الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم
على لسان حفيده
الإمام زين العابدين عليه السلام
الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم
على لسان حفيده
الإمام زين العابدين عليه السلام
المؤلف: السيّد محسن الحسيني الأميني
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للّه ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على خاتم الأنبياء والمرلين محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين وصحبه الميامين.
وبعد :
فإن السيّد قائد الجمهوريّة الإسلاميّه آية الله الخامنه اي حفظه الله قد سمّى هذه السنة أي عام ١٤٢٧ الهجريّة المصادف بـ ١٣٨٥ الشمسيّة بـ «عام الرّسول الأعظم» فرأينا من المناسب أن نذكر نبذة من حياته صلى الله عليه واله بلسان حفيده زين العابدين وسيّد الساجدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام ، وقد ذكر ذلك على نهج الدعاء لأنّ الدعاء وسيلة الإرتباط باللّه تعالى ، ومنهاج للتربية ، تتأصّل به شخصيّة المسلم وتهذب أخلاقه وسلوكه ، ويرقىٰ بلإنسان إلى مدارج الكمال ، والإنعتاق من كلّ ألوان العبوديّة لغير الله تعالى ، قال الله سبحانه وتعالى : «قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ »(١)
__________________
١ ـ الفرقان : ٧٧.
ونتيجة لهذا الدور المهم للدعاء ، فقد استطاع هذا الإمام العظيم بما أوتي من بلاغة فريدة ، وقدرة فائقة على أساليب التعبير العربي وذهنيّة ربانيّة تتفتّق عن أروع المعاني وأدقّها في تصوير صلة الإنسان بربّه ووُجده بخالقه وتعلّقه بمبدئه ومعاده وتجسيد ما يعبّر عنه ذلك من قيم خليقّة وحقوق وواجبات ، في كتابه المسمّى بالصحيفة السجاديّة فهي مسحة من العلم الإلٰهي ، وفيها عبقة من الكلام النبوي ، كيف لا وهي قبس من نور مشكاة الرسالة ونفحة من شميم رياض الإمامة ، حتّى قال بعض العارفين : إنّها تجرى مجرى التنزيلات السّماويّة ، وتسير مسير الصحف اللوحيّة والعرشيّة ، لما اشتملت عليه من أنوار حقائق المعرفة وثمار حدائق الحكمة ، وكان أحبار العلماء وجهابذة القدماء من السلف الصالح يلقّبونها بـ «زبور آل محمّد» ، وإنجيل أهل البيت عليهم السلام.
قال الشيخ الجليل محمّد بن علي بن شهراشوب في معالم العلماء في ترجمة المتوكّل بن عمير : روى عن يحيىٰ بن زيد بن علي عليه السلام دعاء الصحيفة وتلقّب بـ «زبور آل محمّد عليهم السلام»(١) وسماّها عند ترجمته ليحيىٰ بن علي بن محمّد بن الحسين الرقّي بـ «إنجيل أهل البيت عليهم السلام»(٢)
وأمّا بلاغة بيانها ، وبراعة تبيانها : فعندها تخضع سحرة الكلام ، وتذعن بالعجز عقول الأعلام ، وتعترف بأنّ النبوّة غير الكهانة ، ولا يستوي الحق والباطل في المكانة ، ومن حام حول سمائها بغاسق فكره الواقب رمى من رجوم الخذلان بشهاب ثاقب.
وهي مجموعة من الأدعية المأثورة عن الإمام زين العابدين و
__________________
١ ـ معالم العلماء : ص ١٢٥ ، الرقم ٨٤٧.
٢ ـ معالم العلماء : ص ١٣١ ، الرقم ٨٨٦
سيّد الساجدين ، وقدوة المقتدين ، إمام المؤمنين أبي الحسن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام من أئمّة أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً.
وهو الرابع من أئمّة أهل البيت ، وجدّه الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وصيّ رسول الله صلى الله عليه واله وأوّل من أسلم ، وكان منه بمنزلة هارون من موسى كما صحّ في الحديث.
وجدّته فاطمة الزهراء عليها السلام بنت رسول الله صلى الله عليه واله وبضعته وفلذّة كبده وسيّدة نساء العالمين كما كان أبوها يصفها.
وأبوه الإمام الحسين عليه السلام أحد سيّدي شباب أهل الجنّة ، سبط الرسول وريحانته ، وقال جدّه : «حسين منّي وأنا من حسين» وهو الذي استشهد في يوم عاشوراء دفاعاً عن الإسلام والمسلمين.
وأمّه شاه زنان بنت يزدجرد بن شهريار بن كسرى ، وقيل : كان اسمها شهربانويه. وفيه يقول أبو الأسود الدئلي :
وإنّ غلاماً بين كسرى وهاشم |
لأكْرِم من نيطت عليه التمائم |
وقد ولد الإمام علي بن الحسين عليه السلام بالمدينة المنوّرة سنة ثمان وثلاثين من الهجرة قبل وفاة جدّه أمير المؤمنين عليه السلام بسنتين ، فعاش في كنف جدّه سنتين ، ثم نشأ في مدرسة عمّه الحسن عليه السلام اثنتي عشر سنة ، ومع أبيه الحسين عليه السلام ثلاثاً وعشرين سنة ، وعاش بعد أبيه أربعاً وثلاثين سنة ، وتوفّي بالمدينة المنوّرة سنة خمس وتسعين للهجرة ، وله يومئذ سبع وخمسون سنة ، ودفن بالبقيع بجنب عمّه الحسن عليه السلام في القبّة التي فيها العباس بن عبد المطّلب رضى الله عنه.
وكان يقال له : ذو الثفنات جمع ثفنة بكسر الفاء. وهي من الإنسان
الركبة ، ومجمع الساق والفخذ ، لأنّ طول السجود أثّر في ثفناته.
وبرز على الصعيد العلمي والديني إماماً في الدين ، ومناراً في العلم ، ومرجعاً في الحلال والحرام ، ومثلاً أعلى في الورع والعبادة والتقوى ، وآمن المسلمون جميعاً بعلمه واستقامته وأفضليّته ، وانقاد الواعون منهم إلى زعامته وفقهه ومرجعيّته.
قال الزهري : مارأيت هاشميّاً أفضل من علي بن الحسين ولا أفقه منه(١) .
وقال في كلام آخر : ما رأيت قرشيّاً أورع منه ولا أفضل(٢) .
وكان يصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة ، وكانت الريح تميله بمنزلة السنبلة(٣) .
وكان كثير الصدقة بالليل ، وكان يقول : صدقة الليل تطفىء غضب الرّب ، وتنوّر القلب والقبر ، وتكشف عن العبد ظلمة يوم القيامة ، وقد قاسم لله تعالى ماله مرّتين(٤) .
وروى أبو الفرج الإصفهاني بإسناده عن أبي حمزة الثمالي قال : كان علي بن الحسين عليه السلام يحمل جراب الخبز على ظهره فيتصدّق به ، ويقول : إن صدقة الليل تطفىء غضب الرّب(٥) .
__________________
١ ـ الأغاني : ج ١٥ ، ص ٣١٥ ، وتذكرة الخواص لإبن الجوزي : ص ٣٣١ ، والإرشاد للشيخ المفيد : ص ٢٥٧.
٢ ـ البداية والنهاية : ج ٩ ، ص ١٠٩.
٣ ـ الإرشاد للشيخ المفيد : ص ٢٥٦ ، والبداية والنهاية : ج ٩ ، ص ١١٠.
٤ ـ البداية والنهاية : ج ٩ ص ١١٠ ، وحلية الأولياء : ج ٣ ص ١٣٦.
٥ ـ الأغاني : ج ١٥ ، ص ٣١٥.
وفي رواية : إنّه كان إذا جنّ الليل وهدأت العيون قام إلى منزله فجمع ما يبقى فيه من قوت أهله وجعله في جراب ورمى به على عاتقه وخرج إلى دور الفقراء وهو متلثّم ، ويفرّق عليهم ، وكثيراً ما كانوا قياماً على أبوابهم ينتظرونه ، فإذا رأوه تباشروا به وقالوا : جاء صاحب الجراب(١) .
وقال عمرو بن ثابت : لمّا مات علي بن الحسين عليه السلام فغسّلوه جعلوا ينظرون إلى آثار سواد بظهره فقالوا : ما هذا؟ فقيل : كان يحمل جرب الدقيق ليلاً على ظهره يعطيه فقراء أهل المدينة(٢) .
وقال محمّد بن اسحاق : كان ناس من أهل المدينة يعيشون لا يدرون من أين كان معاشهم؟ فلمّا مات علي بن الحسين عليه السلام فقدوا ما كانوا يؤتون به في الليل(٣) .
وقال ابن عائشة : يقول أبي : سمعت أهل المدينة يقولون : ما فقدنا صدقة السرّ حتّى مات علي بن الحسين عليه السلام(٤) .
وقيل : إنّه كان يعول مائة أهل بيت بالمدينة ولا يدرون بذلك حتّى مات(٥) .
وفي رواية أبو الفرج ، عن جرير بن المغيرة ، قال : كان علي بن الحسين
__________________
١ ـ المناقب لإبن شهراشوب : ج ٤ ، ص ١٥٣.
٢ ـ حلية الأولياء : ج ٣ ، ص ١٣٦ ، والمناقب لإبن شهراشوب : ج ٤ ، ص ١٥٤.
٣ ـ الأغاني : ج ١٥ ، ص ٣١٦ ، وحلية الأولياء : ج ٣ ، ص ١٣٦ ، والبداية والنهاية : ج ٩ ، ص ١١٠.
٤ ـ حلية الأولياء : ج ٣ ، ص ١٣٦.
٥ ـ البداية والنهاية : ج ٩ ، ص ١١٠ ، والمناقب لإبن شهراشوب : ج ٤ ، ص ١٥٣ ، وحلية الأولياء : ج ٣ ، ص ١٣٦.
يبخل ، فلمّا مات وجدوه يعول مائة أهل بيت بالمدينة(١) .
وذكروا أنّه احترق البيت الذي هو فيه وهو قائم يصلّي فلمّا انصرف قالوا له : مالك لم تتصرف؟.
فقال : إنّي اشتغلت عن هذه النار بالنار الاُخرى(٢) .
وكان إذا توضأ يصفرّ لونه ، فإذا قام إلى الصّلاة إرتعد من الفرق(٣) .
قيل له في ذلك ، فقال : ألا تدرون بين يدي من أقوم ولمن أُناجي؟(٤) .
ونحوه جاء في تذكرة الخواص : عن عبد الرحمن بن حفص القرشي قال : كان علي بن الحسين إذا توضأ اصفرّ لونه ، فيقال : ما هذا الذي يعتاك عند الوضوء؟.
فقال : أتدرون بين من أن أقف؟(٥) .
وعن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، قال : حجّ علي بن الحسين عليه السلام ماشياً فسار من المدينة إلى مكّة عشرين يوماً وليلة(٦) .
وعن زرارة بن أعين قال : لقد حجّ عليه السلام على ناقة عشرين حجّة فما قرعها بسوط(٧) .
وفي البداية والنهاية : ولمّا حجّ أراد أن يلبّي فارتعد وقال : أخشى أن
__________________
١ ـ الأغاني : ج ١٥ ، ص ٣١٥.
٢ ـ البداية والنهاية : ج ٩ ، ص ١١٠.
٣ ـ الفرق : الخوف والإضطراب.
٤ ـ البداية والنهاية : ج ٩ ، ص ١١٠.
٥ ـ تذكرة الخواص : ص ٣٢٧.
٦ ـ الإرشاد للشيخ المفيد : ص ٢٥٦.
٧ ـ المناقب لإبن شهراشوب : ج ٤ ، ص ١٥٥.
أقول : لبّيك أَللَّهُمَّ لبّيك ، فيقال لي : لا لبّيك ، فشجّعوه على التلبية ، فلمّا لبّى غشي عليه حتّى سقط عن الراحلة(١) .
وعن زرارة بن أعين قال : سمع سائل في جوف الليل وهو يقول : أين الزاهدون في الدنيا ، الراغبون في الآخرة؟ ، فهتف به هاتف من ناحية البقيع يسمع صوته ولا يرى شخصه : ذاك علي بن الحسين(٢) .
وعن طاووس : إني لفي الحجر ليلة ، إذ دخل علي بن الحسين عليه السلام فقلت : رجل صالح من أهل بيت النبوّة لأسمعنّ دعاءَه ، فسمعته يقول : عبيدك بفنائك ، مسكينك بفنائك ، فقيرك بفنائك.
قال : فما دعوت بهنّ في كرب إلّا فرّج عنّي(٣) .
وكان عليه السلام كثير البّر بأُمّه ، فقيل له : إنّك أبرّ الناس بأُمّك ولسنا نراك تأكل معها في صحفة؟. فقال : أخاف أن تسبق يدي إلى ما سبقت إليه عينها ، فأكون قد عققتها(٤) .
وقيل له : كيف أصبحت؟ فقال : أصبحنا خائفين برسول الله ، وأصبح جميع أهل الإسلام آمنين(٥) .
وقد كان للمسلمين عموماً تعلّق عاطفي شديد بهذا الإمام وولاء روحي عميق له ، وكانت قواعده الشعبيّة ممتدّة في كلّ مكان من العالم الإسلامي كما يشير إلى ذلك موقف الحجيج الأعظم منه حينما حجّ
__________________
١ ـ البداية والنهاية : ج ٩ ، ص ١١٠.
٢ ـ الإرشاد للشيخ المفيد : ص ٢٥٦.
٣ ـ الإرشاد للشيخ المفيد : ص ٢٥٦ ، والبداية والنهاية : ج ٩ ، ص ١١٠.
٤ ـ مكارم الأخلاق : ج ١ ، ص ٤٧٦ ، ح ١٦٣٨/٣٠.
٥ ـ كشف الغمة : ج ٢ ، ص ٣١٨.
هشام بن عبد الملك وطاف وأراد أن يستلم فلم يقدر على إستلام الحجر الأسود من الزحام فنصب له منبر ، فجلس عليه وأطاف به أهل الشام ، فبينما هو كذلك إذ أقبل علي بن الحسين عليه السلام وعليه إزار ورداء من أحسن الناس وجهاً وأطيبهم رائحة فجعل يطوف فإذا بلغ إلى موضع الحجر انفرجت الجماهير وتنحّى حتّى يستلمه لعظيم معرفتها بقدره وحبّها له على اختلاف بلدانِهم وإنتساباتهم ، وسأل الشامي عنها قائلاً مَن هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال : لا أعرفه لئلّا يرغب فيه أهل الشام.
فقام الفرزدق قائلاً لكنّي أنا أعرفه.
فقال الشامي : مَن هو يا أبا فراس؟ فأشار الفرزدق به قائلاً :
يا سائلي أين حلّ الجود والكرم؟ |
عندي بيان إذا طُلّا به قدموا |
|
هذا الذي تعرف البطحاء(١) وطأته |
والبيت(٢) يعرفه والحلّ والحرم |
|
هذا ابن خير عباد الله كلّهم |
هذا التقّي النّقي الطاهر العلم |
|
هذا الذي أحمد المختار والده |
صلّى عليه إلٰهي ما جرى القلم |
|
لو يعلم الركن مَن قد جاء يلثمه |
لخرّ يلثم منه ما وطىء القدم |
__________________
١ ـ البطحاء : أرض منبسطة ، ومسيل واسع في وسطها مكّة.
٢ ـ والبيت : أي البيت العتيق ، الكعبة.
هذا علي رسول الله والده |
أمست بنور هداه تهتدي الاُمم |
|
هذا الذي عمّه الطيّار جعفر |
والمقتول حمزة ليث حبّه قَسم |
|
هذا ابن سيّدة النسوان فاطمة |
وابن الوصي الذي في سيفه نقم |
|
إذا رأته قريش قال قائلها : |
إلى مكارم هذا ينتهي الكرم |
|
يكاد يمسكه عرفان راحته |
ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم |
|
وليس قولك مَن هذا بضائره |
العرب تعرف مَن أنكرت والعجم |
|
ينمي إلي ذروة العزّ التي قصرت |
عن نيلها عرب الإسلام والعجم |
|
يغضي(١) حياءً ويغضى من مهابته |
فما يكلّم إلّا حين يبتسم |
|
ينجاب(٢) نور الدّجى عن نور غرّته |
كالشمس ينجاب عن إشراقها الظلم |
__________________
١ ـ أغضى عينيه : طبقَ جفنيها حتّى لا يبصر شيئا.
٢ ـ ينجاب : أي ينكشف.
بكفّه خيزران(١) ريحه عبق(٢) |
من كفّ أروع(٣) في عرنينه(٤) شمم(٥) |
|
ما قال : لا قط إلّا في تشهّده |
لو لا التشهّد لكانت لاؤه نعم |
|
مشتقّة من رسول الله نبعته |
طابت عناصره والخيم(٦) والشيم(٧) |
|
حمّال أثقال أقوام إذا فدحوا(٨) |
حلو الشمائل تحلو عنده نعم |
|
إن قال قال بما يهوى جميعهم |
وإن تكلّم يوماً زانه الكلم |
|
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله |
بجدّه أنبياء الله قد ختموا |
|
الله فضّله قدماً وشرّفه |
جرى بذاك له في لوحه القلم |
__________________
١ ـ الخيزران : القصب ، شجر هندي وله عروق ممتدّة في الأرض.
٢ ـ عبق ككتف : الذي تفوح منه رائحة الطيّبة ، ورجل عبق : إذا تطيّب بأدنى طيب لم يذهب عنه أياماً.
٣ ـ الأروع : من يعجبك بحسنه.
٤ ـ العرنين : الأنف.
٥ ـ الشمم : إرتفاع قصبة الأنف وحسنها واستواء أعلاها ، وهو كناية عن الرفعة والعلو.
٦ ـ الخيم بالكسر : السجيّة والطبيعة.
٧ ـ الشيم بكسر الشين ، جمع الشيمة : وهي الطبيعة.
٨ ـ فدحه الدين : أي أثقله.
من جدّه دان فضل الأنبياء له |
وفضل أُمّته دانت لها الأُمم |
|
عمَّ البريّة بالإحسان وانقشعت(١) |
عنها العماية والإملاق(٢) والظلم |
|
كلتا يديه غياث عمَّ نفعهما |
تستوكفان(٣) ولا يعروهما عدم |
|
سهل الخليقة لا تخشى بوادره(٤) |
يزينه خصلتان : الحلم والكرم |
|
لا يخلف الوعد ميموناً نقيبته(٥) |
رحب الفناء أريب(٦) حين يُعترم(٧) |
|
مِن معشر حبّهم : دين ، وبغضهم : |
كفر ، وقربهم : منجي ، ومعتصم |
|
يستدفع السوء والبلوى بحبّهم |
ويستزاد به الإحسان والنعم |
|
مقدّم بعد ذكر الله ذكرهم |
في كلّ فرض ومختوم به الكلم |
__________________
١ ـ انقشعت : أي انكشفت.
٢ ـ أملق : أي أنفق ماله حتّى افتقر.
٣ ـ تستوكفان : أي تستقطران.
٤ ـ البوادر : جمع البادرة ، وهي ما يبدو من حدّة الإنسان في الغضب من قول أو فعل.
٥ ـ النقيبة : نفاذ الرأي.
٦ ـ الأريب : أي العاقل ، الحاذق ، الكامل.
٧ ـ يعترم (على المجهول) من العرام بمعنى الشدّة ، أي عاقل إذا أصابته الشدّة.
إنْ عدّ أهل التُّقى كانوا أئمَّتهم |
أو قيل : مَن خير أهل الأرض؟ قيل : هم |
|
لا يستطيع جواد بعد غايتهم |
ولا يدانيهم قوم وإنْ كرموا |
|
هم الغيوث إذا ما أزمّة(١) أزمت |
والأسد أسد الشرى(٢) والبأس محتدم(٣) |
|
يأبى لهم أن يحلّ الذمّ ساحتهم |
خيم(٤) كريم وأيد بالندى(٥) هُضم(٦) |
|
لا يقبض العسر بسطاً من أكفّهم |
سيّان ذلك إن أثروا(٧) وإن عدموا |
|
أيّ القبائل ليست في رقابهم؟ |
لأوّليّة هذا أو لَهُ نعم؟ |
|
من يعرف الله يعرف أوليّة ذا |
فالدّين من بيت هذا ناله الأُمم |
__________________
١ ـ الأزمّة : الشدّة.
٢ ـ الشَرى : ناحية به غياض وآجام تكون فيها الأُسود.
٣ ـ المحتدم : شدة الحمرة في الدم ، والإلتهاب في النار ، والمراد : إن شدّتهم وغمضهم ملتهب في الحرب.
٤ ـ خيم : جمع الخيمة أي لهم خيم.
٥ ـ الندى : أي المطر ، ويستعار للعطاء الكثير.
٦ ـ هُضُم (بضمتين) ككتب : جمع هضم ، ويقال يد هضوم : أي تجود بما لديها.
٧ ـ أثرى إثراءً : كثر ماله.
بيوتهم في قريش يستضاء بها |
في النائبات وعند الحكم أن حُكموا |
|
فجدّهم من قريش في اُرومتها |
محمّد وعلي بعده علم |
|
بدر له شاهد والشعب من اُحد |
والخندقان(١) ويوم الفتح قد علموا |
|
وخيبر وحنين يشهدان له |
وفي قريضة يوم صيلم(٢) قتم(٣) |
|
مواطن قد علت في كلّ نائبة |
على الصحابة لم أكتم كما كتموا |
فغضب هشام ومنع جائزته ، وقال : ألّا قلت فينا مثلها؟
قال : هات جدّاً كجدّه ، وأباً كأبيه ، وأُمّاً كأُمّه حتّى أقول فيكم مثلها.
فحبسه بعسفان بين مكّة والمدينة ، فبلغ ذلك علي بن الحسين عليه السلام فبعث إليه باثني عشر ألف درهم وقال : أعذرنا يا أبا فراس فلو كان عندنا أكثر من هذا لوصلناك به ، فردّها وقال : يا ابن رسول الله ما قلت هذا الذي قلت إلّا غضباً للّه ولرسوله ، وما كنت لأرزاً عليه شيئاً.
فردَّها الإمام الهمام وقال : بحقّي عليك لما قبلتها ، فقد رأى الله مكانك
١ ـ الخندقان : إشارة إلى غزوة الخندق ، ووجه التثنية على ما قيل : إمّا لكون الخندق محيطاً بطرفي المدينة ، أو لإنقسامه في الحفر بين المهاجرين والأنصار.
٢ ـ الصيلم : الأمر الشديد ، والداهية.
٣ ـ القتم من القتام : بمعنى الغبار.
وعلم نيّتك فقبلها ، فجعل الفرزدق يهجو هشاماً وهو في الحبس ، فكان ممّا هجاه به قوله :
أتحبسني بين المدينة والتي |
إليها قلوب الناس تهوى مُنيبها |
|
تقلّب رأساً لم يكن رأس سيّد |
وعيناً له حولاء باد عيوبها |
فأخبر هشام بذلك فأطلقه ، وفي رواية أبي بكر العلّاف أنّه أخرجه إلى البصرة.
هذه القصيدة مروية بأسانيد وطرق متعدّدة وهي متواترة(١) .
والحقيقة أنّ الصحيفة السجاديّة تعبر عن عملٍ إجتماعي عظيم كانت ضرورة المرحلة تفرضه على الإمام إضافةً إلى كونها تراثاً ربّانيّاً فريداً يظلّ على مرّ الدهور مصدر عطاء ، ومشعل هداية ومدرسة أخلاق وتهذيب ، ومن الواضح أنّ الإنسانيّة تظل بحاجة إلى هذا التراث المحمّدي العلوي وتزداد الحاجة كلّما إزداد الشيطان إغراءً والدنيا فتنة.
فنظراً لأهمية هذه الصحيفة الشريفة ألّف العلماء حولها شروحاً كثيرة تبلغ أربعة وستّين شرحاً كما ذكره صاحب الذريعة(٢) .
وقد قام الفاضل النبيل والعلّامة الأريب السيد علي خان الحسيني المدني الشيرازي قدس سره بشرحها شرحاً وافياً جامعاً يرتوي به كلّ ضمآن
__________________
١ ـ انظر حلية الأولياء : ج ٣ ، ص ١٣٩ ، والأغاني : ج ٢١ ، ص ٣٧٨ ، والبداية والنهاية : ج ٩ ، ص ١١٣ ، والمعجم الكبير : ج ٣ ، ص ١٠٦ ، تحت رقم «٢٨٠٠» ، ومجمع الزوائد : ج ٩ ، ص ٢٠٠ ، وابن عساكر في تاريخ دمشق : ص ٩١ ، وبحار الأنوار : ج ٤٦ ، ص ١٢٤ ، والمناقب لإبن شهراشوب : ج ٤ ، ص ١٦٩ ، وغير ذلك من كثير الأعلام الذين نقلوا هذه القصّة.
٢ ـ الذريعة إلى تصانيف الشيعة : ج ١٣ ، ص ٣٤٥ ـ ٣٥٩.
لتلك المعارف الإلٰهية والمسائل العقائديّة والعرفانيّة والإجتماعيّة وغيرها وسمّاه برياض السالكين.
وها نحن نذكر بحول الله تعالى ما شرحه قدس سره من الدعاء الثاني للإمام زين العابدين عليه السلام الذي يذكر جدّه ويصلّي عليه راجين من الله العلي القدير أن يتقبّل هذا الجهد المتواضع ، وأن يجعله مثمراً في سبيل نشر معارف مدرسة أهل البيت عليهم السلام وتراثهم الفكري.
وأن يوفّقنا لخدمة دينه والمساهمة في إعلاء كلمته وهو حسبنا ونعم الوكيل.
قم المشرّفة السيد محسن الحسيني الاميني ١٥ جمادي الاُولى عام ١٤٢٧ هجـ |
وَالْحَمدُ لِلّٰهِ الَّذِي مَنَّ عَلَيْنَا بِمُحَمَّدٍ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ دُونَ الأُمَم الْمَاضِيَةِ وَالْقُرُونِ السَّالِفَةِ ، بِقُدْرَتِهِ الَّتِي لا تَعْجِزُ عَنْ شَيْءٍ وَإِنْ عَظُمَ ، وَلاَ يَفُوتُهَا شَيْءٌ وَإِنْ لَطُفَ ، فَخَتَمَ بِنَا عَلَى جَميعِ مَنْ ذَرَأَ ، وَجَعَلَنَا شُهَدَآءَ عَلَى مَنْ جَحَدَ ، وَكَثَّرَنٰا بِمَنِّهِ عَلَى مَنْ قَلَّ.
أَللَّهُمَّ فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ أَمِينِكَ عَلَى وَحْيِكَ وَنَجِيبِكَ مِنْ خَلْقِكَ ، وَصَفِيِّكَ مِنْ عِبَادِكَ ، إِمَامِ الرَّحْمَةِ وَقَائِدِ الْخَيْرِ وَمِفْتَاحِ الْبَرَكَةِ ، كَمَا نَصَبَ لِأَمْرِكَ نَفْسَهُ وَعَرَّضَ فِيكَ لِلْمَكْرُوهِ بَدَنَهُ ، وَكَاشَفَ فِي الدُّعَآءِ إِلَيْكَ حَامَّتَهُ ، وَحَارَبَ فِي رِضَاكَ أُسْرَتَهُ ، وَقَطَعَ فِي إِحْيٰاءِ دِينِكَ رَحِمَهُ ، وَأَقْصَى الأَدْنَيْنَ عَلَى جُحُودِهِمْ ، وَقَرَّبَ الأَقْصَيْن عَلَى اسْتِجَابَتِهِمْ لَكَ ، وَوالىٰ فِيكَ الأَبْعَدِينَ ، وَعَادىٰ فِيكَ الأقْرَبِينَ ، وَأَدْأَبَ نَفْسَهُ فِي تَبْلِيغِ رِسَالَتِكَ ، وَأَتْعَبَهَا بِالدُّعٰاءِ إِلَىٰ مِلَّتِكَ ، وَشَغَلَهَا بِالنُّصْحِ لِأهْلِ دَعْوَتِكَ ، وَهَاجَرَ إِلَىٰ بِلاَدِ الْغُرْبَةِ وَمَحَلِّ النَّأيِ عَنْ مَوْطِنِ رَحْلِهِ ، وَمَوضِعِ رِجْلِهِ وَمَسْقَطِ
رَأْسِهِ وَمَأْنَسِ نَفْسِهِ ، إِرَادَةً مِنْهُ لإِعْزَازِ دِينِكَ ، واسْتِنْصَاراً عَلَى أَهْلِ الْكُفْرِ بِكَ ، حَتَى اسْتَتَبَّ لَهُ مَاحَاوَلَ فِي أَعْدَآئِكَ ، وَاسْتَتَمَّ لَهُ مَا دَبَّرَ فِي أَوْلِيآئِكَ ، فَنَهَدَ إِلَيْهِمْ مُسْتَفْتِحَاً بِعَوْنِكَ ، وَمُتَقَوِّيَاً عَلَى ضَعْفِهِ بِنَصْرِكَ ، فَغَزَاهُمْ فِي عُقْرِ دِيَارِهِمْ ، وَهَجَمَ عَلَيْهِمْ فِي بُحْبُوحَةِ قَرَارِهِمْ ، حَتَى ظَهَرَ أَمْرُكَ وَعَلَتْ كَلِمَتُكَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ.
أَللَّهُمَّ فَارْفَعْهُ بِمَا كَدَحَ فِيكَ إِلَىٰ الدَّرَجَةِ الْعُلْيَا مِنْ جَنَّتِكَ ، حَتَّى لاَ يُسَاوَىٰ فِي مَنْزِلَةٍ وَلاَ يُكَافَأُ فِي مَرْتَبَةٍ ، وَلاَ يُوَازِيَهُ لَدَيْكَ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلاَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ ، وَعَرِّفْهُ فِي أَهْلِهِ الطَّاهِرِينَ وَأُمَّتِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ حُسْنِ الشَّفَاعَةِ أَجَلَّ مَا وَعَدْتَهُ ، يَا نَافِذَ الْعِدَةِ ، يَا وَافِيَ الْقَوْلِ ، يَا مُبَدِّلَ السَّيِّئاتِ بِأَضْعَافِهَا مِنَ الْحَسَنَاتِ ، إِنَّكَ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.
* * *
وَكَانَ مِنْ دُعَائه عَلَيه السّلام بَعد هَذا التحميدِ في الصّلاة عَلَى رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه واله |
الكلام في هذا المقام يستدعي مباحث :
الأوّل : إختلف العلماء في إشتقاق الصّلاة : فقيل : من صليِت العود بالنار إذا ليّنته وقوّمته لأنّ المصلّي يلين بالحنو(١) والعطف ، ويسعي في تعديل ظاهره وتقويم باطنه ، كالخشب الذي يعرض على النار.
وقيل : من الصلوين ، وهما عرقان من جانبي الذنب ، وعظمان ينحنيان عند الإنحناء فناسب أن يراد بها الحنو والإنعطاف المعنويّين(٢) .
وقال الزمخشري في الكشاف : الصّلاة فعلة مِن صلّى ـ كالزكاة ـ مِن زكّى ، وكتابتها بالواو على لفظ المفخّم. وحقيقة صلّى : حرّك الصلوين؛ لأنّ المصلّي يفعل ذلك في ركوعه وسجوده(٣) .
وقيل : بل أصل الصّلاة في اللّغة : بمعنى الدعاء.
ويؤيّده : بأنّ الصّلاة بهذا المعنى في أشعار الجاهليّة كثيرة الإستعمال.
الثاني : قال الجمهور : الصّلاة من الله تعالى : الرّحمة ، ومن الملائكة الإستغفار ، ومن الآدميين : الدعاء.
الثالث : معنى الصّلاة على رسول الله صلى الله عليه واله تعظيمه في الدنيا بإعلاء كلمته وإبقاء شريعته ، وفي الآخرة بتضعيف مثوبته والزيادة في درجته.
قيل : وغاية الدعاء بذلك عائدة إلى المصلي ، لأنّ الله تعالى قد أعطاه من إعلاء الكلمة وعلوّ الدرجة ورفع المنزلة ما لا يؤثر فيه صلاة مصلٍ
__________________
١ ـ الحنو : الشققة.
٢ ـ تهذيب الأسماء واللغات : الجزء الأول من القسم الثاني ص ١٧٩.
٣ ـ الكشاف : ج ١ ، ص ٤٠.
ولا دعاء داعٍ.
وقيل : بل غايته طلب زيادة كماله صلى الله عليه واله وقربه من الله تعالى ، إذ مراتب إستحقاق نعم الله عزّ وجلّ غير متناهية.
الرابع : الصّلاة عليه صلى الله عليه واله في غير الصّلاة وعند عدم ذكره مستحبّة عند جميع أهل الإسلام ، ولا يعرف من قال : بوجوبها غير الكرخي فإنّه أوجبها في العمر مَرّة كما في الشهادتين. وأما في الصّلاة فأجمع علماؤنا رضوان الله عليهم على وجوبها في التشهدين معاً.
قال الشافعي(١) : وهي مستحبّة في الأول وواجبة في الثاني(٢) .
__________________
١ ـ هو أبو عبد الله محمّد بن إدريس بن العباس ، ينتهي نسبه إلى عبد مناف.
والشافعي أحد أئمّة المذاهب الأربعة ، ولد سنة ١٥٠ هجـ بغزّة ، ونشأ بمكة ، وكتب العلم بها وبالمدينة ، وكان شديد التشيع وهو القائل :
إن كان رفضاً حبّ آل محمّد |
فليشهد الثقلان إنّي رافضي |
وله حول الولاية أشعار كثيرة ومدائح غفيرة ، منها : هذان البيتان المشهوران :
يا أهل بيت رسول الله حبّكم |
فرض من الله في القرآن أنزله |
|
كفاكم من عظيم القدر أنّكم |
من لا يصلّي عليكم لا صلاة له |
ومنها :
إذا في مجلس ذكروا عليّاً |
وشبله وفاطمة الزكيّة |
|
يقال تجاوزوا يا قوم هذا |
فهذا من حديث الرافضيّة |
|
هربت إلى المهيمن من اُناسٍ |
يرون الرفض حبّ الفاطميّة |
|
على آل الرسول صلاة ربي |
ولعنته لتلك الجاهليّة |
٢ ـ بداية المجتهد ونهاية المقتصد : ج ١ ، ص ٣٢ ، والفقه على المذاهب الاربعة : ج ١ ، ص ٢٣٦ و٢٤٤.
وقال أبو حنيفة(١) ومالك(٢) : مستحبّة فيهما معاً(٣) .
وأما عند ذكره صلى الله عليه واله فظاهر كثير من الأخبار كقوله صلى الله عليه واله : من ذكرت عنده ولم يصلّ عليّ دخل النّار ، ومن ذكرت عنده فنسي الصّلاة عليّ خطىء به طريق الجنّة(٤) .
وقوله : من ذكرت عنده ولم يصلِّ علّي فدخل النار فأبعده الله(٥) .
إنها تجب كلّما ذكر ، وكلّما سمع ذكره ، لأنّ الوعيد امارة الوجوب ، وهو مختار ابن بابويه والمقداد من أصحابنا ، والطحاوي من العامة.
قال الزمخشري : وهو الذي يقتضيه الإحتياط(٦) .
ومنهم من أوجبها في كلّ مجلس مرّة ، ومنهم من أوجبها في العمر مرّة.
وقال المحقق الأردبيلي : لا شكّ أنّ إحتياط الزمخشري أحوط ، و
__________________
١ـ هو النعمان بن ثابت بن زوطي أحد أصحاب المذاهب الأربعة ، صاحب الرأي والقياس والفتاوي المعروفة في الفقه ، ولد سنة ثمانين ، ومات سنة ماءة وخمسين هجري في بغداد. ودفن في مقبرة الخيزران ، وعاش سبعين سنة ، وتتلمّذ على يد الإمام جعفر بن محمّد الصّادق عليهما السلام سنتان حيث قال عنها : لو لا السنتان لهلك النعمان.
٢ـ هو أبو عبد الله مالك بن أنس أحد أصحاب المذاهب الأربعة ، ولد في المدينة المنوّرة سنة ٩٥ هجرية ، وتوفي سنة ١٧٩ هجريّة ودفن بالبقيع في المدينة ، وتتلمّذ على يد الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام كما جاء في مقدمة الموطأ ، والموطأ كتاب جمع فيه الأحاديث النبويّة والفقه معاً.
٣ـ الفقه على المذاهب الأربعة : ج ١ ، ص ٢٤٢ ـ ٢٤٣ ، وبداية المجتهد ونهاية المقتصد : ج ١ ، ص ١٣٢.
٤ـ الكافي : ج ٢ ، ص ٤٩٥ ، ح ١٩. وثواب الأعمال : ص ٢٠٦ ، باب ٨ ، ح ١.
٥ـ الكافي : ج ٢ ، ص ٤٩٥ ، ح ١٩.
٦ـ الكشاف : ج ٣ ، ص ٥٥٨.
يمكن إختيار الوجوب في مجلس إن صلّى آخراً ، وإن صلّى ثم ذكر يجب أيضاً كما في تعدّد الكفّارة في تعدّد الموجب إذا تخلّلت ، وإلّا فلا إنتهى(١) .
والحق : إنّ هذه التفاصيل عريّة عن المستند ، فالقول بشيىء منها تحكّم به.
والأولى : الوجوب عند كلّما ذكر ، للأخبار الكثيرة الصريحة بالأمر بها كلّما ذكر ، والأصل في الأمر : الوجوب.
وأما القول بالإستحباب مطلقاً كما ذهب إليه جماعة مستدلّين بالأصل والشهرة المستندين إلى عدم تعليمه عليه السلام للمؤذنين وتركهم ذلك مع عدم وقوع نكير عليهم كما يفعلون الآن ولو كان لنُقل.
ففيه : إنّ عدم التعليم ممنوع ، وكذا عدم النكير ، كعدم النقل.
فقد روى ثقة الإسلام الكليني قدس سره في الكافي في باب بدء الأذان والإقامة بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام : إذا أذنت فأفصح بالألف والهاء وصلّ على النبيّ صلى الله عليه واله كلّما ذكرته ، أو ذكره ذاكر في أذان وغيره(٢) .
على أنّ عدم النقل لا يدلّ على عدمه ، وأصالة البرائة لا يصحّ التمسّك بها بعد ورود القرآن والأخبار به.
ثم الظاهر من بعض الأخبار كقول الصادق عليه السلام : إذا ذكر النبي صلى الله عليه واله فأكثروا الصّلاة عليه(٣) .
حيث رتّب الأمر بالصّلاة على الذكر بالفاء التعقيبيّة هو إيقاعها على الفور ، فلو أهمل الفور أثم على القول بالوجوب ولم تسقط ، وكذا الظاهر
__________________
١ـ زبدة البيان في أحكام القرآن : ص ٨٦ ، وفيه : بتعدّد الموجب.
٢ـ الكافي : ج ٣ ، ص ٣٠٣ ، ح ٧.
٣ـ الكافي : ج ٢ ، ص ٤٩٢ ، ح ٦.
أنّ الأمر بها عام لكلّ أحد وعلى كلّ حالة حتّى في الصّلاة فلو ترك الإمتثال واشتغل بالقراءة فيها هل تبطل الصّلاة على تقدير الوجوب أم لا؟
فإن قلنا : إنّ الأمر بالشيىء نهي عن ضده الخاص ، والنهي في العبادة يقتضي الفساد بطلت ، وإن قلنا بعدمه فلا وهو الراجح.
فلو تكرّر الذّكر تكراراً بحيث يخرج بالإشتغال بالصّلاة عليه صلى الله عليه واله عن كونه مصلّياً ، لا يبعد القول بسقوط التكليف بها ، لأنّ الفعلين إذا تضيّقا وتعذّرا الجمع بينهما علمنا أنّ أحدهما ليس بواجب قطعاً ، ولمّا كان مشتغلاً بالصّلاة ووجب إتمامها والإستمرار فيها ، كان ما ينافيه غير مأمور به ليتأمل.
الخامس : إنّما كان عليه السلام يدعو بالصّلاة عليه صلوات الله عليه وعلى آله بعد التحميد لما ورد في ذلك عن جدّيه عليهما السلام ، فعن أبي عبد الله عليه السلام : إنّ رجلاً دخل المسجد فصلّى ركعتين ، ثم سأل الله عزّوجلّ ، فقال رسول الله صلى الله عليه واله : أعجل العبد ربّه.
وجاء آخر فصلّى ركعتين ، ثم أثنى على الله عزّوجلّ وصلّى على النبي صلى الله عليه واله فقال رسول الله صلى الله عليه واله : سل تعط(١) .
وعنه عليه السلام : إنّ في كتاب علي عليه السلام : إنّ الثناء على الله ، والصّلاة على رسوله قبل المسألة(٢) .
ولو لم يرد ذلك لكان فعله عليه السلام أيضاً حجّة وسنّة ينبغي اقتفاؤها ، ثم الصّلاة على النبي صلى الله عليه واله من أعظم شروط الإجابة.
روى ثقة الإسلام في الكافي بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال :
__________________
١ ـ الكافي : ج ٢ ، ص ٤٨٥ ، ح ٧ ، وفيه «عجّل العبد ربّه».
٢ ـ الكافي : ج ٢ ، ص ٤٨٥ ، ح ٧.
لا يزال الدعاء محجوباً حتّى يصلّي على محمّد وآل محمّد(١) .
وعنه عليه السلام : من دعا ولم يذكر النبي صلى الله عليه واله رفرف الدعاء على رأسه ، فإذا ذكر النبي صلى الله عليه واله رفع الدعاء(٢) .
قال العلماء : والسرّ في قبول الدعاء إذا قرن بالصّلاة ، أمران :
الأوّل : أنّ النبي وآله عليهم السلام وسائط بين الله سبحانه وبين عباده في قضاء حوائجهم ونجاح مطالبهم ، وهم أبواب معرفته عزّوجلّ ، فلابدّ من التوسّل بذكرهم في عرض الدعاء وقبوله لديه ، وذلك كما إذا أراد أحد من الرعيّة إظهار حاجته على السلطان توسّل بمن يعظّمه ولا يردّ قوله.
الثاني : إذا ضمّ العبد الصّلاة مع دعائه ، وعرض المجموع على الله تعالى فلمّا كانت الصّلاة غير محجوبة ، فالدعاء ايضاً لابدّ أن لا يكون محجوباً ، لأنّه تعالى أكرم مِن أن يقبل الصّلاة ويردّ الدعاء فيكون قد قبل الصحيح وردّ المعيب ، كيف وقد نهى تعالى عباده عن تبعيض الصفقة! ولا يمكن ردّ الجميع لكرامة الصّلاة عليه ، فلم يبق إلّا قبول الكلّ وهو المطلوب.
وفي نهج البلاغة عن أمير المؤمنين عليه السلام إذا كانت لك إلى الله سبحانه حاجة ، فابدأ بمسألة الصّلاة على النبي صلى الله عليه واله ، ثم إسأل حاجتك فإنّ الله أكرم من أن يسأل حاجتين فيقضي إحداهما ويمنع الأخُرى(٣) .
السادس : الأخبار في فضل الصّلاة عليه صلى الله عليه واله أكثر من أن تحصى : فمنها : ما رواه ثقة الإسلام في الكافي : عن أبي عبد الله عليه السلام إنّه قال :
__________________
١ ـ الكافي : ج ٢ ، ص ٤٩١ ، ح ١.
٢ ـ الكافي : ج ٢ ، ص ٤٩١ ، ح ٢.
٣ ـ نهج البلاغة : ص ٥٣٨ ، الحكمة : ٣٦١.
إذا ذكر النبي صلى الله عليه واله فأكثروا الصّلاة عليه ، فإنّه من صلّى على النبي صلاة واحدة صلّى الله عليه ألف صلاة في ألف صفّ من الملائكة ، ولم يبق شيء ممّا خلقه الله إلّا صلّى على العبد لصلاة الله عليه وصلاة ملائكته ، فمن لم يرغب في هذا فهو جاهل مغرور قد برأ الله منه ورسوله وأهل بيته(١) .
وعنه عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله : من صلّى علّي صلّى الله عليه وملائكته ، فمن شاء فليُقل ، ومن شاء فليكثر(٢) .
وعنه عليه السلام : من صلّى على محمّد وآل محمّد عشراً صلّى الله عليه وملائكته ألفاً ، أما تسمع قول الله عزّوجلّ : «هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا »(٣) (٤) .
وعن أحدهما عليهما السلام قال : ما في الميزان شيء أثقل من الصّلاة على محمّد وآل محمّد ، وأن الرجل لتوضع أعماله في الميزان فتميل به فيخرج صلى الله عليه وآله ـ الصّلاة عليه ـ فيضعها في ميزانه فترجح [به](٥) .
وعن أبي عبد الله عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله : إرفعوا أصواتكم بالصّلاة عليّ فإنّها تذهب بالنفاق(٦) .
السابع : ما وقع في عنوان هذا الدعاء من قوله صلى الله عليه واله بالعطف على
__________________
١ ـ الكافي : ج ٢ ، ص ٤٩٢ ، ح ٦.
٢ ـ الكافي : ج ٢ ، ص ٤٩٢ ، ح ٧.
٣ ـ الأحزاب : ٤٣.
٤ ـ الكافي : ج ٢ ، ص ٤٩٣ ـ ٤٩٤ ، ح ١٤.
٥ ـ الكافي : ج ٢ ، ص ٤٩٤ ، ح ١٥.
٦ ـ الكافي : ج ٢ ، ص ٤٩٣ ، ح ١٣.
الضمير المجرور من دون إعادة الخافض ، مبني على مذهب الكوفيين ، ويونس ، والأخفش من البصريّين ، من عدم وجوب إعادة الخافض في ذلك خلافاً لجمهور البصريين واختاره الشلوبين ، وصحّحه ابن مالك ، وأبو حيّان وجرى عليه ابن هشام في شرح الشذور(١) .
والتوضيح لثبوت ذلك في فصيح الكلام كقراءة حمزة : «وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ »(٢) بخفض الأرحام(٣) عطفاً على الضمير المخفوض بالباء ، وحكاية قطرب : ما فيها غيره وفرسه بخفض الفرس عطفاً على الهاء المخفوضة بإضافة غير إليها وقول الشاعر :
فاذهب فما بك والأيّام من عجب(٤)
بخفض الأيّام عطفاً على الكاف المخفوضة بالباء ، وإلى ذلك أشار ابن مالك بقوله في الخلاصة :
وعود خافضٍ لَدى عَطْف عَلى |
ضَمير خَفْض لازِماً قَدْ جُعِلا |
|
وَليْسَ عِنْدِي لازِماً إذْ قَد أتى |
في النّثْرِ والنّظمِ الصَحيح مثبتاً(٥) |
أمَا ما زعمه بعضهم : من أنّ الشيعة تلتزم عدم إعادة الخافض وهو
__________________
١ ـ شذور الذهب : ص ٣٣٢.
٢ ـ النساء : ١.
٣ ـ مجمع البيان : ج ٣ ـ ٤ ، ص ١.
٤ ـ مجمع البيان : ج ٣ ـ ٤ ، ص ٢ ، أنشده سيبويه ، وصدر البيت :
فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا.
٥ ـ كتاب السيوطي : ص ١٦٧ ـ ١٦٨.
«على» في مثل هذه العبارة ، لحديث يأثرونه وهو : «من فصّل بيني وبين آلي بـ ـ على ـ فقد جفاني» فزعم محض لا عين له ولا أثر ، إذ لا تعرف الشيعة هذا الخبر ولم ترد به رواية من طرقهم ، بل ولم يذكروا ولا منقطعاً في شيء من كتبهم ، كيف والأدعية المأثورة عن أهل البيت عليهم السلام مشحونة بإعادة الخافض في مثل ذلك كما ستقف عليه مكّرراً في أدعية الصحيفة الشريفة والله المستعان.
* * *
وَالْحَمدُ لِلّٰهِ الَّذِي مَنَّ عَلَيْنَا بِمُحَمَّدٍ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ دُونَ الأُمَم الْمَاضِيَةِ وَالْقُرُونِ السَّالِفَةِ. |
«الواو» عاطفة للجملة على قوله في الدعاء السابق : ثم له الحمد ، لأنّه عليه السلام كان يصل هذا الدعاء به من غير فصل كما هو ظاهر العنوان أو هي استثنائية.
ومعنى «المنّ» ها هنا : الإنعام على من لا يطلب الجزاء منه ، وفيه إشارة إلى قوله تعالى : «لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ »(١) .
و «محمّد» علم منقول من الصفة التي معناها كثير الخصال المحمودة.
قال أهل اللغة : رجل محمّد : أي كثير الخصال المحمودة(٢) .
وقال ابن فارس : سمّي نبيّنا محمّد صلى الله عليه واله محمّداً لكثرة خصاله المحمودة(٣) . يعني ألهم الله تعالى أهله تسميته بذلك لما علم من خصاله الحميدة.
وقال السهيلي : في «محمّد» معنى المبالغة والتكرار ، فالمحمّد هو الذي حمد مرّة بعد مرّة ، كما أنّ المكرّم من كُرم مرّة بعد اُخرى ، وكذلك الممدوح ، واسم محمّد مطابق لمعناه.
والله تعالى سماّه به قبل أن يسمّى به ، وهو علم من أعلام نبوّته ،
__________________
١ ـ آل عمران : ١٦٤.
٢ ـ تهذيب الأسماءواللغات : الجزء الأوّل من القسم الثاني : ص ٧٠.
٣ ـ معجم مقاييس اللغة : ج ٢ ، ص ١٠٠.
إذ كان اسمه صادقاً عليه فهو صلى الله عليه واله محمود في الدّنيا بما هدي إليه ونفع به من العلم والحكمة ، وهو محمود في الآخرة بالشفاعة ، فقد تكرّر فيه معنى الحمد كما يقتضيه اللفظ إنتهى(١) .
وورد في أخبار كثيرة من طرق أهل البيت عليهم السلام عنه صلى الله عليه واله أنّه قال : «سمّاني الله من فوق عرشه ، وشقّ لي إسماً من أسمائه فسمّاني محمّداً وهو محمود»(٢) .
وأخرج البخاري في تاريخه الصغير : من طريق علي بن زيد ، قال : كان أبو طالب يقول :
وشَقّ مِنْ إسمِهِ ليُجلّهُ |
فذو العَرشِ مَحمُودٌ وَهذا محمّد(٣) |
قال القسطلاني في المواهب : وقد سماّه الله تعالى بهذا الإسم قبل الخلق بألفي عام ، كما ورد من حديث أنس بن مالك من طريق أبي نعيم في مناجاة موسى عليه السلام(٤) .
قال ابن قتيبة : ومن أعلام نبوّته صلى الله عليه واله إنّه لم يسمّ أحد قبله بإسمه محمّد ، صيانة من الله بهذا الإسم كما فعل بيحيى إذ «لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا »(٥) .
وذلك أنّه تعالى سماّه في الكتب المتقدّمة وبشّر به الأنبياء ، فلو جعل
__________________
١ ـ تاج العروس : ج ٢ ، ص ٣٣٩ ، من غير ان ينسبه إلى أحد.
٢ ـ بحار الأنوار : ج ١٦ ، ص ٩٢ ، ج ٢٧ ، والخصال : ص ٤٢٥ ، ح ١ ، ومعاني الأخبار : ص ٥٠ ، ح ١ ، وشق : أي فصّل.
٣ ـ شرح المواهب : ج ٣ ، ص ١٥٥, نقلاً عنه.
٤ ـ شرح المواهب : ج ٣ ، ص ١٥٦.
٥ ـ مريم : ٧.
إسمه مشتركاً فيه لوقعت الشبهة ، إلاّ أنّه لمّا قرب زمانه وبشّر أهل الكتاب بقربه سمّى قوم أولادهم بذلك رجاء أن يكون هو «اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ »(١) (٢) .
وهو أبو القاسم محمّد بن عبد الله بن عبد المطّلب ، خاتم النبيين ، وسيّد المرسلين ، حملت به أُمّه في أيّام التشريق في شعب أبي طالب عند الجمرة الوسطى ليلة الجمعة ، وهي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرّة ، وولد صلى الله عليه واله بمكة يوم الجمعة عند طلوع الشّمس السابع عشر من شهر ربيع الأوّل عام الفيل وفاقاً لما عليه جمهور الشيعة.
وعند جمهور العامة : أنّه ولد يوم الإثنين من ربيع الأوّل ثم اختلفوا ، فقيل : لليلتين خلتا منه ، وقيل : لثمان خلون منه ، وقيل : لعشرة ، وقيل لاثنتي عشرة ليلة ، وعليه عمل أهل مكّة في زيارتهم موضع مولده في هذا الوقت ووافقهم على ذلك من أصحابنا ثقة الإسلام محمّد بن يعقوب الكليني في الكافي(٣) .
وقيل : ولد يوم عاشوراء ، وقيل : في صفر ، وقيل : في ربيع الآخر ، وقيل : في رجب ، وقيل في شهر رمضان.
وروي عن ابن عباس بإسناد لا يصح ، وهو موافق للقول بأنّ أُمّه حملت به في أيّام التشريق(٤) .
وأمّا على المشهور بأنّه ولد في ربيع الأوّل ، فيلزم منه الإشكال
__________________
١ ـ الأنعام : ١٢٤.
٢ ـ شرح المواهب : ج ٣ ص ١٥٨ ، نقلاً عن ابن قتيبه.
٣ ـ الكافي : ج ١ ، ص ٤٣٩.
٤ ـ الكافي : ج ١ ، ص ٤٣٩.
المشهور ، وهو أنّه يلزم أن يكون مدّة حمله ثلاثة أشهر ، أوسنة وثلاثة أشهر ، وهذا مخالف لما إتّفق عليه الأصحاب ، من أنّ مدّة الحمل لا تزيد عن سنة ، ولم ينقل أحد أنّ ذلك من خصائصه.
والجواب : إنّ المراد بأيّام التشريق : الأيّام المعلومة من شهر جمادي الاُولى ، الذي وقع فيه حج المشركين في عام الفيل باعتبار النسيىء حيث كانوا يؤخّرون الحج عن ذي الحجّة فيحجّون سنتين في محرم وسنتين في صفر وهكذا إلى أن يتمّ الدور ثم يستأنفونه.
وعلى القول بأنّ مولده كان في ثاني عشر من شهر ربيع الأوّل يكون مدّة الحمل عشرة أشهر بلا زيادة ولا نقصان إذا فرض أنّ حمله كان في ثاني عشر من جمادي الاُولى والله أعلم.
ونقل عن أبي معشر البلخي : وهو من مهرة علم النجوم ، أنّه استخرج طالع النبي صلى الله عليه واله فكان عشرين درجة من الجدي حين كان زحل والمشتري في ثالث درجة من العقرب مقترنين في درجة وسط السماء ، والمرّيخ في بيته في الحمل ، والشمس أيضاً في الحمل في الشرف ، والزهرة في الحوت ، في الشرف ، وعطارد أيضاً في الحوت ، والقمر في أوّل الميزان ، والرأس الجوزاء في الشرف ، والذنب في قوس في الشرف ، في بيت الأعداء ، ذكر ذلك في روضة الأحباب(١) .
ومات أبوه عبد الله بن عبد المطّلب ، وهو ابن شهرين أو سبعة أشهر ولمّا بلغ أربعاً أو ستّاً من السنين ماتت أُمّه ، وكان في حجر جدّه عبد المطّلب ثماني سنين وشهرين وعشرة أيّام ، فتوفّي عبد المطّلب ووليه
__________________
١ ـ روضة الأحباب : كتاب فارسي نقل عنه المجلسي (قدس سره) في بحار الأنوار : ج ١٥ ، ص ٢٤٩.
عمّه أبو طالب عليه السلام وذهب به إلى الشام بعد ما تمّ له اثنتا عشرة سنة وشهران وعشرة أيّام ، ورجع من بصرى وخرج إلى الشام مرّة أخرى مع ميسرة غلام خديجة في تجارة لها قبل أن يتزوّجها ، ثم تزوّجها بعد ما بلغ خمساً وعشرين ، وبقيت معه ثمانية عشرة سنة.
ولمّا بلغ خمساً وثلاثين شهد بنيان الكعبة ، فلمّا بلغ أربعين سنة بعثه الله رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً يوم الإثنين لثمان خلون من شهر ربيع الأوّل ، فما من شجر وحجر إلّا سلّم عليه قائلاً : السلام عليك يا رسول الله ، وفرض عليه التبليغ وقراءة القرآن.
ولمّا تمّت له إحدى وخمسون سنة وتسعة أشهر اُسري به «ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ *فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ »(١) وفرض عليه خمس الصلوات.
ولمّا بلغ ثلاثاً وخمسين هاجر إلى المدينة يوم الإثنين لثمان خلون من شهر ربيع الأوّل ، ودخلها ضحى يوم الإثنين ، واُذن له في الجهاد في السنة الثانية لمن إبتدأه في غير الأشهر الحرم ، ثم اُبيح له إبتداؤهم فيها أيضاً وفيها ، فرض صوم شهر رمضان.
واختلفوا في الزّكاة هل فرضت قبله أو بعده؟ وفرض الحجّ في السنة الخامسة أو السادسة؟ وفي السنة الخامسة كانت بيعة الرضوان ، وفي الثامنة فتح مكّة ، وأظلت عليه حمامها(٢) يومئذ فدعا لها بالبركة ، وفي العاشرة حجّة الوداع وكانت وقفة عرفة فيها يوم الجمعة بالإجماع ، ولم يحجّ بعد الهجرة إلّا إيّاها وقبلها لم يضبط ، واعتمر أربعاً ، وكانت غزواته سبعاً وعشرين ، وسراياه ستّاً وخمسين ، وقيل : غير ذلك.
__________________
١ ـ النجم : ٨ ـ ٩.
٢ ـ ظلّت عليه : أي أقبلت إليه ودنت منه ، كناية عن قبول دعوة النبي صلى الله عليه واله.
وتزوّج إحدى وعشرين إمرأة ، وطلّق ستّاً ، وماتت عنده خمس ، وتوفي عن عشر واحدة منهنّ لم يدخل بها ، وأولاده ستّة ذكران وهما : القاسم وإبراهيم ، وأربع بنات : وهنّ فاطمة عليها السلام ، وزينب ، ورقيّة ، واُم كلثوم ، وكلّهم من خديجة عليها السلام ، إلّا إبراهيم ، هذا هو المتّفق عليه ، واختلف فيما سوى هٰؤلاء.
ولمّا بلغ صلى الله عليه واله ثلاثاً وستّين ، وقيل : خمساً وستّين إختاره الرفيق الأعلى يوم الإثنين لليلتين بقيتا من صفر سنة إحدى عشرة من الهجرة.
وقيل : لثنتي عشرة خلت من أوّل ربيعي السنة المذكورة ، ودفن ليلة الثلاثاء أو الأربعاء في حجرته التي قبض فيها.
هذه نُبذة ممّا ذكره أرباب السير. وفي كون وفاته يوم الإثنين ثاني عشر أوّل الربيعين مع كون وقفة عرفة يوم الجمعة في السنة العاشرة إشكال يعرف بالتأمل.
قوله عليه السلام : «دون الأمم الماضية» (دون) : بمعنى التجاوز فهي ظرف مستقر وقع حالاً من ضمير المتكلّمين في علينا ، والعامل فيه «مَنّ» أي منّ علينا بمحمّد صلى الله عليه واله ، حال كوننا متجاوزين الأُمم الماضية في «المنّة به علينا».
وقد يقال : إنّها مستعارة من معناها الوضعي الذي هو أدنى مكان من شيء لقدّامه. كما في قول الأعشى :
تريك القذى من دونها وهي دونه(١)
أي تريك القذى قدّامها وهي قدّامه ، فيكون ظرفاً لغواً معمولاً
__________________
١ ـ لسان العرب : ج ١٣ ، ص ١٦٥ ، وتمام البيت :
إذا ذاقها من ذاقها يتمطّق.
لـ «منّ» والمعنى : منَّ علينا بمحمّد صلى الله عليه واله بين يدي الأُمم الماضية : أي في مستقبلها.
وفي القاموس : إنّها بمعنى أمام ووراء وفوق فهو «ضدٌ»(١) .
وعلى هذا فلا حاجة إلى دعوى الإستعارة ، وكما يصحّ جعلها هنا بمعنى أمام يصحّ جعلها بمعنى وراء أيضاً وهو واضح.
و «الأُمم» جمع أمّة وهي الجماعة ، وأصلها : القصد ، من أمّه يأمّه أمّاً : إذا قصده ، كأنّهم قصدوا أمراً واحداً وجهة واحدة ، وتأتي لمعان : الجماعة مطلقاً ، وجماعة اُرسل إليهم رسول ، ويقال لكل جيل من الناس والحيوان : أُمّة ، ومنه : لو لا أنّ الكلاب أمّة تسبّح لأمرت بقتلها(٢) .
ومنه : إنّ إبراهيم عليه السلام كان أُمّة واحدة كما في قوله تعالى : «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً »(٣) وبمعنى حين ، ومنه : «وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ »(٤) .
وقوم الرجل : خلق الله ، وأُمّة النبي نوعان :
أُمّة الإجابة : وهم الذين أجابوا دعوته ، وصدّقوا نبوّته ، وآمنوا بما جاء به ، وهٰؤلاء هم الذين جاء مدحهم بالكتاب والسنّة : كقوله تعالى : «جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا »(٥) ، «كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ »(٦) وكقوله صلى الله عليه واله : «شفاعتي لأهل الكبائر من أُمتي»(٧) .
__________________
١ ـ القاموس المحيط : ج ٤ ، ص ٢٢٣.
٢ ـ النهاية لإبن الأثير : ج ١ ، ص ٦٨.
٣ ـ النحل : ١٢٠.
٤ ـ يوسف : ٤٥.
٥ ـ البقرة : ١٤٣.
٦ ـ آل عمران : ١١٠.
٧ ـ سنن أبي داود : ج ٤ ، ص ٢٣٦.
و «إنّ أُمتي يأتون يوم القيامة غرّاً محجّلين»(١) ، وغير ذلك.
وأُمّة الدعوة : وهم الذين بعث إليهم النبي صلى الله عليه واله من مسلم وكافر ، ومنه قوله صلى الله عليه واله : «والذي نفس محمّد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأُمّة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلت به ، إلّا كان من أصحاب النّار»(٢) .
وقوله عليه السلام : «والقرون السالفة» القرون : جمع قرن.
قال الهروي : القرن : كلّ طبقة مقترنين في وقت ، ومنه قيل لأهل كلّ مدّة أو طبقة بعث فيها نبي قلّت السنون أو كثرت : قرن ، ومنه الحديث : «خيركم قرني» يعني أصحابي ، «ثم الذين يلونهم» يعني التابعين لهم بإحسان ، وإشتقاقه : من الإقتران ، وقيل القرن : ثمانون سنة ، وقيل : أربعون ، وقيل : مائة ، وقال ابن الأعرابي : (القرن) الوقت ، وقال غيره : قيل للزمان قرن لأنّه يقرن أُمّة بأُمّة ، وعالماً بعالم ، وهو مصدر قرنت جعل إسماً للوقت اُو لأهله(٣) ، هذا آخر كلام الهروي.
وفيه أقوال أُخر ، قال بعضهم : والذي أرى ـ أنّ القرن ـ : كلّ أُمّة هلكت فلم يبق منها أحد.
«والسالفة» المتقدّمة من سلف فلان من باب ـ قعد ـ سلوفاً : تقدّم ، ومنه سلف الرجل لآبائه المتقدمين ، ويقال : سلف سلفاً محرّكة أي مضى وانقضى ، وإنّما قيّد عليه السلام المنّة علينا به صلّى الله عليه وآله المقتضية للحمل مطلقاً ، بقوله : «دون الأمم الماضية» لإفادته تعظيم المنّة ، وإقتضائه تأكيد
__________________
١ ـ مسند أحمد بن حنبل : ج ٢ ، ص ٤٠٠.
٢ ـ صحيح مسلم : ج ١ ، ص ١٣٤ ، ح ٢٤٠.
٣ ـ الغريبين للغروي : مخطوط في مكتبة جامعة طهران في ذيل باب القاف مع الراء.
الحمد لما في ذلك من الكرامة التي خصّنا تعالى بها دونهم تفضيلاً لنا عليهم ، ومزيد عناية بنا لم يحرزوها ، إذ كانت الأنبياء والمرسلون فضلاً عن أُممهم يتمنّون أن يكونوا من أُمّته ويسألون الله أن يجعلهم منهم ، كما وردت به الأخبار المستفيضة من طرق الخاصّة والعامّة ، فمن ذلك ما رواه رئيس المحدّثين في كتاب معاني الأخبار بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام : انّه كان فيما ناجى الله تعالى به موسى أن قال له : يا موسى لا أقبل الصّلاة إلّا ممّن تواضع لعظمتي ، وألزم قلبه خوفي ، وقطع نهاره بذكري ، ولم يبت مصرّاً على الخطيئة ، وعرف حقّ أوليائي وأحبائي.
فقال : ياربّ تعني بأحبّائك وأوليائك إبراهيم وإسحاق ويعقوب,
فقال : هم كذلك يا موسى إلّا إني أردت مَن مِن أجله خلقت آدم وحوّاء ، ومَن مِن أجله خلقت الجنّة والنّار.
فقال موسى : يا ربّ ومَن هو يا ربّ؟.
قال : محمّد أحمد شققت إسمه من إسمي ، لأنّي أنا المحمود.
فقال موسى : يا ربّ اِجعلني من أُمّته.
قال : يا موسى ، أنت من أُمّته إذا أنت عرفته وعرفت منزلته ومنزلة أهل بيته(١) والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة.
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن النبيّ صلى الله عليه واله قال : إنّ موسى لمّا نزلت عليه التوراة وقرأها وجد فيها ذكر هذه الأُمّة فقال : يا ربّ إنّي أجد في الألواح أُمّة هم الآخرون السابقون فاجعلها أُمّتي. قال : تلك أُمّة أحمد.
قال : يا ربّ إنّي أجد في الألواح أُمّة أناجيلهم في صدورهم يقرؤونها ظاهراً فجعلها أُمّتي ، قال : تلك أُمّة أحمد.
__________________
١ ـ معاني الأخبار : ص ٥٤ ، ح ١.
قال : يا ربّ إنّي أجد في الألواح أُمّة يأكلون الفيىء(١) ، فاجعلهاأُمّتي.
قال : تلك أُمّة أحمد.
قال : يا ربّ إنّي أجد في الألواح أُمّة أذا همّ أحدهم بالحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة واحدة وإن عملها كتبت له عشر حسنات ، فاجعلها أُمّتي.
قال : تلك أُمّة أحمد.
قال : يا ربّ إنّي أجد في الألواح أُمّة إذا همّ أحدهم بسيّئة فلم يعملها لم تكتب ، وإن عملها كتبت سيّئة واحدة فاجعلها أُمّتي.
قال : تلك أُمّة أحمد.
قال : يا ربّ إنّي أجد في الألواح أُمّة يؤتون العلم الأوّل والآخر ، ويقتلون مع المسيح الدّجال فاجعلها أُمّتي.
قال : تلك أُمّة أحمد.
قال : يا ربّ فاجعلني من أُمّة أحمد ، فأُعطي عند ذلك خصلتين.
فقال : «يَا مُوسَىٰ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ »(٢) .
قال : قد رضيت يا ربّ(٣) .
والأخبار في هذا المعنى كثيرة جدّاً وللّه الحمد.
* * *
__________________
١ ـ الفيىء : الخراج والغنيمة ، المصباح المنير : ص ٤٨٦.
٢ ـ الأعراف : ١٤٤.
٣ ـ حلية الأولياء : ج ٥ ، ص ٣٨٥ ، مع اختلاف يسير في العبارة.
بِقُدْرَتِهِ الَّتِي لا تَعْجِزُ عَنْ شَيْءٍ وَإِنْ عَظُمَ ، وَلاَ يَفُوتُهَا شَيْءٌ وَإِنْ لَطُفَ |
«بقدرته» متعلّق بقوله : «منّ علينا» والقدرة فيها ، قوّة جسمانيّة منبثّة(١) في الأعضاء محرّكة لها نحو الأفعال الإختياريّة.
«والعجز» ما يقابل القدرة بهذا المعنى وهو عدمها عمّا من شأنه أن يقدر ، كما في حقّ الواحد منّا ، إذ لا يقال للجدار مثلاً إنّه عاجز وقدرته تعال تعود إلى إعتبار كون ذاته مصدر الإثارة(٢) ، هذا قول الجمهور.
«والشيىء» بحسب مفهومه اللغوي يقع على كلّ ما يصحّ أن يُعلم ويخبر عنه كائناً ما كان ، على أنّه في الأصل مصدر شاء ، أُطلق على المفعول ، وأكتفى في ذلك بإعتبار تعلّق المشيئة به من حيث العلم أو الإخبار به فقط ، فيتناول الواجب والممكن والممتنع ، وقد يخصّ بالممكن موجوداً كان أو معدوماً كما هنا لقضيّة إختصاص تعلّق القدرة ، به إذ المراد بها التمكّن من الإيجاد والإعدام الخاصّين به.
وذهب القاضي في جمع من الأشاعرة : إلى أنّ الشيىء يختصّ بالموجود ، وأنّ المعدوم لا شيء ولا ذات ولا ماهيّة ، وهو أيضاً مذهب الحكماء على ما نقل عنهم.
قالوا : «الشيىء» اسم لما هو حيقيقة الشيئيّة ، ولا يقع على المعدوم والمحال ، ولا علم بالمحال أصلاً إذ لا شيئيّة له ، ولا هو ممّا يتمثّل في ذهن أو يتصوّر في وهم ، وإنّما المعلوم المتصوّر المتمثّل في الذهن عنوان المفهوم من لفظه ، وهو ممكن ما من الممكنات ليس في إزائه حقيقة من الحقائق ، و
__________________
١ ـ منبثة : أي منتشرة.
٢ ـ الإثارة : القدرة.
شيء من الأشياء أبداً ، وإلى الأوّل ذهب المعتزلة وجماعة من الأشاعرة.
قال الزمخشري والنيسابوري : الشيىء : أعمّ العام ، كما أنّ الله أخص الخاصّ يجري على الجوهر والعرض ، والقديم والحادث ، بل على المعدوم والمحال(١) .
وهذا العام مخصوص بدليل العقل ، فمن الأشياء ، ما لا تتعلّق القدرة به كالمستحيل والواجب وجوده لذاته(٢) .
وقال القطب العلّامة(٣) : كلّ من قال : بأنّ الوجود ، عين الماهيّة مثل الأشعري وأتباعه ، قال : بأنّ المعدوم ليس بشيىء لإنتفاء الماهيّة عند العدم ، ومن قال : بأنّ الوجود غيرها ، فهم قد اختلفوا في ذلك ، والنزاع انّما هو في المعدوم الممكن ، لا في المعدوم الممتنع فانّه ليس بشيىء عند الفريقين(٤) ، إنتهى.
وهذا لا يرد على ما صرّح به الزمخشري والنيسابوري لأنّ كلامهما بحسب مفهومه لغة ، وما ذكره من النزاع إنّما هو في الشيئيّة بمعنى التحقّق منفكّاً عن صفة الوجود ، لا في إطلاق لفظ الشيىء على مفهومه فإنّه بحث
__________________
١ ـ الكشاف : ج ١ ، ص ٨٧ ـ٨٨.
٢ ـ تفسير النيسابوري : ج ١ ، ص ٦٢.
٣ ـ هو قطب الدين محمود بن مسعود بن مصلح الشيرازي الشافعي الملقب بالعلّامة تلميذ الخواجه نصير الدين الطوسي. قيل : كان وحيد عصره في المعقول وكان في غاية الذكاء ، وله تلاميذ كثيرة وتصانيف شهيرة منها : شروحه على القسم الثالث من المفتاح ، وعلى المختصر الحاجي ، وعلى كليات ابن سيناء ، توفي بتبريز ٧١٠ هجرّية. الكنى والالقاب : ج ٣ ، ص ٥٩.
٤ ـ لا يوجد لدينا كتابه.
لغوي مرجعه إلى النقل والسّماع لا يصلح محلاً لإختلاف العقلاء الناظرين في المباحث العلميّة ، ولهذا قال صاحب الكشف : النزاع في هذا لا ينبغي أن يقع بين المحقّقين لأنّه أمر لفظي ، والبحث فيه من وظيفة أصحاب اللغة(١) ، إنتهى.
تبصرة
قال العلماء : معنى كون قدرته تعالى لا تعجز عن شيء ، وكونه على كلّ شيء قديراً : إنّ قدرته لا تعجز عمّا يمكن تعلّق القدرة به وأنّه على كلّ شيء يصحّ تعلّقها به قدير من كلّ ماهيّة إمكانيّة ، أو شيئيّة تصوّريّة.
وأمّا الممتنعات فلا ماهيّة لها ولا شيئيّة حتّى يصحّ كونها مقدورة له تعالى وليس في نفي مقدوريّتها نقص على عموم القدرة ، بل القدرة عامّة والفيض شامل والممتنع لا ذات له ، وإنّما يخترع العقل في وهمه مفهوماً يجعله عنواناً لأمر باطل الذّات ، كشريك الباري ، واللا شيء ، واجتماع النقيضين ، أو يركّب بين معان ممكنة آحادها تركيباً ممتنعاً ، فإنّ كلّاً من المتناقضين كالحركة والسكون أمر ممكن خارجاً وعقلاً ، وكذا معنى التركيب والإجتماع ، أمر ممكن عيناً وذهناً.
وأمّا اجتماع المتنافيين ، فلا ذات له في الخارج ولا في العقل ، لكنّ العقل يتصوّر مفهوم إجتماع النقيضين على وجه التلفيق ويجعله عنواناً ، ليحكم على أفرادهما المقدرة بامتناع الوجود. ومن هنا أُطلق على المستحيل أنّه شيء وإلّا فهو لا ماهيّة له ولا معنى ، فلا تعلّق للقدرة به.
وأمّا الحديث المشهور الذي رواه ثقة الإسلام في الكافي : عن عليّ بن إبراهيم ، عن محمّد بن إسحاق الخفّاف ، أو عن أبيه ، عن محمّد بن إسحاق ،
__________________
١ ـ لم نعثر عليه.
قال : إنّ عبد الله الدّيصاني سأل هشام بن الحكم ، فقال له : ألك ربّ؟ فقال : بلى ، قال : أقادر هو؟ قال ، نعم قادر قاهر ، قال : أيقدر أن يدخل الدّنيا كلّها في بيضة لا تكبر البيضة ولا تصغر الدنيا؟ قال هشام : النظرة ، فقال له : أنظرتك حولاً ، ثمّ خرج عنه ، فركب هشام إلى أبي عبد الله عليه السلام فاستأذن عليه فأذن له ، فقال : يا ابن رسول الله أتاني عبد الله الديصاني بمسألة ليس المعوّل فيها إلّا على الله وعليك ، فقال أبو عبد الله عليه السلام عمّا ذا سألك؟ فقال : قال لي : كيت وكيت ، فقال أبو عبد الله عليه السلام : يا هشام كم حواسّك ، قال : خمس ، قال أيّها أصغر؟ قال : الناظر ، قال : وكم قدر الناظر؟ قال : مثل العدسة أو أقلّ منها ، فقال له : يا هشام فانظر أمامك وفوقك وأخبرني بما ترى ، فقال : أرى سماء وأرضاً ودوراً وقصوراً وبراريّاً وجبالاً وأنهاراً ، فقال له أبو عبد الله عليه السلام : إنّ الذي قدر أن يدخل الذي تراه العدسة أو أقلّ منها ، قادر أن يدخل الدنيا كلّها البيضة لا تصغر الدنيا ولا تكبر البيضة ، فأكب هشام عليه وقبّل يديه ورأسه ورجليه ، وقال : حسبي يا ابن رسول الله(١) . والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة.
ومثله ما رواه رئيس المحدّثين في كتاب التوحيد بسنده إلى أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال : جاء رجل إلى الرضا عليه السلام فقال : هل يقدر ربّك أن يجعل السماوات والأرض وما بينهما في بيضة؟ قال : نعم وفي أصغر من البيضة قد جعلها الله في عينك وهي أقلّ من البيضة لأنّك إذا فتحتها عاينت السماء والأرض وما بينهما ولو شاء لأعماك عنها(٢) .
__________________
١ ـ الكافي : ج ١ ، ص ٧٩ ، ح ٤.
٢ ـ التوحيد : ص ١٣٠ ، ح ١١.
فقال بعضهم : إنّ السؤال في ذلك وهو إدخال الكبير مع كبره في الصغير مع صغره ، وإن كان من قبيل المتنافيين ، فكان حقيقة الجواب عنه أن يقال : إنّ هذا أمر محال ، والمحال غير مقدور عليه ، إذ لا ذات له ولا شيئيّة ، إلاّ أنّه عليه السلام عدل عنه إلى ما ذكره لقصور الأفهام العامّية عن إدراك ذلك الوجه ، فالذي أفاده عليه السلام وجه إقناعيّ مبناه على المقدّمة المشهورة لدى الجمهور : انّ الرّؤية بدخول المرئيّات في العضو البصري فاكتفى في الجواب بهذا القدر لقبول الخصم له وتسليمه إيّاه.
قال : والذي يدلّ على صحّة ما حملنا عليه غرض هذا الحديث ما رواه في كتاب التوحيد عن أبي عبد الله : قال : قيل لأمير المؤمنين عليه السلام : هل يقدر ربّك أن يدخل الدنيا في بيضة من غير أن تصغر الدنيا وتكبر البيضة؟
فقال : إنّ الله تعالى لا ينسب إلى العجز والذي سألتني لا يكون(١) .
وهذا الحديث صريح في أنّ الذي سأله ذلك الرجل ، ممتنع بالذات محال ، والمحال لا شيئيّة له ، فليس بمقدور والله على كلّ شيء قدير ، ولو لم يكن معنى الروايتين الأولتين ما أوّلناهما به ، لكان بين الأخبار تناقض ، وجلّت أحاديثهم عليهم السلام عن أن يناقض بعضها بعضاً ، لعصمة الجميع عن الخطأ.
ومثل الحديث المروي عن أمير المؤمنين عليه السلام ، ما رواه في كتاب التوحيد أيضاً بسنده عن أبي عبد الله عليه السلام إنّه جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال له : أيقدر الله أن يدخل الأرض في بيضة ولا يصغّر الأرض ولا يكبّر البيضة؟
__________________
١ ـ التوحيد : ص ١٣٠ ، ح ٩.
فقال له : ويلك إنّ الله لا يوصف بالعجز ، ومَن أقدر ممّن يلطف الأرض ويعظّم البيضة(١) .
فدلّت هذه الرواية : على أنّ إدخال العظيم أو تعظيم الصغير بنحو التكاثف والتخلخل وما يجري مجراهما وأنّ تلطيف الأرض إلى حدّ تدخل في البيضة ، أو تعظيم البيضة إلى حدّ تدخل فيها الأرض غاية القدرة.
وقال بعض المعاصرين : إنّ هذه الأحاديث كلّها متّفقة ، ولا تنافي ولا تناقض فيها ، وأنّ الجواب في كلّ منها بحسب ما يقتضيه المقام وحال السائل ، وكلامهم عليه السلام أصله واحد وقد أمروا أن يكلّموا الناس على قدر عقولهم.
وبيان ذلك : إنّ الحديثين الأوّلين يدلّان على ما دلّ عليه الحديثان الآخران على وجه لطيف ومعنى شريف. وتوضيحه : إنّ الظاهر من حال الديصاني في الحديث الأوّل : إنّه كان مناظراً مجادلاً كما يظهر من سياق كلامه مع مثل هشام بن الحكم ، وجواب الإمام عليه السلام له على هذا النحو يدلّ على أنّه كان يعلم أنّ ما سأل عنه محال ، والقدرة لا تتعلّق بالمحال ، لنقصه عن الإستعداد لتعلّق القدرة به ، فعدوله عليه السلام إلى ما يدلّ على كمال القدرة مع وجوده ، وعدم لزوم المحال فيه ، مع كونه نظيراً لما أراده السّائل فيه ، تمام الفصاحة والبلاغة ، والإلزام لمن عرف عليه السلام من حاله أنّه يفهم ذلك ، وحال هشام في فهمه كحال الديصاني ، وإلاّ فمثل هشام مع العلم بحاله لا يخفى عليه أنّ السائل أراد غير ما أجابه عليه السلام به ولم يراجعه في ذلك لأجل دفع ما يورده السائل من أنّه أراد غير ما تضمّنه الجواب.
__________________
١ ـ التوحيد : ص ١٣٠ ، ح ١٠.
وحاصل الكلام : إنّه عليه السلام نبّهه أنّ الله سبحانه قادر على أن يدخل الدنيا في البيضة مثل دخول ما تراه بناظرك في الناظر وهو بهذا القدر وذلك بحيث لا تكبر البيضة ولا تصغر الدنيا ، كما أنّ ما يراه الناظر يدخل تحت قدرته بحيث لا يكبر الناظر ولا يصغر ما ينظره.
وعلى هذا النحو ما في الحديث الآخر من قول الرضا عليه السلام «نعم وفي أصغر من البيضة قد جعلها الله في عينك وهي أصغر من البيضة»(١) .
ففيه تنبيه للسائل على كمال قدرته تعالى ممّا هو ممكن ، وغير محال ، وأنّ ما سأل عنه لا ينبغي أن يسأل عنه لما ذكر من كونه محالاً ، فظهر كون الأحاديث كلّها متّفقة لا تنافي فيها ، وإلّا فكيف يتصوّر أن يخفى على الإمام عليه السلام ما أراده السائل حتّى يجيبه بغير ما دلّ عليه سؤاله؟ ومع ذلك لا يفرّق هشام والسائل بين السؤال والجواب ، وينقل مثل هذا أجلاّء العلماء من غير تعرّض لدفع ما ذكر؟ وما ذلك إلّا لفهمهم وجه ذلك ، والله أعلم.
قوله عليه السلام : «وإن عظم» (إن) هذه هي التي يسميّها أكثر المتأخرين وصليّة ومتّصلة ، وذلك حيث وقع الشرط بها مدلولاً على جوابه بما قبله من الكلام ، وكان ضدّ الشرط أولى بجزائه من الشرط كقولك : أكرمه وإن شتمني ، فالشتم بعيد من الإكرام ، وضدّه وهو المدح أولى بالإكرام ، ومثله قوله : «وإن عظم» فإنّ كون الشيىء عظيماً بعيد في الظاهر عن القدرة عليه ، وضدّه وهو كونه لطيفاً أولى بالقدرة عليه ، ومثل إن في ذلك (لو) المستعملة في معناها نحو : «اطلبوا العلم ولو بالصين»(٢) .
__________________
١ ـ التوحيد : ص ١٣٠ ، ح ١١.
٢ ـ روضة الواعظين : ص ١١ ، في فضل العلم.
و «الواو» قيل : للعطف على محذوف ، وهو ضدّ الشرط المذكور ، أي لا تعجز عن شيء إن لم يعظم وإن عظم.
وقيل : للحال ، والعامل فيها ، ما تقدّم من الكلام والمعنى : لا تعجز عن شيء والحال أنّه عظيم.
وقيل : ـ الجملة ـ إعتراضية ، والواو للإعتراض وهي قد تأتي بعد تمام الكلام.
وفيه إنّه لا يفيد إدخال الواو حينئذٍ كون الجزاء أولى من الشرط ، فإنّ واو الإعتراض هي الإستئنافية كما جزم به بعضهم.
«وعظم الشيىء» ـ بالضمّ ـ خلاف صغر ، عظماً ـ كعنب ـ وعظامة فهو عظيم.
قوله عليه السلام : «ولا يفوتها شيء وإن لطف» فاته الشيىء فوتاً وفواتاً : ذهب عنه ، ولطف ـ كعظم ـ ، لطفاً ـ بالضمّ ـ ، ولطافة : صغر حجمه ودقّ فهو لطيف ، أي لا يذهب عن قدرته شيء لصغره ودقّته كما لا يعجزها شيء لعظمه وكبره ، بل هو على كلّ شيء قدير عظيماً كان أو لطيفاً ، لعموم قدرته جلّ شأنه وعزّ سلطانه.
إكمال
قال بعضهم : الأولى في إثبات عموم قدرته تعالى ونحوه من المطالب التي لا يتوقّف إرسال الرسول عليها بالأدلّة السمعيّة فيستدلّ على شمول القدرة بقوله تعالى : «وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ »(١) .
واعترض المحقّق الدواني بأنّ كون شمول القدرة ممّا لا يتوقف عليه إرسال الرسول ، مسلّم إذا لو فرض قدرته على الإرسال فقط لكفى في
__________________
١ ـ الحشر : ٦.
صدور الإرسال عنه ، لكن إثبات إرسال الرسول ممّا يتوقّف على شمول القدرة ، إذ طريق إثباته : إنّ المعجزة فعل الله تعالى خارق للعادة وقد صدر عنه حال دعوى النبوّة ، وإذا خالف الفاعل المختار عادته حين إستدعاء النبيّ تصديقه بأمر يخالف عادته دلّ ذلك على تصديقه قطعاً ، وهذا يتوقّف على كونه فعلاً له ، وكونه فعلاً له مثبت بشمول القدرة إذ لا دليل لنا على أنّ خصوص المعجزة فعل الله تعالى ومقدوره وإن زعمه المعتزلة ، واحتمال وجوده لا يجدي نفعاً فلا يتمّ هذا القول.
وأورد أنّه لا يكفي في ثبوت المعجزة كون الأمر الخارق للعادة فعل الله تعالى بل يتوقّف على العلم بأنّ الله تعالى لا يصدّق الكاذب ، وهم لا يقولون بالحسن والقبح العقليّين ، فيتوقّف على إخبار الرسول بذلك فيدور أيضاً.
ومن الأدلّة العقليّة على عموم القدرة إنّ علّة المقدوريّة عامّة في جميع الممكنات فالقدرة عامّة في جميعها ، أمّا أنّ علّة المقدوريّة عامّة في جميعها فلأنّ علّتها الإمكان ، وهو وصف مشترك في جيمع الممكنات ، فيكون جميعها مقدوراً له تعالى.
قال جدّنا العلّامة نظام الدين أحمد قدس سره : لو تم هذا الدليل لدلّ على أنّ قدرة العباد أيضاً عامّة ، فإنّ الإمكان علّة للمقدوريّة على الممكن للعبد أيضاً ، وإذا كانت علّة المقدوريّة عامّة في جميع الممكنات كانت قدرته أيضاً عامّة ولا قائل به أصلاً.
والمشهور في الإستدلال على ذلك : إنّ المقتضي للقدرة هو الذات ، والمصحّح للمقدوريّة هو الإمكان ، فإنّ الوجوب والإمتناع يحيلان المقدوريّة ونسبه الذات إلى جميع الممكنات على السواء ، فإذا ثبتت
قدرته على بعضها ثبتت على كلّها. لكن هذا إنّما يتمّ إذا لم تكن الممكنات حال العدم ممتازة بعضها عن بعض ولا يكون لها مادّة كما هو مذهب الأشاعرة ، بل المحقّقين من المتكلّمين. أمّا على القول بأنّ لهاإمتيازاً حال العدم بأن يكون لها ثبوت دون الوجود فتكون ممتازة بعضها عن بعض حال العدم كما هو مذهب المعتزلة القائلين بالوجود الذهني ، وأنّ الموجودات الذهنّية لها ثبوت دون الوجود ، فيجوز أن يكون خصوصيّة بعض الممكنات في حال العدم مانعة عن تعلّق قدرته تعالى به ، فلا تكون نسبة الذات إلى الجميع على السواء ، وكذا على القول بأنّ لها مادّة كما هو مذهب الحكماء إذ يجوز أن تكون تلك المادّة معدّة لبعض الممكنات دون بعض ، فما أعدته المادة كان مقدوراً له تعالى دون غيره ، فلا تتساوى نسبة الذات إليها أيضاً على هذا القول.
أمّا إذا لم تكن الممكنات حالة العدم ممتازة بعضها عن بعض ولم تكن لها مادّة كانت نسبة الذات إلى جميعها على السواء فيثبت عموم القدرة عليها.
قال جدّنا العلّامة المذكور قدس سره : ويرد عليه أنّه على تقدير عدم ثبوت الممكنات حال العدم ، وعدم المادّة أيضاً ، يجوز أن يقال : لمّا كانت تلك الممكنات معلومة للواجب تعالى في الأزل ، كانت ممتازة بعضها عن بعض بحسب علمه ، فيمكن أن يقال : لم لا يكون خصوصيّة بعضها في علمه تعالى مانعة عن تعلّق قدرته به ، فلا تكون نسبة الذات إلى جميعها على السواء لابدّ لنفي ذلك من دليل. إنتهى(١) فتأمّل.
والحقّ : إنّ المعوّل في ذلك على الدليل السمعي وإجماع الأنبياء عليهم السلام
__________________
١ ـ إنتهى كلام نظام الدين أحمد.
الذين علموا ذلك بالوحي والعلم الشهودي ، كما قال تعالى مخاطباً لخاتم أنبيائه عليه وعليهم السّلام : «أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ »(١) .
ولزوم الدور ، إنّما يرد على كون معرفة صدق النبي بالمعجزة موقوفاً على العلم بعموم القدرة ، لكن العلم الضروري العادي يحصل بمجّرد ظهور المعجزة على صدقه كما جزم به جدّنا الأعظم غياث الحكماء في رسالته : «دليل الهدى» ، ووافقه عليه بعض المحقّقين ، فيحصل العلم بالقدرة والعلم وعمومهما من أخبارهم عليهم السلام فاعرف ذلك وابن عليه أمثال هذه المطالب فإنّه السبيل الذي لا يضل بسلوكه الطالب ، والله يقول الحقّ وهو يهدي السبيل.
* * *
__________________
١ ـ البقرة : ١٠٦.
فَخَتَمَ بِنَا عَلَى جَميعِ مَنْ ذَرَأَ ، وَجَعَلَنَا شُهَدَآءَ عَلَى مَنْ جَحَدَ ، وَكَثَّرَنٰا بِمَنِّهِ عَلَى مَنْ قَلَّ. |
«ختم الكتاب» من باب ـ ضرب ـ ، وختم عليه ختماً : وضع عليه الخاتم وهو الطابع(١) .
و «الباء» للسببيّة. قال ابن مالك في شرح التسهيل : وهي الداخلة على صالح الإستغناء به عن فاعل معدّاها مجازاً نحو : «فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ »(٢) فلو قصد اسناد الإخراج إلى الهاء لحسن ، ولكنّه مجاز ، قال : ومنه : كتبت بالقلم ، وقطعت بالسكّين ، فإنّه يقال : كتب القلم وقطّعت السكّين. والنحويّون يعبّرون عن هذه الباء بالإستعانة ، وآثرت على ذلك التعبير بالسببيّة ، من أجل الأفعال المنسوبة إلى الله تعالى ، فإنّ إستعمال السببيّة فيها يجوز وإستعمال الإستعانة لا يجوز(٣) .
و «ذرأ الله الخلق» ذرأ بالهمز من باب ـ نفع ـ : خلقهم.
قال ابن الأثير : وكأنّ الذرء مختصّ بخلق الذريّة(٤) إنتهى.
«والذريّة» ـ مثلّثة ـ نسل الثقلين. والمعنى إنّه تعالى جعلنا آخر جميع من خلق ، من الأنبياء واُممهم كما قال تعالى : «وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ»(٥) فختمهم بنا ، فلا أُمّة بعدنا يرسل إليها رسول كما أنّ
__________________
١ ـ الطابع : بفتح الباء وكسرها : ما يطبع به ، المصباح المنير : ص ٣٦٨ ـ ٣٦٩.
٢ ـ البقرة : ٢٢.
٣ ـ لا يوجد هذا الكتاب لدينا.
٤ ـ النهاية لإبن الأثير : ج ٢ ، ص ١٥٦.
٥ ـ فاطر : ٢٤.
نبيّنا صلى الله عليه واله ، خاتم الأنبياء والمرسلين ، فلا أحد ينبىء بعده ، ولا يقدح فيه نزول عيسى عليه السلام بعده ، لأنّه ممّن نبّىء قبله وحين ينزل إنّما ينزل عاملاً على شريعة محمّد صلى الله عليه واله مصلّياً إلى قبلته كأنّه بعض أُمّته.
قوله عليه السلام : «وجعلنا شهداء على من جحد» الشهداء : جمع شهيد ، فعيل بمعنى فاعل من شهد على الشيىء : اطّلع عليه وعاينه ، فهو شهيد وشاهد.
وجحده حقّه يجحده جحداً وجحوداً ، من باب ـ منع ـ : أنكره ، ولا يكون إلاّ على علم من الجاحد به ، وفي هذه الفقرة إشارة إلى قوله تعالى : «وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا »(١) .
و «الوسط» في الأصل اسم لما تستوي نسبة الجوانب إليه كمركز الدائرة ، ثم استعير للخصال المحمودة البشريّة ، لكن لا لأنّ الأطراف يتسارع إليها الخلل والأوسط محوّطة كما قيل ، فإنّ تلك العلّامة بمعزلٍ من الإعتبار في هذا المقام ، إذ لا ملابسة بينها وبين أهليّة الشهادة التي جعلت غاية للجعل المذكور ، بل كون تلك الخصال ، أوساطاً للخصال الذميمة المكتنفة بها من طرفي الإفراط والتفريط ، كالعفّة التي طرفاها الفجور والخمود وكالشجاعة التي طرفاها : التهوّر والجبن ، وكالحكمة التي طرفاها : الجربزة والبلادة ، ثمّ اطلق على المتّصف بها مبالغة كأنّه نفسها ، وسوّى فيه بين المفرد والجمع والمذكّر والمؤنث رعاية لجانب الأصل كساير الأسماء التي يوصف بها ، أي جعلناكم متّصفين بالخصال الحميدة ، خياراً ، عدولاً ، مزكّين بالعلم والعمل لتكونوا شهداء على
__________________
١ ـ البقرة : ١٤٣.
الناس بأنّ الله تعالى قد أوضح السبل فأرسل الرسل فبلّغوا ونصحوا إذ كنتم واقفين على الحقايق المودعة في الكتاب المبين المنطوي على أحكام الدين وأحوال الأُمم أجمعين حاوياً لشرايط الشهادة عليهم.
روي أنّ الأُمم يوم القيامة يجحدون تبليغ الأنبياء عليهم السلام فيطالب الله تعالى الأنبياء بالبيّنة عليه على أنّهم قد بلّغوا ، وهو أعلم للحجّة على الجاحدين وزيادة لخزيهم ، فيؤتى باُمّة محمّد صلى الله عليه واله فيشهدون. فيقول الأُمم : من أين عرفتم؟ فيقولون : عرفنا ذلك بإخبار الله تعالى في كتابه الناطق على لسان نبيّه الصادق ، فيؤتى عند ذلك بمحمّد صلى الله عليه واله ويُسئل عن أُمّته فيزكّيهم ويشهد بعدالتهم ، وذلك قوله تعالى : «وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا »(١) ومن الحكمة في ذلك ، تمييز أُمّة محمّد صلى الله عليه واله في الفضل عن ساير الأُمم حيث يبادرون إلى تصديق الله وتصديق الأنبياء والإيمان بهم جميعاً ، فهم بالنسبة إلى غيرهم كالعدل بالنسبة إلى الفاسق فلذلك تقبل شهادتهم على الأُمم ولا تقبل شهادة الأُمم عليهم(٢) .
وإنّما لم يقل : ويكون الرسول لكم شيهداً ، مع أنّ شهادته لهم لا عليهم؟ لما في الشهيد من معنى الرقيب ، مثل : «وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ»(٣) مع رعاية المطابقة للأوّل وتقديم الظرف ، للدلالة على اختصاص شهادته عليه السلام بهم.
وقيل : إنّ هذه الشهادة في الدنيا وذلك أنّ الشاهد في عرف الشرع :
__________________
١ ـ البقرة : ١٤٣.
٢ ـ أنوار التنزيل : ج ١ ، ص ٨٧ ، مع اختلاف يسير في بعض العبارة وتفسير النيسابوري في هامش ، تفسير الطبري ج ٢ ، ص ١٢.
٣ ـ البروج : ٩.
من يخبر عن حقوق الناس بألفاظ مخصوصة على جهات مخصوصة فكلّ من عرف حال شخص فله أن يشهد عليه ، فإنّ الشهادة : خبر قاطع ، وشهادة الأُمّة لا يجوز أن تكون موقوفة على الآخرة لأنّ عدالتهم في الدنيا ثابتة بدليل «جَعَلْنٰكُمْ» بلفظ الماضي فلا أقلّ من حصولها في الحال ، ثمّ رتّب كونهم شهداء على عدالتهم ، فيجب أن يكونوا شهداء في الدنيا.
فإن قيل : لعلّ التحمّل في الدنيا ولكن الأداء في الآخرة.
قلنا : المراد في الآية الأداء لأنّ العدالة إنّما تعتبر في الأداء لا في التحمّل ، ومن هنا يعلم أنّ إجماعهم حجّة لا بمعنى أنّ كلّ واحد منهم محقّ في نفسه بل هيئتهم الإجتماعيّة تقتضي كونهم محقّين ، وهذا من خواصّ هذه الأُمّة.
ثمّ لا يبعد أن يحصل لهم مع ذلك الشهادة في الآخرة فيجري الواقع منهم مجرى التحمّل لأنّهم إذا بيّنوا الحقّ عرفوا عنده من القابل ومن الرادّ ثمّ يشهدون بذلك يوم القيامة كما أنّ الشاهد على العقود يعرف ما الذي تمّ ، ثمّ يشهد بذلك عند الحاكم أو يكون المعنى : لتكونوا شهداء على الناس في الدنيا فيما لا يصحّ إلّا بشهادة العدول الأخيار.
قال النيسابوري : قيل : الآية متروكة الظاهر ، لأنّ وصف الأُمّة بالعدالة يقتضي إتّصاف كلّ واحد منهم بها ، وليس كذلك ، فلابدّ من حملها على البعض ، فنحن نحملها على الأئمّة المعصومين ، سلّمناه لكن الخطاب في جعلناكم للموجودين عند نزول الآية ، لأنّ خطاب من لا يوجد محال ، فالآية تدلّ على أنّ إجماع أولئك حقّ لكنّا لا نعلم بقاء جميعهم بأعيانهم إلى ما بعد وفاة الرسول فلا يثبت صحّة الإجماع وقتئذٍ.
واُوجيب : بأنّ حال الشخص في نفسه غير حاله بالقياس إلى غيره ،
فلِمَ لا يجوز أن لا يكون الشخص مقبول القول عند الإنفراد ، ويكون مقبول القول عند الإجتماع! والخطاب لجميع الأُمّة من حين نزول الآية إلى قيام السّاعة كما في سائر التكاليف مثل : «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ »(١) «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ »(٢) فللموجودين بالذات وللباقين بالتبعيّة ، لكنّا لو اعتبرنا أوّل الأُمّة وآخرها بأسرها لزالت فائدة الآية إذ لم يبق بعد إنقضائها من تكون الآية حجّة عليه فعلمنا ، إنّ المراد بها أهل كلّ عصر.
ثم إنّ الله تعالى منّ على هذه الأُمّة أن جعلهم خياراً وعدولاً عند الإجتماع ، فلو أمكن إجتماعهم على الخطأ لم يكن بينهم وبين سائر الأُمم فرق في ذلك فلا منّة ،(٣) إنتهى.
قلت : أمّا عدم إجتماعهم على الخطأ فمسلّم ، لكن لا من حيث عصمتهم حال إجتماعهم عن الخطأ كما يزعمه المخالفون القائلون بجواز الخلوّ عن المعصوم ، بل من حيث دخول المعصوم فيهم ، لأنّ تحقّق الإجماع كاشف عن دخوله ، والمسألة مستوفاة في كتب الأصول.
هذا والحقّ : انّ المراد بالشهادة ، الشهادة في الآخرة وبالشهداء الأئمّة المعصومين عليهم السلام ، لما روي عن الصادق عليه السلام : إنّه قال : ظننت أنّ الله عنى بهذه الآية جميع أهل القبلة من الموحّدين ، أفترى أنّ من لا تجوز شهادته في الدنيا على صاع من تمر يطلب الله شهادته يوم القيامة ويقبلها منه بحضرة جميع الأُمم الماضية؟ كلاّ لم يعن الله مثل هذا من خلقه ، يعني الأُمّة
__________________
١ ـ البقرة : ١٨٣.
٢ ـ البقرة : ١٧٨.
٣ ـ تفسير النيسابوري في هامش تفسير الطبري : ج ٢ ، ص ١٤ ـ ١٥.
التي وجبت لها دعوة إبراهيم «كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ »(١) وهم الأئمّة الوسطى وهم خير أُمّة اُخرجت للنّاس(٢) .
وروى الحاكم أبو القاسم الحسكاني في كتاب شواهد التنزيل : بإسناده عن سليم بن قيس الهلالي ، عن عليّ عليه السلام : إنّ الله تعالى إيّانا عنى بقوله : «لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ »(٣) فرسول الله شاهد علينا ، ونحن شهداء على خلقه وحجّته في أرضه ، ونحن الذين قال الله تعالى : «وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا »(٤) (٥) .
وروى ثقة الإسلام في الكافي بسنده ، عن بريد بن معاوية قال : قلت لأبي جعفر عليه السلام قوله : «وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ »(٦) قال : نحن الأُمّة الوسط ونحن شهداء الله على خلقه وحجّته في أرضه(٧) .
وبسنده عن أبي بصير ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : نحن الشهداء على الناس بما عندهم من الحلال والحرام ، وبما ضيّعوا منه(٨) .
__________________
١ ـ آل عمران : ١١٠.
٢ ـ تفسير العياشي : ج ١ ، ص ٦٣ ، ح ١١٤ ، مع اختلاف يسير في العبارة.
٣ ـ البقرة : ١٤٣.
٤ ـ البقرة : ١٤٣.
٥ ـ شواهد التنزيل للحسكاني : ج ١ ، ص ٩٢ ، ح ١٢٩.
٦ ـ البقرة : ١٤٣.
٧ ـ الكافي : ج ١ ، ص ١٩١ ، ح ٤ ، وفيه : عن بريد العجلي. وبصائر الدرجات : ص ١٠٢ ، ح ٣.
٨ ـ بصائر الدرجات : ص ١٠٢ ، ح ١ ، وتفسير نور الثقلين : ج ١ ، ص ١٣٣.
وعلى هذا فالضمير في جعلنا ، من قوله «وجعلنا شهداء على من جَحَد» للأُمّة بإعتبار بعضهم الذين هم الأئمّة عليهم السلام.
قال بعض العلماء : فإن قلت : ما حقيقة هذه الشهادة وما فائدتها مع أنّ الله تعالى عالم الغيب والشهادة؟
قلت : أمّا حقيقتها : فيعود إلى إطّلاعهم صلوات الله عليهم على أفعال الأُمّة. وبيان ذلك : إنّ للنّفوس القدسيّة الإطّلاع على الاُمور الغيبيّة والإنتقاش بها مع كونها في جلابيب من أبدانها ، فكيف به قبل ملابستها لها وبعد مفارقتها لهذا العالم والجسم المظلم ، فإنّها إذن تكون مطّلعة على أفعال جميع الأُمم ومشاهدة لها من خير وشر.
وأمّا فائدتها : فقد علمت أنّ أكثر أحكام الناس وهميّة ، والوهم منكر للإلٰه على الوجه الذي هو الإلٰه ، فبالحري أن ينكر كونه عالماً بجزئيّات أفعال عباده ودقائق خطرات أوهامهم ، والظاهر أنّ ذلك الإنكار يستتبع عدم المبالاة بفعل القبيح والإنهماك في الاُمور الباطلة التي نهى الله تعالى عنها ، فإذا ذكر لهم أنّ عليهم شهداء ورقباء وكتّاباً لما يفعلون مع صدق كلّ ذلك بأحسن تأويل ، كان ذلك ممّا يعين العقل على كسر النفس الأمّارة بالسوء ، وقهر الأوهام الكاذبة ، ويردع النفس عن متابعة الهوى ، وإذا كان معنى الشهادة يعود إلى إطلاع الشاهد على ما في ذمّة المشهود عليه وعلمه بحقيقته وفائدتها حفظ ما في ذمّة المشهود عليه ، وتخوّفه إن جحد ، أولم يوصله إلى مستحقّه أن يشهد عليه الشاهد فيفضحه وينزع منه على أقبح وجه ، وكان المعنى والفائدة قائمين في شهادة الأئمّة عليهم السلام إذ بها تحفظ أوامر الله وتكاليفه التي هي حقوقه الواجبة ، ويحصل الخوف للمقصرين فيها بذكر شهادتهم عليهم بالتقصير
فيفتضحوا في محفل القيامة ويستوفي منهم جزاء ما كلّفوا به فقصّروا فيه بالعقاب الأليم لا جرم ظهر معنى كونهم شهداءالله على خلقه.
قوله عليه السلام : «وكثّرنا بمنّه على من قلّ» كثرت الشيىء تكثيراً وأكثرته إكثاراً : جعلته كثيراً ، أي جَعَلَنا كثيرين وافرين العدد ، دون سائر الأُمم الذين هم قليلون بالنسبة إلينا ، وعدّى كثّر بـ (على) لتضمينه معنى التفضيل ، كأنّه قال : كثّرنا بمنّه مفضّلاً لنا على من قلّ.
وتكثيرنا ، إمّا بإعتبار كون شرعه عليه السلام مؤبداً إلى يوم القيامة ، فتكون أُمّته مستمرّة لا إنقطاع لها إلى إنقضاء الدنيا ، بخلاف سائر الأُمم ، أو باعتبار شمول رسالته إلى العرب والعجم والإنس والجنّ ، أو باعتبار البركة في النسل كما قال صلى الله عليه واله : «تناكحوا تناسلوا فإنّي مكاثر بكم الأُمم يوم القيامة»(١) ، أو باعتبار بقاء معجزه الذي هو القرآن إلى آخر الدهر.
وبالجملة ، فقد عدّ العلماء من خصائصه عليه السلام ، كونه أكثر الأنبياء تابعاً.
وروي عنه صلى الله عليه واله أنّه قال : «ما من الأنبياء نبيّ إلاّ اُعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر ، وإنّما كان الذي اُوتيت وحياً أوحاه الله إلّي فأرجو أنّي أكثرهم تابعاً يوم القيامة»(٢) . وهذا الخبر يؤيّد الإعتبار الأخير. وفسّر قوله تعالى : «إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ »(٣) بالكثير من أولاده وأتباعه عليه السلام.
ويحتمل : أن يراد بالكثرة : الثروة ، وبالقّلة : الفقر ، يقال : رجل مُكثر ،
__________________
١ ـ وسائل الشيعة : ج ١٥ ، ص ٩٦ ، ح ١٤ ، مع اختلاف يسير في العبارة ، وهكذا جاء في دعائم الإسلام : ج ٢ ، ص ١٩١ ، ح ٦٨٩.
٢ ـ مسند أحمد بن حنبل : ج ٢ ، ص ٣٤١ ، و٤٥١ ، مع اختلاف يسير في العبارة.
٣ ـ الكوثر : ١.
إذ كان ذا مال ، كما يقال : رجل مُقلّ ، إذا كان فقيراً : أي جعلنا مكثرين موسرين ، فائقين على من كان فقيراً مُقلاً.
ويحتمل أن يراد بهما : العزّة والذلّة ، إذ كان من الشائع أن يكنىّ بالكثرة عن العزّة وبالقلّة عن الذلّة ، أي أعزّنا على من ذلّ.
قال الزجاج في قوله تعالى : «وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ »(١) : يحتمل كثرة العدد بعد القلّة ، وكثرة العُدد بعد النزارة ، وكثرة القدرة والشدّة بعد الضعف والذلّة(٢) .
وقال الزمخشري : «أي واذكروا على جهة الشكر وقت كونكم قليلاً عددكم فكثرّكم الله ووفّر عددكم ، ويجوز إذ كنتم فقراء مقلّين فكثّركم فجعلكم مكثرين موسرين ، أو كنتم أقلّة أذلّة فأعزّكم بكثرة العَدد والعُدد»(٣) .
* * *
__________________
١ ـ الأعراف : ٨٦.
٢ ـ التفسير الكبير للفخر الرازي : ج ١٤ ، ص ١٧٥.
٣ ـ الكشاف : ج ٢ ، ص ١٢٨.
أَللَّهُمَّ فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ أَمِينِكَ عَلَى وَحْيِكَ وَنَجِيبِكَ مِنْ خَلْقِكَ ، وَصَفِيِّكَ مِنْ عِبَادِكَ. |
أصل «أَللَّهُمَّ» يا الله ، حذف حرف النداء وعوّض عنه الميم ، ولذلك لا يجمع بينهما إلاّ ضرورة كقول الشاعر :
إني إذا ما حَدَثٌ ألمّا |
أقول يا أَللَّهُمَّ يا أَللَّهُمَّا(١) |
وإنّما اُخّرت الميم تبرّكاً باسمه تعالى ، وخصّت بذلك دون غيرها لأنّ الميم عهد زيادتها آخراً ، كميم زرقم للشديد الزرقة ، هذا مذهب البصريّين.
وذهب الكوفيّون إلى أنّ الميم ليست عوضاً ، بل بقيّة من جملة محذوفة وهي اُمّنَا بخير.
قال الرضي : وليس بوجه لأنّك تقول : أَللَّهُمَّ لا تؤمّهم بخير(٢) .
وقال أبو علي : ولأنَّه لو كان كما ذكر لما حسن ، أَللَّهُمَّ أمَّنَا بخير ، وفي حسنه دليل على أنّ الميم ليست مأخوذة منه ، إذ لو كان كذلك لكان تكريراً(٣) .
وقال بعضهم : أصل أَللَّهُمَّ : يا الله المطلوب للمهمّ ، فحذف حرف النداء لدلالة الطلب والإهتمام عليه مع قيامه مقامه ، ثمّ اقتصر من لفظي الصّفتين بأوّل الأوّل وآخر الثاني واُدغم أحدهما في الآخر.
قوله عليه السلام : «أمينك على وحيك» الأمين : فعيل من الأمانة ، فهو إمّا
__________________
١ ـ شرح الكفاية في النحو للرضي : ج ١ ، ص ١٤٦.
٢ ـ شرح الكافية في النحو للرضي : ج ١ ، ص ١٤٦.
٣ ـ لم نعثر عليه.
بمعنى مفعول : أي مأمون من أمنه ـ كعلمه ـ إذا إستأمنه ، أو بمعنى فاعل من أمن هو ككرم فهو أمين.
و «الوحي» في اللغة : الإشارة والرسالة والكتاب والإلهام وكلّ ما ألقيته إلى غيرك ليعلمه فهو وَحي كيف كان. وهو مصدر وَحَى إليه يَحِى من باب وعد ، وأوحى إليه بالألف مثله ، وهي لغة : القرآن الفاشية ، ثم غلب إستعمال الوحي فيما يُلقى إلى الأنبياء من عند الله ، والمراد بكونه أميناً على وحيه تعالى : قوّته على ما كلّف به من ضبط الوحي في الألواح قواه الشريفة بحكم الحكمة الإلٰهيّة بها عليه ، وكمال إستعداد نفسه الطاهرة لأسرار الله وعلومه ، وحكمه ، وحفظه لها ، عن ضياعها ، وصيانتها عن تدنّسها بأذهان غير أهلها ، وعدم تطرّق تبديل أو زيادة أو نقصان إليها ، إذ كان من شأن الأمين قوّته على ضبط ما يستأمن عليه ، وإستعداده له وحفظه وصيانته عن التلف والأدناس والتبديل والزيادة والنقصان ، ولهذا السرّ كانت العرب تسمّيه بالأمين قبل مبعثه لما شاهدوه من أمانته ، وشهّر بهذا الاسم قبل نبوّته وبعدها.
قوله عليه السلام : «ونجيبك من خلقك» النجيب : الكريم النفيس في نوعه ، فعيل بمعنى فاعل ، من نَجُبَ ككَرُمَ نجابة ، ويحتمل أن يكون بمعنى مفعول : أي اللُّباب الخالص الذي انتجبته من خلقك ، من قولهم : نجبت العُود من باب ـ ضَرَب ـ و ـ قتل ـ وانتجبته : إذا قشرت نجَبه بالتّحريك وهو : لحاؤه وقشره وتركت لبابه وخالصه.
وفي حديث ابن مسعود : الأنعام : من نجائب القرآن أو نواجب القرآن(١) .
__________________
١ ـ النهاية لإبن الأثير : ج ٥ ، ص ١٧.
قال في القاموس : نجائب القرآن : أفضله ومحصنه ، ونواجبه لُبابه الذي عليه نجب(١) .
وفي نسخة ابن إدريس : نجيّك من خلقك بالياء المثناة من تحت مشدّدة بعد الجيم ، وهو فعيل من النجوى بمعنى السرّ ، يقال : ناجيته أي ساررته ، وهو نجيّ فلان : مناجيه دون أصحابه.
وقال ابن الأثير في النهاية في حديث الدّعاء : «أَللَّهُمَّ بمحمّد نبيّك وموسى نجيّك» هو المناجى المخاطب للإنسان والمحدّث له ، يقال : ناجاه يناجيه مناجاة فهو مناج ، والنجيّ فعيل منه ، وقد تناجيا مناجاة وإنتجاء ومنه : الحديث : «لا يتناجى اثنان دون الثالث» وفي رواية : «لا ينتجي اثنان دون صاحبهما» أي لا يتسارران منفر دين لأنّ ذلك ليسوؤه ومنه : حديث عليّ عليه السلام : «دعاه رسول الله صلى الله عليه واله يوم الطائف فانتجاه فقال النّاس : لقد أطال نجواه ، فقال : ما انتجيته ولكن الله انتجاه ، أي إنّ الله أمرني أن اُناجيه»(٢) إلى هنا كلام ابن الأثير.
قوله عليه السلام : «وصفيّك من عبادك» الصفيّ إمّا بمعنى المصطفى أي المختار ، ومنه الصفي والصفيّة لما يختاره الرئيس لنفسه من الغنيمة ، أو بمعنى الحبيب المصافي من صافاه الودّ والإخاء : صدّقه كأصفاه ، يُقال : هو صفي من بين إخواني.
قال ابن الأثير : «هو فعيل بمعنى فاعل أو مفعول»(٣) .
وانتجاب الله تعالى وإصطفاؤه له صلى الله عليه واله وكذلك مصافاته له يعود إلى
__________________
١ ـ القاموس المحيط : ج ١ ، ص ١٣٠ ، وفيه : (ليس عليه نجب).
٢ ـ النهاية لإبن الأثير : ج ٥ ، ص ٢٥ ، مع اختلاف يسير في العبارة.
٣ ـ النهاية لإبن الأثير : ج ٣ ، ص ٤٠.
إفاضة الكمال النبويّ عليه بحسب ما وهبت له العناية الإلهيّه من القبول والإستعداد.
ويحتمل أن يكون المراد باصطفائه تعالى له صلى الله عليه واله جعله صفوة خلقه وعباده أي خيرتهم كما قال صلى الله عليه واله : «إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل ، واصطفى من ولد إسماعيل كنانة ، واصطفى من كنانة قريشاً ، واصطفى من قريش بني هاشم ، واصطفاني من بني هاشم»(١) .
* * *
__________________
١ ـ مسند أحمد بن حنبل : ج ٤ ، ص ١٠٧ ، والطبقات الكبرىٰ : ج ١ ، ص ١٨ ، والشفا بتعريف حقوق المصطفى : ج ١ ، ص ٨٢.
إِمَامِ الرَّحْمَةِ وَقَائِدِ الْخَيْرِ وَمِفْتَاحِ الْبَرَكَةِ |
«إمام الرّحمة» بدل من محمّد ، أو عطف بيان عليه و «الإمام» ما يقتدى به من رئيس أو غيره فيطلق على الخليفة ، والعالم المقتدى به ، ومن يؤتم به في الصّلاة ، ويستوي فيه المذكّر والمؤنث.
قال بعضهم : وربما أنّث إمام الصّلاة فقيل : إمرأة إمامة ، وقيل : الهاء فيها خطأ والصواب حذفها لأنّ الإمام اسم لا صفة.
وقال بعضهم : لا يمتنع أن يقال : إمرأة إمامة لأنّ في الإمام معنى الصفة.
و «الرحمة» قيل : هي ميل القلب إلى الشفقة على الخلق والتلطّف بهم.
وقيل : هي إرادة إيصال الخير إليهم : وإضافة الإمام إليها ، إمّا بمعنى اللام الإختصاصية ، أي إمام للرحمة ، والمعنى : الإمام المختص بالرحمة ، أو بمعنى (من) البيانيّة أي إمام من جنس الرحمة ، والمعنى : الإمام الذي هو الرحمة كأنّه نفس الرحمة مبالغة ، وفيه إشارة إلى قوله تعالى : «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ »(١) .
قال أهل العربيّة : يجوز أن تكون رحمة ، مفعولاً له أي لأجل الرحمة ، وأن تكون حالاً مبالغة في أن جعله نفس الرحمة ، وإمّا على حذف مضاف أي ذا رحمة ، أو بمعنى راحم.
وفي الحديث : «أنا نبيّ الرحمة»(٢) وفي آخر : «إنّما أنا رحمة مهداة»(٣) .
__________________
١ ـ الأنبياء : ١٠٧.
٢ ـ منسد أحمد بن حنبل : ج ٤ ، ص ٣٩٥.
٣ ـ مجمع البيان : ج ٧ ـ ٨ ، ص ٦٧.
وتفصيل هذه الرحمة من وجوه :
أحدها : أنّه الهادي إلى سبيل الرشاد ، والقائد إلى رضوان الله سبحانه ، وبسبب هدايته يكون وصول الخلق إلى المقاصد العالية ، ودخول جنّات النعيم التي هي غاية الرحمة.
الثاني : أنّ التكاليف الواردة على يديه أسهل التكاليف وأخفّها على الخلق بالنسبة إلى سائر التكاليف الواردة على أيدي الأنبياء السّابقين لاُممها. قال صلى الله عليه واله : «بعثت بالحنيفيّة السمحة السهلة»(١) وذلك عناية من الله تعالى ورحمة اختص بها أُمّته على يديه.
الثالث : أنّه ثبت أنّ الله يعفو عن عصاة أُمّته ويرحمهم بسبب شفاعته.
الرابع : أنّه سأل الله أن يرفع عن أُمّته بعده عذاب الإستيصال ، فأجاب الله دعوته ورفع العذاب رحمة.
الخامس : أنّ الله وضع في شرعه الرّخص تخفيفاً ورحمة لأُمّته.
السادس : أنّه صلى الله عليه واله رحم كثيراً من أعدائه كاليهود والنصارى والمجوس ، برفع السيف عنهم ، وبذل الأمان لهم ، وقبول الجزية منهم.
وقال صلى الله عليه واله : «من آذى ذمّياً فقد آذاني»(٢) ولم يقبل أحد من الأنبياء الجزية قبله.
السابع : إنّ الله تعالى أخّر عذاب من كذّبه إلى الموت ، أو القيامة كما قال الله تعالى : «وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ »(٣) وكلّ نبيّ من
__________________
١ ـ النهاية لإبن الأثير : ج ١ ، ص ٤٥١.
٢ ـ لم نعثر عليه. بل وجدنا قريباً منه وإليك نصه : «من آذى ذمّياً فأنا خصمه ، ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة» الجامع الصغير : ج ٢ ، ص ١٥٨.
٣ ـ الأنفال : ٣٣.
الأنبياء قبله كان إذا كذب أهلك الله من كذّبه إلى غير ذلك من الوجوه التي لا تكاد تحصى كثرة.
فان قلت : كيف كان رحمة وقد جاء بالسيف وإستباحة الأموال؟ حتّى قال في حديث آخر : «أنا نبيّ الملحمة»(١) أي القتال.
قلت : إنّما جاء بالسيف لمن جحد وعاند وأراد خفض كلمة الله ولم يتفكّر ولم يتدبّر ، ألا ترى إنّه كان عليه السلام لا يبدأ أحداً بقتال حتّى يدعوه إلى الله وينذره ، ومن أسماء الله تعالى الرحمن الرحيم ، ثمّ هو المنتقم من العصاة فلا شكّ إنّه عليه السلام كان رحمة لجميع الخلق ، للمؤمنين بالهداية وغيرها ، وللمنافقين بالأمان ، وللكافرين بتأخير العذاب ، فذاته عليه السلام رحمة تعمّ المؤمن والكافر.
وروي إنّه صلى الله عليه واله قال لجبرئيل لما نزل عليه بقوله تعالى : «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ »(٢) : هل أصابك من هذه الرحمة شيء؟ قال : نعم كنت أخشى سوء العاقبة فأمنت إن شاء الله بقوله تعالى : «ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ *مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ »(٣) (٤) .
قوله عليه السلام : «وقائد الخير» قاد الدابة قوداً ، من باب ـ قال ـ ، وقياداً : إذا تقدّمها آخذاً بقيادها وهو خلاف السَوق ، ومنه : قائد الجيش لأميرهم كأنّه يقودهم ، وجمعه : قادة وقوّاد. وقد يقال للدليل أيضاً : قائد بهذا الإعتبار.
__________________
١ ـ مسند أحمد بن حنبل : ج ٤ ، ص ٣٩٥ و٤٠٤.
٢ ـ الأنبياء : ١٠٧.
٣ ـ التكوير : ٢٠ ـ ٢١.
٤ ـ مجمع البيان : ج ٧ ـ٨ ، ص ٦٧ ، مع اختلاف يسير في العبارة.
و «الخير» قيل : هو شيء من أعمال القلب نوراني زائد على الإيمان وغيره من الصفات المرضية ، يدلّ على ذلك ما في حديث أنس : «يخرج من النار من قال : لا إلٰه إلّا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن مثقال ذرّة»(١) .
وقيل : هو الوجود ويطلق على غيره بالعرض ، وهو إمّا خير مطلق كوجود العقل لأنّه خير محض لا يشوبه شرّ ونقص ، وإما خير مقيّد ، كوجود كلّ من الصفات المرضيّة.
وقيل : هو ما يطلبه ويُؤثّره ويختاره كلّ عاقل ، وهو ينقسم : إلى خير بالذات ، وخير بالعرض. فالأوّل : هو الحقيقي ومرجعه إلى الوجود البحت ، والموجود بما هو موجود كالعلم ، والإيمان الحقيقيّين.
والثاني : ما هو وسيلة إلى الأوّل ، كالعبادة ، والزهد.
وقيل : هو ما يتشوّقه كلّ أحد بلا مثوبة ، وهو المختار من أجل نفسه ، والمختار غيره لأجله فإنّ الكلّ يطلبه بالحقيقة الخير وإن كان قد يعتقد في الشرّ أنّه خير فيختاره ، فمقصده الخير ويضادّه الشرّ ، وهو المجتوى من أجل نفسه ، والمجتوى غيره من أجله.
والحقّ : إنّ الخير ، كلّيّ ، يندرج تحته جميع الأعمال الصالحة كما يدلّ عليه قول أمير المؤمنين عليه السلام : «إفعلوا الخير ولا تحقّروا منه شيئاً ، فإنّ صغيره كبير ، وقليله كثير»(٢) ويؤيّده : ما في بعض الأخبار : يخرج منها أي من جهنّم قوم لم يعلموا خيراً قط(٣) وهٰؤلاء الذين ليس معهم إلا الإيمان إنتهى.
__________________
١ ـ صحيح البخاري : ج ١ ، ص ١٦ ، مع اختلاف يسير في العبارة.
٢ ـ نهج البلاغة : ص ٥٥٠ ـ ٥٥١ ، قصار الحكم : ٤٢٢.
٣ ـ الترغيب والترهيب : ج ٤ ، ص ٤١٢ ، ح ٥٩.
ويقابله ، الشرّ فيكون كلّياً يندرج تحته جميع الأعمال السيّئة ، وإضافة القائد إلى الخير من إضافة الفاعل إلى المفعول ، وفيه إستعارة لطيفة ، فإنّ القائد لمّا كان من شأنه أن يقود الدابّة حتّى يصل بها إلى الموضع المقصود ، وكان عليه السلام قد جاء بالخير وأوصله إلى الخلق ، لا جرم حسنت إستعارة القائد له.
قوله عليه السلام : «ومفتاح البركة» المفتاح : ما يفتح به المغلاق ، والمفتح مثله ، وكأنّه مقصود من الأوّل ، وجمع الأوّل : مفاتيح ، والثاني : مفاتح بغير ياء.
و «البركة» ـ محرّكة ـ النماء والزيادة والسعادة ، وفيه إستعارة بديعيّة جداً وذلك : إنّ الكفر والضلال لمّا كانا مانعين من نماء الأعمال وسعادة الدارين ، شبّههما بالمغلاق الذي يمنع من الدخول إلى الدار. ولمّا كان صلى الله عليه واله رافعاً للكفر ، وماحياً للضلال ، وكان سبباً للإقدام على إستفادة الخيرات الزاكية ، والسعادات النامية ، شبّهه بالمفتاح.
* * *
كَمَا نَصَبَ لِأَمْرِكَ نَفْسَهُ وَ عَرَّضَ فِيكَ لِلْمَكْرُوهِ بَدَنَهُ ، |
«الكاف» للتعليل عند من أثبته لها أي صلّ عليه لأجل نصبه لأمرك نفسه كما في قوله تعالى : «وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ »(١) أي لهدايته إيّاكم ، فما مصدرية ، وزعم الزمخشري(٢) ، وابن عطية(٣) وغير هما : أنّها كافة.
قال ابن هشام : وفيه إخراج الكاف عمّا ثبت لها من عمل الجر من غير مقتض ، ومن نفى ورود الكاف للتعليل ، أجاب بأنّه من وضع الخاص موضع العام إذ الذكر والهداية يشتركان في أمر وهو الإحسان ، فهذا في الأصل بمنزلة «وأحسن كما أحسن الله إليك».
و «الكاف» للتشبيه لا للتعليل ، فوضع الخاص وهو الذكر ، موضع العام وهو الإحسان والأصل : وأحسنوا كما أحسن الله إليكم ، ثم عدل عن ذلك الأصل إلى خصوصيّة المطلوب وهو الذكر والهداية(٤)
وكذا القول في عبارة الدعاء إذا قلنا بأنّ الكاف فيها للتشبيه فيكون الأصل : فأحسن إليه كما أحسن ، ثم عدل عن ذلك إلى قوله : «فصلّ عليه» كما نصب للإعلام بخصوصيّة المطلوب ، ولا خفاء بما في ذلك من التكلف.
والحق : ورودها للتعليل ، فإن معنى التعليل ظاهر في حكاية
__________________
١ ـ البقرة : ١٩٨.
٢ ـ الكشاف : ج ١ ، ص ٢٤٧.
٣ ـ مغني اللبيب : ص ٢٣٤.
٤ ـ مغني اللبيب : ص ٢٣٤.
سيبويه(١) «كما أنّه لا يعلم فتجاوز الله عنه». وفي قول الشاعر :
وطرفك إمّا جئتنا فاحبسنّه |
كما يحسبوا أن الهوى حيث تنظر(٢) |
إذ معناه ، إنك إذا جئتنا فلا تنظر إلينا وانظر إلى غيرنا ليحسب الرقباء أنّ هواك مقصور على من تنظر إليه ليكون ذلك سببا للستر وعدم الفضيحة.
قال ابن مالك : ونصب الفعل بعدها تشبيها بـ (كى) في المعنى(٣)
و «نصب» إمّا من النصب بسكون الصاد ، مصدر نصبت الشيء من باب ـ ضرب ـ إذا أقمته ، تقول : نصبته لأمر كذا فانتصب أي أقمته له فقام.
والمعنى : أقام لأمرك نفسه ، أو من النصب محرّكة بمعنى التعب ، يقال : نصب ينصب ، كتعب يتعب ، لفظاً ومعنى ، ونصبه غيره وأنصبه نصّ عليه ابن الأثير في النهاية(٤) .
والمعنى : أتعب لأمرك نفسه.
و «الأمر» إمّا بمعنى طلب الفعل لما أمرته به ، أو بمعنى الدين والشرع كما في قوله تعالى : «وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ»(٥)
قوله عليه السلام : «وعرّضَ فيك للمكروه بدنه» عرّضته لكذا تعريضاً فتعرّض : نصبته له فانتصب كأنّك جعلته عرضة له : أي معروضا.
__________________
١ ـ مغني اللبيب : ص ٢٣٤.
٢ ـ مغني اللبيب : ص ٢٣٤ ـ ٢٣٥.
٣ ـ مغني اللبيب : ص ٢٣٤ ـ ٢٣٥.
٤ ـ النهاية لإبن الأثير : ج ٥ ، ص ٦٢.
٥ ـ التوبة : ٤٨.
و «فيك» أي لأجلك ، ففي : للتعليل كقوله تعالى : «فَذَٰلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ »(١) أي لأجله.
و «المكروه» ما يكرهه الإنسان ويشقّ عليه.
و «بدن الإنسان» قال الجوهري : جسده(٢) .
وقال الأزهري(٣) والفيروز آبادي(٤) : هو من الجسد ما سوى الرأس والشوى(٥) .
وقال بعضهم : هو ما سوى المقاتل(٦) .
والصحيح : إنّه جملة الجسد : كما يدلّ عليه : كلامه عليه السلام ، وفي هاتين الفقرتين إشارة إلى قيامه صلى الله عليه واله بأمر الله تعالى كما أمره ، وبذله مهجته وجسده في سبيله ، ومقاساته للمكاره وتحمّله للمشاقّ في ذاته. فعن أبي عبد الله عليه السلام : إن الله تعالى كلّف رسوله صلى الله عليه واله ما لم يكلّف أحداً من خلقه ، كلّفه أن يخرج على الناس كلّهم وحده بنفسه إن لم يجد فئة تقاتل معه ، ولم يكلّف هذا أحدا من خلقه قبله ولا بعده ، ثم تلا : هذه الآية : «فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ »(٧) (٨) .
__________________
١ ـ يوسف : ٣٢.
٢ ـ الصحاح : ج ٥ ، ص ٢٠٧٧.
٣ ـ تهذيب اللغة : ج ١٤ ، ص ١٤٣.
٤ ـ القاموس المحيط : ج ٤ ، ص ٢٠٠.
٥ ـ وشوى الجسد : أي أطرافه.
٦ ـ المصباح المنير : ص ٣٩ ، مادة «بدن».
٧ ـ النساء : ٨٤.
٨ ـ الكافي : ج ٨ ، ص ٢٧٤ ـ ٢٧٥ ، ص ٤١٤ ، وتفسير البرهان : ج ١ ، ص ٣٩٨.
وأما ما لا قاه عليه السلام من المكروه والمشقّة في ذات الله فمن قرأ كتب السير علم ذلك : كإستهزاء قريش به في أوّل الدعوة ، ورميهم إيّاه بالحجارة حتّى أدموا عقبيه ، وصياح الصبيان به ، وفرث الكرش على رأسه ، وفتل الثوب في عنقه ، وحصره مع أهله في شعب بنى هاشم عدّة سنين محرّمة معاملتهم ومبايعتهم ومناكحتهم وكلامهم حتّى كادوا يموتون جوعاً لو لا أن بعض من كان يحنو عليهم لرحم أو لسبب غيره كان يسرق القليل من الدقيق أو التمر فيلقيه إليهم ليلاً ، ثم قصدهم له بالأذى ، ولأصحابه بالضرب والتعذيب بالجوع والوثاق في الشمس ، وطردهم إيّاهم من شعاب مكّة ، حتّى خرج من خرج منهم إلى الحبشة وخرج هو صلى الله عليه واله مستجيراً منهم تارة بثقيف ، وتارة ببنى عامر ، وتارة بربيعة الفرس وبغيرهم ، ثم أجمعوا على قتله والفتك(١) به ليلاً حتّى هرب منهم ، لا ئذاً بالأوس والخزرج ، تاركاً أهله وولده وما حوته يده ، ناجياً بحشاشة نفسه ، حتّى وصل إلى المدينة ، فناصبوه الحرب ورموه بالكتائب ، وصدقوه القتال والكفاح حتّى أدموا فمه وطاح مغشيّاً عليه ، ولم يزل منهم في عناء شديد وحروب متّصلة إلى أن أكرمه الله تعالى بنصره وأيّده بظهور دينه. ومن له أُنس بالتواريخ يعلم من تفاصيل هذه الأحوال ما يطول شرحه.
* * *
__________________
١ ـ فتكت به فتكاً : بطشت به ، أو قتلته على غفلة ، المصباح المنير : ص ٤٦١ ـ ٤٦٢.
وَكَاشَفَ فِي الدُّعَآءِ إِلَيْكَ حَامَّتَهُ ، وَحَارَبَ فِي رِضَاكَ أُسْرَتَهُ ، وَ قَطَعَ فِي إِحْيٰاءِ دِينِكَ رَحِمَهُ ، |
«كاشفه بالعداوة» باداه بها أي جاهره من الكشف بمعنى الإظهار و (في) ، للتعليل ، كاللتين بعدها.
و «الدعاء إلى الله» طلب الخلق إلى توحيده والإقبال إلى طاعته.
و «حامة الرجل» خاصّته ومن يقرب منه ، وهو الحميم أيضا
ومنه الحديث : «انصرف كلّ رجل من وفد ثقيف إلى حامّته»(١) قاله ابن الأثير.
وقال الجوهري : هٰؤلاء حامّة الرجل من أهله وولده(٢) .
وفي القاموس : هي خاصّة الرجل من أهله وولده(٣) .
و «الاُسرة» بالضمّ ـ كغرفة ـ : ومن ضبطه ـ بالفتح ـ فقد وَهَم ، وهُم رهط الرجل الأدنون ، وأصلها من الأسر وهو الشدّ ، لأنّ الرجل يشتدّ برهطه وعشيرته ويقوى ، بهم.
و «قطع رحمه قطعاً وقطيعة» هجرها.
و «عقّها» أي شقّ عصى اُلفتها وترك برّها ، والحنو عليها.
و «الرحم» ـ ككتف ـ ويخفف بسكون الحاء مع الراء ومع كسرها أيضا في لغة بنى كلاب ، وفي لغة لهم : بكسر الحاء إتّباعاً لكسرة الراء ، وهي موضع تكوين الولد ، ووعاؤه في بطن أُمّه.
__________________
١ ـ النهاية لإبن الأثير : ج ١ ، ص ٤٤٦.
٢ ـ الصحاح : ج ٥ ، ص ١٩٠٧.
٣ ـ القاموس المحيط : ج ٤ ، ص ١٠٠.
ثم سمّيت القرابة رحماً الكونهم يرجعون إلى رحم واحدة. واختلف العلماء : في تحقيق معناها.
فقيل : هي خلاف الأجنبي فتعمّ القرابة والوصلة من جهة الولاء ، ذكره الفيومي في المصباح(١) .
وقيل : هي قرابة الرجل من جهة طرفيه آباؤه وإن علوا ، وأبناؤه وإن سفلوا ، وما يتّصل بالطرفين من الأعمام والعمات والإخوة والأخوات وأولادهم.
وقيل : الرحم التي تجب صلتها كلّ رحم بين اثنين لو كان أحدهما ذكراً لم يتناكحا ، فعلى هذا لا يدخل أولاد الأعمام وأولاد الأخوال.
وقيل : هي نسبة وإتّصال بين المنتسبين تجمعهما رحم واحدة.
قيل : وهذا يشبه أن يكون دوريّاً وليس بدوريّ ، لأنّ الرحم الواقعة في التعريف بمعنى موضع تكوين الولد ، فلا دور وهذا معنى قول بعضهم : هي عام في كلّ من يجمع بينك وبينه نسب وإن بعد ، وهو أقرب إلى الصواب.
ويدلّ عليه ما رواه : علي بن إبراهيم في تفسير قوله تعالى : «فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ»(٢) أنها نزلت في بني اُميّة(٣) .
ويؤيّده روايات أُخر.
وفي هذه الفقرات : إشارة إلى ما فعله صلى الله عليه واله مع قومه وعشيرته ، و
__________________
١ ـ المصباح المنير : ص ٢٢٣.
٢ ـ محمّد : ٢٢.
٣ ـ تفسير القمي : ج ٢ ، ص ٣٠٨.
أُسرته ، وأقربائه من قريش ، وبنى المطّلب وبني هاشم الذين كذّبوه وحاربوه ليطفؤوا نور الله ويأبى الله إلّا أن يتمّ نوره.
فحاربهم وقاتلهم وقتل منهم الجمّ الغفير في بدر ، واُحد ، وأسر منهم من أسر ، لم تأخذه بهم رأفة ولا عطفته عليهم رحم ، غضباً لله تعالى ، وطلباً لمرضاته ، وإِحياءً لدينه ، حتّى علت كلمته ، وظهر دينه ، ولو كره المشركون.
* * *
وَأَقْصَى الأَدْنَيْنَ عَلَى جُحُودِهِمْ ، وَقَرَّبَ الأَقْصَيْن عَلَى اسْتِجَابَتِهِمْ لَكَ ، |
«أقصاه» أبعده من قصا الشييء قصواً من باب ـ قعد ـ : إذا بعد.
و «الأدنين والأقصين» بفتح ما قبل ، علّامة الجمع فيهما.
«الأقارب والأباعد» جمع أدنىٰ وأقصىٰ ، وأصلهما ، الأدنيين والأقصيين ، تحركت ياؤهما المنقلبتان عن واو في الأصل ، لأنهما من الدنوّ والقصوّ ، وانفتح ما قبلهما فقلّبتا ألفين ، ثم حذفتا لإلتقاء الساكنين وبقيت الفتحة قبلهما دليلاً عليهما ، وهذا الحكم جار في كلّ مقصور يجمع هذا الجمع فتحذف ألفه دون الفتحة التي قبله لتدلّ عليها. وفي التنزيل : «وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ »(١) ، «وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ »(٢) .
و «جحده جحداً وجحوداً» أنكره مع علمه.
و «استجاب له إستجابة» إذا دعاه إلى شييء فأطاع.
و «على» في الفقرتين : للتعليل : أي لجحودهم ، ولإستجابتهم كقوله تعالى : «لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ »(٣) أي لهدايته إيّاكم.
واعلم : أنّ الجحود على نوعين.
أحدهما : جحود تشبيه ، إذا المشبّهون الله سبحانه بخلقه ، وإن إختلفوا في كيفيّة التشبيه بأسرهم جاحدون له في الحقيقة ، وذلك أنّ المعنى الذي يتصوّرونه ويثبتونه إلٰهاً ليس هو نفس الإلٰه ، مع أنّهم ينفون ما سوى ذلك فكانوا نافين للالٰه الحق في المعنى وجاحدين له.
__________________
١ ـ آل عمران : ١٣٩.
٢ ـ ص : ٤٧.
٣ ـ الحج : ٣٧.
والثاني : جحود من لم يثبت صانعاً ، وكلا الفريقين جاحد له من وجه ومثبت له من وجه ، أما المشبّهون فمثبتون له صريحاً ، جاحدون له لزوماً ، وأما الآخرون فبالعكس ، إذ كانوا جاحدين له صريحاً من الجهة التي يثبته العقلاء بها ومقرّون به إلتزاماً واضطراراً ، فإنّ كلّ أحد إذا وقع في محنة ، واضطرّ في ضيق ، فزع من دون إختيار إلى ربّه وتضرّع إليه في النجاة والخلاص ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : «وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا »(١) .
* * *
__________________
١ ـ الإسراء : ٦٧.
وَوالىٰ فِيكَ ألأَبْعَدِينَ ، وَعَادىٰ فِيك الأقْرَبِينَ ، |
«الموالاة» ضد المعاداة والمراد بالأبعدين والأقربين : ما هو أعمّ من البعد في النسب والقرب فيه ، فيدخل في الأبعدين : الأ بعد نسباً أو سبباً ، أو ولاءً ، أو داراً ، وفي الأقربين الأقرب كذلك ، وكذا الكلام في الأدنين والأقصين في الفقرتين الأولتين ، ولا حاجة إلى تخصيص الأولين بالقرابة والآخرين بالمكان تفادياً عن التكرار ، والتأسيس خير من التأكيد ، فإنّ الأفعال كافية في التأسيس ، إذ إختصاص الإقصاء والتقريب بالمكان ظاهر ، ولا داعى إلى التعميم فيهما حتّى يكونا شاملين للموالاة والمعاداة فيلزم التكرار ، وشمولهما لهما لزوماً لا ينافي التأسيس.
وقوله عليه السلام : «فيك» في كلا الفقرتين للتعليل : أي لأجلك وفيه إعلام بحبّه وبغضه عليه السلام لله تعالى وهما من أعظم الأعمال ، بل هما أوثق عرى الإيمان كما روى عن الصادق عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله لأصحابه : أيّ عرى الإيمان أوثق؟ فقالوا : الله ورسوله أعلم ، وقال بعضهم : الصّلاة ، وقال بعضهم : الزكاة ، وقال بعضهم : الصيام ، وقال بعضهم : الحج والعمرة ، وقال بعضهم : الجهاد ، فقال رسول الله صلى الله عليه واله : لكلّ ما قلتم فضلٌ ، وليس به ، ولكن أوثق عرى الإيمان الحبّ في الله والبغض في الله وتولّى أولياء الله والتبّرء من أعداء الله»(١) .
وعن الصادق عليه السلام أيضا قال : من لم يحبّ على الدين ولم يبغض عن الدين فلا دين له»(٢) والأخبار في هذا المعنى كثيرة.
__________________
١ ـ الكافي : ج ٢ ، ص ١٢٥ ، ح ٦.
٢ ـ الكافي : ج ٢ ، ص ١٢٧ ، ح ١٦.
وأَدْأَبَ نَفْسَهُ فِي تَبْلِيغِ رِسَالَتِكَ ، وَأَتْعَبَهَا بِالدُّعٰاءِ إِلَىٰ مِلَّتِكَ ، وَشَغَلَهَا بِالنُّصْحِ لِأهْلِ دَعْوَتِكَ ، |
«دأب الرجل في عمله» ـ كمنع ـ إجتهد ، وأدأب نفسه وأجيره : أجهدهما.
و «التبليغ والإبلاغ» الإيصال ، والاسم : البلاغ بالفتح.
و «في» للتعليل.
و «الرسالة» بالكسر لغة : اسم من الإرسال وهو التوجيه ، وعرفاً : تكليف الله تعالى بعض عباده بواسطة ملك يشاهده ويشافهه أن يدعو الخلق إليه ويبلّغهم أحكامه ، وقد تطلق على نفس الأحكام المرسل به كما وقع هنا.
و «الملة» ـ بالكسر ـ لغة : الطريقة المسلوكة ، وإصطلاحاً : الطريقة الإلٰهيّة المجتمعة عليها المثبتة للأحكام المتضمّنة لمصالح العباد وعمارة البلاة والنجاة في المعاد ، والملّة والشريعة والدين متّحدة ذاتاً ومختلفة إعتباراً ، فإنّ الطريقة الإلٰهيّة من حيث أنّها يجتمع عليها تسمى ملّة ، ومن حيث إظهار الله تعالى لها تسمّىٰ شريعة ، ومن حيث أنّه يطاع بها تسمّىٰ ديناً ، واجهاد الرسول صلى الله عليه واله نفسه في تبليغ الرسالة ، وإتعابه لها في الدعاء إلى الملّة من وجوه :
إحدها : مقاساته للمتاعب الكثيرة والمكاره الشديدة من المشركين في بدء دعوته حتّى قال : «ما أوذى نبي مثل ما اُوذيت»(١) .
وقال أميرالمؤمنين عليه السلام مشيراً إلى ذلك : «خاض إلى رضوان الله تعالى
__________________
١ ـ الجامع الصغير : ج ٢ ، ص ١٤٤.
كلّ غمرة ، وتجرّع فيه كلّ غُصة ، وقد تلوّن له الأدنون وتألّب عليه الأقصون ، وخلعت إليه العرب أعنّتها ، وضربت إلى محاربته بطون رواحلها ، حتّى أنزلت بساحته عداوتها من أبعد الدار وأسحق المزار»(١) .
الثاني : شدّة حرصه على رجوع الخلق إلى الحقّ ، ومبالغته في دعوتهم إليه ، وكمال الإهتمام بشأنهم وكثرة تأسّفه وتحسّره على عدم إيمانهم ، حتّى خاطبه ربّه بقوله تعالى : «لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ »(٢) أي أشفق على نفسك أن تقتلها حسرة على أن لا يؤمنوا.
وبقوله تعالى : «فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا »(٣) شبّهه برجل الذي فارقه أعزّته وهو يتلهّف على آثارهم ، ويهلك نفسه حسرة وتأسّفا على فراقهم.
وقال له : «فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ »(٤) .
الثالث : معالجته للأمراض النفسانيّة ، وإزالته للأعراض الظلمانيّة من نفوس الجهّال وقلوب أهل الزيغ والضلال ، فإنّ النفوس الجاهلة وان كانت في أوّل الفطرة قابلة لنور العلم وظلمة الجهل ، لكنّها بمزاولة آلأعمال السيّئة والأفعال الشهويّة والغضبيّة صارت كالبهائم والسباع مظلمة الذوات ، ورسخت فيها الجهالات والأخلاق الحيوانيّة والدواعي السبعيّة ، فيحتاج معالجتها إلى جهد جهيد ، وعناء شديد ، حتّى
__________________
١ ـ نهج البلاغة : ص ٣٠٧ ، الخطبة : ١٩٤.
٢ ـ الشعراء : ٣.
٣ ـ الكهف : ٦.
٤ ـ فاطر : ٨.
يزيل عنها ظلمة الجهل ويجعلها قابلة لنور العلم ، فيفيض عليها الحقائق العلميّة والمعارف اليقينيّة ، هذا مع تفاوت مراتب الأذهان في قبول التعليم ، وتباين الفطن والأفهام في الإستعداد للتفهيم ، وفي ذلك من التعب والمشقّة ما لا خفاء به ، ألا ترى أنّ طبيب البدن يشقّ عليه علاج الأمراض الصعبة كحمى الدق والسل ، والمرض المزمن ما لا يشقّ عليه غيرها ، خصوصاً إذا كثرت عليه المرضى واختلفت أمزجتهم في قبول الدواء ، فإنّ الأنبياء عليهم السلام ومن يقوم مقامهم أطبّاء النفوس المبعثون لعلاج أمراضها ، كما أنّ الحكماء أطبّاء الأبدان المخصوصون بمداواتها لغاية بقائها على صلاحها أو رجوعها إلى العافية من أمراضه.
رئي المسيح عليه السلام خارجاً من بيت فاجرة مجاهرة بالفجور ، فقيل : يا روح الله ما تصنع ها هنا؟ فقال : إنّما يأتى الطبيب المرضى(١) .
الرابع : إشتغاله حال التبليغ والدعوة بالخلق عن الخلق ، والإلتفات من المقام الأسنى إلى المقام الأدنى ، فإنّه صلى الله عليه واله لمّا كان دائم التوجّه إلى الملأ الأعلى ، مستغرقا في الإلتفات إليه ، مرتبطاً به أشدّ الإرتباط ، مقبلاً عليه وكان مع ذلك منصوباً لتشريع الشريعة ، وتأسيس الملّة ، وإرشاد الخلائق ، وإفادة الحقائق ، لم يكن له بدّ من النزول عن ذلك المقام العلوي إلى هذا العالم السفلي ، فكان يجد عند ذلك من الجهد والتعب والمشقّة والنصب ما لا مزيد عليه ، ومن هنا قال صلى الله عليه واله : «إنّه لَيُغَان على قلبي وإنّي لأستغفر الله في اليوم مائة مرّة»(٢) .
قوله عليه السلام : «وشغلها بالنصح لأهل دعوتك» الشغل بالضمّ وبضمتين :
__________________
١ ـ لم نعثر عليه.
٢ ـ سنن أبي داود : ج ٢ ، ص ٨٤ ، ح ١٥١٥.
خلاف الفراغ ، وشغله ـ كمنعه ـ ، شغلاً بالفتح ، ويضم ولا تقل : أشغله إشغالاً فإنّها لغة متروكة أو رديّة.
ومما يحكى من أدب الصاحب بن عباد رحمه الله ، إنّ بعض العمّال كتب إليه : إن رأى مولانا أن يأمر بإشغالى ببعض أشغاله ، فوقع تحت الرقعة : من كتب إشغالى لا يصلح لأشغالى.
ويقال : «اشتغل» بأمره فهو «مشتغل» بالبناء للفاعل نصّ عليه الأزهري(١) وغيره. وقال ابن فارس : ولا يكادون يقولون : «أشتغل» وهو جائز ، يعنى بالبناء للفاعل(٢) .
و «النصح» بالضمّ مصدر نصح له من باب ـ منع ـ ، هذه اللغة الفصيحة ، وعليها قوله تعالى : «إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ »(٣) وفي لغة يتعدّى بنفسه ، فيقال : نصحته ، والاسم : النصيحة ، وهي كلمة جامعة ، ومعناها : حيازة الخير للمنصوح له ، من نصحت العسل إذا صفّيته من الشمع ، شبّهوا تخليص العقول من الغشّ بتخليص العسل من الشمع.
وقال الراغب : أصلها من نصحت الثوب إذا خطته ، وهي إخلاص المحبّة لغيرك في إظهار ما فيه صلاحه إنتهى(٤) .
والمراد بنصحه صلى الله عليه واله لهم : إرشادهم إلى مصالح دينهم ودنياهم ، وتعليمهم إيّاها ، وعونهم عليها ، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ، والذبّ عنهم وعن أعراضهم ، والسخاء عليهم بموجوده ، والإيثار لهم و
__________________
١ ـ المصباح المنير : ص ٣١٦.
٢ ـ المصباح المنير : ص ٣١٦.
٣ ـ هود : ٣٤.
٤ ـ المفردات : ص ٤٩٤ ، مع اختلاف يسير في العبارة.
حسن الخلق معهم ، واغتفار سيّئاتهم وإكرامهم على حسناتهم والدعاء لهم ، وبالجملة جلب خير الدنيا والآخرة إليهم خالصاً مخلصاً لوجه الله ، ومن ثم قيل : النصيحة في وجازة لفظها وجميع معانيها كلفظ الفلاح الجامع لخير الدنيا والآخرة.
و «الدعوة» ـ بالفتح ـ : اسم من الدعاء وما دعوت إليه من طعام وشراب يقال : نحن في دعوة فلان ، والمراد بها هنا : الدعوة التي نسبها الله تعالى إلى نفسه في قوله سبحانه : «لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ »(١) . عن ابن عباس : «دعوة الحق : قول لا إلٰه إلّا الله»(٢) .
قيل : وإنّما سمّيت دعوة لأنّها التي يدعى إليها أهل الملل الكافرة.
وقيل : الدعوة : العبادة ، فإنّ عبادته تعالى هي الحق والصدق.
وقيل : هي بمعنى الدعاء الحق : أي الدعوة الثابتة الواقعة في محلّها المجابة عند وقوعها. وإضافتها إلى الحقّ ، للإيذان بملابستها له واختصاصها به وكونها بمعزل عن شائبة الباطل ، كما يقال : كلمة الحقّ.
قال الزجاج : وجائز أن يكون ـ والله أعلم ـ دعوة الحق أنّه من دعا الله تعالى موحّداً استجيب له دعاؤُه(٣) إنتهى.
فالمراد بقوله عليه السلام لأهل دعوتك : إمّا أهل توحيدك ، أو أهل عبادتك ، أو أهل دعائك ، ويحتمل : أن يكون من قبيل الإضافه إلى الفاعل ، أي الذين دعوتهم فأجابوا دعوتك وعلى كلّ وجه فالمراد بهم : المسلمون كما يقتضيه تشريفهم باضافتهم إلى الدعوة المضافة إليه.
__________________
١ ـ الرعد : ١٤.
٢ ـ مجمع البيان : ج ٥ ـ ٦ ، ص ٢٨٣.
٣ ـ لسان العرب : ج ١٤ ، ص ٢٥٨.
قال بعضهم : ولا يبعد أن يراد بتبليغ الرسالة : مطلق الرسالة دون تبين الأحكام الأُصوليّة والفروعيّة ، وبالدعاء إلى الملّة : تبليغ الأحكام الأصولية كما يشعر به لفظ الملّة ، وبالنصح لأهل الدعوة : تبليغ الأحكام المفصّلة الشرعيّة الفرعيّة كما يشعر به لفظ النصح ، هذا كلامه والله أعلم.
* * *
وَهَاجَرَ إِلَىٰ بِلاَدِ الْغُرْبَةِ وَمَحَلِّ النَّأيِ عَنْ مَوْطِنِ رَحْلِهِ ، وَمَوضِعِ رِجْلِهِ وَمَسْقَطِ رَأْسِهِ وَمَأْنَسِ نَفْسِهِ ، |
«هاجر مهاجرة» : إذا خرج من أرض إلى أرض ، والاسم : الهجرة بالكسر ، والضم قليل.
قال الواحدي : المهاجر : الذي فارق عشيرته ووطنه ، وأصله من الهجر الذي هو ضد الوصل(١) .
و «البلاد» ـ بالكسر ـ : جمع بلدة مؤنث بلد. وهو من الأرض ما كان مأوىٰ للإنسان وإن لم يكن فيه بناء ، وجمعه : بلدان بالضمّ.
و «الغربة» ـ بالضمّ ـ : البعد والنوى ، غرب الشخص بالضمّ غرابة كشرف شرافة : بَعُدَ عن وطنه ، فهو غريب فعيل بمعنى فاعل. وغرّبته أنا تغريباً ، فتغرّب واغترب وغرّب بنفسه أيضا تغريباً ، وأغرب بالألف : دخل في الغربة.
و «النأي» ـ بالهمز ـ : البعد ، نأي نأياً من باب ـ نفع ـ : بَعُدَ ، ويتعدّى بنفسه وبالحرف وهو الأكثر ، فيقال : نأيته ونأيت عنه ، ويتعدّى بالهمزة إلى ثان ، فيقال : أنأيته عنه ، والمراد ببلاد الغربة ومحلّ النأي : مهاجره صلى الله عليه واله وهو المدينة المنوّرة وجمعيّة البلاد باعتبار ما حولها من القرى.
وقوله : «عن موطن رحله» متعلّق بهاجر ، ويحتمل تعلّقه بالنأي.
و «الموطن» : الوطن ، وهو مكان الإنسان ومقرّه.
و «الرحل» ـ بفتح الراء وسكون الحاء المهملتين ـ : مركب للبعير وما يستصحبه المسافر من الأثاث.
__________________
١ ـ تهذيب الأسماء واللغات : الجزء الثاني من القسم الثاني ، ص ١٧٩.
و «رحل الشخص» : مأواه ومنزله في الحضر ، ومنه : «إذا ابتلّت النعال فالصّلاة في الرحال»(١) .
وإنّما قيل لأمتعة المسافر : «رحل» ، لأنّها مأواه في السفر.
والمراد به هنا : إمّا رحل البعير ، أو أثاث المسافر ، فيكون موطن رحله : كناية عن مكان إقامته كما يقال : محطّ رحله وملقى رحله ، وفلان حطّ رحله وألقىٰ رحله ، أي أقام وإن لم يكن له رحل ، أو مأواه ومنزله ، أي الموطن الذي فيه مأواه مسكنه.
و «موضع رجله» : كناية عن منشئه ومرباء ، لأنّه أوّل موضع وضع فيه رجله حين نشأ وأخذ يمشي ، كما أنّ مسقط رأسه كناية عن مولده.
و «المسقط» ـ كمعقد ومنزل ـ : موضوع السقوط ، وسقط الولد من بطن أُمّه : خرج. وإنّما أُضيف المسقط إلى الرأس؛ لأنّ أوّل ما يسقط من الولد رأسه ، يقال : هذا البلد مسقط رأسي ، قال الشاعر :
خرجنا جميعاً من مساقط رؤوسنا |
على ثقة منّا بجود ابن عامر |
ولا ينافي ذلك ما ورد في بعض الأخبار : «إنّ من خصائصه صلى الله عليه واله أنّه وقع على قدميه حين الولادة لا على رأسه تكريماً له وتعظيما»(٢) . لأنّ مسقط رأس الرجل صار كناية عن مولده سواء ولد على رأسه أو على رجليه بناء على الغالب عند الولادة.
على أنّ المشهور : إنّه عليه السلام وقع على الأرض معتمداً على يديه رافعاً رأسه إلى السماء(٣) . والله أعلم.
__________________
١ ـ وسائل الشيعة : ج ٣ ، ص ٤٧٨ ، ح ٤.
٢ ـ السيرة الحلبيّة : ج ١ ، ص ٥٤.
٣ ـ بحار الأنوار : ج ١٥ ، ص ٢٩٧ ، ح ٣٦.
و «المأنس» ـ بفتح العين وكسرها ـ : محلّ الأُنس بالضمّ ، وهو ضد الوحشة ، أي المحلّ الذي كانت تأنس به نفسه.
والمراد بموطن رحله إلى آخره : مكّة شّرفها الله تعالى ، وقد كان يعزّ عليه صلوات الله عليه فراقها ، والهجرة عنها.
روي : إنّه لمّا خرج منها مهاجراً إلتفت إليها فظنّ أنّه لا يعود إليها ولا يراها بعد ذلك فأدركته رقّة وبكىٰ ، فأتاه جبرئيل عليه السلام وتلا عليه قوله تعالى : «إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ »(١) (٢) .
وقيل : نزلت عليه حين بلغ الجحفة في مهاجرته ، وقد إشتاق إلى مولده ومولد آبائه وحرم إبراهيم عليه السلام ، فنزل جبرئيل عليه السلام فقال له : أتشتاق إلى مكّة؟ قال : نعم ، فأوحاها إليه(٣) .
وروى عبد الله بن الحمراء : «إنّه سمع رسول الله صلى الله عليه واله وهو واقف على راحلته يقول مخاطباً مكّة : «والله إنّك لخير أرض الله ، وأحبّها إلى الله ، ولو لا إنّي اُخرجت منك ما خرجت»(٤) .
تبصرة
قيل : في هذه الفقرات إشارة إلى أنّ مكّة شرّفها الله أفضل من سائر البقاع ، لأنّه صلى الله عليه واله أفضل الأنبياء ، فينبغي أن يكون موطنه ومنشأه ومولده ومأنسه أفضل الأماكن. وقد اختلف العلماء من العامّة في التفضيل بين مكّة والمدينة.
__________________
١ ـ القصص : ٨٥.
٢ ـ مجمع البيان : ج ٧ ـ ٨ ، ص ٢٦٨ ، نقلاً بالمعنى.
٣ ـ الدر المنثور : ج ٥ ، ص ١٣٩.
٤ ـ معجم البلدان : ج ٥ ، ص ١٨٣.
فذهب جمهورهم إلى أفضليّة المكّة ، وبعضهم إلى أفضليّة المدينة ، ولكلّ من الفريقين حجج عقليّة ونقليّة يطول ذكرها ، وأجمعوا على أنّ الموضع الذي ضمّ أعضاءه الشريفة أفضل بقاع الأرض.
والمستفاد من أحاديث أهل البيت عليهم السلام : أن مكّة أفضل من سائر الأرض ، وأنّ الصّلاة في المسجد الحرام أفضل من الصّلاة في مسجد النبي
امّا كون مكّة أفضل من سائر الأرض فيدلّ عليه ما رواه : رئيس المحدّثين في الفقيه بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال : أحبّ الأرض إلى الله مكّة ، وما تربة أحبّ إلى الله من تربتها ، ولا حجر أحبّ إلى الله من حجرها ، ولا شجر أحبّ إلى الله عزّوجلّ من شجرها ، ولا جبل أحبّ إلى الله من جبالها ، ولا ماء أحبّ إلى الله من مائها(١) .
وأمّا كون الصّلاة في المسجد الحرام أفضل من الصّلاة في مسجد النبي صلى الله عليه واله فيدلّ عليه صريحاً مارواه : رئيس المحدّثين أيضا في كتاب ثواب الأعمال بإسناده عن مسعد بن صدقة : عن الصادق عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله : صلاة في مسجدي تعدل عند الله عشرة آلاف صلاة في غيره من المساجد إلّا مسجد الحرام فإنّ الصّلاة فيه تعدل مائة ألف صلاة(٢) . وفي هذا المعنى أخبار أخر.
وقال شيخنا الشهيد قدس سره في الدروس : مكّة أفضل بقاع الأرض ما عدا قبر رسول الله صلى الله عليه واله وروي : في كربلا على ساكنيها السلام. مرجّحات(٣) . والأقرب أن موضع قبور الأئمة عليهم السلام كذلك أما البلدان
__________________
١ ـ من لا يحضره الفقيه : ج ٢ ، ص ١٥٧ ، ح ٦٧٦/٧.
٢ ـ ثواب الأعمال : ص ٣٠ ، ح ١ ، باب ثواب الصّلاة في مسجد النبي صلى الله عليه واله.
٣ ـ الكافي : ج ٤ ، ص ٥٨٧ ، ح ٦.
التي هم فيها فمكة أفضل منها حتّى المدينة(١) .
وروى صامت عن الصادق عليه السلام : «إن الصّلاة في المسجد الحرام تعدل مائة ألف صلاة»(٢) .
ومثله رواية السكوني عنه ، عن آبائه عنه عليه السلام(٣) .
واختلفت الروايات في كراهة المجاورة بها واستحبابها والمشهور الكراهة. إمّا لخوف الملالة وقلّة الإحترام. وإمّا لخوف ملابسة الذنوب بها أعظم ، وقال الصادق عليه السلام : كلّ الظلم فيها إلحاد حتّى ضرب الخادم(٤) . ولذلك كرّه الفقهاء سكنى مكّة. وإمّا ليدوم شوقه إليها إذا أسرع خروجه منها ولهذا ينبغي الخروج منها عند قضاء المناسك
وروي : أنّ المقام بها يقسّي القلب(٥) .
والأصحّ : استحباب المجاورة بها للواثق من نفسه بعدم هذه المحذورات لما رواه ابن بابويه عن الصادق عليه السلام : من جاور بمكة سنة غفر الله له ذنبه ولأهل بيته ولكلّ من استغفرله ولعشيرته ولجيرانه ذنوب تسع سنين قد مضت وعصموا من كلّ سوء أربعين ومائة سنة(٦) .
وروي أنّ الطاعم بمكّة كالصائم فيها سواها ، وصيام يوم بمكّة يعدل صيام سنة فيما سواها(٧) .
__________________
١ ـ الدروس للشهيد : ص ١٣٩.
٢ ـ الكافي : ج ٤ ، ص ٥٢٦ ، ح ٥.
٣ ـ الكافي : ج ٤ ، ص ٥٢٦ ، ح ٦.
٤ ـ الكافي : ج ٤ ، ص ٥٢٧ ، ح ٢.
٥ ـ علل الشرائع : ص ٤٤٦ ، ح ٣.
٦ ـ من لا يحضره الفقيه : ج ٢ ، ص ١٤٦ ، ح ٦٤٦/٩٦.
٧ ـ من لا يحضره الفقيه : ج ٢ ، ص ١٤٦ ، ح ٦٤٥/٩٥.
ومن ختم القرآن بمكّة من جمعة إلى جمعة أو أقل أو أكثر كتب الله له من الأجر والحسنات من أوّل جمعة كانت في الدنيا إلى آخر جمعة تكون ، وكذلك إن ختمه في سائر الأيّام(١) .
وقال بعض الأصحاب : إن جاور للعبادة استحب ، وإن كان للتجارة ونحوها كُره ، جمعاً بين الروايات.
وروى محمّد بن مسلم ، عن الباقر عليه السلام : لا ينبغي للرجل أن يقيم بمكّة سنة(٢) .
وفيها إشارة إلى التعليل بالملل وأنّه لا يكره أقلّ من سنة(٣) .
* * *
__________________
١ ـ من لا يحضره الفقيه : ج ٢ ، ص ١٤٦ ، ح ٦٤٤/٩٤.
٢ ـ علل الشرايع : ص ٤٤٦ ، ح ٤.
٣ ـ الدروس للشهيد : ص ١٣٩.
إرَادَةً مِنْهُ لإِعْزَازِ دِينِكَ ، و اسْتِنْصَاراً عَلَى أَهْلِ الْكُفْرِ بِكَ. |
«الإرادة» : هي العزم على الفعل أو الترك بعد تصوّره وتصوّر الغاية المترتّبة عليه من خير أو نفع أو لذّة أو نحو ذلك ، وهي : أخصّ من المشيئة ، لأنّ المشيئة إبتداء العزم على الفعل ، فنسبتها إلى الإرادة نسبة الضعف إلى القوّة ، والظنّ إلى الجزم ، فإنّك ربما شئت شيئاً ولا تريده لمانع عقليّ أو شرعيّ.
وأمّا الإرادة فمتى حصلت صدر الفعل لا محالة ، وقد يطلق كلّ منهما على الاُخرى توّسعاً.
وإنتصابها على المفعول لأجله : أي هاجر لأجل إرادته.
«إعزاز دينك» : أي لتقويته ، من العزة بمعنى الشدّة والقوّة.
قال في المحكم : عززت القوم وأعززتهم وعزّزتهم : قوّيتهم ، وفي التنزيل : «فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ »(١) أي فقوّينا وشدّدنا(٢) إنتهى.
أو لإكرام دينك من عزّ علّي يعزّ عزّاً وعزّة وعزازة : كرم ، وأعززته : أكرمته.
و «الدين» ـ في اللغة ـ : الطاعة ، وفي العرف الشرعي : هو الشريعة الصادرة بواسطة الرسل عليهم السلام ، ولمّا كان إتّباع الشريعة طاعة مخصوصة كان ذلك تخصيصاً من الشارع للعام بأحد مسمّياته ، ولكثره إستعماله صار حقيقة دون سائر المسمّيات ، لأنّه المتبادر إلى الفهم حال إطلاق لفظة الدين.
__________________
١ ـ يس : ١٤.
٢ ـ المحكم في اللغة لإبن سيده : ج ١ ، ص ٣٣.
و «الإستنصار» طلب النصرة ، إستنصره وإستنصر به فنصره على عدوّه : أعانه وقوّاه.
وقوله عليه السلام «بك» : يحتمل تعلّقه به وبالكفر ، إذ يقال : كفره وكفر به.
والمراد بأهل الكفر : أهل الملل المتفرّقة والأهواء المنتشرة الذين كانوا عند مقدمه صلى الله عليه واله كما قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه : بعث الله محمّداً صلى الله عليه واله لإنجاز عدته ، وتمام نبوّته ، مأخوذاً على النبيين ميثاقه ، مشهورة سماته ، كريماً ميلاده ، وأهل الأرض يومئذٍ ملل متفرّقة ، وأهواء منتشرة ، وطرائق متشتّة ، بين مشبّه لله بخلقه ، أو ملحد في إسمه ، أو مشير إلى غيره ، فهداهم به من الضلالة ، وأنقذهم بمكانه من الجهالة(١) .
قال بعض العلماء : إعلم أن الخلق عند مقدمه صلى الله عليه واله إمّا من عليه اسم الشرائع ، أو غيرهم.
أمّا الأوّلون : فاليهود والنصارى والمجوس ، وقد أديانهم إظمحلّت من أيديهم ، وإنّما بقوا متشبّهين بأهل الملل ، وقد كان الغالب عليهم دين التشبيه ومذهب التجسّم ، كما حكى القرآن الكريم عنهم : «وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ »(٢) ، «وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ »(٣) .
والمجوس أثبتوا أصلين أسندوا إلى أحدهما : الخير وإلى الثاني : الشرّ ، وسمّوهما : النور والظلمة ، وبالفارسيّة : يزدان وأهرمن ، ثم زعموا أنّه جرت بينهما محاربة ، ثم إنّ الملائكة توسّطت وأصلحت بينهما علىٰ أن
__________________
١ ـ نهج البلاغة : ص ٤٤ ، الخطبة ١.
٢ ـ المائدة : ١٨.
٣ ـ التوبة : ٣٠.
يكون العالم السفلي خالصاً لأهر من الذي هو الظلمة ، سبعة آلاف سنة ، ثم يخلّي العالم ويسلّمه إلى يزدان الذي هو النور ، إلى غير ذلك من هذيانهم وخبطهم.
وأمّا غيرهم من أهل الأهواء المنتشرة والطرائق المتشتّة فمنهم : العرب أهل مكّة وغيرهم ، وقد كانت منهم معطّلة ، ومنهم محصّلة نوع تحصيل. أمّا المعطلة : فصنف منهم أنكروا الخالق والبعث والإعادة ، وقالوا : بالطبع المحيي والدهر المفني ، وهم الذين حكى القرآن عنهم : «وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ »(١) وقصروا الموت والحياة على تحلّل الطبائع المحسوسة وتركّبها ، فالجامع هو الطبع ، والمهلك هو الدهر : «وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ »(٢) .
وصنف منهم : أقرّوا بالخالق وإبتداء الخلق عنه ، وأنكروا البعث والإعادة ، وهم المحكيّ عنهم في القرآن الكريم : «وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ »(٣)
وصنف منهم : إعترفوا بالخالق ونوع من الإعادة ، لكنّهم عبدوا الأصنام وزعموا أنّها شفعاؤهم عند الله كما قال تعالى : «وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ »(٤) .
__________________
١ ـ الجاثية : ٢٤.
٢ ـ الجاثية : ٢٤.
٣ ـ يس : ٧٨ ـ ٧٩.
٤ ـ يونس : ١٨.
ومن هٰؤلاء : قبيلة ثقيف وهم أصحاب اللات بالطائف وقريش ، وبنو كنانة ، وغيرهم أصحاب العزّى.
ومنهم : من كان يجعل الأصنام على صور الملائكة ويتوجّه بها إلى الملائكة.
ومنهم : من كان يعبد الملائكة كما قال تعالى : «بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ»(١) .
وأمّا المحصّلة : فقد كانوا في الجاهلية على ثلاثة أنواع من العلوم.
أحدها : علم الأنساب والتواريخ والأديان.
والثاني : علم تعبير الرؤيا.
والثالث : علم الأنواء ، وذلك ممّا يتولّاه الكهنة والقافة منهم.
وعن النبي صلى الله عليه واله : «من قال : مطرنا بنوء كذا فقد كفر بما اُنزل على محمّد»(٢) .
ومن غير العرب : البراهمة من أهل الهند ، ومدار مقالتهم على التحسين والتقبيح العقليين والرجوع في كلّ الأحكام إلى العقل وإنكار الشرائع ، وإنتسابهم إلى رجل منهم يقال له : براهام.
ومنهم : أصحاب البددة والبددة(٣) عندهم شخص في هذا العالم لم يولد ولا ينكح ولا يطعم ولا يشرب ولا يهرم ولا يموت.
ومنهم : أهل الفكرة ، وهم أهل العلم منهم بالفلك وأحكام النجوم.
__________________
١ ـ سبإ : ٤١.
٢ ـ سنن أبي داود : ج ٤ ، ص ١٦ ، ح ٣٩٠٦ ، مع اختلاف يسير في العبارة ، وكذا جاء في الموطأ : ج ١ ، ص ١٩٢ ، ح ٤ ، ومسند أحمد بن حنبل : ج ٤ ، ص ١١٧.
٣ ـ (الف) و (ج) البدوة والبدوة.
ومنهم : أصحاب الروحانيّات الذين أثبتوا وسائط روحانيّة تأتيهم بالرسالة من عند الله في صورة البشر من غير كتاب فتأمرهم وتنهاهم.
ومنهم : عبدة الكواكب.
ومنهم : عبدة الشمس.
ومنهم : عبدة القمر ، وهٰؤلاء يرجعون بالأخرة إلى عبادة الأصنام ، إذ لا تستمرّ لهم طريقة إلّا بشخص حاضر ينظرون إليه ويرجعون إليه في مهمّاتهم ، ولهذا كان أصحاب الروحانيّات والكواكب يتّخذون أصناماً على صورها ، فكان الأصل في وضع الأصنام ذلك ، إذ يبعد ممّن له أدنى فطنة أن يعمل خشباً أو حجراً بيده ثم يتّخذه إلٰهاً إلّا أنّ الخلق لما عكفوا عليها وربطوا حوائجهم بها من غير إذن شرعي وبرهان من الله تعالى كان عكوفهم عليها وعبادتهم لها إثباتاً لإلٰهيّتها ووراء ذلك من أصناف الآراء الباطلة والمذاهب الفاسدة أكثر من أن تحصى وهي مذكورة في الكتب المصنّفة في هذا الفنّ ، ويدخل أربابها جميعهم تحت أهل الكفر.
* * *
حَتَى اسْتَتَبَّ لَهُ مَا حَاوَلَ فِي أَعْدَآئِكَ ، وَاسْتَتَمَّ لَهُ مَا دَبَّرَ فِي أَوْلِيآئِكَ |
قال ابن الأثير في النهاية في حديث الدعاء : حتّى استتبّ له ما حاول في اعدائك : أي إستقام وإستمرّ(١) .
وقال الجوهري : إستتب له الأمر : أي تهيّأ واستقام(٢) .
وقال الزمخشري في الأساس : استتبّ له الأمر : أي إستقام وتمّ ، ويجوز أن يقال للإستقامة والتمام : الإستتباب ، أي طلب التباب لأنّ التباب يتّبع التمام إنتهى(٣) .
يريد بالتباب : النقص والهلاك لأنّ الشي إذا تمّ نقص وخلص ، فكأنّه هلك.
و «حاول الشيء» أراده. وقيل المحاولة : طلب الشيء بحيلة. و «استتم» أي تمّ كقّر واستقرّ.
قال الرضي : ولا بدّ في «إستقرّ» من مبالغة(٤) .
و «دبّر الأمر تدبيراً» فعله عن فكر ورويّة ، مأخوذ من الدّبر كأنّه نظر في دبره أي في عاقبته وآخرته. ومفعولاً حاول ودبّر محذوفان : أي ماحاوله ودبّره ، والمراد بما حاوله في الأعداء غلبته عليهم والقهر لهم ، وبما دبّر فى الأولياء صدق رغبتهم في الجهاد وإجتماع قلوبهم عليه لما عرفهم من عظيم فضله وجزيل أجره فعلم حينئذٍ أنّهم سيغلبون وينتصرون.
__________________
١ ـ النهاية لإبن الأثير : ج ١ ، ص ١٧٨.
٢ ـ الصحاح : ج ١ ، ص ٩٠.
٣ ـ أساس البلاغة : ص ٥٩.
٤ ـ شرح الشافية : ج ١ ، ص ١١١.
فَنَهَدَ إِلَيْهِمْ مُسْتَفْتِحَاً بِعَوْنِكَ ، وَمُتَقَوِّيَاً عَلَى ضَعْفِهِ بِنَصْرِكَ ، |
«نهد إلى العدوّ نهداً» من بابي ـ نفع وقتل ـ : نهض وبرز ، والفاعل ناهد ، والجمع نهّاد ، مثل كافر وكفّار ، وناهدته مناهدة : ناهضته ، وتناهدوا في الحرب : نهض بعضهم إلى بعض للمحاربة.
و «مستفتحاً» أي مستنصراً وطالباً للفتح ، فالباء : للإستعانة يقال : فتح الله على نبيّه ، أي نصره ، وهو يستفتح الله للمسلمين على الكفّار.
ويحتمل أن يكون بمعنى مفتتحاً والباء للملابسة ، أي مفتتحاً للجهاد حال كونه ملتبساً بعونك ، أو للسببيّة أي بسبب عونك له.
و «متقوّياً» اسم فاعل من تقوّىٰ ، أي صار ذا قوّة.
و «على» بمعنى مع ، أي مع ضعفه ، مثلها في قوله تعالى : «وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ»(١) .
و «الضعف» ـ بالفتح والضمّ ـ خلاف القوّة.
وقيل : هو بالضمّ في الجسد ، وبالفتح في العقل والرأي.
ويروى عن ابن عمر أنّه قال : قرأت على النبي صلى الله عليه واله : الذي خلقكم من ضعف بالفتح ، فأقرأني «من ضُعف» بالضمّ(٢) .
و «الضعف» ـ محركة ـ لغة في الضعف حكاها ابن الأعرابي(٣) .
و «النصر» الإعانة على العدو ، وفيه إشارة إلى أن إستفتاحه عليه السلام وتقوّيه على الكفّار إنّما كان بعون الله ونصره ، لا بالأسباب الظاهرة و
__________________
١ ـ البقرة : ١٧٧.
٢ ـ الدر المنثور : ج ٥ ، ص ١٥٨.
٣ ـ لسان العرب : ج ٩ ، ص ٢٠٣.
التدبير الذي دبّره ، كما قد يتوّهم من الفقرة السابقة ، فإنّها بمعزل عن التأثير ، وإنّما التأثير مختصّ به تعالى كما قال تعالى : «وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ»(١) أي كائن من عنده من غير أن يكون فيه شركة من جهة الأسباب والعدد وإنّما هي مطابقة له بطريق جريان السنّة الإلٰهيّة.
* * *
__________________
١ ـ آل عمران : ١٢٦.
فَغَزَاهُمْ فِي عُقْرِ دِيَارِهِمْ ، وَهَجَمَ عَلَيْهِمْ فِي بُحْبُوحَةِ قَرَارِهِمْ. |
«غزاه غزواً» أراده وقصد كإغتزازه ، ومنه مغزىٰ الكلام أي مقصده. وغزا العدو : سار إلي قتالهم وإنتهابهم غزواً وغزواناً غزاوة. وقيل : إنّما يكون غزو العدوّ في بلاده.
و «عقر الدار» ـ بضمّ العين وفتحها ـ أصلها ، وقيل : وسطها ، قاله في المحكم(١) .
وقال الأزهري : قال أبو عبيد : سمعت الأصمعي يقول : عُقر الدار بالضمّ في لغة أهل الحجاز ، فأمّا أهل نجد فيقولون : عَقر بالفتح ، ومنه قيل : العَقار ـ بالفتح وهو المنزل والأرض والضياع(٢) .
وقال بعضهم : عقر الدار : أصلها في لغة الحجاز ، وتضمّ العين وتفتح عندهم ، وعقرها معظمها في لغة غيرهم وتضمّ لا غير(٣) .
وقال الزجاج : عقر دار القوم : أصل مقامهم الذي عليه معوّلهم ، وإذا انتقلوا منه لنجعة رجعوا إليه(٤) .
و «الديار» جمع دار ، وهي المحل بجميع البناء والعرصة والبلد.
قال الجوهري : الدار مؤنثة وإنّما قال تعالى «وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ »(٥) وذكّر على معنى المثوى كما قال تعالى : «نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ
__________________
١ ـ المحكم لإبن سيده : ج ١ ، ص ١٠٦.
٢ ـ تهذيب اللغة : ج ١ ، ص ٢١٧.
٣ ـ المصباح المنير : ص ٤٢١.
٤ ـ تهذيب الأسماء واللغات : الجزء الثاني من القسم الثاني ، ص ٢٨.
٥ ـ النحل : ٣٠.
مُرْتَفَقًا »(١) فأنث على المعنى وأدنى العدد أدؤُر؛ والهمزة فيه مبدلة من واوٍ مضمومةٍ. ولك أن لا تهمز والكثير ديار مثل جبلٍ وأجبلٍ وجبالٍ. ودور أيضاً مثل أسَدٍ واُسدٍ(٢) إنتهى.
و «هجم عليه هجوماً» ـ من باب قعد ـ دخل بغتة على غفلة منه.
و «بحبوحة الدار والمكان» ـ بالضمّ ـ وسطه ، بحبح وتبحبح : إذا تمكّن وتوسّط المنزل والمقام.
و «القرار» ـ بالفتح ـ المكان الذّي يستقرّ فيه. وهذا من جملة ما حاوله عليه الصّلاة والسلام في أعداء الله ودبّره في أوليائه إذ غزا الكفّار في عقر ديارهم وبحبوحة قرارهم ليكون أعظم في ذلّهم وأشدّ في هوانهم كما قال أمير المؤمنين عليه السلام : «فو الله ما غُزي قوم في عقر دارهم إلّا ذلّوا»(٣) .
قيل : وعلّة ذلك أنّ للأوهام أفعالاً عجيبة في الأبدان تارة بزيادة القوّة وتارة بنقصانها حتّى أنّ الوهم ربّما كان سبباً لمرض الصحيح لتوهمّه المرض وبالعكس فكان السبب في ذلّ من غُزي في داره وإن كان معروفاً بالشجاعة هو الأوهام ، أمّا أوهامهم ، فلأنّها تحكم بأنّه لم يقدم على غزوهم في مكانهم إلّا لقوّة غازيهم وإعتقاده فيهم الضعف بالنسبة إليه فتنفعل إذن نفوسهم عن تلك الأوهام وتنقهر عن المقاومة ، وتضعف عن الإنبعاث ، وتزول غيرتها وحميّتها ، فتحصل على طرف رذيلة الذلّ.
وأمّا أوهام غيرهم فلأنّ الغزو الذي يلحقهم يكون باعثاً لكثير من
__________________
١ ـ الكهف : ٣١.
٢ ـ الصحاح : ج ٢ ، ص ٦٥٩ ـ ٦٦٠.
٣ ـ نهج البلاغة : ص ٦٩ ، الخطبة ٢٧.
الأوهام على الحكم بضعفهم ومحركاً لطمع كلّ طامع فيهم فيثير ذلك لهم أحكاماً وهميّة تعجزهم عن المقاومة فتكون سبباً للأنتصار عليهم والقهر لهم والإيقاع بهم.
أمّاالذين غزاهم صلى الله عليه واله في عقر ديارهم فقبائل كثيرة.
منهم : بنو قينقاع بفتح القاف وسكون الياء المثنّاة من تحت وتثليث النون والضمّ أشهر ثم قاف مفتوحه وبعد الألف عين مهملة وهم : حيّ من اليهود منازلهم عند جسر بطحان ممّا يلي العالية ، حاصرهم عليه السلام في حصنهم حتّى نزلوا على حكمه فربطهم ثم أجلاهم.
و «غطفان» غزاهم بنجد فلما سمعوا بمهبطه عليه السلام هربوا في رؤوس الجبال.
و «بنو النضير» قبيلة كبيرة من اليهود ، وكانوا أهل حصون وعقار ونخل كثير ، غزاهم صلى الله عليه واله في أماكنهم وحاصرهم في حصونهم خمسة عشر يوماً فجهدهم الحصار فأرسوا اليه عليه السلام إنا نخرج من بلادك ، فأمرهم بالخروج فخرجوا.
و «أنمار وثعلبة وغيرهم» جمعوا جموعا لقصد المسلمين فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه واله فمضى إليهم حتّى أتى محالّهم بذات الرقاع فهربوا إلى رؤوس الجبال فلم يجد المسلمون إلّا نسوة فأخذوهنّ.
و «أهل دومة الجندل» قال سعد : غزاها النبي صلى الله عليه واله ونزل بساحة أهلها فلم يجدوا إلّا الأنعام والشياة فهجم على ما شيتهم ورعاتهم فأصاب من أصاب ، وهرب في كلّ وجه من هرب.
و «بنو المصطلق» وهم بطن من خزاعة غزاهم في قرارهم ، وهو ماء لهم يسمّى المريسيع بالتصغير والعين المهملة في آخره. فهجم عليهم
وأغاروهم غارون وأنعامهم تسقى على الماء فقاتل مقاتلتهم وسبىٰ ذراريهم وهم على الماء.
و «بنو قريظة» وهم إحدى قبائل اليهود غزاهم صلى الله عليه واله في أماكنهم وحاصرهم في حصنهم خمساً وعشرين ليلة حتّى جهدهم الحصار ، فنزلوا على أن يحكم فيهم سعد بن معاذ بحكمه ، فحكم فيهم : بقتل الرجال ، وغنم الأموال ، وسبي الذراري والنساء ، فقال له رسول الله صلى الله عليه واله : لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع أرقعة فجاء بهم إلى المدينة مقرّنين في الأصفاد ، وهم ثمانمائة رجل أو أكثر ، ثم ضرب أعناقهم.
و «بنو الحيّان» غزاهم في منازلهم فهربوا وتمنّعوا بشعف الجبال.
و «يهود خيبر» غزاهم في ديارهم ، وحاصرهم في حصونهم حتّى أنزلهم من صياصيهم وكان قدم عليهم ليلاً فلم يشعروا بقدومه فلمّا أصبحوا فتحوا حصونهم وخرجوا بمساحيهم ومكاتلهم إلى أعمالهم ، فلمّا رأوه قالوا : هذا والله محمّد والخميس معه فولّوا هاربين إلى حصونهم وجعل صلى الله عليه واله يقول : الله أكبر خربت خيبر وفإذا نزلنا بساحة قوم «فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ»(١) ، ثم حاصرهم حتّى فتح الله عليه جميع حصونهم وهي عشرة.
و «يهود وادى القرى» غزاهم وحاصرهم ليالى وفتح الوادي وأصاب المسلمون به أموالاً كثيرة وأمتعة وميرة(٢) .
و «قريش» غزاهم بمكّة وفتحها فكان الفتح المبين والنصر العزيز.
و «هوازن» غزاهم بحنين.
__________________
١ ـ الصّافات : ١٧٧.
٢ ـ الميرة بكسر الميم ، وهي الطعام ، المصباح المنير : ص ٥٨٧.
و «ثقيف» غزاهم بالطائف. هٰؤلاء الذين غزاهم صلى الله عليه واله بنفسه في عقرِ ديارهم ، وهجم عليهم في بحبوحة قرارهم سوى غزواته الاُخر ، وسوى سراياه ، وكان جميع غزواته بنفسه الشريفة : ستّا وعشرين غزوة ، وجميع سراياه : ستّاً وثلاثين سريّة ، وتفصيل ذلك تتكفّل به كتب السير والله أعلم.
* * *
حَتَى ظَهَرَ أَمْرُكَ وَعَلَتْ كَلِمَتُكَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ. |
«ظهر الشيء يظهر» من باب ـ منع ـ ، ظهوراً : تبيّن وبرز بعد الخفاء.
وظهر عليه : غلب وعلا وأظهره الله.
و «أمر الله تعالى» هنا دينه وشريعته كما فسّر به قوله تعالى : «وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ »(١) أي غلب دينه وعلا(٢) .
و «العلو» الإرتفاع والغلبة والقهر أي ارتفعت كلمتك أو غلبت وقهرت من قولهم علا فلان فلاناً : إذا غلبه وقهره.
و «كلمته تعالى» قيل : كلمة التوحيد.
وقيل : الدعوة إلى الإسلام قال تعالىٰ : «وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا »(٣) قال المفسرون : كلمة الذين كفروا هي دعوتهم إلى الكفر وعبادة الأصنام.
و «السفلى» الدّنية التي لا يبالى بها.
و «كلمة الله» هي دعوته إلى الإسلام ، أو كلمة التوحيد لٰا إلٰه إلّا الله ، والعليا العالية إلى يوم القيامة.
قوله عليه السلام : «ولو كره المشركون» جواب (لو) محذوف لدلالة ما قبله عليه والجملة معطوفة على جملة قبلها مقدّرة ، وكلتاهما في موضع الحال ، أي ظهر أمرك وعلت كلمتك لو لم يكره المشركون ذلك ، ولو كرهوه أي على كلّ حال مفروض وقد حذفت الجملة في الباب حذفاً
__________________
١ ـ التوبة : ٤٨.
٢ ـ تفسير الكشاف : ج ٢ ، ص ٢٧٧.
٣ ـ التوبة : ٤٠.
مطّرداً لدلالة الثانية عليها دلالة واضحة لأنّ الشيء إذا تحقّق عند المانع فلئن يتحقّق عند عدمه أولى ، وعلى هذا السر يدور ما في (إن) و (لو) الوصليتين من التأكيد.
و «المشركون» هم الذين أشركوا بالله تعالى فجعلوا له شركاء في العبادة.
قال العلماء : وليس أحد في العالم يثبت لله سبحانه شريكاً في الوجوب والعلم والقدرة ، ولكن الثنويّة يثبتون إلٰهين إثنين حكيماً يفعل الخير وسفيهاً يفعل الشرّ أمّا المتّخذون معبوداً سوى الله تعالى فكثيرون منهم ، عبدة الكواكب وهم : الصابئة ، ومنهم : عبدة المسيح ، ومنهم : عبدة الأوثان ولا دين باطل أقدم من دينهم ، لأنّ أقدم الأنبياء الذين نقل إلينا تاريخهم هو نوح عليه السلام وهو لمّا جاء بالردّ عليهم «وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا »(١) ودينهم باق إلى الآن وعبادتهم لها في مبدأ الأمر لم تكن لإعتقادهم فيها أنّها آلهة إذ العلم بأنّ هذا الحجر المنحوت في هذه الساعة ليس هو الذي خلقني وخلق السماوات والأرض ، علم ضروري فيمتنع اطباق جمع عظيم عليه فوجب أن يكون لهم غرض آخر سوى ذلك وقد ذكروا فيه وجوهاً.
أحدها : أنّ بعضهم كأهل الصين والهند كانوا مجسّمة فاتّخذوها أشباهاً لله تعالى وملائكته ، واعتكفوا على عبادتها لقصد طلب الزلفى إلى الله وملائكته.
الثاني : إنّهم إتّخذوها أصناماً للكواكب ، وقصدوا بعبادتها عبادة الكواكب ، وهم بالحقيقة عبدة الكواكب.
__________________
١ ـ نوح : ٢٣.
الثالث : إنّ أصحاب الأحكام إتّخذوها طلاسم في أوقات مخصوصة وعظّموها لإعتقادهم الإنتفاع بها.
الرابع : إنّهم إتّخذوها على صور رجال كانوا يعتقدون فيهم إجابة الدعوة وقبول الشفاعة فعبدوها على إعتقاد أنّ أولئك الرجال يكونون شفعاء لهم يوم القيامة عند الله ، وقالوا هٰؤلاء شفعائنا عند الله.
الخامس : لعلّهم إتّخذوها قبلة لصلاتهم وعبادتهم يسجدون إليها لا لها كما إنّا نسجد إلى القبلة لا للقبلة.
السادس : لعلّهم كانوا حلوليّة فاعتقدوا جواز حلول الربّ فيها.
فهذه الوجوه هي التي يمكن حمل مذهبهم عليها حتّى لا يصير بحيث يعلم بطلانه بالضرورة ، ثم لمّا تطاول الأمدِ ونسي مبدأ الأمر ظنّ جهّال القوم أنّها آلهة لهم يجب عبادتها فعبدوها وسمّوها آلهة واشتبهت حال من يعتقد أنّها آلهة مساوية لله تعالى في ذاته وصفاته تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً فسمّوا مشركين وسمّى الله آلهتهم أنداداً تهكّماً بهم(١) وتشنيعاً عليهم فقال «فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ »(٢) .
* * *
__________________
١ ـ تهكّم به : أي إستهزأ به وإستخفّ ، النهاية لإبن الأثير : ج ٥ ، ص ٢٦٨.
٢ ـ البقرة : ٢٢.
أَللَّهُمَّ فَارْفَعْهُ بِمَا كَدَحَ فِيكَ إِلَىٰ الدَّرَجَةِ الْعُلْيَا مِنْ جَنَّتِكَ ، حَتَّى لَا يُسَاوَىٰ فِي مَنْزِلَةٍ وَلَا يُكَافَأُ فِي مَرْتَبَةٍ ، وَلَا يُوَازِيَهُ لَدَيْكَ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ. |
«الفاء» فصيحة ، أي إذا كان كذلك فارفعه.
و «الباء» للسببيّة ، و «ما» مصدريّة ، أي بسبب كدحه كقوله تعالى : «فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا »(١) .
و «الكدح» جهد النفس في العمل والكدّ فيه بحيث يؤثر فيها ، من كدح جلده : إذا خدشه.
وقيل في قوله تعالى : «يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ »(٢) إنّ المراد بالإنسان : محمّد صلى الله عليه واله المعنى : إنّك تكدح في تبليغ رسالات ربّك فأبشر فإنّك تلقى الله بهذا العمل.
و «في» من قوله : «فيك» للتعليل ، أي لأجلك ، أو ظرفيّة على حذف مضاف أي في سبيلك.
و «الدرجة» المرقاة والطبقة.
و «العليا» اسم تفضيل مؤنّث الأعلى وأصلها العلوى لأنّها من على يعلو فقلّبت الواو ياءً تخفيفاً لما في كون الظمّة في أوّل الكلمة والواو قرب الآخر من نوع ثقل مع قصد الفرق بين الاسم والصفة فقلّبت الواو ياءً في الاسم دون الصفة ، لكون الاسم أسبق من الصفة وإنّما حكموا بأن العليا
__________________
١ ـ السجدة : ١٤.
٢ ـ الإنشقاق : ٦.
اسم لا صفة لأنّها لا تكون وصفاً بغير الالف واللام ، فلا تقول : درجة عليا ، كما لا تقول دار دنيا ، بل الدرجة العليا والدار الدنيا فاُجريت مجرى الأسماء التي لا تكون وصفاً لأنّ الصفة لا تلزم حالة واحدة وإنّما شأنها أن تكون مختلفة تارة نكرة وتارة معرفة فلمّا اختصّ الوصف بها بحال التعريف كان كونها صفة كلا صفة في ذلك الدنيا.
قال ابن جنّي : العليا والدنيا وإن كانتا صفتين إلّا أنّهما خرجتا إلى مذهب الأسماء كالأجرع والأبطح(١) .
و «الجنة» لغة البستان من النخل والشجر المتكاثف بإلتفاف أغصانها فعلة من جنّة : إذا ستره كأنّها سترة واحدة لإلتفافها ، وشرعاً اسم لدار الثواب كلّها ، ولمّا كانت الجنّة درجات متفاضلات ، ومنازل متفاوتات كما قال تعالى : «أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ »(٢) . وقال سبحانه : «لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ »(٣) . وكان من متقضى عدل الله تعالى أن يبلغ نفساً هي محلّ الرسالة أقصى ما استعدّت له من درجات الكمال ويعدّها بذلك لكمال أعلى ، دعا له صلى الله عليه واله أن يرفعه تعالى إلى الدّرجة العليا التي لا درجة أعلى منها.
وعن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله : الوسيلة درجة
__________________
١ ـ لم نعثر عليه.
٢ ـ الأنفال : ٤.
٣ ـ الزمر : ٢٠.
عند الله ليس فوقها درجة فاسئلوا الله أن يؤتيني الوسيلة(١) .
وفي خبر : الوسيلة درجة في الجنّة ليس في الجنّة درجة أعلى منها فاسئلوا الله أن يؤتينها على رؤوس الخلايق(٢) . فكأنّ ما في الدعاء إشارة إلى ذلك.
قوله عليه السلام : «حتّى لا يساوى في منزلة» يجوز أن تكون حتّى بمعنى (كى) : التعليليّة وأن تكون بمعنى إلى أن.
و «ساواه مساواة» ما ثله وعادله قدراً وقيمة ، ومنه قولهم : هذا يساوى درهماً ، أي يعادل قيمته درهماً ، وأمّا قولهم : يسوى درهماً فليس عربيّاً صحيحاً. وقيل : هي لغة قليلة.
و «المنزلة» المكانة عن الملك ونحوه ، يقال : له منزلة عند الأمير ، وهي إستعارة من موضع النزول.
قوله عليه السلام : «ولا يكافأ في مرتبة» كافأ فلانٌ فلاناً مكافأةً وكفاءً : ماثله ، وهو كفؤه أي مماثله.
و «المرتبة» المنزلة والمكانة كالرتبة بالضمّ من رتّب الشيء رتوباً بمعنى ثبت. قال الزمخشري في الأساس : ومن المجاز لفلان مرتبة عند السلطان ومنزلة وهو من أهل المراتب وهو في أعلى الرتب(٣) إنتهى.
والتنكير في الفقرتين للتعميم إي في شيء من المنازل والمراتب.
قوله عليه السلام : «ولا يوازيه لديك ملك مقرّب» الإزاء : المحاذاة والمقابلة.
__________________
١ ـ مسند احمد بن حنبل : ج ٣ ، ص ٨٣ ، كنز العمال : ج ١٤ ، ص ٤٠١ ، ح ٣٩٠٧١.
٢ ـ مسند احمد بن حنبل : ج ٢ ، ص ٣٦٥ ، روى شطراً منه.
٣ ـ أساس البلاغة : ص ٢١٩.
قال الجوهري : هو بإزائه أي بحذائه وقد آزيته : إذا حاذيته ، ولا تقل وازيته(١) إنتهى.
وفي أساس البلاغة : بنو فلان يؤازون بني فلان أي يقاومونهم في كونهم إزاء للحرب ، وفلان لا يؤازيه أحد(٢) إنتهى.
وما منعه الجوهري من قول وازيته(٣) أثبته بعضهم وقال : إنّها لغة لأهل اليمن تبدل الهمزة واواً فيقال : وازيته وواتيته وهو المشهور على ألسنة الناس.
تبصرة
قال بعضهم : فائدة دعاء الأُمّة للرسول صلى الله عليه واله وسلم برفعه إلى الدرجة العليا وأقصى مراتب الزلفى أنّ الله سبحانه قدّرله تلك الدرجة والمنزلة بأسباب.
منها : دعاء أُمّته ورغبتهم إلى ربّهم أن ينيله إيّاها وذلك بما نالوه على يده من الإيمان والهدى كما يدلّ عليه أمره صلى الله عليه واله وسلم لأُمّته أن يسألوها له كما مرّ في حديث الوسيلة ، وأنكر هذا جماعة من المتكلّمين وخصوصاً الأصحاب ، وجعلوا هذا من قبيل الدعاء بما وقع إمتثالاً لأمر الله تعالى في قوله : «صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا»(٤) وإلاّ فهو صلى الله عليه واله وسلم قد أعطاه الله من علوّ الدرجة ، وقرب المنزلة ، وعظيم الفضل ، والجزاء ما لا يؤثّر فيه
__________________
١ ـ الصحاح : ج ٦ ، ص ٢٢٦٨.
٢ ـ أساس البلاغة : ص ١٦.
٣ ـ الصحاح : ج ٦ ، ص ٢٢٦٨.
٤ ـ الأحزاب : ٥٦.
دعاء داع وجد أو عدم ، وفائدة الدعاء إنّما يعود إلى الأُمّة الداعين له لينالوا به زيادة الإيمان ويستفيدوا به الزلفى من الله تعالى وحسن الثواب كما جاء : «من صلّى عليّ واحدة صلّى الله عليه عشراً»(١) . ولعلّ الأقرب من الصواب ما قاله بعض المحقّقين من أصحابنا : إنّه لمّا كانت مراتب إستحقاق نعم الله تعالى غير متناهية كان غاية ذلك طلب زيادة كماله عليه السلام وقربه من الله عزّوجلّ.
* * *
__________________
١ ـ مسند أحمد بن حنبل : ج ٢ ، ص ٤٨٥.
وَعَرِّفْهُ فِي أَهْلِهِ الطَّاهِرِينَ وَأُمَّتِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ حُسْنِ الشَّفَاعَةِ أَجَلَّ مَا وَعَدْتَهُ. |
«عرّفه الأمر تعريفاً» أعلمه إيّاه ، وعرّفه بيته : أعلمه بمكانه ، وأمّا عرّفه به فبمعنى وسمه.
قال صاحب المحكم : قال سيبويه : عرّفته زيداً فذهب إلى تعدية عرّف بالتثقيل إلى مفعولين يعني أنّك تقول عرّفت زيداً فيتعدّى إلى واحد ثم تثقّل الراء فيتعدّى إلى مفعولين ، قال : وأمّا عرّفته بزيد فإنّما تريد عرّفته بهذه العلّامة وأوضحته بها فهو سوى المعنى الأوّل وإنّما عرّفته بزيد كقولك سمّيته بزيد(١) إنتهى.
و «أهل الرجل» عشيرته وأقاربه ، والمراد بهم هنا : أهل الكساء مع باقي الأئمة الإثنى عشر عليهم السلام لوصفهم بالطاهرين أي النقيّين من الدنس والرجس في الميلاد والأعمال البريّين من المأثم والذنوب صغائرها وكبائرها كما قال تعالى : «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا »(٢) .
أخرج الطبراني : عن أمّ سلمة أنّ رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال لفاطمة عليها السلام : إئتيني بزوجك وابنيه ، فجاءت بهم ، فألقى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عليهم كساء فدكيّاً ، ثم وضع يده عليهم ، ثم قال : أَللَّهُمَّ إنّ هٰؤلاء أهل محمّد وفي نسخة لفظ (آل محمّد) فاجعل صلواتك وبركاتك على آل محمّد كما جعلتها على
__________________
١ ـ المحكم في اللغة : ج ٢ ، ص ٧٨.
٢ ـ الأحزاب : ٣٣.
آل إبراهيم إنّك حميد مجيد.
قالت أمّ سلمة : فرفعت الكساء لأدخل معهم فجذبه من يدي ، وقال : إنّك على خير(١) .
وفي هذا المعنى روايات كثيرة سيأتي ذكر شيء منها إن شاء الله تعالى.
و «الشفاعة» قيل : هي إصلاح حال المشفوع فيه عند المشفوع إليه ، وهذا دوري والأولى أن يقال : هي السؤال في التجاوز عن الذنب من الذي وقع الجناية في حقّه ، ويقال : شفّعت في الأمر شفاعة إذا طالبت بوسيلة أو ذمام.
والمراد بحسن الشفاعة : قبولها والرضا عمّن شفع فيهم وبتعريفه ذلك : أن ينجّز له وعده به فيعرفه واقعاً متحقّقاً معرفة شهوديّة حضوريّة وإن كان هو الآن به عالماً علماً يقينيّاً ، فإنّ الأشياء قبل وجودها تكون معلومة للعالم بها وبعد وجودها تكون مشهودة له ، وإنّما استعمل التعريف في هذا المعنى لأنّه إذا شاهده عرف أنّه ذلك الذي علم به من قبل فكأنّه عرّفه إيّاه ، وما قيل : من أنّ معنى عرّفه : أذقه بعيد جدّاً. وأبعد منه قول بعضهم : يجوز أن يكون من العرف بالفتح ، بمعنى الرائحة الطيّبة وأن يكون من العُرف بالضمّ بمعنى المعروف بل لا يكاد يصحّ. وإنّما دعا الله تعالى بذلك مع العلم بأنّه لا يخلف الميعاد لأنّه سأل له أجل الموعود وعدم الخلف يصدق على إنجاز أدناه وإن لوحظ سعة كرمه تعالى فلا يكون اللايق به جلّ شأنه إلاّ إنجاز أجلّ ما وعد خصوصاً مع أحبّ خلقه إليه وأكرمهم لديه فلأنّ معظم الغرض في الدعاء إظهار سيماء العبوديّة ، أو
__________________
١ ـ المعجم الكبير : ج ٢٣ ، ص ٣٣٦ ، ح ٧٧٩ ـ ٧٨٠.
المراد : وفّق أهل شفاعته للأعمال التي بها يصيرون أهلاً لأجل ما وعدته من من حسن الشفاعة وأعصمهم عمّا لا يستحقّون به ذلك كما في قوله تعالى : «رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ »(١) .
فإن قلت : كيف تكون الشفاعة في أهله الطاهرين وهم معصومون من جميع الذنوب وقد قال عليه السلام : «إنّما شفاعتي لأهل الكبائر من أُمّتي ، وأمّا المحسنون فما عليهم من سبيل»(٢) .
قلت : قد علمت أنّ معظم الغرض في الدعاء إظهار سيماء الإفتقار والعبوديّة فلا منافاة ، أو المراد بالشفاعة فيهم شفاعة مخصوصة لا السؤال في التجاوز عن الذنوب ولذلك عبّر بحسن الشفاعة ، وسيأتي أنّ الشفاعة على أقسام ، منها رفع الدرجات ، وفي الحديث : «إنّه لا يبقى ملك مقرّب ولا نبي مرسل إلاّ وهو محتاج إليه صلى الله عليه واله وسلم يوم القيامة»(٣) .
ويحتمل أن يكون المراد بالشفاعة شفاعتهم لغيرهم لا الشفاعة لهم وكذا شفاعة أُمّته المؤمنين فتكون «في» من قوله «في أهله الطاهرين» متعلّقاً بوعدته ، أو هي للمصاحبة بمعنى مع كقوله تعالى : «ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ»(٤) أي معهم فيكون ظرفاً مستقرّاً في محلّ النصب على الحال من الضمير المنصوب في عرّفه لا متعلّقاً بالشفاعة ، والمعنى عرّفه مع أهله
__________________
١ ـ آل عمران : ١٩٤.
٢ ـ عيون أخبار الرضا : ج ١ ، ص ١٣٦ ، ح ٣٥.
٣ ـ الكافي : ج ٨ ، ص ٤٠٥ ، رسالة أبي عبد الله صلى الله عليه واله إلى جماعة من الشيعة.
٤ ـ الأعراف : ٣٨.
الطاهرين وأُمّته المؤمنين أجلّ ما وعدته من حسن الشفاعة في يوم القيامة فلا يكون المشفوع فيهم له ذكر هنا ، وقد نقل إجماع المفسّرين في قوله تعالى : «عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا »(١) ، على أن المقام المحمود هو مقام الشفاعة.
وعن الباقر عليه السلام : في قوله تعالى : «وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ »(٢) قال : ذاك النبيّ صلى الله عليه واله وعليّ عليه السلام يقوم على كوم قد علا على الخلايق فيشفع ، ثم يقول : يا عليّ إشفع فيشفع ويشفع ، الرجل في القبيلة ويشفع الرجل في أهل البيت ويشفع الرجل للرجلين على قدر عمله فذلك المقام المحمود(٣) .
وعنه عليه السلام : في قوله تعالى : «وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ »(٤) قال : شفاعة النبيّ : «وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ »(٥) : شفاعة عليّ ، «أُولَٰئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ »(٦) شفاعة الأئمة(٧) .
وروي أنّ أقلّ المؤمنين شفاعة من يشفع في ثلاثين ألفاً(٨) .
والأخبار في ذلك كثيرة.
__________________
١ ـ الإسراء : ٧٩.
٢ ـ الجاثية : ٢٨.
٣ ـ المناقب لإبن شهراشوب : ج ٢ ، ص ١٦٥.
٤ ـ يونس : ٢.
٥ ـ الزمر : ٣٣.
٦ ـ الحديد : ١٩.
٧ ـ المناقب لإبن شهراشوب : ج ٢ ، ص ١٦٥.
٨ ـ بحار الأنوار : ج ٨ ، ص ٥٨ ، ح ٧٥.
وإن حملت معنى أهله الطاهرين عليهم السلام على الذين هم أعمّ من المعصومين عليهم السلام وفسّرت الطهارة بالطهارة في الميلاد والنسب ، فلك جعل الشفاعة فيهم وفي أُمّته المؤمنين ، وكانت (في) متعلّقة بالشفاعة فيكون أهله وأُمّته هم المشفوع فيهم ، كما روي عنه عليه السلام إنّه قال : أوّل من أشفع له يوم القيامة أهل بيتي ثم الأقرب فالأقرب(١) .
وعن ابن عباس : في قوله تعالى : «وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى »(٢) ولسوف يشفّعك يا محمّد يوم القيامة في جميع أهل بيتك تدخلهم كلّهم الجنّة ترضى بذلك عن ربّك(٣) .
وعن علي عليه السلام : أنّه قال صلى الله عليه واله وسلم : إذن لا أرضى وواحد من أُمّتي في النار(٤) .
وعن الصادق عليه السلام : رضا جدّي صلى الله عليه واله أن لا يدخل النار موحّد(٥) .
ولقد أغرب من زعم أنّ المراد بحسن الشفاعة ، الشفاعة الحسنة في قوله تعالى : «مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا »(٦) .
ثم قال : وقد فسّرت الشفاعة الحسنة بالشفاعة فيما يجوز في الدين والدعاء للمؤمنين أو أن يصير الإنسان شفيع صاحبه في جهاد عدوّه
__________________
١ ـ ما يقرب منه في المناقب لإبن شهراشوب : ج ٢ ، ص ١٦٤.
٢ ـ الضحى : ٥.
٣ ـ المناقب لإبن شهراشوب : ج ٢ ، ص ١٦٥.
٤ ـ غرائب القرآن ورغائب الفرقان : ج ٣ ، ذيل الآية ٥ من السورة الضحى.
٥ ـ غرائب القرآن ورغائب الفرقان : ج ٣ ، ذيل الآية ٥ من سورة الضحى.
٦ ـ النساء : ٨٥.
لتحصيل الغنيمة عاجلاً والثواب آجلاً والإصلاح بين الإثنين ، والشفاعة السيّئة : بعكس هذا قال : والتفسير الأخير بعيد في هذا المقام(١) إنتهى كلامه ولا يخفى بعده عن الصّواب.
تتمّة
قال بعض العلماء : الشفاعات خمس :
الأولى : الإراحة من هول الموقف ، وهذه يشترك فيها جميع الاُمم كما دلّت عليه الأخبار.
الثانية : في إدخال قوم الجنّة بغير حساب.
الثالثة : في إدخال قوم حوسبوا واستحقّوا العذاب أن لا يعذّبوا.
الرابعة : في إخراج من أدخل النّار من العصاة.
الخامسة : في رفع الدرجات.
وأنكر بعض المعتزلة والخوارج الشفاعة الرابعة ، وتمسّكوا بقوله تعالى : «فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ »(٢) وبقوله تعالى : «مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ »(٣) .
واُجيب بأن هذه الآيات في الكفّار ، ومذهب أصحابنا والأشاعرة جواز الشفاعة عقلاً ووجوبها سمعاً لصريح قوله تعالى : «يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا »(٤) . وقوله تعالى :
__________________
١ ـ مجمع البيان : ج ٣ ـ ٤ ، ص ٨٤ ، نقلاً بالمعنى.
٢ ـ المدّثر : ٤٨.
٣ ـ غافر : ١٨.
٤ ـ طه : ١٠٩.
«وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ »(١) وقد جاءت الأخبار التي مبلغها التواتر بصيغة الشفاعة في الآخرة لمذنبي المؤمنين جعلنا الله ممّن تناله شفاعة نبيّه وآله الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
* * *
__________________
١ ـ الأنبياء : ٢٨.
يَا نَافِذَ الْعِدَةِ ، يَا وَافِيَ الْقَوْلِ ، يَا مُبَدِّلَ السَّيِّئاتِ بِأَضْعَافِهَا مِنَ الْحَسَنَاتِ ، إِنَّكَ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ. |
«نافذ العدة» ـ بالذال المعجمة ـ أي ماضيها ، من نفذ السهم كقعد نفوذاً : إذا خرق الرمية وخرج منها ، أي لا خلف لعدته بل هي ماضية لا مردّ لها كالسهم النافذ لا مردّ له ولا وقوف.
و «العدة» الوعد ، وأصلها وعْدة بالكسر استثقلت الكسرة على الواو فنقلت إلى العين ثمّ حذفت الواو ولزمت تاء التأنيث عوضاً منها.
قال الفرّاء : يقال : وعدته خيراً ووعدته شراً بإسقاط الألف(١) .
فإذا أسقطوا الخير والشرّ قالوا في الخير : وعدته ، وفي الشرّ : أوعدته بالألف ، وفي الخير : الوعد والعِدة ، وفي الشرّ : الإيعاد والوعيد ، فإذا قالوا أوعدته بالشرّ : أثبتوا الألف مع الباء.
قال صاحب المحكم : وقال ابن الأعرابي : أوعدته خيراً بالألف وهو نادر وأنشده :
يبسطني مرّة ويوعدني |
فضلاً طريقاً إلى أياديه(٢) |
والخلف في الوعد عند العرب كذب ، وفي والوعيد كرم قال الشاعر :
إذا وعد السرّاء أنجز وعده |
وإن أوعد الضرّاء فالعفو مانعه |
ولخفاء الفرق في ذلك من كلام العرب إنتحل بعض أهل البدع القول بوجوب الوعيد قياساً على الوعد لجهلهم باللغة العربية.
وقد نقل : أنّ أبا عمرو بن العلاء نبّه عمرو بن عبيد وهو طاغية
__________________
١ ـ تاج العروس : ج ٢ ، ص ٥٣٦.
٢ ـ المحكم لإبن سيده : ج ٢ ، ص ٢٣٧.
المعتزلة على ذلك فلم يقبل(١) .
حكى المبرد : عن أبي عثمان المازني قال : حدّثني محمّد بن مسعّر ، قال : جمعنا بين أبي عمرو بن العلاء وعمرو بن عبيد في مسجدنا ، فقال له : أبو عمرو ما الذي يبلغني عنك في الوعيد؟ فقال : إنّ الله وعد وعداً وأوعد إيعاداً فهو منجز وعده ووعيده ، فقال أبو عمرو : أبيت أبا عثمان إلاّ العجمة ولا أعني عجمة لسانك ، ولكن فهمك أنّ العرب تعدّ الرجوع عن الوعد لوماً وعن الوعيد كرماً وأنشد.
وانّي إذا أو عدته أو وعدته |
لمخلف إيعادي ومنجز موعدي(٢) |
وذلك أنّ الوعد حقّ عليه ، والوعيد حقّ له ، ومن أسقط حقّ نفسه فقد أتى بالجود والكرم ، ومن أسقط حقّ غيره فذلك هو اللّوم ، فهذا هو الفرق بين الوعد والوعيد ، على أنّ كلّ ما ورد من وعيد الفسّاق فهو مشروط بعدم العفو كما أنّه مشروط بعدم التوبة وفاقاً فلا يلزم من تركه الكذب في كلام الله تعالى.
و «وافى القول» أي صادقه يقال : وفى وأوفى بمعنى.
و «القول» الكلام ، وقيل : القول في الخير ، والقال والقيل والقالة في الشرّ.
قوله عليه السلام : «يا مبدّل السيّئات بأضعافها من الحسنات» إشارة إلى قوله تعالى : «إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ »(٣) عن ابن عباس ، والحسن ومجاهد ، وقتادة : إنّ
__________________
١ ـ المصباح المنير : ص ٦٦٥.
٢ ـ المصباح المنير : ص ٦٥٥.
٣ ـ الفرقان : ٧٠.
هذا التبديل إنّما يكون في الدنيا فيبدّلهم بالشرك إيماناً وبقتل المسلمين قتل المشركين وبالزنا عفة وإحصاناً(١) .
فبشّرهم الله أنّه يوفّقهم لهذه الأعمال الصالحة إذا تابوا وآمنوا وعملوا سائر الأعمال الصالحات.
وقال الزجاج : السيّئة بعينها لا تصير حسنة ، ولكن السيّئة تمحى بالتوبة وتكتب الحسنة مع التوبة(٢) .
وذهب سعيد بن جبير : إلى ظاهر الآية وهو أنّه تعالى يمحو السيّئة عن العبد ويثبت له بدلها الحسنة وأكّد هذا الظاهر بما روي مرفوعاً : ليتمنّينّ أقوام أنّهم أكثروا من السيّئات ، قيل : من هم يا رسول الله؟ قال : الذين يبدّل سيّئاتهم حسنات(٣) .
وقال القاضي والقفّال : إنّه تعالى يبدّل بالعقاب الثواب ، فذكر السبب وأراد المسبّب(٤) .
وقيل : يبدّل بملكة المعصية ودواعيها في النفس ملكة الطاعة بأن يزيل الأولى ويأتي بالثانية.
وروى علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن أبي جعفر وإبراهيم ، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام : قال إذا كان يوم القيامة أوقف الله المؤمن بين يديه وعرض عليه عمله فينظر في صحيفته فأوّل ما يرى سيّئاته فيتغيّر عند ذلك لونه ، فيقول الله عزّوجلّ : بدّلوا سيئاته حسنات وأظهروها للناس
__________________
١ ـ مجمع البيان : ج ٧ ـ ٨ ص ١٨٠ ، مع اختلاف يسير في العبارة.
٢ ـ التفسير الكبير للفخر الرازي : ج ٢٤ ، ص ١١٢.
٣ ـ الدر المنثور : ج ٥ ، ص ٧٩ ـ ٨٠.
٤ ـ أنوار التنزيل : ج ٢ ، ص ١٥١ ، والتفسير الكبير : ج ٢٤ ، ص ١١٢.
فيبديها الله لهم ، فيقول الناس : أما كان لهٰؤلاء سيّئة واحدة وهو قوله تعالى : «يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ »(١) (٢) .
وفي رواية عن الصادق عليه السلام : إذا كان يوم القيامة تجلّى الله تعالى لعبده المؤمن فيقفه على ذنوبه ذنباً ذنباً ، ثمّ يغفر له لا يطّلع على ذلك ملكاً مقرّباً ولا نبيّاً مرسلاً ، ويستر عليه ما يكره أن يقف عليه أحد ، ثمّ يقول : لسيئاته كوني حسنات(٣) .
وروى مسلم في صحيحه مرفوعاً إلى أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال : أعرضوا عليه صغار ذنوبه ويخبأ عنه كبارها ، فيقال : عملت يوم كذا كذا وكذا ، وهو مقرّ لا ينكر ، وهو مشفق من الكبار ، فيقال : أعطوه مكان كلّ سيّئة عملها حسنة ، فيقول : إنّ لي ذنوباً ما أراها هاهنا قال : ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ضحك حتّى بدت نواجده(٤) .
فإن قلت : الآية إنّما دلّت على تبديل السيّئات حسنات فما بال الأضعاف الواقعة في الدعاء؟
قلت : أمّا على القول بأنّ هذا التبديل يكون في الدنيا إمّا بالتوفيق للأعمال الصالحة بعد الأعمال السيّئة كما نقل عن ابن عباس(٥) ، وإمّا تبديل ملكة المعصية بملكة الطاعة فوجه الأضعاف ظاهر لأنّ «مَن جَاءَ
__________________
١ ـ الفرقان : ٧٠.
٢ ـ تفسير القمي : ج ٢ ، ص ١١٧.
٣ ـ عيون أخبار الرضا : ج ٢ ، ص ٣٣.
٤ ـ صحيح مسلم : ج ١ ، ص ١٧٧ ، ح ٣١٤/١٩٠ ، مع اختلاف يسير في العبارة.
٥ ـ كتاب مجموعة من التفاسير : ج ٤ ، ص ٤٥٨.
بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا »(١) بنصّ الكتاب.
وأمّا على القول بأن التبديل يكون في الآخرة كما دلّت عليه الأخبار المذكورة. فالظاهر أنّه إذا بدّل سيئة العبد حسنة فكأنّه جاء بالحسنة ، وقد قال تعالى : «مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا »(٢) ويفعل الله بالمؤمنين ما يشاء من الخير ولذلك ختم الدعاء بقوله عليه السلام : «إنّك ذو الفضل العظيم» تذييلاً لما سبق وتقريراً لمضمونه.
و «الفضل» الخير والإحسان إبتداءً.
و «العظيم» ضدّ الحقير ، كما أنّ الكبير ضدّ الصغير ، وكما أنّ الحقير دون الصغير ، فكذلك العظيم فوق الكبير ، ويستعملان في الصور والمعاني يقال : رجل عظيم وكبير أي جثّة أو قدراً ، وهو هنا صفة للفضل كما وقع في التنزيل مكرراً «وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ »(٣) ووقع في نسخة مضبوطاً بالضمّ على أنّه صفة له تعالى والأوّل أنسب بالمقام ، وفيه إيذان بأنّ جميع الإحسان الواقع والمرجوّ ، رشحة من بحار إفضاله وعظيم إحسانه ونواله ، وإنّ من حرم ذلك ليس لضيق ساحة فضله بل لعدم إستعداد المحروم وقابليّته ، نسأل الله أن لا يحرمنا من فضله العظيم وجوده العظيم بجاه نبيّه الكريم وأهل بيته الطاهرين صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين والحمد للّه ربّ العالمين.
قم المشرفة السيد محسن الحسيني الأميني ١٥ جمادي الاُولى ١٤٢٧ هجـ |
__________________
١ ـ الأنعام : ١٦٠.
٢ ـ الأنعام : ١٦٠.
٣ ـ الجمعة : ٤.
الفهارس
*فهرست الآيات الكريمة
*فهرست الأحاديث الشريفة
*فهرست الموضوعات
*مصادر الكتاب
فهرست الآيات
رقم الآية |
اسم السورة |
الصفحة |
﴿سورة البقرة﴾ (٢) |
||
٢٢ |
فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ |
٥٣ |
٢٢ |
فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ |
١٠٨ |
١٠٦ |
أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ |
٥٢ |
١٤٣ |
وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا |
٣٨ |
١٤٣ |
وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا |
٥٤ |
١٤٣ |
وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا |
٥٨ |
١٤٣ |
وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا |
٥٥ |
١٤٣ |
لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ |
٥٨ |
١٧٧ |
وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ |
٩٩ |
١٧٨ |
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ |
٥٧ |
١٨٣ |
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ |
٥٧ |
١٩٨ |
وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ |
٧١ |
رقم الآية |
اسم السورة |
الصفحة |
﴿سورة آل عمران﴾ (٣) |
||
١١٠ |
كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ |
٣٨ |
١١٠ |
كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ |
٥٨ |
١٢٦ |
وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ |
١٠٠ |
١٣٩ |
وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ |
٧٨ |
١٦٤ |
لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا |
٣٢ |
١٩٤ |
رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ |
١١٦ |
﴿سورة النساء﴾ (٤) |
||
١ |
وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ |
٣٠ |
٨٤ |
فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ |
٧٣ |
٨٥ |
مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ |
١١٨ |
﴿سورة المائدة﴾ (٥) |
||
١٨ |
وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ |
٩٤ |
﴿سورة الأنعام﴾ (٦) |
||
١٢٤ |
اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ |
٣٤ |
١٦٠ |
مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا |
١٢٥ |
رقم الآية |
اسم السورة |
الصفحة |
﴿سورة الأعراف﴾ (٧) |
||
٣٨ |
ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ |
١١٦ |
٨٦ |
وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ |
٦١ |
١٤٤ |
يَا مُوسَىٰ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي |
٤١ |
﴿سورة الأنفال﴾ (٨) |
||
٤ |
أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ |
١١٠ |
٣٣ |
وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ |
٦٧ |
﴿سورة التوبة﴾ (٩) |
||
٣٠ |
وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ |
٩٤ |
٤٠ |
وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ |
١٠٦ |
٤٨ |
وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ |
٧٢ |
٤٨ |
وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ |
١٠٦ |
﴿سورة يونس﴾ (١٠) |
||
٢ |
وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ |
١١٧ |
١٨ |
وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ |
٩٥ |
رقم الآية |
اسم السورة |
الصفحة |
﴿سورة هود﴾ (١١) |
||
٣٤ |
إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ |
٨٤ |
﴿سورة يوسف﴾ (١٢) |
||
٣٢ |
فَذَٰلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ |
٧٣ |
٤٥ |
وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ |
٣٨ |
﴿سورة الرعد﴾ (١٣) |
||
١٤ |
لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ |
٨٥ |
﴿سورة النحل﴾ (١٦) |
||
٣٠ |
وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ |
١٠١ |
١٢٠ |
إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً |
٣٨ |
﴿سورة الإسراء﴾ (١٧) |
||
٦٧ |
وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ |
٧٩ |
٧٩ |
عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا |
١١٧ |
رقم الآية |
اسم السورة |
الصفحة |
﴿سورة الكهف﴾ (١٨) |
||
٦ |
فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ |
٨٢ |
٣١ |
نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا |
١٠٢ |
﴿سورة مريم﴾ (١٩) |
||
٧ |
لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا |
٣٣ |
﴿سورة طه﴾ (٢٠) |
||
١٠٩ |
يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ |
١١٩ |
﴿سورة الأنبياء﴾ (٢١) |
||
٢٨ |
وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ |
١٢٠ |
١٠٧ |
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ |
٦٦ |
١٠٧ |
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ |
٦٨ |
﴿سورة الحج﴾ (٢٢) |
||
٣٧ |
لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ |
٧٨ |
رقم الآية |
اسم السورة |
الصفحة |
﴿سورة الفرقان﴾ (٢٥) |
||
٧٠ |
إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا |
١٢٢ |
٧٠ |
يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ |
١٢٤ |
٧٧ |
قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ |
٥ |
﴿سورة الشعراء﴾ (٢٦) |
||
٣ |
لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ |
٨٢ |
﴿سورة القصص﴾ (٢٨) |
||
٨٥ |
إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ |
٨٩ |
﴿سورة السجدة﴾ (٣٢) |
||
١٤ |
فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا |
١٠٩ |
﴿سورة الأحزاب﴾ (٣٣) |
||
٣٣ |
إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ |
١١٤ |
٤٣ |
هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ |
٢٩ |
٥٦ |
صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا |
١١٢ |
رقم الآية |
اسم السورة |
الصفحة |
﴿سورة سبإ﴾ (٣٤) |
||
٤١ |
بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ |
٩٦ |
﴿سورة فاطر﴾ (٣٥) |
||
٨ |
فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ |
٨٢ |
٢٤ |
وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ |
٥٣ |
﴿سورة يس﴾ (٣٦) |
||
١٤ |
فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ |
٩٣ |
٧٨ |
وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ |
٩٥ |
٧٩ |
قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ |
٩٥ |
﴿سورة الصّافات﴾ (٣٧) |
||
١٧٧ |
فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ |
١٠٤ |
﴿سورة ص﴾ (٣٨) |
||
٤٧ |
وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ |
٧٨ |
رقم الآية |
اسم السورة |
الصفحة |
﴿سورة الزمر﴾ (٣٩) |
||
٢٠ |
لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ |
١١٠ |
٣٣ |
وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ |
١١٧ |
﴿سورة غافر﴾ (٤٠) |
||
١٨ |
مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ |
١١٩ |
﴿سورة الجاثية﴾ (٤٥) |
||
٢٤ |
وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا |
٩٥ |
٢٤ |
وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ |
٩٥ |
٢٨ |
وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا |
١١٧ |
﴿سورة محمّد﴾ (٤٧) |
||
٢٢ |
فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ |
٧٦ |
﴿سورة النجم﴾ (٥٣) |
||
٨ |
ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ |
٣٦ |
٩ |
فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ |
٣٦ |
رقم الآية |
اسم السورة |
الصفحة |
﴿سورة الحديد﴾ (٥٧) |
||
١٩ |
أُولَٰئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ |
١١٧ |
﴿سورة الحشر﴾ (٥٩) |
||
٦ |
وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ |
٤٩ |
﴿سورة الجمعة﴾ (٦٢) |
||
٤ |
وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ |
١٢٥ |
﴿سورة نوح﴾ (٧١) |
||
٢٣ |
وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا |
١٠٧ |
﴿سورة المدّثر﴾ (٧٤) |
||
٤٨ |
فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ |
١١٩ |
﴿سورة التكوير﴾ (٨١) |
||
٢٠ |
ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ |
٦٨ |
٢١ |
مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ |
٦٨ |
رقم الآية |
اسم السورة |
الصفحة |
﴿سورة الإنشقاق﴾ (٨٤) |
||
٦ |
يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا |
١٠٩ |
﴿سورة البروج﴾ (٨٥) |
||
٩ |
وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ |
٥٥ |
﴿سورة الضحى﴾ (٩٣) |
||
٥ |
وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ |
١١٨ |
﴿سورة الكوثر﴾ (١٠٨) |
||
١ |
إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ |
٦٠ |
* * *
فهرس الأحاديث الشريفة
الأحاديث |
الصفحة |
الذين يبدّل سيّئاتهم حسنات |
١٢٣ |
أَللَّهُمَّ فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ أَمِينِكَ |
٦٢ |
أَللَّهُمَّ بمحمّد نبيّك وموسى نجيّك |
٦٤ |
أَللَّهُمَّ فَارْفَعْهُ بِمَا كَدَحَ فِيكَ |
١٠٩ |
أَللَّهُمَّ إنّ هٰؤلاء أهل محمّد |
١١٤ |
الأنعام : من نجائب القرآن أو نواجب القرآن |
٦٣ |
الوسيلة درجة عند الله ليس فوقها درجة |
١١٠ |
الوسيلة درجة في الجنّة ليس في الجنّة درجة |
١١١ |
إئتيني بزوجك وابنيه |
١١٤ |
أتدرون بين من أريد أن أقف |
١٠ |
أحبّ الأرض إلى الله مكّة |
٩٠ |
أخاف أن تسبق يدي إلى ما سبقت إليه عينها |
١١ |
أخشى أن أقول : لبّيك أَللَّهُمَّ لبّيك |
١٠ |
إذا ابتلّت النعال فالصّلاة في الرحال |
٨٨ |
إذا أذنت فأفصح بالألف |
٢٦ |
إذا ذكر النبي صلى الله عليه واله فأكثروا الصّلاة عليه |
٢٦ |
الأحاديث |
الصفحة |
إذا ذكر النبي صلى الله عليه واله فأكثروا الصّلاة عليه فإنّه من صلّى |
٢٩ |
إذا كان يوم القيامة أوقف الله المؤمن |
١٢٣ |
إذا كان يوم القيامة تجلّى الله تعالى |
١٢٤ |
إذا كانت لك إلى الله سبحانه حاجة |
٢٨ |
إذن لا أرضى وواحد من أُمّتي في النار |
١١٨ |
إِرَادَةً مِنْهُ لإِعْزَازِ دِينِكَ ، واسْتِنْصَاراً عَلَى أَهْلِ الْكُفْرِ بِكَ |
٩٣ |
إرفعوا أصواتكم بالصّلاة عليّ فإنّها تذهب بالنفاق |
٢٩ |
أصبحنا خائفين برسول الله ، وأصبح جميع أهل الإسلام آمنين |
١١ |
اطلبوا العلم ولو بالصين |
٤٨ |
أعجل العبد ربّه |
٢٧ |
أعذرنا يا أبا فراس فلو كان عندنا أكثر من هذا لوصلناك به |
١٧ |
إفعلوا الخير ولا تحقّروا منه شيئاً ، فإنّ صغيره كبير |
٦٩ |
ألا تدرون بين يدي من أقوم ولمن أُناجي؟ |
١٠ |
إِمَامِ الرَّحْمَةِ وَقَائِدِ الْخَيْرِ وَمِفْتَاحِ الْبَرَكَةِ |
٦٦ |
أنا نبيّ الرحمة |
٦٦ |
أنا نبيّ الملحمة |
٦٨ |
إنّ أقلّ المؤمنين شفاعة من يشفع في ثلاثين ألفاً |
١١٧ |
إنّ أُمتي يأتون يوم القيامة غرّاً محجّلين |
٣٩ |
إنّ الثناء على الله ، والصّلاة على رسوله قبل المسألة |
٢٧ |
إنّ الذي قدر أن يدخل الذي تراه |
٤٥ |
إنّ رجلاً دخل المسجد فصلّى ركعتين |
٢٧ |
الأحاديث |
الصفحة |
إن صدقة الليل تطفىء غضب الرّب |
٨ |
إن الصّلاة في المسجد الحرام تعدل مائة ألف صلاة |
٩١ |
إنّ الطاعم بمكّة كالصائم فيما سواها |
٩١ |
إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل |
٦٥ |
إنّ الله تعالى إيّانا عنى |
٥٨ |
إن الله تعالى كلّف رسول الله صلى الله عليه واله ما لم يكلّفه أحداً من خلقه |
٧٣ |
إنّ المقام بها يقسّي القلب |
٩١ |
إنّ موسى لمّا نزلت عليه التوراة |
٤٠ |
إنّما أنا رحمة مهداة |
٦٦ |
إنّما شفاعتي لأهل الكبائر من أُمّتي |
١١٦ |
إنّه جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام |
٤٦ |
إنّه قال : «ما من الأنبياء نبيّ إلاّ اُعطي من الآيات |
٦٠ |
إنّه كان إذا جنّ الليل وهدأت العيون |
٩ |
إنّه كان فيما ناجى الله تعالى به |
٤٠ |
إنّه لا يبقى ملك مقرّب ولا نبي مرسل إلاّ وهو محتاج إليه |
١١٦ |
إنّه لمّا خرج منها مهاجراً إلتفت إليها فظنّ أنّه لا يعود إليها |
٨٩ |
إنّه لَيُغَان على قلبي وإنّي لأستغفرالله في اليوم مائة مرّة |
٨٣ |
إنها نزلت في بنى أمية |
٧٦ |
إنّي اشتغلت عن هذه النار بالنار الاُخرى |
١٠ |
أوّل من أشفع له يوم القيامة أهل بيتي ثم الأقرب فالأقرب |
١١٨ |
أيّ عرى الإيمان أوثق؟ |
٧٠ |
الأحاديث |
الصفحة |
أيّها أصغر؟ |
٤٥ |
بحقّي عليك لما قبلتها ، فقد رأى الله مكانك وعلم نيّتك فقبلها |
١٧ |
بعثت بالحنيفيّة السمحة السهلة |
٦٧ |
بعث الله محمّداً صلى الله عليه واله لإنجاز عدته ، وتمام نبوّته |
٩٤ |
بِقُدْرَتِهِ الَّتِي لا تَعْجِزُ عَنْ شَيْءٍ وَإِنْ عَظُمَ ، وَلاَ يَفُوتُهَا شَيْءٌ |
٤٢ |
تناكحوا تناسلوا فإنّي مكاثر بكم الأُمم يوم القيامة |
٦٠ |
حَتَى اسْتَتَبَّ لَهُ مَا حَاوَلَ فِي أَعْدَآئِكَ |
٩٨ |
حَتَى ظَهَرَ أَمْرُكَ وَعَلَتْ كَلِمَتُكَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ |
١٠٦ |
حجّ علي بن الحسين عليه السلام ماشياً |
١٠ |
خاض إلى رضوان الله تعالى كلّ غمرة |
٨١ |
دعاه رسول الله صلى الله عليه واله يوم الطائف فانتجاه |
٦٤ |
دعوة الحق : قول لا إلٰه إلا الله |
٨٥ |
ذاك النبيّ صلى الله عليه واله وعليّ يقوم على كوم قد علا على الخلايق فيشفع |
١١٧ |
رضا جدّي صلى الله عليه واله أن لا يدخل النار موحّد |
١١٨ |
سل تعط |
٢٧ |
سمع سائل في جوف الليل وهو يقول |
١١ |
سمّاني الله من فوق عرشه |
٣٣ |
شفاعة الأئمة |
١٠٩ |
شفاعة عليّ |
١١٧ |
شفاعتي لأهل الكبائر من أُمتي |
٣٨ |
شفاعة النبيّ |
١١٧ |
الأحاديث |
الصفحة |
صلاة في مسجدي تعدل عند الله عشرة آلاف صلاة |
٩٠ |
ضحك حتّى بدت نواجده |
١٢٤ |
عبيدك بفنائك ، مسكينك بنفائك ، فقيرك بفنائك |
١١ |
عمّا ذا سألك |
٤٥ |
فَخَتَمَ بِنَا عَلَى جَميعِ مَنْ ذَرَأَ ، وَجَعَلَنَا شُهَدَآءَ عَلَى مَنْ جَحَدَ |
٥٣ |
فَغَزَاهُمْ فِي عُقْرَ دِيَارِهِمْ ، وَهَجَمَ عَلَيْهِمْ فِي بُحْبُوحَةِ قَرَارِهِمْ |
١٠١ |
فَنَهَدَ إِلَيْهِمْ مُسْتَفْتِحَاً بِعَوْنِكَ ، وَمُتَقَوِّيَاً عَلَى ضَعْفِهِ بِنَصْرِكَ |
٩٩ |
فو الله ما غُزي قوم في عقر دارهم إلّا ذلّوا |
١٠٢ |
قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله إرفعوا أصواتكم بالصّلاة |
٢٩ |
قال : قال رسول الله : صلاة في مسجدي تعدل عند الله عشرة آلاف |
٩٠ |
قال : نعم وفي أصغر من البيضة قد جعلها الله في عينك |
٤٥ |
قيل لأميرالمؤمنين عليه السلام : هل يقدر ربّك أن يدخل الدنيا في بيضة |
٤٦ |
كلّ الظالم فيها إلحاد حتّى ضرب الخادم |
٩١ |
كَمَا نَصَبَ لِأَمْرِكَ نَفْسَهُ وَعَرَّضَ فِيكَ لِلْمَكْرُوهِ بَدَنَهُ |
٩١ |
لا يتناجى اثنان دون الثالث |
٦٤ |
لا يزال الدعاء محجوباً حتّى يصلّي على محمّد وآل محمّد |
٢٨ |
لا ينبغي للرجل أن يقيم بمكّة سنة |
٩٢ |
لا ينتجي إثنان دون صاحبهما |
٦٤ |
لقد حجّ عليه السلام على نقاة عشرين حجّة فما قرعها بسوط |
١٠ |
لكلّ ما قلتم فضلٌ ، وليس به |
٨٠ |
ليتمنّينّ أقوام أنّهم أكثروا من السيّئات |
١٢٣ |
الأحاديث |
الصفحة |
ما انتجيته ولكن الله انتجاه |
٦٤ |
ما أوذي نبي مثل ما اُوذيت |
٨١ |
ما في الميزان شيء أثقل من الصّلاة على محمّد وآل محمّد |
٢٩ |
من آذى ذمّياً فقد آذاني |
٦٧ |
من جاور بمكة سنة غفر الله له ذنبه |
٩١ |
من ختم القرآن بمكّة من جمعة إلى جمعة |
٩١ |
من ذكرت عنده ولم يصلّ عليّ دخل النّار |
٢٥ |
من ذكرت عنده ولم يصلِّ علّي فدخل النار فأبعده الله |
٢٥ |
من صلّى علّي صلّى الله عليه وملائكته |
٢٩ |
من صلّى عليّ واحدة صلّى الله عليه عشراً |
١١٣ |
من صلّى على محمّد وآل محمّد عشراً |
٢٩ |
من قال : مطرنا بنوء كذا فقد كفر لما اُنزل على محمّد |
٩٦ |
من لم يحبّ على الدين ولم يبغض عن الدين فلا دين له |
٨٠ |
نحن الأُمّة الوسط ونحن شهداء الله على خلقه وحجّته في أرضه |
٥٨ |
نحن الشهداء على الناس بما عندهم من الحلال والحرام |
٥٨ |
نعم وفي أصغر من البيضة قد جعلها الله في عينك |
٤٨ |
وَالْحَمْدُلِلّٰهِ الَّذِي مَنَّ عَلَيْنَا بِمُحَمَّدٍ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ |
٣٢ |
والذي نفس محمّد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأُمّة يهودي |
٣٩ |
وَأَدْأَبَ نَفْسَهُ فِي تَبْلِيغِ رِسَالَتِكَ ، وَأَتْعَبَهَا بِالدُّعٰاءِ إِلَىٰ مِلَّتِكَ |
٨١ |
وَأَقْصَى الأَدْنَيْنَ عَلَى جَحُودِهِمْ |
٧٨ |
وقع على الأرض معتمداً على يديه رافعاً رأسه إلى السماء |
٨٨ |
الأحاديث |
الصفحة |
والله إنّك لخير أرض الله ، وأحبّها إلى الله |
٨٩ |
وَكَاشَفَ فِي الدُّعَآءِ إِلَيْكَ حَامَّتَهُ ، وَحَارَبَ فِي رِضَاكَ أُسْرَتَهُ |
٧٥ |
كم قدر الناظر؟ |
٤٥ |
ولسوف يشفّعك يا محمّد يوم القيامة في جميع أهل بيتك |
١١٨ |
وَوالىٰ فِيكَ الأَبْعَدِينَ ، وَعَادىٰ فِيكَ الأقْرَبِينَ |
٨٠ |
وَهَاجَرَ إِلَىٰ بِلاَدِ الْغُرْبَةِ وَمَحَلِّ النَّاْيِ عَنْ مَوْطِنِ رَحْلِهِ |
٨٧ |
ويلك إنّ الله لا يوصف بالعجز ، ومَن أقدر ممّن يلطف الأرض |
٤٧ |
هل أصابك من هذه الرحمة شيء؟ |
٦٨ |
يا موسى لا أقبل الصّلاة إلّا ممّن تواضع لعظمتي |
٤٠ |
يَا نَافِذَ الْعِدَةِ ، يَا وَافِيَ الْقَوْلِ |
١٢١ |
يا هشام فانظر أمامك وفوقك وأخبرني بماترى |
٤٥ |
يا هشام كم حواسّك؟ |
٤٥ |
يخرج من النار من قال : لا إلٰه إلّا الله وكان في قلبه من الخير |
٦٩ |
يخرج منها أي من جهنّم قوم لم يعملوا خيراً قط |
٦٩ |
يؤتى بالرجل يوم القيامة |
١٢٤ |
* * *
فهرس الموضوعات
مقدمة المؤلّف ٥
الدعاء الثاني من الصحيفة السجّاديّة ٢١
في وجوب أو إستحباب الصّلاة على محمّد وآل محمّد ٢٣
في فضل الصّلاة على محمّد وآل محمّد ٢٩
في إشتقاق لفظ محمد صلى الله عليه واله ٣٢
في زوجات النبي صلى الله عليه واله وأولاده ٣٧
في بيان معنى القرون السالفة ٣٩
في أنّ المراد من الأُمّة الماضية أُمّة محمّد صلى الله عليه واله ٤١
في معنى الشيء ٤٢
في بيان قدرة الله عزّوجلّ ٤٥
في إنكار الأُمم تبليغ الأنبياء عليهم السلام ٥٣
في إعتبار العدالة في الشهود ٥٧
في فضيلة تكثير أُمّة محمّد صلى الله عليه واله ٦١
في بيان معنى الوحي في اللغة ٦٢
في بيان معنى الصفوة ٦٥
في بيان معنى الرّحمة ٦٦
في بيان معنى الخير ٦٩
في قرار جسده صلى الله عليه واله للمكروهات ٧١
في معنى الرحم ٧٥
في معنى لفظ الجحود ٧٨
في بيان المراد من الأبعدين والأقربين ٨٠
في ما لا قاه صلى الله عليه واله من الأذى من أُمّته ٨١
في بيان المراد من الدعوة ٨٥
في هجرته صلى الله عليه واله إلى بلاد الغربة ٨٧
في أفضليّة الصّلاة في مسجد الحرام ٩١
في أقسام الكفر ٩٣
في معنى جملة استتبّ له الأمر ٩٨
في معنى لفظ نهد ٩٩
في الذين غزاهم صلى الله عليه واله في عقر ديارهم ١٠١
في أقسام الشرك ١٠٦
في بيان معنى لفظي المنزلة والمرتبة ١٠٩
في معنى الشّفاعة ١١٤
في معنى الوعد والوعيد ١٢١
فيمن جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ١٢٥
الفهارس ١٢٧
فهرست الآيات الكريمة ١٢٩
فهرست الأحاديث الشريفة ١٣٩
فهرست الموضوعات ١٤٧
مصادر التحقيق ١٤٩
* * *
مصادر التحقيق
١ ـ الإرشاد : للشيخ المفيد ، قم ـ ايران.
٢ ـ أساس البلاغة : لجار الله محمود بن عمر الزمخشري ، منشورات مكتب الإرشاد الإسلامي ، قم ـ ايران.
٣ ـ الإعتقادات في دين الإماميّه : للشيخ الصدوق ، منشورات محلاتي ، قم ـ ايران.
٤ ـ الأغاني : لأبي الفرج الإصفهاني ، منشورات دار الفكر ، بيروت ـ لبنان.
٥ ـ أنوار التنزيل وأسرار التأويل : لعبدالله بن عمر البيضاوي ، منشورات الكعبة ، طهران ـ ايران.
٦ ـ بحار الأنوار : للعلّامة المجلسي ، منشورات دار الكتب الإسلاميّة ، طهران ـ ايران.
٧ ـ بداية المجتهد ونهاية المتقصد : للامام محمّد بن أحمد بن محمد القرطبي ، منشورات الرضي ، قم ـ ايران.
٨ ـ البداية والنهاية : لإبن كثير الدمشقي ، منشورات دار الكتب العلميّة ، بيروت ـ لبنان.
٩ ـ البرهان في تفسير القرآن : للعلّامة السيد هاشم البحراني ،
منشورات إسماعيليان ، قم ـ ايران.
١٠ ـ بصائر الدرجات : للشيخ محمد بن حسن الصفّار ، منشورات الأعلمي ، طهران ـ ايران.
١١ ـ تاج العروس : للسيّد محمد مرتضى الحسيني الزبيدي.
١٢ ـ تذكرة الخواص : للعلّامة سبط ابن الجوزي ، منشورات مكتبة نينوى ، طهران ـ ايران.
١٣ ـ ترجمه الإمام زين العابدين على بن الحسين عليه السلام من تاريخ مدينة دمشق : لإبن عساكر ، منشورات مجمع إحياء الثقافة الإسلاميّة ، طهران ـ ايران.
١٤ ـ الترغيب والترهيب : للإمام عبد الله المنذري ، منشورات دار الفكر ، بيروت ـ لبنان.
١٥ ـ تفسير العياشي : لمحمد بن مسعود بن عياشي السلمي السمرقندي المعروف بالعياشي ، منشورات المكتبة العلميّة الإسلاميّة ، ايران ـ طهران.
١٦ ـ تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان : للعلّامة حسن بن محمّد بن حسين القمي النيسابوري في هامش جامع البيان في تفسير القرآن للطبري ، منشورات دار الجيل ، بيروت ـ لبنان.
١٧ ـ تفسير القمي : لعلي بن إبراهيم القمي ، منشورات دارالكتاب ، قم ـ ايران.
١٨ ـ تفسير الكبير : للفخر الرازي ، الطبعة الثالثة ، قم ـ ايران.
١٩ ـ تفسير نور الثقلين : للعلّامة الحويزي ، منشورات دار الكتاب العلميّة ، قم ـ ايران.
٢٠ ـ التوحيد : للشيخ الصدوق ، منشورات مؤسسة النشر الإسلامي ، قم ـ ايران.
٢١ ـ تهذيب الأسماء واللغات : للإمام النوري.
٢٢ ـ تهذيب اللغة : للأزهري.
٢٣ ـ ثواب الأعمال : للشيخ الصدوق ، منشورات الشريف الرضي ، قم ـ ايران.
٢٤ ـ جامع البيان في تفسير القرآن : لأبي جعفر محمّد بن جرير الطبري ، منشورات دار الجيل ، بيروت ـ لبنان.
٢٥ ـ الجامع الصغير : للإمام السيوطي ، منشورات دار الفكر ، بيروت ـ لبنان.
٢٦ ـ حلية الأولياء : لأبي نعيم الإصفهاني ، منشورات دار الفكر ، بيروت ـ لبنان.
٢٧ ـ الخصال : للشيخ الصدوق ، منشورات جماعة المدرسين ، قم ـ ايران.
٢٨ ـ الدر المنثور : للإمام السيوطي ، منشورات مكتبة آية الله المرعشي النجفى ، قم ـ ايران.
٢٩ ـ الدروس الشرعيّة في فقه الإمامية : للإمام محمّد بن مكي العاملي الشهيد ، منشورات صادقي ، قم ـ ايران.
٣٠ ـ الذريعة إلى تصانيف الشيعة : للعلّامة آقا بزرك الطهراني ، منشورات دار الأضواء بيروت ـ لبنان.
٣١ ـ ربيع الأبرار : لأبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري ، منشورات الشريف الرضي ، قم ـ ايران.
٣٢ ـ روضة الواعظين : للفتّال النيسابوري ، منشورات الشريف الرّضي ، قم ـ ايران.
٣٣ ـ زبدة البيان في أحكام القرآن : للمحقّق الأردبيلي.
٣٤ ـ سنن إبن ماجة : لأبي عبدالله محمّد بن يزيد القزويني ، منشورات دار إحياء التراث العربي ، بيروت ـ لبنان.
٣٥ ـ سنن أبي داود : لإبن داود السجستاني ، منشورات دار إحياء السنّة النّبويّة ، بيروت ـ لبنان.
٣٦ ـ السيرة الحلبيّة : لعلي بن برهان الدين الحلبي الشافعي ، منشورات دار إحياء التراث العربي ، بيروت ـ لبنان.
٣٧ ـ شذور الذهب : لإبن هشام النحوي الأنصاري ، منشورات دار الهجرة ، قم ـ ايران.
٣٨ ـ شرح الشافية : للرضي الاسترابادي ، منشورات المكتبة المرتضويّة.
٣٩ ـ شرح الكافيّة في النحو : للرضي الاسترابادي ، منشورات المكتبة المرتضويّة للإحياء الآثار الجعفريّة.
٤٠ ـ شواهدالتنزيل : للحاكم الحسكاني ، منشورات مجمع إحياء الثقافة الإسلاميّة التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي ، طهران ـ ايران.
٤١ ـ الصحاح : لإسماعيل بن حماد الجوهري ، منشورات دارالعلم للملائين ، بيروت ـ لبنان.
٤٢ ـ صحيح البخاري : للإمام أبي عبدالله محمّد بن إسماعيل البخاري الجعفي ، منشورات دار الفكر ، بيروت ـ لبنان.
٤٣ ـ صحيح مسلم للإمام مسلم بن الحجّاج القشيري النيشابوري ، منشورات دار إحياء التراث العربي ، بيروت ـ لبنان.
٤٤ ـ الطبقات الكبرىٰ : لإبن سعد ، منشورات دار الكتب العلميّة ، بيروت ، لبنان.
٤٥ ـ علل الشرايع : للشيخ الصدوق ، منشورات دار إحياء التراث العربي ، بيروت ـ لبنان.
٤٦ ـ عيون أخبار الرضا عليه السلام : للشيخ الصدوق ، منشورات جهان ، طهران ، ايران.
٤٧ ـ الغريبين : للهروي ، مخطوط في مكتبة جامعة طهران.
٤٨ ـ الفقه على المذاهب الأربعة : لعبد الرحمان الجزيري ، منشورات دار إحياء التراث العربي ، بيروت ـ لبنان.
٤٩ ـ القاموس المحيط : للفيروز آبادي ، منشورات ـ دارالمعرفة ، بيروت ـ لبنان.
٥٠ ـ الكافي : للشيخ الكليني ، منشورات دارالكتب الإسلاميّة ، طهران ـ ايران.
٥١ ـ كتاب السيوطي : لأبي الفضل جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي الشافعي.
٥٢ ـ الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل : منشورات أدب الحوزة ، قم ـ ايران.
٥٣ ـ كشف الغمّة في معرفة الأئمة : للعلّامة أبي الحسن علي بن عيسى ابن أبي فتح الإربيلي ، منشورات دار الكتب الإسلامي ، بيروت ـ لبنان.
٥٤ ـ الكنى والألقاب : للمحدّث الشيخ عباس القمي ، منشورات
مكتبة الصدر ، طهران ـ ايران.
٥٥ ـ لسان العرب : لأبي منظور ، منشورات دار صادر ، بيروت ـ لبنان.
٥٦ ـ مجمع البيان للشيخ الطوسي ، منشورات دار إحياء التراث العربي ، بيروت ـ لبنان.
٥٧ ـ مجمع الزوائد : لعلي بن أبي بكر الهيثمي ، منشورات دار إحياء التراث العربي ، بيروت ـ لبنان.
٥٨ ـ المجموع شرح المهذّب : للإمام محيي الدين النووي ، منشورات دار الفكر ، بيروت ـ لبنان.
٥٩ ـ المحكم في اللغة : لإبن سيدة.
٦٠ ـ مسند الإمام أحمد بن حنبل : منشورات دار الفكر ، بيروت ـ لبنان.
٦١ ـ المصباح المنير : للفيومي ، منشورات دارا لهجرة ايران ـ قم.
٦٢ ـ معالم العلماء : للحافظ الشهيد محمّد بن علي بن شهرآشوب السروي ، منشورات المطبعة الحيدريّة ، نجف الأشرف.
٦٣ ـ معاني الأخبار : للشيخ الصدوق ، منشورات جماعة المدرسين ، قم ـ ايران.
٦٤ ـ معجم البلدان : للشيخ الحموي الرومي البغدادي ، منشورات دار إحياء التراث العربي ، بيروت ـ لبنان.
٦٥ ـ معجم مقاييس اللغة : لأبي الحسن أحمد بن فارس بن زكريا ، منشورات مكتب الإعلام الإسلامي.
٦٦ ـ المعجم الكبير : لسليمان بن أحمد الطبراني ، منشورات دار إحياء
التراث العربي ، بيروت ـ لبنان.
٦٧ ـ مغني اللبيب : عن كتب الأعاريب لإبن هشام الأنصاري ، منشورات مكتبة بني هاشمي ، تبريز ـ ايران.
٦٨ ـ المفردات في غريب القرآن : للراغب الإصفهاني ، منشورات مكتب الإعلام الإسلامي ، قم ـ ايران
٦٩ ـ مكارم الأخلاق : لأبي نصر الحسن بن الفضل الطبرسي ، منشورات النشر الإسلامي ، قم ـ ايران.
٧٠ ـ مناقب آل أبي طالب : لأبي جعفر رشيد الدين محمّد بن علي بن شهراشوب السروي المازندراني ، منشورات مؤسسة العلّامة ، قم ـ ايران.
٧١ ـ من لايحضره الفقيه : للشيخ الصدوق ، منشورات دارالكتب الإسلاميّة ، طهران ـ ايران.
٧٢ ـ الموطأ : للإمام مالك بن أنس ، منشورات دار الكتب العلميّة ، بيروت ـ لبنان.
٧٣ ـ النهاية في غريب الحديث والأثر : لإبن الأثير ، منشورات المكتبة الإسلاميّه ، بيروت ـ لبنان.
٧٤ ـ نهج البلاغة للإمام أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام : تحقيق صبحي صالح ، منشورات دار الهجرة ، قم ـ ايران.
٧٥ ـ وسائل الشيعة : للشيخ الحر العاملي ، منشورات المكتبة الإسلاميّة ، طهران ـ ايران.
* * *