَيْتَهُ هَوْلَ عَدُوِّهِ ، فَاکْشِفْ عَنِّي کَما کَشَفْتَ

_________________

(١) بين عينيه ( مصباح السيّد )

(٢) اللهمّ خُذ ( مصباح السيّد )

(٣) والمفرّج ( مصباح السيّد )

(٤) المغيب ( مصباح السيّد )


عَنْهُ ، وَفَرِّجْ عَنِّي کَما فَرَّجْتَ عَنْهُ ، وَاکْفِنِي کَما(١) کَفَيْتَهُ ، وَاصْرِفْ عَنِّي هَوْلَ مَا أَخافُ هَوْلَهُ ، وَمَؤُونَةَ مَا أَخافُ مَؤُونَتَهُ ، وَهَمَّ مَا أَخافُ هَمَّهُ ، بِلا مَؤُونَةٍ عَلَىٰ نَفْسِي مِنْ ذٰلِكَ ، وَاصْرِفْنِي بِقَضاءِ حَوائِجِي ، وَکِفَايَةِ مَا أَهَمَّنِي هَمُّهُ مِنْ أَمْرِ آخِرَتِي وَدُنْيَايَ

يَا أمير المؤمنين وَيَا أَبا عبد الله ، عَلَيْكُما مِنِّي سَلامُ اللهِ أَبَداً مَا(٢) بَقِيَ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ ، وَلَاٰ جَعَلَهُ اللهُ آخِرَ الْعَهْدِ مِنْ زِيارَتِکُما وَلَاٰ فَرَّقَ اللهُ بَيْنِي وَبَيْنَکُما اللّٰهُمَّ أَحْيِنِي حَيَاةَ مُحَمَّدٍ وَذُرِّيَّتِهِ ، وَأَمِتْنِي مَمَاتَهُمْ ، وَتَوَفَّنِي عَلَىٰ مِلَّتِهِمْ ، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَتِهِمْ ، وَلَاٰ تُفَرِّقْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ طَرْفَةَ عَيْنٍ أَبَداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَيَا أَبا عبد الله ، أَتَيْتُکُما زائِراً وَمُتَوَسِّلاً إِلَىٰ اللهِ رَبِّي وَرَبِّکُما ، وَمُتَوَجِّهاً إِلَيْهِ بِکُما فِي حاجَتِي هٰذِهِ فَاشْفَعا لِي فَإِنَّ لَکُما عِنْدَ اللهِ الْمَقامَ الْمَحْمُودَ ، وَالْجاهَ الْوَجِيهَ ، وَالْمَنْزِلَ الرَّفِيعَ وَالْوَسِيلَةَ إِنِّي أَنْقَلِبُ عَنْکُما مُنْتَظِراً لِتَنَجُّزِ الْحاجَةِ وَقَضائِها وَنَجاحِها مِنَ اللهِ بِشَفاعَتِکُما لِي إِلَى اللهِ فِي ذٰلِكَ فَلا أَخِيبُ وَلَاٰ يَکونُ مُنْقَلَبِي مُنْقَلَباً خائِباً خاسِراً ، بَلْ يَکُونُ مُنْقَلَبِي مُنْقَلَباً راجِحاً مُفْلِحاً مُنْجِحاً مُسْتَجاباً بِقَضاءِ جَمِيعِ حَوائِجِي(٣) وَتَشَفَّعا لِي إِلَى اللهِ ، انْقَلَبْتُ عَلَىٰ مَا شاءَ اللهُ وَ(٤) لَاٰ حَوْلَ وَلَاٰ قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ ، مُفَوِّضاً أَمْرِي إِلَى اللهِ ، مُلْجِئاً ظَهْرِي إِلَى اللهِ ، مُتَوَکِّلاً عَلَىٰ اللهِ ، وَأَقُولُ حَسْبِيَ اللهُ وَکَفىٰ ، سَمِعَ اللهُ لِمَنْ دَعا ، لَيْسَ لِي وَراءَ اللهِ وَوَراءَکُمْ يَا سادَتِي

_________________

(١) ما قد ( مصباح السيّد )

(٢) هنا في « خ ل » زيادة : « بقيتُ و »

(٣) الحوائج ( مصباح السيّد )

(٤) ليست كلمة الواو في مصباح السيّد ( هامش الأصل )


مُنْتَهى ، مَا شاءَ رَبِّي کانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَکُنْ ، وَلَاٰ حَوْلَ وَلَاٰ قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ أَسْتَوْدِعُکُمَا اللهَ ، وَلَاٰ جَعَلَهُ اللهُ آخِرَ الْعَهْدِ مِنِّي إِلَيْکُما ، انْصَرَفْتُ يَا سَيِّدِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَيٰا مَوْلايَ أَنْتَ يَا أَبا عبد الله يَا سَيِّدِي وَسَلامِي عَلَيْکُما مُتَّصِلٌ مَا اتَّصَلَ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ ، واصِلٌ ذٰلِكَ إِلَيْکُما غَيْرُ مَحْجُوبٍ عَنْکُما سَلامِي إِنْ شَاءَ اللهُ ، وَأَسْأَلُهُ بِحَقِّکُما أَنْ يَشاءَ ذٰلِكَ وَيَفْعَلَ فَإِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ انْقَلَبْتُ يَا سَيِّدَيَّ عَنْکُما تائِباً حامِداً لِلّٰهِ تعٰالىٰ ، شاکِراً راجِياً لِلْإِجابَةِ(١) ، غَيْرَ آيِسٍ وَلَاٰ قَانِطٍ ، آئِباً عائِداً راجِعاً إِلىٰ زِيارَتِکُما ، غَيْرَ راغِبٍ عَنْکُما وَلَاٰ عَنْ زِيارَتِکُما بَلْ راجِعٌ عائِدٌ إِنْ شَاءَ اللهُ ، وَلَاٰ حَوْلَ وَلَاٰ قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ يَا سادَتِي رَغِبْتُ إِلَيْکُما وَإِلىٰ زِيارَتِکُما بَعْدَ أَنْ زَهِدَ فِيکُما وَفِي زِيارَتِکُما أَهْلُ الدُّنْيا ، فَلا خَيَّبَنِيَ اللهُ مِمَّا رَجَوْتُ وَمَا أَمَّلْتُ فِي زِيارَتِکُما إِنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ‏

قال سيف بن عميرة : فسألت صفوان فقلت له : إنّ علقمة بن محمّد لم يأتنا بهذا عن أبي جعفرعليه‌السلام إنّما أتانا بدعاء الزيارة ؟ فقال صفوان : وردت مع سيّدي أبي عبد اللهعليه‌السلام إلى هذا المكان ففعل مثل الذي فعلناه في زيارتنا ، ودعا بهذا الدعاء عند الوداع ، بعد أن صلّى كما صلّينا ، وودّع كما ودّعنا

ثمّ قال لي صفوان : قال لي أبو عبد اللهعليه‌السلام : تعاهد(٢) هذه الزيارة وادع بهذا الدعاء وزُر به ، فإنّي ضامن على الله تعالى لكلّ من زار بهذه الزيارة ودعا بهذا

_________________

(١) الإجابة ( مصباح السيّد )

(٢) في القاموس : تعهّده وتعاهده واعتهده : تفقّده ، ووروده في هذا الحديث دليل فصاحته وما قيل من أنّ تعهّد أفصح لأنّ التفاعل لا يكون إلّا بين اثنين إن تمّ صار الاستعمال غلطاً ولا مساس له بالأفصحيّة لكن هذا الاستعمال كاستعماله في تعاهد النعل في المسجد حجّة عليه ومنه يظهر ما في كلام الروضة في ذلك المبحث على ما فيه من الحرارة التي لا يخفى ، فراجع ( منهقدس‌سره )


الدعاء من قرب أو بُعد ، أنّ زيارته مقبولة ، وسعيه مشكور ، وسلامه واصل غير محبوب ، وحاجته مقضيّة من الله بالغاً(١) ما بلغ ، ولا يخيبنّه

يا صفوان ، وجدت هذه الزيارة مضمونة بهذا الضمان عن أبي ، وأبي عن أبيه عليّ بن الحسين مضموناً بهذا الضمان عن الحسين ، والحسين عن أخيه الحسن مضموناً بهذا الضمان ، والحسن عن أبيه أمير المؤمنين مضموناً بهذا الضمان ، وأمير المؤمنين عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مضموناً بهذا الضمان ، ورسول الله عن جبرئيل مضموناً بهذا الضمان ، وقد آلى الله عزّ وجلّ من زار الحسين بهذه الزيارة من قُرب أو بُعد ودعا بهذا الدعاء قبلت منه زيارته وشفعته في مسألته بالغاً ما بلغت ، وأعطيته سؤله ، ثمّ لا ينقلب عنّي خائباً ، وأُقلّبه مسروراً قريراً عينه بقضاء حاجته ، والفوز بالجنّة ، والعتق من النار ، وشفّعته في كلّ من شفّع خلا ناصب لنا أهل البيت ، وآلى الله على نفسه وأشهدنا بما شهد(٢) ملائكة ملكوته على ذلك

ثمّ قال جبرئيل : يا رسول الله ، أرسلني الله إليك سروراً وبرى لك وسروراً وبشرى لعليّ وفاطمة والحسن والحسين وإلى الأئمّة من ولدك إلى يوم القيامة ، فدام يا محمّد سرورك وسرور عليّ وفاطمة والحسن والحسين والأئمّة وشيعتكم إلى يوم البعث

ثمّ قال لي أبو عبد اللهعليه‌السلام : يا صفوان ، إذا حدث لك إلى الله حاجة فزُر بهذه الزيارة حيث كنت وادع بهذا الدعاء وسل ربّ حاجتك تأتك من الله ، والله غير

_________________

(١) كذا في المصباح والبحار ٩٨ : ٣٠٠ ط لبنان ، عنه فإن كانت النسخة كذلك فلعلّ البالغ حال عن الزائر أي بالغاً بحاجته ما بلغت ، وكذا فيما سيأتي ، والله أعلم ( منهقدس‌سره )

(٢) أي بوجه شهد أو « ما » مصدريّة أي بشهادة ملائكة ملكوته ، وعلى بُعد يجوز كون الباء بمعنى « على » مع إمكان غلط النسخة فيكون الصوب حينئذٍ كما أشهدوا على . ( منهقدس‌سره )


مخلف وعده رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله بمنّه ، والحمد لله ربّ العالمين(١)

إلى هنا انتهت رواية الشيخ الطوسي قدّس الله رمسه أمّا رواية كامل الزيارة فأرويها بهذا السند السالف عن شيخ الطائفة الأجلّ الأعظم ، أُستاذ من تأخّر وتقدّم ، زعيم الشيعة ومقيم الشريعة ، ومن لا تقوم العبارة بواجب ثنائه ، ولا يحوم القلم حول حومة بيانه وأوانه ، مع أنّ جميع فضائل الشيعة راجعة إليه ، ورقاب علمائهم عن آخرهم خاضعة لديه ، لأنّه رحالهم التي دينهم عليها يدور ، وإليه تجلب من العلم والنظر أعشار الجزور ، المعبّر عنه في التوقيع الوقيع باللقب الرفيع ، يخضع عنده الرفيع ( وهو الأخ السديد والوليّ الرشيد ، والشيخ المفيد ، والناصر للحقّ ، والداعي إليه بكلمة الصدق ، وملهم الحقّ ودليله ) ، وفيه غنى عن بسط الكلام وتطويله ، فإنّ مدح الإمام إمام كلّ مدح ، ومن تصدّى للقول بعده فقد تعرّض للقدح« أبي عبد الله محمّد بن محمّد بن النعمان » رضي الله عنه وأرضاه ، حامل علوم الأئمّةعليهم‌السلام في الأُمّة المحمّديّة ، وناشر ومؤسّس الطريقة الجعفريّة في الشيعة الإماميّة

أروي عن الشيخ الأجلّ الأقدم والثقة الأعظم الأكرم أُستاد المفيد ، وحسبه به من تجليل وتمجيد ، وكلّما يوصف به الناس من فقه وثقة وجميل فهو فوقه كما شهد له به النجاشي والعلّامة أدام الله إكرامهما وإكرامه ، أبي القاسم« جعفر بن محمّد بن قولويه القمّي » رضي الله عنه وأرضاه ، وأحلّه من فردوس الجنان أعلاه ، وهي تختلف اختلافاً يسيراً مع رواية المصباح ، ولابدّ من الإشارة إلى وجود هذا الفارق والتنبيه عليه ، حيث أنّ نقل الرواية بكاملها يوجب العسر والحرج والتطويل والتكرار دونما فائدة ، وقد أشرتُ إلى اختلاف النسخ في الهامش ،

_________________

(١) وشرع المؤلّف بترجمة الزيارة التي مرّت إلى اللغة الفارسيّة ، وقال بعد ذلك :


ونرمي في هذا المقام إلى أُمور مهمّة وهي كما يلي :

منها : أنّ صورة السند كما يأتي لاحقاً : حكيم بن داود بن حكيم وغيره ، عن محمّد بن عميرة وصالح بن عقبة معاً ، عن عقبة بن محمّد الحضرمي ومحمّد بن إسماعيل ، عن صالح بن عقبة ، عن مالك الجهني ، عن أبي جعفر الباقرعليه‌السلام

ومنها : أنّ فقرة « ألفي حِجّة وألفي عمرة وألفي غزوة » جائت في عبارته « ألفي ألف » وعلى هذا القياس فإنّ الفقرة الواردة في ذيل الزيارة وفيها « ألف حِجّة » تكون في نسخة الكامل « ألف ألف »

الأمر الثالث : أنّ عبارة علقمة هي كما يلي : « قال صالح بن عقبة الجهني وسيف بن عميرة قال : علقمة بن محمّد الحضرمي : قلت لأبي جعفرعليه‌السلام : علّمني دعاءاً أدعو به في ذلك اليوم إذا أنا زرته من قريب ، ودعاءاً أدعو به إذا لم أزره عن قريب وأومأت إليه من بُعد من سطح داري قال : فقال : يا علقمة ، إذا أنت صلّيت الركعتين بعد أن تومئ إليه بالسلام وقلت عند الإيماء إليه ومن بعد الركعتين هذا القول فإنّك إذا قلت ذلك فقد دعوت بما يدعو به من زاره من الملائكة وكتب لك بها ألف ألف حسنة ، ومحي عنك ألف ألف سيّئة ، ورفع لك مأة ألف ألف درجة » إلى آخر الحديث

ونقل الزيارة بعد هذه العبارة في مواضع تختلف ألفاظها مع ما في المصباح ، ونحن نورد عين عبارته في هذا المقام :

السَّلامُ عَلَيْكَ يَا أَبا عبد الله ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا بن رَسُولِ اللهِ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يٰا خِيَرَةَ اللهِ وَابْنَ خِيَرَتِهِ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا بن أمير المؤمنين ، وَابْنَ سَيِّدِ الْوَصِيِّينَ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا بن فاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ سَيِّدَةِ نِساءِ الْعالَمِينَ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يَا ثارَ اللهِ وَابْنَ ثارِهِ وَالْوِتْرَ الْمَوْتُورَ ، السَّلامُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ الْأَرْواحِ الَّتِي


حَلَّتْ بِفِنائِكَ ، عَلَيْكُمْ مِنّا(١) جَمِيعاً(٢) سَلامُ اللهِ أَبَداً مَا بَقِيتُ وَبَقِيَ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ ، يَا أَبا عبد الله لَقَدْ عَظُمَتِ الرَّزِيَّةُ وَجَلَّتْ الْمُصِيبَةُ بِكَ عَلَيْنا وَعَلَىٰ جَمِيعِ أَهْلِ السَّمٰاوٰاتِ ، فَلَعَنَ اللهُ أُمَّةً أَسَّسَتْ أَسَاسَ الظُّلْمِ وَالْجَوْرِ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ، وَلَعَنَ اللهُ أُمَّةً دَفَعَتْكُمْ عَنْ مَقامِكُمْ وَأَزالَتْكُمْ عَنْ مَراتِبِكُمُ الَّتِي رَتَّبَكُمُ اللهُ فِيها ، وَلَعَنَ اللهُ أُمَّةً قَتَلَتْكُمْ ، وَلَعَنَ اللهُ الْمُمَهِّدِينَ لَهُمْ بِالتَّمْكِينِ مِنْ قِتالِكُمْ يَا أَبا عبد الله إِنِّي سِلْمٌ لِمَنْ سَالَمَكُمْ وَحَرْبٌ لِمَنْ حارَبَكُمْ إِلىٰ يَوْمِ الْقِيامَةِ ، فَلَعَنَ اللهُ آلَ زِيادٍ وَآلَ مَرْوانَ ، وَلَعَنَ اللهُ بَنِي أُمَيَّةَ قاطِبَةً ، وَلَعَنَ اللهُ ابْنَ مَرْجانَةَ ، وَلَعَنَ اللهُ عُمَرَ بْنَ سَعْدٍ ، وَلَعَنَ اللهُ شِمْراً ، وَلَعَنَ اللهُ أُمَّةً أَسْرَجَتْ وَأَلْجَمَتْ وَتَنَقَّبَتْ وَتَهَيَّأتْ لِقِتالِكَ ، يَا أَبا عبد الله بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي لَقَدْ عَظُمَ مُصابِي بِكَ ، فَأَسْأَلُ اللهَ الَّذِي أَكْرَمَ مَقامَكَ أَنْ يُكْرَمَنِي بِكَ ، ويَرْزُقَنِي طَلَبَ ثارِكَ مَعَ إِمامٍ مَنْصُورٍ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ صَلَّیٰ اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ اللّٰهُمَّ اجْعَلْنِي وَجِيهاً بِالْحُسَيْنِ عِنْدَكَ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ سَيِّدي يَا أَبا عَبْدِ اللهِ إِنِّي أَتَقَرَّبُ إِلَى اللهِ وَإِلىٰ رَسُولِهِ وَإِلىٰ أمير المؤمنين وَإِلىٰ فاطِمَةَ ، وَإِلَى الْحَسَنِ وَإِلَيْكَ بِمُوَالاتِكَ يَا أَبا عبد الله وَبِالْبَراءَةِ مِمَّنْ قَاتَلَكَ ، وَنَصَبَ لَكَ الْحَرْبَ ، وَمِنْ جَميعِ أَعْداءِكَ(٣) وَبِالْبَراءَةِ مِمَّنْ أَسَّسَ الْجَوْرَ وَبَنىٰ عَلَيْهِ بُنْيانَهُ ، وَأجَرىٰ ظُلْمَهُ وَجَوْرَهُ عَلَيْكُمْ وَعَلَىٰ أَشْياعِكُمْ ، بَرِئْتُ إِلَىٰ اللهِ وَإِلَيْكُمْ مِنْهُمْ ، وَأَتَقَرَّبُ إِلَىٰ اللهِ ثُمَّ إِلَيْكُمْ بِمُوالاتِكُمْ وَمُوالاةِ وَلِيِّكُمْ ، وَالْبَراءَةِ مِنْ

_________________

(١) منّي ـ خ ل

(٢) السلام عليكم ـ نسخة

(٣) أعداءكم ـ خ ل


أَعْدائِكُمْ ، وَالنَّاصِبِينَ لَكُمُ الْحَرْبَ ، وَالْبَراءَةِ مِنْ أَشْيَاعِهِمْ وَأَتْبَاعِهِمْ ، إِنِّي سِلْمٌ لِمَنْ سالَمَكُمْ ، وَحَرْبٌ لِمَنْ حارَبَكُمْ ، موالٍ(١) لِمَنْ والاكُمْ ، معادٍ(٢) لِمَنْ عاداكُمْ ، فَأَسْأَلُ اللهَ الَّذِي أَكْرَمَنِي بِمَعْرِفَتِكُمْ وَمَعْرِفَةِ أَوْلِيَائِكُمْ ، وَرَزَقَنِي(٣) الْبَراءَةَ مِنْ أَعْدائِكُمْ ، أَنْ يَجْعَلَنِي مَعَكُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ، وَأَسْأَلُهُ أَنْ يُبَلِّغَنِي الْمَقامَ الْمَحْمُودَ لَكُمْ عِنْدَ اللهِ ، وَأَنْ يَرْزُقَنِي طَلَبَ ثارِكم مَعَ إِمامِ مَهْدي ظَاهِرٍ نَاطِقٍ لَكُمْ ، وَأَسْأَلُ اللهَ بِحَقِّكُمْ وَبِالشَّأْنِ الَّذِي لَكُمْ عِنْدَهُ أَنْ يُعْطِيَنِي بِمُصابِي بِكُمْ أَفْضَلَ مَا يُعْطِي مُصاباً بِمُصِيبَة ، أَقُولُ إِنّا لله وَإِنّا إلَيْهِ راجِعُونَ ، يٰا لَهٰا مِنْ مُصِيبَةٍ ، مٰا أَعْظَمَها وَأَعْظَمَ رَزِيَّتَها في الإسْلامِ وَفِي جَمِيعِ السَّمٰاواتِ وَالأَرَضِينَ اللّٰهُمَّ اجْعَلْنِي فِي مَقَامِي هٰذَا مِمَّنْ تَنالُهُ مِنْكَ صَلَواتٌ وَرَحْمَةٌ وَمَغْفِرَةٌ اللّٰهُمَّ اجْعَلْ مَحْيايَ مَحْيا مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَمَماتِي مَماتَ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ اللّٰهُمَّ إِنَّ هٰذَا يَوْمٌ تَنْزِلُ فيهِ اللَّعْنَةَ علیٰ آلِ زيٰادٍ وَآلِ أُمَيَّةٍ وابْنِ آكِلَةِ الْأَكْبادِ ، اللَّعِينُ ابْنُ اللَّعِينِ عَلَىٰ لِسانِ نَبِيِّكَ صَلَّی اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ وَمَوْقِفٍ وَقَفَ فِيهِ نَبِيُّكَ صَلَّی اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَعَلیٰ يَزِيدِ ابْنِ مُعاوِيَة اللَّعْنَة أَبَدَ الآبِدِينَ اللّٰهُمَّ إِنِّي أَتَقَرَّبُ إِلَيْكَ فِي هٰذَا الْيَوْمِ ، وَفِي مَوْقِفِي هٰذَا ، وَأَيَّامِ حَيَاتِي بِالْبَرَاءَةِ مِنْهُمْ ، وَبِاللَّعْنِ عَلَيْهِمْ ، وَبِالْمُوَالاةِ لِنَبِيِّكَ وَأْهْلِ بَيْتِ نَبِيِّكَ صَلَّی اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ

ثمّ تقول مأة مرّةٍ : اللّٰـهُمَّ الْعَنْ أَوَّلَ ظَالِمٍ ظَلَمَ حَقَّ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَآخِرَ

_________________

(١) وليّ ـ خ ل

(٢) عدوّ ـ خ ل

(٣) أي يرزقني ( مصباح السيّد )


تَابِعٍ لَهُ عَلَىٰ ذٰلِكَ اللّٰـهُمَّ الْعَنِ الْعِصَابَةَ الَّتِي جاهَدَتِ(١) الْحُسَيْنَ وَتابَعَتْ أعْدَائَهُ عَلىٰ قَتْلِهِ وَقَتْلِ أَنْصٰارِهِ ، اللّٰـهُمَّ الْعَنْهُمْ جَمِيعاً

ثمّ قل مأة مرّة : السَّلامُ عَلَيْكَ يَا أَبا عبد الله وَعَلَىٰ الْأَرْواحِ الَّتِي حَلَّتْ بِفِنائِكَ ، عَلَيْكَ مِنِّي سَلامُ اللهِ أَبَداً مَا بَقِيتُ وَبَقِيَ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ ، وَلَاٰ يَجْعَلَهُ اللهُ آخِرَ الْعَهْدِ مِنْ زِيارَتِكُمْ ، السَّلامُ عَلَى الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَعَلَىٰ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ، وَعَلَىٰ أَصْحابِ الْحُسَيْنِ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ

ثمّ تقول مأة مرّة : اللّٰـهُمَّ خُصَّ أَنْتَ أَوَّلَ ظالِمٍ ظَلَمَ آلَ نَبِيِّكَ بِاللَّعْنِ ، ثُمَّ الْعَنْ أَعْداءَ آل مُحَمَّدٍ مِنَ الأَوَّلينَ وَالآخِرينَ اللّـهمّ الْعَنْ يَزِيدَ وَأَبٰاهُ ، وَالْعَنْ عُبَيْدِالله بْنِ زيادٍ وَآلَ مَروانَ وَبَني أُمَيَّةَ قَاطِبةً إلىٰ يَوْمِ الْقِيامَةِ

ثمّ تسجد سجدة تقول فيها : اللّٰـهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدَ الشَّاكِرِينَ عَلَىٰ مُصَابِهِمْ ، الْحَمْدُ لِلّٰهِ عَلَىٰ عَظِيمِ رَزِيَّتِي فِيهِمْ ، اللّٰـهُمَّ ارْزُقْنِي شَفاعَةَ الْحُسَيْنِ عَلَيْهِ السَّلامُ يَوْمَ الْوُرُودِ ، وَثَبِّتْ لِي قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَكَ مَعَ الْحُسَيْنِ وَأَصْحابَهُ الَّذِينَ بَذَلُوا مُهَجَهُمْ دُونَ الْحُسَيْنِ صَلَّی اللهُ عَلَيْهِ

وبعد نقل الزيارة يقول : قال أبو جعفرعليه‌السلام : يا علقمة ، إن استطعت أن تزوره في كلّ يوم بهذه الزيارة من دهرك فافعل فلك ثواب جميع ذلك إن شاء الله

ودلالة هذه العبارة على العموم من خلال لفظ « من دهرك » أقوى من دلالة عبارة المصباح ، وتتمّة الخبر المذكور في المصباح لم يذكره في كامل الزيارة ، ومن هذه الاختلافات التي سقتها إليك بين الروايتين وأثبتُّ بعضها في حاشية الزيارة يظهر لك أنّ عبارة صاحب البحار التي ساقها بعد ذكر زيارة كامل الزيارات وذكره سند

_________________

(١) حاربت ـ خ ل


المصباح وقوله بعد ذلك « وساق الحديث نحواً ممّا مرّ »(١) لا تخلو من مسامحة مخلّة بفهم الرواية

وعلى العموم لمّا اطّلعت على متن الحديث الشريف وسنده كما هو حقّه فإنّنا نتكلّم حول هذا الباب في مقصدين : المقصد الأوّل في سند الحديث الشريف ، والكلام يقع في فصلين

_________________

(١) بحار الأنوار ٩٨ : ٢٩٣ ( المترجم )


[ المقصد الأوّل ]
[ في سند الحديث الشريف ]

الفصل الأوّل في تعريف آحاد الرواة لهذا الحديث وبيان حاله بحسب الاصطلاح من حيث الاعتبار والضعف

أمّا رواية الشيخ فإنّ بيانها كما يلي :

نقل الشيخرحمه‌الله عن« محمّد بن إسماعيل » ومن المعلوم أنّ هذه الرواية تدلّ على حدوث النقل من كتابه وكانت الكتب في ذلك الزمان مقطوعاً بصدورها من مؤلّفيها ، وإنّما يذكر وسط السند لغرض اتصاله فحسب ، فلو كان الطريق ضعيفاً فلا يضرّ ضعفه صاحب الكتاب أي لو كان الطريق إلى صاحب الكتاب ضعيفاً فلا يضرّ بحاله

ولكنّنا لسنا بحاجة إلى هذا التقريب فإنّ طريق الشيخ ـ الطوسي ـ ينتهي بمحمّد بن إسماعيل وهو طريق صحيح كما صرّح العلّامة وغيره بذلك ، بل لا يحتاج حتّى للتأمّل ؛ لأنّ الشيخ يروي عن المفيد وهو عن الصدوق وهو عن أبيه وهو عن أحمد بن محمّد بن عيسى وهو عن محمّد بن إسماعيل وهذه الطبقة جميعاً من مشايخ الإماميّة بحيث يمكن الوثوق والقطع برواية كلّ واحد منهم


ومحمّد بن إسماعيل نفسه من أجلّة الثقاة عند الإماميّة وقد أجمعت الطائفة على جلالة قدره وعظم شأنه وتسري وثاقته إلى من يروي عنه أي إلى شيخه ؛ لأنّ ذلك دليل على توثيقه والاعتماد عليه

« عن صالح » وهو مروي عنه أيضاً وصالح هو ابن عُقْبة ـ بضمّ العين وسكون القاف ـ ابن قيس بن سمعان ـ بفتح السين ـ ذكره النجاشي في الرجال فقال : قيل : إنّه روى عن أبي عبد اللهعليه‌السلام (١)

وذكر النجاشي للراوي في كتابه دليل على كونه إماميّاً ـ كما حقّقنا ذلك في موضعه ـ لأنّه كتب كتابه أصلاً لإحصاء مؤلّفي الشيعة وقد التزم النجاشي بذكر القدح أيضاً لو كان حاصلاً ؛ سواءاً في ترجمة الراوي أو في موضع سواه من الكتاب ، ولمّا لم يورد فيه قدحاً علم أنّه سالم من عيوب الرواة ، وهذا نوع مدح له

ومن هذه الجهة كان الشيخ الفاضل تقي الدين الحسن بن داودرحمه‌الله يذكر ذلك في كثير من مواضع كتابه فيقول « أثنى عليه النجاشي » فيعترض من لا علم له ولا اطّلاع عليه بقوله : لم نعثر على هذا الثناء في كلام النجاشي وما دروا أنّ الغرض من الثناء هو عدم ذكر القادح

وقد أشار فحول هذه الصناعة إلى ذكر هذا المطلب في محلّه وقد ذكرت أنا ذوالبضاعة المزجاة في حاشية رجال النجاشي مواقع هذه الفوائد بإشارات وافية ، ولكن على سبيل الإجمال

وذكره الشيخ في فهرسته وقال : « له كتاب »(٢) وهذا دليل على استقامة الراوي في المذهب ؛ لأنّ الشيخ التزم في الفهرست بذكر علماء الإماميّة إلّا في المواضع

_________________

(١) رجال النجاشي ١ : ٢٠٠ رقم ٥٣٢

(٢) الطوسي ، الفهرست : ٨٤ رقم ٣٥٢ ( المترجم )


التي يذكر فيها خلافاً ، ولا يخلو إثبات الكتاب له من مدحه

وقال العلّامة في حقّه « كذّاب غالٍ لا يلتفت إليه » وتبادر إلى فهم محقّقي هذا الفنّ كالعلّامة المجلسي الأوّل والأُستاذ الأعظم أنّ هذا القدح من ابن الغضائري ؛ لأنّ الغالب على كتاب الخلاصة للعلّامة أنّه تابع في الجرح والتعديل إلى الأُصول الرجاليّة الخمس :

١ ـ رجال الشيخ ؛

٢ ـ الفهرست ؛

٣ ـ رجال الغضائري ؛

٤ ـ رجال النجاشي ؛

٥ ـ رجال الكشي

وورد قليل من الجرح والتعديل في هذا الكتاب مستقلّاً عنها وكان من عادة ابن الغضائري الوقيعة في الثقاة وجرحهم والقدح في العدول ونسبة الغلوّ بسبب الروايات المتضمّنة مدح أهل البيت ، وظاهر النجاشي كما جرى التمهيد له عدم صحّة هذا القدح ورواية محمّد بن إسماعيل ومحمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب عنه مرشدة إلى اعتباره ودليل على الاعتماد عليه ، وظاهر الصدوق الاعتماد على كتابه لذلك عمل المشايخ الثلاثة : الصدوق والمفيد والطوسي ـ وهم مدار الفقه الجعفري ـ بأخباره

إذاً الأقوى والأصحّ سلامة الخبر الذي يرويه من الطعن

وكان أبوه عقبة بن قيس من أصحاب الصادقعليه‌السلام وقد وثّق الشيخ المفيد وابن شهر آشوب في معالم العلماء جميع أصحاب الإمام الصادقعليه‌السلام ، وإذا ثبتت رواية صالح عن الإمام الصادقعليه‌السلام فهي دليل وثاقته أيضاً وتثبت استقامته على المذهب عن طريق هذه الرواية


ومجمل القول : بناءاً على رأي الشيخ أنّ الخبر هنا يتأرجح بين الحسن والصحّة ـ طبقاً لمذهب المتأخّرين ـ وبناءاً على طريقة السابقين الذين يصحّحون ما هو قطعيّ الصدور من الأخبار أنّ الخبر صحيح قطعاً ووفقاً لطريقتنا التي تابعنا بها المتأخّرين في الاصطلاح ، ولا تخلو حجّيّة متابعة المتقدّمين من حجّة ، وإن لم يصرّحوا بالصحّة

هذا كلّه بقطع النظر عن ذيل الحديث فإنّ الأمر فيه أخفّ ؛ لأنّ فيه يروي محمّد ابن إسماعيل الحديث عن سيف بن عميرة ـ بفتح السين المهملة ـ وهو عن علقمة وظاهر الرواية أنّ علقمة كان حاضراً وسمع الكلام وسأل تعليم الدعاء ، مع أنّ حاجتنا تنحصر فيما نقله علقمة

وصرّح الشيخ في الفهرست والنجاشي والعلّامة في الخلاصة بوثاقة سيف وقال النجاشي في حقّه : « له كتاب يرويه جماعات من أصحابنا »(١) وهذا مدح عظيم ولم يقدح فيه أحد سوى الآبي في محكي « كشف الرموز » وجاء في الطعن وإنّه قال : « مطعون فيه ملعون » واستند فيه ظاهراً إلى ما نسبه ابن شهرآشوب إليه من الوقف ومن هذه الجهة قال الشهيد : « وربّما ضعّف بعضهم سيفاً والصحيح إنّه ثقة » وكلام ابن شهرآشوب مخالف لصريح الفهرست والنجاشي مع أنّ أحداً لم يوافقه عليه ، وقول الشيخين مقدّم على قوله البتّة

وطعن كشف الرموز مستند إلى قدح ابن شهرآشوب فيه كما مرّت الإشارة إليه مع « انضمام عدم حجيّة الموثّق »(٢) ولو أنّنا افترضنا تقديم قول ابن شهرآشوب فإنّ شهادة المشايخ الثلاثة : النجاشي والعلّامة والشهيد بوثاقته باقية على حالها

_________________

(١) النجاشي : له كتاب يرويه جماعة يختلف برواياتهم ( رجال النجاشي ٢ : ٢٠٧ رقم ٥٠٤ ) ( المترجم )

(٢) يقدّم رأي الجارح على المعدّل ؛ لأنّه ربّما اطّلع على أمر لم يطّلع عليه المعدِّل أو الموثِّق ( المترجم )


وقد استوفينا حجيّة الأخبار في محلّها وأظهرناها على منصّة الثبوت

أمّا« علقمة بن محمّد » فإنّ الشيخ في كتاب الرجال اعتبره من أصحاب الباقر والصادقعليهما‌السلام وقال : « أسند عنه »(١) وهذه العبارة تفيد المدح في مذهب الكثيرين وإن كانت محلّ تأمّل ولكن الشيخ الكشي نقل عنه مناظرة مع زيد بن عليّ تدلّ على بصيرته وحسن حاله ويفهم من ذيل الرواية أنّ جلالة قدره بلغت شأنها الأقصى أنّ عدم ذكره في الرواية عارض رواية صفوان ، ولا يندرج في الاحتمال نسيانه أو تجاهله وقد اعتذر صفوان بعذر آخر وزعم أنّ الحديث صدر في موضع آخر واشتمل على الدعاء

وخلاصة القول : إنّه يظهر من كلام سيف وصفوان أنّ شرايط الرواية ذاتاً متوفّرة في علقمة ، وهذا يعتبر إمّا تعديلاً أو مدحاً كبيراً وبناءاً على عموم شهادة الشيخ المفيد وابن شهرآشوب إنّه يكون ثقة من ثمّ يعتبر الخبر بين الحسن والصحيح لهذا السبب ، إذا لم نأخذ بظاهر الشهادة كما هو الظاهر من عدم اعتبار العلماء هذا العموم موجباً للتوثيق ، وللحصول على التفصيل في هذا المجال تراجع المطوّلات وعلى كلّ حال فإنّه يكون حجّة على الصحيح

وطريق آخر وقع للشيخ في ذيل هذا الحديث حيث رواهرحمه‌الله عن محمّد بن خالد الطيالسي ـ بكسر اللام ـ منسوب إلى الطيالسة جمع الطيلسان لبيعه لها ، وطريقه إليه كما هو مذكور في الفهرست ورجال النجاشي ، ولم يقدح به أحد منهما بل ذكر أنّه صاحب كتاب ونوادر ثمّ هو إماميّ ممدوح ، وروى عنه عليّ بن الحسن بن فضّال ومحمّد بن عليّ بن محبوب وجماعة من أجلّاء القوم وهو دليل على غاية الاعتماد والاستناد

_________________

(١) رجال الطوسي : ٢٦٢ ( المترجم )


وقال الشيخ في الرجال : روى عنه حميد أُصولاً كثيرة(١)

وهذا أيضاً يعتبر في عرفهم مدحاً جليلاً

ومن مجموع هذه الأمارات يحصل الظنّ بعدالته لممارس علم الرجال من حيث قول الشيخ : قال سيف بن عميرة ، فإذا كان حديث بهذه المثابة صحيحاً بالاتفاق لأنّ سنده طريق الشيخ إلى سيف وهو معلوم الصحّة ، وجلالة قدر صفوان لا تكاد تخفى على أحد ولا تحتاج إلى تنبيه ثمّ إذا كان ذيل هذا الحديث من تتمّة رواية محمّد بن خالد كما هو الظاهر فإنّه يحكم على ظاهره بالصحّة واحتمال تصنيفه في الحديث الحسن احتمال بعيد

ونتيجة البحث : إنّ هذه الرواية متناً وذيلاً في هذا المكان من المصباح نقلت بثلاث طرق ، ومن ملاحظة ما تقدّم فإنّ المحدّث الخبير والفقيه البصير يعذر إذا قطع بصدوره

أمّا رواية الكامل فقد اشتملت على طريقين أو سندين :

الأولى : حكيم بن داود ، عن محمّد بن موسى ، عن محمّد بن خالد الطيالسي وهذا الطريق وإن عُلّ بمحمّد بن موسى لأنّه ضعيف ظاهراً ، وعندي أنّ حكيم بن داود مجهول الحال فعلاً ، ولكنّ الظاهر ظهوراً بيّناً أنّ ذكر الطريق لأجل اتصال السند والرواية أخذت من الكتاب كما هو ظاهر عبارة الشيخرحمه‌الله من أنّ كتاب محمّد بن خالد موجود بحيازته بل صريح عبارة الفهرست ذلك ، ويغلب على الظنّ أنّ الكتاب أيضاً موجود عند ابن قولويه وبهذا الاستظهار لا يتردّد أهل الفنّ عن القطع به

كما أنّنا أوضحنا حال محمّد بن خالد وسيف بن عميرة وصالح بن عقبة ومحمّد بن علقمة

_________________

(١) رجال الطوسي : ٤٤١ ( المترجم )


والطريق الثاني : يبدأ سنده بمحمّد بن إسماعيل وقد حذف السند لتواتر الكتاب عنه وعبارته التي يقول فيها : « ومحمّد بن إسماعيل » إنّه ليس عطفاً على علقمة بن محمّد لتكون جزءاً من السند السابق ـ كما توهّم ذلك بعض الأكابر ـ وإنّما هو سند مستأنف والعطف فيه على « حكيم بن داود » وليس من المستبعد بل من الممكن جدّاً أن تعود العبارة إلی محمّد بن خالد وحكيم بن داود ومحمّد بن موسى ؛ وهؤلاء طريق ابن قولويه إلى محمّد بن إسماعيل

وعلى أيّة حال فإنّ المتأمّل يقطع بفساد الاحتمال الأوّل(١) بأدنى التفات بل لا يحصل الترديد في أوّل النظرة في السند بين الاحتمالين

وحال « صالح بن عقبة » معلومة

و « مالك الجهني » من أصحاب الإمامين الباقر والصادقعليهما‌السلام وقد مدح الإمام الباقر في أبيات أخرجها صاحب الإرشاد ، وهي :

إذا طلب الناس علم القرآن

كانت قريش عليه عيالا

وإن قيل أين ابن بنت النبي

نلت بذاك فروعاً طوالا

نجوم تهلّل للمدلجينّ

جبال توازن علماً جبالا(٢)

وفي الكافي بسند صحيح أنّ الإمام الباقر قال له : أنتم شيعتنا ، ألا ترى أنّك تفرط في أمرنا ، أنّه لا يقدر على صفة الله ، فكما لا يقدر على صفة الله كذلك لا يقدر على صفتنا ، وكما لا يقدر على صفتنا كذلك لا يقدر على صفة المؤمن ، إنّ المؤمن ليلقى المؤمن فيصافحه فلا يزال الله ينظر إليهما والذنوب تتحاتّ عن

_________________

(١) كون العطف على « علقمة بن محمّد » ( المترجم )

(٢) الإرشاد ٢ : ١٥٧ و ١٥٨ وفيه : « توارث علماً »


وجوههما كما يتحاتّ الورق عن الشجر حتّى يتفرّقا ، فكيف يقدر على صفة من هو كذلك(١)

وهذا الخبر يتضمّن مدحاً جليلاً لأنّ وصف الراوي بكونه لهم شيعة خير من النصّ على العدالة مأة مرّة

وطريقه وإن اشتمل على محمّد بن عيسى العبيدي عن يونس وقد توقّف فيه بعض العلماء ، ولكنّنا أثبتنا بنحو واف عدالته وجلالة أمره في مواضع كثيرة وقد شهد له بالوثاقة جمع من الأعيان والأكابر

قال النجاشي في الرجال : « ثقة عين كثير الرواية حسن التصنيف »(٢) وفي ردّه على الصدوق لقوله : « ما يكتبه محمّد بن عيسى عن يونس ويرويه لا صحّة له » قال : وأنا رأيت الأصحاب ـ وهذه علامة على الإجماع ـ ينكرون على ابن بابويه ويقولون : « من مثل أبي جعفر ؟ »

وقال الفضل بن شاذان في حقّه : « ومن في الأقران مثله ؟ »

وصرّح الكشي في ترجمة محمّد بن سنان بعدالته ونحن في رسالة « الإصابة » أثبتنا أنّ جميع ما في كتاب « اختيار معرفة الرجال » هو مختار الشيخ ، والشيخ موافق على توثيق يونس ، وأمّا تضعيفه في الفهرست فإنّه اتّباع وترديد لما قال ابن بابويه

وجاء في رسالة « أبو غالب » في بيان حال آل أعين إنّه كاتب الإمام صاحب

_________________

(١) الكافي ٢ : ١٨٠ ح ٦ علي بن إبراهيم ، عن محمّد بن عيسى ، عن يونس ، عن يحيى الحلبي ، عن مالك الجهني قال : قال لي أبو جعفر ( هامش الأصل ، وقد جرت مطابقته مع نسخة تحقيق غفاري ط ١٣٦٥ هـ دار الكتب الإسلاميّة )

(٢) عبارة النجاشي في الرجال كالتالي : كان وجهاً من أصحابنا متقدّماً عظيم المنزلة ( الرجال ٢ : ٤٢٠ ـ ٤٢١ ) ( المترجم )


الزمان أرواحنا له الفداء بدون واسطة وصدرت في حقّه توقيعات كريمة من الناحية المقدّسة وهذا حال عمّا للرجل من المقام الرفيع والمرام المنيع ، ولم يكن قدح ابن بابويه فيه لضعف في نفسه بل الظاهر أنّ ذلك راجع إلى تشكيك ابن الوليد في جواز إجازة الصغير ، وليس لهذا وجه ، إذ سنّ البلوغ مشترط في الراوي عند الأداء لا عند التحمّل ، ولو سلّمنا جدلاً بذلك فإنّ اتفاق الأصحاب على خلافه كاف في ردّه

ثمّ إنّ شهادة الكشي التي وجدناها في حقّه وعبارة « رسالة أبي غالب » بالتفصيل الذي ذكرنا في محلّه وتوثيق النجاشي له يرفع(١) جميع وجوه الإشكال ، لهذا جزم جماعة من الأكابر والمحقّقين بعدالته ووثاقته

ولا يضير اشتمال السند على « مالك » لأنّه واقع في طريق يونس بن عبدالرحمن ومقتضى القاعدة أنّ العصابة أجمعت على صحّة الحديث المنتهي سنده إليه وهذه العبارة إن لم تدلّ على عدالة جميع من يروي عنه فهي دليل على صحّة الخبر كما حقّقنا ذلك على الوجه الأتم والأوفى في « رسالة الإصابة في قاعدة إجماع الصحابة » وقد بيّنّا وجوهه ودلائله وأمارته ، وبناءاً على هذا يكون السند صحيحاً ولا مجال للمناقشة فيه ويوجد في روضة الكافي خبر عن عبد الله ابن مسكان وهو من أصحاب الإجماع منقولاً عنه(٢) وهذا يدلّ على علوّ رتبته في الرواية

ومن مجموع هذه الأمارات تكون عدالته وجلالته أظهر من الشمس(٣) مضافاً

_________________

(١) فاعل الفعل « يرفع » قوله : شهادة الكشي ( المترجم )

(٢) روضة الكافي : ١٤٦ ح ١٢٢ ( هامش الأصل ) عنه عن ابن مسكان عن مالك الجهني قال : قال لي أبو عبد الله الخ ( المترجم )

(٣) قرن الغزالة ـ المؤلّف


إلى أنّ رواية ابن مسكان ويونس بذاتها أمارة على المدح وابن أبي عمير الذي لا يروي إلّا عن الثقات يروي عنه ، وهذا وحده كاف في تعديله ، كما اعتمد على ذلك كثير من الأساطين وبيّنّا ذلك في الرسالة المذكور بإطناب ونظراً لما قلناه فإنّ العلّامة والشهيد قدّس سرّهما في كتاب المواريث حكما بصحّة حديثه

ومجمل القول : إنّ رتبة الحديث في الطريق الثاني هي « الحسن » وقد بيّنّا حسن حال صالح بن عقبة على طريقة الإجمال لا التفصيل وتحصّل بأيدينا أنّ صدر هذا الحديث المبارك نقله عدّة من أصحاب الإمامين الباقر والصادقعليهما‌السلام وهم عقبة بن قيس وعلقمة بن محمّد ومالك الجهني ونقل متن الزيارة الشريفة علقمة عن الإمام الباقرعليه‌السلام كما فعل صفوان عن الإمام الصادقعليه‌السلام بالسند الذي سمعت ، وتكرّر مجيئه في الكتب المعتبرة المعتمدة ، وروى الدعاء آخر الزيارة صفوان واشتهاره بدعاء علقمة لا وجه له وهو خطأ محض

ومجمل القول أنّه لا ريب في اعتبار سند الرواية ، وكان عمل الشيعة على تطاول الزمان وتمادي العصور والدهور على هذه الرواية حيث جعلوا هذه الرواية من أورادهم اللازمة وأذكارهم الدائمة ، وتكون مع انضمام هذه القرائن قطعيّة الصدور مضافاً إلى كون إسنادها منه ما هو الصحيح ومنه ما هو الحسن

وأخيراً بناء على رويّة مذهب التحقيق ليس في وثاقة سندها أدنى تأمّل على الإطلاق لهذا لم يطعن أحد من العلماء بصحّة سندها ولم يتوقّف فيه


الفصل الثاني

لا بدّ من التعرّض هنا لما قاله العلّامة المجلسي في هذا الباب ، فنقول : قال في زاد المعاد :

أمّا زيارتهعليه‌السلام المشهورة فقد رواها الشيخ الطوسي وابن قولويه وغيرهما عن سيف بن عميرة وصالح بن عقبة وكلاهما رواها عن محمّد بن إسماعيل وعقبة بن محمّد الحضرمي وكلاهما عن مالك الجهني فإنّه قال : قال الإمام محمّد الباقرعليه‌السلام ، ثمّ يأخذ بترجمة حديث كامل الزيارة حتّى يصل إلى حديث محمّد بن خالد الطيالسي وينقله أيضاً ، وبعد نقل الدعاء المذكور يشرع في ترجمة حديث سيف ابن عميرة ، وعبارة تحفة الزائر قريبة من هذه العبارة ، وظاهر كلامه يدلّ على أنّ المجموع من النقول ما هو إلّا عبارات مشتركة بين الشيخ وابن قولويه

وفي هذا القول وجوه من المناقشات يجلّ عنها مقام هذا العلّامة الذائع الصيت والمحدّث الكبير العلمي(١) ولكن نزولاً عند قوله تعالى :( الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ ) (٢) لأجل تنبيه الغافلين وتبيان الحقّ وإيضاح وجه الصواب فلابدّ من ذكرها بحيث لا تصطدم مع ما للشيخ من جلالة القدر ، ولقد اطّلعت على جانب منها في كلام السيّد الأجل الأعظم حجّة الفرقة ، سيّد الطائفة ، الحاج السيّد محمّد باقر الرشتي الأصفهانيقدس‌سره (٣) وأنعم به اتفاقاً ونلت من هذا الاطّلاع قدراً من الاستفادة ، والله الموفّق

_________________

(١) « العلمي » صفة لمقام ( المترجم )

(٢) يونس : ٣٥

(٣) كان هذا البحث جواباً على سؤال ورد على المرحوم آية الله عن زيارة عاشوراء وطبع ضمن مجموع « الأسئلة والأجوبة » ص ٢٥ ـ ٤١ ( هامش المحقّق )


المناقشة الأُولى :

أنّ محمّد بن إسماعيل بحسب ما أفادته الرواية روى عن شيخين هما سيف ابن عميرة وصالح بن عقبة ولكن المجلسي قصّر الرواية على محمّد بن إسماعيل واعتبرها منتهية إليه ؛ وهذا خلاف الواقع ؛ لأنّ عبارة « المصباح » و « كامل الزيارة » تنصّ على روايته عن شيخه صالح ، وذيل عبارة المصباح صريحة بروايته عنه وعن سيف ، وهذا غاية في الغرابة لكونه منافٍ للوضع الطبقي للرواة لأنّهما أسنّ من محمّد بن إسماعيل فهما من أصحاب الصادق والكاظمعليهما‌السلام وهو من أصحاب الكاظم والرضا والجوادعليهم‌السلام ، والذي درج عليه الناس وشاع بين الرواة هو رواية الأصاغر عن الأكابر لا العكس ، وإن لم يكن مستحيلاً ولكن العمل الرجالي قائم على تمييز الأسماء المشتركة بتميّز الطبقات غالباً ، وجعل هذا الأمر خاصّاً بهؤلاء الرواة يبدو بعيداً ، ولو ألغينا هذا الوجه من الاعتبار ولم نسلم به فإنّ الوجه الأوّل يكفي في ردّ قول المجلسي

المناقشة الثانية :

وأمّا قول المجلسي « وكلاهما عن مالك الجهني » يقتضي أنّ رواية محمّد بن إسماعيل عن مالك وهذا خلاف الواقع ؛ لأنّ رواية « المصباح » و « كامل الزيارة » تنصّ على أنّه رواها عن صالح ولا يوجد في أيّ كتاب ما يحمل على التوهّم من روايته عن كلا الاثنين ، أضف إلى ذلك أنّ البحث في أحوال الرواة وترتيب الطبقات يقضي بفساد هذا الاحتمال ؛ لأنّ الشيخ قدّس الله نفسه قال عن مالك بأنه توفّي في عصر الإمام الصادقعليه‌السلام ، ولم يعتبر أحدٌ محمّداً بن إسماعيل من أصحاب الصادقعليه‌السلام بل اعتبروه من أصاغر أصحاب الكاظم وفتيانهم ، وأدرك


آخر أيّام الإمام الكاظمعليه‌السلام وبقي على قيد الحياة حتّى وافىٰ زمن الإمام الجواد ، من هنا جزمنا ببُعد رواية صالح عنه كلّ البُعد

المناقشة الثالثة :

أنّه نسب الرواية بهذا السند إلى الشيخ وابن قولويه كليهما ونحن فيما سلف نقلنا عبارة الإثنين بالتفصيل وبان لنا رواية الشيخ عن محمّد بن إسماعيل عن صالح بن عقبة التي يرويها عن أبيه عقبة ولم يرد ذكر لمالك في عبارة الشيخ سواء ما جاء منها في المصباح أو التي نقلها هذا المحدّث النحرير في البحار(١)

المناقشة الرابعة :

أنّ علقمة روى الرواية عن الباقرعليه‌السلام من دون واسطة كما ورد في المصباح وكامل الزيارة ، وكما نقلناها عنهما ولم نعثر على موضع منها أنّ علقمة رواها بواسطة مالك ، وربّما كان منشأ الوهم هو ما أشرنا إلى فساده من اعتبار المجلسي عبارة « ومحمّد بن إسماعيل » عطفاً على علقمة بن محمّد في كامل الزيارة بينما هو سند مستأنف وعلى أساس من هذا الوعهم عزا رواية سيف وصالح عن محمّد بن إسماعيل ، وقد علمت فيما سلف أنّ العطف إمّا أن يكون على حكيم بن داود على أبعد الوجهين ، أو على محمّد بن خالد وهو الأظهر فعلاً في نظره

وممّا ينتظم في هذا النسق أنّه صرّح في ذيل حديث سيف ابن عميرة أنّ علقمة روى هذا الخبر بدون واسطة عن الإمام الباقرعليه‌السلام وهذا العلامة نفسه ترجم عين العبارة ولاحظ الأصل في كتابين إجمالاً وتفصيلاً ، وحكاه في البحار ، ومع كلّ هذا

_________________

(١) بحار الأنوار ٩٨ : ٢٩٣ ط بيروت ( هامش المحقّق وجرى تطبيقها )


فقد اعتبر علقمة راوياً عن مالك مع قول علقمة نفسه « قلت لأبي جعفرعليه‌السلام » ومع هذا التصريح لا يتطرّق علينا احتمال حذف الواسطة بينه وبين الإمام الباقرعليه‌السلام

المناقشة الخامسة :

أنّ ظاهر كلامه يدلّ على أنّ محمّداً بن إسماعيل وعلقمة بن محمّد متعاصران ويعيشان في زمن واحد وكلاهما يروي عن راوٍ واحد ، وعلمت فيما سبق بأنّ علقمة من أصحاب الصادقينعليهما‌السلام في حين أنّ محمّداً بن إسماعيل من أصحاب الكاظم والرضا والجوادعليهم‌السلام ولا يمكن اتحاد طبقتهما ، ويستحيل في ميزان الاعتبار تعاصرهما

المناقشة السادسة :

لم يرد في أيّ كتاب آخر نسبة هذه الرواية وبهذا السند إلى غير الشيخ وابن قولويه ، ولم يسمع أحد بهذا في أُذنيه ولم يشاهده بعينيه وكما علمت أنّ الرواية مطلقاً لم تصحّ عن أحد ، وأوّل من عزاها إلى غير الشيخ وابن قولويه هو المرحوم المجلسي وما وجدناه في الطروس ، إنّ الرواية رويت عن علقمة ؛ إمّا بطريق الشيخ أو بطريق ابن قولويه وإمّا مرسلة

المناقشة السابعة :

ما نسبه إلى الشيخ من أنّ رواية المصباح نصّت على أنّ ثواب زيارة يوم عاشوراء تعدل ألفي ألف حجّة وهكذا ، وفي ذيل العبارة : أنّ ثواب زيارة البعيد تعدل ألف ألف حجّة مع أنّ المذكور في المصباح لا يتعدّى الألفين والألف ، والذي ذكره من مضاعفة الألف إنّما هو رواية كامل الزيارة وقريب من هذا الخلط وقع في البحار كما قلنا ذلك


المناقشة الثامنة :

ما ورد في ذيل حديث علقمة من ترجمة هذه العبارة « يا علقمة إذا أنت صلّيت ركعتين بعد أن تومي إليه بالسلام وقلت بالإيماء إليه هذا القول ، فإنّك إذا قلت ذلك فقد دعوت بما يدعو به من زاره من الملائكة الخ »(١) وهذه الترجمة عبارة كامل الزيارة ، بينما لم تذكر العبارة التي ينبغي أن تذكر بعد قوله : « إنّك إذا قلت ذلك » ، ولقد سمعت عبارة الشيخ ولاحظت سياق ترجمتها وعرفت الفرق بينها وبين عبارة كامل الزيارة ، بل إنّ لفظ « بعد الركعتين » كما سيأتي تصحيف لقوله بعد التكبير ، وهذا الاختلاف صار منشأ لمعركة آراء بين الفقهاء إذ كيف يسوغ لمحدّث أمين أن ينسب ذلك إلى الشيخ مع أنّه لا يوجد له عين ولا أثر في كلامه ، وبالطبع يحمل ذلك على سائر الفقرات التي بدرت سهواً من مزبرهرحمه‌الله

المناقشة التاسعة :

أنّه نسب رواية محمّد بن خالد الطيالسي التي أوردها بعد نقل الزيارة في المصباح إلى ابن قولويه ولكنّه لا أثر لذكر هذا الدعاء على الإطلاق ولا لهذا الخبر عن ابن قولويه في كامل الزيارة

المناقشة العاشرة :

أنّه نسب رواية صفوان إلى ابن قولويه ، وليس عنده من ذلك عين ولا أثر في كتاب كامل الزيارة ، وقد تنبّه نفسه إلى ذلك في بحار الأنوار فنقل صدر الحديث من كامل الزيارة ونسب الذيلين إلى الشيخ

_________________

(١) كامل الزيارة : ٣٢٧


وهذه في حسابنا عشر مناقشات ولكنّها تنحلّ بعد التأمّل إلى اثنى عشر مناقشة ؛ لأنّ المناقشة الأُولى والثانية تتضمّن جهتين من البحث ؛ أحدهما مخالفة الواقع ، والثانية : مخالفة الطبقات مضافاً إلى أنّنا حين نتتبّع خصوصيّات كلامه وجزئيّاته من ملاحظة كامل الزيارة ونسبة ما فيها للشيخ وبالعكس وبمراجعة ما ترجمناه والبحث في زاد المعاد وتأمّل متن الخبر وملاحظة مواضع الاختلاف التي أشرنا إليها في الحاشية يظهر ذلك واضحاً

ووقوع هذه الأخطاء من هؤلاء العظماء إنّما حدثت بعين الله وذلك لنفي العصمة عنهم ولكي لا تتجمّد الأذهان والقرائح في البحث والطلب ، ولكلّ واحد بناءاً على ما قاله الأديب الحكيم :

لكلّ مجتهدٍ حظٌّ من الطلبُ

فاسبق بعزمك سير الأنجم الشهب

حظّه من بذل الجهد واستفراغ الوسع وخلع ربقة التقليد ووضع قدمه في وادي حلّ المشكلات بتأمّل وتحقيق مستمدّاً العون من الله تعالى بشفاعة الأئمّة وإعانتهم وبالطبع لا يرجع خائباً بائساً ، فارغ الوفاظ والله الموفّق وهو العاصم


المقصد الثاني
في فقه الحديث وذكر محتملاته وتحقيق ما هو
المطلوب من العمل بهذه الزيارة وذكر بعض
الفوائد المتعلّقة بها متناً وحكماً وفضلاً

ولمّا قضى قانون التعليم أن يوعب الحقّ الصراح والصدق القراح في الذهن الساذج والفهم الفارغ لكي يغرس جذره في تربة صالحة ويتمكّن من النمو والرسو في تلك التربة ، كما قيل :

أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى

فصادف قلباً فارغاً فتمكّنا

لأنّ ذكر الباطل إذا أخذ طريقه إلى القلب قبل غيره ربّما تمكّن منه ، وكان البرهان المتأخّر عنه غير قادر على إزالة آثاره ، وهذا شأنه شأن الصحيفة البيضاء النقيّة فإنّ ما يكتب فيها أوّل مرّة تعسر إزالته إلّا بمحوه ، وربّما فارق بضاعته الأُولى

اى برادر مزرع ناكشته باش

كاغذ اسپيد نابنوشته باش

كن كارض البكر لا زرع بها

أو كطرس ما جرىٰ فيه قلم

لذلك نشرع أوّلاً بذكر الاحتمال المرضي المختار ثمّ نتبع ذلك بذكر الأُمور المحتملة الأُخرى ، مع مناقشتها وبذل المحاولة في ردّها بالأدلّة المقنعة بإذن الله


تعالى التي ترفع الشكّ وتكشف غبش الريب وتزيل الخطأ

وقبل أن نبدأ بذلك يجب أن يعلم بأنّ خلافات عريضة جرت لفهم هذا الخبر ، كما حدثت مشاجرات طويلة بين العلماء العظام والفقهاء الكرام ، ومنشأ الخلاف في الأعمّ الأغلب يعود إلى الاختلاف في عبارات نسختي الكامل والمصباح ، وهناك وجوه إضافيّة سوف نتعرّض لها أثناء الحديث بالشرح والتفصيل ، كما نعرض لمختلف الاحتمالات التي يثيرها هذا الخبر الشريف سواءاً اعتمدها جماعة من العلماء أو كانت مجرّد احتمال معروض للبحث والمداولة ولم ينسب إلى أحد وذلك في وجوه :

الوجه الأوّل :

من لوازم هذه الزيارة التوجّه إلى الصحراء أو الصعود إلى السطح مع التكبير والإيماء إلى القبر المقدّس ثمّ تلاوة الزيارة بعد ذلك مصحوبة باللعن مأة مرّة والسلام مثلها ثمّ يدعو بدعاء « اللهمّ خصّ » ويقرأ دعاء السجود وبعد ذلك يصلّي ركعتين ، هذا ما ورد في وجه أدائها

ويمكن أن يقال بجواز خلوّها من التكبير والإصحار بها أو رقي السطح لها واعتبار ذلك من الآداب المكمّلة لا قوامها الذي هو جزء وجودها ، بل قال العالم المتبحّر الآقا محمّد علي الكرمانشاهيقدس‌سره في المقامع في زيارة البعيد يجوز التوجّه إلى القبلة كما يجوز التوجّه إلى القبر الشريف ولكن احتمال كون هذه الاُمور غير مشترطة خلاف لظاهر الرواية لا سيّما الإشارة والتكبير الذي يتركّب العمل منه ويترتّب الثواب عليه نعم ربّما قيل بسقوط الإصحار والسطح وله وجه وتوضيح هذا الوجه بحيث يرفع غواشي الأوهام ويسهل مسالك الأفهام ، وظاهر الرواية كما يلي :


وذلك أنّ الإمامعليه‌السلام بعد أن أوضح زيارة عاشوراء لمالك أو لعقبة بن قيس وأمره بالصعود على السطح وبالإصحار والإيماء كان علقمة بن محمّد شاهد الحال أيضاً فسأله أن يعلّمه دعاءاً خاصّاً يقوله عند الإشارة ، ولم يكتف بمطلق السلام فأجاب الإمام طلبه وعلّمه الدعاء الذي هو عبارة عن زيارة عاشوراء ، والظاهر في العمل السابق أنّ الصلاة مقدّمة على الإيماء ولكنّه لمّا طلب الدعاء مقارناً للإيماء إلى القبر الشريف علم منها أنّ الصلاة مقدّمة على الزيارة ، وهذه قرينة واضحة ودلالة بيّنة على المطلوب لأنّه لو كانت الزيارة بعد الصلاة والإيماء لكانت عملاً مستقلّاً ولا ترتبط بسؤال علقمة

ثمّ إنّ آداب المحاورة وحكمة السؤال والجواب وحكمهما لا يبيح أدباً عدم إجابة السائل إمّا نفياً وإمّا إثباتاً ، ثمّ لا ينبغي عند البلغاء أن يتخلّل الكلام المتّصل في موضوع كلام أجنبيّ عنه دون أن ينبّه عليه الإمام لأنّه يوهم ارتباطه من غير تنبيه بمجمل الموضوع المتكلّم فيه

وهذا لو كان صادراً من العامّة والحوشية لكان ساقطاً مستهجناً فكيف يظنّ فيه ذلك وهو صادر من مشكاة الإمام مشرع الفصاحة وينبوع المحاسن تعالى شأنه عن ذلك علوّاً كبيراً

وبناءاً على هذا فقوله : « أومأت » الواردة في عبارة السؤال معناها إرادة الإيماء أو أنّها تعني نفس التوجّه والانصراف إلى القبر الشريف المقدّس وبالطبع فإنّ التأويل الثاني في عبارة « المصباح » يبدو بعيداً وهو قوله : « أومأت إليه من بعد البلاد بالتسليم » ومن المعلوم أنّ القصد من الإيماء هو المصاحب للسلام ومحصّله الإشارة مع السلام كما أنّ الظاهر من حال علقمة أنّه طلب الدعاء الخاصّ بمقتضى سياق الرواية كما أشرنا إليه سابقاً للزيارة وليس بعدها

وهنا دقيقة من دقائق الكلام وهو أنّ نصّ الجواب دليل على المطلوب وذلك


أنّ في بعض نسخ المصباح وتمام نسخ كامل الزيارة « قلت » أو « فقل عند الإيماء » وفي بعض النسخ ورد بلفظ « بعد الإيماء » أيضاً ولا يوثق بصحّة هذه العبارة وعلى فرض صحّتها يكون معناه بعد إرادة الإيماء أو بعد التوجّه بقرينة وجوب انطباق السؤال على الجواب

ويجب أن يعلم أنّ المراد بالإيماء إن كان مطلق التوجّه أو الإشارة فما من داع للزوم الإصحار أو الصعود على السطح ، وإن كان إشارة إلى السؤال كما يدلّ على ذلك اقترانه بـ « لام التعريف » مبنى على دستور العمل السابق حيث يقول : فإذا أدّيت العمل الذي أُمرت به فلابدّ من أن أتلو دعاءاً بعده وحينئذٍ يكون لازماً بعد فرض اللزوم

والظاهر من إرادة الصحراء ليست على الحقيقة فلا خاصيّة له بل المراد مكان واسع وفضاء مفتوح كيفما كان ، وبالطبع لا بدّ من فعل هذه الخصوصيّة من المكان الواسع أو الصعود على ظهر سطح لإحراز الواقع ومن الشواهد على مذهبنا في توجيه الحديث ما ورد في نسخة « كامل الزيارة » : إذا أنت صلّيت الركعتين بعد أن تومئ إليه وقلت عند الإيماء هذا القول فإنّك إن قلت ذلك فقد دعوت لأنّ صريح هذه الرواية قاضٍ بأنّك إذا صلّيت الصلاة بعد الإيماء وقلت هذا الكلام أثنائه فإنّك تحصل على الثواب ولا يبعد أن تكون عبارة كامل الزيارة « من بعد الركعتين » تحريف من الكتّاب ولفظ الحديث هو من بعد التكبير الوارد في نسخة المصباح

ولا يعتري المتأمّل البصير والناقد الخبير ريب بأنّ هذا الحديث الوارد في الكتابين هو حديث واحد وإن ورد اختلاف فيه بالنقل ووقع ذلك في المتن والسند منه بحسب اختلاف الناقل أو تعدّد النقل أو خطأ الرواة ، ولكن الظنّ القوي قائم باتحاد الحديث ونسخ المصباح غالباً أصحّ من نسخ كامل الزيارة بل وكما قال بعض الناقدين : إنّ كامل الزيارة ليست من الكتب المقرونة والمسموعة


والمعروضة على المشايخ بحيث لا يستطيع أن يساوي كتاب المصباح الذي هو حرز العلماء وتميمة الفقهاء عند الاختلاف ، وسوف تظهر لنا وجوه أُخرى ، عند ردّ الكلمة إلى فقرة عبارة المصباح فيما بعد إن شاء الله

ومجمل القول : جاءت عبارة كامل الزيارة ونيل الثواب العظيم فيها مشروطاً بالصلاة بعد الإيماء والدعاء وهذه قرينة واضحة على عبارة المصباح إنّ الجزاء فيها داخل ضمن العبارة « فإنّك إذا قلت » ولفظ « فقل » وأن أوهم قبل التأمّل الجزاء ويكون بناءاً على ذلك الدعاء بعد الصلاة ولكن المتأمّل في أطراف العبارة والناظر في السابق واللاحق من الكلام لا يشكّ في أنّ لفظ « فقل » تمهيد للجزاء وحقيقة الجزاء قوله « فإنّك إذا قلت » حيث جاءت الصلاة والإيماء في صدر الحديث المذكور ، وكان السؤال صرفاً للدعاء وإنّما ذكر هذا الشرط لمحض إحراز جميع أجزاء وشرائط العمل ، ويبعد أن يكون المراد من قوله : إذا أنت صلّيت أي إذا أردت الصلاة ، ولو كان كذلك لقدّم الإيماء والسلام على الصلاة والزيارة ، ولا يصحّ أن يقول بعد الإيماء لأنّ ظاهر التعدديّة هذه هي المقارنة ولو أراد فصل الصلاة لقال : « يقول : بعد الصلاة » وبناءاً على القول الوارد في كامل الزيارة « عند الإيماء » يكون الأمر أظهر والخطب أسهل(١)

_________________

(١) ولو سلّمنا أنّه أراد وقوع الزيارة بعد الصلاة فوجهه بحمل التكبير الوارد في نسخة المصباح على الركعتين الواردتين في نسخة الكامل مدّعين جواز حمل التكبير على الصلاة لأنّها تفتتح به وهو ركن من أركانها ، وإن كانت هذه دعوى لا يصغى لسماعها ، فنقول : لمّا كانت حال المخاطب الآن هو البعد عن القبر الشريف ومقام الزيارة يقتضي العموم ولكن خصوصيّة السائل وتوجيه الخطاب بمن ابتلي بالبعد فإنّ الزيارة هذه لبيان حكم زيارة البعيد ، ولمّا كان الأفضل للبعيد تقديم الصلاة كما يظهر ذلك من صحيحة هشام ومرسلة ابن أبي عمير ورواية سليمان بن عيسى عن أبيه التي أخرجها الكليني والشيخ عن الإمام الصادقعليه‌السلام ، ويظهر أنّ الإمام أمر بتقديم صلاة الزيارة بحقّهم من ثمّ نقول بأمره بتقديم صلاة الزيارة


ومن شواهد هذا التوجّه الجليّة فهم سيف بن عميرة الراوي الجليل الشأن وقد عرفت مناقبه كما جاء في ذيل حديث الشيخقدس‌سره أنّ سيف روى عن صفوان أنّه بعد الفراغ من زيارة أمير المؤمنينعليه‌السلام توجّه شطر قبر سيّد الشهداء الذي يكون في الحرم العلوي المطهّر عكس القبلة ، وقد نقل عن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّ زيارة الحسينعليه‌السلام هنا مستحبّة ثمّ قرأ في ذلك الوقت زيارة علقمة ثمّ صلّى ركعتين وتلا « يا الله » إلى آخره ، ولا شكّ أنّ صفوان في هذا المكان زار أوّلاً ثمّ صلّى

قال سيف : هذا ما كان من خبر علقمة واحتمال كون المراد من الزيارة هو العمل بكامله مع اشتماله على الصلاة ، أمّا الصلاة الثانية فهي صلاة وداع أمير المؤمنينعليه‌السلام فهو مقطوع بفساده لأنّ إطلاق عبارة الزيارة وإرادة العمل المركّب من الصلاة والدعاء خلاف الظاهر ومن الجائز القطع بوجهين :

الأوّل : أنّ لفظ « فدعا » المراد به نفس تلاوة الزيارة ولا يجوز في طريقه التعبير ـ ولا ينبّئك مثل خبير ـ المراد بقوله « ودعا بالزيارة » إنّه يريد الصلاة

الثاني : أنّنا أشرنا أنّ الانصراف جهة قبر سيّد الشهداء يستدعي استدبار القبلة في حرم أمير المؤمنين وإذا اشتمل هذا العمل على الصلاة فينبغي أن يكون مستدبراً القبلة وهذا ضروريّ الفساد وذلك من ثوابت المذهب أنّه بدون عذر لا يصحّ استدبار القبلة حتّى في الصلاة المندوبة وهذا المطلب لا يحتاج إلى طويل شرح ولا إلى الاستدلال ، ولمّا كان عمل صفوان على ما ذكرنا علم سيف أنّ خبر

_________________

ومؤيّد ذلك أنّ الخبر في بيان أحكام البعيد أوّلاً وفي سؤال علقمة أنّ حال البعد مقدّم ، إذن يظهر من ذلك أنّ وجه الكلام هو لبيان حال البعيد وإنّما ذكر القريب استطراداً وتعليماً وعلى هذا يكون التأخير متعيّناً في حال القرب وفي حال البعد قياساً على سائر الزيارات تكون بالتخيير والتقديم أولى

ولعلّ مؤيّد هذا هو التعبير عن التوجّه إلى القبر الشريف بالإيماء لأنّ التوجّه إلى القبر لا مانع منه على القريب وغاية ما يستعمل ذلك بالنسبة لمن تبعد دياره عن القبر الشريف ، والله أعلم بحقيقة الحال ( منهرحمه‌الله ـ هامش )


علقمة هو أوثق الأدلّة وهو أنّ صفوان في ذيل روايته عن الصادق أنّ الإمامعليه‌السلام بنفسه أجرى هذا العمل مع ما عرفت من عظيم ثوابه ويقيناً إنّه ليس عملين

إذاً ظهر بحمد الله وثبت والمنّة لله وجه الحقّ بالأمارات الحاليّة والمقاليّة وهو الوجه الذي ذكرناه ومن هذه الجهة اختار أكابر العلماء الاحتمال الذي اخترناه كما حكي عن الشيخ المفيد قدّس الله نفسه الزكيّة وأعلى رتبته العليّة في كتاب « المزار » أنّه بيّن طريقة العمل بهذه الزيارة وهي الابتداء مع اللعن والسلام والدعاء ثمّ تصلّي الركعتين وفي أحد كتب المزار القديمة من مصنّفات قدماء العلماء وشوهدت النسخة العتيقة منه وفيها زيارة عاشوراء من قرب أو بعد ، ينبغي أن يزار الحسينعليه‌السلام بهذه الزيارة وإن حصلت في مشهده صلّى الله عليه فتصير إليه وتقف على قبره وتجعل القبلة بين كتفيك وتكبّر الله تعالى وتزوره بهذه الزيارة وإن كنت في غير مشهده إلى الصحراء أو اصعد إلى سطح مرتفع في دارك حيث كنت من البلاد وكبّر الله وأوم إلى قبر الحسينعليه‌السلام وقل بعد التكبير(١)

ثمّ أورد الزيارة باختلاف يسير مع النسختين المذكورتين وسنوافيك بها في فوائد خاتمة الباب إن شاء الله تعالى ، ويقول بعد ذلك : ثمّ تصلّي ركعتين إلى آخر ما قال ، وهذه العبارة نصٌّ على ما ذهبنا إليه إن كانت الألفاظ نفس ألفاظ الحديث ، أو أنّ علقمة رواها ثانية بالمعنى وهي فصل الخطاب في المسألة والبرهان القاطع عليها وإن كانت من تعبير المصنف وفهمه والظاهر أنّه من معاصري صاحب الاحتجاج وهو من مشايخ ابن شهر آشوب وكلاهما يروي عن السيّد العالم العابد أبي جعفر المهدي بن أبي حرب الحسيني المرعشي وهذا أيضاً يؤيّد مطلبنا ويشهد لنا

_________________

(١) هذه الفقرة وردت بالعربيّة وفيها مكان « حصلت » حصنت ولا معنى لها وإن بنيتها للمجهول وضعّفت الصاد ( المترجم )


وكذلك عبارة « منهاج الصلاح » لآية الله العلّامة أدام الله إكرامه الذي قال تستحبّ زيارة الحسين يوم عاشوراء من قرب أو بعد ـ إلى أن يقول : ـ السلام عليك ، إلى آخر دعاء السجدة وهو « بذلوا مهجهم دون الحسين » وكان المنهاج هو مختصر المصباح فإنّه عرف العمل إلى هذا المقدار من اعتباره التكبير وسائر اللوازم أيضاً من الآداب والمستحبّات في العمل المستحبّ ولا يتقوّم العمل بها

كما أنّ غالبيّة العلماء والمحقّقين الذين هم من أهل النظر والانتقاد يرون مثل هذه الخصوصيّات في الأشباه والنظائر لهذا العمل من المستحبّات تحمل على الآداب وهي شرط في الكمال

ومن هذه الجهة ملنا إلى مذهب المحقّقين في أوّل تقرير الوجه وقوّينا عدم اعتبار هذه الشرائط إلّا على نحو الآداب ويرجع ترك ذكر الصلاة في كلام العلّامة إلى كون ركعتي الصلاة مستحبّة في جميع الزيارات ، ولا خصوصيّة لهذه الزيارة ، ومثل هذين المزارين العبارة المحكيّة عن مزار الشيخ المعظّم جليل المنزلة « محمّد بن المشهدي »رحمه‌الله الذي اقتصر في نقل هذه الزيارة على المتن مطابقاً لما جاء في المصباح وحذف منها التكبير والصلاة وسائر اللوازم الأُخرى

وقال الشهيد نفسه في محكي المزار : من الزيارات المخصوصة زيارة عاشوراء قبل زوال الشمس من قرب أو من بعد ، فإذا أردت زيارة الحسينعليه‌السلام في هذا اليوم فأومأ إليه مسلّماً عليه واجهد وبالغ في لعن قاتليه ومحاربيه ثمّ قل إيماءاً « السلام عليك يا أبا عبد الله » وساق الرواية إلى آخر دعاء السجدة

وبناءاً على اتفاق أفهام هذه الطائفة من أكابر فقهاء الشيعة رضي الله عنهم التي لابست فهم المعاني الدقيقة ومارست حلّ الألفاظ العويصة للكتاب والسنّة ، فإنّها ظاهرتنا على ما ذهبنا اليه ، وذكرنا قرائن عدّة تدلّ عليه ، وليس بعيداً من المنصف ذي الفهم السليم والإدراك الصحيح الجزم بما جزمنا به


وكان من أساطين الفقهاء في هذا العصر الذين اطّلع هذا القليل البضاعة على مذاهبهم والدنا الفحل المحقّق جزاه الله عن العلم وأهله خير الجزاء ووفّاه من خزائن رحمته أوفر الأنصبة ، فقد استمرّ قولاً وعملاً على ما ذكرناه أوّلاً واليوم يجري على هذا المنوال السيّد الأجلّ الأُستاذ دام ظلّه العالي عملاً وسلوكاً ولا يعمل بالاحتياطات المنسوبة إلى حضرته على الإطلاق

تنبيه :

الذي يظهر من الحديث كفاية مطلق التكبير الذي يتحقّق مصداقه بتكبيرة واحدة ولكن لمّا ورد في أخبار الزيارة الكثيرة اعتبار مائة تكبيرة فإنّه لا يستبعد على الفقيه المحقّق المحتاط أن يراها مستحبّة في أوّل كلّ زيارة كما حكي ذلك عن بعض الفقهاء المعاصرين في كتاب المزار والكفعمي أثبت مأة تكبيرة في زيارة عاشوراء خاصّة ومن المحتمل أن يكون استشعر من هذه الجهة ومن جهات أُخرى تعدّد الزيارة وعلى كلّ حال فإنّ الأحوط والأولىٰ الإتيان بها وإذا زاد على الواحدة مأةً قاصداً بذلك القربة المطلقة فهو أوفق وأوثق البتّة ، والله العالم بحقايق أحكامه

الوجه الثاني :

من محتملات الرواية بعد الاحتمال المذكور سلفاً ـ وهو أقرب من سائر الاحتمالات ـ أن يستقبل بوجهه قبر سيّد الشهداء أوّلاً ثمّ يسلّم بأيّة صيغة شاء ويلعن أعدائه وقتلته ثمّ يصلّي ركعتين ويقرأ بعدها زيارة عاشوراء إلى آخر دعاء السجدة ثمّ يصلّي بعد الدعاء(١)

_________________

(١) من إفادات سيّد العلماء العاملين آية الله العظمى آقا ميرزا سيّد محمّد هاشم بن الإمام العلّامة الحاج


ويمكن الاستدلال على هذا الاحتمال أنّ بعض أجلّة العلماء المعاصرين دام تأييده استقرب أنّ ظاهر عبارة المصباح : « إذا أنت صلّيت الركعتين فقل » أنّه بحكم تأخّر الجزاء عن الشرط تكون قرائة الدعاء بعد الصلاة ورواية كامل الزيارات صريحة في هذا المعنى حيث قال : « بعد الركعتين » ولكنّك علمت أنّ صدر الخبر وذيله ينصّان على خلاف هذا المعنى لأنّ صدر الخبر يتضمّن فضل مطلق الزيارة التي تكون الصلاة بعدها كما صرّح به الحديث الشريف نفسه وأشرنا مكرّراً إلى أنّ تمنّى علقمة أن يتعلّم دعاءاً يقرأه أثناء الزيارة ، وجاء الجواب مطابقاً لسؤاله وظهور المقام مقدّم على ظهور الكلام باتفاق العقلاء في وجوه الاستفادة وكيفيّات فهم المعاني

وعلمت أنّ صفوان صلّى الصلاة آخر الزيارة وعلم سيف من رواية علقمة ذلك وقد روى صفوان فضله ، وهذه الجمل كلّ واحدة منها برهان قاطع على دفع

_________________

ميرزا بن العابدين الموسوي الأصفهاني المتوفّى سنة ١٣١٨ صاحب « أُصول آل الرسول » وغيرها من المصنّفات وهو شقيق الإمام العلّامة المجتهد المجاهد المجدّد آية الله العظمى الميرزا سيّد محمّد باقر الموسوي الأصفهاني المتوفّى سنة ١٣١٣ صاحب كتاب « روضات الجنّات » وغيره من المصنّفات قدّس الله سبحانه أرواحهم

س : بيّن لنا مجملاً كيفيّة زيارة عاشوراء ؟

ج : هناك عدد من الزيارات يمكن أدائها ( وهذا ما أعتقده أنا أيضاً وقد بيّنت ذلك في رسالة مستقلّة مبسطة بالدليل والدقّة ) وواحدة منها ومن الممكن أن تكون الوسطىٰ وهي صحيحة أن يتوجّه الزائر إلى مرقد سيّد الشهداء المطهّر وأن يقول : اللهمّ العن قتلة الحسين كثيراً أقلّها عشر مرّات وأن يكثر من قول : السلام عليك يا أبا عبد الله وأقلّها عشر مرّات ، ثمّ يصلّي ركعتي الزيارة بهذه النيّة ثمّ يشرع بقرائة زيارة عاشوراء المشهورة مع إرسال مأة لعنة على مستحقّها ومأة سلام لمستحقّه ، وبعد الفراغ عندما يرفع رأسه من السجدة يصلّي ركعتين يقصد بها صلاة الزيارة ، فإذا فعل ذلك يؤمّل فيه أن يكون زار زيارة عاشوراء الصحيحة ، وإذا قرأ دعاء صفوان المعروف بدعاء علقمة بعد الصلاة الثانية يكون ذلك موجباً للكمال إلّا أنّه ليس شرطاً في الصحّة


هذا الوجه بالتفصيل السالف وسوف يتّضح لك والإعادة خالية من الاستفادة

وما ظنّه بعضهم من أنّ المراد من الركعتين في كامل الزيارة هو التكبير من باب تسمية الجزء باسم الكلّ تكلّف فاسد وتعسّق بارد ، والأولى حمله علىٰ غفلة الناسخ وخطأه

ومن ثمّ لا يوثق بصدور هذا الكلام عن الإمامعليه‌السلام وإذا تلاشت الثقة بالصدور عن الإمام فقدنا الحجيّة فما بالك بفقدان الثقة بعدم الصدور ، ولو فرضنا جدلاً صدور ذلك عن الإمام فإنّ الواجب أن يأوّل لأنّ ظهور سائر الكلام مقدّم على ظهور أحد أجزائه ، وأرجو أن لا يؤدّي اختلاف درجات الثواب في هذا العمل على تعدّده لأنّ الثواب أوّلاً لمطلق الزيارة وثانياً للخصوصيّة من حيث هي خصوصيّة ، واذا وجد المطلق ضمن المقيّد فإنّ الثواب المذكور أوّلاً لهذا المطلق وهو الفرد الأكمل والقسم الأفضل منه كما أنّ ضمان قضاء الحاجات وكفالتها مختصّ برواية صفوان المتضمّنة لدعاء الوداع بالشرع الذي مرّ آنفاً

الوجه الثالث :

قرائة الزيارة والدعاء بتمام أجزائهما مرّتين الأُولى قبل الصلاة والثانية بعدها وهذا الاحتمال وارد في البحار(١) ولعلّ الوجه في ذلك أنّه اعتبر الإيماء بعد الصلاة غير الإيماء السابق عليها ويستفاد من الحديث تلاوة الدعاء أثناء الإيماء ثمّ يأتي بهذه الأعمال وفساد هذا الوجه بيّنّاه في تقريب الوجه الأوّل وردّ الوجه الثاني مشروحاً ؛ لأنّ الدعاء اللاحق هو نفس الإيماء السابق الذي يؤدّیٰ قبل الصلاة وتؤدّىٰ الأعمال المذكورة في أثنائه

_________________

(١) بحار الأنوار ٩٨ : ٣٠٠ ط بيروت قال المجلسي : في العبارة إشكال وتحتمل وجوهاً : الأوّل أن يكون المراد فعل تلك الأعمال والأدعية قبل الصلاة وبعدها مكرّراً ( هامش الأصل والمترجم )


الوجه الرابع :

أن يتلو الزيارة حتّى يبلغ قوله « وآل نبيّك » ثمّ يقيم صلاة الركعتين ثمّ يشرع بعد أدائهما باللعن والسلام ودعاء « اللهمّ خصّ » ودعاء السجدة ويقرأ دعاء صفوان وتقريب هذا الوجه في الحديث القائل : إذا أنت صلّيت الركعتين بعد أن تومئ إليه بالسلام والمراد من السلام خصوص سلام زيارة عاشوراء « وهذا القول » إشارة إلى اللعن والسلام وسائر الأجزاء الآتية ، وهذا الوجه ليس بعيداً لكي يحتاج إلى شرح هذا وإن ورد في البحار(١) فما من قاعدة تقتضي إرادة خصوص هذه الزيارة من السلام أو إرادة اللعن والسلام من « هذا القول » وهذا تفكيك ركيك للغاية

الوجه الخامس :

المراد من السلام الزيارة واللعن والسلام ، وهذا القول إشارة إلى الدعاء « اللهمّ خصّ » وهذا الوجه أضعف من سابقه وأسخف

الوجه السادس :

أن تكون الصلاة بعد اللعن وقيل السلام ويمكن استشعار إرادة السلام وما بعده من الدعاء من قوله : « وهذا القول » فيكون المراد من السلام خصوص الزيارة فقد جاء في صدر الرواية المذكورة أن يجتهد بعد السلام ويبالغ في لعن قاتليه وهذا لمّا كان دستور العمل واحداً ينبغي أن يأتي بالسلام ويلعن مستحقّ

_________________

(١) البحار ٩٨ : ٣٠١ ط بيروت قال : الثالث أن يكون المراد بالسلام قوله : السلام عليك إلى أن ينتهي إلى الأذكار المكرّرة ثمّ يصلّي ويكرّر كلّاً من الدعائين فإنّه بعد الصلاة ويأتي بما بعدها الخ ( هامش الأصل وجرى تطبيقه مع الكتاب والزيادة من نقول المترجم )


اللعن ثمّ يصلّي بعد ذلك ويتلو سائر الأدعية ومن جملتها الإتيان بالسلام مأة مرّة

وكلّ ذي بصير بعد مراجعة ما ذكرناه يلمّ بفساد هذا الاحتمال فمن الواضح أنّه لا وجه للإشارة بخصوص السلام وما بعده وإذا كان ميزان المبالغة في لعن القتلة قبل الصلاة فينبغي أن تؤدّىٰ الصلاة قبل السجدة أو بعدها لأنّ دعاء « اللهمّ خصّ » اشتمل على اللعن كذلك فما المانع من الالتزام بقولنا : إنّ المبالغة في اللعن ورد في متن الزيارة فتكون الصلاة بعدها

الوجه السابع :

أن تكون الصلاة قبل السجدة وعلى هذا يكون المراد من جملة « هذا القول » هو دعاء السجدة

وضعف هذا القول واضح ممّا ذكرناه وهذه المحتملات جملة مذكورة في كتاب بحار الأنوار غير الوجه الأوّل نعم لا يبعد أن يكون الوجه السادس الذي هو الوجع اسابع في تقسيمنا مشتملاً على الوجه الأوّل أيضاً حيث قال : السادس أن تكون الصلاة متّصلة بالسجود(١)

ويمكن أن يكون قصده بالاتصال وقوع الصلاة قبل كما يمكن وقوعها بعده وبناءاً على هذا يكون أعمّ من الوجه الأوّل والسابع ولكنّه ذكر تقريباً غاية في القرابة حيث قال : وهذا أظهر لمناسبة السجود للصلاة ولا يمكن مطلقاً إثبات حكم شرعيّ بهذا الوجه كما لا يمكن استظهاره من اللفظ كما هو واضح لأهل النظر والأُنس بالاستدلال بحيث لا يحتاج إلى تنبيه

_________________

(١) بحار الأنوار ٩٨ : ٣٠٠ السادس : أن تكون الصلاة متّصلة بالسجود ولعلّ هذا أظهر لمناسبة السجود بالصلاة ( هامش الأصل والمترجم )


الوجه الثامن :

أورد المحدّث الفاضل الشيخ إبراهيم الكفعمي في كتابه « الجُنّة الواقية » وملخّصه كما يلي :

أوّلاً : يرقى السطح أو يخرج إلى الصحراء ويسلّم على الحسينعليه‌السلام ويلعن قتلته لعناً متواصلاً ويبرأ منهم ثمّ يصلّي ركعتين ويأخذ بعدهما بالبكاء والعويل ويقيم في بيته مجلس العزاء ويكثر من الندبة والمصيبة ، ويقرأ دعاء التعزية وأوّله : « أعظم الله أُجورنا الخ » ويقول هذا الدعاء بعض لبعض ثمّ يكبّر حتّى يبلغ به المائة ، ويستقبل القبر المقدّس ويقرأ الزيارة مع دعاء السجدة ثمّ يصلّي ركعتين ويقرأ دعاء صفوان

ووجه هذا الاحتمال الذي هو فتح لباب الخطأ والتشكيك في فهم ألفاظ الرواية الصريحة وأماراتها الظاهرة ؛ لأنّ من الواضح أنّ أحداً قبل الكفعمي لم يعدل عن ظاهر الخبر كما أقرّ بشهادة ذلك بعض المطّلعين ، أنّه جمع بين صدر الحديث وذيله ، ولم يحمل كلام علقمة على إرادة الدعاء للزيارة بل طلب بعد الزيارة ، الزيارة على بعد ومبدأ هذا قوله : علّمني دعاءاً أدعو به ذلك اليوم إذا أنا زرته والجمود على ظاهر اللفظ جعل الظنّ محتملاً بأنّ القصد بعد وقوع الزيارة مع أنّ المتأمّل المنصف يلزم بأن غرض علقمة الدعاء حال الزيارة ، والغالب أنّ مورد البحث في الظهورات اللفظيّة لا يصل إلى الجدل إلى حدّ الإلزام والإسكات لأنّ عمدة هذا الباب يتحكّم فيه الذوق الخاصّ وهو عرضة لجريان القريحة التي بمساعدتها يستطيع المناظر أن يستفيد المراد من اللفظ ويصطاد بشباكها معاني العبارات ، وكلّ من وهبه الله هذا الذوق يعرف وجه هذا الدعاء الذي أكثرنا من ترداده في هذا الباب


وإلّا فإنّ من ملك حاسّة التمييز وقوّة الاستنباط صار فهمه حجّة عليه وهو مسئول عنه ومكلّف به وليس عليه النظر في قول من عداه

مضافاً إلى أنّ ظاهر هذا الكلام يدلّ على اختصاص هذا العمل بيوم عاشوراء ولكنّ الذيل في موضعين يدلّ على عمومه كما أنّ أخذ الندبة والنياحة في هذا العمل خلاف لظاهر الحديث ، لأنّ الثواب منوط بمجرّد الزيارة والأدعية والصلاة كما هو الظاهر ، وجملة القول ممّا يمكن أن يقال في هذا الوجه بأنّه أبعد الوجوه

الوجه التاسع :

وهو أوّلاً يقرأ زيارة أمير المؤمنين السادسة من زيارته المطلقة المذكورة في التحفة وأوّلها « السلام عليك يا رسول الله » وعرفت بالزيارة السادسة بناءاً على ترتيب تحفة الزائر أيّة زيارة من زيارات أمير المؤمنينعليه‌السلام أو يكتفي بالسلام عليه وصلاة هذه الزيارة هي ستّ ركعات إن كانت السادسة أو ركعتين إن كان غيرها ، وإذا اختار الزيارة السادسة فالأولى أن يتوجّه نحو قبر الحسينعليه‌السلام ويسلّم عليه بعدها وإذا قرأ متن زيارة عاشوراء كانت خيراً من السلام المطلق ثمّ يصلّي ركعتين ثمّ يكبّر الله مأة مرّة ويقرأ زيارة عاشوراء على النهج المقرّر ويصلّي ركعتين ، ويقرا دعاء صفوان وهذا الوجه في الحقيقة هو وجه الجمع بين الوجوه كلّها وقد روعي فيه الاحتياط(١)

_________________

(١) قال المرحوم آية الله العظمى المحقّق صاحب القوانين في جامع الشتات ص ٧٨٠ ط سنة ١٣٠٣ :

سؤال : بيّن لنا كيفيّة زيارة عاشوراء وزيارة أمير المؤمنين السادسة المذكورة في تحفة الزائر جمعها مع زيارة عاشوراء

جواب : إنّ الحديث في هذا الباب من المتشابهات ولا يخلو من إشكال ، ولكن نظراً لما هو أظهر عندي


ومبدأ هذه الطريقة أنّه مذكور في رواية صفوان بعد زيارة أمير المؤمنينعليه‌السلام : زار الزيارة هذه التي رواها علقمة وعلى هذا تكون زيارة أمير المؤمنينعليه‌السلام جزءاً من هذا العمل وما رواه صفوان لهذه الزيارة من فضل فإنّما هي للعمل المركّب منها ومن زيارة أمير المؤمنينعليه‌السلام ، ولمّا كان في خبر آخر من أبواب زيارة أمير المؤمنينعليه‌السلام مذكور عن صفوان أنّه زار الزيارة السادسة أوّلاً ثمّ توجّه بعد

_________________

أن يأتي بالزيارة موافقاً بها ما ذكره الكفعميرحمه‌الله وهي من أراد زيارة عاشوراء على بعد فليصحر بها أو يرتقي على ظهر سطح ويشير إلى جهة قبر سيّد الشهداء ويسلّم على الحسينعليه‌السلام بالشكل الذي يهواه ويكفي من السلام قوله : السلام عليك يا أبا عبد الله ورحمة الله وبركاته ، ثمّ يصلّي بعد ذلك ركعتين ثمّ يقرأ زيارة عاشوراء ثمّ يشرع باللعن والسلام المذكورين في كتب الزيارة مأة مرّة ، لكلّ واحد منها ثمّ يأتي بدعاء السجدة ثمّ يصلّي ركعتي الزيارة ثمّ يتلو الدعاء المأثور

وبما أنّ زيارة عاشوراء وزيارة أمير المؤمنين السادسة هما حديث واحد على الظاهر والإمام الصادقعليه‌السلام مزج بينهما فيستحبّ له أن يفعلهما معاً سواء عند قبر أمير المؤمنين أو قبر الحسينعليه‌السلام أو غيرهما من البلاد البعيدة

وطريقتهما كما يلي : أن يتوجّه أوّلاً شطر قبر أمير المؤمنينعليه‌السلام ثمّ يقرأ الزيارة السادسة إلى قبوله : « فإنّي عبد الله ووليّك وزائرك صلّى الله عليك » ثمّ يصلّي ستّ ركعات الزيارة ثمّ يوجّه وجهه شطر قبر سيّد الشهداء ويزوره على الطريقة التي ذكرناها

ويقول الحاج ميرزا محمّد علي الأديب الطهراني مصحّح المفاتيح في حاشية كتاب المفاتيح ط شركة طبع الكتاب ص ٤٥٥ : لا يخفى أنّ أحد الموثوق بديانتهم الذي لا يخالجنا ريب في ورعه نقل لنا أنّ المرحوم آية الله آسيّد محمّد كاظم اليزدي طاب ثراه جرت عادته أن يقول : يجب أن يلتقي الزائر على مكان مرتفع ويبدأ بإحدى زيارات أمير المؤمنين ثمّ يصلّي ركعتين ثمّ يكبّر مأة مرّة ، وبعد ذلك يقرأ متن زيارة عاشوراء مع اللعن على مستحقّه مأة مرّة ، ويسلّم مأة مرّة ويقرأ « اللهمّ خصّ » ودعاء السجدة بعد تلكم الركعتين

وسمعت أنا « أيّها العاصي المذنب » من المرحوم آية الله الحاج كريم اليزدي طاب ثراه أنّه قال : كانت طريقة المرحوم آية الله الشيرازي الكبير كما يلي ، ثمّ ساق هذا الطريق سوى زيارة الإمام والتكبير مأة مرّة ، وقال : إنّه يرى أنّ هذه الطريق أقرب الطرق وأصحّها وهو الجمع بين الأخبار ( ذريعة الزائر يا رهبر زوّار ص ٣٦٠ تأليف العلّامة الحجّة الحاج إسماعيل الهاشمي دامت بركاته ) ( هامش الأصل )


ذلك إلى قبر سيّد الشهداءعليه‌السلام وقرأ زيارة عاشوراء كما قال السيّد في مصباح الزائر فإنّه قال : بعد فراغك من الزيارة السادسة التي تنتهي بقوله : « وصلّى الله عليك وسلّم كثيراً » اقرأ زيارة عاشوراء فإنّها تتمّة لذلك العمل وظاهر الرواية المنقولة من المزار الكبير في البحار الذي اعتبره صاحب البحار « مزار محمّد المشهدي » كذلك أنّ صفوان قرأ الزيارة السادسة أوّلاً والضمانة الواردة في ذيل رواية صفوان لكليهما ، وعبارتها كما يلي :

تعاهد بهذه الزيارة وادعو بهذا الدعاء وزرهما بهذه الزيارة فإنّي ضامن على الله لكلّ من زارهما بهذه ودعا بهذا الدعاء من قرب أو بعد أنّ زيارته مقبولة ، إلى آخر الحديث

إذاً ، ظاهر الرواية تدلّ على اعتبار الزيارة السادسة لأمير المؤمنين شرطاً في المثوبات المقرّرة لهذا العمل واعتبار مطلق السلام نظراً لتكراره واعتبار زيارة عاشوراء لاحتمال إرادتها من السلام والصلاة نظراً لصدر الحديث ، وقرائة سائر الفقرات مع قرائة الزيارة مجدّداً لاعتبارها أنّها هي المعنيّة بلفظ بهذا القول والصلاة أيضاً لأجل الزيارة حيث تأخّر قوله « إذا صلّيت » فاعتبر إشارة إلى الصلاة

ونحن بيّنّا في الوجوه السابقة ضعف هذا الوجه ـ المبني على عدّة وجوه منها ـ ومع ظهور اللفظ القوي على خلافها لا يبقى وجه للاحتياط نعم ما ينبغي أن يعرض له في هذا الوجه هو عدم اعتبار زيارة أمير المؤمنينعليه‌السلام في تحقّق هذا العمل على أنّنا ذكرنا ما هو الممكن في تقريبه وبيانه كما يلي :

أوّلاً : ظاهر رواية الشيخ أنّها تشير إلى زيارة علقمة التي رواها صفوان وبنى الثواب على أساس هذا العمل وهو زيارة سيّد الشهداء مع الدعاء وأبداً لا إشارة ولا إشعار في العبارة بأخذ زيارة أمير المؤمنين شرطاً في تمام العمل ، كما نقلنا نحن متن الحديث كلّه


ولا حجّة عندنا على أنّ صاحب المزار الكبير التزم بنقل لفظ الحديث بنفسه بل الظاهر أنّه تصرّف بالنصّ حسب فهمه ، كما يلوح ذلك على آثار جلّ المحدّثين أحياناً ، وهذا الأمر من الوضوح بمكان عند المنصف المتأمّل للأخبار في هذا الباب وأنّ الأصل في هذا الباب طريق الشيخ وطريق ابن قولويه

ولا يظهر من كلام السيّد إلّا الفتوى على الحدس ، نعم بمقتضى الأخبار التي فيها « ومن بلّغ » إن شملت فتوى الفقيه فلا ضير من العمل في هذا الاحتياط ، ولكنّ الكلام حول ما تقتضيه الأدلّة الاجتهاديّة ، مهما كان هذا الوجه مبنيّاً على الاحتياط وغرض المؤلّف دفع توهّم دخول الزيارة السادسة في نفس الأمر والواقع ، وإلّا فإنّ رواية المزار الكبير في باب الاحتياط فوق الكفاية

ثانياً : إنّ زيارة عاشوراء عبارة عمّا رواه علقمة وعلى فرض ورود العملين كليهما في ذيل زيارة صفوان واعتبارهما واردين معاً فلا مدخليّة لهما برواية علقمة بوجه من الوجوه ، بل إنّ العملين متعدّدان وإن شمل أحدهما الآخر وقرّر لمجموعهما خواصّ أُخرى وثواباً زائداً

ثالثاً : ظاهر خبر المفيد عليه الرحمة الذي هو أوثق وأسبق وأبصر وأعرف من ابن طاووس من جهات عدّة كما اعترف بذلك العلّامة المجلسي عليه الرحمة ولا يحتاج ذلك إلى الاستشهاد ، ونعم ما قيل :

مدح تعريف است و تخريق حجاب

فارق است از مدح و تعريف آفتاب

مادح خورشيد مدّاح خود است

كه دو چشم روشن ونامرمد است

المدح تعريف وإظهار

فهل يضمّ الشمس أسرار

ومادح الشمس على نفسه

أثنى وما في ذاك إضمار

بأنّه لا يعتري جسمه

داء وما في العين عوّار

وجملة القول : إنّ ظاهر خبره أنّ الزيارة السادسة وترتيب الدعاء بعدها


مخالف لعمل زيارة عاشوراء وللدعاء بعدها حيث أنّ عبارة المفيد المحكية في البحار كما يلي :

بعد فراغ من أداء الستّ ركعات صلاة تلك الزيارة تقول : السلام عليك يا أمير المؤمنين إلى آخره ، ثمّ تشير إلى جانب قبر الحسين سيّد الشهداءعليه‌السلام وتقول : السلام عليك يا بن رسول الله ، أتيتكما زائراً ومتوسّلاً إلى الله تعالى ربّي وربّكما في زيارتكما إلى آخر دعاء صفوان ، ثمّ استقبل القبلة وقل : يا الله يا الله يا الله إلى أن تصل إلى قوله : « من أمر دنياي وآخرتي » وتضيف يا أرحم الراحمين ، ثمّ تستقبل قبر أمير المؤمنينعليه‌السلام وتقول : « السلام عليك يا أمير المؤمنين والسلام على أبي عبد الله الحسين ما بقيت وبقي الليل والنهار ، ولا جعله الله آخر العهد من زيارتكما ولا فرّق الله بيني وبينكما »(١)

والناظر في هذه الرواية ما فيها من الوجوه المتعدّدة الفارقة بين الروايتين من التقديم والتأخير والزيادة والنقيصة واختلاف الكيفيّات وتعدّد التوجّه والاستقبال إلى جانب الإمام الحسين وأمير المؤمنينعليه‌السلام يقطع بتعدّد الرواية

وكيف يصحّ في حقّ الشيخ ـ مع ما هو عليه من الجلالة وثبوت الوثاقة والعدالة الذي وصفه الإمامعليه‌السلام بالتوقيع الشريف بقوله « ملهم الحقّ ودليله » إذ لو قُرء بفتح الهاء يكون معناه أنّه اُلهم الحقّ والدليل إلهاماً ، وإذا قُرء بكسر الهاء ترتفع درجة مدحه مأة مرّة أكثر من سابقها ويكون حاصله : إنّه الحقّ مع دليله ، يفيض من نفسه القدسيّة على نفوس أهل الاستعداد والقبول ومن نال الحقّ وصل إلى الواقع ، فإنّ ذلك ببركة إعداد كمالاته العلميّة والعمليّة وهذا فضل لا يدّعىٰ لغير الأئمّة

أقول : كيف يصحّ أن يقال في حقّ رجل مثل هذا أنّه قدّم الخبر أو أخّره أو

_________________

(١) بحار الأنوار ٩٧ : ٣٠٩ ( المترجم )


أضاف إليه ألفاظاً من عنده وأنّه فسّره ورتّبه لمّا استحسنه ممّا يخالف الثابت عن الأئمّةعليهم‌السلام ؟! حاش لله أبداً لا يمكن أن يطرأ هذا الظنّ على أحد وليس من العدل اعتباره في حقّ الشيخ المفيد ، ولا يتمشّى في حقّه هذا الاحتمال وإن ظهر ذلك في البحار وتحفة الزائر واعتمدا عليه ولكنّه والحقّ يقال غير قابل للتوجيه على الإطلاق وبعد التسليم نقول : بناءاً على ما ذكرناه لو أنّ أحداً أراد أن يعمل بهذا من أجل الاحتياط فلا بأس بذلك ولا ضير عليه وذلك أنّ العمل بالدعاء الذي ذكره المفيدرحمه‌الله بعد الزيارة السادسة ثمّ يزور زيارة عاشوراء بالترتيب المذكور في كتاب « المصباح » الذي مرّت عليه نقوله ويقرأ بعدها الدعاء لكي يكون قد جمع بين الاحتمالين

الوجه العاشر :

الاحتمال الذي ذكر أيضاً على سبيل الاحتياط في زاد المعاد وتحفة الزائر والواقع أنّ ذكر هذا الوجه والوجه السابق في عداد محتملات الخبر لا يبعد عن الاستطراد والاجترار والتطفّل وإلّا فإنّ الاحتمالين عمادهما الاحتياط والجمع بين المحتملات السابقة ، وعبارة زاد المعاد كما يلي :

لمّا كانت العبارة مشوّشة وهي عرضة للاحتمالات الزائدة فلو أنّ الزائر زار زيارة : « السلام عليك يا أبا عبد الله » إلى آخر « وآل نبيّك » ثمّ يصلّي صلاة الزيارة ثمّ يعيد الزيارة نفسها فهو الأحسن ولو أنّه صلّى بعد ذكر اللعن مأة مرّة وصلّى بعد ذكر السلام مأة مرّة ويوصلها بالسجدة ثمّ يصلّي بعد السجدة عندئذٍ يكون قد عمل بجميع الاحتمالات ولكنّه لو عمل أوّلاً بإحدى الزيارات البعيدة فإنّ ذلك لا يكفيه

وقال في التحفة بعد ذلك : ولو أنّه جمع إلى هذه الزيارة زيارة أمير المؤمنينعليه‌السلام


السادسة كما أشرنا إليه في السابق يكون خيراً له لا سيّما إذا أدّى هذه الزيارة عند ضريح أمير المؤمنينعليه‌السلام

تمّ كلام هذا المحدّث الجليل القدر ، ونحن ذكرنا مدارك هذه الاحتمالات التي مرّت الإشارة إليها وبيّنّا فسادها وضعفها إلى آخر الحدود شرحاً وتبياناً ، ومع ما تقدّم لا وجه للاحتياط بل يمكن أن يتوقّف في مشروعيّة عمل كهذا من حيث تفصيله المعنى على الاحتمالات البعيدة والركيكة كما قال ذلك بعض الأكابر ، والله العاصم

ولمّا بان بحمد الله سند هذا الخبر ومتنه على خير وجه وظهرت دلالته واضحة لابدّ من التعرّض حينئذٍ لذكر بعض المطالب المتعلّقة به ونحن نسوقها هنا على شكل فوائد ونختم بها هذا الباب

الفائدة الأُولى :

ذكر صاحب كتاب المزار القديم الذي تقدّمت الإشارة إليه متن هذه الزيارة باختلاف يسير مع نسخة المصباح ويمكن أن يشار إلى مواضع الاختلاف في هامش خاصّ ولكن من حيث سهولة تناوله ، والتبرّك بألفاظه الشريفة ثانياً ننقل عين العبارة لكي يحرز من يتلوهما مع تطبيق العبارات في النسختين الجزم في وصوله إلى الثواب المنظور ؛ لأنّ العلماء اهتمّوا كثيراً بصحّة هذا العمل وإحراز مثوبته من حيث عظمة القدر وجلالة الشأن ، والنسخة ما يلي :

السَّلامُ عَلَيْكَ يَا أَبا عبد الله ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا بن نَبِيِّ اللهِ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا بن أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَابْنَ سَيِّدِ الْوَصِيِّينَ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا بن فاطِمَةَ الزَّهراءِ سَيِّدَةِ نِساءِ الْعالَمِينَ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يَا ثارَ اللهِ وَابْنَ ثارِهِ وَالْوِتْرَ الْمَوْتُورَ ، السَّلامُ


عَلَيْكَ وَعَلَىٰ الْأَرْواحِ الَّتِي حَلَّتْ بِفِنائِكَ ، السَّلامُ عَلَيْكُمْ مِنِّي جَمِيعاً سَلامٌ أَبَداً مَا بَقِيتُ وَبَقِيَ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ ، يَا أَبا عبد الله لَقَدْ عَظُمَتِ الرَّزِيَّةُ وَجَلَّتْ وَعَظُمَتِ الْمُصِيبَةُ بِكَ عَلَيْنا وَعَلَىٰ جَمِيعِ أَهْلِ الْإِسْلامِ ، وَجَلَّتْ وَعَظُمَتْ مُصِيبَتُكَ فِي السَّمٰاواتِ وَعَلیٰ جَميعِ أَهْلِ الأَرَضينَ ، فَلَعَنَ اللهُ أُمَّةً أَسَّسَتْ أَسَاسَ الظُّلْمِ وَالعُدْوانِ وَالْجَوْرِ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ، وَلَعَنَ اللهُ أُمَّةً دَفَعَتْكُمْ عَنْ مَقامِكُمْ وَأَزالَتْكُمْ عَنْ مَراتِبِكُمُ الَّتِي رَتَّبَكُمُ اللهُ فِيها ، وَلَعَنَ اللهُ أُمَّةً قَتَلَتْكُمْ ، وَلَعَنَ اللهُ الْمُمَهِّدِينَ لَهُمْ بِالتَّمْكِينِ مِنْ قِتالِكُمْ ، بَرِئْتُ إِلَىٰ اللهِ وَإِلَيْكُمْ مِنْهُمْ وَأَشْياعِهِمْ وَأَتْباعِهِمْ وَأَوْلِيائِهِمْ ، يَا أَبا عبد الله إِنِّي سِلْمٌ لِمَنْ سالَمَكَ ، وَحَرْبٌ لِمَنْ حارَبَكَ إِلىٰ يَوْمِ الْقِيامَةِ ، وَلَعَنَ اللهُ آلَ زِيادٍ وَآلَ مَرْوانَ ، وَلَعَنَ اللهُ بَنِي أُمَيَّةَ قاطِبَةً ، وَلَعَنَ اللهُ ابْنَ مَرْجانَةَ ، وَلَعَنَ اللهُ عُمَرَ بْنَ سَعْدٍ ، وَلَعَنَ اللهُ شِمْراً ، وَلَعَنَ اللهُ أُمَّةً أَسْرَجَتْ وَأَلْجَمَتْ وَتَنَقَّبَتْ لِقِتالِكَ ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي لَقَدْ عَظُمَ مُصابِي بِكَ ، فَأَسْأَلُ اللهَ الَّذِي أَكْرَمَ مَقامَكَ ، وَأَكْرَمَنِي بِكَ ، أَنْ يَرْزُقَنِي طَلَبَ ثارِكَ مَعَ إِمامٍ مَنْصُورٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ صَلَّیٰ اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ اللّٰهُمَّ اجْعَلْنِي عِنْدَكَ وَجِيهاً بِالْحُسَيْنِ عَلَيْهِ السَّلام فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ ، يَا أَبا عبد الله إِنِّي أَتَقَرَّبُ بِكَ إِلَى اللهِ وَإِلىٰ رَسُولِهِ وَإِلىٰ أمير المؤمنين وَإِلىٰ فاطِمَةَ وَإِلَى الْحَسَنِ وَإِلَيْكَ بِمُوَالاتِكَ وَبِمُوالاتِهِمْ وَبِالْبَراءَةِ مِمَّنْ قَاتَلَكَ ، وَنَصَبَ لَكَ الْحَرْبَ ، وَبِالْبَراءَةِ مِمَّنْ أَسَّسَ أَسَاسَ ذٰلِكَ وَبَنىٰ عَلَيْهِ بُنْيٰانَهُ وَجَرىٰ فِي ظُلْمِهِ وَجَوْرِهِ عَلَيْكُمْ وَعَلىٰ أَشْيٰاعِكُمْ ، أَتَقَرَّبُ إِلَىٰ اللهِ ثُمَّ إِلَيْكُمْ بِمُوالاتِكُمْ وَمُوالاةِ وَلِيِّكُمْ ، وَبِالْبَراءَةِ مِنْ أَعْدائِكُمْ ، وَالنَّاصِبِينَ لَكُمُ الْحَرْبَ ، وَبِالْبَراءَةِ مِنْ أَشْيَاعِهِمْ وَأَتْبَاعِهِمْ ، إِنِّي سِلْمٌ لِمَنْ سالَمَكُمْ ، وَحَرْبٌ لِمَنْ


حارَبَكُمْ ، وَوَلِيٌّ لِمَنْ والاكُمْ ، وَعَدُوٌّ لِمَنْ عاداكُمْ ، فَأَسْأَلُ اللهَ الَّذِي أَكْرَمَنِي بِمَعْرِفَتِكُمْ وَمَعْرِفَةِ أَوْلِيَائِكُمْ ، وَرَزَقَنِي الْبَراءَةَ مِنْ أَعْدائِكُمْ ، أَنْ يَجْعَلَنِي مَعَكُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ، وَأَنْ يُثَبِّتَ لِي عِنْدَكُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَكُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ، وَأَسْأَلُهُ أَنْ يُبَلِّغَنِي الْمَقامَ الْمَحْمُودَ الَّذي لَكُمْ عِنْدَ اللهِ ، وَأَنْ يَرْزُقَنِي طَلَبَ ثارِي مَعَ إِمامِ مَهْدي ظَاهِرٍ نَاطِقٍ مِنْكُمْ ، وَأَسْأَلُ اللهَ بِحَقِّكُمْ وَبِالشَّأْنِ الَّذِي لَكُمْ عِنْدَهُ أَنْ يُعْطِيَنِي بِمُصابِي بِكُمْ أَفْضَلَ مَا يُعْطِي مُصاباً بِمُصِيبَة ، مُصِيبَةً مَا أَعْظَمَ رَزِيَّتَها فِي الْإِسْلامِ وَفِي جَمِيعِ السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ(١) اللّٰهُمَّ اجْعَلْنِي فِي مَقَامِي هٰذَا مِمَّنْ تَنالُهُ مِنْكَ صَلَواتٌ وَرَحْمَةٌ وَمَغْفِرَةٌ اللّٰهُمَّ اجْعَلْ مَحْيايَ مَحْيا مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَمَماتِي مَماتَ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ اللّٰهُمَّ إِنَّ هٰذَا يَوْمٌ تَبَرَّكَتْ بِهِ بَنُو أُمَيَّةَ وَابْنُ آكِلَةِ الْأَكْبادِ ، اللَّعِينُ ابْنُ اللَّعِينِ عَلَىٰ لِسانِكَ ولِسانِ نَبِيِّكَ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ وَمَوْقِفٍ وَقَفَ فِيهِ نَبِيُّكَ اللّٰهُمَّ الْعَنْ أَبا سُفْيانَ وَمُعَاوِيَةَ وَيَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ عَلَيْهِمْ مِنْكَ اللَّعْنَةُ أَبَدَ الْآبِدِينَ ، وَهٰذَا يَوْمٌ فَرِحَتْ بِهِ آلُ زِيادٍ وَآلُ مَرْوانَ بِقَتْلِهِمُ الْحُسَيْنَ عَلَيْهِ السَّلامُ ، اللّٰـهُمَّ فَضاعِفْ عَلَيْهِمُ اللَّعْنَ مِنْكَ وَالْعَذابَ اللّٰـهُمَّ إِنِّي أَتَقَرَّبُ إِلَيْكَ فِي هٰذَا الْيَوْمِ ، وَفِي مَوْقِفِي هٰذَا ، وَأَيَّامِ حَيَاتِي بِالْبَرَاءَةِ مِنْهُمْ ، وَاللَّعْنِ عَلَيْهِمْ ، وَبِالْمُوَالاةِ لِنَبِيِّكَ وَآلِ نَبِيِّكَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ

ثمّ تقول : اللّٰـهُمَّ الْعَنْ أَوَّلَ ظَالِمٍ ظَلَمَ حَقَّ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَآخِرَ تَابِعٍ لَهُ عَلَىٰ ذٰلِكَ اللّٰـهُمَّ الْعَنِ الْعِصَابَةَ الَّتِي جاهَدَتِ الْحُسَيْنَ وَشايَعَتْ وَبايَعَتْ عَلَىٰ قَتْلِهِ ، اللّٰـهُمَّ الْعَنْهُمْ جَمِيعاًتقول ذلك مأة مرّة

_________________

(١) الأرضين ـ خ ل


ثمّ تقول : السَّلامُ عَلَيْكَ يَا أَبا عبد الله وَعَلَىٰ الْأَرْواحِ الَّتِي حَلَّتْ بِفِنائِكَ ، عَلَيْكَ مِنِّي سَلامُ اللهِ أَبَداً مَا بَقِيتُ وَبَقِيَ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ ، وَلَاٰ جَعَلَهُ اللهُ آخِرَ الْعَهْدِ مِنِّي لِزِيارَتِكُمْ ، السَّلامُ عَلَى الْحُسَيْنِ ، وَعَلَىٰ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ، وَعَلَىٰ أَوْلادِ الْحُسَيْنِ ، وَعَلَىٰ أَصْحابِ الْحُسَيْنِتقول ذلك مأة مرّة

ثمّ تقول : اللّٰـهُمَّ خُصَّ أَنْتَ أَوَّلَ ظالِم بِاللَّعْنِ مِنِّي ، وَابْدَأْ بِهِ أَوَّلاً ثُمَّ الثَّانِيَ ثُمَّ الثَّالِثَ والرَّابِعَ اللّٰـهُمَّ الْعَنْ يَزِيدَ بنَ مُعاوِيَة خامِساً ، وَالْعَنْ عبيد الله بْنَ زِيادٍ وَابْنَ مَرْجانَةَ وَعُمَرَ بْنَ سَعْدٍ وَشِمْراً وَآلَ أَبِي سُفْيانَ وَآلَ زيادٍ وآلَ مَرْوَانَ إِلىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ

ثمّ تسجد وتقول : اللّٰـهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدَ الشَّاكِرِينَ لَكَ عَلَىٰ مُصَابِهِمْ ، الْحَمْدُ للهِ عَلَىٰ عَظِيمِ رَزِيَّتِي ، اللّٰـهُمَّ ارْزُقْنِي شَفاعَةَ الْحُسَيْنِ يَوْمَ الْوُرُودِ ، وَثَبِّتْ لِي قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَكَ مَعَ الْحُسَيْنِ وَأَصْحابِ الْحُسَيْنِ الَّذِينَ بَذَلُوا مُهَجَهُمْ دُونَ الْحُسَيْنِ عَلِيْهِ السَّلامُ

ثمّ تصلّي ركعتين وإن استطعت أن تزور الحسين بهذه الزيارة من دارك في كلّ يوم فافعل ، ففي ذلك ثواب جزيل ووردت به الرواية عن الباقر أبي جعفر محمّد ابن عليّ بن الحسينعليهما‌السلام روى ذلك عنه علقمة بن محمّد الحضرمي

الفائدة الثانية :

في كتاب المزار القديم المذكور أورد رواية أُخرى تختلف مع المتن المذكور اختلافاً فاحشاً ، بحيث لا يمكن الجمع بينهما ، وليس فيها اللعن مأة مرّة ولا السلام ، وهي تشارك الرواية المشهورة بالأجر والثواب ، ونحن نسوق الرواية نفسها من ذلك الكتاب لكي يستطيع من يريد الاقتصار ويكتفي بها عن التفصيل متمكّناً من ذلك


قال في الكتاب المزبور : زيارة عاشوراء عن علقمة بن محمّد الحضرمي عن أبي جعفر الباقرعليه‌السلام قال : من أراد زيارة الحسين بن عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليهم أجمعين يوم عاشوراء وهو اليوم العاشر من محرّم فيظلّ فيه باكياً متفجّعاً حزيناً لقي الله عزّ وجلّ بثواب ألفي حجّة وألفي عمرة وألفي غزوة ، ثواب كلّ حجّة وعمرة وغزوة كثواب من حجّ واعتمر وغزا مع رسول الله ومع الأئمّة صلوات الله عليهم أجمعين

قال علقمة بن محمّد الحضرمي : قلت لأبي جعفرعليه‌السلام : جعلت فداك ، ما يصنع من كان في بعد البلاد وأقاصيها ولم يمكنه المصير إليه في تلك البلاد ؟

قال : إذا كان اليوم ـ يعني يوم عاشوراء ـ فليغتسل من أحبّ من الناس أن يزوره من أقاصي البلاد أو قريبها فليبرز إلى الصحراء أو يصعد سطح داره فيصلّي ركعتين خفيفتين يقرأ فيها سورة الإخلاص فإذا سلّمت(١) فأومئ إليه بالسلام ويقصد إليه(٢) بتسليمه وإشارته ونيّته إلى الجهة التي فيها أبو عبد الله الحسين صلوات الله عليه ، ثمّ تقول وأنت خاشع مستكين :

السَّلامُ عَلَيْكَ يا بن رَسُولِ اللهِ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا بن الْبَشِيرِ النَّذِيرِ وَابْنَ سَيِّدِ الوَصِيِّينَ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا بن فاطِمَةَ سَيِّدَةِ نِساءِ الْعالَمِينَ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يَا خِيَرَةَ اللهِ وَابْنَ خِيَرَتِهِ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يَا ثارَ اللهِ وَابْنَ ثَارِهِ ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا الْوِتْرُ الْمَوْتُورُ ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا الْإِمامُ الْهَادِي الزَّكِيُّ وَعَلَى الأَرْوَاح

_________________

(١) فيه تأييد لوقوع الزيارة بعد الصلاة لكن الظاهر تعدّد الرواية ولعلّه سألهعليه‌السلام مرّتين فأجابه في كلّ مرّة بنحو ، وبالجملة فبهذا الخبر لا يجوز رفع اليد عن ظاهر ذاك مع ضعف هذا بالإرسال وصحّة ذلك كما سمعت سابقاً ( منهرحمه‌الله )

(٢) فيه الالتفات من الخطاب إلى الغيبة ( منهرحمه‌الله )


الّتي حَلَّتْ بِفِنائِكَ وَأَقامَتْ فِي جِوارِكَ ، وَوَفَدَتْ مَعَ زُوّارِكَ ، السَّلامُ عَلَيْكَ مِنِّي مَا بَقِيتُ وَبَقِيَ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ ، فَلَقَدْ عَظُمَتْ بِكَ الرَّزِيَّةُ وَجَلَّتْ فِي الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ وَفِي أَهْل السَّموَاتِ وَأَهْلِ الْأَرَضِينَ أَجْمَعِينَ ، فَإِنَّا لِلّٰهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ، صَلَواتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ وَتَحِيَّاتُهُ عَلَيْكَ يَا أَبا عبد الله الْحُسَيْنِ وَعَلَىٰ آبائِكَ الطَّيِّبِينَ الْمُنْتَجَبِينَ وَعَلَىٰ ذُرِّيَّاتِكُمُ الْهُداةِ الْمَهْدِيِّينَ لَعَنَ اللهُ أُمَّةً خَذَلَتْكَ وَتَرَكَتْ نُصْرَتَكَ وَمَعُونَتَكَ ، وَلَعَنَ اللهُ أُمَّةً أَسَّسَتْ أَساسَ الظُّلْمِ لَكُمْ وَمَهَّدَتِ الْجَوْرَ عَلَيْكُمْ وَطَرَّقَتْ إِلىٰ أَذِيَّتِكُمْ وَجارَتْ ذٰلِكَ فِي دِيارِكُمْ وَأَشْياعِكُمْ ، بَرِئْتُ إِلَى اللهِ عَزَّوَجَلَّ وَإِلَيْكُمْ يَا سَادَاتِي وَمَوَالِيَّ وَأَئِمَّتِي مِنْهُمْ وَمِنْ أَشْياعِهِمْ وَأَتْباعِهِمْ ، وَأَسْأَلُ اللهَ الَّذِي أَكْرَمَ يَا مَوالِيَّ مَقامَكُمْ وَشَرَّفَ مَنْزِلَتَكُمْ وَشَأْنَكُمْ أَنْ يُكْرِمَنِي بِوِلايَتِكُمْ وَمَحَبَّتِكُمْ وَالائْتِمامِ بِكُمْ ، وَبِالْبَراءَةِ مِنْ أَعْدَائِكُمْ ، وَأَسْأَلُ اللهَ الْبَرَّ الرَّحِيمَ أَنْ يَرْزُقَنِي مَوَدَّتَكُمْ وَأَنْ يُوَفِّقَنِي لِلطَّلَبِ بِثارِكُمْ مَعَ الْإِمامِ الْمُنْتَظَرِ الْهادِي مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ ، وَأَنْ يَجْعَلَنِي مَعَكُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ، وَأَنْ يُبَلِّغَنِي الْمَقامَ الْمَحْمُودَ لَكُمْ عِنْدَ اللهِ ، وَأَسْأَلُ اللهَ عَزَّوَجَلَّ بِحَقِّكُمْ وَبِالشَّأْنِ الَّذِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ أَنْ يُعْطِيَنِي بِمُصابِي بِكُمْ أَفْضَلَ مَا أَعْطىٰ مُصاباً بِمُصِيبَةٍ ، إِنَّا لِلّٰهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ، يَا لَها مِنْ مُصِيبَةٍ مَا أَفْجَعَها وَأَنْكاها لِقُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ ، فَإِنَّا لِلّٰهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ اللّٰهُمَّ صَلِّ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَاجْعَلْنِي فِي مَقامِي مِمَّنْ تَنالُهُ مِنْكَ صَلَواتٌ وَرَحْمَةٌ وَمَغْفِرَةٌ ، وَاجْعَلْنِي عِنْدَكَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ، فَإِنِّي أَتَقَرَّبُ إِلَيْكَ بِمُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ صَلَواتُكَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ اللّٰهُمَّ إِنِّي أَتَوَسَّلُ وَأَتَوَجَّهُ بِصَفْوَتِكَ مِنْ خَلْقِكَ وَخِيرَتِكَ مِنْ خَلْقِكَ مُحَمَّدٍ وَعَلِيٍّ


وَالطَّيِّبِينَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا ، اللّٰهُمَّ فَصَلِّ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَاجْعَلْ مَحْيايَ مَحْياهُمْ ، وَمَماتِي مَماتَهُمْ ، وَلَا ٰتُفَرِّقْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرةِ ، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ اللّٰهُمَّ وَهٰذَا يَوْمٌ تَجَدَّدَ فِيهِ النِّقْمَةُ ، وَتَنَزَّلَ فِيهِ اللَّعْنَةُ عَلَىٰ اللَّعِينِ يَزِيدَ وَعَلَىٰ آلِ يَزِيدَ وَعَلَىٰ آلِ زِيادٍ وَعُمَرَ بْنِ سَعْدٍ وَالشِّمْرِ اللّٰهُمَّ الْعَنْهُمْ وَالْعَنْ مَنْ رَضِيَ بِقَوْلِهِمْ وَفِعْلِهِمْ مِنْ أَوَّلٍ وَآخِرٍ لَعْناً كَثِيراً ، وَأَصْلِهِمْ حَرَّ نارِكَ ، وَأَسْكِنْهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً ، وَأَوْجِبْ عَلَيْهِمْ وَعَلَىٰ كُلِّ مَنْ شايَعَهُمْ وَبايَعَهُمْ وَتابَعَهُمْ وَساعَدَهُمْ وَرَضِيَ بِفِعْلِهِمْ وَافْتَحْ لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ وَعَلَىٰ كُلِّ مَنْ رَضِيَ بِذٰلِكَ لَعَناتِكَ الَّتِي لَعَنْتَ بِها كُلَّ ظالِمٍ ، وَكُلَّ غاصِبٍ ، وَكُلَّ جاحِدٍ ، وَكُلَّ كافِرٍ ، وَكُلَّ مُشْرِكٍ ، وَكُلَّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ ، وَكُلَّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ، اللّٰهُمَّ الْعَنْ يَزِيدَ وَآلَ يَزِيدَ وَبَنِي مَرْوانَ جَمِيعاً ، اللّٰهُمَّ وَضَعِّفْ غَضَبَكَ وَسَخَطَكَ وَعَذابَكَ وَنَقِمَتَكَ عَلَىٰ أَوَّلِ ظالِمٍ ظَلَمَ أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّكَ ، اللّٰهُمَّ وَالْعَنْ جَمِيعَ الظَّالِمِينَ لَهُمْ وَانْتَقِمْ مِنْهُمْ إِنَّكَ ذُو نِقْمَةٍ مِنَ الْمُجْرِمِينَ ، اللّٰهُمَّ وَالْعَنْ أَوَّلَ ظالِمٍ ظَلَمَ آلَ بَيْتِ مُحَمَّدٍ ، وَالْعَنْ أَرْواحَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَقُبُورَهُمْ ، وَالْعَنِ اللّٰهُمَّ الْعِصابَةَ الَّتِي نازَلَتِ الْحُسَيْنَ بْنَ بِنْتِ نَبِيِّكَ وَحارَبَتْهُ وَقَتَلَتْ أَصْحابَهُ وَأَنْصارَهُ وَأَعْوَانَهُ وَأَوْلِيَاءَهُ وَشِيعَتَهُ وَمُحِبِّيهِ وَأَهْلَ بَيْتِهِ وَذُرِّيَّتَهُ ، وَالْعَنِ اللّٰهُمَّ الَّذِينَ نَهَبُوا مالَهُ ، وَسَلَبُوا حَرِيمَهُ ، وَلَمْ يَسْمَعُوا كَلامَهُ وَلَاٰ مَقالَهُ ، اللّٰهُمَّ الْعَنْ كُلَّ مَنْ بَلَغَهُ ذٰلِكَ فَرَضِيَ بِهِ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ وَالْخَلائِقِ أَجْمَعِينَ إِلىٰ يَوْمِ الدِّينِ السَّلامُ عَلَيْكَ يَا أَبا عبد الله الْحُسَيْنَ وَعَلَىٰ مَنْ سَاعَدَكَ وَعاوَنَكَ وَوَاساكَ بِنَفْسِهِ ، وَبَذَلَ مُهْجَتَهُ فِي الذَّبِّ عَنْكَ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يَا مَوْلايَ وَعلَيْهِمْ ، وَعَلَىٰ رُوحِكَ وَعَلَىٰ أَرْواحِهِمْ ، وَعَلَىٰ تُرْبَتِكَ وَعَلَىٰ تُرْبَتِهِمْ اللّٰهُمَّ لَقِّهِمْ رَحْمَةً


وَرِضْواناً وَرَوْحاً وَرَيْحاناً ، السَّلامُ عَلَيْكَ يَا مَوْلايَ يَا أَبا عبد الله ، يا بن خاتَمِ النَّبِيِّينَ ، وَيَابْنَ سَيِّدِ الْوَصِيِّينَ ، وَيَابْنَ سَيِّدَةِ نِساءِ الْعالَمِينَ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يَا شَهِيدُ يا بن الشَّهِيدِ اللّٰهُمَّ بَلِّغْهُ عَنِّي فِي هٰذِهِ السَّاعَةِ ، وَفِي هٰذَا الْيَوْمِ ، وَفِي هٰذَا الْوَقْتِ ، وَكُلِّ وَقْتٍ تَحِيَّةً وَسَلاماً ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا بن سَيِّدِ الْعالَمِينَ ، وَعَلَى الْمُسْتَشْهَدِينَ مَعَكَ سَلاماً مُتَّصِلاً مَا اتَّصَلَ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ ، السَّلامُ عَلَىٰ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ الشَّهِيدِ ، السَّلامُ عَلَىٰ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الشَّهِيدِ ، السَّلامُ عَلَىٰ الْعَبَّاسِ بْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الشَّهِيدِ ، السَّلامُ عَلَىٰ الشُّهَداءِ مِنْ وُلْدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، السَّلامُ عَلَىٰ الشُّهَداءِ مِنْ وُلْدِ جَعْفَرٍ وَعَقِيلٍ ، السَّلامُ عَلَىٰ كُلِّ مُسْتَشْهَدٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اللّٰهُمَّ صَلِّ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَبَلِّغْهُمْ عَنِّي تَحِيَّةً وَسَلاماً ، السَّلامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَعَلَيْكَ السَّلامُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ ، أَحْسَنَ اللهُ لَكَ الْعَزاءَ فِي وَلَدِكَ الْحُسَيْنِ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا الْحَسَنِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَعَلَيْكَ السَّلامُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ ، أَحْسَنَ اللهُ لَكَ الْعَزاءَ فِي وَلَدِكَ الْحُسَيْنِ ، السَّلامُ عَلَيْكِ يَا فاطِمَةُ يَا ابنةَ رَسُولِ رَبِّ الْعالَمِينَ وَعَلَيْكِ السَّلامُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ ، أَحْسَنَ اللهُ لَكِ الْعَزاءَ فِي وَلَدِكِ الْحُسَيْنِ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يَا أَبا مُحَمَّدٍ الْحَسَنَ وَعَلَيْكَ السَّلامُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ ، أَحْسَنَ اللهُ لَكَ الْعَزاءَ فِي أَخِيكَ الْحُسَيْنِ ، السَّلامُ عَلَىٰ أَرْواحِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ، الْأَحْياءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْواتِ ، وَعَلَيْهِمُ السَّلامُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ ، أَحْسَنَ اللهُ لَهُمُ الْعَزاءَ فِي مَوْلاهُمُ الْحُسَيْنِ اللّٰهُمَّ اجْعَلْنا مِنَ الطَّالِبِينَ بِثارِهِ مَعَ إِمامٍ عَدْلٍ تُعِزُّ بِهِ الْإِسْلامَ وَأَهْلَهُ يَا رَبَّ الْعالَمِينَ

ثمّ اسجد وقُل : اللّٰهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَىٰ جَمِيعِ مَا يَأْتي مِنْ خَطْبٍ ، وَلَكَ الْحَمْدُ


عَلَىٰ كُلِّ أَمْرٍ ، وَإِلَيْكَ الْمُشْتَكىٰ فِي عَظِيمِ الْمُهِمَّاتِ بِخِيَرَتِكَ وَأَوْلِيائِكَ وَذٰلِكَ لِما أَوْجَبْتَ لَهُمْ مِنَ الْكَرَامَةِ وَالْفَضْلِ الْكَثِيرِ اللّٰهُمَّ فَصَلِّ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَارْزُقْنِي شَفاعَةَ الْحُسَيْنِ يَوْمَ الْوُرُودِ ، وَالْمَقامِ الْمَشْهُودِ ، وَالْحَوْضِ الْمَوْرُودِ ، وَاجْعَلْ لِي قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَكَ مَعَ الْحُسَيْنِ وَأَصْحابِ الْحُسَيْنِ الَّذِينَ وَاسَوْهُ بِأَنْفُسِهِمْ ، وَبَذَلُوا دُونَهُ مُهَجَهُمْ ، وَجاهَدُوا مَعَهُ أَعْداءَكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِكَ وَرَجَائِكَ ، وَتَصْدِيقاً بِوَعْدِكَ ، وَخَوْفاً مِنْ وَعِيدِكَ ، إِنَّكَ لَطِيفٌ لِمَا تَشاءُ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ

قال الصادقعليه‌السلام : هذه الزيارة يزار بها الحسين بن عليّعليهما‌السلام من عند رأس أمير المؤمنين صلوات الله عليهم أجمعين

قال علقمة بن محمّد الحضرمي عن أبي جعفرعليه‌السلام : إن استطعت يا علقمة أن تزور في كلّ يوم بهذه الزيارة في دارك وناحيتك وحيث كنت من البلاد في أرض الله فافعل ذلك ولك ثواب جميع ذلك فاجتهدوا في الدعاء على قاتله وعدوّه ويكون في صدر النهار قبل الزوال ـ يا علقمة ـ واندبوا الحسين وابكوه ، وليأمر أحدكم من في داره بالبكاء عليه وليقم عليه في داره المصيبة بإظهار الجزع والبكاء ، وتلاقوا يومئذٍ بالبكاء بعضكم على بعض في البيوت وحيث تلاقيتم ، وليعزّ بعضكم بعضاً بمصاب الحسين صلوات الله عليه

قلت : أصلحك الله ، كيف يعزّي بعضنا بعضاً ؟

قال : تقولون : أحسن الله أُجورنا بمصابنا بأبي عبد الله الحسينعليه‌السلام ، وجعلنا من الطالبين بثأره مع الإمام المهدي الحقّ من آل محمّد صلّی الله عليه وآله وعليهم أجمعين ، وإن استطاع أحدكم أن لا يمضي يومه في حاجة فافعلوا فإنّه يوم نحس لا تقضى فيه حاجة مؤمن ، فإن قضيت لم يبارك فيها ولم يرشد ، ولا يدّخرنّ


أحدكم لمنزله شيئاً فإنّه من فعل ذلك لم يبارك فيه

قال الباقرعليه‌السلام : أنا ضامن لمن فعل ذلك عند الله عزّ وجلّ ما تقدّم به الذكر من عظيم الثواب وحشره الله في جملة المستشهدين مع الحسين صلوات الله عليه

قلت لأبي جعفرعليه‌السلام : أصوم ذلك اليوم ؟ قال : صمه من غير تبييت وأفطره من غير تشميت ، وأمهل إلى بعد العصر فإذا كان وقت العصر فأفطر على شربة من الماء ففي ذلك انجلت المعركة عن الحسين صلوات الله عليه وأصحابه وهم قتلى صلوات الله على أرواحهم وأجسامهم أجمعين ، ولعنة الله وسخطه وعذابه ونكاله ونقمته على كلّ من كان السبب في قتلهم وجدّد الله عليهم العذاب الأليم ، آمين ربّ العالمين

ولا يخفىٰ على القرّاء أنّ كتاب المزار القديم ظاهراً هو تلك النسخة القديمة التي شاهدها أحد فضلاء العصر سلّمه الله في المشهد الرضوي المقدّس ، ونقل نسخة الزيارة هذه منه وجعلها في جزء خاصّ وأهداها إلى بعض فقهاء العصر رحمهما تعالى في طهران ، وأصل النسخة القديمة ما يزال موجوداً فعلاً في المشهد العلوي المقدّس واسنتسخت على هذه النسخة عدّة نسخ وأنا أنقل الزيارة آنفة الذكر من النسخة القديمة نفسها(١) ، والله الموفّق

_________________

(١) يناسب المقام أن نروي طريقاً آخر لزيارة عاشوراء تسهيلاً للأمر قال مولى شريف الشيرواني في كتاب الصدق المشحون ص ١٩٩ ط تبريز : حدّثني العالم النبيل والفاضل الجليل محمّد بن الحسن الطوسي الخراساني صاحب كتاب « الفيروزجة الطوسيّة في شرح الدرّة الغرويّة » في الفقه راجع الذريعة في الروضة المقدّسة الرضويّة على دفينها ألف سلام وتحيّة يوم الاثنين رابع محرّم سنة ١٢٤٨ ألف ومأتان وثمان وأربعين ، قال : حدّثني رئيس المحدّثين وشيخ المتأخّرين العالم المحقّق والفاضل المدقّق الشيخ حسين [ ابن الشيخ محمّد أخي صاحب الحدائق ] بن عصفور البحراني قال : حدّثني والدي الماجد المحدّث ، عن أبيه ، عن جدّه يداً بيد عن آبائهم المحدّثين من محدّثي البحرين عن سيّدنا الإمام


الفائدة الثالثة :

الظاهر من صدر الحديث اختصاص العمل في يوم عاشوراء ولكن في ذيل خبر علقمة وذيل خبر صفوان يوجد فقرتان تدلّان على عموم العمل ، أمّا ذيل خبر علقمة ففيه : إذا كنت تستطيع زيارة الحسين في كلّ يوم فافعل ، فإنّك ستنال المثوبة كلّها ، ويمكن بتأويل بعيد تنزيل هذه العبارة على الأمر بها في أيّام عاشوراء كلّها(١) ولكن مع بعد هذا الاحتمال حتّى أنّه لا يستحقّ الذكر فإنّ عبارة كامل الزيارة لا يتبادر الذهن منها إلى هذا المعنى ، حيث قال : إن استطعت زيارته بهذه الزيارة في كلّ يوم من عمرك فافعل ، كما سبقت إشارة عامرة إلى هذا الفرق

وأمّا في ذيل خبر صفوان فقد قال : إذا عرضت لك حاجة فاقرأ هذه الزيارة أينما كنت وادعو بهذا الدعاء وسل الله تعالى حاجتك تقضىٰ بإذن الله

وهذان الفقرتان كلاهما نصّ في العموم بل الثانية أقوىٰ ظهوراً في ذلك لأنّها تبدأ بلفظ يوم وظاهره أنّها يعني اليوم المعهود في إذن من مطلع الشمس إلى مغيبها

_________________

الهمام عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين أنّه قال : من قرأ لعن زيارة عاشوراء مرّة واحدة ثمّ قال : « اللهمّ العنهم جميعاً » تسعاً وتسعين مرّة كان كمن قرأه مائة مرّة ، ومن قرأ سلامها مرّة واحدة ثمّ قال : « السلام على الحسين وعلى عليّ بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين » تسعاً وتسعين مرّة كان كمن قرأه مأة تامّة من أوّلها إلى آخرها ، الخبر ، انتهى ما في الكتاب ، وقد ذكرنا لهذه الرواية احتمالين :

١ ـ أن يكون تسعاً وتسعين مرّة بياناً للعدد

٢ ـ أن يكون تتمّة للعن والسلام وعليه يقرأ هكذا : « اللهمّ العنهم جميعاً تسعاً وتسعين مرّة ، وفي السلام يقول : السلام على الحسين وعلى أصحاب الحسين تسعاً وتسعين مرّة ، ويكون نظير التهليلات الواردة في أيّام ذي الحجّة « لا إله إلّا الله عدد الليالي والدهور » والله العالم

(١) حيث قال : « من زار الحسين يوم عاشوراء » قال : إذا كان ذلك اليوم برز إلى الصحراء ( هامش الأصل )


وإثبات مطلق الوقت من اليوم يحتاج إلى تجشّم الاستدلال وهذا وإن كان أمراً سهلاً بحمد الله ولكن في خبر صفوان ورد قوله : إذا حدث لك حاجة ، وإطلاق الشرط هذا أو الشرطيّة بناءاً على الاختلاف المقرّر في علم الأُصول يشمل جميع الأوقات وهنا ينبع إشكال وهو أنّ في إحدى فقرات الزيارة الشريفة ذكر في موضعين قوله « هذا يوم » وظاهر الإشارة أنّه اليوم الحاضر(١) وهذا لا يصحّ إلّا إذا كان اليوم يوم عاشوراء ، ومن هذه الناحية جاء في كتاب « زاد المعاد » و « تحفة الزائر » للمروّج المجلسي جواز استبدال يوم قتل الحسين به وهذا المطلب محلّ نظر من عدّة وجوه :

الأوّل : إنّه بعيد جدّاً إبدال لفظ بلفظ وهذه الروايات التي رويت في فضله ليس فيها لا تصريحاً ولا تلميحاً ما يدلّ على جواز التغيير ، واحتمال أن يكون التغيير من ترخيص الكافي محلّ نظر كما هو الظاهر ويعلمه أهل الصناعة ؛ لأنّه يكون من قبيل « إسماعيل يشهد أن لا إله إلّا الله » لأنّه لا يوجد دليل يدلّ على خصوصيّة هذا العمل وفضله بل القطع قائم بعدم الخصوصيّة ، وهنا يظهر من خبر علقمة وخبر صفوان أنّ الخصوصيّة لنفس الزيارة بألفاظها الشريفة

ثانياً : الظاهر ممّا نقل سيف أنّ صفوان قرأ ذات الزيارة التي رواها علقمة في حرم أمير المؤمنين في غير يوم عاشوراء فلم يتصرّف فيها ولم يغيّر ألفاظها ولو كان تصرّف فيها قيد أنملة أو بمقدار رأس شعرة لنبّه عليه وإلّا للزمته الخيانة وتوثيقه يمنعها أو النسيان ، وأصل البرائة يدفعه

الثالث : الظاهر من أخبار الأدعية الخاصّة والزيارات المخصوصة أنّ ألفاظها وترتيبها جزء لا يتجزّء من الأثر الوارد الذي يجب التقيد به ولا يجوز المساس به أو تغييره ، إذ إنّه لكلّ مقام مقال معدود والذين لم يطّلعوا على الأسرار والآثار

_________________

(١) « اللهمّ إنّ هذا يوم تبرّكت فيه بنو أُميّة وهذا يوم فرحت فيه آل زياد »


محجوبون عن نيل معنى هذه الخصوصيّة وقد صرّح بذلك في أخبار جمّة ، ونهي عن تغييرها ، ولولا هذا النهي لكنّا قطعنا بعدم ضرره ولكن مع اعتبار هذا الأمر فإنّ النواهي في موقع القطع بعدم مدخليّة الهيئة ، إمّا أن لا توجد أصلاً أو لها وجود محدود جدّاً ، وهذا من قبيل رواية أبان في مسألة إصبع المرأة المعروفة بين العلماء ، والقياس على الأولويّة القطعيّة ، وهو إمّا متعسّر أو متعذّر ، وعندي أيّها القليل البضاعة يتعيّن الشقّ الثاني(١)

ومثله الخبر الذي رواه الصدوق في كمال الدين والسيّد الأجلّ رضي الدين في المهج ـ نقلاً عنه ـ قال : عن عبد الله بن سنان قال : قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : ستصيبكم شبهة فتبقون بلا علم يرى ولا إمام هدى ولا ينجو منها إلّا من دعا بدعاء الغريق قال : يقول : « يا الله يا رحمان يا رحيم ، يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك » فقلت : « يا الله يا رحمان يا رحيم يا مقلّب القلوب والأبصار ثبّت قلبي على دينك » قال : إنّ الله تعالى عزّ وجلّ مقلّب القلوب والأبصار ولكن قل كما أقول لك « يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك »(٢)

ومنها الخبر المروي في الخصال عن إسماعيل بن الفضل قال : سألت أبا عبد الله عن قول الله عزّ وجلّ :( وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ) (٣) فقال : فريضة على كلّ مسلم أن يقول قبل طلوع الشمس عشر مرّات : « لا إله إلّا الله وحده

_________________

(١) أبان بن تغلب قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : ما تقول في رجل قطع اصبع من أصابع المرأة كم فيها ؟ قال : عشرة من الإبل قلت : قطع اثنين ؟ قال : عشرون قلت : قطع ثلاثاً ؟ قال : ثلاثون قلت : قطع أربعاً ؟ قال : عشرون قلت : سبحان الله ، يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون ويقطع أربعاً فيكون عليه عشرون ؟! ـ إلى أن قال : قال الإمامعليه‌السلام : ـ يا أبان ، إنّك أخذتني بالقياس والسنّة إذا قيست محق الدين ( الكافي ٧ : ٣٠٠ باب ٢٠ ح ٦ ) ( هامش الأصل )

(٢) الصدوق ، كمال الدين وتمام النعمة : ٣٥٢ رقم ٤٩ ، مهج الدعوات : ٣٣٢ ( المترجم )

(٣) طه : ١٣٠


لا شريك له الملك وله الحمد ، يحيي ويميت وهو حيّ لا يموت بيده الخير وهو على كلّ شيء قدير » قال : فقلت : « لا إله إلّا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، يحيي ويميت ويميت ويحيي » فقال : يا هذا ، لا شكّ في أنّ الله يحيي ويميت ويميت ويحيي ولكن قل كما أقول(١)

وفي الكافي وساق ثقة الإسلام السند إلى العلاء بن كامل أنّ صادق آل محمّدعليهم‌السلام قال في تفسير الآية الكريمة( وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ
الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ
) (٢) تقول عند المساء « لا إله إلّا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، يحيي ويميت ويميت ويحيي وهو على كلّ شيء قدير » قال : قلت : « بيده الخير » ؟ قال : إنّ بيده الخير ولكن قل كما أقول لك(٣)

وهذه المقولة من الأخبار تكشف لنا عن الخصائص حيث تقصر الأيدي عن التصرّف بها ويؤيّد هذا المذهب أنّ جماعة من أهل الحكمة البرهانيّة واليونانيّة وطائفة من أصحاب الحكمة اليمانيّة ( كذا ) الإيمانيّة مثل أرسطو وأفلاطون وفيثاغورس وأبي علي بن سينا وحضرة أُستاذ البشر خواجه نصيرالدين الطوسي قدّس سرّه القدّوسي وخاتم الحكماء والمجتهدين السيّد الأجلّ الداماد وجماعة غيرهم من فضلاء المحقّقين مثل الخفري والأنطاكي وغيرهم قالوا : إنّ للحروف خواصّ وآثاراً وكمالات وتختلف آثارها طبقاً لانقسام الطبيعة إلى العناصر الأربعة وتتفاوت منازلها بحسب تعلّقها بالكواكب السبعة والحرف بمنزلة الجسم والعقل بمنزلة الروح

_________________

(١) الخصال ٢ : ٤٥٢ ( المترجم )

(٢) الأعراف : ٢٠٥

(٣) الكافي ٢ : ٥٢٧ رقم ١٧ ، تفسير البرهان ونور الثقلين ذيل الآية ( هامش الأصل ) وبناءاً على هذا تكون الرواية بالمعنى فيها إشكال كبير ، فكيف أجازها بعضهم بل لعلّ نقل الرواية بعين ألفاظها التي خرجت من فم الإمام أمر مستحيلٍ وجلّ الرواية مرويّة بالمعنى خصوصاً ما تناقلته الأجيال شفاهاً ( المترجم )


ولكلّ حرف ثلاث نشأت فهو أحياناً فلكيّ وهذا حرف علويّ طبيعيّ روحانيّ حقيقيّ وأحياناً وسطيّ وهو داخل في عالم اللفظ والمنطق وأحياناً رقمي خطّيّ ويعتبر سفليّاً ، وكلّ حرف له جسم وروح ونفس وقلب وعقل وقوّة كلّيّة وقوّة طبيعيّة والعدد صورة الجسم وضربه في مثله الروح وضربه في ثلاثة أمثاله النفس وفي أربعة أمثاله القلب وتمام ظهور القلب العقل ، ومربّع العقل وهو ضربه في نفسه قوّة كلّيّة وضرب القوّة الكلّيّة في العشرة قوّته الطبيعيّة مثلاً :

الحرف « باء » جسمه « ٢ » وروحه « ٤ » ونفسه « ١٢ » وقلبه « ١٦ » وعقله « ١٣٦ » وقوّته الطبيعيّة « ١٨٤٩٦ » وقوّته الكلّيّة « ١٨٤٩٦٠ » ولكلّ واحد منها حكم يخصّها ولكلّ حرف له أثر باختلاف المراتب ، وكذلك يذكرون لكلّ حرف لوازم ومراتب ونحن لسنا بصدد نقل هذه الحكايات والأقوال ، ولا يتّسع الكتاب لاستيعابها ولكن ذكرنا هذا الموجز لمحض الإشارة ويمكن أن تقاس سائر الأحكام على هذا

وفي أخبار أهل العصمة وردت الإشارة في العناية بالحروف والاستفادة من الحروف النورانيّة ، بل ادّعى السيّد الداماد في كتاب الجذوات التواتر عن أهل البيت حول ذلك وبنى ترتيب خواصّ الأدعية والأوراد والأذكار وأعداد على هذا الأمر ونحن وإن كنّا محجوبين عن هذه الأسرار ولكن بعد إجماع هذه الطائفة من علماء وحكماء فلا يعترينا الشكّ قطعاً في اعتبار الألفاظ المخصوصة ، وما لم تُؤدَّ نفسها لا تحصل لنا البرائة اليقينيّة

وهنا ينبغي أن تعلم بأنّ هذا الوجه ينبغي أن يحسب مستقلّاً ، وبعد ملاحظة هذه الوجوه فإنّ الراغب في الخواصّ والآثار المترتّبة على زيارة عاشوراء ينبغي أن لا يتجاوز اللفظ المأثور إلى غيره ، وكما جاء في الرواية « هذا يوم » يقول الصيغة ذاتها ولا يتخطّاها إلى مرادفها أو مساويها في المعنى ؛ لأنّ إحراز الآثار الواقعيّة والخواصّ النفس أمريّة للعمل لا دخل لها في أصل البرائة وغايته رفع الحرج أو


القصور على الواجب أو المستحب إذا كان ذلك جارياً فيه كما ذكرنا جانباً منه مقرباً في محلّه

والإشكال السابق لا وجود له في وادي الصحّة لأنّ الإشارة جارية في الأوجه الثلاثة : الحضور الواقعي ، والحضور الذهني ، والحضور الذكري وفي هذه الزيارة كانت من أوّلها إلى آخرها في ذكر سيّد الشهداء ومصائب كربلا ووقايع عاشوراء فصورتها الذهنيّة ماثلة نصب العين فما المانع من الإشارة وقول القائل « هذا يوم كذا » ويظهر ممّا قلناه على فرض التسليم لقول المخالف من جواز التغيير وتماميّة دليل الترخيص في إفادة الحكم بالتغيير يكفي تغيير الأوّل(١) وفي الكلمة الثانية(٢) يقضي قانون الاحتياط بالإشارة إلى ذلك اليوم يوم عاشوراء ، فيقول : « وهذا يوم » وقطعاً يكون ذلك مجزياً وصحيحاً وعربيّاً فصيحاً والتغيير من غير سبب يجرّد العمل من آثاره قطعاً أو احتمالاً ، وينبغي الاحتراز من ذلك

والأصحّ باعتقاد هذا القاصر الاقتصار على لفظ الرواية في كلا الموضعين وعمدة الأدلّة فعل صفوان ، والله العالم وهو العاصم

الفائدة الرابعة :

يقول السيّد الأجلّ رضي الدين بن طاووسرضي‌الله‌عنه في مصباح الزائر بعد رواية حديث زيارة عاشوراء وذيل الرواية المنقولة في المصباح تماماً : قال عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن طاووس : هذه الزيارة نقلناها بإسنادنا من ( المصباح الكبير ) وهو مقاتل بخطّ مصنّفهرحمه‌الله ، ولم يكن في ألفاظ الزيارة الفصلان اللذان يكرّران مأة مرّة وإنّا نقلنا الزيارة من المصباح الصغير فاعلم ذلك ، انتهى

_________________

(١) « اللهمّ إنّ هذا يوم تبرّكت به بنو أُميّة » ( هامش الأصل )

(٢) « وهذا يوم فرحت به آل زياد » ( هامش الأصل )


وصريح هذه العبارة أنّ اللعن والسلام لم يكونا في نسخة السيّد وما نسبه بعض قاصري الاطّلاع من أنّ السيّد قال : ليس في نسخة المصباح « مأة مرّة » بعد الدعاء وإجراء اللعن والسلام ويكفي قولهما مرّة واحدة ليس له وجه

والظاهر بل المتيقّن من النسخة التي يملكها السيّد فيها نقص عبارة وإن قوبلت بخطّ الشيخ لأنّ السهو والنقص بمنزلة الطبيعة الثانية للإنسان وتطابق سائر نسخ المصباح وسائر الكتب المؤلّفة في المزار التي ألّفها علماء الشيعة رضي الله عنهم ومنها حصل النقل

ويؤيّد هذه الدعوى وجود الفقرة نفسها في المصباح الصغير كما اعترف بذلك السيّد وهو اختصار للمصباح الكبير ولا وجه على الإطلاق للتسائل أو التأمّل

الفائدة الخامسة :

نقول الكلام التالي وإن قلناه مراراً ولكنّنا نعيده لمجرّد الإيضاح والإعلان من جديد : إنّك علمت بأنّ دعاء صفوان ليس شرطاً في عمل الزيارة ، ويصحّ إتمام العمل بدونه ، أجل من الممكن ذكره لإحراز الفضيلة ولا ثواب الخاصّين وهو جيّد جدّاً ، لكن الالتزام به بوجه الخصوصيّة واعتقاد الشرطيّة لا يخلو من إشكال

الفائدة السادسة :

أشرنا فيما سلف ونقول ثانية أنّ ذيل حديث علقمة وإن دلّ على عدم جواز إجراء عمل الزيارة في الليل للتصريح بلفظ « اليوم » كما تنصّ الفقرة « وهذا يوم » و « هذا اليوم » من الزيارة فإنّها تؤكّد هذا المذهب ولكن في ذيل حديث صفوان وردت عبارة « إذا حدث لك حاجة » إلى آخر ما مرّ منها وهذا نصّ في العموم الزماني وليس لليل خصوصيّة واستعمال اليوم يطلق على الليل والنهار يعني هو لمجرّد الزمان المؤلَّف ـ بفتح اللام ـ من هذين الوقتين وهذا حاصل في لغة العرب


بكثرة الورود في أخبار أهل البيتعليهم‌السلام ، ولعلّه يفوت الحصر وقد صرّح به الفقهاء والأُدباء فلا تنافيه رواية علقمة ، وكذلك لا تنافيه عبارة متن الزيارة ؛ لأنّ الإشارة عن يوم عاشوراء وإن لم يجز العمل فيه أو الإشارة إلى الوقت الحاضر وإن كان سائر الأيّام

هذا وإن كان تشريع الزيارة ابتداءاً ليوم عاشوراء فإنّ استعمال « يوم » في الزيارة الشريفة يتناول مطلق الزمان ، والله العالم بحقائق أحكامه

الفائدة السابعة :

نبيّن في هذه الفائدة وجهاً آخر لزيارة عاشوراء غير الذي اخترناه وإن كان قد تقدّم سلفاً وشرحناه تفصيلاً فنقول الآن : من أراد الاحتياط الأولى أن يستقبل قبر سيّد الشهداء ثمّ يسلّم عليه ويبالغ في لعن قاتليه بأيّ لفظ كان ثمّ يصلّي ركعتين ويقرأ بعدها زيارة عاشوراء مصحوبة باللعن والسلام ، ويصلّي ركعتين ثمّ يدعو بدعاء صفوان فإنّه يؤجر حينئذٍ ويعتبر قد أدّى العمل طبقاً لمفهوم الرواية وحصل اليقين ببرائته

الفائدة الثامنة :

النظر في الأدلّة يقتضي تأدية العمل في مجلس واحد بحيث يصدق عليه الوحدة العرفيّة وإن كان الجمود على ظاهر الأخبار والوقوف على متون الأدلّة يلزمنا بدقّة بالوحدة العرفيّة بحيث لا يتخلّل العمل فاصل من عمل أجنبي ، يمحو صورة هذه الوحدة ولكنّ ظاهر الحال يخبر وقوع بعض الأفعال القليلة التي لا تدلّ على التعدّد العرفي لا سيّما إذا كان الفاصل من سنخ العبادات ومقولة الأذكار مثل الاستخارة والصلاة وغيرهما ، ولا وجه للتأمّل في ذلك على الظاهر وإن كان الأولى المحافظة على اتصال العمل الواحد بوجه من الوجوه مطلقاً ، لأنّ رونق


العمل وروحانيّة العبادة منوطة بحضور القلب والإقبال على الله واجتماع الحواس وتوجّه السرّ والعلن في جميع الأجزاء والشرائط ، وبالطبع الاشتغال بعمل آخر من شأنه أن يمحو هذه الاعتبارات والخصوصيّات ويزيلها إلّا في العبادة التي لا تشغل البال ولا تشتّت الفكر في حال أداء ذلك العمل كما جرى في التصدّق بالخاتم حال الركوع من الوليّ الأعظم أمير المؤمنين سلام الله عليه وعلى من انتسب إليه حيث صار سبباً لنزول الآية :( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّـهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) (١) الآية

سُئل ابن الجوزي أبو الفرج عبد الرحمان الحنبلي البغدادي الواعظ كيف تسنّى للإمام وهو في إقباله التامّ الالتفات إلى السائل حتّى أنفق الزكاة ؟ فتمثّل بالبيتين التاليين لحلّ الإشكال وجواب السؤال وأنشد :

يسقي ويشرب لا تلهيه سكرته

عن النديم ولا يلهو عن الكاس

أطاعه سكره حتّى تمكّن من

فعل الصحاة فهذا أفضل الناس

ولكنّ دقّة العلماء الحائمين حول الأسرار الدقيقة يعلمون جيّداً أنّ هذا المقام الرفيع لا يحصل لكلّ أحد بل هو من نصيب الأولياء العظام الذين بلغوا في مرحة العبوديّة ومقام الطاعة إلى أن يكونوا مظهراً لصفة « لا يشغله شأن عن شأن » وهذه الخاصيّة المثاليّة من نصيب ذلك الوليّ الأعظم وأتباعه الذين اقتفوا آثار الأئمّة الأطهار واقتبسوا من ضياء تلك الأنوار سعياً بأقدام الصدق والصفاء ، ومن الكلمات القصار لهذا القاصر ـ المؤلّف ـ قوله : « ما كلّ صيد غزالة ، ولا كلّ نجم غزالة » والله وليّ التوفيق

الفائدة التاسعة :

من مقرّرات علم الأُصول أنّه لو تعذّر الإتيان بالمركّب المشتمل على الأجزاء

_________________

(١) المائدة : ٥٥


والشرائط بتمامه ودار الأمر في الإتيان بالعمل بين ترك الجزء أو الشرط يحتمل إرجاع الأمر إلى اختيار المكلّف وهو من المرجّحات الخارجيّة ويحتمل أيضاً ترك الشرط والإتيان بالأجزاء ؛ لأنّ ترك الوصف أولى من ترك الموصوف ، ويمكن أن يقال باختيار المكلّف الأهمّ وترك غير الأهمّ لأنّه يحدث أحياناً أن يتقوّم الشيء بشرطه أكثر من جزئه لا سيّما إذا كان من الأجزاء الكماليّة لا الأصليّة وهذا الاحتمال في بادئ الرأي أولى من غيره وإن لم يخلو من التأمّل

وعلى أيّة حال ففي زيارة عاشوراء إن عسر على المكلّف الإتيان بالزيارة كلّها في مجلس واحد ودار الأمر بين ترك الجزء أو ترك الشرط الذي هو وحدة المجلس الأقوى في النظر ترك اعتبار وحدة المجلس بل يجوز له إتيان العمل في مجالس متعدّدة كما صرّح بذلك في الرسائل ، والأولى أن يقلّل من تعدّد المجلس جهد الطاقة مثل أن يأتي ببقيّة الزيارة في مجلس آخر ليكون أداء العمل في مجلسين خير منه في ثلاثة مجالس ، وكلّما كان الفاصل الزمني بين مجلس ومجلس أقصر يكون العمل أقرب إلى الحقيقة وأنسب لوحدة المطلوب ، والله العالم بحقايق أعماله

الفائدة العاشرة :

ومن المناسب أن نقوم في هذه الفائدة بتحقيق لفظ عاشوراء لتعلّقه التامّ بهذه الأبواب وباسم الكتاب ، لهذا لا بدّ من التعرّض لذكره

اعلم بأنّ جماعة ذكروا أنّ اللفظ معرّب ولم يك عربيّاً ، وأصله من العبرانيّة وهو اليوم العاشر من ( ماتشرى ) اليهود ، ويوجبون صومه ، ولمّا قورنت الشهور اليهوديّة بالأشهر العربيّة وقع في اليوم العاشر من أوّل السنة وهو عاشر محرّم الحرام كما وقع في اليوم العاشر من أوّل الشهور اليهوديّة

وظاهر جماعة من اللغويّين اعتباره عربيّاً ويشهد على ذلك قياس اللغة ومادة


« عشر » ولا يبعد اشتراك لغتين في كلمة في لغة مرادفة لأُخرى في غيرها مثل الصابون والتنّور والكوزة وغير ذلك

وفي فقه اللغة للثعالبي والمزهر للسيوطي يوجد عدد من هذه الألفاظ ويصحّ القول بأنّ الأصل عدم التقريب وهذا من الأُصول العقلائيّة ولا يعني الأصل الأصولي الدالّ على ثبوت الحالة السابقة والرجوع إلى استصحابها ، وقد أُشير إليه في مطاوي كلمات اللغويّين والنحويّين

وجملة القول أنّ ظاهرة الاستعمال والأخبار الصحيحة المتواترة في قتل سيّد الشهداءعليه‌السلام إنّه في اليوم العاشر من المحرّم ، وتواتر القول في ذلك حتّى لم يدع وجهاً للشكّ واحتمالاً للخلاف ، وعبارة جماعة من اللغويّين وفقهاء الفريقين شاهد على اعتبار عاشوراء اليوم العاشر من المحرّم وتاسوعاء اليوم التاسع منه

وما جاء في صحيح البخاري عن ابن عبّاس من أنّ عاشوراء هو اليوم التاسع وتاسوعاء هو اليوم الثامن لا يعدو الكذب والافتراء(١)

ويدلّ على كذب هذا المدّعىٰ ما روي في صحاحهم أيضاً ، لأنّهم رووا : أنّه صام يوم عاشوراء ، فقيل له : إنّ اليهود والنصارى تعظّمه ، فقالعليه‌السلام : إذا كان العام المقبل صمنا التاسع(٢)

_________________

(١) ابن عبّاس : أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : لئن عشت ـ قال روح : لئن سلمت ـ إلى قابل لأصومنّ التاسع ـ يعني عاشوراء ـ ( مسند أحمد بن حنبل ١ : ٢٣٦ )

أتيت ابن عبّاس وهو متوسّد ردائه في المسجد الحرام فسألته عن صوم عاشوراء ، فقال : إذا رأيت هلال المحرّم فأعد ، فإذا كان اليوم التاسع فأصبح صائماً فقلت : كذا كان محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله يصوم ؟ فقال : كذلك محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله يصوم ( سنن أبي داود ٢ : ٣٢٧ باب الصوم رقم ٢٤٤٦) ( هامش الأصل )

(٢) عبد الله بن عبّاس يقول : صام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يوم عاشوراء وأمرنا بصيامه قالوا : يا رسول الله ، إنّه يوم تعظّمه اليهود والنصارى فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : فإذا كان العام المقبل صمنا يوم التاسع ، فلم يأت العام المقبل حتّى توفّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ( سنن أبي داود ٢ : ٢٣٧ باب الصوم رقم ٢٤٤٥ ) ( هامش الأصل )


وهذا دليل على أنّ المراد منه يوم العاشر كما هو واضح ، وجرى لفظ تاسوعاء على النهج العربي وجاء في الحديث مكرّراً ، ولا عبرة بقول الجوهري بأنّه مولَّد(١) ؛ لأنّ المولَّد وهو عبارة عن الدخيل المستحدث في ألسنة المتأخّرين وكلامهم ليس بحجّة ولم يستعمل في فصحاء العرب وأخبار الصادقينعليهم‌السلام بالاتفاق من هذه الطبقة ، وهذا من الشبهات التي نتجت عن عدم التتبّع في كلام أهل البيت ، ويوجد في كلامهم شيء كثير نظير « كنه » حيث اعتبره الجوهري مولَّداً واعتبر الأزهري « أزل » كذلك ، وقد ذكر مكرّراً في نهج البلاغة وزبور آل محمّد الصحيفة السجاديّة ، وليس غرضنا استيفاء هذا القسم من أخطاء هؤلاء

وفي لفظ عاشوراء لغات أُخرىٰ كثيرة مثل : عاشورا وعاشوراء بالمدّ والقصر ، وعشورا وعشوراء وعاشوراء كما ورد ذلك في القاموس وغيره ، وورد في أشعار العرب الفصحاء المتأخّرين كما جاء في شعر ذي الحسبين الرضيرضي‌الله‌عنه حيث اعتبر جماعة من الأُدباء العامّة والخاصّة أشعاره ممّا يحتجّ بها ، فقد قال :

فقلت هيهات فأت السمع قائله

لا يعرف الحزن إلّا يوم عاشور

الفائدة الحادية عشرة

ويجب التنبيه والإشارة إلى أنّ زيارة عاشوراء لها امتياز وتقدّم معلوم على سائر الزيارات ولها تفوّق مشهور ؛ لأنّ ظاهر خبر صفوان يدلّ على أنّ جبرئيل الأمين تلقّى هذه الزيارة من الربّ الجليل وأنزلها على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وظهر هذا الحكم في عهد الإمام الباقرعليه‌السلام كشأن سائر الأحكام التي تأخّرت أحكامها بناءاً على تلبيسها بمصالح منوطة بخصوصيّات الزمان ، وهذا الوجه هو معتمد أهل التحقيق ، وعلى هذا فإنّ ألفاظها الشريفة تعدّ من الحديث القدسي وهو في

_________________

(١) جاء في الصحاح : ويوم عاشوراء ، وعشوراء أيضاً ممدودان ولم يذكر شيئاً بعده


الشرف والفضيلة حليف القرآن الشريف المجيد ، ونظير الكتاب الكريم لكون الاثنين كلام الله ، وهو في حجّية الألفاظ وصحّة المعاني مع القرآن كفرسي رهان ، ورضيعي لبان

والفرق بين الحديث القدسي بناءاً على مذهب بعضهم يتكوّن من أنّ القرآن كلام منزل بألفاظ معيّنة وترتيبات مخصوصة لقصد الإعجاز بسورة ، والحديث القدسي كلام نزل بألفاظ معيّنة وترتيب مخصوص من الواحد الأحد سبحانه على قلب نبيّه لا لغرض الإعجاز كسائر كتب الله والصحف السماويّة

وبناءاً على هذا يكون الحديث النبوي موحىً بمعناه وأوكل إلى النبيّ بيانه بتعبيره الخاصّ ، ومذهب الإماميّة مطبق على أنّ النبيّ لا يتكلّم بغير الوحي كما ذكر ذلك في القرآن الكريم :( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ õ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ) (١) وإن خالف في ذلك أهل السنّة والجماعة من أجل تصحيح قول عمر « إنّ الرجل ليهجر » بتفصيل لا يليق ذكره في هذا الموضع

واعتبر جماعة الحديث القدسي خاصّاً بما أُلهمه النبي في المنام أو اليقظة ولكن على شكل إلهام من الله فهو من سنخ الوحي المنزل عليه

قال السيّد المحقّق الدامادرضي‌الله‌عنه : يشبه أن يكون التحقيق أنّ القرآن كلام يوحيه الله سبحانه إلى النبي معنىً ولفظاً ، فيتلقّاه النبيّ من روح القدس مرتّباً ويسمعه من العالم العلوي منظّماً ، والحديث القدسي كلام يوحى إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله معناه فيجري الله تعالى على لسانه في العبارة عنه ألفاظاً مخصوصة في ترتيب مخصوص ليس للنبيّ أن يُبدّلها ألفاظاً غيرها ، أو ترتيباً غيره ، والحديث النبوي كلام معناه ممّا

_________________

(١) النجم : ٣ و ٤


يوحى إلى النبيّ فيعبّر عنه حيث يشاء كيف يشاء(١) ، انتهى المقصود من كلامه ، زاد الله في علوّ مقامه

وقلت قبل ذلك في أُرجوزتي في الدراية الموسومة بـ « يتيمة الحديث » :

ثمّ الحديث منه قدسيّ نقل

كلامه بلا تحدِّ إذ نزل

كقوله جلّ علاه « الصوم لي »

فليس من سنخ الكلام المنزل

وللخوض في تحقيقه مقام آخر

وخلاصة القول يجب أن يلتزم بآداب هذه الزيارة التي هي أشرف الأحاديث القدسيّة ودرّة لتاج هذه الجواهر السنيّة لكي ينال من المداومة بركات هذا الكلام الإلۤهي ، والوحي السماوي ، وينخرط في سلك الكروبيّين وسلسلة الملكوتيّين

الفائدة الثانية عشرة :

لقد شوهد من زيارة عاشوراء من البركات الأُخرويّة والمنافع الدنيويّة والآثار الغربية والخواصّ العجيبة وقضاء الحاجات ونيل المقاصد وحصول المطالب ما لا يستطيع إنسان حصره وإحصائه وفي بعض المنامات الصادقة التي لها حكم المكاشفة الحقّه علم من هذه الزيارة خصائص عظيمة ومنافع جليلة بحيث لا يمكن استقصائها ، ونحن في هذه الفائدة نذكر قصّة واحدة من هذه القصص التي يمكن القطع بحدوثها لكثرة الأمارات ووثاقة السند ونذكر أعظم المنافع الكريمة والفوائد العظيمة لهذه الزيارة والرؤيا كما يلي بيانها :

نقل الثقة الأمين والصالح الحاجّ ملّا حسين اليزدي وهو من خيار المتنسّكين والأعيان المتعبّدين في النجف الأشرف وهو بالديانة والصلاح مشهور عند

_________________

(١) الرواشح السماويّة : ٢٠٥ ( المترجم )


العلماء ومعروف عند الفقهاء ، عن الحاجّ محمّد اليزدي وهو معروف بالوثاقة والأمانة والفضل والصلاح الذي يجدّ دوماً في إحراز متاع الآخرة وإصلاح نفسه وكان يبيت ليلاً في مقبرة بيزد تعرف بـ « مزار جوي هرهر » وفيها مدفن جماعة من أهل الصلاح الأخيار وكان له قرين منذ عهد الصبا وريعان العمر ، تعارفا وتصافيا وتآخيا وكانا يذهبان معاً أيّام الطفولة إلى الكتّاب إلى أن شبّا وكبرا ، فاختار أن يكون عشّاراً وبقي يمارس هذه المهنة إلى أن جائه أجله المحتوم ودفن في المقبرة بالقرب من متعبّد هذا العبد الصالح وبعد أقلّ من شهر على موته رآه في الطيف بحالة حسنة ووضع جميل ، فجائه الرجل الصالح وسأله عن حاله قائلاً : أنا أشدّ الناس معرفة بك من المهد إلى اللحد ، ومطّلع على حالك اطّلاعاً تامّاً ، وأعلم أنّه ليس للخير أو الصلاح طريق إلى ذلك ولا يقتضي عملك سوى العذاب ، قل لي يا رجل بأيّ عمل حسن بلغت ما بلغت من رفيع المنزلة ؟

فقال : نعم ، حالي على ما وصفت وزيادة ، ولقد صبّ عليّ عذاب واصب وبلاء شديد من ذلك اليوم إلى يوم أمس ، ولكن ماتت زوجة الحدّاد « أشرف » ودفنت في هذا الموضع ـ وأشار إلى موضع لا يبعد عنه أكثر من مأة ذراع على الحدس والتخمين ـ وفي ليلة وفاتها زارها الإمام الحسينعليه‌السلام ثلاث مرّات ، وفي المرّة الثالثة أمر برفع العذاب عن هذه المقبرة فانقلبت حالنا مرّة واحدة إلى ما تراه ، واقترنت باتساع العيش والفراغ والرفاهيّة

يقول الحاج محمّد علي : فانتبهت من النوم متحيّراً وما كنت على معرفة بالحدّاد ولا أعرف أين يقع بيته وأين تكون محلّته في هذا البلد ، فذهبت إلى سوق الحدّادين وشرعت بالسؤال عن الحدّاد حتّى تعرّفت عليه وسألته : هل كانت لك امرأة ؟ قال : نعم ، توفّيت أمس ودفنتها في ذلك الموضع ـ وذكر اسم المقبرة ـ


فقلت له : هل كانت تزور سيّد الشهداء في حياتها ؟

فقال : لا

فقلت له : هل تقيم عزائه وتذكر ما جرى عليه ؟

فقال : لا

فقلت له : أو تحضر مأتمه وتعين عليه ؟

فقال : لا

عند ذلك سألني : ماذا تريد من هذه المناشدة ؟ وعمّ تبحث ؟

فقصصت عليه أخبار الرؤيا ، فأجابني قائلاً : نعم ، إنّ امرأتي كانت تدمن على زيارة عاشوراء ولمّا كانت هذه الزيارة المباركة آثارها أُخرويّة لذلك ببركة حلول شخص واحد يزورها في هذه المقبرة المليئة بالشطار والمذنبين وكان هذا الشخص يديم قرائتها رفع الله العذاب عن ساكني المقبرة كلّهم(١)

وأمّا آثارها الدنيويّة فإنّها لم يداوم على قرائتها صاحب حاجة مهمّة أربعين يوماً إلّا قضى الله حاجته ، كما ثبت ذلك للعارف والعامي بالتجربة الصحيحة ، وحقيق على أهل الإيمان عدم الغفلة عن هذا العمل الصحيح السند ، كثير المعونة ، قليل المؤونة ، وعدم التساهل والتفريط به ، وإذا قدر لأحدهم أحياناً أن ينال طلبته ويصل إلى بغيته من مراجعة هذا الشرح فلا ينساني من دعاء الخير ، والله الموفّق لكلّ خير ، وبه الاعتصام عن كلّ زيغ وضير

والحمد لله أوّلاً وآخراً وظاهراً وباطناً ، وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين ، واللعنة على أعدائهم إلى يوم الدين

_________________

(١) طلب فضيلة المرحوم الآخوند الكرباسي وهو من الأوتاد في السير والسلوك وصاحب المقامات في وصيّته أن يدفن بإزاء قبر المرأة ولا تزال مقبرة الكرباسي بمقربة من قبر زوجة الحدّاد ( المحقّق )


الباب الثاني
في ترجمة الألفاظ الواردة في الزيارة وشرحها

بما يتّسع له هذا المختصر وما يسمح به اطّلاع قليل البضاعة ـ المؤلّف ـ وللتمييز بينهما رمزنا للشرح بحرف « ش » وللترجمة بحرف « ج »(١)

السلام(٢)

_________________

(١) وسوف نضطرّ لحذف الترجمة لأنّها كتبت للناطقين بالفارسيّة ولا تعني الناطقين بالعربيّة مِن ثَمّ نحذفها مع تقديم العذر سلفاً لسيّدنا المؤلّفرحمه‌الله ( المترجم )

(٢) « السلام عليك يا أبا عبد الله » وهنا ينبغي الإشارة إلى عدّة مواضيع : ١ ـ أثر السلام في الإسلام ، ٢ ـ ما هي العلّة في ابتداء السلام بالكنية « أبا عبد الله » ، ٣ ـ ما هو السبب في تكرّر السلام في هذه الزيارة وبقيّة الزيارات

البحث الأوّل

لكلّ فريق واُمّة مع اختلافها الطبقي في التحضّر والتبدّي تسكن المدن أو الصحراء ، لها تحيّة تناسبها ، يستقبل بعضها البعض بها ، كالإشارة بالرأس واليد ، أو رفع القبعة عن الرأس وغير ذلك ، وكلّ واحدة من هذه التحايا أفرزتها إلى واقع الاُمّة عوامل خاصّة عملت على إظهارها على منصّة الوجود وجميع هذه الطرائق ـ مع شديد الفارق بينها ـ تحكي عن خضوع الضعيف للقوي واستعباد الثاني للأوّل وإحساس الأوّل بالضعة والانحطاط في مقابل ما يملكه الثاني من القوّة القاهرة ، وهذه المشاعر التي تنتاب الناس سواءاً عرف مصدرها أم لم يعرف إن هي إلّا تلك الوراثة التي تلقتها الاُمم من عهود البربريّة السحيقة في


_________________

القدم وصاحب باقية من ذيول عبادة الأصنام وثمرة من ثمار ذاك الغراس المُرّ

وكان همّ الإسلام الأكبر القضاء على هذا الأساس وما يحمل ، وكلّ تقليد أو قاعدة أو آداب انتمت إليه واستمدّت منها فقد أعلنها حرباً لا هوادة فيها ، مِنْ ثَمّ بذل الجهد العظيم في المحافظة على حرّيّة الفطرة البشريّة التي هي إحدى الهبات الربّانيّة وهي إنسانيّة الإنسان ، والعمل على إبقائها حيّة فاعلة

مِن ثَمّ قضى على أتباعه أن يتحابّوا عند اللقاء ويسلم أحد المتقابلين على الآخر ويضعه في الصيانة والأمن على دمه وماله وملكاته الفاضلة ، ووضع لذلك صيغة خاصّة وهي : السلام عليكم أو عليك يعني لك الأمن والأمان والسلامة منّي ، أو بتفسير آخر ليكن اسم الله عليك ضارباً سجفه كالمظلّة على رأسك ، ومعنى ذلك ليكن الله سبحانه حافظاً وراعياً لك بالأمن والأمان والحفظ وهذا سلام جعله الله عنواناً للتحيّة وعلى كلّ أحد سواءاً كان عالياً أو دانياً ، رفيعاً أو وضيعاً ، قويّاً أو ضعيفاً ، سيّداً أو مسوداً ، أن يستقبل بها ملاقيه

البحث الثاني

في السلام على الحسينعليه‌السلام بدء بخطابه بكنيته أبا عبد الله ثمّ خاطبه يا بن رسول الله وأمير المؤمنينعليهما‌السلام و لأنّ العبارة هنا ذكرت الكنية التي وهبها الله له لتدلّ على مقام عبوديّته ، وهذا العنوان من امتيازاته وصفاته الذاتيّة والعنوان الذاتي مقدّم على الانتسابي

البحث الثالث

س : لماذا كرّر السلام في هذه الزيارة وزيارات بقيّة المعصومين مع أنّ عرف الناس قاضٍ باعتبار تكراره لوناً من الهزء والسخريّة والاستهانة ، فإذا قال القائل : السلام عليكم مثلاً ثمّ أردفها اُخرى واُخرى ليم على ذلك لتبادر العبث والاحتقار إلى ذهن السامع ، ألا يكفي أن يقول الزائر : السلام عليك يا أبا عبد الله وابن رسول الله وابن أمير المؤمنين كما جاء في القرآن الكريم :( وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ
يُبْعَثُ حَيًّا
) [ مريم : ١٥ ] أو( وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ) [ مريم : ٣٣ ]

ج : نعم ، إذا كان السلام موجّهاً إلى شخص ذي عنوان واحد وجهة واحدة فإنّ تكرار السلام يحمل معنىً مضادّاً للتوقير ، ولكن إذا تعدّدت الجهات وكانت كلّ جهة من جهات هذا الشخص ذات عظمة ووقع خاصّ في المجتمع تستحقّ وحدها السلام ، كان السلام مضافاً إلى أنّه ليس إهانة ولا احتقاراً بل مدعاة للفخر والمباهات كما نقرأ في زيارة أمير المؤمنينعليه‌السلام :« السلام على المولود في الكعبة ، المزوّج في السماء ، السلام على أسد الله في الوغى ، السلام على من شرّفت به مكّة ومنى ، السلام على صاحب


هذه الكلمة المباركة نحصر الحديث عنها في مقامين :

المقام الأوّل : في بيان معناها اللفظي

وهذا يحتاج إلى تمهيد مقدّمة فنقول : اعلم أنّ لكلّ قوم من الناس آداباً خاصّه يمارسونها عند اللقاء الأوّل ، وتدخل ضمن العادات المتّبعة لهم ، ومنها السلام المعبّر عنه بالتحيّة ، ومن جملتها ما قيل عن النصارى أنّ تحيّتهم وضع اليد على الفم ، ولكنّها في عصرنا الحاضر عبارة عن رفع قبّعة الرأس ، وتحيّة اليهود الإشارة بالإصبع ، وتحيّة المجوس والعجم الانحناء والتعظيم ، وتحيّة العرب قولهم : « حيّاك الله » أي أبقاك الله على قيد الحياة ، وربّما خاطبوا ملوكهم بقولهم : « أبيت اللعن »(١) وأحياناً يقولونا : « عم صباحاً » أو « أنعم صباحاً » أو « نعمت صباحاً » أو_________________

الحوض وصاحب اللواء ، السلام على خامس أهل العباء »

فكلّ واحد من هذه الصفات لها من الفضيلة والشرف ما تستحقّ سلاماً وحدها ، ونقول في زيارة عاشوراء : سلام عليك يا من حزت في مقام العبوديّة ( كنية أبا عبد الله ) وسلام عليك يا بن رسول الله وابن أمير المؤمنين

ونقرأ في زيارة الإمام صاحب الزمان عجّل الله تعالى فرجه : « السلام عليك حين تقرأ وتُبيّن ، السلام عليك حين تصلّي وتقنت ، السلام عليك حين تركع وتسجد ، السلام عليك حين تهلّل وتكبّر » [ بحار الأنوار ٥٣ : ١٧١ رقم ٥ باب ما خرج من توقيعاته ]

وإذا كان العاشق المجازي يتدلّه بحبّ معشوقه ويظهره له دائماً ويعدّد صفاته الطيّبة تلذّذاً بذكره ، لعلّ قلب صاحبه يعطف عليه ذات يوم ، فمن الأولى أن يكون العشّاق الحقيقيّون لأهل البيت والناضجون على اللهب المقدّس من حبّهم على أمل أن تكحل عيونهم برؤية فجر السعادة وفي قبول سلام واحد ممّا يرسلون عليهم من التحايا يقعون الرضا والعناية ، ويتحوّل نحاس وجودهم إلى ذهب أبريز بأكسير محمّد وآل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ( المحقّق )

(١) في الأساس في لعن : ومن المجاز أبيت اللعن وهي تحيّة الملوك في الجاهليّة ، أي : لا فعلت ما تستوجب به اللعن ، وفي عدّه مجازاً في حدود اللعن نظر ( منهرحمه‌الله ) ولا مجال للنظر هنا لأنّ استعمال الكلمتين من أبيت واللعن في غير ما وضعتا له وهذا هو المجاز ( المترجم )


مساءاً ، يقولون العبارات الثلاث كما قال عنترة بن شدّاد العبسي في مذهّبته :

يا دار عبلة بالجواء(١) تكلّمي

وعمي صبحاً دار عيلة واسلمي

وأشهر التحايا التي تقال في كلّ مناسبة هي « حيّاك الله » ومنها اشتقّت كلمة « التحيّة » وهي من باب « التفعيل » وأصلها « تحييه » وزان تصليه ، وبعد ادغام اليائين صارت وزان « تقيّه » ولمّا كانت هذه الكلمة لا تقال إلّا في مقام التعظيم والتشريف مِن ثَمّ أُطلق على كلّ إكرام وإعظام لفظ « التحيّة » ومن هذا الباب « التحيّات لله » هذه الكلمة الواردة في التشهّد الكبير ، والظاهر أنّ هذا المعنى نفسه ورد في قوله تعالى( وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ) (٢) والمراد مطلق الإكرام كما جاء في تفسير الشيخ الأقدم الأعظم عليّ بن إبراهيم القمّيرضي‌الله‌عنه (٣)

وفي الخصال نقل عن الإمام أمير المؤمنين أنّه جعل التحيّة تعمّ تسميت العاطس(٤)

_________________

(١) الجواء على وزن فعال : جبل يلي رحرحان من غربيّه وبينه وبين الربذة ثمانية فراسخ ( المترجم )

(٢) النساء : ٨٦

(٣) تفسير القمّي : ٦٣٣ ، بحار الأنوار ٧٦ : ٧ ، و ٨٤ : ٢٧٣ ، وتفسير البرهان ذيل الآية ( هامش الأصل ) في تفسير عليّ بن إبراهيم ١ : ١٤٥ ط الثالثة تصحيح السيّد طيّب الجزائري ١٤٠٤ ـ قم

(٤) قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : السلام وغيره من البرّ وفي البحار ٧٥ : ٧ ط بيروت مؤسسة الوفاء سنة ١٤٠٣ ( المترجم )

وفي الخصال : أمرناعليه‌السلام باتّباع الجنائز ، وعيادة المريض ، وتسميت العاطس ، ونصرة المظلوم ، وإفشاء السلام إلى آخره وهو حديث طويل ( المترجم )

الخصال : ٦٣٣ ، بحار الأنوار ١٠ : ١١١ ، و ٧٦ : ٥٤ ، تفسير البرهان ذيل الآية ، بحار الأنوار ٤٤ : ١٩٥ في فضل الإمام الحسينعليه‌السلام ( هامش الأصل )

لم أجدها في الأجزاء المذكورة وفي ٧٢ : ١٧ أنّ النبيّ أمر بسبع وعدّ منها تسميت العاطس وإفشاء السلام ، ومثله في ٧٣ : ٢ و ٣٤٠ ، و ٧٨ : ١٤ و ٢٧٥ ، و ١٠١ : ٢١٢ ولم أعثر منها على ما ذكره المؤلّف وفي كلّها يكون إفشاء السلام أحد المأمور بها ( المترجم )


وفي الصافي والبحار والمناقب في خبر الجارية التي أهدت الإمام الحسنعليه‌السلام طاقة ريحان وأعتقها واستشهد بالآية( وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ ) (١)

ويستفاد العموم من مجموع هذه الأخبار ويحمل على الاستحباب وإذا اُريد من لفظ التحيّة خصوص السلام ، فلا يحمل على إرادة اللفظ نفسه كما توهّم بعض المفسّرين حيث لا يخفى ذلك على أصحاب النظر وما جاء في شعر القطامي وهو من كبار شعراء العرب :

إنّا محيّوك فاسلم أيّها الطلل

وإن بليت وإن طالت بك الطيل

وفي هذا الشعر الحماسي المعروف :

إنّا محيّوك يا سلمى فحيّينا

وإن سقيت كرام الناس فاسقينا

وفي شعر عنترة في مذهّبته :

حيّيت من طلل تقادم عهده

أقوى وأقفر بعد أُمّ الهيثم

وماشابه هذا من الشعر فالاحتمال قائم على أنّ المراد به مطلق الإكرام والتعظيم وأداء عادة التعارف ، والأظهر أنّه دعاء بالحياة كما سبق بيانه والإشارة في الشعر إلى التحيّة المعروفة « حيّاك الله » كما فهم ذلك الأُدباء وبناءاً على هذا يمكن القول لزوماً بأنّ لفظ « حيّا » و « يحيي » في هذه الأبيات مأخوذ من لفظ « حيّاك الله » مثل_________________

(١) وفي المناقب : جاءت جارية للحسنعليه‌السلام بطاق ريحان ، فقالعليه‌السلام : أنت حرّة لوجه الله فقيل له في ذلك ، فقال : أدّبنا الله تعالى :( وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ ) الآية ، وكان أحسن منها إعتاقها ( الصافي ١ : ٤٧٦ ) وفيها عن الخصال : إذا عطس أحدكم قولوا : يرحمك الله ، ويقول هو : يغفر الله لكم ويرحمكم ، قال الله تعالى :( وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا ) الآية ، ولعلّ هذا ما حمل المؤلّف على القول بأنّ الإمام عدّ تسميت العاطس من التحيّة ، راجع : الصافي ١ : ٤٧٦ لما تقدّم ( المترجم )

في هامش الأصل : المناقب ٣ : ١٨٣ ، بحار الأنوار ٨٤ : ٢٨٣ ، و ٤٤ : ١٩٥ وجرى تطبيقها في المناقب ، ووجدتها في ٤٣ : ٣٤٣ من البحار عن أنس ، وفي ٤٤ : ١٩٥ منسوبة للإمام الحسينعليه‌السلام وهي عن أنس أيضاً ( المترجم )


البسملة والحوقلة المشتقّ(١) من اللفظ لا المعنى ، ولكنّه بعيد

وربّما يقال : لمّا كان الحياة لازمة لقول محيّوك وحيّيت ، مِن ثَمّ نسب إلى الداعي من هذا اللفظ الدعاء بالحياة للسامع ، وصحّ إرادة الحياة والبقاء من هذا اللفظ وإن لم يصرّح بهما القائل ، ومثله قول : « جزاه الله خيراً » فإنّه يستغني عنه بقول : « جزّاه خيراً » بتضعيف الزاي ، وتفصيل هذه المسائل خارج عن مهام هذا المقام وخطّته

ويظهر ممّا قلناه في معنى التحيّة أنّ المراد بها أصل معناها وهو الحياة ، وأحياناً تستعمل في البقاء ولمّا كانت التحيّة من لوازم الملوك وخصّت بهم وبتقديم الاحترامات اللازمة للملك ، وهي فريضة عرفيّة مِن ثَمّ راحت التحيّة تستعمل أحياناً بمعنى الملك كما قال زهير بن حباب الكلبي :

ولكلّ ما نال الفتى

قد نلته إلّا التحيّة

ويقول عمرو بن معد كرب الزبيدي :

أسير به إلى النعمان حتّى

أنيخ على تحيّته بجند

أي ملكه ونقل عن يعقوب بن السكّيترضي‌الله‌عنه أنّ المراد بلفظ تحيّات في الصلاة يحمل على الملك ، والله أعلم بالصواب(٢)

فإذا عرفت هذه المقدّمة فاعلم بأنّ التحيّة في الإسلام هي السلام كما يستفاد من تفسير الآية المنقول عن الخاصّة والعامّة :( وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ
مُؤْمِنًا
) (٣) بناء على قرائة « السلام » المعروفة لا « السلم » وفي رواية أنّها قرائة عاصم ابن أبي النجود رحمه الله تعالى

_________________

(١) ليس هذا اشتقاقاً وإنّما هو نحت ( المترجم )

(٢) لم يشر إلى المصدر لملاحظته غير أنّي عثرت في إصلاح المنطق على قوله : التحيّة للملك ، وقولهم : التحيّات لله أي الملك لله ( اصلاح المنطق : ١٣٧ ) ( المترجم )

(٣) النساء : ٩٤


وخلاصة معنى الآية كما يلي : إذا حيّاكم أحد بتحيّة الإسلام وأظهر الإسلام بقوله « سلام عليكم » فلا تنكروا عليه ذلك ولا تسارعوا إلى تكذيبه ورميه بالشرك هذا إذا قرء « مؤمن » بكسر الميم أي أنّها اسم فاعل ، أمّا إذا قُرئت بفتحها وهي القرائة المنسوبة إلى الإمام الباقرعليه‌السلام فيكون المعنى : لا تقولوا له لست آمناً لأنّ المسلم يطلب الأمان بالسلام

وجملة القول : هذا المعنى وهو السلام تحيّة خاصّة بالإسلام وهو من الوضوح بمكان ولا يحتاج إلى شاهد وأمّا استشهاد بعضهم بالآية :( تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ
سَلَامٌ
) (١) فهي محلّ نظر وتأمّل

معنى السلام :

وذكروا للسلام وجوهاً مختلفة :

منها : أنّ السلام اسم من أسماء الله عزّ وجلّ ، والمراد من قول القائل : السلام عليكم أي الله تعالى حافظكم ، وهذا الوجه وإن ذكر عن ابن الأنباري واقتصر عليه بعض المحدّثين ولكنّه يبدو للنظر قاصراً ؛ لأنّ الجار والمجرور لا يؤدّي معنى الحفظ كما إذا قيل : الله عليك ، والرحيم عليك فإنّ ذلك يبدو نشازاً في المعنى المقصود وهو خلاف الأصل فلا يصار إليه ، مع كون صيغة السلام عليكم بالتعريف مساوية لغيرها في المعنى مثل : سلام عليكم بالتنكير ، فلا يتمشّى المعنى المذكور في هذه الصيغة لتنكير لفظ السلام كما أنّ المعنى غير محتمل في سلاماً وسلام عليك ( وبلّغه سلامي )(٢) وبلّغ إليه سلامي واقرأه السلام على الإطلاق

الوجه الآخر : أنّ لفظ « سلام » من باب التفعيل وهو : التسليم

_________________

(١) الأحزاب : ٤٤

(٢) هذه الجملة من المترجم


الوجه الثالث : إنّه مصدر مجرّد ومعناه السلامة وهذان الوجهان يختلفان باختلاف الاستعمال وإن كان الوجه الثالث أقوى وأظهر في معناه

وسمع السلام عن العرب بمعاني عدّة والأصل في المعاني كلّها « السلامة » وجاء أيضاً بمعنى الحجارة الصلبة التي تمتاز بصلابتها ، وبمعنى الدوحة الواسعة ، وبمعنى دجلة ، وهذه كلّها تأبى الصيغة فهي في مأمن وسلامة

ويمكن اعتبار معنى السلامة في دجلة لسلامة مائها كما جاء عن الهاديعليه‌السلام في فضل سامرّاء حيث وصف مائها بالعذوبة ويحتمل أن يكون سبب اسمها « دار السلام » لوقوع دجلة فيها ، ومن ذلك الدلو إذا سلم من الآفات قيل له « سلم » شريطة أن يكون له مقبض ، وهذا المعنى جارٍ في « س ل م » وممّا تركب منها

وكذلك بالنظر إلى هذا المعنى كان « السلام » من أسماء الله تعالى لأنّه يحفظ سبحانه خلقه من الآفات والبلايا والشرور والنقائص ، أو أنّه سبحانه خلق القدرة في ذوي الاستعداد والقابليّات على الاستفادة من مراتب الموادّ الممكنة في تربية شمسه الرحمانيّة المشرقة من قاف إلى قاف على العالمين ، والوصول إلى درجة كمال الاستعداد ، ويحول بينهم وبين الموانع بضمان سلامتهم حتّى يصلوا إلى ما قدّر لهم من تلك الحدود ، أو أنّه سمّي سلاماً باعتبار سلامته من نقائص الإمكان وتعاليه على أُفق الحدوث ، فهو السلام ومنه السلام وإليه السلام(١)

_________________

(١) وهذه العبارة حديث فاطمة الزهراءعليها‌السلام : الله السلام ومنه السلام وإليه السلام ( المواهب السنيّة : ٢٦٤ )

سعيد بن جبير ، عن ابن عبّاس قال : جاع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله جوعاً فهبط جبرئيلعليه‌السلام عليه ومعه لوزة فقال : يا محمّد ، إنّ الله يقرئك السلام ، فقال : يا جبرئيل ، الله السلام ومنه السلام وإليه يعود السلام ( المواهب السنيّة : ٢٣٢)

سلمان الفارسي عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقلت : هو السلام ومنه السلام وإليه يعود السلام ( بحار الأنوار ١٨ : ٣١٣ ط طهران )


وجملة القول : أنّه علم ممّا تقدّم أنّ معنى السلام هو السلامة والراحة ، ولفظ الجار « على » في « عليك » يفيد الشمول والإحاطة كما في « رحمة الله عليه » و « رضوان الله عليه » وأمثالهما ويظهر من كلام العلماء وجوه لترجيح هذه التحيّة وإن كان بعضها لا يخلو من النقاش في النظر الدقيق لولا أنّ الغرض في ذكر هذه المطالب الإقناع والتقريب ، ونشير إلى بعضها على وجه الإجمال :

الأوّل : توجد في صيغ التحيّة الأُخرى ألفاظ خاصّة من الدعاء وغيره وفي هذه التحيّة يوجد الإخبار بالسلامة الطاردة لجميع الآفات والشرور من الموت والقتل والأسقام والمذلّة والفقر وغيرها ؛ فهي أشمل

الثاني : يرجع إلى العصر الجاهلي حين جرت العادة أن يغير البعض على البعض الآخر ، أو يستولي على صاحبه بالغدر والحيلة ، وكانت تحاياهم المعتادة لا تؤمن رخاء البال وسكون القلب بصراحة صيغة السلام يتضمّن معناها راحة القلوب وسكينة النفس ، فهي أوّل ما يرد السمع من كلام المخاطب ويكون السلام مبدأ للتلاقي ، فيحمل في طيّاته نواة البشر وطيب النفس والأمان من جميع الصور المتخيّلة الضارّة

_________________

أبي سعيد عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ الله هو السلام ومنه السلام وإليه السلام ، وعلى جبرئيل السلام ( بحار الأنوار ١٨ : ٣٨٥ ط طهران )

اللهمّ أنت السلام ومنك السلام وإليك السلام وإليك يعود السلام ودارك دار السلام ( بحار الأنوار ١٠٠ : ٤١٢ ، مفاتيح الجنان أعمال مسجد الكوفة )

اللهمّ أنت السلام ومنك السلام وإليك يرجع السلام ( بحار الأنوار ١٠١ : ٢٠٩ ط طهران )

والسلام هنا ينطبق على المعاني الثلاثة : « هو السلام » باعتباره تعالى ذاتاً مقدّسة عن سمات الإمكان ، و « منه السلام » باعتبار أنّه يحمي ويسلم خلقه من الآفات وذلك من ألطافه ، و « إليه السلام » باعتبار أنّ غاية الموجودات ذوات الاستعداد بلوغ القرب من حضرته كما قال الحكيم المعاصر :

يا واهب العقل لك المحامد

إلى جنابك انتهى المقاصد

وهو أحسن شعره فاحتفظ مّا ذكرناه واغتنمه ( منهرحمه‌الله )


الثالث : أنّ قول « حيّاك الله » جملة دعائيّة ولمّا كان الدعاء يستلزم الإجابة لا يستدعي اطمينان الخاطر وسكون النفس ، بخلاف « السلام عليك » فإنّها جملة خبريّة ومقتضاها تحقّق السلامة والأُنس ، فإذا سمعها السامعون صارت سبباً في راحة الخاطر وسكون البال وأمان الفؤاد على أنّ من قال « حيّاك الله » له أن يعتذر إذا لزم الأمر أنّ دعائه لم يُستجب ، ولكن لا عذر لصاحب السلام في العذر لأنّ صريح الجمله الخبريّة سلامة المسلَّم عليه من المسلِّم فإذا تخلّف عن مفادّها عُدّ كذّاباً صراحة لا ضمناً ؛ فافهم(١)

الرابع : قال العلماء : إنّ الأصل في جبلّة الحيوان الخير أو الشر ؟ فمنهم من قال : الأصل فيها الشرّ وهذا كالإجماع المنعقد بين جميع أفراد الإنسان ، بل نزيد ونقول :

إنّه كالإجماع المنعقد بين جميع الحيوان والدليل عليه أنّ كلّ إنسان يرى إنساناً يعدو إليه مع أنّه لا يعرفه فإنّ طبعه يحمله على الاحتراز عنه والتأهّب لدفعه ولولا أنّ طبعه يشهد بأنّ الأصل في الإنسان الشرّ لما أوجبت فطرة العقل التأهّب لدفع شرّ ذلك الساعي إليه بل قالوا هذا المعنى حاصل في كلّ الحيوانات فإنّ كلّ حيوان عدا إليه حيوان آخر فرّ ذلك الحيوان الأوّل واحترز منه فلو تقرّر في طبعه أنّ الأصل في هذا الواصل هو الخير لوجب أن يقف ( لأنّ أصل الطبيعة يحمل على الرغبة في وجدان الخير ولو كان الأصل في طبع الحيوان أن يكون خيره وشرّه على التعادل والتساوي وجب أن يكون الفرار والوقوف متعادلين فلمّا لم يكن الأمر كذلك بل كلّ حيوان توجّه إليه حيوان مجهول الصفة عند الأوّل فإنّ ذلك

_________________

(١) رضي الله عن هذا الشيخ الجليل بما يتفتّق عنه ذهنه من هذه المعاني ، وهل يدرك بعض هذا أبناء الجاهليّة وهم همج رعاع ؟!


الأوّل يحترز عنه بمجرّد فطرته الأصليّة علمنا أنّ الأصل في الحيوان هو الشر )(١)

كما قالت الملائكة في بدء الخليقة :( أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ) (٢) وهو شاهد على المدّعى

« اذا ثبت هذا فنقول : دفع الشرّ أهمّ من جلب الخير [ استدعى ذلك ] إذا وصل إنسان إلى إنسان كان أهمّ المهمّات أن يعرفه أنّه منه في السلامة والأمن والأمان »(٣) ليكون فارغ البال وآمن السرب وليعملا بعد ذلك بلوازم المؤاخاة ووظائف الملاقات

الخامس : أنّ لفظ السلام كما علمت هو اسم من أسماء الجلالة وبالابتداء بهذا الاسم تنال البركة وإن لم يكن ذلك مقصوراً لذاته ولا يوجد ما فيه من الشرف في الأسماء الأُخرى ولما كان سماعه يوحي بهذا المعنى فإنّه يبعث البهجة في قلب السامع ويمنحه لذّة أُخرى وكأنّه يشير إلى هذا المعنى وهو الحديث الذي رواه رئيس المحدّثين عروة الإسلام محمّد بن عليّ بن الحسين مرسلاً ، ورواه الشيخ الشهيدرضي‌الله‌عنه في الأربعين مسنداً عن صادق آل محمّدعليه‌السلام فقد نقلوا : إنّ الإمام قال بعد ذكر السلام : « السلام اسم من أسماء الله »(٤)

_________________

(١) الرازي ، مفاتيح الغيب ١٦ : ١٨٢ والمؤلّف أخذ منه ولم يُحل عليه ( المترجم )

(٢) البقرة : ٣٠

(٣) هذا من كلام الرازي في مفاتيح الغيب ١٦ : ١٨٢ وما بين الحاصرتين للمؤلّف ، ولست أدري لماذا لم يشر إلى المصدر ( المترجم )

(٤) الروضة ، والبحار ٧٦ : ١٠ ، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « السلام من أسماء الله فافشوه بينكم » وفي أربعين الشهيد حديث ٢٢ ، والبحار ٨٤ : ٣٠٦ رقم ٢٠ بالإسناد عن زرارة عن أبي جعفر الباقرعليه‌السلام قال : سلّم عمّار على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في الصلاة ثمّ قال أبو جعفرعليه‌السلام : إنّ السلام اسم من أسماء الله عزّ وجلّ ( هامش الأصل )


وليس مستغرباً من بعض المحقّقين أن يقصر معنى السلام على الأوّل لأنّ ذلك عائد إلى عدم التعمّق في بحث الحديث

السادس : إنّ هذه التحيّة هي تحيّة الملائكة للأنبياء والموتى من المؤمنين أوّل دخولهم الجنّة كما جاء في حكاية لوط أنّ الملائكة قالوا للخليل :( سَلَامًا قَالَ
سَلَامٌ
) (١) وفي موضع آخر قال :( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ
عَلَيْكُمُ
) (٢) وفي موضع آخر :( وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ ) (٣)

الوجه السابع : ما أشار إليه الرازي في تفسيره الكبير وهو مبنيّ على النهج الخطابي وطريقة التقريب على نحو التحقيق والتنقيب من ثمّ جاز في نظر الفضلاء أن يتمّم بشعر أو مثل إن لم يكن تامّاً لأنّ ذلك حقيق بالمطالب من هذا القبيل ، وخلاصة ما قال كما يلي : ذلك لأنّ الأرواح البشريّة أنواع مختلفة فبعضها أرواح خيّرة عاقلة وبعضها كدرة خبيثة وبعضها شهوانيّة وبعضها غضبيّة ولكلّ طائفة من طوائف الأرواح البشريّة السفليّة روح علوي قوي يكون كالأب لتلك الأرواح البشريّة وتكون هذه الأرواح بالنسبة إلى ذلك الروح كالأبناء بالنسبة إلى ذلك الأب وذلك الروح العلوي هو الذي يخصّها بالإلهامات تارة في اليقظة وتارة في النوم وأيضاً الأرواح المفارقة عن أبدانها المشاكلة لهذه الأرواح في الطبيعة والصفات والخاصيّة يحصل لها نوع تعلّق بهذا البدن بسبب المشاكلة والمجانسة وتصير_________________

وفي خصوص ما أورده المؤلّف جاء في الأربعين للشهيد الأوّل عن الباقرعليه‌السلام : السلام اسم من أسماء الله تعالى ( الأربعين : ٥١ ) ( المترجم )

(١) هود : ٦٩

(٢) النحل : ٣٢

(٣) الزمر : ٧٣


كالمعاونة لهذه الأرواح على أعمالها ؛ إن خيراً فخير ، وإن شرّاً فشرّ(١)

ولمّا كان الإنسان عرضة لتزاحم جنود العلم والجهل وتعارض القوّتين الملكيّة والحيوانيّة والحرب القائمة بين النفس والعقل ، يحدث إثر ذلك في وجوده الصراع المستمر كما قالوا :

جان كشيده سوى بالا بالها

تن زده اندر زمين چنگالها

ميل جان اندر علوم ودر شرف

ميل تن در كسب آب است وعلف

ترفرف الروح في الأجواء صاعدة

والجسم في الأرض لم يخرج ولم يعف

ورغبة الروح في علم وفي شرف

ورغبة الجسم في ماء وفي علف

لهذا إن طرقت مسامعه كلمة فيها خبر السلامة حصل عنده البشارة بالراحة والطمأنينة ، ويكون ذلك أمارة على غلبة الجانب الملكوتي وقهر القوّة الغضبيّة والشهويّة تحت لواء القوّة العاقلة وهذه التحيّة لا سيّما إذا كانت من مخبر صادق كامل خيّر من تحيّة « حيّاك الله » ومن أجل هذه اللطيفة رجّح بعضهم أن يكون الخطاب بلفظ الجمع « السلام عليكم » يشتمل جميع القوى النفسانيّة وتكون الإشارة بالسلامة إلى جيع التكثّرات المنسجمّة في هذا الوجود الوجداني(٢)

وأنا أعتقد أنّ هذه اللطيفة يجب إجرائها في مكان الكثرة فيها محفوظة

_________________

(١) هذا ما ذكره الرازي في تفسيره ١٦ : ١٨٣ ، أمّا المؤلّف فقد تصرّف النصّ وأضاف إليه شعراً ورأينا ترجمته لتعرف مدى الفرق بين النصّين ( المترجم )

(٢) هذا معنى ترجمه كلام المؤلّف وأمّا ما جاء في تفسير الرازي فقوله : وإذا عرفت هذا السرّ فالإنسان لا بدّ وأن يكون مصحوباً بتلك الأرواح المجانسة له ، فقوله : « سلام عليكم » إشارة إلى تسليم هذا الشخص المخصوص على جميع الأرواح الملازمة المصاحبة إيّاه بسبب المصاحبة الروحانيّة الخ [ مفاتيح الغيب ١٦ : ١٨٣ ] والمؤلّف غيّر النص تغييراً جذريّاً وكان الألفاظ التي قدّم بها للنصّ في مبتدئه ، اعتبرها عذراً له من هذا التغيير الذي قلّب المعنى رأساً على عقب لا سيّما الشعر الفارسي الذي أدخله ضمن المتن المترجم حتّى أنّ الناظر فيه يعتبره لأوّل وهلة أقوال الرازي وهو ليس كذلك ( المترجم )


ومتصوّرة ولكنّها في حقّ الأولياء والأنبياء لا يصحّ استعمالها لأنّهم عند التجلّي يفقدون كثرتهم وتندكّ في تجلّي الوحدة الحقّة والحقيقيّة ، ويتّجهون بكلهم قلباً وقالباً إلى الجانب القدسي من ثمّ جاء الخطاب واحداً في سلام الزيارات كلّها « السلام عليك » ؛ فافطن واغتنم .

الثامن : أنّها تحيّة الله لأنبيائه في عدّة مواضع ، ولآل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله حيث يقول :( سَلَامٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ ) (١) ولعموم المؤمنين حيث يقول تعالى :( تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ
سَلَامٌ
) (٢) وفي هذه الأثناء تتلاشى جميع التحايا وتضمحلّ لأنّه لا أثر يبقى للمخلوق عندما يتجلّى الخالق ، ولا يتحقّق له وجود

يكى قطره باران ز ابرى چكيد

خجل شد چو پهناى دريا بديد

كه جائى كه درياست من كيستم

گر او هست حقّا كه من نيستم

همت قطرة من غيمة وإذا بها

ترى البحر بالأمواج يرغي ويزيد

فقالت أمام البحر والموج من أنا ؟

إذا كان بحر لا أعدّ وافقد

تنبيه :

اعلم أنّ الفخر الرازي ذكر في تفسيره الكبير : إذا ثبت هذا فقوله « سلام » لفظة منكّرة فكان المراد منه سلام كامل تامّ ( و ) ( انّ التنكير يدلّ على الكمال ) فقد صارت هذه النكرة موصوفة فصحّ جعلها مبتدأ(٣)

واعتقادي أنّ هذا الكلام لا يصحّ من رأس ، لأنّ مقامات الكلام مختلفة ، من ثمّ وردت في القرآن مختلفة وليست بصيغة واحدة ولو ادّعي العكس لكان أولى « چه

_________________

(١) الصافّات : ١٣٠

(٢) الأحزاب : ٤٤

(٣) مفاتيح الغيب ١٦ : ١٨١ وما بين القوسين يأتي قبل سابقه


قصر طبيعت أتمّ از قصر بعض افراد ، اگرچه اعتبار كمال شود ، چنانچه در لفظ « الحمد لله » تقرير داده اند والسلام على من اتّبع الهدى »(١)

لطيفة :

ولمّا علمت أنّ معنى السلام هو القول للمخاطب : إنّ السلامة والاطمئنان ملأت جميع أقطارك ولن يصل منّي إليك شرّ وضرر أبداً وإنّك آمن من قبلي

من هنا كان الزائر الماثل بين يدي الإمام أو الذي يزوره على بعد بعد تمثيله بمخيلته ويسلّم عليه أن يكون على حال لم تبدر منه بادرة سوء بحقّ الإمام لا في الوقت الحاضر ولا في غيره من الأوقات ولمّا كان من المقطوع به أنّ هدف هؤلاء الأئمّة ينحصر في هداية الأُمّة وصلاحها وإعلاء كلمة التوحيد وظهور آثار العبوديّة لله من الناس وإشاعة الطاعة في عمومهم فإنّهم حينئذٍ يألمون من إتيان المعصية وترك أوامره ظهريّاً وفعل نواهيه ، بل يتأذّون من وجود الأخلاق الرذيلة من قبيل الحرص والكبر والرياء والعجب والبخل وحبّ الجاه والمال وأشباه ذلك

ولقد كانت شكايات أمير المؤمنينعليه‌السلام على هذا الأساس وكذلك تظلّمه ، حيث أنّ الناس يعصون الله ولا يطيعون أئمّة الهدى ، ولا يبعد أن يكون قول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : ما أُوذي نبيّ كما أُوذيت(٢) ناظر إلى هذا المعنى لأنه لم تعصى أُمّة نبيّها وربّها ما عصت هذه الأُمّة حيث غصبت الخلافة وآذت فاطمة وقتلت سيّد الشهداء وأنزلت_________________

(١) رأيت ترجمتها غير دقيقة فآثرت الأصل وأرجو من القارئ الدقّة في ترجمتها ( المترجم )

(٢) ما أُوذي أحد مثلما أُوذيت ( كنز العمّال ج ٣ حديث ٥٨١٧ و ٥٨١٨ عن الحلية وابن عساكر عن جابر ، وكنز العمّال ج ١١ ح ٣٢١٦٠ و ٣٢١٦١ والجامع الصغير : ٣٣٤ ) ( هامش الأصل ) جرى تطبيقه في كنز العمّال وفي شرح الجامع الصغير للمناوي رقم ٧٨٥٢ ( المترجم )


من البلايا على الأئمّة ما لم ينزل على رؤوس غيرهم(١) (٢)

فتبيّن من هذا أنّه لم يؤذ نبيّ كما أُوذي هذا النبيّ المكرّمصلى‌الله‌عليه‌وآله

وحاصل الكلام أنّه يلزم الزائر أن يكيّف نفسه على وجه فيه رضىً للإمام تلك الآونة ولا يؤذيه بسوء سلوكه ليصدق في بذل السلام وأدائه

إذن ، ينبغي عليه أن يطهّر القلب بماء التوبة ويذري من عينيه دموع الندم ، ثمّ يتقدّم بالسلام على الإمام

غوطه در اشك زدم كاهل طريقت گويند

پاك شود اول وپس ديده بر آن پاك انداز

غرقت بماء الدم إذ قال رفقتي

تطهّر من الآثام ثمّ انظر الطهرا

وإن لم يكن على الصفة التي ذكرناها فإنّه يكذب حينئذٍ في أوّل كلمة يقولها ويغدر ، وهذا المعنى لا يتحقّق للعبد إلّا بتوفيق من الله وخلوص النيّة ، رزقنا الله ذلك بمحمّدٍ وآله

المقام الثاني : في لفظ « أبو عبد الله »

اعلم أنّ هذه الكلمة المباركة إنّما هي كنية وهي مأخوذة من الكناية ومعناها الإشارة إلى الاسم بالتلميح مع احتوائها على قرينة توجب الانتقال إلى المعنى المقصود ، ومن هذه الناحية أطلق البصريّون على « الضمير » اسم الكناية

والكناية عند علماء البيان لا تتجاوز هذا المعنى ، فإذا أُريد التعمية على اسم أو أُريد عدم ذكره صراحة كنّي عنه بالأب أو الأُمّ أو الابن ، فيدعى بلفظ « أب » أو « أُم »

_________________

(١)( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ ) قال : نزلت فيمن غصب أمير المؤمنين حقّه وأخذ حقّ فاطمة وآذاها ، وقد قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : من آذاها في حياتي كمن آذاني بعد مماتي ( هامش الأصل نقلاً عن بحار الأنوار ١٧ : ٢٧)

(٢) جرى تطبيقه في بحار الأنوار ٤٣ : ٢٥ ط ثانية مؤسسة الوفاء بيروت ١٤٠٣


أو « ابن » من قبيل : أبو عمر ، وابن عبّاس ، وأُمّ معبد ، وهذه الكلمة تسمّى كناية كما تسمّى كنية لأنّها لا تدلّ على الذات دلالة الاسم الصريح ، ولما كان الأغلب من الناس يأنف أن يدعى باسمه العلم

والألقاب التي يضعها العجم في مقدّمة الأسماء مثل : سيّد أو شيخ أو خان أو ميرزا لم تكن معروفة عند العرب ، لذلك فزعوا إلى الكنية فجعلوها أداة تعبير واعتبروا رعاية أدب اللياقة تكون بها ، كما قال شاعر الحماسة :

أكنيه حين أُناديه لأُكرمه

ولا أُلقّبه والسوءة اللقبا

كذاك أُدِّبْتُ حتّى صار من خُلُقي

إنّي وجدت ملاك الشيمة الأدبا

من هنا جرت بهم العادة أن يضعوا لكلّ واحد كنية وأحياناً يكنى المرء وإن لم يكن له ولد بل توضع له كنية حين ولادته تيمّناً بذلك أن يكون ذا ولد ، والغالب أن يتكنّوا بما يتكنّى به أصحاب الأسماء الشهيرة كما لو وضعوا للوليد اسم علي فإنّ كنيته أبو الحسن ، أو الحسن فتكون كنيته أبا محمّد ، لأنّ كنية الإمام أمير المؤمنين والإمام الحسنعليهما‌السلام أبو الحسن وأبو محمّد

والظاهر من الأخبار الكثيرة أنّ كنية الحسينعليه‌السلام أبو عبد الله منذ الصغر كما جاء ذلك في رواية أسماء بنت عميس أنّ النبيّ عند ولادته وضعه في حجره ثمّ قال : يا أبا عبد الله ، عزيز عليّ ، ثمّ بكى ، فقلت : بأبي أنت وأُمّي ، فعلت في هذا اليوم وفي اليوم الأوّل فما هو ؟ قال : أبكي على ابني هذا تقتله فئة باغية كافرة من بني أُميّة(١)

وهذه الكنية مشتركة بين إمامين : أحدهما سيّد الشهداء والثاني الإمام الصادقعليه‌السلام ، والظاهر أنّ هذه الكنية وكذلك الاسم هديّة من الله لهما

_________________

(١) بحار الأنوار ٤٣ : ٢٣٨ ـ ٢٤٠ باب ١١ عن العيون وابن شهرآشوب في المناقب ، والبحار ٤٤ : ٢٥٠ و ٢٥١ عن الأمالي ( هامش الأصل ) جرى تطبيقه على البحار باب ٣١ ( المترجم )


فائدة استطراديّة

جاء في كتاب « منتهى الإرب » : يقال : يكنى بأبي عبد الله مجهولاً ولا يقال يكنى بعبد الله يعني إذا سُئل عن الكنية ( فلان ما كنّيته ) فيقال له : « يكنى بأبي عبد الله » لا بعبد الله وأقول أنا : إذا قصد النافي عدم صحّة العبارة ( اي قول القائل يكنى بعبد الله ) فلا وجه له لأنّ باء الجر تارة تتعلّق بالفعل « يكنىٰ » وحينئذٍ يقال « يكنّى بأبي فلان » وأحياناً تكون الباء سببيّة وتكون العبارة عندئذٍ إنّه بفلان صار صاحب كنية ولابدّ من دخول الباء على اسم الولد فيقال « يكنى بفلان »

أمّا إذا قصد النافي نفي الاستعمال فذلك خلاف الواقع وسببه قلّة التتبّع وعدم الاطّلاع على مذاهب استعمالات العرب لأنّ هذه عبارات شائعة مثل « يكنى بولده فلان » أو بعد ذكر الولد يقال « وبه يكنّى » وهذا جارٍ في كلام السلف والطبقات التي يحتجّ بكلماتها حتّى فات حدود الإحصاء من ذلك عبارة ابن إسحاق وقتادة المحكية في « أُسد الغابة » في ذكر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه « وبالقاسم كان يكنّى »(١)

ومن شعر عبد المطّلبعليه‌السلام الذي نسبته إليه الكتب المعتبرة أنّه قال :

وصّيت من كنّيته بطالب

عبد مناف وهو ذو تجارب

وذلك مستعمل بكثرة عند الشعراء المتأخّرين ، فلو ذهبنا نستقصي لطال بنا المقام وأدّى ذلك إلى الملل ، وتكتفي بهذا البيت الواحد من شعر أبي طالب المأموني وهو من الشعراء المشاهير في عهد الوزير الفاضل المحقّق كافي الكفاة

_________________

(١) أقول : لا وجه لما ذكره المؤلّف فإنّ العبارة التي ناقشها إنّما تختصّ بمن لا ولد له ولذلك عبّر عنه بالمجهول فلا يجوز غيرها ، لأنّه لا ولد له لكي ينسب إليه التكنّي به ، أمّا من كان ذا ولدٍ فحينئذٍ تصحّ العبارة التي ذكرها المصنّف عند ذكر الولادة فيقال مثلاً : وكان له من الأولاد فلان وفلان وفلان وبه كان يكنّى ، فلا منافاة بين القولين لأنّ العبارة الأُولى تقال لمن ليس له ولد ، والثانية لمن ولد له أولاد ( المترجم )


الصاحب الأجل أبي القاسم إسماعيل بن عبادرضي‌الله‌عنه وفي طبقة أبي سعيد الرستمي وأبي محمّد الخازن حيث يقول في قصيدته الميميّة المعروفة :

ولا تاج إلّا ما تولّيت عقده

على جبهة الملك المكنّى بقاسم

ونحن لو لم نكن على النهج الذي نقله السيوطي في المزهر عن الإيضاح لأبي علي الفارسي وصاحب الكشّاف ونجم الأئمّة والمحقّق الشريف والقاضي البيضاوي وعبدالقادر البغدادي والشهاب الخفاجي وجماعة من الفضلاء الذي جوّزوا الاستشهاد بشعر العلماء المولّدين لأنّ استعمالهم للفظ يعتبر رواية منهم لذلك اللفظ فهو حجّة حينئذٍ

أقول : لو لم نكن على النهج المذكور لوجب التزامنا في خصوص هذا الشعر بالصحّة لأنّه أُنشد بين يدي أعظم العلماء في لغة العرب وأُستاد مهرة الشعر والأدب و « عبد القاهر الجرجاني » الذي هو ترجمان البلاغة ، كان يلتقط فتات خوانه وفي خدمة حضرته تعلّم هذه العلوم وكتابه « المحيط » أو بحر اللغة المحيط ، وقرأ الصاحب الشعر وقبله وصين من نقد نادرة النقّاد ، ولم ينقل عن أحد من أُدباء زمانه الذين يناصبونه العداء وكانوا على أُهبة الاستعداد لنقد أقواله وأفعاله ، نقد له أو مناقشة حول ذلك

وكان أبو منصور عبد الملك الثعالبي وهو لسان العربيّة الناطق اختار هذا الشعر في كتابه يتيمة الدهر واعتبرها من الأفراد ، وكتبت هذه الفقرات قبل اطلاعي على شعر أبي صخر الهذلي وهو من كبار الطبقة الثالثة من الشعراء ومن فحول المتقدمين المعبّر عنهم بالإسلاميّين وشعره بالإجمال يصحّ الاستشهاد به ويحتجّ به ، وله قصيدة طنّانة ذكر شطراً منها صاحب الأغاني وفي الحماسة شطراً آخر منها وهي بأجمعها موجودة في خزانة الأدب للبغدادي عبد القاهر نقلاً عن ذيل « أمالي القالي » واستشهد سيبويه ومن تأخّر ببعض أبياتها وفيها هذا البيت :


أبى القلب إلّا حبّها عامريّة

لها كنية عمرو وليس لها عمرو

وظاهر هذا الاستمال أنّ نفس عمرو يقال لكنية وبناءاً على هذا تكون الباء في قول القائل « يكنّى به عمرو » مثلاً للتعلّق بالفعل لا للسببيّة ودخلت الإسناد مجازاً لأنّ مدار الكناية ومناط الرمز في الحقيقة إنّما هو الاسم ، ولفظ الأب والأُمّ بمثابة العلاقة والرابطة ، وإطلاق الكنية عليه بهذه العناية مستحسنة وعلى كلّ حال فإنّ شعره في هذه القصيدة صحيحة النسبة إليه ، برهان قاطع على دفع إنكار المنكرين وتبيّن من هذا أن لا مندوحة من صحّة الاستعمال

ومن مجموع الأحاديث والأقوال التي ذكرناها يظهر وجه تكنية الشيخ الصدوق في كتاب « إكمال الدين » للإمام صاحب الزمان بقوله : « يكنى بجعفر »(١) أنّ غرضه يكنّى بأبي جعفر كما جاء في خبر آخر « يكنّى بعمّه »(٢) وعمّه يدعى جعفراً فتكون كنيته أبا جعفر ورجّح العلّامة المجلسي هذا الاحتمال وجوّز أيضاً أن يكنّى عنه بجعفر للإيهام وهذا بعيد ، والاحتمال الأوّل هو المطابق لطريقة الاستعمال يومذاك

والعجيب أنّ بعض المعاصرين أيّده الله استند إلى عبارة منتهى الإرب وجوّز الوجه الثاني وأشكل على العلّامة المجلسي حيث استظهر الوجه الأوّل ، وأظهر العجب من هذا المعنى واستغربه ، والله العالم بحقائق الأُمور

تنبيه

أشرنا في البداية أنّ هذه الكنية اختصّت بسيّد الشهداء وينبغي أن تكون بإذن

_________________

(١) إكمال الدين ٢ : ٤٣٢ باب ٤٢ رقم ١١ وتفسيره ذيل الحديث ، وبحار الأنوار ٥ : ١٥ و ١٦ رقم ١٨ و ٢٣ ، إثبات الهداة ٣ : ٤٦٦ و ٦٧٨ و ٤٨٤ ( هامش الأصل )

(٢) المكنّى بعمّه إكمال الدين ١ : ٣١٨ رقم ٥ وتفسيره ذيل الحديث ، وبحار الأنوار ٥١ : ٣٧ و ٣٨ رقم ٩ و ١١


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومن الواضح البيّن أنّ النبيّ لا يفعل ذلك إلّا بأمر الوحي ، ولابدّ من أن ينطوي سرٌّ من الأسرار في هذه الكنية ولا يكنى الإمام بها إلّا لأمر بالغ الأهميّة أو نكتة من الدقّة بمكان مكين

وليس بعيداً أن تكون بمثابة كنية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بأبي القاسم ـ كما جاء في بعض الأخبار ـ وليست تلقائيّة من قبيل الكنى المعروفة

وبيانه كالتالي : لمّا اقدم الحسينعليه‌السلام من أجل تبيين مستوى عبادته وعبوديّته ورسوخ قدمه في التوحيد ومحبّة الربّ الأزلي ، على أمر عجز عن الوصول إليه نبيّ من الأنبياء ولا وليّ من الأولياء ما عدا جدّه وأباه وأخاه العظيم ، وكلّهم قال بلسان حاله : « لو دنوت شبراً لاحترقت » لا سيّما يوم العاشر من المحرّم حيث أقام عبادة جمعت جميع العبادات كلّها ؛ الظاهريّة والأعمال القلبيّة وكلّ فعل من أفعاله وعمل من أعماله كالصوم والصلاة والزكاة والحجّ والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي حصلت من جنابه على نحو الحقيقة والواقع من قبيل الجهاد والأمر بالمعروف والصلاة وما أشبه ذلك ، وقسم آخر من أعماله كالحجّ والزكاة التي تحتاج إلى التأمّل والتدبّر لمحاكاتها مع رعاية التطبيق والتشبيه فقد أصبح بناءاً على ما تقدّم عبرةً لأُولي الأبصار وأصحاب العقول

وكذلك بالنسبة إلى مكارم أخلاقه ومعالي أُموره وشجاعته وسماجته ومروّته وغيرته وحميّته وعفوه ومداراته الناس ونصيحته الأُمّة وإصلاح أمرها ويقينه واطمئنانه وثباته ، ولينه وحسن معاشرته ، ومواساته وبرّه وملاطفته ، هذه الصفات جميعاً التي ظهرت على حياته ، وأعظمها جميعاً الصبر الذي يحتوي في الحقيقة على جميع المكارم والفضائل وصار باعثاً على تعجّب ملائكة السماء ، وهم النفوس القدسيّة والعباد المكرّمون ، وليس بعيداً أن تكون الفقرة المأثورة « لا يوم


كيومك يا أبا عبد الله »(١) إشارة إلى ما ذكرناه

وذكر الفاضل والفقيه المعاصر في كتاب « خصائص الحسين » شرحاً مسهباً عن العبادات التي صدرت من جنابه يوم عاشوراء وقد أدّى حقّ هذا المورد كما يستحقّ أمثاله من أنواع التقريبات الخطابيّة ، وحاصله :

أنّ الحسينعليه‌السلام لمّا كان له في مقام إظهار العبوديّة لله امتياز خاصّ وقدح معلّى وسهم أوفر كنّي لذلك بأبي عبد الله ، وهذا الوجه له صلة وثيقة في استعمالات العرب اللفظيّة ، لأنّ من غلبت عليه صفة من الصفات يتّخذ من تلك الصفة معنىً مجرّداً ثمّ يطلق عليه كما كانوا يقولون : رأيت منه أسداً ، وأحياناً يقولون : « فلان أبو جواد » يعنون أنّه صاحب جود عظيم وكرم زائد ، وما زال هذا الاستعمال شائعاً بين العرب ، ولو ألقيت نظرة فاحصة إلى أقسام الكنى المنقولة عن العرب بتدبّر جيّد وتمعّن صحيح ، وفكّرت في الأمر تفكيراً جادّاً فسوف تشاهد فصلاً ممتعاً وشطراً صالحاً من هذا النوع من الكنايات بحيث يرتفع به الإشكال والاستبعاد ، فقد كانوا يكنّون « الفالوذج » بأبي سائغ ، والخلّ بأبي نافع ، والسكباج بأبي عاصم ، والشمع بأبي مؤنس ، والديك بأبي اليقظان وأمثال ذلك كثير ومن ذلك ما أشرنا إليه من كنية النبي بأبي القاسم ، لأنّ الجنّة والنار قسمتها بيدهصلى‌الله‌عليه‌وآله

الوجه الثاني : إنّ كلّ من عرف سياسة خلفاء الجور وأتباعهم في الأزمان المنصرمة ، عرف حتماً أنّ الحسين لو لم ينهض وترسخ قدمه في الجهاد ويبذل الجدّ والجهد في يوم عاشوراء في ميدان الفداء والتضحية ، لانمحت الشريعة المحمّديّة من أساسها ، وتلاشت من وجه البسيطة كلّها ، وعاد الناس إلى سيرتهم

_________________

(١) « لا يوم كيوم الحسين » الخصال أمالي الصدوق : مجلس ٧٠ رقم ١٠ ، بحار الأنوار ٤٤ : ٢٩٨ « ولكن لا يوم كيومك يا أبا عبد الله » أمالي الصدوق : مجلس ٢٤ تحت رقم ٣ بحار الأنوار ٤٥ : ٢١٨ ط لبنان


الجاهليّة ورجعوا القهقرى إلى شريعة الكفر ، ولغلب الجبروت وانتصر الميل إلى الحباة العاجلة فلا ترى مسلماً على دين الهداية وكانت الأسبقيّة في الدين للفضائح الأمويّة والقبائح التيميّة والعدويّة

ولكن النهضة الحسينيّة قوّمت المعوج ، وأصلحت الفاسد ، وأقامت انحناء الدين ، فكلّ من جاء بعده وعبد الله حقّ عبادته والتحف شريعة المصطفى واقتدى به فهو من بركة وجود الحسينعليه‌السلام وجهاده « لولاه ما عرف الله »(١) وعلى هذا فهو أبٌ لعباد الله جميعاً على الحقيقة ، لأنّ من معاني الأب المربّي والمؤيّد وهو في لغة العرب شائع الاستعمال ، سواء كان العبد عبد عبادة أو عبد عبوديّة ، ولا يلزم منه استعمال اللفظ بأكثر من معنىً لأنّ حقيقة العبوديّة بحسب اللغة التذلّل ، ومعنى التعبيد التذليل ، والعابدة من وظائف العبوديّة فلا إشكال حينئذٍ ، والله أعلم

_________________

(١) فرائد السمطين ١ : ٤٦ ط بيروت بالإسناد عن الصادق : لم تخلو الأرض منذ خلق الله آدم من حجّة لله فيها ظاهر مشهور أو غائب مستور ، ولا تخلو إلى أن تقوم الساعة من حجّة الله فيها ولولا ذلك لم يعبد الله ( هامش الأصل ) جرى تطبيقها على فرائد السمطين ، وهذا بعض الحديث ( المترجم )


السَّلامُ عَلَيْكَ يا بن رَسُولِ اللهِ

« ابن » لفظ من الألفاظ التي زيدت فيها همزة الوصل بدلاً عن محذوف ، واشتقاقه من البناء لأنّ وجود الابن مبنيّ على وجود الأب ، كما ذكر ذلك في مجمع البيان ، وليس اشتقاقه من « البنو » كما هو معروف ، وشاهده عدم استعمال « بنو » في سائر التراكيب ، واستعمال البنوّة لا يمكن أن يكون دليلاً على القول الثاني ، لما ورد في مبناه من مجيء الفتوّة مع أنّ تثنية الفتى فتيان ، وقلّة تبديل الياء بالتاء كما في البنت لا يعارض عدم ورود لفظ « بنو »

من هذه الجهة روي عن الراغب وابن سيّدة في الحكم الميل إلى الاحتمال الأوّل(١) ولو فرضنا تعادل الأدلّة فإنّه محلّ توقّف وترديد كما في القاموس وحكي عن الأخفش ، والجزم بالوجه الثاني لا وجه له

« الرسول » لغة معناه المرسل وهو في الاصطلاح أخصّ من النبي

وبالجملة أرى من المناسب أن نشير إلى الدليل القاطع على انتساب سيّد الشهداء والإمام المجتبى وسائر أئمّة الهدى إلى النبيّ بالنبوّة الصحيحة وإن كان هذا المطلب مورداً لإجماع الإماميّة ومن مسلّمات مذهبهم ، وبلغ حدّ الضرورات الدينيّة لما ورد فيه من أخبار الصحيحة وآثار صريحة

ولكن لمّا خالف في ذلك بعض أهل السنّة والجماعة فعلينا الاستدلال عليهم

_________________

(١) وأنقل لك ما قاله الراغب في المفردات : و « ابن » أصله بنو لقولهم الجمع أبناء وفي التصغير بني ، قال تعالى :( يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ ) ،( يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ) ،( يَا
بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّـهِ
) ،( يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ) وسمّي بذلك لكونه بناءاً للأب فإنّ الأب هو الذي بناه وجعله بناءاً في إيجاده ويقال لكلّ ما يحصل من جهة شيء أو من تربيته أو بتفقّده أو كثرة خدمته له أو قيامه بأمره هو ابنه نحو فلان ابن حرب وابن السبيل للمسافر ، وابن الليل وابن العلم الخ ( المفردات : ٦٢ ) ( المترجم )


بالأدلّة المقبولة عندهم مِن ثَمّ نكتفي بإثبات آيتين من كتاب الله الكريم وبعض الأخبار الثابتة لدى أهل السنّة والجماعة ، التي استخرجناها من كتب علمائهم المعتبرة على وجه الإيجاز لئلّا تبقى شبهة في القلوب ، قلوب الناظرين في هذه الصفحات ، وتتوطّد عقايد السامعين وتكون محكمة الأركان ثابتة الأساس

الآية الأُولى

( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا
وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّـهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ
) (١)

وخلاصة المعنى أنّه سبحانه وتعالى خاطب نبيّه قائلاً : أي محمّد ، لو جادلك أحد من الناس حول مخلوقيّة عيسى وكونه خلق بدون أب كما هو الحال في آدم ثمّ خاصمك في ذلك فقل له : هلمّ ندعو أبنائنا وتدعون أبنائكم ، وندعو نسائنا وتدعون نسائكم ، وندعو أنفسنا وتدعون أنفسكم ، ثمّ تبتهل إلى الواحد الأحد أن يجعل الدائرة تدور على الكاذب وتحلّ اللعنة به ويبعد من رحمة الله تعالى

دلّت هذه الآية على أنّ الحسنينعليهما‌السلام هما ابنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله

يقول ابن الخطيب الرازي ـ وهو إمام أهل السنّة وفخرهم وفخر دينهم ـ في تفسيره مفاتيح الغيب : ( واعلم أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لمّا أورد على نصارى نجران أنواع الدلائل وانقطعوا ثمّ دعاهم إلى المباهلة فخافوا وما شرعوا فيها وقبلوا الصغار بأداء الجزية ، وقد كانعليه‌السلام على إيمانهم ) روي أنّهعليه‌السلام لمّا أورد الدلائل على نصارى نجران ثمّ إنّهم أصرّوا على جهلهم فقالعليه‌السلام : إنّ الله أمرني إن لم تقبلوا الحجّة أن أُباهلكم فقالوا : يا أبا القاسم ، بل نرجع فننظر في أمرنا ثمّ نأتيك ، فلمّا

_________________

(١) آل عمران : ٦١


رجعوا قالوا للعاقب ـ وكان ذا رأيهم ـ : يا عبد المسيح ، ما ترى ؟ فقال : والله لقد عرفتم ـ يا معاشر النصارى ـ أنّ محمّداً نبيّ مرسل ولقد جاءكم بالكلام الحقّ في أمر صاحبكم ، والله ما باهل قوم نبيّاً قطّ فعاش كبيرهم ، ولا نبت صغيرهم ، ولئن فعلتم لكان الاستئصال ، فإن أبيتم إلّا الإصرار على دينكم والإقامة على ما أنتم عليه فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم

وكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خرج وعليه مرط شعر أوسد ، وكان قد احتضن الحسين وأخذ بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعليّرضي‌الله‌عنه خلفها وهو يقول : إذا دعوت فأمّنوا فقال أُسقف نجران : يا معشر النصارى ، إنّي لأرى وجوهاً لو سألوا الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصرانيّ إلى يوم القيامة ثمّ قالوا : يا أبا القاسم ، رأينا أن لا نباهلك وأن نقرّك على دينك فقال صلوات الله عليه : فإذا أبيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما على المسلمين ، فأبوا ، فقال : فإنّي أُناجزكم القتال ، فقالوا : مالنا بحرب العرب طاقة ولكن نصالحك على أن لا تغزونا ولا تردّنا عن ديننا على أن نؤدّي إليك في كلّ عام ألفي حلّه ؛ ألفاً في صفر وألفاً في رجب ، وثلاثين درعاً عادية من حديد ، فصالحهم على ذلك ، وقال : والذي نفسي بيده إنّ الهلاك قد تدلّى على أهل نجران ولو لاعنوا لمُسِخوا قردة وخنازير ولاضطرم عليهم الوادي ناراً ، ولاستأصل الله نجران وأهله حتّى الطير على رؤوس الشجر ، ولما حال الحول على النصارى كلّهم حتّى يهلكوا

وروي أنّهعليه‌السلام لمّا خرج في المرط الأسود فجاء الحسنرضي‌الله‌عنه فأدخله ، ثمّ جاء الحسينرضي‌الله‌عنه فأدخله ، ثمّ فاطمة ثمّ عليّ رضي الله عنهما ، ثمّ قال :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ


لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) (١) (٢) ، وإلى هنا نقلنا مجمل ما قال الفخر الرازي

ويقول بعد ذلك : واعلم أنّ هذه الرواية كالمتفق على صحّتها بين أهل التفسير(٣) ومثله فعل نظام الدين النيشابوري في تفسيره وادّعى عليها الاتفاق ، والزمخشري في الكشّاف ، وناصرالدين البيضاوي في أنوار التنزيل وكذلك أبوالسعود نقل ذلك بنفس الطريق ، وشمس الدين سبط أبي الفرج بن الجوزي البغدادي في التذكرة روى اتفاق العلماء وأصحاب السير عليها ، وابن روزبهان مع تعصّبه الشديد في ردّ كشف الحقّ لآية الله العلّامةقدس‌سره ادّعى عليها الاتفاق أيضاً ، ومثله فعل كمال الدين بن طلحة وأثبت نسبتها إلى جميع النقلة والرواة الثقات ، والعضدي في المواقف ، والشريف في شرحها ، والتفتازاني في المقاصد وشرحه ، وعلاء الدين القوشجي ولم يناقش السند أبداً ، ومسلم بن الحجّاج النيسابوري في صحيحه ، وأبو عيسى الترمذي أيضاً في صحيحه ، وقد أجمعت أهل السنّة على تصحيح ما جاء فيهما من الأحاديث

فقد روى هؤلاء جميعاً أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بعد نزول آية المباهلة جمع هؤلاء الأربعة وقال : اللهمّ هؤلاء أهلي

وفي الفصول المهمّة لابن الصبّاغ المالكي بعد نقله عن جابر أنّ قوله تعالى « أنفسنا » محمّد وعليّ و « نسائنا » فاطمة و « أبنائنا » الحسنان ، قال : هكذا رواه الحاكم

_________________

(١) الأحزاب : ٣٣

(٢) تفسير الفخر الرازي ٨ : ٨٥ ط البهيّة بمصر ( هامش الأصل ) وجرت مطابقته على الطبعة الثانية لدار إحياء التراث العربي بيروت ٨ : ٨٠ ، ونقلت النصّ كلّه ولم أُتابع المؤلّف لأنّه مترجم للنصّ وله أن يختصر ويحذف وأنا ناقل النصّ فلا سبيل لي إلّا نقله كما أورده صاحب المصدر الرازي ( المترجم )

(٣) نفسه ٨ : ٨٠


في مستدركه عن عليّ بن عيسى وقال : صحيح على شرط مسلم ورواه أبو داود والطيالسي عن شعبة ، والشعبي ، وروى ابن عبّاس والبراء نحو ذلك

وذكر ابن الأثير هذه الرواية في أُسد الغابة باختلاف يسير ، والقرماني في أخبار الدول ، ومودّة القربى لسيّد علي الهمداني ، وفي مناقب السبطين لمحبّ الدين الطبري ، وذكرها ابن حجر الهيثمي في شرحه على همزيّة البوصيري ، وذكرها أيضاً في الصواعق المحرقة واعترف بصحّتها ، وذكرها جلال الدين السيوطي في تاريخ الخلفاء وشرح ديوان الحسين بن معين الدين الميبدي ، والمحبّ الطبري المكّي في ذخائر العقبى ، وسيّد مؤمن الشبلنجي المعاصر المصري في نور الأبصار وادّعى اتفاق المفسّرين عليها ، والعارف القندوزي القسطنطيني المعاصر في مواضع عدّة وبطرق مختلفة

وهؤلاء الكبار كلّ واحد منهم يُعدّ من أساطين عالم التسنّن ومن أماثل القوم وأساطينهم ، ولهم مراتبهم العلميّة المعترف بها ، فقد نصّوا عليها في تآليفهم ، ولو ذهبنا نستقصي طرق هذه الرواية لكان المثنوي سبعين مَنّاً من القرطاس(١)

ومن هذه الجهة لم يستطع إنكارها الفخر الرازي وهو قمّة العصبيّة المذهبيّة ، وموئل إنكار فضائل أهل البيت ولم يؤت القدرة على ردّها وقال : هذه الآية دليل على أنّ الحسنين ابنا رسول الله ، والحمد لله على وضوح الحجّة

وأورد الزمخشري في الكشّاف قائلاً : فإن قلت ما كان دعائه إلى المباهلة إلّا ليتبيّن الكاذب منه ومن خصمه وذلك أمر يختصّ به وبمن يكاذبه فما معنى ضمّ الأبناء والنساء ؟ قلت : ذلك آكد في الدلالة على ثقته بحاله واستيقانه بصدقه حيث استجرأ على تعريض أعزّته وأفلاذ كبده وأحبّ الناس إليه لذلك ، ولم يقتصر على

_________________

(١) مثل فارسي : « مثنوى هفتاد من كاغذ شود »


تعريض نفسه له وعلى ثقته بكذب خصمه حتّى يهلك خصمه مع أحبّته واعزّته هلاك الاستئصال إن تمّت المباهلة ، وخصّ الأبناء والنساء لأنّهم أعزّ الأهل وألصقهم بالقلوب ، وربّما فداهم الرجل بنفسه وحارب دونهم حتّى قُتِل ، ومن ثمّة كانا يسوقون مع أنفسهم الضغائن في الحروب لتمنعهم من الهرب ويسمّون الذادة عنهم بأرواحهم حماة الحقائق

وقدّمهم في الذكر على الأنفس لينبّه على لطف مكانهم وقرب منزلتهم ، وليؤذن بأنّهم مقدّمون على الأنفس مفدّون بها ، وفيه دليل لا شيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء(١) وهذا مجمل ما قاله صاحب الكشّاف

والعبد لله يقول :أوّلاً : الأولى أن يجعل الوثوق بالصدق والاطمئنان في تقديم الأبناء والنساء هو الأهم والأجدر لأنّه وكما قال الزمخشري ينحصرهم الإنسان في مقام المحن والبلاء في نجاة الأبناء والنساء ، ومع كلّ ما يتوقّع من جرّاء هذه المباهلة فإنّ ذوي العزّة والمحبّة في مقام البلاء ونزول الداهية الدهماء يقدّمون الأبناء والنساء ، وهذا دليل واضح على صدق الدعوى وثبات القدم ورسوخها حيث لا يوجد عاقل يجعل أطفاله وعياله وقاءاً له أمام البلاء النازل من السماء وفداء له في نزول القضاء المفاجئ(٢)

ثانياً : أُنظر بعين الدقّة والتأمّل الجيّد وبالبصيرة النافذة إلى هذا الرجل الذي هو علّامة طائفته المطلق كيف يذعن بأنّ فاطمة والحسنينعليهما‌السلام أحبّ الخلق إلى

_________________

(١) الكشّاف ١ : ٤٣٤ ولم نقنع بما أجمله المؤلّف لأنّ ذلك يؤثر على النصّ العربي في الكشّاف ( المترجم )

(٢) رحم الله شيخنا الطهراني كان عليه أن يفطن إلى ما تحت هذا القول من نفي الفضل عن المباهل بهم حيث جعلوا تقديمهم بين يدي النبي يعود أوّلاً وبالذات إلى الطبع الأبوي وأنّه قدّمهم إشارة منه إلى صدق دعواه ورسوخ قدمه مع حبّه الشديد لهم ، ولو لم يكن واثقاً بالنصر والنجاة لصدقه لما قدّمهم وليس ذلك لفضل فيهم وأمر من الله بتقديمهم ( المترجم )


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهم أفلاذ كبده وأنّهم أشدّ الناس به لصوقاً ودنوّاً وهمّه في نجاتهم من الأحداث أكثر من أيّ شخص آخر ثمّ يتقاعس عن أداء حقوقهم بحيث لانظير له في ذلك ويقدم عليهم الأخسّ المعيب الفطرة الذي ليس له حسب أو نسب ويفضّله عليهم(١) نعوذ بالله من الخزي والخذلان

الآية الثانية

( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ ) إلى قوله تعالى :( وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ
أَصْلَابِكُمْ
) (٢)

أسند الشيخ الأعظم الأقدم ثقة الإسلام أبو جعفر الكليني الرازي جزاه الله عن العترة الطاهرة خير الجزاء في جامعه العظيم وهو بشهادة المفيدرضي‌الله‌عنه أجلّ كتب الإسلام وأعظم مصنّفات الإماميّة المسمّى بـ « الكافي » والشيخ الجليل العظيم أحمد بن أبي طالب الطبرسي قدّس سرّه الزكي في كتاب الاحتجاج وساقا السند إلى باقر علوم النبيّين أبي جعفر الإمام محمّد الباقر سلام الله عليه وعلى آبائه وابنائه أنّه قال لأبي الجارود : يا أبا الجارود ، ما يقولون لكم في الحسن والحسينعليهما‌السلام ؟ قلت : ينكرون عليهما أنّهما ابنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله

قال : فأيّ شيء احتججتم عليهم ؟ قال : احتججنا عليهم بقول الله عزّ وجلّ في عيسى بن مريمعليهما‌السلام :( وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ

_________________

(١) ليس الزمخشري كما يقول عنه المؤلّف بل هو معتزليّ والمعتزلة رأيهم تفضيل أهل البيت أو رأي الأغب منهم والزمخشري من هؤلاء ، أليس هو القائل :

فاز كلب بحبّ أصحاب كهف

كيف أشقى بحبّ آل النبي

( المترجم )

(٢) النساء : ٢٣


وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ ) (١) فجعل عيسى بن مريم من ذرّيّة نوحعليه‌السلام

قال : فأيّ شيء قالوا ؟ قلت : قالوا : قد يكون ولد الابنة من الولد ولا يكون من الصلب

قال : فأيّ شيء احتججتم عليهم ؟ قلت : احتججنا عليهم بقول الله تعالى لرسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله :( فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ) (٢)

قال : فأيّ شيء قالوا ؟ قلت : قالوا : قد يكون في كلام العرب أبناء رجل وآخر يقول : أبنائنا

قال : فقال أبو جعفرعليه‌السلام : يا أبا الجارود ، لأُعطينّكها من كتاب الله جلّ وتعالى أنّهما من صلب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لا يردّها إلّا كافر

قلت : ومن أين ذلك جعلت فداك ؟ قال : من حيث قال تعالى :( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ
أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ
) الآية إلى أن انتهى إلى قوله :( وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ
أَصْلَابِكُمْ
) فسلهم يا أبا الجارود : هل كان يحلّ لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله نكاح حليلتيهما ؟ فإن قالوا : نعم ، كذبوا وفجروا ، وإن قالوا : لا فهما ابناه لصلبه(٣) (٤) إلى هنا تمّت ترجمة الحديث المبارك إلّا ما تخلّله من ترجمة الآية ألفاظ قليلة

وقريب من هذا الاستدلال الخبر الذي رواه في الاحتجاج منقولاً عن الإمام الكاظمعليه‌السلام أنّ الرشيد العبّاسي سأله : [ كيف ] جوّزتم للعامّة والخاصّة أن ينسبوكم إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ويقولوا لكم : يا بني رسول الله ، وأنتم بنو عليّ وإنّما ينسب

_________________

(١) الأنعام : ٨٤ ـ ٨٥

(٢) آل عمران : ٦١

(٣) الكافي ٨ : ٣١٧ و ٣١٨ ، الاحتجاج ٢ : ٥٨ و ٥٩ ( المترجم )

(٤) الكافي ٨ : ٣١٧ ح ٥٠١ ، الاحتجاج ٢ : ٥٨ احتجاج الإمام الباقر ( هامش الأصل )


المرء إلى أبيه ، وفاطمة إنّما هي وعاء ، والنبيّ جدّكم من قبل أُمّكم ؟

فقلت : يا أمير المؤمنين ، لو أنّ النبيّ نُشِر فخطب إليك كريمتك هل كنت تجيبه ؟ قال : سبحان الله ولم لا أجبه بل أفتخر على العرب والعجم وقريش بذلك فقلت له : ولكنّه لا يخطب إليّ ولا أُزوّجه فقال : ولم ؟! فقلت : لأنّه ولدني ولم يلدك فقال : أحسنت يا موسى(١)

أمّا الأخبار الواردة عن طريق أهل السنّة والجماعة في أنّ الحسنين هل هما ابنا رسول الله أو عليّ أو أحدهما لم أعثر على فرقة ادّعت نفيهما عن النبي في كتبهم المعتبرة على بضاعتي العلميّة المزجاة ، وكلّ منصف يذعن بتواتر ذلك ولا يتحمّل هذا المختصر حصر هذه الأخبار ، ولا في قدرتي إثباتها جميعاً بل لا يتسع الوقت لذلك من ثمّ نقتصر على بضعة أحاديث شريطة أن تكون غاية في الاعتبار سنداً ودلالةً ، فنقول :

الأوّل : ما رواه محمّد بن إسماعيل البخاري الذي يعتبر كتابه عند العامّة أصحّ الكتب بعد كتاب الله وهو الجامع الصحيح فقد روى فيه عن أبي بكرة قال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو على المنبر والحسن إلى جنبه ينظر إلى الناس مرّة وإليه مرّة أُخرى ويقول : ابني هذا سيّد ، ولعلّ الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين(٢) وهذه إشارة إلى صلحهعليه‌السلام ومعاوية والمراد من إسلام هذا الأخير الظاهري وهو قول الشهادتين وليس فيه دلالة على إسلام أصحاب معاوية ، ولا تنافي الأدلّة الصريحة الدالّة على كفر عدوّ أهل البيت كما يظهر ذلك لكلّ ذي

_________________

(١) الاحتجاج ٢ : ١٦٣ و ١٦٤ ( المترجم وهامش الأصل )

(٢) صحيح البخاري ٥ : ٣٢ ط مطابع الشعب باب مناقب الحسن والحسين ( هامش الأصل ) صحيح البخاري ٣ : ١٧٠ ط بيروت دار الفكر الطبعة بالأُوفست عن طبعة دار الطباعة العامرة باصطنبول ١٤٠١ المجلّدات = ٨ ( المترجم )


بصيرة وهذا الحديث بعينه مع إضافة لفظ « عظيمتين » بعد قوله « فئتين » مروي في الترمذي الذي يعتبر كتابه من أعظم الكتب الستّة الصحاح(١)

ورأيته في غير هذين الكتابين في كتب كثيرة من كتب هذه الطائفة ـ العامّة ـ ولا تنفع في إفلاج حجّة الخصم بعد كتاب البخاري لأنّهم يعتبرون أقواله حجّة قاطعة بل حكم بعضهم بكفر رادّ أحاديث البخاري ، وأنت تعلم أن لا فرق في هذا الأمر بين الحسن والحسين

الحديث الثاني : نقل محمّد بن عبد الله الترمذي صاحب الصحيح في كتابه عن أُسامة بن زيد قال : طرقت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ذات ليلة في بعض الحاجة فخرج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو مشتمل على شيء لا أدري ، فلمّا فرغت من حاجتي قال : فكشفه فإذا حسن وحسينعليهما‌السلام على وركه ، فقال : هذان ابناي وابنا بنتي ، اللهمّ إنّي أُحبّهما فأحبّهُما وأحبَّ من يحبّهما(٢) قال : هذا حديث حسن قريب ورواه النسائي أحمد بن شعيب صاحب الصحيح في كتاب الخصائص مسنداً(٣)

الحديث الثالث : رواه أيضاً الترمذي في صحيحه عن يوسف بن إبراهيم أنّه سمع أنس بن مالك يقول : سُئل رسول الله : أيّ أهل بيتك أحبّ إليك ؟ قال : الحسن والحسين وكان يقول لفاطمة : ادعي ابنيّ فيشمّهما ويضمّهما إليه قال :

_________________

(١) صحيح الترمذي ٣ : ١٩٢ ط الصاوي بمصر ، إحقاق الحق ١٠ : ٦٦٤ عنه ( هامش الأصل ) والحديث عن أبي برّة قال : صعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله المنبر فقال : إنّ ابني هذا سيّد ، يصلح الله على يديه بين فئتين هذا حديث حسن صحيح قال : يعني الحسن ( سنن الترمذي ٥ : ٣٢٣ ط دار الفكر طبعة ثانية ١٤٠٣ تحقيق عبد الرحمان محمّد عثمان ) ( المترجم )

(٢) وقع خطأ من المترجم هنا فالمرجع المرقّم من هامش الأصل برقم (٢) هو للحديث المرقّم برقم واحد ، إمّا هامش المترجم فهو صحيح ، والحديث المرقّم برقم (١) هامش الأصل فهو في ج ٥ باب ٣١ رقم ٣٧٧٣

(٣) خصائص النسائي : ٣٦ طبع التقدّم بمصر ( هامش الأصل )


هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث أنس(١)

الحديث الرابع : ذكر ابن حجر المكّي صاحب الصواعق وهو متأخّر في كتاب « المنح المكيّة » في شرح بيت البوصيري الذي قال فيه :

كنت تؤويهما إليك كما

أوت من الخطّ نقطتيها الياء

فقال : وجاء من طرق صحّ بعضها : ابناي الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة ، وأبوهما خير منهما(٢)

وذكر في الصواعق : أخرج ابن عساكر عن عليّ وابن عمر ، وابن ماجة والحاكم عن ابن عمر ، والطبراني عن قرّة ومالك بن حريث ، والحاكم أيضاً عن ابن مسعود مرفوعاً : ابناي هذان الحسن الخ(٣)

الحديث الخامس : ويقول في المنح أيضاً : روى البغوي وغيره : سمّى هارون ابنيه شبّراً وشبيراً وإنّي سمّيت ابنيّ الحسن والحسين(٤)

الحديث السادس : وذكر ابن حجر في المنح أيضاً ، ويؤيّده ما صحّ عن عمر قال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : كلّ سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلّا سببي ونسبي وفي رواية زيادة الصهر والحسب : وكلّ بني أُنثى عصبتهم لأبيهم ما عدا ولد فاطمة فإنّي أنا أبوهم وعصبتهم(٥)

_________________

(١) صحيح الترمذي ٣ : ١٩٣ مصر الصاوي ( هامش الأصل ) سنن الترمذي ٥ : ٣٢٣ ط دار الفكر الثانية ١٤٠٣ تحقيق عبدالرحمن محمّد عثمان ، بيروت ( المترجم )

(٢) يوجد في الصواعق المحرقة في الفصل الثالث ص ١٩٠ كثير من هذه الأخبار

(٣) الصواعق المحرقة ، الفصل الثالث ، ص ١٩١ الحديث الحادي عشر ( هامش الأصل )

(٤) وفي فرائد السمطين ١ : ٤١ ط بيروت ، عن سلمان الفارسي عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : وابناي الحسن والحسين ( هامش الأصل )

(٥) نقل هذا الموضوع علماء أهل السنّة والجماعة في كتبهم بأسناد مختلفة وذكره بالتفصيل في « إحقاق الحق » ٩ : ٦٤٨ وإحقاق الحق ١٨ : ٣٣١


والأولى ذكر أقواله التي ذكر من أجلها الحديث السالف وجاء به شاهداً عليها لأنّ به فوائد كثيرة ويقول في شرح هذا البيت :

سُدْتُم الناس بالتُقى وسواكم

سوّدته البيضاء والصفراء

إنّ سيادة الحسنين وذريّاتهما من حيث النسب أشهر من أن تُذْكر ، ودليل ذلك آية المباهلة ويقول بعض المفسّرين أهل التحقيق : ما من دليل أدلّ من هذه الآية على فضل فاطمة وعليّ والحسنين لأنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله دعاهم عند نزولها فحمل حسيناً وأخذ بيد الحسن ومشت فاطمة ورائهم وعليّ وراء فاطمة فعلم من ذلك أنّهم المعنيّون بالآية فصار أولاد فاطمة وذرّيّتها يدعون أبناء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وينسبون إليه نسبة نافعة وحقيقته في الدنيا والآخرة وبرهان ذلك حديث عن النبي أنّه خطب خطبة فقال : ما بال أقوام يقولون : إنّ رحمي لا ينفع ؟! بلى والله إنّ رحمي موصولة في الدنيا والآخرة إلى آخر الحديث(١)

وروى الطبراني : إنّ الله جعل ذرّيّة كلّ نبيّ من صلبه وجعل ذرّيّتي من صلب عليّعليه‌السلام (٢)

_________________

(١) مستدرك الحاكم ٤ : ٧٤ وتمامه : وإنّي أيّها الناس فرطكم على الحوض فإذا جئت قام رجال فقال هذا : يا رسول الله ، أنا فلان ، وقال هذا : يا رسول الله ، أنا فلان ، فأقول : قد عرفتكم ولكنّكم أحدثتم بعدي ورجعتم القهقرى ، هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وقال محقّق الكتاب قيد الترجمة : هذا إشارة ـ أي الحديث الذي أسنده المؤلّف إلى ابن حجر ـ إلى الروايات التي فيها أنّ عمر قال لأُمّ هاني : اعلمي بأنّ محمّداً لا يغني عنك من الله شيئاً ، وقال رسول الله في جوابه : ما بال قوم يزعمون أنّ شفاعتي لا تنال أهل بيتي ، الحديث ، وعزاه المحقّق إلى إحقاق الحق ٩ : ٤٨٠ ولم أعثر على الحديث الذي ذكره المؤلّف في هذه الصفحة بل ذكر حديثاً عن الشفاعة كما بيّنت لك صدره وتتمّته : إنّ شفاعتي تنال صادركم قبيلتان من قبائل اليمن أخرجه الطبراني وفي آخر : تنال صدّاً وحكماً أخرجه الطبراني في الكبير وهذا كلّه يختلف مع سياق شفاء الصدور ( المترجم )

(٢) الحديث الذي رواه الطبراني في الكبير يختلف عن سياق المؤلّف وهو كالتالي : عن عمررضي‌الله‌عنه !! قال :


وروى غير الطبراني من عدّة طرق وفي بعضها زيادة : إذا كان يوم القيامة يُدعى الناس بأسماء أُمّهاتهم ليسترهم الله تعالى إلّا عليّ وذرّيّتهم فإنّهم يُدعون بأسمائهم لصحّة نسبهم

وذكر ابن الجوزي هذا الحديث في العلل المتناهية وهو مردود لأنّ كثرة طرقه يلحقه بدرجة الحسن بل يرقى بها إلى درجة الصحيح ، ومؤيّده ما نقل بالطرق الصحيحة عن عمر : كلّ سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلّا سببي ونسبي(١)

وفي رواية : زيادة « صهري وحسبي » ولكلّ بني أُنثى عصبة ينتمون إليه إلّا ولد فاطمة فأنا وليّهم وأنا عصبتهم(٢)

إلى هنا كان الكلام الذي سمعته هو كلام ابن حجر الناصبي ، والرواية صريحة بأنّ النبيّ أبوهم ولازمه أنّهم أولاده كما هي دعوانا ، وقد ورد هذا الخبر في كثير من الكتب بألفاظ مختلفة مثل إسعاف الراغبين للشيخ محمّد الصبّان المصري وأُسد الغابة لابن الأثير ، وينابيع المودّة للمعاصر القسطنطيني ونور الأبصار للشيخ مؤمن الشبلنجي المعاصر وغيرهم رووا الرواية بطرق عدّة ، وما شهد به ابن حجر من صحّة هذه الرواية عن عمر من الفضل الذي شهدت به الأعداء ، وهو فصل الخطاب ، والفضل ما شهدت به الأعداء

_________________

سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : كلّ بني أُنثى فإنّ عصبتهم لأبيهم ما خلا ولد فاطمة فإنّي أنا عصبتهم وأنا أبوهم ( المعجم الكبير ٣ : ٤٤ ) ط بيروت دار إحياء التراث العربي الثانية نشر مكتبة ابن تيميّة القاهرة وقال محقّق الكتاب قيد الترجمة : وبيّنت روايات هذا الموضوع في رسالة بالتفصيل وفي إحقاق الحق ٩ : ٤٨ و ١٨ : ٦٤٤ ذكر ذلك مشروحاً أقول : لا سياق في هاتين الصفحتين من إحقاق الحقّ يتفق وسياق المؤلّف ولكن سياق ص ٦٤٤ يتفق وسياق المعجم الكبير ( المترجم )

(١) الطبراني ، المعجم الكبير ٣ : ٤٥ ( المترجم )

(٢) المعجم الكبير ٣ : ٤٤ و ٢٢ : ٤٢٢ ( المترجم )


الحديث السابع : قال محمّد الصبّان المصري وهو من مشايخ أهل السنّة الكبار في رسالة إسعاف الراغبين : روى ابن عساكر وابن مندة عن فاطمة أنّها أتت بابنيها فقالت : يا رسول الله ، هذان ابناك فورّثهما شيئاً ، فقال : أمّا حسن فله جرأتي وجودي ، وأمّا حسين فله هيبتي وسؤددي وفي رواية : أمّا الحسن فله حلمي وهيبتي ، وأمّا الحسين فقد نحلته نجدتي وجودي(١)

فقول الزهراءعليها‌السلام وتقرير النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كلاهما حجّة

الحديث الثامن : روى عزّ الدين أبو الحسن عليّ بن الأثير الحافظ وهو من أعاظم الحفّاظ وأجلّة المحدّثين والمؤرّخين والمحقّقين عند طائفته في كتابه « أُسد الغابة » في موضعين : عن عليّ بن أبي طالب قال : لمّا ولد الحسن سمّيته حرباً ، فجاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : أروني ابني ما سمّيتموه ؟ قلنا : حرباً ، قال : بل هو حسين فلمّا ولد الحسين سمّيته ، فجاء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : أروني ابني ما سمّيتوه ؟ قلنا : حرباً ، قال : بل هو حسين ، فلمّا ولد الثالث سمّيته حرباً ، فجاء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : أروني ابني ما سمّيتموه ؟ قلنا : حرباً ، قال : بل هو محسن ثمّ قال : إنّي سمّيتهم بأسماء ولد هارون : شبّر وشبير ومشبر(٢)

وهذا الحديث رواه محبّ الدين الطبري في ذخائر العقبى والحسين بن محمّد الدياربكري في تاريخ الخميس وقال الدياربكري : رواه أحمد بن حنبل وأبو حاتم الرازي(٣)

_________________

(١) إسعاف الراغبين : ١٦٦ ط مصر هامش نور الأبصار ( هامش الأصل )

(٢) أُسد الغابة ٢ : ١١ رقم ١١٦٥ و ٢ : ١١٧٣ ولفظ الحديث من الجزء الثاني ( هامش الأصل ) وجرى تطبيقه على أُسد الغابة ٢ : ١٠ نشر إسماعيليان طهران

(٣) راجع : ذخائر العقبى : ١١٩ ط مكتبة القدسي ١٣٥٦ هجريّة


تنبيه :

في أخبار الشيعة أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله سمّاهم بهذه الأسماء بأمر الله ، ولم يسبقه أمير المؤمنين بتسميتهم ، كما سمعت في خبر تاريخ الخميس ، وبعض أخبار الشيعة جاءت موافقة للخبر المتقدّم والأوّل أظهر وأصحّ وأوفق بالقواعد ويلزم العلم بأنّ رواية ولادة المحسن في حياة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لا تتفق مع رواياتنا ، وجاء في رواياتنا وعن طريق أئمّتنا لولادته حديث آخر ذو تفصيل ، ولا يتسع المقام الآن لذكره

الحديث التاسع : ذكر الشيخ الفاضل المؤرّخ الحسين بن محمّد الدياربكري ـ وهو من أكابر علماء أهل السنّة والجماعة ـ في تاريخ الخميس عن أسماء بنت عميس قالت : قبلت فاطمة بالحسن فجاء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : يا أسماء ، هلمّي ابني ، فدفعته إليه في خرقة صفراء ، فألقاها عنه قائلاً : ألم أعهد إليكم أن لا تلفّوا مولوداً في خرقة صفراء ، فلفّيته(١) بخرقة بيضاء فأخذه فأذّن في أُذنه اليمنى وأقام في اليسرى فقال ( ثمّ قال ـ المصدر ) لعليّعليه‌السلام : سمّيت ابني ؟ قال : ما كنت لأسبقك بذلك ، فقال : ولا أنا سابق ربّي ، فهبط جبرئيل فقال : يا محمّد ، إنّ ربّك يقرئك السلام ويقول لك : عليّ منك بمنزلة هارون من موسى ولكن لا نبيّ بعدك ، فسمّ ابنك هذا باسم ولد هارون ، فقال : وما كان اسم ولد هارون يا جبرئيل ؟ قال : شبّر ، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ لساني عربي ، فقال : سمّه الحسن ، ففعل

فلمّا كان بعد حول ولد الحسين ، فجاء النبيّ ، وذكرت مثل الأوّل وساقت قصّة التسمية مثل الأوّل ، وأنّ جبرئيل أمره أن يسمّيه باسم ولد هارون شبير ، فقال له

_________________

(١) فلفّيته ـ بالياء والتشديد كما في النسخ فإن صحّت فلعلّه من قبيل التظنّي في نقل المضاعف إلى الناقص للتخفيف ( منهرحمه‌الله ) وفي ذخائر العقبى : ١٣٠ ط قدسي « لففته » ( هامش الأصل )


النبيّ مثل الأوّل ، فقال : سمّه حسيناً خرّجه الإمام عليّ بن موسى الرضاعليه‌السلام .(١) وفي هذا الحديث ورد ذكر « ابن » وأُطلق على الحسين في ثلاث مواضع ، وهذا الحديث عينه مرويّ في ذخائر العقبى(٢)

الحديث العاشر : ذكره الشيخ العارف الكامل المحدّث الفاضل سليمان بن خواجه كلان الحسيني الحنفي النقشبندي القندوزي البلخي الإسلامبولي المعاصر في كتاب « ينابيع المودّة » وفي « جمع الفوائد »(٣) : عبد الله بن شدّاد عن أبيه : خرج علينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في إحدى صلواتي الليل ، وهو حامل حسناً أو حسيناً ، فتقدّمصلى‌الله‌عليه‌وآله فوضعه ثمّ كبّر للصلاة فصلّى فسجد بين ظهراني صلاته سجدة أطالها ، فرفعت رأسي فإذا الصبي على ظهر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو ساجد فرجعت إلى سجودي ، فلمّا قضى الصلاة قال الناس : يا رسول الله ، إنّك سجدت بين ظهراني صلاتك سجدة أطلتها حتّى ظننّا أنّه قد حدث أمر ، أو أنّه يوحىٰ إليك ؟ قال : كلّ ذلك لم يكن ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أُعجّله حتّى يقضى حاجته ذكره النسائي في باب السجدة(٤) وإنّي عثرت على هذا الخبر في نفس النسائي بعد ما نقلت من الينابيع العزو إليه

_________________

(١) تاريخ الخميس ٢ : ٤١٨ ط الوهبيّة ، و ط بيروت ( هامش الأصل )

(٢) ذخائر العقبى : ١٣٠ ط قدسي ، وإحقاق الحقّ ١٠ : ٥٠١ ( هامش الأصل )

(٣) جمع الفوائد : هو كتاب مأخوذ من أخبار جامع الأُصول لابن الأثير الذي جمع به الصحاح الستّة ومأخوذ أيضاً من جمع الزوائد للهيثمي نورالدين الذي جمع فيه مسند أحمد بن حنبل ومسند أبي يعلى الموصلي ومسند أبي بكر البزاز والمعاجم الثلاثة للطبراني كما نقل ذلك في أوّل كتاب الينابيع ( منهرحمه‌الله )

(٤) ينابيع المودّة : ١٦٨ ط إسلامبول ، والمستدرك للحاكم ٣ : ١٦٥ ط حيدر آباد الدكن ، وأُسد الغابة ٢ : ٣٨٩ ط مصر ( هامش الأصل ) وجرى تطبيقه على ينابيع المودّة ط دار الأُسوة تحقيق سيّد علي جمال أشرف الحسيني ، الأُولى ١٤١٦ ، ٢ : ٤٣ ، وعلى المستدرك ط دار المعرفة بيروت تحقيق المرعشلي ، ٣ : ١٦٦ ، وعلى أُسد الغابة نشر إسماعيليان ، ٢ : ٣٨٩ ، وعلى سنن النسائي ، ط دار الفكر بيروت أُولى ١٣٤٨ ، ٢ : ٢٣٠ ( المترجم )


ومجمل القول أنّ الأخبار على هذا النمط في كتب أحاديث أهل السنّة والجماعة كثيرة وهي في حنايا كتبهم خارجة عن حدّ الحصر(١)

إشارة :

المشهور بين علماء الإماميّة رضوان الله عليهم أنّ من كانت أُمّه من بني هاشم وأبوه من سواهم لا يستحقّ الخمس ولكن مذهب السيّد المرتضى خلاف ذلك وتبعه من المتأخّرين صاحب الحدائق الشيخ يوسف البحرانيرحمه‌الله فأجاز أخذه لهاشميّ الأُمّ ، وبنو النزاع على مسألة ابن البنت ، وهل يقال له ولد أو لا ؟ والحقّ أنّ الإنكار غير متين على هذه المسألة بل مستند المشهور مرسلة حمّاد عن الإمام موسى الكاظمعليه‌السلام فقد روي صريحاً عن الإمام الكاظمعليه‌السلام أنّ النسب من جهة الأُمّ إلى هاشمعليه‌السلام لا يوجب أخذ الخمس ولا تحريم الصدقة ، قالعليه‌السلام : فأمّا من كانت أُمّه من بني هاشم وأبوه من سائر قريش فإنّ الصدقة تحلّ له وليس له من الخمس شيءٌ(٢)

ولا يقدح بالاحتجاج التضعيف بالإرسال لأنّ حمّاداً من أصحاب الإجماع وأخباره كلّها صحيحة كما أوضحنا ذلك في رسالة مفردة ببيان كاف على وجه لا تبقى معه شبهة على أنّ متن الرواية شاهد بنفسه على الصدق ، راجع باب الخمس من أُصول الكافي ، وتأمّل الحديث تأمّلاً جيّداً من أوّله إلى آخره فستطمئنّ بصدوره عنهمعليهم‌السلام إن كنت من أهل الأُنس بلسان الأئمّة وتتبّع أخبارهم

_________________

(١) تجد الكثير منها في إحقاق الحقّ مجلّدات ١٠ ـ ١١ ( هامش الأصل منقولا )

(٢) وسائل الشيعة ٦ : ٣٥٩ ومن كانت أُمّه فإنّ الصدقات ( هامش الأصل ) وجرى تطبيقه على الوسائل ط آل البيت قم الثانية ١٤١٤ ، ٩ : ٢٧١ من كانت أُمّه من بني هاشم وأبوه من سائر قريش فإنّ الصدقات تحلّ له وليس له من الخمس شيء الخ ( المترجم )


علاوة على أنّ الشهرة الاستناديّة جابرة لكلّ نوع من أنواع الضعف ورافعة لكلّ قسم من أقسام العيب

وفي أخبار كثيرة جاء ذكر الهاشمي والظاهر أنّ هذه النسبة تماماً مثل النسبة إلى القبيلة أو العشيرة لا تكون إلّا من جهة الأب لا الأُمّ ، وإن كانت بحسب الوضع اللغوي أعمّ من ذلك لأنّ ياء النسبة في جميع المراتب كالنسبة إلى الصنعة أو البلد أو المذهب واحدة لا فرق بينها ، ومثلها مادّة النسبة ، وحمل الأخبار قطعيّة الصدور الواردة في فخر الأئمّة بولادتهم من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأنّهم أبنائه على المجاز والاستعارة ينافي مقام فضلهم الواقعي وشرفهم الحقيقي في نفس الأمر ، بل المتأمّل في الأخبار الكثيرة الواردة في هذا الباب والاستعمالات غير المقيّدة بالقرينة يقطع بأنّ النزاع بين الأئمّة وبني العبّاس يدور على الإطلاق الحقيقي ، فإنّ بني العبّاس إمّا لجاجة وعناداً وإمّا خبثاً ودهاءاً منهم يجادلون في انصراف المعنى الحقيقي عن الأئمّة في هذه المسألة لإلقاء الشبهة في أذهان العامّة ، والحديث الذي ذكرناه في ذيل الآية الثانية شاهد صدق على هذا المدّعىٰ

من هذه الجهة ادّعى الشيخ المحقّق الفقيه محمّد بن إدريس الحلّيرحمه‌الله في كتاب السرائر الإجماع على إطلاق الابن على ابن البنت على الحقيقة في باب المواريث ، والكلام المفصّل الذي نقل عن السيّدرضي‌الله‌عنه يحكي عدم الخلاف في المسألة

وحكي عن شيخ الطائفة القول بإجماع الأُمّة على ذلك ودليل الخصوم بيت الشعر الذي قاله الجاهلي :

بنونا بنو أبنائنا وبناتنا

بنوهنّ أبناء الرجال الأباعد(١)

_________________

(١) ينسب هذا الشعر إلى عمر بن الخطّاب ، جامع الشواهد : ٩١ ( تعليقات المحقّق )


وهذا الكلام أوّلاً مجهول القائل(١) ، ولا يُدرى متى قاله صاحبه وفي أيّ طبقة

_________________

(١) نسب هذا الشعر إلى عمر بن الخطّاب(١) ونسبه بعضهم إلى أبي فراس همام الفرزدق(٢)

وتمكّنت يد السياسة الأثيمة من حمل علماء العامّة في مقابل ظاهر الآية الشريفة وتصريح جمع غفير من علمائهم مثل الفخر الرازي(٣) والقرطبي(٤) وغيرهما وغيرهما ، وروايات كثيرة ادّعي لها التواتر والإجماع تنصّ على أنّ الحسن والحسين ابنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أن يقولوا الحسن والحسين ليسا ابني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله استناداً على هذا الشعر الفارغ من المحتوىٰ ، ونحن من أجل إظهار واقع السياسة يومذاك وما كان يعانيه شيعة الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام من الضغط والإكراه ننقل رواية واحدة تدلّ على ما قلناه كنموذج على الواقع يومذاك

نقل الطريحي عن الشعبي الحافظ للقرآن قال : استدعاني الحجّاج بن يوسف الثقفي يوم عيد الأضحى وقال : أيّ يوم هذا ؟

فقلت : عيد الأضحى

قال الحجّاج : بم يضحي الناس في هذا اليوم ؟

قلت : بالأضاحي والصدقات وأعمال البرّ

فقال الحجّاج : إنّي نويت التقرّب بقتل علويّ

فقال الشعبي : فسمعت خشخشة القيود ، فخفت أن أتطلّع لئلّا يستخفّ بي الحجّاج ، فبينا أنا كذلك إذ بدى العلوي وقد وضعت السلاسل على عنقه والقيود من الحديد في رجليه ومعصميه ، فاستقبل الحجّاج العلوي بوجهه وقال : أنت فلان بن فلان العلوي ؟

فقال : نعم ، أنا هو ذلك

فقال الحجّاج : أنت القائل بأنّ الحسن والحسين أبناء رسول الله ؟

فقال العلوي : ما قلتها ولا أقولها بلى أقول الحسن والحسين ابنا رسول الله لصلبه برغم أنفك

فقال الشعبي : فاستوى الحجّاج جالساً ـ بعد أن كان متّكئاً ـ لشدّة غضبه وانتفخ سحره إلى الدرجة التي قطع_____________

(١) خزانة الأدب ١ : ٣٠٠

(٢) جامع الشواهد : ٩١

(٣) تفسير الرازي ٨ : ٤٨٨

(٤) تفسير القرطبي ٤ : ١٠٤ و ٧ : ٣١


_________________

زرّ قميصه وأمر بتجديد ثيابه ، ثمّ قال : أيّها العلوي ، إن جئت على ما تقول ببرهان من كتاب الله وهبتك ثيابي وأطلقت سراحك ، وإن عجزت عن ذلك قتلتك شرّ قتلة

يقول الشعبي : وكنت حافظاً للقرآن وأعرف وعده ووعيده وناسخه ومنسوخه ، فلم تخطر ببالي آية تدلّ على ما يطلبه الحجّاج ، فحزنت للعلوي وكبر عليّ مقتله

قال الشعبي : فشرع العلوي بتلاوة القرآن وقال :( بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ ) فقطع الحجّاج تلاوته وقال : لعلّك تريد الاحتجاج بآية المباهلة في القرآن :( فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا
وَنِسَاءَكُمْ
) (١) ؟

فقال العلوي : أما والله إنّ فيها لمقنعاً ولكنّي أحتجّ بغيرها ، ثمّ أخذ يتلو قوله تعالى :( بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ
الرَّحِيمِ
õ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ õ
وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ
) (٢) ثمّ سكت

فقال الحجّاج : لم تركت عيسى ؟ هل جهلته ؟

فقال العلوي : صدقت يا حجّاج ، فكيف استقرّ عيسى في عقب نوح مع أنّه لا أب له ؟

فقال الحجّاج : من جهة اُمّه يعتبر من صلب نوح

فقال العلوي : وكذلك الحسنان في ولادتهما من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله

فبهت الحجّاج من هذا القول فكأنّه ألقمه حجراً(٣)

ونقل العيّاشي الحديث بصورة مختصرة وقال : أرسل الحجّاج إلى يحيى بن معمر قال : بلغني أنّك تزعم أنّ الحسن والحسين من ذرّيّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (٤)

وأخيراً كانت هذه المسألة تثير خنق الحكّام في كلّ زمان من ثَمّ تشتدّ وطأة ظلمهم على أبناء النبيّ وشيعتهم ، ولك أن ترجع إلى حديث الإمام الرضاعليه‌السلام في مجلس المأمون ، وحديث الإمام موسى بن

_____________

(١) آل عمران : ٦١

(٢) الأنعام : ٨٤ ـ ٨٥

(٣) منتخب الطريحي : ٤٩١ و ٤٩٢ والحديث طويل ( هامش الأصل ) وهو مترجم كما ترى ( المترجم )

(٤) تفسير العيّاشي ١ : ٣٥٩ ( المترجم ) نفسه ١ : ٣٦٧ ، تفسير البرهان ١ : ٥٣٩ ذيل الآية الشريفة ( هامش الأصل )


هو ، ولعلّه لشاعر قاله تقرّباً إلى بني أُميّة أو بني العبّاس ، شأنه شأن الموضوعات الكثيرة حولى المعنى ، ولو اطّلعت على ما كان يضعه خلف الأحمر وحمّاد الراوية والأصمعي وغيرهم من الشعر وينسبونه إلى الأوائل ، وهو ثابت في كتب الأدب ، لما جعلت مثل هذه الأشعار دليلاً على المدّعىٰ .

وثانياً : إنّ ما يصل ذهني القاصر أنّ معنى الشعر ليس لتقرير حقيقة لغويّة ، لأنّ ذلك خارج عن نطاق الشعر بل يقوم بعض النحاة واللغويّين والأُدباء على انتحال الشعر لوضع لفظ فيه مورد خلاف بينهم ليسهل حفظها ، ومعنى الشعر في هذا البيت أنّ الشاعر يقول : إنّ الذين يلبّون ندائنا ساعة الحاجة ويشفون العلّه وينقعون الغلّه هم أبناء أبنائنا لأنّهم أبنائنا أمّا أبناء البنات فهم بمنزلة البعداء لأنّهم يحيون مع آبائهم ويعينونهم ، وليس معنى هذا أنّه يريد نفي صدق الابن على أبناء البنات ، وهذا المعنى لا يخفى على الأريب الذي يميّز دقائق الكلام

وتفصيل هذا البحث خارج عن نطاق هذا المختصر ، وتعرّضنا إلى هذه النكتة لكي تكون إشارة إلى بعض النابهين الناظرين في هذه الصفحات لئلّا يحرموا من الفائدة ، والله المعين الموفّق

_________________

جعفرعليهما‌السلام مع هارون ، واستدلال هذين الإمامين العظيمين على المسألة بالآية الشريفة :( حُرِّمَتْ
عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ
) (١) وقالا : لا يحلّ للنبيّ الزواج من بناتنا وتحلّ له بناتكم(٢) ( المحقّق )

_____________

(١) النساء : ٢٣

(٢) تجد هذا كلّه في تفسير البرهان ١ : ٣٥٦ ، نور الثقلين ٢ : ٢٩٩ ذيل الآية الشريفة


السَّلامُ عَلَيْكَ يا بن أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ

الشرح : يقتضينا شرح هذه الكلمة المباركة الكلام في موضعين :

الموضع الأوّل : في لفظ أمير المؤمنين

أمّا أمير فهو فعيل من الأمر ، مهموز الفاء ومصدره الإمارة والأمر ، ومعناه الآمر ، وهذا واضح لا غبار عليه ولكنّ ذكرنا لهذا المورد لوجود إشكال معروف متعلّق بهذه الكلمة

في الحديث المنقول في علل الشرايع ومعاني الأخبار أنّ الكاظمعليه‌السلام أجاب من سأله عن وجه تسمية الإمامعليه‌السلام بأمير المؤمنين ، فقال : « لأنّه يميرهم بالعلم »(١) ويدلّ هذا الخبر على أنّ اشتقاق « أمير » من مار يمير كما صرّح بذلك جماعة ، مِن ثَمّ عمدوا إلى التوجيه والتأويل وتناولوا ذلك من عدّة وجوه :

الأوّل : إنّ الكلمة مشتملة على القلب فقد نقلت عين الفعل إلى فاء الفعل ثمّ اشتقّ اللفظ منها وهذا الوجه في غاية الضعف والسخافة لأنّ « مار » فعل أجوف و « امر » فعل مهموز ، ولو كان قلب ، على أنّ ذلك مخالف للقاعدة فينبغي أن يكون

_________________

(١) يميرهم العلم معاني الأخبار : ٦٣ ، علل الشرايع : ٦٥ ، العيّاشي وبصائر الدرجات : ١٤٩ ، بحار الأنوار ٣٧ : ٢٩٣ قد أفلحوا بك أنت والله أميرهم ؛ تُميرهم من علمك حسن بن محبوب عن الصادقعليه‌السلام ابن شهرآشوب ١ : ٣٥٩ في حمله وولادته ( هامش الأصل ) وجرى تطبيقه على « علل الشرايع » ط المطبعة الحيدريّة ١٣٨٦ النجف ، ١ : ١٦١ ، وعلى معاني الأخبار للصدوق ط انتشارات اسلامي ، الطبعة ١٣٦١ هجري شمسي تحقيق علي أكبر الغفاري : ٦٣ ( المترجم )

أبان بن الصلت عن الصادقعليه‌السلام : سمّي أمير المؤمنينعليه‌السلام إنّما هو من ميرة العلم وذلك أنّ العلماء من علمه امتاروا ومن ميرته استعملوا

سلمان : سُئل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : إنّما يميريهم العلم يمتاروا منه ولا يمتار من أحد ( ابن شهرآشوب ١ : ٥٤٨ في أنّه أمير المؤمنين )


« يمر » وتكون صفته المشبّهة « يمير » إلّا أن يلتزم القائل بهذا بقلب الياء إلى همزة اعتباطاً وعلى خلاف القياس ليكون المصداق الحقيقي للمثل المعروف « زاد في الطنبور نغمة »

الوجه الثاني : تكون هذه الكلمة على سبيل الحكاية لأنّ أمير المؤمنين كفيل بإيصال الميرة والطعام إلى أهل الإيمان ، فقال : « أنا أمير المؤمنين » [ فتكون كلمة أمير فعلاً مضارعاً ـ المترجم ] فكانت هذه الجملة اسمه المبارك نظير تأبط شراً ، وهذا الوجه وإن كان أقرب من الوجه الأوّل(١) ولكنّه ضعيف أيضاً لأنّ الجملة إذا سمّي بها لا يتغيّر إعرابها وعلى هذا ينبغي أن يكون لفظ « أمير » مضموم دائماً حتّى إذا كان منصوباً أو مجروراً ولا تغيّره العوامل لأنّه فعل وجزء الكلام وهو بالضرورة فاسد ومختل ، وفي الوجهين إشكال مشترك ومعلوم من الأخبار المتواترة أنّ لفظ « أمير » مأخوذ من الإمرة كما قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : « سلّموا على عليّ بإمرة المؤمنين »(٢) وهذا الحديث متواتر من جهة الشيعة وهو مروي في صحاح أهل السنّة والجماعة ومسلَّمٌ به ولم يقدح في الكتب الكلاميّة في سنده غالباً ، مِن ثَمّ يكون القول في اشتقاقه من مار باطلاً ، وظهور الرواية التي أُبيّنها بعد ذلك يمنع منه

الوجه الثالث : والذي أقطع به وذكره الشيخ الطريحي في كتابه مجمع البحرين في مادة « أمر » إجمالاً عن بعض الأفاضل وحكي عن العلّامة المجلسي أنّه مختاره ونعم الوفاق ، وبيانه على وجه التقريب بنظري القاصر كما يلي : لمّا كان أمير المؤمنين بما يقتضي كونه مدينة العلوم وهو ذو أعلى مراتب الولاية وهي الرياسة على عامّة القلوب والنفوس وجميع الأرواح الملكوتيّة والملائكة

_________________

(١) بل هو أسخف مرّات ومرّات ( المترجم )

(٢) بحار الأنوار ٣٧ : ٢٩٠ ط لبنان ، مناقب ابن شهرآشوب ١ : ٥٤٦ في أنّه صلوات الله وسلامه عليه أمير المؤمنين وفيه أحاديث ( هامش الأصل )


الكرّوبيّة والعقول المجرّدة والنفوس المفارقة ـ عند من يقول بها ـ بفضله يعترف ومن بحره تغترف ، كما قلت :

من علمه علم العقول ونورها

والبحر أصل العارض المتهلّل(١)

لمؤلّفه أيضاً :

عاجز چوگان عزمش از عناصر تا عقول

بنده فرمان حكمش از ملايك تا دواب

ولمّا كان جميع العوالم من الصدر إلى الساق يعني من مرتبة العقول التي هي بداية سلسلة النظام الجملي للعالم ، وقاعدة النور وسية قوس الوجود إلى مرتبة الهيولى ، العجوز الشوهاء ومبدأ سلسلة العوديّة وقاعدة الظلمة ، كلّ ما في الوجود وفي أيّ مقام سواء بلسان النطق أو بلسان الاستعداد آمنوا بوجه من الوجوه كما في الآية الكريمة( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ) (٢) وهي شاهد عدل على هذا العموم وهذه الدعوى ولمّا كانت هذه الأصناف المتقدّمة على الشاكلة التي ألمحنا إليها فلابدّ من حيازتها علماً يساوي إيمانها لذلك كان الجميع بمراتبها المختلفة تستمدّ من علمه(٣) وتستفيض بإفاضته(٤) ذلك لأنّه المرآة التي تنعكس فيها من

_________________

(١) فيضه ، ديوان المؤلّف : ٢٥١

(٢) الإسراء : ٤٤

(٣) الجميع يستفيدون من العلم حتّى الجنين في بطن اُمّه

حدّث الراوندي قال : إنّ أباطالب قال لفاطمة بنت أسد ـ وكان عليّ صبيّاً ـ : رأيته يكسر الأصنام فخفت أن تعلم كفّار قريش ذلك ، فقالت : يا عجباً ، أخبرك بأعجب من هذا وهو أنّي اجتزت بموضع كانت أصنامهم فيه منصوبة وعليّ في بطني ، فوضع رجليه في جوفي شديداً لا يتركني أقرب منها وأن أمرّ في غير ذلك الموضع ، وإن كنت لم أعبدها قطّ وإنّما كنت أطوف بالبيت لعبادة الله لا الأصنام [ الخرائج والجرائح للراوندي ٢ : ٧٤٠ ، بحار الأنوار ٤٢ : ١٨ رقم ٥ طبع طهران نقلاً عن خرائج الراوندي ، ونقل هذا الحديث الشبلنجي في نور الأبصار ، والشيخ محمّد الصبّان المصري في إسعاف الراغبين مع شيء من التحريف ، راجع : شفاء الصدور ٢ : ٢٩٩ ] ( المحقّق )

(٤) راجع ص ٤٤٧ من الكتاب روي أنّ أباطالب قال لفاطمة بنت أسد وكان عليّعليه‌السلام صبيّاً رأيته يكسر


أعلاها إلى أدناها الحقيقة المحمّديّة ، بل هو بحكم آية المباهلة عين نفسه المقدّسة بل جاء في أخبار العامّة « عليّ روحي التي بين جنبي »(١) ونوره نوره وشجرته شجرته ومرجع علوم الخلايق جمياً مبتنى على علم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو تلميذه الخاصّ والطالب الظاهر الاختصاص بالأحديّة ، وبحكم آية( عَلَّمَهُ شَدِيدُ
الْقُوَىٰ
) (٢) إنّه علمه في مدارس القرب الإلهي علوم الأوّلين والآخرين

وإذا عرفت هذه المقدّمة التي هي بمنزلة صغرى القياس ، فإنّنا نقول : أنّ من المقرّرات العرفيّة والمسلّمات العادية أنّ كلّ من يتحمّل بكفالة رزق فريق من الناس أو طائفة منهم ويأخذ على عاتقه إيصال وجوه المعاش إليهم فإنّه يغدو أميرهم وهم المأمورون ، ويشعر بالقضيّة المعروفة : الإنسان عبد الإحسان ، وهذه القضيّة بمنزلة كبرى القياس ، وبضمّ هاتين المقدّمتين نخرج بقياس على الشكل التالي : عليّ يمير المؤمنين ، وكلّ من يمير قوماً فهو أميرهم ، ينتج عليّ أمير المؤمنين وهو المطلوب

_________________

الأصنام فخفت أن يعلم كبار قريش ، فقالت : يا عجباً ، أُخبرك بأعجب من هذا ، إنّي اجتزت بالموضع التي كانت أصنامهم فيه منصوبة وعليّ في بطني فوضع رجليه في جوفي شديداً لا يتركني أن أقرب من ذلك الموضع الذي فيه وإنّما كنت أطوف بالبيت لعبادة الله لا للأصنام بحار الأنوار ٤٢ : ١٨ ط [ طهران ( هامش الأصل ) ] مؤسسة الوفاء سنة ١٤٠٣ بيروت ( المترجم )

(١) مشارق أنوار اليقين للحافظ رجب البرسي : ١٦١ سطر ٣ ط انتشارات فرهنگ اهل البيت « أنت روحي التي بين جنبي » وفي فرائد السمطين ٢ : ٧١ بالإسناد عن ابن عبّاس عن رسول الله في حديث : « دمك من دمي وروحك من روحي » وإحقاق الحقّ ٤ : ١٤٩ عنه مفتاح النجا : ٤٣ عن ابن النجّار عن ابن مسعود قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : عليّ بن أبي طالب منّي كروحي من جسدي ، وأخرجه إحقاق الحقّ ٥ : ٢٤٢ ، أمالي الصدوق : ٢٢ بالإسناد عن أمير المؤمنين عن رسول الله : « روحه روحي وطينته من طينتي » والبحار ٤٠ : ٤ عنه

(٢) النجم : ٥


ولعلّ من شواهد هذا التأويل الحديث الوارد في كيفيّة ولادة أمير المؤمنينعليه‌السلام وأنّ رسول الله حين دخل بيت أبي طالبعليه‌السلام ورآه عليّعليه‌السلام « فلمّا دخل اهتزّ له أمير المؤمنينعليه‌السلام وضحك في وجهه ، وقال : السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته قال : ثمّ تنحنح بإذن الله تعالى وقال :( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ õ الَّذِينَ هُمْ فِي
صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ
) (١) إلى آخر الآيات ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : قد أفلحوا بك ( انت والله أميرهم ، تميرهم من علومك وأنت والله دليلهم وبك يهتدون(٢) والظاهر أنّ « تميرهم » تفريع على « أنت أميرهم » والإمارة علّة لجلب رزق علوم المؤمنين

وجملة القول : أنّ هذا التعليل راعىٰ الجناس في أمير الفعل المضارع وأمير الصفة المشبّهة ، كما في الآية الكريمة :( قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُم مِّنَ الْقَالِينَ ) (٣)

والميرة في الأصل كما جاء في الصحاح بمعنى الطعام ، ومار يمير بمعنى إيجاده وجلبه(٤) وفي القاموس : ذكر الميرة بمعنى جلب الطعام(٥) وهذا بعيد ، وأخطائه في أمثال هذا كثيرة

وعلى كلّ حال « لأنّه يميرهم العلوم » ومعناه لما كان على جالب رزق العلوم للمؤمنين صار أمير المؤمنين ، وإطلاق الطعام على العلم في هذا الحديث يناسب الخبر المروي في الكافي في تفسير( فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ ) (٦) ( زيد الشحّام

_________________

(١) المؤمنون : ١ و ٢

(٢) أمالي ابن الشيخ : ٨٠ و ٨٢ ، بحار الأنوار ٣٥ : ٣٨ ط لبنان ، ابن شهرآشوب ١ : ٣٥٩ في حمله وولادته ( هامش الأصل ) وفي البحار : وقرأ تمام الآيات إلى قوله :( أُولَـٰئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ õ الَّذِينَ يَرِثُونَ
الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
) فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : وأنت والله دليلهم وبك يهتدون وللحديث بقيّة ، ٣٥ : ٣٧ ( المترجم )

(٣) الشعراء : ١٦٨

(٤) الميرة الطعام يمتاره الإنسان ( الصحاح ٢ : ٨٢١ ) ( المترجم )

(٥) القاموس ٢ : ١٢٧ ( المترجم )

(٦) عبس : ٢٤


عن أبي جعفرعليه‌السلام في قوله عزّ وجلّ :( فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ ) قال : قلت : ما طعامه ؟ قال : علمه الذي يأخذه عمّن يأخذه(١)

وبالجملة فإنّ هذا بطريق الاستدلال الإنّي وهو الانتقال من المعلول إلى العلّة يمكن تطبيقه لأنّ جلب الميرة وكفالة الرزق لازم الإمارة وأخذ دليلاً على تحقّق الملزوم ، ومن الواضح جدّاً أنّ اختصاص القول بالعلم في هذا الحديث إنّما هو لشرافته ، ولكي تعمّم إمارة الإمام لكلّ مناحي الوجود ولا ينافي جلبه للرزق الظاهري ، كما تمطر السماء ببركته وتخضر الأرض بيمنه ، وينتفع الخلق ويرزقون « لولاه لساخت الأرض بأهلها » والله أعلم بالصواب(٢)

وجملة القول أنّ عليّاًعليه‌السلام من يوم قال الله « ألست » هو أمير المؤمنين على كلّ الموجودات في كلّ مكان حتّى في اللوح المحفوظ كما جرت الإشارة إلى هذا التعميم من طريق أهل السنّة والجماعة أيضاً

يقول السيّد علي الهمداني في كتاب مودّة القربى أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : لو علم الناس متى سُمّي عليّ أمير المؤمنين ما أنكروا فضله(٣)

وفي هذا الكتاب أيضاً روى عن أبي هريرة أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : في يوم ألست ، ألست بربّكم ؟ قالت الأرواح : أجل فقال : أنا ربّكم ومحمّد نبيّكم وعليّ أميركم(٤)

_________________

(١) الكافي ١ : ٤٩ كتاب ٢ باب ١٦ ح ٨ ( هامش الأصل ) و ١ : ٥٠ تحقيق علي أكبر غفاري ، دار الكتب الإسلاميّة ط ثالثة ١٣٨٨ هجريّة ( المترجم ومنه أخذنا الحديث )

(٢) فرائد السمطين ١ : ٤٥ ط بيروت ، بالإسناد عن الصادق : وبنا ينزّل الغيث وينشر الرحمة ويخرج بركات الأرض ولولا ما في الأرض منّا لساخت الأرض بأهلها ( هامش الأصل )

(٣) مودّة القربى : ٢٤٨ الطبعة الثانية مكتبة المحمّدي

(٤) نفسه : ٢٤٨ باب المودّة الرابعة في أنّ عليّاً أمير المؤمنين ، وبحار الأنوار ٤٠ : ٧٧ عن فردوس الأخبار مثله ( هامش الأصل )


وفي كتاب اليقين عن عثمان بن أحمد السمّاك ذكر أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : في اللوح المحفوظ تحت العرش عليّ أمير المؤمنين(١) (٢)

وجملة القول : أنّ أشباه هذه الفضائل لهذا الإمام العظيم ليست من السهولة بحيث تضبط في كتاب أو توضع في صحيفة سلام الله عليه وعلى أخيه وآله وذرّيّته

أمّا الإيمان : وهو من باب الإفعال ، من الأمن ، وحقيقة حفظ النفس من عذاب العصيان أو الملكات الرديئة أو المحافظة على النبيّ من مخالفة رأيه ، كما أنّ الإسلام بهذا الاعتبار مأخوذ من السلامة ، ومقتضى القاعدة أن يكون هذان الفعلان متعدّيين بأنفسهما ولكن بتضمين معنى الإذعان يتعدّيان بالباء واللام وكذلك معنى التصديق والإقرار لأنّ اشتقاقها جميعاً من متعدّي

واعتبر المحقّق النراقيرحمه‌الله في معراج السعادة أقسام الإيمان أربعة ، فاصطلح على ذلك بقوله : القشر ، وقشر القشر ، واللبّ ، ولبّ اللبّ ، ولكن التتبّع يقتضينا في موارد اطلاقات الكتاب والسنّة أن نضيف مرتبة أُخرى إلى القشر واللبّ فتكون الأقسام ستّة :

الأوّل : الوجود اللفظي الصرف ، وهو ذلك الإقرار باللسان إذا لم ينفذ إلى القلب مطلقاً ولا يوجد فيه سوى الكفر وفائدته حفظ المال والنفس والطهارة الصوريّة ، وهذه المرتبة المسمّاة بالنفاق وتُدعى بالاصطلاح المتقدّم قشر القشر

الثاني : الاعتقاد بالتوحيد والنبوّة مع إنكار الشروط المتضمّن للقصور في مقام

_________________

(١) اليقين : ٩٣ ط نمونه قم ، تحقيق الأنصاري ، اولى ١٤١٣ ( المترجم )

(٢) ينابيع المودّة : ٢٤٨ ط اسلامبول ، المناقب المرتضويّة : ١١٨ ط بمبي ، إحقاق الحقّ ٦ : ١٥٢ عنهما مثله ( هامش الأصل )


الولاية ، وهذا الثاني شريك الأوّل في الفائدة وعدمها ، وإذا ثبت لذوي الاعتقاد المذكور ثواب بموجب ما ورد في أخبارنا فإنّ ذلك راجع إلى القائلين بالولاية وهم شيعة الأئمّة الإثنی عشر ، وهذه المرتبة بالاصطلاح المذكور قشر القشر

الثالث : الاعتقاد بالأُصول الخمسة طبقاً لمذهب الإماميّة وإن لم يقترن بالعمل الصالح كسائر فسّاق الشيعة ، ولهذه المرتبة شئون ومراتب في الموت والحياة والدنيا والآخرة ، من قبيل « سؤره شفاء » وقضاء حاجته أفضل من جميع المستحبّات وزيارته وعيادته وإعانته مستحبّة وتحرم غيبته ، ويجب حفظ حياته واحترام ميتته بالصلاة والكفن والدفن وذلك واجب وتتعلّق بذاته أحكام كثيرة من الواجبات والمستحبّات والمحرّمات والمكروهات وربّما تقدّر له النجاة الأُخرويّة كما هو ثابت عقلاً ونقلاً ، كتاباً وسنّة وإجماعاً ، ولا يستلزم عقابه على المعاصي خلوده في النار ، وإذا كان في الكتاب والسنّة الإيعاد بالخلود في العذاب على بعض المعاصي فذلك مأوّل بطول الأمد وامتداد المكث ، وهذه المرتبة بناءاً على الاصطلاح المتقدّم تدعى القشر

الرابع : هذه المرتبة مع العمل الصالح وهو التقوى من المعاصي والدوام على الواجبات مثل عالم الزهّاد والعبّاد ، أو عدول العوام من أهل الإيمان وترتفع مرتبة هؤلاء على المرتبة السابقة إذ ليس عليهم عذاب ، ولهم نعيم كثير ، وتنقدح في قلوبهم الأنوار بواسطة الاعتقاد الصحيح وصلاح العمل ، ومجمل الكلام لعلّهم ينالون بصيصاً من البصيرة في الأسرار الباطنيّة ، وبرزخهم أشدّ وضوحاً ، وإحاطتهم بالمقامات العالية المثالية أكثر منالاً ، وتُدعى هذه المرتبة بالاصطلاح المذكور « اللب »

الخامس : هذه المرتبة نفسها مصحوبة بالعلم الكامل الموجب لشرح الصدر ونورانيّة الضمير ، وفضل هؤلاء على الطوائف كفضل القمر على سائر النجوم بل


كفضل النبيّ على سائر الأُمّة ، وهذا المقام في الاصطلاح المشار إليه يُدعىٰ « لبّ اللب »

السادس : هذه المرتبة مع إضافة اليقين « بلغ القلم إلى هنا وتحطّمت ريشته »(١) وهو مقام الأولياء والصدّيقين ونتيجته : رسوخ الكمالات النفسانيّة في القلب من الرضا والتوكّل والإقبال والطاعة وخلع ربقة العلايق ونضو جلباب الهوى في الخلايق ووحدة الهم وعكوف الهمّة(٢) على الواحد الأحد « حضرة الأحديّة » جلّ جناب قدسه ، ولهذا القسم مراتب أيضاً وهو مقول على التشكيك

لمؤلّفه :

إنّ النجوم في ارتفاع قدرها

ليس سهاها في السنا كبدرها

واسم هذه المرتبة في الاصطلاح المذكور لبّ لبّ اللب

وفي الكافي أنّ الإمام الصادقعليه‌السلام قال لجابر الجعفي : ما من شيء أعزّ من اليقين(٣) (٤)

( عن الوشاء ، عن أبي الحسنعليه‌السلام قال : سمعته يقول الإيمان فوق الإسلام بدرجة ، والتقوى فوق الإيمان بدرجة ، واليقين فوق التقوى بدرجة ) وما قسم الله في الناس شيء أقلّ من اليقين(٥)

_________________

(١) قلم اينجا رسيد وسر بشكست ، مثل فارسي ( المترجم )

(٢) الكافي ، باب فضل الايمان على الإسلام ، ٢ : ٥١ ح ١ ( هامش الأصل )

(٣) هذه الجمل العربيّة من وضع المؤلّف ولكنّه أدخلها إلى اللغة الفارسيّة وصعب عليّ ترجمتها بل هي غير ممكنة لذلك أبقيتها كما استعملها المؤلّف ( المترجم )

(٤) عن جابر قال : قال لي أبو عبد اللهعليه‌السلام : يا أخا جعف ، إنّ الإيمان أفضل من الإسلام وإنّ اليقين أفضل من الإيمان ، وما من شيء أعزّ من اليقين ( الكافي ، تحقيق علي أكبر غفاري ، المطبعة الحيدريّة ، الناشر دار الكتب الإسلاميّة ، آخوندي ، ط رابعة ١٣٦٥ هجريّة ) ( المترجم )

(٥) نفسه ، باب فضل الإيمان على الإسلام ٢ : ٥٢ و ٥١ ح ٣ ( هامش الأصل والمترجم ) وما بين القوسين ملحق بالكتاب من الكافي


وفي رواية يونس بن عبد الرحمان قال : سألت أبا الحسن الرضاعليه‌السلام عن الإيمان والإسلام ـ إلى أن يقول : ـ فأيّ شيء اليقين ؟ قال : التوكّل على الله ، والتسليم لله ، والرضا بقضاء الله ، والتفويض إلى الله(١)

والأخبار في هذا المورد كثيرة ، وما تعرّضت له من البيان إنّما هو الإجمالي منه نالته يدي ، ومن الممكن أن تضاف إلى المراتب الأربع الأُخرى مراتب أُخرى تستفاد كلّ مرتبة منها من أخبار أهل بيت العصمة والطهارة والإمارة على أصحاب هذه المراتب جميعاً تناط بأمير المؤمنينعليه‌السلام يعني كلّ من وضع قدمه في دائرة الرسالة المحمّديّة فالواجب عليه أن يطوّق عنقه بطاعة عليّعليه‌السلام حتّى لو كان منافقاً فإنّ عليه أن يطيعه في الظاهر ، ويتبع أوامره بحكم قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله « من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه »(٢) فتبيّن من هذا أنّ من أقرّ بولاية رسول الله صلوات الله وسلامه عليه وآله وأطاع أمره فإنّه بنفس الدرجة يجب عليه الالتزام بولاية أمير المؤمنين ورئاسته

الموضع الثاني : في بيان أنّ « أمير المؤمنين » لقب الهيّ خاصّ بعليّعليه‌السلام فعدىٰ عليه الآخرون ولقّبوا أنفسهم به من دون استحقاق وغصبوا هذا الاسم الكريم

اعلم أنّ ما اتفق عليه الإماميّة ضاعف الله اقتدارها أنّ هذا اللقب خاصّ بالإمام عليّعليه‌السلام وثبتت له هذه الرتبة العليّة منذ زمن النبوّة ، والأخبار من طرق الأئمّة حول هذا المعنى لا تُعدّ ولا تحصى

ولكن قال أبناء العامّة أنّ لعليّعليه‌السلام شريكين من السابقين وسائر الخلفاء في هذا اللقب بل اعتبره البعض منهم من أوليّات الثاني ، وقالوا : أوّل من تلقّب بلقب أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب

_________________

(١) الكافي ٢ : ٥٢ ح ٥ فضل الإيمان على الإسلام

(٢) خطبة الغدير ( هامش الأصل )


ولكن في أخبارهم الصحاح والمعتبرة رويت أحاديث من الكثرة بمكان بهذا المضمون أنّ في العرش وفي الجنّة والمحشر وفي لسان جبرئيل والملائكة والنبيّ والمؤمنين وأخبار اليهود والمشركين وذي الفقار والسباع والمنافقين حتّى عمر ، أمير المؤمنين لقب عليّعليه‌السلام ، بحيث لا يمكن إحصاء ما ورد من الأخبار بهذا المعنى بل صرّح في بعضها بأنّ أحداً من السابقين أو اللاحقين لا يستحقّ هذا اللقب روي ذلك عن أكابر الصحابة مثل حذيفة وأبي ذر ، ومذهب هؤلاء أنّ قول الصحابي حجّة ، لما رووا : « أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم »

ولمّا كان الاستدلال بحديث الخصوم في موقع الاختلاف أولى فإنّني أسوق عدّة أحاديث من طريقهم في هذا المختصر ، ولقد كتب السيّد الأجل الأزهد الأورع الأقدس أبو القاسم رضي الدين علي بن طاوس الحسيني رضي الله عنه وأرضاه كتاباً في هذا الموضوع جعل أحاديثه كلّها من طرقهم المعتبرة وكتبهم المعتمدة ، وإذا كان فيه بعض الأخبار رواها من طرق الشيعة فإنّ ذلك لروايتها من طرق السنّة ، وروى مأتين وعشرين حديثاً في هذا الكتاب بأسانيد مختلفة متعدّدة واعترف نفسه بأنّه لم يستقص الأحاديث كلّها وهو كذلك وأنا بدوري رأيت أخباراً كثيرة من طرق العامّة غير هذه الأحاديث ، ولكنّي أنقل هنا عشرة أحاديث من أجل التبرّك والتيمّن من ذلك الكتاب مع حذف الأسانيد في هذا المختصر ، منتخبةً لتنوير قلوب الإخوان ولتكون قرّة عين لأهل الإيمان

الحديث الأوّل : في شهادة الله تعالى بثبوت هذا اللقب الشريف لعليّ عليه‌السلام :
أبو الفتح محمّد بن علي الكاتب الأصفهاني النطنزي(١) في كتاب الخصائص

_________________

(١) نطنز ـ بنون وطاء مهملة ونون وزاي ـ ناحية معروفة مابين اصفهان وكاشان وكانت في السابق من أعمال اصفهان وصرّح جماعة بنسبته إلى هذا البلد ومن عجايب الزمان أنّ واحداً من أدعياء الفضل والفنّ رأيته


يوصل السند بابن عبّاس قال : لمّا خلق الله تعالى آدم ونفخ فيه من روحه عطس فألهمه الله ( الحمد لله ربّ العالمين ) فقال ربّه : يرحمك ربّك ، فلمّا أسجد له الملائكة تداخله العجب فقال : يا ربّ ، خلقت خلقاً أحبّ إليك منّي ؟ فلم يجب ، ثمّ قال الثانية فلم يجب ، ثمّ قال الثالثة فلم يجب ، ثمّ قال الله عزّ وجلّ له : نعم لولاهم ما خلقتك ! فقال : يا ربّ ، فأرنيهم ، فأوحى الله عزّ وجلّ إلى ملائكة الحجب أن ارفعوا الحجب ، فلمّا رفعت إذا آدم بخمسة أشباح قدّام العرش ، فقال : يا ربّ ، من هؤلاء ؟ قال : يا آدم ، هذا محمّد نبيّي ، وهذا عليّ أمير المؤمنين ابن عمّ نبيّي ووصيّه ، وهذه فاطمة ابنة نبيّي ، وهذان الحسن والحسين ابنا عليّ وولد نبيّي ، ثمّ قال : يا آدم ، هم ولدك ، ففرح بذلك ، فلمّا اقترف الخطيئة قال : يا ربّ ، أسألك بمحمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين لما غفرت لي ، فغفر له الله بهذا ، فهذا الذي قال الله عزّ وجلّ :( فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ) (١) فلمّا هبط إلى الأرض صاغ خاتماً فنقش عليه ( محمّد رسول الله وعليّ أمير المؤمنين ) ويكنى آدم بـ « أبي محمّد »(٢)

الحديث الثاني : شهادة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : ابن مردويه وأوصل السند إلى أنس قال : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في بيت أُمّ حبيبة بنت أبي سفيان ، فقال : يا أُمّ حبيبة ، اعتزلينا فإنّا على حاجة ، ثمّ دعا بوضوء فأحسن الوضوء ثمّ قال : إنّ أوّل من يدخل عليك من هذا الباب أمير المؤمنين وسيّد العرب وخير الوصيّين وأولى الناس بالناس

_________________

وكان يعدّ نفسه وحداً في فنّ الحديث والأدب والرجال ومع هذا فقد كان يصرّ على أنّ هذا اللفظ « نظيري » بنون مضمومة وظاء معجمة وباء مثنّاة وراء مهملة ولم تكن معه شبهة فضلاً عن الحجّة والدليل ، وإلى الله المشتكى ( منهرحمه‌الله )

(١) البقرة : ٣٧

(٢) اليقين : ١٧٤ ط قم ـ نمونه ، تحقيق الأنصاري طبعة اولى ١٤١٣ هجري قمري


فقال أنس : فجعلت أقول : اللهمّ اجعله رجلاً من الأنصار قال : فدخل عليّعليه‌السلام فجاء يمشي حتّى جلس إلى جنب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فجعل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يمسح وجهه بيده ثمّ مسح بها وجه عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، فقال عليّعليه‌السلام : وما ذاك يا رسول الله ؟ قال : إنّك تبلّغ رسالتي من بعدي وتؤدّي عنّي وتُسمع الناس صوتي وتُعلّم الناس من كتاب الله ما لا يعلمون(١)

الحديث الثالث : شهادة جبرئيل : فيما نذكره من الحافظ أحمد بن مردويه المسمّى ملك الحفّاظ وطراز المحدّثين من كتاب المناقب وساق السند إلى ابن عبّاس قال : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في صحن الدار فإذا رأسه في حجر دحية بن خليفة الكلبي ، فدخل عليّعليه‌السلام فقال : كيف أصبح رسول الله ؟ فقال : بخير قال دحية : إنّي لأُحبّك وإنّ لك مدحة أزفّها إليك ؛ أنت أمير المؤمنين وقائد الغرّ المحجّلين ، أنت سيّد ولد آدم ما خلا النبيّين والمرسلين(٢) ، لواء الحمد بيدك يوم القيامة تزفّ أنت وشيعتك مع محمّد وحزبه إلى الجنان زفّاً ، قد أفلح من تولّاك وخسر من تخلّاك ، ومحبّو محمّد محبّوك ، ومبغضو محمّد مبغضوك ، لن تنالهم شفاعة محمّد ، أُدن منّي يا صفوة الله ، فأخذ رأس النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فوضعه في حجره ، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ما هذه الهمهمة ؟ فأخبره الحديث ، قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : لم يكن دحية الكلبي ، كان جبرئيل ، سمّاك باسم سمّاك الله به وهو الذي ألقى محبّتك في صدور المؤمنين ورهبتك في صدور الكافرين(٣)

وروى هذا الحديث باختلاف في السابق واللاحق وببعض التفاوت في يقين السيّد الرضي بطرق متعدّدة

_________________

(١) ميزان الاعتدال ١ : ٣٠ ط القاهرة ، وإحقاق الحقّ ٤ : ٣٤٤ ( هامش الأصل ) اليقين : ١٣٥ ( المترجم )

(٢) وإنّما استثنى الرسل لأنّه نبيّ آخر الزمان لا أنّهم أفضل منه لأنّ فضل النبيّ على الأنبياء من ضرورات مذهب الشيعة ( منهرحمه‌الله )

(٣) اليقين : ١٢٩ ـ ١٣٠ ( المترجم )


الحديث الرابع : شهادة الشمس : أخطب خطباء خوارزم موفّق الدين بن أحمد المكّي الخوارزمي الذي كان شيخ المحدّثين وأثنى عليه محمّد بن النجّار في تذييل تاريخ بغداد كما نقل السيّدرضي‌الله‌عنه ووصفه بالفقه والفضل والأدب والشعر والبلاغة وكان من تلامذة الزمخشري(١) في كتاب المناقب أسند عن الإمام الحسن العسكري عن آبائه الطاهرين أباً عن أب إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال لعليّ بن أبي طالبعليه‌السلام : يا أبا الحسن ، كلّم الشمس فإنّها تكلّمك قال عليّعليه‌السلام : السلام عليك أيّها العبد المطيع لله فقالت الشمس : وعليك السلام يا أمير المؤمنين وإمام المتقين وقائد الغرّ المحجّلين ، يا علي ، أنت وشيعتك في الجنّة يا علي ، أوّل من تنشقّ عنه الأرض محمّد ثمّ أنت ، وأوّل من يحيي محمّد ثمّ أنت ، وأوّل من يُكسىٰ محمّد ثمّ أنت ، ثمّ انكبّ عليّ ساجداً وعيناه تذرفان بالدموع فانكبّ عليه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : يا أخي وحبيبي ، ارفع رأسك فقد باهى الله بك أهل سبع سماوات(٢)

لا يخفى أنّ علماء أهل السنّة والجماعة متفقون على جلالة قدر الأئمّة الإثنی عشر وعلمهم وتقواهم وصلاحهم وشرفهم وفضيلتهم ، ولم يختلف في ذلك أحد من المسلمين ، ولم يتوقّف أحد من هذه الطائفة في أخبار الفضائل التي نقلت عنهم ولم تدركه شبهة حول ذلك

الحديث الخامس : شهادة ذوالفقار : محمّد بن جرير الطبري ـ وهو من أكابر

_________________

(١) من هنا يعرف تغلغل الفضل بن روزبهان في الجهل حتّى بحال علمائهم لأنّه يقول في مقام إنكار فضائل أمير المؤمنينعليه‌السلام : الخوارزمي هذا مجهول الحال ولا يعرفه أحد ، وليس لأخباره مأخذ معلوم ، ويعلم حال الفضل الخالي من الفضل بعد شهادة ابن النجّار بحقّ الخوارزمي وفي العبقات توجد له ترجمة مهبة ( منهرحمه‌الله )

(٢) مناقب الخوارزمي : ٦٤ ط طهران ، بحار الأنوار ٤١ : ١٧٠ ( هامش الأصل ) اليقين : ١٦٤ ( المترجم )


علماء أهل السنّة وعظمائهم وسنشير إلى مناقبه إجمالاً بعد نقل هذا الحديث إن شاء الله ـ ساق السند إلى ابن عبّاس ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : أعطاني ربّي ذا الفقار ، قال : يا محمّد ، خُذه وأعطه خير أهل الأرض فقلت : من ذلك يا ربّ ؟ قال : خليفتي في الأرض عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، وإنّ ذا الفقار كان ينطق مع عليّعليه‌السلام ويحدّثه حتّى أنّه همّ يوماً بكسره ، فقال : مه يا أمير المؤمنين إنّي مأمور وقد بقي في أجل المشرك تأخير(١)

ويقول السيّدرضي‌الله‌عنه بعد نقل الحديث : أقول أنا : يمكن أن يكون سقط بعد قوله « همّ يوماً يكسره » : « وقد ضرب به مشركاً فلم يقتله »(٢) وهو كما قال وذيل الحديث شاهد على ذلك

تنبيه :

أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري : هذا الاسم مشترك بين اثنين وكلاهما من بلاد طبرستان ، ولكن الشيعي منهما من جدّه رستم وهو من أجلّة علماء الشيعة وله كتاب « المسترشد » و « الدلائل » وقد أثنى عليه النجاشي والعلّامة وسائر شيوخ الرجال من المتأخّرين وصرّحوا بوثاقته وجلالة قدره وكثرة علمه ، ويروي عنه النجاشي بواسطة السيّد الجليل العظيم الحسن بن حمزة الطبري الذي قدم بغداد في السنة السادسة بعد الخمسين والثلاثمائة ، والظاهر أنّه من علماء المائة الرابعة

والآخر هو محمّد بن جرير بن كثير بن غالب كما نقل ذلك السيّد الشهيد السعيدرضي‌الله‌عنه في كتاب المجالس عن التهذيب للنووي ، وسمّاه الأُستاذ الأعظم البهبهانيقدس‌سره في التعليقة : محمّد بن جرير بن غلاب ، وهذا الاختلاف في الجدّ

_________________

(١) إثبات الهداة ٢ : ٢٨٣ رقم ٥٠١ ( هامش الأصل )

(٢) اليقين : ٢١٧ ( المترجم )


والأب كثير في الكتب الرجالية فاق حدّ الإحصاء ولكن ابن شهرآشوب في ( معالم العلماء ) سمّاه محمّد بن جرير بن يزيد ، ولا يخلو هذا الاسم من غرابة ولكنّه يقدّم على قول النووي عند التعارض ، لأنّ جلالة ابن شهرآشوب في العلم تفوق النووي مأة مرّة ، وما يحتمل من كون النووي أعلم به لاتحاد المذهب مدفوع بقرب زمن ابن شهرآشوب من زمنه ، وكلاهما من طبرستان ، وعلى هذا تكون معرفة ابن شهرآشوب على كلّ حال به أكثر فيقدّم قوله لزوماً

وبعد تحرير هذا الكلام وقفت على كلام ابن خلِّكان فرأيته سمّى جدّه « يزيد » أيضاً ولكنّه ذكر « خالداً »(١) بعده وقال : « وقيل : يزيد بن كثير بن غالب » وعلى هذا لا جرم أن تكون كلمة يزيد سقطت من نسخة التهذيب ويمكن أن تكون من باب النسبة إلى الجدّ

وعلى كلّ حال فهو من أكابر علماء أهل السنّة والجماعة وصاحب التفسير والتاريخ ، وينسب إلى أبي حامد الإسفراييني قوله : لو ذهب إنسان إلى الصين لطلب تفسير محمّد بن جرير الطبري لم يكن مبعداً

ونقل عن محمّد بن خزيمة الذي أطلقوا عليه إمام الأئمّة قوله : ما أعلم على أديم الأرض أعلم منه

ونقل السيّد الجليل المعاصر المولوي مير حامد حسين الهنديقدس‌سره في كتاب « عبقات الأنوار » عن الذهبي واليافعي أنّهما نعتاه بالإمامة وشهدا على أنّ التفسير والتاريخ من تأليفه

وصرّح ابن خلِّكان في الوفيات وابن الأثير في الكامل الذي هو مختصر تاريخ

_________________

(١) غالب ظ ( هامش الأصل )


الطبري(١) وابن خلدون في العبر ، أنّ التاريخ منه ، وإصرارهم على نفي كتابه التاريخ عنه ونسبته إلى الطبري الثاني ذلك لأنّه فيه صدق مدّعى الشيعة ومنه ينقل علمائهم ولمّا عجزوا عن إنكار فضله عمدوا عناداً منهم إلى إنكار كتابه وهذا من فرط غبائهم وجهلهم أو ضحالة دينهم ، نعوذ بالله من ذلك(٢)

وبالجملة فإنّ محمّد بن جرير صاحب كتاب الفضائل وصاحب كتاب إسناد حديث الغدير كما نقل السيّد المذكور في كتاب « العبقات » في الهامش من أصل كتاب « تذكرة الحفّاظ » للذهبي أنّه قال في ترجمة الطبري : ولمّا رأى الطبري ابن أبي داوود تكلّم في حديث غدير خم كتب كتاب الفضائل وتحدّث فيه عن تصحيح حديث الغدير

الحديث السادس : شهادة المنادي من بطنان العرش : الشيخ المحدّث صدر الحفّاظ محمّد بن يوسف القرشي الكنجي الشافعي في كتاب كفاية الطالب وأوصل السند إلى ابن عبّاس بن عبد المطّلب قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : يأتي على الناس يوم ما فيه راكب إلّا نحن أربعة فقال له العبّاس بن عبد المطّلب عمّه : فداك أبي وأُمّي ، من هؤلاء الأربعة ؟ فقال : أنا على البراق ، وأخي صالح على ناقة الله التي عقرها قومه ، وعمّي حمزة أسد الله وأسد رسوله على ناقتي العضباء ، وأخي عليّ بن أبي طالب على ناقة من نوق الجنّة مدبّجة الجنبين ؛ عليه حلّتان خضراوان من كسوة الرحمان ، على رأسه تاج من نور ، لذلك التاج سبعون ركناً ، على كلّ ركن ياقوتة حمراء تضيء للراكب من مسيرة ثلاثة أيّام ، وبيده لواء الحمد ينادي :

_________________

(١) سامح الله شيخنا الطهراني لقد ظلم صاحب الكامل ، إذ كيف يكون مختصر التاريخ الطبري وهو يؤرّخ لحقبة طويلة مات الطبري قبل بلوغها ؟! ( المترجم )

(٢) من اعتقد أنّ لعلماء أهل السنّة والجماعة ديناً فهو على خطأ لأنّهم مرقوا من الدين بالقواعد التي كبّلوا بها الدين ( المترجم )


« لا إله إلّا الله محمّد رسول الله » فيقول الخلائق : من هذا ؟ ملك مقرّب أو نبيّ مرسل أو حامل عرش ؟ فينادي منادي من بطنان العرش : ليس بملك مقرّب ولا نبيّ مرسل ولا حامل عرش ، هذا عليّ بن أبي طالب وصيّ رسول ربّ العالمين وأمير المؤمنين وقائد الغرّ المحجّلين إلى جنّات النعيم(١)

الحديث السابع : شهادة أبي ذر : روى ابن مردويه عن داود بن أبي عوف قال : حدّثني معاوية بن ثعلبة الليثي قال : ألا أُحدّثك بحديث لم يختلط ؟ قلت : بلى قال : مرض أبوذر فأوصى إلى عليّعليه‌السلام ، فقال بعض من يعوده : لو أوصيت إلى أمير المؤمنين عمر كان أجمل لوصيّتك من عليّعليه‌السلام ! قال : والله لقد أوصيت إلى أمير المؤمنين حقّ أمير المؤمنين ، والله إنّه للربيع الذي يسكن إليه ولو قد فارقكم لقد أنكرتم الناس وأنكرتم الأرض

قال : قلت : يا أباذر ، إنّا لنعلم أنّ أحبّهم إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أحبّهم إليك قال : أجل قلت : فأيّهم أحبّ إليك ؟ قال : هذا الشيخ المضطهد حقّه ـ يعني أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ـ(٢) وهذا الحديث مرويّ بطرق عدّة

الحديث الثامن : شهادة الأسد : أبو جعفر محمّد بن أبي مسلم ابن أبي الفوارس الرازي الملقّب بمنتجب الدين في كتاب « الأربعين » وساق السند إلى منقض(٣) بن الأبقع الأسدي أحد خواصّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام قال : كنت مع أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام في النصف من شعبان وهو يريد موضعاً له

_________________

(١) كفاية الطالب : ١٨٤ ط الحيدريّة النجف الأشرف ، تاريخ بغداد ١٣ : ١٢٢ ط السعادة بمصر ، مناقب الخوارزمي : ٢٠٩ ط طهران و ٢٥٠ ط تبريز ، وإحقاق الحق ٤ : ٤٩٨ و ٥٠٠ ( هامش الأصل ) واليقين : ٤٣٤ ( المترجم )

(٢) اليقين : ١٤٣ ( المترجم )

(٣) منقذ بن الأنقع ـ توضيح الدلائل للسيّد شهاب الدين أحمد ، إحقاق الحقّ ١٨ : ٢٢٢


كان يأوي فيه بالليل وأنا معه حتّى أتى الموضع فنزل عن بغلته حمحمت البغلة ورفعت أُذنيها وجذبتني فحسّ بذلك أمير المؤمنين ، فقال : ما وراك ؟ فقلت : بأبي أنت وأُمّي ، البغلة تنظر شيئاً وقد شخصت فلا أدري ماذا دهاها ؟

فنظر أمير المؤمنينعليه‌السلام سواداً قال : سبع وربّ الكعبة ، فقام من محرابه متقلّداً بسيفه فجعل يخطو نحو السبع ثمّ قال صائحاً له : قف ! فخفّ السبع ووقف فعندها استقرّت البغلة ، فقال أمير المؤمنين : يا ليث ، أما علمت أنّي ليث وأنّي الضرغام الهصور والقسور والحيدر ـ وهذه كلّها أسماء للأسد ـ ؟ ثمّ قال : ما جاء بك أيّها الليث ؟ فقال السبع : يا أمير المؤمنين ، ويا خير الوصيّين ، ويا وارث علم النبيّين ، ويا مفرّقاً بين الحقّ والباطل ، ما افترست منذ سبع شيئاً وقد أضرّ بي الجوع ورأيتكم من مسافة فرسخين فدنوت منكم وقلت : أذهب وأنظر هؤلاء القوم ومن هم ؛ فإن كان لي بهم مقدرة يكون لي فريسة

فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : أيّها الليث ، أما علمت أنّي علي أبو الأشبال [ الأشباح ] الأحد عشر ، ثمّ امتدّ السبع بين يديه وجعل يمسح يده على هامته ويقول : ما جاء بك أيّها الليث ؟ أنت كلب الله في أرضه قال : يا أمير المؤمنين ، الجوع الجوع فقال : اللهمّ ارزقه بقدر محمّد وأهل بيته قال : فالتفت فإذا الأسد يأكل شيئاً كهيئة الجمل حتّى أتى عليه ، ثمّ قال : يا أمير المؤمنين ، والله ما نأكل نحن معاشر السباع رجلاً يحبّك ويحبّ عترتك ، ونحن أهل بيت ننتحل حبّ الهاشمي وعترته(١)

_________________

(١) ورد في كتاب اليقين « ارزقه بقدر محمّد وأهل بيته » وعند المؤلّف « بحقّ فذ محمّد وأهل بيته » وجاء في الهامش تفسير لها : فذ : قد فذ الرجل عن أصحابه إذا شذّ عنهم وبقي فرداً وهي كناية عن سيّد الشهداء وهو الذي فذّ عن رسول الله وفاطمة الزهراء وأمير المؤمنين والإمام الحسن وعن أصحابه يوم العاشور ووقع وحيداً فريداً وقال سيّد الشهداء : قد استرحت من همّ الدنيا وغمّها وبقي أبوك وحيداً ( هامش الأصل ) وأحسب المحقّق صحّف الكلمة وخطرت له هذه الخاطرة ( المترجم )


ثمّ قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : أيّها السبع ، أين تأوي وأين تكون ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، إنّي مسلّط على كلاب أهل الشام وكذلك أهل بيتي وهم فريستنا ونحن نأوي النيل

قال : فما جاء بك الى الكوفة ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، أتيت الحجاز فلم أُصادف شيئاً وأنا في هذه البرية والفيافي التي لا ماء فيها ولا خير وإنّي لمنصرف من ليلتي هذه إلى رجل يقال له سنان بن وائل ممّن أفلت من حرب صفّين ينزل القادسيّة وهو رزقي في ليلتي هذه وإنّه من أهل الشام وأنا متوجّه إليه ، ثمّ قام بين يدي أمير المؤمنينعليه‌السلام

فقالعليه‌السلام لي : ممّ تعجّبت ؟ هذا أعجب أم الشمس أم العين أم الكواكب أم ساير ذلك ؟ فوالذي فلق الحبّة وبرأ النسمة لو أحببت أن أُري الناس ممّا علّمني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من الآيات والعجائب لكانوا يرجعون كفّاراً ثمّ رجع أمير المؤمنينعليه‌السلام إلى مستقرّه ووجّهني إلى القادسيّة ، فركبت ووافيت القادسيّة قبل أن يقيم المؤذّن الإقامة ، فسمعت الناس يقولون : افترس سناناً السبع ، فأتيت فيمن أتاه ننظر إليه فما ترك السبع إلّا رأسه وبعض أعضائه مثل أطراف الأصابع وأتى على باقيه ، فحمل رأسه إلى الكوفة إلى أمير المؤمنين ، فبقيت متعجّباً فحدّثت الناس بما كان من حديث أمير المؤمنين والسبع ، فجعل الناس يتبرّكون بتراب تحت قدم أمير المؤمنين ويستشفون به ، فقام فحمد الله وأثنى عليه فقال : معاشر الناس ، ما أحبّنا رجل فدخل النار ، وما أبغضنا رجل فدخل الجنّة وأنا قسيم الجنّة والنار ، أقسم بين الجنّة هذا إلى الجنّة يميناً وهذا إلى النار شمالاً ، أقول لجهنّم يوم القيامة : هذه لي وهذه لك ، حتّى تجوز شيعتي على الصراط كالبرق الخاطب ، وكالرعد القاصف وكالطير المسرع وكالجواد السابق

فقام إليه الناس بأجمعهم عنقاً واحداً وهم يقولون : الحمد لله الذي فضّلك


على كثير من خلقه ، ثمّ تلا أمير المؤمنينعليه‌السلام هذه الآية :( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّـهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ õ فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّـهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّـهِ وَاللَّـهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ) (١) تمّ الحديث المبارك

وهناك روايات أُخرى عن شهادة الذئب ، وشهادة الدرّاج ، وشهادة الجمل ، وشهادة سبعين بالسلام على قبره وهي مذكورة في كتاب اليقين ، وإنّي ذكرت هذا الحديث لما فيه من غرابة وامتياز وليكون سبباً لتسديد قلوب أهل الإيمان مع طوله ، والعجب من القوم الذين يسطرون مثل هذه الآيات البيّنات في كتبهم ثمّ يرتابون في أمير المؤمنين ، نعوذ بالله من الخذلان وسوء التوفيق

الحديث التاسع : شهادة اليهود من كتبهم السماويّة : الشيخ منتجب الدين ، مذكور في كتاب « الأربعين » عن عبد الله بن خالد بن سعيد بن العاص قال : كنت مع أمير المؤمنينعليه‌السلام وقد خرج من الكوفة إذ عبر بالصعيد التي يقال لها النخلة على فرسخين من الكوفة ، فخرج منها خمسون رجلاً من اليهود وقالوا : إنّك عليّ بن أبي طالب الإمام ؟ فقال : أنا ذا ؟ فقالوا : لنا صخرة مذكورة في كتبنا عليها اسم ستّة من الأنبياء وهو ذا نطلب الصخرة فلا نجدها فإن كنت إماماً وجدنا الصخرة فقال عليّعليه‌السلام : اتبعوني

قال عبد الله بن خالد : فسار القوم خلف أمير المؤمنين إلى أن استبطن فيهم البر ، وإذا بجبل من رمل عظيم ، فقالعليه‌السلام : أيّها الريح انسفي الرمل عن الصخرة بحقّ اسم الله الأعظم ، فما كان إلّا ساعة حتّى نسفت الرمل وظهرت الصخرة فقال عليّعليه‌السلام : هذه صخرتكم فقالوا : عليها اسم ستّة من الأنبياء على ما سمعنا وقرأنا

_________________

(١) آل عمران : ١٧٣ و ١٧٤


في كتبنا ولسنا نرى عليها الأسماء ! فقال عليّعليه‌السلام : الأسماء التي عليها فهي في وجهها الذي على الأرض فاقلبوها فاعصوصب عليها ألف رجل حضروا في هذا المكان فما قدروا على قلبها ، فقال عليّعليه‌السلام : تنحّوا عنها ، فمدّ يده إليها فقلّبها ، فوجدوا عليها اسم ستّة من الأنبياء أصحاب الشرايع : آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمّد عليهم الصلاة والسلام ، فقال النفر اليهود : نشهد أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّد رسول الله وأنّك أمير المؤمنين وسيّد الوصيّين وحجّة الله في أرضه ؛ من عرفك سعد ونجى ومن خالفك ضلّ وغوى وإلى الحميم هوى ، جلّت مناقبك عن التحديد وكثرت آثار نعتك عن التعديد(١)

الحديث العاشر : شهادة أبي بكر وعمر : نقل الحافظ ابن مردويه عن سالم المنتوف [ المشوق بدون ذكر سالم ـ المؤلف ] مولى عليّعليه‌السلام قال : كنت مع عليّعليه‌السلام في أرض له وهو يحرثها حتّى جاء أبو بكر وعمر فقالا : سلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته فقيل : كنتم تقولون في حياة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟ فقال عمر : هو أمرنا بذلك(٢)

وشهادة أُخر لعمرٍ في رواية أُخرى رويت أنّه قال : والله أنت أمير المؤمنين حقّاً فقال أمير المؤمنين : عندك أم عند الله ؟ فقال : عندي وعند الله(٣)

وهذه رواية عثمان بن أحمد السمّاك ، والآن يجمل بهذه الطائفة التي تنسب إلى السنّة بزعمها أن تصغى إلى الحقّ وتفتح عيونها فإذا كانوا غير واثقين بشهادة الله والرسول ـ كما فعلوا مراراً من ردّ هذه الشهادة مثلاً قال الله تعالى :( شَهِدَ اللَّـهُ أَنَّهُلَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ) (٤) ومعناه أنّه شهد بعدالة نفسه

_________________

(١) الأربعين ، مخطوط : ٤١ ، إحقاق الحق ٨ : ٧٣٤ ( هامش الأصل ) اليقين : ٢٥٢ ( المترجم )

(٢) اليقين : ١٣٣ ( المترجم )

(٣) اليقين : ٤٢ بحار الأنوار ٣٧ : ٣٠٧ رقم ٣٠ باب ٥٤ ط بيروت ( هامش الأصل )

(٤) آل عمران : ١٨


ولكنّهم أنكروه ونسبوه إلى الظلم والجبر ، وجوّزوا على الله ارتكاب القبايح ، تعالى الله عن ذلك وشهد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في أهل بيته بقوله : « ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً » ولكنّهم قدّموا أبا حنيفة والشافعي على الصادقعليه‌السلام والباقرعليه‌السلام اللَّذَين هما خزّان العلم الإلهي ومعدن الوحي والتنزيل وتمسّكوا بمذهب أبي حنيفة وصاحبه

ومن الراجح أن نشير إلى أنّ القوم من أجل تصحيح خلافة الرجلين جوّزوا على العقل أن يقدّم المفضول على الفاضل وهي من القبايح العقليّة ، وأحياناً نفوا العصمة عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ـ العياذ بالله ـ وجوّزوا عليه قول « الهذيان » وقيّدوا الآية( وَمَا
يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ
) (١) وقلّد القوم الرجلين اللَّذَين مرّ ذكرهما ، فلماذا لا يتبعونهما بما قالا من أنّ هذا اللقب الشريف أُطلق على الإمام من عهد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ولم يتلبّس به أحد من الناس وهو حقّ خاصّ ولقب ثابت الاختصاص لعليّعليه‌السلام (٢)

تنبيه :

علمت من الأخبار المذكورة اختصاص الإمامعليه‌السلام بهذا اللقب وجاء في الأخبار أنّ هذا اللقب لا يجوز أن يخاطب به أحد من الناس حتّى الإمام صاحب الزمان عجّل الله تعالى فرجه في عصر الظهور كما روى الحرّ العاملي في كتاب « الوسائل » عن العيّاشي قال : دخل رجل على أبي عبد اللهعليه‌السلام فقال : السلام عليك يا

_________________

(١) النجم : ٣

(٢) لا استعجاب من أبي حنيفة والشافعي وأضرابهم ممّن استأجرتهم السياسة في سبيل تنفيذ أغراضها والوصول إلى مقاصدها ومأربها فباعوا ضمائرهم لأطماع المغرضين وآخرتهم بدنيا المفسدين ، إنّما العجب من مثل ابن أبي الحديد مع اطّلاعه على الأحاديث الكثيرة المرويّة في كتبهم كيف أنكرها وقال : وتزعم الشيعة أنّه خوطب في حياة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بأمير المؤمنين خاطبه بذلك جملة المهاجرين والأنصار ولم يثبت في أخبار المتحدّثين شرح نهج البلاغة ١ : ٥ ، وبحار الأنوار ٣٥ : ٦٧ ط طهران عنه ( هامش الأصل )


أمير المؤمنين ، فقام على قدميه فقال : مه ، هذا الاسم لا يصلح إلّا لأمير المؤمنينعليه‌السلام سمّاه الله به ولم يسمّ به أحد غيره فرضي به إلّا كان منكوحاً ، وإن لم يكن ابتلي به ( ابتلى به ) وهو قول الله في كتابه :( إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا
مَّرِيدًا
) (١) قال قلت : فماذا يُدعى به قائمكم ؟ قال : السلام عليك يا بقيّة الله ، السلام عليك يا بن رسول الله(٢)

وروى في الكافي عن أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام قال : سأله رجل عن القائم يسلّم عليه بإمرة المؤمنين ؟ قال : لا ، ذاك اسم سمّى الله به أمير المؤمنينعليه‌السلام لم يسمّ به أحد قبله ولا يتسمّى به بعده إلّا كافر(٣)

ويوافق هذه الأحاديث التي نقلها أخطب خوارزم كما جاء في كتاب اليقين : قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : لمّا أُسري بي إلى السماء ثمّ من السماء إلى سدرة المنتهى ووقفت بين يدي ربّي عزّ وجلّ فقال لي : يا محمّد ، قلت : لبّيك وسعديك قال : قد بلوت خلقي فأيّهم رأيت أطوع لك ؟ قلت : ربّ عليّاً قال : صدقت يا محمّد ، فهل اتخذت لنفسك خليفة يؤدّي عنك ويعلّم عبادي من كتابي ما لا يعلمون ؟ قال : قلت : اختر لي فإنّ خيرتك خيرتي [ فإنّ جبرئيل خبّرني ـ المؤلف ] قال : قد اخترت لك عليّاً فاتخذه لنفسك خليفة ووصيّاً ونحلته علمي وحلمي وهو أمير المؤمنين حقّاً لم ينلها أحد قبله وليست لأحد بعده يا محمّد ، عليّ راية الهدى وإمام من أطاعني ونور أوليائي وهي الكلمة التي ألزمتها المتقين ؛ من أحبّه فقد أحبّني ومن أبغضه فقد أبغضني فبشّره بذلك يا محمّد قلت : ربّي فقد

_________________

(١) النساء : ١١٧

(٢) وسائل الشيعة ١٤ : ٦٠٠ ط آل البيت ( المترجم ) العيّاشي ١ : ٢٧٦ ، تفسير البرهان ١ : ٤١٥ ذيل الآية ، بحار الأنوار ٩ : ٦٣٦ و ٥٢ : ٣٧٣ رقم ١٦٥ أحوال صاحب الأمر ( هامش الأصل )

(٣) الكافي ١ : ٤١١ باب ١٠٧ ح ٩ ( هامش الأصل ) والكافي ١ : ٤١١ ط دار الكتاب الإسلاميّة الثالثة ١٣٨٨


بشّرته ، فقال عليّعليه‌السلام : أنا عبد الله وفي قبضته ؛ إن يعاقبني فبذنوبي لم يظلمني شيئاً ، وإن تمّم لي وعدي فالله مولاي قال [ اللهمّ ] اجلُ قلبه واجعل ربيعه الإيمان به قال : قد فعلت ذلك به يا محمّد ، غير أنّي مخصّه بشيء من البلاء لم أخصّ به أحداً من أوليائي قال : قلت : ربّ ، أخي وصاحبي ! قال : قد سبق في علمي أنّه مبتلىٰ ، لولا عليّ لم يعرف حزبي ولا أوليائي ولا أولياء رسلي(١)

وأحاديث من هذا النوع في كتاب اليقين وغيره من طرق أهل السنّة كثيرة وإذا تأمّلت هذه الأخبار التي اتفق الفريقان على نقلها تأمّلاً دقيقاً فستعرف ماذا يجري لمن انتحل هذا اللقب وأطلقه على نفسه من دون استحقاق في الدنيا والآخرة

كذلك ما جاء في كتاب اليقين عن ابن عقدة ـ وهو من كبار الحفّاظ ويساوي العسقلاني في الثقة والاعتماد وقد بالغ الخطيب البغدادي في الثناء عليه كما في اليقين ـ فروى وساق السند إلى الإمام الصادقعليه‌السلام في قوله تعالى :( فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً
سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَـٰذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ
) (٢) قال : فلمّا رأى فلان وفلان منزلة عليّعليه‌السلام يوم القيامة إذا دفع الله تبارك وتعالى لواء الحمد إلى محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله تحته كلّ ملك مقرّب وكلّ نبيّ مرسل فدفعه إلى عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، سيئت وجوه الذين كفروا وقيل هذا الذي كنتم به تدّعون أي باسمه تسمّون أمير المؤمنين(٣)

نكتة :

ممّا قلناه في معنى الإمارة يكن الإلمام بسبب صيرورة هذا اللقب من الخصائص ولا يجوز استعماله حتّى للأئمّة لأنّ الأئمّة أفضل المؤمنين ولهم الإمارة على كلّ أحد لكثرة سوابقهم ووفور فضائلهم في زمن النبوّة ولاتحادهم مع

_________________

(١) اليقين : ١٥٩ ( المترجم ) مناقب الخوارزمي باب فضائل شتّى : ٢١٥ ط طهران

(٢) الملك : ٢٧

(٣) اليقين : ١٨٢ ( المترجم )


الرتبة المحمّديّة فيما عدا النبوّة(١) وهم الواسطة في وصول الأحكام والأسرار التي حملوها عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ودرجة الأُبوّة التي تستدعي وجوب الطاعة لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، ولا توجد هذه الصفات في واحد من الأئمّة وإن كان كلّ واحد منهم جامعاً جميع الكمالات وحائزاً تمام المقامات ، سلام الله عليهم أجمعين

وإنّك حين تنظر في الأخبار وتلاحظ آداب سلوك الأئمّة عند الزيارة وتدفّق في أُسلوب مخاطبتهم لصاحب الولاية الكبرى تدقيقاً تامّاً فإنّهم في موضع يرون الإيمان به مقارناً الإيمان بالله ورسوله ، وفي موضع يرتفع أصواتهم بواسيّداه ، وفي موضع ينادون أمام قبره بقولهم : عبدك وابن عبدك ، وفي موضع يتضرّعون إلى الله لقضاء حوائجهم بولايته ، وفي موضع يتباهون بمحبّته ، وغير هذه الأُمور من الموارد التي لا محلّ لذكرها الآن ، وبالطبع لا ينبغي أن تطعن بالشكّ في صدرك ، وينبغي أن يكون اعتقادك ثابتاً جازماً بأنّ لقب أمير المؤمنين مختصّ بعليّ وحده على سبيل الحقيقة ، ولا يستحقّ هذا المقام أحد من الخلق في الأوّلين

_________________

(١) إنّ أمير المؤمنين عليّاً بن أبي طالب كرّم الله وجهه كان صورة تحقيق حال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله حيث قال : « لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل » ألا ترى أنّ عين اسمه كرّمه الله وجهه إلى عين معيّته مع الإلهيّة ، واللام والياء اللتان هما حرفا إضافة ونسبة وتمليك وتخصيص ينتظم منهما كلمة « لي » يعني في قوله : « لي مع الله وقت » كما كرّم الله وجهه المبارك بجميع أجزاء روح الكشف فيه وصار روح الكشف ملكاً له وصار مخصوصاً من الله بهذه الكرامة وضع لام التمليك والتخصيص في اسمه وانضمّ في حضائر القدس ومشاهد الأُنس إلى محبوبه ومطلوبه وبهذا السرّ حصلت له المعيّة مع الالهيّة لا جرم لمّا حصل له هذا الاتصال الشريف صار مضافاً منسوباً ربّانيّاً صمدانيّاً أُمّيّاً مضافاً إلى أُمّ الكتاب وأُمّ اللباب في تحصيل المناسبة وحصول حال المعاينة والمشاهدة ، ووضع الله تعالى ياء الإضافة والنسبة في آخر اسمه المبارك وهذه الياء كرسيّ ولايته وينبوع سعادته وهدايته فرائد السمطين ١ : ٤٢٨ ط بيروت ( هامش الأصل )

أقول : يريد القوم أن يجعلوا الشريعة السمحة السهلة بمنزلة ثالوث النصارى لا يفهمه حتّى حبرهم الأعظم ، نحن في غنىً عن قول والد الحمويني هذا بأحاديث أهل البيت السمحة وكلّ ما خالفها سواءاً كان قولاً أو فعلاً لا حاجة لنا فيه ( المترجم )


والآخرين ، لأنّ كلّ أحد وفي أيّ مقام أو رتبة كان وكلّ موجود على ظهر الأرض في أيّ درجة كان ، كلّ ما ناله من الفيض من المبدأ الفيّاض إنّما كان بتوسّط « المقام المحمّدي » وكان واسطة فيضه المقام العلوي كما قال : « لا يؤدّي عنّي إلّا علي »(١) وفي خبر المعراج « لا يؤدّي عنك إلّا عليّ(٢) ، والفعل في قوّة النكرة والنكرة في سياق النفي يفيد العموم كما أنّ حذف المتعلّق يفيد العموم(٣) فتبيّن من هذا أنّ كلّ ما يحصل من فيض وجود النبي لا يمكن أن يؤدّی إلّا بواسطة عليّعليه‌السلام

تو به تاريكى على را ديده‌اى

زين سبب غيرى بر او بگزيده‌اى(٤)

لقد أظلمت عيناك حين رأيته

لذا اخترت قوماً لا يساوون نعله

_________________

(١) إشارة إلى قصّه إبلاغ سورة برائة إلى أهل مكّة حيث أرسل أبا بكر ثمّ ردّه وأرسل عليّاً بعده وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : لا يؤدّي عنّي إلّا عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين ( المناقب للخوارزمي : ١٠١ و ٢٢٣ ط طهران )

(٢) أمالي الصدوق : أمير المؤمنين عن رسول الله فهل اتخذت لنفسك من يؤدّي عنك ويعلّم عبادي . ( بحار الأنوار ١٨ : ٣٧١ رقم ١٨ ، وفي البداية والنهاية ٥ : ٢١٢ ط القاهرة في حديث الإسراء : هذا وليّي والمؤدّي عنّي وإحقاق الحقّ ٤ : ١٣٤ عنه ) ( هامش الأصل )

(٣) الفعل « يؤدّي » هو في حكم النكرة ووقع في سياق النفي وحذف متعلّقة وهو الذي يؤدّيه مِن ثمّ أفاد العموم ( المترجم )

(٤) من المناسب لإكمال البحث نقل حديث يتضمّن العلّة في عدم خطاب الإمام عليّ بأمير المؤمنين

قال ابن شهرآشوب : استفاض بين الخاصّ والعامّ أنّ أهل الكوفة فزعوا إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام من الغرق لمّا زاد الفرات ، فأتىعليه‌السلام شاطئ الفرات وأسبغ الوضوء وصلّى منفرداً ثمّ دعا الله ثمّ تقدّم إلى الفرات متوكّئاً على قضيب بيده حتّى ضرب به صفحة الماء وقال : انقص بإذن الله ومشيئته ، فغاض الماء حتّى بدت الحيتان ، فنطق كثير منها بالسلام عليه بإمرة المؤمنين ، ولم ينطق منها أصناف من السموك وهي الجرّي والمار ماهي والزمّار ، فتعجّب الناس لذلك وسئلوه عن علّة ما نطق وصمت ما صمت ، فقالعليه‌السلام : أنطق الله ما طهر من السموك وأصمت عنّي ما حرّمه ونجّسه وبعده [ مدينة المعاجز ٢ : ١٠٦ ( المترجم ) ونفسه : ١١١ الرقم ٢٩٩ ( هامش الأصل ) ]

والمفيد في الإرشاد مثله ثمّ قال : وهذا خبر مستفيض شهرته بالنقل والرواية كشهرة كلام الذئب وتسبيح الحصى بكفّه وحنين الجذع إليه وإطعامه الخلق من الطعام القليل ونحوه ، وذكره الطبرسي في إعلام الورى [ مدينة المعاجز : ١١١ ( هامش الأصل ) الإرشاد ١ : ٢٤٨ ( المترجم ) ] ( المحقّق )


وَابْنَ سَيِّدِ الْوَصِيِّينَ

لإيضاح هذه الكلمة وبيان شرحها ينبغي الكلام في مطلبين :

المطلب الأوّل : في إثبات وصيّتهعليه‌السلام

اعلم أنّ الوصي هو الذي يخوّله الموصي أن يتصرّف بعد مماته فيما كان يتصرّف به في حياته ، كما يظهر ذلك من كتب اللغة وموارد الاستعمال ولمّا كانت الأُمور التي تختصّ بالأنبياء هي نشر الأحكام وهداية الأنام وإقامة النظام كانت وصايتهم عبارة عن النيابة على هذه الأُمور

ولابدّ لمن يتولّى منصب الوصيّة أن يكون أعلم الأُمّة بما تحتاج إليه الأُمّة ، وأن يتميّز عنها بمحاسن الأخلاق ومكارم الآداب التي هي لازمة الرئاسة العامّة من قبيل شرف النسب والزهد والجود والشجاعة والفضيلة ، وأن يفضل جميع الخلق بهذه الملكات لكي يتسنّى له أداء العمل النبوي ، ويتمّ الغرض من البعثة على يديه ، وتبقى آثار الشريعة ماثلة لديه ، لأنّ وجود النقص في هذه الأُمور ينعكس سلباً على الخلق فيبدو النقص في جانب من جوانب الحياة

ونحن حين نكون على الحياد ، ونلقي نظرة محايدة على الواقع ونفحص الأخبار فحصاً مستوعباً ندرك حتماً ونعلم علماً قطعيّاً بأنّه ليس في الأُمّة من هو نظير لأمير المؤمنينعليه‌السلام في هذه الصفات وجميع الكمالات أو يبلغ درجته

أمّا من جهة الشرف فإنّه أوّل هاشميّ أبواه هاشميّان ، أبوه أبو طالب عمّ رسول الله وناصره ومعينه الذي ملأت خدماته للإسلام وجه البسيطة وعجز العدوّ والصديق حتّى النواصب والخوارج عن إنكار فضله ونصرته للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله متواترة كتواتر وجوده ، والذي ينكرها فلا مانع لديه من إنكار وجوده من رأس وأُمّه


فاطمة بنت أسد التي كان النبيّ يسمّيها أُمّي ، وكفّنها يوم ماتت ببرده ، واضطجع في قبرها كما ورد ذلك في ذخائر العقبى وأُسد الغابة وغيرها من كتب العامّة ، وكان ابن عمّ رسول الله وصهره زوج فاطمة وأبا الحسنين وجدّ الأئمّة التسعة المعصومين وهم أفضل خلق الله في كلّ عصر

أمّا من ناحية العلم فيكفي الحديث المتفق عليه وهو قول النبي : أنا مدينة العلم وعليّ بابها ؛ فمن أراد المدينة فليأت الباب ، وما أحسن ما قاله فردوسي لله درّه وعلى الله برّه :

چه گفت آن خدواند تنزيل ووحى

خداوند امر وخداوند نهى

كه من شهر علمم عليّم در است

درست اين سخن قول پيغمبر است

گواهى دهم كاين سخن را ز اوست

تو گوئى دو گوشم بر آواز اوست

ما الذي قاله الإله مشيّداً

بعليّ ربّ المقام العلي

إنّما المصطفى مدينة علم

وعليّ باب لعلم النبي

من أراد الدخول لا بدّ أن

يدخل من باب فضله المأتي

قسماً إنّه لسرٌّ عليٌّ

ما قريب مثل البعيد القصي

وأمّا من حيث الزهد فيكفيه حديث طلاق الدنيا

وأمّا من جهة الجود فإنّ سورة هل أتى شاهد عدل على ذلك

وأمّا من جهة الشجاعة فإنّها لا تحتاج إلى دليل وشاهد

ولمّا كانت هذه الصفات هي شرايط ثبوت وصاية الأنبياء لم تجتمع في غيره قطّ ، وإنّ العقل السليم يحكم بالضرورة بأنّ عليّاً وصيّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله

فإن قيل : من أين لكم هذا القول بأنّ لكلّ نبيّ وصيّاً ليكون عليّ وصيّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله


فإنّنا نقول في الجواب :

أوّلاً : من استقراء سيرة الأنبياء

وثانياً : البرهان العقلي الذي أوجب بعث الرسل وتنزيل الكتب فقد أثبت أنّه ما من نبيّ إلّا وله وصيّ ، ولقد أجاد القائل وهو الأُزريرحمه‌الله :

أنبيٌّ بلا وصيّ تعالىٰ

الله عمّا يقوله سفهاها

وهذا الدليل الذي سقناه هنا وإن كان كافياً للذكي طالب الحقيقة والمجاهد طالب الهداية ولكنّنا من أجل إتمام الحجّة ننقل نماذج عدّة من أخبار أهل السنّة والجماعة في إثبات وصيّته من كتبهم المعتبرة ونطلب التوفيق من الله سبحانه لأنّ المنازع في مسألة الوصيّة هذه الفرقة وحدها ، وقد عمدت إلى السعي لإبطالها تصريحاً وتلويحاً منها ما قاله أحمد بن عبد ربّه القرطبي الأندلسي في كتاب « العقد » : قال رسول الله في حقّ عليّ : « أنت منّي بمنزلة هارون من موسى »(١) من هنا ادّعى الشيعة أنّه وصيّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وبهذا أراد أن ينقض قول الشيعة في الوصيّة( وَيَأْبَى اللَّـهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (٢) وهذا الحديد من الأحاديث المتواترة التي أثبتناها في محلّها(٣)

ومن هؤلاء الخوارزمي في المناقب عن أبي الطفيل وهو آخر الصحابة موتاً ، فقد روى عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال : يا علي ، أنت وصيّي ، حربك حربي وسلمك سلمي(٤)

_________________

(١) العقد الفريد ٢ : ١٩٤ ط مصر الشرقيّة ( هامش الأصل ) والعقد الفريد ٥ : ١٠٠ تحقيق أحمد أمين ( المترجم )

(٢) التوبة : ٣٢

(٣) راجع عقبات الأنوار قسم حديث المنزلة ، وإحقاق الحقّ ٥ : ١٣٢

(٤) الحديث في المناقب وليس فيه أنت وصيّي بل أنت على الحوض خليفتي : ١٢٩ ط مؤسسة النشر الإسلامي ثانية ١٤١١


وفي المناقب بسنده عن الصادقعليه‌السلام عن آبائهعليهم‌السلام رفعه إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال : إنّ الله لم يقبض روح نبيّ حتّى يأمره بالوصيّة إلى أفضل عشيرته وعصبته ، وأمرني أن أُوصي إلى عليّ فإنّي أثبته في كتب السلف بأنّه وصيّك وأخذت على هذا الميثاق من الخلايق والأنبياء والرسل ، أخذت ميثاقهم على الربوبيّة لي وعلى النبوّة لك وعلى وصاية عليّ وولايته لك(١)

وفي المناقب بهذا السند أيضاً أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لأُمّ سلمة : اسمعي وكوني شاهدة على أنّ عليّاً أخي في الدنيا والآخرة وحامل لوائي في الدنيا وحامل لواء الحمد يوم القيامة ، وهذا عليّ وصيّي وقاضي عداتي والذائد عن حوضي المنافقين

وفي المناقب وفرائد السمطين للحمويني عن أبي أيّوب الأنصاري أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لفاطمةعليها‌السلام : إنّ الله اطّلع على الأرض واختار زوجك وأمرني أن أُزوّجه منك وأتّخذه وصيّاً

وفي المناقب بالسند المارّ ذكره أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لعليّ : إن لم تكن نبيّاً فأنت وصيّ نبيّ ووارثه بل أنت سيّد الأوصياء وإمام الأتقياء .

وروى أبو نعيم في حلية الأولياء عن أبي برزة السلمي أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لربّه ليلة المعراج : عليّ وصيّي وأخي

وفي المناقب بالسند المذكور أنّ جبرئيل هبط على النبيّ فرحاً مستبشراً وقال : سررت بإكرام الله أخاك عليّاً فقد جعله وصيّك وإماماً لأُمّتك

وروى الحمويني أيضاً في فرائد السمطين عن أبي ذررضي‌الله‌عنه عن النبي أنّه قال :

_________________

(١) الحديث مترجم


« أنا خاتم النبيّين وأنت يا علي خاتم الوصيّين إلى يوم الدين »(١)

وروى الحمويني والخوارزمي عن الرضا عن أُمّ سلمة أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : لكلّ نبيّ وصيّ وعليّ وصيّي في عترتي وأهل بيتي وأُمّتي من بعدي(٢)

وروى الموفّق بن أحمد عن بريدة أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : لكلّ نبيّ وصيّ ووارث وعليّ وصيّي ووارثي

وروى ابن المغازلي حديث الوصيّة بأسانيد عدّة عن جابر وابن عبّاس وبريدة(٣)

وروى الثعلبي في تفسير الآية الكريمة :( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) (٤) عن البراء ابن عازب

وأحمد بن حنبل وهو أحد الأئمّة الأربعة في المسند عن أنس بن مالك أنّه قال : سألت سلمان أن يسأل رسول الله عن وصيّه ، فسأله سلمان ، فقال النبيّ له : من وصيّ موسى ؟ قال : يوشع بن نون فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ وصيّي ووارثي ، يقضي ديني وينجز عداتي عليّ بن أبي طالب(٥)

ونقل الخوارزمي في حديث القيامة الذي سمعته آنفاً عن ابن عبّاس أنّه كان يقول : هذا عليّ وصيّ محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله (٦)

_________________

(١) هذه الأحاديث مترجمة إلّا ما وضع بين الأقواس الصغيرة

(٢) مناقب الخوارزمي : ٩٠ ط طهران عن أُمّ سلمة ( هامش الأصل )

(٣) مناقب الخوارزمي : ٦٣ ط طهران بالإسناد عن أبي أيّوب الأنصاري فأوحى الله إليّ أن أُزوّجك وأتّخذك وصيّاً ( هامش الأصل )

(٤) الشعراء : ٢١٤

(٥) بحثنا عن الحديث في المسند وفي تفسير الثعالبي فلم أعثر عليه فعلمت أنّ يد التحريف حذفته من الكتابين

(٦) مناقب الخوارزمي : ٢٥٩ ط طهران ( هامش الأصل )


إذن نقل هذه الرواية عشرة من أصحاب أمير المؤمنين وأمّ سلمة وابن عبّاس وبرّاء وأبو برزة وأنس وأبو أيّوب وبريدة وجابر وأبوالطفيل ، ومع وجود هذا الجمّ الغفير من الثقاة لا أدري ما وجه الجحود والإنكار ؟!

وما كتبته جملة يسيرة وغيض من فيض من الروايات المتعلّقة في هذا الباب ، إذ ليس الموضع موضع استقصائها

وهذه الجملة اخترتها من فصل أو فصلين من كتاب ( ينابيع المودّة ) للعارف القندوزي وهو أحد العلماء المعاصرين من أهل السنّة والجماعة ، مع الاختصار والاقتصار على موضع الحاجة علماً بأنّ البيت إن كان به ديّار فقول واحد أو قولين يكفي في الاعتبار ، ومن تتبّع أخبار الماضين وألمّ بأشعار الغابرين واطّلع على أحاديث الأصحاب والتابعين يصل إلى مرتبة اليقين من أنّ ظهور هذا الأمر كان من الوضوح بمكان إلى الحدّ الذي اعترف به من لم يؤمن بخلافة عليّ وولايته ، كما نقل نصر بن مزاحم في كتابه ولوط بن يحيى الأزدي في كتابه وهما من العلماء الثقاة الذين أثنى عليهما علماء العامّة ، فقد نقلا في كتابيهما من الأشعار الكثيرة والأراجيز الوفيرة في حربي الجمل وصفّين حيث صرّح أصحابها من العدوّ والوليّ بوصاية أمير المؤمنين وشهرته بالوصي

وذكر ابن أبي الحديد جملة وافرة منها في كتابه شرح نهج البلاغة ونحن نورد لك موضع الشاهد منها :

يقول عبد الله بن أبي سفيان بن الحرث بن عبد المطّلب في مدح أمير المؤمنينعليه‌السلام :

ومنّا عليّ ذاك صاحب حيدر

وصاحب بدر يوم شالت كتائبه(١)

_________________

(١) شال الشيء ارتفع والكتيبة ، القطعة من الجيش أو الجماعة وفي المصدر وشفاء الصدور سالت كتائبه ( هامش الأصل )


وصيّ النبيّ المصطفى وابن عمّه

فمن ذا يدانيه ومن ذا يقاربه

ويقول أبو الهيثم بن التيهان البدريرضي‌الله‌عنه :

إنّ الوصيّ إمامنا ووليّنا

برح الخفاء وباحت الأسرار

ويقول عمرو بن حارثة الأنصاري في مدح محمّد بن الحنفيّة :

سميّ النبيّ وشبل الوصي

ورايته لونها العندم(١)

وقال شابّ من بني ضبّة من النواصب في معسكر عائشة :

نحن بني ضبّة أعداء علي

ذاك الذي يُعرَف قدماً بالوصي

ويقول سعيد بن قيس الهمداني من معسكر الإمامعليه‌السلام :

قل للوصي أقبلت قحطانها

فادع بها تكفيكها همدانها

ويقول زياد بن لبيد الأنصاري من جند الإمام وأصحابه :

كيف ترى الأنصار في يوم الكلب

إنّا أُناس لا نبالي من عطب

ولا نبالي في الوصيّ من غضب

وإنّما الأنصار جدّ لا لعب

ويقول حجر بن عدي الكنديرضي‌الله‌عنه :

يا ربّنا سلّم لنا عليّا

سلّم لنا المبارك المضيّا

المؤمن الموحّد التقيّا

لا خطل الرأي ولا غويّا

بل هادياً موفّقاً مهديّا

واحفظه ربّي واحفظ النبيّا

فيه فقد كان لنا وليّاً

ثمّ ارتضاه بعده وصيّا

ويقول خزيمة بن ثابت ذوالشهادتين :

يا وصيّ النبيّ قد أجلت الحرب

الأعادي وسارت الأظعان

وكذلك يقول خزيمة في يوم الجمل :

_________________

(١) العندم : خشب أو نبات يصبغ به ( هامش الأصل ) العندم : دم الأخوين وقيل هو الأيدع ( لسان العرب )


أعائش خلّي عن عليّ وعيبه

بما ليس فيه إنّما أنت والده

وصيّ رسول الله من دون أهله

وأنت على ما كان من ذاك شاهده

ويقول عبد الله بن بديل الورقاء :

يا قوم للحظة العظمى التي حدثت

حرب الوصي وما للحرب من آسي

ويقول عمر بن أحيحة يذكر ابن الزبير ويمدح المجتبىعليه‌السلام :

لست كابن الزبير لجلج في القول

وطأطأ عنان فسل(١) مريب

وأبى الله أن يقول بما قام

به ابن الوصيّ وابن النجيب

ويقول زحر بن قيس الجعفي :

أضربكم حتّى تقرّوا لعلي

خير قريش كلّها بعد النبي

من زانه الله وسمّاه الوصي

إنّ الوليّ حافظ ظهر الولي

وكذلك يقول :

فصلّى الإله على أحمد

رسول المليك تمام النعم

رسول المليك ومن بعده

خليفتنا القائم المدّعم

عليّاً عنيت وصيّ النبي

تجالد عنه غواة الأُمم

ويقول الأشعث بن قيس :

أتانا الرسول رسول الوصي

عليّ المهذّب من هاشم

وزير النبيّ وذي صهره

وخير البريّة والعالم

ونسب نصر بن مزاحم الأشعار التالية للإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام في كتاب صفّين :

يا عجباً لقد رأيت منكرا

كذباً من القول يشيب الشَّعَرا

ما كان يرضى أحمد لو أُخبرا

أن يقرنوا وصيّه والأبترا

_________________

(١) الفسل : الضعيف الذي لا مروءة له ولا جلد ( هامش الأصل )


شاني الرسول واللعين الأخزرا

إنّي إذا الموت دنى وحضرا

إلى آخر الأشعار وقول جرير بن عبد الله البجلي :

وصيّ رسول الله من دون أهله

وفارسه الحامي به يضرب المثل

ويقول نعمان بن العجلان الأنصاري :

كيف التفرّق والوصيّ إمامنا

وذروا معاوية الغويّ وتابعوا

دين الوصيّ لتحمدوه آجلا

         

ويقول المغيرة بن الحارث بن عبد المطّلب :

فيكم وصيّ رسول الله قائدكم

وصهره وكتاب الله قد نشرا

وقول عبد الله بن عبّاس بن عبد المطّلب رضي الله عنهم :

وصيّ رسول الله من دون أهله

وفارسه إن قيل هل من مُنازِل

ومن خلال تأمّل هذه الأشعار التي قالها كثير من الصحابة الذين يرى أهل السنّة والجماعة قول كلّ واحد منهم حجّة ، يقطع كلّ منصف صاحب دين أنّ الإمام يعرف في ذلك الزمان بصفة الوصاية عند كلّ أحد ، وسمعت قول ذلك المخذول الضبي القائل :

نحن بني ضبّة أعداء علي

ذاك الذي يُعرَف قدماً بالوصي

ونكتفي بهذا المقدار من أشعار العدو والولي المسلمّة التي ذكرتها في الكتاب

المطلب الثاني : في إثبات كون الإمام أمير المؤمنين سيّد الأوصياء

وهذا المعنى ثابت بعد إثبات الوصيّة لأنّ كلّ وصيّ يقتبس من نور موصيه ، ويستمدّ من روحانيّته الفيض الذي يحويه ، والقاعدة تقضي بأنّ المفيض إن كان أشرف كان المستفيض تبعاً له في أشرفيّته ، وكلّما كان المتبوع أعظم كان التابع أعظم أيضاً ، ولمّا كان فضل نبيّنا على الأنبياء ثابتاً كان وصيّه الذي يترسّم خطى


النبي بقدم الولاية أفضل الأوصياء كما يجب أن تعلم أنّ الوصيّ تارة يكون وصيّاً بلا واسطة وأُخرى مع الواسطة فإذا اعتبرناه وصيّاً بلا واسطة ومعنى ذلك أنّه المبلّغ عن النبيّ وحامل أسراره ومتبّع آثاره ومفيض أنواره وناشر أحكام شريعته المفروض على الآخرين الرجوع إليه والأخذ منه كما هو الظاهر في قيد عدم الواسطة وبهذه النظرة يكون أمير المؤمنين خاتم الأوصياء كما ثبت هذا اللقب له وفقاً للأخبار الكثيرة المرويّة من طرق الخاصّة والعامّة

وإذا اعتبرنا الوصي أعمّ من ذي الواسطة وعدمها يكون الحجّة المنتظر عجّل الله تعالى فرجه هو خاتم الأوصياء ولكنّ الاستعمال الأوّل أكثر شيوعاً في جدّه المرتضىعليه‌السلام ومن هذه الجهة كان جابر بن عبد الله الأنصاري إذا ذكر الإمام الباقرعليه‌السلام قال : حدّثني وصيّ الأوصياء(١)

وبالنظر إلى الاستعمال الثاني « سيّد الوصيّين » بمعنى أنّ على أوصياء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله الأخذ من جنابهعليه‌السلام

وإنّما بلغتهم ودايع النبوّة وبدايع الولاية بواسطة ذاته المقدّسة ومن وراثتهم مقامه المحمود بلغوا درجة الرئاسة الكلّيّة على ماسوى الله من هنا جاء في بعض الزيارات مخاطبة ( الإمام الحسين ) بقول القائل : « يا وصيّ أمير المؤمنين »(٢)

_________________

(١) ارشاد المفيد ٢ : ١٦٠ ونسخة المؤلّف : ٢٨٠ ، بحار الأنوار ٤٦ : ٢٨٦ ط بيروت ، مناقب ابن شهرآشوب ٢ : ٢٧٣ في إمامة أبي جعفر ، بحار الأنوار ٤٦ : ٢٨٦ ط بيروت

(٢) في زيارة الإمام الحسينعليه‌السلام : « السلام عليك يا وصيّ أمير المؤمنين » وفي زيارة العسكري : « السلام عليك يا بن الأولياء الراشدين » وفي زيارة صاحب الأمر : « السلام عليك يا وصيّ الأوصياء » وفي فرائد السمطين ١ : ٥٥ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : وأبوهما سيّد الوصيّين

يزيد بن ساباط قال : دخلت على أبي عبد اللهعليه‌السلام في مرضه الذي مات فيه ثمّ دعا موسى وعبد الله وإسحاق ومحمّداً وقال لهم : هذا وصيّ الأوصياء وعالم علم العلماء


ومجمل القول وردت روايات كثيرة عن أمير المؤمنينعليه‌السلام من طرق العامّة بتلقيبه بلقب سيّد الوصيّين وخير الوصيّين من هذه الحديث ما رأيته في اليقين من الروايات السبعة التي ذكرت الإمام بلقب خير الوصيّين وفيه خمس روايات ذكرت الإمامعليه‌السلام بلقب سيّد الوصيّين

وعندنا أخبار كثيرة وروايات وفيرة مبثوثة في تضاعيف كتب هذه الطائفة ومطاوي مؤلّفاتها يوجب ذكرها الخروج عن سياسة الاختصار(١) ومن أجل التيمّن بها نذكر الحديث أدناه من كتاب « مودّة القربى » تأليف السيّد مير علي الهمداني الذي يوصف بأنّه جامع الأنساب الثلاثة ، عن ابن عبّاس قال : دعاني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال لي : أُبشّرك إنّ الله تعالى أيّدني بسيّد الأوّلين والآخرين والوصيّين علي ، فجعله كفو ابنتي فإن أردت أن تنتفع به فاتّبعه

اللهمّ نقسم عليك بحقّ هذا الوجود المبارك السعيد أن توفّقنا لمتابعته وتنفعنا ببركته في الدنيا والآخرة

تنبيه :

اعلم أنّ عارفي أهل السنّة زوّروا كلاماً في المسألة يخدع العوام وفحواه أنّ وصاية عليّعليه‌السلام باطنيّة ولم يُعهد إليه الرياسة الظاهريّة لأنّ مقامه أرفع من أن يلي

_________________

الكافي : بالإسناد عن يونس بن يعقوب عن أبي عبد الله في حديث الشامي : إنّ الإسلام قبل الإيمان صدقت وأنا أشهد أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّداً رسول الله وأنّك وصيّ الأوصياء ورواه الطبرسي في الاحتجاج والطبرسي في إعلام الورى والمفيد في الإرشاد ( اثبات الهداة ٣ : ٧٨ الرقم ٧ ) ( هامش الأصل ) وجابر هو بن يزيد الجعفي لا الأنصاري ( المترجم ـ راجع الإرشاد ٢ : ١٦٠ )

(١) تجد تفصيلها في كتاب إحقاق الحقّ ٤ : ١٠٠ فراجعه إن شئت


ذلك ، وبهذا التقريب الباطل وهو من شبهات الشياطين صحّحوا خلافة خلفائهم(١)

نقل الميبدي عن الشيخ علاء الدين السمناني أنّه قال : الولاية علم الباطن والوراثة علم الظاهر ، والإمامة علم الباطن والظاهر ، والوصاية حفظ سلسلة الباطن ، والخلافة حفظ سلسلة الظاهر ، وكان عليّ بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وليّاً ووارثاً وإماماً ووصيّاً ولم يكن خليفة ولكنّه استخلف بعد عثمان ، تمّ كلامه

والحقّ يقال : إنّ على كلّ عاقل أن يشتدّ عجبه من استيلاء سلطان الضلالة على هؤلاء وغرز مخالب الشيطان فيهم ، وأن تبلغ به الحيرة كلّ مبلغ ، وإنّ من أعجب العجايب ان يظلّ امرئ حائز على علم الظاهر والباطن جليس داره وحلس بيته ثمّ يختار بضعة أفراد ممّن لا علم لهم ولا فهم ولا يعرفون موطئ قدمهم عن الشريعة والطريقة ولا يعلمون من ظواهر القرآن بمقدار ذرّة للرياسة الكلّيّة والخلافة الالهيّة ، سبحان الله !

وكيف يتسنّى لمن لا علم له الرياسة الظاهرة وهي حكومة على الأموال والنفوس والأعراض لعامّة الخلق ويكون مرجعاً لجميع الأحكام ومبنيّاً لتمام الوقائع لجميع الطبقات المختلفة والفرق المتفاوتة من أصناف البشر وأخلاط الزمر وهو فاقد للعلم والمعرفة وغير مُلِمّ بمراتب الأُمّة جميعها أقول : بأيّ وجه يتيسّر له ذلك ؟ ذلك هو الضلال المبين

وما قالوه من أنّ الرياسة الظاهريّة لا تناسب مقامه حيلة من وحي إبليس

_________________

(١) أقول : ما عثرت على هذا القول منسوباً إلى هؤلاء في كتاب غير شفاء الصدور وهم لا يرون الباطن من الإسلام فكيف يقولون به ، نعم ممّن اعترف بالوصيّة منهم قال : إنّما وصّاه على أهل بيته وليس على أُمّته ومن لم يعترف بالوصيّة منهم فلا يحتاج إلى أحد القولين بل فزع إلى الجحود والإنكار ورآه أقرب الطرق إلى السلامة من مقارعة حجج الشيعة وصدمات براهينهم ( المترجم )


شيطانيّة ، لأنّ غرض الأنبياء لم يكن الرياسة الظاهريّة لكن لمّا توقّف عليها هداية الخلق كافّة ونشر أحكام الدين وإجراء الحدود وإغاثة الملهوف وإعانة المظلوم والاقتصاص من الظالم وحفظ رتب الخلق وطبقاتهم ، وتوسعة أرزاق الفقراء وأخذ الوجوه الشرعيّة وأخيراً إقامة نظام معاش بني آدم الموجب لصلاح أهل العالم جميعاً لا يتمّ أبداً إلّا بهذه الرياسة الظاهريّة على الوجه الصحيح المطلوب للشرع مِن ثَمّ جعلها الله خاصّة بالأولياء والأنبياء

وإن عُدِم ذلك فإنّ المفاسد التي ما تزال من أوّل الدنيا إلى يومنا هذا تشاهد ويبلغ عنها تنشر في الأرض وتعمّ الفوضى ويستشري الظلم ، وهذا القدر كاف في توجيه عقول أهل الإنصاف


السَّلامُ عَلَيْكَ يا بن فاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ سَيِّدَةِ نِساءِ الْعالَمِينَ

الشرح : ينبغي على مذهب البصريّين أن يكون لفظ الزهراء مجروراً ، لأنّ الاسم واللقب كليهما مفردان وهو مختار ابن مالك ، والتحقيق في ذلك أنّ اللقب يجوز فيه الاتباع والقطع ، فقد روى الفرّاء أنّه سمع من العرب : « هذا يحيى عينان وقيس قفه » وقال الفصحاء : « عبد الله بن قيسٍ الرقيات » بتنوين قيس ، ونجم الأئمّة الرضيرضي‌الله‌عنه اختار هذا ، ونحن سلكنا هذا المسلك في منظومتنا الممزوجة بالألفيّة ، وبناءاً على هذا فإن لم يثبت الجرّ جازت الوجوه الثلاثة وشواهد ذلك في أخبار آل محمّد وهم الحجّة في ذلك كثيرة

وهذه العبارة تشتمل على ثلاثة أسماء من أسماء البتول المقدّسة :

الأوّل : « فاطمة » وقد رويت علّة تسميتها بهذا الاسم في العلل ومعاني الأخبار والعيون والأمالي وغيرها عن الأئمّة الأطهارعليهم‌السلام بأسانيد مختلفة وألفاظ متفاوتة ، ففي بعض هذه الروايات « لأنّها فُطِمت هي وشيعتها من النار(١)

وفي بعضها : لأنّ الله فطم من أحبّها من النار(٢)

وفي بعضها : أتدري أيّ شيء تفسير فاطمة ؟ قلت : أخبرني يا سيّدي قال : فطمت من الشرّ(٣)

وفي بعضها : إنّي فطمتك بالعلم وفطمتك عن الطمث(٤)

_________________

(١) بحار الأنوار ٤٣ : ١٢ رقم ٣ ط طهران

(٢) نفسه ٤٣ : ١٢ ط طهران ( هامش الأصل )

(٣) بحار الأنوار ٤٣ : ١٠ ( المترجم )

(٤) نفسه ٤٣ : ١٣ ( المترجم )


وفي بعضها : سمّيتني فاطمة وفطمت بي من تولّاني وتولّى ذرّيّتي من النار(١)

ويذكر هذا في وجه المناسبة وجميع هذه الأخبار مذكورة في العلل ، الأوّل في العيون ، والثاني في المعاني ، والثالث في البحار عن الأمالي(٢)

وتوجد هذه الرواية في كتب أهل السنّة أيضاً بعبارة قريبة من الروايات المذكورة ، ففي ذخائر العقبى لمحبّ الدين الطبري رواها بثلاثة طرق ، وفي مودّة القربى والينابيع مرويّة أيضاً ، وفي سائر كتبهم وليس مقامنا مقام الاستقصاء هنا

وورد في هذه الأخبار إشكال ذكره العلماء وملخّصه : إنّ لفظ فاطمة اسم فاعل ومعناه فعل الفطام من اللبان ومقتضى الأخبار الآنفة أن يكون اسمها « مفطومة » لا فاطمة وأُجيب على هذا السؤال بعدّة أجوبة :

الأوّل : إنّه اسم فاعل بمعنى المفعول ، مثل ماء دافق و( عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ ) (٣) وهذا غاية في البعد ، لأنّ في الأمثلة المذكورة يحمل على المجاز الإسنادي كما ذكره علماء البيان وغالباً ما يتبادر إلى أذهان النحاة السطحيّين الذين لم يدركوا لباب لطايف العربيّة وصفو بدايع الكلام هذا المعنى

الثاني : أنّ فعل « فطم » لازم ومتعدّي وهذا الاحتمال ذكره الفاضل المجلسيقدس‌سره مع ذكره الاحتمال الأوّل ، وهذا الاحتمال استظهره من عبارة القاموس حيث قال : أفطم السخلة حان أن تفطم فإذا فطمت فهي فاطم ومفطومة وفطيم(٤) ، انتهى

ودلالة هذه العبارة على الاستعمال على وجه اللزوم ممنوعة بل يدلّ ظاهره ـ إن صحّ النقل ـ على صحّة الاحتمال الأوّل مثل « سرّ كاتم » و « مكان عامر » الذي

_________________

(١) بحار الأنوار ٨ : ٥٠ ( المترجم )

(٢) بحار الأنوار ٤٣ : ١٢ ط طهران ، وإحقاق الحق ١٠ : ١٦ ـ ٢٤ نقل هذه الأحاديث بالتفصيل

(٣) الحاقّة : ٢١

(٤) القاموس ١ : ١٤٧٨ نشر المكتبة العلميّة بيروت ( المترجم )


اعتبره قصار النظر من النحاة فاعلاً بمعنى المفعول ، وبناءاً على مذهب التحقيق أنّ كلّ واحد من الأمثلة المتقدّمة باقٍ على معناه من اسم الفاعليّة ، مثلاً قول القائل « سرّ كاتم » لم يتغيّر من اسم الفاعل لأنّ معناه السرّ الذي يحمل في ذاته قوّة كتمانه كأنّما هو الكاتم ، وكذلك « السخلة فاطم » لأنّها ببعدها عن أُمّها كانت تبعد نفسها عن الرضاع بنفسها فسمّيت فاطماً لهذا الغرض

ويبعد هذا الاحتمال أنّ أحداً من النحاة لم يعتبر التعدّي واللزوم ضربة لازم للفعل ، وطريقة صاحب القاموس أن يقول عنه « لازم متعدٍ » أو « يتعدّى ويلزم » ولم يقل بلزوم هذه القاعدة له

مضافاً إلى أنّ من الأحاديث ما يخالف هذا الاحتمال وما قبله تنصيصاً وتصريحاً ، كما ورد في عل الشرايع عن عبد الله المحض(١) قال : قال لي أبوالحسن(٢) : لم سمّيت فاطمة فاطمة ؟ قلت : فرقاً بينه وبين الأسماء قال : إنّ ذلك لمن الأسماء ولكنّ الاسم الذي سمّيت به أنّ الله تبارك وتعالى علم ما كان قبل كونه فعلم أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يتزوّج في الأحياء وأنّهم يطمعون في وراثة هذا الأمر فيهم من قبله فلمّا ولدت فاطمة سمّاها الله تبارك وتعالى فاطمة لما أخرج منها وجعل في ولدها فقطعه عمّا طمعوا ، فبهذا سمّيت فاطمة ، لأنّها فطمت طمعهم ، ومعنى فطمت قطعت(٣)

وهذا الحديث ينصّ على أنّ لفظ فاطمة اسم فاعل متعدّ وهو وإن اختلفت وجوه حمله إلّا أنّ الجمع بينها ممكن فيكون بمعنى انقطاع الطمث ، وبمعنى منع

_________________

(١) عبد الله المحض : عبد الله بن الحسن بن الحسن راجع العلل والبحار ( هامش الأصل )

(٢) الظاهر إنّه الإمام زين العابدينعليه‌السلام

(٣) علل الشرايع : ١٧٨ باب ١٤٢ مكتبة الحيدريّة في النجف ، بحار الأنوار ٤٣ : ١٣ رقم ٧ ( هامش الأصل ) وجرى تطبيقه ( المترجم )


الشيعة من النار ، ومنع ذرّيّتها ، وبمعنى قطع طمع من يطمع بوراثة النبي وخلافته أمّا إذا حملنا اللفظ على اسم المفعول أو جعلناه لازماً لا متعدّ فينبغي استبعاد هذا الخبر وطرحه

تنبيه :

عبارة هذا الحديث كما رأيتها مشتملة على سؤال وجواب ، المجيب هو أبوالحسن ، وبيان هذا الوجه للتسمية منه ولكن المؤرّخ المعاصر صاحب « ناسخ التواريخ » نسب السؤال والجواب كليهما إلى عبد الله المحض ولكن سياق الحديث ونظمه يدلّان على تعدّد السائل والمجيب ، لأنّه أخطأ أوّلاً في فهم الجواب وزعم أنّ هذا الاسم لم يسبق إليه من قبل ولكن الإمام قال : إنّه من الأسماء ثمّ أخذ في تبيين علّة هذه التسمية ، وسياق كتاب العلل والبحار كما نقلناه نحن إلّا أنّ في ناسخ التواريخ جاء مكان « قال » لفظ « قلت » والظاهر أنّ خطأ الناسخ وقلّة التدبّر جرّ إلى هذا الخلط وهذا هيّن في جنب ما لهذا الكتاب من جلالة وعظمة ومنفعة كبرى ، شكر الله سعيه وأحسن سقيه ورعيه

الوجه الثالث : هو أنّ الله تعالى لمّا رفع العذاب في جهنّم عن الشيعة ببركة هذا الوجود الشريف فكانت الصدّيقة سبباً لهذه النعمة العظيمة لذلك سمّيت فاطمة من قبيل نسبة الفعل إلى السبب ، فسمّيت فاطمةعليها‌السلام ، ومؤيّد هذا المعنى الحديث المارّ « فطمت من تولّاني » حيث صرّحت بسببيّتها في نجواها مع الخالق سبحانه ، بل بيّنت الظاهر من وجه التسمية حيث سبقها قولها « سمّيتني فاطمة » حيث يدرك ذلك المتأمّل الذي من دأبه استفادة المعاني من الألفاظ ويصدّق به

الاسم الثاني : الزهراء

ذكر في العلل لهذه التسمية جهتين :


الأُولى : عن الإمام الصادقعليها‌السلام : عن جابر عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : قلت له : لم سمّيت فاطمة الزهراء زهراء ؟ فقال : لأنّ الله عزّ وجلّ خلقها من نور عظمته فلمّا أشرقت أضاءت السماوات والأرض بنورها وغشيت أبصار الملائكة وخرّت الملائكة ساجدين ، قالوا : الهنا وسيّدنا ما لهذا النور ؟ فأوحى الله إليهم : هذا نور من نوري أسكنته في سمائي خلقته من عظمتي أخرجه من صلب أنبيائي أُفضّله على جميع الأنبياء وأُخرج من ذلك النور أئمّة يقومون بأمري ، يهدون إلى حقّي وأجعلهم خلفائي في أرضي بعد انقضاء وحيي(١)

والثاني : برواية أبان بن تغلب قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : يا بن رسول الله ، لم سمّيت الزهراءعليها‌السلام زهراء ؟ فقال : لأنّها تزهر لأمير المؤمنينعليه‌السلام في النهار ثلاث مرّات بالنور : كان يزهر نور وجهها صلاة الغداة والناس في فرشهم فيدخل بياض ذلك النور إلى حجراتهم بالمدينة فتبيّض حيطانهم فيعجبون من ذلك فيأتون النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فيسألونه عمّا رأوا فيرسلهم إلى منزل فاطمةعليها‌السلام فيأتون منزلها فيرونها قاعدة في محرابها تصلّي والنور يسطع من محرابها من وجهها فيعلمون أنّ الذي رأوه كان من نور فاطمة

فإذا نصف النهار وترتّبت للصلاة زهر وجههاعليها‌السلام بالصفرة فتدخل الصفرة حجرات الناس فتصفرّ ثيابهم وألوانهم فيأتون النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فيسألونه عمّا رأوا فيرسلهم إلى منزل فاطمةعليها‌السلام فيرونها قائمة في محرابها وقد زهر نور وجههاعليها‌السلام بالصلاة فيعلون أنّ الذي رأوه كان من نور وجهها

فإذا كان آخر النهار وغربت الشمس احمرّ وجه فاطمةعليها‌السلام فأشرق وجهها بالحمرة فرحاً وشكراً لله عزّ وجلّ فكان يدخل حمرة وجهها حجرات القوم

_________________

(١) الصدوق ، علل الشرايع ١ : ١٧٩ ( المترجم ) بحار الأنوار ٤٣ : ١٢ ( هامش الأصل )


وتحمرّ حيطانهم فيعجبون من ذلك ويأتون النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ويسألونه عن ذلك فيرسلهم إلى منزل فاطمة فيرونها جالسة تسبّح الله وتمجّده ونور وجهها يزهر بالحمرة فيعلمون أنّ الذي رأوا كان من نور وجه فاطمةعليها‌السلام ، فلم يزل ذلك النور في وجهها حتّى ولد الحسينعليه‌السلام فهو يتقلّب في وجوهنا إلى يوم القيامة في الأئمّة منّا أهل البيت ، إمام بعد إمام(١)

وهذا مختصر مضمون الحديث المروي في علل الشرايع(٢)

وقريب من هذه الرواية ما رواه البحار عن المناقب عن أبي هاشم العسكري إنّه قال : سألت صاحب العسكرعليه‌السلام : لم سمّيت فاطمة الزهراءعليها‌السلام ؟ فقال : كان وجهها يزهر لأمير المؤمنينعليه‌السلام من أوّل النهار كالشمس الضاحية وعند الزوال كالقمر المنير وعند غروب الشمس كالكوكب الدرّيّ(٣)

ونقل هذه العبارة في المناقب بعد العبارة ( غريبين ) التي ذكرها في وجه تسمية البتول ، واشتبهت الحال على المؤرّخ المعاصر فأسقط اسم « أبو هاشم » راوي الحديث وروى الحديث عن الغريبين بلا واسطة وقال : حكى عبيد الهروي في الغريبين قال : سألت « صاحب العسكر » وهذا الخطأ غاية في الغرابة من عدّة جهات ، وأهل هذه الصناعة يعرفون ذلك وما من حاجة إلى البيان(٤)

_________________

(١) علل الشرايع ١ : ١٧٩ ( المترجم ) علل الشرايع : ١٨٠ باب ١٤٣ ، بحار الأنوار ٤٣ : ١١ رقم ٢ ( هامش الأصل )

(٢) اختصره المؤلّف ورويناه بطوله ( المترجم )

(٣) بحار الأنوار ٤٢ : ١٣٥ باب ١٢٢ أحوال رشيد الهجري وميثم ( المترجم ) بحار الأنوار ٤٣ : ١٦ ( هامش الأصل )

(٤) أوّلاً : اسم الهروي أحمد بن محمّد وكنيته أبو عبيد وليس اسمه عبيداً ثانياً : توفّي الهروي عام عشر بعد الأربعمائة من الهجرة النبويّة وبين وفاته ووفات الإمام العسكريعليه‌السلام مائة وخمسون عاماً فكيف يروي


الاسم الثالث : سيّدة نساء العالمين

وفي الأخبار المتواترة عن أهل بيت العصمة والطهارة أنّ هذا اللقب الشريف ثابت لها بل صار ذلك من ضروريّات مذهب الشيعة واعترف بثبوت هذا اللقب لها كثير من علماء أهل السنّة والجماعة مثل الفخر الرازي والسعد التفتازاني في ( المقاصد ) و ( شرح المقاصد ) و ( شرح العقائد ) والشريف الجرجاني في شرح المواقف وعمر النسفي في العقائد ، ومحمّد بن يعقوب الفيروزآبادي ، ومحبّ الدين الطبري ، والفضل بن روزبهان الاصفهاني وشمس الدين يوسف ابن الجوزي ، وكمال الدين محمّد بن طلحة وابن أبي الحديد وغيرهم

ولمّا نشب الخلاف بين علماء السنّة مع وجود هذه التصريحات حول من هي الأفضل ؟ وجاء في رسالة الشيخ محمّد الصبّان أنّ الأقرب عند الكثير تفضيل مريم على نساء العالمين ثمّ خديجة ثمّ فاطمة ثمّ عائشة ، وجماعة على تفضيل عائشة(١)

وحكي عن الأشعري التوقّف(٢) ونقل عن شيخ إسلامهم ابن حجر المتقدّم العسقلاني في شرح البهجة التفضيل من جهات فعايشة من جهة العلم أفضل وخديجة من جهة السبق إلى الإسلام وإعانة الرسول ، وفاطمة من جهة القرابة وكونها بضعة النبي ، ومريم من جهة الاختلاف في نبوّتها وهذا القول باطل جملة

_________________

عنه ؟ ثالثاً : لم يعدّه أحد من أهل الشيعة ولا أهل السنّة من أصحاب الإمام العسكري رابعاً : أسقط لفظ أبو هاشم وهو كنية داود بن القاسم الجعفري وهو من أجلّة أصحاب الجواد والهادي والعسكري والمنتظرعليهم‌السلام الثقات خامساً : لم يعزُ الرواية إلى ابن شهرآشوب ورواها بنحو الاستقلال والظاهر أنّها بنحو الوجادة ( منهرحمه‌الله )

(١) إنّما فضّلوها لشديد بغضها لعليّ وأهل بيته وأنا اليوم على استعداد لإثبات كفر عائشة بالأرقام أمّا نفاقها فثابت لا شكّ فيه لقول النبيّ لعليّعليهما‌السلام : لا يبغضك مؤمن ولا يحبّك منافق ، وكانت عائشة تبغضه في حياة النبيّ وبعد وفاته فكيف صارت أفضل وصدّيقة ؟ ( المترجم )

(٢) لعنه الله ولعن دينه


لمخالفته للنصوص الثابتة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وعترته الأطهار(١)

لأنّ اتفاق علماء الشيعة حاصل بأنّه ما من امرأة عند الله أقرب منزلة من فاطمةعليها‌السلام بل يستفاد من الأخبار أنّهاعليها‌السلام أفضل من جميع الأنبياء والمرسلين حتّى أُولي العزم(٢) بل فضّلها بعض العلماء على الحسن والحسين وسائر الأئمّةعليهم‌السلام ولمّا كان قانون المناظرة يقتضي أن تحتجّ على الخصم بكتبه لذلك نحن نستمدّ العون من سيّدتناعليها‌السلام ونورد قسماً من الأخبار الصحيحة الموثّقة من كتب أهل السنّة والجماعة بعون الله تعالى الدالّة على أنّ فاطمة سيّدة نساء العالمين وأنّ جميع نساء العالمين دونها بالرتبة

الخبر الأوّل : محمّد بن إسماعيل البخاري في الجامع الصحيح يقول : قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة(٣)

وهذه الرواية وإن كانت مرسلة ولكن لورودها في كتاب البخاري تعتبر صحيحة عند أهل السنّة لأنّه أجمعوا على تصحيح ما رواه البخاري في جامعه وإن رواه الضعفاء أو كان مرسلاً كما صرّح ابن خلدون بذلك في مقدّمته

وهذا الحديث مرويّ في البحار عن مناقب ابن شهرآشوب ورواه مسلم في الصحيح وأبو السعادات في فضائل العشرة وأبو بكر بن شيبة في الأمالي والديلمي في الفردوس(٤)

_________________

(١) ينبغي ألَّا يوثق بكلّ نقل فقد ثبت ابن حجر العسقلاني قوله : فاطمة أفضل من خديجة وعائشة بالإجماع ثمّ خديجة ثمّ عائشة راجع القاضي عبدالنبي الأحمدنگري (جامع العلوم ١ : ٩ ) ( المترجم )

(٢) وهذا ما ذهب إليه مولانا الأميني في محاضراته التي ترجمناها إلى العربيّة بعنوان ( فاطمة أُمّ أبيها ) وينبغي للمؤلّف أن يستثني من أُولي العزم والدهاصلى‌الله‌عليه‌وآله ويستثني من بقيّة الناس بعلهاعليها‌السلام ( المترجم )

(٣) صحيح البخاري ٥ : ٢٠ ـ ٢١ ط المنيريّة سيّدة نساء المؤمنين أو نساء هذه الأُمّة ، رقم ٦٠٤٩ ( المترجم )

(٤) بحار الأنوار ٤٣ : ٣٧ وإحقاق الحق ١٠ : ٦٩ ـ ٩٩ ( هامش الأصل )


الخبر الثاني : رواه مسلم بن الحجّاج القشيري النيسابوري في صحيحه بسندين وأحمد بن شعيب النسائي في الخصائص عن عائشة أنّ فاطمةعليها‌السلام قالت : قال لها النبيّ : أما ترضين أن تكوني سيّدة نساء المؤمنين أو سيّدة نساء الأُمّة(١)

والظاهر أنّ الترديد من الراوي ومهما كانت ألفاظ الرواية فإنّها تدلّ على فضل الزهراء على مريمعليها‌السلام فإن كان اللفظ « المؤمنين » فمريم داخلة في هذا المفهوم ويشملها بنفسه إلّا أن يدّعىٰ أنّ اللفظ ينصرف إلى مؤمني هذه الأُمّة وهنا يمنع من دخول مريم فيهم ، وإن قصد بالنساء نساء هذه الأُمّة فإنّها بمعونة الروايات المرويّة في هذا الجامع يكون بالإمكان إثبات مطلوبنا وعلى كلا الحالتين فقد روي في باب فضائل الخديجة عن أمير المؤمنين أنّه قال : سمعت رسول الله قال : خير نساءها مريم ابنة عمران وخير نسائها خديجة بنت خويلد وهذه الرواية رواها بأربعة أسانيد بمعنى أنّه كرّر « حا » الذي هو في اصطلاح المحدّثين علامة على التحويل ( ويسمّونه حاء التحويل ) ثلاث مرّات وفي إحدى الطرق رواية أبي كريب عن وكيع ، ولهذا يقول بعد نقل الحديث : إنّ وكيع أشار وهو يروي الرواية إلى السماء والأرض أي : إنّ مرجع الضمير « ها » في « نسائها » عيّنه وكيع وهو الدنيا كلّها وهذا اللون من الإشارات رائج عند العرب

ويفهم من هذا الحديث المروي في صحيح مسلم المتكرّر الإسناد مرتبة مريم وخديجة من طريق أهل السنّة ، ولا شكّ بأنّ سيّدتنا خديجةعليها‌السلام من نساء هذه الأُمّة وفاطمة بحكم الحديث المذكور سيّدة نساء هذه الأُمّة ولازمه أن تكون أفضل من مريم أيضاً لأنّ من فضل أحد المتساويين فضل الآخر بالملازمة وعلى

_________________

(١) صحيح مسلم ٧ : ١٤٢ ط محمّد صبيحي بمصر ، وإحقاق الحقّ ١٠ : ١٠٦ أحاديث ( هامش الأصل ) وجرى تطبيقه في صحيح مسلم رقم ٦٢٦٠ ( المترجم )


هذا ففاطمةعليها‌السلام سيّدة نساء العالمين بمقتضى الحديث الذي رواه مسلم وهو صحيح متفق عليه عند أهل السنّة والجماعة وهذا البيان من غنائم هذا الشرح ، والحمد لله على وضوح الحجّة

الخبر الثالث : نقل عزّالدين أبو الحسن عليّ بن محمّد بن عبد الكريم بن الأثير الجزري في أسد الغابة في ذيل رواية مفصّلة ينتهي سندها بمسروق عن عائشة أنّ فاطمةعليها‌السلام أخبرتها عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال لها : « ألا ترضين أن تكوني سيّدة نساء العالمين ؟ »

ثمّ نقل ذلك عن أبي صالح أنّه قال : رواه البخاري في الصحيح عن أبي نعيم وهذا من غريب الصحيح فإنّ زكريّا روى عن الشعبي أحاديث في الصحيحين وهذا يرويه عن فراس عن الشعبي(١)

الحديث الرابع : روى الترمذي في صحيحه عن حذيفة أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : أما رأيت العارض عرض لي قبل ذلك ، هو ملك من الملائكة لم يهبط إلى الأرض قطّ قبل هذه الليلة استأذن ربّه أن يسلّم عليّ ويبشّرني أنّ الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة وأنّ فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة(٢) (٣)

الخبر الخامس : نقل أحمد بن شعيب النسائي في كتاب الخصائص عن عائشة بأنّها روت عن فاطمةعليها‌السلام أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لها : يا فاطمة ، أما ترضين أن تكوني سيّدة نساء هذه الأُمّة وسيّدة نساء العالمين(٤)

_________________

(١) أُسد الغابة ٥ : ٥٢٢ ط مصر ، وإحقاق الحقّ ١٠ : ٢٧ ( هامش الأصل )

(٢) صحيح الترمذي ٣ : ١٩٧ ط الصاوي بمصر ، وإحقاق الحقّ ١٠ : ٦٩ أحاديث ٢ ، الخصائص : ٤٣ ط التقدم بمصر ، إحقاق الحقّ ١٠ : ١٠٨ ( هامش الأصل )

(٣) الترمذي ٥ : ٣٢٦ بسياق يختلف عن سياق المؤلّف ( المترجم )

(٤) الخصائص : ٤٣ ط التقدّم بمصر ، إحقاق الحقّ ١٠ : ١٠٨ ( هامش الأصل )


قال في الصواعق : أخرجه أحمد والنسائي وابن حبّان

الخبر السادس : أحمد بن عبد الله بن محمّد أبوالعبّاس محبّ الدين الطبري المكّي إمام أهل السنّة روى في ذخائر العقبى عن أُمّ سلمة(١) أنّها روت عن فاطمة الزهراءعليها‌السلام أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لها : أما ترضين أن تأتي يوم القيامة سيّدة نساء العالمين أو نساء أهل الجنّة(٢)

ولمّا وردت هذه الأخبار بسياقات مختلفة من طريق البخاري ومسلم والترمذي والدولابي وغيرهم ممّا احتمل تعدّد الواقعة ليجمع بينها وهذا وجه وجيه كما عمل ابن حجر في باب أخبار الكساء فقد احتمل تعدّد الخبر عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وقال : إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله جمعهم مرّات تحت الكساء وقرأ عليهم آية

_________________

(١) وصفه السيوطي في طبقات الشافعيّة بالإمام المحدّثي فقيه الحرم شيخ الشافعيّة محدّث الحجاز وقال عنه الصفدي في الوافي بالوفيات : شيخ الحرم الفقيه الزاهد المحدّث ولقّبه عبدالوهّاب بن السبكي في طبقات الشافعيّة بشيخ الحرم وحافظ الحجاز بلا مدافع وقال الأسنوي في طبقات الشافعيّة : شيخ الحجاز ، كان عالماً عاملاً جليل القدر عالماً بالآثار والفقه وأورد الذهبي في كتاب العبر ودول الإسلام وتذكرة الحفّاظ والمعجم بأنّه الإمام المحدّث المفتي فقيه الحرم مصنّف الأحكام ، كان عالماً عاملاً جليل القدر عارفاً بالآثار ومن نظر في أحكامه عرف محلّه من العلم والفقه ، عاش ثمانين سنة ، مات سنة أربع وتسعين وستمائة ، وإذا أردت أن تحيط علماً بما قيل فيه من كلمات المدح فعليك بالرجوع إلى كتاب عبقات الأنوار تصنيف السيّد الجليل المحدّث العالم نادرة الفرك وحسنة الهند ومفخرة لكهنو وغرّة العصر خاتم المتكلّمين المولوي الأمير حامد حسين المعاصر الهندي الكهنوي قدّس سرّه وضوعف برّه ، وإنّي أُدين الله بأنّه منذ تأسيس علم الكلام إلى هذا اليوم حيث أكتب هذا المختصر ، لم يؤلّف كتاب في مذهب الشيعة مثل هذا الكتاب المبارك من حيث اتفاق النقل وكثرة الاطّلاع على كلمات الأعداء والإحاطة بالروايات الواردة من طرق الخصوم في باب الفضائل إلى آخر ما جاء فيها فجزاه الله عن آبائه خير جزاء ولد عن والده ووفّق خلفه الصالح لإتمام هذا الخبر الناجح وما نقلناه نحن في هذا المقام من التعريف بالمحبّ الطبري إنّما هو اختصار وجيز ممّا ورد في ذلك الكتاب

(٢) ذخائر العقبى : ٤٢ ط مكتبة القدسي بمصر ( هامش الأصل )


التطهير(١) كما فعل في حديث التمسّك بالثقلين فقد قال : رواه عن النبي عشرون ونيّف من الصحابة سمعوه منه في مواضع مختلفة

الخبر السابع : روى في البحار عن مناقب ابن شهرآشوب وهو من أجلّة علماء الإماميّة وقد أثنى عليه علماء أهل السنّة والجماعة ثناءاً بليغاً وقد اعترفوا بوثاقته وتقواه ، كما نقل السيّد الجليل المعاصر الهندي عن الوافي بالوفيات للصلاح الصفدي أنّه قال : محمّد بن علي بن شهرآشوب أحد شيوخ الشيعة ، حفظ أكثر القرآن وله ثماني سنين ، كان يرحل إليه من البلاد ، وكان صدوق اللهجة ، مليح المحاورة ، واسع العلم ، كثير الخشوع والعبادة والتهجّد ، لا يكون إلّا على وضوء ، أثنى عليه ابن أبي طي كثيراً ونقل عن صاحب القاموس في البلغة أنّه اعترف بسعة علمه وكثرة عبادته ودوام وضوئه ، وكذلك اعترف السيوطي بهذه الفضائل وأضاف إليها : كثرة الخشوع

وفي طبقات المفسّرين نقل شمس الدين محمّد بن علي المالكي تلميذ جلال الدين السيوطي : اشتغل بالحديث ولقي الرجال وتفقّه فبلغ النهاية حتّى صار رحلة وتقدّم في علم القرآن والتفسير النحو وكان إمام عصره وواحد دهره وهو عند الشيعة كالخطيب البغدادي ، واسع العلم كثير الفنون ، انتهت عبايرهم ملخّصة محذوفة الأكثر

والسرّ في إسهابنا في نعت ابن شهرآشوب من كتب أهل السنّة والجماعة لكي لا يتّهم في نقله وإن كنت أنقل من بحار الأنوار في هذا الكتاب ، ولكن المناقب كثيرة الصدور واسعة الانتشار والحمد لله والكتب التي ينقل منها موجودة أيضاً والمفقود منها قليل

_________________

(١)( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا )


ومجمل القول أنّ الشيخ في المناقب ينقل عن الخطيب البغدادي وقال : تاريخ بغداد عن الخطيب عن حميد الطويل عن أنس قال : قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : خير نساء العالمين مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمّد وآسية امرأة فرعون ثمّ إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فضّلها على سائر نساء العالمين في الدنيا والآخرة(١)

وروت عائشة وغيرها عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال : يا فاطمة ، إنّ الله اصطفاك على نساء العالمين وعلى نساء الإسلام وهو خير دين(٢)

أقول : يستفاد من هذا الحديث إذا كانت امرأة أفضل نساء هذه الأُمّة فلازم ذلك أن تكون أفضل نساء سائر الأُمم وبناءاً على هذا تشهد الأخبار المرويّة في صحيح مسلم وصحيح الترمذي وخصائص النسائي وغيرها من الكتب المعتمدة لأهل السنّة والجماعة التي أطلقت على سيّدتنا الصدّيقة لقب « سيّدة نساء الأُمّة » والآن لك أن تراجع وتتأمّل وتشكر النعمة عليك حيث حفظ فضل أهل البيت فلم يستطع أحد إهداره ، ولقد بذل العدوّ غاية الجهد لكي يكتم فضلهم فما استطاع ومع عظيم سعيه في ذلك فقد وصل إلينا من فضلهم ما يكفي لإقراره ونشره ، وحالفنا التوفيق في ذلك ، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ، والحمد لله كلّما حمده الحامدون

الخبر الثامن : بحار الأنوار عن المناقب عن حلية أبي نعيم عن جابر بن سمرة عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال في حقّ فاطمةعليها‌السلام : أمّا إنّها سيّدة النساء يوم القيامة(٣)

_________________

(١) في تاريخ بغداد روايتان عن حميد الطويل وينتهي بالسند إلى أنس والثانية عن ثابت عن أنس وليس فيهما زيادة في الدنيا والآخرة راجع : ٧ : ١٩٤ و ٩ : ٤١١ ط بيروت دار الكتب العلميّة ، الأُولى ١٤١٧ ( المترجم )

(٢) بحار الأنوار ٤٣ : ٣٦ ( هامش الأصل )

(٣) بحار الأنوار ٤٣ : ٣٧ ( هامش الأصل )


الخبر التاسع : البحار عن المناقب عن تاريخ البلاذري وهو من أكابر مؤرّخي علماء السنّة والجماعة أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لها : أما ترضين أن تكوني سيّدة نساء أهل الجنّة(١)

الخبر العاشر : مير سيّد علي الهمداني الذي يدعوه السنيّون « عليّاً الثاني » قال في كتاب « مودّة القربى » : عن فاطمةعليها‌السلام قالت : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : أما ترضين أن تكوني سيّدة نساء العالمين أو نساء أُمّتي(٢)

وهذا الحديث يختلف عن حديث الخصائص اختلافاً ظاهراً لأنّ في الأوّل ( سيّدة نساء هذه الأُمّة ) مقدّم على جملة ( سيّدة نساء العالمين ) وفي هذا الحديث وردت جملة ( او نساء أُمّتي ) بحذف سيّدة وإضافة لفظ « أُمّة » وحذف لفظ « هذه » وهذه الجملة متأخّرة وهي مشعرة بتعدد الحديث

وهذا مجموع الأخبار العشرة التي استخرجناها من صحاحهم المعتمدة لديهم وما كنّا ننوي الاستيفاء ولقد صرّح ابن أبي الحديد بتواتر خبر « فاطمة سيّدة نساء العالمين » والحمد لله على وضوح الحجّة

هذا وإن كانت هناك أخبار غيرها من طريق العامّة ولكنّها تستثني مريم بنت عمران ، ولمّا كانت الأخبار المتقدّمة تتفق مع أخبار الإماميّة المنقولة عن أهل بيت الرسالة صلّى الله عليهم وهم معادن العلم ومخازن الوحي مِن ثَمّ كانت لدينا أرجح وهي مقدّمة على ما سواها ، وينبغي أن يهمل من الأخبار ما يعارضها ونحن وإن ألمعنا من قبل إلى أنّ إجماع الإماميّة قائم على أنّ فاطمة سيّدة نساء العالمين

_________________

(١) نفسه ٤٣ : ٣٧ ( هامش الأصل )

(٢) مودّة القربى : ٢٦٠ ط بصيرتي ، وفرائد السمطين ١ : ٥٥ ط بيروت قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : وأُمّهما سيّدة نساء العالمين ( هامش الأصل )


والأخبار حول المعنى لا تُعدّ ولا تحصى ولكنّنا نضع بين يدي هذا البحث حديثاً مباركاً جاء في أمالي الصدوقرضي‌الله‌عنه عن الحسن بن زياد العطّار وهو كما يلي ، يقول :

قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة ، أسيّدة نساء عالمها ؟ قال : تيك مريم وفاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة من الأوّلين والآخرين ( فقال : فقول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة ؟ قال : هما والله سيّدا شباب أهل الجنّة من الأوّلين والآخرين )(١) وروى نفس الحديث في البحار عن المناقب ولكنّه رواه مرسلاً(٢)

والانصاف أنّ كلّ مسلم يجب عليه أن يمعن التفكير في مريم وفاطمةعليهما‌السلام فهل لمريم أب كالمصطفى وبعل كالمرتضى وشبل كالحسن المجتبى والحسين سيّد الشهداء ؟

وممّا لا شكّ فيه أنّ فاطمة أحبّ إلى رسول الله من مريم ومأة مثل مريم ، وإذا أمعنت النظر في فضائلها وعلمت أنّ النبيّ كان يكثر من شمّها وتقبيلها وكان إذا أراد سفراً فإنّ آخر من يودّعه فاطمة ، وفي كلّ ليلة لا يغمض له جفن إذا لم يقبّل وجهها وكان يقوم لمقدمها ويجلس أعلى المجلس حتّى اعترضت عائشة على ذلك مراراً ، وقالت : لم تفعل هذا ؟! فيقول لها : إنّي أشمّ رائحة الجنّة وكثيراً ما كان يقول : فاطمة بضعة منّي ، وفاطمة روحي التي بين جنبي ، وفاطمة فؤادي وقلبي ، وغيرها من الفضائل التي لا تنفد بمرور السنين والأعوام ، فإذا راجعت ما تقدّم بتمعّن وتدبّر علمت أنّ فاطمةعليها‌السلام أفضل خلق الله حتّى لأنبياء والمرسلين ، لأنّ

_________________

(١) بحار الأنوار ٤٣ : ٢١ ح ١٠ ( هامش الأصل والمترجم ، والزيادة بين قوسين من المترجم )

(٢) بحار الأنوار ٤٣ : ٣٧ رقم ٤٠ ( هامش الأصل )


النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أفضلهم جميعاً وللجزء حكم الكلّ(١)

أُمّ من بنت من حليلة من

ويل من سنّ ظلمها وأذاها

õ õ õ

_________________

(١) كفى في سموّ شأن الزهراء سلام الله عليها كلام خالقها : « لولا فاطمة لما خلقتكما » روي عن الشيخ إبراهيم بن الحسن الذرّاق عن الشيخ علي بن هلال الجزائري ، عن الشيخ أحمد بن فهد الحلّي ، عن الشيخ زين العبادين عليّ بن الحسن الخازن الحائري ، عن الشيخ أبي عبد الله محمّد بن كّي الشهيد بطرقه المتصلة إلى أبي جعفر محمّد بن عليّ بن موسى بن بابويه القمّي بطريقه إلى جابر بن يزيد الجعفي عن جابر بن عبد الله الأنصاري عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عن الله تبارك وتعالى أنّه قال : يا أحمد ، لولاك لما خلقت الأفلاك ، ولولا عليّ لما خلقتك ، ولولا فاطمة لما خلقتكما ثمّ قال جابر : هذا من الأسرار التي أمرنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بكتمانه إلّا من أهله الجنّة العاصمة لميرجهاني : ١٤٩ نقلاً عن كشف اللئالي لصالح بن عبدالوهّاب بن العرندس ومؤلّف كتاب كشف اللئالي من علماء القرن التاسع من علماء الشيعة كان عالماً ناسكاً زاهداً ورعاً أديباً شاعراً ، توفّي سنة ٨٤٠ ودفن في الحلّة الفيحاء ومدفنه مزار يتبرّك به ورجال الحديث من كبار الشيعة ، راجع : جنّة العاصمة : ١٤٩


السَّلامُ عَلَيْكَ يَا ثارَ اللهِ وَابْنَ ثارِهِ(١)

_________________

(١) « السلام عليك يا ثار الله وابن ثاره » ينحصر توجّه الإنسان إلى أولياء الحقّ ومظاهره ومحاله التامّة بوجهين :

الأوّل : النظر إليهم بعين الاستقلال وإنّهم كمحمّد وعليّ ، هم الله سبحانه وما إلى ذلك وهذه الطريقة هي الكفر والإلحاد ، وجرت الإشارة إلى ذلك من النبيّ إلى ذلك كقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : أنا عبد الله مرزوق ومخلوق

ويقول أمير المؤمنين : أنا عبد من عبيد محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله (١)

ويقول الإمام الصادقعليه‌السلام : لو عرفت الله بمحمّد ما عبدته ، وإنّ الله أجلّ من أن يعرف بخلقه(٢)

الوجه الثاني : التوجّه إلى مقام نورانيّة الأولياء لا بنحو استقلالهم بل لأنّهم مظاهر نور الله ، ولا يبدو لهم ذات للناظر مستقلّة عن هذا اللحاظ ، لذلك نحن حين نخاطبهم ، نقول : من عرفكم فقد عرف الله ، وجاء في أقوالهمعليهم‌السلام : بنا عُرف الله ، وبنا عُبِد الله ، وبنا وُحِّد الله(٣) وأبى الله أن يعرف إلّا بالرجال

ومن هنا يقول الله تعالى :( اللَّـهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي
زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا
يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي اللَّـهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ
) (٤) لا سيّما إذا اُخذ تفسير الآية من المأثور عن أهل البيتعليهم‌السلام فإنّ المراد من المصباح والزجاجة محمّد وآل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لأنّه عندما يلمح النور منعتقاً من حجاب الزجاجة لا يعيرها الناظر إليها اهتماماً بل ينحصر همّه في مشاهدة النور ، كما يقول أمير المؤمنينعليه‌السلام : « يا سلمان يا جندب ، معرفتي بالنورانيّة هي معرفة الله ومعرفة الله هي معرفتي »(٥) وكذلك يقولعليه‌السلام : « من رآني فقد رأى الحقّ »(٦) ومن عرفكم فقد عرف الله ، ومعرفة الله هي معرفة كلّ أهل زمانٍ إمامهم وقول أمير المؤمنينعليه‌السلام : « أنا الأوّل وأنا الآخر وأنا الظاهر وأنا الباطن ، وأنا يد

_____________

(١) « إنّما أنا عبد من عبيد محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله » بحار الأنوار ٣ : ٢٨٣ ( المترجم )

(٢) تجد هذه العبارة من كلام السيّد نعمة الله الجزائري في كتاب « نور البراهين » ٢ : ١١٣ ( المترجم )

(٣) بحار الأنوار ٢٦ : ٢٦٠ ، وعُبِد الله مكان وُحِّد ( المترجم )

(٤) النور : ٣٥

(٥) حديث طويل في الجزء السادس والعشرين من بحار الأنوار ص ١ ( المترجم )

(٦) بحار الأنوار ٥٨ : ٢٣٥ وتمامه : « فإنّ الشيطان لا يترائى بي » فليس الغرض من هذا القول حيث ذهب الكاتب ( المترجم )


اعلم بأنّ الثأر في لغة العرب كما ورد في ( اساس اللغة ) والصحاح ومختار الصاح والألفاظ الكتابيّة معناه : الضغن ، وطلب الضغن ، وبهذه الملاحظة استعمل بمعنى الثأر للدم وبمعنى الدم ، وفسّره في القاموس بهذا المعنى ، والأصحّ ما ذكرناه في الاستعمال لأنّ القاموس لا يوثق به ولا يعتمد عليه في مثل هذه الأُمور وعلى كلّ حال فالاستعمال جارٍ بمعنى الدم وطلب الدم

والمعنى الثاني هو المعنى المصدري ، يقولون : ثأرت حميمي وثأرت فلاناً بحميمي يعني طلبت بدمه أو بواسطته كما ورد ذلك في أساس البلاغة وغيرها

إذاً ، فالمطالب « ثائر » والقتيل مثئور ومثئور به وكذلك المطلوب وهو القاتل يسمّى المثأور والعبارة الثانية ثأرت فلاناً بحميمي

وأحياناً يدعىٰ الثار بالطالب وهذا المعنى حمله في النهاية على حذف المضاف وانتقال حركته إلى المضاف إليه وفي المثل « يا لثارات الحسين » وبناءاً على ما ذهب إليه صاحب النهاية ، تقديره : يا أهل ثارات الحسين يعني الطالبون بدم الحسينعليه‌السلام

وأحياناً يطلق الثأر على القاتل ، وفي النهاية أوّل هذا المعنى على وجه « موضع الثأر » أو بحذف المضاف أو على المجاز بمعنى الملابسة والحلول ، وعلى هذا

_________________

الله واُذن الله وعين الله» يمكن أن تطبّق على مثل هذه المعاني ، ومع ملاحظتها نقرأ في زيارة عاشوراء : « السلام عليك يا ثار الله وابن ثاره »

لأنّ النظر إلى ذلك الدم وآثاره وبركاته العجيبة لم يكن في الأصل إليه ولا المعوّل في الحقيقة عليه وإنّما يجتازه البصر إلى الحقّ فيراه من خلاله ، وما المقصود بهذه الرؤية رؤية البصر بل البصيرة والوجدان ، لأنّه لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار

وفي مقابل ذلك يمكن أن نخاطب البرابرة الذين قذفت بهم الصحراء ، والعفاريت الأرجاس كمعاوية ونغله يزيد ، فنقول : يا دم الشيطان وابن دم الشيطان ، ويا يد الشيطان ولسان الشيطان ، ويا بعيداً عن الإنسانيّة لأنّهما ما لا يملكان من الصفات غير الشيطنة والدنس والكبرياء الفارغة ( المحقّق )


يراد من المثال المذور استنهاض القبيلة من أجل بيان فداحة الأمر وتقريعها لتنفصل بذلك عن الأنصار ويعرف حالها

ونقل الزمخشري أنّ استعمال الثأر هنا بمعنى الطالب من قبيل استعمال المصدر في اسم الفاعل مثل عدل ، وفي الثاني من قبيل استعمال المصدر في اسم المفعول مثل « صيد » وفي « يا لثارات الحسين » الثار معناه نفس الذحل والدم وصيحتهم بهذا الشعار كأنّهم يقولون : يا دماء الحسين تجمّعي اليوم فإنّه وقت الطلب ، وهذا الكلام من رأسه إلى قدمه غاية في المتانة ونهاية في القوّة وما هو بحاجة إلى تكلّف ابن الأثير

واحتمال آخر في معنى الثار أنّه بمعنى الطالب وهو مخفّف من ثائر نظير شاكٍ مخفّف من شائك ، وبناءاً على هذا تحذف الهمزة منه وتبقى ألف الفاعل واللازم نطقها بالألف غير المهموزة بخلاف الوجوه السابقة حيث أنّ الكلمة المهموزة لأنّ الأصل فيها الهمزة ويؤتى بالألف تخفيفاً وإن كان الغالب في استعمالها بالألف ، ومن هذه الجهة ضبطت في جميع كتب المزار بالألف الليّنة ، ولا إشكال في ذلك ، وهذا الاحتمال وإن كان بعيداً إلّا أنّه أولى من احتمال ابن الأثير

فإذا عرفت هذه المقدّمة فاعلم أنّ في المسألة وجوهاً محتملة :

الأوّل : يستفاد من كلام الفاضل المتبحّر المحدّث المجلسيقدس‌سره في مزار البحار أنّ « ثار » بمعناه المصدري ولفظ أهل محذوف مقدّر وإضافته إلى لفظ الجلالة إضافة المصدر إلى الفاعل يعني يا من هو أهل لأن يطلب الله بدمه ، وهذا خلاف الظاهر وتقديره خلاف الأصل

الثاني : ما احتمله الشيخ الجليل فخرالدين الطريحي في مجمع البحرين أنّه مصحّف من « ثاير » وهذا مذكور في البحار أيضاً ولم يذكر أحد لهذا الوجه تقريباً ويمكن أن تكون إضافة « ثائر » إلى الله بتقدير اللام أي في سبيل الله وفي سبيل الله


طالب بالدم ويمكن أن يكون طلبه بالدم نظراً لمن قتل قبله من أصحابه وأولاده أو بالنظر إلى الدماء البريئة التي أُريقت في زمن معاوية ويزيد

وعلى هذا تقرير « وابن ثاره » يوجّه وهناك وجوه واعتبارات يمكن تمشّيها في الإضافة ولكنّها بعيدة جدّاً ، وهذا الوجه مختلّ لفظاً ومعنىً

أمّا لفظاً فالالتزام بالتصحيف مع اتفاق النسخ الصحيحة على عبارة واحدة غريب مع كونه لا حاجة ماسّة تدعو إلى هذا الاعتبار لأنّك علمت ما ذهب إليه الزمخشري وابن الأثير من جواز استعمال « ثار » بمعنى ثائر ، وكان في كلام الزمخشري وجهان ، وأنّ هذين المحدّثين العليمين لم يطّلعا على عبارة الأساس والنهاية وإن لم يكونا اطّلعا فمن المستبعد الالتزام بالتصحيف

وأمّا بحسب المعنى فظاهر فإنّ هذا اللقب ليس بهذا الاعتبار لا سيّما وجود قرائن في بعض الزيارات على خلاف هذا المعنى نظير قوله : « في السماوات والأرض » وهذه الجملة تأتي بعد قوله : « الوتر الموتور » والظاهر رجوع اللفظ إلى الاثنين معاً حيث لا يتفق مع هذا الاحتمال

ووجه آخر مذكور في مشكلات العلوم للفاضل النراقي وليس فيه شيء زائد على هذا المعنى وإن كان لم يشرح بيان الدلالة كما ينبغي ، ونحن طلباً للاختصار نعرض عن ذكره ونقده

الوجه الثالث : أنّ الثأر بمعنى الدم والكلام مبنيٌّ على التنزيل والتقدير يعني لو كان لله دمٌ لكنت ، وهذا من قبيل عين الله وجنب الله ويد الله ، وهذا الوجه لا أرى أنّي عثرت عليه عند أحدٍ ولكنّه لا يبعد لأنّه ليس معنى الثأر مطلق الدم بل الدم المراق الذي يطلب له القصاص كما هو ظاهر بيّن للمتتبّع(١)

_________________

(١) الظاهر لا وجه لكلام المصنّف هنا إذ الثأر بمعنى الدم ويمكن أن نأتي بموارد حول ذلك :


_________________

قال الحسن بن عليّعليهما‌السلام : نعم ، اجتمعتم على جهل ، وخرق منكم فزعمتم أنّ محمّداً صنبور ـ أي أبتر لا عقب له ـ والعرب قاطبة تبغضه ولا طالب له بثأره(١)

وفي هذا استعمل الثار في مطلق الدم فإنّه بعد لم يهرق حتّى يقال الدم المهراق ، وعلى هذا فالمعنى أنّه ليس لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله طالب لدمه لو اُريق ، وهذه المعاني مستفادة بتعدّد الدال

٢ ـ قال الحسن بن عليّ أيضاً مخاطباً لعتبة بن أبي سفيان : وأمّا وعيدك إيّاي بقتلي فهلّا قتلت الذي وجدته على فراشك مع حليلتك وقد غلبك على فرجها وشركك في ولدها حتّى ألصق بك ولداً ليس لك لو شغلت نفسك بطلب ثأرك منه كنت جديراً وبذلك حريّاً ، إذ تسومني القتل وتوعّدني(٢)

وفي هذا الحديث يقول : « طلب ثأرك منه » أي طلب الدم الذي له صلة بك ، ولك أن تقتصّ من أجله ، ولو كان المراد من الثأر الدم المهراق فما من حاجة لكلمة طلب ولا إلى كاف الخطاب بل يكفي أن يقول له : لو شغلت بالثأر

٣ ـ وقال ابن عبّاس مخاطباً لابن الزبير : فلا شيء أعجب عندي من طلبتك ودّي وقد قتلت ولد أبي وسيفك يقطر من دمي وأنت أحد ثأري فإن شاء الله لا يبطل لديك دمي ولا تسبقني بثأري وإن سبقتني في الدنيا فقيل ذلك ما قتل النبيّون وآل النبيّين فيطلب الله بدمائهم فكفى بالله للمظلومين ناصراً ومن المظلومين منتقماً فلا يعجبك إن ظفرت بنا اليوم فنظفر بك يوماً(٣)

والظاهر من الثأر هنا الدم وبتعدّد الدوال نعرف أنّه الدم الذي يتّصل بي ولي أن أقتصّ منك به وشاهده قوله : « لا يبطل لديك دمي » و « فيبطل الله دمائهم » حيث جاء بالدم بدلاً من الثأر

٤ ـ قال رسول المختار : المختار يقرء عليك السلام ويقول لك : يا بن رسول الله قد بلغك الله ثأرك ، ففعل الرسول ذلك ، وقال : الحمد لله الذي أجاب دعوتي وبلّغني ثأري من قتلة أبي ، ودعا للمختار(٤)

٥ ـ قالت فاطمة الصغيرة بلسان الحال :

_____________

(١) بحار الأنوار ٤٣ : ٣٣٥ ط طهران ( هامش الأصل ) ٤٣ : ٣٣٥ ط بيروت ( المترجم )

(٢) بحار الأنوار ٤٤ : ٨٢ ( هامش الأصل ) صحّ التطبيق ( المترجم )

(٣) بحار الأنوار ٤٥ : ٣٢٤ ( هامش الأصل ) والظاهر أنّ الخطاب مع يزيد لعنه الله ووقع ابن الزبير لعنه الله هنا خطأً

(٤) بحار الأنوار ٤٥ : ٥٣ ( هامش الأصل )


الوجه الرابع : اعتبار « ثار » بمعنى منثور كما ورد في كلام الزمخشري ولكن ليس بمعنى القاتل بل المقتول بل القتيل كما ورد نظير قول القائل ثأرت حميمي ، ويكون المعنى هكذا : أيّها القتيل الذي يطالب الله بدمه يؤيّد هذا المعنى عبارة الزيارة الواردة في كامل الزيارة عن يونس بن ظبيان عن صادق آل محمّدعليه‌السلام أنّه قال : السلام عليك يا قتيل الله ، أي القتيل الذي يطلب الله بدمه

ومجمل القول : أنّ المبعد لهذا الاحتمال هو عدم استعمال اللغويّين له ، ولم يصرّح أحد منهم بجواز استعماله وإن لم يمنع من القياس اللغوي ، وله أشباه ونظائر موفورة في اللغة

الوجه الخامس : أنّ « ثار » بمعنى الدم المطلوب وإضافته إلى الله لأنّه المخصوص بالطلب به وهو وليّه الحقيقي ، وهذا أوجه المعاني وتكون الإضافة هنا بمعنى اللام على الوجه المتعارف ، والعجيب أنّي لم أعثر على من ذكر هذا الوجه مع استقامة معناه بصفة تامّة وانطباقه على القواعد ، وجريانه مع الأذواق السليمة

_________________

تنادي جدّها يا جدّانا

طلبنا بعد فقدك بالذحول(١)

والذحول جمع الذحل يقال طلب بذحله أي بثأره فيعلم أنّ الذحل والثأر بمعنىً وأمّا قوله : إنّ الثأر بمعنى الدم المهراق فغير صحيح لاستعمال الذحل بدل الثأر أيضاً فتأمّل ( المحقّق )

_____________

(١) نفسه ٤٥ : ٢٤٩ ( هامش الأصل )


وَالْوِتْرَ الْمَوْتُورَ

الشرح : الوتر معطوف على الثار المنادى المضاف المنصوب فهو منصوب أيضاً بالتبع ، في الأصل بمعنى وجاء بمعنى الذحل أيضاً وهو الضغينة والدم وجاء بمعنى النقص والجناية وقتل الأقارب

ويقول في الصحاح : الوتر بالكسر : الفرد ، والوتر بالفتح الذحل ، هذه لغة أهل العالية ، فأمّا لغة أهل الحجاز فبالضدّ منهم ، وأمّا تميم فبالكسر فيهما(١)

وفي المصباح عن الأزهري عكس كلام الصحاح في لغة الحجاز والعالية(٢) والأصل في جميع المعاني المذكورة هو الوتر بمعنى الفرد حيث أنّ كلّ زوج إذا أصبح فرداً يكون ناقصاً ومثله من يقتل منه قتيل يصير فرداً ، والجناية عائدة إلى هذا النقص ، والذحل وهو العداوة والنقص والدم يرجع إلى قتل الأقرباء وبالإمكان استفادة هذا المعنى من عبارة أساس البالغة

والموتور معناه من بقي فرداً ومن أُصيب بقتل واحد من أقربائه

وفي الصحاح : الموتور : الذي قُتل له قتيل فلم يدرك بدمه(٣)

ومن هذا الباب قولهم : فلان طلّاب أوتار وترات ، ومنه الحديث : « بكم يدرك الله ترة كلّ مؤمن(٤)

_________________

(١) صحاح الجوهري ٢ : ٨٤٢ مادة وتر

(٢) هذا ما قاله صاحب المصباح المنير : الوتر الفرد ، والوتر الذحل بالكسر فيهما لتميم ، وبفتح العدد وكسر الذحل لأهل العالية ، وبالعكس وهو فتح الذحل وكسر الفرد لأهل الحجاز ( المصباح المنير ٢ : ٦٤٧ ) ( المترجم )

(٣) صحاح الجوهري ٢ : ٨٤٣

(٤) مجمع البحرين في لغة ثار ، وكامل الزيارات ، وبحار الأنوار ١٠١ : ١٥٣ ط طهران ، ومفاتيح الجنان باب


وفي مجمع البحرين وقع تصحيف سوف نتكلّم عنه تفصيلاً إن شاء الله في ذيل شرح هذه العبارة ، ويمكن استخراج ثلاث احتمالات من لفظ الزيارة :

الأوّل : الوتر بمعنى الفرد والموتور من معناه ويكون تأكيداً لسابقه مثل حجر محجور ، و « برد بارد » و « يوم أيوم » و « موت مائت » و « ليل أليل » و « شعر شاعر » وهذا المعنى وإن ذكره في البحار ومشكلات العلوم ولكنّه في نظر هذا العبد لله بعيد عن الصواب كثيراً لأنّه ليس بينه وبين الكلمة السابقة أيّة مناسبة وهو وارد في الزيارات المشار إليها أيضاً « السلام عليك يا وتر الله » وتوجيهه بالمتفرّد بالكمالات والمتميّز من نوع البشر في عصره مع إضافته إلى لفظ الجلالة لا يتلائم جدّاً وإن ورد في البحار

الثاني : لمّا كان الوتر بمعنى الفرد والموتور من قتل منه قتيل ، فيكون المعنى : يا أيّها الفرد الذي قُتل أقربائك ، وهذا المعنى مذكور في الكتابين السابقين وهو أقرب من المعنى الأوّل ولكنّه ينافي فقرة الزيارة المذكورة ثمّ هو غريب بحدّ ذاته

الثالث : ما تبادر إلى ذهني من معنى الوتر بأنّه الدم المسفوك(١) وفحوى هذه العبارة هي : يا أيّها القتيل الذين أقربائه وأصحابه ـ كما أقمنا الترجمة على هذا المعنى ، والإضافة إلى الله بهذا المعنى مناسب جدّاً لأنّه قتيلٌ في سبيل الله كما قيل له : قتيل الله

_________________

الزيارات المطلقة للإمام الحسينعليه‌السلام وفي البيان والتبيين ٢ : ٥٠ ط الاستقامة بمصر قال : في رواية جعفر ابن محمّد عن آبائه : ألا إنّ أبرار عترتي وأطاليب أُرومتي أحلم الناس وإنّ بنا تدرك ترة كلّ مؤمن ، وبنا تقطع ربقة الذلّ عن أعناقكم ، وبنا غنم وبنا فتح الله وبنا يختم لا بكم

(١) ورد معنى الوتر بمعنى الدم كما جاء في كامل الزيارة الباب ١٠٨ نوادر الزيارات حديث ١٤ ص ٢٣٤ : لمّا قتل الحسينعليه‌السلام سمع أهلنا قائلاً يقول بالمدينة : اليوم نزل البلاء على هذه الأُمّة فلا ترون فرحاً حتّى يقوم قائمكم فيشفي صدوركم ، ويقتل عدوّكم ، وينال بالوتر أوتاراً ؛ ففزعوا منه


فائدة استطراديّة :

في مجمع البحرين في مادّة ثار يقول : إنّ في الحديث : « إذا خرج القائم يطلب بدم الحسين ويقول : نحن أولياء الدم طلّاب الترة »(١) ومثله حديث وصف الأئمّة : « بكم يدرك الله ترة كلّ مؤمن »(٢) ولم ينقل في أيّ كتاب من كتب اللغة ثرة ـ بالثاء ـ ، وما من قياس يبيح لنا تبديل ثأر المهموز بـ « الثرة » وهذا المحدّث المتبحّر نفسه ذكر الحديث الثاني في مادة وتر ، وهذا تصحيف غريب جدّاً ، وضرره على اللغة أكثر من أيّ مكان آخر لأنّ كتب اللغة إنّما وضعت ليحتجّ بها وتكون مرجعاً للجميع وأكثر أهل العلم غفل عن مثل هذه التصحيفات ، فأقام قواعده العلميّة على كلمات من هذا الطراز ، وربّما ترتّب عليه خطأ أكبر في الدين والدنيا ، ولم أجد كتاباً في اللغة لحدّ الآن أكثر أخطاء من القاموس وكتاب مجمع البحرين ، ففيهما كثير من الأخطاء والتصحيفات لا سيّما القاموس ، حيث كتبت في إصلاح عيوبه كتب كثيرة ويكفيه ما كان يدّعيه من أنّه استوعب اللغة كلّها ومع هذا الادّعاء الضخم فقد أحصى عليه في « تاج العروس » عشرين ألف كلمة لم يذكرها ومع ذلك ففي الزوايا خبايا ، وما أقلّ كتب الصحاح التي ليس فيها زيادة فائدة على القاموس

ومجمل القول نأتي ببعض التصحيفات الواردة في القاموس والمجمع نموذجاً لما قلناه آنفاً عنهما ليكون الأُدباء وأصحاب الكمال العلمي على معرفة من ذلك

_________________

(١) تفسير القمّي : أبي عن ابن أبي عمير ، عن ابن مسكان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في قوله :( أُذِنَ لِلَّذِينَ
يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا
) إنّما هو القائم إذا خرج يطلب بدم الحسين وهو قوله : نحن أولياء الدم وطلّاب الترة ( بحار الأنوار ٥١ : ٤٧ رقم ٧ ) ( هامش الأصل )

(٢) مجمع البحرين ١ : ٣٠٥


في القاموس مادة « خور » يقول : « الخور وادٍ وراء برجيل »(١) وأصل العبارة كما يلي : « خور » وزان « غور » موضع في أرض نجد من ديار بني كلاب وذكره حميد بن ثور في شعره فقال :

سقى السروة المحلال ما بين زاين

إلى الخور وسمّي البقول المديم

ونقل الفاضل الأديب المتبحّر المحدّث السيّد علي خانرحمه‌الله في الطراز عن الأودي أنّه قال : خور وادٍ وزابن جبل فجاء صاحب القاموس فصحّف الكلمة حين جعل لفظ « وزابن » « وراءبر » ولفظ جبل جعله « جبل » فصارت الكلمة « وراء برجيل » والعجيب إذ لم يدخل في خلده برجيل ومعناه فهل هو حيوان أو جماد أو ملك ، ونعم ما قال السيّد : إنّ هذا التصحيف يضحك الثكلى ويلهيها عن مصيبتها(٢)

وقال في مادة قوقس : قاقيس بن صعصعة بن أبي الخريف ، محدّث

وهذا التصحيف لا يقلّ عن ذاك شناعةً ، لأنّ العبارة المنقولة عن الذهبي في مشتبه الأنساب كالتالي : ذكر في « حريف » أوّلاً « عبد الله بن ربيعة السوالي تابعيّ يكنى أبا الحريف ـ بفتح الحاء المهملة ضبطه الدولابي وخالفه ابن الجارود فأعجمها وبمعجمه وفاقاً أي وقع الخلاف في الحاء هل هي مهملة أو معجمة ولكن في الزاي أنّها معجمة وفاقاً ثمّ قال : قيس بن صعصعة بن الخريف فجاء هذا الفاضل وألقى نظرة على لفظ « وفاقاً » ففصل وفا عن باقيها وقرأها « وفاء » وبقيت « قا » أي القاف والألف فاحتار صاحبنا كيف يقرأها وأين يضعها بقي في

_________________

(١) هذا ما قاله صاحب القاموس عن الخور : المنخفض من الأرض والخليج من البحر ومصبّ الماء في البحر وع بأرض نجد أو وادٍ وراء برجيل ( القاموس المحيط ٢ : ٢٥ مادة خور ) ( المترجم )

(٢) ولم يستدرك عليه ذلك صاحب تاج العروس بل لم يزد على قوله برجيل كقنديل ، ولم يذكر المصنّف برجيل في اللام ٣ : ١٩٢ ولم أعثر عليها عند أحمد شدياق في الجاسوس على القاموس ( المترجم )


حيرة إلى أن انتشله ، فكره الثاقب منها فألقاها على رأس قيس المسكين وخلع عليه هذه الخلعة القاقيسيّة الشريفة(١) والتصحيف من هذا النمط كثير في كتاب القاموس فإنّه فاق حدود الإحصاء(٢)

وقال في ( المجمع ) في مادة حنف بحاء مهملة ونون : أولاد الأحناف وهم الإخوة من أُمّ واحدة وآباء متعدّدة ، وضبط العلماء بأجمعهم هذه اللفظة في مادة ( خيف ) بخاء معجمة وياء مثنّاة تحتانيّة آخر الحروف الهجائيّة ، وقالوا : إذا كان الأولاد من أب واحد وأُمّهات عدّة فهم أبناء علات ، وإذا كانوا من أُمّ واحدة وتعدّدت آبائهم فهم أبناء أخياف ، وإذا اتحد أبواهم فهم أبناء أعيان ، وأصل الخيف وزان حول اختلاف لون العين كأن تكون إحداهما سوداء والأُخرى زرقاء ، ومن هذا الباب ما جاء في البديع من صنعة الخيفاء وهي الالتزام ، بالمجيء بكلمة معجمة من بعدها كلمة مهملة نظير عبارة الحريري في المقامة المراغية الكرم :



ثبت الله جيس سعودك يزين



واللؤم غض الدهر جفن حسودك يشين



وكذلك ورد في المجمع في كتاب القاف باب ما أوّله النون في الخبز : نهى عن

_________________

(١) على شيخنا المؤلّف أن يضع في الحسبان تلاعب النسّاخ بمؤلّفات العلماء فليس من الحقّ في شيء أن نلقي التبعة على صاحب الكتاب لأنّي لا أستبعد أن يكون هذا الجهل الفاضح من الناسخ وهو في أكثر الأحيان كذلك إلّا أن تكون النسخة مخطوطة بيد المؤلّف ( المترجم )

(٢) قال الزبيدي : ( وقيس ) هكذا في النسخ والصواب على ما سبق له في ق ق س قاقيس ( بن صعصعة بن أبي الخريف المحدّث ) روى عن أبيه ، الخ فيرى قيس خطأ وقاقيس هو الصواب ( تاج العروس ٦ : ٨٣ ) ( المترجم )


النجقاء في الأضاحي قال ابن الأعرابي : النجق أن يذهب البصر والعين مفتوحة(١) وليس في لغة العرب مثل هذه الصيغة بل اجتماع الجيم والقاف من علامات الدخيل كما نصّ على ذلك السيوطي في المزهر والشهاب الخفاجي صاحب الريحانة في شفاء الغليل نظير جوزق ومنجنيق وهذا اللفظ نخق ونخقاء بباء موحّدة وخاء معجمة كما صرّخ بذلك أساس البلاغة والنهاية وتاج المصادر للبيهقي والصحاح ومختار الصحاح والقاموس ومطابقه للنسخ المعتمدة للسامي الميداني ( وفقه اللغة للثعالبي ) وغيرها ، وهذان التصحيفان وإن لم يكونا في غرابة القاموس ولكنّ مفسدتهما لا تقلّ عن ذلك

ومن غرايب المجمع العبارة التي أوردها في ذكر الزبير حيث خلط بين ابن العوّام وابن عبد المطّلب ومن هذا الخلط العجيب حصلنا على عجينة غريبة ، كما فعل صاحب كشف الظنون في لفظ تفسير الطوسي حيث خلط بين ترجمة الشيخ الطوسي والشيخ الطبرسي ، واخترع لنا مركّباً غريباً من هذا الخلط

وهذا صدّيق حسنخاني البهوپالي في ( ابجد العلوم ) خلط بين أحوال نجم الدين الرضي وأحوال السيّد الرضي وخرج من بين هذين بخلطة عجيبة ، والإسهاب بذكر مثل هذه الأخطاء خارج من إطار هذا المختصر وخارج عن التناسب مع الموضوع المُعدّ له الكتاب

وبهذا القدر ممّا ذكرناه يمكن أن يحدث ابتهاج وتلذّذ في الأذهان المتوقّدة والطباع الرقيقة المحبّة بالاستطراطات اللطيفة الأدبيّة والافتتانات الغريبة العلميّة فيحصل فيها توثّب وقدح

_________________

(١) مجمع البحرين ٤ : ٢٧٤ تحقيق السيّد أحمد الحسيني ط ثانية ١٤٠٨ مكتبة نشر الثقافة الإسلاميّة ، ولم يلتفت المحقّق إلى ذلك ( المترجم )


السَّلامُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ الْأَرْواحِ الَّتِي حَلَّتْ بِفِنائِكَ وَأَنَاخَتْ بِرَحْلِك

الشرح : الأرواح جمع روح وأصل الروح كما نقل ذلك عن أبي عبيدة بمعنى الطيب والطهارة ومن هنا سمّيت روح الإنسان روحاً وسمّي الملائكة المطهّرون أرواحاً ، وجبرئيل روح القدس ، وسمّي الملك الأعظم في الآية الكريمة :( يَوْمَ
يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ
) (١) روحاً ، ولقّب عيسى بروح الله ، ويُدعى الملائكة والجنّ بالعالم الروحاني ـ بالضمّ ـ كما يقال لكلّ ذي روح روحاني

والروح ـ بفتح الراء ـ شريك في هذا المعنى ، فيقال : مكان روحاني يعني طيّب ، وزيادة النون جاءت على خلاف القياس في النسب وذلك من التغييرات فيه ، مثل ربّي ودهري وربّاني ورحوي ـ بفتح الراء ـ

والريح : بمعنى الهواء مأخوذ منه ، لهذا يجمع على أرواح لأنّ معناه يلتئم مع الطيب والانشراح كما أنّ الروح معناه النسيم كما أنّ الروح والرياح ـ بالفتح ـ بمعنى الخمر مأخوذة من هذا ، والريحان بمعنى الورد من وجوه اشتقاقات هذا المعنى وإنّما سمّيت روح الإنسان روحاً بلحاظ الطهر والطيب الذي كان لها في بدو التكوين وأصل الوجود قبل تلوّثها بالعلايق الجسمانيّة وتدنّسها باللوازم الهيولانيّة

ومجمل القول أنّ استعمال الروح في الإنسان له وجوه عدّة ، والظاهر أنّ المراد منه هنا هي النفس الناطقة الإنسانيّة وهي جوهر لطيف ملكوتي ، تبقى بعد فناء البدن ، وهي من أمر الله تعالى ، واختلفوا في تجرّدها ومادّيتها

ونسب صاحب المقاصد القول بالتجرّد إلى محقّقي الإسلام ، والفاضل المقداد

_________________

(١) النبأ : ٣٨


إلى محقّقي المتكلّمين ، كما نقل ذلك عن طائفة كبيرة من علماء الإماميّة مثل الصحابي المتكلّم عظيم الشأن رفيع المنزلة الثقة المسلّم هشام بن الحكمرضي‌الله‌عنه كذلك نسب القول بالتجرّد إلى الشيخ المفيد ، والشيخ المفيد وعامّة بني نوبخت من متكلّمي الشيعة الإماميّة

وقال بتجرّد النفس الناطقة أُستاذ البشر خواجه نصيرالدين الطوسي والفاضل المحقّق كمال الدين بن ميثمرحمه‌الله في شرح المأة كلمة ، صرّح بذلك وإن نسبه بعضهم إلى الخلاف وذلك ناشئ عن الغفلة

والشيخ البهائي وسيّد الحكماء والمجتهدين ميرداماد والفقيه الحكيم المحدّث المتوحّد المتبحّر الكاشاني وتلميذه العارف المحقّق المحدّث القاضي سعيد القمّي والفاضل المحقّق النراقي الأوّل وابنه المحقّق العلّامة النراقي الثاني والسيّد الأجل الأعظم رئيس الفرقة في عصره الحاج السيّد محمّد باقر الرشتي الاصفهاني ، ومربّي مشايخ عصره حجّة الطائفة رئيس الفرقة زعيم الشيعة ، شيخ الدنيا ، أُستاد العالم شيخنا المرتضى كما نقل ذلك عنه والدنا المحقّق الفحل الذي كان لسانه الناطق ، وهذا العلّامة المتبحّر ارتضى هذا المذهب واختاره قدّس الله أسرارهم ، وغيرهم من أعاظم الفقهاء وجمهور الحكماء المتشرّعين الإماميّة مثل صدر المتألّهين والمحقّق اللاهيجي والمحقّق المقدّس الورع النوري ، والحكيم الفقيه الفاضل الزنوزيرحمهم‌الله وغيرهم من أساطين أهل الديانة والصيانة ، هؤلاء جميعاً قالوا بتجرّد النفس ، ولهم على ذلك ظواهر آيات عدّة وأخبار كثيرة توافقهم على هذا المذهب وأقاموا عليه البراهين العقليّة

وطائفة أُخرى وهم أكثر متكلّمي الشيعة والمحدّثين من العلماء رجّحوا الجانب المادّي ، ولهذه الطائفة أيضاً ظواهر من الأخبار والآيات تمسّكوا بها ، وأقاموا أدلّتهم العقليّة عليه


والعلّامة المجلسي أظهر التردّد في ( السماء والعالم ) وقال : فما يحكم به بعضهم من تكفير القائل بالتجرّد إفراط وتحكّم كيف وقد قال به جماعة من علماء الإماميّة ونحاريرهم(١) ، انتهى

وجملة القول أنّ المسألة نظريّة وهي مشكلة للغاية وإن كان حلّ هذا الإشكال عن طريق النظر والاستدلال لقليل البضاعة مثلي ممكن ولكنّ الخوض في تحقيق مثل هذا النوع من المباحث ليس محلّ الاهتمام أوّلاً ، وثانياً هو خارج عن إطار هذا الشرح

وتارة تستعمل الروح بمعنى الجسم والروح كليهما بعلاقة الحالّ والمحلّ ، أو الملابسة كما يقول العرب فعلاً : « شال روحه » أو يقولون « جرح روحه » õ وهذا الاستعمال رائج في العراق والحجاز ، وأنا سمعته منهم ، ونظيره في لسان الفرس لسان عموم الشعب متداول معروف حيث يقولون : ألبس روحه أو جرح روحه ، وهذه علاقة صحيحة واستعمال فصيح ، وتنزل على هذا العبارة الواردة في دعاء الندبة : « وعرجت بروحه إلى السماء »(٢) لأنّ الضرورة قائمة على حدوث المعراج الجسماني والبرهان يدلّ عليه ، كما بيّنّا ذلك في موضعه

_________________

(١) بحار الأنوار ٥٨ : ١٠٤ وقال عقب ذلك : وجزم القائلين بالتجرّد أيضاً بمحض الشبهات ضعيفة مع أنّ ظواهر الآيات والأخبار تنفيه أيضاً جرأة وتفريط . ( المترجم )

(٢) الظاهر أنّ تصحيفاً وقع في نسخة مصباحي التي نقل منها المرحوم المجلسي ، وأمّا نسخة العالم الربّاني الحاج ميرزا حسين النوري في كتابه [ تحيّة الزائر ] من ( المزار القديم ) و ( مزار الشيخ محمّد بن المشهدي ) و ( مصباح الزائر ) للسيّد : « عرجت به » هذا هو المنقول والدليل على تصحيف النسخة التي وردت فيها عبارة « عرجت بروحه » الجملتان « وسخّرت له البراق » و « عرجت به إلى سماءك » لأنّ عروج الروح لا يحتاج إلى البراق ، فالجملة الأُولى إشارة إلى هذا ، والثانية فيها عرجت به والضمير المجرور يتناول الروح والجسم كليهما ولو أراد الروح وحدها لما جاء به واكتفى بذكرها ( هامش الأصل )


وللروح إطلاقات أُخرى في لسان الأخبار وعرف العرفاء واصطلاح الأطبّاء ، وما من حاجة تدعو إلى سردها

والحلول وحلّ والمحلّ : النزول كما جاء في منتهى الإرب وتاج المصادر

الفناء : بكسر الفاء وزان كساء ما امتدّ من جوانب الدار(١) حيث ينيخ الناس مراكبهم وابلهم وينزلون هناك

وأناخه : من باب الإفعال أجوف واوي ( يقال : نوخ : أنخت البعير فاستناخ ونوّخته فتنوّخ ، وأناخ الإبل أبركها فبركت )(٢)

رحل : الرحل : منزل الرجل ومسكنه وبيته(٣)

وفي هذه الفقرة تحتمل وجوهٌ :

الأوّل : المراد بهذه الأرواح خصوص أرواح الملائكة والأنبياء والأولياء الذين حضروا واقعة الطفّ لأنّ المستفاد من بعض الأخبار أنّ أرواح الملائكة المقرّبين والأنبياء المرسلين والشهداء والصدّيقين حضروا يوم الطفّ ، ليشاهدوا الفداء والتضحية الخارقة للعادة ، ليشاهدوا في اليوم المشهود ذلك اليوم المحمود ، وهذا المعنى بعيد جدّاً لأنّ ظاهر الحال رجوع السلام على الأصحاب الشهداء بل هذه الزيارة مختصّة بالقتلى مطلقاً لهذا لم يحتمل أحد دخول عليّ بن الحسين فيها ـ وهو الإمام الرابععليه‌السلام ـ والقرينة الدالّة على ذلك هي زيارة جابر الأربعينيّة حيث وجّه خطابه إلى الأصحاب فقال : السلام على الأرواح المنيخة بقبر أبي عبد الله

والظاهر من لفظ الحلول والإناخة نوع الاستقرار والإقامة وهذا لا يناسب

_________________

(١) لسان العرب ١٤ : ٣٤٢

(٢) نفسه ٣ : ٦٥

(٣) لسان العرب : مادة رحل


حضور الأنبياء والأولياء الذين حضروا ساعة الشهادة وأوضح من هذه العبارة زيارة عاشوراء المذكورة في إقبال السيّد الأجل طاب ضريحه من كتاب ( مختصر المنتخب ) : « السلام عليك وعلى الأرواح التي حلّت بفنائك وأناخت بساحتك وجاهدت في الله معك وشرت نفسها ابتغاء مرضات الله فيك »(١)

على أنّ أصل المسألة في حضور الأنبياء وغيرهم لم تثبت بطريق صحيح أو معتمد من هنا لا وجه للجزم بتنزيل العبارة عليهم ، كما سمع ذلك عن البعض

الوجه الآخر : المراد عموم الأرواح والنفوس المقدّسة الدائرة في فلك الحسين والمتجحفلة في حيّه وبقاعه ولها اتصال حقيقي بدون تكيّف أو قياس بذلك الجوهر الطاهر والعنصر المنير وبناءاً على هذا يكون الرحل والفناء بمعنى اللبّ الواقعي لا الرحل والفناء الجسماني الظاهري ( والمعنى المتصوّر من هذه العبارة أنّ من أناخوا برحله وأقاموا بفنائه لا يقصد بذلك حقيقة الرحل والفناء بل توجّه القلوب والأفئدة إليه ) وهذا الوجه أبعد من الوجه السابق من جهة وأقرب إليه من جهة أُخرى وعلى كلّ حال فهو خلاف الظاهر وغاية في البعد

الوجه الثالث : المعنى المراد منه هم أصحابه الأوفياء لا فرق بين الأقرباء والبعداء في الظاهر الذين هم أقرب إليه من كثير من أهله وأرحامه ، وهذا الوجه هو المعيّن بحسب نظري القاصر ، لكن نسبة الحلول والإناخة إليهم بعدّة اعتبارات جائزة وصحيحة :

الأوّل : المراد بالأرواح هي الأجسام المقدّسة الطاهرة وقد مرّ آنفاء أنّ الروح تطلق هذا الإطلاق أحياناً ، ولمّا كان أصحابه عليه وعليهم السلام كتب الله لهم حياة الخلود فهم القدر المتيقّن والمصداق الحقيقي لمن قتل في سبيل الله ، والله

_________________

(١) الإقبال : باب ذكر الزيارات في يوم عاشوراء : ٤٢


تعالى يقول :( وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) (١) لهذا أُطلقت الروح وأُريد بها الأجسام المطهّرة المكرّمة ولا مانع من ذلك ، ويدلّ على هذه الوجه الجملة الآتية من زيارة جابر : « المنيخة بقبر أبي عبد الله »(٢)

وبناءاً على هذا يكون الرحل والفناء معناه القبر والحائر فقد قال الشيخ المفيد : فأمّا أصحاب الحسين رحمة الله عليهم الذين قتلوا معه فإنّهم دفنوا حوله ولسنا نحصل لهم أجداثاً على التحقيق والتفصيل إلّا أنّا لا نشكّ أنّ الحائر محيط بهم رضي الله عنهم وأرضاهم وأسكنهم جنّات النعيم(٣)

وقبر أبي الفضل وإن بعد شيئاً عن قبر الحسينعليه‌السلام ولكنّه داخل في فناء سيّد الشهداء ورحله ولا جرم يكون المعنى ذلك الحلول الجسماني الذي تمّ منهم وهم على قيد الحياة حيث نزلوا برحله وأقاموا في ساحته وهذا المعنى متفق مع ظاهر المعنى للرحل والفناء وهو به أنسب وأقرب ، وتشهد بذلك عبارة الزيارة في إقبال السيّد لأنّ ظاهر عطف الجهاد والشراء تأخّر وقوعه عن الحلول والإناخة

الثاني : أن يراد بها نفس الأرواح المقدّسة وإن كان وصفها بالحلول والإناخة بناءاً على هذا المعنى لا يخلو من بعد لأنّ هذه الأوصاف لها ظهور في الحالات الجسميّة إلّا أنّ ذلك ليس مختصّاً بها بحسب الوضع اللغوي

الثالث : المراد من الفناء والرحل ، حضيرة القدس ومحلّ القرب ومحفل الملكوت حيث مجلس أُنس ذلك الكائن المقدّس ( الحسين ) إذ من المقطوع الذي لا شكّ به أنّ أصحابهعليهم‌السلام في درجته وبالقرب من مقامه وهم جيرانه

_________________

(١) آل عمران : ١٦٩

(٢) زيارة الأربعين من بحار الأنوار ١٠١ : ٣٣٠ ( هامش الأصل )

(٣) الإرشاد ٢ : ١٢٦


ومطيفون بمنزله ومحلّ إقامته في تلك الديار السعيدة كما جاء في الأخبار الكثيرة ويعلم منها أنّهم قالوا : شيعتنا معنا وفي درجتنا في الجنّة(١) وبناءاً على هذا تكون الأرواح هي نفسها باعتبار مصاحبتها الأبدان المثاليّة والأجساد البرزخيّة

ويمكن أن يراد من الفناء مقام نفس سيّد الشهداء ودرجته الروحيّة والكماليّة التي نالت شرف هذا السموّ لدنوّها المعنوي من الأحديّة وجلالتها في حضرة الربوبيّة ، إذ لا بدع أن يصل هؤلاء الأصحاب ببركة هذا الإمام العظيم وبقوّة انجذابهم بهداية ذلك الولي المقتدر إلى تلك الرتبة الرفيعة والدرجة المنيعة ، كما كان يقولعليه‌السلام : ما رأيت أصحاباً أبرّ وأوفى من أصحابي وكانوا كما قالعليه‌السلام لأنّ عقولهم تفتّحت على الحقّ فأصمّوا آذانهم عن كلّ نداء غير ندائه فما سمعوه ولن يسمعوه

لمؤلّفه :

فبي وأبي هم من نفوس زكيّة

غدت في السبيل الحقّ منتهكات(٢)

تنبيه :

اختلف العلماء والمؤرّخون اختلافاً عظيماً في عدد الشهداء من أصحاب الحسين الذين كانوا في ركاب سعادته ولكن الشيخ المفيدقدس‌سره في كتاب الإرشاد ، وابن الأثير في الكامل(٣) ، والدياربكري في الخميس ، والقرماني في أخبار الدول وغيره وظاهر المحكي عن البلاذري والواقدي والمدائني والطابري وغيرهم من

_________________

(١) الريان بن شبيب بنقل عن الإمام الرضاعليه‌السلام أمالي الصدوق مجلس ٢٧ رقم ٥ ، عيون أخبار الرضا ١ : ٢٩٩ بحار الأنوار ٤٤ : ٢٨٦ رقم ٢٣ ( هامش الأصل )

(٢) كريمة ديوان المؤلّف : ٣٧

(٣) كامل ابن الأثير ٤ : ٨٠ ط بيروت ( هامش الأصل )


مهرة الصناعة المعتمد عندهم أنّهم اثنان وسبعون رجلاً ؛ الفرسان منهم اثنان وثلاثون ، والرجّالة أربعون

ونقل صاحب العقد الفريد جملة عن زحر بن قيس لعنه الله تدلّ على أنّهم سبع وسبعون إنساناً ، ونسب هذه العبارة في حياة الحيوان وتاريخ الخميس إلى شمر بن ذي الجوشن لعنه الله ، ونقل في الإرشاد والفصول المهمّة عن زحر أيضاً أنّهم ثمانٍ وسبعون ، قال : ورد علينا الحسين في ثمانية عشر من أهل بيته وستّين من شيعته(١) وهذا يطابق ما نقله البحار عن محمّد بن أبي طالب من أنّ عدد الرؤوس ثمانٍ وسبعون رأساً(٢)

ويظهر من عبارة الكشّي في ترجمة حبيبعليه‌السلام أنّهم كانوا سبعين رجلاً بذلوا لهم الأموال وأعطوهم الأمان فلم يزدهم ذلك إلّا إصراراً على الموت وكانوا يستقبلون جبال الحديد وحدود السيوف والرماح بالنحور والصدور في حبّ سيّد الشهداء ، وبالطبع كان فيهم الصبي الذي لم يبلغ الحلم ، وهذا الخبر أقرب إلى رواية الثمانية والسبعين

وفي مطالب السئول والفصول المهمّة أنّهم اثنان وثمانون رجلاً

وفي مروج الذهب وشرح أبوالعبّاس الشريشي على مقامات الحريري أنّهم سبعٌ وثمانون

واختار ابن الجوزي في رسالة الردّ على المتعصّب العنيد وسبطه والشيخ محمّد الصبّان في التذكرة والإسعاف أنّهم مائة وخمس وأربعون ؛ الفرسان منهم خمس وأربعون ، والرجال مائة راجل ، ونسب هذا العدد السيّد في اللهوف إلى الإمام الباقرعليه‌السلام

_________________

(١) بحار الأنوار ٤٥ : ١٢٩ و ١٤٩ ( هامش الأصل ) وتمّت مطابقته ( المترجم )

(٢) بحار الأنوار ٤٥ : ٦٢ ( هامش الأصل ) جرت مطابقته ( المترجم )


وقال أيضاً في تذكرة الخواص : وقال قوم : كان أصحاب الحسينعليه‌السلام سبعين فارساً ومائة راجل

وروى السيّد الأجل الأزهد ابن طاووسرضي‌الله‌عنه في كتاب الإقبال رواية بسند حسن زيارة من الناحية المقدّسة تتضمّن أسامي الشهداء وأسامي قاتليهم لعنهم الله غالباً والإشارة إلى بعض الوقايع ونحن طلباً للبركة بهذه الزيارة وعموم نفعها ننقلها عينها من كتاب « الإقبال »(١) :

السلام عليك يا أوّلَ قتيلٍ من نسل خير سليل من سلالة إبراهيم الخليل ، صلّى الله عليك وعلى أبيك إذ قال فيك : قتل الله قوماً قتلوك يا بُني ، ما

_________________

(١) والعبارة في الإقبال كما يلي : فصل فيما نذكره من زيارة الشهداء في يوم عاشوراء رويناها بإسنادنا إلى جدّي أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسيرحمه‌الله قال : حدّثنا الشيخ أبو عبد الله محمّد بن أحمد بن عيّاش [ الظاهر أحمد بن محمّد بن عيّاش معاصر الشيخ لكن نسختي من الإقبال ومن البحار كما ذكرت فنتّبع منهرحمه‌الله ] قال : حدّثني الشيخ صالح أبو منصور بن عبدالمنعم بن النعمان البغداديرحمه‌الله قال : خرج من الناحية [ وظاهراً المراد بالناحية الإمام الحسن العسكري كما هو شايع في كثير من الأخبار مثل هذا الإطلاق لأنّ هذا التاريخ سابق على ولادة الإمام صاحب الزمانعليه‌السلام ـ منهرحمه‌الله ] سنة اثنتين وخمسين ومأتين(١) على يد الشيخ محمّد بن غالب الاصفهاني حين وفاة أبيرحمه‌الله وكنت حديث السنّ وكتبت أستأذن في زيارة مولاي أبي عبد الله وزيارة الشهداء رضوان الله عليهم ، فخرج إليّ منه : « بسم الله الرحمان الرحيم ، إذا أردت زيارة الشهداء رضوان الله عليهم فقف عند رجلي الحسين وهو قبر عليّ بن الحسين صلوات الله عليهما فاستقبل القبلة بوجهك فإنّ هناك حومة الشهداءعليهم‌السلام وأوم وأشر إلى عليّ بن الحسين وقل : السلام ، إلى آخر الزيارة » ( منهرحمه‌الله )

______________

(١) هكذا في جميع النسخ إلّا أنّ هذا التاريخ لا يناسب ولادة وغيبة الإمام المهديعليه‌السلام بفصل عدّة سنوات فيحتمل تصحيف الرقم ، أو أنّها وردت عن الإمامعليه‌السلام العسكري وقد ذكر العلّامة المجلسي هذين الاحتمالين في البحار ١٠١ : ٢٧٤ كما ذكر عوالم العلوم ٦٣ : ٧٨٧ مخطوط ، هذه الرواية تحت عنوان : الأخبار الأئمّة القائم أو أبيه ( المحقّق )


أجرأهم على الرحمان وعلى انتهاك حرمة الرسول ، على الدنيا بعدك العفا ، كأنّي بك بين يديه ماثلاً وللكافرين قائلاً :

أنا عليّ بن الحسين بن علي

نحن وبيت الله أولى بالنبي

أطعنكم بالرمح حتّى ينثني

أضربكم بالسيف أحمي عن أبي

ضرب غلام هاشميّ عربي

والله لا يحكم فينا ابن الدعي

حتّى قضيت نحبك ، ولقيت ربّك ، أشهد أنّك أولى بالله وبرسوله ، وأنّك ابن رسوله وحجّته ودينه ، وابن حجّته وأمينه ، حكم الله على قاتلك مرّة بن منقذ بن النعمان العبدي لعنه الله وأخزاه ومن شركه في قتلك وكان عليك ظهيراً ، أصلاهم الله جهنّم وسائت مصيراً ، وجعلنا الله من ملاقيك ومرافقيك ومرافقي جدّك وأبيك وعمّك وأخيك وأُمّك المظلومة ، وأبرأ إلى الله من قاتليك ، وأسأل الله مرافقتك في دار الخلود ، وأبرأ إلى الله من أعدائك أُولي الجحود ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته

السلام على عبد الله بن الحسين الطفل الرضيع المرمي الصريع المتشحّط دماً ، المصعّد دمه في السماء ، المذبوح بالسهم في حجر أبيه ، لعن الله راميه حرملة بن كاهل الأسدي وذويه

السلام على عبد الله بن أمير المؤمنين مبلي البلاء ، والمنادي بالولاء في عرصة كربلاء ، المضروب مقبلاً ومدبراً ، لعن الله قاتله هاني بن ثبيت الحضرمي

السلام على أبي الفضل العبّاس بن أمير المؤمنين ، المواسي أخاه بنفسه ، الآخذ لغده من أمسه ، الفادي له ، الوافي الساعي إليه بمائه ، المقطوعة يداه ، لعن الله قاتليه يزيد بن الرقاد الجهني وحكيم بن الطفيل الطائي

السلام على جعفر بن أمير المؤمنين الصابر بنفسه محتسباً ، والنائي عن


الأوطان مغترباً ، المستسلم للقتال ، المستقدم للنزال ، المكثور بالرجال ، لعن الله قاتله هاني بن ثبيت الحضرمي

السلام على عثمان بن أمير المؤمنين سميّ عثمان بن مظعون ، لعن الله راميه بالسهم خولي بن اليزيد الأصبحي الأيادي والأباني الدارمي

السلام على محمّد بن أمير المؤمنين قتيل الأيادي الدارمي لعنه الله وضاعف عليه العذاب الأليم ، وصلّى الله عليك يا محمّد وعلى أهل بيتك الصابرين

السلام على أبي بكر بن الحسن الزكي الولي المرمي بالسهم الردي ، لعن الله قاتله عبد الله بن عقبة الغنوي

السلام على عبد الله بن الحسن الزكي ، لعن الله قاتله وراميه حرملة بن كاهل الأسدي

السلام على القاسم بن الحسن بن علي المضروب على هامته ، المسلوب لامته حين نادى الحسين عمّه فجلى عليه عمّه كالصقر وهو يفحص برجليه التراب والحسين يقول : بُعداً لقوم قتلوك ومن خصمهم يوم القيامة فيك جدّك وأبوك ، ثمّ قال : عزّ والله على عمّك أن تدعوه فلا يجيبك أو أن يجيبك وأنت قتيل جديل فلا ينفعك ، هذا والله يوم كثر واتره وقلّ ناصره ، جعلني الله معكما يوم جمعكما ، وبوّأني تبوّأكما ، ولعن الله قاتلك عمر بن سعد بن عروة بن نفيل الأزدي وأصلاه جحيماً وأعدّ له عذاباً

السلام على عون بن عبد الله بن جعفر الطيّار في الجنان حليف الإيمان ومنازل الأقران ، الناصح للرحمان ، التالي للمثاني والقرآن ، لعن الله قاتله عبد الله بن قطبة النبهاني

السلام على محمّد بن عبد الله بن جعفر الشاهد مكان أبيه ، والتالي لأخيه ، وواقيه ببدنه ، لعن الله قاتله عامر بن نهشل التميمي


السلام على جعفر بن عقيل ، لعن الله قاتله وراميه عمر بن خالد بن أسد الجهني

السلام على القتيل ابن القتيل عبد الله بن مسلم بن عقيل ، ولعن الله قاتله عامر ابن صعصعة [ وقيل : أسد بن مالك ]

السلام على أبي عبد الله بن مسلم بن عقيل ، ولعن الله قاتله وراميه عمر بن صبيح الصيداوي

السلام على محمّد بن أبي سعيد بن عقيل ، ولعن الله قاتله لقيط بن ناشر [ لقيط بن ياسر ـ خ ل ] الجهني

السلام على سليمان مولى الحسين بن أمير المؤمنين ، ولعن الله قاتله سليمان ابن عوف الحضرمي

السلام على قارب مولى الحسين بن عليّعليهما‌السلام

السلام على منجح مولى الحسين بن عليّعليهما‌السلام

السلام على مسلم بن عوسجة الأسدي القائل للحسين وقد أذن له بالانصراف : أنحن نخلّي عنك وبم نعتذر عند الله من أداء حقّك ، لا والله حتّى أكسر في صدورهم رمحي هذا ، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي ، ولا أُفارقك ، ولو لم يكن معي سلاح أُقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة ، ولم أُفارقك حتّى أموت معك وكنت أوّل من شرى نفسه ، وأوّل شهيد شهد لله وقضى نحبه ففزت وربّ الكعبة ، شكر الله لك استقدامك ومواساتك إمامك إذ مشى إليك وأنت صريع فقال : يرحمك الله يا مسلم بن عوسجة ، وقرأ : ومنهم( مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ) (١) لعن الله

_________________

(١) الأحزاب : ٢٣


المشتركين في قتلك عبد الله الضبابي وعبد الله بن خشكارة البجلي ومسلم بن عبد الله الضبابي

السلام على سعد بن عبد الله الحنفي القائل للحسينعليه‌السلام وقد أذن له في الانصراف : لا والله لا نخلّيك حتّى يعلم الله أنّا قد حفظنا غيبة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فيك ، والله لو أعلم أنّي أُقتل ثمّ أُحيا ثمّ أُحرق ثمّ أُبعث حيّاً ثمّ أُذرى ويفعل بي سبعين مرّة ما فارقتك حتّى ألقى حمامي دونك وكيف أفعل ذلك وإنّما هي موتة أو قتلة واحدة ثمّ بعدها هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً ، فقد لقيت حمامك وواسيت إمامك ولقيت من الله الكرامة في دار المقامة ، حشرنا الله معك في المستشهدين ورزقنا مرافقتكم في أعلا علّيّين

السلام على بشر بن عمرو الحضرمي ، شكر الله لك سعيك لقولك للحسين وقد أذن لك في الانصراف : أكلتني إذاً السباع حيّاً إن كان فارقتك وأسأل عنك الركبان ، وأخذلك مع قلّة الأعوان ، لا يكون هذا أبداً

السلام على يزيد بن الحصين الهمداني المشرقي القاري المجدل بالمشرفي السلام على عمرو بن كعب الأنصاري ، السلام على نعيم بن العجلان الأنصاري

السلام على زهير بن القين البجلي ، القائل للحسينعليه‌السلام وقد أذن له في الانصراف : لا والله لا يكون ذلك أبداً ، أترك ابن رسول الله أسيراً في يد الأعداء وأنجو أنا ؟ لا أراني الله ذلك اليوم

السلام على عمرو بن قرظة الأنصاري ، السلام على حبيب بن مظاهر الأسدي ، السلام على الحرّ بن يزيد الرياحي ، السلام على عبد الله بن عمير الكلبي ، السلام على نافع بن هلال بن نافع البجلي المرادي ، السلام على أنس ابن كاهل الأسدي ، السلام على قيس بن مسهّر الصيداوي ، السلام على جون


ابن حوىٰ مولى أبي ذر الغفاري ، السلام على شبيب بن عبد الله النهشلي ، السلام على الحجّاج بن زيد السعدي

السلام على قاسط وكردوس ( كرش ـ خ ل ) ابني زهير التغلبيّين ، السلام على كنانة بن عتيق ، السلام على ضرغامة بن مالك ، السلام على حوي بن مالك الضبعي ، السلام على زيد بن ثبيت القيسي ، السلام على عبد الله وعبيد الله ابني يزيد بن ثبيت القيني ( القيسي ـ خ ل ) ، السلام على عامر بن مسلم ، السلام على قعنب بن عمرو التمري ، السلام على سالم مولى عامر بن مسلم ، السلام على سيف بن مالك ، السلام على زهير بن بشر الخثعمي ، السلام على زيد بن معقل الجعفي

السلام على مسعود بن الحجّاج وأبيه ، السلام على مجمع بن عبد الله العائذي ، السلام على عمّار بن حسّان بن شريح الطائي ، السلام على حبّاب ابن الحارث السلماني الأزدي ، السلام على جندب بن حجر الخولاني ، السلام على عمر بن خالد الصيداوي ، السلام على سعيد مولاه ، السلام على يزيد بن زياد بن مهاصر الكندي ، السلام على زاهد مولى عمرو بن الحمق الخزاعي ، السلام على جبلة بن علي الشيباني ، السلام على سالم مولى بني المدينة الكلبي ، السلام على أسلم بن كثير الأزدي الأعرج ، السلام على زهير ابن سليم الأزدي ، السلام على قاسم بن حبيب الأزدي ، السلام على عمرو بن جندب الحضرمي ، السلام على أبي ثمامة عمر بن عبد الله الصائدي ، السلام على حنظلة بن سعد الشبامي ، السلام على عبد الرحمان بن عبد الله بن الكدر الأرحبي ، السلام على عمّار بن أبي سلامة الهمداني

السلام على عابس بن أبي شبيب الشاكري ، السلام على شوذب مولى شاكر ، السلام على شبيب بن الحارث بن سريع ، السلام على مالك بن عبد الله بن


سريع ، السلام على الجريح المأسور سوار بن أبي حمير الفهمي الهمداني ، السلام على المرتب معه عمرو بن عبد الله الجندعي

السلام عليكم يا خير أنصار الله ، السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ، بوّأكم الله مبوّأ الأبرار ، أشهد لقد كشف الله لكم الغطاء ، ومهّد لكم الوطاء ونحن لكم خلطاء في دار البقاء ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته(١)

وهذه الزيارة مؤيّدة لأقوال ابن طلحة وابن الصبّاغ لأنّ عدد الأسماء المذكورة فيها بلغت اثنين وثمانين اسماً وفي جملتهم الطالبيّون السبعة عشره وهي الرواية الأشهر كما رويت عن الباقرعليه‌السلام وإنّه قال : قتل من أولاد فاطمة سبعة عشر إنساناً(٢)

ونقل ابن عبد ربّه في ( العقد ) بواسطة روح عن زحر بن قيس الجعفي لعنه الله في مجلس يزيد ، كما ذكر ابن عبد ربّه بواسطة أبي الحسن المدائني عن الحسن البصري أنّ قتلى أولاد أبي طالبعليهم‌السلام ستّة عشر نفساً ويؤيّده شعر سراقة الباهلي حيث يقول :

عين بكّي بعبرة وعويلي

واندبي إن ندبت آل الرسول

تسعة منهم لصلب عليٍّ

قد أُصيبوا وسبعة لعقيلي

وفي البحار(٣) عن المناقب القديمة عن بستان الطرف نقل نفس الخبر وقال : وفي رواية أُخرى أنّ الحسن بلغ بهم سبعة عشر

وفي رواية ألعيون والأمالي عن الريّان بن شبيب خال المعتصم الخليفة العبّاسي عن الإمام الرضاعليه‌السلام أنّهم ثمانية عشر نفساً(٤)

_________________

(١) بحار الأنوار ٤٥ : ٦٥ نقلاً عن الإقبال ( هامش الأصل )

(٢) بحار الأنوار ٤٥ : ٦٣ ط لبنان ( هامش الأصل )

(٣) بحار الأنوار ٤٥ : ٦٤ ط لبنان ( هامش الأصل )

(٤) العيون ١ : ٢٩٩ باب ٢٨ ح ٥٨ نشر رضا مشهدى


ويقول سبط ابن الجوزي : حاصل الروايات والأقوال أنّ القتلى تسعة عشر ، وذكر خبراً عن محمّد بن الحنفيّة يؤيّد دعواه

ويقول ابن أبي الحديد في ذيل كلام الجاحظ حول مفاخرة بني هاشم بكثره القتلى : قلت : هذا أيضاً من تحامل أبي عثمان ، هلّا ذكر قتلى الطفّ وهم عشرون سيّداً من بيت واحد قُتلوا في ساعة واحدة ! وهذا ما لم يقع مثله في الدنيا ؛ لا في العرب ولا في العجم(١)

ونقل عن أبي الفرج في مقاتل الطالبيين : إنّ القدر المسلّم أنّهم اثنان وعشرون شهيداً(٢)

وقال ابن شهرآشوب وصاحب المناقب ومحمّد بن أبي طالب : اختلفوا في عدد المقتولين من أهل البيتعليهم‌السلام فالأكثرون على أنّهم كانوا سبعة وعشرين(٣)

وفي مصباح الشيخ الطوسيرحمه‌الله عن الصادقعليه‌السلام : تجلّت الهيجاء عن آل رسول_________________

وفي رواية ابن عبّاس عن أمير المؤمنينعليه‌السلام : يدفن الحسينعليه‌السلام فيها وسبعة عشر رجلاً من ولدي وولد فاطمة وإنّها لفي السماوات معروفة ( بحار الأنوار ٤٤ : ٢٥٣ عن أمالي الصدوق المجلس ٨٧ رقم ٥ ) وفي رواية كمال الدين عن مجاهد عن ابن عبّاس عن أمير المؤمنينعليه‌السلام : وهذه أرض كرب وبلاء يُدفن فيها الحسين وتسعة عشر كلّهم من ولدي وولد فاطمة ( اثبات الهداة ٢ : ٤١٢ )

وفي رواية معاوية بن وهب عن جعفر بن محمّد قال : يا شيخ ، ذاك دم يطلب الله تعالى به ما أصيب من ولد فاطمةعليها‌السلام ولا يُصابون بمثل الحسين ولقد قتلعليه‌السلام في سبعة عشر من أهل بيته نصحوا لله ( بحار الأنوار ٤٥ : ٣١٣ نقلاً عن أمالي المفيد )

وفي كامل ابن الأثير ٤ : ٨٣ : فدخل زحر بن قيس على يزيد فقال : ما وراءك ؟ فقال : ابشر يا أمير المؤمنين بفتح الله وبنصره ! ورد علينا الحسين بن عليّ في ثمانية عشر من أهل بيته وستّين من شيعته ( هامش الأصل )

(١) شرح نهج البلاغة ١٥ : ٢٥١ ( المترجم )

(٢) مقاتل الطالبيين : ٦٧ ، بحار الأنوار ٤٥ : ٦٣ ط لبنان

(٣) بحار الأنوار ٤٥ : ٦٢ ( المترجم ) وفي هامش الأصل : ثمانٍ وعشرون


اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وانكشفت الملحمة عنهم وفي الأرض منهم ثلاثون صريعاً(١) (٢)

وأكثر هذه الأقوال يمكن جمعها حيث تكون حجّة أو مظنونة الاعتبار لأنّ في بعضها ورد القول : أولاد فاطمة ، والظاهر انّ المراد منها فاطمة بنت أسد وتساوق لفظ « طالبي » وفي بعضها آل الرسول وهو أعمّ من أولاد أبي طالب لأنّه يشمل أولاد أبي لهب أيضاً ففي بعض الأخبار أنّهم حضروا واقعة الطفّ ، وزيارة الناحية ليست صريحة في انحصارهم

ولكن بنظري القاصر أنّ رواية العيون والمحاسن أقوى من غيرها لأنّ سندها صحيح ومعتمد وهي مطابقة لما قاله زحر وشمر لعنهما الله في رواية الإرشاد وحياة الحيوان والفصول المهمّة وتاريخ الخميس وكانا في المعركة ، وتوافق رواية السيّد في اللهوف عن سيّد الساجدينعليه‌السلام حيث قال : رأيت أبي وأخي وسبعة عشر من أهل بيتي مضرّجين على رمضاء كربلاء ، وكذلك رواية البحار عن دلائل الإمامة عن سعيد بن المسيّب : لمّا بلغ عبد الله بن عمر قتل الحسين وثمانية عشر من أهل بيته ، ركب إلى الشام ، ولام يزيد على ذلك فأراه يزيد كتاب أبيه فرضي وسكت ، بالتفصيل الذي لا موقع لذكره الآن(٣)

ويمكن ردّ رواية محمّد بن الحنفيّة إلى هذه الرواية لأنّه قال : قتل تسعة عشر شابّاً من شباب آل محمّد كلّهم ركضوا في بطن فاطمة ويدخل في هذا العنوان سيّد الشهداء أيضاً وكلمة شباب الواردة في الرواية إنّما هي للتغليب لأنّ بعضهم في سنّ اللبن ، ولا يبعد أنّ من أوصلهم إلى سبعة عشر لم يعدّ عبد الله الرضيع

_________________

(١) مصباح المتهجّد : ٧٨٢ ولم يتوجّه المؤلّف إلى قول الإمامعليه‌السلام في مواليهم إذ أنّهم ومواليهم المقتولين معهم يشكّلون هذا العدد ( المترجم )

(٢) مصباح المتهجّد : ٥٤٨ ، بحار الأنوار ٤٥ : ٦٦ عنه ( هامش الأصل )

(٣) بحار الأنوار ٨ : ٢٢٠ مجلّد الفتن والمحن ط أُفست ( هامش الأصل )


منهم ، إذن بالاستناد إلى هذا القول يقرب المعنى كما أنّ شعر سراقة الباهلي يمكن أن تكون الكلمة الثانية ( سبعة لعقيل ) مصحّفة عن تسعة كما هي في الأُولى ( تسعة منهم لصلب علي ) وهذا التصحيف كثيراً ما يحصل في الروايات ، كما حدث في بعض المقاتل اليوم حيث كتب الاثنين « سبعة » وهذا مخالف للنسخ المتعدّدة المعتبرة كما أنّ تصحيف تسعة إلى سبعة وسبعين وتسعين وبالعكس كثير ، لذلك رأيت السيوطي في أدب المحاضرة والسحابة كثيراً ما يضبط اللفظة فيقول على سبيل المثال : سبعين ـ بالسين قبل الباء ـ

ومن هذا الباب ما وقع في تصحيف خمسة وتسعين يوماً بعد وفاة النبيّ الذي يوافق الثالث من جمادى الثانية ، والموافق لرواية الشيخ المفيد وأبي جعفر الطبري وابن طاووس والعلّامة والشهيد والكفعمي في وفاة الصدّيقة الطاهرة فاطمة عليها سلام الله ، رواية الخمسة والسبعين يوماً ، وهي رواية معروفة ، ونوكل هذا التفصيل إلى موضع آخر ، والله أعلم بالصواب


عَلَيْكُمْ مِنِّي سَلامُ اللهِ(١)

_________________

(١) « عليك منّي سلام الله » وهنا أربعة أسئلة تفرض نفسها على الباحث :

١ ـ كيف يدرك الزائر معنى سلام الله ويبلغه الإمامعليه‌السلام

٢ ـ لماذا يقول « سلام الله » ولا يقول « سلامي »

٣ ـ كيف يبلغ سلام الله من قبله

٤ ـ عندما يعمد الإنسان إلى تبليغ سلام الله لا بدّ من انعتاقه من ذاته وتجرّده عن صفاته ليتمحّض في وجوده لوجه الله وينظر بنور الولاية

ومن أراد إبلاغ سلام الله لا بدّ من نظره إلى ذاته على أنّه مجرّد ظلّ ، فكيف الجمع بين هاتين النظرتين : نظرة المحو والصحو ، فهو من الجهة الاُولى يتجرّد عن ذاته ولا يشعر لها بوجود ، ومن الجهة الاُخرى يحسّ بها إحساساً ثانويّاً ظلّياً ، والفرق واضح بين الإحساس وعدمه

ونقول في الجواب عن الأوّل : لا يرتاب أحد في لزوم إدراك معنى سلام الله لمن أراد إبلاغه فلا يتيسّر ذلك لعامّة الناس لا سيّما ذوي الرتب الدانية فصاحبها يكلّف شططاً حين يؤمر بتبليغ ما لا يدرك ولا يعرف ، وتصبح المسألة عنده مرادفة للّغو من دون درك للحقيقة وإن لم يعدم الأجر والثواب على كلّ حال ، وعلينا أن نخاطب الإمام بهذه العبارة كما يقال في الصلاة وسائر العبادات الاُخرى

ولكن الزائر حين يلقى باله ويلقى نظره المعنوي إلى أصل نور الولاية من غير لواحق أو ملصقات كما أوضحه الكبار في موضعه يمكنه إدراك معنى سلام الله ، ومن ثَمّ إبلاغه :

گر به اين محجوب روئى آورى

پرده خود بينى از من بر درى

نور رويت گر كفيل ما شود

ظلمت خود بينى از ما مى رود

إذا أقبلت يوماً من الحقّ نظرة

واُوشك للمحجوب أن يهتك السترا

وخلّي الأنانيّات يربو ظلامها

فتلك خشار لا يباع ولا يشرى

فيطرد نور الحقّ عنه ظلامه

ويغدو بلبل الذات يطلعه بدرا

وتفكّروا في هذه الآيات والروايات

( نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ) [ التحريم : ٨ ]( وَأَنِ اعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ ) [ يس : ٦١ ] وبناءاً على قرائة أهل البيتعليهم‌السلام فإنّهم قرأوا :( هَـٰذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ) [ الحجر : ٤١ ] ،( وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ
اللَّـهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ
) [ النور : ٤٠ ] « والمؤمن ينظر بنور الله » ، « بنوره عاداه الجاهلون » ، « بنوره آمن به المؤمن » ، « المؤمن نور ، مخرجه نور ، ومدخله نور ، كلامه نور ، منظره يوم القيامة إلى نور » ، « قلب


أَبَداً مَا بَقِيتُ وَبَقِيَ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ(١)

_________________

المؤمن عرش الرحمن » ، « والعرش معدن أنوار الله » و .

وأمّا الجواب عن السؤال الثاني ، نقول : في هذه العبارة نوع من الخضوع والتواضع كأنّما الزائر يقول : لمّا كان سلامي زهيداً لا يعدل شيئاً ، فليس من اللائق أن اُقدّمه للمولى ، ولكن سلام الله يليق بجنابه لذلك أقدمه له هديّة ، كما قال الشاعر :

سلام من الرحمن نحو جنابه

فإنّ سلامي لا يليق ببابه

درود خدا بر جنابش بود

سلامم نه لايق به بابش بود

وأمّا الجواب عن السؤال الثالث : لمّا كان الوافد للزيارة يهوىٰ أن يقدّم هديّة لمولاه لكي يزداد عنده قرباً بهذه الوسيلة فلم يجد أجدر به من سلام الله ، فيقول : سلام الله عليك منّي اُقدّمه هديّة لجنابك

ويقال في الجواب عن السؤال الرابع : إنّ من استضاء بنور الحقّ وصار نورانيّاً ومصداقاً من مصاديق الآية الشريفة( يَهْدِي اللَّـهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ) [ النور : ٣٥ ] واستطاع المخاطبة بلسان الحال :( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ
نَسْتَعِينُ
) فإنّ شخصاً كهذا بإمكانه تبليغ سلام الله فيقول : « عليك منّي سلام الله » ( المحقق )

(١) « أبداً ما بقيت وبقي الليل والنهار »

١ ـ الأبد معناه الدهر لأنّ الإنسان مخلوق للبقاء وحقيقته دهريّة ، والأبد عمر الدهر ومدّته ، وحينئذٍ يريد من الله تعالى أن يدوم هذا السلام ويتخطّى الدنيا والآخرة ويبقى بقاء الدهر وبناءاً على هذا يكون « أبداً » ظرفاً لما بقيت مقدّماً عليه « وبقي الليل والنهار » وهما ميزان الزمان ومعنى قوله « أبداً » أي ما دام الزمان ودام الليل والنهار فإنّ هذا السلام باقٍ وخلاصة المعنى طبقاً لهذا الاحتمال يكون كما يلي : سلامي عليك ما بقيت ببقاء الدهر وبقاء الليل والنهار وهما بقاء الزمان

٢ ـ الأبد يأتي بمعنى الزمان الطويل ، كما احتمل ذلك الشيخ الطريحي(١) وبناءاً على هذا يكون معنى العبارة كما يلي : من حين زيارتي إلى آخر عمري وما دام لليل والنهار بقاء ووجود فهذا السلام باقٍ وموجود

٣ ـ الأبد : ما لا آخر له ، ويقابل ما لا أوّل له ، وهو ذات الربوبيّة ، وبناءاً على هذا الاحتمال يكون المعنى كما يأتي : سلامي عليك إلى ما لا نهاية من يومي زيارتي إلى آخر وجودي وما دام الليل والنهار ( المحقق )

_____________

(١) عبارة الطريحي هكذا : وعن الراغب الأمد والأبد متقاربان لكن الأبد عبارة عن مدّة الزمان التي ليس لها حدّ محدود ولا يتقيّد يقال : أبداً كذا والأمد مدّة محصورة إذا اُطلق وينحصر نحو أن يقال : أمد كذا ( مجمع البحرين ١ : ٩٩ ـ المترجم )


المنصوب في هذه العبارة على الحاليّة ومؤكّد للعموم المستفاد من ضمير الجمع وفي الحال المؤكّدة لا يلزم تقييد مضمون الجملة بل لا يماشى المعنى ومن هذا القبيل :( لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ) (١) وصرّح في الصحاح بأنّ جميعاً مؤكّدة وهی منصوبة على الحاليّة كما في الكشّاف وتفسير القاضي وغيرها ، وفي هذا المثال يستفاد من القضيّة أنّ الحال مؤكّدة تأكيد العموم وهذا يعتبر من تنبيهات ابن هشام

أبد : الظاهر أنّه مشتقّ من « الأبود » ومعناه الإقامة في مكان واستعماله بمعنى الدهر والدائم والقديم من هذا المعنى وفيما نحن فيه جائت بمعنى الدائم الأبدي وهذا الدوام المأخوذ في العبارة ظاهره على الحقيقة ، ودليله القول التالي : « ما بقي الليل والنهار » لأنّ ذلك كناية عن التأبيد كما يستعمل الأشباه والنظائر له في هذا المعنى

وأبداً منصوبة على الظرفيّة و « ما » في قوله : « ما بقيت » زمانيّة مصدريّة أي مدّة بقائي وبقاء الليل والنهار ، ويمكن أن تكون الكلمة لتأبيد السلام وقيداً للمبتدأ حيث أنّ التأبيدات والشرايط المتعارفة في الشعر من هذا القبيل ، وهذا المعنى أقرب وأنسب

ويمكن أن يقال في تأبيد معنى « عليكم منّي » أنّه الإهداء والإرسال ، أي أنّ سلام الله من جانبي عليكم ، ويكون المعنى على هذا الوجه أنّ حالي على هذا المنوال من دوام التسليم واستمراره عليكم ، على وجه ان كان دائماً فأنا المسلّم وهذا السلام الإجمالي منزل تنزيل السلام المستمر التفصيلي عرفاً وشرعاً واعتباراً

وهذا المعنى بعيدٌ كما هو الظاهر البيّن

_________________

(١) يونس : ٩٩


وفي لفظ « منّي سلام الله » احتمالان :

الأوّل : إنزال الإنسان نفسه منزلة من يحمل سلام الله ويدّعي ذلك ويؤدّي سلام الله باعتباره يرى سلامه لا يليق بالمقام فهو يحمل سلام الله مكانه ، كهذا الشعر الذي أنشده البهائي في ديباجة بعض رسائله وصرّح بالجهة التي بيّناها :

سلام من الرحمان نحو جنابكم

فإنّ سلامي لا يليق ببابكم

وهذا الشعر وإن كان ضعيفاً إلّا أنّنا استشهدنا بمعناه(١)

والاحتمال الآخر : أنّ قول « سلام الله عليكم » دعاء بأن يرسل الله السلام عليهم ، ولمّا كان توجّه الداعي سبباً لهذه الرحمة والتسليم لهذا يعتبر هذا السلام ابتداءاً من الداعي وجاز له على هذا الوجه أن يقول منّي ، وفي السلام احتمالان :

الأوّل : أن يكون بمنزلة الصلاة المراد منه الرحمة لأنّ السلام تحيّة ، وتحيّة الله إكرام وإعظام من جانبه سبحانه وبلوغ المسلّم عليه إلى درجة القرب المعنوي ونزول أمطار الرحمة على أراضي الأرواح والأشباح

والاحتمال الآخر : معناه التسليم بمعنى أنّ الله تعالى طهّره وزكّاه من جميع العيوب المتصوّرة وحفظه من فقد الكمالات المترقّبة وأن يوصله إلى المعارج الرفيعة ، ولمّا كان بهذه المثابة كان حرماً آمناً ووسيلة محكمة ، وبهذا السبب يتمّ الارتباط الوثيق والمناسبة الثابتة بين المسلِّم والمسلَّم عليه حتّى أصبح رجاءاً للشفاعة وأملاً لوصول المثوبات العظيمة

وفي جواز السلام على غير النبي وانتفاعه بهذا السلام بحث نرجئه إلى شرح كلمة « صلّی الله عليه وآله وسلّم » المذكورة في الزيارة

_________________

(١) لست أرى فيه ضعفاً بل على العكس هو قويمّ مبتكر ولكن المؤلّف قرنه بشخصيّة قائله فبدى ضعيفاً لعظم هذه الشخصيّة ( المترجم )


التنبيه :

هذه العبارة الشريفة من صناعات البديع تستعمل على صنعة « الالتفات » وهو عبارة عن الانتقال من أُسلوب الخطاب إلى أُسلوب الغيبة ، وذلك بالتكلّم بأحدهما أو عكسه ، وهذا له دخل كبير في تحرّك خاطر المستمع وتطرية نشاطه وتوقّد ذهنه وحسن تصدّيه للاستماع كما أنّ له تأثيراً غريباً عليه ، وهو شايع في النظم العربي والفارسي ومنه الكثير وارد في القرآن الكريم كما جاء في قوله تعالى :( وَاللَّـهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ ) (١) وفي القرآن أيضاً :( حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ ) (٢)

وقال جرير في شعره :

متى كان الخيام بذي طلوح

سقيت الغيث أيّتها الخيام

وشمس الشعراء سروس راست :

ز كلك او يكى خط خطه را زير حكم كرد

الا اى كلك خواجه قوت وفعل وقدر دارى

وفي هذه القصيدة عدد من الأبيات فيها هذه الصنعة واحتواء هذه العبارة الشريفة على هذه الصنعة لا تحتاج إلى بيان لأنّه كان يخاطب الأصحاب وفجئة انقلب إلى الغيبة ثمّ انتقل بعدها من الغياب إلى الخطاب ، ثمّ سلّم عليهم حيث أنّ التوجّه إليه يزداد بعد ذكر الأصحاب حتّى يحضرهم في الذهن ويخاطبهم كما في قوله تعالى :( إِيَّاكَ نَعْبُدُ ) وهو قريب من هذا الوجه

فائدة :

أشرنا فيما سبق إلى أنّ في العبارة تأبيداً ، وفي العربيّة عبارات وجمل تدلّ على

_________________

(١) فاطر : ٩

(٢) يونس : ٢٢


التأبيد تجري علس ألسنة الفصحاء وعبائر العرب العرباء وهي متداولة بينهم ، ويأتون بها عندما يؤبّدون ، ونحن نذكر منها عدداً محدوداً ونختار العبارة ذات الجرس العذب واللفظ الفصيح ، والقرب من الأفهام :

الف ـ لا أفعل ذلك أبداً ما اختلف العصران

ب ـ ما كرّ الجديدان

ج ـ ما اختلف الملوان

د ـ ما اصطحب الفرقدان

هـ ـ ما تعاقب العصران والفتيان

و ـ ما لاح النيّران

ز ـ ما حنّت النيب

ح ـ ما أورق العود

ط ـ ما دعا الله داع

ى ـ ما عنّ في السماء نجم

يا ـ ما طلع الفجر

يب ـ ما بلّ بحر صوف

يج ـ ما هتفت حمامة

يد ـ ما لاح عارض

يه ـ ما ذرّ شارق

يو ـ ما ناح قمري

يز ـ ما أن كان في الفرات قطرة

يح ـ حتّى يحنّ الضبّ في أثر الإبل الصادرة


يط ـ ما اختلف الدرّة والحرّة(١)

ك ـ ما اختلف الأجدّان

كا ـ ما غرّد الحمام

كب ـ ولا أفعله أخرى الليالي

كج ـ حتّى يرد الضب

كد ـ ما أطت الإبل

كه ـ ما خوى الليل والنهار

كو ـ ما حدّ الليل والنهار

كز ـ أبد الدهر

كح ـ أبد الآبدين

كط ـ أبد الآباد

ل ـ سنّ الحسل(٢)

وهذه ثلاثون كلمة اخترتها من كتاب « مزهر اللغة » لجلال الدين السيوطي وكتاب « الألفاظ الكتابيّة » لعبدالرحمان بن عيسى الهمداني ، ووجدتها مستعملة في ألسنة أرباب الفصاحة والبلاغة وهناك ألفاظ أُخرى ليست جامعة للشرايط أعرضنا عنها ومن أراد المزيد فعليه الرجوع إلى كتابين هما : « إصلاح المنطق » لابن السكّيت ، و « تهذيب الإصلاح » للخطيب التبريزي(٣)

_________________

(١) اختلافها أنّ الدرّة تسفل والحرّة تعلو ( منهرحمه‌الله ) ( هامش الأصل )

(٢) أي حتّى يسقط سنّ الحسل وهو ولد الضبّ ولا يسقط سنّه أبداً ( هامش الأصل )

(٣) وسوف يأتي من هذا كثير في كلام الإمام الصادق في ذيل « مع إمام منصور أهل بيت محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم » ( هامش الأصل )


يَا أَبا عبد الله لَقَدْ عَظُمَتِ الرَّزِيَّةُ وَجَلَّتْ الْمُصِيبَةُ بِكَ عَلَيْنا وَعَلَىٰ جَمِيعِ أَهْلِ الْإِسْلامِ

الشرح : الجلال والعظمة كما جاء في كثير من كتب اللغة وغيرها أنّهما مترادفان وكلاهما بمعنى الكبر ـ بكسر الكاف وفتح الباء ـ ولكن ما توصّلنا إليه بحسب الاستعمال أنّ العظمة تقابل الصغر ، والجلالة تقابل الدقّة ، كما يقال : « ماله دقّ ولا جلّ ، ولا دقيقة ولا جليلة ، وأتيته فما أدقّني ولا أجلّني » ويقول العلماء : النظر الدقيق والنظر الجليل ، وإن وقع كثير منهم في الخطأ فقالوا : النظر الجلي

يقول الفيّومي في المصباح : « الدقيق خلاف الجليل » وفي مكان آخر يوضع الغليظ ضدّ الدقيق ، وهذا لا يستقيم في ميزان النظر لأنّ لازم ذلك أن يكون الغليظ والجليل بمعنى كما هو ظاهر الفارابي في ديوان الأدب ، لأنّه فسّر العظم بالضخامة والضخامة بالغلظة ، ويرفع هذا الإشكال بما يلي :

.. إنّ بناء علماء اللغة ليس على تحقيق وتحديد المعاني الحقيقيّة ، لأنّ هذا الأمر لا يمكن أن يتصيَّد من استعمال واحد ، وإحياناً يكون المعنى في نفس الإنسان حاضراً ولكنّه لا يجد الألفاظ التي تفيء بأدائه لكي يعبّر بها عندما يصوغ عباراته للأفهام لهذا عبّر اللغويّون بلوازم المعاني أو بالمعاني القريبة من المقصود التي تحوم حول المراد ونزلت عباراتهم على مقدار الأفهام وتفاوت السلائق ، نظماً ونثراً ، فعبّروا بها ، من هذه الجهة وجد الاختلاف الفاحش بين اثنين من علماء اللغة في تفسير المعنى للفظ واحد مع أنّ المحقّق البصير يدرك أن لا خلاف وإنّما أدّى كلّ واحد منهما لازماً لملزوم مشترك وحقّق معناه ، وغالباً يعمد الأُدباء وهم أبناء بجدة اللغة وفقهاء لسان العرب إلى تحمّل المشاقّ في تتبّع هذه المعاني وتحصيلها ، ومن كان عالماً بهذه الحال ملمّاً بطرق الاستعمال وله


ممارسة وتتبّع في لسان العرب ومعرفة أساليب التعبير عند القوم ، ومطّلعاً على انتقالات العرب في معانيها من معنى إلى معنى ، وينظر الواقع نظراً تحقيقيّاً لا نظراً قشريّاً تعلّميّاً يستطيع استخراج المعاني المختلفة والوجوه اللطيفة والأسرار البديعة من كثير من موارد اللغة غير المنصوصة ، وبهذا البيان الذي سقناه نكون قد فتحنا باباً عظيماً في فهم اللغات ، ورفعنا الاختلافات الكثيرة بين كلمات اللغويّين الواقعة في فهم الكتاب والسنّة والتي هي مرجع للفقهاء ، تفطّن لهذا جيّداً واغتنم الفرصة

المصيبة : اسم فاعل من أصابه ، وأصلها الوصول والبلوغ ولكنّها غلبت في الاستعمال بالبليّة إذا أصابت أحدهم إلى الدرجة التي إن لم يكن لها موصوف يتبادر منها هذا المعنى بخلاف ما إذا كان لها موصوف مثل الأفكار المصيبة والسهام المصيبة ومن توهّم الاشتراك في المعنيين فقد أخطأ

الرزيّة : في الأصل « رزيئة » مهموزة وخفّفت الهمزة إلى ياء مثل خطيئة وخطيّة ، وهي بمعنى المصيبة أيضاً

ومن المناسب أن نذكر مورداً أو موردين من الأخبار والآثار الدالّة على عظم هذه المصيبة في الإسلام وإن كان المتأمّل البصير لا يحتاج شهوداً على هذه الدعوى حيث أنّه من خلق الدنيا إلى يومنا هذا لم نر بعد البحث بالتاريخ والسير واقعة بكبر هذه الواقعة ، بأنّ أُمّة من الأُمم برزت لابن نبيّها وأصحابه وأهل بيته في يوم واحد فيقتلونهم وينهبون رحلهم ومتاعهم ، ويحرقون خيامهم ، ويحملون رأسه ورؤوس أصحابه وأولاده مع العيال والأطفال من مدينة إلى مدينة ، ومن بلد إلى بلد ، ويعرضون مرّة واحدة عن الملّة والدين الذي ينتسبون إليه ، ويطئونه بأقدامهم ، وإنّما جاءهم السلطان والقوّة من هذا الدين وليس غيره ، ومطابق لهذا المعنى ما جاء في الأمالي عن صادق آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله عن أبيه عن جدّهعليهم‌السلام أنّ


الحسين بن عليّ بن أبي طالبعليهم‌السلام دخل يوماً إلى الحسنعليه‌السلام فلمّا نظر إليه بكى ، فقال له : ما يبكيك يا أبا عبد الله ؟ قال : أبكي لما يصنع بك فقال له الحسنعليه‌السلام : إنّ الذي يؤتى إليّ سمّ يُدسّ إليّ فأُقتل به ، ولكن لا يوم كيومك يا أبا عبد الله ؛ يزدلف إليك ثلاثون ألف رجل يدّعون أنّهم من أُمّة جدّنا محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله وينتحلون دين الإسلام فيجتمعون على قتلك وسفك دمك وانتهاك حرمتك وسبي ذراريك ونساءك وانتهاب ثقلك فعندها تحلّ ببني أُميّة اللعنة وتمطر السماء رماداً ودماً ، ويبكي عليك كلّ شيء حتّى الوحوش في الفلوات والحيتان في البحار(١)

وننقل هنا ثلاثةً من الأخبار غير هذا الخبر

أ ـ الشيخ الأجل الأقدم الأوثق أبو القاسم جعفر بن قولويه القمّي رضي الله عنه وأرضاه روى في كامل الزيارة وساق السند إلى صادق آل محمّدعليهم‌السلام بأنّه قال : لمّا قُتل الحسينعليه‌السلام سمع أهلنا قائلاً يقول بالمدينة : اليوم نزل البلاء على هذه الأُمّة فلا ترون فرحاً حتّى يقوم قائمكم فيشفي صدوركم ويقتل عدوّكم وينال بالوتر أوتاراً ففزعوا منه وقالوا : إنّ لهذا القول لحادثاً قد حدث ما لا نعرفه ، فأتاهم خبر قتل الحسينعليه‌السلام بعد ذلك فحسبوا ذلك فإذا هي تلك الليلة التي تكلّم فيها المتكلّم(٢)

ب ـ وفي علل الشرايع روى عن عبد الله بن الفضل قال : قلت لصادق آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا بن رسول الله ، كيف صار يوم عاشوراء يوم مصيبة وغمّ وجزع وبكاء دون اليوم الذي قبض منه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله واليوم الذي ماتت فيه فاطمةعليها‌السلام ،

_________________

(١) أمالي الصدوق : ١١٥ ( المترجم ) أمالي الصدوق : مجلس ٢٤ رقم ٣ ، بحار الأنوار ٤٥ : ٢١٨ رقم ٤٤

(٢) كامل الزيارات : ٥٥٣ ( المترجم ) كامل الزيارات : باب ١٠٨ نوادر الزيارات ص ٣٣٦ ح ١٤ ( هامش الأصل )


واليوم الذي قُتل فيه أمير المؤمنينعليه‌السلام ، واليوم الذي قُتل فيه الحسين بالسمّ ؟

قال : إنّ يوم الحسينعليه‌السلام أعظم مصيبة من جميع سائر الأيّام وذلك أنّ أصحاب الكساء الذي كانوا أكرم الخلق على الله تعالى كانوا خمسة ، فلمّا مضى عنهم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بقي أمير المؤمنين وفاطمة والحسن الحسينعليهم‌السلام فكان فيهم للناس عزاء وسلوة ، فلمّا مضت فاطمةعليها‌السلام كان في أمير المؤمنين والحسن والحسين للناس عزاء وسلوة ، فلمّا مضى منهم أمير المؤمنينعليه‌السلام كان للناس في الحسن والحسين عزاء وسلوة ، فلمّا مضى الحسنعليه‌السلام كان للناس في الحسينعليه‌السلام عزاء وسلوة ، فلمّا قُتل الحسينعليه‌السلام لم يكن بقي من أهل الكساء أحد للناس فيه بعده عزاء وسلوة فكان ذهابه كذهاب جميعهم كما كان بقائه كبقاء جميعهم ؛ فلذلك صار يومه أعظم مصيبة

قال عبد الله بن الفضل الهاشمي : فقلت له : يا بن رسول الله ، فلم لم يكن للناس في عليّ بن الحسين عزاء وسلوة مثل ما كان لهم في آبائهمعليهم‌السلام ؟

فقال : بلى إنّ عليّ بن الحسين كان سيّد العابدين وإماماً وحجّة على الخلق بعد آبائه الماضين ولكنّه لم يلق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ولم يسمع منه وكان علمه وراثة عن أبيه عن جدّه عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وكان أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسينعليهم‌السلام قد شاهدهم الناس مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في أحوال في آن يتوالى فكانوا متى نظروا إلى أحد منهم تذكّروا حاله مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وقول رسول الله له وفيه ، فلمّا مضوا فقد الناس مشاهدة الأكرمين على الله عزّوجلّ ولم يكن في أحد منهم فقد جميعهم إلّا في فقد الحسينعليه‌السلام ، لأنّه مضى آخرهم فلذلك صار يومه أعظم الأيّام مصيبة(١)

_________________

(١) علل الشرايع ١ : ٢٢٦ ( المترجم ) علل الشرايع ١ : ١٢٥ ـ ١٢٧ باب ١٦٢ ، بحار الأنوار ٤٤ : ٢٧١ باب أنّ مصيبته أعظم المصائب ( هامش الأصل )


وفي هذا الحديث صرّح في مواضع منه بأنّ مصيبة سيّد الشهداءعليه‌السلام أعظم المصائب على المسلمين

ويؤيّد هذا الحديث كلام العالمة غير المتعلّمة عقيلة الرسالة ورضيعة ثدي العصمة سيّدتنا زينب ـ أرواحنا لتراب أقدامها الفداء ـ في الإرشاد للشيخ المفيد وغيره أنّه قالت لسيّد الشهداء ليلة عاشوراء : واثكلاه ، ليت الموت أعدمني الحياة ، اليوم ماتت أُمّي فاطمة وأبي عليّ وأخي الحسن ، يا خليفة الماضي وثمال الباقي(١)

ج ـ وفي الخصال : عن عمر بن بشر الهمداني قال : قلت لأبي إسحاق : متى ذلّ الناس ؟ قال : حين قُتل الحسين بن عليّعليهما‌السلام ، وادّعي زياد ، وقُتل حجر بن عدي(٢) (٣)

وسوف نوافيك بحكاية استلحاق زياد لعنه الله إن شاء الله في ترجمة حال عبيدالله بن زياد(٤)

ومن هذه الأخبار وممّا يماثلها الدالّة على عظم المصيبة في الإسلام كثيرة فاقت الحصر ، ويقتضينا التقيّد بالاختصار تجنّب استقصائها

_________________

(١) بحار الأنوار ٤٥ : ٢ ط لبنان ( هامش الأصل ) الإرشاد ٢ : ٩٣ ( المترجم )

(٢) الخصال : ١٨١ ، وأبو إسحاق هو الإمام الصادقعليه‌السلام ( المترجم )

(٣) الخصال : ١٨١ باب الثلاثة رقم ٢٤٨ ، بحار الأنوار ٤٤ : ٢٧١ ( هامش الأصل )

(٤) ذيل « ولعن الله آل زياد » ، ونقل هذه الواقعة في بحار الأنوار ٤٤ : ٣٠٩ ، وابن أبي الحديد بالتفصيل ( هامش الأصل )


وَجَلَّتْ وعَظُمَتْ مُصِيبَتُكَ فِي السَّمٰاوٰاتِ عَلَىٰ جَمِيعِ أَهْلِ السَّمٰاوٰاتِ

الشرح : في أخبار الإماميّة وآثارها وأهل السنّة والجماعة عدّة روايات وفيها ظهور العلامات الغريبة في السماء والأرض تدلّ على وقوع هذا الخطب الجليل والرزء العظيم وهي خارجة عن الحصر والإحصاء أمّا نحن فننقل عدداً منها في هذه الفقرة من الشرح تدلّ على عظم مصيبتهعليه‌السلام في السماء على الملائكة في فصلين وننقل قسماً آخر من هذه الأخبار إن شاء الله في فقرة أُخرى التي لها ارتباط بعموم مصيبتهعليه‌السلام مع مراعاة الاختصار

فصلٌ

في ذكر تأثّر الملائكة وبكائها بصفة عامّة وجبرئيل بصفة خاصّة ، ولعلّ في أثناء بعضها ذكراً يدور حول التغييرات العامّة ، ونأتي هنا بعدد محدود منها وتجد التفصيل في البحار ومدينة المعاجز للسيّد المحدّث الجليل البارع السيّد هاشم البحراني :

أ ـ في كامل الزيارة عن أبان بن تغلبرضي‌الله‌عنه أنّه قال : صادق آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ أربعة آلاف ملك هبطوا يريدون القتال مع الحسين بن عليّعليهما‌السلام لم يؤذن لهم في القتال ، فرجعوا في الاستئذان فهبطوا وقد قُتل الحسينعليه‌السلام ، فهم عند قبره شُعثٌ غُبْرٌ يبكونه إلى يوم القيامة ( رئيسهم ملك يقال له : منصور )(١)

وروى في كامل الزيارات أربعة عشر حديثاً آخر بأسانيد متفاوتة وعبارات مختلفة متقاربة من هذا المعنى ، وبالطبع ملاحظتها بعين البصير الحاذق توجب لكم الحكم بتواترها ، أو تواتر معناها على الأصحّ ، وكلّها مذكورة في بحار الأنوار

_________________

(١) كامل الزيارات : ١٧١ وما بين القوسين تتمّة الرواية ولم يوردها المؤلّف ( المترجم ) كامل الزيارات : باب ٧٧ رقم ٩ ، بحار الأنوار ٤٥ : ٢٢٦ رقم ١٢ ( هامش الأصل )


ب ـ في بحار الأنوار عن محاسن البرقي : روي عن الإمام الصادقعليه‌السلام قال : وكّل الله بالحسين بن عليّعليهما‌السلام سبعين ألف ملك يصلّون عليه كلّ يوم شعثاً غبراً منذ يوم قُتل إلى ما شاء الله(١)

ج ـ وفي كامل الزيارة حديث طويل مشتمل على أنّ الملائكة مطيفة بحائر الحسينعليه‌السلام ليلاً ونهاراً يبكون ولا يفترون إلّا وقت الزوال ووقت طلوع الفجر لأنّهم يحادثون في هذين الوقتين ملائكة السماء القادمين لزيارة قبر الحسين ويسألونهم من أخبار السماء(٢) (٣)

وسوف نذكر ذيل الحديث في فقرة أُخرى إن شاء الله تعالى ، وما أوردنا ليست ترجمة تامّة للحديث بل النقل بالمعنى

د ـ وفي كامل الزيارة أيضاً عن صفوان الجمّال عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سألته في طريق المدينة ونحن نريد مكّة ، فقلت : يا بن رسول الله ، مالي أراك كئيباً حزيناً منكسراً ؟ فقال : لو تسمع ما أسمع لشغلك عن مسألتي قلت : فما الذي تسمع ؟ قال : ابتهال الملائكة إلى الله عزّ وجلّ على قتلة أمير المؤمنين وقتلة الحسينعليه‌السلام ونوح الجنّ وبكاء الملائكة الذين حوله وشدّة جزعهم ، فمن يتهنّأ مع هذا بطعام أو شراب أو نوم(٤) ؟!

_________________

(١) بحار الأنوار ٤٥ : ٢٢٢ وتمام الحديث : يعني بذلك قيام القائمعليه‌السلام ( المترجم ) كامل الزيارات : باب ٢٨ رقم ٥ ، بحار الأنوار ٤٥ : ٢٢٢ رقم ٩ ، وعبارة شفاء الصدور : البحار عن المحاسن صحّفت البحار عن الكامل ( هامش الأصل )

(٢) كامل الزيارة : ١٧٦ وهذا الحديث طويل إلى حدّ ما وأراه ينطبق على ما قاله المؤلّف وإن وردت في كلمات المؤلّف ألفاظ لم أجدها في الحديث ( المترجم )

(٣) كامل الزيارة : ٨٦ باب ٢٧ رقم ١٦ ، بحار الأنوار ٤٥ : ٢٢٧ رقم ١٧ ( هامش الأصل )

(٤) كامل الزيارات : ١٨٧ ( المترجم ) كامل الزيارات : ٩٢ باب ٢٨ رقم ١٨ ( هامش الأصل )


هـ ـ وفي كامل الزيارات أيضاً وساق السند إلى إسحاق بن عمّار قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : إنّي كنت بالحائر ليلة عرفة وكنت أُصلّي وثمّ نحو من خمسين ألفاً من الناس ؛ جميلة وجوههم ، طيّبة روائحهم ، وأقبلوا يصلّون الليل أجمع ، فلمّا طلع الفجر سجدت ثمّ رفعت رأسي فلم أر منهم أحداً

فقال لي أبو عبد اللهعليه‌السلام : إنّه مرّ بالحسينعليه‌السلام خمسون ألف ملك وهو يقتل فعرجوا إلى السماء فأوحى الله تعالى إليهم : مررتم بابن حبيبي وهو يقتل فلم تنصروه ؟ فاهبطوا إلى الأرض فاسكنوا عند قبره شعثاً غبراً إلى أن تقوم الساعة(١)

و ـ وفي العيون والأمالي عن الإمام الرضاعليه‌السلام في حديث الريّان بن شبيب : ولقد نزل إلى الأرض من الملائكة أربعة آلاف لنصره فلم يؤذن لهم فهم عند قبره شُعْثٌ غُبْرٌ إلى أن يقوم القائمعليه‌السلام فيكونون من أنصاره(٢)

ز ـ كامل الزيارات : نقل عن سليمان(٣) : وهل بقي في السماوات ملك لم ينزل إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يعزّيه بولده الحسينعليه‌السلام ويخبره بثواب الله إيّاه ويحمل إليه تربته(٤) ؟

ح ـ وفي كامل الزيارات عن ابن عبّاسرضي‌الله‌عنه قال : الملك الذي جاء إلى محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله يخبره بقتل الحسينعليه‌السلام كان جبرئيلعليه‌السلام الروح الأمين منشور الأجنحة ،

_________________

(١) كامل الزيارات : ٢٢٦ ( المترجم ) كامل الزيارات : ١١٥ باب ٣٩ رقم ٦ ، بحار الأنوار ٤٥ : ٢٢٦ ( هامش الأصل )

(٢) عيون أخبار الرضاعليه‌السلام ٢ : ٢٦٨ ( المترجم ) عيون أخبار الرضاعليه‌السلام ١ : ٢٩٩ ، أمالي الصدوق : مجلس ٢٧ ، بحار الأنوار ٤٤ : ٢٨٦ ( هامش الأصل )

(٣) الظاهر أنّه سليمان بن عبد الله أبو العلاء الغنوي الكوفي الذي ذكره الشيخ في رجاله من أصحاب الصادقعليه‌السلام ( المترجم )

(٤) كامل الزيارات : ١٣١ ( المترجم ) كامل الزيارات : ٦١ باب ١٧ رقم ٨ ، بحار الأنوار ٤٤ : ٢٣٦ رقم ٢٧ ( هامش الأصل )


باكياً صارخاً قد حمل من تربة الحسينعليه‌السلام وهي تفوح كالمسك ( فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : وتفلح أُمّتي تقتل فرخي أو قال : فرخ ابنتي ! فقال جبرئيل : يضربها الله بالاختلاف فتختلف قلوبهم )(١) (٢)

ونقل الرواية في الكامل بسند آخر

فصل

في الآثار والانقلابات التي حدثت في الفلك والفلكيّات عند وقوع هذه المصيبة العظمى والخطب الفادح وذكر عدد من أخبار الإماميّة ضاعف الله اقتدارها ونصر من لدنه أنصارها وفي هذا الباب :

أ ـ في التفسير للشيخ الأجل الأوثق الأقدم قدوة الطائفة عليّ بن إبراهيم بن هاشم القمّي رضي الله عنه وأرضاه في تفسير الآية المباركة :( لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ
سَمِيًّا
) (٣) روى جابر عن باقر علوم النبيّين أنّه قال : لم يجعل الله ليحيى سميّاً من قبل ولا للحسين بن عليّعليهما‌السلام ، وبكت السماء أربعين صباحاً وبكت عليه الشمس مثلها ، وبكاء الشمس طلوعها وغروبها في حمرة وقيل : إنّ بكاء السماء بكاء أهلها وهم الملائكة

وينبغي أن تكون العبارة الأخيرة لعليّ بن إبراهيم ، وأشار إلى ضعف الخبر بصيغة التضعيف « قيل » وهو ضعيف حقّاً إذ لا يوجد دليل على هذا التأويل بل الأخبار دالّة على بكائها بالمعنى الحقيقي كما سيظهر لك في تضاعيف هذا الشرح

_________________

(١) كامل الزيارات : ١٣١ ولم ينقل المؤلّف ما وضعناه بين قوسين وهو تمام الحديث ( المترجم )

(٢) كامل الزيارات : ٦١ باب ١٧ رقم ٧ ( هامش الأصل )

(٣) مريم : ٧


ب ـ في كامل الزيارة : عن رجل قال : سمعت أمير المؤمنينعليه‌السلام وهو يقول في الرحبة وهو يتلو هذه الآية :( فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ ) (١) وخرج عليه الحسينعليه‌السلام من بعض أبواب المسجد ، فقال : أمّا إنّ هذا سيُقتل وتبكي عليه السماء والأرض(٢)

ج ـ وفي الأمالي والعلل أنّ ميثم التمّار قال لجبلّة المكّيّة : والله لتقتل هذه الأُمّة ابن بنت نبيّها في المحرّم لعشر يمضين منه وليتّخذنّ أعداء الله ذلك اليوم بركة وإنّ ذلك لكائن يا جبلة ، اعلمي أنّ الحسين بن عليّعليهما‌السلام سيّد الشهداء يوم القيامة ولأصحابه على سائر الشهداء درجة يا جبلّة ، إذا نظرت السماء حمراء كأنّها دم عبيط فاعلمي أنّ سيّد الشهداء الحسين قد قتل

قالت جبلة : فخرجت ذات يوم فرايت الشمس على الحيطان كأنّها الملاحف المعصفرة فصحت حينئذٍ وبكيت وقلت : قد والله قُتل سيّدنا الحسينعليه‌السلام (٣) (٤)

د ـ وفي الأمالي والعيون عن الريّان بن شبيب عن الرضاعليه‌السلام أنّه قال : ولقد بكت السماوات والأرضون لقتله(٥)

هـ ـ وفي كامل الزيارة عن رجل من أهل بيت المقدس ونواحيها عشيّة قتل الحسين بن عليّعليهما‌السلام ، قلت : وكيف ذاك ؟ قال : ما رفعنا حجراً ولا مدراً ولا صخراً

_________________

(١) الدخان : ٢٩

(٢) كامل الزيارة : ١٨٠ تحقيق جواد القيّومي ط اولى ١٤١٧ ، النشر الإسلامي نشر الفقاهة ( المترجم ) كامل الزيارات : ٨٨ باب ٢٨ رقم ١ ( هامش الأصل )

(٣) علل الشرايع ١ : ٢٢٨ ولم يذكر المؤلّف إلّا موضع الشاهد من الحديث وما سبقه فهو منّا ( المترجم )

(٤) أمالي الصدوق : مجلس ٢٧ رقم ١ ، علل الشرايع ١ : ٢١٧ ، بحار الأنوار ٤٥ : ٢٠٢ ( هامش الأصل )

(٥) عيون أخبار الرضاعليه‌السلام ٢ : ٢٦٨ وهو جزء من حديث طويل ( المترجم ) أمالي الصدوق : مجلس ٢٧ رقم ١ ، علل الشرايع ١ : ٢١٧ ، بحار الأنوار ٤٥ : ٢٠٢ ( هامش الأصل )


إلّا ورأينا تحتها دماً عبيطاً يغلي واحمرّت الحيطان كالعلق ، ومطرنا ثلاثة أيّام دماً عبيطاً(١)

و ـ وروى الشيخ الأجل الأعظم الأوثق عبد الله بن جعفر الحميري في ( قرب الإسناد ) عن حنان أنّ صادق آل محمّد قال : زوروا الحسين ولا تجفوه فإنّه سيّد الشهداء وسيّد شباب أهل الجنّة وشبيه يحيى بن زكريّا ، وعليهما بكت السماء والأرض(٢)

ز ـ في كامل الزيارة عن عليّ بن مسهّر القرشي قال : حدّثتني جدّتي أنّها أدركت الحسين بن عليّ حين قتل قالت : فمكثنا سنة وتسعة أشهر والسماء مثل العلقة مثل الدم ما ترى الشمس(٣)

ح ـ وفي الكامل أيضاً عن داود بن فرقد عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : احمرّت السماء حين قتل الحسينعليه‌السلام سنة ويحيى بن زكريّا وحمرتها بكائها(٤)

ط ـ في الكامل وساق السند إلى محمّد بن مسلمة عمّن حدّثه قال : لمّا قتل الحسين بن عليّعليهما‌السلام أمطرت السماء تراباً أحمراً(٥)

_________________

(١) كامل الزيارات : ١٦٠ والسياق في الكامل يختلف عن سياق المؤلّف لأنّ المؤلّف نقل من موضع الشاهد من الحديث وترك الباقي وهو أهمّ ما في الحديث ( المترجم ) كامل الزيارات : ٧٧ باب ٢٥ (٢٤) رقم ٢ ( هامش الأصل )

(٢) قرب الإسناد : ٩٩ ( المترجم ) قرب الإسناد : ٦٦ ، بحار الأنوار ٤٥ : ٢٠١ ( هامش الأصل )

(٣) كامل الزيارات : ١٨١ ( المترجم ) كامل الزيارات : ٨٩ باب ٢٨ ، بحار الأنوار ٤٥ : ٢١ رقم ٢ ( هامش الأصل )

(٤) كامل الزيارات : ١٨٢ ( المترجم ) كامل الزيارات : ٨٩ باب ٢٨ ، بحار الأنوار ٤٥ : ٢١٠ رقم ٢١ ( هامش الأصل )

(٥) كامل الزيارات : ١٨٣ ( المترجم ) كامل الزيارات : ٨٩ باب ٢٨ ، بحار الأنوار ٤٥ : ٢١١ رقم ٢٥ ( هامش الأصل )


ى ـ وأيضاً في كامل الزيارات بسنده إلى سيّد الساجدين أنّه قال : إنّ السماء لم تبك منذ وضعت إلّا على يحيى بن زكريّا والحسين بن عليّعليهما‌السلام قلت : أيّ شيء كان بكائها ؟ قال : كانت إذا استقبلت بثوب وقع على الثوب شبه أثر البراغيث من الدم(١)

وأخبار من هذا اللون جمّة كثيرة وسوف تأتيكم قطعة منها في بيان عموم المصيبة ، وليس المقصود في هذا المختصر الإحاطة بجميعها ، وبهذا المقدار المبيّن في هذا المقام كفاية

_________________

(١) كامل الزيارات : ١٨٤ ( المترجم ) كامل الزيارات : باب ٢٨ ، بحار الأنوار ٤٥ : ٢١١ والبراغيث جمع برغوث وهو الكلك في الفارسيّة ( هامش الأصل )


فَلَعَنَ اللهُ أُمَّةً أَسَّسَتْ أَسَاسَ الظُّلْمِ وَالْجَوْرِ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ

ش ـ الفاء تفريعيّة وحقيقة التفريق إفادة دخول الحكم السابق في اللاحق ، وفي هذا المقام لمّا جرى ذكر المصيبة جرت من تذكّرها ثورة في النفس وهيجان وفار العداء لأعداء الله فاستحقّوا اللعن ، إذن لعظم المصيبة وجلال الخطب وكبر الرزيّة دخلٌ في هذا اللعن

وحقيقة المعنى تكون كما يلي : لمّا كان الأمر بهذه المثابة فلعن الله ذلك الفريق وفاء التفريع معناه عكس معنى فاء التعليل ، مثل « اضربه فقد نام » وهذه بظاهرها جملة نحويّة ، وبالتدقيق الأدبي والتأمّل الأُصولي كلا الجملتين التفريعيّة والتعليليّة حكمهما واحد ، وحقيقتهما إفادة العلّيّة غاية الأمر أنّه في مكان يكون السابق علّة للاحق ، وفي مكان آخر يكون الأمر بالعكس

لعن : ومعنى اللعن كما جاء في الأساس والنهاية وديوان الأدب وغيرها ، يستعمل للطرد والتبعيد من رحمة الله تعالى ، وهو كما في النهاية يعتبر دعاءاً وسبّاً إلّا أنّ في اعتقادي أنّه من قبيل (جزاء الله خيرا ) وإجمال هذا الكلام تقدّم في بيان لفظ السلام ، وسيأتي نظيره في لفظ صلوات بمنّه وجوده

الأُمّة : بمعنى الفرقة والجماعة ، وأحياناً تكون بمعنى الواحد كما في الحديث : يحشر قسّ أُمّة وحده(١) والمراد به قسّ بن ساعدة الأيادي المشهور بالفصاحة شهرة واسعة ، وفي المثل : « أفصح من قس » إشارة إليه ، ولقد بشّر بنبوّة النبيّ وإمامة الأئمّة الاثنى عشر قبل البعثة وأشعاره مذكورة في بطون الكتب ، وارتكب المعاصر المؤرّخ خطأ في تفسير هذه الكلمة واضحاً حين نزّلها على أبي طالب

_________________

(١) رحم الله قسّاً يحشر يوم القيامة أُمّة وحده ( سفينة البحار : باب الثقاف وبعده السين ، بحار الأنوار ٤٤ : ٢٤٠ ) ( هامش الأصل )


كلاهما الخطبة المعروفة بخطبة المسجد التي أجابت بها نساء الأنصار وذكرت في الاحتجاج والبحار وناسخ التواريخ وغيرها وقد عزوها إلى ذلك الكتاب والكلمات كلّها تظلّم وإظهار الألم والصدمة النفسيّة ومنها حيث تقول فيها : « بئسما قدّمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليه وفي العذاب هم خالدون »(١)

وتكفي هذه الكلمات في إثبات المدّعىٰ ، وإذا أردت طلباً للتفصيل ملاحظة واحد من هذه الكتب التي أشرنا إليها والتي ذكرت الخطبة تفصيلاً أو ترجمتها فإنّك سوف تصل بالتأمّل الوجداني إلى القطع بالحديث الصحيح قطعي الصدور المنقول في كتب الإماميّة مستفيضاً بل متواتراً من أنّ صادق آل محمّد قال : لمّا مات رسول الله ارتدّ الناس إلّا ثلاثة ـ وفي رواية : إلّا أربعة ـ : سلمان وأبوذر والمقداد وحذيفة ، وأمّا عمّار فإنّه حاص حيصة ثمّ عاد(٢)

وبعد ملاحظة هذه الأخبار نتوجّه جيّداً إلى أركان القضيّة العامّة : الصحابة كلّهم عدول ، وإنّها متزلزلة ما في ذلك ريب وهدم بنائها من أسّه ، ونرى من المناسب أن نطعّم هذا الفصل بعدد من الأخبار المرويّة في كتاب البخاري عن ارتداد الصحابة وفتنهم وبدعهم المستحدثة التي أخبر عنها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أيّام حياته ، بصفة مختصرة « محض تسجيل الصواب وتحصيل الثواب » ونوردها بألفاظها من دون ترجمة كما وردت في الجامع

_________________

(١) بلاغات النساء : ١٩ ، أعلام النساء ٣ : ١٢١٩ ط دمشق وكتب أُخرى من العامّة تجد تفصيلها في إحقاق الحق ١٠ : ٣٠٦ ( هامش الأصل )

(٢) روى حديث ارتداد الناس إلّا ثلاثة أو أربعة ، بحار الأنوار ٨ : ٥٠ أُفست ( هامش الأصل )

وأمّا حيصة عمّار فإن كانت الولاية فقد ولّي سلمان على المدائن حتّى مات فيها وإن كان أمر آخر فما هو هذا الأمر ليت شعري ؟ إنّ عمّار بقي على السنّة متّبعاً خطى عليّ لم ينحرف عنه طرفة عين وهذا ما أدين الله به ومن اعتقد بغير هذا فليستغفر الله منه فإنّه الضلال بعينه ، صلّى الله على عمّار وصلّى الله على سلمان ( المترجم )


أ ـ روى البخاري في باب الحوض عن عبد اللهرضي‌الله‌عنه عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : أنا فرطكم على الحوض وليرفعنّ رجال منكم ثمّ ليختلجنّ دوني فأقول : يا ربّ أصحابي ، فيقال : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك(١)

ب ـ عن حذيفة مثله(٢)

ج ـ عن أنس : عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : ليردنّ عليّ ناس من أصحابي حتّى إذا عرفتهم اختلجوا دوني أقول : أصحابي ، فيقول : لا تدري ما أحدثوا بعدك(٣)

د ـ أبو حازم عن سهل بن سعد قال : قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّي فرطكم على الحوض ، من مرّ عليّ شرب ومن شرب لم يظمأ أبداً ، ليردنّ عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني ، ثمّ يحال بيني وبينهم

قال أبو حازم : فسمعني النعمان بن أبي عيّاش فقال : هكذا سمعت من سهل ؟ فقلت : نعم فقال : أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته وهو يزيد فيها : فأقول : إنّهم منّي ، فيقال : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول : سحقاً سحقاً لمن غيّر بعدي

وقال ابن عبّاس : سحقاً بُعداً ، يقال : سحيق بعيد ، سحقه وأسحقه أبعده

هـ ـ عن أبي هريرة أنّه كان يحدّث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : ليردّ عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي فيحلّئون عن الحوض ، فأقول : يا ربّي ، أصحابي ، فيقول : إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى

_________________

(١) صحيح البخاري ٨ : ١١٩ باب الحوض ط أميريّة ، وصحيح مسلم ج ٧ باب الحوض ، والحميدي في الجمع بين صحيح مسلم والبخاري ، ومسند أحمد بن حنبل ٥ : ٣٣٣ و ٣٨٨ ط مصر ، ومثل هذه الروايات كثير تجد تفصيلها في بحار الأنوار ٨ : ٨ ط أُفست ( هامش الأصل )

(٢) نفسه

(٣) نفسه


و ـ عن ابن المسيّب أنّه كان يحدّث عن أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : يرد عليّ الحوض رجال من أصحابي فيحلّئون عنه فأقول : يا ربّ ، أصحابي ؟ فيقول : إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك ، إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى

وقال شعيب عن الزهري : كان أبو هريرة يحدّث عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : يحلّون ، وقال عقيل : فيحلّئون

ز ـ عن أبي هريرة عن النبي مثله

ح ـ عن أبي هريرة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : بينا أنا قائم فإذا زمرة حتّى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال : هلمّ ، قلت : أين ؟ قال : إلى النار والله قلت : ما شأنهم ؟ قال : إنّهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرىٰ فلا أراه يخلص منهم إلّا مثل حمل [ همل النعم ] [ همل ـ المصدر ] النعم

ط ـ عن ابن أبي مليكة ، عن أسماء بنت أبي بكر قالت : قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّي على الحوض حتّى أنظر من يرد عليّ منكم وسيؤخذ ناس من دوني فأقول : يا ربّ ، منّي ومن أُمّتي فيقال : هل شعرت ما عملوا بعدك والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم

فكان ابن أبي مليكة يقول : إنّا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نفتن عن ديننا

وروي في كتاب الفتن عن ابن أبي مليكة عن أسماء عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : أنا على حوضي أنتظر من يرد عليّ فيؤخذ بناس من دوني فأقول : أمتي ؟ فيقول : لا تدري مشوا على القهقرىٰ

قال ابن أبي مليكة : اللهمّ إنّا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نفتن

قلت : يمكن التعدّد في الاستماع من أسماء ، ويجوز أن تكون أسماء غير بنت أبي بكر والظاهر الوحدة لكن لفظ الثاني أوضح وأصرح

ى : عن أبي حازم مثلما مرّ في باب الحوض


يا : عن عبد الله قال : قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّكم سترون بعدي إثرة وأُموراً تنكرونها قالوا : فما تأمرنا يا رسول الله ؟ قال : أدّوا إليهم حقّهم واسألوا الله حقّكم

قلت : فيه إخبار باستئثار أعداء الله بفيء أهل البيت كما يوضحه كون الخطاب لابن عبّاس وفي ذيله أمر بالتقيّة ولزوم الصبر ، كما فيما قبله عن عبد الله بن يزيد : اصبروا حتّى تلقوني على حوضي

يب : عن أُسامة بن زيد قال : أشرف النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله على أطم من آطام المدينة ، فقال : هل ترون ما أرى ؟ قالوا : لا قال : فإنّي لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كوقع القطر

يج ـ عن ابن المسيّب عن أبي هريرة : ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم ، القائم فيها خير من الماشي ، والماشي فيها خير من الساعي ، من تشرّف لها تستشرفه ، فمن وجد فيها ملجأ أو ملاذاً فليعذّبه

يد ـ أبو سلمة بن عبد الرحمان عن أبي هريرة مثله(١)

وفي المسألة في صحيح مسلم والترمذي وسائر الكتب أحادث أُخرى أوضح وأكثر صراحة ممّا تقدّم ، وهذا المقدار كافٍ في معرفة الحقّ للمسلم المتديّن ، ويعلم من هذه الأحاديث الأربعة عشر أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أخبر عن ارتداد جماعة من أصحابه ، وقال : إنّ الفتن تقع ويكون القاعد فيها خيراً من القائم ، وقال : تقع الفتنة في بيوتكم كقطر المطر

وقال لأهل بيته : ستسلب حقوقكم بعدي فاصبروا واحتملوا ثقل وطأتها

فهل يرى منصف أنّ هذه الإشارات منهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى غير غصب الخلافة وظلم فاطمة ؟ وهل يحتمل غيره ؟ ومتى وقعت فتنة وبلاء شامل غير هذه الفتنة في

_________________

(١) ونورد لك أرقام الأحاديث من كتاب البخاري بعد ذكر رموزها : أ ـ رقم ٦٣٣٥ ، د ـ رقم ٦٧٩٧ ، ج ـ رقم ٦٣٤١ ، هـ ـ رقم ٦٣٤٤ ، ج ـ رقم ٦٣٤٦ ، ط ـ رقم ٦٣٥٢ ، يا ـ رقم ٦٧٩٨ ، يب ـ رقم ٦٨٠٦ ، يج ـ رقم ٦٨٢٦ ( المترجم )


الإسلام ؟ ولعن الشيعة إنّما ينصب على المرتدّين والكفّار والظالمين ، وإلّا فأخيار الصحابة وخواصّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله مثل سلمان وأبي ذر والمقداد وحذيفة وعمّار وأبوالهيثم بن التيهان وعمرو بن الحمق الخزاعي وحجر بن عدي وعدي بن حاتم سلام الله عليهم جميعاً أحبّ الخلق إلى الشيعة بعد الأئمّة عليهم السلام وصلوات الله عليهم ، ويرون وجوب احترامهم وتكريمهم في السرّ والعلانية ، ويرون من سبّ عموم الصحابة كافراً وتجب البرائة منه ، فتبيّن من هذا أنّ اتهام الشيعة بسبّ الصحابة كلّهم إنّما هو من مكائد الأعداء( سُبْحَانَكَ هَـٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ) (١)

نعم ، لمّا اختلفت أحوال الصحابة كما سمعت ومن الآيات الكثيرة يفهم كما هو من الضرورة أنّ المنافقين لم ينقرضوا بموت رسول الله ، فكانت حال الناس بعد وفات النبي واحدة لا ميزة بينهم فلا يعرف الطيّب من الخبيث ، ولا المنافق من المؤمن ، ولا الثابت من المرتد

أجل ، وضع الرسول بنفسه النفيسة ميزاناً صحيحاً وقطاساً مستقيماً لتميّزهم ، حيث علم بالتواتر من رواية الفريقين أنّه قال : إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا

وقال في موضع آخر : مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجى ومن تخلّف عنها غرق

وقال في موضع آخر : الحقّ مع عليّ وعليّ مع الحق رواه ابن مردويه الحافظ في غير واحد(٢)

_________________

(١) النور : ١٦

(٢) ينابيع المودّة : ٩١ ط اسلامبول ، هذا الحديث نقله كثير من العامّة وتجد تفصيله في إحقاق الحقّ ٥ : ٦٢٥ ( هامش الأصل )


وفي موضع آخر يقول : اللهمّ أدِرِ الحقّ معه حيثما دار رواه الترمذي في صحيحه(١)

وقال لعمّار : إن سلك الناس كلّهم وادياً وسلك عليّ وادياً فاسلك وادياً سلكه عليّ وخلّ الناس طرّاً يا عمّار ، إنّ عليّاً لا يزال على هدى يا عمّار ، إنّ طاعة عليّ من طاعتي وطاعتي من طاعة الله رواه العلّامة من طرق الجمهور(٢)

وعلمائهم مثل ابن أبي الحديد وابن حجر وغيره اعترفوا بصحّة هذه الأحاديث إذاً فميزان الهالك والناجي وفاروق الحقّ والباطل هو عليّ وأولادهعليهم‌السلام فمن سالمهم من الصحابه وسار على هداهم نجى ، ومن خالفهم فهو الهالك ومن نصيب حزب الهالك وقد أجاد القائل :

راز بگشا اى علىّ مرتضى

اى پس از سوء القضا حسن القضا

چون تو بابى آن مدينه علم را

آفتابى آن شعاع حلم را

باز باش اى باب رحمت تا ابد

بارگاه ماله كفواً احد

تو ترازوى احد خود بوده‌اى

بل زبانه هر ترازو بوده‌اى

الترجمة :

يا أخا المرتضى أزح عن جبين

السرّ ستراً عن الورى أخفاه

إنّما أنت للمدينة باب

أنت شمس للحلم أنت ضياه

لم يزل مشرعاً إلى أبد الدهر

براه من لا له أشباه

أنت ميزانه وفيك الموازين

تعالت قضى بذاك الله

_________________

(١) صحيح الترمذي ٣ : ١٦٦ ط داوي بمصر ، وهذا الحديث نقله كثير من العامّة وتفصيله في إحقاق الحقّ ٥ : ٦٢٥ ( هامش الأصل )

(٢) مناقب الخوارزمي : ٦٣ ط تبريز ، إحقاق الحقّ ٨ : ٤٦١ ( هامش الأصل )


وفي ذلك أقول في موشّحة طنّانة نيروزيّة علويّة :

هو شاهين لميزان الرشاد

بل هو الميزان في يوم العباد

وعلى عرفانه تجُزى العباد

بل هو الآخذ من هذا وذاك

يوم يدعوا كلّهم بالغين(١)

         

وها هنا لطيفة منقولة من رجال الشيخ المقدّم أبي العبّاس النجاشيرضي‌الله‌عنه : إنّه حكى عن عبد الرحمان بن الحجّاج قال : كنّا في مجلس أبان بن تغلب فجائه شابّ فقال : يا أبا سعيد ، أخبرني كم شهد مع عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام من أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟

قال : فقال له أبان : كأنّك تريد أن تعرف فضل عليّعليه‌السلام بمن تبعه من أصحاب الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟

قال : فقال الرجل : هو ذاك

فقال : والله ما عرفنا فضلهم إلّا باتّباعهم إيّاه

قال : فقال أبو البلاد : عضّ بظر أُمّه ، رجل من الشيعة في أقصى الأرض وأدناه يموت أبان لا تدخل مصيبته عليه(٢)

قال : فقال أبان له : يا أبا البلاد ، أتدري من الشيعة ؟ الشيعة الذين إذا اختلف الناس

_________________

(١) ديوان المؤلّف : ٣٣٠ أحسن المؤلّف في المعنى ولكنّه أغضب المرحوم سيبويه حين حذف النون من يدعو بلا دخول عامل عليه وهو المسكين من الأفعال الخمسة ، وأسقط شيخنا نونه بالقهر والقوّة ( المترجم )

(٢) أقول : ما أقلّ أدب أبي البلاد وما أجفاه ، كان عليه أن يدعو لأبان بطول العمر أو بشيء من هذا وأن لا يلفظ فوه هذه الكلمة القبيحة التي يربأ بنفسه العاقل عن النطق بها لا سيّما في مجلس فيه أبان وإن كان معناها ليس موحشاً كلفظها ، لأنّ معناها يزوّج أُمّه ويأكل صداقها ( المترجم )


عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أخذوا بقول عليّعليه‌السلام وإذا اختلف الناس عن عليّ أخذوا بقول جعفر بن محمّدعليهما‌السلام (١)

بل ها هنا كلام أعلى من هذا الكلام ومجمله : إنّ الشيعة من لا يسبّ أحداً من الصحابة ومن أجاز الشيعة لعنهم فليسوا من الصحابة لأنّ الصحابي هو الذي لقي النبيّ وآمن به وخرج من هذه الدنيا مؤمناً ، وإطلاق لفظ الأصحاب على غير هؤلاء هو من المجاز بقرينة العلاقة السابقة ولهذا نحن نصدّق بأخبار فضائل الصحابة جميعاً ونقول : هؤلاء ـ المنحرفون ـ خارجون عن عنوان الصحابة وشاهدنا النصّ الوارد عن خير الأنامصلى‌الله‌عليه‌وآله : قاتلوا عمّار ليسوا من أصحابي وما من شكّ بأنّ معاوية وعمرو بن العاص وعبيد الله بن عمرو وجماعة أُخرى من الصحابة هم قاتلوه ولازم هذا الكلام أنّ معاوية وأضرابه وأترابه لعنهم الله جميعاً ليسوا من الأصحاب

وأمّا الحديث المشار إليه فإنّ أبا عمرو أحمد بن عبد ربّه المالكي الأندلسي رواه في كتاب « العقد الفريد » وساق السند إلى أُمّ سلمة أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لعمّار : يابن سميّة ، لا تقتلك أصحابي ولكن تقتلك الفئة الباغية(٢) وهذا الاستنباط من المواهب الالهيّة التي حبي بها هذا العبد فلم أعثر عليها في كتاب ولم أسمعها من أحد

وخلاصة الكلام أنّ الخوض في مثل هذه المطالب من مناهج علم الكلام ، وفي هذا الشرح المختصر لا يقتضي أكثر من هذا البيان وستعثر على جملة من هذه الكلمات في تضاعيف الفصول القادمة إن شاء الله تعالى ولله الحمد

لباب الكلام في عدول الأصحاب وجورهم ذكر في فصول الرسالة المذكورة

_________________

(١) رجال النجاشي : ١٢ ( المترجم ) النجاشي في بحث أبان ، ص ٩ ، ط مكتبة داوري ( هامش الأصل )

(٢) العقد الفريد ٢ : ٢٠٣ و ٢٠٤ ط الشرقيّة بمصر ، والحديث في هذا المورد منقول عن العامّة بطرق مختلفة تجد تفصيل ذلك في إحقاق الحقّ ٨ : ٤٢٢ ( هامش الأصل )


« مسألة »

لا إشكال في أنّ لعن الله يوجب شدّة العذاب لهم ، ونقل السيّد المحدّث الجزائري في بعض مؤلّفاته إشكالاً في هذا الباب(١) وأجاب عنه بأجوبة عدّة ، وترجمتها كما يلي(٢) :

وهاهنا اعتراض قوي وحاصله أنّ اللعن فعل اللاعن فكيف يكون فعل إنسان موجباً لعقاب إنسان آخر لأنّه منافٍ لقواعد العدل وجوابه من وجوه :

الأوّل : لمّا أنزل الله الأحكام ، أنزل مع كلّ حكم جزاءاً لكلّ فعل وترك ، وأنزل معها جزاءاً للعن اللاعنين وبلّغ ذلك جميع المكلّفين ، فكلّ من أقدم مجترءاً على ذلك فقد وضع نفسه عرضة لذلك الجزاء

الثاني : إنّ هذا العذاب بمثابة الاقتصاص لأنّ العدوّ لمّا حال بين أهل الحقّ ومناصبهم واختفى أهل الحقّ عن الأنظار صوناً لحياتهم ، فشى الجهل في الناس وعمّت الفوضى ، وازدادت الحاجة للأرزاق المادية والمعنويّة ، فيكون بناءاً على هذا أنّهم اغتصبوا حقّاً من كلّ لاعن ويكون العقاب بإزاء هذا الحقّ المغتصب

الثالث : أنّ قلوب المؤمنين وأتباع أهل الحقّ لمّا علمت بما ارتكبه العدوّ تألّمت قلوبهم واحترقت بنار المصاب فكان عذاب العدوّ بأزاء هذا التأثّر والألم

هذا ما يقارب عبارات السيّد(٣) ، وهذا الإشكال والجواب غاية في الغرابة ، ولست أدري كيف اعتبر الاعتراض قويّاً لأنّ هذا المعنى ليس من طبّ العلماء ،

_________________

(١) الأنوار النعمانيّة ١ : ١٤١ الخاتمة ( هامش الأصل )

(٢) الظاهر أنّ المؤلّف استنبط هذه الأقوال الثلاثة من مجموع كلام السيّد وإلّا فقد بحثنا في الجزء الأوّل من كتابه فلم نعثر عليها ( المترجم )

(٣) ارجع إلى عبارات السيّد عن اللعن في الأنوار النعمانيّة ١ : ١١٢ و ١٤١ فلن تجد شيئاً من هذا ولا قريباً منه ، فهل جرى حذف في الكتاب ؟ الله أعلم ( المترجم )


وليس لأهل النظر أن ينظروا في مثل هذه الأقوال الواهية ويجيبوا عنها بأوهى منها إلّا أن يكون على نهج أصحاب الحديث والسيّد منهم وله وجه في القوّة وليس من دأب السيّد رحمه الله تعالى تعاطي المشكلات وحلّ المعضلات ، ولو أنّه أشار إلى الحديث الآتي لما كتبناه قطّ وحاصله أنّ المنافي للعدل تحمّل غير الفاعل بذنب الفاعل وقد نفاه القرآن بقوله :( وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ) (١) ولكن إذا دعى الداعي على فاعل فعلاً استحقّ بسببه اللعنة أن يزيد عذابه فهو عين العدل ورعاية لحالة المظلومين ومن هنا يظهر لك أنّ الأجوبة المذكورة لا ربط لها بالسؤال لا سيّما الأوّل فإنّ الإشكال عينه متوجّه إليه كما يعلم بذلك المتأمّل الواعي ، وأصله في الخبر المعروف : إنّ الميّت ليعذّب ببكاه الحيّ عليه(٢)

والسيّد الأجل السيّد المرتضى سلام الله عليه تعرّض له بالشرح الوافي في تأويل الخبر الثالث من المجلس الثالث والعشرين من الأمالي ؛ فمن أراد من أهل الفضل مزيد الفائدة فليرجع إليه(٣)

« مسألة »

المراد من أهل البيت خصوص أهل الكساء أحياناً كما جاء في آية التطهير التي اتفق عليها الفريقان ، وظاهر عبارة الشيخ الأجل أمين الإسلام قدّس الله نفسه الزكيّة في مجمع البيان أنّ بناء الشيعة كلّيّاً على هذا المذهب في الآية الكريمة آية التطهير

_________________

(١) الأنعام : ١٦٤

(٢) كنز العمّال : ج ١٥ رقم ٤٢٤٢٧ ( هامش الأصل ) ورواه جمع غفير من حفّاظ العامّة وهو لا أصل له بل رأي رآه عمر وحمل الناس عليه وعزاه إلى النبي إمّا افتراءاً أو نسياناً وقد فنّدناه في كتابنا « منية الخطيب » ( المترجم )

(٣) أمالي السيّد المرتضى ١ : ٣٤٠ المجلس الخامس والعشرون ( هامش الأصل ) الأمالي ٢ : ١٧ ( المترجم )


وأحياناً يتناول اللفظ الأئمّة الاثنى عشر ويكون خاصّاً بهم كما جاء في أخبار التمسّك ووجوب المتابعة لأنّ التمسّك بأقوال غير المعصوم ومتابعته لا تجوز مطلقاً ، وليس معصوم في الإسلام غير هؤلاء الأربعة عشر

وأحياناً يتناول اللفظ مطلق أقرباء النبي وهم من تحرم عليه الصدقة كما جاء مودّتهم لا على التعيين وإعانتهم وتعظيمهم وتكريمهم

وفقرة الزيارة تتناول الأقسام الثلاثة ، والأولى الأوّل والثاني ، والخطاب وإن كان مع سيّد الشهداء لكنّه لا ينافيه ومخاطبة الواحد بصيغة الجمع تتمّ أحياناً لأنّ من خلال شخصه يتصوّر المجموع أو لتشريفه وتكريمه أو لأغراض أُخرى

ومن هذه الجهة ، مع أنّ المخاطب الواقعي في زيارة الجامعة الواحد بشهادة قوله : « يا وليّ الله » ولكنّه يتناول الأئمّة الإثنى عشر بخطابه ، وضمّ الإمام المخاطب إلى المجموع من أجل الإعلان عن فضله وجلالة قدره : « السلام عليكم يا أهل بيت النبوّة »


ويقول :

وَلَعَنَ اللهُ أُمَّةً دَفَعَتْكُمْ عَنْ مَقامِكُمْ وَأَزالَتْكُمْ عَنْ مَراتِبِكُمُ الَّتِي رَتَّبَكُمُ اللهُ فِيها

الشرح : الدفع (١) : الازالة بقوّة كما جاء في منتهى الارب

المقام : في الأصل مكان القيام ويستعمل توسّعاً في المجلس والمكان ، وكلّ ما يقع في المجلس أو ما كان بحاجة إلى قيام ويستعمل أيضاً في المكانة والمنزلة الاجتماعيّة المعنويّة كما قال المطرّزي في حاشية المقامات ، إلّا أنّهم اتسعوا فيها واستعملوها استعمال المكان والمجلس ، قال الله :( خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ) (٢) ، إلى أن قيل : لما يقام به من خطبه أو ما يشبهها مقامه كما يقال له : مجلس وقريب منه ما في الأساس ، والسيّد شارح الصحيح صرّح بتعميم المعنى المذكور وإن كان لا يحتاج إلى شاهد لشديد وضوحه وظهوره

الإزالة : الإبعاد كما صرّح بذلك البيهقي

الرتوب (٣) : الثبات كما ورد في تاج المصادر ومنتهى الإرب ، رتّب رتوباً ثبت ولم يتحرّك ، ومنه أُخذ الترتيب يعني رتّبه ترتيباً أثبته والمرتبة بمعنى اسم المكان منه أيضاً والترتيب الذي عرّف بـ « وضع الشي في مرتبته » يرجع إلى هذا المعنى

والمراد من الدفع عن المرتبة والإخراج من المقام الإلهي نفس المعنى من عدم تمكينهم من رياستهم الظاهريّة وولايتهم الصوريّة ولا يقصد به حقيقة الإمامة وواقع الخلافة ، لأنّه غير قابل للغصب وهو أعلى آلاف المرّات من أن تطاله يد_________________

(١) رجعنا في الكلمة إلى لسان العرب مادة دفع ( المترجم )

(٢) مريم : ٧٣

(٣) رتّب الشيء يرتّب رتوباً وترتّب ثبت فلم يتحرّك ( لسان العرب ١ : ٤٠٩ ) ( المترجم )


المخالفين لأنّه منصب الهيّ وكمال نفسانيّ ودرجة وهيبة

وما قيل من أنّ الولاية بمنزلة الحليلة للأئمّة واغتصبها المغتصبون منهم فتزوّجها فالنواصب أبناء هذه البغيّة ونزّلوا أخبار خبث مولد النواصب هذا التنزيل وقالوا : إنّ الزوج الشرعي للولاية هم الأئمّةعليهم‌السلام وقد عقد الله هذا الزواج في السماء

وهذا حديث باطل ومردود وهو أدنى من كلام المبرسمين أصحاب الماليخوليا ، والأولى أن ندعوه هذيان القلم ، وأكثر من هذا لا يستحقّ من عناية العلماء لردّه ولا يتّسق مع سابقة العلماء وشئوناتهم العلميّة ورتب أهل الفضل كما قال الحكماء :

از سخن پُر در من هم چون صدف هر گوش را

قفل گوهر ساز ياقوت زمر پوش را

در جواب هر سؤالى حاجت گفتار نيست

چشم بينا عذر مى خواهد لب خاموش را

لا تجعلنّ كلّ قول مثل جوهرة

تقرط الأُذن فيها كي تحلّيها

أبعد عن العين بالأقفال جوهرة

فإنّ حقّ يتيم الدرّ تخفيها

لا تجعلنّ كلّ قول مثل جوهرة

إطباق كلّ شفاه عذرها فيها

ومن الأشعار التي أنشدها الإمام الرضاعليه‌السلام في حضرة المأمون ونسبه إلى بعض فتيان آل عبد المطّلب كما ورد في العيون هذان البيتان :

وإذا ابتليت بجاهل متكلّف

يجد المحال من الأُمور صوابا

أوليته منّي السكوت وربّما

كان السكوت عن الجواب جوابا(١)

وجملة القول : إنّ هذه الفقرة من الزيارة مساوقة لفقرة الصحيفة السجاديّة

_________________

(١) عيون أخبار الرضاعليه‌السلام ٢ : ١٥٧ وفيه بدل « ابتليت » « بليت » وبدل « متكلّف » « متحكّم » ( هامش الأصل ) وفي المجلّد الأوّل منه ص ١٨٧ أربعة أبيات بدل البيتين ( المترجم )


وفيها يشير الإمام السجّاد إلى عيد الأضحى والجمعة وصلاة العيدين والخطبة ويقول : « اللهمّ هذا المقام لخلفائك وأصفياءك ومواضع اُمناءك في الدرجة الرفيعة التي اختصصتهم بها قد ابتزّوها »(١) وهذا الابتزاز والإزالة والدفع كلّ ذلك ناشئ عن الصدر السالف والقرن الأوّل من عدول الصحابة ، ولا تتنافى عدالتهم مع ظلم أهل البيت وإيذاء فاطمةعليها‌السلام وإحراق بيتها والخلاف مع عليّعليه‌السلام وبغض الحسنينعليهما‌السلام ، كما مرّ عليك جانب من ذلك وعسى أن نشير فيما يأتي إلى جملة اُخرى منه

بل لا يتنافى ذلك عندهم مع تغيير جميع الفروع والاُصول والأحكام وهدم أساس الشريعة المقدّسة ـ على الصادع بها ألف سلام ـ كما يظهر ذلك من الأخبار المبثوثة في مطاوي كتبهم المعتمدة واُصولهم الصحيحة

نقل السيّد المحقّق الأمين شارح الصحيفة المقدّسة من الجمع بين الصحيحين في مسند أبي الدرداء في الحديث الأوّل من أخبار البخاري : قالت اُمّ الدرداء : دخل عليّ أبو الدرداء وهو مغضب ، فقلت : ما أغضبك ؟ فقال : والله ما أعرف من أمر محمّد شيئاً إلّا أنّهم يصلّون جميعاً(٢)

وفي الحديث الأوّل من صحيح البخاري من مسند أنس بن مالك نقل عن الزهري قال : دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي ، فقلت : ما يبكيك ؟ فقال : لا أعرض شيئاً ممّا أدركت إلّا هذه الصلاة وهذه الصلاة قد ضيّعت(٣)

وفي حديث آخر إنّه قال : ما أعرف شيئاً ممّا كان على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله

_________________

(١) الصحيفة السجاديّة ، دعاء ٤٩ ( هامش الأصل ) الكاملة : ٢٨١ نشر جامعة المدرّسين ( المترجم )

(٢) صحيح البخاري ١ : ١٦٦ باب فضل صلاة الفجر في جماعة ، ط دار مطابع الشعب بمصر ( هامش الأصل )

(٣) نفسه ، باب تضييع الصلاة عن وقتها ، ص ١٤١ ( هامش الأصل )


قيل : فالصلاة ؟ قال : أليس صنعتم ما صنعتم فيها(١)

وهذه شهادة صريحة من أبي الدرداء وأنس بن مالك ـ وهما من أكابر الصحابة عند أهل السنّة والجماعة ـ بأنّ أحكام الشريعة بأجمعها غيّرت ، وبدّلت أحكام الشرع الشريف عامّة ، حتّى الصلاة وهي أظهر الواجبات وأعرف الفرايض ، وجميع ما مرّ جرى على أيدي الصحابة والتابعين الذين رووا في حقّهم « خير القرون قرني ثمّ القرن الذي يليه »(٢)

وإذا كان حال القرن الأوّل والثاني بهذه المثابة فما بالك بالقرون اللاحقة والأعصار التابعة التي تتبدّل في كلّ يوم أحوالها ، وتتنزّل شئونها باعترافهم

وطبقاً للحديث سابق الذكر يمكن أن نقول :

õ خُذ جملة البلوى ودع تفصيلها õ

_________________

(١) نفسه

(٢) عمران بن حصين ، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : خيركم قرني ثمّ الذين يلونهم ، ثمّ الذين يلونهم قال عمران : فما أدري قال النبيّ بعد قوله مرّتين أو ثالثاً ، ثمّ يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون ، ويخونون ولا يؤتمنون ، وينذرون ولا يفون ، ويظهر فيهم السمن

وفي خبر آخر : خير الناس قرني ثمّ الذين يلونهم ، ثمّ يجيء من بعدهم قوم تسبق شهادتهم إيمانهم ، وإيمانهم شهادتهم [ صحيح البخاري ، ٨ : ١١٣ باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها ، ط دار ومطابع الشعب بمصر ] ( هامش الأصل )


وَلَعَنَ اللهُ الْمُمَهِّدِينَ لَهُمْ بِالتَّمْكِينِ مِنْ قِتالِكُمْ

الشرح : التمهيد مأخوذ من المهاد بمعنى البساط والفراش أو من العهد بمعنى سرير الطفل ، وكلاهما عائد إلى أصل واحد ونصّ في أساس البلاغة على أنّ التمهيد معناه التوطئة وتسهيل الأمر والإصلاح ، والمراد في أمثال هذه الوقائع وتمهيد العذر من المعاني المجازيّة ، ومعناه بسطه وتهيئة قبوله

والباء في « بالتمكين » للسببيّة على الظاهر والتمكين بمعنى الإقدار ، والظاهر أنّ اشتقاق المكان منه بحسب اللفظ ، وأمّا بحسب المعنى فاشتقاقه من الكون

القتال : بمعنى القتل والذبح والحرب

والمقصود من الممهّدين هم الأوائل الذين سهّلوا السبيل ووطّئوا الاُمور ، وهيّئوا أسباب الظلم ، لأنّه لولاهم وما ارتكبوه من السلوك الوحشي الخشن مع أهل البيت لما جرأ الأواخر على ظلمهم بتلك القسوة المعهودة

وهذا أصحّ الوجوه في تفسير الفقرة المعروفة « المقتول في يوم الجمعة أو الاثنين »(١)

_________________

(١) كما في البحار ٤٤ : ١٩٩ و ٢٠١

وعن عليّ بن موسى الرضاعليه‌السلام : يوم الاثنين يوم نحس قبض الله عزّ وجلّ نبيّه ، وما اُصيب آل محمّد إلّا يوم الاثنين [ الكافي ، باب صوم عرفة وعاشوراء ؛ بحار الأنوار ٤٥ : ٩٤ ] وتأتي هذه الرواية بتفصيلها ذيل « اللهمّ إنّ هيا يوم تبرّكت به بنو اُميّة »

مروج الذهب : وسُمعت في جنازته ( الإمام أبي الحسن الهاديعليه‌السلام ) سوداء وهي تقول : ماذا لقينا من يوم الاثنين [ بحار الأنوار ٥٠ : ٢٠٧ ]

ولنعم ما قيل : « ما قُتل الحسين إلّا في يوم السقيفة » فلعنة الله على من أسّس أساس الظلم والجور على أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين [ بحار الأنوار ٤٥ : ٣٣٨ ]


كلاهما الخطبة المعروفة بخطبة المسجد التي أجابت بها نساء الأنصار وذكرت في الاحتجاج والبحار وناسخ التواريخ وغيرها وقد عزوها إلى ذلك الكتاب والكلمات كلّها تظلّم وإظهار الألم والصدمة النفسيّة ومنها حيث تقول فيها : « بئسما قدّمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليه وفي العذاب هم خالدون »(١)

وتكفي هذه الكلمات في إثبات المدّعىٰ ، وإذا أردت طلباً للتفصيل ملاحظة واحد من هذه الكتب التي أشرنا إليها والتي ذكرت الخطبة تفصيلاً أو ترجمتها فإنّك سوف تصل بالتأمّل الوجداني إلى القطع بالحديث الصحيح قطعي الصدور المنقول في كتب الإماميّة مستفيضاً بل متواتراً من أنّ صادق آل محمّد قال : لمّا مات رسول الله ارتدّ الناس إلّا ثلاثة ـ وفي رواية : إلّا أربعة ـ : سلمان وأبوذر والمقداد وحذيفة ، وأمّا عمّار فإنّه حاص حيصة ثمّ عاد(٢)

وبعد ملاحظة هذه الأخبار نتوجّه جيّداً إلى أركان القضيّة العامّة : الصحابة كلّهم عدول ، وإنّها متزلزلة ما في ذلك ريب وهدم بنائها من أسّه ، ونرى من المناسب أن نطعّم هذا الفصل بعدد من الأخبار المرويّة في كتاب البخاري عن ارتداد الصحابة وفتنهم وبدعهم المستحدثة التي أخبر عنها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أيّام حياته ، بصفة مختصرة « محض تسجيل الصواب وتحصيل الثواب » ونوردها بألفاظها من دون ترجمة كما وردت في الجامع

_________________

(١) بلاغات النساء : ١٩ ، أعلام النساء ٣ : ١٢١٩ ط دمشق وكتب أُخرى من العامّة تجد تفصيلها في إحقاق الحق ١٠ : ٣٠٦ ( هامش الأصل )

(٢) روى حديث ارتداد الناس إلّا ثلاثة أو أربعة ، بحار الأنوار ٨ : ٥٠ أُفست ( هامش الأصل )

وأمّا حيصة عمّار فإن كانت الولاية فقد ولّي سلمان على المدائن حتّى مات فيها وإن كان أمر آخر فما هو هذا الأمر ليت شعري ؟ إنّ عمّار بقي على السنّة متّبعاً خطى عليّ لم ينحرف عنه طرفة عين وهذا ما أدين الله به ومن اعتقد بغير هذا فليستغفر الله منه فإنّه الضلال بعينه ، صلّى الله على عمّار وصلّى الله على سلمان ( المترجم )


أ ـ روى البخاري في باب الحوض عن عبد اللهرضي‌الله‌عنه عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : أنا فرطكم على الحوض وليرفعنّ رجال منكم ثمّ ليختلجنّ دوني فأقول : يا ربّ أصحابي ، فيقال : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك(١)

ب ـ عن حذيفة مثله(٢)

ج ـ عن أنس : عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : ليردنّ عليّ ناس من أصحابي حتّى إذا عرفتهم اختلجوا دوني أقول : أصحابي ، فيقول : لا تدري ما أحدثوا بعدك(٣)

د ـ أبو حازم عن سهل بن سعد قال : قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّي فرطكم على الحوض ، من مرّ عليّ شرب ومن شرب لم يظمأ أبداً ، ليردنّ عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني ، ثمّ يحال بيني وبينهم

قال أبو حازم : فسمعني النعمان بن أبي عيّاش فقال : هكذا سمعت من سهل ؟ فقلت : نعم فقال : أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته وهو يزيد فيها : فأقول : إنّهم منّي ، فيقال : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول : سحقاً سحقاً لمن غيّر بعدي

وقال ابن عبّاس : سحقاً بُعداً ، يقال : سحيق بعيد ، سحقه وأسحقه أبعده

هـ ـ عن أبي هريرة أنّه كان يحدّث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : ليردّ عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي فيحلّئون عن الحوض ، فأقول : يا ربّي ، أصحابي ، فيقول : إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى

_________________

(١) صحيح البخاري ٨ : ١١٩ باب الحوض ط أميريّة ، وصحيح مسلم ج ٧ باب الحوض ، والحميدي في الجمع بين صحيح مسلم والبخاري ، ومسند أحمد بن حنبل ٥ : ٣٣٣ و ٣٨٨ ط مصر ، ومثل هذه الروايات كثير تجد تفصيلها في بحار الأنوار ٨ : ٨ ط أُفست ( هامش الأصل )

(٢) نفسه

(٣) نفسه


و ـ عن ابن المسيّب أنّه كان يحدّث عن أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : يرد عليّ الحوض رجال من أصحابي فيحلّئون عنه فأقول : يا ربّ ، أصحابي ؟ فيقول : إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك ، إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى

وقال شعيب عن الزهري : كان أبو هريرة يحدّث عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : يحلّون ، وقال عقيل : فيحلّئون

ز ـ عن أبي هريرة عن النبي مثله

ح ـ عن أبي هريرة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : بينا أنا قائم فإذا زمرة حتّى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال : هلمّ ، قلت : أين ؟ قال : إلى النار والله قلت : ما شأنهم ؟ قال : إنّهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرىٰ فلا أراه يخلص منهم إلّا مثل حمل [ همل النعم ] [ همل ـ المصدر ] النعم

ط ـ عن ابن أبي مليكة ، عن أسماء بنت أبي بكر قالت : قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّي على الحوض حتّى أنظر من يرد عليّ منكم وسيؤخذ ناس من دوني فأقول : يا ربّ ، منّي ومن أُمّتي فيقال : هل شعرت ما عملوا بعدك والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم

فكان ابن أبي مليكة يقول : إنّا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نفتن عن ديننا

وروي في كتاب الفتن عن ابن أبي مليكة عن أسماء عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : أنا على حوضي أنتظر من يرد عليّ فيؤخذ بناس من دوني فأقول : أمتي ؟ فيقول : لا تدري مشوا على القهقرىٰ

قال ابن أبي مليكة : اللهمّ إنّا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نفتن

قلت : يمكن التعدّد في الاستماع من أسماء ، ويجوز أن تكون أسماء غير بنت أبي بكر والظاهر الوحدة لكن لفظ الثاني أوضح وأصرح

ى : عن أبي حازم مثلما مرّ في باب الحوض


يا : عن عبد الله قال : قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّكم سترون بعدي إثرة وأُموراً تنكرونها قالوا : فما تأمرنا يا رسول الله ؟ قال : أدّوا إليهم حقّهم واسألوا الله حقّكم

قلت : فيه إخبار باستئثار أعداء الله بفيء أهل البيت كما يوضحه كون الخطاب لابن عبّاس وفي ذيله أمر بالتقيّة ولزوم الصبر ، كما فيما قبله عن عبد الله بن يزيد : اصبروا حتّى تلقوني على حوضي

يب : عن أُسامة بن زيد قال : أشرف النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله على أطم من آطام المدينة ، فقال : هل ترون ما أرى ؟ قالوا : لا قال : فإنّي لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كوقع القطر

يج ـ عن ابن المسيّب عن أبي هريرة : ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم ، القائم فيها خير من الماشي ، والماشي فيها خير من الساعي ، من تشرّف لها تستشرفه ، فمن وجد فيها ملجأ أو ملاذاً فليعذّبه

يد ـ أبو سلمة بن عبد الرحمان عن أبي هريرة مثله(١)

وفي المسألة في صحيح مسلم والترمذي وسائر الكتب أحاديث أُخرى أوضح وأكثر صراحة ممّا تقدّم ، وهذا المقدار كافٍ في معرفة الحقّ للمسلم المتديّن ، ويعلم من هذه الأحاديث الأربعة عشر أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أخبر عن ارتداد جماعة من أصحابه ، وقال : إنّ الفتن تقع ويكون القاعد فيها خيراً من القائم ، وقال : تقع الفتنة في بيوتكم كقطر المطر

وقال لأهل بيته : ستسلب حقوقكم بعدي فاصبروا واحتملوا ثقل وطأتها

فهل يرى منصف أنّ هذه الإشارات منهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى غير غصب الخلافة وظلم فاطمة ؟ وهل يحتمل غيره ؟ ومتى وقعت فتنة وبلاء شامل غير هذه الفتنة في

_________________

(١) ونورد لك أرقام الأحاديث من كتاب البخاري بعد ذكر رموزها : أ ـ رقم ٦٣٣٥ ، د ـ رقم ٦٧٩٧ ، ج ـ رقم ٦٣٤١ ، هـ ـ رقم ٦٣٤٤ ، ج ـ رقم ٦٣٤٦ ، ط ـ رقم ٦٣٥٢ ، يا ـ رقم ٦٧٩٨ ، يب ـ رقم ٦٨٠٦ ، يج ـ رقم ٦٨٢٦ ( المترجم )


الإسلام ؟ ولعن الشيعة إنّما ينصب على المرتدّين والكفّار والظالمين ، وإلّا فأخيار الصحابة وخواصّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله مثل سلمان وأبي ذر والمقداد وحذيفة وعمّار وأبو الهيثم بن التيهان وعمرو بن الحمق الخزاعي وحجر بن عدي وعدي بن حاتم سلام الله عليهم جميعاً أحبّ الخلق إلى الشيعة بعد الأئمّة عليهم السلام وصلوات الله عليهم ، ويرون وجوب احترامهم وتكريمهم في السرّ والعلانية ، ويرون من سبّ عموم الصحابة كافراً وتجب البرائة منه ، فتبيّن من هذا أنّ اتهام الشيعة بسبّ الصحابة كلّهم إنّما هو من مكائد الأعداء( سُبْحَانَكَ هَـٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ) (١)

نعم ، لمّا اختلفت أحوال الصحابة كما سمعت ومن الآيات الكثيرة يفهم كما هو من الضرورة أنّ المنافقين لم ينقرضوا بموت رسول الله ، فكانت حال الناس بعد وفات النبي واحدة لا ميزة بينهم فلا يعرف الطيّب من الخبيث ، ولا المنافق من المؤمن ، ولا الثابت من المرتد

أجل ، وضع الرسول بنفسه النفيسة ميزاناً صحيحاً وقسطاساً مستقيماً لتميّزهم ، حيث علم بالتواتر من رواية الفريقين أنّه قال : إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا

وقال في موضع آخر : مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجى ومن تخلّف عنها غرق

وقال في موضع آخر : الحقّ مع عليّ وعليّ مع الحق رواه ابن مردويه الحافظ في غير واحد(٢)

_________________

(١) النور : ١٦

(٢) ينابيع المودّة : ٩١ ط اسلامبول ، هذا الحديث نقله كثير من العامّة وتجد تفصيله في إحقاق الحقّ ٥ : ٦٢٥ ( هامش الأصل )


وفي موضع آخر يقول : اللهمّ أدِرِ الحقّ معه حيثما دار رواه الترمذي في صحيحه(١)

وقال لعمّار : إن سلك الناس كلّهم وادياً وسلك عليّ وادياً فاسلك وادياً سلكه عليّ وخلّ الناس طرّاً يا عمّار ، إنّ عليّاً لا يزال على هدى يا عمّار ، إنّ طاعة عليّ من طاعتي وطاعتي من طاعة الله رواه العلّامة من طرق الجمهور(٢)

وعلمائهم مثل ابن أبي الحديد وابن حجر وغيره اعترفوا بصحّة هذه الأحاديث إذاً فميزان الهالك والناجي وفاروق الحقّ والباطل هو عليّ وأولادهعليهم‌السلام فمن سالمهم من الصحابة وسار على هداهم نجى ، ومن خالفهم فهو الهالك ومن نصيب حزب الهالك وقد أجاد القائل :

راز بگشا اى علىّ مرتضى

اى پس از سوء القضا حسن القضا

چون تو بابى آن مدينه علم را

آفتابى آن شعاع حلم را

باز باش اى باب رحمت تا ابد

بارگاه ماله كفواً احد

تو ترازوى احد خود بوده اى

بل زبانه هر ترازو بوده اى

الترجمة :

يا أخا المرتضى أزح عن جبين

السرّ ستراً عن الورى أخفاه

إنّما أنت للمدينة باب

أنت شمس للحلم أنت ضياه

لم يزل مشرعاً إلى أبد الدهر

براه من لا له أشباه

أنت ميزانه وفيك الموازين

تعالت قضى بذاك الله

_________________

(١) صحيح الترمذي ٣ : ١٦٦ ط داوي بمصر ، وهذا الحديث نقله كثير من العامّة وتفصيله في إحقاق الحقّ ٥ : ٦٢٥ ( هامش الأصل )

(٢) مناقب الخوارزمي : ٦٣ ط تبريز ، إحقاق الحقّ ٨ : ٤٦١ ( هامش الأصل )


وفي ذلك أقول في موشّحة طنّانة نيروزيّة علويّة :

هو شاهين لميزان الرشاد

بل هو الميزان في يوم العباد

وعلى عرفانه تجُزى العباد

بل هو الآخذ من هذا وذاك

يوم يدعوا كلّهم بالغين(١)

         

وهاهنا لطيفة منقولة من رجال الشيخ المقدّم أبي العبّاس النجاشيرضي‌الله‌عنه : إنّه حكى عن عبد الرحمان بن الحجّاج قال : كنّا في مجلس أبان بن تغلب فجائه شابّ فقال : يا أبا سعيد ، أخبرني كم شهد مع عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام من أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟

قال : فقال له أبان : كأنّك تريد أن تعرف فضل عليّعليه‌السلام بمن تبعه من أصحاب الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟

قال : فقال الرجل : هو ذاك

فقال : والله ما عرفنا فضلهم إلّا باتّباعهم إيّاه

قال : فقال أبو البلاد : عضّ بظر أُمّه ، رجل من الشيعة في أقصى الأرض وأدناه يموت أبان لا تدخل مصيبته عليه(٢)

قال : فقال أبان له : يا أبا البلاد ، أتدري من الشيعة ؟ الشيعة الذين إذا اختلف الناس_________________

(١) ديوان المؤلّف : ٣٣٠ أحسن المؤلّف في المعنى ولكنّه أغضب المرحوم سيبويه حين حذف النون من يدعو بلا دخول عامل عليه وهو المسكين من الأفعال الخمسة ، وأسقط شيخنا نونه بالقهر والقوّة ( المترجم )

(٢) أقول : ما أقلّ أدب أبي البلاد وما أجفاه ، كان عليه أن يدعو لأبان بطول العمر أو بشيء من هذا وأن لا يلفظ فوه هذه الكلمة القبيحة التي يربأ بنفسه العاقل عن النطق بها لا سيّما في مجلس فيه أبان وإن كان معناها ليس موحشاً كلفظها ، لأنّ معناها يزوّج أُمّه ويأكل صداقها ( المترجم )


عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أخذوا بقول عليّعليه‌السلام وإذا اختلف الناس عن عليّ أخذوا بقول جعفر بن محمّدعليهما‌السلام (١)

بل ها هنا كلام أعلى من هذا الكلام ومجمله : إنّ الشيعة من لا يسبّ أحداً من الصحابة ومن أجاز الشيعة لعنهم فليسوا من الصحابة لأنّ الصحابي هو الذي لقي النبيّ وآمن به وخرج من هذه الدنيا مؤمناً ، وإطلاق لفظ الأصحاب على غير هؤلاء هو من المجاز بقرينة العلاقة السابقة ولهذا نحن نصدّق بأخبار فضائل الصحابة جميعاً ونقول : هؤلاء ـ المنحرفون ـ خارجون عن عنوان الصحابة وشاهدنا النصّ الوارد عن خير الأنامصلى‌الله‌عليه‌وآله : قاتلوا عمّار ليسوا من أصحابي وما من شكّ بأنّ معاوية وعمرو بن العاص وعبيد الله بن عمرو وجماعة أُخرى من الصحابة هم قاتلوه ولازم هذا الكلام أنّ معاوية وأضرابه وأترابه لعنهم الله جميعاً ليسوا من الأصحاب

وأمّا الحديث المشار إليه فإنّ أبا عمرو أحمد بن عبد ربّه المالكي الأندلسي رواه في كتاب « العقد الفريد » وساق السند إلى أُمّ سلمة أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لعمّار : يابن سميّة ، لا تقتلك أصحابي ولكن تقتلك الفئة الباغية(٢) وهذا الاستنباط من المواهب الالهيّة التي حبي بها هذا العبد فلم أعثر عليها في كتاب ولم أسمعها من أحد

وخلاصة الكلام أنّ الخوض في مثل هذه المطالب من مناهج علم الكلام ، وفي هذا الشرح المختصر لا يقتضي أكثر من هذا البيان وستعثر على جملة من هذه الكلمات في تضاعيف الفصول القادمة إن شاء الله تعالى ولله الحمد

لباب الكلام في عدول الأصحاب وجورهم ذكر في فصول الرسالة المذكورة

_________________

(١) رجال النجاشي : ١٢ ( المترجم ) النجاشي في بحث أبان ، ص ٩ ، ط مكتبة داوري ( هامش الأصل )

(٢) العقد الفريد ٢ : ٢٠٣ و ٢٠٤ ط الشرقيّة بمصر ، والحديث في هذا المورد منقول عن العامّة بطرق مختلفة تجد تفصيل ذلك في إحقاق الحقّ ٨ : ٤٢٢ ( هامش الأصل )


« مسألة »

لا إشكال في أنّ لعن الله يوجب شدّة العذاب لهم ، ونقل السيّد المحدّث الجزائري في بعض مؤلّفاته إشكالاً في هذا الباب(١) وأجاب عنه بأجوبة عدّة ، وترجمتها كما يلي(٢) :

وهاهنا اعتراض قوي وحاصله أنّ اللعن فعل اللاعن فكيف يكون فعل إنسان موجباً لعقاب إنسان آخر لأنّه منافٍ لقواعد العدل وجوابه من وجوه :

الأوّل : لمّا أنزل الله الأحكام ، أنزل مع كلّ حكم جزاءاً لكلّ فعل وترك ، وأنزل معها جزاءاً للعن اللاعنين وبلّغ ذلك جميع المكلّفين ، فكلّ من أقدم مجترءاً على ذلك فقد وضع نفسه عرضة لذلك الجزاء

الثاني : إنّ هذا العذاب بمثابة الاقتصاص لأنّ العدوّ لمّا حال بين أهل الحقّ ومناصبهم واختفى أهل الحقّ عن الأنظار صوناً لحياتهم ، فشى الجهل في الناس وعمّت الفوضى ، وازدادت الحاجة للأرزاق المادية والمعنويّة ، فيكون بناءاً على هذا أنّهم اغتصبوا حقّاً من كلّ لاعن ويكون العقاب بإزاء هذا الحقّ المغتصب

الثالث : أنّ قلوب المؤمنين وأتباع أهل الحقّ لمّا علمت بما ارتكبه العدوّ تألّمت قلوبهم واحترقت بنار المصاب فكان عذاب العدوّ بأزاء هذا التأثّر والألم

هذا ما يقارب عبارات السيّد(٣) ، وهذا الإشكال والجواب غاية في الغرابة ، ولست أدري كيف اعتبر الاعتراض قويّاً لأنّ هذا المعنى ليس من طبّ العلماء ،

_________________

(١) الأنوار النعمانيّة ١ : ١٤١ الخاتمة ( هامش الأصل )

(٢) الظاهر أنّ المؤلّف استنبط هذه الأقوال الثلاثة من مجموع كلام السيّد وإلّا فقد بحثنا في الجزء الأوّل من كتابه فلم نعثر عليها ( المترجم )

(٣) ارجع إلى عبارات السيّد عن اللعن في الأنوار النعمانيّة ١ : ١١٢ و ١٤١ فلن تجد شيئاً من هذا ولا قريباً منه ، فهل جرى حذف في الكتاب ؟ الله أعلم ( المترجم )


وليس لأهل النظر أن ينظروا في مثل هذه الأقوال الواهية ويجيبوا عنها بأوهى منها إلّا أن يكون على نهج أصحاب الحديث والسيّد منهم وله وجه في القوّة وليس من دأب السيّد رحمه الله تعالى تعاطي المشكلات وحلّ المعضلات ، ولو أنّه أشار إلى الحديث الآتي لما كتبناه قطّ وحاصله أنّ المنافي للعدل تحمّل غير الفاعل بذنب الفاعل وقد نفاه القرآن بقوله :( وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ) (١) ولكن إذا دعى الداعي على فاعل فعلاً استحقّ بسببه اللعنة أن يزيد عذابه فهو عين العدل ورعاية لحالة المظلومين ومن هنا يظهر لك أنّ الأجوبة المذكورة لا ربط لها بالسؤال لا سيّما الأوّل فإنّ الإشكال عينه متوجّه إليه كما يعلم بذلك المتأمّل الواعي ، وأصله في الخبر المعروف : إنّ الميّت ليعذّب ببكاء الحيّ عليه(٢)

والسيّد الأجل السيّد المرتضى سلام الله عليه تعرّض له بالشرح الوافي في تأويل الخبر الثالث من المجلس الثالث والعشرين من الأمالي ؛ فمن أراد من أهل الفضل مزيد الفائدة فليرجع إليه(٣)

« مسألة »

المراد من أهل البيت خصوص أهل الكساء أحياناً كما جاء في آية التطهير التي اتفق عليها الفريقان ، وظاهر عبارة الشيخ الأجل أمين الإسلام قدّس الله نفسه الزكيّة في مجمع البيان أنّ بناء الشيعة كلّيّاً على هذا المذهب في الآية الكريمة آية التطهير

_________________

(١) الأنعام : ١٦٤

(٢) كنز العمّال : ج ١٥ رقم ٤٢٤٢٧ ( هامش الأصل ) ورواه جمع غفير من حفّاظ العامّة وهو لا أصل له بل رأي رآه عمر وحمل الناس عليه وعزاه إلى النبي إمّا افتراءاً أو نسياناً وقد فنّدناه في كتابنا « منية الخطيب » ( المترجم )

(٣) أمالي السيّد المرتضى ١ : ٣٤٠ المجلس الخامس والعشرون ( هامش الأصل ) الأمالي ٢ : ١٧ ( المترجم )


وأحياناً يتناول اللفظ الأئمّة الاثنى عشر ويكون خاصّاً بهم كما جاء في أخبار التمسّك ووجوب المتابعة لأنّ التمسّك بأقوال غير المعصوم ومتابعته لا تجوز مطلقاً ، وليس معصوم في الإسلام غير هؤلاء الأربعة عشر

وأحياناً يتناول اللفظ مطلق أقرباء النبي وهم من تحرم عليه الصدقة كما جاء مودّتهم لا على التعيين وإعانتهم وتعظيمهم وتكريمهم

وفقرة الزيارة تتناول الأقسام الثلاثة ، والأولى الأوّل والثاني ، والخطاب وإن كان مع سيّد الشهداء لكنّه لا ينافيه ومخاطبة الواحد بصيغة الجمع تتمّ أحياناً لأنّ من خلال شخصه يتصوّر المجموع أو لتشريفه وتكريمه أو لأغراض أُخرى

ومن هذه الجهة ، مع أنّ المخاطب الواقعي في زيارة الجامعة الواحد بشهادة قوله : « يا وليّ الله » ولكنّه يتناول الأئمّة الإثنى عشر بخطابه ، وضمّ الإمام المخاطب إلى المجموع من أجل الإعلان عن فضله وجلالة قدره : « السلام عليكم يا أهل بيت النبوّة »


ويقول :

وَلَعَنَ اللهُ أُمَّةً دَفَعَتْكُمْ عَنْ مَقامِكُمْ وَأَزالَتْكُمْ عَنْ مَراتِبِكُمُ الَّتِي رَتَّبَكُمُ اللهُ فِيها

الشرح : الدفع (١) : الازالة بقوّة كما جاء في منتهى الارب

المقام : في الأصل مكان القيام ويستعمل توسّعاً في المجلس والمكان ، وكلّ ما يقع في المجلس أو ما كان بحاجة إلى قيام ويستعمل أيضاً في المكانة والمنزلة الاجتماعيّة المعنويّة كما قال المطرّزي في حاشية المقامات ، إلّا أنّهم اتسعوا فيها واستعملوها استعمال المكان والمجلس ، قال الله :( خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ) (٢) ، إلى أن قيل : لما يقام به من خطبه أو ما يشبهها مقامه كما يقال له : مجلس وقريب منه ما في الأساس ، والسيّد شارح الصحيح صرّح بتعميم المعنى المذكور وإن كان لا يحتاج إلى شاهد لشديد وضوحه وظهوره

الإزالة : الإبعاد كما صرّح بذلك البيهقي

الرتوب (٣) : الثبات كما ورد في تاج المصادر ومنتهى الإرب ، رتّب رتوباً ثبت ولم يتحرّك ، ومنه أُخذ الترتيب يعني رتّبه ترتيباً أثبته والمرتبة بمعنى اسم المكان منه أيضاً والترتيب الذي عرّف بـ « وضع الشي في مرتبته » يرجع إلى هذا المعنى

والمراد من الدفع عن المرتبة والإخراج من المقام الإلهي نفس المعنى من عدم تمكينهم من رياستهم الظاهريّة وولايتهم الصوريّة ولا يقصد به حقيقة الإمامة وواقع الخلافة ، لأنّه غير قابل للغصب وهو أعلى آلاف المرّات من أن تطاله يد_________________

(١) رجعنا في الكلمة إلى لسان العرب مادة دفع ( المترجم )

(٢) مريم : ٧٣

(٣) رتّب الشيء يرتّب رتوباً وترتّب ثبت فلم يتحرّك ( لسان العرب ١ : ٤٠٩ ) ( المترجم )


المخالفين لأنّه منصب الهيّ وكمال نفسانيّ ودرجة وهيبة

وما قيل من أنّ الولاية بمنزلة الحليلة للأئمّة واغتصبها المغتصبون منهم فتزوّجها فالنواصب أبناء هذه البغيّة ونزّلوا أخبار خبث مولد النواصب هذا التنزيل وقالوا : إنّ الزوج الشرعي للولاية هم الأئمّةعليهم‌السلام وقد عقد الله هذا الزواج في السماء

وهذا حديث باطل ومردود وهو أدنى من كلام المبرسمين أصحاب الماليخوليا ، والأولى أن ندعوه هذيان القلم ، وأكثر من هذا لا يستحقّ من عناية العلماء لردّه ولا يتّسق مع سابقة العلماء وشئوناتهم العلميّة ورتب أهل الفضل كما قال الحكماء :

از سخن پُر در من هم چون صدف هر گوش را

قفل گوهر ساز ياقوت زمر پوش را

در جواب هر سؤالى حاجت گفتار نيست

چشم بينا عذر مى خواهد لب خاموش را

لا تجعلنّ كلّ قول مثل جوهرة

تقرط الأُذن فيها كي تحلّيها

أبعد عن العين بالأقفال جوهرة

فإنّ حقّ يتيم الدرّ تخفيها

ولا تجيبنّ يوماً كلّ مسألة

إطباق كلّ شفاه عذرها فيها

ومن الأشعار التي أنشدها الإمام الرضاعليه‌السلام في حضرة المأمون ونسبه إلى بعض فتيان آل عبد المطّلب كما ورد في العيون هذان البيتان :

وإذا ابتليت بجاهل متكلّف

يجد المحال من الأُمور صوابا

أوليته منّي السكوت وربّما

كان السكوت عن الجواب جوابا(١)

وجملة القول : إنّ هذه الفقرة من الزيارة مساوقة لفقرة الصحيفة السجاديّة

_________________

(١) عيون أخبار الرضاعليه‌السلام ٢ : ١٥٧ وفيه بدل « ابتليت » « بليت » وبدل « متكلّف » « متحكّم » ( هامش الأصل ) وفي المجلّد الأوّل منه ص ١٨٧ أربعة أبيات بدل البيتين ( المترجم )


وفيها يشير الإمام السجّاد إلى عيد الأضحى والجمعة وصلاة العيدين والخطبة ويقول : « اللهمّ هذا المقام لخلفائك وأصفياءك ومواضع اُمناءك في الدرجة الرفيعة التي اختصصتهم بها قد ابتزّوها »(١) وهذا الابتزاز والإزالة والدفع كلّ ذلك ناشئ عن الصدر السالف والقرن الأوّل من عدول الصحابة ، ولا تتنافى عدالتهم مع ظلم أهل البيت وإيذاء فاطمةعليها‌السلام وإحراق بيتها والخلاف مع عليّعليه‌السلام وبغض الحسنينعليهما‌السلام ، كما مرّ عليك جانب من ذلك وعسى أن نشير فيما يأتي إلى جملة اُخرى منه

بل لا يتنافى ذلك عندهم مع تغيير جميع الفروع والاُصول والأحكام وهدم أساس الشريعة المقدّسة ـ على الصادع بها ألف سلام ـ كما يظهر ذلك من الأخبار المبثوثة في مطاوي كتبهم المعتمدة واُصولهم الصحيحة

نقل السيّد المحقّق الأمين شارح الصحيفة المقدّسة من الجمع بين الصحيحين في مسند أبي الدرداء في الحديث الأوّل من أخبار البخاري : قالت اُمّ الدرداء : دخل عليّ أبو الدرداء وهو مغضب ، فقلت : ما أغضبك ؟ فقال : والله ما أعرف من أمر محمّد شيئاً إلّا أنّهم يصلّون جميعاً(٢)

وفي الحديث الأوّل من صحيح البخاري من مسند أنس بن مالك نقل عن الزهري قال : دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي ، فقلت : ما يبكيك ؟ فقال : لا أعرض شيئاً ممّا أدركت إلّا هذه الصلاة وهذه الصلاة قد ضيّعت(٣)

وفي حديث آخر إنّه قال : ما أعرف شيئاً ممّا كان على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله

_________________

(١) الصحيفة السجاديّة ، دعاء ٤٩ ( هامش الأصل ) الكاملة : ٢٨١ نشر جامعة المدرّسين ( المترجم )

(٢) صحيح البخاري ١ : ١٦٦ باب فضل صلاة الفجر في جماعة ، ط دار مطابع الشعب بمصر ( هامش الأصل )

(٣) نفسه ، باب تضييع الصلاة عن وقتها ، ص ١٤١ ( هامش الأصل )


قيل : فالصلاة ؟ قال : أليس صنعتم ما صنعتم فيها(١)

وهذه شهادة صريحة من أبي الدرداء وأنس بن مالك ـ وهما من أكابر الصحابة عند أهل السنّة والجماعة ـ بأنّ أحكام الشريعة بأجمعها غيّرت ، وبدّلت أحكام الشرع الشريف عامّة ، حتّى الصلاة وهي أظهر الواجبات وأعرف الفرايض ، وجميع ما مرّ جرى على أيدي الصحابة والتابعين الذين رووا في حقّهم « خير القرون قرني ثمّ القرن الذي يليه »(٢)

وإذا كان حال القرن الأوّل والثاني بهذه المثابة فما بالك بالقرون اللاحقة والأعصار التابعة التي تتبدّل في كلّ يوم أحوالها ، وتتنزّل شئونها باعترافهم

وطبقاً للحديث سابق الذكر يمكن أن نقول :

õ خُذ جملة البلوى ودع تفصيلها õ

_________________

(١) نفسه

(٢) عمران بن حصين ، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : خيركم قرني ثمّ الذين يلونهم ، ثمّ الذين يلونهم قال عمران : فما أدري قال النبيّ بعد قوله مرّتين أو ثالثاً ، ثمّ يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون ، ويخونون ولا يؤتمنون ، وينذرون ولا يفون ، ويظهر فيهم السمن

وفي خبر آخر : خير الناس قرني ثمّ الذين يلونهم ، ثمّ يجيء من بعدهم قوم تسبق شهادتهم إيمانهم ، وإيمانهم شهادتهم [ صحيح البخاري ، ٨ : ١١٣ باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها ، ط دار ومطابع الشعب بمصر ] ( هامش الأصل )


وَلَعَنَ اللهُ الْمُمَهِّدِينَ لَهُمْ بِالتَّمْكِينِ مِنْ قِتالِكُمْ

الشرح : التمهيد مأخوذ من المهاد بمعنى البساط والفراش أو من العهد بمعنى سرير الطفل ، وكلاهما عائد إلى أصل واحد ونصّ في أساس البلاغة على أنّ التمهيد معناه التوطئة وتسهيل الأمر والإصلاح ، والمراد في أمثال هذه الوقائع وتمهيد العذر من المعاني المجازيّة ، ومعناه بسطه وتهيئة قبوله

والباء في « بالتمكين » للسببيّة على الظاهر والتمكين بمعنى الإقدار ، والظاهر أنّ اشتقاق المكان منه بحسب اللفظ ، وأمّا بحسب المعنى فاشتقاقه من الكون

القتال : بمعنى القتل والذبح والحرب

والمقصود من الممهّدين هم الأوائل الذين سهّلوا السبيل ووطّئوا الاُمور ، وهيّئوا أسباب الظلم ، لأنّه لولاهم وما ارتكبوه من السلوك الوحشي الخشن مع أهل البيت لما جرأ الأواخر على ظلمهم بتلك القسوة المعهودة

وهذا أصحّ الوجوه في تفسير الفقرة المعروفة « المقتول في يوم الجمعة أو الاثنين »(١)

_________________

(١) كما في البحار ٤٤ : ١٩٩ و ٢٠١

وعن عليّ بن موسى الرضاعليه‌السلام : يوم الاثنين يوم نحس قبض الله عزّ وجلّ نبيّه ، وما اُصيب آل محمّد إلّا يوم الاثنين [ الكافي ، باب صوم عرفة وعاشوراء ؛ بحار الأنوار ٤٥ : ٩٤ ] وتأتي هذه الرواية بتفصيلها ذيل « اللهمّ إنّ هذا يوم تبرّكت به بنو اُميّة »

مروج الذهب : وسُمعت في جنازته ( الإمام أبي الحسن الهاديعليه‌السلام ) سوداء وهي تقول : ماذا لقينا من يوم الاثنين [ بحار الأنوار ٥٠ : ٢٠٧ ]

ولنعم ما قيل : « ما قُتل الحسين إلّا في يوم السقيفة » فلعنة الله على من أسّس أساس الظلم والجور على أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين [ بحار الأنوار ٤٥ : ٣٣٨ ]


لأنّ يوم السقيفة حدث في يوم الاثنين ، وقد أجاد الشاعر المفلّق الحاج هاشم الكعبي حيث قال :

تا الله ما سيف شمر نال منك ولا

يدا سنان وإن جلّ الذي ارتكبوا

لولا الذي أغضبوا ربّ العُلى وأبوا

نصّ الولا ولحقّ المصطفى غصبوا

أصابك النفر الماضي بما ابتدعوا

وما المسبّب لو لم ينجح السبب

ولا تزال خيول الحقد كامنة

حتّى إذا أبصروها فرصة وثبوا

فادرك الكلّ ما قد كان يطلبه

والقصد يدرك لمّا يمكن الطلب

كفُّ بها اُمّك الزهراء قد ضربوا

هي التي اُختك الحورا بها سلبوا

وإن نار وغىً صاليت جمرتها

كانت لها كفّ ذاك البغي تحتطب

وليبك يومك من يبكيك يوم غدوا

بالصنوا قوداً وبنت المصطفى ضربوا

والله ما كربلا لو لا السقيفة والإحياء

تدري(١) ولا لا النار ما الحطب

وورد في كثير من الأخبار لعن قاتلي سيّد الشهداء ومقاتليه ، ولعلّنا نشير إلى جانب منه فيما يأتي ونكتفي هنا بذكر حديث واحد ليقوم بأداء حقّ هذا العنوان ،

_________________

ولنعم ما نقله عليّ بن عيسى عن بعض الأصحاب عن القاضي أبي بكر بن أبي قريعة في ضمن أبياتٍ له :

وأريتكم أنّ الحسين

اُصيب في يوم السقيفه

ولأيّ حالٍ اُلحدت

بالليل فاطمة الشريفه

ولما حمت شيخيكم

عن وطي حجرتها المنيفه

أوّه لبنت محمّد

ماتت بغصّتها أسيفه

فوالله لا أنسى زينب بنت عليّعليهما‌السلام وهي تندب وتنادي بصوت حزين وقلب كئيب : وا محمّداه ! صلّى عليك مليك السماء وهذا حسين محزوز الرأس من القفا ، مسلوب العمامة والرداء ، بأبي من عسكره في يوم الاثنين نهبا بأبي من فساط مقطّع العُرى . [ بحار الأنوار ٤٥ : ٥٩ ]

(١) جاء في الكتاب « تعلم » ولا يستقيم بها الوزن فاستبدلنا بها « تدري » لأنّي أحفظها هكذا


ولئلّا تخلو هذه المقولة من هذه الأخبار من رأس

وفي تفسير الإمام الحسن العسكري :( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ ) (١) نزلت في اليهود ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لمّا نزلت هذه الآية في هؤلاء اليهود الذين نقضوا عهد الله وكذّبوا رسل الله وقتلوا أولياء الله : أفلا اُنبّئكم بمن يضاهيهم من يهود هذه الاُمّة ؟ قالوا : بلى يا رسول الله قال : قومٌ من اُمّتي ينتحلون بأنّهم أهل ملّتي ، يقتلون أفاضل ذرّيّتي وأطائب اُرومتي ، ويبدّلون شريعتي وسنّتي ، ويقتلون ولدي الحسن والحسين كما قتل أسلاف هؤلاء اليهود زكريّا ويحيى

ألا وإنّ الله يلعنهم كما لعنهم ، ويبعث على بقايا ذراريهم يوم القيامة هادياً مهديّاً من ولد الحسين المظلوم يحرقهم بسيوف أوليائه إلى نار جهنّم

ألا ولعن الله قتلة الحسين ومحبّيهم وناصريهم والساكتين عن لعنهم من غير تقيّة تسكتهم

ألا وصلّى الله على الباكين على الحسين بن عليّعليهما‌السلام رحمة وشفقة ، واللاعنين لأعدائهم والممتلئين عليهم غيظاً وحنقاً

ألا وإنّ الراضين بقتل الحسينعليه‌السلام شركاء قتله

ألا وإنّ قتلته وأعوانهم وأشياعهم ، والمتقدّمين بهم برآء من دين الله

ألا إنّ الله ليأمر الملائكة المقرّبين أن يتلقّوا دموعهم المصبوبة لقتل الحسينعليه‌السلام إلى الخزّان في الجنان فيمزجونها بماء الحيوان فيزيد في عذوبتها وطيبها ألف ضعفها ، وإنّ الملائكة ليتلقّون دموع الفرحين الضاحكين لقتل الحسينعليه‌السلام ويلقونها في ألهاوية ويمزجونها بحميمها وصديدها وغسّاقها وغسلينها فتزيد في شدّة حرارتها وعظيم عذابها ألف ضعفها ، يشدّد بها على

_________________

(١) البقرة : ٨٤


المنقولين إليها من أعداء آل محمّد عذابهم(١)

اللهمّ اجر دموعنا في مصاب الحسين ، ووفّقنا للعن قتلته من الأوّلين والآخرين ، اللهمّ العنهم لعناً وبيلاً ، وعذّبهم عذاباً أليماً لا تعذّب به أحداً من خلقك ، وصلّ على محمّد وآله الطاهرين من اليوم إلى يوم الدين

_________________

(١) تفسير الإمام العسكريعليه‌السلام : ٣٦٧ ط اُولى ١٤٠٩ مهر ـ قم المقدّسة ( المترجم ) تفسير الإمام العسكريعليه‌السلام : ١٤٨ ، بحار الأنوار ٤٤ : ٣٠٤ رقم ١٧ ( هامش الأصل )


بَرِئْتُ إِلَىٰ اللهِ وَإِلَيْكُمْ مِنْهُمْ وَمِنْ أَشْياعِهِمْ وَأَتْباعِهِمْ وَأَوْلِيائِهِمْ(١)

برء : من باب سمع أي فارق ، والتبرّي بمعنى المفارقة ، وهذا المعنى مأخوذ من كتب الأدب من قبيل منتهى الإرب وتاج المصادر ، وترجمة القزويني على القاموس ، ولم تبيّن الكتب العربيّة حقيقة معنى البرائة ، وبرأ من مرضه أي تنق وعوفي ، وبرأ من دينه أي سقط عنه طلبه ، وكلا المعنيين مأخوذ من المعنى المتقدّم

وفي تفسير مجمع البيان ومفاتيح الغيب لابن الخطيب الرازي فسّر البرائة بانقطاع العصمة ، وهذا تفسير باللازم

وبعض المنتسبين إلى العلم فسّروا البرائة بالامتناع ، وبعد التتبّع والفحص الكامل لم نجد وجهاً لهذا التفسير

وسبب تعدّيته بـ « إلى » كان لإشرابه معنى توجّه أو تعطّف ، لأنّ المتبرّء من واحد متقرّب إلى الآخر ، إذ المتبرّء حين يدبر عنه يقبل على غيره فيثير حنقه بمحبّة غيره ورعاية قربه ، ولعلّ هذا المعنى هو الذي صحّح دخول « إلى » على هذا الطرف

والضمير في « منهم » راجع إلى جميع الطوائف المذكورة المراد من هذه الصفات أولئك الذين لهم المدخليّة التامّة في ذلك الأمر حيث استندت إليهم الأفعال ممّا جرى على الحسينعليه‌السلام بنحو من الأنحاء لينفى عنهم عنوان الأشياع والأتباع وينطبق عليهم عنوان مستقلّ آخر

تبع تباعاً وتِباعاً : اقتفى أثر فلان ، وتبع وزان فرس بمعنى تابع ، ويطلق على

_________________

(١) الصحيح من أشياعهم وأتباعهم وغفلةً من المؤلّف أو الناسخ حدث التقديم والتأخير ( هامش الأصل )


المفرد والجمع مثل :( إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا ) (١) وجمع أتباع ، وتباعة ، وإن كان يطلق على المشي الظاهر ولكنّه من جهة التوسّع في الإطلاق يتناول المعنوي أيضاً وفي هذا السياق يوجد حديث مبنى على ذوق أهل المعرفة وليس هذا المقام موضع بيانه

الشيعة : عبارة عن الأنصار والأتباع ، صرّح بذلك في المصباح وغيره ، واشتقاقه من المشايعة ومعناها المتابعة والنصرة ، وهو مأخوذ من التشييع والمشايعة بمعنى المصاحبة للتعظيم ، كما يستعمل في معنى مشايعة الموتى وتشييعهم ، وكلا الحقيقتين مأخوذ من الشيوع بمعنى الظهور لأنّ في لفظ : مشيّع ومشايع يتبادر الميّت والضيف إلى الذهن وبه يتعالى اسمه ويشيع شرفه

ومجمل القول : جمع الشيعة شيعٍ ، وجمع الشيع أشياع ، وقد ارتكب الفيروزآبادي في القاموس خطأً حين اعتبر الأشياع والشيع كلاهما جمع التشيّع ، لأنّ قياس العربيّة لا يسمع بجمع « فعله » على « أفعال » وصرّح بما قلناه الفيّومي في المصباح

الولي : مأخوذ من ولي ومعناه الحقيقي القرب ، ويستعمل في القرابة النسبيّة والقرب الروحاني وهو المحبّة ، ويستعمل أيضاً في قرب الإحاطة وهو الرئاسة

واعلم أنّ رعاية الصحّة تتمّ في أمرين :

الأمر الأوّل : التنقية وهي دفع الفضلات والأخلاط الفاسدة

والأمر الثاني : التقوية وهي حفظ البنية وبقاء المزاج الذي هو الصورة الخامسة الحاصلة من تفاعل الكيفيّات الأربع ، المتداعية بالانفكاك والانفصال

كما أنّ حصول الكمال الإنساني والترقّي النفساني في السلوك الأخلاقي بأمرين :

_________________

(١) إبراهيم : ٢١


أحدهما : دفع الرذائل من قبيل الحسد واللؤم والقساوة وحبّ الجاه

وثانيهما : كسب الفضائل من جنس العفو والسماح ورقّة القلب والإعراض عن الخلق

ومثله الإيمان وهو مصحّح جميع الأعمال وميزان كلّ كمال مركّب كذلك من جزئين :

الأوّل : البرائة من أعداء الله

والثاني : محبّة الله وأوليائه

وهذا المعنى مضافاً إلى ما جاء في سرده وتوضيحه من الكتاب والسنّة فإنّه وارد في خصوص جماعة معيّنة من طريق أهل بيت النبيّ ؛ أهل العصمة والطهارة أرواحنا لهم الفداء ، وذلك معترف به ومشهود به من جميع القلوب الصافية والنفوس الزاكية

حيث ما من عاقل نبيه يستولي عليه الوهم بالقدرة على الجمع بين محبّة إنسان ومحبّة عدوّه ، كما قال الشاعر في الحكمة الشعريّة :

تحبّ عدوّي ثمّ تزعم أنّني

صديقك إنّ الرأي منك لعازبُ

وللعقلاء أصحاب البصائر والقلوب الواعية تكفي هذه الآية المباركة التي يقول الحقّ تعالى فيها :( لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَـٰئِكَ حِزْبُ اللَّـهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّـهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (١) وفي هذه الآية المباركة وردت وجوه من تأكيد المنع عن موادّة أعداء الله

_________________

(١) المجادلة : ٢٢


وفي الحديث المنقول عن العيون بطرق عدّة أنّ الإمام الرضاعليه‌السلام كتب إلى المأمون في حديث طويل : حبّ أولياء الله واجب وكذلك بغض أعداء الله والبرائة منهم ومن أئمّتهم ولعلّنا نشير في أثناء البحث إلى جانب منه في مقام آخر(١)

_________________

(١) عيون أخبار الرضاعليه‌السلام ٢ : ١٢٢ رقم ٣٥ ما كتبه الرضاعليه‌السلام إلى المأمون في محض الإسلام وشرايع الدين ( هامش الأصل ) وفي نسختي ص ١٢٤ ( المترجم )


يَا أَبا عبد الله إِنِّي سِلْمٌ لِمَنْ سالَمَكُمْ ، وَحَرْبٌ لِمَنْ حارَبَكُمْ إِلىٰ يَوْمِ الْقِيامَةِ

الشرح : السلم : بمعنى المسالمة والصلح والموادعة لأنّه جاء بمعنى المسالمة والصلح كما في القاموس وغيره ، والظاهر عدم الاشتراك بل من باب استعمال المصدر بمعنى اسم الفاعل ، فإمّا أن يكون محمولاً على المبالغة أو بتقدير ذو ( اي ذو سلم ) كما صرّح بذلك الأُدباء ، وهذا المعنى وإن لم يكن قياسيّاً بل متوقّفاً على مقتضى الحال الخاصّة التي يعرفها الأديب بالممارسة ، كما صرّح بذلك الآمدي في الموازنة بين أبي تمام والبحتري ، وإن كانت الأمثلة التي استشهد بها لا تخلو من نقاش ، ولكنّ الميزان في هذا الموضع ثابت ومحقّق

ومثله الحديث في كلمة « حرب » والأظهر في رأي هذا العبد لله أنّها المعنى المصدري نفسه

ويجب أن نقول ذلك من أجل إظهار كمال المطاوعة والتوغّل في العبوديّة والمتابعة أنّا وصلنا في هذا المقام إلى درجة أصبحنا حقيقة السلم مع من سالمكم ومصداقاً واقعيّاً للحرب لمن حاربكم

اليوم : بحسب أصل اللغة من أوّل طلوع الشمس إلى غروبها ـ كما هو المشهور بين اللغويّين ـ ويطابق اصطلاح حكماء الفرس وعلماء الهيئة والحساب أو أنّه من أوّل طلوع الفجر حتّى غروب الشمس كما صرّح بذلك ابن هشام في « شرح الكعبيّة » والظاهر أنّ المعنى الثاني لليوم هو تحديد الزمن الشرعي من اليوم وليس المعنى اللغوي ، وهذا القليل البضاعة أشار تلويحاً في « منظومة ميزان الفلك » إلى هذا المعنى :

واليوم من طلوع جرم الشمس

إلى غروبها بزعم الفُرْس

كذاك في النجوم والحساب

وذاك في السنّة والكتاب

يؤخذ من طلوع فجر صادق

إلى ذهاب حمرة المشارق


وتفصيل هذه الجملة أنّ غاية النهار زوال الحمرة(١) كما هو المعروف من مذهب الإماميّة ، أو غروب القرص كما هو مذهب أهل السنّة ، وقال بهذا شرذمة من علماء الشيعة نظراً إلى الأخبار المحمولة على التقيّة أو أنّهم جعلوا الأخبار في القول السابقة حاكمة على الأخبار التي قال بها الشيعة لا الأقلّيّة منهم فمالوا إليها وقالوا بها ، والإفاضة بها خارجة عن منهج هذا الشرح

وأحياناً يطلق اليوم على مطلق الزمان كما صرّح به ابن هشام في شرح الكعبيّة وحكى القول به عن سيبويه واستشهد بما أثر عن القوم من قولهم : أنا اليوم أفعل كذا ، ويريدون الوقت الحاضر ، ومن هذا القبيل قولهم : تلك أيّام الهرج ، كما قال بعض شرّاح القاموس(٢)

وأكثر اللغويّين والاُدباء نصّوا على هذا المعنى واستعماله في يوم القيامة أظهر ، لأنّه مبنى على هذا المعنى غير ملحوظٍ به طلوعاً أو غروباً ، ولابدّ من أخذهما في المعنى عند الوقوف على ظواهر العبارات

وفي الحقيقة إنّنا وإن أمكننا القول عن حقيقة اليوم بأنّه مدّة ظهور الشمس في نصف الفلك المرئي ، وأخذ الطلوع والغروب في معناه للدلالة على مصاديق أفراده في الخارج ، وبناءاً على هذا يكون يوم القيامة من مصاديق المعنى الأوّل ، والله أعلم بالصواب

القيامة : مصدر قيام ظاهراً ، يقال : قام قياماً وقيامة كما نقل بعض العلماء المتبحّرين اللغويّين ، وإن لم يذكر في كثير من الكتب

_________________

(١) يجب تحديدها بالمشرقيّة وبها يعرف دخول الليل ، أمّا الحمرة المغربيّة التي تمتدّ بعد اختطاط الظلام فلا عبرة بها ( المترجم )

(٢) قال الزبيدي : وقد يراد باليوم الوقت ، ومنه الحديث : تلك أيّام الهرج أي وقته ، ولا يختصّ بالنهار دون الليل [ تاج العروس ٩ : ١١٥ ]


وإطلاق يوم القيامة على يوم الحشر إمّا بسبب قيام البشريّة كافّة من مضاجعها للعرض على الله تعالى ، وإمّا بسبب قيام الخلق كافّة في ساحة العدل الربّاني جلّت عظمة الله ، كما في قوله تعالى عزّ من قائل :( يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) (١)

وزعم بعضهم أنّ الكلمة مولّدة من السريانيّة بمعنى « قيماً » أي يوم الحشر ، وهذا غاية في البعد ، والأصحّ الأوّل

والظاهر أنّ التعبير عن يوم الجمعة بيوم القيامة نظراً لهذا المعنى ، لقيام الخطيب فيها بالخطبة أو لقيام الناس فيه كافّة بالصلوات ، أو لقيام أمر النبيّ فيه ، أو لتذكاره بأمر يوم القيامة ، والله أعلم

فائدة

في الأخبار الكثيرة المرويّة عن الفريقين أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لفاطمة وأمير المؤمنينعليهما‌السلام : حربك حربي وسلمك سلمي(٢) وكذلك قال لأهل العباعليهم‌السلام : « أنا سلم لمن سالمكم وحرب لمن حاربكم » أو قريباً من هذا اللفظ ، كما أوصل الترمذي في الجامع السند إلى زيد بن أرقم : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لعليّ وفاطمة والحسن والحسينعليهم‌السلام : أنا سلم لمن سالمتم وحرب لمن حاربتم(٣)

يتبيّن من هذا الحديث على اُصول أهل السنّة والجماعة كفر معاوية وأصحاب الجمل وأصحاب واقعة كربلاء جميعاً ، لأنّ من حارب رسول الله باتفاق الاُمّة ونصّ الكتاب والسنّة كافر ، فإذا كان محارب هذه الجماعة محارباً لرسول الله فهو كافر البتّة

_________________

(١) المطفّفين : ٦

(٢) بحار الأنوار ٤٢ : ٢٦١ وتجد ذلك أيضاً في الأجزاء التالية ٢٦ ـ ٢٧ ـ ٣٢ ـ ٣٣ ـ ٣٧ ـ ٣٨ ـ ٣٩ ـ ٤٠ ـ ٦٥ ( المترجم )

(٣) اُنظر : سنن ابن ماجة القزويني ١ : ٥٢ ( المترجم ) صحيح الترمذي ، ج ٥ باب ٦١ فضل فاطمة رقم ٣٨٧٠ ( هامش الأصل )


وَلَعَنَ اللهُ آلَ زِيادٍ

الشرح : يمكن أن يكون الواو في مطلع الجملة للعطف ، وتكون هذه الجملة الدعائيّة معطوفة على ما سبقها من اللعائن ، وعلى هذا الوجه تكون الجملة المتضمّنة للبرائة والاستسلام والمتابعة معترضة بين العاطف والمعطوف عليه ، والنكتة المتصوّرة في وجه إقحام هذه الجملة بينهما أنّ الزائر وهو يمارس لعن الأعداء يتذكّر أعمالهم الشنيعة وآثارهم الفظيعة ، فتقلّبهم الأيّام الخوالي فيهيج وجده الكامن وشوقه الساكن فيفقد السيطرة على نفسه وهو يستعرض جرائم القوم ومنكراتهم فيظهر البرائة منهم دونما اختيار منه ، وتدركه النفرة منهم ومن أتباعهم وأشياعهم ، من هنا يخاطب الإمام المظلوم لفرط حبّه وخلوص إرادته فيحمله ذلك على عرض مسالمته الكاملة ومتابعته الشاملة مع صفاء الباطن وخلوص النيّة بين يدي ساحة الإمام المقدّسة وسدّته الرفيعة

وينعتق من هذا الكلام الذي اندفع فجئة على لسانه مرّة اُخرى ويعدل عنه إلى الحديث الأوّل من لعن الأعداء ويعطف عليهم أولئك الذين هم أعيان الظالمين المسبّبين لهذا الخطب الفادح والرزء الجليل ، والذين لهم أثر يذكر في جريان هذه الخطوب وإعانة على حدوثها فيأخذ بلعنهم واحداً واحداً ، ويعطفهم على الأوائل لكي يشفي غيظه ويريح حنقه ويبرأ من لواعج صدره من ذكرهم بالتفصيل ، كما يمكن أن تكون الواو استئنافيّة

وعلى كلّ حال فإنّ النكتة تعود إلى ما ذكرناه تفصيلاً

وسوف نذكر معنى الآل بعد هذا الحديث إن شاء الله(١)

_________________

(١) ذيل « صلّی الله عليه وآله » ( هامش الأصل )


وزياد المنصوص عليه باللعن هو والد عبيد الله لعنهما الله المعروف بزياد بن أبيه وزياد بن اُمّه وزياد بن عبيد وزياد بن سميّة ، واشتهر بعد استلحق معاوية إيّاه بابن أبي سفيان ، وعبيد وسميّة كلاهما من موالي كسرىٰ فأهداهما كسرى إلى أبي الخير بن عمر الكندي أحد أقيال اليمن ، وأشار إلى ذلك أبو بكر بن دريد في مقصورته المعروفة ، فقال :

فخامرت نفس أبي الخير جوىٰ

حتّى حواه الحتف فيمن قد حوىٰ

وشرح حاله في الشروح الدريديّة وغيرها ، وفي شرح الدريديّة(١) : وكان من حديثه مسيره إلى كسرى يستجيشه على قومه فأعطاه جيشاً من الأساورة فلمّا صاروا بكاظمة ونظروا إلى وحشة بلاد العرب ، فقالوا : أين نمضي مع هذا ، فعمدوا إلى سمّ فدفعوه إلى طبّاخه ووعدوه بالإحسان إليه(٢) إن ألقى السمّ في طعام الملك ، ففعل ذلك ، فما استقرّ الطعام في جوفه حتّى اشتدّ وجعه ، فلمّا علم الأساورة ذلك دخلوا عليه فقالوا له : إنّك قد بلغت إلى هذه الحالة فاكتب لنا إلى الملك كسرى إنّك قد أذنت لنا في الرجوع ، فكتب لهم بذلك

ثمّ إنّ أبا الجبر خفّ ما به فخرج إلى الطائف البليدة التي بالقرب من مكّة وكان بها الحارث بن كلدة طبيب العرب الثقفي ، فعالجه فأبرأه فأعطاه سميّة ـ بضمّ العين المهملة وفتح الميم وتشديد الياء المثنّاة من تحتها وفي آخره هاء ـ وعبيداً ـ بضمّ العين المهملة تصغير عبد ـ وكان كسرى قد أعطاهما أبا الجبر في جملة ما أعطاه(٣) وهذا يوافق ما نقله ابن عبد ربّه وابن خلّكان

_________________

(١) فيها : إنّه أبو الجبر ولم يذكر سميّة ولا عبيداً [ الخطيب التبريزي ، شرح مقصورة ابن دريد ، ص ٥٩ ] ( المترجم )

(٢) إلى هنا أخذناه من هامش الخطيب : ٥٩

(٣) ابن خلّكان ، وفيات الأعيان ٦ : ٣٥٦


ويقول ابن الأثير في الكامل وابن خلدون في العبر : أنّ سميّة جارية لدهقان من أهل زنده رود ، أهداها للحارث بن كلدة لمّا عالجه ، والطريق الأوّل أتقن وأمتن

وخلاصة القول : إنّ سميّة ولدت نافعاً على فراش الحارث ولكنّه نفاه ، ثمّ ولدت أبابكرة الصحابي المعروف على فراشه ، فنفاه أيضاً ولم يعترف به ، وأعطى سميّة لعبيد ، وهؤلاء الثلاثة : زياد ونافع وأبوبكرة أولاد سميّة ومعهم شبل بن معبد الذين شهدوا على المغيرة لعنه الله بالزنا عند عمر بن الخطّاب ، وتلكّأ زياد بشهادته بتلويح من عمر ، فدرأ عن المغيرة الحدّ وأقامه على الشهود ، وهي من أشدّ المطاعن على عمر ، كما هو مذكور بالتفصيل في الأسفار الكلاميّة

وقال في العقد الفريد : كان الزانيات من النساء في الجاهليّة ينصبن على بيوتهنّ رايات ليعرفن بذلك ويقصدهنّ الشباب ، وكان بغاة النفع من الناس يرسلون جواريهم في هذا السبيل كرهاً ليجمعن لهم الحطام الفاني والعرض الزائل وينالوا بذلك الحياة الدنيا ، وقد أشار الله تعالى في محكم كتابه المجيد بقوله :( وَلَا تُكْرِهُوا
فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ
) (١) يريد في الجاهليّة( فَإِنَّ اللَّـهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) يريد في الإسلام

وفي مروج الذهب : وكانت سميّة من ذوات الرايات بالطائف تؤدّي الضريبة إلى الحارث بن كلدة وكانت تنزل بالموضع الذي نزل فيه البغايا بالطائف خارجاً عن الحضر في محلّة يقال لها : حارّة البغايا .

وجاء أبو سفيان يوماً إلى أبي مريم السلولي وهو خمّار في الطائف في الجاهليّة ، فقال : أبغني بغيّاً ، فأتيته وقلت له : لم أجد إلّا جارية الحارث بن كلدة سميّة فقال : ائتني بها على ذفرها وقذرها ( يظهر من قول أبي سفيان هذا أنّه

_________________

(١) النور : ٣٣


وطأها قبل هذا اليوم ) ( الى أن قال ) والله لقد أخذ بدرعها وأغلقت الباب عليهما وقعدت دهشاناً ، فلم ألبث أن خرج عليّ يمسح جبينه ، فقلت : مه يا أبا سفيان ، فقال : ما أصبت مثلها يا أبا مريم لو لا استرخاء من ثديها وذفر من فيها(١)

وولدت سميّة زياداً عام أوّل من الهجرة على فراش عبيد الله ، فكان يعرف بزياد بن عُبيد وابن اُمّه وابن أبيه وابن سميّة ، ولمّا بلغ أشدّه استكتبه أبو موسى الأشعري فأرسله عمر في حاجة فأحسن القيام بها فقدم على عمر وهو في المسجد ، فخطب بين يديه خطبة أعجب بها الحاضرون ، فقال عمرو بن العاص : لو كان قرشيّاً لساق العرب بعصاه ،

فقال أبو سفيان : اُقسم بالله أنّي أعرف الذي وضعه في رحم اُمّه

فقيل له : من يا تُرى ؟

فقال : أنا هو !

ولمّا استخلف أمير المؤمنين ، كان زياد معروفاً بالنزاهة ولم يظهر منه خلاف وكان إدرايّاً سياسيّاً حازماً ذا فطنة وكياسة ، من ثمّ عهد إليه أمير المؤمنين بإدارة حدود فارس(٢) ، وأراد معاوية خديعته فما تأتّىٰ ذلك له ، وكتب إليه يوماً يتهدّده ، فقال عقيب ذلك : « أتعجب من ابن آكلة الأكباد ورأس النفاق يخوّفني بقصده إيّاي » ، وأثنى على أمير المؤمنينعليه‌السلام ثناءاً بليغاً فأرسل إليه أمير المؤمنين رسالة يحذّره من مكر معاوية ويأمره بالثبات على عهده إلى أن استشهد أمير المؤمنين وانقضت أيّامه عند ذلك فتح معاوية أحابيله عليه ، واستعان عليه بخبث فطرته

_________________

(١) مروج الذهب ٢ : ١٥ و ١٦ بتصرّف من المؤلّف ( المترجم ) و ٣ : ٦ ط دار الهجرة ( هامش الأصل )

(٢) لم يعهد إليه الإمام بذلك إنّما كان بفعل ابن عبّاس لأنّه والي البصرة يومئذٍ وفارس من توابعها ( المترجم )


ودنائة مولده وأوكل أمر جذبه نحوه إلى المغيرة بن شعبة وهو يومئذٍ رأس النفاق ومعدن النصب فانطلّت الحيلة على زياد واستلحقه معاوية وصيّره أخاه واعترف زياد حبّاً في الدنيا وميلاً إلى جاهها بخباثة مولده ورضي باُخوّة معاوية وأبوة أبي سفيان وعند ذلك أقسم أبوبكرة أن لا يكلّمه لأنّه زنىّ سميّة وقدح في نسبه(١)

ولمّا استقرّ رأيهما على ذلك أرسلت إليه جويريّة بنت أبي سفيان عن أمر أخيها معاوية ، فأتاها فأذنت له وكشفت عن شعرها بين يديه وقالت : أنت أخي ، أخبرني بذلك أبو مريم ثمّ أخرجه معاوية إلى المسجد وجمع الناس ، فقام أبو مريم السلولي ، فقال : أشهد أنّ أبا سفيان قدم علينا بالطائف وأنا خمّار في الجاهليّة ، فقال : أبغني بغيّاً ، فأتيته وقلت له : لم أجد إلّا جارية الحارث بن كلدة سميّة ، فقال : إأتني بها على ذفرها(٢) وقذرها

فقال له زياد : مهلاً يا أبا مريم ، إنّما بعثت شاهداً ولم تبعث شائماً ، فقال أبو مريم : لو كنتم كفيتموني لكان أحبّ إليّ وإنّما شهدت بما عاينت ورأيت ، والله لقد أخذ بكُمِّ درعها وأغلقت الباب عليهما وقعدت دهشاناً ، فلم ألبث أن خرج عليّ يمسح جبينه ، فقلت : مه ، يا أبا سفيان ، فقال : ما أصبت مثلها يا أبا مريم ، لولا استرخاء من ثديها وذفر من فيها(٣)

وفي رواية الكامل : فخرجت من عنده وإنّ اسكتيها لتقطر منيّاً(٤)

_________________

(١) كان صرم أبي بكرة له قبل هذا التاريخ أي عندما تلجلج في الشهادة وكان أحد الشهود على المغيرة فأقسم أبوبكرة لا يكلّمه مادام حيّاً ( المترجم )

(٢) الذفر : الرائحة الخبيثة

(٣) المسعودي ٣ : ١٦ ط دار الكتب العلميّة لبنان ـ ١٤١١ ( المترجم )

(٤) الكامل في التاريخ ٣ : ٣٠١ ( المترجم )


ولولا أنّ ذلك في فضائح أعداء أهل البيت لما ذكرت هذه الجملة ، ولكنّها في فضائهم وأنا مترجمها أيضاً

ويقال : إنّ المتنبّي قال في حقّها :

أقم المسالح حول شفر سميّة

إنّ المنيّ بحلقتيها خضرم

وخلاصة الحديث : إنّ معاوية بهذه الشهادة صيّر زياداً أخاه ، وقام يونس بن عبيد فقال : يا معاوية ، قضى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّ الولد للفراش وللعاهر الحجر وقضيت أنت أنّ الولد للعاهر وأنّ الحجر للفراش مخالفة لكتاب الله تعالى وانصرافاً عن سنّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بشهادة أبي مريم على زنا أبي سفيان(١)

والحقّ أنّ هذا العار لا يمحوه الماء وهو طعن لا تجد له جواباً بأيّ كتاب ، وكان الفضل بن روزبهان التزم بالجواب على مطاعن معاوية في ردّه على نهج الحقّ وحين يبلغ الحديث إلى هذا الحدّ يقول : لم يكن معاوية بالخليفة الشرعي فلا يلزمنا الجواب عن كلّ مطاعنه وهذه الحكاية مذكورة في جميع كتب أهل السنّة والجماعة ، ولم يردّها أحد منهم ، وذكرها الشعراء في تلك الفترة وطعنوا بها على معاوية وزياد منهم عبدالرحمن بن الحكم أخو مروان لعنه الله :

ألا أبلغ معاوية بن حربٍ

مغلغلة من الرجل اليماني(٢)

أتغضب أن يقال أبوك عفّ

وترضى أن يقال أبوك زاني

فأشهد أن رحمك من زياد

كرحم الفيل من ولد الأتان

وأشهد أنّها حملت زياداً

وصخر من سميّة غير دان

_________________

(١) مروج الذهب ٣ : ١٧ ( المترجم ) والكامل لابن الأثير ٣ : ٤٤٢ ط بيروت ( هامش الأصل )

(٢) كذا في مروج الذهب وفي شرح النهج والوفيات فقد ضاقت بما تأتي اليدان وهو أثبت على هذه الرواية وقيل أنّها ليزيد بن المفرغ فيصحّ ما ذكرناه في المتن ( منهرحمه‌الله )


وفي زيادٍ وإخوته يقول خالد النجّاري :

إنّ زياداً ونافعاً وأبا بكرة

عندي من أعجب العجب

إنّ رجالاً ثلاثة خلقوا

من رحم انثى وكلّهم لأب

ذا قرشيّ فيما يقول وذا

مولىً وهذا ابن عمّه عربي(١)

وأشعار يزيد بن مفرغ جدّ السيّد الحميري في هجاء عبّاد بن زياد معروفة وقال ابن زياد : ما آلمني شيء كما آلمني قول يزيد بن مفرّغ :

فكّر ففي ذاك إن فكّرت معتبر

هل نلت مكرمة إلّا بتأمير

عاشت سميّة ما عشت وما علمت

أنّ ابنها من قريش في الجماهير

وكان لزياد عدد من الأولاد منهم عبّاد هذا ، وكانت لحيته طويلة جدّاً ، فقال يزيد بن المفرغ يهجوه :

ألا ليت اللحى كانت حشيشاً

فنعلفها خيول المسلمينا

ومنهم عبيد الله لعنه الله وفي هجائهما يقول يزيد :

أعبّاد ما للؤم عنك محوّل

ولا لك اُمّ من قريش ولا أب

وقل لعبيد الله مالك والد

بحقّ ولا يدري امرئ كيف ينسب

وأشعار يزيد بن المفرّغ في هذا الباب كثيرة وهي مذكورة في مطاوي كتب الأدب والتاريخ

وابن زياد لعنهما الله هو الذي قتل شيعة أمير المؤمنين في البصرة والكوفة

_________________

(١) مروج الذهب ٣ : ٧ وفيه بدل « وكلّهم لأب » « مخالفي النسب » وبدل « ابن عمّه » « بزعمه » ( المترجم ) مروج الذهب ٣ : ٦ ط دار الهجرة ( هامش الأصل )

في مروج الذهب أيضاً مفلفلة الخ ٣ : ١٧ ، وراجع وفيات الأعيان ٦ : ٣٥٩ ط دار الثقافة بيروت ١٩٦٨ الدكتور إحسان عبّاس ، وفي شرح النهج : مفلفلة من الرجل اليماني ، وقال قبل ذلك : إنّ الأبيات النونيّة المنسوبة إلى عبد الرحمان بن اُمّ الحكم ليزيد بن المفرغ وإنّ أوّلها الخ ، ١٦ : ١٩٢ ( المترجم )


وسمل أعينهم وقطّع أيديهم وأرجلهم ، وأدخل حديدة محميّة في عيونهم ، لأنّه كان يُعَدّ منهم فهو يعرفهم على أحسن وجه(١) وهو أوّل من قتل المسلمين صبراً ، ودفن عبد الرحمان بن حسّان حيّاً في حبّ أمير المؤمنينعليه‌السلام ، كما روى ذلك ابن خلدون وابن الأثير ، وأوّل من نال حكومة العراقين ، وأوّل من روّج سبّ أمير المؤمنين في العراقين

وظنّ البعض أنّ قول الإمام الوارد في النهج : « سيظهر عليكم رجل رحب البلعوم ، مندحق البطن ، يأكل ما يجد وما لا يجد فاقتلوه ، ولن تقتلوه ، وإنّه سيدعوكم إلى سبّي والبرائة منّي »(٢) إشارة إليه والأظهر الإشارة إلى معاوية

وقالوا : دهاة العرب أربع : زياد والمغيرة بن شعبة ومعاوية وعمرو بن العاص ، كما ذكر الصلاح الصفدي في شرح لامية العجم بيتين من الشعر وفيه يذكر الشاعر أسمائهم :

من العرب العرباء قد عُدّ أربع

ذهاة فما يؤتىٰ لهم بشبيه

معاوية عمرو بن عاص مغيرة

زياد هو المعروف بابن أبيه

عليهم اللعنة ، وهؤلاء الأربعة هم أولاد زناً ، ومجتمعون على عداوة أمير المؤمنينعليه‌السلام وبدع زياد وفتنه في الإسلام أكثر من أن تحصى

قال ابن أبي الحديد : وأراد زياد أن يعرض أهل الكوفة أجمعين على البرائة

_________________

(١) أحسب المؤلّف يتحدّث عن زياد ووقع ابن زياد خطأً من الناسخ في أوّل الفقرة ( المترجم )

(٢) الإشارة إلى معاوية لا إلى زياد وتمامه : فأمّا السبّ فسبّوني فإنّه لي زكاة ولكم نجاة ، وأمّا البرائة فلا تتبرّأوا منّي فإنّي ولدت على الفطرة وسبقت إلى الإيمان والهجرة [ نهج البلاغة ١ : ١٠٥ ]

قال ابن أبي الحديد : وكثير من الناس يذهب إلى أنّهعليه‌السلام عنى زياداً ، وكثير منهم يقول : إنّه عنى الحجّاج ، وقال قوم : إنّه عنى المغيرة بن شعبة ، والأشبه عندي إنّه عنى معاوية لأنّه كان موصوفاً بالنهم وكثرة الأكل وكان بطيئاً ، يقعد بطنه إذا جلس على فخذيه [ الشرح ٤ : ٥٤ ] ( المترجم )


من عليّعليه‌السلام ولعنه ، وأن يقتل كلّ من امتنع من ذلك ، ويخرّب منزله ، فضربه الله ذلك اليوم بالطاعون فمات لا رحمه الله بعد ثلاثة أيّام وذلك في خلافة معاوية(١)

ويؤيّد ما قاله ابن أبي الحديد الخبر المروي في أمالي ( ابن )(٢) الشيخ بسند معتبر عن كثير بن الصلت قال : جمع زياد الناس برحبة الكوفة ليعرضهم على البرائة من أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام والناس من ذلك في كرب عظيم ، فأغفيت فإذا أنا بشخص قد سدّ مابين السماء والأرض ، فقلت له : من أنت ؟ فقال : أنا النقّاد ذو الرقبة ، اُرسلت إلى صاحب القصر(٣) فانتبهت مذعوراً وإذا غلام لزياد قد خرج إلى الناس فقال : انصرفوا ، فإنّ الأمير عنكم مشغول ، وسمعنا الصياح من داخل القصر ، فقلت في ذلك :

ما كان منتهياً عمّا أراد بنا

حتّى تناوله النقّاد ذوالرقبه

فأسقط الشقّ منه ضربة ثبتت

كما تناول ظلماً صاحب الرحبه(٤)

والظاهر أنّ الشطر الأوّل من البيت الثاني فيه إشارة إلى الطاعون ، والقصد من صاحب الرحبة أمير المؤمنينعليه‌السلام

تنبيه

عدّ ابن الأثير في اُسد الغابة متبعاً أثر ابن عبد البرّ وابن مندة وأبي نعيم وأبي موسى زياداً لعنه الله من الصحابة مع أنّه لم تكن له صحبة مع النبيّ ولم يرو عنه ، لأنّه كان ابن عشر عند وفاة النبيّ وما كان في مكّة و(٥) لم يأت المدينة ، ولو حدث

_________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ٤ : ٥٨ ( المترجم )

(٢) أمالي الشيخ صحيح ( المترجم )

(٣) يعني زياد لعنه الله ( المؤلّف )

(٤) أمالي الشيخ الطوسي : ٢٣٣

(٥) العجيب أنّ ابن الأثير على عدم صحبته ، فقال : وليست له صحبة ولا رواية [ اُسد الغابة ٢ : ٢١٥ ]


ذلك فإنّه بالمقدار الذي رأى فيه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وتعريف الصحابي بناءاً على القول المشهور عند أهل السنّة وهو مختار الحاجبي والعضدي والتفتازاني وابن السبكي في (جمع الجوامع ) والجلال المحلّي في الشرح والبناني في الحاشية وغيرهم ، يصدق عليه بزعمهم ، والأكثر كما في الكتب التي ذكرناه على عدالة الصحابة المطلقة بلا فحص وبناءاً على هذا فينبغي أن يكون زياد عادلاً سبّ أمير المؤمنين أو قتل خيار الصحابة من دون جرم ولا ذنب ، وقد روى البخاري : « من آذى لي وليّاً فقد آذنته بالحرب »(١)

والآن لا بديل عن واحد من اثنين : فإمّا أن لا يكون السبّ إيذاءاً ، وإمّا أن لا يكون عليّ وأولاده وكبار الصحابة من الشيعة أولياءاً لله وتسمية سائر الصحابة المعادين لعليّعليه‌السلام وأهل بيته أولياء ، لأنّهم يستدلّون بهذه الرواية في كتب اُصولهم وكلامهم على حرمة سبّ الصحابة

مضافاً إلى ما تقدّم فإنّ الإيمان شرط في اللقاء على صدق اسم الصحابي ، أنّهم يعتبرون وهو في التاسعة مؤمناً وفي مقام إثبات سبق إسلام أمير المؤمنين على أبي بكر يقولون : لا يقبل إسلام الصبي وإنّما قبل إسلام عليّ عند ما بلغ أشدّه وكان ذلك بعد إسلام أبي بكر ، نعوذ بالله من الضلال والخذلان

فائدة

في لعن آل زياد يدخل زياد قطعاً وذلك إمّا من باب تنقيح المناط(٢) فإنّ لعن

_________________

(١) من عادى لي وليّاً فقد آذنته بالحرب [ صحيح البخاري ٨ : ١٣ باب ٣٧ الواضع ] ( هامش الأصل ) رقم الحديث ٦٢٦١ وفيه : إنّ الله قال : من عادى لي وليّاً الخ ( المترجم )

(٢) وهو تعيين العلّة من بين أوصاف مذكورة أو إلحاق الفرع بالأصل بالفاء الفارق بأن يقال : لا فرق بين الأصل والفرع إلّا كذا وذلك لا مدخل له في الحكم فيلزم اشتراكهما في الحكم لاشتراكهما في الموجب [ القاموس القويم : ١٥٦ و ١٥٧ ] ( المترجم )


آل زياد لانتسابهم إليه ورضاهم بفعله وفعل عبيد الله فيكون زياد داخلاً في اللعن بطريق أولى أو من جهة القول بشمول لفظ « الآل » له كما ادّعاه بعض العلماء ، وسوف نشير إلى ذلك في شرح الصلوات على النبيّ وآلهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والله الموفّق

وأولاد زياد كما ذكرهم ابن قتيبة في المعارف هم : عبد الرحمان والمغيرة وأبوسفيان ، وعبيد الله وعبد الله ، واُمّهما مرجانة ، وسلم وعثمان وعبّاد وربيع وأبوعبيدة ويزيد وعنبسة واُمّ معاوية وعمر وغصن وعتبة وأبان وجعفر وسعيد وإبراهيم ، وهؤلاء واحد وعشرون ما بين ذكر واُنثى لعنهم الله جميعاً ، آمين


وَآلَ مَرْوانَ

الشرح : هم آل مروان بن الحكم بن أبي العاص بن اُميّة وهو المعروف بابن الطريد ، والملقّب بالوزغ ، والمشهور بخيط باطل ، وهو أشدّ الناس عداوة لله ورسوله وآل رسول الله لا سيّما أمير المؤمنينعليه‌السلام ، واجتهد غاية الجهد ـ طيلة حكم عثمان إلى أن هلك بعده بسنين ـ في ستر مناقب أمير المؤمنين وإيجاد مؤاخذات عليه كما كان يزعم لعنه الله

وأبوه الحكم عمّ عثمان بن عفّان وكان عدوّ النبيّ ، شديد العداوة له ، مجاهراً بها ، لا يتخفّى ويصرّح بشنآن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو طريد رسول الله بالاتفاق ، نفاه النبيّ مع جماعة من أهل بيته ، وذكروا لذلك أسباباً مختلفة وأشهرها أنّه كان يمشي وراء النبيّ ويتخالج في مشيه مستهزءاً بمشية النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ويتمايل ذات اليمين وذات الشمال ، فلمّا رآه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : « فكذلك » فلتكن ، ودعا عليه فصار يتخالج في مشيه على أثر دعاء النبيّ عليه ، وبقي على حاله إلى أن هلك ، ومن هذه الجهة طرده النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى الطائف كما ذكر ذلك المؤرّخون(١)

وفي أصل أبي سعيد العصفري ـ وأنا بحمد الله أخذت من نفس ذلك الأصل ـ : عن حمّاد بن عيسى ، عن بلال بن يحيى ، عن حذيفة بن اليمان ، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال : إذا رأيتم معاوية بن أبي سفيان على المنبر فاضربوه بالسيف ، وإذا رأيتم الحكم بن أبي العاص فاقتلوه ولو تحت أستار الكعبة

قال : ونفاه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى الدهلك أرض من أرض الحبشة ، قال : فلمّا ولي أبوبكر كلّموه فيه ، قال : فأبى أن يأذن له الحديث(٢)

_________________

(١) كامل ابن الأثير ٤ : ١٩٣ ط بيروت ( هامش الأصل )

(٢) أصل أبي سعيد ، الثاني من ستّة عشر أصلاً ، ص ١٩ ، ط انتشارات شبستري ( هامش الأصل )


وفي رواية : إنّ مروان ولد في الطائف ، وقيل في مكّة ، وقيل : كان مع أبيه الحكم طفلاً يوم نفي ، وظاهر بعض الروايات لعنه حين ولد بالمدينة ، كما سوف اُشير إليه إن شاء الله تعالى فيما يأتي من الحديث

واُمّ الحكم الزرقاء بنت موهب ، وكما ذكر ابن الأثير في كامل التاريخ كانت من ذوات الأعلام مشهورة بالزنا(١)

وكان تعيير مروان بها في الأخبار والأشعار وعلى ألسنة الناس لنسبته إليها ، منها ما نقله السيّد في اللهوف عندما طلب من الإمام الحسين البيعة في المدينة في أوّل خلافة يزيد لعنه الله عندما قال مروان للوليد : لا تقبل أيّها الأمير عذره ومتى لم يبايع فاضرب عنقه ، فغضب الحسينعليه‌السلام ثمّ قال : ويل لك يا بن الزرقاء ، أنت تأمر بضرب عنقي(٢)

وفي الكافي في ذيل الحديث الذي قاله الحسينعليه‌السلام في مروان : ويلي على ابن الزرقاء دبّاغة الأدم(٣)

وفي البحار عن تفسير فرات الكوفي : إنّ مروان خطب يوماً فذكر عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام فنال منه فبلغ ذلك الحسين فجاء إلى مروان ، فقال : يا بن الزرقاء ،

_________________

(١) كامل ابن الأثير ٤ : ١٩٤ ط بيروت ( هامش الأصل ) قال ابن الأثير : وكانت من ذوات الرايات التي يستدلّ بها على ثبوت البغاء ، فلهذا كانوا يذمون بها ولعلّ هذا كان منها قبل أن يتزوّجها أبوالعاص بن اُميّة والد الحكم فإنّه كان من أشراف قريش ولا يكون هذا من امرأةٍ وهي عنده [ الكامل ٤ : ١٥ ]

يقول المترجم : هذا التقدير كلّه إنّما هو من أجل عثمان ومعاوية وتقديرهما من أجل عمر لأنّهما صنيعته ، من هنا تدرك أنّه أهل السنّة اُمّة بني اُميّة وليسوا اُمّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ( المترجم )

(٢) ملهوف ( كذا ) : ١٧ ـ ١٨ ، بحار الأنوار ٤٤ : ٢١١ ( هامش الأصل ) اللهوف : ١٧ ( المترجم )

(٣) الكافي ٦ : ١٩ باب الأسماء والكنى الرقم ٧ ، بحار الأنوار ٤٤ : ٢١١ ( هامش الأصل ) جرى تطبيقه ( المترجم )


ويابن آكلة القُمّل ، أنت الواقع في عليّ(١) ؟!

ونقل أبو مخنف في حديث أخذ البيعة أنّ سيّد الشهداء قال : يا بن الزرقاء ، أنت تقتلني ؟! كذبت يا بن اللخناء(٢)

ومن هذه العبارات يظهر لنا أنّ اُمّ الحكم لها صفات اُخرى من قبيل : دبّاغة الأديم ، وأكل القمّل ، ولخناء وهو بمعنى الجارية القذرة ، كريهة الرائحة ويحتمل أن تكون هذه الصفات تعود لاُمّ مروان أيضاً وهو ما يظهره العطف في رواية ( فرات بن إبراهيم ) ومن هذا وذاك تظهر « نجابة » !! مروان لعنه الله واضحة زائدة عن الحدّ

ويزعم بعضهم أنّ لفظ « الزرقاء » وصف وما هو باسم علم على أحد ، وهذا خطأ لأنّ من له اطّلاع على التاريخ لا شكّ بذلك ، ولا يصحّ أن يكون شاهداً على ذلك عدم شرح المجلسي للفظ الزرقاء في بيانات البحار ، لأنّ لفظ العلم لا يحتاج إلى شرح فلا يعتبر إهمالاً منه او إشكالاً عليه

وخلاصة القول أنّ مروان وأباه مكثا في الطائف إلى أن انتقل النبيّ إلى الرفيق الأعلى ، فشفّع فيه عثمان إلى أبي بكر بناءاً على لحمة النسب بينهما فلم يقبل

_________________

(١) تفسير فرات : ٩٠ ، بحار الأنوار ٤٤ : ٢١١ ( هامش الأصل ) البحار ٤٣ : ٣٤٤ باختلاف يسير وعزاها إلى المناقب ، وكنت أبحث عن تفسير لقول الإمام « آكلة القُمّل » فلا أجده حتّى قرأت رحلة ابن فضلان فرأيته يذكر عن جماعة من الأتراك ، فقال يصفهم : ووقفنا في بلد قوم من الأتراك يقال لهم الباشغرة ، فحذرناهم أشدّ الحذر وذلك أنّهم شرّ الأتراك وأقذرهم وأشدّهم إقداماً على القتل ، يلقى الرجل الرجل فيفرز هامته ويأخذها ويتركه وهم يحلقون لحاقهم يأكلون القمّل ! يتتبع الواحد منهم درز قرطقة فيقرض القمّل بأسنانه ، ولقد كان معنا واحد قد أسلم وكان يخدمنا وجد قمّلة في ثوبه فقصعها بظفره ثمّ لحسها وقال لمّا رآني : جيّد [ رحلة ابن فضلان ١ : ١٣٩ ط دمشق ١٩٧٩ مديريّة إحياء التراث العربي ] فليس بعيداً أن تكون جدّة مروان الزرقاء منهم ( المترجم )

(٢) أنت تأمر بقتلي [ أبو مخنف : ١٢ طبع انتشارات أعلمي ـ طهران ] ( هامش الأصل )


بردّه ، وحين استخلف عمر تشفّع إليه بعمّه فلم يقبل ، ولمّا أسند الحكم إليه عمد إلى مروان والحكم ومن معهما من اهلهما فخالف بذلك صريح أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فكانت هذه من أعظم مطاعنه

فصعب على الصحابة رؤية مروان والحكم وأراد عثمان أن ينتقم للحكم فعمد إلى نفي أبي ذررضي‌الله‌عنه وأعطى الحكم مأة ألف درهم من فيء المسلمين ، وفعل بمروان فأعطاه في مجلس واحد خمس أفريقيا وقيمته ـ في قول جماعة ـ مأة ألف دينار وكان المسلمون جميعاً فيه شركاء وصادر فدكاً ونحلها إلى أقربائه ، وأعطى خراج سوق المدينة وقد تصدّق به النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله على المسلمين ـ برواية ابن قتيبة في المعارف ـ للحارث بن الحكم ، واختار مروان لوزارته وكتابة أسراره ، فجرت منه وعثمان على قيد الحياة أحداث عظيمة وفتن موحشة وبدع غريبة طبقاً لميوله السافلة وأهوائه الباطلة ، حتّى أدّى ذلك إلى مقتل عثمان لعنه الله

ويعتقد أهل السنّة أنّ كتابة الكتاب وفيه قتل محمّد بن أبي بكر وموقّع بخاتم عثمان لعنه الله ويحمله غلام عثمان وهو على راحلته موجّه إلى عبد الله بن أبي سرح والي مصر هو من فعل مروان بن الحكم ، وبرئوا عثمان من هذا الفعل الباطل كما هو مذكور في موضعه

وكان مروان في حرب الجمل مع عائشة لعنة الله عليها ، وفي هذه الحرب رمى طلحة بن عبيد الله بسهم فأودى بحياته ، فأسره أمير المؤمنين بعد الهزيمة فتشفّع فيه الحسنان إلى أبيهماعليهما‌السلام فخلّى أمير المؤمنينعليه‌السلام سبيله وقالوا له : فليبايعك يا أمير المؤمنين ، فقالعليه‌السلام : أولم يبايعني بعد قتل عثمان لا حاجة لي في بيعته ، إنّها كفّ يهوديّة ، لو بايعني بكفّه لغدر بسبّته(١) ، أما إنّ له إمرة كلعقة الكلب أنفه وهو

_________________

(١) السبّة ، الاست ، ومنه السبّ أي ذكر السبّة فاستعمل في كلّ أمر قبيح توسّعاً ( منه )


أبو الأكبش الأربعة ، وستلقى الاُمّة منه ومن ولده يوماً أحمراً(١)

ثمّ فرّ إلى معاوية بعد ذلك وقد جدّ واجتهاد بحكم خبث عنصره ومولده وسوء عقيدته في بغض أمير المؤمنينعليه‌السلام وولّي على المدينة مرّتين بعد شهادة أمير المؤمنين

وقال جماعة من المؤرّخين : إنّ عبد الرحمان بن الحكم قال في ولايته على المدينة هذين البيتين :

فوالله ما أدري وإنّي لسائل

حليلة مضروب القفا كيف يصنع

لحى الله قوماً أمّروا خيط باطل

على الناس يعطي ما يشاء ويمنع

قال بعضهم : إنّ هذا الشعر قيل في خلافته ، ومن يومئذٍ سمّي مروان : خيط باطل ، لأنّه طويل مضطرب القامة ، وخيط باطل في اللغة هو الهباء المنتشر في ضوء الشمس ، وهو لسان الشمس شعاع ممتدّ فيها على شكل خطّ ، ومن نسيج العنكبوت المسمّى مخاط الشيطان

وأينما ولّي الخبيث يبذل الجدّ والجهد في سبّ أمير المؤمنينعليه‌السلام كما ذكر ابن الأثير أنّه في كلّ جمعة يرقى منبر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ويبالغ في سبّ أمير المؤمنينعليه‌السلام بحضرة المهاجرين والأنصار

واستخلف في الشام بعد هلاك يزيد لعنه الله تسعة أشهر ، وفي سنة ستّ وخمسين للهجرة التحق بالأسلاف الأجلاف في جهنّم ، والأخبار في لعنه ممّا رواه الفريقان كثيرة ، ونحن نذكر ثلاثة من هذه الأخبار من كتب أهل السنّة والجماعة المعتبرة لتكون حجّة عليهم

_________________

(١) نهج البلاغة ، صبحي الصالح ، ص ١٠٧ الرقم ٣٣ ( هامش الأصل ) شرح ابن أبي الحديد ٦ : ١٤٧ ( المترجم )


ذكر ابن الأثير في اُسد الغابة وابن أبي الحديد عن الاستيعاب لابن عبدالبرّ تعقيباً على الشعر التالي الذي نظمه عبد الرحمان بن حسّان بن ثابت في هجاء مروان وأشار إلى جنون أبيه وارتعاشه ، فقال :

إنّ اللعين أبوك فارم عظامه

إن ترم ترم مخلّجاً مجنونا

يمشي خميص البطن من عمل التقىٰ

ويظلّ من عمل الخبيث بطينا(١)

وروى الرواة بأنّ عائشة قالت لمروان لعنه الله : أشهد أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لعن أباك وأنت في صلبه

وفي تاريخ الخلفاء للسيوطي عن البخاري والنسائي وابن أبي حاتم في تفسيره وتفسير الفخر الرازي نقل هذا الحديث وبعده أنّ عائشة قالت لمروان : « وأنت بعض من لعنه الله ـ المؤلّف » ولكن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لعن أبا مروان ومروان في صلبه ، فمروان بعض من لعنه الله(٢)

وفي الدرّ المنثور للسيوطي ذكر أنّ عبيد بن حميد والنسائي وابن منذر والحاكم وابن مردويه وصحّحه ابن مردويه عن محمّد بن زياد أنّ عائشة قالت : ولكن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لعن أبا مروان ومروان في صلبه ، فمروان فضض من لعنة الله(٣)

ويقول ابن الأثير في النهاية : ومنه حديث عائشة لمروان أنّ النبيّ لعن أباك وأنت فضض من لعنة الله ، أي قطعة وطائفة منها ، ورواه بعضهم فظاظة بظائين من الفظيظ ماء الكرش ، وأنكره الخطّابي ، وقال الزمخشري : افتظظت الكرش إذا_________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ٦ : ١٥٠ ، اُسد الغابة ٢ : ٣٤ ( المترجم )

(٢) تاريخ الخلفاء ١ : ٢٠٣ ط مصر ـ السعادة اُولى ١٣٧١ ـ ١٩٥٢ م

(٣) الدرّ المنثور ٦ : ٤١ ( المترجم )


اعتصرت مائها كأنّه عصارة من اللعنة أو فعالة من الفظيظ : ماء الفحل : أي نطفة من اللعنة(١)

ويقول الفيروزآبادي في القاموس : الفضض محرّكة كلّ متفرّق منتشر ، ومنه قول عائشة لمروان : فأنت فضض من لعنة الله ، وروي فضض كعنق وغراب أي قطعة منها(٢)

وفي حياة الحيوان وتاريخ الخميس عن الحاكم في المستدرك عن عبدالرحمان بن عوفرضي‌الله‌عنه !!(٣) قال : كان لا يولد لأحد مولود إلّا اُتي به النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فدعا له ، فاُدخل عليه مروان بن الحكم ، فقال : هو الوزغ بن الوزغ الملعون بن الملعون هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه(٤)

وتناسب هذه الرواية ما ذكره ثقة الإسلام في الكافي مسنداً عن صادق آل محمّد أنّ عبد الله بن طلحة قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الوزغ ، فقال : رجس وهو مسخ كلّه فإذا قتلته فاغتسل

فقال : إنّ أبي كان قاعداً في الحجر ومعه رجل يحدّثه فإذا هو يوزغ يولول بلسانه ، فقال أبي للرجل : أتدري ما يقول هذا الوزغ ؟ قال : لا علم لي بما يقول ، قال : فإنّه يقول : والله لئن ذكرتم عثمان بشتيمة لأشتمنّ عليّاً حتّى يقوم من ها هنا

قال : وقال أبي : ليس يموت من بني اُميّة ميّت إلّا مسخ وزغاً(٥)

_________________

(١) نهاية ذيل لغة فضض ٣ : ٤٥٤ ، كامل ابن الأثير ٣ : ٥٠٧ ط بيروت ( هامش الأصل ) جرى تطبيقه المترجم إلّا في الكامل فهو في ص ٣٥٢ ط بيروت دار الكتب العلميّة ١٤١٥ ثانية تحقيق أبي الفداء

(٢) الفيروزآبادي ، القاموس المحيط ٢ : ٣٤٠

(٣) لا يجوز الترضّي عن هؤلاء ولكنّها أمانة النقل

(٤) الحاكم النيسابوري ، المستدرك ٤ : ٤٧٩ ( المترجم )

(٥) روضة الكافي ٨ : ٢٣٢ حديث ٣٠٥ ( هامش الأصل ) و ٨ : ٢٣٢ ط دار الكتب الإسلاميّة الثانية ١٣٨٩ ( المترجم )


ويظهر من هذا أنّ بين بني اُميّة والوزغ اتحاداً وسنخيّة في ولاء عثمان وعداء أمير المؤمنينعليه‌السلام وهو موافقهم على ذلك فإذا مات الميّت منهم مسخ إليه ، من هنا سمّي النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله الحكم ومروان وزغاً ، وصرّح بهذا في الحديث المروي في الكافي عن عبد الرحمان بن أبي عبد الله أنّه قال : سمعت من أبي عبد اللهعليه‌السلام أنّه قال : خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من حجرته ومروان وأبوه يستمعان إلى حديثه ، فقال له : الوزغ ابن الوزغ قال أبو عبد الله : فمن يومئذٍ يرون أنّ الوزغ يستمع الحديث(١)

ويظهر من هذا الخبر أنّ حقيقة مروان والوزغ واحدة إلّا في اختلاف الصورة ، وأخبر النبيّ عن ذلك وهو المطّلع على حقائق الأشياء والمشرف على ماهيّة الموجودات والشاهد على اتحاد مروان والوزغ في الصفة هو استراق السمع

ويظنّ بعضهم أنّ سبب طرد مروان لعنه الله الواقعة التالية يقول الفخر الرازي : رأى النبيّ في المنام أنّ أولاد مروان ينزون على منبره ، فقصّ رؤياه على أبي بكر وعمر لعنهما الله واختلىٰ بهما في بيته فلمّا انصرفا من عنده بلغه أنّ الحكم يروي خبر الرؤيا ، فاتهم النبيّ عمر في إفشاء سرّه ، ولمّا تجلّى له أنّ الحكم كان يسترق السمع طرده ، ومن هنا يظهر لنا إمّا أن يكون النبيّ يتّهم المؤمن الصادق العقيدة نعوذ بالله ويسيء فيه الظنّ ، وإمّا أن لا يكون عمر مؤمناً ولا أميناً بل من أهل النفاق وإفشاء سرّ رسول الله ، فإمّا أن يقبل الرازي الاحتمال الأوّل ويأبى الله ذلك والمؤمنون ، وأمّا الثاني فنعم الوفاق ، والحمد لله ربّ العالمين

وخلاصة القول كان الحكم يعرف بالوزغ كما ذكر ذلك أبو الفرج الأصفهاني ـ وهو مروانيّ ـ في كتابه الأغاني في ذيل حكاية وفود مروان على معاوية بعد عزله

_________________

(١) روضة الكافي ٨ : ٢٣٨ ح ٣٢٣ ( هامش الأصل ) وص ٢٣٨ نفس الجزء في ط دار الكتب الإسلاميّة ١٣٨٩ هجـ ( المترجم )


عن ولاية المدينة ، والحوار الذي دار بينهما ، يقول : فغضب معاوية وقال : يا بن الوزغ ، لست هناك فقال مروان : هو ما قلت لك وأنا الآن أبو عشرة وأخو عشرة وعمّ عشرة واُوشك أن يتمّ العدد يعني الأربعين

ويقول أبو الفرج : وهذه إشارة منه إلى الحديث النبوي : « إذا بلغ بنو العاص أربعين رجلاً اتّخذوا مال الله دولاً ، وعباد الله خولاً » فهم ينتظرون هذه المدّة ويختم حديثه بقول الأحنف لمعاوية : لماذا تحمّلت من مروان هذا التطاول ؟ وما هي الإشارة بقول مروان ؟ فروى معاوية هذا الحديث وقال : فوالله لقد تلقّاها مروان من عين صافية

وفي النهاية مادّة « دخل » يقول : الدخل العيب والعناد والغشّ ، ومنه حديث أبي هريرة : إذا بلغ بنو العاص ثلاثين كان دين الله دخلاً وعباد الله خولاً ، وحقيقته أن يُدخلوا في الدين اُموراً لم تجريها السنّة(١)

ويقول في « خول » : الفحول حشم الرجل وأتباعه ومنه حديث أبي هريرة : إذا بلغ بنو العاص ثلاثين كان عباد الله خولاً أي خدماً وعبيداً يعني أنّهم يستخدمونهم ويستعبدونهم(٢)

وجملة القول : حدّث في حياة الحيوان عن مستدرك الحاكم عن عمرو بن مرّة الجهني وكانت له صحبة ، قال : إنّ الحكم بن أبي العاص استأذن على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فعرف النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله صوته وكلامه ، فقال : ايذنوا له عليه لعنة الله وعلى من يخرج من صلبه إلّا المؤمن منهم وقليل ما هم ، يشرفون في الدنيا ويضعون في الآخرة ، ذوو

_________________

(١) النهاية ٢ : ١٠٨ ( المترجم )

(٢) نفسه ٢ : ٨٨ ( المترجم )


مكر وخديعة ، يعطون في الدنيا وما لهم في الآخرة من خلاق(١)

ويقول ابن الأثير في الكامل : رويت أخبار كثيرة في لعنه ولعن من في صلبه رواها الحفّاظ وفي أسانيدها كلام(٢)

وبعد تصحيح الحاكم ورواية جماعة ـ كما سمعت في كلام السيوطي ورواية ابن الأثير نفسه في اُسد الغابة مع تعدّد الطرق ـ لا يبقى مجال للمناقشة

ومن العجائب التي تسلب الفكر من عقل المرء أنّ مثل مروان الذي طرده النبيّ وأباه وسلخ عمره في عداوة أهل بيت الرسالة وأباح سبّ الحسنين وأبيهما وأشاعه وكان يدمن على ذلك في كلّ جمعة على المنبر ولعنه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وسمّاه الوزغ ، وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : إنّ يده يد يهوديّة ، وهو الذي قتل طلحة كما يعتقده أهل السنّة والجماعة ، وطلحة من الصحابة ومن العشرة المبشّرة بزعمهم ، فقد رماه وأقبل على أبان بن عثمان وقال له : قتلت واحداً من قتلة أبيك ، ومع كلّ هذه العيوب والمساوي بعدّونه عدلاً منه تؤخذ أحكام الدين ، وقد روى له البخاري ومسلم في كتابيهما وهما عند القوم أصحّ الكتب بعد القرآن

وفي كشف الظنون : إنّ الإجماع حاصل بتعديل جميع من روي لهما في الصحيحين ، ومن الأقوال المعروفة عند محدّثي أهل السنّة من روى له الشيخان فقد جاز القنطرة ، ومن هذه الجهة استدلّ ابن الأثير على عدالة مروان برواية البخاري عنه واخراجه له وبصلاة الحسنين خلفه دون أن يعيدا

فيا للعجب إلى أيّة درجة بلغ الصلف بهؤلاء حيث اعتبروا صلاة الحسنين

_________________

(١) المستدرك ٤ : ٤٨١ ( المترجم )

(٢) كامل ابن الأثير ٤ : ١٩٣ ط بيروت ( هامش الأصل ) وص ١٥ ط دار الكتب العلميّة ١٤١٥ تحقيق أبي الفداء عبد الله القاضي ( المترجم )


خلفه دون إعادة دليل على عدالته ، وهذا استدلال واهٍ بناءاً على قواعدهم ، لأنّهم لا يرون العدالة شرطاً في إمام الجماعة بل استدلّ في العقايد النسفيّة على عدم اشتراط العدالة بهذا وقال : ودليلنا على المدّعىٰ صلاة أئمّة الدين وراء الخلفاء مع ظهور الجور منهم وانتشار الفجور عنهم

من هنا تعرف من أين أخذ هؤلاء دينهم وعندما أعرضوا عن أهل بيت نبيّهمصلى‌الله‌عليه‌وآله ثمّ إنّك تلم من هذا التخبّط بحال صحاحهم المزعومة وواقعها ، لأنّ رواتها ورجال أسنادها مثل مروان وعبدالملك والمغيرة بن شعبة ومعاوية وعمرو بن العاص وأقرانهم وهم بأجمعهم لغير رشدة لعنهم الله جميعاً ، وهم جميعاً كفّار منافقون ملاعين بشهادة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لأنّ محك ذلك أمير المؤمنينعليه‌السلام وقول النبيّ له ـ وهو من المتواترات ـ : يا علي ، لا يبغضك إلّا منافق ولا يحبّك إلّا مؤمن(١)

والعمدة فيما نقول : أنّنا نثبت ضعف دينهم وفساد مبناهم بتوفيق الله تعالى من كتبهم ، ويتّضح بذلك معنى قوله تعالى :( وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ) و( إِنَّهُمْ لَهُمُ
الْمَنصُورُونَ
) (٢) ويتبيّن معناه ويثبت برهانه ويعلم بيانه والحمد لله على وضوح الحجّة

فائدة :

لا شكّ في شمول اللعن لمروان ودخوله ضمن اللعناء في هذا الدعاء يقيناً كأولاده أيضاً وأظهرهم أربعة : عبد الملك وبه كان يكنّى ، ونال الخلافة ، وعبدالعزيز وكان والياً على مصر ، ومحمّد ابنه وقد ولّي على الجزيرة ، وبشر وكان حاكماً على العراقين ، وهؤلاء هم الأكبش الأربعة في كلام الإمام عند ابن أبي

_________________

(١) تجد تفصيل هذه الأحاديث في إحقاق الحقّ ٧ : ١٨٧

(٢) الصافّات : ١٧٣ و ١٧٢


الحديد وإن كان الأظهر والأشهر أنّها إشارة إلى أولاد عبد الملك الذين نالوا الخلافة فسوّدوا في عهدهم نهار الاُمّة وأوصلوها إلى الحضيض الأوهد وهم : الوليد وسليمان ويزيد وهشام(١) ولم يتفق لإخوة أربعة نيل الخلافة غيرهم

ويشمل قول أولاد مروان كلّ من خرج منه ونال الخلافة سواء من نالها في المشرق وأوّلهم عبد الملك وآخرهم مروان الحمار ، أو من نالها في الأندلس وناحية المغرب وأوّلهم عبد الرحمان بن معاوية بن هشام بن عبد الملك وآخرهم هشام بن محمّد الملقّب بالمعتمد بالله

وظاهر هؤلاء جميعاً الرضا بفعل أسلافهم وادّعاء الحقّ في الخلافة ، وهذا المقدار يكفي في جواز لعنهم والبرائة منهم(٢)

_________________

(١) ١ ـ الوليد بن عبد الملك ٢ ـ سليمان بن عبد الملك ٣ ـ يزيد بن عبد الملك ٤ ـ هشام بن عبد الملك ( هامش الأصل )

(٢) قال الحسن بن عليّعليهما‌السلام : أمّا أنت يا مروان فلست أنا سببتك ولا سببت أباك ولكن الله عزّ وجلّ لعنك ولعن أباك وأهل بيتك وذرّيّتك وما خرج من صلب أبيك إلى يوم القيامة على لسان نبيّه [ الاحتجاج : ١٥٠ ] ( هامش الأصل )


وَلَعَنَ اللهُ بَنِي أُمَيَّةَ قاطِبَةً

الشرح : قاطبة حال كما مرّ القول في « جميعاً » ومعنى قاطبة جميعاً كما ورد في الصحاح(١) ويظهر من عبارة الأساس أنّه مجاز

واُميّة هو ابن عبد الشمس بن عبد مناف بناءاً على المشهور

وبنو اُميّة فرقتان : الأعياص وهم أبو العاص ، والعاص ، وأبو العيص ، والعيص وأولادهم والعنابس وهم أولاد حرب بن اُميّة لأنّ اسم حرب عنبسة

والأخبار في لعن بني اُميّة خارجة عن الحدّ ومرويّة عن طريق الفريقين ، وتعدادها يخرج هذا المختصر عمّا اُعدّ له ، ولكنّنا نورد عدداً منها شريطة كونها مرويّة في كتب العامّة لأنّهم أتباعهم وأشياعهم ، ويعتبرونهم خلفاء رسول الله واُمراءاً للمؤمنين وأئمّة الاُمّة وهم اُولوا الأمر وطاعتهم واجبة ، لكي تتمّ الحجّة عليهم ، ويفلجوا وتقطع عليهم منافذ العذر

ثمّ ندرج في أثناء ذلك تيمّناً وتبرّكاً أخباراً في نفس الموضوع عن طريق أهل البيتعليهم‌السلام لكي تكون سبباً لانشراح الصدور وانبساط القلوب ، وأولى من ذلك البدأة بالآيات من القرآن الكريم التي صرّحت بلعنهم وذمّهم ، ثمّ نبدأ بذكر أخبار الفريقين

ومن جملة الآيات قوله تعالى :( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ
وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا
) (٢)

يقول الفخر الرازي في تفسيره الكبير عن سعيد بن المسيّب ، قال : رأى

_________________

(١) قال الجوهري : وتقول : جاء القوم قاطبة أي جميعاً ؛ ١ : ٢٠٤ ( المترجم )

(٢) الإسراء : ٦٠


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بني اُميّة ينزون على منبره نزو القردة ، فسائه ذلك(١)

وفي هذا التفسير أيضاً عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال : الشجرة بنو اُميّة يعني الحكم بن أبي العاص(٢)

وكلامه في حديث هذه الرؤيا واتّهام عمر(٣) والإلزام الطريف الذي ألزمناه به بفضل الله وعونه وعون الأئمّة الأطهار قد مرّ في أحوال مروان

وروى النيسابوري عن ابن عبّاس أنّ الشجرة الملعونة بنو اُميّة

يقول البيضاوي : وقيل : رأى قوماً من بني اُميّة يرقون منبره وينزون عليه نزو القردة ، فقال : هذا حظّهم من الدنيا يعطونه بإسلامهم وعلى هذا كان المراد بقوله « إلّا فتنة للناس » ما حدث في أيّامهم(٤) كناية عن هلاكهم في الآخرة

وقريب من هذا الكلام في الكشّاف مع بيان الرواية

وفي البحار عن عمدة ابن البطريق عن تفسير الثعلبي نقل هذا الحديث بطريقين(٥)

وذكر ابن أبي الحديد عن أمالي أبي جعفر محمّد بن حبيب في حديث طويل أنّ عمر سأل كعب الأحبار فقال : فإلى من يفضى الأمر تجدونه عندكم ؟ قال : نجده ينتقل بعد صاحب الشريعة والإثنين من أصحابه إلى أعدائه الذين حاربهم_________________

(١) الرازي ، تفسير مفاتيح الغيب ، ج ٢٠ المجلّد العاشر ص ٢٣٦ و ٢٣٧ ( المترجم )

(٢) نفسه

(٣) نفسه : ٢٣٧ قال : ورأى رسول الله في المنام أنّ ولد مروان يتداولون منبره فقصّ رؤياه على أبي بكر وعمر وقد خلا في بيته معهما فلمّا تفرّقوا سمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الحكم يخبر برؤيا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فاشتدّ ذلك عليه واتّهم عمر في إفشاء سرّه ثمّ ظهر أنّ الحكم كان يتسمّع إليهم فنفاه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ( المترجم )

(٤) البيضاوي ٣ : ٤٥٤ ط دار الفكر ـ بيروت ١٤١٦ تحقيق عبد القادر عرفات العشاحونة ( المترجم )

(٥) بحار الأنوار ٨ : ٣٥٩ ط اُفست ( هامش الأصل )


وحاربوه وحاربهم على الدين ، فاسترجع عمر مراراً ، فقال : أتستمع يا بن عبّاس ، أما والله لقد سمعت من رسول الله ما يشبه هذا ، سمعته يقول : ليصعدنّ بنو اُميّة على منبري ، ولقد أريتهم في منامي ينزون عليه نزو القردة وفيهم اُنزل :( وَمَا
جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ
) الآية(١)

وفي المنشور الذي كتبه المعتضد بالله العبّاسي وأمر أن يُقرأ في البلاد كلّها ـ وسنذكره بطوله عند التعرّض لأحوال بني اُميّة إن شاء الله ـ يقول فيه : ثمّ أنزل الله في شأنهم قرآناً يُتلى وقال تعالى :( وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ) ولا خلاف بين أحد أنّه تعالى يريد بني اُميّة

وفي رسالة الجاحظ المفاخرة بين بني هاشم وبين اُميّة ، أنّ بني هاشم يعتقدون أنّ الشجرة الملعونة هم بنو اُميّة ، وممّا لا ريب فيه أنّ بني هاشم لا يرون هذا الرأي ما لم يكن عندهم فيه خبر صحيح

وفي تلك الرسالة أيضاً إلّا أنّه ممزوج بكلام ابن أبي الحديد والأظهر أنّ هذه الفقرة أجدر بها أن تكون من كلام الجاحظ فإن لم تكن له فهي لابن أبي الحديد ، يقول : قال المفسّرون بأجمعهم بنزول الآية في بني اُميّة ورووا في هذا الباب أخباراً كثيرة ، وأنتم معاشر الاُمويّون لا تقدرون على إنكار ذلك ، ومن هنا تعلم أنّ ذكر البيضاوي لها بصيغة التمريض غاية في التعصّب

ومن الوضوح بمكان أنّ تأويل الشجرة الملعونة بشجرة الزقّوم لون من ألوان الانحراف وفقدان الأمانة ، وهذا التفسير قطعيّ الصدور في أخبار أهل البيت فقد جاء بطرق عدّة في تفسير عليّ بن إبراهيم وتفسير مجمع البيان وفي البحار

_________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٢ : ٨١ تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم ، نشر دار إحياء التراث العربي ( المترجم )


والصافي وتفسير العيّاشي وألفاظ الروايات فيها متقاربة وفي بعضها ألحق تيم وعدي(١)

ومن محاسن هذا التفسير وبدايع هذا التأويل جملة « فما يزيدهم إلّا طغياناً كبيراً » ويحتمل أن يكون يزيد علماً وحمل الطغيان عليه من باب المبالغة وأنّه بلغ به الطغيان حدّاً إن صار فرداً من أفراد الطغيان الحقيقي ، واختصاصه بالذكر دون سائر الفروع الخبيثة لما جرى على يديه من المنكر العظيم والذنب الكبير والجرم الفادح والداهية الدهماء في وادي الطفّ

ومن الآيات المأوّلة في بني اُميّة هذه الآية المباركة :( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّـهِ كُفْرًا
وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ
õ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ ) (٢) كما ذكر البحار نقلاً عن عمدة ابن البطريقرضي‌الله‌عنه وهو رواها من تفسير الثعلبي يقول : قال عمر بن الخطّاب : هما الأفجران من قريش : بنو المغيرة وبنو اُميّة(٣)

فأمّا بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر ، وأمّا بنو اُميّة فمتّعوا إلى حين(٤)

وهذا الحديث مذكور في تفسير العيّاشي عن أمير المؤمنينعليه‌السلام بدون ذكرٍ للتقسيم وكلا الآيتين مذكورتان في مقدّمة الصحيفة الكاملة بالتفصيل المذكور

والمراد بالنعمة في هذه الآية الإمامعليه‌السلام لأنّ جميع ما سوى الله وجد بفضل وجودهم ، فكان كلّ خير أصاب كلّ أحد وكلّ نفع جرى من كلّ أحد فهو بواسطة عليّ وأولادهعليهم‌السلام وهم النعمة الحقيقية التي كفر بها بنو اُميّة وبدّلوا نعمة الله وأحلّوا قومهم دار البوار وبئس القرار

_________________

(١) أقول : لعن الله أبا بكر وعمر وأخزاهما ، وهل قامت لبني اُميّة قائمة إلّا بهما

(٢) إبراهيم : ٢٨ و ٢٩

(٣) بحار الأنوار ١٨ : ٣٦٠ ط اُفست هما الأفخران : إثبات الهداة ٢ : ٣٨٨ عن الواحدي في الوسيط ( هامش الأصل )

(٤) بحار الأنوار ٣١ : ٥٣٧ عن الثعلبي بإسناده عن عمر بن الخطّاب ( المترجم )


ويوافق هذه الأخبار ما ورد عن الصادقينعليهم‌السلام في تفسير قوله تعالى :( ثُمَّ
لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ
) (١) وروي في الصافي عن العيّاشي عن الصادقعليه‌السلام أنّه سأل أبا حنيفة عن هذه الآية ، فقال له : ما النعيم عندك يا نعمان ؟ قال : القوت من الطعام والماء البارد فقال : لئن أوقفك الله يوم القيامة بين يديه حتّى يسألك عن كلّ أكلة أكلتها أو شربة شربتها ليطولنّ وقوفك بين يديه

قال : فما النعيم جعلت فداك ؟ قال : نحن أهل البيت النعيم الذي أنعم الله بنا على العباد ، وبنا ائتلفوا بعد أن كانوا مختلفين ، وبنا ألّف الله بين قلوبهم وجعلهم إخواناً بعد أن كانوا أعداءاً ، وبنا هداهم الله إلى الإسلام وهي [ هي ] النعمة التي لا تنقطع ، والله سائلهم عن حقّ النعيم الذي أنعم الله به عليهم وهو النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وعترته(٢)

وفي رواية أنّهعليه‌السلام قال له : بلغني أنّك تفسّر النعيم في هذه الآية بالطعام الطيّب والماء البارد في اليوم الصائف ؟ قال : نعم ، قال : لو دعاك رجل وأطعمك طعاماً طيّباً وسقاك ماءاً بارداً ، ثمّ امتنّ عليك به ، إلى ما كنت تنسبه ؟ قال : إلى البخل ، قال : أفتبخّل الله تعالى ؟ قال : فما هو ؟ قال : حبّنا أهل البيت(٣)

وفي العيون عن الرضاعليه‌السلام قال : في الدنيا نعيم حقيقيّ ، فقال له بعض الفقهاء ممّن حضره : فيقول الله تعالى :( ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ) أمّا هذا النعيم في الدنيا هو الماء البارد ، فقال له الرضاعليه‌السلام ـ وعلا صوته ـ : كذا فسّرتموه وجعلتموه على ضروب ، فقالت طائفة : هو الماء البارد ، وقال غيرهم : هو الطعام الطيّب ، وقال

_________________

(١) التكاثر : ٨

(٢) تفسير البرهان ٤ : ٥٠٣ ، بحار الأنوار ٢٤ : ٤٩ ط لبنان ( هامش الأصل ) تفسير الصافي ٥ : ٣٧٠ تحقيق الأعلمي ط مؤسسة الهادي قم الثانية ١٤١٦ ( المترجم )

(٣) تفسير الصافي ٥ : ٣٧٠ ( هامش الأصل والمترجم ) بحار الأنوار ١٠ : ٢٢٠ ط لبنان ( هامش الأصل )


آخرون : هو طيّب النوم ، ولقد حدّثني أبي عن أبيه أبي عبد اللهعليه‌السلام أنّ أقوالكم هذه ذكرت عنده في قول الله عزّ وجلّ( ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ) فغضب وقال : إنّ الله عزّ وجلّ لا يسأل عباده عمّا تفضّل عليهم به ولا يمنّ [ يمتنّ ] بذلك عليهم ، والامتنان بالإنعام مستقبح من المخلوقين فكيف يضاف إلى الخالق عزّ وجلّ ما لا يرضى المخلوقين [ به المخلوقين ـ المصدر ] ولكنّ النعيم حبّنا أهل البيت وموالاتنا ، يسأل الله عنه بعد التوحيد والنبوّة لأنّ العبد إذا وفى بذلك أدّاه إلى نعيم الجنّة الذي لا يزول(١)

وفي الكافي عن الصادق في هذه الآية قال : إنّ الله عزّ وجلّ وأكرم من أن يطعمكم طعاماً فيسوّغكموه ثمّ يسألكم عنه ، ولكن يسألكم عمّا أنعم عليكم بمحمّد وآل محمّد(٢)

وفي رواية عن الباقرعليه‌السلام : إنّما يسألكم عمّا أنتم عليه من الحقّ(٣)

وفي المحاسن عن الصادق قال : ثلاثة لا يحاسب العبد المؤمن عليهنّ : طعام يأكله ، وثوب يلبسه ، وزوجة صالحة تعاونه وتحصن فرجه

وفي رواية قال : إنّ الله أكرم من أن يسأل مؤمناً عن أكله وشربه(٤)

ومن الآيات النازلة في ذمّ بني اُميّة سورة « إنّا أنزلناه » المباركة ، لأنّ المراد من ألف شهر دولة بني اُميّة وهي ألف شهر ، وحرموا من فضل ليلة القدر وليلة واحدة من الخير الاُخروي خير ألف مرّة من ألف شهر من الخير الدنيوي رياسة بني اُميّة ،

_________________

(١) العيون ٢ : ١٢٩ باب ٣٥ ( هامش الأصل ) الصافي ٥ : ١٧٠ ( المترجم )

(٢) الكافي ٦ : ٢٨٠ باب ٣٣ ـ أطعمه ( هامش الأصل ) تفسير الصافي ٥ : ١٧١ ( المترجم )

(٣) الكافي ٦ : ٢٨٠ رقم ٥ باب ٣٣ ؛ تهذيب ٧ : ٤٠١ باب ٣٤ حديث ٨ مثله ( هامش الأصل ) الصافي ٥ : ٣٧١ ( المترجم )

(٤) المحاسن ٢ : ٣٩٩ حديث ثمانين ( هامش الأصل ) تفسير الصافي ٥ : ٣٧١ ( الأصل والمترجم )


فقد روى الفخر الرازي في تفسيره الكبير وابن الأثير في اُسد الغابة عن الإمام الحسنعليه‌السلام : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله رأى في منامه بني اُميّة يطئون منبره واحداً بعد واحد وفي رواية : ينزون على منبره نزو القردة فشقّ عليه فأنزل الله تعالى :( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) إلى قوله :( خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) يعني ملك بني اُميّة

قال القاسم ـ وهو راوي الحديث ـ : فحسبنا ملك بني اُميّة فإذا هو ألف شهر

ثمّ يقول الرازي : طعن القاضي في هذه الوجوه ، فقال : ما ذكر من ألف شهر في أيّام بني اُميّة بعيد لأنّه تعالى لا يذكر فضلها بذكر ألف شهر مذمومة وأيّام بني اُميّة كانت مذمومة

ويجيب الرازي القاضي فيقول : واعلم أنّ هذا الطعن ضعيف وذلك لأنّ أيّام بني اُميّة كانت أيّاماً عظيمة بحسب السعادات الدنيويّة فلا يمتنع أن يقول الله تعالى : إنّي أعطيتك ليلة في السعادات الدينيّة أفضل من تلك السعادات الدنيويّة(١)

ونفس الحديث مذكور في صحيح الترمذي باختلاف يسير في باب تفسير القرآن

ويقول المسعودي في مروج الذهب وهو مرضيّ علماء العامّة وأصلهم الجليل وركنهم الوثيق(٢) ، يقول : كان جميع ملك بني اُميّة إلى أن بويع أبو العبّاس السفّاح ألف شهر كاملة لا تزيد ولا تنقص لأنّهم ملكوا تسعين سنة واحد عشراً شهراً وثلاثة عشر يوماً

قال المسعودي : والناس متباينون في تواريخ أيّامهم والمعوّل على ما نورده

_________________

(١) تفسير الرازي ، مفاتيح الغيب ، ج ٣٢ مجلّد ١٦ ص ٣١ ( المترجم )

(٢) فريق كبير من العامّة يطرح مروج الذهب ولا يراه شيئاً ويصرّح بذلك ابن تيميّة وينبز صاحبه بالرفض ويقول : إنّ له كتاباً اسمه « الوصيّة » وينهى عن قبول مرويّات المسعودي ( المترجم )


وهو الصحيح عند أهل البحث ومن عني بأخبار هذا العالم ، وهو أنّ معاوية بن أبي سفيان ملك عشرين سنة ، ويزيد بن معاوية ثلاث سنين وثمانية أشهر وأربعة عشر يوماً ، ومعاوية بن يزيد شهراً واحد عشر يوماً ، ومروان بن الحكم ثمانية أشهر وخمسة أيّام ، وعبدالملك بن مروان إحدى وعشرين سنة وشهراً وعشرين يوماً ، والوليد بن عبد الملك تسع سنين وثمانية أشهر ويومين ، وسليمان بن عبدالملك سنتين وستّة أشهر وخمسة عشر يوماً ، وعمر بن عبد العزيزرضي‌الله‌عنه سنتين وخمسة أشهر ، ويزيد بن عبد الملك أربع سنين وثلاثة عشر يوماً ، وهشام بن عبدالملك تسع عشرة سنة وتسعة أشهر وتسعة أيّام ، والوليد بن يزيد بن عبدالملك سنة وثلاثة أشهر ، ويزيد بن الوليد بن عبد الملك شهرين وعشرة أيّام

( يقول : ) وأسقطنا أيّام إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك(١) كإسقاطنا إبراهيم بن المهدي أن يعدّ في الخلفاء العبّاسيّين ، ومروان بن محمّد بن مروان خمس سنين وشهرين وعشرة أيّام إلى أن بويع السفّاح فتكون الجملة تسعين سنة وأحد عشر شهراً وثلاثة عشر يوماً يضاف إلى ذلك الثمانية أشهر التي كان مروان يقاتل فيها بني العبّاس إلى أن قتل فيصير ملكهم إحدى وتسعين سنة وسبعة أشهر وثلاثة عشر يوماً يوضع من ذلك أيّام الحسن وهي خمسة أشهر وعشرة أيّام ، وتوضع أيّام عبد الله بن الزبير إلى الوقت الذي قتل فيه وهي سبع سنين وعشرة أشهر وثلاثة أيّام فيصير الباقي بعد ذلك ثلاثاً وثمانين سنة وأربعة أشهر يكون ذلك ألف شهر سواء

( ثمّ يقول : ) وقد ذكر قوم أنّ تأويل قوله عزّ وجلّ :( لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ )

_________________

(١) إبراهيم بن الوليد تولّى الحكم أربعة أشهر وكان أحياناً يخاطب بالخلافة وأحياناً يترك ذلك منه إلى خلعه مروان الحمار ( منهرحمه‌الله )


ما ذكرناه من أيّامهم(١) تمّ كلام المسعودي

وتكرّر هذا المعنى في أخبار أهل بيت العصمة وكثر وجوده وطال وروده

وفي الكافي وفي تفسير عليّ بن إبراهيم رضي الله عنهما أنّ المراد من « ألف شهر » أيّام ملك بني اُميّة ليس فيها ليلة القدر(٢)

والظاهر أنّ القصد من ذلك حرمان بني اُميّة وأتباعهم من ثواب ليلة القدر ، لأنّ الكثير من أخبار فضل ليلة القدر وردت في أيّامهم ، ولم تحسب أيّام عثمان منهم وإن كان محسوباً من فروع الشجرة الملعونة ، والآيات والأخبار الاُخرى تشمله ، وفي القرآن الكريم نزلت آيات في ذمّ بني اُميّة ولكن بما أنّي أميل إلى الاُمور المتفق عليها في كتاب الله عند الفريقين فلا أنقل شيئاً منها

وهذه الزيارة احتوت على لباب عقائد الشيعة في اُصول التولّي والتبرّي ، على أنّ ذكر أخبار المخالفين في هذا الباب أدخل في الإلزام وأوقع في الأهواء من ثمّ أكتفي بهذا المقدار مع ضيق المجال وقلّة الأسباب وكثرة الشواغل النظريّة وتعدّد المشاغل الفكريّة ، والآن أذكر حديثين مضافاً إلى ما ذكرته في تفسير الآيات من كتب القوم :

ومثالب شهد المحبّ بنقصها

والنقص ما شهدت به الأحباب

أ ـ في حياة الحيوان ومثله في المستدرك للحاكم أنّه قال : عن مسلم الربعي ، عن العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : رأيت في منامي كأنّ بني الحكم بن العاص ينزون على منبري كما ينزو القردة ، فما رُئي النبيّ مستجمعاً ضاحكاً حتّى مات(٣)

_________________

(١) مروج الذهب ٣ : ٢٥٩ و ٢٦٠ تحقيق عبدالأمير مهنّا ، نشر الأعلمي للمطبوعات ١٤١١ ـ ١٩٩١ ( المترجم )

(٢) تفسير القمّي ٢ : ٤٣١ ( المترجم ) البرهان ٤ : ٤٨٨ رقم ٢٩ ( هامش الأصل )

(٣) حياة الحيوان ذيل قردة ٢ : ٢٠٣ ( هامش الأصل ) الحاكم النيسابوري ، المستدرك ٤ : ٤٨٠ ( المترجم )


ويقول الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم(١)

وعلمت فيما سبق من الأخبار أنّ الحديث يتناول مطلق بني اُميّة بمن فيهم شيخهم الثالث وليس بعيداً أن تتعدّد رؤيا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أو أنّ تخصيص بني مروان من تحريف الرواة زمن معاوية لإخراج آل حرب ، ولن يصلح العطّار ما أفسد الدهر

ب ـ روى آية الله العلّامة ـ أجزل تشريفه وإكرامه ـ في نهج الحقّ عن صاحب كتاب « الهاوية » وهو من أهل السنّة والجماعة ، عن ابن مسعود أنّه قال : لكلّ شيء آفة وآفة هذا الدين بنو اُميّة(٢)

ج ـ في صحيح مسلم : هلاك اُمّتي على يد هذا الحي(٣)

وينقل هذا الخبر بعد ذكره لبني اُميّة ، وهذا قرينة على إرادة بني اُميّة من قوله : « هذا الحي » وهذا ما فهمه العلماء

وعلى كلّ حال فإنّ ابن البطريق اعتبره من الأحاديث الذامّة لبني اُميّة كما حكى عنه ذلك صاحب البحار ، وخبر البخاري يعينهم ويؤيّد هذا المعنى

ويقول ابن حجر في رسالة ( تطهير الجنان ) : روي بسند حسن أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : « شرّ قبائل العرب : بنو اُميّة وبنو حنيفة وثقيف »(٤)

وذكر ابن حجر أيضاً في هذه الرسالة : وفي الحديث الصحيح وقال عنه الحاكم

_________________

(١) بل قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه [ نفسه : ٤٨٠ ] ( المترجم )

(٢) نهج الحقّ وكشف الصدق : ٣١٢ ط لبنان ، كنز العمّال ٦ / ٩ ، تطهير الجنان واللسان : ١٤٣ المطبوع في هامش الصواعق ( هامش الأصل )

(٣) صحيح مسلم ٤ : ٢٢٣٦ رقم ٢٩١٧ ( هامش الأصل ) في صحيح مسلم : يهلك اُمّتي هذا الحيّ من قريش [ رقم ٧٢٧٠ ] ( المترجم )

(٤) تطهير اللسان : ١٤٣ و ١٤٤ المطبوع في هامش الصواعق المحرقة ( هامش الأصل )


بشرط الشيخين : كان أبغض الأحياء أو الناس إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بنو اُميّة(١)

والبخاري يجعل من عناوين كتابه قول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله « هلاك اُمّتي على اُغيلمة سفهاء » : حدّثنا موسى بن إسماعيل ، حدّثنا عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو بن سعيد قال : أخبرني جدّي قال : كنت جالساً مع أبي هريرة في مسجد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بالمدينة ومعناه مروان قال أبو هريرة : سمعت الصادق المصدوق يقول : هلكة اُمّتي على يدي غلمة من قريش فقال أبو هريرة : لو شئت أن أقول بني فلان وبني فلان لفعلت فكنت أخرج مع جدّي إلى بني مروان حين ملكوا بالشام فإذا رآهم غلماناً أحداثاً ، قال لنا : عسى هؤلاء أن يكونوا منهم ، قلنا : أنت أعلم(٢)

وقول أبي هريرة كناية عن بني حرب وبني مروان ، ومن هنا يعلم أنّ أبا هريرة روى هلاك اُمّتي على يد مروان لأنّه شعبة من بني اُميّة ومن العنوان الذي ترجم به الباب يعلم أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله سمّى هذه الطائفة سفهاء وهم كذلك لأنّهم باعوا الدين بالدنيا واتّبعوا لغة المعازف والملاعب مثل الوليد الفاسق

فقد جاء في تاريخ الخميس أنّه دخل يوماً فوجد ابنته جالسة مع دادتها فبرك عليها وأزال بكارتها ، فقالت له الدادة : هذه دين المجوس ، فأنشد :

من راقب الناس مات همّاً

وفاز باللذّه الجسور(٣)

ونقل ابن أبي الحديد طيّ أخبار حمقى العرب ، قال : ومن حمقى قريش سليمان بن يزيد بن عبد الملك ، قال يوماً : لعن الله الوليد أخي فلقد كان فاجراً ، أرادني على الفاحشة

_________________

(١) المصدر السابق ( هامش الأصل )

(٢) البخاري ٢ : ٢٤٢ جزء ٤ باب المناقب ، باب علامة النبوّة في الإسلام ( هامش الأصل ) ولم يذكر ما قاله مروان في الطريق الأوّل ٤ : ١٧٨ غلمة ؟ وفي الثاني ٨ : ٨٨ : غلمة لعنة الله عليهم

(٣) تاريخ الخميس ٢ : ٣٢٠ ط بيروت ( هامش الأصل )


فقال له قائل من أهله : اُسكت ويحك فوالله إن كان همّ لقد فعل(١)

وذكر السيوطي في تاريخه مجمل هذا الخبر(٢)

وفي غالب كتب أهل السنّة والجماعة أنّه أذّن للصبح مرّة وعنده جارية يشرب الخمر معها ، فقام فوطئها وحلف لا يصلّي بالناس غيرها ، فخرجت وهي جنب سكرانة فلبست ثيابه وتنكّرت وصلّت بالناس(٣)

وفي تاريخ الخميس أيضاً قال : أراد الوليد أن يحجّ وقال : أشرب الخمر فوق ظهر الكعبة(٤)

ومذكور في أكثر الكتب بل هو من المتواترات ومن الكتب التي ذكرته أدب الدنيا والدين للماوردي أنّه استفتح بالقرآن يوماً فخرجت الآية :( وَاسْتَفْتَحُوا
وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ
) (٥) فوضع القرآن هدفاً ورماه بالسهام حتّى تناثر وقال :

تهدّدني بجبّار عنيد

فها أنا ذاك جبّار عنيد

إذا ما جئت ربّك يوم حشر

فقل يا ربّ مزّقني الوليد(٦)

وفي أدب الحيوان وغيره أنّه صنع في حائط له حوضاً ملأه بالخمر ، فكلّما رغب في الشرب رمى بنفسه في الحوض وأخذ يعبّ منه حتّى تبيّن النقص فيه(٧)

_________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٨ : ١٦٣ ط بيروت ( هامش الأصل والمترجم )

(٢) نظر أخوه إلى رأسه بعد ما قطع وهو سليمان بن يزيد ، فقال : بُعداً له ، أشهد أنّه كان شروباً للخمر ، ماجناً فاسقاً ، ولقد راودني على نفسي [ تاريخ الخلفاء ١ : ٢٥١ ] ( المترجم ) ص ٢٥١ مطبعة السعادة بمصر ( هامش الأصل )

(٣ و ٤) تاريخ الخميس ٢ : ٣٢٠ ط بيروت ( هامش الأصل والمترجم )

(٥) إبراهيم : ١٥

(٦) حياة الحيوان ١ : ١٠٣ في خلافة الوليد ، تاريخ الخميس ٢ : ٣٢٠

(٧) حياة الحيوان ١ : ١٠٣ في خلافة الوليد ، تاريخ الخميس ٢ : ٣٢٠ ط بيروت في خلافة الوليد ( هامش الأصل )


وعدّه ابن أبي حجلة في ديوان الصبابة من الخلفاء خليعي العذار وأهل الدعابات

وذكر داود الأنطاكي في تزيين الأسواق أنّ الوليد عشق نصرانيّة ، فراسلها فأبت عليه فكاد أن يطيشق عقله ، فتنكّر يوم عيد النصارى ، وبايع صاحب البستان تتنزّه فيه بنات النصارى فأدخله ، فلمّا رأته قالت للبوّاب : من هذا ؟ قال لها : مصاب ، فجعلت تمازحه حتّى اشتفى بالنظر إليها ، فقيل : أتدرين من هذا ؟ قالت : لا ، قالوا لها : هو الخليفة ، فأجابت حينئذٍ وتزوّج بها ، وفيها يقول :

أضحى فؤادك يا وليد عميدا

صبّاً قديماً للحسان صيودا

من حبّ واضحة العوارض طفلة

برزت لنا نحو الكنيسة عيدا

مازلت أرمقها بعيني وامق

حتّى بصرت بها تقبّل عودا

عود الصليب فويج نفسي من رأى

منكم صليباً مثله معبودا

فسألت ربّي أن أكون مكانه

وأكون في لهب الجحيم وقودا(١)

أجاب الله مسألته

وفي ذلك يقول أيضاً لمّا اشتهر أمره بها :

ألا حبّذا سعدىٰ وإن قيل إنّني

كلفت بنصرانيّة تشرب الخمرا

يهون علينا أن نظلّ نهارنا

إلى الليل لا أُولى نصلّي ولا عصرا(٢)

_________________

وذكر أبو الفرج عن الوليد أنّه قال يوماً : لقد اشتقت إلى معبد فوجّه البريد إلى المدينة فأتى بمعبد وأمر الوليد ببركة قد هيّئت له فملئت بالخمر والماء ، واُتي بمعبد فأمره فأجلس والبركة بينهما وبينهما سترقد أرخى ، فقال له : غنّني يا معبد :

لهفي على فتيةٍ ذلّ الزمان لهم

فما أصابهم إلّا بما شائوا

ما زال يعدو عليهم ريب دهرهم

حتّى تفانوا وريب الدهر عدّاء

الأغاني ٥ : ٢٤٠ ( المترجم )

(١) الأنطاكي ، تزيين الأسواق ١ : ٣١١

(٢) تزيين الأسواق ١ : ٢٥٠ دار حمد ومحيو ( هامش الأصل ) نفسه ١ : ٣١٢ ( المترجم )


وروى المسعودي في مروج الذهب عن رجل من أهل الشام عن أبيه قال : كنت سميراً للوليد بن يزيد ، فرأيت ابن عائشة القرشيّ عنده ، وقد قال له : غنّني ، فغنّاه :

إنّي رأيت صبيحة العصر

حوراً نفين عزيمة الصبر

مثل الكواكب في مطالعها

عند العشاء أطفن بالبدر

وخرجت أبغي الأجر محتسباً

فرجعت موقوراً من الوزر

فقال له الوليد : أحسنت والله يا أميري أعد بحقّ عبد شمس ، فأعاد ، فقال : أحسنت والله ، بحقّ اُميّة أعد ، فاعاد ، فجعل يتخطّى من أب إلى أب ويأمره بالإعادة حتّى بلغ نفسه ، فقال : أعد بحياتي ، فأعاد ، فقام إلى ابن عائشة فأكبّ عليه ولم يبق عضواً من أعضائه إلّا قبّله وأهوى إلى يقبّله ، فجعل ابن عائشة يضمّ ذكره بين فخذيه ، فقال الوليد : والله لا زلت حتّى اُقبّله ، فأبرأه فقبّل رأسه وقال : واطرباه واطرباه ، ونزع ثيابه فألقاها على ابن عائشة وبقي مجرّداً إلى أن أتوه بثياب غيرها ، ودعا له بألف دينار فدفعت إليه وحمله على بغلة له وقال : اركبها على بساطي وانصرف فقد تركتني على أحرّ من جمر الغضا

قال المسعودي : وكان ابن عائشة غنّى بهذا الشعر يزيد بن عبد الملك أباه فأطربه وقيل : إنّه ألحد وكفر في طربه وكان فيما قال لساقيه : اسقنا بالسماء الرابعة ، فكأنّ الوليد بن يزيد قد ورث الطرب في هذا الشعر عن أبيه ( والشعر لرجل من قريش )(١) (٢)

_________________

(١) مروج الذهب ٣ : ٢١٥ ط دار الهجرة ـ ايران ( هامش الأصل ) و ٣ : ٣٤٢ و ٣٤٣ تحقيق المهنّا ط الأعلمي للمطبوعات ـ بيروت ( المترجم )

(٢) ١ ـ الطبراني : حدّثنا الحسن بن العبّاس الرازي ، نا سلم بن منصور بن عمّار ، نا أبي ( ح ) وحدّثنا أحمد ابن يحيى الرقّي ، نا عمرو بن بكر بن بكار القعنبي ، نا مجاشع بن عمرو قالا : نا عبد الله بن لهيعة عن أبي


وقال المسعودي أيضاً والمبرّد في الكامل : إنّ الوليد ألحد في شعر له ذكر فيه

_________________

قبيل ، حدّثني عبد الله بن عمرو ابن العاص ، أنّ معاذ بن جبل أخبره :

خرج علينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله متغيّر اللون ، فقال : أنا محمّد ، اُوتيت فواتح الكلام وخواتمه [ جوامع الحكم وفواتحها وخواتمها ـ مقتل الحسين ] فأطيعوني ما دمت بين أظهركم فإذا ذهبت فعليكم بكتاب الله عزّ وجلّ ؛ أحلّو حلاله وحرّموا حرامه ، أتتكم المؤتتة ، أتتكم بالروح والراحة ، كتاب من الله سبق ، أتتكم فتن كقطع الليل المظلم كلّما ذهب رجل جاء رجل ، تناسخت النبوّة فصارت ملكاً ، رحم الله من أخذها بحقّها وخرج منها كما دخلها ، أمسك يا معاذ واحص

قال : فلمّا بلغت خمسة قال : يزيد لا بارك الله في يزيد ، ثمّ ذرفت عيناه ، ثمّ قال : نعي إليّ حسين وأتيت بتربته وأخبرت بقاتله ، والذي نفسي بيده لا يقتل بين ظهراني قوم لا يمنعوه إلّا خالف الله بين صدورهم وقلوبهم ، وسلّط عليهم شرارهم وألبسهم شيعاً

ثمّ قال : واهاً لفراخ آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله من خليفة مستخلف مترف يقتل خلفي وخلف الخلف ، أمسك يا معاذ فلمّا بلغت عشرة ، قال : الوليد اسم فرعون ، هادم شرائع الإسلام ، يبوء بدمه رجل من أهل البيت ، يسلّ الله سيفه فلا غامد له ـ فلا غماد له ـ واختلف الناس وكانوا هكذا ، وشبّك بين أصابعه(١)

وروى الهيثمي من طريق الطبراني عن معاذ بن جبل مثله(٢)

والخوارزمي عن أبي الفداء قال : أخبرنا محمّد بن إسماعيل الصيرفي ، أخبرنا أحمد بن محمّد بن الحسين ، أخبرنا سليمان بن أحمد اللخمي ، أخبرنا الحسن ابن عبّاس الرازي مثله(٣)

٢ ـ قال أحمد : أخبرنا ابن الحصين قال : أخبرنا ابن مالك قال : حدّثنا عبد الله ابن أحمد قال : حدّثني أبي قال : حدّثنا أبو المغيرة قال : حدّثنا ابن عيّاش قال : حدّثنا الأوزاعي وغيره عن الزهري ، عن سعيد بن المسيّب ، عن عمر بن الخطّاب قال : ولد لأخي اُمّ سلمة ـ زوج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ـ غلام فسمّوه الوليد ، فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : سمّيتموه باسم فراعنتكم ، في هذه الاُمّة رجل يقال له الوليد ، هو شرٌّ على هذه الاُمّة من فرعون لقومه(٤) ( المحقّق )

_____________

(١) المعجم الكبير : ١٤٧ مخطوط ( هامش الأصل ) نفسه ٣ : ١٢٠ رقم الحديث ٢٨٦١ ط بيروت دار إحياء التراث العربي ، الثانية نشر القاهرة مكتبة ابن تيميّة بدون تاريخ ( المترجم )

(٢) مجمع الزوائد ٩ : ١٨٩ ط مكتبة القدسي القاهرة ( هامش الأصل )

(٣) مقتل الحسين ١ : ١٦٠ ط الغري

(٤) مسند أحمد ، آفة أصحاب الحديث : ١١٨


النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وأنّ الوحي لم يأته عن ربّه ، كذب أخزاه الله !! من ذلك الشعر :

تلعّب بالخلافة هاشميّ

بلا وحي أتاه ولا كتاب

فقل لله يمنعني طعامي

وقل لله يمنعني شرابي(١)

وأنا أستغفر الله من حكاية شعره وكتابة كفره وروى هذا الشعر بل الكفر عن يزيد ويزيد عن أبي سفيان كما سنشير إليه فيما بعد إن شاء الله في كلامهم

وكان من سوء أفعاله وطئه اُمّهات أولاد أبيه وله منهنّ أولاد ، وعرف على ألسنة الخلفاء من بعده وألسنة المؤرّخين من أهل السنّة بالوليد الفاسق والوليد الزنديق

وفي تاريخ الخلفاء عن المعافىٰ الجريري قال : جمعت شيئاً من أخبار الوليد ومن شعره الذي ضمنه ما فجر به من خرقه وسخافته وما صرّح به من الإلحاد في القرآن والكفر بالله(٢)

وفي تاريخ الخميس عن الذهبي أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : ليكوننّ في هذه الاُمّة رجل يقال له الوليد ، فهو أشدّ لهذه الاُمّة من فرعون على قومه(٣)

والأمر العجيب والخطب الفضيع هو أنّ الوليد مع ما هو عليه من الشقاوة والشرّ والزندقة والفجور يعتبر إماماً مفترض الطاعة يُدعىٰ بأمير المؤمنين ويسمّى خليفة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بل نقل عن القاضي عياض أنّه أحد الخلفاء الإثني عشر المنصوص عليهم في الحديث المتواتر(٤) المتفق عليه من الخاصّة والعامّة

_________________

(١) مروج الذهب ٣ : ٢١٦ ط دار الهجرة ـ ايران ( هامش الأصل ) و ٣ : ٣٤٠ ط الأعلمي للمطبوعات ـ بيروت ١٤١١ ـ ١٩٩١ ( المترجم )

(٢) السيوطي ، تاريخ الخلفاء ١ : ٣٥١ ( المترجم )

(٣) تاريخ الخميس ٢ : ٣٢٠ ط بيروت ( هامش الأصل والمترجم ) والمؤلّف حذف صدر الحديث وفيه : عن عمر قال : ولد لأخي اُمّ سلمة ولد سمّوه الوليد ، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : سمّيتموه بأسماء فراعنتكم الخ

(٤) جابر بن سمرة قال : سمعت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : يكون اثنا عشر أميراً ، فقال كلمة لم أسمعها ، فقال أبي : إنّه قال : كلّهم من قريش [ البخاري ٨ : ١٢٧ طبعة دار الفكر ـ بيروت ]


وفي تاريخ الخلفاء عن ابن حجر العسقلاني المعروف بشيخ الإسلام ، شارح صحيح البخاري وصاحب كتاب « الإصابة » وغيره ، قال شيخ الإسلام ابن حجر في شرح البخاري : كلام القاضي عياض أحسن ما قيل في الحديث وأرجحه(١)

ياللعجب كيف يسوغ لمسلم بل لإنسان أن يطلق على مثل هذا الفظّ إمام ويطيعه ، ويوجب على الاُمّة معرفته ؟! وهذا أثر الخذلان وسوء التوفيق وإلّا فإنّ العاقل يربأ بنفسه عن هذا ، وسوف أذكر شطراً صالحاً من تتمّة هذا الباب في الكلام على سيرة يزيد لعنه الله ، بعون الله وحسن مشيئته وسأنقل عين عبارة القاضي عياض وجملة من المطالب

ونحن وإن أسهبنا في هذا المقام لكنّنا لم نخرج عن الغرض الأصلي وهو شرح مثالب بني اُميّة ونشر معايبها لأنّ سائر القوم من نفس الطراز وسالك نفس الطريق ، وورثوا عن أبي سفيان والحكم الكفر والزندقة والإلحاد والفسق والفجور والجور والطغيان ، يتوارثه خلف عن سلف ومن سبر تاريخ القوم لا يعتريه شكّ فيهم لا سيّما ما يعود إلى أهل السنّة والجماعة لأنّ سمة التعصّب لا توسّم بهؤلاء وإنّهم بذلوا غاية الجهد في إخفاء عيوب خلفائهم ولكن لم يتيسّر لهم ذلك وتحوّل من مكان إلى آخر ومن كتاب إلى كتاب وجرى الحقّ على ألسنة القوم بتأييد الله وإمداداته السماويّة ، وقد اعترفوا بفضائل أئمّة الهدى ورذائل أعداء الله ، كما أنّ لعلماء الشيعة بصفة عامّة ولفضلاء الهند بصفةٍ خاصّة ـ أيّدهم الله ـ في

_________________

ومثله عن مسلم : لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة [ الحديث رقم ٤٦٦١ و ٤٦٦٢ و ٤٦٦٣ ] وفي مسند أحمد : لن يزال هذا الأمر عزيزاً ظاهر حتّى يملك اثنا عشر كلّهم [ رقم الحديث ٢٠٤٨٨ و ٢٠٣٥١ ، و ٢٠٣٨٣ ، و ٢٠٤١٧ و ٢٠٤٧٤ ] والطرق كثيرة وهو مروي في أكثر الكتب وتخبّط القوم في تأويله ومنهم القاضي عيّاض كما قال المؤلّفرحمه‌الله ( المترجم )

(١) تاريخ الخلفاء ١ : ١١ ط السعادة بمصر ( هامش الأصل والمترجم ) ط اُولى ١٣٧١ هجريّة ١٩٥٢ م


استقصاء هذه السير حظاً موفوراً وسعياً مشكوراً ، وإنّي وإن عدمت الفرصة المواتية وتحلّيت بقلّة البضاعة ما أزال بين الفينة والفينة على سبيل الاستطراف والاستطراد أضمن بعضاً منها في هذا السفر المختصر ، وأهمس به إلى السامعين

ومن محاسن الكتب وبدايع الرسائل المنشور الذي أمر المعتضد العبّاسي بكتابته وقرائته على المنابر سنة أربع بعد الثمانين والمأتين هجريّة ، ومنع السقّائين من الترحّم على معاوية لعنه الله ، كما ذكر ذلك محمّد بن جرير الطبري في تاريخه ونقل عنه ابن أبي الحديد في شرحه الحديدي

ويشتمل هذا الكتاب او المنشور على طائفة من الأخبار والآثار في مساوئ بني اُميّة ، ما تعود إلى الإفراد أو المجموع ، واحتوى أكثر الأخبار عنهم ، وتضمّن سائر بدعهم وفتنهم بنحو الإشارة والإجمال ، ولمّا كان هذا الكتاب قولاً من أقوال خليفةٍ من خلفاء أهل السنّة فطاعته واجبة قطعاً ، وفيه التحريض على لعن بني اُميّة والبرائة من معاوية وأحزابه

ولمّا كان الكتاب غاية في الفصاحة والإتقان وجمال العربيّة ، رأينا من الأولى أن ننقله بعينه من دون ترجمة ، لأنّ جمله ومطالبه تناثرت في مواضع عدّة من هذا الكتاب ، وسيمرّ خلاله جمل اُخرى منه إن شاء الله وستكون مطالعته للعلماء وأهل الفضل سبباً للمسرّة والابتهاج ، وفيه بعد الحمد والصلاة :

أمّا بعد ، فقد انتهى إلى أمير المؤمنين ما عليه جماعة العامّة من شبهة دخلتهم في أديانهم ، وفساد لحقهم في معتقدهم ، وعصبيّة قد غلبت عليها أهوائهم ونطقت بها ألسنتهم على غير معرفة ولا رويّة قد قلّدوا فيها قادة الضلالة بلا بيّنة ولا بصيرة ، وخالفوا السنن المتّبعة إلى الأهواء المبتدعة ، قال الله تعالى :( وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّـهِ إِنَّ اللَّـهَ لَا يَهْدِي


الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) (١) خروجاً عن الجماعة ، ومسارعة إلى الفتنة ، وإيثاراً للفرقة ، وتشتيتاً للكلمة ، وإظهاراً لموالاة من قطع الله عنه الموالاة(٢) وتبرّأ منه العصمة ، وأخرجه من الملّة ، وأوجب عليه اللعنة ، وتعظيماً لمن صغّر الله حقّه ، وأوهن أمره ، وأضعف ركنه من بني اُميّة الشجرة الملعونة ، ومخالفة لمن استنقذهم الله به من الهلكة ، وأسبغ عليهم به النعمة من أهل البركة والرحمة ، والله يختصّ برحمته من يشاء والله ذوالفضل العظيم ، فأعظم أمير المؤمنين ما انتهى إليه من ذلك ورأى ترك إنكاره حرجاً عليه في الدين وفساداً لمن قلّده الله أمره من المسلمين وإهمالاً لما أوجبه الله من تقويم المخالفين وتبصير الجاهلين ، وأمير المؤمنين يخبركم :

معاشر المسلمين ، إنّ الله جلّ ثنائه لمّا ابتعث محمّداً بدينه ، وأمره أن يصدع بأمره بدأ بأهله وعشيرته ، فدعاهم إلى ربّه ، وأنذرهم وبشّرهم ونصح لهم وأرشدهم ، فكان من استجاب له وصدّق قوله ، واتّبع أمره يسير من بني أبيه من بين مؤمنٍ بما أتى به من ربّه وناصر لكلمته ، وإن لم ينبع دينه إعزازاً وإشفاقاً عليه(٣) فمؤمنهم مجاهد ببصيرته ، وكافرهم مجاهد بنصرته

_________________

(١) القصص : ٥٠

(٢) ذكر الطبري هذا الكتاب ، فقال : وتحدّث الناس أنّ الكتاب الذي أمر المعتضد بإنشائه بلعن معاوية يُقرءُ بعد صلاة الجمعة على المنبر ، فلمّا صلّى الناس الجمعة بادروا إلى المقصورة ليسمعوا قرائة الكتاب فلم يقرأ ، فذكر أنّ المعتضد أمر بإخراج الكتاب الذي كان المأمون أمر بإنشائه الخ ، وخوّفوا المعتضد فأعرض عن قرائته ، والذي خوّفه من آل أبي طالب يوسف بن يعقوب القاضي [ تاريخ الطبري ١٠ : ٦٢ و ٦٣ ]

(٣) أراه يعني بهذه الجملة سيّدنا أبا طالبعليه‌السلام ، ومن المفارقات أن يصدر الكتب في لعن قوم ويقع سليب العقل والإرادة تحت هيمنتهم لأنّ رمي أبي طالب صلّى الله عليه بعدم الإيمان ما هي إلّا دعاؤه اُمويّة لعن الله من قالها ولعن الله من صدّقها ( المترجم )


وحميّته ، يدفعون من نابذوه ، يقهرون من عازه وعانده ، ويتوثّقون له ممّن كانقه وعاضده ، ويبايعون له من سمح له بنصرته ، ويتجسّسون أخبار أعدائه ، ويكيدون له بظهر الغيب كما يكيدون له برأي العين حتّى بلغ المدى وحان وقت الاهتداء ، فدخلوا في دين الله وطاعته ، وتصديق رسوله والإيمان به ، بأثبت بصيرة ، وأحسن هدىً ورغبة ، فجعلهم الله أهل بيت الرحمة وأهل البيت الذين أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ، معدن الحكمة وورثة النبوّة وموضع الخلافة ، أوجب الله لهم الفضيلة وألزم العباد كلّهم الطاعة

وكان ممّن عانده وكذّبه وحاربه من عشيرته العدد الكثير والسواد الأعظم ، يتلقّونه بالضرر والتثريب ، ويقصدونه بالأذى والتخويف ، وينابذونه بالعداوة ، وينصبون له المحاربة ، ويصدّون عن قصده ، وينالون بالتعذيب من اتّبعه ، وكان أشدّهم في ذلك عداوة وأعظمهم له مخالفة ، أوّلهم في كلّ حرب ومناصبه ، ورأسهم في كلّ أجلاب وفتنة ، لا ترفع على الإسلام راية إلّا كان صاحبها وقائدها ورئيسها أبا سفيان بن حرب صاحب اُحد والخندق ، وغيرهما وأشياعه من بني اُميّة الملعونين في كتاب الله ، ثمّ الملعونين على لسان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في مواطن عدّة لسابق علم الله فيهم ، وماضي حكمه في أمرهم وكفرهم ونفاقهم ، فلم يزل لعنه الله يحارب مجاهداً ، ويدافع مكائداً ، ويجلب منابذاً حتّى قهره السيف ، وعلا أمر الله وهم كارهون فتعوّذ بالإسلام غير منطوٍ عليه ، وأسرّ الكفر غير مقلع عنه ، فغلبه وقبل ولده على علم منه بحاله وحالهم

ثمّ أنزل الله تعالى كتاباً فيما أنزله على رسوله يذكر فيه شأنهم ، وهو قوله


تعالى :( وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ) (١) ولا خلاف بين أحد من أنّه تبارك وتعالى أراد بها بني اُميّة

وممّا ورد من ذلك في السنّة ورواه ثقات الاُمّة قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فيه وقد رآه مقبلاً على حمارٍ معاوية يقوده ويزيد يسوقه(٢) : لعن الله الراكب والقائد والسائق

ومنه ما روته الرواة عنه من قوله يوم بيعة عثمان : تلقّفوها يا بني عبد شمس تلقّف الكرة ، فوالله ما من جنّة ولا نار ، وهذا كفر صراح يلحقه اللعنة من الله ، كما لحقت الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون

ومنه ما يروىٰ من وقوفه على ثنية اُحد من بعد ذهاب بصره ، وقوله لقائده : هاهنا رمينا محمّداً وقتلنا أصحابه

ومنها الكلمة التي قالها للعبّاس قبل الفتح وقد عرضت عليه الجنود : لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيماً ، فقال له العبّاس : ويحك ، إنّه ليس بملك إنّها النبوّة

ومنه قوله يوم الفتح ـ وقد رأى بلالاً على ظهر الكعبة يؤذّن ويقول : أشهد أنّ محمّداً رسول الله ـ : لقد أسعد الله عتبة بن ربيعة إذ لم يشهد هذا المشهد

ومنها الرؤيا التي رآها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فوجم لها ، قالوا : فما رُئي بعدها ضاحكاً ، رأى نفراً من بني اُميّة ينزون على منبره نزو القردة

_________________

(١) الإسراء : ٦٠

(٢) يزيد هو ابن أبي سفيان من غير هند الذي غرسه أبو بكر في الشام ، فكان أوّل فروع هذه الشجرة يغرس هناك ويقيمه أبو بكر


ومنها إطراد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الحكم بن أبي العاص لمحاكاته إيّاه في مشيته وألحقه الله بدعوة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله آفة باقية حين التفت إليه فرآه يتخلّج يحكيه ، فقال : كن كما أنت ، فبقي على ذلك سائر عمره ، هذا إلى ما كان من مروان ابنه في افتتاحه أوّل فتنة كانت في الإسلام واحتقابه [ واختقابه ـ بحار ] كلّ دم حرام سفك فيها أواريق بعدها

ومنها ما أنزل الله على نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله :( لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) قالوا : ملك بني اُميّة :

ومنها أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله دعا معاوية ليكتب بين يديه فدافع بأمره واعتلّ بطعامه ، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : لا أشبع الله بطنه ، فبقي لا يشبع ويقول : والله لا أترك الطعام شبعاً ولكن إعياءاً

ومنها أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : يطلع من هذا الفجّ رجل من اُمّتي يحشر على غير ملّتي ، فطلع معاوية

ومنها : أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه

ومنها الحديث المشهور المرفوع أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : إنّ معاوية في تابوت من نار في أسفل درك من جهنّم ينادي : يا حنّان يا منّان ، فيقال له : الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين

ومنها : انتزائه بالمحاربة لأفضل المسلمين في الإسلام مكاناً وأقدمهم إليه سبقاً ، وأحسنهم فيه أثراً وذكراً عليّ بن أبي طالب ، ينازعه حقّه بباطله ، ويجاهد أنصاره بضلاله وأعوانه ، ويحاول ما لم يزل هو وأبوه يحاولانه من إطفاء نور الله وجحود دينه ، ويأبى الله إلّا أن يتمّ نوره ولو كره المشركون ويستهوي أهل الجهالة ، ويموّه لأهل الغباوة بمكره وبغيه الذين قدّم رسول الله الخبر عنها ، فقال لعمّار بن ياسر : تقتلك الفئة الباغية ، تدعوهم إلى


الجنّة ويدعونك إلى النار ، مؤثراً العاجلة كافراً بالآجلة ، خارجاً من ربقة الإسلام ، مستحلّاً للدم الحرام حتّى سفك في فتنته وعلى سبيل غوايته وضالّته [ دماءاً ـ المصدر ] ما لا يحصى عدده من أخيار المسلمين الذابّين عن دين الله والناصرين لحقّه

مجاهداً في عداوة الله ، مجتهداً في أن يعصى الله فلا يطاع ، ويبطل أحكامه فلا تقام ، ويخالف دينه فلا يدان ، وأن تعلو كلمة الضلال وترتفع دعوة الباطل ، وكلمة الله هي العليا ، ودينه المنصور ، وحكمه النافذ ، وأمره الغالب ، وكيد من عاداه وحادّه المغلوب الداحض ، حتّى احتمل أوزار تلك الحروب وما تبعها ، وتطوّق تلك الدماء وما سفك بعدها

وسنّ سنن الفساد التي هي عليه إثمها وإثم من عمل بها ، وأباح المحارم لمن ارتكبها ، ومنع الحقوق أهلها ، وغرّته الآمال ، واستدرجه الإمهال ، وكان أوجب الله عليه به اللعنة قتله من قتل صبراً من خيار الصحابة ، والتابعين وأهل الفضل والدين مثل عمرو بن الحمق الخزاعي ، وحجر بن عدي الكندي فيمن قتل من أمثالهم على أن تكون له العزّة والملك والغلبة

ثمّ ادّعائه زياد بن سميّة أخاً ونسبته إيّاه إلى أبيه ، والله تعالى يقول :
(
ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّـهِ ) (١) ورسول الله يقول : ملعون من ادّعي إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه ، وقال : الولد للفراش وللعاهر الحجر ، فخالف حكم الله تعالى ورسوله جهاراً ، وجعل الولد لغير الفراش ، والحجر لغير العاهر ، فأحلّ بهذه الدعوة من محارم الله ورسوله في اُمّ حبيبة اُمّ المؤمنين وفي غيرها من النساء من شعور ووجوه وقد حرّمها الله ، وأثبت

_________________

(١) الأحزاب : ٥


بها من قربى قد أبعدها الله ما لم يدخل الدين خلل مثله ، ولم ينل الإسلام تبديلاً يشبهه

ومن ذلك إيثاره بخلافة الله على عباده ابنه يزيد السكّرين الخمّير صاحب الديكة والفهود والقردة ، وأخذ البيعة له على خيار المسلمين بالقهر والسطوة والتوعّد والإخافة والتهديد والرهبة وهو يعلم سفهه ويطلع على رهقه وخبثه ، ويعاين سكراته وفعلاته وفجوره وكفره ، فلمّا تمكّن قاتله الله فيما تمكّن منه طلب بثارات المشركين وطوائلهم عند المسلمين ، فأوقع بأهل المدينة في وقعة الحرّة الوقعة التي لم تكن في الإسلام أشنع منها ولا أفحش(١) فشفى عند نفسه غليله ، وظنّ أنّه انتقم من أولياء الله وبلغ الثار لأعداء الله ، فقال مجاهراً بكفره ومظهراً لشركه :

ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا

جزع الخزرج من وقع الأسل

قول لا يرجع إلى الله ولا إلى دينه ولا إلى رسوله ولا إلى كتابه ولا يؤمن بالله وبما جاء من عنده ، ثمّ أغلظ ما انتهك وأعظم ما اخترم سفكه دم الحسين بن عليّعليهما‌السلام مع موقعه من رسول الله ومكانه ومنزلته من الدين والفضل والشهادة له ولأخيه بسيادة شباب أهل الجنّة اجتراءاً على الله وكفراً بدينه وعداوة لرسوله ومجاهرة لعترته واستهانة لحرمته كأنّما يقتل منه ومن أهل بيته قوماً من كفرة الترك والديلم ولا يخاف من الله نقمة ولا يراقب منه سطوة فبتر الله عمره وأخبث [ اجتثّ ـ المصدر ] أصله وفرعه ، وسلبه ما

_________________

(١) ترى هذا الخبيث العبّاسي الذي لا يقلّ خبثاً عمّن تبرّأ منه لا يذكر ما فعله معاوية بالحسن وكيف قضى عليه بالسمّ فهو يعدّد جرائمه ويقفز على هذه الجريمة لأنّ أجداده وآبائه لم يقلّوا إجراماً عمّا جنى معاوية ونغله بحقّ أهل البيتعليهم‌السلام ( المترجم )


تحت يده ، وأعدّ له من عذابه وعقوبته ما استحقّه من الله بمعصيته

هذا إلى ما كان من بني مروان من تبديل كتاب الله وتعطيل أحكام الله واتّخاذ مال الله بينهم دولاً ، وهدم بيت الله ، واستحلالهم حرامه ونصبهم المجانيق عليه ورميهم بالنيران إيّاه [ إليه ـ المصدر ] لا يألون له إحراقاً وإخراباً ، ولما حرم الله منه استباحة وانتهاكاً ، ولمن لجأ إليه قتلاً وتنكيلاً ، ولمن أمنه الله به إخافة وتشريداً ، حتّی إذا حقّت عليهم كلمة العذاب ، واستحقّوا من الله الانتقام ، وملأوا الأرض بالجور والعدوان ، وعموا بلاد الله بالظلم والاقتسار ، وحلّت عليهم السخطة ، ونزلت بهم من الله السطوة ، أتاح الله لهم من عترة نبيّه وأهل وراثته ، ومن استخلصه منهم لخلافته مثل ما أتاح من أسلافهم المؤمنين ، وآبائهم المجاهدين لأوائلهم الكافرين ، فسفك الله به دمائهم مرتدّين كما سفك بآبائهم دماء آبائهم المشركين ، وقطع الله دابر الذين ظلموا والحمد لله ربّ العالمين

أيّها الناس ، إنّما أمر ليطاع ، ومثّل ليتمثّل ، وحكم ليفعل ، قال الله سبحانه وتعالى :( إِنَّ اللَّـهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا ) (١) وقال :( أُولَـٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّـهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ) (٢) فالعنوا أيّها الناس من لعنه الله ورسوله ، وفارقوا من لا تنالون القربة من الله إلّا بمفارقته

اللهمّ العن أبا سفيان بن حرب بن اُميّة ويزيد بن معاوية ومروان بن الحكم وولده وولد ولده

اللهمّ العن أئمّة الكفر وقادة الضلال وأعداء الدين ومجاهدي الرسول

_________________

(١) الأحزاب : ٦٤

(٢) البقرة : ١٥٩


ومعطّلي الأحكام ومبدّلي الكتاب ومنتهكي الدم الحرام

اللهمّ إنّا نبرأ إليك من موالاة أعداءك ، ومن الإغماض لأهل معصيتك كما قلت :( لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ ) (١)

أيّها الناس ، اعرفوا الحقّ تعرفوا أهله ، وتأمّلوا سبل الضلالة تعرفوا سابلها فقفوا عندما وقفكم الله عليه ، وانفذوا كما أمركم الله به ، وأمير المؤمنين يستعصم بالله لكم ويسأله توفيقكم ، ويرغب إليه في هدايتكم ، والله حسبه وعليه توكّله ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم(٢)

وإذا شئت الاطّلاع على مساوئ بني اُميّة بأكثر من هذا اُنظر « مفاخرة بني هاشم وبني اُميّة » الواردة في الشرح المذكور(٣) مضافاً إلى الفوائد التي ساقها الشارح من عنده لأنّ الجاحظ وإن كان من أعداء أمير المؤمنينعليه‌السلام وكان كتب رسالة في إثبات إمامة المروانيّة وسمّاها « كتاب إمامة أمير المؤمنين معاوية » فقد ذكر في رسالة المفاخرة شطراً مقنعاً وفصلاً مشبعاً من خبث أعراق هذه الشجرة الملعونة والطائفة المشئومة وسوء أخلاقها ودنائة حسبها وردائة نسبها ، ولله درّ أبي القاسم المغربيرحمه‌الله حيث قال :

ثمّ امتطاها عبد شمس فاغتدت

هزواً وبدّل ربحها بخسار

وتنقّلت في عصبة اُمويّة

ليسوا بأطهار ولا أبرار

ما بين مأفون إلى متزندق

ومداهن ومضعّف وحمار

_________________

(١) المجادلة : ٢٢

(٢) تاريخ الطبري ٨ : ١٨٣ في ما وقع سنة ٢٤٨ ، بحار الأنوار ٨ : ٥٤٣ ط اُفست ( هامش الأصل ) وتجده أيضاً في الطبري ١٠ : ٥٥ طبعة اُخرى ، وشرح ابن أبي الحديد ١٥ : ١٨٠ ( المترجم )

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٥ : ٢٦٢ ط بيروت


قال ابن أبي الحديد : فأمّا قوله في بين اُميّة « مابين مأفون » البيت ، فمأخوذ من قول عبد الملك [ بن مروان ـ مصدر ] وقد خطب فذكر الخلفاء من بني اُميّة قبله ، فقال : إنّي والله لست بالخليفة المستضعف ، ولا بالخليفة المداهن ، ولا بالخليفة المأفون ، عنى بالمستضعف عثمان ، وبالمداهن معاوية ، وبالمأفون يزيد بن معاوية ، فزاد هذا الشاعر فيهم اثنين : وهما المتزندق وهو الوليد بن يزيد بن عبدالملك ، والحمار وهو مروان بن محمّد بن مروان(١)

تنبيه

في البحار عن كامل البهائي ـ وهو من مصنّفات عماد الدين الحسن بن عليّ الطبري المعاصر للمحقّق واُستاذ البشر قدّس سرّهما وكتبه لبهاء الدين محمّد الجويني في عهد هلاكو كما يستفاد ذلك من رياض العلماء للفاضل المتتبّع الميرزا عبد الله المعروف بالأفندي تلميذ العلّامة المجلسيقدس‌سره ـ ونقل عنه أنّه قال : إنّ اُميّة كان غلاماً روميّاً لعبد شمس فلمّا ألقاه كيّساً فطناً أعتقه وتبنّاه ، فقيل اُميّة عبد شمس كما كانوا يقولون قبل نزول الآية زيد بن محمّد ، والآية :( مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ
أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ
) (٢) ولذا روي عن الصادقينعليهما‌السلام في قوله تعالى :( الم õ غُلِبَتِ
الرُّومُ
) (٣) أنّهم بنو اُميّة ومن هنا يظهر نسب عثمان ومعاوية وحسبهما وأنّهما لا يصلحان للخلافة لقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « الأئمّة من قريش »(٤)

وفي البحار أيضاً عن إلزام الناصب قال : إنّ اُميّة لم يكن من صلب عبد شمس

_________________

(١) ابن أبي الحديد ٦ : ١٧ ط بيروت ، واللفظ من المصدر لا شفاء الصدور فإنّ فيه تصحيفات ( هامش الأصل ) وقد جرت مطابقته من المترجم

(٢) الأحزاب : ٤٠

(٣) الروم : ١ و ٢

(٤) البحار ٨ : ٣٦١ ط اُفست ( هامش الأصل ) و ٣١ : ٥٤٣ ط دار الرضا بيروت ـ لبنان ( المترجم )


وإنّما هو من الروم فاستلحقه عبد شمس فنسب إليه ، فبنو اُميّة كلّهم ليسوا من صميم قريش وإنّما هم يلحقون بهم ، ويصدّق ذلك قول أمير المؤمنينعليه‌السلام : لصاق وليسوا صحيحي النسب إلى عبد مناف ، ولم يستطع معاوية إنكار ذلك(١)

وروى المحقّق المحدّث الكاشاني قدّس سرّه النوراني من كتاب « الاستغاثة في بدع الثلاثة » ـ وهو على التحقيق من مصنّفات عليّ بن أحمد الكوفي صاحب كتاب ( الأنبياء ) وكتاب ( الأوصياء ) وهذا الكتاب مذكور في رجال النجاشي باسم ( كتاب بدع الثلاثة ) كما أورد ذلك المحقّق النحرير الشيخ أسد الله الشوشتري ناقلاً عن تلميذه المتتبّع الشيخ عبدالنبي الكاظمي في حاشية ( نقد الرجال ) مستمدّاً من إشارة الشيخ يوسف البحرانيرحمه‌الله ويؤكّد نسبة الكتاب إلى عليّ بن أحمد روايته بلا واسطة عن جعفر بن محمّد بن مالك الكوفي ، ومع كلّ ما تقدّم نسب المحقّق المذكور في كتاب الصافي والمحدّث المتبحّر المجلسي في مقدّمة بحار الأنوار الكتاب لابن ميثم البحراني وهذا غريب جدّاً منهما مع سعة باعهما وكثرة اطّلاعهما ـ

وبالجملة ؛ ورد في الكتاب المذكور وهو مرويّ عن علماء أهل البيت بأسرارهم وعلوّهم ووصل إلى علماء الشيعة أنّ قوماً ينسبون إلى قريش وليسوا منهم في حقيقة النسب وهذا من الأخبار التي لا يعلمها إلّا معادن النبوّة وورثة علم الرسالة وذلك نظير بني اُميّة حيث نفوذهم عن قريش وألحقوهم نسباً بالروم وفيهم ورد تأويل هذه الآية( الم õ غُلِبَتِ الرُّومُ ) ومعناها أنّهم غلبوا على الملك وسيغلبهم بنو العبّاس عجلين ، وهذا التأويل يناسب قرائة ( غلبت ) بصيغة المعلوم كما في الصافي ، وجعلت هذه القرائة من الشواذّ

_________________

(١) بحار الأنوار ٣١ : ٥٤٤


وفي البحار عن كنز الفوائد للعلّامة الكراجكي روى قريباً من هذا المعنى بطريقين : أحدهما عن ابن عقدة ، والآخر عن محمّد بن العبّاس الماهيار صاحب التفسير المعروف ، ويمكن أن يشار إلى ضعف النسب الأموي بأشعار أبي العطاء السندي وهو من مشاهير شعراء الدولتين المخضرمين التي نظمها في هجاء بني اُميّة ، والشعر بنفسه مرغوب فيه وإن لم يؤت به شاهداً على ما تقدّم من نسب الأمويّين ، فللّه درّه وعلى الله برّه ، فلقد أجاد ما شاء :

إنّ الخيار من البريّة هاشم

وبنو اُميّة أفجر الأشرار

وبنو اُميّة عودهم من خروع

ولهاشم في المجد عود نضار

أمّا الدعاة إلى الجنان فهاشم

وبنو اُميّة من دعاة النار

وبهاشم زكت البلاد وأعشبت

وبنو اُميّة كالسراب الحارِ

النصائح الكافية : ١٣٨(١)

فائدة

حكمت طائفة من بني اُميّة في المغرب ، وسمّوا أنفسهم خلفاء ولكنّهم لا يُعتدّ بهم ، ولا يُعدّون شيئاً ، لاضطراب أيّامهم على الأغلب ، وتدهور اُمور مملكتهم ، وكانت رقعة الأندلس صغيرة ، من ثَمّ لم تتّجه إليهم الأنظار ، ولم يحسب ملكهم في الأندلس من أيّام بني اُميّة ، كما أنّ أيّام عبد الملك لم تُعدّ لأنّها صاحبت فتنة ابن الزبير ، لأنّ خلافته اختصّت بالاُردن ودمشق وما حولها(٢) ، ومثله معاوية فلم يُسمّ خليفة مع وجود الإمام الحسن وإن حكم مصر والشام

_________________

(١) النصائح الكافية : ١٤٣ ( المترجم )

(٢) لعلّ المؤلّف يقصد مروان أبا عبد الملك وأمّا عبد الملك ففي عهده قتل ابن الزبير وانتظمت له الاُمور وخضع له العباد والبلاد


فتبيّن من هذا أنّ ضيق رقعة الملك وقلّة المملكة توجب عدم الاعتداد بالمتحكّم ، ولا خصوصيّة للمشرق أو المغرب في ذلك ، كما هي الحال في بحار الأنوار فقد كانت وجهته المشرق فلم يعتدّ بغيره وكان عليه اعتماده وله عنايته ، وهذا الوجه وإن كان بسبب ما قلناه من ضيق الرقعة وقلّة البلاد والحكم فهو صحيح من هذه الناحية وإلّا فهو ضعيف وموهون

توضيح

ظاهر العبارة في هذه الزيارة بصرف النظر عن تأكيد التعميم بلفظ قاطبة حيث يوجب سياق الكلام بها منع التخصيص ، تكشف عن أنّ بني اُميّة أجمعين أكتعين أبصعين أتبعين خبثاء مستحقّو اللعن

لأنّ المتكلّم لم يأخذ وصفاً في عنوان الحكم لينسحب على العامّ ويتعنون به فلا يوجد في عموم الأفراد وصف قابل لمعارضة الحكم ، فإذا حصل لنا الشكّ في جماعة من بني اُميّة هل قضوا على العقيدة الحقّة والفطرة النقيّة وماتوا حين ماتوا مؤمنين بالحقّ غير دافعين له بل منكرين لسيرة ذويهم ، فإنّنا نحكم بفساد اعتقادهم بناءاً على مقتضى هذا العموم في النصّ ، حيث لعنهم قاطبة ، والمؤمن لا يستوجب اللعن إذاً فلا يكون مؤمناً

وهذا نظير ما إذا قال المولى لغلامه : أكرم جيراني ، فمع كون حاله تدلّ على عدم إكرام أعدائه ، فإنّ العبارة المذكورة كاشفة أنّ العدوّ لا يوجد في جيرانه وقد حقّقنا هذا المطالب في الاُصول بصفة مستوفاة وشرحه والدنا المحقّققدس‌سره في كتاب ( مطارح الأنظار ) شرحاً وافياً وكان له تحقيق مغنٍ في هذا الباب عمّا عداه

ولكن يستخلص من هذه العبارة إشكال بيّن لا مندوحة من ذكره ، وهو أنّ الحكم على بني اُميّة عامّة بعدم الإيمان يعارضه وجود جماعة من القدماء والمتأخّرين كانوا يوالون أهل البيت مثل خالد بن سعيد بن العاص وأبو العاص


ابن الربيع وهو من الأولى تخلّفوا عن بيعة أبي بكر ، وثبت مع أمير المؤمنينعليه‌السلام ، كما نصّ على ذلك العامّة والخاصّة في كتبهم ، واعتبر الحرّ العاملي في أمل الآمل ، الأموي الأبيوردي الشاعر من علماء الشيعة وكذلك يظهر لنا بالتتبّع أنّ كثيراً من الرجال والنساء المنسوبين إلى هذه الطائفة كانوا على جانب كبير من الاستقامة مثل أمامة بنت أبي العاص التي تزوّجها الإمام أمير المؤمنين بعد وفاة الصدّيقة الطاهرةعليها‌السلام بوصيّة منها ، ومثل محمّد بن حذيفة واُمّه بنت أبي سفيان وكان من خواصّ أمير المؤمنينعليه‌السلام وتحمّل المشاقّ الصعبة في سبيل محبّته ، ودخل سجن معاوية في هذا السبيل ، وعانى منه سنين عدداً ومعاوية لعنه الله خاله ، ولم يتفق معه قطّ

والجواب على هذا الاعتراض يمكن تحقيقه في وجوه :

الوجه الأوّل : الظاهر أنّ عموم اللفظ يشمل الموجودين ساعة الخطاب ، لأنّ حكم الإضافة في الوضع أنّها حقيقة في المعهود ولا معهود في تلك الآونة إلّا الموجودون من الأمويّين وهذا الوجه ضعيف لأنّ المراد من الموجودين إن كانوا في زمن الراوي الذي هو زمن الإمام الصادق أيضاً فينبغي أن لا يتناول اللفظ أولئك المتقدّمين من بني اُميّة وهم الأكثر ونحن نقطع بدخول معاوية ويزيد في هذا اللعن وإن كان القصد جميع الأزمان السابقة من إمام إلى إمام فالإشكال باق على حاله في الأخيار المتقدّمين منهم

الوجه الثاني : أن نلتزم بفساد الفطرة الأمويّة وانحرافها وإن حصل لبعضهم الاستقامة في عهدٍ مّا من المجتمع فإنّ حكم الفطرة المعوجّة يغلب عليهم ويؤدّي إلى انحرافهم عن جادّة الصواب ويحملهم ذلك على الارتداد ويخرجون من الدنيا على الضلال ، نعوذ بالله العظيم

ولو أنّنا قطعنا باستقامتهم السابقة فلا دليل على إحرازها ساعة الوفاة إلّا


بالاستصحاب ، والدليل المذكور المتضمّن لتجويز لعنهم قاطبة أمارة كاشفة عن استيعاب واستغراق جميع الأفراد بحكم خباثتهم ، من هنا نحكم بجواز لعنهم والبرائة منهم

ويجب أن يعلم أنّ المراد ببني اُميّة بحكم الوضع واللغة هم الرجال المنسوبون بالآباء إلى اُميّة فلا وجه لعدّ أمامة وهي بنت أو محمّد بن حذيفة وهو منسوب إليهم من جهة أمّه وأمثالهما منهم ، بل لا سبيل لعدّ أبي العاص من بني اُميّة وإن جاء في ذلك خبر ضعيف(١)

وفي رسالة مفاخرة الجاحظ أنّ بني اُميّة استدلّوا على نفي الشجرة الملعونة عنهم بوجود أبي العاص فيهم(٢)

وهذا القول غير ملتئم في ميزان تصحيح الأنساب لأنّ أبا العاص بن ربيع بن عبدالعزّى بن شمس بن عبد مناف وهو عبشمي كما ذكر ذلك في اُسد الغابة وغيرها

ولا وجه لذكر الأبيوردي في الشيعة وإن ذكر ذلك الشيخ الحرّقدس‌سره في أمل الآمال ، ولم يقم شاهداً على ذلك وكان بأشعاره يفخر بأمويّته ويأسف على ضياع

_________________

(١) محمّد بن أحمد الكوفي الخزّاز ، عن أحمد بن محمّد بن سعد الكوفي ، عن ابن فضّال ، عن إسماعيل بن مهران ، عن أبي مسروق النهدذي ، عن مالك بن عطيّة ، عن أبي حمزة قال : دخل سعد بن عبد الملك وكان أبو جعفر يسمّيه سعد الخير وهو من ولد عبد العزيز بن مروان على أبي جعفرعليه‌السلام فبينا ينشج كما تنشج النساء ، قال : فقال له أبو جعفرعليه‌السلام : ما يبكيك يا سعد ؟ قال : وكيف لا أبكي وأنا من الشجرة الملعونة في القرآن ! فقال له : لست منهم ، أنت أمويّ منّا أهل البيت ، أما سمعت قول الله تعالى عزّ وجلّ يحكي عن إبراهيمعليه‌السلام :( فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ) [ إبراهيم : ٣٦ ] [ الاختصاص : ٥٩ ، بحار الأنوار ٤٦ : ٣٣٨ ط لبنان ] ( هامش الأصل ) الاختصاص : ٨٥ تحقيق غفّاري ط جماعة المدرسين ـ قم ، والبحار ٤٦ : ٣٣٦ ( المترجم )

(٢) ابن أبي الحديد ١٥ : ٢٦٣ ط بيروت ( هامش الأصل )


الملك منهم وهذا الأمر ينافي التشيّع بل تقتضيه الفطرة الأمويّة الخبيثة

وأخطاء الشيخ الحرّ من هذا النمط كثيرة ، لأنّه عدّ أبا الفرج الأصفهاني وهو مروانيّ من علماء الشيعة الإماميّة ، لأنّه لم يكن إماميّاً بالإجماع بل كان من علماء الزيديّة ، وسرى الخطاء إلى الشيخ من قول بعضهم أنّه من الشيعة وتخالف رواياته روايات الإماميّة غالباً كما يظهر ذلك التتبّع والتقصّي في كتابه الأغاني ، إذ لا يجيز الإمامي أن ينسب إلى عبد الله بن جعفر ذي الجناحين الذي هو في عصره ثاني الحسنين وثالث القمرين استماع الغناء مع أنّ حليلته زينب سلام الله عليها وهي عقيلة خدر الرسالة ومحجوبة ستر الإمامة ورضيعة ثدي الزهد والعصمة والوليّة ، وربيبة حجر العلم الحكمة النبويّة ، وكانت تعيش معه في بيت واحد

وهكذا تجد من طراز هذه الترّهات والخزعبلات في الأغاني الكثير وهو الذي نسب الندم إلى الحسين من مسيره إلى كربلاء في يوم عاشوراء وكتابه ( مقاتل الطالبيّين ) معروف ، وتعرّضنا لشرح حاله وإن جاء على سبيل الاستطراد ولكنّه إن تأمّلت مطلوب لذاته

ومجمل القول إنّي أذكر في هذا المقام قطعة من الشعر له تدلّ على اختلال عقيدته :

ملكنا أقاليم البلاد فأذعنت

لنا رغبة أو رهبة عظمائها

وكان إلينا في السرور ابتسامها

شدائد أيّام قليل رخائها

وكان إلينا في السرور ابتسامها

فصار علينا بالهموم(١) بكائها

وصرنا نلاقي النائبات بأوجه

رقاق الحواشي كاد يقطر مائها

وفي البيت الذي يقول فيه « وصرنا نلاقي » تداعى في خاطري شعر سيّد

_________________

(١) في الهموم ـ وفيات ( هامش الأصل )


الشعراء وخاتم الاُدباء الشاعر الماهر والأديب المعاصر السيّد حيدر الحلّيرحمه‌الله حيث يقول :

من أين تخجل أوجه أمويّة

سكبت بلذّات الفجور حيائها

ومن الشعر الذي يفخر به بنسبه هذه الأبيات وهي من نجديّاته :

قالت لصحبي سرّاً إذ رأت فرسي

من الذي يتعدّى مهره خببا

فقال أعلمهم بي إنّ والده

من كان يجهد أخلاف العلى حلبا

ما مات حتّى أقرّ الناس قاطبة

بعزّه وهو أعلى خندف نسبا

لم يكتف بالفخر العنصر الأموي فحسب بل جعله أعلى قبائل خندف في النسب مع ما علمت من ردّ بعضهم نسبهم في قريش وسوف يتجلّى نسب أبي سفيان واُمّه حمامة وأهون بالخيبة والفضيحة من النسب الذي ينتهي إلى أبي سفيان ثمّ منه إلى اُميّة

ولو قيل للكلب أمثاله

عوىٰ الكلب من لؤم هذا النسب(١)

وفي غيره من نجديّاته يقول :

وإنّي وإن كان الهوى يستفزّني

لذو مرّة قطّاعة للقرائن

أروم العلى والسيف يخضبه دم

بأبيض بتّار وأسمر مارن

وإن خاشنتني النائبات تشبّثت

بأروع عبل الساعدين مخاشن

إذا سمّته خسفاً تلظّى جماحه

وأجلين عن خصم ألدّ مشاحن

لئن سلبتني نخوة أمويّة

خطوب اُعاينها فلست بحاضن

_________________

(١) المشهور في البيت :

ولو قيل للكلب يا باهلي

عوى الكلب من لؤم هذا النسب

ولا معنى لقوله : أمثاله ( المترجم )


قاتله الله ما أشعره وفي موضعٍ آخر من نجديّاته يقول خارج أدب النسيب ويشتدّ في تحمّسه في الغزل ثمّ يقول :

بني خيثم الله الله في دمي

فطالبه الذي قوله الفعل

ومرد على جرد بأيدٍ تمدّها

إلى الشرف الضخم الخلائف والرسل

دم أمويّ ليس ينكر فرده

وما بعده إلّا الفرار أو القتل

ألم يك في عثمان للناس عبرة

فلا ترحضوه طلّه إنّه يغلوا

ولولا الهوى سارت إليكم كتيبة

يعضل من نجد بها الحزن والسهل

ومن تأمّل أشعاره هذه لا يبقى عنده أدنى شكّ في انحرافه وعدم استقامته ، وأكثر شعره تصريحاً بنواياه المقطوعة الأخيرة التي يستعيد فيها ذكرى دم عثمان ويتباهى بحروب الجمل وصفّين ، بل إنّ له أشعاراً في يوم الطفوف كما سوف تعلم أنّ بني اُميّة إنّما ألبسوها قميص عثمان وأثاروها معنونة بالطلب بدم عثمان ، ولقد ارتكبوا اُموراً شنعاء انتقاماً لدمه وأخذاً بثأره

والعجيب أنّ المقطوعة الاُولى من شعره التي سلفت منّا مذكورة في الوفيات ، والشيخ الحرّ العاملي أخذ شرح أحواله من الكتاب نفسه ولكنّه غفل عن مضمون هذا الشعر(١)

وجملة القول : إنّك عرفت تقريب الوجه الثاني ، والإنصاف أنّ الالتزام بهذا الوجه على الوجه الذي يلجئنا إلى رفع اليد عن الاُمور المقطوع بها مع فرض التحقّق من تحكيم هذا الدليل على استصحاب سلامة عقيدتهم أمر مشكل جدّاً

_________________

(١) وفيات الأعيان ٤ : ٤٤٦ وفي القطعة بيت سقط من الناس وهو قوله :

إذ ما هممنا أن نبوح بما جنت

علينا الليالي لم يدعنا حيائها

والمؤلّف ذكره بقرينة استشهاده ببيت الحلّي ولكنّ الناسخ أهمله غفلة ( المترجم )


لاسيّما وأنّ هناك عمومات اُخرى في فضائل المؤمنين بأيدينا لا يسهل الالتزام بتخصيصها بل هو صعب مستصعب ، وربّما كان في رواية حياة الحيوان التي سلفت ( ذيل وآل مروان ) لا تخلو من تأييد من أنّ النبيّ قال : ما أقلّ المؤمنين فيهم(١)

لأنّ هذا الخبر مع ملاحظة اشتماله على ذمّ بني اُميّة ، مظنون الصدق ، ولا أرى أحداً يقدح بخالد بن سعيد تمسّكاً بهذا الحديث مع ما كان عليه خالد بن سعيد من إظهار الإخلاص والتودّد والثبات ، وما أظهره من حسن البيان في المسجد مع معارضته أبا بكر وامتناعه من بيعته ، وهذا بأجمعه مذكور بأهمّ المصادر التاريخيّة وتشتمل عليه اُمّهات الكتب الموثّقة(٢) ثمّ إنّه بعد هذا وذاك صحابيّ مؤمن مطيع لأهل بيت نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله والعمومات الواردة في فضل الصحابة ومدايح المهاجرين تشمله ولا دليل على إخراجه بخصوصه منها علاوة على أنّ الوجه الثالث موجب لظهور الوهن والضعف في هذا الوجه

الوجه الثالث : المراد من بني اُميّة خصوص أولئك الذين أعانوا في غصب الخلافة وإطفاء نور الله وجحد كلمة الولاية ، وشاركوا في مجريات الأحداث

_________________

(١) رواية الخصال باب الأربعة : ١٠٨ بالإسناد عن الرضا عن أبيه عن آبائهعليهم‌السلام أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يحبّ أربع قبائل : كان يحبّ الأنصار وعبد القيس وأسلم وبني تميم ، وكان يبغض بني اُميّة وبني حنيف [ حليف ـ ظ ] وبني ثقيف وبني هذيل ، وكانصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : لم تلدني اُمّ بكر ولا ثقفيّة ، وكانصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : في كلّ حيّ نجيب إلّا في بني اُميّة

(٢) في الاحتجاج للطبرسي : ٤٧ والخصال باب الإثني عشر ٢ : ٦٧ : إنّه من الإثني عشر الذين أنكروا على خلافته وجلوسه مجلس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، بل أوّلهم ، حيث قام فقال : يا أبا بكر ، اتّق الله

وفي الاحتجاج : ٥١ ، قال لعمر : يا بن صهّاك الحبشيّة ، أبأسيافكم تهدّدوننا أم بجمعكم تفزعوننا ؟ والله إنّ أسيافنا أحدّ منكم وإنّا لأكثر منكم وإن كنّا قليلين لأنّ حجّة الله فينا ، والله لولا أنّي أعلم أنّ طاعة الله ورسوله وطاعة إمامي أولى لشهرت سيفي وجاهدتكم في الله إلى أن أبلي عذري فقال أمير المؤمنين : اجلس يا خالد فقد عرف الله مقامك وشكر لك سعيك وراجع ترجمته في التنقيح ١ : ٣٩١ ( هامش الأصل )


بالسيف والسنان والقلم واللسان ، وأظهروا بغض أهل البيت ، ويؤيّد هذه القضيّة أنّ هذا هو المتبادر إلى الأذهان من ذكر القضيّة مع ملاحظة الإشكال السابق أضف إلى ذلك قلّة مصاديق عنوان بني اُميّة لأنّ أبنائه النسبيّين قليلو العدد ، وأمّا الحكم وأولاده فكلّهم أبناء سفاح ولغير رشدة ، وأمّا أولاد أبي سفيان فهم متّهمون بخبث الولادة بل على التحقيق كانوا لغير رشدة كما سوف اُشير إليه في محلّه إن شاء الله ، وأمّا أولاد أبي معيط وهم أولاد ذكوان أبيه فهم لصقاء ؛ لأنّ ذكوان في رأي جماعة إنّه غلام اُميّة وألحقه بنسبه وتبنّاه كما أشار إليه في اُسد الغابة(١)

فلابدّ من حمل العموم في الجملة المذكورة على الزيادة على الطائفة المشتملة على خلفائهم واُمرائهم ، ويكون بناءاً على هذا لفظ بني اُميّة عنواناً عرفيّاً من أجل الإشارة إلى تلك الجماعة المعهودة ، وحقيقة الإضافة في العهد شاهد صدق هذه الدعوى ، ومجملاً يؤيّد بل يصدّق هذا المعنى الخبر المذكور في الخصال في باب السبعة : للنار سبعة أبواب ، وباب يدخل منه بنو اُميّة هو لهم خاصّة لا يزاحمهم فيه أحد ، وهو باب لظى ، وهو باب سقر ، وهو باب الهاوية تهوي بهم سبعين خريفاً .

وفي آخر الحديث : قال محمّد بن فضيل الرزقي راوي الحديث : فقلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : الباب الذي ذكرت عن أبيك عن جدّكعليهما‌السلام أنّه يدخل منه بنو اُميّة يدخله منهم من مات على الشرك أو من أدرك منهم الإسلام ؟ فقال : لا اُمّ لك ، ألم تسمعه يقول : وباب يدخل منه المشركون والكفّار ، فهذا الباب يدخل فيه كلّ مشرك وكلّ كافر لا يؤمن بيوم الحساب ، وهذا الباب الآخر يدخل منه بنو اُميّة لأنّه

_________________

(١) وقد قيل إنّ ذكوان كان عبداً لاُميّة فاستلحقه [ اٌسد الغابة ٥ : ٩٠ ] وفي ١ : ٢٥١ : ثمّ أدركته « اُميّة » وقد عمي يقوده غلام له يقال له ذكوان


هو لأبي سفيان ومعاوية وآل مروان خاصّة يدخلون من ذلك الباب فتحطمهم النار حطماً لا تسمع لهم فيها واعية ، ولا يحيون فيها ولا يموتون(١)

وثبت هنا أنّهم فسّروا بني اُميّة بتلك الجماعة المخصوصة التي تقمّصت سروال الخلافة وتشبّثت بأذيالها ، وهذا التوجيه بنظري أقرب إلى التحقيق ، وهذا ليس تخصيصاً ليقول القائل : سياق هذا العام من حيث التأكيد يأبى التخصيص بل هو تخصّص ومؤكّد للتأكيد

وفي هذا المقام مقال هو أهل لأن نعرض له بل ذكره لازم حتماً ، ومجمله كما يلي : يظهر من طائفة من الأخبار والآثار في الجملة مدح عمر بن عبد العزيز من قبيل ما فعله من رفع السبّ عن أمير المؤمنين عندما تسنّم غارب الخلافة ، وكان معمولاً به في العهد الأموي وأشاد به كثير عزّة وقال الأبيات التالية في مدحه :

وليت فلم تشتم عليّاً ولم تخف

بريّاً ولم تتبع مقالة مجرم

تكلّمت بالحقّ المبين وإنّما

تبيّن آيات الهدى بالتكلّم

وصدقت معروف الذي قلت بالذي

فعلت فأضحى راضياً كلّ مسلم

ألا إنّما يكفي الردىٰ بعد زيفه

من الأولاد البادي ثقاف المقوّم

وردّ فدك على أهلها من آل مروان بعد أن نحلها عثمان مروان بن الحكم ، وأحسن إلى أهل البيت فلم يظلم منهم أحداً

ونقل عن فاطمة بنت سيّد الشهداء أنّها قالت : لو كان عمر بن عبد العزيز حيّاً لما احتجنا

_________________

(١) الخصال ٢ : ١٢ باب للنار سبعة أبواب ( هامش الأصل ) الخصال : ٣٦١ تحقيق غفاري ، نشر جماعة المدرّسين في الحوزة العلميّة ( المترجم )


ونقل العامّة عن باقر علوم النبيّين : لكلّ قوم نجيب وعمر بن عبد العزيز نجيب بني اُميّة(١)

ومن الأقوال المشهورة : الناقص والأشجّ أعدلا بني مروان ، والناقص هو يزيد بن الوليد الذي نقص أعطيات أبيه ، والأشجّ هو عمر بن عبد العزيز لوجود شجّة في رأسه

وفي كتاب قرب الإسناد ويصل السند إلى صادق آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله عن أبيه الباقرعليه‌السلام إنّه قال : لمّا ولّى عمر بن عبد العزيز أعطانا عطايا عظيمة ، قال : فدخل عليه أخوه فقال له : إنّ بني اُميّة لا ترضى منك بأن تفضّل بني فاطمة عليهم ، فقال : اُفضّلهم لأنّي سمعت حتّى لا اُبالي أن أسمع أو لا أسمع أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يقول : إنّ فاطمة شجنة منّي ، يسرّني ما أسرّها ، ويسوئني ما أسائها ، فأنا أتّبع سرور رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأتّقي مسائته(٢)

ويعثر المتتبّع على أخبار من هذا القبيل ومن هذه الجهة توقّف بعض الأكابر وهو الفاضل المتبحّر الميرزا عبد الله أفندي صاحب « رياض العلماء » في هذا الكتاب جازماً عن لعنه ونقل كلامه وحكاه عنه ، ولست أودّ أن أذكر اسمه الشريف وأنسب إليه هذه الدعوى الباطلة في هذا الكتاب ولا وجه لذلك(٣) بل

_________________

(١) تاريخ الخلفاء : ٢٣٠ ط السعاد بمصر ( هامش الأصل ) وسُئل محمّد بن عليّ بن الحسين عن عمر بن عبدالعزيز ، فقال : هو نجيب بني اُميّة وإنّه يبعث يوم القيامة اُمّة وحده الخ ، والسياق يخالف ما ذكره المؤلّف ( المترجم )

(٢) قرب الإسناد ١ : ٥٣ ( المترجم ) تاريخ الخلفاء : ٢٣٠ ط السعادة بمصر ( هامش الأصل )

(٣) أدع شيخي الجليل على رأيه في جواز لعن الرجل وأسأله عن الخلافة هل كان باستطاعته أن يردّها إلى أهل البيت بين عشيّة وضحاها ؟ ومن أين لشيخنا أنّ ابن عبد العزيز لا ينوي ردّها وقد كان فيما بلغنا من أخباره أنّه ينوي التغيير والثورة على بني اُميّة حتّى أنّ ابنه عبد الملك طالبه بإعلان الثورة على كلّ ما هو


لعنه أوضح الواضحات وأوجب الواجبات لأنّه لا ذنب أعظم من ذنب غصب الخلافة وادّعاء الإمامة وقد فعلهما ، وتحمّل هذا الوزر العظيم حيّاً وميّتاً ، ولا ضرر على الاُمّة أعظم من منع الأئمّة حقّهم في الأمر النهي ، وإذا كان قد أحسن فهو من أجل المصانعة ومداراة الملك

والحقّ يقال أنّ أهل السنّة أثنوا عليه ثناءاً جميلاً وسمّوه عمر الثاني ، ونحن نصفه أيضاً بهذا الوصف وننحو بحقّه هذا النحو ، ونعتقد فيه نفس المعتقد ، ولقد نال العدل التقديري من عمر بالإرث لأنّه اُمّه بنت عاصم بن عمر بن الخطّاب ، بل تميّزت سيرته الظاهريّة عن سائر بني اُميّة ، وكلام الإمام الباقر ـ إن صحّ ـ فإنّه يحمل على نفس المعنى ، فقول : عمر نجيب بني اُميّة ، معناه مضافاً إلى هذه الطائفة وإن كان في نفسه أخبث خلق الله ، ومثله قول : أعدلا بني مروان أي إنّ عدلهما بالنسبة إلى سائر الأمويّين ، وإن كان قياسهم إلى العدول قياس الظالم إلى العادل

وكيف يطلب عمر بن عبد العزيز رضا فاطمة ولم يعهد بالخلافة إلى ولدها الإمام الباقر وهو إمام واجب الطاعة ومعجزاته وكراماته ملأت السهل والجبل ، وملأت سمع العدوّ وبصره وقمه ويده وكان معاصراً له ، ذلك هو الخسران المبين

وروى في أصل عاصم بن حميد الحنّاط ـ الذي ملكت نسخته بعنايةٍ من الله جلّ ذكره ـ عن عبد الله بن عطا أنّه قال : كانت يدي بيد الإمام الباقرعليه‌السلام لمّا كان على عمر بن عبد العزيز ثوبين ممصّرين ، فقال الإماام الباقر : ليلينّ الولاية سريعاً ثمّ

_________________

أمويّ لكنّ أباه أجابه إنّي أخشى أن يستعينوا علينا بمن نثور من أجلهم أي الضعفاء ، ومعناه أنّ الثورة لم تنضج بعد ثمّ أسأل الشيخ عن قول الشريف :

غير أنّي أقول إنّك قد طبت

وإن لم يطب ولم يزكُ بيتك

هل يجوز لعن الطيّب ؟ وباعتقادي أنّ الشيخ قسى على ابن عبد العزيز ومن حقّه علينا السكوت ؛ لا نلعنه ولا نترحّم عليه ( المترجم )


يموت فيبكي عليه أهل الأرض ويلعنه أهل السماء(١)

وهذه الرواية غاية في الاعتماد بل هي بناءاً على الأصل الذي أصّلناه في حجيّة خبر الواحد حائزة على مرتبة نصاب الحجيّة والصحّة لأنّ عاصم بن حميد ثقة جليل الشأن ، روى عنه في أصله واعتبره نصر بن الصباح الذي يستند العيّاشي والكشّي على أقواله في أكثر من مكان من نجباء أصحاب الصادقعليه‌السلام ودلالة ذلك على جلالة قدره ظاهرة ، ونقل الشهيد الثاني في كتاب الدراية نفس العبارة دونما نسبة إلى نصر بن الصباح وهذه إمارة الاعتماد وعلامة الاعتداد وموافقة هذا الخبر لعمومات لعن الغاصبين والمنحرفين عن أهل البيت وأعدائهم وإحباء أعدُّائهم وعموم اللعن المذكور في الزيارة كما يبّنّاه بنفسه معقل حصين وركن وثيق لمن حاله الشكّ

أجل ، إنّ من الانصاف أنّ عمر بن عبد العزيز عمل أعمالاً حسنة من قبيل رفع السبّ وردّ فدك ونحن نشكر له عمله هذا نظير مدح السيّد الأجل الأعظم

_________________

(١) أصل عاصم بن حميد هو الأصل الثالث من ستّة عشر أصلاً ، ص ٢٣ الحديث الخامس ، ونظيره الرواية التالية :

أحمد بن محمّد ، عن الأهوازي ، عن القاسم بن محمّد ، عن سليمان بن دينار ، عن عبد الله بن عطا التميمي قال : كنت مع عليّ بن الحسينعليهما‌السلام في المسجد فمرّ عمر بن عبد العزيز عليه شراكا فضّة ، وكان من أحسن الناس وهو شابّ ، فنظر إلى عليّ بن الحسينعليهما‌السلام فقال : يا عبد الله بن عطا ، أترى هذا المترف ؟ إنّه لن يموت حتّى يلي الناس قال : قلت : هذا الفاسق ؟ قال : نعم ، فلا يلبث فيهم إلّا يسيراً حتّى يموت ، فإذا هو مات لعنه أهل السماء واستغفر له أهل الأرض [ بصائر الدرجات : ٤٥ ، بحار الأنوار ٤٦ : ٣٢٧ ط لبنان ، إثبات الهداة ٣ : ١٢ ] ( هامش الأصل )

أبو بصير قال : كنت مع الباقرعليه‌السلام في المسجد إذ دخل عمر بن عبد العزيز متوكّياً على موالي له ، فقالعليه‌السلام : ليلينّ هذا الغلام فيظهر العدل ويعيش أربع سنين ثمّ يموت فيبكي عليه أهل الأرض وتلعنه أهل السماء لأنّه جلس مجلساً ولا حقّ له فيه ثمّ ملك وأظهره العدل وجهره [ إثبات الهداة ٣ : ٥١ عن الخرايج والجرايح ]


الرضيرضي‌الله‌عنه وهو من أكابر الفقهاء والزهّاد من أهل البيت ، له في ديوانه الشريف حيث خاطبه بقوله :

يا بن عبد العزيز لو بكت العين

فتىً من اُميّة لبكيتك

غير أنّي أقول إنّك قد طبت

وإن لم يطب ولم يزك بيتك

أنت نزّهتنا عن السبّ والقذف

ولو أمكن الجزاء جزيتك

ولو أنّي رأيت قبرك لاسـ

تحييت من أن أرى وما حييتك

وقليل أن لو بذلت دماء البُدن

ضرباً على الذرى وسقيتك

دير سمعان لا أغبك غادٍ

خير ميّت من آل مروان ميتك

أنت بالذكر بين قلبي وعيني

إن تدانيت منك أو قد نأيتك

وإذا حرّك الحشا خاطر منك

توهّمت أنّني قد رأيتك

وعجيب أنّي قليت بني مروان

طرّاً وإنّني ما قليتك

قرب العدل منك لمّا نأى

الجور بهم فاجتنبتهم واجتبيتك

فلو أنّي ملكت دفعاً لما نالك

من طارق الردىٰ لفديتك(١)

إرشاد

الأخبار في لعن عموم بني اُميّة كثيرة من طريق أهل البيتعليهم‌السلام ويستحبّ لعن بني اُميّة بعد كلّ فريضة كما روى ذلك شيخ الطائفة في التهذيب بسنده عن أبي جعفر باقر علوم النبيّينعليهم‌السلام أنّه قال لجابر الجعفي :

إذا انحرفت عن صلاة مكتوبة فلا تنحرف إلّا بانصراف لعن بني اُميّة(٢)

_________________

(١) ديوان السيّد الرضي ١ : ٢١٥

(٢) التهذيب ١ : ١٦٥ و ٢٢٧ ، بحار الأنوار ٥٨ : ٨٦ ( هامش الأصل ) التهذيب ٢ : ١٠٩ و ٣٢١ ( المترجم )


وَلَعَنَ اللهُ ابْنَ مَرْجانَةَ

الشرح : المراد من ابن مرجانة هو ابن زياد ، وذكره باللعن بعد ذكر آل زياد وبني اُميّة وهو يشمله ـ كما مرّ في التحقيق السابق ـ لخصوصيّة له في قتل سيّد الشهداء ، واحتمل المجلسي عليه الرحمة أنّ إفراده بالذكر لخبث مولده فلا يشمله حينئذٍ لفظ آل زيادٍ وبني اُميّة ، وقد قلنا أنّ هذين الفرعين من بني اُميّة جميعاً أبناء سفاح ولغير رشدة ، وإذا كان هذا هو الوجه فينبغي ذكر آحادهم ولا يقتصر الأمر على ابن زياد وحده ، ونسبته إلى مرجانة لمزيد انتقاصه وذمّه ليعلم مع حال أبيه حال اُمّه كذلك

وكانت مرجانة من الزواني المعروفات وقد اُشير إليها في الأشعار كما يقول في هذا الشعر سراقة الباهلي ، ولنعم ما قال :

لعن الله حيث حلّ زياداً

وابنه والعجوز ذات البعول(١)

وقال جماعة : المراد من العجوز ذات البعول مرجانة ، وظاهر العبارة المرويّة في رجال الشيخ الكشّي في ترجمة ميثم التمّاررضي‌الله‌عنه « يقتله العتلّ الزنيم ابن الأمة الفاجرة »(٢) هذا وإن كانت الإشارة يمكن أن تدلّ على سميّة وربّما كانت أظهر من جهة

وفي خطبة عاشوراء المرويّة في الاحتجاج : ألا وإنّ الدعيّ بن الدعيّ قد ركّز بين اثنين(٣) وهذه العبارة صريحة بأنّ ابن زياد ولد الزنا أيضاً(٤) مثل أبيه ،

_________________

(١) خالف شيخنا الجليل الطبري حيث قال : وكانت مرجانة امرأة صدق فقالت لعبيدالله حين قتل الحسينعليه‌السلام : ويلك ماذا صنعت وماذا ركبت الخ [ تاريخ الطبري ٥ : ٤٨٤ ] ( المترجم )

(٢) ليأخذنّك رجال الكشّي ١ : ٨٥ رقم ١٤٠ ( هامش الأصل ) جرى تطبيق ذلك ( المترجم )

(٣) بحار الأنوار ٤٥ : ٩ ط بيروت ( هامش الأصل ) ٤٥ : ٧ ( المترجم )

(٤) يريد الإمام بالدعيّ استلحاقه بقريش ولكن نسبة الدعوة إلى عبيد الله هو ما قصده المؤلّف ( المترجم )


وسوف تسمع رأي أبناء العامّة في ابن الزنا بأنّه أكثر نجابة(١) ، والحقّ يقال : إنّه لا أحد بعد الثاني أنجب من ابن زياد

ولد ابن زياد ظاهراً في سنة ثمانٍ وعشرين أو تسع وعشرين بعد الهجرة ، وجمع له العراقان وهو ابن الثانية والثلاثين أي في سنة ستّين من الهجرة ، وكان أوّل وال يحوز في ولايته خراسان وآذربيجان والبحرين وعمّان والهند وغالب الممالك الإيرانيّة ، ويقال : إنّ والده زياداً سبقه إلى ذلك وفي عام واحد وستّين شرع في قتل الحسين أرواحنا له الفداء

وفي كتاب العقد الفريد أنّ عدد جيش الكوفة في عهد زياد كان ستّين ألف مقاتل ، ومن هنا يمكن العلم بما ورد في الأخبار المعتبرة من أنّ عدد الخارجين على الحسين كانوا ثلاثين ألفاً ولا غرابة في ذلك ؛ لأنّ الجيش الذي قوامه ستّون ألفاً يمكن تعبئة ثلاثين ألفاً منه في مدّة وجيزة علاوة على ما يقال من أنّ ابن زياد يومها كان يستعدّ لقتال أهل الديلم ولكن طرأت وقعة كربلاء أثناء ذلك فحوّلت وجهه إليها دون بلاد الديلم ، وبناءاً على هذا لا استبعاد في كثرة الجنود وتتابعها ، فلعنة الله عليه وعلى جنوده

_________________

(١) إنّ الأحاديث الواردة في خبث ولد الزنا كثيرة ، وفيها عناوين :

منها : إنّ لولد الزنا علامات أحدها بغضنا أهل البيت راجع سفينة البحار ، ذيل زنىٰ

ومنها : ولد الزنا شرّ الثلاثة راجع جامع الاُصول لابن الأثير عن أبي هريرة ٨ : ٧٩ الحديث ٥٩٢٤ ولكنّ بعض العامّة يكذّبون ذلك ويقولون :

كذب الروافض ويلهم فيما ادّعوا

في قولهم ابن الزنا لا ينجب

هذا ابن خطّا الأمير وإنّه

أزكى البريّة والأنام وأطيب

تجارب السلف ، تصنيف هندوشاه صاحب نخجواني : ٢٠ طبع بهمّة مير سيّد حسن روضاتي ابن العلّامة السيّد محمّد علي الروضاتي

وقال ميرزا حسن ابن الحكيم الصمداني في كتاب ( الشمع واليقين ) في معرفة الحقّ واليقين [ بما يرجع إلى ] قال القطب الشيرازي الشافعي في كتاب نزهة القلوب ، نسب معاوية . ( المحقّق )


وفي سنة سبع وستّين هجريّة ـ وكان عمره تسعاً وثلاثين عاماً ـ وصل إلى دركات الجحيم بيد واسطة الرحمة الإلۤهيّة والنعمة اللامتناهيّة إبراهيم بن الأشتر رضي الله عنهما ، وتوجد في المقتل المنسوب إلى أبي مخنف واقعة عجيبة عن كيفيّة قتله ، ولمّا كانت الحكاية مستبعدة أعرضت عنها مع أنّه لا غرض معتدّ به في هذه التفاصيل

ومن العجايب أنّ قتله صادف يوم عاشوراء ، ولمّا حملوا رأسه إلى الإمام السجّاد فاُدخل عليه وهو يتغدّى ، فقال عليّ بن الحسينعليهما‌السلام : اُدخلت على ابن زياد لعنه الله وهو يتغدّى ورأس أبي بين يديه ، فقلت : اللهمّ لا تمتني حتّى تريني رأس ابن زياد وأنا أتغدّى ، فالحمد لله الذي أجاب دعوتي(١) كما فعل المخذول برأس الإمام المظلوم المبارك عليه وعلى جدّه وأبيه واُمّه وأبنائه أفضل الصلاة والتحيّة والسلام ما هدر حمام وهمر ركام .

_________________

(١) بحار الأنوار ٤٥ : ٣٣٦ ( هامش الأصل ) و ٤٥ : ٣٣٥ ( المترجم )


وَلَعَنَ اللهُ عُمَرَ بْنَ سَعْدٍ

الشرح : عمر بن سعد بن أبي وقّاص من الصحابة وأصحاب الشورى المتخلّفين عن أمير المؤمنين ، وكان من كبار رجال عصره ، وكان يرمى بالدعوة ـ بكسر الدال ـ وقد تعرّض علماء النسب لذكر نسبه وجاء في مروج الذهب حديث حول المقام ننقله استطرافاً واستطراداً وهو كما يلي :

روى المسعودي عن محمّد بن جرير الطبري قال : لمّا حجّ معاوية طاف في البيت ومعه سعد ، فلمّا فرغ انصرف معاوية إلى دار الندوة فأجلسه معه على سريره ، ووقع معاوية لعنه الله في عليّعليه‌السلام وشرع في سبّه

فزحف سعد ثمّ قال : أجلستني معك على سريرك ثمّ شرعت في سبّ عليّ ، والله لئن يكون فيّ خصلة واحدة من خصال كانت لعليّ أحبّ إليّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس ، والله لئن أكون صهراً لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وإنّ لي من الولد ما لعليّ أحبّ إليّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس والله لئن يكون قال لي ما قاله يوم خيبر : لاُعطينّ الراية غداً رجلاً يحبّه الله ورسوله ويحبّ الله ورسوله ليس بفرّار ، يفتح الله على يديه أحبّ إليّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس والله لئن يكون رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لي ما قال له في غزوة تبوك : ألا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي أحبّ إليّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس ، وأيم الله لا دخلت لك داراً ما بقيت ، ثمّ نهض

ثمّ يقول المسعوديرحمه‌الله : ووجدت في وجه آخر من الروايات وذلك في كتاب عليّ بن محمّد بن سليمان النوفلي في الأخبار عن ابن عائشة وغيره : إنّ سعداً لمّا


قال هذه المقالة لمعاوية ونهض ليقوم ضرط له معاوية(١) وقال له : اقعد حتّى تسمع جواب ما قلت : ما كنت عندي قطّ ألأم منك الآن ، فهلّا نصرته وقد قعدت عن بيعته ؟ فإنّي لو سمعت من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله مثل الذي سمعت فيه لكنت خادماً لعليّ ما عشئت

فقال سعد : والله إنّي لأحقّ بموضعك منك

فقال معاوية : يأبى عليك ذلك بنو عذرة ، وكان سعد فيما يقال لرجل من بني عذرة

قال النوفلي : وفي ذلك يقول السيّد بن محمّد الحميري :

سائل قريشاً بها إن كنت زاعمه

من كان أثبتها في الدين أوتاداً

من كان أقدمها سلماً وأكثرها

حلماً وأطهرها أهلاً وأولادا

من وحّد الله إذ كانت مكذّبة

تدعو مع الله أوثاناً وأندادا

من كان يقدم في الهيجاء إن نكلوا

عنها وإن بخلوا في أزمة جادا

من كان أعدلها حكماً وأقسطها

حلماً وأصدقها وعداً وإيعادا

إن يصدقوك فلم(٢) بعدوا أبا حسن

إن أنت لم تلق للأبرار حسّادا

إن أنت لم تلق من تيم أخا صلف

ومن عديّ لحق الله حجّادا

أو من بني عامر أو من بني أسد

رهط العبيد ذوي جهل وأوغادا

أو رهط سعد وسعد كان قد علموا

عن مستقيم صراط الله صدّادا

قوم تداعوا زنيماً ثمّ سادهم

لولا خمول بني زهر لما سادا(٣)

_________________

(١) ضرط له : عمل بفيه ما يشبه الضراط والمؤلّف فهم المعنى على الحقيقة ولذا قال : بادى از خود رها كرد براى او ، أي أطلق له الريح من تحته ، وهذا ينافي ما هم عليه لعن الله معاوية ( المترجم )

(٢) فلن

(٣) مروج الذهب ٣ : ١٥ ط دار الهجرة ـ ايران ( هامش الأصل ) ٣ : ٢٤ و ٢٥ ط مؤسسة الأعلمي تحقيق عبد الأمير مهنّا ( المترجم )


ومن هنا يعرف نسب عمر بن سعد وسلامة فطرته عليهما اللعنة ، فقد ورث الولادة المشبوهة من والده المنافق

وحكي عن تقريب ابن حجر قيل إنّه من الصحابة وهذا خطأ لأنّ يحيى بن معين جزم بولادته يوم وفاة عمر بن الخطّاب(١) ولا ينافي هذا الجزم ما ورد في الكامل بأنّه سعى لنيل أبيه الخلافة بعد هلاك عثمان(٢) لأنّه يعلم منه أنّه لم يكن في ذلك الوقت طفلاً

وفي الكامل أيضاً : عن ابن سيرين : قال عليّ لعمر بن سعد : كيف وأنت إذا قمت مقاماً تخيّر فيه بين الجنّة والنار فتختار النار(٣)

وفي أمالي الشيخ الصدوق رواية يرويها عن أبيه المعظّم عن الكميداني [ الكمنداني ـ المؤلّف ] عن ابن عيسى ، عن ابن أبي نجران ، عن جعفر بن محمّد الكوفي ، عن عبد الله السمين ، عن سعد بن طريف ، عن الأصبغ بن نباتة قال : بينا أمير المؤمنينعليه‌السلام يخطب وهو يقول : سلوني قبل أن تفقدوني ، فوالله لا تسألوني عن شيء يكون إلّا نبّأتكم به

فقام إليه سعد بن أبي وقّاص ، فقال : يا أمير المؤمنين ، أخبرني كم في رأسي ولحيتي من شعرة

فقال له : أما والله لئن سألتني عن مسألة حدّثني خليلي رسول الله إنّك ستسألني عنها وما في رأسك ولحيتك من شعرة إلّا وفي أصلها شيطان جالس ، وإنّ في بيتك لسخلاً يقتل الحسين ابني ، وعمر بن سعد يومئذٍ يدرج بين يديه(٤)

_________________

(١) يقال : إنّ المولود في تلك الليلة هو عمر بن أبي ربيعة ولذا سمّي باسم عمر ( المترجم )

(٢) كامل ابن الأثير ٣ : ٣٣ بيروت ـ دار صادر ( هامش الأصل )

(٣) الكامل لابن الأثير ٣ : ٣٣ بيروت ـ دار صادر ( هامش الأصل ) ٤ : ٤٧ ( المترجم )

(٤) أمالي الشيخ الصدوق : ١٣٣


وهذا الخبر غاية في الضعف لضعف الكمنداني ، وجعفر بن محمّد الكوفي ، وعبيد بن سمين مجهول بل ابن عيسى أيضاً ، وإن كان المناسب في تدرّج الطبقات أن يكون الواسطة بين الكمنداني وابن أبي نجران أحمد بن محمّد بن عيسى ، ولكن كان التعبير بابن عيسى خلاف المعهود

وزبدة القول أنّ السند معلول والقرائن الدالّة على خلافه واحد أو اثنان ، وأوضحها أنّ سعداً كان من المتخلّفين عن بيعة الإمامعليه‌السلام ولم يطأ أرض الكوفة يومئذٍ ولم يضمّه مجلس تحت منبر الإمامعليه‌السلام مضافاً إلى أنّ سعداً يحظى بشيء من الاحترام لهجرته ولكونه أحد الذين رشّحهم عمر للخلافة ، ولمّا كان عصر الإمام يتّسم باضطراب الاُمور وعدم الانتظام فلا يستدعي الحال هذا الجواب الشديد من جانب الإمامعليه‌السلام ، بل كان الإمام نفسه على طرف التقيّة وتأليف القلوب على أنّ سمة الصلاح الظاهري على سعد يردعه عن سؤال الجهّال والحمقى

ويؤيّده ما ورد في الاحتجاج نظير هذه الرواية مع اختلاف يسير وفيها مكان سعد : وقام رجل وصرّح بطفولة وصغر تلك السخلة التي ما زالت تحبو على يديها ورجليها ويمكن أن يراد منه يزيد أبو خولّى أو أنس أبو سنان ، أمّا ذوالجوشن أبو الشمر فلم يكن أسلم بعد(١) وكان الشمر في زمن أمير المؤمنين يعدّ من الرجال الأبطال كما سنذكره قريباً

وخلاصة القول : كان لعمر بن سعد يوم عاشوراء من العمر سبع وثلاثون عاماً ، وقتل في سنة ستّ وستّين هجريّة بيد كيسان أبي عمرة بأمرٍ من المختار ، وأقبلوا

_________________

(١) ترجم له ابن حجر في الإصابة وقال : اسمه ذوالجوشن الضبابي ـ إلى أن يقول : ـ وقيل له ذلك « ذو الجوشن » لأنّ صدره كان ناتئاً وكان فارساً شاعراً ـ إلى أن يقول : ـ وله حديث عند أبي داود من طريق أبي إسحاق عنه وقال إنّه لم يسمع منه وإنّما سمعه من ولد شمر ، والله أعلم [ ٢ : ٤١٠ ] وهذا يدلّ على أنّه أسلم ولا يشكّ أحد بذلك ولكنّه سرق من صدقات رسول الله عندما استعمله عليها ( المترجم )


بالرأس إلى مجلسه ووضع بين يدي ولده حفص ، وقال له المختار : هل تعرف هذا ؟ فقال : نعم ولا خير في الحياة بعده ، فأمر المختار بقطع رأسه وقال : عمر بالحسين وحفص بعليّ بن الحسين ، لا والله ولو قتلت ثلاثة أرباع قريش لا تعدل أنملة من أنامل الحسينعليه‌السلام ، واستجيب للحسين دعائه عليه حيث قال : « سلّط الله عليك من يذبحك على فراشك » لأنّه وصل إلى دركات الجحيم من بيته وهو آمن في غاية الذلّ والمهانة

نادرة

في تقريب ابن حجر ـ كما نقل الرواة ذلك ـ أنّ عمر بن سعد بن أبي وقّاص المدني نزيل الكوفة صدوق لكن مقته الناس لكونه أميراً على الجيش الذين قتلوا الحسين من الثانية ، قتله المختار سنة خمس وستّين أو بعدها ووهم من ذكره في الصحابة فقد جزم ابن معين بأنّه ولد يوم مات عمر بن الخطّاب(١) انتهى

وهنا يملك الإنسان العجب من اعتبار ابن سعد من طبقة التابعين بإحسان ويُعدّ له ويريد بحيلة أن يبرئه من قتل ريحانة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حيث يقول : كان أميراً ولا يقول : قتل الحسينعليه‌السلام

والحقّ يقال : إنّ الدين الذي يرى يزيد إماماً مفترض الطاعة لا بدع إذا رأى ابن سعد عادلاً صادق اللهجة ، ومنه يأخذون أحكام الدين وسوف نشير إلى ذلك فيما يأتي(٢) من أنّ قواعد دين أهل السنّة توجب أن لا يكون هؤلاء خارجين على الدين ، أنعم بهذه الشريعة والملّة ، وأنعم بهذه الطريقة والمذهب(٣)

_________________

(١) تقريب التهذيب ١ : ٧١٧ طبعة ثانية ١٤١٥ ، بيروت ـ دار الكتب العلميّة ( المترجم )

(٢) في شرح « اُمّة أسرجت وألجمت وتنقّبت » وشرح حال يزيد بن معاوية لعنهما الله ( هامش الأصل )

(٣) يقول ذلك على طريقة الهزء بهم ، أنعم وأنعم ( المترجم )


وَلَعَنَ اللهُ شِمْراً

الشرح : شمر هو ابن ذي الجوشن لعنه الله ، وقيل اسمه أوس ، وقيل اسمه شرحبيل بن الأعور الضبابي

وجاء في اُسد الغابة لابن الأثير في باب الذال : وإنّما قيل له ذوالجوشن لأنّ صدره كان ناتئاً

يقول : أتيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بابن فرس لي يقال لها القرحاء ، فقلت : يا محمّد ، أتيتك يا بن القرحاء للتخذه ، قال : لا حاجة لي فيه ، إن أحببت أن اُقيّضك به المختارة من دروع بدر فعلت قال : قلت : ما كنت لاُقيّضه ، قال : فلا حاجة لي فيه

ثمّ قال : يا ذا الجوشن ، ألا تسلم فتكون من أوّل هذه الاُمّة ؟ قال : قلت : لا ، قال : ولم ؟ قال : قلت : لأنّي رأيت قومك قد ولعوا بك ، قال : وكيف قد بلغك مصارعهم ؟ قال : قلت : بلغني قال : فأنّى يهدى بك ؟ قلت : أن تغلب على الكعبة وتقطنها ، قال : لعلّ إن عشت أن ترى ذلك ، ثمّ قال : يا بلال ، خذ حقيبة الرجل فزوّده من العجوة ( اغلى التمر ـ المؤلّف ) فلمّا أدبرت قال : إنّه من خير فرسان بني عامر

قال : فوالله إنّي بأهلي بالعودة إذ أقبل راكب ، فقلت : من أين ؟ قال : من مكّة ، فقلت : ما الخبر ؟ قال : غلب عليها محمّد وقطنها ، قال : قلت : هبلتني اُمّي لو أسلمت يومئذٍ ثمّ سألته الحيرة لأقطعنيها(١) وهذا مختصر الكلام المنقول عن ابن الأثير

ثمّ يقول ابن الأثير بعد ذلك : وقيل : إنّ ابن إسحاق لم يسمع منه وإنّما سمع

_________________

(١) ابن الأثير ، اُسد الغابة ٢ : ١٣٨ ( المترجم )


حديثه من ابنه شمر بن ذي الجوشن(١) لعنه الله

واُمّ الشمر كما يظهر ذلك من خطاب الإمام الحسين له ( يا بن راعية المعزى )(٢) يظهر من حاله أنّها معروفة بدنائة الفطرة وخبث الذات ، لأنّ هذه الكلمة سواء اُجريت على الحقيقة أو المجاز فإنّها دالّة على القصد ولا شبهة في خباثة مولد الشمر وسوء نسبه وأنّه لغير رشده مطلقاً

وكان الشمر لعنه الله يُعَدّ من شجعان الكوفة أصحاب الصيت ، وكان في أوّل أمره مع أمير المؤمنينعليه‌السلام في عسكره

وفي كتاب « نصر بن مزاحم » وذكر ذلك غير واحد من المؤرّخين العامّة والخاصّة وروا عنه أنّه قد كان خرج أدهم بن محرز من أصحاب معاوية إلى شمر بن ذي الجوشن في هذا اليوم ، فاختلفا ضربتين فضربه أدهم على جبينه فأسرع فيه السيف حتّى خالط العظم وضربه شمر فلم يصنع شيئاً فرجع إلى عسكره فشرب ماءاً وأخذ رمحاً ثمّ أقبل وهو يقول :

إنّي زعيم لأخي باهله

بطعنة إن لم أمت عاجله(٣)

وضربة تحت الوغى فاصله

شبيهة بالقتل أو قاتله

ثمّ حمل على أدهم وهو يعرف وجهه ، وأدهم ثابت له لم ينصرف ، فطعنه فوقع عن فرسه(٤)

ورأيت في بعض الكتب وأنا أتذكّرها الآن أنّه انتمى إلى الخوارج وفعل فعلته الشنعاء يوم عاشوراء وهو منهم

_________________

(١) نفسه ٢ : ١٣٨ ( المترجم )

(٢) بحار الأنوار ٤٥ : ٥ ط لبنان ( هامش الأصل ) جرت مطابقته ، ويوجد في لواعج الأشجان للسيّد الأمينرحمه‌الله : ١٢٣ ( المترجم )

(٣) ( ان لم تكن عاجله ـ المؤلّف ) ولا معنى لها ( المترجم )

(٤) ابن أبي الحديد ، شرح النهج ٥ : ٢١٣ ( المترجم )


كان الشمر رجلاً أبرص وروي في كتب العامّة والخاصّة مثل حياة الحيوان والبحار وغيرهما عن صادق آل محمّد ، قيل له : كم تتأخّر الرؤيا ؟ ( فذكر منام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فكان التأويل بعد ستّين سنة )(١) أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله رأى كلباً أبقع ـ أسود وأبيض ـ يلغ في دمه فعبّرت الرؤيا بالشمر لعنه الله(٢)

وكذلك جاء في بحار الأنوار عن سيّد الشهداء إنّه قال للشمر : رأيت كلاباً تنهشني ، أشدّها عليّ كلب أبقع(٣) ، فلعنة الله عليه لعناً يملأ أقطار السماوات وآفاق الأرضين

وقد أطرف الحسين بن الحجّاج البغدادي في قوله ـ ولعلّه يهجو به ابن سكرة الناصبي خذله الله ـ :

وأبرص من بني الزواني

ملمّع أبلق اليدين

قلت وقد لجّ في أذاه

وزاد ما بينه وبيني

يا معشر الشيعة أدركوني

قد ظفر الشمر بالحسين

وأخيراً قبض عليه المختار بن أبي عبيد سنة ستّ وستّين للهجرة وأناله جزائه كما ورد في الكامل(٤)

أن إنّه قُتل بيد أبي عمرة في قرية قريبة من الكوفة كما جاء ذلك في رسالة الشيخ الأجل ابن نما(٥) سقى الله قبره

_________________

(١) هذا ما ذكره صاحب البحار ولكن المؤلّف أورد قول النبي : رأيت كلباً أبقع يلغ في دماء أهل بيتي [ بحار الأنوار ٤٥ : ٣١ ] ( المترجم )

(٢) بحار الأنوار ٤٥ : ٣١ ( هامش الأصل )

(٣) نفسه ٤٥ : ٥٦ ( هامش الأصل ) ص ٨٨ ( المترجم )

(٤) بحار الأنوار ٤٥ : ٣٣٦ ، كامل ابن الأثير ٤ : ٢٣٧ ط بيروت ( هامش الأصل )

(٥) بحار الأنوار ٤٥ : ٣٣٨ ( هامش الأصل )


وعن أبي الحسن عليّ بن سيف المدائني المؤرّخ المعروف ، وفي أمالي ( ابن ) الشيخ رضي الله عنهما أنّ شمراً طلبه المختار فهرب إلى البادية ، فسعي به إلى أبي عمرة فخرج إليه مع نفر من أصحابه فقاتلهم قتالاً شديداً فأثخنته الجراحة فأخذه أبو عمرة أسيراً وبعث به إلى المختار فضرب عنقه وأغلى له دهناً في قدر وقذفه فيها فتفسّخ ووطئ مولیً لآل حارثة بن مضروب وجهه ورأسه(١)

ولكن ذكر في نفح الطيب تأليف أحمد بن محمّد المقري المالكي المغربي في تاريخ الأندلس أنّ الشمر قد فرّ من المختار بولده من الكوفة إلى الشام ( فلمّا خرج كلثوم بن عياض للمغرب كان الصميل فيمن خرج معه ودخل الأندلس في طالعة بلج وكان شجاعاً جسوراً على قلب الدول فبلغ ما بلغ(٢)

وإمارة الصميل وإن ذكرت في عبر ابن خلدون وغيره إلّا أنّ هروب الشمر من الشام لا يلائم الواقع لأنّ مؤرّخي المشرق اتفقت كلمتهم على قتله ، ويمكن أن يكون في هروبه الأوّل الذي نقلناه عن ابن نما ، لم يمكّن الله من أولاده الخبيث فتواروا في بلاد الشام التي هي معدن النواصب واستقرّوا هناك ، ومن الشام انتقلوا إلى الأندلس التي تعرف اليوم بأسبانيول ، وكانت تشتهر قديماً باسم اسبانيا ، فلعنة الله عليه وعلى من انتسب بعمله إليه

_________________

(١) الأمالي ١ : ٢٥٠ الجزء التاسع ط النجف ( هامش الأصل ) ونقلنا العبارة كلّها من أمالي الطوسي : ٢٤٤ المجلس التاسع ( المترجم )

(٢) هذا ما ذكره المقري ٣ : ٢٦ ، وليس فيه ما ذكره المؤلّف من أنّ الصميل بن حاتم بن شمر بن ذي الجوشن تأمّر هناك وإنّما قال : وإنّما ذكر ابن حيّان أنّ القائم بدولة يوسف والمستولي عليها الصميل بن حاتم بن شمر بن ذي الجوشن الكلابي وجدّه شمر قاتل الحسين ٣ : ٢٧ ( المترجم )


وَلَعَنَ اللهُ أُمَّةً أَسْرَجَتْ وَأَلْجَمَتْ وَتَنَقَّبَتْ وَتَهَيَّأَتْ لِقِتالِكَ

الشرح : الإسراج اشتقاق جعلي من لفظ سرج وهو جامد لأنّ كلّ لفظ يتوقّف جريان الحدث في معناه فهو جامد ، ويكون الاشتقاق منه خلافاً للأصل ، لأنّ معنى الجريان والتحوّل الذي هو من لوازم المصادر لا يوجد فيه ، مِن ثَمّ يسمّى هذا النوع من الاشتقاق الاشتقاق الجعلي ، وقولهم في تعرّف التعدية بـ « جعل الشيء ذا مصدره » مبنى على التغليب أو أنّ القصد هو المصدر المطلق الذي هو المبدٔ ومعنى أسرج جعله ذا سرج كما لا يخفى

الإلجام : نظير الإسراج وهو مأخوذ من اللجام وهو معرب لكام تحقيقاً كما جزم بذلك الجوهري ولا وجه لترديد الفيّومي والخفاجي

تنقّبت : يحتمل لهذا اللفظ وجوه منها ما ذكرها العلماء ومنها ما اختصصت باستنباطه

منها : أنّه مأخوذٌ من النقاب الذي تضعه المرأة على وجهها حقيقةً وذلك إشارة إلی ما كان يفعله القوم في الحروب حين ينتقبون ، وهذا الوجه ذكره في البحار(١) (٢)

الوجه الثاني : أن يكون من ذلك المعنى على وجه الاستعارة فإنّ النساء ينتقبن حين الخروج من منازلهنّ ومثلهنّ الرجال حين يخرجون إلى الحرب يحملون

_________________

(١) بحار الأنوار ١٠١ : ٣٠١ ط طهران ( هامش الأصل ) و ٩٨ : ٣٠٢ : قال الكفعمي : يمكن أن يكون المعنى مأخوذاً من النقاب الذي للمرأة ، أي اشتملت بآلات الحرب كاشتمال المرأة بنقابها فيكون النقاب هنا استعارة

(٢) ( يشهد له ما في البحار ٣٥ : ٦٠ ط طهران ابن عبّاس قال : لمّا نكل المسلمون عن مقارعة ( قارع القوم : ضارب بعضهم بعضا ) طلحة العبدوي تقدّم إليه أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فقال طلحة : من أنت ؟ فحسر لثامه ) ( ما كان على الأنف وما حوله من ثوب أو نقاب ) فقال : أنا القضم : ( السيف ) عليّ بن أبي طالب


السلاح ويشتملون عليه شبّه لامة الهيجاء بنقاب النساء ، وهذا الوجه ذكره الكفعمي في حاشية المصباح(١)

وكلا الأمرين بعيد غاية البعد لا سيّما الثاني وهو ينافي الأذواق السليم إذ لا وجه بين نقاب المرأة واستعداد الرجال للحرب ، اللهمّ إلّا علاقة التضاد وإن لم يذكره

الوجه الثالث : مأخوذ من التنقيب بمعنى السير في الطريق مثل :( فَنَقَّبُوا فِي
الْبِلَادِ
) (٢) وهذا المعنى قريب معناه بعيد لفظه وهو من الكفعمي أيضاً(٣) عليه الرحمة

الوجه الرابع : يكون مأخوذاً من النقبة وهو ثوب يشتمل به كالإزار(٤) وهو شبيه بالسروال ، وتجعل له حجزة أي الموضع الذي يعقد منه ويمرّ الحزام منه من دون خصر ويظهر من بعض موارد الاستعمال أنّه لباس يلتجأ إليه الفارس أحياناً بسهولته أو لأسباب غيرها إذن ، هو كناية عن ذلك التهيّؤ والإعداد ومن موارد استعماله العبارة المنسوبة إلى عمر التي تعرّض العلماء لشرحها مفرقة وقد وردت بتمامها في شرح نهج البلاغة قال يذكر حال صباه في الجاهليّة : لقد رأيتني مرّة واُختاً لي نرعى على أبوينا ناضحاً لنا قد ألبستنا أمناً نقبتها وزودتنا يمنتيها من

_________________

(١) مصباح الكفعمي : ٤٨٣ ، بحار الأنوار ١٠١ : ٣٠٢ ( هامش الأصل )

(٢) ق : ٣٦

(٣) أو يكون معنى تنقّبت سارت في نقوب الأرض وهي طرقها الواحد نقب ، ومنه قوله تعالى :( فَنَقَّبُوا فِي
الْبِلَادِ
) أي طوفوا وساروا في نقوبها أي طرقها ، قال :

لقد نقّبت في الآفاق حتّى

رضيت من الغنيمة بالإياب

راجع مصباح الكفعمي : ٤٨٣ ، والبحار ٩٨ : ٣٠٢ ( المترجم )

(٤) بحار الأنوار ٩٨ : ٣٠٢


الهبيد فنخرج بناضحنا ، فإذا طلعت الشمس ألقيت النقبة إلى اُختي وخرجت أسعى عرياناً فنرجع إلى اُمّنا وقد جعلت لنا لفيتة من ذلك الهبيد فيا خصباه(١)

ومنه يعلم حاله مع اُخته في البادية وحال الناس معه عرياناً فتذكر حديث الإمارة التي سبق إلى ذكرها الإشارة(٢) وتأمّل حقّ التأمّل في هذه العبارة

وبناءاً على هذا تكون العبارة كقول القائل : ارتدى ثوبه أو لبس سرواله ، وهذا المعنى عرض لي أوّلاً ثمّ عثرت عليه في إشارة وردت في كلام الكفعمي(٣)

الوجه الخامس : لا يبعد أن يكون المعنى كما ترائىٰ لي أنّه مأخوذ من نقب خفّ البعير إذا رقّ كما جاء في الشعر :

اُقسم بالله أبو حفص عمر

ما مسّها من نقب ولا دبر

وصرّح في الأساس أنّ تنقّب بمعنى نقب ، وهو كناية عن التعب والعنت في هذا العمل

الوجه السادس : واحتمل احتمالاً أن يكون مأخوذاً من النقابة بمعنى الرياسة ومعنى ذلك أنّهم جمعوا العساكر وجيّشوا الجيوش

الوجه السابع : مأخوذ من النقاب بمعنى العريف أو بمعنى البصيرة ، وانطباقه على ما نحن فيه أنّه إشارة إلى أنّهم علموا بالحرب وتأكّدت لديهم أسباب القتال وتعرّف وجوه الجدال ، وتنقّب بمعنى تجسّس وتتبّع(٤)

_________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٢ : ٢٠ مع اختلاف بسيط في بعض الكلمات ( المترجم ) ابن أبي الحديد ١٢ : ١٣٠ ط بيروت ( هامش الأصل )

(٢) تجدها في شرح « لعن الله عمر بن سعد » تحت عنوان « نادرة » ( هامش الأصل ) أورد المؤلّف العبارة بالعربيّة

(٣) المصباح للكفعمي : ٤٨٣ ، بحار الأنوار ١٠١ : ٣٠٢ ط طهران ( هامش الأصل )

(٤) لسان العرب ، مادة نقب والنقاب العالم بالاُمور ، والنقاب المنقّب ـ بالكسر والتخفيف ـ الرجل العالم بالأشياء الكثير البحث عنها والتنقيب عليها


الوجه الثامن : أنّه مشتقّ من النقيبة بمعنى المشاورة

وهذان الوجهان الأخيران لم أجدهما في كتاب أحد والذي ثبت في كتب اللغة من هذه الوجوه هو تنقّب المرأة وتنقّب خفّ البعير ، ولم أعثر على باقي الوجوه لحدّ الآن في كتب اللغة ، ولكن بما أنّ هذا الاستعمال ثابت وأنّ الإختلال بوجوه المشتقّات من المجرّد والمزيد أكثر من النجوم وخارجة عن حدّ الإحصاء والحصر ، وكلّ واحدة من هذه المحتملات من الوجوه لا تخلو من مناسبة فلا مانع من ذكرها ، وإن كان ـ والحقّ يقال ـ لا يخلو وجه منها من وجود الخلل ، ولعلّ الله يحدث بعد ذلك أمراً

التهيّؤ : مشتقّ من الهيئة وهو بمعنى الكيفيّة الحاصلة من اكتناف أعراض مختلفة مثل الوضع واللون والمقدار على الجسم والفرق مابينها وبين الصورة يظهر باختلاف العرضيّة والجوهريّة اصطلاحاً وإن استعملت الصورة عرفاً بالمعنى الأعمّ ، والظاهر أنّ الأيئة والهيئة من أصل واحد ، وحصل هذا الاختلاف من الإبدال وباب الإبدال واللثغ باب واسع في لغة العرب ، وعمد جماعة إلى استيفاء هذين البابين ومع ذلك بقيت عليهم مستدركات ، وفي الزوايا خبايا ، وهذا المعنى اشتبه على صاحب القاموس في غالب ما كتب عنه ، وعزى موارد الإبدال إلى تعدّد اللغة ، ومن المواضع المنصوصة :

إبدال الهمزة والهاء : « هيم الله وأيم الله » في القسم

و « هنا وأنا » في ضمير المتكلّم

و « هيا وأيا » في النداء

و « لهنّك ولأنّك » في التأكيد

و « هيه وايه » في الاستزادة

و « هال وآل » و « هداه وأداه » و « هروت وأروت » و « هراق وأراق » في الإراقة


و « هسد وأسد » و « هجيج وأجيج » و « هيّاك وأيّاك » في الخطاب

و « هوقه وأوقه » بمعنى الجماعة

و « باه وباء » بمعنى الجماع

و « أرجاه وأرجاء » بمعنى التأخير

و « بده وبدأ » و « دلره ودرأ » بمعنى طلع ودفع

إلى غير ذلك من المواضيع ويؤيّد قول النافين إصالة عدم الوضع والذي له اُنس ومعرفة بوجوه لغة العرب واختلاف ألسنتهم في الزيادة والنقصان التغيير والتبديل يجزم بصحّة دعوى النفي

وجملة القول : معنى التهيّؤ اتخاذ هيئة أمرٍ مّا والاستعداد لأدائه ، والتهيئة إعطاء الهيئة وإعداد العدة للأمر ، والله العالم


بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي

الشرح : وضع هذه الجملة في الأصل للدعاء بالفداء ، ويكون المعنى هكذا : إذا داهمك بلاء أو آفة يجعل الله روح أبي واُمّي فداء ووقاءاً لك ، ويقع بهما البلاء دونك ، ويدلّ هذا الكلام على تقديم المفدّى في المحبّة والإعزاز على الوالدين ، وتتوقّف صحّة الاستعمال على حياة المخاطب وحياة الوالدين ، لأنّ الميّت لا يفدىٰ ولا يُفدّىٰ ، وهذا المعنى غير خاف على أهل الفهم والإدراك ومن هذا المعنى قول الكميت بن يزيد الأسديرضي‌الله‌عنه في إحدى هاشميّاته السبع يذكر فيها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فيقول :

أنقذ الله شلونا من شفا النار

به نعمة من المنعام

لو فدى الحيّ ميّتاً قلت نفسي

وبنيّ الفدا لتلك العظام

وفيه نقد يعرفه من ذاق طعم الأدب ونسل إليه ولو من حدب(١)

وجملة القول : أنّ هذه الجملة التي نُقلت بلغت أعلى حدّ للظهور ؛ إمّا لغلبة الاستعمال أو للشهرة في مطلق التعظيم والإكبار لأحد من الناس ، وهذا القول لازم

_________________

(١) لعلّه يشير إلى قوله : « أنقذ الله شلونا » لأنّ الشلو الجلد والجسد من كلّ شيء وكلّ مسلوخة أكل منها شيء فبقيتها شلو ولكن الشلو مأثور عن غيره من الشعراء كما قال الراعي :

فادفع مظالم عيّلت أبناءنا

عنّا وأنقذ شلونا المأكولا

فليس على الكميت نقد في استعمال هذا اللفظ على سنن إخوانه الشعراء ، وأغلب الظنّ أنّ المؤلّف انتقده على لفظ العظام التي أطلقها على النبيّ وهي لفظة مستكرهة في نعتهصلى‌الله‌عليه‌وآله ( المترجم )


المعنى الأوّل وغالباً ما يؤتىٰ بها ، ولا يراد منها إلّا تجليل المخاطب وتعظيمه(١) ،

_________________

(١) الغرض من ذلك تجليل وتعظيم المخاطب ليس إلّا لأنّ في كثير من الموارد لا توجد شرائط الفداء وبيان هذا المطلب كما يلي :

أربعة شروط لازمة في الفداء الحقيقي :

١ ـ أن يكون المفتدي ـ اسم فاعل ـ حيّاً

٢ ـ أن يكون المفتدى ـ اسم مفعول ـ حيّاً أيضاً

٣ ـ من يفدي أدنى قدراً ممّن يفدىٰ ـ بالبناء للمجهول

٤ ـ لا يجوز أن يكون الفادي أسمى قدراً

فإذا فقدت هذه اللوازم الأربعة كان الفداء صوريّاً لا واقعيّاً ، ونحن نشاهد عدم رعاية هذه اللوازم الأربعة في كثير من الحالات في الأحاديث المرويّة عنهم ، ومن أجل إثبات ذلك نأتي بشاهد من الروايات لكلّ لازم من هذه اللوازم الأربعة

أمّا الأوّل : عن عليّ بن الحسينعليه‌السلام وأقبل أمير المؤمنين ونزل جبرئيل على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال له : يا محمّد ، اقرأ( وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ õ وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ õ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ ) [ سورة الليل ] إلى آخر السورة ، فقام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وقبّل بين عينيه ثمّ قال : بأبي أنت ، قد أنزل الله فيك هذه السورة كاملة [ بحار الأنوار ٤١ : ٣٧ الرقم ١٥ ، وراجع : بحار الأنوار ٤١ : ٢٧٠ طبع طهران ]

أمّا الثاني : سويد بن غفلة قال : دخلت على عليّ بن أبي طالب ويحك يا فضّة ، ألا تتقين الله في هذا الشيخ ؟ ألا تتخلون له طعاماً ممّا أرى فيه من النخالة ؟ فقالت : لقد تقدّم إلينا أن لا ينخل له طعام ، قال : ما قلت لها فأخبرته [ أي عليّاً ] فقال : [ عليّعليه‌السلام ] بأبي من لم ينخل له طعام ولم يشبع من خبز البرّ ثلاثة أيّام حتّى قبضه الله عزّ وجلّ [ بحار الأنوار ٤٠ : ٣٣١ ، ومثله بحار الأنوار ٤١ : ١٣٨ ]

أمّا الثالث : بالإسناد عن جابر بن عبد الله أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أقام أيّاماً لم يطعم طعاماً حتّى شقّ ذلك عليه وطاف في منازل أزواجه فلم يصب عند واحدة منها شيئاً فأتى فاطمة فقال : يا بنيّة ، هل عندك شيء آكله فإنّي جائع ؟ فقالت : لا والله بأبي أنت واُمّي ، فلمّا خرج فرجع إليها ، فقالت : بأبي أنت واُمّي قد أتانا الله بشيء [ بحار الأنوار ٤٣ : ٦٨ ]

وهذه التفدية من العجايب فإنّ فاطمة أفدت ( كذا ) أباها لأبيها ، ولا تعدّد في ذلك وأفدت ( كذا ) اُمّها الميّت ( كذا ) للحي

أمّا الرابع : روى المجلسي بالإسناد عن ابن عبّاس : لمّا كنّا في حرب صفّين دعا عليّاً ابنه محمّداً بن


وصارت من الألفاظ المتداولة للتعارف كالألفاظ التي تصدر بها المكاتيب ومبادئ المراسلات في هذا الزمان من قبيل : فداك ما عداك ، وروحي فداك ، وغيرها ، وليس غرض القائل أو الكاتب الفداء الواقعي منها وإنّما تذكر لبيان رعاية عظمة المكتوب إليه وملاحظة قدره

ومن هذا النمط عبارات الزيارة ، وإن كان الإمام المخاطب باعتقادنا حيّاً وسميعاً بصيراً ، ولكن ذلك لا يؤثّر في المعنى ، لأنّ صحّة استعمال هذا الكلام مبنيّ على الحياة الصوريّة الدنيويّة ، مضافاً إلى أنّ الفداء وهو الأبوان غالباً ما يكونان في عداد الموتى ، ولم يحتمل أحدٌ التفصيل في صحّة الخطاب ، فيصحّ إن كانا حيّين ويبطل عند موتهما ، وإن كان بالإمكان رفع هذا الإشكال بالتنزيل والفرض ، فيقال : إنّ مراد القائل للمخاطب إنّك أصبحت عندي بمنزلة لو كان والدايّ حيّين لفديتهما لك ولكن هذا الفرض لا يطرد في جميع الأمثلة

ولا يصحّ استعمال هذه العبارة في كثير من الموارد كالرواية المنقولة عن الإمام الباقر في خطابه لأصحاب سيّد الشهدا : بأبي أنت واُمّي(١) ولو احتُمل كون الإمام قال ذلك للتعليم ولم يقصد أباه بل تعليم السامع كيفيّة الزيارة مع كونه بعيداً

ويمكن دفع الإشكال بقولنا إنّ الأئمّة داخلون في عموم الحكم ، وحينئذٍ

_________________

الحنفيّة ، وقال له : يا بني ، شدّ على عسكر معاوية فحمل على الميمنة ثمّ رجع وبه جراحات وهو يقول : الماء الماء يا أبتاه فسقاه جرعة من الماء وصبّ باقيه بين درعه وجلده ، ثمّ قال : يا بني ، شدّ على القلب فحمل عليهم وقتل منهم فرساناً ثمّ رجع إلى أبيه وهو يبكي وقد أثقلته الجراح ، فقام إليه أبوه وقبّل مابين عينيه ( ممّا بين عينيه ـ خ ) وقال له : فداك أبوك فقد سررتني والله يا بني بجهادك هذا بين يدي فما يبكيك أفرحاً أم جزعاً [ بحار الأنوار ٤٢ : ١٠٦ ط طهران ، وراجع أيضاً ٤٢ : ١١٧ و ٤٣ : ١٤٢ و ١٥٣ الرقم ١١ ط طهران ] ( المحقق )

(١) كامل الزيارات : ١٧٦ ـ ١٧٩ ، بحار الأنوار ١٠١ : ٢٩٢ ط طهران ( هامش الأصل )


يستحبّ لهم تلاوة هذه الزيارة والقول للأصحاب « بأبي أنت واُمّي » ، ووالد الإمام إمام وبالطبع لا يصحّ فدائه لأيّ واحد من صحابة الحسينعليه‌السلام بالضرورة

ومن هذا القبيل كلمات عقيلة الرسالة سلام الله عليها : « بأبي المهموم حتّى مضى » إلى آخر ما قالته في نياحتها على الإمام المظلوم(١) ذلك اليوم ، لأنّ الإمام أمير المؤمنين أجلّ قدراً من الإمام الحسينعليه‌السلام

وذكرها النبيّ وفاطمة وخديجة في النياحة إمّا لأنّ فقد الحسين سيّد الشهداء فقد لهم جميعاً كما قالت ليلة العاشوراء : « اليوم مات جدّي رسول الله »(٢) فناحت عليهم جميعاً ، أو أنّ العرف جرى بذكر النائح المعزّىٰ كبار أهله وإشرافهم من الموتى ويبكي على كلّ واحد منهم على حدة كما عليه الحال اليوم وعلى كلّ حال ما من وسيلة لدفع الإشكال في قوله : « بأبي خديجة الكبرى » إلّا ما قلناه من الإشارة التي سلفت والمنصف المتتبّع لا يغفل من رشاقة هذا التحقيق

_________________

(١) « بأبي المهموم حتّى قضى ، بأبي العطشان حتّى مضى ، بأبي من شيبته تقطر بالدماء ، بأبي من جدّه رسول إله السماء ، بأبي من هو سبط نبيّ الهدى ، بأبي محمّد المصطفى ، بأبي خديجة الكبرى ، بأبي عليّ المرتضى ، بأبي فاطمة الزهراء سيّدة النساء ، بأبي من رُدّت عليه الشمس حتّى صلّى » [ بحار الأنوار ٤٥ : ٥٩ ، ط بيروت ] ( هامش الأصل )

(٢) « يا حزناه ، يا كرباه ، اليوم مات جدّي رسول الله » [ بحار الأنوار ٤٥ : ٥٩ ط لبنان ] « اليوم ماتت اُمّي فاطمة وأبي عليّ وأخي الحسن » [ بحار الأنوار ٤٥ : ٢ ط لبنان ] ( هامش الأصل )


يَا أَبَا عَبْدِ الله لَقَدْ عَظُمَ مُصابِي بِكَ

الشرح : اللام جواب لقسم مقدّر والتأكيد بالقسم و « قد » التي هي حرف تحقيق للإشارة إلى عظم المصيبة ويجوز في لفظ مصاب احتمالان :

الأوّل : اعتبار مصاب اسم مفعول مع حذف صلته وهي الباء حيث حذف حرف الجرّ وناب عنه الضمير المجرور فكان هو العامل ويسمّى هذا النوع من الحذف في علم البيان الحذف والإيصال ، مثل لفظ « مشكوك ومولود » فإنّ معناه فيه ومولود فيه ، وبناءاً على هذا يكون معنى المصاب والمصيبة واحداً فيقال : اُصيب زيد بمرض كذا وزيد مصاب ، والمرض مصاب به

وباعتبار آخر يلحظ المرضى على أنّه فاعل وزيد مفعول به ، لأنّ المرض وقع عليه ، وحينئذٍ لا غرو أن يدعى المرض مصيبة ، وأنّث بالتأويل(١) والفرق بين أصاب الله زيداً بكذا وأصاب زيداً كذا لا يدخل في لبّ المعنى ولا روح المطلب الذي نحرّره فلا نعرض له ، وإنّما الاختلاف يحدث بناءاً على وجوه الاعتبارات المقصودة للمتكلّم ، وبناءاً على هذا تكون الباء في « بك » للسببيّة ، وأطلق عليها المتأدّبون من الاُدباء هذا الاسم وسمّاها القدماء باء الاستعانة ، ولمّا كانت هذه الباء تدخل على الأفعال الربّانيّة كقولنا « خلق بكذا » و « أنشأ بكذا » لزم من ذلك نسبة الاستعانة إلى الواحد المتعالي سبحانه ، وهو خارج عن حدود التأدّب وقانون التعبّد

الاحتمال الثاني : أن يكون « المصاب » مصدراً ميميّاً من الإصابة ؛ لأنّ القاعدة في العربيّة أن يصاغ المصدر الميمي واسم الزمان واسم المكان من الأفعال

_________________

(١) هو تأنيث مجازي ، وتاء التأنيث لا تختصّ بالمؤنّث فقط بل تدخل على الأسماء المذكّرة مثل طلحة وشيبة وعتبة وغير ذلك ( المترجم )


المزيد ، على صيغة اسم المفعول ، وهي مسألة قياسيّة ، وتكون هيئة اسم المفعول للمعاني الأربعة في هذا الباب المشترك ، وهذه المسألة وإن كانت من الواضحات التي لا تحتاج إلى الشرح والإبانة إلّا أنّ ابن أبي الحديد اختلط عليه الأمر فجاء بكلام عجيب نأتي به من باب الاستطراف والاستطراد ، قال في شرح هذه الكلمة : « الآن إذ رجع الحقّ إلى أهله وانتقل إلى منتقله »(١) : ومنتقل مصدر بمعنى الانتقال ، نظير قولك : « ما معتقدك » أي اعتقادك

وهنا غفل الشارح غفلة شديدة لأنّ منتقل نفسه اسم مكان ولا حاجة به إلى المضاف بل إذا ذكر لفظ الموضع واُضيف إليه فسد الكلام وصار غاية في الضعف والركاكة بخلاف موضع انتقاله وكذلك مالوا بدل لفظ منتقل بلفظ انتقال ، فإنّ العبارة تنحطّ عن رتبة الفصاحة وتنزل عن الدرجة المتعارفة ، وهذه الجملة لمجرّد الإشعار وإلّا فإنّ المدّعى كالشمس في رائعة النهار ، وما استشهد به من الشعر مع عدم الحاجة إليه فإنّه خطأ ؛ لأنّ المعتقد يراد بظاهره وهو المفعول ، يقال : اعتقده واعتقد به

وعلى كلّ حال ، فالسؤال عن متعلّق الاعتقاد من قبيل العدل والتوحيد والتشيّع ، وهذه هي تعلّقات الاعتقاد المسئول عنها وغيرها ، لا عن الاعتقاد الذي هو من مقولة الكيفيّات الحاصلة في النفس ، وما يقولونه من قولهم : ما اعتقادك مجاز فيه والمراد ما معتقدك بعكس ما تخيّله الشارح وهذا الخطأ من مثله الذي قضى عمره في تطلّب علوم العربيّة وقواعد لغتها ونحوها وصرفها ، وكان يدّعي بلوغ الغاية القصوى ولم يتنازل عن عرشها قيد أنملة خطأ لا يحتمل وهو غاية في

_________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١ : ١٣٩ ( المترجم ) خطبه ٢ ابن أبي الحديد ١ : ١٤٠ ط بيروت ( هامش الأصل )


الغرابة ، والله العاصم(١)

وجملة القول : إنّ لفظ « مصاب » يأتي بمعنى الإصابة كما جاء في البيت التالي :

أظليم إنّ مصابكم رجلاً

أهدى السلام تحيّة ظلم

بنصب « رجلاً » روي أنّ أنّ إحدى القيان غنّت في مجلس الواثق بهذا البيت ونصبت رجلاً ، فجرى خلاف بين العلماء الحضور في النصب والرفع ، وكانت الجارية تصرّ على النصب وتزعم أنّ أبا عثمان المازنيرحمه‌الله نصب وسمعت ذلك منه ، فأمر الواثق بإحضاره من البصرة

ومن غرائب الاتفاق أنّ رجلاً من أهل الذمّة تقدّم إليه في ذلك الوقت بحضور درسه في كتاب سيبويه فأبى عليه المازني ذلك وأغراه بدفع مأة دينار لقاء ذلك فامتنع أشدّ الامتناع وقال له المبرّد : مالك رددته مع الحاجة وشدّة الفاقة ؟ فقال له : إنّ في كتاب سيبويه ثلاثمائة آية من كتاب الله تعالى ولم أستسغ تسليط هذا العلج عليه

وخلاصة القول أنّ المازني قدم على الواثق وسأله عن إعراب البيت ، فقال : النصب متعيّن ، فأخذ أحد الجالسين يحاوره ، فقال له المنزلة : هذه العبارة بمنزلة قولك : « ضربك زيداً ظلم » وأفلج الحاضرين بحجّته فأمر له الواثق بألف دينار وظهرت بهذه الواقعة كرامة للقرآن

وعند التأمّل يدرك الإنسان رغبة القوم في العلم والأدب حيث تحمّلوا المشاق من أجل إعراب جملة واحدة وكان ثمنها ألف دينار ذهباً ، ولكن في زماننا هذا

_________________

(١) يقول الشارح : وانتقل إلى منتقله ففيه مضاف محذوف تقديره إلى موضع منتقله ، والمنتقل بفتح القاف مصدر بمعنى الانتقال كقولك : لي في هذا الأمر مضطرب أي اضطراب قال :

قد كان لي مضطرب واسع

في الأرض ذات الطول والعرض

وتقول : ما معتقدك ، أي اعتقادكغ الخ [ شرح ابن أبي الحديد ١ : ١٣٩ ]


أعرض الناس عن العلم فلا يشترون ألف مسألة معضلة من علوم متفرّقة بدينارٍ واحدٍ ، والله المستعان

لي أهل عصر كأنّ الله صوّرهم

من طينة الجهل فيها ماء إنكار

فالمستجير بهم إذ جلّ حادثه

كالمستجير من الرمضاء بالنار(١)

واحتمل الخفاجي أن يكون ابن السكّيت هو الذي عارض المازني وهو احتمال بعيد جدّاً لأنّ المازني وابن السكّيت كلاهما من عدول أصحابنا ومع غلبة التقيّة في ذلك الزمان وقلّة الشيعة لا يكون الخلاف بينهما متوجّهاً في مجلس الخليفة

وارتكب الحريري في حكاية هذه القصّة عدّة أخطاء :

الأوّل : ذكر ظلوماً والصحيح أنّها ظليم ، كما رويناه ، لأنّ هذا الغزل تشبيب بظليمة المكنّاة باُمّ عمران زوجة عبد الله بن مطيع ، وذكر اسمها الشاعر مرخّماً ، وثقات أهل العرب يوافقونا على ما قلناه

الثاني : نسبته الشعر إلى العرجي وهو عبد الله بن عمرو الأموي بينما نسبه ابوالفرج وهو قدوة جميع العلماء في هذه الفنون إلى الحارث بن خالد المخزومي

الثالث : إنّه اعتبر المعارض للمازني اليزيدي النحوي ، واليزيدي كان في زمن هارون وتوفّي سنة اثنتين وستّين بعد المأة ومات الواثق سنة سبعة عشر بعد المأتين ، إلّا أن يريد باليزيدي بعض أولاده ويعرف باليزيدي أيضاً ، وهذا خلاف الظاهر

وحاصل المطلب ـ وإن بعدنا عن القصد ـ أنّ مصاباً الوارد في فقرة الزيارة إن اعتبرناه مصدراً فينبغي أن يكون مأخوذاً من المبني للمفعول فتكون العبارة هكذا : « لقد عظم مصيبتي فيك »(٢) والأظهر في الباء على هذا الوجه أن تكون صلة للفعل وليست سببيّة

_________________

(١) ديوان المؤلّف : ١٦٩

(٢) وردت في المتن « مصايبتي وأصلحها المحقّق « مصيبتي » ( المترجم )


فَأَسْأَلُ اللهَ الَّذِي أَكْرَمَ مَقامَكَ وَأَكْرَمَنِي بِكَ

الشرح : يأتي السؤال في لغة العرب على نحوين : فتارة يتعدّى بنفسه إلى مفعولين واُخرى يتعدّى إلى المفعول الثاني بالمجاوزة أي بحرف « عن » ويكون معناه في الصورة الاُولى الطلب ، يقولون : سألته الدرهم ، وعلى الفرض الثاني يكون السؤال استعلاماً عن الحال أو المكان أو الكيفيّة كما يقولون : سألته عن الدرهم ، عن حاله أو كيفيّته أو جنسه ، وما جاء في القاموس وغيره من أن سألته الشيء وعن الشيء معناهما واحد خطأ محض في ظاهره لأنّ الناظر في مجاري استعمالات العرب يقطع باختلاف هذين الاستعمالين في كلام العرب مِنْ ثَمّ جاء في سورة الأنفال وهي قرائة أهل البيت وغيرهم : « يسألونك الأنفال » وقرأ غيرهم : « يسألونك عن الأنفال »(١)

قال ابن جنّيرحمه‌الله : القرائة المعروفة هي الأولى لأنّ سؤالهم عن حال الأنفال التي يطلبونها ويريدون حيازتها

وفي تاج المصادر : إنّ السؤال والمسألة بمعنى الطلب ، وإرادة الجواب على أمرٍ مّا أجلّ لنا أن نقول كلاهما شريكان في الطلب ، والفرق بين الأمرين أنّ أحدهما طلب ذات الشيء والآخر طلب العلم لشيء

وهذا التوجيه ـ إن صحّ في عبارة بعض اللغويّين الذين فسّروا السؤال بالطلب المطلب ـ فإنّه غير متمشٍّ في كلام الفيروزآبادي ، ولا يبعد أن يكون مخدوعاً بعبارة الجوهري حيث قال : وسألته الشيء وسألته عن الشيء ولم يذكر المعنى فتوهّم أنّ معناهما واحد ، وكانت عادة الجوهري عدم النصّ على المعنى الواضح

_________________

(١) الأنفال : ١


غالباً ، ويكتفي بذكر مورد الاستعمال والأكثر أنّه ينقل عبارة خاله إبراهيم الفارابي في ديوان الأدب وهذه الالتفاتة الدقيقة لم يدركها الفيروزآبادي ، ومِن ثَمّ توهّم اتحاد المعنى في العبارتين

وجملة القول إنّ وضوح المسألة يغني عن كثرة التعرّض لها

الإكرام : الإعظام والتنزيه بحسب الواقع أو السلوك ، ويستعمل التكريم في الاعتبارين

واستوفينا معنى « المقام » في الفقرات السالفة

ويحضرني في شرح هذه الفقرة الشريفة مطلبان :

المطلب الأوّل : في إكرام سيّد الشهداءعليه‌السلام وهو عبارة عن ألطاف إلهيّة جرت في حقّه وهي على ثلاثة أقسام : جنسيّة ونوعيّة وشخصيّة

القسم الأوّل : من هذه الكرامات ، المقامات المعطاة للأنبياء والأولياء لقربهم من الواحد الأحد من حيث تمكّنهم من التصرّف في هيولات الأشياء من تغيير صورهم وإنشائهم خلقاً آخر بإذن الله تعالى ـ كسائر المعاجز التي جرت على أيديهم ـ المترجم ـ ومثل ذلك يقال في الكمالات النفسانيّة واللذائذ الروحانيّة التي جعلت من نصيبهم ، وللحسينعليه‌السلام منها الحظّ الأوفى والسهم الأوفر ، وقد ذكرتها كتب العلماء تفصيلاً وهي موجودة هناك

القسم الثاني : الخصائص التي منحها الله للأئمّة الإثني عشرعليهم‌السلام من السلطان على سائر البشر والحكومة على عامّة الموجودات والإمامة على ما سوى الله تعالى ببركة انتسابهم إلى خاتم الأنبياءصلى‌الله‌عليه‌وآله ومن هذا اللحاظ تكون خصائصهم وشرفهم الثابتة عندنا سبباً لتفضيلهم على الأنبياء وأوصياء السلف

وجملة القول أنّ هذه الفضائل عمد علماء الإماميّة بالقدر الممكن إلى جمعها بجدّ وجهد كامل مستقاة من مشكاة ولاية أهل البيتعليهم‌السلام واستمدّوا من عون الله


وهمم أولئك السادة المطهّرين فحرّروها في الكتب والطروس والمطوّلات ، وكان الحسينعليه‌السلام بعد أبيه وأخيه بإجماع الإماميّة بل الاُمّة أفضل من جميع الأئمّة

القسم الثالث : ما امتاز به الحسينعليه‌السلام من جلالة القدر ورفعة الشأن وعلوّ المنزلة عن سائر الأئمّة

وهذه اُمور عدّة عوّضه الله بها عمّا لاقاه من القتل ، وأعطاه في قبال الشهادة التي نالها ، وقد ذكر العلماء أربعة منها بعد التتبّع في الأخبار المأثورة عن معدن الوحي والتنزيل

الأوّل : اُبوّة الأئمّة التسعة حيث أعطاه الله هذا الشرف الرفيع والجاه العريض ، وحباه بهذه الفضيلة وخصّه بها كما اُشير إلى ذلك في الأخبار الكثيرة ، ونوّهت هذه الأخبار بالشرف الخاصّ والمزيّة المخصوصة بجنابهعليه‌السلام

وروى الشيخ الأجلّ الأقدم عروة الإسلام رئيس المحدّثينرضي‌الله‌عنه في كتابه المبارك « علل الشرايع » بسنده عن الإمام الصادقعليه‌السلام : (عن عبد الرحمان بن كثير الهاشمي قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : جعلت فداك ، من أين جاء لولد الحسينعليه‌السلام الفضل على ولد الحسن وهما يجريان في شرع واحد ؟ فقال لا أراكم تأخذون به )(١) إنّ جبرئيل نزل على محمّد وما ولد الحسين بعد ، فقال له : يولد لك غلام تقتله اُمّتك من بعدك

فقال : يا جبرئيل ، لا حاجة لي فيه ، فخاطبه ثلاثاً ثمّ دعا عليّاً فقال له : إنّ جبرئيلعليه‌السلام يخبرني عن الله عزّ وجلّ أنّه يولد لك غلام تقتله اُمّتك من بعدك

فقال : لا حاجة لي فيه يا رسول الله ، فخاطب عليّاً ثلاثاً ثمّ قال : إنّه يكون فيه وفي ولده الإمامة والوراثة والخزانة

_________________

(١) ترك المؤلّف العبارات التي جعلناها بين قوسين فلم يذكرها ( المترجم )


فأرسل إلى فاطمة أنّ الله يبشّرك بغلام تقتله اُمّتي من بعدي ، فقالت فاطمة : ليس لي حاجة فيه يا أبة ، فخاطبها ثلاثاً ثمّ أرسل إليها : لا بدّ أن يكون فيه الإمامة والوراثة والخزانة ، فقالت له : رضيت عن الله عزّ وجلّ ، فعلقت وحملت بالحسين فحملت ستّة أشهر ثمّ وضعته(١)

وفي تفسير الشيخ الأقدم الأعظم عليّ بن إبراهيم بن هاشم رضي الله عنهما أيضاً في تفسير الآية الكريمة :( وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ) (٢) جاء أنّ الإحسان رسول الله ، وقوله : « بوالديه » إنّما عنى الحسن والحسين ، ثمّ عطف على الحسين فقال :( حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ) وذلك أنّ الله أخبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وبشّره بالحسينعليه‌السلام قبل حمله ، وأنّ الإمامة تكون في ولده إلى يوم القيامة ، ثمّ أخبره بما يصيبه من القتل والمصيبة في نفسه وولده ، ثمّ عوّضه بأن جعل الإمامة في عقبه وأعلمه أنّه يُقتل ثمّ يُردّ إلى الدنيا وينصره حتّى يقتل أعدائه(٣) والخبر طويل ونقلنا منه محلّ الحاجة

والظاهر أنّ تحريفاً جرى في الكتاب فوضع « الإحسان » مكان « الإنسان » وفي قرائة أهل البيت « الولدين » بدل « الوالدين » لأنّه بغير هذا التأويل لا تلتئم العبارة ، كما أشار إلى ذلك العلّامة المجلسي قدّس الله سرّه(٤)

وفي الكافي أيضاً روى قريباً من هذه الأخبار(٥) عن أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام

_________________

(١) علل الشرايع ١ : ٢٠٥ ( المترجم ) و ١ : ١٩٦ ، وبحار الأنوار ٤٣ : ٢٤٥ ( هامش الأصل )

(٢) الأحقاف : ١٥

(٣) تفسير القمّي ٢ : ٢٩٦ ( المترجم ) وبحار الأنوار ٤٣ : ٢٤٦ ط طهران ( هامش الأصل )

(٤) بحار الأنوار ٤٣ : ٢٤٧ ط طهران ، كامل الزيارة مثله بحار الأنوار ٤٤ : ٢٣٣ ( هامش الأصل )

(٥) الكافي ١ : ٤٦٤ باب ١١٦ ، وكامل الزيارة : ٥٧ ، بحار الأنوار ٤٤ : ٢٣٢ ( هامش الأصل ) وطابقنا بالكافي وأخذنا الرواية منه ، ١ : ٤٦٤ ( المترجم )


قال : إنّ جبرئيلعليه‌السلام نزل على محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال له : يا محمّد ، إنّ الله يبشّرك بمولود يولد من فاطمة تقتله اُمّتك من بعدك ، فقال : يا جبرئيل ، وعلى ربّي السلام ، لا حاجة لي في مولود يولد من فاطمة تقتله اُمّتي من بعدي

فعرج ثمّ هبطعليه‌السلام فقال له مثل ذلك ، فقال : يا جبرئيل ، وعلى ربّي السلام ، لا حاجة لي في مولود تقتله اُمّتي من بعدي فعرج جبرئيلعليه‌السلام

وفي الكافي أيضاً بطريق آخر نقل هذه البشارة تعقيباً على قضيّة فطرس(١)

ولا يخفى أنّ هذا الاختصاص للحسينعليه‌السلام دون الحسنعليه‌السلام وإن كان هذان السيّدان أنجب خلق الله وأشرف الناس نفساً ونسباً ، فلا جدّ أعظم من جدّهما ، كما ثبت ذلك بالضرورة ، ويمكن أن نقول على ضوء هذه الملاحظة أنّ سيّد الشهداء من حيث المجد وهو شرف مكتسب من الغير خير من جميع البرايا ، لأنّهما شريكان من جهة الآباء والسماء خير ما بها قمراها ، إلّا أنّ شرف الأبناء تفرّد به الإمام الحسينعليه‌السلام فلا يدانيه أحد من العالمين من هذه الناحية

منزّه عن شريك في محاسنه

فجوهر الحسن فيه غير منقسم

الخصيصة الثانية : الشفاء بتربته المقدّسة ، وما أحسن ما قاله شاعر معاصر :

بر جلاى بَصَر از كحل جواهر چه اثر

وإن كنت تكحل بالجوهر

وهل يذهب العمش الاكتحال

وإن كنت تكحل بالجوهر

بلى بغبارٍ بباب الحبيب

عيونك إن كحلت تبصر

_________________

(١) فهبط جبرئيل على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فهنّأه كما أمره الله عزّ وجلّ ، فقال له النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : تقتله اُمّتي ؟ فقال له : نعم يا محمّد ، فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : ما هؤلاء باُمّتي ، أنا بريء منهم ، والله عزّ وجلّ بريء منهم ، قال جبرئيل : وأنا بريء منهم الحديث [ الشيخ الصدوق ، كمال الدين وتمام النعمة : ٢٨٣ ] ( المترجم ) كمال الدين ١ : ٣٩٨ ، بحار الأنوار ٤٣ : ٢٤٨ ، وهذا الحديث أخذه المؤلّف من بحار الأنوار وسمّى الكافي خطأً بدلاً من كمال الدين للصدوق ( هامش الأصل )


روى ثقة الإسلامقدس‌سره بسند صحيح في الكافي عن أبي يحيى الواسطي عن رجل قال : قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : الطين حرام كلّه كلحم الخنزير ، ومن أكله ثمّ مات فيه لم اُصلّ عليه ، إلّا طين القبر فإنّ فيه شفاءاً من كلّ داء ، ومن أكله لشهوة لم يكن له فيه شفاء(١)

وروى ابن قولويه في كامل الزيارة والصدوق في العلل ذات الحديث(٢)

وروى ثقة الإسلام أيضاً عن سعد بن سعد قال : سألت أباالحسنعليه‌السلام عن الطين ، فقال : أكل الطين حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير إلّا طين قبر الحسينعليه‌السلام فإنّ فيه شفاءاً من كلّ داء ، وأمناً من كلّ خوف(٣)

ورواه الشيخ في التهذيب(٤)

ورواه ابن الشيخ المفيد الثاني في الأمالي ، والراوندي في الخرايج بسنده عن الشيخ بطريق الأمالي وفيه اختلاف في الجملة مع طريق الكافي(٥)

وفي كامل الزيارة أيضاً عن سماعة بن مهران عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : كلّ طين حرام على بني آدم ما خلا طين قبر الحسينعليه‌السلام من أكله من وجع شفاه الله تعالى(٦)

وفي عيون أخبار الرضاعليه‌السلام حدّث عن المسيّب بن زهير أنّ الإمام موسى بن جعفر بعد أن سُمّ قال : لا تأخذوا من تربتي شيئاً لتتبرّكوا به فإنّ كلّ تربة لنا محرّمة

_________________

(١) الكافي ٦ : ٢٦٥ ( المترجم ) الكافي ٦ : ٢٦٥ باب ١٨ حديث ١ ( هامش الأصل )

(٢) كامل الزيارة : ٢٨٥ باب ٩٥ ، علل الشرايع : ٥٣٢ ط النجف ، بحار الأنوار ١٠١ : ١٢٩ ( هامش الأصل )

(٣) الكافي ٦ : ٢٦٦ باب ١٨ و ٣٧٨ كتاب ٢٤ باب ١٤٣ ذيل حديث ٢

(٤) تهذيب الأحكام ٩ : ٨٩ باب ٢ حديث ١١٢

(٥) الأمالي ١ : ٣٢٦ ، بحار الأنوار ١٠١ : ١٢٠ رقم ٧

(٦) كامل الزيارة : ٢٨٦ باب ٩٦ ( هامش الأصل ) وص ٤٧٩ ( المترجم )


إلّا تربة جدّي الحسين بن عليّعليهما‌السلام فإنّه تعالى جعلها شفاءاً لشيعتنا وأوليائنا(١) (٢)

وفي كامل الزيارة أيضاً مسنداً عن أحدهماعليهما‌السلام ـ وفي اصطلاح المحدّثين أنّ الترديد بين الإمامين المروي عنهما يستعمل بين الإمامين الباقر والصادقعليهما‌السلام ـ أنّ الله تبارك وتعالى خلق آدم من الطين فحرّم الطين على ولده

قال : فقلت : فما تقول في طين قبر الحسينعليه‌السلام ؟

( قال : يحرم على الناس أكل لحومهم ويحلّ لهم أكل لحومنا ، ولكن الشيء

_________________

(١) عيون أخبار الرضاعليه‌السلام ٢ : ٩٦ ( المترجم ) ١ : ١٠٤ حديث ٦ وبحار الأنوار ١٠١ : ١١٨ ( هامش الأصل )

(٢)

شبى در يك عبادتگاه مُهرى

ز يارى باصفا آمد بدستم

چو گل بوئيدم وبوسيدم او را

هنوز از عطر روح افزاش مستم

بگفتم از كدامين خاك پاكى

كه دل اى مُهر بر مهر تو بستم

بگفت از تربت پاك حسينم

كه در دامان احسانش نشستم

كمال همنشين در من اثر كرد

وگرنه من همان خاكم كه هستم

( المحقّق )

والأبيات المنظومة بالفارسيّة تكرّر معناها كثيراً ولكن رأيت أن أنقل صورة منها بالعربيّة تقرب من معناها وإن لم تستوعبه :

تناولت من كفّ الحبيب بمسجدِ

تراباً عليه الخلق لله تسجدِ وقبّلته

لمّا شممت عبيره

عبيراً يغار الورد منه ويحسد

فأسكر روحي العطر حتّى سمّىٰ بها

إلى دارة الأفلاك يعلو وتصعد

فقلت له من أيّ ترب مطهّر

إلى عطره الأكباد تهفو وتعقد فقال

أنا من تربة الطفّ بضعة

وإنّي لعين الدهر كحل وأثمد

تراب حسين طهّر الله قدسه

تراب به باهى النبيّ محمّد حضنت

حسيناً فامتزجت بطيبه

فأيّ وجود من وجودي أسعد

ولولا كمال نلته بجواره

فما أنا إلّا رملة تتبدّد

( المترجم )


اليسير منه مثل الحمّصة )

واشتملت الرواية على جواز حاصله تجويز أكل القليل قدر الحمّصة(١) ، وصريع الأخبار دالّ على اختصاص الحكم بالحسينعليه‌السلام كما أنّ ظاهر الفتاوى الاقتصار على طين تربته وإن دلّت بعض الأخبار على سريان الحكم بقبور النبي وسائر الأئمّةعليهم‌السلام كالخبر الذي رواه في كامل الزيارة مسنداً عن أبي حمزة الثماليرضي‌الله‌عنه إنّه سأل الإمام الصادقعليه‌السلام ، قال : قلت : جعلت فداك ، إنّي رأيت أصحابنا يأخذون من طين الحائر يستشفون به ، هل في ذلك شيء ممّا يقولون من الشفاء ؟ قال : يستشفى بما بينه وبين القبر على رأس أربعة أميال وكذلك قبر جدّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وكذلك طين قبر الحسن وعليّ ومحمّد ، إلى آخر الحديث(٢)

والظاهر أنّ قبر أمير المؤمنينعليه‌السلام سقط من الرواية ؛ لأنّ البحار والوسائل نقلا من كامل الزيارة بهذا السياق والمراد بعليّ زين العابدينعليه‌السلام ومن محمّد الباقرعليه‌السلام ولم يذكر قبره إمّا لكونه ما يزال على قيد الحياة أو لاُمور اُخرى

إذاً ، ظاهر الخبر عموم الحكم الشامل لجميع الأئمّة ؛ لأنّ الحكم إذا سرى إلى الإمام الباقر فإنّ القطع بسريانه ممكن حينئذٍ ولا فرق بينهمعليهم‌السلام

وفي كشكول الشيخ البهائي نضّر الله وجهه ، أنّ هذا الحديث نقله جدّه الشيخ محمّد الجبعي من خطّ السيّد الجليل ذي المناقب والمفاخر السيّد رضي الدين عليّ بن طاووسقدس‌سره ، وأنّ السيّد المعظّم نقل الحديث من الجزء الثاني من كتاب زيارات محمّد بن أحمد بن داود القمّيرضي‌الله‌عنه عن أبي حمزة وسياق الكشكول متفق مع هذا السياق

_________________

(١) مابين القوسين عبارة الرواية وأعرض عنها المؤلّف فذكرنا بعدها عبارته : ص ٤٧٩

(٢) كامل الزيارة : ٤٦٧ ( المترجم ) وص ٢٨٠ و ٩٣ وبحار الأنوار ١٠١ : ١٢٦ ( هامش الأصل )


وفي كامل الزيارة أيضاً ورجال الكشّي مذيّلاً على حديث مفصّل أنّ الإمام الصادقعليه‌السلام أعطى محمّداً بن مسلم شراباً لغرض علاجه ، وقال : في هذا الشراب تراب قبور آبائيعليهم‌السلام

وهذان الخبران كلاهما غاية في الضعف ؛ لأنّ عدداً من رواته مجهول لا يعرف أو مجروح ، ولو لم يكن فيه إلّا عبد الله الأصمّ الذي قال في حقّه النجاشي : عبد الله ابن عبد الرحمان المسمعي البصري ضعيف غالٍ ليس بشيء ، له كتاب ( المزار ) سمعت ممّن رآه فقال : هو تخليط وقال العلّامة في حقّه : ضعيف غالٍ ليس بشيء ، له كتاب في الزيارات يدلّ على خبث عظيم ، ومذهب متهافت ، وكان من كذابة أهل البصرة ، لكفى ، وكلا الروايتين مشترك بين الراويين ومن هنا يعلم أنّهما لا يحتجّ بهما

وإن اعتبر صاحب الجواهر وهنهما من عدم عمل العلماء بهما مع أنّ الأمر بعكس ذلك ، ولا يخلو بحكم المجلسي باعتبار سندهما من إشكال ، ونقلت الإجماعات المتواترة بل الإجماع المحصّل الاستشفاء بطين قبر سيّد الشهداء لكان مورداً لوقوع حكم العمومات من حرمة أكل الطين عليه ، ونحن على سبيل التنازل نجيب عن هذين الخبرين فنقول :

أمّا رواية محمّد بن مسلم فلا دلالة فيها على المدّعى ، لأنّه يحتمل أن يكون المراد من قول الإمام : « قبر آبائي » قبر سيّد الشهداءعليه‌السلام ، والذي كثر اُنسه بأساليب استعمالات اللغة العربيّة لا يدفع هذا الاستعمال ، مع تصريح هذه الرواية بمزجه بالماء وحينئذٍ لا مانع منه ، فتبيّن من هذا أنّ الاستشهاد به على تعميم المدّعى لا وجه له وإن ذكر ذلك في الوسائل والجواهر

وأمّا رواية أبي حمزة الثمالي فلم تتعرّض لخصوص الأكل ليس فيه إلّا ذكر الشفاء ، ولا جرم من جواز ذلك بحمله واستصحابه فيكون موجباً للشفاء والبركة


بل لا يبعد مزجه بالماء وشربه بحيث لا يصدق عليه أكل الطين إذا لا تزول آثاره الواقعيّة بزوال صدق الإسم العرفي عليه ، وهذا حمل قريب للغاية ووجيه جدّاً ، مِن ثمّ مال إليه المحقّق المجلسي واختاره ، ومثله فعل المحقّق النراقي

وقال في الجواهر : يمكن حمل هذا الخبر بناءاً على جواز أكل التراب مطلقاً على حلّ أكل تراب القبور المقدّسة لأجل الاستشفاء وليس الطين ، ولا يخلو هذا الكلام من وجود الخلل ، هذا وإن كان جواز أكل التراب والحجر لاختصاص الأدلّة ومعاقد الإجماع وظواهر الفتاوى به وأنّ المقصود به الطين وهو عبارة عن التراب الممزوج بالماء سواء كان رطباً أو جافّاً بدليل صحّة التقسيم

ولو قلنا بموافقة الحكم للاستعمال لكان لا يخلو من قوّة ، ومن هذه الجهة كانت فتوى الشيخقدس‌سره في الجواهر موافقاً للمحقّق الأردبيلي والفاضل النراقي بجواز أكلهما مع أنّ تعدّي الحكم من الطين إلى التراب بدعوى اتحاد المناط بل عدم الالتفات إلى خصوصيّة في الاستعمال قول وجيه ، ولكن مع فرض عدم التعدّي اقتصاراً على النصوص وعملاً بالاُصول كما هو الأقوى ، فلا وجه في حمل الطين على التراب في خبر أبي حمزة مع ردّ السياق لهذا التأويل ، والله أعلم

ومن خواصّ هذه التربة التي استنبطناها من تتبّع الأخبار وفتاوى الفقهاء اُمور :

أ ـ استحباب تحنيك المولود ، وهو تدليك باطن فمه بالتربة كما روى الشيخ في التهذيب عن الحسين بن أبي العلاء أنّه قال : سمعت الإمام الصادقعليه‌السلام يقول : حنّكوا أولادكم بتربة الحسينعليه‌السلام فإنّها أمان(١)

ب ـ استحباب حمل التربة دفعاً للخوف ، كما روى الشيخ في التهذيب وابن

_________________

(١) تهذيب الأحكام ٦ : ٧٤ ( المترجم ) كامل الزيارات : ٢٨٢ باب ٩٣ ، مصباح الطوسي : ٥١٢ ، بحار الأنوار ١٠١ : ١٣٩ ، التهذيب ٦ : ٧٤ باب ٢٢ ( هامش الأصل )


قولويه في كامل الزيارة عن الحسن بن عليّ بن المغيرة أنّه روى عن بعض أصحابنا ، وفي أمالي ابن الشيخ قدّس سرّهما بطريق آخر نصّ على الحارث بن المغيرة والسند غاية في الاعتبار للتكرار وغير ذلك بل الحكم بصحّته لاحتمال أخذه من الكتاب وتواتره مع وجود طرق صحيحة اُخرى لا تخلو من قوّة

ومجمل القول بأنّ الحارث يقول : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : إنّي رجل كثير العلل والأمراض وما تركت دواءاً إلّا تداويت به ، فقال لي : وأين أنت عن طين قبر الحسينعليه‌السلام فإنّ فيه شفاءاً من كلّ داء ، والأمن من كلّ خوف ، فقل إذا أخذته : « اللهمّ إنّي أسألك بحقّ هذه الطينة ، وبحقّ الملك الذي أخذها ، وبحقّ النبيّ الذي قبضها ، وبحقّ الوصيّ الذي حلّ فيها صلّ على محمّد وأهل بيته واجعل فيها شفاءاً من كلّ داء ، وأماناً من كلّ خوف »

ثمّ قال : أمّا الملك الذي أخذها فهو جبرئيلعليه‌السلام أراها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : هذه تربة ابنك تقتله اُمّتك من بعدك والنبيّ الذي قبضها محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والوصيّ الذي حلّ فيها فهو الحسين سيّد شباب الشهداء

قلت : قد عرفت الشفاء من كلّ داء ، فكيف الأمان من كلّ خوف ؟

قال : إذا خفت سلطاناً أو غير ذلك فلا تخرج من منزلك إلّا ومعك من طين قبر الحسينعليه‌السلام ، وقل إذا أخذته : « اللهمّ إنّ هذه طينة قبر الحسين وليّك وابن وليّك أخذتها حرزاً لما أخاف وما لا أخاف » فإنّه يرد عليك ما لا تخاف

قال الرجل : فأخذتها كما قال لي ، فأصحّ الله بدني وكان لي أماناً من كلّ خوف ممّا خفت وما لم أخف كما قاله قال : فما رأيت بعدها مكروهاً(١)

_________________

(١) تهذيب الأحكام ٦ : ٧٤ و ٧٥ واللفظ له ( المترجم ) كامل الزيارات : ٢٨٢ باب ٩٣ ، تهذيب الأحكام ٢ : ٢٦ ، أمالي ابن الشيخ : ٢٠١ ، الوسائل أبواب المزار : ٤١١ ، بحار الأنوار ١٠١ : ١١٨ ( هامش الأصل )


والأخبار من هذا النمط الدالّة على أنّ التربة أمان من الخوف كثيرة ولكنّ أكلها دفعاً للخوف غير جائز إلّا أن يكون الخوف نفسه مرضاً

ج ـ استحباب صنع مسبحة منه كما ورد ذلك في أخبار كثيرة منها مزار البحار ومن المزار الكبير أخذ ذلك بسنده عن إبراهيم الثقفي أنّ أباه روى عن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّ فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّها عقدت خيطاً من الصوف وجعلته سبحة تعدّ بها التكبير ، فلمّا استشهد الحمزة سيّد الشهداء اتخذت من تراب قبره مسبحة ، وكان الناس يستعملونها ، فلمّا استشهد الحسينعليه‌السلام عاد الأمر إليه واستعمل الناس تربته لفضلها على غيرها(١) (٢)

وفي التهذيب وساق السند إلى الإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام قال ـ الراوي ـ دخلت عليه ، فقال : لا تستغني شيعتنا عن أربع : خمرة يصلّي عليها ، وخاتم يتختّم به ، وسواك يستاك به ، وسبحة من طين قبر أبي عبد اللهعليه‌السلام فيها ثلاث وثلاثون حبّة ، متى قلّبها ذاكراً لله كتب له بكلّ حبّة أربعون حسنة ، وإذا قلّبها ساهياً يعبث بها كتب له عشرون حسنة(٣)

وفي التهذيب أيضاً مسنداً أنّ الحميري سأل الفقيه(٤) تحريراً قال : كتبت إلى الفقيهعليه‌السلام أسأله : هل يجوز أن يسبّح الرجل بطين قبر الحسينعليه‌السلام ؟ وهل فيه فضل ؟ فأجاب وقرأت التوقيع ومنه نسخت : يسبّح به ، فما في شيء من التسبيح

_________________

(١) المزار الكبير : ١١٩ ، بحار الأنوار ١٠١ : ١٣٢ ط طهران ( هامش الأصل )

(٢) إنّ أوّل من صنع تربة للسجود عليها من قبر الحسينعليه‌السلام ومسبحة الإمام زين العابدين [ منتهى الآمال : ٢٩ باب شهادة عليّ بن الحسينعليه‌السلام ] ( المحقّق )

(٣) تهذيب الأحكام ٦ : ٧٥ ( المترجم ) نفسه وبحار الأنوار ١٠١ : ١٣٢ رقم ٦١ ( هامش الأصل )

(٤) كناية عن صاحب الزمان ( المؤلّف )


أفضل منه ، ومن فضله إنّ المسبّح ينسى التسبيح ويدير السبحة فيكتب له في ذلك التسبيح(١)

د ـ استحباب وضعه مع الميّت ومزجه بحنوطه كما جاء في ذيل هذا الخبر أنّ الحميري قال : كتبت إلى الفقيه أسأله عن طين القبر يوضع مع الميّت في قبره هل يجوز ذلك أم لا ؟ فأجاب وقرأت التوقيع ومنه نسخت : يوضع مع الميّت في قبره ويخلط بحنوطه إن شاء الله(٢)

ومن فحوى السؤال يعرف بأنّ هذا الفعل كان متداولاً بين الشيعة ومشتهراً عندهم وهو نفسه دليل آخر على المدّعى ، وكذلك يستحبّ كتابة الآيات والشهادة بالتوحيد على كفن الميّت من تراب قبر سيّد الشهداءعليه‌السلام

وفي المدارك منقولاً عن الذكرى أنّ امرأة قذفها القبر مراراً لفاحشة كانت تصنع ( فأمر بعض الأولياء بوضع تراب من قبر صالح معها ، فاستقرّت ونقل الفاضل ) أنّها كانت تزني وتحرق أولادها ، وإنّ اُمّها أخبرت الصادقعليه‌السلام ، فقال : إنّها كانت تعذّب خلق الله بعذاب الله ، اجعلوا معها شيئاً من تربة الحسينعليه‌السلام ، فاستقرّت(٣)

هـ ـ استحباب السجود عليه ، كما طابق النصوص ووافق الفتاوى ، بل هو شعار الإماميّة في هذه الأعصار ، بل كان في السابق هو الكاشفة القطعيّة عن هويّة التشيّع بناءاً على السيرة المحقّقة وعزى ابن بابويهرضي‌الله‌عنه في الفقيه على نحو الإرسال وهو لا يقلّ قبولاً عن غالب مسانيده أنّه قال : السجود على طين قبر الحسينعليه‌السلام ينوّر

_________________

(١) التهذيب ٦ : ٧٥ ( المترجم ) نفسه وبحار الأنوار ١٠١ : ١٣٣ رقم ٦٢ ( هامش الأصل )

(٢) التهذيب ٦ : ٧٦ ( المترجم ) نفسه وبحار الأنوار ١٠١ : ١٣٣ ( هامش الأصل )

(٣) الشهيد الأوّل ، الذكرى : ٦٦


إلى الأرض السابعة ، ومن كان معه سبحة من طين قبر الحسينعليه‌السلام كتب مسبّحاً وإن لم يسبّح بها(١)

ونقل الشيخ الثقة الأمين أحمد بن عليّ بن أبي طالب الطبرسيقدس‌سره عن الحميري في كتاب الاحتجاج وهو على التحقيق من مؤلّفاته كما عدّه من مصنّفاته ابن شهرآشوب في معالم العلماء وهو من تلامذته ، وهذا الأمر وإن كان بيّناً واضحاً اشتبه على الملّا محمّد أمين الاسترآبادي مع ما يدّعيه من معرفة الحديث ومع ما كان يثيره من الصخب والضجيج حول إحاطته بفنونه فنسبه إلى أمين الإسلام صاحب ( مجمع البيان )رضي‌الله‌عنه في الفوائد المدنيّة

وجملة القول إنّه في الكتاب المزبور قال : سأل الحميري من إمام العصر روحنا له الفداء عن السجدة على لوح من طين القبر وهل فيه فضل ـ يقصد باللوح التربة المتّخذة في هذا العصر ـ فأجابعليه‌السلام : يجوز ذلك وفيه الفضل(٢)

والظاهر في تعريف الفضل أنّه دائر فيما بين التربة وما يصحّ السجود عليه

وفي التهذيب بسند صحيح عن معاوية بن عمّار قال : كان لأبي عبد الله ـ صادق آل محمّد ـ خريطة ديباج صفراء فيها تربة أبي عبد اللهعليه‌السلام ، فكان إذا حضرته الصلاة صبّه على سجّادته وسجد عليه ، ثمّ قال : السجود على تربة أبي عبد اللهعليه‌السلام يغرق الحجب السبع(٣)

_________________

(١) من لا يحضره الفقيه ١ : ٢٦٨ ( المترجم ) ١ : ٨٦ ، الوسائل ٢ : ٢٠٧ باب استحباب السجود على تربة الحسينعليه‌السلام

(٢) الاحتجاج ٢ : ٤٨٩ ( المترجم ) مصباح الطوسي : ٥١٤ ، بحار الأنوار ١٠١ : ١٣٥ ، الاحتجاج : ٢٧٤ ، الوسائل باب الصلاة ٢ : ٦٠٨ ( هامش الأصل )

(٣) مصباح المتهجّد : ٧٣٣ و ٧٣٤ ( المترجم ) نفسه : ٥١١ ، بحار الأنوار ١٠١ : ١٣٥ رقم ٧٤ ، الوسائل ،


وظاهر الحديث أنّ هذا كلام معاوية بن عمّار ولكنّه بعيد ولو كان كذلك فهو حجّة أيضاً ؛ لأنّ محدّثاً عظيم الشأن كهذا المحدّث يعزب عن كلام ـ وإن كان هذا الكلام بنفسه شاهداً على صدوره عن الإمام ـ بدون سماعه وتلقّيه عن الإمام

وفي الوسائل والإرشاد للديلمي : كان الصادقعليه‌السلام لا يسجد إلّا على تربة الحسين(١)

والمراد من الحجب السبعة في حديث معاوية بن عمّار السماوات السبع والمقصود عروج الصلاة إلى الملأ الأعلى وبلوغ القرب الحقيقي أو المعاصي السبع المانعة من قبول الأعمال وحجابها وتلك هي المعاصي التي رأى جماعة انحصار الكبائر بها كما ذكر ذلك في الكتب الفقهيّة : أ ـ الشرك ، ب ـ قتل النفس ، ج ـ قذف المحصنة ، د ـ أكل مال اليتيم ، هـ ـ الزنا ، و ـ الفرار من الزحف ، ز ـ عقوق الوالدين

ومعنى الخرق(٢) لهذه الحجب أنّه إن كان مقروناً بالتوبة الصادقة والعزم الثابت فإنّ الله تعالى يعفو عن الذنوب السالفة يمحوها ببركة هذه التربة المقدّسة

ويمكن أن يكون المراد بالحجب السبعة طبقاً لاصطلاح أهل الأخبار الأدناس وجنود الجهل ، بناءاً على ما ذهب إليه جماعة من أهل العلم بأنّ كلّيّات الرذائل منحصرة في سبعة أجناس وتتفرّع عنها سائر ملكات الرذائل ؛ لأنّ اُصول الملكات العادلة أربعة : العدالة والعفّة والشجاعة والحكمة ، ولكلّ واحد منها ضدّان ما عدا العدالة فإنّ لها ضدّاً واحداً ، فضدّ العفّة الشره والخمود ، وضدّ الشجاعة الجبن

_________________

الصلاة ، أبواب ما يسجد عليه ١ : ٦٠٨ ، والرواية في مصباح الطوسي وأخطأ المصنّف في نسبتها إلى التهذيب ( هامش الأصل )

(١) الإرشاد : ١٤١ ، الوسائل : باب استحباب السجود على تراب قبر الحسينعليه‌السلام ١١ : ٦٠٥ ( هامش الأصل )

(٢) مرّ عليك أنّ العبارة هي غرق لا خرق ، ولعلّ الحقّ مع المؤلّف ( المترجم )


والتهوّر ، وضدّ الحكمة البلاهة والجربزة ، وضدّ العدالة الظلم(١) وهذه الصفات السبعة هي في الحقيقة طرق جهنّم نعوذ بالله منها

وقال أحد أهل العلم :

همه اخلاق نيكو در ميانه

كه از افراط وتفريطش كرانه

ميانه چون صراط المستقيم است

كه هر دو جانبش قعر جحيم است

به باريكىّ وتيزى موى شمشير

نه روى كشتن وبدون بر او دير

عدالت چون يكى دارد ز اضداد

همين هفت آمد اين اضداد ز اعداد

به زير هر عدد سرّى نهفته است

از آن درهاى دوزخ نيز هفت است

چنان گر ظلم دوزخ شد مهيّا

بهشت آمد هميشه عدل را جا

ظهور نيكوئى از اعتدال است

عدالت جسمم را اقصى الكمال است

الترجمة(٢) :

وإنّما أوسط الأخلاق أكملها

فاحذر بفعلك إفراطاً وتفريطا

صراطها مستقيم في جوانبه

جهنّم تغتلي كالقدر مسيوطا

كأنّها شفرة الصمصام صفحته

كأنّها شفرة الصمصام صفحته

إن كان للعدل ضدّ واحد فلما

ذكرت ضدّان مشروحاً ومخطوطا

وتحتها تختفي الأسرار معلنة

عن اللظى سبعة أبوابها احتيطا

إن كان للظلم نار الله موصدة

كان النعيم لعدل المرء مشروطا

إنّ الجميل من العدل الذي هو في

ظلّ الكمالات ممدوداً ومبسوطا

مثل العدالة حيث الله جسّدها

في الخير لا في ضمير الحكم مغلوطا

_________________

(١) يقول الفلاسفة : الفضيلة وسط بين رذيلتين فلا مناص من وجود ضدّ آخر للعدالة وهو الغلوّ بها حتّى تخرج عن حدّ الاعتدال ( المترجم )

(٢) ألمّت الترجمة بمجمل المعنى وليست حرفيّة لأنّ ذلك صعب المنال إلّا على من يتفرّغ لها ويبذل وسعه في هذا السبيل ( المترجم )


ولكن التحقيق يقضي بأنّ للعدالة ضدّين أيضاً : الأوّل الظلم الذي سمعته ، والثاني الانظلام ، ويعبّر عنه بالضيم لكي تتحقّق الوسيطة ، لأنّ الوسط دونما طرق محال بالضرورة كما تقرّر في البرهان أنّ الوسط والطرف من براهين إبطال التسلسل ، وشرح هذه المسألة بصورة مبسوطة خارج عن مهمّة هذا المقام ، وإنّي قد بيّنت في بعض مسودّاتي شرحاً تامّاً لهذه المسألة

وبناءاً على مذهب طائفة من الحكماء المسلمين الذين يحسبون على أهل العرفان يمكن أن يكون المراد من الحجب السبعة الحجب النورانيّة المسمّاة بمدن المحبّة ومراتب الولاية ومنازل سفر الأولياء الباطني ، وهذه مقامات سبعة : أ ـ مقام النفس ، ب ـ مقام القلب ، ج ـ مقام العقل ، د ـ مقام الروح ، هـ ـ مقام السرّ ، و ـ مقام خفي ، ز ـ مقام أخفى

وهذه الاُمور تكون باعتبار الثبات والملكة مقاماً ، وباعتبار الزوال والتجدّد حالاً ، ولعلّ المناجاة الشعبانيّة المعروفة التي ذكرها ابن طاووسرضي‌الله‌عنه عن ابن خالويه تشير إلى هذا المعنى واعترف العلّامة المجلسي باعتبار سندها ، وكان الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام والأئمّة من بعدهعليهم‌السلام يديمون قرائتها ، وهي هذه :

« وَأَنِرْ أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك حتّى تخرق أبصار القلوب حجب النور فتصل إلى معدن العظمة وتصير أرواحنا معلّقة بعزّ قدسك »(١)

وبناءاً على ما تقدّم إنّ كلّ من انعتق من ذاته بسرّ الصدق وباب الصفاء وتوجّه توجّهاً تامّاً وإقبالاً كاملاً في الصدق وكان متمسّكاً بحبل ولاية سيّد الشهداءعليه‌السلام ويعفّر جبينه بتراب قبره ساجداً على تربته رفع الحجاب عنه وشاهد بعين البصيرة

_________________

(١) بحار الأنوار باب الأدعية والمناجاة ٩٤ : ٩٩ ط طهران ، مفاتيح الجنان أعمال شعبان المشتركة ( هامش الأصل )


وحقيقة الإيمان جمال المحبوب الحقيقي ، ومن بلغ هذه المرتبة فقد بلغ رتبة البركة منه

از ره گذر خاك سر كوى شما بود

هر نافه كه در دست نسيم سحر افتاد

ما عطر الريح من مسكٍ سرى سحراً

ترب المواكب قد مرّت بواديكا

وهذا هو تقرير الاحتمال على نهج هذه الطريقة وإن كان في نفسه محلّ إشكال ، ولكن من حقّ العلم أن يؤدّىٰ بلسان أهله من كلّ طريقة فلا يزيد فيه ولا ينقص منه ثمّ تذكر بعد ذلك المؤاخذات عليه ، ولا يقتضي المقام بسط الكلام فيه بل مرادنا شرح فضائل التربة المقدّسة الحسينيّة ، فهي الحصى الذي يجري عليه ماء السلسبيل ، ونور جناح جبرئيل ، ونميرة ماء الحيوان ، ونكهة حديقة الرضوان ، وكحل عيون الولدان ، وغاية طرر الحور العين في الجنان

لمؤلّفه :

فيالها تربة يرقىٰ بسجدتها

أقصى معارج توحيد وعرفان

يضوع المسك من ذكرى نوافجها

ولا تضوعه من ذكر نعمان

فمن يرصع بها اكليل سؤدده

بنعله رصّعت تيجان خاقان

ولو تأمّلها خضر العيون رأى

مرآة اسكندر في عين حيوان

كأنّما مسحت يوماً بها فبدت

بيضاء لامعة كفّ ابن عمران

فمن يشاهد بها الأسرار كان على

ملك الحقائق أعلى من سليمان

فارغب إليها ولا تطلب لها بدلاً

في سلسبيل ولا في روض رضوان

فذاك ماء وكالصداء ليس وذا

مرعىً ولكنّه لا مثل سعدان(١)

ومجمل القول أنّ الإشارة جرت عن هاتين الخاصّتين في دعاء الثلاث من

_________________

(١) قسم من هذا الشعر مذكور في ديوان المؤلّف : ٣٤٤ ( هامش الأصل )


شعبان الشريف الذي ذكر في المصباح الكبير وإقبال السيّد ومنهما أخذ بحار الأنوار من أنّ التوقيع الوقيع صدر من الإمام العسكري خرج إلى وكيل الناحيه المقدّسة أبي القاسم ( القاسم ـ المؤلّف ) بن العلاء ( الهمداني ) أنّ مولانا الحسين ولد يوم الخميس لثلاث خلون من شعبان فصُمهُ وادْعُ فيه بهذا الدعاء وساق الدعاء إلى قوله في وصف سيّد الشهداء :

« المفوَّض عن قتله أنّ الأئمّة من نسله والشفاء في تربته » إلى آخر الدعاء(١)

ونحن وإن أطنبنا في ذكر أحكام التربة وخالفنا طريقة الاختصار إلّا أنّك عندما تدرك قدر هذه التربة المقدّسة وشرفها عند الله تعالى ، وتعرف كيف أعزّها الله وجعلها محترمة ، وصيّر الإنسان محتاجاً إليها من ولادته إلى مابعد وفاته سوف تلم أنّ اختصاراً أشدّ من هذا مخلّ بفضلها ولا وجه له على الإطلاق

الأمر الثالث : استجابة الدعاء تحت قبّته وحول القبر الطاهر المقدّس كما جاء في الأخبار المتواترة عن العترة الطاهرة والمأثورة ، نحن نذكر خبراً أو خبرين منها :

روى الشيخ المعظّم ابن قولويه رضي الله عنه وأرضاه في مزاره وساق السند إلى أبي هاشم قال : بعث إليّ أبو الحسنعليه‌السلام في مرضه وإلى محمّد بن حمزة ، فسبقني إليه محمّد بن حمزة فأخبرني أنّه ما زال يقول : ابعثوا إلى الحائر ( ابعثوا إلى الحائر ) ـ أي ابعثوا إلى الحائر من يدعو لي ـ فقلت لمحمّد : ألا قلت له أنا أذهب إلى الحائر ؟ ثمّ دخلت عليه ، فقلت له : جعلت فداك ، أنا أذهب إلى الحائر ، فقال : اُنظروا في ذلك ـ الظاهر أنّ الأمر منهعليه‌السلام إلى الحجاب والخدم ليعدّوا العُدّة

_________________

(١) بحار الأنوار ٥٣ : ٩٥ ( المترجم ) مصباح الطوسي : ٥٧٤ ، الإقبال : ١٨٥ ، بحار الأنوار ١٠١ : ٣٤٧ ( هامش الأصل )


ويهيّئوا أهبة الرحيل له ـ ثمّ قال : ابعثوا رجلاً إلى حائر الحسينعليه‌السلام يدعو لي ويسأل الله شفائي عنده ، اُنظروا في ذلك أي تفكّروا وتدبّروا فيه بأن يقع وجه لا يطّلع عليه أحد للتقيّه ، محمّداً ليس له سرّ من زيد بن عليّ وأنا أكره أن يسمع ذلك ـ كناية على أنّه ليس من الشيعة المؤلّف ـ

قال ـ الجعفري ـ : فذكرت ذلك لعليّ بن بلال ، فقال : ما كان يصنع بالحائر وهو الحائر ؟! فقدمت العسكر فدخلت عليه ، فقال لي : اجلس حين أردت القيام ، فلمّا رأيته أنس بي ذكرت قول عليّ بن بلال ، فقال لي : ألا قلت له : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يطوف بالبيت ويقبّل الحجر وحرمة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله والمؤمن أعظم من حرمة البيت ، وأمره الله أن يقف بعرفة ، إنّما هي مواطن يحبّ الله أن يذكر فيها ، والحائر من تلك المواضع(١) و ( وأنا اُحبّ أن يُدعى لي في المواطن التي يحب الله أن يُدعى بها ، والحائر من هذه المواضع )

ونقل نفس الخبر بتغيير يسير في المتن والسند ، ورواه عنه متأخّرو العلماء مثل المجلسي والشيخ الحرّ العاملي وغيرهما

وروى الشيخ الفقيه الزاهد العارف أحمد بن فهد الحلّيرضي‌الله‌عنه في كتاب « عدّة الداعي » أنّ الصادقعليه‌السلام أصابه وجع فأمر من عنده أن يستأجروا له أجيراً يدعو له عند قبر الحسينعليه‌السلام ، فخرج رجل من مواليه فوجد آخر على الباب فحكى له ما أمر به ، فقال الرجل : أنا أمشي لكن الحسينعليه‌السلام إمام مفترض الطاعة وهو أيضاً إمام مفترض الطاعة فكيف ذلك ؟ فرجع إلى مولاه وعرّفه قوله ، فقال : هو كما قال ، لكن ما عرف أنّ الله تعالى بقاعاً يستجاب فيها الدعاء ، فتلك البقعة من تلك البقاع(٢)

_________________

(١) كامل الزيارات : ٤٥٩ ( المترجم ) نفسه : ٢٧٣ باب ٩٠ ، بحار الأنوار ١٠١ : ١١٢ ( هامش الأصل )

(٢) عدّة الداعي : ٥٧ ( المترجم ) نفسه : ٣٦ ، الوسائل أبواب المزار : ٤٢١ باب ٧٦ حديث ٢ ( هامش الأصل )


وفي كامل الزيارات وساق السند إلى شعيب العقرقوفي عن أبي عبد الله قال : قلت له : من أتى قبر الحسينعليه‌السلام ماله من الثواب والأجر جعلت فداك ؟ قال : يا شعيب ، ما صلّى عنده أحد ( الّا قبلها الله منه ) ولا دعا عنده أحد دعوة إلّا استجيب له عاجله وآجله(١)

وفي كامل الزيارات أيضاً عن المفضّل بن عمر قال : قال الصادقعليه‌السلام : زائر الحسين لا يسأل حاجة من حوائج الدنيا إلّا أعطاه(٢)

والأخبار من هذه المقولة خارجة عن حدّ الإحصاء ، بل ثبت بالضرورة في مذهب الإماميّة ـ ضاعف الله اقتدارها وكثر أنصارها ـ أنّ استجابة الدعاء والشفاء في تربته ، وهذا من مذهبها في غاية الوضوح وكمال الظهور ، بل لا يقلّ ظهوراً عن الخصيصة الاُولى وهي كون الأئمّة من نسله ، فلا حاجة إلى الاستشهاد بالأخبار والاستمداد من كلمات العلماء الأخيار « وقد أشرت إلى هذه الخواصّ الثلاث في قصيدة حسينيّة ، ومدحتُ التربة المباركة الزكيّة بما لم أعرف السبق إليه ، فلا بأس بنقل ما يتعلّق بذلك تطريزاً لديباجة الكتاب وادّخاراً لجزيل الأجر والثواب ، وهو : »(٣)

ومن فوّض الله أمر الوجود

قبضاً وبسطاً إلى راحته

ومن عوّض الله عن قتله

بأنّ الأئمّة من عترته

وأن يستجاب دعاء الصريح

إذا ما دعا الله في قبّته

وإن جعل الله فضلاً عليه

شفاء البريّة في تربته

_________________

(١) كامل الزيارات : ٢٥٢ ( المترجم ) نفسه وبحار الأنوار ١٠١ : ٨٣ ( هامش الأصل )

(٢) كامل الزيارات : ١٣٥ من حديث طويل ( المترجم ) نفسه : ٢٥١ ، بحار الأنوار ١٠١ : ٨٢ ( هامش الأصل )

(٣) ما وضعناه بين الأقواس هو من نثر المؤلّف العربي ( المترجم )


فيا طيبها تربة أخجلت

نوافج للمسك في نفحته

أرى الخضر قد دسّ منها بما

استقاه فعمّر في مدّته

ترى القدس منها لنيل الفخار

يرصّع تاجاً على قمّته

ويغبطها العرش شوقاً كما

يقاسي المقيم من صبوته

لقد عفّر البدر فيها الجبين

وها أثر الترب في جبهته(١)

الخصيصة الرابعة : أنّ أيّام زيارته لا تُعَدّ من أعمار زائريه كما جاء في أمالي ابن الشيخ رضي الله عنهما وساق السند إلى محمّد بن مسلم ، قال : سمعت أبا جعفر وجعفر بن محمّدعليهما‌السلام يقولان : إنّ الله تعالى عوّض الحسينعليه‌السلام من قتله أن جعل الإمامة في ذرّيّته ، والشفاء في تربته ، وإجابة الدعاء عند قبره ، ولا تُعدّ أيّام زائريه جائياً وراجعاً من عمره(٢)

ومحصّل ما مرّ أنّ الله عوّض الحسين عن القتل بهذه الخصال الأربع ، وقد مرّ ثلاث منها ، والرابع عدم عدّ أيّام الزيارة ذهاباً وإياباً من عمر الزائر

وقال ابن فهدرحمه‌الله في عُدّة الداعي والشيخ الحرّ العاملي نقل منه في الوسائل : روي أنّ الله عوّض الحسين من قتله أربع خصال : جعل الشفاء في تربته ، وإجابة الدعاء تحت قبّته ، والأئمّة من ذرّيّته ، وأن لا تُعَدّ أيّام زائريه من أعمارهم(٣)

ومرويّ في الأخبار الكثيرة من كامل الزيارة والمصباح والتهذيب والبحار والوسائل وغيرها(٤) أنّ ترك زيارته موجب لقصر العمر كما أنّ زيارته توجب

_________________

(١) ديوان المؤلّف : ٥٨

(٢) أمالي الطوسي : ٣١٧ ( المترجم ) نفسه : ٢٠١ ، الوسائل كتاب الحجّ أبواب المزار : ٣٢٩ حديث ٣٤ ( هامش الأصل )

(٣) عُدّة الداعي : ٥٧ ( المترجم ) نفسه : ٣٥ ، الوسائل أبواب المزار : ٤٢١ باب ٧٦ ( هامش الأصل )

(٤) كامل الزيارة : ١٥٠ باب ٦١ ، بحار الأنوار ١٠١ : ٤٦ ، الوسائل أبواب المزار : ٣٣٥ ( هامش الأصل )


طوله وبُعد الأجل ، وبما أنّ أخبار هذه الخصيصة فيها إشكال بحسب الظاهر ، حضرتني عدّه أجوبة عنها :

منها : أنّ رزقه في هذه الأيّام لا يحسب من رزقه المقدّر ولا تكتب ذنوبه فيكون نفي العمر عنه مجازاً بنفي لوازمه ، ويؤيّده الأخبار الدالّة على عدم كتابة ذنوب الزائرين

الثاني : أنّ الزيارة سبب في طول العمر ، مثل صلة الرحم والصدقة ، فكأنّما هذه الأيّام لا تحسب من العمر ، ويؤيّده أنّ الأخبار الواردة عن الصادقعليه‌السلام أنّه نظر إلى أصحابه وقال : ولو قلت إنّ أحدكم ليموت قبل أجله بثلاثين سنة لكنت صادقاً وذلك لأنّكم تتركون زيارة الحسين(١) وهذا محصّل ما يدور بخاطري من الروايات وأصل الخبر موجود في كتب المزار

الثالث : أنّ لفظ آجالهم في الخبر بمعنى آجال الموت أي إنّهم لا يموتون أيّام السفر ، وهذا التوجيه مبنى على لفظ آجال الوارد في الخبر وليس الأعمار وما كتبت إلّا الذي رأيته(٢)

الرابع : لا تعرض هذه الأيّام ـ أيّام الزيارة ـ في معرض الحساب يوم القيامة ، وهذا في الواقع شيء واحد مع التوجيه سالف الذكر ، والأولى هو التوجيه الثاني ، وهذا وإن بدى في ظاهره على طرف الإشكال لأنّ اللازم لهذا القول أن لا يلحق الموت أحداً من الزائرين وهذا خلاف المحسوس والمشاهد ، ولكن جوابه :

أوّلاً : إنّ هذه الاُمور المستحبّة والمكروهة التي نسب إليها لوازم من المنافع

_________________

(١) كامل الزيارة : ١٥١ ( المترجم ) نفسه : ٥ وبحار الأنوار ١٠١ : ٤٧ ( هامش الأصل )

(٢) بالإسناد عن هيثم بن عبد الله الرمّاني ، عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام عن أبيهعليه‌السلام : قال أبو عبد الله جعفر بن محمّد الصادقعليهما‌السلام : لا تحسب من أعمارهم ولا تُعَدُّ من آجالهم [ كامل الزيارة : ١٣٦ باب ٥١ ]


والمضارّ ما هي إلّا مجرّد مقتضيات وليست عللاً تامّة مِن ثَمّ لم يرد إلزام في مورد ما نسب إليها ، ولا يستحيل في العقل عدم الوقوع ، فما المانع أن تقترن في بعض الموارد بالدفع لآثارها ، أو تقترن بما يضادّ تلكم الآثار فيكون سبباً لنقص العمر مثل قطع الرحم وترك الصدقة والظلم

وثانياً : يمكن أن يقال أنّ خواصّ المستحبّات وآثارها التي تذكر مجتمعة لا تجري جميعها في الموارد كلّها بل ربّما كان لكلّ واحد منها مورد يجري فيه ، مثلاً يأتي بعضها بسعة الرزق ، والآخر بخشوع القلب ، وثالث بطول العمر ، ورابع برفع البلاء ، بحسب تفاوت المصالح واختلاف الاستعدادات ، وهكذا قد يؤدّي البعض منها إلى حصول الاثنين والأكثر ، أو حصول الكلّ وبناءاً على هذا لا يكون الاقتضاء متيقّناً في جميع الموارد ، واحتمال وجود المقتضي وعدم حصول المانع كافٍ في الفعل وتحريكه

ثالثاً : إنّ أسباباً من هذا النوع على فرض تسليمها خاصّة بالاُمور المقدّرة في لوح المحور والإثبات لا المقدّرات الحتميّة ، ومن هذا القبيل الصدقة والدعاء فإنّ تأثيرهما في كثير من المقدّمات تأثير مشهود ولا مانع بل الأولى في زيارة سيّد الشهداء أن يكون لها هذا الأثر ، ونحن بحمد الله في العلوم العقليّة وفي الموضع المناسب منها حللنا عقدة هذا الإشكال بأحسن وجه وأبين نوع ، ولا يقتضي المقام الدخول في هذا السياق

تتمّة مهمّة

لمّا كانت الأخبار تتضمّن أحياناً ذكر الحائر وأحياناً ذكر القبر وأحياناً يأتي التعبير عن ذلك بألفاظ اُخرى ، ولم يبيّن لهذه المواضع حدّ معلوم يحتوي في داخله على التربة والدعاء ، وكان هذا الإيهام سبباً لحيرة جماعة من المحقّقين


وذلك لاختلاف الأخبار ونزاع العلماء في تحديد الحائر لا سيّما مسألة التقصير والإتمام التي يكون المكلّف مخيّراً بينهما في الأماكن الأربعة وهي من مهمّات المسائل الفقهيّة ، ومن أسرار الأئمّة وخواصّ الإماميّة ، رأيت من اللايق بي بقدر الوسع والطاقة واتساع هذا المختصر أن اُشير إلى تحقيق المسألة :

اعلم أنّ الحائر في اللغة المكان المطمئنّ يجتمع فيه الماء فيتحيّر لا يخرج منه(١) كما ذكر ذلك ابن إدريس في السرائر ولعلّه مأخذو من الحور بمعنى العمق والقعر ، لأنّ الأرض الواطئة لا بدّ أن تكون بالنسبة لما ارتفع عنها عميقة وموضع قبر الحسينعليه‌السلام لمّا كان في أرض منخفضة كما يظهر ذلك من الصحن المقدّس ويشهد ذلك من جانب باب الزينبيّة وباب القبلة ، لهذا اُطلق عليه اسم الحائر ، ولا وجه لما قيل من سبب تسميته بأنّ المتوكّل أمر بحرث القبر وأرسل عليه الماء فلم يصل إليه ، ويستظهر هذا السبب من كتاب الذكرى ، لأنّ في الأخبار الكثيرة الصادرة قبل خلق المتوكّل يوجد فيها اسم الحائر ، وهذا من الوضوح بمكان حيث لا يمكن أن يستعمل هذا الاسم بناءاً على تلك الواقعة المتأخّرة ولا شبهة بأنّ المراد من الحائر قبر سيّد الشهداءعليه‌السلام

واختلفت الأخبار في تحديده ؛ ففي كامل الزيارة عن عبد الله بن سنان ونقل ذلك بطريقين ، قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : قبر الحسين بن عليّعليهما‌السلام عشرون ذراعاً في عشرين ذراعاً مكسّراً روضة من رياض الجنّة(٢)

ورواه الشيخ في التهذيب

_________________

(١) لسان العرب ، مادة حير ( المترجم )

(٢) كامل الزيارات : ١١٣ ( المترجم ) نفسه : ١١٢ ، بحار الأنوار ١٠١ : ١٠٦ ، التهذيب ٦ : ٧٢ ، بحار الأنوار ٦ : ١٠٨ ( هامش الأصل )


وفي الكافي وثواب الأعمال وكامل الزيارة ومصباح المتهجّد جميعاً عن إسحاق بن عمّار عن الصادقعليه‌السلام قال : سمعته يقول : لموضع قبر الحسين حرمة معلومة من عرفها واستجار بها اُجير

قلت : صف لي موضعها

قال : امسح من موضع قبره اليوم خمسة وعشرين ذراعاً من قدّامه وخمسة وعشرين ذراعاً عند رأسه ، وخمسة وعشرين ذراعاً من ناحية رجليه ، وخمسة وعشرين ذراعاً من خلفه الحديث(١)

وفي كامل الزيارة والمصباح عن الصادقعليه‌السلام أنّه قال : حرمة قبر الحسين فرسخ في فرسخ من أربعة جوانب القبر(٢)

وفي الكامل والمصباح عن صادق آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال : حريم قبر الحسين خمس فراسخ من أربع جوانب القبر(٣)

والصدوقرحمه‌الله عبّر بنفس الرواية وقال : حريم قبر الحسين خمسة فراسخ من أربعة جوانبه(٤)

وساق الشيخ ـ الطوسي المترجم ـ السند إلى صادق آل محمّد أنّ « التربة من قبر الحسين على عشرة أميال »(٥)

_________________

(١) الكافي ٤ : ٥٨٨ واللفظ له ( المترجم ) كامل الزيارة : ٢٧٢ ، مصباح المتهجّد : ٥٠٩ ، مصباح الكفعمي : ٥٠٨ ، الكافي ٤ : ٥٨٠ ، ثواب الأعمال : ٨٥ ، بحار الأنوار ١٠١ : ١١٠ ( هامش الأصل )

(٢) كامل الزيارات : ٢٧١ ( المترجم ) بحار الأنوار ١٠١ : ١١١ ( هامش الأصل )

(٣) بحار الأنوار ١٠١ : ١١١ رقم ٢٧ و ٢٨ ( هامش الأصل )

(٤) الرواية في التهذيب ٤ : ٢٢٥ وليس فيه ذكر الصدوق ( المترجم ) نفسه ٦ : ٧٢ ، بحار الأنوار ١٠١ : ١١٦ ( هامش الأصل )

(٥) التهذيب ٦ : ٧٢ ( المترجم ) نفسه وبحار الأنوار ١٠١ : ١١٦ ( هامش الأصل )


وفي كامل الزيارة رفعه إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام : حريم قبر الحسين فرسخ في فرسخ في فرسخ(١)

وفي الكامل ورفعه إلى الإمام الصادقعليه‌السلام قال : لو أنّ مريضاً من المؤمنين يعرف حقّ أبي عبد الله وحرمته وولايته أُخذ له من طينه على رأس ميل كان له دواءاً وشفاءاً(٢)

وفي رواية اُخرى وقد اُشير إليها سابقاً ، قال : يستشفى بما بينه وبين القبر على رأس أربعة أميال(٣)

وفي الكافي وكامل الزيارة ومصباح المتهجّد وبحار الأنوار ومصباح الزائر رفعوه جميعاً إلى الإمام الصادقعليه‌السلام : يؤخذ من طين قبر الحسين من عند القبر على سبعين ذراعاً(٤)

وروى الخبر نفسه في كامل الزيارة بطريق آخر وتغيير يسير « وعلى سبعين باعاً في سبعين باعاً »(٥)

وفي البحار ومصباح الزائر رواى أنّه قال بعد هذا الحديث : وروي في حديث آخر مقدار أربعة أميال ، وروي فرسخ في فرسخ(٦)

_________________

(١) كامل الزيارة : ٢٧١ والرواية عن أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام ( المترجم ) عن أبي عبد اللهعليه‌السلام : فرسخ في فرسخ من أربعة جوانبه كامل الزيارة ، المصباح ، بحار الأنوار ١٠١ : ١١١ رقم ٢٥ و ٢٦ وص ١١٤ رقم ٣٥ ( هامش الأصل )

(٢) كامل الزيارة : ٢٧٥ ، مكارم الأخلاق : ١٨٩ ، بحار الأنوار ١٠١ : ١٢٤ رقم ٢٠ و ٢١

(٣) كامل الزيارة : ٢٨٠ ، بحار الأنوار ١٠١ : ١٢٧ حديث ٢٣ ( هامش الأصل )

(٤) الكافي ٤ : ٥٨٨ ، كامل الزيارة : ٢٨٥ ، مصباح الطوسي : ٥١٠ ، مصباح الزائر : ١٣٦ ، بحار الأنوار ١٠١ : ١٣٠ رقم ٥٠ ـ ٥٣ ( هامش الأصل )

(٥) كامل الزيارة : ٢٨١ و ١٣٦ ، بحار الأنوار ١٠١ : ١٣١ رقم ٥٥ ( هامش الأصل )

(٦) بحار الأنوار ١٠١ : ١٣١ رقم ٥٤ ( هامش الأصل )


وظاهر خبر أبي سعيد العصفري المنقول في أصله ، وفي الكافي والتهذيب نقلاً عنه في فخر أرض كربلاء : « الشفاء في تربتي »(١)

هذا ويعتبر الاستشفاء في مطلق تراب كربلاء وإن لم توجد هذه الفقرة في نفس الأصل الشريف الذي يوجد بحوزتي ، ولابدّ من كونها قد حذفت ، وتوجبه اختلاف الأخبار في تحديد البقعة التي يشملها اسم تربتهعليه‌السلام بعد كون الغالب منها معتمداً ومعتبراً إمّا لتكرار إسناده أو وثاقة رواته أو كثرة وجوده في الكتب المعتمدة أو اشتمال الكتب الأربعة عليه أو اتفاق مضامينها مع مؤدّى الأخبار الاُخرى

أقول : يمكن توجيه الاختلاف هذا أنّ المسافة التي تناط بها الحرمة من موضع القبر إلى خمسة فراسخ فإنّها مورد الاحترام وتنجيسها حرام ، وقد يؤدّي إلى الكفر أعاذنا الله إذا كان يقصد الإهانة ، وكلّما دنت المسافة من القبر ازداد الفضل والحرمة حتّى تصل إلى عشرين ذراعاً في مثلها ، بل التراب الواقع على القبر الشريف أفضلها بالضرورة ولكن من أجل امتداد رقعة التربة الأفضل بلغوا بها إلى ذلك الحدّ ومن بعده الخمس والعشرون ، ومن بعدها السبعون ، ومن بعدها السبعون باعاً ، ومن بعدها الميل ، ومن بعده الفرسخ ، ومن بعده أربعة أميال وهكذا دواليك

_________________

(١) كامل الزيارات : ٢٧٠ ، بحار الأنوار ١٠١ : ١١٠ رقم ١٧ : وأشهد أنّها تربة الحسين شفاء من كلّ داء مكارم الأخلاق عن أبي عبد اللهعليه‌السلام : ١٨٩ ، بحار الأنوار ١٠١ : ١٣٢ رقم ٦ ، مصباح الطوسي : ٥١١ ، مصباح الزائر : ١٣٦ عن الصادق أنّ تربة الحسين من الأدوية ، بحار الأنوار ١٠١ : ١٣٥ رقم ٧٣ ، المزار الكبير عن الإمام الباقرعليه‌السلام قال : عليك بتربة الحسينعليه‌السلام بحار الأنوار ١٠١ : ١٣٨ رقم ٨٣ ، أمالي الطوسي ١ : ٣٢٦ عن الصادقعليه‌السلام أنّ الله جعل تربة جدّي الحسين شفاءاً من كلّ داء ، بحار الأنوار ١٠١ : ١١٩ ، أمالي : ٢٠١ ، بحار الأنوار ٤٤ : ٢٢١ محمّد بن مسلم قال : سمعت أبا جعفر وجعفراً بن محمّد يقولان : عوّض الحسين من قتله أن جعل الإمامة في ذرّيّته والشفاء في تربته


وأشار شيخ الطائفة قدّس الله ضريحه في التهذيب والمصباح(١) إلى هذا الوجه ، ويمكن أن يراد من لفظ الحائر الوارد في بعض الأخبار أرض كربلاء مطلقاً وإن كانت في الأصل لا تعدو موضع القبر المقدّس أو خصوص الحرم من الخزانة إلى المنحر كما هو ظاهر عبارة السرائر من أنّه « ما دار سور المشهد والمسجد عليه »(٢) أو أنّه مطلق الصحن الشريف كما قال به جماعة ، أو أنّه خصوص القدر الذي يحتويه الجانب القبلي وجانب اليمين واليسار باستثناء باب السدر كما نقل ذلك في البحار عن السيّد الفاضل الأمير شرف الدين المجاور في النجف الأشرف وهو من مشايخ صاحب البحار ، والسيّد المذكور نقل عن المعمّرين من أهل كربلاء

وشاهد صدق هذه الدعوى إطلاق العامّة اسم كربلاء على هذا الموضع لأنّهم يستعملون لفظ كربلاء في الحائر ، وهذا الاستعمال وإن كان مجازاً فلا مانع بعد شيوعه من الحمل عليه في مقام جميع الأخبار وكان هذا الاستعمال مثبتاً على ألسنة القدماء ومعاصري الأئمّة أو القريبين من عصرهم ، بل ربّما وجد الشاهد على ذلك من أهل أهل البيتعليهم‌السلام

وجملة القول : إذا تمّ هذا التقريب فإنّ رفع اختلاف الأخبار يكون سهلاً ، ففي بعضها جاء التعبير بحرم الحسين مثل صحيحة عليّ بن مهزيار ، وفي بعض الأخبار عند قبر الحسين ، وفي غيرها حائر الحسين

ولا شبهة أنّ المراد من حرم الحسينعليه‌السلام ليس خصوص تلك البقعة المقدّسة لأنّ سعة الحرم دليل على جلالة صاحبه ، ولا يتلائم ما للحسين من جلالة القدر

_________________

(١) التهذيب ٦ : ٧٢ ، مصباح الطوسي : ٥٠٩ ، بحار الأنوار ١٠١ : ١١٢

(٢) السرائر : ٧٨ ، بحار الأنوار ١٠١ : ١١٧


مع ما لحرمه من الضيق إذا اعتبر خصوص القبّة والمشهد ، وقد سمعت تحديده إلى خمسة فراسخ كما مرّت عليك أدلّة تحديده بفرسخ

والتعبير عن مكّة والمدينة كما في صحيحة عليّ بن مهزيار بحرم الله وحرم رسوله كما أنّ الكوفة وكربلاء حرم أمير المؤمنين وحرم الحسين ، والتفكيك بين هذه المدن الأربع بإرادة نفس البلدين من الأوّلين والمسجد والقبّة وحدهما من الأخيرين غاية في الركّة ، إذاً الظاهر من هذا الخبر جواز الإتمام في البلد كلّه ، وعند قبر الحسين لفظ مجمل وهو يصدق على الكثير والقليل ، ويختلف المراد منه بحسب اختلاف عبارات الأخبار ، فإذا قالوا مثلاً : أقام عند قبر الحسين ليلاً فلا مانع من إرادتهم كربلاء ، بل الظاهر من أخبار الباب هذا المعنى كما يبيّن ذلك من مراجعتها في الجوامع السبع العظام وغيرها

ولفظ « الحائر » كما علمت يستعمله العرب في هذا العصر بمعنى كربلاء ، ويستفاد من عبارة السرائر حيث قال : « والمراد بالحائر ما دار سور البلد عليه لأنّ ذلك هو الحائر حقيقة »(١) والتقييد بالحقيقة يدلّ على أنّ الاستعمال على غير وجه الحقيقة ، ويستشمّ هذا المعنى من عبارة القاموس حيث قال : الحائر موضع قبر الحسين ، ومثله الخبر الذي رواه الشيخقدس‌سره عن الصادقعليه‌السلام : من خرج من مكّة أو المدينة أو مسجد الكوفة أو حائر الحسينعليه‌السلام قبل أن ينتظر الجمعة نادته الملائكة : أين تذهب لا ردّك الله(٢) وهو يدلّ على نفس المعنى لأنّ الخروج من القبّة لا معنى له بل المراد الخروج من البلدة المقدّسة

_________________

(١) والمراد بالحائر ما دار سور المشهد والمسجد ـ السرائر ( هامش الأصل ) تجد العبارة في السرائر ضدّ ما قاله المؤلّف : والمراد بالحائر سور المشهد والمسجد عليه دون ما دار سور البلد عليه لأنّ ذلك هو الحائر حقيقة [ ١ : ٣٤٢ ] ( المترجم )

(٢) التهذيب ٢ : ٣٧ ، الوسائل أبوبا المزار باب ٧٨ ص ٤٢٦ ( هامش الأصل )


وجملة القول : إنّ هذا احتمال قويّ وعلى فرض منعه نقول : إنّ الحكم لا يدور مدار ما يصدق عنوان الحائر عليه بل ذكر الحائر من قبيل العنوان الخاصّ الموافق للعام ولا تنافي بينهما ، ويقدّم ظهور خبر عليّ بن مهزيار على غيره وإصالة عدم جواز الإتمام في السفر ينقطع بهذا العموم ، إذاً فالاقتصار على القدر المتيقّن لا وجه له ، والأقوىٰ جواز الإتمام في أرض كربلاء كلّها كما صرّح بذلك النراقي الثاني ومحكي المحقّق في كتاب « السفر » ويحيى بن سعيد ، ويحتمل ذلك من عبارة كامل الزيارات وهو المنقول عن السيّد والإسكافي ، حيث عبّروا بالمشاهد ، وتحقيق هذه المسألة لا يتّسع لها صدر المقام وكتبنا هذا المقدار بعنوان الاستطراد ولا حاجة إلى تعيين مراتب الاحتياط حتّى يصل إلى عشرين ذراعاً حول القبر المقدّس بعد مراجعة ما سلف ، والله العالم بحقائق أحكامه

المطلب الثاني : إكرامنا بسيّد الشهداء ، وهذا على ثلاثة أقسام :

الأوّل : إكرامنا بنعم الوجود ، فما يصل إلى كلّ واحد من هذه النعم فببركة وجوده وجودهعليه‌السلام

الثاني : الإكرام بالإسلام والإيمان والعلم والإيقان ، فما جرى من ينبوع الكمال في حياض قلوب أهل اليقين متشعّب من بحر فضله

الثالث : الخصوصيّات التي نالها المؤمنون من جنابه كثواب البكاء وثواب الرثاء وثواب الإبكاء وثواب الزيارة واستجابة الدعاء تحت قبّته وكون الشفاء في تربته المقدّسة حيث يكون بعضها ببركة وجوده المقدّس لا سيّما ما يصل الشيعة منها ، وتفاصيل هذه النعم تجدها متفرّقة في الكتب المفصّلة ، ولا حاجة للإطناب بعد الالتفات لما ذكرناه من الإجمال حول ذلك

تمّ الجزء الأوّل

والحمد لله ربّ العالمين



المُحتوياتْ

مقدّمة المترجم ٣

مقدّمة الناشر ( للمتن الفارسي ) ٨

١ ـ ما هي الزيارة ومن هو الزائر ؟ ١٠

٢ ـ دور الزيارة أو الدروس الحيّة ١١

٣ ـ نظرة خاطفة على هذه التعاليم المفيدة ١٢

٤ ـ زيارة عاشوراء ١٣

٥ ـ عظمة هذه الزيارة ! ١٣

٦ ـ آثار وبركات زيارة عاشوراء ١٣

٧ ـ دور كتاب شفاء الصدور ١٤

٨ ـ في شرح أحوال المؤلّف ١٥

شيوخ المؤلّف وأساتذته ١٧

زملاء المؤلّف في العلم والبحث ١٨

آثار المؤلّف العلميّة والأدبيّة ١٨

صورة خطّ المؤلّف ٢٣

[ مقدّمة المؤلّف ] ٢٤

الباب الأوّل في شرح سند الزيارة الشريفة ومتنها ٣٣

[ المقصد الأوّل ] [ في سند الحديث الشريف ] ٦١

الفصل الأوّل في تعريف آحاد الرواة لهذا الحديث وبيان حاله بحسب الاصطلاح من حيث الاعتبار والضعف ٦١


الفصل الثاني ٧١

المقصد الثاني في فقه الحديث وذكر محتملاته وتحقيق ما هو المطلوب من العمل بهذه الزيارة وذكر بعض الفوائد المتعلّقة بها متناً وحكماً وفضلاً ٧٧

الباب الثاني في ترجمة الألفاظ الواردة في الزيارة وشرحها ١٢٣

السلام(٢) ١٢٣

السَّلامُ عَلَيْكَ يا بن رَسُولِ اللهِ ١٤٦

السَّلامُ عَلَيْكَ يا بن أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ١٦٧

وَابْنَ سَيِّدِ الْوَصِيِّينَ ١٩٤

السَّلامُ عَلَيْكَ يا بن فاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ سَيِّدَةِ نِساءِ الْعالَمِينَ ٢٠٧

السَّلامُ عَلَيْكَ يَا ثارَ اللهِ وَابْنَ ثارِهِ(١) ٢٢٣

وَالْوِتْرَ الْمَوْتُورَ ٢٢٩

السَّلامُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ الْأَرْواحِ الَّتِي حَلَّتْ بِفِنائِكَ وَأَنَاخَتْ بِرَحْلِك ٢٣٥

عَلَيْكُمْ مِنِّي سَلامُ اللهِ(١) ٢٥٣

أَبَداً مَا بَقِيتُ وَبَقِيَ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ(١) ٢٥٤

يَا أَبا عبد الله لَقَدْ عَظُمَتِ الرَّزِيَّةُ وَجَلَّتْ الْمُصِيبَةُ بِكَ عَلَيْنا وَعَلَىٰ جَمِيعِ أَهْلِ الْإِسْلامِ ٢٦٠

وَجَلَّتْ وعَظُمَتْ مُصِيبَتُكَ فِي السَّمٰاوٰاتِ عَلَىٰ جَمِيعِ أَهْلِ السَّمٰاوٰاتِ ٢٦٥

فَلَعَنَ اللهُ أُمَّةً أَسَّسَتْ أَسَاسَ الظُّلْمِ وَالْجَوْرِ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ٢٧٢

وَلَعَنَ اللهُ أُمَّةً دَفَعَتْكُمْ عَنْ مَقامِكُمْ وَأَزالَتْكُمْ عَنْ مَراتِبِكُمُ الَّتِي رَتَّبَكُمُ اللهُ فِيها ٢٨٤

وَلَعَنَ اللهُ الْمُمَهِّدِينَ لَهُمْ بِالتَّمْكِينِ مِنْ قِتالِكُمْ ٢٨٨

وَلَعَنَ اللهُ أُمَّةً دَفَعَتْكُمْ عَنْ مَقامِكُمْ وَأَزالَتْكُمْ عَنْ مَراتِبِكُمُ الَّتِي رَتَّبَكُمُ اللهُ فِيها ٣٠٠

وَلَعَنَ اللهُ الْمُمَهِّدِينَ لَهُمْ بِالتَّمْكِينِ مِنْ قِتالِكُمْ ٣٠٤

بَرِئْتُ إِلَىٰ اللهِ وَإِلَيْكُمْ مِنْهُمْ وَمِنْ أَشْياعِهِمْ وَأَتْباعِهِمْ وَأَوْلِيائِهِمْ(١) ٣٠٨

يَا أَبا عبد الله إِنِّي سِلْمٌ لِمَنْ سالَمَكُمْ ، وَحَرْبٌ لِمَنْ حارَبَكُمْ إِلىٰ يَوْمِ الْقِيامَةِ ٣١٢


وَلَعَنَ اللهُ آلَ زِيادٍ ٣١٥

وَآلَ مَرْوانَ ٣٢٦

وَلَعَنَ اللهُ بَنِي أُمَيَّةَ قاطِبَةً ٣٣٨

وَلَعَنَ اللهُ ابْنَ مَرْجانَةَ ٣٨٠

وَلَعَنَ اللهُ عُمَرَ بْنَ سَعْدٍ ٣٨٣

وَلَعَنَ اللهُ شِمْراً ٣٨٨

وَلَعَنَ اللهُ أُمَّةً أَسْرَجَتْ وَأَلْجَمَتْ وَتَنَقَّبَتْ وَتَهَيَّأَتْ لِقِتالِكَ ٣٩٢

بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ٣٩٧

يَا أَبَا عَبْدِ الله لَقَدْ عَظُمَ مُصابِي بِكَ ٤٠١

فَأَسْأَلُ اللهَ الَّذِي أَكْرَمَ مَقامَكَ وَأَكْرَمَنِي بِكَ ٤٠٥

تتمّة مهمّة ٤٢٨