إلى حامل لواء الامامة الكبرى والخلافة العظمى
ولي العصر المهدي المنتظر الحجّة ابن الحسن العسكري أرواحنا فداه
يا أيّها العزيز مسّنا وأهلنا الضّرّ
وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل
وتصدّق علينا إن الله يجزي المتصدّقين
علي
حديث المنزلة
« أما ترضى أنْ تكون منّي بمنزلة هارون من موسى
غير أنّه لا نبي بعدي؟ »
أخرجه مسلم
كلمة المؤلِّف
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين من الأولين والآخرين. وبعد:
فهذا قسم ( حديث المنزلة ) من كتابنا ( نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار في إمامة الأئمة الأطهار ) نقدّمه إلى العلماء المحقّقين وسائر الباحثين، ليجدوا فيه الدليل التام على إمامة أمير المؤمنينعليهالسلام ، بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مباشرةً وبلا فصل على ضوء هذا الحديث الشريف المقطوع بصدوره.
لقد نزَّل رسول الله الذي( ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ) (١) ( عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ) (٢) عليّاً من نفسه بمنزلة هارون من موسى، مشيراً إلى منازل هارون الثابتة في القرآن الكريم.
وهكذا كانت كلمات النبيّ في حقّ علي وبيان فضائله ومناقبه، ففي أغلبها التأكيد على أنّ لمقامات أمير المؤمنينعليهالسلام اصولاً ثابتةً في كتاب الله العظيم، ففي غدير خم مثلاً يذكّر بقوله: « ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم » الآية المباركة:( النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) (٣) ثمّ يقول: « فمن كنت
____________________
(١). سورة النجم: ٥٣، الآية: ٣.
(٢). سورة النجم: ٥٣، الآية: ٥، ٤.
(٣). سورة الأحزاب: ٣٣، الآية: ٦.
مولاه فهذا علي مولاه ».
وعندما يريد الإعلان عن أنْ لاطريق للنجاة في هذه الامّة إلّا اتباع أهل البيت، يشير إلى ما حكاه الله سبحانه في كتابه من قصّة نوح وهلاك اُمّته إلّامن كان معه في السفينة، فيشبّه أهل بيته بسفينة نوح ويقول: « مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها هلك »
وهكذا
وفي ( حديث المنزلة ) يوعز الرسول الأعظم إلى الآيات الحاكية لمقامات هارون:
قوله تعالى:( وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ) (١) .
وقوله تعالى:( وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً ) (٢) .
وقوله تعالى:( وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي ) (٣) .
ومثلها غيرها
فأفاد ( حديث المنزلة ) ثبوت جميع هذه المنازل - الثابتة لهارون من موسى - لأمير المؤمنين من خاتم النبيين الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم ( إلّا النبوّة ).
____________________
(١). سورة الأعراف: ٧، الآية: ١٤٢.
(٢). سورة طه: ٢٠، الآية: ٢٩، ٣٥.
(٣). سورة القصص: ٢٨، الآية: ٣٤.
هذا من ناحية الدلالة.
وأمّا من ناحية السّند، فهو من الأحاديث القطعيّة
فكان دليلاً آخر من الأدلّة القطعيّة على إمامة علي بعد النبي
فانبرى المبرّرون للواقع التاريخي للجواب عن هذا الإستدلال المستند إلى الكتاب والسنّة، فأطالوا الكلام وأطنبوا، وشرّقوا وغرّبوا، حتى تعارضت أنظارهم وتناقضت أفكارهم، ثم التجأ بعضهم إلى وضع حديثٍ ليعارض به، وآخر إلى تحريفه، ليكون دليلاً على خلاف ما هو نصُّ فيه.
إنّه تتلخّص أجوبة القوم على استدلال أصحابنا بهذا الحديث على إمامة أمير المؤمنين بعد النبي في الطرق التالية:
١ - السبّ والشتم، والتحريف للحديث، أو معارضته بحديث موضوع.
٢ - المناقشة في سند الحديث، بدعوى ضعفه، أو بأنّه خبر واحد.
٣ - المناقشة في مدلول الحديث، بزعم عدم ظهوره في عموم المنزلة، أو وجود قرينة تمنع عن دلالته على العموم تخصّصه بمورده وهو زمن الخروج إلى غزوة تبوك.
والمهمُّ من هذه الطرق - وله وجهة علمية - هو الطريق الثالث.
وهذا الكتاب يتكفّل بيان الإستدلال بحديث المنزلة على إمامة أمير المؤمنين بلا فصل، ويتعرّض لمناقشات القوم كلّها، بالنقد العلمي، وهو غير مستند - سواء في إثباته أو ردّه - إلّا إلى كتبهم المشهورة المعتمدة، والله سبحانه وليُّ التوفيق.
ايران - قم
علي الحسيني الميلاني
كلمة السيّد صاحب عبقات الأنوار
الحمد لله الذي جعل الوصي من النبي بمنزلة هارون من موسى الكليم، وحباهما وآلهما من الفضائل ما أوجب التفضيل والتقديم، فجنس المضاف إليهم مخصوص بالعزّ الصميم، ناج على التعميم، والمتّصل بهم غير منقطع عن الأجر والنعيم، والمتّبع أخبارهم والمقتفي آثارهم من أتى الله بقلبٍ سليم، والناكب عن سمتهم والصادف عن هديهم مقتحم في سعير الجحيم، متجرّع ذعاق الصديد والحميم، مكابد لشدائد العذاب الأليم. وأفضل الصّلاة والسلام المزري على نفح الشميم، على النبي وآله الهداة المهديّين المرتفع بهم كلّ منزلةٍ وشرف عظيم، لاسيّما ابن عمّه وكاشف غمّه المخصوص بالإستخلاف على رغم أهل الخلاف، والممنوح بمزيّة الإخاء والممنو بجليل البلاء، المدفوع عنه مقامه، المنهوب تراثه، المغمض على القذى، الصابر على الشجى.
وبعد:
فيقول العبد القاصر ( حامد حسين ) ابن العلامة السيد محمد قلي، كان الله له في الدنيا والآخرة، وأسدل سجف العفو على ماله من المعاصي الباطنة والظاهرة:
إنّ هذا هو المجلَّد الثاني من المنهج الثاني من كتاب ( عبقات الأنوار في إمامة الأئمة الأطهار ) الموضوع لنقض الباب السابع من ( التحفة ) المحيّرة للأنظار، وهذا المجلَّد معقود لردّ كلام صاحب التحفة في الحديث الثاني من
الأحاديث الاثني عشر التي ذكرها وادّعى فيها الإنحصار الواضح بطلانه على ناظر كتب الأصحاب الأخيار. والله الموفّق للإتمام والإكمال، ومنه الإستعانة في المبدء والمآل.
كلام الدهلوي صاحب التحفة الاثنى عشرية
في ردّ الاستدلال بحديث المنزلة
قال الشيخ عبد العزيز الدهلوي:
« الحديث الثاني: روى البخاري ومسلم عن البراء بن عازب أنه صلّى الله عليه وسلّم لمـّا استخلف الأمير في غزوة تبوك على أهل بيته من النساء والبنات، وتركه فيهنّ وقد توجّه هو إلى تلك الغزوة، قال الأمير: يا رسول الله، أتخلّفني في النساء والصبيان؟ فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم له: أما ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي.
قالت الشيعة: إن المنزلة اسم جنس مضاف إلى العلم، فيعم جميع المنازل، لصحة الإستثناء، ولِذا استثنى مرتبة النبوة، فثبت للأمير جميع المنازل الثابتة لهارون، ومن جملتها صحة الامارة وافتراض الطاعة أيضاً لو عاش هارون بعد موسى، لأنّ هارون كانت له هذه المرتبة في عهد موسى، فلو زالت عنه بعد وفاته لزم العزل، وعزل النبي صلّى الله عليه وسلّم ممتنع للزومه الإهانة المستحيلة في حقّه.
فثبتت هذه المرتبة للأمير أيضاً، وهي الإمامة.
والجواب عن ذلك بوجوه:
الأول: أن اسم الجنس المضاف إلى العلم ليس من ألفاظ العموم عند جميع الاصوليين، بل هم صرحوا بأنه للعهد في غلام زيد ونحوه، لأن تعريف
الإضافة المعنوية باعتبار العهد هو الأصل، وفيما نحن فيه توجد قرينة على العهد، وهي قوله: أتخلّفني في النساء والصبيان، يعني: إنه كما أن هارون كان خليفة لموسى حين توجهه إلى الطور، كذلك صار الأمير خليفةً للنبي صلّى الله عليه وسلّم حين توجّه إلى غزوة تبوك.
والإستخلاف المقيد بهذا القيد لا يكون باقياً بعد انقضائها، كما لم يبق في حق هارون أيضاً.
ولا يجوز أن يقال بأن انقطاع هذا الإستخلاف عزل موجب للإهانة في حق الخليفة. لأن انقطاع العمل وانتهاء أمده ليس بعزل، والقول بأنه عزل خلاف العرف واللغة.
ولاتكون صحة الإستثناء دليلاً للعموم إلّا إذا كان الإستثناء متّصلاً، وهو ههنا منقطع بالضرورة، لأن قوله: « إنه لا نبي بعدي » جملة خبرية، وقد صارت تلك الجملة بتأويلها إلى المفرد بدخول إن، في حكم « إلّا عدم النبوة » وظاهر أنّ عدم النبوة ليس من منازل هارون حتى يصح استثناؤه، لأن المتّصل يكون من جنس المستثنى منه وداخلاً فيه، والنقيض لايكون من جنس النقيض وداخلاً فيه، فثبت أن هذا المستثنى منقطع جدّاً.
ولأن من جملة منازل هارون كونه أسن من موسى، وأفصح منه لساناً، وكونه شريكاً معه في النبوة، وكونه شقيقاً له في النسب، وهذه المنازل غير ثابتة في حق الأمير بالنسبة إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم إجماعاً، فإن جعلنا الإستثناء متّصلاً وحملنا المنزلة على العموم لزم الكذب في كلام المعصوم.
الثاني: إنا لا نسلّم أن الخلافة بعد موت موسى كانت من جملة منازل هارون، لأن هارون كان نبيّاً مستقلاً في التبليغ، ولو عاش بعد موسى أيضاً لكان كذلك، ولم تزل عنه هذه المرتبة قط، وهي تنافي الخلافة، لأنها نيابة النبي، ولا
مناسبة بين الأصالة والنيابة في القدر والشرف، فقد علم أنّ الإستدلال على خلافة الأمير من هذا الطريق لا يصح أبداً.
وأيضاً: إن النبي صلّى الله عليه وسلّم لمـّا شبّه الأمير بهارون - ومعلوم أن هارون كان خليفةً في حياة موسى بعد غيبته، وصار يوشع بن نون وكالب بن يفنة خليفةً له بعد موت موسى - لزم أن يكون الأمير أيضاً خليفةً في حياة النبي بعد غيبته لا بعد وفاته، بل يصير غيره خليفةً بعد وفاته، حتى يكون التشبيه على وجه الكمال، إذ حمل التشبيه في كلام الرسول على النقصان غاية عدم الديانة، والعياذبالله.
وإنْ تنزّلنا قلنا: ليس في هذا الحديث دلالة على نفي إمامة الخلفاء الثلاثة، غاية ما في الباب أن استحقاق الإمامة يثبت به للأمير ولو في وقتٍ من الأوقات، وهو عين مذهب أهل السنة. والتقريب به أيضاً غير تام »(١) .
____________________
(١). التحفة الاثنا عشرية: ٢١٠، وانظر مختصر التحفة الاثنا عشرية: ١٨٣ - ١٨٥.
نفحات الأزهار
في خلاصة عبقات الأنوار
في إمامة الأئمة الأطهار
سند
حديث المنزلة
أقول:
إنّ حديث المنزلة من أهم مناقب أمير المؤمنينعليهالسلام ، ومن الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة على خلافته وإمامته بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بلافصل.
وهو حديث في غاية الصحة والثبوت، مشهور مستفيض، بل متواتر عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ولقد أخرجه البخاري ومسلم اللّذان طالما سعيا وراء إخفاء مناقب أمير المؤمنينعليهالسلام وفضائله السّامية، ومن المعلوم أنّ إخراج الواحد منهما كافٍ في الإلزام بصحّة الحديث، فكيف إذا اتّفقا على إخراجه؟
فكيف إذا وافقهما على ذلك سائر جهابذة المحدّثين فأخرجوه في صحاحهم ومسانيدهم ومجاميعهم؟ فكيف إذا نصّ المحقّقون منهم على صحّته ونفوا عنه الريب؟ فكيف إذا صرّح المنقّدون منهم بكثرة طرقه؟ فكيف إذا اعترف أعلامهم بتواتره؟
ونحن نذكر أوّلاً طرق الحديث، ثم نعقّبها بذكر كلمات القوم في صحته وكثرة طرقه وتواتره، فنقول:
لقد روى حديث المنزلة أكثر مشاهير أئمة أهل السنّة في مختلف العلوم، عبر القرون المختلفة، وهذه أسماء أشهرهم:
١ - محمد بن إسحاق صاحب السيرة، المتوفّى سنة ١٥١.
٢ - أبو داود سليمان بن داود الطّيالسي، المتوفّى سنة ٢٠٤.
٣ - محمد بن سعد صاحب الطبقات الكبرى، المتوفّى سنة ٢٣٠.
٤ - أبوبكر عبدالله بن محمد بن أبي شيبة العبسي، المتوفّى سنة ٢٣٥.
٥ - أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، المتوفّى سنة ٢٤١.
٦ - محمد بن إسماعيل البخاري صاحب الصحيح، المتوفّى سنة ٢٥٦.
٧ - أبو علي الحسن بن عرفة العبدي، المتوفّى سنة ٢٥٧.
٨ - مسلم بن الحجاج النيسابوري صاحب الصحيح، المتوفّى سنة ٢٦١.
٩ - محمد بن يزيد بن ماجة القزويني صاحب السنن، المتوفّى سنة ٢٧٣.
١٠ - أبو حاتم محمد بن حبان البستي، المتوفّى سنة ٣٥٤.
١١ - محمد بن عيسى الترمذي صاحب الصحيح، المتوفّى سنة ٢٧٩.
١٢ - أحمد بن أبي خيثمة زهير بن حرب، المتوفّى سنة ٢٧٩.
١٣ - عبدالله بن أحمد بن حنبل، المتوفّى سنة ٢٩١.
١٤ - أحمد بن عمرو بن عبدالخالق البزار، المتوفّى سنة ٢٩٢.
١٥ - أحمد بن شعيب النسائي صاحب السنن، المتوفّى سنة ٣٠٣.
١٦ - أبو يعلى أحمد بن علي الموصلي، المتوفّى سنة ٣٠٧.
١٧ - محمد بن جرير الطبري، المتوفّى سنة ٣١٠.
١٨ - أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الإسفرايني، المتوفّى سنة ٣١٦.
١٩ - أبو الشيخ الإصبهاني عبدالله بن جعفر المتوفّى سنة ٣٦٩.
٢٠ - أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، المتوفّى سنة ٣٦٠.
٢١ - محمد بن عبدالرحمن المخلّص الذهبي، المتوفّى سنة ٣٩٣.
٢٢ - أبوبكر محمد بن جعفر المطيري، المتوفّى سنة ٣٣٥.
٢٣ - أبو الليث نصر بن محمد السمرقندي، المتوفّى سنة ٣٧٦.
٢٤ - الحسن بن بدر.
٢٥ - أبو عبدالله الحاكم محمد بن عبدالله النيسابوري صاحب المستدرك، المتوفّى سنة ٤٠٥.
٢٦ - أبو سعد عبدالملك بن محمد الخرگوشي، المتوفّى سنة ٤٠٧.
٢٧ - أبوبكر أحمد بن عبدالرحمن الشيرازي صاحب كتاب الألقاب، المتوفّى سنة ٤٠٧.
٢٨ - أبوبكر أحمد بن موسى بن مردويه الإصفهاني، المتوفّى سنة ٤١٠.
٢٩ - أبو نعيم أحمد بن عبدالله الإصفهاني، المتوفّى سنة ٤٣٠.
٣٠ - إسماعيل بن علي الرازي المعروف بابن السمّان، المتوفّى سنة ٤٤٥.
٣١ - أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي، المتوفّى سنة ٤٤٧.
٣٢ - أبوبكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي، المتوفّى سنة ٤٦٣.
٣٣ - أبو عمر يوسف بن عبدالله المعروف بابن عبدالبر، المتوفّى سنة ٤٦٣.
٣٤ - أبو الحسن علي بن محمد الجلّابي المعروف بابن المغازلي، المتوفّى سنة ٤٨٣.
٣٥ - شيرويه بن شهردار الديلمي، المتوفّى سنة ٥٠٩.
٣٦ - حسين بن مسعود الفراء البغوي الملقب بمحيي السنة، المتوفّى سنة ٥١٦.
٣٧ - رزين بن معاوية العبدري، المتوفّى سنة ٥٣٥.
٣٨ - أبومحمد أحمد بن محمد بن علي العاصمي.
٣٩ - عمربن محمد بن خضر الأردبيلي المعروف بالملّا.
٤٠ - أبو القاسم علي بن الحسن المعروف بابن عساكر، المتوفّى سنة ٥٧٣.
٤١ - أبو طاهر أحمد بن محمد بن سلفة الإصبهاني، المتوفّى سنة ٥٧٦.
٤٢ - أبو المؤيد الموفق بن أحمد المكي الشهير بأخطب خوارزم، المتوفّى سنة ٥٦٨.
٤٣ - سعد الدين أبو حامد محمود بن محمد الصالحاني، المتوفّى سنة ٦١٢.
٤٤ - محمد بن عمر الفخر الرازي، المتوفّى سنة ٦٠٦.
٤٥ - أبو السعادات المبارك بن محمد المعروف بابن الأثير، المتوفّى سنة ٦٠٦.
٤٦ - أبو الحسن علي بن محمد المعروف بابن الأثير، المتوفّى سنة ٦٣٠.
٤٧ - أبو الربيع سليمان بن سالم البلنسي، المتوفّى سنة ٦٣٤.
٤٨ - محمد بن محمود محب الدين ابن النجار، المتوفّى سنة ٦٤٢.
٤٩ - كمال الدين أبو سالم محمد بن طلحة القرشي، المتوفّى سنة ٦٥٢.
٥٠ - أبو المظفر يوسف بن قزغلي سبط ابن الجوزي، المتوفّى سنة ٦٥٤.
٥١ - أبو عبدالله محمد بن يوسف الكنجي، المتوفّى سنة ٦٥٨.
٥٢ - يحيى بن شرف النووي، المتوفّى سنة ٦٧٦.
٥٣ - أبو العباس محبّ الدين أحمد بن عبدالله الطبري، المتوفّى سنة ٦٩٤.
٥٤ - إبراهيم بن عبدالله الوصّابي صاحب الاكتفاء في مناقب الخلفاء.
٥٥ - صدر الدين أبو المجامع إبراهيم بن محمد الحمويني، المتوفّى سنة ٧٢٢.
٥٦ - أبو الفتح محمد بن محمد المعروف بابن سيد الناس صاحب السيرة النبوية الشهيرة، المتوفّى سنة ٤٣٤.
٥٧ - شمس الدين محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيّم الجوزية، المتوفّى سنة ٧٥١.
٥٨ - عبدالله بن أسعد اليمني اليافعي، المتوفّى سنة ٧٦٨.
٥٩ - إسماعيل بن عمر الدمشقي المعروف بابن كثير، المتوفّى سنة ٧٧٤.
٦٠ - أحمد بن محمد الملقب بعلاء الدولة السمناني، المتوفّى سنة ٧٤٠ تقريباً.
٦١ - ولي الدين محمد بن عبدالله الخطيب التبريزي صاحب المشكاة.
٦٢ - جمال الدين يوسف بن عبدالرحمن المزي، المتوفّى سنة ٧٤٢.
٦٣ - محمد بن يوسف الزرندي، المتوفّى سنة ٧٥٣ تقريباً.
٦٤ - السيد علي الهمداني، المتوفّى سنة ٨٧٦.
٦٥ - محمد بن محمد الحلبي المعروف بابن الشحنة، المتوفّى سنة ٨١٥.
٦٦ - زين الدين أحمد بن عبدالرحيم العراقي، المتوفّى سنة ٨٢٦.
٦٧ - ملك العلماء شهاب الدين بن شمس الدين الدولت آبادي الهندي، المتوفّى سنة ٨٤٩.
٦٨ - أحمد بن علي المعروف بابن حجر العسقلاني، المتوفّى سنة ٨٥٢.
٦٩ - نور الدين علي بن محمد المعروف بابن الصبّاغ المالكي، المتوفّى سنة ٨٥٥.
٧٠ - جلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي، المتوفّى سنة ٩١١.
٧١ - حسين بن محمد الدياربكري، المتوفّى سنة ٩٦٦.
٧٢ - أحمد بن محمد المعروف بابن حجر المكي، المتوفّى سنة ٩٧٣.
٧٣ - علي بن حسام الدين المتقي، المتوفّى سنة ٩٧٥.
٧٤ - شهاب الدين أحمد صاحب توضيح الدلائل.
٧٥ - عطاء الله بن فضل الله الشيرازي المعروف بجمال الدين المحدث، المتوفّى سنة ١٠٠٠.
٧٦ - محمد عبدالرؤف بن تاج الدين المناوي، المتوفّى سنة ١٠٣١.
٧٧ - شيخ بن عبدالله العيدروس، المتوفّى سنة ١٠٤١.
٧٨ - أحمد بن الفضل بن باكثير المكي، المتوفّى سنة ١٠٣٧.
٧٩ - محمد بن صفي الدين جعفر الملقب بمحبوب عالم.
٨٠ - محمد بن معتمد خان البدخشاني.
٨١ - محمد صدر العالم صاحب معارج العلى.
٨٢ - ولي الله أحمد بن عبدالرحيم الدهلوي، المتوفّى سنة ١١٧٦.
٨٣ - أحمد بن عبدالقادر العجيلي، المتوفّى سنة ١١٨٢.
٨٤ - رشيد الدين الدهلوي، تلميذ صاحب التحفة.
٨٥ - المولوي محمد مبين بن محب الله الكهنوي.
٨٦ - المولوي ولي الله بن حبيب الله الكهنوي، المتوفّى سنة ١٢٧٠.
٨٧ - أحمد بن زيني دحلان، المتوفّى سنة ١٣٠٤.
٨٨ - السيد مؤمن بن حسن الشبلنجي، كان حيّاً سنة ١٣٢٢.
وإليك نصوص رواياتهم بالأسانيد:
(١)
رواية محمّد بن إسحاق
أما رواية محمد بن إسحاق، فقد ذكرها ابن هشام في ( سيرته ) التي هي تلخيص سيرة ابن إسحاق، وهذه عبارته:
« قال ابن إسحاق: وضرب عبدالله بن أبي على حدة عسكره أسفل منه نحو ذباب، وكان - فيما يزعمون - ليس بأقل العسكرين. فلمـّا سار رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تخلّف عنه عبدالله بن أبي فيمن تخلّف من المنافقين وأهل الريب.
وخلّف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم علي بن أبي طالبرضياللهعنه على أهله، وأمره بالإقامة فيهم. فأرجف به المنافقون وقالوا: ما خلّفه إلّا استثقالاً له وتخفّفاً منه. فلمـّا قال ذلك المنافقون أخذ علي بن أبي طالبرضياللهعنه سلاحه، ثم خرج حتى أتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو نازل بالجرف فقال: يا نبيّ الله، زعم المنافقون أنك إنما خلّفتني أنك استثقلتني وتخفّفت منّي. فقال:
كذبوا، ولكنّي خلّفتك لما تركت ورائي، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك، أفلا ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي؟
فرجع علي إلى المدينة، ومضى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على سفره.
قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة، عن إبراهيم ابن سعد بن أبي وقاص عن أبيه سعد، أنّه سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
يقول لعلي هذه المقالة.
قال ابن إسحاق: ثم رجع علي إلى المدينة، ومضى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على سفره »(١) .
(٢)
رواية أبي داود الطيالسي
وأما رواية أبي داود الطّيا لسي، فهي عن سعد بن أبي وقاص، قال الحافظ ابن كثير: « ورواه أبو داود الطيالسي عن شعبة، عن عاصم، عن مصعب، عن أبيه ».
وروى الشيخ إبراهيم الوصابي الحديث: « عن سعد بن مالكرضياللهعنه قال: خلّف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم علي بن أبي طالب في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله أتخلّفني في النساء والصّبيان؟ فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبيّ بعدي » فقال:
« أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما، والترمذي في جامعه، وابن ماجة في سننه، وأبو داود الطيالسي في مسنده، وأبو نعيم في فضائل الصّحابة »(٢) .
____________________
(١). السيرة النبوية لابن هشام ٥ / ١٩٩ - ٢٠٠.
(٢). تاريخ ابن كثير ٥ / ٧ وسيأتي. الاكتفاء في فضائل الأربعة الخلفاء - مخطوط.
(٣)
رواية ابن سعد
وأمّا رواية محمد بن سعد فهي في ( طبقاته ) حيث قال:
« ذكر قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي بن أبي طالب: أما ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي.
قال قال محمد بن عمر: وكان علي ممّن ثبت مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم اُحد، حين انهزم الناس، وبايعه على الموت، وبعثه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سرية إلى بني سعد بفدك في مائة رجل، وكانت معه إحدى رايات المهاجرين الثلاث يوم فتح مكة، وبعثه سريّة إلى الفلس إلى طي، وبعثه إلى اليمن.
ولم يتخلّف عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في غزوة غزاها إلّا غزوة تبوك، خلّفه في أهله(١) :
أخبرنا الفضل بن دكين، نافضيل بن مرزوق، عن عطيّة، حدثني أبو سعيد قال: غزا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم غزوة تبوك، وخلّف علياً في أهله، فقال بعض الناس: ما منعه أن يخرج به إلّا أنه كره صحبته، فبلغ ذلك عليّاً، فذكره للنبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: أيا ابن أبي طالب، أما ترضى أن تنزل مني بمنزلة هارون من موسى(٢) .
أخبرنا الفضل بن دكين، نافطر بن خليفة، عن عبدالله بن شريك قال: سمعت عبدالله بن رقيم الكناني قال: قدمنا المدينة فلقينا سعد بن مالك فقال:
____________________
(١). الطبقات الكبرى ٣ / ٢٣.
(٢). الطبقات الكبرى ٣ / ٢٣.
خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى تبوك وخلّف علياً، فقال له: يا رسول الله خرجت وخلّفتني؟ فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي(١) .
أخبرنا عفان بن مسلم، عن حماد بن سلمة، أنا علي بن زيد، عن سعيد ابن المسيب قال قلت لسعد بن مالك: إني أريد أنْ أسألك عن حديث وأنا أهابك أن أسألك عنه، قال: لا تفعل يا ابن أخي، إذا علمت أن عندي علماً فسلني عنه ولا تهبني. فقلت: قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي حين خلّفه بالمدينة في غزوة تبوك قال: أتخلّفني في الخالفة في النساء والصبيان؟ فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ فأدبر علي مسرعاً كأني أنظر إلى غبار قدميه يسطع، وقد قال حماد: فرجع علي مسرعاً(٢) .
أخبرنا روح بن عبادة، ناعوف، عن ميمون، عن البراء بن عازب وزيد ابن أرقم قالا: لمـّا كان عند غزوة جيش العسرة وهي تبوك قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي بن أبي طالب: إنّه لابدّ من أن اقيم أو تقيم، فخلّفه، فلمـّا فصل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم غازياً قال ناس: ما خلّفه رسول الله إلّا لشيء كرهه منه. فبلغ ذلك علياً، فأتبع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى انتهى إليه. فقال له: ما جاء بك يا علي؟ قال: لا يا رسول الله، إلّا أني سمعت ناساً يزعمون أنك إنما خلّفتني لشيء كرهته مني. فتضاحك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقال: يا علي، أما ترضى أنْ تكون منّي كهارون من موسى غير أنّك لست بنبي؟ قال: بلى يا رسول الله. قال: فإنه كذلك»(٣) .
____________________
(١). الطبقات الكبرى ٣ / ٢٤.
(٢). الطبقات الكبرى ٣ / ٢٤.
(٣). الطبقات الكبرى ٣ / ٢٤.
(٤)
رواية ابن أبي شيبة
وأمّا رواية أبي بكر ابن أبي شيبة فهذا نصّها:
« حدّثنا غندر، عن شعبة، عن الحكم، عن مصعب بن سعد، عن سعد بن أبي وقاص قال: خلّف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم علي أبي طالب في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله تخلّفني في النساء والصبيان؟
فقال: أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبي بعدي.
حدّثنا غندر، عن شعبة عن سعد بن إبراهيم قال: سمعت إبراهيم بن سعد، عن سعد، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال لعلي: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى.
حدّثنا عبدالله بن نمير، عن موسى الجهني قال: حدّثتني فاطمة ابنة علي قالت: حدّثتني أسماء ابنة عميس قالت: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى الّا أنه ليس نبي بعدي.
حدّثنا وكيع، عن فضيل بن مرزوق، عن زيد بن أرقم: إن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي.
حدّثنا أبو معاوية، عن موسى بن مسلم، عن عبدالرحمن بن سابط، عن سعد، قال: قدم معاوية في بعض حجّاته، فأتاه سعد، فذكروا علياً، فنال منه معاوية، فغضب سعد، فقال: تقول هذا لرجلٍ سمعت رسول الله يقول له ثلاث خصال، لأنْ تكون لي خصلة منها أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها، سمعت رسول الله يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه. وسمعت النبي يقول: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي. وسمعت رسول الله يقول: لاُعطين الراية
رجلاً يحب الله ورسوله »(١) .
(٥)
رواية أحمد بن حنبل
وأما رواية أحمد بن حنبل فهي في ( المسند ) وفي ( المناقب ) وإليك نصوص رواياته:
« نا يحيى بن سعيد، عن موسى الجهني قال: دخلت على فاطمة ابنة علي فقال لها رفيقي أبو مهدي: كم لك؟ قالت ستة وثمانون سنة. قال: ما سمعت من أبيك شيئاً؟ قالت: حدثتني أسماء بنت عميس أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه ليس نبي بعدي »(٢) .
« حدثني وكيع قال: حدثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي»(٣) .
« حدثنا سفيان بن عيينة، عن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن سعد: أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى. قيل لسفيان: غير أنّه لا نبي بعدي؟ قال: نعم»(٤) .
« حدّثنا محمد بن جعفر قال: حدّثنا شعبة، عن الحكم، عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص قال: خلّف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم علي بن أبي طالب في غزوة تبوك. قال: يا رسول الله تخلّفني في النساء والصبيان؟ قال: أما
____________________
(١). الكتاب المصنف ٧ / ٣٩٦ رقم ٣٢٠٦٥ - ٣٢٠٦٩.
(٢). مسند أحمد ٧ / ٥١٣ رقم ٢٦٥٤١.
(٣). مسند أحمد ٣ / ٤١٧ رقم ١٠٨٧٩ – الطبعة الجديدة.
(٤). مسند أحمد ١ / ٢٩٢ رقم ١٥٥٠ – الطبعة الجديدة.
ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي »(١) .
« أخبرنا محمد بن جعفر قال: أخبرنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم يحدّث عن سعد، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: ألا ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى »(٢) .
« حدّثنا أبو سعيد قال: حدّثنا سليمان بن بلال قال: حدّثنا جعيد بن عبد الرحمن، عن عائشة بنت سعد، عن أبيها سعد: إن علياً خرج مع النبي صلّى الله عليه وسلّم حتى جاء ثنيّة الوداع وعلي يبكي ويقول: تخلّفني مع الخوالف؟ فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا النبوة »(٣) .
« حدثني يحيى بن سعيد، عن موسى الجهني قال: دخلت على فاطمة فقال رفيقي أبو مهدي: كم لك؟ فقالت: ست وثمانون سنة. قال: ما سمعت من أبيك شيئاً؟ قالت: حدثتني أسماء بنت عميس أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه ليس بعدي نبي »(٤) .
« وفيما كتب إلينا محمد بن عبدالله يذكر أنّ يزيد بن مهران حدّثهم قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن الأجلح، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن السمّان، عن سعيد بن زيد قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى »(٥) .
____________________
(١). مسند أحمد ١ / ٢٩٨ رقم ١٥٨٧ - الطبعة الجديدة.
(٢). مسند أحمد ١ / ٢٨٤ رقم ١٥٠٨ - الطبعة الجديدة.
(٣). فضائل علي لأحمد - مخطوط.
(٤). فضائل علي لأحمد - مخطوط.
(٥). فضائل علي لأحمد - مخطوط.
(٦)
رواية البخاري
وأخرجه البخاري في ( صحيحه ) حيث قال: « حدّثنا محمد بن بشار، ثنا غندر، ثنا شعبة، عن سعد قال: سمعت إبراهيم بن سعد، عن أبيه قال قال النبي صلّى الله عليه وسلّم لعلي: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ».
وقال: « حدثنا مسدد، قال حدثنا يحيى، عن شعبة، عن الحكم، عن مصعب بن سعد، عن أبيه: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خرج إلى تبوك فاستخلف عليّاً فقال: أتخلّفني في الصّبيان والنساء؟ قال: ألا ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه ليس بعدي نبي.
وقال أبو داود: حدثنا شعبة عن الحكم قال: سمعت مصعباً »(١) .
(٧)
رواية ابن عرفة
وأمّا رواية ابن عرفة، فهي كما في ( تاريخ ابن كثير ) حيث قال: « قال الحسن بن عرفة العبدي: ثنا محمد بن حازم أبو معاوية الضرير، عن موسى بن مسلم الشيباني، عن عبد الرحمن بن سابط، عن سعد بن أبي وقاص قال:
قدم معاوية في بعض حِجّاته، فدخل عليه سعد، فذكروا عليّاً، فقال سعد: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول له ثلاث خصال لأن تكون لي واحدة منهن أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها، سمعته يقول: من كنت مولاه فعليّ مولاه. وسمعته يقول: لأعطينَّ الرّاية رجلاً يحب الله ورسوله ويحبّه ورسوله.
____________________
(١). صحيح البخاري ٥ / ٢٤ باب غزوة تبوك من كتاب المغازي.
وسمعته يقول: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي.
لم يخرجوه، وإسناده حسن »(١) .
(٨)
رواية مسلم بن الحجّاج
وأخرجه مسلم في ( صحيحه ) بقوله: « حدثنا يحيى بن يحيى التميمي وأبو جعفر محمد بن الصباح وعبيد الله القواريري وسريح بن يونس، كلّهم عن يوسف بن الماجشون - واللفظ لابن الصباح - قال: نا يوسف أبو سلمة الماجشون، قال: ثنا محمد بن المنكدر، عن سعيد بن المسيب، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي.
قال سعيد: فأحببت أنْ أشافه بها سعداً، فلقيت سعداً فحدّثته بما حدثني به عامر. فقال: أنا سمعته. قلت: أنت سمعته؟ قال: فوضع إصبعيه على أذنيه فقال: نعم وإلّا فأستكّتا(٢) .
حدّثنا أبو بكر ابن أبي شيبة قال: نا غندر، عن شعبة.
ح وحدّثنا محمد بن مثنى وابن بشار قالا: نا محمد بن جعفر قال: نا شعبة: عن الحكم، عن مصعب بن سعد، عن سعد بن أبي وقاص قال: خلّف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم علي بن أبي طاب في غزوة تبوك فقال: يا رسول الله تخلّفني في النساء والصّبيان؟ فقال: أما ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي.
____________________
(١). البداية والنهاية ٧ / ٢٧١.
(٢). صحيح المسلم ٤ / ٣٠ رقم ١٨٧٠.
حدّثناه عبيد الله بن معاذ قال نا أبي قال نا شعبة في هذا الإسناد(٢) .
حدّثنا قتيبة بن سعيد ومحمد بن عباد - وتقاربا في اللفظ - قالا: نا حاتم - وهو ابن إسماعيل - عن بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً فقال: ما منعك أنْ تسبّ أبا التراب؟ فقال: أما ما ذكرت ثلاثاً قالهنَّ له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلنْ أسبّه. لأن تكون لي واحدة منهنَّ أحبّ إليّ من حمر النعم:
سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول له - زياده خلّفه في بعض مغازيه، فقال له علي: يا رسول الله خلفتني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم - أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبوة بعدي.
وسمعته يقول يوم خيبر: لأعطينَّ الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله. قال: فتطاولنا لها. فقال: أدعوا لي علياً، فاُتي به أرمد، فبصق في عينيه ودفع الراية إليه ففتح الله عليه.
ولمـّا نزلت هذه الآية:( نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ ) (١) دعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: أللّهم هؤلاء أهلي.
حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة، ثنا غندر، عن شعبة.
ح وحدثنا محمد بن المثنى وابن بشار قالا: ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة: عن سعد بن إبراهيم، قال سمعت إبراهيم بن سعد، عن سعد، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال لعلي: أما ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى »(٢) .
____________________
(١). صحيح مسلم ٤ / ٣١ رقم ١٨٧٠.
(٢). صحيح مسلم ٤ / ٣٢ رقم ١٨٧١.
(٩)
رواية ابن ماجة
وابن ماجة في ( سننه ) بقوله: « حدّثنا علي بن محمد، ثنا أبو معاوية، ثنا موسى بن مسلم، عن ابن سابط - وهو عبد الرحمن - عن سعد بن أبي وقاص قال:
قدم معاوية في بعض حجّاته، فدخل عليه سعد فذكروا علياً فنال منه، فغضب سعد وقال: تقول هذا لرجلٍ سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: من كنت مولاه فعليٌ مولاه. وسمعته يقول: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي. وسمعته يقول: لأعطينّ الراية اليوم رجلاً يحبّ الله ورسوله »(٣) .
(١٠)
رواية أبي حاتم ابن حبّان
وأما رواية أبي حاتم محمد بن حبان، فقد أخرج في ( صحيحه ): « أخبرنا أبو خليفة، حدثنا أبو الوليد الطيالسي، حدثنا يوسف بن الماجشون، حدثنا محمد بن المنكدر، عن سعيد بن المسيب، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن سعد: إن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى قال: فأحببت أن أسأله سعداً، فقلت له: أنت سمعت هذا من رسول الله؟ قال: نعم ».
أخبرنا الحسن بن سفيان، حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة، حدثنا غندر، عن شعبة، عن الحكم، عن مصعب بن سعد، عن سعد بن أبي وقاص قال: خلّف
____________________
(١). سنن ابن ماجة ١ / ٤٥ رقم ١٢١.
رسول الله علي بن أبي طالب في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله، تخلّفني في النساء والصبيان؟ فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي »(١) .
هذا، وسنذكر روايته فيما بعد أيضاً.
وفي ( الرياض النضرة ): « عنه ( أي عن سعد ) قال: خلّف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عليّاً في غزوة تبوك. فقال: يا رسول الله تخلّفني في النساء والصبيان؟ قال: أما ترضى بأنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي؟
خرجه أحمد ومسلم وأبو حاتم.
وفي رواية: غير أنه ليس معي نبي. خرجها ابن الجرّاح »(٢) .
(١١)
رواية التّرمذي
ورواه الترمذي في ( صحيحه ) حيث قال: « حدثنا القاسم بن دينار الكوفي، نا أبو نعيم، عن عبد السلام بن حرب، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن سعد بن أبي وقاص: إنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى.
هذا حديث صحيح، قد روي من غير وجه عن سعد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم. ويستغرب هذا الحديث من حديث يحيى بن سعيد الأنصاري »(٣) .
____________________
(١). الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ٦ / ٢٦٨ رقم ٦٩٣٥ - ٦٩٣٦.
(٢). الرياض النضرة في مناقب العشرة المبشرة ٣ / ١١٧.
(٣). صحيح الترمذي ٥ / ٦٤١ رقم ٣٧٣١.
(١٢)
رواية ابن أبي خيثمة
وأمّا رواية أحمد بن أبي خيثمة زهير بن حرب، فمذكورة في ( الإستيعاب ) وسيأتي نصّها.
(١٣)
رواية عبدالله بن أحمد
ورواه عبدالله بن أحمد حيث قال في ( مسند ) والده:
« حدثنا العباس بن الفضل، ثنا الحسن بن علي، ثنا عمران بن أبان، ثنا مالك بن الحسين بن مالك بن الحويرث، حدثني أبي، عن جدّي مالك بن الحويرث قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي: أما ترضى أن تكون مني كمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي ».
وفي كتاب ( مناقب أمير المؤمنين ) لوالده: « حدّثنا إبراهيم قال: حدثنا يوسف بن يعقوب الماجشون قال: حدثنا محمد بن المنكدر عن سعيد بن المسيب عن عامر بن سعد عن أبيه سعد أنّه سمع النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول لعلي: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبيّ بعدي؟
قال سعيد: فأحببت أن اُشافه بذلك سعداً، فلقيته فذكرت له ما ذكر لي عامر. قال: فوضع إصبعه في أُذنه وقال: استكّتا إنْ لم أكن سمعته من النبي صلّى الله عليه وسلّم »(١) .
____________________
(١). مناقب علي بن أبي طالب لأحمد بن حنبل - مخلوط.
(١٤)
رواية أبي بكر البزّار
وأمّا رواية أبي بكر البزّار، ففي ( مجمع الزوائد ): « عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي. رواه أحمد والبزار إلّا أنه قال: إنّ رسول الله قال لعلي في غزوة تبوك: خلّفتك في أهلي. قال علي: يا رسول الله إني أكره أنْ تقول العرب خذل ابن عمه وتخلّف عنه. قال: أما ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي ».
« وعن ابن عباس: إن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: أما ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبي بعدي. رواه البزار والطبراني إلاّ أنه قال: أنت مني بمنزلة هارون.
ورجال البزار رجال الصحيح غير أبي بلج الكبير وهو ثقة »(١) .
(١٥)
رواية النسائي
وأخرجه أحمد بن شعيب النسائي بقوله: « أنبأنا بشر بن هلال البصري قال: ثنا جعفر - وهو ابن سليمان - قال: ثنا حرب بن شداد عن قتادة عن سعيد ابن المسيب، عن سعد بن أبي وقاصرضياللهعنه قال: لما غزا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم غزوة تبوك خلّف عليّاً بالمدينة فقالوا فيه: ملّه وكره صحبته. فتبع علي النبي صلّى الله عليه وسلّم حتى لحقه في الطريق. قال: يا
____________________
(١). مجمع الزوائد للحفاظ الهيثمي ٩ / ١٠٩.
رسول الله خلّفتني بالمدينة مع الذراري والنساء حتى قالوا: ملّه وكره صحبته؟ فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: يا عليّ إنما خلّفتك على أهلي، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي(١) ؟
أخبرنا القاسم بن زكريا بن دينار الكوفي قال: ثنا أبو نعيم قال: ثنا عبد السلام عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيّب عن سعد بن أبي وقاصرضياللهعنه أنّ النبيعليهالسلام قال لعليرضياللهعنه : أنت مني بمنزلة هارون من موسى(٢) .
أنبأنا زكريا بن يحيى قال: أنبأنا أبو مصعب عن الدراوردي، عن صفوان عن سعيد بن المسيب، أنّه سمع سعد بن أبي وقاصرضياللهعنه يقول: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا النبوة(٣) .
أخبرني زكريا بن يحيى قال: أنبأنا أبو مصعب عن الدراوردي عن هشام ابن هاشم عن سعيد بن المسيّب عن سعد قال: لمـّا خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى تبوك، خرج علي يتبعه فبكى وقال: يا رسول الله أتتركني مع الخوالف؟ فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: يا علي أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا النبوة(٤) .
ذكر الاختلاف على محمد بن المنكدر في هذا الحديث: أخبرني إسحاق بن موسى بن عبدالله بن يزيد الأنصاري قال: ثنا داود بن كثير الرقي عن محمد بن المنكدر، عن سعيد بن المسيب عن سعد: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
____________________
(١). الخصائص للنسائي: ٦٧ رقم ٤٤.
(٢). الخصائص للنسائي: ٦٨ رقم ٤٥.
(٣). الخصائص للنسائي: ٦٨ رقم ٤٦.
(٤). الخصائص للنسائي: ٦٩ رقم ٤٧.
قال لعلي: أنت مني بمنزلة هارون موسى إلّا أنه لا نبي بعدي(١) .
أخبرني صفوان بن محمد بن عمر قال: ثنا أحمد بن خالد قال: ثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون عن محمد بن المنكدر قال: قال سعيد بن المسيب أخبرني إبراهيم بن سعد أنّه سمع أباه سعداً وهو يقول: قال النبي صلّى الله عليه وسلّم لعلي: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبوة بعدي؟ قال سعيد: فلم أرض حتى أتيت سعداً قلت: شيء حدّث به ابنك. فقال: ما هو يا ابن أخي؟ فقلت: هل سمعت النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول لعلي كذا وكذا؟ قال: نعم. وأشار إلى أُذنيه وإلّا فسكّتا، لقد سمعته يقول ذلك(٢) .
قال أبو عبد الرحمن: خالفه يوسف بن الماجشون، فرواه عن محمد بن المنكدر عن سعيد عن عامر بن سعد عن أبيه. وتابعه على روايته عن عامر بن سعد: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبي بعدي. قال سعيد: فأحببت أن أشافه بذلك سعداً فأتيته فقلت: ما حديث حدّثني به عنك عامر؟ فأدخل إصبعه في أذنه وقال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وإلّا فسكّتا(٣) .
وقد روى هذا الحديث شعبة عن علي بن زيد فلم يذكر عامر بن سعد: أخبرني محمد بن وهب الحرّاني قال: ثنا مسكين بن بكير قال: ثنا شعبة عن علي بن زيد يحدث عن سعد سعيد بن المسيب قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى. قال: رضيت رضيت. فسألته
____________________
(١). الخصائص للنسائي: ٦٩ رقم ٤٨.
(٢). الخصائص للنسائي: ٧٠ رقم ٤٩.
(٣). الخصائص للنسائي: ٧٠ رقم ٥٠.
بعد ذلك فقال: بلى بلى(١) .
قال أبو عبد الرحمن: ما علمت أنّ أحداً تابع عبد العزيز بن الماجشون على روايته عن محمد بن المنكدر عن سعيد بن المسيب غير إبراهيم بن سعد. على أنّ إبراهيم بن سعد قد روى هذا الحديث عن أبيه.
أنبأنا محمد بن بشار البصري قال: ثنا محمد - يعني: ابن جعفر غندراً - قال: أخبرنا شعبة عن سعد بن إبراهيم قال: سمعت إبراهيم بن سعد يحدّث عن أبيه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال لعلي: أما ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى(٢) .
أنبأنا عبيد الله بن سعد عن إبراهيم بن سعد قال: ثنا عمر قال: ثنا أبي عن أبي إسحاق قال: ثني محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة عن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه، أنّه سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول لعلي - حين خلّفه في غزوة تبوك على أهله - ألا ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي(٣) .
قال أبو عبد الرحمن: وقد روي هذا الحديث عن عامر بن سعد عن أبيه من غير حديث سعيد بن المسيب.
أنبأنا محمد بن المثنى قال: ثنا أبو بكر الحنفي قال: ثنا بكر بن مسمار قال: سمعت عامر بن سعد يقول: قال معاوية لسعد بن أبي وقاص: ما يمنعك أنْ تسبَّ ابن أبي طاب؟ قال: لا أسبّه ما ذكرت ثلاثاً قالهنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، لأن تكون لي واحدة منهنَّ أحبّ إليَّ من حمر النعم، لا أسبّه ما
____________________
(١). الخصائص للنسائي: ٧١ رقم ٥١.
(٢). الخصائص للنسائي: ٧٢ رقم ٥٢.
(٣). الخصائص للنسائي: ٧٢ رقم ٥٣.
ذكرت حين نزل عليه الوحي، فأخذ علياً وابنيه وفاطمة، فأدخلهم تحت ثوبه ثم قال: رب هؤلاء أهلي وأهل بيتي، ولا أسبّه ما ذكرت حين خلّفه في غزوة تبوك. قال علي: خلّفتني مع النساء والصبيان؟ فقال: أما ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبوة من بعدي. ولا أسبّه ما ذكرت يوم خيبر حين قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لأعطينَّ هذه الراية رجلاً يحبّه الله ورسوله ويحبّ الله ورسوله، ويفتح الله على يديه. فتطاولنا فقال: أين علي؟ فقيل: هو أرمد. فقال: أدعوه فدعوه فبصق في عينيه ثم أعطاه الراية، ففتح الله على يديه. قال: فوالله ما ذكره معاوية بحرفٍ حتى خرج من المدينة(١) .
ثنا محمد بن بشار قال: ثنا محمد قال: ثنا شعبة عن الحكم عن مصعب بن سعد قال: خلّف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم علياً في غزوة تبوك. فقال: يا رسول الله تخلّفني في النساء والصبيان؟ فقال: أما ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبي بعدي(٢) .
قال أبو عبد الرحمن: خالفه ليث فقال: عن الحكم عن عائشة بنت سعد. أخبرني الحسن بن إسماعيل بن سليمان المصيصي الخالدي قال: أنبأنا المطلب عن ليث عن الحكم عن عائشة بنت سعد عن سعد: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي في غزوة تبوك: أنت مني مكان بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي(٣) .
قال أبو عبد الرحمن: شعبة أحفظ، وليث ضعيف، والحديث فقد روته عائشة بنت سعد: أخبرني زكريا بن يحيى قال: أنبأنا أبو مصعب عن الدراوردي عن الجعيد عن عائشة عن أبيها قالت: إنّ علياً خرج مع النبي صلّى الله عليه
____________________
(١). الخصائص للنسائي: ٧٣ رقم ٥٤.
(٢). الخصائص للنسائي: ٧٤ رقم ٥٦.
(٣). الخصائص للنسائي: ٧٥ رقم ٥٧.
وسلّم حتى جاء ثنية الوداع يريد غزوة تبوك وعلي يشتكي وهو يقول: أتخلّفني مع الخوالف؟ فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا النبوة(٢) .
أخبرنا الفضل بن سهل البغدادي قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري قال: حدّثنا عبدالله بن حبيب بن أبي ثابت عن حمزة بن عبدالله عن أبيه عن سعد قال: خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في غزوة تبوك وخلّف علياً فقال له: أتخلّفني؟ فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي(٣) .
ذكر الإختلاف على عبدالله بن شريك في هذا الحديث: أخبرنا القاسم بن زكريا بن دينار الكوفي قال: حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا فطر عن عبدالله بن شريك عن عبدالله بن رقيم الكناني عن سعد بن أبي وقاصرضياللهعنه : أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى(٤) .
ورواه إسرائيل عن عبدالله بن شريك عن الحارث بن مالك عن سعد: أنبأنا أحمد بن يحيى الكوفي قال: ثنا علي - وهو إبن قادم - قال: ثنا إسرائيل عن عبدالله بن شريك عن الحارث بن مالك قال قال سعد بن مالك: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم غزا على ناقته الحمراء وخلَّف عليّاً، فجاء علي حتى تعدّى الناقة فقال: يا رسول الله، زعمت قريش أنك إنما خلّفتني أنّك استثقلتني وكرهت صحبتي، وبكى علي. فنادى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في الناس: ما منكم إلّاوله خبّة. يا ابن أبي طالب أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون
____________________
(١). الخصائص للنسائي: ٧٦ رقم ٥٨.
(٢). الخصائص للنسائي: ٧٦ رقم ٥٩.
(٣). الخصائص للنسائي: ٧٧ رقم ٦٠.
من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي. قال علي: رضيت عن الله عز وجل وعن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم(١) .
أخبرنا عمرو بن علي قال حدثنا يحيى - يعني ابن سعيد - قال حدثنا موسى الجهني قال: دخلت على فاطمة بنت علي، فقال لها رفيقي: هل عندك شيء عن والدك؟ قالت: حدثتني أسماء بنت عميس: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي(٢) .
أنبأنا أحمد بن سليمان قال: ثنا جعفر بن عون عن موسى الجهني قال: أدركت فاطمة بنت علي رضي الله عنهما - وهي بنت ثمانين سنة - فقلت لها: تحفظين عن أبيك شيئاً؟ قالت: لا ولكنْ أخبرتني أسماء بنت عميس أنها سمعت من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه الا أنه ليس بعدي نبي(٣) .
أنبأنا أحمد بن عثمان بن حكيم قال: حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا حسن - وهو ابن صالح - عن موسى الجهني عن فاطمة بنت علي عن أسماء بنت عميس، إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي »(٤) .
____________________
(١). الخصائص للنسائي: ٧٧ رقم ٦١.
(٢). الخصائص للنسائي: ٧٨ رقم ٦٢.
(٣). الخصائص للنسائي: ٧٨ رقم ٦٣.
(٤). الخصائص للنسائي: ٧٩ رقم ٦٤.
(١٦)
رواية أبي يعلى
وأخرجه أبو يعلى الموصلي في ( مسنده ) بأسانيد عديدة فقال:
« حدثنا عبيد الله، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مصعب بن سعد، عن سعد بن أبي وقاص، قال: خلّف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عليّ ابن أبي طالب في غزوة تبوك فقال: يا رسول الله، تخلّفني بالنساء والصبيان. قال: أما ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي »(٣) .
« حدثنا أبو خيثمة، حدثنا عفان، حدثنا حماد، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، قال: قلت لسعد بن مالك، إني أريد أنْ أسألك عن حديثٍ وأنا أهابك أنْ أسألك عنه، فقال: لا تفعل يا ابن أخي، إذا علمت أن عندي علماً فاسألني عنه ولا تهابنّي. قال قلت: قول رسول الله لعلي حين خلَّفه بالمدينة في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله تخلّفني في الخالفة في النساء والصبيان؟ قال: أما ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ قال: بلى يا رسول الله. قال: فأدبر علي مسرعاً، فكأني أنظر إلى غبار قدميه يسطع. وقد قال حماد: رجع علي مسرعاً(٢) .
« حدثنا عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي معاذ، حدثنا شعبة، عن علي بن زيد، قال شعبة قبل أنْ يختلط قال سمعت سعيد بن المسيب قال: سمعت سعد بن مالك يقول: خلّف النبي علياً، فقال: أتخلّفني؟ فقال: أما ترضى أن تكون مني
____________________
(١). مسند أبي يعلى ١ / ١٨٠.
(٢). مسند أبي يعلى ١ / ٢٩٨.
بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبي بعدي؟ قال: رضيت رضيت »(١) .
« حدثنا زهير، حدثنا هاشم بن قاسم، حدثنا شعبة، حدثني سعد بن إبراهيم، عن إبراهيم بن سعد بن مالك عن أبيه قال قال رسول الله لعلي: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى»(٢) .
« حدثنا سعيد بن مطرّف الباهلي، حدثنا يوسف بن يعقوب، عن ابن المنكدر، عن سعيد بن المسيب، عن عامر بن سعد، عن سعد أنه قال: سمعت رسول الله يقول لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه ليس معي نبي. قال سعيد: فأحببت أنْ اُشافه بذلك سعداً، فلقيته فذكرت له ما ذكر لي عامر، فقلت له، فقال: نعم سمعته، فقلت: أنت سمعتَه؟ فأدخل اصبعيه في اذنيه فقال: نعم وإلّا فاستسكتا »(٣) .
« حدثنا أبو خيثمة، حدثنا سليمان بن داود الهاشمي، حدثنا يوسف بن الماجشون، أخبرني محمد بن المنكدر، عن سعيد بن المسيب، عن عامر بن سعد، عن أبيه سعد: إن رسول الله قال لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى الّا أنه ليس بعدي نبي »(٤) .
« حدثنا داود بن عمرو، حدثنا حسان بن إبراهيم، عن محمد بن سلمة ابن كهيل، عن أبيه، عن المنهال، عن عامر بن سعد، عن أبيه عن ام سلمة: إن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: أما ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي »(٥) .
____________________
(١). مسند أبي يعلى ١ / ٣٠١.
(٢). مسند أبي يعلى ١ / ٣٠٦.
(٣). مسند أبي يعلى ١ / ٣١٣.
(٤). مسند أبي يعلى ١ / ٣٢١.
(٥). مسند أبي يعلى ٦ / ٧٢.
هذا، وستطّلع على رواية أبي يعلى من ( أسد الغابة ) و ( فتح الباري ) أيضاً، وكذا من مصادر اخرى، إنْ شاء الله تعالى.
(١٧)
رواية الطّبري
وأمّا رواية محمد بن جرير الطّبري، فقد أوردها المتقي حيث قال: « عن سعد قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: لعلي ثلاث خصال لأنْ يكون لي واحدة منها أحبّ إليَّ من الدنيا وما فيها. سمعته يقول: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبيّ بعدي. وسمعته يقول: لأعطينَّ الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله ليس بفرّار. وسمعته يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه ابن جرير. »(١) .
(١٨)
رواية أبي الشيخ
وأمّا رواية أبي محمد عبدالله بن جعفر بن حيان الإصبهاني الحياني المعروف بأبي الشّيخ فهذا نصّها - بترجمة عبدالرحمن بن إبراهيم بن زكريا قال: وكان ممّن يحفظ ويذاكر -: « حدثنا عبدالرحمن قال: ثنا يونس بن حبيب قال: ثنا أبو داود قال: ثنا شعبة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن سعد: إنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى »(٢) .
____________________
(١). كنز العمال ١٣ / ١٦٢ رقم ٣٦٤٩٥.
(٢). طبقات المحدثين بإصبهان ٤ / ٢٦٤.
(١٩)
رواية أبي عوانة
وأمّا رواية أبي عوانة الإسفرائني، فتظهر من عبارة ( تاريخ ابن كثير ) الآتية، ان شاء الله تعالى.
(٢٠)
رواية الطّبراني
ورواه أبو القاسم الطبراني في معاجمه الثلاثة.
* أمّا في ( الصغير ) فقد رواه بقوله: « حدثنا محمد بن عقبة الشيباني الكوفي، حدثنا الحسن بن علي الحلواني، حدثنا انصر بن حماد أبو الحرب الوراق، حدثنا شعبة، عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب عن سعد بن أبي وقاص: إن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي.
لم يروه عن شعبة إلّانصر »(١) .
وبقوله: « حدثنا محمد بن إسماعيل بن أحمد بن أسيد الإصبهاني أبو مسلم، حدثنا إسماعيل بن عبدالله العبدي حدثنا إسماعيل بن أبان الوراق حدثنا أبو مريم عبدالغفار بن القاسم، عن أبي إسحاق عن حبشي بن جنادة السلولي قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي.
____________________
(١). المعجم الصغير ٢ / ٢٢.
لم يروه عن أبي إسحاق إلّا أبو مريم. تفرد به إسماعيل بن أبان »(١) .
* وأخرجه في ( الأوسط ) بأسانيد كثيرة قال:
« حدثنا أحمد قال: حدثنا أحمد بن عمرو بن عبيدة العصفري، قال: حدثنا عبدالرحمن بن حماد الشعيثي، قال: حدثنا أبو الصّباح عبدالغفور بن سعيد الأنصاري، عن عبدالغزيز بن حكيم، عن ابن عمر: إن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبوة ولا وراثة. لم يرو هذا الحديث عن عبدالغزيز إلّا أبو الصّباح، تفرّد به الشعيثي »(٢) .
« حدثنا العباس بن محمد المجاشعي قال: حدثنا محمد بن أبي يعقوب الكرماني، قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن علي: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: خلّفتك أن تكون خليفتي في أهلي. قال: أتخلّف عنك يا رسول الله؟ قال: ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبيّ بعدي.
لم يروه عن سعيد بن أبي عروبة إلّايزيد بن زريع، ولا رواه عن يزيد إلّا ابن أبي يعقوب. وقد رواه معمر عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن سعد. ورواه جعفر بن سليمان، عن حرب بن شداد، عن سعيد بن أبي عروبة، كما رواه معمر »(٣) .
حدثنا محمود بن محمد المروزي قال: حدثنا حامد بن آدم قال: حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: لمـّا آخى النبي صلّى الله عليه
____________________
(١). المعجم الصغير ٢ / ٥٣ - ٥٤.
(٢). المعجم الاوسط ٢ / ٢٧٧ رقم ١٤٨٨.
(٣). المعجم الاوسط ٥ / ١٣٦ رقم ٤٢٦٠.
وسلّم بين أصحابه وبين المهاجرين والأنصار، فلم يؤاخ بين علي بن أبي طالب وبين أحدٍ منهم، خرج علي مغضباً حتى أتى جدولاً من الأرض فتوسّد ذراعه، فتسفى عليه الريح، فطلبه النبي صلّى الله عليه وسلّم حتى وجده فوكزه برجله فقال له: قم فما صلحت أن تكون إلّا أبا تراب، أغضبت عليّ حين آخيتُ بين المهاجرين والأنصار ولم اواخ بينك وبين أحدٍ منهم؟ أماترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس بعدي نبي؟ ألا من أحبّك حفّ بالأمن والإيمان، ومن أبغضك أماته الله ميتةً جاهلية وحوسب بعمله في الإسلام.
لم يرو هذا الحديث عن مجاهد إلّاليث، ولا عن ليث إلّاجرير. تفرّد به حامد بن آدم »(١) .
« حدثنا إبراهيم قال: حدثنا اُمية قال: حدثنا يزيد بن زريع قال: حدثنا إسرائيل عن حكيم بن جبير قال قلت لعلي بن حسين: أشهد على عبد خير أنه حدثني: إنه سمع علياً يقول على هذا المنبر: خير هذه الامة بعد نبيّها أبو بكر ثم عمر وقال: لو شئت لسمّيت ثالثاً. فضرب علي بن حسين يده على فخذي وقال: حدّثني سعيد بن المسيب أن سعد بن أبي وقاص حدّثني أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: أنت منّي بمنزله هارون من موسى.
لم يرو هذا الحديث عن علي بن حسين إلّاحكيم بن جبير »(٢) .
« حدثنا محمد بن أحمد بن أبي خيثمة قال: حدّثنا أحمد بن الحجاج بن الصّلت قال: حدثنا عمّي محمد بن الصلت قال: حدثنا علي بن عابس، عن عثمان بن أبي زرعة عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن سعد قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من
____________________
(١). المعجم الاوسط ٨ / ٤٣٥ رقم ٧٨٩٠.
(٢). المعجم الاوسط ٣ / ٣٥١ رقم ٢٧٤٩.
موسى إلّا أنه لا نبي بعدي.
لم يرو هذا الحديث عن عثمان بن أبي زرعة إلّاعلي بن عابس، ولا عن علي إلّامحمد بن الصلت. تفرد به ابن أخيه أحمد بن الحجاج »(١) .
« حدّثنا محمد بن الحسين أبو حصين، قال: حدثنا أحمد بن عيسى بن عبدالله العلوي قال: حدثنا بن إسماعيل محمد بن أبي فديك - أحسبه عن ابن أبي ذئب - عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب قال: سمعت سعداً يقول: سمعت رسول الله يقول لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي.
لم يرو هذا الحديث عن الزهري إلّا ابن أبي ذئب، ولا عن ابن أبي ذئب إلّا ابن أبي فديك. تفرد به أحمد بن عيسى العلوي »(٢) .
« حدّثنا محمد بن محمد بن عقبة قال: حدثنا الحسن بن علي الحلواني قال: حدثنا نصر بن حماد أبو الحارث الوراق، قال: حدّثنا شعبة عن يحيى بن سعيد [ عن سعيد بن المسيب عن سعد بن أبي وقاص ] قال قال رسول الله لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى ولا نبي بعدي »(٣) .
« حدّثنا محمد بن عبدالله الحضرمي قال: حدثنا معمر بن بكار السعدي قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه، أنه سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول لعلي: أنت مني مكان هارون من موسى.
لم يرو هذا الحديث عن الزهري إلّا إبراهيم بن سعد. تفرد به معمر بن بكار »(٤) .
____________________
(١). المعجم الاوسط ٦ / ١٦١ رقم ٥٣٣١.
(٢). المعجم الاوسط ٦ / ٣٩٥ رقم ٥٨٤١.
(٣). المعجم الاوسط ٦ / ٤٠٤ رقم ٥٨٦٣.
(٤). المعجم الاوسط ٦ / ٢٦٤ رقم ٥٥٦٥.
« حدّثنا محمد بن إسماعيل بن أحمد بن أسد الإصبهاني قال: حدثنا إسماعيل بن عبدالله العبدي قال: حدثنا إسماعيل بن أبان قال: حدثنا أبو مريم عبد الغفار بن القاسم الأنصاري، عن أبي إسحاق، عن حبشي بن جنادة قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي »(١) .
* وأخرجه في ( الكبير ) أيضاً بأسانيد كثيرة، قال:
« حدّثنا عبدان بن أحمد، ثنا يوسف بن موسى، ثنا إسماعيل بن أبان، ثنا ناصح عن سماك عن جابر قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعليرضياللهعنه : أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي »(٢) .
« حدّثنا محمد بن يحيى بن منده الاصبهاني، ثنا إسماعيل بن عبدالله الاصبهاني، ثنا إسماعيل بن أبان، ثنا أبو مريم عبد الغفار بن القاسم، عن أبي إسحاق، عن حبشي بن جنادة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى »(٣) .
« حدّثنا عبيد بن كثير التمار الكوفي، ثنا ضرار بن صرد، ثنا علي بن هاشم، عن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع، عن عبدالله بن عبد الرحمن الحزمي، عن أبيه، عن أبي أيوب: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي »(٤) .
« حدّثنا محمد بن العباس المؤدب، ثنا هوذة بن خليفة، ثنا عوف ( ح )
وحدّثنا أسلم بن سهل الواسطي، ثنا وهب بن بقية، أنا خالد، عن عوف
____________________
(١). المعجم الاوسط ٨ / ٢٨٩ رقم ٧٥٨٨.
(٢). المعجم الكبير ٢ / ٢٤٧ رقم ٢٠٣٥.
(٣). المعجم الكبير ٤ / ١٧ رقم ٣٥١٥.
(٤). المعجم الكبير ٤ / ١٨٤ رقم ٤٠٨٧.
عن ميمون أبي عبدالله، عن البراء بن عازب وزيد بن أرقم: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي - حين أراد أنْ يغزو - إنه لا بدّ من أن تقيم أو أقيم. فخلّفه. فقال ناس: ما خلّفه إلا لشىء كرهه، فبلغ ذلك عليّاً، فأتى رسول الله فأخبره، فتضاحك ثم قال: يا علي، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه ليس نبي بعدي »(١) .
« حدّثنا يحيى بن عبدالله بن سالم القزاز الكوفي قال: وجدت في كتاب أبي: ثنا يحيى بن يعلى، عن سليمان بن قرم، عن هارون بن سعد، عن ميمون أبي عبدالله عن زيد بن أرقم والبراء بن عازب: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: ألا ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى »(٢) .
« حدّثنا سلمة، ثنا أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن سلمة بن كهيل، عن مجاهد، عن ابن عباس: إنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى »(٣) .
« حدّثنا محمود بن محمد المروزي، ثنا حامد بن آدم المروزي، ثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: لما آخا النبي صلّى الله عليه وسلّم بين أصحابه بين المهاجرين والأنصار، فلم يؤاخ بين علي بن أبي طالب وبين أحدٍ منهم، خرج علي مغضباً حتى أتى جدولاً من الأرض فتوسّد ذراعه فسفَّ عليه الريح، فطلبه النبي صلّى الله عليه وسلّم حتى وجده، فوكزه برجله، فقال له: قم، فما صلحت أنْ تكون إلّا أبا تراب. أغضبت عليّ حين واخيت بين المهاجرين والأنصار ولم اُواخ بينك وبين أحدٍ بينهم. أما ترضى أنْ تكون مني
____________________
(١). المعجم الكبير ٥ / ٢٠٣ رقم ٥٠٩٤.
(٢). المعجم الكبير ٥ / ٢٠٣ رقم ٥٠٩٥.
(٣). المعجم الكبير ١١ / ٦١ رقم ١١٠٨٧.
بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه ليس بعدي نبي. ألا من أحبك حفّ بالأمن والإيمان، ومن أبغضك أماته الله ميتة الجاهلية وحوسب بعمله في الإسلام »(١) .
« حدّثنا عبيد العجلي، ثنا الحسن بن علي الحلواني، ثنا عمران بن أبان، ثنا مالك بن الحسن بن مالك بن الحويرث، عن أبيه، عن جده قال قال رسول صلّى الله عليه وسلّم: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى »(٢) .
(٢١)
رواية المخلّص الذّهبي
وأمّا رواية محمد بن عبد الرحمان المخلّص الذهبي، فقد أشار إليها الحافظ المحبّ الطبري، وهذه عبارته:
« وعنه ( أي عن سعد ) قال: لمـّا نزل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الجرف، طعن رجال من المنافقين في امرة علي وقالوا: إنما خلّفه استثقالاً، فخرج فحمل سلاحه حتى أتى النبي صلّى الله عليه وسلّم بالجرف فقال: يا رسول الله، ما تخلّفت عنك في غزاة قط قبل هذه، قد زعم المنافقون أنك خلّفتني استثقالاً، فقال: كذبوا ولكن خلّفتك لما ورائي. فارجع فاخلفني في أهلي، أفلا ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبي بعدي. خرجه ابن إسحاق. وخرجه بمعناه الحافظ الذهبي في معجمه »(٣) .
____________________
(١). المعجم الكبير ١١ / ٦٢ رقم ١١٠٩٢.
(٢). المعجم الكبير ١٩ / ٢٩١ رقم ٦٤٧.
(٣). الرياض النضرة ٣ / ١١٧.
(٢٢)
رواية المطيري
وأمّا رواية أبي بكر محمد بن جعفر المطيري فقد قال السيوطي:
« علي مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي. أبو بكر المطيري، في جزئه، عن أبي سعيد »(٢) .
(٢٣)
رواية أبي الليث السمرقندي
ورواه أبو الليث نصر بن محمد السمرقندي الحنفي في كتابه ( المجالس ) وسنذكر عبارته فيما بعد إن شاء الله.
(٢٤)
رواية الحسن بن بدر
وأمّا رواية الحسن بن بدر، فهي في ( كنز العمال ) حيث روى المتقي:
« عن ابن عباس قال قال عمر بن الخطاب: كفّوا عن ذكر علي بن أبي طالب فإني سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول في علي ثلاث خصالٍ، لأنْ تكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ ممّا طلعت عليه الشمس:
كنت أنا وأبو بكر وأبو عبيدة الجراح ونفر من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، والنبيّ صلّى الله عليه وسلّم متّكىء على علي بن أبي طالب، حتى ضرب بيده على منكبيه ثم قال: أنت يا علي أول المؤمنين إيماناً، وأوّلهم
____________________
(١). الجامع الصغير ٢ / ١٧٧ رقم ٥٥٩٧.
إسلاماً، ثم قال: أنت مني بمنزلة هارون من موسى، وكذب عليَّ من زعم أنّه يحبّني ويبغضك.
الحسن بن بدر في ( ما رواه الخلفاء ) والحاكم في ( الكنى ) والشيرازي في ( الألقاب ) وابن النجار »(١) .
(٢٥)
رواية الحاكم
وأمّا رواية الحاكم النيسابوري، فقد علمت من عبارة ( كنز العمال ) الآنفة، وسيأتي عبارته في ( المستدرك ) المشتملة على الحديث إنْ شاء الله.
(٢٦)
رواية الخركوشي
وأمّا رواية أبي سعد عبد الملك بن محمد الخركوشي، فسنذكرها فيما بعد إنْ شاء الله.
(٢٧)
رواية الشيرازي
وأمّا رواية أحمد بن عبد الرحمن الشيرازي صاحب ( الألقاب ) فقد وقفت عليها من عبارة ( كنز العمال ) الآنفة قريباً.
____________________
(١). كنز العمال ١٣ / ١٢٢ رقم ٣٦٣٩٢.
(٢٨)
رواية ابن مردويه
وأمّا رواية أحمد بن موسى بن مردويه، فستأتي كذلك.
(٢٩)
رواية أبي نعيم
ورواه أبو نعيم الإصبهاني بقوله: « حدثنا إبراهيم بن أحمد بن أبي حصين، ثنا محمد بن عبدالله الحضرمي، ثنا يزيد بن مهران، ثنا أبو بكر بن عياش عن الأعمش، عن أبي صالح عن أبي سعيد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى.
غريب من حديث أبي بكر لم يروه عنه إلّايزيد »(١) .
وقال أبو نعيم: « حدّثنا عبدالله بن جعفر قال: ثنا إسماعيل بن عبدالله قال: ثنا إسماعيل بن أبان قال: ثنا أبو مريم عبد الغفار بن القاسم الأنصاري، عن أبي إسحاق، عن حبشي بن جنادة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعليرضياللهعنه : أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي.
غريب من حديث أبي إسحاق، تفرّد به إسماعيل بن أبان »(٢) .
(٣٠)
رواية ابن السّمان
وأمّا رواية إسماعيل بن علي المعروف بابن السمان، فستذكر فيما بعد إن شاء الله تعالى.
____________________
(١). حلية الأولياء ٨ / ٣٠٧.
(٢). حلية الأولياء ٤ / ٣٤٥، وانظر ٧ / ١٩٤ - ١٩٧.
(٣١)
رواية التّنوخي
ورواه أبو القاسم علي بن المحسّن التنوخي في كتابٍ له في جمع طرقه، وسيجيء إنْ شاء الله تعالى فيما بعد ذكره.
(٣٢)
رواية الخطيب البغدادي
ورواه أبو بكر الخطيب البغدادي في ( تاريخه ) حيث قال:
« محمد بن يوسف بن نوح البلخي. أخبرنا أحمد بن محمد العتيقي أخبرنا أبو المفضل محمد بن عبدالله الشيباني بالكوفة، حدثنا محمد بن يوسف بن نوح البلخي القواذي، حدثنا أبي، حدثنا عيسى بن موسى الغنجاري، عن أبي حمزة محمد بن ميمون عن موسى بن أبي موسى الجهني قال:
قلت لفاطمة بنت علي: حدّثينا حديثاً. قالت: حدثتني أسماء بنت عميس: إن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي »(١) .
وقال المتقي: « انما علي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي. الخطيب عن عمر »(٢) .
____________________
(١). تاريخ بغداد ١٠ / ٤٣.
(٢). كنز العمال ١١ / ٦٠٧ رقم ٣٢٩٣٤. وفيه: إنّما على بمنزلة
(٣٣)
رواية ابن عبد البر
ورواه أبو عمر يوسف بن عبد البرّ القرطبي في كتابه ( الإستيعاب ) وستأتي عبارته.
(٣٤)
رواية ابن المغازلي
ورواه أبو الحسن علي بن محمّد الجلابي المعروف بابن المغازلي الواسطي حيث روى:
بإسناده عن عامر بن سعد عن أبيه: « قال سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول لعلي بن أبي طالب: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي. فأحببت أن أشافه بذلك سعداً، فلقيته فذكرت له ما ذكر لي عامر، فقال: نعم سمعته يقول. فقلت: أنت سمعته؟ فأدخل يده في اُذنيه قال: نعم وإلّا فاستكّتا »(١) .
وبإسناده إلى عامر بن سعد عن أبيه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال لعلي: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبيّ بعدي »(٢) .
وبإسناده إلى سعيد بن المسيب قال: « سألت سعد بن أبي وقاص: هل سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي إذ ليس معي نبي، فقلت: أسمعت منه هذا؟ فأدخل إصبعيه
____________________
(١). المناقب للمغازلي: ٢٧ رقم ٤٠.
(٢). المناقب للمغازلي: ٢٨ رقم ٤١.
في أذنيه وقال: نعم وإلّا فاستكّتا »(١) .
وبإسناده إلى جابر قال: « غزا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم غزاة فقال لعلي: أخلفني في أهلي. فقال يا رسول الله، يقول الناس: خذل ابن عمّه، فردّدها عليه. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي »(٢) .
وبإسناده إلى أنس بن مالك: « إن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي »(٣) .
وبإسناده إلى إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: « إن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي هذه المقالة حين استخلفه، ألا ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي »(٤) .
وبإسناده إلى عمرو بن ميمون عن ابن عباس قال: « خرج الناس في غزاة تبوك فقال علي للنبي صلّى الله عليه وسلّم: أخرج معك؟ فقال: بل أخلفني: ألا ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّك لست بنبي؟ »(٥) .
وبإسناده إلى الأعمش: « عن عطية عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي »(٦) .
وبإسناده إلى مصعب بن سعد عن أبيه قال: « قال لي معاوية: أتحبّ علياً؟
____________________
(١). المناقب للمغازلي: ٢٨ رقم ٤٢.
(٢). المناقب للمغازلي: ٢٩ رقم ٤٣.
(٣). المناقب للمغازلي: ٣٠ رقم ٤٤.
(٤). المناقب للمغازلي: ٣٠ رقم ٤٥.
(٥). المناقب للمغازلي: ٣٠ رقم ٤٦.
(٦). المناقب للمغازلي: ٣١ رقم ٤٧.
قال: قلت: وكيف لا أحبّه وقد سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي »(١) .
وبإسناده إلى سعيد بن المسيب عن سعد بن أبي وقاص: « إنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبيّ بعدي »(٢) .
وبإسناده إلى عبدالله بن مسعود قال: « قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى وخلّفه في أهله »(٣) .
(٣٥)
رواية شيرويه الدّيلمي
ورواه شيرويه بن شهردار الدّيلمي في كتابه ( فردوس الأخبار ) كما سيجىء فيما بعد.
(٣٦)
رواية البغوي
ورواه الحسين بن مسعود الفراء البغوي: « عن سعد بن أبي وقاص قال قال رسول اللهعليهالسلام لعلي: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي »(٤) .
____________________
(١). المناقب للمغازلي: ٣١ رقم ٤٨.
(٢). المناقب للمغازلي: ٣٥ رقم ٥٤.
(٣). المناقب للمغازلي: ٣٦ رقم ٥٤.
(٤). مصابيح السنة ٤ / ١٧٠ رقم ٤٧٦٢.
(٣٧)
رواية رزين العبدري
ورواه رزين بن معاوية العبدري في ( الجمع بين الصّحاح الستّة ) فقد قال ابن البطريق: « ومن الجمع بين الصحاح الستة لرزين في الجزء الثالث في ثلثه الأخير في باب مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ومن صحيح أبي داود وهو كتاب السنن وصحيح الترمذي عن أبي سريحة وزيد بن أرقم: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: من كنت مولاه، فعليّ مولاه. وعن سعد: إن رسول الله ( ص ) قال لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي. أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي(١) .
وقال ابن المسيب: أخبرني بهذا عامر بن سعد عن أبيه، فأحببت أن أشافه به سعداً، فلقيته فقلت: أنت سمعت هذا من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ فوضع إصبعيه على أُذنيه فقال: نعم وإلّا فاستكّتا »(٢) .
(٣٨)
رواية العاصمي
ورواه أحمد بن محمد بن علي العاصمي بقوله:
« أخبرني شيخي محمد بن أحمدرحمهالله قال: أخبرنا علي بن إبراهيم قال: حدثنا محمد بن يزيد قال: حدثنا أحمد بن نصر قال: حدثنا أبو نعيم قال حدثنا فطر عن عبدالله بن شريك العامري قال سمعت عبدالله بن رقيم الكناني قال: قدمنا المدينة فلقينا سعد بن مالك. قال: خرج رسول الله صلّى الله عليه
____________________
(١). العمدة لابن بطريق: ١٣٢ رقم ١٨٥.
(٢). العمدة لابن بطريق: ١٣٢ رقم ١٨٦.
وسلّم إلى تبوك وخلّف علياً. فقال له علي: يا رسول الله خرجت وخلّفتني؟ قال: أما ترضى أنْ تكون بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي.
وفيما حدّث إبراهيم بن أبي صالح عن جعفر بن عون، عن موسى الجهني قال: أدركت فاطمة بنت علي - وقد أتى لها من السنّ ثمانون سنة - فقلت لها: تحفظين عن أبيك شيئاً؟ قالت: لا ولكن أخبرتني أسماء بنت عميس أنّها سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي.
وأخبرني شيخي محمد بن أحمدرحمهالله قال: أخبرنا أبو سعيد الرازي الصّوفي قال: أخبرنا أبو أحمد بن منّه قال: أخبرنا أبو جعفر الحضرمي قال حدثنا الحسن بن علي الحلواني قال: حدثنا نصر بن حماد قال: حدثنا شعبة عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيّب قال: سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: أنت مني بمنزلة هارون من موسى لعلي بن أبي طالب.
وأخبرني شيخي محمد بن أحمدرحمهالله قال: أخبرنا أبو سعيد الرازي قال: أخبرنا أبو أحمد بن منّه قال: أخبرنا الحضرمي قال حدثنا يزيد بن مهران قال حدثنا أبو بكر ابن عياش عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد عن النبيعليهالسلام مثله.
وأخبرني شيخي محمد بن أحمدرحمهالله قال: أخبرنا علي بن إبراهيم ابن علي قال: حدثنا أبو عمرو بن مطر قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم التونجاني بهمدان قال حدثنا يونس بن حبيب الأصفهاني قال: حدثنا أبو داود الطيالسي قال أخبرنا شعبة عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن سعد بن أبي وقاص عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: علي مني بمنزلة هارون من موسى.
أخبرني شيخي محمد بن أحمدرحمهالله قال: أخبرنا علي بن إبراهيم قال حدثنا أبو الطيب الحنّاط قال: حدثنا الحسين بن الفضل قال: حدثنا سليمان بن داود الهاشمي قال حدثنا يوسف بن الماجشون قال أخبرني محمد بن المنكدر عن سعيد بن المسيب عن عامر بن سعد عن أبيه سعد بن أبي وقاص: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه ليس معي نبي. قال سعيد: فأحببت أنْ أشافه بذلك سعداً، فأتيته فذكرت ذلك له، ولعامر وإنّ عامراً قال نعم سمعت. قلت: أنت سمعت؟ قال: فأدخل إصبعيه أذنيه قال: نعم وإلّا فاستكّتا.
وأخبرنا محمد بن أبي زكريارحمهالله قال: أخبرنا أبو بكر العدل قال أخبرنا أبو العباس الدغولي وأبو علي إسماعيل بن محمد الصفار البغدادي قال الدغولي أخبرنا - وقال الصفار حدثنا - أبو قلابة عبد الملك بن محمد بن عبدالله الرقاشي قال: سمعت أبا حفص الصيرفي قال قال عبد الرحمن بن مهدي:
هاتوا عن سعدٍ في هذا الحديث حديثاً صحيحاً.
فجعلت اُحدّثه عن فلان وفلان.
فسكت.
فقلنا: حدثنا محمد بن جعفر ويحيى بن سعيد القطّان قالا: حدثنا شعبة عن الحكم عن مصعب بن سعد أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي في غزوة تبوك: أما ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي.
قال: فكأنما ألقمته حجراً.
قال أبو بكر: أخرجاه جميعاً »(١) .
____________________
(١). زين الفتى في تفسير هل أتى - مخطوط.
(٣٩)
رواية عمر الملاّ
ورواه عمر بن محمد بن خضر الأردبيلي المعروف بالملّا في كتابه ( وسيلة المتعبدين ) كما ستعرف.
(٤٠)
رواية ابن عساكر
ورواه ابن عساكر الدمشقي في ( تاريخ دمشق ) بأسانيد كثيرة جداً وبألفاظٍ مختلفة، حتى ظنّ غير واحدٍ من الأعلام أنه قد استوعب طرقه
وإليك نصوص رواياته:
« أخبرنا أبو الحسن السُّلَمي، نا عبد العزيز التميمي، أنا علي بن موسى بن الحسين، أنا أبو سليمان بن زبر، نا محمد بن يوسف الهروي، نا محمد بن النعمان بن بشير، نا أحمد بن الحسين بن جعفر الهاشمي اللهبي، حدثني عبد العزيز بن محمد، عن حزام بن عثمان، عن عبد الرحمن ومحمد ابني جابر بن عبدالله، عن أبيهما جابر بن عبدالله الأنصاري قال:
جاءنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ونحن مضطجعون في المسجد وفي يده عسيب رطب فضربنا وقال: « أترقدون في المسجد، إنّه لا يرقد فيه أحدٌ »، فأجفلنا وأجفل معنا علي بن أبي طالب، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: « تعال يا عليّ إنّه يحلّ لك في المسجد ما يحلّ لي، يا علي ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ النبوة، والذي نفسي بيده إنّك لتذودنّ عن حوضي يوم القيامة رجالاً كما يذاد البعير الضالّ عن الماء بعصاً معك من
عَوسجِ، كأنّي أنظر إلى مقامك من حوضي ».
أخبرناه عالياً أبو المظفر بن القُشيري، وأبو القاسم الشّحّامي، قالا: أنا محمد بن عبد الرحمن، أنا أبو سعيد محمد بن بشر، نا محمد بن إدريس، نا سويد بن سعيد، نا حفص بن مَيْسَرة، عن حزام بن عثمان، عن ابن جابر - أراه عن جابر - قال: جاء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ونحن مضطجعون في المسجد، فضربنا بعسيب في يده فقال: « أترقدون في المسجد، إنّه لا يرقد فيه »، فأجفلنا، وأجفل علي، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: « تعالَ يا علي، إنّه يحلّ لك في المسجد ما يحلّ لي، ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا النبوة، والذي نفسي بيده إنّك لذوّاد عن حوضي يوم القيامة، تذود كما يذاد البعير الضال عن الماء بعصاً لك من عوسج، كأني أنظر إلى مقامك من حوضي ».
أخبرنا أبو المظفر القُشيري، أنا أبو سعد الأديب، أنا أبو عمرو بن حمدان. ح وأخبرتنا ام المجتبى قالت: قُرىء على إبراهيم بن منصور، أنا أبو بكر بن المقرىء.
قالا: أنا أبو يعلى، نا أبو هشام - زاد ابن حمدان: الرفاعي - نا ابن فضيل، عن سالم بن أبي حفصة، عن عطية، عن أبي سعيد - زاد ابن حمدان: الخُدري - أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لعليّ: « لا يحلّ لأحد أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك ».
أخبرنا أبو البركات الزيدي، أنا أبو الفرج الشاهد، أنا أبو الحسين النحوي، أنا محمد بن القاسم المـَخلدي، نا عبّاد بن يعقوب، أنا أبو عبد الرحمن، عن كثير النّوّا، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: « لا يصلح - أو لا يحل - لأحد أن يجنب في المسجد
غيري وغيرك يا علي ».
أخبرنا أبو غالب أحمد بن الحسن بن البنّا، أنا أبو الغنائم بن المأمون، أنا أبو القاسم بن حبابة، نا عبدالله بن سليمان بن الأشعث، نا عبدالله بن محمد بن خلّاد، نا أبو نعيم، نا عبد الملك بن أبي غنيّة، عن أبي الخطاب عمر الهَجَري، عن محدوج، عن جسرة بنت دَجاجة قالت: أخبرتني أم سلمة قالت: خرج النبي صلّى الله عليه وسلّم من بيته حتى انتهى إلى صرح المسجد، فنادى بأعلى صوته: « إنّه لا يحلّ المسجد لجُنُب ولا لحائض إلّالمحمد صلّى الله عليه وسلّم وأزواجه، وعليّ وفاطمة بنت محمد صلّى الله عليه وسلّم [ ألا هل بينت [ لكم الأسماء أن تضلّوا ».
أخبرنا أبو علي بن السبط، وأبو بكر المقرىء، وأبو عبدالله البارع، وأبو غالب عبدالله بن أحمد بن بركة السمسار، قالوا: أنا أبو الغنائم بن المأمون، أنا علي بن عمر بن محمد الحربي، نا جعفر بن أحمد بن محمد بن الصّبّاح، نا أحمد بن عبدة، نا الحسن بن صالح بن الأسود، عن عمّه منصور بن الأسود، عن عمر بن عُمير الهَجري، عن عروة بن فيروز، عن جسرة، عن أمّ سلمة قالت:
خرج النبي صلّى الله عليه وسلّم حتى إذا كان بصحن المسجد - أو قال بصرحة المسجد - نادى: « ألا إنّي لا أحلّ المسجد لجُنب ولا حائض إلّا لمحمد وأزواجه، وعليّ وفاطمة، ألا هل بينت لكم الأسماء أن تضلّوا ».
أخبرنا أبو القاسم علي بن إبراهيم، أنا الأمير معتزّ الدولة أبو المكارم حيدرة بن الحسين بن مُفلح، أنا أبو عبدالله الحسين بن عبدالله بن محمد بن إسحاق بن إبراهيم الأطرابلسي بدمشق، أنا خال أبي الحسين خيثمة بن سليمان بن حيدرة القرشي، نا محمد بن الحسين الحسني، نا مخول بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه وعمه، عن
أبيهما، عن(١) أبي رافع أن النبي صلّى الله عليه وسلّم خطب الناس فقال:
« يا أيها الناس إنّ الله أمر موسى وهارون أن يتبوّآ لقومهما بيوتاً، وأمرهما أن لا يبيت في مسجدهما جُنُب ولا يقربوا فيه النساء إلّاهارون وذريته، ولا يحلّ لأحدٍ أن يعرك النساء في مسجدي هذا، ولا يبيت فيه جنب إلّاعلي وذريته ».
أخبرنا أبو العزّ بن كادش، أنا القاضي أبو الطيّب الطّبري، أنا أبو الحسن علي بن عمر بن محمد الحربي، نا محمد بن محمد الباغندي، نا أحمد بن منيع البغوي، نا أبو أحمد الزبيري، نا عبدالله بن حبيب بن أبي ثابت عن حمزة بن عبدالله، عن أبيه، عن سعد بن أبي وقاص قال:
خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في غزوة تبوك وخلف علياً، فقال له علي: أتخلفني؟ قال: « أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي ».
أخبرنا أبو عبدالله الخلّال، أنا سعيد بن أحمد، أنا أبو الفضل الفامي، أنا أبو العبّاس السّرّاج، نا الفضل بن سهل.
وأخبرنا أبو غالب بن البنّا، أنا أبو محمد الجوهري، أنا أبو المفضل عبيد الله بن عبد الرحمن بن محمد الزهري، نا عبدالله بن إسحاق المدائني، نا أحمد بن مَنيع، قالا: نا أبو أحمد الزبيري، نا عبدالله بن حبيب بن أبي حبيب - وفي حديث الخَلّال: ابن أبي ثابت - عن حمزة بن عبدالله، عن أبيه، عن سعد قال:
لما خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في غزوة تبوك خلّف علياً، فقال له: أتخلّفني؟ فقال له: « أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنه لا نبي بعدي ».
____________________
(١). كذا، والصحيح زيادة « عن ».
أخبرنا أبو القاسم علي بن إبراهيم العلوي، أنا أبو الحسن بن أبي الحسين، نا أبو بكر يوسف بن القاسم الميانجي، أنا أحمد بن جعفر بن نصر الجمال، نا أحمد بن الصّبّاح بن أبي شُريح.
ح وأخبرنا أبو علي الحسن بن المظفر، أنا الحسن بن علي.
ح وأخبرنا أبو القاسم بن الحُصين، أنا أبو علي بن المـُذهب، قالا: أنا أحمد بن جعفر، نا عبدالله بن أحمد، حدّثني أبي، قالا: نا أبو أحمد الزبيري، نا عبدالله بن حبيب بن أبي ثابت، عن حمزة بن عبدالله، عن أبيه، عن سعد قال:
لما خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في تبوك خلّف علياً، فقال: أتخلفني؟ فقال: « أما - وفي حديث أحمد: في غزوة تبوك خلف علياً فقال له: أتخلفني؟ فقال له: « أما ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي ».
أخبرنا أبو علي بن السّبط، أنا أبو محمد الجوهري.
ح وأخبرنا أبو القاسم بن الحُصين، أنا أبو علي الواعظ، قالا: أنا أبو بكر القطيعي، نا عبدالله بن أحمد، حدّثني أبي، نا سفيان، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المـُسيّب، عن سعد.
أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى » قيل لسفيان: « غير أنه لا نبيّ بعدي »؟ قال: [ قال: ] نعم.
وحدّثني أبي، نا عبد الرّزاق، نا مَعْمَر، عن قتادة، وعلي بن زيد بن جُدعان قالا: نا ابن المسيّب، حدثني ابنٌ لسعد بن أبي وقاص، حدثنا عن أبيه قال: فدخلت على سعد فقلت: حديثاً حدثنيه [ عنك ] حين استخلف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم علياً على المدينة، فغضب وقال: من حدّثك به؟ فكرهت أن أخبره أن ابنه حدّثنيه، فيغضب عليه، ثم قال: إن رسول الله صلّى الله عليه
وسلّم حين خرج في غزوة تبوك استخلف علياً على المدينة، فقال علي: يا رسول الله ما كنت أحب أن تخرج وجهاً إلّا وأنا معك، فقال: « أو ما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبيّ بعدي ».
هذا الابن الذي لم يسمّ في هذا الحديث هو عامر بن سعد.
أخبرنا أبو السعود بن المـُجلي، نا أبو الحسين بن المهتدي، نا أبو حفص ابن شاهين.
ح وأخبرنا أبو القاسم بن الحصين، أنا أبو القاسم التّنوخي، نا القاضي علي بن الحسن الجرّاحي، وأبو عمر محمد بن العبّاس بن حيّوية الخزّاز، قالوا: نا محمد بن محمد بن سليمان الباغندي، نا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، نا حمّاد بن زيد، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيّب، عن عامر ابن سعد عن سعد قال:
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى »، فلقيت سعداً، فقلت: إن عامراً حدّثني عنك، فقال سعد: إنْ لم أكن سمعته من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وإلّا فاستكتا. واللفظ لحديث ابن الحصين، والآخر نحوه.
أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي، نا أبو محمد الجوهري، أنا أبو العبّاس عبدالله بن موسى بن إسحاق، نا محمد بن محمد بن أبي الشوارب، نا حمّاد بن زيد - يعني عن علي بن زيد - عن سعيد بن المسيّب، عن عامر بن سعد، عن سعد بن أبي وقّاص، قال:
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي بن أبي طالب: « أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبيّ بعدي ».
قال سعيد بن المسيّب، فلقيت سعد بن أبي وقّاص، فقلت: إنّ عامراً
أخبرني عنك بكذا، فأصغى إلى أذنيه قال: فقال: صكتا إنْ لم أكن سمعته من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
أخبرنا أبو علي الحسن بن المظفر، أنا أبو محمد الجوهري.
ح وأخبرنا أبو القاسم بن الحُصين، أنا أبو علي بن المـُذهب.
قالا: أنا أحمد بن جعفر، نا عبدالله بن أحمد، حدثني أبي، نا محمد بن جعفر، نا شعبة، عن علي بن زيد قال: سمعت سعيد بن المسيّب قال:
قلت لسعيد بن مالك: إنّك إنسان فيك حدة، وأنا أريد أن أسألك فقال: ما هو؟ قال: قلت: حديث علي؟ قال: فقال: إنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: « أما ترضى أن تكون منيّ بمنزلة هارون من موسى » قال: رضيت رضيت، ثم قال: بلى، بلى.
أخبرنا أبو محمد السّيّدي، وأبو القاسم الشّحّامي، قالا: أنا أبو سعد الجَنْزَرودي، أنا أبو عمرو بن حمدان، أنا أبو العبّاس الحسن بن سفيان، نا عبيد الله بن مُعاذ.
ح وأخبرنا أبو المظفّر بن القُشيري، أنا أبو سعد الأديب، أنا أبو عمرو بن حمدان.
ح وأخبرنا أبو سهل محمد بن إبراهيم، أنا إبراهيم بن منصور، أنا أبو بكر ابن المقرىء.
قالا: أنا أبو يعلى، أنا عبيد الله بن مُعاذ - زاد ابن المقرىء: العَنبري.
نا أبي، نا شعبة، عن علي بن زيد - زاد أبو يعلى: قال شعبة قبل أن يختلط وقالا: قال: سمعت سعيد بن المسيّب قال: سمعت سعد بن مالك - وفي حديث ابن المقرىء: سعد بن أبي وقاص - يقول:
خلّف النبي صلّى الله عليه وسلّم علياً، فقال: أتخلّفني؟ فقال: « ألا - وقال
أبو يعلى: أما - ترضى أن تَكون مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبيّ بعدي »، قال: رضيتُ، رضيتُ.
أخبرناه أبو عبدالله الفُراوي، وأبو محمد السّيّدي، قالا: أنا أبو عثمان البَحيري، أنا أبو عمرو بن حمدان، أنا الحسن بن سفيان، نا عبيد الله بن مُعاذ بن معاذ العَنبري، نا أبي، نا شعبة، عن علي بن زيد قال: سمعت سعيد بن المسيّب يقول: سمعت سعد بن مالك يقول:
خلّف النبي صلّى الله عليه وسلّم علياً، فقال: أتخلّفني؟ فقال: « ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنه لا نبي بعدي »، قال: رضيتُ، رضيتُ.
أخبرنا أبو المظفر بن القُشيري، أنا أبو سعد الأديب، أنا أبو عمرو بن حمدان.
ح وأخبرنا أبو سهل بن سعدويه، وأبو عبدالله الأديب، قالا: أنا إبراهيم ابن منصور، أنا أبو بكر بن المقرىء، قالا: أنا أبو يعلى، أنا أبو خيثمة - وفي حديث ابن المقرىء: نا زهير - نا عفّان، نا حمّاد، عن علي بن زيد، عن سعيد - زاد ابن حمدان: ابن المسيّب - قال: قلت لسعد بن مالك:
إنّي أريد أن أسألك عن حديث، وأنا أهابك أن أسألك عنه، فقال: لا تفعل يا ابن أخي، إذا علمتَ أنّ عندي علماً تسألني عنه فلا تهابني، قلت: - وقال ابن حمدان: قال: قلت: - قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي حين خلّفه بالمدينة في غزوة تبوك - زاد ابن المقرىء: قال سعد: نعم، خلف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم علياً بالمدينة في غزوة تبوك، ثم اتفقا فقال: يا رسول الله تخلّفني في الخالفة: النساء - وقال ابن حمدان: في النساء والصبيان؟ - قال: « أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى »؟ قال: بلى يا رسول الله،
قال: فأدبر عليّ مسرعاً
وكذا رواه أحمد بن المنكدر.
[ أخبرنا أبو بكر ] محمد بن الحسين، أنا أبو الحسين بن المهتدي، أنا أبو القاسم عبيد الله، نا أحمد بن محمد بن سعيد، نا جعفر بن عبدالله المحمدي، حدثني أبي محمد بن عبدالله، حدثني إسحاق بن جعفر بن محمد، حدثني عبدالله بن حسين بن عطاء بن يسار، حدثني محمد بن المنكدر قال: سمعت سعيد بن المسيّب، حدثني عامر بن سعد، عن أبيه، فلقيت سعداً فسألته، فقال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول لعلي: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي ».
أخبرناه أبو محمد إسماعيل بن أبي القاسم ابن أبي بكر، أنا عمر بن أحمد بن عمر بن محمد بن مسرور، أنا أبو أحمد التميمي الحسين بن علي، أنا أبو القاسم البغوي، نا عبيد الله بن عمر القواريري، نا يوسف بن عبدالله بن الماجشون، أخبرني محمد بن المنكدر، عن سعيد بن المسيّب، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال:
سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول لعلي: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه ليس بعدي نبي ».
فأحببتُ أن أشافه بذلك سعداً، فلقيته، فسألته عما ذُكر لي فقال: نعم سمعته، قال: قلتُ: أنت سمعته؟ فأدخل إصبعيه في أذنيه وقال: نعم، وإلّا فاستكتا.
أخبرناه أبو القاسم علي بن إبراهيم، أنا أبو الحسين محمد بن عبد الرحمن بن عثمان التميمي، أنا أبو بكر يوسف بن القاسم الميانجي.
ح وأخبرنا أبو محمد السّيّدي، أنا أبو عثمان البَحيري.
ح وأخبرنا أبو المظفر بن القُشيري، أنا أبو سعد الجنزرودي.
قالا: أنا أبو عمرو بن حمدان.
ح وأخبرنا أبو سهل بن سعدويه، أنا إبراهيم بن منصور، أنا أبو بكر بن المقرىء.
قالوا: أنا أبو يعلى الموصلي، نا سعيد بن مُطرف الباهلي - زاد الميانجي: أبو كثير - نا يوسف بن يعقوب - يعني الماجشون - عن ابن المنكدر، عن سعيد ابن المسيّب، عن عامر بن سعد، عن أبيه سعد أنه قال:
سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول لعلي: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنه ليس بعدي نبي ».
قال سعيد: فأحببتُ أن أشافه بذلك سعداً، فلقيته، فذكرتُ له ما ذكر لي عامر، فقلت له: - زاد البَحيري: سمعته؟ - وقالوا: فقال: نعم، سمعته، فقلت: أنتَ سمعته؟ فأدخل يديه في أذنيه - وقال البحيري: إصبعيه في أذنيه - ثم قال: نعم وإلّا فاستكتا.
لفظهم قريب.
وروي عن ابن المنكدر عن سعيد عن إبراهيم بن سعد بدلاً عن عامر.
أخبرناه أبو عبدالله الخلّال، أنا سعيد بن أحمد العيّار، أنا أبو الفضل عبيد الله بن محمد الفامي، نا محمد بن إسحاق السرّاج، نا عمر بن محمد بن الحسن الأسدي، نا أبي، نا عبد العزيز بن أبي سلمة، عن محمد بن المنكدر، عن سعيد بن المسيّب، أخبرني إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه.
أنه سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول لعلي: « أما ترضى أن تكون منّي بمكان هارون من موسى إلّا النبوة ».
قال سعيد: فلم أرضَ بقول إبراهيم حتى لقيتُ سعداً، فقلت: أأنت سمعت
من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ فقال: نعم، وإلّا فاصطكتا.
ويُروى عن ابن المنكدر عن ابن المسيّب عن سعدٍ نفسه.
أخبرنا أبو القاسم زاهر بن طاهر، أنا أحمد بن منصور، أنا أبو الفضل الفامي، أنا أبو العبّاس الحسن، نا إبراهيم بن عبدالله بن حاتم الهروي محمد ابن المنكدر عن سعيد بن المسيّب.
أنه سأل سعد بن أبي وقاص [ هل سمعت رسول الله ] صلّى الله عليه وسلّم يقول لعلي: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبي بعدي »؟ قال: نعم، ذلك سمعته من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال: فأدخل إصبعيه في أذنيه، قال: نعم وإلاّ فاستكتا.
أخبرنا أبو الحسن علي بن المسَلّم، أنا أبو القاسم بن أبي العلاء، أنا أبو محمد بن أبي نصر، أنا أحمد بن سليمان، نا حسن بن غياث، نا عن الهروي عن محمد بن المنكدر، عن سعيد بن المسيّب، عن سعد بن أبي وقّاص أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى ».
أخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي، أنا أبو الفضل عمر بن عبيد الله [ بن عمر، وأبو محمد بن أبي عثمان ].
ح وأخبرنا أبو محمد بن طاوس، أنا أبو [ الغنائم بن أبي عثمان [ ] أنبأنا أبو محمد عبدالله ] بن عبيد الله بن يحيى بن زكريا البيع، نا أبو عبدالله المحاملي، نا علي بن مسلم، نا يوسف بن يعقوب الماجشون، أخبرني محمد بن المنكدر، عن سعيد بن المسيّب قال:
سألت سعد بن أبي وقّاص: هل سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول لعلي: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي » - أو ليس
معي نبي - فقلت: أسمعت هذا، فأدخل إصبعيه في أذنيه، قال: نعم، وإلّا فاستكتا.
وأخبرناه أبو بكر محمد بن الحسين، نا أبو الحسين بن المهتدي، أنا أحمد بن محمد بن عبدالله بن أحمد بن القاسم بن جامع الدهان، نا أبو علي محمد بن سعيد بن عبد الرحمن الرقي الحافظ، نا محمد بن يحيى بن كثير الرقي، نا يحيى بن عبد الحميد الحمّاني، نا داود بن كثير الرقي، نا محمد بن المنكدر، عن سعيد بن المسيّب، قال: سمعت سعداً يقول: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: « علي مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبيّ بعدي ».
وهكذا رواه ابن المسيّب قتادة وعليّ بن الحسين، ويحيى بن سعيد، وصفوان بن سُليم المديني.
فأما حديث قتادة:
فأخبرناه أبو القاسم بن السمرقندي، أنا أبو الحسين بن النّقّور، وأبو القاسم بن البُسري.
ح وأخبرنا أبو منصور موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر، وأبو الحسين أحمد بن محمد بن الطّيّب، قالا: أنا أبو القاسم بن البُسري.
ح وأخبرنا أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك، أنا عبد العزيز بن علي ابن أحمد بن الحسين، قالوا: أنا أبو طاهر المخَلّص.
ح وأخبرناه أبو القاسم بن السمرقندي، وأبو البركات الأنماطي، وأبو عبدالله يحيى بن الحسن، وأبو القاسم عبيد الله بن أحمد بن محمد بن البخاري، وأبو الدرّ ياقوت بن عبدالله، قالوا: أنا أبو محمد الصّريفيني.
[ ح وأخبرناه أبو العز بن كادش، أنا أبو الحسين محمد بن محمد بن علي الوراق ].
ح وأخبرناه أبو عبدالله الحسين بن أحمد بن علي البيهقي، أنا القاضي أبو علي محمد بن إسماعيل بن محمد العراقي - بطوس - قالوا: حدثنا أبو طاهر المخَلّص - إملاء - نا يحيى بن محمد بن صاعد، نا [ محمد بن ] يحيى بن عبد الكريم الأزدي، نا عبدالله بن داود، نا سعيد بن [ أبي عروبة ] عن قتادة، عن سعيد بن المسيّب، عن سعد بن أبي وقاص قال: [ قال ] رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى ».
وهذا إسناد غريب والمحفوظ ما
أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن عبدالله بن الحسن بن أحمد، أنا أبو محمد الجوهري.
ح وأخبرنا أبو عبدالله الحسن بن محمد بن عبد الوهاب، نا أبو علي الحسين بن غالب بن المبارك المقرىء، قالا: أنا أبو الفضل عبيد الله بن [ عبد الرحمن ] بن محمد [ الزهري ].
[ وأخبرنا أبو الحصين أحمد بن محمد بن الطيوري، أنبأنا أبو القاسم البغوي، قالا: أنبأنا محمد وحفص قالا: أنبأنا عبدالله بن محمد بن عمر العوفي، أنبأنا بشر بن هلال الصواف، أنبأنا جعفر بن سليمان، عن حرب بن شداد، عن قتادة عن سعيد بن المسيّب، عن سعد بن أبي وقاص، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي بن أبي طالب: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ ].
أخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي، أنا أبو الحسين بن النّقّور، وأبو القاسم بن [ البسري ].
وأخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن الطّيّب، أنا أبو القاسم بن القُشيري، قالا: أنا محمد بن عبدالله، قالا: نا عبدالله بن محمد بن عبد العزيز، نا
بِشْر بن هلال الصّوّاف، نا جعفر بن هارون عن حرب بن شداد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيّب، عن سعد بن أبي وقاص قال:
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي بن أبي طالب: « أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ».
أخبرنا أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك، أنا عبد العزيز بن علي بن أحمد بن الحسين، أنا أبو طاهر المـُخَلّص، وأبو القاسم البغوي، نا بِشْر بن هلال الصّوّاف، نا جعفر بن سليمان، عن حرب بن شداد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيّب، عن سعد بن أبي وقاص قال:
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي بن أبي طالب: « أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ».
وأخبرناه أتم من هذا أبو الحسن محمد بن عبد الجبار بن توبة، وأبو ياسر سليمان بن عبدالله بن سليمان بن الفرج، وأبو القاسم بن السمرقندي، وأبو عبدالله يحيى بن الحسن، قالوا: أنا أبو الحسين بن النقور - زاد ابن البنّا: وأبو يعلى بن الفراء قالا: - أنا عيسى بن علي، أنا أبو القاسم البغوي، نا أبو محمد نعيم بن الهيصم، أنا جعفر بن سليمان، عن حرب أبي الخطّاب، عن قتادة، عن سعيد بن المسيّب قال جعفر: أظنه عن سعد بن أبي وقاص قال:
لما غزا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم غزوة تبوك خلّف علياً بالمدينة فقالوا: فيه: ملّه وكره صحبته، فبلغ ذلك علياً، فشقّ عليه، قال: فتبع النبي صلّى الله عليه وسلّم حتى لحقه، فقال: يا رسول الله خلّفتني مع الذراري والنساء حتى قالوا: مَلّه وكره صحبته، فقال: « ما ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى »؟
قال ابن مَنيع: هكذا حدث نُعَيم عن جعفر بهذا الحديث بالشك.
وحدّثناه بشر بن هلال الصوّاف، نا جعفر، عن حرب بن شدّاد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيّب، عن سعد، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم نحوه ولم يشك.
أخبرناه أبو محمد هبة الله بن سهل بن عمر، أنا أبو عثمان البَحيري.
ح وأخبرناه أبو المظفر القُشيري، أنا أبو سعد الجنزرودي، قالا: أنا أبو عمرو بن حمدان الحِيري.
ح وأخبرنا أبو سهل محمد بن إبراهيم، نا إبراهيم بن منصور، نا أبو بكر ابن المقرئ.
قالا: أنا أبو يعلى أحمد بن علي بن المُثنّى الموصلي.
ح وأخبرناه أبو عبدالله الخَلاّل، أنا أبو طاهر بن محمود، أنا أبو بكر بن المقرىء، نا أبو القاسم البغوي.
ح وأخبرناه أبو القاسم بن السمرقندي، وأبو البركات يحيى بن عبد الرّحمن بن حُبيش، قالا: أنا أبو الحسين بن النّقّور، نا عيسى بن علي قال: قُرئ على أبي القاسم البغوي، قالا: نا بِشْر بن هلال الصوّاف، نا جعفر بن [ سليمان ]، عن حرب بن شداد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيّب، عن سعد بن أبي وقاص قال:
لما غزا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم غزوة تبوك خلّف علياً بالمدينة [ فقال الناس: ملّه وكره صحبته ] فتبع علي النبي صلّى الله عليه وسلّم حتى لحقه في بعض الطرق، وقال [ البحيري: فبلغ ] ذلك علياً [ فخرج ] حتى لحق بالنبي صلّى الله عليه وسلّم في الطريق، فقال: يا رسول الله خلّفتني بالمدينة [ مع النساء والذراري حتى قالوا ]. قال البَحيري: حتى قال الناس: ملّه وكره صحبته، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: « يا علي إنّما خلّفتك على
أهلي، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى [ إلّا أنه ] - وقال البحيري: غير أنه - لا نبي بعدي ».
وأما حديث عليّ [ بن الحسين ].
فأخبرناه أبو القاسم زاهر بن طاهر، أنا أبو سعد الجَنْزَرودي، أنا أبو عمرو بن حمدان، أنا أبو يعلى [ أحمد ] بن علي، نا سعيد بن بسطام، نا يزيد بن زريع، نا إسرائيل، عن حكيم بن جُبير قال:
قلت لعلي بن حسين: أشهد على عبد خير لحدثني أنه سمع علياً على هذا المنبر وهو يقول: خير هذه الأمّة بعد نبيها أبو بكر، وعمر، وثالث، لو شئت سميت ثالثاً، قال: فضرب علي بن حسين فخذي وقال: حدثني سعيد بن المسيّب أن سعد بن أبي وقاص حدّثه أنه سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول لعلي: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى ».
وأخبرناه أبو النجم بدر بن عبدالله، أنا أبو بكر الخطيب، أنا أبو القاسم الحسين بن أحمد بن عثمان بن شيطا البزاز، نا علي بن محمد بن المـُعلّى الشونيزي، نا طريف بن عبيد الله الموصلي، نا علي بن حكيم الأودي، نا عبدالله ابن بُكَير الغنوي، حدثني حكيم بن جبير قال:
قلت لعلي بن الحسين: يا سيدي إن الشعبي حدث عن أبي جُحيفة وهب الخير أن أباك صعد المنبر فقال: خير هذه الامة بعد نبيها أبو بكر وعمر، فقال: أين يذهب بك يا حكيم، حدثني سعيد بن المسيّب عن سعد أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال له: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى » إنّ المؤمن يهضم نفسه؟!
وأخبرناه أبو محمد عبد الكريم بن حمزة، أنا أبو الحسن بن أبي الحديد، أنا جدي أبو بكر، أنا محمد بن يوسف الهّروي، حدثني إسحاق بن سيار بن
محمد، وأنا سألته، أنا علي بن قادم، نا إسرائيل، عن حكيم بن جبير قال:
قلت لعلي بن الحسين: إنّ ناساً عندنا بالعراق يزعمون أن أبا بكر وعمر خير من علي، قال: فقال لي علي بن الحسين: فكيف أصنع بحديث حدّثنيه سعيد بن المسيّب، عن سعد بن أبي وقّاص قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبيّ بعدي ».
قال: وأنا محمد بن يوسف الهّروي، نا أبو قِلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي، نا أمية بن بسطام، نا يزيد بن زريع، عن إسرائيل بن يونس، عن حكيم بن جبير قال:
قلت لعلي بن الحسين، إن ناساً عندنا بالعراق يقولون: إنّ أبا بكر وعمر خيرٌ من علي، قال: فقال علي بن الحسين، فكيف أصنع بحديث حدّثنيه سعيد ابن المسيّب عن سعد بن أبي وقاص؟ قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي ».
قال أبو عبدالله الهّروي: وهذا الحديث لم يحدث به عن إسرائيل [ إلّا ] يزيد بن زريع، وعلي بن قادم، والحديث غريب، وبالله التوفيق.
قد رواه عبيد الله، عن إسرائيل أيضاً:
أخبرناه أبو القاسم بن الحصين، نا أبو طالب بن غيلان، أنا أبو بكر الشافعي، حدثني أبو عبدالله [ أحمد بن صالح بن ] بن محمد البرقي، نا جعفر ابن موسى القطان، نا عبيد الله بن موسى، نا إسرائيل، عن حكيم بن جبير، عن علي بن الحسين، حدثني سعيد بن المسيّب، عن علي أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم [ خرج ] في غزوة تبوك [ و ] خلّف بالمدينة علي فقال له: تخلّفني؟ قال: « أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي ».
وأما حديث يحيى
فأخبرناه أبو بكر محمد بن عبدالله نا أبو العبّاس عبيد الله بن موسى بن إسحاق الهاشمي، أنا محمد بن محمد بن سليمان.
وأخبرناه أبو عبدالله أنا إبراهيم بن منصور، أنا أبو بكر المقرىء، نا محمد بن الباغندي، نا هارون بن حاتم - زاد الهاشمي: المقرىء - نا عبد السلام بن سعيد، عن سعيد بن المسيّب عن سعد بن مالك، قال: سمعت النبي صلّى الله عليه وسلّم [ وفي حديث الهاشمي: ] عن سعد أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال - لعلي: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي».
[ رواه ] غيره بينهما الزهري.
أخبرناه أبو محمد بن طاوس، أنا عاصم بن الحسن، أنا أبو عمر بن مهدي، أنا محمد بن مَخْلَد، نا عبدالله بن نسيب، نا ذؤيب بن عباية، حدثني أُسامة بن حفص، عن يحيى بن سعيد، عن الزهري، عن سعيد بن المسيّب عن سعد: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى ».
وأما حديث صفوان:
فأخبرناه أبو القاسم علي بن إبراهيم، أنا أبو الحسين بن أبي نصر، أنا أبو بكر الميانجي، أنا علي بن أحمد بن الحسين العجلي - يعرف بابن أبي قوبة - نا عبّاد بن يعقوب، أنا ابن أبي نجيح، عن صفوان بن سُلَيم، عن سعيد بن المسيّب، عن سعد بن أبي وقاص قال:
سمعت أذناي وأبصرت عيناي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو يقول لعليعليهالسلام : « أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي ».
وقد رواه عن عامر بن سعد: المنهال بن عمرو، وسلمة بن كُهَيل، ومحمد ابن مسلم الزهري، والحويرث بن نهار.
فأما حديث المنهال:
فأخبرناه أبو عبدالله الفراوي، وأبو المظفر بن القشيري، قالا: أنا أبو سعد الأديب، أنا أبو عمرو الفقيه.
وأخبرتنا أم المجتبى العلوية قالت: قُرىء على إبراهيم بن منصور، أنا أبو بكر بن المقرىء.
قالا: أنا أبو يعلى الموصلي، نا داود بن عمرو، نا حسّان بن إبراهيم، عن محمد بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن المنهال - زاد المقرىء: ابن عمرو - عن عامر بن سعد، عن أبيه، وعن أم سلمة.
أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: « أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبيّ بعدي ».
وأخبرناه أبو القاسم بن السمرقندي، أنا أبو الحسين بن النّقّور، أنا عيسى بن علي، أنا أبو القاسم البغوي، نا داود بن عمرو، نا حسّان بن إبراهيم، نا محمد بن سلمة، عن سلمة، عن المنهال، عن عامر بن سعد، عن سعد، وعن أم سلمة:
أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: « أما ترضى أنْ تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه ليس بعدي نبي ».
أخبرناه أبو القاسم بن السمرقندي، وأبو البركات يحيى بن عبد الرحمن بن حسن، وأبو الحسن محمد بن أحمد بن إبراهيم، قالوا: أنا أبو الحسين بن النّقّور، نا عيسى بن علي، أنا أبو بكر عبدالله بن محمد بن زياد النيسابوري، - إملاء - نا محمد بن إشكاب، نا أحمد بن المفضل الكوفي، نا يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن المنهال بن عمرو، عن عامر بن سعد، عن أبيه سعد، وعن أم سلمة.
أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: « ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنه ليس بعدي نبوة ».
وأما حديث سلمة:
فأخبرناه أبو بكر محمد بن عبد الباقي، أنا أبو محمد الجوهري، أنا أبو القاسم عبد العزيز بن جعفر بن محمد الخِرَقي، نا محمد بن محمد الباغندي، نا محمد بن حميد الرازي، نا هارون بن المغيرة، عن عمرو بن أبي قيس، عن شعيب بن خالد، عن سلمة بن كهيل، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، وعن أم سلمة قالا:
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي: « أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى».
قال سلمة: وسمعت مولى لبني موهبة يقول: سمعت ابن عباس يقول: قال النبي صلّى الله عليه وسلّم؛ مثله.
وأما حديث الزُّهري:
فأخبرناه أبو الحسن الفقيه، نا عبد العزيز بن أحمد، أنا تمام بن محمد، والحسن بن حبارة، قالا: نا خيثمة، نا أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق الصّوّاف، نا مَعْمَر بن بكّار، حدثني إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عامر بن سعد قال:
إنّي لمع أبي إذ تبعنا رجل في نفسه على عليّ بعض الشىء، فقال: يا أبا إسحاق ما حديث يذكر الناس عن علي؟ قال: وما هو؟ قال: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى » قال: نعم، سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول لعلي: « أنت مني كهارون من موسى » ما تنكر أن يقول لعلي هذا، وأفضل من هذا؟
وأمّا حديث الحُويرث:
فأخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي، أنا أبو محمد بن أبي عثمان، وأبو طاهر القّصّاري.
وأخبرنا أبو عبدالله محمد بن أحمد بن محمد، أنا أبي أبو طاهر.
قالا: أنا إسماعيل بن الحسن بن عبدالله، نا أبو القاسم الحسين بن أحمد ابن صدقة الفرائضي، نا محمد بن الحسين بن أبي الحنين الكوفي.
ح وأخبرنا أبو بكر عبد الغفار بن محمد الشيروي في كتابه، وحدثني أبو المحاسن عبد الرزاق بن محمد بن أبي نصر الطّبسي عنه، أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، نا أبو العبّاس محمد بن يعقوب الأصم، نا محمد بن الحسن بن أبي الحنين الكوفي - بالكوفة - نا أبو غسّان - زاد الفرائضي: مالك بن إسماعيل - نا عبد السّلام بن حرب، عن يزيد بن أبي زياد، عن حويرث بن نهار، عن عامر بن سعد، عن أبيه وقال الفرائضي: عن سعد - قال:
خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في غزاة وخلّف علياً، فاشتدّ ذلك على علي، قال: فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم - وقال الفرائضي: النبي صلّى الله عليه وسلّم: - « أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي ».
وهو صحيح من حديث إبراهيم بن سعد
فقد أخبرناه أبو المظفر بن القُشيري، أنا أبو سعد الأديب، أنا أبو عمرو ابن حمدان.
ح وأخبرنا أبو سهل المزكي، وأبو عبدالله الأديب، قالا: أنا إبراهيم بن منصور، أنا أبو بكر بن المقرىء.
قالا: أنا أبو يعلى الموصلي، نا زهير، نا هاشم بن القاسم، نا شعبة، حدثني سعد بن إبراهيم، عن إبراهيم بن سعد بن مالك، عن أبيه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي: « أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسىعليهماالسلام ».
وأخبرناه أبو علي الحسن بن المظفر، أنا أبو محمد الجوهري.
وأخبرناه أبو القاسم بن الحُصَين، نا أبو علي بن المـُذْهِب.
قالا: أنا أبو بكر القطيعي، نا عبدالله بن أحمد، حدثني أبي، نا محمد بن جعفر.
ح وأخبرناه أبو عبدالله الحسين بن أحمد بن علي، وأبو القاسم زاهر بن طاهر، قالا: أنا أبو بكر المقرىء، أنا أبو الفضل الفامي، أنا أبو العبّاس السرّاج، نا زياد بن أيوب، نا هاشم بن القاسم.
ح وأخبرنا أبو عبدالله الحسين بن عبد الملك، أنا أبو عثمان سعيد بن أحمد بن محمد، أنا أبو الفضل عبيد الله بن محمد الفامي، أنا أبو العبّاس محمد ابن إسحاق الثقفي، نا يعقوب بن إبراهيم، نا غندر.
ح وأخبرناه أبو محمد بن طاوس، أنا عاصم بن الحسن، أنا أبو عمر بن مهدي، نا الحسين بن يحيى بن عياش، نا علي بن مسلم، أنا أبو داود.
قالوا: نا شعبة عن سعد بن إبراهيم قال: سمعت إبراهيم بن سعد، عن سعد بن أبي وقاص عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال لعلي: « أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى »، وفي حديث أبي داود وأحمد: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال.
رواه البخاري ومسلم عن بُندار عن غندر.
أخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي، أنا أبو القاسم بن البُسري، وأبو محمد بن أبي عثمان، وأحمد بن محمد بن إبراهيم.
وأخبرنا أبو عبدالله محمد بن أحمد، أنا أبي قالوا: أنا إسماعيل بن الحسن بن عبدالله.
ح وأخبرنا أبو محمد بن طاوس، أنا عاصم بن الحسن، أنا أبو عمر بن
مهدي قالا: نا أبو عبدالله المحاملي، نا محمد بن منصور، نا يعقوب بن إبراهيم، نا أبي عن ابن إسحاق، حدثني محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة، عن إبراهيم ابن سعد بن أبي وقاص عن أبيه.
أن النبي صلّى الله عليه وسلّم - وقال ابن طاوس: أنه سمع النبي صلّى الله عليه وسلّم - قال لعلي هذه المقالة حين استخلفه « ألا ترضى يا عليّ أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي »؟
وأخبرنا أبو المظفّر القُشيري، أنا أبو سعد الأديب، أنا أبو عمرو الفقيه.
وأخبرنا أبو سهل محمد بن إبراهيم، وأبو عبدالله الحسين بن عبد الملك، قالا: أنا إبراهيم بن منصور، أنا أبو بكر بن المقرىء.
قالا: أنا أبو يعلى الموصلي، نا زهير، نا يعقوب بن إبراهيم، نا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة، عن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه.
أنه سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول لعلي هذه المقالة « أفلا ترضى - زاد الفقيه: يا علي وقالا: - أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي »؟
ورواه مصعب بن سعد عن أبيه.
أخبرناه أبو علي بن السبط، أنا أبو محمد الجوهري.
ح وأخبرناه أبو القاسم بن الحُصين، أنا أبو علي بن المـُذْهِب.
قالا: أنا أحمد بن جعفر، نا عبدالله بن أحمد بن محمد بن حنبل، حدثني أبي، نا محمد بن جعفر، نا شعبة، عن الحكم، عن مصعب بن سعد، عن سعد بن أبي وقّاص قال:
خلّف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم علي بن أبي طالب في غزوة تبوك،
قال: يا رسول الله تخلّفني في النساء والصبيان؟ قال: « أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبي بعدي ».
أخبرناه أبو المظفّر بن القُشيري، أنا أبو سعد الأديب، أنا أبو عمرو بن حمدان.
وأخبرناه أبو سهل بن سعدويه، أنا إبراهيم بن منصور، أنا أبو بكر بن المقرىء.
قالا: أنا أبو يعلى، نا عبيد الله - هو: ابن عمر القواريري - نا غُندَر.
ح وأخبرناه أبو القاسم بن السمرقندي، أنا أبو الحسين بن النّقّور، أنا عيسى بن علي، أنا أبو عبيد القاسم بن إسماعيل، نا محمد بن الوليد البُسري، نا محمد بن جعفر، نا شعبة، عن الحكم، عن مصعب بن سعد، عن سعد بن أبي وقاص قال:
خلّف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم علي بن أبي طالب في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله تخلّفني في النساء والصبيان؟ قال: « أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير - وفي حديث ابن السمرقندي: إلا - أنه لا نبي بعدي - وفي حديث أبي المظفر: ما ترضى -.
ح وأخبرنا أبو علي الحداد في كتابه.
وأخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي، أنا يوسف بن الحسن الزنجاني.
قالا: نا وأبو نعيم الحافظ، نا عبدالله بن جعفر بن أحمد بن فارس، نا يونس بن حبيب، نا أبو داود، نا شعبة، عن الحكم، عن مصعب بن سعد، عن سعد قال:
خلّف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم علي بن أبي طالب في غزوة تبوك فقال: يا رسول الله أتخلّفني في النساء والصبيان؟ فقال: « أما ترضى أن تكون
مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبيّ بعدي ».
ورواه غيره عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة، فقال: عن عاصم.
أخبرنا أبو علي الحسن بن المظفر، وأبو غالب بن البنّا، قالا: أنا أبو محمد الجوهري، أنا أبو العبّاس عبدالله بن موسى بن إسحاق الهاشمي، نا علي ابن سراج المصري الحافظ، نا نُصَير بن حرب، نا أبو داود الطيالسي، نا شعبة، عن عاصم، عن مصعب بن سعد، عن سعد قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي: « أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبيّ بعدي ».
أخبرنا أبو عبدالله الحسين بن عبد الملك، أنا أبو طاهر بن محمود، أنا أبو بكر بن المقرىء، نا أبو عروبة، نا أبو رفاعة، نا محمد بن الحسن - يعرف بالهُجَيمي - نا أبو عَوانة، عن الأعمش، عن الحكم، عن مصعب بن سعد، عن سعد قال:
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي: « أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي ».
ولقد رأيته يخطر بالسيف يعلو به هامَ المشركين يقول: سنحنح الليل كأني جنّي.
وأخبرناه أبو القاسم علي بن إبراهيم العلوي، أنا الأمير المؤيد معتزّ الدولة أبو المكارم حَيْدَرة بن الحسين بن مفلح، أنا الحسين بن عبدالله بن محمد بن إسحاق بن أبي كامل، أنا خيثمة بن سليمان، نا محمد بن يونس بن موسى السّامري.
ح وأخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن الحسن الفرغولي، أنا أبو عثمان محمد بن عبيد الله المحمي، أنا السيد أبو الحسن محمد بن الحسين بن داود بن علي بن عيسى العلوي، نا أبو الأحرز محمد بن عمر بن جميل الأزدي، نا محمد
بن يونس القرشي، قالا: نا محمد بن الحسن بن معلّى بن زياد القُردوسي.
وأخبرنا أبو القاسم الشّحّامي، نا أبو سعد أحمد بن إبراهيم المقرىء - إملاء - أنا أبو منصور الأزدي - بهراة - أنا أبو علي الرفاء، نا محمد بن يونس ابن موسى، نا محمد بن الحسن بن معلّى القُردوسي، نا أبو عَوانة، عن الأعمش، عن الحكم، عن مصعب بن سعد، عن أبيه سعد قال:
قال لي معاوية: تحب - وقال أبو حفص: أتحب - علياً؟ قال: قلت: وكيف لا أحبّه وقد سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم - وقال أبو حفص: النبي صلّى الله عليه وسلّم - يقول: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي ».
ولقد رأيته بارز يوم بدر، فجعل - وقال أبو حفص: وهو - يحمحم كما تحمحم الفرس، وهو يقول - وقال أبو حفص، وأبو القاسم الشحامي ويقول: -.
بازل عامين حديثٌ سِنّي |
سنَحْنَح الليلِ كأنّي جنّي |
لمثل هذا ولدتني أمي
قال: فما رجع حتى خضب سيفه دماً.
وروته عائشة بنت سعد عن أبيها.
أخبرناه أبو علي بن السبط، نا أبو محمد الجوهري.
ح وأخبرنا أبو القاسم بن الحُصَين، أنا أبو علي الواعظ.
قالا: أنا أحمد بن جعفر، نا عبدالله بن أحمد، حدثني أبي، نا أبو سعيد مولى بني هاشم، نا سليمان بن بلال، نا الجُعيد بن عبد الرحمن، عن عائشة بنت سعد، عن أبيها.
أن علياً خرج مع النبي صلّى الله عليه وسلّم حتى جاء ثنية الوداع، وعلي يبكي يقول: تُخلّفني مع الخوالف، فقال: « أو ما ترضى أن تكون مني بمنزلة
هارون من موسى إلّا النبوة »؟
وأخبرناه أبو محمد بن طاوس، أنا عاصم بن الحسن، أنا أبو عمر بن مهدي، نا أبو محمد عبدالله بن أحمد بن إسحاق الجوهري، نا الربيع بن سليمان، نا عبدالله بن وهب، أخبرني سليمان - يعني ابن بلال - حدثني الجُعيد، عن عائشة بنت سعد، عن أبيها.
أن علي بن أبي طالب خرج مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، حتى إذا جاء ثنية الوداع وهو يريد تبوك، وعلي يبكي ويقول: يا رسول الله أتخلّفني مع الخوالف؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: « أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا النبوة »؟
وأخبرناه أبو القاسم بن السمرقندي، أنا أبو محمد يحيى بن محمد بن الحسن بن محمد بن علي بن الأقساسي وأبو عبدالله محمد بن الحسن الخزاعي المعروف بابن داود الكوفيان - ببغداد - قالا: أنا القاضي أبو عبدالله محمد بن عبدالله بن الحسن الجعفي، نا صالح بن وصيف الكَتّاني، نا أبو محمد القاسم بن عبدالله بن المغيرة الجوهري، نا أبو غسان يعني مالك بن إسماعيل النّهدي، نا المطلّب بن زياد، نا ليث.
ح وأخبرنا أبو منصور بن خيرون، نا أبو بكر الخطيب، أنا علي بن القاسم بن الحسن الشاهد - بالبصرة - نا علي بن إسحاق بن محمد بن البختري المادرائي، نا حسين بن شداد، نا سهل بن نصر، نا المطلّب بن زياد، عن ليث، عن الحكم، عن عائشة بنت سعد، عن سعد.
أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي يوم غزوة - وقال سهل: في غزوة تبوك: - « أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبيّ بعدي ».
أخبرنا أبو عبدالله الحسين بن عبد الملك، أنا سعيد بن أحمد بن محمد، أنا
أبو بكر محمد بن الحسن بن علي بن بكر بن هانىء البزاز العدل الثقة، نا أبو عبدالله محمد بن محمد بن شاد بن قُتيبة الراوساني، نا أبو سعيد الأشج، نا الصّلت بن زياد، عن ليث، عن الحكم، عن عائشة بنت سعد، عن سعد قال: سمعت النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول لعلي في غزوة: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبيّ بعدي ».
الصواب: المـُطّلب.
وأخبرناه أبو البركات عمر بن إبراهيم، أنا أبو الفرج محمد بن أحمد بن الخازن، أنا محمد بن عبدالله الجُعفي، نا علي بن محمد بن هارون الحِميري، نا أبو سعيد عبدالله بن سعيد الأشج، نا المطّلب بن زياد، عن ليث، عن الحكم، عن عائشة ابنة سعد، عن سعد.
أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي يوم غزوة تبوك: « أنت مني بمكان هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي ».
وأخبرناه أبو محمد بن طاوس، أنا عاصم بن الحسن، أنا أبو عمر بن مهدي، أنا محمد بن مَخْلَد، أنا أحمد بن عثمان بن حكيم، نا حسن بن بشر، نا الحكم بن عبد الملك، عن زيد بن نافع، عن عائشة بنت سعد عن أبيها، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنه لا نبي بعدي ».
أخبرنا أبو محمد أيضاً، أنا أبو الغنائم بن أبي عثمان، أنا عبدالله بن عبيد الله البيع، أنا أبو عبدالله المحاملي، نا عبدالله بن شبيب، حدثني ابن أبي أويس، حدثني أبي عن سليمان بن بلال، عن عبد الأعلى بن عبدالله بن أبي فروة، عن عائشة بنت سعد، عن أبيها سعد بن أبي وقّاص.
أن علي بن أبي طالب خرج مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، حتى إذا
جاء ثنية الوداع ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم يريد تبوك، وعليّ يبكي ويقول: يا رسول الله تخلّفني مع الخوالف؟ فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: « ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا النبوة ».
ورواه الأسود بن يزيد، ومالك بن الحارث الأشتر عن سعد.
أخبرناه أبو القاسم بن السمرقندي، أنا أبو محمد بن أبي عثمان، وأبو طاهر أحمد بن محمد بن إبراهيم.
ح وأخبرنا أبو عبدالله محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم، أنا أبي، قالا: أنا أبو القاسم إسماعيل بن الحسن بن عبدالله بن الهيثم الصرصري، أنا أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة، نا عبدالله بن أحمد بن المستورد، نا أحمد ابن صبيح القرشي، نا يحيى بن يعلى، عن العلاء بن عبدالله بن زهير - وذكر عنه خيراً - عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، وعن الأشتر عن سعد بن مالك.
أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنه لا نبيّ بعدي، سالم الله من سالمته، وعادى من عاديته ».
وروي عن زيد بن أرقم عن سعد.
أخبرناه أبو الحسن الفقيه الشافعي، نا عبد العزيز الصوفي، أنا أبو محمد ابن أبي نصر، أنا خيثمة بن سليمان، نا يحيى بن أبي طالب - ببغداد - نا يزيد بن هارون، أنا فطر بن خليفة، عن عبدالله بن شريك، عن زيد بن أرقم قال:
قدمت المدينة فجلسنا إلى سعد فقال: سمعت النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول لعلي: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى «، وسدّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الأبواب إلّا باب علي.
قال: هكذا قال: عن زيد بن أرقم، وهذا الحديث عند الناس عن عبدالله ابن شريك، عن عبدالله بن الرقيم الكناني، عن سعد - يعني ما
أخبرناه أبو علي بن السبط، أنا أبو محمد الجوهري.
ح وأخبرناه أبو القاسم بن الحُصَين، أنا أبو علي بن المـُذْهِب.
قالا: أنا أحمد بن جعفر، نا عبدالله بن أحمد، حدثني أبي، نا حجاج، نا فطر، عن عبدالله بن شريك، عن عبدالله بن الرُّقَيم الكناني قال:
خرجنا إلى المدينة زمن الجَمَل، فلقينا سعد بن مالك بها، فقال: أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بسدّ الأبواب الشارعة في المسجد، وترك باب علي.
ورواه ابن البَيْلَماني عن سعد.
أخبرناه أبو القاسم زاهر بن طاهر، أنا أبو بكر محمد بن الحسن الطبري المقرىء، أنا أبو طاهر محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق بن خُزَيمة، أنا أبو عبدالله محمد بن محمد بن شاد بن قتيبة الراوساني، نا أبو سعيد عبدالله بن سعيد الأشج، نا عبدالله بن الأجلح، عن أبيه، عن حبيب بن أبي ثابت عن [ ابن ] البيلماني، عن سعد قال: سمعت النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول لعلي: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنه لا نبي بعدي ».
وأخبرناه أبو عبدالله الخلّال، أنا أبو طاهر بن محمود، أنا أبو بكر بن المقرىء، حدثني ناعم بن السري بن عاصم - بطرسوس - نا عبدالله بن سعيد الكندي أبو سعيد الأشج، نا الأجلح، عن أبيه، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن البَيْلَماني، عن سعد قال: سمعت النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول لعلي بن أبي طالب: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنه لا نبي بعدي ».
وروي هذا الحديث أيضاً عن غير سعد، روي عن: عمر، وعلي، وأبي هريرة، وابن عباس، وابن جعفر، ومعاوية، وجابر بن عبدالله، وأبي سعيد، والبَراء بن عازب، وزيد بن أرقم، وجابر بن سَمُرة، وأنس بن مالك، وزيد بن
أبي أوفى، ونبيط بن شريط، وحُبْشي بن جُنَادة، ومالك بن الحويرث الليثي، وأبي الفيل، وأسماء بنت عميس، وأم سلمة أم المؤمنين، وفاطمة بنت حمزة، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم.
فأمّا ما رُوي عن عمر بن الخطاب:
فأخبرناه أبو الحسن علي بن المسلّم الفقيه، نا عبد العزيز بن أحمد التميمي، أنا الحسين بن عبدالله بن محمد بن أبي كامل، أنا محمد بن الحسين ابن صالح في كتابه، نا المبارك بن محمد، نا أحمد بن موسى صاحب الآدم، نا إسماعيل بن يحيى بن عبدالله التيمي، عن عبد الملك، عن عطاء، عن سويد بن غفلة قال:
رأى عمر رجلاً يخاصم علياً، فقال له عمر: إنّي لأظنك من المنافقين، سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: « علي مني بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنه لا نبي بعدي ».
وأخبرناه أبو القاسم بن السمرقندي، أنا أبو القاسم بن مسعدة، أنا حمزة ابن يوسف، أنا أبو أحمد بن عدي، نا محمد بن أحمد بن هارون، نا الحسن بن يزيد الجَصّاص، نا إسماعيل بن يحيى، نا عبد الملك بن جُريج، عن عطاء، عن سويد بن غفلة، عن عمر بن الخطاب قال:
رأى رجلاً يشتم عليّاً كانت بينه وبينه خصومة، فقال له عمر: إنك من المنافقين، سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: « إنّما علي منّي بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنه لا نبي بعدي ».
أخبرناه أبو منصور بن خيرون، أنا أبو بكر الخطيب، أنا أحمد بن محمد القطيعي، نا محمد بن عبدالله بن محمد الكوفي، حدثني علي بن محمد بن مروان أبو الحسن المقرىء من كتابه، أنا الحسن بن يزيد الجصّاص المخرّمي - سكن
سُر من رأى - نا إسماعيل بن يحيى بن عبيد الله التيمي، عن ابن جريج، عن عطاء بن السائب الثقفي من أهل الكوفة، عن سويد بن غفلة، عن عمر بن الخطاب.
أنه رجلاً يسبّ علياً فقال: إنّي أظنك منافقاً، سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: « إنّما علي مني بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنه لا نبي بعدي ».
وأخبرنا أبو غالب بن البنّا، أنا أبو الحسين بن الآبنوسي، أنا أبو محمد عبدالله بن محمد بن سعيد بن محارب بن عمرو الأنصاري الأوسي الإصطخري، نا أبو محمد عبدالله بن أذران الخياط بشيراز سنة أربع وثلاثمائة، نا إبراهيم بن سعيد الجوهري وصيّ المأمون، حدثني أمير المؤمنين المأمون، حدثني أمير المؤمنين الرشيد، حدثني أمير المؤمنين المهدي، حدثني أمير المؤمنين المنصور، عن أبيه، عن جده، عن عبدالله بن عباس قال:
سمعت عمر بن الخطاب وعنده جماعة، فتذاكروا السابقين إلى الإسلام فقال عمر: أمّا عليّ فسمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول فيه ثلاث خصال لوددتُ أنّ لي واحدة منهن، فكان أحبّ إليّ مما طلعت عليه الشمس، كنت أنا وأبو عبيدة وأبو بكر وجماعة من الصحابة إذ ضرب النبي صلّى الله عليه وسلّم بيده على منكب عليّ فقال له: « يا علي أنت أول المؤمنين إيماناً، وأوّل المسلمين إسلاماً، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى ».
وأما ما رُوي عن علي:
فأخبرناه أبو غالب بن البنّا، أنا أبو محمد الجوهري، أنا أبو الفضل عبيد الله بن عبد الرحمن بن محمد الزهري، نا حمزة بن القاسم الهاشمي، نا أبو عبدالله الحسين بن عبيد الله، حدثني إبراهيم بن سعيد، حدثني أمير المؤمنين
- يعني المأمون - حدثني أمير المؤمنين الرشيد، حدثني أمير المؤمنين المهدي قال:
دخل عليّ سفيان الثوري فقلت له: حدّثني بأحسن فضيلة لعلي، فحدثني عن سلمة بن كُهيل، عن حجّية بن عدي، قال: قال علي بن أبي طالب: قال لي النبي صلّى الله عليه وسلّم: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنه لا نبي بعدي ».
أخبرنا أبو القاسم عبيد الله وأبو الحسن علي ابنا حمزة بن إسماعيل الموسويان، وأبو العبّاس أحمد بن محمد بن أحمد الاشكيدباني، وأبو جعفر محمد بن علي بن محمد المشاط الطبري، وأبو النضر عبد الرحمن بن عبد الجبار بن عثمان، وأبو الفتح محمد بن الموفق بن محمد الجرجاني، وأبو المظفر عبد الفاطر بن عبد الرحيم بن عبدالله السّقطي، وأبو محمد عبد الرفيع بن عبدالله ابن أبي اليَسَر الضراب، قالوا: أنا نجيب بن ميمون، أنا منصور بن عبدالله بن خالد الخالدي، نا أحمد بن الحسين بن سعيد الواسطي، نا الحسين بن عبدالله ابن الخصيب، نا إبراهيم بن سعيد الجوهري، نا عبدالله المأمون أمير المؤمنين، حدثني أبي الرشيد، حدثني أبي المهدي، حدثني سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن حجيّة بن عَدِي، عن علي بن أبي طالب قال: قال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى ».
ح وأخبرني أبو القاسم هبة الله بن عبدالله، أنا أبو بكر الخطيب، أنا القاضي أبو محمد الحسن بن الحسين بن محمد بن رامين الأستراباذي، نا أبو بكر محمد بن محمد بن بُنْدار، إملاءً بسمرقند. أنا عبدالله بن زيدان، نا يونس ابن علي القطان، حدثني عثمان بن عيسى الرواسي، عن زياد بن المنذر، عن الأصبغ بن نباتة عن علي أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال له: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى ».
وأّما ما رُوي عن ابن عباس:
فأخبرناه أبو الحسن علي بن المسلّم السّلمي، نا عبد العزيز بن أحمد التميمي، أنا تمام بن محمد وعقيل بن عبيد الله، قالا: أنا محمد بن عبدالله بن جعفر الرازي، أنا أبو الحسن علي بن الحارث بن موسى الرازي، نا عبدالله بن داهر، نا أبي داهر بن يحيى، عن الأعمش، عن عباية الأسدي قال: سمعت ابن عباس يقول: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول لعلي: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنه لا نبي بعدي ».
وأخبرناه أتم من هذا أبو القاسم بن السمرقندي، أنا أبو القاسم بن مسعدة، أنا أبو عمرو عبد الرحمن بن محمد الفارسي، أنا أبو أحمد بن عدي، نا علي بن سعيد بن بشير الرازي، نا عبدالله بن داهر الرازي، حدثني أبي داهر بن يحيى، عن الأعمش، عن عَباية الأسدي، عن ابن عباس.
عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال لأم سلمة: « يا أم سلمة إنّ علياً لحمه من لحمي، ودمه من دمي، وهو منّي بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنه لا نبي بعدي ».
قال ابن عدي: عامة ما يرويه - يعني ابن داهر - في فضائل علي، وهو فيه متهم.
وأخبرناه أبو القاسم هبة الله بن محمد بن الحُصين، أنا أبو القاسم علي بن المحسّن التنوخي، نا علي بن الحسن القاضي، نا محمد بن محمد بن سليمان الباغندي، نا بندار محمد بن بشّار، نا محمد بن جعفر غُنْدَر، نا شعبة، عن سلمة، ابن كهيل قال: وأنا سمعت رجلاً من بني موهبة يحدث عن ابن عبّاس.
أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لعليعليهالسلام : « ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ».
وأخبرناه أبو علي الحداد، وحدثني أبو مسعود عنه، أنا أبو نعيم الحافظ، نا أحمد بن إبراهيم بن يوسف، نا سهل بن عبدالله أبو طاهر، نا ابن أبي السَّري، نا رواد، عن نَهْشَل بن سعيد، عن الضّحّاك، عن ابن عباس قال:
رأيت علياً أتى النبي صلّى الله عليه وسلّم فاحتضنه من خلفه فقال: بلغني أنّك سمّيت أبا بكر وعمر وضريب أمثالهما ولم تذكرني، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى ».
وأمّا ما رُوي عن عبدالله بن جعفر:
فأخبرناه أبو القاسم إسماعيل بن أحمد، أنا أبو محمد الصَّريفيني، وأبو الحسين بن النقور.
[ ح وأخبرنا أبو البركات الأنماطي، أنا أبو محمد الصريفيني، وأبو الحسين بن النقور ].
ح. وأخبرنا أبو البركات الأنماطي، أنا أبو محمد الصريفيني.
قالا: أنا أبو بكر محمد بن الحسن بن عَبْدَان الصيرفي، أنا الحسين بن إسماعيل المحاملي، أنا عبدالله بن شبيب، حدثني ابن أبي أويس، حدثني محمد بن إسماعيل، حدثني عبد الرحمن بن أبي بكر، عن إسماعيل بن عبدالله ابن جعفر، عن أبيه قال:
لما قدمت ابنة حمزة المدينة اختصم فيها علي وجعفر وزيد، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: « قولوا. زاد ابن الأنماطي: أسمع، وقالا: فقال زيد: هي ابنة أخي وأنا أحقّ بها، وقال علي: ابنة عمّي وأنا جئت بها، وقال جعفر ابنة عمي وخالتها عندي، قال: « خذها يا جعفر أنت أحقهم بها ». فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. زاد الأنماطي: لأقضين بينكم وقالا: أما أنت يا زيد فمولاي وأنا مولاك، وأما أنت يا جعفر فأشبهتَ خَلْقي وخُلُقي، وأما أنت يا
علي فأنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا النبوة. وقال الأنماطي: إلّا أنه لا نبوة ».
وأمّا ما رُوي عن معاوية:
فأخبرنا أبو القاسم زاهر بن طاهر، أنا أبو سعد الجَنْزَرودي، أنا السيدّ أبو الحسن محمد بن علي بن الحسين، نا حمزة بن محمد الدهقان، نا محمد بن يونس، نا وهب بن عثمان البصري، نا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم قال:
سأل رجل معاوية عن مسألة فقال: سل عنها علي بن أبي طالب، فهو أعلم مني، قال: قولك يا أمير المؤمنين أحبّ إلي من قول علي، قال:
بئس ما قلت ولؤم ما جئت به، لقد كرهت رجلاً كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يَغرّه بالعلم غرّاً، ولقد قال له: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنه لا نبي بعدي ».
وكان عمر بن الخطاب يسأله ويأخذ عنه، ولقد شهدتُ عمر إذا أشكل عليه أمر قال: هاهنا علي بن أبي طالب؟ ثم قال للرجل: قُمْ لا أقام الله رجليك، ومحا اسمه من الديوان.
أخبرناه عالياً أبو نصر بن رضوان، وأبو علي ابن السبط، وأبو غالب بن البنّا، قالوا: أنا أبو محمد الجوهري، أنا أبو بكر بن مالك، نا محمد بن يونس، نا وهب بن عمرو بن عثمان النمري البصري، حدثني أبي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم قال:
جاء رجل إلى معاوية فسأله عن مسألة فقال: سل عنها علي بن أبي طالب فهو أعلم، فقال: يا أمير المؤمنين جوابك فيها أحبّ إليّ من جواب علي، فقال: بئس ما قلت، ولؤم ما جئتَ به، لقد كرهت رجلاً كان رسول الله صلّى الله
عليه وسلّم يغرّه بالعلم غرّاً، ولقد قال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنه لا نبي بعدي ».
وكان عمر إذا أشكل عليه شىء، يأخذ منه، ولقد سمعت عمر وقد أشكل عليه فقال: هاهنا علي؟ قُمْ لا أقام الله رجليك.
وأمّا ما رُوي عن أبي هريرة:
فأخبرناه أبو محمد عبد الكريم بن حمزة، أنا أبو الحسن بن مكي، أنا أبو مسلم محمد بن أحمد بن علي البغدادي الكاتب - بمصر - نا أبو علي محمد ابن سعيد بن عبد الرحمن الحُرّاني. بالرّقّة. نا جعفر بن محمد بن حجاج الرقي، نا إبراهيم بن حمزة الزبيري، نا الدّراوردي، عن كثير بن زيد، عن وليد بن رباح، عن أبي هريرة.
أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا النبوة ».
رواه غيره عن إبراهيم بن حمزة فقال عن أبي حازم.
أخبرناه أبو القاسم بن السمرقندي، أنا أبو القاسم الجُرجاني، أنا حمزة ابن يوسف، أنا عبدالله بن عَدِي، نا بُهلول الأنباري، نا إبراهيم بن حمزة، عن محمد بن حمزة بن مصعب بن الزّبير بن العوام، نا عبد العزيز - يعني ابن أبي حازم - عن كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، فذكر مثله.
وأخبرناه أبو القاسم بن السمرقندي: أنا أبو القاسم بن البسري، أنا أبو القاسم الجُرجاني، أنا حمزة بن يوسف، أنا أبو أحمد بن عَدِي، نا إسحاق بن حمدان البلخي، نا محمد بن نوح، نا حبيب بن أبي حبيب الخثعمي المصري، نا الزبير بن سعيد الهاشمي، عن سعيد المـُقْبُري، عن أبيه، عن أبي هريرة.
أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: « أما ترضى أن تكون مني
بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنه لا نبي بعدي ».
وأمّا ما روي عن أبي سعيد [ الخدري ].
فأخبرناه أبو القاسم العلوي، أنا أبو الحسن المقرىء، أنا أبو محمد المصري، أنا أبو بكر المالكي، نا أبو الأصبغ محمد بن عبد الرحمن بن كامل الأسدي، نا يزيد بن مهران الخباز أبو خالد، نا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري.
أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى ».
هذا حديث غريب من حديث أبي صالح ذَكْوَان، والمحفوظ حديث الأعمش عن عطية.
أخبرناه أبو القاسم بن السمرقندي، أنا عاصم بن الحسن بن محمد، أنا أبو عمر بن مهدي، أنا أبو العبّاس بن عقدة، نا أحمد بن يحيى، نا عبد الرحمن - يعني ابن شريك - نا أبي، نا الأعمش، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري قال:
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي في غزوة تبوك: « أخلفني في أهلي »، فقال علي: يا رسول الله إنّي أكره أن تقول العرب خذل ابن عمه وتخلّف عنه، فقال: « أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ » قال: بلى، قال: واخلفني.
وأخبرناه أبو القاسم عبيد الله، وأبو الحسن علي ابنا حمزة بن إسماعيل الموسويان وأبو العبّاس أحمد بن محمد بن أحمد الاشكيدباني، وأبو جعفر محمد بن علي بن محمد المشاط الطبري، وأبو النضر عبد الرحمن بن عبد الجبار بن عثمان، وأبو الفتح محمد بن الموفق بن محمد الجُرجاني، وأبو المظفر
عبد الفاطر بن عبد الرحيم بن عبدالله السّقطي، وأبو محمد عبد الرفيع ابن عبدالله بن أبي اليَسَر الضراب قالوا: أنا نجيب بن ميمون، أنا منصور بن عبدالله بن خالد الخالدي، أنا أحمد بن محمد بن عيسى النهركي - بالأهواز - نا هشام بن علي السيرافي، نا سهل بن عثمان العسكري، نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري قال:
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: « يا علي، ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنه لا نبي بعدي ».
وأخبرناه عالياً أبو محمد هبة الله بن سهل، أنا أبو عثمان البَحيري، أنا أبو عمرو بن حمدان، أنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي، نا أبو الربيع الزهراني، نا محمد بن خازم، نا الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد قال:
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنه لا نبي بعدي ».
وأخبرناه أبو العزّ أحمد بن عبيد الله، أنا أبو محمد الجوهري، أنا أبو الحسن بن لؤلؤ، أنا أبو حفص عمر بن أيوب السقطي، نا أبو معمر، نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري:
أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى ».
وأخبرناه أبو عبدالله يحيى بن الحسن - لفظاً - وأبو القاسم إسماعيل بن أحمد، قالا: أنا أبو الحسين بن النقور، أنا أبو الحسين ابن أخي ميمي.
ح وأخبرناه أبو يعقوب يوسف بن أيوب بن الحسين، وأبو بكر المـَزْرَفي، قالا: نا أبو الحسين بن المهتدي، نا عمر بن إبراهيم الكتاني.
قالا: نا عبدالله بن محمد البغوي، نا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، عن
الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري قال:
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي بن أبي طالب: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنه لا نبي بعدي ».
أخبرنا أبو القاسم زاهر بن محمد بن أبي طاهر المغازلي، وأبو الفتح إسماعيل بن محمد بن أبي الفتح الطرسوسي، وأبو عمرو عبد الرزاق بن محمد ابن أحمد الأبهري، وأبو إبراهيم عبد الكريم بن عمر بن أحمد الجَهبذ، وجمعة بنت أحمد بن محمد القصّار، قالوا: أنا أبو عبدالله القاسم بن الفضل بن أحمد الثقفي، نا محمد بن موسى بن الفضل، نا محمد بن يعقوب بن يوسف، نا أحمد بن عبد الجبار العطاردي، نا أبو معاوية الضّرير، عن الأعمش.
ح وأخبرنا أبو محمد إسماعيل بن أبي القاسم، أنا أبو حفص بن مسرور، نا أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن حمدويه، نا أبو الحسن محمد ابن جعفر الخوارزمي، نا عيسى بن أحمد العسقلاني، نا يحيى بن عيسى الرّملي، نا الأعمش، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد - زاد الرّملي: الخُدْري قال:
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنه لا نبي بعدي ».
أخبرنا أبو القاسم بن الحُصين، أنا أبو علي بن المـُذْهِب، أنا أحمد بن جعفر، نا عبدالله بن أحمد، حدثني أبي.
ح وأخبرنا أبو القاسم زاهر بن طاهر، أنا أبو نصر بن موسى، أنا أبو زكريا الحربي، أنا عبدالله بن الشرقي، نا عبدالله بن هاشم.
قالا: نا وكيع، نا فُضَيل بن مرزوق، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنه لا نبي بعدي ».
أخبرنا أبو الحسن الفقيه الشافعي، نا عبد العزيز بن أحمد - إملاء - نا أبو القاسم طلحة بن علي بن الصقر الكتاني البغدادي - بها - أنا أبو الحسين أحمد ابن عثمان بن يحيى الآدمي، نا عبّاس بن محمد الدوري، نا أبو الجواب، نا عمّار بن زُرَيق، عن الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد قال:
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي حين غزا تبوك: « أخلفني في أهلي » قال: يا رسول الله أنّى الحرة أن أتخلّف عنك، قال: « أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى » قال: بلى، قال: « فاخلفني ».
أخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي، أنا أبو محمد الصريفيني، أنا أبو القاسم بن حبابة، نا أبو القاسم البغوي، نا أحمد بن منصور، نا أبو نُعيم، نا فُضَيل، عن عطية، نا أبو سعيد قال:
غزا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم غزاة تبوك وخلّف علياً في أهله، فقال بعض الناس: ما منعه أن يخرج به إلّا أنه كره صحبته، فبلغ ذلك علياً، فذكر ذلك للنبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: « يا ابن أبي طالب، أما ترضى أن تنزل مني بمنزلة هارون من موسى ».
أخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي، أنا أبو محمد بن أبي عثمان، وأبو طاهر أحمد بن محمد بن إبراهيم.
ح وأخبرنا أبو عبدالله محمد بن أبي طاهر، أنا أبي، قالا: أنا إسماعيل ابن الحسن، نا أبو عبدالله المحاملي، نا أحمد بن محمد ابن بنت حاتم، نا عبد الرحمن - يعني ابن جَبَلة - نا عمرو بن النعمان، عن حمزة بن عبدالله الغنوي، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري.
أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنه لا نبي بعدي ».
وأخبرنا أبو الحسين مكي بن أبي طالب بن أحمد البُرُوجردي - بمنى -، أنا أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن خَشْنَام الصيدلاني، أنا أبو محمد عبدالله بن يوسف، أنا أبو القاسم جعفر بن محمد بن علي - بالكوفة - نا محمد بن جعفر بن رباح الأشجعي، نا علي بن المنذر الطريقي، نا محمد بن فُضَيل، نا فُضَيل بن مرزوق، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري قال:
خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في غزوة تبوك قال: فخلّف علياً في أهله، فقال بعضهم: ما خلّفه إلّافي موجدة وجدها عليه، فذكر ذلك للنبي صلّى الله عليه وسلّم، فقال: « يا ابن أبي طالب، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى »؟
وأمّا ما رُوي عن جابر بن عبدالله:
فأخبرناه أبو القاسم علي بن إبراهيم، وأبو الحسن علي بن أحمد، قالا: نا - أبو منصور بن زريق، أنا - أبو بكر الخطيب، أخبرني أبو القاسم الأزهري، نا يوسف بن عمر القواس، والمعافى بن زكريا الجُرَيري، قالا: نا ابن أبي الأزهر.
ح قال: وأنا الحسن بن علي الجوهري، أنا أحمد بن إبراهيم، نا أبو بكر ابن أبي الأزهر، نا أبو كريب محمد بن العلاء، نا إسماعيل بن صُبَيح، نا أبو أويس، نا محمد بن المنكدر، نا جابر قال:
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي: « أما ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنه لا نبيّ بعدي ولو كان لكنته ».
قال الخطيب: قوله: « ولو كان لكنته » زيادة لا نعلم رواها إلّا ابن أبي الأزهر، والصواب: ما أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن الصلت، أنا أبو العبّاس أحمد بن محمد بن سعيد الكوفي، نا أحمد بن يحيى الصّوفي، نا إسماعيل بن صبيح اليشكري، نا أبو أويس بإسناده نحوه، ولم يذكر الزيادة.
أخبرناه عالياً أبو القاسم بن الحُصَين، أنا أبو طالب بن غيلان، أنا أبو بكر الشافعي - إملاء - نا محمد بن يونس بن موسى، نا عاصم بن علي، نا أبو إدريس، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبدالله قال:
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي: « أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنه لا نبيّ بعدي ».
أخبرنا أبو غالب، وأبو عبدالله ابنا البنّا، قالا: أنا أبو سعد محمد بن الحسين بن أحمد بن عبدالله بن أبي علانة، أنا أبو طاهر المخَلّص، نا يحيى بن محمد بن صاعد، نا محمد بن يحيى بن عبد الكريم الأزدي، نا عبدالله بن داود، أنا محمد بن علي السُّلَمي، عن عبدالله بن محمد بن عقيل، عن جابر.
أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى ».
أخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي، أنا أبو القاسم بن البُسري، وأبو محمد ابن أبي عثمان، وأبو طاهر القَصّاري.
وأخبرنا أبو عبدالله بن القَصّاري، أنا أبي أبو طاهر قالوا: أنا أبو القاسم إسماعيل بن الحسن الصَّرصري، أنا أبو عمر حمزة بن القاسم الهاشمي، نا عباس الدوري، نا عبيد الله بن موسى، أنا شريك بن عبدالله القاضي، عن عبدالله ابن محمد بن عقيل عن جابر قال:
رأيت عليّاً يلوذ بناقة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في غزوة تبوك ويقول: تخلّفني؟ [ قال ] « أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنه لا نبي بعدي ».
وأخبرنا أبو القاسم بن الحُصَين، أنا أبو علي بن المـُذهِب، أنا أبو بكر القَطيعي، نا عبدالله بن أحمد، حدثني أبي، نا شاذان أسود بن عامر، نا شريك،
عن عبدالله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبدالله قال:
لما أراد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يخلّف علياً، قال له علي: ما يقول الناس فيّ إذا خلّفتني؟ قال: فقال: « أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنه لا نبي بعدي، أو لا يكون بعدي نبيّ؟ ».
وأمّا ما رُوي عن البَرَاء وزيد:
فأخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي، أنا أبو القاسم إسماعيل بن مَسعدة، أنا أبو القاسم حمزة بن يوسف، أنا أبو أحمد بن عَدي، أنا الساجي، نا بُنْدار، نا محمد بن جعفر، نا عوف، عن ميمون أبي عبدالله، عن البراء بن عازب، وزيد ابن أرقم أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: « أنت مني كهارون من موسى، غير أنّك لست بنبي ».
وأمّا ما روي عن جابر بن سمرة:
فأخبرناه أبو محمد طاهر بن سهل، أنا أبو الحسين بن مكي، أنا أبو الحسين أحمد بن عبدالله بن حميد بن زريق.
ح وأخبرناه أبو محمد عبد الكريم بن حمزة، أنا أبو الحسن بن أبي الحديد، أنا جدي [ أبو بكر، قالا: أنا محمد ] بن يوسف الهروي.
وأخبرنا أبو القاسم النّسيب، أنا أبو المكارم حيدرة بن الحسين بن مُفْلِح، أنا أبو عبدالله بن أبي كامل الأطرابلسي.
ح وأخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد الفقيه، أنا أبو القاسم بن أبي العلاء، أنا أبو محمد بن أبي نصر، قالا: أنا خيثمة بن سليمان قالا: نا أحمد بن حازم ابن أبي غرزة، أنا إسماعيل بن أبان، نا ناصح بن عبدالله المحلمي، عن سِمَاك بن حرب، عن جابر بن سمرة قال:
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي: « أنت - وفي حديث خيثمة:
علي - مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه - وقال خيثمة: إلّا أنه - لا نبي بعدي ».
وأمّا ما روي عن أنس [ بن مالك ].
فأخبرناه أبو يعلى محمد بن أسعد بن أبي عمر ذؤيب بن أبي بكر القرشي العبشمي، وأبو رَوْح عبد المولى بن عبد الباقي بن محمد بن زيد الأزدي، وأبو بكر خلف بن الموفق بن أبي بكر الوكيل، قالوا: أنا أبو سهل نجيب بن ميمون بن سهل الواسطي، نا أبو علي منصور بن عبدالله بن خالد الخالدي، أنا الحسن بن علي بن منصور الواسطي، نا خلف بن محمد بن محمد ابن عيسى، نا يزيد بن هارون، نا نوح بن قيس الطاحي، حدثني أخي خالد بن قيس الطاحي، عن قتادة، عن أنس قال:
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنه لا نبي بعدي ».
أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن أحمد بن عمر، أنا محمد بن علي بن الفتح، نا محمد بن أحمد بن إسماعيل بن حسين الواعظ، نا محمد بن يونس المقرىء، نا جعفر، نا شاكر، نا الخليل بن زكريا، نا محمد بن ثابت، حدثني أبي، عن أنس.
أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: « يا علي أنت مني وأنا منك، أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا يوحى إليك ».
وأمّا ما روي عن زيد بن أبي أوفى:
فأخبرناه أبو محمد عبد الكريم بن حمزة، أنا أبو الحسن بن أبي الحديد، أنا جدي أبو بكر، أنا محمد بن يوسف الهروي، أنا محمد بن عبدالله ابن عبد الحكم، أن محمد بن إسماعيل بن مرزوق، حدثهم عن أبيه، عن شُرَحبيل بن سعد، عن زيد بن أبي أوفى قال:
دخل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المسجد، فقام علي فقال: « إنك مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبيّ بعدي ».
وأمّا ما رُوي عن نبيط بن شريط:
فأخبرناه أبو بكر محمد بن عبد الباقي، نا أبو بكر الخطيب، أنا أبو الحسن علي بن يحيى، عن جعفر بن عبد كوية، أنا أبو الحسن أحمد بن القاسم ابن الريان المصري، نا أحمد بن إسحاق بن إبراهيم بن نبيط بن شريط أبو جعفر الأشجعي بمصر، حدثني أبي، عن أبيه، عن جده عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنه لا نبي بعدي ».
وأمّا ما رُوي عن حُبْشي بن جُنادة:
فأخبرناه أبو القاسم هبة الله بن عبدالله، أنا أبو بكر الخطيب، أنا محمد ابن عبدالله بن شهريار، أنا سليمان بن أحمد الطبراني.
ح وأخبرنا أبو علي المقرىء في كتابه، وحدثني أبو مسعود عبد الرحيم ابن علي عنه، أنا أبو نعيم أحمد بن عبدالله الحافظ، نا سليمان بن أحمد.
نا محمد بن إسماعيل بن أحمد بن أسيد الأصبهاني، نا إسماعيل بن عبدالله النهدي، نا إسماعيل بن أبان الوراق، نا أبو مريم عبد الغفار بن القاسم، عن أبي إسحاق عن حُبْشي بن جُنادة الشامي قال:
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنه لا نبي بعدي ».
وأمّا ما رُوي عن مالك بن الحويرث:
فأخبرناه أبو القاسم بن السمرقندي، أنا أبو القاسم الجُرجاني، أنا أبو القاسم حمزة بن يوسف، أنا عبدالله بن عدي، نا ابن زيدان، نا الحسن بن علي الحلواني.
قال: ونا الحسن بن مَعْمَر، نا الحسن بن أبي يحيى، قالا: نا عمران بن أبان، نا مالك بن الحسن، حدثني أبي [ عن جدي ] قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي: « أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنه لا نبي بعدي ».
وأمّا ما رُوي عن أبي الفيل:
فأخبرناه أبو العلاء عُبيس وأبو الوفاء عتيق، أنا محمد بن عُبيس، وأبو بكر ناصر بن منصور بن محمد [ الشوكاني ] بشَوكان، قالوا: أنا أبو طاهر محمد ابن عبيس، أنا أحمد بن محمد الزعفراني، أنا الحسين بن هارون القاضي، نا أبو الحسين عبدالله بن محمد بن شاذان، نا محمد بن سهل، نا عمرو بن عبد الجبار ابن عمرو اليمامي، نا أبي، عن جدي، حدثني شقيق بن عامر بن غيلان بن أبي الفيل صاحب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، حدثني أبي، عن جدي عن أبي الفيل قال:
لما خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في غزاة تبوك استخلف عليّ بن أبي طالب على المدينة، فماج المنافقون بالمدينة وفي عسكر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقالوا: كره قربه وساء فيه رأيه، فاشتدّ ذلك على عليّ فقال: يا رسول الله تخلّفني مع النساء والصبيان؟ أنا عائذ بالله من سخط الله وسخط رسوله، فقال: « رضي الله عنك يا أبا الحسن برضاي عنك، فإنّ الله عنك راضٍ، إنّما منزلك مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبي بعدي »، فقال علي: رضينا، رضينا.
وأمّا ما رُوي عن أم سلمة:
فأخبرناه أبو الفضل الفُضَيلي، أنا أبو القاسم الحنبلي، أنا أبو القاسم الخزاعي، أنا الهيثم بن كليب الشاشي، نا ابن أبي الحنين الكوفي، نا سعيد بن
عثمان الخراز، عن يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه سلمة بن كُهَيل، عن المنهال بن عمرو، عن عامر بن سعد، عن أبيه سعد بن أبي وقاص، عن أم المؤمنين أم سلمة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي بن أبي طالب: « ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنه ليس بعدي نبي »؟
وأمّا ما رُوي عن أسماء:
فأخبرناه أبو الحسن علي بن أحمد بن قُبيس، نا - وأبو منصور محمد بن عبد الملك بن خيرون، أنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب.
ح وأخبرناه أبو روح محمد بن معمر بن أحمد بن محمد بن عمر بن أبان العبدي اللُّنْباني، وأبو بكر محمد بن أبي نصر بن أبي بكر اللفتواني، وأبو صالح عبد الصمد بن عبد الرحمن بن أحمد الحنوي، قالوا: أنا رزق الله بن عبد الوهاب التميمي.
أنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن حمّاد الواعظ، نا يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن البهلول بن حسّان، أخبرني جدي - قراءة عليه - عن أبيه، عن غياث بن إبراهيم، عن موسى الجهني.
عن فاطمة بنت علي عن أسماء بنت عميس: أنها سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول لعلي: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبي بعدي ».
أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن أحمد بن عمر، أنا أبو طالب محمد بن علي ابن الفتح، أنا أبو الحسين بن سمعون - إملاء - نا محمد بن جعفر الطبري، نا محمد بن يوسف بن عيسى، حدثني إسماعيل بن أبان، نا جعفر بن زياد الأحمر التيمي، وعلي بن هاشم بن البريد، وحفص بن عمران الفزاري عن موسى الجهني عن فاطمة بنت علي بن الحسين، عن أسماء بنت عميس، قالت:
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: « أنت بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنه لا نبي بعدي ».
أخبرنا أبو غالب بن البنّا، أنا أبو الغنائم بن المأمون، أنا أبو الحسن الدارقطني، نا أحمد بن محمد بن سعيد، نا محمد بن أحمد بن الحسن القطواني، نا حمّاد بن أعين الصّايغ، نا الحسن بن جعفر بن الحسن الحسني، نا هارون بن سعد، وعبد الجبّار بن العبّاس، وحلو بن السري، عن موسى الجهني، قال:
قلت لفاطمة بنت علي: أتحفظين عن أبيك شيئاً؟ قالت: لا، ولكن حدثتني أسماء بنت عميس أنّها سمعت النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول لعلي: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنه لا نبي بعدي ».
قال حلو بن السّري: وحدثني عروة بن عبدالله الجُعفي أبو مَهْل أنه كان مع موسى الجهني قال: ودخل على فاطمة بنت علي حين حدثت موسى بهذا الحديث عن أسماء بنت عميس عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
أخبرنا أبو القاسم عبد الصمد بن محمد، أنا أبو الحسن علي بن محمد ابن أحمد، نا أحمد بن محمد بن موسى بن الصلت، أنا أبو العبّاس بن عقدة، نا يعقوب بن يوسف بن زياد، نا الحسن بن علي الرّزّاز، نا أسباط بن نصر، ومنصور بن أبي الأسود، عن موسى الجهني، عن فاطمة بنت علي، عن أسماء بنت عميس:
أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنه لا نبي بعدي ».
أخبرناه عالياً أبو القاسم بن الحصين، وأبو نصر بن رضوان، وأبو علي ابن السبط، وأبو غالب بن البنّا، قالوا: أنا أبو محمد الجوهري، أنا أبو بكر بن مالك، أنا إسحاق بن الحسن الحربي، نا أبو نُعَيم الفضل بن دكين، نا الحسن بن صالح
بن حيّ، عن موسى الجهني، عن فاطمة بنت علي، عن أسماء بنت عميس.
أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنه ليس بعدي نبي ».
أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد الفقيه، وعلي بن الحسن بن سعيد، قالا: نا - وأبو النجم بدر بن عبدالله الشّيحي، أنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الحافظ، أخبرني أبو الحسن علي بن عبدالله المقرىء، نا أحمد بن الفرج بن منصور بن محمد بن الحجاج الورّاق، نا عبدالله بن الفضل - وراق عبد الكريم - نا أبو البَخْتَري عبدالله بن محمد بن شاكر، نا جعفر بن عون.
ح قال: وأنا أبو سعيد محمد بن موسى الصّيرفي، نا أبو العبّاس محمد بن يعقوب الأصم، نا إبراهيم بن عبدالله العبسي، نا جعفر بن عون، حدثني موسى الجهني، عن فاطمة ابنة علي قالت:
حدثتني أسماء ابنة عميس أنها سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول لعلي: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنه ليس بعدي نبي ».
لفظ حديث أبي البَختري.
أخبرنا أبو الحسن علي بن المسلّم الفقيه، وأبو الفتح ناصر بن عبد الرحمن، قالا: أنا أبو القاسم بن أبي العلاء، أنا القاضي أبو نصر محمد بن أحمد ابن هارون، أنا خيثمة بن سليمان، أنا إبراهيم بن عبدالله العبسي، أنا جعفر بن عون، عن موسى الجهني.
قال: ونا خيثمة، نا أحمد بن حازم بن أبي غرزة، أنا أبو غسان مالك بن إسماعيل.
ح قال: ونا خَيثمة، نا محمد بن عوف، نا علي بن قادم، قالا: نا جعفر بن زياد التيميّ الأحمر، عن موسى الجُهَني.
قال: ونا خَيثمة، نا أحمد بن حازم، نا أبو غسان، نا مسعود بن سعيد الجُعفي، عن موسى الجُهَني قال: قلت لفاطمة ابنة علي: هل تحفظين من أبيك شيئاً؟ قالت: لا، إلّا أن أسماء بنت عميس حدثتني أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنه لا نبي بعدي ».
أخبرنا أبو البركات عمر بن إبراهيم الزّيدي، أنا أبو الفرج محمد بن أحمد بن علّان بن الخازن، أنا القاضي أبو عبدالله محمد بن عبدالله بن الحسين الجعفي، نا أبو الحسن علي بن محمد بن هارون بن زياد الحِمْيري، نا عبدالله ابن سعيد، أنا أبو الأجلح، عن موسى الجهني، عن فاطمة ابنة علي.
عن أسماء بنت عميس قالت: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول لعلي: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنه لا نبي بعدي ».
أخبرنا أبو القاسم بن الحُصَين، أنا أبو علي بن المُذْهِب، أنا أحمد بن جعفر، نا عبدالله بن أحمد، حدثني أبي، نا عبدالله بن نُمَير، نا موسى الجهني، حدثتني فاطمة بنت علي، حدثتني أسماء بنت عميس قالت: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول لعلي: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنه لا نبي بعدي ».
أخبرنا أبو القاسم علي بن إبراهيم، نا أبو منصور محمد بن عبدالله، أنا أبو بكر الخطيب، أنا أحمد بن محمد العتيقي، أنا أبو المفضل محمد بن عبدالله النسائي - بالكوفة - نا محمد بن يوسف بن نوح البلخي - في سوق يحيى - نا عبدالله بن أحمد بن نوح البلخي العوادي، نا أبي، نا عيسى بن موسى الغُنْجار، عن أبي حمزة محمد بن ميمون، عن موسى بن أبي موسى الجهني قال: قلت لفاطمة بنت علي: حدّثيني حديثاً، قالت: حدثتنا أسماء بنت عميس أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنه لا نبي بعدي ».
أخبرنا أبو البركات الأنماطي، وأبو عبدالله البلخي، قالا: أنا أبو الحسين ابن الطّيّوري، وثابت بن بُنْدار، قالا: أنا الحسين بن جعفر - زاد ابن الطّيّوري: وأبو نصر محمد بن الحسن، قالا: - أنا أبو العبّاس الوليد بن بكر، أنا علي بن أحمد بن زكريا، أنا صالح بن أحمد، حدثني أبي، عن أبيه قال: ويُرْوى عن موسى الجهني قال: جاءني عمرو بن قيس المـُلائي وسفيان الثوري فقالا لي: لا تحدث هذا الحديث في الكوفة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى »، وإنّما كرها روايته بالكوفة لئلا يُحمل على غير جهته المعروفة ويظنُ أنه نصّ على عليّ بالخلافة، وإنّما أراد به توليته المدينة واستخلافه.
وأمّا ما رُوي عن فاطمة بنت حمزة:
فأخبرناه أبو القاسم الواسطي، أنا أبو بكر الخطيب، أخبرني أبو الفضل عبيد الله بن أحمد بن علي الفزاري، أنا عمر بن إبراهيم المقرىء، أنا أحمد بن محمد بن علي الديباجي، حدثني أحمد بن عبدالله بن زياد التستري، نا عبد الرحمن بن عمرو بن جبلة، قال: حدثتنا حسنة ابنة أبي الصلت العثمية قالت: حدثتني كريمة ابنة عقبة قالت: سمعت فاطمة بنت حمزة تقول: كنت عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فسمعته يقول: « علي مني بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنه لا نبي بعدي ».
ويدلّ على ما قلناه ما
أخبرنا أبو سهل محمد بن إبراهيم، أنا أبو الفضل الرازي، نا جعفر بن عبدالله، نا محمد بن هارون، نا ابن إسحاق، أنا هوذة، نا عوف، عن ميمون، عن البراء بن عازب، عن زيد بن أرقم قال:
لما عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بجيش العسرة قال لعلي: « إنّه لا بدّ
من أن تقيم أو أقيم »، قال: فخلّف علياً وسار، فقال ناس: ما خلّفه إلّا لشيء كرهه منه، فبلغ ذلك عليّاً، فاتّبع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى انتهى إليه، فقال: « ما جاء بك يا علي؟ » فقال: يا رسول الله سمعت ناساً يزعمون أنك إنّما خلّفتني لشيء كرهته مني؟ قال فتضاحك إليه وقال: « ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنك لستَ نبي »؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: « فإنه كذلك ».
أخبرنا أبو المعالي محمد بن يحيى القرشي، أنا أبو الحسن علي بن الحسن بن الحسين، أنا أبو العباس أحمد بن الحسين بن جعفر العطار، نا أبو محمد الحسن بن رشيق، نا أبو عبدالله محمد بن رزيق بن جامع، نا سفيان بن بشر الأسدي، نا علي بن هاشم، عن علي بن حزور، عن ابن عمّ له، عن أنس بن مالك قال:
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي يوم غزوة تبوك: « أما ترضى أن يكون لك من الأجر مثل مالي، ولك من المغنم مثل مالي »(١) .
« أخبرنا أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك الأنماطي، أنا أبو بكر محمد بن المظفّر بن بكران الشامي، نا أبو الحسن أحمد بن محمد العتيقي، أنا أبو يعقوب محمد بن يوسف بن أحمد بن الدجيل، نا أبو جعفر محمد بن عمرو العقيلي، حدثني علي بن سعيد، نا عبدالله بن داهر بن يحيى الرازي، حدثني أبي، عن الأعمش، عن عباية الأسدي، عن ابن عباس، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لُامّ سلمة: يا اُم سلمة، إن عليّاً لحمه من لحمي ودمه دمي وهو منّي بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي »(٢) .
____________________
(١). تاريخ دمشق لابن عساكر ٤٢ / ١٣٩ - ١٨٤.
(٢). تاريخ دمشق لابن عساكر ٤٢ / ٤٢.
(٤١)
رواية أبي طاهر ابن سلفة
وأما رواية أبي طاهر أحمد بن محمد بن سلفة الإصبهاني، فظاهرة من عبارة ( الرياض النضرة ) الآتية.
(٤٢)
رواية الموفق الخوارزمي
ورواه الموفّق بن أحمد المكي الخوارزمي الشهير بأخطب خوارزم بعد رواية حديث الطير بسنده: « وبهذا الإسناد عن أبي عيسى الترمذي هذا قال: حدثنا قتيبة قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل عن بكير بن مسمار عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال:
أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً فقال: ما منعك أنْ تسبَّ أبا تراب؟ قال: أما ما ذكرت فإني سمعت ثلاثاً قالهنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلنّ أسبّه، لأن تكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من حمر النعم:
سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول لعلي - وخلّفه في بعض مغازيه - فقال له علي: أتخلّفني مع النّساء والصبيان؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبوّة بعدي.
وسمعته يقول يوم خيبر: لأعطينّ الرّاية غداً رجلاً يحبّه الله ورسوله ويحبّ الله ورسوله، قال: فتطاولنالها. فقال: ادعوالي علياً. قال: فأتي به أرمد، فبصق في عينيه، فدفع إليه الراية ففتح الله عليه.
أنزلت هذه الآية وهي قوله تعالى:( فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ ) الآية. فدعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: أللهم هؤلاء أهلي.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح من هذا الوجه.
قال المصنف: قولهعليهالسلام : أما ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى. أخرجه الشيخان في صحيحيهما بطرقٍ كثيرة »(١) .
وقال الخوارزمي: « أخبرنا الشيخ الزاهد أبو الحسن علي بن أحمد العاصمي قال: أخبرنا إسماعيل بن أحمد الواعظ قال: أخبرنا والدي أحمد بن الحسين البيهقي قال: أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن علي المقري قال أخبرنا الحسن بن محمد بن إسحاق الإسفرايني قال: حدثنا يوسف بن يعقوب القاضي قال: حدثنا محمد بن أبي بكر قال: حدثنا يوسف الماجشون قال حدثنا محمد بن المنكدر عن سعيد بن المسيّب عن عامر بن سعد قال:
سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه ليس معي نبي. قال سعيد: فأحببت أن أشافه بذلك سعداً، فلقيته، فذكرت له الذي ذكر لي عامر فقال: نعم سمعته يقول: قلت: أنت سمعته؟ فأدخل إصبعيه في أذنيه ثم قال: نعم وإلّا فاستكّتا»(٢) .
قال: « أخبرنا الشيخ الفقيه العدل أبو بكر محمد بن عبيد الله أبي نصر بن الحسين الزاغوني بمدينة السلام، عن الشيخ الثقة أبي الليث وأبي الفتح نصر بن الحسين الشاشي، عن الشيخ أبي بكر أحمد بن منصور المغربي عن الشيخ الحافظ أبي بكر محمد بن عبدالله بن الحسين بن زكريا الشيباني الشاشي
____________________
(١). المناقب للخوارزمي: ١٠٨ رقم ١١٥.
(٢). المناقب للخوارزمي: ١٣٣ رقم ١٤٨.
المعروف بالجوزقي قال: أخبرنا أبو العباس الدغولي قال: حدثنا محمد بن مسكان قال: حدثنا أبو داود الطيالسي قال حدثنا شعبة عن سعد بن إبراهيم قال سمعت إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص يحدّث عن سعد: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي بن أبي طالب: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى. أخرج الشيخان هذا الحديث في صحيحيهما »(١) .
قال: « أنبأني أبو العلاء الحسن بن أحمد هذا قال: أخبرنا أبو جعفر محمد بن الحسن بن محمد الحافظ قال: أخبرنا أبو علي محمد بن محمد بن موسى بن محمد بن نعيم قال: أخبرنا أبو الحسن محمد بن الحسين بن داود قال حدثنا محمد بن يونس القرشي قال: حدثنا محمد بن الحسن بن معلى بن زياد الفردوسي قال: حدثنا أبو عوانة عن الأعمش عن الحكم عن مصعب بن سعد عن أبيه قال قال لي معاوية: أتحبّ علياً؟ قلت: وكيف لا أحبه وقد سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبي بعدي. ولقد رأيته بارز يوم بدر وهو يحمحم كما يحمحم الفرس ويقول:
بازل عامين حديثٌ سِنّي |
سنَحْنَح الليلِ كأنّي جنّي |
لمثل هذا ولدتني أمي »(٢)
(٤٣)
رواية الصّالحاني
وأمّا رواية أبي حامد الصالحاني، فتعلم من عبارة ( توضيح الدلائل ) وسنوردها في موضعها إن شاء الله تعالى.
____________________
(١). المناقب للخوارزمي: ١٣٨ رقم ١٥٧.
(٢). المناقب للخوارزمي: ١٥٧ رقم ١٨٧.
(٤٤)
رواية الفخر الرازي
ورواه فخر الدين محمد بن عمر الرازي حيث قال:
« وكان الأكابر من المهاجرين والأنصار يقولون: لا نستأذن النبيعليهالسلام في الجهاد، فإنّ ربنا ندبنا إليه مرةً بعد أخرى، فأيّ فائدة في الإستيذان؟ وكانوا بحيث لو أمرهم الرسول بالقعود لشقّ عليهم ذلك. ألا ترى أن علي بن أبي طالبرضياللهعنه لمـّا أمره رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بأنْ يبقى في المدينة شق عليه ذلك، ولم يرض إلى أن قال له الرسول: أنت مني بمنزلة هارون من موسى»(١) .
(٤٥)
رواية المبارك ابن الأثير
رواه في ( جامع الأصول ) بقوله:
« إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خلّف علي بن أبي طالب في غزوة تبوك فقال: يا رسول الله تخلّفني في النساء والصّبيان؟ فقال: أما ترضى أن تكون بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبي بعدي. وفي رواية: منّي، ولم يقل فيه: غير أنه لا نبي بعدي. أخرجه البخاري ومسلم.
ولمسلم: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي. قال ابن المسيّب: أخبرني بهذا عامر بن سعد عن أبيه، فأحببت أن أشافه سعداً، فلقيته فقلت: أنت سمعته من رسول الله
____________________
(١). التفسير الكبير للرازي ١٦ / ٧٦.
صلّى الله عليه وسلّم؟ فوضع إصبعيه على أذنيه فقال: نعم وإلّا فاستكّتا.
وفي رواية الترمذي مختصراً: قال لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى(١) .
إنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي. أخرجه الترمذي(٢) .
إن معاوية بن أبي سفيان أمر سعداً فقال له: ما يمنعك أنْ تسبّ أبا تراب؟ قال: أما ما ذكرت ثلاثاً قالهنّ له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلن أسبّه، لأن تكون لي واحدة منهنّ أحب إليّ من حمر النعم: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول له - وخلّفه في بعض مغازيه - فقال له علي: يا رسول الله خلفتني مع النساء والصّبيان؟ فقال رسول الله: أما ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبوة بعدي. وسمعته يقول يوم خيبر: لأعطينّ الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله. قال: فتطاولنا لها. فقال: أدعوالي عليّاً. فأتي به أرمد، فبصق في عينيه ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه، ولمـّا نزلت هذه الآية:( نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ ) دعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: أللهم هؤلاء أهلي. أخرجه مسلم والترمذي »(٣) .
____________________
(١). جامع الأصول ٨ / ٦٤٩ رقم ٦٤٨٩.
(٢). جامع الأصول ٨ / ٦٥٠ رقم ٦٤٩٠.
(٣). جامع الأصول ٨ / ٦٥٠ رقم ٦٤٩١.
(٤٦)
رواية أبي الحسن ابن الأثير
ورواه أبو الحسن علي بن محمد ابن الأثير الجزري بقوله: « أنبأنا أبو منصور مسلم بن علي بن محمد بن السنجي، أنبأنا أبو البركات ابن خميس أنبأنا أبو نصر بن طوق، أنبأنا أبو القاسم بن المرجي، أنبأنا أبو يعلى الموصلي حدثنا سعيد بن مطرّف الباهلي، حدثنا يوسف بن يعقوب الماجشون عن أبي المنذر، عن سعيد بن المسيّب عن عامر بن سعيد عن سعد أنه قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: أنت مني بمنزلة هارون من من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي. قال سعيد: فأحببت أنْ أشافه بذلك سعداً، فلقيته فذكرت له ما ذكر لي عامر، فقلت: أنت سمعته؟ فأدخل يديه في أذنيه وقال: نعم وإلّا فاستكّتا »(١) .
وقال بترجمة نافع بن الحارث بن كلدة: « وروي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى »(٢) .
(٤٧)
رواية أبي الربيع البلنسي
ورواه أبو الربيع البلنسي في كتابه ( الاكتفاء ) كما ستعلم.
(٤٨)
رواية ابن النجار
أمّا رواية ابن النجار، فهي تعلم من ( كنز العمال ) كما تقدم ويأتي.
____________________
(١). أسد الغابة ٣ / ٦٠٣.
(٢). أسد الغابة ٤ / ٥٢٥.
(٤٩)
رواية ابن طلحة القرشي
رواه في كتابه ( مطالب السئول ) حيث قال:
« وقد روى الأئمة الثقات: البخاري ومسلم والترمذي في صحاحهم بأسانيدهم أحاديث اتّفقوا عليها، وزاد بعضهم على بعض بألفاظ أخرى والجميع صحيح، فمنها:
عن سعد بن أبي وقاص قال: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خلّف عليّاً في غزوة تبوك على أهله، فقال: يا رسول الله تخلّفني في النساء والصبيان؟ فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي. قال ابن المسيب: أخبرني بهذا عامر بن سعد عن أبيه فأحببت أن أشافه سعداً، فلقيته فقلت له: أنت سمعته من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ فوضع إصبعيه على أذنيه وقال: نعم وإلّا استكّتا.
وقال جابر بن عبداللهرضياللهعنه : سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي.
وروى مسلم والترمذي بسنديهما: إن معاوية بن أبي سفيان أمر سعد بن أبي وقاص قال: ما منعك أن تسبّ أبا تراب؟ فقال: أما ما ذكرت ثلاثاً قالهنَّ له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلن أسبّه، لأن تكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من حمر النعم: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول له - إذ خلّفه في بعض مغازيه، فقال علي: خلّفتني مع النساء والصّبيان؟ فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي. وسمعته يقول - يوم خيبر -: لأعطينَّ الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله
ويحبّه الله ورسوله، فتطاولنا إليها، فقال: ادعوا لي عليّاً، فأتي به أرمد، فبصق في عينيه ودفع إليه الراية ففتح الله عليه »(١) .
(٥٠)
رواية سبط ابن الجوزي
ورواه سبط ابن الجوزي بقوله: « قال أحمد في المسند - وقد تقدم إسناده - حدثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة عن الحكم عن مصعب بن سعد، عن أبيه سعد بن أبي وقاص قال: خلّف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم علياً في غزاة تبوك، فقال: يا رسول الله تخلّفني في النساء والصبيان؟ فقال: ألا ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبي بعدي. أخرجاه في الصحيحين.
ولمسلم عن عامر بن سعد بن أبي وقاص قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً وقال له: ما منعك أنْ تسبَّ أبا تراب؟ فقال سعد: أما ما ذكرت ثلاثاً سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قالهنَّ له فلن أسبّه أبداً، لأن تكون لي واحدة منهنَّ أحبّ إليَّ من حمر النعم. وذكر منها حديث الراية وسنذكره فيما بعد إن شاء الله. الثانية: لمـّا نزل قوله تعالى:( قُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ ) (١) الآية، دعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم علياً وفاطمة والحسن والحسين وقال: أللهم هؤلاء أهلي. الثالثة: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقد خلّفه في بعض مغازيه فقال: يا رسول الله تركتني مع النساء والصبيان؟ فقال: ألا ترضى. وذكر الحديث »(٢) .
____________________
(١). مطالب السئول في مناقب آل الرسول: ٤٧.
(٢). تذكرة الخواص: ٢٧.
(٥١)
رواية الكنجي
ورواه أبو عبدالله محمد بن يوسف الكنجي في كتابه ( كفاية الطالب ) وسنذكر عبارته في موضعها في البحوث الآتية إن شاء الله تعالى.
(٥٢)
رواية النووي
ورواه يحيى بن شرف النووي في كتابه ( تهذيب الأسماء واللغات ) حيث قال: « روينا في صحيح البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاصرضياللهعنه : إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خلَّف علي بن أبي طالب في غزوة تبوك فقال: يا رسول الله تخلّفني في النساء والصبيان؟ فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي »(١) .
(٥٣)
رواية المحبّ الطبري
ورواه محبّ الدين أحمد بن عبدالله الطبري المكي بقوله:
« ذكر أنهرضياللهعنه من النبي صلّى الله عليه وسلّم بمنزلة هارون من موسى:
عن سعد بن أبي وقاص: إن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لعليرضياللهعنه : أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي، أخرجه البخاري ومسلم.
____________________
(١). تهذيب الأسماء واللغات ١ / ٣٤٦.
وعنه قال: خلّف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عليّاً في غزوة تبوك فقال: يا رسول الله خلّفتني في الصّبيان والنساء؟ فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي. خرجه مسلم وأبو حاتم.
وفي رواية أخرجها ابن إسحاق: إن النبي صلّى الله عليه وسلّم لمـّا نزل الجرف، طعن رجال من المنافقين في إمارة علي وقالوا: إنما خلّفه استثقالاً فخرج علي رضا، فحمل سلاحه حتى أتى النبي صلّى الله عليه وسلّم بالجرف فقال: يا رسول الله ما تخلّفت عنك في غزاةٍ قط قبل هذه، قد زعم ناس من المنافقين إنك خلّفتني استثقالاً، قال: كذبوا، ولكن خلّفتك لِما ورائي، فارجع فاخلفني في أهلي، أفلا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي »(١) .
(٥٤)
رواية الوصّابي
ورواه إبراهيم بن عبدالله الوصابي اليمني بقوله:
« عن سعد بن مالكرضياللهعنه قال: خلّف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم علي بن أبي طالب في غزوة تبوك. فقال: يا رسول الله أتخلّفني في النساء والصبيان؟ فقال: أما ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي. أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما، والترمذي في جامعه وابن ماجة في سننه، وأبو داود الطيالسي في مسنده، وأبو نعيم في فضائل الصحابة.
وعنهرضياللهعنه قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي بن أبي طالبرضياللهعنه : يا علي ألا ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنّه ليس بعدي نبي. أخرجه البخاري في صحيحه، والترمذي في جامعه
____________________
(١). ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى: ٦٣.
وابن ماجة في سننه.
وعنهرضياللهعنه قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول لعلي ثلاث خصال لأن تكون لي واحدة منها أحبّ إلي من الدّنيا وما فيها، سمعته يقول: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي. وسمعته يقول: لأعطينَّ الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله ليس بفرّار. وسمعته يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه. أخرجه ابن جرير في تهذيب الآثار، والإمام أبو عبدالله محمد بن يزيد بن ماجة القزويني في سننه ».
وقال بعد حديثٍ عن عليعليهالسلام : « وعنهرضياللهعنه قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين خلّفني على المدينة: خلّفتك لتكون خليفتي. قلت: كيف أتخلّف عنك يا رسول الله؟ قال: ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي. أخرجه الطبراني في الأوسط ».
قال: « وعن عامر بن سعد عن أبيه قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي ثلاث لأنْ تكون واحدة منهنّ أحبّ إليّ من حمر النعم: نزل على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الوحي، فأدخل علياً وفاطمة وابنيهما تحت ثوبٍ ثم قال: اللهم إنّ هؤلاء أهلي وأهل بيتي. وقال حين خلّفه في غزاةٍ غزاها فقال علي: يا رسول الله خلّفتني في النّساء والصبيان؟ فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ألا ترضى أنْ تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي. وقال له يوم خيبر: لأعطينّ الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله، يفتح الله على يديه، فتطاول المهاجرون لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم لواءه، فقال: أين علي؟ قالوا: أرمد. قال: ادعوه، فدعوه فتفل في عينيه وفتح الله على يديه. أخرجه الحافظ محبّ الدين ابن النجار في تاريخه »(١) .
____________________
(١). الإكتفاء في فضل الأربعة الخلفاء - مخلوط.
(٥٥)
رواية الحمويني
ورواه صدر الدين الحمويني في كتابه ( فرائد السمطين ) بطرقٍ متعدّدة وسنذكر عباراته فيما بعد إنْ شاء الله.
(٥٦)
رواية ابن سيد الناس
ورواه أبو الفتح محمد بن محمد المعروف بابن سيد الناس في ( سيرته ) بقوله:
« وفيما ذكر ابن إسحاق: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عندما أراد الخروج خلَّف علي بن أبي طالب، فأرجف المنافقون وقالوا: ما خلّفه إلّا استثقالاً وتخفّفاً منه، فأخذ علي سلاحه ثم خرج حتى لحق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو نازل بالجرف، فقال: يا نبيّ الله، زعم المنافقون أنّك إنما خلّفتني لأنك استثقلتني وتخفّفت مني. فقال: كذبوا ولكنّي خلّفتك لما تركت ورائي، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك، أفلا ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي، فرجع علي إلى المدينة »(١) .
(٥٧)
رواية ابن قيّم الجوزيّة
ورواه شمس الدين ابن قيّم الجوزيّة بقوله:
« قال ابن إسحاق: ولمـّا أراد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الخروج
____________________
(١). عيون الأثر في المغازي والسير ٢ / ٢١٧.
خلّف علي بن أبي طالب على أهله، فأرجف به المنافقون وقالوا: ما خلّفه إلّا استثقالاً وتخفّفاً منه، فأخذ علي سلاحه ثمّ خرج حتى أتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو نازل بالجرف فقال: يا نبي الله زعم المنافقون إنك إنما خلّفتني لأنك استثقلتني وتخفّفت مني. فقال: كذبوا، ولكنّي خلّفتك لما تركت ورائي، ارجع فاخلفني في أهلي وأهلك، أفلا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي. فرجع علي إلى المدينة »(١) .
(٥٨)
رواية اليافعي
ورواه عبدالله بن أسعد اليافعي بترجمة أمير المؤمنينعليهالسلام ، ونصّ على أنّه حديث صحيح(٢) .
(٥٩)
رواية ابن كثير الدمشقي
ورواه إسماعيل بن عمر الدمشقي المعروف بابن كثير حيث قال:
« رواية سعد بن أبي وقاص: ثبت في الصحيحين من حديث شعبة عن سعد بن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، عن سعد بن أبي وقاص: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبي بعدي؟ قال الإمام أحمد ومسلم والترمذي: ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا حاتم بن إسماعيل عن بكير بن مسمار عن عامر بن سعد عن
____________________
(١). زاد المعاد في هدي خير العباد ٣ / ٥٢٩ - ٥٣٠.
(٢). مرآة الجنان وعبرة اليقظان ١ / ١٠٩.
أبيه قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً فقال: ما يمنعك أنْ تسبَّ أبا تراب؟ قال: ثلاث قالهنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم له: لأنْ تكون لي واحدة منهنَّ أحبّ إليَّ من حمر النّعم. خلّفه في بعض مغازيه فقال: يا رسول الله تخلّفني مع النساء والصّبيان؟ فقال: أما ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبيّ بعدي
ثم قال الترمذي والنّسائي من حديث سعيد بن المسيّب عن سعد: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى.
وقال أحمد: ثنا أبو أحمد الزبيري، ثنا عبدالله بن حبيب بن أبي ثابت عن حمزة بن عبدالله، عن أبيه عبدالله بن عمر عن سعد قال: لمـّا خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى تبوك خلّف علياً فقال: أتخلّفني؟ فقال: أما ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي. وهذا إسناد جيّد ولم يخرجوه.
وقال أحمد: ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة عن سعيد بن إبراهيم قال: سمعت إبراهيم بن سعد يحدّث عن سعد عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال لعلي: أما ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى. أخرجاه من حديث محمد بن جعفر.
وقال أحمد: ثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، ثنا سليمان بن بلال، ثنا الجعيد بن عبد الرحمن عن عائشة بنت سعد عن أبيها: إنّ علياً خرج مع النبي صلّى الله عليه وسلّم حتى جاء ثنيّة الوداع وعلي يبكي يقول: تخلّفني مع الخوالف؟ فقال: أو ما ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا النبوة. إسناد صحيح ولم يخرجوه.
وقال الحسن بن عرفة العبدي: ثنا محمد بن حازم أبو معاوية الضرير،
عن موسى بن مسلم الشيباني، عن عبد الرحمن بن سابط عن سعد بن أبي وقاص - وقد ذكروا عليّاً - فقال سعد: سمعت رسول الله يقول له ثلاث خصال لأن تكون لي واحدة منهنَّ أحبّ إليَّ من الدنيا وما فيها: سمعته يقول: من كنت مولاه فعليّ مولاه. وسمعته يقول: لأعطينَّ الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله. وسمعته يقول: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي. إسناده حسن ولم يخرجوه.
وقال أبو زرعة الدّمشقي: ثنا أحمد بن خالد الوهبي، ثنا أبو سعيد ثنا محمد بن إسحاق، عن أبي نجيح عن أبيه قال: لمـّا حجّ معاوية أخذ بيد سعد بن أبي وقاص فقال: يا أبا إسحاق إنا قوم قد أجفانا هذا الغزو عن الحج حتى كدنا أنْ ننسى بعض سننه، فطف نطف بطوافك. قال: فلمـّا فرغ أدخله في دار الندوة فأجلسه معه على سريره، ثم ذكر له علي بن أبي طالب فوقع فيه. فقال: أدخلتني دارك وأجلستني على سريرك ثم وقعت في علي تشتمه، والله لأنْ تكون لي إحدى خلاله الثلاث أحبّ إليَّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس، لأن يكون لي ما قال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين غزا تبوك: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي. أحبّ إليّ ممّا طلعت عليه الشمس. ولأن يكون لي ما قال يوم خيبر: لأعطينَّ الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله يفتح الله عليه ليس بفرار، أحبّ إليّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس. ولأن أكون صهره على ابنته فلي منها من الولاء ما له أحبّ إليّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس. لا أدخل عليك داراً بعد هذا اليوم. ثم نفض رداءه ثم خرج.
وقال أحمد: ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن الحكم، عن مصعب بن سعد عن سعد قال: خلّف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم علي بن أبي طالب، فقال: يا
رسول الله تخلّفني في النساء والصبيان؟ قال: أما ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبي بعدي. إسناده على شرطهما ولم يخرجوه.
وهكذا رواه أبو عوانة: عن الأعمش عن الحكم عن مصعب عن سعد عن أبيه.
ورواه أبو داود الطيالسي: عن شعبة عن عاصم عن مصعب عن أبيه.
فالله أعلم »(١) .
(٦٠)
رواية علاء الدّولة السمناني
ورواه أحمد بن محمد بن أحمد الملقّب بعلاء الدولة السمناني، في كتابه ( العروة الوثقى ) وستعلم ذلك فيما بعد.
(٦١)
رواية الخطيب التبريزي
رواه في ( المشكاة ) بقوله: « عن سعد بن أبي وقاص قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي. متفق عليه »(٢) .
____________________
(١). تاريخ ابن كثير ٧ / ٣٤٠ - ٣٤١، مع بعض الإختلاف في الألفاظ وترتيب الروايات.
(٢). مشكاة المصابيح ٣ / ١٧١٩.
(٦٢)
رواية الجمال المزّي
ورواه جمال الدين يوسف بن عبد الرحمن المزي حيث قال:
« إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص الزهري عن أبيه سعد حديث ( خ م س ت ) إنه قال لعلي: أما ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى.
( خ ) في الفضائل عن بندار ( م ) فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي موسى وبندار، وثلاثتهم عن غندر عن شعبة عن سعد بن إبراهيم عنه به.
( س ) في المناقب ( ق ) في السنة جميعاً عن بندار به »(١) .
قال: « حديث ( م ت س ). إنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى.
( م ) في الفضائل عن يحيى ومحمد بن الصباح وعبيد الله بن عمر القواريري وشريح بن يونس، أربعتهم عن يوسف بن الماجشون، عن محمد بن المنكدر، عن سعيد بن المسيب، عن عامر بن سعد عن أبيه به. قال سعيد: فلقيت سعداً فحدّثني به.
( ت ) في المناقب عن القاسم بن دينار الكوفي، عن أبي نعيم عن عبد السلام بن حرب عن يحيى بن سعيد عنه. ولم يذكر عامر بن سعد وقال: صحيح. ويستغرب من حديث يحيى بن سعيد.
( س ) فيه وفي السير عن القاسم بن زكريا به. وعن علي بن مسلم عن يوسف بن يعقوب الماجشون ولم يذكر عامر بن سعد. وعن بشر بن هلال الصواف، عن جعفر بن سليمان عن حرب بن شداد عن قتادة عن سعيد، عن
____________________
(١). تحفة الأشراف ٣ / ١١٧٥ رقم ٣٨٤٠.
سعد بتمامه وأوّله: لمـّا غزا النبي صلّى الله عليه وسلّم غزوة تبوك خلّف علياً »(١) .
قال: « سعيد بن المسيب المخزومي، عن عامر بن سعد عن أبيه حديثاً ( م ) في قوله لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى. تقدم في ترجمته عن سعد »(٢) .
(٦٣)
رواية الزّرندي
ورواه محمد بن يوسف الزرندي بقوله: « روى الترمذي بسنده إلى عامر ابن سعد بن أبي وقاص عن أبيه سعد: أنْ بعض الأمراء قال له: ما منعك أنْ تسبَّ أبا تراب؟ قال: أما ذكرت ثلاثاً قالهنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلن أسبّه، لأن تكون لي واحدة أحبّ إليّ من حمر النعم: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول لعلي، وخلّفه في بعض مغازيه فقال: يا رسول الله أتخلّفني مع النساء والصبيان فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أما ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي »(٣) .
(٦٤)
رواية الهمداني
ورواه السيّد علي الهمداني: « عن جابررضياللهعنه قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي: يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي »(٤) .
____________________
(١). تحفة الأشراف ٣ / ١١٨٤ رقم ٣٨٥٨.
(٢). تحفة الأشراف ٣ / ١١٩٢ رقم ٣٨٨٢.
(٣). نظم درر السمطين: ١٠٧.
(٤). مودّة القربى - المودّة السابعة.
(٦٥)
رواية ابن الشّحنة
ورواه أبو الوليد محمد بن محمد الحلبي المعروف بابن الشحنة حيث قال: « استخلف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم علياًرضياللهعنه على أهله. فقال المنافقون: إنّما خلّفه استثقالاً له. فلحق برسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال له: كذبوا، إنما خلّفتك لما ورائي، فارجع، أما ترضى أنْ تكون منزلتك مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي »(١) .
(٦٦)
رواية الزين العراقي
ورواه زين الدين أحمد بن عبد الرحيم العراقي. فقد قال الحسين الديار بكري: « قال الحافظ زين الدين العراقي في شرح التقريب: لم يتخلّف علي عن المشاهد إلّافي تبوك، فإن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم خلّفه على المدينة وعلى عياله وقال له يومئذ: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي. وهو في الصحيحين من حديث سعد بن أبي وقاص، انتهى. ورجّحه ابن عبد البر»(٢) .
(٦٧)
رواية ملك العلماء
ورواه ملك العلماء الدولت آبادي في ( هداية السعداء ) كما ستعرف.
____________________
(١). روض المناظر في أخبار الأوائل والأواخر - حوادث السنة التاسعة.
(٢). تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس ٢ / ١٢٥.
(٦٨)
رواية ابن حجر العسقلاني
رواه بترجمة أمير المؤمنينعليهالسلام بقوله: « قال ابن عبد البر: وقد أجمعوا أنه أوّل من صلّى القبلتين، وهاجر وشهد بدراً وأحداً وسائر المشاهد، وأنه أبلى ببدر وأحدٍ والخندق وخيبر البلاء العظيم، وكان لواء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بيده في مواطن كثيرة. ولم يتخلّف إلّافي تبوك، خلّفه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على المدينة وقال له: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي »(١) .
(٦٩)
رواية ابن الصبّاغ
ورواه نور الدين ابن الصباغ المكي حيث قال:
« روى مسلم والترمذي: إن معاوية قال لسعد بن أبي وقاص: ما منعك أنْ تسب أبا تراب؟ فقال: أما ما ذكرت ثلاثة قالهنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلن أسبّه، ولأن تكون لي واحدة منهنَّ أحبّ إلي من حمر النعم: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول - وقد خلّفه في بعض مغازيه فقال علي: خلّفتني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أما ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي »(٢) .
____________________
(١). تهذيب التهذيب ٧ / ٢٩٦.
(٢). الفصول المهمة: ١٢٦.
(٧٠)
رواية السّيوطي
ورواه جلال الدين السيوطي بقوله: « أخرج الشيخان عن سعد بن أبي وقاص: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خلّف علي بن أبي طالب في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله تخلّفني في النساء والصبيان؟ فقال: أما ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبي بعدي.
أخرجه أحمد والبزار من حديث أبي سعيد الخدري، والطبراني من حديث: أسماء بنت عميس، وأم سلمة، وحبشي بن جنادة، وابن عمر، وابن عبّاس، وجابر بن سمرة، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم »(١) .
(٧١)
رواية الديار بكري
ورواه القاضي الحسين بن محمد الديار بكري في ( تاريخه ) حيث قال: « خلّف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم علي بن أبي طالب على أهله وأمره بالإقامة فيهم. فأرجف به المنافقون وقالوا: ما خلّفه إلّا استثقالاً وتخفّفاً منه، فلمـّا قالوا ذلك، أخذ علي سلاحه ثم خرج حتى أتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو نازل بالجرف فقال: يا نبيّ الله زعم المنافقون أنك إنما خلّفتني أنك استثقلتني وتخفّفتَ مني، فقال: كذبوا، ولكني خلّفتك لما تركت ورائي، فارجع واخلفني في أهلي وأهلك، أفلا ترضى - يا علي - أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي. فرجع علي إلى المدينة، ومضى رسول الله صلّى
____________________
(١). تاريخ الخلفاء: ١٦٨.
الله عليه وسلّم على سفره. كذا في الاكتفاء وشرح المواقف.
وقال الشيخ أبو إسحاق الفيروزآبادي في عقائده: أي حين توجّه موسى إلى ميقات ربه استخلف هارون في قومه »(١) .
قال الديار بكري: « وشهد المشاهد كلها ولم يتخلّف إلّافي تبوك، فإن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خلّفه في أهله فقال: يا رسول الله أتخلّفني في النساء والصّبيان؟ قال: أما ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي. أخرجاه في الصحيحين، كذا في الصفوة»(٢) .
(٧٢)
رواية ابن حجر المكي
وأمّا رواية ابن حجر المكي، فستأتي عبارته عن ( الصواعق ) قريباً.
(٧٣)
رواية المتقي
ورواه علي بن حسام الدين المتقي، عن غير واحدٍ من أعلام الحديث، في كتابه ( كنز العمال ) كما عرفت. وفيه أيضاً:
« أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه ليس بعدي نبي. حم د ق ه عن سعد »(٢) .
وفيه أيضاً:
____________________
(١). تاريخ الخميس ٢ / ٢٥.
(٢). تاريخ الخميس ٢ / ٢٥.
(٣). كنز العمال ١١ / ٥٩٩ رقم ٣٢٨٨٦.
« أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي. م ت عن سعد. ت عن جابر »(١) .
(٧٤)
رواية الشهاب أحمد
ورواه شهاب الدين أحمد صاحب ( توضيح الدلائل ) وسنذكر عبارته.
(٧٥)
رواية الجمال المحدث
ورواه عطاء الله الشيرازي المعروف بجمال الدين المحدث في سيرته ( روضة الأحباب ) كما ستعرف.
(٧٦)
رواية المنّاوي
ورواه عبد الرؤوف المناوي، كما ستعرف من عبارته في شرح ( الجامع الصغير ).
(٧٧)
رواية العيدروس
ورواه شيخ بن عبدالله العيدروس حيث قال:
« أخرج الشيخان عن سعد بن أبي وقاص، وأحمد والبزار عن أبي سعيد
____________________
(١). كنز العمال ١١ / ٥٩٩ رقم ٣٢٨٨١.
الخدري، والطبراني عن: أسماء بنت عميس وأم سلمة وحبشي بن جنادة وابن عمر وابن عبّاس وجابر بن سمرة وعلي والبراء بن عازب وزيد بن أرقم:
إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خلّف علي بن أبي طالب في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله تخلّفني في النساء والصبيان؟ فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبي بعدي »(١) .
(٧٨)
رواية ابن باكثير
ورواه أحمد بن الفضل بن محمد باكثير المكي وستأتي روايته.
(٧٩)
رواية محبوب العالم
ورواه محمد بن صفي الدين جعفر الملقب بمحبوب العالم كما سننقلها عن ( تفسيره ).
(٨٠)
رواية البدخشاني
ورواه محمد بن معتمد خان البدخشاني عن مسلم والترمذي عن سعد ابن أبي وقاص حيث قال: « أخرج مسلم والترمذي عن سعد بن أبي وقاصرضياللهعنه ، إن معاوية بن أبي سفيان أمره فقال له: ما يمنعك أن تسب أبا تراب؟ فقال: أما ما ذكرت ثلاثاً قالهنّ له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلن
____________________
(١). العقد النبوي والسر المصطفوي: ١٩.
أسبّه، لأن يكون لي واحدة منهنّ أحبّ إلي من حمر النعم: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول وخلّفه في بعض مغازيه ».
(٨١)
رواية محمد صدر العالم
ورواه محمد صدر العالم في كتابه ( معارج العلى ) كما ستعرف.
(٨٢)
رواية ولي الله الدهلوي
ورواه ولي الله أحمد بن عبد الرحيم، وهو والد ( الدهلوي ) في تاريخه المسمّى بـ ( إزالة الخفا ) وسنذكرها.
(٨٣)
رواية العجيلي
ورواه أحمد بن عبد القادر الحفظي العجيلي في ( ذخيرة المآل ) وسنذكر عبارته.
(٨٤)
رواية الرشيد الدّهلوي
ورواه رشيد الدين خان وهو تلميذ ( الدهلوي ) في ( الفتح المبين ) بقوله: « وفي مفتاح النجا في الفصل الثاني عشر من الباب الثالث: أخرج
____________________
(١). مفتاح النجا في مناقب آل العبا - مخطوط.
الخطيب عن عمر: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خرج إلى تبوك واستخلف عليّاً، فقال: أتخلّفني في النساء والصبيان؟ فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبي بعدي ».
(٨٥)
رواية محمد مبين اللكهنوي
ورواه المولوي محمد مبين اللكهنوي في ( وسيلة النجاة ) كما سيأتي.
(٨٦)
رواية وليّ الله اللكهنوي
ورواه ولي الله اللكهنوي في كتابه ( مرآة المؤمنين ) عن البخاري.
(٨٧)
رواية زيني دحلان
ورواه أحمد بن زيني دحلان في ( سيرته ) بقوله:
« واستخلف صلّى الله عليه وسلّم على المدينة علي بن أبي طالبرضياللهعنه ، وخلّفه أيضاً على أهله وعياله، فأرجف به المنافقون وقالوا: ما خلّفه إلّا استثقالاً له وتخفّفاً. فأخذ عليرضياللهعنه سلاحه ثم أتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو نازل بالجرف فقال: يا نبي الله زعم المنافقون أنك إنما خلّفتني لأنك استثقلت مني وتخفّفت مني. فقال: كذبوا، ولكن خلّفتك لما تركت ورائي، فارجع في أهلي وأهلك، أفلا ترضى - يا علي - أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي. فرجع إلى المدينة. وفي رواية فقال علي رضي الله:
رضيت ثم رضيت ثم رضيت »(١) .
(٨٨)
رواية الشبلنجي
ورواه الشبلنجي حيث قال: « وشهد المشاهد كلّها ولم يتخلّف إلّافي تبوك، فإنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خلّفه في أهله فقال: يا رسول الله أتخلّفني في النساء والصبيان؟ قال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبي بعدي. أخرجه الشيخان »(٢) .
____________________
(١). السيرة النبوية لابن دحلان ٢ / ١٢٦.
(٢). نور الأبصار: ٨٦.
صحّة الحديث
وكثرة طرقه وتواتره
لقد أوقفناك على طرفٍ من طرق حديث المنزلة، فظهر لك كثرة طرقه المعتبرة، مضافاً إلى كونه من أحاديث الصحيحين والصحاح الأخرى
فالحديث صحيح ثابت كثير الأسانيد والطرق في كتب أهل السنّة وهذا ما اعترف به جماعة منهم:
فقد قال ابن تيميّة:
« إنّ هذا الحديث صحيح بلا ريب، ثبت في الصحيحين وغيرهما »(١) .
بل نصَّ الشيخ عبد الحق الدهلوي على الاتفاق على صحّته حيث قال:
« إنّ أئمة الحديث متّفقون على صحّة هذا الحديث، وما قالوه هو المعتمد »(٢) .
بل نصَّ أبو عبدالله محمّد بن يوسف الكنجي الشافعي على قيام الإجماع على صحّة هذا الحديث كما ستطّلع عليه عن كثب إن شاء الله تعالى.
____________________
(١). منهاج السنّة ٧ / ٣٢٠.
(٢). شرح مشكاة المصابيح، باب مناقب علي.
وصنّف أبو القاسم علي بن المحسّن كتاباً مفرداً في طرقه، فرواه عن جماعة من الصحابة يزيدون عن عشرين قال صاحب ( الطرائف ):
« وقد صنّف القاضي أبو القاسم علي بن المحسّن بن علي التنوخي - وهو من أعيان رجالهم - كتاباً سمّاه ( ذكر الروايات عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي وبيان طرقها واختلاف وجوهها ). رأيت هذا الكتاب من نسخةٍ نحو ثلاثين ورقة عتيقة، عليها تاريخ الرواية ( سنة ٤٤٥ ).
وروى التنوخي حديث النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لعليعليهالسلام : أنت مني بمنزلة هارون من موسى عن:
١ - عمر بن الخطاب.
٢ - وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.
٣ - وسعد بن أبي وقاص.
٤ - عبدالله بن مسعود.
٥ - وعبدالله بن عباس.
٦ - وجابر بن عبدالله الأنصاري.
٧ - وأبي هريرة.
٨ - وأبي سعيد الخدري.
٩ - وجابر بن سمرة.
١٠ - ومالك بن الحويرث.
١١ - والبراء بن عازب.
١٢ - وزيد بن أرقم.
١٣ - وأبي رافع مولى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
١٤ - وعبدالله بن أبي أوفى.
١٥ - وأخيه: زيد بن أبي أوفى.
١٦ - وأبي سريحة حذيفة بن أسيد.
١٧ - وأنس بن مالك.
١٨ - وأبي بريدة الأسلمي.
١٩ - وأبي بردة الأسلمي.
٢٠ - وأبي أيوب الأنصاري.
٢١ - وعقيل بن أبي طالب.
٢٢ - وحبشي بن جنادة السلولي.
٢٣ - ومعاوية بن أبي سفيان.
٢٤ - وأم سلمة زوجة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم .
٢٥ - وأسماء بنت عميس.
٢٦ - وسعيد بن المسيب.
٢٧ - ومحمد بن علي بن الحسينعليهالسلام .
٢٨ - وحبيب بن أبي ثابت.
٢٩ - وفاطمة بنت علي.
٣٠ - وشرحبيل بن سعد.
وأبو القاسم التنوخي من أعيان علماء أهل السنّة: فقيه، محدّث، أديب، ثقة، صدوق
١ - السمعاني: « أبو القاسم علي بن المحسن بن علي بن محمد بن أبي الفهم التنوخي. سمع أبا الحسن علي بن أحمد بن كيسان النحوي، وإسحاق بن سعد بن الحسن بن سفيان النسوي وأبا القاسم عبدالله بن إبراهيم الزبيبي وعلي ابن محمد بن سعيد الرزاز وخلقاً كثيراً من طبقتهم.
ذكره أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب قال: كتبت عنه، وسمعته يقول: ولدت بالبصرة في النصف من شعبان سنة ٣٧٠ وكان قد قبلت شهادته عند الحكّام في حداثته، ولم يزل على ذلك مقبولاً إلى آخر عمره.
وكان متحفّظاً في الشهادة محتاطاً صدوقاً في الحديث. وتقلّد قضاء نواح عدّة منها: المدائن وأعمالها وآذربيجان والبردان وقرميسين.
قلت: روى لنا عنه أبو بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري ببغداد الكثير، وكانت له عن التنوخي إجازة صحيحة.
مات في المحرم سنة ٤٤٧ »(١) .
٢ - ابن خلكان: بترجمة أبيه: « وأمّا ولده أبو القاسم علي بن المحسن ابن علي التنوخي، فكان أديباً فاضلاً » ثم ذكر كلام الخطيب(٢) .
____________________
(١). الأنساب للسمعاني ٣ / ٩٣ - ٩٤.
(٢). وفيات الأعيان ٤ / ١٦٢.
وقال أبو عمر يوسف بن عبد البر: « وروى قوله صلّى الله عليه وسلّم لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى جماعة من الصحابة، وهو من أثبت الأخبار وأصحّها. رواه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: سعد بن أبي وقاص، وطرق حديث سعد فيه كثيرة جدّاً، قد ذكره ابن أبي خيثمة وغيره، ورواه ابن عبّاس وأبو سعيد الخدري وجماعة يطول ذكرهم »(١) .
وكذا قال المزي بترجمة مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام ، وهذه عبارته: « خلّفه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على المدينة وعلى عياله بعده في غزوة تبوك وقال له: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي. وروى قوله صلّى الله عليه وسلّم: أنت مني بمنزلة هارون من موسى جماعة من الصحابة، وهو من أثبت الآثار وأصحّها. رواه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم:
سعد بن أبي وقاص
وابن عبّاس
وأبو سعيد الخدري
وجابر بن عبدالله
وأم سلمة
وأسماء بنت عميس
وجماعة يطول ذكرهم »(٢) .
____________________
(١). الإستيعاب ٣ / ١٠٩٧.
(٢). تهذيب الكمال ٢٠ / ٤٨٣.
وقال الكنجي بعد رواية الحديث « عن عددٍ كثيرٍ من الصحابة » قال: « منهم:
عمر
وعلي
وسعد
وأبو هريرة
وابن عبّاس
وابن جعفر
ومعاوية
وجابر بن عبدالله
وأبو سعيد الخدري
والبراء بن عازب
وزيد بن أرقم
وجابر بن سمرة
وأنس بن مالك
وزيد بن أبي أوفى
ونبيط بن شريط
ومالك بن الحويرث
وأسماء بنت عميس
وفاطمة بنت حمزة
وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين »(١) .
وقال ابن كثير بعد رواية الحديث من طرقٍ عديدةٍ: « وقد رواه غير واحد عن عائشة بنت سعد عن أبيها. قال ابن عساكر: وقد روى هذا الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جماعة من الصحابة منهم:
عمر
وعلي
وابن عبّاس
وعبدالله بن جعفر
ومعاوية
وجابر بن عبدالله
وجابر بن سمرة
وأبو سعيد
والبراء بن عازب
وزيد بن أبي أوفى
ونبيط بن شريط
وحبشي بن جنادة
ومالك بن الحويرث
وأنس بن مالك
وأبو الفيل
____________________
(١). كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب: ٢٨٥.
وأم سلمة
وأسماء بنت عميس
وفاطمة بنت حمزة.
وقد تقصّى ابن عساكر هذه الأحاديث في ترجمة علي من تاريخه فأجاد وأفاد، وبرّز على النظراء والأشباه والأنداد، فرحمه ربّ العباد يوم التناد »(١) .
وقال ابن حجر العسقلاني بعد رواية الحديث عن جماعة عن بعض الصّحابة: « روي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم عن غير سعد، من حديث:
عمر
وعلي نفسه
وأبي هريرة
وابن عبّاس
وجابر بن عبدالله
والبراء
وزيد بن أرقم
وأبي سعيد
وأنس
وجابر بن سمرة
وحبشي بن جنادة
ومعاوية
____________________
(١). تاريخ ابن كثير ٧ / ٣٤١ - ٣٤٢.
وأسماء بنت عميس
وغيرهم. وقد استوعب طرقه ابن عساكر في ترجمة علي »(١) .
وقال ابن حجر المكّي لدى رواية هذا الحديث: « أخرج الشيخان عن سعد بن أبي وقاص، وأحمد والبزار عن أبي سعيد الخدري، والطبراني عن أسماء بنت عميس، وأم سلمة، وحبشي بن جنادة، وابن عمر، وابن عبّاس، وجابر بن سمرة، وعلي، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم:
إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خلّف علي بن أبي طالب في غزوة تبوك فقال: يا رسول الله أتخلّفني في النساء والصبيان؟ فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبي بعدي »(٢) .
وإذ ثبت كثرة طرق هذا الحديث، وأنّه من حديث أكثر من عشرين من الصّحابة فلا ريب في تواتره عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لأنَّ القوم يدّعون التواتر في خبر صلاة أبي بكر بزعم كونه من حديث ثمانيٍة من الصحابة قال ابن حجر: « واعلم أن هذا الحديث متواتر، فإنه ورد من حديث عائشة، وابن مسعود، وابن عبّاس، وابن عمر، وعبدالله بن زمعة، وأبي سعيد، وعلي بن أبي طالب، وحفصة ».
بل التواتر يتحقق عند ابن حزم بورود الحديث عن أربعةٍ من الصّحابة
____________________
(١). فتح الباري في شرح صحيح البخاري ٧ / ٦٠.
(٢). الصواعق المحرقة: ١٨٧.
وعلى هذا منع بيع الماء في كتابه ( المحلّى ).
فإذا كان الحديث برواية الثمانية بل الأربعة متواتراً، فهو برواية أضعاف ذلك متواتر بالأولويّة القطعيّة
ومن هنا اعترف بعض أكابر القوم بتواتر حديث المنزلة:
منهم: الحاكم النيسابوري فقد قال الكنجي بعد رواية الحديث:
« قلت: هذا حديث متفق على صحّته، رواه الأئمة الحفاظ كأبي عبدالله البخاري في صحيحه، ومسلم بن الحجاج في صحيحه، وأبو داود في سننه، وأبي عيسى الترمذي في جامعه، وأبي عبد الرحمن النسائي في سننه، وابن ماجة القزويني في سننه.
واتفق الجميع على صحّته حتى صار ذلك إجماعاً منهم.
قال الحاكم النيسابوري: هذا حديث دخل في حد التواتر »(١) .
ومنهم: الحافظ جلال الدين السيوطي، فإنه أدرجه في كتابٍ له في الأحاديث المتواترة حيث قال: « حديث: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى. أخرجه أحمد عن أبي سعيد الخدري وأسماء بنت عميس. والطبراني عن: أم سلمة وابن عبّاس وحبشي بن جنادة وابن عمر وعلي وجابر ابن سمرة والبراء بن عازب وزيد بن أرقم »(٢) .
____________________
(١). كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب: ٢٨٣.
(٢). الأزهار المتناثرة في الأحاديث المتواترة - حرف الألف.
ومنهم: الشيخ علي المتقي في كتابٍ له في المتواترات قال في أوّله: « الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله صلّى الله عليه وسلّم وبعد: - فيقول الفقير إلى الله تعالى علي بن حسام الدين الشهير بالمتقي: هذه الأحاديث متواترة نحو اثنين وثمانين حديثاً، التي جمعها العلامة السيوطي رحمة الله تعالى عليه وسمّاها قطف الأزهار المتناثرة. وذكر فيها رواتها من الصحابة عشرة فصاعداً، لكني حذفت الرواة وذكرت متن الأحاديث ليسهل حفظها وهي هذه « قال:
« من كنت مولاه فعلي مولاه -
أما ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى ».
وقال محمد صدر العالم: « أخرج الشيخان عن سعد بن أبي وقاص، وأحمد والبزار عن أبي سعيد الخدري، والطبراني عن أسماء بنت عميس وأم سلمة وحبشي بن جنادة، وابن عمر وابن عبّاس وجابر بن سمرة وعلي والبراء ابن عازب وزيد بن أرقم:
إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خلّف علي بن أبي طالب في غزوة تبوك فقال: يا رسول الله تخلّفني في النساء والصبيان؟ فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي.
وهذا الحديث متواتر عند السيوطيرحمهالله »(١) .
____________________
(١). معارج العلى في مناقب المرتضى - مخطوط.
وقال ولي الله الدهلوي في مآثر أمير المؤمنينعليهالسلام : « فمن المتواتر حديث: أنت مني بمنزلة هارون من موسى. روي ذلك عن: سعد بن أبي وقاص، وأسماء بنت عميس، وعلي بن أبي طالب، وعبدالله بن عبّاس وغيرهم »(١) .
وقال أيضاً: « وشواهد هذا الحديث كثيرة وهي بالغة حدّ التواتر كما لا يخفى على متتبّعي الحديث »(٢) .
وقال المولوي محمد مبين في باب فضائل الإمامعليهالسلام :
« وأكثر الأحاديث المذكورة في هذا الباب من المتواترات، كحديث: أنت مني بمنزلة هارون من موسى، وحديث: أنا من علي وعلي مني، وأللهم وال من والاه وعاد من عاداه. وحديث: لأعطين الرّاية رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله. وغيرها »(٣) .
____________________
(١). إزالة الخفا - مآثر علي بن أبي طالب، من المقصد الثاني.
(٢). قرّة العينين: ١٣٨.
(٣). وسيلة النجاة في مناقب السادات: ٧١، الباب الثاني من أبواب الكتاب.
دحض المكابرة
في صحّة الحديث أو تواتره
فهذا حديث المنزلة وصحّته وثبوته وشهرته بل تواتره عند أهل السنّة، حسب تصريحات كبار أساطينهم ومشاهير أئمتهم وعلمائهم
فالعجب كلّ العجب من جماعةٍ من متكلّميهم الأعلام يضطرّهم العجز عن الجواب عن الإستدلال به ويلجؤهم التعصّب للهوى إلى القدح في سنده أو المكابرة في تواتره
فهذا أبو الحسن الآمدي يقول عنه: « غير صحيح ». والغريب جدّاً ذكر ابن حجر المكي هذا القول الشنيع في مقام الجواب عن الإستدلال فيقول:
« إنّ الحديث إن كان غير صحيح - كما يقول الآمدي - فظاهر »(١) .
لكن هذا الرّجل مقدوح مجروح عند علماء أهل السنة، كالذهبي وابن حجر العسقلاني، ويكفي لسقوطه كونه تارك الصّلاة: قال الذهبي:
« سيف الآمدي المتكلّم صاحب التصانيف علي بن أبي علي، قد نفي من دمشق لسوء اعتقاده، وصحّ أنه كان يترك الصلاة، نسأل الله العافية. وكان من الأذكياء. مات سنة ٦٣١ »(٢) .
____________________
(١). الصواعق المحرقة: ٧٣.
(٢). ميزان الإعتدال ٢ / ٢٥٩ رقم ٣٦٤٧.
فأيّ وجهٍ يتصوّر لاعتماد ابن حجر المكي على قول مثل هذا الرجل الفاسد، إلاّ التعصّب للباطل؟!
لكن هذا القول السّاقط لا يختص بهذا المتكلّم الفاسد، فقد تفوّه به غيره من متكلّميهم:
قال عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الإيجي صاحب ( المواقف ) في الجواب عن الإستدلال به: « الجواب: منع صحّة الحديث »(١) .
وقال شمس الدين محمود بن عبد الرحمن الإصفهاني بعد ذكر بعض الأدلة: « والجواب عن الثاني: إنه لا يصحّ الإستدلال به من جهة السند، ولو سلّم صحة سنده قطعاً، لكن لا نسلّم أنّ قوله: أنت مني بمنزلة هارون من موسى، كلّ منزلة كانت لهارون من موسى »(٢) .
وقال أيضاً: « إنّه لا يصح الإستدلال به من جهة السند كما تقدم في الخبر المتقدم. ولئن سلّم صحة سنده قطعاً، لكن لا نسلّم أن قوله: أنت مني بمنزلة هارون من موسى، يعمّ كلّ منزلة كانت لهارون من موسى »(٣) .
____________________
(١). المواقف في علم الكلام: ٤٠٦.
(٢). شرح الطوالع - مخطوط.
(٣). شرح التجريد - مخطوط.
وقال سعد الدين التفتازاني: « والجواب: منع التواتر، بل هو خبر واحد في مقابلة الإجماع، ومنع عموم المنازل »(١) .
وقال أيضاً: « وردّ: بأنه لا تواتر، ولا حصر في علي، ولا عبرة بأخبار الآحاد في مقابلة الإجماع»(٢) .
وقال علاء الدين القوشجي: « وأجيب: بأنّه على تقدير صحّته، لا يدلّ على بقائه خليفةً بعد وفاته دلالةً قطعيّةً، مع وقوع الإجماع على خلافه »(٣) .
وقال الشريف الجرجاني في شرح قول صاحب المواقف: « الجواب: منع صحة الحديث »: « كما منعه الآمدي. وعند المحدثين إنه صحيح وإن كان من قبيل الآحاد »(٤) .
وقال إسحاق الهروي سبط الميرزا مخدوم الشريفي في ( السهام الثاقبة ): « قلنا: التواتر ممنوع. وإنما هو خبر واحد في مقابلة الإجماع فلا يعتبر ».
____________________
(١). شرح المقاصد ٥ / ٢٧٥.
(٢). تهذيب الكلام في الجواب عن حديث المنزلة.
(٣). شرح التجريد: ٣٧٠.
(٤). شرح المواقف ٨ / ٢٦٢ - ٢٦٣.
وقال عبد الكريم نظام الصدّيقي نسباً والحنفي مذهباً في ( إلجام الرافضة ): « والجواب: إنّ هذا الحديث كما قال الآمدي غير صحيح ».
وقال حسام الدين السهارنفوري: « هذا الخبر ممنوع الصحّة كما صرّح به الآمدي، وعلى تقدير صحّته كما هو مختار المحدثين، فهو خبر واحد لا متواتر، فلا يصلح للإحتجاج على الخلافة»(١) .
وأنت إذا لاحظت كلمات هؤلاء رأيت الواحد منهم يتّبع الآخر ويقلّده فيما قال ولا يزيد عليه بشىء إنّ الغرض هو إبطال إمامة أمير المؤمنينعليهالسلام وردّ الإستدلال على إثباتها بأيّ طريقٍ كان
لقد لاحظت أنّ حاصل كلماتهم في مقام الجواب عن الإستدلال بهذا الحديث الشريف هو:
فالآمدي يقول: « هذا الحديث غير صحيح » ثم يأتي من بعده غيره ويأخذ منه هذا من أن غير يوضّح وجهه ويبيّن دليله
____________________
(١). مرافض الروافض - مخطوط.
لكن يكفي في الجواب عنه ما تقدّم سابقاً من أنّ هذا الحديث في أعلى درجات الصحّة عند القوم، فقد رووه بالأسانيد المعتبرة والطرق المتكثرة عن جمع غفير من الصّحابة، ثم نصّوا على صحّته وقالوا بتواتره عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأخرجه الشيخان في صحيحيهما، وكذا غيرهما من أصحاب الصّحاح فإذا لم يكن هذا الحديث صحيحاً سنداً فأيّ حديث عندهم صحيح؟ وإذا أمكن القدح في سند هكذا صحيح فبأيّ شيء يمكنهم إثبات فضيلةٍ لمشايخهم أو معتَقدٍ من عقائدهم أو حكمٍ من الأحكام الشرعية؟
فإذا كان هذا حال أساطين أهل السنة في مقابلة الشيعة، فأيّ خيرٍ منهم يطلب، وأيّ إنصافٍ يرتجى في شيء من المباحث العلميّة؟
ومن هنا يعلم أنْ لا ملاك عند القوم ولا ضابطة يقفون عندها ولا قاعدة يلتزمون بها في البحث مع الشّيعة
لقد وصف ابن حجر المكّي الصحيحين بأنهما « أصحّ الكتب بعد القرآن بإجماع من يعتدّ به»(١) وكذا قال غيره كما لا يخفى على من راجع ( المنهاج في شرح المنهاج للنووي ) و ( شرح النخبة لابن حجر العسقلاني ) و ( قرة العينين للدهلوي ) وغيرها.
وزعموا أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم جعل كتاب البخاري كتابه، وأمر بدراسته، كما في ( مقدمة فتح الباري ).
ونقلوا عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم الحكم بصحّة جميع أحاديث البخاري والإذن بروايتها عنه، وكذا صحيح مسلم كما في ( الدر الثمين في
____________________
(١). الصواعق المحرقة، الفصل الأوّل، في كيفيّة خلافة أبي بكر.
مبشّرات النبي الأمين ) لولي الله الدهلوي.
وذهبوا إلى القول بأنّ من يهوّن أمرهما فهو مبتدع متّبع غير سبيل المؤمنين كما في ( حجّة الله البالغة ).
وتجرّأوا على ردّ فضائل أمير المؤمنينعليهالسلام الواردة في أخبار الفريقين، بسبب المخالفة بينها وبين أحاديث الصحيحين، وتقديم أحاديثهما بدعوى قيام الإجماع على صحّتها دون غيرها كما في ( قرّة العينين )
وطعنوا على الشيعة عدم اعتمادهم على أحاديثهما كما في ( النواقض )
إلى غير ذلك ممّا قالوه في شأن الصحيحين
ومع كلّ هذا يقدحون في حديث المنزلة المخرّج فيهما!!
وعلى الجملة فإنّ ما سبق ذكره في سند حديث المنزلة، وما قالوه في صحّته وثبوته وتواتره لا سيّما كونه من أحاديث الصحيحين والصحاح الأخرى كافٍ لدحض القدح في سند هذا الحديث
والأمر الثاني نفي تواتره وزعم كونه من الآحاد بعد الإعتراف بكونه صحيحاً عند أهل الحديث.
إنّ هذا كسابقه واضح السّقوط لما عرفت من أنه من حديث أكثر من عشرين نفساً من الصّحابة، وقد ادّعى ابن حجر التواتر فيما رواه ثمانية، وابن حزم فيما رواه أربعة منهم.
على أنّ جماعة من أكابرهم - وعلى رأسهم الحاكم النيسابوري - ينصّون على تواتره، والسّيوطي والمتقي يذكرانه فيما ألّفاه في الأحاديث المتواترة.
على أنّا لو سلّمنا عدم تواتره وكونه من أخبار الآحاد، فلنا وجوه عديدة على جواز الإستدلال والإحتجاج به على إمامة مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام :
إنّ حديث المنزلة - على فرض عدم تواتره - تؤيّده أحاديث متواترة قطعاً مثل حديث: من كنت مولاه فعلي مولاه. ونحوه ممّا تواتر نقله عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في كتبهم، في فضائل ومناقب أمير المؤمنينعليهالسلام .
إن كون هذا الحديث متواتراً عند الشيعة بلا ريب، وكونه منقولاً عند الأعلام والأساطين من أهل السنّة - وبطرقٍ كثيرة - يوجب القطع بصدوره، وما هذا شأنه لا عائبة في التمسّك به.
إنّ الإحتجاج بالآحاد جائز عند أهل السنّة، وهذا ديدنهم ودأبهم في مختلف الأبحاث، فلو فرض كون حديث المنزلة من الآحاد فالتمسّك به جائز.
بل إنّ في كلمات بعضهم الحكم بكفر من أنكر الخبر
الواحد والقياس وقال إنه ليس بحجة فإنه يصير كافراً. ولو قال: هذا الخبر غير صحيح وهذا القياس غير ثابت لا يصير كافراً ولكن يصير فاسقاً »(١) .
إن العمدة في الخلافة البكريّة وأصل دليلها عند أهل السنّة هو خبر واحد، أعني حديث « الأئمة من قريش » الذي رواه أبو بكر نفسه وتفرّد به حسبما صرّح به أئمّتهم(٢) فالإلتزام بعدم جواز الإستدلال بخبر الواحد في مسألة الخلافة يستلزم قلع أساس الخلافة البكريّة
* قال الفخر الرازي في المسألة الثامنة من الأصل العشرين، من كتابه ( نهاية العقول ) -: « قوله: الأنصار طلبوا الإمامة مع علمهم بقولهعليهالسلام : الأئمة من قريش.
قلنا: هذا الحديث من باب الآحاد. ثم إنه ضعيف الدلالة على منع غير القرشي من الإمامة، لأنّ وجه التعلّق به إمّا من حيث أن تعليق الحكم بالإسم يقتضي نفيه عن غيره، أو لأن الألف واللام يقتضيان الإستغراق. والأول باطل، والثاني مختلف فيه. فكيف يساوي ذلك ما يدّعونه من النصّ المتواتر الذي لا يحتمل التأويل؟
وأيضاً: فلأن الحديث مع ضعفه في الأصل والدلالة لمـّا احتجّوا به على الأنصار تركوا طلب الإمامة، فكيف يعتقد بهم عدم قبول النصّ الجلي المتواتر؟ ».
____________________
(١). هداية السعداء - الجلوة الرابعة من الهداية السابعة - مخلوط.
(٢). ذكر علماء أهل السنّة تفرّد أبي بكر بحديثين عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أحدهما: إنا معاشر الأنبياء لا نورّث ما تركناه صدقة. والآخر: الأئمة من قريش، وستعلم بذلك في النصوص الآتية.
فإذا جاز إحتجاج أبي بكر بحديثٍ واحد تفرّد به - مع ضعفه في الدلالة كما اعترف الرازي - جاز للشيعة الإحتجاج بحديث المنزلة على خلافة أمير المؤمنينعليهالسلام ، لأنّه - حتّى لو كان غير متواتر عند أهل السنة - أقوى من الحديث المذكور سنداً ودلالةً بلا ريب.
ولو أمعنت النظر في عبارة الرازي المذكورة لرأيتها في قوّة ألف دليل على بطلان خلافة أبي بكر، لأن الدليل الذي احتجّ به أبو بكر على استحقاقه الخلافة دون الأنصار ضعيف في الأصل والدلالة، ومن المعلوم أن ما كان ضعيفاً في الدلالة لا يجوز الإحتجاج به قطعاً وإنْ كان قوياً في الأصل، فكيف لو كان ضعيفاً في الأصل كذلك؟
* وصاحب ( المرافض ) أيضاً يصرّح بكون خبر « الأئمة من قريش » خبر واحدٍ ولا يفيد إلّا الظن، وقد كان للأنصار مجال للبحث فيه.
* وكذا صاحب ( النواقض ) ينصّ على ذلك لكنه يعزو روايته إلى « رجل » وهذه عبارته - في الفصل الثالث من فصول الكتاب -:
« الدليل العاشر: إعلم أن أرباب السير وأصحاب الحديث نقلوا أنّ في يوم السقيفة لمـّا اختلفوا أولاً في أمر الخلافة، وكانت الأنصار يقولون: لا نرضى بخلافة المهاجرين علينا، بل منّا أمير ومنكم أمير، قام رجل وقال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: الأئمة من قريش. فسكت الأنصار وبايعوا أبا بكر، لغاية إتّباعهم أقوال النبي صلّى الله عليه وسلّم، وكمال تقواهم. ومع أن خلافة المهاجرين عليهم كانت عندهم مكروهة غاية الكراهة رضوا بمجرّد خبر واحدٍ وإنْ كان لهم مجال بحثٍ فيه ».
* ومن طرائف المقام اعتراف القوم بانحصار دليل خلافة أبي بكر بهذا الحديث الذي عرفت حاله أنظر إلى المولوي عبد العلي شارح ( مسلَّم
الثبوت ) يقول مازجاً بالمتن:
« ولنا ثانياً: إجماع الصّحابة على وجوب العمل بخبر العدل، وليس فيه استدلال بعمل البعض حتى يرد أنه ليس حجةً ما لم يكن إجماعاً، وفيهم أمير المؤمنين علي، وفي إفراده كرّم الله وجهه قطعٌ لما سوّلت به أنفس الروافض - خذلهم الله تعالى - بدليل ما تواتر عنهم، وفيه تنبيه لدفع أنّ الإجماع أحادي، فإثبات المطلوب به دور، - من الإحتجاج والعمل به، أي بخبر الواحد، لا إنه اتفق فتواهم بمضمون الخبر، وعلى هذا لا يرد أن العمل بدليلٍ آخر، غاية ما في الباب إنه وافق مضمون الخبر - في الوقائع التي لا تحصى - وهذا يفيد العلم بأن عملهم لكونه خبر عدلٍ في عملي - وبه اندفع أنّه يجوز أن يكون العمل ببعض الأخبار للإحتفاف بالقرائن ولا يثبت الكلّية - من غير نكير من واحد. وذلك يوجب العلم عادةً لأتّفاقهم، كالقولِ الصريح الموجب للعلم بهِ، كما في التجربيّات. وبه اندفع أن الإجماع سكوتي وهو لا يفيد العلم. ثم فصّل بعض الوقائع فقال:
فمن ذلك: عمل الكل من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، بخبر خليفة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أبي بكر الصدّيق رضي الله تعالى عنه: الأئمة من قريش. ونحن معاشر الأنبياء لا نورّث. وقد تقدّم تخريجهما. والأنبياء يدفنون حيث يموتون. حين اختلفوا في دفن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. رواه ابن الجوزي، كذا نقل عن التقرير »(١) .
أقول:
فظهر أن حديث « الأئمة من قريش » من الأخبار الآحاد التي عمل بها أصحاب النبي واحتجّوابها، لا أنهم عملوا في المسألة بدليلٍ آخر، غاية ما في
____________________
(١). فواتح الرحموت في شرح مسلّم الثبوت ٢ / ١٣٢.
الباب أنه وافق مضمون الخبر.
فثبت إنحصار دليل صرف الخلافة عن الأنصار إلى أبي بكر بالحديث المذكور الذي عرفت حاله.
كما أن قول صاحب ( النواقض ): « رضوا بمجرّد خبر واحدٍ » نص في أن رضاهم كان بسبب هذا الخبر وحده لا لأمرٍ آخر ولعلّه لما ذكرنا استحيى الرجل من نسبة رواية الحديث إلى أبي بكر، فنسبها إلى « رجل »!!
ولعلّه من هنا ادّعى ابن روزبهان في كتابه ( الباطل ) أن أبا بكر لم يرو هذا الحديث أصلاً فقال: « فأمّا حديث الأئمة من قريش فلم يروه أبو بكر، بل رواه غيره من الصحابة، وهو كان لا يعتمد على خبر الواحد ».
لكنّها دعوى في غاية الغرابة، فإنّ علماء القوم ينسبون روايته والإحتجاج به إلى أبي بكر جازمين بذلك، في غير موضعٍ من بحوثهم كما لا يخفى على من يلاحظ ( شرح المختصر ) حيث جاء فيه: « وعمل الصحابة بخبر أبي بكر: الأئمة من قريش »(٢) و ( فواتح الرحموت - شرح مسلّم الثبوت ) وقد تقدّمت عبارته، و ( إزالة الخفا في سيرة الخلفاء ) وغيرها من كتب القوم
لكن عبارة ابن روزبهان أيضاً ظاهرة في وهن هذا الحديث وسقوطه عن الصلاحيّة للإحتجاج به للخلافة فلا تغفل.
إنّ حديث المنزلة - لكونه في الصحيحين - مقطوع الصدور لو فرض أنّه ليس على حدّ التواتر لأنّ أحاديث الصحيحين مقطوعة الصدور لدى: إبن الصلاح، وأبي إسحاق وأبي حامد الإسفرانيين، والقاضي أبي الطيّب، والشيخ
____________________
(١). شرح مختصر الأصول للعضدي ٢ / ٥٩.
أبي إسحاق الشيرازي، وأبي عبدالله الحميدي، وأبي نصر عبد الرحيم بن عبد الخالق، والسرخسي الحنفي، والقاضي عبد الوهاب المالكي، وأبي يعلى وابن الزاغوني الحنبليين، وابن فورك، وأكثر أهل الكلام، وأهل الحديث قاطبةً، وهو مذهب السّلف عامة، ومحمد بن طاهر المقدسي - بل قال بذلك فيما كان على شرطهما أيضاً - والبلقيني، وابن تيمية، وابن كثير، وابن حجر العسقلاني، والسيوطي، وإبراهيم الكردي الكوراني، وأحمد النخلي، وعبد الحق الدهلوي، وولي الله الدهلوي
فهؤلاء كلّهم وغيرهم يقولون بأنّ حديث الصحيحين مقطوع بصحّته
وإليك بعض التصريحات الواردة عنهم في هذا الباب، نذكرها بإيجاز مقتصرين على محلّ الحاجة منها:
* قال السيوطي بشرح التقريب مازجاً به: « وإذا قالوا: صحيح متفق عليه، أو على صحته، فمرادهم إتفاق الشيخين لا إتفاق الاُمّة. قال ابن الصّلاح: لكنْ يلزم من إتفاقهما إتفاق الاُمة عليه، لتلقّيهم له بالقبول. وذكر الشيخ - يعني ابن الصلاح -: ( إنّ ما روياه أو أحدهما فهو مقطوع بصحّته، والعلم القطعي حاصل فيه ) قال: خلافاً لمن نفى ذلك
قال البلقيني: ما قاله النووي وابن عبد السلام ومن تبعهما ممنوع، فقد نقل بعض الحفاظ المتأخرين مثل قول ابن الصّلاح عن جماعةٍ من الشافعية، كأبي إسحاق وأبي حامد الإسفرانيين، والقاضي أبي الطيّب، والشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وعن السرخسي والزاغوني من الحنابلة، وابن فورك، وأكثر أهل الكلام من الأشعريّة، وأهل الحديث قاطبة، ومذهب السلف عامة. بل بالغ ابن طاهر المقدسي في صفوة التصوف فألحق به ما كان على شرطهما وإنْ لم يخرجاه
وقال شيخ الإسلام: ما ذكره النووي في شرح مسلّم من جهة الأكثرين، أمّا المحقّقون فلا، وقد وافق ابن الصلاح أيضاً محققون
وقال ابن كثير: وأنا مع ابن الصّلاح فيما عوّل عليه وأرشد إليه.
قلت: وهو الذي أختاره ولا أعتقد سواه »(١) .
* قال محمد أكرم بن عبد الرحمن المكي في ( إمعان النظر في توضيح نخبة الفكر ): « وانتصر لابن الصّلاح: المصنّف، ومن قبله شيخه البلقيني تبعاً لابن تيمية ».
* وقال الزين العراقي في ( شرح الألفية ):
« حكم الصحيحين والتعليق:
ص:
وأقطع بصحةٍ لما قد أسند |
كذا له وقيل ظناً ولَدا |
|
محقّقيهم قد عزاه النووي |
وفي الصحيح بعض شيء قد روي |
|
مضعَّف ولهما بلا سند |
أشياء فإن يجزم فصحيح أو ورد |
|
ممرّضاً فلا ولكن يشعر |
بصحّة الأصل له كيُذكر |
ش: أي ما أسنده البخاري ومسلم، يريد ما روياه بإسنادهما المتّصل فهو مقطوع لصحته. كذا قال ابن الصلاح، قال: والعلم اليقيني النظري واقع به، خلافاً لمن نفى، وقد سبق إلى نحو ذلك: محمد بن طاهر المقدسي، وأبو نصر عبد الرحيم بن عبد الخالق بن يوسف.
قال النووي: وخالف إبن الصلاح المحققون والأكثرون فقالوا: يفيد الظن ما لم يتواتر »(٢) .
____________________
(١). تدريب الراوي ١ / ١٣١ وإلى ١٣٤.
(٢). فتح المغيث في شرح ألفية الحديث ١ / ٥٨.
* وقال الشيخ عبد الحق الدهلوي في ( تحقيق البشارة إلى تعميم الإشارة ): « ثم المتواتر يفيد العلم اليقيني ضرورياً. وقد يفيد خبر الواحد أيضاً العلم اليقيني لكن نظرياً بالقرائن، على ما هو المختار. قال الشيخ الإمام الحافظ شهاب الدين أحمد بن حجر العسقلاني في شرح نخبة الفكر: والخبر المحتف بالقرائن أنواع، منها: المشهور إذا كانت له طرق متبائنة سالمةً من ضعف الرواة والعلل. ومنها: ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما ما لم يبلغ حدّ التواتر، فإنه احتفّ بقرائن، منها جلالتهما في هذا الشأن وتقدّمهما في تمييز الصحيح على غيرهما، وتلقي العلماء لكتابيهما بالقبول وممّن صرّح من أئمة الاُصول بإفادة ما خرّجه الشيخان العلم اليقيني النظري: الاُستاذ أبو إسحاق الإسفرايني، ومن أئمة الحديث: أبو عبدالله الحميدي وأبو الفضل بن طاهر ».
* وللشيخ محمد معين بن محمد أمين رسالة مفردة في إثبات قطعية صدور أحاديث الصحيحين، أدرجها في كتابه ( دراسات اللبيب ) وإليك جملاً من عباراته:
« إن أحاديث الجامع الصحيح للإمام أبي عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري، وكتاب الصحيح للإمام أبي الحسين مسلم بن حجاج القشيري - رحمهما الله تعالى ونفعنا ببركاتهما - هي رأس مال من سلك الطريق إلى الله تعالى، بالأسوة الحسنة بخير الخلق قاطبة والمعجزة الباقية من رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلّم، من حيث حفاظ أسانيدها على مرّ الدهور إلى زماننا هذا. فهي تلو القرآن في إعجازه الباقي ».
« قد فصّل وبيّن إمام وقته الحافظ جلال الدين السيوطي في هذا الكلام، من دلائل الطرفين والتأييد بأقوال المحققين لابن الصلاح ما فيه مغنىً للعاقل.
فقد تبّين أنه وافقه إجماع المحدثين بعد الموافقة مع علماء المذاهب
الأربعة جميعاً، ووافقه المتكلّمون من الأشاعرة ووافقه المتأخرون وهم النقّادون الممعنون النظر في دليل السابقين وهو المختار عند الإمام الحافظ السيوطي وهو مجدّد وقته ».
« تمسّك ابن الصّلاح بما صورة شكله: ما في الصحيحين مقطوع الصدور عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، لأن الامة اجتمعت على قبوله، وكلّما اجتمعت الامة على قبوله مقطوع، فما في الصحيحين مقطوع.
أمّا ثبوت الصغرى فبالتواتر عن الأسلاف إلى الأخلاف.
وأمّا الكبرى فبما يثبت قطعية الإجماع ولو على الظن، كما إذا حصل الإجماع في مسألة قياسية. فإن الإجماع هناك ظنون مجتمعة أورثت القطع بالمظنون، لعصمة الأمة، فكذا هنا أخبار الآحاد مظنونة في نفسها، فإذا حصل الإجماع عليها أورثت القطع.
وتمسّك النووي بما صورة شكله: ما في الصحيحين مظنون الصدور عن النبي صلّى الله تعالى عليه وسلّم، لأنه من أحاديث الآحاد، وكلّما هو من أحاديث الآحاد مظنون، فهذا مظنون.
أمّا ثبوت الصغرى فظاهر، لندرة التواتر جدّاً.
وأمّا ثبوت الكبرى فمفروغ عنه في الفن.
فهذه صورة المعارضة بين التمسّكين، وهي ظاهر تحرير الكتاب، ولنبيّن الموازنة والمواجهة بينهما، بأن نأخذ دليل النووي في صورة المنع على دليل ابن الصلاح، ثم نحرّر مقدمة دليله الممنوعة، فإنْ تحصّن بالتحرير عن منعه فالحق معه، وإلّا فهو في ذمة المطالبة. وأنت تعرف أن المانع أجلد الخصمين وأوسعهما مجالاً، فنعط هذا المنصب لمن يخالف ما نعتقده من مذهب ابن الصلاح ومن معه، حتى يظهر الحق إن ظهر في غاية سطوعه ».
ثم شرع في تحقيق المسألة، وانتصر لابن الصّلاح، وإن شئت التفصيل فراجع رسالته التي أسماها: ( غاية الإيضاح في المحاكمة بين النووي وابن الصلاح ) المدرجة في كتابه ( دراسات اللبيب في الأسوة الحسنة بالحبيب ).
* وهو مختار الشيخ إبراهيم بن حسن الكردي في رسالته ( إعمال الفكر والرّويات في شرح حديث إنما الأعمال بالنيّات ) وفي رسالته ( بلغة المسير إلى توحيد الله العليّ الكبير ). فإنّه ذكر مذهب ابن الصلاح وأيّده في أكثر من موضع، وذكر: « إنّ كلام الشّيخ ابن الصّلاحرحمهالله هذا كلام موجّه، محقق وإنْ ردّه الإمام النووي ».
* وقال ولي الله الدهلوي: « وأمّا الصحيحان فقد اتّفق المحدّثون على أن جميع ما فيهما من المتصل المرفوع صحيح بالقطع، وإنهما متواتران إلى مصنّفيهما، وأنّ كلّ من يهوّن أمرهما فهو مبتدع متّبع غير سبيل المؤمنين »(١) .
* والأطرف من الكل: نقل الشيخ عبد المعطي - وهو من مشايخ القوم - عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم مشافهةً، تنصيصه على صحة جميع ما أخرجه البخاري!!! ذكر ذلك الشيخ أحمد النخلي المتوفى سنة ١١٣٠ وهو شيخ شيخ ولي الله الدهلوي، وقد وصفه ( الدهلوي ) في رسالته في ( أصول الحديث ) بأنه « أعلم أهل عصره ». وترجم له المرادي فوصفه بـ « الإمام العالم العلامة، المحدّث الفقيه الحبر الفهامة، المحقق المدقق النحرير »(٢) .
* نعم، ذكر النخلي هذا في رسالة ( أسانيده ) ما هذا نصّه:
« أخبرنا شيخنا جمال الدين القيرواني، عن شيخه الشيخ يحيى الخطّاب المالكي المكي قال: أخبرنا عمّي الشيخ بركات الخطابي، عن والده، عن جده
____________________
(١). حجّة الله البالغة: ١٣٩ باب طبقات كتب الحديث.
(٢). سلك الدرر في أعيان القرن الحادي عشر ١ / ١٧١.
الشيخ محمد بن عبد الرحمن الخطاب شارح مختصر خليل قال:
مشينا مع شيخنا العارف بالله الشيخ عبد المعطي التنوسي لزيارة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فلما قربنا من الروضة الشريفة ترجّلنا، فجعل الشيخ عبد المعطي يمشي خطوات ويقف، حتى وقف تجاه القبر الشريف، فتكلّم بكلامٍ لم نفهمه، فلمـّا انصرفنا سألناه عن وقفاته فقال: كنت أطلب الإذن من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في القدوم عليه، فإذا قال لي: أقدم، قدمت ساعةً ثم وقفت، وهكذا حتى وصلت إليه. فقلت:
يا رسول الله، كلّما رواه البخاري عنك صحيح؟
فقال: صحيح.
فقلت له: أرويه عنك يا رسول الله؟
قال: إروه عنّي.
وقد أجاز الشيخ عبد المعطي - نفعنا الله تعالى به - الشيخ محمد الخطّاب أنْ يرويه عنه. وهكذا كلّ واحد أجاز من بعده، حتى وصلت إلينا من فضل الله تعالى وكرمه.
وأجازني السيد أحمد بن عبد القادر النخلي أن نرويه عنه بهذا السند.
وأجاز النخلي لأبي طاهر، وأجاز أبو طاهر لنا.
ووجدت هذا الحديث بخط الشيخ عبد الحق الدهلوي بإسناد له عن الشيخ عبد المعطي بمعناه، وفيه: فلما فرغ من الزيارة وما يتعلّق بها، سأل أن يروي عنه صلّى الله عليه وسلّم صحيح البخاري وصحيح مسلم، فسمع الإجازة من النبي صلّى الله عليه وسلّم، فذكر صحيح مسلم أيضاً ».
وضع حديث
المنزلة للشيخين
وجاء بعض المتعصّبين للشيخين وضحّى بدينه وآخرته في سبيل الحماية عنهما بوضع حديث المنزلة في حقّهما
ذاك حديثٌ رواه الخطيب البغدادي، وذكره المنّاوي عنه بقوله:
« أبو بكر وعمر مني بمنزلة هارون من موسى. خط »(١) .
لكن لمـّا كان « الحق يعلو ولا يعلى عليه » نرى أنّ ابن الجوزي - الذي طالما تمسّك بكلماته ابن تيمية وابن روزبهان والكابلي وحتى ( الدهلوي ) نفسه - يورده في كتابه في الأحاديث الواهية قال السّيوطي: « أبو بكر وعمر منّي بمنزلة هارون من موسى. الخطيب. وابن الجوزي في الواهيات »(٢) .
ثم إذا راجعنا كتاب ابن الجوزي المذكور وجدنا فيه ما يلي:
« أنا أبو منصور القزاز قال: أنا أبو بكر بن ثابت قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز الطاهري قال: أنا أبو القاسم علي بن الحسن بن علي بن زكريا الشاعر قال: نا أبو جعفر محمد بن جرير الطبري قال: نا بشر بن دحية قال: نا قزعة بن سويد، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس: إنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: أبو بكر وعمر مني بمنزلة هارون من موسى.
قال المؤلف: هذا حديث لا يصح، والمتهم به الشاعر، وقد قال أبو حاتم:
____________________
(١). كنوز الحقائق - حرف الألف، ط على هامش الجامع الصغير.
(٢). جمع الجوامع ٢ / ١٨٢.
لا يحتجّ بقزعة بن سويد، وقال أحمد: هو مضطرب الحديث »(١) .
وقد أورد الذهبي هذه الفرية بترجمة ( قزعة بن سويد ) الذي نقل ابن الجوزي القدح فيه عن أبي حاتم وأحمد، فأضاف إليه الذهبي قدح البخاري والنسائي وغيرهما، وهذه عبارته:
« قزعة بن سويد بن حجير الباهلي البصري، عن أبيه وابن المنكدر وابن أبي مليكة، وعنه: قتيبة ومسدّد وجماعة. قال البخاري: ليس بذاك القوي، ولابن معين في قزعة قولان فوثّقه مرة وضعّفه أخرى، وقال أحمد مضطرب الحديث، وقال أبو حاتم: لا يحتج به، وقال س: ضعيف، ومشّاه ابن عدي.
وله حديث منكر عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس مرفوعاً: لو كنت متّخذاً خليلاً لاتّخذت أبا بكر خليلاً ولكنّ الله اتّخذ صاحبكم خليلاً. أبو بكر وعمر منّي بمنزلة هارون من موسى. رواه غير واحد عن قزعة »(٢) .
ولا يخفى أنّ ما ذكره الذهبي من القدح في « قزعة » إنّما هو كلمات بعض أساطينهم، فقد نقل ابن حجر العسقلاني القدح فيه عن أبي داود وعباس العنبري والعجلي، فهؤلاء كلّهم ضعّفوه بصراحة، وعن ابن حبّان: كان كثير الخطأ، فاحش الوهم، والبزار: لم يكن بالقوي(٣) .
أمّا ابن حجر نفسه فحكم بضعفه بلا تردّد(٤) .
وذكر الذهبي هذا الحديث في موضع آخر وحكم بكذبه حيث قال:
____________________
(١). العلل المتناهية في الأحاديث الواهية ١ / ١٩٩ رقم ٣١٢.
(٢). ميزان الإعتدال ٣ / ٣٨٩ رقم ٦٨٩٤.
(٣). تهذيب التهذيب ٨ / ٣٣٧ رقم ٦٦٨.
(٤). تقريب التهذيب ٢ / ١٢٦ رقم ١١٠.
« عمار بن هارون أبو ياسر المستملي، عن سلام بن مسكين وأبي المقدام هشام وجماعة، وعنه أبو يعلى والحسن بن سفيان. قال موسى بن هارون: متروك الحديث، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه غير محفوظ كان يسرق الحديث، وقال محمد بن الضريس: سألت علي بن المديني عن هذا الشيخ فلم يرضه. ثم قال محمد: ثنا عمار حدثنا غندر بن الفضل ومحمد بن عنبسة، عن عبيد الله ابن أبي بكر، عن أنس مرفوعاً: بورك لُامّتي في بكورها.
إبن عدي: ثنا محمد بن نوح الجنديسابوري، ثنا جعفر بن محمد الناقد، ثنا عمار بن هارون المستملي، ثنا قزعة بن سويد، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس حديث: ما ينفعني مال ما ينفعني مال أبي بكر، وزاد فيه: وأبو بكر وعمر منّي بمنزلة هارون من موسى.
قلت: هذا كذب.
قال ابن عدي: ثناه ابن جرير الطبري، ثناه بشر بن دحية، ثنا قزعة نحوه.
قلت: ومن بشر؟
قال ابن عدي: قد حدّث به أيضاً مسلم بن إبراهيم عن قزعة.
قلت: وقزعة ليس بشيء»(١) .
وكذا في موضعٍ ثالث:
« علي بن الحسن بن علي الشاعر، عن محمد بن جرير الطبري بخبر كذب هو المتّهم به، متنه: أبو بكر مني بمنزلة هارون من موسى »(٢) .
____________________
(١). ميزان الإعتدال ٣ / ١٧١ رقم ٦٠٠٩.
(٢). ميزان الإعتدال ٣ / ١٢٢ رقم ٥٨١٦.
وتبع العسقلاني الذّهبي في الحكم بكذب هذا الحديث في أكثر من موضعٍ كذلك فقد قال:
« علي بن الحسن بن علي الشاعر، عن محمد بن جرير الطبري بخبرٍ كذب هو المتّهم به، متنه: أبو بكر مني بمنزلة هارون من موسى، إنتهى.
ولا ذنب لهذا الرجل فيه كما ساُبيّنه. قال الخطيب في تاريخه: أنا علي بن عبد العزيز الظاهري، أنا أبو القاسم علي بن الحسن بن علي بن زكريا الشاعر، ثنا أبو جعفر الطبري، ثنا بشر بن دحية، ثنا قزعة بن سويد، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس بهذا الحديث.
فشيخ الطبري ما عرفته، فيجوز أن يكون هو المفتري.
وقد قدّمت كلام المؤلف فيه في ترجمته، وأن ابن عدي أخرج الحديث المذكور بأتمّ من سياقه عن ابن جرير الطبري بسنده، فبرىء ابن الحسن من عهدته »(١) .
وقال أيضاً: « بشر بن دحية عن قزعة بن سويد، وعنه محمد بن جرير الطبري، ضعّفه المؤلف في ترجمة عمار بن هارون المستملي في أصل الميزان، فذكر عن ابن عدي أنه قال: حدّثنا محمد بن نوح، حدثنا جعفر بن محمد الناقد، حدثنا ابن هارون المستملي، أنا قزعة بن سويد، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس رفعه: ما نفعني مال ما نفعي مال أبي بكر، الحديث وفيه: وأبو بكر وعمر مني بمنزلة هارون من موسى.
قال ابن عدي: وحدّثنا ابن جرير الطبري، حدثنا بشر بن دحية، حدّثنا قزعة، بنحوه.
____________________
(١). لسان الميزان ٤ / ٢١٩ رقم ٥٧٥.
قال الذهبي: هذا كذب. وهو من بشر؟
قال: ثم قال ابن عدي: ورواه مسلم بن إبراهيم عن قزعة.
قال الذهبي: وقزعة ليس بشيء.
قلت: فبرىء بشر من عهدته(١) .
وسيأتي في ترجمة علي بن الحسن بن علي بن زكريا الشاعر أن المؤلف اتّهمه بروايته، وبرء من عهدته أيضاً ».
____________________
(١). لسان الميزان ٢ / ٢٣ رقم ٧٧.
نقض كلمات
الدهلوي حول الحديث
قوله:
ما رواه البخاري ومسلم عن البراء بن عازب.
أقول:
لا ينقضي العجب من هذا الرجل كيف يدعي التبحّر في علم الحديث وهو يعجز عن الرجوع إلى الصحيحين، لينقل الحديث عنهما مباشرة، وليفهم أن الحديث فيهما هو عن سعد بن أبي وقاص، لا عن البراء بن عازب
إن حديث المنزلة في الصحيحين من حديث سعد، وليس هو فيهما من حديث البراء، كما هو غير خاف على من رجع إليهما وألقى نظرةً فيهما
لكن ( الدهلوي ) تبع في هذا المقام - كما هو ديدنه - الكابليّ صاحب ( الصواقع ) وانتحل كلامه حيث تعرّض لحديث المنزلة وهذا نصّه:
« الثاني: ما رواه البخاري ومسلم عن البراء بن عازب: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خلّف علي بن أبي طالب في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله أتخلّفني في النساء والصبيان؟ فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي ».
ولو كان ( الدّهلوي ) محدّثاً محقّقاً حقاً لرجع إلى الصحيحين، أو إلى أحد كتب الشّيعة الناقلة عنهما، للوقوف على سند الحديث ومتنه في الكتابين!!
هذا، ولا وجه ظاهر ولا سبب واضح لعزو الحديث إلى البراء بن عازب والإباء عن نسبته إلى سعد بن أبي وقاص، إلّا اشتمال بعض ألفاظه على ما يبيّن حقيقة حال معاوية، وعدائه الشّديد، وحقده الوطيد على سيدنا أمير المؤمنين عليه الصّلاة والسلام.
فقد جاء في تلك الألفاظ « أنّ معاوية أمر سعداً بسبّ أمير المؤمنينعليهالسلام » فامتنع سعد عن ذلك، واعتذر بذكر فضائل للأميرعليهالسلام منها حديث المنزلة.
فلا عجب لو أعرضوا عن نسبة رواية الحديث إلى سعدٍ، لأنّ نسبتها إليه تفضي إلى تذكّر حال إمامهم معاوية، فلا بدّ من تغيير اسم الرّاوي ووضع ( البراء ) مكان ( سعد ).
ثم العجب من أولئك الذين يشاهدون هذه التصرّفات الفاضحة والأخطاء الفاحشة من ( الدهلوي )، ويصفونه مع ذلك بإمام المحدثين!!
ومن الطّرائف أن ( الدهلوي ) لم يقنع بتقليد الكابلي في صنيعه في نقل الحديث ونسبته إلى البراء دون راويه، بل حرَّف من عنده متن الحديث، فزاد عليه: إنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم خلّف علياً في غزوة تبوك على أهل بيته من النساء والبنات
إنّ من الواضح عدم وجود قيد « على أهل بيته من النساء والبنات » في لفظٍ من ألفاظ الحديث في الصحيحين، وأنّ الكابلي أيضاً لم يذكره في كتابه الذي انتحله ( الدهلوي ) فهذه زيادة من ( الدهلوي ) في الحديث وفرية على البخاري ومسلم صاحبي الصحيحين
فظهر - إلى الآن - تصرّفان من ( الدهلوي ) في أصل نقل الحديث عن الصّحيحين فما يقول أولياؤه في مقام الدفاع عنه وتوجيه ما فعله؟!
إنه لا وجه لهذا إلّا مساعدة الّنواصب وتأييدهم، ليكون الحديث - بحسب رواية الصحيحين - دليلاً على ما يزعمونه من أن النبي إنّما استخلف الإمامعليهالسلام على النساء، ولم يكن استخلافه في خلافةٍ مطلقة فهذا مدّعى الّنواصب - كما ينقل عنهم ( الدهلوي ) كلامهم - فهو إذاً - مؤيّد لهم!!
وهل يصدر تأييد النّواصب الأقشاب إلّا من إخوانهم الأوشاب؟
( فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ ) (١) .
وأيضاً فإنّ لأولياء ( الدهلوي ) أن يعتذروا له بعذرٍ آخر وهو:
إنّ هذه الخيانة التي صدرت منه، قد صدرت من بعض السابقين عليه، فليس هو البادي في ذلك، بل إنه مسبوق به وهو تبع
وهذا حق ألا ترى إلى حسام الدين السهارنفوري يزيد كلمة « في أهله » في لفظ الحديث لدى نقله عن الصحيحين لكن لم يصدر منه التصرّف الآخر، وهو وضع البراء موضع سعد
نعم، وقع ذلك التحريف من السهارنفوري في كتابه ( المرافض ) حيث قال: « روى مسلم والبخاري عن سعد بن أبي وقاص: أنّه لما أراد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الخروج من المدينة خلَّف علي بن أبي طالب في أهله. فقال علي: يا رسول الله ».
وظاهر أنّ لفظة « في أهله » غير موجودة في روايات البخاري ومسلم بل الذي فيها هو الإستخلاف المطلق، ففي البخاري « إنّ رسول الله صلّى الله
____________________
(١). سورة البقرة: ٢، الآية ٧٩.
عليه وسلّم خرج إلى تبوك واستخلف عليّاً »(١) وفي مسلم: « خلّف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم علي بن أبي طالب في غزوة تبوك »(٢) وفيه أيضاً: « وخلّفه في بعض مغازيه »(٣) .
فظهر أنّ ( الدّهلوي ) تبع الكابلي في أحد التحريفين، وتبع السهارنفوري في التحريف الآخر فكان جامعاً بين الخيانتين!!
وقد صدر التّحريف الثاني وهو زيادة لفظ « الأهل » من الشيخ عبد الحق الدهلوي أيضاً في كتابه ( مدارج النبوة )(٤) .
كما صدر التحريف الأول - وهو نسبة الحديث إلى البراء - من الشيخ القاضي سناء الله پاني پتي حيث قال في كتابه ( السيف المسلول ): « الثاني - ما رواه البخاري ومسلم عن البراء بن عازب: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خلّف علي بن أبي طالب على المدينة في غزوة تبوك، فقال علي: يا رسول الله أتخلّفني في النساء والصبيان فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي ».
فوا عجباه من هؤلاء المتحذلقين، كيف يزيدون ما يشاؤون في رواياتهم ويفترون ويكذبون ويحرّفون( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ) .
وإذا عرفت أن القيد المذكور زيادة في الحديث وليس في الصحيحين عين منه ولا أثر فاعلم أنّه لو سُلّم وجوده في الحديث فلا يضرّ بالإستدلال به
____________________
(١). صحيح البخاري ٦ / ٣.
(٢). صحيح مسلم: ٤ / ٣٢ رقم ١٨٧٠.
(٣). صحيح مسلم ٤ / ٣٢ رقم ١٨٧١.
(٤). مدارج النبوة: ١٨٤.
أبداً لأنّ ذكر الإستخلاف على الأهل والعيال لا يؤيّد مزعوم أهل الضّلال، ولا ينافي ثبوت استخلافهعليهالسلام على المدينة وعموم الإستخلاف، لأنّ إثبات شيء لا يدلّ على نفي ما عداه ولو كان مجرد إثبات شيٍء دالاً على نفيٍ ما عداه لزم أن يكون قول القائل: « الله ربّي ومحمّد رسول الله نبيّي » نافياً لألوهيّة الله تعالى لسائر العباد، ونافياً لنبوّة النبيّ لسائر الأنام
وأيضاً: يلزم من قول القائل: « محمد رسول الله » نفي رسالة غيره من الأنبياءعليهمالسلام
وأمثال ذلك ممّا لا يحصى
وأيضاً: فإنّه ليس جملة « أتخلّفني في النساء والصّبيان » في جميع روايات الصحيحين المذكورة سابقاً بل هي في بعضها فقط فهي غير موجودة في رواية البخاري في كتاب المناقب، وهي غير موجودة في روايتين من صحيح مسلم
فاقتصار ( الدهلوي ) على الرواية المشتملة على هذه الجملة - التي ظنّ في باب المطاعن من كتابه كونها اعتراضاً من أمير المؤمنينعليهالسلام على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وظنّ هنا دلالتها على قصر خلافتهعليهالسلام على الخلافة الخاصّة - لا وجه له وذلك:
أوّلاً: لأنّ استدلال الشيعة واحتجاجهم إنّما هو بالروايات الخالية عن هذه الجملة، وهو استدلال تام بلا كلام.
وثانياً: لأنّ وجود هذه الجملة - على تقدير التسليم بها - لا يضرّ باستدلالهم، ولا يثبت مزعوم النواصب ومقلّديهم كما سيجىء بيانه إن شاء الله تعالى.
قوله:
« قالت الشيعة: إنّ « المنزلة » اسم جنس مضاف إلى العلم.
أقول:
إنّ هذا الكلام نص واضح وبرهان قاطع واعتراف صريح وتصريح صحيح بأن التقرير الذي يذكره للإستدلال بحديث المنزلة هو للشيعة، فإن مراده من « قالوا » هم « الشيعة ».
لكن العجب أنّه يكذّب نفسه بعد ذلك، حيث يدّعي أنّ هذا الذي يقوله هو تهذيب وتنقيح لطريق تمسّك الشيعة بهذا الحديث، وإلّا فمن نظر في كتبهم يرى أن كلماتهم في هذا المورد مشوّشة جدّاً، ويعلم أنهم غير فاهمين للمطلب.
فهذه دعواه حول الشيعة في هذا المقام، وقد رأيت أنّ صدر كلامه يكذّب هذه الدعوى.
قوله:
أصل هذا الحديث دليل لأهل السنّة أيضاً في إثبات فضيلة الإمام وصحة إمامته في وقتها.
أقول:
إذا كان الحديث دليلاً لأهل السنّة، ومرويّاً في صحاحهم، فكيف
يقدحون فيه؟ ولماذا يبطلونه؟ وهل مجرّد احتجاج الشيعة بحديث مخرّج في كتبهم الصحيحة يجوّز الطّعن فيه؟
إذا كان ( الدهلوي ) صادقاً في كلامه هذا فليعترف بدخول الآمدي ومقلّديه في زمرة النواصب، لأنّه وأتباعه قد قدحوا في حديثٍ أجمع أهل الإسلام على صحّته، وبلغ من القوّة حدّاً لا يتمكّن النواصب من القدح فيه معه، وإلّا لم يتمّ احتجاج أهل السنّة به على النواصب؟
أقول:
لأنّه يستفاد من هذا الحديث استحقاقه الإمامة.
أقول:
الحمد لله الذي ألجأ ( الدهلوي ) إلى الإعتراف والإقرار بمطلوب الشّيعة، فصرّح بأنّ هذا الحديث يدلّ على استحقاق أمير المؤمنينعليهالسلام الإمامة وأبطل بهذه الكلمة كلّما نسجته أيدي المكابرين من التّرهات الشنيعة والتأويلات السقيمة، في مقام الجواب عن الإستدلال بهذا الحديث الشريف
نعم، إنّ هذه الكلمة تبطل جميع ما قالوه، لأن استحقاق أمير المؤمنينعليهالسلام الإمامة على ضوء هذا الحديث لا يتم إلّا بدلالته على أنّه من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بمنزلة هارون من موسى في الإمامة، فلو لم يدل على كونه منهعليهالسلام بمنزلة هارون من موسى في الإمامة لم يدل على استحقاقه الإمامة أبداً، لأنّه غير مستلزمٍ حتى للأفضليّة، فإنّ ذاك الأمر لا يفيد استحقاقه للإمامة أصلاً
وإذا دلّ هذا الحديث على أنّ أمير المؤمنين من رسول الله صلّى الله عليه
وآله وسلّم بمنزلة هارون من موسى في الإمامة، ثبت مطلوب الشيعة بلا كلفة، وسقطت شبهات المنكرين وهفوات الجاحدين بالبداهة فيكون الحديث نصّاً صريحاً في إمامة أمير المؤمنينعليهالسلام وخلافته ولانصّ على غيره باعتراف ( الدهلوي ) نفسه وأسلافه، وتقدم غير المنصوص عليه على المنصوص عليه قبيح في الغاية عند جميع العقلاء.
وأيضاً، فإنّ مرتبة إمامة هارون من موسى لم تكن مع وجود فاصلٍ أو فواصل بينهما، فلاوجه لفصل الفواصل وتقييد إمامة أمير المؤمنينعليهالسلام بالمرتبة الرابعة، وهو تقييد لا يرتضيه أحد من العقلاء.
ولا يخفى أنّ ما اعترف به ( الدهلوي ) من دلالة هذا الحديث على صحّة إمامة أمير المؤمنينعليهالسلام مقبول لدى تلميذه الرشيد الدهلوي، من غير مكابرةٍ أو تأويل، بل اعترف بذلك تبعاً له واستشهد بكلامه أيضاً حيث قال في ( إيضاح لطافة المقال ):
« قوله: الحديث الثاني: حديث المنزلة الذي يقولون أيضاً بصحّته.
أقول: إن هذا الحديث عند أهل السنة من أحاديث فضائل أمير المؤمنين الباهرة، بل هو دليل على صحة خلافة هذا الإمام، لكنْ من غير أنْ يدل على نفي خلافة غيره، كما صرّح به صاحب التحفة حيث قال: أصل هذا الحديث أيضاً دليل لأهل السنّة على إثبات فضيلة الأمير وصحة إمامته في حينها
ومتى كان هذا الحديث دالاًّ على فضل حيدر الكرّار، بل كان دليلاً على صحة خلافة ذاك الإمام، فدعوى أن أهل السنّة غير عاملين بمقتضى هذا الخبر بل معتقدون على خلافه عجيبة.
وأمّا تخيّل الشيعة ثبوت ما يزعمونه، على أساس توجيه أهل السنة لهذا الحديث، فيظهر حاله ممّا في القول الآتي وهو:
قوله: إلّا أنهم ذكروا في توجيهه
أقول: لمـّا كان من المعلوم أنّ علماء أهل السنّة - مع تصريحهم بدلالة هذا الحديث على فضل الأمير - يجعلونه دليلاً على صحة خلافته، وأنه لا دلالة في منطوقه على نفي خلافة الغير، فإنّه في هذه الحالة لايكون في صدور التوجيه له في باب الخلافة من أهل السنة ضرر بالنسبة إلى ما نحن فيه وهو مبحث الولاية، وعلى هذا، فإن عدم تمامية تقرير علماء الإمامية في باب خلافة الأمير - وهي خلافته بلا فصل - لا يقتضي نفي ولاية الأمير. ونحن عندما نجيب عن هذا الحديث وحديث من كنت مولاه فإنما نريد التكلّم فيما قالوه بالنسبة إلى إمامة الأمير من كونها بلا فصل، وليس - والعياذّ بالله - إنكاراً لدلالة الخبر على أصل خلافة حيدر الكرار ».
أقول:
إنّ الغرض من نقل عبارة الرشيد هو بيان أنّه يعترف - كشيخه ( الدهلوي ) بدلالة الحديث الشريف على إمامة أمير المؤمنينعليهالسلام ، وأنّه يستعيذ بالله من إنكار هذه الدلالة لكن قد عرفت أن هذا الإعتراف كافٍ لإثبات مطلوب الإمامية، وهو دلالته على أنّ خلافة أمير المؤمنينعليهالسلام بعد الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم مباشرةً وبلا فصل.
وحاصل ذلك: أنا نقول لهم: إن هذا الحديث نصّ في إمامة الأمير باعترافكم، ولا نصّ على خلافة غيره باعترافكم أيضاً فهذا الحديث نصّ في خلافة الأمير بعد الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم بلا فصل.
وبهذا يظهر ما في:
قوله:
إنما الكلام في نفي إمامة الغير وأنه الإمام بلا فصل، فهذا لا يستفاد من هذا الحديث.
لأنّ الجمع بين الإعترافين - أعني: الإعتراف بدلالة هذا الحديث على الإمامة، والإعتراف بعدم وجود نص على إمامة الغير - يفيد نفي إمامة غير الأميرعليهالسلام كما عرفت وهذا بعد التنزّل عن أن مجرّد إثبات إستحقاق الأمير للإمامة، الثابت بهذا الحديث الشريف، كافٍ في نفي خلافة غيره بالضّرورة، إذْ لا يتصوّر تقرير يثبت منه خلافة الأمير دون نفي خلافة من تقدّمه، ومن ادعى فعليه البيان!!
قوله:
وإنْ كان النواصب - خذلهم الله - قدحوا في تمسّك أهل السنّة وقالوا: بأنّ هذه الخلافة غير الخلافة المتنازع فيها.
أقول:
الحمد لله على إحسانه، فقد رجع الحق إلى مكانه
لقد انكشفت بهذا الكلام حقيقة دعاوي أكابر القوم في ولاية أمير المؤمنينعليهالسلام !! وأصبحت مقالاتهم الركيكة وتأويلاتهم السخيفة هباءً منثوراً وذلك لأنّهم - المتقدمين منهم المتأخرين - قد سعوا سعياً بليغاً في دفع
دلالة هذا الحديث على خلافة أمير المؤمنين، وردّ ما أفاده المثبتون لخلافته من هذا الحديث، فبأيّ وجهٍ تيسَّر لهم وبأيّ طريقٍ تمكّنوا منه؟ وحتى ( الدهلوي ) نفسه الذي قصر الخلافة على الأهل والعيال فقط لأنّ هذه المساعي كلّها تأييد وتقوية لمزعوم النواصب المنكرين لأصل الدلالة.
وأيضاً: إذا كان القدح في دلالة الحديث على الخلافة نصباً وعداءً للأميرعليهالسلام ، فما ظنّك بالآمدي وأتباعه المنكرين لأصل الحديث والقادحين في صحته وثبوته؟ بل إنّ حال هؤلاء أسوء من حال النواصب كما لا يخفى
نعم في النواصب من حرّف لفظ الحديث، ووضع كلمة « قارون » بدلاً عن « هارون » وهذا هو « حريز بن عثمان » الشهير بالنصب والعداء الشديد لأمير المؤمنينعليهالسلام
قال أبو المؤيد الخوارزمي: « الثالث: إنّ الخطيب - عفا الله عنه - قد طعن في أحمد أكثر من هذا فقال: قد وثّق أحمد بن حنبل حريز بن عثمان فقال: هو ثقة. وحريز كان يبغض أمير المؤمنين عليّاًرضياللهعنه ، ولا فرق بينه وبين من يبغض أبا بكر وعمر.
ثم قال الخطيب: وكان حريز كذّاباً وروى عدي بن عياش أنه قال: هذا الذي يروى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم لعلي بن أبي طالب: إنه مني بمنزلة هارون من موسى، خطأ. قال ابن عيّاش: فقلتُ له: فما هو؟ قال: سمعتُ الوليد بن عبد الملك يرويه على المنبر فيقول: علي مني بمنزلة هارون من موسى.
ثم أكّد الخطيب هذه الشناعة على أحمد فقال: بلغني عن يزيد بن هارون أنه قال: رأيت ربّ العزة في النوم فقال: يا يزيد تكتب عن حريز بن عثمان؟
فقلت: يا رب ما علمت عليه إلّاخيراً. فقال: يا يزيد لا تكتب عنه، فإنّه يسبّ علي بن أبي طالب.
وهذه حكايه عن أحمد، إنه طعن في أمير المؤمنين »(١) .
ومن هذه القصّة يظهر أيضاً حال الآمدي وأتباعه فإنّ النواصب لمـّا لم يتيسّر لهم إنكار أصل الحديث عمدوا إلى تحريفه كما رأيت، لكن الآمدي ومن تبعه ينكرون الحديث من أصله كما عرفت!!
كما أن منها يظهر حال أحمد بن حنبل فلا تغفل
وذكر ( الدهلوي ) نفسه وقوع هذا التحريف في هذا الحديث الشريف، وأنه من فعل النواصب والخوارج، فقد قال في تفسيره ( فتح العزيز ) بتفسير قوله تعالى( وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ ) (٢) : « أي بتأويل باطل من عندكم يحتاج إلى إضمارٍ، أو حملٍ على معنىً غير حقيقي أو مخالف للسياق أو السباق، كما فعلت الفرق الضالّة من هذه الاُمة، كالخوارج والروافض والمعتزلة والقدرية الملحدين بهذا القرآن، ويدخل في هذا المنع كلّ صور تلبيس الحق بالباطل.
ومن ذلك زيادة لفظٍ في حديث من الأحاديث ليس منه، كما فعلت الشيعة في حديث « جهّزوا جيش اُسامة » بزيادة لفظ « لعن الله من تخلّف عنه » إليه(٣) . وفي حديث « من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من
____________________
(١). جامع مسانيد أبي حنيفة، في وجوه الجواب عمّا نقله الخطيب عن أحمد من عدم جواز النظر في كتب الحنفيّة آخر الباب الأول.
(٢). سورة البقرة: ٢، الآية ٤٢.
(٣). أقول: هذه الجملة واردة في غير واحدٍ من كتب أهل السنة المعتمدة كالملل والنحل للشهرستاني، تاريخ إبراهيم بن عبدالله الحموي، وشرح المواقف ٨ / ٣٧٦ للجرجاني، أبكار الأفكار للآمدي، مرآة الأسرار لعبد الرحمن بن عبد الرسول بلفظ « من تخلّف عن جيش أسامة فهو ملعون » واعترف بصحّته الشيخ يعقوب اللاهوري في ( عقائده ). =
عاداه » بإلحاق جملة: « وانصر من نصره واخذل من خذله » إليه(١) .
ومن ذلك: تبديل لفظٍ في الحديث إلى لفظ آخر قريب منه في المخرج، كما فعلت النواصب والخوارج في حديث: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى » بتبديل لفظ « هارون » إلى « قارون».
فهذا اعتراف من ( الدهلوي ) في هذا الباب، وإنْ كان كلامه مشتملاً على أباطيل وأكاذيب، كجعله الشيعة من الفرق الضالّة كالنواصب، ودعواه صدور التحريف من الشيعة في الأحاديث، وأنت إذا راجعت ( تشييد المطاعن ) و ( حديث الغدير ) من كتابنا، عرفت أنه - لو كان وجود الجملتين زيادةً وتحريفاً - من قبل أركان أهل السنّة لا من علماء الشيعة فهم الضلّال لا الشيعة.
لقد نصَّ ( الدهلوي ) على أنّ من ينكر دلالة حديث المنزلة على أصل إمامة أمير المؤمنينعليهالسلام فهو ناصبي، لأنّ النواصب يقولون بأنّ هذه الخلافة التي جاءت في هذا الحديث شيء آخر غير الخلافة المتنازع فيها فنقول:
إنّ إنكار دلالة هذا الحديث على أصل الإمامة والخلافة قد صدر من كثير من علماء أهل السنّة، وورد في عباراتهم في كتبهم، فمن هنا أيضاً تعرف حقيقة حال القوم تجاه أمير المؤمنين وأهل البيتعليهمالسلام وإليك بعضهم:
____________________
= وكما نسب ( الدهلوي ) وضع هذه الجملة إلى الشيعة في ( تفسيره ) كذلك نسبه إليهم في باب المطاعن من ( تحفته ) ونفى وجود الجملة في شيء من كتب أهل السنّة، بل نسب إلى الملل والنحل قوله: إن هذه الجملة موضوعة مفتراة. فحيّا الله الأمانة والديانة!!
(١). راجع للوقوف على رواية أهل السنة لهذه الجملة قسم حديث الغدير من كتابنا.
قال فضل الله بن حسين التوربشتي بشرح الحديث:
« والمستدل بهذا الحديث على أن الخلافة كانت بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى علي، زائغ عن منهج الصواب، فإن الخلافة في الأهل حياته لا تقتضي الخلافة في الأمة بعد المماة، والمقايسة التي تمسّكوا بها تنتقض عليهم بموت هارون قبل موسىعليهماالسلام ، وإنّما يستدل بهذا الحديث على قرب منزلته واختصاصه بالمؤاخاة من قبل الرسول صلّى الله عليه وسلّم »(١) .
وقد أصرّ على هذا الإنكار والنفي في كتابه ( المعتمد في المعتقد ) فكان أشد نصباً من النواصب كما لا يخفى على من راجعه.
وقال نور الدين علي بن سلطان الهروي القاري:
« قال التوربشتي: كان هذا القول من النبي صلّى الله عليه وسلّم في مخرجه إلى غزوة تبوك، وقد خلّف عليّاًرضياللهعنه على أهله، وأمره بالإقامة فيهم، فأرجف به المنافقون وقالوا: ما خلّفه إلّا استثقالاً له وتخفّفاً منه، فلمـّا سمع به علي أخذ سلاحه، ثمّ خرج حتى أتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو نازل بالجرف، فقال: يا رسول الله، زعم المنافقون كذا، فقال: كذبوا، إنّما خلّفتك لما تركت ورائي، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك، أما ترضى - يا علي - أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى. تأول قول الله سبحانه:( وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ) .
____________________
(١). شرح المصابيح - مخطوط، باب مناقب علي من كتاب المناقب.
والمستدل بهذا الحديث على أنّ الخلافة كانت له بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم زائغ عن منهج الصواب، فإن الخلافة في الأهل في حياته لا تقتضي الخلافة في الاُمة بعد مماته، والمقايسة التي تمسّكوا بها تنتقض عليهم بموت هارون قبل موسىعليهاالسلام .
وإنما يستدل بهذا الحديث على قرب منزلته واختصاصه بالمؤاخاة من قبل الرسول صلّى الله عليه وسلّم.
وفي شرح مسلم: قال القاضي عياض: هذا ممّا تعلَّقت به الروافض وسائر فرق الشيعة، في أنّ الخلافة كانت حقّاً لعليرضياللهعنه ، وأنّه وصيّ له بها، فكفّرت الروافض سائر الصحابة بتقديمهم غيره، وزاد بعضهم فكفّر عليّاً لأنه لم يقم في طلب حقّه، وهؤلاء أسخف عقلاً وأفسد مذهباً من أن يذكر قولهم، ولا شك في تكفير هؤلاء، لأنّ من كفّر الامة كلّها أو الصدر الأول خصوصاً فقد أبطل الشريعة وهدم الإسلام.
ولا حجّة في الحديث لأحدٍ منهم، بل فيه إثبات فضيلة لعلي، ولا تعرّض فيه لكونه أفضل من غيره، وليس فيه دلالة على استخلافه بعده، لأنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إنما قال هذا حين استخلفه على المدينة في غزوة تبوك. ويؤيّد هذا أن هارون المشبَّه به لم يكن خليفةً بعد موسى، لأنه توفي قبل وفاة موسى بنحو أربعين سنة، وإنما استخلفه حين ذهب لميقات ربه للمناجاة.
وقال الطّيبي: وتحريره من جهة علم المعاني: إن قوله « منّي » خبر للمبتدأ و « من » اتّصالية. ومتعلّق الخبر خاص و « الباء » زائدة، كما في قوله تعالى:( فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ ) (١) أي: فإن آمنوا إيماناً مثل إيمانكم. يعني: أنت متّصل بي ونازل منّي منزلة هارون من موسى، وفيه تشبيه، ووجه الشبه لم يفهم أنهرضياللهعنه فيما شبّهه به صلّى الله عليه وسلّم، فبيّن بقوله: إنه لا
نبي بعدي، أن اتّصاله به ليس من جهة النبوة، فبقي الإتصال من جهة الخلافة، لأنها تلي النبوة في المرتبة. ثم إمّا أنْ تكون حال حياته أو بعد مماته، فخرج من أن يكون بعد مماته، لأن هارونعليهالسلام مات قبل موسى، فتعيّن أن يكون في حياته عند مسيره إلى غزوة تبوك، إنتهى.
وخلاصته: إن الخلافة الجزئية في حياته لا تدلّ على الخلافة الكليّة بعد مماته، لا سيّما وقد عزل عن تلك الخلافة برجوعه صلّى الله عليه وسلّم إلى المدينة »(١) .
أقول:
لقد نصّ هؤلاء وفاهوا بما قالته النّواصب، بل زاد القاري شيئاً لم يقولوا به، وهو ما ذكره أخيراً من أنه عزل عن تلك الخلافة الجزئية!! برجوعهصلىاللهعليهوآلهوسلم فهذا شيء لم يرد في كلام النواصب!!
وقال أبو شكور محمد بن عبد السعيد بن شعيب السالمي الحنفي صاحب ( التمهيد في بيان التوحيد ) ما نصّه:
« وأمّا قوله: إن النبيعليهالسلام جعله خليفةً وكان بمنزلة هارون من موسى.
قلنا: الخبر حجة عليكم، لأنّ النبيّعليهالسلام خرج في بعض غزواته، فاستخلف في المدينة علي بن أبي طالبرضياللهعنه ، فلما خرج النبيعليهالسلام قالت المنافقون: إنه قد أعرض عن ابن عمه وأجلسه في البيت، فلمـّا
____________________
(١). المرقاة في شرح المشكاة ٥ / ٥٦٣ - ٥٦٤.
سمع عليرضياللهعنه اغتمّ لذلك، وخرج خلف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فلما لحق النبي فقال له: ما استخفّك؟ فقال: استخلفتني على النساء والذراري والمنافقين، وقد قال المنافقون في حقي ما قالوا - وقصَّ عليه القصّة - فقال النبيعليهالسلام : أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي؟
ثم هارون كان نبياً وعليرضياللهعنه ما كان نبياً، وهارونعليهالسلام كان خليفة موسى في حياته ولم يكن بعد وفاته، لأنه مات قبل موسىعليهالسلام ، فهذا لا يشبه ذلك ».
وماذا قال النواصب غير هذا؟
وقال شمس الدين محمد بن المظفر الخلخالي:
« قوله: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي.
قيل: إنما صدر هذا الكلام من النبيعليهالسلام يوم غزوة تبوك، وقد خلّف عليّاً على أهل بيته، وأمره أن يقيم في المدينة ويراعي أحوالهم يوماً فيوماً. ثم قال المنافقون: ما تركه إلّالكونه مستثقلاً عنده، فخفّف عنه ثقله، فلما سمع علي ذلك تأذّى من هذا الكلام، فأتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله زعم المنافقون أنك ما خلّفتني إلاّلكوني ثقيلاً عليك، فخفّفت ثقلي عنك. فقالعليهالسلام : كذبوا. ما خلّفتك إلّا لكرامتك عليَّ، فارجع إلى أهلي وأهلك واخلفني فيهم بما أمرتك. أما ترضى بأنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى.
فالإستدلال بذلك على أنّ الخلافة بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
كانت لعلي، غير صواب، لأنّ الخلافة الجزئية - وهي خلافته في الأهل - لا تقتضي الخلافة الكلية. أي الخلافة في الامّة بعد وفاتهعليهالسلام .
بل إنّما تدلّ على قربه واختصاصه بما لا يباشر إلّا بنفسه في أهله، وإنما اختص بذلك لأنه يكون بينه وبين رسول الله صلّى الله عليه وسلّم طرفان القرابة والصحبة، فلهذا اختاره لذلك دون غيره.
وأيضاً: ضربعليهالسلام المثل باستخلاف موسى هارون على بني إسرائيل حين خرج إلى الطور، ولم يرد به الخلافة بعد الموت، فإن المضروب به المثل - وهو هارون - كان موته قبل موت موسى، وإنّما كان خليفةً له في حياته في وقت خاص، فليكن كذلك الأمر فيمن ضرب له المثل به »(١) .
وقال مظهر الدين حسين بن محمود بن الحسن الزيداني:
« فالذي يستدل بهذا الحديث على أنّ الخلافة بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كانت لعليرضياللهعنه ، فاستدلاله بذلك غير صواب، لأنّ الخلافة الجزئية في حياته لا تدلّ على الخلافة الكلية بعد وفاتهعليهالسلام ، وإنما يستدل به على قربه واختصاصه بما لا يباشر إلّابنفسهعليهالسلام ، وإنّما اختصّ بذلك لأن بينه وبين رسول الله صلّى الله عليه وسلّم طرفان، القرابة والصحبة، فلهذا اختاره بذلك دون غيره.
قال الخطابي: ضرب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المثل باستخلاف موسى هارونعليهماالسلام على بني إسرائيل حين خرج إلى الطور، ولم يرد الخلافة بعد الموت، فإن المضروب به المثل - وهو هارونعليهالسلام - كان
____________________
(١). المفاتيح في شرح المصابيح - مخطوط، باب مناقب علي من كتاب المناقب.
موته قبل وفاة موسىعليهالسلام ، وإنما كان خليفةً في حياته في وقت خاص، فليكن كذلك الأمر فيمن ضرب له المثل »(١) .
وقال النووي بشرحه:
« وليس فيه دلالة لاستخلافه بعده، لأنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم إنما قال هذا لعلي حين استخلفه في المدينة في غزوة تبوك. ويؤيد هذا: إنّ هارون المشبّه به لم يكن خليفةً بعد موسى، بل توفي في حياة موسى وقبل وفاة موسى بنحو أربعين سنة، على ما هو مشهور عند أهل الأخبار والقصص، قالوا: وإنّما استخلفه حين ذهب لميقات ربه للمناجاة. والله أعلم »(٢) .
وقال الشمس محمد بن يوسف الكرماني:
« قوله: أن تكون منّي. أي: نازلاً مني منزلته، والباء زائدة.
وهذا الحديث تعلّق به الروافض في خلافة عليرضياللهعنه .
الخطابي: هذا إنّما قال لعلي حين خرج إلى تبوك ولم يستصحبه، فقال: أتخلّفني مع الذرية؟ فقال: أما ترضى أن تكون فضرب له المثل باستخلاف موسى على بني إسرائيل حين خرج إلى الطور. ولم يرد به الخلافة بعد الموت. فإن المشبّه به - وهو هارون - كانت وفاته قبل موسىعليهماالسلام ، وإنما كان
____________________
(١). شرح المصابيح - مخطوط، باب مناقب علي من كتاب المناقب.
(٢). شرح صحيح مسلم ١٥ / ١٧٤.
خليفته في حياته في وقتٍ خاص. فليكن كذلك الأمر فيمن ضرب المثل به »(١) .
وقال شهاب الدين ابن حجر العسقلاني:
« استدل بحديث الباب على استحقاق علي للخلافة دون غيره من الصحابة، فإن هارون كان خليفة موسى.
وأجيب: بأن هارون كان خليفة موسى في حياته لا بعد موته، لأنه مات قبل موسى باتّفاق، أشار إلى ذلك الخطاّبي.
وقال الطيّبي: معنى الحديث أنه متّصل بي نازل في منزلة هارون من موسى، وفيه تشبيه مبهم بيّنه بقوله: إلّا أنه لا نبي بعدي. فعرف أنّ الإتصال المذكور بينهما ليس من جهة النبوة بل من جهة ما دونها وهو الخلافة. ولمـّا كان هارون المشبّه به إنّما كان خليفةً في حياة موسى دلّ ذلك على تخصيص خلافة علي للنبي صلّى الله عليه وسلّم بحياته »(١) .
وقال شهاب الدين القسطلاني:
« ولا حجة لهم في الحديث ولا متمسّك لهم به، لأنه صلّى الله عليه وسلّم إنما قال هذا حين استخلفه على المدينة في غزوة تبوك. ويؤيّده إن هارون المشبّه به لم يكن خليفة بعد موسى، لأنه توفي قبل وفاة موسى بنحو أربعين سنة. وبيّن بقوله: إلّا أنه ليس نبي - في نسخة: لا نبي بعدي - إنّ إتّصاله به ليس من جهة النبوة، فبقي الإتصال من جهة الخلافة، لأنها تلي النبوة في الرتبة. ثم
____________________
(١). الكواكب الدراري في شرح البخاري ١٣ / ٢٤٥.
(٢). فتح الباري في شرح البخاري ٧ / ٦٠.
إنّها إمّا أن تكون في حياته أو بعد مماته، فخرج بعد مماته، لأن هارون مات قبل موسى، فتعيَّن أنْ تكون في حياته عند مسيره إلى غزوة تبوك، كمسير موسى إلى مناجاة ربه »(١) .
وقال محبّ الدين الطبري:
« الجواب عنه من وجهين:
الأول: نقول: هذا عدول عن ظاهر ما تعلق به لسان الحال والمقال، فإنّه صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي تلك المقالة حين استخلفه لمـّا توجّه إلى غزوة تبوك على ما يتضح إنْ شاء الله تعالى في آخر هذا الكلام، وذلك استخلاف حال الحياة، فلمـّا رآى تألّمه بسبب التخلّف، إما أسفاً على الجهاد أو بسبب ما عرض من أذى المنافقين على ما سنبيّنه إن شاء الله تعالى، قال له تلك المقالة ايذاناً له بعلوّ مكاننهُ منه وشرف منزلته التي أقامه فيها مقام نفسه. فالتنظير بينه وبين هارون إنما كان في استخلاف موسى له، منضمّاً إلى الأخوة وشدّ الأزر والعضد به، وكان ذلك كلّه حال الحياة، مع قيام موسى فيما استخلفه فيه، يشهد بذلك صورة الحال، فليكن الحكم في علي كذلك، منضماً إلى ما يثبت له من أخوة النبي صلّى الله عليه وسلّم وشدّ أزره وعضده به، غير أنّه لم يشاركه في أمر النبوة، كما شاركه هارون لم ترد موسى، فلذلك قال صلّى الله عليه وسلّم: إلّا أنه لا نبي بعدي. أي بعد بعثتي.
هذا على سبيل التنظير، ولا إشعار في ذلك بما بعد الوفاة لا بنفي ولا بإثبات.
____________________
(١). إرشاد الساري في شرح البخاري ٦ / ٤٥١.
بل نقول: لو حمل على ما بعد الوفاة لم يصح تنزيل علي من النبي صلّى الله عليه وسلّم منزلة هارون من موسى، لانتفاء ذلك في هارون، فإنّه لم يكن الخليفة بعد وفاة موسى، وإنما كان الخليفة بعد يوشع بن نون. فعلم قطعاً أن المراد به الاستخلاف حال الحياة، لمكان التشبيه، ولم يوجد إلّافي حال الحياة »(١) .
أقول:
ولا يخفى التنافي بين قوله أوّلاً وما قاله ثانياً بعد « بل »، وأن حاصل كلامه الأول هو مقالة النواصب، وحاصل كلامه الثاني كون الحديث دليلاً على نفي خلافة أمير المؤمنينعليهالسلام ، وهذا أفحش وأشنع من كلام النواصب اللئام.
وقال نور الدين الحلبي صاحب ( السيرة ) ما نصّه:
« وادّعت الرافضة والشيعة إن هذا من النص التّفصيلي على خلافة علي كرم الله وجهه. قالوا: لأن جميع المنازل الثابتة لهارون من موسى سوى النبوة ثابتة لعلي كرّم الله وجهه من النبي صلّى الله عليه وسلّم، وإلا لما صحّ الإستثناء، أي إستثناء النبوة بقوله: إلّا أنّه لا نبي بعدي، وممّا ثبت لهارون من موسىعليهالسلام استحقاقه للخلافة عنه لو عاش بعده. أي دون النبوة.
وردّ: بأن هذا الحديث غير صحيح كما قاله الآمدي.
وعلى تسليم صحته - بل صحته هي الثابتة لأنه في الصحيحين - فهو من
____________________
(١). الرياض النضرة ١ / ٢٢٤.
قبيل الآحاد، وكل من الرافضة والشيعة لا يراه حجةً في الإمامة.
وعلى تسليم أنه حجة، فلا عموم له.
بل المراد ما دلّ عليه ظاهر الحديث: إن علياً كرم الله وجهه خليفة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في أهله خاصةً مدة غيبتهُ بتبوك، كما أن هارون كان خليفة عن موسى في قومه مدة غيبته عنهم للمناجاة. فعلى تسليم أنّه عام لكنه مخصوص، والعام المخصوص غير حجة في الباقي أو حجة ضعيفة.
وقد استخلف صلّى الله عليه وسلّم في مرارٍ أخرى غير علي، فيلزم أنْ يكون مستحقّاً للخلافة»(١) .
أقول:
وهكذا سعى غير من ذكرناهم - كالسيوطي في ( التوشيح ) والعلقمي في ( الكوكب المنير ) والعزيزي في ( السراج المنير ) وزيني دحلان في ( السيرة النبوية ) والرازي في ( نهاية العقول ) والإصفهاني في ( شرح التجريد ) و ( شرح الطوالع ) والتفتازاني في ( شرح المقاصد ) والقوشجي في ( شرح التجريد ) وابن حجر المكي في ( الصواعق المحرقة ) والكابلي في ( الصواقع ) وغيرهم من شرّاح الحديث والمتكلّمين - في نفي دلالة الحديث الشريف على خلافة مولانا الأميرعليهالسلام
فظهر - والحمد لله - باعتراف ( الدهلوي ) نصب كلّ هؤلاء وعداؤهم لأمير المؤمنين لاتّحاد مقصودهم مع مقصود النواصب، وقدحهم في أصل دلالة الحديث على استحقاقهعليهالسلام الخلافة كما قدحوا
ولا تتوهّمنَّ أنهم ينفون دلالته على الخلافة بلا فصل، لا أصل الإستحقاق
____________________
(١). السيرة الحلبية ٣ / ١٣٣.
للخلافة، فيكون بين كلامهم وما تزعمه النواصب فرق.
لأنّ كلمات هؤلاء القوم صريحة في نفي الدلالة على أصل الخلافة، ألا ترى التوربشتي يقول: « إنّما يستدل بهذا الحديث على قرب منزلته واختصاصه بالمؤاخاة من قبل الرسول »؟
وأيضاً: جاء في كلام جميعهم ذكر وفاة هارون في حياة موسىعليهماالسلام ، وعدم وصول الخلافة إليه بعد وفاة موسى، فليكن الأمر كذلك في المشبَّه به وهو عليعليهالسلام لقد جاء هذا في كلامهم، وليس معناه إلاّسلب الخلافة على الإمام مطلقاً، بل معنى كلامهم أن حديث المنزلة دليل على عدم خلافته أصلاً. معاذ الله من ذلك.
وأيضاً: لقد جاء في عبارة القسطلاني: « فخرج بعد مماته، لأن هارون مات قبل موسى، فتعيّن أن يكون في حياته، عند مسيره إلى غزوة تبوك » وكذا ذكر العلقمي والعزيزي في شرحيهما للجامع الصغير للسّيوطي. وهذا نصّ صريح في إنكار الدلالة على الخلافة على الإطلاق، لأنّ هذا الكلام معناه خروج الخلافة بعد المماة على الإطلاق، وإلّا لم يتم تعيّن أنْ يكون في حياته.
وأيضاً: قول عبد الوهاب القنوجي في ( بحر المذاهب ): « ولو سلّم، فلا دلالة على نفي إمامة الأئمة الثلاثة قبل علي » صريح في أنه يريد نفي الدلالة على الإطلاق، وأنّه لو سلّم فلا دلالة على نفي إمامة الثلاثة
وكذا في ( شرح التجريد للقوشجي ) حيث قال: « وبعد اللتيا والتي، لا دلالة فيه على نفي إمامة الأئمة الثلاثة قبل عليرضياللهعنه ».
فظهر: أنّهم ينفون وينكرون دلالة حديث المنزلة على أصل الخلافة، وهذا عين ما ذهبت إليه النصّاب فلا يبقى ريب في نصب الخطابي، والقاضي عياض، والتوربشتي، والنووي، والخلخالي، والزيداني، والكرماني، والطيبي،
والطبري، والعسقلاني، والقسطلاني، والعلقمي، والعزيزي، والقاري، والحلبي وأمثالهم
لكنّ كلّ هذا لا يوجب اضطراب أهل السنّة في ديار الهند، بمثل اضطرابهم إذا ما أوردنا كلام وليّ الله المثبت له النصب والبغض لأمير المؤمنينعليهالسلام على ضوء كلام ولده ( الدهلوي ) فقد قال ولي الله:
« لمـّا استخلف المرتضى في غزوة تبوك شبّهه بهارون في خصلتين: الخلافة في مدة الغيبة وكونه من أهل البيت، دون الخصلة الثالثة وهي النبوّة، وهذا المعنى لا علاقة له بالخلافة الكبرى التي هي بعد وفاة النبي صلّى الله عليه وسلّم، لأنه صلّى الله عليه وسلّم كان يعيّن على المدينة في كلّ غزوةٍ أميراً فالخلافة الكبرى أمر، والخلافة الصغرى في مدة الغيبة عن المدينة أمر آخر »(١) .
هذه عبارته أليست هي عبارة النواصب التي نقلها ولده من أنّ « هذه الخلافة غير الخلافة المتنازع فيها »؟!
ثمّ إنّ كلام ( الدهلوي ) الذي نقل فيه قدح النّواصب يثبت نصبه هو أيضاً، لأنّ ( الدهلوي) نفسه يجيب عن استدلال الإماميّة بحديث المنزلة بحاصل القدح الذي نقله عن النواصب كما سيأتي عن قريب وذاك قوله بقصر خلافة أمير المؤمنينعليهالسلام في المدينة على الأهل والعيال. وهذا هو مطلوب النواصب.
____________________
(١). إزالة الخفا، آخر الفصل السابع من المقصد الأول.
وبعد، فإني كاشف - بعناية الله - عن حقيقة الحال في هذا المقام إذ ( الدّهلوي ) ذكر عن النواصب أنهم يقدحون في الإستدلال بهذا الحديث الشريف بأنّ الخلافة فيه غير الخلافة المتنازع فيها، فلا دلالة فيه على أصل إستحقاق أمير المؤمنينعليهالسلام للخلافة بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لكنّ الأصل في هذا القدح هو الحسام السهارنفوري صاحب ( مرافض الروافض ) الذي دأب ( الدهلوي ) على انتحال أباطيله في كلّ موردٍ لم يجد ضالّته في كلمات الكابلي صاحب ( الصواقع )
نعم هو من كلام السهارنفوري، انتحله ( الدّهلوي ) ناسباً إيّاه إلى النواصب وإليك ما جاء في كتاب ( المرافض ) للسهارنفوري في هذه المسألة:
« لقد اتفق الطّرفان على أن رسول الثقلين وشفيعنا في الدارين قال هذا لعلي عند مخرجه إلى غزوة تبوك، وقد صرّح أصحاب الحديث والسّير المتكفّلين لبيان أحواله - صلّى الله عليه وسلّم - أنّ رسول الله استخلف علياً المرتضى في مخرجه إلى تلك الغزوة على أهله وعياله، وأمره أن يقيم في المدينة رعايةً لأحوالهم، لا أنه أعطاه منصب الخلافة المطلقة وشرّفه بذاك المقام الرّفيع.
روى البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقّاص الحديث.
وفي شرح المشكاة، والصواعق، وفصل الخطاب، والمدارج، والمعارج، وحبيب السير، وترجمة المستقصى، وغيرها من الكتب: إن سيد الكونين خلّفه عند مخرجه إلى غزوة تبوك على أهله وعياله ليتعهّد أحوالهم في المدينة.
فظهر، أنّ هذه خلافة خاصّة وليست مطلقة، والنزاع إنّما هو في الخلافة المطلقة.
وقد خلّف الرسول صلّى الله عليه وسلّم في هذه الغزوة - كما ذكر أهل السّير - محمد بن مسلمة، أو سباع بن عرفطة على المدينة، ونصب ابن اُم مكتوم نائباً من قبله لإقامة الصّلاة فيها. وواضح أنّه لو كانت خلافة علي المرتضى مطلقةً لما كان لاستخلاف محمد بن مسلمة وابن أم مكتوم معنى ».
فهذا كلامه، وقد صرّح بأنّ الخلافة الّتي دلّ عليها الحديث الشريف غير الخلافة المتنازع فيها، وهذا هو الذي نسبه ( الدهلوي ) إلى النّواصب، للتستّر على واقع حال والده ولي الله، ومقتداه السهارنفوري، وكبار أئمة طائفته من محدثين ومتكلمين
كلام الأعور الواسطي في الجواب عن الحديث
وهلمَّ معي وانظر إلى كلام يوسف الأعور الواسطي، الذي شحنه كذباً وزوراً وطعناً في أمير المؤمنين وشيعته، لينكشف لك - أكثر من ذي قبل - ما يضمره هؤلاء القوم من البغض والعداوة لأمير المؤمنين وأهل بيت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إنه يقول في رسالته مجيباً عن الإستدلال بحديث المنزلة:
« الثالث - قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: أنت مني بمنزلة هارون من موسى.
قلنا: لا دلالة فيه على إمامة علي، لوجوه:
الأول: إنه قيل تسليةً لعلي لا تنصيصاً عليه، لأنه صلّى الله عليه وسلّم حين خرج إلى تبوك، ولم يترك للمدينة رجلاً يصلح للحرب، ولم يترك إلّا النساء والصّبيان والضعفاء، فاستخلف علياً. فطعنت المنافقون في علي فقالوا: ما تركه إلّالشىء يكرهه منه، فخرج إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم باكياً. فقال: تذرني مع النساء والصّبيان؟ فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم تسليةً: أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى. وقد استخلف النبي صلّى الله عليه وسلّم إبن أم مكتوم على المدينة أحد عشر مرة وهو أعمى لا يصلح للإمامة.
الثاني: إنّ في هذا الحديث دلالة على عدم استحقاق علي للإمامة، لأنّ هارون مات قبل موسى، ولم يكن له بعد موسى أمر، فيلزم الرّافضة أنْ يقولوا ليس لعلي بعد النبي أمر.
الثالث: إنّ الرّافضة لو عقلت ما ذكروا هذا الحديث على استحقاق، لأنه شبّهه بهارون في الإستخلاف، ولم يحصل من استخلاف هارون إلّا الفتنة العظيمة والفساد الكبير بعبادة بني إسرائيل العجل، حتى أخذ موسى رأس أخيه يجرّه إليه. وكذلك حصل من استخلاف علي أيضاً، لما عرفت من قتل المسلمين يوم الجمل وفي صفّين، ووهن الإسلام، حتى طعنت فيه الأعداء، وإن لم يكن لا لوم على علي في ذلك، لكونه صاحب الحق، لكن لو لم يكن في خلافته مثل ذلك لكان أولى ».
نعم لقد أبدى هذا الرجل كوامن أضغانه، وأعلن أقصى عدوانه لأمير المؤمنينعليهالسلام
ألا ترى إلى قوله: « لا دلالة فيه على إمامة علي »؟
أليس هذا هو قول النواصب؟
بل إنّه يقول: « إنّ في هذا الحديث دلالةً على عدم استحقاق علي للإمامة ».
فهل هذا الحديث الّذي يرويه أهل السنّة ويعترفون بصحّته وتواتره دليلُ على عدم استحقاق أمير المؤمنينعليهالسلام الخلافة؟
أليس هذا مذهب النواصب والخوارج، وعلى خلاف أهل السنّة حيث يجعلونه أحد الخلفاء؟
وأيضاً: إذا كان هذا الحديث دليلاً على عدم الإستحقاق فالحديث المفترى الموضوع في حقّ الشيخين - المذكور سابقاً - دليل على عدم استحقاقهما كذلك فيكون ضرر هذا الهذر على الأعور من نفعه أكثر
لكنّه لم يكتف بهذا، بل جعل - في الوجه الثالث - يطعن في أمير المؤمنين وخلافته وشيعته فهل له من توجيةٍ معقول وتأويلٍ مقبول؟
لقد اشتملت عبارته على التشنيع والطّعن من وجوه:
١ - قوله: إن الرافضة لو عقلت ما ذكروا هذا الحديث حجة على استحقاق علي. يدل هذا الكلام على أنّ ذكر هذا الحديث والإحتجاج به على استحقاق الإمام يخالف العقل، ويدلّ على حمق وسفاهة ذاكره والمستدل به والحال أن ( الدهلوي ) يصرّح بأنّ هذا الحديث دليل - عند أهل السنة - على فضل الأمير وصحة إمامته في حينها، لدلالته على استحقاقه لها فيكون طعن الأعور متوجهاً إلى الشيعة والسنة معاً
٢ - قوله: « لأنه شبّهه بهارون في الإستخلاف، ولم يحصل من استخلاف هارون إلّا الفتنة العظيمة والفساد الكبير بعبادة بني إسرائيل العجل » تعليلٌ لنفي العقل عن الشّيعة باستدلالها بالحديث وهو يزعم أنّ نتيجة هذا التشبيه وقوع الفتنة والفساد الكبير من استخلاف أمير المؤمنينعليهالسلام ، كما حصل ذلك بزعمه من استخلاف هارون.
٣ - قوله: « حتى أخذ موسى برأس أخيه يجرّه إليه » معناه: أنّ هارون كان هو السّبب فيما حصل، ولذلك فعل به موسى ذلك. وإنّما ذكر هذا لإثبات مزيد الطعن واللّوم على أمير المؤمنين، كما هو واضح.
٤ - قوله: « وكذلك حصل من استخلاف علي أيضاً، لما عرفت » تصريح بترتب كلّ ذلك الذي ترتب على استخلاف هارون بزعمه، على استخلاف أمير المؤمنينعليهالسلام .
٥ -قوله: « أيضاً » تأكيد لحصول ما ذكر كما لا يخفى.
٦ - قوله: « لما عرفت من قتل المسلمين يوم الجمل والصفين » تصريح بالمراد والمقصود من « الفتنة العظيمة والفساد الكبير » في كلامه.
٧ - قوله: « ووهن الإسلام » يدل على أنّ قتالهعليهالسلام الناكثين والقاسطين والمارقين كان سبب وهن الإسلام وضعف دين خير الأنامصلىاللهعليهوآلهوسلم .
٨ - قوله: « حتى طعنت الأعداء » معناه الإعتناء والإعتبار بطعن من طعن على أمير المؤمنينعليهالسلام في قتاله لأولئك الذين قاتلهم
وأمّا قوله: « وإنْ لم يكن لا لوم على علي » فإنّه إنما قاله أخيراً لرفع اللّوم على الإمامعليهالسلام وبغضّ النظر عن كون عبارته ركيكةً - لأن نفي النفي إثبات - فإنّه هذه الجملة لا تجبر ما تفوَّه به أوّلاً في الطعن واللوم والتشنيع على أمير المؤمنينعليهالسلام ، بل غاية الأمر وقوع التهافت والتناقض في كلامه صدراً وذيلاً، وذلك ليس ببعيد من هؤلاء النصّاب، بل ذلك شأن جميع المبطلين الأقشاب
وتناقضه غير منحصر بهذا، ففي كلامه هنا تناقضات، وبيان ذلك:
إنّه قد صرّح في الوجه الأوّل بأنّ هذا الحديث إنّما قيل تسليةً لأمير المؤمنينعليهالسلام ، قال: « الأول: إنه قيل تسليةً لعلي لا تنصيصاً عليه » وقال: « فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم تسليةً: أما ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى ». ثم ناقض نفسه في الثاني فادّعى إنه دليل على نفي استحقاقه الإمامة والخلافة، ثم ادّعى في الثالث ترتّب الفساد العظيم على
استخلافه فهذا تناقض، لأنه إن كان دليلاً على نفي الإستحقاق وكان دليلاً على حصول الفساد الكبير، فلا تحصل التسلية لعليٍّ ولا دفع إرجاف المنافقين في المدينة به، بل بالعكس، يكون الحديث - بناءً على ما ذكره - تأييداً وتصديقاً لما زعمته المنافقون، وتصحيحاً لطعن الطاعنين فيه.
وأيضاً: إنّه - وإنْ بلغت عداوته في الوجه الثالث إلى أقصى الغايات - اعترف بدلالة الحديث على الخلافة، حيث قال فيه: « لأنه شبّهه بهارون في الإستخلاف » فهذا الكلام نصٌّ صريح في الدّلالة على ذلك، لأنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم شبّه أمير المؤمنين بهارون في الإستخلاف، وظاهر أن ليس مراد الأعور من هذا الإستخلاف هو الإستخلاف حال الحياة لعدم وقوع أي فتنةٍ أو فساد حينذاك، فالمراد هو الإستخلاف بعد المماة. وإذْ ثبت تشبيه النبي علياً بهارون في الإستخلاف بعد المماة ثبت دلالة الحديث على الخلافة بالبداهة وإذا كان هذا حاصل كلامه في الوجه الثالث، فقد ناقض مدّعاه حيث نفى الدلالة على الخلافة قائلاً: « لا دلالة فيه على إمامة علي ».
وأمّا الأشياء الأخرى التي زعمها في ذاك الوجه - أعني الثالث - فهي لا تدلّ إلّاعلى كفره ونفاقه
وقال نجم الدين خضر بن محمد بن علي الرازي في ( التوضيح الأنور بالححج الواردة لدفع شبه الأعور ) في هذا المقام:
« وجه الشبه هو القرب والفضيلة، لا ما توهّمه من الفساد الكبير والفتنة العظيمة، وإلّا لم يكن تسليةً بل مذمة وتخطئة، وهو باطل بالإجماع. على أن الفتنة والفساد لم يحصل من نفس الإستخلاف بل من أهوائهم الفاسدة وآرائهم الكاسدة، وإلا لكان القدح في النبي المستخلف.
وعلي ما قتل إلّا البغاة الناكثين والقاسطين والمارقين، عملاً بقول رب
العالمين:( فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ ) . ووهن الإسلام من فعل المخالفين اللئام، وطعن الأعداء لقلّة بصارتهم ومتابعة الأهواء.
هذا، ولو علم الخارجي الأعور التائه في الضلال بحقيقة مآل المقال ما قال ذلك، لأنه إذا كان عليعليهالسلام كهارون وخلافته كخلافته، لزم أنْ يكون علي صاحب الحق، والمخالف مؤثراً عليه غيره بغير حق، كما أنّ هارون كان صاحب الحق وعبادة العجل التي آثروها على متابعته كان باطلاً. فيلزم منه بطلان الثلاثة الذين خلفوا لكونهم كالعجل المتّبع، ولا دخل لمحاربة علي، لأن وجه الشبه يجب أن يكون مشتركاً بين الطرفين والمحاربة ليست كذلك ».
وأيضاً: بين الوجهين الثاني والثالث تناقض، لأن مقتضى صريح الثاني كون الحديث دليلاً على نفي الإستحقاق، لأنه شبهه بهارون، وقد مات هارون في حياة موسى، فلا استحقاق للأمير للخلافة بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ومقتضى صريح الثالث كونه دالاً على خلافته، لكنْ ترتّب على خلافته فساد كبير وفتنة عظيمة كما زعم فالثاني ناف للخلافة والثالث مثبت، وبين النفي والإثبات تناقض كما هو واضح.
وبعد، فإنّ فظاعة كلمات الأعور في حقّ هارون غير خافية على العاقل الديّن لكنّا مزيداً للتوضيح نقول: إنّ ما ادّعاه من ترتّب الفتنة العظيمة والفساد الكبير على إستخلاف هارون بهتان عظيم وافتراء كبير، وتكذيب للكلام الإلهي الصريح في براءة هارون ممّا كان عند استخلافه وغياب موسى، فقد قال سبحانه وتعالى:( وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ
الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي ) (١) فإن الله يبرّىء هارون، والأعور يقول بأنّه هو السبب في عبادة بني إسرائيل العجل!!
ولقد أوضح المفسّرون من أهل السنة أيضاً واقع الأمر وحقيقة الحال حيث شرحوا القصة في تفاسيرهم:
* يقول النيسابوري: « ثم إنه سبحانه أخبر أن هارون لم يأل نصحاً وإشفاقاً في شأن نفسه وفي شأن القوم قبل أن يقول لهم السامري ما قال، أمّا شفقته على نفسه فهي: إنه أدخلها في زمرة الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر، اما الاقتال فإنه امتثل في نفسه وفي شأن القوم أمر أخيه حين قال لهم( يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ ) .
قال جار الله: كأنهم أول ما وقعت عليه أبصارهم حين طلع من الحفرة فتنوا به واستحسنوه، فقبل أنْ يطلق السامري بادره هارون فزجرهم عن الباطل أولاً بأنّ هذا من جملة الفتن، ثم دعاهم إلى الحق بقوله:( وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ ) ومن فوائد تخصيص هذا الإسم بالمقام: أنهم إنْ تابوا عما عزموا عليه فإنّ الله يرحمهم ويقبل توبتهم. ثمّ بيّن أن الوسيلة إلى معرفة كيفية عبادة الله هو اتباع النبي وطاعته فقال:( فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي ) وهذا ترتيب في غاية الحسن »(٢) .
ويقول الرازي: « إعلم أنه قال ذلك شفقةً على نفسه وعلى الخلق، أمّا شفقته على نفسه فلأنه كان مأموراً من عند الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان مأموراً من عند أخيه موسى بقولهعليهالسلام :( اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ) فلو لم يشتغل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكان مخالفاً لأمر الله تعالى ولأمر موسىعليهالسلام ، وذلك لا يجوز»(٣) .
____________________
(١). سورة طه: ٢٠، الآية ٩٠.
(٢). تفسير غرائب القرآن ٤ / ٥٦٦.
(٣). التفسير الكبير ٢٢ / ١٠٥.
ويقول الرازي بتفسير الآية:( اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ) (١) :
« فإن قيل: لمـّا كان هارون نبياً والنبي لا يفعل إلا الإصلاح فكيف وصّاه بالإصلاح. قلنا: المقصود من هذا الأمر التأكيد كقوله:( وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) »(٢) .
ويقول النيسابوري: « وإنما وصّاه بالإصلاح تأكيداً وإطمئناناً، وإلّا فالنبي لا يفعل إلّا الإصلاح »(١) .
وتلخص: أنّ من كان قد شمَّ رائحة الإسلام لا يصدر منه ما صدر من الأعور، ولا يشك في ضلال هذا الرجل وكفره فإنّ الطعن على نبي من الأنبياء كفر حتى لو لم ينزل في شأنه شيء في الكتاب، فكيف إذا جاء في القرآن براءته؟ بل إنّ الطعن في هارون طعن في النبي موسى الذي استخلفه، بل طعن في الله سبحانه وتعالى الذي اصطفاهما لنبوّته ونعوذ بالله من ذلك كلّه
وإذ سقط ما ذكره هذا الرجل في طرف المشبَّه به - وهو هارون - سقط ما قاله في طرف المشبَّه وهو أمير المؤمنينعليهالسلام . فإن ما وقع في زمان خلافته من قتال أهل الجمل وصفين وغيرهم لم يكن إلّا إصلاحاً وإصطلاحاً وكان بأمرٍ من الله ورسوله وهذا أيضاً ممّا اعترف به أكابر أهل السنة وأساطينهم، أخذاً بالأدلة الدالة عليه من الكتاب والسنة النبوية ولو أردنا استيفاء الأحاديث الواردة في هذا الشأن واستقصاء كلمات أعلام القوم فيه لطال بنا المقام واحتاج إلى كتابٍ برأسه، وسنذكر طرفاً منها بعد حديث « خاصف النّعل » إن شاء الله تعالى.
____________________
(١). سورة الأعراف: ٧، الآية ١٤٢.
(٢). التفسير الكبير ١٤ / ٢٢٧ والآية في سورة البقرة ٢ / ٢٦٠.
(٣). تفسير غرائب القرآن ٣ / ٣١٤.
كلام ابن تيمية في الجواب عن الحديث
ثم لينظر مَن يدّعي من علماء أهل السنة - ولائهم لأهل البيتعليهمالسلام خلافاً للنواصب إلى كلام ابن تيمية، الموصوف في غير واحدٍ من كتبهم ك ( فوات الوفيات ) و ( الدرر الكامنة ) بالأوصاف الجليلة والألقاب الكبيرة، ليرى أن فيهم من يتفوّه بما يأبى الناصبي عن التفوّه به، وحينئذٍ لابدّ من الإقرار بأنّ كثيراً من علماء طائفته نواصب، بل هم أشد نصباً وأكثر عداوةً من النواصب وهذا كلام ابن تيمية في الجواب عن هذا الحديث:
« وكان النبي صلّى الله عليه وسلّم كلما سافر في غزوةٍ أو عمرة أو حج يستخلف على المدينة بعض الصحابة، كما استخلف على المدينة في غزوة ذي أمر عثمان بن عفان، وفي غزوة بني قينقاع بشير بن المنذر، ولمـّا غزا قريشاً، ووصل إلى الفرع استعمل ابن أم مكتوم. وذكر ذلك محمد بن سعد وغيره
فلمـّا كان في غزوة تبوك لم يأذن لأحدٍ في التخلّف عنها وهي آخر مغازيه صلّى الله عليه وسلّم، ولم يجتمع معه أحد كما اجتمع معه فيها، فلم يتخلّف عنه إلّا النساء والصبيان، أو من هو معذور لعجزه عن الخروج، أو من هو منافق، وتخلّف الثلاثة الذين تيب عنهم.
ولم يكن في المدينة رجال من المؤمنين يستخلف عليهم، كما كان يستخلف عليهم في كل مرة، بل كان هذا الإستخلاف أضعف من الإستخلافات المعتادة منه صلّى الله عليه وسلّم، لأنه لم يبق بالمدينة رجال من المؤمنين أقوياء يستخلف عليهم أحداً فكل استخلافٍ استخلفه في مغازيه مثل
الإستخلاف في غزوة بدر وفي كلّ مرةٍ يكون بالمدينة أفضل ممن بقي في غزوة تبوك. فكان كل استخلاف قبل هذه يكون على أفضل ممن استخلف عليه علياً.
فلهذا خرج إليه عليرضياللهعنه يبكي ويقول: أتخلّفني مع النساء والصبيان؟
وقيل: إن بعض المنافقين طعن فيه وقال: إنما خلّفه لأنّه يبغضه. فبيّن له النبي صلّى الله عليه وسلّم إني إنّما استخلفتك لأمانتك عندي، وأن ليس بنقص ولا غض، فإنّ موسى استخلف هارون على قومه، فكيف يكون نقصاً وموسى ليفعله بهارون؟ فطيّب بذلك قلب علي، وبيّن أن جنس الإستخلاف يقتضي كرامة المستخلف وأمانته، لا يقتضي إهانته ولا تخوينه، وذلك لأن المستخلف يغيب عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، وقد خرج معه جميع الصحابة.
والملوك وغيرهم إذا خرجوا في مغازيهم أخذوا معهم من يعظم انتفاعهم به ومعاونته لهم، ويحتاجون إلى مشاورته والإنتفاع برأيه ولسانه ويده وسيفه، والمتخلف إذا لم يكن في المدينة سياسة كثيرة لا يحتاج إلى هذا كله، فظنّ من ظنّ أن هذا غضاضة من علي ونقص منه وخفض من منزلته، حيث لم يأخذه معه في المواضع المهمة التي تحتاج إلى سعي واجتهاد، بل تركه في المواضع التي لا يحتاج إلى كثير سعي واجتهاد، فكان قول النبي صلّى الله عليه وسلّم مبييناً أن جنس الاستخلاف ليس نقصاً ولا غضّاً، إذ لو كان نقصاً أو غضّاً لما فعله موسى بهارون.
ولم يكن هنا الإستخلاف كاستخلاف هارون، لأن العسكر كان مع هارون، وإنما ذهب موسى وحده. وأمّا استخلاف النبي صلّى الله عليه وسلّم فجميع العسكر كان معه، ولم يخلف بالمدينة غير النساء والصبيان إلّا معذور أو عاص.
وقول القائل: هذا بمنزلة هذا، وهذا مثل هذا، هو كتشبيه الشيء بالشيء، وتشبيه الشيء بالشيء يكون بحسب ما دلّ عليه السياق لا يقتضي المساواة في كل شيء.
ألا ترى إلى ما ثبت في الصحيحين من قول النبي صلّى الله عليه وسلّم في حديث الأسارى لمـّا استشار أبا بكر فأشار بالفداء، واستشار عمر فأشار بالقتل، قال: سأخبركم عن صاحبيكم، مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم ومثلك يا عمر مثل نوح
فقوله لهذا: مثلك مثل إبراهيم وعيسى، ولهذا: مثل نوح وموسى. أعظم من قوله: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى. فإنّ نوحاً وموسى وإبراهيم وعيسى أعظم من هارون. وقد جعل هذين مثلهم، ولم يرد أنهما مثلهم في كلّ شيء، لكن فيما دلَّ عليه السياق من الشدة في الله واللين في الله.
وكذلك هنا: إنما هو بمنزلة هارون فيما دل عليه السياق، وهو استخلافه في مغيبه، كما استخلف موسى هارون.
وهذا الإستخلاف ليس من خصائص علي، بل ولا هو مثل استخلافاته، فضلاً عن أن يكون أفضل منها. وقد استخلف من علي أفضل منه في كثير من الغزوات، ولم تكن تلك إستخلافات توجب تقديم المستخلف على علي ...، بل قد استخلف على المدينة غير واحد، وأولئك المستخلفون منه بمنزلة هارون من موسى من جنس استخلاف علي.
بل كان ذلك الإستخلاف يكون على أكثر وأفضل ممن استخلف عليه عام تبوك، وكانت الحاجة إلى الإستخلاف أكثر، وأنه كان يخاف من الأعداء على المدينة، فأما عام تبوك فإنه كان قد أسلمت العرب بالحجاز، وفتحت مكة، وظهر الإسلام وعز، ولهذا أمر الله نبيهُ أن يغزو أهل الكتاب بالشام، ولم تكن المدينة
تحتاج إلى من يقاتل بها العدو، ولهذا لم يدع النبي صلّى الله عليه وسلّم عند علي من المقاتلة كما كان يدع بها في سائر الغزوات، بل أخذ المقاتلة كلّهم »(١) .
قد ذكرنا كلام ابن تيمية في هذا المقام بطوله، وأنت إذا لاحظته رأيت أنّ الشيء الذي يدّعيه ويصرّ عليه هو محاولة إثبات: إنّ استخلاف النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أمير المؤمنينعليهالسلام على المدينة في غزوة تبوك كان أضعف من الإستخلافات الكثيرة المعتادة منهصلىاللهعليهوآلهوسلم على المدينة، وجعل يستدلّ لهذه الدعوى ويؤكّدها بأمور فيها كذب وفيها ما لا أساس له من الصحّة فهذا عمدة ما ادّعاه وأطنب فيه، حيث ذكر أنّه في كل مرّة « كان يخرج من المدينة كان يكون بالمدينة رجال كثيرون يستخلف عليهم من يستخلفه، فلمـّا كان في غزوة تبوك فلم يتخلّف عنه إلّا النساء والصّبيان ولم يكن في المدينة رجال من المؤمنين أقوياء يستخلف عليهم كما كان يستخلف عليهم في كل مرّة، بل كان هذا الإستخلاف أضعف » فهذه دعواه.
وقد استدل لها بزعمه بقول أمير المؤمنينعليهالسلام فقال: « فكان كل استخلاف قبل هذه يكون على أفضل ممن استخلف عليه علياً، فلهذا خرج إليه علي يبكي ويقول: أتخلّفني مع النساء والصبيان؟ ».
وإذا بينّا بطلان استدلاله، بقي ما ذكره دعوى فارغة غير مسموعة فنقول:
أمّا بكاء أمير المؤمنينعليهالسلام فالسّبب فيه - بعد قطع النّظر عن أنّه
____________________
(١). منهاج السنة ٧ / ٣٢٦ - ٣٣١.
غير موجود فيما أخرجه الشيخان من أخبار القصّة وذلك قادح عند الرّازي، كما قال في حديث الغدير، فليكن هذا كذلك - هو: التألم ممّا قاله المنافقون في المدينة، والشّوق إلى ملازمة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في هذه الغزوة كسائر الحروب والغزوات، وهذا صريح روايات القصة في جميع الكتب التي جاء فيها ذكر البكاء، فقد روى النسائي - كما سمعت سابقاً - عن مالك قال: « قال سعد بن مالك: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم غزا على ناقته الحمراء وخلّف عليّاً، فجاء علي حتى تعدّى الناقة فقال: يا رسول الله زعمت قريش أنك إنما خلّفتني أنّك استثقلتني وكرهت صحبتي، وبكى علي، فنادى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في الناس: ما منكم أحد إلّاوله خابّة، يا ابن أبي طالب أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي »(١) .
وقال إسحاق الهروي في ( السهام الثاقبة ) في جواب الحديث:
« ثم أقول: قد ذكر أهل التحقيق من المحدثين في صدور هذا الكلام من سيد الأنام صلوات الله عليه إلى يوم القيام: إنه لمـّا توجه صلّى الله عليه وسلّم إلى غزوة تبوك استخلف عليّاًرضياللهعنه على المدينة وعلى أهل بيته، فجاء عليرضياللهعنه إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم باكياً حزيناً لكثرة شوقه إلى الغزاء وملازمة سيد الأنبياء صلوات الله عليه وسلامه. فقال: يا رسول الله تتركني مع الأخلاف؟ فقالعليهالسلام تسليةً له رضي الله تعالى عنه: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي ».
فالعجب من ابن تيمية كيف يقلب هذا البكاء الذي يعدّ فضيلةً من فضائل الإمامعليهالسلام إلى دليل على ضعف استخلافه على المدينة؟
____________________
(١). خصائص علي: ٧٧ رقم ٦١.
وكذلك الحال في قولهعليهالسلام : يا رسول الله أتخلّفني مع النساء والصبيان؟ فإنه لما تألّم وتأذّى ممّا قالته قريش في استخلافه، قال هذا للنبي صلّى الله وآله وسلّم ليصدر منه كلام يكون جواباً قاطعاً عما قيل فيه، ولذا لمـّا قال له ذلك أجابصلىاللهعليهوآلهوسلم : « كذبوا ».
وكما قال ابن تيميّة نفسه: « فبيّن له النبي صلّى الله عليه وسلّم إني إنما استخلفتك لأمانتك عندي ».
فإذن، لم يكن استخلافه إيّاه نقصاً عليه، ولم يكن هذا الإستخلاف ضعيفاً، ولم يكن قول الأمير ذلك وبكاؤه لهذا الذي زعمه ابن تيمية
وأيضاً قوله: « فكان قول النبي صلّى الله عليه وسلّم تبييناً أن جنس الإستخلاف » صريح في أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم دفع بقوله: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى » توهّم أن استخلافه في المدينة يدل على نقصٍ فيه، وأفاد أنّه لو كان الإستخلاف دالاً على ذلك لما فعله موسى بهارون فهذا الكلام من ابن تيمية وجه آخر لإبطال استدلاله بالبكاء وقول: « أتخلّفني » على أنّ هذا الإستخلاف كان أضعف الإستخلافات، وهكذا يتضح وقوع التهافت والتناقض في كلماته.
لكنّه يدعي - مع ذلك كلّه - أنّ متوهّم هذا الوهم الذي دفعه النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم هو أمير المؤمنينعليهالسلام نفسه فيقول: « وقول القائل: إذ جعله بمنزلة هارون إلاّفي النبوة. باطل، فإن قوله: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، دليل على أنه يسترضيه بذلك ويطيّب قلبه، لما توهم من وهن الإستخلاف ونقص درجته، فقال هذا على سبيل الجبر له ».
لكنّها دعوى لا أساس لها ولا شاهد عليها.
وبالجملة، فإنّ هذا الرّجل يدّعي وهن إستخلاف النبي أمير المؤمنينعليهالسلام ، ويريد إثبات دعواه هذه بأباطيل وأكاذيب، وهو في الوقت ذاته يناقض نفسه ويقول بأنّ ما قاله الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم له ينفي هذا التوهّم ويبطل هذه الدعوى ففي كلماته تناقض واضح ولكنْ لماذا هذا الإنهماك في تأييد إرجاف المنافقين بمولانا أمير المؤمنين وتقوية أكاذيبهم، ثم التناقض مرة بعد اُخرى؟
إنّه يقول: « فبيّن له النبي صلّى الله عليه وسلّم ولا تخوينه ».
ثم يعود فيقول: « وذلك لأن المستخلف ». وظاهر أنَّ هذا الكلام ليس توضيحاً وبياناً للكلام السابق عليه وهو « فبيّن »، إذ لا مناسبة بين هذا الكلام وبين « وإنّما استخلفتك لأمانتك عندي » و « الإستخلاف ليس بنقصٍ ولا غض » و « الإستخلاف يقتضي كرامة المستخلف وأمانته لا يقتضي إهانته وتخوينه »
فالمشار إليه بقوله: « وذلك » إمّا ما ذكره من قبل من « أنّ هذا الإستخلاف أضعف » وإمّا إرجاف المنافقين وطعنهم في أمير المؤمنين.
فظهر أنّ ابن تيمية قد أغرق نزعاً في إثبات مزعوم المنافقين وتأييده بأن « الملوك وغيرهم إذا خرجوا في مغازيهم أخذوا معهم من يعظم انتفاعهم به ومعاونته لهم ويحتاجون إلى مشاورته ».
ثم أبطل كل هذا الذي نسجه بقوله: « فكان قول النبي ».
ثم عاد فقال: « ولم يكن هذا الإستخلاف كاستخلاف هارون » فأيّد طعن الطاعنين في استخلافهعليهالسلام وردَّ على قول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بصراحة
ثم إنّ الحديث الذي استشهد به ابن تيمية في خلال كلماته قائلاً: « ألا ترى إلى ما ثبت في الصحيحين من قول النبي » غير موجود في الصحيحين، وليس من أحاديثهما، كما لا يخفى على من راجعهما وهذا شاهد آخر على أنّ الرّجل لا وازع له حتّى عن الكذب الواضح الصّريح.
العودُ إلى كلمات الدّهلوي
قوله:
وقالوا: إنّ هذه الخلافة ليست الخلافة المتنازع فيها حتى يثبت استحقاق تلك الخلافة بهذا الإستخلاف.
أقول:
قد عرفت أن هذا الذي نسبه ( الدهلوي ) إلى النواصب قد صرّح كبار علماء أهل السنّة من المحدّثين والمتكلّمين وسنأتي على هذه الشبهة فيما بعد بالتفصيل بما يقلع جذورها ويخجل المتفوّهين بها
ولا يخفى أنّ هذه شبهة في مقابل تمسّك أصحابنا بحديث المنزلة من حيث دلالة خصوص الإستخلاف لأمير المؤمنين على إمامته وخلافته بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كما سنبيّن، وأمّا الإستدلال بهذا الحديث من الجهات والوجوه الأخرى التي يذكرها أصحابنا الإمامية من غير دخلٍ للإستخلاف، فلا تضرّ به هذه الشبهة الركيكة، لأن تلك الوجوه مبنيّة على إثبات ما كان لهارون من المنازل، لسيدنا أمير المؤمنين عليه الصلاة، والتي منها: الخلافة عن موسى بعد الوفاة، والأعلميّة، والأفضليّة، والعصمة، ووجوب الطّاعة وكلّ واحدة من هذه المنازل كافية لثبوت الإمامة والخلافة للإمام عليه الصّلاة والسلام.
وبغضّ النظر عن هذا، فإنّ هذه الخلافة - حتى وإنْ لم تكن الخلافة
الكبرى - كافية للإستدلال كما سنبيّن، إذْ لنا أنْ نستصحب تلك الخلافة الجزئية - الثابتة في حياة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم - إلى بعد وفاته، لعدم الدّليل على العزل، كما لم يكن دليل على تحديدها بزمنٍ خاص، وإذا صح استصحاب تلك الخلافة الجزئية - حسب الفرض - إلى بعد وفاة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ثبتت الخلافة الكبرى بالإجماع المركب، لأنّ خلافته على بعضٍ دون بعض مخالف لإجماع الاُمّة.
وبمثل هذا البيان تشبّث أهل السنّة لإثبات الخلافة الكبرى لأبي بكر، بزعم استخلاف النبي إيّاه في الصلاة، مع أنّ أصل الإستخلاف في الصلاة مدخول، وبعدم الثبوت بل ثبوت العدم معلول، فشتّان ما بين المقامين.
قوله:
فإنّ النبيعليهالسلام قرّر في تلك الغزوة إلى محمد بن مسلمة أن يكون عاملاً في المدينة، وسباع بن عرفطة عسّاساً فيها، وابن اُم مكتوم إماماً للصّلاة في مسجده بإجماع أهل السير.
أقول:
في هذه العبارة كلام من جهتين:
أمّا أولاً: فإنّ أهل السّير ذكروا أن الذي استخلفه الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم على المدينة هو محمد بن مسلمة أو سباع بن عرفطة وسنذكر بعض عبائرهم. فهم مختلفون فيه، وكذا ذكر صاحب المرافض، أمّا هذا الذي ذكره ( الدهلوي ) فغير وارد في شيء من كتب السّير، بل هو افتعال منه.
وأما ثانياً: فدعواه الإجماع منهم على ما نسبه إليهم، دعوى كاذبة باطلة جدّاً. ولنذكر طرفاً من كلماتهم لتوضيح الجهة الأولى، وأنْ لا إجماع منهم على ما ذكره، ولا يخفى أنّ الذي في كلمات جمع منهم هو الإستخلاف على الناس في المدينة المنوّرة، فمنهم من ذكر علياًعليهالسلام فقط، ومنهم من ذكر غيره، فتردّد بين أحد الرجلين، ففي كلماتهم - بصورة عامة - دلالة على كذب ما زعمه ( الدهلوي ) من أن الإمام إنما استخلف على العيال فقط.
قال الحلبي: « وخلّف على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري رضي الله تعالى عنه على ما هو المشهور، قال الحافظ الدمياطيرحمهالله : وهو أثبت عندنا. وقيل: سباع بن عرفطة. أي: وقيل: ابن أم مكتوم. وقيل: علي بن أبي طالب، قال ابن عبد البر: وهو الأثبت، هذا كلامه »(١) .
وقال الشامي: « قال ابن هشام: واستخلف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاريرضياللهعنه . قال: وذكر الدراوردي: إنه استخلف عام تبوك سباع بن عرفطة. زاد محمد بن عمر بعد حكاية ما تقدم: ويقال: ابن اُم مكتوم. قال: والثابت عندنا محمد بن مسلمة، ولم يتخلف عنه في غزوة غيرها. وقيل: علي بن أبي طالب. قال أبو عمرو وتبعه ابن دحية: وهو الأثبت. قلت: ورواه عبد الرزاق في المصنف بسندٍ صحيح عن سعد بن أبي وقاص ولفظه: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لمـّا خرج إلى تبوك، إستخلف على المدينة علي بن أبي طالب»(٢) .
____________________
(١). السيرة الحلبية ٣ / ١٣١.
(٢). سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد ٥ / ٤٤٢.
أقول:
لقد ظهر أن التفصيل الذي ذكره ( الدهلوي ) غير مذكور في كتب السّير، ودعواه الإجماع كاذبة والحقيقة: إن النبي صلّى الله عليه آله وسلّم لم يستخلف على المدينة في عام تبوك غير علي.
وأمّا ذكر محمد بن مسلمة أو سباع أو غيرهما، فمن مفتريات المبغضين لأمير المؤمنينعليهالسلام ، السّاعين في إنكار فضائله ومناقبه، والذي يهوّن الأمر وجود التنافي بين رواياتهم وأقوالهم، فيما بينهم، فإن ذلك كافٍ لإسقاطها عن درجة الإعتبار. ويبقى خبر استخلاف الأميرعليهالسلام بلا معارضٍ ومؤيَّداً باتّفاق الشيعة عليه، وعليه عبد الرزاق وابن عبد البر وابن دحية وغيرهم.
وقد روى خبر استخلافه وحده جماعة آخرون غير من ذكر، فرواه أبو الحسين ابن أخي تبوك عن طريق خيثمة بن سليمان بن الحسن بن حيدرة الإطرابلسي قال: « حدثنا إسحاق بن إبراهيم الديري، عن عبد الرزاق، عن معمر قال: أخبرني قتادة وعلي بن زيد بن جدعان: أنهما سمعا سعيد بن المسيب يقول: حدثني سعد بن أبي وقاص:
إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لمـّا خرج إلى تبوك استخلف عليّاً على المدينة، فقال: يا رسول الله، ما كنت أحب أن تخرج وجهاً إلّاوأنا معك. فقال: أما ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي »(١) .
____________________
(١). كتاب مناقب علي بن أبي طالبعليهالسلام لأبي الحسين عبد الوهاب الكلابي المعروف بابن أخي تبوك الموجود في آخر مناقب المغازلي: ٤٤٣.
ورواه الطّبراني، فقد روى الوصابي في ( الإكتفاء ) « عن علي بن أبي طالب، قال: قال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لمـّا خلّفني على المدينة: خلّفتك لتكون خليفتي. قلت: كيف أتخلّف عنك يا رسول الله؟ قال: ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي. أخرجه الطبراني في الأوسط ».
ورواه أحمد والحاكم، ففي ( مفتاح النجا ): « أخرج أحمد والحاكم عن ابن عباسرضياللهعنه : إن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي حين استخلفه على المدينة في غزوة تبوك، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ».
كما روى الحاكم في ( المستدرك ) قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم لأمير المؤمنين: « إن المدينة لا تصلح إلّابي أو بك »(١) .
ونصّ عليه - عدا عبد الرزاق وأحمد والطبراني وابن عبد البر وابن المغازلي وابن دحية والشّامي - جماعة آخرون من أعلام الأعيان، أمثال: القاضي عياض، والسرّاج، والنووي، والمزي، وابن تيمية، والقسطلاني، والعلقمي، وابن روزبهان، وابن حجر المكي، ومحمد پارسا، وشيخ العيدروس وإسحاق الهروي، والبدخشاني، وولي الله الدهلوي، والرشيد الدهلوي وغيرهم.
قال القاضي عياض - كما في ( المرقاة ) -: « وليس فيه دلالة على استخلافه بعده، لأنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم إنما قال هذا حين استخلفه على المدينة في غزوة تبوك »(٢) .
وقال ابن عبد البر: « ذكر السرّاج في تاريخه: ولم يتخلّف - أي علي - عن
____________________
(١). مستدرك الحاكم ٢ / ٣٣٧.
(٢). المرقاة في شرح المشكاة ٥ / ٥٦٤.
مشهد شهده رسول الله صلّى الله عليه وسلّم منذ قدم المدينة، إلّا تبوك، فإنه خلّفه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على المدينة وعلى عياله بعده في غزوة تبوك، وقال له: أنت منيّ بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي »(١) .
وقال النووي: « وليس فيه دلالة لاستخلافه بعده، لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم إنما قال لعليرضياللهعنه حين استخلفه على المدينة في غزوة تبوك »(٢) .
وقال المزي: « خلّفه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على المدينة وعلى عياله بعده في غزوة تبوك »(٣) .
وقال محمد پارسا: « قال الإمام تاج الدين الخدابادي البخاريرحمهالله في أربعينه، في الحديث الرابع في ذكر عليرضياللهعنه : والصحيح إنه أسلم قبل البلوغ، وروي هذا البيت عن عليرضياللهعنه :
سبقتكم إلى الإسلام طرّاً |
غلاماً ما بلغت أوان حلمي |
في أبياتٍ قال فيها:
محمد النبي أخي وصهري |
وحمزة سيد الشهداء عمّي |
|
وجعفر الذي يضحي ويمسي |
يطير مع الملائكة ابن أمي |
|
وبنت محمّد سكني وعرسي |
منوط لحمها بدمي ولحمي |
|
وسبطا أحمد ولداي منها |
فمن فيكم له سهم كسهمي |
|
وأوجب لي ولايته عليكم |
رسول الله يوم غدير خم |
وشهد مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بدراً وأحداً والخندق وبيعة
____________________
(١). الإستيعاب ٣ / ١٠٩٧.
(٢). المنهاج في شرح صحيح مسلم ١٥ / ١٧٤.
(٣). تهذيب الكمال ٢٠ / ٤٨٣.
الرضوان وخيبر والفتح وحنيناً والطائف وسائر المشاهد إلّاتبوك، فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم استخلفه على المدينة، وله في جميع المشاهد آثار مشهورة »(١) .
وقال القسطلاني: « ولا حجة لهم في الحديث ولا متمسّك لهم به، لأنه صلّى الله عليه وسلّم إنما قال هذا حين استخلفه على المدينة في غزوة تبوك »(٢) .
وقال ابن روزبهان: « والجواب: إن هارون لم يكن خليفة بعد موسى، لأنه مات قبل موسىعليهالسلام ، بل المراد استخلافه بالمدينة حين ذهابه إلى تبوك »(٣) .
وقال الدياربكري: « وفي المنتقى: استخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري، وقيل: محمد بن مسلمة إنتهى. قال الدمياطي: استخلف محمد بن مسلمة وهو أثبت عندنا ممّن قال استخلف غيره. وقال الحافظ زين الدين العراقي في شرح التقريب: لم يتخلّف علي عن المشاهد إلاّفي تبوك، فإنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم خلّفه على المدينة وعلى عياله وقال له يومئذٍ: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي. وهو في الصحيحين من حديث سعد بن أبي وقاص. ورجّحه ابن عبد البر »(٤) .
وقال العلقمي: « وليس فيه دلالة على استخلافه بعده، لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم إنما قال هذا حين استخلفه على المدينة في غزوة تبوك »(٥) .
وقال ابن حجر المكي: « وشهد مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سائر
____________________
(١). فصل الخطاب: ٢٩١، في ذكر عليعليهالسلام .
(٢). إرشاد الساري ٦ / ٤٥١.
(٣). إبطال نهج الباطل - مخطوط. انظر دلائل الصدق ٢ / ٣٨٩.
(٤). الخميس - حوادث السنة التاسعة.
(٥). الكوكب المنير في شرح الجامع الصغير - مخطوط، حرف العين.
المشاهد إلّاتبوك، فإنّه صلّى الله عليه وسلّم استخلفه على المدينة وقال له حينئذٍ: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى. كما مر »(١) .
وقال شيخ العيدروس: « وشهد مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم سائر المشاهد إلّاتبوك، فإنه صلّى الله عليه وسلّم استخلفه على المدينة وقال له حينئذٍ: أنت مني بمنزلة هارون من موسى »(٢) .
وقال ولي الله الدهلوي: « وفي غزوة تبوك كان خليفته صلّى الله عليه وسلّم على المدينة وحصلت له حينئذٍ الفضيلة العظمى: أنت مني بمنزلة هارون من موسى »(٣) .
وقال بجواب عبارات التجريد: « قوله: والمنزلة. إشارة إلى قصة تبوك: عن سعد بن أبي وقاص قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي.
واعلم: أن هذا الحديث لا يدلّ إلّاعلى استخلاف المرتضى على المدينة في غزوة تبوك وكان المرتضى مثل هارون في كونه من أهل بيت النبي، وفي النيابة عنه بحسب الأحكام المتعلّقة بأمارة المدينة، لا في أصل النبوة، فيكون هذا الحديث دالّاً على فضيلة للمرتضى من حيث نصبه حاكماً على المدينة واستحقاقه للحكومة والتشبيه بالنبي، لا في الأفضليّة من الشيخين »(٤) .
وكذلك قال الرشيد الدهلوي. وستأتي عبارته.
وقال إسحاق الهروي: « ثم أقول: قد ذكر أهل التحقيق من المحدّثين في سبب صدور هذا الكلام » إلى آخر عبارته وقد مضت كاملة.
____________________
(١). الصواعق المحرقة: ١٨٥.
(٢). العقد النبوي والسرّ المصطفوي - مخطوط، في فضائل علي.
(٣). قرّه العينين، في ذكر فضائل أمير المؤمنين.
(٤). قرة العينين، قسم الردّ على تجريد الاعتقاد، مبحث حديث المنزلة.
فظهر - والحمد لله - من الروايات ومن تصريحات كبار أئمة القوم أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يستخلف في غزوة تبوك إلّا أمير المؤمنينعليهالسلام ، فمن أن جاء القول باستخلافه فلاناً وفلاناً؟
إنْ هذا إلّا اختلاق؟!
لقد ذكر صاحب ( المرافض ) هذه الدعوى المرفوضة كما سمعت، وكذا المحبّ الطبري ناقلاً إيّاها عن ابن إسحاق، وستسمع كلامه والجواب عنه.
ويبقى دعوى نصب النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم إماماً في الصلاة في مسجده غير علي، وهذا أيضاً لا يجوز التشبّث به، إذ لم يثبت صحّة هذا الخبر أصلاً، والإكتفاء بمحض الدعوى قبيح، بل إنّه بعد ما ثبت الولاية المطلقة لأمير المؤمنينعليهالسلام على المدينة تسقط هذه الدعوى من الأساس، لأنّ الشيخ عبد الحق وصاحب المرافض يدّعيان منافاة هذه الإمامة لتلك الخلافة المطلقة، ولمـّا ثبتت الخلافة هذه بأخبارهم وتصريحات أكابرهم بطلت هذه الإمامة قهراً، وأمّا دعوى الإجماع من أهل السّير عليها فقد عرفت كونها كاذبة.
وأيضاً: ما في ( سبل الهدى والرشاد ) و ( إنسان العيون ) من دعوى استخلاف ابن ام مكتوم على المدينة - لا للإمامة في الصلاة فقط - منقوض ومردود بروايات استخلاف غيره، ويبطله كلمات أعاظمهم في استخلاف أمير المؤمنينعليهالسلام . فاستبصر ولا تكن من الغافلين الذّاهلين.
قوله:
فلو كانت خلافة المرتضى مطلقة لم يكن لهذه الاُمور معنى.
أقول:
قد عرفت أنّ هذا الذي تزعمه النّواصب هو قول العلماء الأعلام من أهل السنّة، إذ ينفون إطلاق خلافة المرتضى بصراحة، يقول صاحب ( المرافض ): « فعلم أن هذه الخلافة خاصة لا مطلقة، والكلام إنّما هو في المطلقة » وقال: « فلو كانت الخلافة المرتضوية مطلقة فلا معنى لنصب محمد بن مسلمة وابن ام مكتوم ».
وحينئذٍ تعرف أنّ ما ينقله ( الدهلوي ) عن النواصب صادر من صاحب ( المرافض )، فلو كان شك في نصب أئمة القوم فلا ريب في نصب صاحب ( المرافض ) باعتراف ( الدهلوي ).
ويقول الشيخ عبد الحق الدهلوي: « لو كانت هذه الخلافة مطلقة لفوّضت الإمامة إليه أيضاً » فهل من شكٍ في نصب هذا الشيخ المعدود من أئمة الحديث من أهل السنة؟
لكنّ أصل النّصب للإمامة في الصلاة وأصل استخلاف غير الإمامعليهالسلام ، لا أساس له من الصحّة كما عرفت والحمد لله
قوله:
فظهر أنّ هذه الخلافة هي في مجرَّد اُمور البيت ورعاية الأهل والعيال.
أقول:
قد عرفت أنّ خلافتهعليهالسلام على المدينة مطلقة، وأن هذا التخصيص باطلٌ وافتعال محض.
ولقد سبق ( الدهلوي ) في هذه الدعوى: المحبّ الطبري والشّيخ عبد الحق الدهلوي وصاحب المرافض، وقد استدل لها هذا الأخير في عبارته المتقدمة سابقاً بأمور:
الأوّل: إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إنّما قال لعلي: أنت مني بمنزلة هارون عند مخرجه إلى غزوة تبوك باتّفاق الفريقين.
والجواب: إنه إنْ أراد إتفاق الفريقين على انحصار الحديث بهذا الوقت الخاص - وهو مخرجه إلى غزوة تبوك - وعدم ثبوت أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قاله لعلي في غيره فهذا كذب، لورود هذا القول عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في أخبار الفريقين قبل تبوك وبعده. وإنْ أراد مجرَّد إثبات وروده في هذا الوقت من غير نفي لوروده في غيره، فهذا لا يوجب حمل الحديث على الخلافة الخاصة، فضلاً عن الدلالة على التخصيص بالأهل والعيال.
الثاني: رواية أصحاب الحديث وأرباب السّير أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم استخلفه عند مخرجه إلى تبوك على أهله وعياله في المدينة.
والجواب: قد عرفت كلمات أهل الحديث وأصحاب السير في هذا الباب، ورأيت تصريحاتهم باستخلافه على المدينة من غير تخصيص منهم الإستخلاف بالأهل والعيال.
الثالث: رواية البخاري ومسلم.
والجواب: إنّ ما رواه البخاري ومسلم لا دلالة فيه على تخصيص خلافتهعليهالسلام بالأهل والعيال أبداً.
أمّا أولاً: فلأن قيد « الأهل » من افتراءاته وليس في الصحيحين.
وأمّا ثانياً: فعلى تقدير التسليم، ليس ما افتراه مثبتاً لحصر الخلافة في الأهل كما لا يخفى.
وأمّا ثالثاً: فلأن جملة: « أتخلّفني في النساء والصبيان » الواردة في بعض طرق الصحيحين - لا كلها - لا يلزم الشيعة بها، واحتجاجهم بالروايات العارية عنها تام بلا كلام.
وأمّا رابعاً: فلأنّ هذه الجملة على تقدير التسليم بها لا تثبت الحصر في النّساء والصبيان، وسيجيء تقريره بواضح البيان.
الرابع: إسناد القول باستخلافه على الأهل والعيال إلى شرح المشكاة والصواعق وفصل الخطاب والمدارج والمعارج وحبيب السير وترجمة المستقصى وغيرها من الكتب.
والجواب: إنْ هذا إلّا إضلال وتخديع، لأن صاحب ( الصواعق ) لم يقيّد الإستخلاف بكونه في « الأهل »، بل ذكر في فضائل أمير المؤمنينعليهالسلام استخلافه على المدينة حيث قال: « وشهد مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سائر المشاهد إلاّتبوك، فإنه صلّى الله عليه وسلّم إستخلفه على المدينة وقال له حينئذٍ: أنت مني بمنزلة هارون من موسى. كما مر ».
وأشار بقوله « كما مر » إلى موضع ذكره استدلال الشيعة بهذا الحديث والردّ عليهم، فهناك أيضاً إعترف بالإستخلاف على المدينة وما أجاب بأنه كان على الأهل والعيال، وهذه عبارته:
« الشبهة الثانية عشر - زعموا أن من النص التفصيلي على علي قوله صلّى الله عليه وسلّم لمـّا خرج الى تبوك واستخلفه على المدينة: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنّه لا نبي بعدي. قالوا: ففيه دليل على أنّ جميع المنازل
الثابتة لهارون من موسى سوى النبوة ثابتة لعلي من النبي
وجوابها: إن الحديث إن كان غير صحيح - كما يقوله الآمدي - فظاهر، وإنْ كان صحيحاً - كما يقوله أئمة الحديث، والمعوّل في ذلك ليس إلّاعليهم، كيف وهو في الصحيحين - فهو من قبيل الآحاد، وهم لا يرونه حجةً في الإمامة، وعلى التنزيّل فلا عموم له في المنازل، بل المراد ما دلّ عليه ظاهر الحديث: إنّ عليّاً خليفة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم مدة غيبة بتبوك، كما كان هارون خليفةً عن موسى في قومه مدة غيبته عنهم للمناجاة
فعلم ممّا تقرّر أنه ليس المراد من الحديث، مع كونه آحاداً لا يقاوم الإجماع، إلّا إثبات بعض المنازل الكائنة لهارون من موسى، والحديث وسببه سيلق يبنيان ذلك البعض، لما مرَّ أنّه إنما قاله لعلي حين استخلفه، فقال علي كما في الصحيح: أتخلّفني في النساء والصبيان. كأنه استنقص تركه وراءه، فقال له: ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى. يعني: حيث استخلفه عند توجّهه إلى الطور، إذ قال له:( اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ ) .
وأيضاً، فاستخلافه على المدينة لا يستلزم أولويته بالخلافة بعده من كلّ معاصريه افتراضاً ولا ندباً، بل كونه أهلاً لها في الجملة وبه نقول.
وقد استخلف صلّى الله عليه وسلّم في مرارٍ أخرى غير علي، كابن اُم مكتوم، ولم يلزم فيه بسبب ذلك أنه أولى بالخلافة بعده »(٢) .
هذه عبارة ( الصواعق ) فأين الذي ادّعاه صاحب ( المرافض ) وأحال إليه؟ بل لقد كرّر التّصريح باستخلاف أمير المؤمنينعليهالسلام على المدينة.
وكذا صاحب ( فصل الخطاب ) وقد تقدمت عبارته آنفاً.
وصاحب ( حبيب السّير ) وإنْ عبّر في أوّل كلامه بالإستخلاف في « الأهل
____________________
(١). الصواعق المحرقة: ٧٣ - ٧٤.
والعيال » لكنه في آخره صريحٌ في أنه كان « في أهالي تلك البلدة »(١) .
وأمّا الشيخ عبد الحق فقد تكلّمنا على تخصيصه هذه الخلافة بكونها « في الأهل والعيال » وظهر بطلانه من نصوص كبار أئمة الحديث والسّيرة، وثبت أنّه من أكاذيب النواصب وأتباعهم
قوله:
ولمـّا كانت هذه الأمور موقوفةً على المحرمية والإطلاع على المستورات فلا بدَّ من تعيّن الابن أو الصهر وأمثالهما لذلك في أيّ حالٍ كان.
أقول:
إنّ بطلان هذه الخرافة واضح بالدلائل القاهرة والبراهين الظاهرة والشواهد الباهرة التي سنذكرها فيما بعد إنْ شاء الله تعالى وكلّ ذلك يفيد أنّ هذا الإستخلاف كان شرفاً عظيماً ومقاماً رفيعاً لأمير المؤمنينعليهالسلام ، وأن له من الأجر مثل ما كان لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ويشير إلى جلالة هذه الخلافة وعظمتها قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « إن المدينة لا تصلح إلّابي أو بك ».
فدعوى تعيّن الإبن أو الصّهر أو أمثالهما لهذا الأمر مهما كان حاله، كذب محض وبهتان صرف
قوله:
فلا يكون دليلاً على الخلافة الكبرى.
____________________
(١). حبيب السير، في غزوة تبوك.
أقول:
سيتّضح دلالة هذا الإستخلاف على الإمامة العظمى والخلافة الكبرى عن قريب إن شاء الله، فكن من المتربّصين. مضافاً إلى أنّ هذا الحديث يدل على الإمامة من وجوه عديدةٍ أخرى، كما سنبيّن فيما بعد إن شاء الله تعالى.
قوله:
وقد أجاب أهل السنّة - بفضل الله تعالى - عن قدحهم هذا بأجوبةٍ قاطعةٍ مذكورة في مواضعها.
أقول:
ما رأينا من كبار علماء أهل السنة - في مختلف كتبهم في الحديث والكلام والسّيرة - إلّاتسويلات لهم في نفي دلالة هذا الحديث الشريف على خلافة أمير المؤمنينعليهالسلام ، وإلّا تصديقات منهم لمقالات النواصب اللئام، وما ندري من أولئك الذين أجابوا عن قدح النّواصب؟ وما هي تلك الأجوبة الدّامغة القاطعة؟! وأين هي؟
وإذْ لم يذكر ( الدهلوي ) اسم واحدٍ من هؤلاء، ولا نصّ جواب من تلك الأجوبة!! فليتفضّل علينا أولياؤه بذكر ذلك.
لكنّ العجب من ( الدهلوي ) لماذا يورد قدح النواصب ولا يورد بعده ولا واحداً من تلك الأجوبة؟! وليته فعل لئلّا يعيَّر بكونه مؤيّداً للنواصب؟!
قوله:
وهذا البيان الذي ذكرناه هو كمال التنقيح والتهذيب لكلام الشيعة في طريق التمسّك بهذا الحديث، وإلّا، فمن لحظ كتبهم رأى التشتّت الشديد في كلماتهم، وأنهم لم يتوصّلوا إلى واقع المطلب.
أقول:
قال تعالى:( كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً ) .
العجب كلّ العجب إنه يعرض عن ذكر كثير من تحقيقات الشيعة، ويقصّر في نفس هذا التقريب الذي أخذه عنهم، ومع ذلك يدّعي التهذيب والتنقيح لكلامهم، تخديعاً للعوام، وكأنّه تفضّل على الشيعة ونقّح تبرّعاً منه كلماتهم المشوّشة المضطربة في هذا المقام؟!
العجب من هذا الرجل يدّعي هذا وقد رأيناه في كثيرٍ من المواضع لم يفهم مقاصد الشيعة في استدلالاتهم، وأنّه تصرّف في كلماتهم تصرّفاً يسهل معه الجواب عنها، وطالما أعرض عن إشكالاتهم القوية ونقوضهم واعتراضاتهم المتينة لعجزه عن حلّها ...؟!
نعم لقد ترك ( الدهلوي ) كثيراً من تقريرات وتحقيقات الشيعة في الإستدلال بهذا الحديث، وله في تحرير هذا الإستدلال الذي أورده تقصيرات عديدة، ولا يخفى على الخبير صدق هذه الدعوى التي ندّعيها عليه، وذلك:
لأنّه أضاف قيداً من عنده إلى الحديث في نقله عن الصّحيحين
وذكر اللّفظ الذي فيه جملة « أتخلّفني في النساء والصّبيان » التي يتمسّك
بها النواصب لدى قدحهم مع خلوّ لفظ الروايات العديدة عن هذه الجملة
ولم يتعرّض لتواتر الحديث مع تصريح جماعة من جهابذة محقّقيهم به
بل لم يتعرّض لتعدّد طرقه في كتبهم
واكتفى برواية البراء بن عازب ونسبها إلى الصّحيحين، مع خلوّهما عن رواية البراء، وأنّ الذي فيهما هو من رواية سعد بن أبي وقاص.
وأعرض عن ذكر أسماء المحدّثين الأعلام الّذين رووه في كتبهم
وعن ذكر احتجاج أمير المؤمنينعليهالسلام به يوم الشورى، وما زالت الشيعة تذكره وتحتج به، لأنّه يفيد ثبوت الحديث ودلالته على فضيلة أمير المؤمنين عند الصحابة
ولم يتعرّض ( الدهلوي ) لورود هذا الحديث في مقامات عديدة ومواضع متفرّقة، مع أنّ في وروده في غير تبوك فوائد جليلة وإبطالاً لهفوات النواصب وأقوال إخوانهم.
ولأنّ هذا الحديث يدل على أفضليّة أمير المؤمنينعليهالسلام ، مع أن الشيعة يستدلّون على ذلك بهذا الحديث أيضاً، وثبوت أفضليته كافٍ لثبوت خلافته بلا فصل.
ولأنَّ الشيعة تستدل بأنّه - مضافاً إلى حصول الخلافة لهارون عن موسى بمفاد قوله:( اخْلُفْنِي ) - قد حصل لهارون مرتبة فرض إطاعته ووجوب اتّباعه، وهذه المرتبة لم تكن موقتةً بوقتٍ، فلا بدّ وأن يكون أمير المؤمنينعليهالسلام المشبَّه بهارون مفترض الطاعة في حياة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وبعد وفاته، من غير تخصيص بوقت. وهذا الوجه لم يتعرض له ( الدهلوي ) في ( التحفة ) وهو وإن تعرّض له في حاشيتها، لكنْ لم يبيّن وجه مرجوحيّته ممّا ذكره في المتن.
ولإستدلال الشيعة بعموم المنازل بوجوه عديدة، كما ذكر الفخر الرازي أيضاً ثلاثة وجوه لإثبات عموم المنازل حيث قال في ( نهاية العقول ): « فاعلم أنهم ساعدوا على أنه ليس في الحديث صيغة عموم يدل على ذلك، لكنّهم بيّنوا ذلك من وجوه ثلاثة، الأول: أن الحكيم » لكنّ ( الدهلوي ) لم يورد هذه الوجوه.
ولإستدلال الشيعة لإثبات خلافة هارون بالآية: و( اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ) (١) وأنّها تدلّ على خلافته المطلقة. و ( الدهلوي ) لم يذكر هذا الإستدلال، وادّعى زوال خلافة هارون بزعم تقيّدها بمدة محدودة.
ولإستدلال الشّيعة لبقاء خلافة هارون باستصحاب خلافته الثابتة حتى يأتي الرافع اليقيني لها.
إلى غير ذلك ممّا أفاده علماء الشيعة الأعلام، كما لا يخفى على ناظر كتبهم، مثل ( الشافي ) و ( بحار الأنوار ) و ( حق اليقين ) و ( إحقاق الحق ) وأمثالها، من التحقيقات الوافية الشّافية في ردّ تشكيكات المخالفين ودفع شبهاتهم
وإنّ من له أدنى تتّبع لكتب الشيعة مثل كتاب ( الشّافي ) لا يتمالك نفسه من الضّحك على ما ادّعاه ( الدهلوي ) من أنّ كلمات القوم في هذا المقام مضطربة مشوّشة، وأنّه قد هذّبها ونقّحها غاية التنقيح
ثمّ إنّ ( الدهلوي ) يذكر وجه الإستدلال عن الشيعة بقوله: « قالت الشّيعة » ثم يقول إنّ هذا التقريب منه وإلّا فكلمات الشيعة مبعثرة مشوّشة وهذا تناقض
وأيضاً، فهذا القدر من الإستدلال الذي ذكره موجود بعينه في كلمات الشيعة، فأين التنقيح والتهذيب؟
وعلى الجملة، فإنّ دعواه تنقيح كلام الشيعة وتهذيبه كاذبة، أللهم إلّا أن
يقصد « التحريف » من « التهذيب » فهذا صحيح، لأنّ الشيعة لما تستدل بالحديث تنقله عن الصّحيحين، و ( الدهلوي ) حرّف لفظه فيهما لدى نقله عنهما بإضافة كلمة « أهل البيت والنساء والبنات » إليه.
هذا، وكأنّ ( الدهلوي ) ندم على ما نسب إلى الشيعة من اضطراب كلامهم وتشتّته في هذا المقام، فاضطرّ في حاشيته على كتابه إلى ذكر ثاني وجهي الإستدلال بهذا الحديث، المذكور في شرح المواقف وغيره، وقال بأنّ هذا الوجه هو المشهور في الإستدلال بهذا الحديث عندهم - يعني الشيعة - واكتفى في التالي بأنْ قال: « ولا يخفى ما فيه ». وهذه عبارته في الحاشية:
« المشهور في الإستدلال بهذا الحديث عندهم هو: إنّ من جملة منازل هارون بالنسبة إلى موسى أنه كان شريكاً له في الرسالة، ومن لوازمه استحقاق الطاعة بعد وفاة موسى لو بقي، فوجب أن يثبت ذلك لعليرضياللهعنه ، إلّا أنه امتنع الشركة في الرسالة، فوجب أن يبقى مفترض الطاعة على الأمة بعد النبي صلّى الله عليه وسلّم، عملاً بالدليل بأقصى ما يمكن.
ولا يخفى ما فيه ».
أقول:
لا يخفى أنّ هذا الوجه أحد وجوه دلالة هذا الحديث.
وأيضاً: إن هذا الذي ذكره بعض الوجه الذي قصده لا كلّه، لأنّ علماء الشيعة يثبتون أوّلاً عموم أفراد المنزلة بوجوه شتّى، ثم يثبتون كون الإمامة من منازل هارونعليهالسلام ، مرةً بجهة الإستخلاف على بني إسرائيل وعدم العزل منه، ومرة بشركته لموسىعليهالسلام في افتراض الطاعة
وقد ذكر هذا الإستدلال بهذه الكيفية عن الشيعة في كتب غير واحدٍ من أهل السنة، كنهاية العقول وشرح المواقف والصّواعق وغيرها
قال في ( الصواعق ): « الشبهة الثانية عشرة: زعموا أنّ من النص التّفصيلي على علي قوله صلّى الله عليه وسلّم لمـّا خرج إلى تبوك واستخلفه على المدينة: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي. قالوا: ففيه دليل على أن جميع المنازل الثابتة لهارون من موسى سوى النبوة ثابتة لعلي من النبي صلّى الله عليه وسلّم، وإلّا لمـّا صحّ الإستثناء، وممّا ثبت لهارون من موسى استحقاقه للخلافة عنه لو عاش بعده، إذ كان خليفة في حياته، فلو لم يخلفه بعد مماته لو عاش بعده لكان النقص فيه، وهو غير جائز على الأنبياء.
وأيضاً: فمن جملة منازله منه أنه كان شريكاً له في الرسالة، ومن لازم ذلك وجوب الطاعة لو بقي بعده، فوجب ثبوت ذلك لعلي، إلاّ أنّ الشركة في الرسالة ممتنعة في حق علي. فوجب أن يبقى مفترض الطاعة على الأمة بعد النبي صلّى الله عليه وسلّم، عملاً بالدليل بأقصى ما يمكن»(١) .
ثم إن ما ذكره ( الدهلوي ) في الحاشية هو نقل ألفاظ شرح المواقف بعينها، لكنّه الوجه الثاني المذكور بعد الوجه الأول فيه كالصّواعق. وهذه ألفاظ ( شرح المواقف ):
« الثاني من وجوه السنّة: قولهعليهالسلام لعلي حين خرج إلى غزوة تبوك واستخلفه على المدينة: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي. فإنه يدل على أنّ جميع المنازل الثابتة لهارون من موسى سوى النبوة ثابتة لعلي من النبي صلّى الله عليه وسلّم. إذ لو لم يكن اللفظ محمولاً على كلّ المنازل لما صحّ الإستثناء. ومن المنازل الثابتة لهارون من موسى استحقاقه
____________________
(١). الصواعق المحرقة: ٧٣.
للقيام مقامه بعد وفاته لو عاش هارون بعده، وذلك لأنّه كان خليفةً لموسى في حياته، بدليل قوله:( اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ) (١) . لا معنى للخلافة إلّا القيام مقام المستخلف فيما كان له من التصرّفات، فوجب أن يكون خليفةً له بعد موته على تقدير بقائه، وإلّا كان عزله موجباً لنقصه والنفرة عنه، وذلك غير جائز على الأنبياء، إلّا أنّ ذلك القيام مقام موسى كان له بحكم المنزلة في النبوة، وانتفى هاهنا بدليل الإستثناء.
قال الآمدي: الوجه الثاني من وجهي الإستدلال بهذا الحديث هو: إنّ من جملة منازل هارون بالنسبة إلى موسى أنه كان شريكاً له في الرسالة، ومن لوازمه إستحقاق الطاعة بعد وفاة موسى لو بقي، فوجب أنْ يثبت ذلك لعلي، إلّا أنه امتنع الشركة في الرسالة، فوجب أن يبقى مفترض الطاعة على الاُمّة بعد النبي صلّى الله عليه وسلّم، عملاً بالدليل بأقصى ما يمكن »(٢) .
وبعد، فلقد كان على ( الدهلوي ) - بعد أن أورد الوجه الذي أورده - أنْ يبيّن موضع التشويش والإضطراب فيه، وأن يبيّن السّبب في عدم ذكر الوجه الأول معه، والسبب في ترجيح هذا الوجه على ذاك في الذكر، والسّبب في عدم ذكره إياه في المتن ومرجوحيته التي اقتضت إيراده في الحاشية ولكنه اكتفى بقوله: « ولا يخفى ما فيه »، وهل هذا كاف؟!
قوله:
ومع ذلك، ففي هذا التمسّك اختلال من وجوه كثيرة.
أقول:
لم يذكر من هذه الوجوه الكثيرة!! إلّا ثلاثة وجوه شحنها بالهفوات العظيمة العثار، والعثرات البادية العوار والله الموفّق للهداية والإستبصار.
____________________
(١). شرح المواقف ٨ / ٢٦٢.
دلالة الحديث
على عموم المنزلة
قوله:
الأول: إنّ اسم الجنس المضاف إلى العلم ليس من ألفاظ العموم عند جميع الأصوليين.
أقول:
إنّ ( الدهلوي ) مع رئاسته في العلوم!! وجلالته العلمية بين الناس!! يكتفي بمحض الدعوى، بل بالكذب والتسويل!! وينكر الأمور الواضحة والقضايا الثابتة والقواعد المقرّرة!!
إنّ دلالة « المنزلة » المضافة على العموم ثابتة - والحمد لله - بحيث لا يعتريها أيّ شك، ولا يشوبها أيّ شبهة
لقد نصّ أكابر المحقّقين وأئمة الأصول المعتمدين على أنّ صحّة الإستثناء دليل العموم، وبهذا الدليل يثبتون عموم صيغ العموم.
ولفظ « المنزلة » مضاف، ولو كان مضافاً إلى علمٍ، فيصحّ الإستثناء منه بالقطع واليقين، لجواز أنّ يقال: « زيد بمنزلة عمرو إلّافي النسب » و « بكر بمنزلة خالد إلّافي العلم » وهكذا
وهذا الحديث كذلك، إذ « المنزلة » فيه مضافة إلى العلم، فيدلُّ على العموم بلا ريب وبالأخص لفظ « المنزلة » الوارد في هذا الحديث يصح الإستثناء
منه بالقطع واليقين لأنّه لو كان الحديث: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا النبوة » أو « إلّا الأخوة النسبية » أو ما شابهه لكان صحيحاً بلا ريب كما أنّ لفظ « إلّا النبوة » وارد كما سبق وسيأتي ومع ذلك فالإستثناء بـ « إلّا أنّه لا نبي بعدي » استثناء متّصل كما سيتّضح عن قريب.
وإليك بعض الشواهد على دلالة صحّة الإستثناء على العموم عند الأصوليين من كلمات بعض أئمتهم:
قال البيضاوي: « ومعيار العموم جواز الإستثناء، فإنّه يخرج ما يجب اندراجه لولاه، وإلّا لجاز من الجمع المنكّر »(١) .
وقال الفرغاني العبري بشرحه: « لمـّا بيّن صيغ العموم على اختلاف مراتبها فيه، شرع في الإستدلال على أنها عامّة بوجهين، وجه يشمل الصيغ كلّها ووجه يخصُّ بعضها. أمّا تقرير الوجه العام لجميع الصيغ فهو أن نقول: لو لم يكن كلّ واحدٍ من هذه الصيغ المذكورة عامّاً لما جاز عن كلٍّ منها استثناء كل فرد منه، لأنّ الإستثناء عبارة عن إخراج شيء من مدلول اللّفظ، يجب إندراجه فيه لولا الإستثناء، فلو لم يكن كل واحد من هذه الصيغ عاماً لم يجب اندراج كلّ فرد فيه بدون الإستثناء، وإذا لم يجب لم يجز الإستثناء، إذ لا حاجة حينئذٍ إلى الإخراج، لكن جاز الإستثناء في كل فردٍ من هذه الصيغ اتفاقاً، مثلاً يصح أنْ يقال: من دخل داري إلّازيداً فأكرمته، وكذلك في البواقي، فيكون هذه الصيغ عامة وهو المطلوب.
وإنما قلت: إنّ الإستثناء عبارة عن إخراج ما لولاه لوجب دخوله، لأنّه لو لم يكن عبارة عن ذلك لكان عبارةً إمّا عمّا لولاه لامتنع دخوله فيه، وإنه باطل ضرورةً. أو عن إخراج ما لولاه لجاز دخوله فيه وإنّه باطل أيضاً، إذ لو كان
____________________
(١). منهاج الوصول في علم الأصول.
عبارةً عنه لجاز الإستثناء عن الجمع المنكر، لجواز دخول المخرج فيه، لكنه لم يجز باتّفاق أهل النحو. فلذلك حملوا « إلّا » في قوله تعالى:( لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا ) على « غير » في كونه وصفاً، دون الإستثناء لتعذّره ههنا، وعلّلوا ذلك بعدم وجوب الدخول »(١) .
وقال كمال الدين ابن إمام الكامليّة: « ومعيار العموم جواز الإستثناء، أي يعرف العموم به، فإنه أي الإستثناء يخرج ما يجب اندراجه لولاه، أي لولا الإستثناء فلزم من جميع ذلك دخول جميع الأفراد في المستثنى منه، وإلّا أي لو لم يجب دخوله فيه لجاز أنْ يستثنى من الجمع المنكر، لكن الإستثناء منه لا يجوز باتفاق النحاة، قالوا: إلّا أن يكون المستثنى منه مختصّاً نحو: جاء رجال كانوا في دارك إلّا زيداً منهم »(٢) .
وقال جلال الدين المحلّي: « ومعيار العموم الإستثناء، فكلّ ما صحّ الإستثناء منه ممّا لا حصر فيه فهو عام، للزوم تناوله للمستثنى، وقد صحّ الإستثناء من الجمع المعرّف وغيره ممّا تقدم من الصيغ، نحو: جاء الرجال إلّا زيداً، ومن نفى العموم فيها يجعل الإستثناء قرينةً على العموم، ولا يصح الإستثناء من الجمع المنكر إلّا أن يخصّص فيعم فيما يتخصّص به، نحو قام رجال كانوا في دارك إلّا زيداً منهم، كما نقله المصنف عن النحاة. ويصح: جاء رجال إلاّزيد بالرفع، على أنّ إلاّصفة بمعنى غير، كما في( لو كان فيهما آلهة إلّا الله لفسدتا ) »(٣) .
____________________
(١). شرح منهاج الوصول للعبري، المسألة الثانية من الفصل الأول من الباب الثالث - مخطوط.
(٢). شرح منهاج الوصول لابن إمام الكاملية، المسألة الثانية من الفصل الأول من الباب الثالث - مخطوط.
(٣). شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع للتاج السبكي - بحوث العموم والخصوص.
وقال محبّ الله البهاري بعد أنْ ذكر صيغ العموم وعمومها: « لنا جواز الإستثناء، وهو معيار العموم ».
قال شارحه: « لنا جواز الإستثناء من هذه الصيغ وهو معيار العموم، أي: الإستثناء معيار عموم المستثنى منه، وحاصله الإستدلال من الشكل الأول، يعني: إن هذه الصيغ يجوز الإستثناء منها، وكلّ ما يجوز الإستثناء منه فهو عام. أمّا الصغرى فلأن من تتبّع وجده كذلك، قال الله تعالى:( إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) (٢) وأما الكبرى فلأن معنى الإستثناء إخراج ما لولا الإستثناء لدخل ألبتة، ولذلك حملوا قاطبةً إلّا على الوصفية في صورة يكون المستثنى منه جمعاً منكوراً غير محصور، لفقد شرط الإستثناء، فلا بدّ من الدخول وهو العموم»(٣) .
وتلخص:
إنّ الأصوليين على أن الإستثناء دليل العموم، وعن هذا الطريق يثبتون العموم لصيغ العموم قاطبةً
وبهذا الدليل يتم دلالة لفظ « المنزلة » المضاف إلى العَلَم على « العموم » ولا نفع لـ ( الدهلوي ) في إنكار ذلك وجحده
والألطف من هذا: أن دلالة الإستثناء على العموم ظاهر كلام ( الدهلوي ) نفسه، فإنّه أيضاً معترف بهذه القاعدة، حيث يقول: « وصحة الإستثناء تدل على العموم، إذا كان الإستثناء متّصلاً » فصحة الإستثناء المتصل دليل على العموم، ومن الواضح جداً صحّة الإستثناء من لفظ « المنزلة » المضاف إلى العلم، إذ المراد من صحة الإستثناء جواز وروده عليه لا الإستثناء فعلاً.
فلو فرض فرضاً غير واقع عدم كون الإستثناء بـ « إلّا أنّه لا نبي بعدي »
____________________
(١). فواتح الرحموت في شرح مسلّم الثبوت ١ / ٢٩١ ط هامش المستصفى.
استثناءً متّصلاً، كما هو مزعوم من لا بصيرة له في الحديث واللسان، خلافاً لتصريحات الأئمة الأعيان، لكن لمـّا كان الإستثناء المتّصل من لفظ « المنزلة » المضاف إلى العلم على الإطلاق، ومن لفظ « المنزلة » المضاف إلى لفظ « هارون » صحيحاً بلا ريب، فعموم لفظ « المنزلة » المضاف إلى العلم مطلقاً، والمضاف إلى هارون ثابت بلا ريب.
ولو لم يقلع هذا البيان المؤيَّد باعتراف ( الدهلوي ) أساس الوساوس الفاسدة والخطرات الكاسدة، فلننقل بعض كلمات أئمة الأصول الصريحة في إفادة اسم الجنس المضاف للعموم:
قال عضد الدين الإيجي: « ثم الصيغة الموضوعة له. أي للعموم عند المحقّقين هي هذه:
فمنها: أسماء الشرط والإستفهام، نحو: من وما ومهما وأينما.
ومنها: الموصولات، نحو: من وما والذي.
ومنها: الجموع المعرَّفة تعريف جنس لا عهد، والجموع المضافة نحو: العلماء وعلماء بغداد.
ومنها إسم الجنس كذلك. أي معرّفاً تعريف جنس، أو مضافاً »(١) .
فاسم الجنس المضاف من صيغ العموم عند المحققين كاسم الجنس المعرَّف بلام الجنس. ومن الواضح أن « المنزلة » اسم جنس مضاف، فهو عام، حسبما نصّ عليه المحققون.
وقال العبرى الفرغاني:
____________________
(١). شرح مختصر الأصول ٢ / ١٠٢.
« المسألة الثّانية فيما يفيد العموم فنقول: العموم إما أنْ يستفاد من اللفظ لغةً أو عرفاً أو عقلاً.
والذي يفيد العموم لغةً: إما أنْ يفيده لا بنفسه من غير أن يكون معه قرينةٌ تدل عليه، أو يفيده لا بنفسه بل لأجل قرينةٍ ضمّت إليه.
والعام بنفسه: إما أنْ يتناول كلّ الأشياء سواء كانت من ذوي العلم أو لا، كلفظة أي، فإنّها تتناول العالمين وغيرهم في الإستفهام، نحو: أيّ شيء عندك؟ وفي المجازاة نحو قولك: أي رجلٍ يأتيني فله درهم، وأيّ ثوبٍ تلبسه يتزيّن بك أو يتناول بعضها، وحينئذٍ إمّا أنْ يتناول جميع العالمين فقط، مثل من في الإستفهام، نحو: من عندك؟ وفي المجازاة نحو قولهعليهالسلام : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذينّ جاره. أو يتناول جميع غير العالمين فقط، سواء كان زماناً أو مكاناً أو غيرهما، نحو لفظة: ما والذي وذا وغيرهما، وقيل: إنه يتناول العالمين أيضاً لقوله تعالى:( وَالسَّماءِ وَما بَناها ) (٢) وحينئذٍ يكون ما كأيّ في العموم. أو يتناول بعض غير العالمين كأين ومتى، فإنّ أين عام في المكان، ومتى عام في الزّمان، ولا يتناولان غيرهما.
والعام لقرينةٍ ضمّت إليه: إمّا أنْ يكون في الإثبات وذلك: إمّا الجمع المحلّى بالألف واللام، سواء كان جمع كثرة نحو قوله تعالى:( الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ ) أو جمع قلة نحو قولهعليهالسلام : ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وإمّا الجمع المضاف، سواء كان جمع كثرةٍ نحو قولهعليهالسلام : أولادنا أكبادنا، وكذا اسم الجنس يكون عاماً إذا كان محلّى بالألف واللام، نحو قوله تعالى( يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا ) أو مضافاً نحو قوله تعالى:( عَنْ أَمْرِهِ ) »(١) .
____________________
(١). شرح منهاج الوصول - مخطوط.
فاسم الجنس إذا كان مضافاً يفيد العموم كاسم الجنس المحلّى بالألف واللام، وقد مثّل له بقوله تعالى:( عَنْ أَمْرِهِ ) حيث لفظ جاء إسم الجنس « أمر » مضافاً إلى الضمير العائد إلى الله تعالى.
وقال الجلال المحلّي:
« والمفرد المضاف إلى معرفةٍ للعموم على الصحيح كما قاله المصنف في شرح المختصر. يعني ما لم يتحقق عهد نحو( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ) أي: كلّ أمر الله. وخصّ منه أمر الندب »(١) .
وقال نظام الدين في الجواب عن الإعتراض الثالث ممّا اعترض به على الإستدلال بقوله تعالى:( وَمَنْ يُشاقِقِ الله ورَّسُولَ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ) على حجّية الإجماع، وحاصله منع عموم لفظ « سبيل » في الآية. فأجاب:
« وأمّا عن الثالث، فلأنه قد تقدّم في المبادىء اللغويّة أن المفرد المضاف أيضاً من صيغ العموم، كيف ويصحّ الإستثناء عنه وهو معيار العموم »(٢) .
وعليه، يكون لفظ « المنزلة » في الحديث الشريف دالّاً على العموم أيضاً.
وقال أبو البقاء:
« والمفرد المضاف إلى المعرفة للعموم، صرّحوا به في الإستدلال على أنّ الأمر للوجوب في قوله تعالى:( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ) (٣) أي كلّ أمر الله »(٣) .
وهذا نصّ في أنّ كون المفرد المضاف إلى المعرفة من صيغ العموم، مذهب الكلّ، وبه صرّحوا.
____________________
(١). شرح جمع الجوامع - مبحث العموم والخصوص.
(٢). فواتح الرحموت ٢ / /٢١٥ هامش المستصفى.
(٣). الكليات: ٨٢٩.
وقال ابن نجيم المصري:
« قاعدة - المفرد المضاف إلى المعرفة للعموم. صرّحوا به في الإستدلال على أنّ الأمر للوجوب في قوله تعالى:( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ) (٥) أي كلّ أمر الله تعالى.
ومن فروعه الفقهية: لو أوصى لولد زيد أو وقف على ولده وكان له أولاد ذكور وأناث، كان للكل. ذكره في فتح القدير، من الوقف. وقد فرّعته على القاعدة. ومن فروعها: لو قال لامرأته: إن كان حملك ذكراً فأنتِ طالق واحدة، وإنْ كان أنثى فثنتين. فولدت ذكراً وأنثى. قالوا: لا تطلّق. لأن الحمل اسم للكل، فما لم يكن الكل غلاماً أو جارية لم يوجد الشرط. ذكره الزيلعي، من باب التعليق. وهو موافق للقاعدة، ففرّعته عليها. ولو قلنا بعدم العموم للزم وقوع الثلاث »(١) .
فإفادة المفرد المضاف إلى المعرفة العموم قاعدة أصوليّة مسلّمة، ويتفرّع عليها فروع فقهية.
فهذه طائفة من كلمات أعلام المحققين من القوم في الأصول والفروع، وهلّا وقف عليها ( الدّهلوي ) الذي يُدّعى له التبحّر والإمامة في مختلف العلوم؟
والأعجب من ذلك غفلته عمّا جاء في ( شرحي التلخيص ) وحواشيهما، مع كونها في متناول أيدي جميع أهل العلم، ومن الكتب الدراسيّة للمبتدئين منهم فإن إفادة اسم الجنس للمضاف للعموم ظاهرة فيها
قال التفتازاني في ( المختصر ):
« فمقتضى الحال هو الإعتبار المناسب للحال والمقام.
يعني: إذا علم أنْ ليس ارتفاع شأن الكلام الفصيح في الحسن الذاتي إلّا
____________________
(١). الأشباه والنظائر: ٣٨١.
بمطابقته للإعتبار المناسب على ما يفيده إضافة المصدر. ومعلوم أنه إنّما يرتفع بالبلاغة التي هي عبارة عن مطابقة الكلام الفصيح لمقتضى الحال، فقد علم أن المراد بالإعتبار المناسب ومقتضى الحال واحد، وإلّا لَما صَدَقَ أنّه لا يرتفع إلّابالمطابقة للإعتبار المناسب، ولا يرتفع إلّابالمطابقة لمقتضى الحال، فليتأمل »(١) .
قال نظام الدين الخطائي في حاشيته على المختصر:
« قوله: على ما يفيده إضافة المصدر، لأنها تفيد الحصر، كما ذكروا في ضربي زيداً قائماً، إنه يفيد انحصار جميع الضربات في حال القيام، وفيه تأمّل: لأن إضافة المصدر إنّما تفيد العموم، لأنّ اسم الجنس المضاف من أدوات العموم، والإنحصار في المثال المذكور إنما هو من جهة أنّ العموم فيه يستلزم الحصر، فإنه إذا كان جميع الضربات في حال القيام لم يصح أنْ يكون ضرب في غير تلك الحال، وإلاّ لم يكن جميع الضربات في تلك الحال، لامتناع أنْ يكون ضرب واحد بالشخص في حالتين. وأمّا فيما نحن فيه فالعموم لا يستلزم الحصر، فإنه لا يلزم من كون المطابقة سبباً لجميع الإرتفاعات أنْ لا يحصل الإرتفاع بغير المطابقة، لجواز تعدد الأسباب لمسبب واحد، فيجوز حصوله بكلٍ منها. وإنما يلزم الحصر لو دلّ الكلام على حصر سببيّة جميع الإرتفاعات في المطابقة، وليس فليس.
ويمكن دفعه: بأنْ ليس معنى الكلام مجرد أن المطابقة سبب لجميع الإرتفاعات، بل إنّ جميعها حاصل بسبب المطابقة، ومعلوم أنّ ذلك يستلزم الحصر، إذ لو حصل الإرتفاع بغير المطابقة لم يصح أنْ يكون ذلك الإرتفاع حاصلاً بها، لامتناع تعدّد الحصول لشيء واحد ».
____________________
(١). المختصر في علم المعاني والبيان - تعريف البلاغة من مقدّمة الكتاب.
وقال التفتازاني في ( المطوّل ):
« فمقتضى الحال هو الإعتبار المناسب للحال والمقام.
كالتأكيد والإطلاق وغيرهما ممّا عدّدناه، وبه يصرح لفظ المفتاح، وستسمع لهذا زيادة تحقيق. والفاء في قوله: فمقتضى الحال، تدل على أنه تفريع على ما تقدم ونتيجة له. وبيان ذلك: إنه قد علم مما تقدم أن إرتفاع شأن الكلام الفصيح بمطابقته للإعتبار المناسب لا غير، لأن إضافة المصدر تفيد الحصر، كما يقال: ضربي زيداً في الدار »(١) .
وقال الچلبي في حاشيته على المطوّل:
« قوله: لأن إضافة المصدر تفيد الحصر.
كما ذكره الرضي من أنّ اسم الجنس إذا استعمل ولم تقم قرينة تخصّصه ببعض ما يقع عليه، فهو الظاهر لاستغراق الجنس، أخذاً من استقراء كلامهم، فيكون المعنى ههنا: أنّ جميع الإرتفاعات حاصل سبب مطابقة الكلام للإعتبار المناسب ألبتة، فيستفاد الحصر، إذ لو جاز أنْ يحصل ارتفاع بغيرها لم يكن هذا الإرتفاع حاصلاً بتلك المطابقة، فلم تصح تلك الكلية ».
وقال الچلبي في موضع آخر:
« قوله: واستغراق المفرد أشمل.
قد سبق تصريح الشارح بأن إضافة المصدر تفيد الحصر، وحقّق هناك أنّ مبناه كون المصدر المضاف من صيغ العموم، فهذه القضية كلّية لا مهملة كما توهّم ».
لكن التفتازاني المصرّح بهذه القواعد والمباني في الكتب المبحوث عنها فيها والمواضع المتعلّقة بها، يتناسى ذلك عندما يريد أنْ يجيب عن استدلال
____________________
(١). المطوّل في علم المعاني والبيان - تعريف البلاغة من مقدّمة الكتاب.
الشّيعة بحديث المنزلة فيقول:
« والجواب منع التواتر، بل هو خبر واحد في مقابلة الإجماع، ومنع عموم المنازل، بل غاية الاسم المفرد المضاف إلى العلم الإطلاق، وربما يدّعى كونه معهوداً معيّناً كغلام زيد »(١) ؟!
وكما غفل - أو تغافل - ( الدهلوي ) عمّا في كتب أصول الفقه، وعمّا في شرحي التلخيص وحواشيهما، غفل - أو تغافل - عمّا في كتب النحو، وهي الأخرى كتب دراسيّة في جميع الحوزات العلميّة
ألا ترى أنّ إفادة اسم الجنس المضاف للعموم صريح المحقّق الرّضي، كما في حاشية الجلبي؟
وهو صريح الجامي شارح الكافية في مواضع وجوب حذف الخبر، قال:
« وثانيها: كل مبتدء كان مصدراً صورةً أو بتأويله منسوباً إلى الفاعل أو المفعول به أو كليهما، وبعده حال أو كان اسم تفضيل مضافاً إلى ذلك المصدر، مثل: ذهابي راجلاً وضرب زيد قائماً إذا كان زيد مفعولاً به، ومثل ضربي زيداً قائماً أو قائمين، وأنْ ضربت زيداً قائماً أو قائمين، وأكثر شربي السويق ملتوتاً، وأخطب ما يكون الأمير قائماً.
فذهب البصريون إلى أنَّ تقديره: ضرب زيداً حاصل إذا كان قائماً. فحذف حاصل كما يحذف متعلّقات الظروف نحو: زيد عندك، فبقي إذا كان قائماً ثم حذف إذا مع شرطه العامل في الحال وأقيم الحال مقام الظرف، لأن في الحال معنى الظرفية. فالحال قائم مقام الظرف القائم مقام الخبر، فيكون الحال قائماً مقام الخبر.
قال الرضي: هذا ما قيل فيه، وفيه تكلّفات كثيرة. والذي يظهر لي أن
____________________
(١). شرح المقاصد ٥ / ٢٧٥.
تقديره نحو: ضربي زيداً يلابسه قائماً، إذا أردت الحال من المفعول، وضربي زيداً يلابسني قائماً، إذا كان حالاً عن الفاعل، أولى، ثم تقول: حذف المفعول الذي هو ذو الحال، فبقي ضربي زيداً يلابس قائماً. ويجوز حذف ذي الحال مع قيام قرينة، تقول: الذي ضربت قائماً زيد. أي ضربته، ثم حذف يلابس الذي هو خبر المبتدأ والعامل في الحال، وقام الحال مقامه، كما تقول: راشداً مهديّاً، أي: سر راشداً مهديّاً. فعلى هذا يكونون مستريحين من تلك التكلّفات البعيدة.
وقال الكوفيون: تقديره: ضربي زيداً قائماً حاصل، بجعل قائماً من متعلّقات المبتدأ. ويلزمهم حذف الخبر من غير سدّ شيء مسدّه، وتقييد المبتدء المقصود عمومه بدليل الاستعمال »(١) .
وقال ابن الحاجب بشرح قول الزمخشري: « وممّا حذف فيه الخبر لسدّ غيره مسدّه قولهم: أقائم الزيدان، وضربي زيداً قائماً، وأكثر شربي السويق ملتوتاً » قال:
« وقولهم: ضربي زيداً قائماً. قال الشيخ: ضابطة هذا أنْ يتقدّم مصدر أو ما هو في معناه، منسوباً إلى فاعله أو مفعوله، وبعده حال منهما أو من أحدهما، على معنىً يستغنى فيه بالحال عن الخبر. وللنحويّين فيه ثلاثة مذاهب:
مذهب أكثر محققي البصريين: أن التقدير: ضربي زيداً حاصل إذا كان قائماً المذهب الثاني: مذهب الكوفيين أن تقديره: ضربي زيداً قائماً حاصل الثالث: مذهب المتأخرين - واختاره الأعلم - إنّ التقدير: ضربت زيداً قائماً
والصحيح هو الأول. وبيانه: إن معنى « ضربي زيداً قائماً »: ما ضربته إلّا
____________________
(١). الفوائد الضيائية: ٢٩٦ - ٢٩٧، مبحث المبتدء والخبر من المرفوعات، في مواضع لزوم حذف الخبر.
قائماً. وكذلك: أكثر شربي السويق ملتوتاً، معناه: ما أكثر الشرب إلّا ملتوتاً. وهذا المعنى لا يستقيم لذلك إلّاعلى تقدير البصريين.
وبيانه: إن المصدر المبتدأ اُضيف، وإذا أضيف عمّ بالنسبة إلى ما اُضيف إليه، كأسماء الأجناس التي لا واحد لها، وجموع الأجناس التي لها واحد، فإنها إذا اُضيفت أيضاً عمّت. ألا ترى أنك إذا قلت « ماء البحار حكمه كذا » عم جميع مياه البحار. وكذلك إذا قلت: « علم زيد حكمه كذا » عمّ جميع علم زيد. فقد وقع المصدر أولاً عاماً غير مقيد بالحال، إذ الحال من تمام الخبر، ثم اُخبر عنه بحصوله في حال القيام، فوجب أن يكون هذا الخبر للعموم، لما تقرر من عمومه، لأنّ الخبر عن جميع المخبر عنه، فلو قدّرت بعض ضرب زيد ليس في حال القيام لم تكن مخبراً عن جميعه، وإذا تقرر ذلك كان معناه: ما ضربي زيداً إلا في حال القيام
وفساد المذهب الثالث من وجهين: اللفظ والمعنى. أما اللفظ فإنه لو كان المبتدأ قائماً مقام الفعل لاستقلّ بفاعله كما استقل اسم الفاعل في أقائم الزيدان. ولو قلت: ضربي أو ضربي زيداً لم يكن كلاماً. وأما من حيث المعنى فإن الإخبار يقع بالضرب عن زيد في حال القيام، ولا يمنع هذا المعنى أن يكون ثمَّ ضرب في غير حال القيام. ألا ترى أنك إذا قلت: ضرب زيداً قائماً، لم يمتنع من أن يكون زيد ضرب قاعداً، وهو عين ما ذكرناه في بطلان مذهب أهل الكوفة »(١) .
ومن هذا الكلام أيضاً يظهر بوضوحٍ تام، دلالة اسم الجنس المضاف إلى العلم وغيره على العموم.
____________________
(١). شرح المفصّل في علم النحو، في مواضع لزوم حذف الخبر.
قوله:
بل صرحوا بأنه للعهد كما في غلام زيد ونحوه.
أقول:
لا يخفى أنّ تبادر العهد في مثل: « غلام زيد » لوجود القرينة، لا يستلزم عدم الدلالة على العموم في كلّ اسم مضاف، لأنّ اسم الجنس المعرف باللام، والجمع المعرّف باللام أو المضاف - هذه الصّيغ المفيدة للعموم بتصريح عموم الاُصوليين - إذا قامت قرينة على العهد فيها حملت عليه، وليس ذلك مخرجاً لها عن الدلالة على العموم حيث لا قرينة، فكذا في اسم الجنس المضاف.
قال الجلال المحلّي:
« والجمع المعرف باللام نحو( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ) أو الإضافة نحو( يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ ) للعموم ما لم يتحقق عهد لتبادره إلى الذهن »(١) .
قال البناني في حاشيته:
« قوله: ما لم يتحقق عهد.
ينبغي اعتبار هذا القيد في الموصولات أيضاً، فإنّها قد تكون للعهد كما هو مصرّح به، وقد يقال: لا حاجة إلى هذا القيد، لأن الكلام في هذا الوضع للجمع المعرف وهو العموم. ولا يخفى أنّه ثابت مع تحقق العهد، غايته أنّه انصرف عن معناه لقرينة العهد، غير أن ذلك لا يمنع ثبوت ذلك المعنى له »(٢) .
____________________
(١). شرح جمع الجوامع، مباحث العام من الكتاب الأول.
(٢). حاشية شرح جمع الجوامع، مباحث العام من الكتاب الأول.
وقال الجلال أيضاً:
« والمفرد المحلّى باللام مثله. أي مثل الجمع المعرف بها، في أنّه للعموم ما لم يتحقق عهد لتبادره إلى الذهن نحو:( وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ ) أي كلّ البيع، أي كل بيع، وخصّ منه الفاسد كالرّبا »(١) .
وقال عبد العزيز البخاري بأنّ دلالة المفرد والجمع المعرَّفين باللام على العموم، مذهب جمهور الاُصوليين وعامة مشايخ الحنفية وأهل اللغة(٢) .
وقال ابن نجيم بعد عبارته السّابقة التي صرّح فيها بإفادة المفرد المضاف إلى المعرفة للعموم:
« وخرج عن القاعدة لو قال: زوجتي طالق أو عبدي حر، طلّقت واحدة وعتق واحد والتعيين إليه، ومقتضاها طلاق الكل وعتق الجميع.
وفي البزازية، من الأيمان: إن فعلت كذا فامرأته طالق - وله امرأتان فأكثر - طلّقت واحدة، والبيان إليه. انتهى.
وكأنّه إنما خرج هذا الفرع عن هذا الأصل، لكونه من باب الايمان المبنيّة على العرف، كما لا يخفى »(١) .
قوله:
وإنْ لم تكن قرينة، فغاية الأمر ثبوت الإطلاق.
____________________
(١). شرح جمع الجوامع، مباحث العام من الكتاب الأول.
(٢). كشف الاسرار في شرح اصول البزدوي ٢ / ٢٦.
(٣). الأشباه والنظائر: ٣٨١.
أقول:
كيف يثبت الإطلاق حيث لا قرينة على العهد؟ بل هو العموم لصحة الإستثناء، والإستثناء دليل العموم كما تقدّم فما ذكره ( الدهلوي ) تبعاً لبعض أسلافه دعوى مجرَّدة لا دليل عليها ولا شاهد لها
وعلى فرض التنزّل عن أنَّ اسم الجنس المضاف من صيغ العموم، لتصريح كبار الأئمة به، ولصحّة الإستثناء منه وهو دليل العموم كما صرحوا به أيضاً وتسليم أنّ غاية أمره هو الاطلاق فلا يخفى أنّ الإطلاق كذلك كاف في إثبات مطلوب الإمامية من الحديث، لأنّ اللفظ المطلق الصادر عن الحكيم من غير نصب قرينةٍ على التّخصيص يفيد العموم، وإلّا لزم الإهمال وهو قبيح منه:
قال القاضي عبيد الله المحبوبي البخاري:
« ومنها ( أي من الألفاظ العامة ) الجمع المعرف باللام، إذا لم يكن معهوداً، لأنّ المعرف ليس هو الماهيّة في الجميع، ولا بعض الأفراد لعدم الأولوية، فتعيَّن الكل »(١) .
قلت: وهذا البرهان جارٍ في المطلق أيضاً. فإنّ حمل المطلق على بعض أفراده دون بعض ترجيح بلا مرجّح، لعدم الأولوية، فلابدّ من حمله على الكلّ.
وقال أيضاً:
« إعلم أنّ لام التعريف إمّا للعهد الخارجي أو للذهني وإمّا لاستغراق الجنس وإمّا لتعريف الطبيعة. لكن العهد هو الأصل ثم الاستغراق ثم تعريف
____________________
(١). التوضيح في حلّ غوامض التنقيح. فصل في ألفاظ العام، من الباب الأول، من الركن الأول من القسم الأول.
الطبيعة، لأن اللفظ الذي يدخل عليه اللام دال على الماهيّة بدون اللام، فحمل اللام على الفائدة الجديدة أولى من حمله على تعريف الطبيعة. والفائدة الجديدة إمّا تعريف العهد أو استغراق الجنس، وتعريف العهد أولى من تعريف الاستغراق، لأنه إذا ذكر بعض أفراد الجنس خارجاً أو ذهناً فحمل اللام على ذلك البعض المذكور أولى من حمله على جميع الأفراد، لأن البعض متيقَّن والكل محتمل.
فإذا علم ذلك، ففي الجمع المحلّى باللام لا يمكن حمله بطريق الحقيقة على تعريف الماهية، لأن الجمع وضع لأفراد الماهية لا للماهية من حيث هي، لكن يحمل عليها بطريق المجاز على ما يأتي في هذه الصفحة، ولا يمكن حمله على العهد إذا لم يكن عهد، فقوله: ولا بعض الأفراد لعدم الأولوية، إشارة إلى هذا، فتعيّن الإستغراق ».
فقد نصَّ على أنه « لا يمكن حمله على العهد إذا لم يكن عهد ». وأنه لا يمكن حمله على بعض الأفراد، لعدم الأولوية: « فتعيَّن الاستغراق ».
ونفس هذا البرهان جارٍ في المطلق، « فتعيَّن الإستغراق ».
وقال التفتازاني:
« واستدلَّ على مذهب التوقف تارةً ببيان أن مثل هذه الألفاظ التي اُدعي عمومها مجمل، وأخرى ببيان أنه مشترك. أمّا الأول: فلأنَّ أعداد الجمع مختلفة من غير أولوية البعض، ولأنه يؤكَّد بكل وأجمعين مما يفيد بيان الشمول والإستغراق، فلو كان للإستغراق لما احتيج إليه، فهو للبعض وليس بمعلوم فيكون مجملاً ». فقال بعد ذكر الوجه الثاني:
« والجواب عن الأول: إنّه يحمل على الكل، احترازاً عن ترجيح البعض بلا مرجّح »(١) .
____________________
(١). التلويح في شرح التوضيح، فصل في حكم العام، من التقسيم الأول من الباب الأول من الركن الأول من القسم الأول.
وإذنْ، تم إثبات العموم لصيغ العموم بهذا البرهان ثمَّ إثبات العموم للمطلق بنفس هذا البرهان، أعني بطلان الترجيح بلا مرجح.
قوله:
والقرينة على العهد موجودة هنا، وهو قوله: أتخلّفني في النّساء والصبيان.
أقول:
إنّ هذا الكلام مخدوش بوجوه:
قد تقدّم قريباً نقل ( الدهلوي ) عن النواصب دعوى قصر دلالة هذا الحديث على الخلافة الخاصّة، وأنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم استخلف أمير المؤمنينعليهالسلام في أهله وعياله فقط نَقل هذا عنهم واستقبحه، وأحال جوابه إلى كتب أصحابه من أهل السنّة لكنّ هذا الّذي ادّعاه هنا رجوع إلى مقالة النواصب وتصديق لها لأن حاصله يطابق تلك المقالة حذو القدّة بالقذة، وبيان ذلك:
إنّ ( الدهلوي ) يدّعي أنّ المراد من « أنت مني بمنزلة هارون من موسى » هو المنزلة المعهودة، ثم فسّر المنزلة المعهودة بالخلافة في النساء والصبيان، وهذا ينتهي إلى قصر الخلافة في الأهل والعيال، وهو مزعوم النّواصب
وإنّ ما أورده ( الدهلوي ) في الحاشية عن ابن حزم تأييداً لهذا الذي ذكره
في المتن دليل آخر على موافقة ( الدهلوي ) للنواصب، وأنّه بصدد تأييد مرامهم وتقوية مزاعمهم، وهذه عبارة ابن حزم على ما في الحاشية:
« هذا لا يوجب استحقاق الخلافة فضلاً عن تفويضها إليه، لأن هارون لم يل أمر بني إسرائيل بعد موسى، وإنما ولي الأمر بعد موسى يوشع بن نون فتى موسىعليهالسلام ، وصاحبه الذي سافر معه في طلب الخضرعليهالسلام ، كما ولي الأمر بعد نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم صاحبه في الغار الذي سافر معه إلى المدينة، وإذا لم يكن عليرضياللهعنه نبيّاً كما كان هارون نبيّاً، ولم يكن هارون خليفةً بعد موسى على بني إسرائيل، فقد صحّ أن كونهرضياللهعنه من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بمنزلة هارون من موسى إنما هو في القرابة ».
فلماذا أورد ( الدهلوي ) هذا الكلام الباطل، والمناقض لما صرّح به نفسه في المتن، من دلالة هذا الحديث الشريف على استحقاق أمير المؤمنينعليهالسلام للخلافة؟! أليس تأييداً لدعوى النواصب وابن حزم منهم كما ذكروا بترجمته؟
كما أنه يناقض كلامه هنا في المتن أيضاً، لأنّه يذعن بالدلالة على الخلافة، لكن يحصرها في الأهل والعيال، وابن حزم - في هذا الكلام - ينكر أصل الدلالة على الخلافة كما هو مزعوم النواصب
فلماذا هذا التناقض؟
ثم إن جملة: « أتخلفني في النساء والصبيان » غير موجودة في كثير من ألفاظ حديث المنزلة، وحتى أنها غير موجودة في رواية البخاري في كتاب المناقب، وكذا فيما أخرجه مسلم أوّلاً عن عامر بن سعد عن أبيه، وما أخرجه
في الآخر عن إبراهيم بن سعد عن أبيه
فالإستدلال بالحديث العاري عن هذه الفقرة تام، ولا وجه لإلزام الإمامية بقبول اللفظ الواجد لها، كي يدّعى كون الجملة قرينة على العهد، ويبطل بذلك عموم المنزلة
على أن هذه الجملة لا تصلح لأن تكون قرينةً على العهد - حتى لو كانت في جميع الألفاظ -، كي تكون الخلافة خاصّة لا عامّة، لبداهة كون الجملة استفهامية، والإستفهام لا يستدعي الوقوع والتحقّق، فيجوز أنّ الإمامعليهالسلام إنّما قال هذا الكلام طلباً لظهور بطلان زعم المنافقين وإثبات كذب المرجفين على لسان النبيّ الأمين وخاتم النبيّينصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال له: أتخلفني في النساء والصبيان؟ فأجابهصلىاللهعليهوآلهوسلم بقوله: أنت مني بمنزلة هارون من موسى
وهذا الجواب من النبي - بقطع النظر عن إثباته سائر المنازل - يثبت منزلة الخلافة الهارونية لمولانا أمير المؤمنينعليهالسلام وبه اعترف ( الدهلوي ) أيضاً كما يدل عليه قوله: « أي كما أنّ هارون كان خليفة موسى عند توجّهه إلى الطور، كذلك الأمير كان خليفة الرسول عند توجّهه إلى غزوة تبوك ».
ولما كان من المعلوم أنّ خلافة هارون لم تكن في الأهل والعيال فقط، كذلك حال خلافة أمير المؤمنينعليهالسلام فهو يقول له: إني ما استخلفتك في الأهل والعيال فحسب، ولم أتركك في المدينة استثقالاً - كما زعم المنافقون - بل أنت مني بمنزلة هارون، ومن منازله كونه خليفة عن موسى على جميع المتخلّفين.
وبهذا البيان يكون سوق كلام النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لدفع توهّم تخصيص الإستخلاف بالأهل والعيال، ولإظهار مزيد الشرف ورفعة المقام للأميرعليهالسلام .
وإذْ لم تكن هذه الجملة دالةً على استخلافه في النساء والصبيان أصلاً، فكيف تكون دالّةً على سلب خلافته بالنسبة إلى من عدا النساء والصبيان؟ فإن هذا السلب إنْ استفيد فإنّما يستفاد من المفهوم، وثبوت المفهوم فرع ثبوت المنطوق، والإستفهام لا يدل على ثبوت المنطوق، فكيف يدل على ثبوت المفهوم؟
وعلى فرض إفادة جملة: « أتخلّفني في النساء والصّبيان » اختصاص خلافتهعليهالسلام بالنسبة إلى النساء والصّبيان، فإنّه لا ينفع النواصب وأتباعهم، لأنّ خصوصية السؤال لا تستلزم تخصيص الجواب، فلو قال زيد لبكر: « أتملّكني دارك؟ » فأجابه: « ملّكتك ما أملكه » كان هذا الجواب عاماً، ولا يخصّصه السؤال الخاص بالدار.
وأوضح التفتازاني بطلان هذا التوهّم الذي وقع فيه ( الدهلوي ) حيث قال:
« فأمّا الجواب بأنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لمـّا خرج إلى غزوة تبوك استخلف علياًرضياللهعنه على المدينة، فأكثر أهل النفاق في ذلك، فقال عليرضياللهعنه : يا رسول الله أتتركني مع الخوالف؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنّه لا نبي بعدي. وهذا لا يدل على خلافته بعده، كابن اُم مكتوم رضي الله تعالى عنه استخلفه على المدينة في
كثير من غزواته.
فربما يدفع: بأنَّ العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب »(١) .
إذاً، لو سلّمنا ما زعمه ( الدهلوي ) استناداً إلى هذه الجملة، فإنها غير موجبة لتخصيص الحديث الشريف وإرادة العهد منه.
ثم إنّ من الهفوات الشنيعة: زعم ( الدهلوي ) صدور جملة: « أتخلفني » من أمير المؤمنينعليهالسلام ، اعتراضاً منه على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم استخلافه إيّاه في المدينة وكأنه يقصد من هذا أنْ يقلّل من شناعة قول عمر عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم - والعياذ بالله -: « إنّ النبي ليهجر »
جاء ذلك في باب المطاعن من ( التحفة ) في الجواب عن المطعن الأول من مطاعن عمر المتضمن لقصّة القرطاس
ولكنّه زعم فاسد وتوهّم باطل، وكيف يقاس الكلام الصادر - على تقدير صدوره - لإثبات كذب المرجفين، بمثل قولة عمر المذكورة، ثم يستنتج من ذلك أن كلام النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يكن وحياً يوحى؟!
هذا، وفي كلام ابن تيميّة المذكور سابقاً: أن السّبب في قول أمير المؤمنينعليهالسلام : « أتخلّفني في النساء والصبيان » هو توهّم وهن استخلاف النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم إيّاه ونقص درجته، فقال له النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى » دفعاً لهذا التوهّم.
وعلى هذا، كيف تجعل هذه الجملة قرينةً على إرادة العهد في جواب النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم عنها بقوله: أنت منّي
____________________
(١). شرح المقاصد ٥ / ٢٧٥.
ثم إنّ ( الدّهلوي ) لم يتعب نفسه ليراجع كتب قومه في الحديث فضلاً عن كتب أصحابنا، بل كان دأبه تقليد أسلافه كالكابلي وصاحب ( المرافض ) وأمثالهما نعم لم يتعب نفسه بمراجعة الكتب، لكي يرى أن حديث المنزلة لا اختصاص له بغزوة تبوك، وأنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لعليعليهالسلام : « أنت مني بمنزلة هارون من موسى » في مناسبات مختلفة ومواضع متعدّدة
نعم، لو تفحّص قليلاً في كتب الحديث لم يزعم اختصاص الحديث بتبوك، ولم يتفوّه بكونه معهوداً معيّناً:
إنّ من مواضع ورود حديث المنزلة: يوم المؤاخاة وممّن روى هذا الحديث:
١ - أحمد بن حنبل الشيباني.
٢ - محمد بن حبان البستي.
٣ - سليمان بن أحمد الطبراني.
٤ - أحمد بن علي الخطيب البغدادي.
٥ - الموفق بن أحمد الخوارزمي.
٦ - علي بن الحسن ابن عساكر الدمشقي.
٧ - يوسف بن قزغلي سبط ابن الجوزي.
٨ - أحمد بن عبدالله محبّ الدين الطبري.
٩ - إبراهيم بن عبدالله الوصابي اليمني.
١٠ - محمد بن يوسف الزرندي.
١١ - علي بن محمد ابن الصبّاغ المالكي.
١٢ - عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي.
١٣ - عطاء الله بن فضل الله الشيرازي.
١٤ - شهاب الدين أحمد.
١٥ - علي بن حسام الدين المتقي.
١٦ - محمود بن محمد الشيخاني القادري.
١٧ - ميرزا محمد بن معتمد خان البدخشاني.
١٨ - ولي الله أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي.
١٩ - المولوي محمد مبين اللكهنوي.
( ومنها ): وقت ولادة الإمام السبط الأكبر الحسن بن عليعليهالسلام ، وكذا وقت ولادة الإمام الحسين بن عليعليهالسلام ، حيث هبط جبرئيلعليهالسلام على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم مُهنّئاً ومبلِّغاً عن الله سبحانه حديث المنزلة وممن روى هذا الحديث:
١ - أبو سعيد عبد الملك بن محمد الخركوشي.
٢ - عمر بن محمد بن خضر الملّا الأردبيلي.
٣ - شهاب الدين بن شمس الدين الدولت آبادي.
٤ - شهاب الدين أحمد.
٥ - الحسين بن محمد الديار بكري.
( ومنها ): يوم خيبر وممن روى هذا الحديث:
١ - علي بن محمد ابن المغازلي.
٢ - الموفّق بن أحمد الخوارزمي.
٣ - عمر بن محمد بن خضر الملّا الأردبيلي.
٤ - أبو الربيع سليمان بن سالم الكلاعي.
٥ - إبراهيم بن عبدالله الوصابي.
( ومنها ): عند سدّ الأبواب إلّاباب أمير المؤمنينعليهالسلام ، وممن روى هذا الحديث:
١ - علي بن محمد ابن المغازلي.
٢ - الموفق بن أحمد الخوارزمي.
( ومنها ): أنّه قالهصلىاللهعليهوآلهوسلم مع قوله: « أنت أول المسلمين إسلاماً وأنت أوّل المؤمنين إيماناً » في رواية عمر بن الخطاب. وممن روى هذا الحديث:
١ - الحسن بن بدر.
٢ - أبو عبدالله الحاكم النيسابوري.
٣ - أبو بكر الشيرازي.
٤ - محب الدين محمد بن محمود ابن النجار.
٥ - أبو شجاع شيرويه بن شهردار الديلمي.
٦ - إسماعيل بن علي المعروف بابن السمّان.
( ومنها ): أنه قالهصلىاللهعليهوآلهوسلم في حديث: « يطلع عليكم سيد المسلمين وأمير المؤمنين وخير الوصيين « رواه أحمد بن موسى ابن مردويه.
( ومنها ): إنّه قالهصلىاللهعليهوآلهوسلم مخاطباً سلمان، في حديثٍ في وصف أمير المؤمنينعليهالسلام
رواه العاصمي بسنده عن سلمان
( ومنها ): إنه قالهصلىاللهعليهوآلهوسلم بعد حديث: « إن عليّاً لحمه من لحمي ودمه من دمي » وممّن روى هذا الحديث:
١ - أبو نعيم أحمد بن عبدالله الإصفهاني.
٢ - الموفق بن أحمد المكي الخوارزمي.
٣ - شهاب الدين أحمد.
٤ - إبراهيم بن محمّد الحمويني.
( ومنها ): أنه قاله لعلي أمير المؤمنينعليهالسلام بعد ذكر فضيلة لكلٍ من عقيل وجعفر روى إبراهيم بن عبدالله الوصّابي في ( الإكتفاء ):
« عن عبدالله بن محمد بن عقيل، عن أبيه، عن جدّه عقيل بن أبي طالبرضياللهعنه قال قال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: يا عقيل أحبك لخصلتين لقرابتك ولحبّ أبي طالب إيّاك. وأمّا أنت يا جعفر فإن خلقك يشبه خلقي. وأمّا أنت يا علي مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي. أخرجه أبو بكر جعفر بن محمد المطيري في جزء من حديثه ».
وقال محمد صدر العالم في ( معارج العلى ):
« أخرج ابن عساكر عن عبدالله بن محمد بن عقيل، عن أبيه، عن جده عقيل بن أبي طالب: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: يا عقيل ».
( ومنها ): في يوم الغدير قال ابن خلكان بترجمة أبي تميم معد الملقّب بالمستنصر بالله بن الظاهر: « وكانت ولادة المستنصر صبيحة يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة سنة ٤٢٠. وتوفي ليلة الخميس لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة سنة ٤٨٧
قلت: وهذه اللّيلة هي ليلة عيد الغدير، أعني ليلة الثامن عشر من ذي الحجة، وهو غدير خم - بضم الخاء المعجمة وتشديد الميم - ورأيت جماعة كثيرة يسألون عن هذه الليلة متى كانت من ذي الحجة؟ وهذا المكان بين مكة والمدينة، وفيه غدير ماء ويقال إنه غيضة هناك.
ولمـّا رجع النبي صلّى الله عليه وسلّم من مكة شرفها الله تعالى عام حجة الوداع ووصل إلى هذا المكان، وآخى علي بن أبي طالبرضياللهعنه قال: علي مني كهارون من موسى، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله.
وللشيعة به تعلّق كبير. وقال الحازمي: هو واد بين مكة والمدينة عند الجحفة، به غدير، عنده خطب النبي صلّى الله عليه وسلّم، وهذا الوادي موصوف بكثرة الوخامة وشدة الحمأ »(١) .
وعلى الجملة، فإنّ حديث المنزلة وارد في مواضع كثيرة غير غزوة تبوك، في أحاديث كبار المحدّثين في الأسفار المعتبرة فما ذكره ( الدهلوي ) من تخصيص هذا الحديث بإرادة العهد، وحمله على الخلافة الجزئية، تقليد أعمى وتعصّب مقيت.
مضافاً إلى أنّ السيد علي الهمداني - وهو من مشايخ ( الدهلوي ) ووالده - يروي عن الإمام جعفر بن محمد الصادقعليهالسلام ورود هذا الحديث في عشرة مواضع، وهذه عبارة كتابه ( المودة في القربى ):
« عن الصّادقعليهالسلام ، عن آبائهعليهمالسلام ، قال النبي صلّى الله عليه وسلّم لعليّ في عشرة مواضع: أنت مني بمنزلة هارون من موسى ».
ومن غرائب الاُمور نفي ابن تيميّة ورود هذا الحديث إلّافي غزوة تبوك،
____________________
(١). وفيات الأعيان ٤ / ٣١٨.
وقوله: « ثم من جهل الرافضة أنهم يتناقضون، فإن هذا الحديث يدل على أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يخاطب عليّاً بهذا الخطاب إلّاذلك اليوم في غزوة تبوك، فلو كان علي قد عرف أنه المستخلَف من بعده كما رووا ذلك فيما تقدم، لكان علي مطمئنّ القلب أنه مثل هارون بعده وفي حياته، ولم يخرج إليه يبكي، ولم يقل أتخلّفني مع النساء والصبيان، ولو كان علي بمنزلة هارون مطلقاً لم يستخلف عليه أحداً، وقد كان يستخلف على المدينة غيره وهو فيها، كما استخلف على المدينة عام خيبر غير علي، وكان علي بها أرمد، حتى لحق بالنبي صلّى الله عليه وسلّم فأعطاه الرّاية حين قدم، وكان قد اعطى الراية رجلاً فقال: لاُعطينّ الرّاية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله »(١) .
أقول:
إنّه ينسب الشيعة إلى الجهل والتناقض، ثم يستدلُّ على ذلك بأن هذا الحديث يدل على أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يخاطب عليّاً بهذا الخطاب إلّا ذلك اليوم فما وجه الدلالة لقوله « هذا الحديث يدل » على جهل الإمامية وتناقضهم؟ وأين دلالة هذا الحديث على أنّه لم يخاطب علياً بهذا الخطاب إلّا ذلك اليوم؟
إنها دعاوي واضحة البطلان!!
وكذا استدلاله على نفي علم أمير المؤمنينعليهالسلام بأنّه المستخلف بعده، وذلك:
أولاً: ليس في شيء من روايات الصحيحين وغيرهما من صحاحهم ذكرٌ من بكاء أمير المؤمنينعليهالسلام
____________________
(١). منهاج السنة ٧ / ٣٣٦.
وثانياً: أيّ دلالة للبكاء على عدم اطمينان القلب؟ إنّه - على فرض ثبوته - لم يكن إلّا لمفارقته الرّسول أو تأذّيه من إرجاف المنافقين به
وعجيب أمر ابن تيمية!! فتارة يجعل بكاء الإمام دليلاً على وهن استخلافه!! واُخرى يجعله دليلاً على عدم اطمينانه باستخلافه!!
وبغض النظر عن هذا كله، وعلى فرض تسليم هذا الزّعم الباطل، بأن يكون هذا البكاء المزعوم وقوله: « أتخلّفني » دالاً على عدم استخلافه قبل ذلك وعدم اطمينان قلبه بأنه مثل هارون من بعده، فإنّه لا يثبت انحصار الحديث بيوم تبوك بوجهٍ من الوجوه، لجواز وقوع هذا الخطاب بعد يوم تبوك مرةً أو مرّات.
وأمّا قوله: « ولو كان علي بمنزلة هارون مطلقاً لم يستخلف عليه أحداً ».
فالجواب عنه: إنّهعليهالسلام بمنزلة هارون على الإطلاق، وأنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يستخلف عليه أحداً قطّ. ومتى ثبت بالأدلة القاطعة وكلمات الأئمة الصريحة كونه بمنزلة هارون على الإطلاق، وبطل إرادة العهد بالقطع واليقين، كانت دعوى استخلاف أحد عليه كاذبة، وابن تيمية نفسه معترف بالمنافاة بين الأمرين.
وكأنّ ابن تيمية يريد بدعواه هذه رفع المنقصة عن المشايخ الثلاثة، حيث استخلف النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم عليهم غير مرة، فتارةً استخلف عليهم عمرو بن العاص، وأخرى أبا عبيدة، وثالثة اُسامة لكنّ هذه الإستخلافات ثابتة، ولا يرتفع مدلولها - وهو مفضولية المشايخ، وعدم استحقاقهم الخلافة بعد الرسول - بدعوى كاذبة وبهتان عظيم
قوله: « وقد استخلف على المدينة غيره وهو فيها ».
واضح البطلان كذلك، وقائله مفتر كذّاب فقد نصّ كبار أئمة القوم على
أن أمير المؤمنينعليهالسلام لم يتخلّف عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في شيء من مشاهده إلّاغزوة تبوك
وقوله: « كما استخلف على المدينة عام خيبر غير علي ».
غير مسلّم والمدّعي مطالَب بالبيّنة والبرهان، وتلك دعوى ما أنزل الله بها من سلطان.
ولقد أفرط ابن تيمية في العناد والعدوان، حيث ادّعى في موضعٍ آخر اتفاق أهل العلم على أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يقل ذلك في غير تبوك!! فكذّب إمامه أحمد بن حنبل - الذي يدّعي اتّباعه وتقليده له - وجماعة آخرين من كبار الأساطين، وأخرجهم عن زمرة « أهل العلم »!!
نعم لقد روى ورود حديث المنزلة في غير يوم تبوك، عدّة كبيرة من مشاهير المحدثين والعلماء من أهل السنّة، ومنهم:
١ - أحمد بن محمد بن حنبل.
٢ - أبو حاتم محمد بن حبان البستي.
٣ - سليمان بن أحمد الطبراني.
٤ - أبو عبدالله محمد بن عبدالله الحاكم النيسابوري.
٥ - الحسن بن بدر.
٦ - أبو بكر جعفر بن محمد المطيري.
٧ - عبد الملك بن محمد بن إبراهيم الخركوشي.
٨ - أحمد بن موسى بن مردويه الإصبهاني.
٩ - أبو نعيم أحمد بن عبدالله الإصبهاني.
١٠ - إسماعيل بن علي الرازي المعروف بابن السمّان.
١١ - أبو بكر أحمد بن علي المعروف بالخطيب البغدادي.
١٢ - علي بن محمد الجلابي المعروف بابن المغازلي.
١٣ - أبو شجاع شيرويه بن شهردار الديلمي.
١٤ - أحمد بن محمد العاصمي.
١٥ - الموفق بن أحمد المكي الخوارزمي.
١٦ - عمر بن خضر المعروف بالملّا الأردبيلي.
١٧ - علي بن الحسن المعروف بابن عساكر.
١٨ - أبو الربيع سليمان بن سالم المعروف بابن سبع.
١٩ - محب الدين محمد بن محمود المعروف بابن النجار.
٢٠ - يوسف بن قزغلي سبط ابن الجوزي.
٢١ - شمس الدين أحمد بن محمد المعروف بابن خلكان.
٢٢ - محب الدين أحمد بن عبدالله الطبري.
٢٣ - إبراهيم بن محمد الجويني الحمويني.
٢٤ - محمد بن يوسف الزرندي.
٢٥ - علي بن شهاب الدين الهمداني.
٢٦ - شهاب الدين بن شمس الدين الدولت آبادي.
٢٧ - نور الدين علي بن محمد المعروف بابن الصباغ.
٢٨ - جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي.
٢٩ - جمال الدين عطاء الله بن فضل الله الشيرازي.
٣٠ - الحسين بن محمد الديار بكري.
٣١ - علي بن حسام الدين المتقي.
٣٢ - إبراهيم بن عبدالله اليمني.
٣٣ - شهاب الدين أحمد.
٣٤ - محمود بن محمد الشيخاني القادري.
٣٥ - ميرزا محمد بن معتمد خان البدخشاني.
٣٦ - محمد صدر العالم.
٣٧ - ولي الله أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي.
٣٨ - محمد مبين بن محب الله اللكهنوي.
قوله:
أي، كما أن هارون كان خليفة موسى في مخرجه إلى الطّور، كذلك الأمير كان خليفة الرسول في مخرجه إلى غزوة تبوك.
أقول:
أولاً: في هذا الكلام إعتراف بكون هارون خليفةً عن موسىعليهالسلام ، فهو ردّ على الذين خالفوا الكتاب والسنّة من مشاهير أعيانهم، وأنكروا خلافة هارون عن موسى كالفخر الرازي، والإصفهاني، والتفتازاني، والقوشجي، والهروي، وغيرهم وستأتي كلماتهم عن قريب
بل الأعجب من هذه أنّ ( الدهلوي ) نفسه - بدعواه التنافي بين الرسالة والخلافة كما ستعلم - يبطل خلافة هارونعليهالسلام
وثانياً: في هذا الكلام اعتراف بدلالة الحديث على حصول الخلافة لأمير المؤمنينعليهالسلام ، مثل الخلافة الحاصلة لهارون وهو مبطل لتمويهاته وخزعبلاته، وما أتعب نفسه بتقريره في نفي عموم المنازل
على أنَّ خلافة أمير المؤمنينعليهالسلام ثابتة بنص أحاديث عديدة، كحديث « لا ينبغي لي أنْ أذهب إلا وأنت خليفتي » الذي رواه أكابر المحدثين كما ستعلم وكالحديث الذي رواه صاحب ( حبيب السّير ) الذي فيه: « يا أخي إرجع إلى المدينة فإنك خليفتي في أهلي ودار هجرتي وقومي » وهو كذلك نص في الخلافة.
قوله:
والإستخلاف المقيد بمدة الغيبة غير باقٍ بعد انقضائها، كما أنَّ خلافة هارون لم تدم.
أقول:
على ( الدهلوي ) إثبات هذا التقييد بدليل مقبول لدى العلماء الفحول، وإلّا فالدّعوى المجرّدة عن الدليل والبرهان غير قابلة للإذعان، والإكتفاء بها خروج على قانون المناظرة المقرّر لدى الأعيان
وغير خاف على من ألقى السّمع وهو شهيد: عدم ورود هذا التقييد في شيء من الروايات الناصّة على استخلاف أمير المؤمنينعليهالسلام .
ويدل على بطلان هذا التقييد أيضاً: كلام ابن تيميّة والشيخ علي القاري، حيث ادّعيا أنّ أمير المؤمنينعليهالسلام عزل عن هذه الخلافة، لأنّه لو كانت من أوّل الأمر مقيدةً فهي منقطعة بانقضاء المدة، ولا يصح إطلاق العزل حينئذٍ لا لغةً ولا عرفاً فكلام هذين العَلَمين مبطل لدعوى التقييد.
وأيضاً: خلافة هارونعليهالسلام مطلقة لا مقيدة بمدّة الغيبة، فكذا خلافة الأميرعليهالسلام المنزل بمنزلة هارون أمّا دعوى تقيّد خلافة هارون فكذب واضح وافتراء بحت، لأنّ الكلام الإلهي المشتمل على حكاية استخلاف موسى هارون -عليهماالسلام - مطلق غير مقيّد، والمفسّرون أيضاً لم يقيّدوا إطلاق الآية بقيدٍ، والأخبار الواردة في تفسيرها خالية عن هذا التقييد كما ستعلم فما ذكره ( الدهلوي ) ليس إلّا الكذب والإفتراء على أنبياء اللهعليهمالسلام !!
فالعجب كيف لا يتحرَّج هذا الرجل من هكذا كذب؟
ألا ترى، أنّ قول موسى لأخيه هارون( اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ) (١) مطلق غير مقيَّد بزمان غيبة موسى عن بني إسرائيل؟
فكيف يدعي تقييد هذه الخلافة بلا دليل؟ أو يدّعي أنّ موسى عزل هارون عنها كما قاله في باب المطاعن ...؟ وكيف يناقض نفسه في الكتاب الواحد فتارةً يدّعي التقيّد واُخرى العزل...؟
قوله:
« ولا يجوز إطلاق العزل على انقطاع هذا الإستخلاف، لأنه موجب للإهانة ».
____________________
(١). سورة الأعراف: ٧، الآية ١٤٢.
أقول:
إنّه - وإنْ ادّعى تقيّد اطلاق الإستخلاف - استحيى من دعوى عزل أمير المؤمنينعليهالسلام ، فعبّر بانقطاع الإستخلاف، وصرّح بأنّ التعبير بالعزل إهانة
لكن ابن تيمية والقاري - وهما من أساطين علماء القوم - عبّرا بالعزل بلا خجل، بعد وصف خلافته بالجزئية!! فيقول القاري: « إنَّ الخلافة الجزئية في حياته لا تدل على الخلافة الكليّة بعد مماته، لاسيّما وقد عزل عن تلك الخلافة برجوعه »(١) .
إنْ هذا إلّا كذب على الله ورسوله!!
وكأنّه محاولة لشفاء غيظهم من عزل الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم أبا بكر عن تبليغ سورة البراءة، فإنّ هذا العزل - الثابت بأحايثهم المتكاثرة - ممّا أحرق قلوب القوم وأقرح جفونهم لكنّها محاولة يائسة
ويقول ابن تيمية بجواب العلّامة الحلّي: « قوله: لأنه لم يعزله عن المدينة. قلنا: هذا باطل، فإنه لمـّا رجع النبي صلّى الله عليه وسلّم انعزل علي بنفس رجوعه، كما كان غيره ينعزل إذا رجع، وقد أرسله بعد هذا إلى اليمن حتى وافاه بالموسم في حجة الوداع، واستخلف على المدينة في حجة الوداع غيره، أفترى النبي صلّى الله عليه وسلّم فيها مقيماً وعلي باليمن وهو خليفة بالمدينة. ولا ريب أنّ كلام هؤلاء كلام جاهل بأحوال النبي صلّى الله عليه وسلّم، كأنّهم ظنّوا أن عليّاً ما زال خليفةً على المدينة حتى مات النبي صلّى الله عليه وسلّم »(٢) .
____________________
(١). المرقاة في شرح المشكاة ٥ / ٥٦٤.
(٢). منهاج السنة ٧ / ٣٥١.
فظهر من كلام ابن تيمية أيضاً: عدم تقيّد استخلاف أمير المؤمنينعليهالسلام عنده، وأنه - والقاري - على أنّ انقطاع الإستخلاف المطلق عين العزل، والعزل إهانة بلا ريب ولا يجترء على عزوه إلى أمير المؤمنينعليهالسلام إلّا ناصب حنق
فثبت أنّ خلافتهعليهالسلام - كخلافة هارون - مستمرة غير منقطعة، لأن انقطاعها يستلزم العزل، والعزل إهانة، ولا يجوّز أحد من أهل الإسلام إهانة الأميرعليهالسلام .
والحاصل: إنّه لا مناص لأهل السنة - بعد تصريح ابن تيميّة والقاري بالعزل كما سمعت - من أحد أمرين، إمّا الإعتراف ببطلان تقييد الإستخلاف، وإمّا إطلاق العزل على انقطاع هذا الإستخلاف غير المقيد، ورفع اليد عن دعوى مخالفة هذا الإطلاق للعرف واللغة وعلى كل حال، يثبت ما تقوله الإمامية من أن دعوى انقطاع خلافة الأميرعليهالسلام تستلزم الإهانة، وإذ لا يقدم مسلمٌ على تجويزها أبداً فخلافته غير منقطعة، وهو المطلوب.
ثم قال ابن تيميّة - بعد عبارته السابقة -: « ولم يعلموا أنّ علياً بعد ذلك أرسله النبي صلّى الله عليه وسلّم سنة تسع مع أبي بكر لنبذ العهود، وأمّر عليه أبا بكر، ثم بعد رجوعه مع أبي بكر أرسله إلى اليمن كما أرسل معاذاً وأبا موسى، ثم لما حجّ النبي صلّى الله عليه وسلّم حجة الوداع استخلف على المدينة غير علي، ووافاه علي بمكة، ونحر النبي صلّى الله عليه وسلّم مائة بدنة، نحر بيده ثلثيها ونحر علي ثلثها، وهذا كلّه معلوم عند أهل العلم متفق عليه بينهم، وتواترت به الأخبار كأنّك تراه بعينك، ومن لم يكن له عناية بأحوال الرسول صلّى الله عليه
وسلّم لم يكن له أنْ يتكلَّم في هذه المسائل الاُصولية »(١) .
أقول:
قد استدل ابن تيمية في هذه العبارة على انقطاع خلافة أمير المؤمنينعليهالسلام بثلاثة أمور أحدها: إنه أرسله النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم سنة تسع مع أبي بكر لنبذ العهود، وأمَّر عليه أبا بكر. والثاني: إنه بعد رجوعه مع أبي بكر أرسله إلى اليمن. والثالث: إنه لمـّا حجّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم حجة الوداع استخلف على المدينة غير علي.
ثم زعم أن هذا كله معلوم عند أهل العلم، متفق عليه بينهم، وتواترت به الأخبار، كأنّك تراه بعينك
لكنّ تأمير أبي بكر على أمير المؤمنينعليهالسلام بهتان فاحش، ودعوى تواتر الأخبار بإرسال أمير المؤممنينعليهالسلام مع أبي بكر من أشنع المختلقات وبإمكان كلّ متتبّع أن يقف على بطلان هذه الدعاوي بالنظر في روايات أهل السنة أنفسهم فضلاً عن روايات الإمامية فإنّ رواياتهم المتكاثرة صريحة في أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أرسل أمير المؤمنينعليهالسلام بعدما كان قد أرسل أبا بكر، فقوله: أرسله مع أبي بكر كذب محض. ودعوى أنه أمّر عليه أبا بكر يشبه دعوى أمارة مسيلمة على رسول الله معاذ الله من ذلك، أو أمارة فرعون على موسى، أو امارة نمرود على إبراهيم الخليل.
على أن رواياتهم صريحة في أنّ الرسول عزل أبا بكر عن تبليغ براءة، وخصّ علياً لهذا الأمر
وأيضا: رواياتهم صريحة في رجوع أبي بكر - بعد أخذ علي الآيات
____________________
(١). منهاج السنة ٧ /٣٥١.
منه - إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فعلى من يدّعي رجوع أمير المؤمنينعليهالسلام مع أبي بكر أنْ يثبت مدّعاه!!
وكيف يدّعي أمارة أبي بكر على أمير المؤمنينعليهالسلام ، والحال أنّ هذه القضية نفسها تثبت أفضليّتهعليهالسلام من أبي بكر، حيث أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم عزل أبا بكر عن إبلاغ السورة، وأمر علياً بذلك، حتى أن أبا بكر رجع إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فزعاً وقال « أنزل فيَّ شيء »؟!
وأمّا أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أرسل أمير المؤمنينعليهالسلام إلى اليمن، فمن البديهي عدم دلالة ذلك على انقطاع خلافته ووجوب طاعته، إذ الغرض من عدم انقطاع خلافتهعليهالسلام بقاء وجوب طاعته ونفوذ حكمه، وجواز تصرفه في أمور المدينة وأهلها، وهذا المعنى لا يستلزم بقائه في المدينة على الدوام، فلو أرسل السّلطان أحد وزرائه إلى بعض الأطراف لغرضٍ من الأغراض، لم يكن إرساله إبطالاً لوزارته، وكذا جعل شخصٍ ونصبه لحراسة المدينة مدة غياب أمير المؤمنينعليهالسلام لا يقدح في ثبوت خلافته ونفوذ أحكامه فيها كما هو الحال بالنسبة إلى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم نفسه
وبالجملة، فإنّ ما ذكره ابن تيمية في هذه الفقرة من كلامه لا يخلو، إمّا كذب وإما باطل
ثم قال ابن تيمية:
« والخليفة لا يكون خليفةً إلّامع مغيب المستخلِف أو موته، فالنبي صلّى الله عليه وسلّم إذا كان بالمدينة امتنع أن يكون له خليفة فيها، كما أن سائر من استخلفه النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لما رجع انقضت خلافتهُ وكذلك سائر ولاة الامور إذا استخلف أحدهم على مصره في مغيبه بطل استخلافه ذاك إذا حضر المستخلف، ولهذا لا يصلح أن يقال: إن الله يستخلف أحداً عنه، فإنّه حي قيّوم شهيد مدبّر لعباده منزّه عن الموت والنوم والغيبة، ولهذا لمـّا قالوا لأبي بكر: يا
خليفة الله، قال: لست خليفة الله بل خليفة رسول الله، وحسبي ذلك.
والله تعالى يوصف بأنه يخلف العبد. قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل. وقال في حديث الدجال: والله خليفتي على كل مسلم. وكل من وصفه الله بالخلافة في القرآن فهو خليفة عن مخلوق كان قبله، كقوله( ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ ) ( وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ ) ( وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) وكذلك قوله للملائكة( إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) أي عن خلقٍ كان في الأرض قبل ذلك، كما ذكره المفسّرون وغيرهم »(١) .
أقول:
لا يخفى على العاقل أن دعوى « أن الخليفة لا يكون خليفة إلّا مع مغيب المستخلف أو موته » عارية عن الدليل والبرهان، ويشهد بذلك أنّ أحداً من العلماء لم يذكر هذا القيد في تعريف الإمامة، وهي ترادف الخلافة.
وقال ولي الله الدهلوي في تعريف الخلافة: « هي الرئاسة العامة في التصدّي لإقامة الدين بإحياء العلوم الدينية وإقامة أركان الإسلام، والقيام بالجهاد وما يتعلّق به من ترتيب الجيوش، والفرض للمقاتلة وإعطائهم من الفيء، والقيام بالقضاء وإقامة الحدود ورفع المظالم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، نيابةً عن النبي صلّى الله عليه وسلّم »(٢) .
ودعوى أنّه « لا يصلح أن يقال إن الله يستخلف أحداً عنه » ممنوعة
____________________
(١). منهاج السنة ٧ / ٣٥٢.
(٢). ازالة الخفا، الفصل الأول من المقصد الأول: مسألة في تعريف الخلافة.
أيضاً، لتصريح أئمة السنّية بكون داودعليهالسلام خليفة الله، وأنه قد وصف بهذا في القرآن العظيم كما في كلام ولي الله الدهلوي. فهل ابن تيمية مكذّب للقرآن أو أن الدهلوي مفتر على القرآن؟!
قوله:
« وإنّما يكون صحة الإستثناء دليل العموم إذا كان الإستثناء متّصلاً ».
أقول:
لقد صرح محققوا علم الأصول، بأنّ صحّة الإستثناء دليل العموم، واعترف به ( الدهلوي ) أيضاً، وكلامهم مطلق لكن ( الدهلوي ) تبع الكابلي المقلِّد للقوشجي والتفتازاني وأمثالهما في زعم قصر الدلالة على العموم على وجود الإستثناء المتّصل
وعلى الجملة، يكفي في الدلالة على العموم مجرّد صحة الإستثناء وهذا واضح جدّاً، وبه تنادي نصوص عباراتهم
قال ابن إمام الكامليّة بعد الإستدلال بقوله تعالى:( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ) على دلالة الأمر على الوجوب، قال:
« قيل: قوله تعالى( عَنْ أَمْرِهِ ) لا يعم، لأنه مطلق. قلنا: عام، لجواز الإستثناء منه، لأنه يصح أنْ يقال: فليحذر الذين يخالفون عن أمره إلّا مخالفة الأمر الفلاني، والإستثناء معيار العموم»(١) .
تفيد هذه العبارة: أن اللفظ إذا صحّ الإستثناء منه دل على العموم، ولهذا
____________________
(١). شرح منهاج الوصول. المسألة الثانية، من الفصل الثاني، من الباب الثاني - مخطوط.
دلّ لفظ « أمر » فى الآية على العموم مع عدم وجود استثناء فى الآية أصلاً
وقال العبري - فى مقام إثبات القياس، بعد أن ذكر أن « الإعتبار » فى قوله تعالى:( فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ ) (٢) دالّ على جميع الجزئيات، بقرينة لحوق العموم به وهو جواز الإستثناء منه، وإن الإستثناء دليل العموم - قال:
« قال الخنجى: ولقائل أنْ يمنع هذا الجواب: بأنْ صحّة الإستثناء مشروطة بثبوت كون الأمر بالماهيّة أمراً بجزئياته، وللخصم أنْ يمنع صحة الإستثناء ما لم يثبت أنْ الأمر به أمر بالجزئيّات. والجواب: إن صحة الإستثناء ظاهرة فى هذه الصّورة، إذ لو قال إعتبروا إلّا الإعتبار الفلانى لا يخطَّأ لغةً، وصحّة الإستثناء معيار العموم، لِما ثبت فى باب العموم، ولا حاجةإلى ثبوت كون الأمر بالماهيّة أمراً بالجزئيات، إذ معنى كون صحّة الإستثناء معيار العموم هو أنا إذا تردّدنا فى عموم لفظٍ نعتبر فيه الإستثناء، فإنْ صحَّ منه علمنا عمومه وإلاّ فلا. فالعلم بصحة الإستثناء يكفى فى العلم بالعموم »(١) .
وقال الشيخ عبد الرحمن البنانى بشرح قول السبكى صاحب ( جمع الجوامع ): « ومعيار العموم الإستثناء » وقد تقدّمت عبارته مع شرحها للجلال المحلّى قال:
« إنّ دليل تحقّقه الإستثناء من معناه، كما أشار إليه الشارح بقوله: فكلّ ما صحّ الإستثناء منه وفى العبارة مضاف محذوف، أي: ومعيار العموم صحّة الإستثناء. دلّ عليه قول الشارح: فكلّ ما صحّ ».
وقال البنانى فى التعليق على قول المحلّى: « ولم يصح الإستثناء من الجمع المنكّر إلّا أنْ يخصَّص، فيعم فيما يتخصّص به، نحو قام رجال كانوا فى دارك إلّا زيداً منهم » قال:
____________________
(١). شرح منهاج الوصول. الباب الاول، من الكتاب الرابع، فى القياس - مخطوط.
« قوله: نحو قام رجال كانوا فى دارك إلا زيداً منهم. قال الكمال: هذا المثال وإنْ تمشى فيه ما ادّعاه من العموم فيما تخصّص به، فلا يخصّ المثال من كون الدار حاصرة لهم، ولا يتمشّى فيما مثّل به ابن مالك من قوله: جاءنى رجال صالحون إلّا زيداً. واعترضه شيخ الإسلام حيث قال: قد يوجّه عمومه فيما تخصّص به بوجوب دخول المستثنى فى المستثنى منه لولا الإستثناء، لتكون الدار حاصرةً للجميع. ويردّ بمنع وجوب ذلك، وأن الدار حاصرة للجميع، لجواز أنْ لا يكون زيد منهم، ولهذا احتيج إلى ذكر منهم، مع أنّ فى عموم ذلك نظراً، إذ معيار العموم صحة الإستثناء لا ذكره، وهذا لا يعرف إلّا بذكره.
وأمّا ما اختاره ابن مالك من جواز الإستثناء من النكرة فى الإثبات نحو: جاءنى قوم صالحون إلّا زيداً، فهو مخالف لقول الجمهور، إذْ الإستثناء إخراج ما لولاه لوجب دخوله فى المستثنى منه، وذلك منتف فى المثال. نعم إنْ زيد عليه منهم كان موافقاً لهم. لكن فيه ما مر آنفاً.
وقوله: وإنّ الدار حاصرة للجميع. قد يقال: ولو سلّم أنها حاصرة للجميع، فكونها كذلك لا يقتضى العموم فيما تخصّص به، لصدق اللفظ بجماعة ممّن كانوا فى الدار، ولا يتبادر من اللفظ جميع من كانوا فى الدار.
ويجاب بأنْ الإستثناء دليل العموم فيما تخصّص به وإلاّ لم يحتج إليه، والظاهر من الإستثناء هو الإحتياج إليه.
وقوله: ولهذا احتيج إلى ذكر منهم. يخالفه قول الشهاب.
قوله: منهم. حال من زيد. يعنى: لا يستثنى زيد - مثلاً - فى هذا التركيب، إلّا إذا كان من جملة الرجال المحدث عنهم، فلا يلزم ذكر لفظة منهم فى التركيب حين الإخبار.
وقوله فى توجيه نظره: إذ معيار العموم صحة الإستثناء لا ذكره.
قد يقال: من لازم ذكره على وجه صحيح صحته، ولا شك فى صحّة هذا التركيب مع صحة هذا الإستثناء.
وقوله: وأما ما اختاره ابن مالك الخ. فيندفع به إيراد الكمال هذا المثال على الشارح، فيقال كلامه مبنى على مذهب الجمهور.
واعلم أنّ ما تقدّم عن التلويح قد يدل على العموم فيما مثّل به ابن مالك أيضاً ».
أقول:
وعلى الجملة، فإنّ كلمات القوم صريحة فى أنّ المراد من صحّة الإستثناء من لفظٍ صحة وقوع الإستثناء بعده، لا ذكره بعده بالفعل، فكل لفظٍ صحّ ذلك فيه كان دالّاً على العموم وإنْ لم يوجد الإستثناء، فليس وجود الإستثناء منه شرطاً فى دلالته على العموم، بل يكفى مجرَّد صحة الإستثناء منه.
ومن الواضح جداً: إن لفظ المنزلة المضاف إلى العلم يصحّ الإستثناء منه قطعاً، لجواز أن تقول: زيد بمنزلة عمرو إلّا فى النسب، أو إلّافى العلم، أو إلّافى المال ونحو ذلك ولفظ « المنزلة » الوارد فى هذا الحديث - بالخصوص - يصحّ منه الإستثناء المتّصل، كما لو كان لفظ الحديث: أنت منّى بمنزلة هارون من موسى إلّا النبوّة، فإنّه استعمال صحيح ومتين قطعاً ولقد ورد هذا الحديث باللّفظ المذكور فى رواياتٍ عديدة كما تقدم ويأتى إن شاء الله.
وإذا صحّ الإستثناء من لفظ المنزلة المضاف إلى العلم، ظهر كون لفظ المنزلة المضاف إلى العلم من ألفاظ العموم
وعلى ما ذكرنا، يكون مجرَّد: « أنت منى بمنزلة هارون من موسى » دالّاً
بوضوح على عموم المنازل، وإنْ فرض عدم مجرد الإستثناء فيه.
فثبت - والحمد لله - أن ما ذكره ( الدهلوي ) تبعاً لأئمّته - أعنى التفتازانى، والقوشجى، والكابلى - فى هذا الإستثناء، أعنى: « إلّا أنّه لا نبي بعدي ». وزعمهم أنّه إستثناء غير متصل بل منقطع، مندفع حتى بعد تسليم الإنقطاع، لكفاية صحة الإستثناء فى دلالة لفظ المنزلة على العموم، ولا حاجة إلى إثبات الإستثناء المتّصل.
قوله:
والإستثناء هنا منقطع بالضرورة لفظاً ومعنىً.
أقول:
أولاً: إنّ ( الدهلوي ) يدّعى أنّ الإستثناء في هذا الحديث منقطع، وهو بعدُ لم يثبت انقطاع الإستخلاف!! وهذا إنْ دلّ على شيءٍ، فإنّما يدلّ على تشتّت باله واختلال أحواله!!
وثانياً: قد عرفت أنّ صحّة الإستثناء معيار العموم، وأنّ ( الدهلوي ) يعترف بهذه القاعدة، فكان على ( الدهلوي ) أن يتكلَّم في صحة الإستثناء المتّصل، لا أنْ يكتفي بإنكار وجود الإستثناء المتّصل، إذ عدم كون الإستثناء الموجود متّصلاً - لو فرض فرضاً باطلاً - لا يضرّ المستدل ولا ينفع المجيب، لأنّ الكلام إنما هو فى صحة الإستثناء، و ( الدهلوي ) عاجز عن التكلّم في هذه النّاحية بشيء
والعجب من صلافة هذا الرّجل، كيف يدّعى في الباب الحادي عشر من كتابه وجود الأوهام في دلائل علمائنا الكرام، وهو يرتكب هذه الأوهام الطريفة والأغلاط اللطيفة، في فهم القواعد المشهورة والقوانين المعروفة التى ليس فيها أي إعضالٍ وإشكال؟!
والأعجب منه، إنّه ينسب - في الباب المذكور - إلى علماء الشيعة الوقوع في وهمِ أخذِ ما بالقوة مكان ما بالفعل، ويمثّل لذلك بحديث المنزلة، مع أنّه
بنفسه قد أخذ هنا ما بالفعل مكان ما بالقوة، حيث جعل وجود الإستثناء - وهو بالفعل - مكان صحة الإستثناء وهو بالقوة. وأما نسبة ما ذكر إلى علماء الإمامية، فسيأتى دفعها فيما بعد بوجوه.
قوله:
أمّا لفظاً، فلأنّ: « إلّا أنّه لا نبيّ بعدي » جملة خبريّة، فلا يمكن استثناؤها من منازل هارون، وتكون هذه الجملة بعد تأويلها إلى المفرد بدخول « إنّ » فى حكم إلاّعدم النبوة، ومعلوم أنّ عدم النبوة لم يكن من منازل هارون حتى يصح استثناؤه.
أقول:
ولا يخفى أن الأصل في دعوى انقطاع الإستثناء في الحديث - على ما يظهر من التتبّع - هو سعد الدين التفتازاني، فإنه قال:
« وليس الإستثناء المذكور إخراجاً لبعض أفراد المنزلة، بمنزلة قولك: إلّا النبوّة، بل منقطع بمعنى لكن، على ما لا يخفى على أهل العربية، فلا يدل على العموم. كيف؟ ومن منازله الأخوّة في النسب ولم تثبت لعلي، اللهمّ إلّا أن يقال إنها بمنزلة المستثنى، لظهور انتفائها »(١) .
وتبعه القوشجي حيث قال:
« وليس الإستثناء المذكور إخراجهاً لبقض أفراد المنزلة، بمنزلة قولك إلّا النبوة، بل هو منقطع بمعنى لكن، فلا يدل على العموم، كيف ومن منازلة الأخوة
____________________
(١). شرح المقاصد ٥ / ٢٧٥.
فى النسب ولم يثبت لعلي، اللهمّ إلّا أنْ يقال إنها بمنزلة المستثنى، لظهور انتفائها »(١) .
ومنهما أخذ الكابلي، لكنّه أسقط من الكلام قولهما: « إلّا أنْ يقال » وهذه عبارته: « والإستثناء ليس إخراجاً لبعض أفراد المنزلة، بل منقطع بمنزلة غير، وهو غير عزيز في الكتاب والسنة، ولا يدل على العموم، فإنَّ من منازل هارون من موسى الاُخوة فى النسب، ولم يثبت ذلك لعلي»(٢) .
وقلّدهم ( الدّهلوي ) ولكنه لو كان له أقل خبرة بالقواعد العلمية، وأقل ممارسة للكتب الفقهية والأصولية، لما وقع في هذا الوهم الذي وقع فيه غيره
وذلك، لأنّ ممّا تقرر عند المحققين وتسالموا عليه، عدم جواز حمل الإستثناء على الإنقطاع إلا عند تعذّر الإتصال، وإليك نصوص بعض عباراتهم في ذلك:
قال ابن الحاجب: « الإستثناء في المنقطع قيل: حقيقة، وقيل: مجاز، وعلى الحقيقة قيل: متواطىء، وقيل: مشترك. ولابدَّ لصحته من مخالفة في نفي الحكم أو في المستثنى حكم آخر له مخالفة بوجه، مثل: ما زاد إلّا ما نقص. ولأن المتّصل أظهر، لم يحمله علماء الأمصار على المنقطع إلّا عند تعذّره، ومن ثمَّ قالوا فى: له عندي مائة درهم إلّاثوباً، وشبهه: إلّاقيمة ثوب »(١) .
وقال عضد الدين الإيجي بشرحه: « واعلم أنّ الحق أن المتصل أظهر، فلا
____________________
(١). شرح التجريد: ٣٧٠.
(٢). الصواقع الموبقة - مخطوط.
(٣). المختصر في علم الاصول ٢ / ١٣٢.
يكون مشتركاً، ولا للمشترك، بل حقيقة فيه ومجازاً في المنقطع، فلذلك لم يحمله علماء الأمصار على المنفصل إلّاعند تعذّر المتّصل، حتى عدلوا للحمل على المتّصل عن الظاهر وخالفوه، ومن ثمَّ قالوا في قوله: له عندي مائة درهم إلّاثوباً، وله عليَّ إبل إلّا شاة معناه: إلّا قيمة ثوب أو قيمة شاة، فيرتكبون الإضمار وهو خلاف الظاهر ليصير متّصلاً، ولو كان في المنقطع ظاهراً لم يرتكبوا مخالفة ظاهرٍ حذراً عنه ».
وقال البهاري: « أداة الإستثناء مجاز في المنقطع، وقيل حقيقة، فقيل: مشترك، وقيل: متواطىء، أي وضعت لمعنى فيها وضعاً واحداً. لنا: إن المتّصل أظهر، فلا يتبادر من نحو: جاء القوم إلّا إرادة إخراج البعض، فلا يكون مشتركاً ولا للمشترك، ومن ثمّة لم يحمله علماء الأمصار عليه ما أمكن المتّصل ولو بتأويل، فحملوا: له عليَّ ألف إلّاكرّاً على قيمته »(١) .
وقال عبد العزيز البخاري: « وقال [ الشافعي ] في رجل قال: لفلان عليَّ ألف درهم إلّا ثوباً: إن الإستثناء صحيح، ويسقط من الألف قدر قيمة الثوب، لأنّ معناه إلّاثوباً فإنّه ليس عليَّ من الألف، لأنه ليس بياناً إلّاهكذا.
ثم الدليل المعارض - وهو الإستثناء - واجب العمل بقدر الإمكان، إذ لو لم يعمل به صار لغواً، والأصل في كلام العاقل أنْ لا يكون كذلك، فإن كان المستثنى من جنس المستثنى منه يمكن إثبات المعارضة في عين المستثنى، والإمكان ههنا في أن يجعل نفياً لقدر قيمة الثوب لا لعينه، فيجب العمل به كما قال أبو حنيفة وأبو يوسف - رحمهما الله - في قول الرجل: لفلان عليَّ ألف إلّا كراً حنطةً: إنه يصرف إلى قيمة الكر، تصحيحاً للإستثناء بقدر الإمكان. قال: ولو كان الكلام عبارةً عمّا وراء المستثنى كما قلتم ينبغي أنْ يلزمه الألف كاملاً، لأن
____________________
(١). مسلّم الثبوت ١ / ٣١٦ هامش المستصفى.
مع وجوب الألف عليه نحن نعلم أنه لا كرّ عليه، فكيف يجعل هذا عبارةً عمّا وراء المستثنى، والكلام لم يتناول المستثنى أصلاً، فظهر أن الطريق فيه ما قلنا ».
ثم قال البخاري في الجواب عن استدلال الشافعي نقلاً عن أصحابه:
« وكذا صحة الإستثناء في قوله: عليَّ ألف إلّا ثوباً. ليست مبنيّةً على أنّ الإستثناء معارضة أيضاً، بل هي مبنيّة على أنّ الإستثناء المتصل حقيقة، والإستثناء المنقطع مجاز، فمهما أمكن حمل الإستثناء على الحقيقة وجب حمله عليها، إذ الأصل في الكلام هو الحقيقة، ومعلوم أنّه لابدّ في الإستثناء المتّصل من المجانسة، فوجب صرف الإستثناء إلى القيمة ليثبت المجانَسة ويتحقّق الإستخراج كما هو حقيقة، ألا ترى أنّه لا يمكن جعله معارضة إلاّ بهذا الطريق، إذ لا بدّ من اتحاد المحلّ أيضاً. وإذا وجب ردّ الثوب إلى القيمة تصحيحاً للإستثناء لا ضرورة إلى جعله معارضة، بل يجعل عبارة عما وراء المستثنى »(١) .
وقال البخاري أيضاً: « قوله: وقوله تعالى:( إِلَّا الَّذِينَ تابُوا ) (٢) إستثناء منقطع. ذهب بعض مشايخنا منهم القاضي الإمام أبو زيد إلى أنّ هذا إستثناء منقطع، وتقريره من وجهين وذهب أكثرهم إلى أنّه إستثناء متصل، لأنّ الحمل على الحقيقة واجب مهما أمكن، فجعلوه استثناء حال بدلالة الثنيّا، فإنها تقتضى المجانسة، وحملوا الصدر على عموم الأحوال، أي: أضمروا فيه الأحوال فقالوا: التقدير أولئك هم الفاسقون في جميع الأحوال، أي حال المشافهة والغيبة، وحضور القاضي وحضور الناس وغيبتهم، وحال الثبات والإصرار على القذف وحال الرجوع والتوبة ».
____________________
(١). كشف الأسرار في شرح البزدوي ٣ / ٢٥٠ - ٢٥١.
قال: « قوله: وكذلك قوله تعالى:( إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ ) أي: ومثل قوله تعالى:( إِلَّا الَّذِينَ تابُوا ) قوله عزوجل:( إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ ) ، فإنّه استثناء حال أيضاً، إذ لا يمكن استخراج العفو الذي هو حالهنَّ عن نصف المفروض حقيقة، لعدم المجانسة، فيحمل الصدر على عموم الأحوال، أي: لهنَّ نصف ما فرضتم، أو عليكم نصف ما فرضتم في جميع الأحوال، أي: في حال الطلب والسكوت، وحال الكبر والصغر، والجنون والإفاقة، إلّا في حالة العفو، إذا كانت العافية من أهله، بأنْ كانت عاقلة بالغةً، فكان تكلّماً بالباقي نظراً إلى عموم الأحوال ».
قال: « قوله: وكذلك. أي ومثل قوله تعالى:( إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ ) قوله عليه الصلاة والسلام: إلّاسواء بسواء. فإنه استثناء حال أيضاً، لانّ حمل الكلام على الحقيقة واجب ما أمكن، ولا يمكن استخراج المساواة من الطعام، فيحمل الصدر على عموم الأحوال، فصار كأنّه قيل: لا تبيعوا الطعام بالطعام في جميع الأحوال من المفاضلة والمجازفة والمساواة إلّا في حالة المساواة، ولا يتحقق هذه الأحوال إلّا في الكثير
فإنْ قيل: لا نسلّم أنّ هذا إستثناء متصل، بل هو إستثناء منقطع، لاستحالة استخراج المساواة التي هي معنىً من العين، فيكون معناه: لكن إنْ جعلتموها سواء فبيعوا أحدهما بالآخر، فيبقى الصدر متناولاً للقليل والكثير. وقولكم: العمل بالحقيقة أولى، مسلّم، ولكن إذا لم يتضمّن بالعمل بها مجازاً آخر وقد تضمّن ههنا، لأنّه لا يمكن حمله على الحقيقة إلّابإضمار الأحوال في صدر الكلام، والإضمار من أبواب المجاز
قلنا: حمل الكلام على الحقيقة واجب، فلا يجوز حمله على المنقطع الذي هو مجاز من غير ضرورة. وقولهم: حمله على الحقيقة يتضمّن مجازاً آخر. قلنا: قد قام الدليل على هذا المجاز وهو الإضمار، فوجب العمل به. فأما
المجاز الذي ذكرتم فلم يقم عليه دليل، فترجّحت الحقيقة عليه
فثبت أن حمله على المتّصل مع الإضمار أولى من حمله على المنقطع »(١) .
إذا عرفت أنّ الأصل في الإستثناء هو الإتصال وهو الحقيقة فيه، وأنّه لا يجوز حمله على الإنقطاع إلّا عند تعذّر الإتصال، فاعلم أنّ قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم في هذا الحديث: « إلّا أنّه لا نبي بعدي» يرجع إلى الإستثناء المتصل بوجهين:
الأول: أنْ نقول إنّ الأصل في الحديث: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا النبوة لأنه لا نبي بعدي » فحذف لفظ « النبوّة » الذي هو المستثنى في الحقيقة وقامت العلّة مقام المعلول كما حذف لفظ « القيمة » في الأمثلة المتقدمة في كلمات الائمة، وأقيم لفظ « ثوباً » أو « شاةً» أو « كراً » مقامه.
والوجه في حذف لفظ « النبوة » هو: إيثار الإيجاز، ولا يخفى حسن الإيجاز على العارف بأساليب الكلام والماهر في علم المعانى:
قال السكّاكي: « والعلم في الإيجاز قوله علت كلمته:( فِي الْقِصاصِ حَياةٌ ) (١) وإصابته المحزّ بفضله على ما كان عند أوجز كلام في هذا المعنى، وذلك قولهم: القتل أنفى للقتل. ومن الإيجاز قوله تعالى( هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ) ذهاباً إلى أنّ المعنى: هدى للضالّين الصائرين إلى التقوى بعد الضلال، لما أنّ
____________________
(١). كشف الاسرار في شرح أصول البزدوي ٣ / ٢٦٢ - ٢٦٥.
الهدى أيْ الهداية إنما تكون للضالّ لا للمهتدي. ووجه حسنه قصد المجاز المستفيض نوعه، وهو وصف الشيء بما يؤول إليه، والتوصّل به إلى تصدير أولى الزهراوين بذكر أولياء الله. وقوله:( فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ ) أظهر من أن يخفى حاله في الوجازة، نظراً إلى ما ناب عنه. وكذا قوله:( وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ) .
وانظر إلى الفاء التي تسمى فاء فصيحة في قوله:( فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ ) ( فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ ) كيف أفادت: فامتثلتم فتاب عليكم. وفي قوله:( فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ ) مفيدة: فضرب فانفجرت. وتأمّل قوله:( فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتى ) أليس يفيد فضربوه فحيي فقلنا كذلك يحيى الله الموتى!
وقدّر صاحب الكشّافرحمهالله قوله:( وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ ) نظراً إلى الواو في « وقالا »: ولقد آتينا داود وسليمان علماً فعملا به وعلّماه وعرفا حق النعمة فيه والفضيلة وقالا الحمد لله. ويحتمل عندي: أنه أخبر تعالى عمّا صنع بهما وأخبر عمّا قالا، كأنه قال: نحن فعلنا إيتاء العلم وهما فعلا الحمد، تفويضاً استفادة ترتب الحمد على إيتاء العلم إلى فهم السامع، مثله في قم يدعوك بدل قم فإنه يدعوك. وإنه فن من البلاغة لطيف المسلك.
ومن أمثلة الإختصار: قوله:( فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً ) (١) بطيّ أبحت لكم الغنائم لدلالة فاء التسبيب في « فكلوا ». وقوله:( فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ ) (٢) بطيّ إن افتخرتم بقتلهم فلم تقتلوهم أنتم فعدّوا عن الإفتخار لدلالة الفاء في فلم. وكذا قوله:( فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ ) (٣) إذ المعنى: إذا كان ذلك فما هي إلّازجرة واحدة. وكذا قوله:( فَاللهُ هُوَ الْوَلِيُّ ) تقديره: إنْ
أرادوا وليّاً بحق فالله هو الولي بالحق لا وليّ سواه. وكذا قوله:( يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ) أصله: فإنْ لم يتأتَّ أنْ تخلصوا العبادة لي في أرض فإيّاي في غيرها اعبدوا فاعبدون، أي فاخلصوها في غيرها، فحذف الشرط وعوّض عنه تقديم المفعول، مع إرادة الإختصاص بالتقديم. وقوله:( كَلّا فَاذْهَبا بِآياتِنا ) أي: ارتدعا عن خوف قتلهم، فاذهبا أي: فاذهب أنت وأخوك بدلالة كلّا على المطويّ. وقوله:( إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ) أصله: إذ يلقون أقلامهم ينظرون، ليعلموا أيّهم يكفل مريم لدلالة أيّهم على ذاك بوساطة علم النحو. وقوله:( لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ ) المراد: ليحق الحق ويبطل الباطل فعل ما فعل. وكذا قوله:( وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ ) أصل الكلام: ولنجعله آيةً فعلنا ما فعلنا. وكذا قوله:( لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ ) أي لأجل الإدخال في الرحمة كان الكف ومنع التعذيب. وقوله:( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً ) إذا لم يفسّر الحمل بمنع الأمانة والغدر، وأريد التفسير الثاني وهو تحمل التكليف كان أصل الكلام: وحملها الإنسان ثم خان به منبّهاً عليه بقوله( إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً ) الذي هو توبيخ للإنسان على ما هو عليه من الظلم والجهل في الغالب. وقوله:( أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً ) تتمّته ذهبت نفسك عليهم حسرة، فحذفت لدلالة:( فإن الله يضلّ من يشاء ويهدي من يشاء ) »(١) .
أقول:
فالعجب من التفتازاني الإمام في علمي الأصول والبلاغة كيف يغضي
____________________
(١). مفتاح العلوم: ٢٧٧ - ٢٧٩.
طرفه عن قاعدة وجوب حمل الإستثناء على حقيقته وهو الإتصال، وعدم جواز حمله على المنقطع الذي هو مجاز؟ وعمّا تقرّر لدى علماء الأمصار من إرجاع الإستثناء إلى المتصل ولو بارتكاب الإضمار وصرف الكلام عن ظاهره؟ مع أنّ هذه القاعدة التي مشى عليها كافة العلماء مذكورة في ( المختصر ) و ( شرح العضدي )، وأنّ التفتازاني نفسه شرحها وأوضحها في ( شرحه على شرح العضدي )!! حيث قال ما نصّه:
« قوله: واعلم أنّ الحق إشارة إلى الدليل على كونه مجازاً في المنقطع، وذلك لأنّ المتّصل هو المتبادر إلى الفهم، فلا يكون الإستثناء يعني صيغته مشتركاً لفظاً ولا موضوعاً للقدر المشترك بين المتّصل والمنقطع، إذْ ليس أحد معاني المشترك أو أفراد المتواطي أولى بالظهور والمتبادر عند قطع النظر عن عارض شهرة أو كثرة ملاحظة أو نحو ذلك »(١) .
فالتفتازاني يوافق العضدي في أن الإستثناء حقيقة في المتّصل، وأنّ المتصل مقدم على المنقطع، وأنه يجب حمل الإستثناء على المتّصل ولو بارتكاب الإضمار والصرف عن الظّاهر
مضافاً إلى أنّه يمدح كتاب المختصر وشرح العضدي ويصفهما بالأوصاف الجليلة ففي ( كشف الظنون ): « وشرح العلامة سعد الدين التفتازاني المتوفى سنة ٧٩١ أوّله: الحمد لله الذي وفقنا للوصول إلى منتهى اصول الشريعة. الخ. قال: إنّ المختصر يجري من كتب الاُصول مجرى الغرة من الكميه الدرة من الحصى والواسطة من العقد. الخ. وكذلك شرح العلّامة المحقق عضد الدين، يجري من الشروح مجرى العذب الفرات من البحر الاجاج بين عين الحياة، لم ير مثله في زبر الأوّلين، ولم يسمع
____________________
(١). شرح مختصر الاصول ٢ / ١٣٢. الهامش.
بما يوازيه أو يدانيه »(١) .
وأيضاً، فقد نصَّ التفتازاني في ( شرح التنقيح ) على أنّ الإستثناء حقيقة في المتّصل ومجاز في المنقطع وهذه عبارته: « قوله: مسألة المستثنى إنْ كان بعض المستثنى منه فالإستثناء متّصل وإلّا فمنقطع. ولفظ الإستثناء والمستثنى حقيقة عرفية في القسمين على سبيل الإشتراك. وأمّا صيغة الإستثناء فحقيقة في المتّصل ومجاز في المنقطع، لأنها موضوعة للإخراج ولا إخراج في المنقطع، وكلام المصنفرحمهالله محمول على أنّ الإستثناء أي الصيغة التي يطلق عليها هذا اللفظ مجاز في المنقطع، فإنّ لفظ الإستثناء يطلق على فعل المتكلّم وعلى المستثنى وعلى نفس الصيغة »(٢) .
فلماذا ينكرون ما يقرّرونه إذا احتجّ به الإماميّة؟!
الثانى: أنْ نقول: إنّ « إلّا أنّه لا نبي بعدي » محمول على « إلّا النبوة » بقاعدة الحمل على المعنى، والوجه في كون الجملة بمعنى « إلّا النبوة » أنّه متى كانت النبوة مطلقاً منتفية بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فنبوّة أمير المؤمنينعليهالسلام أيضاً بعده منتفية، فيكون « إلّا النبوة » لازم « إلّا أنّه لا نبي بعدي » فكان قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم « إلّا أنّه لا نبي بعدي » من قبيل ذكر الملزوم وإرادة اللّازم
وأما القاعدة المذكورة فمن القواعد المعروفة المشهورة كذلك:
قال السيوطى: « الحمل على المعنى: قال في الخصائص: إعلم أن هذا
____________________
(١). كشف الظنون ٢ / ١٨٥٣.
(٢). التلويح في كشف حقائق التنقيح، خاتمة الركن الثاني من القسم الأول باب البيان.
الشرح غور من العربية بعيد، ومذهب نازح فسيح، وقد ورد به القرآن وفصيح الكلام منثوراً ومنظوماً، كتأنيث المذكر وتذكير المؤنث، وتصوّر معنى الواحد في الجماعة والجماعة في الواحد، وفي حمل الثاني على لفظٍ قد يكون عليه الأول، أصلاً كان ذلك اللفظ أو فرعاً وغير ذلك.
فمن تذكير المؤنث قوله تعالى:( فَلمـّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي ) أي هذا الشخص.( فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ ) لأن الموعظة والوعظ واحد.( إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) أراد بالرحمة هنا المطر.
ومن تأنيث المذكّر قراءة من قرأ: تلتقطه بعض السيارة. وقولهم: ذهبت بعض أصابعه. انّث ذلك لما كان بعض السيارة سيارة في المعنى، وبعض الأصابع إصبعاً
ومن باب الواحد والجماعة قولهم: هو أحسن الصبيان وأجمله. أفرد الضمير لأنَّ هذا موضع يكثر فيه الواحد، كقولك: هو أحسن فتىً في الناس وقال تعالى:( وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ ) (٤) فحمل على المعنى. وقال تعالى:( مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ) (٥) فأفرد على لفظ مَن ثم جمع من بعد.
والحمل على المعنى واسع في هذه اللغة جدّاً. منه قوله تعالى:( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ ) (٦) ثم قال:( أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ ) (١) قيل فيه: إنه محمول على المعنى، حتى كأنه قال: أرأيت كالذي حاجَّ إبراهيم، أو كالذي مرَّ على قرية، فجاء بالثاني على أن الأول قد سبق كذلك وكذا قوله: علّفتها تبناً وماءً بارداً. أي: وسقيتها ماءً
ومنه باب واسع لطيف ظريف وهو: اتصال الفعل بحرف ليس ممّا يتعدّى به، لأنه في معنى فعلٍ يتعدّى به، كقوله تعالى:( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى
نِسائِكُمْ ) لما كان في معنى الإفضاء عدّاه بإلى. ومثله قول الفرزدق: قد قتل الله زياداً عني. لأنه في معنى صَرَفه.
وقال الزمخشري: من المحمول على المعنى قولهم: حسبك يَتَمُ الناسُ. ولذا جُزم به كما يجزم بالأمر، لأنه بمعنى اكفف. وقولهم: اتّقى الله امرؤٌ فعل خيراً يُثَب عليه، لأنه بمعنى ليتق الله امرؤٌ وليفعل خيراً.
وقال أبو علي الفارسي في التذكرة: إذا كانوا قد حملوا الكلام في النفي على المعنى دون اللفظ حيث لو حمل على اللفظ لم يؤد إلى اختلالٍ معنىً ولا فساد فيه، وذلك نحو قولهم: شر أهرّ ذا ناب، وشيء جاء بك، وقوله: وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي. وقولهم: قلّ أحد إلاّيقول ذاك. وقولهم: نشدتك الله إلّا فعلتَ. وكل هذا محمول على المعنى، ولو حمل على اللفظ لم يؤد إلى فساد والتباس، فأنْ يحمل على المعنى حيث يؤدي إلى الإلتباس يكون واجباً، فمن ثمَّ نفى سيبويه قوله: مررت بزيد وعمرو، إذا مرّ بهما مرورين، ما مررت بزيد ولا بعمرو فنفى على المعنى دون اللّفظ. وكذلك قوله: ضربت زيداً أو عمراً ما ضربت واحداً منهما، لأنه لو قال: ما ضربت زيداً أو عمراً أمكن أنْ يظن أنّ المعنى ما ضربتهما.
ولما كان قوله: ما مررت بزيد وعمرو لو نفي على اللفظ لا يمكن أن يكون مروراً واحداً، فنفاه بتكرير الفعل ليتخلّص من هذا المعنى، كذلك جمع قوله مررت بزيد أو عمرو ما مررت بواحدٍ منهما، ليتخلّص من المعنى الذي ذكرنا »(١) .
قال السّيوطى: « وقال ابن هشام في المغني: قد يعطى الشيء حكم ما أشبهه في معناه أو في لفظه أو فيهما »(٢) .
____________________
(١). الأشباه والنظائر للسيوطي ٢ / ١١٤ - ١١٥.
(٢). الأشباه والنظائر ٢ / ١٨٣.
وقال نجم الأئمة رضي الدين الإسترابادي: « وقد يجري لفظة أبى وما تصرّف منها مجرى النفي. قال تعالى:( فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً ) ( وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ ) والمفرغ لا يجري في الموجب إلّاناراً. فعلى هذا يجوز نحو: أبى القوم أنْ يأتوني إلّازيد. إذ حيث يجوز المفرغ يجوز الإبدال، وتأويل النفي في غير الألفاظ المذكورة نادر كما جاء في الشواذ: فشربوا منه إلّاقليل، أي لم يطيعوه إلّا قليل »(١) .
وقال في:
« اُنيخت فألقت بلدةً فوق بلدة |
قليل بها الأصوات إلّا بغامها » |
« يجوز في البيت أنْ يكون الإستثناء وما بعدها بدلاً من الأصوات، لأنّ في قليل معنى النفي كما ذكرنا »(٢) .
وبعد ملاحظة هذه التصريحات وأمثالها، لا يستبعد العاقل الفاضل جواز حمل قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم « إلاّ أنّه لا نبي بعدي » على « إلاّ النبوة » لأن تلك العبارات صريحة في أنّ الحمل على المعنى من الأساليب اللطيفة الشائعة في كلام العرب.
وبغض النّظر عن ذلك، فإنّه لا يخفى على مهرة كلام العرب وحذاق فنون العربية عدم جواز الإستثناء المنقطع في هذا المقام أصلاً إذ بناءً عليه يكون « إلّا أنّه لا نبي بعدي » بمعنى « إلّا عدم النبوة » فيكون تقدير الحديث « أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّاعدم النبوة » ومن المعلوم أنْ لا مخالفة لعدم النبوة
____________________
(١). شرح الكافية في النحو ١ / ٢٣٢.
(٢). شرح الكافية في النحو ١ / ٢٤٧.
مع الحكم السابق أصلاً، فلا يكون الإستثناء منقطعاً حينئذٍ، لما تقرّر عند أئمة العربية والاصول من اشتراط وجود مخالفةٍ بوجهٍ من الوجوه في صحّة الإستثناء المنقطع ...:
قال ابن الحاجب: « ولا بدّ لصحته من مخالفة في نفي الحكم أو المستثنى حكم آخر له مخالفة بوجه ».
وقال العضد الإيجي: « واعلم أنّه لا بدّ لصحة الإستثناء المنقطع من مخالفةٍ بوجهٍ من الوجوه، وقد يكون بأنْ ينفى من المستثنى الحكم الذي يثبت للمستثنى منه نحو جاءني القوم إلّاحماراً، فقد نفينا المجيء عن الحمار بعد ما أثبتناه للقوم، وقد يكون بأنْ يكون المستثنى نفسه حكماً آخر مخالفاً للمستثنى منه بوجه، مثل: ما زاد إلّا ما نقص، فإن النقصان حكم مخالف للزيادة. وكذا: ما نفع إلّاما ضرّ. ولا يقال: ما جاءني زيد إلّا أنَّ الجوهر الفرد حق. إذ لا مخالفة بينهما بأحد الوجهين. وبالجملة: فإنه مقدر بـ « لكن » فكما تجب فيه مخالفة إمّا تحقيقاً مثل: ما ضربني زيد لكن ضربني عمرو، وإمّا تقديراً مثل: ما ضربني لكن أكرمني، فكذا هنا »(١) .
إذن، يكون حال: « أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا عدم النبوة » حال: « ما جاءني زيد إلّا أن الجوهر الفرد حق » في عدم الصحة، لعدم مخالفة بوجه من الوجوه بين « عدم النبوة » وبين « ثبوت منزلة هارون لأمير المؤمنينعليهماالسلام » على تقدير عدم عموم المنزلة
فثبت أنّ حمل « إنّه لا نبي بعدي » في الكلام النبوي على عدم النبوّة، واستثنائه من « أنت مني بمنزلة هارون من موسى » يخرجه عن الرزانة والمتانة، والعياذ بالله من ذلك
____________________
(١). شرح المختصر للعضدي ٢/١٣٢.
فالعجب من التفتازاني دعواه الإنقطاع في الإستثناء في الحديث الشريف، مع وقوفه على ما ذكره العضدي في اعتبار الشرط المذكور في الإنقطاع، وموافقته له في شرحه لكلماته، كما كان منه في مسألة لزوم حمل الإستثناء على الإتصال ولو بالتزام الحذف، حيث وافق العضدي في هذه المسألة، ثم خالف ذلك في شرح المقاصد، في معنى الحديث الشريف!!
وإذا كان هذا حال التفتازاني - وهو من أعلام محققي القوم في العربية والأصول - فما ظنّك بمثل الكابلي و ( الدهلوى )؟!
ولا يخفى أنّ القطب الشيرازي أيضاً ينصّ على اعتبار الشرط المذكور في الإستثناء المنقطع، ويصرّح بأنّ عليه اتّفاق الكلّ، وهذه عبارته:
« وإذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ الكلّ اتفقوا على أنّه لابد لصحته [ أي لصحّة الإستثناء المنقطع ] من مقاربة المتّصل في مخالفته، إمّا في نفي الحكم مثل: ما جاءني زيد إلّاعمرو، أو في كون المستثنى حكماً آخر له مخالفة بوجهٍ مّا مع المستثنى منه مثل: ما زاد إلّاما نقص، وما نفع إلّاما ضرّ، مثله في « لكن » لأنها لا تقدَّر بها. وإلى هذا الإتفاق استروح من ذهب إلى أنه مجاز في المنقطع وقال: لو لم يكن مجازاً فيه لم يشترط مقاربته للحقيقة »(١) .
وإلى هنا ظهر: أنّ حمل الإستثناء « إلّا أنّه لا نبي بعدي » على الإستثناء المنقطع، وزعم أن المراد منه استثناء « عدم النبوة » لا استثناء النبوّة مخالف للإجماع واتفاق العلماء فما ذكره التفتازاني والقوشجي والكابلي و ( الدهلوي ) باطل مردود
____________________
(١). شرح مختصر ابن الحاجب - مسائل الإستثناء.
فالحمد لله الذي وفّقنا لبيان بطلان دعواهم على أساس القواعد المقرّرة في الكتب العلميّة، وعلى لسان كبار أئمتهم في الاُصول وعلوم العربيّة وظهر أن الإستثناء في الحديث الشريف متّصل، وأنّه لا بدّ من أن يكون متّصلاً، وأنّه لا يصحّ حمله على الإنقطاع، لوجوب حمل الإستثناء دائماً على الإتصال ما أمكن، ولعدم وجود شرط الإستثناء المنقطع في هذا الحديث
فإن كان هناك ريب ممّا ذكرنا في قلوب أهل الزّيغ، فإنّا نثبت اتصال هذا الإستثناء من كلام الرّسولصلىاللهعليهوآلهوسلم نفسه ليتّضح أنّ حمل « إلّا أنّه لا نبي بعدي » على « عدم النبوة » دون « إلّا النبوة » ردّ صريح على من لا ينطق عن الهوى إنْ هو إلّاوحي يوحى!! فإليك ذلك:
قال ابن كثير: « قال أحمد: ثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، ثنا سليمان بن بلال، ثنا الجعيد بن عبد الرحمن، عن عائشة بنت سعد، عن أبيها: أن عليّاً خرج إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، حتى جاء ثنيّة الوداع وعلي يبكي يقول: تخلّفني مع الخوالف؟! فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا النبوة.
إسناده صحيح ولم يخرجوه »(١) .
وقال سبط ابن الجوزي: « وقد أخرج الإمام أحمد هذا الحديث في كتاب الفضائل الذي صنّفه لأمير المؤمنين:
أخبرنا أبو محمد عبد العزيز بن محمود البزار، قال: أنبأ أبو الفضل محمد ابن ناصر السّلمي، أنبأ أبو الحسن المبارك بن عبد الجبار الصيرفي، أنبأ أبو
____________________
(١). البداية والنهاية ٧ / ٣٤١.
طاهر محمد بن علي بن محمد بن يوسف، أنبأ أبو بكر أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثنا أبي، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة عن أبي بردة قال:
خرج علي مع النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى ثنية الوداع وهو يبكي ويقول: خلّفتني مع الخوالف! ما أحبّ أن تخرج في وجهٍ إلّاوأنا معك. فقال صلّى الله عليه وسلّم: ألا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا النبوة وأنت خليفتي »(١) .
وفي كتاب ( المناقب ): « حدثنا أبو سعيد قال: حدثنا سليمان بن بلال قال: حدّثنا جعيد بن عبد الرحمن، عن عائشة بنت سعد، عن أبيها سعد: إنّ علياً خرج مع النبي صلّى الله عليه وسلّم حتى جاء ثنية الوداع وعلي يبكي ويقول: أتخلّفني مع الخوالف؟ فقال: أما ترضى أنْ تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا النبوة »(٢) .
وقال النسائي: « أنبأنا زكريا بن يحيى قال: أنبأنا أبو مصعب عن الدراوردي، عن صفوان، عن سعيد بن المسيب: أنّه سمع سعد بن أبي وقاص يقول: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي: أما ترضى أنْ تكون منى بمنزلة هارون من موسى إلّا النبوة »(٣) .
أخبرني زكريا بن يحيى قال: أنبأنا أبو مصعب، عن الدراوردي، عن هشام بن هاشم، عن سعيد بن المسيب، عن سعد قال: لمـّا خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى تبوك، خرج علي فتبعه فشكى وقال: يا رسول الله أتتركني
____________________
(١). تذكرة الخواص: ٢٨.
(٢). فضائل المؤمنينعليهالسلام : ٨٦ رقم ١٢٨.
(٣). الخصائص للنسائي: ٦٨ رقم ٤٦.
مع الخوالف؟ فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: يا علي، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا النبوة »(١) .
وقال النسائي: « أخبرنى زكريا بن يحيى قال: أنبأنا أبو مصعب، عن الدراوردي، عن الجعيد، عن عائشة، عن أبيها: إنّ عليّاً خرج مع النبي صلّى الله عليه وسلّم، حتى جاء ثنيّة الوداع يودّ غزوة تبوك وعلي يشتكي ويقول: أتخلّفني مع الخوالف؟ فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: أما ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا النبوة »(٢) .
وذكر المولوي ولي الله اللكهنوي حديث المنزلة في فضائل أمير المؤمنينعليهالسلام ، حيث رواه عن البخاري، ثم قال: « وأخرج النسائي في الخصائص بطرقٍ متعددة » فرواه عنه عن سعد بن أبي وقاص باللفظ المذكور(٣) .
ورواه الخطيب الخوارزمي بسنده عن جابر فقال: « أخبرنا صمصام الأئمة أبو عفان عثمان بن أحمد الصرّام الخوارزمي بخوارزم قال: أخبرنا عماد الدين أبو بكر محمد بن الحسن النسفي قال: حدثنا أبو القاسم ميمون بن علي الميموني قال: حدثنا الشيخ أبو محمد إسماعيل بن الحسين بن علي قال: حدثنا أبو نصر أحمد بن سهل الفقيه قال: حدثنا أبو الحسن علي بن الحسن بن عبدة قال: حدثنا إبراهيم بن سلام المكي قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن حزام ابن عثمان، عن ابن جابر بن عبد اللهرضياللهعنه أنه قال:
جاءنا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ونحن مضطجعون فى المسجد
____________________
(١). الخصائص للنسائي: ٦٩ رقم ٤٧.
(٢). الخصائص للنسائي: ٧٤ رقم ٥٥.
(٣). مرآة المؤمنين - مخطوط.
- وفي يده عسيب رطب - فقال: ترقدون في المسجد!! قد أجفلنا وأجفل علي معنا. فقال النبيعليهالسلام : تعال يا علي، إنّه يحل لك في المسجد ما يحلّ لي، ألا ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا النبوة!!
والذي نفسي بيده إنك لذائد عن حوضي يوم القيامة، تذود عنه رجالاً كما يذاد البعير الضال عن الماء، بعصاً لك من عوسج، كأني أنظر إلى مقامك من حوضي »(١) .
ورواه ابن عساكر بإسناده عن حزام بن عثمان باللفظ المذكور(٢) .
أقول:
ففي هذا الحديث الذي رواه أحمد والنسائي والخوارزمي وسبط ابن الجوزي وابن كثير « إلّا النبوة » بدلاً عن « إلّا أنّه لا نبي بعدي » وقد نصّ ابن كثير على صحّته
فظهر: أنّ المراد من « إلّا أنه لا نبي بعدي » أينما ورد هو « إلّا النبوة » فالإستثناء متّصل وليس بمنقطع
وتبيّن أنّ ( الدهلوي ) و ( الكابلي ) ومن ماثلهما بمعزلٍ عن الفحص والتحقيق والتتبّع في الكتب وطرق الأحاديث وألفاظها وأنّهم يتكلّمون حسبما تمليه عليهم هواجسهم النفسانية، ودواعيهم الظلمانيّة، وتعصّباتهم الشيطانية، ضد أمير المؤمنين وفضائله ومناقبه!! ومع ذلك يدّعون جهل الإماميّة وقصورهم عن فهم حقائق الأحاديث النبوية ...!!
وظهر سقوط قول التفتازاني ومن تبعه من أنه « ليس الإستثناء المذكور
____________________
(١). المناقب للخوارزمي: ١٠٩ رقم ١١٦.
(٢). تاريخ دمشق ٤٢ / ١٣٩.
إخراجاً لبعض أفراد المنزلة بمنزلة قولك إلّا النبوة »!! لأنهم قد أنكروا لفظاً ورد في أحاديث عديدة نصَّ بعض أكابر حفّاظهم على صحّتها
وكما ثبت - ولله الحمد - بطلان دعوى انقطاع الإستثناء، حسب الأحاديث العديدة المعتبرة، الصريحة في كون المستثنى هو « النبوة » وأنّ « إلّا أنّه لا نبي بعدي » بمنزلة « إلّا النبوة » كذلك يثبت بطلانها على ضوء كلمات المحققين الكبار من أهل السنّة:
يقول الشيخ محمد بن طلحة الشافعي: « فتلخيص منزلة هارون من موسى أنه كان أخاه ووزيره وعضده وشريكه في النبوة، وخليفته على قومه عند سفره، وقد جعل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عليّاً منه بهذه المنزلة، وأثبتها له « إلاّ النبوّة » فإنه صلّى الله عليه وسلّم استثناها في آخر الحديث بقوله: « غير أنّه لا نبي بعدي ». فبقى ما عدا النبوة المستثناة ثابتاً لعلي، من كونه أخاه ووزيره وعضده وخليفته على أهله عند سفره إلى تبوك. وهذه من المعارج الشراف ومدارج الإزلاف، فقد دل الحديث بمنطوقه ومفهومه على ثبوت هذه المزية العليّة لعلي.
وهو حديث متفق على صحته »(١) .
فانظر إلى قوله: « وقد جعل رسول الله عليّاً بهذه المنزلة وأثبتها له إلّا النبوة » ثم أعاد الضمير في « إستثناها » إلى « النبوة »، وأنّ قول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « غير أنّه لا نبي بعدي » إستثناء للنبوّة لا عدم النبوة، ثم أكّد في آخر كلامه ما ذكره أوّلاً إذ قال: « فبقي ما عدا النبوة المستثناة ثابتاً لعلي ».
____________________
(١). مطالب السؤول ١ / ٥٣ - ٥٤.
ويقول الشيخ نور الدين ابن الصبّاغ المالكي: « ومنها: قوله صلّى الله عليه وسلّم: أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبي بعدي، فلا بدَّ أوّلاً من كشف سرّ المنزلة التي لهارون من موسى، وذلك إنّ القرآن المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، نطق بأنّ موسىعليهالسلام سأل ربه عزوجل فقال:( وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ) وإنّ الله عزوجل أجابه إلى مسئوله، وأجناه من شجرة دعائه ثمرة سؤله فقال عزّ من قائل:( قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى ) وقال عزوجل:( وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً ) وقال الله:( سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ ) .
فظهر: أن منزلة هارون من موسىعليهالسلام منزلة الوزير
فتلخيص أن منزلة هارون من موسى صلوات الله عليهما: أنه كان أخاه ووزيره وعضده في النبوة، وخليفته على قومه عند سفره.
وقد جعل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عليّاً منه بهذه المنزلة « إلّا النبوة »، فإنه صلّى الله عليه وسلّم إستثناها بقوله: « غير أنّه لا نبي بعدي ». فعلي أخوه ووزيره وعضده وخليفته على أهله عند سفره إلى تبوك ».(١)
ويقول محمد بن إسماعيل الأمير: « ولا يخفى: أنّ هذه منزلة شريفة ورتبة عليّة منيفة، فإنه قد كان هارون عضد موسى الذي شدّ الله به أزره، ووزيره وخليفته على قومه، حين ذهب لمناجاة ربه. وبالجملة: لم يكن أحد من موسىعليهالسلام بمنزلة هارونعليهالسلام ، وهو الذي سأل الله تعالى أن يشدّ به أزره ويشركه في أمره، كما سأل ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، كما فى حديث أسماء بنت عميس، وأجاب الله نبيه موسىعليهالسلام بقوله:( سَنَشُدُّ
____________________
(١). الفصول المهمة: ٤٣ - ٤٤.
عَضُدَكَ بِأَخِيكَ ) الآية، كما أجاب نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم بإرساله جبرئيلعليهالسلام بإجابته كما في حديث أسماء بنت عميس.
فقد شابه الوصيعليهالسلام هارون فى سؤال النبيّين الكريمينعليهماالسلام ، وفي إجابة الربّ سبحانه وتعالى، وتمّ التشبيه بتنزيله منه صلّى الله عليه وسلّم منزلة هارون من الكليم، ولم يستثن سوى النبوة لختم الله بابها برسوله صلّى الله عليه وسلّم خاتم الانبياء.
وهذه فضيلة اختص الله تعالى بها ورسوله الوصيّعليهالسلام ، لمـّا يشاركه فيها أحد غيره »(١) .
بل إنّ كلمات أعلام المحقّقين من شراح الحديث، ظاهرة في أنّ هذا الإستثناء عندهم متّصل لا منقطع:
يقول الطيّبي: « معنى الحديث: أنت متّصل بي، نازل مني بمنزلة هارون من موسى. وفيه تشبيه مبهم بيّنه بقوله: إلّا أنّه لا نبي بعدي. فعرف أنّ الإتّصال المذكور بينهما ليس من جهة النبوة، بل من جهة ما دونها وهو الخلافة »(٢) .
أقول:
فلو كان قوله: « إلّا أنّه لا نبي بعدي » إستثناءً منقطعاً، لم يكن مبيّناً للإجمال ورافعاً للإبهام، لوضوح أنّ الإستثناء المنقطع لا علاقة له بما قبله فالإستثناء متّصل، ولذا كان بياناً للتشبيه المبهم
____________________
(١). الروضة الندية في شرح التحفة العلويّة: ٥٤.
(٢). شرح المصابيح - باب مناقب علي من كتاب المناقب - مخطوط.
وقول الطيبي: « فعرف أنّ الإتصال » صريح في أنّ هذا الإستثناء بيان لمعنى الإتّصال المذكور، ولولا اتّصال الإستثناء لما تمّ البيان
وأيضاً قوله: « بل من جهة ما دونها وهو الخلافة » صريح في أنّ الإستثناء إنما هو لحصر الإتصال المذكور في الخلافة، ولا ريب في أنّ الإستثناء إذا كان منقطعاً لم يكن للحصر المذكور وجه أبداً.
ويقول الشمس العلقمي: « وفيه تشبيه. ووجه التشبيه مبهم، لم يفهم أنّهرضياللهعنه فيما شبّهه به، فبيّن بقوله: « إلّا أنّه لا نبي بعدي » أنّ اتّصاله به ليس من جهة النبوة، فبقي الإتصال من جهة الخلافة، لأنها تلي النبوة في المرتبة »(١) .
وهذه العبارة تفيد ما ذكرناه كما تقدم
ويقول القسطلاني: « وبيّن بقوله: إلّا أنه ليس نبي. وفى نسخةٍ: لا نبي بعدي. أنّ اتّصاله به ليس من جهة النبوة، فبقي الإتصال من جهة الخلافة »(٢) .
وهذا واضح الدلالة على اتصال الإستثناء بالتقريب المذكور
ويقول المنّاوي: « علي مني بمنزلة هارون من أخيه موسى. يعني: متصل بي ونازل مني بمنزلة هارون من أخيه، حين خلّفه في قومه، إلّا أنه لا نبي بعدي، ينزل بشرع ناسخ.
نفى الإتصال به من جهة النبوة. فبقي من جهة الخلافة، لأنها تليها في الرتبة »(٣) .
____________________
(١). الكوكب المنير في شرح الجامع الصغير - مخطوط - حرف العين.
(٢). ارشاد الساري ٦ / ٤٥١.
(٣). التيسير في شرح الجامع الصغير - حرف العين.
ويقول العزيزي بشرحه كذلك: » نفى الإتصال به من جهة النبوة، فبقي الإتصال من جهة الخلافة »(١) .
وقد لا يكتفي أولياء ( الدهلوي ) والمتعصّبون بما ذكرنا، حتى نأتي لهم بشواهد من كلمات والده، وبعض أصحاب والده، وتلميذ ( الدهلوي ) نفسه فلنذكر هذه الكلمات علّهم ينتهوا عمّا يقولون ويذعنوا بالحق ويخضعوا للحقيقة:
قال ولي الله الدهلوي:
« ومنها: حديث المنزلة، ومدلوله هو التشبيه بهارون واستثناء النبوة.
يعني إنّ هارون اجتمعت فيه ثلاث خصال: كونه من أهل بيت موسى، وكونه خليفةً له عند خروجه إلى جانب الطور، وكونه نبيّاً. والمرتضى كان من أهل بيت النبي صلّى الله عليه وسلّم، وكان خليفته على المدينة في غزوة تبوك، ولم يكن نبيّاً.
وما أطال فيه المتكلّمون في عدّ المنازل، فلا يوافق المعقول والمنقول »(٢) .
فهذه عبارة والد الدهلوي فما الذي حمل ( الدهلوي ) على مخالفة والده ومتابعة التفتازاني وغيره، غير التعصّب والعناد؟!
وعلى ما ذكره ولي الله مشى تلميذه القاضي سناء الله حيث قال:
« وعلى تقدير الشمول نقول: إن منزلة هارون كانت منحصرةً في أمرين،
____________________
(١). السراج المنير في شرح الجامع الصغير - حرف العين.
(٢). قرة العينين في تفضيل الشيخين. القسم الثاني من المسلك الثالث.
الإستخلاف مدة غيبته، لانّه استثنى النبوة، فلم يبق إلّا الإستخلاف مدّة الغيبة »(١) .
وهذا صريح كذلك في كون الإستثناء متّصلاً، وأنّ المستثنى هو « النبوة » لا « عدم النبوة ».
والطريف: أن تلميذ ( الدهلوي ) يتبع ولي الله وسناء الله، ويخالف شيخه ( الدّهلوي ) ذاك هو الفاضل الرشيد الدهلوي، فإنه يقول:
« وخرّج السيد المحقق -قدسسره - في حاشية المشكاة بشرح حديث المنزلة أن قوله: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى تشبيه مبهم، ويبيّنه الإستثناء: إلّا أنّه لا نبي بعدي. يعني: إن عليّاً المرتضى متّصل برسول الله في جميع الفضائل عدا النبوة. وهذه عبارتهقدسسره : يعني أنت متصل بي ونازل منّي بمنزلة هارون من موسى. وفيه تشبيه، ووجه الشبه مبهم، لم يفهم أنهرضياللهعنه بما شبّهه صلوات الله عليه وسلم، فبيّن بقوله: إلّا أنّه لا نبي بعدي أنّ اتّصاله ليس من جهة النبوة. انتهى ما أردنا نقله.
وعلى هذا التقدير لا يكون الإستثناء « إلّا أنه لا نبي بعدي » لدفع شبهٍ، بل لتفسير المبهم»(٢) .
فثبتت - والحمد لله - أنّ الإستثناء في الحديث متّصل لا منقطع وبه صرّح: ابن طلحة، وابن الصباغ، والأمير، والطيبي، والشريف الجرجاني، والقسطلاني، والمناوي، والعلقمي، والعزيزي، وولي الله، وثناء الله، والرشيد الدهلوي
____________________
(١). السيف المسلول - مبحث حديث المنزلة.
(٢). إيضاح لطافة المقال - مخطوط.
وهل يكفي هذا المقدار لإفحام المتعصّبين وإسكات المكابرين؟
وهل يكفي هذا المقدار لاعتراف أولياء ( الدهلوي ) بتعصّبه الباطل بمتابعته للمبطلين، وعناده للحق الذي أذعن به أبوه وتلميذه؟
فإنْ لم يكن كافياً فلنورد عبارة الكابلي، التي نصّ فيها بما هو الحقّ وصرّح فيها بالحقيقة فقال:
« ولأن منزلة هارون من موسى كانت منحصرةً في أمرين: الإستخلاف مدة غيبته، وشركته في النبوة، ولمـّا استثنى منهما الثانية بقيت الاُولى »(١) .
فلماذا خالف ( الدهلوي ) الكابليَّ في هذا الموضع، وكتابه ( التحفة ) منتحل من ( الصواقع ) كما هو معلوم؟!
وهذه العبارة من الكابلي كافية للرد على الكابلي نفسه، فإنّها تناقض ما ادّعاه في صدرها وتدفعه، وإليك عبارته كاملةً:
« والإستثناء ليس إخراجاً لبعض أفراد المنزلة، بل منقطع بمنزلة غير، وهو غير عزيز في الكتاب والسنة، ولا يدل على العموم، فإنّ من منازل هارون من موسى الاُخوة في النسب، ولم يثبت ذلك لعلي. وقوله: اُخلفني في قومي لا عموم له، إذ ليس في اللَّفظ ما يدل على الشمول. ولأنّ منزلة هارون من موسى كانت منحصرةً في أمرين: الإستخلاف مدة غيبته وشركته في النبوة. ولمـّا استثنى منهما الثانية بقيت الأولى ».
فقوله: « ولمـّا استثنى » دليل قطعي على كون الإستثناء متّصلاً، إذ لا يمكن استثناء « النبوة » إلّا بأنْ يكون « إلّا أنّه لا نبي بعدي » في حكم « إلّا النبوة »، وإذا كان كذلك كان الإستثناء متّصلاً بالضرورة، وبطل قوله: « بل منقطع ».
____________________
(١). الصواقع الموبقة - مخطوط.
قوله:
« وأمّا معنىً فلأنّ من منازل هارون كونه أكبر سنّاً، ومنها: كونه أفصح لساناً من موسى، ومنها: كونه شريكاً له في النبوة، ومنها: كونه أخاً له في النسب. وهذه المنازل غير ثابتة لعلي إجماعاً ».
أقول:
أوّلاً: إن الأصل في هذا الكلام هو التفتازاني، ومنه أخذ القوشجي وأورده الكابلي ومنه أخذ ( الدهلوي )
لكنّ ( الدهلوي ) وشيخه حرّفا كلام التفتازاني والقوشجي لأنّهما أخذا منهما الإشكال وتمسّكا به، وأسقطا من كلامهما ما ذكراه في الجواب عن الإشكال وهذا نصّ عبارة التفتازاني:
« ليس الإستثناء المذكور إخراجاً لبعض أفراد المنزلة بمنزلة قولك: إلّا النبوة، بل منقطع بمعنى لكن، فلا يدل على العموم كما لا يخفى على أهل العربية.
كيف؟ ومن منازله الأخوّة في النسب ولم تثبت لعليرضياللهعنه .
اللهمّ إلّا أنْ يقال إنها بمنزلة المستثنى، لظهور انتفائها »(١) .
ونصّ عبارة القوشجي:
« وليس الإستثناء المذكور إخراجاً لبعض أفراد المنزلة بمنزلة قولك: إلّا النبوة، بل منقطع بمعنى لكن. فلا يدل على العموم. كيف؟ ومن منازله الأخوّة
____________________
(١). شرح المقاصد ٥ / ٢٧٥.
في النسب ولم تثبت لعليرضياللهعنه .
اللهمّ إلّا أنْ يقال: إنها بمنزلة المستثنى لظهور انتفائها »(١) .
فانظر إلى عبارة الكابلي:
« والإستثناء ليس إخراجاً لبعض أفراد المنزلة، بل منقطع بمنزلة غير، وهو غير عزيز في الكتاب والسنة، ولا يدل على العموم، فإنَّ من منازل هارون من موسى الاُخوّة في النسب، ولم يثبت ذلك لعلي »(٢) .
وإذا كان هذا حال الكابلي، فما ظنّك ( بالدهلوي ) الذي دأب على استراق هفوات الكابلي؟!
نعم، إنّهم يرتكبون هذه التحريفات الشّنيعة حتى في كلمات أئمتهم، بغية الردّ على الحق وأهله لكنّهم خائبون خاسرون
وثانياً: قال القاضي عضد الدين في الجواب عن حديث المنزلة:
« الجواب منع صحّة الحديث، أو المراد استخلافه على قومه في قوله:( اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ) لا استخلافه على المدينة. ولا يلزم دوامه بعد وفاته، ولا يكون عدم دوامه عزلاً له، ولا عزله إذا انتقل إلى مرتبة أعلى - وهو الإستقلال بالنبوّة - منفّراً. كيف؟ والظاهر متروك، لأن من منازل هارون كونه أخاً ونبيّاً »(٣) .
أقول:
لقد ترك القاضي الإيجي ظاهر الحديث، لأنْ من منازل هارون كونه أخاً
____________________
(١). شرح التجريد: ٣٧٠.
(٢). الصواقع الموبقة - مخطوط.
(٣). المواقف في علم الكلام: ٤٠٦.
ونبيّاً، وفي هذا دلالة صريحة على أن ظاهر الحديث عموم المنازل، لكن القاضي ترك هذا الظاهر بسبب انتفاء الاُخوة النّسبيّة والنبوة، وهذا صريح في إبطال توهّم دلالة انتفاء الاخوة والنبوة على انقطاع الإستثناء الذي زعمه ( الدهلوي ).
لأن انتفاء ذلك إنْ كان دالّاً على الإنقطاع، لم يكن ظاهر الحديث عموم المنازل، ولم يكن انتفاء الاُخوة والنبوّة سبباً لترك الظّاهر، فإنّ سببيّة الأمرين لترك الظاهر دليل على تحقق هذا الترك، والترك دليل على تحقق الظاهر، وتحقّقه ينافي دعوى انقطاع الإستثناء بالضّرورة.
فثبت من اعتراف القاضي الإيجي اتّصال الإستثناء في الحديث، وأنّ لفظ « المنزلة » فيه يدل على عموم المنزلة، وخروج بعض المنازل لا ينافي اتّصال الإستثناء والدلالة على عموم المنزلة، بل غاية الأمر - بزعم القاضي - دلالة خروج الاُخوة والنبوة على أنه عام مخصوص وسيأتي جواب هذا الزعم فيما بعد إنْ شاء الله تعالى.
وثالثاً: قال الشريف الجرجاني بشرح قول العضد: « كيف والظاهر متروك » ما نصّه: « أي وإنْ فرض أن الحديث يعمُّ المنازل كان عاماً مخصوصاً، لأن من منازل هارون كونه أخاً نسبياً ونبياً »(١) .
يفيد هذا الكلام - وإنْ اشتمل على تأويلٍ في عبارة العضد بصرف كلمة « الظاهر متروك » عمّا تدل عليه جزماً، وإرجاعها إلى « الفرض » - أن مراد صاحب ( المواقف ) من « الظّاهر » ظهور دلالة الحديث على عموم المنازل فيبطل مزعوم ( الدهلوي ).
____________________
(١). شرح المواقف ٨ / ٣٦٣.
وأمّا التمسّك - بانتفاء شركة أمير المؤمنينعليهالسلام مع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في النبوّة - لإثبات إنقطاع الإستثناء، فمن غرائب الإستدلالات
أمّا أولاً: فلأن قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « إلّا أنّه لا نبي بعدي » المروي في الصحيحين وغيرهما، دليل على نفي النبوة عن أمير المؤمنينعليهالسلام وقال أبو شكور السّلمي:
« وأما من قال: إنّ علياً كان شريكاً في النبوة، احتجوا بقولهعليهالسلام حيث قال: أما ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى. ثم هارون كان نبياً، فكذلك علي وجب أن يكون نبياً. الجواب: قلنا: إن تمام الخبر إلى أن قال: إلّا أنه لا نبي بعدي. وأما قوله: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى. أراد به القرابة والخلافة غير النبوة »(١) .
وإذا كان إستثناء النبوّة موجوداً في نفس الحديث، لم يحسن القدح في دلالته على عموم المنازل بانتفاء النبوة، فإنّ هذا لا يصدر من عاقل فضلاً عن عالم إنه نظير أن يقال بعدم دلالة « جاءني القوم إلا زيد » على العموم لخروج زيد وهل ذلك إلّاسفسطة!!
فالعجب من ( الدهلوي )، يحمل استثناء النبوة الصريح في الدلالة على العموم على الإستثناء المنقطع خلافاً للأحاديث الصريحة المذكور فيها لفظ « إلّا النبوة »، وشقاقاً لإفادات أكابرهم الأعيان ووالده البارع في هذا الشان
____________________
(١). التمهيد في بيان التوحيد، الباب الحادي عشر، القول الثاني: في خلافة أبي بكر.
ثم يزيد على ذلك دعوى دلالة عدم نبوّة أمير المؤمنين على عدم عموم المنازل فى الحديث!!
وأمّا ثانياً: فلأن هذا التمسّك ينافي كلمات أكابر أئمة قومه
وذلك: لأنّ القاضي عضد الدين - بعد أن اعترف بظهور الحديث في العموم - قال: « الظاهر متروك، لأنّ من منازل هارون كونه أخاً ونبياً » أي: وكلا الأمرين منتفيان في أمير المؤمنينعليهالسلام ، فالعموم منتف لكن تمسّكه بالأمرين لنفي العموم مندفع بتصريحات كبار الائمة المحققين
أمّا الأول - وهو انتفاء الأخوة النسبية - فقد عرفت جوابه من كلمات التفتازاني والقوشجي وأمّا الثاني وهو انتفاء النبوة، فجوابه ظاهر من عبارة الشريف الجرجاني حيث قال بشرحه:
« كيف؟ والظاهر متروك.
أي: وإنْ فرض أنّ الحديث يعم المنازل، كلها كان عاماً مخصوصاً، لأن من منازل هارون كونه أخاً نسبيّاً ونبيّاً، والعام المخصوص ليس حجةً في الباقي أو حجيته ضعيفة، ولو ترك قوله « نبياً » لكان أولى »(١) .
أقول:
أي:
إن قول العضد « نبياً » في غير محلّه ووجه ذلك: إنّه لمـّا كان استثناء النبوة موجوداً في نصّ الحديث، فلا يلزم من انتفاء النبوّة عن أمير المؤمنينعليهالسلام تخصيص في المستثنى منه العام، بل يبقى المستثنى منه على عمومه، كما هو معلوم لدى أهل العلم
فظهر سقوط تمسك ( الدهلوي ) بانتفاء الأخوة النسبية من كلام التفتازاني
____________________
(١). شرح المواقف ٨ / ٣٦٣.
والقوشجي، وسقوط تمسّكه بانتفاء النبوّة من كلام الشريف الجرجاني وهؤلاء أعلام علماء طائفته في مختلف العلوم.
وأمّا ثالثاً: ففي جملةٍ من طرق الحديث: « إلّا أنّك لست بنبي » رواه: أحمد بن حنبل، والحاكم، والنسائي، وغيرهم فاستثناء النبوة وانتفاؤها عن أمير المؤمنينعليهالسلام موجود بصراحةٍ في ألفاظ الحديث فأين المخصّص لعموم المنزلة؟!
وأما تمسّكه بانتفاء الأكبرية في السن، والأفصحيّة في اللسان، فأوهن مما تقدم:
(١) إن جوابه ظاهر من كلام القوشجي والتفتازاني أيضاً لأنّه كما كانت الأخوة النسبية في حكم المستثنى لظهور انتفائها غير القادح في عموم المنازل الثابت للمستثنى منه، كذلك انتفاء كبر السن والأفصحيّة لا يقدح في العموم، لظهور هذا الإنتفاء وكون الأمرين لذلك في حكم المستثنى
وعلى الجملة، فإنّ انتفاء هذين الأمرين - كانتفاء الأخوة - غير قادح في عموم المنزِلة فضلاً عن أن يكون مثبتاً لانقطاع الإستثناء
(٢) على أنّ صريح ولي الله الدهلوي هو: إنّ التنزيل بمنزلة هارون من موسى نوع من التشبيه، والمعتبر في التشبيه هو المشابهة في الأوصاف المشهورة المذكورة على الألسنة وقد جعلها ثلاثة وهي: الخلافة مدة الغيبة، وكونه من أهل البيت، والنبوّة
هكذا قال ولي الله الدهلوي في البحث حول هذا الحديث، وجواب إستدلال الإمامية به(١) وهو أيضاً وجه آخر على بطلان توهّم ولده ( الدهلوي ) دخول الأكبرية في السّن والأفصحيّة في اللّسان بل الأخوة
____________________
(١). إزالة الخفا - المقصد الأول من المسلك الأول، مبحث حديث المنزلة.
النسبيّة في منازل هارونعليهالسلام
ولو تدبّرت في كلام ولي الله الدهلوي وجدته دالّاً على مطلوب الإماميّة لضرورة كون « وجوب الإتّباع والإطاعة » و « العصمة » و « الأفضلية » من أبرز الصفات المشهورة لهارونعليهالسلام في الاُمة الموسويّة فكذلك سيدنا أمير المؤمنينعليهالسلام في الاُمة المحمّدية
(٣) أمّا القاضي سناء الله تلميذ والد ( الدهلوي )، فحصر منازل هارونعليهالسلام في أمرين هما: الإستخلاف والنبوّة وقد تقدّمت عبارته فليس الأخوة النسبية ولا الأكبرية في السن ولا الأفصحية في اللسان من منازل هارون حتى يكون انتفاؤها عن أمير المؤمنينعليهالسلام قادحاً في عموم المنزلة
وهذا وجه آخر لسقوط توهّم ( الدهلوي )
(٤) وكما خالف ( الدهلوي ) والده وتلميذ والده فقد خالف شيخه المنتحل كتابه فالكابلي خصّ منزلة هارون وحصرها في الأمرين: الإستخلاف والنبوّة كما علمت سابقاً فخالفه في هذا المقام، بجعل الأكبرية في السن والاخوة النسبيّة والأفصحية في اللسان من المنازل، كما خالفه من قبل، بدعوى أن « إلّا أنّه لا نبي بعدي » في حكم « إلّا عدم النبوة »، مع أن عبارة الكابلي صريحة في أنّها بحكم « إلّا النبوة »
فهذا الموضع أيضاً من المواضع التي خالف ( الدهلوي ) فيها والده وكبار مشايخه وأئمّة قومه وهناك مواضع أخرى سننبّه عليها إن شاء الله تعالى
(٥) إن المراد من المنازل التي أثبتها النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لهارونعليهالسلام ، هي الفضائل النفسانيّة والمقامات المعنويّة فإنّ عليها - لا على غيرها - مدار التفضيل والتقديم، وبها يحصل القرب عند الله والثواب منه وهي الملاك والمناط في الإصطفاء للنبوة والخلافة والإمامة وهي الصّفات المختصّة بأهل الإيمان، ولا حظّ لأهل الكفر بشيءٍ منها
وأمّا الاخوة النسبية، والأكبرية في السن، والأفصحية في اللّسان، وأمثالها - وإنْ كانت فضائل - فلا تقتضي التقدّم والتّرجيح، وليست المعيار في الإصطفاء للنبوة والإمامة
وإنّ هذا المطلب الذي ذكرناه من الوضوح بمكان وهو المتبادر من الأحاديث والأخبار الواردة في هذا الشأن وقد تعرّض له والد ( الدهلوي ) وشرحه، وأقام عليه الدليل والبرهان في كتابه ( ازالة الخفا ) فراجعه(١) .
وهذا الموضع أيضاً من المواضع التي خالف فيها ( الدهلوي ) أباه
(٦) وإنّه يندفع التمسّك بانتفاء الأخوة والأكبرية والأفصحية لإثبات انقطاع الإستثناء في الحديث الشريف بما قرّره المحقّقون من النحاة وعلماء البلاغة والاصول من أحكام الإستثناء ونحن نستشهد هنا ببعض الكلمات، ونبيّن وجه اندفاع تلك التمسّكات:
قال ابن الحاجب بشرح قول الزمخشري: « وإذا قلت: ما مررت بأحدٍ إلّا
____________________
(١). إزالة الخفا - المقصد الأول من المسلك الأول، مبحث حديث المنزلة.
زيد خير منه. فكان ما بعد إلّاجملة ابتدائية واقعة صفة لأحد، وإلاّ لغو في اللفظ، معطية في المعنى فائدتها، جاعلة زيداً خيراً من جميع من مررت بهم » قال:
« هذا راجع إلى الإستثناء المفرّغ باعتبار الصفات، لأنّ التفريغ في الصفات وغيرها. قال الله تعالى:( وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ لَها مُنْذِرُونَ ) (١) وحكم الجملة والمفرد واحد في الصحّة، فعلى هذا تقول: ما جاء في أحد إلاّقائم. وما جاء في أحد إلاّ أبوه قائم. وكل ذلك مستقيم.
فإن قيل: معنى الإستثناء المفرّغ نفي الحكم عن كل ما عدا المستثنى. وهذا لا يستقيم في الصفة في: ما جاءنى أحد إلاّراكب. إذ لم تنف جميع الصفات حتى لا يكون عالماً ولا حيّاً مما لا يستقيم أن ينفكّ عنه.
فالجواب من وجهين: أحدهما: إن الصفات لا ينتفي منها إلّاما يمكن انتفاؤه ممّا يضادّ المثبت، لأنه قد علم أن جميع الصفات لا يصح انتفاؤها، وإنما الغرض نفي ما يضاد المذكور بعد إلّا. ولمـّا كان ذلك معلوماً اغتفر استعماله بلفظ النفي والإثبات المفيد للحصر. الثاني: أنْ يقال: إنّ هذا الكلام يرد جواباً لمن ينفي تلك الصفة، فيجاب على قصد المبالغة والردّ جواباً لمن يناقض ما قاله، لغرض إظهار إثبات تلك الصفة ووضوحها وإظهارها دون غيرها »(١) .
أقول:
ونحن نقول في هذا المقام - كما قال ابن الحاجب في الجواب الأول - إن الغرض من إثبات عموم المنزلة إثبات المنازل الممكن إثباتها، ولمـّا كان معلوماً عدم إمكان إثبات الأفصحية والأكبرية والاُخوة النسبية، لم يضر خروج هذه
____________________
(١). شرح المفصّل، فصل المنصوب على الاستثناء من مباحث المنصوبات.
الصفات بعموم المنزلة.
ونقول - كما قال في الجواب الثاني -: إن خروج هذه الصفات الثلاثة غير قادح في العموم، إذ الغرض من هذه المنازل العامة منزلة الخلافة وافتراض الطاعة والعصمة والأفضلية، ولمـّا كان الغرض إثبات هذه الصفات ووضوحها وإظهارها دون غيرها، لم يضر انتفاء الأفصحية والأكبرية والاخوة النسبية بعموم المنزلة
وقال الجامي بشرح الكافية: « ويعرب أي المستثنى على حسب العوامل، أي بما يقتضيه العامل من الرفع والنصب والجر، إذا كان المستثنى منه غير مذكور، ويختص ذلك المستثنى باسم المفرغ، لأنه فرغ له العامل عن المستثنى منه، فالمراد بالمفرغ المفرغ له، كما يراد بالمشترك المشترك فيه. وهو أي والحال أن المستثنى واقع في غير الكلام الموجب، واشترط ذلك ليفيد فائدة صحيحة مثل: ما ضربني إلّا زيد، إذ يصح أن لا يضرب المتكلّم أحد إلّا زيد، بخلاف: ضربني إلّا زيد، إذ لا يصح أنْ يضرب كل أحد المتكلم إلاّزيد، إلاّ أنْ يستقيم المعنى، بأنْ يكون الحكم مما يصح أن يثبت على سبيل العموم، نحو قولك: كل حيوان يحرّك فكّه الأسفل عند المضغ إلاّ التّمساح، أو يكون هناك قرينة دالّة على أنّ المراد بالمستثنى منه بعض معيّن يدخل فيه المستثنى قطعاً، مثل: قرأت إلاّيوم كذا، أي أوقعت القراءة كلّ يوم إلّايوم كذا. لظهور أنّه لا يريد المتكلّم جميع أيام الدنيا بل أيام الاسبوع أو الشهر أو مثل ذلك »(١) .
أقول:
وعليه: فكما لا يضرّ خروج بعض الأيام بصحة قولك: قرأت إلّا يوم كذا،
____________________
(١). الفوائد الضيائية: ١٠٢ مبحث المستثنى.
وبالعموم الذي يدل عليه المستثنى منه كذلك لا يضرّ بعموم المنزلة في الحديث خروج بعض الأفراد غير المتبادرة من المنازل ولو كان انتفاء بعض المنازل دليلاً على انقطاع الإستثناء لزم أنْ يكون الإستثناء في مثل: « قرأت إلّايوم كذا » استثناءاً منقطعاً لا متّصلاً، لوضوح خروج أيامٍ كثيرة، وهل ذلك إلّا أضحوكة؟!
وقال ابن الحاجب في ( منتهى السئول ): « والغرض من الإستثناء من الأحكام العامة المقدرة لا من المحكوم هو: إثبات الحكم على التحقيق. وكان أصله إمّا على معنى المبالغة، كأنّ قائلاً قال: ما زيد عالماً، فقيل: ما زيد إلّاعالم. وإمّا على معنى أنّ ذلك آكدها ».
وقال أيضاً: « الإستثناء من الإثبات نفي وبالعكس، خلافاً لأبي حنيفة. لنا: النقل. وأيضاً: لو لم يكن لم يكن « لا إله إلّاهو » توحيداً. قالوا: لو كان للزم من « لا علم إلّابحياة » و « لا صلاة إلّابطهور » ثبوت العلم والصلاة بمجرّدهما. قلنا: ليس مخرجاً من العلم والصلاة، فإنْ اختار تقدير الصلاة بطهور اطّرد، وإنْ اختار لا صلاة بوجه إلّابذلك فلا يلزم من الشرط المشروط
وإنّما الإشكال في النفي الأعم في مثله، وفي مثل: ما زيد إلّاقائم. إذ لا يستقيم نفي جميع الصفات المعتبرة.
وأجيب بأمرين: أحدهما: إن الغرض المبالغة بذلك. والآخر: إنه آكدها. والقول بأنه منقطع بعيد، لأنه مفرغ، وكل مفرغ متصل لأنّه من تمامه »(١) .
أقول:
فعلى هذا، يكون عموم المنزلة - مع انتفاء الأفصحية والأكبرية والاخوة
____________________
(١). المختصر في علم الاصول - بشرح العضدي ٢ / ١٤٢.
النسبية - بحاله، لأنّ غيرها آكد، وهو الخلافة وافتراض الطاعة والعصمة والأفضلية، أو لأن الغرض المبالغة
وقال القزويني: « القصر حقيقي وغير حقيقي، وكلّ منهما نوعان: قصر الموصوف على الصفة، وقصر الصفة على الموصوف. والأول من الحقيقي نحو: ما زيد إلّاكاتب. إذا اُريد أنّه لا يتّصف بغيرها، وهو لا يكاد يوجد، لتعذّر الإحاطة بصفات الشيء. والثاني كثير نحو: ما في الدار إلّا زيد. وقد يقصد به المبالغة، لعدم الإعتداد بغير المذكور »(١) .
وقد أوضحه التفتازاني في شرحه ( المطوّل )(٢) .
أقول:
ولا مانع من تطبيق هذا الذي ذكروه، على الإستثناء في الحديث الشريف فيبطل شبهة ( الدهلوي )
(٧) أخرج البخاري: عن أبي هريرة عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: « لا تشدّ الرحال إلّا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجد الرسول والمسجد الأقصى »(٣) .
وأخرجه: مسلم، والنسائي، وأبو داود، وابن ماجة، وأحمد وغيرهم.
ولا ريب في أنّ الإستثناء في هذا الحديث متّصل، لأنّه مفرغ، وكلّ
____________________
(١). تلخيص المفتاح.
(٢). المطوّل في شرح تلخيص المفتاح: ٢٠٤ - ٢٠٥.
(٣). صحيح البخاري ٢ / ٧٦.
استثناء مفرغ متصل، كما صرّح به ابن الحاجب وغيره
ولا ريب في جواز شدّ الرّحال إلى غير هذه المساجد
ولذا أعضل معنى هذا الحديث على كبار المحققين، ولجأوا إلى تأويله على بعض الوجوه لئلّا يلزم منه حرمة السّفر إلى غير تلك المساجد من المساجد والمشاهد
قال ولي الدين أبو زرعة العراقي في ( شرح تقريب الأسانيد ): « ويدل على أنّه ليس المراد إلّا اختصاص هذه المساجد بفضل الصلاة فيها، وأنّ ذلك لم يرد في سائر الأسفار: قوله في حديث أبي سعيد المتقدم: لا ينبغي للمصلّي أنْ تشد رحاله إلى مسجدٍ يبتغى فيه الصلاة غير كذا وكذا. فبيّن أنّ المراد شدّ الرحال إلى مسجدٍ يبتغى فيه الصّلاة، لا كلّ سفر، والله أعلم ».
وقد ألف بعض أعلامهم في خصوص تأويل هذا الحديث رسالة خاصة سمّاها: « منتهى المقال في شرح حديث شدّ الرحال ).
وتلخص: أنّ خروج بعض أفراد المستثنى منه بدلالة دليلٍ أو قيام قرينةٍ لا يستلزم الإنقطاع في الإستثناء
(٨) قال الله عزوجل:( قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ ) (١) .
في هذه الآية استثناء، وهو استثناء متصل بلا ريب، والحال أنّ الأشياء المحرّمة غير ما ذكر فيها كثيرة، فكما أنّ خروج الأشياء الأخرى من تحت
____________________
(١). سورة الأنعام: ٦، الآية ١٤٥.
الحكم المستثنى منه - لقيام الأدلة على خروجها - لا يقدح في اتصال الإستثناء، فكذلك فيما نحن فيه.
أما أنّ هناك أشياء أخرى من المطعومات محرّمة، فهذا غني عن الدليل والبيان، فإنه ممّا أجمع عليه أهل الإسلام، وإلّا لزم القول بحليّة كثير من المحرّمات القطعيّة كالنجاسات غير المذكورة في الآية مثل الخمر والمني، وكالمتنجّسات والمستنقذرات، فإنّه - وإنْ قال مالك بحليّة الكلب وسائر الحيوانات المحرمة غير الخنزير - لم يخالف أحد في حرمة الخمر وسائر النجاسات
ومن هنا ذكر الرازي تأويلات عديدة لإخراج الخمر وغيره - وإنْ صحّح مذهب مالك في الكلب - وهذا كلامه في تفسير الآية الكريمة:
« المسألة الثانية: لمـّا بيّن الله تعالى أنّ التحريم والتحليل لا يثبت إلّا بالوحي قال:( قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ ) أي: على آكل يأكله. وذكر هذا ليظهر أنّ المراد منه هو بيان ما يحلّ ويحرم من المأكولات. ثم ذكر أموراً أربعة وكان هذا مبالغةً في بيان أنه لا يحرم إلاّهذه الاربعة فثبت أنّ الشريعة من أوّلها إلى آخرها كانت مستقرةً على هذا الحكم وعلى هذا الحصر.
فإنْ قال قائل: فيلزمكم في التزام هذا الحصر تحليل النجاسات والمستقذرات، ويلزم عليه أيضاً تحليل الخمر. وأيضاً: فيلزمكم تحليل المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة، مع أنّ الله تعالى حكم بتحريمها.
قلنا: هذا لا يلزمنا من وجوه: الأول: إنه تعالى قال في هذه الآية( أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ ) ومعناه: إنّه تعالى إنما حرّم لحم الخنزير لكونه نجساً، فهذا يقتضي أنّ النجاسة علة لتحريم الأكل، فوجب أن يكون كل نجس فإنه
يحرم أكله، وإذا كان هذا مذكوراً في الآية كان السؤال ساقطاً. والثاني: إنّه تعالى قال في آية أخرى:( وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ ) وذلك يقتضي تحريم كلّ الخبائث، والنجاسات خبائث، فوجب القول بتحريمها. والثالث: إنّ الاُمة مجمعة على حرمة تناول النجاسات، فهب أنا التزمنا تخصيص هذه السورة بدلالة النقل المتواتر من دين محمد صلّى الله عليه وسلّم في باب النجاسات، فوجب أن يبقى ما سواها على وفق الأصل، تمسّكاً بعموم كتاب الله تعالى في الآية المكية والآية المدنية، فهذا أصل مقرر كامل في باب ما يحل وما يحرم من المطعومات.
وأما الخمر فالجواب عنه: أنها نجسة فتكون من الرجس، فتدخل تحت قوله:( رِجْسٌ ) وتحت قوله:( وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ ) وأيضاً: ثبت تخصيصه بالنقل المتواتر من دين محمد صلّى الله عليه وسلّم في تحريمه. وبقوله تعالى:( فَاجْتَنِبُوهُ ) وبقوله:( وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما ) والعام المخصوص حجة في غير محلّ التخصيص، فتبقى هذه الآية فيما عداها حجة.
وأمّا قوله: يلزم تحليل المنخنقة الموقوذة والمتردية والنطيحة.
فالجواب عنه من وجوه: أوّلها: أنها ميتات، فكانت داخلة تحت هذه الآية. وثانيها: أنّا نخصّص عموم هذه الآية بتلك الآية. وثالثها: أن نقول: إنها إنْ كانت ميتةً دخلت تحت هذه الآية، وإنْ لم تكن ميتةً فنخصّصها بتلك الآية »(١) .
أقول:
فكما أنّ أشياء كثيرة غير داخلة في المستثنى منه في الآية الكريمة وأنّ الآية - مع ذلك - باقية على عمومها فيما عدا تلك الأشياء، كذلك الحديث
____________________
(١). تفسير الرازي ١٣ / ٢١٩ - ٢٢٠.
الشريف خروج بعض الأشياء عن جملة المنازل المثبتة لأمير المؤمنينعليهالسلام ، قام الدليل من العرف أو النقل على خروجها، لا يوجب بطلان اتّصال الإستثناء وعدم عموم الحديث في غير ما أخرجه الدليل
وعلى الجملة، فقد سقط تمسّكات ( الدهلوي ) واستدلالاته على انقطاع الإستثناء في الحديث الشريف
ومن هنا نرى ابن حجر المكي لا يتمسّك بتلك الأمور لنفي دلالة لفظ « المنزلة » على العموم، وإنّما يدّعي تخصيص هذا العموم على تقدير تسليمه فيقول: « سلّمنا أن الحديث يعمّ المنازل كلها، لكنه عام مخصوص، إذْ من منازل هارون كونه أخاً نبيّاً، والعام المخصوص غير حجةٍ في الباقي أو حجة ضعيفة، على الخلاف فيه »(٢) .
فانظر إلى الفرق بين الإستدلالين!!
لكنّ ما ذكره ابن حجر المكي، تبعاً للقاضي العضد - من جهة انتفاء النبوة - سخيف، وقد أوضح الشريف الجرجاني وهنه، وما ذكره - من جهة انتفاء الاُخوة - مندفع بما تقدّم من أن المراد بالمنازل هو المنازل المشهورة المعروفة المثبتة للأفضلية الدينية والمختصَّة بأهل الإيمان، فانتفاء الاخوة النسبية غير مانع عن دلالة لفظ « المنزلة » على العموم فالعام غير مخصوص
وما ذكره من أن « العام المخصوص غير حجة في الباقي أو حجة ضعيفة » فالجواب عنه: إنّ العام المخصوص حجة بإجماع الصحابة والسّلف، وإنكار
____________________
(١). الصواعق المحرقة: ٧٤.
حجّيّته مكابرة محضة نصّ على ذلك المحقّقون من أهل السنّة:
قال عبد العزيز البخاري: « قوله: إجماع السلف على الإحتجاج بالعموم.
أي: بالعام الذي خصّ منه، فإن فاطمة إحتجّت على أبي بكر رضي الله عنهما في ميراثها من النبي صلّى الله عليه وسلّم بعموم قوله تعالى:( يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ ) (١) الآية. مع أنّ الكافر والقاتل وغيرهما خصّوا منه، ولم ينكر أحد من الصّحابة احتجاجها به مع ظهوره وشهرته، بل عدل أبو بكر في حرمانها إلى الإحتجاج بقوله عليه الصلاة والسلام: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ما تركناه صدقة.
وعلىرضياللهعنه احتج على جواز الجمع بين الاُختين بملك اليمين بقوله تعالى:( أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ) وقال: أحلّتهما آية مع كون الأخوات والبنات مخصوصة منه.
وكان ذلك مشهوراً فيما بين الصحابة، ولم يوجد له نكير، وكذا الإحتجاج بالعمومات المخصوص منها مشهور بين الصحابة ومن بعدهم، بحيث يعدّ إنكاره من المكابرة، فكان إجماعاً»(١) .
أقول:
ولو كان العام المخصوص غير حجة أو حجةً ضعيفةً، لزم عدم حجية قوله تعالى:( اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) أو كونه حجةً ضعيفة، لوقوع التخصيص في هذه الآية أيضاً. وكذا في قوله عزوجل:( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ) ، لأنّ لفظ « الناس » عام يتناول الصبيان والمجانين أيضاً، وهم خارجون عن المراد قطعاً، فيلزم أن تكون هذه الآية كذلك حجةً ضعيفة أو لا حجة وكذا غيرهما من
____________________
(١). كشف الأسرار في شرح اصول البزدوي ١ / ٦٢٨.
الآيات الكريمة، وهي كثيرة
وقال البيضاوي في بيان المخصِّصات من المتّصل والمنفصل: « والمنفصل ثلاثة: الأول العقل، كقوله:( اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) والثاني: الحس، مثل( وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ) الثالث: الدليل السمعي ».
قال شارحه الفرغاني: « والمخصص للعام المنفصل عنه، وهو ما لا يتعلّق به تعلّقاً لفظياً ثلاثة أقسام: لأنّ الدليل المنفصل إمّا سمعي شرعي أو لا. والثاني إمّا أنْ يكون عقلياً أو حسيّاً. القسم الأول: وهو ما يكون مخصص العام العقل، وتخصيصه إيّاه قد يكون بالبداهية كقوله:( اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) فالشيء عام يتناوله ذاته، ويعلم ضرورة أنه ليس خالقاً لذاته، وقد يكون بالنظر كقوله تعالى:( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ) فإن لفظ الناس متناول للصبيان والمجانين، مع أنّهم ليسوا المرادين بنظر العقل، لانتفاء شرط التكليف في حقهم وهو الفهم. القسم الثاني: ما يكون مخصّص العام الحس، مثل قوله:( وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ) فإن الشيء عام يتناول السماء والأرض والشمس والقمر والعرش والكرسي مثلاً. والحس يخصّصه، إذ يعلم حساً أنها لم تؤتَ من هذه المذكورات شيئاً »(١) .
وقال السيوطي في ذكر أحكام العام المخصوص: « وأمّا المخصوص فأمثلته في القرآن كثيرة جداً، وهي أكثر من المنسوخ، إذ ما من عامٍ فيه إلّا وقد خص. ثم المخصّص له إما متصل وإمّا منفصل والمنفصل آية أخرى في محلٍّ آخر، أو حديث، أو إجماع، أو قياس.
فمن أمثلة ما خصَّ بالقرآن: قوله تعالى:( وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ
____________________
(١). شرح المنهاج للعبري الفرغاني - الفصل الثالث: في المخصص، من الباب الثالث: في العموم والخصوص - مخطوط.
ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ) خصّ بقوله:( إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها ) وبقوله:( وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ) .
ومن أمثلة ما خصّ بالحديث: قوله تعالى:( وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ ) (٣) خصّ منه البيوع الفاسدة - وهي كثيرة - بالسنّة
ومن أمثلة ما خصّ بالإجماع: آية المواريث. خصّ منه الرقيق، فلا يرث بالإجماع. ذكره مكي.
ومن أمثلة ما خصّ بالقياس: آية الزنا:( فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ ) خص منها العبد بالقياس على الأمة المنصوصة في قوله:( فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ ) المخصص لعموم الآية. ذكره مكي أيضاً »(١) .
أقول:
فلو صحّ ما وقع فيه ابن حجر من التوهّم، لزم أنْ تكون هذه الآيات الكثيرة المخصّصة حججاً ضعيفةً أو غير حجة، فيكون استدلال أهل الإسلام بتلك الآيات على المسائل الشرعية والأحكام الدينية المستفادة منها في غاية الوهن. ومعاذ الله من ذلك.
قوله:
« فلو جعلنا الإستثناء متّصلاً، وحملنا المنزلة على العموم، لزم الكذب في كلام المعصوم ».
____________________
(١). الإتقان في علوم القرآن ٣ / ٥٣ - ٥٥.
أقول:
قد تبيّن - ولله الحمد - أنّ الإستثناء متّصل، ولفظ « المنزلة » محمول على العموم، وأنّ خروج بعض الأفراد غير المتبادرة غير ضائر نعم لقد قامت الأدلة السديدة والبراهين العديدة على أنّ الإستثناء في هذا الحديث الشريف متصل غير منقطع، وأنّ ذلك صريح رواية أحمد والنّسائي وغيرهما من الأعلام، حيث رووا الحديث بلفظ « إلاّ النبوة » بدلاً عن « إلاّ أنه لا نبي بعدي » فلو كان ( الدهلوي ) صادقاً في دعوى لزوم الكذب في كلام المعصومصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فبماذا يجيب عن تلكم الدلائل الكثيرة والبراهين العديدة الباهرة؟
ثم إنّ استدلال ( الدهلوي ) بانتفاء كبر السنّ غيره مما ذكر، على إبطال عموم المنزلة - وإلّا لزم الكذب في كلام المعصوم - يشبه تماماً احتجاج ولجاج عبدالله بن الزبعرى الكافر، واعتراضه على قوله تعالى:( إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ) (١) قال عبد العزيز البخاري في بيان أدلة القائلين بجواز تأخير التخصيص: « ومنها قوله تعالى:( إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ) أي: حطبها. والحصب ما يحصب به، أي يرمى، يقال: حصبتهم السماء، إذا رمتهم بالحصباء، فَعَلٌ بمعنى مفعول.
وهذا عام لحقه خصوص متراخ أيضاً، فإنّه لمـّا نزل، جاء عبدالله بن الزبعرى إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا محمد، أليس عيسى وعزير والملائكة قد عبدوا من دون الله، أفتراهم يعذّبون في النار؟ فأنزل الله تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى ) أي السعادة أو التوفيق للطاعة( أُولئِكَ
____________________
(١). سورة الأنبياء ٢١: الآية ٩٨.
عَنْها ) أي عن النار( مُبْعَدُونَ ) .
فأجاب: بأنا لا نسلّم أن في ذلك تخصيصاً، إذ لا بدّ له من دخول المخصوص تحت العموم لولا المخصص، وأولئك لم يدخلوا في هذا العام لاختصاص « ما » بما لا يعقل. على أنّ الخطاب كان لأهل مكة وأنّهم كانوا عبدة الأوثان، وما كان فيهم من عبد عيسى والملائكة، فلم يكن الكلام متناولاً لهم.
ولا يقال: لو لم يدخلوا لما أوردهم ابن الزبعرى نقضاً على الآية وهو من الفصحاء، ولردَّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم ولم يسكت عن تخطئته.
لاّنا نقول: لعلّ سؤال ابن الزبعرى كان بناءً على ظنّه أن « ما » ظاهرة فيمن يعقل أو مستعملة فيه مجازاً، كما استعملت في قوله:( وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ ) وقد اتفق على وروده بمعنى « الذي » المتناول للعقلاء، على أنّه أخطأ، لأنها ظاهرة فيما لا يعقل، والأصل في الكلام هو الحقيقة. وأمّا عدم ردّ الرّسول عليه الصلاة والسلام فغير مسلّم، لما روي أنه عليه الصّلاة والسلام قال لابن الزبعرى لمـّا ذكر ما ذكر ردّاً عليه: ما أجهلك بلغة قومك! أما علمت أن « ما » لما لا يعقل و « من » لمن يعقل. هكذا ذكر في شرح أصول الفقه لابن الحاجب »(١) .
وبنفس البيان المذكور لدفع اعتراض ابن الزبعرى، ندفع الإشكال في الإستدلال بالحديث الشريف، ونقول بأن المراد من المنازل هي المنازل المثبتة للفضيلة، والتي ليس لغير أهل الإيمان منها نصيب، ولهذا لم يكن عموم المنزلة شاملاً من أول الأمر لكبر السنّ والأخوة النسبية والأفصحيّة فالإعتراض بانتفائها مندفع، كاعتراض ابن الزبعرى الكافر بانتفاء حكم الآية في حق عيسى وعزير والملائكة
____________________
(١). كشف الأسرار في شرح اصول البزدوي ٣ / ٢٢٩ - ٢٣٠.
وبعد، فإنّ لفظ « المنزلة » المضاف في حديث المنزلة يدلّ على العموم بوجوهٍ كثيرة، قد تقدم شطر وافر منها وبها الكفاية.
وهي تتلخّص فيما يلي:
١ - ذكر عضد الدين الإيجي أن اسم الجنس المضاف من صيغ العموم عند المحققين. ولفظ « المنزلة » اسم جنس مضاف، فهو دال على العموم.
٢ - ذكر برهان الدين العبري الفرغاني في ( شرح المنهاج ) أن اسم الجنس المضاف يدل على العموم كاسم الجنس المحلّى باللام.
٣ - ذكر جلال الدين المحلّى في ( شرح جمع الجوامع للسبكي ) أن المفرد المضاف إلى المعرفة للعموم على الصحيح، وقد نقل ذلك عن السبكي في شرح المختصر.
٤ - ذكر عبد العلي الأنصاري في ( شرح مسلّم الثبوت ) أن لفظ( سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ) في الآية:( وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ) يدل على العموم، لأن المفرد المضاف من صيغ العموم، لجواز الإستثناء منه، وذلك معيار العموم.
٥ - صرّح أبو البقاء في ( الكليّات ) بأن المفرد المضاف إلى المعرفة للعموم، ونقل عن الأصوليين تصريحهم بذلك في استدلالهم على أن الأمر في قوله تعالى:( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ) للوجوب، وأن المراد من « أمره » كلّ أمر الله.
٦ - صرّح زين الدين ابن نجيم المصري في كتابه ( الأشباه والنظائر ) بأنّ المفرد المضاف إلى المعرفة للعموم، وأنّ الاصوليين صرّحوا بذلك في الإستدلال بالآية:( فَلْيَحْذَرِ ) حيث نصّوا على أن المراد من « أمره » كلّ أمر الله. ثم فرّع بعض المسائل الفقهية على هذه القاعدة الاُصولية.
٧ - ذكر التفتازانى في ( المطوّل ) و ( المختصر ) أنّ إضافة المصدر في قول صاحب ( التلخيص ): « وارتفاع شأن الكلام في الحسن والقبول بمطابقته للإعتبار المناسب وانحطاطه بعدمها » يفيد العموم، وقد استدل بذلك على حصر ارتفاع شأن الكلام الفصيح بمطابقته للإعتبار المناسب.
٨ - صرّح نظام الدين عثمان الخطائي في ( حاشية المختصر للتفتازاني ) بأنّ إضافة المصدر لا تفيد العموم إلاّمن جهة أنّ اسم الجنس المضاف من أدواة العموم.
٩ - وافق الجلبي في ( حاشية المطوّل ) التفتازاني فيما ذكره في معنى عبارة صاحب ( التلخيص )، ونقل الجلبي عن المحقّق الرضي -رضياللهعنه - أنّ اسم الجنس العاري عن القرينة يدل على الإستغراق.
١٠ - ذكر الجلبي في موضع آخر: أنّ مبنى قول التفتازاني بأنّ إضافة المصدر تفيد الحصر هو أنّ المصدر المضاف من صيغ العموم، وقضيّة: « استغراق المفرد أشمل » لكون لفظ « الإستغراق » مصدراً مضافاً - قضية كليّة، ودعوى كونها قضيةً مهملة توهم باطل.
١١ - ذكر عبد الرحمن الجامي في ( الفوائد الضيائية بشرح الكافية ) أنّ المصدر المضاف في مثل: ضرب زيد قائماً. أو: ضربي زيداً قائماً
حيث أضيف المصدر في الأول إلى العلم، وفي الثاني إلى ضمير المتكلّم يفيد العموم.
١٢ - ذكر ابن الحاجب في ( الإيضاح - شرح المفصل ) أن ضربي زيداً قائماً، يفيد معنى: ما ضربت إلّا قائماً، وأن معنى: أكثر شربي السويق ملتوتاً هو: ما أكثر الشرب إلّاملتوتاً. ووجه إفادة الحصر هو: أن المصدر متى أضيف أفاد العموم بالنسبة إلى المضاف إليه، مثل أسماء الأجناس وجموع الأجناس، حيث أنها في حال الإضافة تفيد العموم، ومعنى: ماء البحار حكمه كذا هو: إن حكم جميع مياه البحار كذا. ومعنى علم زيد حكمه كذا: إن جميع علم زيد حكمه كذا.
أقول: فهذه التصريحات من هؤلاء الأكابر المحققين - لاسيّما ما ذكره ابن الحاجب والجامي - كافية لإثبات دلالة لفظ « المنزلة » المضاف إلى لفظ « هارون » في الحديث على العموم
١٣ - إنّه لا ريب في صحة الإستثناء من لفظ المنزلة المضاف في هذا الحديث الشريف، وصحّة الإستثناء تدل على العموم، حسب تصريحات أعاظم علماء الاصول: كالبيضاوي، والعبري، وابن إمام الكاملية، والجلال المحلي، ومحبّ الله البهاري، وعبد العلي الأنصاري.
١٤ - إنّه قد اعترف ( الدهلوي ) نفسه بأنّ صحة الإستثناء المتصل دليل العموم، وقد عرفت صحّة الإستثناء المتصل من لفظ « المنزلة » المضاف إلى لفظ « هارون ». فيكون الحديث دالاً على عموم المنزلة باعتراف ( الدهلوي ) أيضاً.
١٥ - إنّ الإستثناء المتّصل هو الأظهر، كما نصَّ عليه ابن الحاجب بل إنّ الإستثناء حقيقة في المتصّل مجاز في المنقطع، كما نصّ عليه القاضي الإيجي، ومحبّ الله البهاري، وأضاف البهاري أنّه لا يتبادر من الإستثناء إلّا الإستثناء المتصّل قالوا: ولهذا لا يحمل علماء الأمصار الإستثناء على المنقطع ما أمكن حمله على المتّصل ولو بتأويل، فإذا تعذّر حمله على المتّصل حملوه على المنقطع.
١٦ - وذكر عبد العزيز البخاري أنّ أكثر العلماء على أنّ الإستثناء( إِلَّا الَّذِينَ تابُوا ) في قوله تعالى:( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ إِلّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) هو استثناء متّصل، لأنّ الحمل على الحقيقة واجب مهما أمكن، ولذا قدّروا الآية « أولئك هم الفاسقون في جميع الأحوال ».
١٧ - وذكر عبد العزيز عن الشافعي وأبي حنيفة وأبي يوسف في قول القائل: لفلان عليَّ ألف درهم إلاّثوباً: أنّ هذا الإستثناء صحيح، وهو محمول على نفي قيمة الثوب، فيسقط قدر قيمة الثوب من الألف. قال: والعمل على هذا واجب، لعدم جواز حمل الإستثناء على المنقطع، بل هو متصل بتقدير لفظ القيمة. وقد عزا عبد العزيز البخاري هذا إلى عموم الحنفية كذلك.
١٨ - وذكر البخاري أنّ الإستثناء( إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ ) في قوله عزوجل( وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ ) متصل بحمل الصّدر على عموم الأحوال.
وكذا قال في الحديث: لا تبيعوا الطعام بالطعام إلّاسواء بسواء.
أقول: وبهذه الوجوه نقول: بأنْ الإستثناء في حديث المنزلة متّصل لا منقطع، لأن قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « إلّا أنّه لا نبي بعدي » إمّا هو في تقدير: إلاّ النبوّة لأنه لا نبي بعدي، وإمّا هو محمول على « إلّا النبوة ».
١٩ - إنه - بقطع النظر عمّا ذكر - لا يجوز حمل الإستثناء في الحديث على المنقطع، إذ يعتبر في الإستثناء المنقطع وجود المخالفة بوجهٍ من الوجوه مع السّابق، كما نصَّ عليه القاضي الإيجي، وكذا القطب الشيرازي مصرحاً بأنه ممّا
اتفق عليه العلماء كلّهم قالوا: ولذا لا يصح أن يقال: ما جاءني زيد إلّا أنّ الجوهر الفرد حق.
أقول: وأنت خبير بأنْ لا مخالفة بين عدم النبوة وبين ثبوت منزلة هارون لأمير المؤمنينعليهالسلام في حال عدم عموم المنزلة، و: « أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّاعدم النبوة » يكون مثل: « ما جاءني زيد إلّا أنّ الجوهر الفرد حق » ويجلّ عنه أدنى فصيح، فكيف بمن هو أفصح من نطق بالضاد!!
٢٠ - لقد روى جماعة من أئمة أهل السنّة وكبار حفّاظهم حديث المنزلة بلفظ « إلّا النبوة » منهم:
أحمد بن حنبل. في المسند، وفي كتاب مناقب على.
والنسائي. في كتاب الخصائص، عن صفوان، عن سعيد بن المسيب، عن سعد. وعن هشام، عن سعيد بن المسيب، عن سعد. وعن عائشة، عن أبيها.
وابن عساكر الدمشقي، بسنده عن جابر بن عبد الله.
والموفّق بن أحمد الخوارزمي المكي، بسنده عن جابر بن عبد الله.
وابن كثير الشامي، حيث روى رواية أحمد، وصحّح إسنادها.
وسبط ابن الجوزي، حيث أورد رواية أحمد.
والمولوي ولي الله اللكهنوي، حيث روى رواية النسائي.
أقول:
فالإستثناء متّصل، وبطلان دعوى انقطاعه واضح.
٢١ - لقد فسّر جماعة من محقّقي القوم، ونصّوا بوجوهٍ عديدة، على أن المستثنى في الحديث هو « النبوة » لا « عدم النبوة » فالإستثناء عندهم متّصل لا منقطع لاحظ كلام ابن طلحة الشافعي في ( مطالب السئول ) وابن الصبّاغ
المالكي في ( الفصول المهمة ) ومحمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني في ( الروضة الندية ).
ولاحظ كلام الطيّبي في ( شرح المصابيح )، والعلقمي في ( شرح الجامع الصّغي )، والقسطلاني، والمناوي، والعزيزي، وعبد الحق الدهلوي في ( مدارج النبوة ).
٢٢ - وهو صريح عبارة والد ( الدهلوي ) في كتابيه ( قرة العينين ) و ( إزالة الخفا ).
وعبارة ثناء الله پاني پتي تلميذ والد ( الدهلوي ).
وعبارة رشيد الدين الدهلوي تلميذ ( الدهلوي ).
٢٣ - بل هو صريح كلام نصرالله الكابلي، وهو مقتدى ( الدهلوي ) وإمامه الذي نسج على منواله وانتحل أكثر كلامه
وجوه أخرى
في دلالة الحديث على عموم المنزلة
خلاصة الوجوه المذكورة سابقاً في أنَّ حديث المنزلة يدل على عموم المنزلة، لكون الإستثناء فيه متّصلاً، وأنّه لا يجوز حمله على المنقطع وكل وجه منها ينحلّ إلى وجوه
وإليك وجوهاً أخرى زائداً على ما تقدّم:
وجوه أخرى
ذكر المحققون من العلماء: أنّ التشبيه يوجب العموم في المحلّ الذي يحتمله قال الشيخ علي بن محمد البزدوي في ( الأصول ) ما نصّه:
« والأصل في الكلام هو الصريح، وأمّا الكناية ففيها ضرب قصور، من حيث أنّها تقصر عن البيان إلّابالنيّة، والبيان بالكلام هو المراد، فظهر هذا التفاوت فيما يدرء بالشبهات، وصار جنس الكنايات بمنزلة الضرورات، ولهذا قلنا إن حدّ القذف لا يجب إلّابتصريح الزنا، حتى أنّ من قذف رجلاً بالزنا فقال له آخر: صدقت، لم يحد المصدّق، وكذلك إذا قال: لستُ بزان. يريد التعريض بالمخاطب، لم يحد. وكذلك في كلّ تعريض، لما قلنا. بخلاف من قذف رجلاً بالزنا فقال الآخر: هو كما قلت، حدّ هذا الرجل، وكان بمنزلة الصّريح، لما عرف في كتاب الحدود ».
قال شارحه البخاري: « قوله: وكان بمنزلة الصريح لما عرف. قال شمس الأئمة في قوله هو كما قلت: إنّ كاف التشبيه يوجب العموم عندنا في المحلّ
الذي يحتمله، ولهذا قلنا في قول علي -رضياللهعنه -: إنما أعطيناهم الذمّة وبذلوا الجزية ليكون أموالهم كأموالنا ودماؤهم كدمائنا: إنه مجريٌّ على العموم فيما يندرء بالشبهات كالحدود، وما ثبت بالشبهات كالأموال، فهذا الكاف أيضاً موجَبه العموم، لأنه حصل في محل يحتمله، فيكون نسبةً له إلى الزنا قطعاً، بمنزلة الكلام الأول، على ما هو موجب العام عندنا »(١) .
أقول:
فالتشبيه يوجب العموم عند الأصوليين، وفي حديث المنزلة تشبيه، كما نصّ عليه شرّاحه من مشاهير المحققين المهرة، كالقاضي عياض، والنووي، والمحب الطبري، والطيّبي، والكرماني، والعسقلاني، والأعور الواسطي، والقسطلاني، والعلقمي، والمناوي، وغيرهم وقد تقدمت عباراتهم بل ( الدهلوي ) نفسه أيضاً معترف بذلك حيث يقول: « وأيضاً، لمـّا شبّه حضرة الأمير بحضرة هارون »
فهذا وجه من وجوه دلالة الحديث على العموم
وفي ( طبقات الشافعية ) بترجمة أبي داود سليمان بن الأشعث، يقول السبكي: « قال شيخنا الذهبي: تفَقّه أبو داود بأحمد بن حنبل ولازمه مدةً، قال: وكان يشبَّه به كما كان أحمد يشبّه بشيخه وكيع، وكان وكيع يشبَّه بشيخه سفيان، وكان سفيان يشبّه بشيخه منصور، وكان منصور يشبَّه بشيخه إبراهيم، وكان إبراهيم يشبّه بشيخه علقمة، وكان علقمة يشبّه بشيخه عبد الله بن مسعود،رضياللهعنه .
قال شيخنا الذهبي: وروى أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن
____________________
(١). كشف الأسرار في شرح اصول البزودي ٢ / ٣٨٩ - ٣٩١.
علقمة: إنه كان يشبه عبد الله بن مسعود بالنبي صلّى الله عليه وسلّم في هديه ودلّه.
قلت: أمّا أنا فمن ابن مسعود أسكت، ولا أستطيع أنْ اُشبّه أحداً برسول الله صلّى الله عليه وسلّم، في شيء من الأشياء، ولا أستحسنه ولا أجوّزه، وغاية ما تسمح نفسي به أنْ أقول: وكان عبد الله يقتدي برسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فيما تنتهى إليه قدرته وموهبته من الله عزوجل، لا في كلّ ما كان عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فإن ذلك ليس لابن مسعود، ولا للصديق، ولا لمن اتّخذه الله خليلاً، حشرنا الله في زمرتهم »(١) .
وإذ ثبت أن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قد شبّه أمير المؤمنين بهارونعليهماالسلام ، فقد ثبت بذلك بالبداهة أن عليّاً حائز لجميع صفات هارون إلّا النبوة، وإلّا لما شبّه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عليّاً بهارون، لعين الدليل القائم على عدم جواز تشبيه ابن مسعود برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ومقتضى كلمات العلماء المحققين في المسائل والموارد المختلفة من استدلالاتهم: أنّ كون الشيء بمنزلة الشيء يستلزم ترتّب أحكامه عليه
فمثلاً يقول الشيخ جمال الدين ابن هشام في بيان وجوه إستعمال « إلّا » في كلام العرب:
« الثاني - أن تكون صفةً بمنزلة غير، فيوصف بها وبتاليها جمع منكّر أو شبهه، فمثال الجمع المنكر( لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا ) (١) فلا يجوز في
____________________
(١). طبقات الشافعية للسبكي ٢ / ٤٩.
« إلّا » هذه أنْ تكون للإستثناء، من جهة المعنى، إذ التقدير حينئذٍ: لو كان فيهما آلهة ليس فيهم ليست في المصدر الله لفسدتا، وذلك يقتضي بمفهومه أنه لو كان فيهما آلهة جمع منكر في الإثبات، فلا عموم له، فلا يصحّ الإستثناء منه. ولو قلت: قام رجال إلّازيد. لم يصح إتّفاقاً.
وزعم المبرد: أن « إلّا » في هذه الآية للإستثناء، وأنّ ما بعدها بدل، محتجّاً بأنّ « لو » تدل على الإمتناع، وامتناع الشيء انتفاؤه. وزعم أنّ التفريغ بعدها جائز، وأن نحو: لو كان معنا إلّازيد، أجود كلام.
ويردّه: أنهم لا يقولون: لو جاءني ديّار أكرمته. ولا: لو جاءني من أحد أكرمته. ولو كانت بمنزلة النافي لجاز ذلك، كما يجوز: ما فيها ديار، وما جاءني من أحد. ولمـّا لم يجز ذلك دلّ على أنّ الصواب قول سيبويه أنّ إلّاوما بعدها صفة »(١) .
ويقول عبد العزيز البخاري:
« قوله: لكنه فيما لم يسبق فيه الخلاف بمنزلة المشهور من الحديث، وفيما سبق فيه الخلاف بمنزلة الصحيح من الآحاد.
أي: لكن إجماع من بعد الصحابة في حكم لم يسبق فيه الخلاف، بمنزلة المشهور من الحديث، حتى لا يكفّر جاحده لشبهة الإختلاف، ولكنْ يجوز الزيادة التي هي في معنى النسخ به، لأن الإختلاف الواقع فيه ممّا لا يعبأ به، وإجماعهم فيما سبق فيه خلاف بمنزلة الصحيح من الآحاد، حتى كان موجباً للعمل دون العلم، بشرط أنْ لا يكون مخالفاً للُاصول، فكان هذا الإجماع حجة على أدنى المراتب. كذا في التقويم. وينبغى أنْ يكون مقدماً على القياس، كخبر الواحد »(٢) .
____________________
(١). مغني اللبيب ١ / ٩٩
(٢). التحقيق في شرح المنتخب في اصول المذهب للأخسيكشي - مبحث الإجماع.
إذن، كون الشيء بمنزلة الشيء يستلزم ترتّب أحكامه عليه، وهذا دليل صريح على أن قول القائل: هذا بمنزلة ذاك، يدل على العموم.
فكون أمير المؤمنينعليهالسلام بمنزلة هارونعليهالسلام ، يثبت للإمام جميع المراتب الثابتة لهارون، فالحديث يدل على عموم المنزلة.
واعترف الشيخ عبد الحق الدهلوي ( بشرح المشكاة ) بدلالة حديث المنزلة على أن عموم منازل هارون ثابتة لسيّدنا الأميرعليهماالسلام ، فقد قال بشرح الحديث: « أنت منّي بمنزلة هارون من موسى. قال سعد بن أبي وقاص - وهو أحد العشرة المبشرة - أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لعليرضياللهعنه : أنت مني بمنزلة هارون من موسى. حيث كان أخاه وخليفته، إلّا أنّه لا نبي بعدي. أي: غير أنّ الفرق ليس إلّا أنه ليس بعدي نبي، وكان هارون نبيّاً، ولست أنت بنبيّ ».
فلقد فهم الشيخ عبد الحق الدهلوي العموم من هذا الحديث، ونصّ على أنّه لا فرق بين أمير المؤمنين وهارونعليهماالسلام إلّا في النبوة، أي: فيكون أمير المؤمنينعليهالسلام الخليفة بعد النبي، الإمام المعصوم، المفترض الطّاعة، وأعلم القوم وأفضلهم
ويقول الفخر الرازي - في كلامه الآتي بتمامه -:
« أما الأول فجوابه: إن معنى قوله: أنت مني بمنزلة هارون من موسى: إن حالك معي أو عندي كحال هارون من موسىعليهماالسلام . وهذا القول يدخل
تحته أحوال هارون نفياً وإثباتاً ».
فهذا الكلام صريح في عموم الأحوال، لأنّ كلمة « أحوال » في هذا الكلام جمع مضاف، والجمع المضاف من صيغ العموم، كما عرفت من كلام القاضي العضد الإيجي في ( شرح المختصر ) والعبري في ( شرح المنهاج ).
فمراد الرازي من « أحوال هارون » هو جميع أحواله.
هذا، مضافاً إلى أنّه لو لم يكن مراد الرازي العموم لم يثبت مطلبه من هذا الكلام، لأن إثبات بعض الأحوال فقط لا يستلزم دخول نفي الإمامة في هذه الأحوال، فلا يثبت مطلوبه وهو إثبات دلالة الحديث على نفي الإمامة فلابدّ من أن يكون لفظ المنزلة دالّاً على جميع الأحوال.
وحينئذٍ يتم - والحمد لله – العموم الذي يدّعيه أهل الحق الإمامية، فإنهم إنما يدّعون العموم بالنسبة إلى الأحوال المعتنى بها، والرازي يثبت هذا العموم بل الأزيد منه، ويرى شموله للأحوال المنفيّة أيضاً.
لكنّه - ويا للعجب - يعود فينكر العموم، كأسلافه وأخلافه، عناداً للحق وأهله ويأتي ( الدهلوي ) ويدّعي أن ثبوت العموم يستلزم الكذب في كلام المعصوم والعياذ بالله!!
ويقول ( الدهلوي ) في جواب الإستدلال بحديث المنزلة:
« وأيضاً: لما شبّه حضرة الأمير بحضرة هارون - ومعلومٌ أنّ هارون كان خليفة موسى في غيبته في حال حياته، أما بعد وفاة موسى فكان الخليفة يوشع ابن نون وكالب بن يوفنا - فاللّازم أنْ يكون حضرة الأمير خليفة النبي صلّى الله عليه وسلّم في حال حياته مدة غيبته لا بعد وفاته، بل الخليفة بعد وفاته غيره،
حتى يكون التشبيه كاملاً، وحمل التشبيه الواقع في كلام رسول الله على التشبيه الناقص دليل على كمال عدم المبالاة بالدين ».
وفي كلامه هذا اعتراف بعموم المنزلة، لأنّه يحمل الحديث - تقليداً للرازي - على العموم حتى بالنسبة إلى المنازل المنفيّة، كي يثبت الدلالة على نفي خلافة الأميرعليهالسلام ، ومعلوم أنّ كمال التشبيه لا يكون بغير عموم المنازل، وحمله على بعض المنازل حمل على التشبيه الناقص الذي منعه ( الدهلوي ).
فظهر أنّ حمل القوم حديث المنزلة على بعض المنازل دليل على عدم مبالاتهم بالدين، وعدم اهتمامهم بمداليل كلمات خاتم النبيّينصلىاللهعليهوآلهوسلم وبهذا يسقط ما زعمه ( الدهلوي ) من أن الحمل على الإستثناء المتّصل يستلزم الكذب في كلام المعصوم، بل إنّ الأمر بالعكس، فإنّ زعم انقطاعه وتأويل « إلّا أنه لا نبي بعدي » بـ « عدم النبوّة » يستلزم ذلك والحمد لله في المبدء والمآب
ويفيد كلام ( الدهلوي ) في موضعٍ آخر: أنّ التشبيه يستلزم العموم وذلك في ( حاشية التحفة )، حيث أورد كلاماً لملّا يعقوب الملتاني، في الجواب عن حديث « إني تارك فيكم الثقلين » وحاصله: أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم شبّه أهل بيته بالسفينة، وشبّه أصحابه بالنجوم، ليشير إلى أنّ الشريعة تؤخذ من الصحابة، والطريقة من أهل البيت
ومن المعلوم: إن دلالة تشبيه الصحابة بالنجوم على وجوب أخذ الشريعة منهم، تتوقف على حمل التشبيه على العموم، وإلّا فلا تتم تلك الدلالة، وبأيّ وجهٍ حمل التشبيه في حديث النجوم المزعوم على العموم، فإنّ به يحمل التشبيه في حديث المنزلة الصحيح المتواتر على العموم
لكنّ « الأصحاب » في حديث النجوم في طرق الإمامية هم « أهل البيت » فمن أهل البيت تؤخذ الشريعة والطريقة معاً.
ويعترف الفضل ابن روزبهان بدلالة الحديث الشريف على حصول جميع الفضائل لأمير المؤمنينعليهالسلام - عدا النبوة -، واعترافه بهذا من عجائب الألطاف الإلهيّة الخفيّة وهذا نصّ كلامه:
« هذا من روايات الصّحاح، وهذا لا يدل على النص كما ذكره العلماء، ووجه الإستدلال به: إنه نفى النبوة من على وأثبت له كلَّ شيء سواه، ومن جملته الخلافة. والجواب: إن هارون لم يكن خليفةً بعد موسى، لأنه مات قبل موسىعليهالسلام ، بل المراد استخلافه بالمدينة حين ذهابه إلى تبوك، كما استخلف موسى هارون حين ذهابه إلى الطور، لقوله تعالى:( اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ) .
وأيضاً: يثبت به لأمير المؤمنين فضيلة الاُخوة والمؤازرة لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم في تبليغ الرسالة، وغيرها من الفضائل، وهي مثبتةٌ يقيناً لا شك فيه »(١) .
أقول:
فكلامه يدل على العموم بلفظ « الفضائل » وهو جمع معرف باللام، وهو من صيغ العموم كما عرفت من تصريحات القوم
وإذْ ثبت دلالة الحديث على ثبوت جميع الفضائل لأمير المؤمنين عليه
____________________
(١). ابطال نهج الباطل. انظر: دلائل الصدق ٢ / ٣٨٩.
السلام، ثبت دلالته على الأفضلية، وبذلك يسقط تقوّلات ابن تيمية والأعور وأمثالهما في هذا الباب.
أمّا نفي الدلالة على الخلافة بسبب وفاة هارون في زمن حياة موسى، فسيأتي الجواب عنه بأبلغ الوجوه، إن شاء الله تعالى.
واعترف بذلك أيضاً ابن أخ ( الدهلوي ): المولوي محمد إسماعيل الذي فاق عمه وأسلافه في التعصّب والتصلّب المقيت وهذه عبارته معرّبةً:
« واعلم أيضاً: أن لبعض الكاملين مشابهةً مع أنبياء الله في أحد الكمالات، ولبعضهم في كمالين، ولبعضهم في ثلاثة، ومنهم من يشابههم في جميع الكمالات فللإمامة - إذاً - مراتب مختلفة، وبعضها أكمل من بعض هذا بيان حقيقة مطلق الإمامة وعلى هذا، كان إمامة من يشابه الأنبياء في جميع الكمالات أكمل من إمامة سائر الكاملين، فلا يبقى والحال هذه لا محالة امتياز لهذا الإمام الأكمل عن الأنبياء إلّابنفس مرتبة النبوة وحينئذٍ جاز أنْ يقال: إنه لو كان نبي بعد خاتم النبيّين لكان شخص أكمل الكاملين، ومن هنا ورد في الحديث: لو كان بعدي نبي لكان عمر(١) . وجاز أن يقال بأنّه لا فرق بينه وبين النبي إلاّبمنصب النبوّة، كما ورد عنه في حق عليرضياللهعنه : أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبي بعدي »(٢) .
وبهذا التصريح تصير جميع التلفيقات الواردة في كتب أسلاف الرجل هباءً منثوراً.
____________________
(١). هذا حديث موضوع كما لا يخفى على من راجع قسم حديث أنا مدينة العلم، من كتابنا.
(٢). منصب امامت - آخر الفصل الأول.
وروى شهاب الدين أحمد عن الحافظ أبي نعيم الإصفهاني في كتاب ( الحلية ) أحاديث هذا رابعها:
« عن أبي برزة - قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وبارك وسلّم: إنّ الله عزوجل عهد إلىَّ عهداً، فقلت: يا رب، بيّنه لي، فقال: إسمع، فقلت: سمعت، فقال: إنّ عليّاً راية الهدى وإمام أوليائي ونور من أطاعني، وهو الكلمة التي ألزمتها المتّقين، من أحبّه أحبّني، ومن أبغضه أبغضني، فبشّره بذلك. فجاء علي -رضياللهعنه - فبشّرته، فقال: يا رسول الله، أنا عبد الله وفي قبضته، إنْ يعذّبني فبذنبي، وإنْ يتمّ لي الذي بشّرتنى به فالله أولى بي. قالصلىاللهعليهوآلهوسلم وبارك وسلّم قلت: اللهم اجلُ قلبه واجعل ربيعه الإيمان. فقال الله عزوجل: قد فعلت به ذلك. ثم إنه رفع إليّ أنه سيخصّه من البلاء بشيء لم يخصّ به أحداً من أصحابي. فقلت: يا رب أخي وصاحبي! فقال: إن هذا شيء قد سبق، إنّه مبتلى ومبتلى به »(١) .
قال شهاب الدين: « روى الأربعة الحافظ أبو نعيم ».
قال: « وقال الشيخ الإمام العالم العامل العارف الكامل جلال الدين أحمد الخجندي - حفّ مرقده بأنواع الفيض الصمدي -: وهو - رضي الله تعالى عنه - سيد الأولياء بعد رسول الله - صلّى الله عليه وعلى آله وبارك وسلّم - إذْ ولايته من ولاية رسول الله - صلّى الله عليه وعلى آله بارك وسلّم - بلا واسطة. وكذا علمه من علمه، وحكمته من حكمته، وشجاعته من شجاعته، وكذا سائر
____________________
(١). حلية الاولياء ١ / ٦٦ - ٦٧.
الكمالات، إلاّفيما استثناه، يعني قوله: غير أنّه لا نبي بعدي »(١) .
أقول:
فإذن، يكون أمير المؤمنينعليهالسلام بولايته وعلمه وحكمته وسائر الكمالات - عدا النبوة - أفضل من بَعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فالحديث الشريف يدل على أفضليته فإمامته بلا فصل، لقبح تقديم المفضول على الفاضل، كما هو ظاهر من تصريحات والد ( الدهلوي ) فضلاً عن غيره من الأفاضل.
على أنّ الإمامة على رأس الكمالات - كما هو ظاهر الفخر الرازي في ( نهاية العقول ) - فهو بهذا السبب أيضاً يتلو النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، إذ لو لم يكن إماماً كان تابعاً، ولانتفى عنه عمدة الكمالات، وهو خلف.
وبالجملة، فقد ظهر من هذا التقرير المستفاد من الحديث المروي في ( الحلية ) دلالة حديث المنزلة على عموم المنزلة وسقطت محاولات المنكرين من الأولين والآخرين، والحمد لله رب العالمين.
ومن أقوى الأدلّة على ثبوت جميع الكمالات والفضائل لأمير المؤمنينعليهالسلام عدا النبوّة هو الحديث الذي أخرجه جمع غفير من الائمة الكبار أمثال:
ابن أبي عاصم
وأحمد بن عمرو الشيباني
____________________
(١). توضيح الدلائل - مخلوط.
ومحمد بن جرير الطبري
وسليمان بن أحمد الطبراني
وأبي حفص ابن شاهين
وأبي نعيم الإصفهاني
وابن المغازلي الشافعي
والموفّق بن أحمد الخطيب الخوارزمي
ومحمد بن يوسف الزرندي
والسيد شهاب الدين أحمد
وجلال الدين السيوطي
وإبراهيم الوصّابي اليمني
وعلى المتّقي الهندي
ومحمد صدر العالم
وإليك نصّه:
« عن علي قال: وجعت وجعاً، فأتيت النبي - صلّى الله عليه وسلّم -، فاقامني في مكانه، وقام يصلّي، وألقى عليَّ طرف ثوبه، ثم قال: برئت يا ابن أبي طالب، فلا بأس عليك. ما سألت الله لي شيئاً إلاّسألت لك مثله، ولا سألت الله شيئاً إلّا أعطانيه، غير أنّه قيل لي: إنه لا نبي بعدك. فقمت فكأنّي ما اشتكيت.
ابن أبى عاصم، وابن جرير وصحّحه - طس، وابن شاهين في السنّة »(١) .
وقال النسائي:
« أنبأنا عبد الأعلى بن واصل بن عبد الأعلى قال: ثنا علي بن ثابت قال: ثنا منصور بن أبي الاسود، عن يزيد بن أبي زياد، عن سليمان بن عبد الله بن
____________________
(١). كنز العمال ١٣ / ١٧٠ رقم ٣٦٥١٣.
الحارث، عن جدّه، عن علي -رضياللهعنه - قال:
مرضت فعادني رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - فدخل عليَّ وأنا مضطجع، فاتّكى إلى جنبي ثم سجّاني بثوبه، فلمـّا رآني قد هدأت قام إلى المسجد يصلي، فلمـّا قضى صلاته جاء فرفع الثوب عني وقال: قم يا علي فقد برئت، فقمت كأنْ لم أشتك شيئاً قبل ذلك، فقال: ما سألت ربّي شيئاً في صلاتي إلّا أعطاني، وما سألت لنفسي شيئاً إلّاوقد سألت لك.
قال أبو عبد الرحمن: خالفه جعفر الأحمر فقال: عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن علي قال: وجعت وجعاً شديداً، فأتيت النبي - صلّى الله عليه وسلّم - فأقامني في مكانه وقام يصلّي، وألقى عليَّ طرف ثوبه ثم قال: قم يا علي فقد برئت لا بأس عليك، وما دعوت الله لنفسي بشيىء إلّادعوت لك مثله، وما دعوت بشيىء إلّاقد استجيب لي. وقال: اُعطيت إلّا أنه قيل لي: لا نبي بعدك »(١) .
ورواه ابن المغازلي بسنده عن جعفر الأحمر:
« ما دعوت لنفسي بشيء إلّا دعوت لك بمثله، ولا دعوت بشيء إلّا استجيب لي - أو قيل قد اُعطيته - إلّا أنّه لا نبي بعدي »(٢) .
وكذا رواه الخطيب الخوارزمي عن جعفر بطريق ابن أبي عاصم(٣) .
والزرندي بقوله: « فضيلة كل الفضائل دونها، ومنقبة غالب الحفاظ يروونها. روى الإمام عبد الله بن الحارث: قلت لعلي: أخبرني بأفضل منزلتك من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم - قال: نعم، بينا أنا نائم عنده وهو يصلّي،
____________________
(١). خصائص امير المؤمنين: ١٥٦ رقم ١٤٧، و ١٥٧ رقم ١٤٨.
(٢). المناقب للمغازلي: ١٣٥ رقم ١٧٨.
(٣). المناقب للخوارزمي: ١١٠ رقم ١١٧.
فلمـّا فرغ من صلاته قال: يا علي، ما سألت الله من الخير إلّا سألت لك مثله، وما استعذت من الشرّ إلّا استعذت لك مثله. وفي روايةٍ قال: وجعت وجعاً فأتيت النبي »(١) .
وشهاب الدين أحمد عن الصالحاني بإسناده إلى المحاملي بإسناده، وعن الطبري وعن الزرندي(٢) عن ابن الحارث عن علي عليه الصلاة والسلام.
وروى الوصّابي: « عن أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالبرضياللهعنه قال قال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في وجع وجعته: يا علي، قم، فقد برئت، وما سألت الله شيئاً إلّاسألت لك مثله، إلّا أنه قيل: لا نبوة بعدك. أخرجه أبو نعيم في فضائل الصحابة »(٣) .
وقال محمد صدر العالم: « أخرج ابن أبي عاصم وابن جرير - وصحّحه - والطبراني في الأوسط وابن شاهين في السنّة عن علي قال
وأخرج أبو نعيم في فضائل الصحابة عن علي قال قال رسول الله »(٤) .
واعلم:
إنه لم يرد في لفظ الحديث - في بعض طرقه - قوله: « إلّا أنه قيل لي لا نبي بعدك ». فراجع إن شئت رواية النسائي، والمحاملي، والخوارزمي، والمحبّ الطبري، والسيوطي، والمتّقي وغيرهم(٥) .
____________________
(١). نظم درر السمطين: ١١٩.
(٢). توضيح الدلائل - مخطوط.
(٣). الاكتفاء في فضل الأربعة الخلفاء - مخطوط.
(٤). معارج العلى في مناقب المرتضى - مخطوط.
(٥). الخصائص، تقدم قريباً، المناقب للخوارزمي: ٨٦، كنز العمال ١٣ / ٣٦٣٦٨، ذخائر العقبى: ٦١، الرياض النضرة ٣ / ١١٨.
روى المولوي محمد مبين(١) عن السيوطي قال:
« قال ابن النجار في تاريخه معنعناً عن قيس بن أبي حازم عن عمرو بن العاص قال: لما قدمت من غزوة السلاسل - وكنت أظن أنّه ليس أحد أحبّ إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم منّي - قلت: يا رسول الله، أيّ الناس أحب إليك؟ قال: عائشة. قلت: إني أسألك عن الرّجال. قال: فإذن أبوها. قلت: يا رسول الله فأين علي؟ فالتفت إلى أصحابه فقال: إن هذا يسألنى عن النفس. وفي روايةٍ: قال فتى من الأنصار: فما بال علي؟ فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: هل رأيت أنّ أحداً يسئل عن نفسه؟!
وأخرج ابن النجار في تاريخ بغداد من طريقه: قالت فاطمة، يا رسول الله لم تقل في علي شيئاً؟ قال: علي نفسي فمن رأيتيه يقول في نفسه! ».
ثم قال المولوي المذكور: « فكلّ صفةٍ اتّصف النبي بها فإنّ علي المرتضى متصف بها، سوى النبوّة الخاصّة المختصة بالرسول كما قال في حديث آخر: لا نبي بعدي »(٢) .
قال السيد شهاب الدين أحمد: « ولا يخفى أن مولانا أمير المؤمنين قد شابه النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وبارك وسلّم في كثيرٍ بل في أكثر الخصال الرضيّة
____________________
(١). هو: المولوي محمد مبين اللكهنوي، الشيخ الفاضل الكبير، أحد الفقهاء الحنفية، المتوفى سنة ١٢٢٥. كذا في نزهة الخواطر ٧ / ٤٠٣.
(٢). وسيلة النجاة في مناقب السادات: ٦٩، وهو في كنز العمال ١٣ / ١٤٢ ضمه ح ٣٦٤٤٦ عن ابن النجّار.
والفعال الزكيّة، وعاداته وعباداته وأحواله، وقد صحّ ذلك له بالأخبار الصحيحة والآثار الصّريحة، ولا يحتاج إلى إقامة الدليل والبرهان، ولا يفتقر إلى إيضاح حجةٍ وبيان، وقد عدَّ بعض العلماء بعض الخصال لأمير المؤمنين علي، التي هو فيها نظير سيدنا النبي الأمي. فقال:
هو نظيره من وجوه: نظيره في الأصل بدليل شاهد النسب الصريح بينهما بلا ارتياب، ونظيره في الطهارة بدليل قوله تعالى:( أَنَّما يُرِيدُ اللهُ ) ( لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (١) . ونظيره في آية ولي الأمة بدليل قوله تعالى:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ) . ونظيره في الأداء والتبليغ بدليل الوحي الوارد عليه يوم إعطاء سورة براءة لغيره، فنزل جبرئيل عليه الصلاة والسلام وقال: لا يؤدّيها إلّا أنت أو من هو منك، فاستعادها منه، فأدّاها عليرضياللهعنه بوحي الله تعالى في الموسم. ونظيره في كونه مولى الامة بدليل قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم وبارك وسلّم: من كنت مولاه فهذا علي مولاه. ونظيره في مماثلة نفسيهما وأنّ نفسه قامت مقام نفسه وأن الله تعالى أجرى نفس علي مجرى نفس النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وبارك وسلّم فقال:( فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبنائنا وأبناءكم ونسائنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ) . ونظيره في فتح بابه في المسجد كفتح باب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وبارك وسلم وجواز دخول المسجد جنباً كحال رسول الله على السواء.
هذا معنى كلامه.
ومن تتبع أحواله في الفضائل المخصوصة، وتفحص أحواله في الشمائل المنصوصة، يعلم أنه - كرّم الله تعالى وجهه - بلغ الغاية في اقتفاء آثار سيدنا المصطفى، وأتى النهاية في اقتباس أنواره، حيث لم يجد فيه غيره مقتضى، وقد
قال رحمه الله ورضوانه عليه في خطبة طويلة له:
وقد علمتم موضعي من رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم وبارك وسلّم ) بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا وليد، يضمّني إلى صدره، ويكنفني في فراشه، ويشمّني عرفه، وكان يمضغ الشيء ثم يلقمنيه، وما وجد لي كذبةً في قول ولا خطلةً في فعل.
ولقد قرن الله تعالى به من لدن أن كان فطيماً أعظم ملك من الملائكة، يسلك به سبيل المكارم ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره.
ولقد كنت أتّبعه اتباع الفصيل أثر اُمّه، يرفع لي كلّ يوم علماً من أخلاقه، ويأمرني بالإقتداء به.
ولقد كان يجاور في كلّ سنة بحراء، فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة وأشمّ ريح النبوة.
ولقد سمعت رنّة الشيطان حين نزل الوحي عليه فقلت: يا رسول الله ما هذه الرنة؟ فقال: هذا الشيطان قد أيس من عبادته، إنك لتسمع ما أسمع وترى ما أرى، إلّا أنك لست بنبي ولكنك وزير وإنك لعلي خير »(١) .
ومن الأدلة القاطعة على عموم المنزلة قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : اللّهم إنى أقول كما قال أخي موسى: اللهم اجعل لي وزيراً من أهلي أخي عليّاً أشدد به أزري وأشركه في أمري، كي نسبّحك كثيراً ونذكرك كثيراً، إنك كنت بنا
____________________
(١). توضيح الدلائل - مخلوط.
بصيراً ». وهذا الحديث أخرجه:
أحمد بن حنبل
وابن مردويه
وأبو إسحاق الثعلبي
وأبو نعيم الإصبهاني
وأبو بكر الخطيب
وابن المغازلي الشافعي
وابن عساكر الدمشقي
وسبط ابن الجوزي الحنفي
وشهاب الدين أحمد
وجلال الدين السيوطي
وعلي المتقي الهندي
وشيخ بن علي الجفري
والميرزا محمد البدخشاني
ومحمد بن إسماعيل الأمير
وغيرهم من أعلام المحدّثين
قال المحبّ الطبري: « عن أسماء بنت عميس قالت سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: اللهم إني أقول كما قال أخي موسى: اللهم اجعل لي وزيراً من أهلي أخي عليّاً، اشدد به أزري وأشركه في أمري، كي نسبّحك كثيراً ونذكرك كثيراً إنك كنت بنا بصيراً. أخرجه أحمد في المناقب. والمراد بالأمر غير النبوة »(١) .
____________________
(١). الرياض النضرة ٣ / ١١٨.
ورواه أبو نعيم عن ابن عباس ثم قال: « قال ابن عباس: فسمعت منادياً ينادي يا أحمد: قد اُعطيت ما سألت. فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم لعلي: يا أبا الحسن إرفع يدك إلى السماء فادع ربك واسأله يعطك. فرفع علي يده إلى السماء وهو يقول: اللهم اجعل لي عندك عهداً واجعل لي عندك ودّاً. فأنزل الله على نبيه صلّى الله عليه وسلّم:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا ) . فتلاها النبي صلّى الله عليه وسلّم على أصحابه فعجبوا من ذلك عجباً شديداً. قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: بم تعجبون؟! إن القرآن أربعة أرباع، فربع فينا أهل البيت خاصة وربع في أعدائنا وربع حلال وحرام وربع فرائض وأحكام. وإن الله أنزل في علي كرائم القرآن »(١) .
ورواه ابن المغازلي بسنده عن ابن عباس كذلك(٢) .
وسبط ابن الجوزي عن أحمد في المناقب عن أسماء كما تقدم(٣) .
وشهاب الدين أحمد عن المحبّ الطبري عن أحمد في المناقب(٤) .
وقال السيوطي: « أخرج ابن مردويه والخطيب وابن عساكر عن أسماء بنت عميس قالت: رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بأزاء ثبير وهو يقول: أشرق ثبير، أشرق ثبير، اللهم إنى أسألك بما سألك أخي موسى أن تشرح صدري وأن تيسّر أمري وأنْ تحل عقدةً من لساني يفقهوا قولي واجعل لي وزيراً من أهلي علياً أخي أشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبّحك كثيراً ونذكرك كثيراً إنك كنت بنا بصيراً »(٥) .
____________________
(١). منقبة المطّهرين - مخطوط.
(٢). المناقب لابن المغازلي: ٣٢٨ رقم ٣٧٥.
(٣). تذكرة خواص الامّة: ٢٢.
(٤). توضيح الدلائل - مخطوط.
(٥). الدر المنثور ٥ / ٥٦٦، والآية في سورة طه ٢٠ رقم ٢٥ - ٣٥.
ومن الواضح جداً، أنه كما كان سؤال موسى دليلاً على أفضلية هارون من بعد موسىعليهماالسلام وأولويّته بالقيام مقامه والخلافة عنه، كذلك سؤال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم نفس ما سأل موسى، فإنه يدل على ثبوت جميع ما ثبت لهارون لمولانا أمير المؤمنينعليهالسلام ، والمنكر لهذه الدلالة مكابر لا يصغى إلى طغيانه وعدوانه، ولا يلتفت ولا يحتفل بشأنه وشنآنه.
وذكر ولي الله الدهلوي إنه إنما سأل موسى هذه السؤالات لاحتياجه إليها، من جهة تعذّر تحمل أعباء الرسالة بدونها(٢) . فتكون وزارة أمير المؤمنينعليهالسلام للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم من جملة الامور التي كان يحتاج إليها في تحمل أعباء الرسالة. وناهيك به دليلاً زاهراً على الأفضلية العامة.
وأيضاً فإن « الأمر » عام، فيكون كل ما ثبت لهارون ثابتاً للأميرعليهالسلام . وقد تقدم عن المحبّ الطبري أن المراد من الأمر كل الأمور عدا النبوة فالعصمة والأفضلية ووجوب الطاعة والإتّباع، اُمور ثابتة للأمير لا يشركه فيها أحد.
____________________
(١). إزالة الخفا الفصل السادس من المقصد الأول، في عمومات القرآن.
هل كانت الخلافة من منازل هارون؟
قال الدهلوي: لا نسلّم!
الرد على دعوى التنافي بين الخلافة والنبوة
قوله:
الثاني: إنّا لا نسلّم أن من منازل هارون من موسى خلافته عنه بعد الموت، إذ لو بقي هارون بعد موسى لكان رسولاً مستقلاً في التبليغ ولم تنقطع عنه هذه المرتبة آناًمّا، وهي تنافي الخلافة، لأن الخلافة نيابة النبي، وأيّ مناسبة بين الأصالة والنيابة!
أقول:
وكما أوضحنا بطلان الوجه الأول، سنوضّح بطلان هذا الوجه، في الوجوه الآتية، ليقف الكل - لاسيّما أولياؤه وأتباعه - على حقيقة حال هذا الرّجل، من النواحي العلمية والنفسيّة، ومدى اطّلاعه على الحقائق الدينية والتزامه بما جاء في الكتاب والسنّة وكلمات المحققين، من محدّثين ومتكلمين ومفسّرين
فمن الوجوه على بطلان هذه المناقشة:
إن دعوى التنافي بين الخلافة والنبوة إبطال لما تقدّم منه من حمل حديث المنزلة على المنزلة المعهودة، لأنّ الحمل المذكور كان على أساس ثبوت الخلافة لهارون، وتشبيه الخلافة العلوية بالخلافة الهارونية، أما إذا أنكر أصل
خلافة هارون عن موسى - بزعم التنافي بينها وبين رسالته لو بقي حيّاً من بعده - سقط الحمل المزعوم، وبسقوطه لا يبقى أيّ معنى لحديث المنزلة.
فهل يلتزم ( الدهلوي ) بلغويّة كلام النبي الذي( ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ) ؟
إنّ خلافة هارون عن موسى ثابتة بالنص الصريح من كتاب الله سبحانه وتعالى، الكتاب الذي( لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ )
قال الله عزوجل:( وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ) (١) .
فموسى يستخلف هارون، و ( الدهلوي ) يقول: « لا نسلّم، لمنافاة الخلافة للنبوة »!!
ولو أنّ مشكّكاً سوّلت له نفسه تحريف هذا النصّ الصريح من القرآن الكريم على استخلاف هارون، بتأويل سخيفٍ وتوجيه غير وجيه، لكان مردوداً باتّفاق المفسّرين على الإستخلاف، وصراحة كلماتهم في ذلك بلا خلاف، وإليك نصوص عبارات بعضهم في تفسير الآية:
* أبو الليث السمرقندي: «( وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ ) يعني: قال له قبل انطلاقه إلى الجبل:( اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ) يعني: كن خليفتي على قومي( وَأَصْلَحَ ) يعني: مرهم بالصّلاح ويقال: وأصلح بينهم( وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ
____________________
(١). سورة الأعراف: ٧، الآية ١٤٢.
الْمُفْسِدِينَ ) يعني: ولا تتّبع طريق العاصين ولا ترض به، واتّبع سبيل المطيعين »(١) .
* الثعلبي: «( وَقالَ مُوسى ) عند انطلاقه( لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي ) كن خليفتي.( فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ ) وأصلحهم بحملك إيّاهم على طاعة الله وعبادته »(٢) .
* البغوي: «( وَقالَ مُوسى ) عند انطلاقه إلى الجبل للمناجاة( لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي ) كن خليفتي( فِي قَوْمِي ) (٣) .
* الزمخشري: «( وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ ) وهارون عطف بيان لأخيه. وقرىء بالضم على النداء:( اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ) كن خليفتي فيهم( وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ) وكن مصلحاً. أي وأصلح ما يحب أنْ يصلح من اُمور بني إسرائيل، ومن دعاك منهم إلى الفساد فلا تتّبعه ولا تطعه »(٤) .
* الرازي: « وأمّا قوله:( وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ ) (٥) فقوله هارون عطف بيان لأخيه. وقرىء بالضم على النداء.( اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ) كن خليفتي فيهم( وَأَصْلِحْ ) وكن مصلحاً، أو وأصلح ما يجب أن يصلح من اُمور بني إسرائيل، ومن دعاك منهم إلى الإفساد فلا تتّبعه ولا تطعه.
فإن قيل: إن هارون كان شريك موسىعليهالسلام في النبوة، فكيف جعلَهُ خليفةً لنفسه، فإن شريك الإنسان أعلى حالاً من خليفته، وردُّ الإنسان من المنصب الأعلى إلى الأدون يكون إهانة.
____________________
(١). تفسير أبي الليث السمرقندي ١ / ٥٦٧.
(٢). الكشف والبيان في تفسير القرآن = تفسير الثعلبي - مخطوط.
(٣). معالم التنزيل ٢ / ٥٣٥.
(٤). الكشاف ٢ / ١١١.
قلنا: الأمر وإن كان كما ذكرتم إلّا أنه كان موسىعليهالسلام هو الأصل في تلك النبوة »(١) .
* النيسابوري: « « اخلفني في قومي » كن خليفتي فيهم( وَأَصْلِحْ ) وكن مصلحاً أو أصلح ما يجب أن يصلح من أمور بني اسرائيل. ومن دعاك إلى الإفساد فلا تتّبعه. وإنما جعل خليفةً مع أنّه شريكه في النبوة بدليل:( وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ) والشريك أعلى حالاً من الخليفة، لأنّ نبوة موسى كانت بالأصالة ونبوة هارون بتبعيتهُ، فكأنّه خليفته ووزيره »(٢) .
* البيضاوي: «( وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ) كن خليفتي فيهم( وَأَصْلِحْ ) ما يجب أنْ يصلح من أمورهم. أو كن مصلحاً( وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ) ولا تتّبع من سلك الإفساد، ولا تطع من دعاك إليه »(٣) .
* النسفي: «( وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ ) هو عطف بيان لأخيه( اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ) كن خليفتي فيهم( وَأَصْلِحْ ) ما يجب أنْ يصلح من أمور بني إسرائيل »(٤) .
* ابن كثير: « فلمـّا تمّ الميقات، وعزم موسى على الذهاب إلى الطّور، كما قال تعالى:( يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ ) الآية. فحينئذٍ استخلف موسى على بنى اسرائيل أخاه هارون ووصّاه بالإصلاح وعدم الإفساد. وهذا تنبيه وتذكير، وإلّا فهارونعليهالسلام نبيّ شريف كريم على الله، له وجاهة وجلالة. صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر
____________________
(١). تفسير الرازي ١٤ / ٢٢٧.
(٢). تفسير النيسابوري ٣ / ٣١٤.
(٣). تفيسر البيضاوي ١ / ٣٦٧.
(٤). تفسير النسفي ٢ / ١٢٧ ط هامش الخازن.
أنبياء الله »(١) .
* أبو السعود: «( وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ ) حين توجّه إلى المناجاة حسبما أمر به( اخْلُفْنِي ) أي كن خليفتي( فِي قَوْمِي ) وراقبهم فيما يأتون وما يذرون »(٢) .
* السيوطي: «( اخْلُفْنِي ) كن خليفتى( فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ ) أمرهم »(٣) .
* الشربيني: « أي: قال له عند ذهابه إلى الجبل للمناجاة%( اخْلُفْنِي ) أي: كن خليفتي( فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ ) أي ما يجب أن يصلح من أمورهم أو كن مصلحاً »(٤) .
وكلمات أرباب السّير أيضاً تنادي ببطلان دعوى التنافي بين الخلافة والنبوّة، وإليك بعضها:
* الثعلبي: « قال أهل السّير وأصحاب التواريخ: لمـّا أهلك الله فرعون وقومه. قال موسى: إني ذاهب إلى الجبل لميقات ربّي، وآتيكم بكتابٍ فيه بيان ما تأتون وما تذرون، وواعدهم ثلاثين ليلة، واستخلف عليهم أخاه هارون »(١) .
* الكسائي: « فلمـّا عبر موسى البحر، سار في بني إسرائيل يريد الطّور، فإذا هم بقوم قد اتّخذوا أصناماً وهم عاكفون على عبادتها، فقال السفهاء منهم -
____________________
(١). تفسير ابن كثير ٢ / ٢٥٤.
(٢). تفسير أبي السعود ٣ / ٢٦٩.
(٣). تفسير الجلالين.
(٤). السراج المنير = تفسير الخطيب الشربيني ١ / ٥١١.
(٥). عرائس المجالس في قصص الانبياء: ٢٠٨.
وكانوا قريبي العهد بعبادة الأصنام - يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة. قال: إنكم قوم تجهلون. فقال لهم: إنّ هؤلاء متبّر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون. ثم قال: أغير الله أبغيكم إلهاً وهو فضّلكم على العالمين. فاستغفروا الله ممّا قلتم. فسار القوم وفي قلوبهم حبّ الأصنام، حتى قرب من الطّور، فاستخلف أخاه هارون على قومه »(١) .
* ابن الأثير: « فلمـّا أهلك الله فرعون وأنجى بني إسرائيل، قالوا: يا موسى ائتنا بالكتاب الذي وعدتنا، فسأل موسى ربّه ذلك، فأمره أنْ يصوم ثلاثين يوماً ويتطهّر ويطهّر ثيابه، ويأتي إلى الجبل جبل طور سيناء ليكلّمه ويعطيه الكتاب، فصام ثلاثين يوماً أوّلها أول ذي القعدة، وسار إلى الجبل، واستخلف أخاه هارون على بنى إسرائيل »(٢) .
* العيني: « النوع الحادي والثلاثون في قصة السّامري: قال تعالى:( وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ ) الآية. قالوا: لمـّا ذهب موسىعليهالسلام إلى الجبل لميقات ربّه استخلف على قومه أخاه هارونعليهالسلام »(٣) .
وعلماء الكلام أيضاً يصرّحون باستخلاف موسى هارون:
* الديار بكري: « وخلّف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم علي بن أبي طالب على أهله، وأمره بالإقامة فيهم، فأرجف به المنافقون وقالوا: ما خلّفه إلّا استثقالاً لَهُ وتخضيفاً منه، فلمـّا قالوا ذلك أخذ علي سلاحه ثم خرج، حتى أتى رسول الله
____________________
(١). قصص الانبياء - مخطوط.
(٢). الكامل في التاريخ ١ / ١٨٩.
(٣). عقد الجمان في تاريخ اهل الزمان، فصل قصة موسى، النوع الحادي والثلاثون.
صلّى الله عليه وسلّم - وهو نازل بالجرف - فقال: يا نبي الله، زعم المنافقون أنّك انما خلّفتني إلاّ أنك استثقلتني وتخفّفت منّي! فقال: كذبوا، ولكني خلّفتك لما تركت ورائي، فارجع وأخلفني في أهلي وأهلك، أفلا ترضى - يا علي - أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي، فرجع عليٌ إلى المدينة، ومضى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لسفره. كذا في الإكتفاء وشرح المواقف.
وقال الشيخ أبو إسحاق الفيروزاني في عقائده: أي حين توجّه إلى ميقات ربه استخلف هارون في قومه »(٢) .
* أبو شكور الكشي في ( التمهيد ): « وهارونعليهالسلام كان خليفةَ موسى في حياته، ولم يكن بعد وفاته، لأنه مات قبل موسىعليهالسلام ».
* الشريف الجرجاني: « الجواب: منع صحة الحديث. كما منعه الآمدي، وعند المحدثين: إنه صحيح، وإنْ كان من قبيل الآحاد، أو نقول - على تقدير صحته - لا عموم له في المنازل، بل المراد استخلافه على قومه، كما في قوله:( اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ) (١) لاستخلافه على المدينة، أي المراد من الحديث: إنّ علياً خليفة منه على المدينة في غزوة تبوك، كما أنّ هارون خليفة لموسى في قومه حال غيبته »(٢) .
* شيخ الإسلام عبد الله اللاهوري المعروف بمخدوم الملك في ( عصمة الأنبياء ): « وما قيل من أنه - هارون - لم يجهد في رفض شملهم ولم يجاهدهم على عملهم، فهو مع الإنكار القلبي واللساني في حال شوكتهم وعدم سماعهم قوله، بل مع خوف قتلهم إيّاه وترقّبه فيهم حكم الله، ورجوع موسى عليه الصلاة والسلام مع استخلافه إيّاه عليهم، ووعده معه موعداً قريباً، وأمره بحسن
____________________
(١). تاريخ الخميس ٢ / ١٢٥.
(٢). شرح المواقف ٨ / ٣٦٢ - ٣٦٣.
الإستخلاف فيهم، ليس بكبيرة ولا صغيرة، يصح التمسّك لهم بها ».
* ابن تيمية: « فبّين له النبي صلّى الله عليه وسلّم: إني إنّما استخلفتك لأمانتك عندي، وأنّ الإستخلاف ليس بنقص ولا غض، فإن موسى استخلف هارونعليهالسلام على قومه، فكيف يكون نقصاً وموسى يفعله بهارون ».
قال: « فكان قول النبي صلّى الله عليه وسلّم تبييناً أن جنس الإستخلاف ليس نقصاً ولا غضّاً، إذ لو كان نقصاً أو غضّاً لما فعله موسى بهارون ».
قال: « ولم يكن هذا الإستخلاف كاستخلاف هارون، لأن العسكر كان مع هارون، وإنما ذهب موسى وحده ».
قال: « وكذلك هنا، إنما هو بمنزلة هارون فيما دلّ عليه السياق، وهو استخلافه في مغيبه، كما استخلف موسى هارون ».
قال: « بل قد استخلف على المدينة غير واحد، وأولئك المستخلفون منه بمنزلة هارون من موسى من جنس استخلاف علي »(١) .
* الأعور الواسطي: « ولم يحصل من استخلاف هارون إلّا الفتنة العظيمة والفساد الكبير بعبادة بني إسرائيل العجل »(٢) .
* ابن روزبهان: « إن هارون لم يكن خليفةً بعد موسى، لأنه مات قبل موسىعليهالسلام ، بل المراد استخلافه بالمدينة حين ذهابه إلى تبوك، كما استخلف موسى هارون عند ذهابه إلى الطور بقوله:( اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ) (٣) .
* إسحاق الهروي في ( السهام الثاقبة ): « فقالعليهالسلام - تسليةً لهرضياللهعنه -: أما ترضى أنْ تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي
____________________
(١). منهاج السنة ٧ / ٣٢٨ - ٣٣١.
(٢). رسالة الاعور - مخطوط.
(٣). ابطال الباطل - مخطوط. انظر: دلائل الصدق ٢ / ٣٨٩.
بعدي. يعني: إن موسىعليهالسلام لـمّا توجه إلى الطور جعل هارونعليهالسلام خليفة على أهله وقومه، فكذلك أنا، لغاية الإعتماد عليك والوثوق بكَ، أجعلك خليفةً على المدينة وعلى أهل بيتى ».
* ابن حجر المكي: « بل المراد ما دلَّ عليه ظاهر الحديث: إنّ عليّاً خليفة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم مدة غيبتهُ بتبوك، كما كان هارون خليفة عن موسى في قومه مدة غيبته للمناجاة ».
قال: « وقوله:( اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ) لا عموم له حتى يقتضي الخلافة عنه في كلّ زمن حياته وزمن موته، بل المتبادر منه ما مرّ أنّه خليفة مدة غيبته فقط ».
قال: « فقال له: ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى. يعني: حيث استخلفه عند توجّهه إلى الطور، إذ قال له( اُخلفني في قومي وأصلح ) (١) .
وهذه أيضاً عبارات شرّاح الحديث من أعلام المحدثين ومشاهير المحققين منهم:
* قال الخطابي - على ما في المفاتيح(٢) -: « ضرب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المثل باستخلاف موسى هارونعليهالسلام على بنى إسرائيل حين خرج، ولم يرد الخلافة بعد الموت، فإنّ المضروب به المثل، وهو هارونعليهالسلام ، كان موته قبل وفاة موسىعليهالسلام ، وإنما كان خليفة في حياته في وقتٍ خاص ».
____________________
(١). الصواعق المحرقة: ٧٤ - الشبهة الثانية عشرة.
(٢). المفاتيح في شرح المصابيح - مخطوط.
* قال النووي: « ويؤيّد هذا: إن هارون المشبّه به لم يكن خليفة بعد موسى، بل توفي في حياة موسى قبله بنحو أربعين سنة على ما هو المشهور عند أهل الأخبار والقصص. قالوا: وإنما استخلفه حين ذهب لميقات ربّه للمناجاة »(١) .
* قال القاضي عياض - على ما في المرقاة(٢) -: « وليس فيه دلالة على استخلافه على المدينة في غزوة تبوك، ويؤيد هذا إنّ هارون المشبّه به لم يكن خليفةً بعد موسى، لأنه توفي قبل وفاة موسى بنحو أربعين سنة، وإنّما استخلفه حين ذهب لميقات ربّه للمناجاة ».
* قال التوربشتي: « فقال: كذبوا، إنّما خلّفتك لما تركت ورائى، فارجع فاخلفنى في أهلي وأهلك، أما ترضى - يا علي - أنْ تكون منى بمنزلة هارون من موسى. يأوّل قول الله سبحانه:( وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ) »(٣) .
* قال محبّ الدين الطبري: « فالتنظير بينه وبين هارون إنما كان في استخلاف موسى له منضمّاً إلى الاخوة وشدّ الأزر والعضد به ».
قال: « وكان ذلك كلّه حال الحياة، مع قيام موسى فيما استخلفه فيه »(٤) .
قال: « فعلم قطعاً أن المراد به الإستخلاف حال الحياة، لمكان التشبيه، ولم يوجد إلّا في حال الحياة »(٥) .
____________________
(١). المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج ٥ / ١٧٤.
(٢). المرقاة في شرح المشكاة ٥ / ٥٦٤.
(٣). شرح المصابيح - مخلوط.
(٤). الرياض النضرة ١ / ٢٢٤.
(٥). الرياض النضرة ١ / ٢٢٤.
قال: « ومنزلة هارون من موسى في الإستخلاف لم تتحقّق إلّا في حال الحياة »(١) .
* قال الطيبي: « ولـمّا كان هارون المشبّه به إنما كان خليفةً في حياة موسى، دلّ ذلك على تخصيص خلافة علي النبي صلّى الله عليه وسلّم بحياته »(٢) .
* قال الكرماني: « ولم يرد به الخلافة بعد الموت، فإنّ المشبه به وهو هارون كانت وفاته قبل وفاة موسى -عليهماالسلام -، وإنما كان خليفةً في حياته في وقتٍ خاص »(٣) .
* قال ابن حجر العسقلاني بشرح الحديث، بعد ذكر الإستدلال به على خلافة الأمير: « واُجيب: بأنّ هارون لم يكن خليفةَ موسى إلّا في حياته، لا بعد موته »(٤) .
* قال العلقمي: « ويؤيّد هذا أنّ هارون المشبَّه به لم يكن خليفةً بعد موسى، لانه توفي قبل وفاة موسى بنحو أربعين سنة، وإنما استخلفه حين ذهب لميقات ربّه »(٥) .
* قال القاري نقلاً عن القاضي عياض -: « ويؤيّد هذا أن هارون المشبّه به لم يكن خليفةً بعد موسى، لأنه توفي قبل وفاة موسى بنحو أربعين سنة، وإنما استخلفه حين ذهب لميقات ربّه للمناجاة »(٦) .
____________________
(١). الرياض النضرة ١ / ٢٢٥.
(٢). شرح المصابيح - مخطوط.
(٣). الكواكب الدراري ١٣ / ٢٤٥.
(٤). فتح الباري ٧ / ٦٠ باختلاف.
(٥). الكوكب المنير - مخطوط.
(٦). المرقاة في شرح المشكاة.
* قال الحلبي: « فقال: كذبوا، ولكنى خلّفتك لما تركت ورائى، فارجع فاخلفنى في أهلي وأهلك، أفلا ترضى - يا علي - أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي. أي: فإنّ موسىعليهالسلام حين توجه إلى ميقات ربّه استخلف هارون -عليهالسلام - في قومه. فرجع علي إلى المدينة »(١) .
هذا، وقد نصّ على استخلاف موسى هارون في حياته والد ( الدهلوي ) في غير موضع من كتابيه ( إزالة الخفا ) و ( قرّة العينين ).
وكذا الكابلي صاحب ( الصواقع ) الذي سرق ( الدهلوي ) مطالبه وانتحلها حيث قال: « ولأنّ الإستخلاف في مدة الغيبة لا يقتضي بقاء الخلافة بعد انقضائها، كما استخلف موسى هارون عند التوجه إلى الطور للمناجاة، ولم يكن خلافته له إلّافي مدة غيبته عن قومه ».
وفوق ذلك كلّه: فإنّ كلمات ( الدهلوي ) نفسه تنقض إنكاره استخلاف موسى هارون من وجوه، منها قوله في ردّ الإستدلال بالحديث: « وهنا قرينة وهي العهد: قوله: أتخلّفني في النساء والصبيان. أي: كما أن هارون كان خليفة موسى في وقت توجّهه إلى الطور، فإنّ الأمير يكون خليفة النبي في وقت توجّهه إلى غزوة تبوك ». ومنها: قوله: « ومعلوم أنّ هارون كان خليفة موسى في حياته عند غيبته ».
وأيضاً: فقد نصّ - في البحث عن المطعن الخامس من مطاعن أبي بكر - على كون هارون نبيّاً مستقلاً في حال حياة موسىعليهالسلام ولا يخفي أن هذا الكلام يبطل أيضاً ما زعمه من منافاة الرسالة للخلافة فهذا تناقض آخر في كلامه، فليلاحظ.
____________________
(١). انسان العيون ٣ / ١٣١.
ومما يزيد بطلان دعوى المنافاة بين الخلافة والرسالة وضوحاً: ما ثبت من أن يوشع بن نون كان خليفةً لموسى كهارون، مع أنّ يوشع من الأنبياء بلا كلام.
أمّا استخلافه، فقد نصّ عليه:
الكسائي في ( قصص الأنبياء )
والعاصمي في ( زين الفتى )
والتوربشتي في ( المعتمد في المعتقد )
والمحب الطبري في ( الرّياض النضرة ) وغيرهم
قال الطبري: « وإنما كان الخليفة بعده ( موسى ) يوشع بن نون »(١) .
وأمّا أنه كان نبياً، فقد نصّ عليه:
الثعلبي في ( العرائس )
وابن الأثير في ( الكامل )
والقرماني في ( أخبار الدول ).
قال ابن الأثير: « لما توفّى موسى بعث الله يوشع بن نون نبيّاً إلى بني إسرائيل »(٢) .
وبما ذكرنا من الوجوه من كتاب الله، وكلمات المفسرين، والمحدّثين،
____________________
(١). الرياض النضرة ١ / ٢٢٥.
(٢). الكامل في التاريخ ١ / ٢٠٠.
والكلاميّين، والمؤرخين يظهر سقوط مكابرة الرّازي في ( نهاية العقول ) ومن تبعه في هذا المقام وهذه عبارته:
« إنْ سلّمنا دلالة الحديث على العموم. ولكن لا نسلم أنّ من منازل هارون كونه قائماً مقام موسىعليهالسلام لو عاش بعد وفاته.
قوله: إنه كان خليفةً له حال حياته، فوجب بقاء تلك الحالة بعد موته.
قلنا: لا نسلّم كونه خليفةً له.
أما قوله تعالى:( اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ) قلنا: لِمَ لا يجوز أنْ يقال: إن ذلك كان على طريق الإستظهار، كما قال:( وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ) . لأن هارون كان شريك موسى في النبوة، فلو لم يستخلفه موسى لكان هو لا محالة يقوم بأمر الاُمة، وهذا لا يكون استخلافاً على التحقيق، لأنّ قيامه بذلك إنما كان لكونه نبيّاً »(١) .
وأيضاً، فإنّ هذا الكلام أبطله الرازي نفسه في ( تفسيره ) حيث فسّر( اُخْلُفْنِي ) بـ « كن خليفتي ». وأبطل توهم منافاة النبوة للخلافة كذلك.
وقال عبد الرحمن بن أحمد الجامي في إثبات خلافة هارونعليهالسلام :
« فصّ، حكمة إمامية في كلمة هارونية: إعلم أن الإمامة المذكورة في هذا الموضع اسم من أسماء الخلافة، وهي تنقسم إلى إمامة بلا واسطة بينها وبين حضرة الاُلوهيّة، وإلى إمامة ثابتة بالواسطة. والتعبير عن الإمامة الخالية عن الواسطة، مثل قوله تعالى للخليلعليهالسلام :( إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً ) والإمامة التي بالواسطة مثل استخلاف موسى هارونعليهالسلام على قومه،
____________________
(١). نهاية العقول - مخلوط.
حين قال له( اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ) .
إذا عرفت هذا فنقول: كل رسول بعث بالسيف فهو خليفة من خلفاء الحق، وإنه من اُولى العزم. ولا خلاف في أنّ موسى وهارونعليهماالسلام بعثا بالسيف، فهما من خلفاء الحق الجامعين بين الرسالة والخلافة، فهارون له الإمامة التي لا واسطة بينه وبين الحق فيها، وله الإمامة بالواسطة من جهة استخلاف أخيه إيّاه على قومه، فجمع بين قسمي الإمامة، فقويت نسبته إليها. فلذلك اُضيف حكمته إليها دون غيرها من الصفات.
واعلم أن هارون لموسىعليهالسلام حين استخلفه على قومه وذهب لميقات ربّه، بمنزلة نوّاب محمد لمحمد صلّى الله عليه وسلّم بعد انقضاءه عن النشأة العنصرية ذاهباً إلى ربّه »(١) .
وقد اشتمل هذا الكلام على وجوه لإثبات خلافة هارون، وعدم المنافاة بين الخلافة والنبوة، لا تخفى على الناظر الخبير.
ومثله كلام القيصري في ( شرحه على الفصوص ).
هذا كلّه، مضافاً إلى ما رواه جمع من أئمّة الحديث عن ابن عباس:
قال السيوطي: « أخرج ابن أبى عمر العدني في مسنده، وعبد بن حميد، والنسائي، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن سعيد بن جبير قال:
سألت ابن عباس عن قول الله تعالى:( وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً ) فسألته عن الفتون ما هو؟ فقال: استأنف النهار - يا ابن جبير - فإنّ لها حديثاً طويلاً، فلما أصبحت
____________________
(١). نقد النصوص في شرح الفصوص: ١٢٤.
غدوت على ابن عباس لأتنجّز ما وعدني من حديث الفتون. فقال:
تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله عزّوجل وعد إبراهيمعليهالسلام من أنْ يجعل في ذريّته أنبياء وملوكاً فلما جاوز البحر قال أصحاب موسى: إنا لمدركون، إنا نخاف أنْ لا يكون فرعون غرق، ولا نأمن هلاكه، فدعا ربّه، فأخرجه له ببدنه من البحر حتى استيقنوا، ثم مرّوا بعد ذلك على قومٍ يعكفون على أصنام لهم. قالوا: يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة. قال: إنكم قوم تجهلون، إن هؤلاء متبرّ ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون. قد رأيتم من العِبَر ما يكفيكم وسمعتم، بهِ فمضى حتّى أنزلهم منزلاً، ثم قال لهم: أطيعوا هارون، فإني قد استخلفته عليكم وإني ذاهب إلى ربي، وأجّلهم ثلاثين يوماً أنْ يرجع إليهم فيها »(١) .
وقال السيوطي: « أخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله:( وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ ) خلف موسى أصحابه واستخلف عليهم هارون »(٢) .
وتلخّص: إن خلافة هارون عن موسى في حال حياته لا ينكرها إلّا معاند مغرور، فقد أثبتها الائمّة الأعلام من السّابقين واللّاحقين - مضافاً إلى الرازي في ( تفسيره ) - ومنهم:
محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني
وعبد بن حميد
____________________
(١). الدر المنثور ٥ / ٥٦٩ و ٥٧٦. والآية في سورة طه: ٤٠.
(٢). الدر المنثور ٣ / ٥٣٥. والآية في سورة الأعراف: ١٤٢.
وأحمد بن شعيب النسائي
وأبو يعلى الموصلي
وأبو سليمان الخطابي
ومحمد بن جرير الطبري
وأبو بكر ابن المنذر النيسابوري
وابن أبي حاتم الرازي
وأبو الليث الفقيه السمرقندي
وأحمد بن مردويه الإصبهاني
وأبو إسحاق الثعلبي
وأبو الحسن الكسائي
وأبو شكور الكشي الحنفي
وأبو محمد الحسين بن مسعود البغوي
وجار الله الزمخشري
وأبو الفضل عياض اليحصبي
والتوربشتي شارح المصابيح
وعز الدين ابن الأثير الجزري
وأبو زكريا النووي
ونظام الدين الأعرج النيسابوري
والقاضي ناصر الدين البيضاوي
ومحب الدين الطبري المكي
وأبو البركات النسفي
وأحمد بن عبد الحليم بن تيميّة
وحسن بن محمد الطيّبي
وشمس الدين الخلخالي
وداود بن محمود القيصري
وعماد الدين ابن كثير الدمشقي
ومحمد بن يوسف الكرماني
وشهاب الدين ابن حجر العسقلاني
وبدر الدين العيني
ويوسف بن مخزوم الأعور الواسطي
وفضل الله بن روزبهان
ومظهر الدين الزيداني
وعبد الرحمن بن أحمد الجامي
وجلال الدين السيوطي
وشمس الدين العلقمي
وحسين بن محمد الديار بكري
ومحمد بن أحمد الشربيني
وأحمد بن محمد بن حجر المكي
ونور الدين علي القاري
ومحمد طاهر الفتني
وأبو السعود العمادي
وشيخ الاسلام الأنصاري اللاهوري
ونور الدين الحلبي
وعبد الحق الدهلوي
وإسحاق الهروي
ومحمد محبوب العالم
وشاه ولي الله الدهلوي
وأبو نصر الكابلي
وسناء الله الپاني پتي
وعبد العزيز ( الدهلوي )
ورشيد الدين الدهلوي.
وبعد أنْ ظهر سقوط ما ذكره الرازي في ( نهاية العقول ) بكلامه في ( التفسير )، وبكلام الأعلام من المتقدمين عليه والمتأخرين عنه، وظَهر أن متابعة بعضهم له فيما قاله ليست إلّا اغتراراً به وتعصّباً منهم فلا بأس بأنْ ننظر في سائر كلماته، إتماماً للحجة على المكابرين، وتوضيحاً للحق للمنصفين، فنقول:
* إنّ ما احتمله من المعنى لقوله تعالى:( اُخْلُفْنِي ) بقوله: « لِمَ لا يجوز أنْ يقال إن ذلك كان على طريق الاستظهار كما قال( وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ) ؟ إمّا غير نافعٍ له، وإمّا غير وارد. وذلك لأنه:
إنْ أراد من « الإستظهار » أنّ خلافة هارون كانت ثابتةً من قبل، وإنما قال موسى لأخيه: « « اخلفني في قومي » تأكيداً وتشييداً لتلك الخلافة الثابتة، فهذا لا ينفعه، ولا يضرّ بمطلوبنا، لأنّ الغرض إثبات أنّ الخلافة عن موسى كانت منزلةً من منازل هارون، وأنّ الآية الكريمة تدل على ذلك، سواء كانت الآية مؤكدة لما كان من قبل أو مؤسّسة ومفيدةً لذلك المعنى ولم يكن من قبل بل كون الآية مؤكدةً أبلغ في الدلالة على المطلوب.
مضافاً، إلى أنّه يضمحلّ به احتمال آخر أبداه ( الدهلوي ) تبعاً لوالده وهو حمل( اُخْلُفْنِي ) على مجرّد مدة غيبة موسى، وأنه برجوعه من الطور تزول خلافة هارون عنه. وجه الإضمحلال: أنّه عندما يكون قوله « اخلفني » مؤكّداً لما سبق وتحقق، فإنّه لا يصلح تقييده بمدة الغيبة.
وإنْ أراد من حمل( اخْلُفْنِي ) على « الإستظهار » نفي دلالة الآية على « الخلافة » مطلقاً. فهذا إنكار لظاهر الآية الكريمة، وتأويل بلا دليل للكلام الإلهي.
وأمّا قياسه قوله:( اخْلُفْنِي ) على قوله:( وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ) فمع الفارق جدّاً، إذ في الأمر بالإصلاح والنهي عن اتّباع سبيل المفسدين حكماً سديدة وفوائد عديدة، من قبيل توبيخ المفسدين وزجر المعاندين وإتمام الحجة على أنّ الرازي نفسه ذكر أنّ المقصود من الأمر بالإصلاح هو التوكيد مثل قول إبراهيمعليهالسلام :( لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) .
وكذلك قال النيسابوري، إذ النبيّ لا يكون منه إلاّ الإصلاح وعلى هذا، يكون هذا الأمر بالإصلاح كالأمر بالخلافة في( اخْلُفْنِي ) فكلاهما تأكيد لما هو محقق وثابت.
ثمَّ إذا كانت الآية مؤكّدة، كان معنى ذلك - كما هو واضح - عدم ترتّب فائدة جديدة على الإستخلاف، لكن الرازي يصرّح بعد فاصلٍ قليلٍ بأنّه لو كان هارون متمكّناً من تنفيذ الأحكام قبل الإستخلاف لزم أنْ لا يكون للإستخلاف فائدة، وهذا كلامه:
« قوله: إن هارون لو عاش بعد موسى -عليهماالسلام - لقام مقامه في كونه مفترض الطّاعة.
قلنا: يجب على الناس طاعته فيما يؤدّيه عن الله، أو فيما يؤدّيه عن
موسى، أو في تصرفه في إقامة الحدود. الأول مسلّم ولكن ذلك يعيّن كونه نبيّاً، فلا يمكن ثبوته في حق علي -رضياللهعنه -. وأما الثاني والثالث فممنوع. وتقريره: إن من الجائز أنْ يكون النبي مؤديّاً للأحكام عن الله تعالى، ويكون المتولي لتنفيذ تلك الأحكام غيره. ألا ترى أن من مذهب الإمامية أنّ موسىعليهالسلام استخلف هارونعليهالسلام على قومه، ولو كان هارون متمكّناً من تنفيذ الأحكام قبل ذلك الإستخلاف لم يكن للإستخلاف فائدة، فثبت أن هارون قبل الإستخلاف كان مؤديّاً للأحكام عن الله تعالى، وإنْ لم يكن منفذاً لها ».
وهل هذا إلّا تناقض؟!
لكنّ هذا التناقض مأخوذ من قاضي القضاة عبد الجبار، فإنّ السيّد المرتضى ذكر كلامه، ثم نبّه على التناقض الموجود فيه. فهذا كلام القاضي:
« لا نعلم أيضاً أن حالهما إذا كانت في النبوّة متفقةً أن حالهما فيما يقوم به الأئمة أيضاً متّفقة، بل لا يمتنع أنْ يكون لأحدهما من الإختصاص ما ليس للآخر، كما لا يمتنع أنْ لا يدخل في شريعتهما ما يقتضيه الإمامة. وإذا كانت الحال في هذا الباب ممّا يختلف بالشرائع، فإنما يقطع على وجهٍ دون وجه بدلالة سمعيّة، ثم يصحّ الإعتماد على ذلك ».
وهذا كلام السيّد بعده:
« يقال له: ما أشدّ اختلاف كلامك في هذا الباب، وأظهر رجوعك فيه من قولٍ إلى ضدّه وخلافه. لأنك قلت أوّلاً فيما حكيناه عنك: إن هارونعليهالسلام من حيث كان شريكاً لموسىعليهالسلام في النبوّة، يلزمه القيام فيهم بما لايقوم به الأئمة، وإنْ لم يستخلفه. ثمّ عقّبت ذلك بأنْ قلت: غير واجب فيمن كان شريكاً لموسىعليهالسلام في النبوة أنْ يكون إليه ما إلى الأئمة. ثم رجعت عن
ذلك في فَصلٍ آخر فقلت: إن هارون لو عاش بعد موسى لكان الذي ثبتَ له أن يكون كما كان من قبل، وقد كان من قبل له أنْ يقوم بهذه الاُمور لنبوّته، فجعلت القيام بهذه الاُمور من مقتضى النبوة كما ترى، ثم أكّدت ذلك في فصل آخر حكيناه أيضاً، بأنْ قلت لمن خالفك في أن موسى لو لم يستخلف هارون بعده ما كان يجب له القيام بعده بما يقوم به الأئمة، إن جاز مع كونه شريكاً له في النبوة أن يبقى بعده، ولا يكون له ذلك، ليجوزن وإنْ استخلفه ألّا يكون له ذلك.
ثم ختمت جميع ما تقدم، هذا الكلام الذي هو رجوع عن أكثر ما تقدم، وتصريح بأنّ النبوة لا تقتضي القيام بهذه الاُمور، وأن الفرض على المتأمّل في هذا الموضع هو الشك وترك القطع على أحد الأمرين، فعلى أيّ شيء يحصل من كلامك المختلف؟ وعلى أيّ الأقوال نعوّل؟ وما نظنّ أن الإعتماد والإستقرار إلّا على هذا الفصل المتأخر، فإنه بتأخره كالناسخ والماحي لما قبله، والذي تضمّنه من أنّ النبوة لا توجب بمجرّدها القيام بالامور التي ذكرتها، وإنما يحتاج في ثبوت هذه الاُمور مضافةً إلى النبوّة إلى دليل صحيح، وقد بيّناه فيما تقدّم من كلامنا »(١) .
* ثم قال الرازي بعد كلامه السابق الذي منع فيه خلافة هارون:
« قوله: الخلافة ولاية من جهة القول على سبيل النيابة.
قلنا: ليس يجب أن يكون قد تقدم قول في ذلك، لأنه لا فرق بين خلافة الإنسان لغيره وبين نيابته عنه، يقال: نبت عن فلانٍ وخلفت فلاناً، فيوضع أحدهما موضع الآخر. ومعلوم أنه قد يقال إن الإنسان قد ناب مناب أبيه وقام مقامه في النظر في مصالح أهله ومخلّفيه أحسن قيام، وإنْ لم يفوّض إليه ذلك، إذا فعل أفعال أبيه على سبيل النيابة ».
____________________
(١). الشافي في الامامة ٣ / ٦٤ - ٦٥.
أقول:
لا يضرّ هذا الكلام بمقصودنا، على أنّ الخلافة ثابتة هنا بالقول وهو( اخْلُفْنِي ) ولا ريب في ثبوتها به كما قال. ومن العجيب قوله بثبوت الخلافة بالقول، وإنكاره للخلافة التي تقدّم فيها القول!!
وأيضاً: فمقتضى هذا الكلام ثبوت الخلافة لهارونعليهالسلام - بقطع النظر عن( اخْلُفْنِي ) - لأنّهعليهالسلام قام مقام موسىعليهالسلام ، وفعل أفعاله مدّة غيبته، فكان خليفةً له وبهذا أيضاً يسقط تأويله لقوله( اخْلُفْنِي ) .
وأيضاً: يتّضح بهذا الكلام بطلان ما زعمه - وتبعه عليه شاه ولي الله، وولده - من منافاة الخلافة للنبوة
* ثم قال الرازي:
« ثم إنْ سلّمنا أن موسىعليهالسلام استخلف هارون، ولكن في كلّ الأزمنة أو بعضها؟ بيانه: إن قوله( اخْلُفْنِي ) أمر، وهو لا يفيد التكرار بالإتفاق سيّما عند الإمامية الواقفية. وأيضاً: فالقرينة دالّة على أنّ ذلك الإستخلاف ما كان عامّاً لكل الأزمنة، لأن العادة جارية فيمن خرج من الرؤساء، واستخلف على قومه خليفةً أنْ يكون ذلك الإستخلاف مخصوصاً بتلك السفرة فقط. وإذا ثبت أن ذلك الإستخلاف ما كان حاصلاً في كل الأزمنة لم يلزم من عدم ثبوته في سائر الأزمنة تحقق لعزل، لأنّ العزل عن الشيء إنما يكون بعد انعقاد سبب ذلك الشيء، وكما أنّ من ولي النظر في بلدة ولم يولَّ غيرها لا يقال إنه البلد الذي لم يول، فكذلك في الزمان ».
أقول:
إنه وإن لم يدل الأمر على التكرار، لكنّ المتبادر - بحسب العرف
والعادة - من النص على خلافة شخصٍ خلافته مطلقاً حسبما يتناوله اللّفظ، وإلّا لزم أن لا يكون الخليفة عمّن خرج من الرؤساء خليفةً عنه إلّا في ساعةٍ واحدة مثلاً، وهذا بديهي البطلان حتى عند الرازي حيث قال: يكون ذلك الإستخلاف مخصوصاً بتلك السفرة.
لكن الإختصاص بتلك السفرة أيضاً غير صادق في مثل خلافة هارونعليهالسلام ، لأنّ خلافته - كما نصَّ عليه الجامي والقيصري - بقوله( اخْلُفْنِي ) كانت سبب قوّة نسبته إلى الإمامة ومن هنا أضيفت حكمته إليها دون غيرها من الصفات، فلو اختصّت خلافته عن موسى بتلك السفرة فقط لزم وقوع القصور والفتور في نسبة الإمامة إليه بعد رجوع موسى، وأنْ تتبدّل القوّة إلى الوهن والضعف، معاذ الله من ذلك فإنه موجب لانحطاط مرتبته ومستتبع للتنفير عنه
* ثم قال الرازي:
« ثم إنْ سلّمنا أنّ الإستخلاف كان ثابتاً في كلّ الأزمنة، فلم قلتم إنّ إزالته منفرّ؟ بيانه: إن العزل إنما يكون منفّراً إذا انحطّ المعزول عن مرتبة ارتفع بها، فأمّا إذا زال عنه ما لم يرتفع فإنه لا يكون ذلك منفّراً. ومعلوم أن هارون كان شريكاً لموسىعليهمالسلام في أداء الرسالة، وهذا أرفع المنازل، وقد يكره الإنسان أنْ يكون خليفته شريكه في الرياسة، وإذا جاز أنْ يكون ذلك مكروهاً جاز أنْ لا يحصل له بسبب حصوله زيادة ولا نقصان، فلا يكون ذلك منفّراً ».
أقول:
وهذا الكلام في غاية الشناعة والفظاعة، إذْ كيف يحتمل تلك الكراهة وكيف يجوّزها مسلم عاقل؟ ومع هذا كلّه، فقد قطع الرازي نفسه جذور هذه
الشبهة في ( تفسيره ) وكذا شارحا ( الفصوص ) في تحقيقهما الأنيق في هذا المقام.
ومن الطريف قوله بعد ذلك: « وإذا جاز أنْ يكون ذلك مكروهاً، جاز أنْ لا يحصل له بسبب حصوله زيادة ولا نقصان ». لأنّ الخلافة إن كانت مكروهة لزم النقصان، وإن كانت محبوبة أوجبت حصول زيادة في الشرف، وإن كانت لا مكروهة ولا محبوبة فلا زيادة ولا نقصان.
* والأطرف من هذا قوله في ( الأربعين ) بصراحةٍ بإيجاب خلافتهعليهالسلام للنقصان. وهذه عبارته:
« الشبهة الثالثة عشر، فجوابها: إن هذا الخبر من باب الآحاد على ما مر تقريره فيما تقدم، سلّمنا صحّته، لكنْ لا نسلّم أن هارونعليهالسلام كان بحيث لو بقي لكان خليفة لموسىعليهالسلام .
قوله: لأنه استخلفه فلو عزله كان ذلك إهانة في حق هارون.
قلنا: لا نسلّم، فلم لا يجوز أن يقال: إن ذلك الإستخلاف كان إلى زمانٍ معيّن، فانتهى ذلك الإستخلاف بانتهاء ذلك الزمان.
وبالجملة، فهم مطالبون بإقامة الدليل على لزوم النقصان عند انتهاء هذا الإستخلاف، بل هذا بالعكس أولى، لأنّ من كان شريكاً ألإنسانٍ في منصب ثم يصير نائباً له وخليفةً له، كان ذلك يوجب نقصان حاله، فإذا ازيلت تلك الخلافة زال ذلك النقصان، وعاد ذلك الكمال »(١) .
لكن كلامه في ( التفسير )، وكذا كلام الجامي المتقدّم، كافٍ في سقوط كلامه وبطلان مزاعمه هذه.
وأيضاً: ما ذكره من أن ذلك يوجب نقصان حال هارون، يستلزم أن
____________________
(١). كتاب الاربعين في اصول الدين: ٣٠٠.
يكون استخلاف النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أمير المؤمنين، المشبّه باستخلاف هارون، موجباً لنقصان حال سيدنا أمير المؤمنينعليهالسلام ، ولكنّ هذا لا يلتزم به إلّا مجنون محموم أو منافق مرجوم، لاسيّما وأنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال ذاك الكلام تسليةً لمولانا عليعليهالسلام !!
وبالجملة، فهذا الكلام يستلزم الطعن والإهانة للنبي والإمام بل لله العليّ العظيم
لكن الأشنع والأفظع من هذا الكلام ما تفوّه به بعض الحكماء من أهل السنّة، من أنّ استخلاف هارون سبّب ترك قوم موسى عبادة الله، وعبدوا العجل!! نقله الفقيه أبو الليث السمرقندي بتفسير الآية من ( تفسيره ) وهذا نصّ عبارته:
«( وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ ) . يعني: قال له قبل انطلاقه إلى الجبل:( اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ) يعني: كن خليفتي على قومي،( وَأَصْلِحْ ) يعني: مرهم بالصلاح، ويقال: وأصلح بينهم.( وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ) يعني: ولا تتّبع طريق العاصين ولا ترض به، واتّبع سبيل المطيعين.
وقال بعض الحكماء: من ههنا ترك قومه عبادة الله بعده وعبدوا العجل، لأنه سلّمهم إلى هارون ولم يسلّمهم إلى ربهم، ولم يستخلف النبي صلّى الله عليه وسلّم بعده، وسلّم أمر اُمته إلى الله، فاختار الله تعالى لاُمته أفضل الناس بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو أبو بكر الصديق، فأصلح بينهم ».
وهل هذا إلّا طعن في أنبياء الله المعصومين؟ بل إهانة لله عزوجل الذي أرسل هكذا أنبياء؟
لكنْ الغرض من هذا الكلام وأمثاله معلوم! إنهم يريدون توجيه ما ذهبوا إليه وافتروه على الرسول، من ترك النص على الخليفة من بعده؟! يريدون توجيه ما زعموه وإنْ استلزم النقص والتوهين على النبيّ وعلى الأنبياء!!
قوله:
فظهر أن الاستدلال على خلافة حضرة الأمير عن هذا الطريق لا يستقيم.
أقول:
إنْ كان يقصد أن الإستدلال عن طريق عموم المنازل لا يستقيم، وإنما يستقيم من طريق آخر كما هو المتبادر من التقييد، ويؤيّده ما أسلفه من اعترافه السديد بدلالة الحديث على خلافة الإمامعليهالسلام فالمطلوب حاصل - والحمد لله - والشبهات مندفعة.
الفهرس
اهداء: ٥
ومن ألفاظه: ٧
كلمة المؤلِّف ٩
كلمة السيّد صاحب عبقات الأنوار ١٣
كلام الدهلوي صاحب التحفة الاثنى عشرية ١٥
سند حديث المنزلة ٢١
أشهر مشاهير رواة حديث المنزلة ٢٣
(١) رواية محمّد بن إسحاق ٢٩
(٢) رواية أبي داود الطيالسي ٣٠
(٣) رواية ابن سعد ٣١
(٤) رواية ابن أبي شيبة ٣٣
(٥) رواية أحمد بن حنبل ٣٤
(٦) رواية البخاري (٧) رواية ابن عرفة ٣٦
(٨) رواية مسلم بن الحجّاج ٣٧
(٩) رواية ابن ماجة ٣٩
(١٠) رواية أبي حاتم ابن حبّان ٣٩
(١١) رواية التّرمذي ٤٠
(١٢) رواية ابن أبي خيثمة (١٣) رواية عبدالله بن أحمد ٤١
(١٤) رواية أبي بكر البزّار (١٥) رواية النسائي ٤٢
(١٦) رواية أبي يعلى ٤٩
(١٧) رواية الطّبري (١٨) رواية أبي الشيخ ٥١
(١٩) رواية أبي عوانة (٢٠) رواية الطّبراني ٥٢
(٢١) رواية المخلّص الذّهبي ٥٨
(٢٢) رواية المطيري (٢٣) رواية أبي الليث السمرقندي (٢٤) رواية الحسن بن بدر ٥٩
(٢٥) رواية الحاكم (٢٦) رواية الخركوشي (٢٧) رواية الشيرازي ٦٠
(٢٨) رواية ابن مردويه (٢٩) رواية أبي نعيم (٣٠) رواية ابن السّمان ٦١
(٣١) رواية التّنوخي (٣٢) رواية الخطيب البغدادي ٦٢
(٣٣) رواية ابن عبد البر (٣٤) رواية ابن المغازلي ٦٣
(٣٥) رواية شيرويه الدّيلمي (٣٦) رواية البغوي ٦٥
(٣٧) رواية رزين العبدري (٣٨) رواية العاصمي ٦٦
(٣٩) رواية عمر الملاّ (٤٠) رواية ابن عساكر ٦٩
(٤١) رواية أبي طاهر ابن سلفة (٤٢) رواية الموفق الخوارزمي ١٢٢
(٤٣) رواية الصّالحاني ١٢٤
(٤٤) رواية الفخر الرازي (٤٥) رواية المبارك ابن الأثير ١٢٥
(٤٦) رواية أبي الحسن ابن الأثير (٤٧) رواية أبي الربيع البلنسي (٤٨) رواية ابن النجار ١٢٧
(٤٩) رواية ابن طلحة القرشي ١٢٨
(٥٠) رواية سبط ابن الجوزي ١٢٩
(٥١) رواية الكنجي ١٣٠
(٥٢) رواية النووي (٥٣) رواية المحبّ الطبري ١٣٠
(٥٤) رواية الوصّابي ١٣١
(٥٥) رواية الحمويني (٥٦) رواية ابن سيد الناس (٥٧) رواية ابن قيّم الجوزيّة ١٣٣
(٥٨) رواية اليافعي (٥٩) رواية ابن كثير الدمشقي ١٣٤
(٦٠) رواية علاء الدّولة السمناني (٦١) رواية الخطيب التبريزي ١٣٧
(٦٢) رواية الجمال المزّي ١٣٨
(٦٣) رواية الزّرندي (٦٤) رواية الهمداني ١٣٩
(٦٥) رواية ابن الشّحنة (٦٦) رواية الزين العراقي (٦٧) رواية ملك العلماء ١٤٠
(٦٨) رواية ابن حجر العسقلاني (٦٩) رواية ابن الصبّاغ ١٤١
(٧٠) رواية السّيوطي (٧١) رواية الديار بكري ١٤٢
(٧٢) رواية ابن حجر المكي (٧٣) رواية المتقي ١٤٣
(٧٤) رواية الشهاب أحمد (٧٥) رواية الجمال المحدث (٧٦) رواية المنّاوي (٧٧) رواية العيدروس ١٤٤
(٧٨) رواية ابن باكثير (٧٩) رواية محبوب العالم (٨٠) رواية البدخشاني ١٤٥
(٨١) رواية محمد صدر العالم (٨٢) رواية ولي الله الدهلوي (٨٣) رواية العجيلي (٨٤) رواية الرشيد الدّهلوي ١٤٦
(٨٥) رواية محمد مبين اللكهنوي (٨٦) رواية وليّ الله اللكهنوي (٨٧) رواية زيني دحلان ١٤٧
(٨٨) رواية الشبلنجي ١٤٨
صحّة الحديث وكثرة طرقه وتواتره ١٤٩
إعتراف ابن تيميّة بصحته إعتراف عبد الحق بالإتفاق على صحّته قال الكنجي بقيام الإجماع على صحّته ١٥١
للتنوخي كتاب مفرد في طرقه [ أسماء الصحابة والتابعين الذين روى عنهم التنوخي ] ١٥٢
ترجمة التنوخي ١٥٤
إعتراف ابن عبد البر بكونه من أثبت الأخبار وأصحّها إعتراف المزي بكونه من أثبت الآثار وأصحّها ١٥٥
ذكر الكنجي عدداً من رواته من الصحابة ١٥٦
ذكر ابن كثير كلام ابن عساكر ١٥٧
إعتراف العسقلاني بكثرة طرقه ١٥٨
كلام ابن حجر المكي تواتر هذا الحديث ١٥٩
تواتره عند الحاكم تواتره عند السّيوطي ١٦٠
تواتره عند المتقي تواتره عند محمد صدر العالم ١٦١
تواتره عند ولي الله الدهلوي تواتره عند المولوي مبين ١٦٢
دحض المكابرة في صحّة الحديث أو تواتره ١٦٣
أبو الحسن الآمدي ترجمة الآمدي ١٦٥
عضد الدين الإيجي شمس الدين الإصفهاني ١٦٦
التفتازاني القوشجي الشريف الجرجاني إسحاق الهروي ١٦٧
عبد الكريم الصدّيقي حسام الدين السهارنفوري حاصل كلماتهم أمران: ١ - المنع من صحّته ١٦٨
الجواب عنه ١٦٩
٢ - نفي تواتره وأنّه خبر واحد الجواب عنه ١٧٠
وجوه صحّة الإحتجاج به ولو كان واحداً ١ - تأيّده بأحاديث متواترة ٢ - تواتره عند الشيعة ٣ - تمسّكهم بالآحاد في مختلف الأبحاث ١٧١
٤ - النقض بحديث: الأئمة من قريش ١٧٢
٥ - قطعيّة أحاديث الصّحيحين ١٧٥
وضع حديث المنزلة للشيخين ١٨٣
ذكره ابن الجوزي في الواهيات ١٨٥
قال الذهبي: كذب، منكر ١٨٦
قال ابن حجر: كذب، فرية ١٨٨
نقض كلمات الدهلوي حول الحديث ١٩١
الحديث في الصحيحين عن سعد لا البراء ١٩٣
تحريف لفظ الحديث في الصحيحين ١٩٤
جملة: أتخلفني ليست في جميع روايات الصحيحين ١٩٧
تكذيب الدهلوي نفسه إعترافه بدلالة الحديث على الإمامة ١٩٨
إعتراف الرّشيد الدّهلوي بدلالة الحديث على الإمامة ٢٠٠
الدهلوي: من ينكر دلالته على الإمامة فهو ناصبي ٢٠٢
تحريف الناصبي « هارون » إلى « قارون » ٢٠٣
ذكر بعض من أنكر دلالة الحديث على الإمامة!! ٢٠٥
فضل الله التوربشتي عياض، الطّيبي، القاري ٢٠٦
أبو شكور السالمي ٢٠٨
شمس الدين الخلخالي ٢٠٩
الخطاّبي، الزيداني ٢١٠
أبو زكريا النووي شمس الدين الكرماني ٢١١
ابن حجر العسقلاني شهاب الدين القسطلاني ٢١٢
محب الدّين الطّبري ٢١٣
نور الدين الحلبي ٢١٤
ولي الله الدّهلوي الدهلوي نفسه ٢١٧
السهارنفوري هو الأصل فيما نسبه الدهلوي إلى النواصب ٢١٨
كلام الأعور الواسطي في الجواب عن الحديث ٢٢٠
النظر في كلامه والجواب عنه ٢٢١
في كلامه مطاعن لعلي أمير المؤمنين ٢٢٢
في كلامه تناقضات ٢٢٣
إفتراؤه على هارون ٢٢٥
كلام ابن تيمية في الجواب عن الحديث ٢٢٨
النظر في كلامه والجواب عنه السبب في بكاء أمير المؤمنين عليهالسلام ٢٣١
السبب في قوله: أتخلّفني ...؟ ٢٣٣
تأييد ابن تيمية إرجاف المنافقين وتناقضاته ٢٣٤
نسبة إلى الصحيحين كاذبة ٢٣٥
العودُ إلى كلمات الدّهلوي ٢٣٦
نسبة إلى أهل السّير كاذبة ٢٣٧
دعوى الإجماع منهم كاذبة ٢٣٨
لم يستخلف النبيّ في تبوك على المدينة غير علي ٢٣٩
جواب ما استدلّ به صاحب المرافض على تخصيص الخلافة ٢٤٦
دعوى الدهلوي تنقيح كلام الشيعة في المقام والجواب عنها ٢٥١
ذكره في الحاشية ثاني وجهي الإستدلال وعجزه عن الجواب ٢٥٤
دلالة الحديث على عموم المنزلة ٢٥٧
صحّة الإستثناء دليل العموم ٢٥٩
إسم الجنس المضاف من صيغ العموم ٢٦٣
الدلالة على العموم ما لم تكن قرينة على العهد ٢٧٢
رّد دعوى الدلالة على الاطلاق حيث لا قرينة على العهد ٢٧٤
ردّ دعوى أنّ « أتخلّفني » قرينة العهد ١ - هذا عين مدّعى النواصب ٢٧٦
٢ - جملة « أتخلفني » غير موجودة في كثير من ألفاظ الحديث ٢٧٧
٣ - هذه الجملة استفهاميّة ولا وجه لجعلها قرينة ٢٧٨
٤ - خصوصية السؤال لا تستلزم خصوصية الجواب ٥ - جواب التفتازاني عن هذه الدعوى ٢٧٩
٦ - ما ذكره ابن تيمية في سبب الحديث ٢٨٠
٧ - تكرّر صدور الحديث وعدم اختصاصه بغزوة تبوك حديث المنزلة يوم المؤاخاة ٢٨١
حديث المنزلة عند ولادة الحسنين ٢٨٢
حديث المنزلة يوم خيبر حديث المنزلة عند سدّ الأبواب حديث المنزلة في موضعٍ آخر ٢٨٣
حديث المنزلة في موضع آخر حديث المنزلة في خبر يرويه سلمان حديث المنزلة في موضع آخر ٢٨٤
حديث المنزلة في حديث في فضل عقيل وجعفر حديث المنزلة يوم الغدير ٢٨٥
حديث المنزلة في عشرة مواضع نفي ابن تيميّة وروده في غير تبوك وأباطيل أخرى ٢٨٦
ذكر من روى حديث المنزلة في غير تبوك ٢٨٩
اعتراف الدهلوي بالمماثلة بين خلافة الأمير وخلافة هارون ١ - فيه رد على الرازي وجماعة ٢٩١
٢ - فيه ردّ على نفسه ردّ دعوى تقيّد خلافة الأمير بمدّة غيبة النبي ٢٩٢
ردّ أباطيل وأكاذيب لابن تيمية ٢٩٥
مجرّد صحة الإستثناء كاف في الدلالة على العموم ٢٩٩
الردّ على دعوى أنّ الإستثناء في هذا الحديث منقطع بين هذه الدعوى ومعيار العموم ٣٠٤
الأصل في هذه الدعوى هو التفتازانى ٣٠٥
لا يجوز الحمل على الإنقطاع إلّاعند تعذّر الإتّصال ٣٠٦
رجوع « إلّا أنّه لا نبي بعدي » إلى الإتصال بوجهين: ١ - الأصل فيه: إلّا النبوّة لأنّه لا نبيّ بعدي ٣١٠
٢ - إنّ « إلّا أنّه لا نبي بعدي » محمول على « إلّا النبوّة » ٣١٤
لا يصح الإستثناء المنقطع في الحديث لعدم شرطه ٣١٧
الحديث بلفظ « إلّا النبوّة » ٣٢٠
تنصيص العلماء على اتّصال الإستثناء فى الحديث ٣٢٤
إتّصال الإستثناء في كلام شرّاح الحديث ٣٢٦
إتّصال الإستثناء في كلام والد الدهلوي وتلميذه ٣٢٨
إتّصال الإستثناء في كلام الكابلي ٣٢٩
ردّ التمسّك بانتفاء الأخوة النّسبيّة لاثبات الانقطاع ٣٣١
رد التمسّك بانتفاء النبوّة لإثبات الإنقطاع ٣٣٤
ردّ التمسّك بانتفاء الأكبريّة والأفصحيّة لإثبات الإنقطاع ١ - على ضوء كلمات العلماء في معنى الحديث ٣٣٧
المراد من المنازل الفضائل النفسانيّة على ضوء ما قاله علماء الأدب في أحكام الإستثناء ٣٣٩
على ضوء حديث: لا تشدّ الرّحال إلّا وما قاله المحدّثون ٣٤٣
٢ - على ضوء قوله تعالى: ( قل لا أجد ) وما قاله المفسرون ٣٤٤
الردّ على ابن حجر في حكم العام المخصوص ٣٤٧
خلاصة وجوه دلالة لفظ المنزلة في الحديث على العموم ٣٥٣
وجوه أخرى في دلالة الحديث على عموم المنزلة ٣٥٩
١ - التشبيه يوجب العموم في المحلّ الذي يحتمله ٣٦١
٢ - كون الشيء بمنزلة الشيء يستلزم ترتب أحكامه عليه ٣٦٣
٣ - دلالة الحديث على العموم باعتراف عبد الحق الدهلوي ٤ - دلالته على العموم باعتراف الفخر الرازي ٣٦٥
٥ - الدلالة على العموم في كلام الدهلوي ٣٦٦
٦ - الدلالة على العموم في كلام ابن روزبهان ٣٦٨
٧ - الدلالات على العموم من كلام المولوي محمد إسماعيل ٣٦٩
٨ - الدلالة على العموم من كلام الخجندي على ضوء الحديث ٣٧٠
٩ - قوله « ص »: ما سألت الله لي شيئاً إلّا سألت لك مثله ٣٧١
١٠ - قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : علي نفسي ١١ - قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم له: انّك لتسمع ما أسمع ٣٧٥
١٢ - قوله « ص »: اللّهم اني أقول كما قال أخي موسى ٣٧٧
هل كانت الخلافة من منازل هارون؟ قال الدهلوي: لا نسلّم! ٣٨١
الرد على دعوى التنافي بين الخلافة والنبوة ١ - استلزامها لغويّة حديث المنزلة ٣٨٣
٢ - إنها تكذيب صريح لصريح القرآن ٣ - إنّها باطلة بإجماع المفسّرين ٣٨٤
٤ - إنّها مردودة بكلمات أرباب السّير والتواريخ ٣٨٧
٥ - إنّها منقوضة بتصريحات المتكلّمين ٣٨٨
٦ - إنّها ساقطة بتصريحات علماء الحديث ٣٩١
خلافة يوشع عن موسى سقوط إنكار الرّازي خلافة هارون في نهايته ٣٩٥
معنى خلافة هارون عند شراح الفصوص ٣٩٦
خلافة هارون في الرواية عن ابن عباس وغيره ٣٩٧
ذكر طائفة ممّن أثبت خلافة هارون ٣٩٨
نظرات في كلمات الرّازي ٤٠١
الفهرس ٤١١