وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى
الجزء الثالث
تأليف
نور الدين علي بن أحمد السّمهودي
المحقق: خالد عبد الغني محفوظ
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الباب الخامس
في مصلّى النبي ص في الأعياد ، وغير ذلك من المساجد التي صلّى فيها النبيصلىاللهعليهوسلم ، مما علمت عينه أو جهته ، بالمدينة وما حولها ، وما جاء في مقبرتها ومن دفن بها ، والمشاهد المعروفة ، وفضل أحد والشّهداء به. وفيه سبعة فصول :
الفصل الأول
في المصلّى في الأعياد ، وفيه أطراف
الأول : في الأماكن التي صلّى فيها النبي ص العيد.
أول عيد صلاه النبي بالمصلى
قال الواقديّ : أول عيد صلى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم بالمصلّى سنة اثنتين من مقدمه المدينة من مكة ، وحملت له العنزة وهو يومئذ يصلي إليها في الفضاء ، وكانت العنزة للزبير بن العوام ، أعطاه إياها النّجاشي فوهبها للنبيصلىاللهعليهوسلم ؛ فكان يخرج بها بين يديه يوم العيد ، وهي اليوم بالمدينة عند المؤذنين ، يعني يخرجون بها بين يدي الأئمة في زمانهم.
وروى ابن شبة عن جابر بن عبد الله قال : لما رجعنا من بني قينقاع ضحينا أول أضحى في ذي الحجة صبيحة عشر ، فكان أول أضحى رآه المسلمون ، وذبح أهل اليسر من بني سلمة ، فعددت في بني سلمة سبع عشرة أضحية.
مكان مصلى العيد
وروى ابن زبالة وابن شبة عن أبي هريرة قال : أول فطر وأضحى صلى فيه رسول اللهصلىاللهعليهوسلم للناس بالمدينة بفناء دار حكيم بن العداء عند أصحاب المحامل.
وروى الثاني عن ابن أبي فروة أن النبيصلىاللهعليهوسلم صلى في ذلك المكان.
وروى الأول عنه ما يقتضيه ؛ فإنه روى عن إبراهيم بن أبي أمية قال : أدركت مسجدّا في زمان عثمان عند حرف زاوية أبي يسار عند أصحاب المحامل ، وليس ثم مسجد غيره ، وذلك المسجد هو الذي صلّى فيه النبيصلىاللهعليهوسلم يوم أضحى ، وضحّى هناك هو وأصحابه حتى احتملت ضحاياهم من عنده.
قال : وأخبرني من رأى الأنصار يحملون ضحاياهم من هناك ، ثم روى عن ابن أبي
فروة قال : إن النبيصلىاللهعليهوسلم صلّى في ذلك المسجد وهو خلف المجزرة التي بفناء دار العداء بن خالد ، وبقال لها : دار أبي يسار.
قلت : فالروايات المذكورة متّفقة على الصلاة بالمحلّ المذكور ، ودار حكيم بن العداء هي دار أبيه العداء بن خالد بن هوذة بن بكر بن هوازن ؛ فلا مخالفة في ذلك ، ولم أعلم محل داره ، غير أن الظاهر من قوله «عند أصحاب المحامل» أنه موضع بأعلى السوق مما يلي المصلى ، وفي أول الروايات المذكورة بيان أن الصلاة فيه كانت في أول الأمر.
تعدد موضع صلاة العيد
وروى ابن زبالة أيضا ما يخالف بالنسبة إلى الأولية عن إبراهيم بن أبي أمية عن شيخ من أهل السنّ والثقة قال : أول عيد صلّاه رسول اللهصلىاللهعليهوسلم صلى في حارة الدوس عند بيت ابن أبي الجنوب ، ثم صلى العيد الثاني بفناء دار حكيم عند دار حفرة داخلا في البيت الذي بفنائه المسجد ، ثم صلى العيد الثالث عند دار عبد الله بن درة المزني داخلا بين الدارين دار معاوية ودار كثير بن الصّلت ، ثم صلى العيد الرابع عند أحجار كانت عند الحناطين بالمصلى ، ثم صلى داخلا في منزل محمد بن عبد الله بن كثير بن الصلت ، ثم صلى حيث يصلي الناس اليوم.
وروى ابن شبة من طريق إبراهيم بن أبي أمية مولى بني عامر بن لؤي قال : سمعت ابن باكية يقول : صلى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم العيد عند دار الشّفاء ، ثم صلى في حارة الدوس ، ثم صلى في المصلى ؛ فثبت يصلّى فيه حتى توفاه الله تعالى.
وروى أيضا عن ابن شهاب قال : صلى النبيصلىاللهعليهوسلم العيد في موضع آل درة ، وهم حي من مزينة ، ثم صلى دون ذلك في مكان أطم بني زريق عند أذنه اليسرى.
قلت : قوله «ثم صلى في المصلى فثبت يصلي فيه حتى توفاه الله تعالى» هو بمعنى قوله في الرواية التي قبلها «ثم صلى حيث يصلي الناس اليوم» يعني بالمسجد المعروف بمسجد المصلى.
بين مصلى العيد وباب السلام ألف ذراع
وقد نقل ابن شبة عن شيخه أبي غسّان وهو الكناني من أصحاب مالك أنه قال : ذرع ما بين مسجد رسول اللهصلىاللهعليهوسلم الذي عنده دار مروان بن الحكم وبين المسجد الذي يصلي فيه العيد بالمصلى ألف ذراع.
قلت : وقد اختبرته فكان كذلك ، وهذا المسجد هو المراد بقوله في حديث ابن عباس في الصحيح «إن النبيصلىاللهعليهوسلم أتى في يوم عيد إلى العلم الذي عند دار كثير بن الصلت الحديث» وكأنهم كانوا قبل اتخاذ المسجد بذلك المحل جعلوا الصلاة الشريف شيئا يعرف به ، وهو المراد بالعلم بفتحتين.
وقال ابن سعد : كانت دار كثير بن الصلت قبلة المصلي في العيد ، وهي تطل على
بطحان الوادي في وسط المدينة ، انتهى. وليس المراد أنها متصلة بوادي بطحان ، بل بينهما بعد. ودار كثير هذه كانت قبله للوليد بن عقبة ، ثم اشتهرت بكثير بن الصلت ، وهو من التابعين ، ولد في زمن النبيصلىاللهعليهوسلم فوقع التعريف بداره ليقرب إلى ذهن السامع فهم ذلك ، وليس كثير بن الصلت هو الذي اختطها ، خلافا لما وقع في كلام الحافظ ابن حجر حيث قال : وإنما بنى كثير بن الصلت داره بعد النبيصلىاللهعليهوسلم بمدة ، لكنها لما كانت شهيرة في تلك البقعة وصف المصلّى بمجاورتها ، انتهى. ومأخذنا فيما قدمناه قول ابن شبة في دور بني عبد شمس ونوفل : واتخذ الوليد بن عقبة بن أبي معيط الدار التي في مصلى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم التي صلى إليها العيد ، وهي يصلي إليها اليوم لآل كثير بن الصلت الكندي ، فجلد عثمان الوليد في الشراب ، فحلف لا يساكنه إلا وبينهما بطن واد ، فعارض كثير بن الصلت بداره هذه إلى دار كثير ببطحان التي يقال لها دار الوليد بن عقبة في شفير الوادي ، أي من العدوة الغربية كما بينه في موضع آخر.
تحديد المواضع التي صلى فيها العيد
وأما الموضع المذكور لصلاة العيد أولا عند أصحاب المحامل ـ وهم الذين يبيعون المحامل ويصنعونها ـ فيظهر أنه المسجد المعروف اليوم بمسجد علي رضي الله تعالى عنه الآتي ذكره.
وأما الموضع المذكور في الرواية الأخرى عند دار بن أبي الجنوب فلم أعلم محله ، غير أن دار ابن أبي الجنوب كانت بالحرّة الغربية التي غربي وادي بطحان كما يؤخذ مما سيأتي في الخندق ومسجد الشجرة والمغرس.
وأما الموضع المذكور في قوله «عند دار عبد الله بن درة المزني إلى آخره» فقد تقدم أن منازل مزينة كانت في غربي المصلى وفي قبلتها. وتقدم أن دار كثير بن الصّلت كانت قبلة المصلى ، ودار معاوية رضي الله تعالى عنه كانت في مقابلتها ، وسيأتي في بيان طريقهصلىاللهعليهوسلم إلى قباء أنه كان يمر على المصلى ثم يسلك في موضع الزقاق بين الدارين المذكورتين ؛ فيكون ذلك المحل في قبلة المصلى اليوم : إما من المغرب ، وإما من المشرق ، والأول هو الأقرب.
وأما بقية المواضع المذكورة فلم أعرف جهاتها ، غير أن الذي يظهر أنها حول المصلى ، وبعضها بسوق المدينة ، لذكر الحناطين فيها ، وسيأتي في مشهد مالك بن سنان أنه بطرف الحناطين ، والظاهر أن من هذه المواضع المسجد المعروف اليوم بمسجد أبي بكر رضي الله تعالى عنه بالحديقة المعروفة بالعريضية ، كما سيأتي عن المطري.
وأما ما رواه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه قال : خرج رسول اللهصلىاللهعليهوسلم يوم أضحى إلى البقيع فصلى ركعتين ثم أقبل
علينا بوجهه وخطب وقال : إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ، ثم نرجع فننحر ـ الحديث ؛ فظاهره أن المراد بقيع الغرقد ، لكني أستبعده ؛ لأن المتقدمين من مؤرخي المدينة لم يذكروا ذلك مع اشتهار هذا الحديث ، وكذلك المطري ومن تبعه. وأغرب الحافظ ابن حجر فقال في الكلام على ترجمة البخاري للرجم بالمصلّى : المراد المكان الذي كان يصلى عنده العيد والجنائز ، وهو من ناحية بقيع الغرقد ، اه.
ومأخذه في ذلك ظاهر هذا الحديث ، مع ما ورد من رواية أخرى من الرجم عند موضع الجنائز ، وقد تقدم أن موضع الجنائز في شرقي المسجد عند باب جبريل ، وليس هو من البقيع ، وأما المصلي حيث أطلقت فإنما يراد بها الموضع المعروف الذي قدمناه في غربي المدينة ، وبقيع الغرقد في شرقيها ، وقد ذكره الحافظ ابن حجر في موضع آخر على الصواب كما سيأتي عنه في الطرف الثاني ، وعلى تقدير أن يكون المراد من حديث البراء المتقدم بقيع الغرقد فهو من المواضع التي صلى فيها النبيصلىاللهعليهوسلم في بعض السنين ، وليس هو المراد إذا أطلق المصلى جزما. والذي يترجح عندي أن المراد بالبقيع في حديث البراء سوق المدينة ؛ لما قدمناه فيه من أنه كان يسمى بقيع الجبل ، وهو أحد الأماكن المتقدم ذكرها لصلاة العيد ، وكذلك هو المراد من حديث ابن عمر «أني أبيع الإبل بالبقيع بالدراهم وآخذ مكانها الدنانير» كما قدمناه.
وقال الجمال المطري عقب نقله لما قدمناه عن ابن زبالة : ولا يعرف من المساجد التي ذكر لصلاة العيد إلا هذا المسجد الذي يصلي فيه اليوم ، ومسجد شمالية وسط الحديقة المعروفة بالعريضي المتصلة بقبة عين الأزرق ، ويعرف اليوم بمسجد أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ، ولعله صلى فيه في خلافته ، ومسجد كبير شمالي الحديقة متصل بها يسمى مسجد علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ، ولم يرد أنهرضياللهعنه صلى بالمدينة عيدا في خلافته ؛ فتكون هذه المساجد الموجودة اليوم من الأماكن التي صلى فيها رسول اللهصلىاللهعليهوسلم صلاة العيد سنة بعد سنة وعيدا بعد عيد ؛ إذ لا يختص أبو بكر وعلي رضى الله عنهما بمسجدين لأنفسهما ويتركان المسجد الذي صلى فيه النبيصلىاللهعليهوسلم ، انتهى.
قلت : ما ذكره من أنه لم يرد أن عليا رضي الله تعالى عنه صلى بالمدينة عيدا في خلافته ، أي فلا تظهر نسبة المسجد المذكور إليه ، وكأنه لم يقف على ما رواه ابن شبة عن سعد بن عبيد مولى ابن أزهر قال : صليت العيد مع عليرضياللهعنه وعثمانرضياللهعنه محصور ؛ فصلى ثم خطب بعد الصلاة.
وروى أيضا عن الزهري قال : صلى سهل بن حنيف وعثمان محصور الجمعة ، وصلى يوم العيد علي بن أبي طالب ؛ فالظاهر أنه صلى حينئذ بذلك المكان لكونه أحد المصليات التي صلى فيها النبيصلىاللهعليهوسلم ، لا أنه ابتكر الصلاة فيه ، والله أعلم.
مصلى العيد بالصحراء
ولم يكن المصلي في زمن النبيصلىاللهعليهوسلم مسجدّا ، بل كانت صحراء لا بناء بها ، ونهىصلىاللهعليهوسلم عن البناء بها كما سيأتي ، ولهذا وقع الرجم بها. وذهب بعض العلماء إلى أن المصلى يثبت لها حكم المسجد ، وإن لم يوقف ، وهو مردود ؛ فإن من شاهد مصلاصلىاللهعليهوسلم وما ذكر من امتدادها إلى سوق المدينة كما قدمناه فيه وما بها من الدور والشوارع علم عدم صحة ذلك ، وحمل الرجم المذكور في الحديث على أنه وقع بالقرب منها خلاف مقتضى اللفظ والمسجد المتخذ بها اليوم إنما هو في بعضها ، وهو المحل الذي قام به النبيصلىاللهعليهوسلم ، وكذلك المسجدان الآخران ، والظاهر أن بناء الثلاثة كان في زمن عمر بن عبد العزيز.
وقد قدمنا ذكر الأول منها ، وهو المعروف اليوم بمسجد المصلى فيما نقله ابن شبة عن أبي غسان من الذّرع ؛ لما بينه وبين المسجد النبوي.
والثاني المنسوب إلى أبي بكر الصديقرضياللهعنه بالحديقة المذكورة عن يساره مخزن لدواب الحديقة المذكورة ، ومدخل الدواب من باب المسجد الذي في شاميه ، فيمتهنه أهل الحديقة بمرور البهائم منه ، وربما حبسوها فيه ، فدخلته مرة فوجدته كالمزبلة ، وهو في غاية الامتهان قد امتلأ بروث الدواب وبولها ، ولم أجد موضعا للصلاة فيه فتكلمات مع شيخ الخدام الأمير إينال الناظر على الحديقة المذكورة في أن يغير باب المخزن المذكور ، ويجعله من خارج المسجد ، فأمر فقيهه الفقيه الشهاب أحمد النوسي بالنظر في ذلك ، فجعل على الموضع المسقف من المسجد المذكور الذي فيه المحراب جدارا في شاميه يمنع من وصول البهائم إليه ، وكان في جدار المسجد الغربي مما يلي القبلة هيئة بابا مشبك ، فجعله باب لذلك المحل ، وبقيت رحبة المسجد التي في شاميه دهليزا للدواب ، فكلمته في ذلك فذكر أنه قيل له : إن المسجد هو ذلك المسقف فقط ، وجدران المسجد شاهدة بخلاف ذلك ، فليتنبه له.
والمسجد الثالث المنسوب لعلي رضي الله تعالى عنه كان قد تهدّم ودثر حتى صار بعض الحجاج يدفن فيه من يموت في زمن الموسم ، فإنه إلى جانب منزلة الحجاج ، فجدد بناءه الأمير زين الدين ضغيم المنصوري أمير المدينة الشريفة سنة إحدى وثمانين وثمانمائة.
وأما المسجد الأول المعروف اليوم بمسجد المصلى فلم يزل مصونا ، وكان بابه لا يزال مفتوحا فربما يقع له انتهاك ، فأمر شيخ الخدام بغلقه ، وعمارته الموجودة اليوم لا أدري لمن تنسب ، إلا أني رأيت على بابه حجرا قد انمحى بعض الكتابة منه ، وفيه «أمر بتجديد هذا المسجد المنسوب للنبيصلىاللهعليهوسلم بعد خرابه وذهاب عز الدين شيخ الحرم الشريف النبوي ، وذلك في أيام السلطان الملك الناصر حسن بن السلطان محمد بن قلاون الصالحي» وما بعد ذلك قد
انمحى. وابتداء ولاية السلطان حسن المذكور في سنة ثمان وأربعين ، واستمر إلى أثناء سنة اثنتين وستين وستين وسبعمائة ، وهذا المسجد بابه في حائطه الشامي قريبا من محاذاة محرابه ، ومن خارج بابه على يمين الداخل منه درج يصعد إلى موضع لطيف على ميمنة الباب المذكور ، وقد أصلح ما تشعّث من هذا المسجد الأمير بردبك المعمار سنة إحدى وستين وثمانمائة في دولة الأشرف إينال ، وأحدث لذلك الموضع المتقدم وصفه في ميمنة الباب المذكور درجة أخرى يتوصل بها إليه من داخل المسجد ، وذلك الموضع هو الذي يقوم عليه الخطيب في يوم العيد ، وأحدث الأمير بردبك أيضا أمام ذلك الموضع من خارج المسجد مسقفا ليجلس عليه المبلغون أمام الخطيب ، وفي يوم العيد يجتمع أهل السنة من أهل المدينة وأعيانهم بالمصلى المذكور ، بحيث لا يبقى خارجه من أهل السنة إلا اليسير مع شيخ الخدام وجماعته ، لأن العادة جرت بأن يكون صفهم أمام الخطيب في الجمعة والعيد ؛ لما ذكره البدر ابن فرحون من أن أول قاض ولي لأهل السنة القاضي الإمام العلامة السراج عمر بن أحمد الخضر سنة اثنتين وثمانين وستمائة في دولة المنصور قلاوون الصالحي ، وكان القضاة قبل ذلك من الشيعة آل سنان ، وكانت الخطابة بأيديهم ، فانتزع السلطان المشار إليه ذلك منهم للسراج ، فكانوا يؤذونه أذى شديدا.
قال ابن فرحون : أدركت من أذاهم له أنهم كانوا يرجمونه بالحصباء وهو يخطب على المنبر ، فلما كثر ذلك منهم تقدم الخدام وجلسوا بين أيديهم أمام المنبر ، فذلك هو السبب في إقامة صفّ الخدام قبالة الخطيب ، وخلفهم غلمانهم وعبيدهم. اه.
وقد استمر ذلك إلى اليوم ، فإذا صلى الإمام بأهل المسجد المذكور صلاة العيد انصرف ، وخرج من بابه المذكور مخترقا للصفوف متخطّيا للرقاب إلى أن يصعد في أعلى تلك الدرج ، فيستدبر القبلة ويستقبل جهة الشام على عادة الخطباء ، ثم يخطب هناك ، فيصير جميع من في المسجد خلف ظهره ، ثم إن أهل المسجد يستدبرون القبلة ويستقبلون ظهره وغالب من يصلي خارج المسجد لا يشاهده أيضا لحيلولة المسقف المحدث أمام ذلك الموضع ، وهذا كله مخالف للسنة ، ولما ثبت من فعلهصلىاللهعليهوسلم في هذا المحل من قيامه في مصلاه مستقبلا للناس وهم على صفوفهم كما سنوضحه ، ومن زعم أن هذا الوضع في محل قيام النبيصلىاللهعليهوسلم وأنه صلى بذلك المحل على هذه الصفة الموجودة اليوم فقد أخطأ خطأ عظيما وأساء الأدب ، فكيف يظن بهصلىاللهعليهوسلم أنه ينصرف عن أصحابه حتى يستدبرهم أو الكثير منهم ثم يخطب لهم؟ وتترك الصحابة رضي الله تعالى عنهم طلعته البهية ويرضون باستدبارهصلىاللهعليهوسلم مع قيامه لمخاطبتهم ، وهم أعظم الناس أدبا وحرصا على رؤيته الشريفة ، وكيف يتفق علماء الإسلام على أن السنة خلاف ذلك كما سيأتي؟ فالمتعين تغيير هذه الهيئة ، والله أعلم.
الطرف الثاني : فيما جاء من أن النبيصلىاللهعليهوسلم قام بالمصلى على غير منبر مستقبلا للناس.
كيف صلى الرسول العيد؟
قال البخاري في صحيحه ، باب الخروج إلى المصلى بغير منبر ، ثم روى فيه حديث أبي سعيد الخدري قال : كان النبيصلىاللهعليهوسلم يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى ، فأول شيء يبدأ به الصلاة ، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس والناس جلوس على صفوفهم ، فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم ، فإن كان يريد أن يقطع بعثا قطعه ، أو يأمر بشيء أمر به ، ثم ينصرف ، فقال أبو سعيد : فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت مع مروان وهو أمير المدينة في أضحى أو فطر ، فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثير بن الصلت ، وإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلي ، فجبذته بثوبه ، فجبذني ، فارتفع فخطب قبل الصلاة فقلت له : غيرتم والله ، فقال : أبا سعيد قد ذهب ما تعلم ، فقلت : ما أعلم والله خير مما لا أعلم ، فقال : إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة ، فجعلتها قبل الصلاة ، هذا لفظ رواية البخاري.
قال الحافظ ابن حجر : المراد بقوله إلى المصلى المصلى المعروف بالمدينة بينه وبين باب المسجد ألف ذراع ، قاله عمر بن شبة عن أبي غسان صاحب مالك ، وفي رواية ابن حبان من طريق داود : فينصرف إلى الناس قائما في مصلاه.
قلت : وهذا معنى قوله في رواية البخاري «ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس» يعني أنه يستدبر القبلة ويقف في مصلاه ، وقد ترجم البخاري لاستقبال الإمام الناس في خطبة العيد ، وأورد فيه طرفا من حديث أبي سعيد المذكور ، وقد صرح الأئمة بأن ذلك هو السنة.
قال الزين ابن المنير : وإنما أعاد البخاري هذه الترجمة مع أنه قدم نظيرها في الجمعة لدفع احتمال توهم أن العيد يخالف الجمعة في ذلك ، وأن استقبال الإمام في الجمعة يكون ضروريا لكونه يخطب على منبر ، بخلاف العيد فإنه يخطب فيه على رجليه لحديث أبي سعيد المذكور ، فأراد أن يبين أن الاستقبال سنّة على كل حال.
من أحدث منبر المصلى العيد
قال الحافظ ابن حجر : وهذا يقتضي أنه لم يكن في المصلّى في زمان النبيصلىاللهعليهوسلم منبر إلى أن اتخذ لمروان ، ويدل عليه قول أبي سعيد «فلم يزل الناس إلى آخره». ووقع في المدونة لمالك ، ورواه ابن شبة عنه قال : أول من خطب الناس في المصلى على منبر عثمان بن عفان ، كلمهم على منبر من طين بناه كثير بن الصلت ، وهذا معضل ، وما في الصحيحين أصح ؛ فقد رواه مسلم بنحو رواية البخاري ، ويحتمل أن يكون عثمان فعل ذلك مرة ثم تركه حتى أعاده مروان ، ولم يطلع على ذلك أبو سعيد ، انتهى.
قلت : لكن روى أبو داود وغيره في حديث ذكر أنه غريب وأن سنده جيد عن عائشة
رضي الله تعالى عنها قالت : شكا الناس إلى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم قحوط المطر ، فأمر بمنبر فوضع له بالمصلى. وفي رواية للترمذي أن النبيصلىاللهعليهوسلم خرج إلى الاستسقاء حتى أتى المصلى فرقى على المنبر ؛ فهذا يقتضي أن النبيصلىاللهعليهوسلم خطب في الاستسقاء بالمصلى على منبر ، وكأن ذلك هو المستند لمن أحدث المنبر في خطبة العيد قياسا على الاستسقاء ، ويحتمل أنهصلىاللهعليهوسلم خصّ الاستسقاء بذلك لتيسر رؤيته لعامة الناس فيها ، فيقتدون به في تحويل الرداء عند تحويله ، وفي كيفية رفع اليدين في الدعاء ، ونحو ذلك مما يختص بخطبة الاستسقاء.
قال الحافظ ابن حجر : وقول أبي سعيد «غيرتم والله» صريح في أنه هو المنكر ووقع في رواية مسلم «فقام إليه رجل فقال : الصلاة قبل الخطبة ، قال : قد ترك ما هنالك ، فقال أبو سعيد : أما هذا فقد قضى ما عليه» فيحتمل أن يكون المنكر أبو مسعود الذي وقع في رواية عبد الرزاق أنه كان معهما ، ويحتمل أن يكون القصة تعددت ، ويدل على ذلك المغايرة بين روايتي عياض ورجاء ، ففي رواية عياض أن المنبر بني له بالمصلى ، وفي رواية رجاء أن مروان أخرج المنبر معه ، ولأن إنكار أبي سعيد كان بينه وبينه ، وإنكار الآخر وقع على رءوس الناس.
وقوله : «إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة» يشعر بأن ذلك باجتهاد من مروان.
أول من خطب قبل صلاة العيد
وقد اختلف في أول من خطب قبل الصلاة ، فرواية الصحيحين عن أبي سعيد مصرحة بأنه مروان.
وروى ابن المنذر بإسناد صحيح عن الحسن البصري قال : أول من خطب قبل الصلاة عثمان ، صلى بالناس ثم خطبهم ، يعني على العادة ، فرأى ناسا لم يدركوا الصلاة ، ففعل ذلك ، أي صار يخطب قبل الصلاة. وهذه العلة غير التي اعتلّ بها مروان ؛ لأن عثمان رضي الله تعالى عنه راعى مصلحة الجماعة في إدراكهم للصلاة ، وأما مروان فراعى مصلحتهم في استماعهم الخطبة ، لكن قيل : إنهم كانوا في زمن مروان يتعمدون ترك سماع خطبته لما فيها من سبّ من لا يستحق السب ، والإفراط في مدح بعض الناس ، فعلى هذا إنما راعى مصلحة نفسه. ويحتمل أن يكون عثمان فعل ذلك أحيانا ، بخلاف مروان فواظب عليه فلذلك نسب إليه.
وقد أوردنا بقية كلام الحافظ ابن حجر وغيره من الفوائد المتعلقة بذلك في كتابنا الموسوم «بالوفا ، بما يجب لحضرة المصطفىصلىاللهعليهوسلم » وبينا فيه أن الدرج الموجودة التي يقوم عليها الخطيب اليوم ليست في الموضع الذي بني لمروان ؛ لأن مروان وإن قدّم الخطبة على الصلاة
فلما له في ذلك من المقصد. وأما جعله المنبر على خلاف السنة وجعله القوم أو بعضهم خلف ظهره فلا ثمرة له ، وأيضا فيبعد إقرار من جاء بعده على ذلك ، وأيضا لو كان ذلك من فعله لأنكر عليه كما أنكر عليه ما تقدم ، ولو سلم أن تلك الدرج في موضع منبر مروان فالسنة تغيير ذلك واتباع ما صح من فعلهصلىاللهعليهوسلم ، كما خولف في أمر الخطبة واتبع بها فعلهصلىاللهعليهوسلم حيث جعلت بعد الصلاة ، والتشبث باستمرار أفعال الناس إنما يكون في شيء لم يعلم حكمه من جهة الشرع ، أما ما علم حكمه فالواجب اتباع الشرع فيه ، واعتقاد حدوث ما عليه الناس ، وتقديره بأقرب زمان ، وقد ذم الله تعالى قوما تمسكوا في جحد الحق بفعل سلفهم حيث قال حكاية عنهم :( إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ ) [الزخرف : ٢٣] فمن الواجب تطهير هذا المحل الشريف المنسوب للمصطفىصلىاللهعليهوسلم عن هذه البدعة الشنعاء ، ولذلك بينا بعض الدرج عن يمين القائم في محراب المسجد المذكور كما ذكر العلماء أنه السنة ، وتكون مرتفعة بحيث يرى القائم عليها من خارج المسجد ، والذي يظهر أن تلك الدرج إنما جعلت للمبلغ ، وأن الخطيب إنما كان يقوم فيه على الأرض ؛ لأنه الثابت من فعلهصلىاللهعليهوسلم ، فكأن بعض الخطباء قام عليها بعد ذلك فاستمر الأمر على ذلك ، والله أعلم.
الطرف الثالث : فيما جاء في فضل المصلى الشريف ، والدعاء به ، ونهيهصلىاللهعليهوسلم عن تضييقه والبناء به.
أورد ابن شبة في ترجمة المصلى عن جناح النجار قال : خرجت مع عائشة بنت سعد بن أبي وقاص إلى مكة ، فقالت لي : أين منزلك؟ فقلت لها : بالبلاط ، فقالت لي : تمسك به فإني سمعت أبي يقول : سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوسلم يقول «ما بين مسجدي هذا المسجد ومصلاي روضة من رياض الجنة».
وقوله في هذه الرواية : «ما بين مسجدي هذا المسجد ـ إلى آخره» يدفع تأويل من أوّل حديث الأوسط للطبراني بلفظ «ما بين حجرتي ومصلّاي» والحديث الذي رواه ابن زبالة من طريق عائشة بنت سعد عن أبيها بلفظ «ما بين منبري والمصلى» بأن المراد مصلاه الذي يصلي فيه في المسجد ؛ لأنه لا يصح أن يقال : ما بين هذا المسجد والمصلى الذي فيه ، ولهذا استدلّت به عائشة بنت سعد على الحث على التمسك بالدور التي بالبلاط ، يعني الآخذة من باب السلام إلى المصلى ؛ لأنها فيما بين المسجد ومصلى العيد ، وإذا كان ما بين المسجدين المذكورين روضة فهما روضة من باب أولى ؛ لأن ذلك الفضل إنما حصل لما بينهما بحصولهصلىاللهعليهوسلم في ذلك وترددهصلىاللهعليهوسلم فيما بينهما ، فكيف بمحلّ سجوده وموقفه الشريف؟
وروى ابن شبة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : كان النبيصلىاللهعليهوسلم إذا قدم من سفر فمر بالمصلّى استقبل القبلة ووقف يدعو.
وعن أبي عطاء عن أبيه قال : قال لي سعيد بن المسيب : يا أبا محمد ، أتعرف موضع دار كثير بن الصلت؟ قلت : نعم ، قال : فإن النبيصلىاللهعليهوسلم خرج حتى انتهى إلى ذلك الموضع فقام وصفّ أصحابه خلفه فصلى على النجاشي حين مات في أرض الحبشة.
وعن أنس بن مالك أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم خرج إلى المصلى يستسقي ، فبدأ بالخطبة ، ثم صلى وكبر واحدة افتتح بها الصلاة وقال : هذا مجمعنا ومستمطرنا ومدعانا لعيدنا ولفطرنا وأضحانا ؛ فلا يا بنى فيه لبنة على لبنة ولا جهة ، ورواه ابن زبالة إلا أنه قال : ثم قال : هذا مجتمعنا ومستمطرنا ومدعانا لعيدنا لفطرنا وأضحانا ، الحديث.
وروى يحيى عن داود بن أبي الفرات قال : خرج رسول اللهصلىاللهعليهوسلم إلى المصلى فقال : هذا مستمطرنا ومصلّانا لأضحانا وفطرنا ، لا يضيق ، ولا ينتقص منه شيء.
وسيأتي في ترجمة أحجار الزيت أن النبيصلىاللهعليهوسلم استسقى عندها قريبا من الزوراء.
بيان طريقي ذهاب النبي للمصلى ورجوعه
الطرف الرابع : فيما جاء من أنهصلىاللهعليهوسلم : كان يذهب إلى هذا المصلى الشريف من طريق ويرجع في أخرى ، وبيان كل من الطريقين.
روينا في صحيح البخاري في باب من خالف الطريق إذا رجع يوم العيد عن جابر رضي الله تعالى عنه قال : كان النبيصلىاللهعليهوسلم إذا كان يوم عيد خالف الطريق.
وروى ابن شبة عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبيصلىاللهعليهوسلم أخذ يوم العيد في طريق ورجع في طريق آخر ، وفي رواية «كان يأخذ يوم العيد في طريق ويرجع في طريق آخر».
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : كان النبيصلىاللهعليهوسلم إذا خرج إلى العيد في طريق لم يرجع فيه.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبيصلىاللهعليهوسلم «كان إذا خرج إلى العيد رجع في غير الطريق الذي أخذ فيه».
وعنه رضي الله تعالى عنه أنه قال : ركن باب داري هذا أحبّ إليّ من زنتها ذهبا ، سلك رسول اللهصلىاللهعليهوسلم على داري إلى العيد ، فجعلها يسارا ، فمر على عضادة داري مرتين في غداة واحدة.
قلت : ولا مخالفة بين هذا وبين الرواية الأولى لأن دار أبي هريرة كانت بالبلاط عند زقاق عبد الرحمن بن الحارث كما قدمناه في الدور المحيطة بالبلاط الأعظم ، وبعدها إلى جهة المصلى قريبا منها دار سعد بن أبي وقاص.
وقد روى ابن شبة عن يحيى بن عبد الرحمن عن أبيه أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم «كان يأتي العيد
ماشيا على باب سعد بن أبي وقاص ، ويرجع إلى أبي هريرة» وحينئذ فيمر على دار أبي هريرة في ذهابه ثم في رجوعه ؛ لأن الشافعي روى في الأم ومنها نقلت عن المطلب بن حنطب أن النبيصلىاللهعليهوسلم «كان يغدو يوم العيد إلى المصلى من الطريق الأعظم ، فإذا رجع رجع من الطريق الأخرى على دار عمار بن ياسر».
ورواه ابن زبالة عن محمد بن عمار بلفظ «كان يخرج إلى المصلى من الطريق العظمى على أصحاب الفساطيط ، ويرجع من الطريق الأخرى على دار عمار بن ياسر» وقد قدمنا أن دار عمار بن ياسر في زقاق عبد الرحمن بن الحارث الذي يسلك إلى البلاط عند دار أبي هريرة بابها يقابل دار عبد الرحمن بن الحارث ، ولها خوخة في كتّاب عروة ، فصحّ مرورهصلىاللهعليهوسلم عليها مرتين في غداة واحدة مع ذهابه من طريق ورجوعه في أخرى.
وسيأتي في ذكر طريقهصلىاللهعليهوسلم إلى قباء ذهابا وإيابا ما يصرح بأنه إذا رجع يمر على مسجد بني زريق من كتّاب عروة حتى يخرج إلى البلاط ، يعني من الزقاق المذكور ؛ لما قدمناه في وصف البلاط.
والطريق العظمى : ـ كما قال المطري ـ هي طريق الناس اليوم من باب المدينة : أي الدرب المعروف بدرب سويقة إلى مسجد المصلى ، ولم يتعرض لبيان الطريق الأخرى ، وقد منّ الله سبحانه وتعالى ببيانه فله الحمد على ذلك. وهذه الطريق هي المرادة بما رواه ابن زبالة عن عائشةرضياللهعنها أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم «كان يذبح أضحيته بيده إذا انصرف من المصلى على ناحية الطريق التي كان ينصرف منها» وتلك الطريق أو المكان الذي كان يذبح فيه مقابل المغرب مما يلي طريق بني زريق ، أي أنه إذا انصرف من المصلّى أتى موضعا في غربي طريق بني زريق فذبح ، ثم سلك في تلك الطريق ، وهي سالكة في بني زريق آخذة من قبلة المصلى إلى أن يمر بدار أبي هريرة كما تقدم ، ولهذا روى الواقدي عن عائشة وابن عمر وغيرهما أنهصلىاللهعليهوسلم «كان يذبح عند طرف الزقاق عند دار معاوية» أي المتقدم ذكرها. وسور المدينة اليوم مانع من سلوك هذه الطريق في الرجوع. ويستفاد من هذا أن المخالفة بين الطريقين لم تكن في جميعهما ، إلا أن يكون النبيصلىاللهعليهوسلم كان إذا وصل إلى محل البلاط الذي عند دار أبي هريرة لم يسلك في بقية الطريق العظمى ، وهي الشارعة اليوم إلى باب السلام ، بل يأخذ في ميسرة البلاط إلى الشام ؛ لأن الظاهر أن غالب تلك الأماكن كانت براحا ثم يعرج إلى جهة داره بعد ذلك. على أن ما ذكرناه في وصف هذه الطريق مقتض لأن طريقهصلىاللهعليهوسلم في ذهابه أقصر من طريق رجوعه كما لا يخفى ؛ فيعكر على القول بأن المستحب أن يذهب في أطول الطريقين ويرجع في أقصرهما.
وقد روى الشافعيرحمهالله تعالى في الأم عقب ما قدمناه عنه وصف طريق أخرى
الرجوع فيها أبعد من الذهاب أيضا بكثير جدّا ؛ فإنه روى عقب ذلك عن معاذ بن عبد الرحمن التيمي عن أبيه عن جده أنه رأى النبيصلىاللهعليهوسلم رجع من المصلّى يوم عيد فسلك على التمارين من أسفل السوق ، حتى إذا كان عند مسجد الأعرج الذي هو عند موضع البركة التي بالسوق قام فاستقبل فج أسلم فدعا ثم انصرف.
قال الشافعي عقبه : وأحبّ أن يصنع الإمام مثل هذا ، وأن يقف في موضع فيدعو الله مستقبل القبلة ، وإن لم يفعل فلا كفارة ولا إعادة عليه ، هذا لفظ الأم ومنها نقلت.
ويؤيد هذا ما رواه يحيى عن محمد بن طلحة بن طويل قال : رأيت عثمان بن عبد الرحمن ومحمد ابن المنكدر ينصرفان من العيد فيقومان عند البركة التي بأسفل السوق ، قال : وسألت عثمان بن عبد الرحمن عن ذلك فقال : كان رسول اللهصلىاللهعليهوسلم يقف عند ذلك المكان إذا انصرف من العيد.
وقد قدمنا عن ابن زبالة في سوف المدينة أن محمد بن المنكدر وعثمان بن عبد الرحمن وجماعة كانوا يقومون بفناء بركة السوق مستقبلين ، وأن عثمان بن عبد الرحمن قال : قد اختلف علينا في ذلك ؛ فقائل يقول : كان رسول اللهصلىاللهعليهوسلم يدعو هنالك ، وقائل يقول : كان رسول اللهصلىاللهعليهوسلم يقوم هنالك فينظر إلى الناس إذا انصرفوا من العيد.
قلت : وقد بينت رواية الشافعي المذكور أنه كان يدعو هنالك إذا انصرف من العيد ، ولا مانع من كونه مع ذلك ينظر إلى الناس المنصرفين من العيد أيضا فلا اختلاف. وقد بينا هناك ما يقتضي أنه كان يسلك على سوق التمارين ، وهو في شامي المصلى مما يلي المغرب ، وبينا أيضا أن منازل أسلم كانت في غربي سوق المدينة إلى الشام بعد التمارين ، وذلك عند حصن أمير المدينة وما سفل منه إلى جهة الشام مما يلي غربي سوق الشاميين عند منزل الحاج الشامي بالموسم ، وبينا بركة بركة السوق هي المنهل المدرج الذي على يسار المتوجه إلى ثنيّة الوداع عند مشهد النفس الزكية ، والقائم عندها إذا استقبل فجّ أسلم كان مستقبلا للقبلة ، ولعل مسجد الأعرج الذي أشار الشافعي في روايته إلى أنه عندها هو الموضع الذي هو قبلة مشهد النفس الزكية ، فإنه مسجد ، وهو عند موضع البركة ، وما علمت المرأة بالأعرج الذي نسب إليه المسجد المذكور.
وقد أنشأ قاضي الحرمين السيد الشريف العلامة محيي الدين عبد القادر الحنبلي الفاسي المكي مسجدّا بمنزلة الحاج الشامي بالقرب من المنهل المذكور في جهة قبلته.
إذا علمت ذلك فهذه الطريق تزيد على الطريق العظمى إلى المصلى بنحو ضعفها ، ويمكن سلوكها اليوم في الرجوع من المصلى ، بخلاف الطريق السابقة ؛ لحيلولة السور.
وأهل المدينة اليوم يذهبون من الطريق العظمى ، ويرجعون في بعض تلك الطريق السابقة ؛ لأنهم يأخذون من جهة قبلة المصلّى إلى المشرق خارج سور المدينة ، فيدخلون من درب البقيع ، وطريقهم هذه في الرجوع أطول من الذهاب أيضا ، ولو سلكوا الطريق المذكورة في رواية الشافعي الثانية لكان أولى ، وليحصل الدعاء بذلك المحل الشريف اقتداء بالنبيصلىاللهعليهوسلم ومن تقدم ذكره من السلف الصالح.
وقد فعلت ذلك في عامنا هذا ، فسلكت في الذهاب إلى المصلّى من الطريق العظمى ، ورجعت من أسفل السوق إلى أن قمت بفناء بركته المذكورة ، ثم انصرفت فدخلت المدينة من الباب الذي يلي حصن أمير المدينة ، والخير كله في الاتباع ومجانبة الابتداع ، وأي بركة أعظم من ذهاب الإنسان إلى المصلى في ذلك اليوم السعيد في طريق ذهب منها النبيّصلىاللهعليهوسلم ؟ ثم صلاته بمصلّاه الشريف ، ثم رجوعه في طريقه التي رجع منها.
وقد قال المجد : وإذا ثبت بما رويناه ـ يعني من الأحاديث المتقدمة ـ أن المصلّى الموجود هو مصلى النبيصلىاللهعليهوسلم في الأعياد ، فالصلاة فيه تزداد فضلا ومزية على كل مصلى أيّ ازدياد ، ويخص الفائزون بالصلاة فيه من الله تعالى بأسبغ نعم وأياد ، ويمنح الحائزون فضل الحضور إليها فواضل قصرت عنها معالي معد وأيادي إياد.
قلت : وأخبرني جماعة من المشايخ منهم شيخنا الكمال أبو الفضل محمد ابن العلامة نجم الدين المرجاني وأخته المسندة أم كمال كماليه والمسندة أم حبيبة زينب ابنة الشهابي أحمد الشونكي وغيرهم إذنا عن المجد المشار إليه قال عقب ما تقدم عنه : أنشدني أبو عمر عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم الحموي كتابة عن أبي البركات أيمن بن محمد بن محمد بن محمد الغرناطي لنفسه :
إنّ عيدا بطيبة وصلاة |
بمصلّى الرسول في يوم عيد |
|
نعم ضاق واسع الشكر عنها |
فهي بشرى لكل عبد سعيد |
|
كم تمنيتها فنلت التمني |
آخر العمر من مكان بعيد |
|
وإذا كان في البقيع ضريحي |
وتوسّدت طيب ذاك الصعيد |
|
فاشهدوا لي بكلّ خير وبشر |
عند ربي ومبدئي ومعيدي |
والمسئول من فضل الله تعالى أن يكمل لأهل هذا المصلى الشريف عظيم منته بجعل منبره المنيف على طريقتهصلىاللهعليهوسلم وسنته ، بمنه وكرمه ، آمين.
الفصل الثاني
في مسجد قباء ، وفضله ، وخبر مسجد الضّرار
أسيس مسجد قباء
تقدم تأسيس النبيصلىاللهعليهوسلم لمسجد قباء في الفصل العاشر من الباب الثالث ، عند مقدمهصلىاللهعليهوسلم قباء ، وبسطنا ذلك هناك ، فراجعه وذكرنا هناك ما جاء من أن النبيصلىاللهعليهوسلم عمل فيه بنفسه ، وأنه أسّسه وجبريل يؤمّ به البيت ، وأنه كان يقال : إنه أقوم مسجد قبلة ، وأنهصلىاللهعليهوسلم أسسه ثانيا بعد تحويل القبلة ، وقدمنا أيضا قول عروة في الصحيح في حديث الهجرة الطويل «فلبث في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة ، وأسس المسجد الذي أسس على التقوى».
وفي رواية عبد الرزاق عنه قال «الذين بنى فيهم المسجد الذي أسس على التقوى هم بنو عمرو بن عوف» وكذا في حديث ابن عباس عند ابن عابد ولفظه «ومكث في بني عمرو بن عوف ثلاث ليال ، واتخذ مكانه مسجدّا فكان يصلي فيه ، ثم بناه بنو عمرو بن عوف ، فهو الذي أسس على التقوى» وقدمنا أيضا أنه أول مسجد بناه النبيصلىاللهعليهوسلم وصلى فيه بأصحابه جماعة ظاهرا.
قال الحافظ ابن حجر : اختلف في المراد بقوله تعالى :( لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ ) [التوبة : ١٠٨] فالجمهور على أن المراد مسجد قباء ، وهو ظاهر الآية ، وتقدم في فضل المسجد النبوي حديث مسلم المشتمل على أن أبا سعيد سأل النبيصلىاللهعليهوسلم عن المسجد الذي أسس على التقوى فقال «هو مسجدكم هذا» وفي رواية لأحمد والترمذي عنه : اختلف رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى ، فقال أحدهما : هو مسجد المدينة ، فسألاه عن ذلك ، فقال : هو هذا ، وفي ذلك ـ يعني مسجد قباء ـ خير كثير ، وقدمنا أيضا الجمع بأن كلا من المسجدين قد أسس على التقوى من أول يوم تأسيسه ، وأنهما المراد من الآية ، وأن السر في اقتصارهصلىاللهعليهوسلم على ذكر مسجد المدينة دفع توهم اختصاص ذلك بمسجد قباء ، كما هو ظاهر ما فهمه السائل وتنويها بمزية مسجده الشريف.
قال الحافظ ابن حجر : والحق أن كلا منهما أسس على التقوى ، وقوله تعالى في بقية الآية( فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا ) [التوبة : ١٠٨] يؤيد كون المراد مسجد قباء.
وعند أبي داود بإسناد صحيح عن أبي هريرة عن النبيصلىاللهعليهوسلم قال : نزلت( فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا ) في أهل قباء ، قال : كانوا يستنجون بالماء ، فنزلت فيهم هذه الآية.
قال الحافظ ابن حجر : فالسر في جوابهصلىاللهعليهوسلم بما تقدم دفع توهم أن ذلك خاص بمسجد قباء.
قال الداودي وغيره : ليس هذا اختلافا ؛ لأن كلا منهما أسس على التقوى وكذا قال السهيلي وزاد أن قوله تعالى( مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ ) يقتضي مسجد قباء ؛ لأن تأسيسه كان في أول يوم حلّ النبيصلىاللهعليهوسلم بدار الهجرة.
روى أحمد وابن شبة ، واللفظ لأحمد ، عن أبي هريرة قال : انطلقت إلى مسجد التقوى أنا وعبد الله بن عمر وسمرة بن جندب ، فأتينا النبيصلىاللهعليهوسلم فقالوا لنا : انطلق نحو مسجد التقوى ، فانطلقنا نحوه ، فاستقبلنا يداه على كاهلي أبي بكر وعمر ، فثرنا في وجهه فقال : من هؤلاء يا أبا بكر؟ فقال : عبد الله بن عمر ، وأبو هريرة ، وسمرة.
وروى ابن شبة من طرق ما حاصله أن الآية لما نزلت أتى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم أهل قباء ، وفي رواية أهل ذلك المسجد ، وفي رواية بني عمرو بن عوف فقال رسول اللهصلىاللهعليهوسلم «إن الله قد أحسن عليكم الثناء في الطهور ، فما بلغ من طهوركم؟ قالوا : نستنجي بالماء».
وذكر أبو محمد المرجاني الجمع بأن كلا من المسجدين أسّس على التقوى ، ثم قال : فقد روي عن عبد الله بن بريدة في قول اللهعزوجل ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ ) قال : إنما هي أربعة مساجد ، لم يبنهنّ إلا نبي : الكعبة بناها إبراهيم وإسماعيلعليهماالسلام ، وبيت أريحاء بيت المقدس ، بناه داود وسليمان ، ومسجد المدينة مسجد قباء اللذين أسّسا على التقوى ، بناهما رسول اللهصلىاللهعليهوسلم .
قلت : وقال يحيى بن الحسين في أخبار المدينة : حدثنا بكر بن عبد الوهاب أنبأنا عيسى بن عبد الله عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب أن النبيصلىاللهعليهوسلم قال «المسجد الذي أسّس على التقوى من أول يوم هو مسجد قباء ، قال الله جل ثناءه( فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ) [التوبة : ١٠٨] وبكر بن عبد الوهاب هو ابن أخت الواقدي صدوق ، وعيسى بن عبد الله يظهر لي أنه عيسى بن عبد الله بن مالك وهو مقبول ؛ فيكون جده حينئذ عبد الله بن مالك ، وهو شيخ مقبول يروى عن علي وابن عمر ؛ فالحديث حسن ؛ فتعين الجمع بما تقدم ، والله أعلم.
ما جاء في أن الصلاة فيه تعدل عمرة
روى الترمذي عن أسيد بن حضير الأنصاري عن النبيصلىاللهعليهوسلم قال : «الصلاة في مسجد قباء كعمرة» قال الترمذي : وفي الباب عن سهل بن حنيف ، وحديث أسيد حديث حسن غريب ، ولا يعرف لأسيد شيء يصح غير هذا الحديث.
قلت : وأخرجه البيهقي وابن ماجه من طريق أبي بكر بن شيبة بإسناد الترمذي ، وهو جيد ، بلفظ «الصلاة في مسجد قباء كعمرة».
وأخرج ابن حبّان في صحيحه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه شهد جنازة
بالأوساط في دار سعد بن عبادة ، فأقبل ماشيا إلى بني عمرة بن عوف بفناء بني الحارث بن الخزرج ، فقيل له : أين تؤم يا أبا عبد الرحمن؟ قال : أهل هذا المسجد في بني عمرو بن عوف ؛ فإني سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوسلم يقول «من صلى فيه كان كعدل عمرة».
ورواه ابن زبالة موقوفا ، ولفظه أن عبد الله بن عمر شهد جنازة في الأوساط من بني الحارث بن الخزرج ، ثم خرج يمشي ، فقالوا له : أين تريد يا أبا عبد الرحمن؟ قال : أريد مسجد رسول اللهصلىاللهعليهوسلم بقباء ؛ أنه من صلى فيه ركعتين كان كعدل عمرة.
وأخرج ابن ماجه وعمر بن شبة بسند جيد عن سهل بن حنيف قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوسلم «من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة كان له كأجر عمرة».
ورواه أحمد والحاكم وقال : صحيح الإسناد.
ورواه يحيى من طريقين فيهما من لم أعرفه بلفظ «من توضأ فأسبغ الوضوء ثم جاء مسجد قباء فصلى فيه ركعتين كان له عدل عمرة».
ورواه الطبراني في الكبير عن سهل من طريق موسى بن عبيدة ـ وهو ضعيف ـ بلفظ «من توضأ فأحسن الوضوء ثم دخل مسجد قباء فيركع فيه أربع ركعات كان ذلك عدل رقبة».
ورواه ابن شبة عن سهل من طريق موسى بن عبيدة المذكور بلفظ «من توضأ فأحسن وضوءه ثم جاء مسجد قباء فركع فيه أربع ركعات كان له عدل عمرة».
ورواه أيضا بسند فيه يوسف بن طهمان ـ وهو ضعيف ـ عن سهل بن حنيف عن النبيصلىاللهعليهوسلم أنه قال «ما من مؤمن يخرج على طهر إلى مسجد قباء لا يريد غيره حتى يصلي فيه إلا كان بمنزلة عمرة».
وروى الطبراني في الكبير بسند فيه يزيد بن عبد الملك النوفلي ـ وهو ضعيف ـ عن كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم قال «من توضّأ فأسبغ الوضوء ثم عمد إلى مسجد قباء لا يريد غيره ، ولا يحمله على الغدوّ إلا الصلاة في مسجد قباء ، فصلى فيه أربع ركعات يقرأ في كل ركعة بأم القرآن كان له كأجر المعتمر إلى بيت الله».
وقال عمر بن شبة : حدثنا سويد بن سعيد قال : حدثنا أيوب بن صيام عن سعيد بن الرقيش الأسدي قال : جاءنا أنس بن مالك إلى مسجد قباء فصلى ركعتين إلى بعض هذه السواري ثم سلم وجلس وجلسنا حوله ، فقال : سبحان الله ما أعظم حقّ هذا المسجد ، لو كان على مسيرة شهر كان أهلا أن يؤتى ، من خرج من بيته يريده معتمدا إليه لصلّى فيه أربع ركعات أقلبه الله بأجر عمرة».
قال ابن شبة : قال أبو غسان : ومما يقوّي هذه الأخبار ويدل على تظاهرها في العامة والخاصة قول عبد الرحمن بن الحكم في شعر له :
فإن أهلك فقد أقررت عينا |
من المتعمرات إلى قباء |
|
من اللاتي سوالفهنّ غيد |
عليهنّ الملاحة بالبهاء |
تفضيل الصلاة في مسجد قباء على بيت المقدس
ما جاء في تفضيل الصلاة فيه على بيت المقدس ، ومغفرة ذنوب من صلى فيه مع المساجد الثلاثة.
روى ابن شبة بسند صحيح من طريق عائشة بنت سعد بن أبي وقاص قالت : سمعت أبي يقول : «لأن أصلّي في مسجد قباء ركعتين أحبّ إليّ من أن آتى بيت المقدس مرتين ، لو يعلمون ما في قباء لضربوا إليه أكباد الإبل».
ورواه الحاكم عن عامر بن سعد وعائشة بنت سعد سمعا أباهما يقول : لأن أصلي في مسجد قباء أحبّ إليّ من أن أصلي في مسجد بيت المقدس ، قال الحاكم : وإسناده صحيح على شرطهما. وهذا شاهد لما روي عن محمد بن مسلمة المالكي أنه قال : إن إتيان مسجد قباء يلزم بالنذر ، وجمهور العلماء أن ذلك وإن كان قربة لا يلزم بالنذر.
وعن عاصم قال : أخبرنا أن من صلى في المساجد الأربعة غفر له ذنبه ، فقال له أبو أيوب : يا ابن أخي أدلّك على ما هو أيسر من ذلك ، إني سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوسلم يقول «من توضأ كما أمر ، وصلى كما أمر ، غفر له ما تقدم من ذنبه» أخرجه أبو حاتم وقال : المساجد الأربعة : المسجد الحرام ، ومسجد المدينة ، ومسجد الأقصى ، ومسجد قباء.
إتيان الرسولصلىاللهعليهوسلم مسجد قباء
ما جاء في إتيان النبيصلىاللهعليهوسلم له راكبا وماشيا ، وصلاته فيه ، وتعيين الأيام التي كانصلىاللهعليهوسلم يأتي قباء فيها هو وغيره من الصحابة.
روينا في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : كان النبيصلىاللهعليهوسلم يزور قباء ، أو يأتي قباء ، راكبا وماشيا.
زاد في رواية لهما : فيصلي فيه ركعتين.
وروى ابن شبة عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه كان انطلق مع رسول اللهصلىاللهعليهوسلم إلى مسجد قباء ، فصلى فيه ، فجعلت الأنصار يأتون وهو يصلي ، فيسلّمون عليه ، فخرج عليّ صهيب فقلت : يا صهيب كيف كان رسول اللهصلىاللهعليهوسلم يردّ على من سلم؟ قال : يشير بيده.
وفي رواية للبخاري والنسائي أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم «كان يأتي مسجد قباء كل سبت راكبا وماشيا» وكان عبد الله يفعله.
وفي رواية لابن حبّان في صحيحه «كل يوم سبت». وفيها رد على من قال : إن المراد بالسبت الأسبوع.
وروى ابن شبة عن سعيد بن عمرو بن سليم مرسلا أن النبيصلىاللهعليهوسلم «كان يطرح له على حمار أنبجانيّ لكل سبت ، ثم يركب إلى قباء».
ورواه ابن زبالة بنحوه ، وزاد «ويمشي حوله أصحابه».
وروى ابن شبة عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر مرسلا أن النبيصلىاللهعليهوسلم «كان يأتي قباء يوم الإثنين».
وعن محمد بن المنكدر مرسلا قال «كان النبيصلىاللهعليهوسلم يأتي قباء صبيحة سبع عشرة من رمضان».
ورواه يحيى عن ابن المنكدر عن جابر متصلا. وفي كتاب رزين عن ابن المنكدر قال : أدركت الناس يأتون مسجد قباء صبيحة سبع عشرة من رمضان.
وروى يحيى عن ابن المنكدر نحوه أيضا.
وعن أبي غزية قال : كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يأتي قباء يوم الإثنين ويوم الخميس ، فجاء يوما من تلك الأيام فلم يجد فيه أحدا من أهله ، فقال : والذي نفسي بيده لقد رأيت رسول اللهصلىاللهعليهوسلم وأبا بكر في أصحابه ننقل حجارته على بطوننا ، يؤسّسه رسول اللهصلىاللهعليهوسلم بيده ، وجبريل يؤم به البيت ، ومحلوف عمر بالله لو كان مسجدنا هذا بطرف من الأطراف لضربنا إليه أكباد الإبل ، ثم قال : اكسروا لي سعفه واجتنبوا العواهن ، أي ما يلي القلب من السّعف ، فقطعوا السعفة ، فأتى بها ، فأخذ رزمة فربطها فمسحه ، قالوا : نحن نكفيك يا أمير المؤمنين ، قال : لا تكفونيه.
وفي رواية لرزين عقب قوله : «وجبريل يؤم به البيت» ثم أخذ أي عمر رضي الله تعالى عنه جرائد فجعل يمسح جدرانه وسطحه ، فقيل له : نكفيك يا أمير المؤمنين ، فقال : لا تكفونيه ، أنا أريد أن أكفيكم أنتم مثل هذا ، وإن شئتم اعملوا مثل ما أعمل.
وقد استشكل الزين المراغي قوله «وجبريل يؤم به البيت» بأن ذلك كان قبل تحويل القبلة ، وقد أشرنا فيما تقدم لجوابه.
وأسند ابن زبالة عن شيخ من بني عمرو بن عوف قال : أتانا عمر بن الخطاب بقباء فقال لخياط بسدّة الباب : انطلق فأتني بجريدة وإياك والعواهن ، فأتاه بجريدة ، فقشرها وترك لها رأسا فضرب به قبلة المسجد حتى نفض الغبار.
ورواه ابن شبة ، إلا أنه قال : عن شيوخ من بني عمرو بن عوف أن عمر رضي الله
تعالى عنه جاءهم بقباء نصف النهار ، فدخل مسجد قباء ، فأمر رجلا يأتيه بجريدة رطبة ، الخبر بنحوه.
وروى ابن زبالة عن زيد بن أسلم قال : الحمد لله الذي قرّب منا مسجد قباء ، ولو كان بأفق من الآفاق لضربنا إليه أكباد الإبل.
وفي صحيح البخاري : كان سالم مولى أبي حذيفة رضي الله تعالى عنهما يؤم المهاجرين الأولين من أصحاب النبيصلىاللهعليهوسلم في مسجد قباء ، فيهم أبو بكر وعمر.
ورواه ابن شبة عن ابن عمر ، ولفظه : وكان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين الأولين وأصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوسلم من الأنصار في مسجد قباء ، فيهم أبو بكر وعمر وأبو سلمة وزيد وعامر بن ربيعة رضوان الله عليهم.
وروى أيضا عن أبي هاشم قال : جاء تميم بن زيد الأنصاري إلى مسجد قباء وكان رسول اللهصلىاللهعليهوسلم أمر معاذا أن يصلي بهم ، فجاء صلاة الفجر وقد أسفر فقال : ما يمنعكم أن تصلوا؟ ما لكم قد حبستم ملائكة الليل وملائكة النهار؟ قالوا : يمنعنا أنا ننتظر صاحبنا ، قال : فما يمنعكم إذا احتبس أن يصلي أحدكم؟ قالوا : فأنت أحقّ من يصلي بنا ، قال : أترضون بذا؟ قالوا : نعم ، فصلى بهم ، فجاء معاذ فقال : ما حملك يا تميم على أن دخلت عليّ في سربال سربلنيه رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ؟ فقال : ما أنا بتاركك حتى أذهب بك إلى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، فقال : يا رسول الله إن هذا تميم دخل في سربال سربلتنيه ، فقال النبيصلىاللهعليهوسلم : ما تقول يا تميم؟ فقال مثل الذي قال لأهل المسجد ، فقال النبيصلىاللهعليهوسلم : هكذا فاصنعوا مثل الذي صنع تميم بهم ، إذا احتبس الإمام.
وروى ابن زبالة عن عويم بن ساعدة أن سعد بن عويم بن قيس بن النعمان كان يصلي في مسجد قباء في عهد رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، وفي زمان عمر بن الخطاب فأمر عمر مجمع بن حارثة أن يصلي بهم بعد أن ردّه ، وقال له : كنت إمام مسجد الضّرار ، فقال يا أمير المؤمنين كنت غلاما حدثا ، وكنت أرى أن أمرهم على أحسن ذلك ، وقدّموني لما معي من القرآن ، فأمره فصلّى بهم.
المكان الذي كان الرسول يصلي فيه بمسجد قباء
ما جاء في تعيين مصلّاهصلىاللهعليهوسلم منه ، وصفته وذرعه.
روى ابن زبالة أن النبيصلىاللهعليهوسلم صلى إلى الأسطوان الثالثة في مسجد قباء التي في الرحبة.
ونقل ابن شبة عن الواقدي أنه قال : عن مجمع بن يعقوب عن سعيد بن عبد الرحمن بن رقيش قال : كان المسجد في موضع الأسطوان المخلّقة الخارجة في رحبة المسجد.
وعن ابن رقيش قال : بنى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم مسجد قباء ، وقدّم القبلة إلى موضعها اليوم ،
وقال : جبريل يؤم بي البيت. قال ابن رقيش : فحدثني نافع أن ابن عمر كان بعد إذا جاء مسجد قباء صلى إلى الأسطوان المخلّقة يقصد بذلك مسجد النبيصلىاللهعليهوسلم الأول.
قال ابن شبة : قال أبو غسان : وأخبرني من أثق به من الأنصار من أهل قباء أن موضع قبلة مسجد قباء قبل صرف القبلة أن القائم كان يقوم في القبلة الشامية فيكون موضع الأسطوان الشارعة في رحبة مسجد قباء التي في صف الأسطوان المخلقة المقدمة التي يقال لها إن مصلى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم إلى حرفها.
قال : وأخبرني أيضا أن مصلى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم في مسجد قباء بعد صرف القبلة كان إلى حرف الأسطوان المخلّق كثير منها المقدمة إلى حرفها الشرقي ، وهي دون محراب مسجد قباء عن يمين المصلى فيه.
وروى ابن زبالة عن عبد الملك بن بكر بن أبي ليلى عن أبيه أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم صلّى في مسجد قباء إلى الأسطوان الثالثة في الرحبة إذا دخلت من الباب الذي بفناء دار سعد بن خيثمة.
قلت : والباب المذكور هو المسدود اليوم يظهر رسمه من خارج المسجد في جهة المغرب ، وكان شارعا في الرواق الذي يلي الرحبة من المسقف القبلي ؛ فالأسطوان الثالثة في الرحبة هي الأسطوان التي عندها اليوم محراب في رحبة المسجد ؛ لانطباق الوصف المذكور عليها ؛ فهي المراد بقول الواقدي «كان المسجد في موضع الأسطوان المخلقة الخارجة في رحبة المسجد وهي التي كان ابن عمر يصلي إليها. ومقتضى ما تقدم عن أبي غسان أن هذه الأسطوانة عندها مصلّى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم الأول قبل تحويل القبلة ، وأن مصلاه بعد التحويل كان إلى الأسطوانة التي في صفّ هذه الأسطوانة مما يلي القبلة ، وهي الثالثة من أسطوان الرحبة المذكورة ؛ فإنها الموصوفة بما ذكره من كونها دون المحراب على يمين المصلى فيه ، والمصلى إلى حرفها الشرقي يكون محاذيا لمحراب المسجد ؛ فالرواق القبلي مزيد في المسجد ، وجعلوا المحراب به في محاذاة المصلى الشريف من الأسطوان المذكورة. لكن قوله في الرواية الأخرى «وقدم القبلة إلى موضعها اليوم» يقتضي أنه لم يزد أحد في جهة القبلة بعد النبيصلىاللهعليهوسلم ؛ فينبغي أن ينبرك بالصلاة عند محراب القبلة ، وعند المحلين من الأسطوانتين المذكورتين.
وقد اقتصر يحيى في بيان مصلى النبيصلىاللهعليهوسلم على الأسطوان التي في الرحبة ؛ فذكر رواية ابن زبالة ، ثم روى عن معاذ بن رفاعة قال : كان رسول اللهصلىاللهعليهوسلم يصلي إلى الأسطوان الخارجة ، وهي في صفّ المخلقة ، وإنما كان موضعها يومئذ كهيئة العريش. ثم ذكر أن موسى بن سلمة حدثه أنه رأى أبا الحسن علي بن موسى الرضي يصلي إلى هذه الأسطوانة
الخارجة. ثم قال يحيى : ورأيت غير واحد من أهل بيتي منهم عبد الله وإسحاق ابنا موسى بن جعفر وحسين بن عبد الله بن عبد الله بن حسين يصلون إلى هذه الأسطوانة الخارجة إذا جاءوا قباء ، ويذكرون أنه مصلّى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم . قال : ورأيت من أهل بيتي من يأتي قباء فيصلي إليها ممن يقتدى به ممن لا أبالي أن لا أرى غيره في الفقه والعلم ، انتهى.
وعن يمين مستقبل الأسطوانة المذكورة هيئة محاريب في رحبة المسجد لم أعلم أصلها ، وبالرواق الذي يلي الرحبة قريبا من محاذاة محراب المسجد دكّة مرتفعة عن أرض المسجد يسيرا أمامها محراب فيه حجر منقوش فيه قوله تعالى :( لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ ) [التوبة : ١٠٨] الآية ، وبعدها ما لفظه : هذا مقام النبيصلىاللهعليهوسلم ، جدّد هذا المسجد في تاريخ سنة إحدى وسبعين وستمائة ، ولم يتبين اسم من جدد المسجد. وظاهر حال من صنع ذلك في هذا المحل أنه محلّ المصلّى الشريف ، وفيما قدمناه ما يرده ، وقد اغترّ المجد بذلك فجزم بأن تلك الدكة هي أول موضع صلّى فيه النبيصلىاللهعليهوسلم ، وكأنه حين ألّف كتابه كان غائبا عن المدينة ، فوصف تلك الدكة بقوله : وفي صحنه مما يلي القبلة شبه محراب على مصطبة هو أول موضع ركع فيه النبيصلىاللهعليهوسلم ، وكأنه وصفها بأنها في صحن المسجد ليجامع ما تقدم عن المؤرخين في وصف المصلى الشريف. ولا يصح القول بأنها كانت أولا في رحبة المسجد ؛ لاحتمال أنه زيد بعده في المسقف القبلي رواق ؛ لما سنبينه من أن أروقة المسجد ورحبته كانت على ما هي عليه اليوم ، لم يزد فيها شيء بعد ما ذكره المؤرخون.
ثم رأيت ما ذكره المجد بحدوثه في رحلة ابن جبير ، وكانت عام ثمان وسبعين وخمسمائة ، فتلك الدكة التي يعنيها ابن جبير كانت في صحن المسجد عند الأسطوانة التي إليها اليوم المحراب في رحبة المسجد ، فيوافق ما أطبق عليه الناس وكأنها دثرت على طول الزمان ، ثم أعيدت في غير محلها فإنه ذكر أنها بصحن المسجد مما يلي القبلة ، ووصف أروقة المسجد بما هي عليه اليوم ؛ فليست الدكة الموجودة اليوم لحدوثها بعده.
وأما الحظيرة التي بصحن المسجد فلم أر في كلام المتقدمين تعرضا لذكرها ، والشائع على ألسنة أهل المدينة أنها مبرك ناقة النبيصلىاللهعليهوسلم ، وبه جزم المجد تبعا لابن جبير في رحلته ؛ فقال : وفي وسط المسجد مبرك الناقة بالنبيصلىاللهعليهوسلم ، وعليه حظيرة قصيرة شبه روضة صغيرة يتبرك بالصلاة فيه ، انتهى.
وهو محتمل ؛ لأن أصل مسجد قباء كان مربدا لكلثوم بن الهدم ، وعليه نزل النبيصلىاللهعليهوسلم على ما أسلفناه ، فأعطاه النبيّصلىاللهعليهوسلم فأسّسه مسجدّا. وقيل فيه غير هذا مما قدمناه.
وقال ابن زبالة : حدثنا عاصم بن سويد عن أبيه قال : وكان مسجد قباء على سبع أساطين ، وكانت له درجة لها قبة يؤذن فيها يقال لها النعامة ، حتى زاد فيه الوليد بن عبد الملك بن مروان بعد ذلك.
قلت : وعدد كل صف من أساطينه اليوم بين المشرق والمغرب سبع أيضا.
وقال الزين المراغي عقب نقل ذلك عن ابن زبالة : فيحتمل أن هذه ـ يعني الصفة المذكورة في كلام ابن زبالة ـ صفة بناته عليه الصلاة والسلام ، ويؤكده قولهم «ولم يزل مسجد قباء على ما بناه رسول اللهصلىاللهعليهوسلم إلى أن بناه عمر بن عبد العزيز» أي زمن الوليد.
قلت : وما أيد به الاحتمال المذكور لم أره في كلام أحد من المؤرخين غير المطري ومن تبعه.
وقد روى ابن شبة ما يصرح بخلافه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، قال : إن ما بين الصومعة إلى القبلة زيادة زادها عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه.
قلت : والصومعة هي المنارة التي في ركنه الغربي مما يلي الشام ، وسيأتي في ترجمة غرة أنه اسم أطم لبني عمرو بن عوف ابتنيت المنارة في موضعه.
وقال ابن النجار : كان النبيصلىاللهعليهوسلم نزل بقباء في منزل كلثوم بن الهدم ، وأخذ مربده فأسسه مسجدّا وصلى فيه ، ولم يزل ذلك المسجد يزورهصلىاللهعليهوسلم ويصلي فيه أهل قباء ، فلما توفيصلىاللهعليهوسلم لم تزل الصحابة تزوره وتعظمه.
تجديد مسجد قباء
ولما بنى عمر بن عبد العزيز مسجد النبيصلىاللهعليهوسلم بنى مسجد قباء ووسّعه ، وبناه بالحجارة والجص ، وأقام فيه الأساطين من الحجارة بينها عواميد الحديد والرصاص ، ونقشه بالفسيفساء ، وعمل له منارة ، وسقفه بالساج ، وجعله أروقة ، وفي وسطه رحبة ، وتهدّم على طول الزمان حتى جدّد عمارته جمال الدين الأصفهاني وزير بني زنكي الملوك ببلاد الموصل.
قلت : وكان تجديد الجواد لمسجد قباء في سنة خمس وخمسين وخمسمائة ، كما قاله المطري.
وفيما قدمناه من صورة ما كتب في محراب الدكة التي بالرواق الذي يلي الرحبة ما يقتضي أنه جدد بعد ذلك في سنة إحدى وسبعين وستمائة.
وبالمسجد منقوش أيضا ما يقتضي أن الناصر بن قلاوون جدّد فيه شيئا سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة ، وجدد غالب سقفه الموجود اليوم الأشرف برسباي على يد ابن قاسم المحلى أحد مشايخ الخدّام سنة أربعين وثمانمائة.
وقد سقطت منارته سنة سبع وسبعين وثمانمائة ، فجدّدها متولي العمارة في زماننا الجناب الخواجكي الشمسي بن الزمن ـ عامله الله بلطفه ـ في سنة إحدى وثمانين وثمانمائة في أثناء عمارته السابقة بالمسجد النبوي بعد هدمها إلى الأساس ، وهدم الأسطوانة التي كانت لاصقة بها ، وكانت تلك الأسطوانة محكمة بالرصاص ، وأعيدت بغير رصاص ،
وأبدلوا من أحجارها ما قدمنا أنهم أدخلوه في أسطوان الصندوق التي في جهة الرأس الشريف بالمسجد النبوي.
وهدم متولى العمارة أيضا ما يلي المنارة المذكورة من سور المسجد إلى آخر بابه الذي يليها في المغرب ، وأعاد بناء ذلك ، وجدد بعض سقفه ، وبنى السبيل والبركة المقابلين للمسجد في المغرب بالحديقة المعروفة بالسراج العيني الموقوفة على قرابته ، وقد كانت المنارة الأولى ألطف من هذه فزاد في طولها ؛ فإن ابن النجار قال : وطول منارته من سطحه إلى رأسها اثنان وعشرون ذراعا ، وعلى رأسها قبة طولها نحو عشرة أذرع ، قال : وعرض المنارة من جهة القبلة عشرة أذرع شافّة ، ومن المغرب ثمانية ، وذكر قبل ذلك أن ارتفاع المسجد في السماء عشرون ذراعا ؛ فيكون جملة طول المنارة الأولى اثنين وخمسين ذراعا من أعلاها إلى أسفل الأرض ، وهو يقرب لما نقله ابن شبة في وصف المنارة المذكورة ، فإنه قال : وطول منارته خمسون ذراعا ، وعرضها تسعة أذرع وشبر في تسعة أذرع ، انتهى. وذرع هذه المنارة المجددة اليوم من الأرض الخارجة عن المسجد إلى أعلى قبتها أحد وستون ذراعا ، وعرضها تسعة أذرع في المشرق والقبلة ، وهناك بابها.
ونقل ابن شبة عن أبي غسان أن طول مسجد قباء وعرضه سواء ، وهو ست وستون ذراعا. قال : وطول ذرعه في السماء تسعة عشر ذراعا ، وطول رحبته التي في جوفه ـ يعني صحنه ـ خمسون ذراعا ، وعرضها ستة وعشرون ذراعا. وذكر ابن النجار نحوه ، فقال : طول ثمانية وستون ذراعا تشف قليلا ، وعرضه كذلك.
قلت : وقد اختبرت ذلك فكان ذرع طوله من المشرق إلى المغرب مما يلي الشام ثمانية وستين ذراعا ونصفا ، وكان عرضه من القبلة إلى الشام تسعة وسبعين ذراعا ، وذرع طوله بين المشرق والمغرب مما يلي جدار القبلة أرجح من سبعين ذراعا بيسير ، وطول ذرعه في السماء من أرض المسجد إلى سقفه تسعة عشر ذراعا ، وطوله من خارجه من البلاط الذي في غربيه إلى أعلى شراريفه أربعة وعشرون ذراعا ، وذرع طول صحنه من المشرق إلى المغرب أحد وخمسون ذراعا ، وعرض صحنه من القبلة إلى الشام ستة وعشرون ذراعا وربع ، وهذا الصحن هو الذي عبر عنه أبو غسان بالرحبة في جوفه ؛ فصح بذلك أن رحبة المسجد اليوم على ما كانت عليه في زمن أبي غسان وغيره من المؤرخين الذين قدمنا كلامهم ، وأن ما قدمناه في بيان مصلّى النبيصلىاللهعليهوسلم بكونه عند المحراب الذي بجانب الأسطوانة التي في رحبة المسجد اليوم صحيح ، وأن ما قاله المجد من كون تلك الدكة المتقدم وصفها بصحن المسجد غير صحيح.
وقال ابن جبير في رحلته : إن مسجد قباء سبع بلاطات ، يعني أروقة كما هو في
زماننا ، وبيانه أن المسقف القبلي ثلاثة أروقة ، والشامي اثنان ، وفي المغرب رواق واحد يلي باب المسجد اليوم ، وفي المشرق في مقابلته رواق واحد أيضا.
وذكر ابن النجار في عدد أساطينه ما يوافق كونه على سبعة أروقة أيضا ؛ فقال : وفي المسجد تسعة وثلاثون أسطوانا ، بين كل أسطوان وأسطوان سبعة أذرع شافّة.
قلت : وعددها اليوم كذلك ؛ لأن جهة القبلة ثلاثة صفوف كل صف سبعة أساطين بين المشرق والمغرب ، وجهة الشام صفان كل صف سبعة أيضا ، وفيما يلي الرحبة من المغرب أسطوانتان ، وفيما يليها من المشرق أسطوانتان ، وجملة ذلك ما ذكره.
ووقع فيما نقله ابن شبة عن ابن عساكر في النسخة التي وقعنا عليها تصحيف في عدد الأساطين ، وما قدمناه هو الصواب.
قال ابن النجار : وفي جدرانه طاقات نافذة إلى خارج في كل جانب ثمان طاقات ، إلا الجانب الذي يلي الشام فإن الثامنة فيها المنارة.
قلت : ولما أعادوا بناء ما هدموه مما حول المنارة المذكورة في زماننا سدّوا من الجهة الشامية طاقة أخرى مما يلي المنارة المذكورة ، وسدّوا مما يليها من جهة المغرب ثلاث طاقات أيضا ، فإنهم جعلوا الجدار في بنائهم مصمتا كله ، والله أعلم.
بيان ما ينبغي أن يزار بقباء من الآثار تتميما للفائدة
دار سعد بن خيثمة
منها : دار سعد بن خيثمة ، وقد تقدم أن باب مسجد قباء المسدود في المغرب بفناء دار سعد بن خيثمة ، وهي في قبلة مسجد قباء ، والجانب الذي يلي هذا الباب المسدود منها يدخله الناس للزيارة ويسمونه مسجد علي رضي الله تعالى عنه ، وكأنه المراد بما سيأتي في الفصل الرابع في مسجد دار سعد بن خيثمة.
وروى ابن شبة عن أبي أمامة عن أبيه أن النبيصلىاللهعليهوسلم «اضطجع في البيت الذي في دار سعد بن خيثمة بقباء» وعن ابن وقش أن النبيصلىاللهعليهوسلم «دخل بيت سعد بن خيثمة بقباء ، وجلس فيه» وروى ابن زبالة عنه أنه قال : يزعمون أن النبيصلىاللهعليهوسلم توضأ من المهراس الذي يلي دار سعد بن خيثمة بقباء.
دار كلثوم بن الهدم
ومنها : دار كلثوم بن الهدم ، وهي إحدى الدور التي قبلى المسجد أيضا ، يدخلها الناس للزيارة والتبرك. وقد قدمنا نزولهصلىاللهعليهوسلم على كلثوم بن الهدم بداره لمّا قدم قباء ، وكذلك أهله وأهل أبي بكر حين قدموا.
بئر أريس
ومنها بئر أريس ، وسيأتي ما جاء فيها في الآثار ، قال ابن جبير في رحلته : وبإزائها دار عمر ، ودار فاطمة ، ودار أبي بكر ، رضي الله تعالى عنهم. ولعله يريد أماكن نزولهم قبل التحوّل إلى المدينة ، والله أعلم.
ما جاء في بيان طريقهصلىاللهعليهوسلم إلى قباء ذاهبا وراجعا
طريق النبيصلىاللهعليهوسلم إلي قباء ذاهبا وراجعا
قال أبو غسان فيما نقله ابن شبة : أخبرني الحارث بن إسحاق قال : كان إسحاق بن أبي بكر بن إسحاق يحدث أن مبدأ رسول اللهصلىاللهعليهوسلم في مركبه إلى قباء أن يمر على المصلى ، ثم يسلك في موضع الزقاق بين دار كثير بن الصّلت ودار معاوية بالمصلى ، ثم يرجع راجعا على طريق دار صفوان بن سلمة التي عند سقيفة محرق ، ثم يمر على مسجد بني زريق من كتّاب عروة حتى يخرج إلى البلاط ، قال : فذكر إسحاق أنه رأى الوليد بن عبد الملك سلك هذه الطريق على هذه الصفة في مبدئه ورجعته من قباء.
قلت : وهو يقتضي أن طريقهصلىاللهعليهوسلم كانت من جهة الدّرب المعروف اليوم بدرب سويقة في الذهاب والرجوع ؛ لأن المصلى ومسجد بني زريق في جهته ، وقد سبق في المصلى أن دار كثير بن الصّلت كان قبلة المصلى ، وسبق ما يؤخذ منه أن دار معاويةرضياللهعنه كانت مقابلها.
وقوله «حتى يخرج إلى البلاط» أي الآخذ من باب السلام إلى جهة درب سويقة ؛ لما سبق في الكلام على المصلي من رجوعهصلىاللهعليهوسلم على مسجد بني زريق من كتّاب عروة حتى يخرج إلى البلاط من زقاق دار عبد الرحمن بن الحارث المتقدم بيانه في الدور التي في ميمنة البلاط المذكور ، وكثير من الناس اليوم يسلكون إلى قباء من طريق درب البقيع ؛ لكونها أقصد يسيرا.
ذرع الطريق
وقد ذرعت الطريق من هذه الجهة فكان بين عتبة باب المسجد النبوي المعروف بباب جبريل وعتبة باب مسجد قباء سبعة آلاف ذراع ومائتا ذراع بذراع اليد المتقدم تحريره يشفّ يسيرا ، وذلك ميلان وخمسا سبع ميل. وسيأتي في ترجمة قباء ما وقع للناس من الخبط في بيان هذه المسافة ، فإن أسقطت حصة ما بين باب جبريل وباب درب البقيع من ذلك كانت المسافة بين باب سور المدينة المذكور وباب مسجد قباء ميلين إلا مائتي ذراع وثلاثا وثلاثين ذراعا ، والله سبحانه وتعالى أعلم.
ما جاء في مسجد الضّرار مما ينوّه بقدر مسجد قباء
بناة مسجد الضرار
روى البيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله تعالى :( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً ) [التوبة : ١٠٧] هم أناس من الأنصار ابتنوا مسجدّا فقال لهم أبو عامر : ابنوا مسجدكم ، واستعدوا بما استطعتم من قوة ومن سلاح ، فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فات بجند من الروم ، فأخرج محمدا وأصحابه ، فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبيصلىاللهعليهوسلم فقالوا : إنا فرغنا من بناء مسجدنا فنحبّ أن تصلي فيه وتدعو بالبركة فأنزل اللهعزوجل :( لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ ) [التوبة : ١٠٨] يعني مسجد قباء( أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ ) إلى قوله :( عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ ) يعني قواعده( وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) [التوبة : ١٠٩].
وروى ابن شبة عن هشام بن عروة عن أبيه قال : كان موضع مسجد قباء لامرأة يقال لها لية ، كانت تربط حمارا لها فيه ، فابتنى سعد بن خيثمة مسجدّا ، فقال أهل مسجد الضرار : أنحن نصلي في مربط حمار لية؟ لا ، لعمر الله ، لكنّا نبني مسجدّا فنصلي فيه حتى يجئ أبو عامر فيؤمّنا فيه ، وكان أبو عامر فرّ من الله ورسوله فلحق بمكة ، ثم لحق بعد ذلك بالشام فتنصر فمات بها ، فأنزل الله تعالى :( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً ) الآيات.
وعن سعيد بن جبير أن بنى عمرو بن عوف ابتنوا مسجدّا ، وأرسلوا إلى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم فدعوه ليصلي فيه ، ففعل فأتاهم فصلّى فيه ، فحسدهم إخوتهم بنو فلان بن عمرو بن عوف ، يشك ، فقالوا : لا ، نبني نحن مسجدّا وندعو النبيّصلىاللهعليهوسلم فيصلي فيه كما صلى في مسجد إخوتنا ، ولعل أبا عامر يصلي فيه ، وكان بالشام ، فابتنوا مسجدّا ، وأرسلوا إلى النبيصلىاللهعليهوسلم ليصلي ، فقام ليأتيهم ، وأنزل القرآن( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ) ١٠٧( لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ) ١٠٨( أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) ١٠٩( لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ) [التوبة : ١٠٧ ـ ١١٠] ، قال : قال عكرمة : إلى أن تقطع قلوبهم( وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) [التوبة : ١١٠].
حرق مسجد الضرار
وأسند الطبري فيما قاله ابن عطية عن ابن إسحاق عن الزهري وغيره أن النبيصلىاللهعليهوسلم «أقبل من غزوة تبوك حتى نزل بذي أوان بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار ، وكان
أصحاب مسجد الضّرار قد كانوا أتوه وهو يتجهّز إلى تبوك فقالوا : يا رسول الله إنا قد بنينا مسجدّا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة ، وإنا نحبّ أن تأتينا فتصلي لنا فيه ، فقال : إني على جناح سفر وحال شغل ، ولو قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلينا لكم فيه ، فلما قفل ونزل بذي أوان نزل عليه القرآن في شأن مسجد الضرار ، فدعا رسول اللهصلىاللهعليهوسلم مالك ابن الدخشم ومعن بن عدي ، أو أخا عاصم بن عدي ، فقال : انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه واحرقاه ، فانطلقا مسرعين ففعلا وحرقاه بنار في سعف.
وفي رواية ذكرها البغوي أن الذين أمرهم النبيصلىاللهعليهوسلم بهدمه وإحراقه انطلقوا سريعا حتى أتوا سالم بن عوف ، وهم رهط مالك بن الدخشم فقال مالك : انظروني حتى أخرج إليكم بنار من أهالي ، فدخل أهله فأخذ سعفا من النخيل ، فأشعل فيه نارا ثم خرجوا يشتدّون حتى دخلوا المسجد وفيه أهله فحرقوه وهدموه ، وتفرق عنه أهله وأمر النبيصلىاللهعليهوسلم أن يتخذ ذلك كناسة تلقي فيها الجيف والنتن والقمامة.
وقال ابن النجار : هذا المسجد بناه المنافقون مضاهاة لمسجد قباء ، وكانوا يجتمعون فيه ويعيبون النبيصلىاللهعليهوسلم ، ويستهزءون به.
أسماء بناة مسجد الضرار
قال ابن إسحاق : وكان الذين بنوه اثنى عشر رجلا : خدام بن خالد ، وهو من بني عبيد بن زيد بن مالك ومن داره أخرجه ، وثعلبة بن حاطب من بني أمية بن زيد أي أحد بني عمرو بن عوف ، ومعتّب بن قشير من بني ضبيعة بن زيد ، وأبو حبيبة بن الأذعر ، وعياد بن حنيف من بني عمرو بن عوف ، وجار بن عامر ، وابناه مجمع وزيد ، ونبتل بن الحارث ، ومخرج ومجاد بن عثمان ، سبعتهم من بني ضبيعة ، ووديعة بن ثابت من بني أمية بن زيد ، انتهى.
وقال بعضهم : إن رجالا من بني غنم بن عوف وبني سالم بن عوف كان فيهم نفاق حسدوا قومهم بني عمرو بن عوف ، وكان أبو عامر المعروف بالراهب ـ وسماه النبيصلىاللهعليهوسلم بالفاسق ـ منهم.
قلت : وهو من بني ضبيعة أحد بني عمرو بن عوف من الأوس ، وتقدم أن بني غنم ابن عوف وبني سالم بن عوف من الخزرج وليسوا بقباء ، ففي هذا القول نظر.
قال : فكتب أبو عامر وهو بالشام إلى المنافقين من قومه أن يبنوا مسجدّا مقاومة لمسجد قباء وتحقيرا له ، فإني سآتي بجيش أخرج به محمدا وأصحابه من المدينة فبنوه وقالوا : سيأتي أبو عامر ويصلي فيه ، ونتخذه متعبدا ، وذلك هو المشار إليه بقوله تعالى( وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ ) [التوبة : ١٠٧].
وروى أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم لما نزلت( لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً ) [التوبة : ١٠٨] كان لا يمر بالطريق التي فيها المسجد ، وهذا مما يؤيد ما قدمناه من أن المراد من قوله تعالى( لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى ) [التوبة : ١٠٨] مسجد قباء.
وقال ابن عطية : روى عن ابن عمر أنه قال : المراد بالمسجد المؤسّس على التقوى هو مسجد رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، والمراد يعني بقوله تعالى :( أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللهِ وَرِضْوانٍ ) [التوبة : ١٠٩] هو مسجد قباء ، وأما البنيان الذي أسّس على شفا جرف هار فهو مسجد الضّرار بالإجماع.
وقوله «فانهار به في نار جهنم» قال ابن عطية : الظاهر منه ومما صح من خبرهم وهدم رسول اللهصلىاللهعليهوسلم مسجدهم أنه خارج مخرج المثل لهم : أي حالهم كمن ينهار بنيانه في نار جهنم. وقيل : بل ذلك حقيقة ، وأن ذلك المسجد بعينه انهار في نار جهنم ، قاله قتادة وابن جريج. وروى عن جابر بن عبد الله وغيره أنه قال : رأيت الدخان يخرج منه على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوسلم . وروى أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم رآه حين انهار حتى بلغ الأرض السابعة ، ففزع لذلك رسول اللهصلىاللهعليهوسلم . وروى أنهم لم يصلّوا فيه أكثر من ثلاثة أيام ، وانهار في الرابع. قال ابن عطية : وهذا كله بإسناد لين ، والأول أصح.
واسند الطبري عن خلف بن يامين أنه قال : رأيت مسجد المنافقين الذين ذكر في القرآن ، ورأيت فيه مكانا يخرج منه الدخان ، وذلك في زمن أبي جعفر المنصور.
وقيل : كان الرجل يدخل فيه سعفة فتخرج سوداء محترقة ، ونقل عن ابن مسعود أنه قال : جهنم في الأرض ، ثم تلا( فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ ) [التوبة : ١٠٩].
الخلاف في موضع مسجد الضرار
قال الجمال المطري : وأما مسجد الضّرار فلا أثر له ، ولا يعرف له مكان فيما حول مسجد قباء ، ولا غير ذلك.
قلت : وهو كذلك ، لكن بالنسبة إلى زمنه وزمننا ؛ فقد قال ابن جبير في رحلته : وهذا المسجد مما يتقرب الناس إلى الله برجمه وهدمه وكان مكانه بقباء عارض به اليهود مسجد قباء.
وقوله «اليهود» صوابه المنافقون.
وقال ابن النجار : وهذا المسجد قريب من مسجد قباء ، وهو كبير ، وحيطانه عالية ، وتؤخذ منه الحجارة ، وقد كان بناؤه مليحا ، انتهى.
وهذا يقتضي وجوده في زمن ابن النجار على تلك الحالة ، وقد قال المطري : إنه وهم لا أصل له ، وتعقبه المجد بأنه لا يلزم من وجوده زمان ابن النجار كذلك استمراره ، وقد
تبع ابن النجار في ذلك غيره إن لم يكن شاهده ، فهذا البشاري يقول : ومنها مسجد الضّرار يتطوّع العوام بهدمه ، وتبعه ياقوت في معجمه ، وابن جبير في رحلته ، انتهى.
وقال ابن النجار أيضا ، في ذكر المساجد المعروفة في زمنه ما لفظه : واعلم أن بالمدينة مساجد خرابا فيها المحاريب وبقايا الأساطين وتنقض وتؤخذ حجارتها : منها مسجد بقباء قريب من مسجد الضّرار فيه أسطوان قائمة.
قلت : وهذا غير معروف اليوم ، وهو صريح في اشتهار مسجد الضرار في زمنه بقباء حتى عرف به المسجد المذكور.
ووقع في كلام عياض في المشارق ، وتبعه المجد ، ما يقتضي أن مسجد الضّرار بذي أوان ؛ فإنه قال في ذروان : إن روايته بلفظ ذي أوان وهم. قال : وهو موضع خر على ساعة من المدينة ، هو الذي بنى فيه مسجد الضرار ، هذا لفظه.
ولعل مراده هو الذي وقع ذكر بنائه به في حديث مسجد الضرار ؛ لما قدمناه من أن أصحابه جاءوا للنبيصلىاللهعليهوسلم وهو بذي أوان ، وأخبروه ببنائه ، والله أعلم.
الفصل الثالث
في بقية المساجد المعلومة العين في زماننا بالمدينة الشريفة وما حولها
اعلم أن الاعتناء بهذا الغرض متعين ؛ فقد قال البغوي من الشافعية : المساجد التي ثبت أن النبيصلىاللهعليهوسلم صلى فيها لو نذر أحد الصلاة في شيء منها تعين كما تتعين المساجد الثلاثة ، واعتناء السلف بتتبع آثار النبيصلىاللهعليهوسلم معلوم ـ سيما ما جاء في ذلك عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ـ وقد استفرغنا الوسع في تتبعها.
فمنها : مسجد الجمعة ، ويقال «مسجد الوادي» قد تقدم في الفصل الحادي عشر من الباب الثالث أن النبيصلىاللهعليهوسلم لما خرج من قباء مقدمه المدينة أدركته الجمعة في بني سالم بن عوف فصلاها في بطن الوادي ، وادي ذي صلب ـ بضم أوله ـ وأن ابن إسحاق قال : إن الجمعة أدركته في وادي رانونا ، يعني ببني سالم ، وكانت أول جمعة صلاها بالمدينة ، وفي رواية لابن زبالة «فمر على بني سالم فصلى فيهم الجمعة في القبيب ببني سالم ، وهو المسجد الذي في بطني الوادي» وفي رواية له «صلى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم أول جمعة بالناس في القبيب» ببني سالم فهو المسجد الذي بناه عبد الصمد».
والمراد أن موضع المسجد يسمى بالقبيب ، وسيأتي في أودية المدينة أن سيل ذي صلب وسيل رانونا يصلان إلى موضع مسجد الجمعة ، فلا مخالفة بين هذه العبارات ، وإن غلب اشتهار اسم رانونا على ذلك الموضع دون بقية الأسماء.
وروى ابن شبة عن كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه أن النبيصلىاللهعليهوسلم «جمّع في أول
جمعة حين قدم المدينة في مسجد بني سالم في مسجد عاتكة» وعن إسماعيل بن أبي فديك عن غير واحد ممن يثق به من أهل البلد أن أول جمعة جمعها النبيصلىاللهعليهوسلم حين أقبل من قباء إلى المدينة في مسجد بني سالم الذي يقال له مسجد عاتكة.
وقال المطري : في شمالي هذا المسجد أطم خراب يقال له «المزدلف» أطم عتبان بن مالك ، والمسجد في بطن الوادي صغير جدّا ، مبني بحجارة قدر نصف القامة ، وهو الذي كان يحول السبيل بينه وبين عتبان بن مالك إذا سال ؛ لأن منازل بني سالم بن عوف كانت غربيّ هذا الوادي على طرف الحرة ، وآثارهم باقية هناك ، فسأل عتبان رسول اللهصلىاللهعليهوسلم أن يصلي له في بيته في مكان يتخذه مصلى ، ففعلصلىاللهعليهوسلم .
قلت : قصة عتبان المشار إليها مروية في الصحيح بلفظ أن عتبان أتى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم فقال : يا رسول الله ، قد أنكرت بصري ، وأنا أصلي لقومي ، فإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم لم أستطع أن آتي مسجدهم فأصلي بهم ، الحديث.
وسيأتي في المساجد التي لا تعلم عينها أن بني سالم لهم مسجد آخر هو مسجدهم الأكبر ؛ فالذي يظهر أنه المراد من حديث عتبان ، وأما هذا فهو مسجدهم الأصغر وقد تهدم بناؤه الذي أشار إليه المطري ، فجرده بعض الأعاجم على هيئته اليوم ، مقدّمه رواق مسقف فيه عقدان بينهما أسطوان ، وخلفه رحبة ، وطوله من القبلة إلى الشام عشرون ذراعا ، وعرضه من الجدار الشرقي إلى الغربي مما يلي محرابه ستة عشر ذراعا ونصف ، وكان سقفه قد خرب فجدده المرحوم الخواجا الرئيس الجواد المفضّل شمس الدين قاوان تغمده الله برحمته.
ومصلى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم في بيت غسان ليس في الأطم المذكور ، بل عند أصله كما سيأتي.
مسجد الفضيخ
ومنها : مسجد الفضيح ـ بفتح الفاء وكسر المعجمة بعدها مثناة تحتية وخاء معجمة ـ قال المطري : ويعرف اليوم بمسجد الشمس وهو شرقي مسجد قباء على شفير الوادي ، على نشز من الأرض ، مرضوم بحجارة سود ، وهو مسجد صغير.
وروى ابن شبة وابن زبالة ويحيى في عدة أحاديث أن النبيصلىاللهعليهوسلم «صلى بمسجد الفضيخ».
وروى الأولان ـ واللفظ لابن شبة ـ عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال : حاصر النبيّصلىاللهعليهوسلم بني النضير ، فضرب قبته قريبا من مسجد الفضيخ ، وكان يصلّي في موضع مسجد الفضيخ ستّ ليال ، فلما حرمت الخمر خرج الخبر إلى أبي أيوب في نفر من الأنصار ، وهم يشربون فيه فضيخا ، فحلّوا وكاء السّقاء فهراقوه فيه ؛ فبذلك سمي مسجد الفضيخ.
قال الزين المراغي : وذلك قبل اتخاذ الموضع مسجدّا ، أو كان الإعلام بنجاسة الخمر بعد ذلك لكن المشهور تحريم الخمر في شوال سنة ثلاث ، ويقال أربع ، وعليه يتمشى ؛ لأن غزوة بني النّضير سنة أربع على الأصح.
قلت : الحديث إنما تضمّن صلاة النبيصلىاللهعليهوسلم بذلك المحل في حصار بني النضير ، ولا يلزم من ذلك اتخاذه مسجدّا حينئذ ؛ فيجوز أن يكون بناؤه مسجدّا تأخر إلى أن حرّمت الخمر ، على أن أحمد روى في مسنده من حديث ابن عمر أن النبيصلىاللهعليهوسلم يعني أتى بفضيخ في مسجد الفضيخ فشربه ، فلذلك سمي مسجد الفضيخ.
ورواه أبو يعلى ولفظه : أتى بجر فضيخ ينشّ(١) وهو في مسجد الفضيخ فشربه ، فلذلك سمي مسجد الفضيخ ، وفيه عبد الله بن نافع مولى ابن عمر ، ضعّفه الجمهور ، وقيل فيه : يكتب حديثه ، وهو أولى بالاعتماد في سبب تسمية المسجد المذكور بذلك ؛ لأن ابن زبالة ضعيف ، وأما ابن شبة فرواه من طريق عبد العزيز بن عمران وهو متروك ، ولم أر في كلام أحد من المتقدمين تسمية المسجد المذكور بمسجد الشمس.
وقال المجد : لا أدري لم اشتهر بهذا الاسم ، ولعله لكونه على مكان عال في شرقي مسجد قباء أول ما تطلع الشمس عليه ، قال : ولا يظن ظانّ أنه المكان الذي أعيدت الشمس فيه بعد الغروب لعلي رضي الله تعالى عنه ؛ لأن ذلك إنما كان بالصّهباء من خيبر ، قال عياض في الشفاء : كان رأس النبيصلىاللهعليهوسلم في حجر علي رضي الله تعالى عنه وهو يوحي إليه ، فغربت الشمس ولم يكن عليّ صلى العصر ، فقال النبيصلىاللهعليهوسلم : أصلّيت يا علي؟ قال : لا ، فقال : اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك ، فاردد عليه الشمس ، قالت أسماء : فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت ، ووقعت على الجبال والأرض وذلك بالصهباء في خيبر ، قال عياض : خرّجه الطحاوي في مشكل الحديث ، وقال : إن أحمد بن صالح كان يقول : لا ينبغي لمن سبيله العلم التخلف عن حفظ حديث أسماء ؛ لأنه من علامات النبوة.
قال المجد : فهذا المكان أولى بتسميته بمسجد الشمس دون ما سواه ، وصرح ابن حزم بأن الحديث موضوع ، قال : وقصة ردّ الشمس على عليّ رضي الله تعالى عنه باطلة بإجماع العلماء وسفه قائله.
قلت : والحديث رواه الطبراني بأسانيد قال الحافظ نور الدين الهيتمي : رجال أحدها رجال الصحيح ، غير إبراهيم بن حسن ، وهو ثقة ، وفاطمة بنت علي بن أبي طالب لم أعرفها ، انتهى.
وأخرجه ابن منده وابن شاهين من حديث أسماء بنت عميس ، وابن مردويه من
__________________
(١) ينش : يغلي ويفور.
حديث أبي هريرة ، وإسنادهما حسن ، وممن صححه الطحاوي وغيره ، وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ، بعد ذكر رواية البيهقي له : وقد أخطأ ابن الجوزي بإيراده له في الموضوعات ، انتهى.
وهذا المسجد مربع ذرعه من المشرق إلى المغرب أحد عشر ذراعا ، ومن القبلة إلى الشام نحوها.
مسجد بني قريظة
ومنها : مسجد بني قريظة ، وهو شرقي مسجد الشمس ، بعيد عنه ، بالقرب من الحرّة الشرقية ، على باب حديقة تعرف بحاجزة هي وقف للفقراء ، قاله المطري وقد قدمنا في منازل يهود أن أطم الزبير بن باطا كان في موضع مسجد بني قريظة وعنده خراب أبيات من دور بني قريظة شمالي باب الحديقة المذكورة ، وبقربه ناس نزول من أهل العالية ، وقد روى ابن شبة من طريق محمد بن عقبة بن مالك عن علي بن رافع وأشياخ قومه أن النبيصلىاللهعليهوسلم «صلّى في بيت امرأة من الخضر ، فأدخل ذلك البيت في مسجد بني قريظة» فذلك المكان الذي صلى فيه النبيصلىاللهعليهوسلم شرقي بني قريظة عند موضع المنارة التي هدمت ، هذا لفظ ابن شبة ؛ فينبغي الصلاة في مسجد بني قريظة مما يلي محل المنارة في شرقي المسجد.
وقد روى ذلك ابن زبالة عن محمد بن عقبة ، إلا أنه لم يعين المحل المذكور ، بل قال : فأدخل الوليد بن عبد الملك حين بنى المسجد ذلك البيت في مسجد بني قريظة ، ويحتمل : أنهصلىاللهعليهوسلم صلى في مقدم المسجد أيضا ، وإلا لجعلوا ما عند المنارة مقدمة.
قلت : الظاهر أن هذا المسجد هو المذكور في حديث الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى قال : نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ ، فأرسل رسول اللهصلىاللهعليهوسلم إلى سعد ، فأتى على حمار ، فلما دنا قريبا من المسجد قال رسول اللهصلىاللهعليهوسلم للأنصار «قوموا إلى سيّدكم أو خيركم» ثم قال «إن هؤلاء قد نزلوا على حكمك» فقال : تقتل مقاتلتهم وتسبي ذريتهم ، الحديث.
فقوله «قريبا من المسجد» ليس المراد به مسجد المدينة ؛ لأن النبيصلىاللهعليهوسلم لم يكن به حينئذ ، ولذا قال الحافظ ابن حجر : وقوله «فلما بلغ قريبا من المسجد» أي الذي أعدّه النبيصلىاللهعليهوسلم أيام محاصرته لبني قريظة للصلاة فيه ، وأخطأ من زعم أنه غلط من الراوي لظنه أنه أراد بالمسجد المسجد النبوي بالمدينة فقال : إن الصواب ما وقع عند أبي داود من طريق شعبة بإسناد الصحيح بلفظ «فلما دنا من النبيصلىاللهعليهوسلم » انتهى. وإذا حمل على ما سبق لم يكن بين اللفظين اتفاق ، والله سبحانه وتعالى أعلم.
قال ابن النجار : وهذا المسجد اليوم باق بالعوالي ، كبير ، وفيه ست عشرة أسطوانة قد
سقط بعضها ، وهو بلا سقف ، وحيطانه مهدومة ، وقد كان مبنيّا على شكل بناء مسجد قباء ، وحوله بساتين ومزارع.
وذكر في ذرعه شيئا الظاهر أنه تحريف فإنه قال : طوله نحو العشرين ذراعا وعرضه كذلك ، وهذا لا يطابق ما عليه المسجد اليوم ولا ما قدّمه هو من الوصف ولعله خمن أن ذرعه كذلك في حال غيبته عنه ، فقد قال المطري : إن ذرعه نحو من خمسة وأربعين ذراعا ، وعرضه كذلك.
قال : وكان فيه أساطين وعقود ومنارة في مثل موضع منارة قباء ، فتهدّم على طول الزمان ، ووقعت منارته ، أثرها اليوم باق تعرف به ، وأخذت أحجاره جميعا. قال المطري : وبقي أثره إلى العشر الأول بعد السبعمائة ، فجدّد وبنى عليه حظير مقدار نصف قامة ، وكان قد نسي فمن ذلك التاريخ عرف مكانه.
قلت : وهو اليوم على الهيئة التي ذكرها المطري ، وقد اختبرت ذرعه فكان من القبلة إلى الشام أربعة وأربعين ذراعا وربعا ، ومن المشرق إلى المغرب ثلاثة وأربعين ذراعا ، وقد جدّد بناء جداره الشجاعيّ شاهين الجمالي شيخ الحرم النبوي وناظره عام ثلاث وتسعين وثمانمائة.
مشربة أم إبراهيم
ومنها : المسجد الذي يقال له «مشربة أم إبراهيمعليهالسلام ».
وروى ابن زبالة ويحيى من طريقه وابن شبة من طريق أبي غسان عن ابن أبي يحيى عن يحيى بن محمد بن ثابت أن النبيصلىاللهعليهوسلم «صلّى في مشربة أم إبراهيم».
وروى ابن شبة فيما جاء في صدقات النبيصلىاللهعليهوسلم عن ابن شهاب أن تلك الصّدقات كانت أموالا لمخيريق ، كما سيأتي ، وعدّ منها مشربة أم إبراهيم ، ثم قال : وأما مشربة أم إبراهيم فإذا خلفت بيت مدراس اليهود فجئت مال أبي عبيدة بن عبيد الله بن زمعة الأسدي فمشربة أم إبراهيم إلى جنبه ، وإنما سميت مشربة أم إبراهيم لأن أم إبراهيم ابن النبيصلىاللهعليهوسلم ولدته فيها ، وتعلّقت حين ضربها المخاض بخشبة من خشب تلك المشربة ، فتلك الخشبة اليوم معروفة ، انتهى ما رواه ابن شبة عن ابن شهاب.
قال ابن النجار : وهذا الموضع بالعوالي من المدينة بين النخيل ، وهو أكمة قد حوّط عليها بلبن ، والمشربة : البستان ، وأظنه قد كان بستانا لمارية القبطية أم إبراهيم ابن النبيصلىاللهعليهوسلم .
قلت : قال في الصحاح : المشربة بالكسر ـ أي : بكسر الميم ـ إناء يشرب فيه ، والمشربة بالفتح : الغرفة ، وكذلك المشربة بضم الراء ، والمشارب : العلالي ، وليس في كلامه إطلاق ذلك على البستان ، والظاهر أنها كانت عليّة في ذلك البستان ، وهو أحد صدقات النبيصلىاللهعليهوسلم ، وهذا هو الذي يناسب ما تقدم من رواية ابن شبة في سبب تسميتها بذلك.
وقال ابن عبد البر في الاستيعاب : ذكر الزبير أن مارية ولدت إبراهيمعليهالسلام بالعالية في الماء الذي يقال له اليوم مشربة أم إبراهيم بالقف.
وروت عمرة عن عائشة حديثا فيه ذكر غيرتها من مارية ، وأنها كنت جميلة ، قالت : وأعجب بها رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، وكان أنزلها أول ما قدم بها في بيت لحارثة بن النعمان ، وكانت جارتنا ، وكان رسول اللهصلىاللهعليهوسلم عامة النهار والليل عندها ، حتى قذعنا لها ـ والقذع الشتم ـ فحوّلها إلى العالية ، وكان يختلف إليها هناك ، فكان ذلك أشدّ ، ثم رزقها الله الولد وحرمناه منه.
قال المجد : والمشربة المذكورة مسجد شماليّ بني قريظة قريب من الحرّة الشرقية في موضع يعرف بالدشت ، بين نخل تعرف بالأشراف القواسم ، من بني قاسم بن إدريس بن جعفر أخي الحسن العسكري ، قال : وذرعته فكان طوله نحو عشرة أذرع وعرضه أقل من ذلك بنحو ذراع ، وليس عليه بناء ولا جدار ، وإنما هو عريصة صغيرة على رويبية ، وقد حوّط عليها برضم لطيف من الحجارة السود ، قال : وعلى شمالي المشربة دار متهدّمة لم يبق من معالمها سوى بعض الجدران ، يظن الناس أنه مكان دار أبي سيف القبر. والذي يغلب على ظني أن ذلك بقايا أطم بني زعوراء ، فإن الزبير بن بكار قال ما نصه : وكان بنو زعوراء عند مشربة أم إبراهيم ، ولهم الأطم الذي عندها ، وبنو زعوراء من قبائل اليهود.
قلت : دار أبي سيف القبر التي كان إبراهيم ابن النبيصلىاللهعليهوسلم مسترضعا فيها إنما هي في دار بني مازن بن النجار كما سيأتي. وما ذكره في وصف المسجد المذكور قريب مما هو عليه اليوم لكنّ ذرعه من القبلة إلى الشام أحد عشر ذراعا ، ومن المشرق إلى المغرب أربعة عشر ذراعا راجحة ، وفي جهة المشرق منه شقيفة لطيفة ، وبالقرب منه في جهة المغرب نخيل تعرف بالزبيريات وسيأتي أنها المال الذي كان للزبير بن العوّام فتصدق به ، وفيه مسجده الآني ، والله أعلم.
مسجد بني ظفر
ومنها : مسجد بني ظفر من الأوس ، ويعرف اليوم بمسجد البغلة ، وهو بطرف الحرة الشرقية في شرقي البقيع ، طريقه من عند القبة المعروفة بفاطمة بنت أسد أمّ عليرضياللهعنهما بأقصى البقيع ، وقد روى يحيى عن جعفر بن محمود بن محمد بن مسلمة أن النبيصلىاللهعليهوسلم «صلّى في مسجد بني معاوية» أي الآني «ومسجد بني ظفر».
وقال ابن زبالة : إن إبراهيم بن جعفر حدثه بذلك عن أبيه جعفر المذكور ، وروى ابن شبة عن الحارث بن سعيد بن عبيد أن النبيصلىاللهعليهوسلم «صلى في مسجد بني حارثة مسجد بني ظفر».
وروى يحيى عن إدريس بن محمد بن يونس بن محمد الظفري عن جده أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم «جلس على الحجر الذي في مسجد بني ظفر» وكان زياد بن عبيد الله أن أمر بقلعه حتى جاءته مشيخة بني ظفر وأعلموه أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم جلس عليه ، فرده ، قال : فقلّ امرأة نزر ولدها تجلس عليه إلا حملت. قال يحيى عقبه : مسجد بني ظفر دون مسجد بني عبد الأشهل ، قال : وأدركت الناس بالمدينة يذهبون بنسائهم حتى ربما ذهبوا بهنّ بالليل فيجلسن على هذا الحجر.
قلت : ولم أزل أتأمل في سر ذلك حتى اتضح لي بما رواه الطبراني برجال ثقات عن محمد بن فضالة الظفري ، وكان ممن صحب النبيصلىاللهعليهوسلم ، أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم «أتاهم في مسجد بني ظفر ، فجلس على الصخرة التي في مسجد بني ظفر اليوم ومعه عبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل وأناس من أصحابه ، وأمر النبيصلىاللهعليهوسلم قارئا فقرأ حتى أتى على هذه الآية( فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً ) [النساء : ٤١] فبكى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم حتى اضطرب لحياه. فقال : «أي ربّ شهيد على من أنا بين ظهر أبيه ، فكيف بمن لم أر»؟
قلت : ولم يزل الناس يصفون الجلوس على ذلك الحجر للمرأة التي لا تلد ، ويقصدون ذلك المسجد لأجله ، غير أني لم أر فيه حجرا يصلح للجلوس عليه ، إلا أن في أسفل كتف بابه عن يسار الداخل حجرا مثبتا من داخله ، فكأنه هو المراد ، والناس اليوم إنما يقصدون حجرا من تلك الصخور التي هي خارجة في غربيه فيجلسون عليه ، وهذا بعيد لأن الرواية المتقدمة مصرّحة بأنه في المسجد.
وقال المطري : وعند هذا المسجد آثار في الحرة من جهة القبلة ، يقال : إنها أثر حافر بغلة النبيصلىاللهعليهوسلم ، وفي غربيه أي غربي أثر الحافر أثر على حجر كأنه أثر مرفق يذكر أن النبيصلىاللهعليهوسلم اتّكأ عليه ، ووضع مرفقه الشريف عليه ، وعلى حجر آخر أثر أصابع ، والناي يتبركون بها.
قلت : ولم أقف في ذلك على أصل ، إلا أن ابن النجار قال في المسجد التي أدركها خرابا ما لفظه : ومسجدان قريب البقيع ، وذكر ما سيأتي عنه في مسجد الإجابة ، ثم قال : وآخر يعرف بمسجد البغلة فيه أسطوان واحد ، وهو خراب ، وحوله كثير من الحجارة فيها أثر يقولون : إنه أثر حافري بغلة النبيصلىاللهعليهوسلم ، انتهى.
وقد بني ما تهدّم منه بعد ابن النجار ، إلا أنه لم يجعل له سقفا ، فليس به شيء من الأساطين. ورأيت فيه حجر رخام عن يمين محرابه قد كتب فيه ما صورته : خلّد الله ملك الإمام أبي جعفر المنصور المستنصر بالله أمير المؤمنين. عمر سنة ثلاثين وستمائة ، وذرعته
فكان مربعا ، طوله من القبلة إلى الشام أحد وعشرون ذراعا ، ومن المشرق إلى المغرب مثل ذلك ، والله أعلم.
مسجد الإجابة
ومنها : مسجد الإجابة ، وهو مسجد بني معاوية بن مالك بن عوف من الأوس ، كما قدمناه في المنازل مع بيان ما وقع للمطري ومن تبعه من الوهم في جعلهم من بني مالك بن النجار من الخزرج ، وبيان منشأ الوهم ، وما ناقض المطري به كلامه عند ذكره مسجد بني جديلة ، وهو مسجد أبيّ الآتي في الفصل بعده.
وقد روينا في صحيح مسلم من حديث عامر بن سعد عن أبيه أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم «أقبل ذات يوم من العالية ، حتى إذا مر بمسجد بني معاوية دخل فركع ركعتين ، وصلينا معه ، ودعا ربّه طويلا ، ثم انصرف إلينا فقال : سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ، ومنعني واحدة ، سألته أن لا يهلك أمتي بالسّنة فأعطاني ، وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها ، فسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها ، فهذا سبب تسمية هذا المسجد بمسجد الإجابة.
وروى ابن شبة بسند جيد ، وهو في الموطأ ، عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك قال : جاءنا عبد الله بن عمر في بني معاوية ، وهي قريبة من قرى الأنصار ، فقال : تدرون أين صلّى النبيصلىاللهعليهوسلم في مسجدكم هذا؟ فقلت : نعم ، وأشرت له إلى ناحية منه ، قال : فهل تدرون ما الثلاث التي دعا بهن فيه؟ قلت : نعم ، قال : فأخبرني ، قلت دعا أن لا يظهر عليهم عدو من غيرهم ، وأن لا يهلكهم بالسنين ، فأعطيهما ، ودعا أن لا يجعل بأسهم بينهم ، فمنعها ، قال : صدقت ، فلن يزال الهرج إلى يوم القيامة.
وعن سعد بن أبي وقاص أنه كان مع النبيصلىاللهعليهوسلم فمرّ بمسجد بني معاوية ، فدخل فركع فيه ركعتين ، ثم قام فناجى ربّه ، ثم انصرف.
ونقل ابن شبة أيضا عن أبي غسان عن محمد بن طلحة أنه قال : بلغني أن النبيصلىاللهعليهوسلم صلّى في مسجد بني معاوية على يمين المحراب نحوا من ذراعين.
قلت : فينبغي أن يتحرّى بالصلاة ذلك المحل ، وأن يكون الدعاء فيه قائما بعد الصلاة ؛ للرواية المتقدمة.
وهذا المسجد هو المراد بقول ابن النجار في المسجدين اللذين أدركهما خرابا قريب البقيع أحدهما يعرف بمسجد الإجابة وفيه أسطوانات قائمة ومحراب مليح وباقية خراب.
قلت : ليس به اليوم شيء من الأساطين ، وقد رمّم ما تخرب منه ، وهو في شمالي البقيع على يسار السالك إلى العريض ، وسط تلول هي آثار قرية بني معاوية ، وذرّعته فكان من المشرق إلى المغرب خمسة وعشرين ذراعا ينقص يسيرا ، وكان من القبلة إلى الشام عشرين ذراعا ينقص يسيرا.
مسجد الفتح
ومنها : مسجد الفتح ، والمساجد التي حوله في قبلته ، وتعرف اليوم كلها بمساجد الفتح ، والأول المرتفع على قطعة من جبل سلع في المغرب غربيه وادي بطحان ، وهو المراد بمسجد الفتح حيث أطلقوه ، ويقال له أيضا «مسجد الأحزاب» و «المسجد الأعلى».
وروينا في مسند أحمد برجال ثقات عن جابر بن عبد الله أن النبيصلىاللهعليهوسلم «دعا في مسجد الفتح ثلاثا يوم الإثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ، فاستجيب له يوم الأربعاء بين الصلاتين ، فعرف البشر في وجهه» قال جابر : فلم ينزل بي أمر مهمّ غليظ إلا توخّيت تلك الساعة فأدعو فيها فأعرف الإجابة ، ورواه ابن زبالة والبزار وغيرهما.
وروينا في مسند أحمد أيضا بإسناد فيه رجل لم يسم عن جابر أيضا أن النبيصلىاللهعليهوسلم «أتى مسجد يعني ، الأحزاب ، فوضع رداءه وقام ، ورفع يديه مدا يدعو عليهم ، ولم يصل ، ثم جاء ودعا عليهم وصلى».
وروى ابن شبة عن جابر رضي الله تعالى عنه أن النبيصلىاللهعليهوسلم «قعد على موضع مسجد الفتح وحمد الله ودعا عليهم وعرض أصحابه وهو عليه».
وعن سعيد مولى المهديين قال : «أقبل النبيصلىاللهعليهوسلم من الجرف ، فأدركته صلاة العصر فصلاها في المسجد الأعلى».
وروى ابن زبالة ويحيى وابن النجار من غير طريقهما عن جابر بن عبد الله أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم «مرّ بمسجد الفتح الذي على الجبل وقد حضرت صلاة العصر ، فرقي فصلى فيه صلاة العصر».
وروى ابن زبالة عن المطلب مرسلا أن النبيصلىاللهعليهوسلم «دعا في مسجد الفتح يوم الأحزاب حتى ذهبت الظهر وذهبت العصر وذهبت المغرب ، ولم يصل منهن شيئا ، ثم صلاهن جميعا بعد المغرب».
قلت : وفيه بيان الشغل الذي أخر لأجله تلك الصلاة ؛ فإن المعروف تأخيرها أو تأخير العصر فقط كما في الصحيح من غير بيان هذا السبب ، وذلك كان قبل مشروعية صلاة الخوف.
وروى أيضا عن جعفر بن محمد عن أبيه أن النبيصلىاللهعليهوسلم «دخل مسجد الفتح فخطا خطوة ثم الخطوة الثانية ، ثم قام ورفع يديه إلى الله حتى رؤي بياض إبطيه ـ وكان أعفر الإبطين فدعا حتى سقط رداؤه عن ظهره ، فلم يرفعه حتى دعا ودعا كثيرا ، ثم انصرف».
وعن جابر قال : «صلّى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم من وراء مسجد الفتح نحو المغرب».
ورواه ابن شبة عنه بلفظ «دعا النبيصلىاللهعليهوسلم على الجبل الذي عليه مسجد الفتح من ناحية
المغرب ، وصلى من وراء المسجد» أي في الرحبة.
قال ابن شبة : قال أبو غسان : وسمعت غير واحد ممن يوثق به يذكر أن الموضع الذي دعا عليه رسول اللهصلىاللهعليهوسلم من الجبل هو اليوم إلى الأسطوان الوسطى الشارعة في رحبة المسجد.
قلت : ويستفاد منه : أن الصلاة والدعاء هنالك يتحرّى بهما وسط المسجد في الرحبة مما يلي سقفه ، ومقتضى الرواية الأولى أن تكون أقرب إلى جهة المغرب ، وإذا ضممت إلى ذلك الرواية المتقدمة من أنصلىاللهعليهوسلم «خطا خطوة ثم الخطوة الثانية ، ثم قام ورفع يديه» ظهر لك أن طريقهصلىاللهعليهوسلم كانت من جهة الدرجة الشمالية.
وروى يحيى عن هارون بن كثير عن أبيه عن جده أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم «دعا يوم الخندق على الأحزاب في موضع الأسطوانة الوسطى من مسجد الفتح» قال يحيى : فدخلت مع الحسين بن عبد الله مسجد الفتح ، فلما بلغ الأسطوانة الوسطى من المسجد قال : هذا موضع مصلّى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم الذي دعا فيه على الأحزاب ، وكان يصلي فيه إذا جاء مسجد الفتح.
وروى ابن شبة عن جابر قال : دعا النبيصلىاللهعليهوسلم في المسجد المرتفع ، ورفع يديه مدا.
وعن سالم أبي النصر قال : دعا النبيصلىاللهعليهوسلم يوم الخندق «اللهمّ منزّل الكتاب ، ومنشئ السحاب ، اهزمهم وانصرنا عليهم».
وروى ابن زبالة من طريق عمر بن الحكم بن ثوبان قال : أخبرني من صلى وراء النبيصلىاللهعليهوسلم في مسجد الفتح ثم دعا فقال : «اللهم لك الحمد هديتني من الضلالة ، فلا مكرم لمن أهنت ، ولا مهين لمن أكرمت ، ولا معزّ لمن أذللت : ولا مذلّ لمن أعززت ، ولا ناصر لمن خذلت ، ولا خاذل لمن نصرت ، ولا معطي لما منعت ، ولا مانع لما أعطيت ، ولا رازق لمن حرمت ، ولا حارم لمن رزقت ، ولا رافع لمن خفضت ، ولا خافض لمن رفعت ، ولا خارق لمن سترت ، ولا ساتر لمن خرقت ، ولا مقرب لما باعدت ، ولا مباعد لما قربت».
وذكر القرطبي دعاء آخر في رواية يتضمن أن الدعاء وقع من النبيصلىاللهعليهوسلم هناك في الليلة التي أرسل الله فيها الريح على الأحزاب ، ولا مانع من أن يكون النبيصلىاللهعليهوسلم دعا في تلك الليلة أيضا هناك ، ولفظه : ولما اشتد الأمر على المسلمين وطال المقام في الخندق قام عليه الصلاة والسلام على التلّ الذي عليه مسجد الفتح في بعض الليالي وتوقّع ما وعده الله من النصر. وقال : من يذهب ليأتينا بخبرهم؟ قال : فانطلق حذيفة بسلاحه ، ورفع رسول اللهصلىاللهعليهوسلم يده يقول : «يا صريخ المكروبين ، ويا مجيب المضطرين ، ويا كاشف همي وغمي وكربي ، فقد ترى حالي وحال أصحابي» فنزل جبريل فقال : إن الله سمع دعوتك وكفاك هول عدوك ، فخرّ رسول اللهصلىاللهعليهوسلم على ركبتيه ، وبسط يديه ، وأرخى عينيه ، وهو يقول : شكرا
كما رحمتني ورحمت أصحابي ، وأخبره جبريل بأن الله مرسل عليهم ريحا ، فبشر أصحابه بذلك.
قلت : فينبغي أن يدعى بذلك كله هناك ، فيقول : اللهم يا صريخ المستصرخين والمكروبين ، ويا غياث المستغيثين ، ويا مفرج كرب المكروبين ، ويا مجيب دعوة المضطرين ، صلّ على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم ، واكشف عني كربي وغمي وحزني وهمي ، كما كشفت عن حبيبك ورسولكصلىاللهعليهوسلم كربه وحزنه وغمه وهمه في هذا المقام ، وأنا أتشفع إليك بهصلىاللهعليهوسلم في ذلك ، يا حنان يا منان يا ذا الجود والإحسان.
ويقدم عليه ما في الصحيح من حديث ابن عمر أن النبيصلىاللهعليهوسلم «كان يدعو عند الكرب لا إله إلا الله العظيم الحليم ، لا إله إلا الله رب العرش العظيم ، لا إله إلا الله ربّ السموات ورب الأرضين رب العرش الكريم». وكذلك دعاء الشافعيرحمهالله تعالى الذي دعا به عند دخوله على الرشيد في محنته فقد روى أبو نعيم بإسناد من طريق الشافعي أن النبيصلىاللهعليهوسلم دعا به في يوم الأحزاب ، ورفعه غير صحيح كما قال البيهقي ، لكنه دعاء عظيم ، وفي ألفاظه اختلاف ، وقد جمعت بينها وهو «شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط ، لا إله إلا هو العزيز الحكيم» ثم قال «وأنا أشهد بما شهد الله به ، وأستودع الله هذه الشهادة ، وهي وديعة لي عند الله يؤدّيها إلى يوم القيامة ، اللهم إني أعوذ بنور قدسك وعظمة طهارتك وبركة جلالك من كل آفة وعاهة ومن طوارق الليل والنهار ، وطارق الجن والإنس ، إلا طارقا يطرق بخير ، اللهم أنت غياثي فبك أغوث ، وأنت ملاذي فبك ألوذ ، وأنت عياذي فبك أعوذ ، يا من ذلّت له رقاب الجبابرة ، وخضعت له أعناق الفراعنة ، أعوذ بجمال وجهك وكرم جلالك من خزيك وكشف سترك ، ومن نسيان ذكرك ، والاضراب عن شكرك ، أنا في حرزك وكنفك وكلاءتك في ليلي ونهاري ، ونومي وقراري ، وظعني وأسفاري ، وحياتي ومماتي ، ذكرك شعاري ، وثناؤك دثاري ، لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك ، تنزيها لاسمك وعظمتك ، وتكريما لسبحات وجهك ، أجرني من خزيك ومن شر عبادك ، واضرب عليّ سرادقات حفظك ، وقني سيئات عذابك ، وجد علي ، وعدني منك بخير يا أرحم الراحمين ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم الكريم ، والصلاة على النبي المرتضى محمد وآله وصحبه وسلم».
قلت : ومما يدل على اشتهار الاستجابة بهذا المسجد في يوم الأربعاء وقصد السلف له في ذلك اليوم حتى النساء ما حكاه الأديب شهاب الدين أبو الثناء محمود في كتابه «منازل الأحباب» من رؤية عتبة بن الحباب بن المنذر بن الجموع امرأة ممن يزور هذا المسجد في يوم الأربعاء مع نسوة المرة بعد الأخرى وذكر قصته في تزوجه بها ، وإنشاده :
يا للرّجال ليوم الأربعاء أما |
ينفكّ يحدث لي بعد النهي طربا |
|
ما إن يزال غزال فيه يظلمني |
يهوى إلى مسجد الأحزاب منتقبا |
|
يخبّر الناس أنّ الأجر همّته |
وما أتى طالبا للأجر محتسبا |
|
لو كان يبغي ثوابا ما أتى ظهرا |
مضمخا بفتيت المسك مختضبا |
وفي كلام الزبير بن بكار ما يقتضي نسبة هذه الأبيات مع زيادة فيها لعبد الله بن مسلم بن جندب الهذلي ، وأنه كان إمام المسجد المذكور فإنه قال : ولما ولي الحسن بن زيد المدينة منع عبد الله بن مسلم بن جندب الهذلي أن يؤمّ الناس في مسجد الأحزاب ، فقال له : أصلح الله الأمير لم منعتني مقامي ومقام آبائي وأجدادي قبلي؟ قال : ما منعك منه إلا يوم الأربعاء ، يريد قوله :
يا للرّجال ليوم الأربعاء
وذكر الأبيات الأربعة المتقدمة وزاد عقبها أربعة أخرى ، وهي :
فإن فيه لمن يبغي فواضله |
فضلا وللطالب المرتاد مطلبا |
|
كم حرّة درّة قد كنت آلفها |
تسدّ من دونها الأبواب والحجبا |
|
قد ساغ فيه لها مشي النهار كما |
ساغ الشراق لعطشان إذا شربا |
|
اخرجن فيه ولا ترعين ذا كذب |
قد أبطل الله فيه قول من كذبا |
قال المجد : وأما تسميته يعني المسجد الأعلى بمسجد الفتح فمحتمل أنه سمّي به لأنه أجيبت فيه دعوة النبيصلىاللهعليهوسلم على الأحزاب ، فكان فتحا على الإسلام أو أنزل الله عليهصلىاللهعليهوسلم سورة الفتح هناك ، انتهى.
قلت : وبالثاني جزم ابن جبير في رحلته ، لكن جاء في خبر أن النبيصلىاللهعليهوسلم «كان قد تقنّع بثوبه يوم الخندق واضطجع لما أتاه أصحابه بخبر بني قريظة ، ثم إنه رفع رأسه فقال : بشروا بفتح الله ونصره» كما في مغازي ابن عقبة ، فلعل ذلك كان في موضع هذا المسجد ، فسمي بذلك لوقوع البشارة بالفتح فيه.
وأيضا فقد روى القرطبي ما يقتضي أن النبيصلىاللهعليهوسلم لما أرسل حذيفة ليأتيه بخبر الأحزاب كان بمحل هذا المسجد.
وقد قال ابن عقبة : إن حذيفة لما رجع وجد النبيصلىاللهعليهوسلم قائما يصلي ، ثم انصرف إليه رسول اللهصلىاللهعليهوسلم فأخبره الخبر ، فأصبح رسول اللهصلىاللهعليهوسلم والمسلمون قد فتح اللهعزوجل لهم وأقر أعينهم ، اه.
وروى ابن شبة عن أسيد بن أبي أسيد عن أشياخهم أن النبيصلىاللهعليهوسلم «دعا على الجبل الذي عليه مسجد الفتح ، وصلّى في المسجد الصغير الذي بأصل الجبل على الطريق حين يصعد الجبل». وروى ابن زبالة عن معاوية ابن عبد الله بن زيد ، نحوه.
وعن معاذ بن سعد أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم «صلّى في مسجد الفتح الذي على الجبل وفي المساجد التي حوله».
المساجد التي حول مسجد الفتح
قلت : وظاهره أن المساجد حوله ثلاثة لأنه أقل الجمع ، وهو ما صرح به ابن النجار فقال : إن مسجد الفتح على رأس جبل يصعد إليه بدرج ، وقد عمر عمارة جديدة ، أي عمارة ابن أبي الهيجاء الآتية فإنه أدركها.
قال : وعن يمينه في الوادي نخل كثير ، ويعرف ذلك الموضع بالسيحي ، أي بالياء آخر الحروف. ومساجد حوله وهي ثلاثة ـ قبلة الأول منها خراب ، وقد هدم وأخذت حجارته ، والآخران معموران بالحجارة والجص ، وهما في الوادي عند النخل ، انتهى.
وقال المطري : إن المسجدين اللّذين في قبلة مسجد الفتح تحته يعرف الأول منهما يعني الذي يلي مسجد الفتح بمسجد سلمان الفارسي ، والثاني الذي يلي القبلة ـ يعني في قبلة مسجد سلمان ـ يعرف بمسجد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، ثم ذكر ما تقدم عن ابن النجار من أنه كان معهما مسجد ثالث ، ثم قال : وهذا لم يبق له أثر.
قلت : وفي قبلة المسجد المعروف بأمير المؤمنين جانحا إلى جهة المشرق يلحق طرف جبل سلع الذي في قبلة المساجد رضم من حجارة رأينا الناس يتبركون بالصلاة بينها. وقد تأملتها فوجدت في طرفها مما يلي المشرق حجرا من المقام الذي يجعل منه الأساطين ، وهو مثبت في الأرض بالجص ، فترجح عندي أنه أثر أسطوان ، وأن ذلك هو المسجد الذي يشير إليه ابن النجار ، وما ذكره المطري من نسبة المسجدين المذكورين لسلمان وعلي رضي الله تعالى عنهما شائع على ألسنة الناس ، ويزعمون أن الثالث الذي ذكر المطري أنه لم يبق له أثر مسجد أبي بكر رضي الله تعالى عنه ، وبعض العامة يسمى مسجد سلمان بمسجد أبي بكررضياللهعنه ، ولم أقف في ذلك كله على أصل.
قال المطري : ويصعد إلى مسجد الفتح بدرجتين شمالية وشرقية ، وكان فيه ثلاث أسطوانات من بناء عمر بن عبد العزيز ، فلذلك قال في الحديث «موضع الأسطوانة الوسطى».
قلت : والمراد أنها ثلاث أساطين بين المشرق والمغرب فمسقفه رواق واحد فقط كما هو عليه اليوم ، قال المطري : لكنه تهدّم على طول الزمان فجدّده الأمير سيف الدين الحسين بن أبي الهيجاء أحد وزراء العبيديّين ملوك مصر في سنة خمس وسبعين وخمسمائة ، وكذلك جدد بناء المسجدين اللذين تحته من جهة القبلة في سنة سبع وسبعين وخمسمائة.
قلت : واسمه اليوم مرسوم على مسن في أعلى قبلة مسجد الفتح ، وفي أعلى قبلة المسجد الذي يليه. وفيه ذكر العمارة في التاريخ المذكور.
وأما المسجد الآخر ـ وهو الذي في قبلتهما ، المنسوب لأمير المؤمنين عليّ ـ فتهدّم بناؤه ، فجدّده الأمير زين الدين ضغيم بن حشرم المنصوري أمير المدينة الشريفة في سنة ست وسبعين وثمانمائة ، وكان سقفه عقدا ، وفيه مسن عليه اسم ابن أبي الهيجاء كالمسجدين الآخرين ، فجعل سقفه خشبا على أسطوان واحد ، وسقف كل من مسجد الفتح والذي في قبلته رواق واحد مقبوّ قبوا محكما ، وفي كل منهما ثلاث قناطر آخذة من المشرق إلى المغرب ، والظاهر أن الرحبة التي خف الرواق المذكور لم تغير عن حالها القديم. وذرع المسجد الأعلى من القبلة إلى الشام عشرون ذراعا ينقص يسيرا ، ومن المشرق إلى المغرب مما يلي القبلة سبعة عشر ذراعا. وذرع المسجد الأسفل المنسوب لسلمان رضي الله تعالى عنه من القبلة إلى الشام أربعة عشر ذراعا شافة ، ومن المشرق إلى المغرب مما يلي القبلة سبعة عشر ذراعا. وذرع المسجد الذي يليه ـ وهو المنسوب لعليرضياللهعنه ـ من القبلة إلى الشام ثلاثة عشر ذراعا شافة ، ومن المشرق إلى المغرب مما يلي القبلة ستة عشر ذراعا شافة.
مسجد بني حرام الكبير
وينبغي لقاصد مساجد الفتح أن يزور مسجد بني حرام الكبير ، وهو غير مسجدهم الصغير الآتي ذكره ، وهذا المسجد هو الذي اتخذوه لشعبهم من سلع لما تحوّلوا إليه على ما قدمناه في ذكر المنازل ؛ لما فيه مما يقتضي أنهم تخلوا إليه بإذن النبيصلىاللهعليهوسلم لهم.
وقد روى رزين عن يحيى بن قتادة بن أبي قتادة عن مشيخة من قومه أن النبيصلىاللهعليهوسلم «كان يأتي دور الأنصار فيصلي في مساجدهم».
وقدمنا هناك أيضا أن عمر بن عبد العزيز زاد فيه على بناء أهله له مدماكين من أعلاه ، وطابق سقفه ، وكان أولا بخشب وجريد ، وجعل فيه زيت مسجد رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ؛ فهذا يقتضي أن النبيصلىاللهعليهوسلم صلّى فيه ، لكن تقدم أيضا ما يقتضي أن بنى حرام إنما انتقلوا للشعب المذكور في زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه.
وروى ابن شبة في ذكر المساجد التي يقال إن النبيصلىاللهعليهوسلم صلّى فيها ، ويقال إنه لم يصل فيها ، عن حرام بن عثمان أن النبيصلىاللهعليهوسلم لم يصلّ في مسجد بني حرام الأكبر ، ثم روى ما قدمناه من الاختلاف في وقت تحوّلهم إلى ذلك المحل.
فيتلخص من ذلك أنه مما اختلف في صلاة النبيصلىاللهعليهوسلم فيه ، ولذلك لم يفرده بالذكر ، وقد ظهر لي محله في قرية بني حرام بشعبهم غربي جبل سلع على يمين السالك إلى مساجد الفتح من الطريق القبلية ، وعلى يسار السالك إلى المدينة من مساجد الفتح ، فإذا جاوزت البطن الذي فيه مساجد الفتح وأنت قاصد المدينة يلقاك بعد ذلك بطن متسع من سلع فيه آثار قرية هي قرية بني حرام ، وذلك شعبهم ، وقد انهدم المسجد بأجمعه ، وبقي أساسه وآثار
أساطينه من الخزر المكسر ، وفيها آثار الرصاص وعمد الحديد وآثار الرمل بأرضه ، ولعل الله تعالى يبعث له من يحييه.
كهف بني حرام
وينبغي لقاصد المسجد المذكور أن يزور كهف بني حرام قرب شعبهم المذكور ؛ لما سيأتي في ذكر عين النبيصلىاللهعليهوسلم عن عبد الملك بن جابر بن عتيك أن النبيصلىاللهعليهوسلم «توضّأ من العيينة التي عند كهف بني حرام» قال : وسمعت بعض مشيختنا يقول : قد دخل النبيصلىاللهعليهوسلم ذلك الكهف.
وفي رواية أنهم كانوا ـ يعني الصحابة ـ يخرجون مع النبيصلىاللهعليهوسلم ويخافون البيات ، فيدخلونه كهف بني حرام فيبيت فيه ، حتى إذا أصبح هبط ، وإنه نقر العيينة التي عند الكهف.
ولما روى ابن شبة عن يحيى بن النصر الأنصاري أن النبيصلىاللهعليهوسلم «جلس في كهف سلع» والمراد به كف بني حرام.
ولما روى الطبراني في الأوسط والصغير عن أبي قتادة قال : خرج معاذ بن جبل فطلب النبيصلىاللهعليهوسلم فلم يجده ، فطلبه في بيوته فلم يجده ، فاتّبعه في سكة سكة حتى دلّ عليه في جبل ثواب ، فخرج حتى رقي جبل ثواب فنظر يمينا وشمالا فبصر به في الكهف الذي اتخذ الناس إليه طريقا إلى مسجد الفتح ، قال معاذ : فإذا هو ساجد ، فهبطت من رأس الجبل وهو ساجد فلم يرفع حتى أسأت به الظن ، فظننته أنه قد قبضت روحه ، فقال : جاءني جبريل بهذا الموضع فقال : إن الله تبارك وتعالى يقرؤك السلام ويقول لك : ما تحبّ أن أصنع بأمتك؟ قلت : الله أعلم ، فذهب ثم جاء إلي فقال : إنه يقول : لا أسوأك في أمتك ، فسجدت فأفضل ما تقرب به إلى اللهعزوجل السجود.
قلت : وجبل ثواب لم أقف له على ذكر ، ولكن يؤخذ من قوله في هذا الكهف إنه الذي اتخذ الناس إليه طريقا إلى مسجد الفتح أنه جبل سلع ، والمراد اتخذ الناس إلى الكهف طريقا إلى طريق مسجد الفتح ، فهو كهف بني حرام بقرينة ما سبق ، والكهف كما في الصحاح : شبه البيت المنقور في الجبل ، وهذا الكهف يظهر أنه الذي على يمين المتوجّه من المدينة إلى مساجد الفتح من الطريق القبلية أيضا إذا قرب من البطن الذي هو شعب بني حرام في مقابلة الحديقة المعروفة اليوم بالنقيبية عن يساره.
وكذلك الحصن المعروف بحصن حمل يكون في جهة يساره فهناك مجرى سائلة تسيل من سلع إلى بطحان ، فإذا دخل في تلك السائلة وصعد يسيرا من سلع طالبا جهة المشرق كان الكهف المذكور على يمينه ، وعنده أثر نقر ممتد في الجبل هو مجرى السائلة المذكورة ، وإذا صعد
الإنسان من ذلك المجرى وكان في أعلاه وجد كهفا آخر ، لكنه صغير جدّا ، والأول أقرب إلى كونه المراد ، ولعل ذلك النقر هو المراد فيما يتعلق بالعيينة ، وإذا حصل المطر بسلع سالت تلك السائلة ، ويبقى هناك مواضع يتحصل فيها الماء ثم يجري منها ؛ فينبغي التبرك بها ، والله أعلم.
مسجد القبلتين
ومنها : مسجد القبلتين ، قال رزين : وهو مسجد بني حرام بالقاع ، وتبعه ابن النجار فمن بعده ، وزاد المطري وتبعه من بعده أنه الذي رأى النبيصلىاللهعليهوسلم النخامة في قبلته فحكّها بعرجون كان في يده ، ثم دعا بخلوق فجعله على راس العرجون ثم جعله في موضع النخامة ، فكان أوّل مسجد خلّق ، وهذا كله مردود ؛ لأن ابن زبالة قال كما قدمناه في المنازل : إن بني سواد بن غنم بن كعب نزلوا عند مسجد القبلتين ، ولهم مسجد القبلتين ونزل بنو عبي بن عدي بن غنم بن كعب عند مسجد الخربة ، ونزل بنو حرام بن كعب بن غنم بن كعب عند مسجد بني حرام الصغير الذي بالقاع ، وابتنوا أطمأ يقال له جاعص كان في السهل بين الأرض التي كانت لجابر بن عتيك وبين العين التي عملها معاوية بن أبي سفيان ، وحينئذ فلا يصح كون مسجد بني حرام الصغير هو مسجد القبلتين. وكان هؤلاء الجماعة فهموا من وصف مسجدهم هذا بالصغير أن مسجدهم الكبير هو مسجد القبلتين ، وليس كذلك ؛ لما قدمناه من أن مسجدهم الكبير نقل أن النبيصلىاللهعليهوسلم لم يصلّ فيه ، وأنه الذي بشعب سلع ، وأيضا فقد صرح ابن زبالة بأن مسجد القبلتين لبني سواد ، وأيضا فاسم القاع إنما يناسب ما قدمناه في بيان منازل بني حرام في غربي مساجد الفتح ، فمسجد بني حرام هذا من المساجد التي لا تعلم اليوم عينها ، ولكن تعلم جهتها. ومما يوضح المغايرة بين مسجد بني حرام وبين مسجد القبلتين ، ويصرح بخطإ ما ذهب إليه من جعلهما متحدين أن ابن شبة روى عن جابر أن النبيصلىاللهعليهوسلم صلّى في مسجد الخربة ، وفي مسجد القبلتين ، وفي مسجد بني حرام الذي بالقاع. ورواه أيضا ابن زبالة عن جابر بلفظ «صلّى في مسجد القبلتين وفي مسجد بني حرام بالقاع» ولم يذكر مسجد الخربة ؛ فاتّضح بذلك ما قلناه ، وتعين اجتناب ما عداه ، وما ذكره المطري من كون مسجد القبلتين أول مسجد خلّق أخذه من ورود ذلك في مسجد بني حرام لظنه اتحادهما ؛ فاجتنبه.
وقال ابن زبالة : وحدثني موسى بن إبراهيم عن غير واحد من مشيخة بني سلمة أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم «صلّى في مسجد القبلتين» وقد قدمناه في الفصل الثالث من الباب الرابع الاختلاف في تعيين المسجد الذي وقع فيه تحويل القبلة وسنته والصلاة التي وقع ذلك فيها ، وفي بعض تلك الروايات أن ذلك كان بمسجد القبلتين ، وأن الواقديّ قال : إن ذلك هو الثابت عنده.
وروى يحيى عن عثمان بن محمد بن الأخنس قال : زار رسول اللهصلىاللهعليهوسلم امرأة ـ وهي أم بشر من بني سلمة ـ في بني سلمة ، فصنعت له طعاما ، قالت أم بشر : فهم يأكلون من ذلك الطعام إلى أن سألوا رسول اللهصلىاللهعليهوسلم عن الأرواح ، فذكر حديثها في أرواح المؤمنين والكافرين ، ثم قال : فجاءت الظهر فصلى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم بأصحابه في مسجد القبلتين الظهر ، فلما أن صلى ركعتين أمر أن يوجه إلى الكعبة ، فاستدار رسول اللهصلىاللهعليهوسلم إلى الكعبة واستقبل الميزاب ؛ فهي القبلة التي قال الله تعالى «فلنولينك قبلة ترضاها» فسمي ذلك المسجد مسجد القبلتين.
وفي رواية له : فلما صلى ركعتين أمر أن يولي وجهه إلى الكعبة ، فاستدار رسول اللهصلىاللهعليهوسلم إلى الكعبة والمسجد مسجد القبلتين ، وكان الظهر يومئذ أربعا منها اثنتان إلى بيت المقدس وثنتان إلى الكعبة.
قلت : وهذا ما أشار إليه ابن سعد بقوله : ويقال إنهصلىاللهعليهوسلم زار أم بشر بن البراء بن معرور في بني سلمة ، فصنعت له طعاما وحانت الظهر ، فصلى بأصحابه ركعتين ، ثم أمر أن يوجّه إلى الكعبة ، فاستداروا إلى الكعبة ، فسمي المسجد مسجد القبلتين.
وتقدم ما قاله الزمخشري من صرف القبلة في هذا المسجد في صلاة الظهر ، وإنهصلىاللهعليهوسلم الله عليه وسلم تحول في الصلاة وحوّل الرجال مكان النساء والنساء مكان الرجال.
وروى ابن زبالة عن محمد بن جابر قال : صرفت القبلة ونفر من بني سلمة يصلون الظهر في المسجد الذي يقال له مسجد القبلتين ، فأتاهم آت فأخبرهم وقد صلوا ركعتين فاستداروا حتى جعلوا وجوههم إلى الكعبة ، فبذلك سمّي مسجد القبلتين.
قال المجد : فعلى هذا كان مسجد قباء أولى بهذه التسمية ؛ لما ثبت في الصحيحين من وقوع نحو ذلك به.
وقد أطنب المجد هنا فيما جاء في تخليق القبلة لتوهمه أن مسجد القبلتين هو المراد ، وذلك وهم لما أسلفناه ، وهذا المسجد ـ كما قال المطري ـ بعيد من مساجد الفتح من جهة المغرب على رابية على شفير وادي العقيق ، يعني العقيق الصغير.
قلت : وهو مرتفع عن شفير وادي العقيق كثيرا ، وكأنه أراد بذلك بيان مناسبة ما ادّعاه من تسمية موضعه بالقاع ، وقد جدد سقف هذا المسجد وأصلحه الشجاعي شاهين الجمالي شيخ الخدامين عام ثلاث وتسعين وثمانمائة ، والله أعلم.
مسجد السقيا
ومنها : مسجد السقيا ، سقيا سعد الآتي ذكرها في الآبار ، في شامي البئر المذكورة
قريبا منها جانحا إلى المغرب يسيرا في طريق المار إلى الرقيقين من طريق العقيق ، وهذا المسجد ذكره أبو عبد الله الأسدي من المتقدمين في منسكه في المساجد التي تزار بالمدينة.
وروى ابن شبة في ترجمة المواضع التي صلّى فيها النبيصلىاللهعليهوسلم ومساجده عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ، قال : عرض النبيّصلىاللهعليهوسلم المسلمين بالسقيا التي بالحرة متوجها إلى بدر وصلّى بها.
وقد قدمنا في الفصل الرابع من الباب الثاني ما رواه الترمذي وقال حسن صحيح عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال : خرجنا مع رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، حتى إذا كنا بحرّة السقيا التي كانت لسعد بن أبي وقاص فقال رسول اللهصلىاللهعليهوسلم : ائتوني بوضوء ، فتوضأ ثم قام فاستقبل القبلة فقال : اللهم إن إبراهيم كان عبدك وخليلك ودعاك لأهل مكة بالبركة ، وأنا عبدك ورسولك أدعوك لأهل المدينة أن تبارك لهم في مدّهم وصاعهم مثل ما باركت لأهل مكة مع البركة بركتين.
وقدمنا أيضا أن ابن شبة رواه بنحوه إلا أنه قال : حتى إذا كنا بالحرة بالسقيا التي كانت لسعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال رسول اللهصلىاللهعليهوسلم : ائتوني بوضوء ، فلما توضأ قام فاستقبل القبلة ثم كبر ثم قال ، الحديث بنحوه.
وتقدم أيضا رواية الطبراني له بسند جيد ، وأن أحمد روى برجال الصحيح عن أبي قتادة أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم «صلّى بأرض سعد بأصل الحرّة عند بيوت السقيا ، ثم قال : إن إبراهيم خليلك وعبدك ونبيك دعاك لأهل مكة ، وأنا محمد عبدك ورسولك أدعوك لأهل المدينة مثلي ما دعاك به إبراهيم لمكة ، أن تبارك لهم في صاعهم ومدّهم وثمارهم ، اللهم حبّب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة ، واجعل ما بها من وباء بخم ، اللهم إني حرّمت ما بين لابتيها كما حرمت على لسان إبراهيم الحرم».
وقال الواقدي في غزوة بدر : لما نزل رسول اللهصلىاللهعليهوسلم عند بيوت السّقيا ، فحدثني ابن أبي ذئب عن المقبري عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال : إن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم صلّى عند بيوت السّقيا ودعا يومئذ لأهل المدينة : اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك ، الحديث.
وروى أيضا عن سعد بن أبي وقّاص قال : خرجنا إلى بدر مع رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، ومعنا سبعون بعيرا ، وكانوا يتعاقبون الثلاثة والأربعة والاثنان على بعير ، وكنت أنا من أعظم أصحاب النبيصلىاللهعليهوسلم غنّى وأرجلهم رجلة وأرماهم بسهم لم أركب خطوة ذاهبا ولا راجعا.
وقالصلىاللهعليهوسلم حين فصل من يثرب للسقيا : اللهم إنهم حفاة فاحملهم ، وعراة فاكسهم ، وجياع فأشبعهم ، وعالة فأغنهم من فضلك ، قال : فما رجع أحد منهم يريد أن يركب إلا وجد ظهرا للرجل البعير والبعيران ، واكتسى من كان عاريا ، وأصابوا طعاما من أزوادهم ، وأصابوا فداء الأسرى فأغنى به كل عائل.
وروى ابن زبالة عن عمر بن عبد الله الديا ناري وعمار بن حفص أن النبيصلىاللهعليهوسلم عرض جيش بدر بالسقيا ، وصلّى في مسجدها ، ودعا هنالك لأهل المدينة أن يبارك لهم في صاعهم ومدّهم ، وأن يأتيهم بالرزق من ها وهنا. قال : واسم البئر السقيا ، واسم أرضها الفلجان.
قلت : ولم يكن هذا المسجد معروفا ، ولم يذكره المطري ، بل تردد في البئر بين البئر التي في المحل المذكور وبين البئر المعروفة بزمزم ، ومال إلى ترجيح أنها التي في المحل المذكور ، فاتفق أني جئت إلى ذلك المحل وتطلبت المسجد ، فرأيت محله رضما ، فأرسلت إليه بعض المعلمين وأمرته أن يتتبع الأساس بالحفر من داخله فظهر محراب المسجد وتربيعه وبناؤه بالحجارة المطابقة بالجص ، وقد بقي منه في الأرض أزيد من نصف ذراع فيه بياض المسجد بالقصّة بحيث يعلم الناظر أنه من البناء العمري ، وخرج الناس أفواجا لرؤيته والتبرك به ، ثم بنى ولله الحمد على أساسه الأول ، وهو مربع ، مساحته نحو سبعة أذرع في مثلها.
مسجد ذباب (الراية)
ومنها : مسجد ذباب ، ويعرف اليوم بمسجد الراية ، ولما لم يعرفه المطري قال : وليس بالمدينة مسجد يعرف غير ما ذكر إلّا مسجدّا أعلى ثنية الوداع عن يسار الداخل إلى المدينة من طريق الشام ، ومسجدّا آخر على طريق السافلة ، ولم يرد فيهما نقل يعتمد عليه.
قال الزين المراغي في بيان المسجد الأول : وكأنه يريد به المسجد المعروف بمسجد الراية.
قلت : هو مراده ؛ لوجوده في زمنه ، ولم يعدّه في المساجد وأطلق على محل ثنية الوداع لقربه منها ، وهو مبني بالحجارة المطابقة على صفة المساجد العمرية ، وكان قد تهدم فجدده الأمير جانبك النيروزيرحمهالله تعالى سنة خمس أو ست وأربعين وثمانمائة ، وقد اتضح لنا ما جاء في هذا المسجد بحمد الله تعالى لأن الإمام أبا عبد الله الأسدي في المتقدمين لما عدد في كتابه الأماكن التي تزار في المدينة الشريفة قال : مسجد الفتح على الجبل ، ومسجد ذباب على الجبل ، انتهى. وذباب : اسم الجبل الذي عليه المسجد المذكور كما سنوضحه.
وقد روى ابن زبالة وابن شبة عن عبد الرحمن الأعرج أن النبيصلىاللهعليهوسلم صلّى على ذباب.
وروى الثاني عن ربيع بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري قال : ضرب النبيصلىاللهعليهوسلم قبّته على ذباب.
وعن الحارث بن عبد الرحمن قال : بعثت عائشة رضي الله تعالى عنها إلى مروان بن الحكم حين قتل ذبابا وصلبه على ذباب تقول : موقف صلى عليه رسول اللهصلىاللهعليهوسلم واتخذته مصلبا.
قال أبو غسان : وذباب رجل من أهل اليمن عدا على رجل من الأنصار ، وكان عاملا
لمروان على بعض مساعي اليمن ، وكان الأنصاري عدا على رجل فأخذ منه بقرة ليست عليه ، فتبع ذباب الأنصاريّ حتى قدم المدينة ، ثم جلس له في المسجد حتى قتله ، فقال له مروان : ما حملك على قتله؟ قال : ظلمني بقرة لي ، وكنت امرأ خبيث النفس فقتلته ، فقتله مروان وصلبه على ذباب.
وتقدم من رواية ابن شبة في اتخاذ المقصورة في المسجد ما يقتضي أن الرجل الذي ظلمه ساعي مروان اسمه دب ، وأنه إنما همّ بقتل مروان ، فأخذه مروان ، فذكر له السبب المتقدم وأنه حبسه ثم أمر به فقتل.
وقال ابن شبة : قال أبو غسان : وأخبرني بعض مشايخنا أن السلاطين كانوا يصلبون على ذباب ، فقال هشام بن عروة لزياد بن عبيد الله الحارثي : يا عجبا ، يصلبون على مضرب قبة رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، فكفّ عن ذلك زياد وكفت الولاة بعده عنه.
قلت : وقد جعل المطري في الكلام على الخندق مضرب قبّة النبيصلىاللهعليهوسلم هو محل مسجد الفتح من سلع ؛ لظنه أن الخندق لم يكن إلا في غربي سلع ، وكأنه لم يطلع على ما هنا. ولم أر لما ذكره أصلا في كلام غيره ، وقد غاير أبو عبد الله الأسدي بين مسجد الفتح ومسجد ذباب كما قدمناه ، وسيأتي ما يؤخذ منه أن الخندق كان شامي المدينة بين حرّتيها الشرقية والغربية.
وفي اتخاذ المسجد على هذا الجبل رد لما أوّل به الطبراني الصلاة عليه بالدعاء فإنه روى بسند فيه عبد المهيمن بن عباس بن سهل عن سهل بن سعد أن النبيصلىاللهعليهوسلم صلى على ذباب ، قال الطبراني عقبه : بلغني أن ذبابا جبل بالحجاز وقوله «صلى» أي : بارك عليه.
قلت : صرح ابن الأثير بأنه جبل بالمدينة ، وفي الاكتفاء في غزوة تبوك ما لفظه : فلما خرج رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ضرب عسكره على ثنية الوداع وضرب عبد الله بن أبي معه على حدة عسكره أسفل منه نحو ذباب.
وقد قال الكمال الدميري : إن في كتب الغريب أن النبيصلىاللهعليهوسلم صلب رجلا على جبل يقال له ذباب ، وإن البكري قال : هو جبل بجبّانة المدينة.
وتقدم في منازل بني الديل حول ثنية الوداع ذكر الجبّانة ، وكذا في ذكر البلاط.
وقال الواقدي في كتاب الحرة : إنهم لما اصطفّوا لقتال جيش الحرّة على الخندق ، وكان يزيد بن هرمز في موضع ذباب إلى مربد النّعم معه الدهم من الموالي ، وهو يحمل رايتهم ، وهو أميرهم ، وقد صف أصحابه كراديس بعضها خلف بعض إلى رأس الثنية أي : ثنية الوداع.
وهذا كله صريح في أن ذبابا هو الجبل المذكور ، ولعل السبب في اشتهار مسجده بمسجد الراية ما ذكره الواقدي من أن يزيد بن هرمز كان في موضعه ومعه راية الموالي.
وقد تقدم في منازل يهود قول ابن زبالة : وكان لأهل الشوط الأطم الذي يقال له السرعي ، وهو الأطم الذي دون ذباب ، وسيأتي في ترجمة الشوط أنه قريب من منازل بني ساعدة ، وقد رأيت لذباب ذكرا في أماكن كثيرة جدّا ، وكلها متفقة على وصفه بما يدل على أنه الجبل الذي عليه مسجد الراية ، بحيث زال الشك عندي في ذلك.
ويؤخذ مما سيأتي في ترجمة الخندق أن الصخرة ـ التي خرجت ـ من بطن الخندق وهم يحفرونه ، وضربها النبيصلىاللهعليهوسلم بالمعول الحديث كانت تحته ، لكنه سمي في تلك الرواية ذو باب بزيادة واو ، والله أعلم.
مسجد القبيح
ومنها : المسجد اللاصق بجبل أحد على يمينك وأنت ذاهب إلى الشعب الذي فيه المهراس ، وهو صغير قد تهدم بناؤه.
قال الزين المراغي : ويقال : إنه يسمّى مسجد القبيح.
قلت : وهو مشهور بذلك اليوم ، ويزعمون أن قوله تعالى :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ ) الآية [المجادلة : ١١] نزلت فيه ، ولم أقف على أصل لذلك.
وقال المطري : يقال : إن النبيصلىاللهعليهوسلم صلّى فيه الظهر والعصر يوم أحد ، بعد انقضاء القتال ، وكأنه لم يقف فيه على شيء.
وقد روى ابن شبة بسند جيد عن رافع بن خديج أن النبيصلىاللهعليهوسلم صلّى في المسجد الصغير الذي بأحد في شعب الحرار على يمينك لازق بالجبل.
مسجد في ركن جبل عينين
ومنها : مسجد في ركن جبل عينين الشرقي على قطعة منه ، وهذا الجيل كان عليه الرّماة يوم أحد ، وهو في قبلة مشهد سيدنا حمزة رضي الله تعالى عنه ، وقد تهدم غالب هذا المسجد.
قال المطري : يقال : إنه هو الموضع الذي طعن فيه حمزة رضي الله تعالى عنه.
قلت : وكذا هو مشهور اليوم ، وقد ذكر المجد هذا المسجد والذي بعده وقال : ينبغي اغتنام الصلاة فيهما ؛ لأنهما لم يبنيا إلا علما للزائرين ، ومشهدا للقاصدين ، وقول من قال إن الأول طعن مكانه حمزة والثاني صرع فيه فوقع لم يثبت فيه أثر ، وإنما هو قول مستفيض.
ثم قال : ويذكر بعض الناس أن المسجد الأول ـ يعني هذا ـ كسر في مكانه ثنيّة رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، وكان ما كان من ابتلاء الله تعالى صفيه وخليله عليه الصلاة والسلام ، كل ذلك مقالات يذكرها أهل المدينة لم يرد بها نقل.
قلت : وكلامه وكلام المطري صريح في أنهما لم يقفا على ما جاء فيه.
وسيأتي في قبر حمزة رضي الله تعالى عنه ما رواه ابن شبة من أنه لما قتل أقام في موضعه تحت جبل الرّماة وهو الجبل المذكور ، ثم أمر به النبيصلىاللهعليهوسلم فحمل عن بطن الوادي ، وهذا هو محل المسجد الثاني.
وأما هذا المسجد فقد روى ابن شبة فيه عن جابر أن النبيصلىاللهعليهوسلم صلّى الظهر يوم أحد على عينين الظرب الذي بأحد عند القنطرة ، وكأنه يعني بالقنطرة قنطرة العين التي كانت قديما هناك. وأشار إليها المطري بقوله عقب ذكر هذا المسجد : وقد تجدّدت هناك عين ماء ، جدّدها الأمير بدر الدين ودي بن جماز صاحب المد ، مفيضها بالقرب من هذا المسجد ، انتهى.
والعين اليوم دائرة ، وقد تقدم في غزوة أحد أن النبيصلىاللهعليهوسلم في ذهابه إلى أحد بات بالشيخان(١) وأدلج في السحر فانتهى إلى موضع القنطرة ، فحانت الصلاة فصلّى بأصحابه الصبح صفوفا عليهم السلاح ؛ فيحتمل : أن المراد بذلك هذا المسجد ، ويحتمل ـ وهو الأظهر ـ : أن يراد به المسجد الآتي ذكره عقبه ؛ لأن في رواية ابن شبة ذكر صلاة الظهر وأن الموضع من نفس الجبل عند القنطرة ، وفي هذه الرواية صلاة الصبح وأن ذلك في موضع القنطرة ، والله أعلم.
مسجد العسكر
ومنها : مسجد في شمالي المسجد المذكور قبله قرب عينين أيضا ، على شفير الوادي ، قد تهدم أكثره ، وكان مبنيا بالحجارة المنقوشة المطابقة على هيئة البناء العمري ، وفيه بقايا آثار الأساطين ، ولم أقف فيه على شيء سوى ما قدمته من الاحتمال الثاني في الرواية المتقدمة.
وذكر المطري أنه يقال : إنه مصرع حمزة رضي الله تعالى عنه ، وإنه مشى بطعنته من الموضع الأول إلى هناك فصرع رضي الله تعالى عنه.
وقد أشرنا فيما سبق إلى أصل ما جاء في أن الموضع الثاني مكان مقتله ، وإنما أثبتّه في المساجد ـ مع ما قدمته من أني لم أقف فيه على شيء صريح ـ لأن ابن شبة قال ما لفظه : قال أبو غسان : وقال لي غير واحد من أهل العلم من أهل البلد : إن كل مسجد من مساجد المدينة ونواحيها مبنيّ بالحجارة المنقوشة المطابقة فقد صلى فيه النبيصلىاللهعليهوسلم ، وذلك أن عمر بن عبد العزيز حين بنى مسجد النبيصلىاللهعليهوسلم سأل والناس يومئذ متوافرون عن المساجد التي صلّى فيها رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ثم بناها بالحجارة المنقوشة المطابقة ، انتهى.
وقد ذكر هذا المسجد أبو عبد الله الأسدي من المتقدمين ، وسماه مسجد العسكر ، فقال
__________________
(١) الشيخان : موضع بالمدينة ، وهو معسكر الرسول عليه الصلاة والسلام ، يوم أحد.
في تعديد المساجد : ومسجد العسكر ، ومسجد يمين هذا في أصل الجبل ، انتهى ؛ فيتأيد ذلك الاحتمال الثاني المذكور في الرواية المتقدمة لتسميته بمسجد العسكر ، على أنه قد ورد من حديث أبي هريرة أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم وقف على حمزة وقد قتل ومثّل به فلم ير منظرا كان أوجع لقبله منه ، فقال : رحمك الله أي عمّ ، فلقد كنت وصولا للرحم ، فعولا للخيرات ، فو الله لئن أظفرني الله بالقوم لأمثّلنّ بسبعين منهم ، فما برح حتى نزل :( وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ) [النحل : ١٢٦] فقال رسول اللهصلىاللهعليهوسلم : بلى نصبر. وروى أيضا أن النبيصلىاللهعليهوسلم وقف على حمزة وصلّى عليه حينئذ.
قلت : فهذا ما جاء في أن الموضع المذكور مقتل حمزة كاف في إثباته في المساجد ، وسيأتي في بيان المشاهد الخارجة عن البقيع عند ذكر مشهد حمزة رضي الله تعالى عنه بيان أن الحجر المثبت على قبره اليوم أخطأ واضعه ، وأنه إنما نقل من هذا المسجد عند تهدّمه ، وفيه مكتوب بعد البسملة( إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ ) [التوبة : ١٨] الآية هذا مصرع حمزة بن عبد المطلب ومصلى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، عمره حسين بن أبي الهيجاء سنة ثمانين وخمسمائة ، وكأنه جدده فلما تهدم وسقط ذلك المسن نقل إلى المشهد المذكور كما سنوضحه.
وأما المسجد المقابل لمشهد سيدنا حمزة في شرقيه وعند بابه فمحدث ، لم يذكره المطري ولا غيره ، وليس له أصل في المساجد المنسوبة للنبيصلىاللهعليهوسلم .
مسجد أبي ذر الغفاري
ومنها : مسجد صغير جدّا طوله ثمانية أذرع في ثمانية أذرع على يمين طريق السالك إلى أحد من طريق الأسواق ، فإذا جاوز البقيع المعروف ببقيع الأسواق قليلا كان على يمينه طريق إذا مشى فيها يسيرا وجد هذا المسجد عند النخيل المعروفة بالبحير ، وهو ثاني المسجدين اللذين ذكرهما المطري بقوله : وليس بالمدينة مسجد يعرف غير ما ذكر إلا مسجدّا على ثنية الوداع ومسجدّا آخر صغيرا جدّا على طريق السابلة ، وهي الطريق اليمنى الشرقية إلى مشهد حمزة رضي الله تعالى عنه ، يقال : إنه مسجد أبي ذرّ الغفاريرضياللهعنه ، ولم يرد فيهما نقل يعتمد عليه.
قلت : روى البيهقي في شعب الإيمان عن مولى لعبد الرحمن بن عوف قال : قال عبد الرحمن : كنت نائما في رحبة المسجد ، فرأيت رسول اللهصلىاللهعليهوسلم خارجا من الباب الذي يلي المقبرة ، قال : فلبثت شيئا ثم خرجت على أثره فوجدته قد دخل حائطا من الأسواق ، فتوضأ ثم صلى ركعتين فسجد سجدة أطال فيها ، فلما تشهد تبدأت له ، فقلت : بأبي وأمي حين سجدت أشفقت أن يكون الله قد توفّاك من طولها ، فقال : إن جبريلعليهالسلام بشّرني أنه من صلّى عليّ صلى الله عليه ، ومن سلم عليّ سلم الله عليه. قال البيهقي : وقد رويناه من
وجه آخر عن محمد بن جبير عن عبد الرحمن ، ومن وجه آخر عن عبد الواحد بن محمد بن عبد الرحمن بن عوف عن عبد الرحمن لم يذكر فيه الركعتين ، بل ذكر السجود فقط ، فزاد عبد الواحد في حديثه : فسجدت لله شكرا. ورواه ابن زبالة بالطريق الأولى بلفظها ، إلا أنه قال : فقلت بأبي وأمي لقد سجدت سجدة أشفقت إلى آخره. ورواه ابن أبي الدنيا وأبو يعلى والبزار ، إلا أن في روايتهم : فجئته وقد خرج ، فاتبعته فدخل حائطا من حيطان الأسواق ، فصلى فأطال السجود ، فقلت : قبض الله روح رسولهصلىاللهعليهوسلم لا أراه أبدا ، فحزنت وبكيت ، فرفع رأسه ، فدعاني فقال : ما الذي بك؟ أو ما الذي وراءك؟ فقلت : يا رسول الله أطلت السجود فقلت قبض الله رسوله لا أراه أبدا ، فحزنت وبكيت ، قال : سجدت هذه السجدة شكرا لربي فيما أبلاني في أمتي أنه قال : من صلّى عليك منهم صلاة كتب له عشر حسنات ، وهذا اللفظ للبزار.
قلت : والأسواق قريبة من موضع هذا المسجد جدّا ، ويحتمل أن محل السجدة المذكورة ، بل هو الظاهر ؛ فلذلك أثبتناه. وحديث عبد الرحمن هذا أخرجه الإمام أحمد بلفظ : خرج رسول اللهصلىاللهعليهوسلم فتوجّه نحو صدقته فدخل فاستقبل القبلة ، فخر ساجدا فأطال السجود حتى ظننت أن الله قبض نفسه فيها ، فدنوت منه ، فرفع رأسه وقال : من هذا؟قلت : عبد الرحمن ، قال : ما شأنك؟ قلت : يا رسول الله سجدت سجدة ظننت أن يكون الله قد قبض نفسك فيها ، فقال : إن جبريل أتاني فبشرني فقال : إن اللهعزوجل يقول : من صلّى عليك صليت عليه ، ومن سلم عليك
سلمت عليه ، قال البيهقي في الخلافيات عن الحاكم قال : هذا صحيح ، ولا أعلم في سجدة الشكر أصح من هذا الحديث ، انتهى.
وقوله «نحو صدقته» ينبغي حمله على الرواية المتقدمة ، ولا يمتنع أن يكون بعض حوائط الأسواق كان من صدقة النبيصلىاللهعليهوسلم ، مع أن بالقرب منه موضعا يعرف قديما وحديثا بالصدقة ، أو أن القصة متعددة ، والله أعلم.
مسجد أبيّ بن كعب (بني جديلة) (البقيع)
ومنها : مسجد على يمين الخارج من درب البقيع على ما ذكره البرهان بن فرحون فإنه قال عقب ذكر المسجد المتقدم قبل هذا : إنه لم يرد فيه شيء يعتمد ، ثم قال : وكذلك المسجد في أول البقيع على يمين الخارج من درب الجمعة ، انتهى.
قلت : يعني الموضع الذي في غربي مشهد عقيل وأمهات المؤمنين ، وبه اليوم أسطوان قائمة ، وبلغني أنه كان به عقدان سقطا ، وبقاياه شاهدة بأنه كان مبنيا بالحجارة المنقوشة
والقصّة كالبناء العمري ، وقد اتخذ بعض الأشراف الوحاحدة رحبته التي في شامي الأسطوان مقبرة.
وقد ذكر المرجاني أيضا مسجدّا بالبقيع ، وذكر من عند نفسه أنه موضع مصلّى النبيصلىاللهعليهوسلم العيد بالبقيع ، ولعله يعني هذا المسجد ، وقد قدمنا في ذكر المصلى ما يرده.
والذي ظهر لي : أن هذا المسجد هو مسجد أبي بن كعبرضياللهعنه ، ويقال له : مسجد بني جديلة ؛ لأنا قدمنا في منازل بني النجار أن بني جديلة ابتنوا اطما يقال له مشعط كان في غربي مسجدهم الذي يقال له مسجد أبي ، وفي موضع الأطم بيت يقال له بيت أبي نبيه ، وسيأتي في ذكر قبور أزواج النبيصلىاللهعليهوسلم وابنته الزهراء رضي الله تعالى عنهن بالبقيع ما يقتضي أن في أوله مما يلي هذه الجهة زقاقا يعرف بزقاق نبيه ، وخوخة تعرف بخوخة آل نبيه. وفي كلام ابن شبة ما يقتضي مجاورة البقيع لبني جديلة واتصالهم به ؛ فنرجّح عندي أنه مسجد أبيّ رضي الله تعالى عنه ، وسيأتي عن المطري ذكر مسجد أبي فيما علمت جهته ولم تعلم عينه من المساجد.
وروى عمر بن شبة عن يحيى بن سعيد قال : كان النبيصلىاللهعليهوسلم يختلف إلى مسجد أبي فيصلي فيه غير مرة ولا مرتين ، وقال : لو لا أن يميل الناس ، إليه لأكثرت الصلاة فيه.
وعن أبي بكر بن يحيى بن النضر الأنصاري عن أبيه أن النبيصلىاللهعليهوسلم لم يصلّ في مسجد مما حوته المدينة إلا مسجد أبيّ بن كعب ، ثم ذكر مساجد ستأتي.
وروى ابن زبالة عن يوسف الأعرج وربيعة بن عثمان أن النبيصلىاللهعليهوسلم صلّى في مسجد بني جديلة ، وهو مسجد أبيّ بن كعب.
وفي شامي مشهد عقيل أسفل الكومة مسجد صغير طريقه من بين الترب التي هناك أسفل محرابه موجود ، ولم يتعرض لذكره في المساجد وليس هو على هيئات البناء العمري ، والله أعلم.
مساجد المصلى
ومنها : مساجد المصلّى الثلاثة التي ذكرناها في الفصل الأول فراجعه.
مسجد ذي الحليفة
ومنها : مسجد ذي الحليفة ميقات أهل المدينة ، والمسجد الذي في قبلته ، وسيأتيان في المساجد التي صلى فيها النبيصلىاللهعليهوسلم بين الحرمين مع بيان محلهما من وادي العقيق الكبير.
مسجد مقمل
ومنها مسجد مقمل ، ذكره المجد هنا ، والصواب ذكره في المساجد الخارجة عن المدينة ؛ لأنه كما سيأتي على يومين منها ، والله سبحانه وتعالى أعلم.
الفصل الرابع
في المساجد التي علمت جهتها ، ولم تعلم عينها بالمدينة الشريفة
مسجد أبيّ بن كعب
منها : مسجد أبيّ بن كعب ببني جديلة ، ويقال : مسجد بني جديلة من بني النجار ، على ما تقدم في المسجد الذي بالبقيع عن المطري من أن هذا المسجد لا تعرف عينه ، قال :ومنازل بني جديلة عند بئر ماء شامي سور المدينة.
مسجد بني حرام
ومنها : مسجد بني حرام من بني سلمة من الخزرج ، قد تقدم في مسجد القبلتين توهيم من جعله إياه ، وما ورد من صلاة النبيصلىاللهعليهوسلم بكل منهما. وروى ابن زبالة عن جابر بن عبد الله أن النبيصلىاللهعليهوسلم صلّى في مسجد بني حرام الذي بالقاع ، وأنه رأى في قبلته نخامة ، وكان لا يفارقه عرجون ابن طاب يتخصّر به ، فحكّه ثم دعا بخلوق فجعله على رأس العرجون ، ثم جعله على موضع النخامة ، فكان أول مسجد خلّق. ومنازل بني حرام بالقاع في غربي مساجد الفتح ووادي بطحان عند جبل بني عبيد والعين التي أجراها معاوية رضي الله تعالى عنه.
مسجد الخربة
ومنها : مسجد الخربة لبني عبيد من بني سلمة ، وتقدم أن منازلهم كانت عند مسجدهم هذا إلى الجبل الذي يقال له جبل الدويخل جبل بني عبيد ، وذلك قرب منازل بني حرام في المغرب ، والقاصد إلى مسجد القبلتين من جهة مساجد الفتح يمر بمنازلهما ، وقد تقدم في مسجد القبلتين ما روى من صلاتهصلىاللهعليهوسلم بهذا المسجد. وروى ابن زبالة عن يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة عن مشيخته أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم كان يأتي السلافة أم البراء بن معرور في المسجد الذي يقال له مسجد الخربة دبر القرصة ، وصلى فيه مرارا.
قلت : وسيأتي أن هناك نخل جابر بن عبد الله المذكورة قصته في قضاء دينه هناك ، ولم يتعرض المطري ومن تبعه لذكر هذا المسجد. وقد روى يحيى بن الحسن في كتابه خبر ابن زبالة المذكور ، ورأيته في النسخة التي رواها طاهر بن يحيى عن أبيه يحيى لفظ : دبر القرصة ، ثم قال عقبة ما لفظه : قال لنا طاهر بن يحيى : هذا في بني حارثة ، وكانت القرصة ضيعة ، وهي عند بيت سعد بن معاذ ، انتهى. وهو مخالف لما تقدم عن ابن زبالة في المنازل ، والله أعلم.
مسجد جهينة
ومنها : مسجد جهينة وبلى ، وروى ابن شبة عن معاذ بن عبد الله بن أبي مريم الجهني
وغيره أن النبيصلىاللهعليهوسلم صلّى في مسجد جهينة ، وعن يحيى بن النضر الأنصاري أن النبيصلىاللهعليهوسلم لم يصل في مسجد مما حوته المدينة إلا مسجد أبيّ ، ثم قال : ومسجد جهينة ، إلى آخر ما ذكره ، وعن جابر بن أسامة الجهني قال : لقيت رسول اللهصلىاللهعليهوسلم في أصحابه بالسوق فقلت : أين تريدون ورسول اللهصلىاللهعليهوسلم ؟ قالوا : نخطّ لقومك مسجدّا ، فرجعت فإذا قومي قيام وإذا رسول اللهصلىاللهعليهوسلم قد خطّ لهم مسجدّا وغرز في القبلة خشبة أقامها فيها ، وعنه أيضا قال : خطّ النبيصلىاللهعليهوسلم مسجد جهينة لبلّى. وروى ابن زبالة عن هشام بن عروة عن أبيه أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم خطّ المسجد الذي لجهينة ولمن هاجر من بلّي ، ولم يصل فيه. وعن خارجة بن الحارث بن رافع بن مكيث الجهني عن أبيه عن جده قال : جاء النبيصلىاللهعليهوسلم يعود رجلا من أصحابه من جهينة من بني الربعة يقال له أبو مريم ، فعاده بين منزل بني قيس العطار الذي فيه الأراكة وبين منزلهم الآخر الذي يلي دار الأنصار ، فصلى في ذلك المنزل ، قال : فقال نفر من جهينة لأبي مريم : لو لحقت رسول اللهصلىاللهعليهوسلم فسألته أن يخطّ لنا مسجدّا ، فقال : احملوني ، فحملوه فلحق النبيصلىاللهعليهوسلم فقال : مالك يا أبا مريم؟ فقال : يا رسول الله لو خططت لقومي مسجدّا ، قال : فجاء النبيصلىاللهعليهوسلم مسجد جهينة ، وفيه خيام لبلّي ، فأخذ ضلعا أو محجنا فخطّ لهم ، قال : فالمنزل لبلّي ، والخطة لجهينة.
قال الجمال المطري : وهذه الناحية اليوم معروفة غربي حصن صاحب المدينة ، والسور القديم بينها وبين جبل سلع ، وعنده آثار باب من أبواب المدينة خراب ، ويعرف على تاريخه وهو سنة أربعين وسبعمائة ـ بدرب جهينة ، والناحية من داخل السور بينه وبين حصن صاحب المدينة ، انتهى.
قلت : قوله «من داخل السور» إن أراد به السور الموجود اليوم فليس بصحيح ؛ لأن ما كان داخل هذا السور فيما بينه وبين حصن صاحب المدينة فهو من السوق كما تقدم بيانه ومنازل هؤلاء كانت في غربي السوق قبلي ثنية عثمث المنسوبة إلى سليع ـ وهو الجبل الذي عليه حصن أمير المدينة ويمتد في جهة المغرب إلى بني سلمة ـ وإن أراد أن الناحية المذكورة من داخل السور القديم فصحيح ، غير أن الداخل فيه بعضها لا كلها.
مسجد بني غفار
ومنها : المسجد الذي عند بيوت المطرفي ، وهو المتقدم ذكره في منازل بني غفار.
روى ابن زبالة عن أنس بن عياض عن غير واحد من أهل العلم أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم صلّى في المسجد الذي عند بيوت المطرفي ، عند خيام بني غفار ، وأن تلك المنازل كانت منازل آل أبي رهم كلثوم بن الحصين الغفاري صاحب رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، قال المطري : وليست الناحية معروفة اليوم.
قلت : عرف مما تقدم في منازل بني غفار وفي دار السوق أنها في غربي سوق المدينة بالقرب من منزل جهينة الذي يلي ثنية عثعث من جهة القبلة.
مسجد بني زريق
ومنها : مسجد بني زريق ـ بتقديم الزاي كزبير ـ من الخزرج.
روى ابن زبالة عن عمر بن حنظلة أن مسجد بني زريق أول مسجد قرئ فيه القرآن ، وأن رافع بن مالك الزّرقي لما لقي رسول اللهصلىاللهعليهوسلم بالعقبة أعطاه رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ما أنزل عليه في العشر سنين التي خلت ، قال : فقدم به رافع المدينة ، ثم جمع قومه فقرأه عليهم في موضعه ، وهو يومئذ كوم ، قال : وعجب النبيصلىاللهعليهوسلم من اعتدال قبلته.
وعن مروان بن عثمان بن المعلى قال : أول مسجد قرئ فيه القرآن مسجد بني زريق.
وعن يحيى بن عبد الله بن رفاعة قال : توضأ رسول اللهصلىاللهعليهوسلم فيه ، وعجب من اعتدال قبلته ، ولم يصل فيه.
وروى ابن شبة عن معاذ بن رفاعة الزّرقي أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم دخل في مسجد بني زريق ، وتوضأ فيه ، وعجب من قبلته ، ولم يصل فيه ، وكان أول مسجد قرئ فيه القرآن.
قلت : تقدم في المنازل أن محل قرية بني زريق في قبلة المصلى وما والاها في المشرق داخل السور وخارجه ، وتقدم في ذكر الدور المحيطة بالبلاط الممتدّ من باب المدينة المعروف بدرب سويقة إلى باب السلام ما يبين أن هذا المسجد كان في قبلة الدور التي عن يمين السالك من درب سويقة المذكور قريبا منه وهو المذكور في حديث السباق بين الخيل التي لم تضمر ، قال عياض : وبينه وبين ثنية الوداع ميل أو نحوه.
قلت : وبين ثنيّة الوداع وبين الموضع الذي ذكرناه نحو الميل ، وهو قريب من جهة محاذاة ثنية الوداع في جهة القبلة.
وقد حدث في جهة قبلة المصلّى مما يلي المغرب مسجدان ، أحدثهما شمس الدين محمد بن أحمد السلاوي بعد الخمسين وثمانمائة : الأول منهما على شفير وادي بطحن على عدوته الشرقية ، والثاني بعده في جهة القبلة على رابية مرتفعة من الوادي أيضا في غربيه في مقابلة المطرية ، وكان موضعه في تلك الرابية فكان يطبخ فيه الآجرّ ، وإنما نبهت على ذلك لئلا يتقادم العهد بهما فيظن أن أحدهما مسجد بني زريق ؛ لكون ذلك بالناحية المذكورة ، والله سبحانه وتعالى أعلم.
مسجدان لبني ساعدة
ومنها : مسجدان لبني ساعدة من الخزرج ، وسقيفتهم.
روى ابن شبة عن المطلب بن عبد الله أن النبيصلىاللهعليهوسلم صلّى في مسجد بني ساعدة ،
وجلس في سقيفتهم القصوى. وعن العباس بن سهل أن النبيصلىاللهعليهوسلم صلّى في مسجد بني ساعدة في جوف المدينة. وعن سعد بن إسحاق بن كعب أن النبيصلىاللهعليهوسلم صلّى في مسجد بني ساعدة الخارج من بيوت المدينة. وعن سهل بن سعد أن النبيصلىاللهعليهوسلم جلس في سقيفة بني ساعدة القصوى. وعن عبد المنعم بن عباس عن أبيه عن جده أن النبيصلىاللهعليهوسلم جلس في السّقيفة التي في بني ساعدة ، وسقاه سهل بن سعد في قدح.
وروى ابن زبالة حديث سهل بن سعد المتقدم ، ثم روى عن عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد عن أبيه عن جده قال : جلس رسول اللهصلىاللهعليهوسلم في سقيفته التي عند المسجد ، ثم استسقاني فخضت له وطبة ، فشرب ثم قال : زدني ، فخضت له أخرى فشرب ، ثم قال : كانت الأولى أطيب من الآخرة ، فقلت : هما يا رسول الله من شيء واحد.
قوله : «فخضت له» كذا هو في نسخة ابن زبالة. ورواه المطري كذلك ، وكذا كان في خط الزين المراغي ، ثم رأيته مصلحا «فمخضت له» وكأن الذي ألحق الميم أخذ ذلك من كون الوطب سقاء اللبن ؛ فالمناسب له المخض ، ولا مانع من إطلاق الخوض على المخض.
وقد تلخص من ذلك أن النبيصلىاللهعليهوسلم صلّى في مسجدي بني ساعدة ، وجلس في سقيفتهم ، والجلوس في سقيفتهم مذكور في الصحيح ، وهي السقيفة التي وقعت بيعة أبي بكر رضي الله تعالى عنه فيها ، والظاهر أنها كانت عند دار سعد بن عبادة ، ويدل على ذلك ما في الصحيح من حديث الجوينية ـ وهي العائذة ـ من حديث سهل بن سعد حيث ذكر دخول النبيصلىاللهعليهوسلم عليها ، وخروجه من عندها ، ثم قال : فأقبل النبيصلىاللهعليهوسلم يومئذ حتى جلس في سقيفة بني ساعدة هو وأصحابه ، ثم قال : اسقنا يا سهل ، فخرجت لهم بهذا القدح فسقيتهم فيه ، الحديث. فطلبهصلىاللهعليهوسلم من سهل بن سعد أن يسقيه وقد جلس في سقيفتهم دالّ على قرب منزله منها ، ويدل لذلك أيضا اجتماع الأنصار بها عند سعد رضي الله تعالى عنه يوم السقيفة ، وكان سعد مريضا ، وقد أسلفنا في منازل بني ساعدة أنهم افترقوا في أربعة منازل ؛ فمنزلهم الأول في شرقي سوف المدينة وفيه بئر بضاعة هو المراد بحديث الصلاة في مسجدهم الذي في جوف المدينة.
وأما مسجدهم الخارج عن بيوت المدينة فيظهر أنه في منزلهم الرابع ، وأنه في شامي ذباب الجبل الذي عليه مسجد الراية ؛ لما سيأتي في ترجمة الشوط من أن في رواية لابن سعد أن الجوينية أنزلت بالشوط من وراء ذباب في أطم. وفي رواية أخرى : «فنزلت في أجم بني ساعدة».
سقيفة بني ساعدة
وأما سقيفة بني ساعدة فيظهر أنها في منزلهم الثالث ، وهو منزل بني أبي خزيمة بن
ثعلبة بن طريف ؛ لأنهم رهط سعد ، ولأن جراره التي كان يسقي فيها الماء بعد وفاة أمه كانت لها ، وهو قريب من منزلهم الرابع ، كما يؤخذ مما قدمناه في المنازل ، وذلك في شامي سوق المدينة قرب ذباب.
وقد ترجّح عندي الآن خطأ ما قدمته هناك من احتمال أن تكون جرار سعد عند الموضع المعروف اليوم بسقيفة بني ساعدة قرب مقعد الأشراف الوحاحدة من سويقة. وقد قدمنا قول المطري إن قرية بني ساعدة عند بئر بضاعة ، والبئر وسط بيوتهم ، قال : وشمالي البئر اليوم إلى جهة المغرب بقية أطم من آطام المدينة نقل أنه في دار أبي دجانة الصغرى التي عند بئر بضاعة ، وأبو دجانة من بني ساعدة ، ذكر ذلك في بيان مسجد بني ساعدة وسقيفتهم مقتصرا على مسجد واحد ، وقال : إنه مسجد بني ساعدة رهط سعد بن عبادة ، وليس ما ذكره منزل رهط سعد ؛ لما قدمناه.
وأغرب رزين العبدري فزعم أن سقيفة بني ساعدة معروفة بقباء ، وهو وهم
وروى ابن زبالة عن هند ابنة زياد زوجة سهل بن سعد الساعدي قالت : لما دخلت على سهل رأيت المسجد في وسط البيت فقلت : ألا إلى العريش أو إلى الجدار ، فقال : إن النبيصلىاللهعليهوسلم جلس هاهنا ، وهو البيت الذي صار لابن حمران.
مسجد بني خدارة
ومنها : مسجد بني خدارة إخوة بني خدرة من الخزرج.
روى ابن شبة عن شيخ من الأنصار أن النبيصلىاللهعليهوسلم صلّى في مسجد بني خدارة ، وحلق رأسه فيه. وعن هشام بن عروة أنهصلىاللهعليهوسلم صلّى به. وعن عمرو بن شرحبيل أن النبيصلىاللهعليهوسلم وضع يده على الحجر الذي في أجم سعد بن عبادة عند جرار سعد ، وصلّى في مسجد بني خدارة.
قلت : قد تقدم ذكر جرار سعد في منزل بني ساعدة الثالث ، وبيان أنها كانت حدّ سوق المدينة من جهة الشام قرب ثنية الوداع ، وأن منازل بني خدارة كانت بجرار سعد
وقال المطري : هذه الدار قبلي دار بني ساعدة وبئر بضاعة مما يلي سوق المدينة.
وإذا تأملت ما قدمناه في منازل بني ساعدة علمت أن هذه هي دارهم الثالثة التي بها رهط سعد ، وعندها السقيفة ، وليس بها لبني ساعدة مسجد ، وينبغي أن لا يغافل عما قدمناه من حدوث مسجد في منزلة الحاج الشامي قبليّ المنهل الذي عند مشهد النفس الزكية ، أنشأه قاضي الحرمين العلامة محيي الدين الحنبلي هناك ؛ فلا يتوّهم أنه أحد هذه المساجد ، والله أعلم.
مسجد راتج
ومنها : مسجد راتج ؛ لم يتعرض المطري ومن تبعه لذكره.
وقد روى ابن شبة عن خالد بن رياح أن النبيصلىاللهعليهوسلم صلّى في مسجد راتج ، وشرب من جاسوم ، وهي بئر هناك.
وروى ابن زبالة صلاتهصلىاللهعليهوسلم في مسجد راتج عن خالد بن رباح عن رجل من بني حارثة. وسيأتي أن جاسوم بئر أبي الهيثم بن التيهان ، وأن النبيصلىاللهعليهوسلم صلّى في حائطه. وراتج تقدم في المنازل أنه أطم سميت به الناحية ، وأن بني الشطية كانوا إحدى قبائل راتج الثلاث ، وأن ممن كان به بني زعوراء إخوة بني عبد الأشهل ومنهم أبو الهيثم بن التّيهان ؛ ولهذا نقل الأقشهري عن المحب الطبري أنه ذكر المساجد التي كانوا يصلون فيها بأذان بلال فقال : ومسجد بني راتج من بني عبد الأشهل.
قلت : وصواب العبارة «مسجد راتج» وقد سبق ذكر راتج أيضا في منازل مزينة من المهاجرين حيث قال فيها : ونزلت بنو ذكوان من بني سليم مع أهل راتج من اليهود ما بين دار قدامة إلى دار حسن بن زيد بالجبانة. وسيأتي ذكر الجبانة في ترجمة ذباب. وسيأتي لراتج ذكر في ترجمة الخندق ، ومنه يؤخذ أنه كان في شرقي ذباب الذي عليه مسجد الراية جانحا إلى جهة الشام ، وبعده في المشرق منزل بني عبد الأشهل.
وقال المطري : إن في غربي وادي بطحان من جهة مساجد الفتح جبلين صغيرين : أحدهما يقال له راتج ، ويقال للذي إلى جنبه جبل أبي عبيد.
قلت : وإن صحّ ما ذكره فليس هو المراد هنا ؛ لأن تلك الجهة ليست في منازل بني عبد الأشهل وإخوتهم المذكورين. والذي صرح به ابن زبالة وغيره أنه اسم أطم كما قدمناه ، فهو المعتمد والله أعلم.
مسجد واقم
ومنها : مسجد بني عبد الأشهل من الأوس ، ويقال له : مسجد واقم.
روى أبو داود والنسائي عن كعب بن عجرة أن النبيصلىاللهعليهوسلم أتى مسجد بني عبد الأشهل فصلّى فيه المغرب ، فلما قضوا صلاتهم رآهم يسجدون بعدها ، فقال : هذه صلاة البيوت ، وإسناده جيد ، إلا أن فيه إسحاق بن كعب بن عجرة مجهول الحال.
وروى ابن شبهة عن محمود بن لبيد قال : صلّى النبيصلىاللهعليهوسلم صلاة المغرب في مسجد بني عبد الأشهل ، فلما فرغ من صلاته قال : صلّوا هاتين الركعتين في بيوتكم ، ومحمود بن لبيد من صغار الصحابة ، وجلّ روايته عن الصحابة ، وفي إسناده عنعنة ابن إسحاق ، ورواه أحمد برجال ثقات ، ولفظه : أتانا رسول اللهصلىاللهعليهوسلم في مسجدنا فصلّى بنا المغرب ، فلما سلّم منها قال : اركعوا هاتين الركعتين في بيوتكم ، للسبحة بعد المغرب ، ورواه ابن ماجه عن محمود بن لبيد عن رافع بن خديج قال : أتانا رسول اللهصلىاللهعليهوسلم في بني عبد الأشهل ، فصلّى بنا المغرب في المسجد ، الحديث ، وفي إسناده متروك.
وروى ابن شبة وابن ماجه عن عبد الله بن عبد الرحمن قال : جاءنا النبيصلىاللهعليهوسلم فصلّى بنا في بني عبد الأشهل ، فرأيته واضعا يديه على ثوبه إذا سجد وعبد الله بن عبد الرحمن ليست له صحبة ، قال الذهبي : وصوابه عن أبيه عن جده.
وقد روى ابن ماجه عقبه عن عبد الله بن عبد الرحمن بن ثابت بن الصامت عن أبيه عن جده أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم صلّى في بني عبد الأشهل ، وعليه كساء ملتف به يضع يديه عليه يقيه برد الحصى.
ورواه ابن شبة بنحوه ، وفي إسناد كل منهما ضعيف.
وروى ابن شبة عن إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة ـ وهو ضعيف ـ عن أبيه معضلا قال : صلّى النبيصلىاللهعليهوسلم وهو في مسجد واقم في بني عبد الأشهل وعليه برنكان لم يفض بيديه من البرنكان إلى الأرض.
وعن أمر عامر أنها رأت النبيصلىاللهعليهوسلم وهو في مسجد بني عبد الأشهل أتى بعرق فتعرّقه ، ثم صلى ولم يمسّ ماء.
ورواه ابن زبالة إلا أنه قال : إنها قالت : أتيت رسول اللهصلىاللهعليهوسلم بعرق فتعرقه وهو في مسجد بني عبد الأشهل ، ثم قام فصلى ولم يتوضأ.
وروى يحيى عن بكر بن عبد الوهاب عن محمد بن عمر قال : قالوا : كان بالمدينة تسعة مساجد يسمعون فيها مؤذن النبيصلىاللهعليهوسلم ؛ فيصلون في مساجدهم ، ولا يأتون مسجد النبيصلىاللهعليهوسلم ، إلا يوم الجمعة فإنهم كانوا يجمعون فيه ، وربما خرج رسول اللهصلىاللهعليهوسلم إذا صلّى الظهر إلى مسجد بني عبد الأشهل فيصلي العصر والمغرب في مسجد بني عبد الأشهل ، ولم تكن دار كان رسول اللهصلىاللهعليهوسلم أكثر لها غشيانا من دار بني عبد الأشهل قبل وفاة سعد بن معاذ وبعد وفاته.
قلت : والأخبار في الصلاة في هذا المسجد كثيرة ، وهو غير معروف اليوم ، وتقدم أن المطري قال : إن دار بني عبد الأشهل قبلى دار بني ظفر مع طرف الحرة الشرقية المعروفة بحرّة واقم ، وكأنه أخذه من قول يحيى في مسجد بني ظفر : إنه دون مسجد بني الأشهل ، ولا دلالة في ذلك على ما قاله ، والصواب ما قدمناه في منازلهم من أنها كانت في شامي بني ظفر بالحرّة المذكورة وما والاها بين بني ظفر وبني حارثة ، وسيأتي في ترجمة الخندق ما يصرح بذلك. ويؤيده ما سيأتي في مسجد القرصة من أنها ضيعة لسعد بن معاذ ، والقرصة معروفة اليوم بالجهة التي ذكرناها. وبنو عبد الأشهل هم رهط سعد بن معاذ وأسيد بن حضير ، وقد رأيت قرب القرصة آثار منازل كثيرة الظاهر أنها منازلهم ، ويؤيده أن فيما نقله الواقدي عن كتاب مسرف بن عقبة إلى يزيد بعد مقتلة الحرّة «إني فرقت أصحابي على أفواه
خنادقهم ؛ فوليت الحصين بن نمر ناحية ذباب وما والاها ، ووجهت حبيش بن دلجة إلى ناحية بقيع الغرقد ، وكنت ومن معي من قواد أمير المؤمنين في وجه بني حارثة ، فأدخلنا عليهم الخيل حين ارتفع النهار من ناحية بني عبد الأشهل ، فما صليت الظهر إلا في مسجدهم ، وإنا أوقعنا بهم السيوف فقتلنا من أشرف لنا منهم ، وتبعنا مدبرهم ، وأجهزنا على جريحهم ، وانتهبناها ثلاثا» انتهى.
وقد تقدم في الفصل الخامس عشر من الباب الثاني أن بعض بني حارثة فتح لأهل الشام طريقا من قبلهم ، وأنهم أتوا من قبل بني حارثة. ونقل الواقديّ أن أول ما انتهبت والحرب بعد لم تنقطع دار بني عبد الأشهل ، أي لأنها التي كانت تليهم بعد الدخول من بني حارثة ، والله أعلم.
مسجد القرصة
ومنها : مسجد القرصة ، روى رزين عن يحيى بن قتادة عن مشيخة قومه أن النبيصلىاللهعليهوسلم كان يأتي دور الأنصار فيصلي في مساجدهم ، فصلى في مسجد القرصة ، والقرصة : ضيعة لسعد بن معاذ ، قال الزين المراغي : فلعلها القرصة المعروفة اليوم بطرف الحرة الشرقية من جهة الشمال ؛ لأنها قريبة من منازل بني عبد الأشهل رهط سعد ، غير أن المسجد لا يعرف فيها اليوم.
قلت : رأيت بها قرب البئر على رابية أثر مسجد ، والله أعلم.
مسجد بني حارثة
ومنها : مسجد بني حارثة من الأوس روى ابن شبة عن الحارث بن سعد بن عبيد الحارثي أن النبيصلىاللهعليهوسلم صلّى في مسجد بني حارثة.
وروى ابن زبالة عن إبراهيم بن جعفر عن أبيه أن النبيصلىاللهعليهوسلم صلّى في مسجد بني حارثة ، وقضى فيه في شأن عبد الرحمن بن سهل ، يعني المقتول بخيبر ، أخي عبد الله بن سهل بني عم حويصة ومحيصة.
وتقدم في المنازل أن بني حارثة تحوّلوا قبل الإسلام من دار بني عبد الأشهل إلى دارهم في سند الحرّة التي بها الشيخان شاميّ بني عبد الأشهل ، خلاف ما ذكره المطري من أن منازلهم بيثرب.
مسجد الشيخين (البدائع)
ومنها : مسجد الشيخين ، ويقال له : «مسجد البدائع».
روى ابن شبة عن المطلب بن عبد الله أن النبيصلىاللهعليهوسلم صلّى في المسجد الذي عند الشيخين ، وبات فيه ، وصلّى فيه الصبح يوم أحد ، ثم غدا منه إلى أحد.
وعن ابن عباس عن سعد أن النبيصلىاللهعليهوسلم صلّى في المسجد الذي عند البدائع عند الشيخين ، وبات فيه حتى أصبح ، والشيخان : أطمان.
وعن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت : أتيت رسول اللهصلىاللهعليهوسلم في مسجد البدائع بشواء ، فأكله ، ثم بات حتى غدا إلى أحد.
وروى ابن زبالة عن جعفر بن محمد عن أبيه أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم صلّى في المسجد الذي عند الشيخين ، وأنه عدل من ثمّ يوم أحد إلى أحد.
ورواه يحيى من طريق ابن زبالة ، قال ابنه طاهر بن يحيى عقبه : ويعرف اليوم بمسجد العدوة.
وروى يحيى أيضا عن محمد بن طلحة قال : المسجد الذي صلى فيه رسول اللهصلىاللهعليهوسلم يوم الجمعة حين راح أي إلى أحد من هاهنا هو المسجد الذي على يمينك إذا أردت قناة ، أي وادي الشطاة ، صلى فيه النبيصلىاللهعليهوسلم العصر والعشاء والصبح ، ثم غدا إلى أحد يوم السبت.
وسيأتي في الشيخين قول المطري : إنه موضع بين المدينة وجبل أحد على الطريق الشرقية مع الحرّة إلى جبل أحد. وتقدم قول ابن زبالة : وكان لبعض من هناك من اليهود الأطمان اللذان يقال لهما الشيخان بمفضاهما المسجد الذي صلى فيه رسول اللهصلىاللهعليهوسلم حين سار إلى أحد.
مسجد بني دينار
ومنها : مسجد بني دينار بن النجار من الخزرج روى ابن شبة عن يحيى بن النضر الأنصاري أن النبيصلىاللهعليهوسلم صلّى في مسجد بني دينار ، وعن عبد الله بن عقبة بن عبد الملك أن النبيصلىاللهعليهوسلم كان كثيرا ما يصلّي في مسجد بني دينار عند الغسالين.
وروى ابن زبالة عن أيوب بن صالح الديا ناري أن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه تزوّج امرأة منهم فاشتكى ، فكان النبيصلىاللهعليهوسلم يعوده ، فكلّموه أن يصلي لهم في مكان يصلون فيه ، فصلى في المسجد الذي يا بني دينار عند الغسالين.
وتقدم في المنازل عن المطري أن دارهم بين دار بني جديلة التي عند بيرحاء وبين دار بني معاوية أهل مسجد الإجابة ، وأن ابن زبالة صرح بخلافه ، حيث قال : نزلوا دارهم التي خلف بطحان الذي في شقه الغربي مما يلي الحرة.
قلت : ويؤيده ما سيأتي في الخندق ، أنهم خندقوا من مسجد القبلتين إلى دار ابن أبي الجنوب بالحرة ، وذلك لأن منازلهم في تلك الجهة ، ولأن ابن زبالة قال : إن بني سواد من بني سلمة نزلوا عن مسجد القبلتين إلى أرض ابن عبيد الديا ناري ، وسيأتي أن نقب بني دينار هو طريق العقيق بالحرة الغربية ، وبه السقيا كما قال الواقدي ، فإنما كانوا بالحرة الغربية ، وقد سمى الأسدي مسجدهم بمسجد الغسالين ؛ لما تقدم من أنه كان عند الغسالين.
وفي غربي وادي بطحان بالحرة موضع يعرف اليوم بالمغسلة ، قال المجد : كان يغسل فيها ، قال : وهي اليوم حديقة كثيرة النخيل من أقرب الحدائق إلى المدينة ، انتهى. فلعل ذلك في موضع منازلهم.
وقد رأيت هناك حجرا عليه كتابة كوفية فيها ما لفظه : مسجد رسول اللهصلىاللهعليهوسلم . وعنده آثار يظهر أنها من آثار المسجد ، وقد بنى صاحب المغسلة هناك مسجدّا في تلك الآثار ، وجعل الحجر فيه.
مسجد بني عدي ، ومسجد دار النابغة
ومنها : مسجد بني عدي بن النجار ، ومسجد دار النابغة في بني عدي أيضا روى ابن شبة عن يحيى بن عمارة المازني أن النبيصلىاللهعليهوسلم صلّى في دار النابغة ، واغتسل في مسجد بني عدي.
وعن يحيى بن النضر أن النبيصلىاللهعليهوسلم صلّى في مسجد دار النابغة ومسجد بني عدي.
وعن هشام بن عروة أن النبيصلىاللهعليهوسلم صلّى في مسجد بني عدي وفي بيت صرمة في بني عدي.
ورواه ابن زبالة عند بلفظ : أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم صلّى في مسجد دار النابغة وفي مسجد بني عدي.
وتقدم عن المطري أن منازل بني عدي غربي المسجد النبوي ، ولم أر لغيره ما يوافقه ولا ما يخالفه ، إلا أن النضر والد أنس خادم رسول اللهصلىاللهعليهوسلم كان منهم.
وسيأتي في بئره ما يبين أن داره كانت شامي المسجد النبوي عند بني جديلة.
ودار النابغة : هي المرادة بما رواه ابن شبة عن أبي زيد النجاري قال : قبر عبد الله بن عبد المطلب يعني والد رسول اللهصلىاللهعليهوسلم في ـ دار النابغة قال عبد العزيز : ووصفه لي محمد بن عبد الله بن كريم فقال : تحت عتبة البيت الثاني على يسار من دخل دار النابغة.
وقال ابن عبد البر : توفي عبد الله والد رسول اللهصلىاللهعليهوسلم بالمدينة ، وقبره بها في دار من دور عدي بن النجار ، قال ابن الجوزي : هي دار النابغة.
مسجد بني مازن
ومنها : مسجد بني مازن بن النجار ـ روى ابن زبالة عن يعقوب بن محمد أن النبيصلىاللهعليهوسلم خطّ مسجد بني مازن ولم يصل فيه.
وفي رواية عنه : وضع مسجد بني مازن بيده ، وصلّى في بيت أم بردة في بني مازن.
قلت : أم بردة هذه هي مرضعة إبراهيم ابن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، وتوفي عندها ، وحضر رسول اللهصلىاللهعليهوسلم وفاته في بيتها ، وظاهر ما سيأتي في بقيع الزبير من قول ابن شبة في بعض دوره على يسارك إذا أردت بني مازن ، وكذا ما قدمناه عنه في منازل مزينة ومن حل معها أن منازل بني مازن قرب منازل بني زريق مما يلي القبلة والمشرق ؛ لأنه قال بعد ذكر منازل بني زريق ما لفظه : إلى أن يلقى بني مازن بن عدي بن النجار ، لكن قوله ابن عدي خطأ في النسخة لأن مازنا هو ابن النجار نفسه ، وعدي أخوه.
وتقدم عن المطري أن منازل بني مازن قبلي بئر البصة في الناحية المسماة اليوم بأبي مازن ، قال : وكان إبراهيم ابن النبيصلىاللهعليهوسلم مسترضعا فيها عند امرأة أبي سيف العين.
مسجد بني عمرو
ومنها : مسجد بني عمرو بن مبذول بن مالك بن النجار روى ابن زبالة وابن شبة عن هشام بن عروة أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم صلّى في مسجد بني عمرو بن مبذول.
وروى ابن شبة عن يحيى بن النضر نحوه ، ولم يذكر المطري ومن تبعه هذا المسجد ، ولم يعد بني مبذول في بطون بني النجار.
وتقدم في المنازل أن منزلهم كان عند بقيع الزبير ؛ فتؤخذ جهته من المسجد بعده.
مسجد بقيع الزبير
ومنها : مسجد بقيع الزبير روى ابن زبالة عن عطاء بن يسار أن النبيصلىاللهعليهوسلم صلّى الضحى في بقيع الزبير ركعتين ، فقال له أصحابه : إن هذه الصلاة ما كنت تصليها ، قال : إنها صلاة رغب ورهب فلا تدعوها.
وسيأتي في بقيع الزبير أنه في شرقي بني زريق ، مجاور لدور بني غنم إلى جانب البقال.
مسجد صدقة الزبير
ومنها : مسجد صدقة الزبير ببني محمم ـ روى ابن زبالة عن هشام بن عروة أن النبيصلىاللهعليهوسلم صلّى في المسجد الذي وضعه الزبير في بني محمم.
ورواه ابن شبة عنه بلفظ : في صدقة الزبير في بني محمم.
قلت : وذلك بالجزع المعروف بالزبيريات ، غربي مشربة أم إبراهيم ، وقبلتها بقرب خنافة والأعواف ، وهما من أموال بني محمم.
وقال الشافعيرحمهالله : وصدقة النبيصلىاللهعليهوسلم قائمة عندنا ، وصدقة الزبير قريب منها.
ونقل ابن شبة عن أبي غسان أن النبيصلىاللهعليهوسلم أقطع الزبير ماله الذي يقال له بنو محمم من أموال بني النضير ، فابتاع إليه الزبير أشياء من أموال بني محمم ، فتصدق بها على ولده.
وفي سنن أبي داود عن أسماء بنت أبي بكر أن النبيصلىاللهعليهوسلم أقطع الزبير نخلا.
وعن ابن عمر أن النبيصلىاللهعليهوسلم أقطع الزبير حضر فرسه ، فأجرى فرسه حتى قام ، ثم رمى سوطه ، فقال النبيصلىاللهعليهوسلم : أعطوه حيث بلغ السوط.
وفي الصحيح قصة الرجل الذي نازع الزبير في السقي بشراج الحرة ، وسنبين أنها حرة بني قريظة.
وروى الطبراني أن ذلك الرجل من بني أمية بن زيد ، ومنازلهم وأموالهم عند هذه الحرة.
وفي حديث أسماء في قصة حملها النوى من أرض الزبير أنها كانت على ميلين من المدينة ، وكله مؤيد لكونها الموضع المعروف اليوم بالزبيريات.
ويؤيده أيضا أن كثيرا منها بأيدي جماعة من ذرية الزبير بن العوام يعرفون اليوم بالكماة.
مسجد بني خدرة
ومنها : مسجد بني خذرة إخوة بني خدارة من الخزرج روى ابن زبالة عن هشام بن عروة أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم صلّى في مسجد بني خدرة.
وعن يعقوب بن محمد بن أبي صعصعة أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم صلّى في بعض منازل بني خدرة ؛ فهو المسجد الصغير الذي في بني خدرة مقابل بيت الحية.
وروى ابن شبة عن ربيع بن عثمان أن النبيصلىاللهعليهوسلم صلّى في بيت إلى جنب مسجد بني خدرة.
وروى هو وابن زبالة عن ربيع بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه أن النبيصلىاللهعليهوسلم لم يصل في مسجد بني خدرة.
وتقدم في المنازل أن بني خدرة ابتنوا بدارهم أطما يقال له الأجرد ، ويقال لبئره البصة ، كان لجد أبي سعيد الخدري ، قال المطري : وبعضه باق إلى اليوم
قلت : وهو الذي ابتنى عليه الزكوى بن صالح المنزل الذي عند بئر البصة التي اتخذ لها الدرجة الآتي ذكرها.
وقوله في رواية ابن زبالة «مقابل بيت الحية» كأنه يشير إلى البيت الذي اتفقت به قصة الحية المذكورة في صحيح مسلم عن أبي السائب أنه دخل على أبي سعيد الخدري في بيته ، قال : فوجدته يصلي ، فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته ، فسمعت تحريكا في عراجين في
ناحية البيت ، فالتفتّ فإذا هي حية ، فوثبت لأقتلها ، فأشار إليّ أن أجلس ، فجلست ، فلما انصرف أشار إلى بيت في الدار فقال : أترى إلى هذا البيت؟ فقلت : نعم ، قال : كان فتى منا حديث عهد بعرس ، قال : فخرجنا مع رسول اللهصلىاللهعليهوسلم إلى الخندق ؛ فكان ذلك الفتى يستأذن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم بأنصاف النهار فيرجع إلى أهله ، فاستأذنه يوما ، فقال له رسول اللهصلىاللهعليهوسلم : خذ عليك سلاحك فإني أخشى عليك قريظة ، فأخذ الرجل سلاحه ثم رجع ، فإذا امرأته بين البابين قائمة فأهوى إليها الرمح ليطعنها به ، وأصابته غيرة ، فقالت له : اكفف عليك رمحك وادخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني ، فدخل فإذا بحية عظيمة منطوية على الفرش ، فأهوى إليها بالرمح فانتظمها ، ثم خرج فركزه في الدار ، فاضطربت عليه فما يدري أيهما كان أسرع موتا الحية أم الفتى ، قال : فجئنا إلى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم فذكرنا ذلك له ، وقلنا : ادع الله يحيه لنا ، فقال : استغفروا لصاحبكم ، ثم قال : إن بالمدينة جنّا قد أسلموا ، فإذا رأيتم منهم شيئا فاذنوه ثلاثة أيام ، فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان.
مسجد بني الحارث
ومنها : مسجد بني الحارث بن الخزرج ، ومسجد السنح ـ روى ابن شبة عن هشام بن عروة أن النبيصلىاللهعليهوسلم صلّى في مسجد بني خدارة وبالحبلى وبالحارث بن الخزرج ومسجد السنح ، ورواه ابن زبالة بلفظ : مسجد بني الحارث بن الخزرج ومسجد السنح.
قلت : تقدم أن منازل بني الحارث شرقي بطحان وتربة صعيب ، ويعرف اليوم بالحارث بإسقاط بني ، وبالقرب منه السنح ، كان على ميل من المسجد النبوي ، وهو منازل جشم وزيد ابني الحارث بن الخزرج ، وبه منزل أبي بكر رضي الله تعالى عنه بزوجته بنت خارجة.
مسجد بني الحبلى
ومنها : مسجد بني الحبلى رهط عبد الله بن أبيّ بن سلول من الخزرج ـ روى ابن زبالة وابن شبة عن هشام بن عروة أن النبيصلىاللهعليهوسلم صلّى في مسجد بني الحبلى. ورواه ابن شبة أيضا عن سعد بن إسحاق بن كعب.
وتقدم عن المطري أن دارهم بين قباء وبين دار بني الحارث التي في شرقي بطحان ، مع ما قاله ابن حزم في منازلهم فراجعه.
مسجد بني بياضة
ومنها : مسجد بني بياضة من الخزرج روى ابن شبة ويحيى عن سعيد بن إسحاق أن النبيصلىاللهعليهوسلم صلّى في مسجد بني بياضة. وروى ابن زبالة عنه نحوه ، وعن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال : كنت أخرج أقود أبي بعد أن عمي إلى المسجد يوم الجمعة ، قال : فيسمع الأذان بالطريق ، فإذا سمعه قال : يرحم الله أسعد بن زرارة ، كان أول من جمّع بنا بهذه القرية ، ونحن يومئذ أربعون في هزمة من حرة بني بياضة.
وتقدم في الفصل الثامن من الباب الثالث نحوه من رواية أبي داود.
وروى ابن زبالة أيضا عن ربيعة بن عثمان أن النبيصلىاللهعليهوسلم صلى في الحرة في الرحابة.
وتقدم في منازل بني بياضة أن الرحابة مزرعة في شاميها أطمهم المسمى بعقرب ، وكانت لآل عاصم بن عطية بن عامر بن بياضة.
وذكر ابن زبالة أطما آخر كان بين المزرعتين الرحابة والحيرة.
وتقدم أيضا أن دار بني بياضة شامي دار بني سالم أهل مسجد الجمعة إلى وادي بطحان قبلي دار بني
مازن بن النجار ، ممتدة في تلك الحرة وبعضها في السبخة.
وروى ابن زبالة عن إبراهيم بن عبد الله بن سعد عن أبيه عن جده قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوسلم : وقعت هذه الليلة رحمة؟ فيما بين بني سالم وبني بياضة ، فقالت بنو سالم وبنو بياضة : أننتقل إليها؟ قال : لا ، ولكن أقبروا فيها.
مسجد بني خطمة
ومنها : مسجد بني خطمة من الأوس ، ومسجد العجوز.
روى ابن زبالة عن الحارث بن الفضل وهشام بن عروة أن النبيصلىاللهعليهوسلم صلّى في مسجد بني خطمة.
ورواه ابن شبة عن هشام وعبد الله بن الحارث ، وروى أيضا عن مسلمة بن عيد الله الخطمي أن النبيصلىاللهعليهوسلم صلّى في مسجد العجوز في بني خطمة عند القبر ، ومسجد العجوز الذي عند قبر البراء بن معرور ، وكان ممن شهد العقبة ، فتوفي قبل الهجرة ، وأوصى للنبيصلىاللهعليهوسلم بثلث ماله ، وأمر بقبره أن يستقبل به الكعبة.
وروى ابن زبالة عن أفلح بن سعيد وغيره من أهل العلم أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم صلّى في مسجد العجوز ببني خطمة ، وهي امرأة من بني سليم ثم من بني ظفر بن الحارث.
وسيأتي في الآبار عن عبد الله بن الحارث أن النبيصلىاللهعليهوسلم توضأ من ذرع بئر بني خطمة التي بفناء مسجدهم ، وصلى في مسجدهم.
وتقدم عن المطري أن الأظهر عنده أن منازلهم في شرقي مسجد الشمس بالعوالي ، وأن الأظهر عندنا أنهم كانوا بقرب الماجشونية ؛ لقول ابن شبة في سيل بطحان : إنه يصبّ في جفاف ، ويمر فيه حتى يفضي إلى فضاء بني خطمة والأغرس ، وقوله في مذينب : إنه يلتقي هو وسيل بني قريظة بالمشارف فضاء بني خطمة ، وسيأتي أن ذلك عند تنور النورة الذي في شامي الماجشونية ، وقد رأيت آثار القرية والآطام هناك.
مسجد بني أمية الأوسي
ومنها : مسجد بني أمية بن زيد من الأوس ـ روى ابن شبة عن عمر بن قتادة أن النبي
صلىاللهعليهوسلم صلّى في مسجد لهم في بني أمية من الأنصار ، وكان في موضع الكبابين الخربتان عند مال نهيك ، وعن محمد بن عبد الرحمن بن وائل أن النبيصلىاللهعليهوسلم صلّى في تلك الخربة ، وكان قريبا من مصلّى النبيصلىاللهعليهوسلم هناك أجم ، فانهدم ، فسقط على المكان الذي فيه ، فترك وطرح عليه التراب حتى صار كباء.
وروى ابن زبالة عن سعيد بن عمران أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم صلّى في بني أمية في موضع الكباء عند مال نهيك بن أبي نهيك.
قال المطري : ودارهم شرقي دار بني الحارث بن الخزرج ، وفيهم كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه نازلا بامرأته الأنصارية حين كان يتناوب النزول إلى المدينة هو وجاره من الأنصار.
قلت : الذي يتحرر مما سبق في المنازل أنهم كانوا قرب النواعم وبئر العهن ، وهي من أموالهم كما سنبينه في الآبار ، ويمر سيل مذينب من بيوتهم ثم يسقي الأموال. وبالحرة الشرقية قريبا من الموضع المذكور آثار قرية يمر بها سيل مذينب الظاهر أنها قريتهم. ويشهد لذلك أن ابن إسحاق ذكر في مقتل كعب بن الأشرف ـ وكان في بني النضير ـ أن محمد بن مسلمة ومن معه انتهوا إلى حصنه في ليلة مقمرة فهتف به أبو نائلة ، ثم ذكر قتله ، وأن محمد بن مسلمة قال : فخرجنا حتى سلكنا على بني أمية بن زيد ، ثم على بني قريظة ، ثم على بعاث حتى أسندنا في حرة العريض.
مسجد بني وائل الأوسي
ومنها : مسجد بني وائل من الأوس ـ روى ابن زبالة عن الحارث بن الفضل أن النبيصلىاللهعليهوسلم صلّى في مسجد بني وائل.
وروى ابن شبة عن سلمة بن عبد الله الخطمي أن النبيصلىاللهعليهوسلم صلّى في بيت القعدة عند مسجد بني وائل ، وعنه أن النبيصلىاللهعليهوسلم صلّى في مسجد بني وائل بين العمودين المقدمين خلف الإمام بخمسة أذرع أو نحوها ، قال : وضربنا ثمّ وتدا.
قال المطري : والظاهر أن منازلهم كانت في شرق مسجد الشمس.
قلت : الظاهر أنها بقباء ، وأن هذا المسجد هو المراد بقول ابن النجار : إن بالمدينة عدة مساجد خراب فيها المحاريب وبقايا الأساطين وتنقض وتؤخذ حجارتها فيعمر بها الدور : أحدها مسجد بقباء قريب من مسجد الضّرار فيه أسطوان قائمة ، انتهى ؛ فكأنه فيما بين زمان المطري وزمانه نقضت بقيته بحيث لم يدرك له المطري أثرا.
مسجد بني واقف
ومنها : مسجد بني واقف من الأوس ـ روى ابن زبالة عن الحارث بن الفضل أن النبي
صلىاللهعليهوسلم صلّى في مسجد بني واقف. قال المطري وتبعه من بعده حتى المجد : مسجد بني واقف موضع بالعوالي ، كانت فيه منازل بني واقف من الأوس رهط هلال بن أمية الواقفي أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم في تخلفهم عن غزوة تبوك ، ولا يعرف مكان دارهم اليوم ، إلا أنها بالعوالي.
قلت : لا دار أعرف من دارهم ؛ لما تقدم في المنازل من أنهم نزلوا عند مسجد الفضيخ ، وابتنوا أطما كان موضعه في قبلة مسجد الفضيخ ، وهذا من فوائد الاعتناء بذكر المنازل ، والمطري لم يعتن بها ، لكن العجب من المجد فإنه ذكر ما قدمناه في المنازل ، ثم قلد المطري عند ذكر المساجد.
مسجد بني أنيف
ومنها : مسجد بني أنيف ، تصغير أنف حي من بلى ، ويقال : إنهم بقية من العماليق كما تقدم في منازل اليهود ، وبينا في منازل بني عمرو بن عوف من الأوس أنهم كانوا حلفاء لهم. وروى ابن زبالة عن عاصم بن سويد عن أبيه قال : سمعت مشيخة بني أنيف يقولون : صلّى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم فيما كان يعود طلحة بن البراء قريبا من أطمهم ، قال عاصم : قال أبي : فأدركتهم يرشّون ذلك المكان ويتعاهدونه ثم بنوه بعده ؛ فهو مسجد بني أنيف بقباء.
قلت : طلحة بن البراء منهم. وقال المتكلمون في أسماء الصحابة : إنه من بلىّ وكان حليفا للأوس ، وذلك هو السبب كما قدمناه فيما وقع للمطري ومن تبعه من أن بني أنيف بطن من الأوس ، قال : ودارهم بين بني عمرو بن عوف بقباء وبين العصبة.
قلت : المعتمد ما قدمناه ، ودارهم بقباء عند المال المعروف اليوم بالقائم في جهة قبلة مسجد قباء من جهة المغرب ، وعند بئر عذق كما سبق.
مسجد دار سعد بن خيثمة
ومنها : مسجد دار سعد بن خيثمة بقباء ذكر ابن زبالة فيما نقله المطري أن النبيصلىاللهعليهوسلم صلّى في المسجد الذي في دار سعد بن خيثمة رضي الله تعالى عنه بقباء ، وجلس فيه ، قال المطري : وبيت سعد بن خيثمة أحد الدور التي قبلي مسجد قباء ، يدخلها الناس إذا زاروا مسجد قباء ويصلون فيها.
وهناك أيضا دار كلثوم بن الهدم ، وفي تلك العرصة كان رسول اللهصلىاللهعليهوسلم نازلا قبل خروجه إلى المدينة ، وكذلك أهلهصلىاللهعليهوسلم وأهل أبي بكر رضي الله تعالى عنه حين قدم بهم علي ابن أبي طالب رضي الله تعالى عنه بعد خروج رسول اللهصلىاللهعليهوسلم من مكة ، وهن : سودة ، وعائشة وأمّها ، وأختها أسماء ، وهي حامل بعبد الله بن الزبير ، فولدته بقباء قبل نزولهم المدينة ، فكان أول مولود ولد من المهاجرين بالمدينة ، انتهى.
قلت : وفي قوله «إن عليا قدم ومعه من ذكر» نظر ؛ فقد قدمنا أن عليا رضي الله تعالى عنه لحق النبيصلىاللهعليهوسلم بقباء ، وأنهصلىاللهعليهوسلم بعث زيد بن حارثة وأبا رافع إلى مكة بعد ذلك فقدما عليه بأهله ، وخرج معهم عبد الله بن أبي بكر بعيال أبي بكر. وحديث أسماء في ولادتها عبد الله بن الزبير متفق عليه. وفيه أنه كان أول مولود ولد في الإسلام ، ففرحوا به ؛ لأنه كان قد قيل لهم : إن اليهود سحرتكم فلا يولد لكم. وفيه دلالة على تأخر ولادته عن مقدم النبيصلىاللهعليهوسلم بمدة. وقال الذهبي تبعا للواقدي : إن ولد في سنة اثنتين ، وقال الحافظ ابن حجر : المعتمد أنه ولد في السنة الأولى ؛ للحديث المتفق عليه ، وسبق في سني الهجرة عن أبي حاتم ما يوافقه.
وتقدم في ذكر مسجد قباء أن دار سعد بن خيثمة هي التي تلي المسجد في قبلته.
مسجد التوبة
ومنها : مسجد التوبة بالعصبة منازل بني جحجبا من بني عمرو بن عوف من الأوس ـ روى ابن زبالة عن أفلح بن سعد وغيره أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم صلّى في مسجد التوبة بالعصبة ببئر هجيم ، قال المطري : وليست بمعروفة اليوم ، يعني البئر. والعصبة : في غربي مسجد قباء فيها مزارع وآبار كثيرة.
قلت : يستفاد مما ذكرناه في المنازل من أنهم ابتنوا أطما يقال له الهجيم عند المسجد الذي صلّى فيه النبيصلىاللهعليهوسلم أن بئر هجيم مضافة للأطم المذكور ؛ فيطلب المسجد عند ذلك ، وما علمت السبب في تسميته بمسجد التوبة.
مسجد النور
ومنها : مسجد النور ـ قال ابن زبالة : حدثنا محمد بن فضالة عن أبيه أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم صلّى في موضع مسجد النور. قال المطري : ولا يعلم اليوم مكانه.
قلت : وما علمت سبب تسميته بذلك ، ورأيت الأسدي في منسكه ذكر في المساجد التي تزار في ناحية مسجد قباء مسجد النور ، ثم ذكر في المساجد التي تزار بناحية المدينة وما حولها مسجد النور أيضا ، ولعل هذا المسجد هو الموضع الذي انتهى إليه أسيد بن حضير وعباد بن بشر ، وهما من بني عبد الأشهل ، وكانا عند النبيصلىاللهعليهوسلم في ليلة ظلماء ، فتحدثا عنده حتى إذا خرجا أضاءت لهما عصا أحدهما ، فمشيا على ضوئها ، فلما تفرق بهما الطريق أضاءت لكل واحد منهما عصاه فمشى في ضوئها ، كما أخرجه البخاري ؛ فيكون المسجد المذكور بدار بني عبد الأشهل.
وروى أحمد برجال الصحيح حديث قتادة بن النعمان الظفري في إعطاء النبيصلىاللهعليهوسلم له العرجون في ليلة مظلمة فأضاء له من بين يديه عشرا ومن خلفه عشرا ـ الحديث.
وروى أبو نعيم عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم وعمر رضي الله تعالى عنه سهرا عند أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه يتحدثان عنده ، حتى ذهب ثلث الليل ، ثم خرجا وخرج أبو بكر رضي الله تعالى عنه معهما في ليلة مظلمة ومع أحدهما عصا ، فجعلت تضيء لهما وعليها نور حتى بلغوا المنزل.
مسجد عتبان بن مالك
ومنها : مسجد عتبان بن مالك بأصل أطمه المسمى بالمزدلف بدار بني سالم بن الخزرج روى ابن زبالة عن إبراهيم بن عبد الله بن سعد أن عتبان بن مالك قال : يا رسول الله إن السيل يحول بيني وبين الصلاة في مسجد قومي ، قال : فصلّى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم في بيته ، فهو المسجد الذي بأصل المزدلف. ورواه يحيى وقال : فهو المسجد الذي بأصل المزدلف أطم مالك بن العجلان.
قلت : تقدّم في مسجد الجمعة أن المزدلف هو الأطم الخراب الذي في شامي مسجد الجمعة ، عند عدوة الوادي الشرقية ، وأن صلاتهصلىاللهعليهوسلم بدار عتبان في الصحيح ، وأن الظاهر أن مسجد قومه الذي يحول السيل بينه وبينهم هو مسجدهم الأكبر الذي كان بمنازلهم بالحرة في عدوة الوادي الغربية.
وروى ابن شبة عن عتبان بن مالك أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم صلّى في بيته سبحة الضحى ، فقاموا وراءه فصلوا.
وعن سعد بن إسحاق أن النبيصلىاللهعليهوسلم لم يصل في مسجد بني سالم الأكبر. وروى ابن زبالة نحوه عن كعب بن عجرة.
مسجد ميثب (صدقة النبيصلىاللهعليهوسلم )
ومنها : مسجد ميثب صدقة النبيصلىاللهعليهوسلم ـ روى ابن زبالة وابن شبة ويحيى عن محمد بن عقبة بن أبي مالك أن النبيصلىاللهعليهوسلم صلّى في مسجد صدقته ميثب ، وسيأتي في الصدقات أن الميثب مجاور لبرقة وغيره من الصدقات الآتية.
مسجد المنارتين
ومنها : مسجد المنارتين روى ابن زبالة ويحيى من طريقه عن حرام بن سعد بن محيصة أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم صلّى في المسجد الذي بأصل المنارتين في طريق العقيق الكبير ، قال المطري : وهذا المسجد لا يعرف ، وهو يلي طريق العقيق كما ذكر.
قلت : روى ابن زبالة عن عبد الله بن البولا أن أربعة رهط من المهاجرين الأولين كلهم يخبره أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم «خرج إلى الجبل الأحمر الذي بين المنارتين ، فإذا بشاة ميتة قد أنتنت ، فأمسكوا على أنفهم ، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوسلم : ما ترون كرامة هذه الشاة على صاحبها؟
فقالوا : يا رسول الله ما تكرم هذه على أحد ، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوسلم : للدّنيا أهون على الله من هذه على صاحبها».
وعن إبراهيم بن محمد عن أبيه أن اسم الجبل الأنعام ، وهو الجبل الذي بنى عليه المزني وجابر بن علي الزمعي ثم أورد قول الشاعر :
لمن الديار غشيتها بالأنعام
البيت الآتي في الأنعام.
قلت : وهو الجبل الأحمر الذي على يسارك إذا مررت من أوائل الرقيقين قاصدا العقيق ؛ لانطباق الوصف عليه ، ولأني خرجت إليه وصعدته فرأيت عليه أساس البناء الذي أشار إليه ، وظهر بذلك أن المنارتين بقربه عند الرقيقين ؛ فهناك موضع هذا المسجد.
مسجد فيفاء الخبار
ومنها : مسجد فيفاء الخبار قال ابن إسحاق في غزوة العشيرة : إن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم سلك على نقب بني دينار من بني النجار ، ثم على فيفاء الخبار ، فنزل تحت شجرة ببطحاء ابن أزهر يقال لها «ذات الساق» فصلّى عندها فثمّ مسجد ، وصنع له طعام عندها ، فأكل منه وأكل الناس معه ، فموضع آثاره في البرمة معلوم هناك ، واستسقى له من ماء يقال له المشيرب ، انتهى. والمشيرب : تصغير مشرب ما بين جبال في شامي ذات الجيش.
قال المطري : وفيفاء الخبار غربي الجماوات ، وهي أي الجماوات الأجبل التي في غربي وادي العقيق ، وتوهم المجد أن الضمير في قوله «وهي» لفيفاء الخبار فقال فيه : الصحيح أنه الأجبل التي في غربي وادي العقيق ، انتهى.
وسيأتي في رابع فصول الباب السابع عن الهجري أن جمّاء أم خالد في مهبّ الشمال من جماء تضارع ، وأن فيفاء الخبار من جماء أم خالد.
ونقل ابن سعد عن ابن عقبة أن فيفاء الخبار من وراء الجماء ، والخبار بفتح المعجمة والموحدة كسحاب ـ ما لان من الأرض واسترخى ، والأرض ذات الجحرة والحفائر. والفيفاء بفاءين بينهما مثناة تحتية ـ هي الصخرة الملساء.
قال المطري : وبهذا الموضع كانت ترعى إبل الصدقة ولقاح رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، وذكر قصة العرنيين التي قدمناها في محلها. وينبغي لمن تيسر له الوصول إلى هذه الجهة أن يتبرك بالجماوات ؛ لما سيأتي فيها ، وكذلك جبل عظم لما سيأتي فيه أيضا.
مسجد بين الجثجاثة وبئر شداد
ومنها : مسجد بين الجثجاثة وبئر شداد ، بطرف وادي العقيق مما يلي البقيع ؛ لأن ابن زبالة روى في سياق ذلك عن عمر بن القاسم وعبد الملك بن عمر قال : صلّى رسول الله
صلىاللهعليهوسلم في مسجد بين الجثجاثة وبين بئر شداد في تلعة هناك ، قال : وكان عبد الله بن سعد بن ثابت قد اقتطع قريبا منه وبناه.
وقال الهجري : الجثجاثة صدقة عباد بن حمزة بن عبد الله بن الزبير ، وبها قصور وميدا ، واقتضى كلامه أنها بين ثنية الشريد والحليفة.
وهذا آخر ما وقفنا عليه في مساجد المدينة التي لا تعلم بعينها في زماننا ، وعدتها نحو الأربعين.
الدور التي صلى بها الرسولصلىاللهعليهوسلم
تتمة ـ تقدم ذكر بعض الدور التي صلى فيها النبيصلىاللهعليهوسلم ، أو جلس ولم يتخذ محل لها ، ولنذكر ما وقفنا عليه من بقيتها تتميما للفائدة :
روى يحيى عن محمد بن طلحة بن طويل قال : سمعت غير واحد ممن أدركت يقول : كان النبيصلىاللهعليهوسلم إذا جاء مربده ، وهو مربد الحكم بن أبي العاص ، فكان إذا خرج منه وقف عند بابه ، ودعا.
دار الشفاء
قال محمد بن طلحة : وأخبرني محمد بن جعفر عن محمد بن سليمان بن أبي حثمة أن النبيصلىاللهعليهوسلم صلّى في دار الشفاء في البيت الذي على يمين من دخل الدار.
دار الضمري
قال محمد : وصلّى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم في دار عمرو بن أمية الضمري عن يمين من دخل الدار.
دار بسرة
قال محمد : وصلّى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم في دار بسرة بنت صفوان.
قلت : أما دار عمرو بن أمية الضمري فتقدم ما يبين جهتها في ذكر دار السوق وغيرها.
وأما دار الشفاء فقال ابن شبة في دور بني عدي بن كعب : واتخذت الشفاء بنت عبد الله دارها التي في الحكاكين الشارعة في الخط ، فخرجت طائفة من أيدي ولدها فصارت للفضل ، وبقيت بأيديهم منها طائفة ، انتهى.
وروى أن النبيصلىاللهعليهوسلم كان يأتي الشفاء هذه ويقيل عندها ، وسبق في مصلى الأعياد أن النبيصلىاللهعليهوسلم صلّى العيد عند دار الشفاء ؛ فالظاهر أنها كانت قرب سوق المدينة والمصلى. ودار بسرة لم أعرفها ، وكذا المربد المذكور.
وتقدم في ذكر البلاط ما جاء في دار بنت الحارث.
وأخرج أبو داود والنسائي واللفظ له عن عبد الرحمن بن طارق عن أبيه أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم كان إذا جاز مكانا من دار يعلي استقبل القبلة ودعا ، ولم أعرف جهة دار يعلي.
دار أم سليم
وفي صحيح البخاري عن ثمامة عن أنس أن أمّ سليم كانت تبسط لنبي اللهصلىاللهعليهوسلم نطعا فيقيل عندها على ذلك النّطع ، قال فإذا قامصلىاللهعليهوسلم أخذت من عرقه وشعره فجمعته في قارورة ثم جمعته في سك ، وقال : فلما حضرت أنس بن مالك الوفاة أوصى أن يجعل في حنوطه من ذلك السك ، قال : فجعل في حنوطه.
وفيه أيضا حديث أنس في تكثير الطعام ، ولفظه : قال أبو طلحة لأم سليم : لقد سمعت صوت رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ضعيفا أعرف فيه الجوع ، فهل عندك من شيء؟ قالت : نعم ، فأخرجت أقراصا من شعير ، ثم أخرجت خمارا لها فلفّت الخبز ببعضه ، ثم دسته تحت يدي ، ولاثتني ببعضه ، ثم أرسلتني إلى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، قال : فذهبت به فوجدته في المسجد ومعه الناس ، فقمت عليهم ، فقال لي رسول اللهصلىاللهعليهوسلم : أرسلك أبو طلحة؟ فقلت : نعم ، فقال لمن معه : قوموا ، فانطلقوا وانطلقت بين أيديهم حتى جئنا إلى أبي طلحة ، فأخبرته ، قال أبو طلحة : يا أم سليم قد جاء رسول اللهصلىاللهعليهوسلم بالناس ، وليس عندنا من نطعمهم ، فقالت : الله ورسوله أعلم ، فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، فأقبل وأبو طلحة معه ، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوسلم : هلمي يا أم سليم ما عندك ، فأتت بذلك الخبز ، فأمر به رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ففتّ وعصرت أم سليم عكّة فأدمته ، ثم قال فيه رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ما شاء الله أن يقول ، ثم قال : ائذن لعشرة ، الحديث ، وفي آخره : فأكل القوم كلهم وشبعوا ، والقوم سبعون أو ثمانون رجلا.
قلت : وأم سليم والدة أنس وزوجة أبي طلحة ، فذلك إما في دار أنس وإما في دار أبي طلحة ، وكلاهما بجهة بني جديلة.
دار أم حرام
وفي الصحيح من حديث أنس : كان رسول اللهصلىاللهعليهوسلم إذا ذهب إلى قباء يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه ، وكانت تحت عبادة بن الصامت ، فدخل يوما فأطعمته ، فنام رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ثم استيقظ يضحك ، الحديث.
قلت : أم حرام هي خالة أنس أخت أم سليم المتقدم ذكرها ، وزوجها عبادة بن الصامت ، كان ببني سالم ؛ لأنه من بني نوفل إخوة بني سالم ، ويدل لذلك قوله «إذا ذهب إلى قباء» فإن بني سالم بطريق قباء ، فيندفع ما توهمه بعضهم من أن دار أم سليم وأم حرام واحدة لكونهما أختين ، والله أعلم.
الفصل الخامس :
في فضل مقابرها ، وإتيان النبيصلىاللهعليهوسلم البقيع ، وسلامه على أهله واستغفاره لهم
خروج النبيصلىاللهعليهوسلم ليلا إلى البقيع.
روينا في صحيح مسلم والنسائي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : لما كان ليلتي التي رسول اللهصلىاللهعليهوسلم فيها عندي انفلت فوضع رداءه وخلع نعليه فوضعهما عند رجليه وبسط طرف إزاره على فراشه فاضطجع ، فلم يلبث إلا ريثما ظن أني قد رقدت ، فأخذ إزاره رويدا ، وانتعل رويدا ، وفتح الباب ، فخرج ، ثم أجافه رويدا ، وجعلت درعي في رأسي ، واختمرت ، وتقنعت إزاري ، ثم انطلقت على أثره حتى جاء البقيع فأقام ، فأطال القيام ، ثم رفع يديه ثلاث مرات ، ثم انحرف فانحرفت ، فأسرع فأسرعت ، فهرول فهرولت ، فأحضر فأحضرته ، فسبقته ، فدخلت ، فليس إلا أن اضطجعت فدخل فقال : مالك يا عائش حشيا رابية ، قلت : يا رسول الله بأبي أنت وأمي ، فأخبرته ، قال : فأنت السّواد الذي رأيت أمامي؟ قلت : نعم ، فلهزني في صدري لهزة أوجعتني ، ثم قال : أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله؟ قالت : مهما يكتم الناس يعلمه الله ، قال : نعم ، قال : فإن جبريلعليهالسلام أتاني حين رأيت فناداني فأخفاه منك فأخفيته منك ، ولم يكن يدخل عليك وقد وضعت ثيابك ، وظننت أن قد رقدت فكرهت أن أوقظك ، وخشيت أن تستوحشيني ، فقال : إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم ، قال : قلت كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال : قولي السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ، ويرحم الله المستقدمين والمستأخرين.
وفي رواية له أيضا قالت : كان رسول اللهصلىاللهعليهوسلم كلما كانت ليلتي منه يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول : السلام عليكم دار قوم مؤمنين ، وأتاكم ما توعدون ، غدا مؤجلون ، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد.
وخرجه في الموطأ بلفظ : قالت عائشة : قام رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ذات ليلة ، فلبس ثيابه ، ثم خرج ، فأمرت جاريتي بريرة تتبعه ، فتبعته حتى جاء البقيع ، فوقف في أدناه ما شاء الله أن يقف ، ثم انصرف فسبقته ، فأخبرتني ، فلم أذكر شيئا حتى أصبح ، ثم ذكرت له ، فقال : إني بعثت إلى أهل البقيع لأصلي عليهم.
وفي رواية للنسائي : السلام عليكم دار قوم مؤمنين ، وإنا وإياكم متواعدون غدا ومواكلون.
وفي رواية لابن شبة قالت : خرج رسول اللهصلىاللهعليهوسلم من عندي ، فظننت أنه خرج إلى بعض نسائه ، فتبعته ، حتى جاء البقيع ، فسلم ودعا ثم انصرف ، فسألته : أين كنت؟ فقال : إني أمرت أن آتي أهل البقيع فأدعو لهم.
وفي رواية له أنه قال في دعائه : اللهم لا تحرمنا أجرهم ، ولا تفتنّا بعدهم.
وفي رواية للبيهقي قالت : دخل عليّ رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، فوضع عنه ثوبيه ، ثم لم يستتم أن قام فلبسهما ، فأخذتني غيرة شديدة ظننت أنه يأتي بعض صويحباتي ، فخرجت أتبعه ، فأدركته بالبقيع بقيع الغرقد يستغفر للمؤمنين والمؤمنات والشهداء ، الحديث ، وفيه بيان أن ذلك كان في ليلة النصف من شعبان
وفي جامع الترمذي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم مرّ بقبور أهل المدينة ، فأقبل عليهم بوجهه فقال : السلام عليكم يا أهل القبور ، ويغفر الله لنا ولكم ، وأنتم لنا سلف ونحن بالأثر.
وروى ابن شبة عن أبي موهبة مولى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم قال : أهبّني رسول اللهصلىاللهعليهوسلم من جوف الليل ، فقال : إني أمرت أن أستغفر لأهل البقيع فانطلق معي ، فانطلقت معه ، فلما وقف بين أظهرهم قال السلام عليكم يا أهل المقابر ، ليهن لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه ، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها ، الآخرة شر من الأولى ، ثم استغفر لهم طويلا.
وفي رواية : ثم استغفر لهم ، ثم قال : يا أبا موهبة إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ، فخيرات بين ذلك وبين لقاء ربي ثم الجنة ، قلت : بأبي وأمي خذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة ، قال : لا والله يا أبا موهبة ، لقد اخترت لقاء ربي ثم الجنة ، ثم رجع رسول اللهصلىاللهعليهوسلم فبدئ به وجعه الذي قبض فيه.
وعن عطاء بن يسار قال : أتى النبيصلىاللهعليهوسلم البقيع فقال : السلام عليكم قوم موجلون ، أتانا وأتاكم ما توعدون ، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد.
وعن الحسن قال : أتى النبيصلىاللهعليهوسلم على بقيع الغرقد فقال : السلام عليكم يا أهل القبور ، ثلاثا ، لو تعلمون ما الذي نجاكم الله منه مما هو كائن بعدكم ، قال : ثم التفت فقال : هؤلاء خير منكم ، قالوا : يا رسول الله إنما هم إخواننا آمنّا كما آمنوا ، وأنفقنا كما أنفقوا ، وجاهدنا كما جاهدوا ، وأتوا على أجلهم ونحن ننتظر ، فقال : إن هؤلاء قد مضوا لم يأكلوا من أجورهم شيئا ، وقد أكلتم من أجوركم ، ولا أدري كيف تصنعون بعدي.
وروى ابن زبالة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم خرج إلى المقبرة فقال : السلام عليكم دار قوم مؤمنين ، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ، وددت أني قد رأيت إخواننا ، قالوا : يا رسول الله ألسنا إخوانك؟ قال : أنتم أصحابي ، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد ، وأنا فرطهم على الحوض ، قالوا : يا رسول الله كيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك؟ قال : أرأيت لو كان لرجل خيل غرّ محجلة في خيل دهم بهم ألا يعرف خيله؟ قالوا : بلى ،
قال : فإنهم يأتون يوم القيامة غرّا محجّلين من الوضوء ، وأنا فرطهم على الحوض ، وليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال ، فأناديهم : ألا هلم ، ألا هلم ، ألا هلمّ ، فيقال : إنهم قد بدّلوا ، فأقول : فسحقا ، فسحقا ، فسحقا.
من فضل البقيع
وروى الطبراني في الكبير ومحمد بن سنجر في مسنده وابن شبة في أخبار المدينة من طريق نافع مولى حمنة عن أم قيس بنت محصن ، وهي أخت عكّاشة ، أنها خرجت مع النبيصلىاللهعليهوسلم إلى البقيع ، فقال : يحشر من هذه المقبرة سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ، وكأن وجوههم القمر ليلة البدر ، فقام رجل فقال : يا رسول الله وأنا ، فقال : وأنت ، فقام آخر فقال : يا رسول الله وأنا ، قال : سبقك بها عكّاشة ، قال : قلت لها : لم لم يقل للآخر؟ فقالت : أراه كان منافقا.
وذكر الهيثمي تخريج الطبراني له وقال : في إسناده من لم أعرفه.
وذكره الحافظ ابن حجر في شرح البخاري ، وسكت عليه.
ودخول سبعين ألفا الجنة بغير حساب من هذه الأمة من غير تقييد بالبقيع موجود في الصحيح ، بل جاء أزيد منه.
فروى أحمد والبيهقي عن أبي هريرة مرفوعا : سألت ربيعزوجل ، فوعدني أن يدخل الجنة من أمتي ، وذكر نحو رواية الصحيح ، وزاد : فاستزدت ربي ، فزادني مع كل ألف سبعين ألفا ، قال الحافظ ابن حجر : وسنده جيد ، قال : وفي الباب عن أبي أيوب عند الطبراني ، وعن حذيفة عند أحمد ، وعن أنس عند البزار ، وعن ثوبان عند أبي عاصم ، قال : فهذه طرق يقوي بعضها بعضا في الزيادة المذكورة.
قال : وجاء في أحاديث أخرى أكثر من ذلك أيضا ، فأخرج الترمذي وحسّنه والطبراني وابن حبان في صحيحه عن أبي أمامة رفعه : وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا مع كل ألف سبعين ألفا ، لا حساب عليهم ولا عذاب ، وثلاث حثيات من حثيات ربي.
وفي صحيح ابن حبان والطبراني بسند جيد نحوه.
ثم ذكر الحافظ ابن حجر ما يقتضي زيادة على ذلك أيضا ، وأن مع كل واحد سبعين ألفا ؛ فيتأيد بذلك رواية اختصاص البقيع بسبعين ألفا لا حساب عليهم ؛ فالكرم عميم ، والجاه عظيم.
وروى ابن شبة عن ابن المنكدر رفعه مرسلا : يحشر من البقيع سبعين ألفا على صورة القمر ليلة البدر ، كانوا لا يكتوون ، ولا يتطيرون ، وعلى ربهم يتوكلون.
قال : وكان أبي يخبرنا أن مصعب بن الزبير دخل المدينة من طريق البقيع ومعه ابن رأس
الجالوت ، فسمعه مصعب وهو خلفه حين رأى المقبرة يقول : هي هي ، فدعاه مصعب فقال : ما ذا تقول؟ فقال : نجد هذه المقبرة في التوراة بين حرّتين محفوفة بالنخل اسمها كفتة ، يبعث الله منها سبعين ألفا على صورة القمر. وسيأتي من رواية ابن زبالة عن المقبري نحوه.
وروى ابن زبالة عن جابر مرفوعا : يبعث من هذه المقبرة ـ واسمها كفتة ـ مائة ألف كلهم على صورة القمر ليلة البدر ، لا يسترقون ، ولا يكتوون ، ولا يتداوون ، وعلى ربهم يتوكلون.
وعن المطلب بن حنطب رفعه مرسلا : يحشر من مقبرة المدينة ـ يعني البقيع ـ سبعون ألفا لا حساب عليهم ، تضيء وجوههم غمدان اليمن.
وجاء ما يقتضي أن هذا العدد يبعث من مقبرة بني سلمة ، وهي عند منزل بني حرام منهم ، فروى ابن شبة عن أبي سعيد المقبري أن كعب الأحبار قال : نجد مكتوبا في الكتاب أن مقبرة بغربي المدينة على حافة سيل يحشر منها سبعون ألفا ليس عليهم حساب.
وقال أبو سعيد المقبري لابنه سعيد : إن أنا هلكت فادفنّي في مقبرة بني سلمة التي سمعت من كعب ، وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوسلم : مقبرة بغربي المدينة يعترضها السيل يسارا يبعث منها كذا وكذا لا حساب عليهم ، قال عبد العزيز بن مبشر : لا أحفظ العدد.
وعن عقبة بن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله ، وعن ابن أبي عتيق وغيرهما من مشيخة بني حرام أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم قال : مقبرة ما بين سيلين غربية يضئ نورها يوم القيامة ما بين السماء إلى الأرض.
وروى ابن زبالة عن سهل عن أبيه عن جده قال : دفن قتلى من قتلى أحد في مقبرة بني سلمة.
وعن يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة قال : أصيب أبو عمرة بن سكن يوم أحد ، فأمر به رسول اللهصلىاللهعليهوسلم فنقل ، فكان أول من دفن في مقبرة بني حرام.
وفي الكبير للطبراني ـ وفيه يعقوب بن محمد الزهري فيه كلام كثير ، وقد وثق ـ عن سعد بن خيثمة قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوسلم : رأيت كأن رحمة وقعت بين بني سالم وبني بياضة ، قالوا : يا رسول الله أفننتقل إلى موضعها ، قال : لا ، ولكن اقبروا فيها ، فقبروا فيها موتاهم.
قلت : وهذه المقبرة لا تعرف اليوم ، وكذا مقبرة بني سلمة ، لكن تعرف جهتهما مما تقدم في المنازل.
وتقدم في الحث على الموت بالمدينة حديث «ما على الأرض بقعة أحبّ إلى من أن يكون
قبري بها منها» يعني المدينة ، يرجّعها ثلاث مرات ، وحديث «من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها فإني أشفع لمن يموت بها».
وفي رواية «فإني أشهد لمن يموت بها». وفي أخرى «فإنه من مات بها كنت له شهيدا ، أو شفيعا ، يوم القيامة».
ورواه رزين بنحوه ، وزاد «وإني أول من تنشقّ عنه الأرض ، ثم أبو بكر ، ثم عمر ، ثم آتي البقيع فيحشرون ، ثم انتظر أهل مكة فأحشر بين الحرمين».
وفي رواية لابن النجار «فأخرج أنا وأبو بكر وعمر إلى البقيع فيبعثون ، ثم يبعث أهل مكة.
وروى ابن شبة وابن زبالة عن ابن كعب القرظي أن النبيصلىاللهعليهوسلم قال «من دفن في مقبرتنا هذه شفعنا له ، أو شهدنا له» وسيأتي في الفصل الأول من الباب الثامن قولهصلىاللهعليهوسلم «ومن مات في أحد الحرمين بعث من الآمنين يوم القيامة».
وروى ابن زبالة عن أبي عبد الملك يرفعه قال : «مقبرتان يضيئان لأهل السماء كما تضيء الشمس والقمر لأهل الدنيا ، مقبرتنا بالبقيع بقيع المدينة ، ومقبرة بعسقلان».
وعن كعب الأحبار قال : نجدها في التوراة كفتة محفوفة بالنخيل وموكل بها الملائكة ، كلما امتلأت أخذوا بأطرافها فكفؤوها في الجنة.
قال ابن النجار : يعني البقيع.
وعن المقبري قال : قدم مصعب بن الزبير حاجا أو معتمرا ومعه ابن رأس الجالوت فدخل المدينة من نحو البقيع ، فلما مر بالمقبرة قال ابن رأس الجالوت : إنها لهي ، قال مصعب : وما هي؟ قال : إنا نجد في كتاب الله صفة مقبرة في شرقيها نخل وفي غربيها بيوت يبعث منها سبعون ألفا كلهم على صورة القمر ليلة البدر ، فطفت مقابر الأرض فلم أر تلك الصفة حتى رأيت هذه المقبرة.
وعن عبد الحميد بن جعفر عن أبيه قال : أقبل ابن رأس الجالوت فلما أشرف على البقيع قال : هذه التي نجدها في كتاب الله كفتة ، لا أطؤها ، قال : فانصرف عنها إجلالا لها.
وفي كتاب الحرة للواقدي عن عثمان بن صفوان قال : لما حجّ مصعب بن الزبير ومعه ابن رأس الجالوت فانتهى إلى حرّة بني عبد الأشهل وقف ثم قال : بهذه الحرة مقبرة؟ فقالوا : نعم ، فقال : هل من وراء المقبرة حرة أخرى سوى هذه الحرة؟ قالوا : نعم ، قال : إنا نجد في كتاب الله أنها تسمى كفتة. قال الواقدي : يعني تسرع البلى ـ وكفيتة ، يبعث الله منها يوم القيامة سبعين ألفا كلهم وجوههم على صورة البدر ليلة أربع عشرة من الشهر.
وروى ابن زبالة عن خالد بن عوسجة : كنت أدعو ليلة إلى زاوية دار عقيل بن أبي طالب التي تلي باب الدار ، فمر بي جعفر بن محمد يريد العريض معه أهله ، فقال لي : أعن أثر وقفت هاهنا؟ قلت : لا ، قال : هذا موقف نبي اللهصلىاللهعليهوسلم بالليل إذا جاء يستغفر لأهل البقيع.
قلت : وسيأتي أن من دار عقيل الموضع المعروف بمشهده ، وأن به قبر ابن أخيه عبد الله بن جعفر على ما ذكره ابن النجار.
وقال عقب إيراد هذا الخبر : ودار عقيل الموضع الذي دفن فيه ، قال الزين المراغي : فينبغي الدعاء فيه. قال : وقد أخبرني غير واحد أن الدعاء عند ذلك القبر مستجاب ، ولعل هذا سببه. أو لأن عبد الله بن جعفر كان كثير الجود فأبقى الله قضاء الحوائج عند قبره.
ومن غريب ما اتفق ما أخبرني به من أثق بدينه أنه دعا في هذا المكان ، وتذاكر مع رفيق له ذلك ، فرأى ورقة على الأرض مكتوبة ، فأخذها تفاؤلا لذلك ، فإذا فيها( وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) [غافر : ٦٠] من جهتيها ، انتهى.
قلت : ولم أقف في كلام المتقدمين على أصل في دفن عبد الله بن جعفر هناك ، بل اختلف في أنه دفن بالمدينة أو بالأبواء ، والمعتمد في سبب الاستجابة هناك ما ذكر أولا ، ولهذا يستحبّ الدعاء في جميع الأماكن التي دعا بها النبيّصلىاللهعليهوسلم ، وكلها مواطن إجابة.
الفصل السادس
في تعيين قبور بعض من دفن بالبقيع من الصحابة وأهل البيت ، والمشاهد المعروفة بالمدينة.
قبر إبراهيم ابن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم
بيان قبر إبراهيم ابن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، وكونه عند قبر عثمان بن مظعون ، وجاء فيهما ، ومن دفن عندهما.
روى ابن شبة بإسناد جيد عن البراء رضي الله تعالى عنه قال : مات إبراهيم ـ يعني ابن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ـ وهو ابن ستة عشر شهرا ، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوسلم : ادفنوه في البقيع ، فإن له مرضعة في الجنة تتم رضاعه.
وعن مكحول قال : توفي إبراهيمعليهالسلام ، فلما وضع في اللحد ورصف عليه اللبن بصر رسول اللهصلىاللهعليهوسلم بفرجة من اللبن ، فأخذ بيده مدرة فناولها رجلا فقال : ضعها في تلك الفرجة ، ثم قال : أما إنها لا تضر ولا تنفع ، ولكنها تقر بعين الحي.
وعن محمد بن عمر أن النبيصلىاللهعليهوسلم رشّ على قبر ابنه إبراهيم ، وأنه أول من رش عليه ، قال : ولا أعلم إلا أنه قال : وحثا عليه بيده من التراب ، وقال حين فرغ من دفنه عند رأسه : السلام عليكم.
وروى الشافعي عن جعفر بن محمد عن أبيه مرسلا أن النبيّصلىاللهعليهوسلم رشّ قبر ابنه إبراهيم ووضع عليه الحصى.
وروى أبو داود في المراسيل والبيهقي ورجاله ثقات مع إرساله نحوه عن محمد بن عمر بن علي ، وزاد أنه أول قبر رش عليه ، وقال بعد فراغه : سلام عليكم ، ولا أعلمه إلا قال : حثا عليه بيده.
وروى ابن زبالة عن قدامة بن موسى أن أول من دفن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم بالبقيع عثمان بن مظعون ، فلما توفي ابنه إبراهيم قالوا : يا رسول الله أين نحفر له؟ قال : عند فرطنا عثمان بن مظعون.
وروى أبو غسان عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه قال : لما توفي إبراهيم ابن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم أمر أن يدفن عند عثمان بن مظعون ، فرغب الناس في البقيع ، وقطعوا الشجر ، فاختارت كل قبيلة ناحية ، فمن هنالك عرفت كل قبيلة مقابرها.
وروى ابن شبة عن قدامة بن موسى قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوسلم «ادفنوا عثمان بن مظعون بالبقيع يكون لنا سلفا ، فنعم السلف سلفنا عثمان بن مظعون».
وعنه أيضا : كان البقيع غرقدا ، فلما هلك عثمان بن مظعون دفن بالبقيع ، وقطع الغرقد عنه ، وقال رسول اللهصلىاللهعليهوسلم للموضع الذي دفن فيه عثمان : هذه الرّوحاء ، وذلك كل ما حازت الطريق من دار محمد بن زيد إلى زاوية دار عقيل اليمانية ، ثم قال النبيصلىاللهعليهوسلم : هذه الروحاء ، للناحية الأخرى ، فذلك كل ما حازت الطريق من دار محمد بن زيد إلى أقصى البقيع يومئذ.
قلت : قد تلخص لنا أن دار عقيل كان بالمشهد المعروف به ، ودار محمد بن زيد في شرقيها وشرقي مشهد سيدنا إبراهيم ؛ فالروحاء الأولى ما بين المشهدين وتمتد إلى شرقي مشهد سيدنا إبراهيم ، والثانية في شرقي الأولى إلى أقصى البقيع ، والأولى هي المرادة بما سيأتي في قبر أسعد بن زرارة من قول أبي غسان ، والروحاء : المقبرة التي وسط البقيع يحيط بها طرق مطرقة وسط البقيع ، وكأنها اشتهرت بذلك دون ثانية لاقتصاره على الأولى.
وروى ابن زبالة عن عبيد الله بن أبي رافع قال : بلغني أن إبراهيم ابن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم لما مات قالوا : يا رسول الله ، أين ندفن إبراهيم؟ قال : عند فرطنا عثمان بن مظعون ، ودفن عثمان بن مظعون عند كتاب بني عمرو بن عثمان.
وروى ابن شبة عن محمد بن عبد الله بن سعيد بن جبير قال : دفن إبراهيم ابن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم بالزوراء موضع السقاية التي على يسار من سلك البقيع مصعدا إلى جنب دار محمد بن زيد بن عليّ.
وعن سعيد بن جبير قال : رأيت قبر إبراهيم ابن النبيصلىاللهعليهوسلم في الزوراء ؛ فيستفاد منه تسمية ذلك الموضع بالزوراء أيضا.
وروى ابن زبالة عن سعيد بن محمد بن جبير أنه رأى قبر إبراهيم عند الزوراء.
قال عبد العزيز بن محمد : وهي الدار التي صارت لمحمد بن زيد بن علي.
وعن جعفر بن محمد أن قبر إبراهيم وجاه دار سعيد بن عثمان التي يقال لها الزوراء بالبقيع ، فهدمت مرتفعا عن الطريق.
وعن قدامة قال : دفن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم إبراهيم ابنه إلى جنب عثمان بن مظعون ، وقبره حذاء زاوية دار عقيل بن أبي طالب من ناحية دار محمد بن زيد.
قبر عثمان بن مظعون
وروى ابن شبة عن سعد بن جبير بن مطعم قال : رأيت قبر عثمان بن مظعون عند دار محمد بن علي بن الحنفية.
وعن محمد بن قدامة عن أبيه عن جده قال : لما دفن النبيّصلىاللهعليهوسلم عثمان بن مظعون أمر بحجر فوضع عند رأسه ، قال قدامة : فلما صفق البقيع وجدنا ذلك الحجر ، فعرفنا أنه قبر عثمان بن مظعون. قال عبد العزيز بن عمران : وسمعت بعض الناس يقول : كان عند رأس عثمان بن مظعون ورجليه حجران.
وعن شيخ من بني محزوم يدعى عمر قال : كان عثمان بن مظعون أول من مات من المهاجرين ، فقالوا : يا رسول الله أين ندفنه؟ قال : بالبقيع ، قال : فلحد له رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، وفضل حجر من حجارة لحده ، فحمله رسول اللهصلىاللهعليهوسلم فوضعه عند رجليه ، فلما ولي مروان بن الحكم المدينة مرّ على ذلك الحجر فأمر به فرمى به ، وقال : والله لا يكون على قبر عثمان بن مظعون حجر يعرف به ، فأتته بنو أمية فقالوا : بئس ما صنعت ، عمدت إلى حجر وضعه النبيصلىاللهعليهوسلم فرميت به ، بئس ما عملت ، فمر به فليرد ، فقال : أما والله إذ رميت به فلا يرد.
وسيأتي في قبر عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه من رواية ابن زبالة أن مروان جعل ذلك الحجر على قبر عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه.
وروى أبو داود بإسناد حسن عن المطلب بن عبد الله بن حنطب ، ولم يسم الصحابي الذي حدثه ، قال : لما مات عثمان بن مظعون أخرج بجنازته فدفن ، فأمر النبيصلىاللهعليهوسلم أن يأتي بحجر فلم يستطع حمله ، فقام إليه رسول اللهصلىاللهعليهوسلم وحسر عن ذراعيه ـ قال المطلب : قال الذي يخبرني : كأني أنظر إلى بياض ذراعي رسول اللهصلىاللهعليهوسلم حين حسر عنهما ـ ثم حمله فوضعه عند رأسه ، وقال : أتعلم به قبر أخي ، وأدفن إليه من مات من أهلي.
ورواه ابن شبة وابن ماجه وابن عدي عن أنس والحاكم عن أبي رافع.
وروى ابن زبالة عن عائشة بنت قدامة قالت : كان القائم يقوم عند قبر عثمان بن مظعون فيرى بيت النبيصلىاللهعليهوسلم ، ليس دونه حجاب.
قبر رقية بنت رسول اللهصلىاللهعليهوسلم
روى الطبراني برجال ثقات ، وفي بعضهم خلاف ، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في حديث قال فيه : فلما ماتت رقية بنت رسول اللهصلىاللهعليهوسلم قال : الحقي بسلفنا عثمان بن مظعون.
ورواه ابن شبة ، ولفظه : لما ماتت رقية بنت رسول اللهصلىاللهعليهوسلم قال رسول اللهصلىاللهعليهوسلم : الحقي بسلفنا الخير عثمان بن مظعون ، قال : وبكى النساء ، فجعل عمر يضربهن بسوطه ، فأخذ النبيصلىاللهعليهوسلم بيده وقال : دعهن يا عمر ، وإياكن ونعيق الشيطان فإنه مهما يكن من العين والقلب فمن الله ومن الرحمة ، ومهما يكن من اللسان ومن اليد فمن الشيطان ، قال : فبكت فاطمة رضي الله تعالى عنها على شفير القبر ، فجعل النبيصلىاللهعليهوسلم يمسح الدموع عن عينها بطرف ثوبه.
قال ابن شبة عقبه : وروى خلافه ، أي من حيث حضورهصلىاللهعليهوسلم لذلك ، ثم روى عن عروة أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم خلّف عثمان بن عفان وأسامة بن زيد على رقية وهي وجعة أيام بدر.
وعن الزهري أن يزيد بن حارثة جاء بشيرا بوقعة بدر ، وعثمان قائم على قبر رقية يدفنها.
قلت : هذا هو المشهور ، والثابت في الصحيح أنهصلىاللهعليهوسلم حضر دفن ابنته أم كلثوم زوجة عثمان رضي الله تعالى عنه ، فلعل الخبر الأول فيها ، أو في زينب أختها ، فإنها توفيت سنة ثمان بالمدينة ، والظاهر أنهن جميعا عند عثمان بن مظعون ؛ لما تقدم من قولهصلىاللهعليهوسلم : «وأدفن إليه من مات من أهلي» ويحتمل أن بعضهن هي التي وجد قبرها عند حفر الدعامة التي أمام المصلى الشريف ، كما سيأتي في قبر فاطمة الزهراء ، وحصل الوهم في نسبته لفاطمة ، والله أعلم.
قبر فاطمة بنت أسد رضي الله تعالى عنها
أم علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه
روى ابن زبالة عن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب قال : دفن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم فاطمة بنت أسد بن هاشم ، وكانت مهاجرة مبايعة ، بالرّوحاء مقابل حمام أبي قطيفة ، قال : وثمّ قبر إبراهيم ابن النبيصلىاللهعليهوسلم وقبر عثمان بن مظعون.
وسيأتي ما نقله ابن شبة في قبر العباس من قول عبد العزيز بن عمران : إنه دفن عند قبر فاطمة بنت أسد بن هاشم في أول مقابر بني هاشم التي في دار عقيل.
قلت : وهذا كله صريح في مخالفة ما عليه الناس اليوم من أن قبرها في المشهد الآتي ذكره ، وأول من ذكر أنها بذلك المشهد ابن النجار ، وتبعه من بعده ، ولم أقف له على مستند في ذلك ، والأثبت عندي ما هنا ؛ إذ يبعد أن يدفنها النبيصلىاللهعليهوسلم بذلك الموضع القاصي ويترك ما قرب من عثمان بن مظعون وقد قال : «وأدفن إليه من مات من أهلي» ، وأيضا فلا يظهر أن الموضع المعروف بمشهدها من البقيع ؛ لأن مشهد عثمان كما سيأتي ليس من البقيع ، وهذا المشهد بطرف زقاق في شاميه إلى المشرق.
فإن قيل : النخيل التي تقابل هذا المشهد قال ابن النجار : إنها تعرف بالحمام ، وقد قال في الرواية الأولى «مقابل حمام أبي قطيفة».
قلت : الظاهر أن ذلك منشأ الوهم في ذلك ، وبقية الرواية المذكورة.
وما نقله ابن شبة يدفع ذلك ويبين أن المراد موضع كان يعرف بحمام أبي قطيفة بجهة مشهد سيدنا إبراهيم ، وكأن ابن النجار لم يقف إلا على صدر الرواية الأولى ؛ فإنه قال : قبر فاطمة بنت أسد وعليها قبة في آخر البقيع ، ثم ذكر صدر الرواية الأولى إلى قوله : مقابل حمام أبي قطيفة ، ثم قال : واليوم يقابلها نخل يعرف بالحمام ، انتهى.
على أن النخيل التي بقرب هذا المشهد هي التي تقابله من جهة المشرق والشام ، وإنما يعرف قديما وحديثا بالخضاري ، وإنما يعرف بالحمام النخل الذي في شامي مشهد سيدنا إبراهيم عند الكومة ، وهو بعيد من المشهد المعروف بفاطمة ، وإن كان في جهة مقابلته من المغرب ، ومن تأمل ذلك علم أن التعريف به لما هو في جهة مشهد سيدنا إبراهيم أقرب ، فهو شاهد لنا ، وأيضا فاسم الحمام مذكور لمواضع بالمدينة ، ولهذا أضافه إلى أبي قطيفة.
وقد روى ابن زبالة أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم مر بموضع حمام عبيد الله بن حسين الذي اشترى محمد بن زيد ، فقدمه إلى البقيع قليلا ، فقال : نعم موضع الحمام.
القبور التي نزلها الرسولصلىاللهعليهوسلم
ونقل ابن شبة عن عبد العزيز بن عمران ما حاصله أن النبيصلىاللهعليهوسلم لم ينزل في قبر أحد قط إلا خمسة قبور ، ثلاث نسوة ورجلين ، منها قبر خديجة بمكة ، وأربع بالمدينة : قبر ابن خديجة كان في حجر النبيصلىاللهعليهوسلم وتربيته ، وهو على قارعة الطريق بين زقاق عبد الدار وبين البقيع الذي يتدافن فيه بنو هاشم ، وقبر عبد الله المزني الذي يقال له ذو البجادين ، وقبر أم رومان أم عائشة بنت أبي بكر ، وقبر فاطمة بنت أسد أم عليّ ، فأما ذو البجادين فإن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم لما أقبل مهاجرا وسلك ثنية الغابر وعرت عليه الطريق وغلظت ، فأبصره ذو البجادين فقال لأبيه : دعني أدلهم على الطريق ، فأبى ، فنزع ثيابه وتركه عريانا ، فاتخذ عبد الله بجادا من شعر فطرحه على عورته ، ثم عدا نحوهم ، فأخذ بزمام راحلة رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، ثم ذكر قدومه مع رسول اللهصلىاللهعليهوسلم المدينة موته ودفنه.
ثم قال : وأما قبر فاطمة بنت أسد أم عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما فإن عبد العزيز حدث ، وذكر سنده إلى محمد بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما ، قال : لما استقر بفاطمة وعلم بذلك رسول اللهصلىاللهعليهوسلم قال : إذا توفيت فأعلموني ، فلما توفيت خرج رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، فأمر بقبرها فحفر في موضع المسجد الذي يقال له اليوم قبر فاطمة ، ثم لحد لها لحدا ، ولم يضرح لها ضريحا ، فلما فرغ منه نزل فاضطجع في اللحد ، وقرأ فيه القرآن ، ثم نزع قميصه فأمر أن تكفّن فيه ، ثم صلى عليها عند قبرها ، فكبر تسعا وقال : ما أعفي أحد من ضغطه القبر إلا فاطمة بنت أسد ، قيل : يا رسول الله ولا القاسم؟ قال : ولا إبراهيم ، وكان إبراهيم أصغر هما.
قلت : وقوله في موضع المسجد إلى آخره يقتضي أنه كان على قبرها مسجد يعرف به في ذلك الزمان.
وروى ابن شبة عن جابر بن عبد الله قال : بينا نحن جلوس مع رسول اللهصلىاللهعليهوسلم إذ أتاه آت فقال : يا رسول الله ، إن أم علي وجعفر وعقيل قد ماتت ، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوسلم : قوموا إلى أمي ، فقمنا وكأن على رءوس من معه الطير ، فلما انتهينا إلى الباب نزع قميصه فقال : إذا غسلتموها فأشعروها إياه تحت أكفانها ، فلما خرجوا بها جعل رسول اللهصلىاللهعليهوسلم مرة يحمل ، ومرة يتقدم ، ومرة يتأخر ، حتى انتهينا إلى القبر فتمعّك في اللحد ثم خرج فقال : ادخلوها باسم الله وعلى اسم الله ، فلما أن دفنوها قام قائما فقال : جزاك الله من أم وربيبة خيرا ، فنعم الأم ونعم الربيبة كنت لي ، قال : فقلنا له أو قيل له : يا رسول الله لقد صنعت شيئين ما رأيناك صنعت مثلهما قط ، قال : ما هو؟ قلنا : نزعك قميصك وتمعكك في اللحد ، قال : أما قميصي فأريد أن لا تمسها النار أبدا إن شاء الله تعالى ، وأما تمعكي في اللحد فأردت أن يوسّع الله عليها في قبرها.
وروى ابن عبد البر عن ابن عباس قال : لما ماتت فاطمة أمّ علي بن أبي طالب ألبسها رسول اللهصلىاللهعليهوسلم قميصه ، واضطجع معها في قبرها ، فقالوا : ما رأيناك صنعت ما صنعت بهذه فقال : إنه لم يكن أحد بعد أبي طالب أبرّ لي منها ، إنما ألبستها قميصي لتكسى من حلل الجنة ، واضطجعت معها ليهون عليها.
وفي الكبير والأوسط بسند فيه روح بن صلاح وثّقه ابن حبّان والحاكم وفيه ضعف ، وبقية رجاله رجال الصحيح ، عن أنس بن مالك قال : لما ماتت فاطمة بنت أسد دخل عليها رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، فجلس عند رأسها ، فقال : رحمك الله يا أمي بعد أمي ، وذكر ثناءه عليها وتكفينها ببرده ، قال : ثم دعا رسول اللهصلىاللهعليهوسلم أسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطاب وغلاما أسود يحفرون ، فحفروا قبرها ، فلما بلغوا اللحد حفره رسول اللهصلىاللهعليهوسلم بيده ،
وأخرج ترابه بيده ، فلما فرغ دخل رسول اللهصلىاللهعليهوسلم فاضطجع فيه ، ثم قال : الله الذي يحي ويميت وهو حي لا يموت ، اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ، ووسّع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي ، فإنك أرحم الراحمين ، وكبر عليها أربعا ، فأدخلها اللحد هو والعباس وأبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنهم.
قبر عبد الرحمن بن عوف
روى ابن زبالة عن حميد بن عبد الرحمن قال : أرسلت عائشة إلى عبد الرحمن بن عوف حين نزل به الموت أن هلم إلى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم وإلى أخويك ، فقال : ما كنت مضيّقا عليك بيتك ، إني كنت عاهدت ابن مظعون أينا مات دفن إلى جانب صاحبه ، قالت : فمروا به عليّ ، فمروا به عليها فصلّت عليه.
وروى ابن شبة عن حفص بن عثمان بن عبد الرحمن نحوه.
وعن عبد الواحد بن محمد عن عبد الرحمن بن عوف أنه أوصى إن هلك بالمدينة أن يدفن إلى عثمان بن مظعون ، فلما هلك حفر له عند زاوية دار عقيل الشرقية ، فدفن هناك ، عليه ثوب حبرة من العصب ، أتمارى أن يكون فيه لحمة ذهب أولا.
قبر سعد بن أبي وقّاص
روى ابن شبة عن ابن دهقان قال : دعاني سعد بن أبي وقاص فخرجت معه إلى البقيع ، وخرج بأوتاد ، حتى إذا جاء من موضع زاوية عقيل الشرقية الشامية أمرني فحفرت ، حتى إذا بلغت باطن الأرض ضرب فيها الأوتاد ثم قال : إن هلكت فادللهم على هذا الموضع يدفنوني به ، فلما هلك قلت ذلك لولده ، فخرجنا حتى دللتهم على ذلك الموضع ، فوجدوا الأوتاد ، فحفروا له هناك ودفنوه.
قبر عبد الله بن مسعود
روى ابن سعد في طبقاته عن أبي عبيدة بن عبد الله أن ابن مسعود قال : ادفنوني عند قبر عثمان بن مظعون.
وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال : مات عبد الله بن مسعود بالمدينة ، ودفن بالقيع ، سنة اثنتين وثلاثين.
قبر خنيس بن حذاقة السهمي
كان زوج حفصة بنت عمر قبل رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، وهو من المهاجرين الأولين أصحاب الهجرتين ، نالته جراحة يوم أحد ، فمات بسببها بالمدينة.
قال أبو عبد الله محمد بن يوسف الزرندي المدني في سيرته : توفي في السنة الثالثة من الهجرة ، ودفن عند عثمان بن مظعون ، قال : وكان عثمان بن مظعون توفي قبله في شعبان
من السنة المذكورة ، ونقل ابن الجوزي أن عثمان توفي في السنة الثانية ، اه. وما قدمناه من موت خنيس بعد أحد من جراحة نالته يوم أحد هو ما جزم به ابن عبد البر ، وتبعه عليه الذهبي ، ويشكل عليه ما سبق في الفصل الثاني عشر من الباب الثالث من أن أحدا كانت في شوال سنة ثلاث باتفاق الجمهور ، وقيل : أربع ، وأنهصلىاللهعليهوسلم تزوج بحفصة بنت عمر في شعبان من السنة الثالثة على الأصح ، وقيل : في الثانية ؛ فلا يصح ما جزم به ابن عبد البر ، إلا أن يكون خنيس قد طلقها كما أشار إليه الذهبي ، لكن قد وهم الحفّاظ ابن عبد البر في قوله «إن خنيسا استشهد بأحد بسبب تلك الجراحة» وإنما توفي قبلها بالمدينة ، قال ابن سيد الناس : المعروف أنه مات بالمدينة على رأس خمس وعشرين شهرا ، وذلك بعد رجوعه من بدر ، اه.
قبر أسعد بن زرارة أحد بني غنم بن مالك بن النجار
شهد العقبتين كما تقدم ، وتوفي في الأولى من الهجرة والمسجد يا بنى
قال ابن شبة : قال أبو غسان : وأخبرني بعض أصحابنا قال : لم أزل أسمع أن قبر عثمان بن مظعون وأسعد بن زرارة بالروحاء من البقيع ، والروحاء : المقبرة التي بوسط البقيع يحيط بها طرق مطرقة وسط البقيع.
قلت : فينبغي أن يسلّم على هؤلاء كلهم عند زيارة مشهد سيدنا إبراهيم بالبقيع.
قبر فاطمة بنت الرسولصلىاللهعليهوسلم
بيان قبر فاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، وبنيها ، ومن عرفت جهة قبره بالبقيع من بني هاشم ، وأمها المؤمنين ، وغيرهم.
روى ابن شبة عن محمد بن علي بن عمر أنه كان يقول : إن قبر فاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوسلم زاوية دار عقيل اليمانية الشارعة في البقيع.
وعن منبوذ بن حويطب والفضل بن أبي رافع أن قبرها وجاه زقاق نبيه ، وأنه إلى زاوية دار عقيل أقرب.
وعن عمر بن عليّ بن حسين بن عليّ أن قبرها حذو الزقاق الذي يلي زاوية دار عقيل ، قال غسان بن معاوية بن أبي مزرّد : إنه ذرع من حيث أشار له عمر بن علي فوجده خمسة عشر ذراعا إلى القناة.
وعن عمر بن عبد الله مولى عفرة أن قبرها حذو زاوية دار عقيل مما يلي دار نبيه.
وعن عبد الله بن أبي رافع أن قبرها مخرج الزقاق الذي بين دار عقيل ودار أبي نبيه.
وذكر إسماعيل راوية أنه ذرع الموضع الذي ذكر له أبوه فوجد بين القبر وبين القناة التي في دار عقيل ثلاثة وعشرين ذراعا ، وبين القناة الأخرى سبعة وثلاثين ذراعا.
قال أبو غسان : وأخبرني مخبر ثقة قال : يقال : إن المسجد الذي يصلي إلى جنبه شرقيا على جنائز الصبيان كان خيمة لامرأة سوداء يقال لها رقية ، جعلها هناك حسين بن علي تبصر قبر فاطمة ، وكان لا يعرف قبر فاطمة غيرها.
قال : وأخبرني عبد العزيز بن عمران عن حماد بن عيسى عن جعفر بن محمد عن أبيه قال : دفن علي فاطمة ليلا في منزلها الذي دخل في المسجد ، فقبرها عند باب المسجد المواجه دار أسماء بنت حسين بن عبد الله ، أي وهو الباب الذي كان في شامي باب النساء في المشرق كما تقدم.
قال ابن شبة عقبه : وأظن هذا الحديث غلطا ؛ لأن الثبت جاء في غيره.
ثم روى بسند جيد عن فائد مولى عبادل ، وهو صدوق ، أن عبيد الله بن علي أخبره عمن مضى من أهل بيته أن الحسن بن عليّ قال : ادفنوني في المقبرة إلى جنب أمي ، فدفن في المقبرة إلى جنب فاطمة مواجه الخوخة التي في دار نبيه بن وهب ، طريق الناس بين قبرها وبين خوخة نبيه ، أظن الطريق سبعة أذرع.
قال فائد : وقال لي منقد الحفار : إن في المقبرة قبرين مطابقين بالحجارة ، قبر حسن بن علي وقبر عائشة زوجة النبيصلىاللهعليهوسلم ، فنحن لا نحركها ، فلما كان زمن حسن بن زيد وهو أمير على المدينة استعدى بنو محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب على آل عقيل في قناتهم التي في دورهم الخارجية في المقبرة ، وقالوا : إن فاطمة رضي الله تعالى عنها عند هذه القناة ، فاختصموا إلى حسن ، فدعاني حسن فسألني فأخبرته عن عبيد الله بن أبي رافع ومن بقي من أهلي وعن حسن بن علي وقوله «ادفنوني إلى جنب أمي» ثم أخبرته عن منقد الحفار وعن قبر الحسن أنه رآه مطابقا ، فقال حسن بن زيد : أنا على ما تقول ، وأقر قناة آل عقيل.
ثم ذكر ابن شبة أن أبا غسان حدثه عن عبد الله بن إبراهيم بن عبيد الله أن جعفر بن محمد كان يقول : قبر فاطمة في بيتها الذي أدخله عمر بن عبد العزيز في المسجد ، قال : ووجدت كتابا كتب عن أبي غسان فيه أن عبد العزيز بن عمران كان يقول : إنها دفنت في بيتها ، وصنع بها ما صنع برسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، إنها دفنت في موضع فراشها ، ويحتج بأنها دفنت ليلا ، ولم يعلم بها كثير من الناس.
ثم أشار ابن شبة إلى رد ذلك بما حدثه أبو عاصم النبيل قال : حدثنا كهمس بن الحسن قال : حدثني يزيد قال : كمدت فاطمة رضي الله تعالى عنها بعد وفاة أبيهاصلىاللهعليهوسلم سبعين بين يوم وليلة ، فقالت : إني لأستحيي من جلالة جسمي إذا أخرجت على الرجال غدا ، وكانوا يحملون الرجال كما يحملون النساء فقالت أسماء بنت عميس أو أم سلمة : إني رأيت شيئا يصنع بالحبشة ، فصنعت النعش ، فاتخذ بعد ذلك سنة.
وسيأتي من رواية ابن عبد البر ما يؤيده.
وروى ابن شبة عن سلمى زوج أبي رافع قالت : اشتكت فاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، فأصبحت يوما كأمثل ما كانت تكون ، وخرج علي فقالت : يا أمتاه اسبكي لي غسلا ، ثم قامت فاغتسلت كأحسن ما كانت تغتسل ثم قالت : هات ثيابي الجدد ، فأعطتها إياها ، فلبستها ثم جاءت إلى البيت الذي كانت فيه فقالت : قدّمي الفراش إلى وسط البيت ، فقدّمته فاضطجعت واستقبلت القبلة ووضعت يدها تحت خدها ثم قالت : يا أمتاه إني مقبوضة الآن ، وإني قد اغتسلت فلا يكشفني أحد ، قال : فقبضت مكانها ، وجاء عليّ فأخبرته فقال : لا جرم والله لا يكشفها أحد ، فحملها بغسلها ذلك فدفنها.
ثم روى ابن شبة عقبه عن أسماء بنت عميس قالت : غسلت أنا وعلي ابن أبي طالب بنت رسول اللهصلىاللهعليهوسلم .
وروى البيهقي بإسناد حسن عن أسماء بنت عميس أن فاطمة أوصت أن تغسلها هي وعلي ، فغسلاها.
ثم تعقبه بأن هذا فيه نظر ؛ لأن أسماء في هذا الوقت كانت عند أبي بكر الصديق ، وقد ثبت أن أبا بكر لم يعلم بوفاة فاطمة ؛ لما في الصحيح أن عليا دفنها ليلا ، ولم يعلم أبا بكر ، فكيف يمكن أن تغسلها زوجته وهو لا يعلم؟
وأجاب في الخلافيات باحتمال أن أبا بكر علم بذلك ، وأحبّ أن لا يرد غرض علي في كتمانه منه ، قال الحافظ ابن حجر : ويمكن أن يجمع بأن أبا بكر علم بذلك وظن أن عليا سيدعوه لحضور دفنها ليلا ، وظن علي أنه يحضر من غير استدعاء منه.
وقد احتج بحديث بنت عميس هذا أحمد وابن المنذر ، وفي جزمهما بذلك دليل على صحته عندهما فيبطل ما روى أنها غسلت نفسها وأوصت أن لا يعاد غسلها.
وقد رواه أحمد ، وأورده ابن الجوزي في الموضوعات ، وأفحش القول في ابن إسحاق راويه.
وتولى ردّ ذلك عليه ابن عبد الهادي في التنقيح.
قلت : وعلى كل تقدير فحديث بنت عميس أرجح ؛ للأدلة الدالة على وجوب غسل الميت مطلقا ، وليس في حديث الصحيح أن أبا بكر ما علم بوفاة فاطمة ، بل أن عليا دفنها ولم يعلمه.
وقد روى ابن عبد البر خبر أسماء بأتمّ من ذلك ، وفيه علم أبي بكر بموتها ، وذلك من طريق عون بن محمد بن علي بن أبي طالب عن أمه أم جعفر بنت محمد بن جعفر.
وعن عمارة بن المهاجر عن أم جعفر أن فاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوسلم قالت لأسماء بنت
عميس : يا أسماء ، إني قد استقبحت ما يصنع بالنساء إنه يطرح على المرأة الثوب فيصفها ، قالت أسماء : يا ابنة رسول الله ألا أريك شيئا رأيته بأرض الحبشة؟ فدعت بجرائد رطبة فحنتها ثم طرحت عليها ثوبها ، فقالت فاطمة : ما أحسن هذا وأجمله؟ تعرف به المرأة من الرجل ، فإذا أنا متّ فاغسليني أنت وعلي ، ولا تدخلي عليّ أحدا ، فلما توفيت جاءت عائشة تدخل فقالت أسماء : لا تدخلي فشكت إلى أبي بكر قالت : إن هذه الخثعمية تحول بيننا وبين بنت رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، وقد جعلت لها مثل هودج العروس فجاء أبو بكر فوقف على الباب فقال : يا أسماء ، ما حملك على أن منعت أزواج النبيصلىاللهعليهوسلم أن يدخلن على بنت رسول اللهصلىاللهعليهوسلم وجعلت لها مثل هودج العروس؟ فقالت : أمرتني أن لا يدخل عليها أحد ، وأريتها هذا الذي صنعت وهي حية فأمرتني أن أصنع ذلك لها ، قال أبو بكر : فاصنعي ما أمرتك ، ثم انصرف ، وغسلها علي وأسماء رضي الله تعالى عنهما.
وقد خرّج الدولابي معنى ذلك مختصرا ، وفيه أنها لما أرتها النعش تبسمت ، وما رؤيت متبسمة ـ يعني بعد النبيصلىاللهعليهوسلم ـ إلا يومئذ.
وخرج أيضا أن الوصية كانت إلى عليّ بأن يغسلها هو وأسماء ، ويجوز أن تكون أوصت إلى كل منهما.
قال ابن عبد البر : فاطمة أول من غطى نعشها من النساء في الإسلام على الصفة المذكورة في الخبر المتقدم ، ثم بعدها زينب بنت جحش صنع بها ذلك. وتوفيت فاطمة يوم الثلاثاء لثلاث خلت من شهر رمضان سنة إحدى عشرة ، وكانت أشارت على زوجها أن يدفنها ليلا.
قلت : لعلها أرادت بذلك المبالغة في التستر ، وهو السبب في عدم إعلام أبي بكر رضي الله تعالى عنه. ويتأيد بذلك رواية دفنها بالبقيع ، وهو مقتضى صنيع ابن زبالة في إيراد الروايات الدالة على ذلك.
قبر بعض أبناء الإمام علي بن أبي طالب
وقال المسعودي في مروج الذهب : إن أبا عبد الله جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهم توفي سنة ثمان وأربعين ومائة ، ودفن بالبقيع مع أبيه وجده ، قال : وعلى قبورهم في هذا الموضع من البقيع رخامة عليها مكتوب : بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله مبيد الأمم ، ومحيي الرمم ، هذا قبر فاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوسلم سيدة نساء العالمين ، وقبر الحسن بن علي ، وعلي بن الحسين بن علي ، وقبر محمد بن علي ، وجعفر بن محمد ،عليهمالسلام ، انتهى. وذكر ما يقتضي أنه حين ذكر هذا كان في سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة.
المتوكل يأمر بهدم قبر الحسين بن علي
وإنما أوجب عدم العلم بعين قبر فاطمة رضي الله تعالى عنها وغيرها من السلف ما كانوا عليه من عدم البناء على القبور وتجصيصها ، مع ما عرض لأهل البيت رضي الله تعالى عنهم من معاداة الولاة قديما وحديثا ، حتى ذكر المسعودي أن المتوكل أمر في سنة ست وثلاثين ومائتين المعروف بالزبرج بالمسير إلى قبر الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما ومحو أرضه وهدمه وإزالة أثره ، وأن يعاقب من وجد به ، فبذل الرغائب لمن يقدم على ذلك ، فكل خشي عقوبة الله فأحجم ، فتناول الزبرج مسحاة وهدم أعالي قبر الحسين ، فحينئذ أقدم الفعلة على العمل فيه ، وانتهوا إلى الحفيرة وموضع اللحد فلم يجدوا فيه أثر رمّة ولا غيرها ، ولم يزل الأمر على ذلك حتى استخلف المنتصر ، انتهى.
ويتلخص مما تقدم أن المعتمد أن قبرها بالبقيع عند قبر الحسن ، وقيل : في بيتها ، ويتفرع عليه قولان : أحدهما ما تقدم عن عبد العزيز من أن محله من المسجد ما يقابل الباب الذي يواجه دار أسماء بنت حسين ، يعني شامي باب النساء وهو بعيد جدّا ، وثانيهما حكاه العز بن جماعة وقال : إنه أظهر الأقوال ، وهو أنه في بيتها ، وهو مكان المحراب الخشب الذي داخل مقصورة الحجرة الشريفة من خلفها ، وقد رأيت خدّام الحجرة يجتنبون دوس ما بين المحراب المذكور وبين الموضع المزور من الحجرة الشريفة الشبيه بالمثلث ، ويزعمون أنه قبر فاطمة رضي الله تعالى عنها.
وقد سبق في الفصل التاسع والعشرين من الباب الرابع أنهم لما أسّسوا دعائم القبة الكبرى المحاذية لأعلى الحجرة الشريفة أسسوا أسطوانة هناك زادوها عند الصفحة الشرقية من الموضع الشبيه بالمثلث خلف الحجرة ، فوجدوا قبرا بدا لحده وبعض عظامه ، وحصل للناس في ذلك اليوم أمر عظيم ومشقة زائدة فيما أخبرني به شيخ الخدام السيفي قائم وغيره.
وحكى ابن جماعة في قبر فاطمة رضي الله تعالى عنها قولين آخرين : أحدهما : أنه الصندوق الذي أمام مصلى الإمام بالروضة الشريفة ، قال : وهو بعيد جدّا.
قلت : لم أقف له على أصل ، ولعله اشتبه على قائله بالمحراب المتقدم ذكره في بيتها ؛ لأن عنده مصلى شبه حوض كالمصلى بالروضة ، وأمامه صندوق هو المحراب المذكور ، لكن سبق في الفصل الثالث من الباب الرابع أنهم لما أسسوا في محل الصندوق المحترق الدعامة التي بها محراب المصلى النبوي ، وهو مصلى الإمام ، وجدوا هناك قبرا بدا لحده مسدودا باللبن أخرجوا منه بعض العظام ، وأن الأقدمين حرفوا أساس الأسطوانة التي عنده عنه ، فالله أعلم.
وثانيهما : أنه بالمسجد المنسوب إليها بالبقيع ، يعني الذي بالقرب من قبة العباس رضي الله تعالى عنه من جهة القبلة جانحا إلى المشرق.
وقد ذكر الغزالي هذا المسجد في زيارة البقيع فقال : ويستحب له أن يخرج كلّ يوم إلى البقيع بعد السلام على رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، وذكر القبور التي تزار ، وقال عند ذكر قبر الحسن : ويصلي في مسجد فاطمة ، وذكره أيضا غيره.
وقال : إنه المعروف ببيت الحزن ؛ لأن فاطمة رضي الله تعالى عنها أقامت به أيام حزنها على أبيهاصلىاللهعليهوسلم ، ولم يذكر دفنها به ، والقول بذلك من فروع القول بدفنها بالبقيع ، لكنه بعيد من الروايات السابقة لبعده جدّا من دار عقيل وعن قبر الحسن.
وقال المحب الطبري في «ذخائر العقبى ، في فضائل ذوي القربى» : أخبرني أخ لي في الله أن الشيخ أبا العباس المرسيرحمهالله تعالى كان إذا زار البقيع وقف أمام قبلة قبة العباس وسلم على فاطمةعليهاالسلام ، ويذكر أنه كشف له عن قبرها هناك.
قال الطبري : فلم أزل أعتقد ذلك لاعتقادي صدق الشيخ ، حتى وقفت على ما ذكره ابن عبد البر من أن الحسن لما توفي دفن إلى جنب أمه فاطمة رضي الله تعالى عنها ، فازددت يقينا.
قلت : وهو أرجح الأقوال ، والله أعلم.
قبر ابنها الحسن بن علي ، ومن معه
وما روي من نقل بدن علي ورأس الحسين إلى البقيع رضي الله تعالى عنهم.
وروى ابن شبة عن فائد مولى عبادل أن عبيد الله بن علي أخبره عمن مضى من أهل بيته أن حسن بن علي رضي الله تعالى عنهما أصابه بطن ، فلما حزبه وعرف من نفسه الموت أرسل إلى عائشة رضي الله تعالى عنهما أن تأذن له أن يدفن مع رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، فقالت له : نعم ، ما كان بقي إلا موضع قبر واحد ، فلما سمعت بذلك بنو أمية استلأموا هم وبنو هاشم للقتال ، وقالت بنو أمية : والله لا يدفن فيه أبدا ، فبلغ ذلك حسن بن علي رضي الله تعالى عنهما ، فأرسل إلى أهله أما إذا كان هذا فلا حاجة لي به ، ادفنوني في المقبرة إلى جنب أمي فاطمة ، فدفن في المقبرة إلى جنب فاطمة رضي الله تعالى عنها.
وعن نوفل بن الفرات نحوه ، وفيه أن الحسن قال للحسين : لعل القوم أن يمنعوك إذا أردت ذلك كما منعنا صاحبهم عثمان بن عفان ، ومروان بن الحكم يومئذ أمير على المدينة ، وقد كانوا أرادوا دفن عثمان في البيت فمنعوهم ، فإن فعلوا فلا تلاحهم في ذلك وادفنّي في بقيع الغرقد ، ثم ذكر منع مروان ، وأن الحسين لما بلغه ذلك استلأم في الحديد واستلأم مروان في الحديد أيضا ، فأتى رجل حسينا فقال : يا أبا عبد الله ، أتعصي أخاك في نفسه قبل أن تدفنه؟ قال : فوضع سلاحه ، ودفنه في بقيع الغرقد.
وفي رواية لابن عبد البر أنهم لما استلأموا في السلاح بلغ ذلك أبا هريرة رضي الله
تعالى عنه ، فقال : والله ما هو إلا ظلم ، يمنع الحسن أن يدفن مع أبيه؟ والله إنه لابن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، ثم انطلق إلى الحسين وكلمه وناشده الله وقال له : أليس قد قال أخوك إن خفت أن يكون قتال فردوني إلى مقبرة المسلمين؟ فلم يزل به حتى فعل.
تسمية من دفن مع الحسن
وذكر ابن النجار أن مع الحسن رضي الله تعالى عنه في قبره ابن أخيه زين العابدين علي بن الحسين ، وأبا جعفر الباقر محمد بن زين العابدين ، وجعفرا الصادق ابن الباقر ، رضوان الله عليهم أجمعين. وذكر الغزالي نحوه.
دفن علي بالبقيع
وروى الزبير بن بكار من طريق شريك بن عبد الله عن أبي روق قال : حمل الحسن بدن علي بن أبي طالب فدفنه بالبقيع.
قلت : وقد اتفق في سنة بضع وستين وثمانمائة حفر قبر بمشهد الحسن والعباس أمام قبلته ، فوجدوا فسقية فيها تابوت من خشب مغشّى بشيء أحمر يشبه اللباد الأحمر مسمر بمسامير لها بريق وبياض لم تصدأ ، وتعجب الناس لكونها لم تصدأ ولعدم بلاء ذلك الغشاء.
وأخبرني جمع كثير ممن شاهد ذلك ، وأن على مدخل تلك الفسقية أحجارا من المسن ، فلعله بدن علي رضي الله تعالى عنه.
دفن رأس الحسين بن علي
وذكر محمد بن سعيد أن يزيد بن معاوية بعث برأس الحسين رضي الله تعالى عنه إلى عمرو بن سعيد بن العاص ، وكان عامله على المدينة ، فكفنه ودفنه بالبقيع عند قبر أمه فاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوسلم . لكن ذكر ابن أبي الدنيا أنهم وجدوا في خزانة ليزيد رأس الحسين فكفنوه ودفنوه بدمشق عند باب الفراديس. وقيل غير ذلك ، ولا بأس بالسلام على هؤلاء كلهم عند زيارة هذا المشهد.
قبر العباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه
قال ابن شبة فيما نقله عن أبي غسان : قال عبد العزيز : دفن العباس بن عبد المطلب عند قبر فاطمة بنت أسد بن هاشم في أول مقابر بني هاشم التي في دال عقيل ، فيقال : إن ذلك المسجد بني قبالة قبره ، قال : وقد سمعت من يقول : دفن في موضع من البقيع متوسطا.
قبر صفية بنت عبد المطلب رضي الله تعالى عنها
قال عبد العزيز فيما نقله ابن شبة : توفيت صفية فدفنت في آخر الزقاق الذي يخرج إلى البقيع عند باب الدار التي يقال لها دار المغيرة بن شعبة التي أقطعه عثمان بن عفان لازفا
بجدار الدار ، قال عبد العزيز : فبلغني أن الزبير بن العوام اجتاز بالمغيرة وهو يا بني داره ، فقال : يا مغيرة ارفع مطمرك عن قبر أمي ، فأدخل المغيرة جداره ، فالجدار اليوم منحرف فيما بين ذلك الموضع وبين باب الدار.
قال عبد العزيز : وقد سمعت من يذكر أن المغيرة بن شعبة أبى أن يفعل ذلك مكانه من عثمان ، فأخذ الزبير السيف ثم قام على البناء ، فبلغ الخبر عثمان ، فأرسل إلى المغيرة يأمره بالمصير إلى ما أمره به الزبير ، ففعل.
وروى ابن زبالة عن محمد بن موسى بن أبي عبد الله قال : كان قبر صفية بنت عبد المطلب عند زاوية دار المغيرة بن شعبة الوضوء عليه ، فلما بنى المغيرة داره أراد أن يقيم المطمر عليه ، قال : فقال الزبير : لا ، والله لا تبني على قبر أمي ، فكفّ عنه.
قلت : والمعروف أن ذلك هو المشهد الآتي ذكره خارج باب البقيع ، والله أعلم.
قبر أبي سفيان بن عبد المطلب
قبر أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ، وما قيل في قبر عقيل وابن أخيه عبد الله بن جعفر ، رضي الله تعالى عنهم.
قال ابن شبة : قال عبد العزيز : بلغني أن عقيل بن أبي طالب رأى أبا سفيان بن الحارث يجول بين المقابر ، فقال : يا ابن عمّ مالي أراك هناك؟ قال : أطلب موضع قبر ، فأدخله داره وأمر بقبر فحفر في قاعتها ، فقعد عليه أبو سفيان ساعة ثم انصرف ، فلم يلبث إلا يومين حتى توفي فدفن فيه.
وقال الموفق بن قدامة : قيل عن أبي سفيان : إنه حفر قبره بنفسه قبل موته بثلاثة أيام ، قال : وكان سبب موته أنه حجّ فلما حلق الحلاق رأسه قطع تؤلولا كان في رأسه ، فلم يزل مريضا حتى مات بعد مقدمه من الحج سنة عشرين ، ودفن في دار عقيل ، وصلّى عليه عمر رضي الله تعالى عنهم.
قلت : والظاهر أنه بالمشهد المنسوب اليوم لعقيل ؛ لأن ابن زبالة وابن شبة لم يذكرا قبر عقيل بالبقيع ، وكذا الغزالي لما ذكر في الإحياء من يزار بالبقيع لم يذكره ، بل المنقول الذي ذكره ابن قدامة وغيره أن عقيلا توفي بالشام في خلافة معاوية ، فكان سبب اشتهار ذلك المشهد به كون الدار التي هو بها له ؛ ويحتمل على بعد أنه نقل من الشام ودفن بذلك المحل أيضا ، وأول من رأيته ذكر أنه بذلك المشهد ابن النجار ، فقال : وقبر عقيل بن أبي طالب أخي علي رضي الله تعالى عنهما في قبة أول البقيع ، ومعه في القبر ابن أخيه عبد الله بن جعفر الطيار بن أبي طالب ، وهو الجواد المشهور رضي الله تعالى عنه.
قبر عبد الله بن جعفر الطيار
وقد ذكر أبو اليقظان أن عبد الله بن جعفر الجواد كان أجود العرب ، وأنه توفي بالمدينة وقد كبر ، وقال غيره : توفي ودفن بالأبواء سنة تسعين ، ويقال : إنه كان ابن عشر سنين حين قبض رسول اللهصلىاللهعليهوسلم .
قبور أزواج النبيصلىاللهعليهوسلم ، ورضي الله تعالى عنهن
روى ابن زبالة عن محمد بن عبيد الله بن علي قال : قبور أزواج النبيصلىاللهعليهوسلم من خوخة نبيه إلى الزقاق الذي يخرج إلى البقال مستطيرة ؛ وترجم ابن شبة لقبر أم حبيبة زوج النبيصلىاللهعليهوسلم ، ثم روى عن زيد بن السائب قال : أخبرني جدي قال : لما حفر عقيل بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في داره بئرا وقع على حجر منقوش مكتوب فيه «قبر أم حبيبة بنت صخر بن حرب» فدفن عقيل البثر ، وبنى عليه بيتا ، قال ابن السائب : فدخلت ذلك البيت فرأيت فيه ذلك القبر.
قلت : فهذا وما قبله أصل في زيارتهن بالمشهد المعروف بهن في قبلة مشهد عقيلرضياللهعنه ، والظاهر أن خوخة نبيه في غربي المشهد المذكور ، وكذا الزقاق الذي يخرج إلى البقال ؛ لما سيأتي في ترجمته ، فيكون بعضهن بقرب الحسن والعباس رضي الله تعالى عنهما ، ولهذا روي ابن شبة عن محمد بن يحيى قال : سمعت من يذكر أن قبر أم سلمة رضي الله تعالى عنها بالبقيع حيث دفن محمد بن زيد عليّ قريبا من موضع فاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، وأنه كان حفر فوجد على ثمانية أذرع حجرا مكسورا مكتوبا في بعضه «أم سلمة زوج النبيصلىاللهعليهوسلم » فبذلك عرف أنه قبرها.
وقد أمر محمد بن زيد بن علي أهله أن يدفنوه في ذلك القبر بعينه ، وأن يحفروا له عمقا ثمانية أذرع ، فحفر كذلك ودفن فيه.
وروى ابن زبالة عن إبراهيم بن علي بن حسن الرافعي قال : حفر لسالم البانكي مولى محمد بن عليّ فأخرجوا حجرا طويلا فإذا فيه مكتوب «هذا قبر أم سلمة زوج النبيصلىاللهعليهوسلم » وهو مقابل خوخة آل نبيه بن وهب ، قال : فأهيل عليه التراب وحفر لسالم في موضع آخر.
وعن حسن بن علي بن عبيد الله بن محمد بن عمر بن عليّ أنه هدم منزله في دار علي بن أبي طالب ، قال : فأخرجنا حجرا مكتوبا فيه «هذا قبر رملة بنت صخر» قال : فسألنا عنه فائدا مولى عبادل فقال : هذا قبر أم حبيبة ابنة أبي سفيان ، ويخالفه ما تقدم من أن قبرها في دار عقيل ، ولعله تصحف بعلي.
وفي صحيح البخاري أن عائشة رضي الله تعالى عنها أوصت عبد الله بن الزبير لا تدفني معهم ، تعني النبيصلىاللهعليهوسلم وصاحبيه ، وادفني مع صواحبي بالبقيع.
وروى ابن زبالة عن فائد مولى عبادل قال : قال لي منقد الحفّار : في المقبرة قيران مطابقان بالحجارة : قبر حسن بن علي ، وقبر عائشة زوج النبيصلىاللهعليهوسلم ؛ فنحن لا نحركهما.
قلت : وأمهات المؤمنين كلهن بالمدينة ، إلا خديجة فبمكة ، وإلا ميمونة فبسرف.
قبر أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه
وروى ابن شبة عن الزهري قال : جاءت أمّ حبيبة بنت أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما فوقفت على باب المسجد ، فقالت : لتخلّنّ بيني وبين دفن هذا الرجل أو لأكشفنّ ستر رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، فخلوها ، فلما أمسوا جاء جبير بن مطعم وحكيم بن حزام وعبد الله بن الزبير وأبو الجهم بن حذيفة وعبد الله بن حسل ، فحملوه فانتهوا به إلى البقيع ، فمنعهم من دفنه ابن بحرة ، ويقال : ابن نحرة الساعدي ، فانطلق به إلى حش كوكب ، وهو بستان بالمدينة ، فصلّى عليه جبير ودفنوه وانصرفوا.
وعن عروة بن الزبير قال : منعهم من دفن عثمان بالبقيع أسلم بن أوس بن بحرة الساعدي ، فانطلقوا به إلى حش كوكب ، فصلى عليه حكيم بن حزام ، وأدخل بنو أمية حش كوكب في البقيع.
وعن عثمان بن محمد الأخنسي عن أم حكيمة قالت : كنت مع الأربعة الذين دفنوا عثمان بن عفان : جبير بن مطعم ، وحكيم بن حزام ، وأبو جهم بن حذيفة ، ونيار بن مكرم الأسلمي ، وحملوه على باب أسمع قرع رأسه على الباب كأنه دباة ، ويقول : دب دب ، حتى جاءوا به حش كوكب فدفن به ، ثم هد عليه الجدار وصلّى عليه هناك.
قال : وحشّ كوكب : موضع في أصل الحائط الذي في شرقي البقيع الذي يقال له خضراء أبان ، وهو أبان بن عثمان.
قلت : ولذلك تسمى تلك الناحية إلى اليوم بالحضاري.
وفي طبقات ابن سعد عن مالك بن أبي عامر قال. كان الناس يتوقّون أن يدفنوا موتاهم في حشّ كوكب ، فكان عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه يقول : يوشك أن يهلك رجل صالح فيدفن هناك فيأتسي الناس به ، قال : فكان عثمان أول من دفن به.
وروى ابن شبة عن عبد الله بن فروج قال : كنا مع طلحة فقال لي ولابن أخيه عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله : انطلقا فانظرا ما فعل الرجل ، قال : فدخلنا فإذا هو مسجّى بثوب أبيض ، فرجعنا إلى طلحة فأخبرناه ، فقال : قوموا إلى صاحبكم فواروه ، فانطلقنا فجمعنا عليه ثيابه كما يصنع بالشهيد ، ثم أخرجناه ليصلي عليه ، فقالت المصرية : والله لا يصلّي عليه ، فقال أبو الجهم بن حذيفة : والله إن عليكم أن لا تصلوا عليه ، قد صلّى الله عليه ، فنغزوه ساعة بنعال سيوفهم حتى ظننت أن قد قتلوه ، ثم أرادوا دفنه مع نبي الله
صلىاللهعليهوسلم ، وكان قد استوهب من عائشة رضي الله تعالى عنها موضع قبر فوهبت له ، فأبوا ، فدفن في مقبرة كان قد اشتراها فزادها في المقبرة ، فكان أول من دفن فيها.
وقيل : إن عمرو بن عثمان صلّى عليه يومئذ.
وروى ابن زبالة عن ابن شهاب وغيره أن عثمان منع من البقيع ، فدفن في حش كوكب ، وكان عثمان بن مظعون أول من دفن بالبقيع ، فجعل رسول اللهصلىاللهعليهوسلم أسفل مهراس علامة على قبره ليدفن الناس حوله ، وقال : لأجعلنّك للمتقين إماما ، فلما استعمل معاوية مروان بن الحكم على المدينة في ملكه أدخل الحش في البقيع ، وحمل المهراس فجعله على قبر عثمان ، وقال : عثمان وعثمان ، فدفن الناس حول عثمان رضي الله تعالى عنه.
قبر سعد بن معاذ الأشهلي رضي الله تعالى عنه
نقل ابن شبة عن عبد العزيز أنه أصيب يوم الخندق ، فدعا فحبس الله عنه الدم ، حتى حكم في بني قريظة ، ثم انفجر كله ؛ فمات في منزله في بني عبد الأشهل ، فصلى عليه رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ودفنه في طرف الزقاق الذي بلزق دار المقداد بن الأسود ، وهو المقداد بن عمرو ، وإنما تبنّاه الأسود بن عبد يغوث الزهري ، وهي الدار التي يقال لها دار ابن أفلح في أقصى البقيع عليها جنبذة ، انتهى. وهذا الوصف صادق بالمشهد المنسوب لفاطمة بنت أسد ؛ لكونه بطرف زقاق في أقصى البقيع : وفي شرقيه ناحية بني ظفر وبني عبد الأشهل ، فلعله قبره ، ولكن وقع الاشتباه في نسبته لفاطمة رضي الله تعالى عنها لما قدمناه في قبرها ، والله أعلم.
قبر أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه
وروى ابن شبة عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري قال : قال لي أبي : يا بني ، إني قد كبرت ، وذهب أصحابي وحان مني ، فخذ بيدي ، فأخذت بيده حتى جئت إلى البقيع ، فجئت أقصى البقيع مكانا لا يدفن فيه ، فقال : يا بني ، إذا هلكت فاحفر لي هاهنا ، لا تبك عليّ باكية ، ولا يضر بن عليّ فسطاط ، ولا يمشي معي بنار ، ولا تؤذنن أحدا ، واسلك بي زقاق عمقة ، وليكن مشيك بي خببا ، وفي رواية ثم اتكأ علي فأتى البقيع حيث لا يدفن أحد ، فقال : إذا مت فادفني هاهنا ، واسلك بي زقاق عمقه ، وزاد : ولا تبك عليّ نائحة ، وامشوا بي الخبب ، ولا تؤذنوا بي أحدا ، قال : فيأتيني الناس متى يخرج ، فأكره أن أخبرهم لما قال لي ، فأخرجته في صدر النهار ، فأتيت البقيع وقد ملئ ناسا.
بيان المشاهد المعروفة اليوم بالبقيع وغيره من المدينة الشريفة
أعلم أن أكثر الصحابةرضياللهعنهم ـ كما قال المطري ـ ممن توفي في حياة النبيصلىاللهعليهوسلم وبعد وفاته مدفنون بالبقيع ، وكذلك سادات أهل بيت النبيصلىاللهعليهوسلم وسادات التابعين.
وفي مدارك عياض عن مالك أنه مات بالمدينة من الصحابة نحو عشرة آلاف ، وباقيهم تفرقوا في البلدان.
وقال المجد : لا شك أن مقبرة البقيع محشوة بالجماء الغفير من سادات الأمة ، غير أن اجتناب السلف الصالح من المبالغة في تعظيم القبور وتجصيصها أفضى إلى انطماس آثار أكثرهم ، فلذلك لا يعرف قبر معينين منهم إلا أفرادا معدودة.
قلت : وقد ابتنى عليها مشاهد : منها مشهد على يمينك إذا خرجت من باب البقيع قبلى المشهد المنسوب لعقيل بن أبي طالب وأمهات المؤمنين ، تحوى العباس بن عبد المطلب عم رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، والحسن بن علي ، ومن تقدم ذكره معه ، وعليهم قبة شامخة في الهواء ، قال ابن النجار : وهي كبيرة عالية قديمة البناء وعليها بابان يفتح أحدهما في كل يوم ، ولم يذكر الذي بناها ، وقال المطري : بناها الخليفة الناصر أحمد بن المستضيء.
قلت : وفيه نظر ؛ لأن الناصر هذا كان معاصرا لابن النجار ؛ لأنه توفي سنة اثنتين وعشرين وستمائة ، ووفاة ابن النجار سنة ثلاث وأربعين وستمائة ، وقد قال ابن النجار : إن هذه القبة قديمة البناء ، ووصفها بما هي عليه اليوم. ورأيت في أعلى محراب هذا المشهد : أمر بعمله المنصور المستنصر بالله ، ولم يذكر اسمه ولا تاريخ العمارة ، فلعله المنصور الذي هو ثاني خلفاء بني العباس ، لكنه لا يلقب بالمستنصر بالله ، ولم أر من جمع بين هذين اللقبين ، وعلى ساح قبر العباس أن الآمر بعمله المسترشد بالله سنة تسع عشرة وخمسمائة ، ولعل عمارة القبة قبله ، وقبر العباس وقبر الحسن مرتفعان من الأرض متسعان مغشيان بألواح ملصقة أبدع إلصاق مصفحة بصفائح الصفر مكوكبة بمسامير على أبدع صفة وأجمل منظر.
وينبغي أن يسلم زائرهما على من قدمنا ذكر دفنه عندهما في قبر فاطمة والحسن رضي الله تعالى عنهما ، وهناك قبور كثيرة لأمراء المدينة وأقاربهم من الأشراف يدفنون بهذا المشهد.
وفي غربيه قبر ابن أبي الهيجاء وزير العبيديين ، عليه بناء ، وقبر آخر يعرف بابن أبي النصر عليه بناء أيضا.
وفي شرقي المشهد بعيدا منه حظيرتان في إحداهما الأمير جوبان صاحب المدرسة الجوبانية ، وفي الأخرى بعض الأعيان ممن نقل إلى المدينة ، وإنما نبهت على ذلك خوفا من الالتباس على طول الزمان.
ومنها : مشهد في قبلة المشهد المنسوب لعقيل متصل به ، قال المطري : يقال : إن فيه قبور أزواج رسول اللهصلىاللهعليهوسلم .
وقال ابن النجار ـ في القبور المعروفة في زمانه ـ ما لفظه : وقبور أزواج النبيصلىاللهعليهوسلم وهن أربعة قبور ظاهرة ، ولا يعلم تحقيق من فيها منهن.
قلت : باطن هذا المشهد كله أرض مستوية ليس فيها علامة قبور ، وكان حظيرا مبنيّا بالحجارة كما ذكره المطري ، فابتنى عليه قبة الأمير بردبك المعمار سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة.
ومنها : مشهد عقيل بن أبي طالب على ما ذكره ابن النجار ، وتبعه من بعده ، قال : ومعه في القبر ابن أخيه عبد الله الجواد بن جعفر الطيار ، كما قدمناه عنه في قبر أبي سفيان بن الحارث ، مع بيان أن ذلك المشهد من دار عقيل ، وأن الذي نقل دفنه هناك إنما هو أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ، وأن عقيلا مات بالشام خلاف قول المطري إن المنقول دفنه في داره ، وجوزنا أن يكون نقل من الشام إليها ، فينبغي السلام على الثلاثة المذكورين هناك ، وتقدم استجابة الدعاء عند زاوية الدار المذكورة.
ومنها : روضة بقرب مشهد عقيل ، يقال : إن فيها ثلاثة من أولاد النبيصلىاللهعليهوسلم ، كذا قاله المجد ، وجعله مما يعرف في زمنه بالبقيع ، ولم أره في كلام غيره ، ولو لا ذكره لمشهد سيدنا إبراهيم قبل ذلك لحملنا كلامه عليه ، وليس بقرب مشهد عقيل إلا القبة المتهدمة التي في غربي مشهد أمهات المؤمنين ، ولا يعرف من بها ، فلعلها مراده ، أو القبة الآتي ذكرها في مشهد الإمام مالك رضي الله تعالى عنه في ركنه الشرقي الشمالي ، فإن كلا منهما يصح وصفها بالقرب من مشهد عقيل ، ثم تبين أن مراده الأولى التي في غربي مشهد أمهات المؤمنين ، فإن ابن جبير ذكر في رحلته روضة عقيل ، ثم روضة أمهات المؤمنين ، ثم قال : وبإزائها روضة صغيرة فيها ثلاثة من أولاد النبيصلىاللهعليهوسلم ، ويليها روضة العباس بن عبد المطلب ، إلى آخره ، فهذا مأخذ المجد.
ومنها : مشهد سيدنا إبراهيم بن سيدنا رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، وقبره على نعت قبر الحسن والعباس ، وهو ملصق إلى جدار المشهد القبلي ، وفي هذا الجدار شباك ، قال المجد : وموضع تربته يعرف ببيت الحزن ، يقال : إنه البيت الذي أوت إليه فاطمة رضي الله تعالى عنها ، والتزمت الحزن فيه بعد وفاة أبيها سيد المرسلينصلىاللهعليهوسلم ، انتهى.
والمشهور ببيت الحزن إنما هو الموضع المعروف بمسجد فاطمة في قبلة مشهد الحسن والعباس ، وإليه أشار ابن جبير بقوله : ويلي القبة العباسية بيت لفاطمة بنت الرسولصلىاللهعليهوسلم ، ويعرف ببيت الحزن ، يقال : إنه الذي أوت إليه والتزمت الحزن فيه عند وفاة أبيهاصلىاللهعليهوسلم ، انتهى.
وفيه قبرها على أحد الأقوال كما قدمناه ، وأظنه في موضع بيت علي بن أبي طالب الذي كان اتخذه بالبقيع ، وفيه اليوم هيئة قبور.
وفي شامي قبر سيدنا إبراهيم بمشهده صورة قبرين حادثين لم يذكرهما ابن النجار ، ولا من تبعه ، إنما ذكروا ما قدمناه من كونه إلى جانب عثمان بن مظعون وأن عبد الرحمن بن عوف أوصى أن يدفن هناك ، وأنه ينبغي زيارتهما معه.
قلت : وكذا كل من قدمنا ذكر دفنه هناك.
ومنها : مشهد صفية بنت عبد المطلب عمة رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، أم الزبير بن العوام ، على يسارك عند ما تخرج من باب البقيع ، وهو بناء من حجارة لا قبّة عليه ، قال المطري : وأرادوا عقد قبة صغيرة عليه فلم يتفق ذلك.
ومنها : مشهد أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه ، وعليه قبة عالية ابتناها أسامة بن سنان الصالحي أحد أمراء السلطان السعيد صلاح الدين يوسف بن أيوب في سنة إحدى وستمائة ، قاله المطري ، قال الزين المراغي : ونقل أبو شامة أن الباني لها عز الدين سلمة.
قلت : ولم يذكر ابن النجار هذه القبة ، مع ذكره لقبة الحسن والعباس وسيدنا إبراهيم وغيرهما مما كان في زمنه ، وقد أدرك التاريخ الذي ذكره المطري وبعده بكثير.
وبمشهد سيدنا عثمان قبر خلف قبره يقال : إنه قبر متولي عمارة القبة.
وقد حدث في زماننا أمام المشهد في المغرب بناء مربع عليه قبر فيه امرأة كانت أم ولد لبعض بني الجيعان توفيت بالمدينة الشريفة ، وإلى جانبه حظيرة فيها امرأة لبعض الأتراك ، وبين هذا البناء وبين المشهد أيضا حظيرة أخرى بها أخت صاحبنا قاضي الحرمين العلامة محيي الدين الحنبلي متع الله به.
ومنها : مشهد فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما بأقصى البقيع ، على ما فيه مما تقدم في ذكر قبرها ، وينبغي أن يسلم هناك على سعد بن معاذ لما سبق.
مشهد مالك بن أنس الأصبحي
ومنها : مشهد الإمام أبي عبد الله مالك بن أنس الأصبحي إمام دار الهجرة إذا خرجت من باب البقيع كان مواجها لك عليه قبة صغيرة وإلى جانبه في المشرق والشام قبة لطيفة أيضا ، لم يتعرض لذكرها المطري ومن بعده ، فيحتمل أن تكون حادثة ، ويقال : إن بها نافعا مولى ابن عمر.
وفي كلام ابن جبير عند ذكر المشاهد المعروفة في زمنه ما يؤخذ منه أن بين مشهد سيدنا إبراهيمعليهالسلام وبين مشهد مالك تربة عن يمين مشهد سيدنا إبراهيم ، وأنها تربة ابن لعمررضياللهعنه اسمه عبد الرحمن الأوسط ، قال : وهو المعروف بأبي شحمة ، وهو الذي جلده أبو الحدّ فمرض ومات ، وما ذكره ينطبق على القبة المذكورة.
مشهد إسماعيل بن جعفر الصادق
ومنها : مشهد إسماعيل بن جعفر الصادق ، وهو كبير يقابل مشهد العباس في المغرب ، وهو ركن سور المدينة اليوم من القبلة والمشرق ، بني قبل السور ، فاتصل السور به ، فصار بابه من داخل المدينة ، قال المطري : بناه بعض العبيديين من ملوك مصر.
قلت : على باب المشهد الأوسط الذي أمامه الرحبة التي بها البئر التي يتبرك بها حجر فيه أن حسين بن أبي الهيجاء عمره سنة ست وأربعين وخمسمائة ، ولعله المطري نسب ذلك لبعض العبيديين ؛ لأن ابن أبي الهيجاء كان من ورائهم.
قال المطري : ويقال إن عرصة هذا المشهد وما حوله من جهة الشمال إلى الباب كانت دار زين العابدين ، وبجانب المشهد الغربي مسجد صغير مهجور يقال : إنه مسجد زين العابدين.
قلت : على يمين الداخل إلى المشهد بين الباب الأوسط والأخير حجر منقوش فيه وقف الحديقة التي بجانب المشهد في المغرب على المشهد : وقفها إن أبي الهيجاء ، ونسبة المسجد الذي بطرف الحديقة بجانب المشهد لزين العابدين ، وأن عرصة المشهد داره ، وأن بئره تلك يتداوى بها.
ويقال : إن ابنه جعفرا الباقر سقط بها وهو صغير ، وزين العابدين يصلي ، فلم يقطع صلاته.
وفي كلام ابن شبة ما يصلح أن يكون مستندا في نسبة تلك العرصة لزين العابدين ؛ لذكره دارا تقرب من وصفها ، ونسبها لولده ، فقال : واتخذت صفية بنت حيي دار زيد بن علي بن حسين بن علي ، وقد صارت دارين ، وهما جميعا دار واحدة ، بنى زيد بن علي شقها الشرقي الذي يلي البقيع ، وبنى آل أبي سويد الثقفي شقها الغربي الذي يلي دار السائب مولى زيد بن ثابت ، فيحتمل أنه نسبها لولده لكونه بناها وكانت لأبيه ، وقال أيضا : واتخذ جعفر بن أبي طالب دارا بين دار أبي رافع مولى النبيصلىاللهعليهوسلم بالبقيع وبين دار أسماء بنت عميس التي في شامي دار أبي رافع تحت سقيفة محمد بن زيد بن علي بن حسين. وبيّن ابن شبة أن دار أبي رافع ناقل بها سعد بن أبي وقاص أبا رافع فدفع لأبي رافع داره بالبقال.
وقد تقدم ذكر الشارع الذي يخرج إلى البقال في قبور أمهات المؤمنين ، وأنه في غربي المشهد المعروف بهن ؛ لما سيأتي في ترجمة البقال ، وقد جدد مسجد زين العابدين سنة أربع وثمانين وثمانمائة.
وأما المشاهد المعرفة بالمدينة في غير البقيع فثلاثة.
مشهد حمزة
أحدها : مشهد سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ، عم رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ورضي الله تعالى عنه. وسيأتي ذكره مع شهداء أحد في الفصل بعده ، وعليه قبة عالية حسنة متقنة ، وبابه مصفح كله بالحديد بنته أم الخليفة الناصر لدين الله أبي العباس أحمد بن المستضيء ، كما قاله ابن النجار ، وذلك في سنة تسعين وخمسمائة ، قال : وجعلت على القبر ملبنا من ساج ، وحوله حصباء ، وباب المشهد من حديد ، يفتح كل يوم خميس ، وقريب منه مسجد يذكر أنه موضع مقتله ، انتهى. وتبعه عليه من بعده. ووصفه القبر بأن عليه ملبن خشب ، يعني أنه كهيئة قبر سيدنا إبراهيم ، فإنه عبر فيه بذلك أيضا ، وقبر سيدنا إبراهيم على ذلك الوصف اليوم ، وكذلك الحسن والعباس.
وأما قبر حمزة فإنه اليوم مبني مجصّص بالقصّة لا خشب عليه ، وفي أعلاه من ناحية رأسه حجر فيه بعد البسملة :( إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) [التوبة : ١٨] هذا مصرع حمزة بن عبد المطلبعليهالسلام ، ومصلى النبيصلىاللهعليهوسلم ، عمره العبد الفقير إلى رحمة ربه حسين بن أبي الهيجاء ، غفر الله له ولوالديه سنة ثمانين وخمسمائة ، انتهى.
وهذا قبل عمارة أم الناصر بعشر سنين ، وابن النجار إنما قدم المدينة بعد ذلك ؛ لأنه ألّف كتابه سنة مجاورته بها ، ومولده سنة ثمان وسبعين وخمسمائة ، فمقتضى ذلك أن ابن النجار أدرك القبر وهو بهذه الهيئة من الكتابة ، وقد صرح بخلافها ، وأيضا فالتعبير في تلك الكتابة بمصرع حمزة وتصديره بالآية دليل الخطأ في إثبات ذلك المسن هناك ، فالصواب أن ذلك المسن كان بالمسجد المعروف اليوم بالمصرع ، وكأنه لما تهدّم نقل إلى المشهد لقربه منه ، ثم لما تكسر الخشب الذي ذكر ابن النجار أنه كان على القبر بنوا القبر على هذه الهيئة ، وظنوا أن ذلك المسن لوضعه بالمشهد يتعلق به ، فأثبتوه بالقبر. ويؤيد ذلك أن نسبة عمارة القبة لأم الخليفة في التاريخ المذكور موجودة اليوم بالكتابة الكوفية نقشا في جدار المشهد بالجص ، واقتلع الشجاعي شاهين شيخ الحرم المسنّ المذكور وأعاده إلى محله بالمصرع ، ومقتضى ما سبق عن ابن النجار ومن تبعه أن أم الخليفة الناصر لدين الله هي أول من اتخذ المشهد المذكور على سيدنا حمزة رضي الله تعالى عنه ، وسيأتي في الفصل بعده عند ذكر قبر حمزة رضي الله تعالى عنه عن عبد العزيز بن عمران أنه كان على قبر حمزة قديما مسجد ، وذلك في المائة الثانية ، فكأن أم الخليفة وسّعته وجعلته على هذه الهيئة الموجودة اليوم ، وقد زاد فيه سلطان زماننا الأشرف فانتباي أعز الله نصره زيادة من جهة المغرب أدخل فيها البئر التي كانت خارجة في غربيه ، واتخذ هناك أخلية لمن يريد الطهارة ، وجعل بعضها بالسطح ، فعمّ النفع بذلك ،
واحتفر بئرا خارجه بجهة المغرب أيضا يرتفق بها المارة ، وذلك في شهر جمادى الأولى سنة تسعين وثمانمائة على يد الشجاعي شاهين الجمالي شيخ الحرم الشريف النبوي ، وشاد عمائره ، عظم الله شأنه.
وأعلم أن القبر الذي بالمشهد عند رجلي سيدنا حمزة رضي الله تعالى عنه قبر رجل تركي اسمه سنقر ، كان متولي عمارة المشهد ، والقبر الذي بصحن المسجد قبر بعض أمراء المدينة من الأشراف ، فلا يظن أنهما من قبور الشهداء رضوان الله عليهم ، وسيأتي في قبر حمزة رضي الله تعالى عنه أنه ينبغي أن يسلم معه على مصعب بن عمير وعبد الله بن جحش ؛ لما سيأتي فيه.
مشهد مالك بن سنان الخدري
ثانيها : مشهد مالك بن سنان ، والد أبي سعيد الخدري ، في غربي المدينة ملاصقا للسور ، وسيأتي ما جاء فيه في الفصل بعده ، وعليه قبة قديمة البناء بها محراب ، وعن يمينه باب خزانة صغيرة فيها بناء أصغر من صفة القبور يظن الناس أنه محل القبر ، والظاهر أن القبر بالقبة المذكورة ، لما سيأتي في ذكر من قيل إنه نقل من شهداء أحد من قول ابن أبي فديك إنه بالمسجد الذي عند أصحاب العباء في طرف الحناطين ، لكن في رواية ابن زبالة أنه دفن عند مسجد أصحاب العباء : أي الذين يبيعون العبي ، وذلك المحل من سوق المدينة القديم.
مشهد النفس الزكية
ثالثها : المشهد المعروف بالنفس الزكية ، وهو السيد الشريف الملقب بالمهدي محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، رضوان الله تعالى عليهم ، قتل في أيام أبي جعفر المنصور ، وهذا المشهد شرقي جبل سلع ، وعليه بناء كبير بالحجارة السود ، قصدوا أن يبنوا عليه قبة فلم يتفق ، وهو داخل مسجد كبير مهجور ، وفي قبلة المسجد منهل من عين الأزرق مدرج من شرقيه وغربيه. والعين تجري في وسطه ، وتقدم في سوق المدينة أن ابن زبالة عبر عن ذلك ببركة السوق ، ولعل ذلك المسجد هو المنسوب إلى الأعرج كما تقدم في مصلى العيد.
وما ذكرناه من كون النفس الزكية بهذا المشهد ذكره المطري ومن تبعه ، وهو المستفيض بين أهل المدينة ، لكنه مخالف لما ذكره سبط ابن الجوزي في رياض الأفهام ، فإنه ذكر خروجه على المنصور بعد حبسه لأبيه وأقاربه ، فبايعه كثير من الناس ، قال : فجهز إليه المنصور عيسى بن موسى عم المنصور في أربعة آلاف ، فجاء ووقف على سلع وقال : يا محمد ، لك الأمان ، فصاح به : والله ما تفوز ، والموت في عزّ خير من الحياة في ذل ، فاغتسل هو ومن
بقي من أصحابه وتحنّطوا وهم ثلاثمائة وبضعة عشر وحملوا على عيسى وأصحابه ، فهزموا ثلاثا ، ثم تكاثروا عليهم فقتلوهم ، وأتوا عيسى بن موسى برأس محمد. ووارت أخته زينب وابنته فاطمة جسده بالبقيع ، وكان قتله عند أحجار الزيت ، وكان معه ذو الفقار سيف عليّ رضي الله تعالى عنه ، فأخذه عيسى بن موسى ، ثم انتقل إلى الرشيد.
قال الأصمعي : أنا رأيته ، وفيه ثماني عشرة فقارة ، اه
وقال محمد ـ أعني النفس الزكية ـ في يوم قتالهم لعبد الله بن عامر السلمي : تغشانا سحابة ، فإن أمطرتنا ظفرنا ، وإن تجاوزتنا إليهم فانظر إلى دمي عند أحجار الزيت. قال عبد الله : فو الله لقد أظلتنا سحابة فلم تمطرنا ، وتجاوزتنا إلى عيسى بن موسى وأصحابه ، فظفروا ، وقتلوا محمدا ، ورأيت دمه عند أحجار الزيت ، وبسبب محمد هذا ضرب عيسى بن موسى الإمام مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه ، نقل ذلك المقريزي.
الفصل السابع
في فضل أحد والشّهداء به
الأحاديث الواردة في فضل أحد
روينا في الصحيحين وغيرهما عن أنس رضي الله تعالى عنه أن النبيصلىاللهعليهوسلم قال لأحد لما بدا له : هذا جبل يحبنا ونحبه.
وفي رواية للبخاري بيان أن ذلك كان عند القدوم من خيبر ، ولفظ رواية ابن شبة عنه أنه أقبل مع رسول اللهصلىاللهعليهوسلم من خيبر ، فلما بدا لهم أحد قال ، الحديث.
وفي رواية له عن سويد الأنصاري قال. قفلنا مع النبيصلىاللهعليهوسلم من غزوة خيبر ، فلما بدا له أحد قال : الله أكبر ، جبل يحبنا ونحبه.
ورواه أحمد والطبراني برجال الصحيح إلا عقبة بن سويد ، وقد ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحا.
وفي فضائل المدينة للجندي عن أنس أن النبيصلىاللهعليهوسلم «طلع أحدا فقال : هذا جبل يحبنا ونحبه» وفي رواية له «طلع علينا أحدا» وفي رواية أخرى للبخاري أن ذلك كان في رجوعهصلىاللهعليهوسلم من الحج.
وفي رواية عن أبي حميد الساعدي قال : أقبلنا مع رسول اللهصلىاللهعليهوسلم من غزوة تبوك ، فلما أشرفنا على المدينة قال : «هذه طابة ، وهذا أحد ، جبل يحبنا ونحبه» ورواه ابن شبة أيضا.
وفي رواية له قال : أقبلنا مع النبيصلىاللهعليهوسلم من منزله ، حتى إذا كنا بغرابات نظر إلى أحد فكبر ثم قال «جبل يحبنا ونحبه ، جبل سائر ليس من جبال أرضنا».
وروى أيضا بإسناد جيد عن أبي قلابة قال : كان النبيصلىاللهعليهوسلم إذا جاء من سفر فبدا له أحد قال : هذا جبل يحبنا ونحبه ، ثم قال : آئبون نائبون ساجدون لربنا حامدون.
وروى أيضا عن أبي هريرة قال : لما قدمنا مع النبيصلىاللهعليهوسلم من غزوة خيبر بدا لنا أحد ، فقال : هذا جبل يحبنا ونحبه ، إن أحدا هذا لعلي باب من أبواب الجنة.
وروى الطبراني في الكبير والأوسط عن أبي عبس بن جبر إن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم قال لأحد : هذا جبل يحبنا ونحبه ، على باب من أبواب الجنة ، وهذا غير جبل يبغضنا ونبغضه ، على باب من أبواب النار.
وفي الأوسط ـ وفيه كثير بن زيد : تكلم فيه ، ووثّقه أحمد وغيره من حديث أنس بن مالك مرفوعا «أحد جبل يحبنا ونحبه ، فإذا جئتموه فكلوا من شجره ولو من عضاهه» ورواه ابن شبة بلفظ «أحد على باب من أبواب الجنة ، فإذا مررتم به فكلوا من شجره ، ولو من عضاهه».
وروى أيضا عن زينب بنت نبيط ، وكانت تحت أنس بن مالك ، أنها كانت ترسل ولائدها فتقول : اذهبوا على أحد فأتوني من نباته ، فإن لم تجدن إلا عضاها فأتني به ، فإن أنس بن مالك قال : سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوسلم يقول «هذا جبل يحبنا ونحبه» قالت زينب : فكلوا من نباته ولو من عضاهه ، قال : فكانت تعطينا منه قليلا قليلا فنمضغه.
وعن رافع بن خديج قال : نهى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم أن يحتشّ أحد إلا يوما بيوم.
وعن داود بن الحصين مرفوعا «أحد على ركن من أركان الجنة ، وعير على ركن من أركان النار».
وعن إسحاق بن يحيى بن طلحة مرسلا رفعه «أحد وورقان وقدس ورضوى من جبال الجنة».
وروى أبو يعلى والطبراني في الكبير عن سهل بن سعد مرفوعا «أحد ركن من أركان الجنة».
وفي الكبير أيضا عن عمرو بن عوف قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوسلم «أربعة أجبال من أجبال الجنة ، وأربعة أنهار من أنهار الجنة ، وأربعة ملاحم من ملاحم الجنة ، قيل : فما الأجبال؟ قال : أحد يحبنا ونحبه جبل من جبال الجنة ، وورقان جبل من جبال الجنة ، والطور جبل من جبال الجنة ، ولبنان جبل من جبال الجنة ، والأنهار الأربعة النيل والفرات وسيحان وجيحان ، والملاحم بدر وأحد والخندق وحنين».
ورواه ابن شبة مختصرا ، وروى عن أبي هريرة نحوه ، وقال فيه : وسكت عن الملاحم ، وعن أبي هريرة أيضا قال : خير الجبال أحد والأشعر وورقان.
ونقل الحافظ ابن حجر اختلاف الروايات في الأجبل التي بنى منها البيت الحرام ، وفي بعضها أنه أسس من ستة أجبل : أبي قبيس ، والطور ، وقدس ، وورقان ، ورضوى ، وأحد.
وروى ابن شبة عن أنس بن مالك مرفوعا «لما تجلّى اللهعزوجل للجبل طارت لعظمته ستة أجبل ، فوقعت ثلاثة بالمدينة وثلاثة بمكة ، وقع بالمدينة أحد وورقان ورضوى ، ووقع بمكة حراء وثبير وثور».
موقع أحد من المدينة المنورة
قال أبو غسان راويه : فأما أحد فبناحية المدينة على ثلاثة أميال منها في شاميها ، وأما ورقان فبالروحاء من المدينة على أربعة برد ، وأما رضوى فبينبع على مسيرة أربع ليال ، وأما حراء فبمكة وجاه بئر ميمون ، وثور أسفل مكة هو الذي اختفى فيه رسول اللهصلىاللهعليهوسلم في غاره.
قلت : ولم يبين ثبيرا ، وما ذكره من المسافة إلى أحد يقرب مما حررته ، فإني ذرعت ما بين عتبة باب المسجد النبوي المعروف بباب جبريل وبين المسجد الملاصق لجبل أحد المعروف بمسجد الفتح فكان ذلك ثلاثة أميال وزيادة خمسة وثلاثين ذراعا ، وأما ما بين باب المدينة المعروف بباب البقيع وبين أول جبل أحد فميلان وأربعة أسباع ميل يزيد يسيرا ، وبين باب البقيع ومشهد سيدنا حمزة ميلان وثلاثة أسباع ميل وخمس سبع ميل ، وأذرع يسيرة ، وقد علم بذلك التسامح الذي في قول النووي في تهذيبه : أحد بجنب المدينة على نحو ميلين ، وكذا قول المطري ومن تبعه : بين مشهد حمزة والمدينة ثلاثة أميال ونصف أو ما يقاربه ، وإلى جبل أحد نحو أربعة أميال ، وقيل : دون الفرسخ ، انتهى.
وجه تسمية أحد وحبه
وقال السهيلي : سمي هذا الجبل أحدا لتوحده وانقطاعه عن جبال أخرى هناك ، ولما وقع من أهله من نصر التوحيد.
وللعلماء في معنى قولهصلىاللهعليهوسلم «يحبنا ونحبه» أقوال :
أحدها : أنه على حذف مضاف ، أي أهل أحد ، وهم الأنصار ؛ لأنهم جيرانه.
ثانيها : أنه للمسرة بلسان الحال ؛ لأنه كان يبشره إذا رآه عند القدوم بالقرب من أهله ، وذلك فعل المحب.
ثالثها : أن الحب من الجانبين على الحقيقة ، وأنه وضع فيه الحبّ كما وضع في الجبال المسبحة مع داود ، وكما وضعت الخشية في الحجارة التي قال الله فيها( وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ ) [البقرة : ٧٤] سيما وقد جاء أنه طار من الجبل الذي تجلى اللهعزوجل له كما سبق ، وهذا الثالث هو الذي صححه النووي ، وقال الحافظ ابن حجر : إن الظاهر أن ذلك لكونه من جبال الجنة ، كما ثبت في حديث أبي عبس بن جبر مرفوعا «جبل أحد يحبنا ونحبه ، وهو من جبال الجنة» أخرجه أحمد ، ولا مانع في جانب الجبل من إمكان المحبة ،
كما جاز التسبيح منها ، وقد خاطبهصلىاللهعليهوسلم مخاطبة من يعقل فقال لما اضطرب «اسكن أحد» الحديث.
وقال الحافظ المنذري : قال البغوي : الأولى إجراء الحديث على ظاهره ، ولا ينكر وصف الجمادات بحب الأنبياء وأهل الطاعة كما حنّت الأسطوانة لمفارقتهصلىاللهعليهوسلم حتى سمع القوم حنينها ، وكما أخبر أن حجرا كان يسلم عليهصلىاللهعليهوسلم قبل الوحي ؛ فلا ينكر أن يكون جبل أحد وجميع أجزاء المدينة تحبه وتحنّ إلى لقائه ، قال المنذري : وهو جيد.
قلت : ويرجحه قوله في الحديث المتقدم «فإذا جئتموه فكلوا من شجره» فإن عيرا يجاوره أهل قباء ، ويظهر للقادم من جهة مكة قبل أحد ، بل ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
وقال السهيلي : كان النبيصلىاللهعليهوسلم يحب الفأل الحسن ، والاسم الحسن ، ولا اسم أحسن من اسم مشتق من الأحدية ، ومع ذلك فحركاته الرفع ، وذلك مشعر بارتفاع دين الأحد ، فتعلق الحب به من النبيصلىاللهعليهوسلم لفظا ومعنى ، فخص بذلك.
وليضف إليه أن المحبة لما تعلقت من الجانبين ، وكان المرء مع من أحب ، كان هذا الجبل معهصلىاللهعليهوسلم في الجنة إذا بسّت الجبال بسا.
وأيضا لما انقسم أهل المدينة إلى محب موحّد وهم المؤمنون وإلى منافق مبغض وهم الجاهلون الجاحدون كأبي عامر الراهب وغيره من المنافقين ، وكانوا ثلث الناس يوم أحد رجعوا مع ابن أبي ولم يحضروا أحدا ؛ انقسمت بقاع المدينة كذلك ، فجعل الله تعالى هذا الجبل حبيبا محبوبا كمن حضر به ، وجعله معه في الجنة ، وخصه بهذا الاسم ، وجعل عيرا مبغوضا إن صح الحديث فيه ، وجعل بجهته المنافقين من أهل مسجد الضرار فرجعوا من جهة أحد إلى جهته فكان معهم في النار ، وخصه باسم العير الذي هو الحمار المذموم أخلاقا وجهلا ، والله أعلم.
وروى ابن شبة كما سبق في سكنى اليهود بالمدينة عن جابر بن عبد الله مرفوعا : خرج موسى وهارونعليهماالسلام حاجّين أو معتمرين ، حتى إذا قدما المدينة خافا اليهود فنزلا أحدا وهارون مريض ، فحفر له موسى قبرا بأحد ، وقال يا أخي ادخل فيه فإنك ميت ، فدخل فيه ، فلما دخل قبضه الله ، فحثا موسى عليه التراب.
زعموا أن هارون مدفون بأحد
قلت : بأحد شعب يعرف بشعب هارون ، يزعمون أن قبر هارونعليهالسلام في أعلاه ، وهو بعيد حسا ومعنى ، وليس ثم ما يصلح للحفر وإخراج التراب. وفي أعلى أحد بناء اتخذه بعض الفقراء قريبا والناس يصعدون إليه ، ولم يرد تعيين المحل الذي صعده النبيصلىاللهعليهوسلم من أحد ، نعم ورد صلاته بالمسجد الملاصق به المعروف بمسجد الفتح كما سبق في المساجد.
مزاعم في مواضع من جبل أحد
وقال ابن النجار : وفي جبل أحد غار يذكرون أن النبيصلىاللهعليهوسلم اختفى فيه ، ومسجد يذكرون أنهصلىاللهعليهوسلم فيه ، وموضع في الجبل أيضا منقور في صخرة منه على قدر رأس الإنسان يذكرون أنهصلىاللهعليهوسلم قعد ـ يعني على الصخرة التي تحته ـ وأدخل رأسه هناك ، كل هذا لم يرد به نقل فلا يعتمد عليه.
قلت : أما المسجد فقد ثبت النقل به من رواية ابن شبة كما سبق ، لكن لم يقف عليه ابن النجار.
وأما الغار فقال المطري : إنه في شماليّ هذا المسجد ، والموضع المنقور والصخرة التي تحته بقرب المسجد ، وروى ابن شبة عن المطلب بن عبد الله أن النبيصلىاللهعليهوسلم لم يدخل الغار بأحد.
وسيأتي في ترجمة المهراس قول ابن عباس : ولم يبلغوا حيث يقول الناس الغار ، إنما كان تحت المهراس ، ومقتضاه أن الغار بعد المهراس ، وسيأتي في ترجمة شعب أحد أن النبيصلىاللهعليهوسلم انتهى يوم أحد إلى فم الشعب وأسند فيه.
قال ابن هشام : وبلغني عن ابن عباس أن النبيصلىاللهعليهوسلم لم يبلغ الدرجة المبنيّة في الشعب ، انتهى. وكأن من بناها ظن أن الصخرة التي نهض النبيصلىاللهعليهوسلم ليعلوها ، وجلس له طلحة بن عبيد الله كانت هناك ، ولهذا أورده ابن هشام عند ذكرها.
شهادة الرسولصلىاللهعليهوسلم لشهداء أحد
وروى يحيى أنه لما انكشف الناس يوم أحد وقف رسول اللهصلىاللهعليهوسلم على مصعب بن عمير فقال( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ ) إلى قوله( وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ) [الأحزاب : ٢٣] اللهم إن عبدك ونبيك يشهد أن هؤلاء شهداء ، فأتوهم وسلموا عليهم ، فلن يسلم عليهم أحد ما قامت السموات والأرض إلا ردّوا عليه ، ثم وقف رسول اللهصلىاللهعليهوسلم موقفا آخر فقال : هؤلاء أصحابي الذين أشهد لهم يوم القيامة ، فقال أبو بكر : فما نحن بأصحابك؟ فقال : بلى ، ولكن لا أدري كيف تكونون بعدي ، إنهم خرجوا من الدنيا خماصا.
ورواه الثعلبي المفسر إلا أنه قال : لما انصرف رسول اللهصلىاللهعليهوسلم من أحد مرّ على مصعب بن عمير ، فوقف عليه ، ودعا له ، ثم قرأ ، وذكر الآية وما بعدها بنحوه ، إلى قوله ثم وقف.
وروى أبو داود والحاكم في صحيحه حديث «لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في جوف طير خضر ترد أنهار الجنة تأكل من ثمارها ، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش ، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا : من يبلغ إخواننا
عنا أنا أحياء في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد ولا يكلوا عن الحرب؟ فقال الله تعالى : أنا أبلغهم عنكم ، فأنزل اللهعزوجل ( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً ) [آل عمران : ١٦٩] الآية».
وفي صحيح البخاري حديث «صلّى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم على قتلى أحد بعد ثمان سنين كالمودّع للأحياء والأموات ، ثم طلع المنبر فقال : إني بين أيديكم فرط ، وأنا عليكم شهيد ، وإن موعدكم الحوض».
وروى ابن شبة وأبو داود عن طلحة بن عبيد الله قال : خرجنا مع رسول اللهصلىاللهعليهوسلم نريد قبور الشهداء ، حتى إذا أشرفنا على حرّة واقم ، فلما تدلينا منها فإذا قبور بمحنية ، فقلنا : يا رسول الله ، أقبور إخواننا هذه؟ قال : قبور أصحابنا ، فلما جئنا قبور الشهداء قال : هذه قبور إخواننا.
زيارة النبيصلىاللهعليهوسلم وخلفائه قبور الشهداء على رأس كل حول
وروى ابن شبة عن عباد بن أبي صالح أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم كان يأتي قبور الشهداء بأحد على رأس كل حول فيقول : سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ، قال : وجاءها أبو بكر ، ثم عمر ، ثم عثمان ، رضي الله تعالى عنهم ، فلما قدم معاوية بن أبي سفيان حاجا جاءهم ، قال : وكان النبيصلىاللهعليهوسلم إذا واجه الشعب قال : سلام عليكم بما صبرتم فنعم أجر العاملين.
وعن أبي جعفر أن فاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوسلم كانت تزور قبر حمزة رضي الله تعالى عنه ترمّه وتصلحه ، وقد تعلمته بحجر.
وروى رزين عنه أن فاطمة رضي الله تعالى عنها كانت تزور قبور الشهداء بين اليومين والثلاثة.
ورواه يحيى بنحوه عن أبي جعفر عن أبيه علي بن الحسين ، وزاد : فتصلي هناك وتدعو وتبكي حتى ماتت.
وروى الحاكم عن علي رضي الله تعالى عنه أن فاطمة كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة فتصلي وتبكي عنده.
وروى ابن شبة عن ابن عمر أنه قال : من مر على هؤلاء الشهداء فسلّم عليهم لم يزالوا يردون عليه إلى يوم القيامة.
وروى يحيى عن العطاف بن خالد قال : حدثتني خالة لي ـ وكانت من العوابد ـ قالت : ركبت يوما معي غلام حتى جئت إلى قبر حمزة ، فصليت ما شاء الله ، ولا والله ما في الوادي داع ولا مجيب يتحرك ، وغلامي قائم آخذ برأس دابتي ، فلما فرغت من صلاتي قمت
فقلت : السلام عليكم ، وأشرت بيدي فسمعت رد السلام عليّ من تحت الأرض ، أعرفه كما أعرف أن الله خلقني ، واقشعرت كل شعري مني ، فدعوت الغلام فقلت : هات دابتي ، فركبت.
وروى البيهقي في الدلائل من طريق العطاف بن خالد عن عبد الأعلى بن عبد الله بن أبي فروة عن أبيه أن النبيصلىاللهعليهوسلم «زار قبور الشهداء بأحد ، فقال : اللهم إن عبدك ونبيك يشهد أن هؤلاء شهداء ، وأنهم من زارهم أو سلّم عليهم إلى يوم القيامة ردوا عليه».
وقال العطاف : وحدثتني خالتي أنها زارت الشهداء فسلمت عليهم ، فسمعت رد السلام ، وقالوا : والله إنا نعرفكم كما يعرف بعضنا بعضا ، قالت : فاقشعررت.
وذكر البيهقي أيضا رواية يحيى ، وأن الواقدي قال : كانت فاطمة الخزاعية تقول : لقد رأيتني وغابت الشمس بقبور الشهداء ومعي أخت لي ، فقلت لها : تعالي نسلم على قبر حمزة ، فوقفنا على قبره ، فقلنا : السلام عليكم يا عمّ رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، فسمعنا كلاما رد علينا : وعليكم السلام ورحمة الله ، قالت : وما قربنا أحد من الناس.
ثم روى البيهقي عن هاشم بن محمد العمري من ولد عمر بن عليّ قال : أخذني أبي بالمدينة إلى زيارة قبور الشهداء في يوم جمعة بين الفجر والشمس ، فكنت أمشي خلفه ، فلما انتهى إلى المقابر رفع صوته فقال : سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ، قال : فأجيب وعليك السلام يا أبا عبد الله ، فالتفت أبي إليّ فقال : أنت المجيب؟ فقلت : لا ، فجعلني على يمينه ، ثم أعاد السلام ، ثم جعل كلما سلم يرد عليه ، حتى فعل ذلك ثلاث مرات ، فخرّ ساجدا شكرا لله تعالى.
تسمية شهداء أحد
وقد تقدم في غزوة أحد أن الذين أكرمهم الله بالشهادة يومئذ سبعون رجلا ، وقيل : أكثر ، وقيل : أقلّ ، وقد سرد ابن النجار أسماءهم فتبعته ليسلّم عليهم من شاء بأسمائهم ، فقال : حمزة بن عبد المطلب ، وعبد الله بن جحش ، ومصعب بن عمير ، وشمّاس بن عثمان ، هؤلاء الأربعة من المهاجرين.
ومن الأنصار : عمرو بن معاذ بن النعمان ، والحارث بن أنس بن رافع ، وعمارة بن زياد بن السكن ، وسلمة بن ثابت بن وقش ، وعمرو بن ثابت بن وقش ، وثابت بن وقش ، ورفاعة بن وقش ، وحسيل بن جابر ، وهو اليمان أبو حذيفة ، وصيفي بن قيظي بن عمرو ، والحباب بن قيظي ، وعباد بن سهل ، والحارث بن أوس بن معاذ ، وإياس بن أوس بن عتيك ، وعبيد بن التيهان ، ويقال عتيك ، وحبيب بن زيد بن تيم ، ويزيد بن حاطب بن أمية ابن رافع ، وأبو سفيان بن الحارث بن قبس بن زيد ، وأنيس بن قتادة ، وحنظلة الغسيل ابن
أبي عامر ، وأبو حبة بن عمرو بن ثابت أخو سعد بن خيثمة لأمه ، وعبيد الله بن جبير بن النعمان وخيثمة أبو سعد بن خيثمة ، وعبد الله بن مسلمة ، وسبيع بن حاطب بن الحارث ، وعمرو بن قيس بن زيد ، وابنه قيس بن عمرو ، وثابت بن عمرو بن زيد ، وعامر بن مخلد ، وأبو هبيرة بن الحارث بن علقمة ، وعمرو بن مطرف بن علقمة ، وأوس بن ثابت بن المنذر أخو حسّان بن ثابت ، وأنس بن النضر ، وقيس بن مخلد ، وكيسان مولى بني النجار ، وسليم بن الحارث ، ونعمان بن عبد عمرو ، وخارجة بن زيد ، وسعد بن الربيع ، وأوس بن الأرقم بن زيد ، ومالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري ، وسعد بن سويد بن قيس ، وعلبة بن ربيع بن رافع ، وثعلبة بن سعد بن مالك ، ونقيب بن فروة بن البدن ، وعبد الله بن عمرو بن وهب ، وضمرة الجهني حليف لبني طريف. ونوفل بن عبد الله ، وعباس بن عبادة بن نضلة ونعمان بن مالك بن ثعلبة ، والمحذر بن زياد ، وعبادة بن الحسحاس ، ورفاعة بن عمرو ، وعبد الله بن عمرو بن حرام ، وعمرو بن الجموح ، وابنه خلاد ، وأبو أيمن مولاه ، وعبيدة بن عمرو بن حديدة ، ومولاه عنترة ، وسهل بن قيس بن أبي كعب ، وذكوان بن عبد قيس ، وعبيد بن المعلى بن لوذان ، ومالك بن نميلة ، والحارث بن عدي بن خرشة ، ومالك بن إياس ، وإياس بن عديّ ، وعمرو ابن إياس.
فهؤلاء الشهداء السعداء الذين صدقوا القتال بين يدي النبيصلىاللهعليهوسلم وقاتلوا وقتلوا ، رضوان الله عليهم أجمعين.
ولنذكر ما علمناه من خبر قبورهم وتعيينها ، فنقول :
سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ومصرعه
قبر حمزة عم رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ومن ذكر أنه معه
أخرج البخاري أن وحشيّا قال في خبر : فلما خرج الناس عام عينين ، وعينين جبل بحيال أحد بينه وبينه واد ، خرجت مع الناس إلى القتال ، فلما أن اصطفوا للقتال خرج سباع فقال : هل من مبارز؟ قال : فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب فقال : يا سباع يا ابن أم أنمار مقطعة البظور ، أتحادّ الله ورسولهصلىاللهعليهوسلم ؟ ثم شدّ عليه فكان كأمس الذاهب ، قال : وكمنت لحمزة تحت صخرة ، فلما دنا مني رميته بحربتي فأضعها بين ثدييه حتى خرجت من بين وركيه ، فكان ذلك آخر العهد به ، ثم ذكر مجيئه للنبيصلىاللهعليهوسلم ـ يعني لما أسلم ـ وقوله له : أنت قتلت حمزة؟ قال : قلت : قد كان من الأمر ما بلغك ، قال : فهل تستطيع أن تغيّب وجهك عني؟
وروى أن النبيصلىاللهعليهوسلم وقف على حمزة رضي الله تعالى عنه ، وقد مثل به ، جدع أنفه وأذناه وبقر بطنه عن كبده ، فقالصلىاللهعليهوسلم : «لو لا أن تحزن صفية ويكون سنة من بعدي لتركته
حتى يكون في بطون السباع وحواصل الطير ، لن أصاب بمثلك أبدا ، ما وقفت موقفا قط أغيظ إليّ من هذا ، ثم قال : جاءني جبريل وأخبرني أن حمزة مكتوب في أهل السموات السّبع «حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله : وأمر به النبيّصلىاللهعليهوسلم فسجّي ببردة ثم صلى عليه فكبّر عليه سبعين ودفنه.
واختلاف الروايات في الصلاة على شهداء أحد مشهور ، والذي في الصحيح عن جابر بن عبد الله أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم «كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في الثوب الواحد ، ثم يقول : أيهم أكثر أخذا للقرآن؟ فإذا أشير له إلى أحد قدّمه في اللحد ، وأمر بدفنهم بدمائهم ، ولم يصلّ عليهم ولم يغسلوا.
ونقل ابن شبة عن عبد العزيز عن ابن سمعان عن الأعرج قال : لما قتل حمزة رضي الله تعالى عنه أقام في موضعه تحت جبل الرّماة ، وهو الجبل الصغير الذي ببطن الوادي الأحمر ، ثم أمر به النبيصلىاللهعليهوسلم فحمل عن بطن الوادي إلى الرّبوة التي هو بها اليوم ، وكفنه في بردة ، وكفن مصعب بن عمير في أخرى ، ودفنهما في قبر واحد.
قال عبد العزيز : وسمعت من يذكر أن عبد الله بن جحش بن رئاب قتل معهما ، ودفن معهما في قبر واحد ، وهو ابن أخت حمزة أمّه أميمة بنت عبد المطلب.
قال عبد العزيز : والغالب عندنا أن مصعب بن عمير وعبد الله بن جحش دفنا تحت المسجد الذي بني على قبر حمزة ، وأنه ليس مع حمزة أحد في القبر.
قلت : ينبغي أن يسلم عليهما مع حمزة بمشهده ؛ لأنهما إن لم يكونا معه فبقربه ، ولعل المشهد اليوم أوسع من ذلك المسجد ، وسبق في المساجد ذكر المسجد الذي بمصرع حمزة رضي الله تعالى عنه ، والمسجد الذي في جهة قبلته بطرف جبل الرّماة ، وما جاء فيهما.
عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو بن حرام
قبر عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر بن عبد الله ، ومن ذكر معهما.
روى مالك بن أنس عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة أنه بلغه أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريين ثم السّلميين كانا في قبر واحد ، وكانا ممن استشهد يوم أحد ، وكان قبرهما مما يلي السيل ، فحفر عنهما ليغيرا عن مكانهما ، فوجدا لم يتغيرا كأنما ماتا بالأمس ، وكان أحدهما قد جرح فوضع يده على جرحه ، فدفن وهو كذلك ، فأميطت يده عن جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت ، وكان بين يوم أحد ويوم حفر عنهما ست وأربعون سنة.
وقال مالك : إن عمرو بن الجموع وعبد الله بن عمرو كفنا في كفن واحد وقبر
واحد ، رواه ابن شبة ، ثم روى بسند جيد عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال : دفن مع أبي رجل يوم أحد في القبر فلم تطب نفسي حتى أخرجته فدفنته على حدة.
قلت : يحتمل أن سبب الإخراج ما تقدّم من أمر السيل ، ووافق ذلك ما في نفس جابر ؛ فتكون القصة واحدة ، لكن روى البخاري في صحيحه خبر جابر مطولا ، وفيه ما لفظه «قال : ودفنت معه آخر في قبره ، فلم تطب نفسي أن أتركه مع أحد ، فاستخرجته بعد ستة أشهر ، فإذا هو كيوم وضعته غير هنية عند أذنه».
فقوله : «بعد ستة أشهر» يقتضي أن ذلك ليس هو قصة أمر السيل ؛ لأن المدة في تلك ست وأربعون سنة.
وروى ابن شبة عن جابر أيضا قال : صرخ بنا إلى قتلانا يوم أحد حين أجرى معاوية العين ، فأتيناهم فأخرجناهم رطابا تتثنّى أجسادهم ، قال سعيد بن عامر أحد رواته : وبين الوقتين أربعون سنة.
وقال ابن إسحاق : حدثني أبي عن رجال من بني سلمة أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم قال ـ حين أصيب عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو يوم أحد ـ اجمعوا بينهما ؛ فإنهما كانا متصافيين في الدنيا ، قال أبي : فحدثني أشياخ من الأنصار قالوا : لما ضرب معاوية عينه التي مرت على قبور الشهداء استصرخنا عليهم ، وقد انفجرت العين عليهما في قبورهما ، فجئنا فأخرجناهما وعليهما بردتان قد غطّى بهما وجوههما ، وعلى أقدامهما شيء من نبات الأرض ، فأخرجناهما يتثنيان تثنيا كأنهما دفنا بالأمس ، نقله البيهقي في دلائل النبوة.
وعن جابر من حديث طويل قال : فبينا أنا في النظارين إذا جاءت عمّتي بأبي وخالتي عادلتهما على ناضح ، فدخلت بهما المدينة لتدفنهما في مقابرنا إذ لحق رجل ينادي أن النبيصلىاللهعليهوسلم أمركم أن ترجعوا بالقتلى ، فيدفنوا في مصارعهم حيث قتلوا ، فرجعناهما ، فدفنّاهما حيث قتلا ، فبينا أنا في خلافة معاوية بن أبي سفيان إذ جاءني رجل فقال : يا جابر ، لقد أثار أباك عمال معاوية ، فخرج طائفة منه ، فأتيته فوجدته على النحو الذي دفنته لم يتغير إلا ما لم يدع القتل أو القتال ، فواريته ، الحديث ، رواه أحمد برجال الصحيح خلا نبيح الغنوي وهو ثقة.
قلت : فهذه قصة ثالثة ؛ فيؤخذ من مجموع ذلك أن جابرا حفر عن أبيه ثلاث مرات : الأولى : لعدم طيب نفسه بدفنه مع غيره ، ولعله استأذن النبيصلىاللهعليهوسلم في ذلك فأذن له ؛ لما يترتب عليه من ظهور ما يشهد لحياة الشهداء وسلامة أبدانهم ، وكان دفنهم مجتمعين للضرورة واتساع الوقت ففعله ، وكأنه لما أخرجه دفنه بإزاء قبر صاحبه وصهره محافظة على القرب من مصرعه ، فقد جاء الأمر بدفنهم في مصارعهم.
والثانية : لما أجرى معاوية رضي الله تعالى عنه العين ، وكان في ذلك أيضا ظهور المعجزة بحياة الشهداء ، فقد أسند ابن الجوزي في مشكله عن جابر قال : صرخ بنا إلى قتلانا يوم أحد حين أجرى معاوية رضي الله تعالى عنه العين ، فأخرجناهم بعد أربعين سنة تتثنّى أطرافهم لينة أجسادهم ، وفي بعض طرقه : كأنهم نوّم ، حتى أصابت المسحاة قدم حمزة بن عبد المطلب فانبعث دم.
والثالث : لحفر السيل عنه وعن صاحبه.
وقد روى الواقدي أن قبرهما كان مما يلي السيل ، فحفر عنهما وعليهما نمرتان ، وعبد الله قد أصابه جرح في يده فيده على جرحه فأميطت يده عن جرحه فانبعث الدم ، فردت إلى مكانها فسكن الدم ، قال جابر : فرأيت أبي في حفرته فكأنه نائم ، وبين ذلك ست وأربعون سنة.
قال : ويقال : إن معاوية لما أراد أن يجري الكظامة نادى مناديه بالمدينة : من كان له قتيل بأحد فليشهد ، فخرج الناس إلى قتلاهم ، فوجدوهم رطابا يثنون ، فأصابت المسحاة رجل رجل منهم فانبعث دم ، فقال أبو سعيد الخدري : لا ينكر بعد هذا منكر ، ووجد عبد الله بن عمرو وعمرو بن الجموح في قبر واحد فنقلا ، وذلك أن القناة كانت تمر على قبرهما ، ولقد كانوا يجهزون التراب فحفروا ثره من تراب فاح عليهم ريح المسك.
قلت : وفيه مخالفة لما تقدم عن الصحيح ؛ لاقتضائه بقائهما في قبر واحد حتى كان إجراء العين ، وفي ذلك كله ظهور المعجزة ، وهو السر في تكرر ذلك.
وروى ابن شبة عن أبي قتادة قال : أتى عمرو بن الجموح إلى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم فقال : يا رسول الله أرأيت إن قاتلت حتى أقتل في سبيل الله تراني أمشي برجلي هذه في الجنة؟ قال : نعم ، وكانت عرجاء ، فقتل يوم أحد هو وابن أخيه ، فمر النبيصلىاللهعليهوسلم فقال : كأني أراك تمشي برجلك هذه صحيحة في الجنة ، وأمر رسول اللهصلىاللهعليهوسلم بهما وبمولاهما فجعلوا في قبر واحد.
قال أبو غسان : قال الواقدي : مع عمرو في القبر خارجة بن زيد ، وسعد بن الربيع ، والنعمان بن مالك ، وعبد الله بن الحسحاس ، قال أبو غسان : وقبرهم مما يلي المغرب من قبر حمزة رضي الله تعالى عنه نحو خمسمائة ذراع.
قال : وأما ما يعرف اليوم من قبور الشهداء فقبر حمزة بن عبد المطلب ، وهو في عدوة الوادي الشامية مما يلي الجبل ، وقبر عبد الله بن حرام أبي جابر ومعه عمرو بن الجموح أي في الموضع المتقدم وصفه ، وقبر سهل بن قيس بن أبي كعب بن القين بن كعب بن سواد من بني سلمة وهو دبر قبر حمزة شاميا بينه وبين الجبل.
قال : فأما القبور التي في الحظار بالحجارة بين قبر حمزة وبين الجبل فإنه بلغنا أنها قبور أعراب أقحموا زمن خالد إذ كان على المدينة فماتوا هناك فدفنهم ، سؤّال كانوا يسألون عند قبور الشهداء.
قال : وقال الواقدي : هم ماتوا زمن الرّمادة.
قلت : زمن الرمادة عام جدب مشهور ، كان في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه.
وأما زمن خالد فيعني به خالد بن عبد الملك بن الحارث ، كان واليا لهشام بن عبد الملك فقحط المطر في ولايته سبع سنين ، وفيها جلا الناس من بادية الحجاز إلى الشام ، ولا يعرف اليوم من قبور الشهداء غير قبر حمزة رضي الله تعالى عنه كما قاله ابن النجار.
قال : وأما بقية الشهداء فهناك حجارة مرصوصة يقال : إنها قبورهم.
قلت : ينبغي أن يسلم على بقيتهم عند قبر حمزة وفي غربيه وشاميه على النحو المتقدم.
وقال المطري ومتابعوه : وشمالي مشهد حمزة رضي الله تعالى عنه آرام من حجارة يقال : إنها من قبور الشهداء ، ولم يثبت ذلك بنقل صحيح.
وقد ورد في بعض كتب المغازي أن هذه القبور قبور أناس ماتوا عام الرّمادة ، ولا شك أن قبور الشهداء رضي الله تعالى عنهم حول قبر حمزة ؛ إذ لا ضرورة أن يبعدوا عنه ، انتهى.
قلت : قد تقدم النقل ببعد بعضهم عنه على نحو خمسمائة ذراع في المغرب ، والمقتضى للبعد الأمر بدفنهم في مصارعهم ، والقبور التي قيل إنها ليست قبورهم هي التي عليها حائز قصير من الأحجار قرب الجبل.
من دفن بالمدينة من قتلى أحد
ذكر قبور من قيل إنه نقل من شهداء أحد ودفن بقبره
قال ابن إسحاق : وكان ناس من المسلمين قد احتملوا قتلاهم إلى المدينة فدفنوهم بها ، فنهى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم عن ذلك ، وقال : ادفنوهم حيث صرعوا.
وتقدم في فصل مقبرة بني سلمة ما روى من دفن بعض قتلى أحد بها ، منهم أبو عمرو بن سكن.
وتقدم في فصل قبل هذا أن خنيس بن حذافة تأخرت وفاته فمات بالمدينة ، ودفن عند عثمان بن مظعون.
وروى ابن شبة عن عبد الرحمن بن عمران عن أبيه قال : نقلنا عبد الله بن سلمة والمحذر بن زياد فدفناهما بقباء.
وقال عبد العزيز : إن رافع بن مالك الزرقي قتل بأحد فدفن في بني زريق ، قال : وقيل : إن موضع قبره في دار آل نوفل بن مساحق التي في بني زريق التي في كتّاب عروة.
وعن أبي سعيد الخدري قال أمر رسول اللهصلىاللهعليهوسلم من نقل من شهداء أحد إلى المدينة أن يدفنوا حيث أدركوا ، فأدرك أبي مالك بن سنان عند أصحاب العباء فدفن ، ثم قال ابن أبي فديك : فقبره في المسجد الذي عند أصحاب العباء في طرف الحناطين.
ورواه ابن زبالة بنحوه ، إلا أنه قال : فوافوه بالسوق ، فدفن مالك عند مسجد أصحاب العباء ، وهناك أحجار الزيت.
قلت : وقد قدمنا بيان مشهده في المشاهد ، ولكن روى الترمذي وقال حسن صحيح عن جابر رضي الله تعالى عنه قال : كنا حملنا القتلى يوم أحد لندفنهم ، فجاءنا منادي رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، فأمرنا بدفن القتلى في مصارعهم ، فرددناهم ، وليحمل على من لم يبلغوا به المدينة ، والله سبحانه وتعالى أعلم.
الباب السادس
في آبارها المباركات ، والعين ، والغراس ، والصّدقات التي هي للنبيصلىاللهعليهوسلم منسوبات ، وما يعزى إليهصلىاللهعليهوسلم من المساجد ، والمواضع التي صلّى فيها في الأسفار والغزوات ، وفيه خمسة فصول :
الفصل الأول
في آبارها المباركات
ورتبتها على حروف المعجم ، معتمدا للأول فالأول من الاسم الذي تضاف إليه البئر ، وختمته بتتمة في العين المنسوبة للنبيصلىاللهعليهوسلم ، والعين الموجودة اليوم ، وغيرهما :
بئر أريس ـ بفتح الهمزة وكسر الراء وسكون المثناة التحتية وإهمال آخره ـ نسبة إلى رجل من يهود يقال له أريس ، ومعناه بلغة أهل الشام الفلّاح.
روينا في صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه أنه توضأ في بيته ، ثم خرج فقال : لألزمنّ رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، ولأكوننّ معه يومي هذا ، فجاء إلى المسجد ، فسأل عن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، فقالوا : خرج ، وجّه هاهنا ، قال : فخرجت على أثره أسأل عنه ، حتى دخل بئر أريس ، قال : فجلست عند الباب وبابها من جريد حتى قضى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم حاجته وتوضأ ، فقمت إليه فإذا هو قد جلس على بئر أريس وتوسّط قفها(١) وكشف عن ساقيه ودلّاهما في البئر ، قال : فسلمت عليه ، ثم انصرفت فجلست عند الباب ، فقلت : لأكوننّ بواب رسول اللهصلىاللهعليهوسلم اليوم ، فجاء أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه فدفع الباب فقلت : من هذا؟ فقال : أبو بكر ، فقلت : على رسلك ، قال : ثم ذهبت فقلت يا رسول الله هذا أبو بكر يستأذن ، فقال : ائذن له وبشره بالجنة ، قال : فأقبلت حتى قلت لأبي بكر رضي الله تعالى عنه : ادخل ورسول اللهصلىاللهعليهوسلم يبشرك بالجنة ، قال : فدخل أبو بكر وجلس عن يمين رسول اللهصلىاللهعليهوسلم معه في القف ودلّى رجليه في البئر كما صنع رسول اللهصلىاللهعليهوسلم وكشف عن ساقيه ، ثم رجعت فجلست وقد تركت أخي يتوضأ ويلحقني ، فقلت : إن يرد الله بفلان خيرا يأت به ، فإذا إنسان يحرك الباب ، فقلت : من هذا؟ فقال : عمر بن الخطاب ، فقلت : على رسلك ، ثم جئت النبيصلىاللهعليهوسلم فسلمت عليه وقلت : هذا عمر يستأذن ، فقال : ائذن له وبشره بالجنة ، فجئت عمر فقلت : ادخل ويبشرك رسول اللهصلىاللهعليهوسلم بالجنة ، قال : فدخل فجلس مع رسول اللهصلىاللهعليهوسلم في القف عن يساره ودلّى رجليه في البئر ، ثم رجعت فجلست فقلت : إن يرد الله بفلان خيرا يعني أخاه يأت به ، فجاء إنسان فحرّك
__________________
(١) القف : ما ارتفع من الأرض وصلبت حجارته. والمراد حائط البئر.
الباب ، فقلت : من هذا؟ فقال : عثمان بن عفان ، فقلت : على رسلك ، قال : وجئت النبيّصلىاللهعليهوسلم فأخبرته فقال : ائذن له وبشره بالجنة مع بلوى تصيبه ، فجئت فقلت : ادخل ويبشرك رسول اللهصلىاللهعليهوسلم بالجنة مع بلوى تصيبك ، قال : فدخل فوجد القف قد ملئ ، فجلس وجاههم من الشق الآخر ، قال شريك : فقال سعيد بن المسيب : فأوّلتها قبورهم.
قلت : وسيأتي في ترجمة الأسواق واقعة مثل هذه كان البواب فيها بلالا.
وروى أحمد والطبراني من وجوه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قصة نحوها أيضا كان هو البواب فيها ، وقال : بحشّ من حشان المدينة ، وبعض أسانيدها رجاله رجال الصحيح ، ولا مانع من تعدد ذلك.
وقد غاير رزين بين بئر أريس وبين البئر التي وقع الجلوس بقفها ، فقال في ذكر الآبار المعروفة بالمدينة : بئر أريس التي سقط فيها الخاتم ، وبئر القف التي أدلى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم وأبو بكر وعمر أرجلهم فيها ، وذكر بقية الآبار.
وروينا في صحيح البخاري من حديث أنس قال : كان خاتم رسول اللهصلىاللهعليهوسلم في يده وفي يد أبي بكر بعده وفي يد عمر بعد أبي بكر ، قال فلما كان عثمان جلس على بئر أريس ، فأخرج الخاتم ، فجعل يعبث به ، فسقط ، فقال : فاختلفنا ثلاثة أيام مع عثمان ، فنزح البئر فلم نجده ، وفي مسند الحميدي عن ابن عمر أنه سقط مع معيقيب ، وثبت ذلك من روايته في صحيح مسلم.
ورواه ابن زبالة عنه في الشك ، فقال : فهو الخاتم الذي سقط من عثمان أو من معيقيب في بئر أريس.
وروى عنه النسائي وابن شبة واللفظ له حديث اتخاذ النبيصلىاللهعليهوسلم خاتمه من الورق ، ونقشه فيه «محمد رسول الله» وصيرورته في يد عثمان سنين من عمله ، ثم قال فيه : فلما كثرت عليه الكتب دفعه إلى رجل من الأنصار فكان يختم به ، فخرج إلى قليب لعثمان فوقع فيها ، فالتمس فلم يوجد ، فأمر بخاتم من ورق فعمل عليه ، ونقش «محمد رسول الله».
ومعيقيب دوسي من أصحاب الهجرتين ، لكن قد يوصف المهاجري بالأنصاري بالمعنى الأعم ، والجمع بأن نسبة السقوط إلى عثمان رضي الله تعالى عنه محاذية لنيابة معيقيب عنه بعيد جدّا ؛ لقوله في رواية البخاري السابقة «فأخرج الخاتم فجعل يعبث به فسقط».
وكان سقوطه بعد ست سنين من خلافته ، وكان فيه سر مما كان في خاتم سليمان عليه الصلاة والسلام ؛ لذهاب ملكه عند فقده ، ولما فقد عثمان الخاتم انتقض عليه الأمر ، وخرج عليه من خرج ، وكان ذلك مبتدأ الفتنة المتصلة إلى آخر الزمان.
وروى ابن زبالة عن ابن كعب القرظي قال : سقط ـ يعني الخاتم ـ من عثمان في بئر
الخريف التي في بئر أريس ، فعلّق عليها اثني عشر ناضحا فلم يقدر عليه حتى الساعة ، فاقتضى أنه لم يكن في بئر أريس نفسها ، ولهذا نقل ابن شبة عن ابن غسان سقوط الخاتم في بئر أريس وأنه قال : وقد سمعت من يقول : إنما سقط في بئر في صدقته يقال لها بئر خريف أي من آبار المال المسمى ببئر أريس ؛ لأن ابن شبة قال أيضا : قال أبو غسان : ابتاع عثمان بئر أريس وفيها مال يقال له الدومة ، ابتاعه من حي من الأنصار وفيه سهمه الذي أعطاه رسول اللهصلىاللهعليهوسلم من أموال بني النضير ، وفيها كيدمة مال لعبد الرحمن بن عوف ، ثم روى أن عبد الرحمن بن عوف باع كيدمة من عثمان بأربعين ألف دينار ، وأمر عثمان عبد الله بن سعد بن أبي سرح فدفعها إليه ، وأنه تصدق بها على أمهات المؤمنين وغيرهن.
وفي رواية أن عبد الرحمن أوصى بكيدمة لأمهات المؤمنين ، فبعنها من عبد الله بن سعد بن أبي سرح.
ثم قال : قال أبو غسان : وأما أريس الذي نسب إليه المال فإن عبد العزيز بن عمران حدثني عن عنبس العقبي قال : أريس رجل من يهود بني محمم ، وكان له ذلك المال ، وفيه بئر عاضر التي يقول فيها اليهودي :
أمرت بلالا أن يعلق دلوه |
على الأعليين اليوم من بئر عاضر |
فجمعها عثمان رضي الله تعالى عنه في حظار واحد ، وهي سبعة أموال ، فتصدق بها ، قال : فحدث عبد الرحمن بن أبي الزناد عن إبراهيم بن عبد الله بن فروخ عن أبيه عن جده قال : دخل علينا عثمان بئر أريس ، وقد لفقنا له عذقا منها ، فقال : ما هذا؟ فقلنا : لفقناه لك يا أمير المؤمنين ، قال : إنما تصدّقت بها على ذوي القربى والفقراء واليتامى والمساكين وابن السبيل ، حتى العافية عافية الطير والسباع ، قال : وقد كان لصدقة عثمان رضي الله تعالى عنه فيما بلغني ذكر في حجر منقوش على باب بئر أريس فطرحه بعض ولاة المدينة في بئر من تلك الآبار ، انتهى ما نقله ابن شبة عن أبي غسان ملخصا.
وسيأتي في ترجمة كيدمة أنها سهم عبد الرحمن بن عوف من بني النضير ، وأن بقرب المشرية والجرع المعروف بالحسينات موضع يعرف بكيادم بلفظ الجمع ، والدومة معروفة اليوم بالعالية قرب بني قريظة ، وبقربها موضع يعرف بالدويمة أيضا.
وهذا يشكل على ما هو معروف اليوم ، وبه صرح ابن النجار كالغزالي ، وتبعه من بعده ، من أن بئر أريس هي المقابلة لمسجد قباء في غربيه ، ويزيد الإشكال قوة أن بني النضير وبني محمم لم يكونوا بقباء ، بل بجهة الدومة المذكورة وما والاها ، كما يعلم مما تقدم في المنازل.
وكنت قد أجبت عن ذلك باحتمال أن يكون بعض أموالهم كان بقباء وأن يكون منها ما يسمى بالدومة وبكيدمة في تلك الجهة ثم نسي تسميته بذلك.
ثم رأيت في كلام ابن زبالة ما يردّ ذلك ، ويزيد الإشكال قوة فإنه قال في صدقات النبيصلىاللهعليهوسلم ما لفظه : وأما الدلال والصافية فإنهما يشربان من سرح عثمان بن عفان الذي يشقّ من مهزور في أمواله ، يأتي على أريس وأسفل منه حتى يتبطّن السورين ، فصرفه ـ أي عثمان رضي الله تعالى عنه ـ مخافة على المسجد في بئر أريس ، ثم في عقد أريم في بلحارث بن الخزرج ، ثم صرفه إلى بطحان ، انتهى.
والموضع المعروف بقباء لا يمكن وصول شيء من مهزور إليه ، كما يعلم مما سيأتي في وصف وادي مهزور ، فالله أعلم.
من فضل بئر أريس
قال المجد : ومما يذكر في فضل بئر أريس ما رويناه عن زيد بن خارجة أنه عاش بعد الموت وذكر أمورا : منها ما يدل على فضل هذه البئر ، وسياق الخبر عن النعمان بن بشير قال : لما توفي زيد بن خارجة انتظر به خروج عثمان ، فكشف الثوب عن وجهه وقال : السلام عليكم ، قال : وأنا أصلّي ، فقلت : سبحان الله ، فقال : أنصتوا أنصتوا ، محمد رسول الله ، كان ذلك في الكتاب الأول ، صدق صدق صدق ، أبو بكر الصديق ، ضعيف في جسده قوي في أمر الله كان ذلك في الكتاب الأول ، صدق صدق صدق ، عمر بن الخطاب ، قوي في أمر الله كان ذلك في الكتاب الأول ، صدق صدق صدق ، عثمان بن عفان ، اثنتان وبقي أربع ، وأبيحت إلا حمى بئر أريس وماء بئر أريس.
وقد رويت هذه القصة من وجوه عن النعمان بن بشير ، ذكره الذهبي في التذهيب.
قلت : رواها ابن شبة بنحوه ، إلا أنه قال في آخرها : بئر أريس اختلف الناس ، ارجعوا إلى خليفتكم فإنه مظلوم.
وقال في رواية أخرى : ثم قال : أخذت بئر أريس ، ثم خفت الصوت.
وروى البيهقي في دلائل النبوة هذه القصة من وجوه ، وقال في بعضها : إسناده صحيح ، وفسر قوله «اثنتان» بأن ذلك كان بعد مضي سنتين من خلافة عثمان ، والأربع البواقي من خلافته ، والأمر في بئر أريس سقوط خاتم النبيصلىاللهعليهوسلم فيها بعد ست سنين من خلافة عثمان ، فعند ذلك تغيرت علمه ، وظهرت أسباب الفتن ، انتهى.
قال المجد : وفي الإحياء للغزالي أن النبيصلىاللهعليهوسلم «تفل في بئر أريس» ولم أجد ذلك عند غيره ، وأعاد المجد ذكر بئر أريس في ترجمة قباء وقال : إنها التي تفل فيها النبيّصلىاللهعليهوسلم فعذبت بعد أن كان ماؤها أجاجا ، ولم ينسبه للغزالي ، وهو في ذلك متابع لابن جبير في رحلته.
وقال الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الإحياء : إنه لم يقف على أصل الحديث في تفلهصلىاللهعليهوسلم في بئر أريس.
قلت : ومن الغريب قول ابن جماعة في مناسكه الكبرى في باب الفضائل «فضل بئر أريس : قد صحّ أن سيدنا رسول اللهصلىاللهعليهوسلم تفل فيها ، وأنه سقط فيها خاتمه» انتهى.
وخرج البيهقي من حديث إبراهيم بن طهمان عن يحيى بن سعيد أنه حدثه أن أنس بن مالكرضياللهعنه أتاهم بقباء يسأله عن بئر هناك ، فدللته عليه ، فقال : لقد كانت هذه وإنّ الرجل لينضح على حماره فتنزح فيستخرجها له ، فجاء رسول اللهصلىاللهعليهوسلم فأمر بذنوب فسقي ، فإما أن يكون توضأ منه أو تفل فيه ، ثم أمر به فأعيد في البئر ، فما نزحت بعد ، فرأيتهصلىاللهعليهوسلم بال ثم جاء فتوضأ ومسح على خفّيه ثم صلّى ، لكن سيأتي في بئر غرس ما يبين أنها المرادة بذلك ، ولم يعد ابن شبة ولا ابن زبالة بئر أريس في الآبار التي كان استقى منها للنبيصلىاللهعليهوسلم ، وإنما ذكرها ابن شبة في صدقة عثمان ، وذكر سقوط الخاتم فيها مع ما تقدم.
وهذه البئر المعروفة اليوم بقباء من أعذب آبار المدينة.
ذرع بئر أريس
وذكر ابن النجار أنه ذرع طولها فكان أربعة عشر ذراعا وشبرا ، منها ذراعان ونصف ماء ، وعرضها خمسة أذرع ، قال : وطول قفها الذي جلس عليه النبيصلىاللهعليهوسلم وصاحباه ثلاثة أذرع تشف كفا ، قال : وهي تحت أطم عال ، خراب من جهة القبلة ، وقد بنى في أعلاه مسكن.
قال المطري ، عقب ذكره أن ذلك المسكن يسكنه من يقوم بالحديقة ويخدم مسجد قباء.
قلت : وهو اليوم بيد المتكلم على الحديقة صاحبنا الشيخ برهان الدين القطان ، ووقع بينه وبين صاحبنا الفخر العيني مشاجرة بسببه وسبب البئر ؛ لأن الفخر بيده قطعة تحت الحصن المذكور وقطعة أخرى في مقابلة المسجد أنشأها بعض أقاربه هناك ، ثم اصطلحا على السّقى بالبئر المذكورة واستمرار الحصن بيد البرهان ، ثم رفعوا قف البئر عما أدركناه عليه نحو ثلاثة أذرع ، وذلك لما بنى متولي العمارة السبيل والبركة المقابلين لمسجد قباء المتقدم ذكرهما فيه ، وذلك ليتأتى وصول الماء إلى البركة ، وصار طول هذه البئر اليوم على ما ذرعته تسع عشرة ذراعا ونصف ذراع ، منها أربعة أذرع ماء ، وذلك بعد تبحيرها.
ولهذه البئر درجة ذكرها المطري ، فقال : وقد حدّد الشيخ صفي الدين أبو بكر بن أحمد السلامي لهذه البئر درجا ينزل إليها منه من يريد الوضوء والشرب من الزوار سنة أربع عشرة وسبعمائة ، انتهى. وهو مخالف لقول البدر ابن فرحون في ترجمة نجم الدين يوسف الرومي وزير الأمير طفيل : إنه هو الذي أنشأ الدرجة الموجودة اليوم لبئر أريس بقباء عمرها في سنة أربع عشرة وسبعمائة ، قال : وكان الجماعة الحزازون قد ابتدءوا في عمارتها فسألهم أن يتركوا ذلك له ليفوز بحسنتها ، وكان الحامل لهم على ذلك أنهم كانوا إذا جاءوا إلى
مسجد قباء لا يجدون ما يتوضئون به ، إلا من الحديقة الجعفرية ، فكانوا يتحرّجون من دخولها لما سمعوا أنها مغصوبة من ملاكها ، انتهى.
وجمع المجد بأنّ الظاهر أن نجم الدين المذكور أنشأ الدرجة وتشعثت ، فأصلحها صفي الدين وجددها.
قلت : ويرده اتخاذ التاريخ كما سبق. والذي يظهر : أن جماعة الخرازين ـ كما ترجمهم به البدر ـ كانوا يسعون في عمارة المساجد وغيرها ، وكانوا فقراء ؛ فيعينهم الخدم ، وأهل الخير ، وكان صفي الدين له دنيا عظيمة فتخلى عنها ، وله معروف فكأنه هو الممد للخرازين بما صرفوا على عمارة الدرج ، وكان المطري يصحب الجميع ، فالظاهر أنه اطّلع على ذلك ، ثم أتم نجم الدين عمارة تلك الدرجة والله أعلم.
بئر الأعواف ، أحد صدقات النبيصلىاللهعليهوسلم الآتية
روى ابن شبة عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان قال : توضأ رسول اللهصلىاللهعليهوسلم على شفة بئر الأعواف صدقته ، وسال الماء فيها ، ونبتت ثابتة على أثر وضوئهصلىاللهعليهوسلم ، ولم تزل فيها حتى الساعة.
وروى ابن زبالة عن عثمان بن كعب قال : طلب رسول اللهصلىاللهعليهوسلم سارقا ، فهرب منه ، فنكبه الحجر الذي وضع بين الأعواف صدقة النبيصلىاللهعليهوسلم وبين الشطبية مال ابن عتبة ، فوقع السارق ، فأخذه رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، وبرّك رسول اللهصلىاللهعليهوسلم في الحجر ومسّه ودعا له ، فهو الحجر الذي فيما بين الأعواف والشطبية يطلع طرفه يمسه الناس.
قلت : والأعواف اليوم اسم لجرع كبير في قبلة المربوع ، وفي شاميه خنافة ، وفيه آبار متعددة ؛ فلا تعرف البئر المذكورة منها ، وكذلك الحجر ؛ لأن الشطبية غير معروفة اليوم ، ولعلها الموضع المعروف بالعتبى ؛ لقوله في الرواية المتقدمة : مال ابن عتبة ، والعتبى بجنب الأعواف من المشرق ، فإن كان هو الشطبية فبئر الأعواف هي البئر التي فيها يلي خنافة من جرع الأعواف ، وهي اليوم معطلة لا ماء بها ، ويستأنس لذلك بما نقله ابن زبالة من أن الأعواف كانت لخنافة اليهودي جد ريحانة رضي الله تعالى عنها.
ولم يذكر المطري ومن تبعه هذه البئر ولا الغلالة بعدها ؛ لسكوت ابن النجار عنها.
بئر أنا : بضم الهمزة وتخفيف النون كهنا ، وقيل : بالفتح وكسر النون المشددة بعدها مثناة تحتية ، وقيل : بالفتح والتشديد كحتّى ، وضبطه في النهاية بفتح الهمزة وتشديد الباء الموحدة كحتى ، ذكره في القاموس أيضا ، وذكره ياقوت في المشترك له ، وقال : كذا هو مضبوط بخط أبي الحسين بن الفرات ، ثم قال : وذكر آخرون أنها بئر أنا بضم الهمزة والنون الخفيفة.
روى ابن زبالة عن عبد الحميد بن جعفر قال : ضرب رسول اللهصلىاللهعليهوسلم قبته حين حاصر بني قريظة على بئر أنا ، وصلّى في المسجد الذي هناك ، وشرب من البئر ، وربط دابته بالسّدرة التي في أرض مريم ابنة عثمان.
وقال ابن إسحاق : لما أتى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم بني قريظة نزل على بئر من آبارها ، وتلاحق به الناس ، وهي بئر أنا.
قلت : وهي غير معروفة اليوم ، وناحية بني قريظة عند مسجدهم
بئر أنس بن مالك بن النضر : وتضاف أيضا لأبيه.
وروى ابن زبالة عن أنس بن مالك أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم استسقى ، فنزع له دلو من بئر دار أنس ، فسكب على اللبن فأتى به فشرب ، وعمر بين يديه وأبو بكر عن يساره ، وأعرابي عن يمينه ، الحديث ، وهو في الصحيح عن أنس بلفظ : أتانا رسول اللهصلىاللهعليهوسلم في دارنا هذه ، فاستسقى. فحلبنا شاة لنا ثم شبته من بئرنا هذه فأعطيته ، الحديث.
وروى ابن شبة عن أنس أن النبيصلىاللهعليهوسلم شرب من بئر أنس التي في دار أنس.
وخرج أبو نعيم عن أنس أن النبيصلىاللهعليهوسلم بزق في بئر داره ، فلم يكن بالمدينة بئر أعذب منها ، قال : وكانوا إذا حوصروا استعذب لهم منها ، وكانت تسمى في الجاهلية البرود.
قلت : وهي غير معروفة اليوم ، لكن تقدم عن ابن شبة في البلاط أنه كان له سرب يخرج عند دار أنس بن مالك في بني جديلة ، وتقدم في بيان المحلّ الذي ضرب منه اللبن للمسجد النبوي أن البئر المعروف اليوم بالرباطية وقف رباط اليمنة في شامي الحديقة المعروفة بالرومية بقرب دار فحل يتبرك بها الفقراء ، كما ذكره الزين المراغي ، وقال : إنها تعرف ببئر أيوب ، وكذلك البئر ذات الدرج التي في شرقيها في الحديقة المعروفة بأولاد الصفي تعرف ببئر أيوب أيضا.
قلت : والمعروف اليوم ببئر أيوب إنما هي الثانية ، والظاهر أنها بئر أبي أيوب الأنصاري ، وأما الأولى فالظاهر أنها بئر أنس ؛ لأنها في جهة السرب الذي ذكره ابن شبة قرب منازل بني جديلة ، ولتبرك الناس بها قديما ، ولأنها عذبة الماء بحيث يشرب منها كثير من أهل تلك الجهة أيام النقلة في الصيف ، وسيأتي في بئر السقيا أنه كان يستعذب للنبيصلىاللهعليهوسلم الماء من بئر مالك بن النضر والد أنس.
وروى ابن شبة عن أنس في ذكر بئره قال : كان في داري بئر تدعى في الجاهلية البرود ، كان الناس إذا حوصروا شربوا منها.
واعلم أن أنس بن مالك بن النضر بن عدي بن النجار قد روى أهل السير أن النبيصلىاللهعليهوسلم لما بلغ من العمر ستّ سنين خرجت به أمه إلى طيبة تزيره أخواله من بني عدي بن النجار ، قالصلىاللهعليهوسلم : فأحسنت العوم في بئرهم.
بئر إهاب : وفي نسخة لابن زبالة «بئر الهاب» والأول هو الصواب الذي اعتمده المجد.
روى ابن زبالة عن محمد بن عبد الرحمن أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم أتى بئر إهاب بالحرة وهي يومئذ لسعد بن عثمان ، فوجد ابنه عبادة بن سعد مربوطا بين القرنين يفتل ، فانصرف رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، فلم يلبث سعد أن جاء فقال لابنه : هل جاءك أحد؟ قال : نعم ووصف له صفة رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، فقال : ذاك رسول اللهصلىاللهعليهوسلم فالحقه وحلّه ، فخرج عبادة حتى لحق رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، فمسح رسول اللهصلىاللهعليهوسلم على رأس عبادة وبرك فيه ، قال : فمات وهو ابن ثمانين وما شاب ، قال : وبصق رسول اللهصلىاللهعليهوسلم في بئرها.
قال : وقال سعد بن عثمان لولده : لو أعلم أنكم لا تبيعونها لقبرت فيها ، فاشترى نصفها إسماعيل بن الوليد بن هشام بن إسماعيل ، وابتنى عليها قصره الذي بالحرة مقابل حوض ابن هشام ، وابتاع نصفها الآخر إسماعيل بن أيوب بن سلمة ، وتصدقا بما ابتاعا من ذلك.
قلت : وهي المذكورة في حديث أحمد المتقدم في بدء شأن المدينة وما يؤول إليه أمرها ، لقوله فيه «خرج حتى أتى بئر الإهاب ، قال : يوشك أن يأتي البنيان هذا المكان».
وفي حديث عبادة الزرقي أنه يصيد القطا فيرقى بئر إهاب ، وكانت لهم ، الحديث المتقدم في صيد الحرم ، وهي بالحرة الغربية بئر ، غير أنها لا تعرف اليوم بهذا الاسم ، إلا أن حوض ابن هشام الذي في مقابلتها كان عند فاطمة بنت الحسين التي رجّح المطري أنها المسماة اليوم بزمزم كما سيأتي أيضا في خبر بئر فاطمة المذكورة ، فلما بنى إبراهيم بن هشام داره بالحرة بعد وفاة فاطمة وأراد نقل السوق إليها صنع في حفرته التي بالحوض مثل ما صنعت فاطمة ، فلقي جبلا ، فسأل إبراهيم بن هشام بن عبد الله بن حسن بن حسن أن يبيعه دار فاطمة ، فباعه إياها ، أي من أجل البئر التي احتفرتها فاطمة في دارها.
وقال المطري : إن ابن زبالة ذكر عدة آبار أتاها النبيصلىاللهعليهوسلم وشرب منها وتوضأ ، لا نعرف اليوم شيئا منها.
قال : ومن جملة ما ذكر بئر بالحرة الغربية في آخر منزلة النقاء ، وذكر ما سيأتي في بئر السقيا.
ثم قال ما لفظه : ومنها بئر أخرى إذا وقفت على هذه ـ يعني بئر السقيا ـ وأنت على جادّة الطريق وهي ـ يعني السقيا ـ على يسارك كانت هذه على يمينك ، ولكنها بعيدة عن الطريق قليلا في سند من الحرة قد حوّط حولها ببناء مجصّص ، وكان على شفيرها حوض من حجارة تكسر ، ولم يزل أهل المدينة قديما وحديثا يتبركون بها ، ويشربون من مائها ، وينقل إلى الآفاق منها ، كما ينقل من ماء زمزم ، ويسمونها زمزم أيضا لبركتها.
ثم قال : ولم أعلم أحدا ذكر فيها أثرا يعتمد عليه ، والله أعلم أيتهما هي السقيا؟ الأولى لقربها من الطريق ، أم هذه لتواتر التبرك بها؟ أو لعلها البئر التي احتفرتها فاطمة ابنة الحسين حين أخرجت من بيت جدتها فاطمة الكبرى ، وذكر القصة الآتية في حفرها لبئرها ، ثم قال : إن الظاهر أن هذه هي بئر فاطمة ، والأولى هي السقيا.
قلت : قوله «إن الأولى هي السقيا» هو الصواب كما سيأتي ، وأما قوله «إن الثانية هي بئر فاطمة» فعجيب ؛ لأن مقتضى قوله ومنها أنها من جملة الآبار التي ذكر ابن زبالة أن النبيصلىاللهعليهوسلم أتاها وشرب منها ، وبئر فاطمة بنت الحسين هي التي احتفرتها بعد النبيصلىاللهعليهوسلم ، وإنما ذكرها ابن زبالة في خبر بناء المسجد ، وذكر في آبار النبيصلىاللهعليهوسلم ما قدمناه في بئر إهاب مع بئر السقيا وغيرهما من الآبار ، ثم أفردهما ثانيا في سياق ما جاء في الحرة الغربية ، وأيضا فقد ذكر المطري أن البئر المذكورة لم تزل يتبرك بها قديما وحديثا ، وينقل منها الماء إلى الآفاق ، فكيف ترجّح أنها المنسوبة لابنة الحسين مع وجود بئر في تلك الجهة ينسب إلى النبيصلىاللهعليهوسلم إتيانها والبصق فيها؟ فالذي ترجّح عندي أن هذه البئر المعروفة بزمزم هي بئر إهاب ، وقد رأيت عندها مع طرف الجدار الذي بجانبها الدائر على الحديقة آثار قصر قديم كان مبنيّا عليها الظاهر أنه قصر إسماعيل بن الوليد الذي ابتناه عليها ، وفي شاميها بئر أخرى في الحديقة المذكورة يحتمل أنها هي المنسوبة لابنة الحسين ، ولعل حوض ابن هشام كان هناك ، والله أعلم.
بئر البصّة : ـ بضم الموحدة وفتح الصاد المشددة آخره هاء ، كانها من بصّ الماء بصّا رشح ، كذا قاله المجد ـ قال : وإن روى بالتخفيف فمن وبص يبص وبصا وبصة كوعد يعد وعدا وعدة إذا بلغ ، أو من وبص لي من المال أي أعطاني.
قلت : المعروف بين أهل المدينة التخفيف.
وروى ابن زبالة وابن عدي من طريقه عن أبي سعيد الخدري قال : كان رسول اللهصلىاللهعليهوسلم يأتي الشهداء وأبناءهم ، ويتعاهد عيالاتهم ، قال : فجاء يوما أبا سعيد الخدري فقال : هل عندك من سدر أغسل به رأسي فإن اليوم الجمعة؟ قال : نعم ، فأخرج له سدرا ، وخرج معه إلى البصة ، فغسل رسول اللهصلىاللهعليهوسلم رأسه ، فصب غسالة رأسه ومراقة شعره في البصة.
قال ابن النجار : وهذه البئر قريبة من البقيع على طريق الماضي إلى قباء ، وهي بين نخل ، وقد هدمها السيل وطمّها ، وفيها ماء أخضر ، وقفت على قفّها ، وذرعت طولها ، فكان أحد عشر ذراعا ، منها ذراعان ماء ، وعرضها سبعة أذرع ، وهي مبنية بالحجارة ، ولون مائها إذا انفصل منها أبيض ، وطعمه حلو ، إلا أن الأجون غلب عليه. وذكر لي الثقة أن أهل المدينة كانوا يستقون منها قبل أن يطمّها السيل ، اه.
وقد أصلحت بعده ، ولذا قال المطري : إنها في حديقة كبيرة محوط عليها محائط ، وعندها في الحديقة أيضا بئر أصغر منها ، والناس يختلفون فيهما أنهما بئر البصة ، إلا أن ابن النجار قطع بأنها الكبرى القبلية ، وذكر ما تقدم عنه في طولها وعرضها ، ثم قال : والصغرى عرضها ستة أذرع ، وهي التي تلي أطم مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما. قال : وسمعت من أدركت من أكابر الخدام وغيرهم من أهل المدينة يقولون : إنها الكبرى القبلية ، وإن الفقيه الصالح القدوة أبا العباس أحمد بن موسى بن عجيل وغيره من صلحاء اليمن إذا جاءوا للتبرك بالبصة لا يقصدون إلا الكبرى القبلية.
قلت : الظاهر أن ذلك كله ناشئ عما ذكره ابن النجار في وصفها ، لكن يرجّح أنها الصغرى كونها إلى جانب الأطم المذكور ، وقد قال فيه ابن زبالة كما تقدم في المنازل : إنه المسمى بالأجرد ، وإنه الذي يقال لبئره البصة ، كان لمالك بن سنان ، والكبرى بعيدة عن الأطم المذكور.
وقد ابتنى قاضي المدينة زكي الدين بن أبي الفتح بن صالح تغمده الله برحمته على محلّ هذا الأطم منزلا حسنا ، وجعل للبئر الصغرى درجا ينزل إليها منه ، وعمر البئر الكبرى أيضا لما استأجر الحديقة لولده بعد أن أجرها هو وشريكه في النظر في الولاية السلطانية لغيره ، وهي من جملة أوقاف الفقراء ، وقفها شيخ الخدام عزيز الدولة ريحان البدري الشهامي على الفقراء الواردين والصادرين للزيارة على ما ذكره المطري ، قال : وذلك بعد وفاته بعامين أو ثلاثة ، ووفاته سنة سبع وتسعين وستمائة ، اه.
وفي غربي البئر الصغرى بجانب الحديقة من خارجها سبيل للدوابّ يملأ منها ، وعليه موقوف قطعة نخل تعرف بالركبدارية شماليّ سور المدينة.
بئر بضاعة : ـ بضم الموحدة على المشهور ، وحكى كسرها ، وبفتح الضاد المعجمة ، وأهملها بعضهم ، وبالعين المهملة ، بعدها هاء ـ غربيّ برحاء إلى جهة الشمال ، بينهما غلوة سهم سبقي.
روينا في سنن أبي داود عن أبي سعيد الخدري ، قال : سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ـ وهو يقال له : إنه يستفي لك من بئر بضاعة ، وهي بئر تلقي فيها لحوم الكلاب والمحائض وعذر الناس ـ فقال رسول اللهصلىاللهعليهوسلم «الماء طهور لا ينجّسه شيء».
ورواه أحمد ، وصححه النسائي ، والترمذي وحسّنه ، والدار قطني وقال فيه «من بئر بضاعة بئر بني ساعدة» وابن شبّة إلا أنه قال «وعذر النساء» بدل قوله «وعذر الناس» وابن ماجه وزاد «لا ينجسه شيء إلا ما غلب عليه ريحه وطعمه ولونه».
وفي رواية للنسائي عن أبي سعيد قال : مررت بالنبيصلىاللهعليهوسلم وهو يتوضأ من بئر بضاعة ، فقلت : أتتوضأ منها وهي يطرح فيها ما يكره من النتن؟ فقال «الماء لا ينجسه شيء».
وروى ابن شبة عن سهل بن سعد أن النبيصلىاللهعليهوسلم «بصق في بضاعة». وعنه أيضا سقيت النبيّصلىاللهعليهوسلم بيدي من بضاعة ، ورواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات إلا أنه قال «من بئر بضاعة» وكذا رواه أحمد.
وروى ابن زبالة وأبو يعلي عن محمد بن أبي يحيى عن أمه قالت : دخلنا على سهل بن سعد في نسوة فقال : لو أني سقيتكن من بئر بضاعة لكرهت ذلك ، وقد والله سقيت رسول اللهصلىاللهعليهوسلم بيدي منها.
وفي الكبير للطبراني عن سهل بن سعد أن النبيصلىاللهعليهوسلم «برّك على بضاعة».
ورواه ابن زبالة عن أبي أسيد ، لكن بلفظ «دعا لبئر بضاعة». وفي الكبير للطبراني عن مالك بن حمزة بن أبي أسيد الساعدي عن أبيه عن جده أبي أسيد ، وله بئر بالمدينة يقال لها بئر بضاعة ، قد بصق فيها النبيصلىاللهعليهوسلم فهي يتبشر بها ويتيمن بها.
قال : فلما قطع أبو أسيد ثمر حائطه جعله في غرفة ، فكانت الغول تخالفه إلى مشربته فتسرق ثمره وتفسده عليه ، فشكا ذلك إلى النبيصلىاللهعليهوسلم ، فقال «تلك الغول يا أبا أسيد ، فاستمع عليها ، فإذا سمعت اقتحامها فقل : بسم الله ، أجيبي رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، فقالت الغول : يا أبا أسيد ، أعفني أن تكلفني أن أذهب إلى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، وأعطيك موثقا من الله أن لا أخالفك إلى بيتك ، وأن لا أسرق ثمرك ، وأدلّك على آية تقرؤها على بيتك فلا يخالف إلى أهلك ، وتقرؤها على إنائك فلا يكشف غطاؤه ، فأعطته الموثق الذي رضي به منها ، فقالت : الآية التي أدلّك عليها هي آية الكرسي ، ثم حكت أسنانها تضرط ، فأتى النبيصلىاللهعليهوسلم فقصّ عليه القصة حيث دلته ، فقال النبيصلىاللهعليهوسلم : صدقت وهي كذوب» قال الحافظ الهيتمي : رجاله وثقوا كلهم ، وفي بعضهم ضعف.
وقال المجد : وفي الخبر أن النبيصلىاللهعليهوسلم «أتى بئر بضاعة ، فتوضأ من الدّلو وردّها إلى البئر ،
وبصق فيها ، وشرب من مائها ، وكان إذا مرض المريض في أيامه يقول : اغسلوني من ماء بضاعة ، فيغسل فكأنما ينشط من عقال».
وقالت أسماء بنت أبي بكر : كنا نغسل المرضى من بئر بضاعة ثلاثة أيام فيعافون ، اه.
قال أبو داود في سننه : سمعت قتيبة بن سعيد يقول : سألت قيّم بئر بضاعة عن عمقها أكثر ما يكون فيها الماء ، قال : إلى القامة ، قلت : وإذا نقص ، قال : دون العورة ، قال أبو داود عقبه : وقدّرت بئر بضاعة بردائي ، مددته عليها ثم ذرعته فإذا عرضها ستة أذرع ، وسألت الذي فتح باب البستان فأدخلني إليه : هل غيّر بناؤها عما كانت عليه؟ فقال : لا ، ورأيت فيها ماء متغير اللون.
وقال ابن النجار : هذا البئر اليوم في بستان ، وماؤها عذب طيب ، ولونها صاف
أبيض ، وريحها كذلك ، ويستقى منها كثيرا ، قال : وذرعتها فكان طولها أحد عشر ذراعا وشبرا ، منها ذراعان راجحة ماء ، والباقي بناء ، وعرضها ستة أذرع كما ذكر أبو داود.
قلت : وذرعتها فكان ذرعها كذلك لم يتغير ، إلا أن قفّها مرتفع عن الأرض الأصلية ذراعا ونصفا راجحا ، وهي ـ كما قال المطري ـ في جانب حديقة عند طرف الحديقة الشامي ، والحديقة في قبلة البئر ، ويستقي منها أهل حديقة أخرى شمالي البئر ، وهي بينهما ، وماؤها عذب طيب مع تعطّلها في زماننا وخراب قفّها ، وهي المرادة بما في صحيح البخاري عن سهل بن سعد «إن كنا لنفرح بيوم الجمعة ، كانت لنا عجوز تأخذ من أصول الصلق» وفي رواية له» ترسل إلى بضاعة» قال ابن سلمة أي شيخ البخاري : محل بالمدينة ، الحديث.
قال الإسماعيلي : في هذا بيان أن بئر بضاعة بئر بستان ؛ فيدل على أن قول أبي سعيد «كانت تلقى فيها الحيض وغيرها» أنها كانت تطرح في البستان فيجريها المطر ونحوه إلى البئر.
قلت : ومن شاهد بضاعة علم أنه كذلك لأنها في وهدة ، وحولها ارتفاع ، سيما في شاميها ؛ إذا قدر اليوم هناك أقذار لسال بها المطر إليها ، وتلقي الرياح فيها ما تلقي ، وادعى الطحاوي أنها كانت سيحا ، وروى ذلك عن الواقدي ، وإن صحّ فلعل المراد به أن الأرض التي حولها كانت المياه تسيح فيها فتجرّ الأقذار إليها ؛ لإطباق مؤرخي المدينة العالمين بأخبارها على تسميتها ببئر ، لا كما قال بعض الحنفية : إنها كانت عينا جارية إلى بستانين ، إذ المشاهدة تردّه كما قاله المجد ، قال : ولو كان كذلك لما صلح أن يقول فيها المريض «اغسلوني من ماء بضاعة» لأن الجرية الأولى سارت ببصاق النبيصلىاللهعليهوسلم ، وأيضا فلو كانت قناة جارية وسدت لما خفي آثار مجاريها المنسدة ، والمشاهدة مع الإطباق على أنها البئر المذكورة كافية في الرد.
وقال المجد : بضاعة دار بني ساعدة ، وبها هذه البئر ، ونقله الحافظ ابن حجر عن بعضهم ، ومقتضى كلام شيخ البخاري المتقدم أنها اسم للبستان الذي فيه البئر ، والظاهر إطلاقها على الثلاثة ، والله أعلم.
بئر جاسوم : ويقال جاسم ـ بالجيم والسين المهملة ـ لم يذكرها والتي بعدها ابن النجار ومن بعده ، وتقدم في مسجد راتج من رواية ابن شبة أن النبيصلىاللهعليهوسلم صلّى في مسجد راتج ، وشرب من جاسوم ، وهي بئر هناك.
وروي هو وابن زبالة أيضا عن خالد بن رباح أن النبيصلىاللهعليهوسلم «شرب من جاسوم بئر أبي الهيثم بن التيهان».
وعن زيد بن سعد قال : جاء النبيصلىاللهعليهوسلم معه أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما إلى أبي الهيثم بن التيهان رضي الله تعالى عنه في جاسوم ، فشرب من جاسوم ، وهي بئر أبي الهيثم ، وصلّى في غائطه.
وروى الواقدي عن الهيثم بن نصر الأسلمي قال : خدمت النبيصلىاللهعليهوسلم ولزمت بابه ، فكنت آتيه بالماء من بئر جاسم ، وهي بئر أبي الهيثم بن التيهان ، وكان ماؤها طيبا ، ولقد دخل يوما صائما ومعه أبو بكر على أبي الهيثم ، فقال : هل من ماء بارد؟ فأتاه بشجب فيه ماء كأنه الثلج ، فصبّ منه على لبن عنز له وسقاه ثم قال له : إن لنا عريشا باردا ، فقل فيه يا رسول الله عندنا ، فدخله وأبو بكر ، وأتى أبو الهيثم بألوان من الرّطب ، الحديث ، وأشار الحافظ ابن حجر إلى أنه يؤخذ منه أن هذه القصة هي التي في الصحيح عن جابر أن النبيصلىاللهعليهوسلم دخل على رجل من الأنصار ومعه صاحب له ، فقال له النبيصلىاللهعليهوسلم : إن كان عندك ماء بائت هذه الليلة في شجب وإلا كرعنا ، قال : والرجل يحول الماء في حائطه ، فقال الرجل : يا رسول الله عندنا ماء بائت ، فانطلق إلى العريش ، قال : فانطلق بهما فسكب في قدح ثم حلب عليه من داجن له ، فشرب رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، ثم شرب الرجل الذي جاء معه.
قلت : وهذه البئر غير معروفة اليوم ، وتقدم بيان جهتها في مسجد راتج.
بئر جمل : بلفظ الجمل من الإبل ـ روى ابن زبالة عن ابن عبد الله بن رواحة وأسامة بن زيد قالا : ذهب رسول اللهصلىاللهعليهوسلم إلى بئر جمل ، وذهبنا معه ، فدخل رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، ودخل معه بلال ، فقلنا : لا نتوضأ حتى نسأل بلالا كيف توضأ رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، قالا : فسألناه ، فقال : توضأ رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ومسح على الخفين والخمار ، وفي صحيح البخاري حديث «أقبل النبيصلىاللهعليهوسلم من نحو بئر جمل ، فلقيه رجل ، فسلم عليه ـ الحديث».
وفي رواية للدار قطني «أقبل رسول اللهصلىاللهعليهوسلم من الغائط ، فلقيه رجل عند بئر جمل».
وفي أخرى له أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم «ذهب نحو بئر جمل ليقضي حاجته ، فلقيه رجل مقبل فسلّم عليه».
وفي رواية النسائي «أقبل من نحو بئر الجمل» وهو من العقيق ، قاله المجد ، قال : وهي بئر معروفة بناحية الجرف بآخر العقيق ، وعليها مال من أموال أهل المدينة ، قال : ويحتمل أنها سميت بجمل مات فيها ، أو برجل اسمه جمل حفرها.
قلت : وهي غير معروفة اليوم ، ولم أر من سبق المجد لكونها بالجرف غير ياقوت.
وقوله «وهو من العقيق» لم أره في السنن الصغرى للنسائي ، ويبعده سوق الروايات السابقة لقوله «ذهب نحو بئر جمل ليقضي حاجته» وفي أخرى أن الرجل توارى في السكة ، والمعروف بقضاء الحاجة إنما هو ناحية بقيع الحجبة ، وهو ناحية بئر أبي أيوب ، وهناك
الموضع المعروف بالمناصع ، وتقدم بيان زقاق المناصع شرقي المسجد فيما يلي الشام ، وسبق في الفصل الحادي عشر من الباب الثالث أن ناقتهصلىاللهعليهوسلم بركت بين أظهر بني النجار ، أي شرقي المسجد النبوي ، ثم نهضت حتى أتت زقاق الحبشي ببئر جمل فبركت ، الحديث ، وهو مؤيد لما قدمناه على أن عند مؤخر المسجد زقاقا يعرف اليوم بخرق الجمل ، وبقرب درب سويقة بئر صغيرة في زقاق ضيق زعم أهل تلك الناحية أنها هي ، وأظنه غلطا.
وقال المطري عقب ذكر الآبار التي اقتصر عليها ابن النجار : إنها ست ، والسابعة لا تعرف اليوم ، إلا ما يسمع من قول العامة إنها بئر جمل ، ولم تعلم أين هي ، ولا من ذكرها غير ما ورد في حديث البخاري ، وذكر ما قدمناه.
ثم قال : ولم يذكر بئر جمل في السبع المشهورة ، وكأنه لم يقف على ذكر ابن زبالة لها في الآبار وروايته لما تقدم.
بيرحاء : ـ روينا في صحيح البخاري عن أنس قال : كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالا من نخل ، وكان أحب أمواله إليه ببرحاء ، وكانت مستقبلة المسجد ، وكان رسول اللهصلىاللهعليهوسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب ، قال أنس : فلما نزلت هذه الآية( لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) [آل عمران : ٩٢] قام أبو طلحة إلى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم فقال : يا رسول الله ، إن اللهعزوجل يقول :( لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) وإن أحبّ أموالي إليّ بيرحاء ، وإنها صدقة لله أرجو برّها وذخرها عند الله ، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله ، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوسلم «بخ ، ذلك مال رايح ، وقد سمعت ما قلت ، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين» قال أبو طلحة : أفعل يا رسول الله فقسّمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه ، وفي رواية له «فجعلها لأبيّ وحسان» وكانا أقرب إليه منّي ، وفي رواية له أيضا عقب قوله «وإن أحب أموالي إليّ بيرحاء» قال : وكانت حديقة ، كان رسول اللهصلىاللهعليهوسلم يدخلها ، ويستظل فيها ، ويشرب من مائها ، قال : فهي إلى الله وإلى رسوله أرجو بره وذخره ، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله ، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوسلم «بخ يا أبا طلحة ذلك مال رايح ، قد قبلناه منك ، ورددناه عليك ، فاجعله في الأقربين» فتصدّق به أبو طلحة على ذوي قربى رحمه ، قال : وكان منهم أبيّ وحسان ، قال : فباع حسان حصته منه من معاوية ، فقيل له : تبيع صدقة أبي طلحة؟ فقال : ألا أبيع صاعا من تمر بصاع من دراهم؟ وكانت تلك الحديقة في موضع قصر بني جديلة الذي بناه معاوية.
قال الحافظ ابن حجر : وزاد ابن عبد البر في روايته : وكانت دار أبي جعفر والدار التي تليها إلى قصر بني جديلة حائطا لأبي طلحة يقال له بيرحاء ، قال : ومراده بدار أبي جعفر الدار التي صارت إليه وعرفت به ، وهو أبو جعفر المنصور الخليفة العباسي. وقصر بني
جديلة هي حصّة حسان ، بنى فيها معاوية بن أبي سفيان هذا القصر ، وأغرب الكرماني فزعم أن معاوية الذي بنى القصر المذكور هو معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار أحد أجداد أبي طلحة.
قلت : منشأ وهمه إضافة القصر إلى بني جديلة ، وجديلة لقب معاوية المذكور وهو مردود ، بل إضافته إليهم لكونه بمنازلهم.
قال ابن شبة : وأما قصر بني جديلة فإن معاوية بن أبي سفيان بناه ليكون حصنا ، وله بابان : باب شارع على خط بني جديلة ، وباب في الزاوية الشرقية اليمانية عند دار محمد بن طلحة التّيمي ، وهو اليوم لعبد الله بن مالك الخزاعي قطيعة ، وكان الذي ولي بناءه لمعاوية الطفيل بن أبي كعب الأنصاري ، وفي وسطه بيرحاء.
ثم روى عقبه عن العطاف بن خالد قال : كان حسان يجلس في أجمة فارع ، ويجلس معه أصحاب له ، ويضع لهم بساطا يجلسون عليه ، فقال يوما وهو يرى كثرة من يأتي رسول اللهصلىاللهعليهوسلم من العرب يسلمون :
أرى الجلابيب قد عزّوا وقد كثروا |
وابن العريفة أمسى بيضة البلد |
فبلغ ذلك رسول اللهصلىاللهعليهوسلم فقال : من لي من أصحاب البساط؟ فقال صفوان بن المعطل : أنا لك يا رسول الله منهم ، فخرج إليهم واخترط سيفه ، فلما رأوه مقبلا عرفوا في وجهه الشر ، ففرّوا وتبدّدوا ، وأدرك حسان داخلا بيته ، فضربه ، فعلق ثنّته ، فبلغني أن النبيصلىاللهعليهوسلم عوّضه وأعطاه حائطا ، فباعه من معاوية بن أبي سفيان بعد ذلك بمال كثير ، فبناه معاوية بن أبي سفيان قصرا.
وروى أيضا في خبر الإفك عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التّيمي قصة ضرب صفوان لحسان ، وأن النبيصلىاللهعليهوسلم قال : أحسن يا حسان في الذي أصابك ، قال : هي لك يا رسول الله ، فأعطاه رسول اللهصلىاللهعليهوسلم عوضا منها بيرحاء ، وهي قصر بني جديلة اليوم بالمدينة ، كانت مالا لأبي طلحة بن سهل تصدّق بها إلى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، فأعطاها حسان في ضربته شيرين أمة قبطية.
وروى ابن زبالة عن أبي بكر بن حزم أن أبا طلحة تصدّق بمال له كان موضعه قصر بني جديلة ، فدفعه إلى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، فردّه على أقاربه أبيّ بن كعب وحسان بن ثابت وثبيط بن جابر وشداد بن أوس أو أبيه أوس بن ثابت يعني أخا حسّان بن ثابت ، فتقاوموه ، فصار لحسان بن ثابت ، فباعه من معاوية بن أبي سفيان بمائة ألف درهم ، قال : وكان معاوية قد بنى قصر خل ليكون حصنا لما كان يتحدّث أنه نصيب بني أمية ، وذكر ما سيأتي في قصر خل ، ثم قال : فلما اشترى بيرحاء بنى قصر بني جديلة في موضعها للذي كان يخاف من ذلك.
وقال الحافظ ابن حجر : وبيع حسان لحصته من معاوية دليل على أن أبا طلحة ملّكهم الحديقة المذكورة ، ولم يقفها عليهم ، ويحتمل أنه وقفها وشرط أن من احتاج إلى بيع حصته جاز له كما قال بجوازه علي وغيره.
قلت : وقد اشترط علي في صدقته كما حكاه ابن شبة عن نسخة كتاب الصدقة
قال ابن النجار : وبيرحاء اليوم في وسط حديقة صغيرة جدّا ، فيها نخيلات ويزرع حولها ، وعندها بيت مبني على علو من الأرض ، وهي قريبة من سور المدينة ، وهي لبعض أهلها ، وماؤها عذب حلو.
وقال المطري : وهي شمالي سور المدينة بينهما الطريق ، وتعرف الآن بالنورية اشتراها بعض النساء النوريين ووقفها على الفقراء والمساكين فنسبت إليها ، قال ابن النجار : وذرعتها فكان طولها عشرين ذراعا ، منها أحد عشر ذراعا ماء ، والباقي بنيان ، وعرضها ثلاثة أذرع وشبر.
قلت : وهي اليوم على هذا النعت ، وفي قبلتها مسجد ليس من بناء الأقدمين لم يذكره ابن النجار ولا المطري ، وكأنه لما حدث بعدهما. وذكره المجد فقال : وفي بيرحاء بير قريبة الرشاء ضيقة القنا طيبة الماء ، وأمامها إلى القبلة مسجد صغير في وسط الحديقة.
قلت : وقوله في حديث الصحيح «وكانت مستقبلة المسجد» معناه أن المسجد في جهة قبلتها ، فلا ينافي بعدها عنه على هذه المسافة الموجودة اليوم ، والظاهر أن بعض أرضها كان داخل سور المدينة ؛ لما تقدم من قسمتها وابتناء القصر في بعضها ، ولم أر للفقراء أثرا هناك.
وقد تقدم أن حش أبي طلحة الذي في شامي المسجد منسوب إلى أبي طلحة صاحبها ، فربما كانت أمواله ممتدة إلى هناك. وأما دار محمد بن طلحة التيمي التي ذكر ابن شبة أنه أحد باني القصر المبني عليها عنده فيظهر أنها غير دار إبراهيم بن محمد بن طلحة التي هي من دار جده طلحة المتقدم ذكرها في الدور المطيفة بالمسجد ، لنسبتها لإبراهيم بن محمد ، ونسبة هذه لأبيه ؛ فلا يقدح ذلك في كون بيرحاء هي المعروفة اليوم ، والله أعلم.
ضبط بيرحاء
تنبيه : في ضبط بيرحاء ، وقد أفرد له بعضهم مصنفا ذكر المجد ملخصه ، وقد اختلف الناس في ضبطه ، قال صاحب النهاية : بيرحاء بفتح الباء وكسرها ، وبفتح الراء وضمها ، وبالمد فيهما ، وبفتحهما والقصر ، قال الزمخشري : بيرحاء اسم أرض كانت لأبي طلحة ، وكأنها فيعلى من البراح ، وهي الأرض المنكشفة الظاهرة ، وقال مرة : رأيت محدّثي مكة يقولون بيرحاء على الإضافة ، وحاء : من اسم القبائل ، وقيل : اسم رجل ، وعلى هذا يكون منونا ، قال ياقوت : بيرحا بوزن خيزلى ، وقيل لي بيرحاء مضاف إليه ممدود ، قال : ورواية
المغاربة قاطبة الإضافة ، وإعراب الراء بالرفع والجر والنصب ، وحاء على لفظ الحاء من حروف المعجم.
وقال أبو عبيد البكري : حاء ـ على وزن حرف الهجاء ـ بالمدينة ، مستقبلة المسجد ، إليها ينسب بيرحاء ، فالاسم مركب.
قال الحافظ ابن حجر : اختلف في حاء هل هو رجل أو امرأة أو مكان أضيف إليه البير ، أو هي كلمة زجر للإبل ، وكانت الإبل ترعى هناك وتزجر بهذه اللفظة فأضيفت البير إلى اللفظة ، قال الباجي : أنكر أبو بكر الأصم الإعراب في الراء ، وقال : إنما هو بفتح الراء على كل حال ، قال : وعليه أدركت أهل العلم بالمشرق.
وقال أبو عبد الله الصوري : إنما هو بفتح الباء والراء في كل حال ، بمعنى أنه كلمة واحدة ، قال عياض : وعلى رواية الأندلسيين ضبطنا هذا الحرف عن أبي جعفر في كتاب مسلم بكسر الباء وفتح الراء ، وبكسر الراء وبفتح الباء والقصر ، ضبطناه في الموطأ عن أبي عنان وغيره ، وبضم الراء وفتحها معا قيدناه عن الأصيلي ، وقد رواه من طريق حماد بن سلمة بريحا ، هكذا ضبطناه عن شيوخنا فيما قيدوه عن البدري وغيره ، ولم أسمع فيه خلافا ، إلا أني وجدت الحميدي ذكر في اختصاره عن حماد بن سلمة بيرحا ، كما قال الصوري ، ورواية الرازي في مسلم في حديث مالك بريحا ، وهو وهم ، وإنما هذا في حديث حماد ، وإنما لمالك بيرحا كما قيد الجميع على اختلافهم. وذكر أبو داود في مصنفه هذا الحديث بخلاف ما تقدم فقال : جعلت أرضي باريحا ، وهذا كله يدل على أنها ليست ببئر ، انتهى كلام عياض.
قال الحافظ ابن حجر : قول أبي داود باريحا بإشباع الموحدة ، ووهم من ضبطه بكسر الموحدة وفتح الهمزة فإن أريحاء من الأرض المقدسة ، ويحتمل إن كان محفوظا أن تكون سميت باسمها.
وأما قولهصلىاللهعليهوسلم «ذلك ما رابح ، أو قال رايح» فالأول بالموحدة أي ذو ربح ، والثاني بالمثناة التحتيّة ، أي يروح نفعه لقربه ، أي يصل إليك في الرواح ، ولا يعزب ، قال شاعر :
سأطلب مالا بالمدينة ؛ إنني |
إلى عازب الأموال قلت فوضله |
بئر حلوة : ـ بالحاء المهملة ـ لم يذكرها والتي بعدها ابن النجار ومن بعده ، وذكرها ابن زبالة ، فروي عن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر عن أبيه قال : نحر رسول اللهصلىاللهعليهوسلم جزورا ، فبعث إلى بعض نسائه منها بالكتف ، فتكلمت في ذلك بكلام ، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوسلم : «أنتنّ أهون على الله من ذلك» وهجرهن ، وكان يقيل تحت أراكة على حلوة بئر كانت في الزقاق الذي فيه دار آمنة بنت سعد ، وبه سمي الزقاق زقاق حلوة ، ويبيت في مشربة
له ، فلما مضت تسع وعشرون ليلة دخل رسول اللهصلىاللهعليهوسلم على عائشة ، فقالت : يا رسول الله ، إنك آليت شهرا ، قال : إن الشهر تسع وعشرون.
قلت : وهذه البئر غير معروفة اليوم بعينها ، وتقدم بيان جملتها في الدور التي في ميسرة البلاط عند ذكر دار حويطب بن عبد العزى.
بئر ذرع : ـ بالذال المعجمة ـ وهي بئر بني خطمة ، وروى ابن زبالة حديث «أتى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم بني خطمة فصلى في بيت العجوز ، ثم خرج منه فصلى في مسجد بني خطمة ، ثم مضى إلى بئرهم ذرع فجلس في قفّها ، فتوضأ وبصق فيها».
وروى ابن شبة عن الحارث بن الفضل أن النبيصلىاللهعليهوسلم «توضّأ من ذرع بئر بني خطمة التي بفناء مسجدهم» ، وفي رواية : «وصلى في مسجدهم».
وفي رواية عن رجل من الأنصار أن النبيصلىاللهعليهوسلم «بصق في ذرع بئر بني خطمة».
قلت : وهذه البئر غير معروفة اليوم ، ويؤخذ بيان جهتها مما تقدم في مسجد بني خطمة.
بئر رومة : ـ بضم الراء ، وسكون الواو ، وفتح الميم ، بعدها هاء ، وقيل رؤمة بعد الراء همزة ساكنة ـ روى ابن زبالة حديث : «نعم القليب قليب المزني فاشترها يا عثمان ، فتصدق بها» وحديث أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم قال : «نعم الحفيرة حفيرة المزني» يعني رومة ، فلما سمع ذلك عثمان بن عفان ابتاع نصفها بمائة بكرة ، وتصدّق بها ، فجعل الناس يسقون منها ، فلما رأى صاحبها أن قد امتنع منه ما كان يصيب عليها باع من عثمان النصف الثاني بشيء يسير فتصدق بها كلها.
وروى ابن شبة عن عدي بن ثابت قال : أصاب رجل من مزينة بئرا يقال لها رومة ، فذكرت لعثمان بن عفان وهو خليفة ، فابتاعها بثلاثين ألف درهم من مال المسلمين ، وتصدّق بها عليهم.
قلت : في سنده متروك ، ولذا قال الزبير بن بكار بعد روايته في عتيقة : وليس هذا بشيء ، وثبت عندنا أن عثمان اشتراها بماله وتصدق بها على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، انتهى.
وقال ابن أبي الزناد : أخبرني أبي أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم قال : «نعم الصدقة صدقة عثمان» يريد رومة.
وقال محمد بن يحيى : أخبرني غير واحد من أهل البلد أن النبيصلىاللهعليهوسلم قال : «نعم القليب قليب المزني».
وروى ابن شبة أيضا عن أبي قلابة قال : لما كانوا بباب عثمان وأرادوا قتلة أشرف عليهم ، فذكر أشياء ، ثم ناشدهم الله فأعظم النّشدة : هل تعلمون أن رومة كان لفلان
اليهودي لا يسقى منها أحدا قطرة إلا بثمن ، فاشتريتها بمالي بأربعين ألفا ، فجعلت شربي فيها وشرب رجل من المسلمين سواء ، ما استأثرتها عليهم؟ قالوا : قد علمنا ذلك.
وعن الزهري أن النبيصلىاللهعليهوسلم قال : من يشتري رومة بشرب رواء في الجنة؟ فاشتراها عثمان رضي الله تعالى عنه من ماله فتصدق بها.
وعن عبد الرحمن بن حبيب السلمي قال : قال عثمان رضي الله تعالى عنه : أنشدكم الله ، أتعلمون أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم قال : من اشترى بئر رومة فله مثلها من الجنة ، وكان الناس لا يشربون منها إلا بثمن ، فاشتريتها بمالي فجعلتها للفقير والغني وابن السبيل؟ فقال الناس : نعم.
وعن أسامة الليثي قال : لما حصر عثمان رضي الله تعالى عنه أرسل إلى عمّار بن ياسر يطلب أن يدخل عليه روايا ماء ، فطلب له ذلك عمار من طلحة ، فأبى عليه ، فقال عمار : سبحان الله اشترى عثمان هذه البئر ـ يعني رومة ـ بكذا وكذا ألفا ، فتصدق به على الناس ، وهؤلاء يمنعونه أن يشرب منها
وروى النسائي والترمذي وحسّنه عن عثمان أنه قال : أنشدكم بالله والإسلام هل تعلمون أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم قدم المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة ، فقال : من يشري بئر رومة يجعل دلوه مع دلاء المسلمين ـ الحديث.
وفي صحيح البخاري عن عبد الرحمن السلمي أن عثمان حيث حوصر أشرف عليهم وقال : أنشدكم بالله ، ولا أنشد إلا أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوسلم تعلمون أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم قال من حفر بئر رومة فله الجنة؟ فحفرتها ـ الحديث ، وفيه : وصدّقوه بما قال.
وللنسائي من طريق الأحنف بن قيس أن الذين صدقوه بذلك علي بن أبي طالب وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص. ورواه ابن شبة من حديث الأحنف إلا أنه قال : أنشدكم الله الذي لا إله إلا هو ، هل تعلمون أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم قال : من يبتاع بئر رومة غفر الله له ، فابتعتها بكذا وكذا ، فأتيت رسول اللهصلىاللهعليهوسلم فقلت : إن ابتعت بئر رومة ، فقال : اجعلها سقاية للمسلمين ، وآخرها لك؟ قالوا : نعم.
وقال ابن بطال في الكلام على رواية البخاري قوله : «فحفرها عثمان» وهم في بعض الروايات ، والمعروف أن عثمان اشتراها ، لا أنه حفرها ، قال الحافظ ابن حجر عقبه : المشهور في الروايات كما قال ، لكن لا يتعين الوهم ؛ فقد روى البغوي في الصحابة من طريق بشر بن بشير الأسلمي عن أبيه قال : لما قدم المهاجرون المدينة استنكروا الماء ، وكانت لرجل من بني غفار عين يقال لها رومة ، وكان يبيع منها القربة بمد ، فقال له رسول اللهصلىاللهعليهوسلم : بعينها بعين في الجنة ، فقال يا رسول الله ليس لي وعيالي غيرها ، ولا أستطيع ذلك ،
فبلغ ذلك عثمان ، فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم ، ثم أتى النبيصلىاللهعليهوسلم فقال : أتجعل لي مثل الذي جعلت له عينا في الجنة إن اشتريتها؟ قال : نعم ، قال : قد اشتريتها وجعلتها للمسلمين ، قال الحافظ ابن حجر : وإذا كانت أولا عينا فلا مانع أن يحفر فيها عثمان بئرا ، ولعل العين كانت تجري إلى بئر فوسّعها أو طولها فنسب حفرها إليه ، انتهى.
قلت : الإشكال ليس في ذكر وقوع حفر عثمان لها فقط ، بل في كون الترغيب فيها بلفظ «من حفر» إلى آخره ؛ فطريق الجمع أن يكونصلىاللهعليهوسلم قال أولا : «من اشترى بئر رومة» فاشتراها عثمان ، ثم احتاجت إلى الحفر فقال : «من حفر بئر رومة» فحفرها ، وتسميتها في هذه الرواية عينا غريب جدّا ، ولعله لاشتمال البئر على ما ينبع فيها مقابلة لها بعين في الجنة.
وقال المجد : قال أبو عبد الله بن منده : رومة الغفاري صاحب بئر رومة ، وروى حديثه ، وساق السند إلى بشر بن بشير الأسلمي عن أبيه قال : لما قدم المهاجرون ، وساق الحديث المتقدم ، ثم قال المجد : كذا قال رومة الغفاري ، ثم قال : عين يقال لها رومة.
وقال أبو بكر الحازمي أيضا : هذه البئر تنسب إلى رومة الغفاري ، ولم يسمها عينا ، والجمع بين هذا وبين قوله في الحديث المتقدم «نعم الحفير حفيرة المزني» يعني رومة أن الذي احتفرها كان من مزينة ثم ملكها رومة الغفاري ، وذكر ابن عبد البر أنها كانت ركية ليهودي يبيع ماءها من المسلمين ، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوسلم : من يشتري رومة فيجعلها للمسلمين يضرب بدلوه في دلائهم وله بها شرب في الجنة؟ فأتى عثمان اليهوديّ فساومه بها ، فأبى أن يبيعها كلها ، فاشترى عثمان نصفها باثني عشر ألف درهم ، فجعله للمسلمين ، فقال له عثمان : إن شئت جعلت لنصيبي قربين ، وإن شئت فلي يوم ولك يوم ، فقال : بل لك يوم ولي يوم ، فكان إذا كان يوم عثمان استقى المسلمون ما يكفيهم يومين ، فلما رأى اليهودي ذلك قال : أفسدت علي ركيتي ، فاشتر النصف الآخر ، فاشتراه بثمانية آلاف درهم.
قلت : وهي بئر قديمة جاهلية ؛ لما رواه ابن زبالة عن غير واحد من أهل العلم أن تبّعا اليماني لما قدم المدينة كان منزله بقناة ، واحتفر البئر التي يقال لها بئر الملك ، وبه سميت ، فاستوبأ بئره تلك ، فدخلت عليه امرأة من بني زريق يقال لها فكهة ، فشكا إليها وباء بئره ، فانطلقت فأخذت حمارين أعرابيين ، فاستقت له من بئر رومة ، ثم جاءته به ، فشرب فأعجبه وقال : زيديني من هذا الماء ، فكانت تصير إليه به مقامه ، فلما خرج قال لها : يا فكهة إنه ليس معنا من الصفراء والبيضاء شيء ، ولكن لك ما تركنا من أزوادنا ومتاعنا ، فلما خرج نقلت ما بقي من أزوادهم ومتاعهم ، فيقال : إنها كانت لم تزل هي وولدها أكثر بني زريق مالا حتى جاء الإسلام.
وهذه البئر في أسفل وادي العقيق ، قريبة من مجتمع الأسيال ، في براح واسع من الأرض ، وعندها بناء عال بالحجارة والجص قد تهدم.
قال ابن النجار : قيل : إنه كان دارا لليهودي ، وحولها مزارع وآبار كثيرة ، وهي قبلى الجرف وشمالي مسجد القبلتين بعيدة منه ، قال ابن النجار : وقد انقضت خرزتها وأعلامها ، إلا أنها بئر مليحة جدّا ، مبنية بالحجارة الموجّهة ، قال : وذرعتها فكان طولها ثمانية عشر ذراعا ، منها ذراعان ماء وباقيها مطموم بالرمل الذي تسفيه الرياح فيها ، وعرضها ثمانية أذرع ، وماؤها طاف ، وطعمه حلو ، إلا أن الأجون غلب عليه.
وقال المطري : وقد خرجت ، ونقضت حجارتها ، وانطمّت ، ولم يبق منها اليوم إلا أثرها.
قال الزين المراغي : وقد جددت بعد ذلك ، ورفع بناؤها عن الأرض نحو نصف قامة ، ونزحت فكثر ماؤها ، أحياها كذلك القاضي شهاب الدين أحمد بن محمد بن محمد بن المحب الطبري قاضي مكة المشرفة في حدود الخمسين وسبعمائة ، قال : فتناوله إن شاء الله تعالى عموم حديث «من حفر بئر رومة فله الجنة» انتهى.
ومن الغريب قول عياض في مشارقه : بئر رومة بضم الراء بئران مشهوران بالمدينة ، انتهى ، ولم أقف له على أصل.
بئر السقيا : ـ بضم السين المهملة ، وسكون القاف ، من سقاه الغيث وأسقاه ـ تقدم ذكرها في مسجد السقيا في حديث ابن زبالة أن النبيصلىاللهعليهوسلم عرض جيش بدر بالسقيا ، وصلّى في مسجدها ، ودعا هناك ، الحديث ، وفيه واسم البئر السقيا ، واسم أرضها الفلجان.
وروى ابن شبة عن جابر بن عبد الله قال : قال أبي : يا بني إنا اعترضنا هاهنا بالسقيا ، حين قاتلنا اليهود بحسيكة ، فظفرنا بهم ، ونحن نرجو أن نظفر ، ثم عرضنا النبيّصلىاللهعليهوسلم بها متوجها إلى بدر ، فإن سلمت ورجعت ابتعتها وإن قتلت فلا تفوتنك ، قال : فخرجت أبتاعها ، فوجدتها لذكوان بن عبد قيس ، ووجدت سعد بن أبي وقّاص قد ابتاعها وسبق إليها ، وكان اسم الأرض الفلجان ، واسم البئر السقيا.
قال ابن شبة : قال محمد بن يحيى : وسألت عبد العزيز بن عمران عن حسيكة ، وذكر ما سيأتي فيها ، ثم قال : قال أبو غسان : وأخبرني عبد العزيز بن عمران عن راشد بن حفص عن أبيه قال : كان اسم أرض السقيا الفلج ، واسم بئرها السقيا ، وكانت لذكوان بن عبد قيس الزرقي ، فابتاعها منه سعد بن أبي وقاص ببعيرين.
وروى أيضا عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبيصلىاللهعليهوسلم «كان يستقي له الماء العذب من بئر السقيا» وفي رواية «من بيوت السقيا» ورواه أبو داود بهذا اللفظ ، وسنده جيد ، وصححه الحاكم.
وروى الواقدي من حديث سلمة امرأة أبي رافع قالت : كان أبو أيوب ـ حين نزل عنده النبيصلىاللهعليهوسلم ـ يستعذب له الماء من بئر مالك بن النضر والد أنس ، ثم كان أنس وهند وحارثة أبناء أسماء يحملون الماء إلى بيوت نسائه من بيوت السقيا ، وكان رباح الأسود عندهصلىاللهعليهوسلم يستقي له من بئر غرس مرة ومن بيوت السقيا مرة.
وتقدم في رابع فصول الباب الثاني ما رواه الترمذي وقال حسن صحيح عن علي بن أبي طالب قال : خرجنا مع رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، حتى إذا كنا بحرة السقيا التي كانت لسعد بن أبي وقاص ، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوسلم : ائتوني بوضوء ، فتوضأ فقام ثم قام فاستقبل القبلة ، الحديث.
وتقدم أيضا حديث أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم «صلّى بأرض سعد بأرض الحرة عند بيوت السقيا ـ الحديث».
قلت : وبئر السقيا هذه هي التي ذكر المطري أنها في آخر منزلة النقاء على يسار السالك إلى بئر عليّ بالحرم ، قال : وهي بئر مليحة ، كبيرة ، متنورة في الجبل ، وقد تعطلت وخربت ، وعلى جانبها الشمالي ـ يعني من جهة المغرب ـ بناء مستطيل مجصص.
قلت : والظاهر أنه كان حوضا أو بركة لورود الحجاج ، كانوا ينزلون بها أيام عمارة المدينة ، ولهذا سمي المطري محلها منزلة النقاء ، وما سيأتي عنه في النقاء مصرّح بذلك ، وكان بعض فقراء العجم قد جدّدها وعمرها في سنة ثمان وسبعين وسبعمائة فصارت تعرف ببئر الأعجام ، كما رأيته بخط الزين المراغي.
قلت : وقد تهدمت وتشعّثت بعد ذلك ، فجددها الجناب الخواجكي البدري بدر الدين بن عليبة سنة ست وثمانين وثمانمائة ، تقبل الله منه وأثابه الجنة بمنه وكرمه.
وتقدم في بئر إهاب أن المطري تردّد في أن هذه السقيا لقربها من الطريق أم هي البئر المعروفة اليوم بزمزم ؛ لتواتر التبرك بها ، ثم قال : إن الظاهر أن السقيا هي الأولى.
قلت : وهو الصواب ؛ لزوال التردد بما منّ الله به من الظّفر بمسجد السقيا عندها ، كما تقدم فيه ، والظاهر أنها المرادة بقول الغزالي في آداب الزائر : وليغتسل من بئر الحرة ، انتهى ، وذلك لكونها على جادّة الطريق ، وكانت مجاورة لأول بيوت المدينة أيام عمارتها.
وقال أبو داود عقب روايته لحديث استعذاب الماء من بيوت السقيا : قال قتيبة : السقيا عين بينها وبين المدينة يومان.
قلت : وما ذكره صحيح كما سيأتي في ترجمتها ، إلا أنها ليست المرادة هنا ، وكأنه لم يطلع على أن بالمدينة بئرا تسمى بذلك ، وقد اغترّ به المجد فقال : السقيا قريبة جامعة من عمل الفرع ، ثم أورد حديث أبي داود ، وقول صاحب النهاية : السقيا منزل بين مكة والمدينة ، قيل : على يومين ، ومنه حديث «كان يستعذب له الماء من بيوت السقيا» ثم قال :
وقول أبي بكر بن موسى «السقيا بئر بالمدينة منها كان يستقى لرسول اللهصلىاللهعليهوسلم » محمول على هذا ؛ لأن الفرع من عمل المدينة ، ثم قال : وأما البئر التي على باب المدينة بينها وبين ثنيّة الوداع أي المدرج بها كما سيأتي عنه فيظنها أهل المدينة أنها هي السقيا المذكورة في الحديث ، قال : والظاهر أنه وهم ، قال : ومما يؤكد ذلك قوله في الحديث «من بيوت السقيا» ولم يكن عند هذا البئر بيوت في وقت ، ولم ينقل ذلك ، وأيضا إنما استعذب لهصلىاللهعليهوسلم الماء من السقيا لما استوخموا مياه آبار المدينة ، قال : وهذه البئر التي ذكرناها ـ أي التي بين المدينة والمدرج ـ كانت لسعد بن أبي وقاص فيما حكاه المطري ، قال يعني المطري : ونقل أن النبيصلىاللهعليهوسلم عرض جيش بدر بالسقيا التي كانت لسعد ، وصلى في مسجدها ، ودعا هنالك لأهل المدينة ، وشربصلىاللهعليهوسلم من بئرها ، ويقال لأرضها «الفلجان» بضم الفاء والجيم ، وهي اليوم معطّلة ، وكانت مطمومة فأصلمها بعض فقراء العجم ، اه.
قلت : حمله لكلام أبي بكر بن موسى على ما ذكره ونقله ما جاء في السقيا المذكورة عن المطري يقتضي أنه لم يقف على ما قدمناه عن ابن زبالة وابن شبة ، وأنه لا يرى أن بالمدينة نفسها بئرا تسمى بالسقيا ، وهو وهم مردود ، مع أن المعتمد عندي أن السقيا التي جاء حديث الاستعذاب منها إنما هي سقيا المدينة ، وذلك لوجوه :
الأول : إيراد ابن شبة للحديث في ترجمة آبار المدينة التي كان يستقى لهصلىاللهعليهوسلم منها.
الثاني : قرنه لذلك بحديث عرض جيش بدر بها ، وإيراد ابن زبالة في سياق آبار المدينة ، والسقيا التي من عمل الفرع ليست من طريق النبيصلىاللهعليهوسلم إلى بدر ؛ لأن تلك الطريق معروفة ، والسقيا المذكورة معروفة أيضا ، وليست في جهتها كما سيأتي في بيان محلها ، وأيضا ففي حديث جابر المتقدم أنهم اعترضوا بالسقيا عند قتال اليهود بحسيكة مع بيان أن حسيكة بالمدينة نفسها إلى الجرف.
الثالث : ما تقدم أيضا من أنها كانت لبعض بني زريق من الأنصار ، وتحريض والد جابر له على شرائها ، وأن سعدا سبقه لذلك.
الرابع : ما تقدم في رواية الواقدي من أنه كان يستقي لهصلىاللهعليهوسلم منها مرة ومن بئر غرس مرة ، ويبعد كلّ البعد قرن السقيا التي هي على يومين بل أيام من المدينة كما سيأتي ببئر غرس التي هي بالمدينة.
الخامس : ما في رواية الواقدي أيضا من أن المتعاطي لذلك أبناء أسماء أنس وهند وحارثة ، ومثل هؤلاء إنما يستقون من المدينة وما حولها ؛ لأن سقيا الفرع تحتاج إلى جمال ورجال.
السادس : ما قدمناه في مسجد السقيا من إيراد الأسدي له في المساجد التي تزار بالمدينة ، ثم ذكر في المساجد التي بين الحرمين مسجد السقيا التي هي من عمل الفرع.
السابع : ما قدمناه من الظفر بمسجد بئر السقيا بالمدينة.
الثامن : أن المجد نقل عن الواقدي في ترجمة بقع أنه بضم الموحدة من السقيا التي بنقب بني دينار ، وسنبين في نقب بني دينار أنه الطريق التي في الحرة الغربية إلى العقيق.
وأما قول المجد «إنه لم يكن عند هذه البئر بيوت في وقت ، ولم ينقل ذلك» فمن العجائب ؛ إذ من تأمل ما حول البئر المذكورة وما قرب منها علم أنه كان هناك قرى كثيرة متصلة ، فضلا عن بيوت ، كما يشهد به آثار الأساسات ونقض العمارات ، وليت شعري أين هو من مسجد السقيا الذي أهمله تبعا لغيره ومنّ الله بوجوده بسبب التأمل في تلك الأساسات وآثار العمارات؟ ولما كشف التراب عن محله وجدنا من بنائه ومحرابه نحو نصف ذراع ، وهو مجاور لهذه البئر كما سبق ، وما ذكره من أن الاستعذاب من السقيا إنما كان لما استوخموا آبار المدينة فمردود ، بل هو طلب الماء العذب ، وأيضا أنهم لم يستوخموا كل آبارها. وفي الصحيح في قصة مجيئهصلىاللهعليهوسلم إلى أبي الهيثم بن التيهان قول زوجته «خرج يستعذب لنا الماء» ورواية الواقدي المتقدمة مصرّحة بوقوع الاستعذاب من بئر مالك بن النضر والد أنس ، وكانت بدار أنس كما تقدم بيانه ، كما سيأتي في بئر غرس الاستعذاب منها أيضا. ثم لو سلمنا أن المراد من حديث أبي داود في الاستعذاب العين التي ذكرها قتيبة فهو محمول على أنه كان يستعذب لهصلىاللهعليهوسلم منها ، إذا نزل قربها في سفر حجه ونحوه ، أما استعذابه منها إلى المدينة فلا أراه وقع أصلا ، والله أعلم.
بئر العقبة : ـ بالعين المهملة ، ثم القاف ـ قال المجد : ذكرها رزين العبدري في آبار المدينة ، وقال : هي التي أدلى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم وأبو بكر وعمر أرجلهم فيها ، ولم يعين لها موضعا ، والمعروف أن هذه القصة إنما كانت في بئر أريس ، اه.
والذي رأيته في كتاب رزين في تعداد الآبار المعروفة بالمدينة ما لفظه : وبئر العين سقط فيها الخاتم ، وبئر القف التي أدلى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم وأبو بكر وعمر أرجلهم فيها ، انتهى. وقد قدمنا في بئر أريس ما يقتضي تعدد الواقعة.
بئر أبي عتبة : ـ بلفظ واحد العنب ـ قال ابن سيد الناس في خبر نقله عن ابن سعد في غزوة بدر ، ما لفظه : وضرب رسول اللهصلىاللهعليهوسلم عسكره على بئر أبي عنبة ، وهي على ميل من المدينة ، فعرض أصحابه ، وردّ من استصغره ، اه.
وهذا مستند ما نقله المطري في الكلام على بئر السقيا حيث قال بعد ذكر عرض جيش بدر بالسقيا : ونقل الحافظ ابن عبد الغني المقدسي أنه عرض جيشه على بئر أبي عنبة بالحرة فوق هذه البئر أي السقيا ، إلى المغرب ، ونقل أنها على ميل من المدينة.
قلت : ولعل العرض وقع أولا عند مرورهم بالسقيا ، ثم لما ضرب عسكره على هذه
البئر أعاد العرض لرد من استصغر ، ولعل هذه البئر هي المعروفة اليوم ببئر ودي ؛ لانطباق الوصف المتقدم عليها ، ولأنها أعذب بئر هناك.
وقد روى ابن زبالة عن إبراهيم بن محمد قال : خرجنا نشيع ابن جريج حين خرج إلى مكة ، فلما كنا عند بئر أبي عنبة قال : ما اسم هذا المكان؟ فأخبرناه ، فقال : إن عندي فيه لحديثا ، ثم ذكر حديث عاصم بن عمر حين اختصم فيه عمر وجدّته إلى أبي بكر ، فقال عمر : يا خليفة رسول الله ، ابني ويستقي لي من بئر أبي عنبة ، فدل على أن الماء كان يستعذب منها ، قال المجد : وقد جاء ذكر هذه البئر في غير ما حديث.
بئر العهن : ـ بكسر العين المهملة ، وسكون الهاء ، ونون ـ ذكر المطري الآبار التي ذكرها ابن النجار ـ وهي : أريس ، والبصّة ، وبضاعة ، ورومة ، والغرس ، وبيرحاء ـ ثم قال : والآبار المذكورة ست ، والسابعة لا تعرف اليوم ، ثم ذكر ما تقدم عنه في بئر جمل.
ثم قال : إلا أني رأيت حاشية بخط الشيخ أمين الدين بن عساكر على نسخة من «الدرة الثمينة ، في أخبار المدينة» للشيخ محب الدين بن النجار ما مثاله : العدد ينقص عن المشهور بئرا واحدة ؛ لأن المثبت ست ، والمأثور المشهور سبع ، والسابعة اسمها «بئر العهن» بالعالية ، يزرع عليها اليوم ، وعندها سدرة ، ولها اسم آخر مشهورة به.
قال المطرطي عقبه : وبئر العهن هذه معروفة بالعوالي ، وهي بئر مليحة جدّا ، منقورة في الجبل ، وعندها سدرة كما ذكر ، ولا تكاد تعرف أبدا ، وقال الزين المراغي عقب نقله ، والسدرة مقطوعة اليوم.
قلت : ولم يذكروا شيئا يتمسك به في فضلها ونسبتها إلى النبيصلىاللهعليهوسلم ، لكن لم يزل الناس يتبركون بها. والذي ظهر لي بعد التأمل أنها بئر اليسرة الآتي ذكرها ، وأن النبيصلىاللهعليهوسلم نزل عليها وتوضأ وبصق فيها ؛ لأن اليسرة بئر بني أمية من الأنصار بمنازلهم كما سيأتي ، وبئر العهن عند منازلهم ، وقد أشار ابن عساكر إلى تسميتها باسم آخر ، فأظنه الاسم المذكور ، والله أعلم.
بئر غرس : ـ بضم الغين المعجمة كما رأيته في خط الزين المراغي ، وهو الدائر على ألسنة أهل المدينة ، ويقال «الأغرس» كما يؤخذ مما سيأتي في وادي بطحان أول الفصل الخامس ، وقال المجد : بئر الغرس بفتح الغين وسكون الراء وسين مهملة ، والغرس : الفسيل ، أو الشجر الذي يغرس لينبت ، مصدر غرس الشجر ، قال : وضبطه بعض الناس بالتحريك مثال سحر ، وسمعت كثيرا من أهل المدينة يضمون الغين ، قال : والصواب الذي لا محيد عنه ما قدمته ، أي من الفتح ـ وهي بئر بقباء في شرقي مسجدها ، على نصف ميل إلى جهة الشمال ، وهي بين النخيل ، ويعرف مكانها اليوم وما حولها بالغرس ، قال : وحولها مقابر بني حنظلة.
قلت : وأظنه تصحيفا ، والمذكور في جهتها بنو خطمة ، وقد تقدم في بئر السقيا أن رباحا الأسود عبد النبيصلىاللهعليهوسلم كان يستقي له من بئر غرس مرة ومن بيوت السقيا مرة.
وروى ابن حبان في الثقات عن أنس رضي الله تعالى عنه أنه قال : ائتوني بماء من بئر غرس ؛ فإني رأيت رسول اللهصلىاللهعليهوسلم يشرب منها ويتوضأ.
وفي سنن ابن ماجه بسند جيد عن علي رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوسلم «إذا أنا متّ فاغسلوني بسبع قرب من بئري بئر غرس» وكانت بقباء ، وكان يشرب منها.
ورواه يحيى عن عليّ بلفظ : أمرني رسول اللهصلىاللهعليهوسلم فقال «يا علي ، إذا أنا متّ فاغسلني من بئري بئر غرس بسبع قرب لم تحلل أوكيتهنّ».
وروى ابن سعد في طبقاته برجال الصحيح عن أبي جعفر الباقر محمد بن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهم قال : غسل النبيصلىاللهعليهوسلم ثلاث غسلات بماء وسدر ، وغسل في قميص ، وغسل من
بئر يقال لها الغرس لسعد بن خيثمة بقباء ، وكان يشرب منها.
وروى ابن شبة بسند صحيح عنه أيضا أن النبيصلىاللهعليهوسلم غسل من بئر سعد بن خيثمة بئر كان يستعذب له منها ، وفي رواية : من بئر سعد بن خيثمة بئر يقال لها الغرس بقباء كان يشرب منها.
وروى أيضا عن سعيد بن رقيش أن النبيصلىاللهعليهوسلم توضأ من بئر الأغرس ، وأهراق بقية وضوئه فيها.
وروى ابن زبالة عن سعيد بن عبد الرحمن بن رقيش قال : جاءنا أنس بن مالك بقباء فقال : أين بئركم هذه؟ يعني بئر غرس ، فدللناه عليها ، قال : رأيت النبيصلىاللهعليهوسلم جاءها ، وإنها لتسنى على حمار ، بسحر ، فدعا النبيصلىاللهعليهوسلم بدلو من مائها ، فتوضّأ منه ثم سكبه فيها ، فما نزفت بعد.
وعن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع مرسلا قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوسلم : إني رأيت الليلة أني أصبحت على بئر من الجنة ، فأصبح على بئر غرس ، فتوضأ منها ، وبزق فيها ، وأهدى له عسل فصبه فيها ، وغسل منها حين توفي.
ورواه ابن النجار من طريق ابن زبالة ، دون قوله «وأهدى له من عسل إلى آخره».
وقال المجد : وفي حديث ابن عمر : قال رسول اللهصلىاللهعليهوسلم وهو قاعد على شفير غرس : رأيت الليلة كأني جالس على عين من عيون الجنة ، يعني بئر غرس.
قال : وعن عاصم بن سويد عن أبيه أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم أتى بعسل فشرب منه ، وأخذ منه شيئا فقال : هذا لبئري بئر غرس ، ثم صبّه فيها ، ثم إنه بصق فيها ، وغسل منها حين توفي.
قلت : وسبق في أوائل الفصل العاشر من الباب الرابع ما يقتضي أن هذه البئر عند مسجد قباء ، وأن النبيصلىاللهعليهوسلم أول مقدمه قباء أناخ على غدة عندها ، وقدمنا أن الظاهر أن تصحيف ؛ لمخالفته لما هو المعروف في محل هذه البئر.
وقال ابن النجار : هذه البئر بينها وبين مسجد قباء نحو نصف ميل ، هي في وسط الصحراء ، وقد حربها السيل وطمّها ، وفيها ماء أخضر ، إلا أنه عذب طيب ، وريحه الغالب عليه الأجون.
قال : وذرعتها فكان طولها سبعة أذرع شافة منها ذراعان ماء وعرضها عشرة أذرع.
قال المطري : وهي اليوم ملك لبعض أهل المدينة ، وكانت قد خربت فجددت بعد السبعمائة ، وهي كثيرة الماء ، وعرضها عشرة أذرع ، وطولها يزيد على ذلك ، وماؤها يغلب عليه الخضرة ، وهو طيب عذب.
قلت : وقد خربت بعد ذلك ، فابتاعها وما حولها صاحبنا الشيخ العلامة المقيد خواجا حسين بن الجواد المحسن الخواجكي الشيخ شهاب الدين أحمد القاواني ، أثابه الله تعالى ، وعمرها وحوط عليها حديقة ، وجعل لها درجة ينزل إليها منها من داخل الحديقة وخارجها ، وأنشأ بجانبها مسجدّا لطيفا ، ووقفها ، تقبّل الله منه ، وذلك في سنة اثنتين وثمانين وثمانمائة.
بئر القراصة : لم يذكرها وما بعدها ابن النجار ومن بعده ، ولم أر من ضبطها ، ولعلها بالقاف وبالراء كما في بعض النسخ ، وفي بعضها بالعين بدل القاف.
وروى ابن زبالة عن جابر بن عبد الله قال : لما استشهد أبي عبد الله بن عمرو بن حرام عرضت على غرمائه القراصة ، وكانت له ، أصلها وثمرها بما عليه من الدين ، فأبوا أن يقبلوا ذلك منه ، إلا أن يقوّموها قيمة ويرجعوا عليه بما بقي من الدين ، قال : فشكا ذلك إلى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، فقال : دعهم ، حتى إذا كان جدادها فجدّها في أصولها ، ثم ائتني فأعلمني ، فلما حان جدادها جدّها في أصولها ثم جاء رسول اللهصلىاللهعليهوسلم فأعلمه ، فخرج رسول اللهصلىاللهعليهوسلم في نفر من أصحابه ، فبصق في بئرها ، ودعا الله أن يؤدي عن عبد الله بن عمرو ، وقال : اذهب يا جابر إلى غرماء أبيك فشارطهم على سعر وائت بهم فأوفهم ، فخرج جابر فشارطهم على سعر ، وقال : انطلقوا حتى أوفيكم حقوقكم ، وكان أكبرهم اليهود ، قال : فقال بعضهم لبعض : أما تعجبون من صاحب رسول اللهصلىاللهعليهوسلم وابن صاحبه ، عرض أصله وثمره فأبينا ، ويزعم أنه يوفينا من ثمره ، قال : فجاء بهم حتى أوفاهم حقوقهم ، وفضل منها مثل ما كانوا يجدون كل سنة.
قلت : وهذه البئر غير معروفة اليوم ، إلا أن جهتها جهة مسجد الخربة ، وهي في غربي
مساجد الفتح ؛ لما تقدم فيه من أنه دبر القراصة ، ويؤيده أن أصل حديث جابر في أرضه مذكور في الصحيح بطرق وفي بعضها : وكانت لجابر الأرض التي بطريق رومة ، وهذه الجهة بطريق رومة.
وروى أحمد عن جابر قال : قلت : يا رسول الله ، إن أبي ترك دينا ليهودي فقال : يأتيك يوم السبت إن شاء الله تعالى ، وذلك في زمن التمر مع استجداد النخل ، فلما كان صبيحة يوم السبت جاءني رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، فلما دخل عليّ في مالي أتى الربيع فتوضّأ منه ثم قام إلى المسجد فصلى ركعتين ، ثم دنوت به إلى خيمة لي فبسطت له بجادا من شعر ، الحديث ، والله أعلم.
بئر القريصة : لم أر من ضبطها ، وأظنها بالقاف والصاد المهملة مصغرة.
روى ابن زبالة عن سعد بن حرام والحارث بن عبيد الله قالا : توضأ رسول اللهصلىاللهعليهوسلم من بئر في القريصة بئر حارثة ، أو شرب ، وبصق فيها ، وسقط فيها خاتمة فنزع.
ثم روى عقبة سقوط الخاتم في بئر أريس.
قلت : وهذه البئر لا تعرف اليوم ، إلا أن في شرقي المدينة بقرب القراصة المتقدمة في مسجد القراصة بئرا تعرف بالقريصة مصغر القرصة ، فإن صح الضبط المتقدم فهي المرادة.
بئر اليسرة : من اليسر ضد العسر.
روى ابن زبالة عن سعيد بن عمرو قال : جاء رسول اللهصلىاللهعليهوسلم بني أمية بن زيد ، فوقف على بئر لهم فقال : ما اسمها؟ قالوا : عسرة ، قال : لا ، ولكن اسمها اليسرة ، قال : فبصق فيها وبرّك فيها.
وروى ابن شبة عن محمد بن حارثة الأنصاري عن أبيه أن النبيصلىاللهعليهوسلم سمّى بئر بني أمية من الأنصار اليسرة ، وترّك عليها وتوضأ وبصق فيها.
وروى ابن سعد في طبقاته عن عمر بن سلمة أن أبا سلمة بن عبد الأسد لما مات غسل من اليسرة ، بئر بني أمية بن زيد بالعالية ، وكان ينزل هناك حين تحوّل من قباء ، غسل بين قرني البئر ، وكان اسمها في الجاهلية العسرة ، فسماها رسول اللهصلىاللهعليهوسلم اليسرة.
قلت : وهذه لبئر غير معروفة اليوم بهذا الاسم ، والذي يظهر أنها بئر العهن ؛ لما قدمناه فيها.
وقد استقصينا هذا الغرض فبلغ كما ترى نحو عشرين بئرا ، وما اقتضاه كلام بعضهم من انحصار المأثور من ذلك في سبع مردود ؛ لكن الذي اشتهر من ذلك سبع ، ولهذا قال في الإحياء : ولذلك تقصد الآبار التي كان رسول اللهصلىاللهعليهوسلم يتوضأ منها ويغتسل ويشرب ، وهي سبعة آبار ، طلبا للشفاء ، وتبركا بهصلىاللهعليهوسلم ، انتهى.
قال الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الإحياء : وهي أي السبعة المشار إليها : بئر أريس ، وبيرحاء ، وبئر رومة ، وبئر غرس ، وبئر بضاعة ، وبئر البصة ، وبئر السقيا ، أو بئر العهن ، أو بئر جمل ؛ فجعل السابعة مترددة بين الآبار الثلاث ، ثم ذكر نحو ما قدمناه في فضائل هذه الآبار إلا العهن فلم يذكر فيها شيئا ؛ لأن الوارد فيها إنما هو باسمها الآخر ولم يشتهر. ثم قال : والمشهور أن الآبار بالمدينة سبعة.
وقد روى الدارمي من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبيصلىاللهعليهوسلم قال في مرضه ضبّوا عليّ سبع قرب من آبار شتى ، وهو عند البخاري دون قوله «من آبار شتى» انتهى.
قلت : ومن ذلك فلا دلالة فيه على أن تلك الآبار السبعة هي المرادة بذلك ، والمشهور عند أهل المدينة أن السابعة هي العهن ، ولهذا قال أبو اليمن ابن الزين المراغي فيما أنشدنيه عنه أخوه شيخنا العلامة أبو الفرج ناصر الدين المراغي :
إذا رمت آبار النبيّ بطيبة |
فعدّتها سبع مقالا بلا وهن |
|
أريس ، وغرس ، رومة ، وبضاعة |
كذا بصّة ، قل بيرحاء مع العهن |
تتمة
في العين المنسوبة للنبيصلىاللهعليهوسلم ، وما يتصل بها من العين الموجودة في زماننا ، وغيرها من العيون.
عين كهف بني حرام
روى ابن شبة عن عبد الملك بن جابر بن عتيك أن النبيصلىاللهعليهوسلم توضأ من العين التي عند كهف بني حرام ، قال : وسمعت بعض مشيختنا يقول : قد دخل النبيصلىاللهعليهوسلم ذلك الكهف.
وترجم ابن النجار لذكر عين النبيصلىاللهعليهوسلم ، ثم روى من طريق محمد بن الحسن وهو عن ابن زبالة عن موسى بن إبراهيم بن بشير عن طلحة بن حراش قال : كانوا أيام الخندق يخرجون برسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، ويخافون البيات ، فيدخلونه كهف بني حرام ، فيبيت فيه ، حتى إذا أصبح هبط ، قال : وبقر رسول اللهصلىاللهعليهوسلم العيينة التي عند الكهف ، فلم تزل تجري حتى اليوم.
قلت : وهو في كتاب ابن زبالة ، إلا أنه قال فيه : عن طلحة بن حراش عن جابر بن عبد الله ، قال ابن النجار عقبه : وهذه العين في ظاهر المدينة ، وعليها بناء ، وهي في مقابلة المصلى.
قال المطري عقبه : أما الكهف الذي ذكره فمعروف في غربي جبل سلع ، على يمين السالك إلى مسجد الفتح من الطريق القبلية ، وعلى يسار المتوجه إلى المدينة مستقبل القبلة ، يقابله نخل تعرف بالغنيمية ، أي المعروفة اليوم بالنقيبية في بطن وادي بطحان غربي جبل
سلع ، قال : وفي الوادي عين تأتى من عوالي المدينة تسقي ما حول المساجد من المزارع وتعرف بعين الخيف خيف شامي ، وتعرف تلك الناحية بالسيح.
قلت : وقد تقدم في مساجد الفتح إيضاح هذا الكهف ، وأن عنده آثار نقر في الجبل ، وليست عين الخيف التي ذكرها المطري بجارية في زماننا ، بل هي منقطعة ، ومجراها معلوم.
وبيّن ابن النجار بما يأتي عنه في الخندق أنها تأتي من قباء ، وأصلها فيما يقال معلوم غربي قباء ، وقد شرع في إجرائها متولّي العمارة الجناب الشمسي ابن الزمن ، فتتبّع قناتها إلى أن آل إلى الموضع الذي يقال إنه أصلها ، ثم بالغوا في تنظيفه فلم يجر.
قال المطري : فأما العين التي ذكر ابن النجار أنها مقابلة المصلى فهي عين الأزرق ، وهو مروان بن الحكم ، أجراها بأمر معاوية رضي الله تعالى عنه ، وهو واليه على المدينة ، وأصلها من قباء المعروف من بئر كبيرة غربي مسجد قباء في حديقة نخل ، وتجري إلى المصلى ، وعليها في المصلى قبة كبيرة مقسومة نصفين ، يخرج الماء منها في وجهين مدرجين قبلي وشمالي ، وتخرج العين من جهة المشرق ، ثم تأخذ إلى جهة الشمال.
قال : وأما عين النبيصلىاللهعليهوسلم التي ذكر ابن النجار فليست تعرف اليوم ، وإن كانت كما قال عند الكهف المذكور فقد دثرت ، وعفا أثرها.
قلت : مراد ابن النجار أن أصلها عند الكهف ، وأنها تجري إلى الموضع الذي عليه البناء في مقابلة المصلى ، وقد وافق ابن النجار على ذلك ابن جبير في رحلته ، فقال : وقبل وصولك سور المدينة من جهة المغرب بمقدار غلوة تلقى الخندق ، وبينه وبين المدينة عن يمين الطريق العين المنسوبة إلى النبيصلىاللهعليهوسلم ، وعليها حلق عظيم ، ومستدير ، ومنبع العين وسط ذلك الحلق كأنه الحوض المستطيل ، وتحته سقايات مستطيلات باستطالة الحلق ، وقد ضرب بين كل سقاية وبين الحوض بجدارين ، وهو يمدّ السقايتين ، ويهبط إليها على أدراج نحو الخمس والعشرين درجة ، وهما لتطهير الناس واستقائهم وغسل أثوابهم ، والحوض المذكور لا يتناول منه لغير الاستسقاء خاصة صونا له ، انتهى.
قال المجد : وبشبه أنه اشتبه عليه عين الأزرق بعين النبيصلىاللهعليهوسلم .
قلت : اتفاقه هو وابن النجار على ذلك يبعد الاشتباه ، بل يحتمل أن عين النبيصلىاللهعليهوسلم كانت تحرى إلى هذا الموضع ، وكذا عين الأزرق ، ثم انقطعت الأولى وبقيت الثانية التي هي عين الأزرق.
قال المطري : وقد أخذ الأمير سيف الدين الحسين ابن أبي الهيجاء في حدود الستين وخمسمائة منها شعبة من عند مخرجها من القبة ، فساقها إلى باب المدينة من باب المصلى ، ثم أوصلها إلى الرحبة التي عند مسجد النبيصلىاللهعليهوسلم من جهة باب السلام ، أي المقابلة لباب المدرسة الزمنية ، وبها سوق المدينة اليوم.
قال : وبنى لها هناك منهلا بدرج من تحت الدور ، يستقي منه أهل المدينة ، وجعل لها مصرفا من تحت الأرض بشق وسط المدينة على الموضع المعروف بالبلاط ، أي سوق العطارين اليوم ، وما والاه من منازل الأشراف أمراء المدينة ، يخرج إلى ظاهر المدينة من جهة الشمال شرقي الحصن الذي يسكنه أمير المدينة.
قال : وقد كان جعل منها شعبة صغيرة تدخل إلى صحن المسجد ، وجعل لها منهلا بدرج عليه عقد يخرج الماء إليه من فوّارة يتوضأ منها من يحتاج إلى الوضوء ، وحصل في ذلك انتهاك حرمة المسجد من كشف العورات والاستنجاء في المسجد ، فسدّت لذلك.
قلت : وقد سبق في الفصل الحادي والثلاثين من الباب الخامس عن ابن النجار في ذكر السقايات التي بالمسجد أن الذي عمل هذا المنهل بعض أمراء الشام واسمه شامة.
ثم ذكر المطري وصف مسير العين من القبة التي بالمصلّى إلى جهة الشام فقال : وإذا خرجت العين من القبة التي في المصلّى سارت إلى جهة الشمال ، حتى تصل إلى سور المدينة فتدخل تحته إلى منهل آخر بوجهين مدرجين : أي وهو الذي عند رحبة حصن الأمير ، ثم تخرج إلى خارج المدينة فتصل إلى منهل آخر بوجهين مدرجين عند قبر النفس الزكية ، ثم تخرج من هناك وتجتمع هي وما يتحصّل من مصلها في قناة واحدة إلى البركة التي ينزلها الحجاج ، يعني حجاج الشام ، وهي التي تقدم عنه في الباب الأول في أثرب أن الحجاج يسمونها عيون حمزة ، أي لظنهم أنها عين الشهداء ، وأنها تأتي من جهة مشهد سيدنا حمزة ، وليس كذلك ، إنما تأتي كما قال من قباء من البئر التي في الحديقة المعروفة بالجعفرية ، وإذا جاوزت مشهد النفس الزكية وثنيّة الوداع مرّت من شامي سلع على المسجد المعروف بمسجد الراية ، ولها هناك منهل آخر ، ثم تسير في جهة المغرب فتمر في غربي الجبلين اللذين في غربي مساجد الفتح ، وهكذا حتى تصل إلى مغيضها ، وهو الموضع المسمى بالبركة ، وقد زرع عليها هناك نخيل كثيرة هي اليوم بيد أمراء المدينة ، وفقر قناتها ظاهرة في الأماكن التي أشرنا إليها ، ولا مرور لها بالشهداء أصلا فعين الشهداء غير هذه العين ، وهي المراد بما سبق في سابع فصول الباب الخامس في ذكر قبور الشهداء بأحد من قول جابر : صرخ بنا إلى قتلانا يوم أحد حين أجرى معاوية العين ، وغيره من الأخبار المذكورة هناك ، وحينئذ فكل من العينين المذكورتين تنسب إلى معاوية : عين الشهداء ، وهي دائرة اليوم ، ويحتمل : أنها التي كان مغيضها عند المسجد المعروف بمصرع حمزة رضي الله تعالى عنه المتقدم ذكرها في المساجد ، وأن الأمير وديا كان قد جدّدها ثم دثرت ، لكن أصلها من جهة العالية ، وبعض قطرها ظاهر يشهد بذلك.
وقال البدر بن فرحون في ترجمة نور الدين الشهيد : إنه أجرى العين التي تحت جبل
أحد ، قال : وأظنها عين الشهداء ، فإن العين التي أجراها معاوية رضي الله تعالى عنه مستبطنة الوادي وقد دثرت ، ورسومها موجودة إلى اليوم ، انتهى.
والعين الموجودة اليوم المعروفة بعين الأزرق ، وتسميها العامة الزرقاء ، سميت بذلك لأن مروان الذي أجراها بأمر معاوية كان أزرق العينين فلذلك لقب بالأزرق.
ومن الغرائب العجيبة ما ذكره المنورقي في جزء ألّفه في فضائل الطائف عن الفقيه أبي محمد عبد الله بن حمو البخاري عن شيخ الخدام بالحرم النبوي بدر الشهابي أنه بلغه أن ميضأة وقعت في عين الأزرق بالطائف ، فخرجت في عين الأزرق بالمدينة.
ويذكر أنه كان بالمدينة وما حولها عيون كثيرة تجددت بعد النبيصلىاللهعليهوسلم ، وكان لمعاوية رضي الله تعالى عنه اهتمام بهذا الباب ، ولهذا كثرت في أيامه الغلال بأراضي المدينة ، فقد نقل الواقدي في كتاب الحرّة أنه كان بالمدينة على زمن معاوية صوافي كثيرة ، وأن معاوية كان يجدّ بالمدينة وأعراضها مائة ألف وسق وخمسين ألف وسق ، ويحصد مائة ألف وسق حنطة.
الفصل الثاني
في صدقاتهصلىاللهعليهوسلم ، وما غرسه بيده الشريفة
أصل صدقات الرسولصلىاللهعليهوسلم
روى ابن شبة فيما جاء في أموالهصلىاللهعليهوسلم وصدقاته عن ابن شهاب قال : كانت صدقات رسول اللهصلىاللهعليهوسلم أموالا لمخيريق اليهودي ، أي بالخاء المعجمة والقاف مصغرا.
قال عبد العزيز ـ يعني ابن عمران ـ بلغني أنه كان من بقايا بني قينقاع ، ثم رجّح حديث ابن شهاب قال : وأوصي مخيريق بأمواله للنبيصلىاللهعليهوسلم ، وشهد أحدا فقتل به ، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوسلم : مخيريق سابق يهود ، وسلمان سابق فارس ، وبلال سابق الحبشة.
أسماء صدقات الرسولصلىاللهعليهوسلم ومواضعها
قال : وأسماء أموال مخيريق التي صارت للنبيصلىاللهعليهوسلم : الدلال ، وبرقة ، والأعواف ، والصافية ، والميثب ، وحسنى ، ومشربة أم إبراهيم.
فأما الصافية وبرقة والدلال والميثب فمجاورات لأعلى الصورين من خلف قصر مروان بن الحكم ، ويسقيها مهزور.
وأما مشربة أم إبراهيم فيسقيها مهزور ، فإذا بلغت بيت مدراس اليهود فحيث مال أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة الأسدي فمشربة أم إبراهيم إلى جنبه ، وذكر ما قدمناه عنه في المساجد في سبب تسميتها بمشربة أم إبراهيم.
ثم قال : وأما حسنى فيسقيها مهزور ، وهي من ناحية القف.
وأما الأعواف فيسقيها مهزور ، وهي من أموال بني محمم.
ثم قال : قال أبو غسان : وقد اختلف في الصدقات فقال بعض الناس : هي أموال بني قريظة والنضير.
وروى عن جعفر بن محمد عن أبيه قال : كانت الدلال لامرأة من بني النضير ، وكان لها سلمان الفارسي ، فكاتبته على أن يحييها لها ، ثم هو حر ، فأعلم بذلك النبيّصلىاللهعليهوسلم ، فخرج إليها فجلس على فقير ، ثم جعل يحمل إليه الوديّ فيضعه بيده ، فما عدت منها ودية أن طلعت. قال : ثم أفاءها الله على رسولهصلىاللهعليهوسلم ، قال : والذي يظهر عندنا : أنها من أموال بني النضير ، ومما يدل على ذلك أن مهزورا يسقيها ، ولم يزل يسمع أنه لا يسقى إلا أموال بني النضير.
قلت : فيه نظر ؛ إذ المعروف ببني النضير إنما هو مذينب ، ومهزور لبني قريظة.
ثم قال : وقد سمعنا بعض أهل العلم يقول : إن برقة والميثب للزبير بن باطا ، وهما اللتان غرس سلمان ، وهما مما أفاء الله من أموال بني قريظة. والأعواف : كانت لخنافة اليهودي من بني قريظة ، والله أعلم ما هو الحق من ذلك.
وقف الرسولصلىاللهعليهوسلم أمواله
ثم قال : قال الواقدي : وقف النبيصلىاللهعليهوسلم الأعواف وبرقة وميثب والدلال وحسني والصافية ومشربة أم إبراهيم سنة سبع من الهجرة ، قال : وقال الواقدي عن الضحاك بن عثمان عن الزهري قال : هذه الحوائط السبعة من أموال بني النّضير : قال : وقال بسنده لعبد الله بن كعب بن مالك قال : قال مخيريق يوم أحد : إن أصبت فأموالي لمحمد يضعها حيث أراد الله ، فهي عامة صدقات رسول اللهصلىاللهعليهوسلم . قال : وقال عن أيوب بن أبي أيوب عن عثمان بن وثاب قال : ما هي إلا من أموال بني النضير ، لقد رجع رسول اللهصلىاللهعليهوسلم من أحد ففرّق أموال مخيريق ، اه ما أورده ابن شبة.
وقال المجد : قال الواقدي : كان مخيريق أحد بني النضير حبرا عالما ، فآمن بالنبيصلىاللهعليهوسلم ، وجعل ماله وهو سبع حوائط لرسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، وذكر الحوائط المتقدمة ، ونقل الذهبي عن الواقدي سوى ذكر الحوائط ، لكن في أوقاف الخصاف : قال الواقدي : مخيريق لم يسلم ، ولكنه قاتل وهو يهودي ، فلما مات دفن في ناحية من مقبرة المسلمين ، ولم يصل عليه.
وروى ابن زبالة عن محمد بن كعب أن صدقات رسول اللهصلىاللهعليهوسلم كانت أموالا لمخيريق اليهودي ، فلما كان يوم أحد قال لليهود : ألا تنصرون محمداصلىاللهعليهوسلم ؟ فو الله إنكم لتعلمون أن نصرته حق ، قالوا : اليوم السبت ، قال : فلا سبت لكم ، وأخذ سيفه فمضى مع النبيصلىاللهعليهوسلم فقاتل حتى أثبتته الجراح ، فلما حضرته الوفاة قال : أموالي إلى محمد يضعها حيث يشاء.
قال محمد بن طلحة راويه : قال عبد الحميد : وكان ذا مال كثير ، فهي عامة صدقات النبيصلىاللهعليهوسلم ، قال : وقال رسول اللهصلىاللهعليهوسلم : مخيريق خير اليهود ، قال : وهي الدلال ، وذكر الحوائط المتقدمة ، إلا أنه قال : والعواف بدل الأعواف.
وروى أيضا عن بكر بن أبي ليلى عن مشيخة الأنصار قالوا : كانت أموال رسول اللهصلىاللهعليهوسلم من أموال بني النضير حشاشين ومزارع وإبلا ، فغرسها الأمراء بعد ، وعملوها ، وهي سبعة أموال ، وذكر الحوائط المتقدمة.
وعن عثمان بن كعب قال : اختلف الناس في صدقات النبيصلىاللهعليهوسلم ، فقال بعضهم : كانت من أموال بني قريظة والنضير ، قال عثمان بن كعب : وليس فيها من أموال بني النضير شيء ، إنما صارت أموال بني النضير للمهاجرين نفلا ، قال : وكانت برقة والميثب للزبير بن بطا.
وقال بعضهم : كانت الدلال من أموال بني ثعلبة من يهود ، وكانت مشربة أم إبراهيم من أموال بني قريظة ، وكانت الأعواف لخنافة جد ريحانة ، قال : ويقال : كانت الأعواف من أموال بني النضير.
وروى أيضا عن جعفر بن محمد عن أبيه أن سلمان الفارسي كان لناس من بني النضير ، فكاتبوه على أن يغرس لهم كذا وكذا وديّة حتى تبلغ عشر سعفات ، فقال النبيصلىاللهعليهوسلم : ضع عند كل فقير ودية ، ثم غدا إلى النبيصلىاللهعليهوسلم فوضعه بيده ، ودعا له ، فما عطبت منها ودية ، ثم أفاءوها الله على نبيهصلىاللهعليهوسلم فهي الميثب صدقة النبيصلىاللهعليهوسلم بالمدينة.
قلت : يتحصّل من مجموع ما تقدم أن نخل سلمان الذي غرسهصلىاللهعليهوسلم هو الدلال ، وقيل : برقة والميثب ، وقيل : الميثب.
وروى أحمد والطبراني برجال الصحيح إلا ابن إسحاق وقد صرح بالسماع عن سلمان الفارسي حديثه الطويل ، وفيه ما يقتضي أنه بالفقير ، وأنه أثمر من عامه ، وأنه ذكر فيه عن سلمان أن يهوديا من بني قريظة ابتاعه من ابن عم له بوادي القرى ، قال : فاحتملني إلى المدينة ، ثم ذكر خبر إسلامه ، وقال : ثم قال لي رسول اللهصلىاللهعليهوسلم : كاتب ، فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة أحييها له بالفقير وأربعين أوقية ، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوسلم : أعينوا أخاكم ، فأعانوني بالنخل ، ويعين الرجل بقدر ما عنده ، حتى اجتمعت لي ثلاثمائة ودية ، فقال لي رسول اللهصلىاللهعليهوسلم : اذهب يا سلمان ففقّر لها ، فإذا فرغت فائتني أكن أنا أضعها بيدي ، قال : ففقّرت وأعانني أصحابي ، حتى إذا فرغت جئته فأخبرته ، فخرج رسول اللهصلىاللهعليهوسلم معي إليها ، فجعلنا نقرب إليه الوديّ ويضعه رسول اللهصلىاللهعليهوسلم بيده حتى فرغنا ، فو الذي نفس سلمان بيدي ما ماتت منها ودية واحدة ، قال : فأدّيت النخل وبقي على المال ، وذكر خبره فيه.
وذكر ابن عبد البر في خبر سلمان أن النبيصلىاللهعليهوسلم اشتراه من قوم من اليهود بكذا وكذا درهما ، وعلى أن يغرس لهم كذا وكذا من النخل ، يعمل فيها سلمان حتى يدرك ، فغرس رسول اللهصلىاللهعليهوسلم النخل كله إلا نخلة غرسها عمر فأطعم النخل كله إلا تلك النخلة ، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوسلم من غرسها؟ قالوا : عمر ، فقلعها رسول اللهصلىاللهعليهوسلم وغرسها فأطعمت من عامها ، وفي رواية أن تلك الودية التي لم تثمر غرسها سلمان.
قلت : والفقير اسم الحديقة بالعالية قرب بني قريظة ، وقد خفي ذلك على بعضهم فقال كما نقله ابن سيد الناس : قوله «بالفقير» الوجه إنما هو بالعفير ، انتهى. والصواب أنه اسم لموضع ، وليس هو من صدقات النبيصلىاللهعليهوسلم ، فقد ذكر ابن شبة في كتاب صدقة علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه الذي كان بيد الحسن بن زيد ما لفظه : والفقير لي كما قد علمتم صدقة في سبيل الله ، لكنه سماه قبل ذلك في أخبار صدقاته بالفقيرين ، مثنّى ، فقال : وكان لي صدقات بالمدينة الفقيرين بالعالية وبئر الملك بقناة ، فالظاهر أنه يسمى بكل من اسمين ، وأهل المدينة اليوم ينطقون به مفردا بضم الفاء تصغير الفقير ضد الغني.
وقد ذكره ابن زبالة مفردا فيما رواه عن محمد بن كعب القرظي قال : كانت بئر غاضر والبرزتان قبضها رسول اللهصلىاللهعليهوسلم لأضيافه ، وكانت لكعب بن أسد ، وكان الفقير لعمر بن سعد ، وصار لعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.
قال : وسمعت من يقول : كانت بئر غاضر والبرزتان من طعم أزواج النبيصلىاللهعليهوسلم من أموال بني النضير.
قلت : وبئر غاضر اليوم غير معروفة ، وأما البرزتان فحديقتان بالعالية متجاورتان يقال لإحداهما البرزة وللأخرى البريزة مصغرة ، ووقع في النسخة التي وقفت عليها من كتاب ابن شبة : قال أبو غسان سمعت من يقول : كانت بئر غاضر والنويرتين من طعمه أزواج النبيصلىاللهعليهوسلم ، وهما من أموال بني قريظة بعالية المدينة ، وقد قيل في ذلك إن بئر غاضر مما دخلت في صدقة عثمان في بئر أريس ، انتهى. وأظن قوله «النويرتين» تصحيفا ، وصوابه البرزتان كما في كتاب ابن زبالة لما قدمناه.
تحديد مواضع الصدقات والمعروف منها
وأما بيان مواضع صدقات النبيصلىاللهعليهوسلم المذكورة فقد تقدم أن الصافية وبرقة والدلال والميثب متجاورات بأعلى الصورين ؛ فالصافية معروفة هناك اليوم ، قال الزين المراغي : هي في شرقي المدينة الشريفة بجزع زهرة ، ورأيته ضبط بخطه زهيرة بضم الزاي مصغرة زهرة لاشتهاره في زمنه بذلك ، وإنما هو زهرة مكبر لما سيأتي في ترجمتها ، وبرقة معروفة أيضا في قبلة المدينة مما يلي المشرق ، ولناحيتها شهرة بها كما قال المراغي.
والدلال : جزع معروف أيضا قبلي الصافة بقرب المليكي ، وقف فقهاء المدرسة الشهابية كما قاله الزين المراغي أيضا.
والميثب : غير معروف اليوم ، ويؤخذ من وصف هذه الأربعة بكونها متجاورات قربها من الأماكن المذكورة ، ولعله بقرب برقة لما سبق من أنهما اللذان غرسهما سلمان ، وكانا لشخص واحد.
والأعواف : جزع معروف بالعالية بقرب المربوع ، كما تقدم بيانه في بئر الأعواف من الفصل قبله.
ومشربة أم إبراهيم : معروفة بالعالية كما تقدم بيانه في المساجد.
وحسنى ـ ضبطها الزين المراغي كما في خطه بالقلم بضم الحاء وسكون السين المهملتين ثم نون مفتوحة ـ قال : وروايته كذلك في ابن زبالة بالسين بعد الحاء ، قال : ولا يعرف اليوم ، ولعله تصحيف من الحناء بالنون بعد الحاء ، وهو معروف اليوم.
قلت : حمل ذلك على التصحيف المذكور متعذر ؛ لأني رأيته بحاء ثم سين ثم نون في عدة مواضع من كتاب ابن شبة ومن كتاب ابن زبالة وغيرهما ، وإن أراد أن أهل زمانه صحّفوه بالحناء فلا يصح أيضا ؛ لأن الموضع المعروف اليوم بالحناء في شرقي الماجشونية ، لا يشرب بمهزور ، وقد تقدم أن حسنى يسقيها مهزور ، وأنها بالقف ، وسيأتي في بيان القف ما يقتضي أنه ليس بجهة الحناء. والذي يظهر أن حسني هو الموضع المعروف اليوم بالحسينيات بقرب الدلال ، فإنه بجهة القف ، ويشرب بمهزور ، وسيأتي في القف ما يؤيده.
وهذه الأماكن السبعة هي صدقاتهصلىاللهعليهوسلم ، ولم أقف على أصل ما قاله رزين العبدري من أن الموضع المعروف بالبويرة بقباء صدقة النبيصلىاللهعليهوسلم من النخل ، قال : ولم تزل معروفة للمساكين ، محبوسة عليهم ، وعلى من مرّ بها إلى عهد قريب من تاريخ الخمسمائة كالعشرين سنة ونحوها ، فتغلّب عليها بعض ولاة المدينة لنفسه ، قال : وبها حصن النضير وحصون قريظة ، انتهى.
وهو مردود من وجهين :
أحدهما : أن الأئمة المتقدم ذكرهم مع اعتنائهم بهذا الباب لم يذكروا هذا الموضع في صدقاتهصلىاللهعليهوسلم .
والثاني : أن ما ذكره من أن بهذا الموضع حصون قريظة والنضير مردود بما قدمناه في منازلهما ، والموضع الذي ذكره في جهة قبلة المسجد إلى جهة المغرب من منازلهما ، وسنبين في ترجمة البويرة أن هذا الموضع ليس هو البويرة المنسوبة لبني النضير ، وكأن منشأ ما وقع له تسمية هذا الموضع بالبويرة ، وأن صدقة النبيصلىاللهعليهوسلم من أموال النضير أو قريظة ، على ما سبق من الخلاف ، وظن أنه المراد.
طلب فاطمة من أبي بكر صدقات أبيها
وهذه الصدقات مما طلبته فاطمة رضي الله تعالى عنها من أبي بكر رضي الله تعالى عنه ، وكذلك سهمهصلىاللهعليهوسلم بخيبر وفدك.
وفي الصحيح عن عروة بن الزبير أن عائشة أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها أخبرته أن فاطمة ابنة رسول اللهصلىاللهعليهوسلم سألت أبا بكر الصديق بعد وفاة رسول اللهصلىاللهعليهوسلم أن يقسم لها ميراثها مما ترك رسول اللهصلىاللهعليهوسلم مما أفاء الله عليه ، فقال لها أبو بكر رضي الله تعالى عنه : إن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم قال «لا نورث ، ما تركنا صدقة» فغضبت فاطمة ، فهجرت أبا بكر ، فلم تزل مهاجرته حتى توفيت ، وعاشت بعد رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ستة أشهر ، قال : وكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول اللهصلىاللهعليهوسلم من خيبر وفدك وصدقته بالمدينة ، فأبى أبو بكر عليها ذلك. وقال : لست تاركا شيئا كان رسول اللهصلىاللهعليهوسلم يعمل به إلا إذا عملت به ، فإني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ ، فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى علي وعباس ، وأما خيبر وفدك فأمسكهما عمر ، وقال : هما صدقة رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، وكانتا لحقوقه التي تعروه.
ورواه ابن شبة ، ولفظه : أن فاطمة رضي الله تعالى عنها أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول اللهصلىاللهعليهوسلم مما أفاء الله على رسوله ، وفاطمة حينئذ تطلب صدقة النبيصلىاللهعليهوسلم بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر ، فقال أبو بكر : إن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم قال : «لا نورث ، ما تركنا صدقة ، إنما يأكل آل محمد من هذا المال» وإني والله لا أغير شيئا من صدقات رسول اللهصلىاللهعليهوسلم عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، ولأعملنّ فيها بما عمل رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئا ، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك ، فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت ، وعاشت بعد رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ستة أشهر ، فلما توفيت دفنها علي ليلا ، ولم يؤذن بها أبا بكر ، رضي الله تعالى عنهم.
وفي رواية له أن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر ، وذكره مختصرا كما في رواية الصحيح أيضا ، وقال فيه : فهجرته فاطمة فلم تكلمه في ذلك المال حتى ماتت ، وكذا نقل الترمذي عن بعض مشايخه أن معنى قول فاطمة لأبي بكر وعمر «لا أكلمكما» أي في هذا الميراث ، ولا يرده قوله «فهجرته» إذ ليس المراد الهجر الحرام ، بل تركها للقائه ، والمدة قصيرة ، وقد اشتغلت فيها بحزنها ثم بمرضها ، ويؤيد ذلك ما رواه البيهقي بإسناد صحيح إلى الشعبي مرسلا أن أبا بكر عاد فاطمة فقال لها علي : هذا أبو بكر يستأذن عليك ، قالت : أتحبّ أن آذن له؟ قال : نعم ، فأذنت له ، فدخل عليها فرضّاها حتى رضيت عليه.
أما سبب غضبها مع احتجاج أبي بكر بما سبق فلاعتقادها تأويله ، قال الحافظ ابن حجر : كأنها اعتقدت تخصيص العموم في قوله «لا نورث» ورأت أن المنافع لكل ما خلفه
من أرض وعقار لا يمنع أن يورث ، وتمسك أبو بكر بالعموم ، فلما صمم على ذلك انقطعت عنه.
قلت : بقي لذلك تتمة ، وهي أنها فهمت من قوله «ما تركنا صدقة» الوقف ورأت أن حق النظر على الوقف وقبض نمائه والتصرف فيه يورث ، ولهذا طالبت بنصيبها من صدقته بالمدينة ، فكانت ترى أن الحق في الاستيلاء عليها لها وللعباس رضي الله تعالى عنهما ، وكان العباس وعلي رضي الله تعالى عنهما يعتقدان ما ذهبت إليه ، وأبو بكر يرى الأمر في ذلك إنما هو للإمام ، والدليل على ذلك أن عليا والعباس جاءا إلى عمر يطلبان منه ما طلبت فاطمة من أبي بكر ، مع اعترافهما له بأنّ النبيصلىاللهعليهوسلم قال «لا نورث ، ما تركنا صدقة» لما في الصحيح من قصة دخولهما على عمر يختصمان فيما أفاء الله على رسولهصلىاللهعليهوسلم من مال بني النضير ، وقد دفع إليهما ذلك ليعملا فيه بما كان رسول اللهصلىاللهعليهوسلم يعمل به وأبو بكر بعده ، وذلك بحضور عثمان وعبد الرحمن بن عوف وسعد والزبير ، قال في الصحيح : فقال الرّهط عثمان وأصحابه : يا أمير المؤمنين اقص بينهما وأرح أحدهما من الآخر ، فقال عمر : على تيدكم ، أنشدكم الله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض ، هل تعلمون أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم قال «لا نورث ، ما تركنا صدقة» يعني نفسه؟ فقال الرهط : قد قال ذلك ، فأقبل عمر على العباس وعلى عليّ فقال : أنشد كما بالله هل تعلمان أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم قد قال ذلك؟ قالا : قد قال ذلك ، قال عمر : فإني أحدثكم عن هذا الأمر ، إن اللهعزوجل قد خصّ رسولهصلىاللهعليهوسلم في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحدا غيره ، ثم قرأ( وَما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ ) إلى قوله( قَدِيرٌ ) [الحشر : ٦] فكانت هذه خاصة لرسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، والله ما احتازها دونكم ولا استأثرها عليكم ، قد أعطاكموها وبثها فيكم حتى بقي منها هذا المال ، فكان رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال ، ثم يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال الله ، فعمل به رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ذلك حياته ، أنشدكم بالله هل تعلمون ذلك؟ قالوا : نعم ، ثم قال لعلي وعباس : أنشدكما بالله هل تعلمان ذلك؟ قالا : نعم ، قال عمر : ثم توفى الله نبيهصلىاللهعليهوسلم فقال أبو بكر : أنا وليّ رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، فقبضها أبو بكر ، فعمل فيها بما عمل رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، والله يعلم إنه فيها لصادق بارّ راشد تابع للحق ، ثم توفى الله أبا بكر فكنت أنا وليّ أبي بكر فقبضتها سنتين من إمارتي ، والله يعلم إني فيها لصادق بار راشد تابع للحق ، ثم جئتماني تكلماني وكلمتكما وحدة وأمركما واحد ، جئتني يا عباس تسألني نصيبك من ابن أخيك وجاءني هذا ـ يريد عليا ـ يسألني نصيب امرأته من أبيها ، فقلت لكما : إن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم قال «لا نورث ، ما تركنا صدقة» فلما بدا لي أن أدفعه إليكما قلت : إن شئتما دفعتها إليكما على أن عليكما عهد الله وميثاقه لتعملان فيها بما عمل فيها رسول اللهصلىاللهعليهوسلم وبما عمل فيها
أبو بكر وبما عملت فيها منذ وليتها ، فقلتما : ادفعها إلينا ، فبذلك دفعتها إليكما ، فأنشدكم بالله هل دفعتها إليهما بذلك؟ قال الرهط : نعم ، الحديث من رواية مالك بن أوس ، وهو صريح في مطالبتهما مع اعترافهما بحديث «لا نورث» فليس محله إلا ما تقدم من أنهما فهما أن ذلك من قبيل الوقف ، وأن ورثة الواقف أولى بالنظر على الموقوف ، سيما وما قبضاه من أموال بني النضير هو صدقة النبيصلىاللهعليهوسلم بالمدينة ، ولهذا زاد شعيب في آخر الحديث المذكور : قال ابن شهاب : فحدثت بهذا الحديث عروة ، فقال : صدق مالك بن أوس ، أنا سمعت عائشة رضي الله تعالى عنها تقول ، فذكر حديثها ، قال : وكانت هذه الصدقة بيد علي منعها العباس فغلبه عليها ، ثم كانت بيد الحسن ، ثم بيد الحسين ، ثم بيد علي بن حسين والحسن بن الحسن ، ثم بيد زيد بن الحسن ، وهي صدقة رسول اللهصلىاللهعليهوسلم حقا.
وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري مثله ، وزاد : قال معمر : ثم كانت بيد عبد الله بن حسن حتى ولي هؤلاء ، يعني بني العباس ، فقبضوها ، وزاد إسماعيل القاضي أن إعراض العباس عنها كان في خلافة عثمان.
وفي سنن أبي داود عن رجل من أصحاب النبيصلىاللهعليهوسلم ، فذكر قصة بني النضير ، وقال في آخرها : فكانت نخل بني النضير لرسول اللهصلىاللهعليهوسلم خاصة ، أعطاها الله إياه ، فقال( وَما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ ) [الحشر : ٦] الآية ، قال : فأعطى أكثرها للمهاجرين ، وبقي منها صدقة رسول اللهصلىاللهعليهوسلم التي في أيدي بني فاطمة.
وقال ابن شبة : قال أبو غسان : صدقات النبيصلىاللهعليهوسلم اليوم بيد الخليفة : يولى عليها ، ويعزل عنها ، ويقسم ثمرها وغلتها في أهل الحاجة من أهل المدينة على قدر ما يرى من هي في يده.
قال الحافظ ابن حجر ، بعد نقل نحو ذلك عنه : وكان ذلك على رأس المائتين ، ثم تغيرت الأمور ، والله المستعان.
قلت : قال الشافعي فيما نقله البيهقي : وصدقه رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ـ بأبي هو وأمي ـ قائمة عندنا ، وصدقة الزبير قريب منها ، وصدقة عمر بن الخطاب قائمة ، وصدقة عثمان ، وصدقة عليّ ، وصدقة فاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، وصدقة من لا أحصي من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوسلم بالمدينة وأعراضها.
وذكر المجد في ترجمة فدك ما يقتضي أن الذي دفعه عمر إلى علي والعباس رضي الله تعالى عنهم ووقعت الخصومة فيه هو فدك ، فإنه قال فيها : وهي التي قالت فاطمة رضي الله تعالى عنها : إن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم نحلنيها ، فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه : أريد بذلك شهودا ، فشهد لها عليّ ، فطلب شاهدا آخر ، فشهدت لها أم يمن ، فقال : قد علمت يا بنت
رسول اللهصلىاللهعليهوسلم أنه لا يجوز إلا شهادة رجل وامرأتين ، وانصرفت ، ثم أدّى اجتهاد عمر لما ولي وفتحت الفتوح ، وكان علي يقول : إن النبيصلىاللهعليهوسلم جعلها في حياته لفاطمة ، وكان العباس يأبى ذلك ، فكانا يختصمان إلى عمر ، فيأبى أن يحكم بينهما ، ويقول : أنتما أعرف بشأنكما ، فلما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة كتب إلى عامله بالمدينة يأمره برد فدك إلى ولد فاطمة ، فكانت في أيديهم أيامه ، فلما ولي يزيد بن عبد الملك قبضها ، فلم تزل في بني أمية حتى ولي أبو العباس السفاح الخلافة ، فدفعها إلى الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، فكان هو القيم عليها يفرقها في ولد علي ، فلما ولي المنصور وخرج عليه بنو حسن قبضها عنهم ، فلما ولي ابنه المهدي أعادها عليهم ، ثم قبضها موسى بن الهادي ومن بعده إلى أيام المأمون ، فجاءه رسول بني عليّ فطالب بها ، فأمر أن يسجّل لهم بها ، فكتب السجل وقرئ على المأمون ، فقام دعبل وأنشد :
أصبح وجه الزمان قد ضحكا |
بردّ مأمون هاشم فدكا |
قلت : ورواية الصحيح السابقة عن عائشة ترد ما ذكره من دفع عمر فدك لعلي وعباس واختصامهما فيها ؛ لقول عائشة رضي الله تعالى عنها : وأما خيبر وفدك فأمسكهما عمر ، وكذلك ما ذكره من أن عمر بن عبد العزيز رد فدك إلى ولد فاطمة موافق لما نقله هو عن ياقوت من أن عمر بن عبد العزيز لما ولي خطب الناس ، وقص قصة فدك وخلوصها لرسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، وإنفاقه منها ووضع الفضل في أبناء السبيل ، وأن أبا بكر وعمر وعثمان وعليّا رضوان الله عليهم فعلوا كفعله ، فلما ولي معاوية أقطعها مروان بن الحكم ، وأن مروان وهبها لعبد العزيز وعبد الملك ابنيه ، قال : ثم صارت لي وللوليد وسليمان ، وأنه لما ولي الوليد سألته فوهبها لي وسألت سليمان حصّته فوهبها لي ، فاستجمعتها ، وأنه ما كان لي مال أحبّ إليّ منها ، وإني أشهدكم أني رددتها على ما كانت في أيام النبيصلىاللهعليهوسلم والأربعة بعده ، فكان يأخذ مالها هو ومن بعده فيخرجه في أبناء السبيل.
قلت : وقيل إن الذي أقطع فدك لمروان عثمان رضي الله تعالى عنه ، قال الحافظ ابن حجر : إنما أقطع عثمان فدك لمروان ؛ لأنه تأول أن الذي يختص بالنبيصلىاللهعليهوسلم يكون للخليفة بعده ، فاستغنى عثمان عنها بأمواله ، فوصل بها بعض قرابته.
وأما ما ذكره المجد من أن فاطمة رضي الله تعالى عنها ادّعت نحل فدك فروى ابن شبة ما يشهد له عن النمير بن حسان قال : قلت لزيد بن علي وأنا أريد أن أهجّن أمر أبي بكر : إن أبا بكر انتزع من فاطمة رضي الله تعالى عنها فدك فقال : إن أبا بكر رضي الله تعالى عنه كان رجلا رحيما ، وكان يكره أن يغير شيئا تركه رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، فأتته فاطمة رضي الله تعالى عنها فقالت : إن رسول الله أعطاني فدك ، فقال لها : هل لك على هذا بينة؟ فجاءت
بعلي رضي الله تعالى عنه ، فشهد لها ، ثم جاءت بأم أيمن ، فقالت : أليس تشهد أني من أهل الجنة؟ قال : بلى ، قالت : فأشهد أن النبيصلىاللهعليهوسلم أعطاها فدك : فقال أبو بكر : فبرجل وامرأة تستحقينها أو تستحقين لها القضية؟ قال زيد بن علي : وأيم الله لو رجع لي الأمر لقضيت فيها بقضاء أبي بكر رضي الله تعالى عنه.
وروى ابن شبة أيضا عن كثير النواء قال : قلت لأبي جعفر : جعلني الله فداءك أرأيت أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما هل ظلماكم من حقكم شيئا أو ذهبا به؟ قال : لا والذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ما ظلمانا من حقنا مثقال حبة من خردل ، قال : جعلت فداءك فأتولاهما؟ قال : نعم ، ويحك! تولهما في الدنيا والآخرة ، وما أصابك ففي عنقي ، ثم قال : فعل الله بالمغيرة وبكيان فإنهما كذبا علينا أهل البيت.
قلت : وبذلك الكذب تعلقت الرّوافض ، ولم يفهموا الأحاديث المتقدمة على وجهها ، والله أعلم.
الفصل الثالث
فيما ينسب إليه ص من المساجد التي بين مكة والمدينة ،
بالطريق التي كان يسلكهاصلىاللهعليهوسلم ، وهي طريق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
وهي تفارق طريق الناس اليوم من قرب مسجد الغزالة كما سيأتي ، فلا تمر بالخيف ولا بالصفراء ، بل تمر بالحي وثنية هرشى ثم الجحفة كما سيتضح لك ، ويكون طريق الناس اليوم على يمين السالك في هذا الطريق ، فتمر على رابغ أسفل من الجحفة ، ثم تلتقي مع هذه الطريق فوق الجحفة قرب طريق قديد.
وفي الأخبار أن من أدب الزائر إلى المساجد التي بين الحرمين أن يصلي فيها ، وهي عشرون موضعا.
قلت : وهذا بالنسبة إلى هذه الطريق ، مع أن أبا عبد الله الأسدي قد ذكر فيها أزيد من ذلك ، وقد أضفنا إليه ما وجدناه في كلام غيره ، وأوردناها على ترتيبها من المدينة إلى مكة ، زادهما الله شرفا.
مسجد الشجرة (ذي الحليفة)
فمنها مسجد الشّجرة ، ويعرف بمسجد ذي الحليفة أيضا ، والحليفة : الميقات المدني ، ويعرف اليوم ببئر علي.
روينا في صحيح مسلم عن ابن عمر قال : بات رسول اللهصلىاللهعليهوسلم بذي الحليفة مبدأه ، وصلى في مسجدها.
وروى يحيى عنه أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم كان إذا خرج إلى مكة صلّى في مسجد الشجرة.
وروى ابن زبالة عنه أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم كان ينزل بذي الحليفة حين يعتمر ، وفي حجته حين حج ، تحت سمرة في موضع المسجد الذي بذي الحليفة.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : صلّى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم في مسجد الشجرة إلى الأسطوانة الوسطى ، استقبلها ، وكانت موضع الشجرة التي كان النبيصلىاللهعليهوسلم يصلي إليها.
وعن أنس بن مالك قال : صليت مع رسول اللهصلىاللهعليهوسلم بالمدينة الظهر أربعا ، والعصر بذي الحليفة ركعتين.
وعن ابن عمر أيضا أن النبيصلىاللهعليهوسلم أناخ بالبطحاء التي بذي الحليفة وصلى بها.
قلت : المعنيّ بذلك موضع المسجد المذكور ، فإنه كان موضع نزولهصلىاللهعليهوسلم ، وبنى في موضع الشجرة التي كانت هناك ، وبها سمي «مسجد الشجرة» وهي السّمرة التي ذكر في حديث ابن عمر أن النبيصلىاللهعليهوسلم كان ينزل تحتها بذي الحليفة كما في الصحيح.
وفي صحيح مسلم عن ابن عمر أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم كان إذا استوت به راحلته قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهلّ فقال : لبّيك اللهم لبيك ، الحديث.
وفي رواية له : كان رسول اللهصلىاللهعليهوسلم يركع بذي الحليفة ركعتين ، ثم إذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهلّ بهؤلاء الكلمات.
ويتحصل من صحيح الروايات أنهصلىاللهعليهوسلم خرج لحجته نهارا ، وبات بذي الحليفة ، وأحرم في اليوم الثاني من عند المسجد ، فيظهر أن صلواتهصلىاللهعليهوسلم في تلك المدة كانت كلها به ، ولم أقف على اغتسالهصلىاللهعليهوسلم لإحرامه بذي الحليفة.
وفي باب «ما يلبس المحرم» من البخاري عن ابن عباس قال : انطلق النبيصلىاللهعليهوسلم من المدينة بعد ما ترجّل وادّهن ولبس إزاره ورداءه هو وأصحابه الحديث ، وليس فيه تصريح بالاغتسال ، لكن في طبقات ابن سعد أنهصلىاللهعليهوسلم خرج في حجة الوداع من المدينة مغتسلا متدهنا مترجّلا متجرّدا في ثوبين سحاريين إزار ورداء ، وذلك يوم السبت لخمس ليال بقين من ذي القعدة.
وفي كتاب التنبيهات للقاضي عياض : ظاهر المذهب أن المستحب الاغتسال بالمدينة ، ثم يسير من فوره ، وبذلك فسّره سحنون وابن الماجشون ، وهو الذي فعله النبيصلىاللهعليهوسلم ، كما استحب أن يلبس حينئذ ثياب إحرامه ، وكذلك فعل عليه الصلاة والسلام ، انتهى.
قلت : ولم يتعرض أصحابنا لذلك ، لكن قالوا : إن من اغتسل في التنعيم في الإحرام أجزأه عن الغسل لدخول مكة للقرب ، فيؤخذ منه اعتبار القرب ، وهو مناف لظاهر ما نقل عنهصلىاللهعليهوسلم ، إذ لم يحرم من ذي الحليفة إلا في اليوم الثاني ، فيحتمل أنه أعاد الغسل حينئذ بذي الحليفة. أما لو كان الإحرام عقب الوضوء إلى ذي الحليفة ونحوه فلا يبعد القول به عندنا ، كما ذكروا في الغسل للجمعة من الفجر ، وعدم اشتراطهم لاتصاله بالرّواح.
قال المطري ، وتبعه من بعده ، بعد بيان إحرامهصلىاللهعليهوسلم عند ما انبعثت به راحلته من عند المسجد : فينبغي للحاج إذا وصل إلى ذي الحليفة أن لا يتعدى في زاوية المسجد المذكور وما حوله من القبلة والمغرب والشام ، بحيث لا يبعد عما حول المسجد ، وإن كثيرا من الحجاج يتجاوزون ما حول المسجد إلى جهة المغرب ، ويصعدون إلى البيداء ، فيتجاوزون الميقات بيقين.
قلت : لم يبين نهاية ذي الحليفة. وقوله «حول المسجد» لا ضابط له ، ولا يلزم من نزولهصلىاللهعليهوسلم بالمسجد وما حوله انحصار ذي الحليفة في ذلك ، وسنشير إلى زيادة في ذلك في ترجمة ذي الحليفة ، مع بيان المسافة التي بينها وبين المدينة.
قال المطري : وهذا المسجد هو المسجد الكبير الذي هناك ، وكان فيه عقود في قبلته ، ومنارة في ركنه الغربي الشمالي ، فتهدمت على طول الزمان.
قال المجد : ولم يبق منه إلا بعض الجدران وحجارة متراكمة.
قلت : جدد المقر الزيني زين الدين الاستدار بالمملكة المصرية تغمده الله برحمته هذا الجدار الدائر عليه اليوم ، لما كان بالمدينة معزولا عام أحد وستين وثمانمائة ، وبناه على أساسه القديم ، وموضع المنارة في الركن الغربي باق على حاله ، وجعل له ثلاث درجات من المشرق والمغرب والشام ، في كل جهة منها درجة مرتفعة ، حفظا له عن الدواب ، ولم يوجد لمحرابه الأول أثر لانهدامه ، فجعل المحراب في وسط جدار القبلة ، ولعله كان كذلك ، واتخذ أيضا الدرج التي للآبار التي هناك ينزل عليها من يريد الاستقاء.
وطول هذا المسجد من القبلة إلى الشام اثنان وخمسون ذراعا ، ومن المشرق إلى المغرب مثل ذلك.
مسجد آخر بذي الحليفة
قال المطري : وفي قبلته مسجد آخر أصغر منه ، ولا يبعد أن يكون النبيصلىاللهعليهوسلم صلّى فيه أيضا ، بينهما مقدار رمية سهم أو أكثر قليلا ، انتهى.
قلت : ويؤخذ مما سيأتي عن الأسدي أنه مسجد المعرّس ، والله أعلم.
مسجد المعرس
ومنها : مسجد المعرس ـ قال أبو عبد الله الأسدي في كتابة وهو من المتقدّمين يؤخذ من كلامه أنه كان في المائة الثالثة بذي الحليفة عدة آبار ومسجدان لرسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، فالمسجد الكبير الذي يحرم الناس منه ، والآخر مسجد المعرّس ، وهو دون مصعد البيداء ناحية عن هذا المسجد ، وفيه عرّس رسول اللهصلىاللهعليهوسلم منصرفه من مكة.
قلت : ليس هناك غير المسجد المتقدم ذكره في قبلة مسجد ذي الحليفة على نحو رمية سهم سبقي منه ، وهو قديم البناء بالقصّة والحجارة المطابقة ؛ فهو المراد.
وفي صحيح البخاري في باب المساجد التي على طريق المدينة والمواضع التي صلّى فيها النبيصلىاللهعليهوسلم عن نافع أن عبد الله أخبره أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم «كان ينزل بذي الحليفة» حين يعتمر ، وفي حجته حين حج» ـ تحت سمرة في موضع المسجد الذي بذي الحليفة ، وكان إذا رجع من غزو كان في تلك الطريق أو حجّ أو عمرة هبط بطن واد ، فإذا ظهر من بطن واد أناخ بالبطحاء التي على شفير الوادي الشرقية فعرّس ثمّ حتى يصبح» ليس عند المسجد الذي بحجارة ولا على الأكمة التي عليها المسجد ، وكان ثم خليج يصلي عبد الله عنده في بطنه كثب كان رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ثم يصلي فدحا فيه السيل بالبطحاء ، حتى دفن ذلك المكان الذي كان عبد الله يصلي فيه.
قال الحافظ ابن حجر : قوله «بطن واد» أي وادي العقيق.
قلت : ورواه ابن زبالة بلفظ «هبط بطن الوادي ، فإذا ظهر من بطن الوادي أناخ بالبطحاء التي على شفير الوادي الشرقية».
ورواه المطري من غير عزو ، وقال فيه «هبط بطن الوادي وادي العقيق» وأظنه من الرواية بالمعنى ، وهو يقتضي أن يكون المعرّس في شرقي وادي العقيق فلا يكون بذي الحليفة ، فيتعين أن يكون المارد بطن واد في وادي العقيق ؛ إذ المعرس ذو الحليفة.
ففي الحج من صحيح البخاري عن ابن عمر أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم «كان يخرج من طريق الشجرة ، ويدخل من طريق المعرس» وأن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم «كان إذا خرج إلى مكة يصلي في مسجد الشجرة ، وإذا رجع صلّى بذي الحليفة ببطن الوادي وبات حتى يصبح».
وفيه أيضا من طريق عقبة عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن النبيصلىاللهعليهوسلم أنه أرى وهو في معرّسه بذي الحليفة ببطن الوادي قيل له : إنك ببطحاء مباركة ، وقد أناخ بنا سالم يتوخّى المناخ الذي كان عبد الله ينيخ يتحرّى معرّس رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، وهو أسفل من المسجد الذي ببطن الوادي ، بينه وبين الطريق وسطا من ذلك.
قلت : والمسجد المتقدم ذكره ببطن الوادي ، فلعله المراد ، ويكون المعرس بقربه من المشرق.
وروى يحيى عن ابن عمر أن النبيصلىاللهعليهوسلم قيل له وهو بالمعرس نائم يعني معرس الشجرة : إنك ببطحاء مباركة.
قلت : فيتأيد به ما تقدم لإضافته المعرس إلى الشجرة ، ولا يشكل ذلك ببعد هذا المسجد عن الطريق التي تسلك اليوم إلى المدينة ؛ لما تقدم من رواية ابن عمر في اختلاف طريق الشجرة وطريق المعرّس.
وروى البزار بسند جيد عن أبي هريرة نحوه ، فقال : إن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم «كان يخرج من طريق الشجرة ، ويدخل من طريق المعرس».
وفي صحيح أبى عوانة حديث «كان النبيصلىاللهعليهوسلم يخرج من طريق الشجرة إلى مكة ، وإذا رجع رجع من طريق المعرس».
وروى بعضهم عن نافع أنه انقطع عن ابن عمر حتى سبقه إلى المعرّس ، ثم جاء إليه فقال : ما حبسك عني؟ فأخبره ، فقال : إني ظننت أنك أخذت الطريق الأخرى ، ولو فعلت لأوجعتك ضربا ، وهذا لحرصه على الاتباع في النزول هناك ، وقد أميتت هذه السنة.
وروى ابن زبالة عن عبد الأعلى بن عبد الله بن أبي فروة أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم «كان إذا خرج إلى مكة يسلك على دار جبر بن علي ، ثم على منازل بني عطاء ، ثم في بطحان ، ثم في زقاق البيت ، حتى يخرج عند موضع دار ابن أبي الجنوب بالحرة».
قلت : وهذه الأماكن غير معروفة بأعيانها ، والله أعلم.
مسجد شرف الروحاء
ومنها : مسجد شرف الرّوحاء ـ قال البخاري عقب ما تقدم من رواية نافع وأن عبد الله حدّثه أن النبيصلىاللهعليهوسلم «صلّى حيث المسجد الصغير الذي دون المسجد الذي بشرف الرّوحاء».
وقد كان عبد الله يعلم المكان الذي فيه صلّى النبيصلىاللهعليهوسلم ، يقول : ثم عن يمينك حين تقوم في المسجد تصلى ، وذلك على حافة الطريق اليمنى وأنت ذاهب إلى مكة ، بينه وبين المسجد الأكبر رمية بحجر أو نحو ذلك.
ورواه يحيى بلفظ : أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم «صلّى إلى جانب المسجد الصغير الذي دون المسجد الذي بشرف الرّوحاء» وقد كان عبد الله يعلم المكان الذي صلّى فيه رسول اللهصلىاللهعليهوسلم بعواسج ، يكون عن يمينك حين تقوم في المسجد ، وباقيه كلفظ البخاري.
وروى ابن زبالة عن ابن عمر قال : صلّى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم بشرف الروحاء على يمين الطريق وأنت ذاهب إلى مكة ، وإلى يسارها وأنت مقبل من مكة.
قلت : وهذا المسجد هو المعنى بقول الأسدي : وعلى ميلين من السيالة مسجد رسول اللهصلىاللهعليهوسلم يقال له مسجد الشرف ، قال : وبين السيالة والرّوحاء أحد عشر ميلا ، وبينها وبين ملل سبعة أميال ، وهي لولد الحسين بن علي بن أبي طالب ولقوم من قريش ، وعلى ميل منها عين تعرف بسويقية لولد عبد الله بن حسن ، كثيرة الماء عذبة ، وهي ناحية عن الطريق ، قال : والجبل الأحمر الذي يسرة الطريق حين يخرج من السيالة يقال له ورقان ، يسكنه قوم من جهينة يقال : إنه متصل إلى مكة لا ينقطع ، وذكر آبارا كثيرة بالسيالة.
وقوله «وعلى ميلين من السيالة» أراد من أولها ، ولهذا قال المطري : شرف الروحاء هو آخر السيالة وأنت متوجه إلى مكة ، وأول السيالة إذا قطعت شرف ملل ، وكانت الصخيرات صخيرات التمام عن يمينك ، وقد هبطت من ملل ثم رجعت عن يسارك واستقبلت القبلة ،
فهذه السيالة وكانت قد تجدد فيها بعد النبيصلىاللهعليهوسلم عيون وسكان ، وكان لها وال من جهة والي المدينة ولأهلها أخبار وأشعار ، وبها آثار البناء وأسواق ، وآخرها الشرف المذكور ، والمسجد عنده ، وعنده قبور قديمة كانت مدفن أهل السيالة ، ثم تهبط في وادي الروحاء مستقبل القبلة ، ويعرف اليوم بوادي بني سالم ، بطن من حرب عرب الحجاز ؛ ثم ذكر ما سيأتي.
قلت : وتلك القبور التي عند المسجد مشهورة بقبور الشهداء ، ولعله لكون بعضهم دفن فيها ممن قتل ظلما من الأشراف الذين كانوا بالسيالة وبسويقة ، كما يؤخذ مما سنشير إليه في ترجمة سويقة.
مسجد عرق الظبية
ومنها مسجد عرق الظّبية ـ قال المطري عقب قوله «ثم يهبط في وادي الروحاء مستقبل القبلة» ما لفظه : فتمشي مستقبل القبلة وشعب على يسارك ، إلى أن تدور الطريق بك إلى المغرب وأنت مع أصل الجبل الذي على يمينك ، فأول ما يلقاك مسجد على يمينك كان فيه قبر كبير في قبلته فتهدم على طول الزمان ، صلّى فيه رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، ويعرف ذلك المكان بعرق الظبية ، ويبقى جبل ورقان على يسارك ، قال : وفي المسجد الآن حجر قد نقش عليه بالخط الكوفي عند عمارته الميل الفلاني من البريد الفلاني ، انتهى.
وقال الأسدي : وعلى تسعة أميال ـ يعني من السيالة ـ وأنت ذاهب إلى الرّوحاء مسجد للنبيصلىاللهعليهوسلم يقال له مسجد الظبية ، فيه كانت مشاورة رسول اللهصلىاللهعليهوسلم لقتال أهل بدر ، وهو دون الروحاء بميلين ، انتهى.
وقال المجد في ترجمة الشرف : إن في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها «أصبح رسول اللهصلىاللهعليهوسلم يوم الأحد بملل على ليلة من المدينة ، ثم راح فتعشى بشرف السيالة ، وصلّى الصبح بعرق الظبية».
وروى ابن زبالة عن عمرو بن عوف المزني قال : أول غزوة غزاها النبيصلىاللهعليهوسلم وأنا معه غزوة الأبواء ، حتى إذا كان بالرّوحاء عند عرق الظبية قال : هل تدرون ما اسم هذا الجبل؟ يعني ورقان ، قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : هذا حمت جبل من جبال الجنة ، اللهم بارك لنا فيه ، وبارك لأهله فيه ، تدرون ما اسم هذا الوادي؟ يعني وادي الروحاء ، هذا سجاسج ، لقد صلّى في هذا المسجد قبلي سبعون نبيا ، ولقد مرّ بها ـ يعني الروحاء ـ موسى بن عمران في سبعين ألفا من بني إسرائيل عليه عباءتان قطوانيتان على ناقة له ورقاء ، ولا تقوم الساعة حتى يمر بها عيسى بن مريم حاجا أو معتمرا ، أن يجمع الله له ذلك.
ورواه الطبراني ، وفيه كثير بن عبد الله حسّن الترمذي حديثه ، وبقية رجاله ثقات ، إلا أنه قال فيه عقب قوله «وبارك لأهله فيه» وقال للروحاء هو سجاسج وهذا واد من أودية
الجنة ، لقد صلّى في هذا الوادي قبلي سبعون نبيا ، ولقد مر به موسىعليهالسلام عليه عباءتان قطوانيتان على ناقة ورقاء في سبعين ألفا من بني إسرائيل حاجين البيت العتيق ، ولا تقوم الساعة حتى يمر بها عيسى بن مريم عبد الله ورسوله. ورواه يحيى بنحوه ، إلا أنه قال : لقد صلّى قبلي في هذا الموضع سبعون نبيا ، ورواه الترمذي بلفظ : أن النبيصلىاللهعليهوسلم صلّى في وادي الروحاء ، وقال : لقد صلّى في هذا المسجد سبعون نبيا.
قلت : وآثار هذا المسجد موجودة هناك.
مسجد آخر بالروحاء
ومنها : مسجد بالروحاء ، ذكره الأسدي ، وغاير ما بينه وبين ما قبله وما بعده.
وقال الواقدي في غزوة بدر : ثم سار رسول اللهصلىاللهعليهوسلم حتى أتى الروحاء ليلة الأربعاء النصف من شهر رمضان ، فصلى عند بئر الروحاء.
وسيأتي في ترجمة الروحاء أنه كان بها آبار متعددة ، فلم يبق منها اليوم سوى بئر واحدة ، والله أعلم.
مسجد المنصرف (الغزالة)
ومنها : مسجد المنصرف ، ويعرف اليوم بمسجد الغزالة ، وهو آخر وادي الروحاء مع طرف الجبل ، على يسارك وأنت ذاهب إلى مكة.
قال المطري : ولم يبق منه اليوم إلا عقد الباب.
قلت : وقد تهدم أيضا ، ولم يبق إلا رسومه.
وقال الأسدي : وعلى ثلاثة أميال من الروحاء ، يعني وأنت قاصد مكة ، مسجد لرسول اللهصلىاللهعليهوسلم في سند الجبل ، يقال له مسجد المنصرف ، جبل على يسارك تنصرف منه في الطريق ، انتهى.
وقال البخاري : عقب ما قدمناه في مسجد الشرف من رواية نافع : وأن ابن عمر كان يصلي إلى العرق الذي عند منصرف الروحاء ، وذلك العرق انتهاء طرفه على حافة الطريق دون المسجد الذي بينه وبين المنصرف وأنت ذاهب إلى مكة ، وقد ابتنى ثمّ مسجد فلم يكن عبد الله يصلي في ذلك المسجد ، كان يتركه عن يساره ووراءه ويصلي أمامه إلى العرق نفسه.
قلت : توهّم بعضهم أن المراد عرق الظبية ، وليس كذلك ؛ لتغاير المحلين ، ورأيت بخط بعضهم هنا : العرق جبل صغير.
وروى ابن زبالة عن ابن عمر قال : صلّى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم بشرف الروحاء ، وبالمنصرف عند العرق من الروحاء.
وفي رواية ليحيى عن ابن عمر أنه كان يصلي إلى العرق الذي عند منصرف الروحاء ،
وذلك العرق أثناء طريقه على حافة الطريق ، دون السبيل الذي دون ثنية المنصرف وأنت ذاهب إلى مكة ، قال نافع : كان عبد الله يروح من الروحاء فلا يصلي الظهر حتى يأتي ذلك المكان فيصلي فيه الظهر.
وقال المطري عقب ما تقدم عنه في هذا المسجد : إن عن يمين الطريق إذا كنت بهذا المسجد وأنت مستقبل البادية موضعا كان عبد الله بن عمر ينزل فيه ، ويقول : هذا منزل رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، وكان ثمّ شجرة كان ابن عمر إذا نزل هذا المنزل وتوضأ صبّ فضل وضوئه في أصل الشجرة ، ويقول : هكذا رأيت رسول اللهصلىاللهعليهوسلم يفعل ، وودّ أنه كان يدور بالشجرة أيضا ثم يصبّ الماء في أصلها ، اتباعا للسنة ، وإذا كان الإنسان عند هذا المسجد المعروف بمسجد الغزالة كانت طريق النبيصلىاللهعليهوسلم إلى مكة على يساره مستقبل القبلة ، وهي الطريق المعهودة قديما ، ثم السقيا ، ثم ثنية هرشى ، وهي طريق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، قال : وليس بهذا الطريق اليوم مسجد يعرف غير هذا الثلاثة مساجد ، يعني سوى مسجد ذي الحليفة.
قلت : سببه هجران الحجّاج لهذا الطريق ، وأخذهم من طرف الروحاء على البادية إلى مضيق الصفراء ثم إلى بدر ، وذكر لي بعض الناس ممن سلك تلك الطريق أن كثيرا من مساجدها موجود ، وسيأتي أني ظفرت برؤية مسجد طرف قديد الآتي ذكره ، والله أعلم.
مسجد الرويثة
ومنها : مسجد الرويثة ـ قال البخاري عقب ما تقدم عنه من حديث نافع : وأن عبد الله حدثه أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم كان ينزل تحت سرحة ضخمة دون الرويثة عن يمين الطريق ووجاه الطريق في مكان بطح سهل حتى يفضي من أكمة دوين بريد الرويثة بميلين ، وقد انكسر أعلاها ، وانثنى في جوفها ، وهي قائمة على ساق ، وفي ساقها كثب كثيرة.
وقوله «بريد الرويثة» أي : الموضع الذي ينتهي إليه البريد بالرويثة ، وينزل فيه ، وقيل : البريد سكة الطريق ، ورواه ابن زبالة بنحوه ، وفي رواية له «صلى دون الرويثة عند موضع السرحة».
وقال الأسدي : وفي أول الرويثة مسجد رسول اللهصلىاللهعليهوسلم . قال : وبين الرّوحاء والرويثة ثلاثة عشر ميلا ، وقال في موضع آخر : ستة عشر ميلا ونصف ، ووصف ما بالرويثة من الآبار والحياض ، قال : ويقال للجبل المشرف عليها المقابل لبيوتها «الحمراء» وللذي في دبرها عن يسارها قبل المشرق «الحسناء».
مسجد ثنية ركوبة
ومنها : مسجد ثنية ركوبة كما سيأتي من رواية ابن زبالة في مسجد مدلجة تعهن أنهصلىاللهعليهوسلم
«صلّى في ثنية ركوبة ، وبنى بها مسجدّا». وسيأتي أن ركوبة ثنية قبل العرج للمتوجه من المدينة على يمين ثنية العابر وثنية العابر هي عقبة العرج ، والعرج بعدها بثلاثة أميال كما سيأتي ، ولم يذكر الأسدي هذا المسجد.
مسجد الأثاية
ومنها : مسجد الأثاية ـ بالمثلثة والمثناة التحتية ـ كالنواية على الراجح.
روى ابن زبالة عن جابر بن عبد الله أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم «صلّى عند بئر الإثابة ركعتين في إزار ملتحفا به».
قال المطري : الأثاية ليست معروفة.
قلت : عرفها الأسدي فقال ، في وصف طريق الذاهب لمكة : إن من الرويثة إلى الحي أربعة أميال ، ثم قال : وعقبة العرج على أحد عشر ميلا من الرويثة ، ويقال لها : المدارج ، بينها وبين العرج ثلاثة أميال ، وبها أبيات ، وبئر عند العقبة ، وقبل العرج بميلين قبل أن ينزل الوادي مسجد رسول اللهصلىاللهعليهوسلم يعرف بمسجد الأثاية ، وعند المسجد بئر تعرف بالأثاية ، انتهى.
وقال المجد : الأثاية موضع في طريق الجحفة ، بينه وبين المدينة خمسة وعشرون فرسخا ، وفيه بئر ، وعليها المسجد المذكور ، وعندها أبيات وشجر أراك ، وهو منتهى حد الحجاز ، انتهى.
وهو موافق لما ذكره الأسدي ؛ فإن منتهى حد الحجاز مدارج العرج ، وهي بقربها.
وروى أحمد برجال الصحيح عن عمير بن سلمة الضمري أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم «مرّ بالعرج فإذا هو بحمار عقير ، فلم يلبث أن جاء رجل بهر ، فقال : يا رسول الله ، هذا رميتي فشأنكم فيها ، فأمر رسول اللهصلىاللهعليهوسلم أبا بكر رضي الله تعالى عنه يقسمه بين الرفاق ، ثم سار حتى أتى عقبة الأثاية فإذا بظبي فيه سهم وهو حاقف في ظل صخرة ، فأمر النبيصلىاللهعليهوسلم رجلا من أصحابه فقال : قف هاهنا حتى يمر الرفاق لا يرميه أحد بشيء». ومقتضى ما سبق من صنيع الأسدي أن يكون هذا في رجوعهصلىاللهعليهوسلم من مكة ، خلاف ما اقتضاه صنيع الهيتمي حيث ترجم عليه بجواز أكل لحم الصيد للمحرم إذا لم يصده أو يصد له.
مسجد العرج
ومنها مسجد العرج ـ روى ابن زبالة عن صخر بن مالك بن إياس عن أبيه عن جده أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم «صلّى في مسجد العرج ، وقال فيه» يعني من القيولة ، وأسقط المطري هذا المسجد ، وجعله المجد الذي بعده ، وهو مردود ، ولم يتعرض له الأسدي.
مسجد المنبجس
ومنها : مسجد بطرف تلعة من وراء العرج ، ووقع في نسخة المجد وخط الزين المراغي «بطريق تلعة» وهو تصحيف لأن الذي في صحيح البخاري وكتاب ابن زبالة طرف بالفاء.
قال البخاري ، عقب ما تقدم عنه في مسجد الرويثة من رواية نافع ، وأن عبد الله حدثه أن النبيصلىاللهعليهوسلم صلى في طرف تلعة من وراء العرج ، وأنت ذاهب إلى هضبة ، وعند ذلك المسجد قبران أو ثلاثة ، وعلى القبور رضم من حجارة عن يمين الطريق ، عند سلمات الطريق ، بين أولئك السلمات كان عبد الله يروح من العرج بعد أن تميل الشمس بالهاجرة فيصلي الظهر في ذلك المسجد.
ورواه ابن زبالة إلا أنه قال فيه : من وراء العرج وأنت ذاهب إلى رأس خمسة أميال من العرج في مسجد إلى هضبة.
وقال الأسدي : وعلى ثلاثة أميال من العرج قبل المشرق مسجد لرسول اللهصلىاللهعليهوسلم يقال له مسجد المنبجس قبل الوادي ، والمنبجس : وادي العرج ، وعلى ثمانية أميال من العرج حوضان على عين تعرف بالمنبجس ، انتهى. ولعله المسجد المذكور.
مسجد لحي جمل
ومنها : مسجد لحي جمل ـ قال الأسدي : وعلى ميل من الطلوب مسجد رسول اللهصلىاللهعليهوسلم بموضع يقال له «لحى جمل» قال : والطلوب بئر غليظة الماء بعد العرج بأحد عشر ميلا ، والسقيا بعد الطلوب بستة أميال ، قال : وقبل السقيا بنحو ميل وادي العاند ، ويقال له وادي القاحة ، وينسب إلى بني غفار ، اه.
فتلخص أن هذا المسجد قبل السقيا والقاحة وبعد العرج بالمسافة المذكورة.
ويؤيده أن ابن زبالة روى في سياق هذه المساجد حديث أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم «احتجم بمكان يدعى لحى جمل بطريق مكة وهو محرم».
وفي رواية له «احتجم بالقاحة وهو صائم محرم» ففيه بيان قرب ذلك من القاحة ، ولكن رأيت يحيى ختم كتابه بحديث ابن عمر في هذه المساجد وبآخر النسخة ما صورته : نقل من خط أحمد بن محمد بن يونس الإسكاف في آخر الجزء : قلت : إنه لم يذكر في هذا الحديث المسجد الذي بين السقيا والأبواء الذي يقال له مسجد لحى جمل ، انتهى.
وهو يقتضي أنه بعد السقيا بينها وبين الأبواء ، ويوافقه قول عياض : قال ابن وضاح : لحى جمل في عقبة الجحفة. وقال غيره : على سبعة أميال من السقيا.
ورواه بعض رواة البخاري «لحيي جمل» أي بالتثنية ، وفسره فيه بأنه ما يقال له لحيي جمل أي في حديث «احتجم النبيصلىاللهعليهوسلم بلحيي جمل».
وقال المجد : هي عقبة على سبعة أميال من السقيا.
وفي كتاب مسلم أنه ماء.
مسجد السقيا
ومنها : مسجد السقيا ـ روى ابن زبالة في سياق المساجد التي بطريق مكة من حديث عوف بن مسكين بن الوليد البلوي عن أبيه عن جده أن النبيصلىاللهعليهوسلم «صلّى في مسجد بالسقيا».
وقال الأسدي ، بعد ما تقدم عنه في المسافة بين الطلوب والسقيا : وبالسقيا مسجد لرسول اللهصلىاللهعليهوسلم إلى الجبل ، وعنده عين عذبة ، ثم ذكر أن بالسقيا أزيد من عشر آبار ، وأن عند بعضها بركة. ثم قال : وفيها عين غزيرة الماء ، ومصبها في بركة في المنزل ، وهي تجري إلى صدقات الحسن بن زيد ، عليها نخل وشجر كثير ، وكانت قد انقطعت ثم عادت في سنة ثلاث وأربعين ومائتين ثم انقطعت في سنة ثلاث وخمسين ومائتين ، قال : وعلى ميل من المنزل موضع فيه نخل وزرع وصدقات للحسن بن زيد فيها من الآبار التي يزرع عليها ثلاثون بئرا ، وفيها ما أحدث في أيام المتوكل خمسون بئرا ، وماؤهن عذب ، وطول رشائهن قامة وبسطة ، وأقل وأكثر.
ثم وصف ما بعد السقيا فقال : وعلى ثلاثة أميال من السقيا عين يقال لها تعهن انتهى.
وفي حديث أبي قتادة في الصحيح بركة بتعهن ، وهو مقابل السقيا ، وسيأتي في ترجمة تعهن ما قيل من أنها قبل السقيا ، مع بيان أن المعروف اليوم أنها بعدها.
مسجد مدلجة تعهن
ومنها : مسجد مدلجة عهن ـ روى ابن زبالة عن صخر بن مالك بن إياس عن أبيه عن جده أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم «صلّى بمدلجة تعهن ، وبنى بها مسجدّا ، وصلّى في ثنية ركوبة ، وبنى بها مسجدّا».
قلت : لم يذكره إلا الأسدي ، وقد سبق عنه أن تعهن بعد السقيا بثلاثة أميال.
مسجد الرمادة
ومنها : مسجد الرمادة ـ قال الأسدي : ودون الأبواء بميلين مسجد للنبيصلىاللهعليهوسلم يقال له «مسجد الرّمادة» وذكر ما حاصله أن الأبواء بعد السقيا لجهة مكة بأحد وعشرين ميلا ، وأن في الوسط بينهما عين القشيري ، وهي عين كثيرة الماء ، ويقال للجبل المشرف عليها الأيسر «قدس» وأوله في العرج ، وآخره وراء هذه العين ، والجبل الذي يقابلها يمنة يقال له «باقل» ويقال للوادي الذي بين هذين الجبلين «وادي الأبواء» انتهى.
مسجد الأبواء
ومنها : مسجد الأبواء ـ قال الأسدي بعد ما تقدم في وصف ما بين الأبواء والجحفة : إن الجحفة بعد الأبواء بثلاثة عشر ميلا ، قال : وفي وسط الأبواء مسجد لرسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، وذكر بها آبارا وبركا ، منها بركة بقرب القصر ، قال : وإذا جزت وادي الأبواء بميلين كان على يسارك شعاب تسمى «نلعان اليمن» وذكر أن ودّان ناحية عن الطريق بنحو ثمانية أميال ، ينزل به من لا ينزل إلا الأبواء ، فمن أراده رحل من السقيا إليه ، وبه عيون غزيرة عليها سبعة مشارع وبركة قديمة ، ثم يرحل منه فيخرج عند ثنية هرشي بينها وبين ودّان خمسة أميال ، وقد عمل لهذه الطريق أعلام وأميال أمر بها المتوكل.
قلت : وكلا الطريقين عن يسار طريق الناس اليوم بأسفل ودّان وهي معطشة لا ماء بها إلا ما يحمل من بدر إلى رابغ.
مسجد البيضة
ومنها : مسجد يسمى بالبيضة ـ قال الأسدي : وعلى خمسة أميال وشيء من الأبواء مسجد لرسول اللهصلىاللهعليهوسلم يقال له البيضة.
مسجد عقبة هرشي
ومنها : مسجد عقبة هرشى ـ قال الأسدي : وعلى ثمانية أميال من الأبواء عقبة هرشى ، وعلم منتصف الطريق ما بين مكة والمدينة دون العقبة بميل ، وفي أصل العقبة مسجد للنبيصلىاللهعليهوسلم حد الميل الذي مكتوب عليه سبعة أميال من البريد ، انتهى.
قال البخاري ، عقب ما تقدم عنه في المسجد الذي بطرف تلعة من رواية نافع : وأن عبد الله حدثه أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم نزل عند سرحات عن يسار الطريق في مسيل دون هرشي ، ذلك المسيل لاصق بكراع هرشى ، بينه وبين الطريق قريب من غلوة ، وكان عبد الله بن عمر يصلي إلى سرحة هي أقبل السرحات إلى الطريق ، وهي أطولهن.
مسجد الجحفة
ومنها : مسجدان بالجحفة ـ قال الأسدي ، في وصف ما بين الجحفة وقديد ، بعد ذكر ما بالجحفة من الآبار والبرك والعيون : وفي أول الجحفة مسجد لرسول اللهصلىاللهعليهوسلم يقال له غورث ، وفي آخرها عند العلمين مسجد لرسول اللهصلىاللهعليهوسلم يقال له مسجد الأئمة.
مسجد غدير خم
ومنها : مسجد بعد الجحفة ، وأظنه مسجد غدير خم ـ قال الأسدي ، بعد ما تقدم عنه : وعلى ثلاثة أميال من الجحفة بسرة عن الطريق حذاء العين مسجد لرسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، وبينهما الغيضة ، وهي غدير خم ، وهي على أربعة أميال من الجحفة ، انتهى.
وقال عياض : غدير خم تصب فيه عين ، وبين الغدير والعين مسجد للنبيصلىاللهعليهوسلم ، انتهى.
وأخبرني مخبر أنه رأى هذا المسجد على نحو هذه المسافة من الجحفة ، وقد هدم السيل بعضه.
وفي مسند أحمد عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه قال : كنا عند النبيصلىاللهعليهوسلم فنزلنا بغدير خم ، فنودي فينا الصّلاة جامعة ، وكسح لرسول اللهصلىاللهعليهوسلم تحت شجرة فصلى الظهر ، وأخذ بيد علي وقال : ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا : بلى ، قال : فأخذ بيد علي وقال : اللهم من كنت مولاه فعليّ مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ، قال : فلقيه عمر بعد ذلك فقال : هنيئا يا ابن أبي طالب ، أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة ، وعن زيد بن أرقم مثله.
مسجد طرف قديد
ومنها : مسجد ذكر الأسدي أنه قبل قديد بثلاثة أمثال ، وذكر أن خيمتي أمّ معبد الخزاعية وموضع مناة الطاغية في الجاهلية على نحو هذه المسافة.
قلت : وقد عثرت في مسيري إلى مكة على مسجد قديم قرب طرف قديد ، وهو مرتفع عن يمين الطريق ، مبني بالأحجار والقصّة ، يظهر أنه هذا المسجد.
مسجد عند حرة خليص
ومنها : مسجد عند حرة عقبة خليص قال الأسدي : من قديد إلى عين ابن بزيع وهي خليص على ثمانية أميال وشيء ، وذكر آبارا كثيرة بقديد ، قال : وعقبة خليص بينها وبين خليص ثلاثة أميال ، وهي عقبة تقطع حرّة تعترض الطريق يقال لها ظاهرة البركة ، والشجر ينبت في تلك الحرة ، وعند الحرة مسجد لرسول اللهصلىاللهعليهوسلم .
مسجد خليص
ومنها : مسجد خليص قال الأسدي : خليص عين غزيرة كثيرة الماء ، وعليها نخل كثير ، وبركة ، ومشارع ، ومسجد لرسول اللهصلىاللهعليهوسلم .
مسجد بطن مر الظهران
ومنها : مسجد بطن مرّ الظّهران قال البخاري ، عقب ما تقدم عنه في مسجد عقبة هرشى من رواية نافع : وأن عبد الله بن عمر حدثه أن النبيصلىاللهعليهوسلم «كان ينزل في المسيل الذي في أدنى مرّ الظّهران قبل المدينة ، حين يهبط من الصفراوات ، ينزل في بطن ذلك المسيل عن يسار الطريق وأنت ذاهب إلى مكة ، ليس بين منزل رسول اللهصلىاللهعليهوسلم وبين الطريق إلا رمية بحجر».
قال المطري ، في وصف هذا المسجد : إنه بوادي مرّ الظهران حين يهبط من الصفراوات عن يسار الطريق وأنت ذاهب إلى مكة ، قال : ومر الظهران هو بطن مرّ المعروف ، وليس المسجد بمعروف اليوم ، انتهى.
وقال الزين المراغي : ويقال : إنه المسجد المعروف بمسجد الفتح ، انتهى.
وقال التقي الفاسي : المسجد الذي يقال له مسجد الفتح بالقرب من الجموم من وادي مر الظهران ، يقال : إنه من المساجد التي صلّى فيها رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، ثم ذكر ما قاله المراغي.
ثم قال : وممن عمر هذا المسجد على ما بلغني أي جدد عمارته أبو علي صاحب مكة ، وممن عمره بعد ذلك الشريف حياش ، قال : وبيضه في عصرنا ورفع أبوابه صونا له الشريف حسن بن عجلان ، انتهى.
وهذا المسجد ينظره الذاهب من الجموم إلى مكة عن يساره عند المسيل.
وقال الأسدي : بين مكة وبطن مر سبعة عشر ميلا ، وببطن مر مسجد لرسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، وبركة للسيل طولها ثلاثون ذراعا ، وربما ملئت هذه البركة من عين يقال لها العقيق ، قال : وبحضرة هذه البركة بئران.
مسجد سرف
ومنها : مسجد سرف ـ بفتح السين المهملة ، وكسر الراء ـ وهذا المسجد به قبر ميمونة رضي الله تعالى عنها ، شاهدته وزرته ؛ إذ المرويّ أنها دفنت بسرف ، بالموضع الذي بني عليها النبيصلىاللهعليهوسلم فيه.
وفي حديث أنس أنهصلىاللهعليهوسلم «كان لا ينزل منزلا إلا ودّعه بركعتين» وقال الأسدي ما لفظه : ومسجد سرف على سبعة أميال من مر ، وقبر ميمونة زوج النبيصلىاللهعليهوسلم دون سرف ، اه. والمعروف ما قدمناه.
قال التقي الفاسي : من القبور التي ينبغي زيارتها قبر أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث الهلالية ، وهو معروف بطريق وادي مر ، قال : ولا أعلم بمكة ولا فيما قرب منها قبر واحد ممن صحب النبيصلىاللهعليهوسلم سوى هذا القبر ؛ لأن الخلف تأثر ذلك عن السلف.
مسجد التنعيم
ومنها : مسجد بالتنعيم قال الأسدي : والتنعيم وراء قبر ميمونة بثلاثة أميال ، وهو موضع الشجرة ، وفيه مسجد لرسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، وفيه آبار ، ومن هذا الموضع يحرم من أراد أن يعتمر. ثم قال : ميقات أهل مكة بالإحرام مسجد عائشة ، وهو بعد الشجرة بميلين ، وهو دون مكة بأربعة أميال ، وبينه وبين أنصاب الحرم غلوة ، اه.
قلت : وبالتنعيم عدّة مساجد : اثنان منها اختلف في المنسوب منهما لعائشة رضي الله تعالى عنها ، ولم يذكر التقي ولا غيره بالتنعيم مسجدّا للنبيصلىاللهعليهوسلم .
قال التقي في ذكر مسجد عائشة : وهذا المسجد اختلف فيه ، فقيل : هو المسجد الذي يقال له مسجد الهليلجة ، لشجرة هليلجة كانت فيه وسقطت من قريب ، وهو المتعارف عند أهل مكة على ما ذكره سليمان بن خليل ، وفيه حجارة مكتوب فيها ما يؤيد ذلك ، وقيل : هو المسجد الذي بقربه بئر ، وهو بين هذا المسجد وبين المسجد الذي يقال له «مسجد علي» بطريق وادي مر الظهران ، وفي هذا أيضا حجارة مكتوب فيها ما يشهد لذلك ، ورجّح المحبّ الطبري أنه المسجد الذي بقربه البئر ، وهو الذي يقتضيه كلام إسحاق الخزاعي وغيره ، قال : إن بين مسجد الهليلجة وأول الأعلام سبعمائة ذراع وأربعة عشر ذراعا بذراع الحديد ، وذرع ما بينه وبين المسجد الآخر ثمانمائة ذراع واثنان وسبعون ذراعا بالذراع المذكور ، اه.
والأقرب لكلام الأسدي أن مسجد عائشة رضي الله تعالى عنها هو مسجد الهليلجة ؛ لكونه أقرب إلى أعلام الحرم من الثاني ، ولعل المنسوب للنبيصلىاللهعليهوسلم هو مسجد عليّ أو المسجد الثاني.
عمرات الرسولصلىاللهعليهوسلم
ورأيت عن بعضهم : روى ابن عباس أن النبيصلىاللهعليهوسلم اعتمر أربع عمر : عمرة الحديبية ، وعمرة القضاء ، وعمرة التنعيم ، وعمرة الجعرانة.
قلت : وذكر التنعيم غير معروف ، والمعروف في الرابعة أنها التي مع حجّته ، فلعل المراد من نسبتها إلى التنعيم أن النبيصلىاللهعليهوسلم دخل مكة فيها من جهته.
مسجد ذي طوى
ومنها : مسجد ذي طوى ـ قال البخاري ، عقب ما تقدم عنه في مسجد بطن مرّ من رواية نافع : وأن عبد الله حدثه أن النبيصلىاللهعليهوسلم «كان ينزل بذي طوى ، ويبيت حتى يصبح يصلي الصبح حين يقدم مكة» ومصلّى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ذلك على أكمة غليظة ليس في المسجد الذي بنى ثم ، ولكن أسفل من ذلك ، على أكمة غليظة ، وأن عبد الله حدثه أن النبيصلىاللهعليهوسلم «استقبل فرضتي الجبل الذي بينه وبين الجبل الطويل نحو الكعبة فجعل المسجد الذي بني ثم يسار المسجد بطرف الأكمة ، ومصلى النبيصلىاللهعليهوسلم أسفل منه على الأكمة السوداء ، تدع من الأكمة عشرة أذرع أو نحوها ، ثم تستقبل الفرضتين من الجبل الذي بينك وبين الكعبة ، انتهى.
قال المطري ، وتبعه من بعده : وادي ذي طوى هو المعروف بمكة بين الثنيتين.
قلت : ويعرف عند أهل مكة اليوم كما قال التقي بما بين الحجونين ، وهو موافق لقول الأزرقي : بطن ذي طوى ما بين مهبط ثنية المقبرة التي بالمعلى إلى الثنية القصوى التي يقال لها الخضراء تهبط على قبور المهاجرين ، انتهى.
وقال الأسدي ، في وصف ما بين مسجد عائشة رضي الله تعالى عنها ومكة : فج بعد مسجد عائشة رضي الله تعالى عنها بنحو ميلين ، وعقبة المذنبين بعد فج بميل يسرة عن الطريق ، وطريق ذي طوى إلى المسجد نحوا من نصف ميل ، وقال في موضع آخر : يستحب الصلاة بمسجد ذي طوى ، وهو بين مسجد ثنية المذنبين المشرفة على مقابر مكة وبين الثنية التي تهبط على الحصحاص ، وذلك المسجد ثنية زبيدة ، انتهى.
الفصل الرابع
في بقية المساجد التي بين مكة والمدينة بطريق الحاج في زماننا ، وبطريق
المشبان ، وما قرب من ذلك ، وما حلصلىاللهعليهوسلم به من المواضع ، وإن لم يبن مسجدّا
دبّة المستعجلة
فمنها : موضع بدبّة المستعجلة ـ بفتح الدال المهملة وتشديد الموحدة ـ وهو الكثيب من الرمل.
روى ابن زبالة عن محمد بن فضالة أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم نزل بالدّبّة دبة المستعجلة من المضيق ، واستقى له من بئر الشعبة الصابّة أسفل من الدبة ، فهو لا يفارقها أبدا
قال المطري : والمستعجلة هي المضيق الذي يصعد إليه الحاج إذا قطع النازية وهو متوجه إلى الصفراء ، يعني من أعلى فركان خيف بني سالم.
شعب سير
قال : وذكر ابن إسحاق أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم نزل بشعب سير وهو الشعب الذي بين المستعجلة والصفراء ـ وقسم به غنائم أهل بدر ، ولا يزال فيه الماء غالبا ، انتهى.
قلت : الذي قاله ابن إسحاق كما في تهذيب ابن هشام : ثم أقبل رسول اللهصلىاللهعليهوسلم من بدر حتى إذا خرج من مضيق الصفراء نزل على كثيب بين المضيق وبين النازية يقال له سير إلى سرحة ، وقسم هناك النّفل.
قلت : وهو صريح في أن سير بعد مضيق الصفراء للجائي من بدر ، وبعده النازية ، فإن كانت المستعجلة هي مضيق الصفراء فهو يقتضي أن سير بينها وبين النازية ، فهو مخالف لما ذكره المطري من أنه بين المستعجلة والصفراء ، فليحمل مضيق الصفراء على غير المضيق الذي هو المستعجلة ، ويكون مضيق الصفراء هنا من ناحية أسفل الخيف ؛ لأن الذي ذكره المطري في شعب سير هو المعروف اليوم ، ولأني رأيت في أوراق لم أعرف مؤلفها أن شعب سير هو النزلة التي كانت للحاج إذا رجع عن المستعجلة ونزل في فركان الخيف.
قال : وهناك بركة قديمة ، وهو الشعب بين جبلين يعرف بجبال المضيق علو الصفراء ، وبينه وبين المستعجلة نحو نصف فرسخ ، انتهى. والبركة والموضع معروفان كما وصف ،
ولعل سير هذا هو المعبر عنه في رواية ابن زبالة بالدبة ؛ لأنها مجتمع الرمل ، وقد سماه ابن إسحاق كثيبا ، ويؤخذ منه أن الخيف كله أعلاه ، وأسفله هو مضيق الصفراء.
ذكر عدة مساجد
ومنها : مسجد بذات أجدال ، ومسجد بالجيزتين من المضيق ، ومسجد بذفران ، وموضع بذنب ذفران المقبل.
وروى ابن زبالة عن ابن فضالة قال : صلّى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم بمسجد بذات أجدال من مضيق الصفراء ، ومسجد بالجيزتين من المضيق ، ومسجد بذفران المدبر من البناء ، وصلّى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم بذنب ذفران المقبل الذي يصبّ في الصفراء ، قال : فحفرت بئر هنالك يقال : إنها في موضع جبهة النبيصلىاللهعليهوسلم ، فلها فضل في العذوبة على ما حواليها.
قلت : مضيق الصفراء تقدمت الإشارة إليه قريبا ، وذفران : واد معروف قبل الصفراء بيسير ، يصب سيله فيها ، ويسلكه الحاج المصري في رجوعه من المدينة إلى ينبغ ، فيأخذ ذات اليمين ويترك الصفراء يسارا.
قال ابن إسحاق ، في وصف مسيرهصلىاللهعليهوسلم إلى بدر : فلما كان بالمنصرف ـ أي عند مسجد الغزالة ـ ترك طريق مكة بيسار ، وسلك ذات اليمين على النازية يريد بدرا ، فسلك في ناحية منها حتى جزع ـ أي قطع ـ واديا يقال له رجفان بين النازية وبين مضيق الصفراء ثم على المضيق ، ثم انصب حتى إذا كان قريبا من الصفراء ، ثم ذكر أنه بعث من يتجسس له الأخبار.
قال : ثم ارتحل ، فلما استقبل الصفراء ـ وهي قرية بين جبلين ـ سأل عن جبليها : ما أسماؤهما؟ فقالوا : يقال لأحدهما المسلح ، وقالوا للآخر : هذا مجرى ، وسأل عن أهلهما فقيل : بنو النار وبنو حراق ، بطنان من بني غفار ، فكرههماصلىاللهعليهوسلم والمرور بينهما ، وتفاءل بأسمائهما وأسماء أهلهما ، فترك الصفراء يسارا ، وسلك ذات اليمين على واد يقال له ذفران.
مسجد ذفران
قلت : وبذفران اليوم مسجد يتبرك به على يسار من سلكه إلى ينبع ، فأظنه مسجد ذفران ، ورأيت قبل الوصول إلى طرف ذفران الذي يلي الصفراء على يمين السالك في طريق مكة يريد الصفراء ، رأيت عليها مسجدّا مبنيا بالجص مرتفعا عن الطريق يسيرا ، يتبرك الناس بالصلاة فيه ، وليس بقربه مساكن ؛ فالظاهر أنه أحد المساجد المذكورة ، ورأيت أمام محرابه قبرا قديما محكم البناء ، ولعله قبر عبيدة بن الحارث بن المطلب ، فقد ذكر ابن إسحاق وغيره أنه مات بالصفراء من جراحته التي أصابته في المبارزة ببدر ، ولم يذكروا محل دفنه ، إلا أن
ابن عبد البر قال عقبه : ويروى أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم لما نزل مع أصحابه بالنازيين قال له أصحابه : إنا نجد ريح مسك ، فقال : وما يمنعكم وهاهنا قبر أبي معاوية؟ يعني عبيدة بن الحارث ، انتهى. والنازيين غير معروف اليوم.
وقال المطري ، عقب ذكر وفاة عبيدة بالصفراء : فدفنه رسول اللهصلىاللهعليهوسلم بها ، وكان أسنّ بني عبد مناف يومئذ ، وأظن مستنده في ذكر الدفن بها موته بها مع قول هند بنت أثائة في رثائه على ما نقله ابن إسحاق :
لقد ضمّن الصّفراء مجدّا وسوددا |
وحلما أصيلا وافر اللّبّ والعقل |
|
عبيدة ، فابكيه لأضياف غربة |
وأرملة تهوى لأشعث كالجدل |
وقال الزين المراغي : إنه مات بالصفراء من جراحته ، فإن قبره بذفران ، هكذا رأيته بخطه ، ولم أقف على مستنده في ذلك ، والنبيّصلىاللهعليهوسلم لم يسلك ذفران في رجوعه من بدر ؛ لأنه رجع على الصفراء ، لكنه مرّ بطرف ذفران الذي يصب فيها.
مسجد الصفراء
ومنها : مسجد بالصفراء روى ابن زبالة عن طلحة بن أبي جدير أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم صلّى في مسجد الصفراء.
قلت : ذكر لي بعض الناس أن هذا المسجد معروف بالصفراء يتبرك به.
مسجد ثنية مبرك
ومنها : مسجد بثنية مبرك ـ روى ابن زبالة عن الأصبغ بن مسلم وعيسى بن معن أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم صلّى مطلعه من ثنية مبرك ، في مسجد هناك بينه وبين دعان ستة أميال أو خمسة.
قلت : ثنية مبرك : معروفة تسلك إلى ينبغ في المغرب من جهة أسفل خيف بني سالم من ذات اليمين ، وطريق الصفراء ذات اليسار.
مسجد بدر
ومنها : مسجد بدر ـ كان العريش الذي بنى لرسول اللهصلىاللهعليهوسلم يوم بدر عنده ، وهذا المسجد معروف اليوم بقرب بطن الوادي بين النخيل ، والعين قريبة منه ، وبقربه في جهة القبلة مسجد آخر يسميه أهل بدر ، مسجد النصر ، ولم أقف فيه على شيء.
مسجد العشيرة
ومنها : مسجد العشيرة ـ معروف ببطن ينبع ، وهو مسجد القرية التي ينزلها الحاج المصري ينبع ، في ورده وصدره.
روى ابن زبالة عن عليّ بن أبي طالب أن النبيصلىاللهعليهوسلم صلّى في مسجد ينبع بعين بولا.
قلت : والعين اليوم جارية عنده ، لكن لا تعرف بهذا الاسم.
قال المجد : وهذا المسجد اليوم من المساجد المقصودة المشهورة ، والمعابد المشهودة المذكورة ، تحمل إليه النذور ، ويتقرب إلى الله بالزيارة له والحضور ، ولا يخفى على النفس المؤمنة روح ظاهرة على ذلك المكان ، وأنس يشهد له بأنه حضرة سيد الإنس والجان.
مساجد الفرع
ومنها : مساجد ثلاثة بالفرع ـ بضم الفاء ـ يمر بها من سلك طريقها إلى مكة.
روى ابن زبالة عن أبي بكر بن الحجاج وغيره أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم نزل الأكمة من الفرع ، فقال في مسجدها الأعلى ، ونام فيه ، ثم راح فصلى الظهر في المسجد الأسفل من الأكمة ، ثم استقبل الفرع فبرّك فيها ، وكان عبد الله بن عمر ينزل المسجد الأعلى فيقيل فيه ، فيأتيه بعض نساء أسلم بالفراش ، فيقول : لا ، حتى أضع جنبي حيث وضع رسول اللهصلىاللهعليهوسلم جنبه ، وأن سالم بن عبد الله كان يفعل ذلك ، وروى أيضا عن عبد الله بن مكرم الأسلمي عن مشيخته أن النبيصلىاللهعليهوسلم نزل في موضع المسجد بالبرود من مضيق الفرع ، وصلّى فيه.
مسجد الضيقة
ومنها : مسجد بالضيقة وكهف أعشار ـ روى ابن زبالة عن أبي بكر بن الحجاج وسليمان بن عاصم عن أبيه أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم صلّى في مسجد في الضيقة مخرجه من ذات حماط. وذكر الزبير ذات الحماط في الأودية التي تصبّ في وادي العقيق في القبلة مما يلي المغرب قرب البقيع ، ثم روى هذا الحديث. وذكر أيضا في هذه الأودية كهف أعشار ، كما سيأتي عنه ، ثم روي عن أبي بكر بن الحجاج وسليمان بن عاصم عن أبيه أن النبيصلىاللهعليهوسلم في غزوة بني المصطلق نزل في كهف أعشار وصلى فيه.
مسجد مقمل
ومنها : مسجد مقمل ، بوسط النقيع حمى النبيصلىاللهعليهوسلم ، على يومين من المدينة في جهة درب المشبان.
روى ابن زبالة عن محمد بن هيصم المزني عن أبيه عن جده أن النبيصلىاللهعليهوسلم أشرف على مقمل ظرب وسط النقيع ، وصلّى عليه ، فمسجده هنالك.
قال أبو هيصم المدني : وكان أبو البحتري وهب بن وهب في سلطانه على المدينة بعث إليّ بثمانين درهما فعمرته بها.
قال أبو علي الهجري : إن مقملا على ظرب صغير ، على غلوة من برام ، عليه المسجد المذكور ، ووهم المجد فعدّه في مساجد المدينة.
الفصل الخامس
في بقية المساجد والمواضع المتعلقة به ص
مسجد العصر
فمنها : مسجد العصر ، وعصر سيأتي أنه على مرحلة من المدينة.
قال ابن إسحاق : إن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم حين خرج من المدينة إلى خيبر سلك على عصر ، فبني له فيها مسجد ، ثم على الصهباء.
قال المطري : مسجد عصر من مشهوري المساجد التي صلّى فيها النبيصلىاللهعليهوسلم عند خروجه إلى خيبر.
مسجد الصهباء
ومنها : مسجد بالصهباء ، وهي على روحة من خيبر.
روى مالك عن سويد بن النعمان رضي الله تعالى عنه أنه خرج مع النبيصلىاللهعليهوسلم عام خيبر ، حتى إذا كانوا بالصهباء ـ وهي من أدنى خيبر ـ نزل فصلى العصر ، ثم دعا بالأزواد ، فلم يؤت إلا بالسويق ، فأكل وأكلنا ، ثم قام إلى المغرب فمضمض ومضمضنا ، ثم صلى ولم يتوضأ ، قال المطري : والمسجد بها معروف.
قلت : وقد قدمنا قصة رد الشمس عنا عند ذكر مسجد الفضيخ من مساجد المدينة.
مسجدان قرب خيبر
ومنها : مسجدان بقرب خيبر أيضا قال الأقشهري ، ومن خطه نقلت وبنى لهصلىاللهعليهوسلم مسجد بالحجارة حين انتهى إلى موضع بقرب خيبر يقال له المنزلة ، عرّس بها ساعة من الليل فصلى فيها نافلة ، فعادت راحلته تجرّ زمامها ، فأدركت لترد فقال : دعوها فإنها مأمورة ، فلما انتهت إلى موضع الصخرة بركت عندها ، فتحوّل رسول اللهصلىاللهعليهوسلم إلى الصخرة ، وتحوّل الناس إليها ، وابتنى هنالك مسجدّا ، فهو مسجدهم اليوم.
مسجد بين الشق ونطاة
ومنها : مسجد بين الشق والنطاة من خيبر روى ابن زبالة عن حسن بن ثابت بن ظهير أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم «أتى خيبر ، ودليله رجل من أشجع ، فسلك به صدور الأودية ، فأدركته الصلاة بالقرقرة ، فلم يصل حتى خرج منها ، فنزل بين أهل الشق وأهل النطاة ، وصلّى على عوسجة هناك ، وجعل حولها الحجارة.
مسجد شمران
ومنها : مسجد بشمران ـ روى ابن زبالة عن إبراهيم بن جعفر عن أبيه قال : صلّى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم على رأس جبل بخيبر يقال له شمران ، فثم مسجده من ناحية سهم بني النذار ، قال المطري : ويعرف هذا الجبل اليوم بشمران.
مساجد تبوك
ومنها : مساجد غزوة تبوك ـ قال ابن رشد ، في بيانه : بنى النبيّصلىاللهعليهوسلم بين تبوك والمدينة نحو ستة عشر مسجدّا ، أولها بتبوك وآخرها بذي خشب ، وذكر ابن زبالة نحو هذه العدة ، وقال ابن إسحاق : كانت المساجد معلومة مسماة ، وسردها أربعة عشر مسجدّا ، وخالف في تعيين بعض مواضعها لما ذكره ابن زبالة ، وذكرها الحافظ عبد الغني وزاد عن الحاكم مسجدّا.
وقد اجتمع لنا من مجموع ذلك عشرون مسجدّا :
فالأول : بتبوك ، قال ابن زبالة : ويقال له مسجد التوبة ، قال المطري : وهو من المساجد التي بناها عمر بن عبد العزيز ، قال المجد : دخلته غير مرة ، وهو عقود مبنية بالحجارة.
الثاني : بثنية مدران ـ بفتح الميم وكسر الدال المهملة ـ تلقاء تبوك.
الثالث : بذات الزراب ـ بكسر الزاي ـ على مرحلتين من تبوك.
الرابع : بالأخضر ، على أربع مراحل من تبوك.
الخامس : بذات الخطمى ، كذا في تهذيب ابن هشام ، ومشى عليه المجد ، وفي كتاب المطري «بذات الخطم» بفتح الخاء المعجمة ثم طاء مهملة على خمس مراحل من تبوك.
السادس : ببألى ـ بالموحدة المفتوحة ، ثم همزة ولام مفتوحتين ـ على خمس مراحل أيضا منها ، قاله المطري ، وكذا هو في تهذيب ابن هشام ، وفي نسخة ابن ربالة بنقيع بولا.
السابع : بطرف البتراء ، تأنيث أبتر ، قال ابن إسحاق : من ذنب كواكب وقال أبو عبيدة البكري : إنما هو كوكب جبل هناك ببلاد بني الحارث بن كعب.
الثامن : بشق تاراء ـ بالمثناة الفوقية والراء ـ زاد ابن زبالة : من جويرة.
التاسع : بذي الحليفة ، قاله ابن زبالة وغيره أيضا ، وهو غريب لم يذكره أصحاب البلدان.
العاشر : بذي الخليفة ، لم أر من جمعه مع الذي قبله إلا المجد ، وقال : إنه بكسر الخاء المعجمة ، وقيل بفتحها ، وقيل بجيم مكسورة ، وقيل بحاء مهملة مفتوحة ، واقتصر في أسماء البقاع على كسر الجيم ، والذي في تهذيب ابن هشام ذكر هذا المسجد بدل الذي قبله ، وعكس ابن زبالة.
الحادي عشر : بالشوشق ، قاله الحافظ عبد الغني عن الحاكم ، قال المجد : وكأنه تصحيف.
الثاني عشر : بصدر حوضي ـ بالحاء المهملة ، والضاد المعجمة ، مقصور كما وجد بخط ابن الفرات ، واقتصر عليه المطري ، وقال المجد ـ مع ذكره لذلك في أسماء البقاع : إنه بفتح
الحاء والمد موضع بين وادي القرى وتبوك قال : وهناك مسجدهصلىاللهعليهوسلم ، انتهى. وهو مخالف لما ذكره هناك من المغايرة بين مسجد ذي الحليفة وبين مسجد صدر حوضي في ذنب حوضي ومسجد آخر في ذي الحليفة من صدر حوضي ، والمغايرة هي التي في تهذيب ابن هشام ، ولعله صدر حوضي هو المعبر عنه بسمنة في رواية ابن زبالة ، فإنه كما سيأتي ماء قرب وادي القرى ، وفي نسخة المجد في حكاية روايته : ومسجد بذنب حويضي بدل قوله بسمنة.
الثالث عشر : بالحجر ، وذكر ابن زبالة بدله العلاء ، وكلاهما بوادي القرى.
الرابع عشر : بالصعيد صعيد قزح.
الخامس عشر : بوادي القرى ، وقال الحافظ عبد الغني ، في مسجد الصعيد : وهو اليوم مسجد وادي القرى.
قلت : فهذا والذي قبله بوادي القرى ، وفي رواية ابن زبالة : ومسجدان بوادي القرى أحدهما في سوقها والآخر في قرية بني عذرة ، فلعل هذا هو الذي بقرية بني عذرة ، والذي قبله هو الذي بالسوق ، لكن المجد غاير بين الثلاثة أخذا بظاهر العبارة ، ولأن في رواية أخرى لابن زبالة «صلّى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم في المسجد الذي بصعيد قزح من الوادي ، وتعلمنا مصلاه بأحجار وعظم ، فهو المسجد الذي يجتمع فيه أهل الوادي».
السادس عشر : بقرية بني عذرة ، لم يذكره ابن إسحاق ، وذكره ابن زبالة كما تقدم.
السابع عشر : بالرقعة ، على لفظ رقعة الثوب ، قال أبو عبيد البكري : أخشى أن يكون بالرقمة ـ بالميم ـ من الشقة شقة بني عذرة ، وقال ابن زبالة بدله : بالسقيا ، قال المجد في أسماء البقاع : والسقيا من بلاد عذرة قريبة من وادي القرى.
الثامن عشر : بذي المروة ، قال المطري : وهو على ثمانية برد من المدينة ، كان بها عيون ومزارع وبساتين أثرها باق إلى اليوم.
قلت : وسيأتي في ترجمتها ما جاء في نزولهصلىاللهعليهوسلم بها.
التاسع عشر : بالفيفاء فيفاء الفحلتين ، قاله المطري ، كان بها عيون وبساتين لجماعة من أولاد الصحابة وغيرهم.
قلت : وسيأتي في ترجمة الفحلتين أنهما قنتان تحتهما صخر على يوم من المدينة.
العشرون : بذي خشب على مرحلة من المدينة ، ولفظ رواية ابن زبالة أن النبيصلىاللهعليهوسلم صلّى تحت الدومة التي في حائط عبيد الله بن مروان بذي خشب ، فهنالك يجتمعون.
وفي سنن أبي داود أن النبيصلىاللهعليهوسلم نزل في موضع المسجد تحت دومة ، فأقام ثلاثا ، ثم خرج إلى تبوك ، وإن جهينة لحقوه بالرحبة ، فقال لهم : من أهل ذي المروة؟ قالوا : بنو رفاعة من جهينة ، فقال : قد قطعتها لبني رفاعة ، فاقتسموها ، فمنهم من باع ومنهم من أمسك فعمل.
وسنتكلم على هذه الأماكن بأوفى من هذا في محلها إن شاء الله تعالى.
مسجد الكديد
ومنها : موضع مصلّاه بنخل ، ومسجد على ميل من الكديد ـ روى ابن زبالة أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم نزل بنخل تحت أثلة لرجل من أشجع من بني نعيم في مزرعة له في وسطها نخل ، وصلى تحتها ، فأضرّ الناس بتلك المزرعة ، فقطع صاحب المزرعة تلك الأثلة ، قال : ثم أصعد رسول اللهصلىاللهعليهوسلم في بطن نخل حتى جاوز الكديد بميل ، فنزل تحت سرحة وصلّى تحتها ، فموضع مسجده اليوم معروف ، وأنهصلىاللهعليهوسلم صلّى بالجبل من بلاد أشجع.
قلت : نخل موضع بنجد كما سيأتي في محله ، والكديد : موضع بقربه ، لا الكديد الذي بين خليص وعسفان ، وذكر الأسدي هذا المسجد في وصف الطريق بين فيد والمدينة ، فقال بعد ذكر ذي أمر : إن الكديد واد ، والطريق يقطعه ، فلما يفارقه ماء عذب مستنقع ، وفيه مسجد لرسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، وبه خيام أعراب من بني كنانة ، والنخيل قريب منها ، وذكر أن بين النخيل وبئر السائب اثنين وأربعين ميلا ؛ فعبر عن نخل بالنخيل مصغرا ، وذلك هو المعروف اليوم قرب الكديد.
مسجد الشجرة بالحديبية
ومنها : مسجد بالحديبية يقال له مسجد الشجرة ـ وهو غير معروف ، بل قال المطري : لم أر في أرض مكة من يعرف اليوم الحديبية إلا الناحية لا غير ، انتهى. وهو الموضع الذي نزل به النبيصلىاللهعليهوسلم في عمرة الحديبية يريد مكة فعاقه المشركون.
قال ابن شبة ، فيما نقل عن ابن شهاب : الحديبية واد قريب من بلدح ، وقال صاحب المطالع : هي قرية ليست بالكبيرة ، سميت ببئر هناك عند مسجد الشجرة ، وقال التقي الفاسي : يقال إن الحديبية الموضع الذي فيه البئر المعرف ببئر شميس بطريق جدة.
مسجد ذات عرق
ومنها : مسجد دون ذات عرق بميلين ونصف ـ قال الأسدي في وصف طريق ذات عرق من جهة نجد والعراق : إن بركة أو طاس يسرة عن الطريق بائنة عن المحجة ، وبعدها مسجد يقال إن النبيصلىاللهعليهوسلم فيه ، ودون ذات عرق بملين ونصف مسجد رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، وهو ميقات الإحرام ، وهو أول تهامة ، فإذا صرت عند الميل الثامن رأيت هناك بيوتا في الجبل خرابا يمنة عن الطريق ، يقال : إنها ذات عرق الجاهلية ، وأهل ذات عرق يقولون : الجبل كله ذات عرق ، وبعض أهل العلم كان يحب أن يحرم من ذات عرق الجاهلية.
مسجد الجعرانة
ومنها : مسجد بالجعرانة ـ عن محرس الكعبيرضياللهعنه أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم خرج من الجعرانة ليلا معتمرا ، وجاء مكة ليلا ، فقضى عمرته ، ثم خرج من ليلته وأصبح في
الجعرانة كبائت ، فلما زالت الشمس من الغد خرج في بطن شرف حتى جامع الطريق ، فمن أجل ذلك خفيت عمرته على الناس ، رواه أحمد والترمذي وحسّنه.
وذكر الواقدي أن إحرامهصلىاللهعليهوسلم من الجعرانة كان ليلة الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة ، وأنه أحرم من المسجد الأقصى الذي تحت الوادي بالعدوة القصوى ، وكان مصلى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم إذا كان بالجعرانة به ، فأما الأدنى فبناه رجل من قريش ، واتخذ الحائط عنده ، ولم يجز رسول اللهصلىاللهعليهوسلم الوادي إلا محرما.
وعن مجاهد أن النبيصلىاللهعليهوسلم أحرم من الجعرانة من وراء الوادي حيث الحجارة المنصوبة ، وإني لا أعرف من اتخذ هذا المسجد على الأكمة ، بناه رجل من قريش ، واشترى مالا عنده ونخلا. وبيّن في رواية أخرى أن المسجد الأقصى الذي من وراء الوادي بالعدوة القصوى مصلى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ما كان بالجعرانة ، وأن المسجد الأدنى بناء رجل من قريش ، رواه الأزرق.
مسجد لية
ومنها : مسجد لية ، وبين وادي لية ووادي الطائف نحو ثمانية أميال.
قال ابن إسحاق : سلك رسول اللهصلىاللهعليهوسلم حين فرغ من حنين متوجها إلى الطائف على نخلة اليمانية ، ثم على قرن وهو مهلّ أهل نجد ، ثم على المليج ، ثم على بحرة الرّغا من لية ، فابتنى بها مسجدّا وصلى فيه.
قال المطري : وهو معروف اليوم وسط وادي لية ، رأيته وعنده أثر في حجر يقال به أثر خف ناقة رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، قال ابن إسحاق عن حديث عمرو بن شعيب له : إنهصلىاللهعليهوسلم أقاد يومئذ ببحرة الرّغا ، وحين نزلها ندم ، وهو أول دم أقيد به في الإسلام ، رجل من بني ليث قتل رجلا من هذيل ، فقتله به.
مسجد الطائف
ومنها : مسجد بالطائف ـ قال ابن إسحاق بعد ما تقدم عنه : ثم سلكصلىاللهعليهوسلم في طريق يقال له الضيقة ، وسأل عن اسمها فقيل : الضيقة ، فقال بل هي اليسرى ، ثم خرج منها على نخب ـ وهي عقبة في الجبل ـ حتى نزل تحت سدرة يقال لها الصادرة ، قريبا من مال رجل من ثقيف ، ثم مضى حتى نزل قريبا من الطائف ، فقتل ناس من أصحابه بالنبل لاقتراب عسكره من حائط الطائف ، فوضع عسكره عند مسجده الذي بالطائف اليوم ، فحاصرهم بضعا وعشرين ليلة ، ومعه امرأتان من نسائه إحداهما أمّ سلمة ، فضرب لهما قبّتين ، ثم صلّى بين القبتين ، فلما أسلمت ثقيف بنى على مصلى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم عمرو بن أمية بن وهب مسجدّا ، وكانت في ذلك المسجد سارية فيما يزعمون لا تطلع الشمس عليها يوما من الدهر إلا سمع لها نقيض ، انتهى.
وذكر الواقدي بناء عمرو بن أمية للمسجد على مصلّى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، قال : وكان فيه سارية لا تطلع الشمس عليها يوما من الدهر إلا يسمع لها نقيض أكثر من عشر مرار ، فكانوا يرون أن ذلك تسبيح.
قال المطري : وهو جامع كبير ، فيه منبر عال عمل في أيام الناصر أحمد بن المستضيء ، وفي ركنه الأيمن القبلي قبر عبد الله بن عباس بن عبد المطلب في قبة عالية ، ومسجد رسول اللهصلىاللهعليهوسلم في صحن هذا الجامع بين قبتين صغيرتين يقال : أنهما بنيتا في موضع قبتي زوجتيه عائشة وأم سلمة رضي الله تعالى عنهما.
قلت : قال التقي الفاسي : إن المسجد الذي ينسب للنبيصلىاللهعليهوسلم هناك في مؤخر المسجد الذي فيه قبر عبد الله بن عباس ؛ لأن في جداره القبلي من خارجه حجرا فيه : أمرت أمّ جعفر بنت أبي الفضل أمّ ولاة عهد المسلمين بعمارة مسجد رسول اللهصلىاللهعليهوسلم بالطائف. وفيه أن ذلك سنة اثنتين وسبعين ومائة ، قال : والمسجد الذي فيه قبر ابن عباس أظن أن المستعين العباسي عمره مع ضريح ابن عباس ، انتهى. فإن كان المسجد الذي ذكر الفاسي أنه في مؤخر الجامع المذكور في صحنه فلا مخالفة فيه لما ذكره المطري ، وإلّا فيخالفه.
قال المطري : ورأيت بالطائف شجرات من شجر السّدر يذكر أنهن من عهد رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، ينقل ذلك خلف أهل الطائف عن سلفهم ، فمنهن واحدة دور جذرها خمسة وأربعون شبرا ، وأخرى أزيد على الأربعين ، فأخرى سبعة وثلاثون ، وأخرى يذكر أن النبيصلىاللهعليهوسلم مر بها وهو على راحلته فانفرق جذرها نصفين ، وأن ناقته دخلت من بينهما وهو ناعس ، قال : رأيتها قائمة كذلك سنة ست وتسعين ، وأكلت من ثمرها ، وحملت منه للبركة ، ثم في سنة تسع وعشرين وسبعمائة رأيتها وقعت ويبست وجذرها ملقى لا يغيره أحد لحرمته بينهم ، انتهى.
وكأنه بقي منها بقية ؛ فإن التقي الفاسي ذكرها ، وقال : إنها انفرجت للنبيصلىاللهعليهوسلم نصفين لما اعترضته وهو سائر وسنان ليلا في غزوة الطائف وثقيف على ساقين ، على ما ذكر ابن فورك فيما حكى عنه عياض في الشفاء ، وبعض هذه السّدرة باق إلى الآن ، والناس يتبركون به ، انتهى.
وقال المرجاني : ورأيت بوجّ من قرى الطائف سدرة محاذية للجبر قريبة أيضا يذكر أن النبيصلىاللهعليهوسلم جلس تحتها حين أتاه عديس بالطبق العنب وأسلم ، وقالوا : سحره محمد ، والقصة مشهورة ، قال : ورأيت في جبل هناك عند آخر الحبرة تحته العين يذكر أنهصلىاللهعليهوسلم جلس فيه ، انتهى.
وعن الزبير قال : أقبلنا مع رسول اللهصلىاللهعليهوسلم من بلية ـ قال الحميدي : مكان بالطائف ـ
حتى إذا كنا في السدرة وقف رسول اللهصلىاللهعليهوسلم عند طرف القرن الأسود عندها ، فاستقبل نخبا قال الحميدي : مكان بالطائف ببصره ، ثم وقف حتى اتفق الناس ، ثم قال : إن صيدوج وعضاهه حرم محرم للهعزوجل ، وذلك قبل نزوله الطائف وحصاره ثقيفا ، كذا في نسخة العيسوي عن الحميدي ومسند أحمد وسنن أبي داود أيضا ، وضعفه النووي.
وختم ابن زبالة الكلام على المساجد بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعا «من بنى لله مسجدّا بنى الله له بيتا في الجنة ، ولو مثل مفحص القطاة» قالت : فقلت : يا رسول الله والمساجد التي بين مكة والمدينة؟ قال : نعم ، ورواه البزار. وفيه كثير بن عبد الرحمن ، ضعفه العقيلي ، وذكره ابن حبان في الثقات ، ولفظه «من بنى لله مسجدّا بنى الله له بيتا في الجنة ، قلت : وهذه المساجد التي في طريق مكة؟ قال : وتلك ، والحديث في الصحيح عن عثمان بدون هذه الرواية ، ولفظه «من بنى مسجدّا يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتا في الجنة».
قلت : فينبغي الاعتناء بما دمر من المساجد التي بالمدينة وغيرها وعمارتها ، والله الموفق.
الباب السابع
في أوديتها ، وأحمائها ، وبقاعها ، وجبالها ، وأعمالها ، ومضافاتها ، ومشهور ما في
ذلك من المياه والأودية ، وضبط أسماء الأماكن المتعلقة بذلك ، وفيه ثمانية فصول
الفصل الأول
في فضل وادي العقيق ، وعرصته ، وحدوده
ما ورد من الأحاديث في فضل وادي العقيق
روينا في الصحيح عن ابن عمر قال : سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوسلم يقول بوادي العقيق : «أتاني الليلة آت فقال : صلّ في هذا الوادي المبارك ، وقل عمرة في حجة».
وتقدم في مسجد المعرس في رواية له «أرى وهو في معرّسه بذي الحليفة ببطن الوادي قيل له : إنك ببطحاء مباركة».
وروى ابن شبة عن عمر رضي الله تعالى عنه مرفوعا «العقيق واد مبارك».
وعن هشام بن عروة قال : اضطجع النبيّصلىاللهعليهوسلم بالعقيق ، فقيل له : إنك في واد مبارك.
وروى ابن زبالة عن عامر بن سعد بن أبي وقّاص أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم «نام بالعقيق ، فقام رجل من أصحابه يوقظه ، فحال بينه وبينه رجل من أصحابه آخر ، وقال : لا توقظه فإن الصلاة لم تفته ، فتدارآ حتى أصاب بعض أحدهما رسول اللهصلىاللهعليهوسلم فأيقظه ، فقلن : ما لكما؟ فأخبراه. فقال : لقد أيقظتماني وإني لأراني بالوادي المبارك» وعن زكريا بن إبراهيم بن مطيع قال : بات رجلان بالعقيق ، ثم أتيا رسول اللهصلىاللهعليهوسلم فقال : أين بتما؟ فقالا : بالعقيق ، فقال : لقد بتّما بواد مبارك.
وتقدم أن عمر رضي الله تعالى عنه قال : احصبوا هذا المسجد ـ يعني مسجد المدينة ـ من هذا الوادي المبارك ، ورواه صاحب الفردوس مرفوعا.
وقال أبو غسان : أخبرني غير واحد من ثقات أهل المدينة أن عمر رضي الله تعالى عنه كان إذا انتهى إليه أن وادي العقيق قد سال قال : اذهبوا بنا إلى هذا الوادي المبارك ، وإلى الماء الذي لو جاءنا جاء من حيث جاء لتمسّحنا به.
وروى ابن زبالة عن عامر بن سعد أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم «ركب إلى العقيق ، ثم رجع فقال : يا عائشة جئنا من هذا العقيق ، فما ألين موطأه ، وأعذب ماءه ، قالت : فقلت : يا رسول الله أفلا ننتقل إليه؟ قال : وكيف وقد ابتنى الناس؟».
وعن خالد العدواني أن النبيصلىاللهعليهوسلم قال في عرصة العقيق «نعم المنزل العرصة لو لا كثرة الهوام».
وعن محمد بن إبراهيم التيمي أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم «خرج في بعض مغازيه ، فأخذ على الشارعة حتى إذا كان بالعرصة قال : هي المنزل لو لا كثرة الهوام».
وروى السيد أبو العباس العراقي في ذيله علي ابن النجار عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : خرجنا مع رسول اللهصلىاللهعليهوسلم إلى وادي العقيق ، فقال : يا أنس خذ هذه المطهرة املأها من هذا الوادي فإنه يحبنا ونحبه ، فأخذتها فملأتها ، الحديث.
وروى ابن شبة عن سلمة بن الأكوع قال : كنت أصيد الوحش وأهدي لحومها إلى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، ففقدني فقال : يا سلمة أين كنت تصيد الوحش؟ فقلت : يا رسول الله تباعد الصيد فأنا أصيد بصدور قناة نحو ثيب ، فقال : لو كنت تصيد بالعقيق لشيّعتك إذا خرجت وتلقيتك إذا جئت ، إني أحب العقيق ، ورواه الطبراني بنحوه ، قال الهيتمي : وإسناده حسن.
وروى ابن زبالة عن جابر قال : كان سلمة يصيد الظباء فيهدي لحومها لرسول اللهصلىاللهعليهوسلم جفيفا وطريّا ، فافتقده رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، فقال : يا سلمة مالك لا تأتي بما كنت تأتي به؟ فقال : رسول الله تباعد علينا الصيد فإنما نصيد بثيب وصدور قناة ، فقال : أما إنك لو كنت تصيد بالعقيق لشيعتك إذا ذهبت ونلفيتك إذا جئت ، فإني أحب العقيق.
قلت : ومحمله إن صح على ما قبل تحريم المدينة ، أو أن المراد من الصيد بالعقيق طرفه الخارج عن الحرم ، جمعا بين الأدلة.
حد العقيق
ونقل ابن زبالة والزبير بن بكار عن هشام بن عروة أنه كان يقول : العقيق ما بين قصر المراجل فهلم صعدا إلى النقيع ، وما أسفل من ذلك ـ أي من قصر المراجل ـ فمن زغابة.
وعن المنذر بن عبد الله الحمراني أنه سمع من أهل العلم أن الجرف ما بين محجة الشام إلى القصاصين ، أي أصحاب القصة ، وأن وطيف الحمار ما بين سقاية سليمان إلى الزغابة ، وأن العرصة ما بين محجة بين إلى محجة الشام ، وأن العقيق من محجة بين فاذهب به صعدا إلى النقيع.
قلت : محجة بين تباين آخر الجروف ، أي طريقها ، وأظنها طريق درب العصرة ، ومن سلكها مغربا كانت الجماوات عن يساره.
قال : وحدثني آخرون أن العقيق من العرصة أبدا إلى النقيع.
قال الزبير : ولم أزل أسمع أهل العلم والسنن يقولون : إن العقيق الكبير مما يلي الحرة ما بين أرض عروة بن الزبير إلى قصر المراجل ، ومما يلي الجماء ما بين قصور عبد العزيز بن عبد الله العثماني إلى قصر المراجل ، ثم اذهب بالعقيق صعدا إلى منتهى النقيع ، ويقولون لما أسفل من المراجل إلى منتهى العرصة العقيق الصغير ، فأعلى أودية العقيق النقيع.
وقالت الخنساء بنت عمرو بن الحارث بن الشّريد السّلمية تبكي أخاها صخر بن عمرو وقد مات بالنقيع من جراحة فدفن فيه على رأس برام :
أفيقي من دموعك واستفيقي |
وصبرا إن أطقت ، ولن تطيقي |
|
وقولي : إن خير بني سليم |
وغيرهم ببطحاء العقيق |
وروى بنقعاء العقيق.
ونقل أبو علي الهجري أن النقيع يبتدئ أوله من برام ، والعقيق يبتدئ أوله من حضير إلى آخر منتهاه من العقيق الصغير ، ثم يصب في زغابة.
ونقل أيضا أن حضيرا آخر النقيع وأول العقيق ، وآخر العقيق زغابة ، قال : وزغابة مجتمع السيول غربي قبر حمزة رضي الله تعالى عنه ، وهو أعلى وادي إضم.
قلت : فهي منتهى العقيق والعرصة ، ومبتدؤه حضير ، وهي مزارع معروفة بقرب النقيع على أزيد من يوم عن المدينة.
وقال عياض : النقيع صدر العقيق ، والعقيق واد عليه أموال أهل المدينة ، قيل : على ميلين منها ، وقيل : على ثلاثة ، وقيل : ستة أو سبعة ، وهما عقيقان ، أدناهما عقيق المدينة ، وهو أصغر وأكبر ، فالأصغر فيه بئر رومة ، والأكبر فيه بئر عروة. والعقيق الآخر على مقربة منه ، وهو من بلاد مزينة ، وهو الذي أقطعه النبيصلىاللهعليهوسلم بلال بن الحارث ، وأقطعه عمر الناس ، فعلى هذا تحمل المسافات لا على الخلاف. والعقيق الذي جاء فيه «إنك بواد مبارك» هو الذي ببطن وادي ذي الحليفة ، وهو الأقرب منهما ـ أي من العقيقين ـ المنقسم أحدهما إلى الكبير والصغير فلا ينافي كون ما يلي الحرة من العقيق أقرب. على أنه سيأتي ما يقتضي أن النبيصلىاللهعليهوسلم أقطع بلال بن الحارث كلّ العقيق بعيده وقريبه ، وأن الذي أقطعه عمر الناس هو الأدنى من المدينة ، وهو المنقسم إلى كبير وصغير ، وكلام الزبير وغيره صريح فيّ ذلك ، والصواب أن مهبط الثنية المعروفة بالمدرج أول شاطئ وادي العقيق ، على ميلين من المدينة أيام عمارتها ، كما اقتضاه اختباري لمساحة ما بين المسجد النبوي ومسجد ذي الحليفة ، وبه صرح الأسدي من المتقدمين ، فقال : إن العقيق علي ميلين من المدينة ، الميل الأول خلف أبيات المدينة ، والثاني حين ينحدر من العقبة في آخره يعني المدرج ، وكأنّ من عبّر بالثلاثة اعتبر المسافة من المسجد النبوي إلى أول بطن الوادي بعد القصر المعروف بحصن أبي هشام ، ومن عبر بالستة اعتبرها إلى طرفه الأبعد وهو الذي به ذو الحليفة ، فأدخل بطن الوادي في المسافة ، أو هو مفرع علي القول بأن الميل ألفا ذراع ، والراجح الموافق لاختبارنا أنه ثلاثة آلاف وخمسمائة ذراع.
وقال المطري : وادي العقيق أصل مسيله من النقيع قبلى المدينة الشريفة على طريق المشبان ، وبينه وبين قباء يوم ونصف ، ويصل إلى بئر عليّ العليا المعروفة بالخليفة ـ بالقاف والخاء المعجمة ـ ثم يأتي علي غربي جبل عير ، ويصل إلى بئر علي بذي الحليفة المحرم ، ثم
يأتي مشرقا إلى قريب الحمراء التي يطلع منها إلى المدينة ، ثم يعرج يسارا ، ومن بئر المحرم يسمى العقيق ، فينتهي إلى غربي بئر رومة ، انتهى.
وقوله : «ومن بئر المحرم يسمى العقيق» أي في زمنه كزماننا ، وهو العقيق الأدنى في كلام عياض.
وقال عقب قوله «والعقيق الذي جاء فيه إنك بواد مبارك هو الذي ببطن وادي ذي الحليفة وهو الأقرب
منهما» ما لفظه : وهو الذي جاء فيه أنه مهلّ أهل العراق من ذات عرق ، اه. وهو خطأ ، إلا أن يحمل علي ما ذكره بعضهم من أن عقيق ذات عرق يتصل واديه بعقيق المدينة ، والمعروف قديما امتداده إلى النقيع كما سبق ، قال الزبير : سألت سليمان بن عياش السعدي : لم سمّي العقيق عقيقا؟ قال : لأن سيله عق في الحرة ، وكان سليمان من أففه من رأيت في كلام العرب.
وقوله «عق» أي شقّ وقطع في الحرة ، ولما شخص تبّع عن منزله بقناة ومر بالعرصة وكانت تسمى السليل قال : هذه عرصة الأرض ، فسميت العرصة ، ومر بالعقيق فقال : هذا عقيق الأرض ، فسمي العقيق ، وقيل : سمي بذلك لحمرة موضعه.
الفصل الثاني
في أقطاعه ، وابتناء القصور به ، وطريف أخبارها
رسول الله ص يقطع بلالا العقيق
روى ابن زبالة أن النبيصلىاللهعليهوسلم أقطع بلال بن الحارث العقيق كلّه ، فلما ولي عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال : إن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم لم يقطعكه لتحجره ، وأقطعه عمر الناس.
وقال ابن شبة : حدثنا محمد بن يحيى قال : حدثنا من نثق به من آل حزم وغيرهم أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم أقطع بلال بن الحارث المزني العقيق ، وكتب له فيه كتابا نسخته : بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما أعطى محمد رسول الله بلال بن الحارث ، أعطاه من العقيق ما أصلح فيه معتملا. وكتب معاوية ، قال : فلم يعمل بلال في العقيق شيئا ، فقال له عمر في ولايته : إن قويت على ما أعطاك رسول اللهصلىاللهعليهوسلم من معتمل العقيق فاعتمله ، فما اعتملت فهو لك كما أعطاكه رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، فإن لم تعتمله أقطعته بين الناس ولم تحجره عليهم ، فقال بلال : تأخذ مني ما أعطاني رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ؟ فقال : إن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم قد اشترط عليك فيه شرطا ، فأقطعه عمر رضي تعالى عنه بين الناس ، ولم يعمل فيه بلال شيئا ؛ فلذلك أخذه عمر رضي الله تعالى عنه ، ورواه الزبير بن بكار ، وأسند نسخة القطيعة المذكورة عن هشام بن عروة.
وروى عن محمد بن سلمة المخزومي قال : أقطع رسول اللهصلىاللهعليهوسلم لبلال بن الحارث المزني معادن القبلية والعقيق ، فبلغنا أنه باع رومة من عثمان بن عفان ، وانتزع منه عمر بقية العقيق وأقطعه للناس ، وقال : إنما أعطاك رسول اللهصلىاللهعليهوسلم تعمر ولم يعطك تحجر.
وعن هشام بن عروة وغيره أن النبيصلىاللهعليهوسلم أقطع لبلال بن الحارث العقيق ، فلم يزل على ذلك حتى ولي عمر فدعا بلالا فقال : قد علمت أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم لم يكن يمنع شيئا سأله ، وإنك سألته أن يعطيك العقيق فأعطاكه ، فالناس يومئذ قليل لا حاجة لهم ، وقد كثر أهل الإسلام واحتاجوا إليه ، فانظر ما ظننت أنك تقوى عليه فأمسكه واردد إلينا ما بقي نقطعه ، فأبى بلال ، فترك عمر بيد بلال بعضه وأقطع ما بقي للناس.
وذكر في رواية مع العقيق «معادن القبلية وحيث يصلح الزرع من قدس» وهي في سنن أبي داود بدون ذكر العقيق.
وروى ابن شبة عن عبد الله بن أبي بكر أن عمر لما ولي قال : يا بلال ، إنك استقطعت رسول اللهصلىاللهعليهوسلم أرضا طويلة عريضة ، فأقطعها لك ، وإن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم لم يكن يمنع شيئا سأله ، وإنك لا تطيق ما في يدك ، فقال : أجل ، فقال : فانظر ما قويت عليه منها فأمسكه ، وما لم تطق فادفعه إلينا نقسمه ، فأبى ، فقال عمر : والله لنفعلنّ ، فأخذ منه ما عجز عن عمارته فقسمه بين المسلمين.
خبر قصر عروة ، وبئره
عن عروة بن الزبير قال : لما أخذ عمر بن الخطاب من بلال بن الحارث ما أخذ من العقيق وقف في موضع بئر عروة بن الزبير التي عليها سقايته ، وقال : أين المستقطعون؟ فنعم موضع الحفيرة ، فاستقطعه ذلك خوّات بن جبير الأنصاري ، ففعل ، قال مصعب بن عثمان : فقرأت كتاب قطيعته أرض عروة بن الزبير بالعقيق في كتب عروة ما بين حرة الوبرة إلى ضفيرة المغيرة بن الأخنس.
وعن هشام بن عروة عن أبيه قال : لما أقطع عمر العقيق فدنا من موضع قصر عروة وقال : أين المستقطعون منذ اليوم؟ فو الله ما مررت بقطيعة شبه هذه القطيعة ، فسألها خوّات ، فأقطعها له ، وكان يقال لموضعها «خيف حرة الوبرة» فلما كانت سنة أحد وأربعين أقطع مروان بن الحكم عبد الله بن عياش بن علقمة ما بين الميل الرابع من المدينة إلى ضفيرة أرض المغيرة بن الأخنس بالعقيق إلى الجبل الأحمر الذي يطلعك على قباء ، قال هشام : فاشترى عروة موضع قصره وأرضه وبثاره من عبد الله بن عياش ، وابتنى واحتفر وحجر وضفر ، وقيل له : إنك لست بموضع مدر ، فقال : يأتي الله به من النقيع ، فجاء سيل فدخل في مزارعه فكساها من خليج كان خلجه ، وكان بناه جنابذ ـ أي جمع جنبذ بضم الجيم ،
وهو ما ارتفع واستدار كالقبة ـ قال : وكان لعبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان الناحية الأخرى المراجل وقصر أمية والمنيف والآبار التي هناك والمزارع ، فاستفتى عبد الله عبد الله ابن عبد الله بن عمرو علي عروة وقال : إنه حمل على حق السلطان ، فهدم عمر بن عبد العزيز جنابذه وضفائره ، وسد بئاره ، فقدم رجل من آل خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية يريد الوليد ، فسأل عن عروة ، فأخبر قصته ، فقدم على الوليد فسأله عن عروة وحاله ، فأخبره ، فكتب إلى عمر بن عبد العزيز ما عروة ممن يتّهم فدعه وما انتقص من حق السلطان ، فبعث إليه عمر وقال : كتبت فيّ إلى أمير المؤمنين؟ فقال : ما فعلت ، فقال : اذهب فاصنع ما بدا لك فقال عروة : جزعوا من جنابذ نبنيها ، والله لأبنينه بناء لا يبلغونه إلا بشقّ الأنفس ، فبنى قصره هذا البناء ، وهيل بثاره ، فقال له ابنه عبد الله : يا أبتاه لو تبدّلت بثارا فاحتفرتها لكان أهون في العزم ، فقال : لا والله إلا هي بأعيانها وأنشأ عروة يقول :
بنيناه فأحسنّا بناه |
بحمد الله في خير العقيق |
|
نراهم ينظرون إليه شزرا |
يلوح لهم على وضج الطّريق |
|
فساء الكاشحين وكان غيظا |
لأعدائي وسرّ به صديقي |
|
يراه كلّ مرتفق وسار |
ومعتمر إلى بيت العقيق |
وعن مصعب بن عثمان قال : لما كتب الوليد إلى عمر بن عبد العزيز في ذلك ولي عروة عمر بن عبد الله بن عروة بناء قصره ، فلما كثرت النفقة فيه لقيه عمه يحيى بن عروة فقال : يا ابن أخي ، كم أنفقت في القصر؟ قال : كذا وكذا ، قال : هذه نفقة كثيرة لو علم أبي بها لاقتصر في بنائه ، فأخبره بذلك ، فأخبر عمر جده ، فقال : لقيك يحيى؟ قال : نعم ، قال : إنما أراد أن يعوق عليّ بنائي ، أنفق ولا تحسب ، فأنفق ولم يحسب حتى فرغ ، وحفر بئارا إحداهن بئر السقاية ، وبئر يدعى العسيلة ، وبئر القصر.
وقال مصعب : وسبب هدم عمر بن عبد العزيز وتهوره البئر أن عروة أراد أن يرفع في رأس عينه محلا فمنعه عبد الله بن عمرو بن عثمان إلا أن يسأله ذلك ، وكان له حقيق به ، فقال عروة : مثلى يكلّف ذلك؟ وتركها ، فلما بنى عبد الله قصره المراجل وعمل مزارعه عمل له خليجا ، فلما بلغ به مزارع عروة حال بينه وبين ذلك ، فاستفتى عبد الله بن عبد الله عمر بن عبد العزيز على عروة ، وقال : بنى وحفر في غير حقه ، وكانت جنابذه سبعا ، وكانت الركبان ينزلون على بئر مروان ، فلما حفر عروة بئره وأعذب اختاروا السهل والعذوبة فتركوا النزول على بئر مروان وكان في نفس عمر بن عبد العزيز شيء من ذلك ، مع ما كان في نفسه على جميع بني الزبير.
وعن ابن أبي ربيعة أنه مرّ بعروة وهو يبني قصره بالعقيق فقال : أردت الحرب يا أبا عبد الله؟ قال : لا ، ولكن ذكر لي أنه سيصيبها عذاب ، يعني المدينة ، فقلت : إن أصابها كنت منتحيا عنها.
وعن عروة مرفوعا : يكون في آخر أمتي خسف وقذف ومسخ ، وذلك عند ظهور عمل قوم لوط ، قال عروة : فبلغني أنه قد ظهر شيء منه ، فتنحّيت عنها ، وخشيت أن يقع وأنا بها ، وبلغني أنه لا يصيب إلا أهل القصبة قصبة المدينة ، وفي نسخة المجد «القصيبة» مصغرا ، فأوردوه في ترجمة القصيبة ، وهو وهم.
وعن هشام قال : لما اتخذ عروة قصره قال له الناس : قد جفوت مسجد رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، قال : إني رأيت مساجدهم لاهية ، وأسواقهم لاغية ، والفاحشة في فجاجهم عالية ، فكان فيما هناك عما هم فيه عافية.
وتصدق عروة بقصره وأرضه وبئره على المسلمين ، وأوصى بذلك إلى الوليد بن عبد الملك ، فولاه ابنيه يحيى وعبد الله ، ثم توفي يحيى وأقام عبد الله في القصر نحوا من أربعين سنة ، ثم توفي عبد الله ، ثم وليها هشام بن عروة بالسن ، ثم عبد الله بن عروة ، وقيل له : مالك تركت المدينة؟ قال : لأني بين رجلين حاسد لنعمة أو شامت بمصيبة ، وهو القائل :
لو كان يدري الشيخ عذري بالسحر |
نحو السقاية الّتي كان احتفر |
|
لفتية مثل الدّنانير غرر |
وقاهم الله النّفاق والضّجر |
|
بين أبي بكر وزيد وعمر |
ثمّ الحواريّ لهم جدّ أغر |
|
فهم عليها بالعشيّ والبكر |
يسقون من جاء ولا يؤذوا بشر |
|
لزاد في الشّكر وكان قد شكر |
ولما ولي إبراهيم بن هشام المدينة لهشام بن عبد الملك أراد أن يدخل في حقوق بني عروة بالفرع ، فحال عبد الله ويحيى بينه وبين ذلك فهدم قصر عروة وشعّثه ، وطرح في بئر عروة جملا مطليا بقطران ، فكتب عبد الله إلى هشام بن عبد الملك بذلك ، فكتب إلى ابن أبي عطاء عامله على ديوان المدينة أن يردّ ذلك على ما كان حتى يضع الوتد في موضعه ، فكان غرم ذلك ألف دينار وثلاثين ألف درهم.
وكان عبد الله يتحيّن ركوب ابن هشام ، فإذا أشرف على الحرّة قال للناس : كبروا ولكم جزور ، فيفعلون ، فينحرها ، فيغيظ بذلك ابن هشام ويبلغ منه.
وقال في ذلك يحيى بن عروة أبياتا منها :
ألا أبلغ مغلغلة بريدا |
وأبلغ إن عرضت أبا سعيد |
|
وأبلغ معشرا كانت إليهم |
وصايا ما أريد بني الوليد |
فإن لا نعتني قرباي منكم |
فودّى غير ذي الطمع الكدود |
ولما قدم الوليد بن يزيد في خلافة هشام بن عبد الملك ليدفع بالناس في الموسم وأقام عبد الله بن عروة بالعقيق ، حتى قيل : هذا ولي العهد قد ركع في بركة مكة؟ فلقيه عبد الله وهو على ظهر الحرة ، فلما نظر الوليد إلى قصور بني أمية عنبسة بن سعيد ومروان بن سعيد بن العاص وعبد الله بن عامر جعل يقول لعبد الله بن عروة : لمن هذا؟ فيخبره ، فلما نظر إلى قصر عروة قال : لمن هذا؟ قال : هذا قصر عروة ، قال : عامر بن صالح في قصر عروة وبئره :
حبّذا القصر ذو الظّلال وذو البئر |
ببطن العقيق ذات السّقاة |
|
ماء مزن لم يبغ عروة فيها |
غير تقوى الإله في المفظعات |
|
بمكان من العقيق أنيس |
بارد الظل طيّب الغدوات |
وقال أيضا :
يا حبّذا القصر لذي الإملاق |
ذو البئر بالوادي عليها الساقي |
وقال أيضا :
ولقصر عروة ذو الظلال وبئره |
بشقا العقيق البارد الأفياء |
|
أشهى إليّ من العيون وأهلها |
والدور من فحلين والفرعاء |
وقال جابر الزمعي في بئر عروة :
يعرضها الآني من الناس أهله |
ويجعله زادا له حين يذهب |
وقال الزبير بن بكار : رأيت الخرّاج من المدينة إلى مكة وغيرها ممن يمر بالعقيق يخففون من الماء حتى يتزودوه من بئر عروة ، وإذا قدموا منها بماء يقدمون به على أهلهم يشربونه في منازلهم عند مقدمهم.
وقال : ورأيت أبي يأمر به فيغلي ، ثم يجعل في القوارير ثم يهديه إلى أمير المؤمنين هارون بالرقة.
وعن نوفل بن عمارة قال : لما بنت أمي قصرها أرسل إليها هشام بن عروة يقول : إنك نزلت بين الطيبين بئر عروة وبئر المغيرة بن الأخنس ، فأسألك برحمي إلا جعلت شرابك من بئر عروة ووضوءك من بئر المغيرة ، فكانت أمي لا تشرب إلا من بئر عروة ، ولا تتوضأ إلا من بئر المغيرة ، حتى لقيت الله تعالى.
وعن مرزوق بن والاة أنه قال لهشام بن عروة : رأيت أن عينا من الجنة تصب في بئر عروة.
وقال السّريّ بن عبد الرحمن الأنصاري :
كفنوني إن متّ في درع أروى |
واستقوا لي من بئر عروة مائي |
سخنة في الشتاء باردة الصيف سراج في الليلة الظلماء وقال علي بن الجهم :
هضا العقيق فعدّ أي |
دي العيس عن غلوئها |
|
وإذا أصفت ببئر عر |
وة فاسقني من مائها |
|
إنا وعيشك ما ذمم |
نا العيش في أفنائها |
قال المجد : إنه لم يجد من يعرف هذه البئر من أهل المدينة.
قلت : سيأتي في قصر عاصم أن جماء تضارع مشرفة على قصر عروة ، وتسيل إلى بئره.
وقال الأسدي : إن الميل الثالث من المدينة وراء بئر عروة بقليل ؛ فيظهر أنها البئر المطمومة اليوم على يمينك وأنت متوجه إلى ذي الحليفة إذا جاوزت الحصن المعروف بأبي هاشم بنحو ثلث ميل وقريب من الجماء.
قصر عاصم بن عمرو بن عمر بن عثمان بن عفان ، وهو في قبل الجماء جماء تضارع المشرفة على قصر عروة وعلي الوادي يواجه بئر عروة بن الزبير ، والجماء تسيل على قصر عاصم وعلى بئر عروة.
وكان عبد الله الجعفري وعمر بن عبد الله بن عروة تعاونا في هجاء قصر عاصم ، فقالا :
ألا يا قصر عاصم لو تببن |
فتستعدي أمير المؤمنين |
|
فتذكر ما لقيت من البلايا |
فقد لاقيت حزنا بعد حين |
|
بنيت على طريق الناس طرا |
يسبّك كل ذي حسب ودين |
|
ولم توضع على غمض فتخفى |
ولم توضع على سهل ولين |
|
يرى فيك الدخان لغير شيء |
فقد سميت خدّاع العيون |
في أبيات آخرها :
قبيح الوجه منعقد الأواسي |
خبيت الخلق مطرود بطين |
فاشترى عاصم قصة فطرّه بها وغرم فيه ألفي درهم ، وقال يرد عليهما :
بنوا وبنيت واتخذوا قصورا |
فما ساووا بذلك ما بنيت |
|
بنيت على القرار وجانبوه |
إلى رأس الشواهق واستويت |
|
على أفعالهم وعلى بناهم |
علوت وكان مجدّا قد حويت |
|
وتلك صلاصل قد فلستهم |
وذاك وديهم فيها يموت |
|
فليس لعامل فيها طعام |
وليس لضيفهم فيها مبيت |
وقيل : البيتان الأخيران لزيد بن عاصم ، قال الزبير : وهو أشبه.
وصلاصل : أرض كانت لعروة بحرة بطحان ، ثم صارت لابنه يحيى ، فوقفها في بنيه ، وكان يقال لها المقتربة ، فكانت فتاتان لبعض نساء بنيه تختصمان بها عند اجتناء الرطب ، وتضرب إحداهما الأخرى ، فغلب عليها اسم صلاصل لكثرة صلاصلهما بالخصومة ، وفيها يقول عروة :
مآثر أخوالي عديّ ومازن |
تخيرتها ، والله يعطي الرغائبا |
|
فمن قال فيها قيل صدق فلم يقل |
ومن قال فيها غيره كان كاذبا |
ومر ابن أبي البداح ـ وكال أعلم الناس بالنخيل ـ على عروة وهو يغرسها ألوانا ، فقال له : إن كنت ولا بد غارسا فعليك بعذق ابن عامر ، فإنه ليس عذق أحسن للتنزه ولا أصبر على المالح منه.
قصر المغيرة
قصر أبي هاشم المغيرة بن أبي العاص وبئره ـ روى عنه الزبير : أنه قال : لما أردت أن أبني قصرا بالعقيق قلت : أبنيه بيتين ، ثم مضيت للنزهة العشرة الأيام وما أشبهها ، قال : فدخلت على مولاة لي فقالت : يا أبا هاشم ، أردت بناء قصر بالعقيق؟ فقلت لها : نعم ، فقالت : ابنه على أنه لم يبن بالعقيق مغيري غيرك ، فبنيته هذا البناء ، وغرمت فيه غرما كبيرا ، قال : وهو القصر الذي يعرف بقصر بنت المرازقي.
وعن عبد الله بن ذكوان قال : كانت بنو أمية تجري في الديوان ورقا على من يقوم على حوض مروان بن الحكم بالعقيق ، في مصلحته وفيما يصلح بئر المغيرة من علقها ودلائها.
قال : ومر هشام بن عبد الملك وهو يريد المدينة بحر هشام بن إسماعيل بالرابع فقيل له : يا أمير المؤمنين ، جر جدك هشام ، فأمر بمصلحتها وما يقيمها من بيت المال ، فكانت توضع هنالك جرار أربع يسقى منهن الناس ، وسيأتي ذكر الرابع في شعر في القصر الآتي.
قصر عنبسة بن عثمان بن عفان
قصر عنبسة بن عمرو بن عثمان بن عفان ، وهو إلى جنب الجمّاء بعد أن تجاوز المصعد تريد البطحاء ، وهو الذي قيل فيه :
يا قصر عنبسة الذي بالرابع |
لا زلت تؤهل بالحيا المتتابع |
|
فلقد بنيت على الوطاء ، وبنيت |
تلك القصور على ربا ورفائع |
|
يا رب نعمة ليلة قد بتها |
بفنائك الحسن المنيف الواسع |
وقال شاعرهم :
خذل ابن عنبسة بن عمرو وعده |
وكذبت حين أقول ما لم يفعل |
وبنى قصيرا بالعقيق ملعنا |
لا بالكريم ولا جميل المدخل |
|
ودعا المهندس فاختفى في جوفه |
بئرا فأنبطها كطعم الحنظل |
قصر عنبسة بن سعيد بن العاص
قصر عنبسة بن سعيد بن العاص : بالعقيق الصغير ـ ركب هشام بن عبد الملك ومعه عنبسة بن سعيد ، فمر بموضع قصر عنبسة ، فقال : نعم موضع القصر يا أبا خالد ، قد أقطعته لك ، قال : يا أمير المؤمنين من يقوى على هذا؟ قال : فإني أعينك فيه بعشرين ألف دينار ، فدفعها عنبسة إلى ابنه عبد الله وقال : إنك أنزلت بين الأشياخ ، فانظر كيف تبني؟ وكان أول من قارب بين القصور ، ونزل إلى جنب عبد الله بن عامر ، فلما فرغ من القصر بنى ضفائره بالآجر المطبق ، فقال له عنبسة : أما علمت أن متنزهي أهل المدينة يدقون عليه العظام ، ابنه بالحجارة المطابقة ، ففعل ، وبعث إليه هشام بأربعين بختيا ، فكان ينضح عليها في مزارعه وصهريجه.
قلت : ولعل الموضع المعروف اليوم بالعنابس مزارع عنبسة هذا.
وعن بعض ولد عنبسة قال : بينا عبد الله بن عنبسة نائم في قاعة القصر ، وعنده خصي يذبّ عنه ، وكان له غلام صغدي يسقيهم الماء ، فدخل فرآه نائما ، فنزع القربة وشد عليه بخنجر كان معه ، وثار الخصي يحول بينهما ، فقتل الخصي ، وانتبه عبد الله واتقاه بوسادة ، وتداعى عليه أهل القصر وأخذوه ، وأمر به عبد الله فقتل وصلب بفناء القصر.
وكان قصر عنبسة فيما أخذ من أموال بني أمية ، ثم رد على ابن عنبسة.
وكان جعفر بن سليمان إذ كان واليا بالمدينة نزله ، وابتنى إليه أرباضا ، وأسكنها حشمه ، ثم تحول منه إلى العرصة فابتنى بها وسكنها حتى عزل فخرج منها ، ولذلك يقول ابن المزكي :
أوحشت الجماء من جعفر |
وطالما كانت به تعمر |
|
كم صارخ يدعو وذي كربة |
يا جعفر الخيرات يا جعفر |
|
أنت الذي أحييت بذل الندى |
وكان قد مات فلا يذكر |
|
ثم لعباس وصيّ الهدى |
ومن به في المحل يستمطر |
وقال شاعر :
إني مررت على العقيق وأهله |
يشكون من مطر الربيع نزورا |
|
ما ضركم أن كان جعفر جاركم |
أن لا يكون عقيقكم ممطورا |
وقال محمد بن الضحاك : خرج أبي وابن عبد الله بن عنبسة في جماعة من لمتهم إلى قصر عنبسة بالعقيق الصغير ، وخرج بي أبي معهم وأنا حدث السن ، ونحروا جزورا ،
فجعلوا يمزحون به فيما بينهم ، يقول هذا بيتا وهذا بيتا ، فكان مما حفظت من ذلك قول أحدهم :
حبذا ثم حبذا |
في قصر ابن عنبسة |
|
ولمات تجمعوا |
وجزور مكردسه |
|
والتواليد عندنا |
كالرباط المورّسة |
قصر أبي بكر الزبيري المعروف بالمستقر
قصر أبي بكر بن عبد الله بن مصعب الزبيري الذي يعرف بالمستقر اشتراه وهو بيت أو بيتان ، فهدم ذلك ، وبناه قصرا ، ففيه يقول القائل :
يا قصر لو كان خالدا أحد |
بالجود والمجد كان مولاكا |
|
ولو تفدى المنون ذا كرم |
كان أبو بكر الندى ذا كا |
وفيه يقول أيضا حين بيع في تركة أبي بكر :
أوحش المستقرّ بعد أبي بكر |
فأضحى ينوح في كل حين |
|
بعد عز وبهجة وبهاء |
تاه يوما به على الثقلين |
|
فاعذروه يا هؤلاء ؛ إن ذا ال |
شجو ليجري دموعه من معين |
قصر عبد الله بن أبي بكر العثماني
قصر عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن عثمان بن عفان ـ قال محمد بن معاوية : كنت أنا ومحمد بن عبد الله البكري ـ وكان قاضيا على المدينة ـ متنزهين بالعقيق في قصر ابن بكير ، فكتب محمد بن عبد الله في الجدار :
أين أهل العقيق أين قريش |
أين عبد العزيز وابن بكير |
|
ولو أنّ الزمان خلد حيا |
ثم كتب تحته : من أتم هذا النصف فله سبق ، قال : فتنزه عمر بن عبد الله بن نافع في قصر ابن بكير ، فقرأ الكتابة ، فأتم النصف ، فكتب :
كان فيه يخلد ابن الزبير
قال محمد بن معاوية : فعاد محمد بن عبد الله للنزهة ، فوجد البيت قد أتم ، فسأل من أتمه ، فقلت له : عمر بن عبد الله ، فقال : لو كنت أكلمه وفيت له بسبقه ، أحسن وصدق.
وكان عمر بن عبد الله له هاجرا.
وستأتي قصور أخرى في الجمّاوات ، قال أبو علي الهجري : إن سيل الوادي يفضي إلى الشجرة التي بها محرم رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، ثم يلي ذلك مزارع أبي هريرة رضي الله تعالى ، ثم تتابع القصور يمنة ويسرة بها منازل الأشراف فيها يبتدئون ، منها منازل عن يمين الجائي من مكة بسفح عير.
جملة من القصور والآبار
ومنها قصر لإسحاق بن أيوب المخزومي ، وقصر لإبراهيم بن هشام ، وقصر لآل طلحة بن عمر بن عبيد الله ، ومنازل أسفل منها عن يمين الطريق أيضا لآل سفيان بن عاصم بن عبد العزيز بن مروان ، ووجاه ذلك في قبالة جماء تضارع منازل لعبد العزيز بن عبد الله بن عمرو بن عثمان ، ثم يليها منازل لعبد الله بن بكير بن عمرو بن عثمان ، وهو قصر طاهر بن يحيى ومنازل ولده.
ووجاهها في صير حرة الوبرة مزارع عروة بن الزبير وبئره ، وأسفل منها البئر التي تعرف ببئر المغيرة بن أبي العاص ، وأسفل منها بئر زياد بن عبد الله المداني وحوضها ، وضفائر قصر مراجل والزبيني قصر سكينة بنت حسين ، وقصور فوق الزبيني لإسحاق بن أيوب متتابعة ، وفوقها قصور كثيرة لغير واحد ، ثم قصور ابنة المرازقي الزهرية ، ثم منازل جعفر بن إبراهيم الجعفري ، ثم يفضي إلى بئر رومة ، وقصور كثيرة يمنة ويسرة منها قصور عبد الله بن سعيد بن العاص ، وببطن الوادي بثار لعبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس والقصور يمنة ويسرة.
ثم ذكر ما بالعرصة من القصور ، وقال : ثم يفضي ذلك إلى الجرف ، وفيه سقاية سليمان بن عبد الملك ، وهي على ميمنة من خرج إلى السلام يعسكر بها الخارج من المدينة إليها ، ثم الزغابة وبها مزارع وقصور أيضا ، انتهى.
الفصل الثالث
في العرصة وقصورها ، وشيء مما قيل فيها وفي العقيق من الشعر
قصر خارجة : روى ابن زبالة أن بني أمية كانوا يمنعون البناء في العرصة حيالها ، وأن سلطان المدينة لم يقطع فيها قطيعة إلا بإذن الخليفة حتى خرج خارجة بن حمزة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن العوام إلى الوليد بن عبد الملك ، فسأله أن يقطعه موضع قصر فيها ، فكتب إلى عامله بالمدينة أن أقطعه موضع قصر فيها وألحقه بالسواد ، أي الحرة ، فلم يزل بأيديهم حتى صار ليحيى بن عبد الله بن حسين بن علي بن حسين.
قصر عبد الله بن عامر برومة : قال الواقدي : إنه بناه هناك من أول ما بنى بذلك العقيق إلا قصرا بعرصة البقل ، ولما قتل أهل الحرة وعسكر مشرف بالجرف أمر بالعسكر ، فحول إلى عرصة البقل ، وأمر بالأسرى فحبسوا هناك.
وقال ابن أبي عوف : إنه بعد أن نهب المدينة خرج إلى قصر ابن عامر ، وقتل من قتل.
قصر مروان بن الحكم : روى الزبير أن مروان ابتنى بعرصة البقل ، واحتفر وضرب لها عينا فازدرع.
قصر سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية : أحد مشاهير الأجواد ابتنى سعيد بالعرصة قصرا في سرتها ، واحتفر بها ، وغرس النخل والبساتين ، وكان نخلها أبكر شيء بالمدينة ، وكانت تسمى عرصة الماء.
وعن يحيى بن كعب مولى سعيد قال : كان نخل سعيد بالعرصة لا يطير حمامها ، وكانت فيها بئار ثلاث ، العليا منهن اليمانية تدعى الشمردلية ، والتي تليها أسفل منها تدعى الواسطية ، قال : وأنسيت السفلى ، وبنى بالعرصة عند نخلة قصره الذي يقول فيه أبو قطيفة عمر بن الوليد بن عقبة :
والقصر ذو النخل فالجمّاء بينهما |
أشهى إلى النفس من أبواب جيرون |
وقال الهجري : ثم يفضى ـ يعني سيل العقيق ـ إلى العرصة عرصة البقل ، وعرصة الماء ، وعرصة جعفر بن سليمان بقبل الجماء العاقر مرتفعة في حصن الجبل. وبالعرصة الكبرى قصري سعيد بن العاص الذي امتدحه الشاعر بقوله ، وذكر البيت المتقدم.
والذي ذكره الزبير وغيره أن قصر سعيد بعرصة الماء ـ وهي العرصة الصغرى ـ لأنهم قالوا : وفي عرصة الماء يقول داود بن سلم :
أبرزتها كالقمر الزاهر |
في عصفر كالشرر الطائر |
|
بالعرصة الصغرى إلى موعد |
بين خليج الواد والظاهر |
قالوا : إنما قال لها العرصة الصغرى لأن العقيق الكبير ينيفها من أحد جانبيها ، وينيفها عرصة البقل من الجانب الآخر ، وتختلط عرصة البقل بالجرف فيتسع ، والخليج الذي ذكر خليج سعيد بن العاص ، انتهى ؛ فالعرصة الكبرى هي عرصة البقل ، والصغرى هي عرصة الماء ، فهي عرصة سعيد بن العاص ، وأظنها التي فيها البناء المعروف اليوم بعقد الأرقطية ، ولعله قصر سعيد بن العاص وموضع آباره وبستانه فيما يليه ، ويلي ذلك عرصة البقل لجهة بئر رومة.
وقال فضالة بن عثمان : لما حضر سعيد الموت قال لابنه عمرو وهو الأشدق : أوصيك بثلاث : عليّ دين عظيم ، فأكثر فيه مالي حتى تؤديه ، وانظر إخواني فإن فقدوا وجهي فلا يفقدوا معروفي ، ولا تزوج بناتي إلا في الأكفاء ، ثم مات ، فركب عمرو إلى معاوية ، فقال الحاجب له : عمرو بالباب ، فقال معاوية : هلك والله سعيد ، فأدخله ، فنعى له سعيدا وأخبره بوصيته ، فقال : نحن قاضون عنه الدين قال : إنما أوصى إليّ أن يكون من صلب ماله ، فقال : يعني بعض ضياعه ، وإني أكره إحن صدر مروان وذويه من قريش بقضاء دين أبيك ، فباعه العرصة بألف ألف ، فقالت قريش : أيخدع معاوية نفسه أو يكيدنا؟ وقال مروان : يا أمير المؤمنين ما دون الله يد تحجرك عن هواك ، ولنحن أهون عليك فيما تريد ،
فعلام تخدع نحلك وتكيدها؟ هلا جعلت ما أعطيت عمرا صلة؟ فقال : إنك عاديت سعيدا حيّا وميتا ، وما بلغ من إثماني لضيعته مكيدة قريش ، ولقد علمت قريش أني أحفظ الميت في الحي وأصل الحي للميت ، ولهو خير لكم أن أكون كذلك ، فأخذ عمرو المال ، فأتى به المدينة فقضى دين أبيه ، ثم أمر بأخوال أبيه فدخلوا عليه ، فوصلهم ، ثم أدخل إخوانه ، فوقع الشر بينه وبين مروان ومروان خاله ، فقال :
يكايدنا معاوية بن حرب |
ولسنا جاهلين بما يكيد |
في أبيات بلغت معاوية ، فأنشد :
ألا لله درّ غواة فهر |
أريد سوى الذي فهر تريد |
|
أراني كلما أخلقت ضغنا |
أتاني منهم ضغن جديد |
في أبيات ، قال الزبير : ولم يصح عندي الشعران.
وروي عن سعيد أنه قال لابنه : إن منزلي هذا بالعرصة ليس من العقد ، إنما هو منزل نزهة ، فبعه من معاوية ، واقض ديني ومواعيدي ، ولا تقبل من معاوية قضاء ديني.
وعن نوفل بن عمارة أن سعيدا قال لابنه : إني موصيك بأربع ، لا تنقلني من موضعي يعني قصره ـ حتى أموت فيه ؛ فإنه أحب المواضع إليّ ، وقليل لي من قومي في بري بهم أن يحملوني على رقابهم إلى موضع قبري ، وذكر الوصايا الثلاث المتقدمة ؛ فلما توفي حمله رجال قريش حتى دفنوه بالبقيع ، وقصره على ثلاثة أميال من المدينة ، ثم رحل ابنه إلى معاوية ، فدخل وهو أشعث ، فقال له معاوية : ما بالك؟ قال : هلك أبو عثمان ، فترحّم عليه ، ثم قال : حاجتك فذكر وصاياه ، فسأله عن دينه ، فقال : ثلاثة آلاف ألف ، قال : هو عليّ ، قال : إنه أمرني أن لا يكون إلا من صلب ماله ، قال : فبعني ، قال : بعتك العرصة ، قال : قد أخذت القصر بألف ألف ، والنخيل بألف ألف ، والمزارع بألف ألف ، ثم قال : يا أهل الشام ، اكتبوا عليه لئلا يندم ، وفي رواية أنه قال : أمرني أن أبيع في دينه ما استباع من أمواله ، قال معاوية : فعرضني ما شئت قال : أنفسها وأحبها إلينا منزله بالعرصة ، فقال : هيهات لا يبيعونه ، انظر غيره ، قال : تحب تعجيل قضاء دينه؟ قال : قد أخذته بثلاثمائة ألف ، قال : اجعلها بالوافية يعني الدرهم زنة المثقال ، قال : قد فعلت ، قال : وتحملها إلى المدينة قال : ونفعل ، فقدم عمرو فجعل يفرقها في الديوان ، ويحاسبهم بما بين الدراهم الوافية وهي البغلية والدراهم الجواز ، حتى أتاه فتى من قريش بذكر حق له من أديم فيه عشرون ألف درهم بخط مولى لسعيد وشهادة سعيد على نفسه ، فعرف الخط وأنكر أن يكون لذلك الفتى الصعلوك ذلك ، فقال : ما سبب مالك؟ قال : رأيته وهو معزول وهو يمشي وحده ، فمشيت معه لباب داره ، فوقف وقال : هل لك حاجة؟ قلت : رأيتك تمشي وحدك
فأحببت أن أصل جناحك ، فقال : وصلتك رحم ، بعني قطعة أديم ، فأتيته بهذه القطعة ، فكتب غلامه هذا الكتاب وفيه شهادته ، ثم قال : يا ابن أخي ، ليس عندنا اليوم شيء ، فخذ هذا الكتاب ، فقال عمرو : لا جرم لا يأخذها إلا وافية ، ودفعها إليه بغلية.
ولما أضعت العرصتان عن بني أمية استقطع خنجر ـ وهو كثير بن العباس بن محمد ـ عرصة سعيد بن العاص ، فأقطعه إياها أبو العباس المنصور ، فقال زياد بن عبد الله الحارثي وكان واليا على المدينة بخ بخ يا خنجر ، صارت لك عرصة سعيد ، فقال : وما ينكر من ذلك؟ فأعجب منه دار معاوية بن سفيان بالبلاط لزياد بن أم زياد ، واقتطع السلطان في سلطان بني هاشم في العرصة ، وابتنوا عرصة الماء ، وفي ذلك يقول ذؤيب الأسلمي :
قد أقر الله عيني |
بغزال يا ابن عون |
|
طاف من وادي دجيل |
بفتى طلق اليدين |
|
بين أعلى عرصة الما |
أإلى قصر زبين |
|
فقضاني في منامي |
كل موعود ودين |
وفيها يقول أبو الأبيض سهل بن أبي كثير :
قلت من أنت فقالت |
بكرة من بكرات |
|
ترتعي نبت الخزامى |
تحت تلك الشجرات |
|
حبذا العرصة ليلا |
في ليال مقمرات |
|
طاب ذاك العيش عيشا |
وحديث الفتيات |
|
ذاك عيشي أشتهيه |
وحديثي مع لمات |
وفيها يقول بعض المدنيين :
وبالعرصة البيضاء إن زرت أهلها |
مها مهملات ما عليهن سائس |
|
يدرن إذا ما الشمس لم يخش حرها |
خلال بساتين خلاهن يابس |
|
إذا الحر آذاهن لذن ببحرة |
كما لاذ بالظل الظباء الكواس |
وقال عامر بن صالح في العرصتين :
أهوى البلاط فجانبيه كليهما |
فالعرصتين إلى نخيل قباء |
وقال حكيم بن عكرمة الديلي فيهما وفي العقيق وجوانب المدينة :
لعمرك للبلاط وجانباه |
وحرة واقم ذات المنار |
|
فجماء العقيق فعرصتاه |
فمفضي السيل من تلك الحرار |
|
إلى أحد مدى حرض فمبنى |
قباب الحي من كنفي صرار |
|
أحبّ إلى من ريح وبصرى |
بلا شك علي ولا تماري |
ومن قريات حمص وبعلبك |
لو أنّي كنت أجعل بالخيار |
وفيهما وفي العقيق يقول الوليد بن زيد :
لم أنس بالعرصتين مجلسنا |
بالسفح بين العقيق والسند |
وقال عبد الله بن مصعب في ذلك وفي الصلصل :
أشرف على ظهر القديمة هل ترى |
برقا سرى في عارض متهلل |
|
نضح العقيق فبطن طيبة موهنا |
ثم استمر يؤم فضل الصلصل |
|
فكأنما ولعت مخائل برقه |
بمعالم الأحباب ليست تأتلي |
|
فالعرصتين فسفح عير فالربا |
من بطن خاخ ذي المحل الأشهل |
وقال سعيد المساحقي في ذلك وهو ببغداد ، وذكر أنه ابتلى بعد أخيه بمحادثة غلامه زاهر :
أرى زاهرا لما رأى من توحّشي |
وأن ليس لي من أهل ودي زائر |
|
فظل يعاطيني الحديث وإننا |
لمختلفان حين تبلى السرائر |
|
يحدثني مما يجمّع عقله |
أحاديث منها مستقيم وجائر |
|
وما كنت أخشى أن أراني راضيا |
يعلّلني بعد الأحبة زاهر |
|
وبعد المصلى والبلاط وأهله |
وبعد العقيق حيث يحلو التزاور |
|
إذا اعشوشبت قريانه وتزينت |
عراص بها نبت أنيق وزاهر |
وقال أيضا :
ألا قل لعبد الله إما لقيته |
وقل لابن صفوان على النأي والبعد |
|
ألم تعلما أن المصلى مكانه |
وأن العقيق ذا الظلال وذا الورد |
|
وأن رياض العرصتين تزينت |
بنوارها المصفر والأشكل الوردي |
|
وأن بها لو تعلمان أصائلا |
وليلا رقيقا مثل حاشية البرد |
|
وأن غدير اللابتين مكانه |
وأن طريق المسجدين على العهد |
|
فهل منكما مستأذن فمسلم |
على وطن أو جاذب لذوي الود |
|
فما العيش إلا ما يسر به الفتى |
إذا لم يجد يوما سبيل ذوي الرشد |
فأجابه عبد الأعلى بن عبد الله بن محمد بن صفوان :
أتاني كتاب من سعيد فشاقني |
وزاد غرام القلب جهدا على جهد |
|
وأذري دموع العين حتى كأنما |
بها رمد عنه المراود لا تجدي |
|
بأن رياض العرصتين تزينت |
وأن المصلى والبلاط على العهد |
|
وأن غدير اللابتين ونبته |
له أرج كالمسك في عنبر الهند |
فكدت لما أضمرت من لاعج الهوى |
ووجد بما قد قال أقضى من الوجد |
وقال إبراهيم بن موسى الزبيري :
ليت شعري هل العقيق فسلع |
فقصور الجماء فالعرصتان |
|
فإلى مسجد الرسول فما حا |
ز المصلى فجانبا بطحان |
فبنو مازن على العهد أم ليس كعندي في سالف الأزمان وأنشد عبد السلام بن يوسف وهو في غاية العذوبة :
على ساكني بطن العقيق سلام |
وإن أسهروني بالفراق وناموا |
|
حظرتم عليّ النوم وهو محلل |
وحللتم التعذيب وهو حرام |
|
إذا بنتم عن حاجر وحجرتم |
على السمع أن يدنو إليه كلام |
|
فلا ميّلت ريح الصبا فرع بانة |
ولا سجعت فوق الغصون حمام |
|
ولا قهقهت فيه الرعود ، ولا بكى |
على حافتيه بالعشيّ غمام |
|
فمالي وما للربع قد بان أهله |
وقد قوضت من ساكنيه خيام |
|
ألا ليت شعري هل إلى الرمل عودة |
وهل لي بتلك البانتين لمام |
|
وهل نهلة من بئر عروة عذبة |
أداوي بها قلبا براه أوام |
|
ألا يا حمامات الأراك إليكم |
فما لي في تغريد كن مرام |
|
فوجدي وشوقي مسعد ومؤانس |
ونوحي ودمعي مطرب ومدام |
وقال أعرابي :
أيا سرحتي وأدي العقيق سقيتما |
حيا غضة الأنفاس طيبة الورد |
|
ترويكما مج الثرى ، وتغلغلت |
عروقكما تحت الندى في ثرى جعد |
|
ولا يهنين ظلاكما أن تباعدت |
بي الدار من يرجو ظلالكما بعدي |
وعن محمد الزهري قال : ركب عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز وعبد الله بن حسن بن حسن ومحمد بن جعفر بن محمد على بغلات لهم ، حتى إذا كانوا بالعقيق أصابهم المطر ، وهنالك سرحة عظيمة ، فدخلوا تحتها ، فقال عبد العزيز بن عمر :
خبرينا يا سرح خصصت بالغيث |
بصدق فالصدق فيه شفاء |
|
هل يموت المحب من لاعج الحب |
ويشفي من الحبيب اللقاء |
ثم إن السماء أقلعت ، فساروا ساعة ، ثم رجعوا للسّرحة فإذا في أصلها كتاب فيه :
إن جهلا سؤالك السرح عما |
ليس يوما به عليك خفاء |
|
فاستمع تخبر اليقين وهل |
يشفي من الشك نفسك الأنباء |
|
ليس للعاشق المحب من الحب |
سوى رؤية الحبيب شفاء |
وعن رجل من الأنصار أنه كان نازلا تحت سرحة ببطن العقيق إذ وقف عليه ابن عمر ، فسلم ، ثم قال : من دلّك عليها؟ قال : الذي دلّك عليها ، قال ابن عمر : فهل تدري لم يستحب ظلال السرح : قال الرجل : إنه ظليل ، وليس له شوك ، قال ابن عمر : ولغيره ، أرأيت إذا كنت بين الأخشبين من منى فإن بينك وبين مطلع الشمس واديا يقال له وادي سرر ، سرّ به سبعون نبيا ، وقد سر نبي منهم تحت سرحة فدعا للسرح ، فهي لا تقيل كما يقيل الشجر.
وعن محمد بن معن الغفاري قال : أراد محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان أن يخرج إلى مكة ، فذكر ذلك لعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز ، قال له عبد العزيز : هل لك أن تقيل عندي أنت وأصحابك ثم تروحون من عندنا وهو بالبطحان في قصر عمر بن عبد العزيز؟ فقال محمد : نعم ، فهيأ لهم نزلا ، فقال محمد : ما بقي شيء يبر به أحد أحدا إلا وقد أنزلتناه إلا طعام البادية ، قال : وما هو؟ قال : التمر والزبد ، قال : أما الغنم فإنها لعاصم بنت سفيان بن عاصم بن عبد العزيز ، يعني امرأته ، ولست مقدما على شيء منها إلا بإذنها ، ولكني سأستطعمها لكم ، وكتب إليها :
إن عندي فدتك نفسي ضيوفا |
واجب حقّهم كهولا ومردا |
|
عمدوا جارك الذي كان قدما |
لا يرى من كرامة الضيف بدا |
|
فلديه أضيافه قد قراهم |
وهمو يشتهون تمرا وزبدا |
|
فلهذا جرى الحديث ، ولكن |
قد جعلنا بعض المزاحة جدّا |
فقال له محمد : ما زال هذا العيش بينكما ، قال : نعم والله ما مسست غيرها ، ولا احتلمت بغيرها قط ، ولا خالفتها في شيء هويته قط ، فبعثت إليهم بتمر وزبد.
وعن عبد العزيز بن أبي حازم قال : كان عروة بن الزبير قائما بفناء قصره نصف النهار ، إذ أقبل شيخ من أهل المدينة معه حمام ، فوقف عند الميل ، فمسح حمامه ، وسوّى ريشه ثم أرسله ، ثم أقبل على بئر عروة فشرب من مائها ، فقال له عروة : جئت في مثل هذه الساعة كأنك صبي ، فأرسلت حماما ، وقد قال رسول اللهصلىاللهعليهوسلم «شيطان يتبعه شيطان» فقال الشيخ :
يا خليلي لا تكلم |
ليس فيه من ملام |
وعن عبد العزيز بن عبد الله قال : بينا أنا بالعقيق إذ أقبل رجل له موضع يحمل حماما ، فقلت له : مثلك يحمل هذا الحمام؟ ولا أراك إلا قد راهنت به ، قال : أجل ، وما في ذلك؟ قلت : إنه حرام ، قال : فهذه الخيل يراهن بها ، قلت : تلك سنة ، قال : وهذه رعلة ، ثم انصرف ، انتهى.
والرعلة : نوع من تمر المدينة ، وكذا السنة ، فحمل السنة على ذلك.
الفصل الرابع
في جماواته ، وأرض الشجرة ، وثنية الشريد وغيرها من جهاته
نقل ابن زبالة وغيره أن الجماوات ثلاثة :
الأولى : جماء تضارع التي تسيل على قصر عاصم وبئر عروة ، وقال الهجري : أول الجماوات جماء تضارع التي تسيل على قصر عاصم وهو منزل أبي القاسم طاهر بن يحيى وولده ، وفيها يقول أحيحة بن الجلاح :
إني والمشعر الحرام وما |
حجّت قريش له وما نحروا |
|
لا آخذ الخطة الدنيّة ما |
دام يرى من تضارع حجر |
وتحته المكيمن مكيمن الجماء.
وعن محمد بن إبراهيم مرفوعا : إذا سألت تضارع فهو عام ربيع.
وروى ابن شبة حديث «لا تسيل تضارع إلا عام ربيع» قال : وتضارع الجبل الذي بسفحه قصر ابن بكير العثماني ، وقصور عبد العزيز بن عبد الله العثماني على ثلاثة أميال من المدينة ، على يمين الذاهب إلى مكة.
قلت : هذا الجبل هو الذي يقابلك وأنت بالمدرج تريد مكة ، فإذا استبطنت العقيق صار عن يمينك ، والجبل المعروف بمكيمن الجماء متصل به ، آخذ منه على يمين الذاهب أيضا.
جماء أم خالد
الثانية : جماء أم خالد التي تسيل على قصر محمد بن عيسى الجعفري وما والاه ، وفي أصلها بيوت الأشعث ، وقصر يزيد بن عبد الملك بن المغيرة النوفلي ، وفيفاء الخبار من جماء أم خالد ، قاله الزبير.
ونقل ابن شبة عن عبد العزيز بن عمران نحوه ، إلا أنه قال : في أصلها بيوت الأشعث وفيفاء الخبار ، وبينها وبين جماء العاقر طريق من ناحية بئر رومة وفيفاء الخبار من جماء أم خالد في مهبّ الشمال من الأولى مما يلي مسيل وادي العقيق منحدرا ، وفيفاء الخبار منهما.
وقال المجد : في أصل جماء أم خالد جبل يقال له سفر كما سيأتي في ترجمته.
روى الزبير عن موسى بن محمد عن أبيه قال : وجد قبر آدمي على رأس جماء أم خالد مكتوب فيه : أنا أسود بن سوادة رسول رسول الله عيسى بن مريم إلى أهل هذه القرية.
وعن ابن شهاب قال : وجد قبر على جماء أم خالد أربعون ذراعا في أربعين ذراعا ، مكتوب في حجر فيه : أنا عبد الله من أل نينوى رسول رسول الله عيسى بن مريمعليهالسلام إلى أهل هذه القرية ، فأدركني الموت ، فأوصيت أن أدفن في جماء أم خالد.
قال عبد العزيز بن عمران : نينوى موضعان : أحدهما من أرض السواد بالطف حيث قتل الحسين رضي الله تعالى عنه. والآخر قرية بالموصل ، وهي التي فيها يونس النبيصلىاللهعليهوسلم ، ولسنا ندري أي الموضعين عنى. وتقدم في أوائل الباب الثالث روايتان جاءتا في ذلك قال في إحداهما : فإذا فيه «أنا عبد الله الأسود رسول رسول الله عيسى بن مريمعليهالسلام إلى أهل قرى عرينة» وقال في الأخرى» وإذا فيه أنا عبد الله رسول نبي الله سليمان بن داود إلى أهل يثرب ، وأنا يومئذ على الشمال».
جماء العاقر (العاقل)
الثالثة : جماء العاقر ـ بالراء كما في كتاب ابن شبة وغيره ، وفي بعض نسخ ابن زبالة والهجري ومعارف العقيق للزبير باللام ـ قال ابن شبة ، عقب ما تقدم عنه : وجماء العاقر الجبل الذي خلفه المشاش ، وإليه قصور جعفر بن سليمان بن علي بالعرصة ، وقال الهجري : الثالثة جماء العاقل ، فيها طريق إلى جماء أم خالد ، تسيل على قصور جعفر بن سليمان ، خلفها المشاش وهو واد يصبّ في العرصة ، وقال الزبير : جماء العاقل طريق بينها وبين جماء أم خالد خلفها المشاش.
وفي المشاش يقول عروة بن أذينة :
إذ جرى شعب المشاش بهم |
ومضيف تلمة الرحمة |
|
ومن البطحاء قد نزلوا |
دار زيد فوقها العجمة |
وأورد ابن زبالة هنا حديث «لا تقوم الساعة حتى يقتل رجلان موضع فسطاطيها في قبل الجماء» وحديث «نعم الجماء المنزل لو لا كثرة الأساود». وقد قدمنا في الفصل الأول نحوه في العرصة ، وقدمنا ما جاء في ذي الحليفة وبطحانها والمعرس ومسجد الشجرة ، وروى البيهقي في المعرفة عن الشافعي قال : كان سعيد بن زيد وأبو هريرة يكونان بالسحر على أقل من ستة أميال فيشهدان الجمعة ويدعانها.
وروى الزبير عن نافع أنه لما استصرخ على سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل يوم الجمعة بعد ما ارتفع الضحى أتاه ابن عمر بالعقيق ، وترك الجمعة.
وعن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه أن أروى بنت أويس أسعدت مروان بن الحكم على سعيد بن زيد في أرضه بالشجرة ، فقالت : إنه أدخل ضفيرتي في أرضه ، فقال : كيف أظلمها وقد سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوسلم يقول «من اقتطع شبرا من الأرض طوّقه من سبع أرضين يوم القيامة»؟ وترك لها سعيد ما أدّعت ، وقال : اللهم إن كانت أروى ظلمتني فأعم بصرها ، واجعل قبرها في بئرها ، فعميت أروى ، وجاء سيل فأبدي عن ضفيرتها خارجا عن حق سعيد ، فأقسم سعيد على مروان ليركبنّ معه وينظر إلى ضفيرتها ، فركب والناس حتى نظروا إليها ، ثم إن أروى خرجت لبعض حاجتها فوقعت في البئر فماتت.
وفي رواية أنها سألت سعيدا أن يدعو لها ، وقالت : إني ظلمتك ، فقال : لا أردّ على الله شيئا أعطانيه.
قال إبراهيم بن حمزة : وكان أهل المدينة يدعو بعضهم على بعض فيقول : أعماك الله كما أعمى أروى ، يريدونها ، ثم صار الجهال يقولون : أعماك الله كما أعمى الأروى ، يعني أروى الجبل ، يظنونها شديدة العمى.
وفي رواية أن سعيدا قال : اللهم إن كانت أروى كاذبة فلا تخرجها من الدنيا حتى تعمى ، وتجعل منيتها في بئرها ، فعميت ، فكانت لها جارية تخرج بها تقودها ، فتقول لها : أخبريني ما يعمل العمال ، فتخبرها ، فتقول لهم : أنتم تفعلون كذا وكذا ، وتصيح عليهم ، فغفلت الجارية عنها يوما ، فخرجت إلى العمال فوقعت في بئرها فماتت ، فلذلك يقولون : عمى أروى.
و عن يحيى بن موسى قال : كان أبو هريرة نزل الشجرة قبل أن تكون مزدرعا ، فمرّ به مروان وقد استعمله معاوية على المدينة فقال : مالي أراك هاهنا؟ قال : نزلت هذه البرية مع أبي أصلي في مسجد رسول الله صلى اللّه عليه وسلم بذي الحليفة ، فأقطعه مروان أرضه وضفرها له ، فتصدق بها أبو هريرة على ولده ، ولم يزل العقيق نخلا حتى عملت العيون.
ثنية الشريد
ونقل ابن زبالة أن ثنية الشريد كانت لرجل من بني سليم كان بقية أهل بيته ، فقيل له : الشريد ، وكانت أعنابا ونخلا لم ير مثلها ، فقدم معاوية المدينة ، فطلبها منه ، فأبى ، ثم ركب يوما فوجد عماله في الشمس ، فقال : مالكم؟ فقالوا : نسجم البئار ، فركب إلى معاوية فقال : يا أمير المؤمنين إنه لم يزل في نفسي منعي إياك ما طلبت مني ، فهو لك بما أردت ، فكتب إلى ابن أبي أحمد أن يدفع إليه الثمن ، قال : وسمعتهم يكثرونه جدّا ، فقال له ابن أبي أحمد : إن أمير المؤمنين لم يسمك بها وهي على هذه الحال ، فقال : إني رجوت حين صار أمري إليك التيسير علي ، فدفع إليه الثمن.
ومزارع ثنية الشريد من أرض المحرمين إلى أرض المنصور بن إبراهيم ، وقال الهجري : إن سيل العقيق يفضي إلى ثنية الشريد ، ومنها منازل وبئار كثيرة ، وهي ذات عضاه وآكام ، تنبت ضروبا من الكلأ ، صالحة للمال ، تحف الثنية شرقي عير الوادي وغربي جبل يقال له الفراء ، ثم يفضي إلى الشجرة التي بها المحرم والمعرس.
وقال ابن النجار عن أهل السير : إن النبي صلى اللّه عليه وسلم ولى العقيق لرجل اسمه هيصم المزني ، وأن ولاة المدينة لم يزالوا يولّون عليه ، حتى كان داود بن عيسى فتركه في سنة ثمان وتسعين ومائة.
قلت : هذا إنما ذكره ابن زبالة والزبير في حمى النقيع كما سيأتي.
وروى ابن زبالة عن يحيى بن سعيد أن رجلا كان لا يعرف والده كان يوما بالعقيق ، فنهاه عمر بن عبد العزيز.
وفي رواية : كان يصلي لهم الجمعة بالشجرة ، فنهاه عمر بن عبد العزيز أن يؤمهم لأنه لا يعرف له أب ، وهو يقتضي أن الجمعة كانت تقام بالعقيق ، فآثار أبنية مكان العقيق موجودة إلى اليوم ، وهي دالة على ما كان به من القصور الفائقة ، والمناظر الرائقة ، والآبار العذبة إحسان ، والحدائق الملتفّة الأغصان ، دثرت على طول الزمان ، وتكرر الحدثان ، وبقي هناك بعض الآبار ، وبقايا الآثار ، فترتاح النفوس برؤيتها ، وتنتعش الأرواح بانتشاق نسمتها ، فهي كما قال حبيب بن أوس :
ما ربع ميّة معمورا يطيف به |
غيلان أبهى ربا من ربعها الخرب |
|
ولا الخدود وإن أدمين من نظر |
أشهى إلى ناظر من خدها الترب |
وقال أعرابي :
ألا أيها الركب المحنّون هل لكم |
بأهل عقيق والمنازل من علم |
|
فقالوا : نعم تلك الطلول كعهدها |
تلوح ، وما يغنى سؤالك عن علم |
خاتمة
في سرد ما يدفع في العقيق من الأودية ، وما به من الغدران
قال في جزيرة العرب لأبي عبيدة رواية أبي عبد الله المازني عنه ما لفظه : والعقيق يشق من قبل الطائف ، ثم يمر بالمدينة ، ثم يلقى في إضم البحر ، انتهى.
وسيأتي في وادي قناة أنه من وجّ الطائف أيضا ، ولكن قال الزبير وغيره : أعلى أودية العقيق النقيع ، ثم ذو العش ، ثم ذو الضرورة ، ثم ذو القرى ، ثم ذو الميت ، ثم ذو المكبر ، ثم ذات القطب ، ثم حد المولى ، ثم حد الأباني ، ثم ذو تنقية ، ثم القويع ، ثم ذو الصواير ، ثم الفلجة ، ثم الوشيحة ، ثم مخايل الوغائر ، ثم مخايل الرمضة ، وكلاهما يصب في حصين ، ثم ذو العشيرة ، ثم الرتاحة ، ثم ذو سمر ، ثم مرخى الحرة اليماني والشامي محتذيان جميعا ، ثم يجتمع ذو سمر ومرخان فيقال لمجتمعهن : المجتمعة ، ثم ذات السليم ، ثم ذو الغصين ، ثم شوظى ، ثم خاخ ، ثم المناصفة ، ثم شعاب الحمري والفراء وعيرين.
وقال الزبير : وأوديته مما يلي القبلة في المغرب أعلاها ذات الرابوقة ثم نفعا.
وعن مشيخة مربية أن صدور العقيق ما يبلغ في النقيع من قدس وما قبل من الحرة وما دبر من النقيع وثنية عمق ، فهو يصب في الفرع ، وما قبل من الحرة مما يدفع في العقيق يقال له بطاويح ، قال : ثم فرش موزد ، ثم راية الأعمى ، ثم راية الغراب ، ثم الخائع ، ثم ذو
عاصم ، ثم بلغة السرح ، ثم بلغة برام ، ثم بلغة رماد ، ثم بلغة المعيرا ، ثم بلغة الرمس ، ثم نبعة العشرة ، ثم نبعة الطوى ، ثم الحنينة ، ثم النبعة ، ثم ضاف ، ثم بلغة التمر ، ثم نبع الأضاة ، ثم الأتمة أتمة عبد الله بن الزبير ، ثم ذات الحماط ، وفي حديث تقدم أنهصلىاللهعليهوسلم «صلّى في مسجد بالضيقة مخرجه من ذات الحماط» ثم هاوان ، ثم فريقان ، ثم الساهية ، ثم أعشار ، وتقدم في حديث نزولهصلىاللهعليهوسلم بكهف أعشار وصلاته فيه ، ثم ريم ، ثم لاي ، ثم ذو سلم النظيم ، ثم ذو بدوم ، ثم حفية ، ثم قسبان ، ثم الصهوة ، ثم بقرة ، ثم ذو سنية ، وسنية : قوم من مزينة ، ثم الرمامية ، ثم الموقية ، ثم ضبع ، ثم مهر ، ثم الملحاء ، ثم المليحة ، ثم النخيل ، ثم الرديهة ، ثم أنفة ، ثم المنتقبة ، ثم مراح الصحرة ، ثم سائلة أبي يسار التي تسيل على قصر المخرمي ، ثم شعاب الفراء ، ثم ذات الجيش ، وتقدم حديث الأعلام في حرم المدينة على شرف ذات الجيش ، ثم وادي أبي كبير بن سعيد بن وهب بن عبد بن قصي ، وذات الجيش يدفع فيه ، وبه قصر الرماد لآل أبي كبير ، وكانت لهم بئر بطرف الفراء يوردون عليها سبعين أو ثمانين بعيرا لهم ، قال الزبير : وأنا رأيت بئر أحد طرف الفراء مكبوسة ، وما قبل من الصلصلين يدفع إلى بئر أبي عاصية ، ثم يدفع في ذات الجيش ، ثم يدفع في وادي أبي كبير ، وما دبر منهما يدفع في البطحاء ، فطرف عظيم الغربي يدفع في ذات الجيش ، وطرفه الشامي يدفع في البطحاء بين الجبلين في وادي العقيق ، ثم الجماوات ثلاث ، وتفصيل مسائلها كما قدمناه فيها.
ثم ذكر مجتمع سيول المدينة بزغابة ، وذلك أعلى وادي إضم ، قال : وأعلى غدر مسيلات العقيق التي في درج الوادي مما يلي الحرة موكلان من أعلى ذي العش ، ثم غدير سليم ، ثم ذو التحاميم ، ثم الأعوج ، ثم غدير الجبال ، ثم يماحم ، ثم غدير الذباب ، ثم غدير الحمير ، ثم غدير فليج الأعلى ، ثم غدير فليج الأسفل ، وهذه الثلاثة تعرف بمنحنيات فليج الزبيري ، ثم غدير السيالة ، ثم الطويل ، ويعد من منحنيات فليج أيضا ، ثم غدير البيوت بيوت عبد الله العمري ، ثم غدير رتيجة ، ثم بكين ، ثم غدير سلافة ، ثم غدير الرعاء ، ثم غدير الأحمى مقصورا والأحمى : طرب العدس في أصله ، ثم غدير حصير ، ثم الندبة من أسفل حصير ، ثم العرابة على أعلى مرج ، ثم مرج ، ثم غدير السدر ، ثم غدير الخم ، ثم المستوجبة ، ثم حليف ، ثم حليف ، ثم الحقن ، ثم ذو الطفيتين ، ثم ذو اللحيين ، ثم ذو الابنة ، ثم غدير مريم ، ثم غدير المجاز ، ثم غدير المرس ، ثم رابوع ، وقلما يفارقه ماء وإذا قل ماؤه احتسى ، وهو أسفل شيء من غدران درج العقيق إلا غدير أسفل منه يقال له غدير السيالة ، هذا كلام الزبير.
ونقل ابن شبة أن سيل العقيق يأتي من موضع يقال له بطاويح ، وهو حرس من الحرة ،
وغربي شطاي حتى مضيا جميعا في النقيع وهو قاع كبير الدر ، وهو من المدينة على أربعة برد في يمانيها ، ثم يصب في غدير يلبن وبرام ، ويدفع فيه وادي البقاع ، ويصب فيه نقعا فيلتقين جميعا بأسفل من موضع يقال له نقع ، ثم يذهب السيل مشرقا فيصب على رواوتين يعترضهما يسارا ، ويدفع عليه واد يقال له هلوان ، ثم يستجمعن فيلقاهن بوادي دبر بأسفل الحليفة العليا ، ثم يصب على الأتمة وعلى الجام ، ثم يفضي إلى وادي الحميراء فيستبطن واديها ويدفع عليه الحرتان شرقيا وغربيا حتى ينتهي إلى ثنية الشريد إلى أن يفضي إلى الوادي فيأخذ في ذي الحليفة حتى يصب بين أرض أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وبين أرض عاصم بن عدي بن العجلان ، ثم يستبطن الوادي فيصب عليه شعاب الجماء ونمير حتى يفضي إلى أرض عروة بن الزبير وبئره ، ثم يستبطن بطن الوادي فيأخذ منه شطيب إلى خليج عثمان بن عفان الذي حفر إلى أسفل العرصة التي يقال لها خليج بنات نائلة وهن بنات عثمان منها ، وكان عثمان ساقه إلى أرض اعتملها بالعرصة ، ثم يفترش سيل العقيق إذا خرج من حوافر عبد الله بن عنبسة بن سعيد يمنة ويسرة ، ويقطعه نهر الوادي ، ثم يستجمع حتى يصب في زغابة ، انتهى.
ونقل الهجري أن سيل العقيق إذا أفضى من النقيع أفضى إلى قراره أسفل قاع لا شجر فيه ، وأسفل منه حصير ، ثم يفضي إلى مرج ، ثم إلى المستوجبة ، ثم إلى غدير يقال له ديوا الضرس ، ثم إلى غدير المجاز ، ثم إلى غدير يقال له رواوة ، ثم إلى غدير الطفيتين ، ثم الابنة ، ثم أسفل من ذلك رابوع ، ثم يلقاه وادي بريم فإذا التقيا دفعا في الحليفة حليفة عبد الله بن أبي أحمد بن جحش ، ثم سطح سيول النقيع والصحرة ومراج وأنفة عند جبل يقال له واسطة المسطح ، ثم يفضي إلى الجبخانة صدقة عباد الزبيري ، وله دوافع من الحرة مشهورة منها شوظي وروضة الجام ، ثم يفضي إلى حمراء الأسد ، ثم إلى ثنية الشريد ، ثم إلى الشجرة التي بها المحرم ، اه.
الفصل الخامس
في بقية أودية المدينة ، وصدورها ، ومجتمعها ، ومغايضها
وادي بطحاء
فمنها وادي بطحان ـ روى ابن شبة والبزار عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوسلم يقول «إن بطحان على ترعة من ترع الجنة» قال ابن شبة : وأما سيل بطحان ـ وهو الوادي المتوسط بيوت المدينة ، أي في زمنه ـ فإنه يأخذ من ذي الحدر ، والحدر قرارة في الحرة يمانية من حلبات الحرة العليا حرة معصم ، وهو سيل يفترش في الحرة حتى يصب على شرقي ابن الزبير وعلى جفاف ومرفية والحساة حتى يفضي إلى فضاء بني خطمة والأعرس ، ثم يستنّ حتى يرد الجسر ، ثم يستبطن وادي بطحان حتى يصب في زغابة.
وسيأتي في مذينب من رواية ابن زبالة أن بطحان يأتي من الحلابين حلابي مصعب على سبعة أميال من المدينة أو نحو ذلك ، وفي رواية له أن بطحان يأتي من صدر جفاف.
فيتلخص أنه يأتي من الحلابين فيصل أولا إلى وادي جفاف ، ثم إلى بطحان ، ولهذا استغنى ابن زبالة وغيره ببطحان عن إفراد جفاف بالذكر ، وجعل المطري ومن تبعه الترجمة لجفاف ، قالوا : ووادي جفاف على موضع في العوالي شرقي مسجد قباء ، اه.
ويفهم من أطراف كلام ابن شبة : أن ابتداء وادي بطحان من جسر بطحان ، وذلك بقرب الماجشونية وآخره في غربي مساجد الفتح ، ويشاركه رانونا في المجرى من الموضع الذي في غربي المصلى وما والاه من القبلة ، لأنها تصبّ فيه كما سيأتي ، والذي يقتضيه كلام غيره أن الماجشونية وتربة صعيب من بطحان.
وادي رانونا
ومنها : رانونا ، ويقال : رانون ـ قال ابن شبة : وأما سيل رانون فإنه يأتي من مقمة في جبل في يماني عير ومن حرس شرقي الحرة ، ثم يصب على قرين صريحه ثم سد عبد الله بن عمرو بن عثمان ، ثم يفترق في الصفاصف فيصب في أرض إسماعيل ومحمد ابني الوليد بالقصبة ، ثم يستبطن القصبة حتى يعترض قباء يمينا ، ثم يدخل غوسا ثم بطن ذي خصب ، ثم يجتمع ما جاء من الحرة وما جاء من ذي خصب ، ثم يقترن بذي صلب ، ثم يستبطن السرارة حتى يمر على قعر البركة ثم يفترق فرقتين ؛ فتمر فرقة على بئر جشم تصب على سكة الخليج حتى تفرغ في وادي بطحان ، وتصب الأخرى في وادي بطحان ، اه.
وفي رواية لابن زبالة عن عبد الله بن السائب قال : رانونا تأتي من بين سد عبد الله بن عمرو بن عثمان وبين الحرة وتلقى هي وواد آخر عند الجبل الذي يقال له مقمن أو مكمن.
وقال ابن زبالة : وأما ذو صلب فيأتي من السد ، وأما ذو ريش فيأتي من جوف الحرة ، ثم قال في رواية أخرى : إن صدر سيل ذي صلب من رانونا ، وصدر رانونا يأتي من التجنيب ، ثم يسكب ذو صلب ورانونا في سد عبد الله بن عمرو بن عثمان ، ثم في ساخطة وأموال العصبة ، ثم في غوسا ، ثم في بطحان ، ثم يلتقي هو وبطحان عند دار الشواترة ، وهي عداد بني زريق ، ويزعمون أنهم من عاملة ، اه.
والسد موجود في تلك الجهة ، ولكنه لا يضاف اليوم لعبد الله المذكور ، قال المراغي : والسد لا يعرف اليوم بهذا الاسم ، ولعله المعروف بسد عنتر ؛ لانطباق الوصف عليه ، وساخطة لا تعرف ، ولعلها مزرعة السد ، وغوسا غير معروفة ، ولعله أراد حوسا ـ بالحاء المهملة ـ وهي معروفة بقباء ، ويشرب من رانونا ، ووقع في الاسم تغيير ، اه. وقال نصر : عوسا قريب قباء.
قلت : وقرين صريحه ينطبق وصفه على القرين المعروف اليوم بقرين الصرطة ، وقال المطري : إن رانونا ينتهي إلى مسجد الجمعة ببني سالم ، ثم يصب في بطحان. قال المراغي : الذي رواه ابن زبالة أنهصلىاللهعليهوسلم صلّى ببني سالم في ذي صلب ، لا رانونا ، وأن كلام ابن زبالة السابق يدل على المغايرة بينهما.
قلت : هما وإن افترقا في بعض الأماكن فينتهيان إلى مجتمع واحد ، ولذا قال ابن شبة : ثم يقترن بذي صلب ، كما سبق ، فيسمى برانونا لمرورها عليه ، ولذا قال ابن إسحاق في أمر الجمعة : فأدركته في بني سالم بن عوف فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي وادي رانونا ، فعبر به عن ذي صلب ، بل فيما تقدم عن ابن زبالة أنه يأتي من جوف الحرة ، فلعله المعنيّ بقول ابن شبة : ثم يجتمع ما جاء من الحرة ـ ويعني بالحرة حرة بني بياضة لما تقدم في منازلهم من أن حبيب بن عبد حارثة بن مالك بن عضب بن جشم ابتني الأطم الذي في أدنى بيوت بني بياضة الذي دونه الجسر الذي عند ذي ريش.
وأما السرارة المذكورة في كلام ابن شبة فتقدم ذكرها أيضا في منازل بني بياضة ، فليست هي الحديقة المعروفة اليوم بالسرارة.
وأما بئر جشم فغير معروفة اليوم ، ولعلها مضافة إلى جشم بن الخزرج الأكبر ، كما حدثني مالك بن عضب ، وهم ببني بياضة ، وسأتي ما يرجّحه ، ويحتمل أن تكون مضافة إلى جشم بن الحارث ، ومنازلهم بالسنح ، وهو بعيد.
وادي قناة
ومنها : وادي قناة سمي بذلك لأن تبّعا لما غزا المدينة نزل به ، فلما شخص عن منزله قال : هذه قناة الأرض ، فسميت قناة ، وتسمى الشظاة ، وفي القاموس أن هذا الوادي عند المدينة ، أي ما حاذاها منه تسمى قناة ، ومن أعلى منها عند السد أي الذي أحدثته نار الحرة تسمى بالشظاة.
وقال ابن شبة : وادي قناة يأتي من وج أي وج الطائف.
وعن شريح بن هانئ الشيباني أنه قدم على عمر بن الخطاب ومعه امرأته أم الغمر فأسلمت ، ففرق بينهما عمر ، فقال : يا أمير المؤمنين اردد عليّ زوجتي ، فقال : إنها لا تحل لك إلا أن تسلم ، فنزل شريح بقناة وقال :
ألا يا صاحبيّ ببطن وجّ |
روادف لا أرى لكم مقاما |
|
ألا تريان أم الغمر أمست |
قريبا لا أطيق لها كلاما |
فجعل بطن قناة بطن وج لأن السيل يأتي منه.
وقال المدائني : قناة واد يأتي من الطائف ، ويصب في الأرخصية وقرقرة الكدر ، ثم يأتي بئر معاوية ، ثم يمر على طرق القدوم في أصل قبور الشهداء بأحد.
وقال ابن زبالة : إن سيول قناة إذا استجمعت تأتي من الطائف ، قالوا : ومحول أودية العرب قناة وإضم ، أي اللاتي في مجتمع السيول ووادي نخلة ، وإنما سميت محولا لبعد صدورها وكثرة دوافعها ، ويأتي وادي قناة من المشرق حتى يصل السد الذي أحدثته نار الحجاز المتقدم ذكرها آخر الباب الثاني ، وتقدم هناك أن هذا الوادي كان قد انقطع بسبب ذلك ، وانحبس السيل حتى صار بحرا مدّ البصر عرضا وطولا ، كأنه نيل مصر عند زيادته ، قال المطرطي : شاهدته كذلك سنة سبع وعشرين وسبعمائة ، وتقدم أنه انخرق من تحته سنة تسعين وستمائة ، فجرى الوادي سنة ، فملأ ما بين الجانبين ، وسنة أخرى دون ذلك ، ثم انخرق بعد السبعمائة فجرى سنة أو أزيد ، ثم انخرق سنة أربع وثلاثين وسبعمائة بعد تواتر الأمطار فكثر الماء وجاء سيل لا يوصف كثرة ، ومجراه على مشهد سيدنا حمزة ، وحفر واديا آخر قبلى الوادي والمشهد. وقبلى حبل عينين في وسط السيل ، ومكثا نحو أربعة أشهر لا يقدر أحد على الوصول إليهما إلا بمشقة ، ولو زاد مقدار ذراع في الارتفاع وصل إلى المدينة ، ثم استقر في الواديين القبلي والشمالي قريبا من سنة ، وكشف عن عين قديمة قبلى الوادي جدّدها الأمير ودي ، وهذا الوادي هو المراد بقوله في حديث الاستنشاق من رواية الصحيح «وسال وادي قناة شهرا» وينتهي سيل قناة إلى مجتمع السيول ترعا أيضا.
وادي مذينب
ومنها : وادي مذينب ، ويقال : مذينيب ـ قال ابن زبالة عن غير واحد من الأنصار : مذينب شعبة من سيل بطحان ، يأتي مذينب إلى الروضة روضة بني أمية ، ثم ينشعب من الروضة نحوا من خمسة عشر جزءا في أموال بني أمية ، ثم يخرج من أموالهم حتى يدخل بطحان وصدير ، مذينب وبطحان يأتيان من الحلابين حلابي صعب على سبعة أميال من المدينة أو نحو ذلك ، ومصبهما في زغابة حيث تلتقي السيول ، اه.
وقوله «من سيل بطحان» يعني من أصله من الحلابين كما بينه أخيرا ، وسبق بيان منازل بني أمية وأن من أموالهم بئر العهن.
وسيأتي عن ابن شبة ما ظاهره المخالفة لهذا ، حيث قال في مهزور : حتى حلاة بني قريظة ، ثم يسلك منه شعيب فيأخذ على بني أمية بن زيد بين البيوت في واد يقال له مذينب ، ثم يلتقي هو وسيل بني قريظة بالمشارف فضاء بني خطمة ، ثم يجتمع الواديان مهزور ومذينب ، فمقتضاه أن مذينب من أصل مهزور ، ولهذا قال المجد : قال أحمد بن جابر : ومن مهزور إلى مذينب شعبة تصبّ فيه.
قلت : لكن أعلى صدر سيل بطحان ومذينب ومهزور من حرة واحدة ، فيصح تشعب مذينب من كل منهما.
ولهذا نقل المجد عن أبي عبيدة أن اليهود لما نزلوا المدينة نزلوا بالسافلة ، فاستوبئوها ، فبعثوا رائدا إلى العالية ، فرأى بطحان ومهزورا يهبطان من حرة ينصبّ منها مياه عذبة ، فرجع فقال : وجدت بلدا طيبا وأودية تنصب إلى حرة عذبة ، فتحولوا ؛ فنزل بنو النضير على بطحان ، وقريظة على مهزور ، اه. مع أن الذي تقدم في المنازل أن بني النضير نزلوا بمذينب ، ومنازلهم النواعم ، فمن أطلق نزولهم على بطحان راعى اتحاد الأصل وأن مذينب يصب في بطحان أيضا ، كان في زماننا يشق في الحرة الشرقية قبلى بني قريظة ، ويمر في وسط قرية قديمة كانت شرق العهن والنواعم ، ويتشعب في تلك الأموال ، ويخرج ما فضل منه من الموضع المعروف بنقيع الرديدي ومن الناصرية ، فيصب في الوادي الذي يأتي من ضفاف شرقي مسجد الفضيخ ، حتى يأتي الفضاء الذي عند بؤور النورة خلف الماجشونية فتلقاه هناك شعبة من مهزور ، ثم يصبان جميعا في بطحان.
وقال المطري : مذينب شرقي جفاف ، يلتقي هو وجفاف فوق مسجد الشمس ، ثم يصبان في بطحان ، ويلتقيان مع رانونا ببطحان ، فيمران بالمدينة غربي المصلى ، اه. ومراده جفاف أصل مسيل بطحان.
وادي مهزور
ومنها : مهزور ـ نقل ابن زبالة أنه يأتي من بني قريظة ، ثم قال في هذه الرواية ما لفظه : وأما معجب فيأتي سيله ، وكان يمر في مسجد النبيصلىاللهعليهوسلم ، وقالت الأنصار : إنما الذي يمر في المسجد مهزور ، ولم يبين أصل سيل معجب ، وكذا ابن شبة ، فقال : وأما بطن مهزور فهو الذي يتخوف منه الغرق على أهل المدينة فيما حدثنا به بعض أهل العلم ، ثم ذكر رواية ابن زبالة السابقة.
وقال ابن زبالة عقب ما تقدم عنه في مذينب ، ما لفظه : وسيل مهزور وصدره من حرة سوران ، وهو يصب في أموال بني قريظة ، ثم يأتي بالمدينة فيسقيها ، وهو السيل الذي يمر في مسجد رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، ثم يسكب في زغابة ، ويلتقي هو وبطحان بزغابة حيث تلتقي السيول ، اه.
واجتماعه في بطحان بزغابة من مجرى قناة ، ولهذا قال ابن شبة : وسيل مهزور يأخذ من الحرة من شرقيها ومن هكر ، وحرة صفة ، حتى يأتي أعلى حلاة بني قريظة ، ثم يسلك منه شعيب فيأخذ على بني أمية بن زيد بين البيوت في واد يقال له مذينب ، ثم يلتقي وسيل بني قريظة بفضاء بني خطمة ، ثم يجتمع الواديان جميعا مهزور ومذينب فيتفرقان في الأموال ويدخلان في صدقات رسول اللهصلىاللهعليهوسلم كلها إلا مشربة أم إبراهيم ، ثم يفضي إلى السورين على قصر مروان بن الحكم ، ثم يأخذ بطن الوادي على قصر بني يوسف ، ثم يأخذ في البقيع
حتى يخرج على بني حديلة ، والمسجد ببطن مهزور ، وآخره كومة أبي الحمرة ، ثم يمضي فيصبّ في وادي قناة ، انتهى.
ومقتضاه أن الشعبة التي تجتمع من مهزور بمذينب بالفضاء المذكور تسقى بعد ذلك ، فكأنها صرفت عن جهة الصدقات إلى بطحان ، أو أن كلامه مؤوّل ؛ لأن المعروف اليوم أن الشعبة التي تلق مذينب من مهزور تصبّ بعد اجتماعهما في بطحان كما سبق ، والذي يسقي ما ذكر من الصدقات ويمر بالبقيع إنما هو شعبة أخرى من مهزور ، ولا تجتمع بمذينب ، بل تمر على الصافية وما يليها من الصدقات ، ثم تغشى بقيع الغرقد والنخيل التي حوله خصوصا الجزع المعروف بالحضاري ، فاتخذ لذلك شيخ الحرم الزيني مرجان التقوى حفظه الله تعالى طريقا إلى بطحان ، وحفر له مجرى من ناحية الصدقات ، فصارت الشعبة المذكورة تصب أيضا في بطحان ، ولا تمر بالبقيع ، ولم يتعرض ابن شبة للشعبة التي تشق من مهزور إلى العريض وهو معظمه بسبب السد المبني هناك ، وقد اقتصر عليها المطري فقال : مهزور شرقي العوالي ، شمالي مذينب ، ويشق في الحرة الشرقية إلى العريض ، ثم يصب في وادي الشظاة.
قال الزين المراغي عقب نقله : وكأن حرّة شوران أي المذكورة في كلام ابن زبالة هي الحرة الشرقية.
وقال ابن شبة : وكان مهزور سال في ولاية عثمان رضي الله تعالى عنه سيلا عظيما على المدينة خيف على المدينة منه الغرق ، فعمل عثمان الردم الذي عند بئر مدري ليرد به السيل عن المسجد وعن المدينة.
وذكره ابن زبالة فقال : وأما الدلال والصافية فيشربان من سرح عثمان بن عفان الذي يقال له مدري الذي يشق من مهزور في أمواله ويأتي على أريس وأسفل منه حتى يتبطن الصورين ، فصرفه مخالفة على المسجد في بئر أريس ، ثم في عقد أريم ثم في بلحارث بن الخزرج ، ثم صرفه إلى بطحان ، انتهى.
وقال ابن شبة عقب ما تقدم : ثم سال وعبد الصمد بن علي وال على المدينة في خلافة المنصور سنة ست وخمسين ومائة ، فخيف منه على المسجد فبعث إليه عبد الصمد عبيد الله بن أبي سلمة العمري ، وهو على قضائه ، وندب الناس فخرجوا إليه بعد العصر ـ وقد طغي وملأ صدقات النبيصلىاللهعليهوسلم ـ فدلوا على مصرفه ، فحفروا في برقة صدقة النبيصلىاللهعليهوسلم ، فأبدوا عن حجارة منقوشة ففتحوها فانصرف الماء فيها وغاض إلى بطحان. دلهم على ذلك عجوز مسنة من أهل العالية ، قالت : إني كنت أسمع الناس يقولون : إذا خيف على القبر من سيل مهزور فاهدموا من هذه الناحية ، وأشارت إلى القبلة ، فهدمها الناس فأبدوا عن تلك الحجارة ، انتهى.
وذكره ابن زبالة مع مخالفة في التاريخ فقال : وفي ليلة الأربعاء هلال المحرم سنة ثمان وخمسين ومائة في إمارة عبد الصمد لما أصيب المسجد بتلك الغرقة استغاث الناس على سيل مهزور مخافة على القبر ، فعمل الناس بالمساحي والمكاتل والماء في برقة إلى أنصاف النخل ، فطلعت عجوز من أهل العالية فقالت : أدركت الناس يقولون : إذا خيف على القبر فاهدموا من هذه الناحية ، يعني القبلة ، فدار الناس إليها فهدموا وأبدوا عن حجارة منقوشة ، فعدل الماء إلى هذا الموضع اليوم وأمنوا ، وهي الليلة التي هدمت فيها بيوت بطحان وبني جشم ، انتهى.
ونقله المراغي إلا أنه قال كما رأيته بخطه : وأبدوا حجارة منقوشة ، وضبط الباء بالتشديد ، والذي في كلام ابن زبالة وابن شبة ما قدمته ، قال المراغي عقبه : وبنو جشم لا تعرف ، وإنما المعروف دشم ـ بالدال ـ بستان شامي مسجد الفعلة على نحو رميتي سهم منه ، فلعلها منازلهم ، ووقع في الاسم تغيير.
قلت : والظاهر أن المراد منازل بني جشم بن الحارث بالسنح لقربها من بطحان ، فطغى الماء إليها لما صرفوه.
تتمة
فيما قضى به النبيصلىاللهعليهوسلم في هذه الأودية
قضاؤه بين رجل من الأنصار والزبير
روينا في الصحيحين وغيرهما عن عبد الله بن الزبير أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير في شراج الحرة التي يسقون بها النخل ، فقال الأنصاري : سرح الماء يمر ، فأبى عليه ، فاختصما عند النبيصلىاللهعليهوسلم ، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوسلم للزبير : اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك ، فغضب الأنصاريّ ، فقال : أن كان ابن عمتك؟ فتلوّن وجه رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ثم قال : اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر.
وفي رواية للبخاري : حتى يرجع الماء إلى الجدر ، فكان ذلك إلى الكعبين ، وفي أخرى له : كان النبيصلىاللهعليهوسلم أشار على الزبير برأي فيه سعة ، فلما أحفظ الأنصاري النبيّصلىاللهعليهوسلم ـ أي أغضبه ـ استوفى للزبير حقه في صريح الحكم.
والجدر قيل : أصل الشجرة ، وقيل : جدور المشارب التي يجتمع فيها الماء في أصول النخل ، وقيل : المسحاء وهو ما وقع حول المزرعة كالجدار ، وقال ابن شهاب : قدرت الأنصار والناس ما قال رسول اللهصلىاللهعليهوسلم فكان ذلك إلى الكعبين.
وفي سنن أبي داود عن ثعلبة بن أبي مالك أنه سمع كبراءهم يذكرون أن رجلا من قريش كان له سهم من بني قريظة ، فخاصم إلى النبيصلىاللهعليهوسلم في مهزور السيل الذي يقسمون ماءه ، فقضى بينهم رسول اللهصلىاللهعليهوسلم أن الماء إلى الكعبين لا يحبس الأعلى على الأسفل.
وفي رواية له : قضى في السيل المهزور أن يمسك حتى يبلغ الكعبين ، ثم يرسل الأعلى على الأسفل ، كذا قال في «السيل المهزور» والمشهور كما قال السبكي «في سيل المهزور».
وفي الموطأ أن النبيصلىاللهعليهوسلم قال في سيل مهزور ومذينب : يمسك حتى الكعبين ، ثم يرسل الأعلى على الأسفل.
وروى ابن شبة : قضى في سيل مهزور أن يمسك الأعلى على الأسفل حتى يبلغ الكعبين والجدر ، ثم يرسل الأعلى على الأسفل ، وكان يسقي الحوائط.
وعن جعفر قال : قضى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم في سيل مهزور أن لأهل النخيل إلى العقيق ، ولأهل الزرع إلى الشراكين ، ثم يرسلون الماء إلى من هو أسفل منهم.
وهو صريح فيما قاله المتولي والماوردي من أن التقدير بالكعبين ليس على عموم الأزمان والبلدان والزرع والشجر ؛ لأن الحاجة تختلف ، ولم يقف السبكي على هذه الرواية فقال : وهو قوي ، والحديث واقعة حال ، ولو لا هيبة الحديث لكنت أختاره.
خاتمة
في مجتمع الأودية ومغائضها
مجتمع سيول العالية
قال الزبير : ثم يلتقي سيل العقيق ورانونا بواد آخر وذي صلب وذي ريش وبطحان ومعجف ومهزور وقناة بزغابة ، وسيول العوالي هذه يلتقي بعضها ببعض قبل أن يلتقي العقيق ثم يجتمع ، فيلتقي العقيق بزغابة.
قلت : والحاصل أن سيول العالية ترجع إلى بطحان وقناة ، ثم تجتمع مع العقيق بزغابة عند أرض سعد بن أبي وقاص كما صرح ابن زبالة.
قال الزبير : وذلك أعلى وادي إضم ، وفيه يقول إسحاق الأعرج :
غشيت ديارا بأعلى إضم |
محاها البلى واختلاف الدّيم |
قال الهجري : سمى إضم لانضمام السيول به واجتماعها فيه ، وقال ابن شبة : تجتمع هذه الأودية بزغابة ، وهو بطرف وادي إضم ، سمي بإضم لانضمام السيول به.
قلت : ويسمى اليوم بالضيقة ، ويسمى زغابة بمجتمع السيول ، ولهذا أورد الزبير هنا حديث أن النبيصلىاللهعليهوسلم «ركب إلى مجتمع السيول فقال : ألا أخبركم بمنزل الدجال من المدينة»؟ الحديث.
قال الزبير : ثم تمضي هذه السيول إذا اجتمعت فتنحدر على عين أبي زياد والصورين في أدنى الغابة ، ثم تلتقي هذه السيول في وادي نقمى ووادي نعمان أسفل من عين زياد ، ثم تنحدر هذه السيول فتلقاها سيول الشعاب من كنفيها ، ثم يلقاها وادي ملك بذي خشب
وظلم والجنينة ، ثم يلقاها وادي ذي أوان ودوافعه من الشرق ، ويلقاها من الغرب واد يقال له بواط والحزار ، ويلقاها من الشرق وادي الأئمة ، ثم تمضي في وادي إضم حتى يلقاها وادي برمة الذي يقال له ذو البيضة من الشام ، ويلقاها وادي ترعة من القبلة ، ثم يلتقي هو ووادي العيص من القبلة ، ثم يلقاه دوافع واد يقال له حجر ووادي الجزل الذي به السقيا والرحبة في نخيل ذي المروة مغربا ، ثم يلقاه وادي عمودان في أسفل ذي المروة ، ثم يلقاه واد يقال له سفيان حين يفضي إلى البحر عند جبل يقال له أراك ، ثم يدفع في البحر من ثلاثة أودية يقال لها اليعبوب والنتيجة وحقيب ، وذكر ابن شبة نحوه ، وكذا الهجري.
وقال المطري : إن السيول تجتمع بدومة سيل بطحان والعقيق والزغابة النقمى وسيل غراب من جهة الغابة فيصير سيلا واحدا ويأخذ في وادي الضيقة إلى إضم جبل معروف ، ثم إلى كرى من طريق مصر ويصب في البحر ، انتهى.
وفيه أمور : الأول : جعله مجتمع السيول برومة ، وإنما مجتمعها بزغابة كما سبق ، وذلك أسفل من رومة غربي مشهد سيدنا حمزة كما قاله الهجري ، وهو أعلى وادي إضم ، ومأخذ المطري قول ابن إسحاق في غزوة الخندق : أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع السيول من رومة بين الجرف وزغابة ، وهو مخالف لما سبق.
الثاني : جعله لزغابة سيلا ينصب لرومة ، ورومة هي التي تنصب إلى زغابة.
الثالث : جعله النقمى مما يجتمع مع السيول برومة ، مع أنه المعبر عنه فيما سبق بنقمى ، وإنه يجتمع مع السيول بالغابة.
الرابع : جعله لغراب سيلا يجتمع برومة ، ولم أقف له على مستند ، وغراب جبل في تلك الجهة على طريق الشام.
الخامس : جعله إضم اسم جبل ، ومغايرته بينه وبين وادي الضيقة ، خلاف ما تقدم ، واختلف اللغويون في أن إضم اسم لموضع أو جبل هناك ، والظاهر أنه اسم للجبل وواديه.
الفصل السادس
فيما سمي من الأحماء ، ومن حماها ، وشرح حال حمى النبيصلىاللهعليهوسلم
معنى الحمى
والحمى ، لغة : الموضع الذي فيه كلأ يحمي ممن يرعاه ، وشرعا : موضع من الموات يمنع من التعرض له ليتوفر فيه الكلأ فترعاه مواش مخصوصة. وهو بالقصر ، وقد يمد ، ويكتب المقصور بالألف والياء ، قال الأصمعي : الحما حميان : حمى ضريّة ، وحمى الربذة ، وكأنه أراد المشهور من الحمى بنجد ، قال صاحب المعجم : ووجدت أنا حمى فيد ، وحمى النير ، وحمى ذي الشرى ، وحمى النقيع.
حمى النقيع
قلت : وهي عدا النقيع بنجد ، وهي متقاربة ، بل سيأتي ما يؤخذ منه دخول النير في حمى ضرية. والنقيع بالنون المفتوحة والقاف المكسورة والياء التحتية الساكنة والعين المهملة على الصحيح المشهور ، وهو كل موضع يستنقع فيه الماء ، وبه سمي هذا الوادي. وحكى عياض عن أبي عبيد البكري أنه بالباء كبقيع الغرقد ، قال : ومتى ذكر دون إضافة فهو هذا.
قلت : الذي نقله السهيلي عن أبي عبيد أنه بالنون ، قال عياض : وأما الحمى الذي حماه النبيصلىاللهعليهوسلم ثم الخلفاء الأربعة فهو الذي يضاف إليه غور النقيع ، وفي حديث آخر «أتى بقدح لبن من النقيع». وحمى النقيع على عشرين فرسخا من المدينة ، وهو صدر وادي العقيق ، وهو أخصب موضع هناك ، وهو ميل في بريد ، فيه شجر ، ويستأجم حتى يغيب فيه الراكب ، فاختلف الرواة وأهل المعرفة في ضبطه : فوقع عند أكثر رواة البخاري بالنون ، وذكر نحو ما تقدم ، وهو موافق في ذكر المسافة لأبي علي الهجري ، وقد تقدم عنه أنه ينتهي إلى حضير ، وأن العقيق يبتدئ من حضير ، ولعل المراد من رواية ابن شبة في أن النقيع على أربعة برد من المدينة طرفه الأقرب إليها ، ومراد الهجري طرفه الأقصى.
وقال نصر : النقيع قرب المدينة كان لرسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، حماه ، وهو من ديار مزينة ، وهو غير نقيع الخضمات ، وكلاهما بالنون ، وأما الباء فيهما فخطأ صراح.
وقال الهجري : الطريق إلى الفرع وسيارة وسنانة والصابرة والقرنين جند والأكحل وأموال تهامة ؛ تعترض النقيع يسارا للخارج من المدينة ، وبعض الناس يجعلها إلى مكة ، وهي طريق التهمة.
ونقل أيضا أن أول الأحماء وأفضلها وأشرفها ما أحمى النبيصلىاللهعليهوسلم من النقيع ، أحماه لخيل المسلمين وركابهم ، فلما صلّى الصبح أمر رجلا صيّتا فأوفى على عسيب وصاح بأعلى صوته ، فكان مدى صوته بريدا ، ثم جعل ذلك حمى طوله بريد وعرضه الميل في بعض ذلك وأقل ، وذلك في قاع مدر طيب ينبت أحرار البقل والطرائف ويستأجم ـ أي : يستأصل أصله ويغلظ نبته حتى يعود كالأجمة ـ يغيب فيه الراكب إذا أحيا ، وفيه مع ذلك كثير من العضاه والغرقد والسّدر والسّيال والسّلم والطّلح والسّمر والعوسج ، ويحف ذلك القاع الحرة حرة بني سليم شرقا ، وفيها رياض وقيعان ، ويحف ذلك القاع من غربيه الصخرة ، وفي غربيه أيضا أعلام مشهورة مذكورة : منها برام ، والوائدة ، وضاف ، والشقراء ، وببطن قاع النقيع في صير الجبل غدر تضيف ، فأعلاها يراحم ، ثم ألبن ، وبعضهم يقول : يلبن ، وهو أعظمهما وأذكرهما.
وفي سنن أبي داود بسند حسن عن الصّعب بن جثامة أن النبيصلىاللهعليهوسلم حمى النقيع وقال «لا حمى إلا الله».
وفي رواية له : «لا حمى إلا لله ولرسولهصلىاللهعليهوسلم » من غير ذكر حمى النقيع كما في الصحيح ، ورواه الزبير بلفظ الرواية ، وزاد «ولرسوله» وسنده حسن.
وروى أحمد بسند فيه عبد الله العمري ـ وهو ثقة ، وإن ضعّفه جماعة ، وقال الذهبي : إنه حسن الحديث ـ عن ابن عمر أن النبيصلىاللهعليهوسلم حمى النقيع للخيل ، فقلت له : لخيله؟ قال : لخيل المسلمين.
وفي رواية لابن شبة عنه أن النبيصلىاللهعليهوسلم حمى قاع النقيع لخيل المسلمين.
وفي رواية أخرى أن النبيصلىاللهعليهوسلم حمى النقيع للخيل ، وحمى الربذة للصدقة ، وفي الكبير للطبراني برجال الصحيح عن ابن عمر قال : حمى النبيصلىاللهعليهوسلم الربذة لإبل الصدقة.
وروى ابن شبة في ترجمة ما جاء في النقيع بسند جيد عن رجاء بن جميل أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم حمى وادي نخيل للخيل المضمّرة ، وهي تقضي أن النقيع تسمى بذلك ، ولم أر من صرح به ، نعم تقدم في الفصل الثالث قول ذؤيب الأسلمي في عرصة العقيق :
طاف من وادي دجيل
الأبيات وهو بالدال في عدة نسخ ، والذي في نسخة ابن شبة بالباء بدل الدال ، ولعله تصحيف ، فيكون ذلك اسما للنقيع ، ويؤيده قول مصعب الزبيري بتشوق إلى رومة من العقيق في أبيات :
أعرني نظرة بقرى دجيل |
نخائلها ظلاما أو نهارا |
|
فقال : أرى برومة أو بسلع |
منازلها معطّلة قفارا |
وروى الزبير بن بكار عن مراوح المزني قال : نزل رسول اللهصلىاللهعليهوسلم بالنقيع على مقمل وصليب ، وقال في حمى النقيع : «نعم مرتفع الأفراس ، يحمى لهن ، ويجاهد بهن في سبيل الله» وحماه ، واستعملني عليه.
وعن غير واحد من الثقات عن النبيصلىاللهعليهوسلم أنه «صلّى على مقمل ، وحماه وما حوله من قاع النقيع لخيول المسلمين» ثم زادت بنو أمية بعد والأمراء أضعاف ما حمى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم بالنقيع.
وعن محمد بن هيصم المزني عن أبيه عن جده أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم «أشرف على مقمل طرف وسط النقيع ، فصلى عليه ، فمسجده هنالك».
قال ابن هيصم عن أبيه : فدعا رسول اللهصلىاللهعليهوسلم أبي ، وقال : إني مستعملك في هذا الوادي ، فما جاء من هاهنا وهاهنا ـ يشير نحو مطلع الشمس ومغربها ـ فامنعه ، فقال : إني رجل ليس لي إلا بنات ، وليس معي أحد يعاونني ، قال : فقال رسول اللهصلىاللهعليهوسلم «إن اللهعزوجل سيرزقك ولدا ، ويجعل لك وليا» قال : فعمل عليه ، وكان له بعد ذلك ولد ، فلم تزل
الولاة يولون عليه واليا منذ عهد رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، يستعمله والي المدينة ، حتى كان داود بن عيسى فنزله سنة ثمان وتسعين ومائة ، وإنما تركه داود لأن الناس جلوا عنه للخوف ذلك الزمان ، فلم يبق فيه أحد يستعمله عليه ، قال الزبير : وربما كتب إلى عبد الله بن القاسم وهو في ماله بنعف النقيع يقول لي : إن ناسا عندنا بالنقيع قد عاثوا في حمى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، فكلم الأمير يكتب في التشديد فيه.
وفي رواية أنهصلىاللهعليهوسلم «صلّى في موضع مسجده على موضع مقمل ثم بعده إلى ما بينه وبين يلبن من قاع النقيع».
وقال : فحمى لأفراس تغدو وتروح في سبيل الله ، ومد رسول اللهصلىاللهعليهوسلم يديه ، وقارب بينهما ، ولم يضمهما ، وحماه ، واستعمل عليه جد أبي الحليس ، فقال : يا رسول الله ، أولادي النساء ، وليس معي غناء ، قال : فقم بهن معك فاردد ما جاء من الحرة في الحرة ، واردد ما جاء من الصحرة في الصحرة ، قال يعقوب المزني : ثم تزايد الناس بعد في الحمى ، فحموا ما بين تراجم إلى يلبن ، واتخذوا المرابد يحبسون فيها ما رعى الحمى من الإبل ، حتى رأيت بعضها يأكل دبر بعض ، قال الزبير : وقال لي : لقد رأيت لأبيك أكثر من ثلاثة آلاف شاة بالنقيع ، وهو إذ ذاك أمير المدينة ، ما يرعى رعاؤه منها شيئا في الحمى ، حتى يكتمل العشب ويبلغ نهايته ، فيرسل عامل الحمى صائحا يصيح في الناس يؤذنهم باليوم الذي يأذن لهم يرعون الحمى ، فيسرع فيه رعاء أبيك والناس بدأ واحدة كفرسي رهان.
حكم الحمى
قلت : مقتضاه جواز رعي الحمى للناس إذا استووا فيه ، وهو مخالف لمذهبنا ؛ إذ لا يدخله سوى العاجز عن النّجعة من الناس.
قال الشافعي : قولهصلىاللهعليهوسلم : «لا حمى إلا لله ورسوله» يحتمل معنيين :
أحدهما : ليس لأحد أن يحمى للمسلمين غير ما حمىصلىاللهعليهوسلم ؛ فلا يكون لوال أن يحمى.
والثاني : أنه لا يحمى إلا على مثل ما حمى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم فللخليفة أن يحمى على مثل ما حمى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم .
والثاني هو أظهر القولين ، وهو قول الأزهري ، وقال : يعني للخيل التي تركب في سبيل الله ، وقيل : معناه ليس لأحد أن يحمى لنفسه إلا النبيصلىاللهعليهوسلم ، فإن ذلك من خصائصه ، وإن لم يقع منه ، ولو وقع لكان من مصالح المسلمين ؛ لأن مصلحته مصلحتهم.
وقال في الأم : كان الرجل العزيز من العرب إذا استنجع بلدا مخصبا أوفى بكلب على جبل إن كان أو نشز إن لم يكن جبل ، ثم استعواه ووقف له من يسمع منتهى صوته ، فحيث بلغ صوته حماه من كل ناحية ، ويرعى من العامة فيما سواه ، ويمنع هذا من غيره لضعفي
سائمته ، وما أراد قربه منها ؛ فيرى أن قولهصلىاللهعليهوسلم والله أعلم «لا حمى إلا لله ولرسوله» لا حمى على هذا المعنى الخاص ، ورسول اللهصلىاللهعليهوسلم إنما كان يحمى إن شاء لمصالح عامة المسلمين ، لا لما حمى له غيره من خاصة نفسه ، وذلك أنه لم يملك إلا ما لا غنى به وبعياله عنه ، وصير ما ملكه الله من خمس الخمس مردودا في مصلحتهم ، وماله ونفسه كان مفرغا في طاعة الله.
حمى أبي بكر وعمر
قال : وقد حمى بعده عمر رضي الله تعالى عنه أرضا لم يعلم أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم حماها ، وقال غيره : حمى أبو بكر رضي الله تعالى عنه ، وحمى عمر الشرف ، قيل : والربذة ، وقيل : حماها أبو بكر ، وقيل : النبيصلىاللهعليهوسلم ، ولعله حمى بعضها ثم زاد كل منهما بعده فيها شيئا.
وسيأتي عن الهجري أن عمر أول ما أحمى بضرية ، وأن عثمان زاد فيه.
وما حماه رسول اللهصلىاللهعليهوسلم لا يجوز تغييره بحال ، بل ينسحب عليه حكم الحمى وإن زالت معالمه على الأصح ، بخلاف حمى سائر الأئمة ، قال الشافعي : ويكره أن يقطع الشجر بالمدينة ، وكذا بوجّ من الطائف ، وكذا بكل موضع حماه رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، والموضع الذي حماه رسول اللهصلىاللهعليهوسلم لا شك فيه بالنقيع ، وأما الصيد فلا يكره فيه ، انتهى.
والمراد بالكراهة هنا كراهة التحريم.
وروى ابن عبد البر أن عمر رضي الله تعالى عنه بلغه عن يعلي بن أمية ويقال : أمينة ، وكان عاملا على اليمن أنه حمى لنفسه فأمره أن يمشي على رجليه إلى المدينة ، فمشى أياما إلى صعدة ، فبلغه موت عمر ، فركب.
وروى الشافعي وغيره أن عمر استعمل مولاه هنيا على الحمى ، فقال له : يا هني ضم جناحك للناس ، واتّق دعوة المظلوم فإن دعوة المظلوم مجابة ، وأدخل رب الصريمة والغنيمة ، وإياك ونعم ابن عفان وابن عوف ، فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعا إلى نخل وزرع ، وإن رب الغنيمة يأتيني بعياله فيقول : يا أمير المؤمنين ، يا أمير المؤمنين ، أفتاركهم أنا لا أبا لك؟ فالماء والكلأ أهون عليّ من الدنانير والدراهم ، ألا وأيم الله لعليّ ذلك ، إنهم ليرون أني قد ظلمتهم ، إنها لبلادهم قاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الإسلام ، ولو لا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت على المسلمين من بلادهم شبرا.
قال الشافعي : وإنما نسب الحمى إلى المال الذي يحمل عليه في سبيل الله لأنه كان أكثر ما عنده مما يحتاج إلى الحمى.
وعن مولى لعثمان بن عفان أنه كان معه في ماله بالعالية في يوم صائف ، إذ رأى رجلا يسوق بكرين ، وعلى الأرض مثل الفراش من الحر ، فقال : ما على هذا لو أقام بالمدينة حتى يبرد ثم يروح ، انظروا من هذا ، فنظرت فإذا عمر بن الخطاب ، فقلت : هذا أمير المؤمنين ،
فقام عثمان فأخرج رأسه من الباب ، فإذا لفح السّموم ، فأعاد رأسه حتى حاذاه فقال : ما أخرجك هذه الساعة؟ فقال : بكران من إبل الصّدقة تخلفا فأردت ألحقهما بالحمى ، وخشيت أن يضيعا فيسألني الله عنهما ، فقال عثمان : هلمّ إلى الماء والظل ونكفيك ، فقال : عد إلى ظلك ، ومضى ، فقال عثمان : من أحبّ أن ينظر إلى القوي الأمين فلينظر إلى هذا ، فعاد إلينا فألقى نفسه.
وفي الموطأ عن يحيى بن سعيد أن عمر رضي الله تعالى عنه كان يحمل في العام الواحد على أربعين ألف بعير ، يحمل الرجل إلى الشام على بعير ، ويحمل الرجلين إلى العراق على بعير.
وعن مالك قال : بلغنا أن الخيل التي أعدّها عمر رضي الله تعالى عنه ليحمل عليها في الجهاد ومن لا مركوب له عدتها أربعون ألفا.
وروى بعضهم أن عمر رضي الله تعالى عنه رأى في روث فرسه شعيرا في عام الرّمادة ، فقال : لأجعلن له من عرر النقيع ما يكفيه.
وفي رواية «المسلمون لا يشبعون والشعير في روثك ، لتعالجن عرر النقيع» قال الخطابي : العرر نبت ينبته الثمام.
وقال عبد الرحمن بن حسان في قاع النقيع :
أرقت لبرق مستطير كأنه |
مصابيح تخبو ساعة ثم تلمح |
|
يضئ سناه لي سرورا وودقه |
بقاع النقيع أو سنا البرق أبرح |
وقال كثير بن عبد الرحمن :
فهل أرين كما قد رأيت |
لعزّة بالنعف يوما حمولا |
|
بقاع النقيع بصحن الحمى |
يباهين بالرقم غيما مخيلا |
وقال عبد العزيز بن وديعة المزني :
ولنا بقدس فالنقيع إلى اللّوى |
رجع إذا لهث السبيّ الواقع |
|
واد قرارة ماؤه ونباته |
يرعى المخاض به وواد فارع |
|
سعد يحرر أهلنا بفروعه |
فيه لنا حرز وعيش رافع |
وقال أبو سلمى :
لنا منزلان مؤلف الماء مونق |
كريم ، وواد يحدر الماء قارع |
|
وداران دار يرعد الرعد تحتها |
ودار بها ذات السلم فرابع |
وهذا وما قبله يشير إلى ما سبق في العقيق من أن صدوره ما دفع في النقيع من قدس وما قبل من الحرة وما دبر ، فهو يصب في الفرع.
وقال أبو قطيفة :
ليت شعري وأين مني ليت |
أعلى العهد يلبن فبرام(١) |
|
أم كعهدي النقيع أم غيّرته |
بعدنا المعصرات والأيام |
وقال عبد الله بن قيس الرقيات :
أزجرت الفؤاد منك الطروبا |
أم تصابيت إذ رأيت المشيبا |
|
أم تذكرت آل سلمة إذ حلّوا |
رياضا من النقيع ولوبا |
|
ثم لم يتركوا على ماء عمق |
للرجال الورّاد منهم قلوبا |
الفصل السابع
في شرح حال بقية الأحماء ، وأخبارها
حمى الشرف
منها : الشرف ، حماه عمر رضي الله تعالى عنه ، وليس هو شرف الروحاء ، بل موضع بكبد نجد.
قال نصر : الشرف كبد نجد ، وقيل : واد عظيم تكتنفه جبال حمى ضرية والظاهر أنه مراد من غاير بينه وبين حمى ضرية والربذة.
قال الأصمعي : الشرف كبد نجد ، وكانت منازل بني آكل المرار ، وفيها اليوم حمى ضرية ، وفي أول الشرف الرّبذة ، وهي الحمى الأيمن ، والشريف إلى جنبه يفصل بينهما السرير ، فما كان مشرقا فهو الشريف ، وما كان مغربا فهو الشرف ، انتهى.
ويحتمل : أن المراد بقولهم «حمى الشرف والربذة» حمى ضرية والربذة لما سيأتي في حمى ضريّة أنه كان يقال لعامله عامل الشرف ، ولم يفرد الهجري في أحماء نجد الشرف ، ولم يبين له محلا ، وإنما ذكر الربذة وضرية مع ما سيأتي فيهما.
وقال الأصمعي : كان يقال : من تصيّف الشرف ، وتربّع الحزم ، وشتّى الصمّان ؛ فقد أصاب المرعى.
حمى الربذة
ومنها : حمى الرّبذة قرية بنجد من عمل المدينة ، على ثلاثة أيام منها ، قاله المجد ، وفي كلام الأسدي ما يقتضي أنها على أربعة أيام ، قال المجد : وكان أبو ذر الغفاري خرج إليها مغاضبا لعثمان رضي الله تعالى عنهما ، فأقام بها إلى أن مات ، وتقدم قول الأصمعي إنها في
__________________
(١) يلبن : غدير بنقيع الحمى. برام : جبل من أعلام النقيع.
الشرف وإنها الحمى الأيمن ، وقال نصر : هي من منازل الحاج بين السليلة والعقيق ، أي الذي بذات عرق.
وفي تاريخ عبيد الله الأهوازي أنها خربت في سنة تسع عشرة وثلاثمائة ؛ لاتصال الحروب بين أهلها وأهل ضرية ثم استأمن أهل ضرّية إلى القرامطة ، فاستنجدوهم عليهم ، فارتحل أهل الرّبذة عنها فخربت ، وكان أحسن منزل بطريق مكة.
وقال الأسدي : الرّبذة لقوم من ولد الزبير ، وكانت لسعد بن بكر من فزارة ، ووصف ما بها من البرك والآثار ، وقال : إن بها بئرا تعرف ببئر المسجد بئر أبي ذر الغفاري.
وتقدم أن النبيصلىاللهعليهوسلم حمى الربذة لإبل الصدقة ، وقيل : أبو بكر ، وقيل : عمر ، وهو المشهور.
وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن عمر حمى الربذة لنعم الصدقة ، ولهذا نقل الهجري عن جماعة أن أول من أحمى الحمى بالربذة عمر بن الخطاب لقصاص الصدقة ، وأن سعة حماه الذي أحمى بريد في بريد ، وأن سرّة حمى الربذة كانت الحرة ، ثم زاد الولاة بعد في الحمى ، وآخر من أحماه أبو بكر الزبيري لنعمه ، وكان يرعى فيه أهل المدينة ، وكان جعفر بن سليمان في عمله الأخير على المدينة أحماه لظهره بعد ما أبيحت الأحماء في ولاية المهدي ، ثم لم يحمه أحد منذ عزل بكار الزبير.
وأول أعلامه رحرحان جبل غربي الزبدة على أربعة وعشرين ميلا منها في أرض بني ثعلبة بن سعد كثير القنان ، وأقرب المياه منه ماء يقال له الكديد حفائر عادية عذاب ، ثم أروم جبل عن يسار المصعد ، ويدعى الجندورة في أرض بني سليم ، وأقرب المياه منه ماء لبني سليم يدعى ذنوب داخل في الحمى على اثني عشر ميلا من الربذة ، ثم اليعملة ، وبها مياه كثيرة ، بينها وبين الربذة ثلاثة عشر ميلا ، ثم عن يسار المصعد هضبات حمر يدعين فوافى بأرض بني سليم ، على اثني عشر ميلا من الربذة ، ثم عمود المحدث ، وهو عمود أحمر في أرض محارب ، بأصله مياه تدعى الأقعسية ، على أربعة عشر ميلا من الربذة ، وهو بلد واسع.
حمى ضرية
ومنها : حمى ضرية قرية سميت باسم بئر يقال لها ضرية ، وقال ابن الكلبي : سميت ضرية بضرية بنت نزار ، وهي أم حلوان بن عمران بن إلحاف بن قضاعة ، وقال الأصمعي : ويقال ضرية بنت ربيعة بن نزار ، وقال نصر : ضرية صقع واسع بنجد ، ينسب إليه حمى ضرية ، يليه أمير المدينة ، وينزل به حاج البصرة ، قال أبو عبيد البكري : ضرية إلى عامل المدينة ، وقال غيره : وهي قرية عامرة قديمة في طريق مكة من البصرة ، وهي إلى مكة أقرب ، غير أنها من أعمال المدينة يحكم عليها وإليها.
وذكر الأسدي في وصف طريق البصرة ما يقتضي أن ضرية على نحو عشرة أيام من مكة ، وأخبرني أهل المعرفة بها أنها من المدينة على نحو سبع مراحل ، وأنها إلى المدينة أقرب.
وقال ابن سعد : سرية محمد بن مسلمة إلى القرطاء بطن من أبي بكر كانوا ينزلون البكرات بناحية ضرية ، وبين ضرية والمدينة سبع ليال ، انتهى.
وتقدم قول الأصمي في الشرف إن به حمى ضرية ، قال : وضرية : بئر ماؤها عذب طيب ، قال الشاعر :
ألا يا حبذا لبن الخلايا |
بماء ضريّة العذب الزلال |
ونقل المجد أن أشهر الأحماء وأسيرها ذكرا حمى ضرية ، وكان حمى كليب بن وائل فيما يزعم بعض بادية طيئ ، قال : وذلك مشهور عندنا بالبادية يرويه كابر عن كابر ، وفي ناحية منه قبر كليب معروف إلى الآن.
قلت : وأخبرني بذلك رئيس أهل نجد ورأسها سلطان البحرين والعطيف فريد الوصف والنعت في جنسه صلاحا وإفضالا وحسن عقيدة أبو الجود أجود بن جبر أيده الله تعالى وسدده ، وقال : إن قبر كليب هناك معروف عند العرب يقصدونه ، قال : ودلني عليه بعضهم لأقصده ، فقلت : وهو واحد من الجاهلية.
ونقل الهجري أن أول من أحمى الحمى بضرية عمر بن الخطاب ، أحماه لإبل الصدقة وظهران الغزاة ، وأن سروح الغنم العادية من ضرية ترعى على وجوهها ثم تؤوب بضرية ، وذلك ستة أميال من كل ناحية ، وضرية في وسط الحمى ؛ فكان على ذلك حياة عمر وصدرا من ولاية عثمان ، ثم كثر النعم حتى بلغ أربعين ألف بعير ، فضاق عنه الحمى ، فأمر عثمان أن يزاد ما يسع إبل الصدقة وظهران الغزاة ، فزاد زيادة لم يحددوها ، إلا أن عثمان رضي الله تعالى عنه اشترى ماء من مياه بني ضبيعة كان أدنى مياه غنى إلى ضرية يقال له البكرة عند هضبات يقال لها البكرات على نحو عشرة أميال من ضرية يذكرون أن البكرة دخلت في حمى عثمان ، ثم لم تزل الولاة تزيد فيه ، واتخذوه مأكلة ، ومن أشدهم فيه انبساطا ومنعا إبراهيم بن هشام المخزومي ، زاد فيه وضيّق على أهله ، واتخذ فيه من كل لون من ألوان الإبل ألف بعير ، ولم تزل حواط الحمى يقاتلون عليه أشدّ القتال ، ويكون فيه الدماء ، وقاتل مرة حواط بن هشام ورعيان أهل المدينة وهم أكثر من مائتي رجل ناسا من غنى على ماء لغنى يقال له الساه قتالا شديدا ، فظفر الغنويون ، فقتلوا منهم اثني عشر رجلا ، ثم صالحوهم على العقل ، لكل واحد مائة من الإبل ، فقال بعض الغنويين :
يا لغني إنه عقل النّعم |
وليس بالنّوم وترجيل اللّمم |
وكان ناس من الضباب قدموا على ولد عثمان ، فاستسقوهم بالبكرة فأسقوهم ، فلم تزل بأيديهم.
وحفر عثمان عينا في ناحية أرض غنى خارجة عن الحمى بناحية الماء الذي يقال له نفي على نحو خمسة عشر ميلا من أضاخ ، وفقرت لها بها فقر كبيرة ، وابتنى عماله عندها قصرا أثره بين قرب واردات مقبل ، ولم تجر ، فتركها العمال ، فلم يحرك ذلك السيح إلى اليوم.
ودفنت غنى في فتنة ابن الزبير عنصر العين وتلك الفقر ، فنسيت عيونه وكل ما سلف من أضاخ في شرقيها تميمي.
وأدنى مياه بني تميم إلى أضاخ ماء يقال له أضيح لبني الهجيم ، وقد دفن منذ دهر ، فقال ناس من بني عبد الله بن عامر لأصهار لهم من بني الهجيم : نحن نستسقي لكم آل عثمان فنسقى ، فرغبوا في ذلك ، فأجابهم آل عثمان ، فاستظعن الهجيميون قومهم إليه ، فلقيهم رعاء غنى ، فسألوهم ، فقالوا : إن بني عثمان ولّونا أمره ، وبلغ الخبر من بينهم من غنى ، فتواعدوا أن ينزلوا أدنى منازلهم من بقي ، فاجتمع منهم جمع كثيف ، وعلم بنو الهجيم أنهم إن ثبتوا يعظم البلاء ، فظعنوا ليلا إلى بلادهم ، وخاف بعضهم أن يدرك فتركوا به الرحال وما ثقل وبهما في أرباقه يعني العرى التي يشد بها البهم ، فغضب أصهار الهجيميين ، واستغضبوا آل عثمان ، فلما قدم الحسن بن زيد المدينة ومعه بعض أصهار الهجيميين فقالوا لآل عثمان : نجئ لكم بخيار تميم ومشايخ أضاخ يشهدون لكم ، فاستعدى آل عثمان الحسن بن زيد على غنى ، وسألوه المحاكمة بأضاخ لقربها من بني تميم ، وكلم آل عثمان عبد الله بن عمرو بن عبسة العثماني ، فاجتمعوا عند أبي مطرف عامل الجيش بأضاخ ، وولي الخصومة من غنى الحصين بن ثعلبة أحد بني عمرو الذين امتدحهم ابن عرندس بالأبيات الآتية ، فصار كلما جاء العثماني بشاهد من تميم جاءه الغنوي بشاهدين يخرجانه من قيس ، فلحق العثماني بأهله ، فلم يزل بقي مواتا. وهذه الخصومة في سنة خمسين أو إحدى وخمسين ومائة.
واحتفر عبد الله بن مطيع حفيرة هي في أيدي الضباب على بريد من ضرية على طريق أضاخ للمدينة في ناحية شعبي ، وكان الكنديّون يسقون ، وماؤهم يسمى الثريا ، ومنهم العباس بن يزيد الذي هجاه جرير بقوله :
أعبدا حلّ في شعبي غريبا |
ألؤما لا أبا لك واغترابا |
|
إذا حلّ الحجيج على قنيع |
يبيت الليل يسترق العتابا |
وقنيع : ماء للعباس الكندي على ظهر محجّة أهل البصرة في داره من دارات الحمى يقال لها دارة عسعس ، فلما أجلى الكنديون عن قنيع تنازعت بنو أبي بكر بن كلاب وبنو جعفر ، فقالت أبو بكر : نحن أحق بماء حلفائنا ، وقال الجعفريون : هو عند بيوتنا فنحن
أحق به ، فجمع بعضهم لبعض بملتقى قنيع ، وكان سيد بني جعفر عبود بن خالد ، ورأس أبي بكر معروف بن عبد الكريم وأخته زوجة عبود أم ولده طفيل ، وكان طفيل من أشد بني جعفر على أخواله ، فخرجت أمّه ليلا لقومها ، فقالت : أشد بني جعفر لكم عداوة ابن أختكم ، فإنه معلم بحبه حرمر ، فليكن أول قتيل ، ثم تداعى القوم للصلح على تحكيم سلمة ابن عمرو العريقي ، وكتبوا بذلك وأشهدوا وتواعدوا أن يتوافوا عنده بأربعين من كل بطن ، ثم نزلوا بسلمة عند الأجل ، فأقام أياما ينحر لهم كل يوم جزورا ، ويعطف بعضه على بعض ، ويزهدهم في قنيع ، فقالوا : إنا لم نجئ لتنحر لنا إبلك ، فقال : حياكم الله يا بني كلاب ، أتيتموني في أمر عار ذكره وأهجن ، ولست بحاكم حتى أعقد لنفسي أن لا تردّوا أنتم ولا من وراء كم حكمي ، فأخذ عليهم الطلاق والعتاق والمواثيق ، ثم قال : أراكم يا بني كلاب كلكم ظالم ، تقطعون أرحامكم في غير مائكم ، لا أرى لأحد منكم فيه حقا ، فرضوا جميعا ، فامتدحه شعراؤهم ، وكان شريفا حسن العلم بالسنن.
قال عقيل بن عرندس الكلابي يمدحه وأهل بيته بني عمرو بقصيدة منها :
يا أيها الرجل المعني شبيبته |
تبكي على ذات خلخال وأسوار |
|
خيرتنا وبنى عمرو فإنهم |
ذوو فضول وأحلام وأنظار |
|
هينون لينون أيسار بنو يسر |
سوّاس مكرمة أبناء أيسار |
|
من تلق منهم فقد لاقيت سيدهم |
مثل النجوم سرى في ضوئها الساري |
وقال فيه وفي أخيه جامع أحد بني بكر :
إذا ما غنى فأخرتها قبيلة |
فإن غنيّا في ذرى المجد أفخر |
|
وكم فيهم من سيد وابن سيد |
ومن فارس يوم الكريهة مسعر |
|
هم رتقوا الفتق الذي كان باديا |
وقاموا بأفق الحق ، والحقّ أنور |
|
فرحنا جميعا طائعين لحكمه |
وهل يدفع الحكم الجليل المنور |
واحتفر بعض بني حسن بن علي بالحمى ، واتخذ إلى جنب حفرته عينا ساحت ثم خرجت في غربي طخفة بشاطئ الريان على ثلاثة عشر ميلا من ضرية ، وهي بيد ناس من بني جعفر ثم من بني ملاعب الأسنة من جهة بني أختهم الحسنيين.
وكان لبني الأردم ـ وهم من بني تميم بن لؤي ـ ماء قديم على طريق أهل ضرية إلى المدينة على ثمانية عشر ميلا من ضرية يسمى الجفر ، ومعهم نفر من بني عامر بن لؤي ، فاحتفر سعيد بن سليمان الساحقي العاري عينا وأساحها وغرس عليها نخلا كثيرا على ميل أو نحوه من حفر بني الأدرم بدارة الأسود جبل عظيم أسود ، وهي عامرة كثيرة النخل.
ولما ولى إبراهيم بن هشام المدينة احتفر بالحمى حفيرة لهضب اليمنى على ستة أميال من
ضرية على طريق البكرة إلى ضرية ، سماها النامية ، وأخرى بناحية شعبي بين ضرية وحفر بني الأدرم على سبعة أميال من ضرية بواد يقال له فاضحة لأنه انفضاح أي انفراج واتساع بين جبال.
ولما هلك ابن هشام احتفر جعفر بن مصعب بن الزبير حفيرة إلى جنب حفيرة ابن هشام بفاضحة ، ونزلها بولده حتى مات ، فأقام ابنه محمد بمنزلة أبيه حتى خرج محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن حسن فخرج مع محمد ، فلما قتل هرب إلى البصرة ، ثم رجع إلى فاضحة ، وتزوج من بني جعفر ثم بني الطفيل فأولد عبد الله فزوّجه ابنة القاسم بن جندب الفزاري ، وكان علما من أعلام العرب ينزل باللواء ، وكان القاسم لا يسير أبدا ، ولم يكن حج قط ، ولا يكاد يقدم ضرية ، وأولاد عبد الله من ابنته في بقية من أموالهم بفاضحة.
واحتفر عبد الله حفيرة إلى جنب حفيرة جده ، ودفن حفيرة ابن هشام ، وأخفى مكانها.
واحتفر جرش مولى ابن هشام حفيرة على ميلين أو ثلاثة من حفر بني الأدرم وحفرة المساحقي سماها الجرشية ، ثم اشتراها ناس من ولد رافع بن خديج من الأنصار ، وأحدثوا بقربها حفيرة بقطيعة السلطان ، فنازعهم محمد بن جعفر بن مصعب بحق بني الأدرم ، وكان من أشد الرجال ، فقاتلهم وحده ، فاجتمعوا فأصابه رجلان منهم بفرعين خفيفين في رأسه ، فأخذهما أسرى حتى أقدمهما ضرية ، واستعدى عليهما الحسن بن زيد بالمدينة ، فضربهما بالسياط ، ثم عفا عنهما ، واختصموا في الجرشية والحفيرة حتى قضى لبني الأدرم والمساحقي ، فكلمهم الناس فسبقوهم بهما ، وكان الأنصاريون أهل عمود وماشية ، فلما كانت الفتنة أكلتهم لصوص قيس من كلاب وفزارة ، فلحقوا بطيئ وناسبوهم ، فأمنوا مدة ، ثم غارت عليهم لصوص طيئ فتفرقوا وتركوا البادية ، وكانت بنو الأدرم وبنو بجير القرشيون قد كثروا بالحفر ، ثم وقع بينهم شر ، وكان جيرانهم من قيس يكرمونهم ، فلما تفاسدوا جعل بعضهم يهيج اللصوص على بعض ، فنهبهم بنو كلاب وفزارة ، وقتلوا بعض رجالهم ، فلحقوا بالمدينة ، وتفرقوا ، وقال عبد الجبار المساحقي لبني فزارة فيما فعلوا بالقرشيين :
مهلا فزارة مهلا لا أبا لكم |
مهلا فقد طال إعذاري وإنذاري |
في أبيات :
وكانت ضرية من مياه الضباب في الجاهلية لذي الجوشن الضبابي والد شمر قاتل الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما ، وكانت مسلمة الضباب يروون أن ذا الجوشن قال في الجاهلية :
دعوت الله إذ سغبت عيالي |
ليجعل لي لدى وسط طعاما |
|
فأعطاني ضريّة خير بئر |
تمجّ الماء والحب التؤاما |
ووسط : جبل على ستة أميال من ضرية يطأ الحاج المصعد خيشومه ، وبناحيته اليسرى دارة سعتها ثلاثة أميال أو أربعة ، وقنيع في أعلاها ، وهي بين وسط وعسعس ويقال لها أيضا : دارة عسعس ، وعسعس : جبل أحمر مجتمع في السماء بهيئة رجل جالس له رأس ومنكبان.
وأما عين ضرية وسيحها فيقال : إنه كان لعثمان بن عنبسة بن أبي سفيان ، وهو الذي حفرها واغترس النخل وضفر بها ضفيرة بالصخر لينحبس الماء ، وهو سد يعترض الوادي فيقطع ماءه وينحبس زمانا ليكون أغزر للعين ، فلما قام أبو العباس كان ذلك فيما قبضوا ، ففي آخر ولاية أبي العباس وكانت تحته أم سلمة المخزومية من بني جعفر بن كلاب وقد أحالها معروف بن عبد الله عليه فأكرمه فسأله أن يقطعه عين ضرية فأقطعه ، وكان بدويا ذا زرع ، فلما أرطب نخلها نزلها بأهله ، وكانت نعمه ترد عليه ، وسأله ناس من ضريّة أن يعريهم من نخله ، فأعراهم ، وصار يجني للضيفان من الرطب ، ويحلب لهم من إبله ، فمكث نحو شهرين ، فأتاه ضيفان بعد ما ولي الرطب ، فأرسل فلم يؤت إلا بقليل ، وقال له الرسول : ذهب الرطب إلا ما ترى ، فقال : يسوؤني أن أعود على ضيفاني من نخلكم ، وكان قيمه على العين زرع قثاء وبطيخا ، فأتاه بشيء منه ، فقال : قبح الله ما جئت به ، احذر أن يراه عيالي ، وكره النخل ، وأراد بيعه ، فاشتراه منه عبد الله الهاشمي عامل اليمامة بألفي دينار ، ثم ولاه جعفر بن سليمان إذ سأله إياه ، فأحدث بسوق ضرية حوانيت جعلها سماطين داخلين في سماطي ضرية الأولين فيهما نيف وثمانون حانوتا ، فربما جمعت غلة الحوانيت والنخل والزرع ثمانية آلاف درهم في السنة ، وكان شأن الحمى عند ولاة المدينة عظيما ، كانوا يستعملون عاملا وحده ، وكانت إصابته فيه عظيمة ، وكان لحواطه سلطان عظيم ، وحواط كل ناحية : سادة القوم وأشرافهم ، وكان يقال لعامل الحمى : عامل الشرف.
وأقرب أجبل الحمى للمصعد ـ أي أقرب ما ترى من جباله ـ جبل الستار على طريق البصرة ، أحمر مستطيل فيه ثنايا تسلك ، ومنه طريق البصرة ، بينه وبين أمرة خمسة أميال ، وهو في دار غنى في ناحية هضب الأشق ، وبالأشق مياه : منها الريان في أصل جبل أحمر طويل ، ومن هضب الأشق هضبة في ناحية عرفج يقال لها الشيماء ، وفي غربي الأشق سواج الطريق تطأ خيشومه.
ومتالع : جبل أحمر عظيم عن يمين أمرة ، على ثلاثة أميال منها البثاءة بينها من أكرم أعلام العرب موضعا.
ولما ولي أبو خليد العبسي خال الوليد عمل ضرية نزلها وحفر في جوف النّتاءة في حق غني فقيره ، فلما ولي بنو العباس هدمت غنى تلك الحفرة وسوّوها بالأرض.
ولبني عبس ماء في شعب يقال له الأسودة ، ولهم بالحمى ماء يقال له ضحح في إبط رميلة الحسى حسى بن حصبة ، ولهم الحاء بها نخل كثير ، ولهم مياه أخرى ، ثم الأقعس ، ثم تليه هضبات تدعى قطبيات في إقبال البئر ، ثم يليها هضبات يقال لها العرائس في بلد كريم من الوضح في إقبال البئر أيضا ، وبين العرائس جبل يقال له عمود الكور.
شعر : جبل عظيم في ناحية الوضح ، وعنده ماء يقال له الشطون ، أكثر الشعراء من ذكره ، قال الخضري :
سقى الله الشطون شطون شعر |
وما بين الكواكب والغدير |
وعن يسار العرائس بالوضح جبال بينهن آبار صغار سود علاهن الرمل مشرفات على مهزول ، وهو واد في إقبال البئر ، وهن تسمين العثاعث ، ذكرهن ابن شوذب في شعر مدح به السرى ، فقال من أبيات :
بربا العثاعث حيث واجهت الربا |
سند العروس وقابلت مهزولا |
ثم يلي العثاعث ذو عثث واد يصبّ في التسرير ، ويصب فيه وادي مرعي وهو بناحية الحمى ، ثم يليه نضاد ، وهو بطرف البئر الشرقي في حقوق عنى ، ويلي البئر جبال كثيرة سود بعضها إلى بعض ، ومنها تخرج سيول التسرير ، وبنضاد وذي عثث تلتقي سيولها ، والحثحاث والبقر بأقبال نضاد ، وهما المعنيان بالحمى ، ثم بلى الأقعس عن يسار المصعد هضب اليلبين ، وأقرب المياه إليه ماء يقال له اليلبين ، وبين هضب اليلبين والربذة نيف وعشرون ميلا ، ثم يلي هضب اليلبين عن يسار المصعد الجمارة قنان سود بينها وبين الربذة خمسة عشر ميلا ، في مهب الشمال عن الربذة ، وبينهما هضب يقال لها سنام ، ثم يلي الجمارة جبال سود تدعى الهاربية ، بينها وبين الربذة أربعة عشر ميلا ، ثم هضب المنحر ، ثم رحرحان.
انتهى ما لخصته مما نقله الهجري ، وقد أكثر الشعراء وغيرهم من ذكر هذا الحمى وأعلامه وأخباره.
وحكى ابن جني في النوادر الممتعة عن المفضل بن إسحاق قال هو أو قال بعض المشيخة : لقيت أعرابيا فقلت : ممن الرجل؟ فقال : من بني أسد ، فقلت : فمن أين أقبلت؟ قال : من هذه البادية ، قلت : فأين مسكنك منها؟ قال : مساقط الحمى حمى ضرية بأرض ها لعمر الله ما نريد بها بدلا ولا عنها حولا ، قد نصحتها الغدوات ، وحفتها الفلوات ، فلا يملولح ترابها ، ولا يمعر جنابها ، ليس فيها أذى ولا قذى ، ولا وعك ، ولا موم ، ولا
حمى ، فنحن فيها بأرفه عيش وأرغد معيشة قلت : وما طعامكم؟ قال : بخ بخ ، عيشنا والله عيش يعلل حاديه ، وطعامنا أطيب طعام وأمرؤه وأهنؤه : الفثّ والهبيد والفطس والصليب والعنكث والعلهز والذآنين والطراثيث والحسلة والضباب ، وربما والله أكلنا القد ، واشتوينا الجلد ، فما نرى أن أحدا أحسن منا حالا ، ولا أخصب جنابا ، ولا أرخى بالا ، فالحمد لله على ما بسط علينا من النعمة ، ورزق من حسن الدّعة ، أو ما سمعت قائلنا يقول :
إذا ما أصبنا كلّ يوم مذيقة |
وخمس تميرات صغار كوانز |
|
فنحن ملوك الناس شرقا ومغربا |
ونحن أسود الناس عند الهزاهز |
|
وكم متمنّ عيشنا لا يناله |
ولو ناله أضحى به جدّ فائز |
قلت : فما أقدمك هذه البلدة؟ قال : بغية ليه ، قلت : وما بغيتك؟ قال : بكرات أضللتهن ، قلت : وما بكراتك؟ قال : أبقات عرصات هبصات أرنات أواب ، عيط عوائط ، كوم فواسج ، أعزبتهن قفا الرحبة رحبة الخرجا ، ضجعن مني فحمة العشاء الأولى ، فما شعرت بهن إلى أن ترجل الضحى ، فقفوتهن شهرا ما أحسّ لهن أثرا ، فهل عندك جالية عين أو جابية خبر؟ لقيت المراشد وكفيت المفاسد.
الموم ـ بالضم ـ البرسان. والفث ـ بالفاء ثم المثلاثة ـ حب يعالج ويطحن ويؤكل في الجدب.
والهبيد : حب الحنظل ينقع في الماء ويعالج حتى يحلو. والفطس ـ بالسكون ـ حب الآس. والصليب ـ آخره موحدة ـ الودك. والعنكث ـ بالمثلاثة ـ نبت خشن شائك يعالجه الضب بذنبه حتى يتحات ويلين ثم يأكله. والعلهز : دم ووبر يلبك ليؤكل في الجدب.
والذآنين ـ بالمعجمة ـ جمع ذؤنون ، نبت معروف ، والطراثيث ـ بالطاء المهملة ومثلثتين بينهما مثناة تحتية ـ جمع طرثوث نبت أحمر. والحسلة ـ كقردة ـ جمع حسل ، وهو ولد الضب ، والعرص والهبص والأرن : النشاط ، أواب : جمع آبية ، وهي التي ضربت فلم تلقح ، عيط عوائط : بمعناه وكوم فواسج : سمان. وأعزبتهن : بيت بهن عازبا عن الحي. قفا الرحبة : خلفها الخرجا : موضع به حجارة فيها سواد وبياض. وضجعن : عدلن وملن ؛ وجابية خبر : أي طريق خارقة.
حمى فيد
ومنها : حمى فيد ـ بالفاء ثم المثناة التحتية ـ منزل بنجد في طريق الحاج العراقي ، فيه سوق وبرك ونخيل وعيون ، قيل : سميت بفيد بن حام ؛ لأنه أول من سكنها.
وقال ابن جبير : إنه خرج من المدينة النبوية يوم السبت صحبة الركب العراقي فوصلوا فيدا صبيحة الأحد التاسع من خروجهم ، وقال الأسدي : فيد بطيئ لبني نبهان ، وبه أخلاط
من أسد وهمدان وغيرهم ، وبه ثلاث عيون : عين النخل احتفرها عثمان بن عفان ، والأخرى تعرف بالحارة في وسط الحصن والسوق احتفرها المنصور ، والثالثة تعرف بالباردة على الطريق خارج المنزل حفرها المهدي ، وبفيد آبار كثيرة قصيرة الرشا ، انتهى.
وقال الهجري : وأما حمى فيد وصفته فلم أجد أحدا عنده علم ممن كان أول من أحماه ، ولا كم كانت منعته أول ما أحمى ، إلا أن فيدا كان موضعه الذي هو به اليوم فلاة من الأرض بين بني أسد وطيئ ، وكانت إلى جبل طيئ أقرب ، فذكر أهل العلم ممن لقيت من أهله أنه التقطت به ركبتان كانتا جاهليتين ، التقطهما أناس من بني أبي سلام ومعهم نفر من طيئ وهم يرعون هناك في ولاية بني مروان ، وأن أول من حفر به حفرا في الإسلام أبو الديلم مولى لفزارة ، فاحتفر العين التي هي اليوم قائمة وأساحها وغرس عليها ، وكانت في يده حتى قام بنو العباس فقبضوها ، فهي اليوم في أيديهم.
قلت : وكأنه لم يقف عل ما ذكره الأسدي من عين عثمان رضي الله تعالى عنه ، ولعله أول من أحماه.
قال الهجري : وأما أجبل حمى فيد فأولها على طريق الكوفة بين فيد والأجفر جبل يقال له الجبيل أحمر عظيم ، على ستة عشر ميلا من فيد في أرض بني أسد ، ليس بين فيد والكوفة جبل غيره ، ثم يليه الغمر جبل أحمر طويل على عشرين ميلا من فيد ، عن يسار المصعد لمكة ، وإلى جنبه ماء يقال له الرخيمة ، وماء يقال له الثعلبية ، وكل ذلك في الحمى ، ثم عن يسار المصعد قبة سوداء تدعى أذنة ، على ستة عشر ميلا من فيد ، في أرض بني أسد ، وفي ناحيتها في الحمى مياه يقال لها الوراقة ، ثم عن يسار المصعد هضب الوراق لبني أسد ، وفي ناحيته مياه يقال لها أفعى ، ومياه يقال لها الوراقة ، ثم جبلان أسودان يدعيان القرنين في أرض بني أسد ، على ستة عشر ميلا من فيد ، والطريق إلى مكة تتوسطهما ، ثم عن يمين الطريق للمصعد جبل أسود يقال له الأحول في أرض طيئ ، على ستة عشر ميلا من فيد ، وأقرب مياهه أبضة في حرة سوداء ، ثم عن يمين المصعد جبل يقال له دخنان بأرض طيئ ، على اثني عشر ميلا من فيد ، ثم جبل يقال له الغبر ، ثم جبلان يقال لهما جاش وجلذية لطيئ ، على أكثر من ثلاثين ميلا من فيد ، وهاهنا اتسع الحمى وكرم ، ثم الصدر على سبعة أميال وثلاثين ميلا من فيد ، ثم صحراء ليس بها جبل يقال لها صحراء الخلة ، عن يمين الأجفر ، على ستة وثلاثين ميلا من فيد وأقرب مياهها الجثجاثة.
ثم يليها على المحجة أكمة مشرفة على الأجفر. ثم سويقة هضبة حمراء طويلة في السماء ، وهي في الحمى في أرض الضباب ، على ثلاثين ميلا أو أكثر من ضرية ، وهي التي عنت جمل بنت الأسود الضبابية ، وذلك أنها جاورت بني الهدر في أعلى بلاد الضباب ،
وهي متعالية لهم واد رغاث يقال له كراء في علياء دار بني هلال على ليلتين من الطائف ، وكانت بنو هلال ينهضون على أهله ، حتى جمعت لهم الضباب جمعا وقتلوا منهم وسبوا ، وجاءوا ببعضهم إلى الحمى فهابوهم.
وللضباب ملك آخر يقال له العرّى بناحية بيشة قرب تبالة ، فجاورت جمل بني الهدر في تلك الناحية ، وأغارت لصوصهم على عكرة لها يوم الأضحى ، واغتنموا تشاغل الناس بالعيد ، فقالت جمل وكان بليغة :
بنى الهدر ما ذا تأمرون بعكرة |
قلائد لم تخلط بخبث نصابها |
|
تظل لأبناء السبيل مناخة |
على الماء يعطى درّها ورقابها |
|
أقول وقد ولّوا بهيت كأنه |
مناكب حوضي رملها وهضابها |
|
ألهف على يوم كيوم سويقة |
شفى غل أكباد فساغ شرابها |
|
بنى الهدر لو كنتم كراما وفيتم |
لجارتكم حتى يحين انقلابها |
|
ولكنما أنتم حمير حساءة |
مجدّعة الأذناب غلب رقابها |
فأشارت بقولها «كيوم سويقة» إلى وقعة كانت للضباب مع عامل ضرية مهروب الهمداني من قبل زياد بن عبيد الله الحارثي ، وذلك أن عاملا له مع حواط الحمى وجدوا نعما للضباب في الحمى بناحية سويقة فطردوها أقبح الطرد ، فركبوا في أثره ، فأصابوه بضرب ، وعقروا راحلته ، فأتى عامل ضرية ، فخرج بجنده وسخر رجالا معه من أهل ضرية كرها حتى لقي نعما للضباب فيها بعضهم ، فأسر نفرا منهم ، فبلغ الضباب ، فأدركوه بسويقة فكر عليهم ، فنادوا : يا أهل ضرية ، أنتم مكرهون فاعتزلوا ، ونادوه أن خل سبيل أصحابنا وما أصيب منا بالذي أصبنا منك ، فتراموا بالنبل حتى فنيت ، ثم اقتتلوا فانهزم ، وأدركوه فقطعوه بالسيوف ، وقتلوا نفرا من أصحابه ، ورجعوا بالأسرى.
ثم يلي سويقة جبل ذو قنان كثيرة ، ليس بالحمى أكبر منه إلا أن يكون شعبي ، وهو جبل أسود ، في أرض الضباب ، كثير المعادن من التبر ، كان به معدن يقال له النجادي ، كان لابن أبي بحّاد ، لم يعلم في الأرض مثله ؛ فعن شيخ من موالي خزاعة أنه خرج منه ما لم يسمع بمثله ، ورخص الذهب بالعراق والحجاز لما أن كثر حتى قل نيله لغلبة الماء عليه قربه به قرية عظيمة ، وكان له عامل مفرد يخرج من المدينة.
كبد منى
ثم كبد منى : قنة عظيمة مفردة شرقي منى ، وهو جبل يشرف على ما حوله ينظر إليه الحجاج حين يصدرون عن مرة ، وبين حليت ومني جبل يقال له قادم ، وإلى جنبه قويدم ، وبهما مياه يقال لها القادمة من أطيب ماء بالحمى وأرقه ، يضرب بها المثل في العذوبة ، بينها
وبين منى دارة الفهيدة التي عقرت لها ناقة المنسرح وعقر لها ما عقر ، وذلك أنه كان تمثالا لا يكاد يبين ، وله صريمة يحلب عقيلتها لأمه ، فكانت حياتها لأن الناس أشتوا ، فبينا هو بدارة الفهيدة في ولاية ابن هشام إذ دخلت الحمى فتركها فباتت فرآها بعض الحواط من الموالي ، فطرد الصريمة أقبح الطرد ، فعرض له المنسرح ليكفه ، ولا سلاح معه ، فطعن الناقة التي يحلبها المنسرح لأمه في ضرعها فاختلط لبنها بدمها ، فحلف لا يسكن الحمى ولا يمس رأسه دهن حتى يعقر إبل من عقر ناقته ، فتوجه إلى قومه ، فأخبرهم خبره ، وطلب سيفا قاطعا لا يقع في شيء إلا خرج منه ، فأعطوه إياه ، فأتى إبلا للمولى مهاري ، فقال للراعي : أنا رسول مولاكم وهو بضرية يأمركم أن تعقلوا خيار إبلكم فإنه نصيحكم لأمر حدث ، وأخرج لهم عقلا ، فصدقوه وحلبوا له ناقة ، فوضع الإناء ، فقالوا : ألا تغتبق ، قال : دعوه حتى يبرد ، قال : وإنما كرهت أن أشرب اللبن وأعقر إبله.
فلما غفلوا عنه أهراقه ، وعقلوا من خيار الإبل نحو ثلاثين ، فلما ناموا استلّ سيفه وضرب ناقة على حقيبتها فمضى حتى فلق ضرعها ، وتواثبت الإبل ، فطفق في المعقلة عقرا حتى أتى عليها ، وقطع بعضها العقل فتبعها فما أدرك بعيرا إلا عقره ، وفطن الرعاء فرأوا ما يعمل السيف ، فولوا هربا ، ثم دفن سيفه بالحمى ، وكان أعز عليه من نفسه ، وأرسل يخبر أهله ، وركب صاحب الإبل في الناس حتى نظروا إليها ، وقال الرّعاء لا نعرفه إلا أنه بمقام ، فعرف أنه المنسرح ، فأمر ابن هشام بطلبه ، وأخذ إخوته وأهل بيته فحبسوا ، فسمع ، فجاء إلى العامل فقال : حلّ هؤلاء فأنا بغيتك ، فحبسه وخلّاهم ، ورفعه في وثاق إلى ابن هشام ، وخرج معه بعض أهل بيته ، قالوا : فلما قدمنا المدينة جعل يأتينا الرجل الشريف فيسألنا عن السيف ، ويقول : أرأيتم إن خلّصت صاحبكم وضمنت عنه تأتوني بالسيف ، فننكر ولا نقر بشيء من أمر السيف ، فتوعّده ابن هشام وسأله أن يقر ، فأبى ، وكلم أصحابه نفر من بني مخزوم في أن يؤخذ صاحبهم بالبينة أو يحلف ، فسأل ابن هشام خصمه البينة ، فلم يقمها ، فأمر بيمينه عند المنبر الشريف.
فلما قرب من المنبر وذكر له ما يحلف عليه ، واندفع يحلف ، شرح الله لسانه فقال : أحلف بالله لأنا عقرت إبل فلان بيدي ، ولقد برئ منها غيري ، فردوه إلى ابن هشام ، وابتدرته قريش كل يقول : عليّ الإبل ، طمعا في السيف ، ثم اختلف علماء غنى ؛ فقال بعضهم : احتمل ذلك رجل من قريش ، وخلي سبيله ، وخرج معه رسول للسيف ، فطلبه فلم يقدر عليه ، وانطلق لسانه من يومئذ فسمي المنسرح.
ثم يلي كبد مني هضب الأشق. هذا آخر ما لخصته من كتاب الهجري.
قد تم ـ بحول الله تعالى ، وقوته ، ومعونته ـ الجزء الثالث من كتاب «وفاء الوفا ، بأخبار دار المصطفى» للعلامة السمهودي ، ويليه ـ إن شاء الله سبحانه ـ الجزء الرابع ، وهو نهاية الكتاب ، ومطلعه «الفصل الثامن ، في بقاع المدينة ، وأعراضها ، وأعمالها ، ومضافاتها ، وأنديتها ، وجبالها ، وتلاعها» نسأل الذي لا يعين على الخير سواه أن يمن علينا بإكماله ، ويوفقنا بفضله إلى إتمامه ؛ إنه ولي ذلك كله ، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
فهرس الجزء الثالث
الباب الخامس ٣
الفصل الأول ٣
في المصلّى في الأعياد ، وفيه أطراف ٣
الفصل الثاني ١٦
في مسجد قباء ، وفضله ، وخبر مسجد الضّرار ١٦
الفصل الثالث ٣١
في بقية المساجد المعلومة العين في زماننا بالمدينة الشريفة وما حولها ٣١
الفصل الرابع ٥٦
في المساجد التي علمت جهتها ، ولم تعلم عينها بالمدينة الشريفة ٥٦
الفصل الخامس : ٧٧
في فضل مقابرها ، وإتيان النبي صلىاللهعليهوسلم البقيع ، وسلامه على أهله واستغفاره لهم ٧٧
الفصل السادس ٨٢
الفصل السابع ١٠٦
في فضل أحد والشّهداء به ١٠٦
الباب السادس ١١٩
الفصل الأول ١١٩
في آبارها المباركات ١١٩
الفصل الثاني ١٥٠
في صدقاته صلىاللهعليهوسلم ، وما غرسه بيده الشريفة ١٥٠
الفصل الثالث ١٥٩
فيما ينسب إليه ص من المساجد التي بين مكة والمدينة ، ١٥٩
الفصل الرابع ١٧٤
في بقية المساجد التي بين مكة والمدينة بطريق الحاج في زماننا ، وبطريق ١٧٤
الفصل الخامس ١٧٨
في بقية المساجد والمواضع المتعلقة به ص ١٧٨
الباب السابع ١٨٥
الفصل الأول ١٨٥
في فضل وادي العقيق ، وعرصته ، وحدوده ١٨٥
الفصل الثاني ١٨٨
في أقطاعه ، وابتناء القصور به ، وطريف أخبارها ١٨٨
الفصل الثالث ١٩٧
في العرصة وقصورها ، وشيء مما قيل فيها وفي العقيق من الشعر ١٩٧
الفصل الرابع ٢٠٧
في جماواته ، وأرض الشجرة ، وثنية الشريد وغيرها من جهاته ٢٠٧
الفصل الخامس ٢١٢
في بقية أودية المدينة ، وصدورها ، ومجتمعها ، ومغايضها ٢١٢
الفصل السادس ٢٢٠
فيما سمي من الأحماء ، ومن حماها ، وشرح حال حمى النبي صلىاللهعليهوسلم ٢٢٠
الفصل السابع ٢٢٦
في شرح حال بقية الأحماء ، وأخبارها ٢٢٦
فهرس الجزء الثالث ٢٣٩