إلى حامل لواء الامامة الكبرى والخلافة العظمى
ولي العصر المهدي المنتظر الحجة ابن الحسن العسكري أرواحناه فداه
يا أيّها العزيز مسّنا وأهلنا الضّر
وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل
وتصدّق علينا إن الله يجزي المتصدّقين
علي
كلمة المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين. وبعد
فإنّ هذا ( قسم الآيات ) من كتابنا ( نفحات الأزهار )، وقد اشتمل على البحث حول دلالة سبعةٍ من آيات القرآن الكريم على إمامة سيّدنا أمير المؤمنين عليه الصلاة والسّلام، وهي:
١ - آية الولاية.
٢ - آية التطهير.
٣ - آية المودّة.
٤ - آية المباهلة.
٥ - الآية:( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) .
٦ - الآية:( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسئوُلُونَ ) .
٧ - الآية:( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ) (١) .
إنّ الآيات الدالّة على إمامة أمير المؤمنين عليه الصلاة والسّلام استناداً إلى روايات أهل السنّة تبلغ العشرات، كما لا يخفى على المطّلع على كتب
____________________
(١). وما ذكرناه في ( دراسات في العبقات ) المطبوع في مقدمة الجزء الأوّل من كتابنا من أنّ الآيات ستّة فسهو.
أصحابنا في هذا الباب، لكنْ لمـّا كان كتاب ( عبقات الأنوار في إمامة الأئمّة الأطهار ) في الردّ على ( التحفة الإثني عشرية ) وقد اقتصر صاحب ( التحفة ) على الآيات المذكورة فقط، بل زعم الانحصار فيها، كان ( قسم الآيات ) من كتاب ( العبقات ) أيضاً مقصوراً على تلك الآيات.
لقد أثبت صاحب ( العبقات ) أنّ كلّ آيةٍ من هذه الآيات هي بوحدها تكفي لإثبات الإمامة، كما أثبت في ( قسم الأحاديث ) - وهي اثنا عشر حديثاً - دلالة كلّ واحدٍ منها بالإستقلال على الإمامة، على ضوء كتب أهل السنّة المعتمدة المشهورة.
وقد حوى كتابنا ( نفحات الأزهار ) في أجزاءه التسعة عشر ( قسم الأحاديث ) المتوفّرة بأيدينا من كتاب ( عبقات الأنوار ).
أمّا ( قسم الآيات ) منه فلم نحصل عليه حتّى الآن، إلّا أنّا قد بحثنا عن تلك الآيات في كتابنا ( تشييد المراجعات وتفنيد المكابرات ) مع التعرّض لكلام صاحب ( التحفة ) وبنفس اُسلوب صاحب ( العبقات )، فأخرجناها في هذا الجزء من الكتاب، نزولاً عند رغبة بعض الأصحاب.
والله هو الموفّق.
علي الحسيني الميلاني
آية الولاية
قوله تعالى
( إِنَّمَا وَلِيُّکُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّکَاةَ وَ هُمْ رَاکِعُونَ* وَ مَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ) (١) .
وتسمّى بـ « آية الولاية ».
ويتمّ إثبات الإمامة منها والبحث حولها في فصول:
____________________
(١). سورة المائدة ٥: ٥٥ و ٥٦.
الفصل الأوّل
في رواة خبر نزولها في علي وأسانيده
إنّ هذه الآية المباركة نزلت في قضية تصدّق أمير المؤمنينعليهالسلام بخاتمه على السائل وهو في حال الركوع، وقد اتّفق الفريقان على رواية هذا الخبر بالأسانيد الكثيرة، عن جمعٍ كبيرٍ من الصحابة ومشاهير التابعين.
لقد رووا هذا الخبر بأسانيدهم عن جمعٍ من الصّحابة والتابعين:
١ - أمير المؤمنينعليهالسلام .
٢ - المقداد بن الأسود الكندي.
٣ - عمّار بن ياسر.
٤ - عبدالله بن العبّاس.
٥ - أبو ذر الغفاري.
٦ - جابر بن عبدالله الأنصاري.
٧ - أبو رافع.
٨ - أنس بن مالك.
٩ - عبدالله بن سلام.
١٠ - حسّان بن ثابت، في شعر له.
١١ - محمّد بن الحنفيّة.
١٢ - ابن جريج المكي.
١٣ - سعيد بن جبير.
١٤ - عطاء.
١٥ - مجاهد.
١٦ - السدّي.
١٧ - مقاتل.
١٨ - الضحّاك.
وقد روى هذه المنقبة الجليلة كبار الأئمّة الحفّاظ وأعلام العلماء في مختلف القرون، وهذه أسماء أشهر مشاهيرهم:
١ - سليمان بن مهران الأعمش، المتوفّى سنة ١٤٨، وقع في طريق رواية الحسكاني.
٢ - معمر بن راشد الأزدي المتوفّى سنة ١٥٣، وقع في طريق رواية الحسكاني.
٣ - سفيان بن سعيد الثوري، المتوفّى سنة ١٦١، وقع في طريق رواية الحسكاني.
٤ - أبو عبدالله محمّد بن عمر الواقدي، المتوفّى سنة ٢٠٧، كما في ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى.
٥ - أبو بكر عبدالرزاق الصنعاني، المتوفّى سنة ٢١١، كما في تفسير ابن كثير الدمشقي.
٦ - أبو نعيم الفضل بن دكين، المتوفّى سنة ٢١٩، وقع في طريق رواية ابن أبي حاتم الرازي.
٧ - أبو محمّد عبد بن حميد الكشي، المتوفّى سنة ٢٤٩، كما في الدر المنثور في التفسير بالمأثور.
٨ - أحمد بن يحيى البلاذري، المتوفّى بعد سنة ٩٧٩، في أنساب الأشراف.
٩ - محمّد بن عبدالله الحضرمي، المطين، المتوفّى سنة ٢٧٩، وقع في طريق رواية أبي نعيم.
١٠ - أبو عبدالرحمن النسائي، المتوفّى سنة ٣٠٣، في صحيحه.
١١ - محمّد بن جرير الطبري، المتوفّى سنة ٣١٠، في تفسيره.
١٢ - ابن أبي حاتم الرازي، المتوفّى سنة ٣٢٧، كما في تفسيره وغير واحدٍ من الكتب.
١٣ - أبو القاسم الطبراني، المتوفّى سنة ٣٦٠، في المعجم الأوسط.
١٤ - عبدالله بن محمّد بن جعفر الأصبهاني، أبو الشيخ، المتوفّى سنة ٣٦٩، كما في الدرّ المنثور للسيوطي.
١٥ - أبو بكر الجصّاص الرازي، المتوفّى سنة ٣٧٠، في أحكام القرآن.
١٦ - عمر بن أحمد بن شاهين البغدادي الواعظ، المتوفّى سنة ٣٨٥، وقع في طريق رواية الحسكاني.
١٧ - أبو عبدالله الحاكم النيسابوري، المتوفّى سنة ٤٠٥، في كتاب علوم الحديث.
١٨ - أبو بكر ابن مردويه الأصبهاني، المتوفّى سنة ٤١٠، كما في كنز العمّال.
١٩ - أبو إسحاق الثعلبي، المتوفّى سنة ٤٢٧، في تفسيره.
٢٠ - أبو نعيم الإصفهاني، المتوفّى سنة ٤٣٠، كما في الدر المنثور وغيره.
٢١ - أبو الحسن الماوردي الشافعي، المتوفّى سنة ٤٥٠، كما في تفسيره.
٢٢ - أبو بكر الخطيب البغدادي، المتوفّى سنة ٤٦٣، في كتابه المتفق والمفترق، كما في كنز العمّال.
٢٣ - أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي، المتوفّى سنة ٤٦٨، في أسباب النزول.
٢٤ - الفقيه ابن المغازلي الشافعي، المتوفّى سنة ٤٨٣، في مناقب علي بن أبي طالب.
٢٥ - أبو المظفر منصور بن محمّد بن عبدالجبّار السمعاني، المتوفّى سنة ٤٨٩، في تفسيره.
٢٦ - أبو القاسم الحاكم الحسكاني النيسابوري، في كتابه: شواهد التنزيل.
٢٧ - أبو الحسن علي بن محمّد الكيا الطبري، المتوفّى سنة ٥٠٤ في تفسيره.
٢٨ - أبو محمّد الفراء البغوي، المتوفّى سنة ٥١٦، في تفسيره.
٢٩ - أبو الحسن رزين العبدري الأندلسي، المتوفّى سنة ٥٣٥ في الجمع بين الصحاح الستّة.
٣٠ - أبو القاسم جار الله الزمخشري، المتوفّى سنة ٥٣٨، في الكشّاف.
٣١ - الموفّق بن أحمد الخطيب الخوارزمي المكّي، المتوفّى سنة ٥٦٨، في مناقب علي بن أبي طالب.
٣٢ - أبو القاسم ابن عساكر الدمشقي، المتوفّى سنة ٥٧١، في تاريخ دمشق.
٣٣ - أبو الفرج ابن الجوزي الحنبلي، المتوفّى سنة ٥٩٧، في تفسيره: زاد المسير.
٣٤ - أبو عبدالله الفخر الرازي، المتوفّى سنة ٦٠٦، في تفسيره.
٣٥ - أبو السعادات ابن الأثير، المتوفّى سنة ٦٠٦، في جامع الاصول.
٣٦ - محمّد بن محمود بن حسن، ابن النجّار، المتوفّى سنة ٦٤٣، وقع في طريق رواية الحموئي.
٣٧ - أبو المظفر سبط ابن الجوزي الحنفي، المتوفّى سنة ٦٥٤، في تذكرة خواص الاُمّة.
٣٨ - أبو عبدالله الكنجي الشافعي، المتوفّى سنة ٦٥٨، في كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب.
٣٩ - عزالدين عبدالعزيز بن عبدالسلام السلمي الدمشقي، المتوفّى سنة ٦٦٠، في تفسيره.
٤٠ - أبو سالم محمّد بن طلحة الشافعي، المتوفّى سنة ٦٦٢، في مطالب السئول.
٤١ - ناصر الدين البيضاوي الشافعي، المتوفّى سنة ٦٨٥، في تفسيره.
٤٢ - أبو العباس محبّ الدين الطبري الشافعي، المتوفّى سنة ٦٩٤ في كتابيه: الرياض النضرة في مناقب العشرة، ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى.
٤٣ - حافظ الدين النسفي، المتوفّى سنة ٧٠١ - أو - ٧١٠، في تفسيره.
٤٤ - شيخ الإسلام الحمّوئي الجويني، المتوفّى سنة ٧٢٢ في كتابه فرائد السمطين.
٤٥ - علاء الدين الخازن البغدادي، المتوفّى سنة ٧٤١، في تفسيره.
٤٦ - شمس الدين الإصبهاني، المتوفّى سنة ٧٤٦، في شرح التجريد.
٤٧ - جمال الدين الزرندي، المتوفّى سنة ٧٥٠، في نظم درر السمطين.
٤٨ - أبو حيّان الأندلسي، المتوفّى سنة ٧٥٤، في تفسيره البحر المحيط.
٤٩ - عضد الدين الإيجي، المتوفّى سنة ٧٦٥، في كتاب المواقف في علم الكلام.
٥٠ - محمّد بن أحمد بن جزّي الكلبي، المتوفّى سنة ٧٥٨، في تفسيره.
٥١ - نظام الدين القمي النيسابوري، في تفسيره.
٥٢ - سعد الدين التفتازاني، المتوفّى سنة ٧٩١ في شرح المقاصد.
٥٣ - السيّد الشريف الجرجاني، المتوفّى سنة ٨١٦، في شرح المواقف.
٥٤ - شهاب الدين ابن حجر العسقلاني، المتوفّى سنة ٨٥٢، كما في الكاف الشاف في تخريج الكشّاف.
٥٥ - نور الدين ابن الصبّاغ المالكي، المتوفّى سنة ٨٥٥، في الفصول المهمة في معرفة الأئمّة.
٥٦ - علاء الدين القوشجي السمرقندي، المتوفّى سنة ٨٧٩، في شرح التجريد.
٥٧ - جلال الدين السيوطي، المتوفّى سنة ٩١١، في الدر المنثور في التفسير بالمأثور، وغيره.
٥٨ - أبو السعود محمّد بن محمّد العمادي، المتوفّى سنة ٩٥١، كما في تفسيره.
٥٩ - شهاب الدين ابن حجر الهيتمي المكّي، المتوفّى سنة ٩٧٤، في الصواعق المحرقة.
٦٠ - قاضي القضاة الشوكاني، المتوفّى سنة ١٢٥٠ في تفسيره.
٦١ - شهاب الدين الآلوسي، المتوفّى سنة ١٢٧٠، في تفسيره.
٦٢ - الشيخ سليمان القندوزي الحنفي، المتوفّى سنة ١٢٩٣، في ينابيع المودّة.
٦٣ - السيّد محمّد مؤمن الشبلنجي، المتوفّى ، في نور الأبصار.
وإليك عدّةً من نصوص الخبر، في الكتب المعتبرة المشهورة:
* أخرج ابن الأثير، عن رزين الحافظ، عن النسائي، ما نصّه:
« عبد الله بن سلام -رضياللهعنه - قال: أتيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ورهط من قومي، فقلنا: إن قومنا حادّونا لمـّا صدّقنا الله ورسوله، وأقسموا لا يكلّمونا، فأنزل الله تعالى:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) ، ثمّ أذّن بلال لصلاة الظهر، فقام الناس يصلّون، فمن بين ساجدٍ وراكع، إذا سائل يسأل، فأعطاه عليّ خاتمه وهو راكع، فأخبر السائل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقرأ علينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ ) أخرجه رزين »(١) .
و « رزين » هو: رزين بن معاوية العبدري، المتوفّى سنة ٥٣٥ كما في سير أعلام النبلاء، وقد وصفه بـ: « الإمام المحدّث الشهير »(٢) .
____________________
(١). جامع الأُصول ٩ / ٤٧٨.
(٢). سير أعلام النبلاء ٢٠ / ٢٠٤.
وقال ابن الأثير: « وتلاهم آخراً أبو الحسن رزين بن معاوية العبدري السرقسطي، فجمع بين كتب البخاري ومسلم والموطّأ لمالك وجامع أبي عيسى الترمذي وسنن أبي داود السجستاني وسنن أبي عبدالرحمن النسائي، رحمة الله عليهم، ورتّب كتابه على الأبواب دون المسانيد ».
قال: « وأمّا الأحاديث التي وجدتها في كتاب رزين -رحمهالله - ولم أجدها في الأُصول، فإنّني كتبتها نقلاً من كتابه على حالها في مواضعها المختصّة بها، وتركتها بغير علامة، وأخليت لذكر اسم من أخرجها موضعاً، لعلّي أتتبّع نسخاً أُخرىُ لهذه الأُصول وأعثر عليها، فأُثبت اسم من أخرجها »(١) .
* أخرج ابن أبي حاتم بتفسير الآية، قال:
« حدّثنا الربيع بن سليمان المرادي، ثنا أيوب بن سويد، عن عتبة بن أبي حكيم في قوله:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) قال: علي بن أبي طالب.
حدّثنا أبو سعيد الأشج، ثنا الفضل بن دكين أبو نعيم الأحول، ثنا موسى ابن قيس الحضرمي، عن سلمة بن كهيل قال: تصدّق علي بخاتمه وهو راكع، فنزلت( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ) (٢) .
* وأخرج أبو جعفر الطبري قال: « وأمّا قوله( وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ) فإنّ أهل التأويل اختلفوا في
____________________
(١). جامع الأُصول ١ / ١٩ وص ٢٣.
(٢). تفسير ابن أبي حاتم الرازي ٤ / ١١٦٢.
المعنّي به، فقال بعضهم عني به علي بن أبي طالب، وقال بعضهم عني به جميع المؤمنين » ثمّ ذكر:
« حدّثنا إسماعيل بن إسرائيل الرملي قال: ثنا أيوب بن سويد قال: ثنا عتبة بن أبي حكيم في هذه الآية:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) قال: علي بن أبي طالب.
حدّثني الحرث قال: ثنا عبدالعزيز قال: ثنا غالب بن عبيد الله قال: سمعت مجاهداً يقول في قوله:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ ) الآية. قال: نزلت في علي بن أبي طالب، تصدّق وهو راكع »(١) .
* وأخرج الحاكم في النوع الثالث من الأفراد، أحاديث لأهل المدينة تفرّد بها عنهم أهل مدينة أُخرى:
« حدّثنا أبو عبدالله محمّد بن عبدالله الصفّار قال: ثنا أبو يحيى عبدالرحمن بن محمّد بن سلم الرازي بإصبهان، قال: ثنا يحيى بن الضريس قال: ثنا عيسى بن عبدالله بن عبيدالله(٢) بن عمر بن علي بن أبي طالب قال: ثنا أبي عن أبيه عن جده عن علي قال: نزلت هذه الآية على رسول الله( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ) فخرج رسول الله ودخل المسجد، والناس يصلّون بين راكع وقائم، فصلى، فإذا سائل قال: يا سائل أعطاك أحد شيئاً؟ فقال: لا إلّا هذا الراكع - لعليّ - أعطاني خاتماً.
قال الحاكم: هذا حديث تفرّد به الرازيّون عن الكوفيين، فإنّ يحيى بن
____________________
(١). تفسير الطبري ٦ / ١٨٦.
(٢). كذا، وسيأتي صحيحه.
الضريس الرازي قاضيهم، وعيسى العلوي من أهل الكوفة »(٣) .
* أخرج الطبراني قائلاً: « حدّثنا محمّد بن علي الصائغ قال: حدّثنا خالد ابن يزيد العمري، قال: حدّثنا إسحاق بن عبدالله بن محمّد بن علي بن حسين، عن الحسن بن زيد، عن أبيه زيد بن الحسن، عن جده قال:
سمعت عمّار بن ياسر يقول: « وقف على عليّ بن أبي طالب سائل وهو راكع في تطوّعٍ فنزع خاتمه فأعطاه السائل، فأتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأعلمه ذلك، فنزلت على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم هذه الآية:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ) فقرأها رسول صلّى الله عليه وسلّم ثمّ قال: من كنت مولاه فعلّي مولاه، اللهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه ».
لا يُروى هذا الحديث عن عمّار بن ياسر إلّا بهذا الإسناد، تفردّ به خالد ابن يزيد »(١) .
* أخرج أبو نعيم الحافظ بإسناده قائلاً:
« حدّثنا سليمان بن أحمد قال: حدّثنا محمّد بن عبدالله الحضرمي قال: حدّثنا إبراهيم بن عيسى التنوخي قال: حدّثنا يحيى بن يعلى، عن عبيد الله بن موسى، عن أبي الزبير، عن جابر قال:
جاء عبدالله بن سلام واُناس معه، فشكوا مجانبة الناس إيّاهم منذ أسلموا، فقال أبغوني سائلاً، فدخلنا المسجد، فدنا سائل إليه فقال: أعطاك أحد شيئاً؟ قال: نعم، مررت برجلٍ راكع فأعطاني خاتمه. قال: فاذهب فأره،
____________________
(١). معرفة علوم الحديث: ١٠٢.
(٢). المعجم الأوسط ٧ / ١٢٩.
فذهبنا وعلي قائم، قال: هذا. فنزلت:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ ) (١) .
* أخرج أبو المظفر السمعاني بتفسير الآية: « قال السدي - وهو رواية عن مجاهد - إن هذا أنزل في علي بن أبي طالب، كان في الركوع ومسكين يطوف في المسجد، فنزع خاتمه ودفع إليه، فهذا معنى قوله:( وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ) .
ثم إنّه لم يناقش في هذا القول وسنده، وإنّما تكلّم في معنى الآية وخصوص لفظ « الولاية » فقال: « وقوله:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ ) أراد به الولاية في الدين، لا ولاية الإمارة والسلطنة، وهم فوق كلّ ولاية. قال أبو عبيدة: وكذلك معنى قوله: من كنت مولاه فعلي مولاه. يعني: من كنت وليّاً له اُعينه وانصره، فعلي يعينه وينصره في الدين »(٢) .
* وأخرج الثعلبي، قال:
قوله تعالى:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ) .
قال ابن عباس: وقال السدي، وعتبة بن حكيم، وثابت بن عبدالله: إنّما عنى بقوله( وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ) علي بن أبي طالبرضياللهعنه ، مرّ به سائل وهو راكع في المسجد فأعطاه خاتمه.
أخبرنا أبو الحسن محمّد بن القاسم بن أحمد، قال: حدّثنا أبو محمّد عبدالله بن أحمد الشعراني، قال: حدّثنا أبو علي أحمد بن علي بن رزين، قال: حدّثنا المظفر بن الحسن الأنصاري، قال: حدّثنا السيّد بن علي قال: حدّثنا
____________________
(١). خصائص الوحي المبين: ٢٠ عن كتاب ما نزل في علي لأبي نعيم الإصفهاني.
(٢). تفسير القرآن ٢ / ٤٧.
يحيى بن عبدالحميد الحماني، عن قيس بن الربيع، عن الأعمش، عن عباية بن الربعي، قال:
بينا عبدالله بن عباس جالس على شفير زمزم إذ أقبل رجل متعمّم بعمامة، فجعل ابن عبّاس لا يقول قال رسول الله إلّا قال الرجل قال رسول الله.
فقال ابن عباس: سألتك بالله من أنت؟
قال: فكشف العمامة عن وجهه وقال: يا أيّها الناس مَن عرفني فقد عرفني، ومَن لم يعرفني فأنا جندب بن جنادة البدري أبوذر الغفاري، سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بهاتين وإلّا صمّتا [ وأشار به اُذنيه ] ورأيته بهاتين وإلّا فعُميتا [ وأشار إلى عينيه ] يقول: علي قائد البررة، وقاتل الكفرة، منصور من نصره، مخذول من خذله. أمّا إنّي صلّيت مع رسول الله يوماً من الأيّام صلاة الظهر فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد، فرفع السائل يده إلى السماء وقال: اللهم أشهد إنّي سألت في مسجد رسول الله فلم يُعطني أحد شيئاً، وكان علي راكعاً فأومى إليه بخنصره اليُمنى وكان يتختّم فيها، فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم من خنصره، وذلك بعين النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
فلمـّا فرغ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من صلاته رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهمّ إنّ أخي موسى سألك فقال:( رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هارُونَ أَخِي * أُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ) الآية، فأنزلتَ عليه قرآناً ناطقاً:( سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً ) اللهمّ وأنا محمّد نبيّك وصفيّك، اللهمّ فاشرح لي صدري ، وَيسّر لي أمري، واجعل لي وزيراً من أهلي ، عليّاً أُشدد به ظهر ي.
قال أبو ذر: فوالله ما استتمّ رسول الله الكلمة حتّى أُنزل عليه جبرئيل من عند الله فقال: يا محمّد اقرأ. قال: وما أقرأ؟ قال: اقرأ:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ
وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ) .
سمعت أبا منصور الجمشاذي، سمعت محمّد بن عبدالله الحافظ، سمعت أبا الحسن علي بن الحسن، سمعتُ أبا حامد محمّد بن هارون الحضرمي، سمعت محمّد بن منصور الطوسي، سمعت أحمد بن حنبل يقول:
ما جاء لأحدٍ من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الفضائل ما جاء لعلي بن أبي طالبرضياللهعنه »(١) .
* وأخرج الواحدي:
« قوله تعالى:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) قال جابر بن عبدالله: جاء عبدالله بن سلام إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله إنّ قوماً من قريظة والنضير قد هاجرونا وفارقونا وأقسموا أن لا يجالسونا، ولا نستطيع مجالسة أصحابك لبعد المنازل وشكى ما يلقى من اليهود، فنزلت هذه الآية فقرأها عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: رضينا بالله وبرسوله وبالمؤمنين أولياء ونحو هذا. قال الكلبي وزاد: إنّ آخر الآية في علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، لأنّه أعطى خاتمه سائلاً وهو راكع في الصلاة. أخبرنا أبو بكر التميمي قال أخبرنا عبدالله بن محمّد بن جعفر قال حدّثنا الحسين بن محمّد بن أبي هريرة قال: حدّثنا عبدالله بن عبدالوهاب قال: حدّثنا محمّد بن الأسود عن محمّد بن مروان عن محمّد بن السائب عن أبي صالح عن ابن عبّاس قال: أقبل عبدالله بن سلم ومعه نفر من قومه قد آمنوا فقالوا: يا رسول الله إنّ منازلنا بعيدة وليس لنا مجلس ولا متحدّث، وإنّ قومنا لمـّا رأونا آمنّا بالله ورسوله وصدّقناه رفضونا وآلوا على أنفسهم أن لا يجالسونا ولا يناكحونا ولا يكلّمونا فشقّ ذلك علينا، فقال لهم النبيّعليهالسلام ( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ
____________________
(١). تفسير الثعلبي - مخطوط.
وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) الآية ثمّ إنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم خرج إلى المسجد والناس بين قائم وراكع، فنظر سائلا فقال: هل أعطاك أحد شيئاً؟ قال: نعم خاتم من ذهب. قال: من أعطاكه؟ قال: ذلك القائم وأومأ بيده إلى علي بن أبي طالبرضياللهعنه فقال: على أيّ حال أعطاك؟ قال: أعطاني وهو راكع، فكبّر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ثمّ قرأ:( وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ ) (١) .
* وأخرج الحاكم الحسكاني:
« قوله سبحانه:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ) .
قول ابن عباس فيه:
أخبرنا أبو بكر الحارثي قال: أخبرنا أبو الشيخ، قال: حدّثنا أحمد بن يحيى بن زهير التستري، وعبد الرحمان بن أحمد الزهري قالا: حدّثنا أحمد بن منصور قال: حدّثنا عبدالرزاق، عن عبدالوهاب بن مجاهد، عن أبيه:
عن ابن عباس [ في قوله تعالى: ]( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) قال: نزلت في علي بن أبي طالبعليهالسلام .
أخبرنا السيد عقيل بن الحسين العلوي قال: أخبرنا أبو محمّد عبدالرحمان بن إبراهيم بن أحمد بن الفضل الطبري من لفظه بسجستان قال: أخبرنا أبو الحسين محمّد بن عبدالله المزني قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمّد ابن عبدالله قال: حدّثنا الفهم بن سعيد بن الفهم بن سعيد بن سُليك بن عبدالغطفاني صاحب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: حدّثنا عبدالرزاق ابن همّام عن معمر:
____________________
(١). أسباب النزول: ١١٣.
عن ابن طاووس عن أبيه قال: كنت جالساً مع ابن عبّاس إذ دخل عليه رجل فقال: أخبرني عن هذه الآية:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ ) فقال ابن عبّاس: أنزلت في عليّ بن أبي طالب.
أخبرنا الحسين بن محمّد الثقفي قال: حدّثنا عبدالله بن محمّد بن أبي شيبة قال: حدّثنا عبيد الله بن أحمد بن منصور الكسائي قال: حدّثنا أبو عقيل محمّد بن حاتم بن قال: حدّثنا عبدالرزّاق قال: حدّثنا ابن مجاهد، عن أبيه:
عن ابن عبّاس في قوله:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) قال: عليعليهالسلام .
وأخبرنا الحسين [ بن محمّد الثقفي ] قال: حدّثنا أبو الفتح محمّد بن الحسين الأزدي الموصلي قال: حدّثنا عصام بن غياث السمان البغدادي [ قال ]: حدّثنا أحمد بن سيّار المروزي قال: حدّثنا عبدالرزاق به، [ و ] قال: نزلت في عليّ بن أبي طالب.
أخبرنا عقيل بن الحسين قال: أخبرنا عليّ بن الحسين قال: حدّثنا محمّد ابن عبيد الله قال: حدّثنا أبو عمرو عثمان بن أحمد بن عبدالله الدقاق ببغداد ابن السمّاك قال: حدّثنا عبدالله بن ثابت المقري قال: حدّثني أبي عن الهذيل، عن مقاتل، عن الضحاك [ عن ] ابن عبّاس [ به ].
وحدّثني الحسن بن محمّد بن عثمان الفسوي عن ابن عبّاس.
وحدّثنا الحسن بن محمّد بن عثمان الفسوي بالبصرة، قال: حدّثنا يعقوب بن سفيان قال: حدّثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، قال: حدّثنا سفيان الثوري عن منصور عن مجاهد، عن ابن عبّاس:
قال سفيان: وحدّثني الأعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس في قوله الله تعالى:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ ) يعني ناصركم
الله( وَرَسُولُهُ ) يعني محمّد صلى عليه وآله وسلّم ثمّ قال:( وَالَّذِينَ آمَنُوا ) فخصّ من بين المؤمنين عليّ بن أبي طالب فقال:( الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ) يعني يتمّون وضوءها وقراءتها وركوعها وسجودها وخشوعها في مواقيتها [( وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ) ] وذلك أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم صلّى يوماً بأصحابه صلاة الظهر وانصرف هو وأصحابه، فلم يبق في المسجد غير عليّ قائماً يصلّي بين الظهر والعصر، إذ دخل [ المسجد ] فقير من فقراء المسلمين، فلم يرَ في المسجد أحداً خلا عليّاً فأقبل نحوه فقال: يا وليّ الله بالذي يصلّى له أن تتصدّق عَلَيّ بما أمكنك. وله خاتم عقيق يماني أحمر [ كان ] يلبسه في الصلاة في يمينه، فمدّ يده فوضعها على ظهره وأشار إلى السائل بنزعه، فنزعه ودعا له، ومضى وهبط جبرئيل فقال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لعليّ: لقد باهى الله بك ملائكته اليوم، اقرأ( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ ) .
أخبرنا أحمد بن محمّد بن أحمد الفقيه، قال: أخبرنا عبدالله بن محمّد ابن جعفر قال: حدّثنا الحسن بن محمّد بن أبي هريرة قال: حدّثنا عبدالله بن عبدالوهّاب، قال: حدّثنا محمّد بن الأسود عن محمّد بن هارون، عن محمّد ابن السائب، عن أبي صالح:
عن ابن عبّاس قال: أقبل عبدالله بن سلام ومعه نفر من قومه ممّن قد آمنوا بالنبيّ فقالوا: يا رسول الله إنّ منازلنا بعيدة وليس لنا مجلس ولا متحدّث دون هذا المجلس، وإنّ قومنا لمـّا رأونا آمنّا بالله وبرسوله وصدّقناه رفضونا وآلوا على أنفسهم أن لا يجالسونا ولا يناكحونا ولا يكلّمونا، فشقّ ذلك علينا، فقال لهم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ) .
ثمّ إنّ النبيّ خرج إلى المسجد والناس بين قائم وراكع فبصر بسائل فقال له النبيّ صلّى الله عليه: هل أعطاك أحد شيئاً؟ قال: نعم خاتم من ذهب. فقال له النبي: من أعطاكه؟ قال: ذاك القائم وأومى بيده إلى عليّ. فقال له النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : على أيّ [ حال ] أعطاك؟ قال: أعطاني وهو راكع. فكبّر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ثمّ قرأ:( وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ ) .
فأنشأ حسان بن ثابت يقول في ذلك:
أبا حسن تُفْديك نفسي ومهجتي |
وكلّ بطئ في الهدى ومسارع |
|
أيذهب مدحي والـمُحبّر ضائعاً |
وما المدح في جنب الإله بضائع |
|
وأنت الذي أعطيت إذ كنت راكعاً |
زكاتاً فدتك النفس يا خير راكع |
|
فانزل فيك الله خير ولاية |
فبيّنها في نيّرات الشرائع |
وقيل في ذلك أيضاً:
أوفى الصلاة مع الزكاة فقامها |
والله يرحم عبده الصبّارا |
|
من ذا بخاتمه تصدّق راكعاً |
وأسرّه في نفسه إسرارا |
|
من كان بات على فراش محمّد |
ومحمّد يسري وينحو الغارا |
|
من كان جبريل يقوم يمينه |
فيها وميكال يقوم يسارا |
|
من كان في القرآن سمّي مؤمناً |
في تسع آيات جعلن كبارا |
قول أنس فيه:
أخبرنا عبدالله بن يوسف إملاءاً وقراءة في الفوائد قال: أخبرنا علي بن محمّد بن عقبة، قال: حدّثنا الخضر بن أبان، قال: حدّثنا إبراهيم بن هدبة:
عن أنس: إنّ سائلاً أتى المسجد وهو يقول: من يقرض الوفيّ المليّ؟ وعليعليهالسلام راكع يقول بيده خلفه للسائل أي اخلع الخاتم من يدي.
فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: يا عمر وجبت. قال: بأبي أنت وأُمّييا يا رسول الله ما وجبت؟ قال: وجبت له الجنّة، والله ما خلعه من يده حتّى خلعه من كلّ ذنب ومن كلّ خطيئة. قال: بأبي واُمّي يا رسول الله هذا لهذا؟ قال: هذا لمن فعل هذا من أُمّتي.
أخبرني الحاكم الوالد، ومحمّد بن القاسم أنّ عمر بن أحمد بن عثمان الواعظ أخبرهم: أنّ محمّد بن أحمد بن أيوب بن الصلت المقرئ حدّثهم قال: حدّثنا أحمد بن إسحاق - وكان ثقة - قال: حدّثنا أبو أحمد زكريا بن دويد بن محمّد بن الأشعث بن قيس الكندي:
قال: حدّثنا حميد الطويل عن أنس قال: خرج النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى صلاة الظهر فإذاً هو بعليّ يركع ويسجد، وإذا بسائل يسأل فأوجع قلب علي كلام السائل، فأومأ بيده اليمنى إلى خلف ظهره فدنا السائل منه فسلّ خاتمه عن إصبعه، فأنزل الله فيه آية من القرآن وانصرف عليّ إلى المنزل، فبعث النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم إليه فأحضره فقال: أيّ شي عملت يومك هذا بينك وبين الله تعالى؟ فأخبره فقال: هنيئاً لك [ أ ] با الحسن قد أنزل الله فيك آية من القرآن:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ ) الآية.
[ والحديث ] اختصرته.
روايات الصحابة فيه رضي الله عنهم:
منهم عمّار بن ياسر
أخبرنا أبوبكر الحارثي قال: أخبرنا أبوالشيخ، قال: حدّثنا الوليد بن أبان، قال: حدّثنا سلمة بن محمّد قال: حدّثنا خالد بن يزيد، قال: حدّثنا إسحاق بن عبدالله بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي، عن الحسن بن زيد عن أبيه زيد بن حسن، عن جدّه قال: سمعت عمّار بن ياسر يقول:
وقف لعلي بن أبي طالب سائل وهو راكع في صلاة التطوع فنزع خاتمه فأعطاه السائل فأتى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فأعلمه ذلك فنزل على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم هذه الآية:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ ) إلى آخر الآية [ فـ ] قال رسول الله: من كنت مولاه فإنّ عليّاً مولاه، اللهمّ والِ من والاه وعاد من عاداه.
[ و ] رواه [ أيضاً ] أبوالنضر العياشي في كتابه وفي تفسيره قال: حدّثنا سلمة بن محمّد بذلك.
ومنهم جابر بن عبدالله الأنصاري
حدّثنا الحاكم أبو عبدالله الحافظ غير مرّة قال: أخبرنا أبو بكر محمّد بن جعفر بن يزيد الآدمي القاري ببغداد قال: حدّثنا أحمد بن موسى بن يزيد الشطوي حدّثنا إبراهيم بن إبراهيم هو أبو إسحاق الكوفي قال: حدّثنا إبراهيم ابن الحسن الثعلبي قال: حدّثنا يحيى بن يعلى، عن عبيدالله بن موسى، عن أبي الزبير:
عن جابر قال: جاء عبدالله بن سلام وأنا معه يشكون إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مجانبة إيّاهم منذ أسلموا فقال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : ابتغوا إلي سائلاً. فدخلنا المسجد فوجدنا فيه مسكيناً فأتينا [ به ] النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فسأله هل أعطاك أحد شيئاً؟ قال: نعم مررت برجل يصلّي فأعطاني خاتمه قال: اذهب فأرهم إيّاه [ قال جابر ] فانطلقنا وعلي قائم يصلّي قال: هو هذا، فرجعنا وقد نزلت هذه الآية:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ ) الآية.
ومنهم أمير المؤمنين عليعليهالسلام
أخبرنا أبو بكر التميمي بقراءتي عليه من أصله، أخبرنا أبو محمّد عبدالله
ابن محمّد، قال: حدّثنا سعيد بن سلمة الثوري قال: حدّثنا محمّد بن يحيى الفَيْدي قال: حدّثنا عيسى بن عَبْدالله بن عُبَيدالله بن عمر بن علي بن أبي طالب، قال: حدّثنا أبي عن أبيه عن جدّه:
عن عليّ قال: نزلت هذه الآية على رسول الله في بيته:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ ) الآية. فخرج رسول الله ودخل المسجد وجاء الناس يصلون بين راكع وساجد وقائم فإذاً سائل فقال: يا سائل هل أعطاك أحد شيئاً؟ قال: لا إلاّذاك الراكع - لعلي - أعطاني خاتمه.
ومنهم المقداد بن الأسود الكندي
أخبرنا أبو عثمان سعيد بن محمّد الحيري قال: حدّثنا أبو بكر محمّد بن أحمد المديني قال: حدّثنا الحسن بن إسماعيل، قال: حدّثنا عبدالرحمان بن إبراهيم الفهري قال: حدّثني أبي عن علي بن صدقة عن هلال:
عن المقداد بن الأسود الكندي قال: كنّا جلوساً بين يدي رسول الله إذ جاء أعرابي بدوي متنكّب على قوسه.
وساق الحديث بطوله حتّى قال: وعلي بن أبي طالب قائم يصلي في وسط المسجد ركعات بين الظهر والعصر فناوله خاتمه، فقال النبيّ صلى عليه وآله وسلّم: بخٍ بخٍ بخٍ وجبت الغرفات. فأنشأ الأعرابي يقول:
يا وليّ المؤمنين كلّهم |
وسيّد الأوصياء من آدم |
|
قد فزت بالنفل يا أبا حسن |
إذ جادت الكفّ منك بالخاتم |
|
فالجود فرع وأنت مغرسه |
وأنتم سادة لذا العالم |
فعندها هبط جبرئيل بالآية:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ ) الآية.
ومنهم أبوذر الغفاري
حدّثني أبو الحسن محمّد بن القاسم [ الفقيه ] الصيدلاني قال: أخبرنا أبو محمّد عبدالله بن أحمد الشعراني قال: حدّثنا أبو علي أحمد بن عليّ بن رزين الباشاني قال: حدّثني المظفّر بن الحسن الأنصاري قال: حدّثنا السندي بن عليّ الورّاق قال: حدّثنا يحيى بن عبدالحميد الحمّاني، عن قيس بن الربيع عن الأعمش عن عباية بن ربعي قال:
بينما عبدالله بن عبّاس جالس على شفير زمزم »(١) .
قول محمّد بن الحنفيّة فيه
أخبرنا أبو عبدالله النيسابوري السفياني قراءة قال: حدّثنا ظفران بن الحسين قال: حدّثنا أبو الحسن علي بن عثمان، بن تارخ المعمري قال: حدّثنا يحيى بن عبدك القزويني قال: حدّثنا حسان بن حسّان قال: حدّثنا موسى بن قطن الكوفي عن الحكم بن عُتيبة:
عن المنهال بن عمرو، عن محمّد بن الحنفيّة أنّ سائلاً سأل في مسجد رسول الله فلم يعطه أحد شيئاً، فخرج رسول الله [صلىاللهعليهوآلهوسلم ] وقال: هل أعطاك أحد شيئاً؟ قال: لا إلّا رجل مررت به وهو راكع فناولني خاتمه. فقال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : وتعرفه؟ قال: لا. فنزلت هذه الآية:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ) فكان علي بن أبي طالب.
قول عطاء
حدّثني الحاكم أبو بكر محمّد بن إبراهيم الفارسي [ حدّثنا ] أبو عبدالله محمّد بن خَفْيف بشيراز قال: حدّثنا أبو الطيب النعمان بن أحمد بن يعمر
____________________
(١). إلى آخره كما تقدّم في رواية الثعلبي.
الواسطي قال: حدّثنا عبدالله بن عمر القرشي قال: حدّثنا أبو جعفر محمّد بن حميد الصفّار قال: حدّثنا جعفر بن سليمان، عن عطاء بن السائب [ في قوله تعالى ]:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ ) الآية قال: نزلت في علي مرّ به سائل وهو راكع فناوله خاتمه.
قول عبدالملك بن جُرَيج المكي
أخبرنا الحسين بن محمّد بن الحسين الجبلي قال: حدّثنا عليّ بن محمّد ابن لؤلؤ، قال: أخبرنا الهيثم بن خلف الدوري قال: حدّثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي قال: حدّثنا حجاج، عن ابن جُرَيج قال: لمـّا نزلت:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ ) الآية، خرج النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى المسجد، فإذاً سائل يسأل في المسجد فقال له النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : هل أعطاك أحد شيئاً وهو راكع؟ قال: نعم رجل لا أدري من هو. قال: ماذا [ أعطاك ]؟ قال: هذا الخاتم. فإذا الرجل علي بن أبي طالب، والخاتم خاتمه عرفه النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
قوله تعالى ذكره:
( وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ ) .
أخبرنا أبو العبّاس المحمّدي قال: أخبرنا عليّ بن الحسين قال:
أخبرنا محمّد بن عبيد الله، قال: حدّثنا أبو عمرو عثمان بن أحمد بن عبيد الله الدقاق المعروف بابن السماك ببغداد قال: حدّثنا عبدالله بن ثابت المقرئ قال: حدّثني أبي عن الهذيل، عن مقاتل عن الضحاك:
عن ابن عبّاس قال:( وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ ) يي يحبّ الله( وَرَسُولَهُ ) يعني محمّداً( وَالَّذِينَ آمَنُوا ) يعني ويحبّ عليّ بن أبي طالب( فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ ) يعني شيعة الله وشيعة محمّد وشيعة عليّ هم الغالبون، يعني
العالون على جميع العباد الظاهرون على المخالفين لهم، قال ابن عبّاس: فبدأ الله في هذه الآية بنفسه، ثمّ ثنى بمحمّد، ثمّ ثلّث بعليّ [ ثمّ قال ]: فلمـّا نزلت هذه الآية قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : رحم الله عليّاً اللّهمّ أدر الحقّ معه حيث دار.
قال ابن مؤمن: لا خلاف بين المفسّرين أنّ هذه الآية نزلت في أمير المؤمنين [ عليعليهالسلام ] »(١) .
* وأخرج ابن عساكر قائلاً:
« أخبرنا أبو سعد المطرز، وأبو علي الحداد، وأبو القاسم غانم بن محمّد ابن عبدالله، ثمّ أخبرنا أبو المعالي عبدالله بن أحمد بن محمّد، أنبأنا أبو علي الحداد قالوا: أنبأنا أبو نعيم الحافظ، أنبأنا سليمان بن أحمد، أنبأنا عبدالرحمان بن محمّد بن سالم(٢) الرازي، أنبأنا محمّد بن يحيى بن ضريس العبدي(٣) :
أنبأنا عيسى بن عبدالله بن عبيدالله(٤) بن عمر بن علي بن أبي طالب، حدّثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن علي قال: نزلت هذه الآية على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ) فخرج رسول صلّى الله عليه وسلّم، فدخل المسجد - والناس يصلّون بين راكع وقائم - يصلّي، فإذا سائل فقال [ رسول الله ]: يا سائل هل أعطاك أحد شيئاً؟ فقال: لا إلّا هذاك الراكع - لعلي - أعطاني خاتمه.
____________________
(١). شواهد التنزيل لقواعد التفضيل: ١ / ٢٠٩ - ٢٤٦.
(٢). هو « سلم » لا « سالم ».
(٣). « الفيدي » لا « العبدي ».
(٤). كذا وسيأتي صحيحه.
أخبرنا خالي أبو المعالي القاضي، أنبأنا أبو الحسن الخلعي، أنبأنا أبو العباس أحمد بن محمّد الشاهد، أنبأنا أبوالفضل محمّد بن عبدالرحمان بن عبدالله بن الحارث الرملي، أنبأنا القاضي حملة بن محمر أنبأنا أبو سعيد الأشج، أنبأنا أبو نعيم الأحول، عن موسى بن قيس، عن سلمة قال: تصدّق علي بخاتمه وهو راكع، فنزلت:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ ) »(١) .
* أخرج العزّ الدمشقي فقال:
«( وَهُمْ راكِعُونَ ) نزلت في علي - رضي الله تعالى عنه - تصدّق وهو راكع. أو عامّة في المؤمنين »(٢) .
* وأخرج ابن كثير قال: « وقال ابن أبي خاتم: حدّثنا الربيع بن سليمان المرادي، حدّثنا أيوب بن سويد عن عتبة بن أبي حكيم في قوله( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) قال: هم المؤمنون وعلي بن أبي طالب.
وحدّثنا أبو سعيد الأشج، حدّثنا الفضل بن دكين أبو نعيم الأحول، حدّثنا موسى بن قيس الحضرمي، عن سلمة بن كهيل قال: تصدّق علي بخاتمه وهو راكع فنزلت( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ) .
وقال ابن جرير: حدّثني الحارث، حدّثنا عبدالعزيز، حدّثنا غالب بن عبدالله، سمعت مجاهداً يقول في قوله:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ ) الآية، نزلت في علي بن أبي طالب، تصدّق وهو راكع.
وقال عبدالرزاق: حدّثنا عبدالوهّاب بن مجاهد، عن أبيه عن ابن عبّاس في قوله:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ ) الآية، نزلت في علي بن أبي طالب.
____________________
(١). تاريخ دمشق ٤٢ / ٣٥٦ - ٣٥٧.
(٢). تفسير القرآن ١ / ٣٩٣.
عبدالوهّاب بن مجاهد لا يحتج به.
وروى ابن مردويه من طريق سفيان الثوري، عن أبي سنان، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: كان علي بن أبي طالب قائماً يصلّي، فمرّ سائل وهو راكع، فأعطاه خاتمه، فنزلت( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ ) الآية.
الضحاك لم يلق ابن عبّاس.
وروى ابن مردويه أيضاً من طريق محمّد بن السائب الكلبي - وهو متروك - عن أبي صالح عن ابن عبّاس قال: خرج رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى المسجد والناس يصلون بين راكع وساجد وقائم وقاعد، وإذا مسكين يسأل، فدخل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: « أعطاك أحد شياً؟ قال: نعم قال: من؟ قال: ذلك الرجل القائم، قال: على أي حال أعطاكه؟ قال: وهو راكع، قال: وذلك علي بن أبي طالب، قال: فكبّر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عند ذلك وهو يقول:( وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ ) .
وهذا إسناد لا يقدح به.
ثمّ رواه ابن مردويه من حديث علي بن أبي طالبرضياللهعنه نفسه وعمّار بن ياسر وأبي رافع »(١) .
* أخرج الحافظ ابن حجر:
« رواه ابن أبي حاتم من طريق سلمة بن كهيل قال: تصدّق علي بخاتمه وهو راكع، فنزلت:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ ) ولابن مردويه من رواية سفيان الثوري عن ابن سنان عن الضحّاك عن ابن عبّاس قال: كان علي قائماً يصلّي، فمرّ سائل وهو راكعٌ فأعطاه خاتمه فنزلت. وروى الحاكم في علوم
____________________
(١). تفسير ابن كثير ٢ / ٦٤.
الحديث من رواية عيسى بن عبدالله بن عمر بن علي: حدّثنا أبي عن أبيه عن جده علي بن أبي طالب قال: نزلت هذه الآية:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ ) الآية فدخل رسول الله المسجد والناس يصلّون، بين قائم وراكع وساجد، وإذا سائل، فقال له رسول الله: أعطاك أحد شيئاً؟ قال: لا إلّا هذا الراكع يعني عليّاً، أعطاني خاتمه. رواه الطبراني في الأوسط في ترجمة محمّد بن علي الصائغ. وعند ابن مردويه من حديث عمّار قال: وقف بعلي سائل وهو واقف في صلاته. الحديث. وفي إسناده خالد بن يزيد العمري وهو متروك. ورواه الثعلبي من حديث أبي ذر مطوّلاً وإسناده ساقط »(١) .
* وأخرج السيوطي، فقال:
« أخرج الخطيب في المتفق عن ابن عباس قال: تصدّق علي بخاتمه وهو راكع فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم للسائل: من أعطاك هذا الخاتم؟ قال: ذاك الراكع، فأنزل الله( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ ) .
وأخرج عبدالرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه، عن ابن عبّاس في قوله:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ ) الآية قال: نزلت في علي ابن أبي طالب.
وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه عن عمّار بن ياسر قال: وقف بعلي سائل وهو راكع في صلاة تطوّع، فنزع خاتمه فأعطاه السائل، فأتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأعلمه ذلك، فنزلت على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم هذه الآية:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ) فقرأها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
____________________
(١). الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشّاف ١ / ٦٤٩ ط مع الكشاف.
على أصحابه ثمّ قال: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهمّ وال من والاه وعاد من عاداه.
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال: نزلت هذه الآية على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في بيته:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) إلى آخر الآية، فخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فدخل المسجد وجاء الناس يصلون بين راكع وساجد وقائم يصلّي، فإذا سائل فقال: يا سائل هل أعطاك أحد شياً؟ قال: لا إّلا ذاك الراكع لعلي بن أبي طالب، أعطاني خاتمه.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر، عن سلمة بن كهيل قال: تصدّق علي بن خاتمه وهو راكع فنزلت:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ ) الآية.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ ) الآية، نزلت في علي بن أبي طالب تصدّق وهو راكع.
وأخرج ابن جرير عن السدي وعتبة بن أبي حكيم مثله.
وأخرج ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عبّاس قال: أتى عبدالله بن سلام ورهط معه من أهل الكتاب نبي الله صلّى الله عليه وسلّم عند الظهر فقالوا: يا رسول الله إنّ بيوتنا قاصية، لا نجد من يجالسنا ويخالطنا دون هذا المسجد، وإنّ قومنا لمـّا رأونا قد صدّقنا الله ورسوله وتركنا دينهم أظهروا العداوة، وأقسموا أن لا يخالطونا ولا يؤاكلونا، فشقّ ذلك علينا، فبيناهم يشكون ذلك إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذ نزلت هذه الآية على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ) ونودي بالصلاة صلاة الظهر، وخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: أعطاك أحد شياً؟ قال: نعم. قال:
من؟ قال: ذاك الرجل القائم، قال: على أي حال أعطاكه؟ قال: وهو راكع، قال: وذلك علي بن أبي طالب، فكبّر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عند ذلك وهو يقول( وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ ) .
وأخرج الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم عن أبي رافع قال: دخلت على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو نائم يوحى إليه، فإذا حيّة في جانب البيت، فكرهت أن أبيت عليها فأوقظ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وخفت أن يكون يوحى إليه، فاضطجعت بين الحيّة وبين النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لئن كان منها سوء كان في دونه، فمكث ساعة فاستيقظ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهو يقول( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ) الحمد لله الذي أتم لعلي نعمه وهيّأ لعلي بفضل الله إيّاه »(١) .
هذا، ولهذا الخبر أسانيد معتبرة في كتب القوم، نتعرض لبعضها على أساس كلمات علمائهم في الجرح والتعديل، واُصولهم المقرّرة في علم الرجال:
فمن الأسانيد المعتبرة؛ رواية ابن أبي حاتم عن سلمة بن كهيل:
____________________
(١). الدر المنثور في التفسير بالمأثور ٣ / ١٠٥.
لأن « ابن أبي حاتم » هو الإمام الحافظ الشهير، الغنيّ عن التعريف(١) .
و « أبو سعيد الأشج » هو: عبدالله بن سعيد الكندي، ومن رجال الصحاح الستّة(٢) .
و « الفضل بن بن دكين » من رجال الصحاح الستّة كذلك(٣) ومن كبار شيوخ البخاري.
« و « موسى بن قيس الحضرمي » قال ابن حجر: « يلقّب عصفور الجنّة، صدوق، رمي بالتشيّع »(٤) .
و « سلمة بن كهيل » من رجال الصحاح الستّة أيضاً(٥) .
وهي روايته عن عتبة بن أبي حكيم:
« الرّبيع بن سليمان المرادي » من رجال أبي داود والنسائي وابن ماجة.
قال ابن حجر: « صاحب الشافعي. ثقة »(٦) .
و « أيوب بن سويد » وهو الرملي، من رجال أبي داود والنسائي وابن ماجة.
قال ابن حجر: « صدوق، يخطىء »(٧) .
____________________
(١). راجع مثلاً: سير أعلام النبلاء ١٣ / ٢٤٧ - ٢٦٢.
(٢). تقريب التهذيب ١ / ٤١٩.
(٣). تقريب التهذيب ٢ / ١١٠.
(٤). تقريب التهذيب ٢ / ٢٧٨.
(٥). تقريب التهذيب ١ / ٣١٨.
(٦). تقريب التهذيب ١ / ٢٤٥.
(٧). تقريب التهذيب ١ / ٩٠.
و « عتبة بن أبي حكيم » من رجال مسلم والبخاري في خلق أفعال العباد.
قال ابن حجر: « صدوق، يخطىء كثيراً »(١) .
فقد روى خبر عتبة بن أبي حكيم عن:
« إسماعيل بن إسرائيل الرملي » ذكره السمعاني فقال: « سمع منه أبو محمّد عبدالرحمن بن أبي حاتم وقال: كتبت عنه وهو ثقة صدوق »(٢) .
عن « أيوب بن سويد »
عن « عتبة بن أبي حكيم »
وقد عرفتهما.
وهي الرواية التي ذكرها ابن كثير، وتعقّبها بقوله الضحّاك لم يلق ابن عباس » فنقول:
إذا كان هذا فقط هو المطعن فالأمر سهل:
أمّا أوّلاً: فإنّه - وإن قال بعضهم: « لم يلق ابن عبّاس » - قد ورد حديثه عنه في ثلاثة من الصحاح(٣) ، وابن حجر العسقلاني لم يقدح في هذه الرواية.
وأمّا ثانياً: فإنّه لو كانت روايته عن ابن عبّاس مرسلةً، فالواسطة معلومة
____________________
(١). تقريب التهذيب ٢ / ٤.
(٢). الأنساب ٥ / ٥٨٥ « اللآل ».
(٣). تهذيب الكمال ١٣ / ٢٩١.
حتّى عند القائل بإرسالها، فقد رووا عن شعبة، قال: « حدّثني عبدالملك بن ميسرة، قال: الضحّاك لم يلق ابن عبّاس، إنّما لقي سعيد بن جبير بالريّ، فأخذ عنه التفسير »(١) .
وعليه، فرواياته عن ابن عبّاس في التفسير مسندة غير مرسلة، إذ كلّها بواسطة « سعيد بن جبير » الثقة الثبت بالإتّفاق، غير إنّه كان لا يذكر الواسطة لدى النقل تحفّظاً على سعيد، لكونه مشرّداً مطارداً من قبل جلاوزة الحجّاج الثقفي، وتحفّظاً على نفسه أيضاً، لكونه قصد سعيداً في الريّ للأخذ عنه، وجعل يروي ما أخذه عنه وينشر رواياته بين الناس، لا سيّما مثل هذا الخبر الذي يُعَدّ من جلائل مناقب أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام.
هذا، واعلم أنّ « ابن سنان » الراوي عن « الضحّاك » هو - بقرينة الراوي والمروي عنه -: « سعيد بن سنان البرجمي الكوفي، نزل الريّ » قال الحافظ: « صدوق له أوهام » وعلّم عليه علامة: مسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة(٢) .
ولا أستبعد أن يكون « ابن سنان » هذا أيضاً من المشرّدين اللاجئين إلى الريّ خوفاً من الحجّاج، وأن يكون إسقاط اسم « سعيد بن جبير » منه والله العالم.
وكيف كان، فالرواية من الأسانيد المعتبرة الواردة في الباب.
رواه بإسنادٍ له عن أمير المؤمنينعليهالسلام كما تقدّم.
____________________
(١). تهذيب الكمال ١٣ / ٢٩٣.
(٢). تقريب التهذيب ١ / ٢٩٨.
أمّا « محمّد بن عبدالله الصفّار » فهو: محمّد بن عبدالله بن أحمد الإصفهاني الزاهد، قال الحاكم: « هو محدّث عصره، كان مجاب الدعوة، لم يرفع رأسه إلى السماء كما بلغنا نيّفاً وأربعين سنة » ووصفه الذهبي بـ « الشيخ الإمام المحدّث القدوة » وقال السمعاني: « وكان زاهداً حسن السيرة ورعاً كثير الخير ».
توفي سنة ٣٣٩ »(١) .
و « أبو يحيى عبدالرحمن بن محمّد » من كبار الحفّاظ المشهورين، ترجم له الحافظ أبو نعيم فقال: « سكن إصبهان إمام جامعها، توفي سنة ٢٩١، مقبول القول، حدّث عن العراقيين وغيرهم الكثير، صاحب التفسير والمسند حدّثنا سليمان بن أحمد، ثنا عبدالرحمن بن محمّد بن سلم »(٢) وذكره الذهبي، فترجم له بالحافظ المجود العلامة المفسّر حدّث عنه القاضي أبو أحمد العسّال، وأبو القاسم الطبراني وكان من أوعية العلم »(٣) .
و « محمّد بن يحيى بن الضريس، الكوفي الفيدي، ذكره ابن أبي حاتم فقال: « كان يسكن فيد، روى عن محمّد بن فضيل، والوليد بن بكير، ومحمّد ابن الطفيل، وعمرو بن هاشم الجنبي، وعيسى بن عبدالله بن محمّد بن عمر بن علي بن أبي طالب، سمع منه أبي وروى عنه. سمعت أبي يقول ذلك. سئل أبي عنه فقال: صدوق »(٤) .
و « عيسى بن عبدالله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب » ذكره ابن
____________________
(١). الأنساب - الصفّار ٣ / ٥٥٣، سير أعلام النبلاء ١٥ / ٤٣٧.
(٢). أخبار إصبهان ٢ / ١١٢.
(٣). سير أعلام النبلاء ١٣ / ٥٣٠.
(٤). الجرح والتعديل ٨ / ١٢٤.
حبّان في ( كتاب الثقات )(١) .
عن « عبيد الله بن عمر ». وهذا اشتباه، فإنّ الصحيح هو: عيسى بن عبدالله ابن عمر بن علي بن أبي طالب، فإنّ والد « عبدالله » هو « محمّد » وليس « عبيدالله »، وكذلك جاء في تاريخ ابن عساكر، كما سنذكر في تصحيح روايته. أمّا رواية الحاكم هذه، فقد جاءت في نقل الحافظ ابن حجر عن كتابه ( معرفة علوم الحديث ) على الوجه الصحيح، كما تقدّم عن ( الكاف الشاف ).
و « محمّد بن عمر » من رجال الصحاح الستّة(٢) .
عن « عمر بن علي » وهو من رجال الصّحاح الستّة أيضاً(٣) .
فالسند صحيح قطعاً.
وقد أخرج الحافظ ابن عساكر هذا الخبر بإسنادٍ له عن أمير المؤمنينعليهالسلام ، وهذه تراجم رجاله:
« أبو علي الحدّاد » وهو: الحسن بن أحمد بن الحسن الإصفهاني. قال السمعاني: « كان عالماً ثقة صدوقاً من أهل العلم والقرآن والدين، سمع من أبي نعيم تواليفه » ووصفه الذهبي: بـ « الشيخ الإمام، المقرىء المجوّد، المحدّث المعمّر، مسند العصر » وتوفي سنة ٥١٥(٤) .
« أبو نعيم الحافظ » وهو الحافظ أبو نعيم الإصفهاني، المشهور المعروف، ولا حاجة إلى توثيقه.
____________________
(١). كتاب الثقات ٨ / ٤٩٢.
(٢). تقريب التهذيب ٢ / ١٩٤.
(٣). تقريب التهذيب ٢ / ٦٠.
(٤). سير أعلام النبلاء ١٩ / ٣٠٣.
« سليمان بن أحمد » وهو الطّبراني، الحافظ الشهير، ولا حاجة إلى توثيقه.
عن « عبد الرحمن بن سلم الرازي »
عن « محمّد بن يحيى بن الضرى »
عن « عيسى بن عبدالله »
إلى آخر السند. وقد عرفتهم في رواية الحاكم.
والصحيح هو: « عيسى بن عبدالله بن محمّد بن عمر بن علي » كما أشرنا، وهكذا جاء اسمه في تاريخ ابن عساكر، في ترجمة أمير المؤمنينعليهالسلام ، حيث روى عنه بإسناده حديث الطير، عن أبيه عن جدّه، عن أمير المؤمنينعليهالسلام (١) .
وهنا فوائد ومطالب مهمّة لا بدّ من التنبيه عليها:
قال الجصّاص:
« باب العمل اليسير في الصّلاة. قال الله تعالى:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ ) روى عن مجاهد والسدّي وأبي جعفر وعتبة بن أبي حكيم: أنّها نزلت في علي ابن أبي طالب حين تصدّق بخاتمه وهو راكع
وقد اختلف في معنى قوله( وَهُمْ راكِعُونَ ) فإنّ كان المراد فعل الصدقة في حال الركوع فإنّه يدلّ على إباحة العمل اليسير في الصلاة فإنْ
____________________
(١). ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق ٢ / ١٠٧.
قال قائل: فالمراد أنّهم يتصدّقون ويصلّون ولم يرد به فعل الصدقة في الصلاة. قيل له: هذا تأويل ساقط، من قِبَل أنّ قوله تعالى:( وَهُمْ راكِعُونَ ) إخبار عن الحال التي تقع فيها الصدقة، كقولك: تكلّم فلان وهو قائم، وأعطى فلاناً وهو قاعد، إنّما هو إخبار عن حال الفعل فثبت أنّ المعنى ما ذكرناه من مدح الصدقة في حال الركوع أو في حال الصلاة.
وقوله تعالى:( وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ) يدل على أن صدقة التطوّع تسمّى زكاةً، لأنّ عليّاً تصدّق بخاتمه تطوّعاً، وهو نظير قوله تعالى:( وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ ) قد انتظم صدقة الفرض والنفل، فصار اسم الزكاة يتناول الفرض والنفل، كاسم الصدقة وكاسم الصلاة، ينتظم الأمرين »(١) .
وكذا في تفسير القرطبي - نقلاً عن الكيا الطبري(٢) وأشار إليه الزمخشري وأبو السعود وغيرهما.
قلت: وفيه فوائد:
١ - ترتّب الأثر الفقهي، واستنباط الحكم الشرعي من هذه القضيّة.
٢ - إنّ لفظ « الزكاة » يعم الفرض والنفل.
٣ - إنّ « الواو » في( وَهُمْ راكِعُونَ ) حاليّة.
ولقد ذكر بعضهم كالجصّاص في عبارته المذكورة الإمام أبا جعفر الباقرعليهالسلام في القائلين بنزولها في أمير المؤمنينعليهالسلام ، وبه يرد على ما نقله الدهلوي في ( التحفة الإثني عشرية ) عن تفسير النقّاش أنّه عزا إلى الإمام
____________________
(١). أحكام القرآن للجصّاص ٢ / ٦٢٥ - ٦٢٦.
(٢). تفسير القرطبي ٦ / ٢٢١.
قوله بأنّ المراد عموم المؤمنين، فقيل له: الناس يقولون إنّها نزلت في خصوص علي، فقال: علي من المؤمنين.
هذا، مضافاً إلى تكلّم القوم في النقاش وتفسيره المسمّى « شفاء الصدور »، فالبرقاني يقول: كلّ حديث النقاش منكر، وليس في تفسيره حديث صحيح، ووهّاه الدارقطني، واللالكائي يقول: تفسير النقاش إشفى الصدور لا شفاء الصدور، والخطيب يقول: في حديثه مناكير بأسانيد مشهورة، وطلحة بن محمّد الشاهد يقول: كان النقاش يكذب في الحديث، والذهبي يقول: قلبي لا يسكن إليه وهو عندي متّهم(١) .
ذكر الحاكم الحسكاني أنّ الصحابي حسان بن ثابت نظم هذه المنقبة في شعرٍ له، فأورده، ثمّ أورد شعراً قيل أيضاً في هذه القضيّة، وهناك أشعار أُخرى لشعراء كبار من المتقدمين والمتأخرين، مذكورة في الكتب المطوّلة، فلتراجع.
جاء في رواية الطبراني في الأوسط، ورواية جماعةٍ آخرين كما في الدر المنثور: أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال بعد نزول آية الولاية في قضيّة تصدّق الإمام: من كنت مولاه فعلي مولاه، وقوله هذا ممّا يؤكّد دلالة الآية على الإمامة. وهذا المورد أحد موارد قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من كنت مولاه وإن كان المشهور من بينها يوم غدير خم.
____________________
(١). لاحظ الكلمات في سير أعلام النبلاء ١٥ / ٥٧٣، لسان الميزان ٥ / ١٣٧. الطبعة الحديثة.
وفي الدر المنثور عن جماعةٍ من الحفّاظ: أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال بعد نزول الآية: « الحمد لله الذي أتمّ لعلي نعمه وهيّأ لعلي بفضل الله إيّاه ».
وجاء في روايةٍ للحاكم الحسكاني: أنّ الخاتم الذي أعطاه الإمام للمسكين كان عقيقاً يمانيّاً أحمر يلبسه في الصلاة في يمينه.
الفصل الثاني
في دلالة الآية على الإمامة
وقد استدل أصحابنا بهذه الآية المباركة - بالنظر إلى الأحاديث المعتبرة والمتفق عليها، الصريحة في نزولها في أمير المؤمنينعليهالسلام لما تصدَّق بخاتمه وهو راكع - منذ قديم الأيّام، نذكر هنا كلمات بعضهم:
* قال الشريف المرتضى: « ويدل على ذلك قوله تعالى:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ ) وقد ثبت أنّ لفظة « وليّكم » في الآية تفيد من كان أولى بتدبير أُموركم ويجب طاعته عليكم. وثبت أيضاً أنّ المشار إليه في قوله تعالى:( وَالَّذِينَ آمَنُوا ) أمير المؤمنين. وفي ثبوت ذلك وضوح النص عليه بالإمامة »(١) .
* قال شيخ الطائفة: « وأمّا النص على إمامته من القرآن، فأقوى ما يدلّ عليها قوله تعالى:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ) .
ووجه الدلالة من الآية هو: إنّه ثبت أنّ المراد بلفظة « وليّكم » المذكورة في الآية: من كان متحقّقاً بتدبيركم والقيام باُموركم وتجب طاعته عليكم، وثبت أنّ المعنيّ بـ « الذين آمنوا » أمير المؤمنينعليهالسلام وفي ثبوت هذين الوصفين دلالة على كونهعليهالسلام إماماً لنا »(٢) .
* وقال الشيخ نصير الدين الطوسي: « ولقوله تعالى:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ )
____________________
(١). الذخيرة في علم الكلام: ٤٣٨.
(٢). تلخيص الشافي ٢ / ١٠.
وإنّما اجتمعت الأوصاف في عليعليهالسلام ».
* فقال العلّامة الحلّي بشرح هذا الكلام ما نصّه:
أقول: هذا دليل آخر على إمامة عليعليهالسلام وهو قوله( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ) والإستدلال بهذه الآية يتوقف على مقدمات ( إحداها ) إنّ لفظة « إنّما » للحصر، ويدلّ عليه المنقول والمعقول، أمّا المنقول فلإجماع أهل العربية عليه، وأمّا المعقول، فلأنّ لفظة « إنّ » للإثبات وما للنفي قبل التركيب، فيكون كذلك بعد التركيب عملاً بالإستصحاب، وللإجماع على هذه الدلالة، ولا يصحّ تواردهما على معنى واحد، ولا صرف الإثبات إلى غير المذكور والنفي إلى المذكور للإجماع، فبقي العكس، وهو صرف الإثبات إلى المذكور والنفي إلى غيره، وهو معنى الحصر ( الثانية ) إن « الولي » يفيد « الأولى بالتصرف » والدليل عليه نقل أهل اللغة واستعمالهم، كقولهم: السلطان ولي من لا ولي له، وكقولهم: ولي الدم وولي الميّت، وكقولهعليهالسلام : أيّما امرأة نكحت بغير إذن وليّها فنكاحها باطل ( الثالثة ) إنّ المراد بذلك بعض المؤمنين، لأنّه تعالى وصفهم بوصف مختص ببعضهم، ولأنّه لولا ذلك لزم اتحاد الولي والمولّى عليه.
وإذا تمهّدت هذه المقدمات، فنقول: المراد بهذه الآيات هو علي، للإجماع الحاصل على أنّ من خصص بها بعض المؤمنين قال: إنّه عليعليهالسلام ، فصرفها إلى غيره خرق للإجماع، ولأنّهعليهالسلام إمّا كلّ المراد أو بعضه، للإجماع، وقد بيّنا عدم العموميّة، فيكون هو كلّ المراد، ولأنّ المفسّرين اتّفقوا على أنّ المراد بهذه الآية عليعليهالسلام ، لأنّه لمـّا تصدّق
بخاتمه حال ركوعه نزلت هذه الآية فيه، ولا خلاف في ذلك »(١) .
* وقال العلّامة الحلي أيضاً: « أمّا القرآن فآيات: الاُولى( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ ) أجمعوا على نزولها في عليعليهالسلام ، وهو مذكور في الجمع بين الصحاح الستّة، لمـّا تصدّق بخاتمه على المسكين في الصلاة بمحضر من الصحابة. والولي هو المتصرّف. وقد أثبت الله الولاية لذاته وشرّك معه الرسول وأمير المؤمنين، وولاية تعالى عامة، فكذا النبيّ والولي »(٢) .
أقول:
إنّ الإستدلال يتّضح ببيان مفردات الآية المباركة، فنقول:
« إنّما » دالّة على الحصر كقوله تعالى:( إِنَّمَا اللهُ إِلهٌ واحِدٌ ) .
و « الولاية » هنا بمعنى « الأولوية » كما في قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى، قال: فمن كنت مولاه فعلي مولاه » وكما في قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « علي منّي وأنا من علي وهو وليّكم بعدي »(٣) .
« الذين آمنوا » المراد خصوص أمير المؤمنينعليهالسلام ، للأحاديث الصحيحة المتّفق عليها.
« وهم راكعون » هذه « الواو » حاليّة، و « راكعون » بمعنى « الركوع » الذي هو من أفعال الصلاة، وذلك للأحاديث في أنّ أمير المؤمنين أعطى السائل خاتمه في حال الركوع.
____________________
(١). كشف المراد في شرح تجريد الإعتقاد: ٢٢٥.
(٢). نهج الحق وكشف الصّدق
(٣). راجع ( حديث الغدير ) و ( حديث الولاية ) من كتابنا.
وعلى الجملة، فإنّ العمدة في الإستدلال بالآية المباركة نزولها لدى الفريقين في قضيّة إعطاء أمير المؤمنينعليهالسلام خاتمه للسائل في حال الركوع من صلاته، وأن « الولاية » في الآية هي « الأولويّة».
أمّا كون « الولاية » بالمعنى المذكور، فلأنّ سائر معاني الكلمة لا يجتمع شئ منها مع الحصر المدلول للفظة « إنّما » وقد تقدم إثبات مجيء « الولاية » بمعنى « الأولويّة بالتصرف » - كتاباً وسنّةً ولغةً وعرفاً - في كتابنا، في بيان دلالة الحديثين المذكورين على الإمامة.
وأمّا كون المراد من الآية هو عليعليهالسلام ، فللأحاديث، وقد اعترف غير واحدٍ من الأعلام باتفاق المفسرين على ذلك، كما اعترف الآلوسي بأنّه رأي غالب الأخباريين.
الفصل الثالث
في دفع شبهات المخالفين
وحينئذٍ يأتي دور النّظر في شبهات المخالفين، ولمـّا كان هذا الإستدلال من أقوى أدلّة أصحابنا على إمامة أمير المؤمنين، لكونه مستنداً إلى الكتاب والسنّة الثابتة المقبولة لدى الفريقين، فقد بذلوا أقصى جهودهم للردّ عليه.
وقد اشترك في الردّ على هذا الإستدلال المعتزلة والأشاعرة، وقد ظهر لدى التحقيق أن الأصل في عمدة شبهاتهم في المقام هم المعتزلة، والأشاعرة عيال عليهم وتبع لهم.
* فلنورد أوّلاً ملخّص كلام القاضي عبدالجبّار المعتزلي في الإعتراض على الإستدلال بالآية، فإنّه قال: إعلم أنّ المتعلّق بذلك لا يخلو من أن يتعلَّق بظاهره أو باُمور تقارنه، فإنْ تعلّق بظاهره فهو غير دال على ما ذكر، وإنْ تعلَّق بقرينةٍ فيجب أن يبيّنها، ولا قرينة من إجماع أو خبرٍ مقطوع به. فإنّ قيل: ومن أين أن ظاهره لا يدل على ما ذكرناه؟ قيل له: إنّه تعالى ذكر الجمع، فكيف يحمل على واحدٍ معين؟ وقوله:( وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ) لو ثبت أنّه لم يحصل إلّا لأمير المؤمنين، لم يوجب أنّه المراد بقوله:( وَالَّذِينَ آمَنُوا ) ولأنّ صدر الكلام إذا كان عامّاً لم يجب تخصيصه لأجل تخصيص الصفة. ومن أين أن المراد بقوله:( يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ) ما زعموه دون أن يكون المراد به أنّهم يؤتون الزكاة وطريقتهم التواضع والخضوع. وليس من المدح إيتاء الزكاة مع الإشتغال بالصلاة، لأنّ الواجب في الراكع أنْ يصرف همّته ونيّته إلى ما هو فيه ولا يشتغل بغيره. قال شيخنا أبو هاشم يجب أن يكون المراد
بذلك: الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة الواجبتين دون النفل والذي فعله أمير المؤمنين كان من النفل
فإنْ صحّ أنّه المختصّ بذلك، فمن أين أنّه يختص بهذه الصفة في وقتٍ معين ولا ذكر للأوقات فيه، وقد علمنا أنّه لا يصح أن يكون إماماً مع الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فلا يصحّ التعلّق بظاهره، ومتى قيل: إنّه إمام من بعد في بعض الأحوال، فقد زالوا عن الظاهر، وليسوا بذلك أولى ممّن يقول: إنه إمام في الوقت الذي ثبت أنّه إمام فيه.
هذا لو سلّمنا أنّ المراد بالولي ما ذكروه، فكيف وذلك غير ثابت، فلا بد من أن يكون محمولاً على تولّي النصرة في باب الدين، وذلك ممّا لا يختص بالإمامة، ولذلك قال من بعد( وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ ) .
وقد ذكر شيخنا أبو علي أنّه قيل إنّها نزلت في جماعةٍ من أصحاب النبي والّذين وصفهم في هذا الموضع بالركوع والخضوع هم الذين وصفهم من قبل بأنّه يذل المرتدين بهم بقوله:( فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) وأراد به طريقة التواضع( أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ ) .
وقد روي أنّها نزلت في عبادة بن الصّامت »(١) .
أقول:
أوّلاً: هذا الكلام قد ردّ عليه بالتفصيل في كتاب ( الشافي ) و ( الذخيرة ) و ( تلخيص الشافي ).
____________________
(١). المغني في الإمامة ج ٢٠ ق ١ / ١٣٣.
وثانياً: لك أنْ تقارن بين هذا الكلام وبين كلمات المتأخّرين عنه من الأشاعرة.
* فالفخر الرازي، إذا راجعت كلامه في ( تفسيره )(١) وجدته عيالاً على القاضي المعتزلي، إذ كرّر هذه الشبهات من غير أنْ يشير إلى أجوبة السيّد المرتضى وغيره عليها!!
* والقاضي العضد الإيجي أجاب قائلاً: « والجواب: أنّ المراد هو الناصر، وإلّا دلّ على إمامته حال حياة الرسول، ولأنّ ما تكرّر فيه صيغ الجمع كيف يحمل على الواحد، ولأنّ ذلك غير مناسب لما قبلها وما بعدها »(٢) .
* والسّعد التفتازاني أجاب: « ما قبل الآية شاهد صدق على أنّه لولاية المحبّة والنصرة دون التصرف والإمامة، ووصف المؤمنين يجوز أنْ يكون للمدح دون التخصيص، ولزيادة شرفهم واستحقاقهم( وَهُمْ راكِعُونَ ) يحتمل العطف أو يخضعون، وظاهر الكلام ثبوت الولاية بالفعل، وفي الحال ولم يكن حينئذٍ ولاية التصرف والإمامة، وصرفه إلى المآل لا يستقيم في ورسوله، وحمل صيغة الجمع على الواحد إنّما يصحّ بدليل، وخفاء الاستدلال بالآية على الصحابة عموماً وعلى علي خصوصاً في غاية البعد »(٣) .
* والآلوسي(٤) ، انتحل كلام شاه عبدالعزيز الدهلوي صاحب ( التحفة الإثني عشرية ) بطوله، من غير أن يذكره أصلاً، بل عزا كلام الدهلوي إلى أهل السنّة، قائلاً: وقد أجاب أهل السنّة وسيأتي البحث مع الدهلوي إن شاء الله تعالى.
____________________
(١). تفسير الرازي: ١١ / ٢٥.
(٢). شرح المواقف ٨ / ٣٦٠
(٣). شرح المقاصد ٥ / ٢٦٩.
(٤). روح المعاني ٦ / ١٦٨.
* وابن تيميّة، وجد أنْ لا مناص ولا خلاص إلّا بتكذيب أصل القضيّة، فقال:
« وقد وضع بعض الكذّابين حديثاً مفترى: إنّ هذه الآية نزلت في علي لمـّا تصدّق بخاتمه في الصلاة. وهذا كذب بإجماع أهل العلم بالنقل »(١) .
قال: « أجمع أهل العلم بالنقل على أنّها لم تنزل في علي بخصوصه، وأنّ عليّاً لم يتصدّق بخاتمه في الصلاة، وأجمع أهل العلم بالحديث على أنّ القصّة المرويّة في ذلك من الكذب الموضوع »(٢) .
قال: « جمهور الاُمّة لم تسمع هذا الخبر »(٣) .
* وابن روزبهان، لم يكذّب الخبر، وإنّما ناقش في معنى « الولاية » فحملها على « النصرة » وتمسّك بالسّياق، وهذان وجهان من الوجوه المذكورة في كلام القاضي المعتزلي.
* وعبد العزيز الدهلوي - الذي انتحل كلامه الآلوسي في ( تفسيره ) وتبعه صاحب ( مختصر التحفة الإثني عشرية ) - أجاب عن الإستدلال أوّلاً: بالإجمال، وحاصله النقض بإمامة سائر أئمّة أهل البيتعليهمالسلام ، قال: « إنّ هذا الدليل كما يدلّ على نفي إمامة الأئمّة المتقدمين كما قرّر، يدلّ كذلك على سلب الإمامة عن المتأخرين بذلك التقرير بعينه، فلزم أن السبطين ومن بعدهما من الأئمّة الأطهار لم يكونوا أئمّة، فلو كان استدلال الشيعة هذا يصح لفسد تمسّكهم بهذا الدليل، إذ لا يخفى أنّ حاصل هذا الإستدلال بما يفيد في مقابلة أهل السنّة مبني على كلمة الحصر، والحصر كما يضرّ أهل السنّة يكون
____________________
(١). منهاج السنة ٢ / ٣٠.
(٢). منهاج السنّة ٧ / ١١.
(٣). منهاج السنّة ٧ / ١٧.
مضرّاً للشيعة أيضاً، فإنّ أجابوا عن النقض بأنّ المراد حصر الولاية في الأمير كرّم الله وجهه في بعض الأوقات، أعني وقت إمامته لا وقت إمامة السبطين ومن بعدهم رضي الله تعالى عنهم. قلنا: فمرحباً بالوفاق.
وأجاب عن الإستدلال ثانياً بالتفصيل، وهو في وجوه:
الأول: إنّا لا نسلّم الإجماع على نزول الآية في الأمير، فروى أبو بكر النقاش صاحب التفسير المشهور عن محمّد الباقر رضي الله تعالى عنه أنّها نزلت في المهاجرين والأنصار، فقيل: قد بلغنا - أو: يقول الناس - أنّها نزلت في علي كرّم الله تعالى وجهه، فقال: هو منهم، وروى جمع من المفسّرين عن عكرمة أنّها نزلت في شأن أبي بكر.
وأمّا نزولها في حق علي ورواية قصة السائل وتصدّقه عليه في حال الركوع فإنّما هو للثعلبي فقط، وهو متفرد به، ولا يعدّ المحدّثون من أهل السنّة روايات الثعلبي قدر شعيرة ولقّبوه بـ « حاطب ليل » فإنّه لا يميّز بين الرطب واليابس، وأكثر رواياته في التفسير عن الكلبي(١) عن أبي صالح، وهي أوهى ما يروى في التفسير عندهم. وقال القاضي شمس الدين ابن خلكان في حال الكلبي إنه كان من أتباع عبد الله بن سبأ وينتهي بعض روايات الثعلبي إلى محمّد بن مروان السدّي الصغير، وهو كان رافضيّاً غالياً.
والثاني: إنّا لا نسلّم أنّ المراد بالولي المتولّي للاُمور والمستحق للتصرّف فيها تصرّفاً عاماً، بل المراد به الناصر، وهو مقتضى السياق.
والثالث: إنّه لو سلّم أنّ المراد ما ذكروه، فلفظ الجمع عام أو مساوٍ له، كما ذكره المرتضى في الذريعة وابن المطهّر في النهاية، والعبرة لعموم اللّفظ لا
____________________
(١). تصحّف « الكلبي » إلى « الكليني » في مختصر التحفة الإثني عشرية.
لخصوص السبب، وليست الآية نصّاً في كون التصدّق واقعاً في حال ركوع الصلاة، لجواز أنْ يكون الركوع بمعنى التخشّع والتذلّل، لا بالمعنى المعروف في عرف أهل الشرع، وليس حمل الركوع في الآية على غير معناه الشرعي بأبعد من حمل الزكاة المقرونة بالصلاة على مثل ذلك التصدّق، وهو لازم على مدّعى الإماميّة قطعاً.
وأجاب الشيخ إبراهيم الكرديقدسسره عن أصل الإستدلال، بأنّ الدليل قام في غير محلّ النزاع، وهو كون عليّ كرم الله تعالى وجهه إماماً بعد رسول الله من غير فصل، لأنّ ولاية الذين آمنوا على زعم الإماميّة غير مرادة في زمان الخطاب، لأنّ ذلك عهد النبوّة والإمامة نيابة، فلا تتصوّر إلّا بعد انتقال النبيّ، وإذا لم يكن زمان الخطاب مراداً تعيّن أن يكون المراد الزمان المتأخّر عن زمن الانتقال، ولا حدّ للتأخير، فليكنْ ذلك بالنسبة إلى الأمير بعد مضي زمان الأئمّة الثلاثة، فلم يحصل مدّعى الإماميّة.
( قال ): ولو تنزّلنا عن هذه كلّها لقلنا إنّ هذه الآية معارضة بالآيات الناصّة على خلافة الخلفاء الثلاثة »(١) .
____________________
(١). التحفة الإثنا عشرية: ١٩٨، وانظر مختصر التحفة الإثني عشرية: ١٥٧ وقارن بتفسير الآلوسي: روح المعاني ٦ / ١٦٧ - ١٦٩.
أقول:
إنّ أهمّ هذه الشبهات المتّخذة في الأغلب من المعتزلة - كما يظهر بالمقارنة - ما يلي:
إدّعاه القاضي المعتزلي وتبعه جمع من الأشاعرة كالرازي، بل زعم أنّ أكثر المفسّرين زعموا أنّه في حقّ الاُمّة(١) .
والجواب: إنّ الإماميّة إنّما يستدلّون بإجماع المفسرين من أهل السنّة، على نزول الآية المباركة في قضيّة أمير المؤمنينعليهالسلام ، اعتماداً على إقرار غير واحدٍ من أكابر القوم بذلك:
فمنهم: القاضي عضد الدين الإيجي(٢) ، المتوفّى سنة ٧٥٦، في كتابه المشهور: المواقف في علم الكلام(٣) ، فقد قال في معرض الإستدلال بالآية:
____________________
(١). تفسير الرازي ١١ / ٢٥.
(٢). وصفوه بتراجمه بأوصاف ضخمة: « قاضي قضاة الشرق » و « شيخ العلماء » و « شيخ الشافعية » قالوا: « كان إماماً في المعقولات، محقّقاً، مدقّقاً، قائماً بالاُصول والمعاني والعربية، مشاركاً في الفقه وغيره من الفنون » « أنجب تلاميذ اشتهروا في الآفاق ».
الدرر الكامنة ٢ / ٣/٣٢، البدر الطالع ١ / ٣٢٦، شذرات الذهب ٦ / ١٧٤، طبقات الشافعية - للأسنوي - ٢ / ١٧٩، بغية الوعاة ٢٩٦.
(٣). قال في كشف الظنون ٢ / ١٨٩١: « المواقف في علم الكلام، وهو كتاب جليل القدر، رفيع الشأن، =
« وأجمع أئمّة التفسير أنّ المراد عليّ »(١) .
ومنهم: الشريف الجرجاني(٢) ، المتوفّى سنة ٨١٦، فقد قال بشرح المواقف(٣) .
« وقد أجمع أئمّة التفسير على أنّ المراد بـ:( الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ) إلى قوله تعالى:( وَهُمْ راكِعُونَ ) عليّ، فإنّه كان في الصلاة راكعاً، فسأله سائل فأعطاه خاتمه، فنزلت الآية »(٤) .
____________________
= اعتنى به الفضلاء، فشرحه السيّد الشريف، وشرحه شمس الدين محمّد بن يوسف الكرماني » ثمّ ذكر الشروح والحواشي عليها. قال: « وهي كثيرة جدّاً ».
وقال الشوكاني - بترجمة الإيجي: « له: المواقف في علم الكلام ومقدّماته، وهو كتاب يقصر عنه الوصف، لا يستغني عنه من رام تحقيق الفنّ ».
ولاحظ أيضاً كلمات الشريف الجرجاني في وصف المواقف في مقدّمة شرحه.
(١). المواقف في علم الكلام: ٤٠٥.
(٢). وصفوه بـ: « عالم بلاد الشرق » « كان علّامة دهره » « صار إماماً في جميع العلوم العقلية وغيرها، متفرّداً بها، مصنّفاً في جميع أنواعها، متبحّراً في دقيقها وجليلها، وطار صيته في الآفاق، وانتفع الناس بمصنّفاته في جميع البلاد، وهي مشهورة في كلّ فنّ، يحتجّ بها أكابر العلماء وينقلون منها، ويوردون ويصدرون عنها » فذكروا فيها شرح المواقف.
انظر: الضوء اللامع ٥ / ٣٢٨، البدر الطالع ١ / ٤٨٨، الفوائد البهيّة: ١٢٥، بغية الوعاة: ٣٥١، مفتاح السعادة ١ / ١٦٧، وغيرها.
(٣). انظر: كشف الظنون ٢ / ١٨٩١.
(٤). شرح المواقف في علم الكلام ٨ / ٣٦٠.
ومنهم: سعد الدين التفتازاني(١) المتوفّى سنة ٧٩٣، فقد قال في شرح المقاصد(٢) :
« نزلت باتّفاق المفسّرين في علي بن أبي طالب -رضياللهعنه - حين أعطى السائل خاتمه وهو راكع في صلاته »(٣) .
ومنهم: القوشجي السمرقندي، وهو: علاء الدين علي بن محمّد الحنفي، المتوفّى سنة ٨٧٩.
قال قاضي القضاة الشوكاني بترجمته:
« علي بن محمّد القوشجي. بفتح القاف وسكون الواو وفتح الشين المعجمة بعدها جيم وياء النسبة، ومعنى هذا اللفظ بالعربية: حافظ البازي، وكان أبوه من خدّام ملك ما وراء النهر يحفظ البازي.
____________________
(١). قال الحافظ ابن حجر: « الإمام العلّامة، عالم بالنحو والتصريف والمعاني والبيان والأصلين والمنطق وغيرها، أخذ عن القطب والعضد، وتقدّم في الفنون، واشتهر ذكره وطار صيته، وانتفع الناس بتصانيفه، وكان في لسانه لكنة، وانتهت إليه معرفة العلم بالمشرق » الدرر الكامنة ٤ / ٣٥٠. وكذا قال السيوطي وابن العماد والشوكاني وأضاف: « وبالجملة، فصاحب الترجمة متفرّد بعلومه في القرن الثامن، لم يكن له في أهله نظير فيها، وله من الحظ والشهرة والصيت في أهل عصره فمن بعدهم ما لا يلحق به غيره، ومصنّفاته قد طارت في حياته إلى جميع البلدان، وتنافس الناس في تحصيلها » البدر الطالع ٢ / ٣٠٣، بغية الوعاة: ٣٩١، شذرات الذهب ٦ / ٣١٩.
(٢). ذكره صاحب كشف الظنون ٢ / ١٧٨٠ فقال: « المقاصد في علم الكلام وله على شرح جامع » ثمّ ذكر بعض الحواشي عليه.
(٣). شرح المقاصد في علم الكلام ٥ / ١٧٠.
قرأ على علماء سمرقند ثمّ رحل إلى الروم، وقرأ على القاضي زاده الرومي ثمّ رحل إلى بلاد كرمان فقرأ على علمائها وسود هنالك شرحه للتجريد ولمـّا قدم قسطنطينيّة أوّل قدمة تلقّاه علماؤها وله تصانيف منها شرح التجريد الذي تقدّمت الإشارة إليه وهو شرح عظيم سائر في الأقطار كثير الفوائد وهو من مشاهير العلماء »(١) .
وذكر شرحه على التجريد في كشف الظنون، حيث قال تحت عنوان تجريد الكلام:
« وهو كتاب مشهور اعتنى عليه الفحول، وتكلّموا فيه بالردّ والقبول، له شروح كثيرة وحواش عليها » إلى أن قال: « ثمّ شرح المولى المحقّق علاء الدين علي بن محمّد الشهير بقوشجي - المتوفّى سنة ٨٧٩ - شرحاً لطيفاً ممزوجاً وقد اشتهر هذا الشرح بالشرح الجديد »، ثمّ ذكر كلامه في ديباجته، ثمّ قال: « وإنّما أوردته ليعلم قدر المتن والماتن، وفضل الشرح والشارح »، ثمّ ذكر الحواشي على هذا الشرح الجديد، بما يطول ذكره، فراجع(٢) .
وهذه عبارة القوشجي في نزول الآية المباركة:
وبيان دلالتها على الإمامة لأمير المؤمنين:
« بيان ذلك: إنّها نزلت باتّفاق المفسّرين في حقّ علي بن أبي طالب حين أعطى السائل خاتمه وهو راكع في صلاته » ثمّ إنّه - وإن حاول المناقشة في الإستدلال - لم ينكر اتّفاق المفسّرين على نزولها في الإمامعليهالسلام ، فراجع(٣) .
____________________
(١). البدر الطالع ١ / ٤٩٥ - ٤٩٦.
(٢). كشف الظنون ١ / ٣٤٨ - ٣٥٠.
(٣). شرح تجريد الإعتقاد: ٣٦٨.
هذا، ومن ناحيةٍ أُخرى، فقد نصّ الشهاب الآلوسي على أنّ هذا القول « عليه غالب الأخباريين »(٣) .
فإذا كان هذا القول « عليه إجماع المفسّرين » و « غالب الأخباريين » - بغضّ النظر عن صحّة غير واحد من أسانيد الخبر، حتّى أنّ مثل ابن كثير قد اعترف بقوّة بعضٍ وسكت عن القدح في بعض ما أورد منها - فأيّ وقعٍ لإنكار مثل الدهلوي الهندي؟! فضلاً عن تكذيب مثل ابن تيميّة لأصل الخبر، ودعوى أنّ جمهور الاُمّة لم تسمع هذا الخبر؟! وأنّه أجمع أهل العلم بالحديث على أنّ القصّة المرويّة في ذلك من الكذب الموضوع.
وبهذا يظهر سقوط التمسّك بمخالفة مثل عكرمة الخارجي - على فرض صحّة النّسبة - مع ما سيأتي في ترجمة هذا الرجل في آية المباهلة.
وأيضاً: لا قيمة لنقل مثل النقّاش، مضافاً إلى تكلّمهم فيه وفي تفسيره، كما لا يخفى على المطّلع الخبير!!
والجواب: إنّ هذا لا يصدر إلّا من متعصّب شقي أو جاهل غبي، وهو عبدالعزيز الدهلوي، الملقّب عندهم بـ « علّامة الهند »!! فإنّ لهذا الرجل في هذا المقطع من كلامه كذبات، منها:
١ - إنّ هذا القول للثعلبي فقط وهو متفرّد به. فإنّ الثعلبي وفاته سنة (٤٢٧) وقد روى الخبر قبله عدد كبير من الأئمّة، ذكرنا أسمائهم في الفصل الأوّل، بل عليه إجماع المفسّرين كما عرفت.
٢ - إنّ المحدّثين يلقّبونه بحاطب ليل. فإنّ المحدّثين لا يلقّبونه بهذا
____________________
(١). روح المعاني ٦ / ١٦٨.
اللّقب، بل الذي لقّبه بذلك هو ابن تيميّة في منهاج السنّة، عند إنكار فضائل علي وأهل البيتعليهمالسلام .
٣ - أكثر روايات الثعلبي في التفسير عن الكلبي عن أبي صالح، وهي أوهى ما يروى في التفسير عندهم. فقد حقّقنا في بعض بحوثنا أنّ روايات الكلبي في التفسير مخرَّجة في غير واحدٍ من الصّحاح، وأنّ رواياتهم عن الكلبي عن أبي صالح موجودة بكثرةٍ في الكتب المعروفة المشتهرة، وليست أوهى ما يروى في التفسير عند جمهور علمائهم.
وبعد، فإنّ رواية الثعلبي نزول الآية المباركة في حقّ أمير المؤمنينعليهالسلام المتقدمة في الفصل الأول، ليست لا عن الكلبي عن أبي صالح، ولا عن السدّي الكبير أو الصّغير!!
هذا، وأمّا وجود الرّطب واليابس في تفسير الثعلبي فأمر ثابت، وكذلك سائر تفاسير القوم وأسفارهم الحديثية، حتى الملقّبة عندهم بالصحاح
وهذه جملة من مصادر ترجمة الثعلبي والثناء عليه، أذكرها لتراجع: وفيات الأعيان ١ / ٧٩، معجم الاُدباء ٥ / ٣٦ ، تذكرة الحفاظ ٣ / ١٠٩٠، المختصر في أخبار البشر ٢ / ١٦٠، الوافي بالوفيات ٧ / ٣٠٧، مرآة الجنان ٣ / ٤٦، طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٤ / ٥٨، البداية والنهاية ١٢ / ٤٠، النجوم الزاهرة ٤ / ٢٨٣، طبقات المفسّرين ١ / ٦٥.
وأكتفي بنقل كلام القاضي ابن خلّكان - الذي اعتمده في ترجمة الكلبي - فإنّه قال: « كان أوحد زمانه في علم التفسير، وصنّف التفسير الكبير الذي فاق غيره من التفاسير، وله كتاب العرائس وقال أبو القاسم القشيري: رأيت ربّ العزّة عزّوجلّ في المنام وهو يخاطبني واخاطبه، فكان في أثناء ذلك أن قال الرب تعالى اسمه: أقبل الرجل الصالح، فالتفتُ فإذا أحمد الثعلبي مقبل. وذكره عبدالغافر بن إسماعيل الفارسي في كتاب سياق تاريخ نيسابور وأثنى
عليه وقال: هو صحيح النقل موثوق به، وكان كثير الحديث كثير الشيوخ، توفّي سنة ٤٢٧. وقال غيره: سنة ٤٣٧ »(١) .
فهذه ترجمته عند القاضي ابن خلكان، ولا تجد فيها إلّا المدح والثناء، وحتّى من الله جلّ جلاله!
وقد جاءت هذه الكلمات وأمثالها في حقّ الرجل في سائر التراجم، لكنّا اكتفينا بكلام القاضي ابن خلّكان إلزاماً واحتجاجاً على الدهلوي الذي استند إلى كلامه بترجمة الكلبي.
ادّعاه القاضي المعتزلي وتبعه من الأشاعرة ابن روزبهان والرازي وغيرهما.
والجواب: إنّه قد أقمنا الأدلّة المتقنة والبراهين الصّادقة على أنّ لفظة « وليّكم » في حديث: « علي منّي وأنا من علي وهو وليّكم من بعدي » الذي هو من أصحّ الأخبار وأثبتها، هي بمعنى « الأولى بكم »، فكذلك هذه اللفظة في الآية المباركة، بل ذلك هنا أوضح وأولى، لعطف « الولي » و « النبي » على ذات الباري تعالى، ومن المعلوم أنّ الولاية الثابتة له عزّوجلّ هي الولاية العامة المطلقة.
وأمّا السّياق، فإنّه لا يقاوم النصّ، على ما تقرّر عند العلماء المحقّقين، فاستدلال بعضهم كالفخر الرازي به مردود هذا أوّلاً.
وثانياً: إنّه قد فصل بين الآية والآية التي يزعمون وحدة السياق معها آيات اُخرى، فلا سياق أصلاً، فراجع.
____________________
(١). وفيات الأعيان ١ / ٦١.
ذكره القاضي عبد الجبار وتبعه غيره كالرازي وأضاف: إنّه تعالى ذكر المؤمنين الموصوفين في هذه الآية بصيغة الجمع في سبعة مواضع:( وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ) وحمل ألفاظ الجمع وإن جاز على الواحد على سبيل التعظيم لكنّه مجاز لا حقيقة، والأصل حمل الكلام على الحقيقة.
والجواب: إنّ مقتضى النصّ الصحيح، القائم عليه الإجماع من المفسّرين وغيرهم، وهو المتّفق عليه بين الطرفين، هو حمل الصّيغة هذه على الواحد المعيّن، وهو أمير المؤمنينعليهالسلام ، ولكنْ لا بدّ لإتيان الآية بصيغة الجمع من نكتة.
قال الزمخشري: « فإنْ قلت: كيف صحّ أن يكون لعليّرضياللهعنه - واللفظ لفظ جماعة؟
قلت: جيء به على لفظ الجمع وإنْ كان السبب فيه رجلاً واحداً، ليرغب الناس في مثل فعله، فينالوا مثل ثوابه، ولينبّه على أنّ سجيّة المؤمنين يجب أنْ تكون على هذه الغاية من الحرص على البرّ والإحسان وتفقّد الفقراء، حتّى إن لزمهم أمر لا يقبل التأخير وهم في الصلاة لم يؤخّروه إلى الفراغ منها »(١) .
واختار بعض المفسّرين من أصحابنا كالطبرسي صاحب ( مجمع البيان في تفسير القرآن )(٢) أنّ النكتة هي التعظيم، وهو ما أشار إليه الرازي في كلامه المذكور.
____________________
(١). الكشّاف ١ / ٦٤٩.
(٢). مجمع البيان ٣ / ٢١١.
والسيّد شرف الدين العاملي ذهب إلى أنّ النكتة هي أنّه لو جاءت الآية بلفظ المفرد، فإنّ شانئي علي وأهل البيت وسائر المنافقين لا يطيقون أن يسمعوها كذلك، وإذْ لا يمكنهم حينئذٍ التمويه والتضليل، فيؤدّي ذلك إلى التلاعب بألفاظ القرآن وتحريف كلماته أو نحو ذلك ممّا يخشى عواقبه على الإسلام(١) .
هذا، وقد ذكر صاحب الغدير طاب ثراه طائفةً من الآيات الواردة بصيغة الجمع والمقصود بها الآحاد، استناداً إلى تفاسير القوم وأحاديثهم، فراجع(٢) .
وهذا ما ذكره القاضي المعتزلي، وأخذه غير واحدٍ من الأشاعرة، كالدهلوي والآلوسي والتفتازاني، فليكن المراد بعد عثمان.
وقد أجاب عنه السيّد المرتضى وغيره من أعلام الطائفة. قال شيخ الطائفة: « إنّا قد بيّنا أنّ المراد بلفظ « ولي » فرض الطاعة والإستحقاق للتصرّف بالأمر والنهي، وهذا ثابت له في الحال، وإذا كان المراد به الحال، فليس بمقصورٍ عليها، وإنّما يقتضي الحال وما بعدها من سائر الأحوال، وإذا كان الأمر على ذلك فنحن نخرج حال حياة النبيّ بدلالة الإجماع، وتبقى سائر الأحوال على موجب الآية، وليس هناك دليل يخرج أيضاً ما بعد النبيّ عليه وآله الصلاة والسلام ويردّه إلى ما بعد عثمان، ولأنّ كلّ من أثبت بهذه الآية الإمامة أثبتها بعد وفاة النبيّ بلا فصل، ولم يقل في الاُمّة أحد إنّ المراد بالآية
____________________
(١). المراجعات: ٢٦٣.
(٢). الغدير ٦ / ٢٣١ - ٢٣٨. الطبعة الحديثة المحقّقة.
الإمامة وأثبتها بعد عثمان »(١) .
وهذا أيضاً ذكره القاضي المعتزلي وتبعه عليه القوم.
إلّا أنّ الآلوسي أجاب عن هذه الشبهة بقوله: « بلغني أنّه قيل لابن الجوزي: كيف تصدّق علي بالخاتم وهو في الصلاة فأنشأ يقول:
يسقي ويشرب لا تلهيه سكرته |
عن النديم ولا يلهو عن الناس |
|
أطاعه سكره حتّى تمكّن من |
فعل الصحّاة فهذا واحد الناس »(٢) |
وقد سبق إلى الإستشهاد بالبيتين: السيّد الشهيد التستري في ( إحقاق الحق )(٣) ونسبهما إلى بعض الأصحاب. والله العالم.
أقول:
هذه عمدة شبهاتهم في المقام، والعمدة في الجواب عنها هو النصُّ الصحيح المقبول بين الطّرفين، فلا مجال بعده لتلك الشبهات، ولا لغيرها، من قبيل احتمال حمل « الواو » في( وَهُمْ راكِعُونَ ) على العطف، أو احتمال حمل « الركوع » على « الخضوع » أو دعوى أن « الزكاة » إنّما تقال للزكاة الواجبة، والذي فعله أمير المؤمنين كان نفلاً، أو دعوى أنّ لازم الإستدلال بالآية عن طريق إفادتها الحصر على بطلان إمامة من تقدّمه، هو بطلان إمامة الأئمّة من ولده، فإنّها جهل أو تجاهل من مدّعيها، لأنّه لا يقول بإمامة أئمّة العترة على كلّ
____________________
(١). تلخيص الشافي ٢ / ٤٤ - ٤٥.
(٢). روح المعاني ٦ / ١٦٩.
(٣). إحقاق الحق وإزهاق الباطل ٢ / ١٤ مع اختلاف قليل في اللفظ.
تقدير، أمّا الإماميّة، فإنّهم يبطلون إمامة من تقدّم على أمير المؤمنين بهذه الآية، ولهم أدلّتهم على إمامة سائر الأئمّة من الكتاب والسنّة وغيرهما، على أنّ البحث هو بين إمامة علي وإمامة أبي بكر، وإمامة الأئمّة بعد علي فرع على إمامته، كما أنّ إمامة عمر وعثمان ومعاوية ويزيد تتفرّع على إمامة أبي بكر، فإذا ثبتت إمامة علي من الآية، ثبتت الإمامة في ولده، وبطلت إمامة أبي بكر وكلّ إمامة متفرّعة على إمامته.
والحقيقة - كما ذكرنا من قبل - إنّ هذه الآية ونزولها في هذه القضيّة، من أقوى الأدلّة على إمامة أمير المؤمنينعليهالسلام ، ولذا فقد اضطرب القوم تجاهها، واختلفت كلماتهم في ردّ الإستدلال بها، وبذلوا أقصى جهودهم في الجواب، ولكنّهم لم يُفلحوا فازدادوا بعداً عن نهج الحق وطريق الصواب، فلا الآية يمكن تكذيبها، ولا الحديث الوارد في تفسيرها والحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله عليه سيّدنا محمّد وآله الطاهرين.
آية التطهير
قوله تعالى
( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (١) .
وهذه آية التطهير.
وقد استدلّ بها أصحابنا - تبعاً لأئمّة العترة الطاهرة - على عصمة « أهل البيت » ومن ثمّ فهي من أدلّة إمامة أمير المؤمنينعليهالسلام والأئمّة الطاهرين بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وقد كابر بشأنها الخوارج، والنواصب، والمخالفون لـ « أهل البيت » منذ اليوم الأوّل، وإلى يومنا هذا ولذا كانت هذه الآية موضع البحث والتحقيق، والأخذ والردّ، وكُتبت حولها الكتب والدراسات الكثيرة(٢) .
ونحن نذكر وجه الإستدلال، ولينظر الناظرون هل هو ضمن دائرة التمسّك بالكتاب والسنّة أو لا؟!
وهذه هي الأقوال في المسألة نقلاً عن أحد المتعصّبين ضدّ الشيعة الإماميّة:
« وفي المراد بأهل البيت هاهنا ثلاثة أقوال: أحدهما: أنّهم نساء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، لأنّهنّ في بيته. رواه
____________________
(١). سورة الأحزاب ٣٣: ٣٣.
(٢). ولنا فيها كتاب ردّاً على كتيب للدكتور علي أحمد السالوس، أسماه: « آية التطهير بين أُمّهات المؤمنين وأهل الكساء » صدر بعنوان « مع الدكتور السالوس في آية التطهير » وهناك التفصيل الأكثر.
سعيد بن جبير عن ابن عبّاس. وبه قال عكرمة وابن السائب ومقاتل. ويؤكّد هذا القول أنّ ما قبله وما بعده متعلّق بأزواج رسول الله صلى عليه وسلّم. وعلى أرباب هذا القول اعتراض، وهو: إنّ جمع المؤنّث بالنون فكيف قيل ( عنكم ) و ( يطهّركم )؟ فالجواب: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيهنّ فغلّب المذكَّر.
والثاني: إنّه خاصّ في: رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعليّ، وفاطمة، والحسن والحسين. قاله أبو سعيد الخدري، وروي عن: أنس وعائشة وأُم سلمة نحو ذلك.
والثالث: إنّهم أهل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأزواجه، قاله الضحّاك »(١) .
فهذه عبارة الحافظ ابن الجوزي.
. فالقائل باختصاص الآية بالرسول وبضعته ووصيّه وسبطيه عليهم الصلاة والسلام، هم جماعة من الصحابة، وعلى رأسهم: أُم سلمة وعائشة
من زوجاته
وعلى رأس القائلين بكونها خاصّة بالأزواج: عكرمة البربري لِما سيأتي من أنّ ابن عبّاس من القائلين بالقول الثاني.
أمّا القول الثالث فلم يحكه إلّا عن الضحّاك!
فمن هُم « أصحاب الآراء الصحيحة »؟! ومن هم « أصحاب البدع والأهواء »؟!
ولماذا أعرض الّذين ادعوا أنّهم « كانوا تابعين لِما تدلّ عليه معاني القرآن
____________________
(١). زاد المسير في علم التفسير - للحافظ ابن الجوزي، المتوفّى سنة ٥٩٧ - ٦ / ٣٨١ - ٣٨٢.
الكريم، موضّحين لدلالات ألفاظه كما فهمها سلف الأُمّة وعلماؤها، وكما فسّرها الرسول صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه والتابعون لهم بإحسان » عن قول أُمّ سلمة وعائشة وجماعةٍ من كبار الصحابة ومشاهيرهم - كما سيجيء - وأخذوا بقول « عكرمة » الذي ستعرفه، وأمثاله؟!
وأمّا تفصيل المطلب، ففي فصول:
الفصل الأوّل
في تعيين النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قولاً وفعلاً
المراد من « أهل البيت »
فقد أخرج جماعة من كبار الأئمّة والحفّاظ والأئمّة حديث الكساء، الصريح في اختصاص الآية المباركة بالرسول وأهل بيته الطاهرين عليهم الصلاة والسلام، عن عشراتٍ من الصحابة:
ونحن نذكر عدّةً منهم فقط:
١ - عائشة بنت أبي بكر.
٢ - أُم سلمة زوجة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
٣ - عبدالله بن العبّاس.
٤ - سعد بن أبي وقّاص.
٥ - أبو الدرداء.
٦ - أنس بن مالك.
٧ - أبو سعيد الخدري.
٨ - واثلة بن الأسقع.
٩ - جابر بن عبدالله الأنصاري.
١٠ - زيد بن أرقم.
١١ - عمر بن أبي سلمة.
١٢ - ثوبان مولى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ونكتفي بذِكر أشهر المشاهير منهم:
١ - أحمد بن حنبل، المتوفّى سنة ٢٤١.
٢ - عبد بن حميد الكشّي، المتوفّى سنة ٢٤٩.
٣ - مسلم بن الحجّاج، صاحب الصحيح، المتوفّى سنة ٢٦١.
٤ - أبو حاتم محمّد بن إدريس الرازي، المتوفّى سنة ٢٧٧.
٥ - أحمد بن عبدالخالق البزّار، المتوفّى سنة ٢٩٢.
٦ - محمّد بن عيسى الترمذي، المتوفّى سنة ٢٧٩.
٧ - أحمد بن شعيب النسائي، المتوفّى سنة ٣٠٣.
٨ - أبو عبدالله محمّد بن عليّ الحكيم الترمذي.
٩ - أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري، المتوفّى سنة ٣١٠.
١٠ - عبدالرّحمن بن محمّد بن إدريس الرازي، الشهير بابن أبي حاتم، المتوفّى سنة ٣٢٧.
١١ - سليمان بن أحمد الطبراني، المتوفّى سنة ٣٦٠.
١٢ - أبو عبدالله الحاكم النيسابوري، المتوفّى سنة ٤٠٥.
١٣ - أبو نعيم أحمد بن عبدالله الأصفهاني، المتوفّى سنة ٤٣٠.
١٤ - أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، المتوفّى سنة ٤٥٨.
١٥ - أبو بكر أحمد بن علي، المعروف بالخطيب البغدادي، المتوفّى سنة ٤٦٣.
١٦ - أبو السعادات المبارك بن محمّد، المعروف بابن الأثير، المتوفّى سنة ٦٠٦.
١٧ - شمس الدين محمّد بن أحمد الذهبي، المتوفّى سنة ٧٤٨.
١٨ - جلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي، المتوفّى سنة ٩١١.
وهذه نبذة من ألفاظ الحديث بأسانيدها(١) :
ففي المسند: « حدّثنا عبدالله، حدّثني أبي، ثنا عبد بن نمير، قال:
ثنا عبدالملك - يعني ابن أبي سليمان -، عن عطاء بن أبي رباح، قال: حدّثني من سمع أُم سلمة تذكر أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان في بيتها، فأتته فاطمة ببرمة فيها خزيرة، فدخلت بها عليه، فقال لها: ادعي زوجَكِ وابنيك.
قالت: فجاء عليٌّ والحسين والحسن فدخلوا عليه فجلسوا يأكلون من تلك الخزيرة وهو على منامة له على دكّان تحته كساء خيبري. قالت: وأنا أُصلّي في الحجرة، فأنزل الله عز وجل هذه الآية:( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) .
قالت: فأخذ فضل الكساء فغشّاهم به، ثمّ أخرج يده فألوى بها إلى السماء ثم قال: اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي وخاصّتي فأذهِب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
____________________
(١). نعم، هذه نبذة من الروايات، إذ لم نورد كلّ ما في المسند أو المستدرك أو غيرهما، بل لم نورد شيئاً من تفسير الطبري وقد أخرجه من أربعة عشر طريقاً، ولا من كثير من المصادر المعتبرة في التفسير والحديث وتراجم الصحابة وغيرها.
قالت: فأدخلت رأسي البيت فقلت: وأنا معكم يا رسول الله؟
قال: إنّكِ إلى خير، إنّكِ إلى خير.
قال عبدالملك: وحدّثني أبو ليلى عن أُم سلمة مثل حديث عطاء سواء.
قال عبدالملك: وحدّثني داود بن أبي عوف الجحّاف، عن(١) حوشب، عن أُمّ سلمة بمثله سواء»(٢) .
وفي المسند: « حدّثنا عبدالله، حدّثني أبي، ثنا عفّان، ثنا حمّاد بن سلمة، قال: ثنا عليّ بن زيد، عن شهر بن حوشب، عن أُمّ سلمة: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لفاطمة: ائتيني بزوجِكِ وابنيك، فجاءت بهم، فألقى عليهم كساءً فدكيّاً.
قال: ثمّ وضع يده عليهم ثمّ قال: اللّهمّ إنّ هؤلاء آل محمّد، فاجعل صلواتك وبركاتك على محمّد وعلى آل محمّد، إنّك حميد مجيد.
قالت أُمّ سلمة: فرفعت الكساء لأدخل معهم، فجذبه من يدي وقال: إنّكِ على خير »(٣) .
وفي المسند: « حدّثنا عبدالله، حدّثني أبي، ثنا يحيى بن حمّاد، ثنا أبو عوانة، ثنا أبو بلج، ثنا عمرو بن ميمون، قال: إنّي لجالس إلى ابن عبّاس إذ أتاه تسعة رهط فقالوا: يا ابن عبّاس، إمّا أن تقوم معنا وإمّا أنْ تخلونا هؤلاء.
قال: فقال ابن عبّاس: بل أقوم معكم.
قال: وهو يومئذٍ صحيح قبل أنْ يعمى. قال: فاتّندوا فتحدّثوا، فلا ندري ما قالوا.
____________________
(١). كذا.
(٢). مسند أحمد ٦ / ٢٩٢.
(٣). مسند أحمد ٦ / ٣٢٣.
قال: فجاء ينفض ثوبه ويقول: أُفّ وتفّ، وقعوا في رجلٍ له عشر، وقعوا في رجلٍ قال له النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ( فذكر مناقب لعليّ، منها: ) « وأخذ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثوبه فوضعه على عليٍّ وفاطمة وحسن وحسين فقال:( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (١) .
وفي صحيح مسلم: « حدّثنا أبو بكر ابن أبي شيبة ومحمّد بن عبدالله بن نمير - واللفظ لأبي بكر - قالا: حدّثنا محمّد بن بشر، عن زكريّا، عن مصعب ابن شيبة، عن صفية بنت شيبة، قالت: قالت عائشة: خرج النبيّ صلّى الله عليه وسلّم غداةً وعليه مرط مرجّل من شعر أسود، فجاء الحسن بن عليّ فأدخله، ثمّ جاء الحسين فدخل معه، ثمّ جاءت فاطمة فأدخلها، ثمّ جاء عليٌّ فأدخله، ثمّ قال:( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (٢) .
وفي جامع الأُصول: « ٦٦٨٩ ت، أُم سلمة - رضي الله عنها - قالت:
إنّ هذه الآية نزلت في بيتي:( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) قالت: وأنا جالسة عند الباب فقلت: يا رسول الله، ألست من أهل البيت؟ فقال: إنّكِ إلى خير، أنتِ من أزواج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
قالت: وفي البيت: رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعليُّ وفاطمة وحسن وحسين، فجلّلهم بكسائه وقال: اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهِّرهم تطهيراً.
____________________
(١). مسند أحمد ١ / ٣٣٠.
(٢). صحيح مسلم ٧ / ١٣٠.
وفي رواية: إنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم جلّل على الحسن والحسين وعليّ وفاطمة، ثمّ قال: اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي وحامّتي، أذهب عنهم الرجس وطهِّرهم تطهيراً.
قالت أُمّ سلمة: وأنا معهم يا رسول الله؟ قال: إنّكِ إلى خير.
أخرج الترمذي الرواية الآخرة، والأُولى ذكرها رزين.
٦٦٩٠ ت، عمر بن أبي سلمة -رضياللهعنه - قال: نزلت هذه الآية على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم:( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) في بيت أُمّ سلمة، فدعا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فاطمة وحسناً وحسيناً، فجلّلهم بكساءٍ وعليّ خلف ظهره، ثمّ قال: اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي فأذهِب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
قالت أُمّ سلمة: وأنا معهم يا نبيَّ الله؟
قال: أنتِ على مكانِكِ، وأنتِ على خير.
أخرجه الترمذي.
٦٦٩١ ت، أنس بن مالك -رضياللهعنه - إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يمرّ بباب فاطمة إذا خرج إلى الصلاة حين نزلت هذه الآية، قريباً من ستّة أشهر، يقول: الصلاةَ أهلَ البيت( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) .
أخرجه الترمذي.
٦٦٩٢ م، عائشة - رضي الله عنها - قالت: خرج النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وعليه مرط مرجَّل أسود، فجاءه الحسن فأدخله، ثمّ جاءه الحسين فأدخله، ثمّ جاءت فاطمة فأدخلها، ثمّ جاء عليٌّ فأدخله، ثمّ قال:( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ ) الآية.
أخرجه مسلم »(١) .
وفي الخصائص: « أخبرنا محمّد بن المثنّى، قال: أخبرنا أبو بكر الحنفي، قال: حدّثنا بكير بن مسمار، قال: سمعت عامر بن سعد يقول: قال معاوية لسعد ابن أبي وقّاص:
ما يمنعك أنْ تسبَّ ابن أبي طالب؟!
قال: لا أسبّه ما ذكرتُ ثلاثاً قالهنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، لأنْ يكون لي واحدة منهنَّ أحب إليّ من حمر النعم:
لا أسبّه ما ذكرت حين نزل الوحي عليه، فأخذ عليّاً وابنيه وفاطمة فأدخلهم تحت ثوبه ثمّ قال: ربّ هؤلاء أهل بيتي وأهلي.
ولا أسبّه ما ذكرت حين خلّفه في غزوةٍ غزاها
ولا أسبّه ما ذكرت يوم خيبر »(٢) .
وفي الخصائص: « أخبرنا قتيبة بن سعيد البلخي وهشام بن عمّار الدمشقي، قالا: حدّثنا حاتم، عن بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد بن أبي وقّاص، قال: أمر معاوية سعداً فقال: ما يمنعك أنْ تسبَّ أبا تراب؟!
فقال: أنا إن ذكرت ثلاثاً قالهنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلن أسبّه، لأنْ يكون لي واحدة منها أحبّ إليَّ من حمر النعم:
سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول له، وخلَّفه في بعض مغازيه
وسمعته يقول يوم خيبر:
ولمـّا نزلت( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ
____________________
(١). جامع الأُصول ١٠ / ١٠٠ - ١٠١.
(٢). خصائص عليّ: ٨١ طبعة النجف الأشرف.
تَطْهِيراً ) دعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي »(١) .
أقول:
أخرجه ابن حجر العسقلاني باللفظ الأوّل في « فتح الباري » بشرح حديث: « أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون » ثمّ قال:
« ووقع في رواية عامر بن سعد بن أبي وقّاص عند مسلم والترمذي، قال: قال معاوية لسعد: ما منعك أنْ تسبّ أبا تراب؟!
قال: أما ما ذكرتُ ثلاثاً قالهنَّ له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلنْ أسبّه، فذكر هذا الحديث.
وقوله: لأُعطينّ الراية رجلاً يحبّه الله ورسوله.
وقوله لمـّا نزلت( فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ ) (٢) دعا عليّاً وفاطمة والحسن والحسين، فقال: اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي »(٣) .
وهذا تحريفٌ للحديث! أو يحمل على التكرّر والتعدّد.
وفي الخصائص: أخرج حديث عمرو بن ميمون عن ابن عبّاس، المتقدّم عن المسند(٣) .
وفي المستدرك: « حدّثنا أبو العبّاس محمّد بن يعقوب، ثنا العبّاس بن محمّد الدوري، ثنا عثمان بن عمر، ثنا عبدالرحمن بن عبدالله بن دينار، ثنا
____________________
(١). خصائص عليّ: ٤٩.
(٢). سورة آل عمران ٣: ١.
(٣). فتح الباري - شرح صحيح البخاري ٧ / ٦٠.
(٤). خصائص عليّ: ٦٢.
شريك بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار، عن أُمّ سلمة - رضي الله عنها - أنّها قالت:
في بيتي نزلت هذه الآية:( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ) ، قالت: فأرسل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى عليّ وفاطمة والحسن والحسين - رضوان الله عليهم أجمعين - فقال: اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي.
قالت أُم سلمة: يا رسول الله، وأنا من أهل البيت؟
قال: إنّكِ أهلي خير(٤) ، وهؤلاء أهل بيتي، اللّهمّ أهلي أحقّ.
هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه.
حدّثنا أبو العباس محمّد بن يعقوب، أنبأ العبّاس بن الوليد بن مزيد:
أخبرني أبي، قال: سمعت الأوزاعي يقول: حدّثني أبو عمّار، قال: حدّثني واثلة بن الأسقع -رضياللهعنه - قال: جئت عليّاً -رضياللهعنه - فلم أجده. فقالت فاطمة - رضي الله عنها -: إنطلق إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يدعوه فاجلس، فجاء مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فدخل ودخلت معهما. قال: فدعا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حسناً وحسيناً فأجلس كلّ واحدٍ منهما على فخذه، وأدنى فاطمة من حجره وزوجها، ثمّ لفّ عليهم ثوبه وأنا شاهد، فقال:( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي.
هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه »(٢) .
وفي تلخيص المستدرك: وافق الحاكم على التصحيح(٣) .
____________________
(١). كذا.
(٢). المستدرك على الصحيحين ٢ / ٤١٦ كتاب التفسير.
(٣). تلخيص المستدرك ٢ / ٤١٦.
ورواه الذهبي بإسنادٍ له عن شهر بن حوشب عن أُم سلمة، وفيه: « قالت: فأدخلت رأسي فقلت: يا رسول الله، وأنا معكم؟
قال: أنتِ إلى خير - مرّتين - ».
ثمّ قال: « رواه الترمذي مختصراً وصحّحه من طريق الثوري، عن زبيد، عن شهر بن حوشب»(١) .
وفي الصواعق المحرقة: « الآية الأُولى: قال الله تعالى:( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) أكثر المفسّرين على أنّها نزلت في عليٍّ وفاطمة والحسن والحسين. لتذكير ضمير ( عنكم ) وما بعده »(٢) .
هذا، وقد قال جماعة من الأئمّة بصحّة الحديث الدالّ على اختصاص الآية الكريمة بأهل البيتعليهمالسلام ، إذ أخرجوه في الصحيح أو نصّوا على صحّته، ومن هؤلاء:
١ - أحمد بن حنبل، بناءً على التزامه بالصحّة في « المسند ».
٢ - مسلم بن الحجّاج، إذ أخرجه في ( صحيحه ).
٣ - ابن حبّان، إذْ أخرجه في ( صحيحه ).
٤ - الحاكم النيسابوري، إذ صحّحه في ( المستدرك ).
٥ - الذهبي، إذ صحّحه في ( تلخيص المستدرك ) تبعاً للحاكم.
٦ - ابن تيميّة، إذ قال: « فصل - وأمّا حديث الكساء فهو صحيح، رواه
____________________
(١). سير أعلام النبلاء ١٠ / ٣٤٦.
(٢). الصواعق المحرقة: ٨٥.
أحمد والترمذي من حديث أُم سلمة، ورواه مسلم في صحيحه من حديث عائشة »(١) .
وهذه الأحاديث الواردة في الصحاح والمسانيد ومعاجم الحديث، بأسانيد صحيحة متكاثرة جدّاً، أفادت نقطتين:
أوّلاً: إنّ المراد بـ « أهل البيت » في الآية المباركة هم: النبيّ وعليٌّ وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، لا يشركهم أحد، لا من الأزواج ولا من غيرهنّ مطلقاً.
أمّا الأزواج، فلأنّ الأحاديث نصّت على أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يأذن بدخول واحدةٍ منهنّ تحت الكساء.
وأمّا غيرهنّ، فلأنّ النبيّ إنّما أمر فاطمة بأنْ تجئ بزوجها وولديها فحسب، فلو أراد أحداً غيرهم - حتّى من الأُسرة النبويّة - لأمر بإحضاره.
وثانياً: إنّ الآية المباركة نزلت في واقعةٍ معيَّنة وقضيّةٍ خاصّة، ولا علاقة لها بما قبلها وما بعدها ولا ينافيه وضعها بين الآيات المتعلّقة بنساء النبيّ، إذ ما أكثر الآيات المدنيّة بين الآيات المكّيّة وبالعكس، ويشهد بذلك:
١ - مجيء الضمير: « عنكم » و « يطهّركم » دون: عنكنّ ويطهّركنّ.
٢ - إتّصال الآيات التي بعد آية التطهير بالتي قبلها، بحيث لو رفعت آية التطهير لم يختلّ الكلام أصلاً فليست هي عجزاً لآية ولا صدراً لأُخرى كما لا يخفى.
ثمّ ما ألطف ما جاء في الحديث جواباً لقول أُم سلمة: « ألستُ من أهل
____________________
(١). منهاج السنّة ٥ / ١٣.
البيت؟ » قال: « أنتِ من أزواج رسول الله!! » فإنّه يعطي التفصيل مفهوماً ومصداقاً بين العنوانين: عنوان « أهل البيت » وعنوان « الأزواج » أو « نساء النبيّ ».
فتكون الآيات المبدوة - في سورة الأحزاب - بـ:( يا نِساءَ النَّبِيِّ ) (١) خاصّةً بـ « الأزواج» والآية( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ) خاصّةً بالعترة الطاهرة.
وحديث مرورهصلىاللهعليهوآلهوسلم بباب فاطمة وقوله: الصلاة أهل البيت( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) رواه كثيرون كذلك لا نطيل بذكر رواياته.
____________________
(١). سورة الأحزاب ٣٣: ٣٣.
الفصل الثاني
في سقوط القولَين الآخَرَين
وبهذه الأحاديث الصحيحة المتّفق عليها بين المسلمين يسقط القولان الآخَران، لأنّ المفروض أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فسّر بنفسه - قولاً وفعلاً - الآية المباركة، وعيّن من نزلت فيه، فلا يُسمع - والحال هذه - ما يخالف تفسيره كائناً من كان القائل، فكيف والقائل بالقول الأوّل هو « عكرمة»؟!
وقد كان هذا الرجل أشدُّ الناس مخالفةً لنزول الآية في العترة الطاهرة فقط.
فقد حكي عنه أنّه كان ينادي في الأسواق بنزولها في زوجات النبيّ فقط(١) وأنّه كان يقول: « من شاء باهلته أنّها نزلت في نساء النبيّ خاصّة »(٢) .
وقد كان القول بنزولها في العترة هو الرأي الذي عليه المسلمون، كما يبدو من هذه الكلمات، بل جاء التصريح به في كلامه حيث قال: « ليس بالّذي تذهبون إليه، إنّما هو نساء النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم »(٣) .
إلّا أنّ من غير الجائز الأخذ بقول عكرمة في هذا المقام وأمثاله!
____________________
(١). تفسير الطبري ٢٢ / ٧، تفسير ابن كثير ٣ / ٤١٥، أسباب النزول: ٢٦٨.
(٢). الدرّ المنثور ٥ / ١٩٨، تفسير ابن كثير ٣ / ٤١٥.
(٣). الدرّ المنثور ٥ / ١٩٨.
فإنّ عكرمة البربري من أشهر الزنادقة الّذين وضعوا الأحاديث للطعن في الإسلام! وإليك طرفاً من تراجمه في الكتب المعتبرة المشهورة(١) .
لقد ذكروا أنّ هذا الرجل كان طاعناً في الإسلام، مستهزئاً بالدين، من أعلام الضلالة ودعاة السوء.
فقد نقلوا عنه أنّه قال: إنّما أنزل الله متشابه القرآن ليضلّ به!
وقال في وقت الموسم: وددت أنّي اليوم بالموسم وبيدي حربة، فأعترض بها من شهد الموسم يميناً وشمالاً!
وأنّه وقف على باب مسجد النبيّ وقال: ما فيه إلّا كافر!
وذكروا أنّه كان لا يصلّي، وأنّه كان في يده خاتم من الذهب، وأنّه كان يلعب بالنرد، وأنّه كان يستمع الغناء.
وأنّه إنّما أخذ أهل أفريقية رأي الصفرية - وهم من غلاة الخوارج - منه، وقد ذكروا أنّه نحل ذلك الرأي إلى ابن عبّاس!
وعن يحيى بن معين: إنّما لم يذكر مالك عكرمة، لأنّ عكرمة كان ينتحل رأي الصفرية.
____________________
(١). طبقات ابن سعد ٥ / ٢٨٧، الضعفاء الكبير ٣ / ٣٧٣، تهذيب الكمال ٢٠ / ٢٦٤، وفيات الأعيان ١ / ٣١٩، ميزان الإعتدال ٣ / ٩٣، المغني في الضعفاء ٢ / ٨٤، سير أعلام النبلاء ٥ / ٩٥، تهذيب التهذيب ٧ / ٢٦٣ - ٢٧٣.
وقال الذهبي: قد تكلّم الناس في عكرمة، لأنّه كان يرى رأي الخوارج.
كذب على سيّده ابن عبّاس حتّى أوثقه عليُّ بن عبدالله بن عبّاس على باب كنيف الدار. فقيل له: أتفعلون هذا بمولاكم؟! قال: إنّ هذا يكذب على أبي.
وعن سعيد بن المسيّب، أنّه قال لمولاه: يا برد، إيّاك أن تكذب عَلَيّ كما يكذب عكرمة على ابن عبّاس.
وعن ابن عمر، أنّه قال لمولاه: اتّق الله، ويحك يا نافع، لا تكذب عَلَيّ كما كذب عكرمة على ابن عبّاس.
وعن القاسم: إنّ عكرمة كذّاب.
وعن ابن سيرين ويحيى بن معين ومالك: كذّاب.
وعن ابن ذويب: كان غير ثقة.
وحرّم مالك الرواية عنه.
وأعرض عنه مسلم بن الحجّاج.
وقال محمّد بن سعد: ليس يُحتجّ بحديثه.
ولهذه الأُمور وغيرها ترك الناس جنازته، قيل: فما حمله أحد، حتّى اكتروا له أربعة رجال من السودان.
ومقاتل حاله كحال عكرمة، فقد أدرجه كلٌّ من: الدارقطني، والعقيلي، وابن الجوزي، والذهبي في ( الضعفاء ) وتكفينا كلمة الذهبي: « أجمعوا على تركه »(١) .
وأمّا القول الآخر فقد عزاه ابن الجوزي إلى الضحّاك بن مزاحم فقط.
وهذا الرجل أدرجه ابن الجوزي نفسه كالعقيلي في ( الضعفاء ) وتبعهما الذهبي فأدرجه في « المغني في الضعفاء » ونفوا أنْ يكون لقي ابن عبّاس، بل ذكر بعضهم أنّه لم يشافه أحداً من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وعن يحيى بن سعيد: كان الضحّاك عندنا ضعيفاً.
قالوا: وكانت أُمّه حاملاً به سنتين(٢) !
هذا، ولكنْ في نسبة هذا القول - كنسبة القول الأوّل إلى ابن السائب الكلبي - كلامٌ، فقد نُسب إليهما القول باختصاص الآية بالخمسة الأطهار في المصادر، وهو الصحيح، كما حقّقنا ذلك في الردّ على السالوس.
____________________
(١). سير أعلام النبلاء ٧ / ٢٠١.
(٢). تهذيب الكمال ١٣ / ٢٩١، ميزان الإعتدال ٢ / ٣٢٥، المغني في الضعفاء ١ / ٣١٢.
الفصل الثالث
في دلالة الآية المباركة على عصمة أهل البيت
وكما أشرنا من قبل، فإنّ أصحابنا يستدلّون بالآية المباركة - بعد تعيين المراد بأهل البيت فيها، بالأحاديث المتواترة بين الفريقين - على عصمة أهل البيت وقد جاء ذكر وجه الإستدلال لذلك مشروحاً في كتبهم في العقائد والإمامة، وفي تفاسيرهم بذيل الآية المباركة، ويتلخّص في النقاط التالية:
١ - « إنّما » تفيد الحصر، فالله سبحانه لم يرد إذهاب الرجس إلّا عن هؤلاء.
٢ - « الإرادة » في الآية الكريمة تكوينيّة، من قبيل الإرادة في قوله تعالى:( إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) (١) لا تشريعية من قبيل الإرادة في قوله تعالى:( يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) (٢) ، لأن التشريعية تتنافى مع نصّ الآية بالحصر، إذ لا خصوصيّة لأهل البيت في تشريع الأحكام لهم.
وتتنافى مع الأحاديث، إذ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم طبّق الآية عليهم دون غيرهم.
٣ - « الرجس » في الآية هو « الذنوب ».
وتبقى شبهة: إنّ الإرادة التكوينيّة تدلّ على العصمة، لأنّ تخلّف المراد
____________________
(١). سورة يس ٣٦: ٨٢.
(٢). سورة البقرة ٢: ١٨٥.
عن إرادته عزّوجلّ محال، لكنّ هذا يعني الإلتزام بالجبر وهو ما لا تقول الإماميّة به.
وقد أجاب علماؤنا عن هذه الشبهة - بناءً على نظرية: لا جبر ولا تفويض، بل أمرٌ بين الأمرين - بما حاصله:
إنّ مفاد الآية أنّ الله سبحانه لمـّا علم أنّ إرادة أهل البيت تجري دائماً على وفق ما شرّعه لهم من التشريعات، لِما هم عليه من الحالات المعنوية العالية، صحَّ له تعالى أنْ يخبر عن ذاته المقدّسة أنّه لا يريد لهم بإرادته التكوينيّة إلّا إذهاب الذنوب عنهم، لأنّه لا يُوجد من أفعالهم، ولا يُقدرهم إلاّعلى هكذا أفعالٍ يقومون بها بإرادتهم لغرض إذهاب الرجس عن أنفسهم أما سائر الناس الذين لم يكونوا على تلك الحالات، فلم تتعلّق إرادته بإذهاب الرجس عنهم.
ثمّ إنّه لولا دلالة الآية المباركة على هذه المنزلة العظيمة لأهل البيت، لَما حاول أعداؤهم - من الخوارج والنواصب - إنكارها، بل ونسبتها إلى غيرهم، مع أنّ أحداً لم يدّعِ ذلك لنفسه سوى الخمسة الأطهار.
الفصل الرابع
في تناقضات علماء القوم تجاه معنى الآية
وجاء العلماء وهم يعلمون بمدلول الآية المباركة ومفاد الأحاديث الصحيحة الواردة بشأنها، إلاّ أنّهم من جهة لا يريدون الاعتراف بذلك، لأنّه في الحقيقة نسفٌ لعقائدهم في الأُصول والفروع ومن جهةٍ أُخرى ينسبون أنفسهم إلى « السنّة » ويدّعون الأخذ بها والاتّباع لها فوقعوا في اضطرابٍ، وتناقضت كلماتهم فيما بينهم، بل تناقضت كلمات الواحد منهم
فمنهم من وافق الإماميّة، بل - في الحقيقة - تبع السنّة النبويّة الثابتة في المقام، وأخذ بها.
ومنهم من وافق عكرمة الخارجي ومقاتل المجمَع على تركه.
ومنهم من أخذ بقول الضحّاك الضعيف، خلافاً لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وكبار الصحابة.
فهم على طوائف ثلاث:
ونحن نذكر من كلّ طائفة واحداً أو اثنين:
أبو جعفر الطحاوي(١) قال: « باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله
____________________
(١). أبو جعفر أحمد بن محمّد بن سلامة المصري الحنفي - المتوفّى سنة ٣٢١ ه - توجد ترجمته مع =
صلىاللهعليهوآلهوسلم في المراد بقوله تعالى:( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) مَن هم؟
حدّثنا الربيع المرادي، حدّثنا أسد بن موسى، حدّثنا حاتم بن إسماعيل، حدّثنا بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد، عن أبيه، قال: لمـّا نزلت هذه الآية دعا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناًعليهمالسلام ، وقال: اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي.
فكان في هذا الحديث أنّ المراد بما في هذه الآية هم: رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعليٌّ وفاطمة وحسن وحسين.
حدّثنا فهد، ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا جرير بن عبدالحميد، عن الأعمش، عن جعفر، عن عبدالرحمن البجلي، عن حكيم بن سعيد، عن أُم سلمة، قالت: نزلت هذه الآية في رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعليٍّ وفاطمة وحسن وحسينعليهمالسلام ( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) .
ففي هذا الحديث الذي في الأوّل ».
ثمّ إنّه أخرج بأسانيد عديدة هذا الحديث عن أُمّ سلمة، وفيها الدلالة الصريحة على اختصاص الآية بأهل البيت الطاهرين، وهي الأحاديث التي
____________________
= الثناء البالغ في: طبقات أبي إسحاق الشيرازي: ١٤٢، والمنتظم ٦ / ٢٥٠، ووفيات الأعيان ١ / ٧١، وتذكرة الحفّاظ ٣ / ٨٠٨، والجواهر المضيّة في طبقات الحنفية ١ / ١٠٢، وغاية النهاية في طبقات القراء ١ / ١١٦، وحسن المحاضرة وطبقات الحفّاظ: ٣٣٧، وغيرها.
وقد عنونه الحافظ الذهبي بقوله: « الطحاوي الإمام العلّامة، الحافظ الكبير، محدِّث الديار المصرية وفقيهها » قال: « ذكره أبو سعيد ابن يونس فقال: عداده في حجر الأزد، وكان ثقة ثبتاً فقيهاً عاقلاً لم يخلّف مثله » قال الذهبي: « قلت: من نظر في تواليف هذا الإمام علم محلّه من العلم وسعة معارفه » سير أعلام النبلاء ١٥ / ٢٧ - ٣٢.
جاء فيها أنّ أُمّ سلمة سألت: « وأنا معهم؟ » فقال رسول الله صلّى عليه وآله وسلّم: « أنتِ من أزواج النبيّ، وأنتِ على خير - أو: إلى خير - ».
وقالت: « فقلت: يا رسول الله، أنا من أهل البيت؟ فقال: إنّ لكِ عند خيراً، فوددت أنّه قال نعم، فكان أحبّ إليّ ممّا تطلع عليها الشمس وتغرب ».
وقالت: « فرفعت الكساء لأدخل معهم، فجذبه رسول الله وقال: إنّكِ على خير ».
قال الطحاوي: « فدلّ ما روينا من هذا الآثار - ممّا كان من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى أُمّ سلمة - ممّا ذكرنا فيها لم يرد به أنّها كانت ممّا أُريد به ممّا في الآية المتلوّة في هذا الباب، وأنّ المراد بما فيها هم:
رسول الله صلّى عليه وآله وسلّم وعليٌّ وفاطمة والحسن والحسين دون مَن سواهم يدلّ على مراد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بقوله لأُم سلمة في هذه الآثار من قوله لها: ( أنتِ من أهلي )
ما قد حدّثنا محمّد بن الحجّاج الحضرمي وسليمان الكيساني، قالا:
حدّثنا بشر بن بكر، عن الأوزاعي، أخبرني أبو عمّار، حدّثني واثلة
فقلت: يا رسول الله، وأنا من أهلك؟ فقال: وأنتَ من أهلي.
قال واثلة: فإنّها من أرجى ما أرجو!
وواثلة أبعد منهعليهالسلام من أُمّ سلمة منه، لأنّه إنّما هو رجل من بني ليث، ليس من قريش، وأُمّ سلمة موضعها من قريش موضعها الذي هي به منه.
فكان قوله لواثلة: أنت من أهلي، على معنى: لاتّباعك إيّاي وإيمانكّ بي، فدخلت بذلك في جملتي.
وقد وجدنا الله تعالى قد ذكر في كتابه ما يدلّ على هذا المعنى بقوله
( وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي ) (١) فأجابه في ذلك بأنْ قال:( إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ) (٢) إنّه يدخل في أهله من يوافقه على دينه وإنْ لم يكن من ذوي نسبه.
فمثل ذلك أيضاً ما كان من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم جواباً لأُمّ سلمة: « أنتِ من أهلي » يحتمل أن يكون على هذا المعنى أيضاً، وأن يكون قوله ذلك كقوله مثله لواثلة.
وحديث سعدٍ وما ذكرناه معه من الأحاديث في أوّل الباب معقول بها مَن أهل الآية المتلوّة فيها، لأنّا قد أحطنا علماً أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لمـّا دعا مِن أهله عند نزولها لم يبق مِن أهلها المرادين فيها أحد سواهم، وإذا كان ذلك كذلك استحال أن يدخل معهم فيما أُريد به سواهم، وفيما ذكرنا من ذلك بيان ما وصفنا.
فإنْ قال قائل: فإنّ كتاب الله تعالى يدلّ على أنّ أزواج النبيّ هم المقصودون بتلك الآية، لأنّه قال قبلها في السورة التي هي فيها:( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ ) (٣) فكان ذلك كلّه يؤذن به، لأنّه على خطاب النساء لا على خطاب الرجال، ثمّ قال:( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ ) الآية.
فكان جوابنا له: إنّ الذي تلاه إلى آخر ما قبل قوله:( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ ) الآية خطاب لأزواجه، ثمّ أعقب ذلك بخطابه لأهله بقوله تعالى:( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ ) الآية، فجاء به على خطاب الرجال، لأنّه قال فيه:( لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ ) وهكذا خطاب الرجال، وما قبله فجاء به
____________________
(١). سورة هود ١١: ٤٥.
(٢). سورة هود ١١: ٤٦.
(٣). سورة الأحزاب: ٣٣: ٢٨.
بالنون وكذلك خطاب النساء.
فعقلنا أنّ قوله:( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ ) الآية، خطاب لمن أراده من الرجال بذلك، ليعلمهم تشريفه لهم ورفعه لمقدارهم، أن جعل نساءهم ممّن قد وصفه لِما وصفه به ممّا في الآيات المتلوّة قبل الذي خاطبهم به تعالى.
وممّا دلّ على ذلك أيضاً ما حدّثنا عن أنس: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان إذا خرج إلى صلاة الفجر يقول: الصلاة يا أهل البيت( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ ) الآية.
في هذا أيضاً دليل على أنّ هذه الآية فيهم. وبالله التوفيق »(١) .
ابن الجوزي(٢) والذهبي(٣) فإنّهما تبعا عكرمة البربري الخارجي، ومقاتل بن سليمان، على ما هو مقتضى تعصّبهما وعنادهما لأهل البيتعليهمالسلام !
ابن كثير فإنّه بعد أن ذكر فرية عكرمة قال: « فإنْ كان المراد أنّهن كنّ سبب النزول دون غيرهنّ، فصحيح، وإنْ أُريد أنّهنّ المراد فقط دون غيرهنّ، ففي هذا نظر. فإنّه قد وردت أحاديث تدلّ على أنّ المراد أعمّ من ذلك ».
ثمّ أورد عدّةً كثيرة من تلك الأحاديث التي هي نصٌّ في اختصاص الآية
____________________
(١). مشكل الآثار ١ / ٣٣٢ - ٣٣٩.
(٢). وهذا ظاهر كلامه في زاد المسير ٦ / ٣٨١، حيث ذكر هذا القول أوّلاً وجعل يدافع عنه!
(٣). سير أعلام النبلاء ٢ / ٢٠٧.
بالرسول والوصيّ والحسنين والصدّيقة الطاهرة عليهم الصلاة والسلام، وأنّ قول عكرمة مخالف للكتاب والسنّة
غير أنّ تعصّبه لم يسمح له بالإذعان لذلك، حتّى قال بدخول الزوجات في المراد بالآية! متشبّثاً بالسياق، فقال: « ثمّ الذي لا يشكّ فيه من تدبّر القرآن أنّ نساء النبيّ صلّى الله عليه وسلّم داخلات في قوله تعالى:( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) فإنّ سياق الكلام معهنّ »(١) .
والعجب أنّ ابن تيميّة لا يقول بهذا ولا بذاك! بل يذعن بصحّة الحديث كما استدلّ العلّامة الحلّي -رحمهالله -، قال العلّامة:
« ونحن نذكر هنا شيئاً يسيراً ممّا هو صحيح عندهم، ونقلوه في المعتمد من قولهم وكتبهم، ليكون حجّةً عليهم يوم القيامة، فمن ذلك:
ما رواه أبو الحسن الأندلسي(٢) في « الجمع بين الصحاح الستّة »: موطّأ مالك، وصحيحي البخاري ومسلم، وسنن أبي داود، وصحيح الترمذي، وصحيح النسائي: عن أُم سلمة - زوج النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم - أنّ قوله تعالى:( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) أُنزل في بيتها: وأنا جالسة عند الباب، فقلت: يا رسول الله، ألست من أهل
____________________
(١). تفسير القرآن العظيم ٣ / ٤١٥.
(٢). وهو: رزين بن معاوية العبدري، صاحب « تجريد الصحاح » المتوفّى سنة ٥٣٥ كما في سير أعلام النبلاء ٢ / ٢٠٤ حيث ترجم له ووصفه بـ: الإمام المحدّث الشهير، وحكى عن ابن عساكر: « كان إمام المالكيّين بالحرم ». وترجم له أيضاً في: تذكرة الحفاظ ٤ / ١٢٨١، والعقد الثمين في تاريخ البلد الأمين ٤ / ٣٩٨، والنجوم الزاهرة ٥ / ١٦٧، ومرآة الجنان ٣ / ٢٦٣، وغيرها.
البيت؟ فقال: إنّكِ على خير، إنّكِ من أزواج النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
قالت: وفي البيت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعليٌّ وفاطمة والحسن والحسين، فجلّلهم بكساء وقال: اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي فأذهِب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ».
فقال ابن تيميّة:
« فصل: وأمّا حديث الكساء فهو صحيح، رواه أحمد والترمذي من حديث أُمّ سلمة، ورواه مسلم في صحيحه من حديث عائشة، قال: خرج النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ذات غداة وعليه مرط مرجّل من شعر أسود، فجاء الحسن ابن عليّ فأدخله، ثمّ جاء الحسين، فأدخله معه، ثمّ جاءت فاطمة فأدخلها، ثمّ جاء عليٌّ فأدخله، ثمّ قال:( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) .
وهذا الحديث قد شركه فيه فاطمة وحسن وحسين - رضي الله عنهم - فليس هو من خصائصه، ومعلوم أنّ المرأة لا تصلح للإمامة، فعُلم أنّ هذه الفضيلة لا تختصّ بالأئمّة، بل يشركهم فيها غيرهم.
ثمّ إنّ مضمون هذا الحديث أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم دعا لهم بأنْ يُذهب عنهم الرجس ويطهّرهم تطهيراً.
وغاية ذلك أنْ يكون دعا لهم بأنْ يكونوا من المتّقين الّذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم! واجتناب الرجس واجب على المؤمنين، والطهارة مأمور بها كلّ مؤمن.
قال الله تعالى:( ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ ) (١) وقال:( خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُكمْ
____________________
(١). سورة المائدة ٥: ٦.
وَتُزَكِّيهِمْ بِها ) (١) وقال تعالى:( إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) (٢) .
فغاية هذا أنْ يكون هذا دعاءً لهم بفعل المأمور وترك المحظور، والصدّيق -رضياللهعنه - قد أخبر الله عنه بأنّه( الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى * وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى * إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى * وَلَسَوْفَ يَرْضى ) (٣) .
وأيضاً: فإنّ السابقين الأوّلين من المهاجرين والأنصار والّذين اتّبعوهم بإحسان( رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (٤) لا بدّ أنْ يكونوا قد فعلوا المأمور وتركوا المحظور، فإنّ هذا الرضوان وهذا الجزاء إنّما يُنال بذلك، وحينئذٍ فيكون ذهاب الرجس عنهم وتطهيرهم من الذنوب بعض صفاتهم.
فما دعا به النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لأهل الكساء هو بعض ما وصف به السابقين الأوّلين.
والنبيّ دعا لأقوام كثيرين بالجنّة والمغفرة وغير ذلك، ممّا هو أعظم من الدعاء بذلك، ولم يلزم أن يكون مَن دعا له بذلك أفضل من السابقين الأوّلين، ولكنّ أهل الكساء لمـّا كان قد أوجب عليهم اجتناب الرجس وفِعل التطهير، دعا لهم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بأنْ يعينهم على فعل ما أمرهم به، لئلّا يكونوا مستحقّين للذمّ والعقاب، ولينالوا المدح والثواب »(٥) .
____________________
(١). سورة المائدة ٩: ١٠٣.
(٢). سورة البقرة ٢: ٢٢٢.
(٣). سورة الليل ٩٢: ١٧ - ٢١.
(٤). سورة التوبة ٩: ١٠٠.
(٥). منهاج السنّة ٥ / ١٣ - ١٥.
هذا نصّ كلام ابن تيميّة، وأنت ترى فيه:
١ - الإعتراف بصحّة الحديث الدالّ على نزول الآية المباركة في أهل الكساء دون غيرهم.
٢ - الإعتراف بعدم شمول الفضيلة لغير عليٍّ وفاطمة والحسن والحسينعليهمالسلام .
فأين قول عكرمة؟! وأين السياق؟! وأين ما ذهب إليه ابن كثير؟!
وتبقى كلمات ابن تيميّة، فإنّه بعد أن أعرض عن قول عكرمة، وعن قول من قال بالجمع، واعترف بالاختصاص بالعترة، أجاب عن الإستدلال بالآية المباركة بوجوهٍ واضحة البطلان:
* فأوّل شيء قاله هو: « هذا الحديث قد شركه فيه فاطمة ».
وفيه: إنّ العلّامة الحلّي لم يدّع كون الحديث من خصائص عليعليهالسلام ، بل الآية المباركة والحديث يدلّان على عصمة « أهل البيت » وهم:
النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وعليٌّ وفاطمة والحسن والحسين والمعصوم هو المتعيَّن للإمامة بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، غير أنّ المرأة لا تصلح للإمامة.
* ثمّ قال: « ثمّ إنّ مضمون هذا الحديث أنّ النبيّ دعا لهم بأنْ يكونوا من المتّقين الّذين أذهب الله عنهم الرجس فغاية هذا أن يكون هذا دعاء لهم بفعل المأمور وترك المحظور ».
وهذا من قلّة فهمه أو شدّة تعصّبه:
أمّا أوّلاً: فلأنّه ينافي صريح الآية المباركة، لأنّ « إنّما » دالّة على
الحصر، وكلامه دالٌّ على عدم الحصر، فما ذكره ردٌّ على الله والرسول.
أمّا ثانياً: فلأنّ في كثيرٍ من « الصحاح » أنّ الآية نزلت، فدعا رسول الله عليّاً وفاطمة وحسناً حسيناً فجلّلهم بكساء وقال: اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي فالله عزّ وجلّ يقول:( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ) والنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم يُعيّن « أهل البيت » وأنّهم هؤلاء دون غيرهم.
وأمّا ثالثاً: فلأنّه لو كان المراد هو مجرّد الدعاء لهم بأنْ يكونوا « من المتقين » و « الطهارة مأمور بها كلّ مؤمن » « فغاية هذا أن يكون دعاءً لهم بفعل المأمور وترك المحظور » فلا فضيلة في الحديث، وهذا يناقض قوله من قبل « فعُلم أنّ هذه الفضيلة »!!
وأمّا رابعاً: فلأنّه لو كان « غاية ذلك أن يكون دعاءً لهم بفعل المأمور وترك المحظور » فلماذا لم يأذن لأُمّ سلمة بالدخول معهم؟!
أكانت « من المتّقين الّذين أذهب الله عنهم الرجس » فلا حاجة لها إلى الدعاء؟! أو لم يكن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم يريد منها أن تكون « من المتّقين »؟!
وأمّا خامساً: فلو سلّمنا أنّ « غاية هذا أنْ يكون دعاءً لهم » لكنْ إذا كان الله سبحانه « يريد » والرسول « يدعو » - ودعاؤه مستجاب قطعاً - كان « أهل البيت » متّصفين بالفعل بما دلّت عليه الآية والحديث.
* فقال: « والصدّيق قد أخبر الله عنه ».
وحاصله: إنّ غاية ما كان في حقّ « أهل البيت » هو « الدعاء » وليس في الآية ولا الحديث إشارة إلى « استجابة » هذا الدعاء فقد يكون وقد لا يكون، وأمّا ما كان في حقّ « أبي بكر » فهو « الإخبار » فهو كائن، فهو أفضل من « أهل البيت »!!
وفيه:
أوّلاً: في « أهل البيت » في الآية شخص النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولا ريب في أفضليّته المطلقة.
وثانياً: في « أهل البيت » في الآية فاطمة الزهراء، وقد اعترف غير واحدٍ من أعلام القوم بأفضليّتها من أبي بكر:
فقد ذكر العلّامة المناوي بشرح الحديث المتّفق عليه بين المسلمين:
« فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها أغضبني »: « استدلّ به السهيلي(١) على أنّ من سبّها كفر، لأنّه يغضبه، وأنّها أفضل من الشيخين ».
وقال: « قال الشريف السمهودي: ومعلوم أنّ أولادها بضعة منها، فيكونون بواسطتها بضعة منه، ومن ثَمَّ لمـّا رأت أُمّ الفضل في النوم أنّ بضعةً منه وضعت في حجرها، أوّلَها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بأنْ تلد فاطمة غلاماً فيوضع في حجرها، فولدت الحسن فوضع في حجرها. فكلّ من يشاهَد الآن من ذرّيّتها بضعة من تلك البضعة وإنْ تعدّدت الوسائط، ومن تأمّل ذلك انبعث من قلبه داعي الإجلال لهم وتجنّب بغضهم على أيّ حالٍ كانوا عليه.
قال ابن حجر: وفيه تحريم أذى من يتأذّى المصطفىصلىاللهعليهوآلهوسلم بتأذّيه، فكلّ من وقع منه في حقّ فاطمة شيء فتأذّت به فالنبيّ صلى عليه وآله وسلّم يتأذّى، بشهادة هذا الخبر، ولا شئ أعظم من إدخال الأذى عليها من قِبل وُلْدها، ولهذا عرف بالإستقراء معاجلة من تعاطى ذلك بالعقوبة
____________________
(١). عبدالرحمن بن عبدالله، العلّامة الأندلسي، الحافظ العلم، صاحب التصانيف، برع في العربية واللغات والأخبار والأثر، وتصدّر للإفادة، من أشهر مؤلّفاته: الروض الأنف - شرح « السيرة النبوية » لابن هشام - توفي سنة ٥٨١، له ترجمة في: مرآة الجنان ٣ / ٤٢٢، النجوم الزاهرة ٦ / ١٠١، العبر ٣ / ٨٢، الكامل في التاريخ ٩ / ١٧٢.
في الدنيا( وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ ) (١) »(٢) .
وثالثاً: في « أهل البيت » في الآية: الحسن والحسين، وإنّ نفس الدليل الذي أقامه الحافظ السهيلي وغيره على تفضيل الزهراء دليلٌ على أفضليّة الحسنين، بالإضافة إلى الأدلّة الأُخرى، ومنها « آية التطهير » و « حديث الثقلين » الدالَّين على « العصمة »، ولا ريب في أفضليّة المعصوم من غيره.
ورابعاً: في « أهل البيت » في الآية: أمير المؤمنينعليهالسلام ، وهي - مع أدلةٍ غيرها لا تحصى - تدلّ على أفضليّته على جميع الخلائق بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وخامساً: كون المراد من الآية:( الْأَتْقَى ) « أبو بكر » هو قول انفرد القوم به، فلا يجوز أن يعارض به القول المتّفق عليه.
وسادساً: كون المراد بها « أبو بكر » أوّل الكلام، وإنْ شئت فراجع تفاسيرهم، كالدر المنثور وغيره.
* قال: « وأيضاً: فإنّ السابقين الأوّلين من المهاجرين والأنصار فما دعا به النبيّ ».
وحاصله: أفضليّة « السابقين الأوّلين » من « أهل البيت » المذكورين.
ويرد عليه: ما ورد على كلامه السابق، فإنّ هذا فرع أن يكون الواقع من النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم هو صِرف « الدعاء » وقد عرفتَ أنّ الآية تدلّ على أنّ الإرادة الإلهيّة تعلّقت بإذهاب الرجس عن أهل البيت وتطهيرهم تطهيراً، فهي دالّة على عصمة « أهل البيت » وقد قال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وأعلن للأُمّة الإسلامية أنّهم: هو وعليٌّ وفاطمة والحسن والحسين.
____________________
(١). سورة طه ٢٠: ١٢٧.
(٢). فيض القدير - شرح الجامع الصغير ٤ / ٤٢١.
ثمّ إنّ الآية:( وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ ) (١) المراد فيها أمير المؤمنينعليهالسلام ، ويشهد بذلك تفسير قوله تعالى:( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ) (٢) بعليّعليهالسلام كما سيأتي بالتفصيل إن شاء الله.
وأمّا أبو بكر فلم يكن من السابقين الأوّلين:
قال أبو جعفر الطبري: « وقال آخرون: أسلم قبل أبي بكر جماعة. ذكر من قال ذلك: حدّثنا ابن حميد، قال: حدّثنا كنانة بن جبلة، عن إبراهيم بن طهمان، عن الحجّاج بن الحجّاج، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن محمّد ابن سعد، قال: قلت لأبي:
أكان أبو بكر أوّلكم إسلاماً؟
فقال: لا، ولقد أسلم قبله أكثر من خمسين، ولكنْ كان أفضلنا إسلاماً »(٣) .
ثمّ إنّ ابن تيميّة تعرض لآية التطهير في موضعٍ آخر، ولكنّه هذه المرّة لم ينصّ على صحّة الحديث! ولم يعترف بمفاده! بل ادّعى كون الأزواج من أهل البيت! وهو القول الثالث الذي نسبه ابن الجوزي إلى الضحّاك بن مزاحم، وهذه عبارته:
« وأمّا آية الطهارة فليس فيها إخبار بطهارة أهل البيت وذهاب الرجس عنهم، وإنّما فيها الأمر لهم بما يوجب طهارتهم وذهاب الرجس عنهم، فإنّ
____________________
(١). سورة التوبة ٩: ١٠٠.
(٢). سورة الواقعة ٥٦: ١٠ و ١١.
(٣). تاريخ الطبري ٢ / ٣١٦ تحقيق: محمّد أبو الفضل إبراهيم.
قوله:( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) وقوله تعالى:( ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ) وقوله:( يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً * يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً ) .
فالإرادة هنا متضمّنة للأمر والمحبّة والرضا، وليست هي المشيئة المستلزمة لوقوع المراد، فإنّه لو كان كذلك لكان قد طهّر كلّ مَن أراد طهارته. وهذا على قول هؤلاء القدرية الشيعة أوجه، فإنّ عندهم أنّ الله يريد ما لا يكون! ويكون ما لا يريد!
فقوله:( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) إذا كان هذا بفعل المأمور وترك المحظور كان ذلك متعلّقاً بإرادتهم وأفعالهم، فإنْ فعلوا ما أُمروا به طُهّروا وإلّا فلا.
وهم يقولون: إنّ الله لا يخلق أفعالهم ولا يقدر على تطهيرهم وإذهاب الرجس عنهم، وأمّا المثبتون للقدر فيقولون: إنّ الله قادر على ذلك، فإذا ألهمهم فعل ما أمر وترك ما حظر حصلت الطهارة وذهاب الرجس.
وممّا يُبيّن أنّ هذا ممّا أُمروا به لا ممّا أخبروا بوقوعه: ما ثبت في الصحيح أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أدار الكساء على عليّ وفاطمة وحسن وحسين ثمّ قال: اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً. وهذا الحديث رواه مسلم في صحيحه عن عائشة، ورواه أهل السنن عن أُمّ سلمة.
وهو يدلّ على ضدّ قول الرافضة من وجهين:
أحدهما: أنّه دعا لهم بذلك. هذا دليل على أنّ الآية لم تخبر بوقوع ذلك، فإنّه لو كان قد وقع لكان يثني على الله بوقوعه ويشكره على ذلك، ولا يقتصر على مجرّد الدعاء به.
الثاني: إنّ هذا يدلّ على أنّ الله قادر على إذهاب الرجس عنهم وتطهيرهم، وذلك يدلّ على أنّه خالق أفعال العباد.
وممّا يُبيّن أنّ الآية متضمّنة للأمر والنهي قوله في سياق الكلام:( يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً ) .
وهذا السياق يدلّ على أنّ ذلك أمر ونهي.
ويدلّ على أنّ أزواج النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من أهل بيته، فإن السّياق إنّما هو في مخاطبتهنّ.
ويدلّ على أنّ قوله( لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ) عمّ غير أزواجه، كعليّ وفاطمة وحسن وحسين رضي الله عنهم، لأنّه ذكره بصيغة التذكير لمـّا اجتمع المذكَّر والمؤنّث، وهؤلاء خُصّوا بكونهم من أهل البيت من أزواجه، فلهذا خصّهم بالدعاء لمـّا أدخلهم في الكساء، كما أنّ مسجد قباء أُسّس على التقوى، ومسجده صلّى الله عليه وسلّم أيضاً أُسّس على التقوى وهو أكمل في ذلك. فلمـّا نزل قوله تعالى:( لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ ) (١) بسبب مسجد قباء تناول اللفظ لمسجد قباء ولمسجده بطريق الأولى.
وقد تنازع العلماء: هل أزواجه من آله؟ على قولين، هما روايتان عن
____________________
(١). سورة التوبة ٩: ١٠٨.
أحمد، أصحّهما أنّهنّ من آله وأهل بيته، كما دلّ على ذلك ما في الصحيحين من قوله: اللّهمّ صلّي على محمّد وعلى أزواجه وذرّيّته. وهذا مبسوط في موضع آخر »(٢) .
أقول:
لقد حاول ابن تيميّة التهرّب من الإلتزام بمفاد الآية المباركة والسنّة النبويّة الثابتة الصحيحة الواردة بشأنها - كما اعترف هو أيضاً - بشبهات واهيةٍ وكلماتٍ متهافتة، ومن راجع كتب الأصحاب في بيان الإستدلال بالآية المباركة - على ضوء السنّة المتّفق عليها - عرف موارد النظر ومواضع التعصّب في كلامه
وقد ذكرنا نحن أيضاً طائفةً من الأحاديث، المشتملة على وقوع إذهاب الرجس عن أهل البيت وتطهيرهم عنه من الله سبحانه، بإرادته التكوينيّة غير المنافية لمذهب أهل البيت في مسألة الجبر والإختيار.
فالنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قد عيّن المراد من « أهل البيت »عليهمالسلام في الآية المباركة بعد نزولها، ودعا لهم أيضاً، ولا ريب في أنّ دعاءه مستجاب.
كما علمنا من الخصوصيات الموجودة في نفس الآية، ومن الأحاديث الصحيحة الواردة في معناها، أنّ الآية خاصة بأهل البيت - وهذا ما اعترف به جماعة من أئمّة الحديث كالطحاوي وابن حبّان تبعاً لأزواج النبيّ وأعلام الصحابة - وأنّها نازلة في قضيةٍ خاصة، غير أنّها وُضعت ضمن آيات نساء النبيّ، وكم له من نظير، حيث وُضعت الآية المكيّة ضمن آياتٍ مدنيّةٍ أو المدنية
____________________
(١). منهاج السنّة ٤ / ٢١ - ٢٤.
ضمن آيات مكّيّة.
وقد دلّت الآية المباركة والأحاديث المذكورة وغيرها على أنّ عنوان « أهل البيت » - أي: أهل بيت النبيّ - لا يعمّ أزواجه، بل لا يعمّ أحداً من عشيرته وأُسرته إلّا بقرينةٍ.
هذا، وفي صحيح مسلم في ذيل حديث الثقلين عن زيد بن أرقم، أنّه سئل: هل نساؤه من أهل بيته؟ قال: « لا وأيم الله، إنّ المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثمّ يطلّقها فترجع إلى أبيها وقومها ».
وهذا هو الذي دلّت عليه الأحاديث.
وأمّا ما رووه عنه من أنّ: « أهل بيته من حرم الصدقة من بعده » فيردّ تطبيقه على ما نحن فيه الأحاديث المتواترة المذكور بعضها، ومن الواضح عدم جواز رفع اليد عن مفادها بقول زيد هذا.
هذا، وما ذكرناه في إبطال القولين الآخرين، وردّ افتراءات ابن تيميّة، يكفينا عن النظر في كلام عبدالعزيز الدهلوي حول هذه الآية، والتعرّض لنقده بالتفصيل، إذ ليس عنده شئ زائد على ما تقدّم، فإنّه قد ذكر أوّلاً قول عكرمة وأيّده بالسياق، ثمّ قال: « ولكن ذهب محققوا أهل السنة إلى أنّ هذه الآية وإن كانت واقعة في حق الأزواج المطهرات، فإنّه بحكم أن العبرة بعموم اللفظ لا لخصوص السبب، داخل في بشارتها هذه جميع أهل البيت، وإنما يدل التخصيص بالكساء على كون هؤلاء المذكورين مخصّصين إذا لم يكن لهذا التخصيص فائدة اخرى ظاهرة، وهي ههنا دفع مظنة عدم كون هؤلاء الأشخاص في أهل البيت، نظراً إلى أن المخاطبات فيها هن الأزواج فقط».
ثمّ ناقش في دلالة الآية على العصمة، حاملاً « الإرادة » على التشريعيّة
قال: « لأن وقوع مراد الله غير لازم لإرادته عند الشيعة » ومن هنا نقض بأنّه « لو كانت هذه الكلمة مفيدة للعصمة فينبغي أن يكون الصحابة لا سيّما الحاضرين في غزوة بدرٍ قاطبةً معصومين، لأنّ الله تعالى قال في حقّهم في مواضع من التنزيل( وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) وقال:( لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْس الشَّيْطانِ ) وظاهر أن إتمام النعمة في الصحابة كرامة زائدة بالنسبة إلى ذينك اللفظين ووقوع هذا الإتمام أدل على عصمتهم ».
ثمّ قال: « سلّمنا، ولكن ثبت من هذا الدليل صحّة إمامة الأمير، أما كونه إماماً بلا فصل فمن أين؟ »(١) .
أقول:
كانت هذه خلاصة المهم من كلامه، فهو يعتمد أولاً على كلام عكرمة، ثمّ يتنازل فيجعل الآية عامة لأهل البيت وللأزواج وهو القول الآخر، وقد عرفت بطلان كلا القولين.
وقد عرفت أن « الإرادة » في الآية تكوينية وليست بتشريعيّة.
ونقضه بعصمة أهل بدر، مردود بأن « الإرادة » في الآيتين المذكورتين تشريعيّة، فالقياس مع الفارق، على أنّ أحداً لا يقول بعصمة أحدٍ من أهل بدرٍ ولا غيرهم من الصحابة، فقوله هذا خرق للإجماع القطعي، بخلاف « أهل البيت » ففيهم الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو معصوم بالإجماع، وسائر أهل البيت معصومون بالآية وبحديث الثقلين وغيرهما من الأدلّة.
وما ذكره أخيراً من حمل الآية على إمامة الإمام بعد عثمان، فباطل من وجوه، منها أن هذا الحمل موقوف على صحة إمامة الثلاثة، وهو أوّل الكلام.
هذا تمام الكلام على آية التطهير، والحمد لله ربّ العالمين.
____________________
(١). التحفة الاثني عشرية: ٢٠٢ وانظر مختصر التحفة الاثني عشرية: ١٦٧ - ١٧٢.
آية المودّة
قوله تعالى
( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى )
وهذه آية المودّة.
استدلّ بها أصحابنا على إمامة أمير المؤمنين وأهل البيت الطاهرين بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بلا فصل.
وبيان ذلك في فصول:
الفصل الأول
في تعيين النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم
المراد من « القربى »
إنّه إذا كنّا تبعاً للكتاب والسنّة، ونريد - حقّاً - الأخذ - اعتقاداً وعملاً - بما جاء في كلام الله العزيز وما أتى به الرسول الكريم صلى عليه وآله وسلّم
كان الواجب علينا الرجوع إلى النبيّ نفسه وتحكيمه في كل ما شجر بيننا واختلفنا فيه، كما أمر سبحانه وتعالى بذلك حيث قال:( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) (١) .
لقد وقع الإختلاف في معنى قوله تعالى:( ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ قُلْ لا أَسْألُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) (٢) لكنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم سبق وأنْ بيّن المعنى وأوضح المراد من « القربى » في الأخبار المرويّة في كتب طرفَي الخلاف كليهما، فلماذا لا يُقبل قوله ويبقى الخلاف على حاله؟!
لقد عيّن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم المراد من « القربى » في الآية، فالمراد أقرباؤه، وهم عليٌّ والزهراء وولداهما فهؤلاء هم المراد من « القربى » هنا، كما كانوا المراد من « أهل البيت » في آية التطهير بتعيينٍ منه كذلك.
____________________
(١). سورة النساء ٤: ٦٥.
(٢). سورة الشورى ٤٢: ٢٣.
وقد روي ذلك عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عدّة كبيرة من الصحابة وأعلام التابعين، المرجوع إليهم في تفسير آيات الكتاب المبين، ومنهم:
١ - أمير المؤمنين عليعليهالسلام .
٢ - الإمام السبط الأكبر الحسن بن عليّعليهالسلام .
٣ - الإمام السبط الشهيد الحسين بن عليّعليهالسلام .
٤ - الإمام السجّاد علي بن الحسينعليهالسلام .
٥ - الإمام الباقر محمّد بن علي بن الحسينعليهالسلام .
٦ - الإمام الصادق جعفر بن محمّد بن علي بن الحسينعليهالسلام .
٧ - عبدالله بن العبّاس.
٨ - عبدالله بن مسعود.
٩ - جابر بن عبدالله الأنصاري.
١٠ - أبو أُمامة الباهلي.
١١ - أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي.
١٢ - سعيد بن جبير.
١٣ - مجاهد بن جبر.
١٤ - مقسم بن بجرة.
١٥ - زاذان الكندي.
١٦ - السدّي.
١٧ - فضّال بن جبير.
١٨ - عمرو بن شعيب.
١٩ - ابن المبارك.
٢٠ - زرّ بن حبيش.
٢١ - أبو إسحاق السبيعي.
٢٢ - زيد بن وهب.
٢٣ - عبدالله بن نجّي.
٢٤ - عاصم بن ضمرة.
وقد روى نزول الآية المباركة في أهل البيتعليهمالسلام - هذا الذي أرسله إرسال المسلَّم إمام الشافعية في شعره المعروف المشهور، المذكور في الكتب المعتمدة، كالصواعق المحرقة - مشاهير الأئمّة في التفسير والحديث وغيرهما في مختلف القرون، ونحن نذكر أسماء عدّةٍ منهم:
١ - سعيد بن منصور، المتوفّى سنة ٢٢٧.
٢ - أحمد بن حنبل، المتوفّى سنة ٢٤١.
٣ - عبد بن حميد، المتوفّى سنة ٢٤٩.
٤ - محمّد بن إسماعيل البخاري، المتوفّى سنة ٢٥٦.
٥ - مسلم بن الحجّاج النيسابوري، المتوفّى سنة ٢٦١.
٦ - أحمد بن يحيى البلاذري، المتوفّى سنة ٢٧٦.
٧ - محمّد بن عيسى الترمذي، المتوفّى سنة ٢٧٩.
٨ - أبوبكر البزّار، المتوفّى سنة ٢٩٢.
٩ - محمّد بن سليمان الحضرمي، المتوفّى سنة ٢٩٧.
١٠ - محمّد بن جرير الطبري، المتوفّى سنة ٣١٠.
١١ - أبو بشر الدولابي، المتوفّى سنة ٣١٠.
١٢ - أبو بكر ابن المنذر النيسابوري، المتوفّى سنة ٣١٨.
١٣ - عبدالرحمن بن أبي حاتم الرازي، المتوفّى سنة ٣٢٧.
١٤ - الهيثم بن كليب الشاشي، المتوفّى سنة ٣٣٥.
١٥ - أبو القاسم الطبراني، المتوفّى سنة ٣٦٠.
١٦ - أبو الشيخ ابن حبّان، المتوفّى سنة ٣٦٩.
١٧ - محمّد بن إسحاق ابن مندة، المتوفّى سنة ٣٩٥.
١٨ - أبو عبدالله الحاكم النيسابوري، المتوفّى سنة ٤٠٥.
١٩ - أبو بكر ابن مردويه الأصفهاني، المتوفّى سنة ٤١٠.
٢٠ - أبو إسحاق الثعلبي، المتوفّى سنة ٤٢٧.
٢١ - أبو نعيم الأصفهاني، المتوفّى سنة ٤٣٠.
٢٢ - علي بن أحمد الواحدي، المتوفّى سنة ٤٦٨.
٢٣ - محيي السنّة البغوي، المتوفّى سنة ٥١٦.
٢٤ - جار الله الزمخشري، المتوفّى سنة ٥٣٨.
٢٥ - الملّا عمر بن محمّد بن خضر، المتوفّى سنة ٥٧٠.
٢٦ - أبو القاسم ابن عساكر الدمشقي، المتوفّى سنة ٥٧١.
٢٧ - أبو السعادات ابن الأثير الجزري، المتوفّى سنة ٦٠٦.
٢٨ - الفخر الرازي، المتوفّى سنة ٦٠٦.
٢٩ - عزّ الدين ابن الأثير، المتوفّى سنة ٦٣٠.
٣٠ - محمّد بن طلحة الشافعي، المتوفّى سنة ٦٥٢.
٣١ - أبو عبدالله الأنصاري القرطبي، المتوفّى سنة ٦٥٦.
٣٢ - أبو عبدالله الكنجي الشافعي، المتوفّى سنة ٦٥٨.
٣٣ - القاضي البيضاوي، المتوفّى سنة ٦٨٥.
٣٤ - محبّ الدين الطبري الشافعي، المتوفّى سنة ٦٩٤.
٣٥ - الخطيب الشربيني، المتوفّى سنة ٦٩٨.
٣٦ - أبو البركات النسفي، المتوفّى سنة ٧١٠.
٣٧ - أبو القاسم الجزّي، المتوفّى سنة ٧٤١.
٣٨ - علاء الدين الخازن، المتوفّى سنة ٧٤١.
٣٩ - أبو حيّان الأندلسي، المتوفّى سنة ٧٤٥.
٤٠ - ابن كثير الدمشقي، المتوفّى سنة ٧٧٤.
٤١ - أبو بكر نور الدين الهيثمي، المتوفّى سنة ٨٠٧.
٤٢ - إبن حجر العسقلاني، المتوفّى سنة ٨٥٢.
٤٣ - نور الدين ابن الصبّاغ المالكي، المتوفّى سنة ٨٥٥.
٤٤ - شمس الدين السخاوي، المتوفّى سنة ٩٠٢.
٤٥ - نور الدين السمهودي، المتوفّى سنة ٩١١.
٤٦ - جلال الدين السيوطي، المتوفّى سنة ٩١١.
٤٧ - شهاب الدين القسطلاني، المتوفّى سنة ٩٢٣.
٤٨ - أبو السعود العمادي، المتوفّى سنة ٩٥١.
٤٩ - إبن حجر الهيتمي المكّي، المتوفّى سنة ٩٧٣.
٥٠ - الزرقاني المالكي، المتوفّى سنة ١١٢٢.
٥١ - عبدالله الشبراوي، المتوفّى سنة ١١٦٢.
٥٢ - محمّد الصبّان المصري، المتوفّى سنة ١٢٠٦.
٥٣ - قاضي القضاة الشوكاني، المتوفّى سنة ١٢٥٠.
٥٤ - شهاب الدين الآلوسي، المتوفّى سنة ١٢٧٠.
٥٥ - الصدّيق حسن خان، المتوفّى سنة ١٣٠٧.
٥٦ - محمّد مؤمن الشبلنجي، المتوفّى بعد سنة ١٣٠٨.
وهذه ألفاظ من هذا الحديث بأسانيدها، كما في الكتب المعتبرة من الصحاح والمسانيد والمعاجم وغيرها:
* أخرج البخاري قائلا: « قوله:( إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) .
« حدّثنا محمّد بن بشار، حدّثنا محمّد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن عبدالملك بن ميسرة، قال: سمعت طاووساً عن ابن عبّاس - رضي الله عنهما - أنّه سئل عن قوله( إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) فقال سعيد بن جبير: قربى آل محمّد صلّى الله عليه وسلّم. فقال ابن عبّاس: عجلت! إنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لم يكن بطن من قريش إلّا كان له فيهم قرابة. فقال: إلّا أنْ تصِلوا ما بيني وبينكم من القرابة »(١) .
* وأخرجه مسلم، كما نصّ عليه الحاكم والذهبي، وسيأتي.
* وأخرجه أحمد، ففي « المسند »: « حدّثنا عبدالله، حدّثني أبي، ثنا يحيى، عن شعبة، حدّثني عبدالملك بن ميسرة، عن طاووس، قال: أتى ابن عبّاس رجل فسأله، وسليمان بن داود، قال: أخبرنا شعبة، أنبأني عبدالملك، قال: سمعت طاووساً يقول: سأل رجل ابن عبّاس المعنى عن قوله عزّ وجلّ:( قُلْ لا أَسْألُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) فقال سعيد بن جبير: قرابة محمّد صلّى الله عليه وسلّم. قال ابن عبّاس: عجلت! إنّ رسول الله صلّى الله
____________________
(١). صحيح البخاري، كتاب التفسير، المجلّد الثالث: ٥٠٢.
عليه وسلّم لمن يكن بطن من قريش إلّا لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيهم قرابة فنزلت:( قُلْ لا أَسْألُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) إلّا أنْ تصِلوا قرابة ما بيني وبينكم »(١) .
* وفي ( المناقب ) ما هذا نصّه: « وفي ما كتب إلينا محمّد بن عبدالله بن سليمان الحضرمي، يذكر أنّ حرب بن الحسن الطحّان حدّثهم، قال: حدّثنا حسين الأشقر، عن قيس، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: لـمّا نزلت( قُلْ لا أَسْألُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) قالوا: يا رسول الله، مَن قرابتك هؤلاء الّذين وجبت علينا مودّتهم؟ قال: عليٌّ وفاطمة وابناهماعليهمالسلام »(٢) .
* وأخرج الترمذي فقال: « حدّثنا بندار، حدّثنا محمّد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن عبدالملك بن ميسرة، قال: سمع طاووساً قال: سئل ابن عبّاس عن هذه الآية( قُلْ لا أَسْألُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) فقال سعيد بن جبير: قربى آل محمّد صلّى الله عليه وسلّم. فقال ابن عبّاس: أعجلت؟! إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لم يكن بطن من قريش إلّا كان له فيهم قرابة فقال: إلّا أن تصِلوا ما بيني وبينكم من القرابة.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح »(٣) .
* وأخرج ابن جرير الطبري، قال:
[ ١] « حدّثني محمّد بن عمارة، قال: ثنا إسماعيل بن أبان، قال: ثنا الصباح بن يحيى المري، عن السدّي، عن أبي الديلم، قال: لـمّا جي بعليِّ بن
____________________
(١). مسند أحمد ١ / ٢٢٩.
(٢). مناقب عليّ: الحديث ٢٦٣، ورواه غير واحدٍ من الحفّاظ قائلين « أحمد في المناقب » كالمحبّ الطبري في ذخائر العقبى: ٢٥، والسخاوي في استجلاب ارتقاء الغرف: ٣٦.
(٣). صحيح الترمذي، كتاب التفسير، ٥ / ٣٥١.
الحسين - رضي الله عنهما - أسيراً فأُقيم على درج دمشق، قام رجل من أهل الشام فقال: الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم وقطع قرنَي الفتنة! فقال له عليّ ابن الحسين -رضياللهعنه -: أقرأت القرآن؟! قال: نعم، قال: أقرأت آل حم؟! قال: قرأت القرآن ولم أقرأ آل حم؟ قال: ما قرأت( قُلْ لا أَسْألُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) ؟! قال: وإنّكم لأنتم هم؟! قال: نعم »(١) .
[ ٢] حدّثنا أبو كريب، قال: ثنا مالك بن إسماعيل، قال: ثنا عبدالسلام، قال: ثنا يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عبّاس، قال: قالت الأنصار: فعلنا وفعلنا، فكأنّهم فخروا، فقال ابن عبّاس - أو العبّاس، شكّ عبدالسلام -: لنا الفضل عليكم.
فبلغ ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأتاهم في مجالسهم فقال: يا معشر الأنصار! ألم تكونوا أذلّة فأعزّكم الله بي؟!
قالوا: بلى يا رسول الله.
قال: ألم تكونوا ضلّالاً فهداكم الله بي؟!
قالوا: بلى يا رسول الله.
قال: أفلا تجيبوني؟!
قالوا: ما نقول يا رسول الله؟!
قال: ألا تقولون: ألم يخرجك قومك فآويناك؟! أولم يكذّبوك فصدّقناك؟! أو لم يخذلوك فنصرناك؟!
قال: فما زال يقول حتّى جثوا على الركب وقالوا: أموالنا وما في أيدينا
____________________
(١). وأرسله أبو حيّان إرسال المسلَّم، حيث ذكر القول الحقّ، قال: « وقال بهذا المعنى عليّ ابن الحسين بن علي بن أبي طالب، واستشهد بالآية حين سيق إلى الشام أسيراً » البحر المحيط ٧ / ٥١٦.
لله ولرسوله، قال: فنزلت( قُلْ لا أَسْألُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) .
[ ٣] حدّثني يعقوب، قال: ثنا مروان، عن يحيى بن كثير، عن أبي العالية، عن سعيد بن جبير، في قوله( قُلْ لا أَسْألُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) قال: هي قربى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
[ ٤] حدّثني محمّد بن عمارة الأسدي ومحمّد بن خلف، قالا: ثنا عبيد الله، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، قال: سألت عمرو بن شعيب عن قول عزّ وجلّ( قُلْ لا أَسْألُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) قال: قربى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم »(١) .
أقول:
ولا يخفى أنّ ابن جرير الطبري ذكر في معنى الآية أربعة أقوال، وقد جعل القول بنزولها في « أهل البيت » القول الثاني، فذكر هذه الأخبار.
وجعل القول الأوّل أنّ المراد قرابته مع قريش، فذكر رواية طاووس عن ابن عبّاس، التي أخرجها أحمد والشيخان، وقد تقدّمت، وفيها قول سعيد بن جبير بنزولها في « أهل البيت » خاصّةً.
وأمّا القولان الثالث والرابع فسنتعرّض لهما فيما بعد.
* وأخرج أبو سعيد الهيثم بن كليب الشاشي - صاحب المسند الكبير - في مسند عبدالله بن مسعود، في ما رواه عنه زرّ بن حبيش، قال:
« حدّثنا الحسن بن عليّ بن عفّان، حدّثنا محمّد بن خالد، عن يحيى بن ثعلبة الأنصاري، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر، عن عبدالله، قال:
كنّا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في مسير، فهتف به أعرابي بصوت
____________________
(١). تفسير الطبري ٢٥ / ١٦ - ١٧.
جهوري: يا محمّد! فقال صلّى الله عليه وسلّم: يا هناه! فقال: يا محمّد! ما تقول في رجل يحبّ القوم ولم يعمل بعلمهم؟ قال: المرء مع من أحبّ. قال: يامحمّد! إلى من تدعو؟ قال: إلى شهادة أن لا إله إلّا الله، وأنآي رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحجّ البيت. قال: فهل تطلب على هذا أجراً؟ قال: لا إلّا المودّة في القربى.قال: أقرباي يا محمّد أُم أقرباك؟ قال: بل أقرباي. قال: هات يدك حتّى أبايعك، فلا خير في من يودّك ولا يودّ قرباك »(١) .
* وأخرج الطبراني: « حدّثنا محمّد بن عبدالله، ثنا حرب بن الحسن الطحّان، ثنا حسين الأشقر، عن قيس بن الربيع، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس رضي الله عنهما، قال: لـمّا نزلت( قُلْ لا أَسْألُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) قالوا: يا رسول الله، ومن قرابتك هؤلاء الّذين وجبت علينا مودّتهم؟ قال: عليٌّ وفاطمة وابناهما »(٢) .
وأخرج أيضاً: « حدّثنا محمّد بن عبدالله الحضرمي، ثنا محمّد بن مرزوق، ثنا حسين الأشقر، ثنا نصير بن زياد، عن عثمان أبي اليقظان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: قالت الأنصار فيما بينهم: لو جمعنا لرسول الله صلى عليه وسلّم مالاً فنبسط يده لا يحول بينه وبينه أحد، فأتوا رسول الله فقالوا: يا رسول الله! إنّا أردنا أن نجمع لك من أموالنا. فأنزل الله عز وجل( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) فخرجوا مختلفين، فقال بعضهم: ألم تروا إلى ما قال رسول الله؟! وقال بعضهم: إنّما قال
____________________
(١). مسند الصحابة ٢ / ١٢٧ ح ٦٦٤.
(٢). المعجم الكبير ٣ / ٤٧ رقم ٢٦٤١، و ١١ / ٣٥١ رقم ١٢٢٥٩.
هذا لنقاتل عن أهل بيته وننصرهم »(١) .
* وأخرج الحاكم قائلاً: « حدّثنا أبو محمّد الحسن بن محمّد بن يحيى ابن أخي طاهر العقيقي الحسني، ثنا إسماعيل بن محمّد بن إسحاق بن جعفر ابن محمّد بن علي بن الحسين، حدّثني عمّي علي بن جعفر بن محمّد، حدّثني الحسين بن زيد، عن عمر بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، قال:
خطب الحسن بن عليّ الناس حين قُتل عليٌّ، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال:
لقد قُبض في هذه الليلة رجل لا يسبقه الأوّلون بعمل ولا يدركه الآخِرون، وقد كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يعطيه رايته فيقاتل وجبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، فما يرجع حتّى يفتح الله عليه، وما ترك على أهل الأرض صفراء ولا بيضاء، إلّا سبع مائة درهم فضلت من عطاياه أراد أن يبتاع بها خادماً لأهله ثمّ قال:
أيّها الناس! من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي، وأنا ابن النبيّ، وأنا ابن الوصيّ، وأنا ابن البشير، وأنا ابن النذير، وأنا ابن الداعي إلى الله بإذنه، وأنا ابن السراج المنير، وأنا من أهل البيت الذي كان جبريل ينزل إلينا ويصعد من عندنا، وأنا من أهل البيت الذي أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، وأنا من أهل البيت الذي افترض الله مودّتهم على كلّ مسلم فقال تبارك وتعالى لنبيّه صلّى الله عليه وسلّم:( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً ) فاقتراف الحسنة مودّتنا أهل البيت »(٢) .
____________________
(١). المعجم الكبير ١٢ / ٢٦ رقم ١٢٣٨٤.
(٢). المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٧٢.
وقال الحاكم بتفسير الآية من كتاب التفسير: « إنّما اتّفقا في تفسير هذه الآية على حديث عبدالملك بن ميسرة الزرّاد عن طاووس عن ابن عبّاس - رضي الله عنهما - أنّه في قربى آل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم »(١) .
* وأخرج أبو نعيم: « حدّثنا الحسين بن أحمد بن عليّ أبو عبدالله، ثنا الحسن بن محمّد بن أبي هريرة، ثنا إسماعيل بن يزيد، ثنا قتيبة بن مهران، ثنا عبدالغفور، عن أبي هاشم، عن زاذان، عن عليّ، قال: قال رسول الله صلى عليه وسلّم: عليكم بتعلّم القرآن وكثرة تلاوته تنالون به الدرجات وكثرة عجائبه في الجنّة، ثمّ قال عليٌّ: وفينا آل حم، إنّه لا يحفظ مودّتنا إلّا كلّ مؤمن، ثمّ قرأ:( قُلْ لا أَسْألُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) (٢) .
وأخرج أيضاً: « حدّثنا أبو عبدالله محمّد بن أحمد بن عليّ بن أحمد بن مخلّد، ثنا محمّد بن عثمان بن أبي شيبة، ثنا عبادة بن زياد، ثنا يحيى بن العلاء، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جابر، قال: جاء أعرابي إلى النبيّ صلى الله عليه وسلّم فقال: يا محمّد! اعرض عَلَيّ الإسلام، فقال: تشهد أنْ لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّداً عبده ورسوله. قال: تسألني عليه أجراً؟ قال: لا، إلّا المودّة في القربى، قال: قرباي أو قرباك؟ قال: قرباي. قال: هات أُبايعك، فعلى مَن لا يحبّك ولا يحبّ قرباك لعنة الله. قال صلّى الله عليه وسلّم: آمين.
هذا حديث غريب من حديث جعفر بن محمّد، لم نكتبه إلّا من حديث يحيى بن العلاء، كوفي ولي قضاء الرّي »(٣) .
____________________
(١). المستدرك على الصحيحين ٢ / ٤٤٤.
(٢). تاريخ أصبهان ٢ / ١٦٥.
(٣). حلية الأولياء ٣ / ٢٠١.
* وأخرج أبو بشر الدولابي خطبة الإمام الحسن السبط، فقال: « أخبرني أبو القاسم كهمس بن معمر، أنّ أبا محمّد إسماعيل بن إسحاق بن جعفر ابن محمّد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب حدّثهم: حدّثني عمي علي ابن جعفر بن محمّد بن حسين بن زيد، عن الحسن بن زيد ابن حسن بن علي، عن أبيه، قال: خطب الحسن بن علي الناس حين قتل عليّ
أخبرني أبو عبدالله الحسين بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن عمر بن الحسن بن علي بن أبي طالب، حدّثني أبي، حدّثني حسين بن زيد، عن الحسن بن زيد بن حسن - ليس فيه: عن أبيه -، قال: خطب الحسن بن عليٍّ الناس
حدّثنا أحمد بن يحيى الأودي، نا إسماعيل بن أبان الورّاق، نا عمر، عن جابر، عن أبي الطفيل، وزيد بن وهب، وعبد الله بن نجي، وعاصم بن ضمرة، عن الحسن بن عليّ، قال: لقد قُبض في هذه الليلة رجل »(١) .
* وأخرج ابن عساكر: « أخبرنا أبو الحسن الفرضي، أنبأنا عبدالعزيز الصوفي، أنبأنا أبو الحسن بن السمسار، أنبأنا أبو سليمان
قال: وأنبأنا ابن السمسار، أنبأنا عليّ بن الحسن الصوري، أنبأنا سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني اللخمي بأصفهان، أنبأنا الحسين بن إدريس الحريري التستري، أنبأنا أبو عثمان طالوت بن عبّاد البصري الصيرفي، أنبأنا فضّال بن جبير، أنبأنا أبو أُمامة الباهلي، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: خلق الله الأنبياء من أشجار شتّى، وخلقني وعليّاً من شجرةٍ واحدة، فأنا أصلها وعليٌّ فرعها وفاطمة لقاحها والحسن والحسين
____________________
(١). الذريّة الطاهرة: ١٠٩ - ١١١.
ثمرها، فمن تعلّق بغصن من أغصانها نجا، ومن زاغ هوى، ولو أنّ عبداً عبدالله بين الصفا والمروة ألف عام ثمّ ألف عام ثمّ ألف عام، ثمّ لم يدرك محبّتنا لأكبّه الله على منخريه في النار، ثمّ تلا( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) .
ورواه عليّ بن الحسن الصوفي مرّةً أُخرى عن شيخ آخر، أخبرناه أبو الحسن الفقيه السلمي الطرسوسي، أنبأنا عبدالعزيز الكتّاني، أنبأنا أبو نصر ابن الجيّان، أنبأنا أبو الحسن عليّ بن الحسن الطرسوسي، أنبأنا أبوالفضل العبّاس ابن أحمد الخواتيمي بطرسوس، أنبأنا الحسين بن إدريس التستري »(١) .
* وأخرج ابن عساكر خبر خطبة مروان - بأمرٍ من معاوية - ابنةَ عبدالله ابن جعفر ليزيد، وأنّ عبدالله أوكل أمرها إلى الحسينعليهالسلام فزوّجها من القاسم بن محمّد بن جعفر، وتكلمعليهالسلام - في المسجد النبوي وبنو هاشم وبنو أُميّة مجتمعون - فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: « إنّ الإسلام دفع الخسيسة وتمّم النقيصة وأذهب اللائمة، فلا لوم على مسلم إلّا في أمر مأثم، وإنّ القرابة التي عظّم الله حقّها وأمر برعايتها، وأنْ يسأل نبيّه الأجر له بالمودّة لأهلها: قرابتنا أهل البيت »(٢) .
* وأخرج ابن الأثير: « روى حكيم بن جبير، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: كنت أُجالس أشياخاً لنا، إذ مرّ علينا عليّ بن الحسين - وقد كان بينه وبين أُناس من قريش منازعة في امرأة تزوّجها منهم لم يرض منكحها - فقال أشياخ الأنصار: ألا دعوتنا أمس لِما كان بينك وبين بني فلان؟! إنّ أشياخنا حدّثونا
____________________
(١). تاريخ دمشق، ترجمة عليّ أمير المؤمنين ١ / ١٣٢ - ١٣٣.
(٢). تعليق العلّامة المحمدويّ على شواهد التنزيل ٢ / ١٤٤ عن أنساب الأشراف بترجمة معاوية، وعن تاريخ دمشق بترجمة مزوان بن الحكم.
أنّهم أتوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقالوا: يا محمّد! ألا نخرج إليك من ديارنا ومن أموالنا لِما أعطانا الله بك وفضّلنا بك وأكرمنا بك؟ فأنزل تعالى:( قُلْ لا أَسْألُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) ونحن ندلّكم على الناس. أخرجه ابن مندة »(١) .
* وأخرج ابن كثير: « وقول ثالث، وهو ما حكاه البخاري وغيره رواية عن سعيد بن جبير وقال السدّي عن أبي الديلم، قال: لـمّا جيء بعليّ بن الحسينرضياللهعنه أسيراً وقال أبو إسحاق السبيعي: سألت عمرو بن شعيب عن قوله تبارك وتعالى:( قُلْ لا أَسْألُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) فقال: قربى النبيّ. رواهما ابن جرير.
ثمّ قال ابن جرير: حدّثنا أبو كريب، حدّثنا مالك بن إسماعيل، حدّثنا عبدالسلام، حدّثني يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عبّاس
وهكذا رواه: ابن أبي حاتم، عن عليّ بن الحسين، عن عبدالمؤمن بن عليّ، عن عبدالسلام، عن يزيد بن أبي زياد - وهو ضعيف - بإسناده، مثله أو قريباً منه.
وفي الصحيحين في قسم غنائم حنين قريب من هذا السياق، ولكنْ ليس في ذِكر نزول هذه الآية
وقال ابن أبي حاتم: حدّثنا علي بن الحسين، حدّثنا رجل سماه، حدّثنا حسين الأشقر، عن قيس، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس -رضياللهعنه -، قال: لـمّا نزلت هذه الآية( قُلْ لا أَسْألُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) قالوا: يا رسول الله، من هؤلاء الّذين أمر الله بمودتهم؟ قال: فاطمة وولدها. رضي الله عنهم. وهذا إسناد ضعيف، فيه مبهم لا يُعرف،
____________________
(١). أُسد الغابة في معرفة الصحابة ٥ / ٣٦٧.
عن شيخ شيعي محترق وهو حسين الأشقر »(١) .
* وروى الهيثمي: « عن ابن عبّاس قال: لـمّا نزلت( قُلْ لا أَسْألُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) قالوا: يا رسول الله، من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودّتهم؟ قال: عليٌّ وفاطمة وابناهما.
رواه الطبراني من رواية حرب بن الحسن الطحّان عن حسين الأشقر عن قيس بن الربيع، وقد وُثّقوا كلّهم وضعّفهم جماعة، وبقيّة رجاله ثقات »(١) .
ورواه مرّةً أُخرى كذلك وقال: « فيه جماعة ضعفاء وقد وُثقوا »(٢) .
وروى خطبة الإمام الحسنعليهالسلام قائلاً: « باب خطبة الحسن بن عليّ رضي الله عنهما:
عن أبي الطفيل، قال: خطبنا الحسن بن عليّ بن أبي طالب، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر أمير المؤمنين عليّاًرضياللهعنه خاتم الأوصياء ووصيّ الأنبياء وأمين الصدّيقين والشهداء، ثمّ قال: يا أيّها الناس، لقد فارقكم رجل ما سبقه الأوّلون ولا يدركه الآخرون، لقد كان رسول الله يعطيه الراية فيقاتل جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، فما يرجع حتّى يفتح الله عليه. ولقد قبضه الله في الليلة التي قبض فيها وصي موسى، وعرج بروحه في الليلة التي
ثمّ قال: أنا ابن البشير، أنا ابن النذير، وأنا ابن النبيّ، أنا ابن الداعي إلى الله بإذنه، وأنا ابن السراج المنير، وأنا ابن الذي أُرسل رحمةً للعالمين، وأنا من أهل البيت الّذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وأنا مِن أهل البيت
____________________
(١). تفسير القرآن العظيم ٤ / ١٠٠.
(٢). مجمع الزوائد ٧ / ١٠٣.
(٣). مجمع الزوائد ٩ / ١٦٨.
الّذين افترض الله عزّوجلّ مودّتهم وولايتهم فقال في ما أنزل على محمّد صلّى الله عليه وسلّم:( قُلْ لا أَسْألُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) .
قال الهيثمي: « رواه الطبراني في الأوسط والكبير باختصار ...وأبو يعلى باختصار، والبزّار بنحوه ورواه أحمد باختصار كثير!
وإسناد أحمد وبعض طرق البزّار والطبراني في الكبير حسان »(١) .
* وروى السيوطي الحديث عن طاووس عن ابن عبّاس كما تقدّم.
قال: « وأخرج ابن مردويه من طريق ابن المبارك عن ابن عبّاس في قوله:( إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) قال: تحفظوني في قرابتي ».
قال: « وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق مقسم، عن ابن عبّاس، قال: قالت الأنصار » الحديث، وقد تقدّم.
قال: « وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه بسند ضعيف من طريق سعيد بن جبير، قال: قالت الأنصار فيما بينهم: لو جمعنا لرسول الله » الحديث، وقد تقدّم.
قال: « وأخرج أبو نعيم والديلمي من طريق مجاهد عن ابن عبّاس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لا أسألكم عليه أجراً إلّا المودّة في القربى، أن تحفظوني في أهل بيتي وتودّوهم بي ».
قال: « وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه بسند ضعيف من طريق سعيد بن جبير عن ابن عبّاس، قال: لـمّا نزلت هذه الآية( قُلْ لا أَسْألُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) قالوا: يا رسول الله، من قرابتك هؤلاء الّذين وجبت مودّتهم؟ قال: عليٌّ وفاطمة وولداها».
قال: « وأخرج سعيد بن منصور، عن سعيد بن جبير:( إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي
____________________
(١). مجمع الزوائد ٩ / ١٤٦.
الْقُرْبى ) قال: قربى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ».
قال: « وأخرج ابن جرير عن أبي الديلم، قال: لـمّا جيء بعليّ بن الحسين » الحديث، وقد تقدّم.
ثمّ روى السيوطي حديث الثقلين وغيره ممّا فيه الوصيّة باتّباع أهل البيت والتحذير من بغضهم(١) .
* وقال الآلوسي: « وذهب جماعة إلى أنّ المعنى: لا أطلب منكم أجراً إلّا محبّتكم أهل بيتي وقرابتي. وفي البحر: أنّه قول ابن جبير والسدّي وعمرو ابن شعيب، و « في » عليه للظرفيّة المجازيّة، و « القربى » بمعنى الأقرباء، والجار والمجرور في موضع الحال. أي: المودّة ثابتة في أقربائي متمكّنة فيهم، ولمكانة هذا المعنى لم يقل: إلّا المودّة للقربى وروى ذلك مرفوعاً:
أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، من طريق ابن جبير عن ابن عبّاس، قال: لـمّا نزلت هذه الآية » الحديث، كما تقدّم، قال: « وسند هذا الخبر - على ما قال السيوطي في الدرّ المنثور - ضعيف، ونصَّ على ضعفه في تخريج أحاديث الكشّاف ابن حجر.
وأيضاً: لو صحَّ لم يقل ابن عبّاس ما حكي عنه في الصحيحين وغيرهما وقد تقدّم. إلّا أنّه روي عن جماعةٍ من أهل البيت ما يؤيّد ذلك: أخرج ابن جرير عن أبي الديلم، قال: لـمّا جيء بعليّ بن الحسين » الحديث، وقد تقدّم.
« وروى زاذان عن عليٍّ كرّم الله تعالى وجهه، قال: فينا في آل حم آية لا يحفظ مودّتنا إلّا مؤمن، ثمّ قرأ هذه الآية.
وإلى هذا أشار الكميت في قوله:
وجدنا لكم في آل حم آية |
تأوّلها منّا تقيٌّ ومعربُ |
____________________
(١). الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور ٦ / ٦ - ٧.
ولله تعالى درّ السيّد عمر الهيتي - أحد الأقارب المعاصرين - حيث يقول:
بأيّة آيةٍ يأتي يزيدُ |
غداةَ صحائفُ الأعمالى تُتلى |
|
وقام رسولُ ربّ العرش يتلو |
وقد صمّت جميع الخلق( قُلْ لا ) |
والخطاب على هذا القول لجميع الأُمّة لا للأنصار فقط، وإنْ ورد ما يوهم ذلك، فإنّهم كلّهم مكلّفون بمودّة أهل البيت، فقد أخرج مسلم والترمذي والنسائي » فروى حديث الثقلين، ونحوه، ثمّ قال: « إلى غير ذلك ممّا لا يحصى كثرةً من الأخبار »(١) .
* وروى الشوكاني الأخبار التي نقلناها عن « الدرّ المنثور » كالحديث الذي رواه الأئمّة من طريق مقسم عن ابن عبّاس. ثمّ قال: « وفي إسناده يزيد ابن أبي زياد، وهو ضعيف » وما رواه أبو نعيم والديلمي من طريق مجاهد عن ابن عبّاس، ولم يتكلم في سنده، وما رواه الجماعة من طريق سعيد بن جبير عن عبّاس، قال: « قال السيوطي: بسند ضعيف ».
ثمّ إنّه أشار إلى التعارض الموجود بين الأخبار في ما روي عن ابن عبّاس، ورجح ما أُخرج عنه في كتابَي البخاري ومسلم، وقال: « وقد أغنى الله آل محمّد عن هذا بما لهم من الفضائل الجليلة والمزايا الجميلة، وقد بيّنّا بعض ذلك عند تفسيرنا لقوله( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ) »(٢) .
____________________
(١). روح المعاني ٢٥ / ٣١ - ٣٢.
(٢). فتح القدير ٤ / ٥٣٦ - ٥٣٧.
تنبيه:
حاول القوم أنْ لا ينقلوا خطبة الإمام الحسنعليهالسلام كاملةً، وحتّى المنقوص منها تصرّفوا في لفظه! فراجع: المسند ١ / ١٩٩، و المناقب لأحمد الرقم ١٣٦ و ١٣٦، والمعجم الكبير - للطبراني - ٣ / الرقم ٢٧١٧ إلى ٢٧٢٥، وتاريخ الطبري ٥ / ١٥٧، والمستدرك ٣ / ١٧٢، والكامل ٣ / ٤٠٠، ومجمع الزوائد ٩ / ١٤٦، وقارن بين الألفاظ، لترى مدى إخلاص أُمناء الحديث وحرصهم على حفظه ونقله!!
ولننقل الخبر كما رواه أبو الفرج وبأسانيد مختلفة، فقال:
« حدّثني أحمد بن عيسى العجلي، قال: حدّثنا حسين بن نصر، قال: حدّثنا زيد بن المعذل، عن يحيى بن شعيب، عن أبي مخنف، قال: حدّثني أشعث بن سوار، عن أبي إسحاق السبيعي، عن سعيد بن رويم.
وحدّثني عليّ بن إسحاق المخرمي وأحمد بن الجعد، قالا: حدّثنا عبدالله بن عمر مشكدانة، قال: حدّثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن حبشي.
وحدّثني عليّ بن إسحاق، قال: حدّثنا عبدالله بن عمر، قال: حدّثنا عمران بن عيينة، عن الأشعث بن أبي إسحاق، موقوفاً.
وحدّثني محمّد بن الحسين الخثعمي، قال: حدّثنا عباد بن يعقوب، قال: حدّثنا عمرو بن ثابت، عن أبي إسحاق، عن هبيرة بن يريم، قال:
قال عمرو بن ثابت: كنت أختلف إلى أبي إسحاق السبيعي سنةً أسأله عن خطبة الحسن بن علي، فلا يحدّثني بها، فدخلت إليه في يومٍ شات وهو في الشمس وعليه برنسه كأنّه غول، فقال لي: من أنت؟ فأخبرته، فبكى
وقال: كيف أبوك؟ كيف أهلك؟ قلت: صالحون. قال: في أيّ شيء تردّد منذ سنة؟ قلت: في خطبة الحسن بن عليّ بعد وفاة أبيه.
قال: حدّثني هبيرة بن يريم، وحدّثني محمّد بن محمّد الباغندي ومحمّد ابن حمدان الصيدلاني، قالا: حدّثنا إسماعيل بن محمّد العلوي، قال: حدّثني عمّي عليّ بن جعفر بن محمّد، عن الحسين بن زيد بن عليّ بن الحسين ابن زيد بن الحسن، عن أبيه - دخل حديث بعضهم في حديث بعض، والمعنى قريب - قالوا:
« خطب الحسن بن عليّ بعد وفاة أمير المؤمنينعليهالسلام فقال: لقد قُبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأوّلون ولا يدركه الآخرون بعمل، ولقد كان يجاهد مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فيقيه بنفسه، ولقد كان يوجّهه برايته فيكتنفه جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، فلا يرجع حتى يفتح الله عليه، ولقد توفي في هذه الليلة التي عرج فيها بعيسى بن مريم، ولقد توفّي فيها يوشع بن نون وصي موسى، وما خلّف صفراء ولا بيضاء إلّا سبعمائة درهم بقيت من عطائه أراد أن يبتاع بها خادماً لأهله.
ثمّ خنقته العبرة فبكى وبكى الناس معه.
ثمّ قال: أيّها الناس! من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن ابن محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أنا ابن البشير، أنا ابن النذير، أنا ابن الداعي إلى الله عزّ وجلّ بإذنه، وأنا ابن السراج المنير، وأنا من أهل البيت الّذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، والّذين افترض الله مودتهم في كتابه إذ يقول:( وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً ) فاقتراف الحسنة مودّتنا أهل البيت.
قال أبو مخنف عن رجاله: ثمّ قام ابن عبّاس بين يديه، فدعا الناس إلى
بيعته، فاستجابوا له وقالوا: ما أحبّه إلينا وأحقّه بالخلافة، فبايعوه.
ثمّ نزل عن المنبر »(١) .
أقول:
وهكذا روى الشيخ المفيد بإسناده(٢) .
وذيل الخبر من الشواهد على بطلان خبر طاووس عن سعيد عن ابن عبّاس، كما لا يخفى.
____________________
(١). مقاتل الطالبيّين: ٦١ - ٦٢.
(٢). الإرشاد ٢ / ٧ - ٨.
الفصل الثاني
في تصحيح أسانيد هذه الأخبار
قد ذكرنا في الفصل الأوّل طرفاً من الأخبار في أنّ المراد من « القربى » في « آية المودّة » هم « أهل البيت »، وقد جاء في بعضها التصريح بأنّهم « عليٌّ وفاطمة وابناهما ».
وقد نقلنا تلك الأخبار عن أهمّ وأشهر كتب الحديث والتفسير عند أهل السنّة، من القدماء والمتأخّرين وبذلك يكون القول بنزول الآية المباركة في « أهل البيت » قولاً متفقاً عليه بين الخاصّة والعامّة.
فأمّا ما رواه طاووس من جزم سعيد بن جبير بأنّ المراد هم « أهل البيت »عليهمالسلام خاصّة، وهو الذي أخرج الشيخان وأحمد والترمذي وغيرهم فلم أجد طاعناً في سنده وإنْ كان لنا كلام فيه، وسيأتي.
وأمّا ما أخرج في ( المناقب ) لأحمد بن حنبل فهو من الزيادات، فالقائل « كتب إلينا » هو « القطيعي »: أبو بكر أحمد بن جعفر الحنبلي - المتوفّى سنة ٣٦٨ - وهو راوي: المسند، والزهد، والمناقب، لأحمد بن حنبل.
حدّث عنه: الدارقطني، والحاكم، وابن رزقويه، وابن شاهين، والبرقاني، وأبو نعيم، وغيرهم من كبار الأئمّة.
ووثّقه الدارقطني قائلاً: ثقة زاهد قديم، سمعت أنّه مجاب الدعوة؛ وقال البرقاني: ثبت عندي أنّه صدوق، وقد ليّنته عند الحاكم فأنكر عليّ وحسّن حاله وقال: كان شيخي؛ قالوا: قد ضعف واختلّ في آخر عمره،
وتوقّف بعضهم في الرواية عنه لذلك.
ومن هنا أورده الذهبي في ( ميزانه ) مع التصريح بصدقه، وهذه عبارته: « [ صح ] أحمد بن جعفر بن حمدان أبو بكر القطيعي، صدوق في نفسه مقبول، تغير قليلاً. قال الخطيب: لم نر أحداً ترك الاحتجاج به » ثمّ نقل ثقته عن الدارقطني وغيره، وردّ على من تكلّم فيه لاختلاله في آخر عمره(١) .
و « محمّد بن عبدالله بن سليمان الحضرمي » هو « مطيّن » المتوفّى سنة ٢٩٧، قال الدارقطني: ثقة جبل، وقال الخليلي: ثقة حافظ، وقال الذهبي: « الشيخ الحافظ الصادق، محدّث الكوفة »(٢) .
وسيأتي الكلام على سائر رجاله؛ بما يثبت صحّة السند وحجيّة الخبر.
وأمّا ما رواه ابن جرير الطبري حجّةً للقول بنزول الآية في « أهل البيت » وقد كان أربع روايات فما تُكلِّم إلّا في الثاني منها، وهذا إسناده:
« حدّثنا أبو كريب، قال: ثنا مالك بن إسماعيل، قال: ثنا عبدالسلام، قال: ثنا يزيد بن أبي زياد، عن مِقْسَم، عن ابن عبّاس ».
قال ابن كثير: « وهكذا رواه ابن أبي حاتم، عن عليّ بن الحسين، عن عبدالمؤمن بن عليّ، عن عبدالسلام، عن يزيد بن أبي زياد - وهو ضعيف - بإسناده، مثله أو قريباً منه ».
وتبعه الشوكاني حيث إنه بعد أن رواه قال: « وفي إسناده يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف ».
وأمّا ما رواه الأئمّة، كابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن
____________________
(١). تاريخ بغداد ٤ / ٧٣، المنتظم ٧ / ٩٢، سير أعلام النبلاء ١٦ / ٢١٠، ميزان الإعتدال ١ / ٨٧، الوافي بالوفيات ٦ / ٢٩٠، وغيرها.
(٢). تذكرة الحفّاظ ٢ / ٦٦٢، الوافي بالوفيات ٣ / ٣٤٥، سير أعلام النبلاء ١٤ / ٤١.
مردويه، وعنهم السيوطي، فقد ضعّف السيوطي سنده، وتبعه الشهاب الآلوسي، وقد سبقهما إلى ذلك الهيثمي وابن كثير وابن حجر العسقلاني، قال الأخير في شرح البخاري:
« وهذا الذي جزم به سعيد بن جبير قد جاء عنه من روايته عن ابن عبّاس مرفوعاً، فأخرج الطبراني وابن أبي حاتم من طريق قيس بن الربيع، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: لـمّا نزلت قالوا: يا رسول الله، من قرابتك الذين وجبت علينا مودّتهم؟ الحديث. وإسناده ضعيف وقد جزم بهذا التفسير جماعة من المفسّرين، واستندوا إلى ما ذكرته عن ابن عبّاس من الطبراني وابن أبي حاتم، وإسناده واهٍ، فيه ضعيف ورافضي »(١) .
وقال في تخريج أحاديث الكشّاف: « أخرجه الطبراني وابن أبي حاتم والحاكم في مناقب الشافعي، من رواية حسين الأشقر، عن قيس بن الربيع، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس. وحسين ضعيف ساقط »(٢) .
وقال ابن كثير: « وقال ابن أبي حاتم: حدّثنا علي بن الحسين، حدّثنا رجل سمّاه، حدّثنا حسين الأشقر، عن قيس، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس وهذا إسناده ضعيف، فيه مبهم لا يعرف، عن شيخ شيعي محترق، وهو حسين الأشقر ».
وتبعه القسطلاني بقوله: « وأمّا حديث ابن عبّاس أيضاً عند ابن أبي حاتم، قال: لـمّا نزلت هذه الآية( قُلْ لا أَسْألُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) قالوا: يا رسول الله، من هؤلاء الّذين أمر الله بمودّتهم؟ قال: فاطمة وولدهاعليهمالسلام فقال ابن كثير: إسناده ضعيف، فيه مبهم لا يعرف عن
____________________
(١). فتح الباري في شرح صحيح البخاري ٨ / ٤٥٨.
(٢). الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشّاف - مع الكشّاف - ٤ / ٢٢٠.
شيخ شيعي محترق، وهو حسين الأشقر »(١) .
وقال الهيثمي: « رواه الطبراني من رواية حرب بن الحسن الطحّان، عن حسين الأشقر، عن قيس بن الربيع، وقد وُثّقوا كلّهم وضعّفهم جماعة، وبقيّة رجاله ثقات ».
أقول:
فالأخبار الدالّة على القول الحقّ، المروية في كتب القوم، منقسمة بحسب آرائهم في رجالها إلى ثلاثة أقسام:
١ - ما اتّفقوا على القول بصحّته، وهو حديث طاووس عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس.
٢ - ما ذكروه وسكتوا عن التكلّم في سنده ولم يتفوّهوا حوله ببنت شفه! بل منه ما لم يجدوا بُدّاً من الإعتراف باعتباره، كأخبار قول النبيّ لِمن سأله عمّا يطلب في قبال دعوته، وخطبة الإمام الحسنعليهالسلام بعد وفاة أبيه، وكلام الإمام السجّاد في الشام، ونحو ذلك.
٣ - ما رووه وتكلّموا في سنده.
أمّا الأوّل فلنا كلام حوله، وسيأتي في أوّل الفصل الرابع.
وأمّا القسم الثاني، فلا حاجة إلى بيان صحّته بعد أنْ أقرّ القوم بذلك.
وأمّا القسم الثالث، فهو المقصود بالبحث هنا.
ولنفصّل الكلام في تراجم مَن ضعّفوه من رجال أسانيد هذه الأخبار، ليتبيّن أنّ جميع ما ذكروه ساقط مردود! على ضوء كلمات أعلام الجرح والتعديل منهم:
____________________
(١). إرشاد الساري في شرح البخاري ٧ / ٣٣١.
وهو: القرشي الهاشمي الكوفي، مولى عبدالله بن الحارث بن نوفل.
هو من رجال الكتب الستّة، قال المزّي: « قال البخاري في اللباس من صحيحه عقيب حديث عاصم بن كليب عن أبي بردة: قلنا لعليّ: ما القسيّة؟ وقال جرير عن يزيد في حديثه: القسيّة ثياب مضلعة الحديث.
وروى له في كتاب رفع اليدين في الصلاة. وفي الأدب. وروى له مسلم مقروناً بغيره، واحتجّ به الباقون »(١) .
وروى عنه جماعة كبيرة من أعلام الأئمّة كسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وشريك بن عبدالله، وشعبة بن الحجّاج، وعبدالله بن نمير، وأمثالهم(١) .
قال الذهبي: حدّث عنه شعبة مع براعته في نقد الرجال(٢) .
أقول:
يكفي في جواز الإعتماد عليه وصحة الإحتجاج به على مسلكهم رواية أصحاب الكتب الستّة وكبار الأئمّة عنه.
مضافاً إلى قول مسلم في مقدّمة كتابه: « فإنّ اسم الستر والصدق وتعاطي العلم يشملهم، كعطاء بن السائب ويزيد بن أبي زياد وليث بن أبي سليم وأضرابهم »(٣) .
وقد وثّقه عدة من الأئمّة أيضاً:
____________________
(١). تهذيب الكمال في أسماء الرجال ٣٢ / ١٤٠.
(٢). تهذيب الكمال ٣٢ / ١٣٧، سير أعلام النبلاء ٦ / ١٢٩، تهذيب التهذيب ١١ / ٢٨٧ رقم ٥٣١.
(٣). سير أعلام النبلاء ٦ / ١٣٠.
(٤). صحيح مسلم ١ / ٥ - ٦.
قال ابن سعد: كان ثقةً في نفسه، إلّا أنّه اختلط في آخر عمره فجاء بالعجائب.
وقال ابن شاهين - في الثقات -: قال أحمد بن صالح المصري: يزيد بن أبي زياد ثقة ولا يعجبني قول من تكلّم فيه.
وقال ابن حبّان: كان صدوقاً إلّا أنّه لـمّا كبر ساء حفظه وتغيّر، وكان يلقّن ما لقّن فوقعت المناكير في حديثه.
وقال الآجري عن أبي داود: لا أعلم أحداً ترك حديثه، وغيره أحبّ إليّ منه.
وقال يعقوب بن سفيان: ويزيد وإن كانوا يتكلّمون فيه لتغيّره، فهو على العدالة والثقة وإنْ لم يكن مثل الحكم والمنصور(١) .
ثمّ إنّا نظرنا في كلمات القادحين - بالرغم من كون الرجل من رجال الكتب الستّة، إذ احتجّ به الأربعة وروى له الشيخان - فوجدنا أوّل شيء يقولونه:
كان من أئمّة الشيعة الكبار(٢) .
فإنْ سألتهم: ما المراد من « الشيعة »؟ ومن أين عرف كونه « من أئمّة الشيعة الكبار؟ ».
كان الجواب: تدلّ على ذلك أحاديث رواها، موضوعة(٣) .
فنظرنا، فإذا به يروي عن سليمان بن عمرو بن الأحوص، عن أبي برزة، قال: « تغنّى معاوية وعمرو بن العاص، فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: اللّهمّ
____________________
(١) هذه الكلمات بترجمته من تهذيب التهذيب ٦ / ٢٨٨ - ٢٨٩، وغيره.
(٢). الكامل لابن عدىّ ٧ / ٢٧٢٩، تهذيب الكمال ٣٢ / ١٣٨، تهذيب التهذيب ١١ / ٢٨٨.
(٣) تهذيب الكمال ٣٢ / ١٣٨. الهامش.
اركسهما في الفتنة ركساً، ودعّهما في النّار دعّاً »(١) .
قالوا: فهذا الحديث موضوع(٢) أو غريب منكر(٣) ، لماذا؟ لأنّه ذمٌّ لمعاوية رأس الفئة الباغية وعمرو بن العاص رأس النفاق!! فيكون راويه « من أئمّة الشيعة الكبار »!!
لكنْ يبدو أنّهم ما اكتفوا - في مقام الدفاع عن معاوية وعمرو - برمي الحديث بالوضع وراويه بالتشيّع، فالتجأوا إلى تحريف لفظ الحديث، ووضع كلمة « فلان وفلان » في موضع الاسمين، ففي المسند:
« حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا عبدالله بن محمّد - وسمعته أنا من عبدالله بن محمّد بن أبي شيبة -، ثنا محمّد بن فضيل، عن يزيد بن أبي زياد، عن سليمان بن عمرو بن الأحوص، قال: أخبرني ربّ هذه الدار أبو هلال، قال: سمعت أبا برزة، قال: كنّا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في سفر، فسمع رجلين يتغنّيان وأحدهما يجيب الاخر وهو يقول:
لا يزال جوادي تلوح عظامه |
ذوى الحرب عنه أن يجنّ فيقبرا |
فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: انظروا من هما؟ قال: فقالوا: فلان وفلان!!
قال: فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: اللّهمّ اركسهما ركساً، ودعّهما إلى النار دّعاً ».
وكأنّ هذا المقدار أيضاً لم يشف غليل القوم، أو كان التحريف المذكور لأجل الإبهام، فيكون مقدّمةً ليأتي آخر فيزيله ويضع « معاوية » و « عَمْراً »
____________________
(١) أخرجه أحمد فى المسند ٤ / ٤٢١، والطبرانى والبزّاز كما فى مجمع الزوائد ٨ / ١٢١.
(٢) الموضوعات لابن الجوزى، لكنْ لا يخفى أنّه لم يطعن فى الحديث إلّا من جهة « يزيد » ولم يقل فيه إلّا « كان يلقّن بأخرة فيتلقّن »، ولذا تعقّبه السيوطى بما سنذكره.
(٣) ميزان الإعتدال فى نقد الرجال ٤ / ٤٢٤.
آخَرَين!! بخبرٍ مختلق:
قال السيوطي - بعد أن أورد الحديث عن أبي يعلى وتعقّب ابن الجوزي بقوله: هذا لا يقتضي الوضع، والحديث أخرجه أحمد في مسنده: حدّثنا وله شاهد من حديث ابن عبّاس: قال الطبراني في الكبير -: « وقال ابن قانع في معجمه: حدّثنا محمّد بن عبدوس كامل، حدّثنا عبدالله بن عمر، حدّثنا سعيد أبو العبّاس التيمي، حدّثنا سيف بن عمر، حدّثني أبو عمر مولى إبراهيم ابن طلحة، عن زيد بن أسلم، عن صالح، عن شقران، قال: بينما نحن ليلة في سفر، إذ سمع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم صوتاً فقال: ما هذا؟! فذهبت أنظر، فإذا هو معاوية بن رافع، وعمرو بن رفاعة بن تابوت يقول:
لا يزال جوادي تلوح عظامه |
ذوى الحرب عنه أن يموت فيقبرا |
فأتيت النبي صلّى الله عليه وسلّم فأخبرته فقال: اللّهمّ اركسهما ودّعهما إلى نار جهنّم دعّاً. فمات عمرو بن رفاعة قبل أنْ يقدم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من السفر ».
قال السيوطي: « وهذه الرواية أزالت الإشكال وبيّنت أنّ الوهم وقع في الحديث الأول، في لفظةٍ واحدة وهي قوله: ابن العاص، وإنّما هو ابن رفاعة أحد المنافقين، وكذلك معاوية بن رافع أحد المنافقين، والله أعلم »(١) .
بل السيوطي نفسه أيضاً يعلم واقع الحال وحقيقة الأمر، و إلّا فما أجهله!!
أمّا أوّلاً: فلم يكن في الحديث الأوّل إشكال أو وهم حتّى يُزال!! غاية ما هناك أنّ في « المسند » لفظ « فلان وفلان » بدل « معاوية » و « عمرو » والسيوطي يعلم - كغيره - أنّه تحريفٌ، إنْ لم يكن عن عمد فعن سهو!! على أنّه
____________________
(١). اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة ١ / ٤٢٧.
لم يوافق ابن الجوزي في الطعن في الحديث، بل ذكر له ما يشهد له بالصحّة.
وأمّا ثانياً: فلو سلّمنا وجود إبهامٍ وإشكالٍ في الحديث الأوّل، فهل يُزال ويرتفع بحديثٍ لا يرتضي أحد سنده مطلقاً، لمكان « سيف بن عمر » ولنلقِ نظرةً سريعة في ترجمته(١) .
قال ابن معين: ضعيف الحديث.
وقال أبو حاتم: متروك الحديث.
وقال أبو داود: ليس بشيء.
وقال النسائي: ضعيف.
وقال الدارقطني: ضعيف.
وقال ابن عديّ: بعض أحاديثه مشهورة وعامّتها منكرة لم يُتابع عليها.
وقال ابن حبّان: يروي الموضوعات عن الأثبات. قالوا: كان يضع الحديث، اتُّهم بالزندقة.
وقال البرقاني عن الدارقطني: متروك.
وقال الحاكم: اتُّهم بالزندقة وهو في الرواية ساقط.
والعجيب أنّ السيوطي نفسه يردّ أحاديثه قائلاً: « إنه وضّاع »(٢) !
أقول:
فلينظر الباحث المنصف، كيف يردّون حديثاً - يروونه عن رجلٍ اعتمد عليه أرباب الصحاح الستّة - لكونه في ذمّ ابن هندٍ وابن النابغة، وهم شيعة لهما ويقابلونه بحديث يرويه رجل اتّفقوا على سقوطه واتّهموه بالوضع والزندقة!!
____________________
(١). تهذيب التهذيب ٤ / ٢٩٥.
(٢). اللالي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة ١ / ١٩٩.
فلينظر! كيف يتلاعبون بالدين وسنّة رسول ربّ العالمين!!
ولا يتوهّمنّ أنّ هذه طريقتهم في أبواب المناقب والمثالب فحسب، بل هي في الأُصولين والفقه أيضاً!!
فلنرجع إلى ما كنّا بصدده، ونقول:
إنّ « يزيد بن أبي زياد » ثقة، ومن رجال الكتب الستّة، ولا عيب فيه إلّا روايته بعض مثالب أئمّة القوم!! ولذا جعلوه « من أئمّة الشيعة الكبار »!!
على أنّ كون الراوي شيعياً، بل رافضيّاً - حسب اصطلاحهم - لا يضرّ بوثاقته كما قرّروا في محلّه وبنوا عليه في مواضع كثيرة(١) .
وتلخص: صحّة روايته في نزول آية المودّة في خصوص « أهل البيت » الطاهرين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وسنترجم لأبي عبدالله الحسين بن حسن الأشقر الفزاري الكوفي، في مبحث آية المسابقة، بأنّه من رجال النسائي في ( صحيحه ) وأنّهم قد ذكروا أنّ للنسائي شرطاً في صحيحه أشدّ من شرط الشيخين(٢) .
وأنّه روى عنه كبار الأئمّة الأعلام: كأحمد بن حنبل، وابن معين، والفلّاس، وابن سعد، وأمثالهم(٣) .
وقد حكى الحافظ ابن حجر بترجمته عن العقيلي، عن أحمد بن محمّد ابن هانئ، قال: قلت: لأبي عبدالله - يعني أحمد بن حنبل - تحدّثُ عن حسين
____________________
(١). مقدّمة فتح الباري في شرح صحيح البخاري: ٣٩٨.
(٢). تذكرة الحفّاظ ٢ / ٧٠٠.
(٣). تهذيب التهذيب ٢ / ٢٩١.
الأشقر؟ قال: لم يكن عندي ممّن يكذب.
وذكر عنه التشيّع، فقال له العبّاس بن عبدالعظيم: إنّه يحدّث في أبي بكر وعمر، وقلت أنا: يا أبا عبدالله، إنّه صنّف باباً في معايبهما! فقال: ليس هذا بأهلٍ أن يُحدث عنه(١) .
وهذا هو السبب في تضعيف غير أحمد.
وعن الجوزجاني: غالٍ من الشتّامين للخِيَرة(٢) .
ولذا يقولون: « له مناكير » وأمثال هذه الكلمة، ممّا يدلّ على طعنهم في أحاديث الرجل في فضل عليٍّ أو الحطّ من مناوئيه، وليس لهم طعن في الرجل نفسه، ولذا قال يحيى بن معين:
كان من الشيعة الغالية، فقيل له: فكيف حديثه؟! قال: لا بأس به. قيل: صدوق؟ قال: نعم، كتبت عنه(٣) .
هذا، فالرجل ثقة وصدوق عند: أحمد والنسائي، ويحيى بن معين، وابن حبّان وإنّما ذنبه الوحيد هو « التشيّع » وقد نصّوا على أنّه غير مضرّ.
أقول:
لكنّ المهمّ - هنا - أنّه « صدوق » عند الحافظ ابن حجر أيضاً، فقد قال: « الحسين بن حسن الأشقر، الفزاري الكوفي، صدوق، يهمّ ويغلو في التشيّع، من العاشرة، مات سنة ٢٠٨. س»(٤) .
____________________
(١). تهذيب التهذيب ٢ / ٢٩١ - ٢٩٢
(٢). تهذيب التهذيب ٢ / ٢٩١ - ٢٩٢.
(٣). تهذيب التهذيب ٢ / ٢٩١ - ٢٩٢.
(٤). تقريب التهذيب ١ / ١٧٥.
وحينئذٍ لا بدّ من التنبيه على أنّ ابن حجر العسقلاني الحافظ قد ناقض نفسه مرّتين:
١ - في تضعيفه الرجل في « تخريج أحاديث الكشّاف » مع وصفه بـ « الصدوق » في « تقريب التهذيب »!
٢ - في طعنه في الرجل بسبب التشيّع أو الرفض - حسب تعبيره - مع أنّه نص في « مقدّمة فتح الباري » على أنّ الرفض - فضلاً عن التشيّع - غير مضرّ.
وبذلك يسقط طعنه في حديثنا، وكذا طعن غيره تبعاً له.
تنبيه:
قد اختلف طعن الطاعنين في رواية الأئمّة: الطبراني، وابن أبي حاتم، وابن المنذر، والحاكم، وابن مردويه: عن حسين الأشقر، عن قيس بن الربيع، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس
فالسيوطي لم يقل إلّا « بسندٍ ضعيف » وتبعه الآلوسي.
وابن حجر قال في « تخريج أحاديث الكشّاف »: « وحسين ضعيف ساقط » فلا كلام له في غيره، لكن في « فتح الباري »: « إسناده واهٍ، فيه ضعيف ورافضي ».
وابن كثير - وتبعه القسطلاني - قال عن حسين الأشقر: « شيخ شيعي محترق » وأضاف - في خصوص إسناد ابن أبي حاتم لقوله: حدّثنا رجل سمّاه « فيه مبهم لا يُعرف ».
والهيثمي أفرط فقال: « رواه الطبراني من رواية حرب بن الحسن الطحّان، عن حسين الأشقر، عن قيس بن الربيع. وقد وثّقوا كلّهم وضعّفهم جماعة، وبقيّة رجاله ثقات ».
وبما ذكرنا - في ترجمة الأشقر - يسقط كلام السيوطي والآلوسي، وكذا كلام ابن كثير في « الأشقر » أمّا قوله: « فيه مبهم لا يُعرف » فيردّه أنّه إنْ كان هو « حرب بن الحسن الطحّان » فهو، وإنْ كان غيره فالإشكال مرتفع بمتابعته.
وكذا يسقط كلام ابن حجر في « تخريج أحاديث الكشّاف ».
أمّا كلامه في « فتح الباري » فيمكن أنْ يكون ناظراً إلى « الأشقر » فقط، بأنْ يكون وصفه بالرفض وضعّفه من أجل ذلك، ويمكن أن يكون مراده من « ضعيف » غير الأشقر الذي وصفه بالرفض وهذا هو الأظهر، ومراده - على الظاهر - هو « قيس بن الربيع » الذي زعم غيره ضعفه، فلنترجم له:
وهو: قيس بن الربيع الأسدي، أبو محمّد الكوفي:
من رجال: أبي داود، والترمذي، وابن ماجة(١) .
روى عنه جماعة كبيرة من الأئمّة في الصحاح وغيرها، كسفيان الثوري، وشعبة بن الحجّاج، وعبد الرزاق بن همام، وأبي نعيم الفضل بن دكين، وأبي داود الطيالسي، ومعاذ بن معاذ، وغيرهم(٢) .
وهذه بعض الكلمات في توثيقه ومدحه والثناء عليه باختصار:
قال أبو داود الطيالسي عن شعبة: سمعت أبا حصين يثني على قيس بن الربيع.
قال: قال لنا شعبة: أدركوا قيساً قبل أن يموت!
قال عفّان: قلت ليحيى بن سعيد: أفتتّهمه بكذب؟! قال: لا.
____________________
(١). تهذيب الكمال ٢٤ / ٢٥، تهذيب التهذيب ٨ / ٣٥٠، وغيرهما.
(٢). تهذيب الكمال ٢٤ / ٢٧.
قال عفّان: كان قيس ثقة، يوثّقه الثوري وشعبة.
قال حاتم بن الليث، عن أبي الوليد الطيالسي: كان قيس بن الربيع ثقة حسن الحديث.
قال أحمد بن صالح: قلت لأبي نعيم: في نفسك من قيس بن الربيع شئ؟ قال: لا.
قال عمرو بن عليّ: سمعت معاذ بن معاذ يحسن الثناء على قيس.
وقال يعقوب بن شيبة السدوسي: وقيس بن الربيع عند جميع أصحابنا صدوق، وكتابه صالح، وهو ردئ الحفظ جدّاً مضطربه، كثير الخطأ، ضعيف في روايته.
وقال ابن عديّ: عامّة رواياته مستقيمة، والقول فيه ما قال شعبة.
هذا، وقد أُخذ عليه أُمور:
أحدها: إنّه ولّي المدائن من قبل المنصور، فأساء إلى الناس فنفروا عنه.
والثاني: التشيّع، نقله الذهبي عن أحمد(١) .
والثالث: وجود أحاديث منكرة عنده. قال حرب بن إسماعيل: قلت لأحمد بن حنبل: قيس بن الربيع أيّ شيء ضعّفه؟ قال: روى أحاديث منكرة.
لكن قالوا: هذه الأحاديث أدخلها عليه ابنه لمـّا كبر فحدّث بها(٢) .
ولكونه صدوقاً في نفسه، ثقة، وأنّ هذه الروايات مدخولة عليه وليست منه، قال الذهبي، « صدوق في نفسه، سيّىء الحفظ »(٣) .
وقال الحافظ ابن حجر: « صدوق، تغيّر لمـّا كبر، أدخل عليه ابنه ما ليس
____________________
(١). ميزان الإعتدال في نقد الرجال ٣ / ٣٩٣.
(٢). تاريخ بغداد ١٢ / ٤٥٦ - ٤٦٢، تهذيب الكمال٢٤ / ٢٥ - ٣٧، سير أعلام النبلاء ٨ / ٤١ - ٤٤، تهذيب التهذيب ٨ / ٣٥٠ - ٣٥٣.
(٣). ميزان الإعتدال في نقد الرجال ٣ / ٣٩٣.
من حديثه فحدّث بها »(١) .
فإنْ كان يقصد في « مقدّمة فتح الباري » تضعيف هذا الرجل، فقد ناقض نفسه كذلك
وهذا الرجل لم يُعترّض له بالتضعيف، ولم ينقل كلاماً فيه إلّا الهيثمي، ولكنّه مع ذلك نصَّ على أنّه « وُثّق » ولم يذكر المضعِّف ولا وجه التضعيف.
وقال ابن أبي حاتم: « سألت أبي عنه فقال: شيخ »(٢) .
وقال ابن حجر: « حرب بن الحسن الطحّان، ليس حديثه بذاك. قاله الأزدي. انتهى.
وذكره ابن حبّان في الثقات.
وقال ابن النجاشي: عامّي الرواية. أي شيعي قريب الأمر. له كتاب.
روى عنه: يحيى بن زكريّا اللؤلؤي »(٣) .
أقول:
لكنْ لا يلتفت إلى قول الأزدي، كما نصّ عليه الذهبي، حيث قال: « لا يلتفت إلى قول الأزدي، فإنّ في لسانه في الجرح رهقاً »(٤) .
____________________
(١). تقريب التهذيب ٢ / ١٢٨.
(٢). الجرح والتعديل ٣ / ٢٥٢.
(٣). لسان الميزان ٢ / ١٨٤.
(٤). ميزان الإعتدال ١ / ٦١.
فيها مطلبان:
الأوّل: قال الذهبي معقّباً على حديث خطبة الإمام الحسنعليهالسلام ، الذي أخرجه الحاكم عن أبناء أئمّة أهل البيت والذريّة الطاهرة: « ليس بصحيح »!(١) .
ولمـّا كان هذا القدح مجملاً ومبهماً، فإنّه لا يُعبأ به وأظنّ أنّه من جهة المتن والمعنى لا السند، وعذر الذهبي في قدحه في مناقب آل البيتعليهمالسلام معلوم!!
والثاني: قال ابن عساكر - بعد أن أخرج من طريق الطبراني حديث أبي أُمامة الباهلي -: « هذا حديث منكَر، وقد وقع إليّ جزء طالوت بن عبّاد بعلوّ، وليس هذا الحديث فيه »(٢) .
وهذا الحديث بهذا اللفظ رواه عن طريق الطبراني: الحافظ أبو عبدالكنجي، وقال: « هذا حديث حسن عال، رواه الطبراني في معجمه كما أخرجناه سواء، ورواه محدّث الشام في كتابه بطرقٍ شتّى »(٣) ، وكذا الحافظ ابن حجر(٤) ورواه لا عن طريق الطبراني: الحاكم الحسكاني النيسابوري(٥) .
أمّا عدم وجوده في الجزء الذي وقع إلى ابن عساكر من حديث طالوت ابن عبّاد، فغير مضرّ كما هو واضح.
____________________
(١). تلخيص المستدرك ٣ / ١٧٢.
(٢). تاريخ دمشق، ترجمة أمير المؤمنينعليهالسلام ١ / ١٣٣.
(٣). كفاية الطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب: ٣١٧.
(٤). لسان الميزان ٤ / ٤٣٤.
(٥). شواهد التنزيل ٢ / ١٤١.
وأمّا نكارة الحديث، ففي أيّ فقرة منه؟! أفي حديث الشجرة؟! أو في قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « لو أنّ عبداً »؟! أو في تلاوة آية المودّة في هذا الموضع؟!
أمّا حديث الشجرة، فقد رواه من أئمّة الحديث كثيرون(٥) ، وإليه أشار أمير المؤمنين(١) ولم يقل أحد بنكارته.
وأمّا تلاوة الآية هنا، فقد عرفت أنّها نازلة في عليّ وفاطمة وابنيهما.
بقي قوله: « ولو أنّ عبداً » وأظنّه يريد هذا، وهو كلام جليل، ومعناه دقيق، وخلاصة بيانه أنّ الحبّ هو وسيلة الإتّباع والقرب، والعمل بلا درك حبّ النبيّ وآلهصلىاللهعليهوآلهوسلم غير مقرّب إلى الله سبحانه وتعالى، وكلّ عمل عبادي لا تقرّب فيه إليه فهو باطل، وصاحبه من أهل النار وبئس القرار.
هذا إذا أخذنا الكلام على ظاهره.
وأمّا إذا كان كنايةً عن البغض، فالأمر أوضح، لأنّ بغض النبيّ وأهل بيته مبعّد عن الله عزّ وجلّ، ولا ينفع معه عمل
اللّهمّ اجعلنا من المحبّين للنبيّ وآله، ومن المتقرّبين بهم إليك.
____________________
(١). راجع الجزء الخامس من كتابنا.
(٢). نهج البلاغة: ١٦٢.
الفصل الثالث
في دفع شبهات المخالفين
وإذا ثبتت صحّة الأحاديث الدالّة على نزول الآية المباركة في « أهل البيت » حتّى التي تُكلّم في أسانيدها، بعد بيان سقوط ما تذرّعوا به، تندفع جميع الشبهات التي يطرحونها في المقام.
ولكنّا مع ذلك نذكر ما قالوه في هذا الباب، ونجيب عنه بالأدلّة والشواهد القويمة المتينة،( لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ) .
ولعلّ أشدّ القوم مخالفةً في المقام هو ابن تيميّة في « منهاج السنة » فلنقدّم كلماته:
* يقول ابن تيميّة:
« ثبت في الصحيح عن سعيد بن جبير: أنّ ابن عبّاس سئل عن قوله تعالى:( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) قال: فقلت: إلّا أنْ تودّوا قربى محمّد، فقال ابن عبّاس: عجلت! إنّه لمن يكن بطن من قريش إلّا لرسول الله فيهم قرابة فقال: قل لا أسألكم عليه أجراً إلّا أن تودّوني في القرابة التي بيني وبينكم.
فابن عبّاس كان من كبار أهل البيت وأعلمهم بتفسير القرآن، وهذا تفسيره الثابت عنه.
ويدلّ على ذلك أنّه لم يقل: إلّا المودّة لذوي القربى، وإنّما قال: إلّا
المودّة في القربى. ألا ترى أنّه لمـّا أراد ذوي قرباه قال:( وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى ) ولا يقال: المودّة في ذوي القربى، وإنّما يقال: المودّة لذوي القربى، فكيف وقد قال( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) ؟!
ويبيّن ذلك: إنّ الرّسول صلّى الله عليه وسلّم لا يَسأل أجراً أصلاً، إنّما أجره على الله، وعلى المسلمين موالاة أهل البيت لكن بأدلّة أُخرى غير هذه الآية، وليست موالاتنا لأهل البيت من أجر النبيّ في شيء.
وأيضاً، فإنّ هذه الآية مكّيّة، ولم يكن عليٌّ قد تزوّج بفاطمة، ولا وُلد له أولاد »(١) .
* وقال ابن تيميّة:
« وأمّا قوله: وأنزل الله فيهم( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) فهذا كذب ظاهر، فإنّ هذه الآية في سورة الشورى، وسورة الشورى مكّيّة بلا ريب، نزلت قبل أن يتزوّج عليٌّ بفاطمة
وقد تقدّم الكلام على الآية وأنّ المراد بها ما بيّنه ابن عبّاس رواه البخاري وغيره.
وقد ذكر طائفةٌ من المصنّفين من أهل السنّة والجماعة والشيعة، من أصحاب أحمد وغيرهم، حديثاً عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّ هذه الآية لمـّا نزلت قالوا: يا رسول الله، من هؤلاء؟ قال: عليٌّ وفاطمة وابناهما.
وهذا كذب باتّفاق أهل المعرفة »(٢) !
____________________
(١). منهاج السنّة ٤ / ٢٥ - ٢٧.
(٢). منهاج السنّة ٤ / ٥٦٢ - ٥٦٣.
* وكرّر ابن تيمية:
تكذيب الحديث المذكور
وأنّ الآية في سورة الشورى وهي مكّيّة، وأنّ عليّاً إنّما تزوّج فاطمة بالمدينة
وأنّ التفسير الذي في الصحيحين يناقض ذلك الحديث، قال: سئل ابن عبّاس
وأنّه قال:( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) ولم يقل: إلّا المودّة للقربى، ولا المودّة لذوي القربى كما قال:( وَاعْلَمُوا ) .
وأنّ النبيّ لا يسأل على تبليغ رسالة ربّه أجراً ألبتة، بل أجره على الله
وأنّ القربى معرّفة باللام، فلا بدّ أن تكون معروفةً عند المخاطبين، وقد ذكرنا أنّها لمـّا نزلت لم يكن قد خُلق الحسن ولا الحسين، ولا تزوّج عليٌّ بفاطمة، فالقربى التي كان المخاطبون يعرفونها يمتنع أنْ تكون هذه، بخلاف القربى التي بينه وبينهم، فإنّها معروفة عندهم »(١) .
* وابن حجر العسقلاني:
يذكر في ( تخريج الكشّاف ) إلّا « المعارضة » قال: « وقد عارضه ما هو أَولى منه، ففي البخاري »(٢) وكذا في ( فتح الباري ) وأضاف: « ويؤيّد ذلك أنّ السورة مكّيّة »(٣) .
* وقال ابن كثير:
« وذكر نزول الآية في المدينة بعيد، فإنّها مكّيّة، ولم يكن إذ ذاك لفاطمة
____________________
(١). منهاج السنّة ٧ / ٩٥ - ١٠٣.
(٢). الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشّاف - مع الكشّاف - ٤ / ٢٢٠.
(٣). فتح الباري في شرح البخاري ٨ / ٤٥٨.
رضي الله عنها أولاد بالكليّة، فإنّها لم تتزوّج بعليّ -رضياللهعنه - إلّا بعد بدر من السنة الثانية من الهجرة، والحقّ تفسير هذه الآية بما فسّرها حبر الأُمّة »(١) .
* وقال القسطلاني:
« والآية مكّيّة، ولم يكن إذ ذاك لفاطمة أوّلاًد بالكلّيّة، فإنّها لم تتزوّج بعليّ إلّا بعد بدر من السنة الثانية من الهجرة. وتفسير الآية بما فسّر به حبر الأُمّة وترجمان القرآن ابن عبّاس أحقّ وأولى»(٢) .
* والشوكاني:
اقتصر على المعارضة وترجيح الحديث عن طاووس عن ابن عبّاس(٣) .
* وابن روزبهان:
ما قال إلّا: « ظاهر الآية على هذا المعنى شامل لجميع قرابات النبيّ صلّى الله عليه وسلّم »(٤) .
* وقال عبدالعزيز الدهلوي ما حاصله:
« إنّه وإنْ أخرج أحمد والطبراني ذلك عن ابن عبّاس، لكنّ جمهور المحدّثين يضعّفونه، لكون سورة الشورى بتمامها مكّيّة، وما خُلق الحسن والحسين حينذاك، ولم يتزوّج عليٌّ بعد بفاطمة والحديث في طريقه بعض الشيعة الغلاة، وقد وصفه المحدّثون بالصدق، والظنّ الغالب أنّه لم يكذب وإنّما نقل الحديث بالمعنى، إذ كان لفظه « أهل بيتي » فخصّهم الشيعي بالأربعة
والمعنى المذكور لا يناسب مقام النبوّة، وإنّما ذلك من شأن أهل الدنيا،
____________________
(١). تفسير القرآن العظيم ٤ / ١٠١.
(٢). إرشاد الساري في شرح البخاري ٧ / ٣٣١.
(٣). فتح القدير ٤ / ٥٣٧.
(٤). إبطال الباطل - المطبوع مع إحقاق الحقّ - ٣ / ٢٠.
وأيضاً ينافيه الآيات الكثيرة كقوله تعالى:( ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ ) فلو كان خاتم الأنبياء طالباً للأجر لزم أن تكون منزلته أدنى من سائر الأنبياء، وهو خلاف الإجماع »(١) .
فهذه شبهات أعلام القوم في هذا المقام، فلنذكر الشبهات بالترتيب ونتكلّم عليها:
ولعلّ هذه أهمّ الشبهات في المسألة، وهي الأساس ونحن تارةً نبحث عن الآية المباركة بالنظر إلى الروايات، وأُخرى بقطع النظر عنها، فيقع البحث على كِلا التقديرين.
أمّا على الأوّل: فإنّ الآية المباركة بالنظر إلى الروايات المختلفة الواردة - سواء المفسّرة بأهل البيت، أو القائلة بأنّها نزلت بمناسبة قول الأنصار كذا وكذا - مدنيّة، ولذا قال جماعة بأنّ سورة الشورى مكّيّة إلّا آيات:
قال القرطبي: « سورة الشورى مكّيّة في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر.
قال ابن عبّاس وقتادة: إلّا أربع آيات منها أُنزلت بالمدينة:( قُلْ لا أَسْألُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) إلى آخرها »(٢) .
وقال أبو حيّان: « قال ابن عبّاس: مكّيّة إلّا أربع آيات، من قوله تعالى:( قُلْ لا أَسْألُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) إلى آخر الأربع آيات، فإنّها نزلت بالمدينة »(٣) .
____________________
(١). التحفة الإثنا عشرية: ٢٠٥.
(٢). تفسير القرطبي ١٦ / ١.
(٣). البحر المحيط ٧ / ٥٠٧.
وقال الشوكاني: « وروي عن ابن عبّاس وقتادة أنّها مكّيّة إلّا أربع آيات منها، أُنزلت بالمدينة:( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ ) »(١) .
وقال الآلوسي: « وفي البحر: هي مكّيّة إلّا أربع آيات من قوله تعالى:( قُلْ لا أَسْألُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً ) إلى آخر أربع آيات. وقال مقاتل: فيها مدنيّ، قوله تعالى:( ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبادَهُ ) . واستثنى بعضهم قوله تعالى:( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى )
وجوّز أن يكون الإطلاق باعتبار الأغلب »(٢) .
وبهذا القدر كفاية.
ووجود آيات مدنيّة في سورة مكّيّة أو بالعكس كثير، ولا كلام لأحدٍ في ذلك.
وأمّا على الثاني: فالآية دالّة على وجوب مودّة « القربى » أي: أقرباء النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والخطاب للمسلمين لا لغيرهم.
أمّا أنّها دالّة على وجوب مودّة « قربى » النبيّ، فلتبادر هذا المعنى منه، وقد أذعن بها التبادر غير واحدٍ من الأئمّة، نذكر منهم:
الكرماني، صاحب ( الكواكب الدراري في شرح البخاري )(٣) .
والعيني، صاحب ( عمدة القاري في شرح البخاري ).
قال العيني بشرح حديث طاووس: « وحاصل كلام ابن عبّاس: إنّ جميع قريش أقارب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وليس المراد من الآية بنو هاشم ونحوهم كما يتبادر الذهن إلى قول سعيد بن جبير »(٤) .
____________________
(١). فتح القدير ٤ / ٥٢٤.
(٢). روح المعاني ٢٥ / ١٠.
(٣). الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري ١٨ / ٨٠.
(٤). عمدة القاري في شرح صحيح البخاري ١٩ / ١٥٩.
وأمّا أنّ الخطاب للمسلمين، فلوجوهٍ، منها: السياق، فإنّ الله سبحانه وتعالى يقول:
( تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ قُلْ لا أَسْأُلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً إِنَّ اللهَ غَفُورٌ شَكُورٌ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً فَإِنْ يَشَأ اللهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللهُ الْباطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ * وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ * وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ ) .
فقد جاءت الآية المباركة بعد قوله تعالى:( ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) .
فإنّ قلت:
فبعدها:( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً ) ؟!
قلت:
ليس المراد من ذلك المشركين، بل المراد هم المسلمون ظاهراً المنافقون باطناً، يدلّ على ذلك قوله بعده:( هُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ ) فالخطاب ليس للمشركين، ولم تستعمل « التوبة » في القرآن إلّا في العصاة من المسلمين.
فإنّ قلت:
فقد كان في المسلمين في مكّة منافقون؟!
قلت:
نعم، فراجع ( سورة المنافقون ) و ( سورة المدّثّر ) وما قاله المفسّرون(١) .
وعلى هذا، فقد كان الواجب على المسلمين عامّة « مودّة » أقرباء النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فهل - يا تُرى - أُمروا حينذاك بمودّة أعمامه وبني عمومته؟!
أمّا المشركون منهم فلا، قطعاً وأمّا المؤمنون منهم وقت نزول الآية أو بعده فأُولئك لم يكن لهم أيّ دورٍ يُذكر في مكّةٍ
بل المراد « عليٌّ »عليهالسلام ، فإنّه الذي كان المشركون يبغضونه ويعادونه، والمنافقون يحسدونه ويعاندونه، والمؤمنون يحبّونه ويوادّونه.
ولا يخفى ما تدلّ عليه كلمتا « المودّة » و « يقترف ».
ثمّ إنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم لمـّا سئل - في المدينة - عن المراد من « القربى » في الآية المباركة قال: « عليٌّ وفاطمة والحسن والحسين ».
إنّ الرسول من قِبَل الله سبحانه وتعالى لا يسأل الناس أجراً على تبليغ الرسالة إليهم أصلاً، وإنّما أجره على الله، وهكذا كان الأنبياء السابقون:
قال نوح لقومه:( إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَما
____________________
(١). يراجع بهذا الصدد: تفاسير الفريقين، خاصّة في سورة المدثّر، المكّيّة عند الجميع، ويلاحظ اضطراب كلمات أبناء العامّة وتناقضها، في محاولات يائسة لصرف الآيات الدالّة على ذلك عن ظواهرها، فراراً من الإجابة عن السؤال بـ « مَنْ هم إذاً؟ »!!
أمّا الشيعة فقد عرفوا المنافقين منذ اليوم الأول وللتفصيل مكان آخر، ولو وجدنا متّسعاً لوضعنا في هذه المسألة القرآنية التاريخية المهمة جداً رسالة مفردة، وبالله التوفيق.
أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ ) (١) .
وقال هود:( يا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ ) (٢) .
وقال صالح:( إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَما أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ ) (٣) .
ومن هنا أصرّ بعضهم على أنّ الإستثناء منقطع، وجوّز بعضهم - كالزمخشري وجماعة - أن يكون متّصلاً وأن يكون منقطعاً.
أقول:
ونبيّنا أيضاً كذلك كما جاء في آياتٍ عديدة، منها:
( قُلْ ما أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ * إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ) (٤) .
( قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلّا عَلَى اللهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) (٥) .
( قُلْ ما أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً ) (٦) .
وقد أجاب المفسّرون من الفريقين عن هذه الشبهة بأكثر من وجه، وفي
____________________
(١). سورة الشعراء ٢٦: ١٠٧ - ١٠٩.
(٢). سورة هود ١١: ٥١.
(٣). سورة الشعراء ٢٦: ١٤٣ - ١٤٥.
(٤). سورة الأنعام ٦: ٩٠.
(٥). سورة سبأ ٣٤: ٤٧.
(٦). سورة الفرقان ٢٥: ٥٧.
تفسيريّ الخازن والخطيب الشربيني منها وجهان
ولكنْ يظهر - بالدقّة - أنّ الآيات في الباب بالنسبة إلى نبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم على أربعة أنحاء:
١ - ما اشتمل على عدم سؤال الأجر.
٢ - ما اشتمل على سؤال الأجر، لكنّهم « لكم ».
٣ - ما اشتمل على عدم سؤال الأجر، وطلب « اتّخاذ السبيل إلى الله » عن اختيار.
٤ - ما اشتمل على سؤال الأجر، وهو « المودّة في القربى ».
وأيّ تنافٍ بين هذه الآيات؟! يا منصفون!
إنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم لا يسأل الناس أجراً، إنّما يريد منهم أنْ يتّخذوا سبيلاً إلى الله، وهو ما لا يتحقّق إلّابمودّة أهل البيت، وهو لهم ولذا ورد عنهمعليهمالسلام : « نحن السبيل »(١) نعم هم السبل، وخاصّةً « إذا صارت الدنيا هرجاً ومرجاً، وتظاهرت الفتن، وتقطّعت السبل »(٢) .
فإذن هم السبيل وهذا معنى هذه الآية في محكم التنزيل، ولا يخفى لوازم هذا الدليل، فافهم واغتنم، و( ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وطَرْحُ هذه الشبهة من مثل الدهلوي غير بعيد، لكنّه من مثل ابن تيميّة الذي يدّعي العربيّة عجيب!! وليته راجع كلام أهل الفنّ:
____________________
(١). فرائد السمطين، عنه في ينافع المودّة: ٢٢.
(٢). مجمع الزوائد ٩ / ١٦٥.
قال الزمخشري: « يجوز أن يكون استثناءً متّصلاً، أي: لا أسألكم أجراً إلّا هذا، وهو أن تودّوا أهل قرابتي، ولم يكن هذا أجراً في الحقيقة، لأنّ قرابته قرابتهم، فكانت صلتهم لازمة لهم في المروءة.
ويجوز أن يكون منقطعاً، أي: لا أسألكم أجراً قطّ، ولكنّني أسألكم أن تودّوا قرابتي الّذين هم قرابتكم ولا تؤذوهم.
فإنّ قلت: هلّا قيل: إلّا مودّة القربى، أو: إلّا المودّة للقربى؟ وما معنى قوله:( إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) ؟
قلت: جُعلوا مكاناً للمودّة ومقرّاً لها، كقولك: لي في آل فلانٍ مودّة، ولي فيهم هوىً وحبٌّ شديد. تريد: أُحبّهم وهم مكان حبّي ومحلّه، وليست « في » بصلةٍ للمودّة كاللام إذا قلت: إلّا المودّة للقربى، إنّما هي متعلّقة بمحذوفٍ تعلّق الظرف به في قولك: المال في الكيس. وتقديره:
إلّا المودّة ثابتةً في القربى ومتمكّنة فيها. والقربى مصدر كالزلفى والبشرى، بمعنى قرابة، والمراد: في أهل القربى. وروي أنّها لمـّا نزلت قيل: يا رسول الله، من قرابتك هؤلاء الّذين وجبت علينا مودّتهم؟ قال: عليٌّ وفاطمة وابناهما.
ويدلّ عليه ما روي عن عليّرضياللهعنه : شكوت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حسد الناس لي، فقال: أما ترضى أن تكون رابع أربعة: أوّل من يدخل الجنّة أنا وأنت والحسن والحسين، وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا، وذرّيّتنا خلف أزواجنا! »(١) .
وأجاب الفخر الرازي بأن قال: « جُعلوا مكاناً للمودّة ومقرّاً لها، كقولك: لي في آل فلانٍ مودّة، ولي فيهم هوىً وحبّ شديد. تريد أُحبّهم وهم مكان
____________________
(١). الكشّاف في تفسير القرآن ٤ / ٢١٩ - ٢٢٠.
حبّي ومحلّه »(١) .
وكذا أبو حيّان واستحسنه(٢) .
وقال النيسابوري: « ثمّ أمر الله رسوله بأنْ يقول:( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ ) على هذا التبليغ( أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ ) الكائنة( فِي الْقُرْبى ) جُعلوا مكاناً للمودّة ومقرّاً لها، ولهذا لم يقل: مودّة القربى، أو: المودّة للقربى، وهي مصدر بمعنى القرابة، أي: في أهل القربى، وفي حقّهم »(٢) .
وقال أبو السعود بعد أنْ جعل الإستثناء متّصلاً: « وقيل: الإستثناء منقطع والمعنى: لا أسألكم أجراً قطّ ولكن أسألكم المودّة.
و( فِي الْقُرْبى ) حال منها. أي: المودّة ثابتة في القربى متمكّنة في أهلها أو في حقّ القرابة. والقربى مصدر كالزلفى، بمعنى القرابة. روي: أنّها لمـّا نزلت قيل: يا رسول الله، مَن قرابتك »(٣) .
وراجع أيضاً تفاسير: البيضاوي والنسفي والشربيني، وغيرهم.
وهذه هي الشبهة الأخيرة، وهي تتوقّف على اعتبار ما أخرج أحمد وغيره عن طاووس عن ابن عبّاس، والجواب عنها بالتفصيل في الفصل الرابع
____________________
(١). التفسير الكبير ٢٧ / ١٦٧.
(٢). البحر المحيط ٧ / ٥١٦.
(٣). تفسير النيسابوري - هامش الطبري - ٢٥ / ٣٣.
(٤). تفسير أبي السعود ٨ / ٣٠.
الفصل الرابع
الأخبار والأقوال
قد ظهر إلى الآن أنْ نزول الآية المباركة في « أهل البيت » هو المتبادر من لفظها، وأنّ القول بذلك مستند إلى أدلّة معتبرة في كتب السنّة، وأنّه محكيٌّ عن أئمّة أهل البيت: أمير المؤمنينعليهالسلام ، وهو أعلم الأصحاب بكتاب الله بالإجماع، والحسن السبطعليهالسلام ، والحسين الشهيدعليهالسلام ، والإمام السجّاد عليّ بن الحسينعليهالسلام ، والإمام الباقرعليهالسلام ، والإمام الصادقعليهالسلام .
ورواه عدّة من كبار الصحابة عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وقال به ابن عبّاس، في ما رواه عنه سعيد بن جبير ومجاهد والكلبي وغيرهم، بل أرسله عنه أبو حيان إرسال المسلَّم، وسنذكر عبارته.
وهو قول: سعيد بن جبير، وعمرو بن شعيب، والسدّي، وجماعة.
وقد ذكر هذا القول غير واحدٍ من المفسّرين وغيرهم فلم يردّوه.
بل لم يرجّحوا عليه غيره، بل ذكروا له أدلّة وشواهد ومؤيّدات، من الأخبار والروايات.
* كالزمخشري، فإنّه ذكر هذا القول، وروى فيه الحديث عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : « قيل: يا رسول الله، مَن قرابتك « قال: « ويدلّ عليه ما
روي عن عليّ » الحديث، وقد تقدّم، ثمّ قال بعده:
« وعن النبي صلّى الله عليه وسلّم: حرّمت الجنّة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي، ومن اصطنع صنيعةً إلى أحدٍ من ولد عبدالمطّلب ولم يجازه عليها فأنا أُجازيه عليها غداً إذا لقيني يوم القيامة.
وروي: إنّ الأنصار قالوا: فعلنا وفعلنا » الحديث، وقد تقدّم.
قال: « وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: مَنْ مات على حبّ آل محمّد مات شهيداً، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات مغفوراً له، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات تائباً، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات مؤمناً مستكمل الإيمان، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد بشّره ملك الموت بالجنّة ثم منكر ونكير، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد يُزَفُّ إلى الجنّة كما تُزفُّ العروس إلى بيت زوجها، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد فُتح له في قبره بابان إلى الجنّة، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات على السنّة والجماعة، ألا ومن مات على بغض آل محمّد لم يشمّ رائحة الجنّة »(١) .
* والرازي حيث قال: « روى الكلبي عن ابن عبّاس - رضي الله عنهما - قال: إنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لمـّا قدم المدينة، كانت تعروه نوائب وحقوق، وليس في يده سعة، فقال الأنصار: إن هذا الرجل قد هداكم الله على يده وهو ابن أُختكم وجاركم في بلدكم، فاجمعوا له طائفةً من أموالكم، ففعلوا، ثمّ أتوه به فردّه عليهم، فنزل قوله تعالى:( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً ) أي على الإيمان إلّا أنْ تودّوا أقاربي، فحثّهم على مودّة أقاربه ».
ثمّ إنّه أورد الرواية عن الزمخشري قائلاً، « نقل صاحب الكشّاف عن
____________________
(١). الكشّاف في تفسير القرآن ٤ / ٢٢٠ - ٢٢١.
النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال: من مات على حبّ آل محمّد » إلى آخره. ثمّ قال:
« وأنا أقول: آل محمّد هم الّذين يؤول أمرهم إليه، فكلّ من كان أمرهم إليه أشدّ وأكمل كانوا هم الآل، ولا شكّ أنّ فاطمة وعليّاً والحسن والحسين كان التعلّق بينهم وبين رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أشدّ التعلّقات، وهذا كالمعلوم بالنقل المتواتر، فوجب أن يكونوا هم الآل.
وأيضاً: اختلف الناس في الآل، فقيل: هم الأقارب، وقيل: هم أُمته. فإنّ حملناه على القرابة فهم الآل، وإنْ حملناه على الأُمّة الّذين قبلوا دعوته فهم أيضاً الآل، فثبت أنّ على جميع التقديرات هم الآل، وأمّا غيرهم فهل يدخلون تحت لفظ الآل؟ فمختلف فيه.
وروى صاحب الكشّاف: إنّه لمـّا نزلت هذه الآية قيل: يا رسول الله، من قرابتك هؤلاء الّذين وجبت علينا مودّتهم؟ فقال: عليٌّ وفاطمة وابناهما. فثبت أنّ هؤلاء الأربعة أقارب النبيّ.
وإذا ثبت هذا وجب أن يكونوا مخصوصين بمزيد التعظيم، ويدلّ عليه وجوه:
الأول: قوله تعالى:( إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) ووجه الاستدلال به ما سبق.
الثاني: لا شكّ أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان يحبّ فاطمةعليهاالسلام ، قال صلّى الله عليه وسلّم: فاطمة بضعة منّي، يؤذيني ما يؤذيها. وثبت بالنقل المتواتر عن رسول الله أنّه كان يحبّ عليّاً والحسن والحسين. وإذا ثبت ذلك وجب على كلّ الأُمّة مثله لقوله:( وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) ولقوله سبحانه:( لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) .
الثالث: إنّ الدعاء للآل منصب عظيم، ولذلك جُعل هذا الدعاء خاتمة التشهّد في الصلاة، وهو قوله: اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد، وارحم محمّداً وآل محمّد. وهذا التعظيم لم يوجد في حقّ غير الآل، فكلّ ذلك يدلّ على أنّ حبّ آل محمّد واجب. وقال الشافعيرضياللهعنه :
يا راكباً قف بالمحصّب من منى |
واهتف بساكن خيفها والناهِض |
|
سحراً إذا فاض الحجيج إلى منى |
فيضاً كما نظم الفرات الفائض |
|
إن كان رفضاً حبّ آل محمّد |
فليشهد الثقلان أنّي رافضي(١) |
* وذكر النيسابوري محصّل كلام الرازي قائلاً: « ولا ريب أنّ هذا فخر عظيم، وشرف تامّ، ويؤيّده ما روي »(٢) .
* وقال القرطبي: « وقيل:( الْقُرْبى ) قرابة الرسول صلّى الله عليه وسلّم، أي: لا أسألكم أجراً إلّا أنْ تودّوا قرابتي وأهل بيتي، كما أمر بإعظامهم ذوي القربى. وهذا قول عليّ بن حسين وعمرو بن شعيب والسدّي. وفي رواية سعيد بن جبير عن ابن عبّاس: لمـّا أنزل الله عزّ وجلّ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) قالوا: يا رسول الله، من هؤلاء الّذين نودّهم؟ قال: عليٌّ وفاطمة وأبناؤهما. ويدلّ عليه أيضاً ما روي عن عليّرضياللهعنه قال: شكوت إلى النبيّ حسد الناس وعن النبيّ: حرمت الجنّة
وكفى قبحاً بقول من يقول: إنّ التقرّب إلى الله بطاعته ومودة نبيّه صلّى الله عليه وسلّم وأهل بيته منسوخ، وقد قال النبيّ: من مات على حبّ آل محمّد مات شهيداً، ومن مات على حبّ آل محمّد جعل الله زوّار قبره الملائكة
____________________
(١). التفسير الكبير ٢٧ / ١٦٦.
(٢). تفسير النيسابوري - هامش الطبري - ٢٥ / ٣٣.
والرحمة(١) ومن مات على بغض آل محمّد جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه: آيس اليوم من رحمة الله، ومن مات على بغض آل محمّد لم يرح رائحة الجنّة، ومن مات على بغض آل بيتي فلا نصيب له في شفاعتي.
قلت: وذكر هذا الخبر الزمخشري في تفسيره بأطول من هذا، فقال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم » فذكره(٢) .
* وقال الخطيب الشربيني: « فقيل: هم فاطمة وعليٌ وإبناهما. وفيهم نزل:( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (٣) .
* وقال الآلوسي: « وقيل: عليٌّ وفاطمة ووُلدها رضي الله تعالى عنهم، وروي ذلك مرفوعاً: أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، من طريق ابن جبير عن ابن عبّاس، قال: لمـّا نزلت هذه الآية( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ ) إلى آخره. قالوا: يا رسول الله وقد تقدّم.
إلّا أنّه روي عن جماعة من أهل البيت ما يؤيّد ذلك ».
فروى خبر ابن جرير عن أبي الديلم « لمـّا جيء بعليّ بن الحسين » وخبر زاذان عن عليّعليهالسلام وأورد قول الكميت الشاعر والهيتي أحد أقاربه وقد تقدّم ذلك كلّه. ثمّ روى حديث الثقلين، ثمّ قال:
« وأخرج الترمذي وحسّنه والطبراني والحاكم والبيهقي في الشّعب، عن ابن عبّاس، قال: قال عليه الصلاة والسلام: أحبّوا الله تعالى لما يغذوكم به من نعمة، وأحبّوني لحبّ الله تعالى، وأحبّوا أهل بيتي لحبّي.
____________________
(١). كذا.
(٢). تفسير القرطبي ١٦ / ٢٣.
(٣). السراج المنير ٣ / ٥٣٧ - ٥٣٨.
وأخرج ابن حبّان والحاكم، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى عليه وسلّم: والذي نفسي بيده، لا يبغضنا أهل البيت رجل إلّا أدخله الله تعالى النار. إلى غير ذلك ممّا لا يحصى كثرة من الأخبار، وفي بعضها يدلّ على عموم القربى وشمولها لبني عبدالمطّلب:
أخرج أحمد والترمذي - وصحّحه - والنسائي، عن المطّلب بن ربيعة، قال: دخل العبّاس على رسول الله صلى عليه وسلّم فقال: إنّا لنخرج فنرى قريشاً تحدّث، فإذا رأونا سكتوا، فغضب رسول الله ودرّ عرق بين عينيه، ثمّ قال: والله لا يدخل قلب امرئ مسلم إيمان حتّى يحبّكم لله تعالى ولقرابتي.
وهذا ظاهر إنْ خصّ( الْقُرْبى ) بالمؤمنين منهم، وإلّا فقيل: إنّ الحكم منسوخ. وفيه نظر. والحقّ وجوب محبّة قرابته عليه الصلاة والسلام من حيث إنّهم قرابته كيف كانوا، وما أحسن ما قيل:
داريتُ أهلك في هواك وهم عِدى |
ولأجل عين ألفُ عين تكرمُ |
وكلّما كانت جهة القرابة أقوى كان طلب المودّة أشدّ، فمودّة العلويّين ألزم من محبّة العبّاسيّين على القول بعموم( الْقُرْبى ) ، وهي على القول بالخصوص قد تتفاوت أيضاً باعتبار تفاوت الجهات والإعتبارات، وآثار تلك المودّة التعظيم والإحترام والقيام بأداء الحقوق أتمّ قيام، وقد تهاون كثير من الناس بذلك حتّى عَدّوا من الفرض السلوك في هاتيك المسالك، وأنا أقول قول الشافعي الشافي العيّ:
يا راكباً قف بالمحصّب من منى » الأبيات(١) .
____________________
(١). روح المعاني ٢٥ / ٣١ - ٣٢.
أقول:
هذا هو القول الأوّل، وهو الحقّ، أعني نزول الآية المباركة في خصوص: عليٌّ وفاطمة والحسنين، وعلى فرض التنزّل وشمولها لجميع قربى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فما ورد في خصوص أهل البيت يخصّصها.
فهذا هو القول الأوّل.
وفي مقابله أقوال:
أحدها: إنّ المراد من( الْقُرْبى ) القرابة التي بينهصلىاللهعليهوآلهوسلم وبين قريش « فقال: إلّا أن تصِلوا ما بيني وبينكم من القرابة ».
والثاني: إنّ المراد من( الْقُرْبى ) هو القرب والتقرّب إلى الله، أي: إلّا أن تودّوا إلى الله في ما يقرّبكم إليه من التودّد إليه بالعمل الصالح.
والثالث: إنّ المراد من( الْقُرْبى ) هو « الأقرباء » ولكن لا أقرباء النبيّ مطلقاً، بل المعنى: إلّا أن تودّوا قرابتكم وتصِلوا أرحامكم.
والرابع: إنّ الآية منسوخة بقوله تعالى:( قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ ) (١) .
أقول:
أمّا القول الأخير فقد ردّه الكلّ، حتّى نصّ بعضهم على قبحه، وقد بيّنّا أن لا منافاة بين الآيتين أصلاً، بل إحداهما مؤكّدة لمعنى الأُخرى.
____________________
(١). سورة سبأ ٣٤: ٤٧.
وأمّا الذي قبله، فلا ينبغي أن يُذكر في الأقاويل، لأنّه قولٌ بلا دليل، ولذا لم يعبأ به أهل التفسير والتأويل.
وأمّا القول بأنّ المراد هو « التقرّب » فقد حكي عن الحسن البصري(١) وظاهر العيني اختياره له(٢) واستدلّ له في ( فتح الباري ) بما أخرجه أحمد من طريق مجاهد عن ابن عبّاس أيضاً: إنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: « قل لا أسألكم عليه أجراً على ما جئتكم به من البيّنات والهدى إلّا أن تقرّبوا إلى الله بطاعته ».
لكن قال ابن حجر: « وفي إسناده ضعف »(٣) .
وهو مردود أيضاً بأنّه خلاف المتبادر من الآية، وأنّ النصوص على خلافه وهو خلاف الذوق السليم.
وأمّا القول الأوّل من هذه الأقوال، فهو الذي اقتصر عليه ابن تيميّة، فلم يذكر غيره، واختاره ابن حجر، ورجّحه الشوكاني والدليل عليه ما أخرجه أحمد والشيخان وغيرهم، عن طاووس عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس، وقد تقدّم في أوّل أخبار المسألة.
ويقع الكلام على هذا الخبر في جهتين:
فإنّ مدار الخبر على « شعبة بن الحجّاج » وقد كان هذا الرجل ممّن يكذب ويضع على أهل البيت، فقد ذكر الشريف المرتضىرحمهالله (٤) أنّه روى
____________________
(١). تفسير الرازي ٢٧ / ١٦٥، فتح الباري ٨ / ٤٥٨ وغيرهما.
(٢). عمدة القاري ١٩ / ١٥٧.
(٣). فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٨ / ٤٥٨.
(٤). الشافي في الإمامة ٤ / ١١٦.
عن جعفر بن محمّد أنّه كان يتولّى الشيخين! فمن يضع مثل هذا لا يستبعد منه أن يضع على ابن عبّاس في نزول الآية.
ثمّ إنّ الراوي عن شعبة عند أحمد « يحيى بن عبّاد الضبعي البصري » قال الخطيب: « نزل بغداد وحدّث بها عن شعبة روى عنه أحمد بن حنبل »(١) .
وقد أورد ابن حجر هذا الرجل فيمن تُكلّم فيه من رجال البخاري، فنقل عن الساجي أنّه ضعيف، وعن ابن معين أنّه ليس بذاك وإنْ صدّقه(٢) .
وروى الخطيب بإسناده عن ابن المديني، قال: سمعت أبي يقول: يحيى ابن عبّاد ليس ممن أُحدّث عنه، وبشّار الخفّاف أمثل منه.
وبإسناده عن يحيى بن معين: لم يكن بذاك، قد سمع وكان صدوقاً، وقد أتيناه، فأخرج كتاباً، فإذا هو لا يحسن أن يقرأه، فانصرفنا عنه.
وبإسناده عن الساجي: ضعيف، حدّث عنه أهل بغداد. سمعت الحسن بن محمّد الزعفراني يحدّث عنه عن الشعبي وغيره، لم يحدّث عنه أحد من أصحابنا بالبصرة، لا بندار ولا ابن المثّنى.
وقد أورده الذهبي في ميزانه مقتصراً على تضعيف الساجي(٣) .
والراوي عن شعبة عند البخاري « محمّد بن جعفر - غندر » وقد أدرجه ابن حجر فيمن تُكلّم فيه، بمناسبة قول أبي حاتم: « يُكتب حديثه عن غير شعبة ويُحتجّ به »(٤) ، وبهذه المناسبة أيضاً أورده الذهبي في ميزانه(٥) .
والراوي عنه: « محمّد بن بشّار » وهو أيضاً ممن تكلّم فيه غير واحدٍ من
____________________
(١). تاريخ بغداد ١٤ / ١٤٤.
(٢). مقدمة فتح الباري: ٤٥٢.
(٣). ميزان الإعتدال ٤ / ٣٨٧.
(٤). مقدّمة فتح الباري: ٤٣٧.
(٥). ميزان الإعتدال ٣ / ٥٠٢.
أئمّتهم، وأدرجه ابن حجر فيمن تُكلّم، فيه فذكر تضعيف الفلّاس، وأنّ يحيى بن معين كان يستضعفه، وعن أبي داود: لولا سلامة فيه لتُرك حديثه(١) .
لكن في ميزان الإعتدال: « كذّبه الفلّاس » وروى عن الدورقي: « كنّا عند يحيى بن معين فجرى ذكر بندار، فرأيت يحيى لا يعبأ به ويستضعفه » قال: « ورأيت القواريري لا يرضاه » « وكان صاحب حمام »(٢) .
أقول:
لقد كان هذا حال عمدة أسانيد حديث طاووس عن ابن عبّاس، والإنصاف أنّه لا يصلح للإحتجاج فضلاً عن المعارضة، على أنّ كلام الحاكم في كتاب التفسير صريح في رواية البخاري ومسلم هذا الحديث عن طريق طاووس عن ابن عبّاس باللفظ الدالّ على القول الحقّ، وهذا نصّ كلامه: « إنّما اتّفقا في تفسير هذه الآية على حديث عبدالملك بن ميسرة الزرّاد عن طاووس عن ابن عبّاس رضي الله عنهما، أنّه في قربى آل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ».
وأرسل ذلك أبو حيّان عن ابن عبّاس إرسال المسلّم، فإنّه بعد أنْ ذكر القول الحقّ قال: « وقال بهذا المعنى عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب واستشهد بالآية حين سيق إلى الشام أسيراً، وهو قول ابن جبير والسدّي وعمرو ابن شعيب. وعلى هذا التأويل قال ابن عبّاس: قيل: يا رسول الله، مَن قرابتك الّذين أُمرنا بمودّتهم؟ فقال: عليٌّ وفاطمة وابناهما »(٣) .
____________________
(١). مقدمة فتح الباري: ٤٣٧.
(٢). ميزان الاعتدال ٣ / ٤٩٠.
(٣). البحر المحيط ٧ / ٥١٦.
وفيه:
أوّلاً: إنّ من غير المعقول أن يخاطب الله ورسوله المشركين بطلب الأجر على أداء الرسالة، فإنّ المشركين كافرون ومكذّبون لأصل هذه الرسالة، فكيف يطلب منهم الأجر؟!
وثانياً: إنّ هذه الآية مدنيّة، وقد ذُكرت في سبب نزولها روايات تتعلّق بالأنصار.
وثالثاً: على فرض كونها مكّيّة، فالخطاب إنّما هو للمسلمين لا للمشركين كما بيّنّا.
وبعد، فلو تنزّلنا وجوّزنا الأخذ سنداً ودلالةً بما جاء في المسند وكتابَي البخاري ومسلم عن طاووس عن ابن عبّاس، فلا ريب في كونه نصّاً في ذهاب سعيد بن جبير إلى القول الحقّ.
وأمّا رأي ابن عبّاس فمتعارض، والتعارض يؤدي إلى التساقط، فلا يبقى دليل للقول بأنّ المراد هو « القرابة » بين النبيّ وقريش، لأنّ المفروض أنْ لا دليل عليه إلّا هذا الخبر.
لكنّ الصحيح أنّ ابن عبّاس - وهو من أهل البيت وتلميذهم - لا يخالف قولهم، وقد عرفت أنّ أمير المؤمنينعليهالسلام ينصّ على نزول الآية فيهم، وكذا الإمام السجّاد ولم يناقش أحد في سند الخبرين، وكذا الإمامان السبطان والإمامان الصادقان فكيف يخالفهم ابن عبّاس في الرأي؟!
لكنْ قد تمادى بعض القوم في التزوير والتعصب، فوضعوا على لسان ابن عبّاس أشياء، ونسبوا إليه المخالفة لأمير المؤمنينعليهالسلام في قضايا،
منها قضيّة المتعة، حتّى وضعوا حديثاً في أنّ عليّاًعليهالسلام كان يقول بحرمة المتعة، فبلغه أنّ ابن عبّاس يقول بحلّيّتها، فخاطبه بقوله: إنّك رجل تائه »! ومع ذلك لم يرجع ابن عبّاس عن القول بالحلّيّة(١) !
ولهذا نظائر لا نطيل المقام بذكرها
والمقصود أنّ القوم لمـّا رأوا رواية غير واحدٍ من الصحابة - وبأسانيد معتبرة - نزول الآية المباركة في « أهل البيت » ووجدوا أئمّة أهل البيتعليهمالسلام مجمعين على هذا القول حاولوا أوّلاً تضعيف تلك الأخبار، ثمّ وضع شئ في مقابلها عن واحدٍ من علماء أهل البيت ليعارضوها به، وليلقوا الخلاف بينهم بزعمهم ثمّ يأتي مثل ابن تيميّة - ومن تبعه - فيستدلّ بالحديث الموضوع، ويكذّب الحديث الصحيح المتّفق عليه بين المسلمين.
الأوّل
قد تنبّه الفخر الرازي إلى أنّ ما ذكره في ذيل الآية من الأدلّة على وجوب محبّة أهل البيت وإطاعتهم واحترامهم، وحرمة بغضهم وعدائهم يتنافى مع القول بإمامة الشيخين وتعظيم الصحابة قاطبةً ولا سيّما بالنظر إلى ما كان من القوم بالنسبة إلى أهل البيت وصدر منهم تجاههم، فحاول أن يتدارك ذلك فقال:
« قوله:( إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) فيه منصب عظيم للصحابة!! لأنّه تعالى قال:( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ) فكلّ من أطاع الله كان مقرّباً عند الله تعالى، فدخل تحت قوله:( إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) !
____________________
(١). راجع: رسالتنا في المتعتين، في كتابنا ( الرسائل العشر في الأحاديث الموضوعة في كتب السنّة ).
والحاصل: إنّ هذه الآية تدل على وجوب حبّ آل رسول الله وحبّ أصحابه، وهذا المنصب لا يسلم إلّا على قول أصحابنا أهل السنّة والجماعة الّذين جمعوا بين حبّ العترة والصحابة.
وسمعت بعض المذكّرين قال: إنّه صلّى الله عليه وسلّم قال: مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح، من ركب فيها نجا. وقال: أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم، ونحن الآن في بحر التكليف وتضربنا أمواج الشبهات والشهوات، وراكب البحر يحتاج إلى أمرين: أحدهما: السفينة الخالية عن العيوب والثقب. والثاني: الكواكب الظاهرة الطالعة النيّرة، فإذا ركب تلك السفينة ووقع نظره على تلك الكواكب الظاهرة كان رجاء السلامة غالباً. فكذلك ركب أصحابنا أهل السنة سفينة حب آل محمّد ووضعوا أبصارهم على نجوم الصحابة، فرجوا من الله تعالى أن يفوزوا بالسلامة والسعادة في الدنيا والآخرة »(١) !!
وكذلك النيسابوري، فإنّه قال: « قال بعض المذكّرين: إنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح، من ركب فيها نجا، ومن تخلّف عنها غرق. وعنه صلّى الله عليه وسلّم: أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم. فنحن نركب سفينة حبّ آل محمّد ونضع أبصارنا على الكواكب النيرة، أعني آثار الصحابة، لنتخلّص من بحر التكليف وظلمة الجهالة، ومن أمواج الشبهة والضلالة »(٢) !!
وكذلك الآلوسي، فإنّه قال مثله وقد استظرف ما حكاه الرازي، قال الآلوسي بعد ما تقدم نقله عنه في وجوب محبّة أهل البيت ومتابعتهم وحرمة
____________________
(١). تفسير الرازي ٢٧ / ١٦٦.
(٢). تفسير النيسابوري - هامش الطبري - ٢٥ / ٣٥.
بغضهم ومخالفتهم:
« ومع هذا، لا أعدّ الخروج عمّا يعتقده أكابر أهل السنّة في الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - ديناً، وأرى حبّهم فرضاً عليّ مبيناً، فقد أوجبه أيضاً الشارع، وقامت على ذلك البراهين السواطع. ومن الظرائف ما حكاه الإمام عن بعض المذكّرين »(١) .
أقول:
لقد أحسن النيسابوري والآلوسي إذ لم يتّبعا الفخر الرازي في ما ذكره في صدر كلامه، فإنّي لم أفهم وجه ارتباط مطلبه بآية المودّة على أنّ فيه مواضع للنظر، منها: استدلاله بقوله تعالى:( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ) والحال أن الآية فسّرت في كتب الفريقين في هذه الأُمّة بعليٍّ أمير المؤمنينعليهالسلام (٢) .
وأمّا الحكاية الظريفة عن بعض المذكرين، فإنّ من سوء حظّ هذا المذكِّر - وهؤلاء المذكَّرين!! - تنصيص عشراتٍ من الأئمّة المعتمدين على بطلان حديث النجوم ووضعه وسقوطه كما سيأتي.
الثاني:
قال الرازي - في الوجوه الدالّة على اختصاص الأربعة الأطهار بمزيد التعظيم -: « الثالث: إنّ الدعاء للآل منصب عظيم، ولذلك جعل هذا الدعاء خاتمة التشهد في الصلاة وهو قوله: اللّهمّ صلّ » وقد تعقّب بعض علمائنا هذا
____________________
(١). روح المعاني ٢٤ / ٣٢.
(٢). مجمع الزوائد ٩ / ١٠٢ وسيأتي البحث عن هذه الآية بالتفصيل.
الكلام بما يعجبني نقله بطوله، قال:
« فائدة: قال القاضي النعمان: أجمل الله في كتابه قوله:( إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) فبيّنه النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لأُمّته، ونصب أولياءه لذلك من بعده، وذلك مفخر لهم لا يوجد إلّا فيهم، ولا يُعلم إلّا منهم، فقال حين سألوا عن الصلاة عليه قولوا: اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد، كما صلّيت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنّك حميد مجيد.
فالصلاة المأمور بها على النبيّ وآله ليست هي الدعاء لهم كما تزعم العامّة، إذ لا نعلم أحداً دعا للنبيّ فاستحسنه، ولا أمر أحداً بالدعاء له، وإلّا لكان شافعاً فيه، ولأنّه لو كان جواب قوله تعالى( صَلُّوا عَلَيْهِ ) اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد، لزم أن يكون ذلك ردّاً لأمره تعالى، كمن قال لغيره: إفعل كذا، فقال: إفعل أنت. ولو كانت الصلاة الدعاء، لكان قولنا: اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد، بمعنى: اللّهمّ ادع له، وهذا لا يجوز.
وقد كان الصحابة عند ذِكره يصلون عليه وعلى آله، فلمـّا تغلب بنو أُميّة قطعوا الصلاة عن آله في كتبهم وأقوالهم، وعاقبوا الناس عليها بغضاً لآله الواجبة مودّتهم، مع روايتهم أنّ النبي سمع رجلاً يصلّي عليه ولا يصلّي على آله فقال: لا تصلّوا علي الصلاة البترة، ثمّ علّمه بما ذكرناه أوّلاً. فلمـّا تغلّب بنو العبّاس أعادوها وأمروا الناس بها، وبقي منهم بقيّة إلى اليوم لا يصلّون على آله عند ذكره.
هذا فعلهم، ولم يدركوا أنّ معنى الصلاة عليهم سوى الدعاء لهم - وفيه شمّة لهضم منزلتهم حيث أنّ فيه حاجةً ما إلى دعاء رعيّتهم - فكيف لو فهموا أنّ معنى الصلاة هنا المتابعة؟! ومنه المصلّي من الخيل، فأوّل من صلّى النبيّ، أي
تبع جبريل حين علّمه الصلاة، ثمّ صلّى عليٌّ النبيّ، إذ هو أوّل ذكر صلّى بصلاته، فبشّر الله النبيّ أنّه يصلّي عليه بإقامة من ينصبه مصلّياً له في أُمّته، وذلك لمـّا سأل النبيّ بقوله:( وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي ) عليّاً( اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ) ثمّ قال تعالى:( صَلُّوا عَلَيْهِ ) أي: اعتقدوا ولاية علي وسلّموا لأمره. وقول النبي: قولوا: اللهم صل على محمّد وآل محمّد. أي: اسألوا الله أن يقيم له ولاية ولاةٍ يتبع بعضهم بعضاً كما كان في آل إبراهيم، وقوله: وبارك عليهم، أي: أوقع النموّ فيهم، فلا تقطع الإمامة عنهم.
ولفظ الآل وإنْ عمّ إلّا أنّ المقصود هم، لأنّ في الأتباع والأهل والأولاد فاجر وكافر لا تصلح الصلاة عليه.
فظهر أنّ الصلاة عليه هي اعتقاد وصيّته والأئمّة من ذرّيّته، إذ بهم كمال دينهم وتمام النعمة عليهم، وهم الصلاة التي قال الله إنّها تنهى عن الفحشاء والمنكر، لأنّ الصلاة الراتبة لا تنهى عن ذلك في كثير من الموارد »(١) .
وتلخّص: إنّ الآية المباركة دالّة على وجوب مودّة « أهل البيت »
* سواءٌ كانت مكّيّة أو مدنيّة، بغضّ النظر عن الروايات أو بالنظر إليها.
* وسواءٌ كان الإستثناء منقطعاً كما ذهب إليه غير واحد من علماء العامّة وبعض أكابر أصحابنا كالشيخ المفيد البغداديرحمهالله ، نظراً إلى أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لا يطلب أجراً على تبليغ الرسالة، قالرحمهالله :
« لا يصحّ القول بأنّ الله تعالى جعل أجر نبيّه مودّة أهل بيتهعليهمالسلام ، ولا أنّه جعل ذلك من أجرهعليهالسلام ، لأنّ أجر النبيّ في التقرّب إلى
____________________
(١). الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم ١ / ١٩٠ - ١٩١.
الله تعالى هو الثواب الدائم، وهو مستحقّ على الله تعالى في عدله وجوده وكرمه، وليس المستحقّ على الأعمال يتعلّق بالعباد، لأنّ العمل يجب أن يكون لله تعالى خالصاً، وما كان لله فالأجر فيه على الله تعالى دون غيره.
هذا، مع أنّ الله تعالى يقول:( وَيا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مالاً إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ ) وفي موضع آخر: و( يا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي ) .
فإن قال قائل: فما معنى قوله:( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) ؟ أوليس هذا يفيد أنّه قد سألهم مودّة القربى لأجره على الأداء؟
قيل له: ليس الأمر على ما ظننت، لما قدّمنا من حجّة العقل والقرآن، والإستثناء في هذا المكان ليس هو من الجملة، لكنّه استثناء منقطع، ومعناه: قل لا أسألكم عليه أجراً لكن أُلزمكم المودّة في القربى وأسألكموها، فيكون قوله:( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً ) كلاماً تامّاً قد استوفى معناه، ويكون قوله:( إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) كلاماً مبتدأً فائدته: لكن المودّة في القربى سألتكموها، وهذا كقوله:( فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ ) والمعنى فيه: لكن إبليس، وليس بإستثناء من جملة. وكقوله:( فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ ) معناه: لكن ربّ العالمين ليس بعدو لي، قال الشاعر:
وبلدة ليس بها أنيسُ |
إلّا اليعافير وإلّا العيسُ »(١) |
* أو كان متّصلاً كما جوّزه آخرون، من العامّة كالزمخشري والنسفي(٢) وغيرهما.
ومن أعلام أصحابنا كشيخ الطائفة، قال: « في هذا الإستثناء قولان:
____________________
(١). تصحيح الإعتقاد - مصنّفات الشيخ المفيد -: ١٤٠ - ١٤٢.
(٢). الكشّاف في تفسير القرآن ٤ / ٢٢١، تفسير النسفي هامش الخازن - ٤ / ٩٤.
أحدهما: أنّه استثناء منقطع، لأنّ المودّة في القربى ليس من الأجر، ويكون التقدير: لكنْ أُذكّركم المودّة في قرابتي، الثاني: إنّه استثناء حقيقةً، ويكون: أجري المودّة في القربى كأنّه أجر وإنْ لم يكن أجر »(١) .
وكالشيخ الطبرسي، قال: « وعلى الأقوال الثلاثة، فقد قيل في( إِلَّا الْمَوَدَّةَ ) قولان، أحدهما: إنّه استثناء منقطع، لأنّ هذا ممّا يجب بالإسلام فلا يكون أجراً للنبوّة. والآخر: إنّه استثناء متّصل، والمعنى: لا أسألكم عليه أجراً إلّا هذا فقد رضيت به أجراً، كما أنكّ تسأل غيرك حاجة فيعرض المسؤول عليك برّاً فتقول له: إجعل برّي قضاء حاجتي. وعلى هذا يجوز أن يكون المعنى: لا أسألكم عليه أجراً إلّاهذا، ونفعه أيضاً عائد عليكم، فكأنّي لم أسألكم أجراً، كما مرّ بيانه في قوله:( قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ ) .
وذكر أبو حمزة الثمالي في تفسيره: حدّثني عثمان بن عمير، عن سعيد ابن جبير، عن عبدالله بن عبّاس، إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حين قدم المدينة واستحكم الإسلام قالت الأنصار فيما بينها: نأتي رسول الله فنقول له: تعروك أُمور، فهذه أموالنا »(٢) .
* هذا، ولكنْ قد تقرّر في محلّه، أنّ الأصل في الإستثناء هو الإتّصال، وأنّه يحمل عليه ما أمكن، ومن هنا اختار البعض - كالبيضاوي حيث ذكر الإنقطاع قولاً - الإتّصال، بل لم يجوّز بعض أصحابنا الإنقطاع، فقد قال السيّد الشهيد التستري: « تقرّر عند المحقّقين من أهل العربيّة والأُصول أنّ الإستثناء المنقطع مجاز، واقع على خلاف الأصل، وأنّه لا يحمل على المنقطع إلّا لتعذّر المتّصل، بل ربّما عدلوا عن ظاهر اللفظ الذي هو المتبادر إلى الذهن مخالفين
____________________
(١). التبيان في تفسير القرآن ٩ / ١٥٨.
(٢). مجمع البيان في تفسير القرآن ٩ / ٢٩.
له، لغرض الحمل على المتّصل الذي هو الظاهر من الإستثناء، كما صرّح به الشارح العضدي حيث قال: « واعلم أنّ الحقّ أنّ المتّصل أظهر، فلا يكون مشتركاً ولا للمشترك، بل حقيقة فيه ومجاز في المنقطع، ولذلك لم يحمله علماء الأمصار على المنفصل، إلّا عند تعذّر المتّصل، حتّى عدلوا للحمل على المتّصل من الظاهر وخالفوه، ومن ثمّ قالوا في قوله: له عندي مائة درهم إلّا ثوباً، وله عَلَيَّ إبلٌ إلّا شاة، معناه: إلّا قيمة ثوب أو قيمة شاة، فيرتكبون الإضمار وهو خلاف الظاهر ليصير متّصلاً، ولو كان في المنقطع ظاهراً لم يرتكبوا مخالفة ظاهرٍ حذراً عنه. انتهى »(١) .
____________________
(١). إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل ٣ / ٢١ - ٢٢.
الفصل الخامس
دلالة الآية على الإمامة والولاية
وكيف كان فالآية المباركة تدلّ على إمامة أمير المؤمنينعليهالسلام وأهل البيتعليهمالسلام من وجوه:
إنّه حتى لو لم يكن للقرابة النسبية دخل وأثر في الإمامة والخلافة، فلا ريب في تقدّم أمير المؤمنينعليهالسلام ، إذ كلّما يكون وجهاً لاستحقاقها فهو موجود فيه على النحو الأتمّ الأكمل الأفضل لكنّ لها دخلاً وأثراً كما سنرى
ولقد أجاد السيّد ابن طاووس الحلّي حيث قال - ردّاً على الجاحظ في رسالته العثمانيّة - ما نصّه:
« قال: وزعمت العثمانيّة: إنّ أحداً لا ينال الرئاسة في الدين بغير الدين.
وتعلّق في ذلك بكلامٍ بسيطٍ عريض يملأ كتابه ويكثر خطابه، بألفاظٍ منضّدة، وحروف مسدّدة كانت أو غير مسدّدة. بيان ذلك:
إنّ الإماميّة لا تذهب إلى أنّ استحقاق الرئاسة بالنسب، فسقط جميع ما أسهب فيه الساقط، ولكنّ الإماميّة تقول: إنْ كان النسب وجه الإستحقاق فبنو هاشم أولى به، ثمّ عليٌّ أولاهم به، وإنْ يكن بالنسب، فعليٌّ أولى به، إذ كان صهر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وإن يكن بالتربية فعليٌّ أولى به، وإنْ يكن
بالولادة من سيّدة النساء فعليٌّ أولى به، وإنْ يكن بالهجرة فعليٌّ مسبّبها بمبيته على الفراش، فكلّ مهاجريّ بعد مبيته في ضيافته عدا رسول الله، إذ الجميع في مقام عبيده وخوله، وإنْ يكن بالجهاد فعليٌّ أولى به، وإنْ يكن بحفظ الكتاب فعليٌّ أولى به، وإنْ يكن بتفسيره فعليٌّ أولى به على ما أسلفت، وإنْ يكن بالعلم فعليٌّ أولى به، وإنْ يكن بالخطابة فعليٌّ أولى به، وإنْ يكن بالشعر فعليٌّ أولى به.
قال الصولي فيما رواه: كان أبو بكر شاعراً وعمر شاعراً وعليٌّ أشعرهم.
وإنْ يكن بفتح أبواب المباحث الكلاميّة فعليٌّ أولى به، وإنْ يكن بحسن الخلق فعليٌّ أولى به، إذ عمر شاهد به، وإنْ يكن بالصدقات فعليٌّ - على ما سلف - أولى به، وإنْ يكن بالقوّة البدنيّة فعليٌّ أولى به، بيانه: باب خيبر، وإنْ يكن بالزهد فعليٌّ أولى به، في تقشّعه وبكائه وخشوعه وفنون أسبابه وتقدّم إيمانه، وإنْ يكن بما روي عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في فضله فعليٌّ أولى به، بيانه: ما رواه ابن حنبل وغيره على ما سلف، وإنْ يكن بالقوّة الواعية فعليٌّ أولى به، بيانه: قول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « إنّ الله أمرني أن أُدنيك ولا أُقصيك، وأنْ أُعلّمك وتعي، وحقّ على الله أن تعي »، وإنْ يكن بالرأي والحكم فعليٌّ أولى به، بيانه: شهادة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم له على ما مضى بالحكمة، وغير ذلك ممّا نبّهنا عليه فيما مضى.
وإذ تقرّر هذا، بان معنى التعلّق لمن يذكر النسب إذا ذكره، ولهذا تعجّب أمير المؤمنينعليهالسلام حيث يُستولى على الخلافة بالصحابة، ولا يُستولى عليها بالقرابة والصحابة.
ثمّ إنّي أقول: إنّ أبا عثمان أخطأ في قوله: « إنّ أحداً لا ينال الرئاسة في الدين بغير الدين ».
بيانه: أنّه لو تخلّى صاحب الدين من السداد ما كان أهلاً للرئاسة، وهو منع أن ينالها أحد إلّا بالدين، والإستثناء من النفي إثبات حاضر في غير ذلك من صفات، ذكرتها في كتابي المسمّى « بالآداب الحكمية » متكثّرة جدّاً، ومنها ما هو ضروري، ومنها ما هو دون ذلك.
ومن بغي عدوّ الإسلام أن يأتي متلفّظاً بما تلفّظ به، وأمير المؤمنينعليهالسلام الخصم، وتيجان شرفه المصادمة، ومجد سؤدده المدفوع، إذ هو صاحب الدين، وبه قام عموده، ورست قواعده، وبه نهض قاعده، وأفرغت على جيد الإسلام قلائده.
وأقول بعد هذا: إنّ للنسب أثراً في الرئاسة قويّاً.
بيانه: أنّه إذا تقدّم على أرباب الشرف النسبي مَن لا يدانيهم، وقادهم من لا يقاربهم ولا يضاهيهم، كانوا بالأخلق عنه نافرين آنفين، بل إذا تقدّم على أهل الرئيس الفائت غير عصبته، وقادهم غير القريب الأدنى من لحمته، كانوا بالأخلق عنه حائدين متباعدين، وله قالين، وذلك مظنّة الفساد في الدين والدنيا، وقد ينخرم هذا اتّفاقاً، لكنّ المناط الظاهر هو ما إليه أشرت، وعليه عوّلت.
وأقول: إنّ القرآن المجيد لمـّا تضمّن العناية بالأقربين من ذرّيّة رسول الله صلّى الله عليهم ومواددتهم، كان ذلك مادّة تقديمهم مع الأهليّة التي لا يرجح غيرهم عليهم فيها، فكيف إذا كان المتقدّم عليهم لا يناسبهم فيها ولا يدانيها؟!
قال الثعلبي بعد قوله تعالى:( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) بعد أن حكى شيئاً ثمّ قال: فأخبرني الحسين بن محمّد، [ قال: ] حدّثنا برهان بن علي الصوفي، [ قال: ] حدّثنا حرب بن الحسن الطحان، [ قال: ] حدّثنا حسين الأشقر، عن قيس، عن الأعمش، عن سعيد ابن جبير،
عن ابن عبّاس، قال: لمـّا نزلت( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) قالوا: يا رسول الله، من قرابتك هؤلاء الّذين أوجبت علينا مودّتهم؟ قال: عليٌّ وفاطمة وابناهما.
وروى فنوناً جمّة غير هذا من البواعث على محبّة أهل البيت، فقال: أخبرنا أبو حسّان المزكي، [ قال: ] أخبرنا أبو العبّاس محمّد بن إسحاق، [ قال: ] حدّثنا الحسن بن علي بن زياد السري، [ قال: ] حدّثنا يحيى بن عبدالحميد الحماني، [ قال: ] حدّثنا حسين الأشقر، [ قال: ] حدّثنا قيس، [ قال: ] حدّثنا الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: لما نزلت( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) فقالوا: يا رسول الله، من هؤلاء الّذين أمرنا الله بمودّتهم؟ قال: عليُّ وفاطمة وولدهما.
وقال: أخبرنا أبو بكر بن الحرث، [ قال: ] حدّثنا أبو السبح، [ قال: ] حدّثنا عبد الله بن محمّد بن زكريا، [ قال: ] أخبرنا إسماعيل بن يزيد، [ قال: ] حدّثنا قتيبة بن مهران، [ قال: ] حدّثنا عبدالغفور أبو الصباح، عن أبي هاشم الرماني، عن زاذان، عن عليّرضياللهعنه ، قال: فينا في آل حم، إنّه لا يحفظ مودتّنا إلّا كلّ مؤمن، ثمّ قرأ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) .
وقال الكلبي: قل لا أسألكم على الإيمان جعلاً إلّا أن توادّوا قرابتي، وقد رأيت أن أذكر شيئاً من الآي الذي يحسن أن تتحدّث عنده »(١) .
أقول:
لا ريب في أنّ للنسب والقرب النَسَبي تأثيراً، وأنّ للعناية الإلهيّة
____________________
(١). بناء المقالة الفاطمية في نقض الرسالة العثمانية: ٣٨٧ - ٣٩١.
بـ « القربى » - أي: بعليٍّ والزهراء بضعة النبيّ وولديهما - حكمة، وفي السنّة النبويّة على ذلك شواهد وأدلّة نشير إلى بعضها بإيجاز:
أخرج مسلم والترمذي وابن سعد وغيرهم عن واثلة، قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: « إنّ الله عزّ وجلّ اصطفى كنانة من وُلد إسماعيل عليه الصلاة والسلام، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم »(١) .
قال النووي بشرحه: « استدلّ به أصحابنا على أنّ غير قريش من العرب ليس بكفءٍ لهم، ولا غير بني هاشم كفءٌ لهم إلّا بني المطّلب، فإنّهم هم وبنو هاشم شيء واحد، كما صرّح به في الحديث الصحيح »(٢) .
وعقد الحافظ أبو نعيم: « الفصل الثاني: في ذكر فضيلته صلّى الله عليه وسلّم بطيب مولده وحسبه ونسبه وغير ذلك » فذكر فيه أحاديث كثيرة بالأسانيد، منها ما تقدّم، ومنها الرواية التالية:
« إنّ الله عزّ وجلّ حين خلق الخلق جعلني من خير خَلقه، ثمّ حين خلق القبائل جعلني في خير قبيلتهم، وحين خلق الأنفس جعلني من خير أنفسهم، ثمّ حين خلق البيوت جعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم أباً وخيرهم نفساً »(٣) .
وذكر الحافظ محبّ الدين الطبري بعض هذه الأحاديث تحت عنوان « ذِكر اصطفائهم » و « ذِكر أنّهم خير الخلق »(٤) .
____________________
(١). جامع الاُصول ٩ / ٣٩٦ عن مسلم والترمذي، الطبقات الكبرى ١ / ٢٠، الشفا بتعريف حقوق المصطفى.
(٢). المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجّاج ١٥ / ٣٦.
(٣). دلائل النبوّة ١ / ٦٦ ح ١٦.
(٤). ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى: ١٠.
وقال القاضي عياض: « الباب الثاني في تكميل الله تعالى له المحاسن خلقاً وخلقاً، وقرانه جميع الفضائل الدينية والدنيوية فيه نسقاً » فذكر فيه فوائد جمّة في كلام طويل(١) .
إذن، هناك ارتباط بين « آية المودّة » و « آية التطهير » وأحاديث « الإصطفاء » و « أنّهم خير خلق الله ».
ثمّ إنّ في أخبار السقيفة والإحتجاجات التي دارت هناك بين مَن حضرها من المهاجرين والأنصار، ما يدلّ على ذلك دلالة واضحة، فقد أخرج البخاري أنّ أبا بكر خاطب القوم بقوله: « لن تعرف العرب هذا الأمر إلّا لهذا الحيّ من قريش، هم أوسط العرب نسباً وداراً »(٢) ولا يستريب عاقل في أنّ عليّاًعليهالسلام هو الأشرف، من المهاجرين والأنصار كلّهم - نسباً وداراً، فيجب أن يكون هو الإمام.
بل روى الطبري وغيره أنّه قال كلمةً أصرح وأقرب في الدلالة، فقال الطبري إنّه قال في خطبته: « فخصَّ الله المهاجرين الأوّلين من قومه بتصديقه والإيمان به والمواساة له والصبر معه على شدّة أذى قومهم لهم ولدينهم، وكلّ الناس لهم مخالف زارٍ عليهم، فلم يستوحشوا لقلّة عددهم وشنف الناس لهم وإجماع قومهم عليهم.
فهم أوّل من عَبَدَالله في الأرض وآمن به وبالرسول، وهم أولياؤه وعشيرته وأحقّ النّاس بهذا الأمر من بعده، ولا ينازعهم في ذلك إلّا ظالم »(٣) .
وفي رواية ابن خلدون: « نحن أولياء النبيّ وعشيرته، وأحقّ الناس
____________________
(١). الشفا بتعريف حقوق المصطفى ١ / ١٣٧.
(٢). صحيح البخاري / كتاب الحدود - الباب ٣١، وانظر: تاريخ الطبري ٣ / ٢٠٣، سيرة ابن هشام ٢ / ٦٥٧، غيرهما.
(٣). تاريخ الطبري ٣ / ٢١٩.
بأمره، ولا ننازع في ذلك »(١) .
وفي رواية المحبّ الطبري عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب: « فكنّا - معشر المهاجرين - أوّل الناس إسلاماً، ونحن عشيرته وأقاربه وذوو رحمه، ونحن أهل الخلافة، وأوسط الناس أنساباً في العرب، ولدتنا العرب كلّها، فليس منهم قبيلة إلّا لقريش فيها ولادة، ولن تصلح إلّا لرجل من قريش »(٢) .
وهل اجتمعت هذه الصفات - وفي أعلى مراتبها وأسمى درجاتها - إلّا في عليّعليهالسلام ؟! إنّ عليّاًعليهالسلام هو الذي توفّرت فيه هذه الصفات واجتمعت الشروط فهو « عشيرة النبي » و « ذو رحمه » و « وليّه » وهو « أوّل من عَبَدَالله في الأرض وآمن به » فهو « أحقّ الناس بهذا الأمر من بعده » و « لا ينازعه في ذلك إلّا ظالم »!!
ومن هنا نراهعليهالسلام يحتجّ على القوم في الشورى بـ « الأقربية » فيقول: « أُنشدكم بالله، هل فيكم أحد أقرب إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في الرحم منّي، ومن جعله نفسه وأبناءه أبناءه ونساءه نساءه؟! قالوا: اللهمّ لا » الحديث(٣) .
وهذا ما اعترف به لهعليهالسلام طلحة والزبير، حين راجعه الناس بعد قتل عثمان ليبايعوه، فقال - في ما روي عن ابن الحنفيّة -: « لا حاجة لي في ذلك، عليكم بطلحة والزبير.
قالوا: فانطلِق معنا. فخرج عليٌّ وأنا معه في جماعة من الناس، حتّى أتينا طلحة بن عبيد الله فقال له: إنّ الناس قد اجتمعوا ليبايعوني ولا حاجة لي
____________________
(١). تاريخ ابن خلدون ٢ / ٨٥٤.
(٢). الرياض النضرة ١ / ٢١٣.
(٣). الصواعق المحرقة: ٩٣ عن الدارقطني.
في بيعتهم، فابسط يدك أُبايعك على كتاب الله وسُنّة رسوله.
فقال له طلحة: أنت أولى بذلك منّي وأحقّ، لسابقتك وقرابتك، وقد اجتمع لك من هؤلاء الناس من قد تفرّق عنّي.
فقال له علي: أخاف أن تنكث بيعتي وتغدر بي!
قال: لا تخافنّ ذلك، فوالله لا ترى من قِبلي أبداً شيئاً تكره.
قال: الله عليك كفيل.
ثمّ أتى الزبير بن العوّام - ونحن معه - فقال له مثل ما قال لطلحة، وردّ عليه مثل الذي ردّ عليه طلحة »(١) .
هذا، وقد كابر الجاحظ في ذلك، في رسالته التي وضعها للدفاع عن العثمانيّة، فردّ عليه السيّد ابن طاووس الحلّي - طاب ثراه - قائلاً:
« وتعلّق بقوله تعالى:( وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ) .
وليس هذا دافعاً كون القرابة إذا كان ذا دين وأهليّة، أنْ يكون أولى من غيره وأحقّ ممّن سواه بالرئاسة.
وتعلّق بقول رسول الله لجماعةٍ من بني عبدالمطّلب: إنّي لا أُغني عنكم من الله شيئاً.
وهي رواية لم يسندها عن رجالٍ، ولم يضفها إلى كتاب.
وممّا يردّ عليها ما رواه الثعلبي، قال: وأخبرنا يعقوب بن السري، [ قال ]: أخبرنا محمّد بن عبدالله الحفيد، [ قال: ] حدّثنا عبدالله بن أحمد بن عامر، [ قال: ] حدّثني أبي، حديث عليّ بن موسى الرضاعليهالسلام ، قال: حدّثني أبي موسى بن جعفر، [ قال: ] حدّثني أبي جعفر بن محمّد، [ قال: ] حدّثنا أبي محمّد بن عليّ، [ قال: ] حدّثنا أبي علي بن الحسين، [ قال: ]
____________________
(١). كنز العمّال ٥ / ٧٤٧ - ٧٥٠.
حدّثنا أبي الحسين بن عليّ، [ قال: ] حدّثنا أبي عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « حرّمت الجنّة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي، ومن اصطنع صنيعة إلى أحد من وُلد عبدالمطّلب ولم يجازه عليها، فأنا جازيه غداً إذا لقيني في القيامة.
ومن كتاب الشيخ العالم أبي عبدالله محمّد بن عمران بن موسى المرزباني ( في ما نزل من القرآن في أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ) ما يشهد بتكذيب قصد الجاحظ ما حكايته:
ومن سورة النساء، حدّثنا عليّ بن محمّد، قال: حدّثني الحسين بن الحكم الحبري، قال: حدّثنا حسن بن حسين، قال: حدّثنا حيان بن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، في قوله تعالى:( وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَساءلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ ) الآية، نزلت في رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيته وذوي أرحامه، وذلك أنّ كلّ سبب ونسب منقطع [ يوم القيامة ] إلّا ما كان من سببه ونسبه،( إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) .
والرواية عن عمر شاهدة بمعنى هذه الرواية، حيث ألحّ بالتزويج عند أمير المؤمنين صلوات الله عليه.
وتعلّق بقوله تعالى:( وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ) .
أقول: إنّ الجاحظ جهل أو تجاهل، إذ هي في شأن الكافرين، لا في سادات المسلمين أو أقرباء رسول ربّ العالمين.
بيانه: قوله تعالى:( وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ) .
وتعلّق بقوله تعالى:( يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً ) ولم يتمّم الآية، تدليساً وانحرافاً، أو جهلاً، أو غير ذلك، والأقرب بالأمارات الأوّل، لأنّ
الله تعالى تمّم ذلك بقوله:( وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) .
وخلصاء الذرّيّة والقرابة مرحومون بالاي والأثر، فسقط تعلّقه، مع أنّ هذا جميعه ليس داخلاً في كون ذي الدين والأهليّة لا يكون له ترجيح في الرئاسة وتعلّق له بالرئاسة.
وتعلّق بقوله تعالى:( يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) وليس هذا مما يدخل في تقريره الذي شرع فيه، وإنْ كان حديثاً خارجاً عن ذلك، فالجواب عنه: بما أنّ المفسرين أو بعضهم قالوا في معنى قوله تعالى:( سَلِيمٍ ) : لا يشرك، وهذا صحيح.
وتعلّق بقوله تعالى:( اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ ) وليس هذا من الرئاسة الدنياويّة في شيء.
وبعد، فهو مخصوص بقرابة النبيّعليهالسلام بالأثر السالف عن الرضا.
وبعد، فإنّ المفسّرين قالوا عند قوله تعالى:( عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً ) قالوا: الشفاعة، وإذا كان الرسول شافعاً في عموم الناس فأولى أن يشفع في ذرّيّته ورحمه، وكذا قيل في قوله تعالى:( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ) إنّها الشفاعة.
وتعلّق بقوله تعالى:( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ ) وليس هذا ممّا حاوله من سابق تقريره في شيء.
وتعلّق في قصّة نوح وكنعان، وليس هذا ممّا نحن فيه في شئ، أين كنعان من سادات الإسلام؟!
وتعلّق بقوله تعالى:( لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) وللإمامية في هذا مباحث سديدة، إذ قالوا: من سبق كفره، ظالمٌ لا محالة فيما مضى، فلا يكون
أهلاً للرئاسة، فهذه واردة على الجاحظ لا له.
ورووا في شيء من ذلك الرواية من طرق القوم، وسابق ما لا صيّور له فيما نحن بصدده »(١) .
إنّه ليس المراد من « المودّة » هو « المحبّة المجرّدة »، لا سيّما في مثل الآية المباركة( ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً ) فإنّه قد جعلت « المودّة » - بناءً على اتّصال الإستثناء - أجراً للرسالة، ومن المعلوم أنّه لولا التساوي والتناسب بين الشيء ومقابله لم يصدق على الشيء عنوان « الأجر »، وحينئذ، فإذا لاحظنا عظمة الرسالة المحمّديّة عند الله وعند البشريّة اهتدينا إلى عظمة هذا الأجر وهو « المودّة في القربى »
وكذا بناءً على الإنقطاع، لأنّ الروايات قد دلّت على أنّ المسلمين اقترحوا عليهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يدفعوا إليه في مقابل أداء الرسالة من الأموال ما يكون معه في سعةٍ، فأجاب - بناءً على هذا القول - بالردّ وأنّه لا يسألهم أجراً أصلاً، ثمّ قال: ولكنْ « المودّة في القربى » فجعلها هي الشئ المطلوب منهم والواجب عليهم
فإيجاب المودّة - في مثل هذا المقام، دون غيرها ممّا كان بالإمكان أن يطلبه منهم - يدلّ على أنّ هذا الأمر أهمّ الأشياء عند الله والرسول.
وعلى الجملة ليس المراد مجرّد المودّة والمحبّة، بل هي المحبّة
____________________
(١). بناء المقالة الفاطمية في نقض الرسالة العثمانية: ٣٩١ - ٣٩٧.
المستتبعة للإنقياد والطاعة، قال تعالى:( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ ) (١) والإتّباع يعني إطاعة الأمر كما في الآية المباركة:( وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي ) (٢) .
والإتّباع، والإنقياد التامّ، والإطاعة المطلقة، هو معنى الإمامة والولاية قال العلّامة الحلّي: « الرابعة: قوله تعالى:( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) روى الجمهور
ووجوب المودّة يستلزم وجوب الطاعة »(٣) .
وقال أيضاً: « البرهان السابع: قوله تعالى:( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) روى أحمد بن حنبل
وغير عليّ من الصحابة والثلاثة لا تجب مودّته، فيكون عليٌّ أفضل فيكون هو الإمام، ولأنّ مخالفته تنافي المودّة، وبامتثال أوامره تكون مودّته، فيكون واجب الطاعة، وهو معنى الإمامة »(٤) .
وأيضاً، فإنّ عليّاً ممّن وجبت محبّته ومودّته على نحو الإطلاق، ومن وجبت محبّته كذلك كان هو الأحبّ، ومن كان أحبّ الناس إلى الله ورسوله كان أفضلهم، ومن كان أفضل كان هو الإمام فعليٌّعليهالسلام هو الإمام بعد رسول الله.
أمّا المقدّمة الأُولى فواضحة جدّاً من الآية المباركة.
____________________
(١). سورة النساء ٤: ٣١. وراجع التفاسير كالرازي ٨ / ١٧.
(٢). سورة النور ٢٤: ٥٤.
(٣). نهج الحقّ: ١٧٥.
(٤). منهاج الكرامة - المطبوع في آخر المجلّد الثاني من « منهاج السنّة » -: ٧٤.
وأمّا المقدّمة الثانية فواضحة كذلك، وممّا يدلُّ على أنّ عليّاًعليهالسلام أحبّ الخلق إلى الله ورسوله: حديث الطائر، إذ قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم - وقد أهدي إليه طائر -: « اللّهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك، فجاء عليٌّ فأكل معه » رواه عنه من الصحابة:
١ - عليٌّ أمير المؤمنينعليهالسلام .
٢ - عبدالله بن العبّاس.
٣ - أبو سعيد الخدري.
٤ - سفينة.
٥ - أبو الطفيل عامر بن واثلة.
٦ - أنس بن مالك.
٧ - سعد بن أبي وقّاص.
٨ - عمرو بن العاص.
٩ - أبو مرازم يعلى بن مرّة.
١٠ - جابر بن عبدالله الأنصاري.
١١ - أبو رافع.
١٢ - حبشي بن جنادة.
ورواه عنهم من التابعين عشرات الرجال.
ومن مشاهير الأئمّة والحفّاظ والعلماء في كلّ قرن، أمثال:
أبي حنيفة، إمام المذهب.
وأحمد بن حنبل، إمام المذهب.
وأبي حاتم الرازي.
وأبي عيسى الترمذي.
وأبي بكر البزّار.
وأبي عبدالرحمن النسائي.
وأبي الحسن الدارقطني.
وأبي عبدالله الحاكم النيسابوري.
وأبي بكر ابن مردويه.
وأبي نعيم الأصفهاني.
وأبي بكر البيهقي.
وأبي عمر ابن عبدالبرّ.
وأبي محمّد البغوي.
وأبي الحسن العبدري.
وأبي القاسم ابن عساكر.
وابن حجر العسقلاني.
وجلال الدين السيوطي.
وعلى الجملة، فهذا الحديث نصٌّ في أنّ عليّاً أحبّ الخلق إلى ورسوله(١) .
وأمّا المقدّمة الثالثة فهي واضحة جدّاً كذلك، وقد نصّ غير واحدٍ منهم على ذلك أيضاً:
قال وليّ الدين ابن العراقي، في كلام له، نقله الحافظ القسطلاني وابن حجر المكّي عنه: « المحبّة الدينيّة لازمة للأفضليّة، فمن كان أفضل كانت محبّتنا الدينية له أكثر »(٢) .
____________________
(١). وهو يشكّل الجزئين الثالث عشر والرابع عشر من كتابنا.
(٢). المواهب اللدنيّة بالمنح المحمّديّة، الصواعق المحرقة: ٩٧.
وقال الرازي بتفسير( إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ ) : « والمراد من محبّة الله تعالى له إعطاؤه الثواب »(١) .
ومن الواضح: أنّ من كان الأحبّ إلى الله كان الأكثر ثواباً، والأكثر ثواباً هو الأفضل قطعاً.
وقال ابن تيميّة: « والمقصود أنّ قوله: ( وغير عليٍّ من الثلاثة لا تجب مودّته ) كلام باطل عند الجمهور، بل مودّة هؤلاء أوجب عند أهل السنّة من مودّة عليّ، لأنّ وجوب المودّة على مقدار الفضل، فكلّ من كان أفضل كانت مودّته أكمل
وفي الصحيح: إنّ عمر قال لأبي بكر يوم السقيفة: بل أنت سيّدنا وخيرنا وأحبّنا إلى رسول الله»(٢) .
وقال التفتازاني: « إنّ ( أحبّ خلقك ) يحتمل تخصيص أبي بكر وعمر منه، عملاً بأدلّة أفضليّتهما »(٣) .
وعلى الجملة: فإنّ هذه المقدّمة واضحة أيضاً ولا خلاف لأحدٍ فيها.
وأمّا المقدّمة الرابعة فبدليل العقل والنقل، وبه صرّح غير واحدٍ من أعلام أهل الخلاف، حتّى أنّهم نقلوا عن الصحابة ذلك، كما تقدّم في بعض الكلمات في فصل الشبهات، وقال الشريف الجرجاني في الشورى وأنّه لماذا جعلت في هؤلاء الستّة دون غيرهم:
« وإنّما جعلها شورى بينهم، لأنّه رآهم أفضل ممّن عداهم، وأنّه لا يصلح للإمامة غيرهم »(٤) .
____________________
(١). تفسير الرازي ٨ / ١٧.
(٢). منهاج السنّة ٧ / ١٠٦ - ١٠٧.
(٣). شرح المقاصد ٥ / ٢٩٩.
(٤). شرح المواقف ٨ / ٣٦٥.
وقال ابن تيميّة في مواضع من كتابه بعدم جواز تولية المفضول مع وجود الأفضل(١) .
وقال محبّ الدين الطبري: « قولنا: لا ينعقد ولاية المفضول عند وجود الأفضل »(٢) .
وكذا قال غيرهم ولا حاجة إلى ذكر كلماتهم.
وإلى هذا الوجه أشار العلّامة الحلّي في كلامه السابق.
وقال المحقّق نصير الدين الطوسي في أدلّة أفضليّة أمير المؤمنينعليهالسلام : « ووجوب المحبّة ».
فقال العلّامة بشرحه: « هذا وجه تاسع عشر وتقريره: إنّ عليّاًعليهالسلام كان محبته ومودّته واجبة دون غيره من الصحابة، فيكون أفضل منهم. وبيان المقدّمة الأُولى: إنّه مِن اولي القربى، فتكون مودّته واجبة، لقوله تعالى:( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) (٣) .
وأيضاً: فإنّ إطلاق الأمر بمودّتهم دليل على عصمتهم، وإذا ثبتت العصمة ثبتت الإمامة، وهذا واضح.
أمّا أنّ إطلاق الأمر بمودّتهم - الدالّ على الإطاعة المطلقة - دليل على عصمتهم، فيكفي فيه كلام الفخر الرازي بتفسير قوله تعالى:( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) (٤) .
____________________
(١). منهاج السنّة ٣ / ٢٧٧. الطبعة القديمة.
(٢). الرياض النضرة - باب خلافة أبي بكر - ١ / ٢١٦.
(٣). كشف المراد في شرح تجريد الإعتقاد: ٣١٠.
(٤). سورة النساء ٤: ٥٩.
فإنّه قال:
« إنّ الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية، ومن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم والقطع لابدّ وأنْ يكون معصوماً عن الخطأ، إذ لو لم يكن معصوماً عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ يكون قد أمر الله بمتابعته، فيكون ذلك أمراً بفعل ذلك الخطأ، والخطأ لكونه خطأ منهيٌّ عنه، فهذا يفضي إلى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد بالإعتبار الواحد، وإنّه محال. فثبت أنّ الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم، وثبت أنّ كلّ من أمر الله بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوماً عن الخطأ، فثبت قطعاً أنّ ( أُولي الأمر ) المذكور في هذه الآية لا بدّ وأن يكون معصوماً »(١) .
فهذا محلّ الشاهد من كلامه، وأمّا من « أولي الأمر » الّذين أُمرنا بإطاعتهم؟ فذاك بحث آخر..
وعلى الجملة، فوجوب الإطاعة والإتّباع على الإطلاق - المستفاد من وجوب المحبّة المطلقة - مستلزم للعصمة.
وقد ذكر هذا الوجه غير واحدٍ من علمائنا:
قال البياضي العامليرحمهالله : « جعل الله أجر رسالة نبيّه في مودّة أهله في قوله تعالى:( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) .
قالوا: المراد القربى في الطاعات، أي: في طاعة أهل القربى.
قلنا: الأصل عدم الإضمار، ولو سلّم، فلا يتصوّر إطلاق الأمر بمودّتهم إلّامع عصمتهم.
قالوا: المخاطب بذلك الكفّار، يعني: راقبوا نسبي منكم، يعني القرشيّة.
قلنا: الكفّار لا تعتقد للنبيّ أجراً حتّى تُخاطب بذلك.
____________________
(١). تفسير الرازي ١٠ / ١٤٤.
على أنّ الأخبار المتّفق عليها تنافي الوجهين، ففي صحيح البخاري »(١) .
وقال السيّد الشبّر: « وجوب المودّة يستلزم وجوب الطاعة، لأنّ المودّة إنّما تجب مع العصمة، إذ مع وقوع الخطأ منهم يجب ترك مودّتهم كما قال تعالى:( لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ ) (٢) وغيرهمعليهمالسلام ليس بمعصوم اتّفاقاً، فعليٌّ وولداه الأئمّة »(٣) .
أقول:
وهذا كلام السيّد الشهيد التستري في الردّ على ابن روزبهان، الذي أشكل على العلّامة الحلّي...
* قال ابن روزبهان: « ونحن نقول: إنّ مودّته مواجبة على كلّ المسلمين، والمودّة تكون مع الطاعة، ولا كلّ مطاع يجب أن يكون صاحب الزعامة الكبرى ».
فأجاب السيّدرحمهالله : « وأمّا ما ذكره من أنّه لا يدلّ على خلافة عليّعليهالسلام ، فجهالة صِرفة أو تجاهل محض! لظهور دلالة الآية على أنّ مودّة عليّعليهالسلام واجبة بمقتضى الآية، حيث جعل الله تعالى أجر الإرسال إلى ما يستحقّ به الثواب الدائم مودّة ذوي القربى، وإنّما يجب ذلك مع عصمتهم، إذ
____________________
(١). الصراط المستقيم إلى مستحقّي التقديم ١ / ١٨٨.
(٢). سورة المجادلة ٥٨: ٢٢.
(٣). حقّ اليقين في معرفة أُصول الدين ١ / ٢٧٠.
مع وقوع الخطأ عنهم يجب ترك مودّتهم لقوله تعالى:( لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ ) الآية. وغير عليٍّ ليس بمعصوم بالإتّفاق، فتعيّن أن يكون هو الإمام.
وقد روى ابن حجر في الباب الحادي عشر من صواعقه عن إمامه الشافعي شعراً في وجوب ذلك برغم أنف الناصب، وهو قوله:
يا أهل بيت رسول الله حبّكم |
فرض من الله في القرآن أنزله |
|
كفاكم من عظيم القدر أنكّم |
من لم يصلّ عليكم لا صلاة له |
على أنّ إقامة الشيعة للدليل على إمامة عليٍّعليهالسلام على أهل السنّة غير واجب بل تبرّعي، لاتّفاق أهل السنّة معهم على إمامته بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، غاية الأمر أنّهم ينفون الواسطة وأهل السنّة يثبتونها، والدليل على المثبت دون النافي، كما تقرّر في موضعه، إلّا أن يرتكبوا خرق الإجماع بإنّكار إمامته مطلقاً، فحينئذٍ يجب على الشيعة إقامة الدليل، والله الهادي إلى سواء السبيل »(١) .
وقال الشيخ المظفّر في جواب ابن روزبهان بعد كلام له: « فيتعيّن أن يكون المراد بالآية: الأربعة الأطاهر، وهي تدلّ على أفضليّتهم وعصمتهم وأنّهم صفوة الله سبحانه، إذ لو لم يكونوا كذلك لم تجب مودّتهم دون غيرهم، ولم تكن مودّتهم بتلك المنزلة التي ما مثلها منزلة، لكونها أجراً للتبليغ والرسالة الذي لا أجر ولا حقّ يشبهه.
ولذا لم يجعل الله المودّة لأقارب نوح وهود أجراً لتبليغهما، بل قال لنوح:( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مالاً إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ ) وقال لهود:( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ ) .
____________________
(١). إحقاق الحقّ - في الردّ على ابن روزبهان - ٣ / ٢٣.
فتنحصر الإمامة بقربى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، إذ لا تصحّ إمامة المفضول مع وجود الفاضل، لا سيّما بهذا الفضل الباهر، مضافاً إلى ما ذكره المصنّف -رحمهالله - من أنّ وجوب المودّة مطلقاً يستلزم وجوب الطاعة مطلقاً، ضرورة أنّ العصيان ينافي الودّ المطلق، ووجوب الطاعة مطلقاً يستلزم العصمة التي هي شرط الإمامة، ولا معصوم غيرهم بالإجماع، فتنحصر الإمامة بهم، ولا سيّما مع وجوب طاعتهم على جميع الأُمّة.
وقد فهم دلالة الآية على الإمامة الصحابة، ولذا اتّهم النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بعضهم فقالوا: ما يريد إلّا أنْ يحثّنا على قرابته بعده، كما سمعته من بعض الروايات السابقة(١) وكلّ ذي فهم يعرفها من الآية الشريفة، إلّا أنّ القوم أبوا أنْ يقرّوا بالحقّ ويؤدّوا أجر الرسالة، فإذا صدرت من أحدهم كلمة طيّبة لم تدعه العصبيّة حتّى يناقضها »(٢) .
* وبالتأمّل في الوجوه التي ذكرناها وما نصّ عليه علماؤنا، يظهر الجواب عن كلام السعد التفتازاني حيث ذكر في مباحث الأفضلية قائلاً:
« القائلون بأفضليّة عليّرضياللهعنه تمسّكوا بالكتاب والسنّة والمعقول. أمّا الكتاب فقوله تعالى:( فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ) الآية وقوله تعالى:( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) قال سعيد بن جبير: لمـّا نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله، من هؤلاء الّذين نودّهم؟ قال: عليٌّ وفاطمة وولداها. ولا يخفى أنّ من وجبت محبّته بحكم نصّ الكتاب كان أفضل. وكذا من ثبتت نصرته للرسول بالعطف في كلام الله تعالى عنه على اسم الله وجبريل، مع التعبير عنه -
____________________
(١). المعجم الكبير ١٢ / ٢٦، وغيره.
(٢). دلائل الصدق لنهج الحق ٢ / ١٢٥ - ١٢٦.
بـ « صالح المؤمنين » وذلك قوله تعالى:( فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) فعن ابن عبّاس -رضياللهعنه - أنّ المراد به عليٌّ ».
قال: « والجواب: إنّه لا كلام في عموم مناقبه ووفور فضائله واتّصافه بالكمالات واختصاصه بالكرامات، إلّا أنّه لا يدلّ على الأفضليّة - بمعنى زيادة الثواب والكرامة عند الله - بعد ما ثبت من الإتّفاق الجاري مجرى الإجماع على أفضليّة أبي بكر ثمّ عمر، والإعتراف من عليٍّ بذلك!
على أنّ في ما ذكر مواضع بحث لا تخفى على المحصّل، مثل: إنّ المراد بأنفسنا نفس النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كما يقال: دعوت نفسي إلى كذا. وأنّ وجوب المحبّة وثبوت النصرة على تقدير تحقّقه في حق عليٍّ -رضياللهعنه - فلا اختصاص به »(١) .
أقول:
قد عرفت أنّ الآية المباركة تدلّ على وجوب محبّة عليٍّعليهالسلام ، ووجوب المحبّة المطلقة يدلّ على أنّه الأحبّ عند الله ورسوله، والأحبّيّة دالّة على الأفضلية.
وأيضاً: وجوب المحبّة المطلقة يستلزم العصمة وهي شرط الإمامة.
وأمّا دعوى أفضليّة أبي بكر وعمر فأوّل الكلام كدعوى عدم الإختصاص بعليٍّعليهالسلام ، لقيام الإجماع على عدم عصمة أبي بكر وعمر
* وقد اضطرب ابن تيميّة في هذا المقام، فقال: « إنّا نسلّم أنّ عليّاً تجب مودّته وموالاته بدون الإستدلال بهذه الآية، لكنْ ليس في وجوب موالاته
____________________
(١). شرح المقاصد ٥ / ٢٩٥ - ٢٩٩.
ومودّته ما يوجب اختصاصه بالإمامة والفضيلة. وأمّا قوله: والثلاثة لا تجب مودّتهم، فممنوع، بل يجب أيضاً مودّتهم وموالاتهم، فإنّه قد ثبت أنّ الله يحبّهم، ومن كان يحبّه الله وجب علينا أنْ نحبّه، فإنّ الحبّ في الله والبغض في الله واجب، وهو أوثق عرى الإيمان، وكذلك هم من أكابر أولياء الله المتّقين، وقد أوجب الله موالاتهم، بل قد ثبت أنّ الله رضي عنهم ورضوا عنه بنصّ القرآن، وكلّ منرضياللهعنه فإنّه يحبّه، والله يحبّ المتّقين والمحسنين والمقسطين والصابرين »(١) .
فإنّ الرجل قد خصم نفسه باعترافه بوجوب محبّة: المتّقين والمحسنين والمقسطين والصابرين بل مطلق المؤمنين فإنّ أحداً لا ينكر شيئاً من ذلك، ومن يقول بأنّ المؤمن - إذا كان مؤمناً حقّاً - لا يجب أن نحبّه لا سيّما إذا كان مع ذلك من أهل التقوى والإحسان والصبر؟!
لكنّ الكلام في المحبّة المطلقة، وفي الأحبيّة عند الله ورسوله، المستلزمة للأفضليّة وللعصمة ووجوب الطاعة هذه الاُمور التي لم يقل أحدٌ بوجودها في غير عليٍّعليهالسلام ، لا سيّما العصمة، إذ قام الإجماع على عدمها في غيره.
ثمّ إنّ ابن تيميّة شرع يستدلّ ببعض الأخبار التي يروونها عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في أنّ أحبّ الناس إليه عائشة!! قيل: فمن الرجال؟ قال: أبوها! وأنّ عمر قال لأبي بكر في السقيفة: أنت سيّدنا وخيرنا وأحبّنا إلى رسول الله!!
وكلّ عاقل يفهم ما في الإستدلال بمثل هذه الأخبار!!
* ولقد أحسن الآلوسي حيث لم يستدلّ بشيء من أخبارهم في هذا
____________________
(١). منهاج السنّة ٧ / ١٠٣ - ١٠٤.
البحث، فإنّه قد انتحل كلام عبدالعزيز الدهلوي واعتمده في الجواب عن استدلال الإماميّة، إلّا أنّه بتر كلامه ولم يأت به إلى الآخر! وهو ما سنشير إليه:
قال الآلوسي: « ومن الشيعة من أورد الآية في مقام الإستدلال على إمامة عليّ كرّم تعالى وجهه، قال: عليٌّ كرّم الله تعالى وجهه واجب المحبّة، وكلّ واجب المحبّة واجب الطاعة، وكلّ واجب الطاعة صاحب الإمامة. ينتج: عليٌّ رضي الله تعالى عنه صاحب الإمامة. وجعلوا الآية دليل الصغرى.
ولا يخفى ما في كلامهم هذا من البحث:
أمّا أوّلاً: فلأنّ الإستدلال بالآية على الصغرى لا يتمّ إلّا على القول بأنّ معناها: لا أسألكم عليه أجراً إلّا أن تودّوا قرابتي وتحبّوا أهل بيتي. وقد ذهب الجمهور إلى المعنى الأوّل. وقيل في هذا المعنى: إنّه لا يناسب شأن النبوّة لِما فيه من التهمة، فإنّ أكثر طلبة الدنيا يفعلون شيئاً ويسألون عليه ما يكون فيه نفع لأولادهم وقراباتهم. وأيضاً: فيه منافاة مّا لقوله تعالى:( وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ) .
وأمّا ثانياً: فلأنّا لا نسلّم أنّ كلّ واجب المحبّة واجب الطاعة، فقد ذكر ابن بابويه في كتاب الإعتقادات: إنّ الإماميّة أجمعوا على وجوب محبّة العلويّة، مع أنّه لا يجب طاعة كلّ منهم.
وأمّا ثالثاً: فلأنّا لا نسلّم أنّ كلّ واجب الطاعة صاحب الإمامة، أي الزعامة الكبرى، وإلّا لكان كلّ نبيّ في زمنه صاحب ذلك، ونصّ:( إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً ) يأبى ذلك.
وأمّا رابعاً: فلأنّ الآية تقتضي أن تكون الصغرى: أهل البيت واجبوا الطاعة، ومتى كانت هذه صغرى قياسهم لا تنتج النتيجة التي ذكروها، ولو سلّمت جميع مقدماتها، بل تنتج: أهل البيت صاحبوا الإمامة، وهم لا يقولون بعمومه.
إلى غير ذلك من الأبحاث. فتأمّل ولا تغفل »(١) .
أقول:
هذا كلّه كلام الدهلوي بعينه! وقد جاء بعده في « التحفة الاثنا عشرية » الاستدلال بأحاديث.
* قال الدهلوي: « روى أبو طاهر السلفي في مشيخته عن أنس، قال: قال رسول الله: حبّ أبي بكر وشكره واجب على كلّ أُمّتي.
وروى ابن عساكر عنه نحوه. ومن طريق آخر عن سهل بن سعد الساعدي.
وأخرج الحافظ عمر بن محمّد بن خضر الملاّ في سيرته عن النبيّ أنّه قال: إنّ الله تعالى فرض عليكم حبّ أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ كما فرض عليكم الصلاة والصوم والحجّ.
وروى ابن عديّ، عن أنس، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، أنّه قال: حب أبي بكر وعمر إيمان، وبغضهما نفاق.
وروى ابن عساكر، عن جابر: أنّ النبيّ قال: حبّ أبي بكر وعمر من الإيمان، وبغضهما كفر.
وروى الترمذي أنّه أُتي بجنازة إلى رسول الله فلم يصلّ عليه وقال: إنّه كان يبغض عثمان فأبغضه الله ».
ثمّ إنّه التفت إلى عدم جوز إلزام الإماميّة بما اختصّ أهل السنّة بروايته، فأجاب قائلاً، « إنّه وإنْ كانت هذه الأخبار في كتب أهل السنّة فقط، لكنْ لمـّا كان الشيعة يقصدون إلزام أهل السنّة برواياتهم، فإنّه لا بد من لحاظ جميع
____________________
(١). روح المعاني ٢٩ / ٣٣.
روايات أهل السنّة، ولا يصحّ إلزامهم بروايةٍ منها.
وإنْ ضيّقوا على أهل السنّة، أمكن إثبات وجوب محبّة الخلفاء الثلاثة من كتاب الله وأقوال العترة، فقوله تعالى:( يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ) نزل - بالإجماع - في حقّ المقاتلين للمرتدّين، وقد كان الثلاثة أئمّة هؤلاء المقاتلين، ومن أحبّه الله وجبت محبّته. وعلى هذا القياس »!
هذا آخر كلام الدهلوي(١) .
أقول:
إنّ من الواضح عدم جواز إلزام الخصم إلّا بما يرويه خاصّةً، أو ما اتّفق الطرفان على روايته، هذا إذا كان الخبر المستدلُّ به معتبراً عند المستدلّ، فإنّ لم يكن الخبر معتبراً حتّى عند المستدلّ به فكيف يجوز له إلزام الطرف الآخر به؟!
ليت الدهلوي استدلّ - كابن تيميّة - بكتابَي البخاري ومسلم المعروفَين بالصحيحين، فإنّ الأحاديث التي استدلّ بها كلّها باطلة سنداً، وهذا هو السرّ في إعراض الآلوسي عنها وإسقاطه لها.
إنّ أحسن هذه الأحاديث ما أخرجه الترمذي في كتابه - وهو يعدّ أحد الصحاح الستّة - من امتناع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم عن الصلاة على الجنازة، قال الترمذي:
« حدّثنا الفضل بن أبي طالب البغدادي وغير واحد، قالوا: حدّثنا عثمان ابن زفر، حدّثنا محمّد بن زياد، عن محمّد بن عجلان، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: أُتي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بجنازة رجلٍ يصلّي عليه فلم
____________________
(١). التحفة الإثنا عشرية: ٢٠٥.
يصلّ عليه، فقيل: يا رسول الله! ما رأيناك تركت الصلاة على أحد قبل هذا؟! قال: إنّه كان يبغض عثمان فأبغضه الله »!
لكنّ هذا الحديث ساقط سنداً حتّى عند راويه الترمذي! قال:
« هذا حديث غريب لا نعرفه إلّا من هذا الوجه، ومحمّد بن زياد صاحب ميمون بن مهران ضعيف في الحديث جدّاً »(١) .
ثمّ إنّ الجوزي أورده في ( الموضوعات ) بطريقين، وقال: « الطريقان على محمّد بن زياد. قال أحمد بن حنبل: هو كذّاب خبيث يضع الحديث. وقال يحيى: كذّاب خبيث. وقال السعدي والدارقطني: كذّاب. وقال البخاري والنسائي والفلاّس وأبو حاتم: متروك الحديث. وقال ابن حبّان: كان يضع الحديث على الثقات، لا يحلّ ذكره في الكتب إلّا على وجه القدح فيه »(٢) .
فيظهر أنّ الترمذي حيث قال: « ضعيف جدّاً » لم يقل الحقّ كما هو حقّه!!
وظهر أنّ الحقّ مع الآلوسي حيث ترك الإستدلال به وهو أحسن ما ذكر الدهلوي، فالعجب من الدهلوي كيف يستدلّ بحديثٍ هذه حاله، ويريد إلزام الشيعة به، وفي مسألةٍ أُصوليّة؟!
ولو وجدتُ مجالاً لبيّنت حال بقيّة هذه الأحاديث، لكنْ لا حاجة إلى ذلك بعد معرفة حال أحسنها سنداً!!
فلنعُد إلى الوجوه التي وافق فيها الآلوسي الدهلوي وأخذها منه، فنقول:
أمّا الأوّل: فجوابه: إنّ الصغرى تامّة كما تقدّم بالتفصيل، وقلنا بأنّ طلب الأجر إنّما هو بناءً على اتّصال الإستثناء، وقد عرفت حقيقة هذا الأجر وعوده
____________________
(١). صحيح الترمذي ٥ / ٥٨٨.
(٢). الموضوعات ٢ / ٣٣٢ - ٣٣٣.
إلى المسلمين أنفسهم، فلا شبهة ولا تهمة. وأمّا بناءً على انقطاع الإستثناء فلا إشكال أصلاً.
وأما الثاني: فإنّ الإماميّة أجمعت على وجوب محبّة العلويّة، بل كلّ مؤمنٍ من المؤمنين، ولكنّ الآية المباركة دالّة على وجوب المحبّة المطلقة لعليّ والزهراء والحسنين، فلا نقض، ولذا لم يقل أحد منهم بوجوب محبّة غير الأربعة وسائر المعصومين محبّةً مطلقة والكلام في المحبّة المطلقة لا مطلق المحبّة، فما ذكراه جهل أو تجاهل!
وأمّا الثالث: فيظهر جوابه ممّا ذكرناه، فإنّا نريد المحبّة المطلقة المستلزمة للعصمة، فأينما كانت، كانت الإمامة الكبرى، وأينما لم تكن، لم تكن!
وأمّا الرابع: فيظهر جوابه ممّا ذكرنا أيضاً.
* بقي أنْ نذكر الوجه في تفسير « الحسنة » في قوله تعالى:( وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً ) بـ « المودّة » فنقول:
هذا التفسير ورد عن الأئمّة الأطهار من أهل البيت، كالحسن السبط الزكيّعليهالسلام في خطبته التي رواها الحاكم وغيره، وورد أيضاً في غير واحدٍ من تفاسير أهل السنّة، عن ابن عبّاس والسدّي وغيرهما، قال القرطبي: « قوله تعالى:( وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً ) أي: يكتسب، وأصل القرف الكسب، يقال قال ابن عبّاس:( وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً ) : المودّة لآل محمّد صلى الله عليه وسلّم،( نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً ) أي: تضاعف له الحسنة بعشر فصاعداً،( إِنَّ اللهَ غَفُورٌ شَكُورٌ ) قال قتادة: غفور للذنوب شكور للحسنات. وقال السدّي: غفور لذنوب آل محمّدعليهالسلام شكور لحسناتهم »(١) .
____________________
(١). تفسير القرطبي ١٦ / ٢٤.
وقال أبو حيّان: « وعن ابن عبّاس والسدّي: أنّها المودّة في آل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقال السدّي: غفور لذنوب آل محمّدعليهالسلام شكور لحسناتهم »(١) .
وقال الآلوسي: « روي ذلك عن ابن عبّاس والسدّي »(٢) .
وهذا القدر كاف، وهو للقلب السليم شاف، وللمطلب واف.
وصلّى الله عليه سيّدنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين الأشراف.
____________________
(١). البحر المحيط ٧ / ٥١٦.
(٢). روح المعاني ٢٥ / ٣٣.
آية المباهلة
قوله تعالى
( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ )
وهذه هي الآية المعروفة بآية المباهلة.
استدل بها أصحابنا على إمامة علي أمير المؤمنين وأهل البيت بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وبيان ذلك في فصول:
الفصل الأوّل
في نزول الآية في أهل البيتعليهمالسلام
قال الله عزّوجلّ:( إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ * إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللهُ وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ ) (١) .
وقد خرج النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى المباهلة بعليٍّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم الصلاة والسلام.
وروي هذا الخبر عن جماعةٍ من أعلام الصحابة والتابعين، نذكر هنا من جاءت الرواية عنه في كتب غير الإمامية، منهم:
١ - أمير المؤمنين عليعليهالسلام .
٢ - عبدالله بن العباس.
٣ - جابر بن عبدالله الأنصاري.
٤ - سعد بن أبي وقّاص.
____________________
(١). سورة آل عمران ٣: ٥٩ - ٦٣.
٥ - عثمان بن عفان.
٦ - سعيد بن زيد.
٧ - طلحة بن عبيد الله.
٨ - الزبير بن العوام.
٩ - عبدالرحمن بن عوف.
١٠ - البراء بن عازب.
١١ - حذيفة بن اليمان.
١٢ - أبو سعيد الخدري.
١٣ - أبو الطفيل الليثي.
١٤ - جدّ سلمة بن عبديشوع.
١٥ - أُمّ سلمة زوجة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
١٦ - زيد بن علي بن الحسينعليهماالسلام .
١٧ - علباء بن أحمر اليشكري.
١٨ - الشعبي.
١٩ - الحسن البصري.
٢٠ - مقاتل.
٢١ - الكلبي.
٢٢ - السدّي.
٢٣ - قتادة.
٢٤ - مجاهد.
أمّا أمير المؤمنينعليهالسلام ، فقد ناشد القوم في الشورى بنزول الآية فيه وسيأتي الخبر قريباً.
وأمّا عثمان، وطلحة، والزبير، وسعيد بن زيد، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقّاص، فقد أقرّوا لعليّعليهالسلام في ذلك.
كما روى سعد الخبر، وكان ممّا به اعتذر عن سبّ مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام ، كما في صحيح الأثر وسيأتي نصّه.
وأمّا أبو الطفيل فهو راوي خبر المناشدة.
وأمّا الآخرون فستأتي نصوص الأخبار في رواياتهم.
وقد اتّفقت كتب الحديث والتفسير والكلام على رواية حديث المباهلة، إمّا بالأسانيد، وإمّا بإرساله إرسال المسلّمات، من أشهرهم:
١ - سعيد بن منصور، المتوفّى سنة ٢٢٧.
٢ - أبو بكر عبدالله بن أبي شيبة، المتوفّى سنة ٢٣٥.
٣ - أحمد بن حنبل، المتوفّى سنة ٢٤١.
٤ - عبد بن حُميد، المتوفّى سنة ٢٤٩.
٥ - مسلم بن الحجّاج، المتوفّى سنة ٢٦١.
٦ - أبو زيد عمر بن شبّة البصري، المتوفّى سنة ٢٦٢.
٧ - محمّد بن عيسى الترمذي، المتوفّى سنة ٢٧٩.
٨ - أحمد بن شعيب النسائي، المتوفّى سنة ٣٠٣.
٩ - محمّد بن جرير الطبري، المتوفّى سنة ٣١٠.
١٠ - أبو بكر ابن المنذر النيسابوري، المتوفّى سنة ٣١٨.
١١ - أبو بكر الجصّاص، المتوفّى سنة ٣٧٠.
١٢ - أبو عبدالله الحاكم النيسابوري، المتوفّى سنة ٤٠٥.
١٣ - أبو بكر ابن مردويه الأصفهاني، المتوفّى سنة ٤١٠.
١٤ - أبو إسحاق الثعلبي، المتوفّى سنة ٤٢٧.
١٥ - أبو نعيم الأصفهاني، المتوفّى سنة ٤٣٠.
١٦ - أبو بكر البيهقي، المتوفّى سنة ٤٥٨.
١٧ - علي بن أحمد الواحدي، المتوفّى سنة ٤٦٨.
١٨ - محيي السنّة البغوي، المتوفّى سنة ٥١٦.
١٩ - جار الله الزمخشري، المتوفّى سنة ٥١٦.
٢٠ - القاضي عياض اليحصبي، المتوفّى سنة ٥٤٤.
٢١ - أبو القاسم ابن عساكر الدمشقي، المتوفّى سنة ٥٧١.
٢٢ - أبو الفرج ابن الجوزي الحنبلي، المتوفّى سنة ٥٩٧.
٢٣ - أبو السعادات ابن الأثير الجزري، المتوفّى سنة ٦٠٦.
٢٤ - الفخر الرازي، المتوفّى سنة ٦٠٦.
٢٥ - عزّالدين أبو الحسن ابن الأثير الجزري، المتوفّى سنة ٦٣٠.
٢٦ - محمّد بن طلحة الشافعي، المتوفّى سنة ٦٥٢.
٢٧ - شمس الدين سبط ابن الجوزي، المتوفّى سنة ٦٥٤.
٢٨ - أبو عبدالله القرطبي الأنصاري، المتوفّى سنة ٦٧١.
٢٩ - القاضي البيضاوي، المتوفّى سنة ٦٨٥.
٣٠ - محبّ الدين الطبري، المتوفّى سنة ٦٩٤.
٣١ - نظام الدين الأعرج النيسابوري، المتوفّى سنة ٧٢٨.
٣٢ - أبو البركات النسفي، المتوفّى سنة ٧١٠.
٣٣ - صدر الدين أبو المجامع إبراهيم الحموئي، المتوفّى سنة ٧٢٢.
٣٤ - أبو القاسم ابن الجزّي الكلبي، المتوفّى سنة ٧٤١.
٣٥ - علاء الدين الخازن، المتوفّى سنة ٧٤١.
٣٦ - أبو حيّان الأندلسي، المتوفّى سنة ٧٤٥.
٣٧ - شمس الدين الذهبي، المتوفّى سنة ٧٤٨.
٣٨ - ابن كثير الدمشقي، المتوفّى سنة ٧٧٤.
٣٩ - ولي الدين الخطيب التبريزي، المتوفّى سنة
٤٠ - ابن حجر العسقلاني، المتوفّى سنة ٨٥٢.
٤١ - نور الدين ابن الصبّاغ المالكي، المتوفّى سنة ٨٥٥.
٤٢ - جلال الدين السيوطي، المتوفّى سنة ٩١١.
٤٣ - أبو السعود العمادي، المتوفّى سنة ٩٥١.
٤٤ - الخطيب الشربيني، المتوفّى سنة ٩٦٨.
٤٥ - ابن حجر الهيتمي المكّي، المتوفّى سنة ٩٧٣.
٤٦ - علي بن سلطان القاري، المتوفّى سنة ١٠١٣.
٤٧ - نور الدين الحلبي، المتوفّى سنة ١٠٣٣.
٤٨ - شهاب الدين الخفاجي، المتوفّى سنة ١٠٦٩.
٤٩ - الزرقاني المالكي، المتوفّى سنة ١١٢٢.
٥٠ - عبدالله الشبراوي، المتوفّى سنة ١١٦٢.
٥١ - قاضي القضاة الشوكاني، المتوفّى سنة ١٢٥٠.
٥٢ - شهاب الدين الآلوسي، المتوفّى سنة ١٢٧٠.
وغيرهم من أعلام الحديث والتفسير والكلام والتاريخ في مختلف القرون.
وهذه ألفاظٌ من الأخبار الواردة في نزول الآية المباركة في عليّ وفاطمة والحسن والحسينعليهمالسلام ، كما رواه الحفّاظ بأسانيدهم، في الكتب المعتبرة:
* أخرج ابن عساكر بسنده، وابن حجر من طريق الدارقطني، عن أبي الطفيل: إنّ أمير المؤمنينعليهالسلام ناشد أصحاب الشورى، واحتجّ عليهم بجملة من فضائله ومناقبه، ومن ذلك أنْ قال لهم:
« نشدتكم بالله، هل فيكم أحد أقرب إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في الرحم، ومن جعله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نفسه، وأبناءه أبناءه، ونساءه نساءه غيري؟!
قالوا: اللّهمّ لا »(١) .
أقول:
ومناشدة أمير المؤمنين في الشورى رواها عدد كبير من علماء الفريقين، بأسانيدهم عن: أبي ذرّ وأبي الطفيل، وممّن أخرجها من حفّاظ الجمهور: الدارقطني، وابن مردويه، وابن عبدالبرّ، والحاكم، والسيوطي، وابن حجر المكّي، والمتّقي الهندي.
* وفي المسند: « حدّثنا عبدالله، قال أبي: ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا حاتم ابن إسماعيل، عن بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد، عن أبيه، قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول له، وخلّفه في بعض مغازيه، فقال عليٌّ
____________________
(١). تاريخ دمشق ترجمة أمير المؤمنينعليهالسلام -: ٣ / ٩٠ ح ١١٣١.
رضياللهعنه : أتخلّفني مع النساء والصبيان؟!
قال: يا علي! أما ترضى أنْ تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبوّة بعدي؟!
وسمعته يقول - يوم خيبر -: لأُعطينّ الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله.
فتطاولنا لها، فقال: ادعوا لي عليّاًرضياللهعنه فأُتي به أرمد، فبصق في عينه ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه.
ولمـّا نزلت هذه الآية( نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ ) دعا رسول الله صلى الله عليه وسلّم عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً رضوان الله عليهم أجمعين، فقال: اللّهمّ هؤلاء أهلي »(١) .
* وأخرج مسلم قائلاً: « حدّثنا قتيبة بن سعيد ومحمّد بن عبّاد - وتقاربا في اللفظ - قالا: حدّثنا حاتم - وهو ابن إسماعيل - عن بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد بن أبي وقّاص، عن أبيه، قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً، فقال: ما منعك أن تسبَّ أبا تراب؟!
فقال: أمّا ما ذكرت ثلاثاً قالهنّ له رسول الله صلى عليه وسلّم فلن أسبّه، لأنْ تكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من حمر النعم:
سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول له [ وقد ] خلّفه في بعض مغازيه، فقال له عليٌّ: يا رسول الله! خلّفتني مع النساء والصبيان!
فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبوّة بعدي.
____________________
(١). مسند أحمد بن حنبل ١ / ١٨٥.
وسمعته يقول يوم خيبر: لأُعطينّ الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله.
قال: فتطاولنا لها، فقال: ادعوا لي عليّاً، فأتي به أرمد، فبصق في عينه، ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه.
ولمـّا نزلت هذه الآية:( فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ ) دعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: اللّهمّ هؤلاء أهلي »(١) .
* وأخرجه الترمذي بالسند واللفظ، فقال:
« هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه »(٢) .
* وأخرج النسائي: « أخبرنا قتيبة بن سعيد البلخي وهشام بن عمّار الدمشقي، قالا: حدّثنا حاتم، عن بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، قال: أمر معاوية سعداً فقال: ما يمنعك أنْ تسبّ أبا تراب؟!
فقال: أمّا ما ذكرت ثلاثاً قالهنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلن أسبّه، لأنْ يكون لي واحدة منها أحبّ إليّ من حمر النعم:
سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول له، وخلّفه في بعض مغازيه فقال له عليٌّ: يا رسول الله! أتخلّفني مع النساء والصبيان؟!
فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبوّة بعدي.
وسمعته يقول يوم خيبر: لأُعطينّ الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله.
____________________
(١). صحيح مسلم ٧ / ١٢٠.
(٢). صحيح الترمذي ٥ / ٥٩٦ كتاب المناقب، مناقب عليّ.
فتطاولنا إليها فقال: ادعوا لي عليّاً، فأُتي به أرمد، فبصق في عينيه ودفع الراية إليه.
ولمـّا نزلت( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) دعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي »(١) .
* وأخرج الحاكم فقال: « أخبرني جعفر بن محمّد بن نصير الخلدي ببغداد، ثنا موسى بن هارون، ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا حاتم بن إسماعيل، عن بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد، عن أبيه، قال: لما نزلت هذه الآية( نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ) دعا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً رضي الله عنهم فقال: اللّهمّ هؤلاء أهلي.
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه »(٢) .
* ووافقه الذهبي في ( تلخيصه ).
* وستأتي رواية الحاكم عن جابر.
* وأخرجه عن ابن عبّاس، قال: « ذِكر النوع السابع عشر من علوم الحديث: هذا النوع من العلم معرفة أولاد الصحابة، فإنّ من جهل هذا النوع اشتبه عليه كثير من الروايات.
أوّل ما يلزم الحديثي معرفته من ذلك: أولاد سيّد البشر محمّد المصطفى صلّى الله عليه وسلّم ومن صحّت الرواية عنه منهم:
حدّثنا علي بن عبدالرحمن بن عيسى الدهقان بالكوفة، قال: حدّثنا
____________________
(١). خصائص أمير المؤمنين: ٤٨ - ٤٩.
(٢). المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٥٠.
الحسين بن الحكم الحبري، قال: ثنا الحسن بن الحسين العرني، قال: ثنا حبّان ابن عليّ العنزي، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس في قوله عزّ وجلّ:( قُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ - إلى قوله -الْكاذِبِينَ ) نزلت على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وعلي نفسه،( وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ ) : فاطمة،( أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ ) : حسن وحسين، والدعاء على الكاذبين، نزلت في العاقب والسيّد وعبد المسيح وأصحابهم »(١) .
* وقال ابن حجر العسقلاني بشرح حديث المنزلة: « ووقع في رواية عامر بن سعد بن أبي وقّاص عند مسلم والترمذي، قال: قال معاوية لسعدٍ: ما منعك أنْ تسبّ أبا تراب؟!
قال: أمّا ما ذكرت ثلاثاً قالهنّ له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلنْ أسبّه
فذكر هذا الحديث، وقوله: لأُعطين الراية رجلاً يحبّه الله ورسوله
وقوله: لمـّا نزلت( فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ ) دعا عليّاً وفاطمة والحسن والحسين فقال: اللّهمّ هؤلاء أهلي »(٢) .
الملاحظ أنّهم يروون كلام سعد في جواب معاوية بأشكالٍ مختلفة، مع أنّ السند واحد، والقضيّة واحدة!!
بل يرويه المحدّث الواحد في الكتاب الواحد بأشكال، فاللفظ الذي ذكرناه عن النسائي هو أحد ألفاظه.
____________________
(١). معرفة علوم الحديث: ٤٩ - ٥٠.
(٢). فتح الباري في شرح صحيح البخاري ٧ / ٦٠.
وبينما رواه بلفظٍ آخر عن بكير بن مسمار، قال: سمعت عامر بن سعد يقول: قال معاوية لسعد بن أبي وقّاص: ما يمنعك أنْ تسبَّ ابن أبي طالب؟!
قال: لا أسبّه ما ذكرت ثلاثاً قالهنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لأنْ يكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من حمر النعم، لا أسبّه ما ذكرت حين نزل الوحي عليه، فأخذ عليّاً وابنيه وفاطمة، فأدخلهم تحت ثوبه ثمّ قال: ربّ هؤلاء أهل بيتي - أو: أهلي »(١) .
ورواه بلفظ ثالث: إنّ معاوية ذكر علي بن أبي طالبرضياللهعنه ، فقال سعد بن أبي وقّاص: والله لئن لي واحدة من خلالٍ ثلاث أحبّ إليّ من أنْ يكون لي ما طلعت عليه الشمس.
لأنْ يكون قال لي ما قاله له حين ردّه من تبوك: أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي، أحبّ إليّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس.
ولأنْ يكون قال لي ما قال له يوم خيبر: لأُعطينّ الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله، يفتح الله على يديه، ليس بفرّار، أحبّ إليّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس.
ولأنْ يكون لي ابنته ولي منها من الولد ما له أحبّ إليّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس »(٢) .
ورواه بلفظٍ رابع عن سعد، قال: « كنت جالساً فتنقّصوا علي بن أبي طالبرضياللهعنه ، فقلت: لقد سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول في عليٍّ خصالاً ثلاث، لإن يكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من حمر النعم.
____________________
(١). خصائص أمير المؤمنين: ٨١.
(٢). خصائص أمير المؤمنين: ١١٦.
سمعته يقول: إنّه منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي.
وسمعته يقول: لأُعطينّ الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله.
وسمعته يقول: مَن كنت مولاه فعليٌّ مولاه »(١) .
وهو عند ابن ماجة باللفظ الآتي: « قدم معاوية في بعض حجّاته، فدخل عليه سعد، فذكروا عليّاً، فنال منه، فغضب سعد وقال: تقول هذا لرجلٍ سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: من كنت مولاه فعليٌّ مولاه.
وسمعته يقول: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنّه لا نبيّ بعدي.
وسمعته يقول: لأُعطينّ الراية اليوم رجلاً يحبّ الله ورسوله »(٢) .
أقول:
إنّه إنْ أمكن حمل اختلاف ألفاظ الروايات في الخصال الثلاث على وجه صحيح، ولا يكون هناك تحريفٌ كأنْ يحمل على التعدّد مثلاً، فلا ريب في تحريف القوم للّفظ في ناحية أُخرى، وهي قضيّة سبّ أمير المؤمنينعليهالسلام والنيل منه، خاصّة مع السند الواحد! فإنّ أحمد ومسلماً والترمذي والنسائي وابن عساكر(١) كلّهم اشتركوا في الرواية بسندٍ واحدٍ، فجاء عند غير أحمد: « أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً فقال: ما منعك أن تسبّ أبا تراب؟! فقال: أمّا ما ذكرت ثلاثاً سمعت ».
لكنّ أحمد حذف ذلك كلّه وبدأ الحديث من « سمعت » وكأنّه لم تكن
____________________
(١). خصائص أمير المؤمنين: ٤٩ - ٥٠.
(٢). سنن ابن ماجة ١ / ٤٥.
(٣). تاريخ دمشق - ترجمة أمير المؤمنينعليهالسلام - ١ / ٢٠٦ ح ٢٧١.
هناك أيّة مناسبة لكلام سعدٍ هذا!!
أمّا الحاكم فيروي الخبر بنفس السند ويحذف المناسبة وخصلتين من الخصال الثلاث!!
والنسائي يحذف المناسبة في لفظٍ، ويقول: « إنّ معاوية ذكر عليّ بن أبي طالب، فقال سعد »!!
وفي آخر يحذفها ويضع بدلها كلمة « كنت جالساً فتنقّصوا علي بن أبي طالب »!!
وابن ماجة، قال: « قدم معاوية في بعض حجّاته، فدخل عليه سعد، فذكروا عليّاً، فنال منه، فغضب سعد وقال ».
فجاء ابن كثير وحذف منه « فنال منه، فغضب سعد »(٢) .
وفي ( الفضائل ) لأحمد: « ذُكر عليٌّ عند رجلٍ وعنده سعد بن أبي وقّاص، فقال له سعد: أتذكر عليّاً؟! »(٣) .
وأبو نعيم وبعضهم حذف القصّة من أصلها، فقال: « عن سعد بن أبي وقاص، قال: قال رسول الله: في عليّ ثلاث خلال »(٤) .
هذا، والسبب في ذلك كلّه معلوم! إنّهم يحاولون التغطية على مساوئ سادتهم ولو بالكذب والتزوير! ولقد أفصح عن ذلك بعضهم، كالنووي، حيث قال: « قال العلماء: الأحاديث الواردة التي في ظاهرها دخل على صحابي يجب تأويلها، قالوا: ولا يقع في روايات الثقات إلّا ما يمكن تأويله، فقول معاوية هذا ليس فيه تصريح بأنّه أمر سعداً بسبّه، وإنّما سأله عن السبب المانع
____________________
(١). تاريخ ابن كثير ٧ / ٣٤٠.
(٢). فضائل عليّ - لأحمد بن حنبل -: مخطوط.
(٣). حلية الأولياء ٤ / ٣٥٦.
له من السبّ، كأنّه يقول: هل امتنعت تورّعاً أو خوفاً أو غير ذلك؟! فإنْ كان تورّعاً وإجلالاً له عن السبّ فأنت مصيب محسن، وإن كان غير ذلك فله جواب آخر.
ولعلّ سعداً قد كان في طائفةٍ يسبّون فلم يسبّ معهم، وعجز عن الإنكار، وأنكر عليهم فسأله هذا السؤال.
قالوا: ويحتمل تأويلاً آخر، أنّ معناه: ما منعك أن تُخَطّئه في رأيه واجتهاده، وتظهر للناس حسن رأينا واجتهادنا وأنّه أخطأ؟ ». إنتهى(١) .
ونقله المباركفوري بشرح الحديث(٢) .
أقول:
وهل ترتضي - أيّها القارئ - هذا الكلام في مثل هذا المقام؟!
أوّلاً: إن كان هناك مجالٌ لحمل كلام المتكلّم على الصحّة وتأويله على وجه مقبول، فهذا لا يختصّ بكلام الصحابي دون غيره.
وثانياً: إذا كانت هذه قاعدة يجب اتّباعها بالنسبة إلى أقوال الصحابة، فلماذا لا يطبّقونها بالنسبة لكلّ الصحابة؟!
وثالثاً: إذا كانت هذه القاعدة للأحاديث الواردة التي في ظاهرها دخل على صحابي! فلماذا يطبّقونها في الأحاديث الواردة في فضل أمير المؤمنينعليهالسلام ، فلم يأخذوا بظواهرها، بل أعرضوا عن النصوص منها؟! ومنها حديث المباهلة، حيث لا تأويل فحسب، بل التعتيم والتحريف، كما سنرى في الفصل الآتي.
____________________
(١). المنهاج - شرح صحيح مسلم بن الحجّاج - ١٥ / ١٧٥.
(٢). تحفة الأحوذي - شرح جامع الترمذي - ١٠ / ١٥٦.
ورابعاً: إنّ التأويل والحمل على الصحّة إنّما يكون حيث يمكن، وقولهم: « ليس فيه تصريح بأنّه أمر سعداً بسبّه، وإنّما سأله » كذبٌ، فقد تقدّم في بعض النصوص التصريح بـ « الأمر » و « النَيْل » و « التنقيص » وهذا كلّه مع تهذيب العبارة، كما لا يخفى.
بل ذكر ابن تيميّة: أنّ معاوية أمر بسبّ علي(١) .
بل جاءت الرواية عن مسلم والترمذي على واقعها، ففي رواية القندوزي الحنفي عنهما، قال: « وعن سهل بن سعد، عن أبيه، قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً أنْ يسبّ أبا التراب، قال: أمّا ما ذكرتُ ثلاثاً أخرجه مسلم والترمذي »(٢) .
وخامساً: قولهم: « كأنّه يقول فإنْ كان تورّعاً فأنت مصيب محسن » يكذّبه ما جاء التصريح به في بعض ألفاظ الخبر من أنّ سعداً خرج من مجلس معاوية غضبانَ وحلف ألّا يعود إليه!!
وعلى كلّ حال فهذا نموذج من تلاعبهم بخبر مساوئ أسيادهم، لإخفائها، وسترى - في الفصل اللّاحق - نموذجَ تلاعبهم بفضائل عليّعليهالسلام ، لإخفائها، وهذا دين القوم وديدنهم، حشرهم الله مع الّذين يدافعون عنهم ويودّونهم!!
* وروى ابن شبّة، المتوفّى سنة ٢٦٢، قال: « حدّثنا الحزامي، قال: حدّثنا ابن وهب، قال: أخبرني الليث بن سعد، عن من حدّثه، قال: جاء راهبا نجران إلى النبي صلى الله عليه وسلّم يعرض عليهما الإسلام قال: فدعاهما النبيّ إلى المباهلة وأخذ بيد عليٍّ وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم،
____________________
(١). منهاج السنّة ٥ / ٤٢.
(٢). ينابيع المودّة ١٩٣.
فقال أحدهما للآخر: قد أنصفك الرجل.
فقالا: لا نباهلك.
وأقرّا بالجزية وكرِها الإسلام »(١) .
* وروى الحسين بن الحكم الحبري(٢) ، المتوفّى سنة ٢٨٦، قال: « حدّثني إسماعيل بن أبان، قال: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم، عن أبي هارون، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: لمـّا نزلت هذه الآية( تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ ) قال: فخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعليٍّ وفاطمة والحسن والحسين »(٣) .
* وأخرج الطبري: « حدّثنا ابن حميد، قال: ثنا عيسى بن فرقد، عن أبي الجارود، عن زيد بن عليّ، في قوله:( تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ ) الآية، قال: كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وعليٌّ وفاطمة والحسن والحسين ».
« حدّثنا محمّد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السُدّي،( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ) الآية، فأخذ - يعني النبي صلّى الله عليه وسلّم - بيد الحسن والحسين وفاطمة، وقال لعليّ: اتبعنا، فخرج معهم، فلم يخرج يومئذ النصارى وقالوا: إنّا نخاف ».
« حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبدالرزّاق، قال: أخبرنا معمر،
____________________
(١). تاريخ المدينة المنوّرة، المجلد ١ / ٥٨٣.
(٢). وهو أيضاً في طريق الحاكم في « المستدرك ».
(٣). تفسير الحبري: ٢٤٨.
قال محقّقه: « الحديث عن أبي سعيد الخدري قد تفرّد بنقله المؤلّف، فلم يروه غيره من المؤلّفين، بل ينحصر وجوده بنسختينا ولم يوجد في سائر النسخ ».
قلت: وما جاء في ذخائر العقبى، ص ٢٥: « عن أبي سعيد » فغلط، بقرينة قوله في الآخر: أخرجه مسلم والترمذي، لأنّ الذي أخرجاه هو عن سعد.
عن قتادة، في قوله:( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ ) قال: بلغنا أنّ نبيّ صلّى الله عليه وسلّم خرج ليلاً على أهل نجران، فلمـّا رأوه خرج، هابوا وفرقوا فرجعوا.
قال معمر: قال قتادة: لمـّا أراد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أهل نجران أخذ بيد حسن وحسين، وقال لفاطمة: اتبعينا، فلمـّا رأى ذلك أعداء الله رجعوا ».
« حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنا ابن زيد، قال: قيل لرسول صلّى الله عليه وسلّم: لو لاعنت القوم، بمن كنت تأتي حين قلت( أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ ) ؟
قال: حسن وحسين ».
« حدّثني محمّد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، قال: ثنا المنذر بن ثعلبة، قال: ثنا علباء بن أحمر اليشكري، قال: لمـّا نزلت هذه الآية:( فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ ) الآية، أرسل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى عليّ وفاطمة وابنيهما الحسن والحسين »(١) .
* وقال السيوطي: « أخرج البيهقي في ( الدلائل ) من طريق سلمة بن عبديشوع، عن أبيه، عن جدّه: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كتب إلى أهل نجران فلمـّا أصبح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الغد بعد ما أخبرهم الخبر، أقبل مشتملاً على الحسن والحسين في خميلةٍ له وفاطمة تمشي خلف ظهره، للملاعنة، وله يومئذٍ عدّة نسوة ».
« وأخرج الحاكم - وصحّحه - وابن مردويه، وأبو نعيم في ( الدلائل ) عن
____________________
(١). تفسير الطبري ٣ / ٢١٢ - ٢١٣.
جابر، قال: فغدا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأخذ بيد عليٍّ وفاطمة والحسن والحسين
قال جابر: فيهم نزلت:( أَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ) : رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعليّ.( أَبْناءَنا ) : الحسن والحسين.( وَنِساءَنا ) : فاطمة ».
« وأخرج أبو نعيم في ( الدلائل ) من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس: وقد كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خرج ومعه عليٌّ والحسن والحسين وفاطمة، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إنْ أنا دعوت فأمّنوا أنتم، فأبوا أن يلاعنوه وصالحوه على الجزية ».
« وأخرج ابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وأبو نعيم، عن الثعلبي فغدا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ومعه الحسن والحسين وفاطمة ».
« وأخرج مسلم، والترمذي، وابن المنذر، والحاكم، والبيهقي في سننه، عن سعد بن أبي وقاص، قال: لمـّا نزلت هذه الآية:( قُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ ) دعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً، وقال: اللّهمّ هؤلاء أهلي ».
* وقال الزمخشري: « وروي أنّهم لمـّا دعاهم إلى المباهلة قالوا: حتّى نرجع وننظر، فلمـّا تخالوا قالوا للعاقب - وكان ذا رأيهم -: يا عبدالمسيح! ما ترى؟
فقال: والله لقد عرفتم - يا معشر النصارى - أنّ محمّداً نبيٌّ مرسل، وقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم، والله ما باهل قوم نبيّاً قطّ فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم، ولئن فعلتم لتهلكنّ، فإنّ أبيتم إلّا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه، فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم.
فأثنى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقد غدا محتضناً الحسين آخذاً بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعليٌّ خلفها، وهو يقول: إذا أنا دعوت فأمّنوا.
فقال أُسقف نجران: يا معشر النصارى! إنّي لأرى وجوهاً لو شاء الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها، فلا تباهلوا فتهلكوا، ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة.
فقالوا: يا أبا القاسم! رأينا أن لا نباهلك، وأن نقرك على دينك ونثبت على ديننا.
قال: فإذا أبيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم. فأبوا.
قال: فإنّي أُناجزكم.
قالوا: ما لنا بحرب العرب طاقة، ولكن نصالحك على أنْ لا تغزونا ولا تخيفنا ولا تردّنا عن ديننا، على أنْ نؤدّي إليك كلّ عام ألفي حُلّة، ألفٌ في صفر وألفٌ في رجب، وثلاثين درعاً عاديّة من حديد.
فصالحهم على ذلك، وقال: والذي نفسي بيده، إنّ الهلاك قد تدلّى على أهل نجران، ولو لاعنوا لمـُسخوا قردةً وخنازير، ولاضطرم عليهم الوادي ناراً، ولاستأصل الله نجران وأهله حتّى الطير على رؤوس الشجر، ولَما حال الحول على النصارى كلّهم حتّى يهلكوا.
وعن عائشة رضي الله عنها: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خرج وعليه مرط مرجّل من شعر أسود، فجاء الحسن فأدخله، ثمّ جاء الحسين فأدخله، ثمّ فاطمة، ثمّ عليّ، ثمّ قال:( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ) .
فإنّ قلت: ما كان دعاؤه إلى المباهلة إلّا لتبيين الكاذب منه ومن خصمه
وذلك أمر يختصّ به وبمن يكاذبه، فما معنى ضمّ الأبناء والنساء؟
قلت: ذلك آكد في الدلالة على ثقته بحاله واستيقانه بصدقه، حيث استجرأ على تعريض أعزّته وأفلاذ كبده وأحبّ الناس إليه لذلك، ولم يقتصر على تعريض نفسه له، وعلى ثقته بكذب خصمه حتّى يهلك خصمه مع أحبّته وأعزّته هلاك الإستئصال إنْ تمّت المباهلة.
وخصّ الأبناء والنساء لأنّهم أعزّ الأهل وألصقهم بالقلوب، وربّما فداهم الرجل بنفسه وحارب دونهم حتّى يُقتل، ومن ثمّة كانوا يسوقون مع أنفسهم الظعائن في الحروب لتمنعهم من الهرب، ويسمّون الذادة عنها بأرواحهم حماة الظعائن.
وقدّمهم في الذِكر على الأنفس لينبّه على لطف مكانهم وقرب منزلتهم، وليؤذن بأنّهم مقدمون على الأنفس مفدون بها.
وفيه دليل لا شيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساءعليهمالسلام .
وفيه برهان واضح على نبوّة النبي صلّى الله عليه وسلّم، لأنّه لم يروِ أحد من موافق ولا مخالف أنّهم أجابوا إلى ذلك »(١) .
* وروى ابن الأثير حديث سعد في الخصال الثلاثة، بإسناده عن الترمذي(٢) .
و أرسله في تاريخه إرسال المسلّم، قال: « وأمّا نصارى نجران فإنّهم أرسلوا العاقب والسيّد في نفرٍ إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأرادوا مباهلته، فخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومعه عليٌّ وفاطمة والحسن والحسين، فلمـّا رأوهم قالوا: هذه وجوه لو أقسمت على الله أن يزيل الجبال
____________________
(١). الكشّاف ١ / ٣٦٩ - ٣٧٠.
(٢). أُسد الغابة في معرفة الصحابة ٤ / ٢٦.
لأزالها، ولم يباهلوه، وصالحوه على ألفَي حُلّة، ثمن كلّ حلّة أربعون درهماً، وعلى أنْ يضيفوا رسل رسول الله، وجعل لهم ذمّة الله تعالى وعهده ألّا يُفتنوا عن دينهم ولا يعشروا، وشرط عليهم أنْ يأكلوا الربا ولا يتعاملوا به »(١) .
* وروى الحاكم الحسكاني بإسناده: « عن أبي إسحاق السبيعي، عن صلة بن زفر، عن حذيفة بن اليمان، قال: جاء العاقب والسيّد - أُسقفا نجران - يدعوان النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى الملاعنة، فقال العاقب للسيّد: إنْ لاعن بأصحابه فليس بنبيّ، وإن لاعن بأهل بيته فهو نبيّ.
فقام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فدعا عليّاً فأقامه عن يمينه، ثمّ دعا الحسن فأقامه على يساره، ثمّ دعا الحسين فأقامه عن يمين علي، ثمّ دعا فاطمة فأقامها خلفه.
فقال العاقب للسيّد: لا تلاعنه، إنّك إنْ لاعنته لا نفلح نحن ولا أعقابنا، فقال رسول الله: لو لاعنوني ما بقيت بنجران عين تطرف »(٢) .
أقول:
وهذا نفس السند عند البخاري عن حذيفة، لكنّه حذف من الخبر ما يتعلّق بـ « أهل البيت » ووضع مكانه فضيلةً لـ « أبي عبيدة »، وسيأتي في الفصل اللّاحق، فانتظر!!
* وقال ابن كثير: « وقال أبو بكر ابن مردويه: حدّثنا سليمان بن أحمد، حدّثنا أحمد بن داود المكّي، حدّثنا بشر بن مهران، حدّثنا محمّد بن دينار، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن جابر، قال: فغدا رسول الله صلّى الله
____________________
(١). الكامل في التاريخ ٢ / ٢٩٣.
(٢). شواهد التنزيل ١ / ١٢٦.
عليه وسلّم فأخذ بيد عليٍّ وفاطمة والحسن والحسين قال جابر: وفيهم نزلت
وهكذا رواه الحاكم في مستدركه ثمّ قال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه هكذا.
قال: وقد رواه أبو داود الطيالسي، عن شعبة، عن المغيرة، عن الشعبي، مرسلاً، وهذا أصحّ.
وقد روي عن ابن عبّاس والبراء نحو ذلك »(١) .
ولكنّه - في ( التاريخ ) - ذكر أوّلاً حديث البخاري المبتور! ثمّ روى القصّة عن البيهقي، عن الحاكم بإسناده عن سلمة بن عبديشوع، عن أبيه، عن جدّه، وليس فيه ذكر لعليّعليهالسلام ، كما سيأتي.
* وقال القاري بشرح الحديث: « عن سعد بن أبي وقّاص، قال: لمـّا نزلت هذه الآية - أي المسمّاة بآية المباهلة -( نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ ) أوّلها( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ) دعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عليّاً، فنزلّه منزلة نفسه لما بينهما من القرابة والأخوّة، وفاطمة، أي لأنّها أخصّ النساء من أقاربه، وحسناً وحسيناً، فنزّلهما منزلة ابنيه صلّى الله عليه وسلّم، فقال: اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي، أي: أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً. رواه مسلم »(٢) .
____________________
(١). تفسير ابن كثير ١ / ٣١٩.
(٢). المرقاة في شرح المشكاة ٥ / ٥٨٩.
ولنورد نصوص عبارات لبعض أئمّة القوم في قطعيّة هذا الخبر:
قال الحاكم: « وقد تواترت الأخبار في التفاسير، عن عبدالله بن عبّاس وغيره، أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أخذ يوم المباهلة بيد عليّ وحسن وحسين، وجعلوا فاطمة وراءهم، ثمّ قال: هؤلاء أبناؤنا وأنفسنا ونساؤنا، فهلمّوا أنفسكم وأبناءكم ونساءكم ثمّ نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين »(١) .
وقال الجصّاص: « إنّ رواة السِيَر ونقلة الأثر لم يختلفوا في أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أخذ بيد الحسن والحسين وعليّ وفاطمة رضي الله عنهم، ودعا النصارى الّذين حاجّوه إلى المباهلة ...»(٢) .
وقال ابن العربي المالكي: « روى المفسّرون أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ناظر أهل نجران حتّى ظهر عليهم بالدليل والحجّة، فأبوا الإنقياد والإسلام، فأنزل الله هذه الآية، فدعا حينئذٍ عليّاً وفاطمة والحسن والحسين، ثمّ دعا النصارى إلى المباهلة »(٣) .
وقال ابن طلحة الشافعي: « أمّا آية المباهلة، فقد نقل الرواية الثقات والنقلة الأثبات نزولها في حقِّ عليّ، وفاطمة والحسن والحسين »(٤) .
واعترف القاضي الأيجي والشريف الجرجاني بدلالة الأخبار الصحيحة والروايات الثابتة عند أهل النقل على أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم دعا عليّاً وفاطمة وابنيهما فقط، وستأتي عبارتهما كاملةً في فصل الدلالة.
____________________
(١). معرفة علوم الحديث: ٥٠.
(٢). أحكام القرآن ٢ / ١٦.
(٣). أحكام القرآن ١ / ١١٥. ط السعادة بمصر، وفي الطبعة الموجودة عندي ١ / ٣٦٠ لا يوجد اسم عليّ، فليتحقّق.
(٤). مطالب السؤول: ٧.
الفصل الثاني
محاولات يائسة وأكاذيب مدهشة
ولمـّا كانت قضيّة المباهلة، ونزول الآية المباركة في أهل البيت دون غيرهم، من أسمى مناقب أمير المؤمنينعليهالسلام الدالّة على إمامته بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقد حاول بعض المتكلّمين من مدرسة الخلفاء الإجابة عن ذلك، كما سنرى بالتفصيل.
لكنْ هناك محاولات بالنسبة إلى أصل الخبر ومتنه، الأمر الذي يدلّ على إذعان القوم بدلالة الحديث على مذهب الإماميّة، وبخوعهم بعدم الجدوى فيما يحاولونه من المناقشة فيها
وتلك المحاولات هي:
فمن القوم من لا يذكر الخبر من أصله!! مع ما فيه من الأدلّة على النبوّة وظهور الدين الإسلامي على سائر الأديان أذكر منهم ابن هشام(١) وتبعه ابن سيّد الناس(٢) ، والذهبي(٣) وهذه عبارة الثاني في ذكر الوفود، وهي ملخّص عبارة الأوّل:
« ثمّ بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خالد بن الوليد في شهر ربيع
____________________
(١). السيرة النبوية لابن هشام ٢ / ٥٩٢.
(٢). عيون الأثر في المغازي والسير ٢ / ٢٤٤.
(٣). تاريخ الإسلام - المغازي -: ٦٩٥.
الآخر أو جُمادى الأُولى سنة عشر، إلى بني الحارث بن كعب بنجران، وأمره أنْ يدعوهم إلى الإسلام قبل أنْ يقاتلهم، ثلاثاً، فإنّ استجابوا فاقبل منهم وإنْ لم يفعلوا فقاتلهم.
فخرج خالد حتّى قدم عليهم، فبعث الركبان يضربون في كلّ وجه ويدعون إلى الإسلام، ويقولون: أيّها الناس أسلموا تسلموا، فأسلم الناس ودخلوا في ما دُعوا إليه، فأقام فيهم خالد يعلّمهم الإسلام، وكتب إلى رسول صلّى الله عليه وسلّم بذلك.
فكتب له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يُقْبِل ويُقْبِل معه وفدهم، فأقبل وأقبل معه وفدهم، منهم قيس بن الحصين ذي الغصة وأمّر عليهم قيس بن الحصين.
فرجعوا إلى قومهم في بقيّة من شوّال أو في ذي القعدة، فلم يمكثوا إلّا أربعة أشهر، حتّى توفّي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ».
وهذا ما حاوله آخرون، منهم:
*البخاري - تحت عنوان: قصة أهل نجران، من كتاب المغازي -:
« حدّثني عبّاس بن الحسين، حدّثنا يحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن صلة بن زفر، عن حذيفة، قال: جاء العاقب والسيّد - صاحبا نجران - إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، يريدان أنْ يلاعناه. قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، فوالله لئن كان نبيّاً فلاعنّا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا. قالا: إنّا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلاً أمينا ولا تبعث معنا إلّا أميناً، فقال: لأبعثنّ معكم رجلاً أميناً حقّ أمين.
فاستشرف له أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: قُم يا أبا عبيدة بن الجرّاح، فلمـّا قام، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: هذا أمين هذه الأُمّة.
حدّثنا محمّد بن بشّار، حدّثنا محمّد بن جعفر، حدّثنا شعبة، قال: سمعت أبا إسحاق، عن صلة بن زفر، عن حذيفةرضياللهعنه قال: جاء أهل نجران إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقالوا: ابعث لنا رجلاً أميناً. فقال: لأبعثنّ إليكم رجلاً أميناً حقَّ أمينٍ، فاستشرف له الناس، فبعث أبا عبيدة بن الجرّاح »(١) .
أقول:
قد تقدّم حديث حذيفة بن اليمان، رواه القاضي الحسكاني بنفس السند لكنّ البخاري لم يذكر سبب الملاعنة! ولا نزول الآية المباركة! ولا خروج النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بعلي وفاطمة والحسنينعليهمالسلام !
ولا يخفى التحريف في روايته، وعبارته مشوّشة جدّاً، يقول: « جاء يريدان أن يلاعناه فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل » فقد جاءا « يريدان أن يلاعناه » فلا بُدّ وأن حَدَثَ شيء؟ « فقال أحدهما لصاحبه » فما الذي حَدَث؟!!
لقد أشار الحافظ ابن حجر في شرحه إلى نزول الآية وخروج النبيّ للملاعنة بأهل البيتعليهمالسلام ، لكنّها إشارة مقتضبة جدّاً!!
ثمّ قال: « قالا: إنّا نعطيك ما سألتنا » والنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يسأل شيئاً، وإنّما دعاهما إلى الإسلام وما جاء به القرآن، فأبَيا، فآذنهم
____________________
(١). صحيح البخاري ٥ / ٢١٧. ط دار إحياء التراث العربي - بيروت.
بالحرب، فطلبا منه الصلح وإعطاء الجزية، فكتب لهما بذلك وكان الكاتب عليعليهالسلام .
ثمّ إنّ البخاري - بعد أن حذف حديث المباهلة إخفاءً لفضل أهل الكساء - وضع فضيلة لأبي عبيدة، بأنهما قالا للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : « ابعث معنا رجلاً أميناً » فبعث معهم أبا عبيدة بن الجرّاح...
لكنْ في غير واحدٍ من الكتب أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أرسل إليهم عليّاًعليهالسلام ، وهذا ما نبّه عليه الحافظ وحاول رفع التعارض، فقال: « وقد ذكر ابن إسحاق أنّ النبيّ بعث عليّاً إلى أهل نجران ليأتيه بصدقاتهم وجزيتهم، وهذه القصّة غير قصّة أبي عبيدة، لأنّ أبا عبيدة توجّه معهم فقبض مال الصلح ورجع، وعليٌّ أرسله النبيّ بعد ذلك يقبض منهم ما استحق عليهم من الجزية ويأخذ ممن أسلم منهم ما وجب عليه من الصدقة. والله أعلم »(١) .
قلت:
ولم أجد في روايات القصّة إلّا أنّهما « أقرّا بالجزية » التزما بدفع ما تضمّنه الكتاب الذي كتبهصلىاللهعليهوآلهوسلم لهم، ومن ذلك: ألفا حُلّة « في كلّ رجبٍ ألف، وفي كلّ صفرٍ ألف » وهذه هي الجزية، وعليها جرى أبو بكر وعمر، حتّى جاء عثمان فوضع عنهم بعض ذلك! وكان ممّا كتب: « إنّي قد وضعت عنهم من جزيتهم مائتي حُلّة لوجه الله! »(٢) .
ثمّ إنّ رجوعهما إلى قومهما كان في بقيّة من شوّال أو ذي القعدة(٣) فأين
____________________
(١). فتح الباري - شرح صحيح البخاري - ٨ / ٧٧.
(٢). فتوح البلدان: ٧٧.
(٣). عيون الأثر ٢ / ٢٤٤، وغيره.
رجب؟! وأين صفر؟!
فما ذكره الحافظ رفعاً للتعارض ساقط.
ولعلّه من هنا لم تأتِ هذه الجملة في رواية مسلم، فقد روى الخبر عن أبي إسحاق، عن صلة بن زفر، عن حذيفة، قال: « جاء أهل نجران إلى رسول صلّى الله عليه وسلّم فقالوا: يا رسول الله! ابعث إلينا رجلاً أميناً، فقال: لأبعثنّ إليكم رجلاً أميناً »(١) .
ثمّ إنّه قد تعدّدت أحاديث القوم في « أمانة أبي عبيدة » حتّى أنّهم رووا بلفظ « أمين هذه الأُمّة أبو عبيدة »، وقد تكلّمنا على هذه الأحاديث من الناحيتين - السند والدلالة - في موضعه من كتابنا بالتفصيل(٢) .
*ابن سعد، فإنّه ذكر تحت عنوان « وفد نجران »: « كتب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى أهل نجران، فخرج إليه وفدهم، أربعة عشر رجلاً من أشرافهم نصارى، فيهم العاقب وهو عبدالمسيح ودعاهم إلى الإسلام، فأبوا، وكثر الكلام والحجاج بينهم، وتلا عليهم القرآن، وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إنْ أنكّرتم ما أقول لكم فهلُمّ أُباهلكم، فانصرفوا على ذلك.
فغدا عبدالمسيح ورجلان من ذوي رأيهم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: قد بدا لنا أنْ لا نباهلك، فاحكم علينا بما أحببت نعطك ونصالحك، فصالحهم على
وأشهد على ذلك شهوداً، منهم: أبو سفيان بن حرب، والأقرع بن حابس، والمغيرة بن شعبة.
فرجعوا إلى بلادهم، فلم يلبث السيّد والعاقب إلّا يسيراً حتّى رجعا إلى
____________________
(١). صحيح مسلم ٧ / ١٣٩.
(٢). راجع: الجزء الحادي عشر، من الصفحة: ٣١٥ إلى الصفحة ٣٣٨ من كتابنا.
النبي صلّى الله عليه وسلّم، فأسلما، وأنزلهما دار أبي أيّوب الأنصاري.
وأقام أهل نجران على ما كتب لهم به النبيّ صلّى الله عليه وسلّم حتّى قبضه الله »(١) .
*وقال الطبري - في ذكر الوفود في السنة العاشرة -: « وفيها قدم وفد العاقب والسيّد من نجران، فكتب لهما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كتاب الصلح »(٢) .
ثمّ قال في خروج الأُمراء والعمّال على الصدقات: « وبعث عليّ بن أبي طالب إلى نجران ليجمع صدقاتهم ويقدم عليه بجزيتهم »(٣) .
*وقال ابن الجوزي: « وفي سنة عشر من الهجرة أيضاً قدم العاقب والسيّد من نجران، وكتب لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كتاب صلح »(٤) .
* وقال ابن خلدون: « وفيها قدم وفد نجران النصارى، في سبعين راكباً، يقدمهم أميرهم العاقب عبدالمسيح من كندة، وأُسقفهم أبو حارثة بن بكر بن وائل والسيّد الأيهم، وجادلوا عن دينهم، فنزل صدر سورة آل عمران، وآية المباهلة، فأبَوا منها، وفرقوا وسألوا الصلح، وكتب لهم به على ألف حُلّة في صفر وألف في رجب، وعلى دروع ورماح وخيل وحمل ثلاثين من كلّ صنف، وطلبوا أن يبعث معهم والياً يحكم بينهم، فبعث معهم أبا عبيدة بن الجرّاح، ثمّ جاء العاقب والسيّد وأسلما »(٥) .
____________________
(١). الطبقات الكبرى ١ / ٣٥٧ - ٣٥٨.
(٢). تاريخ الطبري ٣ / ١٣٩.
(٣). تاريخ الطبري ٣ / ١٤٧.
(٤). المنتظم في تاريخ الأمم - حوادث السنة العاشرة ٤ / ٣.
(٥). تاريخ ابن خلدون ٤ / ٨٣٦ - ٨٣٧.
وحاول آخرون منهم أن يكتموا اسم عليّعليهالسلام .
* فحذفوا اسمه من الحديث، كما في الرواية عن جدّ سلمة بن عبديشوع المتقدّمة.
* بل تصرّف بعضهم في حديث مسلم، وأسقط منه اسم « عليّ »، كما سيأتي عن ( البحر المحيط )!!
* والبلاذري عنون في كتابه « صلح نجران » وذكر القصة، فقال:
« فأنزل الله تعالى:( ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ * إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) - إلى قوله: -( الْكاذِبِينَ ) فقرأها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عليهما، ثم دعاهما إلى المباهلة، وأخذ بيد فاطمة والحسن والحسين، فقال أحدهما لصاحبه، اصعد الجبل ولا تباهله، فإنّك إنْ باهلته بؤت باللعنة. قال: فما ترى؟ قال: أرى أنْ نعطيه الخراج ولا نباهله »(١) .
* وابن القيّم اقتصر على رواية جدّ سلمة، ولم يورد اللفظ الموجود عند مسلم وغيره، قال: « وروينا عن أبي عبدالله الحاكم، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن سلمة بن عبد يشوع، عن أبيه، عن جدّه، قال يونس - وكان نصرانيّاً فأسلم -: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كتب إلى أهل نجران » فحكى القصّة إلى أن قال:
« فلمـّا أصبح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الغد بعد ما أخبرهم الخبر، أقبل مشتملاً على الحسن والحسين رضي الله عنهما في خميل له وفاطمة
____________________
(١). فتوح البلدان: ٧٥ - ٧٦.
رضي الله عنها تمشي عند ظهره، للمباهلة، وله يومئذٍ عدّة نسوة »(١) .
* وكذا فعل ابن كثير في تاريخه(٢) .
* واختلف النقل عن الشعبي على أشكال:
أحدها: روايته عن جابر بن عبد الله، وفيها نزول الآية في عليٍّ وفاطمة والحسنين.
والثاني: روايته الخبر مع حذف اسم عليٍّ!! رواه عنه جماعة، وعنهم السّيوطي، وقد تقدّم.
وجاء عند الطبري بعد الخبر عن ابن حميد، عن جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، وليس فيه ذكر عليٍّ: « حدّثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، قال: فقلت للمغيرة: إنّ الناس يروون في حديث أهل نجران أنّ عليّاً كان معهم!
فقال: أمّا الشعبي فلم يذكره، فلا أدري لسوء رأي بني أميّة في عليّ، أو لم يكنْ في الحديث»(٣) .
والثالث: روايته الخبر مع حذف اسم عليٍّ! وإضافة « وناس من أصحابه »!! وهو ما نذكره:
وهذا الخبر لم أجده إلّا عند ابن شبّة، عن الشعبي، حيث قال:
« حدّثنا أبو الوليد أحمد بن عبد الرحمن القرشي، قال: حدّثنا الوليد بن مسلم، قال: حدّثنا إبراهيم بن محمّد الفزاري، عن عطاء بن السائب، عن
____________________
(١). زاد المعاد في هدى خير العباد ٣ / ٣٩ - ٤٠.
(٢). البداية والنهاية ٥ / ٥٣.
(٣). تفسير الطبري ٣ / ٢١١.
الشعبي، قال: قدم وفد نجران، فقالوا لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أخبرنا عن عيسى قال: فأصبح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وغداً حسن وحسين وفاطمة وناس من أصحابه، وغدوا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقالوا: ما للملاعنة جئناك، ولكن جئناك لتفرض علينا شيئاً نؤدّيه إليك »(١) .
فإذا كان المراد من « وغدا حسن » أنّهم خرجوا مع رسول الله ليباهل بهم، فقد أخرجصلىاللهعليهوآلهوسلم مع أهل بيته « ناساً من الصحابة »!!
وإذا كان قد خرج مع النبي « ناسٌ من أصحابه » فلماذا لم يجعل الراوي عليّاً منهم في الأقلّ!!
لكنّ الشعبي - إن كانت هذه التحريفات منه لا من الرواة عنه - معروف بنزعته الاموية، ولعلّ في أحد الروايات التي نقلناها سابقاً عن تفسير الطبري إشارة إلى ذلك وقد كان الشعبي أمين آل مروان، وقاضي الكوفة في زمانهم، وكان نديماً لعبد الملك بن مروان، مقرّباً إليه، وكلّ ذلك وغيره مذكور بترجمته في الكتب، فلتراجع.
وهذا اللفظ وجدته عند الحلبي، قال: « وفي لفظٍ: أنّهم وادعوه على الغد، فلمـّا أصبح صلّى الله عليه وسلّم أقبل ومعه حسن وحسين وفاطمة وعليّ رضي الله عنهم وقال: اللّهمّ هؤلاء أهلي
وعن عمررضياللهعنه ، أنّه قال للنبي صلّى الله عليه وسلّم: لو لاعنتهم يا رسول الله بيد مَن كنت تأخذ؟ قال صلّى الله عليه وسلّم: آخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين وعائشة وحفصة.
____________________
(١). تاريخ المدينة المنورة ١ / ٥٨١ - ٥٨٢.
وهذا - أي زيادة عائشة وحفصة - دلّ عليه قوله تعالى:( وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ ) وصالحوه...»(١) .
وهذا لم أجده إلّا عند ابن عساكر، وبترجمة عثمان بالذات!! من تاريخه، قال:
« أخبرنا أبو عبدالله محمّد بن إبراهيم، أنبأ أبو الفضل ابن الكريدي، أنبأنا أبو الحسن العتيقي، أنا أبو الحسن الدارقطني، نا أبو الحسين أحمد بن قاج، نا محمّد بن جرير الطبري - إملاء علينا - نا سعيد بن عنبسة الرازي، نا الهيثم بن عدي، قال: سمعت جعفر بن محمّد، عن أبيه في هذه الآية( تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ) قال: فجاء بأبي بكر وولده، وبعمر وولده، وبعثمان وولده، وبعليّ وولده »(٢) .
ورواه عنه: السيوطي(٣) والشوكاني(٤) والآلوسي(٥) والمراغي(٦) ساكتين عنه!! نعم قال الآلوسي: « وهذا خلاف ما رواه الجمهور ».
____________________
(١). إنسان العيون - السيرة الحلبية ٣ / ٢٣٦.
(٢). تاريخ دمشق - ترجمة عثمان بن عفّان -: ١٦٨ / ١٦٩.
(٣). الدرّ المنثور ٢ / ٤٠.
(٤). فتح القدير ١ / ٣٤٨.
(٥). روح المعاني ٣ / ١٩٠.
(٦). تفسير المراغي ٤ / ١٧٥.
أقول:
كانت تلك محاولات القوم في قبال حديث المباهلة، وتلاعباتهم في لفظه بغضّ النظر عن تعابير بعضهم عن الحديث بـ « قيل » و « روي » ونحو ذلك ممّا يقصد منه الإستهانة به عادةً.
هذا، والأليق بنا ترك التكلّم على هذه التحريفات - زيادةً ونقيصةً - لوضوح كونها من أيدٍ أُمويّة، تحاول كتم المناقب العلويّة، لعلمهم بدلالتها على مزايا تقتضي الأفضليّة، كما حاولت في ( حديث الغدير ) و ( حديث المنزلة ) ونحوهما.
وفي ( حديث المباهلة ) أرادوا كتم هذه المزيّة، ولو بترك ذِكر أصل القضيّة! أو بحذف اسم عليٍّ أو فاطمة الزكيّة،
ولولا دلالة الحديث على الأفضليّة - كما سيأتي - لَما زاد بعضهم « عائشة وحفصة » إلى جنب فاطمة!!
بل أراد بعضهم إخراج الحديث عن الدلالة بانحصار هذه المزيّة في أهل البيتعليهمالسلام ، فوضع على لسان أحدهم - وهو الإمام الباقر، يرويه عنه الإمام الصادق - ما يدلّ على كون المشايخ الثلاثة في مرتبة عليٍّ!! وأنّ وُلْدهم في مرتبة وُلده!!
وضعوه على لسان الأئمّة من أهل البيتعليهمالسلام ليروج على البسطاء من الناس!!
وكم فعلوا من هذا القبيل على لسان أئمّة أهل البيتعليهمالسلام وأوّلاًدهم، في الأبواب المختلفة من التفسير والفقه والفضائل(١) !
____________________
(١). ذكرنا في بعض بحوثنا المنشورة نماذج من ذلك، ويا حبّذا لو تُجمع وتُنشر في رسالة مفردة، والله الموفّق.
إنّ ما رواه ابن عساكر لم يخرّجه أحدٌ من أرباب الصحاح والمسانيد والمعاجم، ولا يُقاوم - بحسب قواعد القوم - ما أخرجه أحمد ومسلم والترمذي وغيرهم، ونصّ الحاكم على تواتره، وغيره على ثبوته.
بل إنّ هذا الحديث لم يعبأ به حتى مثل ابن تيميّة المتشبّث بكلّ حشيش!
إنّ هذا الحديث كذبٌ محضٌ، باطلٌ سنداً ومتناً ولنتكلّم على اثنين من رجاله:
ليس من رجال الصحاح والسنن ونحوها، وهو كذّاب، ذكره ابن أبي حاتم فقال: « سعيد بن عنبسة، أبو عثمان الخزّاز الرازي سمع منه أبي ولم يحدّث عنه، وقال: فيه نظر.
حدّثنا عبدالرحمن، قال: سمعت علي بن الحسين، قال: سمعت يحيى بن معين - وسُئل عن سعيد بن عنبسة الرازي - فقال: لا أعرفه.
فقيل: إنّه حدّث عن أبي عبيدة الحدّاد حديث والان، فقال: هذا كذّاب.
حدّثنا عبدالرحمن، قال: سمعت عليّ بن الحسين يقول: سعيد بن عنبسة كذّاب.
سمعت أبي يقول: كان لا يصدق »(١) .
وقد اتّفقوا على أنّه كذّاب.
____________________
(١). الجرح والتعديل ٤ / ٥٢.
قال ابن أبي حاتم: « سُئل يحيى بن معين عن الهيثم بن عديّ، فقال: كوفيّ وليس بثقة، كذّاب.
سألت أبي عنه، فقال: متروك الحديث »(١) .
وأورده ابن حجر الحافظ في ( لسانه ) فذكر الكلمات فيه:
البخاري: ليس بثقة، كان يكذب.
يحيى بن معين: ليس بثقة، كان يكذب.
أبو داود: كذّاب.
النسائي وغيره: متروك الحديث.
ابن المديني: لا أرضاه في شئ.
أبو زرعة: ليس بشئ.
العجلي: كذّاب.
الساجي: كان يكذب.
أحمد: صاحب أخبار وتدليس.
الحاكم والنقّاش: حدّث عن الثقات بأحاديث منكَرة.
محمود بن غيلان: أسقطه أحمد ويحيى وأبو خيثمة.
ذكره ابن السكن وابن شاهين وابن الجارود والدارقطني في الضعفاء.
كذّب الحديث - لكون الهيثم فيه - جماعة كالطحاوي في « مشكل الحديث » والبيهقي في « السنن » والنقاش والجوزجاني في ما صنّفا من الموضوعات(٢) .
____________________
(١). الجرح والتعديل ٩ / ٨٥.
(٢). لسان الميزان ٦ / ٢٠٩.
أقول:
هَب أنّ ابن عساكر روى هذا الخبر الموضوع في كتابه « تاريخ دمشق » فإنّ هذا الكتاب فيه موضوعات كثيرة، كما نصّ عليه ابن تيميّة(١) وغيره، فما بال السيوطي ومن تبعه يذكرونه بتفسير القرآن الكريم وبيان المراد من آيةٍ من كلام الله الحكيم؟!!
____________________
(١). منهاج السنّة ٧ / ٤٠.
الفصل الثالث
في دلالة آية المباهلة على الإمامة
« إعلم أنّ يوم مباهلة النبيّ صلوات الله عليه وآله لنصارى نجران كان يوماً عظيم الشأن، اشتمل على عدّة آيات وكرامات.
فمن آياته: إنّه كان أوّل مقام فَتَح الله جلّ جلاله فيه باب المباهلة الفاصلة في هذه الملّة الفاضلة عند جحود حججه وبيّناته.
ومن آياته: إنّه أوّل يوم ظهرت لله جلّ جلاله ولرسوله صلوات الله عليه وآله العزّة، بإلزام أهل الكتاب من النصارى الذلّة والجزية، ودخولهم عند حكم نبوّته ومراداته.
ومن آياته: إنّه كان أوّل يوم أحاطت فيه سرادقات القوة الإلهيّة والقدرة النبويّة بمن كان يحتجّ عليه بالمعقول والمنقول والمنكرين لمعجزاته.
ومن آياته: إنّه أوّل يوم أشرقت شموسه بنور التّصديق لمحمّد صلوات الله عليه من جانب الله جل جلاله، بالتفريق بين أعدائه وأهل ثقاته.
ومن آياته: إنّه يوم أظهر فيه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم تخصيص أهل بيته بعلوّ مقاماتهم.
ومن آياته: إنّه يوم كشف الله جلّ جلاله لعباده أنّ الحسن والحسين عليهما أفضل السلام، - مع ما كانا عليه من صغر السنّ - أحقّ بالمباهلة من صحابة رسول الله صلوات الله عليه والمجاهدين في رسالاته.
ومن آياته: إنّه يوم أظهر الله جلّ جلاله فيه أنّ ابنته المعظّمة فاطمة
صلوات الله عليها أرجح في مقام المباهلة من أتباعه وذوي الصلاح من رجاله وأهل عناياته.
ومن آياته: إنّه يوم أظهر الله جل جلاله فيه أنّ مولانا علي بن أبي طالب نفس رسول الله صلوات الله عليهما، وأنّه من معدن ذاته وصفاته، وأنّ مراده من مراداته، وإن افترقت الصورة فالمعنى واحدٌ في الفضل من سائر جهاته.
ومن آياته: إنّه يومٌ وَسِمَ كلّ من تأخّر عن مقام المباهلة بوَسمٍ يقتضي أنّه دون من قُدِّم عليه في الإحتجاج لله عزّ وجلّ ونشر علاماته.
ومن آياته: إنّه يوم لم يجرِ مثله قبل الإسلام في ما عرفنا من صحيح النقل ورواياته.
ومن آياته: إنّه يوم أخرس ألسنة الدعوى، وعرس في مجلس منطق الفتوى، بأن أهل المباهلة أكرم على الله جل جلاله من كلّ مَن لم يصلح لِما صلحوا له من المتقرّبين بطاعاته وعباداته.
ومن آياته: إنّ يوم المباهلة يومُ بيانِ برهان الصادقين، الّذين أمر الله جلّ جلاله باتّباعهم في مقدّس قرآنه وآياته.
ومن آياته: إنّ يوم المباهلة يومٌ شهد الله جلّ جلاله لكلّ واحد من أهل المباهلة بعصمته مدّة حياته.
ومن آياته: إنّ يوم المباهلة أقرب في تصديق صاحب النبوّة والرسالة من التحدّي بالقرآن، وأظهر في الدلالة، الّذين تحدّاهم صلوات الله عليه بالقرآن قالوا:( لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا ) (١) ، وإن كان قولهم في مقام البهتان، ويوم المباهلة ما أقدموا على دعوى الجحود، للعجز عن مباهلته، لظهور حجّته وعلاماته.
____________________
(١). سورة الأنفال ٨: ٣١.
ومن آياته: إنّه يوم أطفأ الله به نار الحرب، وصان وجوه المسلمين من الجهاد والكرب، وخلّصهم من هيجان المخاطرة بالنفوس والرؤوس، وعتقها من رقّ الغزو والبؤس لشرف أهل المباهلة الموصوفين فيها بصفاته.
ومن آياته: إنّ البيان واللّسان والجَنان اعترفوا بالعجز عن كمال كراماته »(١) .
واستدلّ علماء الإماميّة بآية المباهلة، وأنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم دعا إليها الإمام عليّاً وفاطمة والحسن والحسين فقط على إمامة أمير المؤمنينعليهالسلام .
وأمّا وجه دلالة الآية على الإمامة، فإنّ الإماميّة أخذت ذلك من الإمام أبي الحسن عليّ الرضاعليهالسلام ، فقد قال الشريف المرتضى الموسوي طاب ثراه:
« حدّثني الشيخ - أدام الله عزّه - أيضاً، قال: قال المأمون يوماً للرضاعليهالسلام :
أخبرني بأكبر فضيلة لأمير المؤمنينعليهالسلام يدلّ عليها القرآن.
قال: فقال له الرضاعليهالسلام : فضيلته في المباهلة، قال الله جلّ جلاله:( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ ) .
فدعا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الحسن والحسين فكانا ابنيه،
____________________
(١). الإقبال بصالح الأعمال: ٥١٤.
ودعا فاطمة فكانت - في هذا الموضع - نساءه، ودعا أمير المؤمنين فكان نفسه بحكم الله عزّوجلّ.
وقد ثبت أنّه ليس أحد من خلق الله سبحانه أجلّ من رسول الله صلى عليه وآله وسلّم وأفضل، فوجب أن لا يكون أحد أفضل من نفس رسول الله صلى عليه وسلّم بحكم الله عزّوجلّ.
قال: فقال له المأمون: أليس قد ذكر الله الأبناء بلفظ الجمع، وإنّما دعا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ابنيه خاصّة، وذكر النساء بلفظ الجمع، وإنّما دعا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ابنته وحدها، فلِمَ لا جاز أن يذكر الدعاء لمن هو نفسه وبكون المراد نفسه في الحقيقة دون غيره، فلا يكون لأمير المؤمنينعليهالسلام ما ذكرت من الفضل؟!
قال: فقال له الرضاعليهالسلام : ليس بصحيح ما ذكرت - يا أمير المؤمنين - وذلك أنّ الداعي إنّما يكون داعياً لغيره، كما يكون الآمر آمراً لغيره، ولا يصح أن يكون داعياً لنفسه في الحقيقة، كما لا يكون آمراً لها في الحقيقة، وإذا لم يدعُ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم رجلاً في المباهلة إلّا أمير المؤمنينعليهالسلام ، فقد ثبت أنّه نفسه التي عناها تعالى في كتابه، وجعل حكمه ذلك في تنزيله.
قال: فقال المأمون: إذا ورد الجواب سقط السؤال »(١) .
* وقال الشيخ المفيد - بعد أن ذكر القصّة -: « وفي قصّة أهل نجران بيانٌ عن فضل أمير المؤمنينعليهالسلام ، مع ما فيه من الآية للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والمعجز الدالّ على نبوّته.
ألا ترى إلى اعتراف النصارى له بالنبوّة، وقطعهعليهالسلام على
____________________
(١). الفصول المختارة من العيون والمحاسن: ٣٨.
امتناعهم من المباهلة، وعِلمهم بأنّهم لو باهلوه لحلّ بهم العذاب، وثقته عليه وآله السلام بالظفر بهم والفلج بالحجّة عليهم، وأنّ الله تعالى حكم في آية المباهلة لأمير المؤمنينعليهالسلام بأنّه نفس رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، كاشفاً بذلك عن بلوغه نهاية الفضل، ومساواته للنبيّ عليه وآله السلام في الكمال والعصمة من الآثام، وأنّ الله جلّ ذكره جعله وزوجته وولديه - مع تقارب سنّهما - حجّةً لنبيّه عليه وآله السلام وبرهاناً على دينه، ونصّ على الحكم بأنّ الحسن والحسين أبناؤه، وأنّ فاطمةعليهاالسلام نساؤه المتوجّه إليهنّ الذِكر والخطاب في الدعاء إلى المباهلة والإحتجاج؟!
وهذا فضل لم يشركهم فيه أحد من الأُمّة، ولا قاربهم فيه ولا ماثلهم في معناه، وهو لاحق بما تقدّم من مناقب أمير المؤمنينعليهالسلام الخاصّة به، على ما ذكرناه »(١) .
* وهكذا استدلّ الشريف المرتضى، حيث قال: « لا شبهة في دلالة آية المباهلة على فضل من دُعي إليها وجعل حضوره حجّة على المخالفين، واقتضائها تقدّمه على غيره، لأنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لا يجوز أنْ يدعو إلى ذلك المقام ليكون حجّةً فيه إلّامن هو في غاية الفضل وعلو المنزلة.
وقد تظاهرت الرواية بحديث المباهلة، وأنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم دعا إليها أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسينعليهمالسلام ، وأجمع أهل النقل وأهل التفسير على ذلك
ونحن نعلم أنّ قوله( وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ) لا يجوز أن يعني بالمدعو فيه النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، لأنّه هو الدّاعي، ولا يجوز أن يدعو الإنسان نفسه، وإنّما يصحّ أن يدعو غيره، كما لا يجوز أنْ يأمر نفسه وينهاها،
____________________
(١). الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد ١ / ١٦٩.
وإذا كان قوله تعالى:( وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ) لابدّ أنْ يكون إشارةً إلى غير الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وجب أن يكون إشارةً إلى أمير المؤمنينعليهالسلام ، لأنّه لا أحد يدّعي دخول غير أمير المؤمنين وغير زوجته وولديهعليهمالسلام في المباهلة »(١) .
* وقال الشيخ الطوسي: « أحد ما يستدلّ به على فضلهعليهالسلام ، قوله تعالى:( فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ ) إلى آخر الآية.
ووجه الدلالة فيها: أنّه قد ثبت أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم دعا أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسينعليهمالسلام إلى المباهلة، وأجمع أهل النقل والتفسير على ذلك، ولا يجوز أنْ يدعو إلى ذلك المقام ليكون حجّةً إلاّمن هو في غاية الفضل وعلوّ المنزلة، ونحن نعلم أنّ قوله:( وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ) لا يجوز أن يعني بالمدعوّ فيه النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، لأنّه هو الداعي، ولا يجوز أن يدعو الإنسان نفسه، وإنّما يصحّ أن يدعو غيره، كما لا يجوز أنْ يأمر نفسه وينهاها.
وإذا كان قوله تعالى:( وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ) لابدّ أن يكون إشارةً إلى غير الرسول، وجب أن يكون إشارةً إلى أمير المؤمنينعليهالسلام ، لأنّه لا أحد يدّعي دخول غير أمير المؤمنين وغير زوجته وولدهعليهمالسلام في المباهلة »(٢) .
وقال بتفسير الآية: « واستدلّ أصحابنا بهذه الآية على أنّ أمير المؤمنينعليهالسلام كان أفضل الصحابة من وجهين:
____________________
(١). الشافي في الإمامة ٢ / ٢٥٤.
(٢). تلخيص الشافي ٣ / ٦ - ٧.
أحدهما: إنّ موضوع المباهلة ليتميّز المحقّ من المبطل، وذلك لا يصحّ أنْ يُفعل إلّا بمن هو مأمون الباطن، مقطوعاً على صحّة عقيدته، أفضل الناس عند الله.
والثاني: إنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم جعله مثل نفسه بقوله:( وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ) (١) .
* وقال الإربلي: « ففي هذه القضيّة بيان لفضل عليّعليهالسلام ، وظهور معجز النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فإنّ النصارى علموا أنّهم متى باهلوه حلّ بهم العذاب، فقبلوا الصلح ودخلوا تحت الهدنة، وإنّ الله تعالى أبان أنّ عليّاً هو نفس رسول الله كاشفاً بذلك عن بلوغه نهاية الفضل، ومساواته للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في الكمال والعصمة من الآثام، وإنّ الله جعله وزوجته وولديه - مع تقارب سنّهما - حجّةً لنبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وبرهاناً على دينه، ونصّ على الحكم بأنّ الحسن والحسين أبناؤه، وأنّ فاطمةعليهاالسلام نساؤه المتوجّه إليهنّ الذِكر والخطاب في الدّعاء إلى المباهلة والإحتجاج، وهذا فضل لم يشاركهم فيه أحد من الأُمّة ولا قاربهم »(٢) .
* وقال العلّامة الحلّي: « أجمع المفسّرون على أنّ( أَبْناءَنا ) إشارة إلى الحسن والحسين، و( أَنْفُسَنا ) إشارة إلى عليٍّعليهالسلام ، فجعله الله نفس محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والمراد المساواة، ومساوي الأكمل الأولى بالتصرّف أكمل وأولى بالتصرّف، وهذه الآية أدلّ دليلٍ على علوّ رتبة مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام ، لأنّه تعالى حكم بالمساواة لنفس رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأنّه تعالى عينه في استعانة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم
____________________
(١). التبيان في تفسير القرآن ٢ / ٤٨٥.
(٢). كشف الغمة في معرفة الأئمّة ١ / ٢٣٣.
في الدعاء، وأيّ فضيلةٍ أعظم من أن يأمر الله نبيّه بأنْ يستعين به على الدعاء إليه والتوسّل به؟! ولمن حصلت هذه المرتبة؟! »(١) .
أقول:
وعلى هذا الغرار كلمات غيرهم من علمائنا الكبار في مختلف الأعصار فإنّهم اسدلّوا على إمامة أمير المؤمنينعليهالسلام بطائفتين من الأدلّة، الأُولى هي النصوص، والثانية هي الدالّة على الأفضليّة، والأفضليّة مستلزمة للإمامة، وهو المطلوب.
وخلاصة الإستدلال بالآية هو:
١ - إنّ الآية المباركة نصٌّ في إمامة أمير المؤمنينعليهالسلام ، لأنّها تدلّ على المساواة بين النبيّ وبينهعليهالسلام ، ومساوي الأكمل الأولى بالتصرّف، أكمل وأولى بالتصرّف.
٢ - إنّ قضية المباهلة وما كان من النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم - قولاً وفعلاً - تدلّ على أفضليّة أمير المؤمنينعليهالسلام ، وذلك لوجوه منها:
أوّلاً: إنّ هذه القضيّة تدلّ على أن عليّاً وفاطمة والحسنينعليهمالسلام ، أحبّ الناس إلى رسول الله، والأحبيّة تستلزم الأفضليّة.
قال البيضاوي: « أي يدع كلّ منّا ومنكم نفسه وأعزّة أهله وألصقهم بقلبه إلى المباهلة »(٢) .
فقال الشهاب الخفاجي في حاشيته: « ألصقهم بقلبه، أي: أحبّهم وأقربهم إليه ».
____________________
(١). نهج الحقّ وكشف الصدق: ١٧٧.
(٢). تفسير البيضاوي بحاشية الشهاب ٣ / ٣٢.
وقال: « قوله: وإنّما قدّمهم ...، يعني: أنّهم أعزّ من نفسه، ولذا يجعلها فداءً لهم، فلذا قدّم ذكرهم اهتماماً به. وأمّا فضل آل الله والرسول فالنهار لا يحتاج إلى دليل »(١) .
وكذا، قال الخطيب الشربيني(٢) ، والشيخ سليمان الجمل(٣) ، وغيرهما.
وقال القاري: « فنزّله منزلة نفسه لِما بينهما من القرابة والأخوة »(٤) .
وثانياً: دلالة قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم لأهل البيت، لمـّا أخرجهم للمباهلة: « إذا أنا دعوت فأمّنوا ».
قال أُسقفهم: « إنّي لأرى وجوهاً لو سألوا الله أن يزيل جبلاً من جباله لأزاله، فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصرانيّ إلى يوم القيامة »(٥) .
فإنّ ذلك يدلّ على دخلٍ لهم في ثبوت نبوّته وصدق كلامه، وفي إذلال الخصوم وهلاكهم لو باهلوا فكان لهم الأثر الكبير والسهم الجزيل في نصرة الدّين ورسول ربّ العالمين، ولا ريب أنّ من كان له هذا الشأن في مباهلة الأنبياء كان أفضل ممّن ليس له ذلك.
قال القاساني: « إنّ لمباهلة الأنبياء تأثيراً عظيماً سببه اتّصال نفوسهم بروح القدس وتأييد الله إيّاهم به، وهو المؤثّر بإذن الله في العالم العنصري، فيكون انفعال العالم العنصري منه كانفعال بدننا من روحنا في الهيئات الواردة
____________________
(١). حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي ٣ / ٣٢.
(٢). السراج المنير في تفسير القرآن ١ / ٢٢٢.
(٣). الجمل على الجلالين ١ / ٢٨٢.
(٤). المرقاة في شرح المشكاة ٥ / ٥٨٩.
(٥). الكشّاف ١ / ٣٦٩، تفسير الخازن ١ / ٢٤٢، السراج المنير في تفسير القرآن ١ / ٢٢٢، المراغي ٣ / ١٧٥، وغيرهم ممّن تقدّم أو تأخّر.
عليه، كالغضب، والحزن، والفكر في أحوال المعشوق، وغير ذلك من تحرّك الأعضاء عند حدوث الإرادات والعزائم، وانفعال النفوس البشريّة منه كانفعال حواسّنا وسائر قوانا من هيئات أرواحنا، فإذا اتّصل نَفسٌ قُدسيٌّ به كان تأثيرها في العالم عند التوجّه الاتصالي تأثير ما يتّصل به، فتنفعل أجرام العناصر والنفوس الناقصة الإنسانيّة منه بما أراد.
ألمْ تَر كيف انفعلت نفوس النصارى من نفسهعليهالسلام بالخوف، وأحجمت عن المباهلة وطلبت الموادعة بقبول الجزية؟ »(١) .
أقول:
فكان أهل البيتعليهمالسلام شركاء مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في هذا التأثير العظيم، وهذه مرتبة لم يبلغ عشر معشارها غيرهم من الأقرباء والأصحاب.
وعلى الجملة، فإنّ المباهلة تدلّ على أفضليّة أمير المؤمنينعليهالسلام بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والأفضل هو المتعيّن للإمامة بالإتّفاق من المسلمين، كما اعترف به حتّى مثل ابن تيميّة(٢) .
ونتيجة الإستدلال بالآية المباركة وما فعله النبي وقاله، هو أنّ الله عزّوجلّ أمر رسوله بأن يسمّي عليّاً نفسه، كي يبيّن للناس أنّ عليّاً هو الذي يتلوه ويقوم مقامه في الإمامة الكبرى والولاية العامّة، لأنّ غير الواجد لهذه المناصب لا يأمر الله ورسوله بأن يسمّيه نفسه.
هذا، وفي الآية دلالة على أنّ « الحسنين » إبنا رسول الله صلّى الله عليه
____________________
(١). تفسير القاسمي ٢ / ٨٥٧.
(٢). نصّ عليه في مواضع من منهاجه، انظر مثلاً: ٦ / ٤٧٥ و ٨ / ٢٢٨.
وآله وسلّم، وهذا ما نصّ عليه غير واحدٍ من أكابر القوم(١) .
وقد جاء في الكتب أنّ عليّاًعليهالسلام كان الكاتب لكتاب الصلح(٢) وأنّه توجّه بعد ذلك إلى نجران بأمر النبي لجمع الصّدقات ممّن أسلم منهم وأخذ الجزية ممّن بقي منهم على دينه(٣) .
ثمّ إن أصحابنا يعضّدون دلالة الآية الكريمة على المساواة بعدّةٍ من الروايات:
كقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم لبريدة بن الحصيب عندما شكا عليّاًعليهالسلام : « يا بريدة! لا تبغض عليّاً فإنّه منّي وأنا منه » ولعموم المسلمين في تلك القصّة: « عليّ منّي وأنا من عليّ، وهو وليّكم من بعدي »(٤) .
وقوله وقد سئل عن بعض أصحابه، فقيل: فعليّ؟! قال: « إنّما سألتني عن الناس ولم تسألني عن نفسي »(٥) .
وقوله: « خُلِقت أنا وعليٌّ من نورٍ واحد ».
وقوله: « خُلِقت أنا وعليٌّ من شجرةٍ واحدة »(٦) .
وقوله - في جواب قول جبرئيل في أُحد: يا محمّد! إنّ هذه لهي المواساة -: « يا جبرئيل، إنّه منّي وأنا منه، فقال جبرئيل: وأنا منكما »(٧) .
____________________
(١). تفسير الرازي وغيره من التفاسير، بتفسير الآية.
(٢). سنن البيهقي ١٠ / ١٢٠، وغيره.
(٣). شرح المواهب اللدنيّة ٤ / ٤٣.
(٤). هذا حديث الولاية، وقد بحثنا عنه بالتفصيل سنداً ودلالةً في الجزء الخامس عشر من كتابنا.
(٥). كفاية الطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب: ١٥٥.
(٦). حديث النور، وحديث الشجرة، بحثنا عنهما بالتفصيل سنداً ودلالةً في الجزء الخامس من كتابنا.
(٧). مسند أحمد ٤ / ٤٣٧، المستدرك على الصحيحين ٣ / ١١، تاريخ الطبري ٣ / ١٧، الكامل في التاريخ ٢ / ٦٣ ومصادر أُخرى في التاريخ والحديث.
أقول:
وستأتي أحاديث أُخر فيما بعد، إن شاء الله.
وممّا يُستدلّ به أيضاً: قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « فاطمة بضعة منّي » حيث استدلّ به غير واحدٍ من أئمّة القوم بأفضليّة فاطمة على أبي بكر وعمر، لكونها بضعةً من النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهو أفضل منهما بالإجماع(١) ، فإنّ عليّاًعليهالسلام أفضل منها بالإجماع كذلك.
ثمّ إنّ غير واحدٍ من أعلام أهل السنّة اعترف بدلالة القصّة على فضيلةٍ فائقةٍ لأهل البيتعليهمالسلام .
قال الزمخشري: « وفيه دليل لا شيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساءعليهمالسلام »(٢) .
وقال ابن روزبهان: « لأمير المؤمنين عليّعليهالسلام في هذه الآية فضيلة عظيمة وهي مسلّمة، ولكنْ لا تصير دالةً على النصّ بإمامته »(٣) .
أقول:
فلا أقلّ من الدلالة على الأفضليّة، لأنّ هذه الفضيلة غير حاصلة لغيره، فهو أفضل الصحابة، والأفضليّة تستلزم الإمامة.
ومن هنا نرى الفخر الرازي لا يقدح في دلالة الآية على أفضليّة علي عليّ سائر الصحابة، وإنّما يناقش الشيخ الحمصي في استدلاله بها على
____________________
(١). فتح الباري ٧ / ١٣٢، فيض القدير ٤ / ٤٢١، المرقاة في شرح المشكاة ٥ / ٣٤٨.
(٢). الكشّاف ١ / ٣٧٠.
(٣). إبطال الباطل - مع إحقاق الحق - ٣ / ٦٣.
أفضليّته على سائر الأنبياء، وسيأتي كلامه في الفصل الخامس.
وتبعه النيسابوري وهذه عبارته: « أي: يَدْعُ كلٌّ منّا ومنكم أبناءه ونساءه ويأت هو بنفسه وبمن هو كنفسه إلى المباهلة، وإنّما يعل إتيانه بنفسه من قرينة ذِكر النفس ومن إحضار من هم أعزّ من النفس، ويعلم إتيان من هو بمنزلة النفس من قرينة أنّ الإنسان لا يدعو نفسه.( ثُمَّ نَبْتَهِلْ ) : ثمّ نتباهل
وفي الآية دلالة على أنّ الحسن والحسين - وهما ابنت البنت - يصحّ أن يقال: إنّهما ابنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، لأنّه صلّى الله عليه وسلّم وعد أنْ يدعو أبناءه ثمّ جاء بهما.
وقد تمسّك الشيعة قديماً وحديثاً بها في أنّ عليّاً أفضل من سائر الصحابة، لأنّها دلّت على أنّ نفس علي مثل نفس محمّد إلّا في ما خصّه الدليل.
وكان في الريّ رجل يقال له محمود بن الحسن الحمصي - وكان متكلّم الاثني عشرية - يزعم أنّ عليّاً أفضل من سائر الأنبياء سوى محمّد. قال: وذلك أنّه ليس المراد بقوله:( وَأَنْفُسَنا ) نفس محمّد، لأنّ الإنسان لا يدعو نفسه، فالمراد غيره، وأجمعوا على أنّ الغير كان عليّ بن أبي طالب
وأُجيب بأنّه كما انعقد الإجماع بين المسلمين على أنّ محمّداً أفضل من سائر الأنبياء فكذا انعقد الإجماع بينهم - قبل ظهور هذا الإنسان - على أنّ النبيّ أفضل ممّن ليس بنبيّ. وأجمعوا على أنّ عليّاًعليهالسلام ما كان نبيّاً
وأمّا فضل أصحاب الكساء فلا شكّ في دلالة الآية على ذلك، ولهذا ضمّهم إلى نفسه، بل قدّمهم في الذكر »(١) .
____________________
(١). تفسير النيسابوري - هامش الطبري - ٣ / ٢١٤ - ٢١٥.
الفصل الرابع
في دفع شبهات المخالفين
وتلخّص الكلام في الفصل السابق في أنّ الآية المباركة دالّة على إمامة أمير المؤمنينعليهالسلام ، إنْ لم يكن بالنصّ فبالدلالة على العصمة على الأفضليّة للأحبيّة والأقربيّة وغيرهما من الوجوه ولم يكن هناك أيّ مجالٍ للطعن في سند الحديث أو التلاعب بمتنه
فلننظر في كلمات المخالفين في مرحلة الدلالة:
« دليل آخر لهم: وربّما تعلّقوا بآية المباهلة وأنّها لمـّا نزلت جمع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم عليّاً وفاطمة والحسن والحسينعليهمالسلام ، وأنّ ذلك يدلّ على أنّه الأفضل، وذلك يقتضي أنّه بالإمامة أحقّ، ولا بدّ من أن يكون هو المراد بقوله:( وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ) ، ولا يجوز أن يجعله من نفسه إلّا وهو يتلوه في الفضل.
وهذا مثل الأوّل في أنّه كلام في التفضيل، ونحن نبيّن أنّ الإمامة قد تكون في من ليس بأفضل.
وفي شيوخنا من ذكر عن أصحاب الآثار أنّ عليّاًعليهالسلام لم يكن في المباهلة.
قال شيخنا أبو هاشم: إنّما خصّصصلىاللهعليهوآلهوسلم من تقرّب
منه في النسب ولم يقصد الإبانة عن الفضل، ودلّ على ذلك بأنّهعليهالسلام أدخل فيها الحسن والحسينعليهماالسلام مع صغرهما لِما اختصّا به من قرب النسب، وقوله:( وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ) يدلّ على هذا المعنى، لأنّه أراد قرب القرابة، كما يقال في الرجل يقرب في النسب من القوم: أنّه من أنفسهم.
ولا ينكر أن يدلّ ذلك على لطف محلّه من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وشدة محبّته له وفضله، وإنّما أنكّرنا أن يدلّ ذلك على أنّه الأفضل أو على الإمامة »(١) .
أقول:
ويتلخّص هذا الكلام في أُمور:
الأوّل: إنّ الإمامة قد تكون في من ليس بأفضل.
وهذا - في الواقع - تسليمٌ باستدلال الإماميّة بالآية على أفضلية أمير المؤمنينعليهالسلام ، وكون الإمامة في من ليس بأفضل لم يرتضه حتّى مثل ابن تيمية!
والثاني: إنّ عليّاً لم يكن في المباهلة.
وهذا أيضاً دليل على تمامية استدلال الإماميّة، وإلّا لم يلتجؤا إلى هذه الدعوى، كما التجأ بعضهم - كالفخر الرازي - في الجواب عن حديث الغدير، بأنّ عليّاً لم يكن في حجّة الوداع!
والثالث: إنّه لم يكن القصد إلى الإبانة عن الفضل، بل أراد قرب القرابة.
وهذا باطلٌ، لأنّه لو أراد ذلك فقط، لأخرج غيرهم من أقربائه كالعبّاس، وهذا ما تنبّه إليه ابن تيميّة فأجاب بأنّ العبّاس لم يكن من السابقين الأوّلين،
____________________
(١). المغني في الإمامة: ٢٠ القسم ١ / ١٤٢.
فاعترف - من حديث يدري أو لا يدري - بالحقّ.
هذا، ولا يخفى أنّ معتمد الأشاعرة في المناقشة هو هذا الوجه الأخير، وبهذا يظهر أنّ القوم عيال على المعتزلة، وكم له من نظير!!
« أمّا أخذه عليّاً وفاطمة والحسن والحسين في المباهلة، فحديث صحيح، رواه مسلم عن سعد بن أبي وقّاص، قال في حديث طويل: « لمـّا نزلت هذه الآية:( فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ) دعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً، فقال: اللهمّ هؤلاء أهلي ».
ولكنْ لا دلالة في ذلك على الإمامة ولا على الأفضليّة.
وقوله: ( قد جعل الله نفس رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والإتّحاد محال، فبقي المساواة له، وله الولاية العامة، فكذا لمساويه ).
قلنا: لا نسلّم أنّه لم يبق إلّا المساواة، ولا دليل على ذلك، بل حمله على ذلك ممتنع، لأنّ أحداً لا يساوي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، لا عليّاً ولا غيره.
وهذا اللفظ في لغة العرب لا يقتضي المساواة، قال تعالى في قصّة الإفك:( لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً ) وقد قال في قصّة بني إسرائيل:( فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ ) أي: يقتل بعضكم بعضاً، ولم يوجب ذلك أن يكونوا متساوين، ولا أنْ يكون مَن عبدالعجل مساوياً لمن لم يعبده.
____________________
(١). أوردنا كلامه بطوله، ليظهر أنّ غيره تبع له، لئلّا يظنّ ظانّ أنّا تركنا منه شيئاً له تأثير في البحث!
وكذلك قد قيل في قوله:( وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) (٣) أي: لا يقتل بعضكم بعضاً، وإنْ كانوا غير متساويين.
وقال تعالى:( وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ ) (٤) أي، لا يلمز بعضكم بعضاً فيطعن عليه ويعيبه، وهذا نهي لجميع المؤمنين أن لا يفعل بعضهم ببعضٍ هذا الطعن، مع أنّهم غير متساوين لا في الأحكام ولا في الفضيلة، ولا الظالم كالمظلوم، ولا الإمام كالمأموم.
ومن هذا الباب قوله تعالى:( ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ ) (٥) أي: يقتل بعضكم بعضاً.
وإذا كان اللفظ في قوله:( وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ) كاللفظ في قوله:( وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ ) ( لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً ) ونحو ذلك، مع أنّ التساوي هنا ليس بواجب، بل ممتنع، فكذلك هناك وأشدّ.
بل هذا اللفظ يدلّ على المجانسة والمشابهة، والتجانس والمشابهة يكون بالإشتراك في بعض الأُمور، كالإشتراك في الإيمان، فالمؤمنون إخوة في الإيمان، وهو المراد بقوله:( لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً ) وقوله:( وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ ) .
وقد يكون بالإشتراك في الدين، وإنْ كان فيهم المنافق، كاشتراك المسلمين في الإسلام الظاهر، وإنْ كان مع ذلك الاشتراك في النسب فهو أوكد، وقوم موسى كانوا( أَنْفُسَنا ) بهذا الإعتبار.
قوله تعالى:( تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ) أي: رجالنا ورجالكم، أي: الرجال الّذين هم من جنسنا في الدين والنسب، والرجال الّذين هم من جنسكم، والمراد التجانس في القرابة فقط؛
لأنّه قال:( أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ ) فذكر الأولاد وذكر النساء والرجال، فعُلم أنّه أراد الأقربين إلينا من الذكور والإناث من الأولاد والعصبة، ولهذا دعا الحسن والحسين من الأبناء، ودعا فاطمة من النساء، ودعا عليّاً من رجاله، ولم يكن عنده أحد أقرب إليه نسباً من هؤلاء، وهم الّذين أدار عليهم الكساء.
والمباهلة إنّما تحصل بالأقربين إليه، وإلّا فلو باهلهم بالأبعدين في النسب وإنْ كانوا أفضل عند الله لم يحصل المقصود، فإنّ المراد أنّهم يدعون الأقربين كما يدعو هو الأقرب إليه.
والنفوس تحنو على أقاربها ما لا تحنوا على غيرهم، وكانوا يعلمون أنّه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ويعلمون أنّهم إنْ باهلوه نزلت البهلة عليهم وعلى أقاربهم، واجتمع خوفهم على أنفسهم وعلى أقاربهم، فكان ذلك أبلغ في امتناعهم وإلّا فالإنسان قد يختار أن يهلك ويحيا ابنه، والشيخ الكبير قد يختار الموت إذا بقي أقاربه في نعمةٍ ومال، وهذا موجود كثير، فطلب منهم المباهلة بالأبناء والنساء والرجال والأقربين من الجانبين، فلهذا دعا هؤلاء.
وآية المباهلة نزلت سنة عشر، لمـّا قدم وفد نجران، ولم يكن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قد بقي من أعمامه إلّا العبّاس، والعبّاس لم يكن من السابقين الأوّلين، ولا كان له به اختصاص كعليّ.
وأمّا بنو عمّه فلم يكن فيهم مثل عليٍّ، وكان جعفر قد قُتل قبل ذلك، فإنّ المباهلة كانت لمـّا قدم وفد نجران سنة تسع أو عشر، وجعفر قُتل بمؤتة سنة ثمان، فتعين عليّرضياللهعنه .
ولكونه تعيّن للمباهلة إذ ليس في الأقارب من يقوم مقامه، لا يوجب أن يكون مساوياً للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم في شيء من الأشياء، بل ولا أنْ يكون
أفضل من سائر الصحابة مطلقاً، بل له بالمباهلة نوع فضيلة، وهي مشتركة بينه وبين فاطمة وحسن وحسين، ليست من خصائص الإمامة، فإنّ خصائص الإمامة لا تثبت للنساء، ولا يقتضي أن يكون من باهل به أفضل من جميع الصحابة، كما لم يوجب أن تكون فاطمة وحسن وحسين أفضل من جميع الصحابة.
وأمّا قول الرافضيّ: « لم يكن المقصود لم يكن المقصود إجابة الدعاء، فإنّ دعاء النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وحده كافٍ، ولو كان المراد بمن يدعوه معه أن يُستجاب دعاؤه لدعا المؤمنين كلّهم ودعا بهم، كما كان يستسقي بهم وكما كان يستفتح بصعاليك المهاجرين، وكان يقول: وهل تُنصرون أو تُرزقون إلّا بضعفائكم؟! بدعائهم وصلاتهم وإخلاصهم!
ومن المعلوم أنّ هؤلاء وإن كانوا مجابين، فكثرة الدعاء أبلغ في الإجابة، لكن لم يكن المقصود دعوة من دعاء لإجابة دعائه، بل لأجل المقابلة بين الأهل والأهل!
ونحن نعلم بالإضطرار أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لو دعا أبا بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وابن مسعود وأُبي بن كعب ومعاذ بن جبل وغيرهم للمباهلة، لكانوا أعظم الناس استجابةً لأمره، وكان دعاء هؤلاء وغيرهم أبلغ في إجابة الدعاء، لكن لم يأمره الله سبحانه بأخذهم معه، لأنّ ذلك لا يحصل به المقصود.
فإنّ المقصود أن أُولئك يأتون بمن يشفقون عليه طبعاً، كأبنائهم ونسائهم ورجالهم الّذين هم أقرب الناس إليهم، فلو دعا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قوماً أجانب لأتى أولئك بأجانب، ولم يكن يشتدّ عليه بنزول البهلة بأُولئك الأجانب، كما يشتدّ عليهم نزولها بالأقربين إليهم، فإنّ طبع البشر يخاف على
أقربيه ما لا يخاف على الأجانب، فأمر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنْ يدعو قرابته وأن يدعو أُولئك قرابتهم.
والناس عند المقابلة تقول كلّ طائفة للاُخرى: ارهنوا عندنا أبناءكم ونساءكم، فلو رهنت إحدى الطائفتين أجنبيّاً لم يرضَ أولئك، كما أنّه لو دعا النبي صلّى الله عليه وسلّم الأجانب لم يرضٍ أولئك المقابلون له، ولا يلزم أن يكون أهل الرجل أفضل عند الله إذا قابل بهم لمن يقابله بأهله.
فقد تبيّن أنّ الآية لا دلالة فيها أصلاً على مطلوب الرافضيّ.
لكنّه - وأمثاله ممن في قلبه زيغ - كالنصارى الّذين يتعلقون بالألفاظ المجملة ويدعون النصوص الصريحة، ثمّ قدحه في خيار الأُمّة بزعمه الكاذب، حيث زعم أنّ المراد بالأنفس المساوون، وهو خلاف المستعمل في لغة العرب.
وممّا يبيّن ذلك أنّ قوله:( نِساءَنا ) لا يختصّ بفاطمة، بل من دعاه من بناته كانت بمنزلتها في ذلك، لكن لم يكن عنده إذ ذاك إلّا فاطمة، فإنّ رقيّة واُم كلثوم وزينب كنّ قد توفّين قبل ذلك.
فكذلك( أَنْفُسَنا ) ليس مختصّاً بعليّ، بل هذه صيغة جمع، كما أنّ( نِساءَنا ) صيغة جمع، وكذلك( أَبْناءَنا ) صيغة جمع، وإنّما دعا حسناً وحسيناً لأنّه لم يكن ممّن ينسب إليه بالبنوّة سواهما، فإنّ إبراهيم إنْ كان موجوداً إذ ذاك فهو طفل لا يُدعى، فإنّ إبراهيم هو ابن مارية القبطيّة التي أهداها له المقوقس صاحب مصر، وأهدى له البغلة ومارية وسيرين، فأعطى سيرين لحسّان بن ثابت، وتسرّى مارية فولدت له إبراهيم، وعاش بضعة عشر شهراً ومات، فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: إنّ له مرضعاً في الجنّة تتمّ
رضاعته، وكان إهداء المقوقس بعد الحديبيّة بل بعد حنين »(١) .
أقول:
كان هذا نص كلام ابن تيميّة في مسألة المباهلة، وقد جاء فيه:
١ - الإعتراف بصحّة الحديث.
وفيه ردّ على المشكّكين في صحته وثبوته عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
٢ - الإعتراف باختصاص القضيّة بالأربعة الأطهار.
وفيه ردّ على المنحرفين عن أهل البيتعليهمالسلام ، المحرّفين للحديث بنقص « عليّ » منهم أو زيادة غيرهم عليهم!!
٣ - الإعتراف بأنّهم هم الّذين أدار عليهم الكساء.
وفيه ردّ على من زعم دخول غيرهم في آية التطهير، بل فيه دلالة على تناقض ابن تيميّة، لزعمه - في موضع من منهاجه، دخول الأزواج أخذاً بالسياق، كما تقدّم في مبحث تلك الآية.
٤ - الإعتراف بأنّ في المباهلة نوع فضيلة لعلي.
وفيه ردٌّ على من يحاول إنّكار ذلك.
ثمّ إنّ ابن تيميّة ينكر دلالة الحديث على الإمامة مطلقاً بكلام مضطرب مشتمل على التهافت، وعلى جوابٍ - قال الدهلوي عنه -: هو من كلام النواصب!!
* فأوّل شيء قاله هو: إنّ أحداً لا يساوي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
____________________
(١). منهاج السنة ٧ / ١٢٢ - ١٣٠.
ونحن أيضاً نقول: إنّ أحداً لا يساويه لولا الآية والأحاديث القطعيّة الواردة عنه، كقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « عليٌّ منّي وأنا من عليّ، وهو وليّكم بعدي »(١) وقوله - في قصة البراءة -: « لا يؤدّي عنّي إلّا أنا أو رجل منّي »(٢) .
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم - لوفد ثقيف -: « لَتُسلِمنّ أو لأبعثنّ عليكم رجلاً منّي - أو قال: نفسي - ليضربنّ أعناقكم وليسبينّ ذراريكم، وليأخذنّ أموالكم » قال عمر: فوالله ما تمنّيت الإمارة إلّا يومئذ، فجعلت أنصب صدري رجاء أن يقول: هو هذا، فالتفت إلى عليّ فأخذ بيده وقال: « هو هذا، هو هذا »(٣) .
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم منزّلاً إيّاه منزلة نفسه: « إنّ منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله » فاستشرف له أبو بكر وعمر وغيرهما، كلّ يقول: أنا هو؟ قال: لا، ثمّ قال: « وكنْ خاصف النعل » وكان قد اعطى عليّاً نعله يخصفها(٤) .
إلى غير ذلك من الأحاديث، وقد سبق ذكر بعضها أيضاً.
فإذا كان هذا قول الله وكلام الرسول، فماذا نفعل نحن؟!
* ثمّ إنّه أنكر دلالة لفظ « الأنفس » على « المساواة » في لغة العرب،
____________________
(١). هذا حديث الولاية، وهو من أصحّ الأحاديث وأثبتها، وقد بحثنا عنه سنداً ودلالةً في الجزء الخامس عشر من أجزاء كتابنا.
(٢). وهذا أيضاً من أصحّ الأحاديث وأثبتها، راجع: مسند أحمد ١ / ٣، ١٥١، وصحيح الترمذي ، والخصائص للنسائي، والمستدرك على الصحيحين، وراجع التفاسير في سورة البراءة.
(٣). راجع: الإستيعاب ٣ / ١١٠٩، ترجمة أمير المؤمنين.
(٤). أخرجه أحمد ٣ / ٣٣، والحاكم ٣ / ١٣٢ ح ٤٦٢١، والنسائي في الخصائص ١١٢ ح ١٥٠، وابن عبدالبر وابن حجر وابن الأثير بترجمته، وكذا غيرهم.
فقال بأنّ المراد منه في الآية هو من يتّصل بالقرابة واستشهد لذلك بآياتٍ من القرآن.
لكنْ ماذا يقول ابن تيميّة في الآيات التي وقع فيها المقابلة بين « النفس » و « الأقرباء » كما في قوله تعالى:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً ) (١) وقوله:( الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ ) (٢) فكذلك آية المباهلة.
غير أنّ « النفس » في الآيتين المذكورتين مستعملة في نفس الإنسان على وجه الحقيقة، أمّا في آية المباهلة فهي مستعملة - لتعذّر الحقيقة - على وجه المجاز لمن نُزِّل بمنزلة النفس، وهو عليّعليهالسلام ، للحديث القطعي الوارد في القضيّة.
* ثمّ إنّه أكّد كون أخذ الأربعة الأطهارعليهمالسلام لمجرّد القرابة، بإنّكار الإستعانة بهم في الدعاء، فقال: « لم يكن المقصود إجابة الدعاء، فإنّ دعاء النبي وحده كافٍ »!
لكنّه اجتهاد في مقابلة النصّ، فقد روى القوم أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لهم: « إذا أنا دعوت فأمّنوا»(٣) ، وأنّه قد عرف أُسقف نجران ذلك حيث قال: « إنّي لأرى وجوهاً لو شاء الله أنْ يزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها » أو: « لو سألوا الله أنْ يزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها »(٤) .
* ثمّ قال ابن تيميّة: « لم يكن المقصود دعوة من دعاه لإجابة دعائه، بل لأجل المقابلة بين الأهل والأهل فإنّ المقصود أن أُولئك يأتون بمن يشفقون عليه طبعاً كأبنائهم ونسائهم ورجالهم.
____________________
(١). سورة التحريم ٦٦: ٦.
(٢). سورة الزمر ٣٩: ١٥، وسورة الشورى ٤٢: ٤٥.
(٣). تقدّم ذكر بعض مصادره.
(٤). الكشّاف، الرازي، البيضاوي وغيرهم، بتفسير الآية.
وذا كلام النواصب كما نصّ عليه الدهلوي في عباراته الآتية.
وحاصل كلامه: أنّه إنّما دعاهم لكونهم أقرباءه فقط، على ما كان عليه المتعارف في المباهلة، فلا مزيّة لمن دعاه أبداً، فلا دلالة في الآية على مطلوب الشيعة أصلاً، لكنّهم كالنصارى ...!
لكنّه يعلم بوجود الكثيرين من أقربائه - من الرجال والنساء - وعلى رأسهم عمّه العبّاس، فلو كان التعبير بالنفس لمجرّد القرابة لدعا العبّاس وأوّلاًده وغيرهم من بني هاشم!
فيناقض نفسه ويرجع إلى الإعتراف بمزيّةٍ لمن دعاهم، وأنّ المقام ليس مقام مجرّد القرابة ...!! انظر إلى كلامه:
« ولم يكن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قد بقي من أعمامه إلّا العباس، والعباس لم يكن من السابقين الأوّلين، ولا كان له به اختصاص كعليّ، وأمّا بنو عمّه فلم يكن فيهم مثل عليّ فتعين عليٌّرضياللهعنه ، وكونه تعيّن للمباهلة إذ ليس في الأقارب من يقوم مقامه لا يوجب بل له بالمباهلة نوع فضيلة ».
إذن!! لا بدّ في المباهلة من أن يكون المباهَل به صاحب مقامٍ يمتاز به من غيره، ويقدّمه على من سواه، وقد ثبت ذلك لعليّعليهالسلام بحيث ناسب أنْ يأمر الله ورسوله بأنْ يعبّر عنه لأجله بأنّه نفسه، وهذا هو المقصود من الإستدلال بالآية المباركة، وبه يثبت المطلوب.
فانظر كيف اضطربت كلمات الرجل وناقض نفسه!!
* غير أنّه بعد الإعتراف بالفضيلة تأبى نفسه السكوت عليها، وإذْ لا يمكنه دعوى مشاركة زيد وعمر وبكر ...!! معه فيها كما زعم ذلك في غير موضع من كتابه فيقول:
« وهي مشتركة بينه وبين فاطمة وحسن وحسين ».
وهكذا قال - في موضعٍ من كتابه - حول آية التطهير لمـّا لم يجد بُدّاً من الإعتراف باختصاصها بأهل البيت
لكنّه غفل أو تغافل أنّ هذه المشاركة لا تضرّ باستدلال الشيعة بل تنفع، إذ تكون الآية من جملة الدلائل القطعيّة على أفضليّة بضعة النبيّ فاطمة وولديه الحسنينعليهمالسلام من سائر الصحابة عدا أمير المؤمنينعليهالسلام - كما دلّ على ذلك حديث: « فاطمة بضعة منّي » وقد بينّا ذلك سابقاً - فعليُّ هو الإمام بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالآية المباركة والحديث القطعي الوارد في شأن نزولها.
*وقال أبو حيّان:
( نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ) .
أي: يدع كلٌّ منّي ومنكم أبناءه ونساءه ونفسه إلى المباهلة. وظاهر هذا أنّ الدعاء والمباهلة بين المخاطب بـ « قل » وبين من حاجّه، وفُسّر على هذا الوجه ( الأبناء ) بالحسن والحسين، وبنساءه فاطمة، والأنفس بعليّ. قاله الشعبي. ويدلّ على أنّ ذلك مختصٌّ بالنبيّ مع من حاجّه ما ثبت في صحيح مسلم من حديث سعد بن أبي وقّاص، قال: لمـّا نزلت هذه الآية( تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ ) دعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فاطمة وحسناً وحسيناً، فقال: اللهمّ هؤلاء أهلي.
وقال قوم: المباهلة كانت عليه وعلى المسلمين، بدليل ظاهر قوله( نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ ) على الجمع، ولمـّا دعاهم دعا بأهله الذين في حوزته، ولو عزم نصارى نجاران على المباهلة وجاؤا لها لأمر النبيّ صلّى الله
عليه وسلّم المسلمين أن يخرجوا بأهاليهم لمباهلتهم.
وقيل: المراد بـ( أَنْفُسَنا ) الإخوان. قاله ابن قتيبة. قال تعالى:( وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ ) أي: إخوانكم.
وقيل: أهل دينه. قاله أبو سليمان الدمشقي.
وقيل: الأزواج.
وقيل: أراد القرابة القريبة. ذكرها علي بن أحمد النيسابوري.
قال أبو بكر الرازي: وفي الآية دليل على أنّ الحسن والحسين إبنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
وقال أبو أحمد ابن علّان: كانا إذ ذاك مكلَّفين، لأنّ المباهلة عنده لا تصحّ إلّا من مكلّف.
وقد طوّل المفسّرون بما رووا في قصّة المباهلة، ومضمونها: أنّه دعاهم إلى المباهلة وخرج بالحسن والحسين وفاطمة وعليّ إلى الميعاد، وأنّهم كفّوا عن ذلك ورضوا بالإقامة على دينهم، وأنْ يؤدّوا الجزية، وأخبرهم أحبارهم أنّهم إنْ باهلوا عُذّبوا وأخبر هو صلّى الله عليه وسلّم أنّهم إنْ باهلوا عُذّبوا، وفي ترك النصارى الملاعنة لعلمهم بنبوّته شاهد عظيم على صحّة نبوّته.
قال الزمخشري: فإنْ قلت »(١) .
أقول:
لعلّ تقديمه حديث مسلم عن سعدٍ في أنّ المراد من( أَنْفُسَنا ) هو عليٌّعليهالسلام يدلّ على ارتضائه لهذا المعنى لكنّ الحديث جاء في الكتاب محرّفاً بحذف « عليّ »!!
____________________
(١). البحر المحيط ٢ / ٤٧٩ - ٤٨٠.
وليته لم يذكر الأقاويل الأُخرى، فإنّها كلّها هواجس نفسانيّة وإلقاءات شيطانيّة، لا يجوز إيرادها بتفسير الآيات القرآنيّة.
لكن يظهر منه الإعتماد على هذه الأقوال!! حين ينفي بها الإجماع على أنّ المراد من( أَنْفُسَنا ) هو عليعليهالسلام ، ليبطل استدلال الشيخ الحمصي بالآية على أفضليّة الإمام على سائر الأنبياء، كما سيأتي.
ولهم - أي للشيعة ومن وافقهم - فيه أي - في بيان أفضليّة علي - مسلكان:
الأوّل: ما يدلّ عليه - أي على كونه أفضل - إجمالاً، وهو وجوه: الأوّل: آية المباهلة، وهي قوله تعالى:( تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ) لم يرد به نفس النبي، لأنّ الإنسان لا يدعو نفسه، بل المراد به عليٌّ، دلّت عليه الأخبار الصحيحة والروايات الثابتة عند أهل النقل إنّهعليهالسلام دعا عليّاً إلى ذلك المقام، وليس نفس عليٍّ نفس محمّد حقيقةً، فالمراد المساواة في الفضل والكمال، فترك العمل به في فضيلة النبوة وبقي حجةً في الباقي، فيساوي النبيّ في كلّ فضيلةٍ سوى النبوّة، فيكون أفضل من الأُمّة.
وقد يمنع: أنّ المراد بـ( أَنْفُسَنا ) عليٌّ وحده، بل جميع قراباته وخدمه النازلون عرفاً منزلة نفسهعليهالسلام داخلون فيه، تدل عليه صيغة الجمع »(١) .
____________________
(١). شرح المواقف ٨ / ٣٦٧.
أقول:
لا يخفى اعترافهما بدلالة الآية على الأفضليّة، وبكون عليّ في المباهلة، « دلّت عليه الأخبار الصحيحة والروايات الثابتة عند أهل النقل » وبدلالة( أَنْفُسَنا ) على « المساواة ».
غير أنّهما زعما دخول غيره معه في ذلك، لكنّها قالا « وقد يمنع » وكأنّهما ملتفتان إلى بطلان ما زعماه، خصوصاً كون المراد « خدمه » بالإضافة إلى « جميع قراباته »، فإنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يُخرج معه حتّى عمّه، فكيف يكون المراد « جميع قراباته وخدمه »؟!!
« كان عادة أرباب المباهلة أنْ يجمعوا أهل بيتهم وقراباتهم لتشمل البهلة سائر أصحابهم، فجمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أوّلاًده ونساءه، والمراد بالأنفس هاهنا: الرجال، كأنه أمر بأن يجمع نساءه وأوّلاًده ورجال أهل بيته، فكان النساء فاطمة، والأولاد الحسن والحسين، والرجال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعليّ.
وأمّا دعوى المساواة التي ذكرها فهي باطلة قطعاً، وبطلانها من ضروريات الدين، لأنّ غير النبي صلّى الله عليه وسلّم من الأُمّة لا يساوي النبيّ أصلاً، ومن ادّعى هذا فهو خارج عن الدّين، وكيف يمكن المساواة والنبيّ نبيُّ مرسل خاتم الأنبياء أفضل أُولي العزم، وهذه الصفات كلّها مفقودة في عليّ نعم، لأمير المؤمنين عليّ في هذه الآية فضيلة عظيمة وهي مسلّمة، ولكنْ لا تصير دالّةً على النصّ بإمامته »(١) .
____________________
(١). إبطال الباطل - مخطوط. راجع: إحقاق الحق ٣ / ٦٢.
أقول:
وفي كلامه مطالب ثلاثة:
الأوّل: إنّ ما صنعه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إنّما كان جرياً على عادة أرباب المباهلة
وهذا كلام النواصب في الجواب عن هذه الآية، كما نصّ عليه صاحب « التحفة الإثنا عشرية »، ويرد عليه ما تقدّم من أنّه لو كان كذلك فلماذا لم يخرج العبّاس وبنيه وأمثالهم من الأقرباء؟ لكنّ فعل النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم دليل على أنّ للمقام خصوصيةً ولمن دعاهم مراتب عند الله تعالى، وليس جرياً على عادة العرب في مباهلة البعض مع البعض.
والثاني: إنّ غير النبيّ من الأُمّة لا يساوي النبيّ أصلاً.
وقد تقدّم الجواب عنه عند الكلام مع ابن تيميّة.
والثالث: إنّ لأمير المؤمنين في هذه الآية فضيلة عظيمة، وهي مسلّمة.
قلت: هي للأربعة كلّهم لكنّ عليّاً أفضلهم، فهو الإمام بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
قوله: لكن لا تصير دالّة على النصّ بإمامته.
قلت: إنّ الآية تدلّ على المساواة بينه وبين النبيّ في الكمالات الذاتيّة، ولا أقلّ من كونها دالّةً على فضيلة عظيمة - باعترافه - غير حاصلة لخصومه، فهو الأفضل، فهو الإمام دون غيره بعد رسول الله.
وتدلّ على المساواة بينهما في العصمة وتدلّ على كونه مثله في الأولويّة بالتصرّف.
فهو الإمام بعده وليس غيره.
« ومنها آية المباهلة، وطريق تمسّك الشيعة بهذه الآية هو: أنّه لمـّا نزلت( فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ) إلى آخرها، خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من بيته ومعه عليٌّ وفاطمة وحسن وحسين، فالمراد من( أَبْناءَنا ) الحسن والحسين، ومن( أَنْفُسَنا ) الأمير، وإذا صار نفس الرسول - وظاهرٌ أنّ المعنى الحقيقي لكونه نفسه محال - فالمراد هو المساوي، ومن كان مساوياً لنبيّ عصره كان بالضرورة أفضل وأولى بالتصرّف من غيره، لأن المساوي للأفضل الأولى بالتصرّف أفضل وأولى بالتصرّف، فيكون إماماً، إذ لا معنى للإمام إلاّ الأفضل الأولى بالتصرّف.
هذا بيان وجه الإستدلال، ولا يخفى أنّه بهذا التقريب غير موجود في كلام أكثر علماء الشيعة، فلهذه الرسالة الحقّ عليهم من جهة تقريرها وتهذيبها لأكثر أدلّتهم، ومَن شكّ في ذلك فلينظر إلى كتبهم ليجد كلماتهم متشتّتة مضطربة قاصرة عن إفادة مقصدهم.
وهذه الآية في الأصل من جملة دلائل أهل السنّة في مقابلة النواصب، وذلك لأنّ أخذ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الأمير وأُولئك الأجلّة معه، وتخصيصهم بذلك دون غيرهم يحتاج إلى مرجّح، وهو لا يخلو عن أمرين:
فإمّا لكونهم أعزّةً عليه، وحينئذٍ يكون إخراجهم للمباهلة - وفيها بحسب الظاهر خطر - المهلكة، موجباً لقوّة وثوق المخالفين بصدق نبوّته وصحّة ما يخبر به عن عيسى وخلقته، إذ العاقل ما لم يكن جازماً بصدق دعواه لا يعرض أعزّته إلى الهلاك والإستئصال.
وهذا الوجه مختار أكثر أهل السنّة والشيعة، وهو الذي ارتضاه عبدالله
المشهدي في إظهار الحقّ، فدلّت الآية على كون هؤلاء الأشخاص أعزّةً على رسول الله، وأنبياء الله مبرّأون عن الحبّ والبغض النفسانيّين، فليس ذلك إلّا لدينهم وتقواهم وصلاحهم، فبطل مذهب النواصب القائلين بخلاف ذلك.
وإمّا لكي يشاركوه في الدعاء على كفّار نجران، ويعينوه بالتأمين على دعائه عليهم فيستجاب بسرعة، كما يقول أكثر الشيعة وذكره عبدالله المشهدي أيضاً، فتدلّ الآية - بناءً عليه كذلك - على علوّ مرتبتهم في الدّين وثبوت استجابة دعائهم عند الله.
وفي هذا أيضاً ردّ على النواصب.
وقد قدح النواصب في كلا الوجهين وقالوا بأنّ إخراجهم لم يكن لشيءٍ منهما، إنّما كان لإلزام الخصم بما هو مسلّم الثبوت عنده، إذ كان مسلّماً عند المخالفين - وهم الكفّار - أنّ البهلة لا تعتبر إلّا بحضور الأولاد والختن، والحَلف على هلاكهم، فلذا أخرج النبيّ أولاده وصهره معه ليلزمهم بذلك.
وظاهرٌ أنّ الأقارب والأولاد - كيفما كانوا - يكونون أعزّةً على الإنسان في اعتقاد الناس وإنْ لم يكونوا كذلك عند الإنسان نفسه، يدلّ على ذلك أنّه لو كان هذا النوع من المباهلة حقّاً عنده صلّى الله عليه وسلّم لكان سائغاً في الشريعة، والحال أنّه ممنوع فيها، فظهر أنّ ما صنعه إنّما كان إسكاتاً للخصم.
وعلى هذا القياس يسقط الوجه الثاني أيضاً، فإنّ هلاك وفد نجران لم يكن من أهمّ المهمّات، فقد مرّت عليه حوادث كانت أشدّ وأشقّ عليه من هذه القضيّة، ولم يستعنْ في شيء منها في الدعاء بهؤلاء، على أنّ من المتّفق عليه استجابة دعاء النبيّ في مقابلته مع الكفّار، وإلّا يلزم تكذيبه ونقض الغرض من بعثته.
فهذا كلام النواصب، وقد أبطله - بفضل الله تعالى - أهل السنّة بما لا مزيد
عليه كما هو مقرّر في محلّه، ولا نتعرّض له خوفاً من الإطالة.
وعلى الجملة، فإنّ آية المباهلة هي في الأصل ردّ على النواصب، لكنّ الشيعة يتمسّكون بها في مقابلة أهل السنّة، وفي تمسّكهم بها وجوه من الإشكال:
أمّا أوّلاً: فلأنّا لا نسلّم أنّ المراد( بأَنْفُسَنا ) هو الأمير، بل المراد نفسه الشريفة، وقول علمائهم في إبطال هذا الإحتمال بأنّ الشخص لا يدعو نفسه غير مسموع، إذ قد شاع وذاع في القديم والحديث « دعته نفسه إلى كذا » و « دعوت نفسي إلى كذا »( فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ ) (١) و « أمرت نفسي » و « شاورت نفسي » إلى غير ذلك من الإستعمالات الصحيحة الواقعة في كلام البلغاء. فيكون حاصل( نَدْعُ أَنْفُسَنا ) : نحضر أنفسنا.
وأيضاً: فلو قرّرنا الأمير من قبل النبي مصداقاً لقوله( أَنْفُسَنا ) فمن نقرره من قبل الكفّار مع أنّهم مشتركون في صيغة( نَدْعُ ) ، إذ لا معنى لدعوة النبيّ إياهم وأبناءهم بعد قوله:( تَعالَوْا ) .
فظهر أنّ الأمير داخل في( أَبْناءَنا ) - كما أنّ الحسنين غير داخلين في الأبناء حقيقةً وكان دخولهما حُكماً - لأنّ العرف يعدّ الختن ابناً، من غير ريبةٍ في ذلك.
وأيضاً: فقد جاء لفظ النفس بمعنى القريب والشريك في الدين والملّة ومن ذلك قوله تعالى:( يخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ) أي: أهل دينهم( وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ ) ( لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً ) ، فلمـّا كان للأمير اتّصال بالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم في النسب والقرابة والمصاهرة واتّحاد في الدين والملّة، وقد كثرت معاشرته والأُلْفة معه حتّى قال: « عليٌّ منّي وأنا من عليّ » كان التعبير عنه بالنفس غير بعيد، فلا تلزم
المساواة كما لا تلزم في الآيات المذكورة.
وأمّا ثانياً: فلو كان المراد مساواته في جميع الصفات، يلزم الإشتراك في النبوّة والخاتميّة والبعثة إلى كافّة الخلق، والإختصاص بزيادة النكاح فوق الأربع، والدرجة الرفيعة في القيامة، والشفاعة الكبرى والمقام المحمود، ونزول الوحي، وغير ذلك من الأحكام المختصّة بالنبيّ، وهو باطل بالإجماع.
ولو كان المراد المساواة في البعض، لم يحصل الغرض، لأنّ المساواة في بعض صفات الأفضل والأولى بالتصرّف لا تجعل صاحبها أفضل وأولى بالتصرّف، وهو ظاهر جداً.
وأيضاً: فإنّ الآية لو دلّت على إمامة الأمير لزم كونه إماماً في زمن النبيّ وهو باطل بالإتّفاق، فإنْ قيّد بوقتٍ دون وقت - مع أنّه لا دليل عليه في اللفظ - لم يكن مفيداً للمدّعى، لأنّ أهل السنّة أيضاً يثبتون إمامته في وقت من الأوقات »(١) .
أقول:
وفي كلامه مطالب:
١ - دعوى أنّ التقريب الذي ذكره للإستدلال بالآية، غير وارد في أكثر كتب الشيعة، قال: « وكذلك الأدلّة الأُخرى غالباً، ».
وأنت ترى كذب هذه الدعوى بمراجعتك لوجه الإستدلال في بحثنا هذا، إذْ تجد العبارة مذكورة في كتب أصحابنا، إمّا باللفظ وإمّا بما يؤدّي معناه، فلا نطيل.
____________________
(١). التحفة الاثنا عشرية: ٢٠٦ - ٢٠٧. وقد ذكرنا كلامه بطوله لئلّا يظنّ ظانٌّ أنّا أسقطنا منه شيئاً ممّا له دخل في البحث مع الشيعة حول الآية المباركة.
٢ - نسبة المناقشة في دلالة الآية المباركة بما ذكره إلى النواصب، وأنّ أهل السنّة يدافعون عن أهل البيت في قبال أولئك
وقد وجدنا ما عزاه إلى النواصب في كلام ابن تيميّة وابن روزبهان، في ردّهما على العلّامة الحلّي، فالحمد لله الذي كشف عن حقيقة حالهم بما أجراه على لسانهم
٣ - عدم التسليم بأنّ المراد من( أَنْفُسَنا ) هو « عليّ » بل المعنى: « نحضر أنفسنا »، واستشهد - في الردّ على قول الإماميّة بأنّ الشخص لا يدعو نفسه - بعبارات شائعة في كلام العرب في القديم والحديث كما قال.
ونحن لا نناقشه في المعاني المجازيّة لتلك العبارات، ونكتفي بالقول - مضافاً إلى اعتراف غير واحد من أئمّة القوم بأنّ الإنسان الداعي إنّما يدعو غيره لا نفسه(١) - بأنّ الأحاديث القطعيّة عند الفريقين دلّت على أنّ المراد من( أَنْفُسَنا ) هو عليٌّعليهالسلام ، فما ذكره يرجع في الحقيقة إلى عدم التسليم بتلك الأحاديث وتكذيب رواتها ومخرّجيها، وهذا ما لا يمكنه الإلتزام به.
٤ - إدخال عليّعليهالسلام في( أَبْناءَنا ) ..!!
وفيه: أنّه مخالف للنصوص.
ولا يخفى أنّه محاولة لإخراج الآية عن الدلالة على كون عليّ نفس النبيّ، لعلمه بالدلالة حينئذٍ على المساواة، وإلّا فإدخاله في( أَبْناءَنا ) أيضاً اعترافٌ بأفضليّته!!
واستشهاده بالآيات مردود بما عرفت في الكلام مع ابن تيميّة.
على أنّه اعترف بحديث « عليٌّ منّي وأنا من عليّ » وهو ممّا لا يعترف به ابن تيميّة وسائر النواصب.
____________________
(١). لاحظ: شيخ زادة على البيضاوي ١ / ٦٣٤.
٥ - ردّه على المساواة بأنّه: إنْ كان المراد المساواة في جميع الصفات، يلزم المساواة بين عليّ والنبيّ في النبوّة والرسالة والخاتميّة والبعثة إلى الخلق كافّة ونزول الوحي وإنْ كان المراد المساواة في بعض الصفات فلا يفيد المدّعى
قلنا: المراد هو الأوّل، إلّا النبوّة، والأُمور التي ذكرها من الخاتميّة والبعثة كلّها من شؤون النبوّة
فالآية دالّة على حصول جميع الكمالات الموجودة في النبيّ في شخص عليّ، عدا النبوّة، وقد جاء في الحديث عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال لعليّ: « يا علي! ما سألت الله شيئاً إلّاسألت لك مثله، ولا سألت الله شيئاً إلّا أعطانيه، غير إنّه قيل لي: أنّه لا نبيّ بعدك »(١) .
٦ - وبذلك يظهر أنّهعليهالسلام كان واجداً لحقيقة الإمامة - وهو وجوب الطاعة المطلقة، والأولويّة التامّة بالنسبة للاُمّة - في حياة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، إلّا أنّه كان تابعاً للنبيّ مطيعاً له، إطاعة وانقياداً لم يحدّثنا التاريخ به عن غيره على الإطلاق.
فسقط قوله أخيراً: « فإنّ الآية لو دلّت على إمامة الأمير ».
انتحل كلام الدهلوي، بلا زيادةٍ أو نقصان، كغيره من موارد المسائل الإعتقادية المهمّة التي طرحها في تفسيره، وجوابه جوابه، فلا نكرّر.
____________________
(١). أخرجه جماعة، منهم النسائي في الخصائص: ح ١٤٦ وح ١٤٧.
« إنّ الروايات متّفقة على أنّ النبيّ صلى عليه وسلّم اختار للمباهلة عليّاً وفاطمة وولديها، ويحملون كلمة( نِساءَنا ) على فاطمة، وكلمة( أَنْفُسَنا ) على عليّ فقط.
ومصادر هذه الروايات الشيعة، ومقصدهم منها معروف، وقد اجتهدوا في ترويجها ما استطاعوا، حتّى راجت على كثيرٍ من أهل السنّة، ولكنّ واضعيها لم يحسنوا تطبيقها على الآية، فإنّ كلمة( نِساءَنا ) لا يقولها العربي ويريد بها بنته، لا سيّما إذا كان له أزواج، ولا يفهم هذا من لغتهم، وأبعد من ذلك أنْ يراد بـ( أَنْفُسَنا ) عليّ - عليه الرضوان -.
ثمّ إنّ وفد نجران الّذين قالوا إنّ الآية نزلت فيهم لم يكن معهم نساؤهم وأولادهم »(١) .
أقول:
وفي هذا الكلام إقرارٌ، وادّعاءٌ، ومناقشة عن عناد.
أمّا الإقرار، فقوله: « إنّ الروايات متّفقة » فالحمد لله على أن بلغت الروايات في القضيّة من الكثرة والقوّة حدّاً لا يجد مثل هذا الرجل بُدّاً من أن يعترف بالواقع والحقيقة.
لكنّه لمـّا رأى أنّ هذا الإقرار يستلزم الإلتزام بنتيجة الآية المباركة والروايات الواردة فيها، وهذا ما لا تطيقه نفسه!! عاد فزعم أمراً لا يرتضيه عاقل فضلاً عن فاضل!
____________________
(١). تفسير المنار ٣ / ٣٢٢.
أمّا الإدّعاء، فقال: « مصادر هذه الروايات الشيعة وقد اجتهدوا في ترويجها ».
لكنّه يعلم - كغيره - بكذب هذه الدعوى، فمصادر هذه الروايات القطعيّة - وقد عرفت بعضها - ليست شيعيّة. ولمـّا كانت دلالتها واضحة « والمقصد منها معروف »، عمد إلى المناقشة بحسب اللغة، وزعم أنّ العربي لا يتكلّم هكذا.
وما قاله محض استبعاد ولا وجه له إلّا العناد! لأنّا لا نحتمل أن يكون هذا الرجل جاهلاً بأن لفظ « النساء » يطلق على غير الأزواج كما في القرآن الكريم وغيره، أو يكون جاهلاً بأنّ أحداً لم يدّع استعمال اللفظ المذكور في خصوص « فاطمة » وأنّ أحداً لم يدّع استعمال( أَنْفُسَنا ) في « عليٍّ »عليهالسلام .
إنّ هذا الرجل يعلم بأنّ الروايات الصحيحة واردة من طرق القوم أنفسهم، والاستدلال قائم على أساسها، إذ أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم جَعَلَ عليّاً فقط المصداق لـ( أَنْفُسَنا ) وجَعَلَ فاطمة فقط المصداق لـ( نِساءَنا ) وقد كان له أقرباء كثيرون وأصحاب لا يحصون كما كان له أزواج عدّة، والنساء في عشيرته وقومه كثرة.
فلا بُدّ وأنْ يكون ما فعله هو من جهة أفضليّة عليٍّعليهالسلام على غيره من أفراد الأُمة، وهذا هو المقصود.
وأمّا تفضيله - بالآية - على سائر الأنبياءعليهمالسلام - كما عن الشيخ محمود بن الحسن الحمصي - فهذا هو الذي انتقده الفخر الرازي، وتبعه النيسابوري، وأبو حيّان الأندلسي:
* قال الرازي - بعد أن ذكر موجز القصّة، ودلالة الآية على أنّ الحسنين إبنا رسول الله -:
« كان في الريّ رجل يقال له: محمود بن الحسن الحمصي، وكان معلّم الإثني عشرية(١) وكان يزعم أنّ عليّاًرضياللهعنه أفضل من جميع الأنبياء سوى محمّدعليهالسلام ، قال: والذي يدلّ عليه قوله تعالى:( وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ) وليس المراد بقوله( أَنْفُسَنا ) نفس محمّد صلّى الله عليه وسلّم، لأنّ الإنسان لا يدعو نفسه، بل المراد به غيره، وأجمعوا على أنّ ذلك الغير كان عليّ بن أبي طالبرضياللهعنه ، فدلّت الآية على أنّ نفس عليّ هي نفس محمّد، ولا يمكن أن يكون المراد منه أنّ هذه النفس هي عين تلك النفس، فالمراد أنّ هذه النفس مثل تلك النفس، وذلك يقتضي الإستواء في جميع الوجوه، ترك العمل بهذا العموم في حق النبوّة وفي حقّ الفضل، لقيام الدلائل على أنّ محمّداًعليهالسلام كان نبيّاً وما كان عليّ كذلك، ولانعقاد الإجماع على أنّ محمّداًعليهالسلام كان أفضل من عليّ، فيبقى فيما وراءه معمولاً به.
ثمّ الإجماع دلّ على أنّ محمّداًعليهالسلام كان أفضل من سائر الأنبياءعليهمالسلام ، فيلزم أن يكون عليّ أفضل من سائر الأنبياء.
فهذا وجه الإستدلال بظاهر هذه الآية.
ثمّ قال: ويؤيّد الإستدلال بهذه الآية: الحديث المقبول عند الموافق والمخالف، وهو قولهعليهالسلام : من أراد أن يرى آدم في علمه، ونوحاً في طاعته، وإبراهيم في خلّته، وموسى في هيبته، وعيسى في صفوته، فلينظر إلى
____________________
(١). وهو صاحب كتاب « المنقذ من التقليد »، وفي بعض المصادر أنّ الفخر الرازي قرأعليه، توفّي في أوائل القرن السابع، كما في ترجمته بمقدّمة كتابه المذكور، طبعة مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين في الحوزة العلمية - قم.
علي بن أبي طالب.
فالحديث دلّ على أنّه اجتمع فيه ما كان متفرّقاً فيهم، وذلك يدلّ على أنّ عليّاًرضياللهعنه أفضل من جميع الأنبياء سوى محمّد صلّى الله عليه وسلّم.
وأمّا سائر الشيعة، فقد كانوا - قديماً وحديثاً - يستدلّون بهذه الآية على أنّ عليّاًرضياللهعنه مثل نفس محمّدعليهالسلام إلاّما خصّه الدليل، وكان نفس محمّد أفضل من الصحابة، فوجب أن يكون نفس عليّ أفضل من سائر الصحابة.
هذا تقرير كلام الشيعة.
والجواب: إنّه كما انعقد الإجماع بين المسلمين على أنّ محمّداًعليهالسلام أفضل من عليٍّ، فكذلك انعقد الإجماع بينهم - قبل ظهور هذا الإنسان - على أنّ النبيّ أفضل ممّن ليس بنبيّ، وأجمعوا على أنّ عليّاً ما كان نبيّاً، فلزم القطع بأنّ ظاهر الآية كما أنّه مخصوص في حق محمّد صلّى الله عليه وسلّم، فكذلك مخصوص في حق سائر الأنبياءعليهمالسلام ». إنتهى(١) .
* وكذا قال النيسابوري، وهو ملخّص كلام الرازي، على عادته، وقد تقدّم نصّ ما قال.
* وقال أبو حيّان، بعد أن ذكر كلام الزمخشري في الآية المباركة: « ومن أغرب الإستدلال ما استدلّ به محمّد(٢) بن علي الحمصي » فذكر الإستدلال، ثمّ قال: « وأجاب الرازي: بأنّ الإجماع منعقد على أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أفضل ممّن ليس بنبيّ، وعليٍّ لم يكن نبيّاً، فلزم القطع بأنّه مخصوص في حقّ جميع الأنبياء ».
____________________
(١). تفسير الرازي ٨ / ٨١.
(٢). كذا، والصحيح: محمود.
قال: « وقال الرازي: استدلال الحمصي فاسد من وجوه:
منها قوله: ( إنّ الإنسان لا يدعو نفسه ) بل يجوز للإنسان أن يدعو نفسه، تقول العرب: دعوت نفسي إلى كذا فلم تجبني. وهذا يسمّيه أبو علي بالتجريد.
ومنها قوله: ( وأجمعوا على أنّ الذي هو غيره هو عليّ ) ليس بصحيح، بدليل الأقوال التي سبقت في المعني بقوله:( أَنْفُسَنا ) .
ومنها قوله: ( فيكون نفسه مثل نفسه ) ولا يلزم المماثلة أنّ تكون في جميع الأشياء، بل تكفي المماثلة في شيءٍ ما، هذا الذي عليه أهل اللغة، لا الذي يقوله المتكلّمون من أنّ المماثلة تكون في جميع صفات النفس، هذا اصطلاح منهم لا لغةً، فعلى هذا تكفي المماثلة في صفةٍ واحدة، وهي كونه من بني هاشم، والعرب تقول: هذا من أنفسنا، أي: من قبيلتنا.
وأمّا الحديث الذي استدلّ به فموضوع لا أصل له »(١) .
أقول:
ويبدو أنّ الرازي هنا وكذا النيسابوري أكثر إنصافاً للحقّ من أبي حيّان ؛ لأنّهما لم يناقشا أصلاً في دلالة الآية المباركة والحديث القطعي على أفضليّة عليٍّعليهالسلام على سائر الصحابة.
أمّا في الإستدلال بها على أفضليّته على سائر الأنبياء، فلم يناقشا بشيء من مقدّماته، إلّا أنّهما أجابا بدعوى الإجماع من جميع المسلمين - قبل ظهور الشيخ الحمصي - على أنّ الأنبياء أفضل من غيرهم.
وحينئذٍ، يكفي في ردّهما نفي هذا الإجماع، فإنّ الإماميّة - قبل الشيخ
____________________
(١). البحر المحيط ٢ / ٤٨٠.
الحمصي وبعده - قائلون بأفضليّة عليّ والأئمّة من ولده، على جميع الأنبياء عدا نبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ويستدلّون لذلك بوجوهٍ من الكتاب والسنّة، أمّا من الكتاب فالآية المباركة، وأمّا من السنّة فالحديث الذي ذكره الحمصي
وقد عرفت أنّ الرازي والنيسابوري لم يناقشا فيهما.
ومن متقدّمي الإماميّة القائلين بأفضليّة أمير المؤمنين على سائر الأنبياء هو: الشيخ المفيد، المتوفّى سنة ٤١٣، وله في ذلك رسالة، استدلّ فيها بآية المباهلة، واستهلّ كلامه بقوله: « فاستدلّ به من حكم لأمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه بأنّه أفضل من سالف الأنبياءعليهمالسلام وكافّة الناس سوى نبيّ الهدى محمّد عليه وآله السلام بأنْ قال » وهو صريحٌ في أنّ هذا قول المتقدّمين عليه(١) .
فظهر سقوط جواب الرازي ومن تبعه.
لكنّ أبا حيّان نسب إلى الرازي القول بفساد استدلال الحمصي من وجوه - ولعلّه نقل هذا من بعض مصنّفات الرازي غير التفسير - فذكر ثلاثة وجوه:
أمّا الأوّل: فبطلانهّ ظاهر من غضون بحثنا، على أنّ الرازي قرّره ولم يشكل عليه، فإنْ كان ما ذكره أبو حيّان من الرازي حقّاً فقد ناقض نفسه.
وأمّا الثاني: فكذلك، لأنّها أقوال لا يُعبأ بها، إذ الموجود في صحيح مسلم، وجامع الترمذي، وخصائص النسائي، ومسند أحمد، ومستدرك الحاكم وغيرها أنّ الذي هو غيره هو عليٌّ لا سواه وهذا هو القول المتّفق عليه بين العامّة والخاصّة، وهم قد ادّعوا الإجماع - من السلف والخلف
____________________
(١). تفضيل أمير المؤمنينعليهالسلام على سائر الصحابة. رسالة مطبوعة في المجلّد السابع من موسوعة مصنّفات الشيخ المفيد.
- على أنّ صحيحي البخاري ومسلم أصحّ الكتب بعد القرآن، ومنهم مَن ذهب إلى أنّ صحيح مسلم هو الأصحّ منهما.
وأمّا الثالث: فيكفي في الردّ عليه ما ذكره الرازي في تقرير كلام الشيعة في الإستدلال بالآية المباركة، حيث قال: « وذلك يقتضي الإستواء من جميع الوجوه » فإن كان ما ذكره أبو حيّان من الرازي حقّاً فقد ناقض نفسه.
على أنّه إذا كان « تكفي المماثلة في صفةٍ واحدة، وهي كونه من بني هاشم » فلماذا التخصيص بعليٍّ منهم دون غيره؟!
بقي حُكمه بوضع الحديث الذي استدلّ به الحمصي، وهذا حكم لا يصدر إلّا من جاهل بالأحاديث والآثار، أو من معاند متعصّب، لأنّه حديث متّفق عليه بين المسلمين، ومن رواته من أهل السنّة: عبدالرزاق بن همّام، وأحمد بن حنبل، وأبو حاتم الرازي، والحاكم النيسابوري، وابن مردويه، والبيهقي، وأبو نعيم، والمحبّ الطبري، وابن الصبّاغ المالكي، وابن المغازلي الشافعي(١) .
هذا تمام الكلام على آية المباهلة. وبالله التوفيق.
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين.
____________________
(١). وقد بحثنا عن أسانيده وأوضحنا وجوه دلالاته في الجزء التاسع عشر من أجزاء كتابنا.
قوله تعالى
«إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِکُلِّ قَوْمٍ هَادٍ »
هذه الآية أيضاً استدل بها أصحابنا على إمامة أمير المؤمنين بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بلا فصل.
وتوضيح ذلك في فصول:
الفصل الأوّل
نصوص الحديث ورواته في كتب السُنّة
لقد أخرج جماعة كبيرة من كبار الأئمّة والحفّاظ قول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في الآية المباركة: أنا المنذر وعليٌّ الهادي، بالأسانيد المتكثّرة، في أشهر الكتب المعتبرة، عن طريق عدّة من الصحابة.
وقد كان من رواته من الصحابة، الّذين وصلنا الحديث عنهم:
١ - أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام .
٢ - عبدالله بن العبّاس.
٣ - عبدالله بن مسعود.
٤ - جابر بن عبدالله الأنصاري.
٥ - بريدة الأسلمي.
٦ - أبو برزة الأسلمي.
٧ - يعلى بن مرة.
٨ - أبو هريرة.
٩ - سعد بن معاذ.
وقد رواه من أعلام أئمّة الحديث ومشاهير الحفّاظ:
١ - أبو عبدالله الحسين بن الحكم الحبري الكوفي، المتوفّى سنة ٢٨٦.
٢ - عبدالله بن أحمد بن حنبل، المتوفّى سنة ٢٩٠.
٣ - أبو سعيد أحمد بن محمّد، ابن الأعرابي البصري المكّي، المتوفّى سنة ٣٠٤.
٤ - أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري، صاحب التاريخ والتفسير، المتوفّى سنة ٣١٠.
٥ - عبدالرحمن بن محمّد بن إدريس، الشهير بابن أبي حاتم، المتوفّى سنة ٣٢٧.
٦ - أبو العبّاس أحمد بن محمّد بن سعيد، ابن عقدة الكوفي، المتوفّى سنة ٣٣٢.
٧ - أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، المتوفّى سنة ٣٦٠.
٨ - أبو بكر جعفر بن حمدان البغدادي القطيعي الحنبلي، المتوفّى سنة ٣٦٨.
٩ - أبو الحسين محمّد بن المظفّر البغدادي، المتوفّى سنة ٣٧٩.
١٠ - أبو عبيد الله محمّد بن عمران المرزباني، المتوفّى سنة ٣٨٤.
١١ - أبو حفص عمر بن أحمد بن شاهين البغدادي الواعظ، المتوفّى سنة ٣٨٥.
١٢ - أبو عبدالله الحاكم النيسابوري، صاحب المستدرك، المتوفّى سنة ٤٠٥.
١٣ - أبو بكر ابن مردويه الأصفهاني، المتوفّى سنة ٤١٠.
١٤ - أبو إسحاق الثعلبي، صاحب التفسير المشهور، المتوفّى سنة ٤٣٧.
١٥ - أبو نعيم أحمد بن عبدالله الأصفهاني، المتوفّى سنة ٤٣٠.
١٦ - أبو علي الحسن بن علي، ابن المـُذْهِب التميمي البغدادي، المتوفّى سنة ٤٤٤.
١٧ - أبو محمّد الحسن بن علي الجوهري البغدادي، المتوفّى سنة ٤٥٤.
١٨ - أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي، المتوفّى سنة ٤٦٣.
١٩ - عبيد الله بن عبدالله، الحافظ، الحاكم الحسكاني، المتوفّى سنة ٤٧٠.
٢٠ - أبو الحسن علي بن محمّد الجلّابي الواسطي، المعروف بابن المغازلي، المتوفّى سنة ٤٨٣.
٢١ - أبو الحسن علي بن الحسن المصري الشافعي، الشهير بالخلعي، المتوفّى سنة ٤٩٢.
٢٢ - أبو شجاع شيرويه بن شهردار الديلمي، صاحب كتاب الفردوس، المتوفّى سنة ٥٠٩.
٢٣ - أبو نصر عبدالرحيم بن أبي القاسم القشيري النيسابوري، المفسر، المتوفّى سنة ٥١٤.
٢٤ - أبو القاسم هبة الله بن محمّد، ابن الحصين الهمداني البغدادي، المتوفّى سنة ٥٢٥.
٢٥ - أبو القاسم علي بن الحسن، المعروف بابن عساكر الدمشقي، المتوفّى سنة ٥٧١.
٢٦ - أبو علي عمر بن علي بن عمر الحربي، المتوفّى سنة ٥٩٨.
٢٧ - فخر الدين محمّد بن عمر الرازي، صاحب التفسير الكبير، المتوفّى سنة ٦٠٦.
٢٨ - أبو عبدالله محمّد بن محمود بن الحسن، المعروف بابن النجّار البغدادي، المتوفّى سنة ٦٤٢.
٢٩ - ضياء الدين محمّد بن عبدالواحد، المعروف بالضياء المقدسي، المتوفّى سنة ٦٤٣.
٣٠ - أبو عبدالله محمّد بن يوسف الكنجي الشافعي، المقتول سنة ٦٥٨.
٣١ - صدر الدين أبو المجامع إبراهيم بن محمّد الحموئي، المتوفّى سنة ٧٢٢.
٣٢ - إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي، صاحب التاريخ والتفسير، المتوفّى سنة ٧٧٤.
٣٣ - جمال الدين محمّد بن يوسف الزرندي المدني، المتوفّى سنة بضع و ٧٥٠.
٣٤ - أبو بكر نور الدين الهيثمي، صاحب مجمع الزوائد، المتوفّى سنة ٨٠٧.
٣٥ - نور الدين علي بن محمّد ابن الصبّاغ المالكي، المتوفّى سنة ٨٥٥.
٣٦ - جلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي، المتوفّى سنة ٩١١.
٣٧ - علي بن حسام الدين المتّقي الهندي، صاحب كنز العمّال، المتوفّى سنة ٩٧٥.
٣٨ - عبدالرؤف بن تاج العارفين المناوي المصري، المتوفّى سنة ١٠٣١.
٣٩ - قاضي القضاة الشوكاني اليمني، المتوفّى سنة ١٢٥٠.
٤٠ - محمّد مؤمن الشبلنجي المصري، المتوفّى بعد سنة ١٣٠٨.
فهؤلاء طائفة من أئمّة أهل السنّة في شتّى العلوم، في القرون المختلفة، يروون حديث نزول قوله تعالى:( وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) في سيّدنا أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام، بأسانيدهم الكثيرة المتّصلة، عن التابعين، عن الصحابة، عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وهذه نبذة من ألفاظ الحديث بالأسانيد:
*مسند أحمد - من زيادات ابنه عبدالله -: « حدّثنا عبدالله، حدّثني عثمان بن أبي شيبة، ثنا مطلّب بن زياد، عن السدّي، عن عبدخير، عن عليٍّ في قوله:( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) ، قال: رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المنذر، والهادي رجل من بني هاشم(١) .
*تفسير الطبري: « وقال آخرون: هو عليّ بن أبي طالبرضياللهعنه ذكر من قال ذلك: حدّثنا أحمد بن يحيى الصوفي، قال: ثنا الحسن بن الحسين الأنصاري، قال: ثنا معاذ بن مسلم، ثنا الهروي، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: لما نزلت( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) وضع صلّى الله عليه وسلّم يده على صدره فقال: أنا المنذر، ولكلّ قومٍ هاد، وأومأ بيده إلى منكب عليٍّ فقال: أنت الهادي يا علي، بك يهتدي المهتدون بعدي »(٢) .
____________________
(١). مسند أحمد بن حنبل ١ / ١٢٦.
(٢). تفسير الطبري ١٢ / ٧٢، وسيأتي تحقيق الحال في سنده.
*تفسير الحبري: « حدّثنا علي بن محمّد، قال: حدّثني الحبري، قال: حدّثنا [ حسن بن حسين، حدّثني ] حبّان عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس:( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ ) رسول الله صلّى الله عليه وسلّم( وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) عليّ »(١) .
*المعجم الصغير للطبراني: « حدّثنا الفضل بن هارون البغدادي صاحب أبي ثور، حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا المطّلب بن زياد، عن السدّي، عن عبد خير، عن عليّ كرم الله وجهه في الجنّة، في قوله عزّوجلّ:( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) ، قال: رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المنذر، والهاد [ ي ] رجل من بني هاشم.
لم يروه عن السدّي إلّا المطّلب، تفرّد به ابن أبي شيبة »(٢) .
*تاريخ الخطيب - بترجمة الفضل بن هارون -: « أخبرنا محمّد بن عبدالله بن شهريار، أخبرنا سليمان بن أحمد الطبراني، حدّثنا الفضل بن هارون البغدادي صاحب أبي ثور » إلى آخر ما تقدّم(٣) .
*مستدرك الحاكم: « أخبرنا أبو عمرو عثمان بن أحمد بن السمّاك، ثنا عبد الرحمن بن محمّد بن منصور الحارثي، ثنا حسين بن حسن الأشقر، ثنا منصور بن أبي الأسود، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عبّاد بن عبدالأسدي، عن عليٍّ( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) قال عليٌّ: رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم المنذر، وأنا الهادي.
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه »(٤) .
____________________
(١). تفسير الحبري: ٢٨١.
(٢). المعجم الصغير ١ / ٢٦١.
(٣). تاريخ بغداد ١٢ / ٣٧٢.
(٤). المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٢٩.
*تاريخ ابن عساكر: « أخبرنا أبو علي بن السبط، أنبأنا أبو محمّد الجوهري.
حيلولة: وأخبرنا أبو القاسم ابن الحصين، أنبأنا أبو علي ابن المـُذْهِب، قالا: أنبأنا أبو بكر القطيعي، أنبأنا عبدالله بن أحمد، حدّثني عثمان بن أبي شيبة، أنبأنا مطّلب بن زياد [ عن السدّي]، عن عبد خير، عن عليّ في قوله:( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) ، قال: رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المنذر، والهادي رجل من بني هاشم.
أخبرنا أبو العز بن كادش، أنبأنا أبو الطيّب طاهر بن عبدالله، أنبأنا علي ابن عمر بن محمّد الحربي، أنبأنا أحمد بن الحسن بن عبدالجبّار، أنبأنا عثمان ابن أبي شيبة، أنبأنا المطّلب بن زياد، عن السدّي، عن عبدخير، عن عليّ، قول عزّ وجلّ:( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) قال: رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المنذر، والهادي عليّ.
أخبرنا أبو طالب علي بن عبدالرحمن، أنبأنا أبو الحسن الخلعي، أنبأنا أبو محمّد بن النحّاس، أنبأنا أبو سعيد ابن الأعرابي، أنبأنا أبو سعيد عبدالرحمن بن محمّد بن منصور، أنبأنا حسين بن حسن الأشقر، أنبأنا منصور بن أبي الأسود، عن الأعمش، عن المنهال، عن عبّاد بن عبدالله، عن عليٍّ، قال في قوله تعالى:( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) ، قال عليٌّ: رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المنذر، وأنا الهاد.
وأخبرنا أبو طالب، أنبأنا أبو الحسن، أنبأنا أبو محمّد، أنبأنا أبو سعيد بن الأعرابي، أنبأنا أبو العبّاس الفضل بن يوسف بن يعقوب بن حمزة الجعفي، أنبأنا الحسن بن الحسين الأنصاري في هذا المسجد - وهو مسجد حبّة العرني -، أنبأنا معاذ بن مسلم، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن
عبّاس، قال: لمـّا نزلت( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: أنا المنذر، وعليّ الهادي، بك يا عليّ يهتدي المهتدون »(١) .
*مجمع الزوائد: « قوله تعالى:( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ ) عن عليّرضياللهعنه في قوله:( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) قال: رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المنذر، والهادي رجل من بني هاشم.
رواه عبدالله بن أحمد، والطبراني في الصغير والأوسط، ورجال المسند ثقات »(٢) .
*الدرّ المنثور: « وأخرج ابن جرير وابن مردويه، وأبو نعيم في المعرفة، والديلمي، وابن عساكر، وابن النجّار، قال: لمـّا نزلت( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) وضع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يده على صدره فقال: أنا المنذر، وأومأ بيده إلى منكب عليٍّرضياللهعنه فقال: أنت الهادي، يا عليّ! بك يهتدي المهتدون من بعدي.
وأخرج ابن مردويه، عن أبي برزة الأسلمي -رضياللهعنه - قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول:( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ ) ووضع يده على صدر نفسه، ثمّ وضعها على صدر عليّ ويقول:( وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) .
وأخرج ابن مردويه، والضياء في المختارة، عن ابن عبّاس - رضي الله عنهما - في الآية، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المنذر، والهادي عليّ بن أبي طالبرضياللهعنه .
وأخرج عبدالله بن أحمد في زوائد المسند، وابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، والحاكم - وصحّحه - وابن مردويه، وابن عساكر، عن عليّ بن
____________________
(١). تاريخ ابن عساكر - ترجمة أمير المؤمنينعليهالسلام - ٢ / ٤١٥ - ٤١٧.
(٢). مجمع الزاوند ومنبع الفوائد ٧ / ٤١.
أبي طالبرضياللهعنه في قوله:( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) ، قال: رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المنذر، وأنا الهادي. وفي لفظٍ: والهادي رجل من بني هاشم، يعني نفسه »(١) .
*شواهد التنزيل: « حدّثني الوالدرحمهالله ، عن أبي حفص ابن شاهين، قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن سعيد الهمداني، قال: حدّثنا أحمد بن يحيى الصوفي وإبراهيم بن خيرويه، قالا: حدّثنا حسن بن حسين.
وأخبرنا أبو بكر محمّد بن عبدالعزيز الجوري، قال: أخبرنا الحسن بن رشيق المصري، قال: حدّثنا عمر بن عليّ بن سليمان الدينوري، قال: حدّثنا أبو بكر محمّد بن ازداد الدينوري، قال: حدّثنا الحسن بن الحسين الأنصاري، قال: حدّثنا معاذ بن مسلم، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: لمـّا نزلت( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أنا المنذر وعليٌّ الهادي من بعدي، وضرب بيده إلى صدر علي فقال: أنت الهادي من بعدي، يا علي! بك يهتدي المهتدي.
أخبرنا أبو يحيى الحيكاني، قال: أخبرنا أبو الطيّب محمّد بن الحسين بالكوفة قال: حدّثنا علي بن العبّاس بن الوليد، قال: حدّثنا جعفر بن محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا حسن بن حسين، قال: حدّثنا معاذ بن مسلم الفرّاء، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: لمـّا نزلت( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) أشار رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بيده إلى صدره فقال: أنا المنذر( وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) ثمّ أشار بيده إلى عليٍّ فقال: يا عليٍّ! بك يهتدي المهتدون بعدي.
أخبرنا أبو بكر ابن أبي الحسن الهاروني، قال: أخبرنا أبو العبّاس بن
____________________
(١). الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور ٤ / ٤٥.
أبي بكر الأنماطي المروزي، أنّ عبدالله بن محمّد بن علي بن طرخان حدّثهم، قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا عبدالأعلى بن واصل، قال: حدّثنا الحسن الأنصاري - وكان ثقة معروفاً يُعرف بالعرني -، قال: حدّثنا معاذ بن مسلم بيّاع الهروي - قال عبدالأعلى: وهذا شيخ روى عنه المحاربي -، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس في قوله:( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ ) [ قال: ] قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أنا المنذر وعليٌّ الهادي [ ثمّ قال: يا علي! ] بك يهتدي المهتدون بعدي.
حدّثني أبو القاسم بن أبي الحسن الفارسي، قال: أخبرنا أبي، قال: أخبرنا محمّد بن القاسم المحاربي، قال: حدّثنا القاسم بن هشام بن يونس، قال: حدّثني حسن بن حسين، قال: حدّثنا معاذ بن مسلم، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم :( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ ) ووضع يده على صدره، ثمّ قال:( وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) وأومأ بيده إلى منكب عليٍّ، ثمّ قال: يا عليّ! بك يهتدي المهتدون.
حدّثني أبو سعد السعدي، قال: أخبرنا أبو الحسين محمّد بن المظفّر الحافظ ببغداد، قال: أخبرنا أبو محمّد جعفر بن محمّد بن القاسم، قال: حدّثنا إسماعيل بن محمّد المزني، قال: حدّثنا حسن بن حسين به سواء، قال: لما نزلت( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ ) قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أنا يا عليّ المنذر، وأنت الهادي، بك يهتدي المهتدون بعدي.
وأخبرنا أبو سعد، قال: أخبرنا أبو الحسين محمّد بن المظفّر الحافظ ببغداد، قال: حدّثني أبو بكر محمّد بن الفتح الخياط، قال: حدّثنا أحمد بن عبدالله بن يزيد المؤدّب، قال: حدّثني أحمد بن داود - ابن أُخت عبدالرزّاق -، قال: حدّثني أبو صالح، قال: حدّثني بعض رواة ليث، عن ليث، عن سعيد بن
جبير، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ليلة أُسري بي ما سألت ربّي شيئاً إلّا أعطانيه [ و ] سمعت منادياً من خلفي يقول: يا محمّد! إنّما أنت منذر ولكلّ قوم هاد. قلت: أنا المنذر، فمن الهادي؟ قال: عليٌّ الهادي المهتدي، القائد أُمّتك إلى جنّتي غرّاً محجّلين برحمتي.
[ حدّثنا ] الجوهري، [ قال: ] حدّثنا المرزباني، [ قال: ] أخبرنا علي بن محمّد الحافظ، قال: حدّثني الحبري، قال: حدّثنا حسن بن حسين، قال: حدّثنا حبّان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس [ في قوله تعالى ]:( وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) [ قال: هو ] عليٌّعليهالسلام .
و [ قال: ] حدّثنا إسماعيل بن صبيح، قال: أنبأني أبو الجارود، عن أبي داود، عن أبي برزة، قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول:( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ ) ثمّ يردّ يده إلى صدره، ثمّ يقول:( وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) ويشير إلى عليٍّ بيده.
أخبرنا عقيل بن الحسين، قال: أخبرنا عليّ بن الحسين، قال: حدّثنا محمّد بن عبيد الله، قال: حدّثنا محمّد بن الطيّب السامري بها، قال: حدّثنا إبراهيم بن فهد، قال: حدّثنا الحكم بن أسلم، قال: حدّثنا شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة [ في قوله تعالى: ]:( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ ) يعني: رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، [ وفي قوله: ]:( وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) قال: سألت عنها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: إنّ هادي هذه الاُمّة عليّ ابن أبي طالب.
حدّثنا الحاكم أبو عبدالله الحافظ إملاءً وقراءة، قال: أخبرني أبوبكر ابن أبي دارم الحافظ بالكوفة، قال: أخبرنا المنذر بن محمّد بن المنذر بن سعيد اللخمي من أصل كتابه، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي الحسين بن
سعيد، قال: حدّثني أبي سعيد بن أبي الجهم، عن أبان بن تغلب، عن نفيع بن الحارث، قال: حدّثني أبو برزة الأسلمي، قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول:( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ ) ووضع يده على صدر نفسه، ثمّ وضعها على يد عليٍّ وقال:( وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) .
قال الحاكم: تفرّد به المنذر بن محمّد القابوسي بإسناده، وهو من حديث أبان عجب جدّاً.
أخبرنا أبو عبدالله الشيرازي، [ قال ] أخبرنا أبو بكر الجرجرائي، قال: أخبرنا أبو أحمد البصري، قال: حدّثنا أحمد بن عباد، قال: حدّثنا زكريّا بن يحيى، قال: حدّثنا إسماعيل بن صبيح، قال: حدّثنا أبو الجارود زياد بن المنذر، عن أبي داود، عن أبي برزة الأسلمي، قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول:( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ ) ثمّ ضرب يده إلى صدره،( وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) ويشير إلى عليٍّعليهالسلام .
أخبرنا الحاكم الوالد، قال: أخبرنا أبو حفص، قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن سعيد، وعمر بن الحسن، قالا: أخبرنا أحمد بن الحسن.
وأخبرنا أبو بكر بن أبي الحسن الحافظ، أن عمر بن الحسن بن علي بن مالك أخبرهم، قال: حدّثنا أحمد بن الحسن الخرّاز، قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا حصين بن مخارق، عن حمزة الزيّات، عن عمر بن عبدالله بن يعلى بن مرّة، عن أبيه، عن جدّه، قال: قرأ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم :( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هاد ) فقال: أنا المنذر، وعليّ الهاد [ ي ]. لفظاً واحداً.
أخبرنا أبو الحسن النجّار، قال: أخبرنا الطبراني، قال: حدّثنا الفضل بن هارون، قال: حدّثنا عثمان.
وأخبرنا أبو الحسن الأهوازي، قال: أخبرنا أبو الحسن الشيرازي، قال:
حدّثنا عبدالله بن محمّد بن ناجية، قال: حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: حدّثنا مطّلب بن زياد الأسدي، عن السدّي، عن عبدخير، عن عليّ في قوله:( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) قال: رسول الله صلّى الله عليه المنذر، والهادي رجل من بني هاشم.
[ ساقاه ] لفظاً سواءً [ وقالا: ] قال: تفرّد به عثمان.
وأخبرنا أبو عبدالله، قال: أخبرنا أبو بكر القطيعي، قال: حدّثنا عبدابن أحمد بن حنبل، قال: حدّثنا عثمان بن أبي شيبة به كلفظه.
أخبرنا أبو عبدالله الثقفي، قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، قال: حدّثنا محمّد بن إسحاق المسوحي، قال: حدّثنا إبراهيم بن عبدالله بن صالح، قال: حدّثنا المطّلب، قال: حدّثنا السدّي، عن عبدخير، عن عليّ في قوله:( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ ) ، قال: المنذر النبيّ، والهادي رجل من بني هاشم. يعني نفسه.
أخبرنا محمّد بن عبدالله بن أحمد، قال: حدّثنا محمّد بن أحمد بن محمّد بن علي، قال: حدّثنا عبدالعزيز بن يحيى بن أحمد بن عيسى، قال: حدّثني المغيرة بن محمّد، قال: حدّثني إبراهيم بن محمّد بن عبدالرحمن الأزدي - سنة ست عشرة ومائتين -، قال: حدّثنا قيس بن الربيع، ومنصور بن أبي الأسود، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عبّاد بن عبدالله، قال: قال عليٌّ: ما نزلت من القرآن آية إلّا وقد علمت في مَن نزلت، قيل: فما نزل فيك؟ فقال: لولا أنّكم سألتموني ما أخبرتكم، نزلت فيَّ [ هذه ] الآية:( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هاد ) فرسول الله المنذر، وأنا الهادي إلى ما جاء به.
حدّثني أبو الحسن الفارسي، قال: حدّثنا أبو محمّد عبدالله بن أحمد الشيباني، قال: حدّثنا أحمد بن عليّ بن رزين الباشاني، قال: حدّثنا عبدالله
ابن الحرث، قال: حدّثنا إبراهيم بن الحكم بن ظهير، قال: حدّثني أبي، عن حكيم بن جبير، عن أبي برزة الأسلمي، قال: دعا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بالطهور وعنده عليّ بن أبي طالب، فأخذ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بيد عليٍّ - بعد ما تطهّر - فألزقها بصدره، فقال:( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ ) ثمّ ردّها إلى صدر عليّ ثمّ قال:( وَلِكُلِّ قَوْمٍ هاد ) ، ثمّ قال: إنّك منار الأنام، وراية الهدى، وأمين القرآن، أشهد على ذلك أنّك كذلك.
أخبرنا أبو محمّد عبدالله بن عبدالرحمن الحرضي، قال: حدّثنا يحيى ابن منصور القاضي، قال: حدّثنا محمّد بن إبراهيم العبدي، قال: حدّثنا هشام ابن عمّار، قال: حدّثنا عراك بن خالد، قال: حدّثنا يحيى بن الحارث، قال: حدّثنا عبدالله بن عامر، قال: أُزعجت الزرقاء الكوفية إلى معاوية، فلمـّا أُدخلت عليه قال لها معاوية: ما تقولين في مولى المؤمنين عليّ، فأنشأت تقول:
صلّى الإله على قبرٍ تضمّنه |
نورٌ فأصبح فيه العدلُ مدفونا |
|
مَن حالفَ العدل والإيمان مقترناً |
فصار بالعدلِ والإيمان مَقرونا |
فقال لها معاوية: كيف غرّزت فيه الغريزة؟ فقالت: سمعت الله يقول في كتابه لنبيّه:( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) المنذر رسول الله، والهادي عليٌّ وليّ الله.
أخبرنا السيّد أبو منصور [ ظفر بن محمّد ] الحسيني، قال: حدّثنا ابن ماني، قال: حدّثنا الحبري، قال: حدّثنا حسن بن [ الحسين العُرني ]، قال: حدّثنا علي بن القاسم، عن عبدالوهّاب بن مجاهد، عن أبيه، عن قول الله عزّ وجلّ:( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) ، قال: محمّد المنذر، وعليٌّ الهاد [ ي ] »(١) .
____________________
(١). شواهد التنزيل إلى قواعد التفضيل ١ / ٣٨١ - ٣٩٥.
الفصل الثاني
في بيان صحّة الحديث
قد تبيّن ممّا تقدّم كثرة أسانيد هذا الحديث الشريف، ثمّ إنّ غير واحدٍ من الأئمّة الحفاظ قالوا بصحته، منهم:
* الحاكم النيسابوري، الذي نصّ على صحّة ما أخرجه، وحكى تصحيحه غير واحدٍ من الأعلام كالحافظ السيوطي.
* والضياء المقدسي، إذ أخرجه في كتابه المختارة كما في الدرّ المنثور وغيره، وكتابه المذكور يعتبر من الكتب الصحاح، لالتزامه فيه بالصحّة كما نصّ عليه العلماء، كالحافظ السيوطي حيث قال في ذِكر مَن صحح الأحاديث:
« ومنهم: الحافظ ضياء الدين محمّد بن عبدالواحد المقدسي، جمع كتاباً سمّاه المختارة التزم فيه الصحّة، وذكر فيه أحاديث لم يُسبق إلى تصحيحها »(١) .
وفي كشف الظنون: « المختارة في الحديث، للحافظ ضياء الدين محمّد ابن عبدالواحد المقدسي الحنبلي، المتوفّى سنة ٦٤٣، التزم فيه الصحّة، فصحّح فيه أحاديث لم يُسبق إلى تصحيحها.
قال ابن كثير: وهذا الكتاب لم يتمّ، وكان بعض الحفّاظ من مشايخنا يرجّحه على مستدرك الحاكم. كذا في الشذا الفيّاح »(٢) .
____________________
(١). تدريب الراوي ١ / ١٥٥.
(٢). كشف الظنون ٢ / ١٦٢٤.
قلت:
وهذه عبارة ابن كثير في حوادث سنة ٦٤٣، حيث ذكر وفاة الضياء وترجم له، فقال:
« وألّف كتباً مفيدة حسنة كثيرة الفوائد، من ذلك: كتاب الأحكام، ولم يتمه، وكتاب المختارة وفيه علوم حسنة حديثية، وهي أجود من مستدرك الحاكم لو كمل »(١) .
* وأبوبكر الهيثمي، إذ روى الحديث عن بعض الأئمّة، ثمّ نص على أنّ « رجال المسند ثقات »(٢) .
وهذا بيان وثاقة رجال سنده في ( مسند أحمد ):
فأمّا عبدالله بن أحمد:
فغنيٌّ عن التوثيق.
وأمّا عثمان بن أبي شيبة:
فهو: عثمان بن محمّد بن إبراهيم بن عثمان العبسي، أبو الحسن، ابن أبي شيبة، الكوفي، قال الحافظ ابن حجر بعد أن ذكره كذلك: « ثقة حافظ شهير، وله أوهام، وقيل: كان لا يحفظ القرآن، من العاشرة، مات سنة تسع وثلاثين وله ثلاث وثمانون سنة » وقد وضع عليه علامة: « البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة »(٣) .
____________________
(١). تاريخ ابن كثير ١٣ / ١٧٠.
(٢). مجمع الزوائد ٧ / ٤١.
(٣). تقريب التهذيب ٢ / ١٣.
وأمّا مطّلب بن زياد:
فذكره الحافظ ابن حجر بقوله: « المطّلب بن زياد بن أبي زهير، الثقفي، مولاهم، الكوفي، صدوق، ربّما وهم، من الثامنة، مات سنة خمس وثمانين » ثمّ وضع عليه من العلائم: بخ ص ق(١) .
وأمّا السدّي:
فهو: إسماعيل بن عبدالرحمن، أخرج له مسلم والأربعة، كذا علّم الحافظ، وقد وصفه بالصدق(٢) .
وأمّا عبدخير:
فهو: عبدخير بن يزيد، وهو من رجال الصحاح الستّة كما علّم الحافظ، وقال: « مخضرمٌ، ثقة، من الثانية، لم تصحّ له صحبة »(٣) .
وقال أيضاً: « قال أبو جعفر محمّد بن الحسين البغدادي: سألت أحمد ابن حنبل عن الثبت في عليّ، فذكر عبدخير فيهم »(٤) .
وقال ابن عبدالبرّ: « أدرك زمن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ولم يسمع منه، وهو من كبار أصحاب عليّ، ثقة مأمون »(٥) .
هذا، ولا يخفى أنّ الهيثمي الذي حكم بأنّ « رجال أحمد ثقات » من أشهر وأعظم أئمّة الحديث وعلماء الجرح والتعديل عندهم، ولا بأس بنقل الكلمات التالية في حقّه:
ابن حجر: « صار كثير الإستحضار للمتون جدّاً لكثرة الممارسة، وكان
____________________
(١). تقريب التهذيب ٢ / ٢٥٤.
(٢). تقريب التهذيب ١ / ٧١.
(٣). تقريب التهذيب ١ / ٤٧٠.
(٤). تهذيب التهذيب ٦ / ١٢٤.
(٥). الإستيعاب ٣ / ١٠٠٥.
هيّناً ليّناً خيّراً ».
البرهان الحلبي: « إنّه كان من محاسن القاهرة ».
التقي الفاسي: « كان كثير الحفظ للمتون والآثار، صالحاً خيّراً ».
الأفقهسي: « كان إماماً عالماً، حافظاً، زاهداً، متواضعاً، متودّداً إلى الناس، ذا عبادة وتقشّف وورع ».
السخاوي: « الثناء على دينه وزهده وورعه ونحو ذلك كثير جدّاً، بل هو في ذلك كلمة اّتفاق»(١) .
السيوطي: « الهيثمي الحافظ قال الحافظ ابن حجر: كان خيّراً ساكناً، صيّناً، سليم الفطرة، شديد الإنكار للمنكر »(٢) .
قلت:
وللحديث أسانيد صحيحة غير ما ذكر، ومن ذلك:
*رواية الحبري، فإنّ سندها صحيح، كما ذكرنا في بحثنا في سورة الدهر في بعض كتبنا.
*وقد رواه الحاكم الحسكاني، عن الجوهري، عن المرزباني، عن علي بن محمّد الحافظ، عن الحبري وقد ترجمنا لهم في مبحث سورة الدهر في بعض كتبنا(٣) .
*رواية الطبري، وهي عن الفضل بن هارون البغدادي - صاحب أبي ثور - عن عثمان بن أبي شيبة بالإسناد المتقدّم عن مسند أحمد.
____________________
(١). تجد هذا الكلمات في الضوء اللامع ٥ / ٢٠٠.
(٢). طبقات الحفّاظ: ٥٤١، حسن المحاضرة في محاسن مصر والقاهرة ١ / ٣٦١.
(٣). راجع الجزء الثاني من كتابنا: تشييد المراجعات وتفنيد المكابرات.
* ورواه الحافظ الخطيب البغدادي، عن محمّد بن عبدالله بن شهريار، عن الطبراني بالإسناد المتقدّم، بترجمة الفضل بن هارون، ولم يتكلّم عليه بشيءٍ أصلاً(١) .
* رواية ابن عساكر، فقد روى الحديث بأسانيد، بعضها صحيح بلا كلام، ومن ذلك روايته:
عن « ابن الحُصَين »، وقد وصفه الذهبي بقوله: « الشيخ الجليل، المسنِد الصدوق ».
وحكى عن السمعاني قوله: « شيخ ديّن، صحيح السماع، واسع الرواية وكانوا يصفونه بالسداد والأمانة والخيرية ».
وعن ابن الجوزي: « كان ثقة »(٢) .
عن « ابن المـُذْهِب » وقد ترجم له الذهبي كذلك، ووصفه بـ « الإمام العالم، مسنِد العراق »(٣) .
وقال الخطيب: « كتبت عنه، وكان يروي عن القطيعي مسند أحمد بأسره، وكان سماعه صحيحاً إلّا أجزاء منه، فإنّه ألحق اسمه »(٤) فقال ابن الجوزي وهذا لا يوجب القدح، لأنّه إذا تيقّن سماعه للكتاب جاز أن يكتب سماعه بخطّه »(٥) .
عن « القطيعي » قال الذهبي: « الشيخ العالم المحدّث، مسنِد الوقت راوي مسند الإمام أحمد حدّث عنه: « الدارقطني وابن شاهين، والحاكم »
____________________
(١). تاريخ بغداد ١٢ / ٣٧٢.
(٢). سير أعلام النبلاء ١٩ / ٥٣٦.
(٣). سير أعلام النبلاء ١٧ / ٦٤٠.
(٤). تاريخ بغداد ٧ / ٣٩٠.
(٥). المنتظم ٨ / ١٥٥.
وذكر جماعة، ثمّ حكى قول الدارقطني: « ثقة زاهد قديم، سمعت أنّه مجاب الدعوة » والبرقاني: « كان صالحاً ثبت عندي أنّه صدوق » والحاكم أنّه: « حسّن حاله وقال: كان شيخي »(١) .
عن « عبدالله بن أحمد » بالإسناد المتقدّم عن المسند.
وبعد، فإنّه يكفي أن يكون للحديث سند واحد صحيح، وقد رأينا أنّ له عدّة أسانيد صحيحة، وهناك عشرات الأسانيد الأُخرى، ومن جملتها ما في تفسير الثعلبي، ولو كانت كلّ هذه ضعافاً فلا ريب في صلاحيّتها لتأييد الصحاح المذكورة.
على أنّ للحديث شواهد لا تحصى، وستقف على طرفٍ منها.
أقول:
فهلمّ معي لننظر كيف يضطرب المتعصّبون أمام هذا الحديث الصحيح في إسناده، والصريح في مفاده!!
____________________
(١). سير أعلام النبلاء ١٦ / ٢١٠ - ٢١٣.
الفصل الثالث
في دفع شبهات المخالفين
وأنت إذا لاحظت كلماتهم وتدبرتها، فسوف لن تجد لواحدٍ منهم كلاماً مقبولاً في قدح سند حديثنا، أو تأويلاً معقولاً يحمل عليه معناه فيخرج عن الدلالة على مذهبنا وإليك أوّلاً نصوص عبارات هؤلاء:
قال أبو الفرج ابن الجوزي بتفسير الآية المباركة: « وقد روى المفسّرون من طرقٍ، ليس فيها ما يثبت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: لمـّا نزلت هذه الآية وضع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يده على صدره فقال: أنا المنذر، وأومأ بيده إلى منكب عليٍّ فقال: أنت الهادي، يا علي! بك يُهتدى من بعدي.
قال المصنّف: وهذا من موضوعات الرافضة »(١) .
وقال الذهبي معلّقاً على رواية الحاكم وتصحيحه: « قلت: بل كذبٌ، قبّح الله واضعه »(٢) .
____________________
(١). زاد المسير ٤ / ٣٠٧.
(٢). تلخيص المستدرك ٣ / ١٣٠.
وقال أيضاً - بترجمة الحسن بن الحسين العرني -: « وقال ابن الأعرابي: حدّثنا الفضل بن يوسف الجعفي، حدّثنا الحسن بن الحسين الأنصاري، - في مسجد حبّة العرني -، حدّثنا معاذ بن مسلم، عن عطاء بن السائب، عن سعيد، عن ابن عبّاس
رواه ابن جرير في تفسيره، عن أحمد بن يحيى، عن الحسن، عن معاذ. ومعاذ نكرة، فلعلّ الآفة منه »(١) .
وقال ابن كثير - بعد رواية ابن جرير الطبري -: « وهذا الحديث فيه نكارة ».
ثمّ قال: « وقال ابن أبي حاتم: حدّثنا علي بن الحسين، حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا المطّلب بن زياد، عن السدّي، عن عبد خير، عن عليٍّ:( وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) قال: الهادي رجل من بني هاشم. قال الجنيد: هو علي بن أبي طالبرضياللهعنه .
قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عبّاس في إحدى الروايات. وعن أبي جعفر محمّد بن علي نحو ذلك » انتهى(٢) .
وقال أبو حيّان الأندلسي بتفسيرها: « عن ابن عبّاس: لـمّا نزلت وضع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يده على صدره وقال: أنا منذر
____________________
(١). ميزان الإعتدال ١ / ٤٨٤.
(٢). تفسير ابن كثير ٢ / ٤٣٣ - ٤٣٤.
قال القشيري: نزلت في النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وعليّ بن أبي طالب.
... وقالت فرقة: الهادي: عليّ بن أبي طالب.
وإنْ صحّ ما روي عن ابن عبّاس ممّا ذكرناه في صدر هذه الآية، فإنّما جعل الرسول صلّى الله عليه وسلّم علي بن أبي طالب مثالاً من علماء الأُمّة وهداتها، فكأنّه قال: أنت يا عليّ هذا وصفك، ليدخل في ذلك أبو بكر وعمر وعثمان وسائر علماء الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ثمّ كذلك علماء كلّ مصر.
فيكون المعنى على هذا: إنّما أنت يا محمّد منذر، ولكلّ قومٍ في القديم والحديث دعاة هداة إلى الخير »(١) .
وقال ابن روزبهان - في الردّ على استدلال العلّامة الحلّي بالحديث -: « ليس هذا في تفاسير السنّة، ولو صحّ دلّ على أنّ عليّاً هاد، وهو مسلَّم، وكذا أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هداة؛ لقوله صلّى الله عليه وسلّم: أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم، ولا دلالة فيه على النصّ »(٢) .
وقال ابن تيميّة الحرّاني - في الردّ على استدلال العلّامة الحلّي بالحديث -:
« والجواب من وجوه: أحدها: أنّ هذا لم يقم دليل على صحّته، فلا
____________________
(١). البحر المحيط ٥ / ٣٦٧ - ٣٦٨.
(٢). إبطال نهج الباطل - في الردّ على نهج الحقّ - المطبوع مع إحقاق الحقّ ٣ / ٩٣.
يجوز الإحتجاج [ به ]. وكتاب الفردوس للديلمي فيه موضوعات كثيرة، أجمع أهل العلم على أنّ مجرّد كونه رواه لا يدلّ على صحّة الحديث، وكذلك رواية أبي نُعيم لا تدلّ على الصحّة.
الثاني: أنّ هذا كذب موضوع باتّفاق أهل العلم بالحديث، فيجب تكذيبه وردّه.
الثالث: أنّ هذا الكلام لا يجوز نسبته إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فإنّ قوله: ( أنا المنذر، وبك يا عليّ يهتدي المهتدون ) ظاهره أنّهم بك يهتدون دوني، وهذا لا يقوله مسلم، فإنّ ظاهره أنّ النذارة والهداية مقسومة بينهما، فهذا نذيرٌ لا يُهتدى به، وهذا هادٍ، [ وهذا ] لا يقوله مسلم.
الرابع: أنّ الله تعالى قد جعل محمّداً هادياً فقال:( وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِراطِ اللهِ ) فكيف يُجعل الهادي مَن لم يوصف بذلك دون مَنْ وُصف به؟!
الخامس: أنّ قوله: ( بك يهتدي المهتدون ) ظاهره أنّ كلّ من اهتدى من أُمّة محمّد فبه اهتدى، وهذا كذب بيّن، فإنّه قد آمن بالنبيّ صلى الله عليه وسلّم خلق كثير، واهتدوا به، ودخلوا الجنّة، ولم يسمعوا من عليٍّ كلمة واحدة، وأكثر الّذين آمنوا بالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم واهتدوا به لم يهتدوا بعليٍّ في شيء.
وكذلك لـمّا فتحت الأمصار وآمن واهتدى الناس بمن سكنها من الصحابة وغيرهم، كان جماهير المؤمنين لم يسمعوا من عليٍّ شيئاً، فكيف يجوز أن يُقال: بك يهتدي المهتدون؟!
السادس: أنّه قد قيل معناه: إنّما أنت نذير ولكلّ قوم هاد، وهو الله تعالى، وهو قول ضعيف. وكذلك قول من قال: أنت نذير وهادٍ لكل قوم، قول
ضعيف. والصحيح أنّ معناها: إنّما أنت نذير، كما أُرسل من قبلك نذيرٌ، ولكلّ أُمّة نذير يهديهم أي يدعوهم، كما في قوله:( وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ ) (١) ، وهذا قول جماعة من المفسّرين، مثل قتادة وعكرمة وأبي الضحى وعبد الرحمن بن زيد.
قال ابن جرير الطبري: ( حدّثنا بشر، حدّثنا يزيد، حدّثنا سعيد، عن قتادة.
وحدّثنا أبو كريب، حدّثنا [ وكيع، حدّثنا ] سفيان، عن السدّي، عن عكرمة ومنصور، عن أبي الضحى:( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) قالا: محمّد هو المنذر وهو الهادي ).
( حدّثنا يونس، حدّثنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: لكلّ قوم نبيّ.
الهادي: النبيّ، والمنذر: النبيّ أيضاً. وقرأ:( وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ ) (١) ، وقرأ:( نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى ) (٢) ، قال: نبي من الأنبياء ).
( حدّثنا بشّار، حدّثنا أبو عاصم، حدّثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد، قال: المنذر: محمّد،( وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) قال: نبيٌّ ).
وقوله:( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ ) (٣) إذ الإمام [ هو ] الذي يؤتمّ به، أي يُقتدى به. وقد قيل: إنّ المراد به هو الله الذي يهديهم، والأوّل أصحّ.
وأمّا تفسيره بعليٍّ فإنّه باطل، لأنّه قال:( وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) ، وهذا يقتضي أن يكون هادي هؤلاء غير هادي هؤلاء، فيتعدّد الهداة، فكيف يُجْعل عليٌّ هادياً لكلّ قوم من الأوّلين والآخرين؟!
____________________
(١). سورة فاطر: ٢٤.
(٢). سورة فاطر: ٢٤.
(٣). سورة النجم: ٥٦.
(٤). سورة الاسراء: ٧١.
السابع: أنّ الإهتداء بالشخص قد يكون بغير تأميره عليهم، كما يهتدى بالعالِم، وكما جاء في الحديث الذي فيه: ( أصحابي كالنجوم فبأيّهم اقتديتم اهتديتم ) فليس هذا صريحاً في الإمامة كما زعمه هذا المفتري.
الثامن: أنّ قوله( وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) نكرة في سياق الإثبات، وهذا لا يدلّ على معيّن، فدعوى دلالة القرآن على عليٍّ باطل، والإحتجاج بالحديث ليس احتجاجاً بالقرآن، مع أنّه باطل.
التاسع: أنّ قوله:( لِكُلِّ قَوْمٍ ) صيغة عموم، ولو أُريد أنّ هادياً واحداً للجميع لقيل: لجميع الناس هادٍ. لا يقال:( لِكُلِّ قَوْمٍ ) ، فإنّ هؤلاء القوم [ غير هؤلاء القوم ]، هو لم يقل: لجميع القوم، ولا يقال ذلك، بل أضاف ( كلّاً ) إلى نكرة، لم يضفه إلى معرفة.
كما في قولك: ( كلّ الناس يعلم أنّ هنا قوماً وقوماً متعدّدين، وأنّ كلّ قوم لهم هادٍ ليس هو هادي الآخرين ). وهذا يبطل قول من يقول: [ إنّ ] الهادي هو الله تعالى، ودلالته على بطلان قول من يقول: ( هو عليٌّ ) أظهر »(١) .
وقال عبدالعزيز الدهلوي - صاحب التحفة - ما هذا تعريبه ومنها قوله تعالى:( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) ، ورد في الخبر المتّفق عليه، عن ابن عبّاس، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال: أنا المنذر وعليٌّ الهادي.
وهذه رواية الثعلبي في تفسيره، وليس لمرويّاته ذاك الاعتبار التامّ.
وهذه الآية أيضاً تُعدُّ من الآيات التي يذكرها أهل السنّة في مقام الردّ على مذهب الخوارج والنواصب، ويتمسّكون بالرواية المذكورة بتفسيرها،
____________________
(١). منهاج السنّة ٧ / ١٣٩ - ١٤٣.
وهي لا دلالة فيها على إمامة الأمير ونفي الإمامة عن غيره أصلاً قطعاً، لأنّ كون الشخص هادياً لا يلازمُ إمامته ولا ينفي الهداية عن غيره، ولو دلّ مجرّد الهداية على الإمامة، لكان المراد منها الإمام بمصطلح أهل السنّة، وهي الإمامة في الدين، وهو غير محلّ النزاع ». إنتهى(١) .
وقال شهاب الدين الآلوسي بتفسير الآية: « وقالت الشيعة: إنّه عليٌّ كرم الله تعالى وجهه، ورووا في ذلك أخباراً، وذكر ذلك القشيري منّا.
وأخرج ابن جرير، وابن مردويه، والديلمي، وابن عساكر، عن ابن عبّاس، قال: لما نزلت( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ ) الآية، وضع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يده على صدره فقال: أنا المنذر، وأومأ بيده إلى منكب عليٍّ كرّم الله تعالى وجهه فقال: أنت الهادي، يا عليّ! بك يهتدي المهتدون من بعدي.
وأخرج عبدالله بن أحمد في زوائد المسند، وابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، والحاكم وصحّحه، وابن عساكر أيضاً، عن عليٍّ كرّم الله تعالى وجهه، أنّه قال في الآية: رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المنذر وأنا الهادي. وفي لفظ: الهادي رجل من بني هاشم - يعني نفسه - واستدلّ بذلك الشيعة على خلافة عليّ كرّم الله تعالى وجهه بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بلا فصل.
وأُجيب: بأنّا لا نسلّم صحّة الخبر، وتصحيح الحاكم محكوم عليه بعدم الإعتبار عند أهل الأثر، وليس في الآية دلالة على ما تضمّنه بوجه من الوجوه، على أنّ قصارى ما فيه كونه كرّم الله تعالى وجهه به يهتدي المهتدون بعد رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلّم، وذلك لا يستدعي إلّا إثبات مرتبة
____________________
(١). التحفة الإثنا عشرية: ٢٠٧.
الإرشاد، وهو أمر، والخلافة التي تقول بها أمر لا تلازم بينهما عندنا.
وقال بعضهم: إنْ صحّ الخبر يلزم القول بصحّة خلافة الثلاثة رضي الله تعالى عنهم، حيث دلّ على أنّه كرّم الله تعالى وجهه على الحقّ في ما يأتي ويذر، وأنّه الذي يُهتدى به، وهو قد بايع أولئك الخلفاء طوعاً، ومدحهم وأثنى عليهم خيراً، ولم يطعن في خلافتهم، فينبغي الإقتداء به والجري على سننه في ذلك، ودون إثبات خلاف ما أظهر خرط القتاد.
وقال أبو حيّان: إنّه صلّى الله عليه وسلّم على فرض صحّة الرواية إنّما جعل عليّاً كرّم الله تعالى وجهه مثالاً من علماء الأُمّة وهداتها إلى الدين، فكأنّه عليه الصلاة والسلام قال: يا عليّ هذا وصفك، فيدخل الخلفاء الثلاث، وسائر علماء الصحابة رضي الله تعالى عنهم، بل وسائر علماء الأُمّة.
وعليه: فيكون معنى الآية: إنّما أنت منذر ولكلّ قوم في القديم والحديث إلى ما شاء الله تعالى هداة دعاة إلى الخير.
وظاهره أنّه لم يَحْمِل تقديم المعمول في خبر ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما على الحصر الحقيقي، وحينئذٍ لا مانع من القول بكثرة من يُهتدى به.
ويؤيّد عدم الحصر ما جاء عندنا من قوله صلّى الله عليه وسلّم: ( اقتدوا باللّذين من بعدي: أبي بكر وعمر ) وأخبار أُخر متضمّنة لإثبات من يُهتدى به غير عليٍّ كرّم الله تعالى وجهه، وأنا أظنّك لا تلتفت إلى التأويل، ولا تعبأ بما قيل، وتكتفي بمنع صحّة الخبر وتقول: ليس في الآية ممّا يدل عليه عين ولا أثر »(١) .
____________________
(١). روح المعاني ١٣ / ١٠٨.
وكلامهم حول هذا الحديث الشريف يكون في جهتين: جهة السند، وجهة الدلالة، ونحن نتكلّم على كلتا الجهتين، بالنظر إلى الكلمات المذكورة، لتظهر الحقيقة لكلّ منصف حرّ
١ - كلماتهم في ما يتعلّق بالسند
أمّا من جهة سند الحديث، فكلماتهم مضطربة جدّاً، فهم بعد ما لا يذكرون إلّا أحد أسانيده فقط، يختلفون في الحكم عليه، بين مشكّك في الصحّة، كأبي حيّان، يقول: « إنْ صحّ » والآلوسي: « أُجيب: لا نسلّم صحّة هذا الحديث »، وبين قائل بوضعه، كابن الجوزي، إذ يقول: « هذا من موضوعات الرافضة، وبين منكر لأصل وجوده في تفاسيرهم كابن روزبهان.
* فأوّل ما في هذه الكلمات: إنّها ناظرة إلى حديث ابن عبّاس، فلاحظ زاد المسير، والبحر المحيط، وميزان الاعتدال، والتحفة الإثنا عشريّة، حيث اقتصروا فيها على رواية ابن عبّاس، محاولةً منهم - بعد فرض كونه ضعيفاً - للطعن في أصل الحديث وهذا الأُسلوب من أبي الفرج ابن الجوزي - خاصّةً - معروف ولذا لا يعبأ المحقّقون بحكمه على الأحاديث بالوضع إلّا أن يثبت عندهم ذلك بدليلٍ قطعي ومن هنا نرى أنّ أبا حيّان - مثلاً - يكتفي بالتشكيك في الصحة ولا يجرأ على الحكم بالضعف، فضلاً عن الوضع.
* ثمّ إنّهم ما ذكروا أيّ دليلٍ على ضعف سند الحديث عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس، فضلاً عن كونه موضوعاً، ومن الواضح أنّ مجرّد الدعوى لا يكفي لردّ أيّ حديثٍ من الأحاديث مطلقاً.
أمّا كونه من روايات الثعلبي في تفسيره، أو الديلمي في الفردوس، لوجود الموضوعات الكثيرة فيهما، فلا يكفي دليلاً على سقوط الحديث، كما لا يكفي دليلاً على ثبوته.
والذي يظهر من الذهبي في ميزان الإعتدال حيث أورد الحديث بترجمة « الحسن بن الحسين العرني » أنّ سبب الضعف كون هذا الرجل في طريقه، لكنّه لـمّا رأى أنّ الطبري يرويه بسنده عنه عن معاذ بن مسلم، عدل من ذلك قائلاً « معاذ نكرة، فلعلّ الآفة منه »!!
لكنّ « الحسن بن الحسين العرني » قد وثّقه الذهبي تبعاً للحاكم(١) فصحّ الحديث وبطل ما صنعه في ( الميزان )، وأما « معاذ » فليس بنكرةٍ كما عبّر هنا، ولا بمجهول كما عبّر بترجمته، بل هو معرفة حتى عنده كما ستعرف.
وبعد، فإنّ الإقتصار على سندٍ واحدٍ للحديث، أو نقله عن كتابٍ واحدٍ من الكتب، ثمّ ردّ أصل الحديث وتكذيبه من الأساس، خيانة للدين، وتلبيس للحقيقة، وتضييع للحقّ، وتخديع للقارىء ...!!
* وسواء صحّ الحديث عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس، أو لم يصحّ، بل حتّى لو لم يصحّ عن ابن عبّاس شيء في الباب، ففي رواية الصحابة الآخرين كفاية لذوي الألباب.
بل تكفي الرواية فيه عن أمير المؤمنينعليهالسلام .
* فأمّا رواية عبّاد بن عبدالله الأسدي عنهعليهالسلام ، فأخرجها الحاكم في المستدرك وصحّحها، وهي:
عن « أبي عمرو ابن السمّاك » المتوفّى سنة ٣٤٤، وصفه الذهبي بـ
____________________
(١). المستدرك وتلخيصه ٣ / ٢١١.
« الشيخ الإمام المحدّث، المكثر الصادق، مسند العراق »(١) .
عن « عبدالرحمن بن محمّد الحارثي » الملقّب بـ « كُرْبُزان »، المتوفّى سنة ٢٣١، وصفه الذهبي بـ « المحدِّث المعمّر البقيّة » ثمّ نقل عن ابن أبي حاتم قوله: « كتبت عنه مع أبي، تكلّموا فيه، وسألت أبي عنه فقال: شيخ ». قال: « وقال الدارقطني: ليس بالقوي »(٢) ؛ ومن هنا أورده في ميزان الإعتدال.
لكنْ تعقّبه الحافظ ابن حجر بقوله: « وذكره ابن حبّان في ( الثقات ) وقال: حدّثنا عنه ابنه محمّد بن عبدالرحمن بالبصرة، وقال إبراهيم بن محمّد: كان موسى بن هارون حسن الرأي فيه. وحدّث أيضاً عن: معاذ بن هشام، وقريش ابن أنس، ووهب بن جرير.
وعنه: ابن صاعد، وابن مخلد، والصفّار، وأبو بكر الشافعي، وآخرون.
وقال ابن الأعرابي: مات في ذي الحجّة سنة ٢٧١.
وقال مسلمة بن قاسم: ثقة مشهور »(١) .
قلت:
فالرجل ثقة، لا سيّما وأنّه شيخ أبي حاتم الرازي، وقد سأله عنه ابنه فلم يقدح فيه، بل قال: « شيخ » وقد نصّ الذهبي نفسه على أنّ أبا حاتم متعنّت في الرجال(٢) مضافاً إلى توثيق ابن هارون والحاكم ومسلمة وابن حبّان وغيرهم، ورواية جماعةٍ من الأئمّة عنه، ورضاهم إيّاه، فلا أثر لقول الدارقطني: « ليس بقوي ».
____________________
(١). سير أعلام النبلاء ١٥ / ٤٤٤.
(٢). سير أعلام النبلاء ١٣ / ١٣٨.
(٣). لسان الميزان ٣ / ٤٣١.
(٤). سير أعلام النبلاء ١٣ / ٢٤٧.
عن « حسين بن حسن الأشقر » وهذا الرجل قد ترجمنا له في مباحث آية المودّة وغيرها، وأثبتنا وثاقته وصدقه عن: أحمد بن حنبل، والنسائي، ويحيى بن معين، وابن حبّان، وإنّما ذنبه الوحيد عند الذهبي ومَن على مذهبه كونه من الشيعة، وقد تقرّر أنّ التشيّع غير مضرٍّ بالوثاقة، كما في مقدّمة فتح الباري في شرح البخاري وغيره.
عن « منصور بن أبي الأسود » قال الحافظ: « صدوق، رمي بالتشيّع » واضعاً عليه علامة: أبي داود، والترمذي، والنسائي(١) .
عن « الأعمش » سليمان بن مهران، المتوفّى سنة ١٤٧ أو ١٤٨، قال الحافظ: « ثقة حافظ » وهو من رجال الصحاح الستّة(٢) .
عن « المنهال بن عمرو » وهو من رجال البخاري والأربعة. قال الحافظ: « صدوق، ربّما وهم»(٣) .
عن « عبّاد بن عبدالله الأسدي » وهو من أعلام التابعين، وقد روى القوم عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قوله: « خير الناس قرني، ثمّ الذين يلونهم »(٤) وعلى هذا الأساس قالوا بعدالة التابعين كالصحابة.
وقد أخرج النسائي عن عبّاد في خصائص عليّعليهالسلام من سننه، وقد قالوا بأنّ للنسائي شرطاً في الصحيح أشدّ من شرط البخاري ومسلم(٥) ، إلّا أنّ غير واحدٍ من القوم تكلّموا في الرجل لروايته عن عليٍّعليهالسلام
____________________
(١). تقريب التهذيب ٢ / ٢٧٥.
(٢). تقريب التهذيب ١ / ٣٣١.
(٣). تقريب التهذيب ٢ / ٢٧٨.
(٤). جامع الاُصول ٨ / ٥٤٧ في فضائل الصحابة.
(٥). تذكرة الحفّاظ ٢ / ٧٠٠.
بعض فضائله كقوله: « أنا الصدّيق الأكبر »(١) .
فالحقّ: صحّة هذا الحديث كما قال الحاكم، وقول الذهبي في تلخيصه بكذبه باطل.
* وأمّا رواية عبدخير، عنهعليهالسلام ، فهي عن مسند أحمد، وقد حكم الحافظ الهيثمي بأنّ رجالها ثقات وقد عرفتَ - من ترجمة رجالها - كونهم ثقات عند الكلّ، فكان على القوم نقل هذه الرواية - قبل غيرها من الروايات - في ذيل الآية المباركة، وتفسيرها بها، لا بقول زيد وعمرو من المفسّرين بآرائهم، لكنّهم لم يفعلوا هذا، لما في قلوبهم من المرض، توصّلاً لِما أشرنا إليه من الغرض!!
نعم، وجدنا ابن كثير يذكره بتفسير الآية، فهو بعد أنْ ذكر الحديث عن ابن عبّاس برواية ابن جرير الطبري، قال: « في هذا الحديث نكارة شديدة »!! رواه عن ابن أبي حاتم بسنده عن عبدخير عن عليٍّ، وهو السند الوارد في مسند أحمد، وأضاف ابن كثير: « قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عبّاس - في إحدى الروايات - وعن أبي جعفر محمّد بن عليٍّ نحو ذلك ».
وقد كان على ابن كثير - الذي قال عن حديث الطبري ما قال بغير حقّ - أنْ يعترف بصحّة هذا الحديث ويجعله الأصل في تفسير الآية، لكنّه لم يفعل هذا، لما بين جنبيه من الروح الأُمويّة!!
ثمّ جاء بعض المتقوّلين في عصرنا فأورد كلام ابن كثير بعد رواية الطبري واعتمده، موهماً اقتصار ابن كثير على تلك الرواية، مع أنّه عقّبها برواية ابن أبي حاتم بسنده الصحيح عن عبدخير، ولم يتكلّم عليها بشيء، وسكوته دليلٌ على قبوله، وإلّا لتكلّم عليها كما صنع بالنسبة إلى رواية ابن جرير.
____________________
(١). لاحظ: هامش تهذيب الكمال ١٤ / ١٣٩.
فهكذا يريد المتقوّلون أن يردّوا على كتب أصحابنا ويبطلوا أدلّتنا!!
وتلخّص: أنّ للحديث أسانيد صحيحة متعدّدة من طرق أهل السنّة، وفيها ما اعترف الأئمّة بصحّته.
إذاً لا مجال لأيّة مناقشة فيه من هذه الناحية، والحديث - مع وروده من طرق أصحابنا عن أئمّة أهل البيتعليهمالسلام - مقطوع بصدوره عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
تنبيهات
الأوّل: إنّه قد ظهر ممّا حقّقناه صحّة هذا الحديث بطرقٍ عديدة، فقول ابن تيميّة: « إنّ هذا كذب موضوع باتّفاق أهل العلم بالحديث، فيجب تكذيبه وردّه » هو الكذب والباطل، ولكنّ ابن تيميّة معروف - لدى أهل العلم بالحديث - بتعمّده للكذب في أمثال هذا الموضع، اللّهمّ إلّا أن يكون مقصوده من « أهل العلم بالحديث » نفسه وبعض من حوله!!
الثاني: لا يخفى أنّ حديثنا هذا غير مدرج أصلاً في ( كتاب الموضوعات ) لابن الجوزي، ولا في غيره ممّا بأيدينا من الكتب المؤلّفة في الأحاديث الموضوعة، كما أنّا لم نجده في كتابه ( العلل المتناهية في الأحاديث الواهية ).
ومن هنا أيضاً يمكن القول ببطلان حكمه على الحديث بالوضع في ( تفسيره )، اللّهمّ إلّا أن يكون مقصوده خصوص حديث ابن عبّاس الذي ذكره، فَيَرِدُ عليه ما تقدّم من أنّ الإقتصار على طريق غير معتبر - بزعمه - مع وجود طرق أُخرى له صحيحة، غير جائز، لا سيّما في تفسير الآيات القرآنيّة، فكيف لو ذُكر الطريق غير المعتبر ثمّ رُمي أصل الحديث بالوضع؟!!
الثالث: إنّ قول البعض - في ردّ رواية الثعلبي - بأنّ « الثعلبي حاطب ليل » جاء تقليداً لابن تيميّة، فإنّه الذي رماه بذلك في كتاب منهاج السنّة، وقد قدّمنا سابقاً مصادر ترجمة الثعلبي والثناء عليه، من أوثق كتب القوم.
وإنّ كلامه حول سند رواية الطبري يشتمل على تعصّب وجهلٍ كثير، وفيما يلي توضيح ذلك:
١ - لقد اقتصر في « عطاء بن السائب » على كلام أبي حاتم، ومع ذلك ففيه التصريح بكونه صدوقاً، وكذلك نصّ غير واحدٍ من الأئمّة على صدقه وثقته، حتّى قال أحمد: « ثقة ثقة، رجل صالح » نعم ذكروا أنّه اختلط في آخر عمره، ويكفي أنّه قد أخرج له البخاري والباقون سوى مسلم(١) .
٢ - جاء في تفسير الطبري: « حدّثنا معاذ بن مسلم، حدّثنا الهروي، عن عطاء بن السائب» وهذا غلط من النسخة، بل الصحيح هو: حدّثنا معاذ بن مسلم الهرّاء، وهو يروي عن عطاء بلا واسطة، كما لا يخفى على من راجع أسانيد الحديث في الفصل الأوّل.
٣ - ومعاذ بن مسلم، قال الذهبي في ( الميزان ): « معاذ بن مسلم، عن شرحبيل بن السمط. مجهول. وله عن عطاء بن السائب خبر باطل سقناه في الحسن بن الحسين »(٢) .
قلت:
قد ذكرناه في الفصل الثالث، ولا يخفى أنّ كلام الذهبي في الموضعين ممّا يشهد بروايته عن عطاء بلا واسطة.
____________________
(١). لاحظ الكلمات في حقه في: تهذيب الكمال ٢٠ / ٨٦.
(٢). ميزان الإعتدال ٦ / ١٣٢.
فالذهبي يقول في ( الميزان ) « مجهول » و « نكرة » لكنّه في ( سير أعلام النبلاء ) يترجم لمعاذ قائلاً: « معاذ بن مسلم شيخ النحو، أبو مسلم الكوفي الهرّاء، مولى محمّد بن كعب القرظي، روى عن عطاء بن السائب وغيره، وما هو بمعتمد في الحديث، وقد نقلت عنه حروف في القراءات، أخذ عنه الكسائي، ويقال إنّه صنّف في العربية، ولم يظهر ذلك، وكان شيعيّاً، معمّراً وكان معاذ صديقاً للكميت الشاعر، يقال عاش تسعين عاماً، وتوفّي سنة ١٨٧، وله شعر قليل. والهرّاء هو الذي يبيع الثياب الهروية، ولولا هذه الكلمة السائرة لما عرفنا هذا الرجل، وقلّ ما روى »(١) .
قلت:
فالرجل ما هو بمجهول، إلّا أنّهم يحاولون ردّ فضائل أهل البيتعليهمالسلام ، وهذا من طرائقهم، وإذ عرفه الذهبي قال هذه المرّة: « وما هو بمعتمد في الحديث » لغير سبب إلّا أنّه « كان شيعيّاً ». نعم هو من رواة الشيعة وثقاتهم كما في كتبهم، والتشيّع غير قادح كما تقرّر غير مرّة.
٤ - وكما ناقض الذهبي نفسه في « معاذ » فقد ناقض نفسه في « الحسن ابن الحسين العرني »، فقد وثّقه في ( تلخيص المستدرك )، كما تقدّم في الفصل الثالث.
٥ - و « أحمد بن يحيى الصوفي » شيخ الطبري وابن عقدة، لا ذكر له في ( الميزان ) وليس « الكوفي الأحول » بل جاء بنفس العنوان عند ابن أبي حاتم مع التوثيق الصريح(٢) .
____________________
(١). سير أعلام النبلاء ٨ / ٤٨٢.
(٢). الجرح والتعديل ١ / ٨١.
فتلخّص: صحّة حديث الطبري في تفسيره، فتبصّر واغتنم هذا التحقيق، وبالله التوفيق.
( فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ ) (١) .
هذا تمام الكلام في الجهة الأُولى.
فلننقل إلى الجهة الثانية
٢ - مناقشاتهم في الدلالة
ولنا هنا مواقف مع ابن تيميّة، وأبي حيّان، وابن روزبهان، والدهلوي، والآلوسي.
« وإنْ صحّ ما روي عن ابن عبّاس ممّا ذكرناه في صدر هذا الآية، فإنّما جعل الرسول صلّى الله عليه وسلّم عليّ بن أبي طالب مثالاً من علماء الأُمّة وهداتها، فكأنّه قال: أنت يا عليّ هذا وصفك، ليدخل في ذلك أبو بكر وعمر ».
قلت:
وهذا تأويل باردٌ جدّاً، على أنّه لماذا جعلصلىاللهعليهوآلهوسلم عليّاً مثالاً من علماء الأُمّة وهداتها ولم يجعل غيره؟! ولو أراد رسول الله ذلك لَما جعل أحداً مثالاً، بل قال: أنا المنذر وعلماء أُمّتي هداة، أو قال: أنا المنذر وأصحابي كلّهم هداة، كما عارض البعض هذا الحديث بحديث: أصحابي
____________________
(١). سورة غافر ٤٠: ٧٨.
كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم، كما سيأتي.
وعلى الجملة: فقد كان أبو حيّان أجلّ من أن يقول هذا الكلام، لكنّ كلّ السعي هو إنّكار الخصوصيّة الثابتة لأمير المؤمنينعليهالسلام من هذا الحديث « ليدخل أبو بكر وعمر » كما قال!!
ولذا قال الآلوسي بعد نقله: « وظاهره: أنّه لم يَحمل تقديم المعمول في خبر ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما على الحصر الحقيقي، وحينئذٍ لا مانع من القول بكثرة من يُهتدى به » ثمّ أضاف: « ويؤيّد عدم الحصر ما جاء عندنا من قوله صلّى الله عليه وسلّم: اقتدوا باللذين من بعدي ».
ولكن أنّى يمكن صرف الحديث عن ظاهره بارتكاب التأويل بلا أيّ دليلٍ؟!
وأمّا الحديث الذي ذكره فسيأتي الكلام عليه.
« لو صحّ دلّ على أنّ عليّاً هادٍ، وهو مسلَّم، وكذا أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هداة، لقوله صلّى الله عليه وسلّم: أصحابي كالنجوم ».
قلت:
سيأتي الكلام على حديث النجوم ببعض التفصيل.
« لا دلالة فيها على إمامة الأمير ونفي الإمامة عن غيره أصلاً قطعاً، لأنّ كون الشخص هادياً لا يلازم إمامته ».
قلت:
يتلخّص كلامه في نفي الدلالة على الإمامة بنفي الملازمة بينها وبين الهداية، وسيتّضح الجواب عن ذلك.
« وليس في الآية دلالة على ما تضمّنه بوجهٍ من الوجوه، على أنّ قصارى ما فيه كونه كرّم الله تعالى وجهه به يهتدي المهتدون بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وذلك لا يستدعي إلّا إثبات مرتبة الإرشاد، وهو أمر، والخلافة التي نقول بها أمر، ولا تلازم بينهما عندنا ».
قلت:
هذا هو الوجه الذي قدّمه على غيره في الجواب، ممّا يظهر منه اعتماده عليه، وحاصله: نفي الملازمة، وهو ما أجاب به الدهلوي.
ثمّ نقل عن بعضهم وجهاً آخر فقال: « وقال بعضهم: إنْ صحّ الخبر يلزم القول بصحّة خلافة الثلاثة، حيث دلّ على أنّه كرّم الله تعالى وجهه على الحقّ في ما يأتي ويذر، وأنّه الذي يُهتدى به، وهو قد بايع أُولئك الخلفاء طوعاً ».
لكنّه لم يؤيّد هذا الوجه بوجهٍ، لعلمه بابتناء ذلك على دعوى أنّه بايع القوم طوعاً، وأنّه مدحهم وأثنى عليهم خيراً، ولم يطعن في خلافتهم، وهذا كلّه أوّل الكلام، وأصل النزاع والخصام
ثمّ أورد تأويل أبي حيّان، وأيّده بحديث الإقتداء بالشيخين!
ثمّ أبطله بقوله: « وأنا أظنّك لا تلتفت إلى التأويل، ولا تعبأ بما قيل، وتكتفي بمنع صحّة الخبر، وتقول: ليس في الآية ممّا يدلّ عليه عين ولا أثر ».
قلت:
أمّا تأويل أبي حيّان، فقد تكلّمنا عليه.
وأمّا تأييده بحديث الإقتداء، فسيتّضح بطلانه، بالبحث عن سند الحديث المذكور، ببعض التفصيل.
وبعد:
فإنّ الحديث الشريف صحيح ثابت بأسانيد عديدة فلا مجال للمناقشة في سنده، وأمّا المناقشات المذكورة فتتلخّص في نقاط:
١ - التأويل، وهذا باطل، « وأنا أظنّك لا تلتفت إلى التأويل، ولا تعبأ بما قيل » كما قال الآلوسي.
٢ - الإعتراف بظاهر الحديث ووجوب الأخذ به، وأنّه ينبغي الإقتداء بمولانا أمير المؤمنين والجري على سننه، وذلك يستلزم القول بصحّة خلافة الثلاثة، لأنّه بايعهم طوعاً.
ولكن كونه بايع طوعاً أوّل الكلام كما هو معلوم، ولو كان ذلك ثابتاً لم يبق أيّ خلاف ونزاع، ولَما ارتكب القوم أنواع التمحّلات والتأويلات وغير ذلك، لصرف الحديث عن ظاهره.
٣ - إنّه لا ملازمة بين « الهداية » و « الإمامة »، فتلك أمر وهذه أمر آخر، وهذا ما سيتبيّن الجواب عنه لدى التحقيق في كلام ابن تيميّة.
٤ - المعارضة بحديث: « أصحابي كالنجوم » وحديث: « اقتدوا باللذين مِن بعدي » وفي الفصل الرابع الجواب عن ذلك.
فهو أكثر القوم إطناباً في الكلام في هذا المقام، فقد ذكر وجوهاً
والجواب عن الوجهين الأوّل والثاني منهما: إنّ هذا الحديث صحيح كما عرفت، وأنّ رواته من كبار أئمّة الحديث كثيرون، وفيهم من ينصُّ على صحّته، فما ذكره هو الكذب.
وعن الثالث والرابع: إنّه سوء فهم، فإنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم هو الهادي لعليٍّعليهالسلام وللأُمّة كلّها، لكنّ عليّاًعليهالسلام هو الهادي للأُمّة مِن بعده، وهذا صريح قول النبيّ: « بك يهتدي المهتدون من بعدي ».
وعن الثامن: إنّ الآية الكريمة تدلّ على إمامة أمير المؤمنينعليهالسلام بالنظر إلى الحديث الوارد في تفسيرها، فإذا فَسّر الحديث الصحيح الآيةَ، كانت الآية من جملة الأدلّة من الكتاب على الإمامة.
وعن السابع: بما سيجيء من أنّ حديث النجوم باطل حتّى عند ابن تيميّة، فقد ناقض نفسه باستدلاله به هنا!
وأمّا نفي الملازمة بين « الهداية » و « الإمامة » في هذا الوجه - السابع - وفي كلام الدهلوي وغيره، فلا يجدي، لِما سنذكره في معنى الحديث والمراد من كون أمير المؤمنينعليهالسلام هادياً
وذلك هو الجواب عن سؤاله - في الوجه السادس -: « كيف يُجعل عليٌّ هادياً لكلّ قومٍ من الأوّلين والآخرين؟! ».
وعن تكذيبه - في الوجه الخامس - « أنّ كلّ من اهتدى من أُمّة محمّد فبه اهتدى »
وعمّا ذكره - في الوجه التاسع - من « أنّ قوله كلّ قومٍ، صيغة عموم ».
معنى الآية المباركة
وقبل الورود في البحث نتأمّل في معنى الآية الكريمة بالنظر إلى مداليل مفرداتها:
يقول تعالى:( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) .
أمّا كلمة « إنّما » فتدلٌّ على الحصر، ولا كلام في هذا، و « الإنذار » إخبارٌ فيه تخويف كما أنّ التبشير إخبار فيه سرور(١) .
وقال القاضي البيضاوي بتفسيرها:( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ ) مرسَل للإنذار كغيرك من الرسل، وما عليك إلّا الإتيان بما تتّضح به نبوّتك »(٢) .
والآيات الواردة في هذا المعنى كثيرة، ففي بعضها الحصر بالألفاظ المختلفة الدالّة عليه، كقوله تعالى:( إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ) (٣) .
و( قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ) (٤) .
و( قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ) (٥) .
و( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها ) (٦) .
____________________
(١). المفردات في غريب القرآن: ٥٠٨ « نذر ».
(٢). تفسير البيضاوي: ٤٢٨.
(٣). سورة هود ١١: ١٢.
(٤). سورة الحج ٢٢: ٤٩.
(٥). سورة ص ٣٨: ٦٥.
(٦). سورة النازعات ٧٩: ٤٥.
وكقوله تعالى:( إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) (١) .
و( إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ ) (٢) .
و( إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ ) (٣) .
وفي بعضها كون « الإنذار » العلّة الغائيّة من إرساله بالكتاب ونزول الوحي عليه، كقوله تعالى:( وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ ) (٤) .
و( كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ لِتُنْذِرَ بِهِ ) (٥) .
و( ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً ) (٦) .
و( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ) (٧) .
وحتّى في أوّل البعثة خاطبه تعالى بقوله:( يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ ) (٨) ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) (٩) .
لقد دلّت الآيات الكثيرة على أنّ وظيفة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ليس إلا « الإنذار » و « التبشير »، وكلاهما « إخبارٌ » غير أنّ الأوّل « فيه تخويف » والثاني « فيه سرور »، وكانت وظيفته « الإخبار » فقط، أي: « الإبلاغ »، وهذا اللفظ جاءت به الآيات الكثيرة أيضاً، مع الدلالة على الحصر
____________________
(١). سورة الأعراف ٧: ١٨٨.
(٢). سورة فاطر ٣٥: ٢٣.
(٣). سورة سبأ ٣٤: ٤٦.
(٤). سورة الأنعام ٦: ١٩.
(٥). سورة الأعراف ٧: ٢.
(٦). سورة الفرقان ٢٥: ٥٦.
(٧). سورة الأحزاب ٣٣: ٤٥.
(٨). سورة المدّثّر ٧٤: ١ و ٢.
(٩). سورة الشعراء ٢٦: ٢١٤.
كذلك، كقوله تعالى:( وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ ) (١) .
و( فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ ) (٢) .
و( فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ) (٣) .
وهكذا غيرها من الآيات.
وأمّا قوله تعالى:( وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) ، فمن جَعَلَ « الهادي » هو « رسول الله »صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقد جعل « الواو » عاطفةً، فيكون( هادٍ ) عطفاً على( مُنْذِرٌ ) و( لِكُلِّ قَوْمٍ ) متعلق بـ( هادٍ ) .
أو يكون( هادٍ ) خبراً لمبتدأ مقدَّر، أي: وأنتَ هاد.
لكنْ يردّ الأوّل: بأنّه يستلزم الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بالجار والمجرور، وهو غير جائز عند المحقّقين من النحويّين.
ويردّ الثاني: بأنّه مستلزم للتقدير، ومن الواضح أنّه خلاف الأصل.
على أنّ القول بأنّ « الهادي » في الآية هو « رسول الله » نفسه، إغفالٌ للحديث الصحيح الوارد بتفسيرها، الصريح في أنّه عليٌّعليهالسلام ، وبه يجاب عن قول مَن فسّر الآية برأيه، فجعل « الهادي » هو « الله » أو « العمل » أو غير ذلك، وهي تفاسير باطلة لم يوافق عليها حتّى ابن تيميّة والآلوسي.
وعلى ما ذكرنا تكون « الواو » استئنافيةً.
فيكون معنى الآية: كون النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم منذراً، ولكلّ قومٍ هادٍ إلى ما جاء به النبيّ، وهو « عليٌّ »عليهالسلام ، الذي حفظ ونشر ما جاء به النبيّ، ودعا إلى الأخذ والعمل به، فكانعليهالسلام الهادي بقوله
____________________
(١). سورة المائدة ٥: ٩٩.
(٢). سورة النحل ١٦: ٣٥.
(٣). سورة المائدة: ٥: ٩٢.
وفعله إلى الله والإسلام بعد الرسول عليه وآله الصلاة والسلام.
و « الهداية » هي: « إراءة الطريق » و « الدلالة » عليه(١) ، وقال ابن فارس:
« هدي - الهاء والدال والحرف المعتلّ -: أصلاًن: أحدهما التقدّم للإرشاد، والآخر: بعثة لطف، فالأوّل قولهم: هديتهُ الطريق هدايةً، أي: تقدّمته لأُرشده، وكلّ متقدّم لذلك هاد، قال:
إذا كان هادي الفتى في البلا |
د صدرَ القناة أطاعَ الأميرا |
وينشعب هذا فيقال: الهُدى، خلاف الضلالة
والأصل الآخر: الهَدِيّة »(٢) .
أقول:
فإذا كان هذا معنى الآية المباركة، ورجعنا إلى الأحاديث الواردة في تفسيرها ووجدنا فيها:
١ - المقابلة بين النبيّ وبين أمير المؤمنين، بأنّه منذرٌ وعليٌّ الهادي.
٢ - والحصر المستفاد من كلمة « أنت الهادي » و « الهادي عليّ ».
٣ - والحصر المستفاد من تقديم الظرف في « بك يهتدي المهتدون ».
٤ - والحصر المستفاد من الإيماء إلى صدره أو الضرب على منكبه.
٥ - وكلمة « بعدي » الظاهرة في المباشرة.
كانت الآية - بمعونة الأحاديث المشتملة على ما ذكرنا - دالّةً على أنّ سبحانه جعل وظيفة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم « الإنذار »، وكان وظيفة عليٍّعليهالسلام من بعده: إرشاد الأُمّة ودلالتها على الطريق الصحيح المؤدّي
____________________
(١). المفردات في غريب القرآن: ٥٣٨.
(٢). معجم مقاييس اللغة ٦ / ٤٢.
إلى ما جاء به النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فيكونعليهالسلام الإمام المرشد للأُمّة، القائم مقام النبيّ، والمقتدى من بعده.
وهذه هي حقيقة الإمامة والخلافة.
هذا، وقد فهم غير واحدٍ من علماء القوم كابن تيميّة وابن روزبهان والآلوسي، دلالة الحديث على وجوب الإقتداء بأمير المؤمنينعليهالسلام بعد الرسول، وذلك قول الله عزّ وجلّ:( أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) (١) .
نعم، فهموا ذلك، وإلّا لَما عارضوه بحديث: « أصحابي كالنجوم فبأيّهم اقتديتم اهتديتم » وحديث: « اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر » لكنّهما باطلان، فلو كانا صحيحين سنداً ودلالةً لكان لذلك وجه، كما تمسّك بعض المتقوّلين بما في منهاج السنّة عن عليّعليهالسلام أنّه قال: « لا أُوتينّ بأحد يفضّلني على أبي بكر إلّا جلدته حدّ المفتري »!!
ثم إنّ في ألفاظ الحديث الوارد بتفسير الآية المباركة مؤكّدات عديدة لدلالتها على وجوب اتّباع أمير المؤمنين والاقتداء به وإمامته بعد الرسول:
١ - كقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه سمع ليلة أُسري به: « يا محمّد! إنّما أنت منذر ولكل قوم هاد. قلت: أنا المنذر، فمن الهادي؟ قال: عليّ الهادي المهتدي، القائد أُمتك إلى جنّتي غرّاً محجّلين برحمتي ».
ففيه: وصف الإمامعليهالسلام بعد « الهادي المهتدي » بـ « القائد أُمّتك » مع مجيء اللام في « القائد » الدالّة على الحصر.
____________________
(١). سورة يونس ١٠: ٣٥.
٢ - وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم له فيه: « إنّك منار الأنام، وراية الهدى، وأمين القرآن، أشهد على ذلك أنّك كذلك ».
فجعلهعليهالسلام : « منار الأنام، وراية الهدى، وأمين القرآن » ثمّ شهد له بذلك!!
٣ - وقول الزرقاء الكوفية لمعاوية حين استشهدت بالآية المباركة، قالت: « المنذر رسول الله، والهادي عليٌّ وليّ الله ».
أحاديث أُخرى
ولقد أشارصلىاللهعليهوآلهوسلم في قوله: « بك يا عليّ يهتدي المهتدون من بعدي » إلى أنّ في أُمّته من بعده « مهتدين » و « ضالّين » فأناط « الهداية » و « الضلالة » به إلى يوم القيامة، فكان كالراية التي تنصب على الطريق، من اهتدى بها وصل، ومن خالفها أو أعرض عنها ضلّ، فالمهتدون هم المحبّون المطيعون المتّبعون له، والضالّون هم المخالفون المبغضون له
ومن هنا وصفهعليهالسلام بـ « راية الهدىُ ».
ففي رواية الحاكم الحسكاني والحاكم أبي عبدوالحافظ أبي نعيم، عن أبي برزة: « إنّك منار الأنام، وراية الهدى، وأمين القرآن ».
وروى الحافظ أبو نعيم بسنده، عن أبي برزة أيضاً: « إنّ عليّاً راية الهدى، وإمام أوليائي، ونور من أطاعني، وهو الكلمة التي ألزمتها المتّقين، من أحبّه أحبّني، ومن أبغضه أبغضني »(١) .
____________________
(١). حلية الأولياء ١ / ٦٦، وانظر: تاريخ بغداد ١٤ / ٩٨، تاريخ دمشق ٣٣٠/٤٢ ح ٨٨٩٢ - الطبعة الحديثة -، نظم درر السمطين: ١٤٤، وغيرها.
ولقوّة هذا الحديث في الدلالة على إمامة أمير المؤمنينعليهالسلام ، تكلّم بعض القوم في سنده بتحكّم، ففي لسان الميزان بترجمة « عبّاد بن سعيد الجعفي » بعد ذِكره: « فهذا باطل، والسند إليه ظلمات »(١) وبترجمة « لاهز أبو عمرو التيمي » حكى عن ابن عديّ أنّه يحدّث عن الثقات بالمناكير، فذكر الحديث قائلاً: « وهذا باطل. قاله ابن عديّ » ثمّ قال: « قلت: إي والله من أكبر الموضوعات، وعليٌّ فلعن الله من لا يحبّه »(٢) .
وأنت ترى أنّه ردٌّ لمناقب أمير المؤمنين بلا دليل!
نعم، في الموضع الثاني دليله هو اليمين الفاجرة!! وما أقواه من دليل!!
وممّا يدلّ على تحكّم القوم في المقام: أنّ ابن عديّ يقول عن « لاهز »: « يحدّث عن الثقات بالمناكير » والحال أنّ الخطيب البغدادي يقول: « لم أرَ للاهز ابن عبدالله غير هذا الحديث، فأين « يحدث عن الثقات بالمناكير »؟!
ولمـّا كان الخطيب يريد الطعن في الحديث، ولا دليل عنده، يقول: « حدّثني أحمد بن محمّد المستملي، أخبرنا محمّد بن جعفر الورّاق، قال: أخبرنا أبو الفتح محمّد بن الحسين الأزدي الحافظ، قال: لاهز بن عبدالله التيمي البغدادي غير ثقة، ولا مأمون، وهو أيضاً مجهول »(٣) .
أقول:
إنْ كان الدليل قول الأزدي فالأمر سهل، فقد نصوا على أنّ الأزدي نفسه ضعيف، ولا يُلتفت إلى قوله في الرجال:
____________________
(١). لسان الميزان ٣ / ٢٢٩.
(٢). لسان الميزان ٦ / ٢٣٧.
(٣). تاريخ بغداد ١٤ / ٩٩.
قال الذهبي: « لا يُلتفت إلى قول الأزدي، فإنّ في لسانه في الجرح رهقاً »(١) .
وقال الحافظ ابن حجر: « قدّمتُ غير مرّة: أنّ الأزدي لا يُعتبر تجريحه، لضعفه هو »(٢) .
هذا، وتؤيّد هذا الحديث وتشهد بصحّته أحاديث:
كقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم - في حديث -: « إنْ تؤمّروا عليّاً - ولا أراكم فاعلين - تجدوه هادياً مهديّاً، يأخذ بكم الطريق المستقيم »(٣) .
وقوله: « من أراد أن يحيا حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنّة الخلد التي وعدني ربّي، فليتولّ علي بن أبي طالب، فإنّه لن يخرجكم من هدى، ولن يدخلكم في ضلالة « قال الحاكم: « هذا حديث صحيح الإسناد »(٤) .
وقوله: « إنّ عليّاً مدينة هدى، فمن دخلها نجا، ومن تخلّف عنها هلك »(٥) .
وكما وصفه بـ « راية الهدى » فقد وصفه بـ « العَلَم »:
أخرج الحافظ ابن عساكر بترجمتهعليهالسلام : « أخبرنا أبو القاسم علي ابن إبراهيم النسيب، أنبأنا أبو بكر أحمد بن علي الخطيب، أخبرني أبو الفرج الطناجيري، أنبأنا عمر بن أحمد الواعظ، أنبأنا محمّد بن محمود
____________________
(١). ميزان الإعتدال ١ / ٦٦.
(٢). مقدمة فتح الباري: ٤٣٠.
(٣). مسند أحمد ١ / ١٠٨.
(٤). المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٢٨.
(٥). ينابيع المودّة ١ / ٢٢٠ ح ٣٩ - الطبعة الحديثة المحقّقة -.
الأنباري بالبصرة، أنبأنا محمّد بن القاسم بن هاشم، أنبأنا أبي، أنبأنا عبدالصمد بن سعيد أبو عبدالرحمن، أنبأنا الفضل بن موسى، عن وكيع، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة، قال: قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لعليٍ: جعلتك عَلَمَاً فيما بيني وبين أُمّتي، فمن لم يتّبعك فقد كفر».
ثمّ قال ابن عساكر: « من بين الفضل والواعظ مجاهيل لا يعرفون »(١) .
قلت:
وهذا منه سهوٌ، إنْ لم يكن تجاهلاً، كما هي عادتهم في قبال مناقب أمير المؤمنين!! وذلك لأنّ محمّد بن محمود الأنباري - وهو شيخ أبي حفص عمر ابن أحمد بن شاهين الواعظ الحافظ - مترجم في تاريخ الخطيب، قال: « محمّد بن محمود الأنباري، حدّث عن علي بن أحمد النضر الأزدي، ومحمّد ابن الحسن ابن الفرج الهمذاني، ومحمّد بن حنيفة بن ماهان الواسطي، ومحمّد ابن القاسم بن هاشم السمسار، روى عنه أبو حفص ابن شاهين، ذكر أنّه سمع منه بالبصرة »(٢) .
ومحمّد بن القاسم بن هشام، هو: أبو بكر السمسار، ترجم له الخطيب، قال: « حدث عن أبيه وكان ثقة »(٣) .
وأبوه: القاسم بن هاشم، ترجم له الخطيب أيضاً قال: « روى عنه ابنه وأبو بكر ابن أبي الدنيا، ووكيع القاضي، ويحيى بن صاعد، وأبو عبيد ابن المؤمّل الناقد، والقاضي المحاملي، ومحمّد بن مخلد، وكان صدوقاً »(٤) .
____________________
(١). تاريخ دمشق - ترجمة أمير المؤمنينعليهالسلام - ٢ / ٤٨٩.
(٢). تاريخ بغداد ٣ / ٢٦١.
(٣). تاريخ بغداد ٣ / ١٨٠.
(٤). تاريخ بغداد ١٢ / ٤٢١.
وأمّا عبدالصمد بن سعيد، الراوي عن الفضل بن موسى البصري، مولى بني هاشم، المتوفّى سنة ٢٦٤، فأظنّه: عبدالصمد بن سعيد الكندي الحمصي، المتوفّى سنة ٣٢٤، ترجم له الذهبي ووصفه بـ « المحدّث الحافظ »(١) .
هذا، وروى الفقيه المحدّث ابن المغازلي الواسطي الشافعي عن أبي محمّد الغندجاني بسنده « عن شعبة بن الحجّاج، عن أبي التيّاح، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أتاني جبريل بدرنوك من درانيك الجنّة فجلست عليه، فلمـّا صرت بين يدي ربّي كلّمني وناجاني، فما علّمني شيئاً إلّاعَلِمه عليٌّ، فهو باب مدينة علمي.
ثمّ دعاه النبيّ إليه فقال له: يا عليّ! سلمك سلمي، وحربك حربي، وأنت العلم ما بيني وبين أُمّتي من بعدي »(٢) .
ومن هنا أوصى الأُمّة وأرشدهم إليه بقوله في حديثٍ: « وإنْ تؤمّروا عليّاً - ولا أراكم فاعلين - تجدوه هادياً مهديّاً، يأخذ بكم الطريق المستقيم »(٣) .
وقال - في ما رواه السيّد الهمداني عن ابن عبّاس -: « وإذا خالفتموه فقد ضلّت بكم الطرق والأهواء في الغيّ »(٤) .
بل وصفه بـ « الطريق » في ما روي مسنداً عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس(٥) .
____________________
(١). سير أعلام النبلاء ١٥ / ٢٦٦.
(٢). مناقب أمير المؤمنين: ٥٠.
(٣). مسند أحمد ١ / ١٠٨.
(٤). مودّة القربى، عنه ينابيع المودّة : ٢٥٠ ط تركيا.
(٥). شواهد التنزيل ١ / ٥٧، المناقب -للخوارزمي المكّي - ينابيع المودّة: ١٣٣.
ولذا كانت طاعته طاعة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأنّه لئن أطاعوه ليدخلنّ الجنّة، كما في الحديث:
أخرج الحاكم بسنده عن أبي ذرّ، قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع عليّاً فقد أطاعني، ومن عصى عليّاً فقد عصاني » قال الحاكم: « هذا حديث صحيح الإسناد » ووافقه الذهبي(١) .
ولذا كان الفاروق بين الحق والباطل، كما في الحديث المشهور، وأنّ من فارقه فقد فارق رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، كما في الحديث:
أخرج الطبراني في الأوسط - وعنه الهيثمي - بإسناده عن بريدة، في قضية بعث عليٍّعليهالسلام أميراً على اليمن عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أنّه قال: « ما بال أقوام ينتقصون عليّاً؟!! من تنقّص عليّاً فقد تنقّصني، ومن فارق عليّاً فقد فارقني، إنّ عليّاً منّي وأنا منه »(٢) .
وأخرج الحاكم بإسناده عن أبي ذرّ، قال: قال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : « يا عليّ! من فارقني فقد فارق الله، ومن فارقك يا عليّ فقد فارقني » قال الحاكم: « صحيح الإسناد »(٢) وأخرجه البزّار، وعنه الهيثمي، وقال:
____________________
(١). المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٢١.
(٢). مجمع الزوائد ٩ / ١٢٨.
(٣). المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٢٣.
« رجاله ثقات »(١) .
ولذا كان عليٌّ من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بمنزلته من ربّه.
فقد أخرج الحافظ المحبّ الطبري عن ابن عبّاس، في حديثٍ « قال أبو بكر: ما كنت لأتقدّم رجلاً سمعت رسول الله صلّى الله وسلّم يقول: عليٌّ منّي بمنزلتي من ربّي، أخرجه ابن السمّان في كتاب الموافقة »(٢) .
ورواه الذهبي عن ابن مسعود، بترجمة محمّد بن داود الرملي، فقال: « هذا من وضع هذا الجاهل، رواه أبو عَروبة، عن مخلد بن مالك السلمسيني عنه »(٣) !
فانظر كيف يردُّ الحديث بلا أيّ دليلٍ، وإنّما تبعاً لهواه!!
ولذا كان باب حطّة، في ما أخرج الحافظ الدارقطني عن ابن عبّاس، أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: « عليٌّ باب حطّة، مَن دخل فيه كان مؤمناً، ومن خرج منه كان كافراً »(٤) .
وأخرجه الحافظ الطبراني في حديثٍ فيه تشبيه أهل بيته بسفينة نوحٍ وبباب حطّة في بني إسرائيل(٥) .
____________________
(١). مجمع الزوائد ٩ / ١٣٥.
(٢). ذخائر العقبى: ٦٤.
(٣). ميزان الإعتدال ٣ / ٥٤٠، وتبعه ابن حجر في لسانه ٥ / ١٦١.
(٤). الجامع الصغير: ٣٤٦ ح ٥٥٩٢، الصواعق المحرقة: ٧٥، كنز العمّال ١١ / ٦٠٣ ح ٣٢٩١٠.
(٥). المعجم الصغير ١ / ١٣٩.
نتيجة البحث
إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وصف عليّاًعليهالسلام بـ « الهادي » و « الراية » و « العَلَم » وغير ذلك من الأوصاف ممّا ذكرناه وما لم نذكره، وكلّها تشير إلى معنىً واحد ومقصد فارد، وهو كونه « القائد » « والمرشد » و « المتّبَع » للأُمّة الإسلامية مِن بعده وهذا هو معنى « الإمامة العامّة » و « الولاية المطلقة » و « الخلافة العظمى »
ومن هذا الباب وصفه صلّى الله عليه وسلّم بـ « قسيم الجنّة والنار »، وجعله ميزاناً ومعياراً يُعرف به المؤمن من المنافق والكافر، والحقّ من الباطل في أحاديث كثيرة.
وأيضاً: فقد كانعليهالسلام حجّةً لله تعالى على خلقه، في حديث أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد(١) ، وابن عساكر في تاريخ دمشق، بأسانيد عن أنس عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم (٢) ولم يتكلّم في سنده إلّا في « مطر » راويه عن أنس، لكنّه من التابعين، ومن رجال ابن ماجة، والظاهر من كلماتهم أنّ السبب في ترك حديثه روايته الفضائل عن أنس بن مالك، فلا جرح في الرجل، غير أنّ رواياته ليست على هواهم، ولذا لمـّا أورد الذهبي هذا الحديث في ( الميزان ) قال: « هذا باطل، والمتّهم به مطر، فإنّ عبيدالله ثقة شيعي، ولكنّه أثم برواية هذا الإفك »(٣) .
فمن هذا الكلام يظهر أنّ « عبيدالله بن موسى العبسي » الراوي عن « مطر »
____________________
(١). تاريخ بغداد ٢ / ٨٨.
(٢). تاريخ دمشق - ترجمة أمير المؤمنينعليهالسلام - ٢ / ٢٧٢ - ٢٧٣.
(٣). ميزان الإعتدال ٤ / ١٢٧ - ١٢٨.
ثقة، و « مطر » نفسه لم يُرْمَ بشيء غير أنّ الحديث « باطل »!!
أمّا ابن حجر، فلم يورد الرجل في لسان الميزان لكونه من رجال بعض الصحاح الستّة.
وعلى الجملة، فقد كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يُعرّف أمير المؤمنين بالإمامة من بعده بشتّى الأساليب، فتارةً يصرّح في حقّه بالإمامة والوصاية ونحوهما، وأُخرى يصفه بالأوصاف المستلزمة لذلك، وثالثةً يشبّهه بما يفيده بكلّ وضوح وهكذا.
وبهذا ظهر معنى الآية الكريمة، ومدلول الحديث الشريف، وكيفيّة استدلال أصحابنا بذلك في إثبات الإمامة
وتبيّن الجواب عن التساؤلات المثارة حول الإستدلال، واندفاع الشبهات المذكورة.
ويبقى الكلام على المعارضات
الفصل الرابع
في الجواب عن المعارضة
وقد عقدنا هذا الفصل للتحقيق حول أحاديث يروونها في فضل أبي بكر، أو الشيخين، أو الصحابة قاطبةً، فحاول بعضهم أن يعارض بها الأحاديث الواردة في الآية المباركة المتقدم بعضها، ونظائرها.
ذكر هذا الحديث في هذا المقام: الآلوسي في تفسيره روح المعاني.
وقد سبقه في الإستدلال به في مباحث الإمامة عدّة من أعلام القوم: كالقاضي عضد الدين الإيجي في المواقف، وشارحه الشريف الجرجاني في شرح المواقف، والسعد التفتازاني في شرح المقاصد، وابن تيميّة في منهاج السنّة، وابن حجر المكّي في الصواعق المحرقة، وولي الله الدهلوي في قرّة العينين في تفضيل الشيخين، وابنه عبدالعزيز صاحب التحفة الإثنا عشرية، وغيرهم.
كما تجد الإستدلال به في مسألة انعقاد الإجماع بأبي بكر وعمر، في كثيرٍ من كتب علم أُصول الفقه، نذكر منها: المختصر لابن الحاجب وشرحه، والمنهاج للبيضاوي وشروحه، ومسلّم الثبوت للقاضي البهاري وشرحه
هذا، وقد ظهر لنا - لدى التحقيق - أنّ الشهاب الآلوسي إنّما ينتحل في
هذه المباحث مطالب عبدالعزيز الدهلوي في كتاب التحفة الإثنا عشريّة(١) ، الذي اختصر ترجمته محمود شكري الآلوسي، ونشره بعنوان مختصر التحفة الإثني عشرية.
وعلى كلّ حالٍ، فقد اقتضى استدلال بعضهم بهذا الحديث في هذا المقام لغرض المعارضة، أن نتكلّم حوله ببعض التفصيل، ليتبيّن حاله فلا يعارَض به شيء من أدلّة أصحابنا في مختلف المجالات، فنقول:
هذا الحديث ممّا أعرض عنه البخاري ومسلم، ولم يخرجه من أرباب السنن سوى الترمذي وابن ماجة، وأخرجه أحمد في مسنده والحاكم في المستدرك، وما رووه إلّاعن حذيفة وابن مسعود.
* فرووه عن حذيفة بن اليمان، لكنْ بأسانيد ينتهي جلّها إلى: « عبدالملك بن عمير، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة »(٢) .
* و « عبد الملك بن عمير » رجل مدلّس، ضعيف جدّاً، كثير الغلط، مضطرب الحديث جدّاً، كما في كتب الرجال:
فقد قال أحمد: « مضطرب الحديث جدّاً مع قلّة روايته، ما أرى له خمسمائة حديث وقد غلط في كثير منها ».
وقال إسحاق بن منصور: « ضعّفه أحمد جدّاً » وعن أحمد أيضاً: « ضعيف يغلط ».
____________________
(١). كما ظهر لدى التحقيق أنّ كتاب « التحفة » منتحل من كتاب « الصواقع الموبقة » لنصرالله الكابلي.
(٢). مسند أحمد بن حنبل ٥ / ٣٨٢ و ٣٨٥، صحيح الترمذي، باب مناقب أبي بكر وعمر، سنن ابن ماجة، باب مناقب أبي بكر، المستدرك على الصحيحين ٣ / ٧٥.
وقال ابن معين: « مخلّط ».
وقال أبو حاتم: « ليس بحافظ، تغيّر حفظه » وقال: « لم يوصف بالحفظ ».
وقال ابن خراش: « كان شعبة لا يرضاه ».
وقال الذهبي: « وأمّا ابن الجوزي، فذكره فحكى الجرح وما ذكر التوثيق ».
وقال السمعاني وابن حجر: « كان مدلّساً »(١) .
ومن مساوىء هذا الرجل: أنّه ذبح رسول الإمام الحسين السبط الشهيدعليهالسلام إلى أهل الكوفة، فإنّه لمـّا رُمي بأمرٍ من ابن زياد من فوق القصر وبقي به رمق، أتاه عبدالملك بن عمير فذبحه، فلمّا عيب عليه ذلك قال: إنّما أردت أن أُريحه(٢) .
* ثمّ إنّ « عبدالملك بن عمير » لم يسمع الحديث من « ربعي بن حراش » و « ربعي » لم يسمع من « حذيفة بن اليمان ». ذكر ذلك المناوي حيث قال: « قال ابن حجر: اختلف فيه على عبدالملك، وأعلّه أبو حاتم، وقال البزّار كابن حزم: لا يصحّ، لأنّ عبدالملك لم يسمعه من ربعي، وربعي لم يسمع من حذيفة »(٣) .
قلت:
مداره على « سالم بن العلاء المرادي » وقد ضعّفه ابن معين والنسائي
____________________
(١). الأنساب « القبطي »، تهذيب التهذيب ٦ / ٤١١، ميزان الإعتدال ٢ / ٦٦٠، تقريب التهذيب ٦ / ٥٢١، المغني في الضعفاء ٢ / ٤٠٧.
(٢). تلخيص الشافي ٣ / ٥٣، روضة الواعظين: ١٧٧، مقتل الحسين: ١٨٥.
(٣). فيض القدير في شرح الجامع الصغير ٢ / ٥٦.
وابن الجارود وابن حزم والذهبي وابن حجر وغيرهم(١) .
* وعن عبدالله بن مسعود عند الترمذي والحاكم، وهو بسندٍ واحدٍ: عن إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن جدّه، عن أبي الزعراء، عن عبدالله بن مسعود(٢) .
وإبراهيم، وأبوه، وجدّه، مقدوحون مجروحون جدّاً:
* أمّا « إبراهيم »:
فقد قال الذهبي: « ليّنه أبو زرعة، وتركه أبو حاتم »(٣) .
وحكى ابن حجر ذلك عن ابن أبي حاتم وأقرّه(٤) .
وقال العقيلي: « عن مطيّن: كان ابن نمير لا يرضاه ويضعّفه، وقال: روى أحاديث مناكير »، قال العقيلي: « ولم يكن إبراهيم هذا بقيّم الحديث »(٥) .
* وأمّا « إسماعيل ».
فقد قال الدارقطني والأزدي وغيرهما: « متروك »(٦) .
* وأمّا « يحيى بن سلمة » فقد كان أسوأ حالاً منهما:
فقد قال الترمذي يضعّف في الحديث »(٧) .
وقال المقدسي: « ضعّفه ابن معين. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، وقال البخاري: في حديثه مناكير، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال الترمذي:
____________________
(١). ميزان الإعتدال ٢ / ١١٢، الكاشف ١ / ٣٤٤، تهذيب التهذيب ٣ / ٤٤٠، لسان الميزان ٣ / ٧.
(٢). صحيح الترمذي ٥ / ٦٣٠، المستدرك على الصحيحين ٣ / ٧٥.
(٣). ميزان الإعتدال ١ / ٢٠، المغني في الضعفاء ١ / ١٠.
(٤). تهذيب التهذيب ١ / ١٠٦.
(٥). تهذيب التهذيب ١ / ١٠٦.
(٦). ميزان الإعتدال ١ / ٢٥٤، المغني في الضعفاء ١ / ٨٩، تهذيب التهذيب ١ / ٣٣٦.
(٧). صحيح الترمذي ٥ / ٦٣٠.
ضعيف »(١) .
وقال الذهبي: « ضعيف »(٢) .
وقال ابن حجر: « ذكره ابن حبّان أيضاً في الضعفاء فقال: منكر الحديث جدّاً، لا يحتجّ به، وقال النسائي في الكنى: متروك الحديث، وقال ابن نمير: ليس ممّن يكتب حديثه، وقال الدارقطني: متروك، وقال مرّةً: ضعيف، وقال العجلي: ضعيف »(٣) .
أقول:
هذه عمدة أسانيد هذا الحديث.
وقد روي في بعض الكتب عن غير حذيفة وابن مسعود، مع التنصيص على ضعفه وسقوطه، فرواه الهيثمي عن الطبراني، عن أبي الدرداء، فقال: « وفيه من لم أعرفهم »(٤) .
ورواه الذهبي عن عبدالله بن عمر ونصّ على سقوطه بما لا حاجة إلى نقله، فراجع(٥) .
ولهذا فقد نصّ كبار الأئمّة الأعلام على سقوط هذا الحديث:
____________________
(١). الكمال في أسماء الرجال - مخطوط.
(٢). الكاشف ٣ / ٢٥١.
(٣). تهذيب التهذيب ١١ / ٢٢٥.
(٤). مجمع الزوائد ٩ / ٥٣.
(٥). ميزان الإعتدال ١ / ١٠٥، وص ١٤٢، ٣ / ٦١٠.
فقد أعلّه أبو حاتم الرازي، المتوفّى سنة ٢٧٧، كما ذكر المناوي(١) ، وأبو حاتم إمام عصره والمرجوع إليه في مشكلات الحديث، وهو من أقران البخاري ومسلم كما ذكروا بترجمته.
وقال الترمذي - بعد أنْ أخرجه من حديث ابن مسعود -: « هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث ابن مسعود، لا نعرفه إلّا من حديث يحيى بن سلمة بن كهيل، ويحيى بن سلمة يضعَّف في الحديث »(٢) .
وقال الإمام الحافظ الكبير أبو بكر البزّار، المتوفّى سنة ٢٧٩: « لا يصحّ »، كما ذكر المناوي(٣) .
وقال أبو جعفر العقيلي، المتوفّى سنة ٣٢٢، وهو الإمام الكبير في الجرح والتعديل: « حديث منكَر لا أصل له من حديث مالك »(٤) .
وقال الحافظ الشهير ابن حزم الأندلسي، المتوفّى سنة ٤٧٥: « أمّا الرواية: اقتدوا باللذين من بعدي فحديث لا يصحّ »(٥) .
وقال أيضاً: « ولو أنّنا نستجيز التدليس لاحتججنا بما روي: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر. ولكنّه لم يصحّ، ويعيذنا الله من الإحتجاج بما لا يصح »(٦) .
وقال الإمام العلّامة قاضي القضاة برهان الدين العبري الفرغاني،
____________________
(١). فيض القدير ٢ / ٥٦.
(٢). صحيح الترمذي ٥ / ٦٣٠.
(٣). فيض القدير ٢ / ٥٦.
(٤). الضعفاء الكبير ٤ / ٩٥.
(٥). الإحكام في أُصول الأحكام - المجلّد ٢ / ٢٤٢٦ - ٢٤٣.
(٦). الفصل في الملل والنحل ٤ / ٨٨.
المتوفّى سنة ٧٤٣: « إنّ الحديث موضوع »(١) .
وقال الحافظ الذهبي، المتوفّى سنة ٧٤٨، ببطلانه وسقوطه في مواضع من كتابه ميزان الاعتدال في نقد الرجال، كما أنّه تعقب الحاكم في تصحيحه وقال: « قلت: سنده واه جدّاً »(٢) .
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني، المتوفّى سنة ٨٥٢، في لسان الميزان بما قاله الذهبي في ميزان الإعتدال في هذا الحديث(٣) .
هذا، وقد عرفت تضعيف الحافظ الهيثمي الحديث برواية الطبراني، وأنّ العلّامة المناوي ضعّفه في فيض القدير.
وأورده ابن درويش الحوت، المتوفّى سنة ١٢٧٦ في كتاب أسنى المطالب فذكر أنّ: أبا حاتم أعلّه، وقال البزار - كابن حزم -: لا يصحّ ...، وقال الهيثمي: سندها واه(٤) .
أقول:
ولنكتفِ بهذا المقدار للدلالة على سقوط هذا الحديث الذي وضعوه في فضل الشيخين، وقد بيّنا حاله بالتفصيل مرّتين في الكتاب(٥) .
____________________
(١). شرح المنهاج - مخطوط.
(٢). تلخيص المستدرك ٣ / ٧٥.
(٣). لسان الميزان ١ / ١٨٨ وص ٢٧٢، ٥ / ٢٣٧.
(٤). أسنى المطالب في أحاديث مختلفة المراتب: ٤٨.
(٥). راجع الجزء الثالث والجزء الرابع عشر وهو موضوع الرسالة الثانية من كتابنا: الرسائل العشر في الأحاديث الموضوعة في كتب السنّة.
وهو المعروف بحديث: « أصحابي كالنجوم ».
وقد ذكره في هذا المقام للمعارضة: ابن تيميّة، وابن روزبهان، كلاهما في الردّ على استدلال العلّامة الحلّي بحديثنا، في كتابيه ( منهاج الكرامة ) و ( نهج الحقّ )، وقد تقدّم كلامهما.
كما أنّ الشيخ عبدالعزيز الدهلوي صاحب كتاب التحفة الإثنا عشرية عارض به حديث « إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي » في مباحث الإمامة في تعليقته على كتابه المذكور(١) .
وقد ذكر الاُصوليّون حديث النجوم في مباحث سنّة الصحابي، ومباحث الإجماع، من كتبهم في أُصول الفقه، في مقابلة حديث: « اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر » وحديث: « عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين من بعدي »(٢) .
والحقيقة: إنّ كلّ تلك الأحاديث ساقطة سنداً.
أمّا الحديث: اقتدوا باللذين فقد عرفت حاله.
وأمّا الحديث: عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين فقد بيّنا حاله
____________________
(١). كما في عبقات الأنوار ٤ / ٥١٩ طبعة ايران.
(٢). شرح المختصر - لابن الحاجب - ٢ / ٣٦، الإبهاج في شرح المنهاج ٢ / ٣٦٧، التقرير والتحبير في شرح التحرير ٣ / ٢٤٣، فواتح الرحموت في شرح مسلّم الثبوت ٢ / ٢٤١، وغيرها.
في موضعه من الكتاب(١) .
والكلام الآن في حديث: أصحابي كالنجوم
وهو حديث غير مخرّج في شيء من الصحاح والسنن والمسانيد المشهورة وإنّما رواه ابن عديّ في الكامل في الضعفاء، والدارقطني في غرائب مالك، والقضاعي في مسند الشهاب، وابن عبدالبرّ في جامع بيان العلم، والبيهقي في المدخل
وإليك كلام الحافظ ابن حجر في هذا الحديث:
« حديث: أصحابي كالنجوم فبأيّهم اقتديتم اهتديتم.
الدارقطني في المؤتلف من رواية سلام بن سليم، عن الحارث بن غصين، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، مرفوعاً.
وسلام ضعيف.
وأخرجه في غرائب مالك من طريق حميد بن زيد، عن مالك، عن جعفر ابن محمّد، عن أبيه، عن جابر - في أثناء حديث - وفيه: فبأيّ قول أصحابي أخذتم اهتديتم، إنّما مثل أصحابي مثل النجوم، من أخذ بنجم منها اهتدى.
قال: لا يثبت عن مالك، رواته دون مالك مجهولون.
ورواه عبد بن حميد، والدارقطني في الفضائل من حديث حمزة الجزري، عن نافع، عن ابن عمر.
وحمزة اتّهموه بالوضع.
ورواه القضاعي في مسند الشهاب من حديث أبي هريرة.
____________________
(١). راجع الجزء الثالث، وهو موضوع الرسالة الثالثة من كتابنا: الرسائل العشر في الأحاديث الموضوعة في كتب السنّة.
وفيه جعفر بن عبدالواحد الهاشمي، وقد كذّبوه.
ورواه ابن طاهر من رواية بشر بن الحسن، عن الزبير، عن أنس. وبشر كان متّهماً أيضاً.
وأخرجه البيهقي في المدخل من رواية جويبر، عن الضحّاك، عن ابن عبّاس.
وجويبر متروك.
ومن رواية جويبر عن جوّاب بن عبيد الله، مرفوعاً.
وهو مرسَل.
قال البيهقي: هذا المتن مشهور، وأسانيده كلّها ضعيفة.
ورواه في المدخل أيضاً عن ابن عمر
وفي إسناده: عبدالرحيم بن زيد العمي، وهو متروك »(١) .
وقال المناوي في فيض القدير بشرحه:
« السجزي في الإبانة عن أُصول الديانة، وابن عساكر في التاريخ عن عمر بن الخطّاب.
قال ابن الجوزي في العلل: هذا لا يصحّ.
وفي الميزان: هذا الحديث باطل.
وقال ابن حجر في تخريج المختصر: حديث غريب، سئل عنه البزّار فقال: لا يصحّ هذا الكلام عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
وقال الكمال ابن أبي شريف: كلام شيخنا - يعني ابن حجر - يقتضي أنّه مضطرب.
وأقول: ظاهر صنيع المصنّف أنّ ابن عساكر خرّجه ساكتاً عليه، والأمر
____________________
(١). الكاف الشاف في تخريج الكشّاف - المطبوع مع الكشّاف - ٢ / ٦٢٨.
بخلافه، فإنّه تعقّبه بقوله: قال ابن سعد: زيد العمي أبو الحواري، كان ضعيفاً في الحديث، وقال ابن عديّ: عامّة ما يرويه ومن يروي عنه ضعفاء.
ورواه عن عمر أيضاً البيهقي، قال الذهبي: وإسناده واه »(١) .
ولمـّا كانت طرق هذا الحديث كلّها ساقطة، فقد اتّفق الأئمّة على بطلانه، ومنهم من نصّ على كونه موضوعاً، فبالإضافة إلى الأئمّة الأعلام المنقولة آراؤهم فيه:
فقد نصّ أحمد بن حنبل على أنّه حديث غير صحيح(٢) .
وقال ابن حزم الأندلسي: « هذا خبر مكذوب موضوع باطل لم يصحّ قط »(٣) .
وقال ابن عبدالبرّ بعد أن رواه ببعض الطرق: « هذا إسناد لا يصحّ »(٤) .
وقال أبو حيّان: « حديث موضوع، لا يصحّ بوجهٍ عن رسول الله »(٥) .
وقال ابن قيّم الجوزيّة - بعد أن رواه بطرق -: « لا يثبت شيء منها »(٦) .
وقال ابن الهمّام الحنفي: « حديث لم يعرف »(٧) .
ونصّ الشهاب الخفاجي والقاضي البهاري على ضعفه(٨) .
____________________
(١). فيض القدير في شرح الجامع الصغير ٤ / ٧٦.
(٢). التقرير والتحبير في شرح التحرير، وكذلك التيسير في شرح التحرير ٣ / ٢٤٣.
(٣). ذكره أبو حيّان في البحر المحيط ٥ / ٥٢٨ عن رسالة ابن حزم في إبطال القياس.
(٤). جامع بيان العلم ٢ / ٩٠.
(٥). البحر المحيط ٥ / ٥٢٧ - ٥٢٨.
(٦). إعلام الموقّعين ٢ / ٢٢٣.
(٧). التحرير في أُصول الفقه - لابن الهمام - بشرح أمير بادشاه - ٣ / ٢٤٣.
(٨). نسيم الرياض ٤ / ٤٢٣ - ٤٢٤، مسلّم الثبوت - بشرح الأنصاري - ٢ / ٢٤١.
وقال الشوكاني: « فيه مقال معروف »(١) .
وأورده الألباني المعاصر في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة(٢) .
ومن أراد المزيد فليرجع إلى موضعه من كتابنا(٣) .
وكما وضعوا على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حديث: « اقتدوا باللذين من بعدي » وحديث: « عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين من بعدي » وحديث: « أصحابي كالنجوم » وأمثالها، فقد وضعوا على الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام أشياء في حقّ الأصحاب وفي خصوص الشيخين، منها هذا الكلام الذي استند إليه ابن تيميّة في غير موضع من ( منهاج السنّة ) من غير سندٍ ولا نقلٍ عن كتاب معتبرٍ عندهم، وإنّما قال: « فُروي عنه أنّه قال: لا أُوتى بأحدٍ يفضّلني على أبي بكر وعمر إلاّضربته حدّ المفتري »(٤) .
« وعنه أنّه كان يقول: لا أُوتى بأحدٍ يفضّلني على أبي بكر وعمر إلّا جلدته حدّ المفتري »(٥) .
وقد أضاف هذه المرّة: « كان يقول » الظاهر في تكرّر هذا القول من الإمامعليهالسلام واستمراره عليه.
____________________
(١). إرشاد الفحول إلى تحقيق الحقّ من علم الأُصول: ٨٣.
(٢). سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ١ / ٧٨.
(٣). راجع الجزء الثالث من الكتاب. والرسائل العشر في الأحاديث الموضوعة في كتب السنّة، الرسالة الاُولى.
(٤). منهاج السنّة ١ / ٣٠٨.
(٥). منهاج السنّة ٦ / ١٣٨.
ولكنّنا لم نسمع أنّه جلد أحداً لتفضيله عليهما، بالرغم من وجود كثيرٍ من الصحابة والتابعين كانوا يجاهرون بذلك، حتّى اعترف به غير واحدٍ من أئمّة القوم، ففي الاستيعاب:
« وروي عن سلمان، وأبي ذرّ، والمقداد، وخبّاب، وجابر، وأبي سعيد الخدري، وزيد بن أرقم: أنّ عليّ بن أبي طالب -رضياللهعنه - أوّل من أسلم، وفضّله هؤلاء على غيره »(١) .
وفي الفصل:
« اختلف المسلمون في من هو أفضل الناس بعد الأنبياء، فذهب بعض أهل السنّة وبعض المعتزلة وبعض المرجئة وجميع الشيعة: إلى أنّ أفضل الأُمّة بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: عليّ بن أبي طالب -رضياللهعنه -.
وقد روينا هذا القول نصّاً عن بعض الصحابة - رضي الله عنهم - وعن جماعة من التابعين والفقهاء ».
قال: « وروينا عن نحو عشرين من الصحابة: أنّ أكرم الناس على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم علي بن أبي طالب والزبير بن العوّام »(٢) .
وقال الذهبي:
« ليس تفضيل عليٍّ برفض ولا هو ببدعة، بل ذهب إليه خلق من الصحابة والتابعين »(٣) .
____________________
(١). الإستيعاب في معرفة الأصحاب ٣ / ١٠٩٠.
(٢). الفصل في الملل والنحل ٤ / ١٨١.
(٣). سير أعلام النبلاء ١٦ / ٤٥٧.
هذا، وقد جاء في هامش منهاج السنّة ما نصّه: « وجاء الأثر - مع اختلافٍ في اللفظ - في فضائل الصحابة ١ / ٨٣ رقم ٤٩، وضعَّف المحقّق إسناده »(١) .
أقول:
وهذا نصّ ما جاء في الكتاب المذكور:
« حدّثنا عبدالله، قال: حدّثني هديّة بن عبدالوهّاب، قال: ثنا أحمد بن إدريس، قال: ثنا محمّد بن طلحة، عن أبي عبيدة بن الحكم، عن الحكم بن جحل، قال: سمعت عليّاً يقول: لا يفضّلني أحد على أبي بكر وعمر إلّا جلدته حدّ المفتري »(٢) .
وهو من زيادات عبدالله بن أحمد.
قال محقّقه في الهامش « إسناده ضعيف لأجل أبي عبيدة بن الحكم ».
قال: « ومحمّد بن طلحة لم يتبيّن لي من هو؟ ».
قلت:
وما ذكرناه حول سنده ومعناه كافٍ في سقوطه، وأنّه موضوع قطعاً.
وبهذا يتمّ الكلام على آية الإنذار، والحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّد وآله الطيبين الطاهرين.
____________________
(١). منهاج السنّة ٦ / ١٣٨.
(٢). فضائل الصحابة ١ / ٨٣ رقم ٤٩.
قوله تعالى
«وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ »(١)
____________________
(١). سورة الصافّات ٣٧: ٢٤.
وهذه الآية المباركة من الآيات الكريمة التي استدلّ بها أصحابنا على إمامة أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام، بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بلا فصل، على أساس الأحاديث المعتبرة الواردة عنه، في كتب السنّة المعتبرة، والمقبولة عند عموم المسلمين.
وسيكون بيان ذلك في فصول:
الفصل الأوّل
نصوص الحديث ورواته في كتب السُنّة
إنّ رواة خبر تفسير الآية المباركة بولاية أمير المؤمنينعليهالسلام من أعلام المحدّثين وكبار الحفّاظ كثيرون، ونحن نذكر هنا أسماء جمعٍ منهم، بين من رواه في كتابه أو وقع في طريق إسناده، وهم:
١ - إبن إسحاق، كما في المناقب لابن شهر آشوب.
٢ - الأعمش، كما في المناقب لابن شهر آشوب.
٣ - الشعبي، وستأتي الرواية عنه.
٤ - أبو إسحاق السبيعي، كما في شواهد التنزيل والمناقب للخوارزمي.
٥ - ابن جرير الطبري، كما في كفاية الطالب.
٦ - الحسين بن الحكم الحبري، وستأتي روايته.
٧ - أبو نعيم الأصفهاني، كما في كتابه ما نزل في عليّ، وستأتي.
٨ - الحاكم الحسكاني، وستأتي روايته.
٩ - ابن شاهين البغدادي، كما في أسانيد الحسكاني.
١٠ - ابن مردويه الأصفهاني، كما في كشف الغمّة في معرفة الأئمّة وغيره.
١١ - الخطيب الخوارزمي المكّي، كما في كتابه مناقب أمير المؤمنين.
١٢ - سبط ابن الجوزي، كما في كتابه تذكرة خواصّ الأُمّة.
١٣ - أبو عبدالله الكنجي، كما في كتابه كفاية الطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب.
١٤ - جمال الدين الزرندي، كما في كتابه نظم درر السمطين.
١٥ - الجويني الحموئي، كما في كتابه فرائد السمطين.
١٦ - نور الدين السمهودي، كما سنذكر كلامه.
١٧ - شهاب الدين الخفاجي، كما سنذكر كلامه.
١٨ - شهاب الدين الآلوسي، كما سنذكر كلامه، مع التنبيه على ما فيه.
لقد ورد خبر تفسير الآية بولاية أمير المؤمنين في مختلف كتب القوم، فمنهم من رواه بسندٍ أو أسانيد عديدة، ومنهم من أرسله إرسال المسلّم، ومنهم من أضاف إليه بعض الشواهد من الأحاديث الأُخرى:
قال الحسين بن الحكم الحبري، المتوفّى سنة ٢٨٦: « حدّثني حسين بن نصر، قال: أخبرنا القاسم بن عبدالغفّار العجلي، عن أبي الأحوص، عن مغيرة، عن الشعبي، عن ابن عبّاس، عن قوله:( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ ) قال: عن ولاية عليّ بن أبي طالبعليهالسلام »(١) .
وروى الحافظ أبو نعيم الأصفهاني في كتابه ما نزل في عليّ، خبر نزول الآية المباركة بشأن مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام عن طريق الحبري،
____________________
(١). تفسير الحبري: ٣١٣.
حيث رواه عنه بسندين:
*أحدهما: قوله: « حدّثنا محمّد بن المظفر، قال: حدّثنا أبو الطيّب محمّد بن القاسم البزّار، قال: حدّثنا الحسين بن الحكم ».
*والثاني: قوله: « حدّثنا محمّد بن عبدالله بن سعيد، قال: حدّثنا الحسين ابن أبي صالح، قال: حدّثنا أحمد بن هارون البردعي، قال: حدّثنا الحسين بن الحكم ».
ورواه الحافظ الحاكم الحسكاني بأسانيد عديدة(١) ، منها:
* قوله: « حدّثنا الحاكم الوالد أبو محمّدرحمهالله ، قال: أخبرنا عمر بن أحمد بن عثمان - ببغداد -، حدّثنا الحسين بن محمّد بن عفير، حدّثنا أحمد بن الفرات، حدّثنا عبدالحميد الحِمّاني، عن قيس، عن أبي هارون، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في قوله تعالى:( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ ) ، قال: عن ولاية عليّ بن أبي طالب ».
* وقوله: « حدّثنا أبو عبدالرحمن السلمي إملاءً، أخبرنا محمّد بن محمّد ابن يعقوب الحافظ، حدّثنا أبو عبدالله الحسين بن محمّد بن عفير، حدّثنا أحمد، حدّثنا عبدالحميد، حدّثنا قيس، عن عطيّة، عن أبي سعيد، عن النبي، في قوله تعالى:( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ ) ، قال: عن ولاية عليّ بن أبي طالب ».
* وقوله: « حدّثني أبو الحسن الفارسي، حدّثنا أبو الفوارس الفضل بن محمّد الكاتب، حدّثنا محمّد بن بحر الرهني - بكرمان -، حدّثنا أبو كعب
____________________
(١). شواهد التنزيل لقواعد التفضيل ٢ / ١٦٠ - ١٦٤.
الأنصاري، حدّثنا عبدالله بن عبدالرحمن، حدّثنا إسماعيل بن موسى، حدّثنا محمّد بن فضيل، حدّثنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إذا كان يوم القيامة أوقَف أنا وعليٌّ على الصراط، فما يمرّ بنا أحد إلّا سألناه عن ولاية عليّ، فمن كانت معه وإلّا ألقيناه في النار، وذلك قوله:( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ ) .
* وقوله: « أخبرنا أبو الحسن الأهوازي، أخبرنا أبو بكر البيضاوي، حدّثنا علي بن العبّاس، حدّثنا إسماعيل بن إسحاق، حدّثنا محمّد بن أبي مرّة، عن عبدالله بن الزبير، عن سليمان بن داود بن حسن بن حسن، عن أبيه، عن أبي جعفر في قوله:( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ ) قال: عن ولاية علي ».
( قال ): « ومثله عن أبي إسحاق السبيعي، وعن جابر الجعفي في الشواذ ».
وإليك بعض النصوص من العلماء الأعلام، ممّن أرسل هذا الخبر إرسال المسلّم، وأيّده بشواهد من سائر الأحاديث المعتبرة:
* قال شهاب الدين الخفاجي(١) :
« قال الحافظ جمال الدين الزرندي(٢) - عقب حديث: مَن كنت مولاه فعليٌّ مولاه -:
قال الإمام الواحدي - رحمه الله تعالى -: هذه الولاية التي أثبتها النبيّ
____________________
(١). وهو: شهاب الدين أحمد بن محمّد الخفاجي، المتوفّى سنة ١٠٦٩، ترجم له المحبّي في خلاصة الأثر في أعلام القرن الحادي عشر ووصفه بأوصاف جليلة، له مؤلّفات منها: حاشية تفسير البيضاوي، شرح الشفاء للقاضي عياض، تفسير آية المودّة، وغير ذلك.
(٢). توجد ترجمته في الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ٤ / ٢٩٥، وشذرات الذهب ٦ / ٢٨١ وغيرها من المصادر وكان حافظاً، فقيهاً، ولي قضاء المدينة المنوّرة، ودرّس بالحرم النبوي الشريف، وتوفّي سنة ٧٥٠.
صلّى الله عليه وسلّم لعليّ مسؤول عنها يوم القيامة.
وروى في قوله تعالى:( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ ) أي: عن ولاية عليّ وأهل البيت، لأنّ الله تعالى أمر نبيّه صلّى الله عليه وسلّم أن يعرّف الخلق أنّه لا يألهم على تبليغ الرسالة أجراً إلاّ المودّة في القربى. والمعنى: إنّهم يُسألون هل والوهم حقّ الموالاة كما أوصاهم النبيّ، أُم أضاعوها وأهملوها، فيكون عليهم المطالبة والتبعة؟! انتهى.
وأخرج أبو الحسن ابن المغازلي، عن ثمامة بن عبدالله بن أنس، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إذا كان يوم القيامة ونصب على شفير جهنم لم يجز عليه إلّا من كان معه كتاب ولاية عليّ بن أبي طالب.
وفي حديثٍ: والذي نفسي بيده، لا يزول قدم عن قدم يوم القيامة حتّى يسأل الله تعالى الرجل عن أربع: عمره فيمَ أفناه، وعن جسده فيمَ أبلاه، وعن ماله ممّن كسبه وفيهم أنفقه، وعن حبّنا أهل البيت. فقال له عمر: يا نبيّ الله! وما آية حبّكم؟ فوضع يده على رأس عليّ وهو جالس إلى جانبه وقال: آية حبّي حبّ هذا من بعدي »(١) .
* وقال شيخ الإسلام الحمويني(٢) :
« أخبرني الشيخ الإمام العلّامة نجم الدين عثمان بن الموفّق الأذكاني - في ما أجاز لي أن أرويه -، عن أبي الحسن المؤيّد بن محمّد الطوسي - إجازة -، أنبأنا عبدالحميد بن محمّد الخواري - إجازة -، عن أبي الحسن
____________________
(١). تفسير آية المودّة - للحافظ شهاب الدين الخفاجي -: ٨٢، وانظر: نظم درر السمطين - للحافظ الزرندي -: ١٠٩.
(٢). المتوفّى سنة ٧٣٠، توجد ترجمته في المعجم المختص للذهبي، وفي الوافي بالوفيات للصفدي، وفي غيرهما من كتب التراجم.
علي بن أحمد الواحدي، قال - بعد روايته حديث: مَن كنت مولاه فعليٌّ مولاه -:
هذه الولاية التي أثبتها النبيّ لعليٍّ مسؤول عنها يوم القيامة.
أخبرنا أبو إبراهيم(١) ابن أبي القاسم الصوفي، أنبأنا محمّد بن محمّد بن يعقوب الحافظ، أنبأنا أبو عبدالله الحسين بن عبدالله بن محمّد بن عفير، أنبأنا أحمد بن الفرات، حدّثنا عبدالحميد الحِمّاني، حدّثنا قيس، عن أبي هارون، عن أبي سعيد، عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في قوله عزّ وجلّ:( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ ) ، قال: عن ولاية عليّ بن أبي طالب.
قال الواحدي: والمعنى: إنّهم يُسألون هل والوه حقّ الموالاة كما أوصاهم به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟! »(٢) .
* وقال السمهودي(٣) :
« قال الحافظ جمال الدين الزرندي، عقب حديث: من كنت مولاه فعليٌّ مولاه:
قال الإمام الواحدي: هذه الولاية التي أثبتها النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم مسؤول عنها يوم القيامة. وروى في قوله تعالى:( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ ) أي: عن ولاية عليّ وأهل البيت
قلت: وقوله: ( روي في قوله تعالى ) يشير إلى ما أخرجه الديلمي، عن أبي سعيد الخدري -رضياللهعنه - مرفوعاً( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ )
____________________
(١). كذا.
(٢). فرائد السمطين ١ / ٧٨ - ٧٩ ح ٤٦ و ٤٧.
(٣). وهو: الحافظ السيّد علي بن عبدالله الحسني المدني، المتوفّى سنة ٩١١، توجد ترجمته في الضوء اللامع ٥ / ٢٤٥، النور السافر: ٥٨ وغيرهما من المصادر.
عن ولاية عليّ بن أبي طالب
ويشهد لذلك قوله - في بعض الطرق المتقدّمة -: والله سائلكم: كيف خلفتموني في كتابه وأهل بيته؟!
وأخرج أبو الحسن ابن المغازلي
وسيأتي في الذِكر العاشر حديث: والذي نفسي بيده، لا يزول قدم عن قدمٍ يوم القيامة حتّى يسأل الله تعالى الرجل عن أربع »(١) .
____________________
(١). جواهر العقدين: ٢ / ١٠٨ ط بغداد.
الفصل الثاني
في الشواهد
هذا، وإنّ لحديث تفسير الآية المباركة بولاية أمير المؤمنينعليهالسلام شواهد كثيرة في الروايات المعتبرة عند الفريقين، وقد أشار إلى بعضها العلماء في كلماتهم المذكورة، ونحن نذكر الأحاديث التي أشاروا إليها ثمّ نضيف إليها شاهداً أو شاهدين فقط.
جاء هذا في ألفاظ حديث الثقلين المتواتر بين الفريقين، وإنّي أذكر هنا أحد ألفاظ الحديث بصورةٍ كاملة، ثمّ طائفةً من مصادر وجود هذه الفقرة:
أخرج الحكيم الترمذي: « حدّثنا نصر بن علي، قال: حدّثنا زيد بن الحسن، قال: حدّثنا معروف بن خرّبوذ المكّي، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، ] عن حذيفة بن أسيد الغفاري، قال: لمـّا صدر رسول صلّى الله عليه وسلّم من حجّة الوداع خطب فقال:
أيّها الناس! إنّه قد نبّأني اللطيف الخبير أنّه لن يعمّر نبيّ إلّا مثل نصف عمر الذي يليه من قبل، وإنّي أظنّ أن يوشك أن أُدعى فأُجيب، وإنّي فرطكم على الحوض، وإنّي سائلكم حين تردون علَيّ عن الثقلين، فانظروا كيف تخلفوني فيهما: الثقل الأكبر كتاب الله، سبب طرفه بيد الله تعالى وطرف بأيديكم، فاستمسكوا ولا تضلّوا ولا تبدّلوا، والثقل الأصغر عترتي أهل بيتي، فإنّي قد نبّأني اللطيف
الخبير أنّهما لن يفترقا حتّى يردا علَيّ الحوض »(١) .
ويوجد هذا اللفظ - في « حديث الثقلين » - في كثير من المصادر، منها:
المعجم الكبير ٣ / ١٨٠.
حلية الأولياء ١ / ٣٥٥، ٩ / ٦٤.
تاريخ دمشق - ترجمة أمير المؤمنين - ١/٤٥.
مجمع الزوائد ٩ / ١٦٥.
تاريخ ابن كثير ٧ / ٣٤٨.
السيرة الحلبية ٣ / ٣٠١.
الصواعق المحرقة: ٢٥.
فرائد السمطين ٢ / ٢٧٤.
نظم درر السمطين: ٢٣١.
الفصول المهمّة: ٢٣.
وهذا الحديث من أهمّ الأحاديث وأصحّها، قال الحافظ الهيثمي:
« وعن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لا تزول قدم عبدٍ يوم القيامة حتّى يُسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه، وعن جسده فيم أبلاه، وعن ماله فيم أنفقه ومن أين اكتسبه، وعن حبّنا أهل البيت.
رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه: حسين بن الحسن الأشقر، وهو ضعيف جدّاً، وقد وثّقه ابن حبّان مع أنّه يشتم السلف.
وعن أبي برزة، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لا تزول قدما
____________________
(١). نوادر الأُصول: ٦٨ - ٦٩، لمحمّد بن علي الحكيم الترمذي، المتوفّى سنة ٢٨٥.
عبدٍ حتّى يسأل عن أربعة: عن جسده فيم أبلاه، وعمره فيم أفناه، وماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن حبّنا أهل البيت. قيل: يا رسول الله! فما علامة حبّكم؟ فضرب بيده على منكب عليّرضياللهعنه .
رواه الطبراني في الأوسط »(١) .
أقول:
أوّلاً: لم يتكلّم في سند الحديث الثاني، مع أنّه تكلّم في الأوّل.
وثانياً: السائل: « يا رسول الله! فما علامة حبّكم؟ » هو: « عمر بن الخطّاب »، وقد جاء هنا: « قيل ».
وثالثاً: في ذيله: « وآية حبّي حبّ هذا من بعدي »؛ ولم يذكره.
ورابعاً: كلامه في « حسين الأشقر » مردود، وقد أوضحنا وثاقة هذا الرجل في بحث آية المودّة وسيأتي أيضاً في الآية:( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ) .
و « عن أبي الطفيل، عن أبي ذرّ، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة حتّى يسأل عن أربع: عن علمه ما عمل به، وعن ماله ممّا اكتسبه، وفيم أنفقه، وعن حبّ أهل البيت. فقيل: يا رسول الله! ومن هم؟ فأومأ بيده إلى علي بن أبي طالب ».
أقول:
أخرجه ابن عساكر، « عن مشايخه، عن الباغندي، عن يعقوب بن
____________________
(١). مجمع الزوائد ١٠ / ٣٤٦، وانظر: المعجم الكبير ١١ / ٨٣ رقم ١١١٧٧، والمعجم الأوسط ٩ / ٢٦٤ - ٢٦٥ رقم ٩٤٠٦، و ٣ / ٩ رقم ٢٢١٢.
إسحاق الطوسي، عن الحارث بن محمّد المكفوف، عن أبي بكر بن عياش، عن معروف بن خرّبوذ، عن أبي الطفيل، عن أبي ذرّ »(١) .
ولا مساغ للطعن في هذا الحديث سنداً.
نعم، هو من حيث المتن والدلالة ممّا لا تحتمله نفوس القوم، ولذا تراهم يصفونه بالبطلان، من غير جرحٍ لأحدٍ من رواته!!
فقد عنون الذهبي في ميزانه « الحارث بن محمّد المعكوف(٢) » ولم يجرحه بشيء، إلّا أنّه قال ما نصّه: « أتى بخبرٍ باطل، حدّثنا أبو بكر بن عيّاش، عن معروف بن خرّبوذ، عن أبي الطفيل، عن أبي ذرّ مرفوعاً: لا تزول قدما عبدٍ حتّى يسأل عن حبّنا أهل البيت، وأومأ إلى عليّ. رواه أبو بكر ابن الباغندي، عن يعقوب بن إسحاق الطوسي، عنه ». إنتهى(٣) .
أكتفي بهذا لئلّا يطول بنا البحث، كما أكتفي بالإشارة إلى أنّ للقوم في هذا الحديث تصرّفاتٍ، لا بُدّ من التحقيق عنه ممّن كان أهلاً لذلك.
ونذكر بعض ما ورد في هذا الباب:
١ - حديث أمير المؤمنين رواه الحافظ أبو الخير الحاكمي الطالقاني، قال: « وبه قال الحاكم وعن عليّ، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إذا جمع الله الأوّلين والآخرين يوم القيامة، ونصب الصراط على جسر جهنّم، ما جازها أحد حتّى كانت معه براءة بولاية عليّ بن أبي طالب »(٤) .
____________________
(١). تاريخ دمشق - ترجمة أمير المؤمنينعليهالسلام - ٢ / ١٦١.
(٢). كذا، لكن في لسان الميزان ٢ / ١٥٩، وتاريخ دمشق: « المكفوف ».
(٣). ميزان الإعتدال ١ / ٤٤٣.
(٤). كتاب الأربعين المنتقى من مناقب علي المرتضى: الباب الثالث والثلاثون الحديث رقم ٤٠.
٢ - حديث الإمام جعفر بن محمّد الصادق رواه مالك بن أنس، عنه، عن آبائه، عن عليّ، عن رسول الله صلى عليه وآله وسلّم، قال: « إذا جمع الله الأوّلين والآخرين يوم القيامة، ونصب الصراط على جسر جهنّم، لم يجز أحد إلّا من كانت معه براءة بولاية عليّ بن أبي طالب».
روى هذا الحديث: شيخ الإسلام الحمويني بسنده، عن الحافظ البيهقي، عن الحاكم النيسابوري بسنده، عن إبراهيم بن عبدالله الصاعدي، عن ذي النون المصري، عن مالك بن أنس، عن جعفر بن محمّد(١) .
أقول:
وهذا الحديث أيضاً لا مجال للطعن في سنده، ولذا ذكره بعض المتعصّبين ووصفه بكونه « خبراً باطلاً متنه »(٢) ، وادّعى بعضهم أنّ راويه « إبراهيم بن عبدالله الصاعدي »، « متروك الحديث»(٣) ، لكنّه جرحٌ بلا ذِكر سبب، وما هو إلّا رواية مثل هذا الحديث
هذا، وقد تابعه « الهيثم بن أحمد الزيداني »، قال الحافظ أبو نعيم: « حدّثني سوار بن أحمد، ثنا علي بن أحمد بن بشر الكسائي، ثنا أبو العبّاس الهيثم بن أحمد الزيداني، ثنا ذو النون بن إبراهيم المصري، ثنا مالك بن أنس، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إذا كان يوم القيامة ونصب الصراط على ظهراني جهنّم، لا يجوزها ولا يقطعها إلّامن كان معه جواز بولاية علي بن أبي طالب »(٤) .
____________________
(١). فرائد السمطين ١ / ٢٨٩.
(٢). ميزان الإعتدال ١ / ٤٤٣.
(٣). الموضوعات - لابن الجوزي - ١ / ٣٩٩.
(٤). أخبار أصبهان ١ / ٣٤١.
٣ - حديث أنس بن مالك قال الفقيه ابن المغازلي: « أخبرنا أحمد بن محمّد بن عبدالوهّاب - إذناً -، عن القاضي أبي الفرج أحمد بن علي، قال: حدّثنا أبو غانم سهل بن إسماعيل بن بلبل، حدّثنا أبو القاسم الطائي، حدّثنا محمّد بن زكريا الغلابي، حدّثني العبّاس بن بكّار، عن عبدالله بن المثنّى، عن عمّه ثمامة بن عبدالله بن أنس، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال رسول الله: إذا كان يوم القيامة ونصب الصراط على شفير جهنّم، لم يجز إلّا من معه كتاب ولاية عليّ بن أبي طالب »(١) .
٤ - حديث عبدالله بن مسعود رواه عنه الحسن البصري، فروى الموفّق بن أحمد المكّي الخوارزمي بإسناده، عن الحسن البصري، عن عبدالله، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: « إذا كان يوم القيامة، يقعد عليّ بن أبي طالب على الفردوس - وهو جبل قد علا على الجنّة، وفوقه عرش ربّ العالمين، ومن سفحه تتفجّر أنهار الجنّة وتتفرّق في الجنان - وهو جالس على كرسي من نور، يجري من بين يديه التسنيم، لا يجوز أحد الصراط إلّا ومعه براءة بولايته وولاية أهل بيته، يشرف على الجنّة، فيدخل محبّيه الجنّة ومبغضيه النار »(٢) .
٥ - حديث عبدالله بن عبّاس رواه عنه سعيد بن جبير، رواه الحافظ الحاكم الحسكاني، وقد تقدّم نصه قريباً
ورواه عنه مجاهد، رواه ابن المغازلي، عن الغندجاني بسنده، عن طريق السدّي إلى يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: « عليّ يوم القيامة على الحوض، لا يدخل الجنّة إلّا من
____________________
(١). مناقب عليّ بن أبي طالب: ٢٤٣.
(٢). مناقب عليّ بن أبي طالب: ٣١.
جاء بجواز من عليّ بن أبي طالب »(١) .
ورواه عنه طاووس، قال ابن عساكر: « قال الخطيب: وأنبأنا أبو نعيم الحافظ: أنبأنا أبو بكر محمّد بن فارس المعبدي ببغداد، حدّثني أبي فارس بن حمدان بن عبدالرحمن، حدّثني جدّي، عن شريك، عن ليث، عن مجاهد، عن طاووس، عن ابن عبّاس، قال: قلت للنبيّ: يا رسول الله! هل للنار جواز؟! قال: نعم. قلت: وما هو؟! قال: حبّ علي بن أبي طالب »
قال ابن عساكر: « قال الخطيب: سألت أبا نعيم عنه فقال: كان رافضياً غالياً في الرفض، وكان أيضاً ضعيفاً في الحديث. قال الخطيب: محمّد بن فارس بن حمدان أبوبكر العطشي، ويعرف بالمعبدي »(٢) .
٦ - حديث أبي بكر بن أبي قحافة قال الحافظ محبّ الدين الطبري: « ذِكر اختصاصه -رضياللهعنه - بأنّه لا يجوز أحد الصراط إلاّمن كتب له عليّ الجواز، عن قيس بن أبي حازم، قال: التقى أبو بكر وعليّ بن أبي طالب. فتبسّم أبو بكر في وجه عليّ. فقال له: مالك تبسّمت؟ قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: لا يجوز أحد الصراط إلّا من كتب له عليّ الجواز؛ أخرجه ابن السمّان في كتاب الموافقة »(٣) .
أقول:
ذكر الحافظ ابن حجر « قيس بن أبي حازم » ووثّقه، وجعل عليه علامة الكتب الستّة، قال: « ويقال: له رؤية »(٤) .
____________________
(١). مناقب علي بن أبي طالب: ١١٩.
(٢). تاريخ دمشق - ترجمة أمير المؤمنينعليهالسلام - ٢ / ١٠٤.
(٣). ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى: ٧١.
(٤). تقريب التهذيب ٢ / ١٢٧.
ثمّ إنّه يشهد لحديث: « لا يجوز أحد الصراط إلّا ومعه كتاب بولاية عليّ » أحاديث كثيرة؛ من أشهرها حديث: « علي قسيم الجنّة والنار »، رواه الدارقطني، وابن عساكر، وابن المغازلي، وابن حجر المكّي، والمتّقي الهندي، وكثيرون من أعلام المحدّثين غيرهم.
*ما ورد بتفسير قوله تعالى: ( واسأل من أرسلنا من قبلك )
وممّا يؤكّد المطلب ما جاء في جملة من كتب الفريقين بتفسير هذه الآية المباركة، ونحن نوضّح ذلك على ضوء كتب العامّة فحسب فنقول:
ظاهر هذه الآية أنّها أمر من الله تعالى لرسوله أن يسأل المرسَلين الّذين أُرسلوا إلى أُممهم من قبلهصلىاللهعليهوآلهوسلم
فهذا أمرٌ من الله، والمأمور بالسؤال هو: النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والمسؤول منهم: المرسَلون السابقون، والسؤال ما هو؟
فهاهنا أسئلة:
كيف يسأل الرسلَ وقد ماتوا قبله؟!!
وهل سألهم أو لا؟!!
وعلى الأوّل، فما كان السؤال؟! وما كان جوابهم؟!
وهذا الموضع من المواضع التي اضطربت فيها كلمات القوم بشدّة واختلفت اختلافاً كبيراً:
يقول ابن الجوزي في تفسيره: « إن قيل: كيف يسأل الرسل وقد ماتوا قبله؟ فعنه ثلاثة أجوبة:
أحدها: إنّه لـمّا أُسري به، جُمع له الأنبياء فصلّى بهم، ثمّ قال له جبريل:( وَاسْألْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ ) الآية فقال: لا أسأل، قد اكتفيت
رواه عطاء عن ابن عبّاس، وهذا قول سعيد بن جبير، والزهري، وابن زيد، قالوا: جمع له الرسل ليلة أُسري به فلقيهم، وأُمر أن يسألهم، فما شكّ ولا سأل.
والثاني: إنّ المراد: اسأل مؤمني أهل الكتاب من الّذين أُرسلت إليهم الأنبياء
روي عن ابن عبّاس، والحسن، ومجاهد، وقتادة، والضحّاك، والسدّي، في آخرين. قال ابن الأنباري: والمعنى: سل أتباع من أرسلنا قبلك، كما تقول: السخاء حاتم، أي: سخاء حاتم، والشعر زهير. أي: شعر زهير. وعند المفسّرين إنّه لم يسأل على القولين. وقال الزجّاج: هذا سؤال تقرير، فإذا سأل جميع الأُمم لم يأتوا بأنّ في كتبهم: أن اعبدوا غيري.
والثالث: إنّ المراد بخطاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: خطاب أُمّته، فيكون المعنى: سلوا. قاله الزجّاج ».
هذا تمام ما ذكره ابن الجوزي(١) .
أقول:
فهذه ثلاثة أجوبة - وتجدها في التفاسير الأُخرى أيضاً - أُولاها حملٌ على ظاهر الآية؛ فهو جواب على الحقيقة، والتاليان حملٌ على خلاف الظاهر؛ فهما جوابان على المجاز ولعلّ المختار عند ابن الجوزي - بقرينة التقديم في الذِكر - هو الأوّل. واختار الآلوسي الجواب الثاني كما سيأتي،
____________________
(١). زاد المسير ٧ / ١٣٨ - ١٣٩.
وعندهم أجوبةٌ أُخرى على المجاز، وهي باختصار:
١ - إنّ الخطاب للنبيّ، والسؤال مَجاز عن النظر في أديانهم: هل جاءت عبادة الأوثان قطّ في مِلّةٍ من ملل الأنبياء؟!(١) وهو الذي اختاره الزمخشري، وتبعه بعضهم كالنسفي، ثمّ قال الزمخشري: « وكفاه نظراً وفحصاً نظره في كتاب الله المعجز المصدّق لِما بين يديه، وإخبار الله فيه بأنّهم يعبدون من دون الله ما لم ينزّل به سلطاناً، وهذه الآية في نفسها كافية لا حاجة إلى غيرها »(٢) .
أقول: فلمَ أُمرَ بالسؤال؟!
٢ - إنّ الخطاب ليس للنبيّ، بل هو للسامع الذي يريد أن يفحص عن الديانات، فقيل له: اسأل أيّها الناظر أتباع الرسل، أجاءت رسلهم بعبادة غير الله؟! فإنّهم خبرونك أنّ ذلك لم يقع، ولا يمكن أن يأتوا به، واختاره أبو حيّان الأندلسي(٣) .
أقول كما قال الآلوسي فيه: ولعمري إنّه خلاف الظاهر جدّاً.
٣ - إنّ الخطاب للنبيّ، والسؤال على الحقيقة، لكنّ المسؤول هو الله تعالى، فالمعنى: واسألنا عن من أرسلنا
نقله أبو حيّان عن بعضهم واستبعده.
وقال الآلوسي: « وممّا يقضى منه العجب ما قيل » ثمّ قال: « واسأل من قرأ أبا جاد، أيرضى بهذا الكلام ويستحسن تفسير كلام الله تعالى المجيد بذلك؟! ».
أقول: لا يرضى به قطعاً.
____________________
(١). تفسير الرازي ٢٧ / ٢١٦، البحر المحيط ٩ / ٣٧٧، روح المعاني ٢٥ / ٨٦.
(٢). الكشّاف ٤ / ٢٥٤. وانظر: تفسير النسفي - مدارك التنزيل - هامش الخازن ٤ / ١٠٦، فقد قال بالعبارة عينها دون ذِكر الزمخشري!
(٣). البحر المحيط ٩ / ٣٧٧.
هذه نماذج من كلمات أئمّة القوم.
ولا يخفى اضطراب القوم في تفسير الآية المباركة، إن أبقوها على ظاهرها، فبمَ يجيبون عن الأسئلة؟!
وإن أرادوا التخلّص من الجواب عنها، حملوا الآية على المجاز، وهو بابٌ واسع، وقد رأيت كيف يردّ بعضهم على الآخر في ما اختار!
وابن كثير الدمشقي لم يلتفت إلى شيءٍ من هذه الأسئلة، فلم يبيّن المخاطب بالآية، ولا السؤال، ولا المسؤول وإنّما قال:
« وقوله سبحانه وتعالى:( وَ اسْاَلْ مَنْ أَرْسَلْنا ) أي: جميع الرسل دعوا إلى ما دعوت الناس إليه، من عبادة الله وحده لا شريك له، ونهوا عن عبادة الأصنام والأنداد: كقوله جلّت عظمته:( وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ) »(١) .
فهكذا فسّر الآية ليكون في فسحةٍ من المشكلة وطلباً للراحة منها، ثمّ ذكر القولين الآتيين.
وبعد .
فالمهمّ من هذه الأقوال كلّها قولان، ولذا لم يذكر غير واحدٍ منهم - كابن كثير والشوكاني - غيرهما:
أحدهما: إنّ المراد سؤاله الأنبياء، لـمّا أُسري به عند ملاقاته لهم
قالوا: وهذا قول المتقدّمين منهم، كسعيد بن جبير، والزهري، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، ورووا عن عطاء، عن ابن عبّاس: « فقال: لا أسأل، قد اكتفيت ».
والآخر: إنّ المراد سؤاله الأُمم، والمؤمنين من أهل الكتاب، من الّذين
____________________
(١). تفسير ابن كثير ٤ / ١١٥.
أُرسلت إليهم الأنبياء
وهذا القول حكوه عن ابن عبّاس كذلك، وعن مجاهد وقتادة والضحّاك والسدّي في آخرين، كما قال ابن الجوزي، واختاره ابن جرير الطبري، وكثير من المتأخّرين - كالآلوسي -، بل في الوسيط للواحدي(١) وتفسير البغوي نسبته إلى أكثر المفسرين، قال البغوي: « يدل عليه قراءة عبدالله وأُبيّ: واسأل الّذين أرسلنا إليهم قبلك رسلنا »(٢) لكنّ ابن كثير قال: « وهذا كأنّه تفسير لا تلاوة. والله أعلم »(٣) .
وهذان القولان هما الأوّل والثاني من الأقوال الثلاثة التي ذكرها ابن الجوزي بتفسيره فهل سألصلىاللهعليهوآلهوسلم أو لا؟! وعلى تقدير السؤال، فما كان الجواب؟!
قال ابن الجوزي: « وعند المفسّرين أنّه لم يسأل، على القولين »(٤) .
أقول:
فلا جواب عندهم عن السؤال، أو أنّ هناك جواباً صحيحاً مطابقاً لظاهر الآية - ولا خروج فيه عن الحقيقة إلى المجاز - مشتملاً على جميع جوانب المسألة، ولكنّهم لا يريدون التصريح به والإفصاح عنه؟!
إنّ هذا الموقف من ابن الجوزي وأمثاله لَيذكّرنا بموقفهم من حديث « الأئمّة بعدي اثنا عشر كلّهم من قريش »؛ إذ يشرّقون ويغرّبون، ويختلفون ويضطربون حتّى قال ابن الجوزي: « قد أطلت البحث عن معنى هذا
____________________
(١). الوسيط في تفسير القرآن ٤ / ٧٥.
(٢). معالم التنزيل ٥ / ١٠٢.
(٣). تفسير ابن كثير ٤ / ١١٥.
(٤). زاد المسير ٧ / ١٣٩.
الحديث وتطلّبت مظانّه وسألت عنه، فلم أقع على المقصود »(١)
وما كلّ ذلك إلّا لأنّهم لا يريدون الإعتراف بالحقيقة.
والعجيب، أنّهم في تفسير الآية( وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنا ) يستدلّون بما يروون عن عبدالله بن مسعود من أنّه قرأها: « واسأل الّذين أرسلنا إليهم قبلك رسلنا » ثمّ يتنازعون هل هو قراءة أو تفسير! ولا يعبأون بحديثٍ مسندٍ مرويّ عندهم عن عبدالله بن مسعود عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، في معنى الآية المباركة!!
بل القائلون بالقول الأوّل - من هذين القولين - لا يستندون في قولهم إلى هذا الحديث، مع أنّهم بأشدّ الحاجة إليه في بيان معنى الآية وإثبات قولهم في تفسيرها!!
وما كلّ ذلك إلّا لاشتماله على ولاية أمير المؤمنين!!
*رواه الحاكم، قال: « حدّثنا أبو الحسين محمّد بن المظفّر الحافظ، قال: حدّثنا عبدالله بن محمّد بن غزوان، قال: ثنا علي بن جابر، قال: ثنا محمّد بن خالد بن عبدالله، قال: ثنا محمّد بن فضيل، قال: ثنا محمّد بن سوقة، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبدالله، قال:
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: يا عبدالله! أتاني ملك فقال: يا محمّد!( وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا ) على ما بعثوا؟ قال: قلت: على ما بعثوا؟ قال: على ولايتك وولاية علي بن أبي طالب.
قال الحاكم: تفرّد به علي بن جابر، عن محمّد بن خالد، عن محمّد بن
____________________
(١). فتح الباري في شرح البخاري - للحافظ ابن حجر - ١٣ / ١٨١.
فضيل، ولم أكتبه إلّا عن ابن المظفّر، وهو عندنا حافظ ثقة مأمون »(١) .
فالآية باقية على ظاهرها، والنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قد سأل، وكان الجواب: بعث الأنبياء على ولايته وولاية عليٍّ عليهما وعلى آلهما الصلاة والسلام.
*ورواه الثعلبي، قال: « أخبرنا الحسين بن محمّد الدينوري، حدّثنا أبو الفتح محمّد بن الحسين بن محمّد بن الحسين الأزدي الموصلي، حدّثنا عبد بن محمّد بن غزوان البغدادي، حدّثنا علي بن جابر، حدّثنا محمّد بن خالد بن عبدالله ومحمّد بن إسماعيل، قالا: حدّثنا محمّد بن فضيل، عن محمّد ابن سوقة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبدالله بن مسعود، قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: أتاني ملك فقال: يا محمّد! »(٢) .
*ورواه ابن عساكر، قال: « أخبرنا أبو سعد بن أبي صالح الكرماني وأبو الحسن مكّي بن أبي طالب الهمداني، قالا: أنبأنا أبو بكر ابن خلف، أنبأنا الحاكم أبو عبدالله الحافظ، حدّثني محمّد بن مظفّر الحافظ » إلى آخر ما تقدّم عن الحاكم(٣) .
*ورواه الحافظ أبو نعيم الأصفهاني، كما في تنزيه الشريعة عن الحافظ ابن حجر، وفي غير واحد من كتب أصحابنا أنّه روى بإسناده في هذه الآية، أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ليلة أُسري به جمع الله تعالى بينه وبين الأنبياء، ثمّ قال: سلهم يا محمّد! على ماذا بُعثتم؟ فقالوا: بُعثنا على شهادة أنْ لا إله إلّا الله، وعلى الإقرار بنبوّتك، والولاية لعليّ بن أبي طالب(٤) .
____________________
(١). معرفة علوم الحديث: ٩٦.
(٢). تفسير الثعلبي - مخطوط.
(٣). تاريخ دمشق - ترجمة أمير المؤمنين - ٢ / ٩٧.
(٤). الطرائف في معرفة الطوائف ١ / ١٠١، البرهان في تفسير القرآن ٤ / ١٤٨، غاية المرام: ٢٤٩، خصائص الوحي المبين: ١٥٣.
* ورواه الحافظ ابن حجر العسقلاني من جهة الحاكم، قال: ورواه أبو نعيم، وستأتي عبارة ابن حجر.
* ورواه الحافظ ابن عبدالبرّ القرطبي، على ما نقل عنه العلّامة الحلّي(١) ، والشيخ يحيى بن البطريق(٢) .
* ورواه الحاكم الحسكاني، قال: « حدّثنا الحاكم أبو عبدالله الحافظ، قال: حدّثني محمّد بن المظفّر » إلى آخر ما تقدّم
قال: « وأخبرنا أبو عثمان الحيري من أصله العتيق، قال: حدّثنا أبو الحسين محمّد بن المظفّر سواءً لفظاً، ولم يذكر علقمة في الإسناد ».
« حدّثني أبو الحسن الفارسي، حدّثنا عمر بن أحمد، حدّثنا علي بن الحسين بن سفيان الكوفي، حدّثنا جعفر بن محمّد أبو عبدالله الحسيني، حدّثنا علي بن إبراهيم العطّار، حدّثنا عبّاد، عن محمّد بن فضيل، عن محمّد بن سوقة ».
قال: « وحدّثنا أبو سهل سعيد بن محمّد، حدّثنا علي بن أحمد الكرماني، حدّثنا أحمد بن عثمان الحافظ، حدّثنا عبيد بن كثير، حدّثنا محمّد ابن إسماعيل الأحمسي، حدّثنا ابن فضيل، عن محمّد بن سوقة، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود، عن ابن مسعود، قال: قال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
لمـّا أُسري بي إلى السماء إذا ملك قد أتاني فقال لي: يا محمّد! سل من أرسلنا من قبلك من رسلنا على ما بعثوا. قلت: معاشر الرسل والنبيّين! علىّ ما بعثكم الله؟ قالوا: على ولايتك يا محمّد وولاية عليّ بن أبي طالب.
____________________
(١). منهاج الكرامة في معرفة الإمامة آخر الطبعة القديمة من منهاج السنّة: ٧٩ - ٨٠.
(٢). خصائص الوحي المبين: ٩٨.
ورواه غير علي، عن محمّد بن خالد الواسطي، وتابعه محمّد بن إسماعيل
أخبرنيه الحاكم أبو عبدالله، حدّثني أبو سعيد أحمد بن محمّد بن رحيم النسوي، حدّثنا أبو محمّد الحسن بن عثمان الأهوازي، حدّثنا محمّد بن خالد ابن عبدالله الواسطي، حدّثنا محمّد بن فضيل، حدّثنا محمّد بن سوقة، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبدالله، قال: قال لي النبيّ به لفظاً سواءً »(١) .
*ورواه الموفّق بن أحمد المكّي، قال: « وأخبرني شهردار - إجازةً -، أخبرني أحمد بن خلف - إجازةً -، حدّثني محمّد بن المظفّر الحافظ، حدّثنا عبدالله بن محمّد بن غزوان، حدّثنا علي بن جابر » إلى آخر ما تقدّم سواء(٢) .
*ورواه الحمويني، عن شهردار بن شيرويه الحافظ، عن أحمد بن خلف، عن الحاكم، عن ابن المظفّر الحافظ كما تقدّم سواء(٣) .
*ورواه أبو عبدالله الكنجي، قال: « قرأت على الحافظ أبي عبدالله ابن النجّار، قلت له: قرأت على المفتي أبي بكر بن عبدالله بن عمر الصفّار، قال: أخبرتنا الحرّة عائشة بنت أحمد الصفّار، أخبرنا أحمد بن علي الشيرازي، أخبرنا الإمام الحافظ أبو عبدالله النيسابوري، حدّثني محمّد بن المظفّر الحافظ » إلى آخر ما تقدّم سواء(٤) .
أقول:
هذا في الحديث عن ابن مسعود.
____________________
(١). شواهد التنزيل ٢ / ٢٢٢ - ٢٢٥.
(٢). مناقب عليّ بن أبي طالب: ٢٢٠. والظاهر سقوط الحاكم بين أبي خلف وابن المظفّر.
(٣). فرائد السمطين ١ / ٨١.
(٤). كفاية الطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب: ٧٥.
وهو أيضاً عن عبدالله بن عبّاس:
*قال القندوزي الحنفي: « أيضاً رواه الديلمي، عن ابن عبّاس، رضي الله عنهما »(١) .
وهو أيضاً عن أبي هريرة:
*قال شهاب الدين أحمد الخنجي: « عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لمـّا أُسري بي ليلة المعراج، فاجتمع عَلَيّ الأنبياء، فأوحى الله إليّ: سلهم يا محمّد! بماذا بعثتم؟ قالوا: بعثنا على شهادة أن لا إله إلّا الله، وعلى الإقرار بنبوّتك، والولاية لعليّ بن أبي طالب.
أورده الشيخ المرتضى، العارف الربّاني، السيّد شرف الدين علي الهمداني في بعض تصانيفه، وقال: رواه الحافظ أبو نعيم »(٢) .
أقول:
هذا، وهو مروي عند أصحابنا عن أمير المؤمنين وأبنائه الطاهرين عليهم الصلاة والسلام(٣) .
وتلخّص:
إنّ الصحيح في الآية المباركة إبقاؤها على ظاهرها، وتفسيرها بهذا الحديث المروي في كتب الفريقين عن أمير المؤمنين وعدّة من الأصحاب، عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
____________________
(١). ينابيع المودّة ١ / ٢٤٤.
(٢). توضيح الدلائل على تصحيح الفضائل - مخطوط.
(٣). كنز الدقائق في تفسير القرآن ١١ / ٥٤٧.
والأشهر من بين الأحاديث في الباب هو حديث عبدالله بن مسعود، فقد ورد في كتبٍ كثيرة من كتب أهل السنّة، ولهم به أسانيد عديدة، وفي الرواة عدّة من أعلام الحفّاظ، والأئمّة الثقات.
يقول ابن تيميّة: « إنّ مثل هذا ممّا اتّفق أهل العلم على أنّه كذب موضوع »
وليت شعري! فلماذا اتّفق هذا الجمع من الحفّاظ والمحدّثين على روايته؟!
ثمّ يقول ابن تيميّة: « إنّ هذا ممّا يعلم مَن له علم ودين أنّه من الكذب الباطل الذي لا يصدّق به مَن له عقل ودين، وإنّما يختلق مثل هذا أهل الوقاحة والجرأة في الكذب ».
وليت شعري! هل كان هؤلاء الأئمّة الرواة لهذا الحديث عالمين بحاله فمع ذلك رووه، أو كانوا جاهلين، ومع ذلك يعدّون في كبار أئمّة الحديث وحفّاظه؟!
ثمّ إنّي لم أجد هذا الحديث في الموضوعات لابن الجوزي، ولا في كتاب العلل المتناهية له.
نعم، أورد ابن عراق حديث ابن مسعود في ( تنزيه الشريعة الغرّاء ) ومحصّل كلامه ثبوت الحديث لا سقوطه، وهذا نصّ ما قال:
« حديث: ابن مسعود، قال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: يا عبدالله! أتاني ملك فقال: يا محمّد! سلْ من أرسلنا من قبلك من رسلنا على ماذا بعثوا؟ قلت: على ما بعثوا؟ قال: على ولايتك وولاية عليّ بن أبي طالب. حا(١) .
____________________
(١). هذا رمز للحاكم، كما ذكر في أوّل الكتاب أيضاً.
قلت: ولم يبيّن علّته.
وقد أورده الحافظ ابن حجر في زهر الفردوس(١) من جهة الحاكم، ثمّ قال: ورواه أبو نعيم وقال: تفرّد به علي بن جابر، عن محمّد بن فضيل. إنتهى.
وعلي بن جابر ما عرفته. والله أعلم »(٢) .
أقول:
ظهر من هذا الكلام رواية ثلاثة من أئمّة الحفّاظ هذا الحديث بإسنادهم عن عبدالله بن مسعود، من غير أن يبيّنوا علّةً له
أمّا الحاكم، فقد تقدّم نصّ روايته للحديث، وهو في مقام ذِكر شاهدٍ لنوعٍ من أنواع الحديث، فهو غير معلولٍ عنده، بل هو حديث معتبرٌ يذكر لقاعدةٍ علميّةٍ في كتابٍ علمي.
وأمّا أبو نعيم، فقد روى هذا الحديث وهو يناسب ذكره في كتاب دلائل النبوّة لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأنّها كانت ثابتةً له منذ القرون السابقة، وفي زمن الأنبياء الماضين، حتى كان عليهم أن يدعوا الناس إلى نبوّته ويبشّروا أُممهم ببعثته، إلّا أنّا لم نجده في الكتاب المذكور.
وأمّا ابن حجر العسقلاني، فقد أورد هذا الحديث ضمن أحاديث منتخبة من كتاب الفردوس، وأضاف إليه رواية الحاكم، وأبي نعيم.
فظهر إلى هنا من كلام ابن عراق اعتبار هذا الحديث عند القوم.
لكن ابن عراق قال في آخر الكلام: « وعلي بن جابر ما عرفته ».
____________________
(١). وهو مختصر كتاب فردوس الأخبار للديلمي، أورد فيه ما استجوده من أخباره، كما له كتاب تسديد القوس في مختصر مسند الفردوس.
(٢). تنزيه الشريعة الغرّاء ١ / ٣٩٧.
أقول:
فانتهى القدح في سند الحديث عن ابن مسعود إلى أنّ ابن عرّاق لم يعرف « علي بن جابر ». وإذا كان الأمر هكذا فهو سهلٌ جدّاً، لأنّ أكابر الأئمّة الحفّاظ من المتقدّمين قد عرفوا هذا الرجل، ولم يذكروه بجرح
وممّا يؤكّد ذلك، قول غير واحدٍ منهم - كالحاكم وأبي نعيم - بعد روايته: « تفرّد به علي بن جابر، عن محمّد بن فضيل » فإنّه ظاهر في توثيقهم للرجلين، وإلّا لطعنوا فيه قبل أن يقولوا: « تفرّد به ».
على أنّه يظهر من روايات الحاكم الحسكاني متابعة غير علي بن جابر له في رواية الحديث عن محمّد بن فضيل.
وأمّا « محمّد بن فضيل »: فلم يتكلّم فيه أحدٌ، فهو من رجال الكتب الستّة، قال الحافظ ابن حجر: « محمّد بن فضيل بن غزوان، - بفتح المعجمة وسكون الزاي - الضبّي، مولاهم، أبو عبدالرحمن، الكوفي، صدوق عارف، رمي بالتشيّع، من التاسعة. مات سنة ٩٥. ع »(١) .
وتلخّص:
إنّ الحق هو القول الأوّل، وهو إبقاء الآية المباركة على ظاهرها كما هو مقتضى أصالة الحقيقة، والأخبار الواردة تفسّرها بكلّ وضوح، لا سيّما حديث ابن مسعود.
وقد ظهر أنّ هذه الأخبار متّفق عليها بين الفريقين، وهي عن أمير المؤمنين، وعبدالله بن مسعود، وعبدالله بن العبّاس، وأبي هريرة.
____________________
(١). تقريب التهذيب ٢ / ٢٠٠، و « ع »: رمز للكتب الستّة، أي مجمع على وثاقته.
هذا، وقد روى ابن مسعود عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم خبر الإسراء به، والتقائه بالأنبياء، وصلاته بهم، وهو خبر طويل، أخرجه الطبراني، وأبو يعلى، والبزّار، والحاكم(١) ، وقال الهيثمي: « رجاله رجال الصحيح ».
فأظنُّ أنّ ما رواه الحاكم في كتابه علوم الحديث هو ذيل هذا الحديث الطويل، يتعلّق بالسؤال منهم على ما بُعثوا، إلّا أنّهم سكتوا عن روايته، لاشتماله على الولاية لأمير المؤمنينعليهالسلام .
فما قالوا من أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « لم يسأل، وقال: اكتفيت » كذبٌ منهم عليه، إذ كيف يأمره الله عزّوجلّ بالسؤال، فلم يسأل؟!
مضافاً، إلى أنّه قد ورد في حديثٍ: « فقدّمني جبريل حتّى صلّيت بين أيديهم وسألتهم فقالوا: بعثنا للتوحيد »(٢)
فكان هناك سؤال وجوابٌ!! ولكنّهم لا يريدون التصريح بذلك، ولا يريدون ذكر الجواب بصورةٍ كاملةٍ، ليشتمل على الولاية لعليٍّ!!
وكم له من نظير!!
وهذا أحد أساليبهم في إخفاء مناقب أمير المؤمنين وأهل البيت الكرام الطاهرين، الدالّة على إمامتهم بعد الرسول الأمين عليه وآله أفضل الصلاة والسلام.
فانظر كيف يفترون على الله والرسول الكذب؟!! إنّكاراً لولاية أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام،( فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ) (٣) .
____________________
(١). كنز العمّال ١١ / ٣٩٠ رقم ٣١٨٤١، مجمع الزوائد ١ / ٧٥.
(٢). كنز العمّال ١١ / ٣٩٧ رقم ٣١٨٥٢ عن ابن سعد، عن عدّة من الصحابة.
(٣). سورة البقرة ٢: ٧٩.
الفصل الثالث
في دفع شبهات المخالفين
وبعد، فلنتأمّل في كلمات بعض المناوئين لأمير المؤمنينعليهالسلام حول حديث السؤال عن ولايته في يوم القيامة الوارد بتفسير قوله تعالى:( وَقِفُوهُمْ ) .
قال ابن تيميّة، في جواب إستدلال العلّامة الحلّي بالآية المباركة: « قال الرافضي: البرهان الرابع عشر: قوله تعالى( وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ) من طريق أبي نعيم، عن الشعبي، عن ابن عبّاس، قال في قوله تعالى:( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ) عن ولاية عليّ. وكذا في كتاب الفردوس عن أبي سعيد الخدري، عن النبيّ.
وإذا سئلوا عن الولاية وجب أن تكون ثابتة له، ولم يثبت لغيره من الصحابة ذلك، فيكون هو الإمام.
والجواب من وجوه:
أحدها: المطالبة بصحّة النقل، والعزو إلى الفردوس وإلى أبي نعيم لا تقوم به حجّة باتّفاق أهل العلم.
الثاني: إنّ هذا كذب موضوع بالإتّفاق.
الثالث: إنّ الله تعالى قال:( بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ ) فهذا خطاب عن
المشركين المكذّبين بيوم الدين وما يفسّر القرآن بهذا وما يقول: إنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فسّره بمثل هذا، إلّا زنديق ملحد، متلاعب بالدين، قادح في دين الإسلام، أو مفرط في الجهل ما يدري ما يقول.
وأيّ فرقٍ بين حبّ عليّ وطلحة والزبير وسعد وأبي بكر وعمر وعثمان؟!
الرابع: إنّ قوله:( مَسْؤُلُونَ ) لفظ مطلق لم يوصل به ضمير يخصّه بشئ، وليس في السياق ما يقتضي ذِكر حبّ عليّ. فدعوى المدّعي دلالة اللفظ على سؤالهم عن حبّ عليّ، من أعظم الكذب والبهتان.
الخامس: إنّه لو ادّعى مدّعٍ أنّهم مسؤولون عن حبّ أبي بكر وعمر، لم يكن إبطال ذلك بوجهٍ إلّا وإبطال السؤال عن حبّ علي أقوى وأظهر ». إنتهى(١) .
أقول:
يكفي في جوابه أن يقال:
أوّلاً: إنّ هذا الحديث رواه كبار الأئمّة وأعلام الحديث بطرقٍ متعدّدة، وقد ذكرنا أسامي بعضهم وجملةً من أسانيدهم في روايته، فإنْ كان هؤلاء كلّهم زنادقة، ملحدين، متلاعبين بالدين، قادحين في الإسلام، أو مفرطين في الجهل لا يدرون ما يقولون فما ذنبنا؟!!
ثانياً: قد ظهر ممّا تقدّم صحّة بعض أسانيد هذا الحديث، وإنّ له شواهد عديدة في كتب القوم بأسانيد معتبرة
وحينئذٍ لا أثر للسياق، ولا مجال للسؤال عن الفرق بين حبّ عليّ
____________________
(١). منهاج السنّة ٧ / ١٤٣ - ١٤٧. الطبعة الحديثة.
وحبّ غيره من صحابة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وبه يظهر بطلان دعوى السؤال عن حبّ غيره في يوم القيامة.
وبهذا الموجز يظهر أنْ ليس لهذا المفتري في مقابل هذا الإستدلال برهان معقول ولا قولٌ مقبول
وقال ابن روزبهان في جواب الإستدلال ما نصّه: « ليس هذا من رواية أهل السنّة. ولو صحّ دلّ على أنّه من أولياء الله تعالى، فالوليّ هو المحبّ المطيع، وليس هو بنصٍّ في الإمامة »(١) .
أقول:
قد عرفت أنّه من رواية أهل السنّة
وقد عرفت أنّه صحيح
فما هو الجواب عن قول العلّامة: « وإذا سُئلوا عن الولاية وجب أن تكون ثابتةً له، ولم يثبت لغيره من الصحابة ذلك، فيكون هو الإمام »؟!
إنّه لا جواب له عن هذا، كما لم يُجب عنه ابن تيميّة!!
وقال الآلوسي في تفسير الآية المباركة: « وروى بعض الإماميّة عن ابن جبير، عن ابن عبّاس: يُسألون عن ولاية عليّ كرّم الله تعالى وجهه، ورووه أيضاً عن أبي سعيد الخدري »
____________________
(١). كتاب إبطال الباطل، لاحظ: دلائل الصدق ٢ / ١٥٠.
( قال ): « وأَوْلى هذه الأقوال: إنّ السؤال عن العقائد والأعمال، ورأس ذلك لا إله إلّا الله، ومن أجمله ولاية عليّ كرّم الله تعالى وجهه، وكذا ولاية إخوانه الخلفاء الراشدين »(١) .
أقول:
أوّلاً: لقد روى الإماميّة خبر يُسألون عن ولاية أمير المؤمنينعليهالسلام ، لكنّ انحصار واختصاص تلك الرواية بهم - كما هو ظاهر عبارة الآلوسي - دعوى كاذبة.
وثانياً: كون « أولى الأقوال »، لا دليل عليه، بل الدليل من السنّة النبوية على خلافه، فما بال القوم يخالفون السنّة ويزعمون أنّهم من أهلها!!
وثالثاً: ولاية أمير المؤمنينعليهالسلام قام الدليل عليها عند الفريقين كتاباً وسنّةً، أمّا ولاية غيره فما الدليل عليها؟!!
وجاء في ( مختصر التحفة الإثني عشرية ) في ذِكر أدلّة الإماميّة: « ومنها: قوله تعالى:( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ) ، قال الشيعة في الإستدلال بها: روي عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً أنّه قال:( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ) عن ولاية علي بن أبي طالب.
ولا يخفى أنْ نحو هذا التمسّك في الحقيقة بالروايات لا بالآيات، وهذه الرواية واقعة في فردوس الديلمي الجامع للأحاديث الضعيفة الواهية، ومع هذا قد وقع في سندها الضعفاء والمجاهيل الكثيرون، بحيث سقطت عن قابلية
____________________
(١). روح المعاني ٢٣ / ٨٠.
الإحتجاج بها، لا سيّما في هذه المطالب الأُصولية. ومع هذا فإنّ نظم الكتاب مكذّب لها، لأنّ هذا الحكم في حقّ المشركين ولئن سلّمنا صحّة الرواية وفكّ النظم القرآني، يكون المراد بالولاية المحبّة، وهي لا تدلّ على الزعامة الكبرى التي هي محلّ النزاع، ولو كانت الزعامة الكبرى مرادةً أيضاً، لم تكن هذه الرواية مفيدة للمدّعى، لأنّ مفاد الآية وجوب اعتقاد إمامة الأمير في وقتٍ من الأوقات، وهو عين مذهب أهل السنة »(١) .
أقول:
أوّلاً: لم يذكر هذا الرجل وجه استدلال أصحابنا بالآية المباركة، وقد تقدّمت عبارة العلّامة الحلّي في وجهه، فما هو الجواب؟!
وثانياً: لم يقل أحد من أصحابنا بأنّ الإستدلال لإمامة الأمير هو بالآيات وحدها، وكذا لم يدّع أحد من المخالفين دلالة شيء من القرآن الكريم وحده على إمامة غيره، وإنّما يكون الإستدلال بالآيات بمعونة الروايات المفسّرة لها.
وثالثاً: لم تكن الرواية منحصرةً بما في فردوس الأخبار، وبما عن أبي سعيد الخدري
فكلّ ما ذكره إلى هنا ما هو إلّا تلبيس وتخديع.
ورابعاً: الإستدلال بالنظم القرآني وسياق الآيات الكريمة لا يقاوم الإستدلال بالسنّة النبوية الشريفة الواردة عن طرق الفريقين في تفسيرها، وبعبارة أخرى: فإنّه متى قام الدليل على معنى آيةٍ من الآيات، فإنّه بالدليل تُرفع اليد عن مقتضى السياق، ولا يجوز العكس بالإجماع.
____________________
(١). مختصر التحفة الإثني عشرية: ١٧٧ - ١٧٨.
وخامساً: قد تقدّم وجه استدلال العلاّمة الحلّي بالآية المباركة، وما ذكره هذا الرجل لا يصلح للجواب عنه كما هو واضح.
وسادساً: دعوى أنّ المفاد إمامة أمير المؤمنينعليهالسلام في وقتٍ من الأوقات، ليُقال بأنّ وقتها هو بعد عثمان، تخالف ظواهر الروايات، وتتوقّف كذلك على ثبوت إمامة المشايخ قبله، ولا دليل عليها ألبتّة.
هذا تمام الكلام على استدلال أصحابنا الكرام بقوله تعالى:( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ) ، ونقد ما اعترض به المعترضون، فأيّهما أحرى بالأخذ وأولى بالقبول يا منصفون!!
والحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.
قوله تعالى
«والسابقون السابقون اولئك المقرّبون »(١)
____________________
(١). سورة الواقعة ٥٦: ١٠ - ١١.
هذه الآية أيضاً من أدلّة أصحابنا على إمامة أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام:
قال العلاّمة الحلّي، في البراهين الدالّة على إمامته من الكتاب العزيز:
« البرهان السادس عشر: قوله تعالى:( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ) روى أبو نعيم الحافظ، عن ابن عبّاس في هذه الآية: سابق هذه الامّة علي بن أبي طالب.
وروى الفقيه ابن المغازلي الشافعي، عن مجاهد، عن ابن عبّاس، في قوله تعالى:( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ) قال: سبق يوشع بن نون إلى موسى [عليهالسلام ، وسبق موسى إلى فرعون ]، وصاحب يس إلى عيسى [عليهالسلام ، ] وسبق علي إلى محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وهذه الفضيلة لم تثبت لغيره من الصحابة.
فيكون أفضل.
فيكون هو الإمام »(١) .
وقال العلاّمة أيضاً: « الثالثة عشرة: قوله تعالى:( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ) روى الجمهور عن ابن عبّاس قال: سابق هذه الأمة علي بن أبي طالب »(٢) .
أقول:
وتفصيل الكلام في فصلين:
____________________
(١). منهاج الكرامة في إثبات الإمامة: ٧٨.
(٢). نهج الحق وكشف الصدق: ١٨١.
الفصل الأوّل
في رواة خبر تفسير الآية وأسانيده
لقد أخرج الرواية بتفسير الآية المباركة جمع غفير من أكابر علماء أهل السنّة، في التفسير والحديث، نذكر منهم:
١ - أبو إسحاق السبيعي، المتوفّى سنة ١٢٧.
٢ - سفيان بن عيينة، المتوفّى سنة ١٩٨.
٣ - أبو جعفر مطين، المتوفّى سنة ٢٩٧.
٤ - ابن أبي حاتم، المتوفّى سنة ٣٢٧.
٥ - أبو القاسم الطبراني، المتوفّى سنة ٣٦٠.
٦ - أبو عبدالله الحاكم النيسابوري، المتوفّى سنة ٤٠٥.
٧ - أبو بكر ابن مردويه الإصفهاني، المتوفّى سنة ٤١٠.
٨ - أبو نعيم الإصفهاني، المتوفّى سنة ٤٣٠.
٩ - الحاكم الحسكاني، من أعلام القرن الخامس.
١٠ - ابن المغازلي الواسطي، المتوفّى سنة ٤٨٣.
١١ - شيرويه بن شهردار الديلمي، المتوفّى سنة ٥٠٩.
١٢ - الخطيب الخوارزمي، المتوفّى سنة ٥٦٨.
١٣ - الفخر الرازي، المتوفّى سنة ٦٠٦.
١٤ - سبط ابن الجوزي الحنفي، المتوفّى سنة ٦٥٤.
١٥ - محبّ الدين الطبري، المتوفّى سنة ٦٩٤.
١٦ - صدر الدين الحمويني، المتوفّى سنة ٧٢٢.
١٧ - ابن كثير الدمشقي، المتوفّى سنة ٧٧٤.
١٨ - نور الدين الهيثمي، المتوفّى سنة ٨٠٧.
١٩ - جلال الدين السيوطي، المتوفّى سنة ٩١١.
٢٠ - ابن حجر المكّي، المتوفّى سنة ٩٧٣.
٢١ - علي المتقي الهندي، المتوفّى سنة ٩٧٥.
٢٢ - قاضي القضاة الشوكاني، المتوفّى سنة ١٢٥٠.
٢٣ - شهاب الدين الالوسي، المتوفّى سنة ١٢٧٠.
فهؤلاء من أشهر رواة هذا الحديث، من علماء الجمهور.
رووه عن ابن عبّاس وغيره من الصحابة.
وهذه نبذة من أسانيدهم في رواية هذا الحديث:
* قال الحافظ ابن كثير: « وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عبّاس( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ) قال: يوشع بن نون سبق إلى موسى، ومؤمن آل يس سبق إلى عيسى، وعلي بن أبي طالب سبق إلى محمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
رواه ابن أبي حاتم، عن محمّد بن هارون الفلاس، عن عبدالله بن إسماعيل المدائني البزاز، عن سفيان(١) بن الضحاك المدائني، عن سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، به »(٢) .
____________________
(١). كذا والصحيح: شعيب.
(٢). تفسير ابن كثير ٤ / ٢٤٩.
* وقال الحافظ الطبراني: « حدّثنا الحسين بن إسحاق التستري، حدّثنا الحسين بن أبي السري العسقلاني، حدّثنا حسين الأشقر، حدّثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عبّاس قال: السبق ثلاثة »(١) .
* وقال الحافظ الحاكم الحسكاني: « أخبرنا أبو بكر التميمي، أخبرنا أبو بكر القباب، أخبرنا أبو بكر الشيباني، حدّثنا محمّد بن عبدالرحيم، حدّثنا ابن عائشة.
وحدّثني الحاكم أبو عبدالله الحافظ - من خط يده - حدّثنا أحمد بن حمدويه البيهقي أبو يحيى، حدّثنا عبيد الله بن محمّد بن حفص القرشي، حدّثنا الحسين بن الحسن الفزاري الأشقر، عن سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عبّاس
أخبرنا محمّد بن عبدالله بن أحمد الصوفي، حدّثنا محمّد بن أحمد بن محمّد الحافظ، حدّثنا عبدالعزيز بن يحيى بن أحمد، حدّثنا إبراهيم بن فهد، حدّثنا عبدالله بن محمّد التستري، حدّثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عبّاس »(٢) .
* وقال الحافظ ابن حجر - بترجمة الفيض بن وثيق -:
« عن أبي عوانة وغيره. قال ابن معين: كذاب خبيث. قلت: قد روى عنه أبو زرعة، وأبو حاتم، وهو مقارب الحال إن شاء تعالى. إنتهى(٣) .
وقد ذكره ابن أبي حاتم ولم يجرحه.
____________________
(١). المعجم الكبير، مسند عبدالله بن العباس ١١ / ٩٣.
(٢). شواهد التنزيل ٢ / ٢٩١ - ٢٩٤.
(٣). أي كلام الحافظ الذهبي في ميزان الإعتدال.
وأخرج له الحاكم في المستدرك محتجّاً به.
وذكره ابن حبّان في الثقات.
وقال العقيلي في ترجمة الحسين الأشقر: حدّثنا الحسين بن إسحاق التستري، حدّثنا الحسين بن أبي السري، حدّثنا فيض بن وثيق، حدّثنا سفيان ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد عن ابن عبّاس »(١) .
* وقال الفقيه ابن المغازلي: « أخبرنا أحمد بن محمّد بن عبدالوهاب - إجازةً - أخبرنا عمر بن عبدالله بن شوذب، حدّثنا محمّد بن أحمد بن منصور، حدّثنا أحمد بن الحسين، حدّثنا زكريا، حدّثنا أبو صالح بن الضحاك، حدّثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عبّاس »(٢) .
ثمّ إنّ غير واحدٍ من أسانيد هذا الخبر معتبر بلا كلام:
* فطريق الحافظ ابن أبي حاتم الرازي صحيح:
« محمّد بن هارون » الفلاس، المتوفّى سنة ٢٦٥، وثّقه ابن أبي حاتم، والحافظ الذهبي(٣) .
و « عبد الله بن إسماعيل » ذكره ابن أبي حاتم ولم يجرحه(٤) ، وتابعه الخطيب في تاريخه(٥) .
و « شعيب بن الضحّاك » أبو صالح، حدّث عن سفيان بن عيينة، وعنه
____________________
(١). لسان الميزان ٤ / ٥٤٢ الطبعة الحديثة.
(٢). مناقب علي بن أبي طالب: ٣٢٠.
(٣). سير أعلام النبلاء ١٢ / ٣٢٧.
(٤). الجرح والتعديل ٥ / ٤.
(٥). تاريخ بغداد ٩ / ٤١٠.
عبدالسلام بن صالح أبو الصلت الهروي، وعبد الله بن إسماعيل المدائني البزار، ذكره ابن أبي حاتم عن أبيه ولم يجرحه(١) ، وكذا الخطيب(٢) .
و « سفيان بن عيينة » الإمام الكبير، من رجال الصحاح الستّة، وفضائله كثيرة عندهم جدّاً(٣) .
و « عبد الله بن أبي نجيح » من رجال الصحاح الستّة(٤) .
و « مجاهد » من رجال الصحاح الستّة أيضاً(٥) .
هذا، مضافا إلى أن مثل ابن تيمية يشهد بأن تفسير ابن أبي حاتم من التفاسير المعتبرة، وأنّه خال عن الموضوعات(٦) .
* وطريق الحافظ ابن حجر صحيح كذلك.
فهو طريق الحافظ الطبراني نفسه، الذي لم يتكلّم فيه إلاّمن جهة « الأشقر » وقد تابعه - في الرواية عن « سفيان » - في طريق الحافظ ابن حجر « الفيض بن وثيق » الذي وثّقه كبار الأئمّة، كالحاكم وابن حبّان، وروى عنه مثل أبي حاتم وأبي زرعة، وذكره ابن أبي حاتم ولم يجرحه، وقال الذهبي: هو مقارب الحال.
* وطريق الحافظ الطبراني صحيح على التحقيق، وكذا كلّ طريقٍ لم يتكلّم فيه إلاّمن جهة « حسين الأشقر »، قال الحافظ الهيثمي - بعد روايته عن الطبراني -: « وفيه حسين بن حسن الأشقر، وثقه ابن حبّان وضعّفه الجمهور،
____________________
(١). الجرح والتعديل ٤ / ٣٤٨.
(٢). تاريخ بغداد ٩ / ٢٤٢.
(٣). انظر مثلاً: سير أعلام النبلاء ٨ / ٤٥٤.
(٤). تقريب التهذيب ١ / ٤٥٦.
(٥). تقريب التهذيب ٢ / ٢٢٨.
(٦). منهاج السنّة ٧ / ١٣. الطبعة الحديثة.
وبقيّة رجاله حديثهم حسن أو صحيح »(١) .
وذلك لأن « الأشقر » من رجال صحيح النسائي، وقد ذكروا أن للنسائي شرطاً في صحيحه أشد من شرط الشيخين(٢) وقد روى عنه كبار الأئمّة الأعلام: كأحمد وابن معين والفلاس وابن سعد(٣) .
وقد حكى الحافظ بترجمته عن العقيلي عن أحمد بن محمّد بن هانئ قال: قلت لأبي عبدالله - يعني أحمد بن حنبل - تحدّث عن حسين الأشقر؟ قال: لم يكن عندي ممّن يكذب. وذكر عنده التشيع فقال له العبّاس بن عبدالعظيم: إنّه يحدّث في أبي بكر وعمر، وقلت أنا: يا أبا عبدالله إنه صنّف باباً في معايبهما، فقال: ليس هذا بأهل أن يحدَّث عنه(٤) .
فكان هذا هو السبب في تضعيفه، وعن الجوزجاني: غال من الشتامين للخيرة(٥) ، ولذا قال ابن معين: كان من الشيعة الغالية، فقيل له: فكيف حديثه؟ قال: لا بأس به. قيل: صدوق؟ قال: نعم كتبت عنه(٦) ومن هنا قال الحافظ: صدوق يهم ويغلو في التشيع(٧) .
وقد تقدّم ذلك في مبحث آية المودّة أيضاً.
____________________
(١). مجمع الزوائد ٩ / ١٠٢.
(٢). تذكرة الحفاظ ٢ / ٧٠٠.
(٣). تهذيب التهذيب ٢ / ٢٩١.
(٤). تهذيب التهذيب ٢ / ٢٩١.
(٥). المصدر نفسه.
(٦). المصدر نفسه.
(٧). تقريب التهذيب ١ / ١٧٥.
الفصل الثاني
في دفع شبهات المخالفين
* ابن تيمية
وإذا عرفنا رواة هذا الحديث، وصحّة غير واحدٍ من طرقه في كتب القوم المعروفة المشهورة، فلا نعبأ بقول ابن تيميّة في جواب العلاّمة الحلّي: « إنّ هذا باطلٌ عن ابن عبّاس، ولو صحّ عنه لم يكن حجّة إذا خالفه من هو أقوى منه »(١) .
فقد ظهر أنّ هذا الحديث صحيح، فهو حجّة، وبه يتمّ الاستدلال، لأنّ هذه الفضيلة لم تثبت لغير أمير المؤمنينعليهالسلام من الصحابة، فيكون هو الإمام، ومن ادّعى خلاف من هو أقوى منه، فعليه البيان! وعلى فرض وجود المخالف، فهو ممّا تفرّد به الخصم، وهذا حديث صحيح متّفق عليه بين الطرفين، فكيف يكون الحديث المخالف المزعوم أقوى؟
* ابن روزبهان
وابن روزبهان في ردّه على العلّامة الحلّي، لم ينكر وجود الحديث في الباب، ولم يناقش في سنده، قال: « هذا الحديث جاء في رواية أهل السنّة، ولكنْ بهذه العبارة: سبّاق الأُمم ثلاثة، مؤمن آل فرعون، وحبيب النجّار، وعلي ابن أبي طالب ».
____________________
(١). منهاج السنة ٧ / ١٥٤.
قال: « ولا شك أنّ عليّاً سابق في الإسلام وصاحب السابقة والفضائل التي لا تخفى، ولكنْ لا تدلّ الآية على نصٍّ في إمامته، وذلك المدّعى »(١) .
أقول:
هذا الكلام - كما ترى - اعتراف بما يذهب إليه الإماميّة، من دلالة الآية المباركة على الإمامة، لأنّ طريق إثبات إمامة أمير المؤمنينعليهالسلام غير منحصر بالنصّ، بل الأفضليّة أيضاً من أدلّة إثباتها، وقد ظهرت دلالة الآية على ذلك.
* مع شاه عبدالعزيز الدهلوي
وهلمّ لننظر ما يقوله العالم الهندي، صاحب كتاب ( التحفة الإثنا عشرية ) في الجواب عن الاستدلال بالآية الشريف على إمامة أمير المؤمنينعليهالسلام .
قال: « ومنها:( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ) :
قالت: الشيعة: روي عن ابن عبّاس مرفوعاً أنّه قال: السابقون ثلاثة، فالسبق إلى موسى يوشع بن نون، والسابق إلى عيسى صاحب ياسين، والسابق إلى محمّد صلى عليه وسلّم علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.
ولا يخفى أنّ هذا أيضاً تمسّك بالرواية لا بالآية.
ومدار إسناد هذه الرواية على أبي الحسن الأشقر وهو ضعيف بالإجماع، قال العقيلي: هو شيعي متروك الحديث.
ولا يبعد أن يكون هذا الحديث موضوعاً، إذ فيه من أمارات الوضع أنّ صاحب ياسين لم يكن أوّل من آمن بعيسى بل إنّه قد آمن برسله، كما يدلّ عليه
____________________
(١). انظر: دلائل الصدق لنهج الحق ٢ / ١٥٦.
نصّ الكتاب، وكلّ حديث يناقض مدلول الكتاب في الأخبار والقصص فهو موضوع، كما هو المقرّر عند المحدّثين.
وأيضاً، انحصار السباق في ثلاثة رجال غير معقول، فإنّ لكلّ نبيّ سابقاً بالإيمان به لا محالة.
وبعد اللتيا والتي، فأيّة ضرورة لأنْ يكون كلّ سابق صاحب الزعامة الكبرى وكلّ مقرّب إماماً؟
وأيضاً، لو كانت هذه الرواية صحيحة لكانت مناقضة للاية صراحة، لأنّ الله تعالى قال في حق السابقين:( ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ ) (١) والثلّة هو الجمع الكثير، ولا يمكن أن يطلق على الاثنين جمع كثير ولا على الواحد قليل أيضاً، فعلم أنّ المراد بالسبق هو المراد من الآية الأُخرى:( وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ ) (٢) ، والقرآن يفسّر بعضه بعضاً.
وأيضاً، ثبت بإجماع أهل السنّة والشيعة أنّ أوّل من آمن حقيقة خديجة رضي الله تعالى عنها، فلو كان مجرّد السبق بالإيمان موجباً لصحّة الإمامة لزم أن تكون سيّدتنا المذكورة حَريّة بالإمامة، وهو باطل بالإجماع. وإن قيل: إنّ المانع كان متحقّقاً قبل وصول إمامته في خديجة وهو الأُنوثة، قلنا: كذلك في الأمير، فقد كان المانع متحقّقاً قبل وصول وقت إمامته، ولمـّا ارتفع المانع صار إماماً بالفعل، وذلك المانع هو إمّا وجود الخلفاء الثلاثة الّذين كانوا أصلح في حق الرياسة بالنسبة إلى جنابه عند جمهور أهل السنّة، أو إبقاؤه بعد الخلفاء الثلاثة وموتهم قبله عند التفضيليّة فإنّهم قالوا: لو كان إماماً عند وفاة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لم ينل أحد من الخلفاء الإمامة وماتوا في عهده، وقد سبق
____________________
(١). سورة الواقعة ٥٦: ١٣ - ١٤.
(٢). سورة التوبة ٩: ١٠٠.
في علم الله تعالى أنّ الخلفاء أربعة فلزم الترتيب على الموت »(١) .
أقول:
ولا يخفى ما في هذا الكلام من أكاذيب وأباطيل:
أوّلاً: إنّ هذا تمسّك بالآية بعد تفسير الرواية لها، وإلاّ فلا ذكر صريح في القرآن الكريم لا لاسم أمير المؤمنينعليهالسلام ولا لاسم غيره، وإذا كان الاستدلال في مثل هذه المواضع بالرواية لا بالآية، فكيف يستدلُّ القوم بمثل قوله تعالى:( وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى ) (٢) باعتباره من أدلّة الكتاب على إمامة أبي بكر بن أبي قحافة، كما ذكرنا قريباً؟
فبطل قوله: « إنّ هذا تمسّك بالرواية لا بالآية ».
وثانياً: قوله: « مدار إسناد هذه الرواية على أبي الحسن الأشقر » يشتمل على كِذبتين:
الأولى: أن مدار إسنادها على الأشقر، فقد عرفت عدم تفرّد الأشقر بهذه الرواية.
وقد سبقه في هذه الكذبة غيره، كابن كثير الدمشقي، فإنّه قال: « حديث لا يثبت، لأنّ حسيناً هذا متروك وشيعي من الغلاة، وتفرّده بهذا ممّا يدلّ على ضعفه بالكليّة »(٣) .
والثانية: دعواه الإجماع على ضعف الأشقر، فإنّها دعوىً كاذبة، لا تجدها عند أحد.
بل قد عرفت أنّ كبار الأئمّة يوثّقونه، وتكلّم من تكلّم فيه ليس إلاّ لتشيّعه، وإلاّ فلم يذكر له جرح أبداً.
____________________
(١). التحفة الاثنا عشرية: ٢٠٧، وانظر مختصر التحفة الاثني عشرية: ١٧٨ - ١٧٩.
(٢). سورة الليل ٩٢: ١٧ - ١٨.
(٣). البداية والنهاية ١ / ٢٣١.
وثالثاً: قوله: « ولا يبعد أنْ يكون هذا الحديث موضوعاً، إذ فيه من أمارات الوضع ».
وهذا ردّ للسنة النبوية الثابتة، وتكذيب للحديث الصحيح، تعصّباً للباطل واتّباعاً للهوى:
أمّا أوّلاً: فلأنّ الإيمان برسل عيسى إيمانٌ بعيسى وسبق إليه، وهذا ما يفهمه أدنى الناس من أهل اللسان! وهل من فرقٍ بين الإيمان به والإيمان برسله؟! وكلّ أهل الإيمان بالله سبحانه وتعالى قد آمنوا برسله وصدّقوهم!
وأمّا ثانياً: فإنّ كلّ خبر خالف الكتاب بالتباين والتناقض، فإنّه مردود، سواء كان في القصص أو في الأحكام، ولكن لا اختلاف بين مدلول خبرنا ومدلول الكتاب، فضلاً عن أن يكون بينهما مناقضة.
وأمّا ثالثاً: فإنّ محلّ الإستدلال بالرواية هو الفقرة الأخيرة المتعلّقة بأمير المؤمنينعليهالسلام ، ولذا فقد جاءت الرواية في بعض ألفاظها خاليةً عن الفقرتين السابقتين.
ورابعاً: قوله: « وأيضاً، انحصار السابق في ثلاثة ».
ردّ للحديث الصحيح والنصّ الصريح بالإجتهاد، نظير تكذيب إمامه ابن تيميّة حديث المؤاخاة، حتّى ردّ عليه الحافظ ابن حجر العسقلاني بأنّه ردّ للنص بالقياس(١) .
وخامساً: قوله: « وبعد اللتيا والتي، فأيّة ضرورة لأنْ يكون كلّ سابق صاحب الزعامة الكبرى وكلّ مقرّبٍ إماماً؟ ».
جهل أو تجاهل، فقد تقدّم في كلام العلّامة الحلّي أنّ هذه فضيلة لم تثبت لغير أمير المؤمنينعليهالسلام ، فهو الأفضل، فيكون هو الإمام.
____________________
(١). فتح الباري في شرح صحيح البخاري ٧ / ٢١٧.
وسادساً: قوله: « وأيضاً، لو كانت هذه الرواية صحيحة لكانت مناقضة للآية صراحة ».
فقد سبقه فيه ابن تيميّة إذ قال في الوجوه التي ذكرها بعد دعوى بطلان الحديث عن ابن عبّاس: « الثالث: إنّ الله يقول:( وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ ) (١) وقال تعالى:( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللهِ ) (٢) والسابقون الأوّلون هم الّذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، الّذين هم أفضل ممّن أنفق من بعد الفتح وقاتل، ودخل فيهم أهل بيعة الرضوان، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة، فكيف يقال: إنّ سابق هذه الأُمة واحد؟ »(٣) .
أقول:
مقتضى الحديث الصحيح المتّفق عليه أنّ سابق هذه الأُمّة واحد، وهو أمير المؤمنينعليهالسلام ، وهذا لا ينافي سياق الآية المباركة، ولا الآيات الأُخرى، كالآيتين المذكورتين، ونحن أيضاً نقول - بمقتضى الجمع بين قوله تعالى:( وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ ) وقوله تعالى:( وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ ) (٤) - أنّ كلّ من سبق غيره إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وبقي من بعده على
____________________
(١). سورة التوبة ٩: ١٠٠.
(٢). سورة فاطر ٣٥: ٣٢.
(٣). منهاج السنّة ٧ / ١٥٤ - ١٥٥.
(٤). سورة آل عمران ٣: ١٤٤.
ما عاهد الله عليه ورسوله، ولم ينقلب على عقبيه، فله أجره عند الله وقربه منه، ونحن نحترمه ونقتدي به.
وسابعاً: قوله: « وأيضاً ثبت بإجماع أهل السنّة والشيعة أنّ أوّل من آمن حقيقة خديجة ».
أقول:
وهذا كذب، فلا إجماع من أهل السنّة والشيعة على أنّ أوّل من آمن خديجة، بل عندنا أنّ أمير المؤمنينعليهالسلام سابق عليها والأحاديث المعتبرة الدالّة على ذلك في كتب القوم كثيرة، وكيف كان، فقد ثبت في الصحيح أن أبا بكر إنّما أسلم بعد خمسين رجل، وهل آمن حقيقةً؟ وتفصيل الكلام في محلّه.
وثامناً: قوله: « كذلك الأمير، فقد كان المانع متحقّقاً قبل وصول وقت إمامته ».
أقول:
قد عرفت وجه الإستدلال بالآية المباركة على ضوء الحديث الصحيح المتّفق عليه، وهذا الكلام لا علاقة له بالإستدلال أصلاً.
على أنّ كون وجود الخلفاء الثلاثة مانعاً عن خلافة أمير المؤمنينعليهالسلام دعوىً عريضة لا دليل عليها، لا من الكتاب ولا من السنة المقبولة ولا من العقل السليم، ودعوى كونهم أصلح في حق الرئاسة هي أوّل الكلام، فإنّ هذه الأصلحية يجب أن تنتهي إلى الأدلّة المعتبرة من النقل والعقل، وليس، بل هي لدى التحقيق دالّة على العكس.
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين.
الفهرس
اهداء:٥
كلمة المؤلف٧
آية الولاية٩
الفصل الأوّل في رواة خبر نزولها في علي وأسانيده من رواة الخبر من الصحابة والتابعين١٢
أشهر مشاهير رواة الخبر من العلماء١٣
من نصوص الخبر في الكتب المعتبرة١٨
من أسانيده المعتبرة٣٩
١ - رواية ابن أبي حاتم٣٩
٢ - رواية ابن أبي حاتم أيضاً٤٠
٣ - رواية ابن جرير الطبري ٤ - رواية ابن مردويه٤١
٥ - رواية الحاكم النيسابوري٤٢
٦ - رواية ابن عساكر٤٤
فوائد مهمة الاولى: استنباط الحكم الشرعي من القضيّة٤٥
الثانية: رأي الإمام الباقر في نزول الآية٤٦
الثالثة: الخبر في شعر حسّان وغيره الرابعة: قول النبي في الواقعة: من كنت مولاه فعلي مولاه٤٧
الخامسة: دعاء النبيّ بعد القضيّة السادسة: إنّ الخاتم كان عقيقاً يمانيّاً أحمر٤٨
الفصل الثاني في دلالة الآية على الإمامة٤٩
الفصل الثالث في دفع شبهات المخالفين٥٣
النظر في هذه الكلمات ودفع الشبهات ١ - لا إجماع على نزول الآية في علي وتصدّقه اعتراف القاضي العضد٥٩
اعتراف الشريف الجرجاني٦٠
اعتراف التفتازاني اعتراف القوشجي٦١
٢ - إنّ القول بنزولها في حق علي للثعلبي فقط وهو متفرّد به٦٣
٣ - المراد من الولاية فيها هو النصرة بقرينة السّياق٦٥
٤ - مجي الآية بصيغة الجمع، وحملها على الواحد مجاز٦٦
٥ - الولاية بمعنى الأولويّة بالتصرّف غير مرادة في زمان الخطاب٦٧
٦ - إنّ التصدّق في أثناء الصّلاة ينافي الصلاة٦٨
آية التطهير٧١
الفصل الأوّل في تعيين النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم قولاً وفعلاً المراد من « أهل البيت » من الصحابة الرواة لحديث الكساء٧٦
من الأئمّة الرواة لحديث الكساء٧٧
من ألفاظ الحديث في الصحاح والمسانيد وغيرها٧٨
ممّن نصَّ على صحّة الحديث٨٥
ما دلّت عليه الأحاديث٨٦
الفصل الثاني في سقوط القولَين الآخَرَين٨٨
ترجمة عكرمة ١ - طعنه في الدين ٢ - كان من دعاة الخوارج٨٩
٣ - كان كذّاباً ٤ - ترك الناس جنازته٩٠
ترجمة مقاتل ترجمة الضحّاك٩١
الفصل الثالث في دلالة الآية المباركة على عصمة أهل البيت٩٢
الفصل الرابع في تناقضات علماء القوم تجاه معنى الآية فمن الطائفة الاُولى٩٤
ومن الطائفة الثانية ومن الطائفة الثالثة٩٨
اعتراف ابن تيميّة بصحّة الحديث٩٩
سقوط كلمات ابن تيميّة١٠٢
تناقض ابن تيميّة١٠٦
كلام الدهلوي صاحب التحفة١١٠
آية المودّة١١٣
الفصل الأول في تعيين النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم المراد من « القربى »١١٦
ذكر من رواه من الصحابة والتابعين١١٧
ومن رواته من أئمّة الحديث والتفسير١١٨
نصوص الحديث في الكتب المعتبرة١٢١
الفصل الثاني في تصحيح أسانيد هذه الأخبار١٣٨
١ - ترجمة يزيد بن أبي زياد١٤٢
٢ - ترجمة حسين الأشقر١٤٧
٣ - ترجمة قيس بن الربيع١٥٠
٤ - ترجمة حرب بن حسن الطحّان١٥٢
تتمّة١٥٣
الفصل الثالث في دفع شبهات المخالفين١٥٥
١ - سورة الشورى مكّيّة والحسنان غير موجودين١٥٩
٢ - الرسول لا يسأل أجراً١٦٢
٣ - لما ذا لم يقل: إلّا المودّة للقربى؟١٦٤
٤ - المعارضة١٦٦
الفصل الرابع الأخبار والأقوال أدلّة وشواهد أُخرى للقول بنزول الآية في أهل البيت١٦٧
الردّ على الأقوال الأُخرى١٧٣
الجهة الأُولى: جهة السند١٧٤
والجهة الثانية: في فقه الحديث١٧٧
تنبيهان١٧٨
دلالة الآية سواء كان الإستثناء متّصلاً أو منقطعاً١٨٢
الفصل الخامس دلالة الآية على الإمامة والولاية ١ - القرابة النسبية والإمامة١٨٦
٢ - وجوب المودّة يستلزم وجوب الطاعة١٩٦
٣ - وجوب المحبّة المطلقة يستلزم الأفضليّة١٩٧
٤ - وجوب المحبّة المطلقة يستلزم العصمة٢٠١
دحض الشبهات المثارة على دلالة الآية على الإمامة٢٠٣
آية المباهلة٢١٥
الفصل الأوّل في نزول الآية في أهل البيت عليهمالسلام ذكر من رواه من الصحابة والتابعين٢١٨
ومن رواته من كبار الأئمّة في الحديث والتفسير٢٢٠
من نصوص الحديث في الكتب المعتبرة٢٢٣
تنبيه٢٢٧
كلمات حول السند٢٤٠
الفصل الثاني محاولات يائسة وأكاذيب مدهشة ١ - الإخفاء والتعتيم على أصل الخبر٢٤١
٢ - الإخفاء والتعتيم على حديث المباهلة٢٤٢
٣ - الإخفاء والتعتيم على اسم عليّ!!٢٤٧
٤ - التحريف بحذف اسم عليٍّ وزيادة « وناس من أصحابه »٢٤٨
٥ - التحريف بزيادة « عائشة وحفصة »٢٤٩
٦ - التحريف بحذف « فاطمة » وزيادة: « أبي بكر وولده وعمر وولده وعثمان وولده»٢٥٠
١ - سعيد بن عنبسة الرازي ٢ - الهيثم بن عدي٢٥٢
الفصل الثالث في دلالة آية المباهلة على الإمامة٢٥٥
* استدلال الإمام الرضا عليهالسلام٢٥٧
الفصل الرابع في دفع شبهات المخالفين * أمّا إمام المعتزلة، فقد قال:٢٦٨
* وقال ابن تيميّة(١) :٢٧٠
* وقال القاضي الإيجي وشارحه الجرجاني:٢٨١
* وقال ابن روزبهان:٢٨٢
* وقال عبدالعزيز الدهلوي ما تعريبه:٢٨٤
* والآلوسي:٢٨٩
* وقال الشيخ محمّد عبده:٢٩٠
تكميل٢٩١
قوله تعالى « إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِکُلِّ قَوْمٍ هَادٍ »٢٩٧
الفصل الأوّل نصوص الحديث ورواته في كتب السُنّة رواته من الصحابة٣٠٠
من رواته من الأئمّة والحفّاظ٣٠١
من ألفاظ الحديث في أشهر الكتب٣٠٤
الفصل الثاني في بيان صحّة الحديث٣١٤
من أسانيده الصحيحة٣١٥
الفصل الثالث في دفع شبهات المخالفين * ابن الجوزي * الذهبي٣٢٠
* ابن كثير * أبو حيّان٣٢١
* ابن روزبهان * ابن تيميّة٣٢٢
* الدهلوي٣٢٥
* الآلوسي٣٢٦
أقول: ١ - كلماتهم في ما يتعلّق بالسند٣٢٨
تنبيهات٣٣٣
٢ - مناقشاتهم في الدلالة * أمّا أبو حيّان فقال:٣٣٦
* وأمّا ابن روزبهان فقال: * وأمّا الدهلوي فقال:٣٣٧
* وأمّا الآلوسي فقال:٣٣٨
* وأمّا ابن تيميّة:٣٤٠
معنى الآية المباركة٣٤١
المؤكّدات في ألفاظ الحديث٣٤٥
أحاديث أُخرى عليٌّ راية الهدى٣٤٦
عليٌّ العَلَم٣٤٨
يأخذ بكم الطريق المستقيم٣٥٠
طاعته طاعة رسول الله من فارقه فارق رسول الله٣٥١
عليٌّ منه بمنزلته من ربّه باب حطّة٣٥٢
نتيجة البحث٣٥٣
الفصل الرابع في الجواب عن المعارضة ١ - حديثُ الإقتداء بالشيخين٣٥٥
التحقيق في أسانيده٣٥٦
كلمات الأئمّة في بطلانه٣٥٩
٢ - حديث الإقتداء بالصحابة التحقيق في أسانيده٣٦٢
كلمات الأئمّة في بطلانه٣٦٥
٣ - لا أُوتينَّ بأحد يفضّلني على أبي بكر وعمر إلاَّ جلدته حدّ المفتري٣٦٦
التحقيق في سنده ومدلوله٣٦٧
قوله تعالى « وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ »(١) ٣٦٩
الفصل الأوّل نصوص الحديث ورواته في كتب السُنّة٣٧٢
من أسانيد الخبر ١ - رواية الحبري ٢ - رواية أبي نعيم الأصبهاني٣٧٣
٣ - رواية الحاكم الحسكاني٣٧٤
الفصل الثاني في الشواهد * حديث السؤال عن الكتاب والعترة٣٧٩
* حديث السؤال عن أربع٣٨٠
* حديث: لا يجوز الصراط إلّا من معه كتابُ ولاية عليٍ٣٨٢
الشاهد لحديث الجواز٣٨٦
الحديث كما رواه جماعة من أكابر المحدّثين الحفّاظ٣٩١
الفصل الثالث في دفع شبهات المخالفين * ابن تيميّة٤٠٠
* ابن روزبهان * الآلوسي٤٠٢
* الدهلوي٤٠٣
قوله تعالى « والسابقون السابقون اولئك المقرّبون »(١) ٤٠٧
الفصل الأوّل في رواة خبر تفسير الآية وأسانيده٤١٠
من أسانيده في الكتب المعتبرة٤١١
من أسانيده المعتبرة٤١٣
الفصل الثاني في دفع شبهات المخالفين٤١٦
الفهرس٤٢٣