نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار- الجزء 19
التجميع مكتبة العقائد
الکاتب السيد علي الحسيني الميلاني
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404




حديث التشبيه

ومن ألفاظه:

« من أراد أنْ ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوحٍ

في فهمه، وإلى يحيى بن زكريّا في زهده،

وإلى موسى بن عمران في بطشه، فلينظر إلى

علي بن أبي طالب »

أخرجه الحاكم



إهداء:

إلى حامل لواء الإمامة الكبرى والخلافة العظمى

ولي العصر المهدي المنتظر الحجة ابن الحسن العسكري أرواحنا فداه

يا أيّها العزيز مسّنا وأهلنا الضّرّ

وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل

وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدّقين

علي



كلمة المؤلِّف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين.

وبعد

فهذا قسم حديث ( التشبيه ) أو ( الأشباه ) من كتابنا ( نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار في إمامة الأئمّة الأطهار ) وهو حديث في غاية الصحّة من حيث السند، والقوّة من حيث الدلالة على الإمامة.

إنّه حديث مضمونه اجتماع ما تفرّق من الصفات الجليلة والسجايا الكريمة في أنبياء الله المرسلين، في سيّدنا أمير المؤمنين، عليه الصّلاة والسّلام، ممّا يدلّ على أفضليته من سائر الناس بعد النبي الكريم، بل يدل على أفضليّته من سائر الأنبياء سواهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وإذا كان الأفضل، كان هو المتعيَّن للخلافة العامة والإمامة الكبرى، وبطل تقدّم غيره عليه فيها، على قاعدة قبح تقدّم المفضول.

وفي هذا الكتاب تفصيل الكلام في إثبات الإمامة على ضوء هذا الحديث، ودحض مناقشات المخالفين في سنده أو دلالته، وبالله التوفيق.

علي الحسيني الميلاني



كلمة السيّد صاحب عبقات الأنوار

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله المتعالي عن التشبيه والتمثيل، المنزّه عن النقص والتعطيل، البريء عن معارضة ندٍ وعديل، المقدّس عن شوائب الإفتياق والتعليل، الواحد الفرد الصمد المتعاظم عن التركيب والتحليل، ففهم كلٍّ من الأكياس وأصحاب الإبلاس عن إدراك كنه ذاته كليل، وإمكان الجائزات على وجوب وجوده وعلوّه عن سمات الحدوث دليل، ومن أراد أن ينظر إلى أكمل صنعه الجميل، وأفضل إبداعه الجليل، فلينظر إلى أصفيائه المخصوصين، بكلّ فضلٍ جزيل، وأوليائه المعصومين الشافين بهداياتهم داء كلّ عليل، والمروين بنمير إرشاداتهم غُلّة كلّ غليل، وصلّى الله على نبيّه النبيه وصفيّه الوجيه وآله الحائزين لكلّ تبجيل.

وبعد

فيقول العبدالقاصر الذليل الخاطئ القميّ الضئيل حامد حسين ابن العلّامة السيّد محمّد قلي، النيسابوري، صانه الله عن شرور التمويه والتسويل:

إنّ هذا هو المجلَّد السادس من المنهج الثاني، من كتاب ( عبقات الأنوار في إمامة الأئمّة الأطهار ) المبنيّ لنقض ما أبدى علّامة السنيّة السنّي الفخار، ومحدّثهم عمدة الكبار، المولوي عبدالعزيز بن ولي الله، نزيل دهلي، المشهور فضله في شاسعة الأصقاع والأقطار، السائر نبله في نازعة البقاع والأمصار، من


الشّبه المجتثّة التي ما لها من قرار، والوساوس الواضحة السقوط عند أرباب زكاء الأحلام وذكاء الأفكار، والشكوك اللائحة الهبوط لدى أُولي ثواقب الأفهام ونوافذ الأبصار، في جواب الحديث السادس من الأحاديث الإثني عشر المذكورة في باب الإمامة، التي أجاب عنها بكلمات ناكبة عن الإستقامة، في كتاب ( التحفة ) المثقوبة بسهام الأنظار، المصنوعة بالإنتهاب لما غنمه وزوّقه وهَمهَم به ولفّقه المختال الفخور، والمحتال العثور، والمغتال النفور عن الحق والنور، نصر الحجّي بالهصر، المتواني الأسر، المضطلع بأعباء الإصر، الحامل للولاء الوزر، المقتحم في وعثاء الهجر، المتهجّم على بدائع السكر والنكر، المفصح عن غرائب العجر والبجر المعقبة للزجر، الكابلي الكاب لإناء الدين، والكابي الخابي الآبي عن اليقين الحرّي بالهجر، المولع المستهتر بالصدود والإنكار، لصحاح الآثار وصوادق الأخبار، في كتاب ( الصواقع ) الذي كان في حجب الأستار، وصار بعد صدور الإغارة والانتحال من هذا المنطيق المتحذلق والمتشدق المتفيهق المكثار في غاية الإشتهار، فانهتك خدر التلميع وانخرق ستر التخديع وعزّ الإعتذار.

والله ولي التوفيق للإنحياز والإحتراز عمّا يورث الغض والصغار، وهو المسدّد بإيزاع التجنّب والتنحّي عمّا يوجب الإتّسام بالغوار والشنار، ومنه الإستعانة في الثبات على التمسّك بحبل اقتفاء المعصومين الأطهار، صلوات الله وسلامه عليهم ما غسق الليل وتبلَّج النهار.


كلام الدهلوي صاحب التحفة الاثنى عشرية

في ردّ الاستدلال بهذا الحديث على إمامة الأمير

قال الشيخ عبدالعزيز الدهلوي:

الحديث السادس: وهو ما رواه الإمامية مرفوعاً أنّه صلّى الله عليه وسلّم قال: من أراد أنْ ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوحٍ في تقواه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في بطشه، وإلى عيسى في عبادته، فلينظر إلى علي بن أبي طالب.

وجه التمسّك بهذا الحديث: إنّ مساواة الأمير للأنبياء في صفاتهم قد علمت به، والأنبياء أفضل من غيرهم، والمساوي للأفضل أفضل، فكان علي أفضل من غيره، والأفضل متعيّن للإمامة دون غيره.

وفساد مبادي هذا الإستدلال ومقدّماته، من الصدر إلى الذيل، ظاهر على كلّ خبير.

أوّلاً: إنّ هذا الحديث ليس من أحاديث أهل السنّة، وقد أورده ابن المطهّر الحلّي في كتبه، فنسبه إلى البيهقي مرّةً، وإلى البغوي أخرى، وليس في تصانيفهما أثر منه، ولا يتأتى إلزام أهل السنّة بالإفتراء. مع أنّ القاعدة المقرّرة عند أهل السنّة أنّ كلّ حديثٍ رواه بعض أئمّة الحديث في كتابٍ غير ملتزم فيه بالصحّة، مثل البخاري ومسلم وسائر أصحاب الصحايح، أو لم ينصّ على صحّته بالخصوص من قبل صاحب الكتاب أو غيره من المحدّثين الثقات، فلا


يصلح للإحتجاج به.

وذلك، لأنّ جماعةً من المحدثين من أهل السنّة في الطبقات المتأخّرة، كالديلمي والخطيب وابن عساكر، لمـّا رأوا أنّ السّابقين قد جمعوا الأحاديث الصحاح والحسان، رغبوا في جمع الأحاديث الضعيفة والموضوعة ومقلوبة الأسانيد والمتون، في مكانٍ واحد، كي ينظروا فيها ويميّزوا الموضوعات من الحسان لغيرها. إلّا أنّهم لقلّة الفرصة عندهم وقصر أعمارهم لم يتمكَّنوا من ذلك.

ثمّ جاء مَن بعدهم، فميّز الموضوعات عن غيرها، كما فعل ابن الجوزي في كتاب الموضوعات، والسخاوي الذي جمع الحسان لغيرها في كتاب المقاصد الحسنة، وكذلك السيوطي في تفسيره الدرّ المنثور.

وقد نصّ أولئك الجامعون لتلك الأحاديث في مقدّمات كتبهم على الغرض المذكور.

فمع العلم بواقع حال تلك الكتب، كما صرّح به أصحابها، كيف يجوز الإحتجاج بتلك الأحاديث؟

ولهذا، فقد نقل صاحب جامع الأصول أنّ الخطيب قد روى أحاديث الشيعة عن الشريف المرتضى - أخي الرضي - لنفس الغرض، وهو النظر في حالها، بعد جمعها وتأليفها، وأنّ لها أصلاً أؤ لا؟

وعلى الجملة، فإنّ هذا الحديث ليس من تلك الأحاديث أيضاً، فإنّه لا وجود له في شيء من كتب أهل السنّة ولو بطريق ضعيف.

وثانياً: إنّ ما ذكر هو محض تشبيه لبعض صفات الأمير ببعض صفات اُولئك الأنبياء، والتشبيه كما يكون بأدواته المتعارفة، كالكاف وكأن ومثل ونحوها، كذلك يكون بهذا الأسلوب، كما تقرّر في علم البيان أنّ من أراد أنْ


ينظر إلى القمر ليلة البدر، فلينظر إلى وجه فلان. فهذا القسم داخل أيضاً في التشبيه.

ومن هنا أدخلوا في التشبيه الشعر المشهور:

لا تعجبوا من بلى غلالته

قد زر أزراره على القمر

وكذا البيتين من شعر المتنبّي:

نشرت ثلاث ذوائب من خلفها

في ليلةٍ فأرت ليالي أربعا

واستقبلت قمر السماء بوجهها

فأرتني القمرين في وقتٍ معا

ولو تجاوزنا عن ذلك، لكان استعارةً مبناها على التشبيه، وفهم المساواة بين المشبه والمشبّه به من كمال السفاهة.

وقد راج واشتهر في الأشعار تشبيه تربة صحن السلاطين بالمشك، وحصياتها باللؤلؤ والياقوت، ولم يفهم أحد من ذلك المساواة. قال الشاعر:

أرى بارقاً بالأبرق الفرد يومض

فيكشف جلباب الدجى ثمّ يغمض

كأنّ سليمى من أعاليه أشرفت

تمدّ لنا كفّاً خضيباً وتقبض

وقد روي في الأحاديث الصحيحة لأهل السنّة تشبيه أبي بكر بإبراهيم وعيسى، وتشبيه عمر بنوح، وتشبيه أبي ذر بعيسى.

ولكن لمـّا كان لأهل السنّة حظ من العقل من الله، لم يحملوا ذلك التشبيه على المساواة أصلاً، بل أعطوا كلّاً مرتبته، بل إنّ محطّ إشارة التشبيه في هذا القسم من الكلمات وجود وصف في هذا الشخص من الأوصاف المختصّة بذاك النبيّ، وإنْ لم يكن بمرتبته.

عن عبدالله بن مسعود في قصة مشاورة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مع أبي بكر وعمر في أسارى بدر، قال قال رسول الله: ما تقولون في هؤلاء، إن مثل هؤلاء كمثل إخوة لهم كانوا من قبلهم( قالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ


الْكافِرِينَ دَيَّاراً ) وقال موسى:( رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ ) الآية. وقال إبراهيم:( فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) وقال عيسى:( إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) . رواه الحاكم وصححه.

عن أبي موسى: إنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال له: يا أبا موسى، لقد أعطيت مزماراً من مزامير آل داود. رواه البخاري ومسلم.

وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: من سرّه أنْ ينظر إلى تواضع عيسى ابن مريم فلينظر إلى أبي ذر. كذا في الاستيعاب. ورواه الترمذي بلفظ آخر قال:

ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر شبه عيسى ابن مريم. يعني في الزهد.

ثالثاً: إنّ المساواة بالأفضل في صفةٍ لا تكون موجبةً لأفضليّة المساوي، لأنّ ذلك الأفضل له صفات اُخر صار بسببها أفضل. وأيضاً: ليست الأفضليّة موجبةً للزعامة الكبرى، كما مرّ غير مرّة.

رابعاً: إنّ تفضيل الأمير على الخلفاء الثلاثة من هذا الحديث يثبت إذا لم يكن أولئك الخلفاء مساوين للأنبياء المذكورين في الصفات المذكورة أو في مثلها. ودون هذا النفي خرط القتاد.

ولو تتبّعنا الأحاديث الدالة على تشبيه الشيخين بالأنبياء لبلغت مبلغاً لم يثبت مثله لمعاصريهما.

ولهذا ذكر المحقّقون من أهل التصوّف أن الشيخين كانا حاملين لكمالات النبوة، وكان الأمير حاملاً لكمالات الولاية، ومن ثمّة صدر من الشيخين الأمور التي تصدر من الأنبياء، كالجهاد مع الكفّار وترويج أحكام الشريعة وإصلاح امور الدين، بأحسن اُسلوب وتدبير، وظهر من الأمير ما يتعلّق بالأولياء، من


تعليم الطريقة والإرشاد لأحوال السالكين ومقاماتهم، والتنبيه على غوائل النفس والترغيب بالزهد في الدنيا ونحو ذلك، أكثر من غيره.

وفي حكم العقل أنّه يستدل على وجود الملكات النفسانيّة بصدور الأفعال المختصة بتلك الملكات، فمثلاً: يستدل من ثبات الشخص في مختلف المعارك في مقابلة الأقران ووقع الرماح والسيوف، على شجاعته النفسانية، وكذلك الحال في الحب والبغض والخوف والرجاء وغيرها من الأمور الباطنيّة.

فمن هذا الطريق أيضاً يتوصل إلى الملكات الباطنية في الأشخاص، لتعرف أنّها من جنس كمالات الأنبياء أو من جنس كمالات الأولياء.

وقد دلّ على هذه التفرقة حديث رواه الشيعة في كتبهم، وهو قوله صلّى الله عليه وسلّم: إنّك يا علي تقاتل الناس على تأويل القرآن كما قاتلتهم على تنزيله. لأنّ مقاتلات الشيخين كلّها كانت على تنزيل القرآن، فكان عهدهما من بقية زمان النبوّة، وزمن خلافة الأمير كان مبدءً لدورة الولاية، ولهذا جعله شيوخ الطريقة وأرباب المعرفة والحقيقة فاتح باب الولاية المحمّديّة، وخاتم الولاية المطلقة للأنبياء.

ومن هنا، فإنّ سلاسل جميع فرق أولياء الله تنتهي إليه، وتتشعّب منه كتشعّب الجداول من البحر العظيم، كما تصل سلاسل الفقهاء والمجتهدين في الشريعة بالشيخين ونوّابهما، كعبدالله بن مسعود ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وعبدالله بن عمر، وأمثالهم، رضي الله تعالى عنهم، ويكون فقه اُولئك الفقهاء رشحةً من بحار علومهم.

وكان معنى الإمامة التي بقيت في أولاد الإمام، وجعل بعضهم بعضاً وصياً له فيها، هي قطبية الإرشاد، وكونهم منبعاً لفيض الولاية، ولهذا لم يرو إلزام هذا الأمر من الأئمّة الأطهار على كافّة الخلائق، بل جعلوا بعض أصحابهم


الممتازين المنتخبين، مشرَّفين بذلك الفيض الخاص، ووهبوا لكلّ واحدٍ منهم هذه المكرمة العظيمة بقدر استعداده.

وهذه الفرقة السفيهة، قد أنزلوا تلك الإشارات كلّها على الرئاسة العامة واستحقاق التصرف في أمور الملك والمال، فوقعوا في ورطة الضلال، ومن أجل ما قلنا، يعتقد كل الاُمّة الأمير وذريّته الطاهرة كالشيوخ والمرشدين، ويرون استناد الاُمور التكوينية إليهم، ويقدّمون لهم الصلوات والصدقات والنذور، وهذا أمر رائج بينهم، كما يفعلون ذلك مع سائر أولياء الله، ولا ينوّه أحد في هذه الموارد باسم الشيخين، ولا يشاركونهما في شيء ممّا ذكر، ولا ينسبون إليهما الاُمور التكوينيّة، وإنْ كانوا يعتقدون بفضلهما وكمالهما كما في الأنبياء، مثل إبراهيم وموسى وعيسى، وذلك لأنّ كمالهما - مثل كمال الأنبياء - مبني على الكثرة والتفصيل والمغايرة، وكمالات الأولياء ناشئة من الوحدة والجمع والعينية.

فالأولياء تنعكس فيهم الأفعال بل الصفات الإلهية، والأنبياء وورثة كمالاتهم ليست لهم في فهم الناس إلّا علقة العبوديّة والرسالة(١) .

____________________

(١). التحفة الإثنا عشرية: ٢١٢.


نفحات الأزهار

في خلاصة عبقات الأنوار

في إمامة الأئمّة الأطهار



سند حديث التشبيه

٢١ - ٢٩١



أقول:

لقد كان الأحرى ( بالدهلوي ) أنْ لا يقلّد ( الكابلي ) في إنكار هذا الحديث الشريف، بل لقد كان ورعه وإنصافه!! يقتضيان أن لا يتّبع هذا السلف الصالح!! في هذه المزعمة الباطلة

أما كان يظنّ ( الدهلوي ) أنّه سيحاسب ويؤاخذ يوماً مّا بما يقول ويكتب؟ وهلّا ردعه الحق عن المكابرة أمام هذا الحديث الشريف والتفوّه بهذه الكلمات الفارغة؟

إنّ صحّة هذا الحديث تتجلّى بأدنى تتّبع ونظر في كتب الحديث، وإنّ هذه الحقيقة الراهنة تتّضح بأقلّ مراجعةٍ لمصادر الأخبار والرّوايات

لقد روى هذا الحديث الشّريف طائفة من الحفّاظ والأئمّة المعتمدين من أهل السنّة، من رجال الصّحاح، وأصحاب المسانيد، ومشاهير العلماء

ونحن نكتفي بذكر جماعةٍ من أعلام رواة هذا الحديث:


أسماء أشهر الرواة والمخرجين لحديث التشبيه

١ - أبو بكر عبدالرزاق بن همام بن نافع الحميري مولاهم، الصنعاني، شيخ البخاري وغيره، المتوفى سنة ٢١١.

٢ - أحمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني، أحد أئمتهم الأربعة المتوفى سنة ٢٤١.

٣ - أبو حاتم محمّد بن إدريس الحنظلي الرّازي، المتوفى سنة ٢٧٧.

٤ - أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان المعروف بابن شاهين المحدّث المفسّر، المتوفى سنة ٣٨٥.

٥ - أبو عبدالله عبيدالله بن محمّد بن أحمد العكبري المعروف بابن بطّة المتوفى سنة ٣٨٧.

٦ - أبو عبدالله محمّد بن عبدالله بن حمدويه الضبّي الطهماني المعروف بالحاكم النيسابوري، المتوفى سنة ٤٠٥.

٧ - أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه الإصبهاني، المتوفى سنة ٤١٠.

٨ - أبو نعيم أحمد بن عبدالله بن أحمد بن إسحاق بن موسى الإصبهاني المتوفى سنة ٤٣٠.

٩ - أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن عبدالله بن موسى البيهقي الخسروجردي، المتوفى سنة ٤٥٨.

١٠ - أبو الحسن علي بن محمّد بن الطيّب الجلّابي المعروف بابن المغازلي المتوفى سنة ٤٨٣.


١١ - أبو شجاع شيرويه بن شهردار بن شيرويه الديلمي الهمداني، المتوفى سنة ٥٠٩.

١٢ - أبو محمّد أحمد بن علي العاصمي، صاحب ( زين الفتى في تفسير سورة هل أتى ).

١٣ - أبو الفتح محمّد بن علي بن إبراهيم النطنزي، صاحب ( الخصائص العلوية ).

١٤ - أبو المجد مجدود بن آدم المعروف بالحكيم السنائي، المتوفى سنة ٥٢٥.

١٥ - أبو منصور شهردار بن شيرويه بن شهردار الديلمي، المتوفى سنة ٥٥٨.

١٦ - أبو المؤيّد الموفّق بن أحمد بن أبي سعيد المكّي المعروف بأخطب خطباء خوارزم، المتوفى سنة ٥٦٩.

١٧ - أبو الخير رضي الدين أحمد بن إسماعيل الطالقاني القزويني الحاكمي، المتوفى سنة ٥٩٠.

١٨ - الشيخ عمر بن محمّد بن خضر المعروف بالملّا الإربلي، صاحب ( وسيلة المتعبّدين ).

١٩ - نور الدين أبو حامد محمود بن محمّد بن حسين الصالحاني، تلميذ أبي موسى المديني.

٢٠ - كمال الدين أبو سالم محمّد بن طلحة القرشي، صاحب ( مطالب السئول ) المتوفى سنة ٦٥٢.

٢١ - أبو عبدالله محمّد بن يوسف الكنجي الشافعي، صاحب ( كفاية الطالب ) المتوفى سنة ٦٥٨.


٢٢ - محبّ الدين أحمد بن عبدالله بن محمّد الطبري الشافعي، صاحب ( الرياض النضرة ) المتوفى سنة ٦٩٤.

٢٣ - السيّد علي بن شهاب الدين الهمداني، صاحب ( المودّة في القربى ) المتوفى سنة ٧٧٦.

٢٤ - نور الدين جعفر بن سالار المعروف بأمير ملّا، خليفة الهمداني.

٢٥ - شهاب الدين أحمد صاحب ( توضيح الدلائل على ترجيح الفضائل ).

٢٦ - شهاب الدين بن شمس الدين بن عمر الزاولي الدولت آبادي المعروف بملك العلماء الهندي، المتوفى سنة ٨٣٩.

٢٧ - نور الدين علي بن محمّد بن الصبّاغ المالكي، صاحب ( الفصول المهمّة ) المتوفى سنة ٨٥٥.

٢٨ - كمال الدين حسين بن معين الدين اليزدي الميبدي، صاحب ( شرح الديوان ) المتوفى سنة ٨٧٠.

٢٩ - عبدالرحمن بن عبدالسلام بن عبدالرحمن الصفوري الشافعي.

٣٠ - إبراهيم بن عبدالله الوصابي اليمني الشّافعي، صاحب ( الإكتفاء في مناقب الخلفاء ).

٣١ - جمال الدين عطاء الله بن فضل الله بن عبدالرحمن الشيرازي المتوفى سنة ١٠٠٠.

٣٢ - أحمد بن الفضل بن محمّد باكثير المكي الشافعي، المتوفى سنة ١٠٤٧.

٣٣ - الميرزا محمّد بن معتمد خان بن رستم الحارثي البدخشي.

٣٤ - محمّد صدر العالم صاحب ( معارج العلى في مناقب المرتضى ).


٣٥ - وليّ الله بن عبدالرحيم الدهلوي، والد ( الدهلوي ) المتوفى سنة ١١٧٦.

٣٦ - محمّد بن إسماعيل بن صلاح الأمير اليماني الصنعاني المتوفى سنة ١١٨٢.

٣٧ - أحمد بن عبدالقادر الشافعي العجيلي.

٣٨ - المولوي ولي الله بن حبيب الله اللكهنوي.

أقول:

هؤلاء بعض رواة حديث التشبيه، وسنورد بالترتيب نصوص رواياتهم

بل سيظهر صحّة هذا الحديث من كلام والد ( الدهلوي ) وهو الشيخ ولي الله الدهلوي، وجماعة من شيوخ ( الدهلوي )

كما ستعلم أن طائفةً من رواة هذا الحديث ونقلته هم من العلماء الذين يعتمد عليهم ( الدهلوي ) ويستشهد برواياتهم ويثني عليهم في كتبه


(١)

رواية عبدالرزاق

روى عبدالرزاق بن همام الصنعاني حديث التشبيه، بسنده عن أبي هريرة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقد قال ياقوت الحموي في كتاب ( معجم الأدباء ) بترجمة « محمّد بن أحمد بن عبيدالله الكاتب المعروف بابن المفجّع » ما نصّه:

« وله قصيدة ذات الأشباه، وسمّيت بذات الأشباه لقصده فيما ذكره من الخبر الذي رواه: عبدالرزاق عن معمر عن الزّهري عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم - وهو في محفلٍ من أصحابه -:

إن تنظروا إلى آدم في علمه، ونوح في همّه، وإبراهيم في خلقه، وموسى في مناجاته، وعيسى في سننه، ومحمّد في هديه وحلمه، فانظروا إلى هذا المقبل. فتطاول الناس، فإذا هو علي بن أبي طالبعليه‌السلام .

فأورد المفجّع ذلك في قصيدته، وفيها مناقب كثيرة، وأوّلها:

أيُّها اللّائمي لحبّي عليّاً

قم ذميماً إلى الجحيم خزيّا

أبخير الأنام عرّضت لا

زلت مذوداً عن الهدى مزويّا

أشبه الأنبياء كهلاً وزولا

وفطيماً وراضعاً وغذياً

كان في علمه كآدم

إذْ عُلّم شرح الأسماء والمكنيّا

وكنوح نجّى من الهلك مَنْ

سيّر في الفلك إذ علا الجوديّا

وجفا في رضا الإله أباه(١)

واجتواه وعَدَّه أجنبيّا

كاعتزال الخليل آزر في الله

وهجرانه أباه مليّا

____________________

(١). هذا على زعم أعداء أهل البيت عليهم الصلاة والسّلام، فلا حجّة فيه علينا.


ودعا قومه فآمن لوط

أقرب الناس منه رحماً وريّا

وعليّ لمـّا دعاه أخوه

سبق الحاضرين والبدويّا

وله من أبيه ذي الأيد

إسماعيل شبه ما كان عنّي خفيّا

إنّه عاون الخليل على الكعبة

إذ شاد ركنها المبنيَّا

ولقد عاون الوصي حبيب الله

إذ يغسلان منها الصفيّا

رام حمل النبي كي يقطع

الأصنام من سطحها المثول الحبيّا

فحناه ثقل النبوّة حتّى

كاد ينآد تحته مثنيّا

فارتقى منكب النبي علي

صنوه ما أجلّ المرتقيّا

فأماط الأوثان عن ظاهر الـ

ـكعبة ينفي الرجاس عنها نفيّا

ولو أنّ الوصيّ حاول مسّ

النجم بالكف لم تجده قصيّا

أفهل تعرفون غير علي

وابنه استرحل النبيّ مطيّا »(١)

تراجم رجال السَّنَد

ورجال السّند كلّهم رجال الصّحاح، وناهيك بهم عدالةً واعتباراً وعظمةً وجلالة ولا بأس بذكر بعض الكلمات في حق كلّ واحدٍ منهم بالترتيب:

ترجمة عبدالرزاق

١ - اليافعي: « وفي هذه السنة، توفي الحافظ العلّامة المرتحل إليه من الآفاق، الشيخ الإمام عبدالرزاق بن همام اليمني الصنعاني الحميري، صاحب المصنّفات، عن ست وثمانين سنة.

روى عن معمر، وابن جريج، والأوزاعي، وطبقتهم.

____________________

(١). معجم الأدباء ١٧ / ٢٠٠ - ٢٠٣.


ورحل إليه الأئمّة إلى اليمن، قيل: ما رحل الناس إلى أحدٍ بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مثل ما رحل الناس إليه.

روى عنه خلائق من أئمّة الإسلام، منهم الإمام سفيان بن عيينة، والإمام أحمد، ويحيى بن معين، وإسحاق بن راهويه، وعلي بن المديني، ومحمود بن غيلان »(١) .

٢ - السّمعاني: « أبو بكر عبدالرزاق بن همام الصنعاني، قيل: ما رحل الناس إلى أحدٍ بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مثل ما رحل إليه »(٢) .

٣ - ابن خلّكان: « أبو بكر عبدالرزاق بن همام بن نافع الصنعاني، مولى حمير، قال أبو سعد ابن السمعاني: قيل ما رحل الناس إلى أحدٍ بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مثل ما رحلوا إليه.

يروي عن معمر بن راشد الأزدي مولاهم البصري، والأوزاعي، وابن جريج، وغيرهم.

وروى عنه الأئمّة الإسلام في ذلك العصر، منهم سفيان بن عيينة وهو من شيوخه، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وغيرهم.

وكانت ولادته في سنة ١٢٦.

وتوفي في شوال سنة ٢١١ باليمن. رحمه الله تعالى »(٣) .

٤ - عبدالغني بن سعيد المقدسي (*) عن محمّد بن إسماعيل الفزاري: « بلغنا - ونحن بصنعاء عند عبدالرزاق - أنّ يحيى بن معين وأحمد بن حنبل

____________________

(١). مرآة الجنان: حوادث ٢١١.

(٢). الأنساب - الصنعاني.

(٣). وفيات الأعيان ٣ / ٢١٦.

(*) وصفه الحافظ السّيوطي بالحافظ الإمام محدّث الإسلام. وذكر كتابه الكمال في مصنّفاته المعتمد عليها طبقات الحفّاظ: ٤٨٨.


وغيرهما تركوا حديث عبدالرزاق وكرهوه، فدخلنا من ذلك غم شديد، فقلنا: فقد أنفقنا وتعبنا وآخر ذلك سقط حديثه، فلم أزل في غم من ذلك إلى وقت الحج، فخرجت من صنعاء إلى مكة، فوافقت بها يحيى بن معين فقلت: يا أبا زكريا ما الذي بلغنا عنكم في عبدالرزاق؟ فقال: ما هو؟ فقلت: بلغنا أنكم تركتم حديثه ورغبتم عنه. فقال: يا أبا صالح، لو ارتدَّ عن الإسلام عبدالرزاق ما تركنا حديثه ».

قال عبدالغني: « وروينا عن عبدالرزاق أنّه قال: قدمت مكة فمكثت ثلاثة أيّام لا يجيئني أصحاب الحديث، فمضيت وطفت وتعلّقت بأستار الكعبة فقلت: يا رب ما لي أكذّاب، أمدلّس أنا؟ فرجعت إلى البيت فجاؤني

فقال أحمد بن صالح: قلت لأحمد بن حنبل: أرأيت أحداً أحسن حديثاً من عبدالرزاق؟ قال: لا.

وقال أبو زرعة: عبدالرزاق أحد من ثبت حديثه.

قال البخاري: مات سنة ٢١١.

روى له الجماعة »(١) .

٥ - ابن القيسراني المقدسي: « عبد الرزاق بن همام بن نافع، أبو بكر الحميري مولاهم، الصنعاني.

سمع معمراً وابن جريج والثوري وغير واحدٍ عندهما.

روى عنه إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، وإسحاق بن منصور، ومحمود بن غيلان عندهما

أخبرنا أبو القاسم بنيسابور، أنا أبو الحسن الخفاف، انا أبو العباس السرّاج قال: سمعت محمّد بن سهل بن عسكر يقول: سمعت أحمد بن حنبل.

____________________

(١). الكمال في أسماء الرجال - مخطوط.


يقول:

إذا اختلف الناس في حديث معمر فالقول ما قال عبدالرزاق »(١) .

فعبد الرزاق من رجال الصحيحين.

وقد نصَّ ابن القيسراني في خطبة كتابه الذي جمع فيه ( أسماء رجال الصحيحين ) على أنّ حفاظ الحديث يذهبون إلى أنّ كلّ من أخرج له الشيخان في كتابيهما فحديثه حجّة، وهذه عبارته:

« ثمّ طائفة من حفّاظ الحديث مثل: أبي أحمد ابن عدي، وأبي الحسن الدارقطني، وأبي عبدالله ابن مندة، وأبي عبدالله الحاكم، ثمّ من بعدهم إلى يومنا هذا، لما صح عندهم أن كل من أخرجا حديثه في هذين الكتابين وإنْ تكلّم فيه بعض الناس، يكون حديثه حجةً لروايتهما عنه في الصّحيح ».

أقول:

وبهذا تعرف شأن عبدالرزاق عند ابن عدي والدارقطني وابن مندة والحاكم ومن بعدهم من حفّاظ الحديث

٦ - الخوارزمي: « عبد الرزاق، قال البخاري في تاريخه: عبدالرزاق بن همام بن نافع، أبو بكر مولى حمير، اليماني، سمع معمراً والثوري وابن جريج، مات سنة إحدى عشرة ومائتين. قال البخاري: ما حدّث عن كتابه فهو أصحّ.

يقول أضعف عباد الله: هو من مشاهير المحدّثين وشيوخ أحمد وأمثاله، نحو يحيى بن معين وغيرهما. ويروي عن الإمام أبو حنيفة في هذه المسانيد »(٢) .

____________________

(١). الجمع بين رجال الصحيحين ١ / ٣٢٨.

(٢). جامع مسانيد أبي حنيفة ٢ / ٥١٢.


وأمّا من روى عنهم أبو حنيفة في ( مسانيده ) فقد قال الشعراني فيهم:

« وقد منَّ الله تعالى عليَّ بمطالعة مسانيد الإمام أبي حنيفة الثلاثة، من نسخةٍ عليها خطوط الحفّاظ، آخرهم الحافظ الدمياطي، فرأيته لا يروي حديثاً إلّاعن خيار التابعين العدول الثقات، الذين هم من خير القرون، بشهادة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، كالأسود وعلقمة وعطا وعكرمة ومجاهد ومكحول والحسن البصري وأضرابهم رضي الله عنهم أجمعين، فكلّ الرواة الذين بينه وبين رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عدول ثقات، أعلام أخيار، ليس فيهم كذّاب ولا متّهم بكذب.

وناهيك - يا أخي - بعدالة من ارتضاهم الإمام أبو حنيفةرضي‌الله‌عنه لأنْ يأخذ منهم أحكام دينه، مع شدّة تورّعه وتحرّزه وشفقته على الاُمة المحمّدية »(١) .

٧ - ابن تيميّة ، في جواب بعض الأحاديث: « وأصحاب السّير كابن وغيره يذكرون من فضائله ( أي فضائل عليعليه‌السلام ) شيئاً ضعيفاً، ولم يذكروا مثل هذا، ولا رووا ما تقدّم فيه أنّه موضوع باتّفاق أهل النقل، من أئمّة التفسير الذين ينقلونه بالأسانيد المعروفة، كتفسير ابن جريج، وسعيد بن أبي عروبة، وعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وأحمد، وإسحاق، وبقي بن مخلد، وابن جرير الطبري، ومحمّد بن أسلم الطوسي، و عبد الرحمن ابن أبي حاتم، وابن المنذر، وغيرهم من العلماء الأكابر السادة الذين لهم في الاُمة لسان صدق، وتفاسيرهم متضمّنة للمنقولات التي يعتمد عليها في التفسير »(٢) .

____________________

(١). الميزان للشعراني: ٤٦.

(٢). منهاج السنة ٧ / ١٧٨.


٨ - الذهبي: « أخبار ابن المديني مستقصاة في تاريخ بغداد، وقد بدت منه هفوة ثمّ تاب منها، وهذا أبو عبدالله البخاري وناهيك به قد شحن صحيحه بحديث علي بن المديني وقال: ما استصغرت نفسي بين يدي أحدٍ إلّابين يدي علي بن المديني، ولو ترك حديث علي وصاحبه محمّد وشيخه عبدالرزاق وعثمان بن أبي شيبة وإبراهيم بن سعد لغلّقنا الباب وانقطع الخطاب، ولماتت الآثار واستولت الزنادقة ولخرج الدجّالون، أفمالك عقل يا عقيلي؟! أتدري فيمن تتكلّم؟! وإنّما تبعناك في هذا النمط لنذبَّ عنهم، ولنزيّف ما قيل فيهم، كأنّك لا تدري أنّ كلّ واحدٍ من هؤلاء أوثق منك بطبقات، بل وأوثق من ثقات كثيرين لم توردهم في كتابك، وهذا ممّا لا يرتاب فيه محدّث »(١) .

٩ - الذهبي: « عبدالرزاق بن همام بن نافع، أبو بكر، أحد الأعلام »(٢) .

١٠ - أبو الوفاء الطرابلسي: « وكيف لا يكون ثقة؟! وقد روى له الأئمّة الستّة فضلاً عن الشيخين، ومن روى له الشيخان فقد جاز القنطرة كما قال علي ابن المفضل المقدسي »(٣) .

١١ - ولي الله الدهلوي: قال في بيان أسباب الإختلاف بين أهل الحديث وأصحاب الرأي، وأنّ أهل الحديث اهتمّوا بجمع أحاديث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقط: « بل صحّ عن البخاري أنّه اختصر صحيحه من ستمائة ألف حديث. وعن أبي داود أنّه اختصر سننه من خمسمائة ألف حديث، وجعل أحمد مسنده ميزاناً يعرف به حديث رسول الله صلّى الله عليه

____________________

(١). ميزان الإعتدال ٣ / ١٤٠.

(٢). الكاشف عمّن روي عنه في الصّحاح الستّة ٢ / ١٩٤.

(٣). الكشف الحثيث عمّن رمي بوضع الحديث ترجمة داود بن الحصين: ١٧١.


وسلّم، فما وجد فيه ولو بطريقٍ واحدٍ من طرقه فله أصل وإلّا فلا أصل له.

وكان رؤوس هؤلاء: عبدالرحمن بن مهدي، ويحيى القطّان، ويزيد بن هارون، وعبد الرزاق، وأبو بكر بن أبي شيبة، ومسدّد، وهنّاد، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، والفضل بن دكين، وعلي المديني، وأقرانهم.

وهذه الطبقة هي الطراز الأوّل من طبقات المحدّثين، فرجع المحقّقون منهم بعد إحكام فن الرواية ومعرفة مراتب الأحاديث إلى الفقه، فلم يكن عندهم من الرأي أن يجتمع على تقليد رجلٍ ممّن مضى، مع ما يروون من الأحاديث والآثار المناقضة لكلّ مذهبٍ من تلك المذاهب، فأخذوا يتّبعون أحاديث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وآثار الصّحابة والتابعين والمجتهدين على قواعد أحكموها في نفوسهم »(١) .

١٢ - تصديق الله تعالى عبدالرزاق!

قال السّيوطي: « أخرج الخطيب في تاريخه عن محمّد بن سالم [ سلم ] الخواص الشيخ الصالح،، قال: رأيت يحيى بن أكثم القاضي في النّوم، فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: أوقفني بين يديه، ثمّ قال لي: يا شيخ السّوء، لولا شيبتك لأحرقنك بالنار، [ فأخذني ما يأخذ العبد بين يدي مولاه، فلمـّا أفقت قال لي: يا شيخ السوء. فذكر الثالثة مثل الأوّلين. فلمـّا أفقت ] فقلت: يا رب ما هكذا حدثت عنك. قال: وما حدّثتُ عني؟ - وهو أعلم بذلك -؟ قال: حدّثني عبدالرزاق بن همام [ قال: ] حدّثنا معمر بن راشد، عن ابن شهاب الزهري، عن أنس بن مالك، عن نبيّك، عن جبرئيل عنك يا عظيم أنّك قلت: ما شاب لي عبدفي الإسلام شيبة إلّا استحييت منه أن أعذّبه بالنار. فقال: صدق عبدالرزاق، وصدق معمر، وصدق الزهري، وصدق أنس،

____________________

(١). الإنصاف في بيان سبب الإختلاف: ٤٦.


وصدق نبيّي، وصدق جبرئيل، أنا قلت ذلك. إنطلقوا به إلى الجنّة »(١) .

ترجمة معمر بن راشد

وأمّا « معمر بن راشد » البصري شيخ عبدالرزاق بن همام الصنعاني، فهذا موجز ترجمته والثناء عليه في كتب أهل السنّة:

١ - السمعاني: « ومن القدماء أبو عروة معمر بن راشد البصري المهلّبي مولى الأزد، من أهل البصرة، سكن اليمن، وهو معمر بن أبي عمر.

وكان من ثقات العلماء.

يروي عن: الزهري، وقتادة، ويحيى بن أبي كثير، وأبي إسحاق الهمداني، والأعمش.

روى عنه: الثوري، وشعبة، وابن أبي عروبة، وابن عيينة، وابن المبارك، وإسماعيل بن علّية، ومروان الفزاري، ورباح الصنعاني، وهشام بن يوسف، ومحمّد بن ثور، وعبد الرزاق بن همام.

قال ابن جريج: عليكم بهذا الرجل - يعني معمراً - فإنّه لم يبق من أهل زمانه أعلم منه.

وسئل ابن جريج عن شيء من التفسير فأجابني، فقلت: إنّ معمراً قال كذا وكذا، قال: إنّ معمراً شرب من العلم با نفع.

قال معمر: جلست إلى قتادة وأنا ابن أربع عشرة سنة، فما سمعت منه حديثا إلّاكأنه منقش في صدري.

وقال معمر: خرجت مع الصبيان وأنا غلام إلى جنازةِ الحسن، وطلبت العلم سنة مات الحسن.

____________________

(١). اللآلي المصنوعة ١ / ١٣٦ مع اختلافٍ في مواضع أخرى.


قال علي بن المديني: نظرت فإذا الإسناد يدور على ستة، فلأهل البصرة: شعبة وسعيد بن أبي عروبة وحماد بن سلمة ومعمر بن راشد ويكنّى أبا عروة مولى حدّان.

ومات باليمن سنة ١٥٤.

قال أبو حاتم الرازي: إنتهى الإسناد إلى ستة نفرٍ أدركهم معمر وكتب عنهم، لا أعلم اجتمع لأحدٍ غير معمر، من الحجاز: الزهري وعمرو بن دينار، ومن الكوفة أبو إسحاق والأعمش، ومن البصرة قتادة، ومن اليمامة يحيى بن أبي كثير.

وقال أحمد بن حنبل: لا تُضمّ أحداً إلى معمر إلّا وجدت معمراً أطلب للعلم منه »(١) .

٢ - النووي: « معمر بن راشد. الإمام المحدّث المشهور، مذكور في مواضع من المختصر وهو صاحب الزهري وشيخ عبدالرزاق

قال ابن معين: معمر أثبت في الزهري من ابن عيينة. وقال: أثبت الناس في الزهري: مالك ومعمر ويونس

قال أحمد بن عبدالله: سكن معمر صنعاء اليمن، وتزوّج بها، رحل إليه سفيان، وسمع منه هناك، وسمع هو من سفيان، ولمـّا دخل معمر صنعاء كرهوا خروجه من عندهم [ فقال رجل: نقيده ] فزوّجوه.

واتّفقوا على توثيقه وجلالته.

روى له البخاري ومسلم »(٢) .

٣ - الذهبي: « معمر بن راشد، الإمام الحجّة، أبو عروة، الأزدي

____________________

(١). الأنساب - المهلّبي.

(٢). تهذيب الأسماء واللّغات ٢ / ١٠٧.


مولاهم، البصري، أحد الأعلام، وعالم اليمن، حدّث عن الزهري قال عبدالرزاق: كتبت عن معمر عشرة آلاف حديث. وقال عبدالواحد بن زياد: قلت لمعمر: كيف سمعت من ابن شهاب؟ قال: كنت مملوكاً لقومٍ من طاحية، فبعثوني ببزّ أبيعه، فقدمت المدينة، فنزلت داراً، فرأيت شيخا والناس يعرضون عليه العلم، فعرضت معهم

قال سفيان بن عيينة: قال لي سعيد بن أبي عروبة: روينا عن معمركم فشرفناه وقال عبدالرزاق: بعث معن بن زائدة إلى معمر بذهب فردّه وكتم ذلك »(١) .

٤ - الذهبي: « معمر بن راشد، أبو عروة، الأزدي مولاهم، عالم اليمن. عن الزهري وهمام. وعنه: غندر وابن المبارك وعبد الرزاق »(٢) .

٥ - الخطيب التبريزي: « معمر بن راشد، يكنّى أبا عروة، الأزدي مولاهم، عالم اليمن ...»(٣) .

ترجمة الزّهري

و « ابن شهاب الزهري » شيخ معمر بن راشد المذكور، أحد الأعلام المشاهير عندهم، وإليك بعض الكلمات في حقّه:

١ - ابن حبّان: « محمّد بن مسلم بن عبيدالله بن عبدالله بن شهاب ابن عبدالله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، الزهري، القرشي، كنيته أبو بكر، رأى عشرةً من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكان من أحفظ أهل

____________________

(١). تذكرة الحفاظ ١ / ١٧٨.

(٢). الكاشف ٣ / ١٤٦.

(٣). الإكمال في أسماء الرجال. وهو أسماء رجال المشكاة مطبوع معه ٣ / ٧٦٥.


زمانه، وأحسنهم سياقاً لمتون الأخبار، وكان فقيهاً فاضلاً، روى عنه النّاس »(١) .

٢ - السمعاني: « الزهري من تابعي المدينة، رأى عشرةً من أصحاب النّبي صلّى الله عليه وسلّم، وكان من أحفظ أهل زمانه روى عنه الناس.

مات ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من شهر رمضان سنة ١٢٤ في ناحية الشام، وقبره ببيداء شعب، مشهور يزار »(٢) .

٣ - الذهبي: « أحد الأعلام. عن أبن عمر وأنس وسهل، وحديثه عن أبي هريرة في الترمذي. وعن رافع بن خديج في النسائي.

وعنه: يونس ومعمر ومالك

قال ابن المديني: له نحو ألفي حديث. وقال أبو داود: أسند أكثر من ألف.

وحديثه ألفان ومائة حديث نصفها مسنده. مات في رمضان سنة ١٢٤ »(٣) .

٤ - اليافعي: « الإمام أبو بكر محمّد بن مسلم بن عبيدالله بن عبدالله ابن شهاب الزهري، أحد الفقهاء والمحدّثين، والأعلام التابعين، حفظ علم الفقهاء السبعة، ورأى عشرة من الصحابة رضي الله عنهم، وسمع من سهل ابن سعد، وأنس بن مالك، وخلائق.

وروى عنه جماعة من الأئمّة، منهم مالك بن أنس، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة.

قال ابن المديني: له نحو ألفي حديث، وكان قد حفظ علم الفقهاء السبعة. وقال عمر بن عبدالعزيز: لم يبق أعلم بسنةٍ ماضية من الزهري، وكذا

____________________

(١). كتاب الثقات ٥ / ٣٤٩.

(٢). الأنساب للسمعاني - الزهري.

(٣). الكاشف للذهبي ٣ / ٩٦.


قال مكحول. وقال الليث: قال ابن شهاب: ما استودعت قلبي علماً فنسيته. وقال غيره من أهل العلم: كان معظّماً وافر الحرمة عند هشام بن عبدالملك، أعطاه مرّة سبعة آلاف دينار، وقال عمرو بن دينار: ما رأيت الدينار والدرهم عند أحدٍ أهون منه عند الزهري، كأنّها عنده بمنزلة البعر »(١) .

٥ - الخطيب التبريزي: « الزهري، منسوب إلى زهرة بن كلاب، ممّن اشتهر بالنسب إليهم. هو: أبو بكر محمّد بن عبدالله بن شهاب، أحد الفقهاء والمحدثين، والعلماء الأعلام من التابعين بالمدينة، المشار إليه في فنون علوم الشريعة، سمع نفراً من الصحابة، روى عنه خلق كثير، منهم قتادة ومالك بن أنس. قال عمر بن عبدالعزيز: لا أعلم أحداً أعلم بسنّةٍ ماضية منه. قيل لمكحول: من أعلم من رأيت؟ قال: ابن شهاب. قيل له:

ثمّ من؟ قال: ابن شهاب. قيل له: ثمّ من؟ قال: ابن شهاب »(٢) .

٦ - ابن حجر: « محمّد بن مسلم الفقيه الحافظ، متفق على جلالته وإتقانه، وهو من رؤوس الطبقة الرّابعة »(٣) .

٧ - السّيوطي: « أحد الأعلام قال الليث: ما رأيت عالماً قط أجمع من ابن شهاب و أكثر علماً منه »(٤) .

ترجمة سعيد بن المسيّب

وأمّا « سعيد بن المسيب » الذي روى عنه الزهري الحديث الشريف، فهو فقيه المدينة المنورة، وإمام أهل السنّة، ومن كبار التّابعين، وإليك بعض

____________________

(١). مرآة الجنان حوادث سنة ١٢٤.

(٢). الإكمال في أسماء رجال المشكاة. مطبوع معها. ٣ / ٦٥٣.

(٣). تقريب التهذيب ٢ / ٢٠٧.

(٤). إسعاف المبطأ برجال الموطأ: ٧، طبع مع تنوير الحوالك.


الكلمات في مناقبه ومآثره التي يذكرونها له:

١ - ابن حبان: « سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عبدالله بن عمر بن مخزوم بن يقظة المخزومي القرشي، كنيته أبو محمّد.

ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر. وأم سعيد بن المسيب بنت عثمان بن حكيم

وكان من سادات التابعين فقهاً وديناً وورعاً وعلماً وعبادةً وفضلاً. وكان أبوه يتّجر في الزيت. وكان سعيد سيّد التابعين وأفقه أهل الحجاز وأعبر الناس للرؤيا، ما نودي للصّلاة أربعين سنة إلّاوسعيد في المسجد ينتظرها، ويقال: إنّه ممّن أصلح بين عثمان وعلي. فلمـّا بويع عبدالملك وبايع للوليد وسليمان من بعده، وأخذ البيعة من الناس، أبي سعيد ذلك فلم يبايع. فقال عبدالرحمن ابن عبدالقاري: إنّك تصلي بحيث يراك هشام بن إسماعيل، فلو غيّرت مقامك حتّى لا يراك - وكان هشام والياً على المدينة لعبد الملك - فقال سعيد: إنّي لم اُغير مقاماً قمته منذ أربعين سنة. قال: فخرج معتمراً فقال: لم أكن لأجهد بدني وأنفق مالي في شيء ليس فيه نية. قال: فبايع إذاً. قال: أرأيت إن كان الله أعمى قلبك كما أعمى بصرك فما عليّ! وأبى أن يبايع. فكتب هشام بن إسماعيل إلى عبدالملك، فكتب عبدالملك إليه ما دعاك إلى سعيد!! ما كان علينا منه شيء نكرهه، فأما إذا فعلت فادعه، فإن بايع وإلّا فاضربه ثلاثين سوطاً، وأوقفه للناس، فدعاه هشام فأبى، وقال: لست أبايع لاثنين، فضربه ثلاثين سوطاً، ثمّ ألبسه ثياباً من شعر، وأمر به فطيف به حتّى بلغوا الخيّاطين، ثمّ ردّه وأمر به إلى السجن. فقال سعيد: لولا أنّي ظننت أنه القتل ما لبسته، قلت: أستر عورتي عند الموت.


مات سنة ثلاث أو أربع وتسعين، وقد قيل إنّه مات سنة خمس ومائة »(١) .

٢ - الذهبي: « سعيد بن المسيب. الإمام شيخ الإسلام، فقيه المدينة، أبو محمّد، المخزومي، أجلّ التابعين، ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر، وسمع من عمر شيئاً وهو يخطب، وسمع من عثمان وزيد بن ثابت وعائشة وسعد وأبي هريرة وخلق.

وكان واسع العلم، وافر الحرمة، متين الديانة، قوّالاً بالحق، فقيه النفس.

روى أسامة بن زيد عن نافع عن ابن عمر قال: سعيد بن المسيّب أحد المفتين.

وقال أحمد بن حنبل وغيره: مرسلات سعيد صحاح.

وقال قتادة: ما رأيت أحداً أعلم من سعيد بن المسيّب.

وكذا قال الزهري ومكحول وغير واحد.

قال قال علي بن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علماً من سعيد، هو عندي أجلّ التابعين.

وقال العجلي وغيره: كان لا يقبل جوائز السلطان، وله أربعمائة دينار يتّجر بها بالزيت وغيره.

وقال سعد بن إبراهيم: سمعت سعيد بن المسيب يقول: ما أحد أعلم بقضاءٍ قضاه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولا أبو بكر وعمر منّي.

قال الواقدي: حدّثني هشام بن سعد سمعت الزهري - وسئل عمّن أخذ سعيد بن المسيب علمه - قال: عن زيد بن ثابت، وسعد بن أبي وقاص، وابن عباس، وابن عمر، وقد سمع من عثمان وعلي وصهيب، وجلّ روايته المسندة.

____________________

(١). كتاب الثقات ٤ / ٢٧٣.


عن أبي هريرة، وكان زوج بنته، وكان يقال: ليس أحد أعلم بقضاء عمر وعثمان منه.

وروى معمر عن الزهري: كان سعيد أعلم الناس بقضاء عمر وعثمان.

وعن قتادة قال: كان الحسن إذا أشكل عليه شيء كتب إلى سعيد بن المسيب يسأله.

حماد بن زيد عن يزيد بن حازم: إن المسيب كان يسرد الصوم.

وقال عبدالرحمن بن حرملة: سمعت سعيداً يقول: حججت أربعين حجة.

يوسف بن يعقوب الماجشون، عن المطلب بن السائب قال: كنت جالساً مع سعيد بن المسيب في السوق، فمرّ بريد لبني مروان، فقال له سعيد: من رسل بني مروان أنت؟ قال: نعم. قال: كيف تركت بني مروان؟ قال: بخير. قال: تركتهم يجيعون الناس ويشبعون الكلاب! فأراد شرّأ الرسول، فقمت إليه، فلم أزل أرجيّه حتّى انطلق. فقلت لسعيد: يغفر الله لك، تشيط بدمك! فقال: أسكت يا أحيمق، فوالله لا يسلمني الله ما أخذت بحقوقه.

عن مكحول من وجه ضعيف أنّه قال لمـّا بلغه موت ابن المسيب: استوى الناس.

قال مالك: بلغني أنّ سعيد بن المسيب قال إنّي كنت لأسير الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد.

قال مصعب عن عبدالله حدّثني مصعب بن عثمان: إنّ الذي شهد لسعيد ابن المسيب حين أراد مسلم بن عقبة قتله عمرو بن عثمان ومروان الحكم، شهدا أنّه مجنون، فخلّى سبيله.

قال أبو يونس القوي: دخلت المسجد فإذا سعيد بن المسيب جالس


وحده. قلت: ما شأنه؟ قالوا: نهى أن يجالسه أحد

قلت: قد أفردت سيرة سعيد في مؤلف »(١) .

٣ - الذهبي: « سعيد بن المسيب بن حزن. الإمام أبو محمّد المخزومي، أحد الأعلام وسيّد التابعين. عن: عمر وعثمان وسعد. وعنه: الزهري وقتادة ويحيى بن سعيد. ثقة، حجة، رفيع الذكر، رأس في العلم والعمل، مات سنة ٩٤ »(٢) .

٤ - الخطيب التبريزي: « كان سيّد التابعين من الطراز الأول، جمع بين الفقه والحديث والزهد والعبادة والورع، وهو المشار إليه المنصوص عليه، وكان أعلم الناس بحديث أبي هريرة وبقضايا عمر.

لقي جماعة كثيرة من الصحابة وروى عنهم.

وعنه: الزهري وكثير من التابعين وغيرهم.

قال مكحول: طفت الأرض كلّها في طلب العلم، فما لقيت أعلم من ابن المسيب.

وقال ابن المسيب: حججت أربعين حجة.

مات سنة ثلاث وتسعين رحمه الله تعالى »(٣) .

٥ - ابن حجر: « قال نافع عن ابن عمر: هو والله أحد المفتين [ المتقنين ] وعن عمرو بن ميمون بن مهران عن أبيه قال: قد جئت [ قدمت ] المدينة فسألت عن أعلم أهل المدينة، فدفعت إلى سعيد بن المسيب. وقال ابن شهاب: قال لي عبدالله بن ثعلبة بن أبي صغير: إن كنت تريد هذا - يعني الفقه -

____________________

(١). تذكرة الحفاظ ١ / ٥٤ - ٥٦.

(٢). الكاشف ١ / ٣٧٢.

(٣). الإكمال في أسماء رجال المشكاة ٣ / ٦٦٦.


فعليك بهذا الشيخ: سعيد بن المسيب. وقال قتادة: ما رأيت أحداً أعلم بالحلال والحرام منه.

وقال محمّد بن إسحاق عن مكحول: طفت الأرض كلّها في طلب العلم فما لقيت أعلم منه.

وقال سليمان بن موسى: كان أفقه التابعين.

وقال البخاري: قال لي علي عن أبي داود عن شعبة عن أياس بن معاوية قال لي سعيد بن المسيب: ممّن أنت؟ قلت: من مزينة. قال: إنّي لأذكر يوم نعي عمر بن الخطاب النعمان بن مقرن على المنبر، قال: وقال لنا سليمان بن حرب ثنا سلام بن مسكين عن عمران بن عبدالله الخزاعي عن ابن المسيب قال: أنا أصلحت بين علي وعثمان.

وقال الدوري عن ابن معين: ههنا قوم يقولون إنّه أصلح بين علي وعثمان، وهذا باطل.

وقال أيضاً: قد رآني عمر وكنت صغيراً. قلت يقول: ولدت لسنتين مضتا من خلافة عمر. فقال يحيى: ابن ثمان سنين يحفظ شيئاً!!

قال: وسمعته يقول: مرسلات ابن المسيّب أحبّ إليَّ من مرسلات الحسن

وقال أبو طالب قلت لأحمد: سعيد بن المسيب. فقال: ومن مثل سعيد؟! ثقة من أهل الخير. فقلت له: سعيد عن عمر حجة؟ قال: هو عندنا حجة قد رأى عمر وسمع منه، وإذا لم يقبل سعيد عن عمر فمن يقبل؟

وقال الميموني وأحمد بن حنبل: مرسلات سعيد صحاح، لا يرى أصح من مرسلاته.

وقال عثمان الحارثي عن أحمد: أفضل التابعين سعيد بن المسيب.


وقال ابن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علماً من سعيد بن المسيّب، قال: وإذا قال سعيد مضت السنّة فحسبك. قال: وهو عندي أجلّ التابعين.

وقال الربيع عن الشافعي: إرسال ابن المسيب عندنا حسن.

وقال الليث عن يحيى بن سعيد: كان ابن المسيب يسمّى راوية عمر، كان أحفظ الناس لأحكامه وأقضيته.

وقال إبراهيم بن سعد عن أبيه عن سعيد: ما بقي أحد أعلم بكلّ قضاءٍ قضاه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وكلّ قضاءٍ قضاه أبو بكر وكلّ قضاءٍ قضاه عمر منّي، قال إبراهيم عن أبيه: وأحسبه قال: وعثمان.

وقال مالك: بلغني أنّ عبدالله بن عمر كان يرسل إلى ابن المسيّب يسأله عن بعض شأن عمر وأمره. وقال مالك: لم يدرك عمر، ولكن لما كبر أكبّ على المسألة عن شأنه وأمره. وقال قتادة: كان الحسن إذا أشكل عليه شيء كتب إلى سعيد بن المسيّب. وقال العجلي: كان رجلاً صالحاً فقيهاً

وقال أبو زرعة: مدني قرشيء ثقة إمام. وقال أبو حاتم: ليس في التابعين أنبل منه، وهو أثبتهم في أبي هريرة.

قال الواقدي: مات سنة ٩٤ في خلافة الوليد وهو ابن خمس وسبعين سنة. قال أبو نعيم: مات سنة ٩٣.

قلت: على تقدير ما ذكروا عنه أنّ مولده لسنتين مضتا من خلافة عمر - والإسناد إليه صحيح - يكون مبلغ عمره ثمانين سنة إلّاسنة، كما قال الواقدي »(١) .

٦ - ابن حجر: « سعيد بن المسيب أحد العلماء الثمانية، إتّفقوا على أنّ

____________________

(١). تهذيب التهذيب ٤ / ٨٤.


مرسلاته أصح المراسيل، وقال ابن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علماً منه. مات بعد التسعين وقد ناهز الثمانين »(١) .

٧ - السّيوطي: « سعيد بن المسيّب قال قتادة: ما رأيت أحداً قط أعلم بالحلال والحرام منه، وقال مكحول: ما لقيت أعلم منه، وقال سليمان بن موسى: إنّه أفقه الناس، وقال أحمد: إنّه أفضل التابعين »(٢) .

٨ - عبدالحق الدهلوي: « سعيد بن المسيب بن حزن القرشي الإمام أبو محمّد المخزومي المدني، من فقهاء السبعة الذين كانوا بالمدينة أحد الأعلام، سيّد التابعين، جمع بين الفقه والحديث والزهد والعبادة والورع، ثقة حجة فقيه رفيع الذكر، رأس في العلم والعمل.

ويروى عن الإمام زين العابدين أنّه قال: سعيد بن المسيب أعلم الناس، ويقال: إنّه لم يكن في التابعين أكثر منه علماً »(٣) .

ترجمة أبي هريرة

وأمّا « أبو هريرة » فهو من الصحابة الكبار والأئمّة الأعلام عند أهل السنّة، فلا حاجة إلى تعديله وتوثيقه بعد أن مدح الله سبحانه تعالى الصّحابة وأثنى عليهم في القرآن الكريم كما يزعمون، وبعد أن وردت عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الأحاديث العامة والخاصّة في فضله ومقامه كما يروون.

ولا بأس بذكر مقتطفاتٍ من تراجمه في معاجم الصّحابة والحفّاظ:

____________________

(١). تقر يب التهذيب ١ / ٣٠٥.

(١). إسعاف المبطأ برجال الموطّأ: ١٧، طبع مع تنوير الحوالك.

(٢). رجال المشكاة للشيخ عبدالحق الدهلوي.


١ - ابن عبدالبر: « أبو هريرة الدوسي صاحب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أسلم أبو هريرة عام خيبر، وشهدها مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ثمّ لزمه وواظب عليه رغبةً في العلم راضياً بشبع بطنه، وكانت يده مع يد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكان يدور معه حيثما دار، وكان من أحفظ أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكان يحضر ما لا يحضره سائر المهاجرين والأنصار، لاشتغال المهاجرين بالتجارة والأنصار بحوائجهم.

وقد شهد له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بأنّه حريص على العلم والحديث، وقال له: يا رسول الله، إنّي قد سمعت منك حديثاً كثيراً، فإنّي أخشى أن أنسى، فقال: أبسط رداءك، قال: فبسطته فغرف بيده ثمّ قال: ضمّه، فضممته، فما نسيت شيئاً بعده.

وقال البخاري: روى عنه أكثر من ثمانمائة رجل من بين صاحب وتابع. وممّن روى عنه من الصّحابة: إبن عباس وابن عمر وجابر بن عبدالله وأنس وواثلة بن الأسقع وعائشة، إستعمله عمر بن الخطاب على البحرين ثمّ عزله، ثمّ أراده على العمل فأبى عليه، فلم يزل يسكن المدينة، وبها كانت وفاته »(١) .

٢ - إبن الأثير: « ب د ع أبو هريرة الدوسي صاحب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأكثرهم حديثاً عنه وقد اختلف في اسمه اختلافاً كثيراً، لم يختلف في اسم آخر مثله ولا ما يقاربه وإنّما هو مشهور بكنيته، وأسلم أبو هريرة عام خيبر، وشهدها مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ثمّ لزمه وواظب عليه رغبة في العلم، فدعا له رسول الله:

أخبرنا إبراهيم وغيره عن أبي عيسى، أخبرنا أبو موسى، أخبرنا عثمان ابن عمر، أخبرنا ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال قلت:

____________________

(١). الإستيعاب في معرفة الأصحاب ٤ / ١٧٥٨.


يا رسول الله، أسمع منك أشياء فلا أحفظها. قال: ابسط رداءك، فبسطته، فحدّث حديثاً كثيراً، فما نسيت شيئاً حدّثني به.

... عن ابن عمر أنّه قال لأبي هريرة: أنت كنت ألزمنا لرسول الله وأحفظنا لحديثه.

... عن الزهري عن الأعرج قال: سمعت أبا هريرة قال: إنّكم تقولون إنّ أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله ( ص )، والله الموعد! كنت رجلاً مسكيناً أخذم رسول الله على ملء بطني، وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم. وقال رسول الله: من يسبط ثوبه فلن ينسى شيئاً سمعه منّي، فبسط ثوبي حتّى قضى حديثه ثمّ ضممته إليَّ فما نسيت شيئاً سمعته بعد.

... قال البخاري: روى عن أبي هريرة أكثر من ثمانمائة رجل من صاحب وتابع

قال خليفة: توفي أبو هريرة سنة ٥٧. وقال الهيثم بن عدي: توفي سنة ٥٨ »(١) .

٣ - الذهبي: « أبو هريرة الدوسي اليماني، الحافظ الفقيه، صاحب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان من أوعية العلم ومن كبار أئمّة الفتوى، مع الجلالة والعبادة والتواضع.

قال البخاري: روى عنه ثمانمائة نفس أو أكثر

وكان من أصحاب الصّفة فقيراً، ذاق جوعاً وفاقة، ثمّ بعد النبيّ صلح حاله وكثر ماله، وكان كثير التعبد والذّكر، ولي إمرة المدينة، وناب أيضاً عن مروان في إمرتها، وكان يمرّ في السّوق يحمل الحزمة وهو يقول: أوسعوا

____________________

(١). أسد الغابة في أسماء الصحابة ٥ / ٣١٥.


الطريق للأمير، وكان فيه دعابة

روى أحمد في مسنده عن أبي كثير التميمي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: اللّهمّ حبّب عبيدك هذا - يعني أبا هريرة - وأُمّه إلى عبادك المؤمنين، وحبّبهم إليهما

قال الأعمش عن أبي صالح السمّان: كان أبو هريرة من أحفظ أصحاب محمّد رسول الله.

وقال الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره.

وروى كهمس عن عبدالله بن شفيق قال قال أبو هريرة: لا أعرف أحداً من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أحفظ لحديثه منّي.

أبو داود الطيالسي، نا عمران القطّان، عن بكر بن عبدالله، عن أبي رافع، عن أبي هريرة إنّه لقي كعباً، فجعل يحدّثه ويسأله، فقال كعب: ما رأيت أحداً لم يقرأ التوراة أعلم بما فيها من أبي هريرة.

هشيم، عن يعلى بن عطا، عن الوليد بن عبدالرحمن، عن ابن عمر إنّه قال: يا أبا هريرة أنت كنت ألزمنا لرسول الله، وأعلمنا بحديثه »(١) .

أقول:

وبعد هذا كلّه لا يرتاب المنصف في صحّة حديث التشبيه، وإنّه ليعلم - بعد هذا - كذب ( الدّهلوي ) في دعواه، وأنّ غرضه ستر الحقيقة وكتمان الواقع ظلماً وزوراً.

____________________

(١). تذكرة الحفاظ ١ / ٣٢.


ترجمة ياقوت الحموي

وبقي ترجمة ياقوت الحموي صاحب ( معجم الأدباء ) الذي ذكر الحديث بترجمة المفجّع وياقوت من أعاظم مصنّفي أهل السنّة، ومن مشاهير أدبائهم ومحقّقيهم هذا من جهة.

ومن جهةٍ أخرى: قد اشتهر ياقوت بتعصّبه على سيّدنا أمير المؤمنينعليه‌السلام ، حتّى نصّ مترجموه على ذلك كابن خلّكان

وحينئذٍ، لا يرتاب أحد في صحّة الحديث الذي ذكره واعتباره، إذ لا يبقى بعد هذا مجالٍ لإنكاره أو القدح في سنده

ومن كلمات أهل السنّة في ترجمة ياقوت ما يلي:

١ - السمعاني: « أبو الدر ياقوت بن عبد الله الرومي التاجر، عتيق عبدالله ابن أحمد البخاري سمع أبا محمّد عبدالله بن محمّد بن هزار مرد الصريفيني، قرأت عليه ببغداد أمالي أبي طاهر المخلّص بروايته عن ابن هزامرد عنه. وكان شيخاً مليح الشيبة لطيفاً [ نظيفاً ] ظاهره الخير والصلاح، وتوفي سنة ٥٤٣ بمصر »(١) .

٢ - إبن خلّكان: « وكان متعصّباً على علي بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه ، وكان قد طالع شيئاً من كتب الخوارج، فاشتبك في ذهنه منه طرف قوي، وتوجّه إلى دمشق في سنة ثلاث عشرة وستمائة، وقعد في بعض أسواقها، وناظر بعض من يتعصّب لعليرضي‌الله‌عنه ، وجرى بينهما كلام أدّى إلى ذكره عليّاًرضي‌الله‌عنه بما لا يسوغ، فثار الناس عليه ثورة كادوا يقتلونه، فسلم منهم، وخرج من دمشق منهزماً بعد أن بلغت القضية إلى والي البلد، فطلبه ولم يقدر

____________________

(١). الأنساب - الرّومي.


عليه، ووصل إلى حلب خائفاً يترقّب

وكان قد تتبّع التواريخ، وصنّف كتاباً سمّاه إرشاد الألبّاء إلى معرفة الأدباء، يدخل في أربع مجلّدات »(١) .

٣ - الذهبي: « ياقوت الرومي الحموي ثمّ البغدادي التاجر شهاب الدين، الأديب الأخباري، صاحب التصانيف الأدبيّة في التاريخ والأنساب والبلدان وغير ذلك. توفي في رمضان »(٢) .

٤ - اليافعي: « ياقوت الرومي الحموي ثمّ البغدادي التاجر، شهاب الدين، الأديب الأخباري، صاحب التصانيف الأدبيّة في التاريخ والأنساب والبلدان وغير ذلك.

أُسير من بلاده صغيراً، فابتاعه ببغداد رجل تاجر، ولمـّا كبر ياقوت المذكور قرأ شيئاً من النحو واللغة، وشغله مولاه بالأسفار في متاجره، ثمّ جرت بينه وبين مولاه قضيّة أوجبت عتقه، فأبعده عنه، فاشتغل بالنسخ، وحصلت له بالمطالعة فوائد، وصنّف كتاباً سمّاه إرشاد الألبّاء إلى معرفة الأدباء، في أربع مجلّدات، وكتاباً في أخبار الشعراء المتأخّرين والقدماء، وكتباً أخرى عديدة، وكانت له همّة عالية في تحصيل المعارف »(٣) .

٥ - ابن حجر: « ياقوت الرومي الكاتب الحموي.

قال ابن النجّار: كان ذكيّاً، حسن الفهم، ورحل في طلب النسب إلى بلاد الشام ومصر والبحرين وخراسان، وسمع الحديث، وصنّف معجم البلدان، ومعجم الأدباء، وأسماء الجبال والأنهار والأماكن.

____________________

(١). وفيات الأعيان ٦ / ١٢٧.

(٢). العبر ٢ / ٤٥٦.

(٣). مرآة الجنان حوادث سنة ٥٤٣.


قال ابن النجّار(*) : كان غزير الفضل، وكان حسن الصحبة، طيّب الأخلاق حريصاً على الطلب. ومات بحلب سنة ٦٢٦ ولم يبلغ الستين »(١) .

اعتماد العلماء على ياقوت

وكثيراً ما يعتمد كبار علماء أهل السنّة وحفّاظهم على أقوال ياقوت وتحقيقاته في تراجم العلماء، ونكتفي هنا بإيراد موارد من اعتماد الحافظ جلال الدين السّيوطي على ياقوت الحموي:

قال السيوطي: « محمّد بن محمّد بن عمران البصري الرقّام، أبو الحسن، قال ياقوت: أحد أصحاب ابن دريد القيّمين بالعلم والفهم »(٢) .

وقال: « محمّد بن بركات بن هلال بن عبدالواحد السعيدي النحوي أبو عبدالله. قال ياقوت: عالي المحلّ في النحو واللغة والأدب، أحد فضلاء المصريين وأعيانهم المبرّزين، أخذ النحو والأدب عن ابن باشا »(٣) .

____________________

(*) ولا بأس بذكر ترجمة ابن النجار الذي نقل ابن حجر كلامه في الثناء على ياقوت، قال ابن شاكر الكتبي: « صنّف التاريخ الذي ذيّل به على تاريخ الخطيب، استدرك فيه على الخطيب، فجاء في ثلاثين مجلّداً، دلَّ على تبحّره في هذا الشأن وسعة حفظه. وكان إماماً ثقة حجة مقرءاً مجوّداً حسن المحاضرة كيساً متواضعاً، اشتملت مشيخته على ثلاثة آلاف شيخ، ورحل سبعاً وعشرين سنة وله كتاب: القمر المنير في المسند الكبير، ذكر كلّ صحابي وما له من الحديث، وله كتاب كنز الإمام في معرفة السنن والأحكام، والمختلف والمؤتلف، ذيّل به على ابن ماكولا، والمتفق والمفترق، ونسبة المحدّثين إلى الآباء والبلدان، كتاب عواليه، كتاب معجمه، جنّة الناظرين في معرفة التابعين، الكمال في معرفة الرجال، القصر الفائق في عيون أخبار الدنيا ومحاسن تواريخ الخلائق، الدرة الثمينة في أخبار المدينة، نزهة الورى في أخبار أمّ القرى ». [ فوات الوفيات ٤ / ٣٦ ].

(١). لسان الميزان لابن حجر العسقلاني ٦ / ٢٣٩.

(٢). بغية الوعاة: ٩٩.

(٣). نفس المصدر: ٢٤.


وقال: « محمّد بن أحمد أبو الندى الغندجاني. قال ياقوت: واسع العلم، راجح المعرفة باللغة وأخبار العرب وأشعارها »(١) .

وقال: « محمّد بن أحمد أبو الريحان الخوارزمي قال ياقوت:

وأمّا تصانيفه في النجوم والهيئة والحكمة فإنّها تفوت الحصر »(٢) .

(٢)

رواية أحمد بن حنبل

ورواه أحمد بن حنبل بطريق صحيح:

قال أبو جعفر محمّد بن علي بن شهرآشوب السروي المازندراني رحمة الله عليه:

« أحمد بن حنبل، عن عبدالرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن ابن المسيّب، عن أبي هريرة. وابن بطّة في الإبانة [ بإسناده ] عن ابن عباس، كلاهما عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال:

« من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في فهمه، وإلى موسى في مناجاته، وإلى عيسى في سمته، وإلى محمّد في تمامه وكماله وجماله، فلينظر إلى هذا الرجل المقبل. قال: فتطاول الناس أعناقهم فإذا هم بعلي، كأنما ينقلب في صبب وينحل عن جبل.

تابعهما أنس، إلّا أنّه قال: وإلى إبراهيم في خلّته، وإلى يحيى في زهده،

____________________

(١). بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة: ٢١.

(٢). نفس المصدر: ٢٠.


وإلى موسى في بطشه. فلينظر إلى علي بن أبي طالب »(١) .

ترجمة ابن شهرآشوب

وقد ذكر كبار علماء السير والتواريخ من أهل السنّة أبا جعفر محمّد بن علي بن شهرآشوب السروي، ووصفوه بالأوصاف الحميدة، وأثنوا عليه الثناء البالغ:

١ - قال الصفدي: « محمّد بن علي بن شهرآشوب - الثانية سين مهملة - أبو جعفر السروي المازندراني، رشيد الدين الشيعي، أحد شيوخ الشيعة، حفظ أكثر القرآن وله ثمان سنين، وبلغ النهاية في أصول الشيعة، كان يرحل إليه من البلاد، ثمّ تقدّم في علم القرآن والغريب والنحو، ووعظ على المنبر أيّام المقتفي ببغداد، فأعجبه وأخلع عليه، وكان بهيّ المنظر، حسن الوجه والشيبة، صدوق اللهجة، مليح المحاورة، واسع العلم، كثير الخشوع والعبادة والتهجّد، لا يكون إلّاعلى وضوء.

أثنى عليه ابن أبي طي في تاريخه ثناء كثيراً، توفي سنة ٥٨٨ »(٢) .

٢ - الفيروزآبادي: « محمّد بن علي بن شهرآشوب، أبو جعفر المازندراني، رشيد الدين الشيعي، بلغ النهاية في أصول الشيعة، تقدّم في علم القرآن واللغة والنحو، ووعظ أيّام المقتفي فأعجبه وخلع عليه، وكان واسع العلم، كثير العبادة، دائم الوضوء.

له كتاب الفصول في النحو، وكتاب المكنون والمخزون في عيون الفنون، وكتاب أسباب نزول القرآن، وكتاب متشابه القرآن، وكتاب الأعلام

____________________

(١). مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب ٣ / ٢٦٤ ط ايران.

(٢). الوافي بالوفيات ٤ / ١٦٤.


والطرائق في الحدود والحقائق، وكتاب الجديدة. جمع فيه فوائد وفرائد جمّة. عاش مائة سنة إلّا عشرة أشهر، مات سنة ٥٨٨ »(١) .

٣ - السيوطي: « محمّد بن علي بن شهرآشوب، أبو جعفر السروي المازندراني، رشيد الدين، شيعي، قال الصفدي: كان مقدّماً في علم القرآن والغريب والنحو، واسع العلم، كثير العبادة والخشوع، ألّف: الفصول في النحو، أسباب نزول القرآن، متشابه القرآن، مناقب علي بن أبي طالب، المكنون، »(٢) .

٤ - شمس الدين الداودي: « محمّد بن علي بن شهرآشوب بن أبي نصر، أبو جعفر السروي المازندراني، رشيد الدين، أحد شيوخ الشيعة، إشتغل بالحديث ولقي الرجال، ثمّ تفقّه وبلغ النهاية في فقه أهل مذهبه، ونبغ في الأصول حتّى صار رحله، ثمّ تقدّم في علم القرآن والقراءات والتفسير والنحو. كان إمام عصره وواحد دهره، أحسن الجمع والتأليف ، و غلب عليه علم القرآن والحديث، وهو عند الشيعة كالخطيب البغدادي لأهل السنّة، في تصانيفه وتعليقات الحديث ورجاله ومراسيله ومتّفقه ومفترقه، إلى غير ذلك من أنواعه، واسع العلم، كثير الفنون.

مات في شعبان سنة ٥٨٨.

قال ابن أبي طي: ما زال الناس بحلب لا يعرفون الفرق بين ابن بطة الحنبلي وابن بطّة الشّيعي، حتّى قدم الرّشيد فقال: إن بطة الحنبلي بالفتح والشيعي بالضمّ »(٣) .

وإذا عرفت جلالة قدر ابن شهرآشوب السّروي، وعلوّ مقامه في الفقه

____________________

(١). البلغة في تراجم أئمّة النحو واللغة: ٢٤٠.

(٢). بغية الوعاة: ٧٧.

(٣). طبقات المفسرين ٢ / ١٩٩.


والحديث والتفسير والرجال والقراءات والنحو مع صدق اللّهجة والأمانة في النقل، لم يبق عندك أي شك وريب في رواية أحمد بن حنبل لحديث التشبيه بالسند المتقدّم الذي ذكره إبن شهرآشوب.

رواية صاحب الصحائف حديث التشبيه عن أحمد

هذا، بالإضافة إلى أنّ رواية أحمد بن حنبل لحديث التشبيه مذكورة في كتب أهل السنّة أيضاً، ففي كتاب ( هداية السعداء ) لملك العلماء شهاب الدين الدولت آبادي الهندي، عن كتاب ( الصّحائف )، أنّه عزا رواية الحديث الشريف إلى أحمد والبيهقي، حيث قال:

« روى أحمد والبيهقي في فضائل الصحابة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى يوشع في تقواه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في هيبته، وإلى عيسى في عبادته، فلينظر إلى وجه علي ».

ثمّ إنّ صاحب ( الصحائف ) لم ينكر - في مقام الجواب عن دلالة هذا الحديث على إمامة أمير المؤمنينعليه‌السلام - رواية أحمد بن حنبل للحديث، بل لم يشك في صحته، بل قال: « والحق أنّ كلّ واحدٍ من الخلفاء الأربعة، بل كل واحدٍ من الصحابة مكرم عند الله، موصوف بالفضائل الحميدة، ولا يجوز الطعن في أحد منهم، لأنّ الطعن في واحدٍ منهم يوجب الكفر »(١) .

ومؤلّف كتاب ( الصحائف ) هو الشيخ شمس الدين محمّد بن أشرف الحسيني السمرقندي، قال الجلبي: « آداب الفاضل شمس الدين محمّد بن أشرف الحسيني السمرقندي، الحكيم المحقّق، صاحب الصحائف

____________________

(١). هداية السعداء - الهداية الأولى، الجلوة السابعة - مخطوط.


والقسطاس، المتوفى في حدود سنة ٦٠٠، وهي أشهر كتب الفن، وعليها شروح »(١) .

وذكر ( الصحائف ) بقوله: « الصحائف في الكلام أوله. الحمد لله الذي استحقّ الوجود والوحدة الخ. وهو على مقدمة وستة صحائف وخاتمة »(٢) .

وذكر ( القسطاس ) بقوله: « قسطاس الميزان أي المنطق، وهو على مقدمة ومقالتين، الأولى في التصوّرات، والثانية في التصديقات، لشمس الدين محمّد السمرقندي، وهو صاحب الصحائف»(٣) .

ووصف كتاب ( الصحائف ) شارحه صاحب ( المعارف في شرح الصحائف ) فقال: « وكتاب الصحائف جامع لما ثبت بالحجج القطعيّة والدلائل اليقينيّة، على ما شهد به صريح العقل من حجج المخالفين على الفلاسفة وغيرهم، والمطالب إنّما تبتني على أصولهم وقواعدهم، ليلغي حسبان المريبين، ويقوّي إيمان المصيبين، إذ الحق لا يتميّز ولا يقرّب إلّا بإبانة الحجّة وإزالة الشبهة. فالتمس جماعة من العلماء وطائفة من الفضلاء أن أكتب له شرحاً وافياً لبيانه، كافياً لتبيانه، مع زيادة ما يتوقّف عليه الإتقان، وإفادة ما يفتقر إليه الإيقان، فالتزمته وسمّيته كتاب المعارف في شرح الصحائف ».

وقد ذكر الكاتب الجلبي هذا الشرح أيضاً في ( كشف الظنون ) ويظهر من كلامه وجود شروح عديدة له. وكتاب الصحائف وشرحه المذكور يعدّان من الكتب الكلاميّة المعتمدة عند أهل السنّة، في عداد المقاصد والمواقف والطوالع وشروحها.

____________________

(١). كشف الظنون ١ / ٣٩.

(٢). كشف الظنون ٢ / ١٠٧٥.

(٣). المصدر ٢ / ١٣٢٦.


هذا، ولأجل أن يطمئنّ القارىء بما ذكرناه من رواية صاحب ( الصحائف ) هذا الحديث الشريف عن أحمد بن حنبل، ونقله صاحب كتاب ( هداية السعداء ) في كتابه، فإنّا ننقل عين ما جاء في الكتابين:

نصّ كلام صاحب الصحائف

قال في ( هداية السعداء )، في الهداية الأولى، الجلوة السابعة، فيما يصير به الرجل رافضيّاً.

في التمهيد: من قال إنّ عليّاً كان نبيّاً أو أفضل من النّبيّ وأعلم منه، وأنكر خلافة الشيخين، أو سبّهما، أو لعنهما، أو قال إنّ أبابكر ليس من الصّحابة، فهو رافضي كافر.

وفي تفسير الطيّبي عند قوله تعالى( إِذْ هُما فِي الْغارِ ) قالوا من أنكر صحبة أبي بكر مع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقد كفر.

عن التّرمذي، عن ابن عمررضي‌الله‌عنه : إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لأبي بكر: أنت صاحبي في الغار وصاحبي في الحوض.

وفي التشريح: من قال حبّ عليّ كفر ورفض فهو خارجي كافر لأنّ الله أحبّه وأحبّه النبيّ والصّحابة والمؤمنون أجمعون، فإنّه يسب هؤلاء الكلّ.

في كتاب الشّفاء: من قال لأحد من الخلفاء الأربعة إنّه كان على الضلال أو كان كافراً يقتل، لأنّه كفر، وإن سبّهم بغير هذا من مشاتمة الناس نُكِّلَ نكالا شديداً، ومن قال لغيرهم من الصحابة كان فلانٌ من أهل الضلالة نُكِّلَ نكالاً شديداً ».

« وفي الصحائف في الفصل الثالث، في أفضل الناس بعد النبيّ، المراد بالأفضل ههنا أن يكون أكثر ثواباً عند الله واختلفوا فيه.


فقال أهل السنّة وقدماء المعتزلة إنّه أبو بكر، وقال الشيعة وأكثر المتأخرين من المعتزلة هو علي.

إستدل أهل السنّة بوجهين، الأوّل: قوله تعالى( وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ ) السورة، والمراد هو أبو بكررضي‌الله‌عنه عند أكثر المفسّرين، والأتقى أكرم عند الله تعالى لقوله تعالى( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ ) والأكرم عند الله أفضل.

الثاني: قوله صلّى الله عليه وسلّم: والله ما طلعت شمس ولا غربت على أحد بعد النبيّين والمرسلين أفضل من أبي بكر.

وأجاب الشيعة: بأن هذا لا يدل على أنّه أفضل، بل بأنّ غيره ليس أفضل منه.

واحتجّت الشيعة بأنّ الفضيلة إمّا عقليّة أو نقليّة، والعقليّة إمّا بالنّسب أو بالحسب، وكان عليّ أكمل الصّحابة في جميع ذلك، فهو أفضل.

أمّا بالنّسب، فلأنّه أقرب إلى رسول الله، والعبّاس وإن كان عمّ رسول الله لكنّه كان أخا عبدالله من الأب وكانَ أبو طالب أخاً منهما، وكان علي هاشميّاً من الأب والأمّ، لأنّه عليّ بن أبي طالب بن عبدالمطّلب بن هاشم، وعليّ بن فاطمة بنت أسد بن هاشم، والهاشمي أفضل لقوله صلّى الله عليه وسلّم اصطفى من ولد إسماعيل قريشاً واصطفى من قريش هاشماً.

وأمّا الحسب، فلأنّ أشرف الصّفات الحميدة الزهد والعلم والشجاعة، وهو فيها أتمّ وأكمل من الصّحابة.

أمّا العلم، فلأنّه ذكر في خُطبه من أسرار التوحيد والعدل والنبوّة والقضاء والقدر وأحوال المعاد ما لم يوجد في الكلام لأحدٍ من الصحابة، وجميع الفرق ينتهي نسبتهم في علم الأصول إليه، فإنّ المعتزلة ينسبون أنفسهم إليه،


والأشعريّ أيضاً منتسب إليه لأنّه كان تلميذاً للجبائي المنتسب إلى عليّ، وانتساب الشيعة بيّن، والخوارج مع كونهم أبعد النّاس عنه أكابرهم تلامذته، وابن عبّاس رئيس المفسّرين كان تلميذاً له وعلم منه تفسير كثير من المواضع التي تتعلق بعلوم دقيقة مثل الحكمة والحساب والشعر والنّجوم والرّمل وأسرار الغيب، وكان في علم الفقه والفصاحة في الدرجة العليا وعلم النحو منه، وأرشد أبا الأسود الدئلي إليه، وكان عالماً بعلم السلوك وتصفية الباطن الذي لا يعرفه إلّا الأنبياء والأولياء حتّى أخذه جميع المشايخ منه أو من أولاده أو من تلامذتهم، وروي أنّه قال لو كسرت الوسادة ثمّ جلست عليها لقضيت بين أهل التوراة بتوراتهم وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم، وبين أهل الزّبور بزبورهم وبين أهل الفرقان بفرقانهم، والله ما من آية اُنزلت في برّ أو بحر أو سهل أو جبل أو سماء أو أرض أو ليل أو نهار إلّا وأنا أعلم فيمن نزلت وفي أيّ شيء نزلت، وروي أنّه قال: لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً، وقال صلّى الله عليه وسلّم أقضاكم علي، والقضاء يحتاج إلى جميع العلوم.

وأمّا الزهد، فلما علم منه بالتواتر من ترك اللذّات الدنياويّة والإحتراز عن المحظورات من أوّل العمر إلى آخره مع القدرة، وكان زهّاد الصحابة كأبي ذر وسلمان الفارسي وأبي الدرداء تلامذته.

وأمّا الشجاعة، فغنيّة عن الشرح، حتّى قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: لا فتى إلّا عليّ لا سيف إلّا ذو الفقار، وقال صلّى الله عليه وسلّم يوم الأحزاب لضربة عليّ خير من عبادة الثقلين.

وكذا السخاوة، فإنّه بلغ فيها الدّرجة القصوى حتّى أعطى ثلاثة أقراص ما كان له ولأولاده غيرها عند الإفطار، فأنزل الله تعالى( وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ) .


وكان أولاده أفضل أولاد الصحابة كالحسن والحسين، وقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم هما سيّدا شباب أهل الجنّة، ثمّ أولاد الحسن مثل الحسن المثنّى والحسن المثلّث وعبدالله بن المثنى والنفس الزكيّة، وأولاد الحسين مثل الأئمّة المشهورة وهم إثنا عشر.

وكان أبو حنيفة ومالك رحمهما الله أخذا الفقه من جعفر الصادق والباقون منهما، وكان أبو يزيد البِسطامي من مشايخ الإسلام سقّاء في دار جعفر الصادق، والمعروف الكرخي أسلم على يد عليّ الرّضا وكان بوّاب داره، وأيضاً إجتماع الأكابر من الأمّة وعلمائها على شيعيّته دالّ على أنّه أفضل ولا عبرة بقول العوام.

وأمّا الفضائل النقليّة، فما روي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.

الأولى: خبر الطير، وهو قوله صلّى الله عليه وسلّم اللّهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي هذا الطّير، فجاء علي وأكل معه.

الثانية: خبر المنزلة، وهو قوله صلّى الله عليه وسلّم: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي، وهذا أقوى من قوله في حقّ أبي بكر: والله ما طلعت شمس ولا غربت بعد النبيّ على أفضل من أبي بكر، لأنّه إنّما يدلّ على أن غيره ليس أفضل منه، لا على أنّه أفضل من غيره.

وأيضاً: يدلّ على أنّ الغير ما كان أفضل منه لا على أنّه ما يكون، فجاز أن لا يكون عند ورود هذا الخبر ويكون بعده.

وأيضاً: خبر المنزلة يدلّ على أن له مرتبة الأنبياء، لقوله صلّى الله عليه وسلّم إلّا أنّه لا نبيّ بعدي، وخبر أبي بكر إنّما يدلّ على أنّ غيره ممّن هو أدنى من مراتب الأنبياء ليس أفضل منه، لقوله صلّى الله عليه وسلّم بعد النبيّين والمرسلين، فجاز أن يكون عليّ أفضل منه.


الثالثة: خبر الراية، روي أنّه صلّى الله عليه وسلّم بعث أبا بكر إلى خيبر فرجع منهزماً، ثمّ بعث عمر فرجع منهزماً، فبات رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مغتمّاً، فلمـّا أصبح خرج إلى الناس ومعه الراية وقال: لاُعطينّ الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله كرّاراً غير فرّار، فتعرّض له المهاجرون والأنصار فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أين عليّ؟ فقيل: إنّه أرمد العينين، فتفل في عينيه ثمّ دفع إليه الراية.

الرابعة: خبر السيادة، قالت عائشة: كنت جالسة عند النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم إذ أقبل عليّ فقال: هذا سيّد العرب، فقلت: بأبي أنت واُمّي ألست سيّد العرب؟ فقال: أنا سيّد العالمين وهو سيّد العرب.

الخامسة: خبر المولى، قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: من كنت مولاه فعلي مولاه.

وروى أحمد والبيهقي في فضائل الصّحابة أنّه قال صلّى الله عليه وسلّم: من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى يوشع في تقواه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في هيبته، وإلى عيسى في عبادته، فلينظر إلى وجه علي.

السادسة: روي عن أنس بن مالكرضي‌الله‌عنه ، قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إنّ أخي ووزيري وخير من أتركه بعدي يقضي ديني وينجز وعدي علي بن أبي طالب.

السّابعة: روي عن ابن مسعود أنّه قال صلّى الله عليه وسلّم: علي خير البشر من أبى فقد كفر.

الثامنة: روي أنّه قال صلّى الله عليه وسلّم في ذي الثُديَة - كان رجلاً منافقاً - يقتله خير الخلق، وفي رواية خير هذه الأمّة، وكان قاتله علي بن أبي طالب، وقال صلّى الله عليه وسلّم لفاطمة: إنّ الله تعالى اطلع على أهل الدنيا


واختار منهم أباك واتّخذه نبياً ثمّ اطّلع ثانياً فاختار منهم بعلك.

هذا ما قالوا، والحقّ أنّ كلّ واحد من الخلفاء الأربعة، بل جميع الصحابة مكرّم عند الله، موصوف بالفضائل الحميدة، ولا يجوز الطعن فيهم، إذ الطعن فيهم يوجب الكفر.

والصّواب أنّ إمامة كلّ الخلفاء الأربعة حقّ.

في المشكاة: حديث عليّ أنت منّي بمنزلة هارون من موسى متّفق عليه.

في الدرّر:( الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى ) قيل: في أبي بكررضي‌الله‌عنه ، وقيل: في أبي الدحداح.

في دستور الحقائق: قالت الشيعة: إذا تعارضا تساقطا.

فإن قيل: علم بهذا الحديث أنّ بعد النّبيّ ليس أحد أفضل من أبي بكر، ولا نفهم من الحديث أنّه أفضل من غيره.

قيل: فهم باللغة أنّ غيره ليس أفضل منه، وعلم بالعرف أنّ أبا بكر أفضل بعد النبيّين على كافّة الناس، وإذا عارض اللغة رجح العرف.

فإن قيل: علم بالحديث أنّ غيره ليس أفضل منه، ولا يفهم أن لا يكون غيره مستوياً به.

قلنا: لفظ أفضل يمنع المماثلة وفضل الغير.

في شرح عقائد النسفي عند قوله أفضل البشر بعد نبيّنا: والأحسن أن يقال بعد الأنبياء، لكنّه أراد البعديّة الزمانيّة، وليس بعد نبيّنا نبيّ، ومع ذلك لا بدّ من تخصيص عيسىعليه‌السلام ، إذ لو أُريد كلّ بشر يوجد بعد نبيّنا انتقض بعيسىعليه‌السلام ، ولو أُريد كلّ بشر يولد بعد نبيّنا لم يفد التفضيل على الصحابة، ولو أُريد كلّ بشر هو موجود على وجه الأرض لم يفد التفضيل على


التابعين ومن بعدهم، ولو أُريد كلّ بشر يوجد على الأرض ينتقض بعيسىعليه‌السلام .

وفيه أيضاً: نحن وجدنا دلائل الجانبين متعارضة، ولم نجد هذه المسئلة ممّا يتعلّق به شيء من الأعمال، ولا يكون التوقف فيه مخلّاً بشيء من الواجبات ».

ترجمة أحمد بن حنبل

و « أحمد بن حنبل » أحد أئمّتهم الأربعة المشهورين، وقد أجمعوا على حفظه وثقته وورعه وجلالته وسيادته ولننقل بعض كلماتهم في حقّه:

١ - ابن حبان: « أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبدالله ابن حيان بن عبدالله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى ابن دعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان.

كنيته أبو عبدالله، أصله من مرو، ومولده ببغداد.

يروي عن: ابن عيينة، وهشيم، وإبراهيم بن سعد.

روى عنه أهل العراق والغرباء.

مات سنة ٢٤١.

وكان حافظاً، متقناً، فقيهاً، لازماً للورع الخفي، مواظباً على العبادة الدائمة، به أغاث الله عزّوجلّ أمّة محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وذلك أنّه ثبت في المحنة وبذل نفسه لله عزّوجلّ، حتّى ضرب بالسّياط للقتل، وعصمه الله عن الكفر، وجعله علماً يقتدى به وملجأ يلتجأ إليه.

سمعت أحمد بن محمّد بن أحمد السندي يقول: سمعت محمّد بن نضر


الفرّاء يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: طلبت الحديث سنة تسع وسبعين وكان ابن ستة عشر سنة »(١) .

٢ - أبو نعيم الإصبهاني: « ومنهم الإمام المبجّل، والهمام المفضّل، أبو عبدالله أحمد بن حنبل. لزم الإقتداء وظفر بالإهتداء، علم الزهاد علم النقاد، امتحن في المحنة صبوراً، واجتبى فكان في النعمة شكوراً، كان للعلم والحلم واعياً وللفهم والفكر راعياً »(٢) .

٣ - ابن ماكولا: « إمام في النقل، وعلم في الزهد والورع، وكان أعلم الناس بمذاهب الصحابة والتابعين، أصله مروزي، وقدمت به أمّه بغداد وهو حمل وولدته بها.

سمع ابن عيينة وابن علية وهشيم بن بشير، وخلقاً كثيراً من الكوفيين والبصريين والحرمين واليمن والشام والجزيرة ».

٤ - النووي: « هو الإمام البارع المجمع على إمامته وجلالته وورعه وزهادته وحفظه ووفور علمه وسيادته.

روينا من طرق عن إبراهيم الحربي قال: رأيت ثلاثة لم ير مثلهم أبداً: أبا عبيد القاسم، ما مثّلته إلّابجبل نفخ فيه الروح. وبشر بن الحارث، ما شبّهته إلّابرجلٍ غمس من قرنه إلى قدمه عقلاً. وأحمد بن حنبل، كأنَّ الله عزّوجلّ جمع له علم الأوّلين من كلّ صنف.

وروينا عن أبي مسهر قال: ما أعلم أحداً يحفظ على هذه الأُمّة أمر دينها إلّا شابّاً بالمشرق. يعني أحمد بن حنبل.

وروينا عن علي بن المديني قال قال لي سيّدي أحمد بن حنبل: لا تحدّث إلّامن كتاب.

____________________

(١). كتاب الثقات ٨ / ١٨.

(٢). حلية الأولياء ٩ / ١٦١.


وروينا عن إبراهيم بن جابر قال: كنّا نجالس أحمد فيذكر الحديث ونحفظه ونتقنه، فإذا أردنا أن نكتبه قال: الكتاب أحفظ، فيثب ويجئ بالكتاب.

وروينا عن الهيثم بن جميل قال: وددت أنّه نقص من عمري وزيد في عمر أحمد بن حنبل.

وروينا عن أبي زرعة قال: ما رأيت من المشايخ أحفظ من أحمد بن حنبل، حزرت كتبه اثني عشر حملاً وعدلاً، كلّ ذلك كان يحفظ عن ظهر قلبه.

وذكر ابن أبي حاتم في كتابه الجرح والتعديل أبواباً من مناقب أحمدرحمه‌الله ، فيها جمل من نفائس أحواله، منها: عن عبدالرحمن بن مهدي قال: أحمد أعلم الناس بحديث سفيان الثوري، وعن أبي عبيد قال: انتهى العلم إلى أربعة: أحمد بن حنبل وهو أفقههم فيه، وعلي بن المديني وهو أعلمهم به، ويحيى بن معين وهو أكتبهم له، وأبو بكر بن أبي شيبة وهو أحفظهم له.

وسئل أبو حاتم عن أحمد وعلي بن المديني فقال: كانا في الحفظ متقاربين وكان أحمد أفقه.

وقال أبو زرعة: ما رأيت أحداً أجمع من أحمد بن حنبل، وما رأيت أحداً أكمل منه، اجتمع فيه زهد وفقه وفضل وأشياء كثيرة.

وقال قتيبة: أحمد إمام الدنيا.

وعن الهيثم بن جميل قال: إنْ عاش هذا الفتى - يعني أحمد بن حنبل - فسيكون حجة على أهل زمانه.

وقال ابن المديني: ليس في أصحابنا أحفظ من أحمد بن حنبل.

وقال عمرو بن أحمد الناقد: إذا وافقني أحمد على حديث لا أُبالي من خالفني.


وقال الشافعي: ما رأيت أعقل من أحمد بن حنبل وسليمان بن داود الهاشمي.

وقال ابن أبي حاتم: كان أحمد بن حنبل بارع الفهم بمعرفة صحيح الحديث وسقيمه.

وقال صالح بن أحمد بن حنبل: قال أبي: حججت خمس حجج ثلاث منها راجلاً، وأنفقت في إحداهنّ ثلاثين درهماً. قال: وما رأيت أبي قط اشترى رماناً ولا سفرجلاً ولا شيئاً من الفاكهة إلّا أنْ يشتري بطّيخة فيأكلّها بخبزٍ، أو عنب أو تمر. قال: وكثيراً ما كان يأتدم بالخل. وقال: وأمسك أبي مكاتبة إسحاق بن راهويه لما أدخل كتابه إلى عبدالله بن طاهر وقرأه. قال: وقال أبي: إذاً لم يكن عندي قال: وربما اشترينا الشيء فنسرّه عنه لئلّا يوبّخنا عليه.

وقال الميموني: ما رأيت مصلّياً قط أحسن صلاة من أحمد بن حنبل ولا اتّباعاً للسنن منه.

وعن الحسين بن الحسن الرازي قال: حضرت بمصر عند بقّال فسألني عن أحمد بن حنبل، فقلت: كتبت عنه، فلم يأخذ ثمن المتاع منّي وقال: لا آخذ ثمناً ممّن يعرف أحمد بن حنبل.

وقال قتيبة وأبو حاتم: إذا رأيت الرجل يحب أحمد فاعلم أنّه صاحب سنّة.

وقال إبراهيم بن الحارث ولد عبادة بن الصامت: قيل لبشر الحافي حين ضرب أحمد بن حنبل في المحنة: لو قمت وتكلّمت كما تكلّم. فقال: لا أقوى عليه، إنّ أحمد قام مقام الأنبياء.

وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبا زرعة يقول: بلغني أن المتوكّل أمر أن


يمسح الموضع الذي وقف الناس فيه للصلاة على أحمد بن حنبل، فبلغ مقامهم ألفي ألف وخمسمائة ألف.

قال: وقال الوركاني: أسلم يوم وفاة أحمد عشرون ألفاً من اليهود والنصارى والمجوس، ووقع المأتم في أربعة أصناف: المسلمين واليهود والنصارى والمجوس.

وأحوال أحمد بن حنبلرحمه‌الله ومناقبه أكثر من أنْ تحصر. وقد صنّف فيها جماعة. ومقصودي في هذا الكتاب الإشارات إلى أطراف المقاصد »(١) .

٥ - ابن خلكان: « كان إمام المحدثين، صنّف كتاب المسند وجمع فيه من الحديث ما لم يتّفق لغيره. وقيل: إنّه كان يحفظ ألف ألف حديث، وكان من أصحاب الإمام الشافعيرضي‌الله‌عنه وخواصّه، ولم يزل مصاحبه إلى أن ارتحل الشافعي إلى مصر، وقال في حقّه: خرجت من بغداد وما خلّفت بها أتقى ولا أفقه من أحمد بن حنبل

أخذ عنه الحديث جماعة من الأماثل، منهم: محمّد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج النيسابوري. ولم يكن في آخر عصره مثله في العلم والورع.

وذكر أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه الذي صنّفه في أخبار بشر بن الحارث الحافي رحمه الله في الباب السادس والأربعين ما صورته: حدّث إبراهيم الحربي قال: رأيت بشر بن الحارث الحافي في المنام، كأنّه خارج من باب مسجد الرصافة، وفي كمّه شيء يتحرّك، فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي وأكرمني، فقلت: ما هذا الذي في كمّك؟ قال: قدم علينا البارحة روح

____________________

(١). تهذيب الأسماء واللغات ١ / ١١٠.


أحمد ابن حنبل، فنثر عليه الدر والياقوت، فهذا مما التقطته. قلت: فما فعل يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل؟ قال: تركتهما وقد زارا ربّ العالمين، ووضعت لهما الموائد. قلت: فلم لم تأكل معهما أنت؟ قال: قد عرف هوان الطّعام عليّ، فأباحني النظر إلى وجهه الكريم »(١) .

٦ - الذهبي: « أحمد بن حنبل شيخ الإسلام وسيّد المسلمين في عصره، الحافظ الحجة، أبو عبدالله

قال علي بن المديني: إنّ الله أيّد هذا الدين بأبي بكر الصدّيق يوم الردّة وأحمد بن حنبل يوم المحنة.

وقال أبو عبيد: إنتهى العلم إلى أربعة أفقههم أحمد.

وقال ابن معين من طريق إبن عياش عنه: أرادوا أنْ أكون مثل أحمد، والله لا أكون مثله أبداً.

وقال همام السكوني: ما رأى أحمد بن حنبل مثل نفسه.

وقال محمّد بن حماد الظهراني: إني سمعت أبا ثور يقول: أحمد أعلم - أو قال: أفقه - من الثوري.

قلت: سيرة أبي عبدالله قد أفردها البيهقي في مجلّد، وأفردها ابن الجوزي في مجلّد، وأفردها شيخ الإسلام الأنصاري في مجلّد لطيف »(٢) .

٧ - الذهبي: « شيخ الأمّة وعالم أهل العصر، أبو عبدالله أحمد بن محمّد بن حنبل الشيباني المروزي البغدادي، أحد الأعلام

وكان إماماً في الحديث وضروبه، إماماً في الفقه ودقائقه، إماماً في السنّة

____________________

(١). وفيات الأعيان ١ / ١٧.

(٢). تذكرة الحفاظ ٢ / ١٧.


وطرائقها، إماماً في الورع وغوامضه، إماماً في الزهد وحقائقه »(١) .

٨ - السبكي: « هو الإمام الجليل أبو عبدالله الشيباني المروزي ثمّ البغدادي، صاحب المذهب، الصابر على المحنة، الناصر للسنّة، شيخ العصابة ومقتدى الطائفة

وقال المزني: أبو بكر يوم الردة، وعمر يوم السقيفة، وعثمان يوم الدار، وعلي يوم صفين، وأحمد بن حنبل يوم المحنة

وقال عبدالله قال لي أبي: خذ أي كتاب شئت من كتب وكيع، فإن شئت أن تسألني عن الكلام حتّى اُخبرك بالإسناد، وإن شئت بالإسناد حتّى اُخبرك عن الكلام

وعن إسحاق: أحمد حجة الله بين خلقه.

وقال أبو ثور - وقد سئل عن مسألة - قال أبو عبدالله أحمد بن حنبل شيخنا وإمامنا فيها كذا وكذا.

فهذا يسير من ثناء الأئمّة عليه »(٢) .

٩ - ابن حجر العسقلاني: « أحمد بن حنبل

قال ابن معين: ما رأيت خيراً من أحمد، ما افتخر علينا بالعربية قط.

وقال القطان: ما قدم علينا مثل أحمد.

وقال فيه مرةً: حبر من أحبار هذه الاُمة.

وقال أحمد بن سنان: ما رأيت يزيد بن هارون لأحدٍ أشدّ تعظيماً منه لأحمد بن حنبل.

وقال عبدالرزاق: ما رأيت أفقه منه ولا أورع.

____________________

(١). العبر في خبر من غبر حوادث ٢٤١.

(٢). طبقات الشافعية ٢ / ٢٧.


وقال أبو عاصم : أحمد إمامنا.

وقال عبدالله الحزيبي: كان أفضل أهل زمانه.

وقال العباس العنبري: حجة.

وقال يحيى بن معين: لو جلسنا مجلساً بالثناء عليه ما ذكرنا فضائله بكاملها.

وقال العجلي: ثقة ثبت في الحديث، نزه النفس، فقيه في الحديث، متبع الآثار، صاحب سنةٍ وخير.

وقال أبو ثور: أحمد شيخنا وإمامنا.

وقال حجاج بن الشاعر: ما رأت عيناي روحاً في جسدٍ أفضل من أحمد ابن حنبل.

وقال أحمد الدورقي: من سمعتموه يذكر أحمد بسوءٍ فاتّهموه على الإسلام.

قال ابن أبي حاتم: سئل أبي عنه فقال: هو إمام وحجة.

وقال النسائي: الثقة المأمون أحد الأئمّة.

وقال ابن ماكولا: كان أعلم الناس بمذاهب الصحابة والتابعين.

وقال الخليلي: كان أفقه أوانه وأورعهم وأكفّهم عن الكلام في المحدّثين إلّا في اضطرار.

وقال ابن حبان في الثقات: كان حافظاً متقناً فقيهاً.

وقال سليمان بن حرب لرجلٍ سأله عن مسألةٍ سل عنها أحمد: فإنّه إمام.

وقال ابن سعد: ثقة ثبت صدوق كثير الحديث »(١) .

____________________

(١). تهذيب التهذيب ١ / ٧٢.


١٠ - الخطيب التبريزي: « كان إماماً في الفقه والحديث والزهد والورع والعبادة، وبه عرف الصحيح والسّقيم والمجروح من المعدل وفضائله كثيرة، ومناقبه جمّة، وآثاره في الإسلام مشهورة، ومقاماته في الدنيا مذكورة، انتشر ذكره في الآفاق، وسرى حمده في البلاد.

وهو أحد المجتهدين المعمول بقوله ورأيه ومذهبه في كثير من البلاد.

وقال أبو داود السجستاني: كان مجالسة أحمد بن حنبل مجالسة الآخرة، لا يذكر فيها شيء من أمر الدنيا، وما رأيت ذكر الدنيا قط »(١) .

١١ - الكفوي: « وأحد الأئمّة الأربعة أحمد بن حنبل بن هلال أبو عبدالله الشيباني.

قال المولى الشهير بأبي أربعة شكيري في مناقب الأخيار ونوادر الأخبار عن أحمد بن حنبل أنّه قال: ولدت سنة أربعين وستّين ومائة في ربيع الأوّل، وأوّل سماعي من هشيم سنة تسع وستّين ومائة، وكان ابن المبارك قدم في هذه السنة يعني بغداد، وهي آخر قدمة قدمها، وذهبت إلى مجلسه، فقالوا خرج إلى طرطوس، فتوفي سنة إحدى وثمانين ومائة. قال ابنه عبدالله بن أحمد بن حنبل: توفي أبيرحمه‌الله يوم الجمعة ضحوة ودفنّاه العصر، لثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، سنة إحدى وأربعين ومائتين، وسِنّه سبع وسبعون سنة.

وعن أبي داود السجستاني: لقيت مائتين من مشايخ العلم، فما رأيت مثل أحمد بن حنبل، لم يكن يخوض في شيء ممّا يخوف فيه الناس من أمر الدنيا، فإذا ذكر العلم تكلَّم.

قال أبو زرعة: ما رأت عيني مثل أحمد بن حنبل، فقلت له في العلم؟.

____________________

(١). الإكمال في أسماء الرّجال - المطبوع مع المشكاة - ٣ / ٧٩٧.


قال: في العلم والزّهد والفقه والمعرفة.

وقال عبدالله: جميع ما حدّث به الشافعي في كتابه وقال حدّثني الفقيه الثقة فهو أبيرحمه‌الله .

وسمعت أبي يقول: استفاد منّا الشافعي ما لم نستفد منه، وكان أحمد أصغر منه بأربع عشرة سنة.

قال: حجّ أبي خمس حجج، ثلاثاً ماشياً وثنتين راكباً، وكان سرق ثيابه فبقي في بيته أيّاماً، فعرض عليه الدنانير والثياب فأبى أن يأخذ، فعرض عليه أن ينسخ شيئاً فنسخ كتاباً بدينار، فاشترى ثوباً فشقّه نصفين فاتَّزر بنصفه وارتدى بنصفه.

وعن المزني أنّه قال: سمعت الشّافعي يقول: ثلاثة من العلماء من عجائب الدنيا، عربي لا يعرب كلمته وهو أبو ثور، وعجميّ لا يخطأ في كلمة وهو حسن ابن محمّد الزّعفراني، وصغير كلّما قال شيئاً صدّقه الكبار وهو أحمد بن حنبل.

ولما ظهر القول بخلق القرآن في أيّام المأمون، وحمل النّاس على القول بخلق القرآن حُمِل إلى المأمون مقيّداً، فمات المأمون قبل وصوله، ولمـّا ولّي الخلافة إبراهيم المعتصم بن هارون الرّشيد طلبه، وكان في سجن المأمون، وكان المأمون لمـّا توفّي عهد إلى أخيه المعتصم بالخلافة، وأوصاه بأن يحمل النّاس على القول بخلق القرآن، فاستمرّ الإمام محبوساً، وروي أنّه مكث في السّجن ثمانية وعشرين شهراً، ولم يزل ذلك يحضر الجماعات، فأحضره المعتصم وعقد له مجلساً للمناظرة فيه إبراهيم بن عبدالرحمن بن إسحاق والقاضي أحمد بن أبي داود وغيرهما، فناظرهم ثلاثة أيّام، ولم يزل معهم في جدال إلى اليوم الرابع، فأمر بضربه، فضرب بالسّياط، ولم يزل على الصبر إلى


أن أغمي عليه، ثمّ حمل وصار إلى منزله، ثمّ ولّي الخلافة الواثق فأظهر ما أظهره المأمون والمعتصم، وكان أحمد بن حنبل يحضر الجماعة ويفتي إلى أن مات المعتصم، وفي زمان الواثق صار مختفياً لا يخرج إلى الصّلاة ولا إلى غيرها ولا يفتي، لما قال له الواثق ونبّهه بأن لا تجمّعن إليك أحداً ولا تسكن في بلد أنا فيه، فأقام مختفياً إلى أن مات الواثق، وولّي الخلافة المتوكل، فرفع المحنة، وأمر بإحضار الإمام أحمد بن حنبل فأكرمه وأطلق له مالاً كثيراً، فلم يقبله وفرّقه على الفقراء والمساكين، وأجرى المتوكّل على أهله وولده في كلّ شهر أربعة آلاف درهم، فلم يرض الإمام أحمد بذلك »(١) .

١٢ - المناوي: « حم، لأحمد في مسنده بفتح النون، يقال أسند الكتاب جمع فيه ما أسنده الصحابة، أي رووه بالإسناد كمسند الشهاب ومسند الفردوس، أي إسناد حديثهما، ولم يكتف في الرمز إليه بحرف واحد كما فعل في أولئك، لئلّا يتصحّف بعلامة البخاري، والإمام أحمد هو ابن محمّد بن حنبل، الناصر للسنّة، الصابر على المحنة، الّذي قال فيه الشافعي: ما بقي ببغداد أفقه ولا أزهد منه. وقال إمام الحرمين غسل وجه السنّة من غبار البدعة، وكشف الغمة عن عقيدة الأمّة.

ولد ببغداد سنة أربع وخمسين ومائة، وروى عن الشافعي وابن مهدي وخلق وعنه الشيخان وغيرهما.

ومات سنة إحدى وأربعين ومائتين، وارتجّت الدنيا بموته »(٢) .

١٣ - الزرقاني المالكي: « الإمام أحمد بن محمّد بن حنبل الشيباني، أبو عبدالله، المروزي ثمّ البغدادي، أحد الكبار الأئمّة الحفاظ الطوّافين،

____________________

(١). كتائب أعلام الأخيار - مخطوط.

(٢). فيض القدير - شرح الجامع الصغير ١ / ٢٥.


الصّابر على البلوى، الذي مَنَّ الله به على الأمّة، ولولاه لكفر النّاس في المحنة، ذو المناقب الشّهيرة، وحَسْبك قول الشافعي شيخه: خرجت من بغداد فما خلَّفت بها أفقه ولا أزهد ولا أورع ولا أعلم منه.

وقال أبو زرعة الرازي: كان أحمد يحفظ ألف ألف حديث، وقيل: وما يدريك؟ قال: ذاكرته.

ولد سنة أربع وستّين ومائة، ومات سنة إحدى وأربعين ومائتين.

قال ابن خلكان: وحُرِزَ من حضر جنازته من الرجال فكانوا ثمانمائة ألف، ومن النساء ستّون ألفاً، وأسلم يوم موته عشرون ألفاً من اليهود والنصارى والمجوس إنتهى.

وفي تهذيب النووي: أمر المتوكل أن يقاس الموضع الّذي وقف للصّلاة فيه على أحمد، فبلغ مقام ألفي ألف وخمسمائة، ووقع المأتم في أربعة أصناف، من المسلمين واليهود والنّصارى والمجوس »(١) .

١٤ - ولي الله الدهلوي: « كان أعظمهم شأناً، وأوسعهم رواية، وأعرفهم للحديث رتبة، وأعمقهم فقهاً: أحمد بن حنبل، ثمّ إسحاق بن راهويه »(٢) .

____________________

(١). شرح المواهب اللدنيّة ١ / ٣١.

(٢). الإنصاف في بيان سبب الإختلاف: ٥٤.


(٣)

رواية أبي حاتم الرازي

قال أبو محمّد أحمد بن محمّد العاصميّ: « أخبرنا الحسين بن محمّد البستي، قال: حدّثنا عبدالله بن أبي منصور، قال: حدّثنا محمّد بن بشر، قال: حدّثنا محمّد بن إدريس الحنظلي قال: حدّثنا محمّد بن عبدالله بن المثنى الأنصاري، قال: حدّثني حميد، عن أنس، قال:

كنّا في بعض حجرات مكة نتذاكر عليّاً، فدخل علينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: أيّها الناس، من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في فهمه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في شدته، وإلى عيسى في زهادته، وإلى محمّد وبهائه، وإلى جبرئيل وأمانته، وإلى الكوكب الدري، والشمس الضحىّ، والقمر المضيّ، فليتطاول ولينظر إلى هذا الرجل. وأشار إلى علي بن أبي طالب »(١) .

ترجمة أبي حاتم

١ - السمعاني: « الجزّي. منها أبو حاتم محمّد بن إدريس بن المنذر الحنظلي الرازي. وكان يقول: نحن من أهل إصبهان من قرية جز. قال: وكان أهلها يقدمون علينا حياة أبي، ثمّ انقطعوا عنّا.

وأبو حاتم: كان إماماً، حافظاً فهماً، من مشاهير العلماء، له رحلة إلى الشام ومصر والعراق، روى عنه أبو عمرو بن حكيم، وعالم لا يحصون كثرة.

____________________

(١). زين الفتى بتفسير سورة هل أتى - مخطوط.


توفي سنة ٢٧٧ »(١) .

٢ - السمعاني: « وبالري درب مشهور يقال له: درب حنظلة، منها أبو حاتم إمام عصره والمرجوع إليه في مشكلات الحديث، وهو من هذا الدرب، وكان من مشاهير العلماء ومن مذكوري العلماء الموصوفين بالفضل والحفظ والرحلة ولقي العلماء روى عنه الأعلام الأئمّة، مثل: يونس بن عبدالأعلى والربيع بن سليمان المصريّان وهما أكبر منه سنّاً وأقدم سماعاً، وأبو زرعة الرازي، والدمشقي، ومحمّد بن عوف الحمصي، وهؤلاء من أقرانه، وعالم لا يحصون.

وذكر أبو حاتم وقال: أوّل سنة خرجت في طلب الحديث أقمت سنين أحصيت ما مشيت على قدمي زيادة على ألف فرسخ، لم أزل أحصي حتّى لمـّا زاد على ألف فرسخ تركته.

وقال أبو حاتم: قلت على باب أبي الوليد الطيالسي: من أغرب عليّ حديثاً غريباً مسنداً صحيحاً لم أسمع به، فله عليّ درهم يتصدّق به، وقد حضر على باب أبي الوليد خلق من الخلق - أبو زرعة فمن دونه - وإنّما كان مرادي أن يلقى عليَّ ما لم أسمع به، ليقولوا هو عند فلان فأذهب فأسمع، وكان مرادي أنْ أستخرج منهم ما ليس عندي. فما تهيّأ لأحدٍ منهم أن يغرب عليَّ حديثاً.

وكان أحمد بن سلمة يقول: ما رأيت بعد إسحاق - يعني ابن راهويه - ومحمّد بن يحيى أحفظ للحديث ولا أعلم بمعانيه من أبي حاتم محمّد بن إدريس.

قال أبو حاتم: قال لي هشام بن عمّار يوماً: أيّ شيء تحفظ من الأذواء؟ فقلت له: ذو الأصابع، وذو الجوشن، وذو الزوائد، وذو اليدين، وذو اللحية الكلابي. وعددت له ستّة، فضحك وقال: حفظنا نحن ثلاثة وزدت أنت ثلاثة.

____________________

(١). الأنساب - الجزي.


مات أبو حاتم بالري في شعبان سنة سبع وسبعين ومائتين »(١) .

٣ - ابن الأثير: « وفيها توفي أبو حاتم الرازي، واسمه: محمّد بن إدريس بن المنذر، وهو من أقران البخاري ومسلم »(٢) .

٤ - الذهبي: « أبو حاتم الرازي وابنه، د س ت، محمّد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران. الإمام الحافظ الناقد، شيخ المحدثين، الحنظلي الغطفاني

كان من بحور العلم، طوّف البلاد، وبرع في المتن والإسناد، وجمع وصنّف وجرح وعدّل وصحّح وعلّل وهو من نظراء البخاري سمع

ويتعذّر استقصاء سائر مشايخه، فقد قال الخليلي: قال لي أبو حاتم اللبان الحافظ: قد جمعت من روى عنه أبو حاتم الرازي فبلغوا قريباً من ثلاثة آلاف

حدّث عنه ولده الحافظ الإمام أبو محمّد عبدالرحمن بن أبي حاتم، ويونس بن عبدالأعلى وخلق كثير.

قال الخطيب: كان أبو حاتم أحد الأئمّة الحفاظ الأثبات.

قال الخليلي: كان أبو حاتم عالماً باختلاف الصحابة وفقه التابعين ومن بعدهم، سمعت جدي وجماعة سمعوا علي بن إبراهيم القطّان يقول: ما رأيت أجمع من أبي حاتم ولا أفضل منه.

علي بن إبراهيم الرازي سمعت الحسن بن الحسين الدارسيتني قال: سمعت أبا حاتم يقول: قال لي أبو زرعة: ما رأيت أحرص على الحديث منك، فقلت له: إنّ عبدالرحمن إبني لحريص، فقال: من أشبه أباه فما ظلم. قال الرقام: فسألت.

____________________

(١). الأنساب - الحنظلي.

(٢). الكامل في التاريخ. حوادث ٢٧٧.


عبدالرحمن عن اتفاق كثرة السماع له وسؤالاته لأبيه، فقال: ربما كان يأكل وأقرأ عليه، ويمشي وأقرأ عليه، ويدخل الخلاء وأقرأ عليه، ويدخل البيت في طلب شيء وأقرأ عليه.

قال ابن أبي حاتم: سمعت يونس بن عبدالأعلى يقول: أبو زرعة وأبو حاتم إماما خراسان، ودعا لهما وقال: بقاؤهما صلاح للمسلمين.

وقال محمّد بن الحسين بن مكرم: سمعت حجاج بن الشاعر - وذكر له أبا زرعة وابن واره وأبا جعفر الدارمي - فقال: ما بالمشرق أنبل من أبي حاتم.

قال الحافظ عبدالرحمن بن خراش: كان أبو حاتم من أهل الأمانة والمعرفة. وقال هبة الله اللالكائي: كان أبو حاتم إماماً حافظاً متقناً.

وذكره اللالكائي في شيوخ البخاري: وقال النسائي: ثقة » إلى أن قال الذهبي بعد حكاية جملة من قضايا أبي حاتم في أسفاره: « إذا وثّق أبو حاتم رجلاً فتمسّك بقوله، فإنّه لا يوثّق إلّارجلاً صحيح الحديث، وإذا ليّن رجلاً أو قال فيه لا يحتج به فتوقف حتّى ترى ما قال غيره فيه، فإنْ وثّقه أحد فلا تبن على تجريح أبي حاتم فإنّه متعنّت في الرجال، قد قال في طائفة من رجال الصحاح ليس بحجة، ليس بقوي، أو نحو ذلك

مات الحافظ أبو حاتم في شعبان سنة ٢٧٧ »(١) .

٥ - الذهبي: « أبو حاتم الرازي، الإمام الحافظ الكبير محمّد بن إدريس ابن المنذر الحنظلي، أحد الأعلام »(٢) .

٦ - الذهبي: « حافظ المشرق، أبو حاتم محمّد بن إدريس الحنظلي، في شعبان، وهو في عشر التسعين، وكان بارع الحفظ، واسع الرحلة، من أوعية العلم.

____________________

(١). سير أعلام النبلاء ١٣ / ٢٤٧.

(٢). تذكرة الحفاظ ٢ / ١٣٢.


سمع محمّد بن عبدالله الأنصاري، وأبا مسهر، وخلقاً لا يحصون. وكان جارياً في مضمار البخاري وأبي زرعة الرازي »(١) .

٧ - اليافعي بمثل عبارة الذهبي(٢) .

٨ - الذهبي: « في سنة سبع وسبعين ومائتين مات حافظ زمانه أبو حاتم محمّد بن إدريس الحنظلي الرازي، في شعبان، وهو في عشر التسعين. وكان جارياً في مضمار أبي زرعة والبخاري»(٣) .

٩ - الذهبي: « دس، محمّد بن إدريس [ بن المنذر ] أبو حاتم الرازي الحافظ، سمع الأنصاري وعبيدالله بن موسى [ وخلائق ] وعنه دس وولده عبدالرحمن بن أبي حاتم والمحاملي [ وخلق ].

قال موسى بن إسحاق الأنصاري: ما رأيت أحفظ منه.

[ وقال أحمد بن سلمة: ما رأيت بعد ابن راهويه والذهلي أحفظ للحديث ولا أعلم بمعانيه من أبي حاتم ] مات في شعبان سنة ٢٧٧ »(٤) .

١٠ - السبكي: « أبو حاتم الرازي، أحد الأئمّة الأعلام، ولد سنة ١٩٥، سمع عبيدالله بن موسى وأبا نعيم و حدّث عنه من شيوخه: الصفار، ويونس ابن عبدالأعلى، وعبدة بن سليمان المروزي، والربيع بن سليمان المرادي، ومن أقرانه: أبو زرعة الرازي والدمشقي، ومن أصحاب السنن أبو داود والنسائي، وقيل: إنّ البخاري وابن ماجة رويا عنه ولم يثبت ذلك ...»(٥) .

١١ - ابن حجر العسقلاني: « محمّد بن إدريس بن المنذر الحنظلي، أبو

____________________

(١). العبر. حوادث ٢٧٧ - ٢ / ٥٨.

(٢). مرآة الجنان. حوادث ٢٧٧.

(٣). دول الإسلام. حوادث ٢٧٧.

(٤). الکاشف عن أسماء رجال الكتب ستة ٣ / ١٨.

(٥). طبقات الشافعية ٢ / ٢٠٧


حاتم الرازي، أحد الحفاظ، من الحادية عشر. مات سنة ٢٧٧ »(١) .

١٢ - السيوطي: « أحد الأئمّة الحفاظ قال الخطيب: كان أحد الأئمّة الحفّاظ الأثبات، مشهوراً بالعلم مذكوراً بالفضل، وثّقه النسائي وغيره. وقال ابن يونس: قدم مصر قديماً وكتب بها وكتب عنه. مات بالري سنة خمس وقيل سبع وسبعين مائتين »(٢) .

(٤)

رواية ابن شاهين

وروى حديث التشبيه: أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان المعروف بابن شاهين حيث قال ما نصّه:

« ثنا محمّد بن الحسين بن حميد بن الربيع، ثنا محمّد بن عمران بن حجّاج، ثنا عبيدالله بن موسى، عن أبي راشد - يعني الحبراني - عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال:

كنّا حول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فأقبل علي بن أبي طالب، فأدام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم النظر إليه، ثمّ قال: من أراد أنْ ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في حكمه، وإلى إبراهيم في حلمه، فلينظر إلى هذا »(٣) .

ترجمة ابن شاهين

١ - ابن الأثير: « في هذه السنة في ذي الحجة، توفي أبو حفص عمر بن

____________________

(١). تقريب التهذيب ٢ / ١٤٣.

(٢). طبقات الحفاظ: ٢٥٥.

(٣). كتاب السنّة - مخطوط.


أحمد بن محمّد بن أيّوب المعروف بابن شاهين الواعظ، مولده في صفر سنة ٢٩٧. وكان مكثراً من الحديث، ثقة »(١) .

٢ - اليافعي: « في السنّة المذكورة: الحافظ المفسّر الواعظ صاحب التصانيف أبو حفص ابن شاهين، عمر بن أحمد البغدادي، قال الحسين بن المهتدي بالله: قال ابن شاهين: صنّفت ثلاثمائة وثلاثين مصنّفاً، منها: التفسير الكبير ألف جزء. والمسند ألف وثلاثمائة جزء، والتاريخ مائة وخمسون جزءً.

وقال ابن أبي الفوارس: ابن شاهين ثقة مأمون، جمع وصنّف ما لم يصنّفه أحد »(٢) .

٣ - ابن الجزري: « عمر بن أحمد بن عثمان بن شاهين، أبو حفص البغدادي الواعظ الحافظ المفسّر. ولد سنة ٢٧٧، روى الحروف عن

كان إماماً كبيراً، ثقة مشهوراً، له تواليف في السنّة وغيرهما مفيدة. توفي اليوم الثاني من يوم النحر سنة ٣٨٥ »(٣) .

٤ - الخوارزمي: « عمر بن أحمد بن عثمان بن أحمد أبو حفص الواعظ المعروف بابن شاهين. قال الخطيب في تاريخه: سمع شعيب بن محمّد الذارع، وأبا جندب التزلي، ومحمّد بن محمّد بن المغلّس

روى عنه: العتيقي، والتنوخي، والجوهري، وخلق كثير.

قال: سمعت ابن الساجي القاضي يقول: سمعت من ابن شاهين شيئاً كثيراً، وكان يقول يوماً: حسبت ما اشتريت به الحبر إلى هذا الوقت فكان سبعمائة درهم.

____________________

(١). الكامل لابن الأثير. حوادث سنة ٣٨٥.

(٢). مرآة الجنان. حوادث ٣٨٥.

(٣). طبقات القراء لابن الجزري ١ / ٥٨٨.


قال الدراوردي: كنت أشتري الحبر أربعة أرطال بدرهم.

قال: ومكث ابن شاهين بعد ذلك يكتب زماناً ما حدّثنا بشيء.

توفي سنة ٣٨٥ »(١) .

٥ - السيوطي في ( منتهى العقول ): « منتهى الأمم هذه الاُمة المحمّدية، علماؤها كأنبياء بني إسرائيل، وكفى منهم الخلفاء الأربعة، والأئمّة الأربعة الذين اخترعوا العلوم، كاخترام علي علم النحو، والخليل العروض، والشافعي اُصول الفقه، والجرجاني المعاني والبيان.

منتهى الحفظ لابن جرير الطبري في روايته في علم التفسير، كان يحفظ كتاباً حمل ثمانين بعيراً. وحفظ ابن الأنباري في كلّ جمعة الف كراس، وحفظ ثلاثمائة ألف بيت من الشعر استشهاداً للنحو. وكان الشافعي يحفظ من مرةٍ أو نظرة. وابن سينا الحكيم حفظ القرآن في ليلة واحدة، وأبو زرعة كان يحفظ ألف ألف حديث. والكلّ من بعض محفوظ أحمد بن حنبل. والبخاري حفظ عشرة، أي مائة ألف حديث.

منتهى التصانيف في الكثرة لابن شاهين، صنّف ثلاثمائة وثلاثين مصنّفاً، منها: التفسير الف جزء، والمسند ألف وخمسمائة جزء، والتاريخ مائة وخمسون مجلّداً. ومداد التصانيف ألف قنطار وسبعة وعشرون قنطاراً. وهذا من كرامة طيّ الزمان كالمكان من وراثة ليلة الإسراء وليلة القدر ».

٦ - الدياربكري: « الحافظ أبو حفص عمر بن أحمد بن شاهين البغدادي الحافظ المفسّر، صاحب التآليف، ومن كتبه: التفسير ألف جزء، والمسند ألف وثلاثمائة جزء »(٢) .

____________________

(١). رجال مسند أبي حنيفة ٢ / ٥٣٠.

(٢). تاريخ الخميس - حوادث سنة ٣٨٥.


٧ - الزرقاني بشرح قول القسطلاني: « وقد روي: إنّ آمنة آمنت به صلّى الله عليه وسلّم بعد موتها، فروى الطبري بسنده عن عائشة أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم نزل الحجون كئيباً حزيناً، فأقام به ما شاء الله عزّوجلّ، ثمّ رجع مسروراً وقال: سألت ربّي فأحيى لي أمّي فآمنت بي، ثمّ رَدّها. ورواه أبو حفص إبن شاهين في كتاب الناسخ والمنسوخ له » قال:

« ورواه - أي حديث عائشة هذا بنحوه - أبو حفص ابن شاهين الحافظ الكبير الإمام المفيد عمر بن أحمد بن عثمان البغدادي، الثقة المأمون ثلاثمائة وثلاثين مصنّفاً، منها التفسير الكبير ألف جزء، والمسند ألف جزء وثلاثمائة جزء. مات في ذي الحجة سنة ٣٨٥ »(١) .

٨ - صدّيق حسن القنوجي في ( الجنّة في الاسوة الحسنة بالسنّة ): « لم يختم الإجتهاد المطلق على الأئمّة الأربعةرحمهم‌الله ، بل وجد بعدهم أيضاً من بلغ رتبة الإجتهاد بالإطلاق عند السيوطي، والرازي، واليافعي، والذهبي، والنسائي، وابن حبان، وابن مصعب، وقتيبة بن سعيد، وقتادة، وابن خلّكان، وابن طرازي، والخطيب، وأبي زرعة، والعراقي، والسبكي، والطبري، وداود الظاهري، وأبي ثور، واللقاني، والمالكي، والشعراني، وعلي الخواص، والشيخ الجيلاني، وابن العربي، والفقيه ابن زياد الشافعي، والإمام محمّد بن علي الشوكاني، وغيرهم من العلماء، كما تدلّ عليه كتبهم.

وإنّك لو جهرت بما في قلبك، ولم تخف في الله لومة لائم، لقلت: إنّ هؤلاء العلماء من أتباع الأئمّة الذين يثبتون مذاهبهم بأنواع من الأقية والإجتهادات كلّهم مجتهدون كالأئمّة الأربعة وأمثالهم.

ويؤيّد ذلك ما قال محمّد بن مالك - فيما نقل عنه الشعراني - إنّه إذا كانت

____________________

(١). شرح المواهب اللدنية ١ / ١٦٦.


العلوم منحاً إلهيّة، واختصاصات لدنيّة، فلا يدع أنْ يدّخر الله لبعض المتأخّرين ما لم يطّلع عليه أحد من المتقدمين. انتهى.

ولا شكّ أنّ العلوم والفنون المتداولة كانت ناقصة في ذلك الزمان بالنسبة إلى كمالها اليوم، لاجتماع هذه التأليفات غير المحصورة، والتحقيقات غير المعدودة، التي لم تكن في عهدهم، فلا بدّ أن يكون علم المتأخّر أوسع من علم المتقدم، ويكون الإجتهاد في هذا الزمان أيسر منه في ذلك الزمان، كما صرّح به جماعة من أهل العلم، حتّى ادّعى بعض الأكابر من الحنفيّة أنّ ثلث علمه جميع علم الشافعي.

قال ابن الأميررحمه‌الله : وإنّما لم يدّعوا ذلك لأنّ المطلوب هو الإجتهاد وقد فعلوه، لا دعواه بلسانه فلا حاجة إليه، مع أنّ في ادّعائه اليوم فساداً عظيماً، من حيث أنّ المتعصّبين لا يذرونه ولو كان ملأ قوّته، فلذلك تركه كثير ممّن بلغ رتبة الإجتهاد ولم يعدّوا أنفسهم من المجتهدين، بل انتسبوا إلى الأئمّة، وتزيّوا بزيّ المقلّدين، ولكن من لم يرهب من أن يلقي عليه الدهر دوائره أو يجرّ عليه شراشره جهر به وادّعاه:

فمنهم: أبو ثور. كان إماماً مجتهداً مستقّلاً

ومنهم: محمّد بن إسماعيل البخاري. عدّه الرملي وغيره مجتهداً مستقلاً

ومنهم: داود الظاهري. ذكره اللقاني في شرح الجوهرة من المجتهدين المستقلّين

ومنهم: ابن المنذر الحافظ النيسابوري. كان علّامة مجتهداً لا يقلّد أحداً

ومنهم: الحسن بن سعد الحافظ الكبير. كان علّامة مجتهداً لا يقلّد أحداً


ومنهم: عبدالله بن وهب الفهري. كان ثقةً حجة حافظ مجتهداً لا يقلّد أحداً.

ومنهم: بقي بن مخلّد القرطبي صاحب التفسير. كان إماماً علماً قدوة مجتهداً

ومنهم: قاسم بن محمّد بن سيار، مصنّف كتاب الإيضاح في الردّ على المقلّدين

ومنهم: الإمام المفيد الكبير، محدّث العراق، أبو حفص عمر بن أحمد البغدادي الواعظ المعروف بابن شاهين. قال ابن ماكولا وغيره: ثقةٌ مأمون، صنّف ثلاثمائة مصنّف، كان لا يعرف الفقه، وكان إذا ذكر له مذهب يقول: أنا محمّديّ المذهب. مات سنة ٣٨٥.

ومنهم: أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري. قال ابن خلّكان: كان من الأئمّة المجتهدين ».

وإنّما نقلنا هذا الكلام بطوله - مع تلخيصٍ في بعض مواضعه لعدم الحاجة إليها - ليتّضح شأن ابن شاهين، وأنه كان - كالبخاري وأبي ثور والطبري وأمثالهم - من الأئمّة المجتهدين الذين لم يقلِّدوا أحداً من أئمّة المذاهب الأربعة وغيرهم.

٩ - السمعاني: « أبو حفص عمر بن أحمد المعروف بابن شاهين كان ثقة، صدوقاً، مكثراً من الحديث، له رحلة إلى العراقين، والحجاز، سمع أبا القاسم البغوي، وأبا خبيب البرني، وأبا بكر الباغندي، وأبا بكر بن أبي داود، وأبا عبدالله بن عفير، وطبقتهم.

روى عنه: ابنه عبيدالله، وهلال بن محمّد الحفار، وأبو بكر البرقاني، وأبا القاسم الأزهري، وأبو محمّد الخلال، وعبد العزيز الأزجي، وأبو القاسم


التنوخي، وأبو محمّد الجوهري

وصنّف ثلاثمائة مصنّف وثلاثين مصنّفاً وكان لحّاناً لا يعرف من الفقه قليلاً ولا كثيراً. ومات في ذي الحجّة سنة ٣٨٥ »(١) .

١٠ - الذهبي: « أبو حفص ابن شاهين الواعظ المفسّر الحافظ صاحب التصانيف، وأحد أوعية العلم، توفي بعد الدارقطني بشهر، وكان أكبر من الدارقطني بتسع سنين قال ابن أبي الفوارس: ابن شاهين ثقة مأمون، جمع وصنف ما لم يصنّفه أحد. وقال محمّد بن عمر الدراوردي:

كان ثقةً لحّاناً، وكان لا يعرف الفقه ويقول: أنا محمّدي المذهب »(٢) .

١١ - السيوطي: « ابن شاهين، الحافظ الإمام المفيد الكبير محدّث العراق قال ابن ماكولا وغيره: ثقة مأمون، صنّف ما لم يصنّفه أحد، إلّا أنّه كان لحّاناً ولا يعرف الفقه. مات في ذي الحجة سنة ٣٨٥ »(٣) .

١٢ - الداودي: « عمر بن أحمد بن عثمان بن شاهين، الإمام الحافظ المفيد الواعظ، محدّث العراق، أبو حفص البغدادي، صاحب الترغيب والتفسير الكبير قال ابن ماكولا وغيره: ثقة مأمون »(٤) .

تنبيه

إنّ ما ذكروه بترجمة ابن شاهين من عدم معرفته للفقه، إنّما المراد به عدم معرفته بفقه أبي حنيفة والشافعي وغيرهما من أئمّة المذاهب، لا عدم معرفته فقه الحديث، فلا عائبة فيه، وكيف يتوهّم عدم معرفته بفقه الحديث وهو

____________________

(١). الأنساب. الشاهيني.

(٢). العبر في خبر من غبر. حوادث ٣٨٥.

(٣). طبقات الحفاظ: ٣٩٢.

(٤). طبقات المفسرين ٢ / ٢.


المحدّث الكبير، والمصنف ما لم يصنّفه أحد، وهو صاحب المسند في ألف وثلاثمائة جزء، بل هو صاحب الإجتهاد المطلق كما عرفت من كلام القنوجي.

وأمّا كونه لحّاناً، فليس ذلك طعناً في وثوقه واعتماده وعظمة شأنه، فإنّ اللحن في المحاورات كثير، بل كثيراً ما يتعمّده العلماء، بل ربما استنكروا التكلم على طريقة النحو إذا كان مخالفاً للشائع المتداول على لسان العامة.

قال اليافعي بترجمة الفراء: « قال قطرب: دخل الفرّاء على الرشيد فتكلّم بكلامٍ لحن فيه مرّات. فقال جعفر بن يحيى البرمكي: إنّه قد لحن يا أمير المؤمنين. فقال الرشيد: أتلحن؟ فقال الفراء: يا أمير المؤمنين إن طباع أهل البدو الإعراب، وطباع أهل الحضر اللحن، فإذا تحفّظت لم ألحن، وإذا رجعت إلى الطبع لحنت، فاستحسن الرشيد قوله.

قلت: وأيضاً فإنّ عادة المنتهين في النحو لا يتشدّقون بالمحافظة على إعراب كلّ كلمةٍ عند كلّ أحد، بل قد يتكلّمون بالكلام الملحون تعمّداً على جاري عادة الناس، وإنّما يبالغ في التحرّز والتحفّظ عن اللحن في سائر الأحوال المبتدؤون، إظهاراً لمعرفتهم بالنحو، وكذلك يكثرون البحث والتكلّم بما هم مترسّمون به من بعض فنون العلم، ويضرب لهم في ذلك مثل فيقال: الإناء إذا كان ملآن كان عند حمله ساكناً، وإذا كان ناقصاً اضطرب وتخضخض بما فيه »(١) .

____________________

(١). مرآة الجنان ٢ / ٣٨ حوادث سنة ٢٠٧.


(٥)

رواية إبن بَطّة العكبري

قال الحافظ الكنجي الشافعي: « الباب الثالث والعشرون في تشبيه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم علي بن أبي طالب بادمعليه‌السلام في علمه، وأنّه مثّله بنوح في حكمته، ومثّله بإبراهيم خليل الرحمن في حلمه:

أخبرنا أبو الحسن بن المقيّر البغدادي بدمشق سنة أربع وثلاثين وستمائة، عن المبارك بن الحسن الشهرزوري، أخبرنا أبو القاسم إبن البسري، أخبرنا أبو عبدالله العكبري، أخبرنا أبوذر أحمد بن الباغندي، حدّثنا أبي، عن مسعر بن يحيى النهدي، حدّثنا شريك، عن ابن إسحاق، عن أبيه، عن ابن عباس قال:

بينما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جالس في جماعةٍ من أصحابه، إذ أقبل علي، فلمّا بصر به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في حكمته، وإلى إبراهيم في حلمه، فلينْظر إلى علي بن أبي طالب »(١) .

ترجمة ابن بطّة

١ - السّمعاني: « أبو عبدالله عبيدالله بن محمّد بن محمّد بن حمدان إبن بطّة العكبري البطّي، من أهل عكبرا، كان إماماً، فاضلاً، عالماً بالحديث وفقهه، أكثر من الحديث، وسمع جماعةً من أهل العراق، وكان من فقهاء الحنابلة، صنّف التصانيف الحسنة المفيدة.

____________________

(١). كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب: ١٢١.


حدّث عن أبي القاسم البغوي، وأبي محمّد بن صاعد، وأبي بكر عبدالله ابن زياد النيسابوري، وأبي طالب أحمد بن نصر الحافظ، وأبي ذر ابن الباغندي، وجماعة كثيرة من العراقيين وا لغرباء، وسافر الكثير إلى الشام و البصرة وغيرهما من البلاد.

روى عنه: أبو الفتح محمّد بن أبي الفوارس الحافظ، وأبو علي الحسين بن شهاب العكبري، وعبد العزيز بن علي الأزجي، وإبراهيم بن عمر البرمكي، وجماعة سواهم من أهل بلده والغرباء.

وحكي أنّه لـمّا رجع من الرحلة لزم بيته أربعين سنة، فلم ير يوماً منها في سوقٍ، ولا رئي مفطراً إلّا في يوم الأضحى والفطر، وكان أمّاراً بالمعروف، ولم يبلغه خبر منكر إلّا غيّره.

وتكلّم أبو الحسن الدارقطني في سماعه كتاب السنن لرجاء بن المرجا، فإنّ ابن بطّة كان يرويها عن حفص بن عمر الأردبيلي، وحكى ابن حفص أنّ أباه لم يسمع من رجاء شيئاً، وكان يصغر عن السّماع عنه. وتكلّموا في روايته عن أبي القاسم البغوي المعجم أيضاً.

ومات بعكبرا في المحرّم سنة ٣٨٧. ودفن يوم عاشورا.

قلت: وزرت قبره بعكبرا »(١) .

٢ - السمعاني: « واشتهر بهذه النسبة جماعة، منهم: أبو عبدالله عبيدالله بن محمّد بن محمّد بن حمدان بن بطة العكبري الحنبلي، من أهل عكبرا، صنّف التصانيف، وكان فاضلاً زاهداً »(٢) .

٣ - البدخشاني: « كان إماماً، فاضلاً، عالماً بالحديث وفقهه، أكثر من

____________________

(١). الأنساب. البطّي.

(٢). الأنساب. الحنبلي.


الحديث، وسمع جماعة من أهل العراق، وكان من فقهاء الحنابلة، صنّف التصانيف الحسنة المفيدة

قلت: ذكره ابن ناصر الدين في طبقات الحفاظ، ولم يذكره الذهبي »(١) .

ابن بطّة من مشايخ شيوخ الدّهلويّ في الإجازة

وذلك لأنّه من مشايخ الشيخ جلال الدين السّيوطي، فإنّه يقول في ( زاد المسير في الفهرست الصغير ) « مختصر الخرَقي - أنبأني به قاضي الحنابلة عزّالدين إبراهيم بن نصر الكناني، وابن خاله الشهاب أحمد بن الجمال عبدالله الحنبلي، والبدر محمّد بن شيخ الإسلام أبي الفضل بن حجر، وأبو بكر ابن علي ابن موسى الحارث المكي، والكمال محمّد بن عبدالرحمن القليوبي. كلّهم عن أبي بكر بن الحسين المراغي، عن أبي العباس الحجّار، عن أحمد بن يعقوب المارستاني، عن أبي المعالي محمّد بن النحاس، عن أبي القاسم علي بن أحمد البسري، عن أبي عبدالله عبيدالله بن محمّد بن حمدان إبن بطة إجازة، أنا المؤلّف سماعاً تصانيف ابن بطة بهذا السند إليه إجازة ».

وإلى « السّيوطي » ينتهي سند المشايخ السّبعة للشيخ « ولي الله الدهلوي »، فإنّه يقول في ( الإرشاد إلى مهمّات الإسناد ): « فصل: قد اتّصل سندي - والحمد لله بسبعةٍ من المشايخ الجلّة الكرام، الأئمّة القادة الأعلام، من المشهورين بالحرمين المحترمين، المجمع على فضلهم من بين الخافقين: الشيخ محمّد بن العلاء البابلي، والشيخ عيسى المغربي الجعفري، والشيخ محمّد بن محمّد بن سليمان الردّاني المغربي، والشيخ إبراهيم بن حسن الكردي المدني، والشيخ حسن بن علي العجيمي المكي، والشيخ أحمد بن

____________________

(١). تراجم الحفاظ - مخطوط. حرف العين.


محمّد النخلي المكي، والشيخ عبدالله بن سالم البصري ثمّ المكّي

فصل - سند هؤلاء المشايخ السبعة ينتهي إلى الإمامين الحافظين القدوتين الشهيرين بشيخ الإسلام: زين الدين زكريا، والشيخ جلال الدين السّيوطي ».

و ( الدهلوي ) ينصّ في ( أصول الحديث ) على أنّه قد أخذ علم الحديث وسائر العلوم عن والده ( ولي الله الدهلوي )، وأنّه قد قرأ وسمع عليه عدةً من كتب الحديث، حتّى حصلت له الملكة المعتدّ بها في فهم معاني الحديث ودرك حقائق الأسانيد

(٦)

رواية الحاكم النيسابوري

رواه في ( تاريخ نيسابور ) على ما ذكر الموفق بن أحمد الخوارزمي المكي حيث قال: « أخبرنا الشيخ الزاهد الحافظ أبو الحسن علي بن أحمد العاصمي الخوارزمي [، قال ]: أخبرنا شيخ القضاة إسماعيل بن أحمد الواعظ، [ قال ] أخبرنا أحمد بن الحسين البيهقي

وبهذا الإسناد عن أحمد بن الحسين هذا، أخبرنا أبو عبدالله الحافظ في التاريخ، حدّثنا أبو جعفر محمّد بن سعيد، حدّثنا محمّد بن مسلم بن وارة بن موسى العبسي، حدّثنا أبو عمر الأزدي، عن أبي راشد الحبراني، عن أبي الحمراء قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في فهمه، وإلى يحيى بن زكريا في زهده، وإلى موسى ابن عمران في


بطشه، فلينظر إلى علي بن أبي طالب. قال أحمد بن الحسين البيهقي: لم أكتبه إلّا بهذا الإسناد. والله أعلم »(١) .

ترجمة الحاكم

١ - ابن خلكان: « أبو عبدالله محمّد بن عبدالله بن محمّد بن حمدويه بن نعيم بن الحكم، الضبّي الطهماني، المعروف بالحاكم النيسابوري، الحافظ المعروف بابن البيّع، إمام أهل الحديث في عصره، والمؤلّف فيه الكتب التي لم يسبق إلى مثلها. كان عالماً عارفاً واسع العلم، تفقّه على أبي سهل محمّد بن سليمان الصعلوكي الفقيه الشافعي، - و قد تقدم ذكره - ، ثمّ انتقل إلى العراق، وقرأ على أبي علي بن أبي هريرة الفقيه ثمّ طلب الحديث وغلب عليه فاشتهر به، وسمعه من جماعةٍ لا يحصون كثرةً، فإنّ معجم شيوخه يقرب من ألفي رجل، حتّى روى عمّن عاش بعده، لسعة روايته وكثرة شيوخه، وصنّف في علومه ما يبلغ ألفاً وخمسمائة جزء وأمّا ما تفرّد بإخراجه فمعرفة علوم الحديث، وتاريخ علماء نيسابور، والمدخل إلى علم الصحيح، والمستدرك على الصحيحين، وما تفرّد به كلّ واحدٍ من الإمامين، وفضائل الإمام الشافعي، وله الرحلة إلى رحلتان، وكانت الرحلة الثانية سنة ٣٦٠، وناظر الحفاظ وذاكر الشيوخ وكتب عنهم أيضاً، وباحث الدارقطني فرضيه. وتقلّد القضاء بنيسابور في سنة ٣٩٥

كانت ولادته في شهر ربيع الأول سنة ٣٢١ بنيسابور، وتوفي بها يوم الثلاثاء ثالث صفر سنة ٤٠٥. وقال الخليلي في كتاب الإرشاد: توفي سنة ٤٠٣. رحمه الله تعالى

____________________

(١). مناقب أمير المؤمنين للخوارزمي: ٤٠.


لازمه الدارقطني، وسمع منه أبو بكر القفال الشاشي وأنظارهما »(١) .

٢ - أبو الفداء: « وفيها توفي الحافظ إمام أهل الحديث في عصره، والمؤلف فيه الكتب التي لم يسبق إلى مثلها، سافر في طلب الحديث، وبلغت عدة شيوخه نحو ألفين، وصنّف عدّة مصنّفات »(٢) .

٣ - ابن الوردي: « وفيها توفي الحافظ إمام أهل الحديث في عصره، والمؤلّف فيه ما لم يسبق إليه، سافر في طلب الحديث وبلغت شيوخه ألفين »(٣) .

٥ - عبدالغافر الفارسي: « لم يخلِّف مثله »(٤) .

٦ - الزرقاني: « الحاكم - الإمام الحافظ الكبير محمّد بن عبدالله الضبّي أبو عبدالله النيسابوري، الثقة الثبت المجمع على صدقه ومعرفته بالحديث حقّ معرفته، أكثر الرحلة والسماع، حتّى سمع بنيسابور من نحو ألف شيخ، وفي غيرها أكثر، ولد سنة ٣٢١. ومات بنيسابور سنة ٤٠٥. وتصانيفه نحو خمسمائة، قاله الذهبي، أو ألف قاله عبدالغافر الفارسي، وقال غيرهما: ألف وخمسمائة. وعنه: شربت ماء زمزم وسألت الله أن يرزقني حسن التصنيف »(٥) .

٧ - عبدالحق الدهلوي: « من أهل الفضل والعلم والمعرفة في العلوم المتنوّعة، كان فريد عصره ووحيد وقته، خاصّةً في علوم الحديث، وله فيها

____________________

(١). وفيات الأعيان ٤ / ٢٨٠.

(٢). المختصر في أحوال البشر. حوادث ٤٠٥.

(٣). تتمة المختصر في أحوال البشر حوادث ٤٠٤.

(٤). السياق في تاريخ نيسابور: ٥ - ٦.

(٥). شرح المواهب اللدنية ١ / ٣٢.


المصنّفات الكبيرة والغريبة العجيبة »(١) .

٨ - ابن الأثير: « وهذا الشرط الذي ذكرناه قد ذكره الحاكم أبو عبدالله النيسابوري. وقد قال غيره: إنّ هذا الشرط غير مطرد في كتابي البخاري ومسلم، فإنّهما قد أخرجا فيهما أحاديث على غير هذا الشرط.

والظنّ بالحاكم غير هذا، فإنّه كان عالماً بهذا الفن، خبيراً بغوامضه، عارفاً بأسراره، وما قال هذا القول وحكم على الكتابين بهذا الحكم إلّا بعد التفتيش والإختبار والتيقّن لما حكم به عليهما.

ثمّ غاية ما يدّعيه هذا القائل إنّه تتبّع الأحاديث التي في الكتابين، فوجد فيهما أحاديث لم ترد على هذا الشرط الذي ذكره الحاكم، وهذا منتهى ما يمكنه أنْ ينقض به، وليس ذلك ناقضاً، ولا يصلح أن يكون دافعاً لقول الحاكم، فإنّ الحاكم مثبت، وهذا ناف، والمثبت يقدّم على النافي، وكيف يجوز لهُ أن يقضي بانتفاء هذا الحكم بكونه لم يجده، ولعلّ غيره قد وجده، ولم يبلغه وبلغ سواه، وحسن الظنّ بالعلماء أحسن، والتوصل في تصديق أقوالهم أولى »(٢) .

٩ - الفخر الرازي: « وأمّا المتأخرون من المحدّثين، فأكثرهم علماً، وأقواهم قوّةً، وأشدّهم تحقيقاً في علم الحديث لهؤلاء، وهم: أبو الحسن الدارقطني والحاكم أبو عبدالله الحافظ، والشيخ أبو نعيم الإصفهاني، والحافظ أبو بكر البيهقي، والإمام أبو بكر عبدالله بن محمّد بن زكريا الجوزقي صاحب كتاب المتفق، والإمام الخطيب صاحب تاريخ بغداد، والإمام أبو سليمان الخطابي الذي كان بحراً في علم الحديث واللغة، وقيل في وصفه: جعل الحديث لأبي سليمان كما جعل الحديد لأبي سليمان - يعنون داود النبيّ

____________________

(١). رجال المشكاة للشيخ عبدالحق الدهلوي.

(٢). جامع الأصول ١ / ٩٢.


صلّى الله عليه وسلّم، حيث قال تعال فيه:( وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ) .

فهؤلاء العلماء صدور هذا العلم بعد الشيخين، وهم بأسرهم متّفقون على تعظيم الشافعي ...»(١) .

١٠ - النووي: « وما كان من الأسماء وبيان أحوال أصحابها، نقلته من كتب الأئمّة الحافظ الأعلام المشهورين بالإمامة في ذلك، والمعتمدين عند جميع العلماء، كتاريخ البخاري، وابن أبي خيثمة، وخليفة بن خيّاط المعروف بسنان، والطبقات الصغير، والطبقات الكبير لمحمّد بن سعد كاتب الواقدي - وهو ثقة وإن كان شيخه الواقدي ضعيفاً - ومن الجرح والتعديل لابن أبي حاتم، والثقات لأبي حاتم ابن حبان بكسر الحاء، وتاريخ نيسابور للحاكم أبي عبدالله، وتاريخ بغداد للخطيب، وتاريخ همدان، وتاريخ دمشق للحافظ أبي القاسم ابن عساكر، وغيرها من كتب التواريخ الكبار وغيرها »(٢) .

١١ - النّووي بعد نقل أقوال الحاكم وجماعة في وصف البخاري: « فهذه أحرف من عيون مناقبه وصفاته، ودرر شمائله وحالاته، أشرت إليها إشارات لكونها من المعروفات الواضحات، ومناقبه لا تستقصى لخروجها عن أنْ تحصى، وهي منقسمة إلى حفظٍ ودراية واجتهاد في التحصيل، ورواية ونسكٍ وإفادة، وورع وزهادة، وتحقيق وإتقان، وتمكّن وعرفان، وأحوال وكرامات وغيرها من أنواع المكرمات.

ويوضّح ذلك ما أشرت إليه من أقوال أعلام المسلمين، واُولي الفضل والورع والدين، والحفاظ النقّاد المتقنين، الذين لا يجازفون في العبارات، بل

____________________

(١). مناقب الشافعي للرازي - الوجه الثالث من الباب الرابع.

(٢). تهذيب الأسماء واللغات ١ / ٦.


يتأمّلونها ويحرزونها ويحافظون على صيانتها أشدّ المحافظات »(١) .

١٢ - النووي: « ذكر مسلم رحمه الله تعالى في أوّل مقدمة صحيحه أنّه يقسّم الأحاديث ثلاثة أقسام. الأوّل: ما رواه الحفاظ المتقنون. والثاني: ما رواه المستورون المتوسّطون في الحفظ والإتقان. والثالث: ما رواه الضعفاء والمتروكون، وأنّه إذا فرغ من القسم الأوّل أتبعه الثاني، وأمّا الثالث فلا يعرّج عليه. فاختلف العلماء في مراده بهذا التقسيم، فقال الإمامان الحافظان أبو عبدالله الحاكم وصاحبه أبو بكر البيهقي رحمهما الله: إنّ القسم الأوّل. قال القاضي عياض: وهذا ممّا قبله الشيوخ والناس من الحاكم أبي عبدالله وتابعوه عليه »(٢) .

١٣ - الخطيب التبريزي: « البيهقي - هو أبو بكر أحمد بن الحسن البيهقي كان أوحد دهره في الحديث والتصانيف ومعرفة الفقه. وهو من كبار أصحاب الحاكم أبي عبدالله. قالوا: سبعة من الحفاظ أحسنوا التصنيف وعظم الإنتفاع بتصانيفهم. أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني ثمّ الحاكم أبو عبدالله النيسابوري »(٣) .

١٤ - السبكي: « فأين أهل عصرنا من حفاظ هذه الشريعة:

أبي بكر الصدّيق، وعمر الفاروق، وعثمان ذي النورين، وعلي المرتضى

ومن طبقة أخرى من التابعين: أويس القرني، وعلقمة بن قيس، والأسود ابن يزيد، ومسروق بن الأجدع، وابن المسيّب، وأبي العالية

____________________

(١). تهذيب الأسماء واللغات - ترجمة البخاري ١ / ٧٦.

(٢). المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج ١ / ٢٣.

(٣). الإكمال في أسماء الرجال ٣ / ٨٠٦.


طبقة أخرى: والأوزاعي، والثوري، ومعمر بن راشد، وشعبة

اُخرى: والشافعي، وعفان بن مسلم، وآدم بن أبي أياس

اُخرى: وأحمد بن محمّد بن حنبل، وأحمد بن إبراهيم الدورقي

اُخرى: محمّد بن يحيى الذهلي، والبخاري، وأبي حاتم الرازي

اُخرى: وأبي داود السجستاني، وصالح جزرة، والترمذي، وابن ماجة

اُخرى: وعبدان، وعبدالله بن أحمد الأهوازي، والحسن بن سفيان

اُخرى: وأبي بكر بن زياد النيسابوري، وأبي حامد أحمد بن محمّد ابن الشرقي

اُخرى: وأبي القاسم الطبراني، وأبي حاتم محمّد بن حبان، وأبي علي ابن السكن

اُخرى: وأبي عبدالله بن مندة، وأبي عبدالله الحسين بن أحمد بن بكير، وأبي عبدالله الحاكم، وعبد الغني بن سعيد الأزدي، وأبي بكر بن مردويه، وأبي عبدالله محمّد بن أحمد غنجار، وأبي بكر البرقاني، وأبي حاتم العبدوي، وحمزة السهمي، وأبي نعيم الإصبهاني.

اُخرى: وأبي عبدالله الصوري، والخطيب، والبيهقي، وابن حزم، وابن عبدالبر، وأبي الوليد الباجي، وأبي صالح المعزول.

اُخرى: وأبي إسحاق الحبّال، وأبي نصر بن ماكولا، وأبي عبدالله الحميدي، وأبي علي الغسّاني، وأبي الفضل محمّد بن طاهر المقدسي، وأبي علي بن سكرة.

اُخرى: وأبي عامر محمّد بن سعدون العبدري، وأبي القاسم التّيمي، وأبي الفضل بن ناصر، وأبي العلاء الهمداني، وأبي طاهر السّلفي، وأبي القاسم


ابن عساكر، وأبي سعد السمعاني، وأبي موسى المديني

اُخرى: وأبي بكر بن نقطة، وابن الزيبني، وأبي عبدالله محمّد بن عبدالواحد

اُخرى: عبدالعظيم المنذري، ورشيد الدين العطار، وابن مسدي.

اُخرى: النووي، والدمياطي، وابن الظاهري، وعبيد الأشعري

اُخرى: والقاضي سعد الدين الحارثي، والحافظ أبي الحجاج المزي

اخرى: والحافظ أبي العباس بن المظفر، والحافظ صلاح الدين العلائي.

فهؤلاء مهرة هذا الفن، وقد أغفلنا كثيراً من الأئمّة، وأهملنا عدداً صالحاً من المحدثين، وإنّما ذكرنا من ذكرناه ليتنبّه بهم على من عداهم، ثمّ أفضى الأمر إلى طيّ بساط الأسانيد رأساً، وعدّ الإكثار منها جهالةً وسواساً »(١) .

١٥ - الأسنوي: « وبعد، فإنّ الشافعي - رضي ‌الله‌ عنه وأرضاه ونفعنا به وبسائر أئمّة المسلمين أجمعين - قد حصل له في أصحابه من السعادة أمور لم تتّفق في أصحاب غيره

ومنها: إنّ كبار أئمّة الحديث إمّا من جملة أصحابه الآخذين عنه أو عن أتباعه، كالإمام أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وابن المنذر، وابن حبان، وابن خزيمة، والبيهقي، والحاكم، والخطابي، والخطيب، وأبي نعيم »(٢) .

١٦ - البدخشاني: « الحاكم - لقّب به جماعة من أهل الحديث، فمنهم من لقّب به لأجل رياسةٍ دنيوية ومنهم من لقّب به لأجل الرياسة في الحديث، وهما رجلان فاقا أهل عصرهما في معرفة الحديث، أحدهما:

____________________

(١). طبقات الشافعية الكبرى ٤ / ١٥٥.

(٢). طبقات الشافعية - أول الكتاب.


الحاكم أبو أحمد محمّد بن محمّد بن أحمد بن إسحاق النيسابوري، وليس له ذكر في هذا الكتاب، وهو الأكبر. والثاني: الحاكم أبو عبدالله محمّد بن عبدالله ابن محمّد بن حمدويه النيسابوري، صاحب المستدرك على الصحيحين، وتاريخ نيسابور، وغير ذلك من المصنّفات، وهو الأشهر»(١) .

تمسّك ( الدّهلوي ) ووالده بروايات الحاكم

ثمّ إنّ وليّ الله الدهلوي قد ذكر الحاكم النّيسابوري في عداد المجدّدين للدين الحنيف في المائة الرابعة. ونصّ في مقدّمة كتابه ( فتح الرحمن في ترجمة القرآن ) على أنّ « أصحّ التّفاسير، وهي: تفسير البخاري، وتفسير مسلم، وتفسير الترمذي، وتفسير الحاكم » وناهيك به جلالةً ووثوقاً.

أمّا ( الدهلوي ) نفسه، فقد اعتمد على روايات الحاكم واستند إليها في مقابلة أهل الحق في مواضع عديدة من كتابه ( التحفة )، كما لا يخفى على من راجعه، ومن ذلك: في الجواب عن المطعن الخامس عشر من مطاعن أبي بكر، وفي الجواب عن المطعن الرابع من مطاعن أبي بكر، وفي المكيدة الثانية بعد المائة، والمكيدة الحادية والتسعين قال في المكيدة الحادية والتسعين: « وكيف يوالي أهل السنة أعداء أهل البيت وهم يروون في كتبهم الروايات الصريحة في أنّ: « من مات وهو مبغض لآل محمّد دخل النار وإن صلّى وصام » أخرجه الطبراني والحاكم!! »(٢) .

أقول: فإذا كان الحاكم ممّن يعتمد على رواياته، ومن الحائزين لتلك المقامات الرفيعة والدرجات الجليلة، فكيف ينكر ( الدهلوي ) صحّة أحاديث

____________________

(١). تراجم الحفاظ - مخطوط.

(٢). التحفة الاثنا عشرية: ٢٨٢.


يرويها الحاكم فيمن يرويها، كحديث الولاية، وحديث الطير، وحديث أنا مدينة العلم!!

اعتبار تاريخ الحاكم

قد عرفت أنّ الحاكم يروي حديث التشبيه في ( تاريخ نيسابور )، كما عرفت من كلمات القوم في ترجمة الحاكم أنّة قد رزق الحسن في التصنيف، وأنّ تصانيفه كلّها مفيدة معتبرة مشهورة

وفي وصف ( تاريخ نيسابور ) بالخصوص، قال السبكي: « قد كانت نيسابور من أجلّ البلاد وأعظمها، لم يكن بعد بغداد مثلها، وقد عمل لها الحافظ أبو عبدالله الحاكم تاريخاً خضع له جهابذة الحفاظ، وهو عندي سيّد التواريخ، وتاريخ الخطيب وإن كان أيضاً من محاسن الكتب الإسلاميّة، إلّا أنّ صاحبه طال عليه الأمر، وذلك لأنّ بغداد وإن كانت في الوجود بعد نيسابور، إلّا أنّ علماءها أقدم، لأنّها كانت دار وبيت رياسة، قبل أن يرتفع أعلام نيسابور، ثمّ إنّ الحاكم قبل الخطيب بدهر، والخطيب جاء بعده فلم يأت إلّاوقد دخل بغداد من لا يحصى عدداً فاحتاج إلى نوعٍ من الإختصار في تراجمهم، وأمّا الحاكم فأكثر من يذكره من شيوخه أو شيوخ شيوخه، أو ممّن تقارب من دهره، لتقدّم الحاكم وتأخر علماء نيسابور، فلما قلّ العدد عنده كثر المقال، وأطال في التراجم واستوفاها، والخطيب واضح العذر الذي أبديناه »(١) .

وفي ( كشف الظنون ): « تواريخ نيسابور - منها: تاريخ الإمام أبي عبدالله محمّد بن عبدالله الحاكم النيسابوري، المتوفى سنة ٤٠٥. وهو كبير، أوّله:

____________________

(١). الشافعية الكبرى ١ / ٣٢٤.


الحمد لله الذي اختار محمّداً الخ. قال ابن السبكي في طبقاته: وهو التاريخ الذي لم تر عيني تاريخاً أجلّ منه، وهو عندي سيّد الكتب الموضوعة للبلاد »(١) .

(٧)

رواية إبن مردويه

قال الموفق بن أحمد الخوارزمي: « أخبرني شهردار هذا إجازة، قال: أخبرنا أبو الفتح عبدوس بن عبدالله بن عبدوس الهمداني إجازةً، عن الشريف أبي طالب المفضل بن محمّد بن طاهر الجعفري بإصبهان، عن الحافظ أبي بكر أحمد بن موسى بن مردويه بن فورك الإصبهاني، قال: حدّثنا محمّد بن أحمد ابن إبراهيم قال: حدّثنا الحسين بن علي بن الحسين السلولي، قال: حدّثني سويد بن معسر بن يحيى بن حجاج النهدي، حدّثنا أبي، حدّثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن الحارث الأعور صاحب راية علي بن أبي طالب قال:

بلغنا أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان في جمع من أصحابه، فقال: أريكم آدم في علمه ونوحاً في فهمه وإبراهيم في حكمته. فلم يكن بأسرع من أنْ طلع علي. فقال أبو بكر: يا رسول الله، أقست رجلاً بثلاثةٍ من الرّسل، بخ بخ لهذا الرجل، من هو يا رسول الله؟ قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: ألا تعرفه يا أبا بكر؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: أبو الحسن علي ابن أبي طالب. قال أبو بكر: بخ بخ لك يا أبا الحسن، وأين مثلك يا أبا الحسن »(٢) .

____________________

(١). كشف الظنون ١ / ٣٠٨.

(٢). مناقب أمير المؤمنين: ٤٤ - ٤٥.


ترجمة إبن مردويه

١ - الذهبي: « إبن مردويه، الحافظ الثبت، العلّامة، أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه الإصبهاني، صاحب التفسير والتاريخ وغير ذلك. روى عن: أبي سهل بن زياد القطان، وميمون بن إسحاق الخراساني

وروى عنه: أبو القاسم عبدالرحمن بن مندة، وأخوه عبدالوهاب، وأبو الخير محمّد بن أحمد، وأبو منصور محمّد بن سكرويه، وأبو بكر محمّد بن الحسن بن محمّد بن سليم، وأبو عبدالله الثقفي الرئيس، وأبو مطيع محمّد بن عبد الواحد المصري، وخلق كثير.

وعمل المستخرج على صحيح البخاري، وكان قيّماً بمعرفة هذا الشأن، بصيراً بالرجال، طويل الباع، مليح التصانيف. ولد سنة ٣٢٣. ومات لست بقين من رمضان سنة ٤١٠. يقع عواليه في الثقفيات وغيرها »(١) .

٢ - ابن القيّم: بعد ذكر حديث: « هذا حديث كبير جليل، ينادي جلالته وفخامته وعظمته على أنّه قد خرج من مشكاة النبوّة، لا يعرف إلّا من حديث عبد الرحمن بن المغيرة بن عبدالرحمن المدني، رواه عن إبراهيم بن حمزة الزبيري، وهما من كبار علماء المدينة، ثقتان يحتجُّ بهما في الصحيح، إحتجّ بهما إمام أهل الحديث محمّد بن إسماعيل البخاري، ورواه أئمّة السنّة في كتبهم، وتلقّوه بالقبول، وقابلوه بالتسليم والإنقياد، ولم يطعن أحد منهم فيه ولا في أحدٍ من رواته.

فممّن رواه الإمام ابن الإمام أبو عبدالرحمن عبدالله بن أحمد بن حنبل، في مسند أبيه، وفي كتاب السنّة

____________________

(١). تذكرة الحفاظ ٣ / ٢٣٨.


ومنهم: الفاضل الجليل أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل، في كتاب السنّة، له.

ومنهم: الحافظ أبو أحمد محمّد بن أحمد بن إبراهيم بن سليمان العسّال، في كتاب المعرفة.

ومنهم: حافظ زمانه ومحدّث أوانه أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيّوب الطبراني، في كثير من كتبه.

ومنهم: الحافظ أبو محمّد عبدالله بن محمّد بن حيّان أبو الشيخ الإصبهاني، في كتاب السنّة.

ومنهم: الحافظ ابن الحافظ أبو عبدالله محمّد بن إسحاق بن محمّد بن يحيى بن مندة حافظ أصبهان.

ومنهم: الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه.

ومنهم: حافظ عصره أبو نعيم أحمد بن عبدالله بن إسحاق الأصبهاني.

وجماعة من الحفّاظ سواهم يطول ذكرهم »(١) .

٣ - السبكي: ذكر « ابن مردويه » في طبقة « الحاكم » كما تقدّم في عبارته المنقولة بترجمة الحاكم.

٤ - السّيوطي: « ابن مردويه الحافظ الكبير العلّامة(٢) .

٥ - الزرقاني: « أبو بكر الحافظ، أحمد بن موسى بن مردويه الإصبهاني، الثبت العلّامة، ولد سنة ٣٢٣، وصنّف التاريخ والتفسير والمسند والمستخرج على البخاري، وكان قيّماً بهذا الشأن، بصيراً بالرجال، طويل الباع، مليح التصنيف، مات لست بقين من رمضان سنة ٤١٠. قال الحافظ ابن

____________________

(١). زاد المعاد في هدي خير العباد ٣ / ٥٦.

(٢). طبقات الحفّاظ: ٤١٢.


ناصر في مشتبه النسبة: ( مردويه ) بفتح الميم. وحكى ابن نقطة كسرها عن بعض الأصبهانيين، والراء ساكنة والدال المهملة مضمومة، والواو ساكنة، والمثناة من تحت مفتوحة تليها هاء »(١) .

« الحافظ » في الاصطلاح

لقد وصف القوم ابن مردويه بصفة « الحافظ » وتجد ذلك أيضاً في الأنساب(٢) وتاريخ ابن كثير(٣) وكشف الظنون(٤) وغيرها من الكتب، ولا يخفى على أهل العلم ما لهذا اللقب من قيمة في اصطلاحهم:

قال نور الدين علي بن سلطان القاري - في شرح الشمائل: « الحافظ - المراد به حافظ الحديث لا القرآن، كذا ذكره ميرك. ويحتمل أنّه كان حافظاً للكتاب والسنّة.

ثمّ « الحافظ » في إصطلاح المحدّثين: من أحاط علمه بمائة ألف حديث متناً وإسناداً. و « الطالب » هو المبتدي الراغب فيه. « والمحدّث » و « الشيخ » و « الإمام » هو الأستاذ الكامل. و « الحجة » من أحاط علمه بثلاثمائة ألف حديث متناً وإسناداً، وأحوال رواته جرحاً وتعديلاً وتاريخاً، و « الحاكم » هو الذي أحاط علمه بجميع الأحاديث المرويّة كذلك.

وقال ابن الجوزي: « الراوي » ناقل الحديث بالإسناد، و « المحدّث » من تحمل روايته واعتنى بدرايته، و « الحافظ » من روى ما وصل إليه ووعى ما يحتاج لديه ».

____________________

(١). شرح المواهب اللدنية ١ / ١٨٢.

(٢). الأنساب. ترجمة حمزة بن الحسين المؤدب الإصبهاني ١ / ١٨٣.

(٣). تاريخ ابن كثير. في ذكر حديث الطير، من مناقب أمير المؤمنين بترجمته.

(٤). كشف الظنون ١ / ٤٣٩.


وقال الشعراني: « وكان الحافظ ابن حجر يقول: الشروط التي إذا اجتمعت في الإنسان سمّي حافظاً هي: الشهرة بالطلب والأخذ من أفواه الرجال والمعرفة بالجرح والتعديل لطبقات الرواة ومراتبهم، وتمييز الصحيح من السقيم، حتّى يكون ما يستحضره من ذلك أكثر ممّا لا يستحضره، مع استحفاظ الكثير من المتون. فهذه الشروط من جمعها فهو حافظ »(١) .

وقال البدخشاني: « الحافظ - يطلق هذا الإسم على من مهر في فن الحديث، بخلاف المحدث»(٢) .

ابن مردويه شيخ من انتهى إليه علوّ الإسناد بإصبهان

قد عرفت من عبارة ( تذكرة الحفاظ ) رواية جماعة من الأعلام ومشاهير الأئمّة - كابن مندة - عن ابن مردويه، وقد تقرّر لدى أهل السنّة المحققين أنّ رواية العدل الواحد عن شخص كافية للدلالة على وثاقة المروي عنه.

هذا، وابن مردويه الأصبهاني الحافظ من شيوخ أبي مطيع المديني الذي « انتهى إليه علوّ الإسناد بأصبهان » كما وصفه الحافظ الذهبي حيث ترجمه بقوله: « أبو مطيع محمّد بن عبدالواحد المديني، المصري الأصل، الصحّاف، الناسخ، عاش بضعاً وتسعين سنة، إنتهى إليه علوّ الإسناد بأصبهان، روى عن أبي بكر ابن مردويه والنقاش وابن عقيل الباوردي وطائفة »(٣) .

وناهيك بهذا شأناً ومقاماً ورفعة.

____________________

(١). لواقح الأنوار في طبقات الأخيار - ترجمة السيوطي.

(٢). تراجم الحفاظ - مخطوط.

(٣). العبر في خبر من غبر ٣ / ٣٤٨.


اعتماد الحفاظ على كتبه

وممّا يدلّ على عظمة ابن مردويه وجلالته، اعتماد كبار الحفّاظ على رواياته، وكتبه، كاعتمادهم على الشيخين وأضرابهما قال ابن الجزري:

« وقد رمزت الكتب التي خرجت منها هذه الأحاديث بحروف تدلّ على ذلك سلكت فيها أخصر المسالك، فجعلت علامة صحيح البخاري « خ » ومسلم « م » وسنن أبي داود « د » والترمذي « ت » والنسائي « س » وابن ماجة القزويني « ق ». وهذه الأربعة « عة ». وهذه الستة « ع ». وصحيح ابن حبان « حب » وصحيح المستدرك « مس » وأبي عوانة « عو » وابن خزيمة « مه » والموطأ « طا » وسنن الدارقطني « قط » ومصنف ابن أبي شيبة « مص » ومسند الإمام أحمد « آ » والبزار « ر » وأبي يعلى الموصلي « ص » والدارمي « مي » ومعجم الطبراني « ط » والأوسط « طس » والصغير « صط » والدعاء له « طب » ولابن مردويه « مر » وللبيهقي « قي » والسنن الكبير له « سنى » وعمل اليوم والليلة لابن السني « ي »

فليعلم أنّي أرجو أن يكون جميع ما فيه صحيحاً »(١) .

____________________

(١). الحصن الحصين - خطبة الكتاب.


(٨)

رواية أبي نعيم

قال محمّد صدر العالم: « أخرج أبو نعيم في فضائل الصّحابة مرفوعاً: إنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: من سرّه أنْ ينظر إلى آدم في علمه وإلى نوحٍ في فهمه وإلى إبراهيم في خلّته، فلينظر إلى علي بن أبي طالب »(١) .

ترجمة أبي نعيم

١ - الفخر الرّازي: « وأما المتأخّرون من المحدثين، فأكثرهم علماً، وأقواهم قوّةً، وأشدّهم تحقيقاً في علم الحديث هؤلاء، وهم: أبو الحسن الدارقطني، والحاكم أبو عبدالله الحافظ، والشيخ أبو نعيم الأصبهاني فهؤلاء صدور هذا العلم بعد الشيخين، وهم بأسرهم متّفقون على تعظيم الشافعي والمبالغة في الثناء عليه »(٢) .

٢ - ابن خلكان: « الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبدالله بن أحمد بن إسحاق ابن موسى بن مهران الأصبهاني، الحافظ المشهور، صاحب كتاب حلية الأولياء، كان من أعلام المحدثين، وأكابر الحفّاظ الثقات. أخذ عن الأفاضل، وأخذوا عنه وانتفعوا به، وكتابه لحلية من أحسن الكتب

وتوفي في صفر، وقيل يوم الاثنين الحادي والعشرين من المحرّم، سنة ٤٣٠ بأصبهان، رحمه الله تعالى »(٣) .

____________________

(١). معارج العلى في مناقب المرتضى - مخطوط.

(٢). فضائل الشافعي، وقد تقدّم نصه.

(٣). وفيات الأعيان ١ / ٩١.


٣ - ابن تيميّة: « ولكلّ علم رجال يعرفون به، والعلماء بالحديث أجلّ هؤلاء قدراً، وأعظمهم صدقاً، وأعلاهم منزلةً، وأكثرهم ديناً، وهم من أعظم الناس صدقاً وديناً وأمانةً وعلماً وخبرة فيما يذكرونه من الجرح والتعديل، مثل:

مالك، وشعبة، وسفيان، ويحيى بن سعيد القطّان، وعبد الرحمن ابن مهدي، وابن المبارك، ووكيع بن الجراح ، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبي عبيد، يحيي بن معين، و علي ابن المديني، والبخاري، ومسلم، وأبي داود، وأبي زرعة، وأبي حاتم، والنسائي، والعجلي، وأبي أحمد ابن عدي، وأبي حاتم البستي، و أبي الحسن الدارقطني، وأمثال هؤلاء خلق كثير لا يحصى عددهم

وقد صنّف الناس كتباً في الأخبار صغاراً وكباراً، مثل:

الطبقات لابن سعد

وصنفت كتب الحديث تارة على المسانيد وتارةً على الأبواب، فمنهم من قصد مقصد الصحيح، كالبخاري، ومسلم، وابن خزيمة، وأبي حاتم وغيرهم، ومنهم من خرَّج على الصحيحين، كالإسماعيلي، والبرقاني، وأبي نعيم وغيرهم، ومنهم من خرَّج أحاديث السنن، كأبي داود والنسائي وابن ماجة وغيرهم »(١) .

٤ - ابن القيّم - في عبارته المتقدمة في ترجمة ابن مردويه: « ومنهم حافظ عصره أبو نعيم أحمد بن عبدالله بن إسحاق الأصبهاني »(٢) .

٥ - أبو المؤيّد الخوارزمي: « أحمد بن عبدالله بن أحمد بن إسحاق بن

____________________

(١). منهاج السنة ٧ / ٣٥ - ٣٦.

(٢). زاد المعاد ٣ / ٥٦.


موسى بن مهران، أبو نعيم الحافظ، صاحب المسند الرابع، الإصبهاني، سبط محمّد بن يوسف الفريابي الزاهد.

قال الحافظ أبو عبدالله النجار في تاريخه هو: تاج المحدثين، وأحد الأعلام، ومن جمع له العلم في الروايات والحفظ والفهم والدراية، وكان تشدّ إليه الرحال، وتهاجر إلى بابه الرجال، وكتب في الحديث كتباً سارت في البلاد، وانتفعت بها العباد، وأسعدت وامتدّت أيّامه، حتّى ألحق الأحفاد بالأجداد وروى عنه الأئمّة الأعلام »(١) .

٦ - الذهبي: « وفيها توفي أبو نعيم الأصبهاني، أحمد بن عبدالله بن أحمد الحافظ تفرّد بالدنيا بعلوّ الإسناد، مع الحفظ والإستبحار من الحديث وفنونه وصنف التصانيف الكبار المشهورة في الأقطار »(٢) .

٧ - السبكي: « الحافظ أبو نعيم الإصبهاني الصّوفي الجامع بين الفقه والتصوّف، والنهاية في الحفظ والضبط، و أحد أعلام الدّين ، جمع الله له بين ولد في رجب سنة ست وثلاثين وثلاثمائة بأصبهان، وهو سبط الزاهد محمّد بن يوسف البنّاء أحد مشايخ الصّوفيّة، وأحد العلوّ في الرواية والنهاية في الدّراية، رحل إليه الحفّاظ من الأقطار.

ولد في رجب سنة ست وثلاثين وثلاثمائة بأصبهان، وهو سبط الزاهد محمّد بن يوسف البنّاء أحد مشايخ الصّوفيّة، استجاز له أبوه طائفة من شيوخ العصر، تفرّد في الدنيا عنهم، أجاز له من الشام خيثمة بن سليمان، ومن بغداد جعفر الخلدي، ومن واسط عبدالله بن عمر بن شوذب، ومن نيسابور الأصمّ.

وسمع سنة أربع وأربعين وثلاثمائة من عبدالله بن جعفر بن أحمد بن فارس، والقاضي أبي محمّد بن أحمد محمّد بن أحمد العسّال، وأحمد بن معبد السمسار، وأحمد بن محمّد القصّار، وأحمد بن بندار الشعّار، وعبدالله بن الحسن بن

____________________

(١). رجال جامع مسانيد أبي حنيفة ٢ / ٣٩١.

(٢). العبر. حوادث ٤٣٠، ٣ / ١٧٠.


بندار، والطبراني، والظهراني، وأبي الشيخ، والجعابي.

ورحل سنة ست وخمسين وثلاثمائة، فسمع ببغداد أبا عليّ بن الصوّاف، وأبا بكر بن الهيثم الأنباري، وأبا بحر البرنهاري، وعيسى بن محمّد الطوماري، وعبد الرحمن والد المخلص، وابن خلاد النصيبي، وحبيباً القزّاز، وطائفة كثيرة .وسمع بمكّة أبا بكر الآجريّ، وأحمد بن إبراهيم الكندي. وبالبصرة فاروق بن عبدالكريم الخطابي، ومحمّد بن علي بن مسلم العامري، وجماعة. وبالكوفة أبا بكر عبدالله بن يحيى الطليحي، وجماعة. وبنيسابور أبا أحمد الحاكم، وحسينك التميمي، وأصحاب السراج فمَنْ بعدهم.

روى عنه كوسيار بن لبالبرود الجبلي وتوفّي قبله ببضع وثلاثين سنة، وأبو سعد الماليني وتوفي قبله بثماني عشرة سنة، وأبو بكر بن عليّ الذكواني، وتوفّي قبله بإحدى عشرة سنة، والحافظ أبو بكر الخطيب وهو من أخصّ تلامذته، وقد رحل إليه، وأكثر عنه، ومع ذلك لم يذكره في تاريخ بغداد، ولا يخفى عليه أنّه دخلها ولكنّ النّسيان طبيعة الإنسان، ولذلك أغفله الحافظ أبو سعد بن السمعاني، فلم يذكره في الذيل.

وممّن روى عن أبي نعيم أيضاً الحافظ أبو صالح المؤذّن، والقاضي أبو علي الوحشي، ومستمليه أبو بكر محمّد بن إبراهيم العطار، وسليمان ابن إبراهيم الحافظ، وهبة الله بن محمّد الشيرازي، وأبو الفضل أحمد وأبو علي الحسن ابنا أحمد الحدّاد، وخلق كثير آخرهم وفاة أبو طاهر عبدالواحد بن محمد الدشتج الذهبي.

وقد روى أبو عبدالرحمن السلمي مع تقدّمه عن واحد عن أبي نعيم فقال في كتاب طبقات الصوفيّة: ثنا عبدالواحد بن أحمد الهاشمي، ثنا أبو نعيم أحمد ابن عبدالله، أنا محمّد بن علي بن حبيش المقري ببغداد، أخبرنا أحمد بن


محمّد بن سهل الآدمي، وذكر حديثاً.

قال أبو محمّد بن السمرقندي: سمعت أبا بكر الخطيب يقول: لم أرَ أحداً أطلق عليه اسم الحفظ غير رجلين، أبو نعيم الأصبهاني وأبو حازم العبدوي الأعرج.

وقال أحمد بن محمّد بن مردويه: كان أبو نعيم في وقته مرحولاً إليه ولم يكن في أفق من الافاق أسند ولا أحفظ منه، كان حفّاظ الدنيا قد اجتمعوا عنده وكان كلّ يوم نوبة واحد منهم، يقرأ ما يريده إلى قريب الظهر، فإذا قام إلى داره بما كان يقرأ عليه في الطريق جزء، وكان لا يضجر، لم يكن له غذاء سوى التصنيف أو التسميع.

وقال حمزة بن العبّاس العلوي: كان أصحاب الحديث يقولون: بقي أبو نعيم أربع عشرة سنة بلا نظير، لا يوجد شرقاً ولا غرباً أعلى إسناداً منه ولا أحفظ، وكانوا يقولون لما صنّف كتاب الحلية حمل إلى نيسابور حال حياته، فاشتروه بأربعمائة دينار.

وقال ابن المفضل الحافظ: قد جمع شيخنا السّلفي أخبار أبي نعيم، وذكر من حدّث عنه، وهم نحو ثمانين رجلاً وقال: لم يصنّف مثل كتابه حلية الأولياء، سمعناه على أبي المظفر القاساني عنه سوى فوت عنه يسير.

وقال ابن النجّار: هو تاج المحدّثين وأحد أعلام الدّين.

قلت: ومن كراماته المذكورة أنّ السلطان محمود سبكتكين لمـّا استولى على إصبهان، ولّى عليها والياً من قبله ورحل عنها فوثب أهل إصبهان، وقتلوا الوالي، فرجع محمود إليها وآمنهم حتّى اطمأنّوا، ثمّ قصدهم يوم الجمعة في الجامع وقتل منهم مقتلة عظيمة، وكانوا قبل ذلك قد منعوا أبا نعيم الحافظ من الجلوس في الجامع، فحصلت له كرامتان السلامة ممّا جرى عليهم، إذ لو كان


جالساً لقتل، وانتقام الله تعالى له منهم سريعاً.

ومن مصنّفاته حلية الأولياء، وهي من أحسن الكتب، كان الشيخ الإمام الوالد رحمه ‌الله كثيراً يحثّنا عليها ويحبّ تسميعها، وله أيضاً كتاب معرفة الصّحابة، وكتاب دلائل النبوّة، وكتاب المستخرج على البخاري، وكتاب المستخرج على مسلم، وكتاب تاريخ أصبهان، وكتاب صفة الجنّة، وكتاب فضائل الصّحابة، وصنّف شيئاً كثيراً من المصنّفات الصّغار.

توفي في العشرين من المحرّم سنة ثلاثين وأربعمائة، وله أربع وتسعون سنة.

ذكر البحث عن واقعة جزء محمّد بن عاصم، التي اتخذها من نال من أبي نعيمرحمه‌الله ذريعة إلى ذلك.

قد حدّث أبو نعيم بهذا الجزء، ورواه عنه الأثبات، والرجل ثقة ثبت إمام صادق، وإذا قال هذا سماعي جاز الإعتماد عليه.

وطعن بعض الجهّال الطاعنين في أئمّة الدين فقال: إنّ الرّجل لم يوجد له سماع بهذا الجزء. وهذا الكلام سبّة على قائله، فإنّ عدم وجدانه لسماعه لا يوجب عدم وجوده، وإخبار الثقة بسماع نفسه كافٍ. ثمّ ذكر شيخنا الحافظ أبو عبدالله الذهبي أنّ شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزّي حدّثه أنّه رأى بخط الحافظ ضياء الدين المقدّسي أنّه وجد بخط الحافظ أبي الحجّاج يوسف ابن خليل أنّه قال: رأيت أصل سماع الحافظ أبي نعيم لجزء محمّد بن عاصم. فبطل ما اعتقدوه ريبة.

ثمّ قال الطاعنون ثانياً: وهذا الخطيب أبو بكر البغدادي وهو الحبر الذي يخضع له الأثبات، وله الخصوصيّة الزائدة بصحبة أبي نعيم قال فيما كتب إليّ به أحمد بن أبي طالب من دمشق، قال كتب إليّ الحافظ أبو عبدالله بن النجار من


بغداد، قال أخبرني أبو عبيدالله الحافظ بأصبهان، أخبرنا أبو القاسم بن إسماعيل الصَّيرفي أنا يحيى بن عبدالوهّاب بن مندة قال: سمعت أبا الفضل المقدّسي يقول: سمعت عبدالوهاب الأنماطي يذكر أنّه وجد بخط الخطيب: سألت محمّد ابن إبراهيم العطّار مستملي أبي نعيم عن جزء محمّد بن عاصم كيف قرأته على أبي نعيم؟ وكيف رأيت سماعه؟ فقال: أخرج إليّ كتاباً وقال هو سماعي فقرأته عليه. قلنا: ليس في هذه الحكاية طعن على أبي نعيم، بل حاصلها أنّ الخطيب لم يجد سماعه بهذا الجزء، فأراد استفادة ذلك من مستمليه، فأخبره بأنّه اعتمد في القرائة على إخبار الشيخ، وذلك كاف.

ثمّ قال الطاعنون ثالثاً: وقد قال الخطيب أيضاً رأيت لأبي نعيم أشياء يتساهل فيها، منها أن يقول في الإجازة أخبرنا من غير أن يبيّن. قلت: هذا لم يثبت عن الخطيب، وبتقدير ثبوته فليس بقدح، ثمّ إطلاق أخبرنا في الإجازة مختلف فيه، فإذا رآه هذا الحبر الجليل أعني أبا نعيم فكيف يعد منه تساهلاً، وإن عدّ فليس من التساهل المستقبح، ولو حجرنا على العلماء أنْ لا يرووا إلاّبصيغة مجمع عليها لضيّعنا كثيراً من السنة. وقد دفع الحافظ أبو عبدالله بن النجار قضية جزء محمّد بن عاصم بأنّ الحفّاظ الأثبات رووه عن أبي نعيم، وحكينا لك نحن أنّ أصل سماعه وجد، فطاحت هذه الخيالات، ونحن لا نحفظ أحداً تكلّم في أبي نعيم بقادح، ولم يذكر غير هذه اللفظة التي عزيت إلى الخطيب، وقلنا إنّها لم تثبت عنه، والعمل على إمامته وجلالته، وأنّه لا عبرة بهذيان المعادين وأكاذيب المفترين، على أنّا لا نحفظ عن أحد فيه كلاماً صريحاً في جرح ولا حطّ، ولو حفظ لكان سبّة على قائله، وقد برّء الله أبا نعيم من معرّته.

وقال الحافظ ابن النجّار في إسناد ما حكي عن الخطيب غير واحدٍ ممّن يتحامل على أبي نعيم، لمخالفته لمذهبه وعقيدته فلا يقبل.


قال شيخنا الذهبي: والتّساهل الّذي أشير إليه شيء كان يفعله في الإجازة نادراً، قال: فإنّه كثيراً ما يقول كتب إليّ جعفر الخلدي، وكتب إليّ أبو العباس الأصم، أنا أبو الميمون بن راشد في كتابه. قال: ولكن رأيته يقول أنا عبدالله بن جعفر فيما قرئ عليه، قال: والظاهر أنّ هذا إجازة.

قلت: إنْ كان شيخنا الذهبي يقول ذلك في مكان غلب على ظنّه أنّ أبا نعيم لم يسمعه بخصوصه من عبدالله بن جعفر، فالأمر مسلّم إليه، فإنّه أعني شيخنا الحبر الذي لا يلحق شأوه في الحفظ، وإلّا فأبو نعيم قد سمع من عبدالله بن جعفر، فمن أين لنا أنّه يطلق هذه العبارة حيث لا يكون سماع، ثمَّ، وإنْ أطلق ذاك فغايته تدليس جائز، قد اغتفر أشدّ منه لأعظم من أبي نعيم.

ثمّ قال الطاعنون رابعاً: قال يحيى بن مندة الحافظ، سمعت أبا الحسين القاضي يقول: سمعت عبدالعزيز النخشبي يقول: لم يسمع أبو نعيم مسند الحرث ابن أبي أسامة بتمامه من ابن خلّاد فحدّث به كلّه. قلنا قال الحافظ ابن النجّار: وهم عبدالعزيز في هذا، فأنا رأيت نسخة من الكتاب عتيقة وعليها خطّ أبي نعيم يقول سمع منّي فلانٌ إلى آخر سماعي من هذا المسند من ابن خلّاد، فلعلّه روى الباقي بالإجازة »(١) .

٨ - اليافعي: « فيها توفي الإمام الحافظ الشيخ العارف أبو نعيم و كان من أعلام المحدثين، وأكابر الحفاظ المفيدين، أخذ عن الأفاضل وأخذوا عنه وانتفعوا به، وكتاب الحلية من أحسن الكتب.

قلت: أمّا طعن ابن الجوزي فيها وتنقيصه لها فهو من باب قولي:

لئن ذمّها جاراتها وضرائر

وعاب جمالاً في حلاها وفي الحلي

فما سلمت حسناء من ذمّ حاسد

وصاحب حق من عداوة مبطل

____________________

(١). طبقات الشافعية الكبرى ٤ / ١٨ - ٢٥.


مع أبيات أخرى في مدح الإمام أبي حامد الغزالي وتصانيفه وكلامه العالي.

وله: كتاب تاريخ أصبهان، تفرّد في الدنيا بعلوّ الإسناد مع الحفظ. روى عن المشايخ بالعراق والحجاز وخراسان، وصنّف التصانيف المشهورة في الأقطار »(١) .

٩ - الأسنوي: « الجامع بين الفقه والحديث والتصوف. قال الخطيب: لم ألق في شيوخي أحفظ منه ومن أبي حازم الأعرج »(٢) .

١٠ - الخطيب التبريزي: « هو من مشايخ الحديث الثقات المعمول بحديثهم المرجوع إلى قولهم »(٣) .

١١ - السّيوطي: « أبو نعيم الحافظ الكبير محدّث العصر أجاز له مشايخ الدنيا وتفرّد بهم، ورحلت الحفاظ إلى بابه، لعلمه وضبطه وعلوّ إسناده »(٤) .

هو شيخ إمام الحرمين

ثمّ إنّ من فضائل أبي نعيم الحافظ: كونه شيخ أبي المعالي إمام الحرمين، فقد قال ابن خلّكان بترجمته بعد أنْ وصفه بقوله: « أعلم المتأخّرين من أصحاب الإمام الشافعي على الإطلاق، المجمع على إمامته، المتّفق على غزارة مادّته وتفنّنه في العلوم من الأصول والفروع والأدب وغير ذلك ...» ونقل عن الشيخ أبي إسحاق قوله لإمام الحرمين: « يا مفيد أهل المشرق

____________________

(١). مرآة الجنان. حوادث سنة ٤٣٠ - ٣ / ٥٢.

(٢). طبقات الشافعية للأسنوي ٢ / ٤٧٤.

(٣). الإكمال في أسماء الرجال ٣ / ٨٠٥.

(٤). طبقات الحفّاظ: ٤٢٣.


والمغرب، أنت اليوم إمام الأئمّة » قال:

« وسمع الحديث من جماعةٍ كثيرة من علمائه، وله إجازة من الحافظ أبي نعيم الأصبهاني صاحب حلية الأولياء »(١) .

(٩)

رواية البيهقي

ومن رواة حديث التشبيه هو الحافظ أحمد بن الحسين البيهقي، وقد ذكر روايته لهذا الحديث جماعة من الأعلام، ومنهم:

١ - السمرقندي صاحب كتاب ( الصحائف )، على ما نقل عنه ملك العلماء الهندي في كتابه ( هداية السعداء ).

٢ - الخوارزمي المكي، في كتابه ( المناقب ) عن البيهقي عن الحاكم.

٣ - إبن طلحة الشافعي، في كتابه ( مطالب السئول ).

٤ - إبن الصباغ المالكي، في كتابه ( الفصول المهمّة ).

٥ - الحسين الميبدي، في ( الفواتح بشرح ديوان أمير المؤمنين ).

٦ - البدخشاني.

٧ - العجيلي الشافعي.

رواية البيهقي دليل ثبوت الحديث

ورواية البيهقي دليل على ثبوت الحديث، لقول صاحب ( المشكاة ) في حقّ جماعةٍ من أئمّة الحديث - ومنهم البيهقي هذا: « إنّي إذا نسبت الحديث

____________________

(١). وفيات الأعيان ٣ / ١٦٧.


إليهم كأنّي أسندت إلى النّبي ».

وقد شرح علي بن سلطان القاري هذه العبارة في ( المرقاة ) وهذا نصّ كلامه:

« إنّي إذا نسبت الحديث - أي كلّ حديث - إليهم، أي إلى بعض الأئمّة المذكورين، المعروفة كتبهم، بأسانيدهم بين العلماء المشهورين، كأنّي أسندت، أي الحديث برجاله، إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، أي فيما إذا كان الحديث مرفوعاً وهو الغالب، وإلى الصحابة إذا كان موقوفاً، وهو المرفوع حكماً »(١) .

ولأنّ الحافظ السّيوطي عندما يتعقب ابن الجوزي في حكمه على بعض الأحاديث بالوضع، يستند إلى رواية البيهقي، لإخراج ذلك الحديث عن الوصف الذي وصفه ابن الجوزي به، خذ لذلك مثالاً الحديث التالي:

« ابن شاهين - ثنا علي بن محمّد البصري، أنا مالك بن يحيى أبو غسّان، ثنا علي بن عاصم، عن الفضل بن عيسى الرقاشي، عن محمّد بن المنكدر، عن جابر بن عبدالله قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لمـّا كلّم الله موسى يوم الطور كلّمه بغير الكلام الذي كلّمه يوم ناداه، فقال له موسى: يا رب هذا كلامك الذي كلّمتني به؟ قال: يا موسى أنا كلّمتك بقوّة عشرة آلاف لسان، ولي قوّة الألسن كلّها وأنا أقوى من ذلك. فلمّا رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا: يا موسى صف لنا كلام الرحمن، قال: سبحان الله إذاً لا أستطيع. قالوا: فشبّه لنا. قال: ألم تروا إلى أصوات الصواعق التي تقتل، فإنّه قريب منه ».

قال ابن الجوزي: « ليس بصحيح. والفضل متروك ».

قال السّيوطي: « في الحكم بوضعه نظر، فإنّ الفضل لم يتّهم بالكذب،

____________________

(١). المرقاة في شرح المشكاة ١ / ٢٧.


وأكثر ما عيب عليه القدر، وهو من رجال ابن ماجة. وهذا الحديث أخرجه البزّار في مسنده: ثنا سليمان بن موسى، ثنا علي بن عاصم به. وأخرجه البيهقي في كتاب الأسماء والصفات، وهو قد التزم أنْ لا يخرج في تصانيفه حديثاً يعلم أنّه موضوع، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، وقد التزم أنْ يخرج فيه أصحّ ما ورد، ولم يخرّج فيه حديثاً موضوعاً ألبتة »(١) .

وقال الشيخ رحمة الله السندي في ( مختصر تنزيه الشريعة ) في حديث رمي بالوضع - وهو سؤال عثمان عن معنى مقاليد السماوات والأرض -: « تعقّب بأنّ البيهقي أخرجه في الأسماء والصفات، وقد التزم أنْ لا يخرج في كتبه حديثاً يعلم أنّه موضوع ».

مصادر ترجمة البيهقي

ومناقب البيهقي كثيرة جدّاً، وهي مذكورة في كتب التراجم والتواريخ بترجمته، أنظر منها:

١ - معجم البلدان ١ / ٥٣٨.

٢ - الأنساب ٢ / ٣٨١.

٣ - الكامل في التاريخ ١٠ / ٥٢.

٤ - وفيات الأعيان ١ / ٧٥.

٥ - المختصر في أخبار البشر ٢ / ١٨٥.

٦ - سير أعلام النبلاء ١٨ / ١٦٣.

٧ - تذكرة الحفاظ ٢ / ١١٣٢.

٨ - العبر في خبر من غبر ٣ / ٢٤٢.

____________________

(١). اللآلي المصنوعة ١ / ١٢ كتاب التوحيد.


٩ - دول الإسلام ١ / ٢٦٩.

١٠ - تتمة المختصر في أخبار البشر ١ / ٥٥٩.

١١ - مرآة الجنان - حوادث سنة ٤٥٨.

١٢ - طبقات الشافعية للسبكي ٤ / ٨.

١٣ - طبقات الشافعية للأسنوي ١ / ١٩٨.

١٤ - طبقات الحفاظ: ٤٣٣.

١٥ - الوافي بالوفيات ٦ / ٣٥٤.

١٦ - البداية والنهاية ١٢ / ٩٤.

١٧ - النجوم الزاهرة ٥ / ٧٧.

١٨ - المرقاة في شرح المشكاة ١ / ٢٣.

١٩ - شذرات الذهب ٣ / ٣٠٤.

وغيرها

وسنترجم له فيما بعد عن بعض هذه المصادر إن شاء الله تعالى.

(١٠)

رواية ابن المغازلي

وروى الحافظ أبو الحسن ابن المغازلي الجلّابي حديث التشبيه بإسناده عن أنس بن مالك، حيث قال:

« قولهعليه‌السلام : من أراد أنْ ينظر إلى علم آدم وفقه نوح، فلينظر إلى علي:

أخبرنا أحمد بن محمّد بن عبدالوهّاب، أنا الحسين بن محمّد بن


الحسين العدل العلوي الواسطي، ثنا محمّد بن محمود، حدّثنا إبراهيم بن مهدي الابّلي حدّثنا [ إبراهيم بن سليمان بن رشيد، حدثنا زيد بن عطية، حدّثنا ]،ثنا أبان بن فيروز، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: من أراد أن ينظر إلى علم آدم وفقه نوح، فلينظر إلى علي بن أبي طالب »(١) .

ترجمة ابن المغازلي

وقد مدح السمعاني في ( الأنساب ) أبا الحسن ابن المغازلي، ووصفه بالصفات الجميلة، وصرّح بأنّه يروي عنه بواسطة ابنه أبي عبدالله محمّد بن علي الجلابي، وإليك نصّ عبارته:

« الجلّابي، بضم الجيم وتشديد اللّام، وفي آخرها الباء المنقوطة بواحدة. هذه النسبة إلى الجلّاب، والمشهور بهذه النسبة: أبو الحسن علي بن محمّد بن الطيّب الجلابي المعروف بابن المغازلي، من أهل واسط العراق. كان فاضلاً عارفاً برجالات واسط وحديثهم، وكان حريصاً على سماع الحديث وطلبه، رأيت له ذيل التاريخ بواسط، وطالعته وانتخبت منه، سمع أبا الحسن علي بن عبدالصمد الهاشمي، وأبا بكر أحمد بن محمّد الخطيب، وأبا الحسن أحمد بن المظفّر العطّار، وغيرهم.

روى لنا عنه: ابنه بواسط، وأبو القاسم علي بن طرّاد الوزير ببغداد.

وغرق ببغداد في الدجلة في صفر سنة ٤٨٣. وحمل ميتاً إلى واسط، فدفن بها.

وابنه: أبو عبدالله محمّد بن علي بن محمّد الجلابي، كان ولي القضاء والحكومة بواسط، نيابةً عن أبي العباس أحمد بن بختيار المندائي، وكان

____________________

(١). مناقب علي بن أبي طالب: ٢١٢.


شيخاً عالماً فاضلاً، سمع أباه وأبا الحسن محمّد بن محمّد بن مخلّد الأزدي، وأبا علي إسماعيل بن أحمد بن كماري القاضي، وغيرهم. سمعت منه الكثير بواسط في النوبتين جميعاً، وكنت أُلازمه مدّة مقامي بواسط، وقرأت عليه الكثير بالإجازة له عن أبي غالب محمّد بن أحمد بن بشران النحوي الواسطي »(١) .

فظهر أنّ « ابن المغازلي » شيخ من مشايخ السّمعاني صاحب الأنساب بواسطةٍ واحدة، وأنّ ابنه شيخ السمعاني مباشرة. وستأتي ترجمة السمعاني.

وأيضاً: فابن المغازلي من مشايخ الحافظ خميس الحوزي، وقد نقل خميس عن ابن المغازلي ثنائه على ابن السّقا الواسطي وتعصب أهل السنّة عليه، قال الحافظ الذهبي: « قال السلفي: سألت خميساً الحوزي عن ابن السّقا فقال: هو من مزينة مضر، ولم يكن سقّاءً بل لقب له، من وجوه الواسطيّين وذوي الثروة والحفظ، رحل به أبوه فأسمعه من أبي خليفة وأبي يعلى وابن زيدان البجلي والمفضل بن الجندي، وبارك الله في سنّه وعلمه.

واتّفق أنّه أملى حديث الطير، فلم تحمله نفوسهم، فوثبوا به فأقاموه وغسلوا موضعه، فمضى ولزم بيته، و لم يحدّث أحداً من الواسطيين، فلهذا قلّ حديثه عندهم. وتوفي سنة ٣٧١. حدّثني به شيخنا أبو الحسن المغازلي »(٢) .

فخميس الحوزي الحافظ من تلامذة إبن المغازلي، وستأتي ترجمته.

فهذا طرف من مناقب ابن المغازلي، وآيات علوّ شأنه وعظمة مقامه، وجلالة قدره

وممّا يدلّ على جلالة ابن المغازلي: اعتماد كبار الحفاظ والعلماء

____________________

(١). الأنساب. الجلّابي.

(٢). تذكرة الحفّاظ ١٦ / ٣٥٢.


الأعلام على روايات وأحاديثه، ومن ذلك:

قال الذهبي: « قال علي بن محمّد بن الطيّب الجلابي في تاريخه: ابن السقا من أئمّة الواسطيين والحفّاظ المتقنين »(١) .

وقال السمهودي - بعد أنْ ذكر الخلاف في وجوب الصّلاة على آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « وقد قال الحافظ أبو عبدالله محمّد المذكور في كتابه نظم درر السمطين: أنّه روى عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن جدّه عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال لعلي بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه : إذا هالك أمر فقل: اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد، اللّهمّ إنّي أسألك بحقّ محمّد وآل محمّد أنْ تكفيني ما أخاف وأحذر، فإنّك تكفى ذلك الأمر. ولم ينسبه الحافظ المذكور لمخرجه.

وقد روى في مسند الفردوس بغير إسناد عن عليرضي‌الله‌عنه مرفوعاً: من صلّى على محمّد وعلى آل محمّد مائة مرّة، قضى الله له مائة حاجة.

وأخرجه الفقيه أبو الحسن ابن المغازلي في المناقب من طريق علي بن يونس العطّار، حدّثني محمّد بن علي الكندي، حدّثني محمّد بن مسلم، حدّثني جعفر بن محمّد الصادق، عن أبيه، عن جدّه علي بن الحسين عن أبيه، عن علي بن أبي طالب رفعه »(٢) .

قال: « أخرج أبو الحسن ابن المغازلي من طريق موسى بن القاسم عن علي بن جعفر: سألت الحسن عن قول الله تعالى( كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ ) قال: المشكاة: فاطمة، و( الشَّجَرَةَ مُبَارَکَةٍ ) : إبراهيم،( لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ ) : لا يهوديّة ولا نصرانيّة.( يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ

____________________

(١). تذكرة الحفاظ ١٦ / ٣٥٢.

(٢). جواهر العقدين ٢ / ٦٥.


عَلى نُورٍ ) . قال: إمام بعده إمام،( يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ ) . قال: يهدي الله لولايتنا من يشاء. وقوله: إمام بعد إمام. يعني: أئمّة يقتدى بهم في الدين، ويتمسّك بهم فيه، ويرجع إليهم»(١) .

وقد روى هذا الخبر أحمد بن الفضل بن محمّد بن باكثير المكي الشافعي(٢) .

وروى محمود الشيخاني القادري عن ابن المغازلي « من طريق عبدالله ابن المثنى، عن عمّه ثمامة بن عبدالله بن أنس، عن أبيه قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إذا كان يوم القيامة ونصب الصّراط على شفير جهنّم، لم يجز عليه إلّا من معه كتاب ولاية علي بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه »(٣) .

وفي ( جواهر العقدين ): « ومن طريق سماك بن حرب، عن حبيش، وأخرجه أبو يعلى أيضاً من حديث أبي الطفيل عن أبي ذررضي‌الله‌عنه بلفظ: إنّ مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركب فيها نجا ومن تخلّف عنها غرق. إنّ مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة. وأخرجه البزار من طريق سعيد ابن المسيب عن أبي ذر نحوه. وكذا أخرجه الفقيه أبو الحسن ابن المغازلي وزاد: ومن قاتلنا آخر الزمان فكأنّما قاتل مع الدجال »(٤) .

وقال ابن حجر المكي في ( الصواعق ): « الآية السادسة - قوله تعالى:( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ) أخرج أبو الحسن ابن المغازلي عن الباقررضي‌الله‌عنه أنّه قال في هذه الآية: نحن الناس والله »(٥) .

____________________

(١). جواهر العقدين ٢ / ٩٤

(٢). وسيلة المال - مخطوط.

(٣). الصراط السوي في مناقب آل النبيّ - مخطوط.

(٤). جواهر العقدين ٢ / ١٢١.

(٥). الصواعق المحرقة: ٩١.


هذا، وقد ذكر محمّد بن معتمد خان البدخشاني كلام السمعاني السالف الذكر بعينه، في ترجمة ابن المغازلي في كتاب ( تراجم الحفّاظ ) الذي استخرجه من كتاب ( الأنساب ).

وأمّا تاريخه، فقد ذكر في ( كشف الظنون ) حيث جاء فيه « تواريخ واسط - منها: تاريخ أبي عبدالله محمّد بن سعيد بن الدبيثي الواسطي المتوفى سنة ٦٣٧، والذيل عليه لابن الجلّابي »(١) .

ثم إنّ ممّا يؤكّد ويحتّم كون أبي الحسن ابن المغازلي من أعلام أهل السنّة المتقنين الثقات: كلام ( الدّهلوي ) الذي قرّر فيه كون ابن المغازلي من جملة علماء أهل السنّة المؤلِّفين في فضائل علي وأهل البيت الطّاهرين وهذا تعريب عبارته:

« قال ابن يونس - وهو من كبار مجتهدي الشيعة - في الصّراط المستقيم: ألَّف ابن جرير كتاب الغدير، وابن شاهين كتاب المناقب، وابن أبي شيبة كتاب أخبار وفضائل علي، وأبو نعيم الإصفهاني كتاب منقبة المطهّرين وما أنزل من القرآن في فضل أمير المؤمنين، وأبو المحاسن الروياني الشافعي كتاب الجعفريات، والموفّق المكي كتاب الأربعين في فضائل أمير المؤمنين، وابن مردويه كتاب ردّ الشمس في فضل علي، والشيرازي نزول القرآن في شأن أمير المؤمنين، والإمام أحمد بن حنبل كتاب مناقب أهل البيت، والنسائي كتاب مناقب أمير المؤمنين، والنظنزي كتاب الخصائص العلوية، وابن المغازلي الشافعي كتاب مناقب أمير المؤمنين، ويسمى كتاب المراتب أيضاً، والبصري كتاب درجات أمير المؤمنين، والخطيب كتاب الحدائق.

وقال السيّد المرتضى: سمعت عمر بن شاهين يقول: جمعت من فضائل

____________________

(١). كشف الظنون ١ / ٣٠٩.


علي ألف جزء.

إنتهى نقلاً عن ترجمته المسمّى بأنوار العرفان للمعين القزويني الإثنى عشري.

فلينصف المنصفون!! هل للشيعة مصنّف مثل واحد من هذه التصانيف في فضائل أمير المؤمنين وأهل البيت؟!

لقد علم المطّلعون على كتب الشيعة بأنّ علمائهم جميعاً عيال على أهل السنّة في نقل فضائل أمير المؤمنين والزهراء والحسنين.

نعم قد يوجد لهم كتاب في أحوال سائر الأئمّة.

والشاهد على ما ذكرنا كتاب كشف الغمة، والفصول المهمّة، وغيرهما من كتب هذا الباب»(١) .

فأنت ترى ( الدهلوي ) يقرّر كلام ابن يونس في كون ابن المغازلي من علماء أهل السنّة، وهذا هو ما أردنا التأكيد عليه، وأمّا زعمه كون ( الفصول المهمّة ) من كتب الشيعة، فتوهّم باطل، بل هو لنور الدين ابن الصباغ المالكي، كما سيظهر فيما بعد.

ونقل ( كشف الغمة في أحوال الأئمّة ) عن أهل السنّة إنما هو من باب الإلزام والإفحام، وإلّا فالكتب التي ألّفها الشيعة الإمامية في فضائل أمير المؤمنين وأهل البيتعليهم‌السلام ، والأحاديث التي رووها بطرقهم في ذلك، لا تحصى كثرةً، كما لا يخفى على من راجع ( غاية المرام ) و ( بحار الأنوار ) وغيرهما، لكن ( الدهلوي ) عذره جهله

بقي أنْ نذكر موجز ترجمة السمعاني صاحب ( الأنساب ) وترجمة خميس الحوزي، اللذين يرويان عن ابن المغازلي.

____________________

(١). التحفة الإثنا عشرية. في حاشية التعصب الثالث عشر من الباب الحادي عشر.


ترجمة السمعاني الراوي عن ابن المغازلي

أمّا السّمعاني صاحب الأنساب، فهذه جمل من الثناء عليه:

١ - ابن خلّكان: « تاج الإسلام السمعاني المروزي الفقيه الشافعي الحافظ الملقب بقوام الدين. ذكره الشيخ عز الدين أبو الحسن علي بن الأثير الجزري في أوّل مختصره. فقال: كان أبو سعد واسطة عقد بيت السمعاني، وعينهم الباصرة ويدهم الناصرة، وإليه انتهت رياستهم وبه كملت سيادتهم.

رحل في طلب العلم والحديث إلى شرق الأرض وغربها وشمالها وجنوبها، وسافر إلى ما وراء النهر وسائر بلاد خراسان عدّة دفعات وغيرها من البلاد التي يطول ذكرها، ويتعذّر حصرها، ولقي العلماء وأخذ عنهم وجالسهم، وروى عنهم واقتدى بأفعالهم الجميلة وآثارهم الحميدة، وكان عدّة شيوخه تزيد على أربعة آلاف شيخ

وصنّف التصانيف الحسنة الغزيرة الفائدة

وكان أبوه محمّد إماماً فاضلاً مناظراً محدثاً فقيهاً شافعياً حافظاً، وله الإملاء الذي لم يسبق إلى مثله، تكلّم على المتون والأسانيد وأبان مشكلاتها، وله عدّة تصانيف

وكان جدّه المنصور إمام عصره بلا مدافعة، أقرّ له بذلك الموافق والمخالف، وكان حنفي المذهب، متعيّناً عند أئمّتهم، فحجّ في سنة ٤٦٢ وظهر له بالحجاز ما اقتضى انتقاله إلى مذهب الإمام الشافعي »(١) .

٢ - إبن الأثير: « ففي هذه السّنة توفي عبدالكريم بن محمّد بن منصور، أبو سعيد بن أبي المظفّر السمعاني، المروزي الفقيه الشافعي، وكان مكثراً من

____________________

(١). وفيات الأعيان ٣ / ٢٠٩.


سماع الحديث، سافر في طلبه وسمع منه ما لم يسمعه غيره، ورحل إلى ما وراء النهر وخراسان دفعات، ودخل إلى بلاد الجبل والإصبهان والعراق والموصل والجزيرة والشام وغير ذلك من البلاد، وله التصانيف المشهورة، منها: ذيل تاريخ بغداد، وتاريخ مدينة مرو، وكتاب النسب، وغير ذلك، أحسن فيها ما شاء، وقد جمع مشيخته فزادت عدتهم على أربعة آلاف شيخ

وقد ذكره أبو الفرج ابن الجوزي ففظعه، فمن جملة قوله فيه: إنّه كان يأخذ الشيخ ببغداد ويعبر به إلى فوق نهر عيسى فيقول: حدّثني فلان بما وراء النهر. وهذا بارد جدا، فإنّ الرجل سافر إلى ما وراء النهر حقّاً، وسمع في عامّة بلاده من عامّة شيوخه، فأيّ حاجةٍ به إلى هذا التدليس البارد. وإنّما ذنبه عند ابن الجوزي أنّه شافعي، وله أسوة بغيره، فإنّ ابن الجوزي لم يبق على أحدٍ إلّامكسري الحنابلة »(١) .

٣ - إبن الوردي: « هو إمام ابن إمام ابن إمام أبو إمام »(٢) .

٤ - الذهبي: « السمعاني الحافظ البارع العلّامة تاج الإسلام صاحب التّصانيف كان ذكيّاً فهماً سريع الكتابة مليحها، درّس وأفتى ووعظ وأملى وكتب عمّن دبّ ودرج، وكان ثقة حافظاً حجّة واسع الرّحلة، عدلاً ديّناً جميل السّيرة حسن الصّحبة كثير المحفوظ، قال ابن النجار: وسمعت من يذكر أن عدد شيوخه سبعة آلاف شيخ، وهذا شيء لم يبلغه أحد.

وكان مليح التصانيف، كثير الأناشيد، لطيف المزاح، ظريفاً، حافظاً، واسع الرحلة، ثقة صدوقاً ديّناً سمع منه مشايخه وأقرانه، وحدّث عنه

____________________

(١). الكامل في التاريخ ١١ / ٣٣٣ حوادث ٥٦٣.

(٢). تتمّة المختصر في أخبار البشر ٣ / ١١٢.


جماعة »(١) .

٥ - وقال: « محدّث المشرق، وصاحب التصانيف الكثيرة، والرحلة الواسعة كان حافظاً، ثقة، مكثراً، واسع العلم، كثير التصانيف، ظريفاً لطيفاً، مبجّلاً نظيفاً، نبيلاً شريفاً »(٢) .

٦ - اليافعي: « وفيها الإمام تاج الإسلام أبو سعد عبدالكريم السمعاني المروزي الفقيه الشافعي وكان حافظاً ثقة مكثراً، واسع العلم كثير الفضائل ظريفاً لطيفاً مبجلاً لطيفاً نبيلاً شريفاً، وصنّف التصانيف الحسنة الغزيرة الفائدة »(٣) .

٧ - الأسنوي: « كان إماماً عالماً فقيهاً محدثاً أديباً جميل السيرة »(٤) .

٨ - السبكي: « محدّث المشرق صاحب التصانيف المفيدة الممتعة والرّياسة والسؤدد والأصالة. قال محمود الخوارزمي: بيته أرفع بيت في بلاد الإسلام وأعظمه وأقدمه في العلوم الشرعية والأمور الدينيّة. قال: وأسلاف هذا البيت وأخلافه قدوة العلماء وأسوة الفضلاء، الإمامة مرفوعة إليهم، والرياسة موقوفة عليهم، بالفضل والفقاهة، لا بالذل والوقاحة

ولد في الحادي والعشرين من شعبان سنة ٥٠٦ بمرو وعني بالحديث والسماع، واتّسعت رحلته، فعمّت بلاد خراسان وأصبهان وما وراء النهر والعراق والحجاز والشام وطبرستان وألّف معجم البلدان التي سمع بها، وعاد إلى وطنه بمرو سنة ٣٨٠ فتزوّج، وولد له أبو المظفر عبدالرحيم، فرحل به إلى نيسابور ونواحيها وهراة ونواحيها وبلخ وسمرقند وبخارى، وخرّج له معجماً،

____________________

(١). تذكرة الحفاظ ٤ / ١٣١٦.

(٢). العبر ٤ / ١٧٨.

(٣). مرآة الجنان ٣ / ٣٧١.

(٤). طبقات الشافعية ٢ / ٥٥.


ثمّ عاد به إلى مرو، وألقى عصى السفر بعد ما شقّ الأرض شقّاً، وأقبل على التصنيف والإملاء والوعظ والتدريس ونشر العلم، إلى أنْ توفي إماماً من أئمّة المسلمين في كثير من العلوم سنة ٥٦٢ »(١) .

٩ - ابن قاضي شهبة: « عبد الكريم بن محمّد الحافظ الكبير الإمام الشهير، أحد الأعلام من الشافعية والمحدثين، تاج الإسلام

قال ابن النجار: سمعت من يذكر أنّ عدد شيوخه سبعة آلاف شيخ، وهذا شيء لم يبلغه أحد. قال: وكان ظريفاً حافظاً واسع الرحلة ثقة صدوقاً ديّناً جميل السيرة مليح التصانيف، وسرد ابن النجار تصانيفه وذكر أنه وجدها بخطّه »(٢) .

١٠ - السّيوطي: « أبو سعد السمعاني الحافظ البارع، العلّامة، تاج الإسلام، عبد الكريم، ابن الحافظ معين الدين أبي بكر محمّد ابن العلّامة المجتهد أبي المظفر منصور، المروزي، ولد سنة ٥٠٦ في شعبان، وعني بهذا الشأن، ورحل إلى الأقاليم، وسمع من أبي عبدالله الفراوي وزاهر الشحامي والطبقة، وبلغت شيوخه سبعة آلاف شيخ، وصنّف مات في جمادى الأولى سنة ٥٦٢ »(٣) .

ترجمة خميس الراوي عن ابن المغازلي

١ - الذهبي: « الحوزي الحافظ الإمام محدّث واسط أبو الكرم خميس بن علي بن أحمد الواسطي وكان السلفي يثني عليه ويقول: كان عالماً ثقة

____________________

(١). طبقات الشافعية ٧ / ١٨٠.

(٢). طبقات الشافعية ٢ / ١١.

(٣). طبقات الحفّاظ: ٤٨١.


يملي من حفظه على كلّ حالٍ منْ سأله »(١) .

٢ - أيضاً: « وفيها توفّي أبو الكرم خميس بن علي الواسطي الحوزي الحافظ، رحل وسمع ببغداد من أبي القاسم ابن البسرى وطبقته. وكان عالماً فاضلاً »(٢) .

٣ - اليافعي: « فيها توفي أبو الكرم خميس بن علي الواسطي الحوزي الحافظ. وكان عالماً حافظاً شاعراً »(٣) .

٤ - السّيوطي: « خميس بن علي بن أحمد الواسطي الجعدي أبو الكرم الحافظ محدّث واسط، سمع ابن البسرى وأبا نصر الزينبي والطبقة. ومنه: السلفي وخلق. وكان عالماً ثقة يملي من حفظه، عارفاً بالحديث والأدب، جمع وجرح وعدّل. ولد سنة ٤٤٢ في شعبان. ومات سنة ٥١٠ »(٤) .

(١١)

رواية شيرويه الديلمي

وروى شيرويه بن شهردار الديلمي هذا الحديث في كتابه ( الفردوس ) بقوله:

« أبو الحمراء: من أراد أن ينظر إلى آدم في وقاره، وإلى نوح في فهمه، وإلى موسى في شدّة بطشه، وإلى عيسى في زهده، فلينظر إلى علي بن أبي طالب »(٥) .

____________________

(١). تذكرة الحفاظ ٤ / ١٢٦٢.

(٢). العبر. حوادث ٥١٠ - ٤ / ٢٠.

(٣). مرآة الجنان. حوادث ٥١٠.

(٤). طبقات الحفّاظ: ٤٥٨.

(٥). فردوس الأخبار. عن نسخةٍ مخطوطة في المكتبة الناصرية.


ترجمة الديلمي

١ - الرافعي: « شيرويه بن شهردار بن شيرويه بن فناخسرو الديلمي، أبو شجاع، الهمداني، الحافظ، من متأخّري أهل الحديث المشهورين الموصوفين بالحفظ، كان قانعاً بما رزقه الله تعالى من ريع أملاكه، وسمع وجمع الكثير ورحل. قال أبو سعد السمعاني: تعب في الجمع، صنّف كتاب الفردوس »(١) .

٢ - الذهبي: « المحدّث، الحافظ، مفيد همدان، ومصنّف تاريخها، ومصنّف كتاب الفردوس روى عنه: إبنه شهردار، ومحمّد بن الفضل الإسفرائيني، ومحمّد بن القاسم الساري، والحافظ أبو العلاء أحمد بن محمّد ابن الفضل، والحافظ أبو العلاء أحمد بن الحسن العطّار، والحافظ أبو موسى المديني، وآخرون توفي في تاسع عشر رجب سنة ٥٠٩ »(٢) .

٣ - أيضاً: « المحدّث العالم الحافظ المؤرخ قال يحيى بن مندة: شاب كيّس حسن زكيّ القلب صلب في السنّة قليل الكلام »(٣) .

٤ - أيضاً: « الحافظ صاحب كتاب الفردوس وكان صلباً في السنّة »(٤) .

٥ - الأسنوي: « الديلمي ذكره ابن الصلاح فقال: كان محدثاً، واسع الرحلة، حسن الخلق والخلق، ذكياً، صلباً في السنّة، قليل الكلام، صنّف التصانيف، انتشرت عنه، منها كتاب الفردوس وتاريخ همدان. ولد سنة ٤٤٥

____________________

(١). التدوين في ذكر علماء قزوين ٣ / ٨٥.

(٢). تذكرة الحفاظ ٤ / ١٢٥٩.

(٣). سير أعلام النبلاء ١٩ / ٢٩٤.

(٤). العبر في خبر من غبر. حوادث ٥٠٩ - ٤ / ١٨.


وتوفي في رجب سنة ٥٠٩ »(١) .

٦ - السّيوطي: « الحافظ المحدّث، مفيد همدان ومصنّف تاريخها، وكتاب الفردوس، سمع عبدالوهّاب بن منده وابن البسري والطبقة، وهو حسن المعرفة، وغيره أتقن منه »(٢) .

إعتبار كتاب الفردوس

وكتابه ( فردوس الأخبار ) من الكتب النفيسة المعتبرة لدى أهل السنّة، قد وصفه علماؤهم بأوصاف حسنة، ونوّهوا باعتباره وشهرته:

قال علي بن شهاب الدين الهمداني في ( روضة الفردوس ): « لمـّا طالعت كتاب الفردوس من مصنّفات الشيخ الإمام العلّامة، قدوة المحقّقين حجة المحدّثين، شجاع الملّة والدين، ناصر السنّة، أبي المحامد، شيرويه بن شهردارالديلمي الهمداني، أفاض الله على روحه الرحمة الرباني، وجدته بحراً من بحور الفوائد وكنزاً من كنوز اللطائف، مشحوناً بحقائق الألفاظ النبوية، مخزوناً في حدائق فصوله دقائق الآثار المصطفويّة »(٣) .

وقال الثعالبي في ( مقاليد الأسانيد ): « الفردوس للديلمي - أخبرني به قرائةً عليه، أي على الشيخ نور الدين علي بن محمّد بن عبدالرحمن الأجهوري، في حرف اللام وإجازة لسائره ...»(٤) .

وقال ولده شهردار بن شيرويه الديلمي في ( مسند الفردوس ): « وهو كتاب نفيس، عزيز الوجود، مفتون به، جامع للغرر والدرر النبويّة والفوائد.

____________________

(١). طبقات الشافعية ٢ / ١٠٤.

(٢). طبقات الحفّاظ: ٤٥٧.

(٣). روضة الفردوس - خطبة الكتاب.

(٤). مقاليد الأسانيد - في ذكر مسند الفردوس.


الجمّة، والمحاسن الكثيرة، قد طنّت به الآفاق وتنافست في تحفّظه الرفاق، لم يصنّف في الإسلام مثله تفصيلاً وتبويباً، ولم يسبقه إليه من سلافة الأيّام ترصيفاً وترتيباً »(١) .

وفي ( كشف الظنون ): « فردوس الأخبار بمأثور الخطاب المخرَّج على كتاب الشهاب، في الحديث، لأبي شجاع شيرويه بن شهردار بن شيرويه بن فناخسرو الهمداني الديلمي واقتفى السيوطي أثره في جامعه الصغير »(٢) .

وقال عبدالرؤوف المناوي: « مسند الفردوس المسمّى بمأثور الخطاب المخرج على كتاب الشهاب. والفردوس للإمام عماد الإسلام أبي شجاع الديلمي، ألَّفه محذوف الأسانيد مرتّباً على الحروف، ليسهل حفظه، وأعلم بأزائها بالحروف للمخرجين كما مرّ.

ومسنده لولده الحافظ أبي منصور شهردار بن شيرويه، خرّج مسند كلّ حديث، وسمّاه: إبانة الشبهة في معرفة كيفية الوقوف على ما في كتاب الفردوس من علامة الحروف »(٣) .

وقال الأدفوي - في ( الإمتاع ) - في الإستدلال على جواز الغنا وعدم دلالة قوله تعالى:( وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ ) على الحرمة، قال: « وما رشحوه به من أنّ إبليس أوّل من تغنّى لو صحّ لم يكن فيه حجة، فما كلّ ما فعله إبليس حراماً، فقد روى الحافظ شجاع الدين شيرويه في كتابه المسمّى بالفردوس بمأثور الخطاب المرتّب على كتاب الشهاب بسنده: إنّ إبليس أوّل من حدا، وليس الحدا حراماً إتّفاقاً، فإنْ ادّعوا أنّ الدليل دلّ على

____________________

(١). مسند الفردوس - خطبة الكتاب.

(٢). كشف الظنون: ١٢٥٤.

(٣). فيض القدير في شرح الجامع الصغير ١ / ٢٨.


إباحة الحداء فخرج بدليل. قلنا: قد دلّ الدليل على إباحة الغناء، ولم يثبت من طريق المنع عنه ».

هذا كلام الأدفوي الذي ترجم له الأسنوي الشافعي بقوله: « كمال الدين أبو الفضل جعفر بن وعد الله الأدفوي كان فاضلاً مشاركاً في علوم متعددة، أديباً شاعراً ذكياً كريماً، طارحاً للتكلّف، ذا مروّة كبيرة، صنّف في أحكام السّماع كتاباً نفيساً سمّاه بالإمتاع، أبان فيه عن اطّلاع كبير، فإنّه كان يميل إليه ميلاً كبيراً ويحضره. سمع وحدّث ودرّس »(١) .

هذا، وإنّ ( الدهلوي ) نفسه يتمسّك ببعض الأخبار الموضوعة التي أوردها الديلمي في كتابه، واصفاً الديلمي بأنّه من مشاهير المحدّثين، بل يدّعي كونه مقبولاً لدى الشيعة أيضاً، قال ( الدهلوي ) بعد أنْ ذكر ( رؤياً ): « وأخرجه بهذا السياق أبو شجاع شيرويه الديلمي في كتاب ( المنتقى ) عن ابن عباس، وهو من مشاهير المحدثين، والشيعة تثق به أيضاً » قال ( الدهلوي ):

« ورؤيا الإمام الحسن أيضاً مشهورة، وطريقها صحيح، أخرج الديلمي في كتاب ( المنتقى ): « عن الحسن بن علي، قال: ما كنت لاُقاتل بعد رؤيا رأيتها، رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم واضعاً يده على العرش ورأيت أبا بكر واضعاً يده على منكب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ورأيت عمر واضعاً يده على منكب أبي بكر، ورأيت عثمان واضعاً يده على منكب عمر، ورأيت دماً دونه، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: دم عثمان يطلب الله به.

وروى ابن السّمان عن قيس بن عباد قال: سمعت عليّاً يوم الجمل يقول: اللّهمّ إنّي أبرأ إليك من دم عثمان، ولقد طاش عقلي يوم قتل عثمان، وأنكرت نفسي، وجاؤني للبيعة فقلت: ألا أستحيي من الله! أبايع قوماً قتلوا رجلاً قال له

____________________

(١). طبقات الشافعية ١ / ٨٦.


رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ألا أستحيي من رجلٍ تستحيي منه الملائكة! وإنّي لأستحيي من الله أن أبايع وعثمان قتيل على الأرض لم يدفن، فانصرفوا فلمـّا دفن رجع الناس يسألون البيعة فقلت: أللّهمّ إنّي مشفق ممّا أُقدم عليه. ثمّ جاءت غزيمة فبايعت. قال فقالوا: يا أمير المؤمنين. فكأنّما صدع قلبي »(١) .

فهذا ما ينقله ( الدهلوي ) عن ( الديلمي ) معتمداً عليه، لإثبات فضيلة ومنقبة لعثمان بن عفان، ولم يذكر للديلمي مشاركاً في نقل الحكاية إلّا ابن السّمان الذي يشاركه في الرؤيا الأولى أيضاً فالديلمي معتمد موثوق به لدى ( الدهلوي ) بل يدّعي ثقة الشيعة به أيضاً.

وإذا كان كذلك، فلماذا ينفي ( الدهلوي ) كون حديث ( التشبيه ) من أحاديث أهل السنّة، وينكر وجوده في كتابٍ من كتبهم ولا بطريقٍ ضعيف، مع أنّه من أحاديث ( الفردوس للديلمي ) وقد وافقه في روايته جمع كبير من مشاهير حفّاظ أهل السنّة وعلمائهم الأعلام؟!

وأيضاً: لماذا أعرض ( الدهلوي ) عن حديث ( الولاية )، مع أنّ ( الديلمي ) من رواته، فقد رواه بطريقين ووافقه على روايته أئمة الحديث وأصحاب الصّحاح، بل قد رواه ( الدهلوي ) نفسه وأبوه ولي الله الدهلوي؟!

قال عزّ وجلّ:( وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ ) (٢) .

بل لقد ادّعى ( الدهلوي ) بطلان هذا الحديث من أصله:

( وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ ) (٣) .

____________________

(١). التحفة الإثنا عشرية: ٣٢٩.

(٢). سورة الأنعام: ٤.

(٣). سورة غافر: ٥.


( وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً ) ( وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ) (١) .

لكن ( سيف الله الملتاني ) المروّج لأقوال ( الدهلوي ) والناسج على منواله، يضطر إلى أن يقول في الجواب عن استدلال الإماميّة بحديثٍ يرويه ( الديلمي ): « والإنصاف هو الإعتراف بأنّ أحاديث كتاب الفردوس للديلمي غير معتبرة لدى أهل السنّة فضلاً عن الشيعة ».

فانظر - رحمك الله إلى هذا التناقض والتكاذب بين الأصل والفرع والتابع والمتبوع!!

وأمّا الحكايات السخيفة التي يذكرها ( الدهلوي ) عن ( الديلمي ) في شأن عثمان، فبطلانها ظاهر لمن راجع كتاب ( تشييد المطاعن ).

(١٢)

رواية العاصمي

وقال العاصمي صاحب ( زين الفتى بتفسير سورة هل أتى ) في خطبة كتابه: « أمّا بعد، فقد سألني بعض من أوجبت المودّة في الله سبحانه حقّه وذمامه، وألزمت نفسي إتحافه وإكرامه، لما اتفق في الإختلاف إلينا أيامه أن أذكر نكتاً من شرح سورة الإنسان، وأجعل ذلك إليه من غرر الصنائع والإحسان، بعد ما رآني لخّصت بعض فوائد سورة الرحمن، واستخرجت أصولاً في علوم القرآن.

ثمّ راجعني مرّاتٍ بعد أخرى، ليكون ذلك له عظةً وذكرى، فرأيت الإشتغال بإسعافه أولى وأحرى، مراعاةً لحقوقه وحقوق أسلافه، ومبادرة إلى

____________________

(١). سورة الأعراف: ١٤٦.


إنعامه وإتحافه، ومحاماة على أوليائه وأخلافه.

فابتدأت بعد الإستخارة معتصماً بالله سبحانه، فإنّه نعم المولى ونعم النصير، وراغباً إليه فيما وعد من برّ أجر، فإنّ ذلك عليه سهل يسير وعلى ما يشاء قدير.

ولقد كان من أوكد ما دعاني إليه، وأشدّ ما حداني عليه - بعد الذي قدّمت ذكره وبيّنت أمره - ظنّ بعض الجهلاء الأغتام والمغفّلة الذين هم في بلاد أنعام، بنا - معاشر الكرام وجماعة أهل السنّة والجماعة بالأحكام - أنّا نستجيز الوقيعة في المرتضى رضوان الله عليه وحباه خير ما لديه، وفي أولاده ثمّ في شعبه وأحفاده، وكيف نستجيز ذلك وهو الذي قال [ فيه ] النبيّ صلّى الله عليه: من كنت مولاه فعليّ مولاه. وهذا حديث تلقّته الأئمّة بالقبول، وهو موافق للأصول »(١) .

قال: « وقد كنّا وعدنا أن نذكر طرفاً من ذكر مشابه المرتضى رضوان الله عليه، وأشرنا إليه حيث ذكرنا افتتاح الله سبحانه هذه السّورة بحديث آدمعليه‌السلام ، إذ في المرتضى رضوان الله عليه مشابهة من أبينا آدمعليه‌السلام ، ثمّ من بعض الأنبياءعليهم‌السلام بعده:

فأوّلهم آدمعليه‌السلام ، ثمّ نوحعليه‌السلام ، ثمّ إبراهيم الخليلعليه‌السلام ، ثمّ يوسف الصدّيقعليه‌السلام ، ثمّ موسى الكليمعليه‌السلام ، ثمّ داود ذو الأيدعليه‌السلام ، ثمّ سليمان الشاكرعليه‌السلام ، ثمّ أيّوب الصابرعليه‌السلام ، ثمّ يحيى بن زكريّاعليه‌السلام ، ثمّ عيسى الروحعليه‌السلام ، ثمّ محمّد المصطفىعليه‌السلام .

وأنا أفرد لكلّ واحدٍ منهم فصلاً مشتملاً على ما فيه، لينظر فيه العاقل، فيستدلّ به على ما وراءه. والله الموفّق للصواب.


والذي يؤيّد ما ذهبنا إليه من ذكر المشابه حديث:

أخبرنيه جدّي أحمد بن المهاجر رحمه ‌الله قال: حدّثنا أبو جعفر الرازي مستملي أبي يحيى البزاز، قال: حدّثنا مسلم، عن عبيدالله بن موسى العبسي، عن أبي عمر الأزدي، عن أبي راشد الحبراني، عن أبي الحمراء:

عن النبي صلّى الله عليه أنّه قال: من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في فهمه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في بطشه، فلينظر إلى علي بن أبي طالب.

وأخبرنا محمّد بن أبي زكريا الثقة قال: أخبرنا أبو الحسين محمّد بن أحمد بن جعفر الجوري، قال: حدّثنا أبو جعفر محمّد بن أحمد بن سعيد الرازي، وأخبرني شيخي أحمد بن محمّد [رحمه‌الله ] قال: أخبرنا أبو أحمد إبراهيم بن علي الهمداني قال: حدّثنا أبو جعفر الرازي، وسياق الحديث لأبي الحسين، قال: حدّثنا أبو عبدالله محمّد بن مسلم قال: حدّثنا عبيدالله بن موسى العبسي قال: حدّثنا أبو عمر الأزدي، عن أبي راشد الحبراني عن النبيّ صلّى الله عليه قال:

من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في فهمه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى يحيى بن زكريا في زهده، وإلى موسى بن عمران في بطشه، فلينظر إلى علي بن أبي طالب.

وأخبرنا محمّد بن يحيى الثقة قال: أخبرنا أبو سهل العاصمي ببلخ بقراءتي عليه قال: حدّثنا أبو بكر بن طرخان قال: حدّثنا محمّد بن مالك بن هاني المكتّب الكندي قال: حدّثنا أحمد بن أسد قال: حدّثنا عبيدالله بن موسى، عن أبي عمر الأزدي، عن أبي راشد، عن أبي الحمراء قال:

كنّا جلوساً مع النبي صلّى الله عليه، فأقبل علي بن أبي طالب،


فقال النبيّ صلّى الله عليه: من سرّه أنْ ينظر إلى آدم في علمه، و [ إلى ] نوح في فهمه، و [ إلى ] إبراهيم في حلمه، فلينظر إلى علي بن أبي طالب.

وأخبرني جدّي أحمد بن المهاجر رحمه ‌الله قال: أخبرنا أبو علي الهروي، عن أبي عروة قال: حدّثنا الحسن بن عرفة العبدي، قال: حدّثنا عمر - يعني أبا حفص الأبّار - عن الحكم بن عبدالملك، عن حارث بن حصيرة عن أبي طادق عن أبي ربيعة بن ناجد عن علي بن أبي طالب قال:

قال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: فيك مثل عيسى بن مريم أبغضته يهود حتّى بهتوا اُمّه، وأحبّته النصارى حتّى أنزلوه بالمنزل الذي ليس به ثم قال علي بن أبي طالب: يهلك فيّ رجلان محب مطر يعرّفني بما ليس فيّ، ومبغض مفتر يحمله شنآني على أنْ يبهتني ».

قال: « فَدلَّت هذه الأخبار على حسن مذهبنا في ذكر المشابه، وعلى أنّا اقتدينا في ذلك بالرّسولعليه‌السلام ، وكفانا ذلك شرفاً وقدوة، إذ جعله الله تعالى للمسلمين وزيراً وأسوة، فلا يظننّ جاهل غبيّ أو ناصب غويّ أنّا ارتكبنا مطايا العدوان، واعتدينا في طريقنا هذا بعد هذا البيان، والله المستعان من شرّ الزمان، وعليه التكلان في مصارع الحدثان ».

وقال: « أخبرنا الحسين بن محمّد البستي قال: حدّثنا عبدالله بن أبي منصور قال: حدّثنا محمّد بن بشر قال: حدّثنا محمّد بن إدريس الحنظلي قال: حدّثنا محمّد بن عبدالله بن المثنى الأنصاري قال: حدّثني حميد، عن أنس قال: كنّا في بعض حجرات مكة فتذاكرنا عليا، فدخل علينا رسول الله فقال:

أيّها الناس! من أراد أنْ ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في فهمه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في شدّته، وإلى عيسى في زهادته، وإلى محمّد وبهائه، وإلى جبرئيل وأمانته، وإلى الكوكب الدريّ والشمس الضحيّ


والقمر المضيّ، فليتطاول ولينظر إلى هذا الرجل، وأشار إلى علي ابن أبي طالب ».

(١٣)

رواية النطنزي

ورواه أبو الفتح النطنزي: « عن أبي الحمراء مولى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: كنّا حول النبيّ، فطلع علي بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: من سرّه أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في فهمه، وإلى إبراهيم في خلّته، فلينظر إلى علي بن أبي طالب»(١) .

ترجمة النطنزي

١ - السمعاني: « النطنزي - أبو الفتح محمّد بن علي بن إبراهيم النطنزي، أفضل من بخراسان والعراق في اللغة والأدب، والقيام بصنعة الشعر.

قدم علينا مرو سنة إحدى وعشرين، وقرأت عليه طرفاً صالحاً من الأدب، واستفدت منه واغترفت من بحره، ثمّ لقيته بهمدان، ثمّ قدم علينا بغداد غير مرة من مدة مقامي بها، وما لقيته إلّاوكتبت عنه واقتبست منه. سمع بأصبهان أبا سعد المطرّز، وأبا علي الحداد، وغانم بن أبي نصر البرجي، وببغداد أبا القاسم بن بيان الرزاز، وأبا علي بن نبهان الكاتب، وطبقتهم. سمعت منه أخيراً بمرو الحديث »(٢) .

____________________

(١). الخصائص العلويّة - مخطوط.

(٢). الأنساب - النطنزي.


٢ - الصّفدي: « كان من بلغاء أهل النظم والنثر، سافر البلاد ولقي الأكابر، وكان كثير المحفوظ، محبّ العلم والسنّة، ومكثر الصدقة والصيام، ونادم الملوك والسلاطين، وكانت له وجاهة عظيمة عندهم، وكان تيّاهاً عليهم، متواضعاً لأهل العلم، سمع الحديث الكثير بأصبهان وخراسان وبغداد، ولم يتمتّع بالرواية »(١) .

٣ - ابن النجار: « كان نادرة الفلك، ونابغة الدهر، فاق أهل زمانه في بعض فضائله »(٢) .

(١٤)

رواية السنائي

وقد نظم العارف الشهير أبو المجدود بن آدم الغزنوي، الملقّب بالحكيم السّنائي في ( حديقة الحقيقة ) مضمون هذه المنقبة، ومفاد هذا الحديث الشريف، في بيتين من الشعر، في مدح مولانا أمير المؤمنينعليه‌السلام فقال:

« عالمى بود همچو نوح استاخ

عالمى بود همچو روح فراخ

دل أو عالم معاني بود

لفظ أو آب زندگانى بود »

قال ( الدهلوي ): السنائي من أهل السنّة

ثمّ إنّ ( الحكيم السنائي ) من مشاهير الشعراء العرفاء، وأشعاره الحكمية من الأشعار المتداولة المحفوظة لدى أهل الأدب والمعرفة، وقد ذكره

____________________

(١). الوافي بالوفيات ٤ / ١٦١.

(٢). ذيل تاريخ بغداد. عن كتاب اليقين للسيّد ابن طاوس الحلّي: ٩٥.


عبدالرحمن الجامي في كتابه الذي ألّفه في تراجم مشاهير العرفاء وسمّاه بكتاب ( نفحات الأنس في حضرات القدس ).

ويفيد كلامٌ لمخاطبنا ( الدهلوي ) في كتابه ( التحفة ) أنّ السنائي من كبار شعراء أهل السنّة المقبولين عند علمائهم، فقال في مبحث ( المكائد ) التي ينسبها إلى الشيعة: « المكيدة السادسة والثلاثون: إضافتهم البيت من الشعر أو البيتين إلى شعر أحد كبار شعراء أهل السنّة، يكون صريحاً في التشيّع، وفي مخالفة مذهب أهل السنّة، مع رعاية الوزن والقافية، ثمّ يزعمون وجود ما أضافوه في أصل الشعر، وأنّ أهل السنّة قد أسقطوه لئلّا يتذرّع به الشيعة.

وإنّ أكثر صنيعهم هذا يكون بالنسبة إلى أشعار الشعراء المقبولين الممدوحين عند أهل السنّة، كالشيخ فريد الدين العطّار، والشيخ الأوحدي، وشمس الدين التبريزي، والحكيم السنائي، ومولانا الرومي، والحافظ الشيرازي، والخواجة قطب الدين الدهلوي، وأمثالهم.

ولقد ألحق قدماء الشيعة بأشعار الإمام الشافعي ثلاثة أبيات، فقد قال الشافعي:

يا راكباً قف بالمحصّب من منى

واهتف بساكن خيفها والناهض

سحراً إذا فاض الحجيج إلى منى

فيضاً كملتطم الفرات الفائض

إن كان رفضاً حب آل محمّد

فليشهد الثقلان أنّي رافضي

وهو يقصد بهذه الأبيات الردّ على النواصب الذين كانوا ينسبون كلّ من أحبّ آل محمّد إلى الرفض.

لكن ألحق بها في بعض كتب الشيعة أبيات صريحة في مذهب التشيّع، وهي:

قف ثمَّ ناد فإنّني لمحمّد

ووصيّه وبنيه لست بباغض


أخبرهم أنّي من النفر الذي

بولاء أهل البيت ليس بناقض

وقل ابن إدريس بتقديم الذي

قدّمتموه على علي ما رضي

فهذه مكيدة من مكايدهم، وهي باردة جدّاً، فقد كان هؤلاء الشعراء على مذهب أهل السنّة، ودعوى كونهم من الشيعة من جهة نسبة بيت أو بيتين من الشعر إليهم لا تصدر من أدنى الطلبة»(١) .

(١٥)

رواية شهردار الديلمي

وقد أسند شهردار بن شيرويه الديلمي حديث التشبيه الذي رواه والده في كتاب الفردوس. قال:

« أخبرنا أبي، حدّثنا مكي بن دكين القاضي، حدثنا علي بن محمّد بن يوسف، حدّثنا الفضل الكندي، حدّثنا عبدالله بن محمّد بن الحسن مولى بني هاشم بالكوفة، حدّثنا علي بن الحسين، حدّثنا أحمد بن أبي هاشم النوفلي، حدّثنا عبدالله بن عبيدالله بن موسى، حدّثنا كامل أبو العلاء، عن أبي إسحاق السبيعي، عن أبي داود، عن نفيع، عن أبي الحمراء مولى النبي صلّى الله عليه وسلّم قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: من أراد أنْ ينظر إلى آدم في علمه، وإلى موسى في شدّته، وإلى عيسى في زهده، فلينظر إلى هذا المقبل. فأقبل علي »(٢) .

____________________

(١). التحفة الاثنا عشرية: ٤٥.

(٢). مسند الفردوس - مخطوط.


وستعلم روايته من عبارة الخوارزمي الآتية أيضاً.

ترجمة شهردار الديلمي

١ - الذهبي: « شهردار ابن الحافظ شيرويه بن شهردار الديلمي، المحدِّث، أبو منصور. قال ابن السمعاني: كان حافظاً عارفاً بالحديث فهماً عارفاً بالأدب ظريفاً »(١) .

٢ - السبكي: « قال ابن السمعاني: كان حافظاً عارفاً بالحديث فهماً، عارفاً بالأدب، ظريفاً خفيفاً، لازماً مسجده، متّبعاً أثر والده في كتابة الحديث وسماعه وطلبه. رحل إلى أصبهان مع والده ثمّ إلى بغداد »(٢) .

٣ - وذكره ابن قاضي شهبة والأسنوي في ( طبقات الشافعيّة )(٣) .

٤ - وأورد الثعالي في ( مقاليد الأسانيد ) عبارة الذهبي السالفة الذكر.

٥ - وأثنى عليه ( الدهلوي ) في كتاب ( بستان المحدّثين ) منتحلاً كلمات الثعالبي، كما هو دأبه وديدنه في كتابه المذكور.

____________________

(١). العبر في خبر من غبر. حوادث سنة ٥٥٨.

(٢). طبقات الشافعية الكبرى ٧ / ١١٠.

(٣). طبقات الأسدي طبقات الأسنوي ٢ / ٢١.


(١٦)

رواية الخوارزمي

لقد روى الموفق بن أحمد المكي الخوارزمي، الشهير بالخطيب الخوارزمي، حديثاً بالسند الآتي، قال:

« أخبرنا الشيخ الزاهد الحافظ أبو الحسين علي بن أحمد العاصمي الخوارزمي، فقال: أخبرنا شيخ القضاة إسماعيل بن أحمد الواعظ قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي » ثمّ قال:

« وبهذا الإسناد عن أحمد بن الحسين هذا، قال: أخبرنا أبو عبدالله الحافظ في التاريخ: حدّثنا أبو جعفر محمّد بن أحمد بن سعيد حدّثني محمّد بن مسلم بن وارة قال: حدّثني عبيدالله بن موسى العبسي: حدّثنا أبو عمر الأزدي، عن أبي راشد الحبراني، عن أبي الحمراء قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في فهمه، وإلى يحيى بن زكريّا في زهده، وإلى موسى بن عمران في بطشه، فلينظر إلى علي بن أبي طالب.

قال أحمد بن الحسين البيهقي: لم أكتبه إلّابهذا الإسناد، والله أعلم »(١) .

ترجمة الخوارزمى

١ - العماد الإصفهاني: « خطيب خوارزم، أبو المؤيد الموفق بن أحمد بن محمّد المكي الخوارزمي، من الأفاضل الأكابر، فقهاً وأدباً، والأماثل الأكارم

____________________

(١). مناقب علي بن أبي طالب: ٤٠.


حسباً ونسباً »(١) .

مصادر ترجمة العماد الكاتب

وتوجد ترجمة العماد الأصفهاني الكاتب في:

وفيات الأعيان ٤ / ٢٣٣.

معجم الأدباء ١٩ / ١١.

والعبر في خبر من غبر ٤ / ٢٩٩.

والمختصر في أخبار البشر ٣ / ١٠٥.

ومرآة الجنان ٣ / ٤٩٢.

وطبقات الشافعية الكبرى ٦ / ١٧٨.

وغيرها من كتب التاريخ والتراجم المعتبرة.

٢ - أبو الفتوح المطرزي: فإنّه وصف الخوارزمي في مواضع عديدة من كتاب ( الإيضاح في شرح المقامات ) بأوصافٍ جليلة لدى النقل عنه، مع الإعتماد عليه، وهذه نصوصٌ من ذلك:

قال في الكلام على زهد أويس القرنيرضي‌الله‌عنه :

« فممّا يدلّ على زهده: ما أخبرني به الإمام الأجل العلّامة أبو المؤيد الموفّق بن أحمد المكي قال: أخبرنا الشيخ أبو الغنائم محمّد بن علي النرسي المعدّل، أنا الشريف أبو عبدالله محمّد بن علي بن عبدالرحمن العلوي الحسيني، أنا أحمد بن علي العطّار المقرئ قراءةً، ثنا علي بن أحمد بن عمرو، ثنا محمّد ابن منصور المقرئ، ثنا محمّد بن علي خلف، ثنا حسين الأشقر، ثنا مخلّد بن الحسين، عن رجل، عن أسيد بن عمرو قال:

____________________

(١). خريدة القصر وجريدة العصر - مخطوط.


كان أويس القرني إذا أمسى أخذ قطيفةً فغطّى بها رأسه ورجليه، وتصدّق بفضلها، وينظر إلى قوته فيعزله ويتصدّق بفضله، ويقول:

اللّهمّ من كان أمسى عارياً أو جائعاً ليس له عندي فضل ».

« وممّا يدلّ على كثرة عبادته ما أخبرني به مولاي أيضاً بهذا الإسناد إلى محمّد بن منصور، ثنا عبدالله بن أبي زياد، ثنا سيار، ثنا جعفر بن سليمان، عن إبراهيم بن عيسى السّكري قال:

قال أويس القرني: لأعبدنّ الله في الأرض كما تعبده الملائكة في السماء، فكان إذا استقبل الليل قال: يا نفس، الليلة القيام، فيصفّ قدميه حتّى يصبح، ثمّ يستقبل الليلة الثانية فيقول: يا نفس، الليلة الركوع، فلا يزال راكعاً حتّى يصبح، ثمّ يستقبل الليلة الثالثة فيقول: يا نفس الليلة السجود، فلا يزال ساجدا حتّى يصبح ».

« وأما قوله: وأحد جناحي الدّنيا، فقد أخبرني مولاي الصّدر السعيد الشهيد، صدر الصدور أبو المؤيّد، موفق بن أحمد المكي إجازة، أنا الشيخ أبو الغنائم محمّد بن علي النرسي المعدّل، أنا الشريف أبو عبدالله محمّد بن علي ابن عبدالله العلوي الحسيني، أنا علي بن الفضل الدهقان، أنا محمّد بن زيد الرطّاب قال: قال إبراهيم بن محمّد الثقفي، وسمعنا أهل البصرة افتخروا بما يذكر عن أبي هريرة أنّ الدّنيا مثّلت على صورة طائر فالبصرة ومصر جناحان، فإذا خربا وقع الأمر الخ ».

حدّثنا صدر الأئمّة أخطب خطباء خوارزم، موفق بن أحمد المكي ثمّ الخوارزمي قال: أخبرني السّيّد الإمام المرتضى أبو الفضل الحسيني في كتابه أتى من مدينة الرّي جزاه الله عنّي خيراً أخبرنا السيّد أبو الحسن عليّ بن أبي طالب الحسيني الشيباني بقراءتي عليه، أخبرني الشيخ العالم أبو النجم محمّد


ابن عبدالوهّاب بن عيسى التمّار الرازي، أخبرنا الشيخ العالم أبو سعيد محمّد بن أحمد بن الحسين النيسابوري، أخبرنا محمّد بن عليّ بن جعفر الأديب بقراءتي عليه، حدّثني المعافا بن زكريا أبو الفرج، عن محمّد بن أحمد بن أبي الثلج، عن الحسن بن محمّد بن بهرام، عن يوسف بن موسى القطّان، عن جرير، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عبّاس قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لو أنّ الرّياض أقلام، والبحر مداد، والجنّ حسّاب، والإنس كتّاب، ما أحصوا فضائل عليّ بن أبي طالب ».

« أخبرني مولاي الصّدر العلّامة، قال قال فخر خوارزم: ضرب المزامير مثلاً لحسن صوت داود وحلاوة نغمته الخ ».

سمعت مولاي الصدر الكبير العلاّمة يقول: سمعت فخر خوارزم يقول: لمـّا كان ليلة ولد فيها رسول الله ارتج أيوان كسرى، فسقطت منه أربع عشرة شرفة، وخمدت نار فارس، وغاصت بحيرة ساوة ».

« وقوله أضاعوني وأيَّ فتى أضاعوا.

تضمين، وهو لاُميّة بن أبي الصّلت وتمامه: ليوم كريهة وسداد ثغر.

ويروى أنّه كان لأبي حنيفة جار فاسق يتغنّى كثيراً بهذا البيت، فاتّفق أن خرج ذات ليلة سكران، فأخذه العسس وحبس، فلمـّا سمع ذلك أبو حنيفة نهض إليه مسرعاً من الغد، وتكلّم فيه حتّى أطلق من الحبس، فلمـّا أدخله منزله قال: هل أضعناك؟ فأخذه بيده وتاب ببركات سعيه.

وسمعت هذه الحكاية على مولاي الصّدر في مناقب أبي حنيفة، بإسناده إلى أبي يوسف بلفظٍ قريب ممّا ذكرت ».

٣ - ابن النجّار: « الموفّق بن أحمد المكي، كان خطيب خوارزم، وكان


فقيهاً فاضلاً أديباً شاعراً بليغاً، من تلامذة الزمخشري »(١) .

٤ - محمّد بن محمود الخوارزمي: فإنّه قد ذكر الموفّق الخوارزمي في مواضع من كتابه ( جامع مسانيد أبي حنيفة ) محتجّاً بأقواله، مع وصفه بأوصافٍ جليلةٍ عالية، وإليك موارد من ذلك:

قال - بعد ذكر القول المنسوب إلى الشافعي: الناس عيال على أبي حنيفة:

« وقد نظم هذا المعنى أخطب الخطباء شرقاً وغرباً أبو المؤيد المكي الخوارزمي، على ما أنشدني الصّدر الكبير شرف الدّين أحمد بن موفق المكي الخوارزمي قال: أنشدني الصّدر العلاّمة، أخطب خطباء الشرق والغرب، صدر الأئمّة أبو المؤيد موفق بن أحمد المكّي الخوارزمي لنفسه، في عدّة أبيات له يمدح بها أبا حنيفةرضي‌الله‌عنه .

أئمّة هذه الدنيا جميعاً

بلا ريب عيال أبي حنيفة

« أنشدني الصدر الكبير شرف الدّين أحمد بن مؤيّد بن موفق المكي الخوارزمي قال: أنشدني جدّي البدر العلّامة أخطب خطباء الشرق والغرب، أبو المؤيّد موفق بن أحمد المكي الخوارزميرحمه‌الله لنفسه:

أيا جَبَلي نعمان إنّ حصاكما

لتحصى ولا تحصى فضائل نعمان

جلائل كتب الفقه طالع تجد بها

دقائق نعمان شقائق نعمان »

« وأنشدني الصدر الكبير شرف الدّين أحمد بن المؤيّد المكّي الخوارزمي قال: أنشدني الصدر العلّامة صدر الأئمّة أبو المؤيّد الموفّق بن أحمد المكي لنفسه:

رسول الله قال سراج ديني

وأمّتي الهداة أبو حنيفة

____________________

(١). ذيل تاريخ بغداد، عنه كتاب اليقين لابن طاوس الحلّي: ١٦٦.


غدا بعد الصّحابة في الفتاوي

لأحمد في شريعته خليفة

سدى ديباج فتياه اجتهاد

ولحمته من الرّحمن خيفة »

« أنشدني الصّدر الكبير شرف الدّين أحمد بن مؤيّد قال: أنشدني الصدر العلّامة صدر الأئمّة أبو المؤيّد الموفّق بن أحمد المكي الخوارزمي لنفسه:

غدا مذهب النعمان خير المذاهب

كذا القمر الوضّاح خير الكواكب

تفقه في خير القرون مع التقى

فمذهبه لا شك خير المذاهب »

« وقد ذكر خطيب خطباء خوارزم صدر الأئمّة أبو المؤيّد موفّق بن أحمد المكي في مناقب أبي حنيفةرضي‌الله‌عنه سبعمائة وثلاثين رجلاً من مشايخ المسلمين في الآفاق وأقطار الأرضين، ممّن رووا عنه،رضي‌الله‌عنه ».

وأمّا النوع السّادس من مناقبه - أي مناقب أبي حنيفة - وفضائله الّتي تفرد بها: التلمّذ عند أربعة آلاف من شيوخ أئمّة التابعين دون من بعده، أي أبي حنيفة، فالدّليل عليه ما أخبرنا جماعة من ثقات المشايخ، عن الصدر العلّامة أخطب خطباء خوارزم، صدر الأئمّة أبي المؤيد، موفق بن أحمد المكي، عن أبي حفص عمر بن الإمام أبي الحسن علي الزمخشري، عن والدهرحمه‌الله أنّه قال:

وقعت منازعة بين أصحاب الإمام الأعظم أبي حنيفة وأصحاب الإمام المـُعَظَّم الشافعيرضي‌الله‌عنه ، ففضل كلّ طائفة صاحبها ».

« النّوع السّابع من مناقبه - أي مناقب أبي حنيفة - الّتي تفرّد بها، إنّه إتّفق له من الأصحاب ما لم يتّفق لأحد من بعده، فالدليل عليه: ما أخبرني المشايخ الثقات عن صدر الأئمّة أبي المؤيّد موفّق بن أحمد المكي، قال أخبرني الإمام العلّامة ركن الإسلام أبو الفضل عبدالرحمن بن أميرويه، قال: أنا قاضي القضاة أبو بكر عتيق بن داود اليماني في ترجيح مذهب أبي حنيفةرضي‌الله‌عنه على


سائر المذاهب، في كلام طويل فصيح بليغ إلى أنْ قال:

هو إمام الأئمّة، سراج الأمّة، ضخم الدسيعة، السّابق إلى تدوين علم الشريعة، ثمّ أيده الله تعالى بالتوفيق والعصمة، فجمع له من الأصحاب والأئمّة عصمة منه تعالى لهذه الأمة ما لم يجتمع في عصر من الأعصار في الأطراف والأقطار »(١) .

« الباب الأوّل في ذكر شيء من فضائله التي تفرّد بها إجماعاً فنقول - وبالله التوفيق - مناقبه وفضائله كالحصى لا تُعَدّ ولا تُحصى، ولا يمكن أن تستقصى، لكن من فضائله الخاصة التي تفرد بها ولم يشاركه إجماعاً من بعده فيها، يمكن إحصاؤها وضبطها في أنواع عشرة: الأوّل في الأخبار والآثار المرويّة في مدحه دون من بعده، الثاني في أنّه ولد في زمان الصّحابة والقرن الّذي شهد مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم دون من بعده ». « أمّا الأوّل، فقد أخبرني الصدر الكبير شرف الدين أحمد بن مؤيد بن موفق بن أحمد المكي

وقد أنبأني الصّدر الكبير شرف الدّين أحمد بن مؤيّد بن موفق بن أحمد المكي الخوارزمي، عن جدّه صدر الأئمّة أبي المؤيد الموفق بن أحمد المكي، عن عبدالحميد بن أحمد البراتقيني، عن الإمام محمّد بن إسحاق السّراجي الخوارزمي، عن أبي جعفر عمر بن أحمد الكرابيسي، عن أبي الفتح محمّد بن الحسن الناصحي، عن الزاهد أبي محمّد الحسن بن علي بن محمّد، عن أبي سهيل عبدالحميد بن محمّد الصوافي، عن أبيه، عن أبي القاسم يونس بن الطاهر البصري، عن أبي النصر أحمد بن الحسين الأديب، عن أبي سعيد أحمد بن محمّد بن بشر، عن محمّد بن يزيد، عن سعيد بن بشر، عن حماد، عن رجل، عن نافع، عن ابن عمررضي‌الله‌عنه تبارك وتعالى وتقدّس قال:

____________________

(١). جامع مسانيد أبي حنيفة ١ / ٣١.


قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: يظهر من بعدي رجل يعرف بأبي حنيفة يحيي الله سنّتي على يديه »(١) .

ترجمة الخوارزمي صاحب جامع المسانيد

ومحمّد بن محمود الخوارزمي، صاحب ( جامع مسانيد أبي حنيفة ) من كبار أئمّة الحنفيّة في الفقه والحديث، وهذه جملة من كلماتهم في الثناء عليه:

قال الكفوي: « الشيخ الإمام أبو المؤيّد محمّد بن محمود بن محمّد بن الحسن، الخوارزمي، الخطيب، ولد سنة ٦٠٣، وتفقّه على منشي النظر الأستاذ نجم الملّة والدين طاهر بن محمّد الحفصي، سمع بخوارزم وقد قدم بغداد وسمع بها، وحدّث بدمشق، وولي قضاء خوارزم وخطابتها بعد أخذ التتار لها، ثمّ تركها وقدم بغداد حاجّاً، ثمّ حجّ وجاور ورجع على طريق ديار مصر، وقدم دمشق ثمّ عاد إلى بغداد، ودرس بها، إلى أن مات سنة خمس وخمسين وستمائة »(٢) .

وقال القرشي: « محمّد بن محمود بن حسن الإمام أبو المؤيّد الخوارزمي، الخطيب، مولده سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، تفقّه على الإمام طاهر بن محمّد الحفصي، سمع بخوارزم، وقدم بغداد وسمع بها، وحدّث بدمشق، وولي قضاء خوارزم وخطابتها بعد أخذ التّاتار لها، ثمّ تركها وقدم بغداد حاجّاً، ثمّ حجّ وجاور ورجع على طريق ديار مصر وقدم دمشق ثمّ عاد إلى بغداد، ودرّس بها، ومات بها سنة خمس وخمسين وستمائة »(٣) .

____________________

(١). جامع مسانيد أبي حنيفة ١ / ١٤ - ١٥.

(٢). كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار - مخلوط.

(٣). الجواهر المضيّة في طبقات الحنفيّة ٣ / ٣٦٥.


وقال الجلبي: « مسند الإمام الأعظم، أبي حنيفة نعمان بن ثابت الكوفي، المتوفى سنة خمسين ومائة، رواه حسن بن زياد اللؤلؤي، ورتّب المسند المذكور الشّيخ قاسم بن قطلوبغا الحنفي، برواية الحارثي على أبواب الفقه، وله عليه الأمالي في مجلّدين، ومختصر المسند المسمّى بالمعتمد، لجمال الدّين محمود بن أحمد القونوي الدمشقي، المتوفى سنة سبعين وسبعمائة، ثمّ شرحه وسمّاه المستند وجمع زوائده أبو المؤيّد محمّد بن محمود الخوارزمي، المتوفى سنة خمس وستين وستمائة، أوّله: الحمد لله الّذي سقانا بطوله من أصفى شرائع الشرايع »(١) .

وقال الدهّان في ( كفاية المتطلّع ): « كتاب جمع المسانيد للإمام الأعظم أبي حنيفة تأليف العلّامة قاضي القضاة أبي المؤيّد، محمّد بن محمود بن محمّد الخوارزمي رحمه ‌الله ، يرويه عن الفقهاء الحنفيين ».

٥ - الصفدي: « كان متمكّناً في العربية، غزير العلم، فقيهاً، فاضلاً، أديباً، شاعراً، قرأ على الزمخشري، وله خطب وشعر ومناقب »(٢) .

من مصادر ترجمة الصفدي

وقد ترجموا للصفدي في الكتب المعتبرة، وأثنوا عليه، فانظر منها:

١ - المعجم المختص للذهبي: ٩١.

٢ - الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ٢ / ٨٧.

٣ - طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة الأسدي ٦ / ٤.

٦ - عبدالقادر القرشي: « الموفق بن أحمد بن محمّد المكي، خطيب

____________________

(١). كشف الظنون: ١٦٨٠.

(٢). كذا في ( بغية الوعاة ) للسيوطي، وسيأتي.


خوارزم، أستاذ ناصر بن عبدالله صاحب المغرب، أبو المؤيد، مولده في حدود سنة ٤٨٤.

ذكره القفطي في أخبار النحاة.

أديب، فاضل، له معرفة في الفقه والأدب.

روى مصنّفات محمّد بن الحسن، عن عمر بن محمّد بن أحمد النسفي.

ومات رحمه الله تعالى سنة ٥٦٨.

وأخذ علم العربية عن الزمخشري »(١) .

ترجمة عبدالقادر القرشي

وعبد القادر القرشي من كبار علماء القوم:

قال محمود بن سليمان الكفوي: « المولى الفاضل، والنحرير الكامل، عبدالقادر بن محمّد بن نصر الله بن سالم، أبي الوفاء القرشي، كان عالماً فاضِلاً جامعاً للعلوم، له مجموعات وتصانيف وتواريخ ومحاضرات وتواليف.

ولد سنة ست وسبعين وسبعمائة، وأخذ العلوم عن جماعة كثيرة، منهم علاء الدّين التركماني ووالده قاضي القضاة شمس الدّين وفخر الدّين عثمان المارديني التركماني والد علاء الدّين التركماني وهبة الله التركماني وغير ذلك، وسمع وحدّث وأفتى ودرّس، وصنف كتاب العناية في تحرير أحاديث الهداية، والطرق والوسائل في تخريج أحاديث خلاصة الدلائل، ويسميه أيضاً المجموع، وشرح معاني الآثار للطحاوي، وكتاب الدرر المنيفة في الرد على ابن أبي شيبة عن الإمام أبي حنيفة، وكتاب ترتيب تهذيب الأسماء واللغات، وكتاب البستان في فضائل النعمان، وكتاب الجواهر المضية في طبقات

____________________

(١). الجواهر المضية في طبقات الحنفية ٣ / ٥٢٣.


الحنفيّة، ومختصر في علوم الحديث، ومسائل مجموع في الفقه، وقطعة من شرح الخلاصة في مجلّدين، وتفسير آيات وفوائد.

وسمع منه وأخذ المولى الفاضل قاسم بن قطلوبغا صاحب تلخيص التراجم.

مات سنة خمس وسبعين وسبعمائة رحمه الله تعالى »(١) .

وقال السيوطي: « عبد القادر بن محمّد بن محمّد بن نصر الله بن سلام محيي الدين أبو محمّد بن أبي الوفا القرشي، درّس وأفتى، وصنف شرح معاني الآثار وطبقات الحنفية وشرح الخلاصة وتخريج أحاديث الهداية، وغير ذلك.

ولد سنة ست وسبعين وستمائة، ومات في ربيع الأول سنة خمس وسبعين وسبعمائة »(٢) .

وقال الجلبي في ذكر كتابه ( الجواهر المضيّة ):

« طبقات الحنفية، أوّل من صنّف فيه الشيخ عبدالقادر بن محمّد القرشي، المتوفى سنة ٧٧٥، صاحب الجواهر المضيّة في طبقات الحنفيّة، كما قال في خطبته: لم أر أحداً جمع طبقات أصحابنا وهم أمم لا يحصون.

فجمعها بإمداد الشيخ قطب الدين عبدالكريم الحلبي، وأبي العلاء البخاري، وأبي الحسن السبكي، وأبي الحسن علي المارديني، فصار شيئاً كثيراً من التراجم والفوائد الفقهية »(٣) .

____________________

(١). كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار - مخطوط.

(٢). حسن المحاضرة في محاسن مصر والقاهرة ١ / ٤٧١.

(٣). كشف الظنون ١ / ٦١٦.


ترجمة القفطي

والقفطي الّذي ذكر الخطيب الخوارزمي في طبقاته، ترجم له السيوطي قائلاً:

« القفطي الوزير جمال الدّين علي بن يوسف بن إبراهيم الشيباني، وزير حلب، صاحب تاريخ النحاة وتاريخ اليمن وتاريخ مصر وتاريخ بني بويه وتاريخ بني سلجوق، ولد بقفط سنة ثمان وستين وخمسمائة، ومات بحلب سنة ست وأربعين وستمائة »(١) .

وقال السيوطي: « علي بن يوسف بن إبراهيم بن عبدالواحد بن موسى بن أحمد بن محمّد بن إسحاق بن محمّد بن ربيعة بن الحارث، أبو الحسن القفطي، يعرف بالقاضي الأكرم صاحب تاريخ النحاة، قال ياقوت: ولد في ربيع سنة ثمان وستّين وخمسمائة بقفط، وكان جمّ الفضل كثير النبل عظيم القدر، إذا تكلم في فنّ من الفنون كالنحو واللغة والقراءة والفقه والحديث والأصول والمنطق والرّياضية والنجوم والهندسة والتاريخ والجرح والتعديل، قام به أحسن قيام، كان سمح الكفّ طلق الوجه، صنّف الإصلاح للخلل الواقع في الصحاح للجوهري، الضاد والظا، تاريخ النحاة، تاريخ مصر، المحلّى في استيعاب وجوه كلّا »(٢) .

٧ - التقي الفاسي: « الموفق بن أحمد بن محمّد بن محمّد المكي، أبو المؤيد، العلّامة خطيب خوارزم، كان أديباً فصيحاً مفوّهاً، خطب بخوارزم دهراً وأنشأ الخطب وأقرأ النّاس، وتخرّج به جماعة، وتوفّي بخوارزم في صفر

____________________

(١). حسن المحاضرة في محاسن مصر والقاهرة ١ / ٥٥٤.

(٢). بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة: ٣٥٨.


سنة ثمان وستين وخمسمائة، ذكره هكذا الذهبي في تاريخ الإسلام، وذكره الشيخ محيي الدّين عبدالقادر الحنفي في طبقات الحنفيّة وقال: ذكره القفطي في أخبار النحاة، أديب فاضل، له معرفة بالفقه والأدب. وروى مصنّفات محمّد بن الحسن عن عمر بن محمّد بن أحمد، عن النّسفي »(١) .

ترجمة التقي الفاسي

وقد ترجم الحافظ السخاوي للتقي الفاسي بقوله:

« محمّد بن أحمد بن علي بن أبي عبدالله محمّد بن محمّد بن عبدالرحمن ابن محمّد بن أحمد بن علي بن عبدالرحمن بن سعيد بن عبدالملك، التقيّ، أبو عبدالله، وأبو الطيّب وبها اشتهر، ابن الشهاب أبي العبّاس بن أبي الحسن الفاسي المكّيّ المالكي، شيخ الحرم، والماضي أبوه، ويعرف بالتقي الفاسي.

ولد في ربيع الأول سنة خمس وسبعين وسبعمائة بمكة، ونشأ بها وبالمدينة لتحوله إليها مع اُمّه في سنة ثلاث وثمانين وقتاً

وعني بعلم الحديث أتمّ عناية، وكتب الكثير وأفاد وانتفع الناس به، وأخذوا عنه، ودرّس وأفتى، وحدث بالحرمين والقاهرة ودمشق وبلاد اليمن بجملة من مرويّاته ومؤلفاته، سمع منه الأئمّة، وفي الأحياء بمكّة جماعة ممّن أخذ عنه.

قال شيخنا في معجمه: حدّثني من لفظه بأحاديث، وأجاز لأولادي، ولم يخلّف بالحجاز مثله، وقرض له شيخنا غير ما تصنيف، وكان هو يعترف بالتلمذة لشيخنا وتقدّمه على سائر الجماعة، حتّى شيخهما العراقي كما ثبت ذلك في الجواهر، وخرّج له الجمال بن موسى معجماً مات قبل إكماله.

____________________

(١). العقد الثمين في أخبار البلد الأمين ٧ / ٣١٠.


وكان ذايدٍ طولى في الحديث والتاريخ والسّير، واسع الحفظ، واعتنى بأخبار بلده، فأحيى معالمها وأوضح مجاهلها وجدّد مآثر ها وترجم أعيانها، فكتب بها تاريخاً حافلاً سمّاه شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام، في مجلّدين، جمع فيه ما ذكره الأزرقي وزاد عليه ما تجدّد بعده بل وما قبله، واختصره مراراً.

وعمل العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين في أربع مجلّدات، ترجم فيه جماعة من حكّام مكة وولاتها وقضاتها وخطبائها وأئمّتها ومؤذّنيها، وجماعة من العلماء والرّواة من أهلها، وكذا من سكنها سنين أو مات بها، وجماعة لهم مآثر فيها أو في ما أضيف له، رتّبه على المعجم ثمّ اختصره، وكذا ذيّل على سير النبلاء وعلى التقييد لابن نقطة وكتاباً في الآخريات سوّد غالبه، وفي الأذكار والدعوات، وفي المناسك على مذهب الشافعي ومالك، واختصر حياة الحيوان للدميري، وخرّج الأربعين المتباينات والفهرست كِلاهما لنفسه، وكذا خرّج لجماعة من شيوخه »(١) .

وقال السيوطي: « الفاسي الحافظ تقيّ الدين محمّد بن أحمد بن علي بن عبد الرحمن الشريف المكّي، أبو الطيّب، ولد سنة خمس وسبعين وسبعمائة، وأجاز له أبو بكر بن أحمد المحبٍ، وإبراهيم بن السّلار، رحل وبرع وخرّج، وأذن له الشيخ زين الدّين العراقي بإقراء الحديث، ودرّس وأفتى، وصنّف كتباً منها تاريخ مكة، وولي قضاء المالكية بها. مات في شوال سنة ٨٣٢. قال ابن حجر: ولم يخلف في الحجاز مثله »(٢) .

٨ - السيّد شهاب الدين أحمد: « ولم يزل أصحاب العلم والعرفان لا

____________________

(١). الضوء اللامع لأهل القرن التاسع ٧ / ١٨.

(٢). طبقات الحفاظ: ٥٤٩.


يبرحون عن ظلّ موالاته في القرون والأعصار، وأرباب الحقّ والإيقان يبوحون بفضل مصافاته في البلدان والأمصار، ويجهرون بتخصيصه بالمدائح والمناقب نثراً ونظماً، ويشيرون إلى ما له من المدائح والمراتب إرغاماً للآناف وهضماً، كالإمام الهمام والعالم القمقام، والحبر الفاضل الزكيّ، الحافظ الخطيب والناقد النجيب، ضياء الدين موفق بن أحمد المكي، فإنّه اندرج في سِلك مادحيه بنظام نظمه، واندمج في فلك ناصحيه بعصام عزمه حيث قال فيه، ونثر الدرر من فيه:

أسد الإله وسيفه وقناته

كالظفر يوم صياله والناب

جاء النداء من السماء وسيفه

بدم الكماة يُلِحُّ في التسكاب

لا سيف إلّاذو الفقار ولا فتى

إلّا عليّ هازم الأحزاب »(١)

وقال أيضاً: « عن أبي سعيدرضي‌الله‌عنه قال: ذكر رسول الله صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله ‌ وبارك وسلّم لعلي رضوان الله تعالى عليه ما يلقى من بعده، فبكى وقال: أسألك بحقّ قرابتي وصحبتي إلّادعوت الله تعالى أن يقبضني، قال صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله وبارك وسلّم: يا علي تسألني أن أدعو الله لأجل موجّل؟ فقال يا رسول الله على ما أُقاتل القوم؟ قال صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله وبارك وسلّم: على الإحداث في الدّين.

وعن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه، عن عليّ كرّم الله تعالى وجهه قال: عهد إليّ رسول الله صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله‌ وبارك وسلّم أن أُقاتل النّاكثين والقاسطين والمارقين، فقيل له: يا أمير المؤمنين من الناكثون؟ قال كرّم الله تعالى وجهه: الناكثون أهل الجمل والقاسطون أهل الشام والمارقون الخوارج.

رواهما الصالحاني وقال: رواهما الإمام المطلق روايةً ودرايةً أبو بكر بن

____________________

(١). توضيح الدلائل على ترجيح الفضائل - مخطوط.


مردويه، وخطيب خوارزم الموفق أبو المؤيّد أدام الله جمال العلم بمأثور أسانيدهما ومشهود مسانيدهما».

٩ - السيوطي: « الموفق بن أحمد بن أبي سعيد إسحاق، أبو المؤيد، المعروف بأخطب خوارزم.

قال الصّفدي: كان متمكّناً في العربية، غزير العلم، فقيهاً فاضلاً، أديباً شاعراً، قرأ على الزمخشري، وله خطب وشعر.

قال القفطي: وقرأ عليه ناصر المطرزي.

ولد في حدود سنة ٤٨٤. ومات سنة ٥٦٨ »(١) .

١٠ - الكفوي: « الموفّق بن أحمد بن محمّد المكّي، خطيب خوارزم، أستاذ الإمام ناصر بن عبدالسيّد صاحب المغرب، أبو المؤيد. مولده في حدود سنة ٤٨٤ كان أديباً فاضلاً، له معرفة تامّة بالفقه والأدب، أخذ عن نجم الدين عمر النسفي، عن صدر الإسلام أبي اليسر البزدوي، عن يوسف السياري، عن الحاكم النوقدي، عن أبي بصير الهندواني، عن أبي بكر الأعمش، عن أبي بكر الإسكاف، عن أبي سليمان الجوزجاني، عن محمّد عن أبي حنيفة.

وأخذ علم العربية عن الزمخشري.

وأخذ عنه الفقه والعربية ناصر بن عبدالسيد صاحب المغرب.

مات سنة ٥٩٨ »(٢) .

____________________

(١). بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة ٢ / ٣٠٨.

(٢). كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار - مخطوط.


كتاب كتائب أعلام الأخيار

وقد ذكر الكفوي في خطبة كتابه ما نصّه:

« وبعد، فإنّ سنّة الله الجليلة الجارية في بريّته، ونعمته اللطيفة الجارية على خليقته أن يحدث في كلّ عصر من الأعصار طائفة من العلماء في المدائن والأمصار، يتجاولون تجاول فرسان الطّراد في مضمار النظار، ويتصاولون تصاول آساد الجلاد في معترك التنظار، لله درّهم، لا زال كرّهم وفرّهم، فجعل توفيقه رفيقهم وسَهّل إلى اقتباس العلم طريقهم، بحيث يجمع في كلٍّ منهم العلم والعمل، ويشاهد فيهم حلاوة الفهم والأصل، فيفوّض إليهم خدامة القضاء والفتوى ويُفاض عليهم نعمة الدنيا والعقبى، إذ يتّم بحكمهم وعلمهم حكم الدّين ومهام الأمّة، وينتظم برأيهم وقلمهم مصلحة الخاصّة والعامّة، فإنّ لله تعالى في قضائه السّابق وقدره اللاّحق، وقائع عجيبة ترد في أوقاتها وقضايا غريبة تجري إلى غاياتها، ولولا وجود تلك الطّائفة العليّة المتحلّية بالفضائل الجليّة من يقوم بكشف قناع هذه الوقائع، ومن يلتزم بحلّ مشكلات هذه البدائع، وهذا هداية من الله تعالى، والحمد لله الّذي هدانا لهذا.

ثمّ الحمد لله على ما أسبغ من نعمائه المتوافرة وآلائه المتكاثرة على هذا العبد الذليل الفقير إلى رحمة الله الجليل القدير، خادم ديوان الشرع المصطفوي محمود بن سليمان الشهير بالكفوي، بصّره الله بعيوب نفسه وختم له بالخير آخر نفسه، وجعل يومه خيراً من أمسه، حيث وفّقه في العقائد أحقّها وأتقنها، ويسّره من المذاهب أصوبها وأوزنها، وأعطاه من العلوم أشرفها، وأولاه من الفنون ألطفها، ومن لطائف تلك النعم الجليلة وجلائل هاتيك الآلاء الجزيلة، ما ساقه إلى جمع أخبار فقهاء الأعصار من ذي الفتيا وقضاة الأمصار، من لدن


نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم إلى مشايخنا في تلك الأوان، حسبما قضوا وأفتوا وأفادوا واستفادوا، في دور من أدوار الزمان ».

وذكره كاشف الظنون بقوله: « كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار، للمولى محمود بن سليمان الكفوي المتوفى سنة ٩٩٠ »(١) .

وقد أكثر من النقل عنه أبو مهدي عيسى الثعالبي، في كتابه ( مقاليد الأسانيد )، حيث اعتمد عليه واستند إلى كلامه بترجمة الزين العراقي، وبترجمة التفتازاني، وبترجمة الطحاوي، وهكذا

وكذا غلام علي آزاد في كتابه ( سبحة المرجان ).

وشاه ولي الله والد ( الدهلوي ) في ( الانتباه في سلاسل أولياء الله ).

و ( الدهلوي ) نفسه في كتابه ( بستان المحدثين ) بترجمة الطّحاوي.

اعتبار كتاب المناقب للخوارزمي

ثمّ إنّ كتاب ( مناقب علي ) للخطيب الخوارزمي، من الكتب المعتبرة المنقول عنها والمستند إليها، في مختلف المسائل، وإليك طرفاً من الموارد التي اعتمد كبار علماء القوم فيها عليه ونقلوا عنه في مؤلّفاتهم المشهورة.

قال الحافظ الكنجي:

« أخبرني المقرئ أبو إسحاق بن بركة الكتبي، في مسجده بمدينة الموصل، عن الحافظ أبي العلاء الحسن بن أحمد بن الحسن الهمداني، عن أبي الفتح عبدوس، عن الشريف أبي طالب المفضل بن محمّد بن طاهر الجعفري، في داره بأصبهان، أخبرنا الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه بن فورك، أخبرنا أحمد بن محمّد بن السّري، حدّثنا المنذر بن محمّد

____________________

(١). كشف الظنون ٢ / ١٤٧٢.


بن المنذر حدّثني أبي، حدّثني عمّي الحسين بن سعيد، عن أبيه عن إسماعيل ابن زياد البزّاز، عن إبراهيم بن مهاجر، حدّثني يزيد بن شراحيل الأنصاري كاتب عليعليه‌السلام قال سمعت عليّاً يقول:

حدّثني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأنا مسنده إلى صدري فقال: أي علي، ألم تسمع قول الله تعالى( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) أنت وشيعتك، وموعدي وموعدكم الحوض، إذا جاءت الأمم للحساب تدعون غرّاً محجّلين.

قلت: هكذا ذكره الحافظ أبو المؤيد موفق بن أحمد بن المكي الخوارزمي في مناقب عليّ »(١) .

« وبهذا الإسناد عن ابن شاذان قال: حدّثني أبو محمّد الحسن بن أحمد المخلّدي من كتابه، عن الحسين بن إسحاق، عن محمّد بن زكريا، عن جعفر ابن محمّد، عن أبيه، عن علي بن الحسين عن أبيه عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إنّ الله تعالى جعل لأخي عليّ فضائل لا تحصى كثرة، فمن ذكر فضيلة من فضائله مقرّاً بها غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، ومن كتب فضيلة من فضائله لم تزل الملائكة تستغفر له ما بقي لتلك الكتابة رسم، ومن استمع فضيلة من فضائله غفر الله له الذنوب التي اكتسبها بالاستماع، ومن نظر إلى فضيلة من فضائله غفر الله له الذنوب التي اكتسبها بالنظر.

ثمّ قال: النظر إلى وجه علي عبادة، وذكره عبادة، ولا يقبل الله إيمان عبد إلّابولايته والبراءة من أعدائه.

قلت: ما كتبناه إلّامن حديث ابن شاذان. رواه الحافظ الهمداني وتابعه

____________________

(١). كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب: ٢٤٦.


الخوارزمي »(١) .

وقال الحافظ الزرندي: أنشد الخطيب ضياء الدّين أخطب خوارزم الموفّق بن أحمد المكّيرحمه‌الله :

أسد الإله وسيفه وقناته

كالظفر يوم صياله والنّاب

جاء النّداء من السّماء وسيفه

بدم الكماة يُلحُّ في التسكاب

لا سيف إلّا ذو الفقار ولا فتى

إلّا عليّ هازم الأحزاب »(٢)

وقال ابن الوزير - في ( الروض الباسم ): « وتولّى حمل الرأس أي رأس الحسينعليه‌السلام بشر بن مالك الكندي ودخل به على ابن زياد وهو يقول:

إملأ ركابي فضّة وذهباً

أنا قتلت الملك المحجّبا

قتلت خير النّاس أُمّا وأبا

ولقد صدق هذا القائل الفاسق في الحديث وتقريظ هذا السّيّد الذبيح، ولقى الله بفعله القبيح، وأمر عبيدالله بن زياد من فور رأس الحسينعليه‌السلام حتّى ينصب في الرّمح فتحاماه الناس، فقام طارق بن المبارك فأجابه إلى ذلك وفعله، ونادى في النّاس وجمعهم في المسجد الجامع، وصعد المنبر وخطب خطبة لا يحلّ ذكرها، ثمّ دعا عبيدالله بن زياد جرير ابن قيس الجعفي فسلّم إليه رأس الحسين ورؤوس أهله وأصحابه، فحملها حتّى قدموا دمشق، وخطب جرير خطبة فيها كذب وزور، ثمّ أحضر الرأس فوضعه بين يدي يزيد، فتكلّم بكلام قبيح، قد ذكره الحاكم والبيهقي وغير واحد من أشياخ أهل النقل بطريق ضعيف وصحيح، وقد ذكره أخطب الخطباء ضياء الدين أبو المؤيّد موفق الدّين ابن أحمد الخوارزمي في تأليفه في مقتل الحسين، وهو عندي في مجلّدين ».

____________________

(١). كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب: ٢٥٢.

(٢). نظم درر السمطين: ١٢١.


ترجمة ابن الوزير

« محمّد بن إبراهيم بن علي بن المرتضى بن الهادي بن يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، العز أبو عبدالله الحسني اليماني الصنعاني، أخو الهادي الآتي، ولد تقريباً سنة خمس وستّين وسبعمائة، وتعاطى النظم فبرع فيه، وصنّف في الردّ على الزيديّة العواصم والقواصم في الذبّ عن سنّة أبي القاسم، واختصره في الرّوض الباسم عن سنّة أبي القاسم وغيره، وذكره التقي بن فهد الهاشمي في معجمه »(١) .

وقال ابن الصباغ المالكي: « ومن كتاب الآل لابن خالويه، ورواه أبو بكر الخوارزمي في كتاب المناقب، عن بلال بن حمامة، قال:

طلع علينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذات يوم متبسّماً ضاحكاً، ووجهه مشرق كدائرة القمر، فقام إليه عبدالرحمن بن عوف فقال: يا رسول الله ما هذا النور؟ قال: بشارة أتتني من ربي في أخي وابن عمّي وابنتي، فإنّ الله زوج عليّاً من فاطمة، وأمر رضوان خازن الجنان فهزّ شجرة طوبى فحملت رقاقاً يعني صكاكاً بعدد محبّي أهل البيت، وأنشأ تحتها ملائكة من نور، ودفع إلى كلّ ملك صكّاً، فإذا استوت القيامة بأهلها نادت الملائكة في الخلائق، فلا يبقى محبٌّ لأهل البيت إلّادفعت إليه صكّاً فيه فكاكه من النّار، فصار حب أخي وابن عمّي وبنتي فكاك رقاب رجال ونساء »(٢) .

وقال: « ومن مناقب ضياء الدّين الخوارزمي، عن ابن عبّاس قال: لمـّا

____________________

(١). الضوء اللامع لأهل القرن التاسع ٦ / ٢٧٢.

(٢). الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة: ٢٨.


آخى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بين أصحابه من المهاجرين والأنصار، وهو أنّه صلّى الله عليه وسلّم آخى بين أبي بكر وعمر ( رض )، وآخى بين عثمان وعبد الرحمن بن عوف، وآخى بين طلحة والزبير، وآخى بين أبي ذر الغفاري والمقداد رضوان الله عليهم أجمعين، ولم يؤاخ بين عليّ بن أبي طالب وبين أحدٍ منهم، خرج عليّ مغضباً حتّى أتى جدولاً من الأرض، وتوسّده ذراعه ونام فيه، تسفي الريح عليه التراب، فطلبه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فوجده على تلك الصّفة، فوكزه برجله وقال له: قم، فما صلحت أن تكون إلّا أبا تراب، أغضبت حين آخيت بين المهاجرين والأنصار ولم اواخ بينك وبين أحدٍ منهم؟ أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي، ألا من أحبّك فقد حفّ بالأمن والإيمان، ومن أبغضك أماته الله ميتة جاهليّة »(١) .

قال: « ومن كتاب المناقب لأبي المؤيّد، عن أبي برزة قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ونحن جلوس ذات يوم: والّذي نفسي بيده لا تزول قدم عن قدم يوم القيامة حتّى يسأل الله تبارك وتعالى الرجل عن أربع، عن عمره فيما أفناه، وعن جسده فيما أبلاه، وعن ماله ممّا كسب وفيم أنفقه، وعن حبّنا أهل البيت. فقال له عمر: ما آية حبّكم؟ فوضع يده على رأس عليّ وهو جالس إلى جانبه وقال: آية حُبّي حبّ هذا من بعدي»(٢) .

وقال الحافظ السمهودي بعد حديث: من كنت مولاه فعلي مولاه:

« قال الإمام الواحدي: هذه الولاية التي أثبتها النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم

____________________

(١). الفصول المهمة في معرفة الأئمّة: ٣٨.

(٢). الفصول المهمة في معرفة الأئمّة: ١٢٥.


مسئول عنها يوم القيامة، وروي في قوله تعالى( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئولُونَ ) أي عن ولاية علي وأهل البيت، لأنّ الله أمر نبيّه صلّى الله عليه وسلّم أن يعرّف الخلق أنّه لا يسألهم عن تبليغ الرّسالة أجرا إلّا المودّة في القربى، والمعنى إنّهم يسألون هل والوهم حقّ الموالاة كما أوصاهم النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أم أضاعوها وأهملوها، فيكون عليهم المطالبة والتبعة

ويشهد لذلك ما أخرجه أبو المؤيّد في كتاب المناقب فيما نقله أبو الحسن علي السفاقسي ثمّ المكي في الفصول المهمّة، عن أبي برزةرضي‌الله‌عنه ، قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ونحن جلوس ذات يوم: والّذي نفسي بيده لا تزول قدم عن قدم يوم القيامة حتّى يسأل الله تعالى الرّجل عن أربع، عن عمره فيما أفناه، وعن جسده فيما أبلاه، وعن ماله ممّا اكتسبه وفيما أنفقه، وعن حبّنا أهل البيت. فقال له عمررضي‌الله‌عنه : يا نبيّ الله ما آية حبّكم؟ فوضع يده على رأس عليّ وهو جالس إليه جانبه وقال: آية حبّي حبّ هذا من بعدي »(١) .

قال: « في كتاب الآل لابن خالويه، ورواه أبو بكر الخوارزمي في كتاب المناقب، عن بلال بن حمامةرضي‌الله‌عنه ، قال: طلع علينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذات يوم متبسّماً ضاحكاً ووجهه مشرق كدائرة القمر، فقام إليه عبدالرحمن بن عوفرضي‌الله‌عنه فقال: يا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما هذا النّور؟ قال: بشارة أتتني من ربّي في أخي وابن عمّي وابنتي، بأنّ الله تعالى زوج عليّاً من فاطمة وأمر رضوان خازن الجنان، فهزّ شجرة طوبى فحملت رقاقاً يعني صكاكاً بعدد محبّي أهل البيت، وأنشأ تحتها ملائكة من نور، ودفع إلى كلّ ملك صَكاً، فإذا استوت القيامة بأهلها نادت الملائكة في الخلائق، فلا

____________________

(١). جواهر العقدين ٢ / ٢٢٥.


يبقى محبّ لأهل البيت إلّا دفعت إليه صكّاً فيه فكاكه من النار، فصار أخي وابن عمّي وابنتي فكاك رقاب رجال ونساء من اُمتي من النّار »(١) .

وقال ابن حجر الهيتمي المكي: « أخرج أبو بكر الخوارزمي(*) أنّه صلّى الله عليه وسلّم خرج عليهم، ووجهه مشرق كدائرة القمر، فسأله عبدالرحمن ابن عوف، فقال: بشارة أتتني من ربي في أخي وابن عمّي وابنتي، بأنّ الله زوّج عليّاً من فاطمة، وأمر رضوان خازن الجنان، فهزّ شجرة طوبى فحملت رقاقاً يعني صكاكاً بعدد محبّي أهل البيت، وأنشأ تحتها ملائكة من نور، دفع إلى كلّ ملك صكّاً، فإذا استوت القيامة بأهلها نادت الملائكة في الخلائق، فلا يبقى محبّ لأهل البيت إلّادفعت إليه صكّاً فيه فكاكه من النّار، فصار أخي وابن عمّي وابنتي فكاك رقاب رجال ونساء من أمّتي من النار »(٢) .

وقال ابن باكثير: « روى أبو بكر الخوارزمي(**) عن أبي القاسم بن محمّد أنّه قال: كنت بالمسجد الحرام، فرأيت النّاس مجتمعين حول مقام إبراهيم الخليل على نبيّنا وعليه أفضل الصّلوة والسّلام، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: راهب قد أسلم وجاء إلى مكّة، وهو يحدّث بحديث عجيب، فأشرفت عليه، فإذا هو شيخ كبير عليه جبّة صوف وقلنسوة صوف، عظيم الجثّة، وهو قاعد عند المقام يحدّث النّاس، وهم يستمعون إليه، قال:

بينما أنا قاعد في صومعتي في بعض الأيّام، إذ أشرفت منها إشرافةً، فإذا بطائر كالنّسر كبير قد سقط على صَخرةٍ على شاطئ البحر فتقايا، فرمى من فيه بربع إنسان، ثمّ طار وغاب يسيراً ثمّ عاد فتقايا ربعاً آخر، ثمّ طار، فدنت

____________________

(١). جواهر العقدين ٢ / ٢٤١.

(*) وكنية الخوارزمي « أبو المؤيد » و « أبو بكر الخوارزمي » شخص آخر.

(٢). الصواعق المحرقة: ١٠٣.

(**) وكنية الخوارزمي « أبو المؤيد » و « أبو بكر الخوارزمي » شخص آخر.


الأجزاء بعضها من بعض فالتأمت، فقام منها إنسان كامل، وأنا متعجّب ممّا رأيت، فإذا بالطّائر قد انقضّ عليه، فاختطف ربعه ثمّ طار، ثمّ عاد فاختطف ربعاً آخر، وهكذا يفعل إلى أن اختطفه جميعه، فبقيت أتفكّر وأتحسّر من عدم سؤالي له عن قصّته، فلمـّا كان اليوم الثاني فإذا أنا بالطائر قد أقبل وفعل كفعله بالأمس، فلمـّا التأمت الأجزاء وصارت شخصاً كاملاً، نزلت من صومعتي مبادراً إليه، وسألته بالله من أنت يا هذا؟ فسكت، فقلت: بحق من خلقك إلّاما أخبرتني من أنت، فقال: أنا ابن ملجم، قلت: فما قصّتك مع هذا الطّائر؟ قال إنّي قتلت عليّ بن أبي طالب، فوكّل الله بي هذا الطائر يفعل بي ما ترى كُلَّ يوم، فخرجت من صومعتي وسألت عن علي بن أبي طالب من هو؟ فقيل لي: إنّه ابن عمّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأسلمت وأتيت مأتاي هذا إلى بيت الله الحرام قاصداً للحجّ وزيارة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم »(١) .

وقال: « أخرج أبو المؤيّد في كتاب المناقب فيما نقله أبو الحسن علي السفاقسي ثمّ المكّي في الفصول المهمّة، عن أبي برزةرضي‌الله‌عنه قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ونحن جلوس ذات يوم: والّذي نفسي بيده، لا تزول قدم عن قدم يوم القيامة حتّى يسأل الله الرّجل عن أربع، عن عمره فيما أفناه، وعن جسده فيما أبلاه، وعن ماله ممّا اكتسبه وفيما أنفقه، وعن حبّنا أهل البيت. فقال عمررضي‌الله‌عنه : ما آية حبّكم؟ فوضع يده على رأس عليّ وهو جالس إلى جانبه وقال: آية حبّي حبّ هذا من بعدي »(٢) .

وقال المطيري: « الحديث الرابع والستّون من كتاب الآل لابن خالويه ورواه أبو بكر الخوارزمي في كتاب المناقب، عن بلال بن حمامةرضي‌الله‌عنه

____________________

(١). وسيلة المآل في مناقب الآل - مخطوط.

(٢). وسيلة المآل في مناقب الآل - مخطوط.


عنه ، قال: طلع علينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذات يوم متبسّماً ضاحكاً ووجهه مشرق كدائرة القمر، فقام إليه عبدالرحمن بن عوف فقال يا رسول الله ما هذا النّور؟ قال: بشارة أتتني من ربّي في أخي وابن عمّي وابنتي، فإنّ الله زوج عليّاً من فاطمة رضي الله عنها، وأمر رضوان خازن الجنان فهزّ شجرة طوبى فحملت رقاقاً يعني صكاكاً بعدد محبّي أهل البيت، وأنشأ تحتها ملائكة من نور، ودفع إلى كلّ ملك صكّاً، فإذا استوت القيامة بأهلها نادت الملائكة في الخلائق، فلا يبقى محبّ لأهل البيت إلّا دفعت إليه صكّاً فيه فكاكه من النار، فصار أخي وابن عمّي وابنتي فكاك رقاب رجال ونساء من أمّتي من النار »(١) .

وقال وليّ الله اللكهنوي: « أخرج أبو بكر الخوارزمي إنّه صلّى الله عليه وسلّم خرج عليهم ووجهه مشرق كدائرة القمر، فسأله عبدالرحمن بن عوف فقال: بشارة أتتني من ربّي في أخي وابن عمّي وابنتي، بأنّ الله زوّج عليّاً من فاطمة، وأمر رضوان خازن الجنان فهز شجرة طوبى فحملت رقاباً يعني صكاكاً بعدد محبّي أهل البيت، وأنشأ تحتها ملائكة من نور، ودفع إلى كلّ ملكٍ صكّاً فيه فكاكه من النّار، فصار أخي وابن عمّي وابنتي فكاك رقاب رجال ونساءٍ من النّار.

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لا يحبّنا أهل البيت إلّا مؤمن تقيّ ولا يبغضنا إلّا منافق شقي »(٢) .

فوق ذلك كلّه أنّ ( الدهلوي ) مع إبائه عن قبول كثيرٍ من الحقائق المنقولة من طرق القوم والواردة في كتبهم، يعتمد على رواية الخطيب الخوارزمي في كتابه، ويذكره في عداد الأئمّة الأعلام من أهل السنّة، من قبيل

____________________

(١). الرياض الزاهرة في مناقب آل بيت النبي وعترته الطاهرة - مخطوط.

(٢). مرآة المؤمنين في مناقب آل بيت سيّد المرسلين - مخطوط.


ابن مندة وابن مردويه وأمثالهما، فراجع كتابه في باب المكائد، في المكيدة رقم ٨٤(١) .

كما أنّه في موضع آخر يذكر الخوارزمي ويستشهد بكتابه، في عداد ابن أبي شيبة، وأحمد بن حنبل، والنسائي، وأبي نعيم الاصفهاني، وأمثالهم ويدّعي أنّ الإماميّة في إثبات فضائل أمير المؤمنين وأهل البيت عيالٌ على أهل السنّة، ممّن ذكرهم وغيرهم وقد تقدم كلامه.

(١٧)

رواية الحاكمي القزويني

قال الحافظ محبّ الدين الطبري: « ذكر شبهه بخمسةٍ من الأنبياءعليهم‌السلام في مناقب لهم:

عن أبي الحمراء قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في فهمه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى يحيى ابن زكريا في زهده، وإلى موسى بن عمران في بطشه، فلينظر إلى علي بن أبي طالب.

أخرجه القزويني الحاكمي »(٢) .

وقال الحافظ الطبري: « عن أبي الحمراء، قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في فهمه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى يحيى بن زكريا في زهده، وإلى موسى في بطشه،

____________________

(١). التحفة الإثنا عشرية: ٧٠.

(٢). الرياض النضرة في مناقب العشرة المبشرة ( ٣ - ٤ ): ١٩٦.


فلينظر إلى علي بن أبي طالب.

أخرجه أبو الخير الحاكمي »(١) .

ترجمة أبي الخير الحاكمي

وأبو الخير الحاكمي القزويني إمام كبير من أئمّتهم:

١ - الرافعي: أحمد بن إسماعيل بن يوسف بن محمّد بن العبّاس، أبو الخير الطّالقاني القزويني، إمام كثير الخير والبركة، نشأ في طاعة الله تعالى وحفظ القرآن وهو ابن سبع على ما بلغني، وحصّل بالطلب الحثيث العلوم الشرعية حتّى برع فيها رواية ودراية وتعليماً وتذكيراً وتصنيفاً، وعظمت بركته وفائدته، وكان مديماً للذكر وتلاوة القرآن في مجيئه وذهابه وقيامه وقعوده وعامّة أحواله، وسمعت غير واحد ممّن حضر عنده - بعد ما قضى نحبه عند تعبيته للمغتسل وقبل أن ينقل إليه - أن شفتيه كانتا تتحرّكان كما كان يحرّكهما طول عمره بذكر الله تعالى، وكان يقرأ عليه العلم وهو يصلّي ويقرأ القرآن ويصغي مع ذلك إلى القرائة، وقد ينبّه القارئ على زلّته.

وصنّف الكثير في التفسير والحديث والفقه وغيرهما، مطوّلاً ومختصراً، وانتفع بعلمه أهل العلم وعوام المسلمين، سمع الكثير بقزوين ونيسابور وبغداد وغيرها، وفهرست مسموعاته متداول، وتكلّم بعض المجازفين في سماعه من أبي عبدالله محمّد الفراوي بظنٍّ فاسدٍ وقع لهم، وقد شاهدت سماعاته منه لكتب، فمنها الوجيز للواحدي، سمعه منه بقرائة الحافظ عبدالرزّاق الطبسي في ستّة مجالس، وقعت في شعبان ورمضان سنة ثلاثين وخمسمائة، نقلت معناه من خط الإمام أبي البركات الفراوي، وذكر أنّه نقله

____________________

(١). ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى: ٩٣.


من خطّ تاج الإسلام أبي سعد السّمعاني، وسمع منه الترغيب لحميد بن زنجويه بقراءة تاج الإسلام أبي سعد في ذي الحجّة سنة تسع وعشرين وخمسمائة، وسمع من الفراوي جزءً من حديث يحيى بن يحيى بروايته عن عبد الغافر الفارسي، عن أبي سهل بن أحمد الإسفرائني، عن داود بن الحسين البيهقي، عن يحيى بن يحيى، بقراءة الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله الدمشقي سنة تسع وعشرين وخمسمائة، وسمع منه الأربعين تخريج محمّد بن إيزديار الغزنوي من مسموعاته بقراءة السّيّد أبي الفضل محمّد بن علي بن محمّد الحسيني، في رجب سنة تسع وعشرين، نقلت السّماعين من خط مذكور بن محمّد الشيباني البغدادي، رأيت بخط تاج الإسلام أبي سعد السّمعاني أنه رحمه‌ الله سمع من الفراوي دلائل النبوّة وكتاب البعث والنشور وكتاب الأسماء والصفات وكتاب الاعتقاد، كلّها من تصانيف أبي بكر الحافظ البيهقي، بروايته عن المصنّف، في شهور سنة ثلاثين وخمسمائة بقراءة تاج الإسلام.

ووجد مع علمه وعبادته الوافرين القبول التام عند الخواص والعوامّ، وارتفع قدره وانتشر صيته في أقطار الأرض، وتولّى تدريس النظاميّة ببغداد قريباً من خمسة عشر سنة، مكرماً في حرم الخلافة مرجوعاً إليه فاضلاً مقبولاً فتواه في مواقع الاختلاف.

وهو رحمه‌ الله خال والدتي وجدّي لأُمّي من الرضاع، ولبست من يده الخرقة بكرة يوم الخميس الثاني من شهر الله رجب سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة بهمدان، وشيخه في الطريقة الإمام أبو الأسعد هبة الرحمن بن عبدالواحد القشيري ليس الخرقة بيده بنيسابور، في رباط جدّه الأستاذ أبي علي الدقّاق بمشهد الإمام محمّد بن يحيىرحمهم‌الله .


وسمعت منه الحديث الكثير، وكان يعجبه قراءتي، ويأمر الحاضرين بالإصغاء إليها.

وكانرحمه‌الله ماهراً في التفسير، حافظاً لأسباب النزول وأقوال المفسّرين، كامل النظر في معاني القرآن ومعاني الحديث »(١) .

٢ - الذهبي: « وفيها توفي القزويني، العلاّمة رضي الدين أبو الخير، أحمد بن إسماعيل بن يوسف الطالقاني، الفقيه الشافعي الواعظ، ولد سنة اثنتي عشرة وخمسمائة، وتفقّه على الفقيه ملكداد العمركي، ثمّ بنيسابور على محمّد بن يحيى، حتّى فاق الأقران، وسمع من الفراوي وزاهر وخلق، ثمّ قدم بغداد قبل الستّين، ودرّس بها ووعظ، ثمّ قدمها قبل السبعين، ودرّس بها ووعظ، ثمّ قدمها قبل التسعين ودرّس بالنظامية.

وكان إماماً في المذاهب والخلاف والأصول والتفسير والوعظ، وروى كتباً كباراً، ونفق كلامه على النّاس لحسن سمته وحلاوة منطقه وكثرة محفوظاته، وكان صاحب قدم راسخ في العبادة عديم النظير كبير الشأن.

رجع إلى قزوين سنة ثمانين ولزم العبادة إلى أن مات في المحرّمرحمه‌الله »(٢) .

٣ - اليافعي: « توفي الفقيه العلّامة الشافعي القزويني، الواعظ، أبو الخير، أحمد بن إسماعيل الطالقاني، قدم بغداد، ودرّس بالنظامية، وكان إماماً في المذهب والخلاف والأصول والوعظ، وروى كتباً كباراً، ونفق كلامه لحسن سمته وحلاوة منطقه وكثرة محفوظاته، وكان صاحب قدم راسخ في العبادة كبير الشأن عديم النظير، رجع إلى قزوين سنة ثمانين ولزم العبادة إلى

____________________

(١). التدوين في ذكر أهل العلم بقزوين ٢ /١٤٤ - ١٤٨.

(٢). العبر في خبر من غبر ٤ / ٢٧١.


أن مات في محرّم السنة المذكورةرحمه‌الله »(١) .

٤ - ابن الجزري: « أحمد بن إسماعيل بن يوسف بن محمّد بن العباس، أبو الخير الحاكمي الطالقاني، القزويني، مقرء متصدّر صالح خير، له معرفة بعلوم كثيرة، وله كتاب التبيان في مسائل القرآن، ردّاً على الحلوليّة والجهميّة، أقرء الغاية لأبي مهران عن زاهر بن طاهر الشحامي، وقرأ بالرّوايات على إبراهيم بن عبد الملك القزويني صاحب ابن معشر، قرأ عليه ابنه محمّد ومحمّد ابن مسعود ابن أبي الفوارس القزويني وإلياس بن جامع وعبدان بن سعيد القصري.

توفي في المحرّم سنة تسعين وخمسمائة عن نحو تسعين سنة »(٢) .

٥ - الأسنوي: « الشيخ أبو الخير أحمد بن إسماعيل بن يوسف القزويني الطالقاني، كان عالماً بعلوم متعددّة، قرأ على محمّد بن يحيى، ثمّ صار معيده على ملكداد بن علي القزويني السابق ذكره في الأصل، وسمع وحدّث، ولد بقزوين سنة ثنتي عشرة وخمسمائة أو إحدى عشرة، ذكره الرافعي في الأمالي فقال: كان إماماً كثير الخير وافر الحظّ من علوم الشرع، حفظاً وجمعاً ونشراً بالتعليم والتذكير والتصنيف، وكان لسانه لا يزال رطباً من ذكر الله تعالى ومن تلاوة القرآن، وكان يعقد مجلس الوعظ للعامة في ثلاثة أيّام من الأسبوع منها يوم الجمعة، فتكلّم يوماً فيها على عادته وكان اليوم الثاني عشر من المحرم سنة تسعين وخمسمائة، واستطرد إلى قوله تعالى( وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ) وذكر أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما عاش بعد نزول هذه الآية إلّاسبعة أيّام، فلمـّا نزل من المنبر حُمَّ ولم يَعش بعدها إلّاسبعة أيّام، فإنّه مات

____________________

(١). مرآة الجنان - حوادث ٥٩٠.

(٢). طبقات القرّاء ١ / ٣٩.


يوم الجمعة ودفن يوم السّبت، وذلك من عجيب الإتفاقات وكأنّه أعلم بالحال فإنّه حان وقت الإرتحال.

قال: ولقد خرجت من الدار بكرة ذلك اليوم على قصد التعزية، وأنا في شأنه متفكّر وممّا أصابه منكسر، إذ وقع في خاطري من غير نيّة وفكروريّة بيت من شعر وهو:

بكت العلوم بويلها وعويلها

لوفاة أحمدها ابن اسماعيلها

كأنّ قائلاً يكلّمني بذلك، ثمّ أضفت إليه أبياتاً بالرويّة. انتهى كلام الرافعي »(١) .

٦ - ابن قاضي شهبة: « أحمد بن إسماعيل بن يوسف بن محمّد بن العبّاس رضي الدين، أبو الخير القزويني الطالقاني، ولد سنة اثنتي عشرة أو إحدى عشرة وخمسمائة، قرأ على محمّد بن يحيى، وصار مُعيد درسه على ملكداد القزويني، وقرأ بالرّوايات على إبراهيم بن عبدالملك القزويني، وصنّف كتاب البيان في مسائل القرآن ردّاً على الحلولية والجهميّة، وصار رئيس الأصحاب، وقدم بغداد فوعظ بها وحصل له قبول تامّ، وكان يتكلَّم يوماً وابن الجوزي يوماً، ويحضر الخليفة وراء الأستار، ويحضر الخلائق والأمم، وولّي تدريس النظامية ببغداد سنة تسع وستّين إلى سنة ثمانين، ثمّ عاد إلى بلده.

ذكره الإمام الرّافعي في الأمالي وقال: كان إماماً كثير الخير وافر الحظّ من علوم الشرع، حفظاً وجمعاً ونشراً بالتعليم والتذكير والتصنيف.

وقال الحافظ عبدالعظيم المنذري: وحكى عنه غير واحد أنّه كان لسانه لا يزال رطباً من ذكر الله تعالى ومن تلاوة القرآن.

____________________

(١). طبقات الشافعية للأسنوي ٢ / ٣٢٢.


توفّي في المحرّم سنة تسعين وخمسمائة، وقيل سنة تسع وثمانين، قال السّبكي في شرح المنهاج: وذكر أبو الخير في كتابه حظائر القدس لرمضان أربعين وستّين اسماً »(١) .

٧ - السبكي: « أحمد بن إسماعيل بن يوسف بن محمّد بن العبّاس، الشيخ أبو الخير، القزويني الطالقاني، الشيخ الإمام الصوفي الواعظ، الملقّب رضي الدّين، أحد الأعلام.

ولد في سنة اثنتي عشرة وخمسمائة بقزوين، وقيل سنة إحدى عشرة، وتفقّه على محمّد بن يحيى، وسمع الكثير من أبيه، وأبي عبدالله محمّد بن الفضل الفراوي، وزاهر الشحامي، وعبد المنعم بن القشيري، وعبد الغافر الفارسي، وعبد الجبار الخوارزمي، وهبة الله بن البسري، ووجيه بن طاهر، وأبي الفتح بن البطي، وغيرهم، بنيسابور وبغداد وغيرهما، روى عنه ابن القرشي، ومحمّد بن علي بن أبي النهد الواسطي، والموفق عبداللطيف بن يوسف، والإمام الرافعي، وغيرهم، درّس ببلده مدّة ثمّ ببغداد ثمّ عاد إلى بلده ثمّ إلى بغداد ودرّس بالنظامية، وحدّث بكبار الكتب كتاريخ الحاكم، وسنن أبي داود، وصحيح مسلم، ومسند إسحاق، وغيرها، وأملى عدّة مجالس.

قال ابن النجّار: كان رئيس أصحاب الشافعي، وكان إماماً في المذهب والخلاف والأصول والتفسير والوعظ والزهد، وحدّث عنه الإمام الرافعي في أماليه، وقال فيه: إمام كثير الخير موفر الحظ من علوم الشرع حفظاً وجمعاً ونشراً بالتعليم والتذكير والتّصنيف، وكان لسانه لا يزال رطباً من ذكر الله وتلاوة القرآن، وربّما قرئ عليه الحديث وهو يصلّي ويصغي إلى ما يقول القارئ وينبّهه إذا زلّ.

____________________

(١). طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٢ / ٨.


قلت: وأطال ابن النجار في ترجمته والثناء على علمه ودينه، وروى بإسناده حكاية مبسوطة ذكر أنّه عبّر بها من العجمي إلى العربيّة حاصلها:

إنّ الطالقاني حكى عن نفسه أنّه كان بليد الذّهن في الحفظ، وأنّه كان عند الإمام محمّد بن يحيى في المدرسة، وكان من عادة ابن يحيى أن يستعرض الفقهاء كلّ جمعة ويأخذ عليهم ما حفظوه، فمن وجده مقصّراً أخرجه، فوجد الطالقاني مقصّراً فأخرجه، فخرج في الليل وهو لا يدري أين يذهب، فنام في اتّون حمّام، فرأى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فتفل في فمه مرّتين، وأمره بالعود إلى المدرسة، فعاد ووجد الماضي محفوظاً واحْتدّ ذهنه جداً، قال: فلمـّا كان يوم الجمعة، وكان من عادة الإمام محمّد بن يحيى أن يمضي إلى صلاة الجمعة في جمع من طلبته، فيصلّي عند الشيخ عبدالرحمن الإسكاف الزهد، قال: فمضيت معه، فلمـّا جلس مع الشيخ عبدالرحمن تكلّم الشيخ عبدالرحمن في شيء من مسائل الخلاف، والجماعة ساكتون تأدّباً معه، ولصغر سنّي وحدّة ذهني جعلت أعترض عليه وأُنازعه، والفقهاء يشيرون إليّ بالإمساك وأنا لا ألتفت، فقال لهم الشيخ عبدالرحمن: دعوه فإنّ هذا الّذي يقوله ليس هو منه إنّما هو من الّذي علّمه، قال: ولم يعلم الجماعة ما أراد وفهمت وعلمت أنّه مكاشفة.

قال ابن النجّار: وقيل إنّه كان مع كثرة اشتغاله يدوام الصيام، يفطر كلّ ليلة على قرصٍ واحدٍ.

وحكي أنّه لما دعي إلى تدريس النظاميّة جاء بالحلقة وحوله الفقهاء وهناك المدرّسون والصّدور والأعيان، فلمّا استقرّ على كرسيّ التدريس ودعا دعاء الختمة، إلتفت إلى الجماعة قبل الشروع في إلقاء الدّرس وقال: من أيّ كتب درس التفاسير تحبّون أن أذكر؟ فعيّنوا كتاباً، فقال: من أيّ سورة


تريدون؟ فعيّنوا، وذكر لهم ما أرادوا، وكذلك فعل في الفقه والخلاف، لم يذكر إلّاما عيّن الجماعة له، فعجبوا لكثرة استحضاره.

قال ابن النجّار: حدّثني شيخنا أبو القاسم الصّوفي قال: صلّى شيخنا القزويني بالناس التّراويح في ليالي شهر رمضان، وكان يحضر عنده خلق كثير، فلمـّا كان ليلة الختم دعا وشرع في تفسير القرآن من أوّله ولم يزل يفسّر سورة حتّى طلع الفجر، فصلّى بالناس صلوة الفجر بوضوء العشاء، وخرج من الغد إلى المدرسة النّظاميّة، وكان نوبته في الجلوس بها، فلما تكلّم في المنبر على عادته وكان في المجلس الأمير قطب الدين قيماز والأعيان، فذكر لهم أنّ الشيخ ليلتئذ فسّر القرآن كله في مجلس واحد، فقال قطب الدّين: الغرامة على الشيخ واجبة، فالتفت الشيخ وقال: إنّ الأمير أوجب علينا شيئاً، فإن كان لا يشق عليكم وفينا به، فقالوا: لا بل نُؤثر ذلك، فشرع وفسّر القرآن من أوّل إلى آخره من غير أن يعيد كلمة ممّا ذكر ليلاً، فأبلس الناس من قوّة حفظه وغزارة علمه.

قال أبو أحمد بن سكينة: لمـّا أظهر ابن الصاحب الرفض ببغداد، جاءني القزويني ليلاً فودّعني وذكر أنّه متوجّه إلى بلاده، فقلت: إنّك هاهنا طيّبٌ تنفع النّاس، فقال: معاذ الله أن اقيم ببلدة يجهر فيها بسبّ أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ثمّ خرج من بغداد إلى قزوين، وكان آخر العهد به.

قلت: أقام بقزوين معظّماً محترماً إلى أن توفي بها.

قال الرافعي في الأمالي: كان يعقد المجالس للعامّة ثلاث مرّات في الأسبوع إحداهما صبيحة يوم الجمعة، فتكلّم على عادته يوم الجمعة ثاني عشر المحرّم سنة تسعين وخمسمائة في قوله تعالى( فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ ) وذكر أنّها من أواخر ما نزل، وعدّ الآيات المنزلة آخراً منها( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ) ومنها سورة النصر


وقوله تعالى:( وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ) وذكر أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما عاش بعد نزول هذه الآية إلّا سبعة أيّام. قال الرّافعي: ولمـّا نزل من المنبر حمّ فمات في الجمعة الاُخرى، ولم يعش بعد ذلك إلّاسبعة أيّام. قال: وذلك من عجيب الإتّفاقات. قال: وكأنّه أُعلم بالحال وأنّه حان وقت الإرتحال. ودفن يوم السّبت قال: ولقد خرجت من الدار بكرة ذلك اليوم على قصد التعزية وأنا في شأنه متفكّر وممّا أصابه منكسر، إذ وقع في خلدي من غير نيّة وفكروريّة:

بكت العلوم بويلها وعويلها

لوفاة أحمدها ابن اسماعيلها

كأنّ أحداً يكلّمني بذلك، ثمّ أضفت إليه أبياتاً بالرويّة ذهبت عنّي، إنتهى والله أعلم »(١) .

٨ - الداودي: « أحمد بن إسماعيل بن يوسف، أبو الخير الطالقاني القزويني الشافعي، رضي الدّين، أحد الأعلام.

قال ابن النجّار: كان رئيس أصحاب الشافعي، وكان إماماً في المذهب والخلاف والأصول والتفسير والوعظ كثير المحفوظ أملى الحديث ووعظ، وسمع الكثير من أبي عبدالله الفراوي، وزاهر الشحّامي، وهبة الله السندي، وأبي الفتح بن البطّي، وتفقّه على ملكداد ومحمّد بن مكّي، ودرّس ببلده وببغداد، وحدّث بالكتب الكبار، وولّي تدريس النظاميّة، وكان كثير العبادة والصّلوة، دائم الذّكر، دائم الصّوم، له في كلّ يوم ختمة، وقال ابن المديني: كان له يد باسطة في النظر واطّلاع على العلوم ومعرفة الحديث، وقال الموفق بن عبداللطيف البغدادي: كان يعمل في اليوم واللّيل ما يعجز المجتهد عن عمله في شهر.

____________________

(١). طبقات الشافعية الكبرى ٦ / ٧.


ولد سنة اثنتي عشرة وخمسمائة، ومات في المحرّم سنة تسعين »(١) .

(١٨)

رواية الملّاء الإربلي

رواه « عن ابن عباس -رضي‌الله‌عنه - قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: من أراد أن ينظر إلى إبراهيم في حلمه، وإلى نوحٍ في فهمه، وإلى يوسف في جماله، فلينظر إلى علي بن أبي طالب »(٢) .

وسيأتي كلام الحافظ محبّ الدين الطبري الدال على إخراج الملّا هذا الحديث.

ترجمة الملّاء

واشتهر عمر بن محمّد الملّا بين علماء أهل السنّة ومحدّثيهم بالورع والصلاح، حتّى اقتدى به أكابرهم من السلاطين والعلماء الأعلام:

قال محمّد بن يوسف الشامي في ( سيرته ) ما نصّه: « الباب الثالث عشر، في أقوال العلماء في عمل المولد الشريف واجتماع الناس له، وما يحمد من ذلك وما يذمّ:

قال الحافظ أبو الخير السّخاوي في فتاواه: عمل المولد الشّريف لم ينقل عن أحد من السّلف الصالح في القرون الثّلاثة الفاضلة، وإنّما حدث بعدها، ثمّ

____________________

(١). طبقات المفسّرين ١ / ٣١.

(٢). وسيلة المتعبدين في سيرة سيّد المرسلين ٥ / ١٦٨.


لا زال أهل الإسلام في سائر الأقطار والمدن الكبار يحتفلون في شهر مولده صلّى الله عليه وسلّم، بعمل الولائم البديعة المشتملة على الأمور البهيجة الرفيعة، ويتصدّقون في لياليه بأنواع الصّدقات، ويظهرون السرور ويزيدون في المبرّات، ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته فضل عظيم

وقال الإمام الحافظ أبو محمّد عبدالرّحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة، في كتابه الباحث على إنكار البدع والحوادث: قال الرّبيع قال الشافعي رحمه الله تعالى : المحدثات من الأمور ضربان، أحدهما: ما أُحدث ممّا يخالف كتاباً أو سنةً أو أثراً وإجماعاً، فهذه البدعة هي الضّلالة، والثّاني: ما أُحدث من الخير لا خلاف فيه لأحدٍ من هذا، فهي محدثة غير مذمومة، قال عمررضي‌الله‌عنه في قيام رمضان: نعمت البدعة هذه، يعني إنّها محدّثة لم تكن، وإذا كانت فليس فيها ردّ لما مضى، فالبدع الحسنة متّفق على جواز فعلها والإستحباب لها ورجاء الثّواب لمن حسنت نيّته فيها، وهي كلّ مبتدع موافق لقواعد الشّرعيّة، غير مخالفٍ لشيء منها، ولا يلزم من فعله محذور شرعي، وذلك نحو بناء المنابر والرّبط والمدارس وخانات السّبيل وغير ذلك، ومن أنواع البرّ الّتي لم تعهد في الصّدر الأوّل، فإنّه موافق لما جاءت به السنّة من اصطناع المعروف والمعاونة على البرّ والتقوى.

ومن أحسن البدع ما ابتدع في زماننا هذا من هذا القبيل، ما كان يفعل بمدينة إربل كلّ عام، في اليوم الموافق ليوم مولد النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم من الصّدقات والمعروف وإظهار الزّينة والسّرور، فإنّ ذلك مع ما فيه من الإحسان إلى الفقراء يشعر بمحبّة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وتعظيمه وإجلاله في قلب فاعله، وشكر الله تعالى على ما منّ به من إيجاد رسوله الّذي هو رحمة


للعالمين صلّى الله عليه وسلّم، وكان أوّل من فعل ذلك بالموصل عمر بن محمّد الملّا أحد الصالحين المشهورين، وبه اقتدى في ذلك صاحب إربل وغيره رحمهم‌ الله تعالى »(١) .

وهذه القضيّة بوحدها تكفي لمعرفة جلالة قدر هذا الرجل وعظم شأنه عند أهل السنّة، إذ كان عمله حجةً عندهم ودليلاً على جوازه بل على رجحانه، وذلك بعد مضيّ قرونٍ - فيها العلماء والصالحون - لم يفعل فيها ذلك وما ذلك إلّا لكثرة اعتقاد القوم بورع هذا الرجل وشدّة وثوقهم بديانته وصلاحه.

اعتبار كتاب وسيلة المتعبّدين

وكتابه ( وسيلة المتعبّدين ) يعدّ عندهم من خيرة الكتب المؤلّفة في سيرة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ذكره ( الدهلوي ) في ( أصول الحديث ) في كتب السّير في سياق سيرة ابن هشام وسيرة ابن إسحاق

وقال الصديق حسن خان القنوجي في كتاب ( الحطّة في ذكر الصحاح الستّة ): « وأمّا أحاديث التواريخ والسير فهي قسمان: قسم يتعلّق بخلق السماء والأرض والحيوانات و قسم يتعلّق بوجود النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه الكرام وآله العظام من بدء الولادة إلى الوفاة، ويسمّى « سيرة ». كسيرة ابن إسحاق وسيرة ابن هشام وسيرة الملّا عمر. والكتب المصنّفة في هذا الباب أيضاً كثيرة جدّاً ».

ولقد نقل عن هذا الكتاب واعتمد عليه سائر العلماء:

قال الكابلي في ( الصواقع ): « ولأنّ نفي وجوب محبة غير علي من

____________________

(١). سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد ١ / ٣٦٢ - ٣٦٥.


الصحابة كذب مفترىً، فقد روى الحافظ أبو طاهر السلفي في مشيخته عن أنس قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: حبّ أبي بكر وشكره واجب على اُمّتي.

وأخرج ابن عساكر عنه نحوه، ومن طريق آخر عن سعد بن سهل الساعدي.

وأخرج الحافظ عمر بن محمّد بن خضر الملّاء في سيرته عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: إن الله فرض عليكم حبّ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي كما فرض عليكم الصلاة والزكاة والصوم والحج ».

فهذا نصّ كلام الكابلي.

وتجده بعينه في ( التحفة ) حيث قال هذا في جواب الإستدلال بآية المودّة، فراجعه، لترى كيف ينتحل ( الدهلوي ) كلام الكابلي، في بحوث كتابه(١) .

وقد أكثر من النقل عنه: الحافظ المحبّ الطبري، في كتابه ( الرياض النضرة في مناقب العشرة المبشرة ).

وكذلك السمهودي الحافظ، فإنّه قال:

« عن جابر -رضي‌الله‌عنه - قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لا يحبّنا أهل البيت إلّا مؤمن تقي، ولا يبغضنا إلّامنافق شقي.

أخرجه الملّاء. قاله المحب »(٢) .

وقال السمهودي: « أخرج أبو سعد والملّا في سيرته حديث: استوصوا بأهلي خيراً، فإنّي أُخاصمكم عنهم غداً، ومن أكن خصيمه أخصمه، ومن

____________________

(١). التحفة الإثنا عشرية: ٢٠٥.

(٢). جواهر العقدين ٢ / ٢٤٢.


أخصمه دخل النار. وحديث: من حفظني في أهل بيتي فقد اتّخذ عند الله عهداً. وأخرج الأوّل فقط حديث: أنا وأهل بيتي شجرة في الجنّة وأغصانها في الدنيا، فمن شاء اتّخذ إلى ربّه سبيلاً. وأخرج الملّا حديث: في كلّ خلف من أمّتي عدول من أهل بيتي، ينفون عن هذا الدين تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، ألا وإنّ أئمّتكم وفدكم إلى الله عزّوجلّ فانظروا من توفدون »(١) .

وقال كاشف الظنون: « وسيلة المتعبّدين، للشيخ الصالح عمر بن محمّد ابن خضر الإربلي، المتوفى سنة وهو الذي كان يعتقده نور الدين الشهيد »(٢) .

ذكر الملك نور الدين الشهيد الذي اعتقد الملّاء

والملك المذكور موصوف عندهم بأحسن الأوصاف:

قال ابن الأثير: « ذكر وفاة نور الدين محمود زنكي -رحمه‌الله - في هذه السنة. توفي نور الدين محمود بن زنكي بن اقسنقر، صاحب الشام وديار الجزيرة ومصر، يوم الأربعاء، حادي عشر شوّال، بعلّة الخوانيق، ودفن بقلعة دمشق، ونقل منها إلى المدرسة التي أنشأها بدمشق عند سوق الخواصين.

ومن عجيب الإتّفاق أنّه ركب ثاني شوّال، وإلى جانبه بعض الأمراء الأخيار، فقال الأمير: سبحان من يعلم هل نجتمع هنا في العامل المـُقْبِل أم لا؟ فقال نور الدّين: لا تقل هكذا، بل سبحان من يعلم هل نجتمع بعد شهر أم لا؟ فمات نور الدينرحمه‌الله بعد أحد عشر يوماً، ومات الأمير قبل الحول، فأخذ كلّ منهما بما قاله

____________________

(١). جواهر العقدين ٢ / ٩١.

(٢). كشف الظنون ٢ / ٢٠١٠.


وكان قد اتّسع ملكه جدّاً، وخطب له بالحرمين الشريفين، وباليمن لمـّا دخلها شمس الدّولة بن أيّوب وملكها، وكان مولده سنة إحدى عشرة وخمسمائة، وطبّق ذكره الأرض بحسن سيرته وعدله.

وقد طالعت سير الملوك المتقدّمين، فلم أر فيها بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبدالعزيز، أحسن من سيرته، ولا أكثر تحريّاً منه للعدل، وقد أتينا على كثير من ذلك في كتاب الباهر من أخبار دولتهم، ولنذكر هاهنا نبذة لعلّه يقف عليها من له حكم فيقتدي به.

فمن ذلك زهده وعبادته وعلمه، فإنّه كان لا يأكل ولا يلبس ولا يتصرّف إلّا في الّذي يخصّه من ملك كان له، قد اشتراه من سهمه من الغنيمة، ومن الأموال المرصدة لمصالح المسلمين، ولقد شكت إليه زوجته من الضّائقةِ، فأعطاها ثلاث دكاكين في حمص كانت له، يحصل له منها في السّنة نحو العشرين ديناراً، فلمـّا استقلتها قال ليس لي إلّا هذا، وجميع ما بيدي أنا فيه خازن للمسلمين، لا أخونهم فيه ولا أخوض نار جهنّم لأجلك. وكان يصلّي كثيراً باللّيل، وله فيه أوراد حسنة، وكان كما قيل:

جمع الشّجاعة والخشوع لربّه

ما أحسن المحراب في المحراب

وكان عارفاً بالفقه على مذهب أبي حنيفة، ليس عنده فيه تعصّب، وسمع الحديث وأسمعه طلباً للأجر.

وأمّا عدله، فإنّه لم يترك في بلاده على سعتها مكساً ولا عشراً، بل أطلقها جميعها في مصر والشام والجزيرة والموصل، وكان يعظّم الشريعة ويقف عند أحكامها، وأحضره إنسان إلى مجلس الحكم فمضى معه إليه، وأرسل إلى القاضي كمال الدين بن الشهرزوري فقال: قد جئت محاكماً فاسلك معي ما تسلك مع الخصوم، وظهر له الحقّ، فوهبه الخصم الّذي أحضره وقال:


أردت أن أترك له ما يدّعيه، إنّما خفت أن يكون الباعث لي على ذلك الكبر والأنفة من الحضور إلى مجلس الشريعة، فحضرت ثمّ وهبته ما يدّعيه.

وبنى دار العدل في بلاده، وكان يجلس هو والقاضي فيها ينصف المظلوم، ولو أنّه يهودي من الظالم، ولو أنّه ولده أو أكبر أمير عنده

وكان يكرم العلماء وأهل الدّين ويعظّمهم ويقوم إليهم ويجلسهم معه وينبسط معهم ولا يردّ لهم قولاً ويكاتبهم بخطّ يده، وكان وقوراً مهيباً مع تواضعه.

وبالجملة، فحسناته كثيرة ومناقبه غزيرة لا يحتملها هذا الكتاب »(١) .

وقال الذهبي: « السّلطان نور الدّين الملك العادل أبو القاسم محمود بن أتابك زنكي بن أقسنقر، تملّك حلب بعد أبيه، ثمّ أخذ دمشق فملكها عشرين سنة، وكان مولده في شوّال سنة إحدى عشرة وخمسمائة، وكان أجلّ ملوك زمانه وأعدلهم وأدينهم وأكثرهم جهاداً وأسعدهم في دنياه وآخرته، هزم الفرنج غير مرّة وأخافهم وجرّعهم المِدّ.

وفي الجملة، محاسنه أبين من الشمس وأحسن من القمر، وكان أسمر طويلاً، مليحاً تركي اللحية، نقيّ الخدّ، شديد المهابة، حسن التّواضع، طاهر اللّسان، كامل العقل والرّأي، سليماً من التّكبّر، خائفاً من الله، قلّ أن يوجد في الصّلحاء الكبار مثله، فضلاً عن الملوك، ختم الله له بالشهادة ونوّله الحسنى إن شاء الله وزيادة، فمات بالخوانيق في حادي عشر شوّال »(٢) .

____________________

(١). الكامل لابن الأثير - حوادث ٥٦٩.

(٢). العبر في خبر من غبر - حوادث ٥٦٩.


(١٩)

رواية أبي حامد الصالحاني

ورواه أبو حامد محمود الصالحاني كما جاء في ( توضيح الدلائل ):

« عن الحارث الأعور صاحب راية أمير المؤمنين كرّم الله وجهه قال: بلغنا أنّ النبيّ صلّى الله عليه وعلى آله وبارك وسلّم كان في جمع من الصحابة فقال:

أُريكم آدم في علمه، ونوحاً في فهمه، وإبراهيم في حلمه، فلم يكن بأسرع من أنْ طلع علي كرّم الله تعالى وجهه، فقال أبو بكررضي‌الله‌عنه : يا رسول الله، قست رجلاً بثلاثة من الرسل، بخ بخ لهذا، من هو يا رسول الله؟ فقال النبيّ صلى‌ الله ‌عليه ‌وآله‌ وبارك وسلّم: يا أبا بكر ألا تعرفه؟ قال: الله تعالى ورسوله أعلم، قال صلّى الله عليه وعلى آله وبارك وسلّم: أبو الحسن علي بن أبي طالب. قال أبو بكررضي‌الله‌عنه : بخ بخ لك يا أبا الحسن.

رواه الصّالحاني. وفي إسناده أبو سليمان الحافظ »(١) .

ذكر الصالحاني

وقد ذكر شاه سلامة الله الهندي في كتابه ( معركة الآراء ) أبا حامد الصالحاني، وأفاد بأنّه من علماء أهل السنّة.

وقد أكثر السيّد شهاب الدين أحمد عن النقل عن الصّالحاني، وذكر رواياته مع وصفه بالصفات الجليلة، فمن ذلك قوله: « قال الإمام العالم الأديب الأريب بسجايا المكارم، الملقّب بين الأجلّة الأئمّة الأعلام بمحيي السنّة

____________________

(١). توضيح الدلائل على تصحيح الفضائل - مخطوط.


وناصر الحديث ومجدّد الإسلام، العالم الرباني والعارف السبحاني، سعد الدين أبو حامد، محمود بن محمّد بن حسين بن يحيى الصالحاني، في عباراته الفائقة وإشاراته الرائقة من كتابه ».

وقال: « قوله تعالى:( وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ ) وبالإسناد المذكور، عن سفيان الثوري، عن زيد بن مرة - وكان مرضياً - قال: كان ابن مسعود رضي الله تعالى عنه يقرأ هذا الحرف: وكفى الله المؤمنين القتال بعلي بن أبي طالب.

وفي رواية الأعمش عن أبي وائل قال: كان عبدالله بن مسعودرضي‌الله‌عنه يقرأ هذه الآية التي في الأحزاب: وكفى الله المؤمنين القتال بعلي بن أبي طالب وكان الله قويّاً عزيزاً.

رواهما الإمام الصّالحاني ».

وقال: « عن محمّد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جدّه قال قال رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وبارك وسلّم: كنت أنا وعليّ نوراً بين يدي الله تعالى من قبل أن يخلق الله تعالى آدم بأربعة عشر ألف عام، فلمـّا خلق الله آدم سلك ذلك النّور في صلبه، فلم يزل الله تعالى ينقله من صلب إلى صلب، حتّى أقرّه في صلب عبدالمطّلب، فقسّمه قسمين، قسماً في صلب عبدالله وقسماً في صلب أبي طالب، فعليّ منّي وأنا منه، لحمه لحمي ودمه دمي، ومن أحبّه فبحبّي أحبّه، ومن أبغضه فببغضي أبغضه.

وعن جابر رضي الله تعالى عنه إنّ النّبي صلّى الله عليه وعلى آله وبارك وسلّم كان بعرفات وعليّ كرّم الله وجهه تجاهه، فقال: يا علي اُدن منّي ضع خمسك في خمسي، يا علي خلقت أنا وأنت من شجرة أنا أصلها وأنت فرعها، والحسن والحسين أغصانها، من تعلّق ببعض منها أدخله الله الجنّة.

روى الحديث الأوّل سعد الدّين أبو حامد محمود بن محمّد الّذي سافر


ورحل وأدرك المشايخ وسمع وأسمع وصنّف في كلّ فنّ، وروى عنه خلق كثير، وصحب بالعراق أبا موسى المديني الإمام ومن في طبقته، بإسناده إلى الإمام الحافظ أبي بكر بن مردويه، بإسناده مسلسلاً مرفوعاً.

والحديث الثاني إلى الإمام الحافظ الورع أبي نعيم الإصفهاني.

وروى الأوّل أيضاً الإمام شمس الدّين محمّد بن الحسن بن يوسف الأنصاريّ الزرندي المحدّث بالحرم الشريف النّبوي المحمّدي، برواية ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما ».

وقال في أسماء أمير المؤمنين: « ومنها مقيم الحجّة، عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، عن النّبيّ صلّى الله عليه وعلى آله وبارك وسلّم، إنّه لمـّا خلق الله تعالى آدم ونفخ فيه من روحه عطس آدمعليه‌السلام ، فقالعليه‌السلام : الحمد لله ربّ العالمين، فأوحى الله تعالى إليه وبشّره بالمغفرة، وفي هذا الحديث: إنّ الله تعالى قال: يا آدم، إرفع رأسك فانظر، فرفع رأسه، فإذا مكتوب على العرش لا إله إلّا الله محمّد نبيّ الرحمة، عليّ مقيم الحجّة، ومن عرف حقّ علي زكا وطاب، ومن أنكر حقّه لعن وخاب، أقسمت بعزّتي وجلالي أن أُدخل الجنّة من أحبه وإن عصاني، وأقسمت بعزّتي وجلالي أن أُدخل النّار من عصاه وإنْ أطاعني.

رواه محيي السنّة الصالحاني ».

(٢٠)

رواية ابن طلحة الشافعي

ورواه كمال الدين أبو سالم محمّد بن طلحة الشافعي حيث قال:

« من ذلك: ما رواه الإمام البيهقي في كتابه المصنَّف في فضائل الصحابة،


يرفعه بسنده إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال:

من أراد أنْ ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في تقواه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في هيبته، وإلى عيسى في عبادته، فلينظر إلى علي بن أبي طالب.

فقد أثبت النبي صلّى الله عليه وسلّم لعليرضي‌الله‌عنه بهذا الحديث علماً يشبه علم آدم، وتقوىً تشبه تقوى نوح، وحلماً يشبه حلم إبراهيم، وهيبةً تشبه هيبة موسى، وعبادةً تشبه عبادة عيسى.

في هذا تصريح لعليرضي‌الله‌عنه بعلمه وتقواه وحلمه وهيبته وعبادته، وبعلوّ هذه الصفات إلى أوج شبهها بهؤلاء الأنبياء المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين، من الصفات المذكورة والمناقب المعدودة»(١) .

ترجمة ابن طلحة الشافعي

وابن طلحة من كبار علماء القوم الأعلام، وهذه ترجمته:

١ - اليافعي: « الكمال محمّد بن طلحة، النصيبي، المفتي الشافعي وكان رئيساً محتشماً بارعاً في الفقه والخلاف، ولّي الوزارة مرّة ثمّ زهد وجمع نفسه، توفّي بحلب في شهر رجب وقد جاوز السبعين وله دائرة الحروف.

قلت: وابن طلحة المذكور لعلّه الّذي روى السيّد الجليل المقدار الشيخ المشكور عبدالغفّار صاحب الرواية في مدينة قوص، أخبرني الرّضي بن الأصمع قال: طلعت جبل لبنان، فوجدت فقيراً فقال لي: رأيت البارحة في المنام قائلاً يقول:

لله دَرّك يا بن طلحة ماجد

ترك الوزارة عامداً فتسلطنا

____________________

(١). مطالب السئول في مناقب آل الرسول: ٦١.


لا تعجبوا من زاهدٍ في زهده

في درهم لمـّا أصاب المعدنا

قال: فلمـّا أصبحت ذهبت إلى الشيخ ابن طلحة، فوجدت السلطان الملك الأشرف على بابه وهو يطلب الإذن عليه، فقعدت حتّى خرج السّلطان، فدخلت عليه فعرّفته بما قال الفقير، فقال: إنْ صدقت رؤياه فأنا أموت إلى أحد عشرة يوماً، وكان كذلك.

قلت: وقد يتعجّب من تعبيره ذلك بموته وتأجيله بالأيّام المذكورة، والظّاهر - والله أعلم - أنّه أخذ ذلك من حروف بعض كلمات النّظم المذكور، وأظنّها - والله أعلم - قوله: أصاب المعدنا، فإنّها أحد عشر حرفاً، وذلك مناسب من جهة المعنى، فإنّ المعدن الّذي هو الغنى المطلق والملك المحقّق ما يلقونه من السّعادة الكبرى والنّعمة العظمى بعد الموت »(١) .

مصادر ترجمة اليافعي

وتوجد ترجمة اليافعي المتوفى سنة ٧٦٨ في المصادر التالية:

١ - الدرر الكامنة ٢ / ٢٤٧

٢ - طبقات الشافعية الكبرى ٦ / ١٠٣

٣ - النجوم الزاهرة ١١ / ٩٣

٤ - البدر الطالع ١ / ٣٧٨

٢ - الأسنوي: « أبو سالم محمّد بن طلحة بن محمّد القرشيّ النصيبي، الملقّب كمال الدّين، كان إماماً بارعاً في الفقه والخلاف، عارفاً بالأصلين، رئيساً كبيراً معظماً، ترسّل عن الملوك، وأقام بدمشق بالمدرسة الأمينيّة، وأجلسه الملك الناصر صاحب دمشق لوزارته، وكتب تقليده بذلك، وتنصّل

____________________

(١). مرآة الجنان - حوادث ٦٥٢.


منه واعتذر ولم يقبل منه، فباشرها يومين ثمّ ترك أمواله وموجوده وغيّر ملبوسه وذهب فلم يعرف موضعه.

سمع وحدّث، وتوفّي في حلب في السابع والعشرين من رجب سنة اثنتين وستّين وخمسمائة، وقد جاوز السبعين، ذكره في العبر »(١) .

ترجمة الأسنوي

وقال ابن قاضي شهبة بترجمة الأسنوي: « عبد الرحيم بن الحسن بن علي ابن عمر بن عليّ بن إبراهيم، الإمام العلّامة، منقح الألفاظ، محقّق المعاني، ذو التّصانيف المشهورة المفيدة، جمال الدّين، أبو محمّد القرشي الأسنويّ الأمويّ المصري.

ولد بأسنا في رجب سنة أربع وسبعمائة، وقدم القاهرة سنة إحدى وعشرين وسبعمائة، وسمع الحديث واشتغل في أنواع العلوم، وأخذ الفقه عن الزنكلوني والسّنباطي والسبكي وجلال الدّين القزويني والوجيزي وغيرهم، وأخذ النّحو عن أبي حيّان وقرأ عليه التسهيل، قال المذكور في الطبقات: وكنت أبحث على الشّيخ فلان إلى آخر نسبه، ثمّ قال لي لم أُشيّخ أحداً في سنّك وأخذ العلوم العقليّة عن القونوي والتّستري وغيرهما، وانتصب للإقراء والإفادة من سنة سبع وعشرين، ودرس بالأقبغاوية والملكيّة والفارسيّة والفاضليّة، ودرّس التفسير بجامع ابن طولون، وولي وكالة بيت المال ثمّ الحٍسبة ثمّ تركها وعزل من الوكالة، وتصدّى للإشتغال والتصنيف، وصار أحد مشايخ القاهرة المشار إليهم، وشرع في التصنيف بعد الثلاثين.

ذكره تلميذه سراج الدّين بن الملقّن في طبقات الفقهاء وقال: شيخ

____________________

(١). طبقات الشافعية ٢ / ٧٠.


الشافعية ومفتيهم ومصنّفهم ومدرّسهم، ذو الفنون: الأصول والفقه والعربيّة وغير ذلك.

وقال الحافظ وليّ الدّين أبو زرعة في وفياته: اشتغل في العلوم حتّى صار أوحد زمانه وشيخ الشافعيّة في أوانه، وصنّف التصانيف النافعة السّائرة كالمهمّات، وفي ذلك يقول والدي من أبيات:

أبدت مهمّاته إذ ذاك رتبته

إنّ المهمّات فيها يُعرف الرّجل

وتخرّج به خلق كثير، وأكثر علماء الديّار المصريّة طلبته، وكان حسن الشّكل، حسن التصنيف، ليّن الجانب، كثير الإحسان للطّلبة، ملازماً للإفادة والتّصنيف، وأفرد له الوالد ترجمة وحكى عنه فيها كشف ظاهر، توفّي فجأة في جمادى الآخرة سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة، ودفن بتربته بقرب مقابر الصّوفيّة.

ومن تصانيفه: جواهر البحرين في تناقض الخبرين، فرغ منه في سنة خمس وثلاثين، والتنقيح على التّصحيح فرغ منه في سنة سبع وثلاثين، وشرح المنهاج للبيضاوي وهو أحسن شروحه وأنفعها فرغ منه في آخر سنة أربعين، والهداية في أوهام الكفاية فرغ منه سنة ستّ وأربعين، والمهمّات فرغ منها سنة ستّين، والتمهيد فرغ منه سنة ثمان وستّين، وطبقات الفقهاء فرغ منه سنة تسع وستّين، وطراز المحافل في ألغاز المسائل فرغ منه في سنة سبعين. ومن تصانيفه أيضاً: كافي المحتاج في شرح منهاج النووي في ثلاث مجلّدات وصل فيه إلى المساقاة، وهو شرح حسن مفيد منقح أنفع شروح المنهاج، والكوكب الدرّي في تخريج مسائل الفقه على النّحو، وتصحيح التنبيه، والفتاوي الحمويّة. هذه تصانيفه المشهورة.

وله اللّوامع والبوارق والجوامع والفوارق، ومسودّة في الأشباه والنظائر،


وشرح عروض ابن الحاجب، وقطعة من مختصر الشرح الصغير، قيل إنّه وصل فيه إلى البيع، وشرح التنبيه كتب منه نحو مجلّد، وكتاب البحر المحيط كتب منه مُجلّداً »(١) .

وتوجد ترجمة الأسنوي في مصادر مهمّة:

كالدرر الكامنة للحافظ ابن حجر ٢ / ٣٤٥

وحسن المحاضرة للحافظ السيوطي ١ / ٢٤٢

٣ - ابن قاضي شهبة: « محمّد بن طلحة بن محمّد بن الحسن، الشيخ كمال الدين، أبو سالم الطوسي القرشي العدوي النصيبي، صنّف كتاب العقد الفريد، أحد الصّدور والرؤساء المعظّمين، ولد سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة، وتفقّه وشارك في العلوم، وكان فقيهاً بارعاً عارفاً بالمذهب والأصول والخلاف، ترسل عن الملوك وساد وتقدّم، وسمع الحديث، وحدّث ببلاد كثيرة في سنة ثمان وأربعين وستمائة، كتب له التقليد بالوزارة فاعتذر وتنصّل فلم يقبل منه، فتولّاها يومين ثمّ انسلّ خفية، وترك الأموال والموجود، ولبس ثوباً قطنياً وذهب فلم يدر أين ذهب.

وقد نسب إلى الإشتغال بعلم الحروف والأوفاق، وأنّه يستخرج من ذلك أشياء من المغيّبات، وقيل إنّه رجع عنه. قال السيّد عزّ الدين: أفتى وصنّف وكان أحد العلماء المشهورين والرؤساء المذكورين، وتقدّم عند الملوك وترسّل عنهم، ثمّ تزهّد في آخر عمره وترك التقدّم في الدنيا، وأقبل على ما يعنيه، ومضى على سداد وأمر جميل.

توفّي بحلب في رجب سنة ٦٥٢ ودفن بالمقام »(٢) .

____________________

(١). طبقات الشافعية ٣ / ١٣٢.

(٢). طبقات الشافعية ٢ / ١٥٣.


مصادر ترجمة ابن قاضي شهبة

وتوجد ترجمة ابن قاضي شهبة الأسدي المتوفى سنة ٨٥١ قاضي القضاة، صاحب ( طبقات الشافعية ) في المصادر التالية:

١ - الضوء اللامع ١١ / ٢١

٢ - البدر الطالع ١ / ١٦٤

٣ - شذرات الذهب ٧ / ٢٦٩

اعتبار كتاب مطالب السئول

هذا، وقد نقلوا عن كتاب ( مطالب السئول ) واعتمدوا عليه، واصفين مؤلّفه ابن طلحة بالأوصاف الجليلة:

فقد نقل عنه الحافظ الكنجي واصفاً ابن طلحة: « شيخنا حجة الإسلام، شافعي الزمان »(١) .

وقال البدخشاني: « قال الشيخ العالم محمّد بن طلحة الشافعي »(٢) .

وقد أكثر صاحب ( تفسير شاهي ) الّذي هو من التفاسير المشهورة المتداولة بين العلماء في بلاد الهند، من النقل عن ( مطالب السئول ).

____________________

(١). كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب: ٢٣١.

(٢). مفتاح النجا في مناقب آل العبا - مخطوط.


(٢١)

رواية الكنجي الشافعي

ورواه الحافظ الكنجي الشافعي في كتابه ( كفاية الطالب في مناقب علي ابن أبي طالب ) في باب خاصٍّ به حيث قال:

« الباب الثالث والعشرون - في تشبيه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم علي بن أبي طالب بآدم في علمه، وأنّه شبهه بنوحٍ في حكمته، وشبّهه بإبراهيم خليل الرحمن في حلمه:

أخبرنا أبو الحسن بن المقيّر البغدادي - بدمشق سنة أربع وثلاثين وستمائة - عن المبارك بن الحسن الشهرزوري، أخبرنا أبو القاسم بن البسري، أخبرنا أبو عبدالله العكبري، أخبرنا أبو ذر أحمد بن محمّد الباغندي، حدّثنا أبي، عن مسعر بن يحيى النهدي، حدّثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن أبيه، عن ابن عباس قال: بينما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جالس في جماعةٍ من أصحابه، إذ أقبل علي، فلمـّا بصر به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال:

من أراد أنْ ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في حكمته، وإلى إبراهيم في حلمه، فلينظر إلى علي بن أبي طالب.

قلت: تشبيهه لعلي بآدم في علمه، لأنّ الله علّم آدم صفة كلّ شيء، ولا حادثة ولا واقعة إلّا وعند علي فيها علم، وله في استنباط معناها فهم.

وشبّهه بنوحٍ في حكمته - وفي رواية: حكمه، وكأنّه أصح - لأنّ عليّاً كان شديداً على الكافرين رؤوفاً بالمؤمنين، كما وصفه الله تعالى في القرآن بقوله:( وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ ) وأخبر الله عزّوجلّ عن جرأة نوح على الكافرين بقوله:( لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً ) وشبّهه في


الحلم بإبراهيم خليل الرحمن، كما وصفه الله عزّوجلّ بقوله:( إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ) .

فكان متخلّقاً بأخلاق الأنبياء، متّصفاً بصفات الأصفياء »(١) .

الكنجي وكتابه

« والكنجي » أبو عبدالله محمّد بن يوسف الشافعي، إمام حافظ كبير، وكتابه المذكور كتاب معتمد مشهور، فقد جاء في كتاب ( الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة ) لابن الصبّاغ المالكي: «ومن كتاب كفاية الطالب في مناقب علي ابن أبي طالب، تأليف الإمام الحافظ أبي عبدالله محمّد بن يوسف الكنجي الشّافعي »(٢) .

وذكر الكاتب الحلبي كتاب الكنجي بقوله: « كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب، للشيخ الحافظ أبي عبدالله محمّد بن يوسف بن محمّد الكنجي الشافعي، المتوفى سنة ٦٥٨ »(٣) .

وقد اعتمد على الكتاب المذكور عبدالله بن محمّد المطيري في ( الرياض الزاهرة ).

والكاتب الجلبي الذي وصف الكنجي بما عرفت، من علماء أهل السنّة، توفي سنة ١٠٦٧، وقد اعتمد العلماء على ما ذكره في كتابه ( كشف الظنون ) كالعلامة غلام علي آزاد البلجرامي في ( سبحة المرجان ) والعلّامة حيدر علي الفيض آبادي في ( منتهى الكلام ) وغيرهما.

____________________

(١). كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب: ١٢١.

(٢). الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة: ١٢٧.

(٣). كشف الظنون ٢ / ١٤٩٧.


ولا يخفى عليك ما لوصف « الحافظ » ووصف « الإمام » ووصف « الشيخ » من شأن وعظمة

(٢٢)

رواية محبّ الدّين الطَبَري

ورواه الحافظ محبّ الدّين أحمد بن عبدالله الطبري، شيخ الحرم حيث قال: « ذكر شبهه بخمسةٍ من الأنبياءعليهم‌السلام في مناقب لهم:

عن أبي الحمراء، قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في فهمه، وإلى إبراهيم في حكله، وإلى يحيى ابن زكريا في زهده، وإلى موسى بن عمران في بطشه، فلينظر إلى علي ابن أبي طالب.

أخرجه القزويني الحاكمي.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: من أراد أن ينظر إلى إبراهيم في حلمه، وإلى نوح في حكمه، وإلى يوسف في جماله، فلينظر إلى علي بن أبي طالب.

أخرجه الملّا في سيرته »(١) .

ذكر كتاب الرياض النضرة

وأمّا كتاب ( الرياض النضرة في مناقب العشرة ) فقد ذكره الكاتب الجلبي بقوله: « الرياض النضرة في فضائل العشرة، لمحب الدين أحمد بن عبدالله بن

____________________

(١). الرياض النضرة في مناقب العشرة ( ٣ - ٤ ): ١٩٧.


محمّد الطبري الشافعي، المكي، المتوفى سنة ٦٩٤. أوّله: الحمد لله الّذي يختصّ برحمته من يشاء ذكر أنّه جمع ما يروى فيهم في مجلّد بحذف الأسانيد من كتب عديدة، وشرح غريب الحديث في خلاله، عازياً كلّ حديث إلى كتاب، وقدم مقدمة في أسماء وكنى، وذكر أوّلاً الأحاديث الجامعة ثمّ ما اختص بالأربعة، ثمّ سمّاه كما ورد، وأورد فصل كلّ واحدٍ وأدرج جملة ذلك في قسمين، الأوّل - في مناقب الأعداد. والثاني - في مناقب الآحاد.

ومنه انتقى الشيخ زين الدين أحمد الشمّاع الحلبي، المتوفى سنة ٩٣٦، كتابه المسمّى بالدر الملتقط »(١) .

وهو من مصادر الديار بكري في ( تاريخ الخميس في أحوال النفس والنفيس ).

وعدّه ( الدهلوي ) في الكتب التي ألّفها أهل السنّة في باب المناقب والفضائل.

وتشبّث ( الدهلوي ) الّذي رواه المحبّ الطبري في كتابه ( الرياض النضرة ) بالحديث، مستدلّاً به لما زعم من رضا الصدّيقة الزهراءعليها‌السلام عن أبي بكر بن أبي قحافة، خلافاً لما اُخرج في الصحيح من أنّها ماتت وهي واجدة على أبي بكر، كما في البخاري وغيره.

وتمسّك والده في كتاب ( إزالة الخفاء في سيرة الخلفاء ) بما رواه الطبري في هذا الكتاب من أخبار مناقب الشيخين.

وقال الحافظ المحبّ الطبري في ديباجة كتابه المذكور:

« أمّا بعد، فإنّ الله عزّوجلّ قد اختار لرسوله صلّى الله عليه وسلّم

____________________

(١). كشف الظنون ١ / ٩٣٧.


أصحاباً، فجعلهم خير الأنام، واصطفى من أصحابه رضي الله تعالى عنهم جملة العشرة الكرام، فرضيهم لعشرته وموالاته وفضّلهم بالإنضمام إليه مدّة حياته، وأنعم عليهم بما أولاهم من أصناف موجبات كريم كرمه، وأسعدهم بما سلف لهم في سابق قديم قدمه، وأشقى قوماً بارتكاز أهويتهم في الخوض في أمرهم، فيما لا يعنيهم واجتراهم على الإقدام على التّنقص بهم، وصفهم بما ليس فيهم

فما للجاهل الغبيّ ولهم، وقد أخبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنّه سيغفر لهم، وما للمتعامي وتأويل ما ورد في شأنهم وتحريفه، بعد قوله صلّى الله عليه وسلّم: لو أنفق أحدهم مثل اُحد ذهباً ما بلغ مدّ أحدهم ولا نُصَيفه.

فالحمد لله أنْ عصمنا من هذه الورطة العظيمة، ووفقنا بحبّ جملتهم إلى سلوك الطريقة المستقيمة، ثمّ الحمد لله أن ألهم جمع هذا المؤلَّف في مناقبهم والإعلام بما وجب من التعريف بشرف قدرهم وعلوّ مراتبهم، وتدوين بعض ما روي من عظيم مآثرهم، وإبراز طرف ما ذكر من عميم مذاخرهم، من كتب ذوات عدد، على وجه الإختصار وحذف السند، ليسهل على الناظر تناوله ويقرب على الطالب فيه ما يحاوله، عازياً كلّ حديث إلى الكتاب المخرَّج منه، منبّهاً على مؤلّفه ومن أخذ عنه، تفصّياً عن عهدة الإرتياب في النقل، واعتماداً على اُولى السّابقة من أهل العلم والفضل، مبتدياً بذكر ما شملهم على طريقة التّضمن، ثمّ بما اختصّ بهم على وجه المطابقة والتعين، ثمّ بما ورد فيما دون العشرة وإن انضمّ إليهم من ليس منهم، ثمّ ما اختصّ بالأربعة الخلفاء ولم يخرج عنهم، ثمّ بما زاد على الأربعة على واحدٍ، ثمّ بما ورد في فضائل كلّ واحد واحد، وأدرجت جملة ذلك في قسمين ».

هذا، وقد روى الحافظ المحب الطبري هذا الحديث في كتابه الآخر:


( ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى ) حيث قال: « ذكر شبه علي بخمسة من الأنبياء:

عن أبي الحمراء قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:

من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوحٍ في فهمه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى يحيى بن زكريا في زهده، وإلى موسى في بطشه، فلينظر إلى علي ابن أبي طالب.

أخرجه أبو الخير الحاكمي.

وعن ابن عباس قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: من أراد أن ينظر إلى إبراهيم في حلمه، وإلى نوح في حكمه، وإلى يوسف في جماله، فلينظر إلى علي بن أبي طالب.

أخرجه الملّا في سيرته »(١) .

ذكر كتاب ذخائر العقبى

وأمّا كتابه ( ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى ) الّذي قال في خطبته:

« أمّا بعد، فإنّ الله تعالى قد اصطفى محمّداً على جميع من سواه، وخصّه بما أنعمه به من فضله الباهر وحباه، وأعلى منزلة من انتمى إليه، سبباً أو نسبةً، ورفع مرتبة من انطوى عليه نصرةً وصحبةً، وألزم مودّة قرباه كافّة بريّته، وفرض محبّة جميع أهل بيته المعظم وذريّته.

لا جرم سنح بالخاطر تدوين ما ورد في مناقبهم، وتبيين ما روي في شريف قدرهم وعلوّ مراتبهم، وتتبّع ما نقل في عظيم فخرهم الفاخِر، وجمع ما ظفرت به من عميم فضلهم الباهر، ولِمَ لا وهم هالة قمر الكون وطفاوة شمس

____________________

(١). ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى: ٩٣.


البريّة وأغصان دوحة الشرف وفروع أصل الأنوار النبوية، أعاد علينا من حلوم سنا بركتهم، كما أعاذنا من جهل عُلوّ درجتهم وغمر في غفرانه ذنوبنا بحرمتهم، كما غمر بإحسانه قلوبنا بمحبّتهم، وأحسن مآلنا بجاههم عليه، كما علق أعمالنا بالتوسّل إليه، وسمّيته كتاب ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى، ناقلاً من كتب ذوات أعدادٍ على وجه الإختصار وحذف الإسناد، عازياً كلّ حديث إلى كتابه، تفصّياً عن عهدة الإرتياب وتسهيلاً على طلابه، فالله أسأل أن يجعل ذلك وسيلةً إلى جنّات النعيم، وذريعة إلى درك الفوز العظيم وتحقيق الأمل فيه لديه، فإنّه ولي ذلك والقادر عليه.

ورتّبته على قسمين قسم يتضمّن ما جاء فيهم على وجه العموم والإجمال، وقسم يتضمّن ذلك على وجه التخصيص وتفصيل الأحوال ».

وذكره الكاتب الجلبي بقوله: « ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى، مجلّد، لمحب الدين أحمد بن عبدالله الطبري، المتوفى سنة ٦٩٤ »(١) .

وذكره صديق حسن القنوجي - في ( إتحاف النبلاء ) - بقوله: « ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى، مجلّد، لمحبّ الدين أحمد بن عبدالله الطبري، المتوفى سنة ٦٩٤، وموضوعه من اسمه ظاهر ».

فقد ذكره الشوكاني في مرويّاته - في ( إتحاف الأكابر ). والدياربكري في مصادر تاريخه ( الخميس في أحوال النفس والنفيس ).

وقال محمّد الأمير في ذكر مآخذ كتابه ( الروضة الندية ): « وأجلّ معتمدي: ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى، لإمام السنّة وحافظها محبّ الدين أحمد بن عبدالله الطبريرحمه‌الله ».

وقال ابن باكثير المكّي في ( وسيلة المآل في عدّ مناقب الآل ):

____________________

(١). كشف الظنون ١ / ٨٢١.


« وقد أكثرت العلماء في هذا الشأن وجمعت من جواهر مناقبهم الشريفة ما يحمّل به جيد الزمان، ومن آخر ما جمعت في ذلك التأليف، وأنفع ما نقلت في هذا التصنيف كتاب جواهر العقدين في فضل الشرفين لعلّامة الحرمين السّيّد علي السّمهودي تغمّده الله برحمته، فمن ذخائر العقبى في فضل ذوي القربى، يحقّ له أن يكتب بماء العين، لعلّامة الحجاز الشريف محقّق دهره وحافظ عصره المحبّ الطّبري، لا زال الثناء عليه يحيي ذكره وقدّس الله سرّه، وكتاب استجلاء ارتقاء الغرف بحبّ أقرباء الرّسول ذوي الشّرف، لحافظ عصره السّخاوي نوّر الله ضريحه، وأحلّ في غرف الجنان روحه، وكتاب حسن السريرة في حسن السّيرة، لصاحبنا وعمدتنا سيبويه زمانه مفرد وقته وأوانه، محقّق العصر نادرة الدهر خلاصة ذوي الفخر الغني عن الإطناب بتعداد الألقاب والصفات بما خصّه الله تعالى به من نعوت الكمال وجزيل الهبات، مولانا الإمام العلّامة عبدالقادر ابن محمّد الطّبري الحسيني الخطيب الإمام بالمسجد الحرام، ولا زالت المشكلات تنجلي بوجوده، ولا برح جيد العلوم بتحلي بجواهر عقوده ».

وذكره ( الدهلوي ) في الكتب التي ألّفها أهل السنّة في فضائل ومناقب أهل البيت.

وقال أحمد بن باكثير المكّي - كما تقدّم: « ويحقّ له أنْ يكتب بماء العين لعلاّمة الحجاز الشريف محقّق دهره وحافظ عصره المحبّ الطبري، لا زال الثّناء عليه يحيى ذكره وقدّس الله سرّه ...».


ترجمة المحبّ الطبري

١ - الذّهبي: « المحب الإمام، المحدّث، المفتي، فقيه الحرم تفقّه ودرس وأفتى وصنّف، وكان شيخ الشافعيّة ومحدّث الحجاز وكان إماماً صالحا زاهداً كبير الشأن »(١) .

٢ - أيضاً: « الإمام، الحافظ، المفتي، شيخ الحرم كان عالماً عاملاً جليل القدر، عارفاً بالآثار، ومن نظر في أحكامه عرف محلّه من الفقه والعلم

توفي في رمضان سنة ٦٩٤ وقيل بل في جمادى الأخرى منها »(٢) .

٣ - وقال الذهبي: « والمحبّ الطبري، شيخ الحرم، أبو العباس، أحمد ابن عبدالله بن محمّد بن أبي بكر بن محمّد بن إبراهيم المكي الشافعي، الحافظ، وسمع من ابن المقيّر وجماعة، وصنّف كتاباً حافلاً في الأحكام في عدّة مجلّداًت. توفي في ذي القعدة »(٣) .

٤ - أيضاً: « وشيخ الحرم، الحافظ الفقيه، محب الدين أحمد بن عبدالله الطبري، مصنّف الأحكام، عن ٧٧ سنة »(٤) .

٥ - ابن الوردي: « وشيخ الحرم الحافظ »(٥) .

٦ - الأسنوي: « محبّ الدين أبو العباس أحمد بن عبدالله بن محمّد الطبري، ثمّ المكّي، شيخ الحجاز، كان عالماً عاملاً جليل القدر، عالماً بالآثار

____________________

(١). تذكرة الحفاظ ٤ / ١٤٧٥.

(٢). المعجم المختص: ٢٢.

(٣). العبر في خبر من غبر - حوادث ٦٩٤، ٥ / ٣٨٢.

(٤). دول الإسلام - حوادث ٦٩٤.

(٥). تتمة المختصر في أخبار البشر - سنة ٦٩٤.


والفقه، إشتغل بقوص على الشيخ مجد الدين القشيري، وشرح التنبيه، وألّف كتاباً في المناسك، وكتاباً في الألغاز، وكتاباً نفيساً في أحاديث الأحكام.

ولد يوم الخميس ١٧ من جمادى الآخرة سنة ٦١٥.

وتوفي في سنة ٩٤، وقيل في ذي القعدة، وقيل غير ذلك »(١) .

٧ - السبكي: « شيخ الحرم وحافظ الحجاز بلا مدافعة »(٢) .

٨ - الصفدي: « شيخ الحرم، الفقيه، الزاهد، المحدّث، درّس وأفتى، وكان شيخ الشافعية ومحدّث الحجاز »(٣) .

٩ - السيوطي: « المحبّ الطبري الإمام المحدّث، فقيه الحرم، وشيخ الشافعية، ومحدّث الحجاز. كان إماماً زاهداً صالحاً كبير الشأن »(٤) .

ذكر من نقل عنه

وقد أكثر العلماء من النقل لرواياته معتمدين عليها:

قال السيّد شهاب الدين أحمد، صاحب كتاب ( توضيح الدلائل ) بعد رواية:

« رواه شيخ الحرم، والإمام المحترم، الحافظ المحدّث المفتي الفقيه البارع الورع المدرس النبيه، مقدّم الشافعيّة في الحجاز، وكان ذا جاه عظيم واعتزاز، ذو التصانيف الكثيرة والفضائل الشهيرة، محبّ الدين أبو العبّاس، أحمد بن عبدالله بن محمّد بن أبي بكر المكي الطبري، في كتابه ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى ».

____________________

(١). طبقات الشافعية ٢ / ١٧٩.

(٢). طبقات الشافعية ٨ / ١٨.

(٣). الوافي بالوفيات ٧ / ١٣٥.

(٤). طبقات الحفاظ: ٥١٤.


وقال عبدالغفار بن إبراهيم العكّي الشافعي في ( عجالة الراكب ): « أحمد ابن عبدالله، شيخ الحرم، محبّ الدّين، الطبري المكي، درّس وأفتى، ومن تصانيف الأحكام المبسوط، ورتّب كتاب جامع الأسانيد وشرح التنبيه، وألّف كتاباً في المناسك، وكتاباً في الألفاظ، والرّياض النضرة في فضائل العشرة، والسّمط الثمين في فضائل أمّهات المؤمنين، وذخائر العقبى في فضائل ذوي القربى».

وقال محمّد بن إسماعيل الأمير في آخر ( الروضة النديّة ): « ولعلّه يقول قائل: قد أكثرتم من النقل عن الطبري، ومن الطبري؟ ويشتاق إلى معرفة شيء من أوصافه ليكون أقرّ لعينه في قبول ما أُسند إليه.

فنقول: المحبّ الطّبري هو الإمام المحدّث الفقيه، فقيه الحرم، محب الدّين، أبو العبّاس أحمد بن عبدالله بن محمّد بن أبي بكر الطّبري ثمّ المكي الشافعي، مصنّف الأحكام الكبرى، ولد سنة خمس عشرة وستمائة، وسمع من أبي الحسن بن المقيّر وابن الحميري وشعيب الزعفراني وعبدالرّحمن بن أبي حرمى وجماعة، وتفقّه ودرّس وأفتى وصنّف، وكان شيخ الشافعية، ومحدّث الحجاز، وروى عنه الدمياطي من نظمه، وأبو الحسن بن العطّار وأبو محمّد البرزالي وآخرون.

وكان إماماً صالحاً زاهداً كبير الشأن، روى عنه أيضاً ولده قاضي مكّة جمال الدّين محمّد، وحفيده الإمام نجم الدين قاضي مكّة، وكتب إليّ بمرويّاته.

توفي في جمادى الآخرة سنة أربع وتسعين وستمائة ».


(٢٣)

رواية السيّد علي الهمداني

ورواه العارف الشهير المحدّث الكبير السيّد علي الهمداني:

« عن جابررضي‌الله‌عنه قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:

من أراد أنْ ينظر إلى إسرافيل في هيبته، وإلى ميكائيل في رتبته، وإلى جبرائيل في جلالته، وإلى آدم في سلمه، وإلى نوح في حسنه، وإلى إبراهيم في خلّته، وإلى يعقوب في حزنه، وإلى يوسف في جماله، وإلى موسى في مناجاته، وإلى أيوب في صبره، وإلى يحيى في زهده، وإلى عيسى في سنته، وإلى يونس في ورعه، وإلى محمّد في جسمه وخلقه، فلينظر إلى علي، فإنّ فيه تسعين خصلة من خصال الأنبياء، جمعها الله فيه ولم تجمع في أحد غيره. وعدّ جميع ذلك في كتاب جواهر الأخبار»(١) .

ترجمة الهمداني

١ - نور الدين جعفر البدخشاني: « في بيان بعض فضائل العروة الوثقى، حضرة الرحمن الشكور الفخور بجناب الديان، قرّة عين محمّد رسول الله، ثمرة فؤاد المرتضى والبتول، المطّلع على حقائق الأحاديث والتفاسير، الممعن في السرائر بالبصيرة والتبصير، المرشد للطالبين في الطريق السبحاني، الموصل للمتوجّهين إلى الجمال الروحاني، العارف المعروف بالسيّد علي الهمداني، خصّه الله اللطيف باللطف الصمداني، ورزقنا الإستنارة الدائمة من

____________________

(١). المودّة في القربى، أنظر ينابيع المودّة ٢ / ٣٠٦ الطبعة الحديثة.


النور الحقّاني »(١) .

٢ - الجامي: « الأمير السيّد علي بن شهاب الدين بن محمّد الهمدانيقدس‌سره . كان جامعاً بين العلوم الظاهرية والعلوم الباطنية، وله في العلوم الباطنية مصنّفات مشهورة، منها كتاب النقطة، وشرح الأسماء الحسنى، وشرح فصوص الحكم، وشرح القصيدة الهمزية الفارضية.

كان ملازماً للشيخ شرف الدين محمود بن عبدالله المزدقاني، إلّا أنّه أخذ الطريقة من صاحب السرّ بين الأقطاب تقي الدين علي دوستي، ولـمّا توفّي تقي الدين علي عاد إلى الشيخ شرف الدين محمود، فسأله عن وظيفته، فالتفت إليه الشيخ قائلاً: الوظيفة هي أنْ تطوف أقصى بلاد العالم، فسار في بلاد العالم كلّه ثلاث مرّات، وفاز بصحبة أربعمائة وألف ولي من الأولياء، حتّى لقي أربعمائة رجل منهم في مجلس واحد.

ومات في سادس ذي الحجة سنة ٧٨٦ »(٢) .

٣ - الكفوي: « لسان العصر، سيّد الوقت، المنسلخ عن الهياكل الناسوتيّة، والمتوسّل إلى السبحات اللّاهوتيّة، الشيخ العارف الرباني والعالم الصمداني، مير سيّد علي بن شهاب الدين بن محمّد بن محمّد الهمداني قدّس الله تعالى سرّه، كان جامعاً بين العلوم الظاهرة والباطنة، وله مصنّفات كثيرة في علم التصوف » فنقل مصنّفاته، ثمّ نقل كلام الجامي في نفحاته، ثمّ قال:

« وكان السيّد علي الهمداني جمع الأوراد واختارها من المشايخ الّذين كانوا في عصره وتشرف بصحبتهم، وبأس أياديهم الشريفة واقتبس من أنوارهم القدسية، وانتخبها من جوامع كلماتهم الإنسيّة وسمّاها الأوراد

____________________

(١). خلاصة المناقب - مخطوط.

(٢). نفحات الأنس من حضرات القدس: ٤٤٧.


الفتحيّة، وهي اليوم أوراد الإخوان الكيروية، والشيخ الجليل السيّد علي الهمداني أخذ الطريقة عن تقي الدّين علي دوستي والشيخ محمود المزدقاني، وهما عن علاء الدّولة السّمناني ثمّ قال: سمعت شيخنا وسيّدنا المولى العارف الربّاني الشيخ محمّد بن يوسف العركتى السمرقندي، يحكي عن شيخه المخدومي عبداللطيف الجامي، عن شيخه المخدوم الأعظم حاجي محمّد الحبوشاني، عن شيخه شاه بيدواري، عن شيخه محمّد الملقب بالرشيد، عن شيخه السيد الأمير عبدالله بردشابادي، عن شيخه المرشد الكامل والشيخ المكمّل إسحاق الختلاني، عن قدوة العارفين دليل السالكين منبع المعارف الربّانيّة معدن اللطائف السّبحانيّة السيّد علي الهمداني.

إنّه لـمّا جمع الأوراد الفتحيّة، وانتخبها من جوامع كلماتهم القدسيّة على حسب ملكاتهم الإنسيّة، رأى في منامه أنّ الملائكة يقرؤونها في شعبة جاركاه، ويطوفون حول العرش، وفي أيديهم طبق من نور مملوّ من اللّالي والجواهر ينثرون، ثمّ قال الشيخ محمّد السمرقندي: ولهذا مشايخنا كانوا يقرؤون في شعبة جاركاه.

ومن تصانيفه: ذخيرة الملوك وهو كتاب لطيف وانشاء شريف مشتمل على لوازم قواعد السّلطنة الصوري والمعنويّ، ومبني على ذكر أحكام الحكومة والولاية وتحصيل السعادة الدنيوي والأخرويّ، على عشرة أبواب ».

٤ - مجد الدين البدخشاني - في ( جامع السلاسل ): « ذكر الفقيه الهمداني علي الثاني مير سيّد علي الهمداني قدّس الله سرّه، لقّب بـ « علي الثاني » وقد وصفه مشايخ عصره -: سلطان الأولياء وبرهان الأصفياء، قدوة العارفين، زبدة المحققين، مستجمع الأسماء والصفات، الجامع بين


المتجلّيات، محيي الشريعة والطريقة والحقيقة، ختم المتقدّمين، زبدة المتأخّرين، وارث الأنبياء والمرسلين، مرشد الأولياء إلى طريق الحق باليقين، مركز دائرة الوجود، الهادي إلى المقصود، قطب الأقطاب، الكامل المكمل الصمداني، علي أمير كبير، السيّد علي الهمداني ».

وقد وصفه غير من ذكر بمثل ما تقدّم من الأوصاف الجليلة، كالميبدي في ( الفواتح - شرح ديوان أمير المؤمنين ) والشيخ أحمد القشاشي في ( السمط المجيد ) وولي الله الدهلوي في ( الإنتباه في سلاسل أولياء الله ) والسيّد شهاب الدين أحمد في ( توضيح الدلائل في تصحيح الفضائل ).

(٢٤)

رواية نور الدين جعفر

وهو نور الدين جعفر بن سالار المعروف بأمير ملّا، خليفة السيّد علي الهمداني المذكور. فقد روى حديث التشبيه - في كتابه ( خلاصة المناقب ) -، إذ أورد أشعار الشيخ فريد الدين العطّار النيسابوري التي تضمّنت معنى حديث التشبيه، أوردها وهو بصدد نقل بعض فضائل أمير المؤمنينعليه‌السلام .

ترجمة أمير ملّا

وتجد ترجمة نور الدين أمير ملّا هنا في:

١ - كتاب الإنتباه في سلاسل أولياء الله. الّذي كتبه شاه عبدالرحيم الدهلوي والد مخاطبنا ( الدهلوي ) في تراجم أعاظم علماء أهل السنّة من أهل العرفان والتصوّف، وبيان طرقهم وسلاسلهم.


٢ - جامع السلاسل. الّذي ألّفه مجد الدين البدخشاني في نفس الموضوع.

ويكفي في جلالة قدره وعظمة شأنه كونه خليفة السيّد علي الهمداني الذي تقدّم ذكره، فإنّ ذلك يكشف عن تفوّقه على سائر أصحاب السيّد وتبرّزه من بينهم.

(٢٥)

رواية شهاب الدّين أحمد

ورواه السيّد شهاب الدين أحمد في كتابه ( توضيح الدلائل على تصحيح الفضائل ) حيث قال: « الباب الثامن عشر - في أنّه حاز خصائص أعاظم الأنبياء، وفاز ثانياً خصال كمال أكارم الأصفياء:

عن أبي الحمراء - رضي الله تعالى عنه - قال قال رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وبارك وسلّم: من أراد أنْ ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوحٍ في فهمه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى يحيى بن زكريا في زهده، وإلى موسى في بطشه، فلينظر إلى علي بن أبي طالب.

رواه الطبري وقال: أخرجه أبو الخير الحاكمي.

وعن ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - قال قال رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وبارك وسلّم: من أراد أنْ ينظر إلى إبراهيم في خلّته، وإلى نوح في حكمته، وإلى يوسف في جماله، فلينظر إلى علي بن أبي طالب.

رواه الطبري وقال: أخرجه الملّا في سيرته ».


ترجمة السيّد شهاب الدين أحمد

وهو: شهاب الدين أحمد بن جلال الدين عبدالله بن قطب الدين محمّد ابن جلال الدين عبدالله بن قطب الدين محمّد بن معين الدين عبدالله ابن هادي ابن محمّد، الحسيني، الإيجي، الشافعي، من أعلام القرن التاسع.

هو من أسرة فقه وحديث وتصوّف، توفي أبوه في سنة ٨٤٠ وجدّه سنة ٧٨٥، وأبو جدّه سنة ٧٦٣، وجدّ جدّه سنة ٧١٤.

وقد ترجم له السخاوي(١) .

إعتبار أخبار هذا الكتاب

وقد ذكر السيّد شهاب الدين أحمد في هذا الكتاب عباراتٍ تفيد التزامه بنقل الأخبار المعتبرة فيه، من ذلك قوله: « وخرّجت من كتب السنّة المصونة عن الهرج ودواوينها، وانتهجت فيه منهج من لم ينتهج العوج عن قوانينها، أحاديث حدث حديثها عن حدث الصّدق في الأخبار، ومسانيد ما حدث وضع حديثها بغير الحق في الأخبار ».

وقوله: « والغرض من هذا الباب ومن تمهيد هذه القواعد أنْ لا يقوم أحد بالردّ لأخبار هذا الكتاب، فإنّ معظمها في الصحاح والسنن، ومرويّاتها ما توارث أهل الصلاح في السنن ».

وقوله: « واعلم أنّ كتابي هذا - إن شاء الله تعالى - خالٍ عن موضوعات الفريقين، حالٍ بتحرّي الصّدق وتوخّي الحق وتنحّي مطبوعات الفريقين ».

____________________

(١). الضوء اللامع لأهل القرن التاسع ١ / ٣٦٧.


(٢٦)

رواية ملك العلماء الهندي

ورواه شهاب الدين بن عمر الزّاولي الدولت آبادي الملقّب بملك العلماء حيث قال:

« إعلم أنّ أحاديث مناقب علي كرّم الله وجهه من الأحاديث الصّحاح، ولكنّ احتجاج الشيعة بها خطأ. إحتجّت الشيعة بخبر الطير. وتمام الخبر ذكرناه في الجلوة الحادية عشر من الهداية التاسعة.

واحتجّت بقوله صلّى الله عليه وسلّم: من أراد أنْ ينظر إلى آدم في علمه

وبآياتٍ

قالوا: جعله الله تعالى ورسوله صلّى الله عليه وسلّم مساوياً للأنبياء، والأنبياء أفضل من الأصحاب إجماعاً، والمساوي للأفضل أفضل.

وأجاب أهل السنّة: بأنّه تشبيه محض، وهو إلحاق الفرع بالأصل لمشاركته إيّاه في شيء، ولا يدلّ التشبيه على المساواة ».

ثمّ إنّه ذكر الحديث الشريف بهذا اللفظ: « وقال صلّى الله عليه وسلّم:

من أراد أنْ ينظر إلى آدم في علمه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في هيبته، وإلى عيسى في عبادته، فلينظر إلى علي.

فشبّه عليّاً بالأنبياء »(١) .

____________________

(١). هداية السعداء - مخطوط.


(٢٧)

رواية ابن الصبَّاغ المالكي

ورواه أبو الحسن علي ابن الصبّاغ المالكي حيث قال في ذكر مناقب الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام : « الخامسة عشر - محاسنه الجميلة واتّصافه بكلّ فضيلة. فمن ذلك.

ما رواه البيهقي في كتابه الّذي صنّفه في فضائل الصّحابة، يرفعه بسنده إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، أنّه قال: من أراد أنْ ينظر إلى نوحٍ في تقواه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في هيبته، وإلى عيسى في عبادته، فلينظر إلى علي بن أبي طالب »(١) .

ترجمة ابن الصباغ

وقال في ( معجم المؤلفين ): « علي بن محمّد بن أحمد، نور الدين، ابن الصبّاغ. فقيه مالكي، أصله من سفاقس، وولد وتوفي بمكة. من تصانيفه: الفصول المهمة لمعرفة الأئمّة وفضلهم ومعرفة أولادهم ونسلهم »(٢) .

وقال صاحب ( الأعلام ): « ابن الصبّاغ، علي بن محمّد بن أحمد، نور الدين، ابن الصبّاغ، فقيه مالكي، من أهل مكة مولفاً ووفاةً. أصله من سفاقس. له كتب منها: الفصول المهمّة لمعرفة الأئمّة. ط. والعبر فيمن شفّه النظر. قال السخاوي: أجاز لي »(٣) .

____________________

(١). الفصول المهمة في معرفة الأئمّة: ١٢٣.

(٢). معجم المؤلفين ٧ / ١٧٨.

(٣). الأعلام ٥ / ١٦١.


اعتبار كتاب ( الفصول المهمّة )

وكتابه ( الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة ) من الكتب المعتبرة المعتمدة: قال ابن الصبّاغ في ديباجته: « وبعد، فعنَّ لي أن أذكر في هذا الكتاب فصولاً مهمّة في معرفة الأئمّة، أعني الأئمّة الإثني عشر، الّذين أوّلهم علي المرتضى وآخرهم المهدي المنتظر، يتضمّن شيئاً من ذكر مناقبهم الشريفة ومراتبهم العالية المنيفة، ومعرفة أسمائهم وصفاتهم وآبائهم وأُمهاتهم، ومواليدهم ووفاتهم، وذكر مدّة أعمارهم، وحجّابهم وشعرائهم، خالياً عن الإطناب المملّ والتقصير المخلّ، آخذاً عن الإكثار المسئم إلى الإيجاز المفهم، ولن يعرف شرفه إلّامن وقف عليه فعرفه، وعقدت لكلّ إمامٍ منهم فَصلاً يشتمل كلّ فصل من الثلاثة الفصول الأوّل منها على عدّة فصول

وسمّيته بالفصول المهمّة في معرفة الأئمّة، أجبت في ذلك سؤال بعض الأعزّة من الأصحاب، والخلّص من الأحباب، بعد أن جعلت ذلك لي عند الله ذخيرةً ورجاء في التكفير لما أسلفته من جريرة، أو اقترفته من صغيرة أو كبيرة، وذلك لما اشتمل عليه هذا الكتاب من ذكر مناقب أهل البيت الشهيرة، ومآثرهم الأثيرة، ولربّ ذي بصيرة قاصرة وعين عن إدراك الحقائق حاسرة، يتأمّل ما ألّفته ويستعرض ما جمعته ولخّصته، فيحمله طرفه المريض وقلبه المهيض على أنْ ينسبني في ذلك إلى التّرفيض ».

وقال أحمد بن عبدالقادر العجيلي الحفظي الشافعي في ( ذخيرة المآل ) في مسألة الخنثى:

« قلت: وهذه المسألة وقعت في زمننا هذا ببلاد الحيرة، على ما أخبرني به سيّدي العلاّمة نور الدين خلف الحيرتي، وذكر لي أنّ الخنثى الموصوفة


توفّيت عن والدين ولد لبطنها وولد لظهرها، وخلّفت تركة كثيرة، وأنّ علماء تلك الجهة تحيّروا في الميراث، واختلف أحكامهم، فمنهم من قال يرث ولد الظهر دون ولد البطن، ومنهم من قال بعكس هذا، ومنهم من قال يقتسمان التركة، ومنهم من قال توقف التركة حتّى يصطلح الولدان على تساو أو على مفاضلة. وأخبرني أنّ الخصام قائم والتركة موقوفة، وأنّه خرج لسوال علماء المغرب خصوصاً علماء الحرمين عن ذلك، وبعد الإتّفاق به بسنتين وجدت حكم أمير المؤمنين في كتاب الفصول المهمّة في فضل الأئمّة تصنيف الشيخ الإمام علي بن محمّد الشهير بابن الصّبّاغ من علماء المالكيّة. إنتهى ».

وقال الشيخ عبدالله المطيري المدني الشافعي في ديباجة كتابه ( الرياض الزاهرة في فضل آل بيت النبيّ وعترته الطاهرة ) ما نصّه:

« الحمد لله ربّ العالمين والشكر للملهم بالهدى إلى صراط المتقين، والصّلاة والسّلام على سيّدنا ونبيّنا محمّد عبده ورسوله، الّذي يصلّي على خلفه عجماً وعرباً، وأنزل عليه( قُلْ لا أَسْألُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) وعلى آله وأصحابه نجوم الإقتداء وبدور الإهتداء، صلوةً وسلاماً يدومان بدوام المنزه وجوده عن الإنتهاء والإبتداء.

أمّا بعد، فيقول العبد الفقير إلى الله تعالى عبدالله بن محمّد المطيري شهرةً، المدني حالاً: هذا كتاب سمّيته بالرّياض الزّاهرة في فضل آل بيت النّبيّ وعترته الطّاهرة، جمعت فيه ما اطّلعت عليه ممّا ورد في هذا الشأن، واعتنى بنقله العلماء العاملون الأعيان، وأكثره من الفصول المهمّة لابن الصّبّاغ، ومن الجوهر الشفّاف للخطيب ».

وقال السمهودي:

« قوله: وإنّي سائلكم غداً عنهم، تقدم بشاهده في الذّكر الرابع، وسبق


في رابع تنبيهاته قول الحافظ جمال الدّين الزرندي عقب حديث من كنت مولاه فعليّ مولاه، قال الإمام الواحدي: هذه الولاية التي أثبتها النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم مسئول عنها يوم القيامة.

وروى في قوله تعالى( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ) أي عن ولاية علي وأهل البيت، لأنّ الله أمر نبيّه صلّى الله عليه وسلّم أن يعرّف الخلق أنّه لا يسألهم عن تبليغ الرسالة أجرا إلّا المودّة في القربى.

والمعنى أنّهم يسألون هل والوهم حقّ الموالاة كما أوصاهم النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أم أضاعوها وأهملوها فيكون عليهم المطالبة والتبعة إنتهى.

ويشهد لذلك ما أخرجه أبو المؤيّد في كتاب المناقب، فيما نقله أبو الحسن علي السفاقسي ثمّ المكّي في الفصول المهمّة، عن أبي هريرةرضي‌الله‌عنه قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ونحن جلوس ذات يوم: والّذي نفسه بيده لا يزول قدم عن قدم يوم القيامة حتّى يسأل الله تعالى الرجل عن أربع، عن عمره فيما أفناه، وعن جسده فيما أبلاه، وعن ماله ممّا اكتسبه وفيما أنفقه، وعن حبّنا أهل البيت. فقال له عمررضي‌الله‌عنه : يا نبيّ الله، ما آية حبّكم؟ فوضع يده على رأس عليّ وهو جالس إلى جانبه، فقال: آية حبّنا حبّ هذا من بعدي ».

وقال الحلبي في ذكر الهجرة: « في الفصول المهمّة: إنّه صلّى الله عليه وسلّم وصى عليّاً رضي الله تعالى عنه بحفظ ذمته وأداء أمانته ظاهراً على أعين النّاس، وأمره أن يبتاع رواحل للفواطم، فاطمة بنت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وفاطمة بنت الزبير بن عبدالمطّلب، ولمن هاجر معه من بني هاشم، ومن ضعفاء المؤمنين، وشراء عليّ رضي الله تعالى عنه الرواحل مخالف لما يأتي في الأصل أنّه صلّى الله عليه وسلّم أرسل إلى علي محلة وأرسل يقول


تشقها خمراً بين الفواطم وهنّ: فاطمة ابنة حمزة وفاطمة بنت عتبة وفاطمة أمّ عليّ وفاطمة بنته صلّى الله عليه وسلّم، وإرساله لتلك الحلة كان بعد وصوله إلى المدينة، فليتأمّل.

قال في الفصول المهمّة: وقال له أي لعليّ: إذا أبرمت ما أمرتك به، كن على اُهبة الهجرة إلى الله ورسوله، ويقدم كتابي عليك، وإذا جاء أبو بكر توجّهه خلفي نحو بئر أمّ ميمون، وكان ذلك في فحمة العشاء والرصد من قريش قد أحاطوا بالدّار ينتظرون أنْ تنتصف اللّيلة وتنام الناس، ودخل أبو بكر على عليّ وهو يظنّه أي وأبو بكر يظنّ عليّاً رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال له علي: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خرج نحو بئر أُم ميمون وهو يقول لك أدركني، فلحقه أبو بكر، ومضيا جميعاً يتسايران حتّى أتيا جبل ثور، فدخلا الغار، فليتأمّل الجمع بينه وبين ما تقدّم »(١) .

قال: « وفي الفصول المهمّة: لما اتّصل خبر مسيره صلّى الله عليه وسلّم إلى المدينة، وذلك في اليوم الثاني من خروجه صلّى الله عليه وسلّم من الغار، جمع الناس أبو جهل وقال: بلغني أنّ محمّداً قد مضى نحو يثرب على طريق السّاحل ومعه رجلان آخران، فأيّكم يأتيني بخبره، فوثب سراقة فقال: أنا لمحمّد يا أبا الحكم، ثمّ إنّه ركب راحلته واستجنب فرسه، وأخذ معه عبداً أسود، وكان ذلك العبد من الشجعان المشهورين، فسارا أي في أثر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم سيراً عنيفاً حتّى لحقا به.

فقال أبو بكر: يا رسول الله قد دهينا، هذا سراقة قد أقبل في طلبنا ومعه غلامه الأسود المشهور.

____________________

(١). انسان العيون في سيرة الأمين المأمون ٢ / ٢٠٤.


فلمّا أبصرهم سراقة نزل عن راحلته وركب فرسه وتناول رمحه وأقبل نحوهم.

فلمـّا قرب منهم قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: اللّهمّ اكفنا أمر سراقة بما شئت وكيف شئت وأنّى شئت.

فغابت قوائم فرسه في الأرض حتّى لم يقدر الفرس أنْ يتحرّك.

فلمـّا نظر سراقة إلى ذلك هاله ورمى نفسه عن الفرس إلى الأرض، ورمى رمحه، وقال: يا محمّد أنت أنت وأصحابك أي أنت كما أنت أي آمن وأصحابك، فادع ربّك يطلق لي جوادي، ولك عهد وميثاق أن أرجع عنك.

فرفع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يديه إلى السّماء وقال: اللّهمّ إنْ كان صادقاً فيما يقول فأطلق له جواده. قال: فأطلق الله تعالى له قوائم فرسه حتّى وثب على الأرض سليماً، أي ولعلّ هذا في المرّة الثانية، أو المرّة الأخيرة من السّبع على ما تقدم، وتقدّم أنّ الإقتصار على القوائم لا ينافي الزيادة عليها، فلا يخالف ما سبق في هذه الرواية.

ورجع سراقة إلى مكّة، فاجتمع الناس عليه، فأنكر أنّه رآى محمّداً، فلا زال به أبو جهل حتّى اعترف وأخبرهم بالقصّة، وفي ذلك يقول سراقة مخاطباً لأبي جهل:

أبا حكم والله لو كنتَ شاهداً

لأمر جوادي إذ تسوخ قوائمه

علمت ولم تشكك بأنّ محمّداً

رسول ببرهان فمن ذا يقاومه »(١)

وقال الصفوري: « رأيت في الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة بمكة المشرفة شرّفها الله تعالى لأبي الحسن المالكي، أنّ عليّاً ولدته أُمّه بجوف الكعبة شرّفها الله تعالى ».

____________________

(١). إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون ٢ / ٢١٩.


وقد ذكر إكرام الدين الدهلوي كتاب ( الفصول المهمّة ) في مصادر كتابه ( سعادة الكونين في فضائل الحسنين )، فأكثر من النقل عنه جدّاً، والمولوي إكرام الدين الدهلوي من كبار علماء الهند، ومن أجلّاء المعاصرين لمخاطبنا ( الدهلوي )، وهو معظّم لدى علماء أهل السنّة، إذ يذكرونه بكلّ تبجيل واحترام، حتّى أنّ المولوي حيدر علي الفيض آبادي في ( إزالة الغين ) يذكره من أقران الشيخ عبدالحق الدهلوي، وشاه ولي الله الدهلوي، و ( الدهلوي ) وأمثالهم من مشاهير أئمّة أهل السنّة الّذين يفتون بجواز لعن يزيد بن معاوية، لعنة الله عليه وعلى أبيه.

كما أنّ رشيد الدين خان الدهلوي - وهو أفضل تلامذة ( الدهلوي ) - يذكر كتاب الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة في مصنّفات أهل السنّة في فضائل أهل البيت.

كما اعتمد على الفصول المهمّة: الشيخ حسن العدوي الحمزاوي في كتابه ( مشارق الأنوار ) الّذي نصّ على التزامه بنقل الأحاديث الصحيحة فيه

(٢٨)

رواية الميبدي

ورواه الحسين الميبدي اليزدي - في ( الفتواح - شرح ديوان علي ) - حيث قال: « روى البيهقي عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال: من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في تقواه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في هيبته، وإلى عيسى في عبادته، فلينظر إلى علي بن أبي طالب ».


ترجمة الميبدي

١ - غياث الدين المدعو بخواند أمير، في تاريخه ( حبيب السير ) الّذي نصّ الكاتب الجلبي باعتباره، واعتمد عليه ( الدهلوي ) وحسام الدين صاحب ( المرافض ). قال: « القاضي كمال الدين مير حسين اليزدي. كان من أفاضل علماء العراق بل من أعاظم علماء الآفاق، ولي القضاء في يزد مع الأمانة، ومن مصنّفاته: شرح ديوان أمير المؤمنين. وهو كتاب غنّي بالعلم ومرغوب فيه لدى الفضلاء. وله أيضاً: شروح على الكافية والهداية في الحكمة، وعلى الطوالع والشمسيّة، وله تعليقات دقيقة ».

٢ - وقد اعتمد عليه الكفوي في طبقاته ( كتاب أعلام الأخيار في طبقات مذهب النعمان المختار ) هذا الكتاب الّذي استند إليه ( مخاطبنا ) في ( بستان المحدّثين ).

٣ - وذكره الكاتب الجلبي في الحكماء الإسلاميّين عند كلامه على الحكمة والحكماء وما يتعلّق بذلك.

٤ - وأيضاً نقل عنه ولي الله الدهلوي في ( رسالة النوادر ) له.

(٢٩)

رواية الصّفوري

ورواه الصفوري الشّافعي في ( نزهة المجالس ) بقوله: « وقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: من أراد أنْ ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في همّته، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في زهده، وإلى محمّد في بهائه، فلينظر إلى علي.

ذكره ابن الجوزي ».


كلام الصّفوري في خطبة كتابه

وقد قال الصفوري في مقدّمة كتابه ( نزهة المجالس ): « فأحببت - لقول النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: عند ذكر الصالحين يبارك عليكم وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : عند ذكر الصالحين تتنزّل الرّحمة - أنْ أجمع ما تيسَّر من أخبارهم وما اشتملوا عليه من العبادة في ليلهم ونهارهم، وأنْ أطرّز ذلك باللطائف والفوائد السنيّة، والزواجر للنفوس الغويّة من المواعظ القويّة، مع ما أذكره من المسائل الفقهيّة والمنافع الطبيّة، وقطرة من مناقب خير البريّة ومن هو حيٌّ في قبره حياةً حقيقيّة، وذاته في ضريحه المكرم على العرش طريّة، وأزواجه وأصحابه وأمّته المرضيّة، وقد جعلته أبواباً وفصولاً حوت معاني قويّة، وسمّيته نزهة المجالس ومنتخب النفائس، وختمته بذكر الجنّة ».

ولهذا الكتاب تقريظ من العلّامة محمّد حسين الخشّاب.

(٣٠)

رواية الوصّابي اليماني

ورواه إبراهيم بن عبدالله الوصابي اليماني الشافعي في كتابه ( أسنى المطالب في مناقب علي بن أبي طالب ) وهو اسم الباب الرابع من كتابه ( الإكتفاء في فضل الأربعة الخلفاء ) ولكلٍّ من الأبواب الأخرى اسم يخصّه فرواه عن أنس حيث قال:

« عنه. قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: من سرّه أنْ ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في فهمه، وإلى إبراهيم في خلقه، فلينظر إلى علي بن أبي طالب.


أخرجه أبو نعيم في فضائل الصّحابة »(١) .

كتاب الوصّابي

وقد اعتمد على كتاب الوصابي المذكور محمّد محبوب عالم في تفسيره ( تفسير شاهي )، وشهاب الدين العجيلي في كتابه ( ذخيرة المآل )، وبذلك يظهر كونه من الكتب المعتمدة المفيدة لدى أهل السنّة.

(٣١)

رواية الجمال المحدِّث

ورواه جمال الدين عطاء الله بن فضل الله المعروف بالمحدِّث: « عن أبي الحمراء قال قال لي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من أراد أنْ ينظر إلى آدم في علمه وإلى نوح في فهمه - وفي رواية: إلى نوح في تقواه - وإلى يحيى ابن زكريّا في زهده وإلى موسى بن عمران في بطشه - وفي رواية: وإلى موسى في هيبته - وإلى عيسى في عبادته فلينظر إلى علي بن أبي طالب »(٢) .

ترجمة الجمال المحدّث

والسيّد جمال الدّين المحدّث الشّيرازي من مشايخ ( الدّهلوي ) في الإجازة، وقد ذكر في مقدّمة كتابه ( الأربعين ) أنّه ينقل أحاديثه عن الكتب المعتبرة، وله كتاب ( روضة الأحباب في سيرة النبيّ والآل والأصحاب ).

____________________

(١). أسنى المطالب للوصابي - مخطوط.

(٢). الأربعين في مناقب أمير المؤمنين.


وقد ذكره صاحب ( حبيب السّير ) بقوله: « مير جمال الدين بن عطاء الله سلّمه الله وأبقاه صار - كعمّه العظيم مير سيّد أصيل الدين - وحيداً في علم الحديث وسائر العلوم الدينيّة والفنون اليقينيّة، وحصل له التقدّم على جميع المحدّثين من أهل عصره، وكتابه روضة الأحباب في سيرة النّبيّ والآل والأصحاب مشهور في الأقطار، ولا يوجد له نظير ألبتة ».

وقال الشيخ علي القاري: « جمعت نسخ المصححة المقروّة المسموعة المصرّحة التي تصلح للإعتماد، وتصحّ عند الإختلاف للإستناد، فمنها نسخة هي أصل السيّد أصيل الدين والسيّد جمال الدين ونجله السعيد ميركشاه المحدثين المشهورين ثمّ إنّي قرأت أيضاً بعض أحاديث المشكاة على منبع بحر العرفان مولانا عطاء الله الشيرازي الشهير بمير كلان، وهو قرأ على زبدة المحقّقين وعمدة المدقّقين ميركشاه، وهو على والده السيّد السند مولانا جمال الدين المحدّث صاحب روضة الأحباب، وهو عن عمّه السيّد أصيل الدين، وهذا الإسناد لا يوجد أعلى منه للإعتماد»(١) .

وقال في ( المرقاة ) في شرح حديث « لا تدخلوا الجنّة حتّى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتّى تحابّوا »: « أمّا نسخ المشكاة المصحّحة المعتمدة المقروّة على المشايخ الكبار كالجزري والسيّد أصيل الدين وجمال الدين المحدّث وغيرها من النسخ الحاضرة، فكلّها بحذف النون ».

وقد ذكر الشنواني السيّد جمال الدين في طريق سند روايته لكتاب المشكاة، في كتابه ( الدرر السنيّة في الأسانيد الشنوانيّة ).

وكذا ( الدهلوي ) نفسه - في ( اُصول الحديث ) - حيث قال: « [ مشكاة المصابيح ]: الشيخ أبو طاهر، عن الشيخ إبراهيم الكردي، عن الشيخ أحمد

____________________

(١). المرقاة في شرح المشكاة - مقدمة الكتاب.


القشاشي، عن الشيخ أحمد بن عبدالقدوس الشناوي، عن السيّد غضنفر ابن السيّد جعفر النهرواني عن الشيخ محمّد سعيد المعروف بميركلان الذي كان شيخ مكة في وقته، وهو عن السيّد نسيم الدين ميركشاه، عن والده العظيم السيّد جمال الدين عطاء الله ».

كما وقع إسناد الشيخ أبي علي محمّد إرتضاء العمري الصفوي، كما لا يخفى على من راجع كتاب ( مدارج الإسناد ) له.

وقد اعتمد على السيّد جمال الدين ونقل عنه الشيخ عبدالحق الدهلوي في كتابه ( أسماء رجال المشكاة ).

وقال الصديق حسن خان القنوجي في ( الحطّة ): « وكتاب روضة الأحباب للسيّد جمال الدين المحدّث أحسن السير ».

(٣٢)

رواية ابن باكثير المكي

ورواه أحمد بن الفضل بن باكثير الشافعي المكّي عن الحاكمي والملّا في سيرته، وهذا لفظه: « عن أبي الحمراءرضي‌الله‌عنه قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: من أراد أنْ ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في فهمه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى يحيى بن زكريّا في زهده، وإلى موسى في بطشه، فلينظر إلى علي بن أبي طالب.

أخرجه أبو الخير الحاكمي.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: من أراد أنْ ينظر إلى إبراهيم في حلمه، وإلى نوح في حكمه، وإلى


يوسف في جماله، فلينظر إلى علي بن أبي طالب.

أخرجه الملّا في سيرته »(١) .

ترجمة ابن باكثير

وقد ترجم له المحبّي قائلاً: « الشيخ أحمد بن الفضل بن محمّد بن باكثير، المكي الشافعي، من أدباء الحجاز وفضلائها المتمكّنين. كان فاضلاً أديباً، له مقدار عليّ وفضل جلّي، وكان له في العلوم الفلكيّة وعلم الآفاق والزايرجا يد عالية، وكان له عند أشراف مكّة منزلة وشهرة، وكان في الموسم مجلس في المكان الّذي يقسّم فيه الصرّ السلطاني بالحرم الشريف بدلاً عن شريف مكة. ومن مؤلفاته: حسن المآل في مناقب الآل »(٢) .

وقد ذكر في مقدّمة كتابه المذكور: « فرأيت أنْ أجمع في تأليفي هذا من درر الفوائد المثمنة وغرر الأحاديث الصحيحة والحسنة ممّا هو مختصّ بالعترة النبويّة والبضعة الفاطميّة، وأذكره بلفظ الإجمال، ثمّ ما ورد من مناقب أهل الكساء الأربعة نخبة الآل، واُصرّح فيه بأسمائهم، ثمّ ما ورد لكلّ واحدٍ منهم بصريح اسمه الشريف.

فجمعت في كتابي هذا زبدة ما دوّنوه وعمدة ما صحّحوه من ذلك وأتقنوه، وما رقموه في مؤلّفاتهم وقنوه فيه، مقتصراً على ما يؤدي المطلوب، ويوصل إليه بأحسن نمط وأسلوب، سالكاً في ذلك طريق السداد، ومقتصراً فيه على ما يحصلّ المراد وتركت ما اشتدّ ضعفه منها وما لم نجد له شاهداً يقويه، وجانبت عمّا تكلّم في سنده وقد عدّه الحفاظ من الموضوع الّذي يجب

____________________

(١). وسيلة المال في عدّ مناقب الآل - مخطوط.

(٢). خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر ١ / ٢٧١.


أن نتّقيه، وأتيت بالمشهور من كتب التواريخ تتبّعت فيه من الأحاديث ما يشرح صدور المؤمنين، وتقرّ به عيون المتّقين، ويضيق بسببه ذرع المنافقين ».

(٣٣)

رواية البدخشاني

ورواه الميرزا محمّد بن معتمد خان البدخشاني عن البيهقي حيث قال:

« أخرج البيهقي في فضائل الصحابة عن أنس قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: من أراد أنْ ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في تقواه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في هيبته، وإلى عيسى في عبادته، فلينظر إلى علي بن أبي طالب »(١) .

ترجمة البدخشاني

والبدخشاني من علماء أهل السنّة الّذين يفتخر محمّد رشيد تلميذ ( الدّهلوي ) بتأليفهم كتباً خاصّة بفضائل أهل البيت، ويقول بأنّ علماء أهل السنّة لا يبغضون ولا يعادون أهل البيت.

وذكره المولوي حيدر علي الفيض آبادي، في جملة كبار علماء أهل السنّة الّذين يفتون بجواز لعن يزيد بن معاوية.

و ( الدهلوي ) نفسه اعتمد على البدخشاني في جواب سؤالٍ ورد عليه حول السبب في تلقيب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالمصطفى، وتلقيب

____________________

(١). مفتاح النجا في مناقب آل العبا - مخطوط.


أمير المؤمنين بالمرتضى فقال: « والميرزا محمّد بن معتمد خان الحارثي المؤرّخ الشهير في هذه البلاد أيضاً يلقّب عليّاً بالمرتضى، في رسالتيه في فضائل الخلفا وفضائل أهل البيت، وهما من عمدة مصنّفاته ».

(٣٤)

رواية محمّد صدر العالم

ورواه الشيخ محمّد صدر العالم بقوله: « أخرج أبو نعيم في فضائل الصحابة مرفوعاً: إنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: من سرّه أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوحٍ في فهمه، وإلى إبراهيم في خلّته، فلينظر إلى علي بن أبي طالب »(١) .

شعر ولي الله الدهلوي بمدح محمّد صدر العالم

قال الشيخ ولي الله والد مخاطبنا ( الدهلوي ) وإمامه ومقتداه في ( التفهيمات الإلهيّة ):

إنّ محمّد صدر العالم ألّف كتاباً - وهو معارج العلى - فضّل فيه عليّاً على الخلفاء تفضيلاً كليّاً، وكان من جملة ما ذكر فيه قصة شقّ القمر له كرّم الله وجهه، ثمّ أرسله إليَّ وطالعته، ونظمت هذه الأبيات:

رعاك الله يا صدر العوالي

وطول الدهر كان لك البقاء

لقد أوتيت في الآباء فخراً

وبالأبناء يرتفع العلاء

وجدّك آية لا ريب فيها

وبحر لا تكدّره الدلاء

____________________

(١). معارج العلى في مناقب المرتضى - مخطوط.


وفي كشف المعارف كان فرداً

وما في القوم كان له كفاء

لقد كوشفت ما كوشفت حقّاً

وفضل الله ليس له انتهاء

أتاك الثلج والإتقان لمـّا

رأيت الشق وانكشف اللواء

وإذ أدناك سيّدنا علي

بإكرام وعلم ما يشاء

تؤلف في مناقبه كتاباً

وعند الله في ذاك الجزاء

ومكثر مدح مولانا علي

مقلّ لا يكون له وفاء

فما من مشهدٍ إلّا وفيه

له فخر كبير وازدهاء

وما من منهل إلّا وفيه

له شرب عظيم وارتواء

وللقرآن تنزيل وظهر

يقاتلهم عليه الأنبياء

وللقرآن تأويل وبطن

يخاصمهم عليه الأوصياء

قبول الناس للتنزيل فيه

سياسات له منها نماء

فمنها ردّ تحريف ومدّ

لأسباب له منها انتشاء

وصلح واختصام وائتلاف

بأقوام قلوبهم هواء

لهذا القسم أسرار عظام

وللشيخين فيه اعتلاء

وفي علم النبوة إنّ هذا

ملاك الأمر ليس بها خفاء

وما زال الصحابة عارفيه

يقيناً مثل ما طلعت ذكاء

فأثبت ذاك للشيخين واختر

من الأوصاف مدحاً ما تشاء ».


(٣٥)

رواية وليّ الله الدّهلوي

قال وليّ الله الدّهلوي والد مخاطبنا ( الدهلوي ) - في ( قرة العينين ) - بعد جوابه على كلام المحقّق نصير الدين الطوسي في أفضليّة أمير المؤمنين:

« وبعد هذا كلّه، فإنّ جميع ما ذكره المتأخّرون من المعتزلة - كما ينقل عن الإمام الرازي في كتاب الأربعين، واختصره نصير الدين الطوسي - حججنا في أفضليّة المرتضى ممّن كان في أيّام خلافته، ونعترف بأصله ونتمسّك بثبوته في محلّه، لا بالنسبة إلى الشيخين ».

هذا كلام ولي الله الدهلوي، ومن راجع الأربعين للرازي وكلام النصير الطوسي، وجد فيه حديث التشبيه. قال الرازي:

« الحجة التاسعة عشر - روى أحمد والبيهقي في فضائل الصحابة قال: من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في تقواه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في هيبته، وإلى عيسى في عبادته، فلينظر إلى علي بن أبي طالب.

ظاهر الحديث يدلّ على أنّ عليّاً كان مساوياً لهؤلاء الأنبياء في هذه الصفات، ولا شكّ أنّ هؤلاء الأنبياء في هذه الصفات كانوا أفضل من أبي بكر وسائر الصحابة، والمساوي للأفضل أفضل، فيكون علي أفضل منهم »(١) .

____________________

(١). الأربعين في أصول الدين: ٣١٣.


(٣٦)

رواية محمّد الأمير

وقال العلّامة محمّد الأمير الصنعاني في ( الروضة النديّة - شرح التحفة العلويّة ) ما نصّه: « فائدة: قد شبهه بخمسة من الأنبياء كما قال المحبّ الطبريرحمه‌الله ما لفظه: ذكر تشبيه عليرضي‌الله‌عنه بخمسةٍ من الأنبياء:

عن أبي الحمراء قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: من أراد أنْ ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في فهمه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى يحيى ابن زكريّا في زهده، وإلى موسى في بطشه، فلينظر إلى عليّ بن أبي طالب.

أخرجه أبو الخير الحاكمي.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: من أراد أن ينظر إلى إبراهيم في حلمه، وإلى نوح في حكمه، وإلى يوسف في جماله، فلينظر إلى علي بن أبي طالب.

أخرجه الملّا في سيرته.

قلت: وقد شبّهه صلّى الله عليه وسلّم بهؤلاء الخمسة الرسل في اكتسابه للخصال الشريفة من خصالهم ».

ترجمة الأمير

١ - الحفظي الشافعي: « وأولاد الإمام المتوكِّل علماء جهابذة وأبرار، أعظمهم ولده الإمام المؤيّد بالله محمّد بن إسماعيل، قرأ كتب الحديث وبرع فيها، كان إماماً في الزهد والورع، يعتقده العامّة والخاصّة.


ومن أعيان آل الإمام: السيّد المجتهد الشهير، والمحدّث الكبير، السراج المنير، محمّد بن إسماعيل الأمير، مسند الديار ومجدد الدين في الأقطار، صنّف أكثر من مائة مؤلَّف، وهو لا ينسب إلى مذهب، بل مذهبه الحديث »(١) .

٢ - الشوكاني: « الإمام الكبير، المجتهد المطلق، صاحب التصانيف

برع في جميع العلوم، وفاق الأقران، وتفرّد برياسة العلم في صنعاء، وتظهّر بالإجتهاد، وعمل بالأدلّة، ونفر عن التقليد، وزيّف ما لا دليل عليه من الآراء الفقهيّة وبالجملة، فهو من الأئمّة المجدّدين لمعالم الدين »(٢) .

٣ - القنوجي: « وهو الإمام الكبير، المحدّث الأصولي، المتكلّم الشهير، قرأ كتب الحديث وبرع فيها، وكان إماماً في الزهد والورع، وكان ذا علم كير ورياسة عالية، وله في النظم اليد الطولى، بلغ رتبة الإجتهاد المطلق، ولم يقلَّد أحداً من أهل المذاهب، وصار إماماً كاملاً مكملاً بنفسه ...»(٣) .

(٣٧)

رواية الحفظي الشافعي

ورواه شهاب الدين الحفظي العجيلي الشافعي بقوله: « روى البيهقي يرفعه إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: من أراد أن ينظر إلى نوح في تقواه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في هيبته، وإلى عيسى في زهادته، فلينظر إلى علي بن أبي طالب »(٤) .

____________________

(١). ذخيرة المآل - مخطوط.

(٢). البدر الطالع ٢ / ١٣٣.

(٣). أبجد العلوم، التاج المكلّل.

(٤). ذخيرة المآل في عدّ مناقب الآل - مخطوط.


ترجمة العجيلي

وترجم الصديق حسن القنوجي: « وله مناقب وفضائل شهيرة، وكان لا يسمع بذي فضيلة من جهةٍ من الجهات إلّاوتعرّف به واستطلع حقيقة فضيلته، ومكث على هذه الحالة دهراً طويلاً، ثمّ آثر الخلوة والعزلة إلى أنْ انتقل إلى جوار رحمة الله تعالى »(١) .

(٣٨)

رواية وليّ الله اللّكهنوي

ورواه المولوي ولي الله اللكهنوي بقوله: « قال صلّى الله عليه وسلّم: من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في تقواه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في هيبته، وإلى عيسى في زهادته، فلينظر إلى علي بن أبي طالب »(٢) .

أقول:

قد عرفت بما تلوناه عليك ونقلناه لك من كلمات أساطين أئمّة أهل السنّة، وكبار حفّاظهم، ومشاهير علمائهم في مختلف العلوم أنّ حديث التشبيه - بمختلف ألفاظه وأسانيده - حديث صحيح لا مرية فيه ولا شك يعتريه

____________________

(١). التاج المكلل: ٥٠٩.

(٢). مرآة المؤمنين في مناقب أهل بيت سيّد المرسلين - مخطوط.


إنّه حديث رووه بأسانيدهم عن عدّةٍ من الصحابة عن النبيّ الأكرم والرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

رووه وأخرجوه في كتبهم، واستشهدوا به في كلماتهم، ونظموه في أشعارهم

فكيف ينفي ( الدهلوي ) صحّته! وينكر وجوده في كتب أهل السنّة! ويزعم عدم قبولهم إيّاه؟!

فالله حسيبه على ما قال وكفى به حسيباً.

لكن الّذي نتوخّاه ونرجوه أنْ لا يقدم أحد على ما أقدم عليه، ولا يغترّ بما قاله وتقوّله، فإنّ( كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ) و( اللهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ ) .

هذا كلّه بالنسبة إلى سند هذا الحديث.

وقس عليه في البطلان كلماته في الدلالة، كما سيتّضح لك، وعلى الله التكلان:



نقض كلمات الدهلوي

حول سند حديث التشبيه



قوله:

الحديث السادس: وهو ما رواه الإماميّة

أقول:

إنّ الإماميّة يروون حديث التشبيه، في كتبهم في الأخبار والمناقب، بطرقٍ وألفاظٍ مختلفة، وهم غير محتاجين إلى رواية غيرهم، غير أنّهم يوردونه في كتبهم عن أهل السنّة أيضاً من باب الإلزام، كما هو المتّبع في قانون المناظرة:

الحديث في كتب الإماميّة

١ - قال الوزير علي بن عيسى بن أبي الفتح الإربليرحمه‌الله : « فصلٌ في مناقبه، وما أعدّ الله تعالى لمحبّيه، وذكر غزارة علمه، وكونه أقضى الأصحاب:

من مناقب الخوارزمي: عن مجاهد عن ابن عباسرضي‌الله‌عنه قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لو أنّ الرياض أقلام، والبحر مداد، والجنّ حسّاب، والإنس كتّاب، ما أحصوا فضائل علي بن أبي طالب».

ثمّ قال بعد نقل أحاديث أخرى -:

« ومنه عن أبي الحمراء قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من أراد أنْ ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في فهمه، وإلى يحيى بن زكريا في


زهده، وإلى موسى بن عمران في بطشه، فلينظر إلى علي بن أبي طالب ».

قال أحمد بن الحسين البيهقي: لم أكتبه إلّا بهذا الإسناد.

وقد روى البيهقي في كتابه المصنّف في فضائل الصحابة يرفعه بسنده إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنّه قال: من اراد أنْ ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوحٍ في تقواه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في هيبته، وإلى عيسى في عبادته، فلينظر إلى علي بن أبي طالب.

فقد ثبت لعليعليه‌السلام ما ثبت لهمعليهم‌السلام من هذه الصّفات المحمودة، واجتمع فيه ما تفرّد في غيره »(١) .

ترجمة الإربلي

وقد ترجم ابن شاكر الكتبي علي بن عيسى الإربلي في ( فواته ) بقوله:

« علي بن عيسى بن أبي الفتح، الصاحب، بهاء الدين، ابن الأمير فخر الدين، الإربلي، المنشيء الكاتب البارع. له شعر وترسّل، وكان رئيساً، كتب لمتولّي أربل ثمّ خدم ببغداد في ديوان الإنشاء، أيام علاء الدين صاحب الديوان، ثمّ إنّه فتر سوقه في دولة اليهود، ثمّ تراجع بعدهم وسلّم ولم ينكب، إلى أنْ مات سنة ٦٩٢.

وكان صاحب تجمّل وحشمة ومكارم أخلاق، وفيه تشيّع.

وكان أبوه والياً بأربل.

ولبهاء الدين مصنّفات أدبية، مثل المقامات الأربع، ورسالة الطيف، المشهورة، وغير ذلك. وخلَّف لمـّا مات تركة عظيمة، نحو ألفي ألف درهم،

____________________

(١). كشف الغمة في معرفة الأئمّة ١ / ١١٣ - ١١٤.


تسلّمها إبنه أبو الفتح، ومَحَقها، ومات صعلوكاً »(١) .

ولابن شاكر مقام جليل لدى أهل السنّة، ولا يخفى ما لكتبه من قيمةٍ واعتبار(٢) .

٢ - وروى زين الدين محمّد بن علي بن شهرآشوب السروي المازندراني حديث التشبيه عن أحمد بن حنبل وابن بطة. كما عرفته سابقاً.

٣ - وأورد أبو الحسن يحيى بن الحسن بن البطريق الحلي -رحمه‌الله حديث التشبيه عن أبي الحسن ابن المغازلي حيث قال: « وبالإسناد قال:

أخبرنا أحمد بن محمّد بن عبدالوهّاب قال: حدّثنا الحسين بن محمّد بن الحسين العدل العلوي الواسطي قال: حدّثنا محمّد بن محمود قال: حدّثنا إبراهيم بن مهدي الابلي قال: حدّثنا إبراهيم بن سليمان بن رشيد قال: حدّثنا زيد بن عطيّة قال: حدّثنا أبان بن فيروز، عن أنس بن مالك قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من أراد أن ينظر إلى علم آدم، وفقه نوح، فلينظر إلى علي بن أبي طالب »(٣) .

٤ - ونقل الشيخ الحسن بن محمّد بن علي السهمي الحلّي - طاب ثراه - حديث التشبيه عن ( وسيلة المتعبّدين ) لعمر بن محمّد بن خضر المعروف بالملّا الأردبيلي(٤) .

٥ - وأورد العلّامة الشيخ محمّد باقر بن محمّد تقي المجلسي - طاب ثراه - في ( بحار الأنوار ) عبارة ابن شهرآشوب، التي روى فيها هذا الحديث عن أحمد وابن بطّة.

____________________

(١). فوات الوفيات ٢ / ٦٦.

(٢). انظر: الدرر الكامنة ٣ / ٤٥١، كشف الظنون: ٢٩٣، ١١٨٥، ١٢٩٢، ٢٠١٩.

(٣). عمدة عيون صحاح الأخبار: ٣٦٩.

(٤). الأنوار البدريّة في دفع شبه النواصب والقدريّة - مخطوط.


فما قصده ( الدهلوي ) بهذا الكلام حيث نسب رواية الحديث إلى الإماميّة - من نفي رواية أهل السنّة إيّاه - واضح الفساد، بل إنّ الإماميّة يروونه بطرقهم، وينقلونه عن أهل السنّة أيضاً لإفحامهم.

ثمّ إنّه كان الأحرى بـ ( الدّهلوي ) أنْ ينقل جميع طرق هذا الحديث أو أكثرها، ولا أقلّ من أنْ يصرِّح بكثرة طرقه ورواته، لا أنْ يكتفي بطرقٍ واحدٍ منها.

قوله:

وفساد مبادئ هذا الإستدلال ومقدّماته من الصدر إلى الذيل ظاهر على كلّ خبير.

أقول:

زعم فساد هذا الإستدلال إنّما ينشأ ممّن فسدت مبادئ عقله بالوساوس الشيطانيّة، وإنّ العالم الخبير صاحب الفطرة المستقيمة والعقل السليم لا يصغي إلى تشكيكات ( الدهلوي ) وخرافاته الهزيلة نسأل الله الهداية إلى نهج السداد، وهو الصائن من أنْ يمتلئ الإنسان من الرأس إلى القدم بالحقد والعناد، لفضائل وصيّ شفيع الاُمم، ويتنكّب عن الطّريق الأمم.

قوله:

أوّلاً: إنّ هذا الحديث ليس من أحاديث أهل السنّة.


أقول:

العجب من هذا الرجل!! أليس عبدالرزاق الصنعاني، وأحمد بن حنبل، وأبو حاتم الرازي، وابن شاهين، وابن بطّة، والحاكم النيسابوري، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي، وابن المغازلي، وشيرويه الديلمي، والسّنائي، والعطّار، وشهردار الديلمي، والخوارزمي، وأبو الخير الحاكمي، والصالحاني، وابن طلحة، والكنجي، والمحبّ الطبري، والسيّد علي الهمداني، وأمير ملّا، والشهاب الدولت آبادي الهندي، وابن الصبّاغ، وحسين الميبدي اليزدي، وعبد الرحمن الصفوري، وإبراهيم الوصّابي، وجمال الدين المحدّث، وأحمد ابن باكثير المكي، والميرزا محمّد البدخشي، ومحمّد صدر العالم، ومحمّد بن إسماعيل الأمير

أليس هؤلاء وأمثالهم الّذين رووا حديث التشبيه، من أكابر أساطين أهل السنّة، ومن مفاخرهم في كلّ عصر وزمان؟!

إن كان هؤلاء خارجين عن زمرة أهل السنّة، وداخلين في زمرة أهل الضلال والبدع، فهل يكون أبوه ( ولي الله الدهلوي ) الّذي كان باعتقاد إبنه ( الدهلوي ) آيةً من الآيات الإلهيّة ومعجزةً من المعجزات النبويّة، خارجاً عن أهل السنّة كذلك؟

وإذا كان كلّ أولئك خارجين من أهل السنّة، ومعدودين في زمرة المبتدعين والهالكين، فلا مانع منْ أن يقال ذلك في حق معاصري ( الدهلوي ) من أمثال: أحمد بن عبدالقادر العجيلي، والمولوي ولي الله بن حبيب الله اللكهنوي

وإذا كان كلّ هؤلاء خارجين، فلا شك في خروج من يمدحهم ويثني


عليهم ويوثّقهم، لاشتراك العلّة والسّبب

فانحصر التسنّن في شخص ( الدّهلوي ).

ولكنّ ( الدهلوي ) أيضاً ممّن يمدح ويثني على طائفة من الأشخاص المذكورين، فيلزم أنْ يخرج هو من بين أهل السنّة، فلم يبقَ في العالم سنّي أصلاً

فبطل مذهب السنيّة، وانهدم من الرأس إلى القدم.

( وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ) .

إنكار رواية البيهقي والردُّ عليه

قوله:

وقد أورده ابن مطهّر الحلّي في كتبه، ونسبه إلى البيهقي مرّةً، وإلى البغوي أخرى، وليس في تصانيفهما أثر منه.

أقول:

رواه عن أهل السنّة جماعة من علمائنا قبل العلّامة الحلّي، كالإربلي صاحب ( كشف الغمة )، وابن شهرآشوب السروي صاحب ( مناقب آل أبي طالب ) وابن البطريق صاحب ( العمدة ) كما دريت آنفاً، فلا وجه لتخصيص إيراد الحديث بالعلّامة الحلّي إلّا تقليد الكابلي.

ولقد أورده العلّامة الحلّي عن البيهقي حيث قال في كتاب ( منهاج الكرامة في الإمامة ) في ذكر أعلمية الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام : « عن البيهقي في كتابه بإسناده عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: من أراد أنْ ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في تقواه، وإلى إبراهيم في خلّته، وإلى


موسى في هيبته، وإلى عيسى في عبادته، فلينظر إلى علي بن أبي طالب.

فأثبت له ما تفرّق فيهم ».

ورواه عن البيهقي في كتاب ( نهج الحق ) كذلك.

وهذا الحديث موجود في كتاب البيهقي بالقطع واليقين، وقد نصَّ على ذلك جماعة من أكابر أهل السنّة، أمثال:

الموفّق بن أحمد المكي أخطب خطباء خوارزم.

ومحمّد بن طلحة النصيبي الشّافعي.

ونور الدين علي ابن الصبّاغ المالكي.

والحسين الميبدي اليزدي.

والميرزا محمّد بن معتمد خان البدخشاني.

وأحمد بن عبدالقادر العجيلي الشافعي.

والميرزا محمّد البدخشاني مقبول لدى ( الدهلوي )، وقد وصفه تلميذه محمّد رشيد خان الدهلوي بأنّه من عظماء علماء أهل السنّة، فإنْ لم يثق ( الدهلوي ) وأتباعه بنقل الآخرين عن البيهقي، فلا محيص عن قبول نقل مثل البدخشاني.

فالحمد لله على ما أزاح الباطل عن نصابه، وأوضح الحق المشرق، ولزمت الحجة الكافية، والبيّنة الشافية.

عدم إنكار ابن تيميّة رواية البيهقي

وبالرغم من أنّ ( الدهلوي ) يدّعي طول الباع وسعة الإطّلاع على كتب الفريقين، فإنّه لم ير الكتب الحديثيّة ولم يعثر عليها، بل قلَّد الكابلي في نفيٍ وجود أثرٍ من حديث التشبيه في تصانيف البيهقي باليقين والجزم رجماً


بالغيب فليته قال: لم أره في تصانيفه البيهقي، بأنْ يقصد: إنّي لمـّا لم أر كتب البيهقي، فلا جرم لم أعثر على هذا الحديث فيها، وأمّا النفي الواقعي والإخبار الحقيقي عن عدم وجوده في تصانيف البيهقي، فذلك كذب صريح يستبعد صدوره بالنسبة إلى الأمور الدينيّة من أجهل الناس فضلاً عن الأفاضل.

أللّهمّ إلّا أنْ يعتذر أولياء ( الدهلوي ) بأنّه نفى وجود أثر من هذا الحديث في مصنّفات البيهقي، ونفي وجود الأثر لا ينافي وجود العين!!

إنّا لا نستبعد أنْ يلتجئ أولياء ( الدهلوي ) إلى هذا العذر الواهي إنّهم يجدون أنّ ابن تيميّة الذي هو إمامهم في المكابرة والعناد وإنكار الحقائق والفضائل الثابتة لا ينكر وجود هذا الحديث في مصنّفات البيهقي، لأنّه يعلم بوجوده فيها، فيضطر إلى جرح البيهقي نفسه والقدح فيه، إنّه يقول في جواب عبارة العلّامة الحلّي المتقدّمة:

« والجواب أن يقال: أوّلاً: أين إسناد هذا الحديث؟ والبيهقي يروي في الفضائل أحاديث كثيرة ضعيفة بل موضوعة، كما جرت عادة أمثاله من أهل العلم. ويقال ثانياً: هذا الحديث كذب موضوع على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، بلا ريب عند أهل العلم بالحديث، ولهذا لا يذكره أهل العلم بالحديث، وإن كانوا حريصاً على جمع فضائل علي، كالنسائي، قصد أن يجمع فضائل علي في كتابٍ سمّاه الخصائص، والترمذي قد ذكر أحاديث متعددة في فضائله، وفيها ما هو ضعيف بل موضوع، ومع هذا لم يذكروا هذا ونحوه »(١) .

فأنت ترى ابن تيمية يرمي الحديث بالضعف بل بالوضع، ويصف البيهقي وأمثاله برواية أحاديث ضعيفة بل موضوعة، فلو لم يكن العلّامة الحلّي صادقاً في عزو الحديث إلى البيهقي، لكان الردّ عليه من هذه النّاحية أقوى وأشد

____________________

(١). منهاج السنّة ٥ / ٥١٠.


فابن تيميّة - هذا المتعصّب العنيد - لا ينكر وجود هذا الحديث في مصنّفات البيهقي، كما أنّه لا ينفي دلالته على أفضليّة أمير المؤمنينعليه‌السلام ، ولا يجعله من قبيل تشبيهات الشعراء في مدائحهم للأشخاص

لكنّ ( الدهلوي ) ينكر وجوده في مصنّفات البيهقي بل سائر كتب أهل السنّة ولو بإسنادٍ ضعيف، ويجعله من قبيل إغراقات الشعراء وتشبيهاتهم في الأشعار

والواقع الذي يذعن به كلّ منصف، ويعترف به كلّ خبير هو: صحّة هذا الحديث، وثبوت صدوره عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ووجوده في كتب أهل السنّة المعتبرة المشهورة، وفي كتب البيهقي ومصنّفاته، فدعوى إبن تيميّة ضعف هذا الحديث أو وضعه دعوى بلا دليل، والبيهقي قد التزم بأنْ لا يروي حديثاً يعلم بكونه موضوعاً، ومن هنا لم يرم العلماء ما أخرجه البيهقي بالوضع.

كلمات في وصف البيهقي وكتبه

وقول ابن تيميّة: « ولهذا لا يذكره أهل العلم بالحديث » يستشم منه الإزراء الشّديد بحقّ البيهقي

إنّه لم يصف أحدٌ البيهقي بما وصفه به إبن تيميّة، وما هذا إلّا لغرض ردّ أحاديث فضائل أهل البيت والطّعن فيها، ولنذكر شيئاً من كلمات القوم في وصف البيهقي:

١ - قد ذكرنا سابقاً أنّ صاحب ( المشكاة ) يقول في حق جماعةٍ فيهم البيهقي: « إني إذا أسندت الحديث إليهم كأني أسندت إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ».


٢ - ياقوت الحموي: « وقد أخرجت هذه الكورة من لا يحصى من الفضلاء والعلماء والفقهاء والأدباء، ومع ذلك، فالغالب على أهلها مذهب الرافضة الغلاة.

ومن أشهر أئمّتهم الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين بن عبدالله بن موسى البيهقي، من أهل خسروجرد، صاحب التصانيف المشهورة، وهو الإمام الحافظ، الفقيه الأصولي، الدّين الورع، أوحد الدهر في الحفظ والإتقان، مع الدين المتين، من أجلّ أصحاب أبي عبدالله الحاكم والمكثرين عنه، ثمّ فاقه في فنونٍ من العلم تفرَّد بها، رحل إلى العراق وطوّف الآفاق، وألّف من الكتب ما يبلغ قريباً من ألف جزء، ممّا لم يسبق إلى مثله »(١) .

٣ - السمعاني: « كان إماماً فقيهاً حافظاً، جمع بين معرفة الحديث والفقه، وكان تتبّع نصوص الشافعي، وجمع كتاباً سمّاه كتاب المبسوط، وكان اُستاذه في الحديث الحاكم أبو عبدالله محمّد بن عبدالله الحافظ، وتفقّه على أبي الفتح ناصر بن محمّد العمري المروزي، وسمع الحديث الكثير، وصنّف فيه التصانيف التي لم يسبق إليها، وهي مشهورة موجودة في أيدي الناس، سمعت منها وأدركت عشرة من أصحابه الذين حدّثوني عنه.

وكانت ولادته في سنة ٣٨٤ في شعبان. ووفاته في سنة ٤٥٨ »(٢) .

٤ - ابن خلكان: « الفقيه الشافعي، الحافظ الكبير المشهور، واحد زمانه وفرد أقرانه في الفنون، من كبار أصحاب الحاكم أبي عبدالله ابن البيّع في الحديث، ثمّ الزائد عليه في أنواع العلوم وهو أوّل من جمع نصوص الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه في عشر مجلّدات وكان قانعاً من الدنيا بالقليل.

____________________

(١). معجم البلدان ١ / ٥٣٨، ٢ / ٣٧٠.

(٢). الانساب ٢ / ٣٨١.


وقال إمام الحرمين في حقّه: ما من شافعي المذهب إلّا وللشّافعي عليه منّة، إلّا أحمد البيهقي فإنّ له على الشافعي منة

وكان على سيرة السّلف، وأخذ عنه الحديث جماعة من الأعيان »(١) .

٥ - الذهبي: « البيهقي هو: الحافظ، العلّامة، الثبت، الفقيه، شيخ الإسلام

قال الحافظ عبدالغافر بن إسماعيل في تاريخه: كان البيهقي على سيرة العلماء، قانعاً باليسير، متجمّلاً في زهده وورعه.

وقال أيضاً: هو أبو بكر، الفقيه الحافظ، الأصولي، الدّين والورع، واحد زمانه في الحفظ وفرد أقرانه في الإتقان والضبط، من كبار أصحاب الحاكم، ويزيد على الحاكم بأنواع من العلوم، كتب الحديث وحفظه من صباه، وتفقّه وبرع، وأخذ فن الأصول، وارتحل إلى العراق والجبال والحجاز، ثمّ صنّف، وتواليفه تقارب ألف جزء ممّا لم يسبقه إليه أحد، جمع بين علم الحديث والفقه وبيان علل الحديث ووجه الجمع بين الأحاديث، طلب منه الأئمّة الإنتقال من بيهق إلى نيسابور لسماع الكتب، فأتى في سنة ٤٤١، وعقدوا له المجلس لسماع كتاب المعرفة، وحضره الأئمّة.

قال شيخ القضاة أبو علي إسماعيل ابن البيهقي، قال أبي: حين ابتدأت بتصنيف هذا الكتاب - يعني كتاب المعرفة من السنن والآثار - وفرغت من تهذيب أجزاء منه، سمعت الفقيه محمّد بن أحمد - وهو من صالحي أصحابي وأكثرهم تلاوةً وأصدقهم لهجة - يقول: رأيت الشافعيرحمه‌الله في النوم، وبيده أجزاء هذا الكتاب وهو يقول: كتبت اليوم من كتاب الفقيه سبعة أجزاء أو قال: قرأتها، ورآه يعتد بذلك. قال: وفي صباح ذلك اليوم رأى فقيه آخر من

____________________

(١). وفيات الأعيان ١ / ٧٥.


إخواني الشافعيَّ قاعداً في الجامع على سرير وهو يقول: قد استفدت اليوم من كتاب الفقيه حديث كذا وكذا.

وأخبرنا أبي قال: سمعت الفقيه أبا محمّد الحسن بن أحمد السمرقندي الحافظ يقول: سمعت الفقيه محمّد بن عبدالعزيز المروزي يقول: رأيت في المنام كأنَّ تابوتاً علا في السماء يعلوه نور، فقلت: ما هذا؟ فقال: تصنيفات أحمد البيهقي.

ثمّ قال شيخ القضاة: سمعت الحكايات الثالث من الثلاثة المذكورين.

قلت: هذه الرؤيا حق، فتصانيف البيهقي عظيمة القدر، غزيرة الفوائد، قلَّ من جوّد تواليفه مثل الإمام أبي بكر، فينبغي للعالم أنْ يعتني بها، ولا سيّما سننه الكبير.

وقد قدم قبل موته بسنةٍ أو أكثر إلى نيسابور وتكاثر عليه الطلبة، وسمعوا منه كتبه، وجلبت إلى العراق والشام والنواحي، واعتنى بها الحافظ أبو القاسم الدمشقي، وسمعها من أصحاب البيهقي، ونقلها إلى دمشق هو وأبو الحسن المرادي.

وبلغنا عن إمام الحرمين أبي المعالي الجويني قال: ما من فقيهٍ شافعي إلّا وللشافعي عليه منّة إلّا أبا بكر البيهقي، فإنّ المنّة له على الشافعي، لتصانيفه في نصرة مذهبه.

قلت: أصاب أبو المعالي هكذا، ولو شاء البيهقي أنْ يعمل لنفسه مذهباً لكان قادراً على ذلك، لسعة علومه ومعرفته بالإختلاف، ولهذا تراه يلوح بنصر مسائل ممّا صحّ في الحديث ...»(١) .

٦ - أيضاً: « البيهقي الإمام الحافظ العلّامة شيخ خراسان فذكر

____________________

(١). سير أعلام النبلاء ١٨ / ١٦٣.


مشايخه ومصنّفاته، وكلمات إمام الحرمين وعبد الغافر في حقّه وما نقله ولده من الرؤيا، ثمّ ذكر وفاته، ومن روى عنه(١) .

٧ - أيضاً: « البيهقي الإمام العالم وبلغت تصانيفه ألف جزءٍ، ونفع الله بها المسلمين شرقاً وغرباً، لأمانة الرجل ودينه وفضله وإتقانه. فالله يرحمه »(٢) .

٨ - اليافعي: « الإمام الكبير، الحافظ النحرير، أحمد بن الحسين، البيهقي، الفقيه الشافعي، واحد زمانه وفرد أقرانه في الفنون، من كباد أصحاب الحاكم أبي عبدالله ابن البيع في الحديث، الزائد عليه في أنواع العلوم، له مناقب شهيرة، وتصانيف كثيرة بلغت ألف جزء » ثمّ نقل ما قيل في حقّه من كلمات الثناء(٣) .

٩ - السبكي: « كان الإمام البيهقي أحد أئمة المسلمين، وهداة المؤمنين، والدعاة إلى حبل الله المتين، فقيه جليل، حافظ كبير، اُصولي نحرير، زاهد ورع، قانت لله، قائم بنصرة المذهب اصولاً وفروعاً، جبلاً من جبال العلم صار واحد زمانه، وفارس ميدانه، وأحذق المحدّثين ذهناً، وأسرعهم فهماً وأجودهم قريحةً. وبلغت تصانيفه ألف جزء، ولم يتهيّأ لأحدٍ مثلها، أمّا السنن الكبير، فما صنّف في علم الحديث مثله تهذيباً وترتيباً وجودةً، وأمّا المعرفة معرفة السنن والآثار، فلا يستغني عنه فقيه شافعي وكلّها مصنّفات لطاف، مليحة الترتيب والتهذيب، كثيرة الفائدة، يشهد من يراها من العارفين بأنّها لم يتهيّأ لأحدٍ من السابقين.

____________________

(١). تذكرة الحفّاظ ٢ / ١١٣٢.

(٢). العبر في خبر من غبر ٣ / ٢٤٢١.

(٣). مرآة الجنان - حوادث: ٤٥٨.


وفي كلام شيخنا الذهبي أنّه أوّل من جمع نصوص الشافعي. وليس ذلك، بل هو آخر من جمعها، ولذلك استوعب أكثر ما في كتب السابقين، ولا أعرف أحداً بعده جمع النصوص، لأنّه سدّ الباب على مَن بعده.

وكانت إقامته ببيهق، ثمّ استدعاه والي نيسابور ليقرأ عليه كتاب المعرفة

قال عبدالغافر

قال شيخنا الذهبي

وقال إمام الحرمين

وقال شيخ القضاة أبو علي ولد البيهقي »(١) .

١٠ - إبن الأثير: « كان إماماً في الحديث والفقه »(٢) .

١١ - أبو الفداء: « كان إماماً في الحديث والفقه على مذهب الشافعي، وكان زاهداً أوحد زمانه »(٣) .

١٢ - ابن الوردي: « إمام في الحديث والفقه رحل في طلب الحديث إلى العراق والجبال والحجاز، وهو أول من جمع نصوص الشافعي في عشر مجلّدات، ومن تصانيفه قال إمام الحرمين وكان قانعاً من الدنيا بالقليل »(٤) .

١٣ - الأسنوي: « الحافظ الفقيه الأصولي، الزاهد الورع، القائم في نصرة المذهب »(٥) .

____________________

(١). طبقات الشافعية ٤ / ٨.

(٢). الكامل في التواريخ ٨ / ٣٧٧. حوادث سنة ٤٥٨ - ١٠ / ٥٢.

(٣). المختصر في أخبار البشر. حوادث سنة ٤٥٨ - ٢ / ١٥٨.

(٤). تتمة المختصر في أخبار البشر. حوادث سنة ٤٥٨ - ١ / ٥٥٩.

(٥). طبقات الشافعية ١ / ١٩٨.


١٤ - ابن قاضي شهبة: « الإمام الحافظ الكبير أبو بكر البيهقي، الخسروجردي، سمع الكثير ورحل وجمع وحصّل وصنّف وكان كثير التحقيق والإنصاف، حسن التصنيف

قال عبدالغافر وقال إمام الحرمين »(١) .

١٥ - الخطيب التبريزي: « كان أوحد دهره في الحديث والتصانيف ومعرفة الفقه، وهو من كبار أصحاب الحاكم أبي عبدالله.

قالوا: سبعة من الحفاظ أحسنوا التصنيف، وعظم الانتفاع بتصانيفهم: أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني، ثمّ الحاكم أبو عبدالله النيسابوري، ثمّ أبو محمّد عبد الغني الأزدي حافظ مصر، ثمّ أبو نعيم أحمد بن عبدالله الإصفهاني، ثمّ أبو عمرو ابن عبدالبر النمري حافظ أهل المغرب، ثمّ أبو بكر أحمد بن حسين البيهقي، ثمّ أبو بكر أحمد الخطيب البغدادي »(٢) .

١٦ - السيوطي: « البيهقي الإمام الحافظ العلامة، شيخ خراسان لزم الحاكم وتخرّج به، وأكثر منه جدّاً، وهو من كبار أصحابه، بل زاد عليه بأنواعٍ من العلوم، كثير الحديث وحفظه من صباه، برعٍ وأخذ في الأصول وانفرد بالإتقان والضبط والحفظ، ورحل وعمل كتباً لم يسبق إليها وبورك له في علمه، لحسن قصده وقوّة فهمه وحفظه، وكان على سيرة العلماء، قانعاً باليسير، مات في عاشر جمادى الأولى ٤٥٥ بنيسابور، ونقل في تابوت إلى بيهق مسيرة يومين »(٣) .

____________________

(١). طبقات الشافعية ١ / ٢٢٦.

(٢). الإكمال في أسماء الرجال - ط مع المشكاة.

(٣). طبقات الحفّاظ: ٤٣٣.


أقول:

وهكذا تجد الثناء عليه وعلى مصنفاته في غير هذه الكتب، فراجع مثلاً: ( فيض القدير ) و ( المرقاة ) و ( شرح المواهب اللدنيّة ) و ( مقاليد الأسانيد ) و ( التاج المكلّل ) وغيرها، ولولا خوف الإطالة لأوردنا كلّ ذلك، ولكنّا حاولنا الإختصار بقدر الإمكان.

وعلى الجملة، فإنّك إذا وضعت يدك على أيّ كتابٍ ترجم فيه للبيهقي، فلا تجد إلّا الثناء عليه وعلى سائر آثاره ومصنّفاته، فكلّهم يصفونه بالحفظ والإتقان والإمامة والديانة والورع وأمثال ذلك من الأوصاف الحميدة، ويصفون مصنّفاته بالجودة والتهذيب والإعتبار وقد رأيت كيف أقبل حفّاظ عصره والمتأخّرون عنه على مصنّفاته وتناقلوها وسمعوها وناهيك بالرؤيا التي رآها أحد معاصريه من الأعلام، تلك الرؤيا الّتي قال الذّهبي وغيره « هي حق »

أقول:

فثبت أنّ البيهقي لا يروي في الفضائل الأحاديث الضعيفة بل الموضوعة كما زعم إبن تيميّة، ولكن الحقيقة هي أن من يروي شيئاً من مناقب عليعليه‌السلام يتّهم بأنواع التّهم وإن وافقه في روايته الجمّ الغفير والجمع الكثير من الأعلام والمشاهير، كما هو الشأن في حديث التشبيه الّذي رواه من أعلام القوم من عرفت، وأخرجه عبدالرزاق بسندٍ صحيح. هذا، ولا يخفى التناقض الموجود في كلام ابن تيميّة، فإنّه بعد أن أخرج البيهقي من زمرة أهل العلم بالحديث لروايته هذا الحديث الموضوع بزعمه، ذكر أنّ أهل العلم بالحديث لا


يذكرونه لكونه موضوعاً، وصرّح منهم باسم النسائي والترمذي، ومعنى كلامه هنا أنّ كتابيهما مجرّدان عن الأحاديث الضعيفة والموضوعة. لكنّه يعلم بوجود بعض المناقب فيهما، فحمله تعصّبه على أنْ يناقض نفسه فيدّعي وجود ما هو ضعيف بل هو موضوع في كتابيهما أيضاً. فالعياذ بالله من التعصّب والعناد.

كما ثبت أنّ حديث التشبيه من الأحاديث التي أخرجها البيهقي، فلا شك في صحة نسبة العلّامة الحلّي رواية الحديث إليه.

فظهر بطلان ما ذكره ( الدهلوي ) تبعاً للكابلي.

ولقد تبع القاضي ثناء الله الهندي أيضاً الكابلي في هذه الدعوى، فأنكر وجود الحديث في كتب البيهقي، حيث قال بعد أن ذكره في ( السيف المسلول ):

« والجواب: إنّ هذا الحديث ليس من أحاديث أهل السنّة، وقد أورده ابن المطهّر الحلّي في كتبه، فعزاه تارةً إلى البيهقي وأخرى إلى البغوي. وهو غير موجود في كتبهما ».

وقد عرفت كذب هذه الدعوى. والحمد لله.

غلط القوم في فهم عبارة العلّامة الحلّي

وأمّا دعوى ( الدهلوي ) عزو العلّامة الحلّيقدس‌سره حديث التشبيه إلى البغوي، فهي ناشئة من سوء الفهم وإنّ أوّل من وقع في هذا الإشتباه والغلط هو ( الفضل بن روزبهان ) صاحب الردّ على ( نهج الحق ) للعلّامة الحلّي، ثمّ تبعه على ذلك ( الكابلي ) صاحب الصواقع، ثمّ ( الدهلوي ) و ( القاضي ثناء الله الهندي ).

ولكي تتّضح حقيقة الأمر ننقل نصّ عبارة العلّامة الحلّي طاب ثراه في ( نهج الحق وكشف الصدق ) فإنّه قال: « المطلب الثاني: العلم. والناس كلّهم -


بلا خلاف - عيال عليعليه‌السلام ، في المعارف الحقيقيّة والعلوم اليقينيّة والأحكام الشرعيّة والقضايا النقليّة، لأنّهعليه‌السلام كان في غاية الذكاء والحرص على التعلّم، وملازمته لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهو أشفق الناس عليه، لا ينفكّ عنه ليلاً ونهاراً، فيكون بالضرورة أعلم من غيره.

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حقّه: أقضاكم علي. والقضاء يستلزم العلم والدين.

وروى الترمذي في صحيحه: إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: أنا مدينة العلم وعلي بابها.

وذكر البغوي في الصحاح: إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: أنا دار الحكمة وعلي بابها.

وفيه عن أبي الحمراء قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من أراد أنْ ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في فهمه، وإلى يحيى بن زكريا في زهده، وإلى موسى بن عمران في بطشه، فلينظر إلى علي بن أبي طالب.

وروى البيهقي بإسناده إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من أراد أنْ ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في تقواه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في هيبته، وإلى عيسى في عبادته، فلينظر إلى علي بن أبي طالب ».

هذا نصّ عبارة العلامة ابن المطهّر الحلّي، وليس فيها تصريح ولا تلويح بنسبته الحديث إلى البغوي، وهم قد توهّموا ذلك من قوله « وفيه عن أبي الحمراء » جاعلين ( البغوي ) مرجع الضمير، ولم يلتفتوا إلى أنّ مرجع الضمير هو ( عليعليه‌السلام ) كما أنّه مرجع الضمير في كلمة « في حقه ».

وحديث أبي الحمراء هذا هو الحديث الذي رواه القوم في كتبهم، كالخوارزمي في ( المناقب )، ونقله عن الخوارزمي الشيخ الإربليرحمه‌الله في ( كشف الغمة ).


هذا كلّه في دفع هذا التوهّم، ولا بأس بإيراد بعض كلمات القوم في الثناء على العلّامة الحلّي.

ترجمة العلّامة ابن المطهّر الحلّي

فإنّ العلّامة الحلّي -رحمه‌الله - موصوف في كلمات بعض رجالات العلم من أهل السنّة بالأوصاف الحميدة والألقاب الفائقة:

[ ١ ] - قال أكمل الدين محمّد بن محمود البابرتي الحنفي في كتاب ( نقود وردود ): « أمّا بعد، فلمّا كان توقّف استنباط الأحكام الشرعية من مسالكها، واستخراج الأوامر السمعيّة من مداركها، على معرفة الصانع والتصديق بصفاته، والنظر في أمر النبوّة وتحقيق معجزاته، وكان علم الكلام هو المتكفّل بهذا المرام، لا جرم بعد الفراغ من كتاب الكواشف البرهانيّة في شرح المواقف السلطانية اشتغلت بعلم اُصول الفقهيات ومدارك الفرعيات، الّذي هو العروة الوثقى للطالب المستمسك والسّعادة العظمى للراغب المتمسّك، ما استضاء بنوره ذو رويّة إلّا أصاب واهتدى، وما استنار بضوءه ذو بصيرة إلّا فاز وارتقى.

وكان خير الكتب المؤلّفة فيه عند أصحاب هذا العلم وذويه ( منتهى السئول والأمل ) الّذي صنفه الإمام العلّامة الشيخ جمال الدين أبو عمرو ابن الحاجب، بلّغه الله أعلى المراتب - في علم الأصول والجدل، ولهذا صار مشتهراً في مشارق الأرض ومغاربها كالشمس في وسط النهار، مستهتراً إليه أصحاب الفقهاء الأربعة وأرباب مذاهبها، استهتاراً أيّ استهتار.

وخير شروحها المشهورة شهرة المتن، جامعاً للضروريات ولخاصيات الفن: الشرح الّذي لأستاذي وأستاذ الكلّ في الكلّ، الإمام ابن الإمام ابن الإمام، أفضل علماء الإسلام، عضد الملّة والدين، عبدالرحمن الصديقي،


الّذي أعلى الله بكلمته كلمة الدين، وعضد به الإيمان والمؤمنين، جزاه الله أفضل مجازاته، رافعاً في أعلى عليّين درجاته، إذ هو ملازم لتفسير نصوصه، محقّقاً لدقائقه، مداوم على تقرير فصوصه، مدقّقاً لحقائقه، كاشف مخبيّات مشكلاته، مصحّحاً لمقاصده، مشيراً إلى مكنيّات مفصّلاته، منقّحاً لفرائده، حتّى صار كتابه مجموعاً مستحقاً لأن يكون على الرأس محمولاً وعلى العين موضوعاً. فيالها من المناقب، ما أحسن مناصبه بين المناصب، وما يعرفه إلّا من حقّق كلام غيره تحقيقاً، وجرى في ميدانه أشواطاً وعرق فيه تعريقاً، وهو مليّ كثير البضاعة طويل الباع في هذه الصناعة: إنّما يعرف ذا الفضل من الناس ذووه.

وقد وقع إليّ من الشروح عشرة أخرى، حريّة بأنْ تكتب على الأحداق، بل أحرى، أشهرها السبعة السّيارة في الآفاق، المنسوبة إلى أكابر الفضلاء بالإستحقاق: المولى الأعظم شيخ الدنيا قطب الدين الشيرازي قدّس نفسه. والمولى السيّد ركن الدين الموصلي روّح رمسه. والمولى الشيخ جمال الدين الحلّي طابت تربته. والمولى القدوة زين الدين الخنجي زيدت درجته. والمولى العلّامة شمس الدين الإصفهاني نوّر الله مضجعه. والمولى الأفضل بدر الدين التستري عطّر مهجعه. والمولى الأعلم شمس الدين الخطيبي طيّب مريعه. المذكور أسماء هؤلاء العلماء الكرام البررة المعظَّمة على ترتيب وجود الشروح التي كأنّها صحف مكرّمة.

واتّفق لي قراءته على مؤلّفه مرةً والإستماع عنه اُخرى، مقتبساً من أشعة أنوار فوائده بمقدار مقدرتي القصرى، فرأيته وإنْ كان شرحاً - كتاباً مستقلّاً، وإنْ جعل فرعاً كان أصلاً أصيلاً، يحتاج ألفاظه في جلّها لا بل كلّها إلى حلّها، ممّا يزيل من مسالك شعابه صعابها، ويكشف عن وجوه فرائده


نقابها، فتوجّهت تلقاء مدين تشريحه، ووجّهت مطايا الفكر إلى توضيحه، جاعلاً إيّاه سدى الأبحاث، ملحماً له بما في السبعة بل وبما في الثلاث، فما وافق الاُستاذ غيره خلّيناه وسبيله فمرحباً بالوفاق، وما خالفه أشرنا إليه في دقيقه وجليله، إمّا بالكساد أو النفاق واكتفيت في أسماء الشراح السبعة بما اشتهروا به، إختصاراً، لا حطّاً لمراتبهم العليّة واحتقاراً، ومن لم يعظِّم غيره لا يعظَّم ».

فترى « البابرتي » يثني على العلّامة الحلّي وكتابه، وإن كان ما ذكر أقلّ قليلٍ من مناقب جنابه و « البابرتي » المذكور من مشاهير علماء القوم ومحقّقيهم الأعلام، وإليك جملاً من الثناء عليه:

ترجمة البابرتي مادح العلّامة

١ - السّيوطي: « أكمل الدين محمّد بن محمّد بن محمود البابرتي، علّامة المتأخّرين وخاتمة المحقّقين، برع وساد، ودرّس وأفاد، وصنّف شرح الهداية، وشرح المشارق، وشرح المنار، وشرح البزدوي، وشرح مختصر ابن الحاجب، وشرح تلخيص المعاني والبيان، وشرح ألفية ابن معطي، وحاشية على الكشاف، وغير ذلك. وولي مشيخة الشيخونية أوّل ما فتحت، وعرض عليه القضاء فأبى.

مات في رمضان سنة ٧٨٦ »(١) .

٢ - أيضاً: « وكان: علّامة، فاضلاً، ذا فنون، وافر العقل، قويَّ النفس، عظيم الهيبة، مهاباً»(٢) .

____________________

(١). حسن المحاضرة ١ / ٤٧١.

(٢). بغية الوعاة ١ / ٢٣٩.


٣ - الداودي: « أخذ عن أبي حيان والإصفهاني، وسمع الحديث من الدلاصي وابن عبدالقادر، وقرّره شيخون في مشيخة مدرسته، وعظم عنده جدّاً وعند من بعده، بحيث كان الظاهر برقوق يجيء إلى شبّاك الشيخونيّة فيكلّمه وهو راكب، وينتظره حتّى يخرج فيركب معه، وكان علّامة فاضلاً »(١) .

٤ - القاري، ذكره في ( الأثمار الجنية في طبقات الحنفيّة ).

٥ - وكذا كمال باشا زاده في ( طبقات الحنفيّة ).

[ ٢ ] وقال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر بترجمة العلّامة الحلّيرحمه‌الله : « ولد في سنة بضع وأربعين وستمائة، ولازم النصير الطوسي مدّة، واشتغل في العلوم العقلية فمهر فيها، وصنّف في الأصول والحكمة، وكان صاحب أموال وغلمان وحفدة، وكان رأس الشيعة في الحلّة، وشهرت تصانيفه، وتخرّج به جماعة، وشرحه على مختصر ابن الحاجب في غاية الحسن، في حلّ ألفاظه وتقريب معانيه، وصنّف في فقه الإماميّة، وكان قيّماً بذلك داعية إليه، وله كتاب في الإمامة ردّ عليه ابن تيمية بالكتاب المشهور المسمّى بالردّ على الرافضي، وقد أطنب فيه وأسهب وأجاد في الردّ، إلّا أنّه تحامل في مواضع عديدة، وردّ أحاديث موجودة وإنْ كانت ضعيفة بأنّها مختلقة »(٢) .

[ ٣ ] - وابن روزبهان المتعصب العنيد، يصف العلّامة في ديباجة كتابه في الردّ عليه بـ « المولى الفاضل ».

____________________

(١). طبقات المفسرين ٢ / ٢٥١.

(٢). الدرر الكامنة بأعلام المائة الثامنة ٢ / ٧١.


قوله:

ولا يتأتّى إلزام أهل السنّة بالإفتراء

أقول:

نعم لا يجوز إلزام أحدٍ بشيءٍ مفترىً عليه وإنْ لم يكن متشرّعاً بشريعةٍ من الشرائع، بل وإن كان ملحداً

لكنْ لمـّا كان الإفتراء والكذب - كسائر القبائح والفواحش - من فعل الله عند أهل السنّة - تعالى الله عمّا يقول الظّالمون علوّاً كبيراً - فأيّ مانعٍ من إلزام أهل السنّة بفعل الله؟

وأيضاً: فما أكثر محاولة ( الدهلوي ) إلزام أهل الحق بالمفتريات والأكاذيب، فيا ليته ما يقوله هنا في تلك المواضع، وارتدع عن ذلك

على أنَّ بعض الكرّاميّة وبعض المتصوّفة من أهل السنّة يبيحون وضع الأحاديث على لسان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لغرض الترهيب والترغيب بزعمهم، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: « والحامل للواضع على الوضع، إمّا عدم الدين كالزنادقة، أو غلبة الجهل كبعض المتعبّدين، أو فرط العصبيّة كبعض المقلّدين، أو اتّباع هوى بعض الرؤساء، أو الإغراب لقصد الإشتهار. وكلّ ذلك حرام بإجماع من يعتدّ به، إلّا أنّ بعض الكرامية وبعض المتصوّفة نقل عنهم إباحة الوضع في الترغيب والترهيب، وهو خطأ من قائله، نشأ عن جهل، لأنّ الترغيب والترهيب من جملة الأحكام الشرعية، واتّفقوا على أنّ تعمّد الكذب على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من الكبائر »(١) .

____________________

(١). نزهة النظر - شرح نخبة الفكر: ٤٤٥ بشرح القاري.


وقال السّيوطي: « والواضعون أقسام بحسب الأمر الحامل لهم على الوضع، أعظمهم ضرراً قوم ينسبون إلى الزهد، وضعوه حسبةً، أي إحتساباً للأجر عند الله، في زعمهم الفاسد، فقبلت موضوعاتهم ثقةً بهم وركوناً إليهم، لما نسبوا إليه من الزهد والصّلاح »(١) .

نموذج من أكاذيب ( الدّهلوي )

وأمّا أكاذيب ( الدهلوي )، فذكر جميعها أو أكثرها ولو إجمالاً يفضي إلى التطويل، ويوجب الخروج عن البحث، ويمكنك الوقوف على جملة منها في غضون مجلّدات كتابنا، ونكتفي هنا بنقل كلامٍ له في الباب الحادي عشر من ( التحفة )، يشتمل على عدّة أكاذيب، قال ( الدهلوي ):

« ثم لـمّا تأمّلنا وجدنا أنّ رؤساء أهل السنّة قد أخذوا علومهم - فقهاً واُصولاً وسلوكاً، بل وتفسيراً وحديثاً - من أهل البيت، واشتهروا بتتلمذهم عليهم، وقد كان أهل البيت يلاطفونهم وينبسطون إليهم دائماً، بل لقد بشّروهم، وهذا المعنى كلّه مذكور في كتب الإماميّة، وقد اعترف أكابر علمائهم لـمّا رأوا عدم إمكان إخفائه بثبوته وصحّته.

واعترف ابن المطهّر الحلّي في نهج الحق ومنهج الكرامة، بأنّ أبا حنيفة ومالكاً قد أخذا من الصادق، والشافعي تلميذ مالك، وأحمد بن حنبل تلميذ الشافعي وأيضاً، فقد تتلمذ أبو حنيفة على الباقر وزيد الشهيد.

والشيعة يعتقدون في عصر غيبة الإمام بوجوب إطاعة مجتهديهم، فكيف لا يكون مذهب المجتهد الذي حضر على الأئمّة وفاز بإجازة الإجتهاد والإفتاء منهم أولى بالإتباع؟.

____________________

(١). تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي ١ / ٢٣٨.


لقد أجاز الباقر وزيد الشهيد والصادق أبا حنيفة في الفتوى، باعتراف الشيخ الحلّي، فهو جامع لشرائط الإجتهاد بنصٍ من الإمام، فمن ردّ عليه فقد ردَّ على إمامه المعصوم، وهو كفر، خصوصاً في زمن الغيبة، فمذهب هذا المجتهد أولى بالأخذ والإتباع من مذهب ابن بابويه وابن عقيل وابن المعلّم.

فإن لم تكن أخبار أهل السنّة في هذا الباب مقبولة عندهم، فلا محيص لهم عن قبول أخبارهم: روى أبو المحاسن الحسن بن علي، بإسناده إلى أبي البختري، قال: دخل أبو حنيفة على أبي عبداللهعليه‌السلام ، فلمـّا نظر إليه الصادق قال: كأنّي أنظر إليك وأنت تحيي سنّة جدّي بعد ما اندرست، وتكون مفزعاً لكلّ ملهوف، وغياثاً لكلّ مهموم، بك يسلك المتحيِّرون إذا وقفوا، وتهديهم إلى واضح الطريق إذا تحيّروا، ذلك من الله العون والتوفيق، حتّى يسلك الربّانيون بك الطريق.

وروى الإماميّة بأجمعهم أنّه لـمّا دخل أبو حنيفة على خليفة وقته أبي جعفر المنصور العباسي، وكان عنده عيسى بن موسى، فقال عيسى: يا أمير المؤمنين هذا عالم الدنيا اليوم، فقال المنصور: يا نعمان ممّن أخذت العلوم؟ قال: عن أصحاب علي عن علي، وعن أصحاب عبدالله بن عباس عن ابن عباس. فقال المنصور: لقد استوثقت من نفسك يا فتى.

وفي كتب الإماميّة أيضاً: إنّ ابا حنيفة كان جالساً في المسجد الحرام، وحوله زحام كثير من كلّ الآفاق، قد اجتمعوا يسألونه من كلّ جانب فيجيبهم، وكانت المسائل في كمّه فيخرجها فيناولها، فوقف عليه الإمام أبو عبدالله، ففطن به أبو حنيفة فقام. ثم قال: يا ابن رسول الله، لو شعرت بك أوّلاً ما وقفت، لا أراني الله جالساً وأنت قائم. فقال له أبو عبدالله: إجلس أبا حنيفة وأجب الناس، فعلى هذا أدركت آبائي.


وهذان الخبران موجودان في شرح التجريد لابن المطهّر الحلّي، في مسألة تفضيل حضرة الأمير.

فإنْ وسوس شيطان الشيعة فقالوا: إذا كان أبو حنيفة وأمثاله من مجتهدي أهل السنّة تلامذة حضرات الأئمّة، فلماذا أفتوا على خلافهم في مسائل كثيرة؟ فأقول: إنّ جواب هذا مذكور في مجالس المؤمنين للقاضي نور الله التستري، فإنّه قال: كان ابن عباس تلميذ حضرة الأمير، وكان قد بلغ مرتبة الاجتهاد، وكان يجتهد في محضر من حضرة الأمير، ويخالفه في بعض المسائل، فلا يعترض عليه حضرة الأمير في ذلك ».

أقول:

إنّ هذا الكلام الّذي ذكره ( الدهلوي ) حسبةً، يشتمل على أكاذيب غريبة وإفتراءات عجيبة:

فأوّلها: ما نسبه إلى كتب الإماميّة من اعتراف أكابرهم بملاطفة أهل البيت لأئمّة أهل السنّة، في الفقه والأصول والعقائد والسلوك والتفسير والحديث، لا سيّما دعوى كون ذلك على الدوام، وثبوته عند الإماميّة بطرق صحيحة.

والثاني: ما نسبه إلى كتب الإماميّة من انبساط الأئمّةعليهم‌السلام في حقّ أئمّة أهل السنّة، لا سيّما دعوى كونه على الدوام، وثبوت ذلك عند أكابر الإماميّة وتصحيحهم له.

والثالث: ما نسبه إلى كتب الإماميّة من أن الأئمّةعليهم‌السلام بشّروا أئمّة أهل السنّة، وأنّ أكابر علماء الإماميّة يعترفون بذلك وبصحّته.

ولا ريب في أنّ دعوى صحّة وثبوت ملاطفات الأئمّةعليهم‌السلام ،


وانبساطهم لأئمّة أهل السنّة، وذلك على الدوام والإستمرار، وأيضاً، دعوى بشارتهم لهم في كتب الإماميّة كلّ ذلك كذب وافتراء.

والرابع: ما نسبه إلى العلّامة الحلّي في ( نهج الحق ) من الإعتراف بإجازة الإمامين الباقر والصادقعليهما‌السلام وزيد الشهيد أبا حنيفة بالإفتاء. والغريب أنّه ينسب هذا إلى العلّامة كذباً، ومع ذلك يقصد إثبات كذب العلّامة في نقل حديث التشبيه، أعاذنا الله من الوقاحة والضلالة.

والخامس: دعوى أنّ ما حكاه أبو المحاسن حسن بن علي بإسناده عن أبي البحتري من روايات الإماميّة فإنّها كذب محض والأصل في هذه الاُكذوبة هو أبو المؤيّد الخوارزمي صاحب ( جامع مسانيد أبي حنيفة )، رواها بطريق أخطب خوارزم، وقد أخذ الكابلي الرواية من ( جامع المسانيد )، لكنّه حذف السند حتّى أبي المحاسن، وأسقط السند من أبي المحاسن إلى أبي البختري، وإليك نصّ ما جاء في ( جامع مسانيد أبي حنيفة ) حيث قال:

« وأخبرني سيّد الوعّاظ إسماعيل بن محمّد الحجي بخوارزم إجازة قال: أخبرني الصّدر العلّامة صدر الأئمّة أبو المؤيّد الموفق بن أحمد المكي قال: أخبرني الإمام أبو المحاسن الحسن بن علي في كتابه، أنا أبو إسحاق إبراهيم بن إسماعيل الزاهد الصفار، ثنا أبو علي الحسن بن علي الصفار، أنا أبو نصر محمّد ابن مسلم، أنا أبو عبدالله محمّد بن عمر، أنا الأستاد أبو محمّد عبدالله بن محمّد ابن يعقوب الحارثي البخاري، بإسناده إلى أبي البحتري قال:

دخل أبو حنيفة على جعفر الصادقرضي‌الله‌عنه ، فلمـّا نظر إليه جعفر قال: كأنّي أنظر إليك وأنت تحيي سنّة جدّي صلّى الله عليه وسلّم بعد ما اندرست، وتكون مفزعاً لكلّ ملهوف، وغياثاً لكلّ مهموم، بك يسلك المتحيّرون إذا وقفوا، وتهديهم إلى واضح الطريق إذا تحيّروا، فلك من الله العون


والتوفيق، حتّى يسلك الربّانيون بك الطريق »(١) .

وهذه عبارة الكابلي في ( الصواقع ):

« روى أبو المحاسن الحسن بن علي، بإسناده إلى أبي البختري قال: دخل أبو حنيفة على جعفر بن محمّد الصادق، قال: كأنّي أنظر إليك وأنت تحيي سنّة جدّي بعد ما اندرست، وتكون مفزعاً لكلّ ملهوف، وغياثاً لكلّ مهموم، بك يسلك المتحيّرون إذا وقفوا وتهديهم إلى واضح الطريق إذا تحيّروا، فلك من الله العون والتوفيق حتّى يسلك الربانيون بك الطريق ».

والسادس: نسبة ما حكاه من مدح عيسى بن موسى لأبي حنيفة، والكلام الذي جرى بينه وبين المنصور، إلى جميع الإماميّة وقد ذكر هذه الرواية النووي في ( تهذيب الأسماء واللغات ) باختلافٍ يسير.

على أنّه لا علاقة لهذه الرواية بمطلوبه، وهو كون أبي حنيفة مقبولاً لدى أهل البيت عليهم الصلاة والسلام، إذ لا يثبت منها مدح من أحدٍ منهم لأبي حنيفة.

والسّابع: نسبة الرواية المتضمّنة لأمر الإمام الصادقعليه‌السلام أبا حنيفة بأنْ يجلس ويجيب الناس، إلى كتب الإماميّة، فإنّها كذب محض، والكابلي ذكر هذه الرواية - ورواية دخول أبي حنيفة على المنصور المتقدمة - فلم يجرأ على نسبتها إلى الإماميّة.

والثامن: نسبة كلتا الروايتين إلى شرح التجريد للعلّامة الحلّي.

والتاسع: قوله: هما مذكوران في شرح التجريد للعلّامة الحلّي في مسألة تفضيل أمير المؤمنينعليه‌السلام .

وهذا من أعاجيب الأكاذيب، كيف ينسب روايتين إلى كتابٍ، ويعيّن

____________________

(١). جامع مسانيد أبي حنيفة ١ / ١٩.


موضعهما منه، وهذه نسخ كتاب شرح التجريد للعلاّمة منتشرة في كلّ مكان، فليلاحظ مبحث التفضيل منه بكلّ إمعانٍ وتدبّر

والعاشر: ما نسبه إلى كتاب ( مجالس المؤمنين ) من اجتهاد ابن عباس في محضر أمير المؤمنين، وإذن الإمام له في ذلك، وأنّه ربّما كان يخالف الإمام كذب وافتراء

ولمخاطبنا ( الدهلوي ) في خصوص حديث ( التشبيه ) أكاذيب:

١ - زعم فساد مبادي الإستدلال بحديث التشبيه ومقدّماته، من الرأس إلى القدم.

٢ - نفي كون هذا الحديث من روايات أهل السنّة.

٣ - إنّه لا أثر لهذا الحديث في كتب البيهقي.

٤ - إنّ القاعدة المقرّرة لدى أهل السنّة هي عدم جواز الإحتجاج بحديثٍ لم يخرجه أحد من أئمّة الحديث، في كتابٍ التزم فيه بالصحّة، كالبخاري ومسلم، وسائر أصحاب الصحاح، أو لم ينص مخرجه أو غيره من المحدّثين الثقات على صحّته بالخصوص.

٥ - إنّ الديلمي والخطيب وابن عساكر جمعوا الأحاديث بطريق البياض، لكي ينظروا فيها، لكنّهم لم يوفّقوا لهذا الأمر المهم، لقلّة الفرص وقصر الأعمار.

٦ - إنّهم - يعني الديلمي والخطيب وابن عساكر وأمثالهم - صرّحوا بالغرض المذكور في مقدّمات جوامعهم.

٧ - إنّ هذا الحديث ليس من الأحاديث المروية في كتابٍ من كتب أهل السنّة ولو بطريقٍ ضعيف.

٨ - إنّ هذا الحديث تشبيه محض


٩ - إنّ استفادة التساوي بين المشبّه والمشبّه به، من غاية السفاهة.

١٠ - إنّ الأفضليّة لا تستلزم الزعامة الكبرى.

١١ - إنّه دون نفي مساواة الخلفاء الثلاثة للأنبياء في الصفات المذكورة أو مثلها، خرط القتاد.

١٢ - إنّه لو تفحّص في كتب أهل السنّة، لعُثر على أحاديث كثيرة دالّة على التشبيه بالأنبياء في حقّ الشيخين، بحيث لم يثبت ذلك في حقّ أحدٍ من معاصريهم.

١٣ - إنّ الإمامة الباقية في أولاد الوصيّ، التي كان كلٌّ منهم خلفاً للآخر فيها، هي القطبية والإرشاد

١٤ - إنّه لم يرو عن الأئمّة الأطهار إلزام كافّة الخلائق بأمر الإمامة.

هذا، وقد عرفت أنّ هذا الحديث ( حديث التشبيه ) موجود في كتب أهل السنّة، وفي كتب البيهقي، وأنّ جماعة كبيرة من مشاهير أئمّتهم رووه وأثبتوه، وأنّ ممّن اعترف به والد ( الدهلوي ).

فظهر كذب ( الدهلوي ) في كلّ موردٍ من هذه الموارد، بل ظهر تجاسره على تكذيب هذه الكثرة من علماء طائفته، لا سيما والده.

قوله:

مع أنّ القاعدة المقرّرة عند أهل السنّة: أنّ كلّ حديث رواه بعض أئمّة الحديث في كتابٍ غير ملتزم فيه بالصحّة

أقول:

كأنّ ( الدّهلوي ) تنبّه من نومته وغفلته!! إنّه بعد أنْ نفى كون الحديث من


روايات البيهقي وغيره من أهل السنّة، عاد فذكر هذه القاعدة، لئلّا يفتضح وينكشف جهله أو تجاهله لكنّ ذكر هذه القاعدة المزعومة هنا، يوجب الطّعن في هذا الجم الغفير من أعلام المحدثين، الذين أخرجوا هذا الحديث في كتبهم أو أثبتوه أو أرسلوه إرسال المسلَّمات

والأصل في دعوى وجود هذه القاعدة هو الكابلي، لكنّ ( الدهلوي ) زاد في طنبور الكابلي نغمةً، فنسب هذه القاعدة إلى أهل السنّة، وجعلها قاعدةً مقرّرة بينهم وهذا نصّ عبارة الكابلي:

« السادس - ما روي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال: من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في تقواه، وإلى إبراهيم في خلّته، وإلى موسى في هيبته، وإلى عيسى في عبادته، فلينظر إلى علي بن أبي طالب.

فإنّه أوجب مساواته للأنبياء في صفاتهم، والأنبياء أفضل من غيرهم، فكان علي أفضل من غيرهم.

وهو باطل، لأنّه ليس من أحاديث أهل السنّة، وقد أورده ابن المطهّر الحلّي في كتبه، وعزى روايته تارة إلى البيهقي واُخرى إلى البغوي، ولم يوجد في كتبهما، والحلّي لا يصدق أثره. ولأنّ الخبر الذي رواه بعض أئمّة الحديث في كتابٍ لم يلتزم صحّة جميع ما أورده فيه، ولم يصرّح بصحته هو أو غيره من المحدّثين، لا يحتجّ به ».

الحديث الصحيح حجّة وإن لم يخرَّج في صحيح

وكلام ( الدهلوي ) هذا باطل بوجوه:

الأول: لا ريب في وجود الأحاديث قبل البخاري ومسلم وسائر أرباب الكتب الموسومة بالصّحاح، وقد كانت دائرةً بين العلماء، يستندون إليها


ويحتجّون بها، ولم يكن الإحتجاج بها موقوفاً على تنصيص أحدٍ على الصحّة، بل كلّ حديثٍ جمع شروط الإعتبار والحجية، فهو حجة. فدعوى « إنّ كلّ خبرٍ لم يكن في كتابٍ التزم فيه بالصحة أو لم يصرَّح بصحّته لا يحتج به »، لا وجه لها من الصحّة، ويبطلها عمل العلماء السابقين من الفقهاء والمحدثين.

الثاني: مقتضى هذه القاعدة سقوط كلّ حديثٍ جامع لشرائط الحجيّة لم يخرَّج في كتابٍ التزم فيه بالصحّة، ولم ينص على صحّته أحد من المحدّثين، عن درجة الاعتبار، وعدم صلوحه للاحتجاج والاستناد. وهذا باطل، لأنّ الملاك صحّة الحديث بحسب القواعد والموازين المقرّرة، فكلّ حديث وثّق رجاله وجمع شرائط الصحّة جاز الإحتجاج به، وإن لم يروه أحد ممّن التزم بالصحّة، وإن لم يصرّح بصحّته أحد من المحدّثين.

الثالث: مقتضى هذا الكلام عدم قابليّة الحديث « الحسن » للإحتجاج به، وإن صرَّح بحسنه أئمّة الحديث. والحال أنّ « الحسن » يحتج به.

الحديث الحسن يحتج به

الرابع: إنّ الحديث الجامع لشروط « الحسن » يحتجّ به، وإن لم يصرّح أحد من أئمّة الحديث بحسنه وقد نصّ على هذا أكابر المحقّقين من أهل السنّة، بل عن الخطابي أنّ مدار أكثر الحديث على الحديث الحسن: فهذه القاعدة المزعومة من الكابلي و ( الدهلوي ) توجب ضياع أكثر أحاديث أهل السنّة، فهماً كمن بنى قصرا وهدم مصراً.

وإليك بعض الكلمات الصّريحة في حجيّة الحديث « الحسن »:

قال الزين العراقي:

« والحسن المعروف مخرجاً وقد

اشتهرت رجاله بذاك حد


حمدٌ وقال الترمذي ما سلم

من الشذوذ مع راوٍ ما اتهم

بكذبٍ ولم يكن فرداً ورد

قلت وقد حسّن بعض ما انفرد

وقيل ما ضعف قريب محتمل

فيه وما بكلّ ذا حدّ حصل

إختلف أقوال أئمّة الحديث في حدّ الحديث الحسن، فقال أبو سليمان الخطّابي - وهو حمد المذكور في أوّل البيت الثاني - الحسن ما عرف مخرّجه واشتهر رجاله، وعليه مدار أكثر الحديث، وهو الّذي يقبله أكثر العلماء ويستعمله عامة الفقهاء ».

قال:

« والفقهاء كلّهم تستعمله

والعلماء الجلّ منهم تقبله

وهو بأقسام الصحيح ملحق

حجيّةً وإن يكن لا يلحق

البيت الأول مأخوذ من كلام الخطابي، وقد تقدم نقله عنه، إلّا أنّه قال: عامة الفقهاء. وعامّة الشيء مطلقاً بأزاء معظم الشيء وبأزاء جميعه، والظاهر أن الخطابي أراد الكلّ، ولو أراد الأكثر لما فرّق بين العلماء والفقهاء. وقوله: حجية. نصب على التمييز، أي الحسن ملحق بأقسام الصحيح في الإحتجاج به، وإن كان دونه في الرتبة »(١) .

وقال ابن حجر العسقلاني: « وخبر الآحاد بنقل عدل تامّ الضبط، متّصل السند، غير معلّل ولا شاذ، هو الصحيح لذاته. وهذا أوّل تقسيم المقبول إلى أربعة أنواع، لأنّه إمّا أن يشتمل من صفات القبول على أعلاها أو لا، الأول: الصحيح لذاته، والثاني: إن وجد فيه ما يجبر ذلك القصور، ككثرة الطرق، فهو الصحيح أيضاً. لكنْ لا لذاته، وحيث لا جبر، فهو الحسن لذاته، وإنْ قامت

____________________

(١). شرح ألفية الحديث للعراقي وراجع أيضاً: فتح المغيث في شرح الألفية سخاوي: ١ / ٧١.


قرينة ترجّح جانب قبول ما يتوقف فيه، فهو الحسن أيضاً، لكنْ لا لذاته »(١) .

وقال ابن حجر أيضاً بعد شرح تعريف الصحيح: « فإنْ خف الضبط، أي قل، يقال خفّ القوم خفوفاً قلّوا، والمراد مع بقيّة الشروط المتقدمة في حدّ الصحيح، فهو الحسن لذاته، لا لشيء خارج، وهو الذي يكون حسنه بسبب الإعتضاد نحو الحديث المستور إذا تعدّدت طرقه، وخرج باشتراط باقي الأوصاف الضعيف. وهذا القسم من الحسن مشارك للصحيح في الإحتجاج به، وإن كان دونه، ومشابه له في انقسامه إلى مراتب بعضها فوق بعض »(٢) .

وقال محمّد بن محمّد بن علي الفارسي - في ( جواهر الاصول ) -: « الحسن حجّة كالصّحيح وإن كان دونه، ولهذا أدرجه بعض أهل الحديث فيه ولم يفرده ».

وقال جلال الدين السيوطي بعد أن ذكر الحديث الحسن وتعريفه: « قال البدر ابن جماعة: وأيضاً فيه دور، لأنّه عرّفه بصلاحيّته للعمل به، وذلك يتوقّف على معرفة كونه حسناً.

قلت: ليس قوله: ويعمل به من تمام الحدّ، بل زائد عليه لإفادة أن يجب العمل به كالصحيح، ويدلّ على ذلك أنّه فصله من الحدّ حيث قال: وما فيه ضعف قريب محتمل فهو الحديث الحسن، ويصلح البناء عليه والعمل به »(٣) .

وقال السيوطي أيضاً: « ثمّ الحسن كالصحيح في الإحتجاج به وإنْ كان دونه في القوّة، ولهذا أدرجه طائفة في نوع الصحيح، كالحاكم وابن حبان وابن خزيمة، مع قولهم بأنّه دون الصحيح المبيَّن أوّلاً. ولا بدع في الإحتجاج

____________________

(١). نزهة النظر - شرح نخبة الفكر: ٢٤٣ بشرح القاري.

(٢). المصدر: ٢٩١.

(٣). تدريب الراوي - شرح تقريب النواوي ١ / ١٢٢.


بحديثٍ له طريقان لو انفرد كلّ منهما لم يكن حجةً، كما في المرسل إذا ورد من وجهٍ آخر مسنداً لوافقه مرسل آخر بشرطه كما سيجيء. قال ابن الصلاح وقال في الإقتراح: ما قيل من أنّ الحسن يحتج به، فيه إشكال، لأنّ ثمَّ أوصافاً يجب معها قبول الرواية إذا وجدت، فإن كان هذا المسمّى بالحسن ممّا وجد فيه أقلّ الدرجات التي يجب معها القبول، فهو صحيح، وإن لم يوجد لم يجز الإحتجاج به وإنْ سمّي حسناً. أللّهمّ إلّا أن يردّ هذا إلى أمر اصطلاحي، بأنْ يقال: إن هذه الصفات لها مراتب ودرجات، فأعلاها وأوسطها يسمّى صحيحاً، وأدناها يسمّى حسناً، وحينئذٍ يرجع الأمر في ذلك إلى الإصطلاح ويكون الكلّ صحيحاً في الحقيقة »(١) .

وقال السيوطي بعد ذكر الحديث الصحيح: « فإنْ خفّ الضبط - أي قل - مع وجود بقيّة الشروط، فحسن، وهو يشارك الصحيح في الإحتجاج به، وإن كان دونه و تفاوته، فأعلاه ما قيل بصحّته، كرواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه، ومحمّد بن إسحاق عن عاصم بن عمر عن جابر »(٢) .

وفي هذه الكلمات غنىً وكفاية.

الخامس: إنّ الحديث الضعيف إذا تعدّدت طرقه، إرتقى إلى درجة الإحتجاج به، كما بيّناه في مجلّد ( حديث الولاية ). فراجع. فلا وجه لنفي جواز الإحتجاج به في هذه الحالة.

ثمّ لا يخفى أنّ الكابلي و ( الدهلوي ) - اللذين اخترعا هذه القاعدة - قد غفلا أو تغافلا عن قاعدتهما هذه في موارد كثيرة، فاحتجّا بأخبار غير مروية فيما التزم فيه بالصحّة من الكتب، وبأخبار لم يصرّح أحد من أئمّة الحديث

____________________

(١). تدريب الراوي - شرح تقريب النواوي ١ / ١٢٨.

(٢). إتمام الدراية لقراء النقاية: ٥٥ ط هامش مفتاح العلوم.


بصحّتها، فاحتجّا بهكذا أخبارٍ - بالرغم من القاعدة التي زعم ( الدهلوي ) تقرّرها لدى أهل السنّة - لأجل مقابلة الشيعة الإماميّة بها!! وهل هذا إلّا تناقض وتهافت!!

والأشنع من ذلك: إحتجاجهما بأخبار نصّ أئمّتهم في الحديث والرجال على وضعها واختلاقها أمّا إذا كان البحث في فضائل أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فلا يأخذان بهذه القاعدة المرفوضة التي ذكراها هنا، فيكذّبان - مثلاً - حديث الولاية، وحديث الطير، وحديث مدينة العلم هذه الأحاديث التي صرّح أئمّة الحديث بصحّتها، فجاز الإحتجاج بها ووجب قبولها - بحسب القاعدة المذكورة -.

فظهر بطلان هذه القاعدة المصنوعة، من كلمات الكابلي و ( الدهلوي ) طرداً وعكساً، وذلك من العجب العجاب المحيِّر للألباب.

رأي الدهلوي في كتب الدّيلمي والخطيب وابن عساكر

قوله:

وذلك لأنّ جماعة من المحدّثين من أهل السنّة في الطبقات المتأخّرة، كالديلمي والخطيب وابن عساكر، لمـّا رأوا

أقول:

هذا التّعليل العليل من زيادات ( الدهلوي ) على الكابلي، وهو مردود بوجوه:

الأوّل: إنّه لا علاقة له بالدّعوى أصلاً، لأنّ الدعوى هي: إن كلّ حديثٍ ليس في كتابٍ التزم فيه بالصحّة، ولم يصرّح أحد من أئمّة الحديث بصحّته، لا


يحتجّ به. وأيّ مناسبة بين هذه الدّعوى وبين ما ذكره من أنّ هؤلاء المحدّثين المتأخرين جمعوا في مجاميعهم الحديثيّة الأحاديث الضّعيفة والموضوعة والمقلوبة الأسانيد والمتون ...؟

فلا يستلزم ثبوت الثاني ثبوت الأول، ولا انتفاؤه يستلزم إنتفائه فإنْ كان ما ذكره بالنسبة إلى كتب هؤلاء المحدّثين حقّاً، لم يستلزم ذلك حصر الإحتجاج بالأحاديث المخرجة في الكتب الملتزم فيها بالصحّة، أو الأحاديث المنصوص على صحّتها بالخصوص، وإن لم يكن ما ذكره في حقّها حقّاً، لم يلزم عدم الحصر المذكور وهذا بيّن جدّاً.

الثاني: ظاهر هذا الدليل اعتبار كتب الطبقة المتقدّمة على من ذكرهم، وأنّ أحاديثهم يحتج بها. وقد عرفت

رواية عبدالرزاق (٢١١)

وأحمد بن حنبل (٢٤١)

وأبي حاتم (٢٧٧)

وابن شاهين (٣٨٥)

وابن بطّة (٣٨٧)

والحاكم (٤٠٥)

وابن مردويه (٤١٠)

وأبي نعيم (٤٣٠)

والبيهقي (٤٥٨)

لحديث التشبيه.

وهؤلاء كلّهم متقدّمون على الديلمي والخطيب وابن عساكر، لأنّ تاريخ وفاة آخرهم - وهو البيهقي - سنة (٤٥٨). وتاريخ وفاة الديلمي سنة (٥٠٩) وابن عساكر سنة (٥٧١).


فيكون حديث التشبيه بهذا البيان، قابلاً للإحتجاج والإستدلال.

وإذا كان هذا حال كتب الديلمي والخطيب وابن عساكر في رأي ( الدهلوي )، فكيف يستند إلى بعض أخبار الديلمي - بتقليد من الكابلي - عند الجواب على المطعن العاشر من مطاعن عثمان، ممّا هو مكذوب قطعاً؟! ويستند إلى بعض خرافات الدّيلمي في فضل عثمان، لا سيّما مع تنصيص بعض أكابرهم على كونه موضوعاً؟!

وإذا كان ما ذكره هو حال كتب ابن عساكر، فلماذا يستند إلى حديثٍ موضوع، يرويه ابن عساكر في وجوب حبّ أبي بكر وشكره؟ ويحتجّ بالحديث الموضوع: « حبّ أبي بكر وعمر من الإيمان وبغضهما نفاق » عن ابن عساكر، في جواب عن آية المودّة( قُلْ لا أَسْألُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) !!

الثالث: ظاهر هذا الكلام، أنّ الأحاديث الحسان صالحة للإحتجاج كالأحاديث الصّحاح، ولو لم تكن قابلةً لذلك، لم يكن وجه لعناية المتقدّمين بضبط الأحاديث الحسان وجمعها كالصّحاح لكنّه أفاد سابقاً بعدم حجيّة الأحاديث الحسان وهذا تهافت صريح.

الرّابع: ظاهر قوله: « لميّزوا الموضوعات من الحسان لغيرها » أنّ أحاديث المتأخّرين هي بين موضوعاتٍ وبين حسانٍ لغيرها، مع العلم بأنّ الأحاديث الضعيفة - التي يشتمل عليها كتب المتأخرين - أعمّ من الحسان لغيرها والضعاف غير الحسان لغيرها التي لم تصل حدّ الوضع، فما وجه ترك القسم الثالث، وهو الأحاديث الضعيفة غير الحسان لغيرها وغير الموضوعات؟!

الخامس: إنّ رواية الأحاديث الموضوعة حرام بالإجماع، فإثبات رواية الديلمي والخطيب وابن عساكر وأمثالهم للموضوعات مع علمهم بذلك،


هو في الحقيقة تفسيق لهؤلاء الأساطين.

السادس: قال السمعاني في ( ذيل تاريخ بغداد ):

« والخطيب في درجة القدماء من الحفّاظ والأئمّة الكبار كيحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأحمد بن أبي خيثمة، وطبقتهم، وكان علّامة العصر، اكتسى به هذا الشأن غضارة وبهجةً ونضارة»(١) .

وهذا الكلام يبطل ما ذكره ( الدهلوي ) من جعل الخطيب من المحدّثين المتأخّرين المخلّطين، فلا تغفل.

قوله:

إلّا أنّه لقلّة الفرصة عندهم وقصر أعمارهم، لم يتمكّنوا من ذلك

أقول:

نعم، لقد صرف ( الدهلوي ) عمره الطويل في طلب الشهرة وتحصيل الجاه، وتخديع العوام، فلم تبق له فرصة لأنْ يلقي نظرةً ثانيةً على كتابه المنتحل من خرافات الكابلي، فيميّز بها الموضوعات الصريحة والمكذوبات الفضيحة، من الكلمات المليحة والإفادات الصحيحة

لكنّ المتأخرين عنه - خصوصاً تلميذه الرشيد الدّهلوي - حاولوا الإحتراز عن الخطّ الذي مشى عليه ( الدهلوي )، كيلا يتورّطوا كما تورّط، ولا يقعوا في الهوة السحيقة التي وقع فيها، إلّا أنّ لكلٍّ منهم توهّمات غريبة وأكذوبات ظاهرة، كما لا يخفى على من نظر في الأجوبة والردود المكتوبة على مؤلَّفاتهم.

____________________

(١). أنظر: الوافي بالوفيات ٧ / ١٩٤.


وبعد، فإنّ كلمات أعلام القوم في وصف الديلمي والخطيب وابن عساكر وكتبهم الحديثية، لتكشف عن بطلان ما ذكره ( الدهلوي )، من ذلك قول الحافظ الذهبي في ترجمة الخطيب:

« قد كان رئيس الرؤساء تقدّم إلى الخطباء والوعّاظ أنْ لا يرووا حديثاً حتّى يعرضوه عليه، فما صحّحه رووه وما ردّه لم يذكروه »(١) .

وقد أورد ( الدهلوي ) أيضاً هذا المطلب بترجمة الخطيب من كتابه ( بستان المحدثين ).

فهل يعقل أنْ يكون للخطيب فرصة النظر في الأحاديث التي يعرضها عليه الخطباء والوعّاظ وغيرهم من علماء عصره ومحدّثي وقته، حتّى لا يرووا للناس الأحاديث الموضوعة والأشياء الباطلة، ثمّ يترك مؤلّفاته مشتملةً على الموضوعات والمكذوبات، من غير إفراز لها عن الأحاديث الصحيحة والمعتبرة، فيكون مصداقاً لقوله عزّوجلّ:( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ ) وقوله( كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ ) ؟!

رأي الدهلوي في كتب ابن الجوزي والسّخاوي والسّيوطي

قوله:

ثمّ جاء من بعدهم، فميّز الموضوعات عن غيرها، كما فعل ابن الجوزي في كتابه ( الموضوعات ) والسخاوي الّذي جمع الحسان لغيرها في كتابه ( المقاصد الحسنة ) وكذلك السيوطي

____________________

(١). سير أعلام النبلاء ١٨ / ٢٨٠، تذكرة الحفاظ ٣ / ١١٤١.


أقول:

مراد ( الدهلوي ) من لفظ ( الإمتياز ) هو ( التّمييز )، والقول بأنّ هؤلاء ميّزوا الأحاديث بعضها عن بعضٍ، يضرّه ولا ينفعه، لوجود الأحاديث الكثيرة التي نقلها هؤلاء المتأخرون - كالمتقدمين عليهم - تؤيِّد الشيعة وتثبت مطلوبهم

ألا ترى أنّ السخاوي الحافظ، أورد حديث ( أنا مدينة العلم وعلي بابها ) في كتابه ( المقاصد الحسنة في الأحاديث المشتهرة على الألسنة ) وذهب إلى القول بصحّته، واستشهد بكلام الحافظ العلائي في تصحيحه، خلافاً لمن اقتدى به ( الدهلوي ) وذهب إلى بطلانه، فإذا كان السخاوي قد ميَّز الحسان من غيرها - كما يقول هنا - فقد سقط وبَطَل ما ذكر هناك.

وأيضاً، إذا كان السيوطي من نقّاد الحديث، وأنّه قد جمع في ( الدرّ المنثور ) الأحاديث الحسان لغيرها - كما تفيد عبارته هذه -، فإنّ كتابه ( الدرّ المنثور ) يشتمل على كثير من الأحاديث المؤيّدة لمذهب الإماميّة، والمبطلة لمزاعم مخالفيهم، كما لا يخفى على من لاحظ مثلاً ما ذكره السيوطي في الآية:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ) والآية:( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) وفي تفسير سورة البراءة وغيرها

وأمّا ابن الجوزي، فالسبب في جعله من نقّاد الحديث والمميّزين لحقّه من باطله، هو - والعياذ بالله إبطاله لكثيرٍ من مناقب أمير المؤمنينعليه‌السلام ، والتي أوردها هذا الرجل في ( الموضوعات ) مثل: حديث الطير، وحديث أنا مدينة العلم

لكن ( الدهلوي ) لن يتحقّق غرضه من نقل آراء ابن الجوزي في مناقب


الإمام مع وصفه بما وصفه، لثبوت صحّة الحديثين المذكورين وغيرهما، بتصريح كبار أئمّة أهل السنّة على ذلك، ولأنّ كبار علماء القوم في علم الحديث ينصّون على اشتمال كتاب ( الموضوعات لابن الجوزي ) على الصحاح والحسان من الأحاديث، بل قيل باشتمال الكتاب المذكور على ستمائة حديث غير موضوع، ومنها أحاديث أخرجها الشيخان وغيرهما من أرباب الصحاح والمسانيد والسنن

ومن هنا ترى المحققين من أهل السنّة، لا يعتبرون بكلام ابن الجوزي وبحكمه بالوضع في كثيرٍ على طائفةٍ من الأحاديث

وإذا كان ابن الجوزي من نقّاد الحديث فقد أورد في كتاب ( الموضوعات ) طائفةً كبيرة من مناقب الشّيخين وغيرهما، وصرّح بأنّه قد ترك ذكر أحاديث كثيرة شائعة على ألسنة العوام وهي من الموضوعات، وأنّ من الأحاديث التي أدرجها في كتابه المذكور هو: « ما صبَّ الله في صدري شيئاً إلّاوصببته في صدر أبي بكر » وحديث: « إنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم اُتي بجنازة رجلٍ، فلم يصلِّ عليه، فقيل له: يا رسول الله، ما رأيناك تركت الصّلاة على أحدٍ إلّاهذا! قال: إنّه كان يبغض عثمان » وحديث « المنام » الّذي وضعوه على ابن عباس، الّذي جاء فيه عن النبيّ: « إنّ عثمان بن عفان أصبح عروساً في الجنّة وقد دعيت إلى عرسه »

لقد أدرج ابن الجوزي الناقد للحديث - كما ذكر ( الدهلوي ) هنا - هذه الأحاديث، في كتابه في ( الموضوعات )، لكنّ ( الدهلوي ) تمسّك بهذه الأباطيل والموضوعات في كتابه ( التحفة ) في مقابلة الشّيعة!!

هذا، والجدير بالذكر أنّ ( الدهلوي ) قد أخذ كلّ ما ذكره حول الديلمي والخطيب وابن عساكر وحول السخاوي وابن الجوزي والسّيوطي أخذ


كلّ ذلك من عبارة والده في ( قرّة العينين )، مع تصرّفات له فيها، كإسقاطه اسم ( الحاكم ) من طبقة البخاري ومسلم والترمذي

ولعلّ السبب في هذا الإسقاط هو تصحيح الحاكم لجملة من الأحاديث، كحديث الولاية، وحديث الطير، وحديث مدينة العلم فلهذا حذف اسمه، لأنّ الإعتراف بكونه من نقدة الحديث - كالبخاري ومسلم - ينافي السّعي في إبطال هذه الأحاديث وردّها!!

قوله:

وقد نصَّ أولئك الجامعون لتلك الأحاديث

أقول:

يعني: إنّه قد صرَّح أولئك الجامعون للأحاديث، في مقدّمات جوامعهم، بأنّهم قد جمعوا تلك الأحاديث في كتبهم، مع اشتمالها على الموضوعات والضعاف أيضاً، حتّى يميّزوا في مرحلةٍ أخرى بعضها عن بعض، ويستخرجوا من بينها الحسان

ودعوى تصريح القوم بذلك، لا أساس لها من الصحّة، بل لم يجرأ عليها الكابلي أيضاً، فهي من خصائص ( الدهلوي ).

ويظهر بطلان هذه الدعوى، من كلام الديلمي في خطبة كتاب ( الفردوس ) فإنّه قد شنّع الديلمي بشدّة على رواة القصص والمكذوبات.

ويظهر بطلانها أيضاً، من احتجاج الكابلي بما أخرجه الديلمي وابن عساكر، في المواضع المختلفة، من كتابه ( الصواقع ).

بل ( الدهلوي ) نفسه، يحتجّ بأحاديث هؤلاء العلماء والحفاظ، إلّا أنّه


يعمد إلى توهين كتبهم وإسقاط أخبارهم عن الإعتبار، لأجل الردّ على الشيعة، ولغرض التفوّق عليهم في البحث

فإنْ كان ما ذكره ( الدهلوي ) حول هؤلاء صحيحاً، وما قاله عن كتبهم حقّاً، وقع التكاذب والتناقض بينه وبين تلك المدائح الجليلة من كبار العلماء في حقّهم.

وقد تقدّم سابقاً ذكر بعض ما قيل في كتاب الفردوس.

الثناء على مصنّفات الخطيب

وهذه كلمات من أعلام القوم في مدح تصانيف الخطيب البغدادي:

١ - قال ابن جزلة - في كلام له حول علم الحديث: « قد صنّف الناس في ذلك، ومعرفة الرجال، وأكثروا وعنوا وبالغوا، وميّزوا الثقة من المتّهم، والضعيف من القوي، وما أعظم فائدته وأحمد موقعه، لكثرة ما دسَّ الملحدة والزنادقة من الأحاديث الموضوعة البشعة المنفرّة، التي فسد بسماعها خلق من الناس، واعتقد الغر عند سماعها أنّها من قول صاحب الشرع، فهلك وتسرّع إلى الكذب، ومال إلى الخلاعة، نعوذ بالله من الشقاء والبلاء.

وهذا الكتاب الذي صنّفه الشيخ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب، الحافظ البغداديرحمه‌الله ، وسمّاه ( تاريخ بغداد )، كتاب جليل في هذا العلم، نفيس، قد تعب فيه، وسهر، وأطال الزمان، والله تعالى يثيبه ويحسن إليه، إلّا أنّه طويل، وللإطالة آفات، أقربها الملل، والملل داعية الترك، وقد استخرت الله تعالى واختصرته، »(١) .

٢ - السمعاني: بترجمة الخطيب: « صنّف قريباً من مائة مصنَّف، صارت

____________________

(١). مختار تاريخ بغداد لابن جزلة البغدادي - مخطوط.


عمدةً لأصحاب الحديث، منها التاريخ الكبير لمدينة السلام بغداد »(١) .

٣ - ابن خلكان: « أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن يحيى بن مهدي ابن ثابت البغدادي، المعروف بالخطيب، صاحب تاريخ بغداد وغيره من المصنّفات المفيدة. كان من الحفّاظ المتقنين والعلماء المتبحّرين.

ولو لم يكن له سوى ( التاريخ ) لكفاه، فإنّه يدلّ على اطّلاع عظيم »(٢) .

٤ - الذهبي: « قال الحافظ ابن عساكر: سمعت الحسين بن محمّد يحكي عن ابن خيرون أو غيره: إنّ الخطيب ذكر أنّه لمـّا حجّ، شرب من ماء زمزم ثلاث شربات، وسأل الله تعالى ثلاث حاجات، أن يحدّث ( تاريخ بغداد ) بها، وأنْ يملي الحديث بجامع المنصور، وأنْ يدفن عند بشر الحافي. فقضيت له الثلاث »(٣) .

وقال الذهبي أيضاً: « قال غيث الأرمنازي، قال مكي الرّميلي: كنت نائماً ببغداد، في ربيع الأول سنة ثلاث وستّين وأربعمائة، فرأيت أنّا اجتمعنا عند أبي بكر الخطيب في منزله، لقراءة التأريخ على العادة، فكأنّ الخطيب جالس، والشيخ أبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي عن يمينه، وعن يمين نصر رجل لم أعرفه، فسألت عنه فقيل: هذا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، جاء يسمع التاريخ، فقلت في نفسي: هذه جلالة أبي بكر، إذ يحضر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقلت: هذا ردّ لقول من يعيب التاريخ، ويذكر أنّ فيه تحاملاً على أقوام »(٤) .

٥ - السّبكي: « قال أبو الفرج الإسفرائني، وأسنده عنه الحافظ ابن

____________________

(١). الأنساب ٥ / ١٥١.

(٢). وفيات الأعيان ١ / ٩٢.

(٣). سير أعلام النبلاء - ترجمة الخطيب ١٨ / ٢٧٩.

(٤). سير أعلام النبلاء - ترجمة الخطيب ١٨ / ٢٨٨، تذكرة الحفاظ ٣ / ١١٤٥.


عساكر في التبيين، قال أبو القاسم مكي بن عبدالسلام المقدسي: كنت نائماً في منزل الشيخ أبي الحسن الزعفراني ببغداد، فرأيت في المنام عند السحر، كأنّا اجتمعنا عند الخطيب لقراءة التاريخ في منزله على العادة، وكأنّ الخطيب جالس وعن يمينه الشيخ نصر المقدسي، وعن يمين الفقيه نصر رجل لا أعرفه، فقلت: من هذا الذي لم تجر عادته بالحضور معنا! فقيل لي: هذا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، جاء يسمع التاريخ، فقلت في نفسي: هذه جلالة الشيخ أبي بكر، إذ حضر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مجلسه، وقلت في نفسي: هذا أيضاً ردّ لمن يعيب التاريخ، ويذكر أنّ فيه تحاملاً على أقوام، وشغلني التفكّر في هذا عن النهوض إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وسؤاله عن أشياء كنت قد قلت في نفسي أسأله عنها، فانتبهت في الحال ولم أُكلّمه صلّى الله عليه وسلّم»(١) .

٦ - الذهبي: « أنشدني أبو الحسين الحافظ، أنشدنا جعفر بن منير، أنشدنا السّلفي لنفسه:

تصانيف ابن ثابت الخطيب

ألذّ من الصبا الغضّ الرطيب

تراها إذ رواها من حواها

رياضاً للفتى اليقظ اللبيب

ويأخذ حسن ما قد ضاع منها

بقلب الحافظ الفطن الأريب

وأيّة راحة ونعيم عيش

يوازي كتبها بل أيّ طيب

رواها السّمعاني في تاريخه عن يحيى بن سعدون عن السّلفي »(٢) .

والعجيب، أنّ ( الدهلوي ) نفسه يكثر من الثناء على ( تاريخ بغداد ) وغيره من مصنّفات الخطيب، فقد ذكر في ( بستان المحدثين ): « أنّ مصنّفات الخطيب

____________________

(١). طبقات الشافعية ٤ / ٣٤.

(٢). سير أعلام النبلاء - ترجمة الخطيب ١٨ / ٢٩٢.


تزيد على ستّين كتاباً، منها تاريخ بغداد والكفاية وغير ذلك من التصانيف المفيدة التي هي بضاعة المحدثين وعروتهم في فنهم » ثمّ أورد أشعار الحافظ أبي طاهر السّلفي المذكورة، وذكر شرب الخطيب من ماء زمزم، والمنام الذي تقدّم عن الذهبي وغيره

الثناء على مصنّفات ابن عساكر

وأمّا تصانيف الحافظ ابن عساكر:

١ - فقد قال ابن خلكان: « وصنّف التصانيف المفيدة، وخرّج التخاريج، وكان حسن الكلام على الأحاديث، محفوظاً في الجمع والتاليف، صنّف التاريخ الكبير لدمشق في ثمانين مجلّدة، أتى فيه بالعجائب، وهو على نسق تاريخ بغداد. قال شيخنا الحافظ العلاّمة أبو محمّد عبدالعظيم المنذري حافظ مصر أدام الله به النفع - وقد جرى ذكر هذا التاريخ، وأخرج لي منه مجلّداً، وطال الحديث في أمره واستعظامه - ما أظنّ هذا الرجل إلّا عزم على وضع هذا التاريخ من يوم عقل نفسه، وشرع في الجمع من ذلك الوقت، وإلّا فالعمر يقصر عن أن يجمع الإنسان فيه مثل هذا الكتاب بعد الإشتغال والتنبّه. ولقد قال الحق، ومن وقف عليه عرف حقيقة هذا القول، ومتى يتّسع للإنسان الوقت حتّى يضع مثله!

وهذا الذي ظهر له هو الذي أختاره، وما صحّ له إلّا بعد مسوّدات لا يكاد ينضبط حصرها، وله غيره تواليف حسنة وأجزاء ممتعة »(١) .

٢ - اليافعي: « وقال بعض العلماء بالحديث والتاريخ: ساد أهل زمانه في الحديث ورجاله، وبلغ فيه إلى الذروة العليا، ومن تصفّح تاريخه علم منزلة

____________________

(١). وفيات الأعيان ٣ / ٣٠٩.


الرجل في الحفظ. قلت: بل من تأمّل تصانيفه ومن حيث الجملة، علم مكانه في الحفظ والضبط للعلم والإطلاع وجودة الفهم والبلاغة والتحقيق والإتساع في العلوم، وفضائل تحتها من المنافع والمحاسن كلّ طائل »(١) .

٣ - السبكي: « له تاريخ الشام في ثمانين مجلّدة وأكثر، أبان فيه عمّا لم يكتمه غيره وإنّما عجز عنه، ومن طالع هذا الكتاب عرف إلى أيّ مرتبة وصل هذا الإمام، واستقلّ الثريا وما رضي بدر التمام، وله: الأطراف، وتبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبو الحسن الأشعري، وعدّة تصانيف وتخاريج، وفوائد ما الحفّاظ إليها إلّا محاويج، ومجالس أملاها من صدره يخرّ لها البخاري ويسلم بمسلم ولا يرتدا، أو يعمل في الرحلة إليها هزّل المهاري »(٢) .

قوله:

فمع العلم بواقع حال تلك الكتب كما صرّح به أصحابها، كيف يجوز الإحتجاج بتلك الأحاديث.

أقول:

لم نقف على كلامٍ لأصحاب تلك الكتب يفيد ما نسب إليها، ولا على كلامٍ لغير أصحابها يتضمّن تلك النسبة بل وجدناهم - على العكس ممّا زعم ( الدّهلوي ) - يمدحون ( الفردوس ) و ( تاريخ بغداد ) و ( تاريخ دمشق )، كما وجدناهم يستدلّون بأخبار هذه الكتب ويعتمدون عليها، بل وجدنا ( الدهلوي ) نفسه يثني على كتب الخطيب في ( بستان المحدثين ) ويستدل بروايات الديلمي وابن عساكر في كتابه ( التحفة ).

____________________

(١). مرآة الجنان ٣ / ٣٩٣.

(٢). طبقات الشافعية ٧ / ٢٥١.


فلماذا لا يجوز للشيعة الإحتجاج بأحاديث هؤلاء الأعاظم، من حفاظ أهل السنّة؟

قوله:

ولهذا، فقد نقل صاحب جامع الأصول أنّ الخطيب قد روى أحاديث الشيعة عن الشريف المرتضى

أقول:

أمّا أوّلاً: فإنّه لم يذكر الموضع الذي نقل عنه هذا الكلام لكي نراجعه.

وأمّا ثانياً: مجرّد رواية الخطيب لأحاديث الشيعة عن السيّد المرتضى، لا يوجب القدح في كتابه ( تاريخ بغداد ) وغيره، لجواز أنّه قد كتب أحاديث الشيعة في بياض يخصّها، ولم يدرجها في كتاب ( تاريخ بغداد ) المقبول لدى أساطين العلماء، فلا مانع من الإحتجاج بروايات التاريخ ونحوه من الكتب السائرة، كما اتّفق ( للدهلوي ) في الباب الحادي عشر من كتابه، تقليداً للكابلي.

وأمّا ثالثاً: إنّ ما ذكره يدلُّ على جلالة قدر السيّد المرتضىرحمه‌الله .

وبذلك أيضاً يظهر ما في تهجين ( الدهلوي ) للسيّد المذكور في باب النبوّة من كتابه ( التحفة).

قوله:

وعلى الجملة، فإنّ هذا الحديث ليس من تلك الأحاديث أيضاً، فإنّه لا وجود له في شيء من كتب أهل السنّة، ولو بطريقٍ ضعيف.


أقول:

لقد كرّر ( الدهلوي ) هذه المزعمة المكذوبة مرةً أخرى سبحانك هذا بهتان عظيم لكنّك قد عرفت وجود هذا الحديث الشريف في:

كتاب السنّة. لابن شاهين البغدادي.

وتاريخ نيسابور. للحاكم النيسابوري.

والإبانة. لابن بطة العكبري.

وفضائل الصحابة. لأبي نعيم الأصبهاني.

وفضائل الصحابة. لأبي بكر البيهقي.

ومناقب علي بن أبي طالب. لابن المغازلي الواسطي.

وفردوس الأخبار. لشيرويه بن شهردار الديلمي.

وزين الفتى في تفسير سورة هل أتى. للعاصمي.

والخصائص العلوية. لأبي الفتح النطنزي.

ومسند الفردوس. لشهردار بن شيرويه الديلمي.

وكتاب مناقب علي بن أبي طالب. للخطيب الخوارزمي.

ومعجم الأدباء. لياقوت الحموي.

ووسيلة المتعبّدين. لملّا عمر.

ومطالب السئول. لابن طلحة النّصيبي.

وكفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب. للكنجي.

والرياض النضرة. وذخائر العقبى. لمحبّ الدين الطبري.

والمودّة في القربى. للسيّد علي الهمداني.

وتوضيح الدلائل. للسيّد شهاب الدين أحمد.


وهداية السعداء. لشهاب الدين الهندي.

والفصول المهمّة. لابن الصبّاغ المالكي.

والفواتح - شرح ديوان أمير المؤمنين. للحسين الميبدي.

ونزهة المجالس. للصفوري.

والإكتفاء. لإبراهيم الوصابي اليمني.

والأربعين. لجمال الدين المحدّث الشيرازي.

ووسيلة المآل. لأحمد بن الفضل المكي.

وسير الأقطاب. للشيخ الله ديا.

ومفتاح النجا. لميرزا محمّد البدخشاني.

ومعارج العلى. لمحمّد صدر العالم.

والروضة النديّة. لمحمّد بن إسماعيل اليماني.

وغيرها من كتب أهل السنّة.

فما هذا الجحود والإنكار؟

ولماذا لا يحتفل هذا الرّجل بمؤاخذة المطّلعين على كتب الأخبار؟

لقد ظهر وجود هذا الحديث الشريف في كتب أهل السنّة ظهور الشّمس في رابعة النهار، فلا أثر لإنكار المنكرين وجحد الجاحدين.

والحمد لله ربّ العالمين.



دلالة

حديث التشبيه



قد عرفت أنّ هذا الحديث من أخبار أهل السنّة في طائفةٍ من مصادرهم المعتبرة، وأنّ مناقشات ( الدّهلوي ) حول سنده والكتب التي أخرجته لا أساس لها من الصحّة

ثمّ شرع في المناقشة في دلالة الحديث، وسيتّضح للقارئ الكريم سقوط جميع مناقشاته في هذه الناحية كذلك:

قوله:

الثاني: إنّ ما ذكر محض تشبيه لبعض صفات الأمير ببعض صفات أولئك الأنبياء.

من وجوه دلالة الحديث على المساواة

أقول:

إنّ نفي دلالة هذا الحديث الشريف على مساواة أمير المؤمنينعليه‌السلام للأنبياء الكرام المذكورين في الصفات المذكورة في الحديث، وحمل الحديث على مجرَّد التشبيه بين الطرفين مكابرة واضحة لكلّ عارفٍ بأساليب الكلام ولمزيد البيان والوضوح نذكر الوجوه الآتية:

١ - إفادة هذا التركيب للعينيّة

إنَّ أصل هذا التركيب - أعني: من أراد أنْ ينظر يفيد عينيّة ما يراد


النظر إليه لما أمر بالنظر إليه، فهو مثل: من أراد أنْ ينظر إلى أفضل رجلٍ في البلد فلينظر إلى فلان، ولا ريب أنّه لا مساغ للتشبيه في مثل هذا الكلام، بأنْ يكون المراد: إنّ من أمر بالنظر إليه مشابه للأفضل من في البلد، وليس الأفضل حقيقةً.

إنّه لا مساغ لأنْ يراد ذلك، أو يدّعي كونه المراد، في مثل الكلام المذكور، بل المراد كون هذا الشخص هو الأفضل حقيقةً.

إلّا أنّه لمـّا كانت العينيّة في الحديث الشريف متعذّرة، فلا مناص من حمله على أقرب الاُمور أي العينيّة، وهو المساواة، فيكون المعنى: من أراد أنْ ينظر إلى آدم ويلحظ علمه فلينظر إلى علي بن أبي طالب، فإنّه الّذي يماثله ويساويه في العلم، بمعنى أنّ جميع العلوم الحاصلة لآدمعليه‌السلام حاصلة لعليعليه‌السلام .

وهكذا في باقي الصفات المذكورة في الحديث.

فظهر، أنّ المراد هو المساواة، وإلّا لسقط الكلام النبوي عن البلاغة اللائقة به.

ويشهد بما ذكرنا: ما جاء في كلام المحبّي بترجمة عيسى بن محمّد المغربي صاحب ( مقاليد الأسانيد ) حيث قال: « وكان للناس فيه اعتقاد عظيم، حتّى أنّ العارف بالله السيّد محمّد بن باعلوي كان يقول في شأنه: إنّه زرّوق زمانه. وكان السيّد عمر باعلوي يقول: من أراد أن ينظر إلى شخصٍ لا يشك في ولايته فلينظر إليه. وكفى بذلك فخراً له، ومن يشهد له خزيمة »(١) .

فإنّ ظاهر كلام باعلوي في حقّ عيسى المغربي هو ما ذكرناه، إذ لو كان مفاده التشبيه فقط - نظير تشبيه الحصى باللؤلؤ مثلاً - لما دلّ على الولاية الثابتة

____________________

(١). خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر ٣ / ٢٤٠.


القطعيّة للمغربي، ولم يكن لقول المحبّي: « وكفى بذلك فخراً له ومن شهد له خزيمة » وجه أصلاً.

٢ - المتبادر من التشبيه هو المساواة

إنّ المتبادر من التشبيه في قولك: زيد كعمرو في العلم أو الحسن أو المال هو المساواة بينهما في تلك الاُمور، ولا يشك في ذلك إلّا المنكر للواضحات، الدافع للبديهيّات فلو فرضنا تقدير حرف التشبيه في هذا الحديث الشريف - دون لفظ « مساوٍ » - لأفاد المساواة كذلك، بحكم التبادر المذكور، بلا صارف ومانع عنه.

ويوضّح هذا التبادر: صحّة سلب التشبيه في صورة عدم المساواة بين الطرفين، فإذا لم يكن زيد مساوياً لعمرو في الحسن مثلاً، صحّ أن يقال: زيد ليس كعمرو في الحسن، ولو لم يكن التشبيه دليلاً على المساواة، لما صحّ سلب التشبيه في حال عدم المساواة.

وأيضاً: ترى العلماء يقولون في بحوثهم حول الصلاة والصيام والحج والزكاة ونحو ذلك يقولون: كذا في الآية الكريمة، وكذا في الحديث الشريف فإنْ احتجّوا بحديثٍ من الأحاديث قالوا: كذا ذكره مسلم، وكذا أخرجه البخاري وإذا دار بحثهم حول بعض الفروع الفقهيّة قالوا: كذا قال الشّافعي، أو كذا قال أبو حنيفة وهكذا ما لا يحصى كثرةً

ولا ريب في أنّهم يريدون التساوي والمساواة، وهو المتبادر منه إلى ذهن السامعين، فلولا المطابقة التامّة لعرّض القائل نفسه للمؤاخذة والإعتراض الشّديد.

فظهر ضرورة حمل التشبيه على المساواة في أمثال هذه العبارات


هكذا المشابهة بين الإمامعليه‌السلام والأنبياء، في الصفات المذكورة في الحديث الشريف فإنّه يجب حملها على المطابقة التامّة، والمماثلة الكاملة، والمساواة الدّقيقة ولا يجوز غير ذلك أبداً.

أفضلية نبيّنا من سائر الأنبياء في القرآن

ولقد استدل كبار العلماء بالآية الآمرة للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالإقتداء بهدى الأنبياء، على أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أفضل من جميع الأنبياء والمرسلين فكذلك هذا الحديث الدالّ على وجود صفات الأنبياءعليهم‌السلام في أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فإنّه يدلّ على أفضليّته منهم، وإذا ثبتت أفضليّتهعليه‌السلام من الأنبياء الكرام، فما ظنّك بثبوت أفضليّته من الثلاثة الحائزين لصفات تتحيّر فيها الأفهام!!

ولنذكر أوّلاً الآية الكريمة، ثمّ نتبعها بكلمات بعض المفسّرين في بيان وجه الإستدلال بها على ما أشرنا إليه، فالآية هي:

( وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّاً هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ *وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ *وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلًّاً فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ *وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ *ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ *أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ *أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا


أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ) (١) .

* قال الرازي بتفسير( فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ ) :

« في الآية مسائل: المسألة الأولى - لا شبهة في أنّ قوله( أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ ) هم الذين تقدّم ذكرهم من الأنبياء، ولا شك في أنّ قوله( فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ ) أمر لمحمّد عليه الصلاة والسّلام. وإنّما الكلام في تعيين الشيء الّذي أمر الله محمّداً أن يقتدي فيه بهم.

فمن الناس من قال: المراد إنّه يقتدي بهم في الأمر الذي أجمعوا عليه، وهو القول بالتوحيد والتنزيه عن كلّ ما لا يليق به في الذات والصّفات والأفعال وسائر العقليّات. وقال آخرون: المراد الإقتداء بهم في شرائعهم، إلّا ما خصّه الدليل، وبهذا التقدير كانت هذه الآية دليلاً على أنّ شرع من قبلنا يلزمنا. وقال آخرون: إنّه تعالى إنّما ذكر الأنبياء في الآية المتقدمة، ليبيّن أنّهم كانوا محترزين عن الشرك، مجاهدين بإبطاله، بدليل أنّه ختم الآية بقوله:( وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) ثمّ أكّد إصرارهم على التوحيد وإنكارهم للشرك بقوله:( فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ ) ثمّ قال في هذه الآية:( أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ ) أي هداهم إلى إبطال الشرك وإثبات التوحيد، وتحمّل سفاهات الجهال في هذا الباب. وقال آخرون: اللفظ مطلق، فهو محمول على الكلّ إلّا ما خصّه الدليل المنفصل.

قال القاضي: يبعد حمل الآية على أمر الرسول بمتابعة الأنبياءعليهم‌السلام المتقدمين في شرائعهم لوجوه:

أحدها - إنّ شرائعهم مختلفة متناقضة، فلا يصح مع تناقضها أنْ يكون مأموراً بالإقتداء بهم في تلك الأحكام المتناقضة.

____________________

(١). سورة الأنعام، الآيات ٨٣ - ٩٠.


وثانيها: إنّ الهدى عبارة عن الدليل، دون نفس العمل، وإذا ثبت هذا فنقول: دليل إثبات شرعهم كان مخصوصاً بتلك الأوقات، لا في غير تلك الأوقات، فكان الإقتداء بهم في ذلك الهدى هو أن يعلم بوجوب تلك الأفعال في تلك الأوقات فقط، وكيف يستدل بذلك على اتباعهم في شرائعهم في كلّ الأوقات؟

وثالثها: إنّ كونه عليه الصلاة والسلام متّبعاً لهم في شرائعهم، يوجب أنْ يكون منصبه أقل من منصبهم، وذلك باطل بالاجماع.

فثبت بهذه الوجوه أنّه لا يمكن حمل هذه الآية على وجوب الإقتداء بهم في شرائعهم.

والجواب عن الثالث: إنّه تعالى أمر الرسول بالإقتداء بجميعهم في جميع الصفات الحميدة والأخلاق الشريفة، وذلك لا يوجب كونه أقل مرتبة منهم، بل يوجب كونه أعلى مرتبةً من الكلِّ، على ما سيجئ تقريره بعد ذلك إن شاء الله تعالى. فثبت بما ذكرنا دلالة هذه الآية على أنّ شرع من قبلنا يلزمنا.

المسألة الثانية: - إحتجّ العلماء بهذه الآية على أنّ رسولنا صلّى الله عليه وسلّم أفضل من جميع الأنبياءعليهم‌السلام ، وتقريره هو:

أنّا بيّنا أنّ خصال الكمال وصفات الشرف كانت متفرقة فيهم بأجمعهم:

فداود وسليمان كانا من أصحاب الشكر على النعمة.

وأيوب كان من أصحاب الصبر على البلاء.

ويوسف كان مستجمعاً لهاتين الحالتين.

وموسىعليه‌السلام كان صاحب الشريعة القوية القاهرة، والمعجزات الظاهرة.

وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس، كانوا أصحاب الزهد.


وإسماعيل كان صاحب الصدق.

ويونس كان صاحب التضرّع.

فثبت أنّه تعالى إنّما ذكر كلّ واحدٍ من هؤلاء الأنبياء، لأنّ الغالب عليه كان خصلة معيّنة من خصال المدح والشرف.

ثمّ إنّه تعالى لمـّا ذكر الكلّ، أمر محمّداً عليه الصّلاة والسّلام بأنْ يقتدي بهم بأسرهم، فكان التقدير كأنَّه تعالى أمر محمّداً صلّى الله عليه وسلّم أنْ يجمع من خصال العبوديّة والطاعة كلّ الصّفات التي كانت متفرّقة فيهم بأجمعهم.

ولمـّا أمره الله تعالى بذلك امتنع أنْ يقال أنّه قصّر في تحصيلها، فثبت أنّه حصّلها.

ومتى كان الأمر كذلك ثبت أنّه اجتمع فيه من خصال الخير ما كان متفرّقاً فيهم بأسرهم.

ومتى كان الأمر كذلك، وجب أن يقال: إنّه أفضل منهم بكليّتهم. والله أعلم »(١) .

أقول:

وبنفس هذا التقرير الّذي ذكره العلماء، للإحتجاج بالآية الكريمة على أفضليّة نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من سائر الأنبياء نحتجّ بحديث التشبيه على أفضليّة سيّدنا أمير المؤمنينعليه‌السلام من الأنبياء، فلا يبقى أيّ ريبٍ في دلالة حديث التشبيه على مذهب الشيعة.

بل الأمر هنا أوضح من هناك، لأنّه إذا كان الأمر بالإقتداء بهدى الأنبياء السابقينعليهم‌السلام دالّاً على أفضليّة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإنّ

____________________

(١). تفسير الرازي ١٣ / ٦٩ - ٧١.


إثبات صفات الأنبياء السابقين لأمير المؤمنينعليه‌السلام - الأمر الّذي يدلّ على الحديث بصراحة - يدلّ على أفضليّة الإمامعليه‌السلام منهم، بالأولويّة.

على أنّ الإحتجاج بالآية، كان يتوقّف على مقدّمات، أحدها: إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمـّا اُمر بالإقتداء، امتنع أن يقال إنّه ترك الإقتداء. والثاني: إنّ المراد من هدى الأنبياء السابقين هو جميع الخصال الخاصّة بكلّ واحدٍ منهم. والثالث: إنّ الإقتداء لا يمنع كونهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أفضل من الأنبياء السابقين.

أمّا في حديث: من أراد أنْ ينظر إلى آدم فلا حاجة إلى شيء من المقدّمات، بل إنّ الحديث يثبت صفات الأنبياء السابقين للإمام بلا مقدّمة، إذ ليس فيه أمر بالإقتداء حتّى يحتاج إلى مقدّمة أنّه قد أطاع هذا الأمر قطعاً، وقد ذكر في الحديث صفات الأنبياء بصراحةٍ وهي - في بعض الألفاظ - « العلم، والحلم، والعبادة، والتقوى، والبطش » وليس فيه لفظ « الهدى » حتّى يحتاج إلى مقدّمة يذكر فيها أنّ المراد من الهدى هو الصّفات كما أنّه لا حاجة هنا إلى القول بأنّ الإقتداء لا ينافي الأفضليّة، إذ لا أمر بالإقتداء هنا.

فظهر، أنّ دلالة هذا الحديث على مساواة صفات الإمامعليه‌السلام لصفات الأنبياء السابقينعليه‌السلام ، أوضح من دلالة الأمر بالإقتداء على ذلك.

وقد ذكر النيسابوري أيضاً الإحتجاج المذكور بالآية على أفضلية نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فذكر أقوال العلماء في تفسير « الهدى » ثمّ كلام القاضي وما قيل في الجواب عن الوجوه التي ذكرها القاضي، فصرّح:

« بأنّه يلزم أن يكون منصبه أجلا من منصبهم، لأنّه أمر باستجماع خصال الكمال وصفات الشرف التي كانت متفرقة فيهم، كالشكر في داود


وسليمان، والصبر في أيوب، والزهد في زكريا ويحيى وعيسى، والصّدق في إسماعيل، والتضرّع في يونس، والمعجزات الباهرة في موسى وهارون. ولهذا قال: لو كان موسى حيّاً لما وسعه إلّا اتّباعي»(١) .

* وقال الخطيب الشربيني بعد ذكر الإحتجاج:

« فثبت بهذا البيان أنّه صلّى الله عليه وسلّم أفضل الأنبياء، لما اجتمع فيه من الخصال التي كانت متفرقة في جميعهم »(٢) .

٣ - الإستدلال على ضوء كلام الفخر الرازي

وإذا كان الأمر بالإقتداء دالّاً على وجود جميع صفات الأنبياء السابقين في وجود نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثمّ يكون دالّاً على أفضليّته منهم من جهة كونه جامعاً بوحده لتلك الصّفات المتفرقة بينهم فلا أقل من دلالة حديث التشبيه على أفضليّة الإمامعليه‌السلام منهم بهذا البيان، فيكون الحديث دالّاً على الأفضليّة بنفس المقدّمات التي ذكرت في الإحتجاج بالآية على الأفضلية، بعد التنزّل عمّا أثبتناه في الوجه السابق من الإستدلال بلا توقفٍ على المقدّمات.

فيكون الحاصل حينئذٍ دلالة حديث التشبيه على أفضليّة الإمامعليه‌السلام من الأنبياء السابقين، لاستجماعه ما تفرّق فيهم من الخصال، وإذا كان أفضل من الأنبياء الخمسة المذكورين، ثبت أفضليته من جميع الأنبياء - سوى خاتم النبيينصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - بالإجماع المركّب.

بل لقد جاء في بعض ألفاظ حديث التشبيه ثبوت صفات يعقوب و

____________________

(١). تفسير النيسابوري - هامش الطبري ٧ / ١٨٥.

(٢). السراج المنير ١ / ٤٣٥.


يوسف وأيّوب ويونسعليهم‌السلام ، وهيبة إسرافيل، ورتبة ميكائيل، وجلالة جبرائيل لسيّدنا أمير المؤمنينعليه‌السلام .

٤ - في علي تسعون خِصلة لم تجمع في غيره

وروى السيّد علي الهمداني - من مشايخ والد ( الدهلوي ) - في كتابه الّذي عدّه رشيد الدّين الدهلوي في كتب أهل السنّة المؤلَّفة في مناقب أهل البيت عليهم الصّلاة والسّلام:

« عن جابر قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: من أراد أنْ ينظر إلى إسرافيل في هيبته، وإلى ميكائيل في رتبته، وإلى جبرئيل في جلالته، وإلى آدم في علمه، وإلى نوح في حسنه، وإلى إبراهيم في خلّته، وإلى يعقوب في حزنه، وإلى يوسف في جماله، وإلى موسى في مناجاته، وإلى أيّوب في صبره، وإلى يحيى في زهده، وإلى عيسى في سنته، وإلى يونس في ورعه، وإلى محمّد في جسمه وخلقه، فلينظر إلى علي. فإنّ فيه تسعين خصلة من خصال الأنبياء، جمعها الله فيه ولم تجمع في أحد غيره.

وعدَّد جميع ذلك في جواهر الأخبار »(١) .

أقول:

وليس هذا الحديث مجرّد تشبيه، بل هو جارٍ مجرى الحقيقة، واستجماعه لتلك الصفات، مع عدم اجتماعها في أحدٍ غيره، نصٌّ في الأفضليّة.

____________________

(١). مودّة القربى، ينابيع المودّة ٢ / ٣٠٦ الطبعة المحقّقة.


٥ - دلالة الحديث في كلام إبن روزبهان

وقد صرّح المتعصّب العنيد الفضل ابن روزبهان بدلالة حديث التشبيه على الأفضليّة، فدلالته على مذهب الإماميّة تامة عنده، إلّا أنّه يردّه بالرمي بالوضع وهذا نصّ كلامه:

« وأثر الوضع على هذا الحديث ظاهر، ولا شكّ أنّه منكر، مع ما نسب إلى البيهقي، لأنّهم يوهم أنّ عليّ بن أبي طالب أفضل من هؤلاء الأنبياء، وهذا باطل، فإنّ غير النبي لا يكون أفضل من النبيّ.

وأمّا أنّه موهم لهذا المعنى، لأنّه جمع فيه من الفضائل ما تفرّق في الأنبياء، والجامع للفضائل أفضل ممّن تفرّق فيهم الفضائل.

وأمثال هذا من موضوعات الغلاة »(١) .

أقول:

اُنظر إلى تعصّب هؤلاء القوم، فمنهم من يعترف بدلالة الحديث على مذهب الشيعة، فيردّه بالوضع والبطلان، كابن روزبهان، ومنهم من ينكر دلالته، كالكابلي و ( الدهلوي )، فهم يتكاذبون فيما بينهم، إلّا أنّ غرضهم إسقاط الحديث عن الصلاحيّة لاحتجاج الشيعة به على مذهبهم الحقّ، وإنْ لزم ما لزم

وأمّا إبطال ابن روزبهان أفضليّة الإمامعليه‌السلام من هؤلاء الأنبياء، من جهة أنّه ليس بنبيّ، وغير النّبيّ لا يكون أفضل من النبي فيبطله آية المباهلة والأحاديث الواردة في ذيلها، وكذا غيرها من الأحاديث الصّريحة في

____________________

(١). إبطال الباطل. انظر: دلائل الصدق ٢ / ٥١٨.


أنّ عليّاً نفس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وما ورد في توسّل آدمعليه‌السلام به(١) وأنّ الأنبياء بعثوا على ولايته(٢) وحديث « خلقت أنا وعلي من نور واحدٍ قبل أنْ يخلق آدم »(٣) ، وغير هذه الأحاديث.

فظهر دلالة هذا الحديث على الأفضليّة، فيتمّ احتجاج الشيعة به، ويسقط مناقشة ( الدهلوي).

٦ - بيان محمّد بن إسماعيل الأمير لحديث التشبيه

وللعلّامة النحرير محمّد بن إسماعيل الأمير بيانٌ لطيف، وتقرير متين، لحديث التشبيه، يتّضح به طريق احتجاج الشيعة، ويتأيّد به أسلوب استدلالهم، وهذا نصُّ عبارته:

« فائدة - قد شبّههعليه‌السلام بخمسة من الأنبياء، كما قال المحب الطبريرحمه‌الله ما لفظه: ذكر تشبيه عليرضي‌الله‌عنه بخمسةٍ من الأنبياء: عن أبي الحمراء قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في فهمه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى يحيى بن زكريا في زهده، وإلى موسى في بطشه، فلينظر إلى علي بن أبي طالب. أخرجه أبو الخير الحاكمي.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من أراد أنْ ينظر إلى إبراهيم في حلمه، وإلى نوح في حكمه، وإلى

____________________

(١). اُنظر ما رووا بتفسير قوله تعالى:( فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَات ) الدرّ المنثور ١ / ٦٠.

(٢). انظر ما رووه بتفسير قوله تعالى:( واسأَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبلِكَ مِنْ رُسُلِنا ) ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق ٢ / ٩٧ وسنفصل الكلام فيه في الجزء اللاحق من كتابنا.

(٣). انظر الجزء الخامس من كتابنا.


يوسف في جماله، فلينظر إلى علي بن أبي طالب. أخرجه الملّا في سيرته. انتهى.

قلت: فقد شبّهه صلّى الله عليه وسلّم بهؤلاء الخمسة الرسل، في اكتسابه للخصال الشريفة من خصالهم.

فمن آدم أبي البشر العلم، فإنّ الله تعالى خصّه بأنّه علّمه الأسماء كلّها، ثمّ أبان فضله بذلك ونوّه بعلمه، حيث عرض على الملائكة أسماء المسمّيات، وطلب منهم تعالى إنباءهم بأسمائها فعجزوا، وطلب من آدمعليه‌السلام إنبائهم، فأنبأهمعليه‌السلام بها. فهذه فضيلة من أشرف فضائل آدمعليه‌السلام التي شرف بها بين الملأ الأعلى.

وشبّهه بنوحٍعليه‌السلام في فهمه، لأنّه أمره الله تعالى بصنعة الفلك، وفيها من دقائق الإحكام والإتقان ما لا تحصره الأقلام، ولا يدركه الأفهام، وكانت لم تعرف، ولا اهتدى إليها فكر قبل ذلك، وكان فيها ما كان من الإتقان، واليوت التي جوّفها له ولمن معه، والأنعام والوحوش والسباع، واختلافها طولاً وعرضاً، فإنّها كجؤجؤ الطائر، وقد جعل الله الحمل فيها من آياته، حيث قال:( وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ) وعدّ الإمتنان بها في الذكر في عدّةٍ من الآيات، وناهيك أنّه قرن إجراءه تعالى لها مع خلق السماوات والأرض، واختلاف الليل والنهار، فالمراد فهمه ما ألهمه من صنعتها، ولذلك جعل صنعتها مقيَّدة( بِأَعْيُنِنا ) في قوله:( وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا ) وقوله في الحديث « في حكمه » أي في حكمه الناشي عن حكمه وقوته وصحّته، ويحتمل أن يكون المراد فهمه العام في صنعة الفلك وغيره، ممّا فهمه عن الله تعالى وأمره.

وشبّهه بالخليل في حلمه، وهو من أشرف الصفات، ولذلك قيل: مانعت


الله الأنبياء بأقلّ ما نعتهم بالحلم، وذلك لعزّة وجوده، ولقد نعت الله به إبراهيمعليه‌السلام بقوله تعالى:( إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ) ( إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ ) ومن مجادلته عن لوط فقال:( إِنَّ فِيها لُوطاً ) في عدة من الآيات. ومن حلمهعليه‌السلام الّذي تخفّ عنه رواسي الجبال: امتثاله لأمر الله تعالى بذبح ولدهعليهما‌السلام ، وإضجاعه، وكتفه له، وإمرار المدية على حلقه، لولا منع الله لها أن تقطع، فلهذا وصفه الله ووصف ولده بالحلم.

وشبّهه صلّى الله عليه وسلّم بيحيى بن زكرياعليهما‌السلام في زهده، ويحيىعليه‌السلام هو علم الزهادة في أبناء آدم، من تأخّر منهم ومن تقدّم، وقد ملئت الكتب باليسير من صفات زهده.

وشبّهه صلّى الله عليه وسلّم بكليم الله في بطشه، وكان موسى شديد البطش، وناهيك أنّه ذكر القبطي فقضى عليه، وأراد البطش بالآخر، وهو في بلد فرعون، وتحت يده بنو إسرائيل أرقّاء في يد فرعون، وكان القبط أهل الصولة والشوكة والدولة.

وشبّهه في الحديث الآخر بيوسف في جماله، ويوسف في جماله شمس لا يزيدها الوصف إلّا خفاءً، فهي أظهر من أنْ تظهر. وقد سبق صفة أمير المؤمنين: وإنّ عنقه كأنّه إبريق فضة، وإنّه كان أغيد، وغير ذلك من الصفات الحسنة.

إذا عرفت هذا، فهذه شرائف الصفات: الحلم، والعلم، والفهم، والزهادة، والبطش، والحسن.

ثمّ إنّه حاز أكمل كلّ واحدة مها، فإنّ علم الرسل أكمل العلوم، وحلمهم أكمل الحلم، وفهمهم أتمّ فهم، وزهادتهم أبلغ زهادة، وبطشهم أقوى بطش.

فناهيك من رجل كمّله الله بهذه الصفات، وأخبر نبيّه صلّى الله عليه


وسلّم أنّه حازها، وشابه أكمل من اتّصف بها، وإنّ من أراد أن ينظر من كان متّصفاً بها من أولئك الرسل الأعلّين، ويشاهده كأنّه حي، نظر إلى هذا المتّصف بها، لذلك قيل:

يدلّ لمعنى واحد كلّ فاخر

وقد جمع الرحمن فيك المعاليا

ولو أردنا سرد ما فاض عن الوصي من ثمرات هذه الصّفات، وما انفجر عنه من بحور هذه الكلمات، لخرجنا عن قصدنا من بيان معنى الأبيات، والإختصار له في هذه الكلمات، ويأتي في غضون صفاته ما يدلّ على كمالاته، وقد شبَّه صلّى الله عليه وسلّم بعضاً من الصحابة ببعضٍ من الرسل في بعض الصفات، ولم يجمع لاحدٍ خمسة من الأنبياء ولا ثلاثة، ولا جاء في حقّ أحدٍ بهذه العبارة، أعني: من أراد أن ينظر الخ، الدالة على كمال تمكّن تلك الصفة في وصيّه » انتهى(١) .

أقول:

هذا كلام هذا المحقق الكبير في معنى هذا الحديث الشّهير، وقد أحسن في البيان وأجمل في التقرير، وبما ذكره يتّضح وجه احتجاج الشيعة، ويظهر مدى تعصّب ( الدهلوي ) الذي زعم أنّ مفاد الحديث هو التشبيه المحض، كتشبيه التراب والحصى بالدّر والياقوت، وأمثال ذلك من التشبيهات الإدعائيّة، والتمثيلات الإغراقيّة.

هذا، ولا تغفل عن كلمات ابن طلحة، والكنجي، وشهاب الدين أحمد، في بيان معنى حديث التشبيه، فإنّها تفيد ما تذهب إليه الإماميّة كعبارة محمّد ابن إسماعيل المزبورة

____________________

(١). الروضة الندية - شرح التحفة العلوية.


٧ - إعتراف أبي بكر بدلالة الحديث

فإنْ لم يقبل الخصم شيئاً من الوجوه المذكورة، فقد اشتمل بعض ألفاظ الحديث على اعتراف أبي بكر بدلالة حديث التشبيه على مساواة الإمام أمير المؤمنين مع هؤلاء الأنبياءعليهم‌السلام في الصّفات، وأفضليّته منهم ففي كتاب المناقب للخوارزمي:

« أخبرني شهردار هذا إجازةً، قال: أخبرنا أبو الفتح عبدوس بن عبدالله ابن عبدوس الهمداني إجازةً، عن الشريف أبي طالب المفضل بن محمّد بن طاهر الجعفري بإصبهان، عن الحافظ أبي بكر أحمد بن موسى بن مردويه بن فورك الإصبهاني، قال: حدّثنا محمّد بن أحمد بن إبراهيم، قال: حدّثنا الحسن بن علي بن الحسين السّلوي، قال: حدّثني سويد بن مسعر بن يحيى بن حجاج النهدي حدّثنا أبي، حدّثنا شريك عن أبي إسحاق عن الحارث الأعور صاحب راية علي، قال:

بلغنا أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم كان في جمع من أصحابه فقال:

اُريكم آدم في علمه، ونوحاً في فهمه، وإبراهيم في حكمته.

فلم يكن بأسرع من أنْ طلع علي.

فقال أبو بكر: يا رسول الله، أقست رجلاً بثلاثة من الرسل! بخ بخ لهذا الرجل، من هو يا رسول الله؟

قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: ألا تعرفه يا أبا بكر؟!

قال: الله ورسوله أعلم.

قال: أبو الحسن علي بن أبي طالب.

قال أبو بكر: بخ بخ لك يا أبا الحسن. وأين مثلك يا أبا الحسن! »(١) .

____________________

(١). مناقب علي بن أبي طالب: ٤٤ - ٤٥.


وفي ( توضيح الدلائل ): « عن الحارث الأعور صاحب راية أمير المؤمنين كرّم الله وجهه قال: بلغنا أنّ النبي صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله وبارك وسلّم كان في جمع من الصحابة، فقال:

أريكم آدم في علمه ونوحاً في فهمه، وإبراهيم في حلمه.

فلم يكن بأسرع من أنْ طلع علي كرّم الله تعالى وجهه.

قال أبو بكررضي‌الله‌عنه : يا رسول الله: قست رجلاً بثلاثةٍ من الرسل، بخ بخ لهذا، من هو يا رسول الله؟!

قال النبي صلّى الله عليه وعلى آله وبارك وسلّم: يا أبا بكر، ألا تعرفه؟

قال: الله ورسوله أعلم.

قال صلّى الله عليه وعلى آله وبارك وسلّم: أبو الحسن علي بن أبي طالب.

قال أبو بكررضي‌الله‌عنه : بخ بخ لك يا أبا الحسن.

ورواه الصالحاني، وفي إسناده أبو سليمان الحافظ »(١) .

ففي هذا الحديث: إعتراف صريح من أبي بكر بأنّ حديث التشبيه يدلُّ على المساواة بين الإمامعليه‌السلام وهؤلاء الأنبياءعليهم‌السلام ، وأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد قرّر ما ذكره أبو بكر، وتقريره حجّة.

وإنّما قلنا بأنّ أبا بكر فهم المساواة من الحديث، لأنّه قال للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « قست رجلاً بثلاثةٍ من الرسل » ومعنى « قست »: أي: « ساويت » لأنّ قياس أحدٍ بغيره هو بمعنى: التسوية بين الشخصين:

قال الشريف الجرجاني: « القياس في اللغة عبارة عن التقدير، يقال:

____________________

(١). توضيح الدلائل على تصحيح الفضائل - مخطوط.


قست النعل بالنّعل، إذا قدّرته وسوّيته، وهو عبارة عن ردّ الشيء إلى نظيره »(١) .

وقال الجوهري: « قست الشيء بغيره وعلى غيره، أقيس قيساً وقياساً، فانقاس، إذا قدّرته على مثاله. وفيه لغة اُخرى: قسته أقوسه قوساً وقياساً، ولا يقال: أقسته، والمقدار مقياس، وقايست بين الأمرين مقايسةً وقياساً، ويقال أيضاً: قايست فلاناً إذا جاريته في القياس، وهو كقياس الشيء بغيره، أي: يقيسه بغيره، ويقتاس بأبيه اقتياساً، أي: يسلك سبيله ويقتدى به »(٢) .

وفي ( الصحاح ) أيضاً: « قست الشيء بالشيء: قدّرته على مثاله »(٣) .

وفي ( القاموس ): « قاسه بغيره وعليه، يقيسه قيساً وقياساً واقتاسه، قدّره على مثاله، فانقاس، والمقدار: المقياس »(٤) .

وقال ابن الأثير: « منه حديث أبي الدرداء: خير نسائكم التي تدخل قيساً وتخرج ميساً. يريد: أنّها إذا مشت قاست بعض خطاها ببعض، فلم تفعل فعل الخرقاء ولم تبطئ، ولكنّها تمشي مشياً وسطاً معتدلاً، فكان خطاها متساوية »(٥) .

فالعجب من ( الدهلوي ) كيف يحمل الحديث على التشبيه؟ وهل هذا إلّا ردّ على أبي بكر وتسفيه؟ بل لقد سفّه بصراحةٍ - كما سيأتي من كلامه - كلّ من فهم المساواة من هذا الحديث فهذا تسفيه صريح لأبي بكر.

كما أنّ ( للدهلوي ) في الباب الحادي عشر من كتابه ( التحفة ) كلاماً مفاده إخراج أبي بكر من الصّبيان المميّزين، ودخلوه في غير المميّزين

____________________

(١). التعريفات: ٧٨.

(٢). الصّحاح: قوس.

(٣). الصّحاح: قيس.

(٤). القاموس: قيس.

(٥). النهاية: قيس.


وأنت تعلم عدم أهليّة من كان في « كمال السّفاهة » ومن « الصبيان غير المميزين » للخلافة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إذ لا خلاف ولا ريب بين المسلمين في اشتراط العقل والبلوغ في الخليفة

وهذا إشكال قويّ لا مفرّ ( للدهلوي ) وأنصاره منه.

ثمّ إنّ قول أبي بكر « من مثلك يا أبا الحسن! » ظاهر في أنّه قد جعل هذه المساواة في الحديث دليلاً على نفي مماثلة أحدٍ مع الإمامعليه‌السلام ، وهذا دليل آخر على الأفضلية، لا سيّما بالنظر إلى تقرير النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فتوهّم عدم دلالة المساواة على الأفضليّة باطل جدّاً.

٨ - ابن تيميّة: الأشبه بالنبيّ أفضل وهو يخلفه

قال المتعصّب العنيد ابن تيميّة: « إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أفضل الخلق، وكلّ من كان به أشبه فهو أفضل ممّن لم يكن كذلك، والخلافة كانت خلافة نبوة، لم يكن ملكاً، فمن خلف النبيّ وقام مقام النبيّ كان أشبه به، ومن كان أشبه بالنبي كان أفضل، فمن يخلفه أشبه من عن غيره، والأشبه به أفضل، فالذي يخلفه أفضل »(١) .

فنقول: إنّ قوله: « من كان أشبه بالنّبي كان أفضل » كبرى مقبولة مسلّمة، إذ لا ريب ولا كلام، في أنّ النبيّ أفضل الخلق، والأشبه بالأفضل هو الأفضل وحديث التّشبيه يعيّن المصداق الحقيقي لتلك الواقعيّة المسلّمة، فأمير المؤمنينعليه‌السلام أشبه الخلق بالأنبياء السّابقين الذين لا ريب أيضاً في أفضليّتهم من الثلاثة، وكلّ من كان أشبه بهم فهو أفضل، فأمير المؤمنينعليه‌السلام أفضل من الثلاثة وغيرهم.

____________________

(١). منهاج السنّة ٨ / ٢٢٨.


وأيضاً: ظاهر قوله: « فمن خلف النبي » هو أنّ إبن تيميّة يستدلّ بخلافة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والقيام مقامه، على أنّ من قام مقام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان أشبه به، فهو الأفضل من غيره، لكن دلالة حديث: « من أراد أن ينظر » على الأشبهيّة أقوى من دلالة مجرَّد الخلافة غير المنصوصة - مبنيّة على الظن الذي لا يغني من الحق شيئاً، أمّا أشبهيّة أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فهي ثابتة بالنص الصريح المعتبر عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأين الظن غير المعتبر من النصّ الصريح المعتبر؟!

وإنّما قلنا « الخلافة غير المنصوصة » من جهة أنّ ( الدهلوي ) وغيره يعترفون بعدم النصّ على خلافة الثلاثة، ولذا لا يترتّب على إثبات أشبهيّة الخلافة المنصوصة أيُّ أثر وفائدة لهم، فلا ريب في أنّ ابن تيميّة يريد غير المنصوصة.

ومع غض النظر عمّا ذكرنا، نقول: لو ثبت أشبهيّة من قام مقام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بنصٍّ أو دليلٍ عقلي، فإنّ غاية ذلك التساوي بين تلك الأشبهيّة، مع أشبهيّة أمير المؤمنينعليه‌السلام الثابتة بالحديث الشريف، وهذه المساواة أيضاً وافية بمطلوب الإماميّة، لأنّ كلّ وجه أفاد أنّ أشبهيّة الخليفة بالنبيّ تستلزم أفضليّة من غيره، فهو نفسه يفيد استلزام أشبهيّة الإمامعليه‌السلام أفضليّته له من جميع أفراد الأمّة بعد النبي.

وأيضاً: إذا كانت أشبهيّة الخليفة شرطاً للخلافة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لزم أنْ يكون الخليفة معصوماً مثل النبي، وبما أنّ الثلاثة فاقدون للعصمة، فإنّ خلافتهم عن النبيّ تكون منتفية.


٩ - تشبيه غير المعصوم بالمعصوم غير جائز

إنّ حديث التشبيه بين الإمامعليه‌السلام والأنبياء، يدلّ على العصمة والأفضليّة، وإلّا لما قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذلك وممّا يوضّح هذا كلام السبكي بترجمة أبي داود، حيث قال:

« قال شيخنا الذهبي: تفقّه أبو داود بأحمد بن حنبل، ولازمهُ مدةً. قال: وكان يشبه به، كما كان أحمد يشبه بشيخه وكيع، وكان وكيع يشبه بشيخه سفيان، وكان سفيان يشبَّه بشيخه منصور، وكان منصور يشبَّه بشيخه إبراهيم، وكان إبراهيم يشبَّه بشيخه علقمة، وكان علقمة يشبَّه بشيخه عبدالله بن مسعودرضي‌الله‌عنه .

قال شيخنا الذهبي: وروى أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة: إنّه كان يشبّه عبدالله بن مسعود بالنبي صلّى الله عليه وسلّم في هديه ودلّه.

قلت: أمّا أنا فمن ابن مسعود أسكت، ولا أستطيع أنْ اُشبّه أحداً برسول الله في شيء من الأشياء، ولا أستحسنه، ولا أجوّزه، وغاية ما تسمح نفسي به أن أقول: وكان عبدالله يقتدي برسول الله فيما ينتهي إليه قدرته وموهبته من الله عزّجل، لا في كلّ ما كان رسول الله، فإنّ ذلك ليس لابن مسعود، ولا للصدّيق، ولا لمن اتّخذه الله خليلاً، حشرنا الله في زمرتهم »(١) .

فأنت ترى تاج الدّين السبكي لا يجوّز تشبيه ابن مسعود - مع ما يذكرون له من الفضائل والمناقب الكثيرة كما في ( كنز العمّال ) وغيره - ولا أبي بكر بن أبي قحافة، بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلو لم يكن سيّدنا أمير

____________________

(١). طبقات الشافعيّة ٢ / ٢٩٦.


المؤمنين عليه الصلاة والسلام معصوماً وأفضل الخلق بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لم يشبهه النّبيّ بالأنبياء السابقينعليهم‌السلام في تلك الصفات الجليلة، لأنه مع عدم العصمة والأفضليّة غير جائز قطعاً.

فثبت دلالة تشبيه الإمامعليه‌السلام بالأنبياء في صفاتهم على العصمة والأفضليّة.

ومن المعلوم أنّه لو جاز حمل تشبيه الإمامعليه‌السلام بالأنبياءعليهم‌السلام على التشبيهات الشعريّة المجازيّة، لجاز تشبيه ابن مسعود بل الأوّل فكيف الثاني والثالث بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بلا مضائقة ولا توقّف

وإذا كان السبكي يأبى عن تشبيه ابن مسعود بل الأوّل وغيره بالنّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كيف يجرأ ( الدّهلوي ) على أنْ ينسب التشبيه الفارغ المجازي إلى نفس النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في كلامه الثابت صدوره منه؟!

وأيضاً: يفيد كلام السبكي بطلان دعوى مساواة الثلاثة مع الأنبياء في الصفات، إذ لو كان يساوونهم أو يشابهونهم في تلك الصّفات، لما امتنع السبكي من تشبيه الأول منهم بالنبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وأيضاً: عدم جواز تشبيه الأول بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يوضّح بطلان الأحاديث المزعومة والموضوعة في تشبيه الشيخين بالأنبياء.

وأيضاً: يظهر منه فساد دعوى حمل الشيخين لكمالات الأنبياءعليهم‌السلام .


١٠ - تحريم القاضي وغيره تشبيه بعض أحوال غير النّبي بالنّبي

وحرّم القاضي عياض تشبيه غير النبيّ بالنّبي، بل تشبيه بعض أحوال غير النبيّ بالنبيّ، تحريماً أكيداً، يستوجب الحبس والتعزير، وأقام على ذلك وجوهاً عديدة، واستشهد بشواهد من التأريخ والأثر، ومن أقوال المتقدّمين وأفعالهم، وإليك النصّ الكامل لكلامه في ( الشفا بتعريف حقوق المصطفى )، في الباب الأول، في بيان ما هو في حقّه سبّ أو نقص من تعريض أو نصّ:

« فصل: الوجه الخامس - أنْ لا يقصد نقصاً، ولا يذكر عيباً، ولا سبّاً، ولكنّه ينزع بذكر بعض أوصافه، ويستشهد ببعض أحوالهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الجائزة عليه في الدنيا على طريق ضرب المثل والحجة لنفسه أو لغيره، أو على التشبيه به، أو عند هضيمةٍ نالته، أو غضاضة لحقته، ليس على طريق التأسّي وطريق التحقيق، بل على مقصد الترفيع لنفسه أو لغيره، أو سبيل التمثيل وعدم التوقير لنبيّه ( ص )، أو قصد الهزل والتبذير، بقوله كقول القائل: إن قيل فيَّ السوء فقد قيل في النبيّ. أو: إن كذّبت فقد كذّب الأنبياء. أو: إن أذنبت فقد أذنبوا. أو: أنا أسلم من ألسنة الناس ولم تسلم منهم أنبياء الله ورسله. أو: قد صبرت كما صبر أولوا العزم من الرسل، أو كصبر أيّوب، أو قد صبر نبيّ الله من عداه، وحلم على أكثر ممّا صبرت، وكقول المتنبّي:

أنا في اُمّة تداركها الله

غريب كصالح في ثمود

ونحوه من أشعار المتعجرفين في القول، المتساهلين في الكلام، كقول المعرّي:

كنت موسى وافته بنت شعيب

غير أنّ ليس فيكما من فقير

على أنّ آخر البيت شديد عند تدبّره، وداخل في باب الإزراء والتحقير


بموسىعليه‌السلام ، وتفضيل حال غيره عليه، وكذلك قوله:

لولا انقطاع الوحي بعد محمّد

فلنا محمّد من أبيه بديل

هو مثله في الفضل إلّا أنّه

لم يأته برسالةِ جبريل

فصدر البيت الثاني من هذا الفضل شديد، لتشبيهه غير النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في فضله بالنّبيّ، والعجز محتمل لوجهين، أحدهما: إنّ هذه الفضيلة نقصت الممدوح، والآخر استغناؤه عنها، وهذه أشد، ونحو منه قول الآخر:

وإذا ما رفعت راياته

صفّقت بين جناحي جبرين

وقول الآخر من أهل العصر:

فرّ من الخلد واستجار بنا

فصبَّر الله قلب رضوان

وكقول حسّان المصيصي، من شعراء الأندلس، في محمّد بن عبّاد المعروف بالمعتمد ووزيره أبي بكر بن زيدون:

كأنّ أبابكر أبو بكر الرضا

وحسّان حسّان وأنت محمّد

إلى أمثال هذا.

وإنّما أكثرنا بشاهدها مع استثقالنا حكايتها لتعريف أمثلتها، ولتساهل كثيرٍ من الناس في ولوج هذا الباب الضّنك، واستخفافهم فادح هذا العبء، وقلة علمهم بعظيم ما فيه من الوزر، وكلامهم منه بما ليس لهم به علم( وَيَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ ) لا سيّما الشعراء، وأشدّهم فيه تصريحاً، وللسانه تسريحاً إبن هاني الأندلسي، وابن سليمان المعرّي، بل قد خرج كثير من كلامهما عن هذا إلى حدّ الإستخفاف والنقص وصريح الكفر، وقد اجتنبنا عنه.

وغرضنا الآن الكلام في هذا الفصل الذي سقنا أمثلته، فإنّ هذه كلّها وإن


لم يتضمّن شيئاً، ولا أضافت إلى الملائكة والأنبياء نقصاً، ولست أعني عجزي بيتي المعرّي، ولا قصد قائلها إزراء وغضّا، فما وقّر النبوّة، ولا عظّم الرّسالة، ولا عزّر حرمة الإصطفاء، ولا عَزّر حظوة الكرامة، حتّى شبه من شبّه في كرامة نالها، أو معرة قصد الإنتفاء منها، أو ضرب مثل لتطييب مجلسه، أو إغلاء في وصفه لتحسين كلامه، بمن عظّم الله خطره وشرّف قدره، وألزم توقيره وبرّه، ونهى عن جهر القول له ورفع الصوت عنده.

فحقّ هذا - إنْ درأ عنه القتل - الأدب والسّجن، وقوّة تعزيره بحسب شنعة مقاله، ومقتضى قبح ما نطق به، ومألوف عادته لمثله أو ندوره أو قرينة كلامه أو ندمه على ما سبق منه.

ولم يزل المتقدمون ينكرون مثل هذا ممّن جاء، وقد أنكر الرشيد على أبي نؤاس قوله:

فإن يك يأتي سحر فرعون فيكم

فإنّ عصى موسى بكفّ خصيب

وقال له: يا ابن اللخناء: أنت المستهزئ بعصى موسى، وأمر بإخراجه عن عسكره من ليلته. وذكر اليقتيبي: أنّ ممّا أخذ عليه أيضاً وكفّر فيه أو قارب، قوله في محمّد الأمين، وتشبيهه إيّاه بالنبيّ:

تنازع الأحمدان الشبه فاشتبها

خلقاً وخلقاً كما قدّ الشراكان

وقد أنكروا أيضاً عليه قوله:

كيف لا يدنيك من أمل

من رسول الله من نفره

لأنّ حق الرسول، وموجب تعظيمه وإنافة منزلته، أنْ يضاف إليه ولا يضاف هو لغيره.

فالحكم في أمثال هذا ما بسطناه في طريق الفتيا.

وعلى هذا المنهج جاءت فتيا إمام مذهبنا مالك بن أنسرحمه‌الله


وأصحابه، ففي النوادر من رواية يحيى بن أبي مريم عنه في رجلٍ عيّر رجلاً بالفقر، فقال: تعيّرني بالفقر وقد رعى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الغنم؟ فقال مالك: قد عرّض بذكر النبيّ في غير موضعه، أرى أنْ يؤدّب.

قال: ولا ينبغي لأهل الذنوب إذا عوتبوا أن يقولوا: قد أخطأت الأنبياء قبلنا.

وقال عمر بن عبدالعزيز لرجل: اُنظر لنا كاتباً يكون أبوه عربيّاً. فقال كاتب له: قد كان أبو النبيّ كافراً. فقال: جعلت هذا مثلاً!! فعزله فقال: لا تكتب لي أبداً.

وقد كره سحنون أنْ يصلّى على النبيّ عند التعجب، إلّا على طريق الثواب والإحتساب، توقيراً له وتعظيماً، كما أمرنا الله.

وسئل القابسي عن رجلٍ قال لرجل قبيح الوجه: كأنّه وجه نكير، ولرجل عبوس: كأنّه وجه ملك الغضبان. فقال: أيّ شيء أراد بهذا؟! ونكير أحد فتّاني القبر، وهما ملكان، فما الذي أراد؟! أروعٌ دخل عليه حين رآه من وجهه؟ أم عاف النظر إليه لدمامة خلقه؟ فإن كان هذا فهو شديد، لأنّه جرى مجرى التحقير والتهوين، فهو أشد عقوبةً، وليس فيه تصريح بالسبّ للملك، وإنّما السبّ واقع على المخاطب، وفي الأدب بالسوء والسجن نكال للسفهاء. قال: وأمّا ذكر مالك خازن النار فقد جفا الّذي ذكره عندما أنكر من عبوس الاوخر، إلّا أن يكون المعبّس له يد فيرهب بعبسه، فيشبّهه القائل على طريق الذم لهذا في فعله، ولزومه في صفته صفة مالك الملك المطيع لربّه في فعله، فيقول: كأنّه لله يغضب غضب مالك، فيكون أخف. وما كان ينبغي له التعرض لمثل هذا، ولو كان أثنى على العبوس بعبسه، واحتجّ بصفة مالك كان أشد، ويعاقب العقوبة الشديدة، وليس في هذا ذم للملك، ولو قصد ذمّه لقتل.


وقال أبو الحسن أيضاً في شابٍ معروف بالخير قال لرجلٍ شيئاً، فقال له الرجل: اُسكت فإنّك اُمّي، فقال الشاب: أليس كان النبيّ اُميّاً؟! فشنّع عليه مقالته وكفّره الناس، وأشفق الشاب ممّا قال، وأظهر الندم عليه. فقال أبو الحسن: أمّا إطلاق الكفر عليه فخطأ، لكنّه مخطئ في استشهاده بصفة النبيّ، وكون النبيّ اميّاً آية له، وكون هذا أمياً نقيصة فيه وجهالة، ومن جهالته احتجاجه بصفة النبيّ، لكنّه إذا استغفر وتاب واعترف ولجأ إلى الله، يترك، لأنّ قوله لا ينتهي إلى حدّ القتل، وما طريقة الأدب فطوع فاعله بالندم عليه يوجب الكف عنه »(١) .

فلو لم يكن أمير المؤمنينعليه‌السلام معصوماً، ولم يكن أفضل الخلق بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، بل كان مثل سائر الصحابة، ومتأخراً عن الثلاثة في الرتبة - ومعاذ الله من جميع ذلك - لما جاز تشبيهه بآدم وغيره من الأنبياء، بل كان ذلك منكراً، واللازم باطل، فالملزوم مثله فظهر من كلمات القاضي عياض وغيره من الأعلام الذين نقل هو كلماتهم دلالة هذا التشبيه على أفضليّة أمير المؤمنينعليه‌السلام وعصمته دلالة صريحة واضحة.

فكان كلام القاضي عياض هادماً لبنيان كلّ شبهةٍ واعتراض، والحمد لله ربّ العالمين.

١١ - التّشبيه يوجب العموم

لقد ذكر علماء الاُصول أنّ التشبيه محمول على العموم في كلّ محلٍ يحتمله، ففي كتاب ( اُصول الفقه ) للبزدوي:

« والأصل في الكلام هو الصريح، وأمّا الكناية ففيها ضرب قصور، من

____________________

(١). الشّفا بتعريف حقوق المصطفى ٢ / ٥٢١ - ٥٢٩.


حيث أنها تقصر عن البيان إلاّبالنية، والبيان بالكلام هو المراد، فظهر هنا التفاوت فيما يدرأ بالشبهات، وصار جنس الكنايات بمنزلة الضرورات، ولهذا قلنا: إنّ حدّ القذف لا يجب إلّابتصريح الزنا، حتّى أنّ من قذف رجلاً بالزنا، فقال له آخر: صدقت، لم يحدّ المصدق، وكذلك إذا قال: لست بزانٍ، يريد التعريض بالمخاطب، لم يحدّ، وكذلك في كلّ تعريض، لما قلنا، بخلاف من قذف رجلاً بالزنا، فقال الآخر: هو كما قلت، حدّ هذا الرجل، وكان بمنزلة الصريح، لما عرف في كتاب الحدود »(١) .

فقال شارحه عبدالعزيز بن أحمد البخاري:

« قوله: وكان بمنزلة الصريح لما عرف. قال شمس الأئمّة في قوله: « هو كما قلت » إنّ كاف التشبيه توجب العموم عندنا في المحلّ الّذي يحتمله، ولهذا قلنا في قول عليرضي‌الله‌عنه : - إنّما أعطيناهم الذمّة وبذلوا الجزية، ليكون أموالهم كأموالنا، ودماؤهم كدمائنا - إنّه مجريّ على العموم فيما يندرء بالشبهات كالحدود، وما ثبت بالشبهات كالأموال، فهذه الكاف أيضاً موجبة العموم، لأنّه حصل في محلٍّ يحتمله، فيكون نسبةً له إلى الزنا قطعاً، بمنزلة الكلام الأوّل على ما هو موجب العام عندنا »(٢) .

وعلى هذا الأساس، يكون تشبيه الإمامعليه‌السلام بهؤلاء الأنبياء في صفاتهم، محمولاً على العموم، وذلك يثبت المساواة بالضرورة.

١٢ - ترتّب أحكام المنزَّل عليه على المنزَّل

وإذا نُزّل شيء منزلة شيء ترتَّبت أحكام المنزَّل عليه على المنزَّل، ولزمت المساواة بينهما، ولهذا الذي ذكرنا موارد كثيرة في الكتب العلميّة، قال

____________________

(١). أصول الفقه.

(٢). كشف الأسرار في شرح اُصول الفقه ٢ / ٣٨٩ - ٣٩١.


الشيح جمال الدين ابن هشام في بيان وجوه ( إلّا ):

« الثاني: - أنْ تكون صفةً بمنزلة غير، فيوصف بها وبتاليها جمع منكَّر أو شبهه، فمثال الجمع المنكر( لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتا ) فلا يجوز في إلّا هذه أن تكون للإستثناء من جهة المعنى، إذ التقدير حينئذٍ: لو كان فيهما آلهة ليس فيهما الله لفسدتا، وذلك يقتضي بمفهومه: إنّه لو كان فيهما آلهة فيهم الله لم تفسدا، وليس ذلك المراد، ولا من جهة اللفظ، لأنّ آلهة جمع منكَّر في الإثبات، فلا عموم له، فلا يصحُّ الاستثناء منه، ولو قلت: قام رجال إلّا زيد، لم يصح إتّفاقاً.

وزعم المبرد: إنّ إلّا في هذه الآية للاستثناء، وإنّ ما بعدها بدل، محتجّاً بأنّ لو تدل على الإمتناع، وامتناع الشيء انتفاؤه، وزعم أنّ التفريغ ما بعدها جائز، وأن نحو لو كان معنا إلّا زيد، أجود كلام.

ويردّه: إنّهم لا يقولون: لو جاءني ديّار أكرمته، ولا: لو جاءني من أحدٍ أكرمته، ولو كان بمنزلة النافي لجاز ذلك، كما يجوز: ما فيها ديار وما جاءني من أحد، ولـمّا لم يجز ذلك دلّ على أنّ الصواب قول سيبويه: إن إلّا وما بعدها صفة »(١) .

أقول:

فظهر أنّ كون الشيء بمنزلة الشيء يستلزم المساواة بينهما، ومن المعلوم أنّ قول القائل: « هذا بمنزلة هذا » هو من باب التّشبيه، كما صرّح به أئمّة أهل السنّة في حديث « أنت منّي بمنزلة هارون من موسى »، و ( الدهلوي ) نفسه معترف بذلك.

____________________

(١). مغني اللبيب ١ / ٧٠.


فثبت أنّ التشبيه يثبت المساواة، وأنّه تترتب أحكام المشبَّه به للمشبّه بلا كلام، فثبت مساواة أمير المؤمنين مع آدمعليهما‌السلام في العلم، وترتّب أحكام علم آدم لعلم أمير المؤمنين، وكذا في باقي الصّفات المذكورة في الحديث الشريف، وهذا هو المطلوب.

١٣ - مجيء التشبيه للمساواة في القرآن

وفي القرآن الكريم في سورة الأحقاف:( فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ) (١) .

ومن البيّن أنّ المراد من هذا التشبيه هو المساواة بين صبر نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وصبر أولي العزم من الرّسل، لا أن يكون صبره أقلّ من صبرهم، والعياذ بالله.

فالقول بأنّ فهم المساواة من التشبيه من غاية السّفاهة، يكشف عن كيفيّة اعتقاد قائله بالنّسبة إلى كلام الله المجيد.

وإنّ دليل المفسّرين في فهم المساواة من الآية، هو دليلنا على إثبات المساواة من حديث التّشبيه

قال أبو السّعود:( فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ) جواب شرط محذوف، أي إذا كان عاقبة أمر الكفرة ما ذكر، فاصبر على ما يصيبك من جهتهم، كما صبر اُولوا الثبات والحزم من الرسل، فإنّك من جملتهم، بل من عليّتهم، ومن للتبيين، وقيل: للتبعيض، والمراد باُولي العزم أصحاب الشرائع الذين اجتهدوا في تأسيسها وتقريرها، وصبروا على تحمّل مشاقّهم، ومعاداة الطاعنين فيها، ومشاهيرهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة

____________________

(١). سورة الأحقاف، الآية ٣٥.


والسلام. وقيل: هم الصابرون على بلاد الله تعالى، كنوح صبر على أذيّة قومه، كانوا يضربونه حتّى يغشى عليه، وإبراهيم صبر على النار، وعلى ذبح ولده، والذبيح على الذبح، ويعقوب على فقد الولد والبصر، ويوسف على الجبّ والسجن، وأيوب على الضرّ، وموسى قال له قومه( إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ) قال:( كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ ) وداود بكى على خطيئته أربعين سنة، وعيسى لم يضع لبنة على لبنةً، صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين »(١) .

الإحتجاج بكلمات ( الدّهلوي ) في مواضع اُخرى

إنّ في الوجوه المذكورة الدالّة على دلالة حديث التّشبيه على المطلوب كفايةً لكلّ منصف جرَّد نفسه للتحقيق عن الحق، والعثور على مقتضى الأدلّة النقليّة والعقليّة ولو أنَّ أولياءَ ( الدّهلوي ) وأتباعه تعصّبوا له وأبوا عن قبول الحق والتّسليم له، فإنّا نحتجّ - في الوجوه الآتية - بكلمات ( الدهلوي ) نفسه، تنبيهاً للغافلين، وإتماماً للحجّة على المعاندين:

١ - قال ( الدهلوي ) في جواب حديث: « أنت منّي بمنزلة هارون من موسى": « وأيضاً، فإنّ تشبيه الأمير بهارون - وهارون خليفة موسى في غيبته في زمان حياته، أمّا بعد حياته فقد كان خليفة موسى يوشع بن نون كما هو المعلوم - يستلزم أنْ يكون الأمير كذلك خليفة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إذا غاب في حياته لا بعد وفاته، بل يكون الآخرون خلفائه، كي يتمُّ التشبيه. وحمل كلام الرسول على التشبيه الناقص خلاف الديانة ».

وهذا الوجه أخذ ( الدهلوي ) من ( تفسير الرازي ) لنفي خلافة أمير المؤمنينعليه‌السلام بعد وفاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بلا فصل، وقد

____________________

(١). إرشاد العقل السليم = تفسير أبي السعود ٨ / ٩٠.


جعل ما ذكره مصداق التشبيه الكامل بين أمير المؤمنينعليه‌السلام وهارون.

وعلى ضوء ما ذكره: لنا أن نحمل حديث التشبيه على التشبيه الكامل بين أمير المؤمنينعليه‌السلام والأنبياء، ومن المعلوم أنّ التشبيه الكامل يفيد المساواة بين المشبّه والمشبّه به في جميع الجهات، فهوعليه‌السلام يساوي الأنبياء المذكورين في صفاتهم. وهو المطلوب، وحينئذٍ نقول: حمل ( الدهلوي ) وبعض أسلافه حديث التشبيه على التشبيه الناقص يخالف الدّيانة، وكيف يأمر ( الدهلوي ) بالتشبيه الكامل هناك، وينسى ذلك في هذا المقام؟!

٢ - وقال ( الدهلوي ) في حاشية ما ذكره في جواب حديث: « إنّي تارك فيكم الثقلين »: « قال الملّا يعقوب الملتاني - وهو من علماء أهل السنّة - إنّ في تشبيه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أهل بيته بالسّفينة، وصحابته بالنجوم، إشارة إلى أن الشريعة يجب أن تؤخذ من الصحابة، وأنّ الطريقة يجب أن تؤخذ من أهل البيت، لأنّ الوصول إلى الحقيقة وتحصيل المعرفة يستحيل إلّا باتّباع الطريقة والمحافظة على الشريعة، كما لا يمكن قطع البحار إلّا بركوب السفينة مع الاهتداء بالنجوم، لأنّ ركوب السفينة وإن كان ينجي من الغرق، لكنها لا تصل إلى المقصد إلّا بالإهتداء بالنجوم، كما أن مراعاة النجوم فقط من غير ركوبٍ لا يفيد. وهذه نكتة دقيقة. فليتأمّل فيها ».

أقول:

ولو لم يكن التشبيه دالّاً على المساواة، ما كان في هذه النكتة شيء من الدقّة، بل لم تكن شيئاً يذكر.

إلّا أنّ الشّيعة يفسّرون حديث « أصحابي كالنجوم » بأنّ المراد من « الأصحاب » هم « أهل البيت » كما لا يخفى على من راجع كتاب ( بصائر


الدرجات ) وكتاب ( معاني الأخبار )، فأهل البيت هم المتَّبعون في الشّريعة قطعاً هذا من جهة.

ومن جهةٍ أخرى: فإنّ حديث « أصحابي كالنّجوم » حديث باطل موضوع، لدى جماعةٍ كبيرة من أئمّة أهل السنّة ومحقّقيهم، كما لا يخفى على من راجع قسم ( حديث الثقلين ) من كتابنا.

٣ - وقال ( الدهلوي ) في حديث قول النبي لأمير المؤمنينعليهما‌السلام « حربك حربي »: بأنّ من حارب أمير المؤمنين عن بغض له وعداء فهو كافر، وأنّ هذا الحديث محمول على المجاز، فكأنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: حربك كأنّه حربي، فهو تشبيه، ويكون حربه بمنزلة حرب النبي، ولا يجوز حمل التشبيه في كلامهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على المبالغة والإغراق، أو على التشبيه المحض من قبيل تشبيه التراب والحصى بالمسك والياقوت ».

وعلى هذا، فإنّ تشبيه النبيّ عليّاً بآدمعليهما‌السلام في العلم، معناه إحاطته بجميع ما كان لآدم من علم، وكذا في باقي الأنبياء والصفات، وهذا يدلّ على الأفضلية.

٤ - وبالرغم من أنّ ( الدهلوي ) يسعى ويبالغ في إنكار دلالة هذا الحديث على المساواة مع الأنبياء، فإنّه يحمل ما رووه في شبه أبي بكر وعمر ببعض الأنبياء في بعض الصفات على المساواة، إذ سيأتي قوله: « رابعاً: إنّ تفضيل الأمير على الخلفاء الثلاثة، إنّما يثبت من هذا الحديث فيما إذا لم يكونوا مساوين للأنبياء المذكورين في تلك الصفات أو ما يماثلها، ودون هذا النفي خرط القتاد، بل إذا فحصت كتب أهل السنّة لوجدت أحاديث كثيرة تدلّ على تشبيه الشيخين بالأنبياء، بحيث لم ترد في حقّ أحدٍ من معاصريهما ».

٥ - ثمّ إنّه قال بعد كلامه المذكور: « ولهذا فقد قام الشيخان بوظائف


الأنبياء، من الجهاد مع الكفّار، وترويج أحكام الشريعة، وإصلاح أمور الرعيّة، على أحسن حال ».

وهذا متفرّع على كون الشيخين حاملين لكمالات الأنبياء، المتفرّع على كون التشبيه بينهما وبينهم تشبيهاً تامّاً.

فتشبيه سيّدنا أمير المؤمنينعليه‌السلام بهم يدلّ على وجود صفاتهم فيه بقدر ما فيهم.

قوله:

والتشبيه كما يكون بأدواته المتعارفة، كالكاف وكأن ومثل، ونحوها، كذلك يكون بهذا الاُسلوب كما تقرّر في علم البيان أنّ من أراد أن ينظر إلى القمر ليلة البدر، فلينظر إلى وجه فلان. فهذا القسم داخل أيضاً في التشبيه.

الحديث يحمل على المساواة لتعذّر العينيّة

أقول:

أين التّصريح بكون هذه الجملة ونحوها من التشبيه؟ إنّا لم نجد ما يؤيّد هذا الدعوى في كتب علم البلاغة، كالمفتاح وشروحه، وتلخيص المفتاح وشروحه، فهي دعوى بلا دليل

بل لقد تقدّم أنّ المتبادر من هذا الكلام وشبهه هو العينيّة، غير أنّها لمـّا كانت متعذّرة في الحديث الشريف، فلا بدّ من حمل الحديث على أقرب المعاني إليها، وهي المساواة والمماثلة التامّة القريبة من العينيّة، فكأنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: « من أراد أنْ ينظر إلى آدم في علمه، فلينظر إلى علي، فإنّه مساوٍ له في العلم، أو: فإنّه مثله في العلم. فمع تقدير كلمة: « مثل » ونحوها


يظهر المعنى الكامل للحديث ويتّضح المراد منه جيّداً قال التفتازاني:

« [ وَ أداته ] أي أداة التّشبيه [ الكاف وكأنّ ] وقد يستعمل عند الظنّ بثبوت الخبر من غير قصدٍ إلى التشبيه، سواء كان الخبر جامداً أو مشتقاً، نحو كأنّ زيداً أخوك، وكأنّه قدم [ ومثل وما في معناه ] ممّا يشتق من المماثلة والمشابهة، وما يؤدّي هذا المعنى [ والأصل في نحو الكاف ] أي في الكاف ونحوها، كلفظة نحو ومثل وشبه، بخلاف كأنّ ويماثل ويشابه [ أنْ يليه المشبَّه به ] لفظاً نحو: زيد كالأسد، أو تقديراً نحو قوله تعالى( أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ ) على تقدير: أو كمثل ذوي صيّب [ وقد يليه ] أي نحو الكاف [ غيره ] أي غير المشبّه به [ نحو( وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ ) ] الآية، إذ ليس المراد تشبيه حال الدنيا بالماء، ولا بمفردٍ آخر يتمحّل تقديره، بل المراد تشبيه حالها في بهجتها ونضارتها، وما يتعقّبها من الهلاك والفناء بحالة النبات الحاصل من الماء، يكون أخضر ناضراً، ثمّ ييبس فيطيره الرياح كأن لم يكن، ولا حاجة إلى تقدير كمثل ماء، لأنّ المعتبر هو الكيفيّة الحاصلة من مضمون الكلام المذكور بعد الكاف، واعتبارها مستغن عن هذا التقدير، ومن زعم أنّ التقدير كمثل ماءٍ، وأنّ هنا ممّا يلي الكاف غير المشبّه به، بناءً على أنّه محذوف، فقد سها سهواً بيّناً، لأنّ المشبّه به الذي يلي الكاف قد يكون ملفوظاً، وقد يكون محذوفاً على ما صرّح به في الإيضاح [ وقد يذكر فعل ينبىء عنه ] أي عن التشبيه [ كما علمت زيداً أسداً إن قرب التشبيه ] وادّعى كمال المشابهة، لما في علمت من معنى التحقيق، وحسبت زيداً أسداً [ أن بعد ] التشبيه بأدنى تبعيد، لما في الحسبان من الإشعار بعدم التحقّق والتيقّن، وفي كون مثل هذه الأفعال منبئاً عن التشبيه نوع خفاء، والأظهر أن الفعل ينبئ عن


حال التشبيه في القرب والبعد »(١) .

وقال التفتازاني أيضاً:

« وقد يذكر فعل ينبئ عنه. أي عن التشبيه، كما في علمت زيداً أسداً، إنّ قرب التشبيه، وأريد أنّه مشابه الأسد مشابهةً قويّةً، لما في علمت من الدلالة على تحقّق التشبيه وتيقّنه، وكما في حسبت وخلت زيداً أسداً إنّ بعد التشبيه أدنى تبعيد، لما في الحسبان من الدلالة على الظن دون التحقيق، ففيه إشعار بأنّ شبهه بالأسد ليس بحيث يتيقّن أنّه هو هو، بل يظنُّ ذلك ويتخيّل. وفي كون هذا الفعل منبئاً عن التشبيه نظر، للقطع بأنّه لا دلالة للعلم والحسبان على ذلك، وإنّما يدلُّ عليه علمنا بأنّ أسداً لا يمكن حمله على زيد تحقيقاً، وأنّه إنّما يكون على تقدير أداة التشبيه، سواء ذكر الفعل أو لم يذكر، كما في قولنا: زيد أسد. ولو قيل: إنّه ينبئ عن حال التشبيه من القرب والبعد لكان أصوب »(٢) .

قلت: فليكن الدلالة على التشبيه أو المساواة في الحديث الشريف بالجملة المقدَّرة كذلك.

وقال التفتازاني:

« [ والغرض منه ] أي من التشبيه [ في الأغلب يعود إلى المشبّه. وهو ] أي الغرض العائد إلى المشبّه [ بيان إمكانه ] يعني بيان أنّ المشبه أمر ممكن الوجود، وذلك في كلّ أمر غريب يمكن أن يخالف فيه ويّدعى امتناعه [ كما في قوله ] أي قول أبي الطيّب:

[ فإنّ تفق الأنام وأنت منهم

فإنّ المسك بعض دم الغزال ]

____________________

(١). المختصر في شرح تلخيص المفتاح: ١٤٣.

(٢). المطول في شرح تلخيص المفتاح: ٣٣٠.


فإنّه أراد أن يقول: إنّ الممدوح قد فاق الناس، بحيث لم يبق بينه وبينهم مشابهة، بل صار أصلاً برأسه وجنساً بنفسه، وهذا في الظاهر كالممتنع، لاستبعاد أنْ يتناهى بعض آحاد النوع في الفضائل الخاصة بذلك النوع، إلى أن يصير كأنّه ليس منها، فاحتجّ لهذه الدعوى وبَيّن إمكانها، بأنْ شبه حاله بحالة المسك الذي هو من الدماء، ثمّ إنّه لا يعدّ من الدماء، لما فيه من الأوصاف الشريفة التي لايوجد في الدم.

فإن قلت: أين التشبيه في هذا البيت؟

قلت: يدلّ البيت عليه ضمناً، وإن لم يدل عليه صريحاً، لأنّ المعنى:

إن تفق الأنام مع أنّك واحد منهم، فلا استبعاد في ذلك، لأنّ المسك بعض دم الغزال وقد فاقها حتّى لا يعدّ منها، فحالك شبيهة بحال المسك، ويسمّى مثل هذا تشبيهاً ضمنياً، أو تشبيهاً مكنّياً عنه »(١) .

أقول:

فليكن التشبيه في الحديث مقدَّراً كذلك، فيكون معنى الحديث: من أراد أنْ ينظر إلى آدم في علمه، فلينظر إلى علي، فإنّه مساوٍ لآدم في العلم، أو مثله في العلم. وهكذا في باقي الصفات.

قوله:

ومن هنا، أدخلوا في التشبيه الشعر المشهور:

لا تعجبوا من بلى غلالته

قد زرّ أزراره على القمر

____________________

(١). المطول في شرح التلخيص: ٣٣٠ - ٣٣١.


وكذا البيتين من شعر المتنبّي:

نشرت ثلاث ذوائب من خلفها

في ليلةٍ فأرت ليالي أربعا

واستقبلت قمر السماء بوجهها

فأرتني القمرين في وقتٍ معاً

أقول:

أوّلاً: إنّ أسلوب هذه الأبيات يختلف عن أسلوب الحديث، كما هو واضح، ونحن نتكلّم في دلالة هذا الأسلوب أعني: « من أراد أن ينظر إلى كذا، فلينظر إلى فلان » على التشبيه، فلا وجه لاستشهاده بالأبيات المذكورة.

وثانياً: قوله: لا تعجبوا من بلى غلالته إستعارة بحسب الاصطلاح، وليس تشبيهاً، وإن كانت الإستعارة مبنيّةً على التشبيه، لكن كلام ( الدهلوي ) هنا مبنيّ على الفرق بينهما كما يدلّ على ذلك قوله فيما بعد: وإنْ لم يكن تشبيهاً فاستعارة وأصلها التشبيه.

ويدلّ على أنّ الشعر المذكور من الإستعارة لا التشبيه، كلام التفتازاني، وهذا نصّه بطوله:

« واعلم أنّهم اختلفوا في أنّ الإستعارة مجاز لغوي أو عقلي، فالجمهور على أنّه مجاز لغوي، بمعنى أنّها لفظ استعمل في غير ما وضع له، لعلاقة المشابهة، [ ودليل أنّها ] أي الإستعارة [ مجاز لغوي: كونها موضوعة لا للمشبّه ولا للمشبّه به ولا للأعم منهما ] أي من المشبّه والمشبه به، فأسد في قولنا: رأيت أسداً يرمي، موضوع للسبع المخصوص، لا للرجل الشجاع، ولا لمعنى أعم من الرجل والسبع كالحيوان الجري مثلاً، ليكون إطلاقه عليهما حقيقة، كإطلاق الحيوان على الأسد والرجل الشجاع، وهذا معلوم بالنقل عن أئمّة اللغة قطعاً، فإطلاقه على الرجل الشجاع إطلاق على غير ما وضع له، مع قرينة


مانعة عن إرادة ما وضع له، فيكون مجازاً لغويّاً، وفي هذا الكلام دلالة على أنّ لفظ العامّ إذا أطلق على الخاص لا باعتبار خصوصه، بل باعتبار عمومه، فهو ليس من المجاز في شيء، كما إذا لقيت زيداً فقلت: لقيت رجلاً أو إنساناً أو حيواناً، بل هو حقيقة، إذ لم يستعمل اللفظ إلّا في المعنى الموضوع له.

[ وقيل: إنّها ] أي الإستعارة [ مجاز عقلي، بمعنى أنّ التصرّف في أمر عقلي لا لغوي، لأنّها لما لم تطلق على المشبّه إلّابعد ادّعاء دخوله ] أي دخول المشبّه [ في جنس المشبّه به ] بأنْ جعل الرجل الشجاع فرداً من أفراد الأسد [ كان استعمالها ] أي الإستعارة في المشبّه إستعمالاً [ فيما وضعت له ] وإنّما قلنا إنّها لم تطلق على المشبّه إلّا بعد ادّعاء دخوله في جنس المشبّه به، لأنّها لو لم تكن كذلك لما كانت الإستعارة أبلغ من الحقيقة، إذ لا مبالغة في إطلاق الإسم المجرَّد عارياً عن معناه، ولما صحَّ أنْ يقال لمن قال: رأيت أسداً، وأراد زيداً أنّه جعله أسداً، كما لا يقال لمن سمّى ولده أسداً أنّه جعله أسداً، لأنّ « جعل » إذا كان متعدّياً إلى مفعولين، كان بمعنى « صيّر »، ويفيد إثبات صفة لشيء، حتّى لا يقال: جعله أميراً، إلّا وقد أثبت فيه صفة الإمارة، وإذا كان نقل اسم المشبّه به تابعاً لنقل معناه إليه، بمعنى أنّه أثبت له معنى الأسد الحقيقي ادّعاء، ثمّ أطلق عليه إسم الأسد، كان الأسد مستعملاً فيما وضع له، فلا يكون مجازاً لغوياً بل عقلياً، بمعنى أنّ العقل جعل الرجل الشجاع من جنس الأسد، وجعل ما ليس واقعاً في الواقع واقعاً مجاز عقلي.

[ ولهذا ] أي، ولأنّ إطلاق اسم المشبّه به على المشبّه إنّما يكون بعد ادّعاء دخوله في جنس المشبّه صحّ التعجّب في قوله ( شعر ): قامت تظلّلني أي توقع الظلّ عليّ [ من الشمس نفس أعزّ عليَّ من نفسي ] ومنْ عجب شمس - أي غلام - كالشمس في الحسن والبهاء تظلّلني من الشمس. فلولا أنّه ادّعى


لذلك الغلام معنى الشمس الحقيقي جعله شمساً على الحقيقة، لما كان لهذا التعجّب معنىً، إذ لا تعجّب في أنْ يظلِّل إنسان حسن الوجه إنساناً آخر ].

[ والنهي عنه ] أي، ولهذا صحَّ النهي عن التعجّب في قوله ( شعر ): [ لا تعجبوا من بلى غلالته ] هي شعار تلبس تحت الثوب وتحت الدّرع أيضاً [ قد زرَّ أزراره على القمر ] تقول: زررت القميص عليه أزرره، إذا شددت أزراره عليه، فلولا أنّه جعله قمراً حقيقياً لما كان للنهي عن التعجّب معنىً، لأنّ الكتّان إنّما يسرع إليه البلى بسبب القمر الحقيقي، لا بملابسة إنسان كالقمر في الحسن.

لا يقال: القمر في البيت ليس بإستعارة، لأنّ المشبه مذكور، وهو الضمير في « غلالته » و « أزراره ».

لأنّا نقول: لا نسلِّم أنّ الذكر على هذا الوجه ينافي الاستعارة، كما في قولنا: سيف زيد في يد أسد، فإنَّ تعريف الإستعارة صادق على ذلك.

[ ورُدّ ] هذا الدليل [ بأنَّ الإدّعاء ] أي ادّعاء دخول المشبّه في جنس المشبّه به [ لا يقتضي كونها ] أي الإستعارة مستعملةً [ فيما وضعت له ]، للعلم الضروري بأنّ أسداً في قولنا: رأيت أسداً يرمي، مستعمل في الرجل الشجاع، والموضوع له هو السبع المخصوص.

وتحقيق ذلك: أنّ ادّعاء دخول المشبّه في جنس المشبّه به، مبني على أنّه جعل أفراد الأسد بطريق التأويل قسمين، أحدهما: المتعارف، وهو الذي له غاية الجرأة في مثل تلك الجثة المخصوصة، والهيكل المخصوص، والثاني: غير المتعارف، وهو الّذي له تلك الجرأة، لكنْ لا في تلك الجثة والهيكل المخصوص، ولفظ الأسد إنّما هو موضوع للمتعارف، فاستعماله في غير المتعارف استعمال له في غير ما وضع له، والقرينة مانعة عن إرادة المعنى


المتعارف، فيتعيَّن المعنى غير المتعارف. وبهذا يندفع ما يقال: إنّ الإصرار على دعوى الأسديّة للرجل الشجاع، ينافي نصب القرينة المانعة عن إرادة السبع المخصوص.

وأمّا التعجب والنهي عنه كما في البيتين المذكورين، فللبناء على تناسي التشبيه، قضاءً لحق المبالغة، ودلالةً على أنّ المشبّه، بحيث لا يتميّز عن المشبّه أصلاً، حتآى أنّ كلّ ما يترتّب على المشبّة به، من التعجّب والنهي عن التعجّب، يترتّب على المشبه أيضاً، وفي الحاشية المنهيّة على قوله: ينافي الإستعارة الخ وإنّما يكون منافياً إذا كان ذكره على وجهٍ ينبئ عن التشبيه »(١) .

وثالثاً: إنّ إطلاق « القمر » في قوله: « لا تعجبوا الخ » إنّما هو على سبيل الاستعارة، وكذا إطلاق « الليالي » على « الذوائب » واطلاق « القمر » على « وجه المحبوبة » في البيتين، استعارة لا تشبيه. ومن المعلوم: أنّ كون هذه الإطلاقات من قبيل الإستعارة، وعدم كونها من قبيل التشبيه، ليس فيه ضرر بالنسبة إلى غرض ( الدهلوي ) وهو كون الحديث الشريف من قبيل التشبيه، فلا وجه لدعوى ( الدهلوي ) إدخال هذه الإطلاقات في التشبيه، إلّا تخديع العوام كي يتوهّموا ضعف دلالة التشبيه على المساواة، وتنظير الحديث بتلك الأشعار الفارغة عن المعنى الحقيقي.

قوله:

ولو تجاوزنا عن ذلك لكان استعارةً مبناها على التشبيه.

____________________

(١). المطوّل في شرح التلخيص: ٣٦٠ - ٣٦٢.


إن كان الحديث من الإستعارة فدلالته أبلغ

أقول:

وعلى فرض كون الحديث الشريف من باب الإستعارة، فإنّ دلالته على المساواة تكون آكد وأبلغ، قال التفتازاني:

« فصل - أطبق البلغاء على أنّ المجاز والكناية أبلغ من الحقيقة والتصريح، لأنّ الإنتقال فيهما [ من الملزوم إلى اللازم، فهو كدعوى الشيء ببينة ] فإنّ وجود الملزوم يقتضي وجود اللازم، لامتناع انفكاك الملزوم عن لازمه [ و ] أطبقوا أيضاً على [ أنّ الإستعارة ] التحقيقيّة والتمثيليّة [ أبلغ من التشبيه، لأنّها نوع من المجاز ] وقد علم أنّ المجاز أبلغ من الحقيقة، وليس معنى كون كلٍ من المجاز والكناية أبلغ، أنّ شيئاً منهما يوجب أنْ يحصل في الواقع زيادة في المعنى لا توجد في الحقيقة والتصريح، بل المراد أنّه يفيد زيادة تأكيد للإثبات، ويفهم من الإستعارة أنّ الوصف في المشبّه بالغ حدّ الكمال كما في المشبّه به، وليس بقاصر فيه كما يفهم من التشبيه، والمعنى لا يتغيّر حاله في نفسه، بأنْ يعبّر عنه بعبارةً أبلغ.

وهذا مراد عبدالقاهر بقوله: ليست مزيّة قولنا: رأيت أسداً، على قولنا: رأيت رجلاً هو والأسد سواء في الشجاعة: أنّ الأوّل أفاد زيادة في مساواته الأسد في الشجاعة لم يفدها الثاني، بل الفضيلة هي: أنّ الأوّل أفاد تأكيداً لإثبات تلك المساواة له لم يفده الثاني. والله أعلم »(١) .

فظهر أنّ « التشبيه » و « الإستعارة » كليهما يفيدان المساواة بين المشبّه والمشبّه به، إلّا أنّ في « الإستعارة » زيادة تأكيد لإثبات المساواة، فلها مزيّة

____________________

(١). المختصر في شرح تلخيص المفتاح: ١٨٦.


على « التشبيه ». وعلى هذا الأساس أيضاً يكون الحديث - بناءً على كونه استعارةً - دالّاً على المساواة، بل هو في هذه الصورة أدلّ وأبلغ من أن يقال: « آدم وعليعليهما‌السلام سواء في العلم » وهكذا في باقي الصفات.

فنفي دلالة الحديث على المساواة - على تقدير كونه من باب الإستعارة - بل تسفيه من فهم المساواة منه، هو في الحقيقة تسفيه للشيخ عبدالقاهر الجرجاني وسائر أئمّة علوم البلاغة ومهرة الفنون الأدبيّة وكأنّ ( الدهلوي ) لا يبالي بما يترتّب على كلماته، وإنّه يحاول نقض استدلالات الإماميّة وإنْ لزم منه تسفيه وتكذيب كبار الأساطين من علماء مذهبه، أو غير ذلك من اللوازم الفاسدة، وليته قد استعار الفهم والعقل من بعض العقلاء فلم ينف دلالة الإستعارة على المساواة!!

وأيضاً، يشترط في الإستعارة وجود أمرٍ يختصُّ بالمشبه به فيقصد إثبات ذلك الأمر للمشبَّه، وعلى هذا الأساس نقول: إذا كان الحديث من قبيل الإستعارة، فقد أثبت فيه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم العلم المختص بادمعليه‌السلام لأمير المؤمنين، وهكذا سائر الصفات، وإلاّ لم يكن استعارة، لفقد الشرط، فيبطل جعل ( الدهلوي ) الحديث من قبيل الاستعارة.

أمّا اشتراط الشرط المذكور، فهو صريح أئمّة فن البلاغة، قال التفتازاني:

« فصل - في بيان الإستعارة بالكناية، والإستعارة التخييليّة، لما كانت عند المصنّف أمرين معنويين غير داخلين في تعريف المجاز، أورد لهما فصلاً على حده، ليستوفي المعاني التي يطلق عليها لفظ الإستعارة، فقال: [ قد يضمر التشبيه في النفس ] أي في نفس معنى اللفظ، أو نفس المتكلّم [ فلا يصرّح بشيء من أركانه سوى المشبّه ]. وأمّا وجوب ذكر المشبّه به فإنّما هو في التشبيه المصطلح، وقد عرفت أنّه غير الإستعارة بالكناية، ويدلّ عليه - أي على ذلك


التشبيه المضمر في النفس - بأن يثبت للمشبّه أمر مختص بالمشبّه به، من غير أن يكون هناك أمر متحقّق حسّاً أو عقلاً، يطلق عليه ذلك الأمر، فيسمّى التشبيه المضمر في النفس استعارة بالكناية، أو مكنّياً عنها، أمّا الكناية فلأنّه لم يصرّح به، بل إنّما دلّ عليه بذكر خواصّه ولوازمه، وأمّا الإستعارة فمجرّد تسمية خالية عن المناسبة، ويسمى إثبات ذلك الأمر المختصّ بالمشبّه للمشبّه استعارة تخييليّة، لأنّه قد استعير للمشبّه ذلك الأمر الذي يختصّ بالمشبّه به، وبه يكون كمال المشبّه به أو قوامه في وجه الشبه، ليخيّل أنّ المشبّه من جنس المشبّه به »(١) .

قوله:

وفهم المساواة بين المشبّه والمشبّه به من كمال السفاهة.

أقول:

هذا الكلام يدلّ على نهاية متانة هذا الرجل وكثرة ديانته!! فقد عرفت وجود استعمال التشبيه في المساواة، في القرآن والحديث واستعمالات العلماء، فكلام الرّجل ردّ في الحقيقة على الكتاب والسنّة والعلماء، وسائر أرباب الفهم وأصحاب البلاغة

إنّ كلّ من يراجع الكتب العلميّة ككتب الصرف والنحو، والمعاني والبيان، والحكمة والمنطق، والفقه وأصوله، يجدها مليئةً بذكر التمثيلات للقواعد الكليّة بأدوات التشبيه، مثل الكاف ونحو ومثل ونحوها، فيقال مثلاً: كلّ فاعل مرفوع، نحو: قام زيد، وكلّ مفعول منصوب، كأكرمت زيداً ولا شك في أنّ المراد من

____________________

(١). المختصر في شرح التلخيص: ١٧٠.


هذا التشبيه والتمثيل هو المساواة والمطابقة التامّة بين المثال والقاعدة الكليّة.

فبناءً على ما ذكره ( الدهلوي ) يكون جميع أرباب العلوم، والمصنّفون في الفنون المختلفة، حمقى سفهاء، لأنّهم يفهمون من التشبيه المساواة بين المشبّه والمشبّه به!!

وأيضاً، لا ريب في أنّ جميع العقلاء يفهمون من قول القائل: « زيد كعمرو في العلم » المساواة بينهما، فعلى ما ذكره يكون جميع العلماء سفهاء حمقى!!

إعتراف الكابلي بدلالة التشبيه على المساواة

ومن هنا ترى ( الكابلي ) يعترف - على ما هو عليه من التعصّب والعناد - بكون « المساواة » من معاني « التشبيه »، لكنّ ( الدهلوي ) يجعل فهم « المساواة » من « التشبيه » من « كمال السفاهة » وهذا نصٌّ عبارة ( الكابلي ) في جواب حديث التشبيه:

« ولأنّه ورد على سبيل التشبيه، والمشبّه لا يلزم أنْ يساوي المشبّه به، وكثيراً ما يشبَّه الأضعف بالأقوى، والأدنى بالأعلى، فيقال: ترب كالمسك، وحصى كالياقوت، ومن أراد أن ينظر إلى القمر ليلة البدر فلينظر إلى وجه سعدى، ولا يلزم أن يكون لوجه سعدى نور يساوي نور القمر. قال الشاعر:

أرى بارقاً بالأبرق الفرد يومض

ويذهب جلباب الدجى ثمّ يغمض

كأنّ سليمى من أعاليه أشرفت

تمدّ لنا كفّاً خضيباً وتقبض

فإنّه شبّه الكف الخضيب لسليمى بالبارق، وأين هذا من ذاك؟ فلو قيل: من أراد أن ينظر إلى البارق فلينظر إلى الكف الخضيب لسليمى إذا مدّته من أعالي الأكمة وقبضته، فإنّه لا يدل على مساواة كفٍّ خضيبٍ للبارق، وهو من الظهور بمحل.


وقد يشبّه الأقوى بالأضعف، والأعلى بالأدنى كثيراً، نحو: در كثغر الحبيب. ومنه قوله تعالى:( مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ ) وكما يقال: البارق ككف خضيب عشيقةٍ مدّته من سطح قصرها وقبضته. والشعر يحتمله.

وقد يشبّه أحد المتساويين بالآخر، نحو: زيد في حسنه كعمرو، إذا كانا متساويين في الحسن.

فلا يوجب الخبر مساواته للأنبياء »(١) .

فإنّه ذكر مجيء التشبيه دالّاً على المساواة، واعترف بذلك بصراحةٍ، وإنْ كان قد ذكر هذا المعنى بعنوان « قد » وجعله مذكوراً في نهاية البحث وآخر أقسام التشبيه، ممّا يوحي بتعصّبه ضدّ الحق، كما لا يخفى، لما عرفت من أنّ « المساواة » معنى حقيقي « للتشبيه » للتبادر، وصحّة سلب التشبيه من غير المساوي، وإنّه قد ورد « التشبيه » لـ « المساواة » في الكتاب والسنّة وغيرهما.

وعلى كلّ حال، فإنّ ( الكابلي ) يعترف - ولو في الجملة - بمجيء « التشبيه » للدلالة على « المساواة ».

أمّا ( الدهلوي ) فقد أنكر هذا المعنى ونفاه، بالرغم من أخذه كلّ ما ذكره في هذا الموضع من ( الكابلي ) كسائر المواضع، وكأنّه يعلم أنّ هذا المقدار من الإعتراف بالحق أيضاً ينفع الإماميّة في استدلالهم بالحديث الشريف على ما ذهبوا إليه، فلا يكتفي بإنكاره، بل ينسب من يدعي إفادة « التشبيه » لـ « المساواة »، ومن يفهم « المساواة » من « التشبيه » إلى « كمال السفاهة ».

بل إنّه يجعل فهم « المساواة » من « التشبيه » من « جملة الأوهام » ويقول بأنّ « هذا الوهم يكون من الصّبيان » الصّغار لا من الصبيان المميّزين » جاء ذلك

____________________

(١). الصواقع الموبقة - مخطوط.


في النوع التاسع عشر، من الباب الحادي عشر، من كتابه ( التحفة )، فانظر بماذا يصف كبار العلماء، ومهرة الفنون، وأساطين العلوم!!

التشبيه للمساواة في كلام ( الدهلوي ) نفسه

بل إنّ ما ذكره من الطعن في الذين يفهمون « المساواة » من « التشبيه » من العلماء وغيرهم لينطبق على نفسه، فقد علمتَ أنّ ( الدهلوي ) نفسه قد فهم « المساواة » من « التشبيه » في مقامات عديدة، بل في نفس هذا الكلام الذي وصف فيه من فهم ذلك بما وصف، فقد جاء فيه « النوع التاسع عشر: - جعل تشبيه شيء بشيء موجباً للمساواة بين المشبّه والمشبّه به. وهذا من أوهام الصبيان الصّغار لا الصبيان المميّزين، وقد وقع هذا الوهم من الشيعة بكثرةٍ، مثل أنّهم يقولون بأنّ حضرة الأمير قد شبّه بالأنبياء أولي العزم في الزهد والتقى والحلم ».

فترى أنّه في نفس هذا الكلام يأتي بتشبيه، ويريد منه « المساواة » قطعاً، حيث يقول: « مثل أنّهم يقولون »، فإنّ كلمة « مثل » موضوعة للتشبيه، وهو يذكر بهذه الكلمة موضعاً من مواضع الوهم الواقعة من الشيعة بحسب زعمه.

بل إنّه استعمل « التشبيه » وأراد به « المساواة » و « المطابقة » في مواضع من كلامه - في نفس هذا المقام - في الجواب عن دلالة حديث التشبيه، ألا ترى إلى كلامه في الوجه الرابع حيث يقول: « والتشبيه كما يكون بأدواة التشبيه المتعارفة، مثل: الكاف، وكأنّ ومثل، ونحو، كذلك يكون بهذا الأسلوب، كما تقرر في علم البيان،: من أراد أن ينظر إلى القمر ليلة البدر، فلينظر إلى وجه فلان ».

ففي هذه العبارة استعمل التشبيه وأراد منه المطابقة في ثلاثة مواضع:


الأوّل: قوله: كما يكون فإنّ هذا من ألفاظ التشبيه، ولا ريب أنّه يريد المطابقة، لا كتشبيه الترب بالمسك

والثاني: قوله: مثل الكاف وكأنَّ

والثالث: قوله: كما تقرّر في علم البيان

وأنت إذا تأمّلت في سائر كلامه وقفت على مواضع أخرى.

عدم جواز حمل ألفاظ النبيّ على الكلام الركيك

قوله:

وقد راج واشتهر في الأشعار التشبيه

أقول:

إنّ هذا تعصّب جاء من جرّاء متابعة ( الكابلي ) وتقليده على غير بصيرة، أفيقاس كلام أشرف الخلائق من الأوّلين والآخرين بأشعار الشعراء وتمثيلاتهم الخرافية الجزافية؟!

إنّ مفاد هذا الكلام هو أنْ لا يكون أيّ وجه للشبه بين أمير المؤمنين والأنبياء في صفاتهم، فضلاً عن المساواة، والعياذ بالله

ولو جاز ما ذكره هذا الرجل، لجاز أنْ يقال في حقّ أحدٍ من الناس ولو كان عارياً حتّى عن الإسلام: من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه فلينظر إلى فلان

لكن لا ريب في أنّ قياس كلام أفضل البشر، بتشبيه الترب بالمسك والحصى بالدرر، تعصّب قبيح أو جهل فضيح، فلو لم يدلّ حديث التشبيه على إثبات تلك الصفات لأمير المؤمنين، للحق كلامهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم


بالكلام الركيك والفارغ، وذلك غير جائز.

قال أبو حامد الغزالي: « مسألة - قال القاضي: حمل كلام الشارع على ما يلحق بالكلام الرث محال، ومن هذا الفن قول أصحابنا في قوله تعالى:( وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) مكسورة اللام، لقرب الجوار، ردّاً على الشيعة، إذ قالوا: الواجب فيه المسح، وهو كقوله:( وَحُورٌ عِينٌ ) وكقول العرب: جحر ضب خرب، وكقول الشاعر:

كأن ثبيراً في عرانين وبله

كبير أناس في بجاد مزمل

معناه: مزمل به، لأنّه من نعت الكبير، وهو مرفوع، لكن كسر لقرب الجوار.

وليس الأمر كما ظنّوه في هذه المواضع، بل سببه: إنّ الرفع أبين من الكسر، فاستثقلوا الإنتقال من حركةٍ خفيفةٍ إلى ثقيلة، فوالوا بين الكسرتين.

وأمّا النصب في قوله:( وَأَرْجُلَكُمْ ) فنصب في المعنى، والنصب أخف الحركات، والإنتقال إليه أولى من الجمع بين الكسرتين الثقيلتين بالنسبة إلى النصب، فلم يبق لقرب الجوار معنى، إلّا مراعاة التسجيع والتقفية، وذلك لا يليق بالقرآن، نعم حسن النظم محبوب من الفصيح، إذا لم يخل بالمقصود. فأمّا الإخلال بالمعنى واتباع التقفية، فمن ركيك الكلام »(١) .

ولو لم يدل التشبيه في الحديث على المساواة، وجاز حمل تشبيه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على تشبيه الترب بالمسك ونحوه، جاز أنْ يقال في حقّ شيخ من شيوخ ( الدهلوي ) أو تلميذٍ من تلامذته: إنّه مثل إبليس، أو يقال في حقّ ( الدهلوي ) نفسه أو والده: « إنّه مثل أبي لهب » أو « مثل أبي جهل » أو يقال ذلك في حقّ كبار أهل السنّة، أو في حقّ الخلفاء الثلاثة وأعوانهم

____________________

(١). المنخول في علم الأصول: ٢٠١ - ٢٠٣.


النّقض بما وضعوه في حقّ الشيخين

وإذا كان تشبيه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كتشبيه التراب بالمسك والحصى باللؤلؤ والياقوت، فقد بطلت مساعي أسلاف ( الدّهلوي ) الوضّاعين وجهود مشايخه المفترين، في اختراع فضائل فيها تشبيه الشيخين بالأنبياء، وذهبت أدراج الرّياح، وكانت هباءً منثوراً، فالعجب من هذا الرجل كيف يحتُّ بمثل هذه الأحاديث ويدّعي كثرتها كما سيأتي؟! إذ من الجائز أنْ تكون تلك التشبيهات - بعد تسليم أسانيدها - من قبيل تشبيه التراب بالمسك والحصى باللؤلؤ والياقوت، فكما لا مناسبة أصلاً بين المسك والثرى، ولا مماثلة بين اللؤلؤ والحصى، فكذلك حال الشيخين بالنسبة إلى الأنبياء، على نبيّنا وآله وعليهم آلاف التحيّة والثنا، فأين الثريا من الثرى، وأين الدرّ من الحصى؟!

قوله:

قال الشاعر:

أرى بارقاً بالأبرق الفرد يومض

فيكشف جلباب الدجى ثمّ يغمض

كأن سليمى من أعاليه أشرفت

تمدّ لنا كفّاً خضيباً وتقبض

أقول:

قد عرفت عدم جواز هذا القياس بين كلام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المعصومين، وأشعار الشعراء المتشدّقين لكنّه ينسج على منوال ( الكابلي ) ويقلّده على غير هدى وبصيرة


دحض المعارضة

بما وضعوه في تشبيه الشيخين بالأنبياء



قوله:

وقد روي في الأحاديث الصحيحة لأهل السنّة: تشبيه أبي بكر بإبراهيم وعيسى، وتشبيه عمر بنوح، وتشبيه أبي ذر بعيسى

أقول:

هذه المعارضة باطلة، فإنّ الإحتجاج بأحاديث أهل السنّة في مقابلة الإماميّة لا يصغى إليه، لمخالفته لقانون المناظرة، أمّا الإماميّة فإنّهم يحتجّون بأحاديث أهل السنّة في الردّ عليهم، من باب الإلزام، طبقاً لقانون المناظرة.

واستدلال أهل السنّة بأحاديثهم في مقابلة الإماميّة، يشبه استدلال أهل الكتاب بكتبهم الموضوعة المكذوبة أو المحرّفة، في الدفاع عن دينهم والجواب على مطاعن المسلمين وإشكالاتهم في مذاهبهم وعقائدهم.

ولعلّ من هنا لم يحتجّ ( الكابلي ) بتلك الأحاديث المزعومة في مقام الجواب على حديث التشبيه

فهذه الفقرة من كلام ( الدهلوي ) في هذا المقام غير مأخوذ من كلام ( الكابلي )، بل أخذ ذلك من كلام والده ولي الله الدهلوي في كتابه ( قرة العينين ) حيث قال في الجواب على استدلالات الشيح نصير الدين الطوسيرحمه‌الله في ( التجريد ):

« ومساواة الأنبياء. إعلم أنّهعليه‌السلام قد شبّه الصحابة في أحاديث كثيرة بالأنبياء، والغرض من هذا التشبيه هو الإشارة إلى وجود وصف من


أوصاف المشبّه به في المشبّه، كتشبيه أبي ذر بعيسى في الزهد، وتشبيه الصدّيق بعيسى في الرفق بالاُمة، وتشبيه الفاروق بنوحٍ في الشدّة على الاُمة، وتشبيه أبي موسى بداود في حسن الصوت.

عن عبدالله بن مسعود في قصة إستشارة النبي أبا بكر في أسارى بدر، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ما تقولون في هؤلاء؟ إنّ هؤلاء كمثل إخوةٍ لهم كانوا من قبلهم. قال نوح:( رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً ) وقال موسى:( رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ ) الآية. وقال إبراهيم:( فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) وقال عيسى:( إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) أخرجه الحاكم.

وعن أبي موسى: إنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: يا أبا موسى، لقد أعطيت مزماراً من مزامير آل داود. متفق عليه.

وعن أبي ذر قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء من ذي لهجةٍ أصدق ولا أوفى من أبي ذر شبيه عيسى بن مريم - يعني في الزهد - أخرجه الترمذي.

وفي الإستيعاب: روي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم إنّه قال: أبو ذر في أمّتي شبه عيسى بن مريم في زهده.

وروي: من سرّه أنْ ينظر إلى تواضع عيسى بن مريم، فلينظر إلى أبي ذر. أخرجه أبو عمر ».

هذا كلام والد ( الدهلوي )، وهذه هي الأحاديث، وقد أخذ الولد هذا الكلام وتصرّف فيه من جهاتٍ:

١ - زعم الوالد تشبيه الصحابة في أحاديث كثيرة بالأنبياء. و ( الدهلوي )


زعم تشبيه الشيخين بهم في أحاديث كثيرة.

٢ - لم يدَّعِ الوالد صحة هذه الأحاديث بصراحة. و ( الدهلوي ) ادّعى صحّة الأحاديث الكثيرة التي شبّه فيها الشيخان بالأنبياء.

٣ - لم يدّع الوالد تصحيح الحاكم حديث ابن مسعود، لكن ( الدهلوي ) زعم ذلك أيضاً.

فهذه تصرّفات ( الدهلوي ) في كلام والده، وإنّما أخذ كلام والده هنا، لأنّ ( الكابلي ) لم يتعرَّض لهذه الأحاديث في هذا المقام، كما أشرنا من قبل، فكلمات ( الدهلوي ) ومناقشاته مع الإماميّة ملفّقة من كلمات ( الكابلي ) ووالده شاه ولي الله الدهلوي.

وليته لم يتعرّض لهذه الأحاديث تبعاً للكابلي، لكنّه الجهل والتعصّب، وذلك لأنّه قد أجاب عن حديث التشبيه بأنّه تشبيه محض، كما يشبّه التراب بالمسك، والحصى بالدر والياقوت، فلو سلّمنا صحّة هذه الأحاديث سنداً، لكفى في الجواب عنها كلام ( الدهلوي ) نفسه، فاستناده إليها تبعاً لوالده في مقابلة الشيعة الإمامية سفاهة منهما على حدّ تعبير ( الدهلوي ) نفسه وشيخه.

قوله:

ولكنْ لما كان لأهل السنّة حظ من العقل من الله لم يحملوا ذلك التشبيه على المساواة أصلاً

أقول:

صريح هذا الكلام: أنّ دعوى المساواة بين الشيخين والأنبياء سفاهة وقلّة عقل، فكيف يدّعي ذلك في نفس الوقت؟ وهل هذا إلّاتناقض وتهافت في


كلامٍ واحد؟ وهذا من خصائص ( الدهلوي ) إذ تراه يطعن في شيء، ثمّ يستند إليه ويحتج به، وإن وجد هذا في كلام غيره من علمائهم فقليل

أضف إلى ذلك، أنّ تلك الفرقة لو رزقت شيئاً من العقل، لما جوّزت صدور القبائح من الله، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً.

ولَما نَفَت الحسن والقبح العقليّين.

ولَما ذهبت إلى الجبر.

ولَما أثبتت وقوع العبث من الله العزيز الحكيم.

ولَما قالت بصدور التكليف بما لا يطاق من الله العظيم.

ولَما اعتقدت الصوفيّة منهم الإتّحاد بين الله وخلقه.

إلى غير ذلك من آرائهم الفاسدة، ومقالاتهم الباطلة.

قوله:

بل إنّ محطّ إشارة التشبيه في هذا القسم من الكلمات وجود وصف في هذا الشخص من الأوصاف المختصة بذاك النبي، وإنْ لم يكن بمرتبته.

أقول:

هذا إعتراف بسقوط دعوى مساواة الشيخين للأنبياء في الصفات المذكورة في الأحاديث المزعومة.

قوله:

عن عبدالله بن مسعود أخرجه الحاكم وصحّحه.


أقول:

هنا وجوه من النظر:

الوجه الأوّل: نقل هذا الحديث عن الحاكم يدلُّ على الإعتماد على روايته، وإذا كان مقبولاً، فلماذا يبطل ( الدهلوي ) حديث الطير، وحديث الولاية، وحديث مدينة العلم، مع إخراج الحاكم لها، لا سيّما الأخير، إذ صحّحه بعد أنْ أخرجه؟! فهل يختص توثيق الحاكم والإعتماد عليه بفضائل الشيخين، وأمثالهما، ويسقط عن الإعتبار في فضائل أمير المؤمنين؟!

الوجه الثاني: إنّ الحاكم من رواة حديث التشبيه كما عرفت، و ( الدّهلوي ) يبالغ في إبطال هذا الحديث، حتّى أنّه يلتجأ إلى معارضته بالروايات الموضوعة.

أفيجوز أنْ نعتمد على الحاكم في باب فضائل الشيخين، ولا نعتمد عليه في باب فضائل الأمير؟! لماذا هذا التفريق؟ لا سيّما مع موافقة عبدالرزاق الصنعاني، وأحمد، وغيرهما، معه في إخراج حديث التشبيه، وعدم موافقتهما معه في رواية هذا الحديث المزعوم

الوجه الثالث: لم يدّع والد الدهلوي تصحيح الحاكم لهذا الحديث، لكن ولده أضاف تصحيح الحاكم من غير دليلٍ ولا شاهد له على ذلك، ولو كان صادقاً لذكر والده ذلك.

الوجه الرابع: أين تشبيه الشيخين بالأنبياء في هذا الحديث؟ بل لا يشتمل الحديث على مدحٍ لهما أصلاً، كما لا يخفى.

الوجه الخامس: إنّه لم يشبَّه الشيخان في هذا الحديث بالأنبياء في شيء من صفاتهم الكمالية، كالعلم والفهم والتقوى والدعاء على الكافرين أو


الإستغفار لهم، لا يقتضي المساواة بين الأنبياء وغيرهم، فالحديث على فرض صحّته لا يعارض حديث التشبيه أبداً.

ثمّ إنّ بعض الوضّاعين أضاف إلى الحديث جملةً تفيد بعض الشّبه، إلّا أنّه - بعد تسليم سنده - لا يصلح للمعارضة كذلك، فقد نصّ ابن تيميّة على أنّه يفيد الشبه في الشدة في الله واللين في الله فقط، ولا يفيد المماثلة في كلّ شيء، وهذا نصّ عبارته:

« وقول القائل: هذا بمنزلة هذا، وهذا مثل هذا، هو كتشبيه الشيء بالشيء، وتشبيه الشيء بالشيء بحسب ما دلّ عليه السياق لا يقتضي المساواة في كلّ شيء، ألا ترى إلى ما ثبت في الصحيحين من قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في حديث الأسارى، لمـّا استشار أبا بكر، فأشار بالفداء، واستشار عمر فأشار بالقتل. قال: ساُخبركم عن صاحبيكم، مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم إذ قال:( فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) ومثل عيسى إذ قال:( إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) ومثلك يا عمر مثل نوح إذ قال:( رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً ) ومثل موسى إذ قال:( رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ ) .

فقوله لهذا: مثلك مثل إبراهيم وعيسى، ولهذا مثلك مثل نوح وموسى، أعظم من قوله: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، فإنّ نوحاً وإبراهيم وعيسى أعظم من هارون، وقد جعل هذين مثلهم، ولم يرو أنّهما مثلهم في كل شيء، لكن فيما دلَّ عليه السياق من الشدّة في الله واللين في الله »(١) .

هذا كلام ابن تيميّة في جواب حديث: « أنت منّي بمنزلة هارون من

____________________

(١). منهاج السنة ٧ / ٣٣٠.


موسى » وهو صريح فيما قلناه، فلا يليق هذا الحديث - إن صحّ - للمعارضة.

لكن لا يخفى عليك اشتمال هذا الكلام على كذبةٍ، وهي أنّه نسب هذا الحديث أي الصحيحين، والحال أنّه لا أثر له فيهما ولا عين. وكأنّ الغرض من هذه النسبة المكذوبة جعل التساوي بين هذا الحديث، وحديث المنزلة المخرج في الصحيحين على أنّه لو سلّم، فقد ثبت عموم حديث المنزلة، أمّا هذا الحديث فهو لا يفيد المماثلة إلّا في الشدّة واللين كما اعترف هو بذلك. فلا يصلح هذا الحديث للمعارضة مع حديث المنزلة، فلا تغفل.

قوله:

وعن أبي موسى: لقد أُعطيت مزماراً من مزامير آل داود. رواه البخاري ومسلم.

أقول:

إنّ عمر بن الخطاب لم يقبل من أبي موسى الأشعري حديثه في مسألة الإستيذان - يتعلَّق بأمرٍ من المندوبات الشرعيّة - كما هو صريح البخاري في ( صحيحه )، فكيف تقبل الإماميّة حديثه في فضل نفسه؟!

على أنّ كونه واجداً لمزمارٍ من مزامير آل داود لا يعارض حديث التشبيه، وهل أنّ حسن الصوت كالعلم والحلم والتقى من الصفات الكمالية؟!

قوله:

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من سرّه أنْ ينظر إلى تواضع عيسى بن مريم، فلينظر إلى أبي ذر. كذا في الإستيعاب.


ورواه الترمذي بلفظٍ آخر قال: ما أظلّت الخضراء ولا أقلَّت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر شبه عيسى بن مريم. يعني: في الزهد.

أقول:

هذا الحديث غير ثابت من طرق الإمامية، فلا يصلح لأنّ يعارض به حديث التشبيه الّذي رواه الفريقان. فهذا أولاً.

وثانياً: إنّ صاحب الإستيعاب يروي حديث الولاية بسندٍ صحيح، و ( الدهلوي ) لا يلتفت إلى روايته، ويدّعي بطلانه، تبعاً لبعض المتعصّبين، فكيف يعتمد على روايته هنا؟!

وأيضاً: روى صاحب الإستيعاب حديث الطير، في كتابه ( بهجة المجالس )، و ( الدهلوي ) لم يعبأ بروايته.

وثالثاً: الترمذي من رواة حديث الولاية وحديث الطير، فكيف لا يعبأ بروايته للحديثين، ويعتمد على روايته لهذا الحديث؟

ورابعاً: لا ريب في أنّ عثمان قد ظلم أبا ذر، وأساء معاملته، ونفاه إلى الربذة - مع ما وصف عثمان من قبل أهل السنّة باللّين والرأفة، ورقّة القلب، ورغم ما ورد في مدح أبي ذر من الأحاديث، كما في ( كنز العمال ) وغيره - فماذا يقولون في حقّ عثمان؟ وبمَ يصحّحون أفعاله تلك؟


شبهات الدّهلوي

حول دلالة الحديث على الأفضليّة

وإستلزامها للإمامة



قوله:

الثالث: إنّ المساواة بالأفضل في صفةٍ لا تكون موجبةً لأفضليّة المساوي، لأنّ ذلك الأفضل له صفات أخر قد صار بسببها أفضل.

أقول:

إنّ مماثلة أمير المؤمنينعليه‌السلام للأنبياء المذكورين في الحديث ومساواته لهم في صفاتهم، تدلُّ على أنّهعليه‌السلام يساوي كلّ واحد من الأنبياء في صفته، ويكون أفضل منهم، لجمعه للصفات المتفرّقة فيهم، على غرار ما تقدّم من الإحتجاج بالآية الكريمة على أفضليّة نبيّنا من جميع الأنبياء عليه وآله وعليهم الصلاة والسلام.

ولمـّا كان كلّ واحدٍ من هؤلاء الأنبياء أفضل من الثلاثة، بالإجماع المحقّق بين جميع المسلمين، فإنّ المساوي للأفضل يكون أفضل بالضّرورة. فأمير المؤمنينعليه‌السلام أفضل من الثلاثة - ولا يخفى ما في قولنا: أفضل من الثلاثة من المسامحة -، وعليه يندفع جميع شبهات ( الدّهلوي ) حول دلالة الحديث على أفضليّته منهم، وللزيادة في التوضيح والبيان، نذكر الوجوه الآتية:

١ - دلالته على الأفضليّة على غرار دلالة الآية على أفضليّة النبيّ

إنّ منع دلالة مساواة الأفضل - بعد تسليم المساواة بين الإمام والأنبياء في صفاتهم بالحديث - على أفضليّة الإمامعليه‌السلام من الثلاثة، في غاية


الوهن والسقوط، لما تقدّم عن الرازي من احتجاج العلماء بقوله تعالى:

( أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ ) على أفضليّة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الأنبياء المذكورين في الآية، وملخص الإحتجاج هو جامعيّة النبيّ للصّفات المتفرّقة في أولئك الأنبياء، ولا ريب في أنّ الجامع لها أفضل من جميعهم، لأنّ كلّ واحدٍ منهم حصل على واحدة منها أو ثنتين، وهذا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بوحده حصل على جميعها.

فإذا كان جمع الصفات المتفرقة في الأنبياء دليلاً على الأفضليّة منهم، فقد جمع أمير المؤمنينعليه‌السلام - كما في حديث التشبيه - جميع صفات الأنبياء المذكورين في الحديث كذلك، فيكون أفضل منهم بنفس الطريق في الإحتجاج - إلّا نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فهو الأفضل بإجماع المسلمين - وإذا كان أفضل من الأنبياء فهو أفضل من الثلاثة، بالأولوية القطعية.

٢ - اعتراف ابن روزبهان

ودلالة الحديث على المطلوب - كما ذكرنا - أصبحت من الوضوح بحيث التجأ الفضل بن روزبهان إلى الإعتراف بها، ولم يتجاسر على ما تفوّه به ( الدهلوي ) على ما هو من التعصّب والعناد، ومن هنا تعرف إلى أيّ درجةٍ من الحقد والعناد للحق وأهله وصل ( الدهلوي ).

٣ - الحديث نصّ في الأعلميّة

ثمّ إنّ حديث التشبيه نصٌّ في أعلميّة عليعليه‌السلام من الثلاثة وغيرهم، لأنّه قد ساوى آدمعليه‌السلام في العلم، والأعلم أفضل بالضرورة، والمساوي للأفضل أفضل قطعاً.


وأيضاً: فإنّه أتقى من الثلاثة، لأنّه قد ساوى نوحاً في تقواه، ونوح أتقى منهم بالضرورة، والأتقى أفضل لقوله تعالى:( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ ) (١) والمساوي للأفضل أفضل.

وكذا الكلام في كونه « أعبد » و « أحلم » و « أشد بطشاً ».

٤ - جامعية علي لأشرف الصّفات

ثمّ إنّ العلم والحلم والعبادة والتقوى والشجاعة، هي أشرف الصفات الحسنة، وهي تجمع جميع الخصال الحميدة، وقد كان عليعليه‌السلام حائزاً لجميعها في أعلى مراتبها، فهو جامع لجميع الصفات الشّريفة في أعلى مراتبها، ومن كان كذلك، كان أفضل من جميع الخلائق - عدا نبيّنا كما تقدم - فضلاً عن الثلاثة.

٥ - جمعه لتسعين خصلة من خصال الأنبياء

بل إنّهعليه‌السلام قد جمع تسعين خصلة من خصال الأنبياءعليهم‌السلام ، كما في رواية السيّد علي الهمداني المتقدمة في الكتاب، فأين من لم يحصل على خصلةٍ من خصال الأنبياء من الذي جمع تسعين؟! وأين الصّفة التي يدّعيها ( الدهلوي ) في الثلاثة ليكونوا أفضل بها من الإمام؟! فليثبت ( الدهلوي ) ذلك، ودونه خرط القتاد.

٦ - إتّصاف الثلاثة بأضداد هذه الصفات

بل إنّ الثلاثة كانوا متّصفين بأضداد هذه الصفات الجليلة، كما لا يخفى على من راجع الكتب المصنّفة في بيان هذا الشأن، ككتاب ( تشييد المطاعن ) وغيره.


أفلا يكون المساوي للأنبياء في صفاتهم الجميلة، أفضل ممّن اتّصف بأضدادها، فضلاً عن الإتّصاف بشيء منها؟!

قوله:

وأيضاً: ليست الأفضليّة موجبة للزعامة الكبرى.

أقول:

إنّ من الاُصول الأخلاقيّة المتّبعة أنْ لا يكذِّب الخلف سلفه، فكيف بتكذيب الولد لوالده!

لقد كان الأحرى بالرّجل أنْ لا يكذّب أباه، الأب الّذي وصفه هو بكونه معجزةً من معاجز الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

لقد أثبت شاه ولي الله الدهلوي في كتابه ( إزالة الخفا ) - الّذي طالما اعتمد عليه ( الدهلوي) أيضاً - أنّ الأفضلية تستلزم الزعامة الكبرى والخلافة العظمى، واستدلّ لذلك بالكتاب والسنّة والآثار عن الصحابة، فراجع كلامه هناك.

قوله:

كما مرّ غير مرّة.

أقول:

نعم مرّ إثبات استلزام الأفضليّة للإمامة غير مرّة.


دحض مزاعم الدّهلوي

لإثبات مساواة الثلاثة للأنبياء



ثمّ إنّ ( الدهلوي ) ذكر أنّ تفضيل الإمامعليه‌السلام على الثلاثة عن طريق المساواة للأنبياء في صفاتهم بالحديث الشريف، يتوقّف على عدم مساواة الثلاثة لهم كذلك، فاستنكر هذا النفي، وتشبّث بأشياء واهيةٍ لإثبات المساواة، حتّى لا تثبت الأفضليّة للإمامعليه‌السلام ، ونحن نذكر كلماته ونفنّدها بالتفصيل:

قوله:

الرابع: إنّ تفضيل الأمير على الخلفاء الثلاثة من هذا الحديث يثبت إذا لم يكن أولئك الخلفاء مساوين للأنبياء في الصفات المذكورة أو في مثلها.

أقول:

لقد أثبتنا دلالة الحديث على أنّ الإمام أفضل من الأنبياء عليه وعليهم‌السلام ، فلا حاجة إلى إثبات دلالته على أفضليته من الثلاثة، الذين لا سبيل إلى إثبات مساواتهم لهم.

وقد مرّ عليك، أنّ أبا بكر لمـّا سمع هذا الكلام من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم استغرب ثمّ قال: بخ بخ لك يا أبا الحسن، وأين مثلك يا أبا الحسن!

و ( الدهلوي ) نفسه يعترف بعدم اعتقاد أهل السنّة ذلك في حقّ الشيخين

وإن شئت الوقوف على حلم عمر، فراجع حديث قصّته مع أزواج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، في ( البخاري ) و ( المشكاة ). وإنْ شئت الوقوف على


شجاعة الشيخين فراجع أحاديث وقعة خيبر وغيرها في ( كنز العمّال )، وإن شئت الوقوف على علمهما وتقواهما، فراجع كتاب ( تشييد المطاعن ).

قوله:

ودون هذا النفي خرط القتاد.

أقول:

قد ثبت - والحمد لله أنّ هذا النفي صحيح باعتراف المخاطب، وأنّ زعم مساواة الشيخين للأنبياء دونه خرط القتاد.

قوله:

ولو تتبّعنا الأحاديث الدالّة على تشبيه الشيخين بالأنبياء، لبلغت مبلغاً لم يثبت مثله لمعاصريهما.

خبر واحد موضوع

أقول:

يكذِّب هذا الزعم إعتراف أبي بكر بعدم وجود مثيل للإمامعليه‌السلام ، ثمّ إنّ على ( الدهلوي ):

أولاً: أنْ يثبت للشيخين أكثر من تسعين خصلة من خصال الأنبياء، كما ثبت لعلي بالحديث.

وثانياً: أن يذكر حديثاً واحداً يعارض به حديث اعتراف أبي بكر المذكور، وأنّى له بذلك.


وثالثاً: أنْ يذكر وجه الإحتجاج بموضوعات طائفته في مقابلة الشيعة الإماميّة.

ومن العجيب أنّ ( الدهلوي ) يدّعي وجود الأحاديث الكثيرة، مع أنّه لم يذكر إلّاحديثاً واحداً قد عرفت مدى دلالته، وليته ذكر حديثاً واحداً اشتمل على الخصال الخمس المذكورة للشيخين، ولو من كتب قومه، ليعارض به حديث التشبيه.

نعم هناك حديث واحد اعترفوا بوضعه، قال السيوطي في ( ذيل الموضوعات ):

« إبن عساكر: أخبرنا أبو محمّد الأكفاني، حدّثنا عبدالعزيز بن أحمد، أنا إسحاق بن إبراهيم بن محمّد القرميني، حدّثنا عمر بن علي بن سعيد، حدّثنا يوسف بن الحسن البغدادي، ثنا محمّد بن القاسم، حدّثنا أبو يعلى أحمد بن علي ابن المثنّى، حدّثنا محمّد بن بكار، حدّثنا أبي، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: من أحبّ أن ينظر إلى إبراهيم في خلّته، فلينظر إلى أبي بكر في سماحته، ومن أحبّ أن ينظر إلى نوح في شدّته، فلينظر إلى عمر بن الخطّاب في شجاعته، ومن أحبّ أن ينظر إلى إدريس في رفعته، فلينظر إلى عثمان في رحمته، ومن أحبّ أن ينظر إلى يحيى بن زكريّا في عبادته، فلينظر إلى علي بن أبي طالب في طهارته.

قال ابن عساكر: هذا حديث شاذ بمرّة. وفي إسناده غير واحد مجهول ».


نسبة باطلة إلى الصّوفية

قوله:

ولهذا ذكر المحقّقون من أهل التصوف أنّ الشيخين كانا حاملين لكمالات النبوّة، وكان الأمير حاملاً لكمالات الولاية.

أقول:

لا يخفى على أهل العلم: أنّ الغرض المهم ( للدهلوي ) هو الحطّ من قدر الإمامعليه‌السلام وشأنه، وذكر اختصاص الإمامعليه‌السلام بالكمالات الولويّة - خلافاً لوالده - ليس إلّا لتخديع العوام وتغريرهم.

إنّ أهل الفضل يعلمون بأنّ الشيخ فريد الدين العطّار النيسابوري - وهو من مشايخ الصوفية - ضمّن معنى حديث التشبيه، في شعرٍ له، وأنّ الحكيم السّنائي قد شبّه الإمامعليه‌السلام بنوحٍ، في شعر له كذلك.

وأيضاً، فإنّ بعض أكابر الصوفية - كالسيّد علي الهمداني، وأمير ملّا - يروون حديث التشبيه، بل لقد روى السيّد علي الهمداني حديثاً فيه: إنّ الإمامعليه‌السلام قد جمع تسعين خصلة من خصال الأنبياء لم تجمع في غيره.

وأيضاً، فإنّ أبا نعيم الحافظ الإصفهاني - وهو من أئمّة الصوفيّة كما هو معلوم - ممّن أخرج بإسناده حديث التشبيه، وكذا الطالقاني.

فمن الغريب نسبة ( الدهلوي ) هذا الكلام إلى المحقّقين من الصوفيّة، من غير أنْ يذكر اسم لقائل، وهؤلاء مشايخ الصوفية وأئمّتهم قد رووا حديث التشبيه وأثبتوه.


عدم حجيّة أقوال أهل السنّة على الإماميّة

ولمـّا ثبت وتحقّق جمع الإمامعليه‌السلام للكمالات النبويّة، من العلم، والحلم، والتقوى، والزهد، والشجاعة، وغيرها، برواية أكابر علماء أهل السنّة وأئمّة مشايخ الصوفية منهم، فإنّا لا نصغي إلى ما قاله ( الدهلوي ) من عند نفسه، مع عزوه إلى محقّقي الصوفية.

ثمّ إنّه لا يجوز إلزام الإماميّة بأقوال أحدٍ من أهل السنّة، مفسّراً كان أو محدّثاً، أو متكلّماً أو فقيهاً، صوفيّاً أو عارفاً، وذلك:

أوّلاً: لأنّه إذا كانت أقوال أهل السنّة حجة على الإماميّة، فلا بدّ من أن تكون أقوال الشيعة حجة على أهل السنّة كذلك.

وثانياً: لأنّ احتجاج ( الدهلوي ) بشيء من أقاويل أهل طائفته، يخالف التزامه في أوّل كتابه ( التحفة ) من نقل أقوال الشيعة ورواياتهم، لإلزامهم بها.

وثالثاً: لأنّه صرّح في ديباجة كتابه ( التحفة ) بأنّ لكلّ فرقة أنْ لا تثق بأحاديث الفرقة الأخرى، فلا بدّ من إلزام كلّ فرقة بأحاديث نفس تلك الفرقة المروية في كتبها، بل في خصوص الكتب المعتبرة عندهم منها.

ورابعاً: لتصريح والده في كتاب ( قرة العينين ) بعدم جواز إلزام الشيعة الإماميّة والزيدية، بأحاديث أهل السنّة، حتّى أحاديث الصحيحين.

وخامساً: لتصريح تلميذه رشيد الدين الدهلوي، بأنّ من حقّ كلّ فرقة أن تقدح في أحاديث الفرقة التي ينتمي إليها الخصم، ولا تسلّم بها.

فبناءً على هذا كلّه، لا يجوز الإحتجاج بأقاويل الصوفيّة من أهل السنّة في مقام البحث والمناظرة مع الشيعة الإماميّة.

وعلى هذا الأساس أيضاً، لا مناص لأهل السنّة من قبول الأحاديث التي يتمسّك بها الإماميّة لإثبات مطلوبهم، محتجّين بإخراج علماء أهل السنّة


لها في كتبهم المعتمدة، كحديث الطير، وحديث الولاية، وحديث أنا مدينة العلم، وحديث التشبيه، وأمثالها ومن هنا يظهر أنّ من لا يقبل هذه الأحاديث ويردّها، ( كالدهلوي ) والكابلي، وابن حجر المكّي، وابن تيميّة، وأمثالهم، يخالف القواعد المقررة للبحث والمناظرة، من غير مجوّز لذلك، فليس إلّا التعصّب الشديد، والتعنّت المقيت، نعوذ بالله منه.

دعوى صدور وظائف الأنبياء من الشيخين وبطلانها

قوله:

ومن ثمة، صدر من الشيخين الأمور التي تصدر من الأنبياء، كالجهاد مع الكفّار

أقول:

إن أراد من جهاد الشيخين، جهادهما في زمن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فالواقع أنّه لم يكن منهما إلّا الفرار المخزي، كما لا يخفى على المطّلع بأخبار خيبر، وحنين، واُحد، بل ذلك كلّه مشهور ولا حاجة إلى بيانه.

وإن أراد ما كان من الفتح في زمانهما - فمع غضّ النظر عن وقوع الفتح في زمن الثالث، بل زمن معاوية، فيثبت لهما ما يدّعي ثبوته للشيخين، بل ليزيد بن معاوية ومن بعده من السّلاطين، لوقوع الفتوح في زمانهم - نقول: بأنّ الفتح لا يدلّ على غرضه، وذلك لقول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « إنّ الله يؤيّد هذا الدين بالرجل الفاجر ». وقوله: « إنّ الله يؤيّد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم » وقوله: « إنّ الله ليؤيّد الإسلام برجالٍ ما هم من أهله » أخرج ذلك البخاري ومسلم والترمذي والطبراني وغيرهم.


قال الشيخ عبدالرؤوف المناوي في ( فيض القدير ):

« إنّ الله ليؤيّد الدين. أي الدين المحمّدي، بدليل قوله في الخبر الآتي: إنّ الله يؤيّد هذا الدين بالرجل الفاجر، واللّام للعهد، والمعهود الرجل المذكور، أو للجنس.

ولا يعارضه خبر مسلم الآتي: إنّا لا نستعين بمشرك. إذ هو خاص بذلك الوقت، وحجة النسخ شهود صفوان بن اُميّة حنيناً مشركاً.

قال ابن المنير: فلا يتخيّل في إمامٍ أو سلطانٍ فاجر إذا حمى بيضة الإسلام أنّه مطروح في الدّين لفجوره، فيجوز الخروج عليه وخلعه، لأنّ الله تعالى قد يؤيّد دينه وفجوره على نفسه، فيجب الصّبر عليه وطاعته في غير إثم، ومنه جوّزوا الدّعاء للسّلطان بالنّصر والتأييد مع جوره.

قاله لمـّا رآى في غزوة خيبر رجلاً يدّعي الإسلام يقاتل شديداً، هذا من أهل النّار، فخرج وقتل نفسه من شدّة وجعه، فذكره.

أو المراد الفاسق المجاهد في سبيل الله.

طب عن عمر بن النّعمان بن مقرن بضمّ الميم وفتح القاف وشدّة الواو بالنّون، المزني، قال ابن عبدالبر: له صحبة، وأبوه من جملة الصّحابة، قتل النّعمان شهيداً بوقعة نهاوند، سنة إحدى وعشرين، ولمـّا جاء نعيه خرج عمر فنعاه على المنبر وبكى.

وظاهر صنيع المصنّف أنّ هذا لا يوجد مخرجاً في الصّحيحين، ولا أحدهما، وهو ذهول شنيع وسهو عجيب، فقد قال الحافظ العراقي: إنّه متّفق عليه من حديث أبي هريرة، بلفظ: إنّ الله تعالى يؤيد هذا الدّين بالرّجل الفاجر وقال المناوي: رواه البخاري في القدر وغزوة خيبر، ورواه مسلم من حديث أبي هريرة مطولا قال:

شهدنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حنيناً فقال لرجل ممّن يدّعي


الإسلام: هذا من أهل النّار، فلمـّا حضر القتال قاتل قتالاً شديداً، فأصابته جراحة، فقيل: يا رسول الله الرّجل الّذي قتل آنفاً إنّه من أهل النّار، قاتل اليوم قتالاً شديداً، وقد مات فقال النّبي صلّى الله عليه وسلّم: في النّار، فكاد بعض المسلمين أن يرتاب، فبينما هم كذلك إذ قيل إنّه لم يمت لكن به جرحاً شديداً، فلمـّا كان اللّيل لم يصبر على الجراح فقتل نفسه، فاُخبر النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: الله أكبر، أشهد أنّي عبدالله ورسوله، ثمّ أمر بلالاً فنادى في النّاس أنّه لا يدخل الجنّة إلّا نفس مسلمة، وإنّ الله يؤيّد هذا الدّين بالرّجل الفاجر.

وممّن رواه التّرمذي في العلل عن أنس مرفوعاً، ثمّ ذكر أنّه سئل عنه البخاري فقال: حديث حسن حدّثناه محمّد بن المثنّى انتهى.

فعزو المصنّف الحديث للطبراني وحده لا يرتضيه المحدّثون فضلاً عمّن يدّعي الإجتهاد »(١) .

وقال: « إنّ الله ليؤيّد، يقوّي وينصر، من الأيد وهو القوة، كأنّه يأخذ معه بيده في الشّيء الّذي يقوى فيه، وذكر اليد مبالغة في تحقّق الوقوع الإسلام برجال ما هم من أهله، أي من أهل الدّين لكونهم كفّاراً أو منافقين أو فجّاراً، على نظام دبّره وقانون أحكمه في الأزل، يكون سبباً لكفّ القوي عن الضّعيف، إبقاءً لهذا الوجود على هذا النظام على الحد الّذي حدّه.

وهذا يحتمل أنّه أراد به رجالاً في زمنه، ويحتمل أنّه أخبر بما سيكون، فيكون من معجزاته، فإنّه إخبار عن غيب وقع.

والأوّل هو الملائم للسّبب الآتي، وقد يقال الأقرب الثّاني، لأنّ العبرة بعموم اللّفظ.

طب عن عمرو بن العاص، قال الهيثمي وفيه: عبدالرّحمان بن زياد بن

____________________

(١). فيض القدير - شرح الجامع الصغير ٢ / ٢٥٩.


أنعم، هو ضعيف بغير كذب فيه »(١) .

وقال الصالحي: « قال محمّد بن عمر: ذكر للنّبي صلّى الله عليه وسلّم أنّ رجلاً كان بحنين قاتل قتالاً شديداً حتّى اشتدّت به الجراح، فقال: إنّه من أهل النّار، فارتاب بعض النّاس من ذلك، ووقع في بعضهم ما الله تعالى به أعلم، فلمـّا آذته جراحته أخذ مشقصاً من كنانته فانتحر به، فأمر رسول الله صلّى الله عليه بلالاً نادى: ألا لا يدخل الجنّة إلّا مؤمن، إنّ الله تعالى يؤيّد هذا الدّين بالرّجل الفاجر »(٢) .

وقال ابن حزم في ( المحلّى ): « وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إنّه ينصر هذا الدّين بقوم لا خلاق لهم، كما أنا عبدالله بن ربيع، نا محمّد بن معاوية، نا أحمد بن شعيب، أخبرني عمران بن بكار بن راشد أبو اليمان، أخبرنا شعيب هو ابن أبي حمزة، عن الزّهري، أخبرني سعيد بن المسيّب أنّ أبا هريرة قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إنّ الله يؤيّد هذا الدّين بالرّجل الفاجر.

ونا عبدالله بن ربيع، نا محمّد بن معاوية، نا أحمد بن شعيب، أخبرنا محمّد بن سهل بن عسكر، نا عبدالرزّاق، أخبرنا رباح بن زيد، عن معمر بن راشد، عن أيّوب السّختياني، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إنّ الله ليؤيّد هذا الدّين بأقوام لا خلاق لهم ».

وقال الغزالي: « فإن قلت: في الرّخصة في المناظرة فائدة، وهي ترغيب النّاس في طلب العلم، إذ لولا حبّ الرّياسة لا ندرس العلم، فقد صدقت فيما ذكرته من وجه، ولكنّه غير مفيد، إذ لولا الوعد بالكرة والصولجان واللّعب بالعصافير ما رغب الصّبيان في المكتب، وذلك لا يدلّ على أن الرغبة فيه

____________________

(١). فيض القدير - شرح الجامع الصغير ٢ / ٢٥٩.

(٢). سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد ٥ / ٣٣٣.


محمودة، ولولا حُبّ الرياسة لا ندرس العلم لا يدلّ ذلك على أنّ طالب الرّياسة ناج من الفتن، بل هو من الّذين قال فيهم النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: إنّ الله تعالى يؤيّد هذا الدّين بأقوام لا خلاق لهم، قال صلّى الله عليه وسلّم: إنّ الله تعالى يؤيّد هذا الديّن بالرّجل الفاجر.

فطالب الرياسة في نفسه هالك، وقد يصلح بسببه غيره إن كان يدعو إلى ترك الدّنيا، وذلك فيمن كان حاله في ظاهر الأمر حال علماء السّلف، ولكنّه يضمر قصد الجاه، ومثاله مثال الشّمع الّذي يحترق في نفسه ويستضئ به غيره، فصلاح غيره في هلاكه، وأمّا إذا كان يدعو إلى طلب الدنيا فمثاله مثال النّار المحرقة تأكل نفسها وغيرها.

فالعلماء ثلاثة، إمّا مهلك نفسه وغيره، وهم المصرّحون بطلب الدّنيا والمقبلون عليها، وإمّا مسعد نفسه وغيره، وهم الدَّاعون إلى الله عزّوجلّ المعرضون عن الدّنيا ظاهراً وباطناً، وإمّا مهلك نفسه ومسعد غيره، وهو الّذي يدعو إلى الآخرة وقد رفض الدّنيا في ظاهره وقصده في البواطن إقبال الخلق وإقامة الجاه الخ »(١) .

بل لقد زعم ( الدهلوي ) في كتاب ( التحفة ) أنّ مجرَّد وقوع الفتح في خيبر على يد عليعليه‌السلام ، لا يوجب له فضيلةً وعظمة(٢) .

فإذا كان فتح خيبر لا يوجب فضيلةً لعلي، فهل يكون في فتح الشام في عصر الشيخين فضيلة لهما؟

وقال الواقدي:

« لقد بلغني أنّ أبا بكر الصدّيقرضي‌الله‌عنه كان يخرج كلّ يوم إلى ظاهر

____________________

(١). إحياء العلوم ٤ / ٤٣٣.

(٢). التحفة الإثنا عشرية: ٢١٦.


المدينة يتجسّس الأخبار، فبينما هو كذلك إذ قدم عليه عبدالرّحمان بن حميد الجمحي، فلمـّا أشرف عليهم تسابقت إليه الصّحابة وقالوا: من أين؟ فقال: من الشّام، فبشّروا الصدّيق بذلك، وأنّ الله قد نصر المسلمين، فسجد لله شكراً، فأقبل عبدالرّحمان وقال: السّلام عليك يا خليفة رسول الله، إرفع رأسك فقد أقرّ الله عينك بالمسلمين، فرفع أبو بكررضي‌الله‌عنه رأسه وسلّم إليه الكتاب، وكان بخط أبي عبيدةرضي‌الله‌عنه ، فقرأ أبو بكر الكتاب سرّاً، فلمـّا فهم ما فيه قرأه على النّاس جهراً، وتزاحم النّاس وشاع الخبر في المدينة. قال: فأتى النّاس يهرعون إلى باب المسجد، فقرأه أبو بكررضي‌الله‌عنه ثالثةً.

قال: وتسامع النّاس من أهل المدينة بما فتح الله على أيدي المسلمين وما ملكوا من الأموال، فتبايعوا للخروج رغبة في الثّواب وسكنى الشام.

وبلغت الأخبار إلى أهل مكّة، فأقبل المدينة من أهل مكّة عظماؤهم وأكابرهم بالخيل والحديد والبأس الشّديد، على أوائلهم أبو سفيان صخر بن حرب، والعيداق بن هاشم، ونظراؤهم، فأقبلوا يستأذنون أبا بكر في الخروج إلى الشام، ذكّره عمر بن الخطاب خروجهم إلى الشّام وقال لأبي بكر: إنّ هؤلاء القوم لنا في قلوبهم طرائد وحقائد، والحمد لله الّذي كانت كلمة الله هي العليا وكلمتهم هي السّفلى، وهم على كفر، وأرادوا أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلّا أن يتمّ نوره، ونحن نقول إذ ذاك: ليس مع الله آلهة اُخرى، وهم يقولون إنّ معه آلهة اُخرى، فلمـّا أن أعزّ الله ديننا ونصر شريعتنا أسلموا خوفاً للسّيف، ولمـّا سمعوا أنّ جند الله قد نصروا على الرّوم أتونا لنبعث بهم إلى الأعداء، ليقاسموا السابقين المهاجرين والأنصار، والصّواب أن لا ننفذهم. فقال أبو بكررضي‌الله‌عنه : إنّي لا اُخالف لك قولاً ولا أعصي لك أمراً.

قال: وبلغ أهل مكّة ما تكلّم به عمر، فأقبلوا بأجمعهم إلى أبي بكر


الصدّيقرضي‌الله‌عنه إلى المسجد، فوجدوا حوله جماعة من المسلمين وهم يتذاكرون ما فتح الله على المسلمين، وما أظهرهم على المشركين، وعليّ بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه عن يمينه وعمر بن الخطّاب عن يساره، والنّاس حوله، فأقبلت قريش إلى أبي بكر الصديقرضي‌الله‌عنه ، فسلّموا عليه وجلسوا بين يديه، وتقاولوا من يكون أوّلهم كلاماً.

فكان أوّل من تكلّم أبو سفيان صخر بن حرب، أقبل على عمر بن الخطّاب وقال: يا عمر قد كنت لنا مبغضاً في الجاهليّة وقالياً وكنت تحدّ علينا ونحدّ عليك، فلمـّا هدانا الله إلى الإسلام هدم لك ما في قلوبنا، لأنّ الإيمان هدم الشرك والبغيضة والكياد، وأنت تعلم بعد اليوم تشنانا وتبغّضنا، ألسنا إخوانكم في الإسلام وبني أبيكم في النّسب؟ فما هذه العداوة منك إلينا يا بن الخطّاب قديماّ وحديثاّ؟ إمّا أن تغسل ما بقلبك لنا من الحقد والتباغض، وإنّا نعلم أنّك أفضل منّا وأسبق في الإيمان والجهاد، ونحن بذلك عارفون وله غير منكرين.

فسكت عمر بن الخطّاب واستحيى حتّى كلّله العرق ثمّ قال: وأيم الله ما أردت بقولي إلّا انفصال الشرّ وحقن الدّماء، لأنّ حميّة الجاهليّة في رؤوسكم وأنتم تطاولون في نسبتكم على من سبقكم في الإسلام. فقال أبو سفيان: أنا اُشهدكم واُشهد خليفة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنّي قد حبست نفسي في سبيل الله، وكذلك تكلّم سادات مكّة، فرضي الإمام عمر بن الخطابرضي‌الله‌عنه ، وقال أبو بكر: اللّهمّ بلّغهم أفضل ما يؤمنون، وآجرهم بأحسن ما يعملون، وارزقهم النّصر على عدوّهم ولا تمكّنهم من نواصيهم »(١) .

فإذا كان خروج الصحابة من مكة إلى المدينة للإستيذان وذهابهم إلى

____________________

(١). فتوح الشام ١ / ٦١ مع اختلافٍ في بعض الأسامي والألفاظ.


الجهاد، غير مقبول لدى عمر بن الخطاب، فكيف يكون جهودهم وفتحهم مقبولاً لدى الإمامية؟

هذا كلّه بالنسبة إلى جهاد الشيخين.

وأمّا دعوى قيامهما بترويج أحكام الشرع، وإصلاح اُمور الأمّة، فبغضّ النّظر عن إخراجه ثالثهما من البحث - كان الأحرى ( بالدهلوي ) أنْ لا يتطرّق إلى مثل هذا، لأنّ لازم هذا الكلام سلب ما ذكر عن عليعليه‌السلام ، وكلّ ذلك ينافي الواقع ويصادم الحقيقة، فإنّ رجوع الشيخين وبالأخص الثاني منهما - إلى عليعليه‌السلام في المعضلات، والمسائل المشكلة، ممّا اشتهر وأذعن به المخالفون، فكثيراً ما قال عمر بن الخطاب: « لولا علي لهلك عمر » وطالما قال: « قضيّة ولا أبا حسنٍ لها » ولقد شاع عنه وذاع قوله: « أعوذ بالله من معضلةٍ ليس لها أبو الحسن ».

هذا، على أنّ الشيعة الإمامية لا تعتقد بخلافتهما. وهذا يقتضي أنّ كلّما قام به الشيخان من جهادٍ وترويج وإصلاح، كما يدّعي ( الدهلوي )، كان تصرّفاً غير جائز لا يُستحقُّ المدحُ عليه.

قوله:

وظهر من الأمير ما يتعلّق بالأولياء، من تعليم الطريقة

أقول:

نقل ( الدهلوي ) هذا عن بعض الصوفيّة، إلّا أنّه زعم وجوده في الروايات، كي لا يرد عليه أنّه خالف والده الّذي فضّل الشيخين في ( قرّة العينين ) في تعليم الطريقة، والحثّ على المثل الخلقيّة الكريمة، وترهيب الناس عن الصّفات الرّديئة السيّئة.


الإستدلال على وجود الملكات بالأفعال الصادرة عنها

قوله:

وفي حكم العقل أنّه يستدلُّ على وجود الملكات النفسانيّة بصدور الأفعال المختصة بتلك الملكات.

أقول:

هذا صحيح، فلننظر إلى الأفعال الصادرة عن الشيخين، لنهتدي بها إلى الملكات النفسانيّة الموجودة فيهما، فهل صدرت منهما أفعال الأنبياء كي يستدلّ على وجود الملكات النبوية فيهما؟ إن كان ( الدهلوي ) يدّعي ذلك فعليه الإثبات، ودونه خرط القتاد.

قوله:

فمثلاً: يستدل من ثبات الشخص في مختلف المعارك في مقابلة الأقران ووقع الرماح والسيوف على شجاعته النفسانيّة.

أقول:

نعم، ولكن قد علم الكلّ عدم ثبات الشيخين - والثالث - في المعارك والغزوات، وقد أصبح فرارهما من القضايا الضروريّة الّتي علم بها حتّى ربّات الخدور فضلاً عن الرجال، بل تضرب بفرارهما عن ميادين القتال الأمثال على مدى الأجيال


قوله:

وكذلك الحال في الحب والبغض والخوف والرجاء وغيرهما

أقول:

نعم، لقد قاما بأعمال تكشف عن حقائق أحوالهما، ودلَّت قضاياهم مع أهل بيت الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على بغضهما له ولهم، وحبّهما للجاه والرئاسة الدنيويّة

إلّا أنّ ما ذكره ( الدهلوي ) هنا يتنافى مع قوله في بعض المواضع الأخرى بأنّ العزم والنيّة من الاُمور القلبيّة، فلا يمكن لأحدٍ أنْ يطّلع على ذلك سوى الله عزّوجلّ

قال هذا في الجواب عن أحد مطاعن عمر بن الخطّاب ألا وهو جلبه للنار لإحراق باب دار فاطمة الزهراء سلام الله عليها فحمل ( الدهلوي ) فعلة عمر هذه على محض التّهديد، وأنّه لم يكن لينفّذ ما قاله

لكنّ الصحيح ما ذكره هنا، فإنّ النداء بالنار، وجمع الناس على باب الدّار، وغير ذلك من القرائن والآثار ينبىء عن عزمه الباطني وقصده الواقعي

قوله:

فمن هذا الطريق أيضاً يتوصل إلى الكمالات الباطنية في الأشخاص ليعرف أنّها من جنس كمالات الأنبياء أو من جنس كمالات الأولياء.


أقول:

هذا أيضاً ينافي ما ذكره في مواضع عديدة، وهو الّذي أشرنا إليه قريباً.

الإستدلال بحديثٍ صحيح مع حمله على معنى باطل

قوله:

وقد دلَّ على هذه التفرقة حديث رواه الشيعة في كتبهم، وهو قوله صلّى الله عليه وسلّم

أقول:

دعوى دلالة هذا الحديث الشريف على التفريق بين من حمل الصفات النبوية الباطنية، ومن حمل الصفات الولويّة الباطنيّة، في غاية الوهن والسقوط، لوضوح دلالة الحديث على عكس هذه الدعوى، فإنّ مفاد هذا الحديث هو المساواة بين حرب النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وحرب مولانا عليعليه‌السلام ، فإنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شبّه حرب علي حربه، وقد تقدّم أنّ التشبيه يفيد المساواة.

فحاصل معنى الحديث هو: إنّه كما أنّ حرب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كفر، فكذلك حرب علي كفر، وكما أنّ النبيّ قاتل لإعلاء كلمة الله، فعلي كذلك قاتل لإعلاء كلمة الله، فمن حارب عليّاً فهو كافر كمن حارب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فيكون الإمامعليه‌السلام حائزاً للكمالات النبويّة، وأنّه قام بما قام به النبيّ، فناسب أنْ يكون زمن خلافته قطعة من زمن نبوة النبي.


ولقد اعترف رشيد الدين الدهلوي في ( الإيضاح ) بأنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام ، إنّما خاض الحروب، وقاتل أشدّ القتال، لإعلاء كلمة الله ودينه، وفي سبيل الله سبحانه وتعالى.

قوله:

لأنّ مقاتلات الشيخين كانت كلّها على تنزيل القرآن

أقول:

ثبّت العرش ثمّ انقش

فإنّ كون مقاتلات الشيخين على تنزيل القرآن فرع لوقوعها منهما، وقد علم الكلّ من غير خلاف بأنّه لم يكن منهما على عصر النبي إلّا الهزيمة والفرار، وأمّا بعده، فلم يرو حضور أحدٍ منهما - وكذا ثالثهما - حرباً من الحروب، ولا شهدا واقعةً من الوقائع، فضلاً عن الجهاد والقتال.

وإذا كان مجرّد الإعداد، وحثّ الناس على الجهاد جهاداً ومقاتلةً ونصرة للدين، وترويجاً للإسلام فقد مرَّ أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: إنّ الله لينصر هذا الدين ولو بالرجل الكافر.

ولقد بُين في محلّه من هذه الموسوعة، أنّ قتال الخلفاء - على فرض ثبوته ووقوعه - لم يكن لا على التنزيل ولا على التأويل، وذلك لقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيما أخرجه النسائي والحاكم وغيرهما:

« إنّ منكم من يقاتل على تأويل القرآن، كما قاتلت على تنزيله.

فقال أبو بكر: هو أنا يا رسول الله؟

قال صلّى الله عليه وسلّم: لا.


فقال عمر: هو أنا يا رسول الله؟

فقال: لا.

ولكنْ خاصف النعل »(١) .

فلو كان قتالهما - على فرض كونه - على تنزيل القرآن أو تأويله، لما قال في جوابهما: لا.

إنّ المقاتلة على التأويل - كما قاتل هو على التنزيل - مختصّة بأمير المؤمنينعليه‌السلام ، الّذي كان يخصف نعل النبيّ في ذلك الوقت، مع أنّهعليه‌السلام لم يسأل النبيّ كما سألاه.

قوله:

فكأنّ عهدهما من بقية زمان النبوّة.

أقول:

هذا تنزّل من ( الدهلوي ) عما ادّعاه من كون الشيخين حاملين لصفات النبوّة، وإن لم يرد التنزّل عن ذلك بقوله « فكأنّما »، بل أراد المساواة، فقد سبق منه إنكار فهم المساواة من التشبيه.

ولقد كان الأحرى ( بالدهلوي ) أنْ يثبت أوّلاً: وقوع مقاتلات من الشيخين على تنزيل القرآن، وبرضىً من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثمّ يقول: إنّ زمان الشيخين امتداد لزمان النبي.

ولو كان مجرّد وقوع الفتح في عصر أحدٍ دليلاً لأنّ يكون زمانه امتداداً لزمان النبيّ وعصر النبوّة، كان اللازم أن يكون زمن معاوية ويزيد، ومن بعدهما

____________________

(١). الخصائص: ١٣١، المستدرك ٣ / ١٣٢، مسند أحمد ٣ / ٣٣، مصادر أخرى كثيرة.


من السلاطين، الذين فتحت البلاد في أيّامهم، امتداداً لأيام النبوّة، واللازم باطل قطعاً وبالإجماع، فالملزوم مثله.

قوله:

وزمن خلافة الأمير كان مبدءً لدورة الولاية.

أقول:

قد أراد ( الدهلوي ) بهذا الكلام نفي الكمالات النبويّة من عليعليه‌السلام ، ثمّ تخديع الإماميّة بأن زمان الإمام عصره وأيّامه هي أيّام ولايةٍ وإمامة، لكن الإماميّة لا تنخدع بذلك، وترى ثبوت جميع الكمالات النبويّة لعليعليه‌السلام ووجودها فيه.

الإستدلال بانتهاء سلاسل الصّوفية إلى الإمام

قوله:

ولهذا جعله شيوخ الطريقة وأرباب المعرفة والحقيقة فاتح باب الولاية

أقول:

قد عرفت أنّ جملةً من أكابر أهل السنّة، الذين يعتقدون بكونهم شيوخ التصوف والعرفان، قد أثبتوا لأمير المؤمنينعليه‌السلام جميع ما ثبت لنبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والأنبياء السابقين، من كمالات النبوّة والولاية معاً، ولا يتجاسر على نفي ذلك إلّا الناصبي المعاند البغيض.

أضف إلى ذلك قول السيّد علي الهمداني بشرح شعر ابن الفارض:

« لها البدر كأس وهي شمس يديرها

هلال وكم يبدو إذا مزجت نجم »


قال: « المراد من البدر هو الروح المحمّديّة ومن الهلال: علي، وهو ساقي كؤوس شراب حبّ الله، وموصل عطاشى الآمال إلى وصال الله، فإنّه الّذي ورد في حقّه: أنا مدينة العلم وعلي بابها.

وبما أنّ الهلال لا يختلف عن البدر، بل هو جزء منه، فقد كان لسيّد الأولياء ما كان لسيّد الأنبياء، ففي الحديث: خلقت أنا وعلي من نورٍ واحد، علي منّي وأنا منه، ومن امتزاج أحكام الشرائع المصطفويّة، وأعلام الحقائق المرتضويّة، ظهرت نجوم مشارب أذواق أعيان الأولياء، وذاك قول سيّد الأنبياء بحقّ سيّد الأصفياء: أنا وأنت أبوا هذه الأُمّة، فإنّه إشارة إلى هذا المعنى، لأنّه منبع أسرار معارف التوحيد، ومطلع أنوار معالم التحقيق.

وإنّ حصول كمال درجات الأسرار لجميع أهل الكشف والشهود، إنّما كان ولا يزال وسيكون من ينبوع هدايته، إذ قال: أنا المنذر وبك يا علي يهتدي المهتدون.

وإذا انكشف لك هذا السرّ فاعلم بأنّ طوالع أنوار الحقائق لكلّ وليّ من الأولياء، إنّما هي مقتبسة من مشكاة ولاية علي، وإنّه مع وجود الإمام الهادي فلا يتّبع غيره إلّا أحول العينين ».

وكذا قال اللّاهيجي النوربخشي في ( شرح گلشن راز ).

والهمداني واللاهيجي من أعلام الصوفية كما هو معروف.

قوله:

ومن هنا، فإنَّ سلاسل جميع فرق أولياء الله تنتهي إليه.


أقول:

هذا إعتراف من ( الدهلوي ) بأحد مقامات أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وبجانبٍ من كمالاته المختصّة به، وإن كان غرضه من هذا الكلام نفي وجود صفات الأنبياء فيه، عليه وعليهم‌السلام .

بل قد ذكر ( الدهلوي ) في موضع من كتابه ( التحفة ) بأنّ مقام الولاية والإمامة في الطريقة أفضل من كلّ مقام، فقد ذكر في الباب الثاني منه، في المكيدة الخامسة والثمانين من المكائد، ما تعريبه: « المكيدة الخامسة والثمانون: إفتراؤهم على أهل السنّة والجماعة بأنَّهم يختارون مذهب أبي حنيفة، ومذهب الشافعي، ومذهب مالك، ومذهب أحمد ويتركون مذهب الأئمّة، على أنّ الأئمّة أحقّ وأولى بالإتّباع لوجوه:

أحدها: إنّ الأئمّة بضعة الرسول، وقد تربّوا في حجره، وتعلّموا الأحكام الشرعيّة منذ الصغر، وقد اشتهر المثل: أهل البيت أدرى بما فيه.

والثاني: الأمر باتّباعهم في الحديث الصحيح المعتبر عند أهل السنّة كذلك، وهو قوله صلّى الله عليه وسلّم: إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي: كتاب الله وعترتي أهل بيتي.

وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجى ومن تخلّف عنهما غرق.

والثالث: وقوع الإتّفاق بين السنّة والشيعة على عظمة أهل البيت وعلمهم وتقواهم وزهدهم، وأما غيرهم فقد وقع الاختلاف فيه، ولا ريب في أولويّة من اتّفق عليه في الصفات المذكورة بالإتّباع ممّن اختلف فيه.

والجواب على هذه المكيدة هو: إنّ الإمام نائب عن النبي، والنائب عن


النبي ليس بصاحب مذهب، بل هو صاحب الشريعة، لأنّ المذهب طريق فهم الأحكام، حيث يقرّر صاحب المذهب قواعد عقليّة يستنبط منها المسائل الشرعيّة، ولذلك يحتمل الخطأ والصوّاب فيه.

أمّا الإمام فهو معصوم من الخطأ، وحكمه حكم النبي، فلا يصحّ نسبة مذهبٍ إليه، ومن هنا ينسب المذهب إلى غير الله وجبريل والملائكة والأنبياء، بل لا ينسب إلى فقهاء الصحابة وهم أفضل من أبي حنيفة والشافعي عند أهل السنّة

وفي الحقيقة: إنّ الحكمة من نصب الإمام هو إصلاح الأرض، وإزالة الفساد عنها، فيكمّل الإمام موارد النقص في الفنون، ويترك ما صحَّ منها على صحّته، لئلّا يلزم تحصيل الحاصل، وإهمال الأمور الضرورية.

فقام الأئمّة في أيّامهم بأهم الاُمور، وهو وضع مقدّمات السّلوك والطريقة، ووضعوا القيام باُمور الشّريعة على عواتق الصحابة، وتوجّهوا نحو العبادة والرياضة، وتزكية الباطن، وقراءة الأذكار والأدعية والصلوات، وتهذيب الأخلاق، وتعليم أسرار السّلوك، وإرشاد النّاس إلى الحقائق ومعارف الكتاب والسنّة، وآثروا العزلة والخلوة »(١) .

فكلام ( الدهلوي ) صريح في أنّ هداية الناس إلى الحقائق الباطنيّة، وإرشادهم إلى المعارف المعنويّة، أهم من استنباط الأحكام الشرعيّة، وبيان الوظائف الظاهريّة

ولا ريب في أنّ من يقوم بالأمر الأفضل، أفضل ممّن لا يقدر على ذلك الأمر فيشتغل بغيره فهذه جهة.

ومن جهةٍ اُخرى: صرّح ( الدهلوي ) بأنّ حكم أئمّة أهل البيت حكم

____________________

(١). التحفة الإثنا عشرية: ٧٢.


النبيّ، وأنّهم معصومون كالنّبي ولا ريب في استلزام ذلك الأفضليّة من غير المعصوم.

ومن جهةٍ ثالثة: ذكر ( الدهلوي ) في ( تفسيره ) أنّ أئمّة أهل البيت ساووا جدّهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في العصمة والحفظ والفتوّة والسّماحة، وبأنّهم المظاهر الكاملة لصفات النّبيّ، وهذا هو السرّ في انتهاء جميع سلاسل أولياء الله إليهم

ذكر هذا الكلام بتفسير قوله تعالى: و( حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ ) من سورة الحاقّة

دعوى والد الدهلوي انتهاء السلاسل إلى الشيخين

فهذه كلمات ( الدّهلوي ) في موارد مختلفة من بحوثه، ولكن هل تعلم بأنَّ هذه الكلمات بمثابة الردّ الصريح لكلمات والده؟!

إنّ والده زعم أنّ الشّيخين هما المرجع لأولياء الله، وأنّهما المؤسّسان لاُصول الطريقة والسّلوك، وأنّ أبا بكر هو أوّل صوفيّ، وهو محيي طريقة الصوفيّة إلى غير ذلك ممّا قال في كتابه ( قرّة العينين ).

لقد بالغ والد ( الدهلوي ) في الإستدلال على هذه المزاعم، لكن عبارات ولده جعلتها كهشيم تذروه الرّياح

إنكار إبن تيميّة إنتهاء السلاسل إلى علي

وليس ولي الله الدهلوي أوّل من نفى عن أمير المؤمنينعليه‌السلام علم الطريقة، بالإضافة إلى نفيه عنه علم الشريعة، فلقد سبقه ابن تيميّة في هذا المضمار، حيث قال في جواب قول العلّامة الحلّيرحمه‌الله : « أمّا علم الطريقة


فإليه منسوب، فإنّ الصوفيّة كلّهم يسندون الخرقة إليه » قال ابن تيميّة:

« والجواب

أنْ يقال أوّلاً: أمّا أهل المعرفة وحقائق الإيمان، المشهورون في الأُمّة بلسان الصّدق، فكلّهم متّفقون على تقديم أبي بكر، وأنّه أعظم الاُمّة في الحقائق الإيمانيّة والأحوال العرفانية، وأين من يقدّمونه في الحقائق التي هي أفضل الاُمور عندهم إلى من ينسب إليه لباس الخرقة؟ فقد ثبت في الصحيحين عن النبيّ صلّى لله عليه وسلّم أنّه قال: « إنّ الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، وإنّما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم » فأين حقائق القلوب من لباس الأبدان؟

ويقال ثانياً: الخرق متعددة، أشهرها خرقتان، خرقة إلى عمر، وخرقة إلى علي، فخرقة عم إسنادان، إسناد إلى اُويس القرني، وإسناد إلى أبي مسلم الخولاني. وأمّا الخرقة المنسوبة إلى علي، فإسنادها إلى الحسن البصري، والمتأخّرون يصلونها بمعروف الكرخي، فإنّ الجنيدرضي‌الله‌عنه صحب السري [ السقطي ]، والسّري صحب معروفاً الكرخي بلا ريب.

وأمّا الإسناد من جهة معروف فمنقطع، فتارة يقولون: إنّ معروفاً صحب علي بن موسى الرضا، وهذا باطل قطعاً، لم يذكره المصنّفون لأخبار معروف، بالإسناد الثابت المتّصل، كأبي نعيم، وأبي الفرج ابن الجوزي، في كتابه الّذي صنّفه في فضائل معروف. ومعروف كان منقطعاً في الكرخ، وعلي بن موسى كان المأمون قد جعله وليّ العهد بعده، وجعل شعاره لباس الخضرة، ثمّ رجع عن ذلك، وأعاد شعار السواد، ومعروف لم يكن ممّن يجتمع بعلي بن موسى، ولا نقل عنه ثقة أنّه اجتمع به، أو أخذ عنه شيئاً، بل ولا يعرف أنّه رآه، ولا كان معروف بوّابه، ولا أسلم على يديه، فهذا كلّه كذب.

وأمّا الإسناد الآخر فيقولون: إنّ معروفاً صحب داود الطائي، وهذا أيضاً


لا أصل له، وليس في أخباره المعروفة ما يذكر فيها أخذه عن داود الطائي شيئاً، وإنّما نقل عنه الأخذ عن بكر بن خنيس العابد الكوفي ، وفي إسناد الخرقة أيضاً أنّ داود الطائي صحب حبيب العجمي، وهذا أيضاً لم يعرف له حقيقة، وفيها أنّ حبيباً العجمي صحب الحسن البصري، وهذا صحيح، فإنّ الحسن كان له أصحاب كثيرون، مثل أيوب السختياني، ويونس بن عبيد، وعبدالله بن عون، ومحمّد بن واسع، ومالك بن دينار، وحبيب العجمي، وفرقد السنجي، وغيرهم من عبّاد أهل البصرة.

وفي الخرقة: إنّ الحسن البصري صحب عليّاً. وهذا باطل باتّفاق أهل المعرفة، فإنّهم متّفقون على أنّ الحسن لم يجتمع بعلي، وإنّما أخذ عن أصحاب علي، أخذ عن الأحنف بن قيس، وقيس بن عباد، وغيرهما، عن علي. وهكذا رواه أهل الصحيح

وقد كتبت أسانيد الخرقة، لأنّه كان لنا فيها أسانيد، فبيّنتها ليعرف الحق من الباطل.

ولهم إسناد ثالث بالخرقة المنسوبة إلى جابر، وهو [ أيضاً ] منقطع جداً.

وقد علم بالنقل المتواتر: إنّ الصّحابة لم يكونوا يلبسون مريديهم خرقة، ولا يقصّون شعورهم، ولا التابعون لهم بإحسان ، ولكن هذا فعله بعض مشايخ المشرق من المتأخّرين

وكذا أصحاب معاذ بن جبل كانوا يأخذون عن عبدالله بن مسعود وغيره، وكذلك أصحاب ابن عباس يأخذون عن ابن عمر وأبي هريرة وغيرهما، وكذلك أصحاب زيد بن ثابت، يأخذون عن أبي هريرة وغيره. وقد انتفع بكلٍّ منهم من نفعه الله به.

وكلّهم متّفقون على دينٍ واحد، وطريقة واحدة، وسبيل واحد، يعبدون


الله، ويطيعون رسوله محمّداً صلّى الله عليه وسلّم، ومن بلّغهم من الصادقين عن النبي شيئاً قبلوه، ومن فهّمهم من القرآن والسنّة ما دلّ عليه القرآن والسنّة استفادوه، ومن دعاهم إلّى الخير الذي يحبّه الله والرّسول أجابوه.

ولم يكن أحد منهم يجعل شيخه ربّاً، يستغيث به كالإله الذي يسأله، ويرغب إليه، ويعبده، ويتوكّل عليه، ويستغيث به حيّاً وميّتاً، ولا كالنبي الذي تجب طاعته في كلّ ما أمر

وأكثر المسلمين بالمشرق والمغرب، لم يأخذوا عن علي شيئاً، فإنّهرضي‌الله‌عنه كان ساكناً بالمدينة.

وأهل المدينة لم يكونوا يحتاجون إليه، كما يحتاجون إلى نظائره، كعثمان في مثل قضيّة شاورهم فيها عمر، ونحو ذلك.

ولمـّا ذهب إلى الكوفة، كان أهل الكوفة قبل أنْ يأتيهم قد أخذوا الدّين عن سعد بن أبي وقّاص، و عبدالله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان ، وعمّار بن ياسر ، وأبي موسى الأشعري ، وغير هؤلاء ، ممّن أرسله إلى الكوفة.

وأهل البصرة أخذوا الدين عن عمران بن حصين، وأبي بكر، وعبد الرحمن بن سمرة، وأنس بن مالك ، وغيرهم من الصّحابة.

وأهل الشام أخذوا الدّين عن معاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وأبي الدرداء، وبلال بن رباح ، وغيرهم من الصّحابة.

والعبّاد، والزهّاد، من أهل هذه البلاد، أخذوا الدين عمّن شاهدوه من الصحابة، فكيف يجوز أن يقال: إنّ طريق أهل الزهد والتصوف متّصل به دون غيره ، وهذه كتب الزهد، مثل الزهد للإمام أحمد بن حنبل، والزهد لـعبدالله بن المبارك، و الزهد لوكيع بن الجراح، و الزهد لهنّاد بن السري، ومثل كتب أخبار الزهّاد، كحلية الأولياء، وصفوة الصفوة، وغير ذلك، فيها من أخبار الصحابة والتابعين


، اُمور كثيرة، وليس الذي فيها لعلي أكثر ممّا فيها لأبي بكر، وعمر، ومعاذ بن جبل ، وابن مسعود، واُبي بن كعب، وأبي ذر، وأبي الدرداء، وأبي اُمامة، وأمثالهم من الصّحابة »(١) .

وهذه العبارة - وإن أبطلها ( الدّهلوي ) في كلامه الّذي نصّ فيه على انتهاء جميع السلاسل والطرق إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وفيه غنىً وكفاية - تشتمل على هفوات كثيرة، بل لقد وصف ابن تيميّة من يقدّم الإمامعليه‌السلام على أبي بكر في علم الباطن بالملاحدة وقال: « والملاحدة المنتسبون إلى التصوّف، كابن سبعين، وابن عربي، والتلمساني، وأمثالهم، وإنْ كانوا يعظِّمون الخلفاء الثلاثة، فهم يميلون إلى التشيّع، وعامّتهم يفضّلون عليّاً على أبي بكر، إمّا مطلقاً، وإمّا في علم الباطن، كما فعل ذلك أبو الحسن الجزلي وطائفة من نمطه، فاشترك جنس الملحدين في التشيّع ».

فكان ابن تيميّة ينسب ( الدهلوي ) الّذي نصَّ على انتهاء السلاسل إلى الإمامعليه‌السلام - بعد إنكار الكلمات النبويّة ونفيها عنه - تخديعاً للعوام، إلى الرّفض والإلحاد!! بالإضافة إلى ما تقدَّم من مخالفة ( الدهلوي ) لوالده، مع اعتقاده فيه أشدّ الإعتقاد!!

ردّ المولوي حسن زمان على ابن تيميّة ووالد الدهلوي

ولقد أحسن العلّامة المولوي حسن زمان، في الردّ على كلمات ابن تيميّة وأجاد، فمن المناسب نقل كلامه - في ( القول المستحسن في فخر الحسن ) - بطوله حيث قال:

« وصل - لمـّا تمّ الكلام في المرام، من تحقيق الإتّصال بالإمكان، الذي

____________________

(١). منهاج السنّة ٨ / ٤٣ - ٥٠.


كاد أنْ يكون وجوباً، واللقاء والسّماع وذكر ما تيسّر من عداد من أثبته من الأئمّة الحفّاظ، والمحدّثين الأيقاظ، رضي الله عنهم، فأراد محمّد المشتهر بفخر الدين أنْ يشير إلى اُناسٍ ينكرونه، فقد وجد بعد التفتيش والفحص شرذمة من المتقدّمة، وفرقة من المتأخّرة.

فمن الاُولى: من يقول: لم يثبت سماعه منه، أي عنده.

قال السيوطي في زاد المسير: الحفاظ مختلفون في سماع الحسن البصري من علي رضي الله تعالى عنهما، فمنهم من لم يثبته كالبخاري، ويحيى ابن معين.

ونقل في إتحاف الفرقة عن ابن حجر في تهذيب التهذيب: قال يحيى بن معين: لم يسمع الحسن من علي بن أبي طالب، قيل: لم يسمع من عثمان، قال: يقولون عنه: رأيت عثمان قام خطيباً. وقال غير واحد: لم يسمع من عليرضي‌الله‌عنه انتهى. وسئل أبو زرعة: هل سمع الحسن أحداً من البدريين؟ قال: رآهم رؤيةً، رأى عثمان وعليّاً، فقيل: سمع منهما شيئاً؟ قال: لا. وقال البزار: روى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما ولم يسمع منه، وبينهما قيس بن عباد وابن الكوا. ولم يثبت له سماع من أحدٍ من أهل بدر.

قلت: قد صحَّ عند سائر أئمّة الشأن، بوجوهٍ ثابتة، سماعه من عثمان زمان اجتماعهما هما وعلي، في مكانٍ، وكذا اجتمع بالمرتضى بعده إلى مدة، فقد سمع منه علوماً جمّة لا محالة، كما مضى في المقدمة، وكفى ردّاً على ابن معين وموافقيه، برواية صاحبه أبي يعلى الصحيحة على شرطه، وتشديد هؤلاء العلماء في الأسانيد، واعتمادهم على استقرائهم، معلوم لا يحتاج إلى بيان.

قال الذهبي، في فصل ذكره بعد تصنيف الميزان - عقب نقل كلام ابن معين في الإمام الشافعي - فقد آذى ابن معين نفسه بذلك، ولم يلتفت أحد إلى كلامه


في الشافعي، ولا إلى كلامه في جماعة من الأثبات. انتهى. وكذا كلام البخاري في الأئمّة، كشيخنا عبدالواحد، وفقيهنا أبي حنيفة. والبزّار - قال أبو أحمد الحاكم -: يخطىء في الإسناد والمتن، جرحه النسائي. وقال حمزة السهمي عن الدارقطني: كان ثقة يخطىء كثيراً ويتّكل على حفظه. وقال أبو الشيخ عقب الثناء عليه: وغرائب حديثه وما ينفرد به كثير.

ومع هذا كلّه فكيف يقبل نفيهم مطلقاً، سيّما وقد عارضه أثبات الأثبات، بالححج البيّنات.

ومنها - من يقول: لا نعرف ولا نعلم سماع الحسن من علي كرّم الله وجهه. كالترمذي. فلا يلزم من عدم ثبوته عندهم، أو عدم معرفتهم، عدمه في الوجود، فهم فيه معذورون.

ومن الاُخرى: من يسلك طريقة المتعصّبة، فيقول مجازفةً من غير استقراء وتتبّع أقوال الأفاضل: إنّ الإجتماع والسّماع كليهما باطل، باتفاق الأماثل. منهم: اُعجوبة وقته ابن تيميّة الحنبلي، غفر الله له، ونحى نحوه صاحب « القرة »(١) .

وقد قال شيخ الإسلام الإمام الحافظ أبو الفضل ابن حجر العسقلاني في « الدرر الكامنة » في ترجمته - بعد ذكر مناقبه ومثالبه: كالقول بحرمة زيارة قبر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وقد نحا نحوه صاحب القرة في « الحجة »(٢) ، فإنّه قال في حديث: لا تشدّوا الرّحال، بعد ذكر الحكمة فيه من سدّ الفساد، والذريعة لعبادة غير الله تعالى: والحق عندي: إنّ القبر، ومحلّ عبادة وليّ من أولياء الله تعالى، والطور، كلّ ذلك سواء في النهي. ثمّ لم يذكر في المناسك شيئاً ممّا ثبت

____________________

(١). يعني قرة العينين لولي الله الدهلوي.

(٢). يعني الحجة البالغة لولي الله الدهلوي.


من أحاديث الزيارة النبويّة، على صاحبها الصّلاة والتحيّة، مع التزامه هنالك لذكر نحو ذلك، فهو مع ابن تيميّة بلا ريبة، والعجب أنّه مع هذا قال في حديث زيارة القبور: كان نهى عنها، لأنّها تفتح باب العبادة لها، فلمـّا استقرّت الاُصول الإسلاميّة، واطمأنّت نفوسهم على تحريم العبادة لغير الله، أذن فيها. إنتهى.

وعدم صحّة إسلام علي المرتضى، كرّم الله وجهه، لكونه صبيّاً، بل التدارك عليه، وعلى الذريّة الطاهرة، باعتراضات سخيفة مردودة، وقد نحى نحوه صاحب القرة، بتلويحات قريبة من التصريحات، وإشارات شبيهة بالعبارات، بأدنى تغيير ممّا للنواصب، مع ذكر علي المرتضى كرّم الله وجهه، في كلٍّ موضع منها بلفظ « المرتضى ».

وكذا وضع في كتابه: « إزالة الخفاء عن خلافة الخلفاء » أشياء تسمّيه إزالة الخلافة والهداية عن خاتم الخلافة وفاتح الولاية، لا نستبيح ذكر شيء منها.

والكتابان بين ظهراني الناس الآن، وكفى ردّاً لما فيهما من هذا، بكلمات ولده صاحب « التحفة الإثنا عشرية » وغيره، نسأل الله السلامة والعصمة.

وأمّا تصحيح إسلام المرتضى وهو صغير، فقال الجاحظ: مستنبط من كونه أقرّ على ذلك. قال الشيخ قاسم بن قطلوبغا الحنفي في تخريج أحاديث الإختيار: أوضح من هذا ما روى ابن سعد في الطبقات: أنا إسماعيل بن أبي أويس، ثني أبي، عن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم دعا عليّاً إلى الإسلام وهو ابن تسع سنين، ويقال: دون التسع، ولم يعبد وثباً قط لصغره. انتهى. قال: فلو لم يكن الإسلام مقبولاً منه لما دعاه إليه. إنتهى.

قلت: وكذا دعا شرذمةً من أطفال الصحابة إلى الإسلام، وقبله منهم، كما يظهر من كتب الأثر، وقد بايع عبدالله بن الزبير، وجعفر بن الزبير، وعبدالله بن


جعفر، وهم أبناء سبع سنين. رواه أبو نعيم وابن عساكر وغيرهما. وللطبراني بسند جيّد جداً عن الإمام محمّد الباقر: إنّ النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بايع الحسن والحسين وعبدالله بن عباس وعبدالله بن جعفر، وهم صغار لم يعقلوا، ولم يبلغوا، ولم يبايع صغيراً إلّا منّا. إنتهى. وإنّما المردّ في ذلك كلّه في علم الحكم إلى الفهم. وأوضح من ذلك كلّه في صحة إسلام المرتضى صبياً ما في أحاديث في مقام تفضيله أنّه أوّلهم إسلاماً.

ونسبة أمير المؤمنين عثمان بن عفّان رضي الله تعالى عنه إلى حبّ المال.

وردّ الأحاديث الموجودة في السنن، وإنْ كانت ضعيفة، وتبعه صاحب القرّة، بل قد ترقى فردّ الدواوين الإسلاميّة، غير الكتب الخمسة والموطأ ومسند أحمد.

وذكر إختلاف العلماء الكرام في حقّه، وقال -: إنّا لا نعتقد في حقّه عصمةً، بل إنّا نخالفه في مسائل أصليّة وفرعيّة.

وقال في « لسان الميزان » في ترجمة إبن المطهر الرافضي: وصنّف كتابه في فضائل عليرضي‌الله‌عنه ، فنقضه الشيخ تقي الدين إبن تيميّة في كتابٍ كبير، وقد أشار الشيخ تقي الدين السبكي إلى ذلك في أبياته المشهورة حيث قال: وابن المطهّر لم يظهر خلافه ولابن تيميّة ردّ عليه واستيفاء أجوبة(١) . لكنّه يذكر بقيّة الأبيات، فيما يعاتب به ابن تيميّة من العقيدة، طالعت الردّ المذكور، فوجدته كما قال السبكي في الإستيفاء، لكن وجدته كثير التحامل إلى الغاية في ردّ الأحاديث التي يوردها ابن المطهر، وإن كان معظم ذلك من الموضوعات

____________________

(١). أصل البيتين في الدرر الكامنة، المظهرين للأحقاد الكامنة هكذا:

وابن المطهر لم تطهر خلائقه

داع إلى الرفض غال في تعصّبه

ولابن تيميّة ردّ عليه له

أجاد في الردّ واستيفاء أضربه


والواهيات، لكنّه ردّ في ردّه كثيراً من الأحاديث الجياد، إلى قوله: يهم ويصل من ممانعته لتوهين كلام الرافضي أحياناً إلى تنقيص علي والترجمة لا تحتمل إيضاح ذلك، وإيراد أمثلته.

قلت: ومع ذلك، كونه لم يذكره في « اللّسان » كالذهبي في « الميزان » مع ذكر الأجلّاء فيهما، من عجائب الزمان.

وقال الإمام أبو عبدالله الذهبيرحمه‌الله في « تاريخه » - مع كونه من أتباعه في كثير، كما لا يخفى، بعد ذكر نحوها -: فهو بشر له ذنوب وخطايا.

وكذا ذكر الإمام اليافعي، وغير واحد من الأئمّة.

وقال العلّامة ابن حجر المكي في « الجوهر المنظم في زيارة القبر المكرَّم »: مَن ابن تيميّة حتّى ينظر إليه أو يعوَّل في شيء من أمور الدين عليه؟! وهل هو إلّا - كما قال جماعة من الأئمّة الذين تعقّبوا كلماته الفاسدة، وحججه الكاسدة، حتّى أظهروا عوار سقطاته، وقبائح أوهامه وغلطاته، كالعزّ ابن جماعة - عبدٌ أضلّه الله وأغواه، وألبسه رداء الخزي وأرداه وبواه، من قوّة الإفتراء والكذب ما أعقبه الهوان، وأوجب له الحرمان. ولقد تصدىّ شيخ الإسلام، وعالم الأنام، المجمع على جلالته واجتهاده وصلاحه وإمامته، التقي السبكي، قدّس الله روحه ونوّر ضريحه، الردّ عليه في تصنيف مستقلٍ، أفاد فيه وأجاد، وأصاب وأوضح بباهر حجبه طريق الصّواب، فشكر الله مسعاه، وأدام عليه شآبيب رحمته ورضاه.

ومن عجائب الوجود ما تجاسر عليه بعض الشرفاء من الحنابلة، فغبر في وجوه مخدّراته الحسان، التي لم يطمثهنّ إنس قبله ولا جان، وأتى ما دلَّ على جهله، وأظهر به عوار غباوته وعدم فضله وتدارك ابن تيميّة سيّما الخلفاء الراشدين، باعتراضات سخيفة شهيرة، وأتى من نحو هذه الخرافات بما تمجّد


الأسماع، وتنفر منه الطّباع.

وهكذا ذكر العلّامة المحدّث البرنسي في « إتحاف أهل العرفان برؤية الأنبياء والملائكة والجان».

وقال العلّامة الحافظ الشامي صاحب السيوطي، في سيرته المسمّاة بـ « سبل الهدى والرّشاد في سيرة خير العباد » صلّى الله عليه وسلّم: مشروعيّة السّفر لزيارة قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الأمجاد: قد ألّف فيها الشيخ تقي الدين السبكي، والشيخ كمال الدين ابن الزملكاني، والشيخ داود أبو سليمان صاحب كتاب الإنتصار، وابن جملة، وغيرهم من الأئمّة، وردّوا على الشيخ تقي الدين ابن تيميّة، فإنّه أتى في ذلك بشيء منكر لا يغسله البحار.

وممّن ردّه عليه من أئمّة عصره: العلّامة محمّد بن يوسف الزرندي المدني المحدّث، في « بغية المرتاح إلى طلب الأرباح ».

ثمّ في هذا كلّه ردّ جيد على ما وقع للقاري(١) ، من الإشارة إلى تأويل مذهبه هذا، وحمله على محامل بعيدة من مقصود، على مراحل، وزعمه أنّه من أولياء الله، فلا حول ولا قوّة إلّابالله.

قال الشيخ العلّامة شهاب الدين أبو عبدالله أحمد البرنسي المالكي الشاذلي المعروف برزّوق في « شرح حزب البحر »: فإنْ قلت: قد أنكر ابن تيميّة هذه الأحزاب، وردّها ردّاً شنيعاً، فما جوابه؟ قلنا: ابن تيميّة رجل مسلّم له باب الحفظ والإتقان، مطعون عليه في عقائد الإيمان، ملموز بنقص العقل فضلاً عن العرفان، وقد سئل عنه الشيخ الإمام تقي الدين السبكي فقال: هو رجل علمه أكبر من عقله.

قلت: ومقتضى ذلك أن يعتبر بنقله لا بتصرّفه في العلم، قلت: بل ينبغي أن

____________________

(١). يعني الشيخ علي بن سلطان القاري.


لا يعتبر من نقله، إلّا بما تخلّص فيه من التعصّب والتعسّف، لا مطلقاً، يتّضح لك ذلك ممّا نقله هنالك.

وقد بالغ بعض علماء الظّاهر، فأطلق أنّ: من سمّى إبن تيميّة بشيخ الإسلام كافر، ولا يخفى ما فيه، ولذا ألّف ابن ناصر الدين الشافعي عليه كتابه: « الرد الوافر » ولكنّي لم أقف عليه إلى الآن.

وبالجملة، فالفقهاء والعرفاء ليسوا أشدّ تغليظاً على أحدٍ من أهل العلم منهم عليه، فثناء من أثنى عليه من العلماء فيما نقله ابن ناصر الدين في التبيان بعضه يرجع إلى علمه، وبعضه وقع من عدم الوقوف على سقمه من فضائحه وقبائحه.

قال إبن تيميّة في منهاج السنّة: ( قال الرافضي: وأمّا علم الطريقة فإليه منسوب، فإنّ الصوفية كلّهم يسندون الخرقة إليه. والجواب: أوّلاً: أمّا أهل المعرفة وحقائق الإيمان المشهورون في الاُمّة بلسان الصّدق، فكلّهم متّفقون على تقديم أبي بكر، وأنّه أعظم الاُمّة في الحقائق الإيمانيّة والأحوال العرفانيّة ).

أمّا نقل ابن تيميّة اتّفاق أهل المعرفة على تقديم أبي بكر على علي رضي الله عنهما في الطريقة وعلم الحقيقة، فلا أصل له أصلاً قال الجنيد رضي الله تعالى عنه: صاحبنا في هذا الأمر الذي أشار إلى ما تضمّنته القلوب، وأومئ إلى حقائقه وأوّله - بعد نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - علي بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه . ذلك امرؤ اُعطي علماً لدنيّاً، يعني علم التصوّف. وقال أيضاًرضي‌الله‌عنه : أمير المؤمنين علي بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه لو تفرغ إلينا من الحروب لنقل إلينا عنه من هذا العلم - يعني علم الحقائق والتصوّف - ما لا تقوم له القلوب.

أوردهما الإمام أبو عبدالرحمن السّلمي الصوفي الحافظ شيخ الحاكم


والبيهقي وأمثالهما. ونقلهما عنه الشيخ محمّد البخاري، ثمّ المدني المعروف بخواجه فارسا الحنفي، في « فصل الخطاب ».

وقال الإمام علي بن عثمان بن علي الجلابي الغزنوي، المحدّث، الفقيه الحنفي، الصوفي، في « كشف المحجوب » قال سيّد الطائفة الجنيدرضي‌الله‌عنه : شيخنا في الاُصول والبلاء علي المرتضى - يعني إنّ إمامنا في علم الطريقة ومعاملاتها هو علي المرتضى كرّم الله وجهه. فإنّ أهل الطريقة يسمّونها الاُصول ومعاملاتها كلّها بلاءً. إنتهى مترجماً.

وأمّا مقالة إبن تيميّة: ( وأين من يقدّمونه في الحقائق التي هي أفضل الاُمور عندهم إلى من ينسب إليه لباس الخرقة، وقد ثبت في الصحيحين عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال: إنّ الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وإنّما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، فأين حقائق القلوب من لباس الأبدان ).

فمردودة، بأنّها ليست حقيقة لبسة الخرقة الفخرية هذا الذي يفهمه، بل هي كناية عن الولاية الباطنيّة، كما أنّ السلاطين الظاهريّة إذا يولّون الولاة يجعلون عليهم ملابس نفائس، إكراماً لهم وإعلاماً بتوليتهم، فالنّبي صلّى الله عليه وسلّم لما قال: « من كنت مولاه فعلي مولاه » عمّمه بعمامته. وسيأتي تمام تحقيقه منّي، بالتعليم الفخري العلوي اللّدني، إن شاء الله العزيز القوي.

( ويقال ثانياً: الخرق متعدّدة أشهرها خرقتان، خرقة إلى عمر، وخرقة إلى علي، فخرقة عمررضي‌الله‌عنه لها إسنادان، إسناد إلى اُويس القرني وإسناد إلى أبي مسلم الخولاني ).

قلت: خرقة الخولاني كالخبر الشاذ الذي لا يعرف، وليس لها ذكر عند جماهير أهل هذه المعرفة والمعاملة الصوفيّة، وإنّما رواها الآحاد. ولا يخفى أنّ نسبة الخرقة الاُويسيّة إلى الحضرة العلويّة، أشهر عند أهلها، وهم الصوفيّة، من


نسبتها إلى الحضرة العمريّة، وصحبته عليّاً أكثر من اجتماعه بعمر، وروايته عنه أعرف وأظهر من روايته عنه.

( وأمّا الخرقة المنسوبة إلى علي، فإسنادها إلى الحسن البصري ).

من المشهور المذكور، المعلوم للخصوم، إسناد الخرقة الكميليّة والشريحيّة كليهما إلى الحضرة العلويّة خاصة، بلا شبهة في اتّصالها، وفوقها كلّها الطريقة الحسنيّة والحسينيّة، اللتان يقال لكلٍ منهما السلسلة الذهبيّة، وهذه السلاسل ينتظم فيها جمّ غفير من سلاسل الصوفيّة، فلا أدري أنّ الحامل لابن تيميّة على عدم ذكرها، كالاُويسيّة المرتضويّة، الجهل بها، أم محضة عصبيّة رديّة؟ وقد تبعه صا « القرّة » كما مضى، فتنبّه.

ومن المقرّر المحرّر عند أهل السير والعلم بالخبر: إنّ الخرق العلويّة، والطرق المرتضويّة، قد استند إليها، وتخرّج فيها، عالم من أولياء الله لا يحصون كثرة، بل أولياء الدنيا مطلقاً، من الچشتية بشعبها، والمكيّة بشعبها، والقشيريّة بشعبها، والهروية بشعبها، والأحمدية الغزالية بشعبها، والمحمّدية الغزالية بشعبها، والشطارية بشعبها، والرفاعية بشعبها، والقادريّة بشعبها، والمدنية بشعبها، والسهروردية بشعبها، واليسوية بشعبها، والكبروية بشعبها، والأكبرية بشعبها، والشاذلية بشعبها، والنقشبنديّة بشعبها في الغالب، والشريحيّة بسلاسلها وشعبها، وسلاسل آخر. وإنّما ينتسب إلى غيرها آحاد، كالباب الكبار والخوخة الصغيرة للمدينة والدار، فأنصف ولا تعتسف.

( والمتأخرون يصلونها بمعروف الكرخي ).

لم يذكر ما يصلها المتقدمون به، وهو إمامنا إبراهيم البلخي، عن الإمام الفضيل، عن الإمام عبدالواحد، عن الإمام الحسن البصريرضي‌الله‌عنه ، فإنّ هذه الطريقة متصلة بلا شبهة عنده، وبالله العصمة.


وقال صاحب القرة بعد إيراد تلك الكلمات في السلسلة المرتضوية: إذا اتّضحت هذه المقدّمات، فلزم أنْ نقرّر رفع سلاسل الصوفيّة من جهات متعددة، فنقول: مثلاً صحب إبراهيم والفضيل سفيان، وحصّلا منه تهذيب النفس، وهو من الأعمش، وهو من أصحاب ابن مسعود.

قلت: يا سبحان الله، هل يركب الأسانيد من عنده، من غير أنْ يكون لذلك عند من يستعمل هذه الروايات أصل؟! وهل معنى وضع الإسناد غير هذا؟! ولم يتذكر قوله: ينبغي أن يذكر في المطالب النقليّة الوقوع لا الإمكان، والله المستعان.

قال: وهذه المقالة أصدق وأحق من قولهم: إنّ الفضيل أخذ هذا الفن عن عبد الواحد بن زيد، وهو عن الحسن، وهو عن أمير المؤمنين عليرضي‌الله‌عنه ، لأنّ انتساب الفضيل إلى سفيان أظهر في كتب الحديث وطبقات الصوفيّة من انتسابه إلى عبدالواحد.

قلت: ليست كتب الحديث موضع رواية أخذ الصوفيّة علم الباطن عن شيوخهم، حتّى يذكر ذلك فيها، وينكر ما ينافيها، وكتب طبقات الصوفية التي ألّفها من لا يسند الطريقة إلى الفضيل، فضلاً عن أن يكون أعلم بروايته من غيره، كالقشيري والهروي، ليست بحجّة، مع كونهم لم ينفوا ذلك، على أنّ المثبت مقدم على النافي، ولم يتعرّض لإسناد إبراهيم عن الفضيل، ولا لإسناد عبدالواحد عن الحسن، لأنّه مستعمل عند الكلّ فتأمّل. ثمّ أطال المقال من هذا النمط، في غاية السقط والغلط، نعوذ بالحق ممّا يستحق منه السّخط.

( فإنّ الجنيدرضي‌الله‌عنه صحب السّري، والسّري صحب معروفاً الكرخي بلا ريب. وأمّا الإسناد من جهة معروف فمنقطع، فتارة يقولون إنّ معروفاً صحب علي بن موسى الرضا ).


لا يخفى ما فيه من رائحة نسبة الأصفياء الأولياء إلى الكذب بالتردد، وإنّما هو ونحوه في السند من التعدّد، ولكن لا طب للتبلّد مع التشدد في التمرّد والتعنّد، ونسأل الله الصمد الودَّ لأوليائه والتودد، والمدد في ذلك للتوكد.

( وهذا باطل قطعاً. لم يذكره المصنّفون لأخبار معروف بالإسناد الثابت المتصل، كأبي نعيم وأبي الفرج ابن الجوزي في كتابه الّذي صنّفه في فضائل معروف ).

قلت: إن لم يرووه لم ينفوه أيضاً، مع أنّ المثبت مقدم على النافي، ومن حفظ وذكر حجة على من لم يحفظ ولم يذكر، على أنّ هذا باطل قطعاً، وأنّى أحاط علمه وحفظه جميع الكتب المفردة في أخبار معروف المعروفة، حتّى يدّعي هذه الدعوى المصروفة؟! هذا الإمام الحافظ الناقد أبو عبدالرحمن السّلمي النيسابوري، عصري أبي نعيم، بل الأكبر منه، المتوفى قبله بثمان عشرة سنة، وصاحبهما الإمام المحدّث المحقّق، من شيوخ الخطيب البغدادي، الحافظ أبو القاسم القشيري، الأكثر اعتناءً ومعرفة بأحوال أمثال معروف، من مثل ابن الجوزي، قد أورده بسنده كلّ منهما في ترجمة معروف، من كتابهما غير المفرد في أخباره.

قال الإمام القشيري: هو من موالي علي بن موسى الرضا رضي الله عنهما، سمعت محمّد بن الحصينرحمه‌الله ، يقول: سمعت محمّد بن عبدالله الرازي يقول: سمعت علي بن محمّد الدلال يقول: سمعت محمّد بن الحسين يقول: سمعت أبي يقول: رأيت معروف الكرخي في النوم بعد وفاته، فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي، فقلت: بزهدك وورعك؟ فقال: لا بل بقبولي موعظة ابن السمّاك ولزومي الفقر، ومحبّتي الفقراء. وموعظة ابن السمّاك ما قال معروف: كنت مارّاً بالكوفة، فوقفت على رجلٍ يقال له: ابن السمّاك، وهو يعظ


الناس، فقال في خلال كلامه: من أعرض عن الله بكليّته، أعرض الله عنه جملة، ومن أقبل على الله بقلبه أقبل الله إليه برحمته، وأقبل بجميع وجوه الخلق إليه، ومن كان مرةً ومرةً فالله يرحمه وقتاً مّا. فوقع كلامه على قلبي، وأقبلت على الله، وجميع ما كنت عليه تركت، إلّا خدمة مولاي علي بن موسى الرضا. وذكرت هذا الكلام لمولاي، فقال: يكفيك بهذا موعظة إن اتّعظت به.

أخبرني بهذه الحكاية محمّد بن الحسين، قال: سمعت عبدالرحيم بن علي الحافظ ببغداد، قال: سمعت محمّد بن عمر بن الفضل يقول: سمعت علي بن عيسى يقول: سمعت سري السقطي يقول: سمعت معروفاً يقول ذلك.

( ومعروف كان منقطعاً في الكرخ ).

يعني: ما كان يدخل على الخلق، ولا كان يخرج من الكرخ قط. وهذا دعوى بلا دليل، فهو غير مقبول، مع أنّه باطل في نفسه، لما مضى آنفاً.

( وعلي بن موسى كان المأمون قد جعله ولي العهد بعده ).

لا تعلّق له بالمقصود، فإنّ الإمام عليّاً الرضا كما ذكر أهل السير والعلم بالخبر، جعل ولي العهد بمرو من بلاد خراسان، قبل شهادته نحو سنةً تخميناً، فلا يصلح هذا حجة لعدم لقيه معروف مدّة عمره، وإنّ الّذي عند الصوفية إنّما هو صحبة معروف للرضا قبل آخر عمره، ومعروف قد توفي إلى رحمة الله تعالى قبل قصة الولاية، سنة مائتين على الصحيح، وقيل: إحدى ومائتين.

( وجعل شعاره لباس الخضرة، ثمّ رجع عن ذلك، وأعاد شعار السواد ).

إيراد ذلك لا يمسّ إليه المراد هنالك.

( ومعروف لم يكن ممّن يجتمع بعلي بن موسى ).

تكرار بلا فائدة، وإعادة بلا عائدة.

( ولا نقل عنه ثقة أنّه اجتمع به، أو أخذ شيئاً عنه، بل ولا يعرف أنّه رآه،


ولا كان معروف بوّابه، ولا أسلم على يديه. فهذا كلّه كذب ).

قد مضى بعض تكذيب بعضه، ويأتي تكذيب بعضه، إن شاء الله العلي القوي.

( وأمّا الإسناد الآخر، فيقولون: إنّ معروفاً صحب داود الطائي، وهذا أيضاً لا أصل له، وليس في أخباره المعروفة ما يذكر فيه أخذه عن داود الطائي شيئاً ).

هذا باطل بما مضى في رواية الحديث المسلسل بالتلقيم، بسندٍ جيّدٍ قويم، وقد قال الإمام القشيري في « الرسالة » في باب الصحبة: وكان الاُستاد أبو علي يقول: أخذت هذا الطريق عن النصرآبادي، والنصرآبادي عن الشبلي، والشبلي عن الجنيد، والجنيد عن السرّي، والسرّي عن معروف الكرخي، ومعروف عن داود الطائي.

قلت: الظاهر أنّ كلّ واحد منهم قد تلقّى من صاحبه أنّه تلقّاه من صاحبه، فإنّ كلّ واحد قد لازم صاحبه دهراً، وكلّهم مع كونهم أهل الولاية والهداية، هم أهل الرواية والدراية المحقّقين، لا كالمتصوفين الضعفاء، ولذا اعتمده صاحب مجمع الأحباب، وشرطه معلوم، وفي طبقات شيخ الإسلام والحفاظ الهروي: وكان معروف قد صحب داود الطائي.

فإن قيل: قد ولد الإمام الرضا لإحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، سنة ثلاث وخمسين ومائة على الأصح، وقيل: في شوال. وقيل: سنة ست. وقد قال محمّد بن عبدالله بن نمير: مات داود سنة خمس وستّين ومائة، ورجّحه الهروي، وقيل: سنة ستّين ورجّحه ابن حجر، وقيل: إحدى وستّين، وقيل: إثنتين وستّين، وقال أبو داود الطيالسي: مات إسرائيل وداود في أيّام وأنا بالكوفة. وقال أبو نعيم وقعنب بن المحرر: مات إسرائيل سنة ستّين ومائة، وقال


دبيس وغيره: سنة إحدى وستّين وقيل: اثنتين وستّين، وهو أكثر ما قيل. فعلى هذا: الراجح في متوفى داود سنة ستّين أو إحدى وستّين أو إثنتين وستّين، فيكون سنّ الإمام الرضا إذ ذاك ثمان سنين أو تسعاً أو عشراً، فكيف يتصوَّر أن يكون معروف قد أسلم على يديه، ثمّ أتى داود، واستند إليه.

قلت: ماذا الذي فيه يستبعد؟ فقد علم من رواية إبن الجوزي وغيره: أنّه كان معروف قد ناداه الله تعالى بالإجتباء في الصباء، حتّى كان يردّ قول المؤدب له: أب وابن ثالث ثلاثة، فيقول: بل هو الله الواحد القهار أحد أحد، حتّى هرب إذ ضرب المؤدب، وغاب سنين، فكيف لا يتصوَّر أن يكون باجتباء الله إياه قد علم فراسةً من نور الله: أنّ الإمام الرضا قد آتاه الله تعالى صبيّاً الحكمة والمعرفة، فإنّه شعبة من شجرة الإجتباء والإصطفاء والإرتضاء، وعلم أنّه على يديه يستخرج ويستكمل أمره، وألهم ذلك من الله تعالى، كما ألهم التوحيد قبل ذلك. فأتى الإمام الرضا، وأحكم الإسلام على يديه، ثمّ لمـّا رجع لقى بالكوفة الإمام داود، واستفاد منه أشياء، فلمـّا توفّي الإمام داود إلى رحمة الله تعالى، ومعروف لم يكمل أمره، وسمع نصيحة بعض أصحاب داود، وموعظة ابن السماك، فعاد إلى المولى الرضا، ولازم خدمته، واستفاد منه، إلى أنْ فاز بالمراد والإرشاد والرشاد من الله الهاد.

( وإنّما نقل عنه الأخذ عن بكر بن خنيس العابد الكوفي ).

وفي القشيرية قال معروف الكرخي: قال لي بعض أصحاب داود الطائي: إيّاك أن تترك العمل. ولا يخفى أنّه لا يقتضي أن لا يكون معروف قد روى عن داود مشافهة.

( وفي إسناد الخرقة أيضاً أنّ داود الطائي صحب حبيباً العجمي، وهذا لم يعرف له حقيقة ).


جهل ابن تيمية به ليس بحجّة، وستأتي في تحقيق الخرقة من مسند الدنيا الحافظ أبي طاهر السلفي، والمحدّث أبي بكر الزراد، وغيرهما من المحقّقين، حقيقة حقّة لهذا، ولسائر ما قد مرّ، ومن ذكر حجة على من لم يذكر، سيّما والّذي لم يذكره لم يتعرّض لنفيه، وقد صحّح هذا كلّه صاحب القرة في الإنتباه، ولم يتكلّم فيها في القرة، من حيث اللقية والصحبة، ولكن أحدث أمر آخر، سنورده مع الردّ بمدد الله الصمد.

( وفيها أنّ حبيباً العجمي صحب الحسن البصري، وهذا صحيح، فإنّ الحسن كان له أصحاب كثيرون، مثل أيوب السختياني، ويونس بن عبيد، وعبدالله بن عون، ومثل محمّد بن واسع، ومالك بن دينار، وحبيب العجمي، وفرقد السنجي وغيرهم من عبّاد أهل البصرة ).

لا حاجة إلى هذه الإطالة.

( وفي الخرقة أنّ الحسن صحب عليّاً. وهذا باطل باتفاق أهل هذه المعرفة. فإنّهم متّفقون على أنّ الحسن لم يجتمع بعليّ، وإنّما أخذ عن أصحاب علي، أخذ عن الأحنف بن قيس، وقيس بن عباد، وغيرهما، عن علي، وهكذا رواه أهل الصحيح، والحسن البصري ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر، وقتل عثمان وهو بالمدينة ).

يقال له هنا: فأين كان علي المرتضى إذن؟ وهل رحل هو أو الحسن مدة خلافة عثمانرضي‌الله‌عنه إلى بلدة؟ فلا بدَّ له من القول بكونهرضي‌الله‌عنه بالمدينة الطيبة، وأنّهما لم يرحلا مدّة خلافة عثمانرضي‌الله‌عنه ، فيسأل: فأيّ مانع كان لهما من الإجتماع؟ فلا جرم أنْ لا منجا له من أنْ يقول بعد كيت وذيت: لا ريبة أنّهما كانا يجتمعان في المسجد كلّ يوم خمس مرّات، إلى آخر ما تحقق فيما سبق. ويا عجبا منه كيف لم يتعرّض ههنا لتحقيق كون علي رضي‌


الله عنه بأيّة بلدة، وتفحّص عنه فيما إذا رحل الحسن إلى البصرة.

قال: ( كانت أمّه أمةً لأمّ سلمة، فلمـّا قتل عثمان حمل ).

التعبير بالحمل عجيب تزوير. فتأمّل.

( إلى البصرة. وكان علي بالكوفة ).

مرّ رده غير مرّة.

( والحسن في زمنه صبيّ من الصبيان، لا يعرف، ولا له ذكر ).

يأتي ردّه إنْ شاء الله تعالى.

وقال صاحب القرة بعد مقالته المذكورة: وثقات تبع التابعين الذين كانوا بالمدينة، داخلون في هذه المرتبة ألبتة، فعدم عدّ سلاسلهم، والإكتفاء بسلاسل جمعٍ من أهل العراق وخراسان، نوع من الجور.

قلت: يا سبحان الله، هل الجور إثبات ما ثبت عن الأثبات متواتراً متظافراً، أو نفي ذلك وإثبات ما لم يكن شيئاً مذكوراً؟ وكيف يضعون الإسناد لما لم يقع لهم إليه استناد؟

قال: والذي يتبادر أنّ أصل هذا الغلط كان بعض تصريحات أبي طالب المكي، وحيث أنّ كتابه أصل التصوف، كان هذه المسألة من مشهوراتهم الذائعة، وهو وإن كان عمدةً في هذه الطريقة، فله تساهلات كثيرة في علم الحديث، ولا يظهر منه اتّساع وتبحّر في الرواية، حتّى يتكلّم على حال جميع السلاسل.

قلت: قد تقدّم ردّ التكلّم في المكي، مع أنّ هذا ليس من علم الحديث وروايته، بل هو من علم الباطن ورواته، وهو من أهل ذلك الفن، ولا يلزم من عدم التبحر في علم عدمه في علمٍ آخر، على أنّه قد تابع المكي عليه عصريّه الإمام أبو بكر بن أبي إسحاق الكلاباذي البخاري المحدِّث في « التعرّف »، وقد


قال فيه المشايخ - كما في « فصل الخطاب » - لولا التعرف ما عرف التصوّف.

قال في ذكر رجال الصوفيّة: فممّن نطق بعلومهم، وعبَّر من مواجيدهم، ونشر مقالاتهم، ووصف أحوالهم، قولاً وفعلاً، بعد الصحابة: علي بن الحسين زين العابدين، وابنه محمّد بن علي الباقر، وابنه جعفر بن محمّد الصادق، بعد علي والحسن والحسين، رضي الله عنهم أجمعين. ثمّ قال: وأويس القرني، والحسن بن أبي الحسن البصري - إلى أن قال - ومن أهل خراسان والجبل: أبو يزيد طيفور بن عيسى البسطامي - إلى أن قال -: وممّن نشر علوم الإشارة، كتباً ورسائل، أبو القاسم الجنيد بن محمّد بن الجنيد البغدادي - إلى أن قال - وأبو بكر الشبلي. ثمّ قال: وممّن صنّف في المعاملات: أبو محمّد عبدالله بن محمّد الأنطاكي، وأبو عبدالله أحمد بن عاصم الأنطاكي، والحارث بن أسد المحاسبي، وأبو عبدالله محمّد بن علي الترمذي، وأبو عبدالله محمّد بن الفضل البلخي، وأبو علي الجوزجاني، وأبو القاسم إسحاق بن محمّد الحكيم السمرقندي. ثم قال: فهؤلاء هم الأعلام المذكورون المشهورون، المشهود لهم بالفضل. إلى آخر ما قال، ذكره صاحب « فصل الخطاب ».

ثمّ قال صاحب القرّة: يحرّر الفقير ما قرّر عنده في هذا الباب، وإن كان يشق على بعض أهل العصر، الذين يألفون مشهورات القوم، فإنّ الحق أحق أنْ يتّبع.

كأنّه يريد الإمام المصنّفقدس‌سره الفريد.

قال: سلسلة تهذيب النفس في أهل المدينة مرتقية إلى أئمّة تبع التابعين، وأعظمهم الإمام مالك، وله شيوخ كثيرون، وأكثر انتفاعه بنافع عن ابن عمر، وهو مع إدراكه شرف صحبته وتربيتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد صحب والده أيضاً.


قلت: واهاً لك، ما لمالك والأعظميّة بالمدينة الطيّبة في ذلك، مع وجود إمام المسالك هنالك؟! وهو إمام الأعلام، منبع المعارف والحقائق، جعفر بن محمّد الصادق، وهل الإمام مالك إلّامن خادمي حضرته العليّة، وملازمي عتبته السنيّة، وسلسلته سلسلة الذهب أباً عن جدٍ، إلى المرتضى، وللصادق انتسابٌ إلى أبي بكر الصدّيق أيضاً.

وكأنّ صاحب القرة ليست له خبرة بحال الإمام عبيدالله بن عمر العمري، وقد فضّله يحيى بن سعيد، والإمام أحمد، وعمرو بن علي الفلاس، على مالك في نافع، ثبتاً وحفظاً وإكثاراً لرواية، وأنكروا على ابن مهدي العكس. وكذا قد قدّمه وآثره عليه الزهري، إذ قرأ الكتاب لديه، وقال أبو بكر ابن منجويه: كان من سادات أهل المدينة، وأشراف قريش، فضلاً وعلماً وعبادة وشرفاً وحفظاً وإتقاناً.

ولا بحال الإمام عبدالله بن عبدالعزيز العمري الحافظ الفقيه الصوفي، وقد فضّله السفيانان وعبد الرزاق، في رواية صحيحة عنهم، والطحاوي، وآخرون، على الإمام مالك، ورأوا الحمل عليه حديث [ فالحديث ] ضرب أكباد الإبل. وقد كتب الإمام مالك إليه، إذ كتب هو إلى مالك يحضّه على التفريد، ما نصّه: ما أظنّ ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، ونرجو أنْ يكون كلّنا على خير، ويجب على كلّ واحد منّا أن يرضى بما قسمه الله له.

ثمّ الإمام مالك وإنْ مال بعدُ إلى ذلك، ولكن ليس يكون إمامهم، وهؤلاء الأجلّاء فيهم، ولم أعلم ممّن استفاض العمريان!

قال: ( وسلسلة أهل مكة مرتقية إلى أصحاب ابن عباس ).

قلت: لم يقل هنا أنّه مع تشرّفه بصحبته صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم قد صحب المرتضى أيضاً، وتأدّب به، وعليه تخرّج في العلم الظاهر والباطن


الباهر، كما رواه الأئمّة، كابراً عن كابر، بحيث لا يسع إنكاره المكابر.

قال: ( وسلسلة أهل الكوفة كداود الطائي مرتقية إلى أئمّة تبع التابعين، وأعظمهم سفيان الثوري، عن الأعمش، عن أصحاب عبدالله بن مسعود ).

قلت: يا سبحان الله، إنّما داود من أقران الثوري، وشريكه في شيوخه، وإنّما جلّ أخذه الحديث من التابعين. قال الذهبي في « تذهيب التهذيب » في ترجمته: الفقيه، الزاهد، أحد الأعلام، عن عبدالملك بن عمير، وهشام بن عروة، وإسماعيل بن خالد، وجماعة من طبقتهم. إنتهى.

وإنّما كان بدايته في الترك، من كلمةٍ قالها له الإمام أبو حنيفة من شيوخه في الفقه. ولكن ليس يذكره صاحب القرة، وإنّما استفادته علم الباطن من الإمام الحبيب الراعي، والإمام الحبيب العجمي، على ما رواه أهل هذه المعرفة والمعاملة، واعترف به صاحب القرة في الإنتباه، وكأنّه لم يقرع قط اذنه: إنّ عليّاً كرم الله وجهه سكن الكوفة مدّة، حتّى قضى نحبه، وقد استفاض بها منه جماعات من أرباب الولايات، ككميل، وقد بآء به صاحب القرة في الانتباه، فيكون مرتقى سلسلة أهل الكوفة أيضاً إلى المرتضى.

قال: ( وسلسلة أهل البصرة مرتقية إلى الحسن وابن سيرين ).

قلت: لم يذكر أنّهما عمّن أخذا، فلو لم يكن الحسن أخذ عن المرتضى، فلا شبهة عنده في أخذه عن أصحابه، ككميل بن زياد، وقيس بن عباد، وكذا ابن سيرين.

قال: ( وسلسلة أهل الشام مرتقية إلى أبي الدرداء ).

قلت: لم يذكر من دونه من أهل السلسلة، فإنّ إيجاده مشكل جدّاً، ولا يخفى أنّ سلسلة أهل الشام مرتقية إلى الإمام إبراهيم بن أدهم، ثمّ إلى المرتضى.


قال: ( وسلسلة أهل اليمن مرتقية إلى طاوس عن ابن عباس ).

قلت: وهو إلى المرتضى. إنتهى.

هذا، وقد أحدث ههنا صاحب القرة شقّاً آخر غير شقّي إبن تيميّة فقال:

وبعد هذا كلّه، لا شبهة أنّ ظاهرهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان أحكام الشريعة، والطريقة خفيّة ومستورة، واعتناؤه الكلّي جهاراً وتعليماً وترويجاً وترغيباً وترهيباً، إنّما كان بأحكام الشريعة، والإشارات الضمنيّة إلى الطريقة، وأكثر الآيات والأحاديث بطريق التصريح والتفصيل، يثبت الشريعة، وبعضها بطريق الإيماء والإجمال يثبت الطريقة، ففضل يتعلّق بالأظهر والأصرح، وبما كان به الإعتناء الكلّي يكون فضلاً كليّاً، وغيره وإن كان أنفس وأعلى وأغلى، فضل جزئي. إنتهى ترجمة لفظه.

قلت: سبحان الله، إنّما هذا الإعتناء بالشريعة، لكونها ذريعة إلى الطريقة، حتّى يصل بها من قدر له إلى معرفة الحقيقة، التي هي العلّة الغائية، وإليها نهاية الاُمنيّة، فلها الفضل الكلي دون الذريعة، وإلّا فيلزم أن يكون المقصود الحقيقي الّذي هو وجهه تعالى مفضولاً، وأية كلمة أكبر منها، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.

مع أنّ تفضيلهما عليه في علم الشريعة محلّ المنازعة كما سترى، وهو شريكهما في تعليمها، والغزوات والبعوث كما تخبر به زبر الأثر، نعم لهما سيّما أبي بكر الصدّيق خصوصيّة في إشاعة الإسلام، ونصرتهعليه‌السلام في أوّل الأمر، كما أنّ للمرتضى خصوصيّة في ذلك، في فتح خيبر، إذ أشكل على الكلّ الأمر، وكذا في فتح همدان، وإشاعة أحكام الإسلام في غير واحدٍ من البلدان، باليمن والعراق والآفاق.

ولقد كان بعد وفاتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في نوبة الخلفاء الثلاثة


شريكهم في الأمور الجهاديّة، والواقعيّات القضائيّة، كاشف كلّ شبهة، وموضّح كلّ حكم، كما قال الفاروق، ولذا قد أمسكه عنده في نوبته، ولم يولّه شيئاً من البعوث.

وقال ابن حجر في الإصابة في ترجمة المرتضى: ولم يزل بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم متصدّياً لنشر العلم، فلمـّا قتل عثمان بايعه الناس، ثمّ كان من وقعة الجمل وصفّين والنهروان، والتحريض على قتال البغاة ما كان. إنتهى ملخّصاً.

وقال تاج الإسلام المحدّث الفقيه محمّد بن محمّد بن طاهر بن محمّد بن الحافظ إبراهيم بن حمزة الخدابادي البخاري في أربعينه، بعد ما أسند الحديث الرابع عن المرتضى رفعه: الأنبياء قادة، والفقهاء سادة، ومجالستهم زيادة. الحديث - ما نصّه: راويه صاحب السّوابق الرضيّة، الّذي أفصح عن دقائق التفريد، وأظهر حقائق التوحيد.

وروي عن الإمام الأعظم أبي حنيفة أنّه قال: لولا وقائع عليرضي‌الله‌عنه ، مع البغاة والخوارج وأقضيته وأحكامه معهم، ما كنّا نعرف أحكام أهل البغي والخوارج. إنتهى. وهذا القول مستفيض مشهور، وفي كتب كثيرة مذكور.

قوله ( فهذا كلّه كذب ).

قال الإمام اليافعي في « مرآة الجنان » في ترجمة الإمام معروف الكرخي: من موالي علي بن موسى الرضا، وكان أبواه نصرانيّين، فأسلماه إلى مؤدّب وهو صبيّ، فكان المؤدّب يقول له، قل: ثالث ثلاثة، فيقول معروف: بل هو الله الواحد القهّار، فضربه المعلّم يوماً على ذلك ضرباً مبرحاً، فهرب منه، وكان أبواه يقولان: ليته يرجع إلينا على أيّ دين شاء، فنوافقه عليه.

ثمّ إنّه أسلم على يدي علي بن موسى الرضا، ورجع إلى أبويه، فدقّ


الباب، فقيل له: من بالباب؟ فقال: معروف. فقيل: على أيّ دين؟ فقال: على الإسلام، فأسلم أبواه.

وهذه القصّة قد أوردها كذلك الإمام القشيري، نقلاً عن شيخه الإمام المشتهر في الآفاق، القاري صحيح البخاري وغيره على النقدة، أبي علي الدقاق.

وتبعه ابن خلكان وغيره من أهل الشأن.

وهي تكملة ما في المجمع عن الصفوة لابن الجوزي.

قال عبدالله بن صالح: كان معروف قد ناداه الله بالإجتباء في الصبا. فذكر ابي أنّ أخاه عيسى قال: كنت أنا وأخي معروف في كتّاب النصارى، وكنّا نصارى، وكان المعلّم يعلّم الصبيان: أب وابن، فيصيح أخي معروف ويقول: أحد أحد، فضربه المعلِّم يوماً على ذلك ضرباً شديداً، فهرب على وجهه، فكانت أُمّي تبكي وتقول: لئن ردّ الله تعالى عليَّ ابني، لأتبعنّه على أيّ دينٍ كان، فقدم عليها بعد سنين، فقال له: أي بني على أيّ دين أنت؟ فقال: في دين الإسلام. فقالت: أشهد أن لا إله إلّا الله، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله. قال: فأسلمت وأسلمنا كلّنا. إنتهى.

وقال العلّامة ابن حجر المكي المحدّث في « الصواعق المحرقة » في ترجمة الإمام علي الرضارضي‌الله‌عنه : ومن مواليه معروف الكرخي، اُستاد السرّي السقطي، لأنّه أسلم على يديه.

وقال عصّريه: شيخ مشايخنا في الحديث، الإمام عبدالوهاب الشعراني في « طبقاته » في ترجمة معروف: وهو من موالي علي بن موسى الرضارضي‌الله‌عنه ، صحب داود الطائيرضي‌الله‌عنه إنتهى.

وهكذا ذكر الحرالي والمناوي أنّه أخذ عن مولاه الإمام الرضا.


ولا يخفى أنّ اليافعي والمكي كليهما من الطبقة المتأخّرة عن ابن تيميّة، وإنّما وجه استناد الاُستاذ بهما مع عدم حضور الكتب للقدماء لديه: إنّهما لما جزما بما عند الأئمّة المتقدمة، دون ما ذكره ابن تيميّة، مع عثورهم عليه، دلّ ذلك على أنّ الأوّل هو المعوّل، وأنّ هنا ممّا لا يلتفت إليه.

وأمّا ما وقع في « طبقات » شيخ الإسلام من: أنّ أبا معروف هو مولى الإمام الرضا، وبوّابه، وأنّه أسلم على يديه، وأنّ الإمام اطّلع يوماً على الناس، فازدحموا، فوقع أبو معروف تحت أرجلهم فهلك. فغير مشهور عند الجمهور، ولكنّه لا مانع منه أيضاً. والله أعلم.

ثمّ المعنّي بالمولى هنا، ليس مولى العتق، بل مولى الإسلام، كما يفهم من حديث الطبراني وابن عدي والدارقطني والبيهقي وغيرهم، عن أبي اُمامة: من أسلم على يديه رجل فله ولاء. وفي رواية البخاري في تاريخه وأبي داود والطحاوي عن تميم الداري: هو أولى الناس بمحياه ومماته، وفي لفظٍ: بحياته ومماته، سواء اُريد بالولاء ولاء الإرث أو ولاء الموالاة، فلا منافاة، وهو كقول ابن حبان في كتاب الثقات في الراهب النصراني الّذي تشرف بإكرام رأس الإمام الحسين الشهيد، فرأى منه كرامة: فأسلم النصراني وصار مولىً للحسين رضي الله تعالى عنه.

قوله: ( وهذا باطل باتفاق أهل هذه المعرفة، فإنّهم متّفقون على أنّ الحسن لم يجتمع بعلي ).

ويلوح رضا صاحب القرة بهذا مرّةً دون مرة.

سبحان الله، هذا بهتان عظيم، فقد تقدّم عن إمامي هذه المعرفة علي بن المديني شيخ البخاري وأبي زرعة الرازي شيخ مسلم، أنّهما قالا: إنّه رآه بالمدينة الطيّبة، مع رواية البخاري القوية، ورواية أبي يعلى الموصلي الصحيحة


الصريحة في سماعه منهرضي‌الله‌عنه ، ورواية الحافظ أبي نعيم الذي هو مستند ابن تيميّة ومعتمده عن الحسن ما هو صريح في كثرة سماعه منهرضي‌الله‌عنه .

وغير ذلك كلام الإمام الضياء في « المختارة » في ترجيح إثبات سماعه منه، وتجريح نفيها، وتصحيح حديثه عنه لذلك، وإيراده هنالك، وقد قال الحافظ الشامي في « سبل الهدى والرشاد » في الردّ على ابن تيميّة إنكاره المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وخصوصاً مؤاخاة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لعلي المرتضى، وذكر رواية الضياء ذلك، ما نصّه: وابن تيميّة يصرّح بأنّ الأحاديث المختارة أصح وأقوى من أحاديث المستدرك.

ولو تحلّى ابن تيميّة بالإنصاف، وتخلّى من التعصّب والإعتساف، لنقل اتفاق أئمّة حفاظ الآفاق، على خلاف ما جعل عليه الوفاق.

وإنّما قوله هذا كردّه الأحاديث المسندة، الموجودة في الكتب المعتمدة المشهورة، ونسبة الوضع والكذب إليها، كما قال في هذا الكتاب أيضاً: إنّ حديث الموالاة قد رواه الترمذي، وأحمد في مسنده، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: من كنت مولاه فعلي مولاه. وأمّا الزيادة وهي قوله: اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه، إلى آخره، فلا ريب أنّه كذب. ونقل الأثرم في سننه عن الإمام أحمد: إنّ العباس سأله عن حسين الأشقر، وأنّه حدّث بحديثين، فذكر أحدهما قال: والآخر اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه. فأنكر أبو عبدالله جدّاً ولم يشك في أنّ هذين الحديثين كذب. إنتهى.

وقد رواه الإمام أحمد في مسنده، مع شرطه فيه، وهو عدم ذكر الموضوع، والمنكر، بل والشديد الضعف على رأيه، وقد قدمنا تحقيقه في المقدمة، فتذكر وتنبّه. وقد اعترف به صاحب القرة، فقال في « الحجة » في الطبقة الثانية من طبقات كتب السنّة: وكاد مسند أحمد يكون من جملة الطّبقة،


فإنّ الإمام أحمد جعله أصلاً، يعرف به الصحيح والسقيم. قال: ما ليس فيه فلا تقبلوه.

وابنه عبدالله، وغيرهما، بطرق اُخر كثيرة، صحيحة، ليس فيها الأشقر.

قلت: هو - وإنْ قال البخاري، فيه نظر. وقال: عنده مناكير. وقال أبو زرعة: منكر الحديث. وقال العقيلي: شيعي متروك الحديث. وقال أبو حاتم والنسائي والدارقطني: ليس بالقوي. وقال ابن عدي: جماعة من الضعفاء يحيلون بالروايات عليه، على أنّ في حديثه بعض ما فيه. وقال في خبرٍ - على ما في « تنزيه الشريعة » عن « الميزان » -: والبلاء عندي فيه من الأشقر.

لكن في « لسان الميزان » أنّ ابن عدي ذكر في ترجمته حديثاً عن محمّد ابن علي بن خلف العطّار عنه وقال: هو منكر الحديث، والبلاء فيه عندي منه لا من الحسين. إنتهى. وروى الخطيب في « الكفاية » عن إبراهيم بن عبدالله بن الجنيد الختلي قال: سمعت يحيى بن معين ذكر حسيناً الأشقر، فقال: كان من الشيعة المغلية الكبار، فقلت: وكيف حديثه؟ قال: لا بأس به. قلت: صدوق؟ قال: نعم، كتبت عنه، عن أبي كدينة، ويعقوب العمي، وقد احتجّ به النسائي، ووثّقه ابن حبان، وصحّح له الحاكم في المستدرك، وروى عنه الإمام أحمد في المسند، وهو لم يكن يروي إلّا عن ثقة. وقد صرّح ابن تيميّة بذلك في الكتاب الّذي صنّفه في الردّ على البكري. قال: إنّ القائلين بالجرح والتعديل من علماء الحديث نوعان، منهم من لم يرو إلّا عن ثقة عنده، كمالك وشعبة ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل. وقد كفانا ابن تيميّة بهذا الكلام مؤنة إثباته. وحينئذٍ لا يبقى له مطعن فيه. فما نقله الأثرم هو القيل المقدم، وقد ظهر للعبد بعد تتبّع تام: أنّ معظم حكايات الأثرم عن أحمد من هذا مرجوع عنها. وممّا عليه يدلّ مسنده الّذي هو معتمده عند الكلّ. والله أعلم.


وكذا روى عن الأشقر، الكديمي، ومحمّد بن المثنى الزمن، وأحمد بن عبدة، وعبدالرحمن بن محمّد بن منصور الحارثي، وعدّة أئمّة. فكلام الأوّلين والآخرين راجع إلى شيعيّته، لا روايته، فقد كذب من كذّبه. وامّا قول الجوزجاني: غال من الشاتمين للخيرة. فظنّ غير مقبول، مخالف لقول الأئمّة. وكذا جلّ جرحه لأهل الكوفة، لشدّة نصبه، وانحرافه. وبمعناه اتّهام أبي معمر الهذلي إيّاه بالكذب».

أقول:

فبطلت خرافات ابن تيميّة ومن تبعه كصاحب قرّة العينين، وهو والد مخاطبنا ( الدهلوي )، من كلام ولده، ومن كلمات المولوي حسن زمان، المتقدم شطر وافر منها.

قوله:

وتتشعب منه كتشعّب الجداول من البحر العظيم.

أقول:

قد شبّه ( الدهلوي ) انشعاب السلاسل من أمير المؤمنينعليه‌السلام إلى الشعب المختلفة، بإنشعاب الجداول من البحر العظيم، وأنّ هذا التشبيه يدلّ على جلالة هذا الشأن، وعظمة هذا المقام، الّذي خصّه بهعليه‌السلام دون الشيخين، خلافاً لوالده صاحب قرّة العينين، وغيره من النواصب، وأنّ في هذه الفضيلة كفاية للشيعة الإماميّة، في إثبات أفضليّة الإمام أمير المؤمنين عليه الصلاة، ودفع وساوس المخالفين، وسائر تسويلات ( الدهلوي ) وأسلافه من المتعصّبين.


دعوى إنتهاء سلاسل الفقهاء إلى الشيخين

قوله:

كما تصل سلاسل الفقهاء والمجتهدين في الشريعة بالشيخين ونوّابهما كعبدالله بن مسعود

أقول:

دعوى إنتهاء سلاسل الفقهاء إلى من ذكر، دون سيّدنا الأمير عليه الصّلاة والسلام لا شاهد عليها ولا برهان.

وأيضاً: تقتضي هذه الدعوى إنحراف جميع الفقهاء والمجتهدين عن أهل بيت الوحي والنبوّة، مع أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول في الحديث الصحيح المتّفق عليه، بل المتواتر بين الفريقين: « إنّي تارك فيكم الثقلين، ما إنْ تمسّكتم بهما لنْ تضلّوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر، كتاب الله وعترتي أهل بيتي »(١) .

فهوصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يأمر الاُمّة بالتمسّك بالكتاب والعترة، ويرشد إلى أنّ كلّ ما خالفهما من الأحكام والاُمور، بل كلّ ما لم يكن منهما ولم يؤخذ عنهما فهو باطل، وأنّ تركهما والإعراض عنهما ضلال وخسران

هذا معنى حديث الثقلين، وهكذا فسّره ( الدهلوي ) حيث ذكره في مواضع من كتابه ( التحفة )، وربّما ادّعى أنّ المتمسّك بالكتاب والعترة، هم أهل السنّة فحسب

لكنّ أهل السنّة، ومنهم ( الدهلوي ) يخالفون هذا الأمر النّبوي، ويناقضون

____________________

(١). راجع الأجزاء: ١ - ٣ من كتابنا.


أنفسهم عندما يُلزمون بما يقولون ويعترفون به، فإذا ذكر ما يدلّ على أفضليّة الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، المستلزمة لإمامته بلا فصل بعد الرسول يلتجؤن إلى القول بأنّ الشيوخ الثلاثة أعلم من الأئمّة المعصومين، وأن إليهم تنتهي سلاسل الفقهاء والمجتهدين، فيتمسكون بهم ويتركون العترة الذين أمروا بالتمسّك بها مع القرآن، وإذا أُلزموا بالبراهين القاهرة والحجج الساطعة على وجوب اتّباع العترة، والإستمساك بعروة أهل البيت الوثيقة قالوا: نحن المتمسكون بهم، بل الشيوخ الثلاثة أيضاً من المتمسكين بهم، وكأنهم لا يعلمون ولا يشعرون: أين التمسك والاقتداء، وأين الاتباع والاقتفاء، من التامر بالاعتداء، والتقدم والتحكم والإعتلاء!! والله الموفق إلى طريق السواء، والعاصم من الزلل الهراء، وخطل المراء.

قال نصر الله الكابلي في ( الصواقع ) بجواب حديث الثقلين: « وكذلك حديث: مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح، من تمسّك بها نجا، ومن تخلّف عنها هلك » لا يدلّ على هذا المدّعى، ولا شك أنّ الفلاح منوط بولائهم وهديهم، والهلاك بالتخلّف عنهم، ومن ثمة كان الخلفاء والصحابة يرجعون إلى أفضلهم فيما أشكل عليهم من المسائل. وذلك لأنّ ولائهم واجب، وهداهم هدى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم. إنتهى.

فاعترف - وهو بصدد الجواب عن حديثٍ من فضائل أهل البيت - برجوع الخلفاء والصحابة إلى أفضلهم فيما أشكل عليهم من المسائل، وهل يجتمع هذا مع القول بانتهاء سلاسل الفقهاء إلى الخلفاء؟!

ألا يدلّ هذا على أعلميّة الإمامعليه‌السلام من أولئك؟!

وأيضاً: إذا كان « هداهم هدى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » فهم إذاً الورّاث لكمالاته، وحالاته، وأوصافه، فيكون هذا الكلام ردّاً على ( الدهلوي ) المنكر


لوجود كمالات النبوّة في عليعليه‌السلام .

فقد ثبت بطلان كلام ( الدهلوي ) من كلام سلفه ( الكابلي ).

دعوى أنّ الإمامة الباقية في أولاد علي هي القطبيّة

قوله:

وكان معنى الإمامة التي بقيت في أولاد الإمام

أقول:

الغرض من هذا نفي الخلافة والوصاية بالمعنى المصطلح بين العلماء، عن أهل البيت الطاهرينعليهم‌السلام ، لكنّه تحريف للكلم عن مواضعه، وحمل الكلام على ما لا يرضى به صاحبه، فبأيّ دليلٍ أو قرينة يدّعي إنصراف « الإمامة » عن معناها المصطلح، إلى معنى « القطبيّة » غير المبحوث عنها في علم الكلام والإمامة؟!

وقد ادّعى هذا بعض أهل السنّة بالنسبة إلى حديث الغدير، فاعترف بدلالته على الإمامة، لكنّه حملها على الإمامة المصطلحة عند أهل التصوّف والعرفان، وقد أبطلنا هذا المحمل هناك بوجوهٍ عديدةٍ، فراجع.

هذا، وقد ذكر ( الدهلوي ) في الباب الحادي عشر من كتابه ( التحفة ) ما تعريبه:

« التعصّب الثّالث عشر: قولهم - يعني الشيعة - إنّ أهل السنّة يبالغون في بغض علي وذريّته الطاهرة. ذكره ابن شهرآشوب، ولهذا السّبب يلقّبون أهل السنّة بالنواصب، مع أنّ الشّيعة ينقلون في كتبهم عن كتب أهل السنّة - ولا سيّما البيهقي وأبي الشيخ والديلمي - أنّه قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: « لا


يؤمن أحد حتّى أكون أحب إليه من نفسه ويكون عترتي أحب إليه من نفسه. وعن ابن عباس قال قال رسول الله: أحبّوا الله لما يغذوكم من نعمه وأحبّوني لحبّ الله، وأحبّوا أهل بيتي لحبّي. إلى غير ذلك

وقد اشتهر عن سعيد بن المسيّب أنّه كان عنده رجل من قريش، فأتاه علي بن الحسين، فقال له الرجل القرشي: يا أبا عبدالله من هذا؟ قال سعيد: هذا الّذي لا يسع مسلماً أنْ يجهله، هو علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين ».

فلو كانت إمامة سيّدنا علي بن الحسينعليه‌السلام بمعنى « القطبيّة » كما زعم ( الدهلوي ) تبعاً لبعض المتعسّفين - لم تجب معرفته، حتّى يقول سعيد بن المسيّب فيما اشتهر عنه، « هذا الذي لا يسع مسلماً أنْ يجهله ».

فالحمد لله على ظهور بطلان دعوى ( الدهلوي ) ممّا استشهد به هو، وأودعه كتابه ( التحفة).

قوله:

ولهذا لم يرو إلزام هذا الأمر من الأئمّة الأطهار على كافة الخلائق.

أقول:

كأنّه يحتاط، فلا ينفي ذلك على البت والقطع، بل يقول: « لم يرو عنهم »!! فإنْ أراد من هذا النفي والإنكار إلزام الشّيعة، فبطلانه في غاية الظّهور والوضوح، وإنْ أراد أنّه لم يرو ذلك في كتب أهل السنّة، فمن الواضح أيضاً أن لا يروي أهل السنّة مثل هذا الخبر ولكن - مع ذلك - لا تخلو كتبهم من بعض الروايات الدالة على مطالبة أهل البيتعليهم‌السلام بحقّهم، وإثباتهم وجوب


الاتباع والإطاعة على كافة الخلائق.

ويكفينا في هذا الصّدد ما رواه ( الدهلوي ) نفسه في ( فتاواه )(١) ، إذ سئل عمّا رواه الشيخ الكليني من علماء الشيعة في كتابه ( الكافي ) في مطالبة الإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام فدكاً من المهدي العباسي، فأجاب: « إنّ أصل القصّة مرويّ في كتب أهل السنّة، وهو: أنّه قال المهدي العباسي للإمام موسى الكاظم يوماً - من باب المطايبة -: إنّ كلّ ما تدّعونه علينا هو فدك، فهلمّوا أردّ عليكم فدكاً. فقال: حدّ الأوّل سمرقند، والحدّ الثاني: أفريقا، والثالث: ساحل بحر الملح من عدن حتّى أقصى اليمن. وكان غرضه أنّا ندّعي عليكم الخلافة، لا فدكاً فقط » انتهى بقدر الحاجة.

قوله:

بل جعلوا بعض أصحابهم الممتازين

أقول:

قد عرف ( الدهلوي ) أنّ تحريف الإمامة عن موضعها، وجعلها في حقّ أهل البيت بمعنى القطبيّة، ينافي الواقع والحقيقة، ومن جهةٍ اُخرى يرى أمامه الأحاديث الكثيرة التي تنصّ على وجوب معرفة الأئمّةعليهم‌السلام ، فاستدرك ما تفوّه به سابقاً بقوله: إنّ الأئمّة قد قصروا إمامتهم على أصحابهم المختصين بهم، المخلصين لهم، ولم يدعوا إليها سائر الناس، إلّا أنّ هذه الدعوى أيضاً باطلة، فمن تتبّع الكتب والأسفار، وتفحّص إفادات المحقّقين

____________________

(١). أصل الفتوى موجود لدى المولوي عبدالحي خلف المولوي عبدالحليم سهالي اللكهنوي، ومنها نسخة بخط بعض الفضلاء من أهل السنّة في مكتبة السيّد صاحب العبقات.


الأعلام، علم أنّ الأئمّةعليهم‌السلام قد عرضوا إمامتهم، وأعلنوها لعامّة النّاس، ودعوا إليها جميع المسلمين في كلّ فرصةٍ سانحةٍ أمنوا فيها من الفساد وإثارة الفتنة من المخالفين والمعاندين

بذكر الآيات القرآنيّة، والنصوص النبويّة، الدالّة على إمامتهم الحقّة، وولايتهم العامّة

قوله:

وهذه الفرقة السفيهة، قد أنزلوا تلك الإشارات كلّها على الرئاسة العامّة

أقول:

هذا الكلام ينطبق على ( الدهلوي ) نفسه ووالده، فقد عرفت سابقاً دلالة كلامه على أنّ الإمامة هي الرئاسة العامة، واستحقاق التصرّف في الأمور، ووجوب الإتباع والإمتثال في جميع أحكام الحلال والحرام، والنيابة العامّة عن رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام، بل قد عرفت من كلام السّابق، وما حقّقه في ( تفسيره ) وأفاده والده النحرير، أنّ نصوص الإمامة مرويّة عن الأئمّة الأطهار، وأنّ كلّ واحدٍ منهم كان يجعل الآخر وصيّاً له.

ولقد اشتملت تلك النصوص الصريحة في الإمامة على لفظ « الإمامة » وما يرادفه، ولم تكن « إشارات » محضة كما زعم ( الدهلوي ) في هذا المقام.

وعلى الجملة، فإنّ إمامة أمير المؤمنين وأولاده المعصومين ثابتة لدى الشيعة بالطرق المتواترة، والأسانيد المتظافرة، من الثقات والأثبات في جميع الطبقات، فهم خلفاء الله في الأرضين، وحججه الباهرة في العالمين، وثبت عندهم كذلك بطلان إمامة من تقدّم عليهم.

ولقد ثبت ذلك عند الشيعة كالصبح إذا انفلق، وظهر عندهم ظهور الشمس


في رابعة النّهار، وأيّدت مطلوبهم، وأثبتت معتقَدهم، الروايات الكثيرة، والأحاديث الوفيرة، من طرق المخالفين

لقد أصبح هذا الإعتقاد، لدى طائفة الشيعة، من البديهيات والضروريّات، فلا يتطرّق إليه شبهة من الشبهات، ولا يعترضه تشكيك من التشكيكات، وكان كلام ( الدهلوي ) كقول الكافر: إنّ محمّداً لم يدّع النبوّة، بل ادّعى الرئاسة الظاهريّة على الخلائق، مثل سائر الملوك والسلاطين، وأنّ المسلمين العارين عن الفهم حملوا كلماته على النبوّة، فوقعوا في الضلالة والعياذ بالله.

قوله:

ومن أجل ما قلنا: يعتقد كلّ الاُمّة الأمير وذريّته الطاهرة، كالشيوخ والمرشدين

أقول:

إنّ هذا الإعتقاد يستلزم أفضليّة أهل البيتعليهم‌السلام من الشيوخ الثّلاثة.

وبقطع النظر عن هذا، قال ابن تيميّة بأن الإستغاثة بالشيخ والرغبة إليه بالعبادة كفر، فيكون كلام ( الدهلوي ) هذا صغرى لما قاله إبن تيميّة، ونتيجة القياس: كفر الاُمّة بأجمعها ولا أقل من كفر ( الدهلوي ) بكلام شيخ الإسلام في مذهبه

قوله:

ويقدّمون لهم الصلوات والصّدقات


أقول:

نعم يفعلون هذا، ولا يفعلونه لغيرهم، للبون الشاسع بين شأن هؤلاء وشأن غيرهم.

قوله:

ولا ينوّه أحدٌ في هذه الأمور باسم الشيخين

أقول:

هذا إعتراف بحرمان الشيخين من فضل تلك الشعائر الإسلاميّة، بإجماع جميع الأمة

قوله:

وإنْ كانوا يعتقدون بفضلهما وكمالهما

أقول:

كأنّ هذا الكلام لإرضاء أهل السنّة، بعد أن نصّ على اختصاص تلك الاُمور الشّريفة بالأئمّة الأطهار، بالإجماع، لكنّه ما درى أنّ شيخ الإسلام إبن تيميّة، ووالده النحرير، لا يرتضيان هذا الكلام، فإنّ تشبيه أحد من الناس بواحدٍ من الأنبياء باطل عندهما، وتشبيه الشيخين بموسى وعيسىعليهما‌السلام ، واضح البطلان بلا كلام.


قوله:

وكمالات الأولياء ناشئة من الوحدة والجمع والعينية، فالأولياء تنعكس فيهم الأفعال بل الصفات الإلهيّة

أقول:

حاصل هذا الكلام دعوى الإتحاد بين الله تبارك وتعالى والأولياء، وهي دعوى باطلة بالضرورة على الإطلاق، لكنّ الإتّحاد مقام عظيم لدى أهل السنّة، ولا مانع لهم من القول به، فإخراج ( الدهلوي ) الشيخين من هذا المقام عجيب، وهو يعرّضه للطعن والملام.


ملحق

حديث التشبيه



بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين من الأولين والآخرين.

وبعد:

فإنّ الوقت لم يتسع لأنْ أتتبّع المصادر للحصول على روايات اُخرى ورواةٍ آخرين لحديث التشبيه، ولكنْ لمـّا كان بعض الأسانيد المذكورة في الكتاب موضع كلامٍ لبعض المتعصّبين من علماء القوم، رأيت من المناسب التحقيق في أحوال تلك الأسانيد، والتعرض لتكلّم هؤلاء في رجالها، ليتّضح صحّة تلك الأحاديث وسقوط اعتراضات من اعترض عليها، وبذلك يُعرف حال المعترضين أيضاً ومدى تعصّبهم ضد أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأقول:

لقد أخرج هذا الحديث الشّريف عن عدّة من أكابر الصحابة وغيرهم:

١ - عبدالله بن العباس.

٢ - أبو سعيد الخدري.

٣ - أنس بن مالك.

٤ - أبو الحمراء، مولى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

٥ - أبو هريرة.

٦ - الحارث الأعور الهمداني، صاحب أمير المؤمنينعليه‌السلام .


الحديث عن ابن عباس

أمّا عن ابن عباس، فرواه ابن بطة العكبري قال:

« أخبرنا أبو ذر أحمد بن محمّد الباغندي، حدّثنا أبي، عن مسعر بن يحيى النهدي، حدّثنا شريك، عن ابن إسحاق، عن أبيه، عن ابن عباس قال:

قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه وإلى نوح في حكمته، وإلى إبراهيم في حلمه، فلينظر إلى علي بن أبي طالب ».

ورواه الحافظ الكنجي بسنده قال: « أخبرنا أبو الحسن بن المقيّر البغدادي، عن المبارك بن الحسن الشهرزوري، أخبرنا أبو القاسم بن البسري، أخبرنا أبو عبدالله العكبري، أخبرنا أبو ذر...».

الحديث عن أبي سعيد الخدري

وأمّا عن أبي سعيد الخدري، فرواه ابن شاهين في ( كتاب السنّة ) قال:

« حدّثنا محمّد بن الحسين بن حميد بن ربيع، حدّثنا محمّد بن عمران بن حجاج(١) ، حدّثنا عبيدالله بن موسى، عن أبي راشد الحبراني، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، قال:

كنّا حول النبي صلّى الله عليه وسلّم، فأقبل علي بن أبي طالب، فأدام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم النظر إليه، ثمّ قال: من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه وإلى نوح في حكمه وإلى إبراهيم في حلمه، فلينظر إلى هذا ».

____________________

(١). كذا.


الحديث عن أنس بن مالك

وأمّا عن أنس بن مالك، فرواه الحافظ الفقيه ابن المغازلي الواسطي قال:

« أخبرنا أحمد بن محمّد بن عبدالوهّاب، ثنا الحسين بن محمّد بن الحسين العدل العلوي الواسطي، ثنا محمّد بن محمود، ثنا إبراهيم بن مهدي الاُبلي، ثنا أبان بن فيروز، عن أنس بن مالك قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: من أراد أنْ ينظر إلى علم آدم وفقه نوح، فلينظر إلى علي بن أبي طالب ».

وقال العاصمي صاحب ( زين الفتى ):

« أخبرنا الحسين بن محمّد البستي قال: حدّثنا عبدالله بن أبي منصور، قال: حدّثنا محمّد بن بشر قال: حدّثنا محمّد بن إدريس الحنظلي قال: حدّثنا محمّد بن عبدالله بن المثنّى الأنصاري قال: حدّثني حميد، عن أنس، قال:

كنّا في بعض حجرات مكّة، نتذاكر عليّاً، فدخل علينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: أيها الناس، من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوحٍ في فهمه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في شدّته، وإلى عيسى في زهادته، وإلى محمّد وبهائه، وإلى جبرئيل وأمانته، وإلى الكوكب الدري والشمس الضحي والقمر المضي، فليتطاول ولينظر إلى هذا الرجل. وأشار إلى علي بن أبي طالب ».


الحديث عن أبي هريرة

وأمّا عن أبي هريرة، فأخرجه:

عبدالرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم - وهو في محفل من أصحابه - إنْ تنظروا إلى آدم في علمه ونوحٍ في همّه وإبراهيم في خلقه وموسى في مناجاة وعيسى في سننه ومحمّد في هديه وحلمه، فانظروا إلى هذا المقبل. فتطاول الناس، فإذا هو علي بن أبي طالب ».

وأخرجه أحمد، عن عبدالرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، به.

الحديث عن أبي الحمراء

وأمّا عن أبي الحمراء، فأخرجه الحاكم في ( تاريخه ) قال:

« حدّثنا محمّد بن أحمد بن سعيد الرازي، قال: حدّثنا محمّد بن مسلمة ابن وراة، قال: حدّثنا عبيدالله بن موسى قال: حدّثنا أبو عمر الأزدي، عن أبي راشد الحبراني، عن أبي الحمراء، قال:

سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه ونوحٍ في فهمه وإبراهيم في حكمه، ويحيى بن زكريا في زهده، وموسى بن عمران في بطشه، فلينظر إلى علي بن أبي طالب ».

ورواه الحافظ الخطيب الخوارزمي حيث قال:

« أخبرنا الشيخ الزاهد الحافظ أبو الحسن علي بن أحمد العاصمي


الخوارزمي، قال: أخبرنا شيخ القضاة إسماعيل بن أحمد الواعظ قال: أخبرنا أحمد بن حسين البيهقي».

ثمّ قال بعد حديث أخرجه بالسند المذكور: « وبهذا الإسناد عن أحمد ابن الحسين هذا أخبرنا أبو عبدالله الحافظ في التاريخ، حدّثنا أبو جعفر ».

ورواه العاصمي بسنده عن أبي جعفر الرازي شيخ الحاكم حيث قال:

« أخبرنا محمّد بن أبي زكريا الثقة، قال: أخبرنا أبو الحسين محمّد بن أحمد بن جعفر الجوري، قال: حدّثنا أبو جعفر محمّد بن أحمد بن سعيد الرازي.

وأخبرني شيخي أحمد بن محمّد قال: أخبرنا أبو أحمد إبراهيم بن علي الهمداني قال: حدّثنا أبو جعفر الرازي ».

ورواه شهردار الديلمي بسنده، قال:

« أخبرنا أبي، حدّثنا علي [ مكّي ] بن دكين القاضي، حدّثنا علي بن محمّد بن يوسف، حدّثنا الفضل الكندي، حدّثنا عبدالله بن محمّد بن الحسن مولى بني هاشم بالكوفة، حدّثنا علي بن الحسين، حدّثنا محمّد بن أبي هاشم النوفلي، حدّثنا عبيدالله بن موسى، حدّثنا العلاء، عن أبي إسحاق السبيعي، عن أبي داود نفيع، عن أبي الحمراء ».

الحديث عن الأعور الهمداني

وأمّا عن الأعور الهمداني، فقد أخرجه ابن مردويه، وعنه الخطيب الخوارزمي، حيث قال:

« أخبرني شهردار هذا إجازةً قال: أخبرنا أبو الفتح عبدوس بن عبدالله بن عبدوس الهمداني إجازة، عن الشريف أبي طالب المفضل بن محمّد بن طاهر الجعفري باصبهان، عن الحافظ أبي بكر أحمد بن موسى ابن مردويه بن فورك


الاصبهاني قال: حدّثنا محمّد بن أحمد بن إبراهيم قال: حدّثنا الحسين بن علي بن الحسين السكوني [ السلوي ] قال: حدّثني سويد بن مسعر بن يحيى بن حجاج النهدي، حدّثنا أبي، حدّثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن الحارث الأعور، صاحب راية علي بن أبي طالب قال:

بلغنا أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم كان في جمع من أصحابه، فقال: اُريكم آدم في علمه ونوحاً في فهمه وإبراهيم في حكمته، فلم يكن بأسرع من أنْ طلع علي. فقال أبو بكر: يا رسول الله، أقست رجلاً بثلاثة من الرسل، بخ بخ لهذا الرجل، من هو يا رسول الله؟ قال النبيّ: ألا تعرفه يا أبا بكر؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: أبو الحسن علي بن أبي طالب. فقال أبو بكر: بخ بخ لك يا أبا الحسن، وأين مثلك يا أبا الحسن ».

التحقيق في هذه الأسانيد

فأقول: لقد أرسل غير واحدٍ من الأعلام هذا الحديث عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إرسال المسلّم.

ورواه جماعة بالإسناد، فمنهم من رواه بسندٍ واحد له، ومنهم من رواه بأكثر من سند.

* فأمّا ما أخرجه عبدالرزاق وعنه أحمد، بسنده عن أبي هريرة، فقد عرفت في الكتاب رواته وصحّة سنده، ولا كلام فيه.

* وأمّا ما أخرجه الحاكم في ( تاريخ نيسابور ) عن أبي الحمراء فهذه تراجم رجاله:

أمّا « محمّد بن أحمد بن سعيد الرازي » شيخ الحاكم فهو أبو جعفر الرازي، صاحب ابن وارة.


وأمّا « ابن وارة » محمّد بن مسلم بن وارة، فهو من رجال النسائي، وقد ترجم له:

ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٨ / رقم ٣٣٢

الخطيب في تاريخه ٣ / ٢٥٦

وابن الجوزي في المنتظم ٥ / ٥٥

والذهبي في تذكرة الحفاظ ٢ / ٥٧٥

وابن حجر في تهذيب التهذيب ٩ / ٤٥١

قال ابن أبي حاتم: سمعت منه وهو صدوق ثقة.

وقال النسائي: ثقة صاحب حديث.

وذكره ابن حبان في الثقات.

وقال الخطيب: كان متقناً عالماً حافظاً فهماً.

وقال ابن حجر: ثقة حافظ.

وأمّا « عبيدالله بن موسى » العبسي فهو:

من رجال الصّحاح(١) .

وأمّا « أبو عمر الأزدي » فسيأتي الكلام فيه.

وأمّا « أبو راشد الحبراني » فهو

من رجال عدّةٍ من الصّحاح(٢) .

وأمّا « أبو عمر الأزدي »

فقد جاء في كتاب ( الموضوعات ) لابن الجوزي ما نصّه:

« الحديث العشرون - في تشبيهه بالأنبياء:

أنبأنا زاهر بن طاهر، قال: أنبأنا أبو بكر البيهقي، قال: أنبأنا أبو عبدالله

____________________

(١). تقريب التهذيب ١ / ٥٣٩.

(٢). تقريب التهذيب ٢ / ٤٢١.


الحاكم، قال: حدّثنا محمّد بن أحمد بن سعيد الرازي، قال: حدّثنا محمّد بن مسلم بن وارة قال: حدّثنا عبيدالله بن موسى قال: حدّثنا أبو عمر الأزدي، عن أبي راشد الحبراني، عن أبي الحمراء قال:

سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه ونوح في فهمه وإبراهيم في حكمه ويحيى بن زكريا في زهده، وموسى بن عمران في بطشه، فلينظر إلى علي بن أبي طالب.

هذا حديث موضوع. وأبو عمر متروك »(١) .

أقول:

هذا من تحكّمات ابن الجوزي، لأنّ الحديث لو كان أحد رواته متروكاً لا يكون موضوعاً، فكيف والرجل ليس بمتروك؟

لقد جاء في ( تهذيب الكمال ) بترجمة « أبي راشد الحبراني » فيمن روى عنه: « عبد الرحمن بن عائذ الأزدي »(٢) .

كما فيه بترجمة « عبدالرحمن بن عائذ الأزدي » في مشايخه: « روى عن وأبي راشد الحبراني»(٣) .

وكلاهما شامي حمصي.

وهذا الأزدي من رجال السنن الأربعة من الصحاح الستّة، وقد وثّقوه، بل ذكروا قولاً بكونه من الصّحابة.

فمن أين جاء القول بأنّه متروك؟.

____________________

(١). الموضوعات لابن الجوزي ١ / ٣٧٠.

(٢). تهذيب الكمال ٣٣ / ٢١٧.

(٣). تهذيب الكمال ١٧ / ١٩٨.


نعم يمكن وقوع الإشتباه فيه بسبب الإختلاف في كنيته، ففي الحديث « أبو عمر » وفي كتب التراجم: « أبو عبدالله » ويقال: « أبو عبيدالله »(١) . كما أنّ في لقبه أيضاً خلافاً، فقد عنونه المزي بقوله: « عبد الرحمن بن عائذ الأزدي، الثمالي، ويقال: الكندي، ويقال: اليحصبي ».

ثم إنّ الحافظ السيوطي تعقّب ابن الجوزي بقوله بعد ما ذكر:

« قلت: له طريق آخر. قال الديلمي: أخبرنا أبي، حدّثنا علي بن دكين القاضي، حدّثنا علي بن محمّد بن يوسف، حدّثنا الفضل الكندي، حدّثنا عبدالله ابن محمّد بن الحسن مولى بني هاشم بالكوفة، حدّثنا علي بن الحسين، حدّثنا محمّد بن أبي هاشم النوفلي، حدّثنا عبيدالله بن موسى، حدّثنا العلاء، عن أبي إسحاق السبيعي، عن أبي داود نفيع عن أبي الحمراء به.

وورد عن أبي سعيد. قال ابن شاهين في السنّة »(٢) .

لكنّ ابن الجوزي دأب على إيراد الحديث في كتابه بأحد أسانيده فقط، والحكم عليه بالوضع لعدم صحّة السند الّذي ذكره بزعمه، وهذا من جملة ما انتقده عليه غير واحدٍ من الحفّاظ:

قال ابن الصّلاح مشيراً إلى ابن الجوزي وكتابه في الموضوعات: « ولقد أكثر الّذي جمع في هذا العصر الموضوعات في نحو مجلّدين، فأودع فيها كثيراً

____________________

(١). ويؤكّده أنّ العلّامة المحمودي ذكر في هامش ( العسل المصفّى في تهذيب زين الفتى ) عن كتاب ( عيون الأخبار ) للشريف أبي المعالي محمّد بن علي بن الحسين البغدادي أنّه قال: أبو علي ابن شاذان، أنبأنا أحمد بن إبراهيم بن جعفر الزعفراني، حدّثنا إسحاق بن محمّد بن هارون بن عيسى بن بريه الهاشمي، حدّثني جدّي، حدّثنا عبيدالله بن موسى، حدّثنا أبو عثمان الأزدي، عن أبي راشد، عن أبي الحمراء قال:

(٢). اللآلي المصنوعة ١ / ٣٥٥ - ٣٥٦.


ممّا لا دليل على وضعه »(١) .

وقال ابن كثير: « وقد صنّف الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي كتاباً حافلاً في الموضوعات، غير أنّه أدخل فيه ما ليس منه »(٢) .

وقال ابن حجر العسقلاني بعد حديثٍ من مناقب أمير المؤمنين: « وقد أورد ابن الجوزي هذا الحديث في الموضوعات، وأخرجه من حديث سعد بن أبي وقاص وزيد بن أرقم وابن عمر، مقتصراً على بعض طرقه عنهم، وأعلّه ببعض من تكلّم فيه من رواته، وليس بقادح، ولما ذكرت من كثرة الطرق »(٣) .

وقال السيوطي: « واعلم أنّه جرت عادة الحفّاظ - كالحاكم وابن حبان والعقيلي وغيرهم - أنّهم يحكمون على حديثٍ بالبطلان، من حيثية سندٍ مخصوص فيغترّ ابن الجوزي بذلك ويحكم على المتن بالوضع مطلقاً، ويورده في كتاب الموضوعات، وليس هذا بلائق، وقد عاب عليه الناس ذلك، آخرهم الحافظ ابن حجر ».

أقول:

وهذا الموضع من ذلك، ولذا تعقّبه الحافظ السيوطي نفسه، بذكر طريقين آخرين الحديث، ولم يتكلَّم عليهما بشيء، وهما:

* ما أخرجه شهردار الديلمي، بسنده عن أبي الحمراء.

* وما أخرجه ابن شاهين، بسنده عن أبي سعيد الخدري، وسيأتي تحقيقه.

____________________

(١). علوم الحديث: ٩٩.

(٢). الباعث الحثيث في شرح ألفية الحديث: ٧٥.

(٣). القول المسدد في الذب عن المسند: ١٩.


أقول:

وبما ذكرنا يبطل تكلّم ابن كثير في هذا الحديث، فإنّه قال في عداد فضائل أمير المؤمنين:

« حديث آخر - قال محمّد بن مسلم بن واره، ثنا عبيدالله بن موسى، ثنا أبو عمر الأزدي، عن أبي راشد الحبراني، عن أبي الحمراء قال قال رسول الله

وهذا منكر جدّاً ولا يصحُّ إسناده »(١) .

* وأمّا ما أخرجه ابن بطة العكبري، ورواه عنه الحافظ الكنجي بسنده، فهذه تراجم الرجال فيه:

أمّا « أبو الحسن ابن المقيّر » فقد ترجم له:

الذهبي في تذكرة الحفّاظ ٤ / ١٤٣٢ وسير أعلام النبلاء ٢٣ / ١١٩ والعبر في خبر من غبر ٥ / ١٧٨ وغيرها من كتبه، وتوجد ترجمته في كتبٍ اُخرى أيضاً.

قال الذهبي: « ابن المقيّر، الشيخ المسند الصالح، رحلة الوقت، أبو الحسن علي بن أبي عبيدالله الأزجي، المقرئ، الحنبلي، النّجار.

قال الحافظ تقي الدين عبيد: كان شيخاً صالحاً كثير التهجّد والعبادة والتلاوة، صابراً على أهل الحديث

وقال الحافظ عز الدين الحسيني: كان من عباد الله الصالحين، كثير التلاوة مشتغلاً بنفسه.

مات سنة ٦٤٣ ».

____________________

(١). البداية والنهاية ٧ / ٣٥٧.


وأمّا « المبارك بن الحسن الشهرزوري » فقد ترجم له:

ابن الجوزي في المنتظم ١٠ / ١٦٤

والسمعاني في الأنساب - الشهرزوري

وياقوت في معجم الأدباء ١٧ / ٥٢

والذهبي في تذكرة الحفاظ ٤ / ١٢٩٢ والعبر ٤ / ١٤١ وسير أعلام النبلاء ٢٠ / ٢٨٩.

قال السمعاني: شيخ صالح ديّن خيّر، قيّم بكتاب الله، عارف باختلاف الروايات، والقراءات، حسن السيرة، جيد الأخذ على الطلّاب، عالي الروايات.

وقال الذهبي: انتهى إليه علوّ الإسناد في القراءات.

توفي سنة ٥٠٥ ».

وأمّا « أبو القاسم بن البسري » فقد ترجم له:

الخطيب في تاريخه ١١ / ٣٣٥

والسمعاني في الأنساب - البسري

وابن الأثير في الكامل ١٠ / ١٢٢

وابن الجوزي في المنتظم ٨ / ٣٣٣

والذهبي في تذكرة الحفاظ ٣ / ١١٨٣ والعبر ٣ / ٢٨١ وسير أعلام النبلاء ١٨ / ٤٠٢.

قال الخطيب: كتبت عنه وكان صدوقاً.

وقال السمعاني: كان شيخاً صالحاً عالماً ثقة

توفّي سنة ٤٧٤ ».

وأمّا « أبو عبدالله العكبري » فهو: « ابن بطّة » المترجم له في الكتاب، وهذه


جملة من مصادر ترجمته:

تاريخ بغداد ١٠ / ٣٧١

طبقات الحنابلة ٢ / ١١٤

تاريخ ابن كثير ١١ / ٣٢١

العبر ٢ / ٣٥

سير أعلام النبلاء ١٦ / ٥٢٩ وقد عنونه بـ « ابن بطة، الإمام القدوة العابد الفقيه المحدث شيخ العراق » وذكر وفاته بقوله: « قال العتيقي: توفّي ابن بطة وكان مستجاب الدعوة في المحرم سنة ٣٣٧ ».

وأمّا « أبو ذر الباغندي » فهو:

الحافظ ابن الحافظ ابن الحافظ، هو المتقن الإمام أبو ذر أحمد بن أبي بكر محمّد بن محمّد بن سليمان بن الباغندي.

كذا عنونه الذهبي في سير أعلام النبلاء ١٥ / ٢٦٨.

وتوجد ترجمته في:

تاريخ بغداد ٥ / ٨٦

والوافي بالوفيات ٨ / ١٢٥

وغيرهما من المصادر.

وتوفي سنة ٣٢٦ ».

وأمّا « أبوه » المذكور، فقد عنونه الذهبي بقوله:

« الباغندي، محمّد بن محمّد بن سليمان بن الحارث، الإمام الحافظ الكبير، محدّث العراق، أبو بكر، ابن المحدّث أبي بكر، الأزدي الواسطي الباغندي، أحد أئمّة هذا الشأن ببغداد. جمع وصنّف وعمّر وتفرّد.


توفّي سنة ٣١٢ »(١) .

وأمّا « مسعر بن يحيى النهدي » فسيأتي الكلام فيه.

وأمّا « شريك » فهو: شريك بن عبدالله النخعي الكوفي.

من رجال الصّحاح(٢) .

وأمّا « أبو إسحاق » فهو: أبو إسحاق السبيعي الكوفي.

من رجال الصّحاح كذلك(٣) واسمه « عمرو ».

وأمّا « أبوه » فاسمه « عبدالله » واختلفوا في أبيه، فقيل: عبدالله بن علي، وقيل: عبدالله بن عبيد، وقيل: عبدالله بن يحمد.

وكيف كان، فهو من التابعين، ولا كلام فيه.

إنّما الكلام في هذا السند على « مسعر بن يحيى النهدي ».

وهذا الرجل لم أجد اسمه فيما بيديَّ من كتب القوم في الضعفاء ومن تُكلّم فيهم، إلّا في ( الميزان ) وتبعه ابن حجر في ( لسانه ) ولم يزد عليه شيئاً.

قال الذهبي: « مسعر بن يحيى النهدي لا أعرفه. وأتى بخبرٍ منكر:

قال ابن بطة: حدّثنا أبو ذر أحمد بن الباغندي، أخبرنا أبي، عن مسعر بن يحيى، حدّثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن أبيه، عن ابن عباس، قال:

قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: من أراد أنْ ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوحٍ في حكمته، وإلى إبراهيم في حلمه، فلينظر إلى علي »(٤) .

____________________

(١). سير أعلام النبلاء ١٤ / ٣٨٣.

(٢). تقريب التهذيب ١ / ٣٥١.

(٣). ميزان الإعتدال ٤ / ٩٩.

(٤). ميزان الإعتدال ٤ / ٩٩.


أقول:

قد عرفت أنّ رجال هذا السند أئمّة أعلام، فابن المقيّر: « من عباد الله الصالحين » والشهرزوري: « شيخ صالح ديّن خيّر، عارف باختلاف الروايات والقراءات » وابن البسري: « شيخ صالح عالم ثقة » وابن بطّة: « إمام قدوة عابد مستجاب الدعوة » وأبو ذر « إمام حافظ متقن » وأبوه الراوي عن « مسعر » هذا الحديث « أحد أئمّة هذا الشأن ».

فهؤلاء يروون هذا الحديث عن هذا الرّجل، ولا يرون فيه أيّ نكارة، والذهبي الّذي ينصُّ على عدم معرفته للرجل يقول: « أتى بخبر منكر »!!

وعلى الجملة، فإنّ رواية هؤلاء الأئمّة الصالحين عن هذا الرجل توثيقٌ له، والحديث ليس فيه أيّة نكارة غير كونه في فضل أمير المؤمنينعليه‌السلام .

فحكم ما رواه ابن بطة حكم ما رواه الحاكم، وإنّه ليرد على الذّهبي كل ما ورد على ابن الجوزي، فلا يجوز الاغترار بما ذكراه في الحديثين.

* وأمّا ما أخرجه ابن شاهين، فإنّه وإنْ كان يكفي سكوت الحافظ السيوطي عليه، لكنْ لا بدّ من توضيح الحال في رجاله:

فأمّا « محمّد بن الحسين بن حميد بن الربيع » فهو: أبو الطيّب اللخمي الكوفي:

ترجم له الخطيب في تاريخه، وروى عن أبي يعلى الطوسي: كان ثقةً يفهم، وعن ابن سفيان الحافظ: كان ثقةً صاحب مذهب حسنٍ وجماعة وأمر بمعروفٍ ونهي عن منكر، وكان ممّن يطلب للشهادة فيأبى ذلك. وقال الخطيب بعد أن حكى عن ابن عقدة أنّه قد تكلم فيه: « وفيه نظر ».


ولد سنة ٢٤٠ وتوفي سنة ٣١٨(١) .

وأمّا شيخه، فالذي جاء في الكتب عن ( كتاب السنّة ) لابن شاهين هو: « محمّد بن عمران بن حجّاج » وقد تحقّق عندي بالقرائن أنّه مصحّف « محمّد بن عمر بن هيّاج » الكوفي، وهو من رجال الترمذي والنسائي وابن ماجة ووثّقه أبو جعفر مطيَّن وابن حبان والبزّار، وقال ابن حجر: « صدوق »(٢) .

توفي سنة ٢٥٥.

وأمّا « عبيدالله بن موسى » فقد تقدم.

وكذا « أبو راشد الحبراني ».

وأمّا « أبو هارون العبدي » وهو « عمارة بن جوين » فمن رجال الترمذي وابن ماجة وكتاب خلق أفعال العباد للبخاري. وقد تكلّم فيه بعضهم للتشيّع وروايته مطاعن مناوئيه، مثل ما روى عن أبي سعيد: أنّ عثمان اُدخل حفرته وإنّه لكافر بالله.

قال الميلاني:

قد تبيّن أنّ لحديث التشبيه طرقاً معتبرة، وهي تقوّي طرقه الاُخرى الضَّعيفة، ولو كان لنا مجال لتابعنا الموضوع بأكثر من هذا، ولكن بما ذكرناه كفاية، لمن طلب الرشاد والهداية، والله سبحانه وليّ التوفيق.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلّى الله عليه محمّد وآله الطيبين الطاهرين.

____________________

(١). تاريخ بغداد ٢ / ٢٣٦.

(٢). تهذيب الكمال ٢٦ / ١٧٨، تقريب التهذيب ٢ / ١٩٤.


الفهرس

حديث التشبيه ٥

إهداء: ٧

كلمة المؤلِّف ٩

كلمة السيّد صاحب عبقات الأنوار ١١

كلام الدهلوي صاحب التحفة الاثنى عشرية ١٣

سند حديث التشبيه ٢١ - ٢٩١ ٢١

أسماء أشهر الرواة والمخرجين لحديث التشبيه ٢٤

(١) رواية عبدالرزاق ٢٨

تراجم رجال السَّنَد ترجمة عبدالرزاق ٢٩

ترجمة معمر بن راشد ٣٦

ترجمة الزّهري ٣٨

ترجمة سعيد بن المسيّب ٤٠

ترجمة أبي هريرة ٤٧

ترجمة ياقوت الحموي ٥١

اعتماد العلماء على ياقوت ٥٣

(٢) رواية أحمد بن حنبل ٥٤

ترجمة ابن شهرآشوب ٥٥

رواية صاحب الصحائف حديث التشبيه عن أحمد ٥٧

نصّ كلام صاحب الصحائف ٥٩

ترجمة أحمد بن حنبل ٦٥

(٣) رواية أبي حاتم الرازي ترجمة أبي حاتم ٧٧


(٤) رواية ابن شاهين ترجمة ابن شاهين ٨٢

تنبيه ٨٨

(٥) رواية إبن بَطّة العكبري ترجمة ابن بطّة ٩٠

ابن بطّة من مشايخ شيوخ الدّهلويّ في الإجازة ٩٢

(٦) رواية الحاكم النيسابوري ٩٣

ترجمة الحاكم ٩٤

تمسّك ( الدّهلوي ) ووالده بروايات الحاكم ١٠١

اعتبار تاريخ الحاكم ١٠٢

(٧) رواية إبن مردويه ١٠٣

ترجمة إبن مردويه ١٠٤

« الحافظ » في الاصطلاح ١٠٦

ابن مردويه شيخ من انتهى إليه علوّ الإسناد بإصبهان ١٠٧

اعتماد الحفاظ على كتبه ١٠٨

(٨) ١٠٩

رواية أبي نعيم ترجمة أبي نعيم ١٠٩

هو شيخ إمام الحرمين ١١٧

(٩) رواية البيهقي رواية البيهقي دليل ثبوت الحديث ١١٨

مصادر ترجمة البيهقي ١٢٠

(١٠) رواية ابن المغازلي ١٢١

ترجمة ابن المغازلي ١٢٢

ترجمة السمعاني الراوي عن ابن المغازلي ١٢٨

ترجمة خميس الراوي عن ابن المغازلي ١٣١

(١١) رواية شيرويه الديلمي ١٣٢

ترجمة الديلمي ١٣٣

إعتبار كتاب الفردوس ١٣٤


(١٢) رواية العاصمي ١٣٨

(١٣) رواية النطنزي ١٤٢

(١٤) رواية السنائي قال ( الدهلوي ): السنائي من أهل السنّة ١٤٣

(١٥) رواية شهردار الديلمي ١٤٥

ترجمة شهردار الديلمي ١٤٦

(١٦) رواية الخوارزمي ترجمة الخوارزمى ١٤٧

مصادر ترجمة العماد الكاتب ١٤٨

ترجمة الخوارزمي صاحب جامع المسانيد ١٥٤

من مصادر ترجمة الصفدي ١٥٥

ترجمة عبدالقادر القرشي ١٥٦

ترجمة القفطي ١٥٨

ترجمة التقي الفاسي ١٥٩

كتاب كتائب أعلام الأخيار ١٦٣

اعتبار كتاب المناقب للخوارزمي ١٦٤

ترجمة ابن الوزير ١٦٧

(١٧) رواية الحاكمي القزويني ١٧٣

ترجمة أبي الخير الحاكمي ١٧٤

(١٨) رواية الملّاء الإربلي ترجمة الملّاء ١٨٣

اعتبار كتاب وسيلة المتعبّدين ١٨٥

ذكر الملك نور الدين الشهيد الذي اعتقد الملّاء ١٨٧

(١٩) رواية أبي حامد الصالحاني ذكر الصالحاني ١٩٠

(٢٠) رواية ابن طلحة الشافعي ١٩٢

ترجمة ابن طلحة الشافعي ١٩٣

مصادر ترجمة اليافعي ١٩٤

ترجمة الأسنوي ١٩٥


مصادر ترجمة ابن قاضي شهبة اعتبار كتاب مطالب السئول ١٩٨

(٢١) رواية الكنجي الشافعي ١٩٩

الكنجي وكتابه ٢٠٠

(٢٢) رواية محبّ الدّين الطَبَري ذكر كتاب الرياض النضرة ٢٠١

ذكر كتاب ذخائر العقبى ٢٠٤

ترجمة المحبّ الطبري ٢٠٧

ذكر من نقل عنه ٢٠٨

(٢٣) رواية السيّد علي الهمداني ترجمة الهمداني ٢١٠

(٢٤) رواية نور الدين جعفر ترجمة أمير ملّا ٢١٣

(٢٥) رواية شهاب الدّين أحمد ٢١٤

ترجمة السيّد شهاب الدين أحمد إعتبار أخبار هذا الكتاب ٢١٥

(٢٦) رواية ملك العلماء الهندي ٢١٦

(٢٧) رواية ابن الصبَّاغ المالكي ترجمة ابن الصباغ ٢١٧

اعتبار كتاب ( الفصول المهمّة ) ٢١٨

(٢٨) رواية الميبدي ٢٢٣

ترجمة الميبدي (٢٩) رواية الصّفوري ٢٢٤

كلام الصّفوري في خطبة كتابه (٣٠) رواية الوصّابي اليماني ٢٢٥

كتاب الوصّابي (٣١) رواية الجمال المحدِّث ترجمة الجمال المحدّث ٢٢٦

(٣٢) رواية ابن باكثير المكي ٢٢٨

ترجمة ابن باكثير ٢٢٩

(٣٣) رواية البدخشاني ترجمة البدخشاني ٢٣٠

(٣٤) رواية محمّد صدر العالم شعر ولي الله الدهلوي بمدح محمّد صدر العالم ٢٣١

(٣٥) رواية وليّ الله الدّهلوي ٢٣٣

(٣٦) رواية محمّد الأمير ترجمة الأمير ٢٣٤

(٣٧) رواية الحفظي الشافعي ٢٣٥


ترجمة العجيلي (٣٨) رواية وليّ الله اللّكهنوي ٢٣٦

نقض كلمات الدهلوي حول سند حديث التشبيه ٢٣٩

الحديث في كتب الإماميّة ٢٤١

ترجمة الإربلي ٢٤٢

إنكار رواية البيهقي والردُّ عليه ٢٤٦

عدم إنكار ابن تيميّة رواية البيهقي ٢٤٧

كلمات في وصف البيهقي وكتبه ٢٤٩

غلط القوم في فهم عبارة العلّامة الحلّي ٢٥٧

ترجمة العلّامة ابن المطهّر الحلّي ٢٥٩

ترجمة البابرتي مادح العلّامة ٢٦١

نموذج من أكاذيب ( الدّهلوي ) ٢٦٤

الحديث الصحيح حجّة وإن لم يخرَّج في صحيح ٢٧١

الحديث الحسن يحتج به ٢٧٢

رأي الدهلوي في كتب الدّيلمي والخطيب وابن عساكر ٢٧٦

رأي الدهلوي في كتب ابن الجوزي والسّخاوي والسّيوطي ٢٨٠

الثناء على مصنّفات الخطيب ٢٨٤

الثناء على مصنّفات ابن عساكر ٢٨٧

دلالة حديث التشبيه ٢٩٣

من وجوه دلالة الحديث على المساواة ١ - إفادة هذا التركيب للعينيّة ٢٩٥

٢ - المتبادر من التشبيه هو المساواة ٢٩٧

أفضلية نبيّنا من سائر الأنبياء في القرآن ٢٩٨

٣ - الإستدلال على ضوء كلام الفخر الرازي ٣٠٣

٤ - في علي تسعون خِصلة لم تجمع في غيره ٣٠٤

٥ - دلالة الحديث في كلام إبن روزبهان ٣٠٥

٦ - بيان محمّد بن إسماعيل الأمير لحديث التشبيه ٣٠٦


٧ - إعتراف أبي بكر بدلالة الحديث ٣١٠

٨ - ابن تيميّة: الأشبه بالنبيّ أفضل وهو يخلفه ٣١٣

٩ - تشبيه غير المعصوم بالمعصوم غير جائز ٣١٥

١٠ - تحريم القاضي وغيره تشبيه بعض أحوال غير النّبي بالنّبي ٣١٧

١١ - التّشبيه يوجب العموم ٣٢١

١٢ - ترتّب أحكام المنزَّل عليه على المنزَّل ٣٢٢

١٣ - مجيء التشبيه للمساواة في القرآن ٣٢٤

الإحتجاج بكلمات ( الدّهلوي ) في مواضع اُخرى ٣٢٥

الحديث يحمل على المساواة لتعذّر العينيّة ٣٢٨

إن كان الحديث من الإستعارة فدلالته أبلغ ٣٣٦

إعتراف الكابلي بدلالة التشبيه على المساواة ٣٣٩

التشبيه للمساواة في كلام ( الدهلوي ) نفسه ٣٤١

عدم جواز حمل ألفاظ النبيّ على الكلام الركيك ٣٤٢

النّقض بما وضعوه في حقّ الشيخين ٣٤٤

دحض المعارضة بما وضعوه في تشبيه الشيخين بالأنبياء ٣٤٥

شبهات الدّهلوي حول دلالة الحديث على الأفضليّة وإستلزامها للإمامة ٣٥٥

١ - دلالته على الأفضليّة على غرار دلالة الآية على أفضليّة النبيّ ٣٥٧

٢ - اعتراف ابن روزبهان ٣ - الحديث نصّ في الأعلميّة ٣٥٨

٤ - جامعية علي لأشرف الصّفات ٥ - جمعه لتسعين خصلة من خصال الأنبياء ٦ - إتّصاف الثلاثة بأضداد هذه الصفات ٣٥٩

دحض مزاعم الدّهلوي لإثبات مساواة الثلاثة للأنبياء ٣٦١

خبر واحد موضوع ٣٦٤

نسبة باطلة إلى الصّوفية ٣٦٦

عدم حجيّة أقوال أهل السنّة على الإماميّة ٣٦٧

دعوى صدور وظائف الأنبياء من الشيخين وبطلانها ٣٦٨


الإستدلال على وجود الملكات بالأفعال الصادرة عنها ٣٧٦

الإستدلال بحديثٍ صحيح مع حمله على معنى باطل ٣٧٨

الإستدلال بانتهاء سلاسل الصّوفية إلى الإمام ٣٨١

دعوى والد الدهلوي انتهاء السلاسل إلى الشيخين إنكار إبن تيميّة إنتهاء السلاسل إلى علي ٣٨٥

ردّ المولوي حسن زمان على ابن تيميّة ووالد الدهلوي ٣٨٩

دعوى إنتهاء سلاسل الفقهاء إلى الشيخين ٤١٦

دعوى أنّ الإمامة الباقية في أولاد علي هي القطبيّة ٤١٨

ملحق حديث التشبيه ٤٢٥

الحديث عن ابن عباس الحديث عن أبي سعيد الخدري ٤٢٨

الحديث عن أنس بن مالك ٤٢٩

الحديث عن أبي هريرة الحديث عن أبي الحمراء ٤٣٠

الحديث عن الأعور الهمداني ٤٣١

التحقيق في هذه الأسانيد ٤٣٢

الفهرس ٤٤٣