وكانت صدّيقة
التجميع السيدة الزهراء سلام الله عليها
الکاتب كمال السيد
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

وكانت صدّيقة







الإهداء

الى الذي يأتي في آخر الزمان

ويعيد « فدك » الى فاطمة

من عدن

الى سمرقند

الى افريقيا

الى سيف البحر مما يلي الجزر

وأرمينيا..

الى الذي سيكتب الفصل الاخير من ملحمة الصراع

الصراع بين قوة الشرعية وشرعية القوة

الى حفيد الزهراء

أقدم « وكانت صديقة »



١

استيقظت « خديجة » وشعور غريب بالفرحة والأمل ، ينبعث في نفسها ، انبعاث النور في الظلام وربّما فكّرت في سبب ما لهذه الموجة الهانئة من الفرح لم تكن تدري سبباً واضحاً لذلك فقد كان كل ما يحيطها يفجّر كوامن الحزن بل ويبعث على المرارة واليأس هاهي تشهد كيف تصب قريش العذاب على زوجها تضطهده تسخر منه وتكذّبه وهو الصادق الأمين.

تساءلت في نفقها : لعلّه الحمل الجديد والشجرة المثمرة عندما تحمل يعني الربيع والأمل والحياة. ولكن كيف وقد أخذ الله « عبدالله والقاسم » من قبل. وتركا في قلبها حزناً عميقاً كجرح لا يندمل ، ولكن لا لا انها تشعر بالأمل يكبر في أعماقها ينمو ويتفتّح كوردة في الربيع.

وحملها هذه المرّة عجيب خفيف تكاد تطير به تشعر بالسكينة


تتر قرق في قلبها كنبع بارد كما لا حظت شيئاً آخر مسحة من نور شفّاف تطوف فوق وجهها وشيئاً آخر أيضاً انّها لم تعد تشتهي طعاماً سوى الرطب والعنب.

أكملت خديجة ارتداء حلّة الخروج فزوجها ينتظر ، و« عليّ » الفتى الذي يتبع ابن عمه يلازمه كظله ، هو الآخر ينتظر.

انطلق الثلاثة أخذوا سمتهم نحو الكعبة مهوى الأفئدة وبيتاً بناه ابراهيم لربّه.

الكعبة تنشر ظلالها الوارفة فوق الأرض والسكينة تغمر المكان ما خلا حوار هادئ لرجال جالسين حول « زمزم » كان أحدهم يراقب مشهداً بدا له عجيباً كان يرنو إلى باب « الصفا ». وقد طلع رجل بين الأربعين والخمسين من عمره أقنى الأنف أدعج العينين كأنه قمر يمشي على الأرض وإلى يمينه فتى يشبه شبلاً وخلفهما امرأة قد سترت محاسنها.

قصد الثلاثة « الحجر الأسود » فاستلموه ثم طافوا البيت سبع مرّات؛ بعدها وقف الرجل والفتى الى يمينه والمرأة خلفهما.

هتف الرجل الأدعح العينين : الله أكبر فردّد الفتى وراءه : الله أكبر وكذا المرأة خلفهما ركع الرجل الأزهر الوجه ثم سجد والمرأة والفتى يتابعانه.


وحول « زمزم » تساءل رجل قدم مكة حديثاً :

ـ هذا دين لم نعرفه من قبل.

أجاب رجل هاشمي :

ـ هذا ابن أخي محمد بن عبدالله وامرأته خديجة وهذا الفتى عليّ بن أبي طالب وما على وجه الأرض من يعبد الله بهذا إلاّ هؤلاء الثلاثة.

ساد الوجوم وجوه الرجال وهم يراقبون موكباً صغيراً يغادر الكعبة حتى توارى خلف جدران البيوت.

وتمر الأيام وتمرّ الشهور ويكبر الحمل ويتألّق وجه خديجة بالنور يشتدّ سطوعاً وتبدأ آلام المخاض.

وبين صخور « حراء » كان محمّد يتأمل مكة ، يفكر في مصير العالم وطريق الانسان.

بدا وجهه حزيناً كسماء مزدحمة بالغيوم يفكّر في قومه يحزن من أجلهم يريد أن يفتح عيونهم على النور الذي اكتشفه فوق الجبل ، لكنّهم صدّوا عنه اعتادوا حياة الخفافيش في الظلام أعرضوا عن ملكوت السماوات فسقطوا في حضيض الأرض ضاعوا بين عناصر التراب والطين.

لم يدعوا شيئاً إلاّ وفعلوه آذوه سخروا منه عيّروه. قالوا :


إنه ساحر كذّاب أبتر سيموت ويموت ذكره فليس له ولد.

شعر بسكين حادّة تغوص في قلبه وهو يتذكّر سخريتهم منه ينادونه بالأبتر. النبي يفكّر في قومه حزيناً حزن نوح وابراهيم وموسى وعيسى بن مريم. آخر الأنبياء يفكّر غير ملتفت لما يجري حوله.

تكهرب الفضاء غلالة شفافة كالضباب تملأ المكان وقد غمر الصمت جميع الأشياء اختفت الأصوات تلاشت ولم يعد « محمّد » يسمع شيئاً سوى كلمات تنفذ في اعماقه نفوذ النور في المياه الرائقة

كلمات مؤثّرة عميقة جفّ لها ريقه تصبب لها جبينه فبدا كحبّات لؤلؤ منثور الكلمات تضيء في أعماقه كالنجوم :

ـ إنّا أعطيناك الكوثر. فصلّ لربّك وانحر. ان شانئك هو الأبتر.

وانقلب الرسول إلى بيته فرحاً ولما دخل على زوجته وجدها هي الأخرى فرحة تنظر اليه بعينين تفيضان حبّاً هتفت بصوت يشوبه اعتذار :

ـ إني وضعتها انثى وليس الذكر كالانثى.

تمتم النبي وهو يحتضن هدية السماء بحب :

ـ إنّا أعطيناك الكوثر اسميها فاطمة ليفطمها الله من الشرور.


كلؤلؤة في حنايا صدفة بدت فاطمة بفمها الدقيق بعينيها الواسعتين كنافذتين تطلاّن على عالم واسع عالم يموج بالصفاء والسلام.

أضاه الأمل منزلاً صغيراً من منازل مكّة وتفتّحت فاطمة للحياة كما تتفتح الورود والرياحين؛ ونمت في أحضان دافئة تنعم بقلبين ينبضان حبّاً لها وبنظرات تغمرها حناناً ورأفة.

وكبرت فاطمة نمت وبدأت تعي شيئاً ممّا يجري حولها تنظر إلى أمّها يغمره الحزن وربّما شعرت بمرارة تعتصر قلب أبيها وهو لا تعرف بعد سبباً لذلك تهفو نحو أمّها تقبل أباها فتعود البسمة الى الوجهين الحزينين وتشرق الفرحة من جديد كما تشرق الشمس من بين الغيوم لتغمر الأرض بالدفء والنور والأمل.

وتمرّ الأيام وتنمو فاطمة ويعصف القدر بقسوة وتجد الطفلة نفسها بين ذراعي والدتها في واد غير ذي زرع حيث أيام الجوع والخوف والحرمان

تصغي إلى أنّات المظلومين وتتأمّل سيوفاً مسلولة في الظلام. كبرت فاطمة في الشعب. فطمت اللبن ودرجت فوق الرمال. ومرّ عام.

ومرّ بعده عامان آخران فجأة اختطف القدر امّها فقدت نبعاً ثرّاً من الحبّ


فاطمة تبحث عن أمّها. تسأل أباها الحزين.

ـ أبه أين امي؟

ويجيب الأب المقهور وهو يحتضن ذكراه الغالية :

ـ أمّك في بيت من قصب لا تعب فيه ولا نصب.

تلوذ بالصمت تفكّر في أمّها. عيناها تبحثان عن نبع سماوي ولكن دون جدوى.

كبرت فاطمة في زمن الحرمان في زمن الحصار في زمن اليتم في زمن القهر لهذا نشأت الطفلة نحيلة القوام كغصن كسير. رسم القهر في عينيها الواسعتين لوحة حزينة منظراً ساكناً يغمره الصمت تفكّر تنطوي على نفسها في استغراق يشبه صلاة الأنبياء ، نشأت فاطمة في زمن الجدب فغدا عودها صلباً ضارباً في الأرض جذوراً بعيدة الغور فبدت أكبر من سنّها ونهضت تملأ فراغاً هائلاً أحدثه رحيل والدتها نهضت سيّدة صغيرة أمّاً رؤوماً لوالدها الذي أضحى وحيداً.

وتمرّ الأيام وذات مساء خرج المحاصرون في « الشعب » الى مكّة. عادوا إلى ضجيج الحياة لتبدأ فصول اخرى من تاريخ مثير يزخر بالأحداث منذ الساعة التي التقت فيها السماء بالأرض في غار حراء.


٢

ملأ رغاء الجمال فضاء مكّة ، فقد آبت القوافل التي انطلقت الى اليمن ، في رحلة الشتاء؛ كان الجوّ بارداً والسماء تزدحم بغيوم رمادية؛ وصخور الجبال الجر داء بدت وكأنها تتضرّع إلى السحب تنشدها قطرات المطر.

وشيئاً فشيئاً خفتت الأصوات وآبت الطيور إلى أوكارها ساعة المغيب ، وبدا البيت خالياً موحشاً كصحراء مقفرة؛ كانت « فاطمة » مستغرقة في تفكير عميق تطوف في خيالها سورة « مريم » تلك الفتاة البتول التي انقطعت عن العالم في صومعتها تعبد الله تتبتل اليه وحيدة تستكشف آفاق السماء متخففة من أثقال الأرض.

جلست فاطمة تترقب أوبة أبيها ، وبدا المنزل خالياً من كل شيء « لا زينب ، ولا رقية » ولا « ام كلثوم » ذهبن ثلاثتهن الى بيوت أزواجهنّ؛ زينب استقرت في بيت « أبي العاص بن الربيع » و« ام


جميل » اختطفت « رقية » و« ام كلثوم » لو لديها « عتبة » و« عتيبة »؛ وكل هذا يهون أمام مصيبة كادت أن تعصف بكلّ شيء لقد رحلت أمّها « خديجة » ذلك النبع المتدفق حناناً وحبّاً ودفئاً

ـ لك الله يا امّي ما كادت أعوام الحصار تمضي بأيّامها الصعبة ولياليها المضنية حتى ودعتي الدنيا ليبقى والدي وحيداً وهو أشدّ الناس حاجة الى من يؤازره ويقف إلى جانبه ولكن يا امّاه سأجهد نفسي لأملأ الفراغ الذي جثم على البيت بعد رحيلك. سأكون له بنتاً وامّاً سأمسح دموعه بيدين تشبهان يديك وسأبتسم له كما كنت تضيئين قلبه بابتسامتك.

ولكن يا أمّاه أنا ما أزال صغيرة ليتك صبرت قليلاً ، أبي كان قويّاً بك وكان يتحدّى العاصفة بعزم « ابي طالب » شيخ البطحاء تكفله صغيراً وحماه كبيراً غير انكما تركتماه وحيداً واسترحتما من هم الدنيا وغمّها وحقّ لكما أن تستريحا وقد عصفت بكما النوائب من كل مكان وسدّد لكما الدهر سهاماً مسمومة وحراباً. أجل يا أمي لقد اظلمت الدنيا نشر المساء ستائره السوداء وهذا عامنا عام حزن ها أنا انتظر أبي أبي الذي يريد تبديد الظلام بنور الإسلام..ولكن مكّة ترفض ذلك تتمنع وفيها من يحبّ حياة الظلمات كما الخفافيش لا تهوى النور ولا تحبّ النهار.


سمعت « فاطمة » خطىً هادئة كنبضات قلب يخفق أملاً ، خطىً تعرفها فاطمة لهذا هبّت كفراشة تهوي الى النور بقوامها النحيل بعينيها الواسعتين سعة الصحرا وبابتسامتها المشرقة بالأمل

ولكن لم تسمّرت « فاطمة » في مكانها كأن خنجراً يطعن قلبها طعنة نجلاء

عاد أبوها حزيناً بدا وجهه كسماء مدلهمة بسحب من رماد ، كان ينقض عن رأسه ووجهه التراب والأوساخ وتمتم الرسول بحسرة :

ـ والله ما نالت قريش مني شيئاً أكرهه إلاّ بعد موت أبي طالب.

اهتزّت « فاطمة » لهول ما ترى وبدت كسعفة أغضبتها الريح يا لصبر الأنبياء شعرت بالانكسار. كيف سوّلت لذلك السفيه نفسه أن يمسّ بالسوء وجها يسطع بالنور

بكت بانكسار وسالت دموعها حزينة حزن سماء تمطر على هون.

مسح الأب دموع ابنته ثم قال وعيناه تشعّان أملاً :

ـ لا تبكي يا فاطمة ان الله ناصر أباك على أعداء رسالته. انحسرت الغيوم عن السماء فبدت صافية مشرقة وعادت الابتسامة الى الوجه الملائكي ولكن عتباً كان يموج في قلبها :

ـ ترى أين كان فتى شيخ البطحاء وهو لا يكاد يفارق أباها


يتبعه كظلّه يدفع عنه أذى السفهاء من قريش ونسيت فاطمة كلّ شيء بعد أن ناداها أبوها فخفّت اليه كحمامة بريّة تهفو إلى عشّها.

ابتسمت فاطمة فانعكست ابتسامتها في وجه أبيها ابتسم محمّد أشرقت على قلبه شمس تغمره بالدفء والأمل والحياة يالهذه الحورية الصغيرة ذكرى خديجة وباقة ورد من جنّات السماء.

جلست فاطمة بين يدي والدها النبيّ زهرة تتفتح تتشرب كلمات الله. وتضيء الكلمات قلبها كنجوم في سماء صافية.

وتمر ثلاثة أعوام. ونمت فاطمة وتفتحت للحياة كما تتفتح الأزهار في الربيع.


٣

شيء يلوح في سماء مكّة لعلّها خيوط مؤامرة تحوكها قريش كما تحوك العنكبوت بيتاً هو أهون البيوت.

أبو جهل بدا مربّد الوجه غاظه محمّد وقد أصبح حديث العرب في الجزيرة السياط تنهال على فقراء المسلمين ، والاسلام ينتشر كنهر دافق تنثال مياهه على الشطآن الرملية.

وأبو جهل لا يروق له ذلك. غاظه رحيل محمّد الى الطائف يدعو قبائلها الى دينه ، وأفقده صوابه أن يبايعه رجال من يثرب

لقد مات أبو طالب وانتهت زعامته واختفت خديجة وتبددت ثروتها وآن لمحمّد أن يموت ليمت هذا المتمرّد الذي يريد تحطيم الأصنام آلهة الأباء والأجداد وحارسة قوافلنا ومصدر هيبتنا؛ ولكن كيف السبيل إلى قتل محمّد إنه لم يعد وحيداً يحوطه رجال أشدّ من الحديد بأساً انّه لاينسى صفعة حمزة صيّاد الاسود. ولكن


حمزة قد فرّ من مكة. ترك ابن أخيه وهاجر. واذن فان كلّ شيء مهيأ للضربة القاضية. ويالها من فكرة رهيبة تفتقت عن شيطان مكّة.

شمّت « فاطمة » عبير الوحي ورأت أباها وجبينه يتصبب عرقاً اكتنفه جبريل يسرّه كلمات عظيمة يكشف له خيوط العنكبوت.

غمر الليل مكّة. ملأ أزقّتها بظلمة مخيفة؛ وبدت النجوم وهي تومض من بعيد لآلئ متناثرة فوق عباءة سوداء

تقاطر رجال من مختلف القبائل يخفون سيوفاً وخناجر كأشباح ، الليل كانوا يمرقون خلف أبواب مكّة الموصدة وأبو جهل ينتظر اللحظة الحاسمة. لسوف يغمد شباب مكّة سيوفهم في قلب محمّد وينتهي كلّ شيء وسيرى الحيرة بادية على وجوه بني هاشم لقد قتل محمّد وضاع دمه تفرّق بين القبائل.

كان أبو جهل يعبّ خمرته منتشياً بفكرته ستبقى مكّة تتحدّث في أنديتها عن فطنة أبي جهل.

فرك شيطان مكة يديه وراح ينظر من خلال كوّة تفضي إلى زقاق ملتوٍ منتظراً عودة فتيانه.

تمتم النبيّ بخشوع وقد استدعى ابن عمه عليا :

ـ « وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخر جوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ».


أن يصمد الرجال في المعارك يقاتلون حتى النفس الأخير فتلك شجاعة فريدة تدعو الى الاعجاب ولكن أن يقدّم المرء نفسه للموت تتخطفه سيوف وخناجر فهذا لا يمكن أن تستوعبه أبجدية ما مهما بلغت من دقة التعبير وسمو المعنى.

همس علي وهو يصغي الى حديث رجل رافقه أكثر من عشرين سنة.

ـ أو تسلم يا رسول الله ان فديتك بنفسي؟

ـ نعم بذلك وعدني ربي.

كان عليّ حزيناً فمكّة تتآمر على قتل انسان بعثته السماء لخلاص الأرض ، ولكن حزنه تبدّل الى فرحة كبرى فتقدم الى فراش النبيّ بخطىً هادئة والتحف ببردته ينتظر السيوف التي ستمزّقه وستتدفق دماؤه نقيّة طاهرة ترسم فوق الأرض قصة رائعة من قصص الفداء.

كانت الأشباح المخيفة تتلصص من خلال شقّ في الباب فترى محمّداً ما يزال يغطّ في نومه هادئاً.

ـ ما يزال نائماً.

ـ ولن يستيقط بعد الليلة أبداً.

ـ سأغمد خنجري في قلبه.

ـ هذا الذي يسخر من آلهتنا.

تطلّع أحدهم من شقّ الباب وعاد ليطمئن أصحابه :


ـ ننتظر حلبة شاة ثم ندهمه.

مثل طيف ملائكي انسلّ النبيّ من بيته مهاجراً متّجهاً صوب الجنوب لا يلوي على شيئ ، وهو يدعوالله أن يحمي فتى الاسلام علي :

ـ ربّ اجعل لي وزيراً من أهلي.

لم يخالج النوم عيني فاطمة تلك الليلة. هاهو والدها العظيم يودّع مكّة خائفاً يترقّب لا تدري عن مصيره شيئاً ، وفي فراشه ينام فتى أبي طالب سوف تتخطفه سيوف القبائل والليلة حبلى بالمفاجآت. ووجدت فاطمة نفسها تتضرّع الى الله أن ينصر أباها كما نصر موسى من قبل وأن يحمي ابن شيخ البطحاء.

اقتحمت الضباع منزل النبيّ ، وكانت السيوف والخناجر تتجه الى رجل نائم ملتحفاً برداً حضرمياً أخضر.

هبّ الفتى من فراشه كأسد غاضب وانتزع سيف أحد المهاجمين الذين تسمّروا في أماكنهم لهول المفاجأة. صرخ أحدهم :

ـ أين محمّد؟

وجاءه الجواب ثابتاً ثبات جبل حراء :

ـ لست عليه وكيلاً.

تنفّس الصبح واستيقظت مكّة على أنباء مثيرة. لقد أفلت محمّد وهاهو الآن في طريقه إلى يثرب وانطلق فرسان أشدّاء يجوبون


الصحراء بحثاً عن رجل شريد.

لا أحديعلم عن مكان النبيّ إلاّ فتىً في العشرين من عمره ، عاد لتوّه من غار في جبل ثور حيث ودّع النبيّ بعد أن أمن الطلب؛ عاد علي ينفض عن نفسه غبار الطري ويفكّر في وصايا النبيّ. لقد بقيت عليه مهمة واحدة أن يؤدي الأمانات إلى أهلها ويحمل الفواطم وضعفاء المسلمين إلى يثرب

ابتاع عليّ « إبلاً » ، وأسرّ الى والدته فاطمة بنت أسد أن تتهيأ للهجرة وتخبر فاطمة بنت محمّد وفاطمة بنت حمزة وفاطمة بنت الزبير.

تحرّكت قافلة الفواطم يقودها عليّ ماشياً والتحقت بالركب ام أيمن وأبو واقد.

وتسلل ضعفاء المسلمين ليلاً إلى « ذي طوى » حيث واعدهم عليّ هناك.

كان أبو واقد يسوق الركب سوقاً حثيثاً ، وأدرك عليّ ما يموج في أعماق أبي واقد من الخوف والهلع فقريش لن تغفر له ذلك أبداً.

هتف عليّ مهدئاً :

ـ إرفق بالنسوة يا أبا واقد.

وقرب (ضجنان) لاحت للقافلة ثمانية فرسان يثيرون الغبار كانوا ملثمين وعيونهم تبرق بالشرّ.


صاح عليّ بأبي واقد وأيمن :

ـ إنتحيا بالابل واعقلاها.

الصحراء مد البصر تموج بالرمال وعليّ الذي أنهكه المشي هو رجل القافلة الأوّل فتى تعدّى العشرين بثلاث. كانت العيون تتجه اليه أمّه تراقبه متوجسة ، وبنت محمّد تخاف عليه سيوف أعداء أبيها ، وأبو واقد لا حول له ولا قوّة. وقف عليّ وعيناه تقدحان شرراً.

هتف فارس لم يكتشف عليّاً بعد :

ـ أظننت يا غدّار انك ناج بالنسوة ارجع لا أبا لك.

ـ فإن لم أفعل؟.

ـ لترجعن راغماً.

ودنا أحدهم من النوق لإثارتها فاعترضه عليّ وهوى بسيفه وسقط الفارس فوق الرمال.

تسمّر الفرسان. لقد أخذتهم المفاجأة. انهم لم يروا في حياتهم ضربة كهذه. صاح أحدهم وقد رأى الفتى يستعد للهجوم :

ـ أحبس نفسك عنّا يا ابن أبي طالب.

وهكذا دخل عليّ دنيا الفروسية ، كما دخل دنيا الفداء قبل أيام.

وسارت سفن الصحراء تشقّ طريقها على مهل صوب يثرب ، تسير ليلاً وتكمن نهاراً.


٤

السماء مرصّعة بالنجوم تتلألأ من بعيد كلالئ منثورة.

حطّ المهاجرون عصا الترحال في ضجنان وانحنى عليّ يعالج قدميه وقد تفطر تا من المشي مئات الأميال.

بركت النوق فوق الرمال تلتقط أنفاسها وتشمّ رائحة وطن قريب.

عينا فاطمة تسافران بين النجوم تستكشفان آفاق السماء حيث انطلق أبوها في رحلة الاسراء والمعراج على ظهر البراق.

عينا فاطمة ما تزالان مسمرتين في النجوم ، وقد أزهر وجهها كوكب صغير هبط على الأرض ، وبدا القمر في آخر ساعات الليل أصفر الوجه كما لو أجهده السهر ، همست فاطمة في نفسها تناجي :

ـ أنت وحدك الباقي كلّ شيء آخذ طريفه نحو المغيب ، النجوم ، القمر الارواح البيضاء تتجه اليك لا تبالي بأشواك الطريق في الصحراء حتّى لو كانت حافية القدمين


أنت وحدك الحقّ ياربّ أنت نور عيني وفرحة قلبي دعني الج ملكوتك اسبّحك واطوف مع النجوم حول عرشك أنت وحدك الحقيقة وما سواك وهم أنت وحدك نبع الحياة وعداك سراب يحسبه الظمآن ماء.

في « قبا » هبط جبرئيل يحمل كلمات السماء إلى رجل فرّ من امّ القرى ينبئه عن مسار قافلة فيها ابنته وامرأة ربّته وفتى ربّاه في حجره فلما اشتدّ ساعده وقف إلى جانبه يفديه بنفسه

فاح عبير الوحي ملأ فضاء « قبا » حيث بنى الرسول أوّل مسجد في الاسلام :

ـ « والذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكّرون في خلق السماوات والأرض ربّنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار. فاستجاب لهم ربّهم اني لا اضيع عمل عامل منكم من ذكر أو انثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا من ديارهم وأو ذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرنّ عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنّات تجري من تحتها الأنهار ثواباً من عند الله والله عنده حسن الثواب ».

كان النبيّ يترقّب وصول القافلة المهاجرة فيها أخوه وابنته وامرأة ربّته. كلمات جبريل ما تزال تطوف في خياله وهو ينظر الى الأفق البعيد ولكن لا شيء سوى الرمال السمراء


ولو قدّر لأحد كان في « قبا » لرأى رجلاً قد ذرّف على الخمسين ليس بالطويل ولا القصير كان ربعة « وقد جعل الخير كله في الرّبعة »؛ أزهر الوجه ، ناصع البياض مشرباً بحمرة خفيفة لعلّها من أثر الشمس ورياح الصحراء ، رجل الشعر يبلغ شحمة اذنيه ويكاد يلامس منكبيه؛ واسع الجبين ، مقوّس الحاجبين كهلالين ، وكانت عيناه نجلاوين واسعتين؛ اقنى الأنف ، كأنّ أسنانه لؤلؤ منضود فاذا مشى مشى الهوينى متقارب الخطى كزورق ينساب على هون.

وقف النبيّ يتأمل الصحراء المترامية تمسح عيناه الافق البعيد ، ينتظر أحبّة فارقهم في لحظة ليل وقد حاصرته ذئاب مكة.

غمر الليل الصحراء وآب النبي الى مضارب « بني سهم » ، وقد بدا على وجهه حزن كحزن آدم يوم بحث في الأرض عن حوّاء.

وصلت القافلة بسلام ، وخفّ الأب للقاء ابنته ذكراه الغالية من خديجة خديجة التي رحلت بعيداً وتركته وحيداً.

عانقت البنت أباها. غرقت في عبير رجل سماويّ ، فاضت عيناها دموعاً ، دموع فرح ودموع رحمة.

ـ يالعذاب محمّد يالعذاب الأنبياء.

ربّما دهشت بعض النسوة وهن يتطلعن الى رجل ذرّف على الخمسين يجتاز في لحظة نصف قرن من الزمن ليتحوّل إلى طفل


يرتمي في أحضان امّه.

تمتم رسول السماء يضع حدّاً لأسئلة تناثرت فوق الرمال :

ـ فاطمة أمّ أبيها.

فاطمة بربيعها الثالث عشر تتحول إلى أمّ لأعظم الانبياء.

ـ وفاطمة بضعة منّي.

نظر محمّد إلى عيني ابنته كان يبحث فيهما عن فتى شرى نفسه لله.

ـ انّه هناك يا أبه تشققت قدماه سال منهما الدمّ الشوك والرمضاء ومشاقّ الصحراء ولا ناقة عنده ولا جمل.

تألقت عينا النبيّ :

ـ انّه أخي.

مضى محمّد للقاء أخيه المهاجر

وهبّ الفتى للقاء رسول السماء نسي آلامه.

رشّ الرسول كفيه برحيق النبوّة ثم مسح على قدمي الفتى المهاجر ، كأمّ رؤوم تمسح رأس وليدها ليغفو وينام

سافرت الآلام ووجد علي نفسه في مهد امّه في أحضان رجل ربّاه صغيراً فغفا ونام ، ونهض الرجل المكي تاركاً وليد الكعبة يلتقط أنفاسه بعد رحلة مريرة في رمال الصحراء.


٥

دخلت القافلة يثرب وانطلقت أناشيد الفرح تملأ الفضاء

طلع البدر علينا من ثنيات الوداع

وجب الشكر علينا ما دعا لله داع

أيّها المبعوث فينا جئت بالامر المطاع

جئت نوّرت المدينة مرحباً يا خير داع

وامتزجت كلمات الفرح مع زغاريد النسوة وارتدت يثرب حلّة جديدة.

ومرّت « القصواء » تشقّ طريقها بين الجماهير وتناثرت كلمات رجاء هنا وهناك :

ـ انزل يا رسول الله على الرحب والسعة.

ـ دعوا « الراحلة » فإنّها مأمورة.

وسارت « القصواء » حتى اذا وصلت بيت « أبي أيوب » شمّت


رائحة وطن فأناخت رحلها وبركت ، وفي تلك البقعة أرض الله ارتفعت قواعد مسجد قدّر له أن يصنع التاريخ والحضارة.

وتساءل بعض المسلمين ترى كيف ندعو إلى الصلاة. قال أحدهم :

ـ ننفخ بالبوق كما يفعل بنو قريظة ألسنا نتجه في الصلاة إلى قبلتهم؟.

ـ الناقوس أفضل ناقوس النصارى له صوت ساحر

وكان للسماء رأي آخر هبط جبريل يحمل النداء ، ان الله يأمركم أن ترفعوا الأذان

وترقرقت في جنبات المدينة كلمات السماء وكان بلال يدعو المسلمين : الله أكبر حي على الفلاح حي على الصلاة.

وتمرّ الأيام ، ويشتدّ عود الاسلام ؛ ونمت فاطمة تفتحت للحياة الجديدة حياة تنبض بدفء الايمان والأمل وأبوها محمد يرسم الطريق الذي يمرّ عبر يثرب قلب العالم.

توالت الأحداث وتستيقظ جزيرة العرب على انباء ستغيّر مسار التاريخ. اتجه المسلمون الى الكعبة في الصلاة بعدما كانوا يتّجهون الى بيت المقدس واغتاظ اليهود ثم ولد رمضان رمضان الكريم ، وأصبح للمجتمع الوليد أعياد فرح عيد « الفطر » وعيد


« الأضحى » وتدفّق نهر الزكاة يطهّر الأغنياء ويحيي الفقراء؛ ثم هبّت المدينة لتشارك كلّها فرحة النبي والذين آمنوا معه.

كبرت فاطمة سيدة النساء أمّ أبيها نفسي التي بين جنبي وفاطمة بضعة مني

مضى « أبو بكر » وهو يحثّ الخطى الى منزل النبيّ وفي قلبه امنية طالما حدّث بها نفسه. لاشكّ أن رسول الله سيقبل طلبه فهو صاحبه الذي هاجر معه فارّاً من مكة وتحمّل معه مشاقّ الهجرة ومخاطر الطريق ثم انّه قد زفّ اليه ابنته عائشة وهي ما تزال صغيرة بعد وأيّ شرف عظيم من مصاهرة رسول الله

طرق « الصحابي » الباب برفق جلس قبالة النبي

ـ جئتك خاطباً يا نبي الله.

تمتم النبي :

ـ أمرها إلى ربّها.

نهض « أبو بكر » واستأذن بالإنصراف وفي الطريق كان أبو عائشة يفكّر ـ ألا يكون قد أغضب النبيّ فينزل فيه وحي من السماء.

وسمع « عمر » مسرعاً نحو منزل « الرسول » واستأذن في الدخول


عليه انّه لا يحبّ الانتظار أكثر من ذلك فقال على الفور :

ـ جئتك خاطباً ابنتك فاطمة.

قال النبي :

ـ انتظر بها أمر الله

وهيمن صمت ثقيل ونهض « أبو حفصة » بعد أن استأذن النبيّ وغدر المنزل مثقل الخطى ووجد نفسه يمضي إلى منزل صاحبه « أبي عائشة » ربما ليتحدّث معه بشأن « فاطمة » ، ترى من سيحظى بهذا الشرف الرفيع من سيقترن بسيّدة نساء العالمين.


٦

نسيم عليل كان يداعب سعفات النخيل ، يحرّكها برفق ، وظلال وارفة تنتشر تطرّز أرض رجل من « الأنصار » كان عليّ ما يزال منهمكاً بارواء نخلات باسقات يحمل المياه على بعير له بأجر وقد تصبب عرقاً

جلس الفتى الذي بلغ من العمر خمسة وعشرين سنة جلس يلتقط أنفاسه أسند جذعه إلى جذع نخلة ميساء وطافت أمامه آيات من القرآن

ـ « ربّ إني لما أنزلت إليّ من خير فقير ».

من بعيد لاح له رجلان قادمان كانا يحثّان الخطى سرعان ما عرفهما. عرف أوّلاً عمر يعرف طريقته في المشي ، ثم تعرّف « أبا بكر » لأنه طالما شاهدهما معاً فهناك ما يشبه الصداقة بينهما

تمتم أبو عائشة :


ـ يا أبا الحسن لم تبق خصلة من خصال الخير إلاّ ولك فيها سابقة وفضل وأنت من رسول الله بالمكان الذي قد عرفت من القرابة والصحبة والسابقة فما يمنك أن تذكرها لرسول الله وتخطبها منه.

قال عمر دون مقدمات :

ـ وقد خطبها الاشراف من قريش فردّهم وأظنّه قد حبسها من أجلك.

أمسك « أبو بكر » بخيط الحديث :

ـ ما الذي يمنعمك يا علي أن تذكرها!!

تمتم عليّ وقد لاحت في عينيه غيوم ممطرة :

ـ والله إن فاطمة لموضع رغبة.

وأردف وهو يقلّب يديه :

ـ ولكن يمنعني قلّة ذات اليد أنا لا أملك من حطام الدنيا سوى سيف ودرع وهذا البعير.

قال أبو بكر متأثّراً :

ـ إن الدنيا لدى رسول الله كهباء منثور.

وقال عمر وهو يحثّه :

ـ اخطبها يا علي تزدد فضلاً إلى فضلك.

سكت عليّ وطافت في عينيه أحلام جميلة.


نهض عليّ الى ساقية قريبة وراح يتوضأ ، أشاعت برودة الماء السلام في روحه؛ وأدرك الشيخان ان « عليّاً » قد حزم أمره ، فغادرا المكان وقفلا عائدين.

كان النبيّ جالسا في حجرة ام سلمة ، وكان عبير الوحي يطوف في سماء المكان.

ارتفعت طرقات على الباب وهتفت ام سلمة :

ـ من الطارق؟

قال النبي وقد عرفه :

ـ افتحي له هذا رجل يحبّه الله ورسوله.

فتحت امّ سلمة الباب وتريث « الطارق » ريثما تعود « امّ المؤمنين » إلى خدرها :

ـ السلام على رسول الله.

ـ وعليك السلام يا أبا الحسن.

جلس ربيب النبيّ مطرقاً تلألأت حبّات عرق فوق جبينه الواسع كلمات تطوف في أعماقه وقد انتصب الحياء سدّاً كصخرة صماء تقطع تدفق الساقية.

أدرك النبيّ ما يموج في أعماق عليّ ، فقال والبسمة تطفح فوق وجهه :


ـ يا أبا الحسن كأنّك أتيت لحاجة فقل حاجتك. انفتحت أمام الفتى كوّة من أمل ووجد نفسه يقول :

ـ يارسول الله إن الله هداني بك وعلى يديك وقد أحببت أن يكون لي بيت وزوجة أسكن اليها وقد أتيتك خاطباً ابنتك فاطمة.

كانت امّ سلمة تنظر إلى وجه النبيّ ، فرأت بسمة تطوف في محيّاه. قال النبي :

ـ يا علي انه قد ذكرها قبلك رجال فذكرت ذلك لها ، فرأيت الكراهة في وجهها ، ولكن على رسلك حتى أدخل عليها.

نهض النبيّ ، ونهض عليّ إجلالاً له.

ـ يا فاطمة.

ـ لبيك يا رسول الله.

ـ ان علي بن أبي طالب من قد عرفت قرابته وفضله وإسلامه وإني قد سألت ربيّ أن يزوّجك خير خلقه وأحبّهم اليه؛ وقد ذكر من أمرك شيئاً فما ترين؟

أطرقت فاطمة وكانت علامة رضا تطوف فوق وجهها تغالب مسحة حياء صبغت وجنتيها بحمرة خفيفة كشمس صباح باسم.

هتف النبيّ مستبشراً :

ـ الله أكبر سكوتها رضاها.


تدفّق ينبوع فرح في بيت امّ سلمة. طاف الخبر السعيد منازل المدينة كفراشة تدور ، تحطّ هنا وترفرف هناك؛ وحلّقت في الأفق أحلام العذارى؛ وشمّ بعض أهل « الصفة » رائحة وليمة عرس.

قال النبيّ وهو يتطلّع الى صهره :

ـ هل معك شيء ازوّجك به؟

عرض الفتى بضاعته المزجاة :

ـ سيفي ودرعي وناضحي.

ـ أمّا سيفك فالإسلام يحتاج اليه وأمّا ناضحك فتنضح به على نخلك وتحمل عليه رحلك ، ولكني رضيت بدرعك.

وانطلق عليّ عارضاً درعه على من يشتريه وسرعان ما وجد له مبتاعاً اشتراها منه « عثمان » وأقبل الفتى يحثّ خطاه إلى منزل النبيّ ، فصبّ الدراهم بين يديه وكانت أربعمئة درهم.

انطلق عليّ يهيئ منزله الجديد وصورة فاطمة بربيعها الخامس عشر ما تزال تطوف في عينيه ، وشعر بأن نبعاً من مياه باردة يتدفّق في قلبه :

نشر أرض الحجرة برمل ليّن ، وراح يمسح عليه بكفّه فبدا كبلاطة ناعمة ، وثبّت خشبة بين الجدارين في أقصى الحجرة لتكون مشجباً للثياب وبسط فوق زاوية من الرمل جلد كبش ، زيّنها


بوسادة من الليف وهكذا تمّ بيت فاطمة بنت محمّد.

أجال علي بصره في الحجرة لا شيء يشدّ قلب المرأة لا حرير ولا فراش وثير ولكنه يعرفها جيّداً ، يعرف بنت النبيّ. انّها ليست سوى نفسه الكريمة التي تأبى سوى حياة البساطة والحياة الخالية من بهارج الدنيا الزائلة.


٧

قال النبي وهو يناول بلالاً حفنة من الدراهم :

ـ ابتع لفاطمة طيباً.

والتفت الى « أبي بكر » وناوله حفنة اخرى :

ـ ابتع لفاطمة ما يصلحها من ثياب وأثاث ، وخذ معك عمّار بن ياسر

وانطلق جمع من صحابة النبيّ إلى السوق يشترون جهاز فاطمة.

كان السوق يزخر بمختلف البضائع بضائع حملتها النوق من مكان بعيد

كان أبو بكر يجيل بصره في زوايا السوق وفي قبضته دراهم معدودة ماذا يمكنه أن يشتري بها وبعد جولة مضنية دفعته قلّة ذات اليد إلى أن يتخيّر بضائع رخيصة الثمن فكانت : قميصاً بسبعة دراهم ، وخمار بأربعة دراهم ، قطيفة سوداء خيبرية ، سرير مزّمل


بشريط ، فراشان مصريان؛ حشو أحدهما ليف وحشو الآخر من صوف الغنم ، أربعة وسائد من الجلد مما يدبغ في الطائف وقد حشيت بنبات طيب الرائحة ستائر رقيقة من الصوف ، حصير مصنوع من سعف النخيل ، رحى ، اناء نحاسي لغسل الثياب ، سقاء من الجلد ، جرّة خضراء وبعض الآنية الخزفية. وحمل الصحابة جهاز فاطمة متوجهين إلى منزل النبيّ

راح النبيّ يقلّب بيده آنية الخزف وعيناه تتفحصان جهاز سيّدة نساء الأرض فتمتم بصوت أقرب إلى الحزن :

ـ بارك الله لأهل بيت جلّ نيتهم من الخزف.

ربما تذكّر خديجة تلك المرأة الثرية التي كانت القوافل التجارية تحمل ثروتها من بلد إلى بلد وهاهي ابنتها تزفّ بجهاز من الجلد والخزف والنحاس. سرعان ما طفت الإبتسامة فوق محيّاه وهو يرى ابنته قادمة ، فنهض من مكانه وقبّل يدها وراح ينظر إلى وجهها المضيء يستشف من وراءه صورة زوجته الوفية وملامح أمّه الرؤوم.

ارتفع صوت بلال جهورياً يدعو المؤمنين للصلاة؛ الكلمات تنساب هادئة مؤثّرة مفعمة بالحب والأمل والحياة؛ ويشعر النبيّ بأن نبعاً فيّاضاً يتدفق في صدره ويشيع السلام في قلبه فنهض ملبّياً داعي الله.


المسجد مكتظّ بالمسلمين ، ينتظرون قدوم « الرسول » ليس للصلاة فقط بل لشيء آخر. ان النبأ قد أثار استغراب الكثير؛ ير يدون استكشاف هذا الزواج الفريد. ان فتاة مثل فاطمة كان بإمكانها أن تتزوج ثرياً يفرش دربها بالحرير صحيح انّ ابن أبي طالب مثال للفتوة وهو ابن عمّ النبيّ ولكنّه لا يملك شيئاً. لقد هاجر حافياً وما يزال يعيش حياة مريرة لا يملك شيئاً ولكن ما بال فاطمة ترضى لنفسها مثل هكذا حياة

كان الهمس يدور على الشفاه. تحلّق المؤمنون حول « النبيّ » كعادتهم ، كفراشات تنظر الى شمعة تتوهج. أدرك « النبي » ما يجول في الخواطر فقال بخشوع :

ـ أتاني حبيبي جبريل فقال : يا محمّد زوجها عليّ بن أبي طالب فإنّ الله قد رضيها له ورضيه لها.

وانفضّ المسلمون وقد ترسخت في ضمائرهم صورة جديدة عن الحياة العائلية عندما تنهض على الايمان وحده. لقد اختارت السماء لعليّ فاطمة واختارت لفاطمة عليّاً ، واستجابت فاطمة لإرادة السماء طائعة مبتهجة ان شيئاً في أعماقها يشدّها إلى علي كما شدّ عليّاً لفاطمة. وباركت السماء رغبة عليّ واستجابة فاطمة ، ورفرفت الملائكة بأجنحتها مثى وثلاث ورباع.


وجد علي في فاطمة ما كان يبحث عنه في نفسه ، ووجدت فاطمة في عليّ ما كانت تنشده في أعماق روحها ، وكان اللقاء على يد رسول السماء الى الأرض إلى المرأة والى الرجل ، ليكون اتحادهما ولادة للإنسان.

وهكذا قدر لأنيس الطفولة أن يكون رفيق درب. كانت فاطمة سعيدة بعليّ ، ترى في عينيه طيف أبيها أبيها الذي تحبّه لأنه قادم من عند الله.

أحبّت فاطمة عليّاً أحبّت فكره وخياله ، رأت فيه ظلال محمّد حيث نشأت تحت تلك الظلال أرادت أن تنتقل من بيت والدها إلى كنف رجل يشبه والدها في كلّ شيء.

جلس عليّ في بيته. استند إلى الجدار الطيني ، وقد غاصت أصابع قدميه في الرمال الليّن الذي يغطي أرضية الحجرة كلّ شيء في البيت ينتظر فاطمة مشجب الثياب المخضب الرحى حتى ذرّات الرمل. فاحت رائحة « الاذخر »؛ ملأت فضاء الحجرة عطراً وعلي ما يزال يترقّب قدوم فاطمة وقد مضت ثلاثة أسابيع حسبها عليّ قروناً طويلة.

لا بد من خطوة للقاء ، وقفزت في ذهن « الفتى » صورة « حمزة » ، فنهض من فوره وحثّ الخطى نحو منزل عمّه.


٨

مرّت ايام وأيام ، وعلي لا يفتأ يذكر فاطمة يعيش خيالها الشفاف؛ روحها الطاهرة؛ عينيها المضيئتين؛ مشيتها وهي تخطر على الأرض هونا

قال وهو يحدّق في عينيه :

ـ في عينيك سؤال.

ـ ياعمّ ذكرت أهلي.

ـ ما تنتظر إذن هيا بنا إلى منزل النبيّ.

في الطريق لاحت لهما « أم أيمن » وقد أدركت على الفور ما يدور في خلد عليّ فكفتهما مؤونة ذلك.

انطلقت « ام أيمن » وكان النبيّ في بيت ام سلمة.

قالت امّ أيمن وقد عرفت كيف تستأذن قلب الرسول :

ـ يارسول الله لو أنّ خديجة باقية لقرت عينها بزفاف فاطمة


وإن عليّاً يريد أهله فقرّ عين فاطمة ببعلها واجمع شملهما وقرّ عيوننا بذلك. قال النبيّ :

ـ فما بال عليّ لا يطلبها مني؟

ـ يمنعه الحياء يا رسول الله

كانت عينا النبيّ تبحثان عن خديجة تجمعت في عينيه الدموع كغيوم ممطرة :

ـ خديجة وأين مثل خديجة ، صدّقتني حين كذبني الناس وآزرتني على دين الله وأعانتني عليه

وقفت امّ أيمن تنتظر رسول الله :

انطلقي الى عليّ فأتيني به.

خفت ام أيمن الى حيث ينتظر الفتى :

ـ ما وراءك يا ام أيمن؟

ـ الخير كلّه؛ رسول الله يدعوك.

كان عليّ مطرقاً برأسه يحدّق في الأرض ، قال النبيّ مشجّعاً :

ـ أتحب أن تدخل عليك زوجك؟

ـ نعم فداك أبي وامّي.

ـ نعم وكرامة يا أبا الحسن أدخلها عليك في ليلتنا هذه أو في ليلة


غد إن شاء الله.

نهض الفتى وهو يطير فرحاً. لقد حلّت لحظة اللقاء؛ لقاء قلبين طاهرين روحين صافيتين

تمايلت سعفات النخيل طرباً تألّقت في السماء النجوم ؛ وظهر القمر يزدهي بهالته والسماء تتطلع الى عرس في الأرض. تألقت فاطمة فبدت بين النسوة كوكباً درّياً؛ حتى اذا استوت فوق الناقة ، ارتعف صوت الدفوف ، وبدأ موكب الزفاف يسير الهوينى.

فاطمة تحفّها بنات عبدالمطلب ونساء المهاجرين والأنصار ، أخذ عمّار بزمام الناقة وكان الرسول وبصحبته حمزة والرجال يمشون خلفها.

زملأت الزغاريد الفضاء وانطلق صوت ام سلمة يشد وفرحاً :

سرن بعــــون الله جاراتي

واشكرنه في كـــــل حالات

واذكرن مـا أنعم رب العلى

من كشف مكـــروـه وآفات

فقد هدانا بعــد كـــفر وقد

انعشنا ربّ الـســمــاوات


وارتفع صوت حفصة :

فاطــــمة خيــــر نســـاء البــشر

ومــن لهــــا وجه كوجه القمــــر

فضّلك الله على كــــــــلّ الـورى

بفضـــل مـــن خــصّ بــآي الزمر

زوّجــــك الله فـــتــىً فـــاضــلاً

أعني عليّاً خير من فــي الحـضـــر

فـسرن جــــاراتي بهــــا أنهــــا

كــريمـــة بنت عـــظيم الخــــطر

في المسجد كان اللقاء ، أخذ النبي يدي فاطمة ، ووضعها في يدي علي ، وتمتم الرسول بخشوع :

ـ اللّهم انّهما أحبّ خلقك إليّ ، فاحبّهما ، واني أعيذهما بك وذرّيتهما من الشيطان الرجيم.

شهد البيت الصغير ولادة حبّ عميق عمق البحر ، طاهراً كقطرات الندى ، متدفقاً كالينبوع. لم تعثر فاطمة في بيتها على فراش وثير لكنّها وجدت قلباً دافئاً ينبض بالحبّ ، ولم تجد فاطمة في منزلها الجديد جواهر أو لؤلؤاً منثوراً لكنها وجدت انساناً يموج بقيم تتألق سموّاً وتشعّ رحمةً ، وجدت فاطمة ما تنشده المرأة في أعماقها


وجدت كلّ ذلك قرب عليّ.

ووجد عليّ في فاطمة قبساً من امّه ، فالزهراء تكاد تذوب رقّة. وجد فيها رفيق دربه. ففاطمة شوق وحنين ، ووجد فيها الخصب والحياة ففاطمة كوثر محمّد.

طلب عليّ يد فاطمة؛ واطرقت فاطمة ، وكان صمتها ، وحمرة الحياء تقولان نعم لعليّ ، وباركت الملائكة لقاء الشطرين ليؤلّفا كياناً جديداً فيه صفات حوّاء وخصال آدم.

وذات صباح جاء النبيّ زائراً وسأل فتاه :

ـ كيف وجدت أهلك؟

أجاب عليّ وعيناه تنطقان ثناءً.

ـ نعم العون على طاعة الله.

والتفت النبيّ إلى فتاته :

ـ وكيف وجدت بعلك؟

فقالت بكلمات تقطر حياءً وحبّاً :

ـ خير بعل.

رمق النبيّ السماء. عبرت الأفلاك كلماته الدافئة :

ـ اللّهم ألّف بين قلبيهما وارزقهما ذرّية طاهرة.

وعندما همّ بالنهوض قال الاب لفتاته :


ـ يا بنيّة نعم الزوج زوجك لا تعصي له أمراً ، ثم شدّ على يد فتاه وقال بهدوء :

ـ الطف بزوجتك وارفق بها فان فاطمة بضعة مني يؤلمني ما يؤلمها ويسرّني ما يسرّها.

شيء ما ولد في قلب عليّ تجذّر في أعماقه ، شيء يشبه العهد الميثاق ألاّ يغضب فاطمة أو يكرهها على أمر ما إلى الأبد.

وفي قلب فاطمة ولد الحبّ ، تفجّر نبعه وعندما يحبّ المرء ينسى كلّ شيء سوى الطاعة للحبيب.

وهكذا عاش عليّ وفاطمة. وتمرّ الأيام.


٩

كانت تشبه أباها في كلّ شيء ، في حديثها ، صمتها ، مشيتها ، وفي ذلك النور الذي يشعّ من عينيها ، تعمل بصمت أو ترتّل سورة مريم تتشرّبها تتنفس جوّها وتعيش في ظلالها.

رتبت ثيابها وكانت قليلة مختصرة. وضعتها فوق خشبة كان زوجها قد ثبتها في زاوية الحجرة ، نشرت خمارها وقطيعة سوداء وقميصاً رخيصاً ، رتّبت الفراش ثم عمدت إلى كنس البيت. وتصاعد غبار خفيف كان يتألّق في ضوء الشمس.

مسحت كيزان الخزف وأعادت ترتيبها فبدت جميلة.

حاولت أن تجرّ الرحى إلى مكان مناسب. وجدتها متشبثة في الأرض فتركتها مكانها ريثما يعود زوجها.

ومن كيس في زاوية الحجرة استخرجت حفنات من الشعير ثم جلست إلى الرحى.


دارت الرحى ، تساقط الدقيق تباعاً فجمعته في اناء صغير ، أضافت قدحين من الماء وراحت تعجن الخليط حتى اذا تجانس غطت الاناء وتركته ريثما يصبح خميراً.

جلست فاطمة وأشعلت النار في الموقد ، تصاعد دخان أزرق وتوهّج جمر فسفوري الحمرة ، كانت عيدان الحطب تتكسّر ، وكانت فاطمة تصغي مستغرقة ، سرت في أطرافها قشعريرة وتجمعت في عينها الدموع فرمقت السماء من خلالها وقلبها ينبض أملاً بما وعد الله المؤمنين. ملأت رائحة الخبز الحارّ فضاء البيت.

عاد عليّ وقد بدا مهموماً بعض الشيء وعندما وقعت عيناه على فاطمة شاعت الابتسامة في وجهه. لشدّ ما يحبها بقوامها النحيل بتلك الروح التي تكاد تغادر أهاب البدن إلى حيث ترفرف الملائكة.

نظر عليّ وهو يتناول قرص الشعير إلى يديها. كانت هناك خطوط حمراء في كفيها أدرك على الفور انّها من أثر الرحى؛ تمنّى أن يكون بوسعه شراء خادم تعينها على تدبير المنزل ، فكّر أن يضاعف جهده في حفر الآبار ، سيحيل المدينة الى ينابيع لكي يتسنى له جمع مبلغ يكفي لشراء جارية تعين سيدة النساء؛ وربما حصل على غنيمة تغنيه عن كلّ ذلك ، كان عليّ يفكّر وهو يعالج سيفه ذي الفقار.

لم تسأل فاطمة زوجها عن المناسبة في كل هذا الاهتمام


بالسيف فقد سمعت هي الاخرى عن استعدادات المسلمين للتصدّي لقوافل قريش التجارية وسمعت من بعض نسوة المهاجرين اخباراً عن قافلة كبيرة يقودها أبو سفيان تحمل أموالاً طائلة تذكرت فاطمة كيف صادر المشركون أموال المهاجرين. تذكّرت أيام الحصار في شعب أبي طالب وألوان القهر والظلم الذي صبّه أبو سفيان وأبو جهل وأبو لهب على الرسول والذين آمنوا.

أفاقت فاطمة على صوت زوجها وهو يرتّل بخشوع :

ـ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصدّ عن سبيل الله وكفر به ، والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله ، والفتنة أكبر من القتل.

لكأنّ علي يدرك ما يدور في خلد فاطمة ، وهاهي السماء تشدّ ازر المظلومين المشرّدين تمنحهم سيوفاً وبيارق ينصفون بها ممّن قهروهم وشرّدوا بهم من ديارهم.

ودّع النبي ابنته فاطمة. وأدرك المسلمون جميعاً أنّ الرسول قد أعدّ العدّة لاعتراض قافلة قريش ، وانّه لم يبق له في المدينة شيء.

هزّ علي راية العقاب بيده وانطلق بصحبة النبيّ باتجاه الشمال حيث « وادي الروحاء » وسمع النبي يقول :

ـ هذا أفضل أودية العرب.


عسكرت قوات المسلمين وكانت تتألف من ثلاثمئة مقاتل يتناوبون على ركوب ، سبعين من الإبل اضافة الى فرسين فقط ، وبعد استراحة وجيزة ، قضاها المسلمون في الصلاة والتهيؤ لقطع المسافة لآبار « بدر » حيث طريق القوافل التجارية.

قسّم النبي الإبل على المقاتلين فكان نصيبه مع عليّ و« أبي مرشد » بعيراً واحداً يتناوبون ركوبه.

قال عليّ وأيّده أبو مرشد :

ـ نحن نمشي عنك يا رسول الله.

أجاب النبي وهو يطوي الصحراء ماشياً على قدميه :

ـ ما أنتما بأقوى منى ، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما.

وفي « الصفراء » بعث النبي دورية استطلاع الى « بدر ».

وفي « وادي ذفران » وصلت انباء مثيرة.


١٠

مكّة يغمرها الظلام ؛ والنجوم ترسل ضوءً واهناً تنبض من بعيد كقلوب مجهدة؛ نامت العيون ما خلا عيوناً حجرية تحيط بالكعبة ما تزال مفتوحة تحدّق ببلاهة وغباء.

وفي عالم هلامي كان رجل يركب بعيراً يخطر به حتّى اذا وقف بـ« الأبطح » صرخ عالياً :

ـ يا آل غدر انفروا إلى مصارعكم!

خف البعير براكبه فوق ظهر الكعبة وصرخ :

ـ يا آل غدر انفروا إلى مصارعكم.

طار البعير نحو جبال مكة. هبط على قمّة « أبي قبيس » وصرخ الراكب مرّة اخرى :

ـ يا آل غدر انفروا إلى مصارعكم.

انتزع الراكب صخرة من الجبل ثم قذف بها بيوت مكة انفجرت الصخرة في أسفل الوادي وأضحت حجارة متناثرة تساقطت كشهب


مجنونة فوق منازل مكة وأفنيتها.

استيقظت « عاتكة » امرأة من بني عبدالمطلب. استيقظت مذعورة تجفف وجهها من حبات العرق ، وما تزال الرؤيا ماثلة أمامها.

كانت السماء تنثّ مطراً خفيفاً كدموع هادئة ، وظلّت « عاتكة » مستيقظة تحدّق في الظلام حتى اذا طلع الفجر أخذت طريقها الى منزل« العباس ».

كغراب أسود يدور البيوت ، شاع خبر الرؤيا في منازل مكّة؛ وجثم الوجوم على القلوب. ترى ماذا تخبئ الأيام ، وهرع بعضهم إلى أصنام نحتوها يتمسحون بها يلتمسونها الطمأنينة فلا تألوهم إلاّ خبالا؛ وقدم بعضهم نذوراً للآلهة ، تصاعد دخان لكن دون جدوى؛ القلق ما يزال يلوي القلوب كريح عاصفة.

غضب « أبو جهل » برقت عيناه حقداً وهو يصغي الى تفاصيل الرؤيا وهتف بالعباس متهدداً :

ـ أما كفاكم يا بني عبدالمطلب أن تتنبأ رجالكم حتّى تتنبأ نساؤكم! سنتربص بكم ثلاثة أيام فان مضت ولم يكن شيء فأنتم أكذب بيت في العرب. ردّ العباس بغضب :

ـ يا مصفراً استه أنت أولى بالكذب منا.

مضت ثلاثة أيام ؛ كصفحات من كتاب كبير تنطوي وبدت صفحة


كبيرة من عالم مفتوح وظهرت مكة ، ويثرب وصحراء واسعة مليئة بالرمال والحوادث ، وظهرت خيول وإبل ورجال تجوب الأودية.

استيقظت مكة مذعورة صرخات « ضمضم » تبعث الرعب في القلوب الخطر يهدد الآلهة؛ وآلهة قريش عبادة وتجارة :

ـ يامعشر قريش اللطيمة! أموالكم مع أبي سفيان قد تعرّض لها محمّد وأصحابه.

كان منظره على بعير مجدوع الأنف ، مشقوق القميص إنذاراً بالخطر الاهم. وثارت الحمية حمية الجاهلية؛ صرخ أبو جهل :

ـ واللات والعزى ما نزل بكم أمر أعظم من أن يطمع بكم محمّد وأهل يثرب فانهضوا ولا يتخلّف منكم أحد.

وتجهّزت قريش ، اظهرت كلّ حقدها الدفين تطلب رأس رجل هاجر إلى ربّه.

تجمّع الحاقدون فكانوا الفاً إلاّ خمسين ، ومن الابل ثلاثمئة وخمسون ومن الخيل مئتان.

وسارت قريش بخيلها وخيلائها بدفوفها وقيانها بخمرتها وآلهتها ، سارت تشقّ بطون الأودية.

وفي الصحراء كان أبو سفيان يقود القافلة ، يسوقها سوقاً حثيثاً ، عيناه تدوران في محجريهما؛ تسعان الآفاق؛ تترصدان الآثار. وبين


الفينة والاخرى كان يتوقّف ليدقق في أثر بعير أو فرس ، أو يفتت بعرة يبحث فيها عن أثر لغريم يترصّده. ينتظر لحظة الثأر المقدّس ولكن لا شيء ، الصحراء غامضة غموض البحر والرمال هي هي بتموجاتها والسماء تزدحم بغيوم رمادية تمرّ فوق الرمال كسفن تائهة.

كانت القافلة تتقدّم من آبار بدر ، وقد عصف القلق بأبي سفيان وأطلّ الرعب من عينيه يخشى أن يسقط في قبضة محمّد عدوّه اللدود.

سأل أبو سفيان اعرابياً قرب الماء عن خبر محمّد ، أجاب الاعرابي :

ـ لم أر أثراً لما تقول ، ولكني رأيت رجلين يستقيان في الصباح.

ـ وأين مناخهما.

ـ هناك فوق ذلك التلّ.

أسرع أبو سفيان إلى حيث أشار الاعرابي.

ـ نعم هذا مناخ إبل

وحانت منه التفاتة فرأى بعرة فالتقطها كما يلتقط المرء جوهرة نادرة ، فركها بكفيه فظهرت نواة تمر ، صرخ أبو سفيان مرعوباً :

ـ هذه واللات علائف يثرب.

أسرع أبو سفيان الى مناخ قافلته فحثّ رجاله على اثارتها والاتجاه بها نحو ساحل البحر الأحمر ، غدرت القافلة تاركة « بدر » الى شمالها ممعنة بالفرار ، وهكذا أفلت أبو سفيان ولو إلى حين.


١١

هطلت الأمطار هطلت بغزارة فسالت أودية بقدر ، وقف النبي راح ينظر إلى السماء والسحب تسح ما تسح من دموعها الثقال رفع يديه الى عوالم لا نهائية وتضرّع إلى الله :

ـ اللّهم نصرك الذي وعدت اللّهم لا تفلتني أبا جهل فرعون هذه الامة.

كان الوجوم يسيطر على ثلاثمئة رجل. لقد خرجوا لمواجهة قافلة تجارية ، وهاهي الانباء تحمل لهم سيوفاً وخناجر وهاهي قريش تزحف نحوهم بجيش عرمرم ألف رجل إلاّ خمسين.

هتف النبي بأصحابه :

ـ أشيروا عليّ :

القلق يعصف بالرجال وقد ضرب الخوف أطنابه في بعض القلوب نهض « عمر » قائلاً :


ـ يا رسول الله انها قريش!! ما ذّلت منذ عزّت وما آمنت منذ كفرت

راح بعضهم ينظر الى بعض وأفئدتهم هواء.

نهض المقداد وقد امتثلت أمامه قصص بني اسرائيل :

ـ يا رسول الله! امض لما أمرك ، فنحن معك ، والله لا تقول كما قال بنو اسرائيل لموسى اذهب انت وربّك فقاتلا انّا هاهنا قاعدون ، إذهب أنت وربّك فقاتلا انّا معكما مقاتلون ».

أطلّ عزم جديد من عيون الرجال وخيّم صمت ثقيل ، كان النبي ينتظر موقف الأنصار فله معهم يوم العقبة عهد وميثاق.

نهض « سعد بن معاذ » وقال بأدب :

ـ لكأنك تريدنا يا رسول الله :

ـ أجل.

انسابت الكلمات قوّية أخّاذة مؤثّرة :

ـ يا رسول الله : لقد آمنا بك وصدّقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحقّ ، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة فامض يا رسول الله لما أردت فوالذي بعثك بالحقّ ، إن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلّف منّا رجل واحد.

إن للكلمة في القلوب أثر البذرة في الارض الخصبة سرعان ما


تنمو وتهب ظلالها وثمارها

اشاعت كلمات سعد روح الأمل شحذت الهمم بعد خوف وقلق طافت في الوجه السماوي فرحة ورضا وهتف النبيّ برجاله :

ـ سيروا على بركة الله وابشروا ، فإن الله وعدني احدى الطائفتين ، والله لكأني انظر إلى مصارع القوم.

عبّأ النبيّ قوّاته وغادر « ذفران » وسلك طريق « الاصافر » ثم هبط منها ، وبدا « كثيب السحنان » كجبل شامخ. وقاد النبي رجاله الى يمين « الكثيف » حتى اذا اصبح قريباً من مياه بدر أصدر أمراً بالتوقّف ريثما ينجلي الموقف.

بعث النبيّ « عليّا »ً على رأس دورية استطلاع للحصول على معلومات عن قوّات قريش ، أوغل علي في المسير ووصل آبار بدر؛ فالماء حيوي لرجال في الصحراء ، وألقت الدورية القبض على رجلين كانا يستقيان وساقتهما إلى معسكر المسلمين.

كان النبيّ يصلّي مستغرقاً في رحلة في عوالم سماوية بعيداً عن ويلات الأرض وما يجري فوق كثبان الرمال ، ولما عاد الى الأرض وجد بعض المسلمين ينهالون عليهما ضرباً تمتم النبيّ مستنكراً :

ـ إذا صدقاكم ضربتموهما ، وإذا‍‍‍‍‍‍‍‍ كذباكم تركتموهما‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!!


ونظر النبيّ اليهما وهتف :

ـ صدقا والله انهما لقريش انهما لذات الشوكة.

وأردف متسائلاً :

ـ كم القوم؟

ـ كثيرون.

ـ ما عدّتهم.

ـ لا ندري.

ـ كم ينحرون؟

ـ يوماً تسعاً ويوماً عشراً.

التفت النبي إلى أصحابه :

ـ القوم ما بين تسعمائة والألف.

ثمّ تساءل :

ـ فمن فيهم من أشراف قريش؟

ـ قال أحدهما :

ـ عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة النضر بن الحارث ، وأضاف الآخر :

ـ وفيهم أميّة بن خلف ونبيه بن الحجاج واخوه منبه وعمروبن ود


التفت النبيّ الى اصحابه وقال بحزن :

ـ هذه مكّة قد القت اليكم أفلاذ كبدها.

تفجّر في قلوب المهاجرين غضب مقدّس رهاهي رؤوس الشرك تزحف اليهم وقد حان وقت يثأر فيه المظلوم من الظالم.

كان بلال منسحباً داخل نفسه وقد تداعت في أعماقه صور سوداء وكان وجه « امية بن خلف » محفوراً في ذاكرته بقسوة ما يزال جسده يئن من سياط امية وشعر بثقل صخرة رهيبة تجثم فوق صدره فندّت عنه آهة ألم :

ـ آه اميّة لا نجوت إن نجا.

برقت عيناه غضباً وحانت منه التفاتة فرأى عمّاراً ، وقد علت وجهه مسحة من وجوم أدرك بلال ان صاحبه هو الآخر يستعيد حوادث رهيبة. لقد شهد مصرع والديه بحراب « أبي جهل » ذلك القرشي المتوحش.

أصدر النبيّ أمره بالتحريك صوب آبار « بدر » حتى اذا وصلوا أدنى المياه نزل النبيّ وكان « الحباب » وهو رجل رشيد يمسح الأرض بعينين ثاقبتين ، اقترب من النبيّ وقال بأدب :

ـ يارسول الله! أكان اختيارك للمكان أمراً من الله ليس لنا أن نتقدمه أو نتأخّر عنه أم هو الرأي والحرب؟


أجاب النبيّ باهتمام :

ـ بل هو الحرب والمكيدة.

ـ ليس هذا بمنزل يا رسول الله انهض بالناس حتى نعسكر أدنى الماء نشرب ولا يشربون.

ـ لقد اشرت بالرأي.

وسرعان ما اتخذ المسلمون مواقعهم في الجهة الشرقية من الوادي الفسيح

حلّ المساء وغفت العيون تترقب ما يسفر عنه عالم الغد.


١٢

أشرق يوم الجمعة والتاريخ يشير الى السابع عشر من شهر رمضان. عسكرت قوات قريش ، في ثنايا التلال القريبة من وادي بدر ، وبدا أبو جهل أفعى رقطاء تتلمظ. هتف ساخراً وهو يشير إلى قلّة المسلمين :

ـ ماهم إلاّ أكلة رأس لو بعثنا اليهم عبيدنا لاخذوهم باليد.

تساءل عتبة بن ربيعة :

ـ ربّما كان لهم كمين أو مدد.

ـ كلا يا صاحبي لقد بعثت « ابن وهب » وطاف حول مواقعهم فلم ير شيئاً.

قال شيبة معقّباً :

ـ لكنه قال شيئاً آخر غير هذا.

امتعض أبو جهل ، فتساءل عتبة :


ـ وماذا قال؟

ـ جاء مبهور الأنفاس ونثر كلماته كالنبل : مارأيت شيئاً ولكني وجدت يا معشر قريش البلايا تحمل المنايا نواضح يثرب تحمل الموت الناقع.

أطرق عتبة. كان يفكّر في المصير ألقى أبو جهل نظرة حانقة وبصق على الأرض ثم غادر المكان.

ارتقى عتبة جملة الأحمر وقد دوّت فكرة العودة الى مكة في رأسه وأصغت عشرات الرجال الى ما يقول صاحب الجمل الأحمر :

ـ يا معشر قريش! لن تصنعوا شيئاً بلقاء محمّد وأصحابه. وبين أصحابه رجال من بني عمومتكم أو أخوالكم وهل يقتل المرء ابن عمه أو ابن خاله أو رجلاً من عشيرته ارجعوا وخلّوا بين محمّد وسائر العرب

يا معشر قريش أطيعوني اليوم واعصوني الدهر ، انّ محمّداً له إلّ وذمّة فان يكن صادقاً فانتم أعلى عيناً به ، وان يكن كاذباً كفتكم ذؤبان العرب أمره.

جحظت عينا « أبي جهل » وخرجت الكلمات من فمه ممزوجة بالبصاق :

ـ انظروا ماذا يفعل الجبن في النفوس انظروا الى سيد من


سادات قريش وهو يرتعد من سيوف يثرب.

وفي أدنى الوادي كان الرسول يراقب عن كثب ما يجري في أقصى الوادي هناك على جمل أحمر رجل يحذّر قومه سوء العواقب.

تمم النبيّ بلهجة يشوبها اليأس :

ـ إن يكن في أحدهم خير ففي صاحب الجمل الأحمر.

اتصلت السماء بالأرض وهبط جبريل كوكب الأرض في تلك البقعة من دنيا الله وسرت كلمات السماء في قلب محمّد : « فإن جنحوا للسلم فاجنح لها ».

هتف النبيّ وجبينه يتلألأ :

ـ يا معشر قريش! ارجعوا من حيث أتيتم فلأن يلي هذا الأمر مني غيركم أحبّ إليّ من أن تلوه أنتم.

تمتم عتبة وهو يصغي إلى ابن مكة الذي فرّ منذ عامين :

ـ ماردّ هذا قوم ثم افلحوا.

تجمعت في السماء النذر ، وبدت السيوف بروقاً مخزونة بالرعود ، نزل عتبة عن جمله الأحمر ، وتقدّم مع أخيه شيبة وابنه الوليد الى الأرض التي تفصل ما بين الجبهتين ونادى عتبة بصوت غاضب وكان أبو جهل قد استفزّه :


ـ يا محمّد اخرج الينا أكفاءنا من قريش :

التفت النبيّ الى عبيدة.

ـ قمّ يا عبيدة بن الحارث.

وإلى حمزة بن عبدالمطلب وإلى عليّ بن أبي طالب.

كانت راية « العقاب » تخفق في قبضة عليّ فركزها في الآرض ثم انطلق إلى ميدان الصراع وتراءى امام عينيه طيف جميل. كان وجه « فاطمة » يبتسم له وقد شعّ من عينيها نور سماويّ.

ران الصمت على الجبهتين ، ما خلا ستة سيوف كانت تلمع وسط الغبار كبروق غاضبة ، فجأة ارتفع السيف « ذوالفقار » ثم هوى فهوت معه جمجمة الوليد ، ثم ارتفع مرّة اخرى ليهوي على عتبة ثم على شيبة وتساقطت رؤوس الشرك تعفرّت بالرمال وكانت العيون جاحظة تنظر برعب الى شيء ما.

كبرّ النبيّ وكبّر معه المسلمون وانتقل اسمّ عليّ على الألسن في الفضاء وفي التاريخ

وسمع النبيّ يقول :

ـ والذي نفس محمّد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل صابراً محتسباً مقبلاً غيرمدبر إلاّ أدخله الله الجنّة.

وتراءت للذين سمعوا كلمات الرسول جنّات تجري من تحتها


الأنهار فإذا السيوف ظلال لجنّة عرضها السماوات والأرض.

كان سقوط صناديد قريش صرعى فوق الرمال إيذاناً ببدء معركة رهيبة. وبدأت قريش هجوماً عنيفاً تساقطت السهام والنبال كالمطر

وقف المسلمون صفّاً واحداً كالبنيان المرصوص ، وصمدوا أمام هجمات مدمّرة كعاصفة هوجاء تصاعد غبار كثيف وتساقط القتلى والجرحى كجراد منتشر. وشيئاً فشيئاً خفّت حدّة الهجوم وفي هذه اللحظة الحاسمة دوّت كلمة القائد العظيم مختصرة ومصيرية :

ـ شدّوا

اندفع المسلمون كالسيل وكانت راية العقاب تخفق في قبضة عليّ قوّية ثابتة؛ واختلطت أصوات عديدة بين صهيل الخيل ورغاء الجمال وقعقعة الاسلحة وصيحات الرجال وكانت : « أحد أحد » تتردد في فضاء المعركة.

وتفجّر غضب مقدّس في القلوب وقد رأى المعذبون جلاّديهم وغادر النبيّ مقرّ القيادة وبقي أبوبكر وحيداً. اندفع النبيّ يقاتل في الخطوط الاولى وظهرت في الافق سحب بيضاء شفافة تشبه أجنحة الملائكة وكان النبيّ يهتف بحماس :

ـ سيهزم الجمع ويولّون الدبر ، بل الساعة موعدهم والساعة


أدهى وأمرّ

استمر القتال مريراً واقتربت المعركة من نهايتها بعد ان تمزّقت خطوط المشركين ولاحت في الافق هزيمة وشيكة.

هتف النبيّ غاضباً وهو يقذف حفنة من الحصى :

ـ شاهت الوجوه!

انفجرت ساعة الانتقام وقذف بركان الثأر حممه مدوّية وهتف بلال وهو يرمق جلّاده بغضب :

ـ اميّة! رأس الكفر لا نجوت إن نجا حاول بعض المسلمين اعتراض بلال. أرادوا عدوّهم أسيراً فصاح بلال :

ـ يا أنصار الله إنّه اميّة رأس الكفر لا نجوت ان نجا

انقض بلال على جلّاده فهوى كأنما سقط من شاهق ولأوّل مرّة تنفّس بلال الصعداء وانزاحت عن صدره صخرة قاسية كانت تجثم فوق اصلاعه فدمعت عيناه وراح ينظر الى السماء في امتنان.

حاول أبو جهل في عناد قديم أن يمنع هزيمة قريش وكان يقاتل سياج من رماح رجاله وفي مقدمتهم ابنه عكرمة ولكن أنّى لهؤلاء الحفنة من الحمقى الوقوف بوجه رياح النصر وهي تعصف بعنف من أدنى الوادي اقتربت هتافات : أحد أحد وماهي إلاّ لحظات حتى هوى ابو جهل وارتطم رأسه بالأرض.


وضع عبدالله بن مسعود قدمه على عنق أبي جهل الذي رمقه متسائلاً :

ـ لمن الدائرة؟

ـ لله ولرسوله وللمؤمنين.

كانت قدم ابن مسعود تدقّ عنق أبي جهل ، فتمتم حانقاً :

ـ لقد ارتقيت مرتقىً صعباً يا رويعي الغنم.

حاول أن يبصق كعادته فسقط البصاق فوق وجهه وجحظت عيناه. كان هو الآخر ينظر برعب الى شيء ما.



١٣

يثرب تألق فرحاً وقد عاد النبيّ ورايات النصر تخفق فوق رأسه. كانت سعفات النخيل تتمايل طرباً

توجّه النبيّ الى المسجد فصلّى ركعتين كان المسجد هادئاً والسكينة نبع يتر قرق في جوانبه ، نهض النبيّ واتجه صوب منزل فاطمة كعادته

هبّت الفتاة لا ستقبال ابيها العظيم ، وكانت ابتسامة مشرقة تضيء قسمات وجهها الأزهر.

طبع الأب قبلة دافئة على جبين ابنته أودعها كلّ معاني الابوّة والحبّ ووجدت فاطمة نفسها في أحضان امّها الدافئة دخلت عائشة وكانت تغار من فاطمة فقالت مستنكرة :

ـ اتقبّلها وهي ذات بعل؟

أجاب النبيّ مدارياً :


ـ والله لو علمت ودّي لها لازددت لها حباً.

أجابت ممتعضة :

ـ أنت لا تفتأ تكرّر ذلك وتذكر امّها العجوز وقد هلكت في الدهر الأول فابدلك الله خيراً منها.

أجاب النبيّ بحزن :

ـ لا والله ما أبدلني خيراً منها آمنت بي إذ كفر بي الناس ، وصدّقتني إذ كذبني الناس ، وانفقت مالها إذ حرمني الناس ، ورزقني الله منها ذرّية دون النساء. ارتفع صوت عائشة فقالت فاطمة وهي تنسحب بهدوء :

ـ يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبيّ.

ردّت عائشة وقد احمّر وجهها غيظاً :

ـ والله يا بنيّة خديجة ما ترين إلاّ أن لأمّك علينا فضلاً وأيّ فضل كان لها علينا؟!

ما لهذه المرأة لا تفتأ تذكر امرأة توسّدت التراب من ثلاث سنين إلاّ لأنها ولدت فاطمة؟ وفاطمة فتاة تنم عن سيدة كما ينمّ البلور عمّا فيه وقد ولدت سيّدة النساء. تدخّل النبيّ غاضباً :

ـ يا حميراء ان الله بارك في الودود الولود.

وأردف وهو يكفكف دمعة شرقت من عينيه :


ـ رحم الله خديجة.

صرخت عائشة ثائرة :

ـ إنّك تحبّ فاطمة وعليّاً اكثر مني ومن أبي.

ماذا تقول فاطمة لهذه المرأة. هل تقول لها كيف لا يحبّ علياً وقد ربّاه في حجره ، فلما اشتدّ عوده آمن به وفداه بنفسه يوم هاجر ، وفي بدر وقد نصر الله المسلمين وهم قلّة. أتقول لها أن أباك كان مختبئاً في « العريش » وكان عليّ يقاتل يقات بضراوة فصرع لوحده خمسة وثلاثين من صناديد قريش من أصل سبعين. ماذا تقول لهذه المرأة التي أفقدتها الغيرة صوابها ، ماذا تريد من أبي وزوجي كانت لوعة تتأجج في روحها.

ـ لك الله يا أبي.

وماذا بوسعها أن تقول لا لا لن تقول شيئاً لن تضيف همّاً جديداً إلى هموم النبي وقد تألّب العرب عليه لقد تعلّمت فاطمة الصبر رضعته مع لبن امّها مرّاً حنظلاً لكنها تعودت مذاقه حتى بات شيئاً مألوفاً.

وفي البيت نادت فاطمة أباها :

ـ يا رسول الله.

ولكن ، لا جواب ونادت مرّة اخرى يا رسول الله.


كانت كلمات الله تترقرق في اعماقها : « لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا ».

هتف فاطمة :

ـ يارسول الله!

التفت الأب العظيم وكان ينتظر منها كلمة أقرب الى قلبه :

ـ يا فاطمة! انّها لم تنزل فيك أنت مني وأنا منك قولي يا أبه ، فانّها أحيى للقلب وأرضى للرب.

سأل عليّ مبتسماً وقد أراد أن يشيع البهجة في الحجرة :

ـ يا رسول الله ، أنا أحبّ اليك أم فاطمة؟

ضحك النبيّ وقال بود :

ـ أنت عندي أعزّ منها وهي أحبّ منك. طافت الابتسامة الوجوه كفراشة تدور بين زهرات ثلاث.

التفت النبيّ الى ذكرى خديجة وقال مستفسراً :

ـ يا فاطمة ما كانت حاجتك أمس؟

سكتت فاطمة ، لاذت بالصمت

لقد اكتشف أبوها اذن انها جاءته لحاجة ثم عادت دون ان تسأله ، وهاهو اليوم يسألها وهي تودّ أن لا تسأله ، على أن منظرها يشفّ عمّا بها خاصّة كفيّها فيما تزالان تؤلمانها من كثرة ما طحنت بالرحى.


تدخّل عليّ وقد عرف ان فاطمة لن تقول شيئاً :

ـ أنا أخبرك يا رسول الله انّها استقت بالقربة حتى أثرت في صدرها وجرّت بالرحى حتى مجلت يداها وانّها تسألك جارية تكون لها عوناً في ذلك

شعر النبيّ بالحزن يعتصر قلبه وانبجست من عينيه الدموع وقال بلهجة تنم عن اعتذار عميق لابنته :

ـ يا بضعة محمّد ، انّ في المسجد اربعمائة رجل مالهم طعام ولا ثياب فتعجلي يا بنتاه مرارة الدنيا بحلاوة الآخرة

وأقبل النبيّ على عزيزته يرفدها من روحه العظيمة فقال :

ـ ألا أعلمك ما هو خير لك من الخادم.

ـ أجل يا أبه.

ـ تسبحين الله ثلاثاً وثلاثين مرّة وتحمدين ثلاثاً وثلاثين مرّة وتكبّرين أربعاً وثلاثين؛ تلك مئة باللسان وألف حسنة في الميزان.

ابتسمت فتاة الأنبياء. ظهر البشر في عينيها العميقتين عمق البحار وهمست في نفسها :

ـ طلبنا الدنيا فجاءت لنا الآخرة.

ويمرّ عام. تعاقبت فصوله الأربعة وانطوت أيامه ولياليه.



١٤

اطلّ شهر رمضان وتألقت لياليه الجميلة السماء تكتظّ بالنجوم وصفاء لا عهد ليثرب به يسود المدينة ، وطافت آيات القرآن بساتين النخيل والأعناب.

فاطمة صائمة ، والهلال الذي بزغ في سماء يثرب ينمو يكبر ، وجنين في بطن فاطمة يتحرّك يفيض بالحياة والعيون تترقب كوكباً سيشرق على الدنيا.

كبر الهلال أصبح نصف دائرة من فضة وتدور الليالي حتّى إذا أصبح القمر بدراً ، بدأت لحظة المخاض.

تألق الأمل في بيت عليّ وأطلّ على الدنيا صبي عليه سيماء محمّد.

خفّ النبيّ الى منزل فاطمة ، والبشرى تطوف فوق جبينه.

هتف النبيّ بأسماء وكانت عند فاطمة :

ـ هاتي إليّ إبني.


تقدّمت اسماء تحمل طفلاً ملفوفاً بمنديل أصفر.

احتضن النبيّ حفيده وطوّح بالمنديل الأصفر بعيداً وقال :

ـ يا أسماء ألم أعهد اليكم ان لا تلفّوا المولود بخرقة صفراء

أسرعت اسماء وأحضرت منديلاً أبيض ، وبدا الوليد حمامة بيضاء ، أو غمامة هبطت من سمائها إلى الأرض.

تساءل النبيّ عن اسمه فقال عليّ :

ـ ما كنت لأسبق رسول الله.

ـ يا عليّ أنت مني بمنزلة هارون من موسى فسمّه باسم ابن هارون.

ـ وما كان اسمه يا نبيّ الله.

ـ اسمه شبّر.

ـ العرب لا تعرف هذا الاسم.

ـ سمّه حسناً.

ـ كانت فاطمة سعيدة وكانت سعادتها انعكاساً لسعادة والدها كما ينعكس النور في المرايا

كانت فاطمة فرحة لأنها لم تر أباها سعيداً كهذا اليوم ، طافت أمام عينيه سعادة قديمة يوم قدّمت خديجة طفلته الحبيبة فاطمة يوم بشّره جبريل بالكوثر.


مرّت سبعة أيام..أيام ملوّنة كقوس قزح حتّى اذا أطلّ اليوم السابع نحر النبيّ كبشاً وعقّ عن حفيده لقد فدت السماء اسماعيل بكبش وهاهو حفيد ابراهيم يفدي الوليد المبارك بكبش أملح واعطى القابلة فخذاًوديناراً

وضع النبيّ الوليد في أحضانه وحلق شعره وتصدّق بوزن الشعر فضة.

وأدرك الذين رأوا النبيّ وحفيده وتلك السعادة التي كات تتدفّق في وجه النبيّ ان حبّاً عظيماً قد تفجّر في قلب الرسول وان لهذا الوليد المبارك شأناً عظيماً.

وتدور الأيّام والقلب الصغير ينبض بهدوء كنهر هادئ

استعادت فاطمة نشاطها بل شعرت ان قوّة كامنة قد تولّدت في روحها قوّة تدفعها الى العمل الى ان تلمس الأشياء فتمنحها اسمها وجمالها.

رشت الفناء بالماء تناثرت من بين أصابع كفّها حبّات باردة كانت تتألّق في ضوء الشمس وامتلأ الفضاء برائحة طيّبة تشبه رائحة الأرض المرشوشة بالمطر رائحة تشدّ المرء إلى أن يفتح صدره فيستنشق الهواء يملأ به رئتيه.

كان الحسن في مهده غافياً وطيف ابتسامة يلوح فوق فمه


الدقيق كوردة تتفتح للربيع ربما كان يحلم باشياء جميلة أشياء أودعها الله في النفس يوم خلق الانسان.

كانت فاطمة ترنو الى الوليد الذي صيّرها امّاً. وقد ولدت فاطمة الامّ تدفق نبع الامومة في قلبها فيّاضاً رقيقاً

جلست إلى الرحى ومسّتها فدارت حول قطبها هادئة.

وبصوت رخيم راحت بنت النبيّ ترتّل آيات جاء بها جبريل من السماوات البعيدة لشدّ ما تحب فاطمة تلك الفتاة الطاهرة مريم ابنة عمران انساب الصوت رقيقاً مؤثّراً كساقية :

« وإذ قالت الملائكة يا مريم إنّ الله اصطفاك وطهّرك واصطفاك على نساء العالمين يا مريم اقنتي لربّك واسجدي واركعي مع الراكعين قالت الملائكة يا مريم انّ الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقرّبين ».

رنت فاطمة نحو وليدها حرّكت مهده بقدمها وراح المهد يتهادى على هون كزورق في بحيرة رائقة.

الرحى تدور بهدوء وكلمات السماء تنساب بخشوع والمهد يتأرجح برفق وتلتقي هذه الأشياء لتملأ حياة فاطمة حيث الزمن نهر تتدافع امواجه في رحلة نحو البحر الكبير ، أورحى كببيرة تدور حول قطب ثابت لا يعرف الدوران.


١٥

جلس أبو حفصة يفكّر ، والليل والظلام فلاة واسعة يبذر المرء فيها ما يشاء ويزرع ما يشاء ويحصد ما يشاء ، يطير في السماء أو يمشي في الأرض يخرقها أو ينافس الجبال طولاً

جلس أبو حفصة وحيداً وبدا جبينه الواسع برّاقاً في ضوء القنديل كان يفكّر في ماضيه شجرة قصيرة النسب ليس لها جذور في أرض الجزيرة في مكة كان يهرب من نفسه يشرب الخمر كؤوساً تنسيه ماضيه فيعيش في بعض خيالاته أو ربما ثأر من بعض أهل الشرف ، فيتغاضون عنه والسكر عذر.

تذكر فرحته يوم « أسلم » محمّد منحه الأمل في حياة لا حسب فيها ولا نسب إلاّ التقوى ولكن خابت آماله في المدينة ما يزال البعض ينظرون اليه نظرات مستفهمة فكان يزيد التصاقه بالنبيّ. زوّجه ابنته حفصة. أصبح صهراً لرجل عظيم في الجزيرة كلّها ،


صادق أبا بكر؛ وأبو بكر له منزلة. هاجر مع النبيّ بات معه في الغار.

امتدّ به الليل وأضحت النجوم أشدّ لمعاناً اشتعلت في أعماقه رغبة مجنونة في الهرب تناول جفنة صغيرة فملأها خمرة معتّقة وأفرغها في جوفه. شعر بأن أعماقه تشتعل ، وزاد وجهه حمرة كجمرة متوقّدة في الظلام صبّ لنفسه جفنة اخرى واخرى اشتعلت عيناه تراقصت فيهما اضواء القنديل عوت ذئاب ، وولد وحش في أعماقه. كان الوحش يكبر ويكبر يزداد شراسة. فجأةً هبّ واقفاً حتى كاد راسه أن يرتطم بالسقف سوف يحطّم بيوت يثرب اتّجه الى منزل « ابن عوف » لشدّ ما يكره هذا الرجل يفاخر بنسبه يتباهى بذهبه وفضته طرق الباب بعنف فخرج الرجل وهو يحاول فتح عينيه بصعوبة ، التمعت عينا ابي حفصة وهو يهوي على رأس ابن عوف بقبضته ، ارتدّ الرجل مذعوراً وما لبث أن تهاوى في عتبة الباب.

راح عمر يجتاز البيوت حتى اذا جعلها وراءه وبدت الصحراء أمامه بعيدة والسماء تكتظّ بالنجوم تذكّر ما جرى قرب آبار بدر تذكّر صناديد قريش وهم يسحبون فوق الرمال ثم يرمى بهم في القليب ، راى أبا جهل جثّة هامدة ورأى اميّة بن خلف وعتبة وشيبة والوليد. رآهم صرعى وكانوا يملأون مكّة هيبة لقد أخذهم الموت


دون عودة وخلّفوا وراءهم ذهباً وفضة ونساءً جميلات وخلّفوا شجرة مجدهم الرفيع.

انطلق أبو حفصة يتغنى بشعر الأسود :

وكــايــن بــالقليب قلـيب بـــدر

من القــيـنات والشـــرب الكــرام

وكــايــن بالقليب قلـــيب بـــدر

مـن السـرب الـمكـامــل بالســنام

أيدعونــا ابـن كـبشـة ان سنـحــيا

وكـيــف حيــاة اصـــداء وهـــام

أيـعجز أن يــرّد الـمـــوت عنـــي

وينشـرنــي اذا بليــت عـظـــامــي

سمع بعضهم صوت عمر يشقّ صمت الليل ففضّل السكوت رجل عنيف حادّ الطبع.

ولكن « ابن عوف » لم يتحمّل كان يشقّ طريقه في الظلام الى منزل النبيّ انّه يعرف رسول الله. سوف يجده مستيقظاً يعبد الله ، وربما ينتظر أوبة رجال بعثهم في الصحراء يستطلعون له أخبار القبائل وأخبار قريش فقريش لا تنام على الثأر.

طرق ابن عوف الباب وانتظر اطلّ النبيّ بوجهه المضيء رأى


صاحبه ابن عوف ، وخيط من الدم يلون راسه وقطرات حمراء فوق ثوبه.

تمتم ابن عوف بشيء من العتب :

ـ عمر يا رسول الله

أدرك النبيّ كلّ شيء ما يزال صاحبه يشرب الخمرة ويفعل ما يحلو له

بان الغضب على وجه النبيّ بعدما عرف بأن صاحبه يتغنى بشعر اعدائه يردده كلمة بكلمة وحرفاً بحرف والأنكى من ذلك أنّه يحرض المشركين لإطفاء النور الذي توهّج في الجزيرة.

وربّما لاوّل مرّة؛ رأى المسلمون رسول الله يتميّز غضباً حتى اذا وقف على رأس صاحبه. هتف أبو حفصة وقد عاد الى وعيه :

ـ أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله.

كاد الرسول أن يهمّ به لو لا كلمات سمعها هدأت نفسه وكظم غيظه يا للإرادة تضع نفسها فوق فوهة بركان ثائر وهكذا تعرف الرجال في مواقف كهذه دونها لهوات الحرب وظلال السيوف.

عاد النبيّ الى منزله يفكّر في آفة العقول هذه ماذا تفعل بالناس هؤلاء الفارّون من ضوء النهار الى هلوسة الظلام.

نهض أبو حفصة يجرجر قدميه عائداً هو الآخر الى بيته وكانت


العيون تحاصره تستنكر هذيانه رفع عمر يديه الى السماء وهتف :

ـ اللّهم بيّن لنا بياناً شافياً في الخمر.

وفي الصباح سمع أبو حفصة بآية حملها جبريل من قلب السماوات :

ـ إنّما يريد الشيطان ان يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدّكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل انتم منتهون.

هتف عمر وهو يحطّم آنية الخمر بعصبية :

ـ نعم انتهينا نعم انتهينا.

سادت المدينة حركة غير عاية وتوالت الحوادث اليهود يتآمرون خلف حصونهم يحرّضون المشركين كافة على غزو المدينة والنبيّ قلبه على المدينة يخاف عليها الغدر وكانت السماء تحرس مدينةً آوت النبيّ تحميها من دسائس اليهود.



١٦

مناحات مكّة ما تزال تتصاعد في فضاء الجزيرة كخيوط الدخان ، وقريش تعدّ العدّة للثأر تحدّ سيوفاً وخناجر ، « أبوسفيان » يصرّ على نواجذه غيظاً يحاول أن يفعل المستحيل وقد تحوّلت زوجه الى أفعى رهيبة في عينيها يسكن حقد يحيل السلام الى حرب ضروس والأخضر الى رماد ودخان. هند لاتنام الليل. تبحلق في الظلام كأفعى اسطورية. وأبو سفيان يقود خيلاً ورجالاً ، يغير على المدينة في قلب الليل. يتسلّل كحيّة تسعى. ويجد « ابن مشكم » زعيم بني النظير ينتظره يدلّه على نقاط الضعف في المدينة. يعلّمه كيف يقتل محمّداً عدوهما المشترك.

كان كعب بن الأشرف يصغي بصمت. يراقب سيّده كيف يحوك خيوط العنكبوت وأبو سفيان يتلمظ كحيّة عيناه تستعران كجمرتين وبدت ظلاله على الحائط شيطاناً مريداً.


قال أبو سفيان وقد أثاره صمت كعب؛ ربما تعجب من حماس اليهود لقتل محمّد وهم أهل كتاب :

ـ أقسم عليك بالتوراة؛ ديننا خير أم دين محمّد.

انتبه كعب كما لو لسعته عقرب وقال بغيظ :

ـ بل دينكم يا أبا سفيان أهدى من دين محمّد.

قال ابن مشكم بخبث يهودي :

ـ أتراه كاذباً يا أبا سفيان؟!

ردّ أبو سفيان وقد ملّ :

ـ كيف وقد كنّا ندعوه الصادق الأمين.

ـ فلم تقاتلونه إذن؟

شعر أبو سفيان بالنار تشتعل في رأسه :

ـ كنّا وبنو هاشم مثل فرسي رهان كلما جاءوا بشيء جئنا بمثله حتّى ظهر محمّد فماذا يبقى لنا.

قال كعب وهو يصب الزيت في النار :

ـ لو اجتمعت قبائل العرب عليه ما وصل الأمر الى هذا الحد. قوافلكم ، هيبتكم وحتى آلهتكم في خطر ، تغدّوا به قبل أن يتعشى بكم.

نهض أبو سفيان حانقاً وهتف بعصبية :

ـ لن يطلع القمر حتى تسمع بمناحة في بيوت يثرب.


أسرع أبو سفيان وأمعن في الصحراء الى حيث يعسكر مئتان من خيله ورجاله.

المدينة تغفو هادئة تنتظر الفجر تترقّب صياح الديكة ليوم جديد تزرع وتبني وتفجّر الصخر ينابيع

سنابك خيل مجنونة تهزّ الأرض وتثير غباراً امتزج مع غبش الفجر.

في « العريض » من أطراف المدينة شبت النار في منزلين وفرّت النسوة والأطفال وذبح رجال واحترقت بساتين النخيل وفرّ المغيرون لا يلوون على شيء.

كان أبو سفيان يراقب متلذذاً منظر النار وهي تلتهم أهداب يثرب. ودّ ان هنداً كانت حاضرة علّها تطفئ غليلها.

صراخ الأطفال والنساء يملأ الفضاء المفعم بالسكينة. وتناهت الى اذنيه صهيل خيل غاضبة فهمز فرسه تسبق الريح باتجاه مكّة.

استيقظت مكّة وقد سادتها حمى الحرب وراحت تنفث في الفضاء روح الثأر ثلاثة آلاف محارب يلتفون حول أبي سفيان ، والتفت حول هند أربع عشرة امرأة وثارت الحمية حمية الجاهلية.

وتصاعد دخان البخور لهبل إله الحرب ليأخذ لهم ثأرهم من محمّد.

على ضوء سراج واهن بدا « العباس » مهموماً وهو يكتب الى ابن


اخيه رسالة يحذّره فيها من حملة وشيكة لقريش. وفي جوف الليل انطلق فارس يسابق الريح ويطوي رمال الصحارى لا يلوي على شيء.

كان النبي في « قباء » على مبعدة أربع أميال جنوب يثرب في تلك الأرض التي وضع قدمه فيها آمناً بعد هجرة مثيرة. وقد جاء ليراقب عن كثب ما تموج به الصحراء من غدر ودسائس القبائل لا تريد ليثرب السلام ؛ تخطب ودّ قريش حيث مكة ام القرى وبيت الآلهة وقريش لا تنام على الثأر

لا شيء في الافق البعيد سوى الرمال الصمت يهيمن على الأشياء يزيدها رهبةً كان أبيّ بن كعب يدقّق في نقطة سوداء لاحت في الافق فهتف متسائلاً :

ـ اظنّه فارساً يسابق الريح.

ـ اجل يبدو انّه قادم من مكة.

توقّف الفارس بعد أن كبح جماح فرسه بعنف أثارت الفرس الرمال المتوهجة وقفز الفارس مبهور الأنفاس يحمل في يمينه رسالة من قلب ينبض بحبّ النبيّ.

لا أحد يعرف مضمون الرسالة التي قرأها ابن كعب على النبيّ ولكن الوجوم الذي غمر وجه الرسول يشفّ عن أمر مثير وحادثة ستهزّ الصحراء والتاريخ.


١٧

قمر الربع عشر من شوّال يتألق في السماء يزدهي بهالته بين النجوم ، وقناديل المدينة تتوهج ترسل ضوءاً ذهبياً. وبدت الكوى ينابيع تتدّفق بالنور.

وفي المسجد التفّ المؤمنون حول الرسول ، شباب وشيوخ وكهول يتداولون أمراً هامّاً. قريش تزحف صوب يثرب. قال النبيّ :

ـ نقيم في المدينة وندعهم حيث نزلوا فان أقاموا أقاموا بشرّ مقام وان هم دخلوا علينا قاتلناهم.

اخرج النفاق رأسه إذ قال ابن سلول وقد صادفت الفكرة هوىً في نفسه :

ـ نعم يا رسول الله نقيم في المدينة.

ساد الوجوم الشباب كانوا يتمنون الحرب في الصحراء


والحرب في أزقّة المدينة لا يشبع حماسهم وكيف ينعمون بحرب تشارك فيها النسوة والأطفال. هتف شاب لم يحضر بدراً يتمنّاها منذ عام :

ـ ماذا ستتحدّث العرب جبنّا عن اللقاء وقريش تشنّ علينا الغارات.

هتف آخر :

ـ اخرج بنا يا رسول الله إلى أعدائنا حتى لا يزدادوا جرأة.

ساد الحماس وبلغ ذروته ، وضاع صوت العقل. وعندما ينفلت زمام العاطفة تصبح فرساً جموحاً لا تصغي لأحد ولا يقف في طريقها شيء.

هبّت العاصفة لا يعتورها أحد ، وأضحى من الحكمة مماشاتها وتوجيهها ، والحدّ من عنفها.

انتبه بعضهم وقد تأثر لمنظر النبيّ يعدّل درعه ، عرضوا عليه القبول برأيه والبقاء في المدينة ، فقال بحزم :

ـ ما ينبغي لنبيّ لبس لامته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوّه.

وأردف ليحكم قبضته على العاصفة :

ـ عليكم بتقوى الله والصبر عند البأس وانظروا ما آمركم فافعلوا.


وقفت فاطمة تودّع أباها وبين ذراعيها صبّي له من العمر شهر ، اعتنقه النبيّ راح يملأ صدره من شذى عطر له رائحة الجنّة ، وهمس بحب :

ـ انّه ريحانتي من الدنيا وامّه صدّيقة.

ودّع الرسول يثرب ، ومعه ألف مقاتل ، وفي ثنيّة « الوداع » حيث الجادّة التي تؤدي الى مكة. وعندما وصل « الشيخان » وهما جبلان في أطراف المدينة قام النبيّ باستعراض لقوّاته فأرجع من الشباب من كان دون الخامسة عشرة

طلع الفجر ووصل النبيّ « الشوط » بستان بين المدينة وجبل « احد »

وذرّ رأس النفاق قرنه فأعلن تمرّده على الرسول.

عاد « إبن ابيّ » وعاد معه ذيوله وكانوا ثلاثمئة ، فأحدث ذلك شرخاً في جيش النبيّ وهو على وشك الاشتباك.

عسكرت قريش في وادي « قناة » وانتشرت في أرض سبخة ، قاطعةً الطريق على جيش المسلمين.

تساءل النبي عن دليل يمكنه هداية الجيش على طريق يؤدي الى احد لايمرّ على جيش المشركين.

هتف « أبو خيثمة » :


ـ انا يا رسول الله.

ـ سر على بركة الله.

سلك الدليل « حرّة » بني حارثة وهي أرض ذات حجارة سوداء منخورة كأنها شويت بالنار كانت المزارع على يمين الجيش المتقدّم وقوّات المشركين على شمالهم واتجه الدليل شمالاً نحو جبل احد ، وقطع وادي « قناة ».

دخل الجيش الشعب المطلّ على الوادي ، تاركاً الهضاب والجبل وسفوحه في ظهره.

نظم النبيّ جنوده صفوفاً في ثلاثة أنساق وانتخب خمسين من أمهر الرماة ، وأمرهم بالمرابطة فوق جبل « عينين » وهو جبل صغير يقع في الجنوب الغربي من معسكر النبيّ وعلى بعد مئة وخمسين متراً من مقرّ القيادة ، وكان اجراؤه هذا تحسباً من حركة التفاف يقوم بها المشركون ، وكان النبيّ يعلم ان لدى قريش قوّة كبيرة من الفرسان تحت إمرة « خالد بن الوليد » وكانت هذه القوّة مصدر قلق للنبيّ.

قال النبيّ لابن جبير قائد الرماة :

ـ انضحوا الخيل بالنبل ، لا يأتونا من خلفنا

والتفت الى بقية الرماة :

ـ احموا لنا ظهورنا لا يأتونا من خلفنا وارشقوهم بالنبل فان


الخيل لا تقدم على النبل إنّا لا نزال غالبين ما لبثتم مكانكم ، اللّهم اني أشهدك عليهم.

وللمرّة الأخيرة أوصاهم النبي :

ـ إن رأيتمونا تتخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم حتى أرسل اليكم ، وان رأيتمونا ظهرنا على القوم وأوطأناهم فلا تبر حوا حتى أرسل اليكم ، وان رأيتمونا غنمنا فلا تشركونا ، وان رأيتمونا نقتل فلا تغيثونا ولا تدافعوا عنّا.

نظّم النبيّ قواته واضعاً في الخط الأوّل رجالاً أولي بأس شديد بدا فيهم عليّ وحمزة وأبو دجانة وسعد بن الربيع ورجال حملوا أرواحهم فوق الأكف ، كما خصّص كتيبة بقيادة المقداد للتنسيق مع الرماة في صدّ هجوم محتمل قد يقوم به فرسان قريش.

تذكّر النبي رؤياه. عادت تتمثّل أمامه من جديد رأى ابقاراً تسر الناظرين رآها تذبح فتشحط دماً عبيطاً ورأى في حدّ سيفه ثلماً

تجمّعت في السماء النذر وبدت السيوف بين الغبار بروقاً نزلت الى الأرض وشدّ أبو دجانة حول رأسه عصابة الموت كجرح يفور وأدرك الذين رأوه أن الرجل قد اختار الموت طريقاً إلى الحياة.

الرجل الذي اختارته السماء رسولاً الى الأرض يبلّغ رسالته :

ـ ما أعلم من عمل يقرّبكم الى الله إلاّ وقد أمرتكم به ، ولا أعلم


من عمل يقرّبكم الى النار إلاّ وقد نهيتكم عنه ، وانه قد نفث الروح الأمين في روعي انه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها لا ينقص منه شيء المؤمن من المؤمن كالرأس من الجسد اذا اشتكى تداعى اليه سائر الجسد.

وفي العسكر الآخر في أرض سبخة تعالت أصوات الدفوف والطبول تشف عن روح همجية متعقشة لرؤية الدماء تسكر على صوت طبول الحرب تدّق بعنف فيستيقظ الشيطان يربد ويدمّر.

خرجت خمس عشرة امرأة ينشدن أناشيد الثأر :

وكان صوت هند له نبرة نمرة متوثبة :

نحـــن بــنـــات طـــــارق

نــــمشي عــلى النمـــــارق

الــــدرّ فـــــي المخـــــانق

والمسك فــــــي المـــــفارق

ان تــــــقبلـوا نـــــعـــانـق

ونـــفــرش الـــنـــمــــارق

أو تـــــــدبـروا نـــــفــارق

فـــــــراق غيـــــــر وامــق

وحلم رجال بليال حمراء ليال مليئة بالمتعة ، ومنّوا انفسهم


يسبي من يثرب فيهنّ حسان من الاوس أو الخزرج.

اتّسعت الأحداق وعضّ الرجال على النواجذ وبدأت قريش الهجوم. بدأت قوّة من المشاة تساندها كوكبة من الفرسان بقيادة عكرمة بن أبي جهل هجوماً على ميسرة الجيش الاسلامي لتدميرها ، ومن ثمّ النفوذ الى عمق الشعب وضرب المسلمين من الخلف.

قوبل الهجوم العنيف برشقات كثيفة من النبال واعترض المقداد بقوّاته سيل المهاجمين وأرغمهم على التراجع ومن فوق سفوح أحد تدحرجت الصخور والحجارة فارتدّ المهاجمون وتشتتوا

عاود الفرسان الكرّة مرّة بعد اخرى ولكن دون جدوى. وفي تلك اللحظات الحسّاسة أصدر النبيّ أمره بشنّ الهجوم المعاكس مستهدفاً قلب القوّات المتقهقرة وكان ثقل المعركة يدور حول « لواء » قريش من أجل اسقاطه وتحطيم الروح الجاهلية. وسقط اللواء بضربة من عليّ ثم ارتفع مرّة اخرى ثم هوى على الأرض ثم ارتفع ثم هوى ممزقاً فوق الأرض

تزلزلت معنويات المشركين ودبّت فيهم الهزيمة واطلقت هند ساقيها للريح وسقطت الدفوف وتبعثرت أمنيات زوج أبي سفيان وذهبت أدراج الرياح

وفي غمرة النصر سقط حمزة. اخترق قلبه رمح وحشي


سقطت ثلمة من سيف محمّد.

وفوق جبل « عينين » كانت هناك معركة من نوف آخر معركة في داخل النفوس رهيبة مشتعلة أشعلتها الغنائم المبعثرة في الوادي.

وأخيراً وبعد صراع عنيف انتصرت النفوس الأمارة بالسوء وغادر أكثر الرماة مواقعهم « لايلوون على شيء » و ( ابن جبير ) يدعوهم يذكّرهم بوصايا الرسول. غير أن النفوس التي أصغت الى فحيح الشياطين نسيت همسات السماء.

كان خالد بن الوليد ينتظر الفرصة وعندما شاهد منظر الرماة وهم يهبطون الجبل التمعت في عينيه حمى الحرب ، فاندفعت الخيول كالعاصفة وعمّت الفوضى صفوف الجيش الاسلامي

وفر المسلمون لا يلوون على شيء ، والرسول ينادي :

ـ أنا رسول الله هلموا اليّ!

وبعد لأي تمكّن النبي من تجميع أكثر قوّاته والانسحاب بهم نحو سفح الجبل.

صرخ أبو سفيان في بطن الوادي :

ـ اعل هبل.

وجاء صوت الرسول :

ـ الله أعلى وأجلّ.


ـ لنا العزى ولا عزّى لكم.

ـ الله ، مولانا ولا مولى لكم.

ـ يا محمّد حنظلة بحنظلة ويوم بيوم بدر والحرب سجال.

أمر النبي عليّاً أن يستطلع قوّات قريش فقد تجتاح المدينة :

ـ انظر فإن جنبوا الخيل وامتطوا الإبل فانهم يريدون مكّة وان ركبوا الخيل فانّهم يريدون المدينة

وأردف النبي وقد برق العزم في عينيه :

ـ والذي نفسي بيده لئن أرادوا المدينة لأناجزنّهم.

جراح النبي تنزف تفور لا تعرف التوقّف. يالجراح الأنبياء حمراء حمراء بلون الشفق ، تبشّر بالنهار بشمس ساطعة ودفء الربيع.



١٨

كذئاب مجنونة راح المشركون يجوسون خلال الجثث الهامدة يمزّقون اكباداً وقلوباً كانت تنبض بالحياة؛ تحلم بعالم جميل؛ بدنيا آمنة مطمئنة.

جثمت « هند » على جسد كنسر متوحّش وبدا وجهها الحادّ كغراب شره كان صوتها يشبه فحيح الأفاعي :

ـ حمزة : صيّاد الاسود جثة هامدة انهض يا قاتل أبي وأخي :

استلت هند خنجراً وبقرت بطن أسد الله وأسد رسوله ثم انشبت يدها في بطنه. كانت المخالب تبحث عن كبد حرّى ولما عثرت عليها انتزعتها وحمزة ما يزال نائماً يعلو وجهه غبار خفيف.

مزّقت الذئبة كبد الانسان. تريد أن تلوكه أن تبتلعه.

وعلى تلال قريبة كانت نسوة في المدينة يرقبن المعركة ، وقد


غاظهن فرار المسلمين ، صرخت « ام أيمن » وهي تحثو التراب في وجه « عثمان » :

ـ هاك المغزل فاغزل به وهلم سيفك.

أراد عثمان أن يخبرها بمقتل النبيّ وانّه سنع أحدهم يهتف وسط المعركة : قتلت محمّداً؛ ولكنه فضل الصمت فأمّ أيمن إمرأة في رجل. سوف تحثو في وجهه التراب مرّة اخرى.

لوى عثمان عنان فرسه وانطلق صوب جبل « الجلعب » في ناحية يثرب وتبعه المنهزمون فهو خبير في اكتشاف المخابئ وقد يجتاح أبو سفيان المدينة.

عاد النبيّ إلى المدينة ينوء بجراحاته ، واخفق عليّ وهو يغسل جراحه أن يوقف نزف الدماء؛ وكادت « فاطمة » أن تموت وهي ترى أباها والدماء تسيل من وجهه تدفقت الدموع غزيرة كسماء ممطرة واستيقظت في أعماقها كوامن الأمّ تحاول انقاذ وليدها بأي شيء؛ عمدت إلى حصير فاحرقته ، ولما صار رماداً لمّت الرماد وراحت ترش جراح النبي.

نجح الرماد في وقف اشتعال النار ، أطفأ الجراح بعد أن أخفق الماء.

كان عليّ يراقب زوجه تضمّد الجراح تمسّها ببلسم يوقف تدفق


الألم.

تأملت فاطمة سيف أبيها وسيف بعلها وقد جللتهما الدماء وأدركت هول الملحمة التي دارت في جبل احد.

قال علي وهو يناولها سيفه.

ـ خذيه فلقد صدقني اليوم.

فقال النبي :

ـ لقد أدّى بعلك ما عليه وقتل الله بسيفه صناديد قريش حتى نادى جبريل بين السماء والأرض : لا سيف إلا ذوالفقار ولا فتى إلاّ علي.

نظرت فاطمة الى زوجها تشكره بعينين تشعان رحمة الله وحده يعرف الأعماق وحده الذي يعرف روح هذا الفتى الشجاع الذي حمل روحه على كفّه يفدي رسول الله وقد غدا كل شيء في دنياه ، انه لا يعرف للحياة معنى إلاّ بمحمّد محمّد الذي منحه في زمن الرعب الطمأنينة والسلام.

عاد عثمان ومن معه الى المدينة بعد أن مكث في الجبل ثلاثة أيام وقال النبيّ عندما وقعت عيناه عليهم :

ـ لقد ذهبتم فيها عريضة‍‍!! وتمرّ الأيّام وتندمل آلاف الجراح وعادت الى المدينة روح


الأمل وانطلق المجتمع الجديد يزرع ويبني ويعمل ويشحذ السيوف وقد أدرك الذين آمنوا ان طاعة الله والرسول هي الطريق الى النصر الى المجد وإلى جنّة عرضها السماوات والأرض.

عادت فاطمة تدير الرحى وتهزّ المهد وتدير منزلها الصغير وتضمّد جراح النبي تعرف مواقعها في روحه العميقة؛ وربّما انطلت الى أحد تبكي حمزة سيّد الشهداء تعرف عمق الجرح الذي أحدثه رحيله في قلب أبيها.

وأطلّ عام جديد يحمل معه أفراح النصر ويقدّم الى رسول الله ريحانة اخرى في حنايا فاطمة؛ فلقد ولد الحسين وجيهاً في الدنيا وفي الآخرة ومن المقرّبين.

وهمس النبيّ في اذنيه بكلمات السماء وسمعه الكثير وهو يقبّله قائلاً :

ـ حسين مني وأنا من حسين.

وكان الحسن قريباً فدبّ كنملة وراح يداعب شعر أخيه وقد غمره فرح طفولي ، وتدفق نبع جديد؛ نبع في اسرة صغيرة؛ اسرة أسسها النبيّ وباركتها السماء.

وتمرّ الأيام والنبيّ يشمر عن ساعديه ويبني الانسان انسان الصحراء يروّض في أعماقه الوحش ويضيء في ظلماته شمعة.


وبدت يثرب في أرض الله الواسعة سراجاً في مهب إعصار فيه نار أو قارباً صغيراً وسط الأمواج العاتية ، والنبيّ والذين آمنوا يقاومون المدّ الجاهلي ويحبطون مؤامرات يهودية واليهود عجنوا بالغدر وتشرّبوا تعاليم التلمود نبذوا التوراة بعيداً الاّ ما حرّفوه عن مواضعه ، يبنون حصونهم وقلاعهم ، وظنوا انهم مانعتهم حصونهم. يخفون وراءها حقداً دفيناً للانسان تناقلته أجيالهم منذ السبي البابلي وإلى ان يقضي الله أمراً كان مفعولا. يباهون الامم بموسى بن عمران وقد عشعش قارون في نفوسهم. ترنّ في أعماقهم خشخشة الذهب والفضة ، فتوارثوا عجلاً صنعوه منذ أن سوّل لهم السامريّ ، وظلوا عاكفين عليه حتى اذا نصحهم هارون كادوا ان يفتكوا به ، أداروا ظهرهم للذي أنجاهم من البحر وعكفوا على عجل له خوار.

كان موسى غاضباً وهو يلقي الألواح ويأخذ بمخانق أخيه. هتف هارون :

ـ انّهم استضعفوني وكادوا يقتلونني.

واتجهت الأبصار الى السامري. كاد موسى يبطش به :

ـ فما خطبك يا سامري؟

ـ لا شيء لقد رأيت أثر الملاك وكذلك سوّلت لي نفسي.

ومضى السامري في التيه يشدّ عباءته الى كتفيه يعتصر وجهه


المخادع بكفيه وعواء ذئب جائع يضجّ في صدره اللاهث ضاع السامريّ بين آثار الجمال والحمير لا يعرف له وطناً سوى تلك البقعة التي خسفت بقارون وخزائنه الزاخرة بالذهب الأصفر في أعماقه امنيات لعجل جديد يعبده من دون الله؛ لا تكفيه بقعة واحدة. يريد أن يبتلع سينا وأرض كنعان ، وبابل ورمال جزيرة العرب.

وحطّ السامري رحله هنا وهناك من أرض الجزيرة وراح يبني الحصون والقلاع وينهب الذهب ، القبائل العربية تعبد أصناماً من حجارة تنحتها بأيديها أو أشجاراً ذات رقاع ، وابناء السامريّ يعبدون عجلاً من ذهب يخطف الأبصار ، يظلّون عليه عاكفين حتى جاء محمّد.

توقّف التاريخ يحبس أنفاسه عند حصون بني النضير فقد جاء محمّد ومعه جمع من أصحابه يطالبهم بالوفاء وهم جبلوا على الغدر؛ يبتسمون لمن يدعوهم فيكشرون عن أنياب تنزّ صديداً.

قالوا وقد رأوا النبيّ عند الحصن في قلّة ودونما سلاح.

ـ نعم يا أبا القاسم نعينك على ما أحببت.

وجلس النبيّ ينتظر الوفاء.

وخلف جدران الحصون والقلاع ولدت مؤامرة.

اجتمع ابناء السامريّ العيون تبرق بالغدر :


ـ هذه فرصتنا للقضاء على محمّد.

ـ أجلّ نتغدى به قبل أن يتعشى بنا.

ـ انطلق يا « عزوك » فتحدّث معه وأطل الكلام.

ـ وأنت يا « جحاش » اصعد فوق الحصن والق عليه( رحى الطاحون).

حاكت العناكب شباكها على عجل. غير أنّ النبيّ الأمّي الذي يجدون اسمه في التوراة يعرف ما يجول في خواطرهم فغادر الحصن وجاء المدينة يسعى.

وحوصرت حصون السامريّ عشرين يوماً حتى تهاوت جميعاً وقتل عليّ « عزوك » ولملم بنو النضير شباك العنكبوت ورحلوا رحلوا بعيداً وتنفس النبيّ والذين آمنوا الصعداء؛ وتمت كلمة ربّك بالحق وقيل بعداً للقوم الظالمين.

وعادت يثرب مدينة منوّرة يكاد سنا نورها يضيء التاريخ.



١٩

الحياة في يثرب ينابيع متدفقة ، والأمل ينمو يكبر غدا شجرة خضراء أصلها ثابت وفرعها في السماء ، والذين نصروا النبيّ يعملون دائبين في زروعهم ، يرعون ماشيتهم. والذين هاجروا وجدوا لهم متّسعاً من مكان في الأرض وفي القلوب وغدا الجميع اخوة على دين واحد كلّهم من آدم وآدم من تراب ، والرسول لا يفتأ يؤلّف بين القلوب يغسل عنها أدران الجاهلية.

عليّ يعمل يسقي الزرع أو يفجّر الأرض ينابيع ، فيحصل لقاء ذلك صاعاً من شعير أو تميرات من نخيل يثرب.

كانت شمس الأصيل تغمر مسجد النبيّ بأشعتها الذهبية ، ومساقط الضوء تتناثر من بين جريد النخل كدنانير ذهب نثرت فوق عروس.

جلس النبيّ في قبلته بعد ان انفتل من الصلاة وقد تحلّق حوله


أصحابه فبدا كقمر وسط النجوم ، والزمن نهر يتدفق تتدافع قطراته بانتظام أو وحى كبيرة تدور وتدور ، تهب السنين لمن يشاء ومن لا يشاء. تفتح عيون الاطفال وتغمض عيوناً متغضنة الأجفان ، تشدّ أعواد الشباب وتقوّس قامات الكهول ، فالجميع الى زوال ويبقى وجه الله الله وحده.

دخل المسجد شيخ عصف به الزمان. نحت وجهه ومزّق ثيابه ، يدبّ على الأرض دبيب نملة تبحث عن رزقها في يوم بارد.

هتف الشيخ وهو يتطلّع الى النبيّ كأنما يتطلّع إلى شمس تهب النور والدفء :

ـ يانبي الله أنا جائع عريان اشبعني واكسني.

أجاب النبيّ وقلبه يذوب تأثّراً :

ـ ما أجد لك شيئاً ولكن الدالّ على الخير كفاعله انطلق الى من يحب الله ورسوله ، ويحبّه الله رسوله ، يؤثر الله على نفسه انطلق الى فاطمة

التفت النبيّ الى بلال :

ـ قم يابلال فخذه الى منزل فاطمة.

وقف الشيخ عل باب يغضى الى عالم من أمل عالم يهب الخير للجياع.


هتف الشيخ بصوت واهن ينوء بعبء السنين :

ـ شيخ عصف به الدهر وأضرّ به الفقر واسيني يا بنت محمّد.

نظرت فاطمة حواليها لم تجد شيئاً تسعف به انساناً ينتظر بأمل.

كان هناك في زاوية الحجرة جلد كبش مدبوغ ، فطوته وناولته الشيخ :

ـ خذه ، فعسى الله أن يختار لك ماهو خير منه.

دقّق الشيخ النظر وتمتم :

ـ وما أصنع بجلد كبش يا بنت محمّد!

وأصعب شيء أن تهب المرأة زينتها اساور من ذهب أو فضّة أو عقداً من لآلئ البحر ، ولكن هناك ما يضيء في نفس المرأة ويتألق في أعماقها تألق اللؤلؤ في الأصداف.

انتزعت فاطمة عقداً كان في عنقها وناولته الشيخ الملهوف :

ـ خذه يا شيخ عسى الله أن يعوضك به ماهو خير منه.

عاد الشيخ الهوينى الى المسجد كان النبي ما يزال جالساً بين أصحابه ، قال الشيخ :

ـ يا رسول الله أعطتني فاطمة هذا العقد وقالت بعه عسى الله أن يصنع لك به خيرا.

دمعت عينا النبيّ :


ـ كيف لا يصنع الله لك! وقد اعطتك ايّاه سيدة بنات آدم.

سأل عمّار وكان حاضراً :

ـ بكم تبيع العقد يا شيخ؟

ـ بشبعة من الخبز واللحم ، وبردة يمانية استر بها نفسي واصلّي بها لربي.

ملأ الشيخ كفيه دنانير من ذهب ودراهم من فضة فهتف جذلاً :

ـ ما أسخاك بالمال يا رجل!

غاب الشيخ برهة ثم عا وبريق أمل يشعّ من عينيه ، وكلمات الدعاء وتمتمات الثناء تنساب من بين شفتيه فقد أغناه الله بعد فقر وأشبعه بعد فقر وأشبعه بعد جوع وكساه بعد عري.

انطلق عمّار الى منزله فكسب عطراً غالياً على العقد ثم لفّه ببردة يمانية وقال لفتاه وكان اسمه سهم :

ـ انطلق الى فاطمة وسلّمها العقد وأنت لها.

وانطلق سهم كسهم يجتاز البيوت حتى اذا وقف على باب فاطمة :

ـ السلام عليك يا بنت رسول الله العقد وأنا لك يا بنت محمّد.

ـ العقد لي وأنت حرّ لوجه الله.

كاد الفتى يطير فرحاً كان يفكّر بالحرية يحلم بها وهاهي


اللحظة التي كاد أن ينساها تتحقق فيدخل الدنيا حرّاً طليقاً انه لن ينسى أبداً فاطمة السيّدة التي أعادت اليه شيئاً غالياً فقده منذ زمن.

عاد مهرو لاً والفرحة تطفو فوق وجهه جبينه مشرق وفمه كهلال عيد الفطر. وجد نفسه يعود إلى عمّار ، هتف عمّار :

ـ ما يضحكك يا سهم؟

ـ أضحك لبركة هذا العقد اشبع جائعاً وكسى عرياناً وأغنى فقيراً واعتق عبداً ثم عاد الى صاحبه.

وعندما أوت الطيور الى أعشاشها وعاد المزارعون الى بيوتهم وساق الرعاة غنيماتهم في طريق العودة وقد غابت الشمس لتتألّق النجوم في صفحة السماء ويشرق القمر كانت حكايات السمر تتحدّث بقصّة عقد مبارك وهبته بنت محمّد ثم عاد اليها بعد أن مست بركته جياعاً وعراة وعبيداً وهبتهم الخبز والكساء والحريّة.



٢٠

مضت خمسة أعوام على هجرة النبيّ والمدينة ما تزال تنعم ببركات السماء تبني وتزرع وتنتج وتقدّم الى العالم الكلمة الطيبة ولكنت قريشاً واليهود يفكّرون باجتثاث شجرة غرستها السماء ليعود الناس القهقرى الى زمان لا عودة اليه

دخل فصل الشتاء ورياح باردة تهبّ من ناحية الشمال ، الغيوم تتجمع في السماء ثم سرعان ما تتبدد تاركة الأرض عطشى والزروع أيدي متضرعة تنشد المطر. العواصف تشتدّ يوماً بعد آخر ولا قطرة مطر

وهناك رياح اخرى رياح جهلية تهبّ من ناحية الجنوب قريش تعدّ العدة لغزو المينة والسامريّ الذي حطّ رحله في خيبر يخطط لإطفاء النور في جزيرة العرب. اشتعلت في القبائل حمى السلب والنهب ويثرب لقمة دسمة وكذلك سوّل لهم السامريّ


دقّت طبول الحرب بين مضارب القبائل وسيوف الغدر تشحذ ، تومض في بطون نجد وكنانة وقريش تطرب على رقصة الحرب وهند تلوك كبد حمزة ، وأبو سفيان يحلم بالمجد يهتف : اعل هبل.

رياح الشتاء ما تزال تعصف بالمدينة والغيوم تغبر السماء كسفن تائهة ، حلّ شهر رمضان ، القى رحله في الجزيرة غريباً لا يعرفه أحد إلا في أرض طيبة

صامت يثرب لله امتنع أهلها عن الأكل والشرب وصامت جوارحهم والمعدة توقفت عن الانبساط والتقلّص فانتفض القلب يخفق بقوّة واستيقظ العقل من سباته متوتراً يرى ما لا تراه العيون ويدرك ما لا تدركه الأبصار

جاء رمضان يعلّم الانسان كيف يجوع فينتصر. كيف يظمأ لتولد إرادته كيف يهزم الوحش القابع في داخله لينتصر الانسان المضطهد في الأعماق رمضان نهر يجري تتدافع أمواجه برفق. يغسل القلوب من الدرن يعيدها بيضاء بيضاء كحمائم بريّة تطير في الفضاء خفيفة حرّة تسبح في ملكوت الله.

الرياح الباردة ما تزال تهبّ من ناحية الشمال والغيوم ما تزال تفرّ مذعورة باتجاه الجنوب ولا قطرة مطر والعالم عام جفاف والرسول يشدّ على بطنه حجر المجاعة ، ويصغي الى انباء تأتي من


ناحية الصحراء.

ـ انهم عشرة آلاف مقاتل قبائل غطفان وقريش وكنانة وقد نقض بنو قريظة العهد وهم داخل المدينة ألف خنجر في خاصرة يثرب.

ـ وهناك أعداء موجودون بيننا لا نعلمهم. الله يعلمهم.

ـ كفانا الله شرّ المنافقين.

ـ يثرب في خطر.

ـ انهم يزحفون باتجاه المدينة من فوقنا ومن أسفل منّا.

ـ لا تنسوا الله فينساكم واذكروه يذكر كم ويثبّت أقدامكم.

وفي المسجد كاد اليأس يعصف بالقلوب المؤمنة والقلق يزعزع شجرة غرسها النبيّ لتؤتي اكلها كل حين بإذن ربّها.

وبعد حيرة ووجوم نهض رجل من أهل فارس يلوّح بطوق نجاة ليثرب فالطوفان قادم :

ـ يا رسول الله إنّا كنّا بأرض فارس اذا خفنا العدوّ خندقنا.

فكرة لم تكن العرب لتعرفها. هتف الأنصار :

ـ سلمان منّا.

وردّد المهاجرون :

ـ سلمان منّا.


وتنازع الفريقان رجلاً جاب الأرض بحثاً عن رجل يدعى محمّد.

هتف النبيّ وقد رنت اليه العيون :

ـ سلمان منا أهل البيت.

رياح الشتاء تعصف بعنف والعام جفاف والبطون خاوية ولكن الإرادة التي ايقظها رمضان تكاد تلوي التاريخ.

من الشمال ستهبّ عاصفة الأحزاب. ضرب النبي الأرض بمعول من حديد وببأس شديد؛ وهوت المعاول تفتت الأرض على طول خمسة آلاف ذراع وعرض تسعة أذرع وعمق سبعة أذرع.

ومرّت الأيام والرياح ما تزال تهبّ شديدة البرودة والأجساد تذوي لاتجد ما يسدّ رمقها ولكن الإرادة كانت تشتدّ تفتت الصخور وتغوص في أعماق الأرض ، فأسراب الجراد قادمة تريد أن تحيل كل ماهو أخضر إلى يباب لاشيء فيه إلاّ سراب يحسبه الظمآن ماء.

جلس النبي ليستريح قليلاً جفّف حبّات رق كانت تتألّق فوق جبينه وبدا معوله قطعة نادرة أو كنزاً منحته الأرض شدّ حجر المجاعة إلى بطنه أكثر ثلاثة أيام تمرّ وهو لايجد شيئاً يطعمه.

لم يذكره أحد الجوع والبرد والاعياء وهواجس الصحراء تنسي المرء أقرب الأشياء اليه ولكن فاطمة لم تنس الرجل الذي


اختارته السماء رسولاً الى الأرض المنكوبة.

الرجل الذي اكتسبت يثرب مجدها به جائع يشدّ حجر المجاعة الى بطنه لا يجد شيئاً يأكله حتى ذكرته فاطمة على حين غفلة من أهل يثرب.

غابت الشمس ، وفاحت رائحة الخبز في فضاء المدينة توهجت المواقد في البيوت تمنح الصائمين الدفء والشبع والنبيّ في خندقه يصلّي لله :

ـ ربّ اني لما أنزلت إليّ من خير فقير.

وجاءت فاطمة من بعيد تحمل اليه قلبها وخبزاً انضجته قبل قليل.

شاعت البهجة في وجه النبيّ بهجة تشبه بهجة الحواريين يوم نزلت اليهم مائدة من السماء.

وفاطمة حوراء أنسية جاءت تحمل له الخبز والدفء والشبع. تمتم النبيّ :

ـ والله ما دخل جوفي طعام من ثلاث.

عادت فاطمة الى منزلها تكفكف دموعها تبكي الرجل الذي حمل مشعل السماء الى الأرض يريد له أن يبقى مضيئاً بوجه العاصفة القادمة.



٢١

انطوت ليالي رمضان وابتسم هلال شوّال يحمل للقوب فرحة عيد الفطر وامتزجت فرحة العيد بفرحة اخرى.

لقد أتمّ الرسول والذين آمنوا حفر خندق امتدّ خمسة آلاف ذراع وعرض تسعة أذرع وعمق سبعة أذرع.

تجمّع بعضهم فوق التلال المشرفة وراحوا ينظرون الى عمل انجزته الإرادة إرادة الانسان الذي اضاءت نفسه شعلة سماوية.

ـ أيّة قوّة أنجزت هذا العمل العظيم؟

ـ انّها قوّة الايمان يا أخي.

ـ أجل المؤمن أقوى من الجبل.

ابتسم هلال شوال يعلن نهاية رحلة الجوع والظمأ وعاد المؤمنون يحملون معاولهم وقد نفضوا تراب يوم حافل بالعمل.

عسكرت جيوش مكة في « مجمع الاسيال » بين « الجرف »


و« زغابة » وعسكرت غطفان بـ « ذنب نقمى » في الجهة الغربية من جبل احد وكان حيّ بن أخطب من سلامة السامريّ يكيد من أجل احتلال يثرب وقتل النبي الاميّ الذي يجده مكتوباً في التوراة في أعماقه يتردّد خوار عجل عجل عبدوه من دون الله.

تحطمت أحلام أبي سفيان أمام خندق لم يكن ليخطر على باله يوماً.

تمتم حانقاً وهو يهمز فرسه بالسوط.

ـ مكيدة لا تعرفها العرب.

ـ انها من تدبير ذلك الفارسي.

ـ لا يمكن اقتحام الخندق أبداً.

ـ ليس أمامنا سوى ضرب الحصار.

حلّ المساء ورياح الشتاء تهبّ من ناحية الشمال رياح تخترق الجلد وتصلّ في العظم جلس أبو سفيان قبالة النار المشتعلة والريح تعبث بأطراف الخيمة وكانت ظلاله تتراقص فوق وبر الخيمة كشيطان مريد

تمتم عكرمة وهو يحاول كسر الصمت الجاثم :

ـ انّهم بعيدون عن مرمى النبال.

أجاب أبو سفيان وهو يحدّق في المجمر :


ـ لبحثوا عن ثغرة لاقتحام الخندق فإطالة أمد الحصار ليس في صالحنا. علّق عمرو بن العاص :

ـ أنا لا أثق بقريظة انهم يطلقون أقوالهم جزافاً ، وإلاّ فأين أفعالهم ألف مقاتل في خاصرة يثرب وهم ما يزالون يختبئون خلف حصونهم.

قال عكرمة يائساً :

ـ ولا تنس قبائل غطفان انهم يلوحون بالصلح مع محمّد مقابل حفنة من التمر.

صرخ أبو سفيان هائجاً :

ـ وهل جاءوا إلاّ من أجل ذلك

سكت هنيهة وأردف وقد التمعت عيناه ببريق مخيف :

ـ غداً سأحسم الأمر.

اطلّ الصباح بارداً برود الموتى ، وقد بلغت القلوب الحناجر

كان « العامري » يجول بفرسه في « السبخة » بين الخندق وجبل « مسلع » لقد تمكّن مع قوّة من فرسانه من اقتحام الخندق.

أمر النبي مفرزة من قوّاته بقطع طريق العودة.

صرخ الفارس المعلّم بكبرياء :

ـ هل من مبارز


وخيّم صمت رهيب وكانت القلوب الخائفة تدقّ بعنف كطبول الحرب.

ـ هل من مبارز ألا من مشتاق إلى جنته؟!

وقهقه فرسان كانوا ينظرون اليه باعجاب ونهض عليّ للمرّة الثالثة يطلب المواجهة فأذن له الرسول وتقدّم فتى الاسلام.

رفع النبيّ يديه الى السماء الى عالم لا نهائي :

ـ اللهم انك أخذت مني عبيدة يوم بدر وحمزة يوم احد وهذا عليّ أخي وابن عمّي فلا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين.

ثم تمتم وهو يشيع عليّاً بنظراته :

ـ برز الايمان كلّه إلى الشرك كلّه.

وتقابل فارس وراجل؛ مشرك ومؤمن.

ـ من أنت؟

ـ علي بن أبي طالب.

ـ ليبرز اليّ غيرك اني أكره أن اقتلك

لقد كان أبوك صديقاً لي.

ـ لكني أحبّ أن اقتلك.

قال « ابن ودّ » وقد لاحت له طيوف من بدر يوم التقى الجمعان :

ـ أكره أن أقتل رجلاً كريماً مثلك ارجع خير لك.

أجاب عليّ بعزم :


ـ ان قريشاً تتحدّث عنك انّك تقول :

لا يدعوني أحد إلى ثلاث خلال إلاّ أخذت واحدة منها.

ـ أجل.

ـ فإني أدعوك إلى الاسلام.

ـ دع عنك هذه وهات لي غيرها.

ـ ادعوك الى أن ترجع بمن تبعك من قريش الى مكة.

ـ اذن تتحدّث عني نساء مكّة ان غلاماً خدعني.

ـ أدعوك إلى القتال راجلاً.

اشتعل غضب متأجج في عينيه ، واقتحم عن فرسه واحتدم الصراع بين سيفين؛ سيف الاسلام وسيف الجاهلية الايمان والكفر الغضب السماوي والحمية حمية الجاهلية وكان الرسول يدعو :

ـ اللّهم لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين.

وهوى سيف كصاعقة غاضبة ليسقط رجل اقتحم الخندق على حين غفلة

وعاد علي وبشائر نصر عظيم تموج فوق وجهه.

هتف عمر ومدهوشاً :

ـ هلا سلبته درعه فانه ليس في العرب درع مثلها.

أجاب عليّ وقد أطلّ الانسان من عينيه :


ـ استحييت أن أكشف سوأته.

وفي حصن « فارع » كان حسّان مع النسوة والأطفال وقد بلغت القلوب الحناجر. كانت رائحة الغدر تتصاعد من حصون بني قريطة.

جلست فاطمة قرب صفية تراقبان شوارع المدينة. فجأة ، لاح الخطر عينان يهوديتان تتلصّصان ورائحة الغدر تزكم الانوف.

هتف صفية :

ـ يا حسان هذا يهودي يطوف حول الحصن كما ترى فانزل اليه واقتله والاّ دلّ علينا.

أجاب حسان وهو يبلع ريقه :

ـ غفر الله لك يا ابنة عبد المطلب

نهضت صفية وقد أخلد حسان الى الارض. شدّت وسطها. كانت فاطمة تراقب ملامح لحمزة في وجهها في عزمها والايمان الذي غمر قلبها.

هبطت صفية درجات الحصن وفي قبضتها عمود.

ودوّت ربة هاشمية على رأس « السامريّ » وشخصت العينان وبريق الغدر يخبو شيئاً فشيئاً

هتفت صفية :

ـ يا حسان انزل اليه واسلبه.

تشبث حسّان بالأرض ، وقد ذعر الجرذ القابع في أعماقه.


٢٢

الخيول تدكّ بسنابكها الارض على طول الخندق وقد مضت اسابيع ثلاثة كان مع النبي ثلاثة آلاف ولكن ثلاثة أسابيع من الخوف والرعب كافية لامتحان إرادة الانسان في المساء وعندما يخيم الظلام تنسلّ أطياف كالاشباح وقد ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً ورفع « ابن قشير » ـ وكان رجلاً ذا وجهين ـ عقيرته :

ـ محمّد يعدنا كنوز كسرى وقيصر وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط.

مضت أسابيع أربعة ولا شيء سوى مناوشات بالسهام والرياح ما تزال تعصف بشدّة تمزّق الخيام وتقلب القدور وتطفئ النار ولم يبق مع النبيّ إلا تسعمئة من الذين امتحن الله قلوبهم بالتقوى.

وفي ليلة سوداء كسواد الكحل مدّ الرسول كفيه الى السماء ينشد


نصر الله :

ـ اللّهم منزل الكتاب ، سريع الحساب اهزم الأحزاب ، اللّهم اهزمهم وانصرنا عليهم وزلزلهم اللّهم ادفع عنّا شرهم ، وانصرنا عليهم ، واغلبهم لا يغلبهم غيرك.

أضاءت نجمة في السماء وقد غضبت الريح فراحت تعدو مجنونة بين القبائل.

قال النبيّ وقد استدعى « حذيفة » :

ـ اذهب فادخل في القوم فانظر ماذا يفعلون ولا تحدثنّ شيئاً حتى تأتيني.

وانطلق « حذيفة » عبر الخندق وتسلل بين خيام مزّقتها رياح الشتاء كان الظلام دامساً وراح يتلمّس طريقه الى خيمة أبي سفيان حيث تحاك خيوط العناكب.

دسّ حذيفة نفسه في زواية مظلمة وأخذ مكاناً بين رجلين كانا يحدّقان بأبي سفيان. قال صخر بن حرب متوجساً :

ـ يا معشر قريش ليتعرّف كل امرئ جليسه واحذروا الجواسيس والعيون.

هتف حذيفة وهو يشدّ على يد جليسه :

ـ من أنت؟


ـ معاوية بن أبي سفيان.

ـ وأنت؟

ـ عمروبن العاص.

خفتت الأصوات وقد بدا حذيفة كأحدهم. قال أبو سفيان :

ـ يا معشر قريش انكم ما أصبحتم بدار مقام لقد هلك الكراع والخف واخلفتنا بنو قريظة العهد ولقينا من شدّة الريح ما ترون ما تطمئن لنا قدر ولا تقوم لنا نار ولا يستمسك لنا بناء فارتحلوا فاني مرتحل.

انفجرت السماء بالصواعق وهطلت الأمطار غزيرة وهبت الرياح شديدة تحتثّ الخيام وتبثّ الرعب في القلوب

فكّر « طلحة بن خويلد » أو لعلّه راى أشباحاً تعبر الخندق فهتف مذعوراً :

ـ انّ محمّداً قد عبر اليكم باصحابه فالنجاة النجاة.

تمزّقت جيوش الأحزاب؛ مزقتها الرياح وجنود لم يروها حتى اذا أطلّ الصباح كان كلّ شيء هادئاً في الجانب الآخر من الخندق.

وأرسل النبيّ « حذيفة » مستطلعاً فاذا كلّ شيء يشير الى هزيمة ساحقة الخيام الممزقة متناثرة هنا وهناك وأكوام التبن ومواقد منطفئة وقدور منكفئة والرماد يغطي الأرض الموحلة ، وعاد


« حذيفة » يحمل البشرى.

وأصدر النبيّ أمره بالعودة الى المنازل بعد ثلاثين يوماً من الحصار والخوف والقلق.

وكان بنو قريظة منكمشين في حصونهم يترقبون بخوف المصير الذي ينتظرهم فالغدر يعقبه انتقام.

هاهي الأفاعي تلوذ بجحورها وتمدّ ألسنتها متوجسة

هتف الرسول؛ وقد حانت لحظة الاقتصاص :

ـ من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلّين العصر إلاّ في بني قريظة.

هزّ النبيّ اللواء ودفعه إلى عليّ :

ـ كن في مقدمة الجيش واسبقنا الى بني قريظة.

وانطلق عليّ واللواء يخفق فوق رأسه حتى اذا دنا من الحصن ركزه في الأرض بقوّة وأيقن الذين مسخوا قردة وخنازير انها الحرب ولا شيء سواها.

وسمع عليّ شتائم تنهال على النبيّ الامّي فهتف بغضب :

ـ السيف بيننا وبينكم.

واستمر الحصار عشرين يوماً والمناوشات بالسهام والنبال مستمرة والشتائم تنهال من فوق جدران الحصون فهتف النبيّ :

ـ يا اخوان القردة! هل أخزاكم الله وأنزل فيكم نقمته.


وشنّ عليّ أول هجوم عنيف ، فارتفعت راية بيضاء فوق الحصون وكان الاستسلام دون قيد أو شرط.

وهتف سعد وقد رضي الجميع حكمه :

ـ آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم.

كان سعد يعرف « توراتهم » حيث حرّفوا الكلم عن مواضعه ليسوموا البشر الموت والفناء

كان يدري ما في الصحاح من التثنية من ريح صفراء لا تبقي ولا تذر« حين تقترب من مدينة لكي تحاربها استدعها الى الصلح فان أجابتك الى الصلح وفتحت لك فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويستعبد لك وان لم تسالمك بل عملت معك حرباً فحاصرها واذا دفعها الربّ الهك الى يدك فاضرب جميع ذكورها بحدّ السيف ، واما النساء والأطفال والبهائم وكلّ ما في المدينة غنيمة تفتحها لنفسك وتأكل غنيمة اعدائك التي أعطاك الرب الهك ».

وأذاقهم سعد حكم التوراة وكانوا أذاقوها الامم.

وهكذا تساقطت رؤوس الخيانة والغدر وسقط رأس حي بن أخطب مخطط فكرة الغزو والفناء وفرّ السامريّ الى « خيبر » لا يفتأ يعبد العجل من دون الله.



٢٣

عاد السلام يرفرف فوق المدينة وكلمات السماء تتردد بين سعف النخيل وعروش الأعناب.

وعاد عليّ يعمل في الأرض يسقي الزرع يفجّر الينابيع يريد للأرض أن ترتدي حلّة خضراء

عاد الاطفال يلعبون في الأزقة ضحكاتهم البريئة تتردد في الفضاء الأزرق.

ومرّ النبي في طريقه الى المسجد تحفه كوكبة من أصحابه.

وركض الحسن والحسين وكانا يلعبان مع الأطفال وخف النبيّ لاستقبال ريحانتيه من الدنيا ، والبسمة تطوف فوق وجهه

حمل النبيّ ولديه شمّ الجنّة فيهما استنشق عبير الرياحين وحملهما على عاتقه

والتفت الى اصحابه :


ـ من أحب هذين الغلامين وامّهما واباهما فهو معي في الجنّة.

قال عمر مغتبطاً وهو يرى أجمل منظر :

ـ نعم الفرس فرسكما.

فأجاب النبيّ مبتسماً :

ـ ونعم الفارسان هما.

شمّ المهاجرون رائحة وطن بعيد وتلفتت العيون صوب الجنوب وتلفتت القلوب؛ وطافت صور جميلة لمكة مرابع الصبا وذكريات الطفولة فإذا الحنين نهر حزين يجري بصمت والخريف فصل الوداع يستثير هواجس العودة واللقاء وهاهي ستة أعوام تنطوي والمهاجرون ما يزالون يقاومون عواصف الصحراء والزمان يحلمون بالعودة الى ديار الحبيب الكعبة بيت ابراهيم واسماعيل وغار حراء في جبل النور وذكريات الجهاد.

وأطلّ « ذوالقعدة » يوقظ في النفوس نداء ابراهيم فتنطلق القوافل بين الأودية فالقلوب تهوي إلى بقعة مباركة حيث أول بيت وضع للناس.

وعمّت الفرحة المدينة لقد اعلن النبيّ رغبته في أداء العمرة وزيارة البيت العتيق وانّه لا يريد حرباً مع أحد. انه ينش السلام وهل الاسلام يعني شيئاً سوى السلام.


وطار النبأ في الجزيرة رايةً بيضاء بياض حمائم في الفضاء الأزرق.

واجتمع الف واربعمئة ممن تخفق قلوبهم لمكة واداء شعائر الحج وتقدّم النبيّ على ناقته « القصواء » زورقاً ينساب فوق امواج الرمال وكان « اللواء » يخفق فوق هامة عليّ وساق النبيّ من الهدي سبعين والسيوف في الأغماد ، حتى اذا بلغ ذا الحليفة ، أحرم فيها ولبّى.

ردّدت الصحارى هتافات التوحيد :

ـ لبيك اللّهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك

وفي « عسفان » حطّ النبيّ الرحال يمدّ يد السلام

وجاء رجل من ام القرى يسعى :

ـ يارسول الله هذه قريش قد سمعت بك ، فلبست جلد النمر وقد اجتمع الرجال والنساء والأطفال « بذي طوى » وخيلها الآن في « كراع » الغميم.

قال النبي بحزن :

ـ يا ويح قريش لقد أكلتهم الحرب. ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين العرب ما تظنّ قريش والله لا أزال اجاهد أو تنفرد هذه السالفة.


وكان الرجل يتأمّل سوالف النبيّ المتلألئة وقد انفرت عن شعر النبيّ المتموّج تموج الصحارى وهو يكاد يلامس منكبيه.

وجلس النبيّ يفكّر يفكّر في قوم كذّبوه وآذوه وألّبوا العرب عليه يريدون أن يطفئوا نور الله والله متمّ نوره.

قال النبي وقد أحدق به أصحابه :

ـ من يدلّنا على طريق غير طريقهم؟

فنهض رجل من أسلم وكان عالماً بخفايا الصحراء وبطون الاودية.

وسار ألف وأربعمئة رجل يتقدّمهم آخر الأنبياء وقد هبّت نسائم وطن بعيد.

كانت المفازات وعرة كثيرة الحجارة كأنها شظايا بركان انفجر قبل آلاف السنين. حتى اذا وصلوا ارضاً سهلة انعطفوا جهة اليمين حيث الجادة المؤدية الى « ثنية المراد » مهبط « الحديبية » من أسفل مكة.

توقفت القصواء ثم بركت وتوقّفت الجموع ، قال قائل :

ـ حرمت الناقة وأجهدت.

فقال النبيّ : لا ولكن حبسها الذي حبس الفيل عن مكة وأردف وهو ينزل عن « القصواء » :


ـ والله لا تدعوني قريش إلى خطة تسألني فيها صلة الرحم إلاّ أعطيتهم ايّاها

والتفت الى الجموع :

ـ انزلوا.

قال أحدهم وهو يستعرض الوادي ببصر نافذ :

ـ يا رسول الله ما بالوادي ماء.

أخرج النبيّ سهماً من كنانته وأشار الى بئر معطّلة.

ـ اغرزه في جوفه.

كانت هالة من النور تغمر رجلاً ارسلته السماء ليحيي الأرض بعد موتها.

انفجرت البئر بالماء نميراً فخشع الذين هاجروا والذين قالوا انّا انصار الله.



٢٤

كان الجوّ مشوناً بالقلق ما بين « الحديبية » ومكة. قريش لا تذعن للحقّ ولا تصيخ السمع لصوت العقل ، فتفتح أبواب مكة لقوافل الحجيج. وبعث النبيّ « عثمان » فله قرابة بأبي سفيان :

ـ اخبر قريش انّا لم نأت لقتال أحد ، وانّما جئنا زوّاراً للبيت ، معظمين لحرمته ومعنا الهدي ننحره وننصرف.

ومضى عثمان الى مكة ولم يعد مضت ثلاثة أيام اختفت فيها أخباره ، وسمعوا شائعات عن مصرعه مع عشرة من المهاجرين دفعهم الشوق الى زيارة أهليهم.

عندها وقف النبيّ تحت ظلّ شجرة في الوادي أسند جذعه الى جذعها وأحدق أصحابه وهم يعاهدون على الموت من أجله وباركت السماء عهد المؤمنين وقد رضي الله عنهم.

الجوّ يزداد تأزّماً ولما يعد عثمان بعد


وجاءت رسل السلام وقد أدركت قريش أن الخطر قاب قوسين أو أدنى.

جاء « سهيل » يفرض على النبي شروط قريش :

ـ أن تضع الحرب أوزارها بين الفريقين عشر سنين.

ـ أن يردّ محمّد من يأتيه من قريش مسلماً ولا تلتزم قريش برد من يأتيها من عند محمّد.

ـ أن يعود محمّد وأصحابه هذا العام دون عمرة وأن يأتوا في العام القادم.

ـ من أراد الدخول في عهد قريش فله ذلك ومن أراد الدخول في عهد محمّد جاز له ذلك.

كان النبيّ يصغي الى عرض قريش يلقيه « ابن عمرو » وقد بدا بعض الصحابة متعضاً وكاد عمر أن ينفجر بعد ان سمع النبيّ يستدعي علياً :

ـ اكتب يا عليّ : بسم الله الرحمن الرحيم.

اعترض سهيل :

ـ لا أعرف هذا اكتب باسمك اللّهم.

استأنف النبيّ :

ـ اكتب ذلك واكتب : هذا ما صالح عليه محمّد رسول الله سهيل


بن عمرو.

قال سهيل :

ـ لو شهدت انك رسول الله لم اقاتلك ولكن اكتب اسمك واسم أبيك.

أطلّ الحزن من عيني الرسول :

ـ والله اني رسول وان كذبتموني اكتب يا عليّ محمّد بن عبدالله وامح رسول الله.

رفع عليّ رأسه وقد شعر بالغضب يتفجّر في صدره.

ـ ان قلبي لا يطاوعني والله لا أمحوها.

تناول النبيّ الصحيفة ومحاها

واستأنف عليّ يثبت بنود السلام.

ونهض الوفد عائداً الى مكّة

لم يتمالك « عمر » اعصابه فتقدّم من النبيّ بطوله الفارع وعيناه تبرقان بغضب عارم :

ـ ألست نبيّ الله حقّاً؟

أجاب النبيّ بهدوء :

ـ بلى.

ـ أليس قتلانا في الجنّة وقتلاهم في النار؟


ـ بلى يا عمر.

هتف عمر وقد اهتزت دعائم الايمان في قلبه :

ـ فلم نعطي الدنية في ديننا اذن؟!

أجاب النبيّ وهو يحاول إعادة الطمأنينة الى قلبه :

ـ اني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري.

قال عمر بحدّة :

ـ أولست كنت تحدّثنا انّا سنأتي البيت فنطوف به؟

أجاب محمّد بصبر الأنبياء :

ـ بلى يا عمر أفأخبرتك انك تأتيه عامك هذا؟

أجاب عمر مخذولاً :

ـ لا.

ـ فانك آتيه ومطوف به.

وظلّ « عمر » هائجاً لم تفلح كلمات الرسول في إعادة السلام إلى نفسه.

هرع الرجل الفارع إلى صاحبه وقال بعصبية :

ـ يا أبا بكر أليس هو برسول الله؟

ـ نعم.

ـ أولسنا بالمسلمين؟


ـ أجل يا عمر.

ـ أوليسوا بالمشركين؟

ـ ماذا تعني؟

ـ فعلام نعطي الدنية في ديننا؟

نظر أبو بكر الى صاحبه بأسف وأدرك ان صرح الايمان يهتزّ في أعماقه بشدّة ، تمتم أبو بكر :

ـ يابن الخطّاب انه رسول الله ولن يعصي ربّه ولن يضيعه.

عمر ما يزال ثائرا يبحث عن شيء عن شخص يطفئ به النار التي تستعر في صدره وقد حانت اللحظة المناسبة لنسف السلام مع قريش.

تمكّن « أبو جندل » بن سهيل من الافلات من قبضة قريش ، وجاء ينوء بالسلاسل والقيود.

كان منظره يدعو الى الشفقة ، اعترضه أبوه وكان قد أمضى عهداً مع النبيّ.

هتف الشاب المثقل بالحديد والقهر :

ـ يا رسول الله يا معشر المسلمين.

والتفت سهيل الى النبيّ.

ـ يا محمّد بيننا وبينك العهد.


ـ صدقت.

هتف أبو جندل :

ـ ياللمسلمين أأردّ الى المشركين ليفتنوني عن ديني.

المسلمون ينظرون الى أخ لهم لا يملكون له ضرّاً ولا نفعاً.

هتف النبيّ يشدّ على يده من بعيد :

ـ اصبر يا أبا جندل واحتسب سيجعل لك الله ولمن معك فرجاً ومخرجاً.

لم يتمالك عمر كعادته فخفّ الى ابن سهيل اقترب منه هامساً :

ـ إنما هم مشركون ودم أحدهم دم كلب.

اقترب عمر أكثر وكشف للشاب مقبض السيف وكرّر قائلاً :

ـ المشرك دمه كدم الكلب.

أدرك الشاب ان عمر يغريه بقتل أبيه فاكتفى بنظرة طويلة الى عمر ولم يقل شيئاً.

كانت كلمات النبيّ ما تزال تتردّد في أذنيه وفي قلبه ثم كيف له أن يقتل أباه؟ بل كيف للمسلم أن يغدر أو يفتك ويخون العهد الذي ابرم قبل لحظات وهل ستسكت قريش على قتل رجل كان يفاوض باسمها ويدافع عن آلهتها؟

كانت الأفكار تصطرع في رأسه كخيول في معركة وهو


يجرجر خطى واهنة عائداً مع أبيه.

وانطوى نهار ذلك اليوم ، وقد هبّت نسائم السلام فوق رمال الجزيرة

وفي السماء وعندما كانت النجوم تنبض في السماء كقلوب حالمة هبط جبريل يحمل بين جناحيه سورة « الفتح ».

وانساب نهر سماويّ والرسول يتلو :

ـ إنّا فتحنا لك فتحاً مبيناً.

وانبعث صوت في الظلام :

ـ وأين هذا الفتح وقد صدّونا عن البيت؟

أجاب النبيّ :

ـ بل هو أعظم الفتح لقد رضي المشركون أن يدفعوكم بالراح عن بلادهم وان يرغبوا اليكم في الأمان. وردّكم سالمين مأجورين فهو أعظم الفتح.

هتف المسلمون :

ـ صدقت يا رسول الله.

ومضت أيام على السلام وثاب عمر الى رشده فتمتم آسفاً :

ـ ما شككت منذ اسلمت إلاّ ذلك اليوم.



٢٥

عاد رسول الله الى المدينة ، والفرحة تملأ صدره بفتح الله ، فقد أمن جانب قريش وآن للدين الجديد أن يعبر شبه الجزيرة الى العالم كله.

توجّه النبي كعادته الى المسجد فصلّى ركعتين ، عسلت عنه عناء السفر وهموم الحياة ، ونهض النبيّ لزيارة ابنته ذكراه من خديجة وكوثره الذي وهبه الله

قرع الباب فهبّت فاطمة للقاء النبيّ ، كانت تحاول إخفاء ما تعانيه من إعياء وتعب.

فتحت الباب والبسمة تشرق في وجهها ، تأمّل النبيّ وجه ابنته الوجه المشرق تشوبه صفرة فبدا كقمر انهكه السهر في ليلة شتائية طويلة.

قال الأب بحزن :


ـ يا بنية ما هذا الصفار في وجهك وتغيّر حدقتيك؟

أجابت فاطمة بصوت واهن :

ـ يا أبه ان لنا ثلاثاً ما طعمنا طعاماً وقد بكى الحسنان من شدّة الجوع حتى غلبهما النوم

أيقظ النبي ريحانتيه وضعهما في حجره وقد نسيا ألم الجوع كعصفورين فرحين بدفء العشّ.

كان عليّ يبحث عمّن يقرضه دريهمات يسدّ بها رمق اسرته ، وكانت الشمس ترسل اشعتهاملتهبة. لم تمض مدّة حتى وجد من يقرضه ديناراً فانطلق يشتري به شيئاً.

المدينة تبدو مهجورة وقد فرّ أهلها من الرمضاء والحرّ.

من بعيد لاح له رجل يمشي على غير هدى دقّق النظر فيه ولمّا اقترب منه بادره عليّ :

ـ ما الذي أخرجك يا مقداد في هذه الساعة؟

ـ الجوع يا أبا الحسن عضّني وأهلي الجوع وأبحث عمّن يقرضني درهماً أو ديناراً.

ان للجوع فعله العجيب في النفوس تارة يهذبها فتسمو الى السماء وتارة ينحطّ بها إلى أسفل السافلين. الجوع يصنع ملائكة وشياطين وكلا الخيارين يتوقّفان على إرادة الانسان أو على غريزة


ذلك الحيوان القابع في الأعماق المظلمة وليس في حياة علي من وقت لكي تنشب معركة بين الذات والايثار لأنّه لا يوجد في أعماقه المضيئة من يعترض على إرادته التي صقلتها النبوّات

وهكذا قدم علي كل ما يملكه إلى أخيه وعاد الى البيت خالي اليدين.

كان المنزل هادئاً تغمره رحمة من السماء ووجد في الحجرة رسول الله وكان الحسنان في حجره وفاطمة تصلّي في المحراب وقد ملأت فضاء الحجرة رائحة طيبة لطعام طيب ولما جلس عليّ قبالة رجل ربّاه في حجره تمتم النبيّ وهو يرمق السماء بخشوع :

ـ اللّهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا.

فرغت فاطمة من تبتلها ومدّت يدها الى جفنة مغطاة وكان في الجفنة خبز ولحم.

قال عليّ متعجباً :

ـ يا فاطمة أنّى لك هذا؟

أجابت فاطمة بنت رسول السماء :

ـ هو من عندالله ان اللّه يرزق من يشاء بغير حساب.

قال النبيّ مبتسماً :

ـ إن مثلكما كمثل زكريا إذ دخل على مريم فوجد عندها رزقاً


قال : يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عندالله ان الله يرزق من يشاء بغير حساب.

لو ازيحت الحجب عن العيون لرأى سكّان المدينة منزلاً الى جوار المسجد ولو دققوا النظر لرأوا أثر جبريل في حجراته. يلج المرء فيجد نفسه في بقعة لا تنتمي الى طين الأرض إلى عالم من تراب بقعة اختارتها الملائكة يوم هبطت على الأرض يوم اتصل النور بالطين ليولد الإنسان السماوي الذي انطوت في أعماقه أسرار الوجود.

كانوا خمسة : محمّد عليّ فاطمة حسن وحسين اسماء ولدت يوم عطس آدم واستنشق نسمة الحياة ، ويوم قال الله لنوح : ان اصنع الفلك بوحينا ويوم فار التّنّور كان نوح يتأمّل السماء وهي تنهمر مطراً كأفواه القرب وجبال من الغيوم تتراكم بعضها فوق بعض ولتتحول تلك الأرض الجرداء الى بحر متلاطم الأمواج وسارت السفينة باسم الله تشقّ طريقها في موج كالجبال ومقدمة السفينة تعلو وتهبط مالها من قرار. أصوات الحيوانات وهدير الموج وتمتمات دعاء المؤمنين تمتزج تطهّر القلب فيتألق الأمل الأمل بمستقبل طاهر للأرض. السفينة تجري لمستقر لها وقد اجتمع المؤمنون أمام خشبة صغيرة مستطيلة الشكل فيها اسماء أثارت دهشتهم وحرّكت


كوامن الأسئلة في أعماقهم كلمات صغيرة واضحة مكتوبة بلغة شعب عاش قبل الطوفان؛ كلمات تحمل لهم الأمل بالخلاص بغصن زيتون أخضر كلمات تتألّق بألوان قزح كلمات حفرها نوح تعويذة أمل في الحياة :

ـ يا إلهي ويا معيني.

برحمتك وكرمك ساعدني.

ولأجل هذه النفوس المقدّسة.

محمّد.

ايليا.

شبر.

شبير.

فاطمة.

الذين هم جميعهم عظماء ومكرمون.

العالم قائم لأجلهم.

ساعدني لاجل أسمائهم.

أنت فقط تستطبع أن توجّهني نحو الطريق المستقيم.

وتمخر السفينة عباب المياه حتى استوت على الجودي وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وعادت حمامة بيضاء تحمل


غصن الزيتون وقد تالقت في السماء الوان الامل والربيع.

وهمس النبيّ في اذن التاريخ وهو يضم ريحانتيه :

ـ مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق.


٢٦

الصحراء مدّ البصر صحراء مليئة بالرمال تموج بالأسرار والغدر وخشخشة الأشواك تبوح باسرار الليل.

آثار مشبوهة فوق الرمال الممتدة بين حصون « خيبر » ومضارب « غطفان » ، وعيون تبرق في الظلام ورائحة مؤامرات تدبّر في الخفاء.

فرسان « محمّد » يجوبون الصحراء يتر صدون الذين كفروا انّهم لا أيمان لهم الآثار الغريبة فوق الرمال والرجال الملثمون والعيون التي تبرق في الظلام وخشخشة الأشواك في الليل وأصوات كفحيح الأفاعي ما بين حصون « السامري » ومضارب غطفان عناكب « خيبر ». تحوك شباكها و « غطفان » تكشّر عن أنياب ملوّثة بالصديد وتسامع أهل البادية عن عجل يخور في حصون وسط الرمال.


واهتزت راية العقاب في قبضة علي ، وغادر آخر الانبياء المدينة في ألف وستمئة محارب. ولكي يفوّت الفرصة على العقل اليهودي الذي جبل على الغدر فقد تحتم على قوّات المسلمين أن تقطع المسافة بأقصى سرعة

لم تمرّ ثلاثة ايام حتى وصل النبيّ بجيشه مشارف خيبر وكان الظلام يغمر الاشياء يحيطها بالغموض والأسرار وبدت الحصون في رهبة الظلام كائنات خرافية رابضة فوق الأرض.

قبل أن يطلع الفجر كان المسلمون يحيطون بخيبر من كل الجهات وقد استكملوا إحتلال بساتين النخيل المحيطة.

العجل « السامريّ » يتطلّع الى أوثان « غطفان » « التبر » يستنجد « الحجر » « العجل » يطلق خواراً عالياً و« الأوثان » حجارة صمّاء لا تفقه شيئاً مما يدور.

طلع الفجر ، واخرجت الافاعي رؤوسها ، صرخ أحدهم مأخوذاً بهول المفاجأة :

ـ محمّد والخميس!

كان اسم « محمد » يخلع قلوبهم لا يتحملون سماع هذا الاسم كما كانوا يتميزون غيظاً لدى ذكر « جبريل » لو كان غير « جبريل » يحمل رسالة السماء إلى ابن مكّة لكان لهم موقف آخر


قال النبيّ مستبشراً وهو يراقب ذعر الافاعي :

ـ الله أكبر! خربت خيبر انا اذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين.

الصحراء تراقب معركة وشيكة معركة مدمّرة سيكون لها شأن.

ووقف التاريخ يصغي الى ما يدور بصمت.

اجتاح المسلمون المناطق المشجرة ما بين الحصون ووقفت جدران « النطاة » و« الصعب » و« ناعم » و« الشق » و« القموص » و« الوطيح » و« سلالم » ثابتة في وجه الهجوم ودار قتال رقيب في الشوارع.

سقط خمسون جريحاً من المسلمين صمد اليهود قاتلوا بضراوة على خيبر ألاّ تسقط لان سقوطها يعني أن يعود السامريّ إلى التيه مّرة اخرى سوف يشدّ عباءته ويرحل الى سيناء ينقب في آثار القوافل المسافرة لعلّه يعثر على أثر « الرسول » فيأخذ قبضة اخرى.

استشهد محمّد بن مسلمة؛ ترصّده يهودي من فوق الحصن ثم دفع عليه الرحى فسقطت عليه.

الحصون منيعة واقفة كالجبال والأمل قطرات من ندى تبخرت لدى شروق الشمس و« السامريّ » ينظر باستعلاء وشماتة الى نبيّ


العرب.

نشر الظلام ستائره واشتعلت مواقد في قلب الليل والنسائم تداعب سعفات النخيل والأفاعي تخرج رؤوسها تحاول أن تصغي لما يدور حول المواقد.

أطرق أبو بكر برأسه وتمتم آسفاً :

- حصون مستعصية منيعة واليهود مسلّحون بسلاح حسن والقموص حصن لا يفتح أرأيتم الخندق حوله ارجو ألاّ يكون رسول الله غاضباً مني.

أجاب عمر :

ـ ليس الذنب ذنبك يا صاحبي أنا أيضاً لم استطع ان أفعل شيئا لقد قضيت النهار كلّه نهجم ويهجمون ولكن إخوان القردةمخرجون الينا من خلف الأشجار كالشياطين.

علّق أبو عبيدة :

ـ اسمعتم ما قال رسول الله.

ـ وهل ينسى قوله.

ـ كلماته ما تزال ترن في اذني : لاعطين الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله.

ـ ترى من سيكون صاحب الراية.


ـ الأمر واضح انّه عليّ.

ـ ولكن عليّاً أرمد!!

ـ ربما سلّم الراية إليّ.

ـ ماذا تقول يا أبا حفص؟.

ـ في الصباح يعرف القوم السرى.

كانت النجوم تومض من بعيد نام البعض وظلّ البعض ساهراً يحلم براية حبّ أزلية.

ونام أبو حفص بعد أن عزم على أن يكون غداً أقرب الناس إلى النبيّ علّه يسلّمه الراية التي أصبحت حلمه تلك الليلة.



٢٧

طلع الفجر وتنفّس الصباح وزقزقت العصافير في أعشاشها واستيقظت الكائنات لتبدأ يوماً جديداً

رماد الفجر يتبدد شيئاً فشيئاً وزرقة السماء الفيروزية تصبح شفّافة رائعة وقد بزغت الشمس تألّقت خلف ذرى النخيل.

بدت الحصون ذلك الصباح كابوساً يجثم فوق الصدور. صخرة تحطّمت فوقها المعاول

تحلّق المسلمون حول النبيّ يتطلّعون الى رجل يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله

وهتف النبيّ :

ـ أين عليّ؟

وتقدّم فتى في الثلاثين أو يزيد فاستلم راية العقاب وراح يصغي إلى صوت سماوي :


ـ انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ، ثم ادعهم إلى الاسلام فان لم يستجيبوا فقاتلهم انطلق فتح الله عليك.

كان على عليّ أن يقود نفس القوّة التي هزمت مرّتين فقد عادت مرّة تلوم أبا بكر وأبو بكر يلومها وعادت تحت راية عمر تجبّنه ويجبّنها

هرول عليّ ليبثّ الحماس في جنده فبدا بحلّته الارجوانية جمرة متألّقة وعندما صار قريباً من « القموص » نزع درعه ليكون أكثر قدرة في الحركة ، وأمر جنوده أن يفعلوا ذلك.

رفض اليهود ساخرين دعوة الاسلام ونداء السلام. وكان خيار الحرب هو الطريق لإحراق العجل.

كان منظر عليّ بلا درع قد حرّك شهوة الغدر والانتقام في نفوسهم فراح شجعانهم يخرجون مدججين بالسلاح وكانوا يتساقطون الواحد تلو الآخر عند قدميه.

الذين كانوا يراقبون الصراع أدركوا أن هناك سرّاً في انتصار علي رأوا بأمّ أعينهم كيف هزم الحديد أمام قلب المؤمن

وهبط « مرحب » درجات الحصن كتلة هائلة من الحديد والبأس في قبضته حربة ذات ثلاث رؤوس كأفعى اسطورية تقدّم « مرحب » ينقل خطاه المثقلة بالزرد والحديد ليس هناك في كلّ


جسده الفارع ثغرة يمكن للسيف أن ينفذ فيها.

وتوقع المسلمون واليهود توقعوا جميعاً نهاية عليّ تقدّمت كتلة الحديد ووجّه مرحب حربته برؤوسها الثلاثة وكادت أن تنفذ في صدر عليّ.

ارتدّ عليّ إلى الوراء ثم قفز في الهواء ليهوي بضربة هائلة أودعها غضب السماء تحطّم الحديد. مرّت لحظة صمت قبل أن ترتطم كتلة هائلة بالأرض محدثة دويّاً تنخلع له القلوب المذعورة. وقد قتل داوود جالوت ، واندفع عليّ بعد أن حطّم الغرور اليهودي الى باب الحصن لينتزعه وسط دهشة الجميع ، وأصبح جسراً فوق الخندق يتدفّق عبره المهاجمون وسرعان ما سقط « القموص » و« الوطيح » و« السلالم » وسقطت خيبر كلّها

اطلق العجل صرخة استغاثة قبل أن يحترق وتذرو الريح رماده في الصحراء ، وكان السامريون قد أقسموا قالوا :

ـ لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع الينا موسى.

وقال لهم الله : كونوا قردة خاسئين.

طارت الفرحة للنبيّ فراشةً ترفرف عليّ يصنع الفرح لمحمّد وها هو أخوه جعفر يعود من أرض الحبشة عاد يمخر البحر الأحمر ويطوي رما الصحارى معه الذين آمنوا الذين اخرجوا من


ديارهم بغير حقّ إلاّ أن قالوا ربنا الله.

وعانق النبيّ أخاً لعليّ وابناً لحامي آخر النبوّات في التاريخ ، هتف النبيّ وينابيع الفرح تتدفق من عينيه :

ـ ما أدري بأيهما أشدّ سروراً. بقدوم جعفر أم بفتح خيبر.

وقال أبو حفص لما رأى اسماء :

ـ هذه البحرية ، هذه الحبشية.

والتفت اليها قائلاً :

ـ لقد سبقناكم في الهجرة فنحن أحقّ برسول الله منكم.

بركان غضب ينفجر في أعماق امرأة هاجرت مرّتين أعلنت اضرابها عن الطعام حتى ترى رسول السماء

ـ يا رسول الله ان ابن الخطاب يقول نحن أحقّ برسول الله سبقناكم بالهجرة.

قال النبيّ :

ـ فما كان جوابك له؟

قالت أسماء :

ـ قلتُ له : كلاّ والله كنتم مع رسول الله يطعم جائعكم ويعظ جاهلكم وكنّا في أرض البغضاء بالحبشة.

ـ أجل والله انه ليس بأحقّ بي منكم له ولأصحابه هجرة


ولكم أهل السفينة هجرتان.

غادرت الافاعي جحورها محطمة الأنياب وعاد السلام يرفرف فوق الأرض وشدّ السامري الرحال. التفّ بعباءته ميمماً وجهه نحو أرض التيه.

مادت « فدك » بأهلها لقد جاء « محمّد » تحمله الملائكة تخفق فوق رأسه أجنحة جبريل.

وجاء رجل من تلك النواحي يسعى :

ـ يا محمد لكم الأرض ولنا السلام.

ـ ولكم نصف ثمار الأرض والسلام.

ولما قال الله : و« آت ذا القربى حقّه ».

أعلن النبيّ :

ـ إنّ فدكاً لفاطمة.

ومن ذلك اليوم أضحت « فدك » رمزاً لانتصار الانسان على نفسه هزيمة « الاسخريوطي » واحتراق « العجل ».

وستبقى فدك رمزاً للأمانة التي السموات والأرض أن يحملنها وحملها الإنسان.

وكانت فدك رمزاً لخلافة الانسان على الأرض

ستكبر « فدك » وسيكون لها وجود في الجغرافية وفي التاريخ


سوف تستوعب عدن ، سمرقند أفريقيا ، سيف البحر مما يلي الجزر وأرمينيا وسوف تكبر لتشمل التاريخ البشري بأسره.

لقد وهب الله مريم كلمته في المسيح وأعطى فاطمة فدكاً.

وأراد اليهود بعيسى كيداً وأرادوا أن يصلبوه فرفعه الله إليه.

وفدك ماذا سيحلّ بها يا ترى كيف سيتصرف « الوثن » العربي القابع في الاعماق المظلمة


٢٨

حان وقت الوفاء بالنذر فلقد نهض الحسنان من فراش المرض وعادت الى وجهيهما دماء العافية ، السماء تنتظر نذراً نذره الانسان نذراً يقدّمه إلى نفسه ليكون قريباً من عوالم مغمورة بالنور. لا شيء في منزل فاطمة.

انطلق علي إلى « شمعون » رجل من خيبر؛ رجل شهد انهيار حصون مليئة بالسلاح بالذهب بالذكاء أمام رجل لا يملك سوى سيف وقلب تنطوي في حناياه النجوم.

وها هو اليوم يأتي يطلب شيئاً عجيباً. انّه يريد قرضاً ثلاثة أصواع من شعير الرجل الذي اقتلع باب « القموص » وقهر خيبر جاء يطلب حفنة من شعير وامرأته بنت محمّد تملك أرض « فدك ».

تمتم شمعون وقد هزّته المفاجأة :

ـ هذا هو الزهد الذي أخبرنا به موسى بن عمران في التوراة!


طحنت فاطمة صاعاً الرحى تدور و« فضة » فتاة تعيش في منزل فاطمة تجمع الدقيق صار الدقيق عجيناً ثم خمسة أقراص لكل صائم قرص شعير.

النجم المهيب يهوي باتجاه المغيب يرسل أشعة الوداع يعلن عن نهاية يوم من حياة الإنسان والأرض. الأسرة الصائمة تتهيأ للافطار لقمة خبز تقيم أود الجسد الآدمي ليكمل رحلته باتجاه النور.

هتف انسان جائع :

ـ مسكين! اطعموني أطعمكم الله.

الصائم في لحظة الافطار يدرك آلام الجوع عندما تتلوى المعدة خاوية تبحث عن شيء تمضعه وإلاّ مضغت نفسها.

قدّم الصائمون خبزهم وأفطروا على الماء واستأنفوا رحلة الجوع والجوع زاد المسافر في ملكوت السماء حيث تلال النور وبحيرات تزخر بالنجوم الجوع يلجم الشيطان القابع في الظلمات يسحقه فاذا هو خائر كثور محطّم القرون.

ومرّ يوم آخر والصائمون في رحلة الى اكتشاف ينابيع الحبّ الأزلي وكلّ شيء آيل إلى الزوال إلاّ الحبّ والحبّ نداء الله إلى النفوس البيضاء.

ومرّ يتيم يالوعة اليتم في ساعة الغروب. الكائنات تعود إلى


أوكارها والطيور إلى أعشاشها والأطفال إلى أحضان زاخرة بالدفء.

وفي ساعة الغروب تتجمع الدموع في عيون اليتامى كسماوات مشحونة بالمطر يتجمّع البكاء في القلب والمرارة في النفس فكيف اذا اجتمعت مع الجوع وهل تتحمل نفوس الأطفال البرد والجوع

نادى اليتيم في لحظة الغروب الحزين :

ـ أطعموني مما أطعمكم الله.

هناك في أعماق النفوس البيضاء كنوز من اللذّة أين منها لذائذ البطن فكيف مع نفوس براها الجوع والنذر حتى عادت شفافة كالضياء ساطعة كالنور

لبّى الصائمون نداء اليتيم فباتوا ليلتهم يطوون رحلة مضنية تكاد تمزّق الجسد وتحيله إلى حطام حيث يشهد عالم الانسان اللانهائي انتصار الملائكة وهزيمة الشيطان إلى الأبد.

السماء تراقب نفوساً في الأرض تطوي مسافات الجوع وفاءً لنذرها.

وفي اليوم الثالث مرّ أسير ينشد لقمة خبز أو تميرات.

الأجساد ترتعش أمام أمواج الجوع العيون غائمة والوجود يغمره ضباب ودخان ورياحين النبوّات تهتزّ تذبل أو تكاد ، والنفوس تشتدّ نصوعاً والورود تضوّعاً.


فاطمة تزداد نحولاً. غارت عيناها وصوتها زاد وهناً على وهن وهي قائمة تصلّي في المحراب

وفي منزل آخر الأنبياء هبط جبريل يحمل هدية السماء سورة الانسان وانها :

ـ بسم الله الرحمن الرحيم

هل أتى على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكورا.

انّا خلقنا الانسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً.

انّا هديناه السبيل امّا شاكراً واما كفورا.

انّا اعتدنا للكافرين سلاسل واغلالاً وسعيرا.

إنّ الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا.

عيناً يشرب بها عباد الله يفجّرونها تفجيرا.

يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شرّه مستطيرا.

ويطعمون الطعام على حبّه مسكيناً ويتيماً وأسيرا.

انّما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكورا.

انّا نخاف من ربّنا يوماً عبوساً قمطريرا.

فوقاهم الله شرّ ذلك اليوم ولقاهم نضرةً وسرورا.

وجزاهم بما صبروا جنّة وحريرا

انّ هذا كان لكم جزاءً وكان سعيكم مشكورا.


ورأت فاطمة في تلك الليلة ما لا عين رأت وسمعت ما لا أذن سمعت ولم يخطر على قلب بشر.

رأت اشجاراً خضراء مدّت عروقها في كثبان من المسك وكانت الأنهار الصافية المتألقة تتكسّر امواجها عند جذوع الأشجار ونسائم تمرّ تلامس الأغصان فتصطفق الأوراق بصوت حالم وقد بدت كبائس اللؤلؤ الرطب في ذرى الأغصان وتبدت الثمار في غلف الاكمام وقصور الزبرجد متناثرة هنا وهناك كالأحجار الملونة. ينابيع السلسبيل تتدفق وأطفال كاللؤلؤ يحملون كؤوس الفضة ملأى بالعسل المصفى يتألقون في الظلال وفي الضياء في ربيع دائم لا فيه شمس ولا زمهرير.

سادة القصور يرتدون ثياباً من سندس أخضر ومن استبرق في أيديهم كؤوس طافحة يستمتعون باحتساء شراب الزنجبيل. الوجوه طافحة بالسعادة الأبدية وجوه نظرة نحتها النسيم الربيعي المشبع بشذى الورود والأزهار الخالدة.

رأت فاطمة كلّ ذلك. ساحت بين تلال المسك وقصور الزبرجد غرقت في بحيرات السعادة

كادت تذوب شوقاً فهناك الله وما أحلى أن يجاور الانسان مبدأ الانسان ، وقد تحرّر تماماً من ويلات الأرض.



٢٩

مضى التاريخ يجوس خلال الرمال ينظر بدهشة الى أرض أرادها الله أن تكون نحلة لبنت رسوله ، مضى التاريخ يجوس خلال الرمال ثلاث سنين سويّا يشعل الحوادث هنا وهناك

وقعت « مؤتة » وقد قتل « جعفر » قطعت يداه فأبدله الله جناحين يطير بهما في الجنّة.

فتحت مكّة تهاوت الأصنام والأوثان صارت أنقاضاً وقد دخل حفيد ابراهيم المعبد يحطّم بفأس جدّه وجوه الآلهة وعادت حمائم السلام إلى واد غير ذي زرع.

وتوقّف التاريخ في وادي حنين يوم اعجبت المسلمين كثرتهم فلم تغن عنهم شيئاً ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين.

دارت رحى فاطمة ودار الزمن دورته ومرّ عام فإذا رسول الله يتحدّى دولة الروم وجيوش هرقل.


القبائل العربية ترسل وفودها إلى المدينة وقد فاءت إلى دين الله ورأى الناس وهم يدخلون في دين الله أفواجاً.

وقد أسلم كعب فأعطاه نبي الله « البردة » ، وأسلم باذان بن ساسان في اليمن.

وجاء جبريل يحمل سورة « براءة » ، وأذان من الله ورسوله الى الناس يوم الحج الأكبر انّ الله بريء من المشركين ورسوله.

ودوت كلمات عليّ في الكعبة وما حولها :

ـ لا يدخل الجنّة كافر ، ولا يحجّ بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان.

ثم فرضت السماء الزكاة حتى لا تكون الأرض دولة بين الأثرياء ويضيع الفقراء.

وبنى المنافقون مسجداً هو مسجد ضرار وان المساجد لله وما كان لله يبقى وما كان لغير الله يذهب هباءً منثوراً

أرسل النبيّ من يشعل النار في مسجد لم يؤسس على التقوى فإلتهمته ألسنة النار وولّى المنافقون الأدبار ولاذوا بالفرار وذرّت الريح « ضرار » رماداً وغباراً.

ودارت رحى فاطمة ودار عام وجاء وفد من نصارى نجران جاء يجادل في طبيعة المسيح وفي مريم ؛ جاءوا يقولون انّ عيسى


ابن الله. وقد قال الله :

ـ انّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون

ـ من تراب؟!!

ـ كلمته ألقاها إلى مريم.

ـ بل ابن الله.

ـ يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألاّ نعبد إلاّ الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله.

ـ لا ندع الربّ يسوع وقد صلب من أجلنا؛ من أجل الانسان الخاطئ.

ـ تعالوا ندع ابناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين.

كان « العاقب » يراقب موكباً عجيباً رجل يحمل في روحه ملامح المسيح يمسك بيده اليمنى صبيّاً في السابعة وفي اليسرى صبياً في السادسة ومعه شاب يكاد أن يكون له ظلّاً وخلفهم فتاة تشبه مريم.

نصارى نجران في حيرة ورأى العاقب في السماء دخاناً وتلك الوجوه الخمسة تتألّق في الضوء والفضاء مشحون بالغضب واللعنة


قاب قوسين أو أدنى

تأثرت القلوب ودمعت العيون خشية لله

ومدّ العاقب إلى النبيّ يد السلام ، فقال النبيّ :

ـ لنجران جوار الله وذمّة محمّد رسول الله.

وعاد أهل نجران إلى ديارهم

وتمرّ الأيّام وينطلق رسول السماء الى حجّ بيت الله واختارت السماء « غدير خمّ » في طريق العودة وهبط جبريل :

ـ يا أيّها الرسول بلّغ ما انزل اليك من ربّك وان لم تفعل فما بلّغت رسالته.

ـ والناس؟

ـ الله يعصمك من الناس.

الرمال تشتعل لهيباً لا يطاق.

وتوقف النبيّ فتوقف معه مئة ألف أو يزيدون ، وعلامات استفهام ترتسم على الوجوه وتوقّف التاريخ يصغي لما يقول آخر الأنبياء :

ـ ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟

ـ بلى يا رسول الله.

ـ من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه أيّها الناس ستردون عليّ الحوض وأنا سائلكم عن الثقلين.


ـ وما الثقلان يا نبيّ الله؟

ـ كتاب الله وعترتي أهل بيتي.

ـ ومضى التاريخ لا يلوي على شيء وعادت قوافل الحج الأكبر تستأنف رحلة العودة إلى الديار وقد دخل الناس في دين الله أفواجاً وهبط جبريل يتلو على الرسول آخر آيات السماء

ـ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا.

وشعر النبي ان مهمته في الأرض قد انتهت وآن له أن يستريح ولكن



٣٠

كانت فاطمة تقرأ القرآن في يدها مصحف فجأة سقط المصحف على الأرض ثم حلّق في السماء يخترق الغيوم ويتيه بين النجوم ورأت فاطمة نفسها تطير وراءه تريد اللحاق

وكان القرآن ينادي :

ـ هلمي إليّ هلمي إلى السماء.

ونظرت فاطمة رواءها فرأت الأرض زيتونة مشحونة بالبرق وبالرعود.

هبّت فاطمة من نومها وهواجس الخوف تحاصرها.

قالت لأبيها :

ـ يا أبتي اني رأيت قرآناً يسقط من يدي.

قال الذي عنده علم الكتاب :

ـ يا فاطمة يوشك أن أدعى فأجيب وقد عرض عليّ جبريل


القرآن في هذا العام مرّتين.

تجمّعت في عينيها الدموع ضرب الحزن اطنابه في القلب الكسير دق أو تاد خيامه.

قال الأب ليسرّي عن ابنته :

ـ لا تحزني أنت أول أهل بيتي لحوقاً بي.

أشرقت شمس الأمل وجدت لها طريقاً خلال الغيوم فاعادت البسمة تموج فوق وجه أزهر وجه يتألّق بنور الله ، والله نور السماوات والأرض.

وتمرّ الأيّام متوجسة والأرض تفتقد جبريل.

سقط رسول السماء مريضاً فوق الأرض عصفت به الحمى عجز الماء عن اطفائها وشعر الرجل السماويّ بأنّ الافق مشحون بالمؤامرة وان هناك عيوناً تبرق في الظلام تريد الاستحواذ على أمانة تهيّبت حملها السماوات والأرض.

هناك في الخفاء وبعيداً عن العيون كانت العنكبوت تنسج شبكة مخيفة. وكانت هناك فراشة قادمة تحلم بالربيع دفعتها ريح صفراء فهي توشك ان تسقط في بيت هو أهون البيوت.

في الليل والناس نيام حطّم الشيطان أغلاله وذرّ قرنيه يريد الفتنة


كان الجوّ مكفهراً وقد ادلهمت السماء وسكون مهيب يجثم فوق المدينة والقلق عاصفة مدمّرة تهزّ القلوب تريد اجتثاث الطمأنينة منذ بيعة العقبة وبيعة الرضوان ، كانت القلوب خائفة وهي تنطوي على شيء يوشك أن تفقده السلام كان محمّد سلاماً في الأرض والأرض توشك أن تفقد هذا السلام

ورسول الله يغلي بالحمّى ، وأفواه القرب تريد اطفاء الجمر ، حتى اذا هدأت الحمى وانتظمت انفاس النبيّ أرسل وراء أصحابه وقد شمّ في الفضاء رائحة غريبة

طفحت الفرحة فوق الوجوه وهي تنظر الى النبيّ هادئاً قد فارقته الحمّى؛ قال الرسول وهو يريد تمزيق شباك العنكبوت :

ـ ألم آمركم أن تنفذوا جيش اسامة.

تمتم بعض الصحابة :

ـ بلى يا رسول الله.

ـ لم تأخرتم عن أمري؟

قال أبو بكر مبرّراً :

ـ اني خرجت إلى الجرف ثم رجعت لاجدد بك عهداً.

وعلّق عمر :

ـ وأنا لم أخرج لا أريد أن اسأل عنك القوافل.


العنكبوت منهمكة في مدّ الخيوط لاصطياد فراشة الربيع والنبيّ يحاول تمزيقها :

ـ انفذوا جيش اسامة لعن الله من تخلّف عن جيش اسامة.

تسارعت أنفاس الرسول وكان قلبه يخفق بشدّة وقد عاودته الحمّى ، وشعر بدوار يعصف برأسه حتى غامت الأشياء حوله

وبكت النسوة وكادت فاطمة أن تموت.

أفاق النبيّ من غيبوبته وقد شعر بالخيوط الواهنة تسدّ الطريق على فراشة الربيع فحاول للمّرة الأخيرة :

ـ أئتوني بدواة وصحيفة لأكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده أبداً.

هبّ صحابي ينشد الهداية ولكن العنكبوت كانت قد سدّت الطريق أمام فراشة النور.

قال عمر آمراً :

ـ ارجع! لقد غلب الوجع رسول الله انه ليهجر وحسبنا كتاب الله.

رمق أبو بكر صاحبه بنظرات ذات معنى.

وقال الذي نهض :

ـ هل أحضرلك الدواة يا نبيّ الله؟

قال النبيّ بحزن :


ـ أبعد الذي قاله عمر.

واحتجت النسوة من وراء حجاب وكان صوت ام سلمة واضحاً :

ـ ائتوا رسول الله حاجته.

هتف عمر بعصبية :

ـ اسكتن فانكنّ صواحب يوسف إذا مرض عصرتن أعينكنّ واذا صح أخذتن بعنقه.

نظر النبيّ إلى أبي حفص وتمتم :

ـ هنّ خير منكم.

وبكى أحد الصحابة ، وقد شعر بهبوب العاصفة وتفرّق من كان حاضراً ولم يبق مع النبيّ إلاّ شاباً لا يفارقه مذ أطلّ على الدنيا وهاهو اليوم الموعود يوم تعود فيه النفس الى بارئها راضية مرضية

اليوم هو يوم الاثنين و « صفر » لا يريد الانطواء إلاّ بعد أن يشهد رحيل السلام

كان عليّ يعتنق الرجل الذي ربّاه صغيراً وعلّمه كبيراً وفتح له أبواب الملكوت والنبيّ يشدّ على يد فتى شرى روحه لله والرسول الله وحده الذي يراقب الأعماق

كان عليّ كالمذهول. ودّ لو يقيه بروحه الحياة مريرة دون محمّد. وما أحلى الموت معه أو دونه.


نهضت « فاطمة » تجرجر نفسها بعناء وتبعها السبطان فإنّ للنبيّ والوصي ساعة من وداع بعد رحلة دامت ثلاثة وعشرين سنة

لحظات كالقرون المتمادية والنبيّ ينوء بنفسه ، يصغي إلى ملائكة الرحمن ، ولكن أهل الأرض عن السمع لمحجوبون لم يسمعوا شيئاً سوى كلمات هي آخر ما حفظته الأرض من رسول السماء :

ـ بل الرفيق الأعلى

وانطلق « محمّد » نحو الله يعبر السماوات مخلّفاً جسده بين ذراعي عليّ وقد هبّت العاصفة ، وحطّم الشيطان أغلاله فراح يوقظ الأوثان العربية.


٣١

المدينة هائجة وقد زلزلت الأرض زلزالها فالقلب الذي كان ينبض حبّاً للفقراء والمحرومين قد توقّف الى الأبد وانقطع ذلك الحبل الممدود الذي يربط السماء بالأرض واختفت ظلال جبريل وبدا المسجد خاوياً على عروشه

العيون تبكي والحناجر تشرق بالعبرات. ليت السماء اطبقت على الأرض وليت الجبال تدكدكت على السهل.

هل رأيت قطيعاً من الماشية سقط راعيها فراعها خوف من ذئب قد يشدّ عليها فهي تجري في كلّ اتجاه تبحث عمن يهبها الطمأنينة حتى لو كان وهماً.

وهل رأيت غريقاً في بحر هائج يتشبث بكلّ شيء غير الماء حتّى لو كان قشّة لا شأن لها

هكذا كانت المدينة ذلك النهار العاصف كان أبو حفص زائغ


العينين يبحث عن صاحبه يترقّب حضوره بين اللحظة والاخرى همس في نفسه حانقاً :

ـ ما كان على أبي عائشة أن يذهب الى « السنخ » في هذه الأيام

كان منظر « عمر » مخيفاً بطوله الفارع وعينيه المتوقدتين وزادت نظراته الغضبة هيبته في النفوس فتنحوا عن طريقه وهو يدخل منزل النبيّ.

كشف عمر عن وجه النبيّ وتمتم بصرامة :

ـ لقد اغمي على رسول الله.

قال أحد الحاظرين مستنكراً :

ـ قد مات رسول الله.

أجاب عمر بغضب :

كذبت ما مات ولقد ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران. غادر عمر المنزل هائجاً ووقف وسط الجماهير وهو يلوح بسيفه :

ـ ان رجالاً من المنافقين يزعمون ان رسول الله قد مات وانّه والله ما مات ولكنه ذهب الى ربّه كما ذهب موسى بن عمران والله ليرجعنّ رسول الله فليقطعنّ أيدي رجال وأرجلهم ممن أرجف بموته.

وجد القطيع الممزّق شبحاً لراع فالتفت حوله تلتمس الأمن؛


ووجد الغرقى قشّاً فراحوا يتشبثون.

وعندما يفقد الانسان الأمل فانّه قد يعمد الى وهم يهبه شكل الحقيقة في لحظة يأس مريرة

تحلق الناس حول رجل يبرق ويرعد ويهدّد من يقول بموت الرسول وما أجمل ما يقوله « عمر » انّ محمّد لم يمت ولا يموت حتى يظهر دينه على الدين كلّه لله درّك يابن الخطّاب.

كان المغيرة ينظر الى أبي حفص يفكّر في لغز استعصى حلّه عليه ارتسمت علامة استفهام كبيرة ما تزال حتى اليوم وربّما إلى يوم الدين.

من بعيد لاح أبو عائشة يحثّ الخطى ولعلّ « المغيرة » قد لاحظ شيئاً فقد بدا الرجل الذي كان يهدّد ويتوعد من حوله بالويل والثبور يخفف من حدّته وانحسرت تلك الزوبعة المدمّرة ليحلّ مكانها سكون رهيب.

هتف أبو بكر من بعيد :

ـ على رسلك ايّها الحالف.

ثم التفت الى الامة المدهوشة :

ـ ايّها الناس من كان يعبد محمّداً فانّ محمّداً قد مات ومن كان يعبد الله فانّ الله حيّ لا يموت وما محمّد إلاّ رسول قد خلت من


قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضرّ الله شيئاً.

تنفّس أبو حفص الصعداء وهو يرنو الى صاحبه الذي حضر في الوقت المناسب

كان المغيرة ما يزال يراقب أبا حفص وهو يكاد يصعق لقد انتهت الثورة. فجأة هدأت العاصفة. استسلمت عند قدمي أبي عائشة

وقف عمر الى جانب صاحبه وانظمّ اليهما رجل ثالث هو « إبن الجرّاح » وتبادل الثلاثة نظرات هي أبجدية كاملة ربّما كانوا يفكّرون للمستقبل ليومين أو ثلاثة أو ربما للتاريخ كلّه.

ان كلّ التحولات الاجتماعية الكبرى انما تولد في الضمائر قبل أن تجد طريقها الى الواقع انّها موجودة في دائرة القوّة حتى يأتي من يخرجها الى دائرة الفعل وكان في ضمائر جلّة المهاجرين وقريش قاطبة ألاّ تجتمع النبوّة والخلافة في بني هاشم وقد قرأ رجال ما يجول في الخواطر ليخرجوا ما استتر في الضمائر وعجز النبيّ عن هزيمته يوم هزم الاوثان العربيّة.

النبيّ الذي جاب الصحراء ينشر فيها النور والحياة هو الآن جثّة هامدة وتوقّف القلب الذي ينبض بالحبّ القلب الذي سحر كل القلوب فتآلفت. ومذ توقف هذا القلب انفرط عقد القلوب جميعاً كما


التيار الكهربائي إذا انقطع انطفأت المصابيح وعاد الظلام فلا تسمع سوى أصوات بومة تصيح :

ـ هوو هوو هوو تبشّر بزمن الخرائب والاطلال. ياله من صباح مظلم كئيب احترقت شمسه وانتحر ضياؤه عيون غارقة في بحيرات الدمع وعيون تترصد بحذر بيتاً فيه جسد مسجى وقلوب كسيرة ورياحين ذابلة وشموع منطفئة

وهناك وبعيداً عن كلّ العيون اجتمع رجال من « الأوس » برجال من « الخزرج » يتشاورون في رجل « مزمّل » وقد أوجسوا خيفة من غدر قريش.

« السقيفة »تكتظ برجال نصروا الرسول وآزروه يوم كان شريداً ، وقهروا به الذين شرّدوه عن دياره بغير حقّ.

طافت خيالات « بعاث » في فضاء السقيفة ، نشرت ظلالها سوداء كالحة نكأت جروحاً ضمدها رسول السماء فاندملت الى حين.

قال سعد وكان دنفا :

ـ يا معشر الأنصار ان لكم سابقة في الدين وفضيلة ليست لقبيلة من العرب فلا تدعوهم يغلبوكم على أمركم.

قال زيد مؤيداً :

ـ وفقت في الرأي وأصبت في القول. ولن تعدو ما أمرت نولّيك


هذا الأمر ، فأنت لنا مقنع ولصالح المؤمنين رضى.

قال « ابن حضير » :

ـ ولكنهم عشيرة النبيّ وهم أولى به من غيرهم.

أجاب ابن المنذر مستدركاً :

ـ إذن نقول لهم منّا أمير ومنكم أمير.

هتف سعد غاضباً :

ـ هذا أوّل الوهن.

وتمتم ابن الأرقم متأسفاً بصوت لم يسمعه أحد :

ـ لك الله يا عليّ ان الملأ يأتمرون بك ليـ

وانسلّ من بين الجمع شبحان راحا يحثان الخطى وقد انبعثت في الأعماق اصداء معركة قديمة في يوم من أيام العرب.

قال عويم يحثّ صاحبه :

ـ اسرع يا معن قبل أن تعقد لسعد.


٣٢

بدا « أبو عائشة » متردّداً يقدم ويحجم كرجل تاهت به السبل يزن الامور بوقار تاجر قديم ، قال في نفسه : ليقنع بنو هاشم بالنبوّة وليدعوا الخلافة لبطون قريش ولكن ماذا يفعل ووصايا النبيّ في الصدور وفي القلوب.

أبو بكر غارق في تأمّلاته وكان صاحبه يختلس اليه النظرات نظرات مصممة قويّة ثاقبة لا يعرفها سوى « الجرّاح » وبدا أبو حفص في تلك اللحظات قويّاً كالعاصفة جبّاراً كالسيل وقد اشتعلت في أعماقه كلمات قالها يهودي ذات يوم :

ـ أنت ملك العرب.

كان عمر غارقاً في هواجسه عندما وصل « عويم » و« معن ».

هتف « أبو حفص » :

ـ ماذا؟!!


لم يكن هناك وقت فالفرص تمرّ مرّ السحاب وانطلق ثلاثة رجال لو رأيتهم من بعيد لأدركت أيّة طامّة وقعت لهم أو عليهم كانوا يسرعون الخطى والرسول ما يزال مسجّى في فراشه يتحدّث بلغة الصمت لغة عجيبة لا تفهمها سوى اذن واعية

رجال من الاوس ورجال من الخزرج يأتمرون قد أوجسوا خيفة ورجال من قريش يحثون الخطى إلى سقيفة لبني ساعدة والنبيّ يدعوهم بلغة الصمت

« الغنائم » تلوح من بعيد شهية يسيل لها اللعاب وقد ترك « الرماة » مواقعهم في « عينين » والرسول يدعوهم.

اقتحم الثلاثة « السقيفة » ، وبدت الوجوه مخطوفة اللون شاحبة قد عراها اصفرار. لقد انتقض الغزل وهو في أيديهم كان أبو حفص على وشك أن يثور لولا أبو بكر :

مهلاً يا عمر : الوفق هنا أبلغ.

وتوجّه أبو بكر إلى الأوس والخزرج بكلمات هادئة :

ـ يا معشر الانصار من ينكر فضلكم في الدين وسابقتكم العظيمة في الاسلام؟ والله رضيكم لدينه ورسوله أنصاراً وانتخبكم محلاً لهجرته وفيكم جلّ أزواجه وأصحابه

ثم أردف وهو يرمي سهماً في الهدف.


ـ نحن الامراء وأنتم الوزراء.

اعتراض « الحبّاب » وقد أخفق في إخفاء وهنه :

ـ بل منّا أمير ومنكم أمير.

انتفض عمر ليشدّد الهجوم :

ـ هيهات لا يجتمع اثنان في قرن..والله لا ترضى العرب أن يؤمروكم ونبيّها من غيركم ولكن العرب لا تمتنع ان تولّي أمرها من كانت النبوّة فيهم وولي امورهم منهم ولنا بذلك على من أبى من العرب الحجّة الظاهرة والبرهان المبين

وأردف وقد أخذه حماس المنتصر :

ـ من ذا ينازعنا سلطان محمّد وامارته ونحن أولياؤه وعشيرته الاّ مبطل أو متجانف لإثم أو متورّط في هلكة.

ردّ الحبّاب بغضب :

ـ املكوا أمركم يا معشر الأنصار ولا تسمعوا مقالة هذا فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر فان أبوا فاجلوهم عن البلاد إنّا أحقّ بالأمر منهم ، بأسيافنا دان العرب لهذا الدين

وأخذته فورة حماس فراح يطلق التهديدات حمماً :

ـ أنا شبل في عرينة الأسد والله لا يردّ عليّ ما أقول إلاّ حطمت أنفه بالسيف.


انبرى عمر لا متصاص العاصفة بمرونة متكلّفة :

ـ اذن يقتلك الله.

ـ بل إيّاك يقتل.

ونهض رجل من الخزرج وقد رفع راية بيضاء :

ـ إنّا أول من نصر الله ورسوله وجاهدنا المشركين لانبتغي من الدنيا عرضاً ألا وان محمداً من قريش وقومه أولى به وأحقّ فاتقوا الله يا معشر الأنصار ولا تخالفوهم ولا تنازعوهم.

تنفّس عمر بارتياح وهو يراقب تهاوي القلاع

هتف الحبّاب مخذولاً :

ـ حسدت ابن عمّك!!

ـ لا والله ولكن كرهت ان أنازع قوماً حقّاً جعله الله لهم.

وانبرى أبو بكر لا قتطاف أولى الثمار. أشار الى عمر وأبي عبيدة وقال :

ـ قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فايّهما شئتم فبايعوا.

وبطريقة لم تبد عفوية هبّ عمر مستنكراً :

ـ معاذ الله أنت أفضل المهاجرين ابسط يدك.

بسط « أبو بكر » يده وقد سقطت التفاحة في قبضته؛ ونهض رجل من الخزرج فبايع ورجل من الأوس وتهاوت القلاع والحصون


وتمّت أول « فلتة » في تاريخ الاسلام.

بدا « الحباب » متشنجاً كمن أصابه مسّ من الجنون فالتفت اليه أبو بكر مدارياً :

ـ أتخاف منّي يا حباب؟

ـ ليس منك ولكن ممن يجيء بعدك.

ـ اذا كان ذلك كذلك فالأمر اليك والى أصحابك ليس لنا عليكم طاعة.

ـ هيهات يا أبا بكر اذا ذهبت أنا وأنت جاءنا من بعدك من يسومنا الضيم.

وقال أبو عبيدة بلين :

ـ يا معشر الأنصار أنتم أولي فضل ولكن ليس فيكم مثل أبي بكر وعمر وعلي.

أجاب زيد وقد هزّه اسم عليّ :

ـ إنّا لا ننكر فضل من ذكرت وان منّا سيّد الانصار سعد بن عبادة وإمام العلماء سعد بن معاذ وذو الشهادتين خزيمة وان بين من ذكرت من قريش لو طلب الخلافة لا ينازعه أحد.

ـ من؟!!

ـ عليّ بن أبي طالب والله ما اجتمع الأنصار في السقيفة إلّا بعد شمّوا رائحة غدر دبّر بليل.



٣٣

إنطوى يوم الاثنين وقد ألقى الحزن كلاكله فوق الأرض كغراب اسطوري. فاطمة تنوء بنفسها وقد اسندت رأسها إلى صدر لم يعد النسيم يزوره.

كانت تصغي الى صمت الأنبياء وللصمت حديث تسمعه القلوب وتصغي إليه العقول ، العينان اللتان كانتا نافدتي نور قد اسدلتا جفونهما واليدان اللتان كانتا مهداً هما الآن مسبلتان. الروح التي كانت تصنع التاريخ والانسان قد رحلت بعيداً. غادرت هذا الكوكب الزاخر بالويلات.

لقد حلّت لحظة الفراق ، وتخفف الانسان السماوي من ثوبه الأرضي ليرحل الى عوالم حافلة بالنور وقد سمع أهل الأرض كلمات النبيّ ، كان ينظر الى السماوات ويهتف :

ـ بل الرفيق الأعلى.


أيّها الصامت صمتك أبلغ من كل أبجديات الدنيا وسكونك المدوّي صرخة حقّ في عالم الأباطيل. وقد زلزلت الأرض زلزالها ، انهار عمود خيمة كانت تعصف بها الريح وتمزّق الكساء اليماني ، وكان يدّثر نبيّاً هو خاتم الأنبياء ورجلاً يشبه هارون في كلّ شيء إلاّ النبوّة ، وامرأة هي سيدة بنات حوّاء وسبطين هما آخر الأسباط في التاريخ.

جثا عليّ أمام جسد كانت روحه العظيمة تضيء الجزيرة وبقايا نور في الجبين البارد تشبه شمساً جنحت للمغيب وهناك خلف جدران المنزل الذي جثم عليه حزن سرمدي كانت ترتفع ضجّة رجال كريح صفراء كانت تقترب من المسجد حيث لا يفصله عن المنزل سوى جدار يكاد أن ينهدّ.

وخفّ رجل هاشمي يحمل انباء السقيفة

ستهب الريح عاصفة مدمّرة لا تبقي ولا تذر. تساءل علي :

ـ ماقالت الأنصار؟

ـ قالت منّا أمير ومنكم أمير.

ـ فهلاّ احتججتم عليهم بأنّ رسول الله وصّى بأن يحسن الى محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم.

ـ وما في هذا من الحجّة عليهم؟

ـ لو كانت الإمامة فيهم لم تكن الوصية بهم ، سكت هنيهة وسأل :


ـ فماذا قالت قريش؟

ـ قالت : انا شجرة محمد.

تمتم علي بأسى :

ـ احتجّوا بالشجرة واضاعوا الثمرة.

وقف هارون حائراً يتأمّل رمال سيناء يترقّب عودة أخيه وكان موسى يمم وجهه شطر الجبل

ـ ما أعجلك عن قومك ياموسى؟

ـ هم أولاء على أثري وعجلت اليك ربّ لترضى.

ـ فإنّا قد فتنّا قومك من بعدك وأضلّهم السامريّ.

وعاد موسى غضبان أسفاً يحمل معه ألواح السماء.

وكان هارون يقاوم العاصفة وكان العجل يخور وسط العاكفين. قال هارون مشفقاً :

ـ إنّما فتنتم به وإن ربّكم الرحمن فاتبعوني واطيعوا أمري.

ـ لن نبرح عليه عاكفين حتى يعود الينا موسى.

ولمّا عاد موسى ألقى الألواح وقال بغضب :

ـ بئسما خلفتموني من بعدي.

وقال هارون بحزن :

ـ إنّ القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني.


ولمّا سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وتمتم :

ـ إنّ الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربّهم وذلّة في الحياة الدنيا.

ونظر موسى الى السماء وقال متضرّعاً :

ـ ربّ اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين.

والتفت موسى الى السامريّ :

ـ ما خطبك يا سامريّ؟

ـ بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سوّلت لي نفسي.

قال موسى وهو ينبذه في قلب التيه :

ـ اذهب فإن لك في الحياة ان تقول لا مساس وان لك موعداً لن تخلفه وانظر الى إلهك الذي ظلت عليه عاكفاً لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفاً.

وضاع السامريّ في التيه بين تموّجات الصحراء وعواء الذئاب. كان صوته يتبدد في المدى يبحث عن وطن والوطن لا يقبل شجراً مجتثاً من فوق الأرض ماله من قرار.

الصحراء بعيدة والرجل المنبوذ يشدّ الى جسده عباءة خرّقتها الريح وهو يطوي التيه يقبض قبضة من الرمال يشمّها علّه يجد فيها أثر الرسول ولكن لا شيء سوى الريح حتى إذا بلغ « فدك » من أرض الجزيرة تهالك عند جذوعها ينازع الموت وقد أيقظت العرب أوثانها.


٣٤

جلست حفصة قرب عائشة كما تجلس الجارية عند سيدتها أو المريد عند استاذه يتعلّم منه أو يراقب حركاته وسكناته ولعلّ الصداقة التي تربط بين الأبوين قد بخّرت تماماً ما تضمره المرأة لضرّتها وأزاحت بعيداً ذلك التنافس المرير في التفوّق وهاهي الأيام تمرّ لتوحّد بينهما ، تضاعفت خلوات عمر بأبي بكر وزادت الأواصر بين عائشة وحفصة

وقد جلست المرأتان فيما يشبه الاحتفال بالنصر أو التفكير لجولة قادمة

كانت عائشة تغالب شعوراً بالتشفي والانتقام وها هو أبوها يحقق أول انتصار على منافسه.

منذ سنوات وأبو بكر يفعل المستحيل ليبقى في الصدارة فهو صاحب النبيّ في الغار وهو الملازم له في العريش هو وعليّ فرسا


رهان ولكن ماذا يفعل وعليّ السبّاق في كل شيء ماذا تتذكر عائشة « خيبر » « ذات السلاسل » سورة براءة

لشدّ ما تمقت عليّاً انّها لا تستطيع أن تنسى كلماته وهو ينصح النبي بطلاقها يوم « الافك » وفاطمة التي تغار منها ومن امّها خديجة ولكن ما تبغي وهاهو أبوها يمسك بالزعامة والخلافة.

امّا عليّ فهو جليس داره وحيد ليس معه من يؤازره أحد وفاطمة التي لا تفتأ تبكي أباها ليل نهار.

عائشة هادئة البال تنعم بالمجد لقد كانت زوجة أعظم رجل في الجزيرة وهاهي اليوم بنت رجل يهابه الجميع

كانت عائشة مستغرقة في خيالات الماضي والمستقبل عندما دخل أبوها وكان معه عمر

بدا أبو بكر مهموماً لقد جاء أبو سفيان وهو يخشى صولته.

قال عمر وقد أدرك ما يجول في خاطره :

ـ الأمر بسيط يا خليفة رسول الله أنا أعرفه اترك ما في يده من الزكوات اننا نحتاج إلى بني امية للوقوف بوجه بني هاشم نشغل بعضهم ببعض فتصفو لك الامور.

ـ ارحتني يا عمر من همّ وبقيت هموم.

ـ أتعني عليّاً وأصحابه والله لأجعلنهم يبايعون طائعين أو


كارهين ولسوف أمضي اليهم بنفسي فان تعلّلوا أحرقت عليهم البيت.

ـ إنّ فيه فاطمة يا عمر.

ـ وإن.

تداعت الذكريات في خيال أبي بكر. تذكّر يوم خطب فاطمة فردّه الرسول. انّه لن يغفر لها ذلك كما لن يغفر لها ما سببته من آلام لإبنته. كانت عائشة لا تطيق رؤيتهاولا رؤية زوجها هو أيضاً كان لا يرتاح لفاطمة وكان يشعر بالحسرة لا تقاسيه ابنته.

قال عمروهو يرمق صاحبه بنظرة ذات معنى :

ـ يا له من حديث أصبت به مقتلاً أنا أيضاً أذكر ان النبيّ قال : « نحن معاشر الانبياء لانورّث ما تركناه صدقة ».

ابتسم أبو بكر وكانه يقول وما في وسعي أن أفعل غير ذلك امامنا جولات وجولات وفاطمة ما تزال تقاوم

قال أبو بكر متوجّساً :

ـ أنا أخشى فاطمة انّها ثائرة ولن تسكت وكيف تسكت وهي بنت محمّد زوج عليّ.

ـ لا تخش شيئاً يا صاحبي سينتهى كلّ شيء ما هي إلاّ امرأة وليس معها أحد.


قال أبو بكر وقد استيقظت في أعماقه بقايا ضمير :

ـ ماذا لو نسلّمها « فدكاً » ونرتاح من كلّ هذا العناء.

ـ ماذا تقول يا صاحبي اذا أعطيتها فدكاً اليوم فستأتي غداً لتطالب بالخلافة الى بعلها وأنت تعرف ان فدكاً لديها ليست فاكهة أو نخيل ولا أرض انّها الخلافة لا لا لا تفعل ذلك أبداً.

ـ ألا تخشى غضبها يا أبا حفص غضبها يعني غضب الله ورسوله الجميع يعرف ذلك.

ـ وهذه أيضاً ستمرّ كما تمرّ العاصفة سوف نزورها ذات يوم فتصفح عنّا وينتهي كلّ شيء انّك لتصوم وتصلّي وتحجّ وتجاهد فلا تقلق.

ـ اتمنّى أن يكون ذلك.

كانت عائشة تصغي بصمت الى حديث أبيها تدرك ما يموج في أعماقه من رقّة تكاد تنقض كل صلابته لولا صاحبه الذي لا يعرف غير الاندفاع كالزوبعة ولولاه ما وقف أبوها كلّ هذه المواقف وعائشة تدرك جيداً ان عمر يحلب لابيها ليأخذ شطراً منه غداً. على هذا تعاهدا ومعهما « الجرّاح ».

عائشة لا ترتاح لتردد أبيها. انّها تريد منه أن يكون قويّاً هذه المرّة وقد غاب « محمّد » فليندفع ليهزم « عليّاً » أمام عيني


« فاطمة » ، لشدّ ما يسعدهما أن ترى فاطمة كسيرة مغلوبة تندب المجد الذي ولّى والعزّ الذي مضى.

ـ لا لا يا عائشة لا تكوني قاسية إلى هذا الحدّ

أرجوك إذا مررت بشجرة محطّمة فلا تدوسي ثمارها أو حمامة مهيضة الجناح فلا تستلّي السكين لتذبحيها أليس هناك مكان للحبّ لله؟

ـ أتريدني اشفق على فاطمة فاطمة التي استحوذت على قلب زوجي لا لا لن أغفر لها ذلك وعليّ الذي ودّ طلاقي كلّا لن أغفر لهما أبداً.

تلاشى الدويّ وخفتت نداءات الانسان وانتصر النمر المتوثّب في الأعماق ليطلّ من عينين يكاد بريقهما ينفذ في الظلوع.



٣٥

فاطمة حزينة وحيدة في هذه الدنيا الغادرة غيّب التراب جهاً كان يضيء دنياها وتوقف قلب كان يملأ حياتها أملاً

رحلت امّها وهي بعد صبيّة وهاهي بفقد أباها وهي في عمر الربيع

فقدت الاشياء شفافيتها وبدت عارية مقرفة. كانت تنظر الى الجزيرة فتراها حضراء حضراء. تنظر بعيني محمّد فترى البراعم تتفتح والرياحين تفوح بالعطر والسماء تزخر باجنحة الملائكة مثنى وثلاث ورباع وكلمات جبريل تملأ الفضاء. ولمّا أغمض الاب عينيه انطفأت كلّ الشموع انكفأت فوق صحون الحنّاء ذبلت الرياحين وغادر الربيع الجزيرة واستيقظت الاصنام فتحت عيونها الحجرية وانبعث خوار « عجل » في « فدك ».

العاصفة تهبّ عنيفة تدمّر كلّ شيء ولو مرّت على النجوم


لأطفأتها أو على شجرة زيتون لا جتثتها من فوق الأرض وفاطمة وحيدة ليس معها أحد سوى رجلها وقد أغمد « ذا الفقار » بعد ان وضعت الحرب أوزارها وسيّد الرجال يأبى أن تكون له في الفتنة سيف سلاحه الصبر؛ والصبر سلاح الأنبياء.

ليس في منزل فاطمة سوى صبيين ينتظران عودة جدّهما ليس في منزل فاطمة سوى بنت صغيرة غارقة في حزن سرمدي بنت اسمها « زينب »؛ ليس في منزل فاطمة أحد إلاّ المستضعفون فبدا كقلعة مهجورة تحمل آثاراً لجبريل. ستهبّ العاصفة اعصاراً فيه نار وقد لاذ الخائفون فئراناً مذعورة في جحورها وليس هناك من سلاح إلاّ الصبر والصبر له طعم كالحنظل لا يعرفه إلاّ المظلومون.

بدا عليّ ذلك اليوم كأسد جريح أسد مثقل بالقيود والسلاسل وأصعب ما يواجه الرجل من ضيم أن يرى امرأته مقهورة وحيدة وهو موثق الأيدي كان عليّ يدرك ما يدور في الخفاء شمّ منذ أمد بعيد رائحة المؤامرة ولم يكن في مقدوره أن يفعل شيئاً كانت العناكب تحوك شباكها ليل نهار. والسماء تكتظّ بقطع السحب السوداء ، والقمر في المحاق

هبّت العاصفة ، وهتف ابن صهاك ، وقنفذ ينظر بعينينن فيهما بريق شيطاني :


ـ يا علي اخرج وبايع كما بايع الناس.

لاذ الاسد بالصمت ، ورفع ابن صهاك صوته بعصبية :

ـ لتخرجّن أو لاحرقن الدار.

هتف رجل مستنكراً :

ـ إن فيها فاطمة.

أجاب ابن صهاك.

ـ وإن!.

هتفت فاطمة بغضب :

ـ سرعان ما أغرتم على أهل البيت.

ركل قنفذ الباب بوحشية وظهرت بنت محمّد في قبضتها لواء المقاومة وجهها الازهر مضمخ بعبير النبوّات وكان حسين وحسين ينظران بدهشة الى رجال كانوا بالامس يبتسمون لهما وقد جاءوا اليوم يكشّرون عن أنياب كالذئاب.

ـ أين أنت يا جدّاه هلمّ لترى ما يفعل أصحابك.

هتف فاطمة بغضب الأنبياء :

ـ اخلوا الدار وخلّوا عن ابن عمي

ثم أردفت وهي تستنجد بالسماء :

ـ لئن لم تخلّوا عنه لانشرن شعري ولأصرخن الى الله.


هتف سلمان وقد رأى العذاب قاب قوسين أو أدنى :

ـ يا سيدتي! إن الله بعث أباك رحمة. والتفت الى عمر :

ـ خلّوا عن عليّ فقد أقسم ألا يخرج حتى يجمع القرآن.

انسحب الرجال أمام فتاة نحيلة الجسم كنخلة متواضعة لكنّها عميقة الجذور.

ما تزال راية المقاومة ترفرف فوق منزل فاطمة كطيف من رؤى النبوات.

وقف التاريخ مشدوهاً قبالة منزل صغير يضمّ فتاة نحيلة القوام.

وقف التاريخ خاشعاً أمام « فاطمة » أمام فتاة عجيبة لم ير مثلها صفاءً لكأنها تنتمي الى عالم آخر لا يمت الى عالم التراب بوشيجة قبس من نور يكاد ينفذ من أهاب جسد نحيل لكأن الملاك يوم ولدت تضرّع الى ربّه :

ـ يا ربّ اجعلها ثابتة كالجبل ، مباركة كالنخيل ، طاهرة كقطرات الندى ، سيّدة كحورية.

وقف التاريخ مذهولاً أمام فاطمة غيمة بيضاء تختزن الرعود فهذه الفتاة التي تقف في محرابها تتبتل الى السماء حتى تكاد تفتت التراب لتصبح كوكباً درّيا تتسرب من بين الطين عائدة الى عالم النور.


وقف التاريخ خاشعاً أمام فتاة تقضي جلّ وقتها تتأمّل ملكوت السماء ربّنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فتاة تنطوي ضلوعها على قلب تضيع فيه الصحارى.

وقف التاريخ امام سيّدة عظيمة هبّت بوجه العاصفة؛ ولتكن « فدك » أرضاً للصراع.



٣٦

ما أصغر فدكاً فوق الأرض وفي الجغرافيا. وما أوسعها في خارطة التاريخ.

هبّ السامريّ ليجثو أمام « العجل » وفتحت الأوثان العربية عيوناً حجرية تحدّق ببلاهة وبرقت عينا « الاسخر يوطي » بالغدر وهو يدّل على ابن مريم وهمّ بنو اسرائيل بهارون ، وفرّت الفراشات الى مخابئها وقد عوت ريح الزمهرير كذئاب مجنونة.

نهضت فاطمة بوجه العاصفة تقول لا :

ـ لا تقتلوا يوسف ولا تلقوه في غيابت الجبّ.

ـ لا تغدروا بابن العذراء لا تعبدوا العجل من دون الرحمن لا تقتلوا هارون.

ـ دعوا الفراشات تسبح في غمرة النور لا تطفئوا الشموع لا تثقلوا الأرض بالآثام دعوا هابيل يرعى ماشيته بسلام.


وقفت فاطمة تنظر إلى الأفق البعيد المدلهمّ بالخطوب والحوادث وراحت تسرج الشموع في مهب العواصف علّها تضيء الصحراء والتاريخ.

معركة وشيكة ستندلع تدمّر كلّ شيء معركة عجيبة اسلحتها الصبر الصمت الرفض كان على عليّ أن يرمي « ذا الفقار » جانباً أن يصرخ بالصمت الصمت المدوّي وكان على فاطمة أن تتكلّم بعد أن طوت الماضي متبتلة في المحراب.

نهضت فاطمة. غادرت محمراب الصمت لتقول كلمتها في الذين يسرقون « فدك » في غمرة الليل حتى لا يسرقوا التاريخ والمستقبل في وضح النهار

جاءت فاطمة تطالب بالميراث وكانت جذوع « فدك » سلاحها الوحيد :

ـ اعطني ميراثي من أبي رسول الله.

قال أبي بكر :

ـ سمعت أباك يقول : نحن معاشر الأنبياء لا نورّث.

ـ كيف وقد ورث سليمان داود وقال زكريا : يرثني ويرث من آل يعقوب؟!!

ـ أنا سمعت رسول الله يقول نحن الأنبياء لا نورّث وهاهي


عائشة وحفصة تشهدان على ذلك.

ـ سبحان الله ما كان أبي عن كتاب الله صادفاً ولا لأحكامه مخالفاً

اشتعلت ثورة في قلب ابن فاطمة وكان صبيّاً جذب رداء رجل ينازع امّه الميراث.

هتف السبط :

ـ انزل عن منبر أبي واذهب الى منبر أبيك.

سأل الرجل بدهاء :

ـ من علّمك أن تقول هذا؟

لاذ الصبي بالصمت.

فعاد الرجل يكرّر مقالة ما أنزل الله بها من سلطان.

قالت فاطمة وهي تضمّ ريحانة الرسول وتحدّق في الذين اغتصبوا ميراث الأنبياء :

ـ كلّا بل سوّلت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون.

غادرت فاطمة المكان وتناثرت أسئلة علامات استفهام ، فتمتم الخليفة بأسىً أمام صاحبه :


ـ أما كان الأحرى أن نهبها فدكاً أنا أخشى ابنة محمّد.

أجاب أبو حفص مشجّعاً :

ـ لا تخف يا صاحبي غبرة وتنجلي وماهي إلّا جولة وينتهي كلّ شيء...وكأن شيئاً لم يكن وربت على كتفه وقد عرف كيف يتغلغل الى قلبه :

ـ أقم الصلاة وآت الزكاة ان الحسنات يذهبن السيئات وما يفعل ذنب واحد في حسنات كثيرة.

أضاءت الابتسامة وجهه ، فقال :

ـ كربة فرجّتها ياعمر.

هتف الخليفة وقد شحذ العزم كلمات تدعو بالويل والثبور

ـ ألا لو شئت أن أقول لقلت ، ولو تكلمت لبحت واني ساكت ما تركت يستعينون بالصبية ويستنهضون النساء واني لست كاشفاً قناعاً ولا باسطاً ذراعاً ولا لساناً ، إلاّ من استحق ذلك.

استنكرت ام سلمة وكانت امرأة على خير :

ـ أمثل هذا يقال لفاطمة!! وهي الحوراء وعديلة مريم ربيت في أحضان الأنبياء وتداولتها أيدي الملائكة أتزعم ان رسول الله حرّم عليها ميراثه؟!

عادت فاطمة الى منزلها وقد جثم الحزن على بيوت المدينة


كطائر مخيض الجناح.

أوت فاطمة إلى المحراب تستمد من السماء الروح الحياة النور؛ تريد أن تتخفف من عناصر الأرض الأرض المثقلة بالدماء الآدمية تريد أن تنتمي الى عالم خر لا نكد فيه ولا عناء تنشد بيتاً من قصب لا تعب فيه ولا نصب ما تزال تبحث عن امّها أوت فاطمة تلك الليلة الى المحراب وقالت :

ـ ربّ إبن لي عندك بيتاً في الجنّة ونجّني.

هوّمت عيناها فانبثق شلّال من نور النبوّات.

هتف بشوق :

ـ يا أبتاه ، يا رسول الله انقطعت عنّا السماء.

خفقت أجنحة الملائكة رفرفرت كفراشات من نورسماويّ ولجت فاطمة الملكوت راحت تخطر في عوالم النور الملائكة صفوف والحدائق غنّاء والأنهار تجري متدفقة تدفّق الحياة وحوريات يخطرن بين الأشجار الخالدة.

قالت إحداهنّ لفاطمة :

ـ مرحباً بحورية الأرض

فاطمة تخطر في عالم شفّاف عالم ملوّن. أشارت فاطمة الى نهر يطّرد تتدافع أمواجه البيضاء تدور حول قصر تحفّه الأشجار


ويغمره النور من كلّ مكان. قالت حورية :

ـ هذا الفردوس وهنا يسكن سيّد ولد آدم محمّد.

ـ أين أبي؟

انبثق شلّال من نور محمّد كان يرتدي ثياباً من سندس بلون الربيع

ركضت فاطمة ضاعت في صدره الرحب شعرت بأنها تعود الى أحضان أمّها الى عالم تنتمي اليه.

ـ انظري الى ما أعدّ الله لك لقد انتهت آلامك وآن لك أن تستريحي انظري الى زهدك كيف أصبح جنّة عرضها كعرض السماوات والى فراش الليف كيف صار سريراً من حرير ، وإلى جوعك وعريك كيف أضحى فاكهة وقطوفاً دانية واستبرق وحريرا وانظري الى دموعك اضحت أنهاراً من لبن وم عسل تجري ، وإلى حجرتك أمست قصراً والى ظلمات الأرض صارت شلالات من نور يتدفّق

انتبهت فاطمة عادت الى الأرض لتودّعها لتقول كلمتها قبل الرحيل الأبدي عادت لتبني بيت الأحزان تبكي الأرض المثقلة بالهم بالدموع وبالألم.


٣٧

لفّت فاطمة خمارها ، واشتملت بردائها والازار ونهضت بأمر الله.

مابين دار فاطمة والمسجد خطوات ، قطعتها ثابتة الخطى لكأنها محمّد وعاد يصحح مسار الانسان من جديد يقوده الى منابع النور والخلود.

جاءت فاطمة تحفها نسوة وبنات دخلت المسجد لتقول كلمتها للامّة والتاريخ.

وأنت من وراء حجاب انّة هي أنّة هابيل

قيل ان يموت فيها عذابات « آسية » وحزن « مريم ».

ولوعة « يوكابد »

بكى المهاجرون وبكى الأنصار واهتزّ قلب كالصخر ولان.

قالت بنت آخر الانبياء وقرينة مؤسس البلاغة في العرب :

ـ الحمد لله على ما أنعم وله الشكر على ما ألهم واثناء بما قدّم


من عموم نعم ابتدأها ، وسبوغ آلاء أسداها وتمام منن أولاها ، جمّ عن الاحصاء عددها ، ونأى من الجزاء أمدها وتفاوت عن الادراك أبدها. وأشهد ان لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، كلمة جعل الاخلاص تأويلها ، وضمن القلوب موصولها ، وانار في التفكير معقولها ، الممتنع عن الأبصار رؤيته ، ومن الألسن صفته ومن الأوهام كيفيته ، ابتدع الأشياء لا من شيء كان قلبها ، وأنشأها بلا احتذاء أمثلة امتثلها ، كوّنها بقدرته وذرأها بمشيئته.

وأشهد ان أبي محمّداً عبده ورسوله ، اختاره قبل أن أرسله ، وسمّاه قبل أن اجتباه ، واصطفاه قبل أن ابتعثه ، إذ الخلائق بالغيب مكنونة ، وبستر الأهاويل مصونة ، وبنهاية العدم مقرونة.

ابتعثه الله اتماماً لأمره وعزيمة على امضاء حكمه وانفاذاً لمقادير حتمه ، فرأى الامم فرقاً في أيانها عكفاً على نيرانها ، عابدة لأوثانها ، منكرة لله مع عرفانها ، فانار الله بأبي محمّد ظلمتها وكشف عن القلوب بهمها جلّى عن الابصار غممها ثم قبضه الله اليه قبض رأفة واختيار ورغبة وايثار.

محمّد من تعب هذه الدار في راحة ، قد خصّ بالملائكة الأبرار ، ورضوان الربّ الغفار ، ومجاورة الملك الجبّار ، صلّى الله على أبي وأمينه وخيرته من الخلق وصفيّه والسلام عليه ورحمة الله وبركاته.


وقف التاريخ مذهولاً لكلمات سماوية لكأنّها حورية هبطت الأرض تحمل لها قبساً من نجوم السماء.

سكتت فاطمة هنيهةً واستجمعت قوّتها لتهزّ النخلة علّها تساقط رطباً جنيا :

أيّها الناس ، اعلموا أنّي فاطمة وأبي محمد أقول عوداً وبدواً ، ولا أقول ما أقول غلطاً ، ولا أفعل ما أفعل شططاً ، لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ، فإن تعزوه وتعرفوه تجدوه أبي من دون نسائكم ، وأخا ابن عمي دون رجالكم ، ولنعم المعزّى إليه ، فبلغ الرسالة صادعاً بالنذارة ماثلاً عن مدرجة المشركين ، ضارباً ثبجهم ، آخذاً بأكظامهم داعياً الى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة يجفّ الأصنام وينكث الهام ، حتى انهزم الجمع وولّوا الدبر ، حتى تفرى الليل عن صبحه ، وأسفر الحقّ عن محضه ونطق زعيم الدين ، وخرست شقاشق الشياطين.

وكنتم على شفا حفرة من النار ، مذقة الشارب ، ونهزة الطامع ، وقبسة العجلان ، موطئ الأقدام ، تشربون الطرق ، وتفتاتون القدّ ، أذلّة خاسئين ، تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم ، فانقذكم الله تبارك وتعالى بمحمد9 بعد اللتيا والتي.

ودوّت صرختها توقظ الضمير الذي أخلد الى الأرض :


أيّها المسلمون : أأغلب على إرثي! يا ابن ابي قحافة ، أفي كتاب الله ترث أباك ولا أرث أبي ، لقد جئت شيئاً فريّاً ، أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم ، إذ يقول : (وورث سليمان داوود).

وقال في ما اقتص من خبر يحيى بن زكريا إذ قال : (فهب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب).

وقال : (وأولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله).

وقال : (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظّ الانثيين).

وقال : (إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقّاً على المتّقين).

وزعمتم أن لا حظوة لي ولا إرث من أبي ولا رحم بيننا ، أفخصّكم الله بآية أخرج أبي منها؟! أم هل تقولون : إنّا أهل ملّتين لا يتوارثان أولست أنا وأبي من أهل ملّة واحدة؟ أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي.

فدونكها مخطومة مرحولة ، تلقاك يوم حشرك ، فنعم الحكم الله ، والزعيم محمّد ، والموعد القيامة ، وعند الساعة يخسر المبطلون.

ولا ينفعكم إذ تندمون ، ولكلّ نبأ مستقر ، وسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحلّ عليه عذاب مقيم.


لقد مات الضمير دفنه رهط من المدينة في أرض فدك ، فراحت البتول تحذّرهم أيام الله :

فدونكموها فاحتقبوها ، دبرة الظهر ، نقبة الخفّ ، باقية العار ، موسومة بغضب الجبّار ، وشنار الأبد ، موصولة بنار الله الموقدة التي تطّلع على الأفئدة ، فبعين الله ما تفعلون ، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون ، وأنّا ابنة نذير لكم بين يدي عذاب شديد فاعملوا إنّا عاملون ، وانتظروا إنا منتظرون.

غادرت الزهراء المسجد وقد زلزلت الأرض زلزالها وصرخ رجل غصب ميراث الأنبياء :

ـ اقيلوني بيعتي

ونظر الرجال الى حيث كشفت فاطمة آفاق المستقبل فإذا السحب الحمراء مخزونة بالرعود والأرض ملغومة بالزلازل وأنهار من دم ، وجماجم وضحايا. وفرّ الانسان ألقى أمانة تهيبت السماوات والأرض عن حملها وحملها الانسان انه كان ظلوماً جهولا.



٣٨

كما تذوي الشموع في قلب الظلمات كما تذوب وتسيل دموع التوهج كانت « فاطمة » تذوي قوامها يزداد نحولاً

قرّرت فاطمة الصمت وان تصوم كما صامت مريم من قبل وأدرك عليّ ان الرحيل وشيك وان « البيت » الذي بناه من جريد النخل بـ« البقيع » سيكون ملجأً لفاطمة بيتاً للأحزان والآلام سيشهد ذلك البيت انطفاء الشموع رحيل النجوم ومصرع شمس أضاءت حياته مدّت بالدفء النور الأمل.

سكتت فاطمة. والذين اشتكوا من بكائها لم يعودوا يسمعون انيناً ينبعث من أعماق قلب كسير. لم يعد أحد يسمع نشيجها الاّ الذين يمرّون بـ « البقيع »

غابت فاطمة كما تغيب النجوم خلف السحب الدكناء. غابت فاطمة كفراشة تبحث عن الشمس عن ربيع مضى تطارده رياح شتائية.


غابت فاطمة لم يعد أحد يسمع بها انها تذوي وحيدة في بيت من جريد النخيل غادرته الحياة الملائكة لا تريد حياة الأرض ، والحوريات لا تعيش في عالم التراب والذين اكتشفوا السماء لن يطيقوا الانتظار

وعندما يدرك الأنبياء ان مواعظهم لاتجد آذاناً واعية سيتحدّثون بلغة الصمت

في بيت الأحزان كانت فاطمة تذوب كشمعة متوهّجة تحرق نفسها لتبعث النور والدفء من حولها فاطمة تتحدّث بلغة الشموع لغة لا يسبر غورها إلّا فراشات النور. ها هي فاطمة تصرخ بصمت :

ـ بدويّ صمتي اناديكم ثورتي تنطوي في حزني ورفضي كامن في دموعي.

وهذا كلّ ما أملكه من لغة علّكم تفهمون خطابي. انا مظلومة يا ربي

حرّرني من هؤلاء.

ذوت الشمعة أحرقت نفسها. لم يبق منها إلّا حلقات من نور آن لها أن تنطفئ. الوجه يشبه قمراً أنهكته ليلة شتائية طويلة بدا مصفرّاً وكان الصوت واهناً تحمله أمواج حزينة والدموع غزيرة كمطر سماء غاضبة


رتبّت « أسماء » فراش سيدتها وسيّدة كلّ امرأة في التاريخ

لم يعد الجسد الواهن قادراً على تحمل روح عظيمة تريد الانطلاق الى عوالم لا نهائية.

وجاء الشيخان يريدان عيادتها وقد أوجسا خيفة

فاطمة غاضبة ينشدان رضاها رضا السماء والأرض والتاريخ.

هكذا قال محمّد من قبل ولكن انّى لهما ذلك وفاطمة تكاد تميز من الغيظ

قال عمر لعليّ وهو يحاوره :

ـ يا أبا الحسن ان أبا بكر شيخ رقيق القلب وكان مع رسول الله في الغار وقد أتيناها غير هذه المرّة فلم تأذن لنا فاستأذن لنا منها

ماذا يقول أبو حفص كيف يفكّر هذان الرجلان نهض عليّ جلس عند فاطمة وقال مستأذناً :

ـ يا بنت رسول الله قد كان من هذين الرجلين ما قد رأيت وقد تردّدا مراراً ورددتهما وقد جاءا الآن يسألاني الإذن.

ـ والله لا أكلّمهما حتى ألقى أبي.

ـ يا بنت محمّد اني قد ضمنت لهما الاذن.


ـ امّا وقد ضمنت لهما شيئاً فلا اخالفك.

شعر أبو بكر بالأمل يراود قلبه ونظر الى صاحبه بامتنان.

ـ السلام عليك يا بنت رسول الله.

ـ

ـ إنّا جئنا نسألك العفو وقد أقررنا بالإساءة.

ـ

ـ ارضي عنّا رضي الله عنك.

ـ

ـ لا تحوّلي وجهك عنّا انا نطمع أن يغفر لنا ربّنا

قالت فاطمة كلمتها الأخيرة :

ـ ان كنتما صادقين فاخبراني عمّا أسألكما.

ـ سلي يا بنت رسول الله.

ـ نشدتكما بالله هل سمعتما أبي يقول : فاطمة بضعة مني فمن آذاها فقد آذاني؟

ـ اللّهم نعم.

رفعت الزهراء يديها امام محكمة السماء :

ـ اللّهم اشهد فانّهما قد آذياني وأني اشكوهما اليك.

انتفض أبو بكر. ودّ لو تبلعه الأرض.


ـ ياويلي يا ويلي ليتني لم اتّخذك خليلا. لقد ضلتني عن الذكر بعد إذ جاءني.

أجاب صاحبه وكان فضّاً غليظ القلب :

ـ لا تجزع يا خليفة الرسول لغضب امرأة.

هتف بمرارة.

ـ اقيلوني فقد ترضى فاطمة.

رمقه عمر بعينين متنمّرتين :

ـ ماذا تقول يا خليفة الرسول أترضي فاطمة وتغضب عائشة والأقربون أولى بالمعروف. ولقد قضي الأمر.

وقف أبو بكر عاجزاً عن صدّ الرياح وهي تعدو مجنونة تهزّ شجرة غرسها رسول السماء تريد أن تجتثها من فوق الأرض.

وقف الخليفة عاجزاً عن توجيه قافلة التاريخ الجهة التي أرادها سيّد التاريخ وهاهو يتّخذ طريقه في الصحراء سربا.

وتمرّ الأيام والرياح المجنونة التي تريد اجتثاث شجرة غرستها السماء في الأرض تكاد تأتي على شمعة تسيل دموعها قطرات حزينة ولسوف تنطفئ بعد حين.



٣٩

هوت الشمس اشتعلت حمرتها في الافق كجراح الشهداء وشيئاً فشيئاً زحفت كتائب المساء ولملمت الشمس خيوطها ورحلت بعيداً وظهرت نجيمات تومض بأمل وفاطمة مشغولة دبّت في جسدها عروق الحياة قالت لاسماء بسكينة :

ـ اسكبي لي غسلاً.

فرحت اسماء وهي ترى سيدّتها تقبل على الحياة تخطو نحو العافية.

اغتسلت فاطمة تطهّرت من أدران الأرض وارتدت ثياباً جدداً وتعطّرت بكافور كان جبريل قد أهداه الى أبيها

قالت فاطمة وقد شاعت ابتسامة في وجهها.

ـ افرشي لي وسط البيت

فاطمة تستعد للرحيل لم يكن في البيت أحد سوى اسماء


اسماء تراقب فتاة تشعّ نوراً كلما اشتدت ظلمة الأرض.

قالت فاطمة قبل أن ترقد :

ـ يا أسماء أنا استقبح ما يفعل بالمرأة بعد الموت يطرح عليها ثوب فيصفها للناظر ألا تصنعين لي شيئاً يسترني.

أجابت اسماء تطيب خاطرها :

ـ كنت بأرض الحبشة فرأيتهم يصنعون شيئاً فان أعجبك صنعت لك مثله.

هزّت فاطمة رأسها موافقة وراحت تراقب اسماء وقد تدفّقت ينابيع الأمل في قلبها الكسير.

أحضرت اسماء سريراً فأكبّته على وجهه ثم جاءت بجريد النخل وأوصلت بين قوائمه وشدّتها بحبال من الليف ثمّ ألقت عليه غطاءً.

بان الرضا في وجه حورية الأرض وابتسمت :

ـ نعم اصنعي لي مثله ما أجمل هذا يا اسماء استريني سترك الله.

تمدّدت فاطمة في فراشها ثم وضعت يدها تحت خدّها أغمضت عينيها ونامت وكانت اسماء قد سمعتها تتمتم بصوت ملائكي :

ـ السلام على جبريل. الهي في رضوانك وجوارك ودارك دار السلام.


فاحت في الفضاء رائحة الجنّة كانت اسماء تنظر الى وجه ملائكي لسيّدة ودّعت الأرض في عنفوان الشباب زهرة ذابلة في قلب الربيع حمامة بيضاء كسيرة الجناح حوريّة شهيدة.

وجاء عليّ وقد بدا مكسور الظهر كما لو انّه يحمل جبالاً من الحزن وبيد مرتعشة ناولته اسماء رقعة كانت فاطمة قد كتبتها قبل أن تغفو :

تجمعت الدموع في عيني عليّ كغيوم ممطرة وغرقت الكلمات كحمائم تتقاذفها الأمواج.

ـ بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصت به فاطمة بنت رسول الله9 وهي تشهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً عبده ورسوله وان الجنّة حقّ والنار حق وان الساعة آتية لا ريب فيها وان الله يبعث من في القبور

يا عليّ أنا فاطمة بنت محمّد زوجني الله منك لأكون لك في الدنيا والآخرة

حنطني وغسلني وكفّني وصلّ علي وادفنّي بالليل ولا تعلم أحداً ، وأستودعك الله الى يوم القيامة.

وقف عليّ مذهولاً ، كانت فاطمة سكناً ملاذاً وكانت عزاءه الوحيد وهاهي تودّعه تتركه وحيداً في مهب اعصار فيه نار.


وقف عليّ ينوء بجبال الحزن بركام الغيوم ولقد توقف القلب الذي كان يتدفق حبّاً وانطوت صفحة كانت مشرقة وانطفأ شعاع كان يضيء طريقه في الحياة

وانكسر « ذوالفقار » وتمزّقت أوتار الفرح الظلام يغمر الأرض والنجوم تشتدّ بريقاً كعيون تتطلّع الى كوكب تهشم فوق الأرض.

وقف التاريخ حائراً ، وقد اشتدّت ظلمة الليل والحزن يجوس المدينة كغيمة تبكي بصمت ، وعواء ذئاب بعيدة تنذر برحيل السلام.

ها هي الحور تترك الأرض لأهل الأرض وتعود إلى السماء ,

وجاء أهل المدينة يوارونها الثرى فقال لهم أبو ذر :

ـ انصرفوا فقد أخّر إخراجها.

انصراف الناس فيما ظلّ التاريخ حائراً يترقّب.

نامت المدينة اغمضت اجفاناً مثقلة بالحزن والدموع بدت يثرب تلك الليلة راهبة تبكي بصمت.


٤٠

فاطمة نائمة واضعة يدها تحت خدّها وقد غادرت الروح العظيمة أهاب جسد نحيل ينتظر عودته الى عناصر التراب فقد ناء بحمل الروح وآن له ان يستريح.

لم يكن في حجرة فاطمة أحد سوى صبيين وبنت ورجال صدقوا.

كان التاريخ يصغي الى تمتمات صلاة وبكاء يحكي نشيج الميازيب في مواسم المطر.

شعر التاريخ بالاعياء وهوّمت عيناه وهو ينتظر في الظلام اغمض عينيه فانسلّت فاطمة كطيف مضيء ولمّا استيقظ لم يجد شيئاً ووجد علياً واقفاً ينفض عن نفسه الغبار ويهمس في اذن الرسول :

ـ السلام عليك يا رسول الله عني وعن ابنتك النازلة والسريعة


اللحاق بك ، قلّ يا رسول عن صفيتك صبري ورق عنها تجلّدي امّا حزني فسرمد ، وامّا ليلي فمسهّد ، الى ان يختار الله لي دارك التي انها بها مقيم ، وستنبئك ابنتك بتظافر امّتك على هضمها ، فأحفها السؤال واستخبرها الحال ، هذا ولم يطل العهد ولم يخل منك الذكر والسلام عليكما سلام مودّع لا قال ولا سئم ، فان انصرف فلا عن ملالة ، وان أقم فلا عن سوء ظنّ بما وعد الله الصابرين.

ونهض عليّ يواجه الدنيا وحيداً ، يشعر بالغربة فلقد وارى بيده آماله وقلبه وسيفه ذا الفقار وتمتم بحسرة :

ـ فقد الأحبة غربة.

وقف التاريخ يقلّب كفّيه على ما انفق من وقت وهاهي فاطمة ترحل بصمت لا يعرف أين مستقرّها. ماذا سيقول للعالم. انّه لا يعرف عن هذه الفتاة شيئاً

فقائل يقول انّها جاءت الى الدنيا قبل أن يهبط جبريل بخمس سنين ، وقائل يقول بل بعد جبريل بخمس سنين ، وآخر يقول وهو ثالث القائلين انّها جاءت مع جبريل ثم مكثت في الأرض عدد سنين فلما غادر جبريل الأرض أخذها معه.

لكأنها حورية جاءت الى الدنيا ثم عادت الى الجنّة تخطر بين الأشجار الخالدة ليبقى طيفها في الأرض مادامت السماوات.


استيقظت المدينة تبحث عن فاطمة وقد رحلت فاطمة

وجاء الشيخان يبحثان في الأرض وكان أحدهما يتوعد حتّى همّ بنبش رفاة المقابر وكان التاريخ يجوس خلال البقيع يقلّب كفيه حائراً لا يدري أين فاطمة

شم رائحة الجنّة في بقعة بالبقيع فقال : هنا ترقد فاطمة وفاحت رائحة الفردوس حيث يرقد محمّد بسلام فقال : بل هاهنا ورأى ملائكة تهبط في حجرتها فأشار بيده المعروقة وهتف : بل هناك.

وحار الشيخ ماذا يقول للقوافل المسافرة كلّما مرّت امّة سألته عن قبر لفاطمة فيقلّب كفّاً معروقة ويقول :

ـ لا أدري.

وتمضي القوافل تسخر من شيخ يفتح عينيه على كلّ شيء إلّا على فاطمة

ولمّا ضاق الشيخ ذرعاً بالقوافل عاد الى حجرة فاطمة يعتذر اليها اشعل شمعة وراح يراقبها كانت الشمعة تتوهّج تذوب تسيل دموعها بصمت وشيئاً فشيئاً كانت تذوي ويخبو نورها حتى انطفأت وساد الظلام.


الفهرس

وكانت صدّيقة ١

الإهداء ٧

١ ٩

٢ ١٥

٢٠ ١١٥

٣٥ ٢٠٥

٣٩ ٢٢٩

٤٠ ٢٣٣