تذكرة الفقهاء- الجزء 7
التجميع فقه مقارن
الکاتب العلامة الحلي
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

تذكرة الفقهاء الجزء السّابع

العلامة الحلي



بسم الله الرحمن الرحيم



كتاب الحجّ والعمرة‌



وفيه مقدّمة ومقاصد.

أمّا المقدّمة ففيها مسائل :

مسألة ١ : الحجّ لغةً : القصد(١) ، ولهذا سُمّي الطريق محجّةً ؛ لأنّه يوصل إلى المقصود.

وقال الخليل : الحجّ : كثرة القصد إلى من تعظّمه(٢) .

وسمّي الحجّ حجّاً ؛ لأنّ الحاجّ يأتي قبل الوقوف بعرفة إلى البيت ثم يعود إليه لطواف الزيارة ثم ينصرف إلى منى ثم يعود إليه لطواف الوداع.

وفيه لغتان : بفتح الحاء وكسرها(٣) .

وأمّا في عرف الشرع فقال الشيخرحمه‌الله : إنّه كذلك إلّا أنّه اختصّ بقصد البيت الحرام لأداء مناسك مخصوصة عنده متعلّقة بزمان مخصوص(٤) .

وقال ابن إدريس : الحجّ في الشريعة : القصد إلى مواضع مخصوصة لأداء مناسك مخصوصة عندها متعلّقة بزمان مخصوص ليدخل الوقوف بعرفة‌

____________________

(١) الصحاح ١ : ٣٠٣ ، القاموس المحيط ١ : ١٨٢.

(٢ و ٣) العين ٣ : ٩.

(٤) المبسوط - للطوسي - ١ : ٢٩٦ ، الجُمل والعقود ( ضمن الرسائل العشر ) : ٢٢٣.


والمشعر ومنى(١) .

وهو غير وارد على الشيخرحمه‌الله ؛ لأنّ كلّ واحد من الوقوفين قد يسقط بصاحبه ، وكذا قصد منى مع بقاء حقيقة الحجّ ، بخلاف قصد البيت ؛ فإنّه لا يصدق مسمّى الحجّ إلّا به.

وقال بعض العامّة : الحجّ في الشرع اسم لأفعال مخصوصة(٢) .

وما ذكرناه أولى ، لأنّ التخصيص أولى من النقل(٣) .

وأمّا العمرة فهي في اللغة عبارة عن الزيارة(٤) ، وفي الشرع عبارة عن زيارة البيت الحرام لأداء مناسك عنده ، ولا تختص المبتولة بزمان ، بخلاف المتمتّع بها ؛ فإنّ وقتها وقت الحجّ.

والنسك بإسكان السين : اسم لكلّ عبادة ، وبضمّها : اسم للذبح ، والمنسك موضع الذبح ، وقد يراد به موضع العبادة.

مسألة ٢ : الحجّ فريضة من فرائض الإِسلام ومن أعظم أركانه بالنصّ والإِجماع.

قال الله تعالى( وَلِلهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ) (٥) قال ابن عباس : من كفر باعتقاده أنّه غير واجب(٦) .

وسأل علي بن جعفر أخاه الكاظمعليه‌السلام ، عن قوله تعالى :( وَمَنْ كَفَرَ ) قال : قلت : ومن لم يحجّ منّا فقد كفر؟ قال : « لا ، ولكن من‌

____________________

(١) السرائر : ١١٨.

(٢) المغني والشرح الكبير ٣ : ١٦٤.

(٣) في النسخ الخطية « ط ، ف ، ن » : النسخ ، بدل النقل.

(٤) القاموس المحيط ٢ : ٩٥.

(٥) آل عمران : ٩٧.

(٦) المغني والشرح الكبير ٣ : ١٦٤.


قال ليس هذا هكذا فقد كفر »(١) .

وقال تعالى( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ ) (٢) .

وما رواه العامّة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال : ( بُني الإِسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم شهر رمضان وحجّ البيت )(٣) ذكر فيها الحجّ.

وعن ابن عباس قال : خطبنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال : ( يا أيّها الناس إن الله كتب عليكم الحجّ ) فقام الأقرع بن حابس فقال : أفي كلّ عام يا رسول الله؟ فقال : ( لو قلتها لوجبت ولو وجبت لم تعملوا بها ، الحجّ مرّة فمن زاد فتطوّع )(٤) .

ومن طريق الخاصة : ما رواه الحلبي - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « إذا قدر الرجل على ما يحجّ به ثم دفع ذلك وليس له شغل يعذره به فقد ترك شريعةً من شرائع الإِسلام»(٥) .

وعن ذريح المحاربي - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « من مات ولم يحجّ حجّة الإِسلام ولم تمنعه من ذلك حاجة تجحف به أو مرض لا يطيق فيه الحجّ أو سلطان يمنعه فليمت يهوديّاً أو نصرانيّاً »(٦) .

وقد أطبقت الاُمّة كافّة على وجوب الحجّ على جامع الشرائط في العمر مرّة واحدة.

مسألة ٣ : والحجّ فيه ثواب عظيم وأجر جزيل.

____________________

(١) الكافي ٤ : ٢٦٥ - ٢٦٦ / ٥ ، التهذيب ٥ : ١٦ / ٤٨ ، الاستبصار ٢ : ١٤٩ / ٤٨٨.

(٢) البقرة : ١٩٦.

(٣) سنن الترمذي ٥ : ٥ / ٢٦٠٩ ، سنن البيهقي ٤ : ٨١ ، مسند أحمد ٢ : ٩٣ ، ١٢٠.

(٤) سنن البيهقي ٤ : ٣٢٦ ، المستدرك - للحاكم - ٢ : ٢٩٣.

(٥) التهذيب ٥ : ١٨ / ٥٤.

(٦) الكافي ٤ : ٢٦٨ / ١ ، الفقيه ٢ : ٢٧٣ / ١٣٣٣ ، التهذيب ٥ : ٤٦٢ / ١٦١٠.


روى معاوية بن عمّار - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام عن أبيه عن آبائهعليهم‌السلام : « أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لقيه أعرابي ، فقال له : يا رسول الله إنّي خرجت اُريد الحجّ ففاتني ، وإنّي رجل ميِّل(١) ، فمُرْني أن أصنع في مالي ما أبلغ به مثل أجر الحاج ، قال : فالتفت إليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال له : اُنظر إلى أبي قبيس فلو أنّ أبا قبيس لك ذهبة حمراء أنفقته في سبيل الله ما بلغت به مبلغ الحاج ».

ثم قال : « إنّ الحاج إذا أخذ في جهازه لم يرفع شيئاً ولم يضعه إلّا كتب الله له عشر حسنات ومحي عنه عشر سيّئات ورفع له عشر درجات ، فإذا ركب بعيره لم يرفع خفّاً ولم يضعه إلّا كتب له مثل ذلك ، فإذا طاف بالبيت خرج من ذنوبه ، فإذا سعى بين الصفا والمروة خرج من ذنوبه ، فإذا وقف بعرفات خرج من ذنوبه ، فإذا وقف بالمشعر الحرام خرج من ذنوبه ، فإذا رمى الجمار خرج من ذنوبه ».

قال : « فعدّد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كذا وكذا موقفاً إذا وقفها الحاج خرج من ذنوبه ، ثم قال : أنّى لك أن تبلغ ما بلغ(٢) الحاج ».

قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : « ولا تُكتب عليه الذنوب أربعة أشهر ، وتُكتب له الحسنات إلّا أن يأتي بكبيرة »(٣) .

وفي الصحيح عن معاوية بن عمّار عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « الحاج يصدرون على ثلاثة أصناف : فصنف يعتقون من النار ، وصنف يخرج من ذنوبه كيوم ولدته امّه ، وصنف يحفظ في أهله وماله ، فذاك أدنى ما يرجع به الحاج »(٤) .

____________________

(١) في الكافي : يعني كثير المال.

(٢) في المصدر : « يبلغ ».

(٣) التهذيب ٥ : ١٩ - ٢٠ / ٥٦ ، وفي الكافي ٤ : ٢٥٨ / ٢٥ صدرها بتفاوت.

(٤) التهذيب ٥ : ٢١ / ٥٩.


وفي الصحيح عن معاوية بن عمّار عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : الحجّ والعمرة تنفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير(١) خبث الحديد » قال معاوية : فقلت له : حجّة أفضل أو عتق رقبة؟

قال : « حجّة أفضل » قلت : فثنتين؟ قال : « فحجّة أفضل » قال معاوية : فلم أزل أزيده ويقول : « حجّة أفضل » حتى بلغت ثلاثين رقبة ، قال : « حجّة أفضل »(٢) .

وعن الصادقعليه‌السلام قال : « الحاج والمعتمر وفد الله إن سألوه أعطاهم ، وإن دعوه أجابهم ، وإن شفعوا شفّعهم ، وإن سكتوا بدأ بهم(٣) ، ويعوّضون بالدرهم ألف ألف درهم »(٤) .

مسألة ٤ : والعمرة واجبة - كالحجّ في وجوبه وهيئة وجوبه - على من يجب عليه الحجّ عند علمائنا أجمع - وبه قال عليعليه‌السلام ، وعمر وابن عباس وزيد بن ثابت وابن عمر وسعيد بن المسيّب وسعيد بن جبير وعطاء وطاوس ومجاهد والحسن البصري وابن سيرين والشعبي والثوري وإسحاق والشافعي في الجديد ، وأحمد في إحدى الروايتين(٥) - لقوله تعالى( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ ) (٦) والأمر للوجوب ، والعطف بالواو يقتضي التشريك في الحكم.

وما رواه العامة : أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، جاء إليه رجل فقال :

____________________

(١) الكير كير الحدّاد ، وهو زقّ أو جلد غليظ ذو حافات. الصحاح ٢ : ٨١١ « كير ».

(٢) التهذيب ٥ : ٢١ / ٦٠.

(٣) في المصدر ونسخة بدل : « ابتدأهم ».

(٤) الكافي ٤ : ٢٥٥ / ١٤ ، التهذيب ٥ : ٢٤ / ٧١.

(٥) المغني ٣ : ١٧٤ ، الشرح الكبير ٣ : ١٦٥ ، الوجيز ١ : ١١١ ، فتح العزيز ٧ : ٤٧ - ٤٨ ، المجموع ٧ : ٧ ، حلية العلماء ٣ : ٢٣٠.

(٦) البقرة : ١٩٦.


أوصني ، قال : ( تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتحجّ وتعتمر )(١) .

وقالعليه‌السلام : ( الحجّ والعمرة فريضتان )(٢) .

ومن طريق الخاصة : عن زرارة - في الصحيح - عن الباقرعليه‌السلام ، قال : « العمرة واجبة على الخلق بمنزلة الحجّ ، لأنّ الله تعالى يقول( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ ) »(٣) والأخبار في ذلك متواترة.

وقال الشافعي في القديم وأحمد في الرواية الثانية : إنّ العمرة ليست واجبةً - وهو مروي عن ابن مسعود ، وبه قال مالك وأبو ثور وأصحاب الرأي - لما رواه جابر : أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله سئل عن العمرة أواجبة هي؟ قال : ( لا ، وأن تعتمر فهو أفضل )(٤) .

ولأنّه نسك غير مؤقّت فلم يكن واجباً كالطواف المجرّد(٥) .

والحديث نقله الترمذي عن الشافعي أنّه ضعيف لا تقوم بمثله الحجّة ، وليس في العمرة شي‌ء ثابت بأنّها تطوّع(٦) .

وقال ابن عبد البرّ : روي ذلك بأسانيد لا تصح ولا تقوم بمثلها الحجة.

____________________

(١) أوردها ابنا قدامة في المغني ٣ : ١٧٥ ، والشرح الكبير ٣ : ١٦٦.

(٢) المستدرك - للحاكم - ١ : ٤٧١ ، سنن الدار قطني ٢ : ٢٨٤ / ٢١٧ ، سنن البيهقي ٤ : ٣٥٠.

(٣) التهذيب ٥ : ٤٣٣ / ١٥٠٢.

(٤) سنن الترمذي ٣ : ٢٧٠ / ٩٣١ ، وفيه : ( وأن تعتمروا ).

(٥) المغني ٣ : ١٧٤ ، الشرح الكبير ٣ : ١٦٥ ، فتح العزيز ٧ : ٤٧ - ٤٨ ، الحاوي الكبير ٤ : ٣٤ ، المجموع ٧ : ٧ ، حلية العلماء ٣ : ٢٣٠ ، التفريع ١ : ٣٥٢ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ١٧١ - ١٧٢ ، مقدّمات ابن رشد : ٣٠٤.

(٦) سنن الترمذي ٣ : ٢٧١ ذيل الحديث ٩٣١ ، وراجع : المغني ٣ : ١٧٥ ، والشرح الكبير ٣ : ١٦٦.


ثم نحمله على المعهود ، وهي العمرة التي قضوها حين اُحصروا في الحديبية ، أو على العمرة التي اعتمروها مع حجّتهم مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فإنّها لم تكن واجبةً على من اعتمر ، أو نحمله على من زاد على العمرة الواحدة.

وقياسهم باطل بالفرق ؛ فإنّ الإِحرام شرط في العمرة وليس شرطاً في الطواف.

مسألة ٥ : ولا فرق بين أهل مكة وغيرهم في وجوبها عليهم بإجماع علمائنا ؛ لعموم الأدلّة ، فالقرآن عمّم الحكم في الحجّ والعمرة على الجمع المعرّف بلام الجنس ، والأخبار دالّة على العموم أيضاً.

وقال أحمد : ليس على أهل مكة عمرة ، وقال : كان ابن عباس يرى العمرة واجبة ويقول : يا أهل مكة ليس عليكم عمرة ، إنّما عمرتكم طوافكم بالبيت(١) ، وبه قال عطاء وطاوس(٢) .

قال عطاء : ليس أحد من خلق الله إلّا عليه حجّ وعمرة واجبان لا بدّ منهما لمن استطاع إليهما سبيلا إلاّ أهل مكة ، فإنّ عليهم حجّة ، وليس عليهم عمرة من أجل طوافهم بالبيت(٣) .

ولأنّ ركن العمرة ومعظمها الطواف بالبيت وهُمْ يفعلونه ، فأجزأ عنهم(٤) .

وهو غلط ؛ لأنّه قول مجتهد مخالف لعموم القرآن ، فلا يكون حجّةً ، وستأتي مباحث العمرة بعد ذلك إن شاء الله تعالى.

____________________

(١ - ٤) المغني ٣ : ١٧٦ ، الشرح الكبير ٣ : ١٦٦.


و أمّا المقاصد فيشتمل الأول منها على فصول‌

الفصل الأول

في كيفية الوجوب‌

مسألة ٦ : الحجّ يجب بأصل الشرع مرّة واحدة ، وكذا العمرة ، ولا يجب أزيد منها وهو قول عامّة أهل العلم(١) .

وحكي عن بعض الناس أنّه قال : يجب في كلّ سنة مرّة(٢) . وهو خلاف النصّ :

قال الله تعالى :( وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ) (٣) ومقتضى الأمر لا يقتضي التكرار ، فإيجابه مخالفة له.

وما رواه العامّة في حديث ابن عباس ، وقد سبق(٤) .

وعن أبي هريرة قال : خطبنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال : ( يا أيّها الناس قد فرض الله عليكم الحجّ فحجّوا ) فقال رجل : أكلّ عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( لو‌

____________________

(١) المغني والشرح الكبير ٣ : ١٦٥ ، المجموع ٧ : ٩ ، فتح العزيز ٧ : ٣ ، حلية العلماء ٣ : ٢٣١.

(٢) حلية العلماء ٣ : ٢٣٢ ، المجموع ٧ : ٩.

(٣) آل عمران : ٩٧.

(٤) سبق في المسألة ٢.


قلت : نعم ، لوجبت ولما استطعتم ) ثم قال : ( ذروني ما تركتكم فإنّما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا أمرتكم بشي‌ء فأتوا منه ما استطعتم ، وإذا نهيتكم عن شي‌ء فدعوه )(١) .

ومن طريق الخاصة : ما رواه الحلبي - في الحسن - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « إذا تمتّع الرجل بالعمرة فقد قضى ما عليه من فريضة العمرة »(٢) .

وقال الصادقعليه‌السلام ، في رجل أعتق عشيّة عرفة عبداً له ، قال : « يجزئ عن العبد حجّة الإِسلام ، ويكتب للسيد أجران(٣) : ثواب العتق وثواب الحجّ »(٤) .

ولا خلاف بين المسلمين كافّة في ذلك ، ولا عبرة بقول مَنْ شذّ من العامّة.

إذا عرفت هذا ، فما زاد على ذلك مستحب إلّا ما يجب بسبب ، كالنذر وشبهه ، والإِفساد والقضاء ، وكما يجب الإِحرام بحجّ أو عمرة لدخول مكة على ما يأتي ، والاستئجار ، وسيأتي.

وما ورد في أخبارنا من وجوبه على أهل الجدة(٥) في كلّ عام(٦) ، فمحمول على وجوبه على البدل ، على معنى أنّه إذا لم يفعله في أول عام تمكّنه ، وجب عليه في ثاني العام والثالث وهكذا ، كما نقول : إنّ خصال الكفّارة كلّها واجبة على هذا المنهاج.

____________________

(١) صحيح مسلم ٢ : ٩٧٥ / ١٣٣٧.

(٢) الكافي ٤ : ٥٣٣ / ١ ، التهذيب ٥ : ٤٣٣ / ١٥٠٣ ، الاستبصار ٢ : ٣٢٥ - ١١٥٠.

(٣) في النسخ الخطية والطبعة الحجرية : أجرين.

(٤) الفقيه ٢ : ٢٦٥ / ١٢٨٩.

(٥) الجدة : الغنى وكثرة المال. مجمع البحرين ٣ : ١٥٥ « وجد ».

(٦) راجع : الكافي ٤ : ٢٦٥ - ٢٦٦ ، الأحاديث ٥ و ٦ و ٨ و ٩ ، والتهذيب ٥ : ١٦ / ٤٦ - ٤٨ ، والاستبصار ٢ : ١٤٨ - ١٤٩ / ٤٨٦ - ٤٨٨.


وأيضاً فإنّ السند لا يخلو من ضعف ؛ فإنّ الحديث الذي رواه حذيفة بن منصور عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « أنزل الله فرض الحجّ على أهل الجدة في كلّ عام »(١) في طريقه محمد بن سنان وفيه قول.

مسألة ٧ : قد بيّنّا أنّ الواجب بأصل الشرع مرّة واحدة في الحجّ والعمرة ، وما عداها مستحب مندوب إليه إلّا لعارض يقتضي وجوبه ، كالاستئجار وغيره ممّا تقدّم ذكره ، ويتكرّر الوجوب بتكرّر السبب.

وليس من العوارض الموجبة : الردّة والإِسلام بعدها ، فمن حجّ أو اعتمر ثم ارتدّ ثم عاد إلى الإِسلام لم يلزمه الحجّ عند علمائنا ، وبه قال الشافعي(٢) ، خلافاً لأبي حنيفة(٣) .

ومأخذ الخلاف : أنّ الردّة عنده(٤) مُحبطة للعمل ، وعندنا وعند الشافعي(٥) أنّها إنّما تحبطه بشرط أن يموت عليها.

قال الله تعالى :( وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ ) (٦) الآية.

وأحمد وافق أبا حنيفة في المسألة لكن لا من جهة هذا المأخذ(٧) .

مسألة ٨ : ووجوب الحجّ والعمرة على الفور لا يحلّ للمكلّف بهما تأخيره عند علمائنا أجمع - وبه قال عليعليه‌السلام ، ومالك وأحمد والمزني وأبو يوسف(٨) ، وليس لأبي حنيفة فيه نصٌّ(٩) ، ومن أصحابه من قال : هو‌

____________________

(١) الكافي ٤ : ٢٦٦ / ٦ ، التهذيب ٥ : ١٦ / ٤٦ ، الاستبصار ٢ : ١٤٨ / ٤٨٦.

(٢ - ٥ ) المجموع ٧ : ٩ ، فتح العزيز ٧ : ٥.

(٦) البقرة : ٢١٧.

(٧) كما في فتح العزيز ٧ : ٥.

(٨) مقدّمات ابن رشد ١ : ٢٨٨ ، الكافي في فقه الإِمام أحمد ١ : ٤٦٧ ، المغني ٣ : ١٩٦ ، الشرح الكبير ٣ : ١٨٢ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٤ ، المجموع ٧ : ١٠٢ و ١٠٣ ، فتح العزيز ٧ : ٣١ ، تحفة الفقهاء ١ : ٣٨٠ ، بدائع الصنائع ٢ : ١١٩ ، الهداية - للمرغيناني - ١ : ١٣٤.

(٩) كما في الحاوي الكبير ٤ : ٢٤ ، والمجموع ٧ : ١٠٣.


قياس مذهبه(١) - لقوله تعالى :( وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ ) (٢) الآية ، مقتضاه الأمر ، وهو للفور عند بعضهم(٣) .

وما رواه العامّة عن ابن عباس عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنّه قال : تعجّلوا الحجّ فإنّ أحدكم لا يدري ما يعرض له(٤) .

وعن عليعليه‌السلام عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنّه قال : من وجد زاداً وراحلةً تبلّغه البيت فلم يحج فلا عليه أن يموت يهوديّاً أو نصرانيّاً(٥) .

ومن طريق الخاصة : ما رواه الحلبي - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « إذا قدر الرجل على ما يحجّ به ثم دفع ذلك وليس له شغل يعذره به فقد ترك شريعةً من شرائع الإِسلام»(٦) .

ولأنّها عبادة لها وقت معلوم لا يفعل في السنة إلاّ مرّة واحدة ، فيجب على الفور كالصوم.

وقال الشافعي : إنّه لا يجب على الفور ، بل يجوز له تأخيره إلى أيّ وقت شاء - ونقله العامّة عن ابن عباس وجابر وأنس ، ومن التابعين : عطاء وطاوس ، ومن الفقهاء : الأوزاعي والثوري - لأنّ فريضة الحجّ نزلت سنة ست من الهجرة ، وقيل : سنة خمس ، وأخّره النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله من غير مانع ، فإنّه خرج إلى مكة سنة سبع لقضاء العمرة ولم يحج ، وفَتَح مكة سنة‌

____________________

(١) الحاوي الكبير ٤ : ٢٤.

(٢) آل عمران : ٩٧.

(٣) إحكام الفصول في أحكام الاُصول : ١٠٢ ، الإِحكام في اُصول الأحكام ١ : ٣٨٧ ، اُصول السرخسي ١ : ٢٦.

(٤) مسند أحمد ١ : ٣١٤ ، وأوردها الماوردي في الحاوي الكبير ٤ : ٢٤.

(٥) سنن الترمذي ٣ : ١٧٦ / ٨١٢ وفيه : ( ملك ) بدل ( وجد ) وأوردها كما في المتن ، الماوردي في الحاوي الكبير ٤ : ٢٤.

(٦) التهذيب ٥ : ١٨ / ٥٤.


ثمان ، وبعث الحاج سنة تسع ، وحَجَّ هوعليه‌السلام سنة عشر ، وعاش بعدها ثمانين يوماً ، ثم قُبضصلى‌الله‌عليه‌وآله (١) .

والجواب : المنع أوّلاً من تمكّنه من الحجّ ؛ فإنّهعليه‌السلام أحرم بالعمرة عام الحديبية فاُحصر(٢) .

وثانياً بالمنع من تأخير النبيعليه‌السلام عن عام الوجوب ؛ فإنّ الآية نزلت - وهي قوله تعالى :( وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) (٣) الآية - سنة تسع(٤) ، وقيل : سنة عشر(٥) ، فبادر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالحجّ من غير تأخير.

مسألة ٩ : الحجّ واجب على كلّ جامع للشرائط الآتية ، من ذكر واُنثى وخنثى.

وإن كان أعمى فإن افتقر إلى قائد وتمكّن من تحصيله والاستعانة به على حجّة إمّا بإجارة أو غيرها ، وجب عليه الحجّ بنفسه ، وليس له أن يستأجر من يحجّ عنه - وبه قال الشافعي وأحمد(٦) - لعموم الآية(٧) والأخبار.

وقال أبو حنيفة : لا يلزمه فرض الحجّ بنفسه ، فإن استأجر من يحجّ عنه ، جاز - وروى الكرخي عنه أنّه لا حجّ عليه(٨) - لأنّ الحجّ عبادة تعلّقت‌

____________________

(١) الحاوي الكبير ٤ : ٢٤ - ٢٥ ، فتح العزيز ٧ : ٣١ ، المجموع ٧ : ١٠٢ و ١٠٣ ، المغني ٣ : ١٩٦ ، الشرح الكبير ٣ : ١٨٢ ، حلية العلماء ٣ : ٢٤٣.

(٢) كما في الحاوي الكبير ٤ : ٢٥.

(٣) آل عمران : ٩٧.

(٤) كما في الحاوي الكبير ٤ : ٢٥.

(٥) كما في الحاوي الكبير ٤ : ٢٥.

(٦) الحاوي الكبير ٤ : ١٤ ، المجموع ٧ : ٨٥ ، الوجيز ١ : ١١٠ ، فتح العزيز ٧ : ٢٧ ، حلية العلماء ٣ : ٢٤٠.

(٧) آل عمران : ٩٧.

(٨) فتح العزيز ٧ : ٢٧.


بقطع مسافة ، فوجب أن لا تلزم الأعمى كالجهاد(١) .

وهو خطأ ؛ لأنّ العمى ليس فيه أكثر من فقد الهداية بالطريق ومواضع النسك ، والجهل بذلك لا يُسقط وجوب القصد ، كالبصير يستوي حكم العالم به والجاهل إذا وجد دليلاً ، فكذا الأعمى.

ولأنّه فقد حاسّة ، فلم يسقط بها فرض الحجّ بنفسه ، كالأصمّ.

مسألة ١٠ : مقطوع اليدين أو الرّجلين إذا استطاع التثبّت على الراحلة من غير مشقّة إمّا مع قائد أو معين إن احتاج إليه ووجده ، أو بدونهما إذا استغنى عنهما ، وجب عليه الحجّ - وبه قال الشافعي(٢) - لعموم قوله تعالى( وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ ) (٣) الآية ، وغيرها من الأدلّة.

وقال أبو حنيفة : لا يلزمه كالأعمى(٤) . والخلاف فيهما(٥) واحد.

مسألة ١١ : المحجور عليه للسفه يجب عليه الحجّ كغيره مع الشرائط ؛ للعموم ، إلّا أنّه لا يدفع المال إليه ؛ لأنّه ممنوع من التصرّف فيه ؛ لتبذيره ، بل يُخرج الولي معه مَنْ ينفق عليه بالمعروف ويكون قيّماً عليه.

ولو احتاج إلى زيادة نفقة لسفره ، كان الزائد في ماله ينفق القيّم عليه منه ، بخلاف الصبي والمجنون إذا أحرم بهما الولي ؛ فإنّ نفقتهما الزائدة بالسفر في مال الولي - خلافاً للشافعي في أحد القولين(٦) - لأنّه لا وجوب عليهما ، وإذا زال عذرهما ، لزمهما حجة الإِسلام ، بخلاف المـُبذّر.

ولو شرع السفيه في حجّ الفرض أو في حجّ نذره قبل الحجر بغير إذن‌

____________________

(١) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٥٤ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٢١ ، الهداية - للمرغيناني - ١ : ١٣٤ ، تحفة الفقهاء ١ : ٣٨٤ ، فتح العزيز ٧ : ٢٧.

(٢) الحاوي الكبير ٤ : ١٤ - ١٥ ، المجموع ٧ : ٨٥.

(٣) آل عمران : ٩٧.

(٤) الحاوي الكبير ٤ : ١٥ ، المجموع ٧ : ٨٥.

(٥) أي في الأعمى ومقطوع اليدين أو الرجلين.

(٦) فتح العزيز ٧ : ٢٧.


الولي ، لم يلزمه أن يحلله ، ويلزمه أن ينفق عليه إلى أن يفرغ ؛ لأنّه شرع في واجب عليه ، فلزمه الإِتمام.

ولو شرع في حجّ تطوّع ثم حجر الحاكم عليه ، فكذلك ؛ لأُنّه بدخوله فيه وجب عليه الإِكمال.

أمّا لو شرع فيه بعد الحجر ، فإن استوت نفقته سفراً وحضراً ، أو كان يتكسّب في طريقه بقدر حاجته ، لم يكن له أن يحلله ، وإن زادت نفقة السفر ولم يكن له كسب ، كان له إحلاله.

مسألة ١٢ : الحجّ والعمرة إنّما يجبان بشروط خمسة في حجّة الإِسلام وعمرته : التكليف والحرّية والاستطاعة ومؤونة سفره ومؤونة عياله وإمكان المسير.

وشرائط النذر وشبهه من اليمين والعهد أربعة : التكليف والحرّية والإِسلام وإذن الزوج والمولى.

وشرائط حجّ النيابة ثلاثة : الإِسلام ، والتكليف ، وأن لا يكون عليه حجّ واجب بالأصالة أو بالنذر المضيّق أو الاستئجار المضيّق أو الإِفساد.

ولو وجب عليه الحجّ وجوباً مستقرّاً فعجز عن أدائه ولو مشياً صحّ أن يكون نائباً عن غيره.

وشرط المندوب أن لا يكون عليه حجّ واجب ، وإذن الولي - كالزوج والمولى والأب - على من له عليه ولاية ، كالزوجة والعبد والولد ، وسيأتي تفصيل ذلك كلّه إن شاء الله تعالى.

* * *




الفصل الثاني

في تفصيل هذه الشرائط‌

وفيه مطلبان :

الأول : في شرائط حجة الإِسلام‌.

وفيه مباحث :

الأول : البلوغ والعقل‌

مسألة ١٣ : لا خلاف بين العلماء كافة في أنّ الصبي لا يجب عليه الحجّ ؛ لفقد شرط التكليف فيه.

وما رواه العامة عن عليعليه‌السلام ، قال : ( قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : رفع القلم عن ثلاثة : عن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصبي حتى ينبت(١) ، وعن المعتوه حتى يعقل )(٢) .

ومن طريق الخاصة : ما رواه مسمع بن عبد الملك عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « لو أنّ غلاماً حجّ عشر سنين ثم احتلم كانت عليه فريضة‌

____________________

(١) في المصدر : حتى يشب.

(٢) سنن الترمذي ٤ : ٣٢ / ١٤٢٣ ، وأوردها عنه ابنا قدامة في المغني ٣ : ١٦٥ ، والشرح الكبير ٣ : ١٦٦ - ١٦٧.


الإِسلام »(١) .

وعن شهاب قال : سألته عن ابن عشر سنين يحجّ ، قال : « عليه حجّة الإِسلام إذا احتلم ، وكذلك الجارية عليها الحجّ إذا طمثت »(٢) فلو كان الصبي من أهل الحج لسقطت الإِعادة عنه بعد بلوغه.

مسألة ١٤ : الصبي إن كان مميّزاً ، صحّ إحرامه وحجّه إذا أذن له الولي.

والأقرب : أنّه ليس للولي أن يُحرم عن المميّز. وللشافعية وجهان(٣) .

وإن كان غير مميّز ، جاز لوليّه أن يُحرم عنه ، ويكون إحرامه شرعياً.

وإن فعل ما يوجب الفدية ، كان الفداء على الولي.

وأكثر الفقهاء على صحة إحرامه وحجّه إن كان مميّزاً ، وإن كان غير مميّز ، أحرم عنه وليّه ، فيصير مُحرماً بذلك ، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد ، وهو مروي عن عطاء والنخعي(٤) .

لما رواه العامة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنه مرّ بامرأة وهي في محفّتها ، فقيل لها : هذا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فأخذت بعَضُد صبيّ كان معها وقالت : ألهذا حجٌّ؟ قال : ( نعم ولكِ أجر )(٥) .

ومن طريق الخاصة : ما رواه عبد الله بن سنان - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : سمعته يقول : « مرّ رسول الله برويثة(٥) وهو‌

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٦ / ١٥ ، الاستبصار ٢ : ١٤٦ / ٤٧٧ ، والكافي ٤ : ٢٧٨ / ١٨.

(٢) الكافي ٤ : ٢٧٦ / ٨ ، التهذيب ٥ : ٦ / ١٤ ، الاستبصار ٢ : ١٤٦ / ٤٧٦.

(٣) الحاوي الكبير ٤ : ٢٠٩ ، الوجيز ١ : ١٢٣ ، فتح العزيز ٧ : ٤٢١ ، المجموع ٧ : ٢٣.

(٤) الحاوي الكبير ٤ : ٢٠٦ ، فتح العزيز ٧ : ٤٢١ ، حلية العلماء ٣ : ٢٣٣ - ٢٣٤ ، المجموع ٧ : ٢٢ - ٢٣ ، بداية المجتهد ١ : ٣١٩ ، المغني ٣ : ٢٠٨ ، الشرح الكبير ٣ : ١٦٩.

(٥) موطّأ مالك ١ : ٤٢٢ / ٢٤٤ ، وأوردها الماوردي في الحاوي الكبير ٤ : ٢٠٦.

(٦) رويثة : موضع بين مكة والمدينة على ليلة منها. معجم البلدان ٣ : ١٠٥.


حاج ، فقامت إليه امرأة ومعها صبي لها ، فقالت : يا رسول الله أيُحجّ عن مثل هذا؟ قال : « نعم ولكِ أجره »(١) .

ولأنّ الحجّ عبادة تجب ابتداءً بالشرع عند وجود مال ، فوجب أن ينوب الولي فيها عن الصغير ، كصدقة الفطر.

وقال أبو حنيفة : إحرام الصبي غير منعقد ، ولا فدية عليه فيما يفعله من المحظورات ، ولا يصير مُحرماً بإحرام وليّه ؛ لقولهعليه‌السلام : ( رُفع القلم عن ثلاث : عن الصبي حتى يبلغ )(٢) .

ولأنّ كلّ من لا يلزمه الحج بقوله لا يلزمه بفعله ، كالمجنون ، ولأنّها عبادة على البدن ، فوجب أن لا ينوب الكبير فيها عن الصغير ، كالصوم والصلاة ، ولأنّ الإِحرام سبب يلزم به حكم ، فلم يصح من الصبي ، كالنذر(٣) .

والجواب : القول بموجب الحديث ؛ فإنّ الصبي لا يجب عليه الحجّ ، وهو معنى رفع القلم عنه ، وذلك لا يقتضي نفي صحته منه.

والقياس باطل ، مع أنّا نقول بموجب العلّة ؛ فإنّ الحج لا يلزمه بفعله كما لا يلزمه بقوله ، وإنّما يلزمه بإذن وليّه.

والفرق ظاهر ؛ فإنّ الجنون مرجوّ الزوال عن المجنون في كلّ وقت ، فلم يجز أن يُحرم عنه وليّه ؛ لجواز أن يفيق فيحرم بنفسه ، وأمّا البلوغ فغير مرجوّ إلّا في وقته ، فجاز أن يُحرم عنه وليّه ؛ إذ لا يرجى بلوغه في هذا الوقت حتى يحرم بنفسه.

ولأنّ الصبي يقبل منه الإِذن في دخول الدار وقبول الهدية منه إذا كان‌

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٦ - ٧ / ١٦ ، الاستبصار ٢ : ١٤٦ - ١٤٧ / ٤٧٨.

(٢) أورده الماوردي في الحاوي الكبير ٤ : ٢٠٦.

(٣) الحاوي الكبير ٤ : ٢٠٦ ، المغني ٣ : ٢٠٨ ، الشرح الكبير ٣ : ١٦٩ ، بداية المجتهد ١ : ٣١٩ ، فتح العزيز ٧ : ٤٢٠.


رسولاً فيها ، بخلاف المجنون فافترقا.

والفرق : أنّ الصلاة لا تجوز فيها النيابة عن الحي ، بخلاف الحج.

ووافقنا أبو حنيفة على أنّه يُجنّب ما يجتنبه المحُرم(١) ، ومن جُنّب ما يجتنبه المـُحرم كان إحرامه صحيحاً ، والنذر لا يجب به شي‌ء ، بخلاف مسألتنا.

مسألة ١٥ : الصبي المميّز لا يصحّ حجّة إلّا بإذن وليّه ، فإذا كان مراهقاً مطيقاً ، أذن له الولي في الإِحرام ، وإن كان طفلاً غير مميّز ، أحرم عنه الولي.

فإن أحرم الصبي المميّز بغير إذن وليّه ، لم يصحّ إحرامه ؛ لأنّ الصبي ممنوع من التصرّف في المال ، والإِحرام يتضمّن إنفاق المال والتصرّف فيه ؛ لأنّ الإِحرام عقد يؤدّي إلى لزوم مال ، فجرى مجرى سائر أمواله وسائر عقوده التي لا تصحّ إلّا بإذن وليّه ، وهو أصحّ وجهي الشافعية ، والثاني : أنّ إحرامه منعقد ، كإحرامه بالصلاة(٢) .

والفرق : أنّ إحرام الصلاة لا يتضمّن إنفاق المال ، وإحرام الحجّ يتضمّنه ، فعلى الثاني للولي تحليله وليس له الإِحرام عنه ، وعلى الأول للولي أن يُحرم عنه - وهو أحد وجهي الشافعية(٣) - لأنّه مولّى عليه ، والثاني : المنع ، لاستقلاله بعبادته(٤) .

مسألة ١٦ : أولياء الأطفال على ثلاثة أقسام : أنساب واُمناء الحُكّام وأوصياء الآباء ، فالأنساب إمّا آباء وأجداد لهم أو اُمّ أو غيرهم.

والآباء والأجداد للآباء لهم ولاية الإِحرام بإجماع من سوّغ الحجّ‌

____________________

(١) المغني ٣ : ٢٠٨ ، الشرح الكبير ٣ : ١٧٠.

(٢) الحاوي الكبير ٤ : ٢٠٧ ، الوجيز ١ : ١٢٣ ، فتح العزيز ٧ : ٤٢١ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٠٢ ، المجموع ٧ : ٢٢ ، حلية العلماء ٣ : ٢٣٣.

(٣ و ٤) فتح العزيز ٧ : ٤٢١.


للصبيان - وهو قول علمائنا أجمع ، وبه قال الشافعي(١) - لأنّ للأب والجدّ للأب ولاية المال على الطفل ، فكان له ولاية الإِذن في الحجّ.

ولا يشترط في ولاية الجدّ عدم الأب ، وهو أحد وجهي الشافعية تخريجاً ممّا إذا أسلم الجدّ ، والأب كافر ، يتبعه الطفل على رأي(٢) .

وأمّا الاُم فقال الشيخرحمه‌الله : إنّ لها ولايةً بغير تولية ، ويصحّ إحرامها عنه ؛ لحديث المرأة التي سألت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله عن ذلك(٣) .

وهو أحد قولي الشافعية ، والثاني : المنع ، وهو ظاهر كلام أحمد(٤) .

وأمّا من عدا هؤلاء من الأنساب الذكور والإِناث فلا يصحّ إذنهم ، ولا ولاية لهم في الحجّ والإِحرام ، كما أنّه لا ولاية لهم في المال ، وليس لاُمناء الحكّام الإِذن.

وقال الشيخرحمه‌الله : الأخ وابن الأخ والعمّ وابن العمّ إن كان وصيّاً أو له ولاية عليه وليها ، فهو بمنزلة الأب ، وإن لم يكن وليّاً ولا وصيّاً ، فلا ولاية له عليه ، وهو والأجنبي سواء(٥) .

وهذا القول يعطي أنّ لأمين الحاكم الولاية ، كما في الحاكم ؛ لأنّ قوله : أو له ولاية عليه وليها ، لا مصرف له إلّا ذلك.

والشافعية اتّفقوا على ثبوت الولاية للأب والجدّ للأب ، وعلى انتفائها عمّن لا ولادة فيه ولا تعصيب ، كالإِخوة للاُم والأعمام للاُم والعمّات من الأب والاُم ، والأخوال والخالات من قِبَل الأب والاُم وإن كانت لهم ولاية في‌

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٤٢١ ، المجموع ٧ : ٢٤ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٠٧.

(٢) فتح العزيز ٧ : ٤٢١ ، المجموع ٧ : ٢٤.

(٣) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٢٩.

(٤) الحاوي الكبير ٤ : ٢٠٨ ، فتح العزيز ٧ : ٤٢١ ، المجموع ٧ : ٢٥ ، حلية العلماء ٣ : ٢٣٤ ، المغني ٣ : ٢٠٩ ، الشرح الكبير ٣ : ١٧٠.

(٥) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٢٨ - ٣٢٩.


الحضانة.

وأمّا من عدا هذين القسمين فقد اختلفوا على ثلاثة مذاهب بناءً على اختلافهم في معنى إذن الأب والجدّ له.

أحدها : أنّ المعنى في إذن الأب والجدّ له : استحقاق الولاية على ماله ، فعلى هذا لا يصحّ إذن الجدّ من الاُم ولا إذن الأخ والعمّ ؛ لأنّهم لا يستحقّون الولاية عليه في ماله.

وأمّا الاُم والجدّة فالصحيح من مذهب الشافعي أنّه لا ولاية لها عليه بنفسها ، فلا يصحّ إذنها له.

وعلى قول بعض الشافعية : إنّها تلي عليه بنفسها ، فعلى هذا يصحّ إذنها له ؛ لقولهعليه‌السلام لاُم الصبي : ( ولكِ أجره ) ومعلومٌ أنّ الأجر ثبت لها لإِذنها له ونيابتها عنه.

الثاني : أنّ المعنى في إذن الأب والجدّ ما فيه من الولادة والعصبة ، فعلى هذا يصحّ إذن سائر الآباء والاُمّهات ؛ لوجود الولادة فيهم.

الثالث : أنّ المعنى في إذن الأب والجدّ وجود التعصيب فيهما ، فعلى هذا يصحّ إذن سائر العصبات من الإِخوة والأعمام وأولادهما ، ولا يصحّ إذن الاُم ولا الجدّ لها ؛ لعدم التعصيب.

وأمّا اُمناء الحكّام فقد اتّفقوا على أنّه لا يصح إذنهم ؛ لاختصاص ولايتهم بماله دون بدنه ، فكانوا فيما سوى المال كالأجانب.

ولهم وجه آخر بعيد : الصحة ؛ لأنّهم يتصرّفون في المال.

وأمّا أوصياء الآباء فلهم وجهان في صحة إذنهم :

أحدهما : الصحة كالآباء لنيابتهم عنه.

والثاني - وهو الأصحّ عندهم - أنّ إذنهم لا يصحّ كاُمناء الحكّام(١) .

____________________

(١) الحاوي الكبير ٤ : ٢٠٧ - ٢٠٨.


مسألة ١٧ : الصبي إن كان مراهقاً مميّزاً يطيق على الأفعال ، أذن له الولي فيها ، فإذا أذن له ، فَعَل الحجّ بنفسه ، كالبالغ.

وإن كان طفلاً لا يميّز ، فإن صحّ من الطفل من غير نيابة ، كالوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة ، أحضره الولي فيهما ، وإن لم يصحّ من الطفل إلّا بنيابة الولي عنه ، فهو كالإِحرام يفعله الولي عنه.

قال جابر : خرجنا مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله حُجّاجاً ومعنا النساء والصبيان ، فأحرمنا عن الصبيان فلبّينا عن الصبيان ورمينا عنهم(١) .

ويجرّد الصبي من ثيابه إذا قرب من الحرم - وروى علماؤنا من فخ(٢) - وإن صحّ منه بمعونة الولي ، فإذا أحرم الولي عن الطفل ، جاز.

وهل يجوز أن يكون الولي مُحْرماً؟ للشافعية وجهان :

أحدهما : المنع ، فليس للولي أن يُحرم عن الطفل إلّا أن يكون حلالاً ، لأنّ من كان في نسك لا يصحّ أن يفعله عن غيره.

والثاني : يصح إحرام الولي عنه وإن كان مُحْرماً - ولا فرق بين أن يكون عليه حجّة الإِسلام أو قد حجّ عن غيره ، وغيره - لأنّ الولي ليس يتحمّل الإِحرام عنه فيصير به مُحرماً حتى يمتنع من فعله إذا كان مُحْرماً ، وإنّما يعقد الإِحرام عن الصبي ، فيصير الصبي مُحرماً ، فجاز أن يفعل الولي ذلك وإن كان مُحْرماً(٣) .

والأخير أقرب.

فعلى الأول يقول عند الإِحرام : اللّهم إنّي قد أحرمت عن ابني ، وعلى هذا يجوز أن يكون غير مواجه للصبي بالإِحرام ولا مشاهد له إذا كان الصبي‌

____________________

(١) سنن ابن ماجة ٢ : ١٠١٠ / ٣٠٣٨ ، وأورده ابنا قدامة في المغني ٣ : ٢٠٩ ، والشرح الكبير ٣ : ١٧٠ - ١٧١ نقلاً عن سنن سعيد بن منصور.

(٢) الكافي ٤ : ٣٠٣ / ٢ ، الفقيه ٢ : ٢٦٥ / ١٢٩٢ ، التهذيب ٥ : ٤٠٩ / ١٤٢١.

(٣) الحاوي الكبير ٤ : ٢٠٩.


حاضراً في الميقات. وعلى قول آخر : إنّه لا يشترط حضوره.

وعلى الثاني يقول عند الإِحرام : اللّهم إنّي قد أحرمت بابني ، وعلى هذا لا يصحّ أن يكون غير مواجه للصبي بالإِحرام ، فإذا فعل ذلك ، صار الصبي مُحْرماً دون الولي ، فيلبسه ثوبين ، ويُجنّبه ما يجتنبه المـُحْرم ، وعلى وليّه أن يحضره الوقوف بالموقفين ومنى ليشهدها بنفسه.

وأمّا الرمي فإن أمكن من وضع الحصى في كفّه ورميها في الجمرة من يده ، فَعَل ، وإن عجز الصبي عن ذلك ، أحضره الجمار ورمى الولي عنه ، ويستحب للولي أن يضع الحصى في كفّ الصبي وأخذها من يده.

قال ابن المنذر : كلّ من نحفظ عنه من أهل العلم يرى الرمي عن الصبي الذي لا يقدر على الرمي ، وبه قال عطاء والزهري ومالك والشافعي وإسحاق(١) .

وأمّا الطواف والسعي فعلى وليّه أن يحمله ويطوف به ويسعى ، وعليه أن يتوضّأ للطواف ويوضّئه.

فإن كانا غير متوضّئَيْن ، لم يجزئه الطواف.

وإن كان الصبي متطهّراً والولي مُحْدثاً ، لم يجزئه أيضاً ؛ لأنّ الطواف بمعونة الولي يصحّ ، والطواف لا يصحّ إلّا بطهارة.

وإن كان الوليّ متطهّراً والصبي مُحْدثاً ، لم يجزئه أيضا ، لأنّ الطواف بمعونة الولي يصحّ ، والطواف لا يصحّ إلاّ بطهارة.

وإن كان الوليّ متطهّرا والصبي محدثا ، فللشافعية وجهان :

أحدهما : لا يجزئ ، لأنّ الطواف بالصبي أخصّ منه بالولي ، فإذا لم يجز أن يكون الولي محدثا فأولى أن لا يكون الصبي محدثا.

والثاني : أنّه يجزئ ؛ لأنّ الصبي إذا لم يكن مميّزاً ففِعْلُ الطهارة لا يصحّ منه ، فتكون طهارة الولي نائبةً عنه ، كما أنّه لمـّا لم يصح منه الإِحرام صحّ إحرام الوليّ عنه(٢) .

____________________

(١) المغني ٣ : ٢٠٩ ، الشرح الكبير ٣ : ١٧١.

(٢) الحاوي الكبير ٤ : ٢٠٩.


ويصلّي الوليّ عنه ركعتي الطواف إن لم يكن مميّزاً ، وإن كان مميّزاً صلّاهما بنفسه.

ولو أركبه الولي دابّةً ليطوف به ، وجب أن يكون الوليّ معه سائقاً أو قائداً ؛ لأنّ الصبي غير مميّز ولا قاصد ، والدابّة لا تصحّ منها عبادة.

ويرمل به في موضع الرمل.

وللشافعية في الرمل به وجهان(١) .

مسألة ١٨ : لو كان على الولي طواف ، حَمَل الصبي وطاف به ، ونوى بطوافه ما يختص به ، وينوي بطواف الصبي طوافه.

وقال الشافعي : يجب عليه أن يطوف عن نفسه أوّلاً ثم يطوف بالصبي ثانياً ، فينوي الطواف عن نفسه دون الصبي ثم يطوف بالصبي ناوياً عنه.

فإن نوى الطواف عن الصبي دون نفسه فله قولان :

أحدهما : أن يكون على الولي الحامل دون الصبي المحمول ؛ لأنّ مَنْ وجب عليه ركن من أركان الحجّ فتطوّع به عن نفسه أو عن غيره ، انصرف إلى واجبة ، كالحجّ عن نفسه.

والثاني : أنّه يكون عن الصبي المحمول دونه ؛ لأنّ الحامل كالآلة للمحمول ، فكان ذلك واقعاً عن المحمول دون الحامل.

وإن نوى الطواف عن نفسه وعن الصبي المحمول ، أجزأه عن طوافه.

وهل يجزئ عن الصبي؟ وجهان مخرَّجان من القولين.

وإن لم تكن له نية ، انصرف إلى طواف نفسه ؛ لوجوده على الصفة الواجبة عليه ، وعدم القصد المخالف له(٢) .

وقد بيّنّا نحن الصحيح عندنا.

مسألة ١٩ : مؤونة حجّ الصبي ونفقته الزائدة في سفره تلزم الولي ، مثل‌

____________________

(١ و ٢) الحاوي الكبير ٤ : ٢١٠.


آلة سفره واُجرة مركبة وجميع ما يحتاج إليه في سفره ممّا كان مستغنياً عنه في حضره - وهو ظاهر مذهب الشافعي ، وبه قال مالك وأحمد(١) - لأنّ الحجّ غير واجب على الصبي ، فيكون متبرّعاً ، وسببه الولي ، فيكون ضامناً.

وليس للولي صرف مال الطفل في ما لا يحتاج إليه وهو غير محتاج حال صِغَره إلى فعل الحج ؛ لوجوبه عليه حال كِبَره ، وعدم إجزاء ما فَعَله في صِغَره عمّا يجب عليه في كِبَره.

وله قول آخر : إنّه في مال الصبي ؛ لأنّ ذلك من مصلحته كاُجرة مُعلّمه ومؤونة تأديبه ، ولأنّ الحجّ يحصل له ، فكان كما لو قَبِل له النكاح يكون المهر عليه(٢) .

والفرق ظاهر ؛ فإنّ التعلّم الذي إن فاته في صِغَره قد لا يدركه في كِبَره ، ويخالف النكاح ؛ فإنّ المنكوحة قد تفوت ، والحج يمكن تأخيره.

مسألة ٢٠ : يحرم على الصبي كلّ ما يحرم على البالغ من محظورات الإِحرام ؛ لأنّ إحرامه شرعي على ما تقدّم ، فتترتّب عليه أحكامه ، لا بمعنى أنّه مخاطب بالتحريم وأنّ العقاب يترتّب على فعله ، بل بمعنى أنّ الولي يجنّبه جميع ما يجتنبه المـُحْرم.

فإن فعل الصبي شيئاً من المحظورات فإن وجب به الفداء على البالغ في حالتي عمده وخطئه كالصيد ، وجب عليه الجزاء ؛ لأنّ عمد الصبي كخطإ البالغ.

ويجب في مال الصبي ؛ لأنّه مال وجب بجنايته ، فوجب أن يجب في‌

____________________

(١) الحاوي الكبير ٤ : ٢١٠ ، فتح العزيز ٧ : ٤٢٣ ، المجموع ٧ : ٣٠ ، حلية العلماء ٣ : ٢٣٥ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ١٦٩ ، التفريع ١ : ٣٥٣ ، المغني ٣ : ٢١٠ ، الشرح الكبير ٣ : ١٧٢.

(٢) الحاوي الكبير ٤ : ٢١٠ ، فتح العزيز ٧ : ٤٢٣ ، المجموع ٧ : ٣٠ ، حلية العلماء ٣ : ٢٣٥.


ماله ، كما لو استهلك مال غيره.

وهو أحد وجهي الشافعية ، والثاني : أنّه يجب في مال الولي - وهو الذي نصّ عليه الشافعي في الإِملاء - لأنّ الولي هو الذي ألزمه الحجّ بإذنه ، فكان ذلك من جهته ومنسوباً إلى فعله(١) وإن اختلف حكم عمده وسهوه في البالغ ، كالطيب واللبس ، فإن فعله الصبي ناسياً ، فلا فدية فيه ؛ لأنّها لا تجب في حق البالغ ففي الصبي أولى.

وإن فعله عمداً ، قال الشيخ : الظاهر أنّه تتعلّق به الكفّارة على وليّه.

وإن قلنا : لا يتعلّق به شي‌ء ؛ لما روي عنهمعليهم‌السلام من أنّ « عمد الصبي وخطأه واحد »(٢) والخطأ في هذه الأشياء لا تتعلّق به كفّارة من البالغين ، كان قويّاً(٣) .

وللشافعي قولان مبنيان على اختلاف قوله في عمد الصبي هل يجري مجرى الخطأ أو مجرى العمد من العاقل؟ على قولين :

أحدهما : أنّه يجري مجرى الخطأ ، فلا فدية فيه ، كالبالغ الناسي.

والثاني : أنّه عمد صحيح ، فالفدية واجبة(٤) .

وأين تجب؟ على الوجهين :

أحدهما : أنّه على الصبي ؛ لأنّ الوجوب بسبب ما ارتكبه.

وأصحّهما في مال الولي - وبه قال مالك - لأنّه الذي أوقعه وغرّر بماله(٥) .

____________________

(١) الحاوي الكبير ٤ : ٢١٠ - ٢١١ ، فتح العزيز ٧ : ٢٤٥ ، المجموع ٧ : ٣٢.

(٢) التهذيب ١٠ : ٢٣٣ / ٩٢٠.

(٣) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٢٩.

(٤) الحاوي الكبير ٤ : ٢١١ ، فتح العزيز ٧ : ٤٢٤ ، المجموع ٧ : ٣١.

(٥) الحاوي الكبير ٤ : ٢١١ ، فتح العزيز ٧ : ٤٢٥ ، المجموع ٧ : ٣٢.


لكن لو طيّبه الولي كانت الفدية في ماله لا(١) في مال الصبي وجهاً واحداً(٢) .

هذا كلّه إذا أحرم بإذن الولي ، وإن أحرم بغير إذنه ، فلا فدية ، وهو أحد وجهي الشافعية.

ولهم آخر : أنّه يجوز إحرامه ، فالفدية في ماله(٣) .

مسألة ٢١ : إذا وجبت الفدية في مال الصبي ، فإن كانت مترتّبةً ، فحكمها حكم كفّارة القتل ، وإلّا فهل يجزئ أن يفتدي بالصوم في الصِغَر؟

للشافعية وجهان مبنيان على أنّه إذا أفسد الحجّ هل يجزئه قضاؤه في الصغر؟

وليس(٤) للولي والحال هذه أن يُفدي عنه بالمال ؛ لأنّه غير متعيّن.

ولهم وجه آخر : أنّه إذا أحرم به الأب أو الجدّ ، فالفدية في مال الصبي ، فإن أحرم به غيرهما فهي عليه(٥) .

مسألة ٢٢ : لو وطأ الصبي في الفرج ناسياً ، لم يكن عليه شي‌ء ، ولا يفسد حجّه ، كالبالغ سواء.

وإن كان عمداً ، قال الشيخرحمه‌الله : على ما قلناه من أنّ عمده وخطأه سواء لا يتعلّق به أيضاً فساد الحجّ.

ولو قلنا : إنّ عمده عمد ؛ لعموم الأخبار في من وطأ عامداً في الفرج من أنّه يفسد حجّه ، فقد فسد حجّه ، وعليه الإِتمام ، ولزمه القضاء.

قال : والأقوى الأول ؛ لأنّ إيجاب القضاء يتوجّه إلى المكلّف وهذا‌

____________________

(١) كلمة « لا » حُرّفت في النسخ الخطية والحجرية إلى « أو » وما أثبتناه هو الصحيح.

(٢) الحاوي الكبير ٤ : ٢١١ ، المجموع ٧ : ٣٣.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٤٢٥ ، المجموع ٧ : ٣٢.

(٤) كلمة « ليس » صُحّفت في النسخ الخطية والطبعة الحجرية إلى « ان » وما أثبتناه هو الصحيح.

(٥) فتح العزيز ٧ : ٤٢٥ - ٤٢٦ ، المجموع ٧ : ٣٣.


ليس بمكلّف(١) .

وقالت الشافعية : إذا جامع ناسياً أو عامداً وقلنا : إنّ عمده خطأ ، ففي فساد حجّه قولان ، كالبالغ إذا جامع ناسياً.

والأظهر أنّه لا يفسد.

وإن قلنا : إنّ عمده عمد ، فسد حجّه.

وإذا فسد فهل عليه القضاء؟ فيه قولان :

أحدهما : لا ، لأنّه ليس أهلاً لوجوب العبادات البدنية.

وأصحّهما : نعم ؛ لأنّه إحرام صحيح ، فيوجب إفساده القضاء ، كحجّ التطوّع(٢) .

إذا عرفت هذا ، فإن أوجبنا القضاء فإنّه لا يجزئه حالة الصبا ، بل يجب عليه بعد بلوغه.

وللشافعي قولان في إجزاء القضاء قبل البلوغ :

أصحّهما : نعم ؛ اعتباراً بالأداء.

والثاني : لا - وبه قال مالك وأحمد - لأنّه فرض والصبي ليس أهلاً لأداء فرض الحج(٣) .

وعلى هذا القول لو لم يقض حتى بلغ ، نظر في ما أفسده ، إن كانت بحيث لو سلمت عن الإِفساد ، أجزأت عن حجة الإِسلام ، فإن بلغ قبل فوات الوقوف ، أجزأ القضاء عن حجة الإِسلام ، وإن كانت لا تجزئ لو سلمت عن الإِفساد ، لم تجزئ عن حجة الإِسلام ، وعليه أن يبدأ بحجة الإِسلام ثم يقضي(٤) .

____________________

(١) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٢٩.

(٢) فتح العزيز ٧ : ٤٢٦ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢١١ ، المجموع ٧ : ٣٤ - ٣٥.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٤٢٦ ، المجموع ٧ : ٣٥ ، حلية العلماء ٣ : ٢٣٤ - ٢٣٥.

(٤) فتح العزيز ٧ : ٤٢٦ ، المجموع ٧ : ٣٥ - ٣٦.


فإن نوى القضاء أوّلاً ، قالت الشافعية : انصرف إلى حجة الإِسلام(١) .

وفيه إشكال.

وعلى تقدير تجويز القضاء في الصِّغَر لو شرع فيه وبلغ قبل الوقوف ، انصرف إلى حجة الإِسلام ، وعليه القضاء(٢) .

وإذا فسد حجّه وأوجبنا القضاء ، وجبت الكفّارة أيضاً ، وإن لم نوجب القضاء ، ففي الكفّارة للشافعية وجهان ، والأصحّ عندهم : الوجوب(٣) .

وإذا وجبت الكفّارة فهي على الولي أو في مال الصبي؟ فيه الخلاف(٤) .

مسألة ٢٣ : لو فعل الولي في الصبي ما يحرم على الصبي مباشرته ، كما لو طيّبه أو ألبسه مخيطاً أو حلق رأسه ، فإن فعل ذلك لحاجة الصبي ، كما لو طيّبه تداوياً ، فالأقرب أنّه كمباشرة الصبي ؛ لأنّه وليّه ، وقد فعل شيئاً لمصلحته ، فيكون ما ترتّب عليه لازماً للصبي.

وهو أصحّ وجهي الشافعية ، والثاني : أنّ الفدية على الولي ؛ لأنّ المباشرة وقعت منه(٥) .

والأقرب الأول‌

مسألة ٢٤ : أجمع علماء الأمصار على أنّ الصبي إذا حجّ في حال صغره ، والعبد إذا حجّ في حال رقّه ، ثم بلغ الصبي وعُتق العبد ، وجب عليهما حجة الإِسلام إذا جمعا الشرائط.

قال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على ذلك إلّا مَنْ شذّ عنهم ممّن لا يُعدّ قوله خلافاً(٦) .

____________________

(١ و ٢) فتح العزيز ٧ : ٤٢٧ ، المجموع ٧ : ٣٦.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٤٢٧ ، المجموع ٧ : ٣٦ - ٣٧.

(٤) فتح العزيز ٧ : ٤٢٧ ، المجموع ٧ : ٣٧.

(٥) فتح العزيز ٧ : ٤٣٠ ، المجموع ٧ : ٣٤.

(٦) المغني ٣ : ٢٠٣ ، الشرح الكبير ٣ : ١٦٧.


وبه قال ابن عباس وعطاء والحسن البصري والنخعي والثوري ومالك والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي(١) .

لما رواه العامة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنّه قال : ( إنّي اُريد أن اُجدّد في صدور المؤمنين عهداً : أيّما صبي حجّ به أهله فمات أجزأت عنه ، فإن أدرك فعليه الحج ، وأيّما مملوك حجّ به فمات أجزأت عنه ، فإن اُعتق فعليه الحجّ )(٢) .

ومن طريق الخاصة : ما رواه مسمع بن عبد الملك عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « لو أنّ غلاماً حجّ عشر سنين ثم احتلم ، كانت عليه فريضة الإِسلام ، ولو أنّ مملوكاً حجّ عشر حجج ثم اُعتق ، كانت عليه فريضة الإِسلام إذا استطاع إليه سبيلاً »(٣) .

ولأنّ الحج عبادة بدنية فعلها قبل وقت وجوبها ، فلا تقع مجزئةً ، كما لو صلّى قبل الوقت.

مسألة ٢٥ : لو حجّ الصبي أو العبد فبلغ أو اُعتق في أثناء الحجّ ، فإن كان زوال العذر بعد الوقوف بالمشعر الحرام لم تجزئهما عن حجّة الإِسلام - وهو قول العلماء - لأنّ معظم العبادة وقع حالة النقصان.

وما رواه معاوية بن عمّار عن الصادقعليه‌السلام ، قال : قلت له : مملوك اُعتق يوم عرفة ، قال : « إذا أدرك أحد الموقفين فقد أدرك الحج »(٤) دلّ بمفهومه على عدم إدراكه للحج إذا لم يدركهما معتقاً.

ولا فرق بين أن يكون وقت الوقوف باقياً ولم يقف فيه أو قد فات ، وهو‌

____________________

(١) المغني ٣ : ٢٠٣ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٤٤ ، المجموع ٧ : ٥٧ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٢٠.

(٢) أورده ابنا قدامة في المغني ٣ : ٢٠٣ ، والشرح الكبير ٣ : ١٦٧ نقلا عن سعيد في سننه.

(٣) الكافي ٤ : ٢٧٨ / ١٨ ، التهذيب ٥ : ٦ / ١٥.

(٤) الفقيه ٢ : ٢٦٥ /١٢٩٠ ، التهذيب ٥ : ٥ / ١٣ ، الاستبصار ٢ : ١٤٨ /٤٨٥.


قول أكثر الشافعية(١) .

وقال ابن سريج : إذا بلغ ووقت الوقوف باقٍ ، يجزئه عن حجة الإِسلام وإن لم يَعُدْ إلى الموقف(٢) .

وإن بلغ الصبي أو اُعتق العبد قبل الوقوف بالمشعر فوقف به أو بعرفة معتقاً وفَعَل باقي الأركان ، أجزأ عن حجة الإِسلام ، وكذا لو بلغ أو اُعتق وهو واقف عند علمائنا أجمع - وبه قال ابن عباس ، وهو مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق(٣) - لما قدّمناه في الحديث عن الصادق(٤) عليه‌السلام .

وقال الحسن البصري في العبد : يجزئ(٥) .

وقال مالك : لا يجزئهما. وهو قول ابن المنذر(٦) .

وقال أصحاب الرأي : لا يجزئ العبد ، فأمّا الصبي فإن جدّد إحراماً بعد احتلامه قبل الوقوف أجزأه ، وإلّا فلا ؛ لأنّ إحرامهما لم ينعقد واجباً ، فلا يجزئ عن الواجب ، كما لو بقيا على حالهما(٧) .

ويعارض : بأنّه أدرك الوقوف حُرّاً بالغاً ، فأجزأه ، كما لو أحرم تلك الساعة ، ولا خلاف في أنّ الصبي لو بلغ أو العبد لو اُعتق بعرفة وهما غير مُحْرمين فأحرما ووقفا بعرفة وقضيا المناسك ، فإنّه يجزئهما عن حجّة الإِسلام.

ونُقل عن ابن عباس أنه إذا اُعتق العبد بعرفة أجزأت عنه حجّته ، وإن‌

____________________

(١ و ٢) فتح العزيز ٧ : ٤٢٩ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٤٦ ، المجموع ٧ : ٥٨ ، حلية العلماء ٣ : ٣٦٠.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٤٢٩ ، المجموع ٧ : ٥٨ ، حلية العلماء ٣ : ٣٦٠ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٤٦ ، المغني ٣ : ٢٠٤ ، الشرح الكبير ٣ : ١٦٨.

(٤) تقدّم آنفاً.

(٥) المغني ٣ : ٢٠٤ ، الشرح الكبير ٣ : ١٦٨.

(٦) المغني ٣ : ٢٠٤ ، الشرح الكبير ٣ : ١٦٨ ، حلية العلماء ٣ : ٣٦٠.

(٧) المغني ٣ : ٢٠٤ ، الشرح الكبير ٣ : ١٦٨.


اُعتق بجَمْع ، لم تجزئ عنه(١) .

وقد تلخّص من هذا أنّ مالكاً شرط في الصبي والعبد وقوع جميع الحجّ في حالة التكليف(٢) ، وأبو حنيفة لا يعتدّ بإحرام الصبي(٣) .

ولا يجب عليه إعادة السعي لو كان قد سعى عقيب طواف القدوم قبل البلوغ - وهو أحد وجهي الشافعيّة(٤) - لأنّه لا بأس بتقدّم السعي كتقدّم الإِحرام.

وأصحّهما عندهم : وجوب الإِعادة ؛ لوقوعه في حالة النقص ، ويخالف الإِحرام ، فإنّه يستدام بعد البلوغ ، والسعي لا استدامة له(٥) .

والأصل براءة الذمة.

وقد بنى الشافعية الوجهين على أنّه إذا وقع حجّه عن حجّة الإِسلام فكيف تقدير إحرامه؟ هل تبيّن انعقاده في الأصل فرضاً أو نقول بأنّه انعقد نفلاً ثم انقلب فرضاً؟ فإن قلنا بالأول ، فلا حاجة إلى الإِعادة ، وإن قلنا بالثاني فلا بدّ منها(٦) .

مسألة ٢٦ : إذا أجزأ حجّهما عن حجّة الإِسلام بأن يُدركا أحد الموقفين كاملين ، لم يكن عليهما دم مغاير لدم الهدي.

وللشافعية طريقان ، أظهرهما : أنّه على قولين :

أحدهما : نعم ؛ لأنّ إحرامه من الميقات ناقص ؛ لأنّه ليس بفرض.

وأصحّهما : لا ؛لأنّه أتى بما في وسعه ، ولم تصدر منه إساءة(٧) .

____________________

(١) كما في المغني ٣ : ٢٠٤ ، والشرح الكبير ٣ : ١٦٨.

(٢) كما في فتح العزيز ٧ : ٤٢٩.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٤٢٩.

(٤ و ٥) فتح العزيز ٧ : ٤٢٩ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٤٦ ، المجموع ٧ : ٥٨ - ٥٩.

(٦) فتح العزيز ٧ : ٤٢٩ ، المجموع ٧ : ٦٠.

(٧) فتح العزيز ٧ : ٤٢٩ ، المجموع ٧ : ٥٩.


وبنى بعضهم القولين على أصل التبيّن ، فإن قلنا به ، فلا دم عليه ، وإن قلنا بانعقاد إحرامه نفلاً ثم انقلب فرضا ، لزم الدم(١) .

والطريق الثاني : أنّه لا دم عليه(٢) .

وهذا الخلاف عندهم فيما إذا لم يَعُدْ بعد البلوغ إلى الميقات ، فإن عاد إليه ، لم يلزمه الدم بحال ؛ لأنّه أتى بالممكن أوّلاً وأخيراً ، وبذل ما في وسعه(٣) .

وقد بيّنّا مذهبنا في ذلك.

مسألة ٢٧ : لو بلغ الصبي أو اُعتق العبد قبل الوقوف أو في وقته وأمكنهما الإِتيان بالحجّ ، وجب عليهما ذلك ؛ لأنّ الحجّ واجب على الفور ، فلا يجوز لهما تأخيره مع إمكانه كالبالغ الحُرّ ، خلافاً للشافعي(٤) .

ومتى لم يفعلا الحجّ مع إمكانه ، فقد استقرّ الوجوب عليهما ، سواءً كانا موسرين أو معسرين؛ لأنّ ذلك وجب عليهما بإمكانه في موضعه ، فلم يسقط بفوات القدرة بعده.

مسألة ٢٨ : المجنون لا يجب عليه الحجّ بالإِجماع ؛ لأنّه ليس محلّاً للتكليف ؛ لما رواه العامة عن عليعليه‌السلام أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال : ( رُفع القلم عن ثلاثة : عن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصبي حتى ينبت ، وعن المعتوه حتى يعقل )(٥) .

ومن طريق الخاصة : ما رواه محمد بن يحيى الخثعمي ، قال : سأل‌

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٤٢٩ - ٤٣٠.

(٢ و ٣) فتح العزيز ٧ : ٤٣٠ ، المجموع ٧ : ٥٩.

(٤) الحاوي الكبير ٤ : ٢٤ ، المجموع ٧ : ١٠٢ و ١٠٣ ، حلية العلماء ٣ : ٢٤٣.

(٥) سنن الترمذي ٤ : ٣٢ / ١٤٢٣ ، وأوردها عنه ابنا قدامة في المغني ٣ : ١٦٥ ، والشرح الكبير ٣ : ١٦٦ - ١٦٧ ، وفيها : ( حتى يشب ) بدل ( حتى ينبت ).


حفص الكناسي أبا عبد اللهعليه‌السلام - وأنا عنده - عن قول الله عزّ وجلّ :( وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) (١) ما يعني بذلك؟ قال : « من كان صحيحاً في بدنه مخلّى سربه ، له زاد وراحلة فهو ممّن يستطيع الحجّ »(٢) والمجنون غير صحيح ، فلا يندرج تحت الخطاب.

إذا عرفت هذا ، فلو حجّ حالة جنونه ، لم يجزئه إجماعاً.

ولو أحرم به الوليّ ، صحّ إحرامه كالطفل ، فإن عاد عقله قبل الوقوف بالمشعر الحرام فوقف به ، أجزأه عن حجّة الإِسلام ، وإن كان بعد الوقوف ، لم يجزئه ، ووجب عليه إعادة الحجّ مع إفاقته وكمال الشرائط.

ولو كان المجنون يعتوره أدواراً ، فإن وسع الوقت في نوبة العقل لأداء الحجّ من بلده وإكماله وعوده ، وجب عليه الحجّ ، لأنّه عاقل مكلّف مستطيع ، وإن قصر الوقت عن ذلك ، سقط عنه الوجوب ، وحكم المجنون حكم الصبي غير المميّز في جميع ما تقدّم.

ولو خرج الوليّ بالمجنون بعد ما استقرّ فرض الحجّ عليه وأنفق عليه من ماله ، فإن لم يُفق حتى فات الوقوف غرم له الولي زيادة نفقة السفر ، وإن أفاق وأحرم وحجّ ، فلا غرم عليه ، لأنّه قضى ما وجب عليه.

وشرطت الشافعية إفاقته عند الإِحرام والوقوف والطواف والسعي(٣) ، ولم يتعرّضوا لحالة الحلق ، وقياس كونه منسكاً عندهم اشتراط الإِفاقة كسائر الأركان(٤) .

وحكم المغمى عليه حكم المجنون لا يجب عليه الحجّ ، ولا يُحْرم عنه غيره على إشكال - وبه قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد(٥) - لأنّه ليس أهلاً

____________________

(١) آل عمران : ٩٧.

(٢) الكافي ٤ : ٢٦٧ / ٢ ، التهذيب ٥ : ٣ / ٢.

(٣ و ٤) فتح العزيز ٧ : ٤٢٨ ، المجموع ٧ : ٣٨.

(٥) المغني ٣ : ٢١١ ، الشرح الكبير ٣ : ١٧٣ ، المجموع ٧ : ٣٨ ، حلية العلماء ٣ : =


للخطاب حالة الإِغماء.

وقال أبو حنيفة : يُحْرم عنه رفيقه ، فيصير مُحرماً بإحرامه استحساناً(١) .

وقد علم من ذلك أنّ التكليف شرط الوجوب دون الصحة ؛ إذ يصح من غير المكلّف.

البحث الثاني : في شرط الحُرّية‌

مسألة ٢٩ : لا خلاف بين علماء الأمصار أنّ الحُرّية شرط في وجوب الحجّ والعمرة ، وقد سبق البحث في ذلك.

ويصح من العبد الحجّ بإذن مولاه ، ولا يجزئه عن حجّة الإِسلام بعد عتقه لو وجبت عليه إلّا أن يُدرك أحد الموقفين معتقاً على ما تقدّم.

وليس له أن يُحرم بحجّ أو عمرة إلّا بإذن مولاه بلا خلاف ؛ لأنّ منافعه مستحقّة لمولاه ، ويجب عليه صرف زمانه في إشغاله ، فلا يجوز أن يُفوّت حقوقَ مولاه الواجبة عليه بالتزام ما ليس بلازم عليه ، فإن أحرم بغير إذن مولاه ، لم ينعقد إحرامه.

وللسيّد منعه منه. ولا يلزمه الهدي ولا بد له ؛ لأنّ إحرامه لم ينعقد ، ولأنّه لا يملك أن يُحرم ؛ لقوله تعالى :( عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْ‌ءٍ ) (٢) .

ولما رواه الشيخ عن آدم عن أبي الحسنعليه‌السلام قال : « ليس على المملوك حجّ ولا جهاد ، ولا يسافر إلّا بإذن مالكه »(٣) والنهي في العبادة يدلّ‌

____________________

= ٢٣٥ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٦١.

(١) المغني ٣ : ٢١١ ، الشرح الكبير ٣ : ١٧٣ ، المجموع ٧ : ٣٨ ، حلية العلماء ٣ : ٢٣٥ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٦١.

(٢) النحل : ٧٥.

(٣) التهذيب ٥ : ٤ / ٥.


على الفساد.

وقال أحمد : إنّ إحرامه ينعقد صحيحاً ؛ لأنّه عبادة بدنية يصحّ من العبد الدخول فيها بغير إذن سيّده.

ولسيّده أن يحلّله - في إحدى الروايتين عنه - لأنّ في بقائه عليه تفويتاً لحقّه من المنافع بغير إذنه ، فلم يلزم ذلك سيّده كالصوم المضرّ ببدنه ، وإذا حلّله منه ، كان حكمه حكم المحصر.

والثانية : ليس له تحليله ؛ لأنّه لا يملك التحلّل من تطوّعه فلم يملك تحليل عبده. والأول أصح؛ لأنّه التزم التطوّع باختيار نفسه ، فنظيره أن يُحْرم عبده بإذنه ، وفي مسألتنا يفوت حقّه الواجب بغير اختياره(١) .

مسألة ٣٠ : لو أذن السيد في الإِحرام فأحرم ، انعقد إحرامه ، وصحّ إجماعاً ؛ لما رواه إسحاق بن عمّار عن الكاظمعليه‌السلام ، قال : سألته عن اُمّ الولد تكون للرجل يكون قد أحجّها أيجوز(٢) ذلك عنها من حجّة الإِسلام؟ قال : « لا » قلت : لها أجر في حجّتها؟ قال : « نعم»(٣) .

إذا عرفت هذا ، فهل لسيّده بعد إذنه الرجوع؟ إن لم يكن قد أحرم كان له الرجوع قطعاً ، وإن كان المملوك قد تلبّس بالإِحرام ، لم يكن للمولى الرجوع فيه ولا تحليله ، لأنّه إحرام انعقد صحيحا فلم يكن له إبطاله كالصلاة ، وبه قال الشافعي وأحمد ، لأنّه عقد لازم عقده بإذن سيده فلم يكن لسيده منعه ، كالنكاح(٤) .

وقال أبو حنيفة : له تحليله ؛ لأنّه ملك منافع نفسه ، فكان له الرجوع ،

____________________

(١) المغني ٣ : ٢٠٥ ، الشرح الكبير ٣ : ١٧٣.

(٢) في التهذيب والاستبصار : أيجزئ.

(٣) الفقيه ٢ : ٢٦٥ / ١٢٨٨ ، التهذيب ٥ : ٥ / ١٠ ، الاستبصار ٢ : ١٤٧ / ٤٨٢.

(٤) فتح العزيز ٨ : ٢٢ ، المجموع ٧ : ٤٥ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٥١ ، المغني ٣ : ٢٠٥ - ٢٠٦ ، الشرح الكبير ٣ : ١٧٣.


كالمـُعير يرجع في العارية(١) .

والفرق ظاهر ؛ فإنّ العارية ليست لازمةً ، ولو أعاره شيئاً ليرهنه فرهنه ، لم يكن له الرجوع فيه.

فروع :

أ - لو أذن له سيّده في الإِحرام ثم رجع وعلم العبد رجوعه قبل الإِحرام ، بطل إحرامه ، وصار كمن لم يؤذن له.

ولو لم يعلم حتى أحرم فهل للمولى تحليله؟ قال الشيخرحمه‌الله : الأولى أن نقول : ينعقد إحرامه ، غير أنّ للسيّد منعه منه ، وقد قيل : إنّه لا ينعقد إحرامه أصلاً(٢) .

وللعامّة في أنّه هل يكون حكمه حكم من أحرم بإذن سيّده؟ وجهان(٣) .

ب - لو باعه سيّده بعد ما أحرم فحُكْم مشتريه في تحليله حكم بائعه سواء ؛ لأنّه اشتراه مسلوب المنفعة ، فأشبه بيع الأمة المزوّجة أو المستأجرة ، فإن علم المشتري بذلك ، فلا خيار له ؛ لأنّه دخل على علم ، فأشبه ما لو اشترى معيباً علم بعيبه.

وإن لم يعلم ، فله فسخ البيع ؛ لأنّه يتضرّر بمضيّ العبد في الحجّ ، لفوات منافعه وعجزه عن تحليله(٤) ، وهو نقص يوجب الردّ ، إلّا في إحرامٍ يكون لسيّده تحليله ، فلا يملك الفسخ ؛ لأنّه يمكنه رفع الضرر عنه.

ج - إذا باعه مولاه في إحرام له تحليله فيه ، لم يكن ذلك تحليلاً له ولا مقتضياً لذلك ، ويكون حكم المشتري حكمه في جواز التحليل ، فإن أمره‌

____________________

(١) فتح العزيز ٨ : ٢٣ ، المجموع ٧ : ٤٥ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٥١ ، المغني ٣ : ٢٠٥ ، الشرح الكبير ٣ : ١٧٣.

(٢) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٢٧.

(٣) المغني ٣ : ٢٠٦ ، الشرح الكبير ٣ : ١٧٣.

(٤) في النسخ الخطية : تحلّله‌


البائع بالمضيّ في إحرامه وإتمام حجّه بعد البيع ، لم يعتدّ بهذا الأمر وإن كان في زمن خياره ، ولو أمره المشتري ، لم يكن له تحليله ولا لبائعه وإن كان في زمن خياره.

مسألة ٣١ : لو أحرم العبد بغير إذن سيّده ثم أعتقه قبل الموقفين ، لم يجزئه إحرامه ، ووجب عليه الرجوع إلى الميقات والإِحرام منه إن أمكنه ، وإن لم يمكنه ، أحرم من موضعه ، فإن فاته المشعر الحرام ، فقد فاته الحجّ.

وإن أحرم بإذن سيّده ، لم يلزمه الرجوع إلى الميقات ؛ لأنّ إحرامه صحيح منعقد ، فإن أدرك المشعر الحرام بعد العتق فقد أدرك حجّة الإِسلام ، وإن لم يدركه معتقاً ، لم يجزئه ، وكان عليه الحجّ مع الشرائط.

وإذا أحرم بغير إذن سيّده ثم أفسد الحجّ ، لم يتعلّق به حكم ؛ لأنّ إحرامه غير منعقد.

وإن أحرم بإذن سيّده ثم أفسده ، لزمه المضيّ في فاسدة ، كالحُرّ ، وليس لسيّده إخراجه منه ؛ لأنّه ليس له منعه من صحيحه فلم يكن له منعه من فاسدة.

وقالت العامّة : إن كان إحرامه بغير إذن سيّده ، كان له تحليله منه ؛ لأنّه يملك تحليله من صحيحه فالفاسد أولى(١) .

والحقّ ما قلناه.

مسألة ٣٢ : إذا أفسد العبد حجّه ، فإن كان مأذوناً فيه ، وجب عليه القضاء والمضيّ فيه ، كالحُرّ ؛ لأنّه حجّ صحيح وإحرام معتدّ به ، فيترتّب عليه أحكامه.

ويصحّ القضاء في حال رقّه ؛ لأنّه وجب في حال الرقّ فيصحّ به ، كالصلاة والصيام ، وليس لسيّده منعه من القضاء ؛ لأنّ إذنه في الحجّ الأول‌

____________________

(١) المغني ٣ : ٢٠٧ ، الشرح الكبير ٣ : ١٧٥.


إذن في موجبه ومقتضاه ، ومن مقتضياته القضاء لما أفسده.

وإن لم يكن الأول(١) مأذوناً فيه ، كان للمولى منعه من القضاء ، لأنّه يملك منعه من الحجّ الذي شرع فيه بغير إذنه فكذلك قضاؤه ، وهو قول بعض العامّة(٢) .

وقال بعضهم : لا يملك منعه من قضائه ؛ لأنّه واجب ، وليس للسيّد(٣) منعه من الواجبات(٤) .

وهو خطأ ؛ لأنّا نمنع وجوبه ، بل نمنع صحته فضلاً عن وجوبه.

مسألة ٣٣ : إذا أفسد العبدُ الحجَّ ولزمه القضاء ، فأعتقه مولاه ، فإن كان عتقه بعد الوقوف بالمشعر الحرام ، كان عليه أن يُتمّ هذه الحجّة ، ويلزمه حجّة الإِسلام وحجّة القضاء ، ويجب عليه البدأة بحجّة الإِسلام ثم يأتي بحجّة القضاء ، وكذلك إذا بلغ وعليه قضاء ، ولا يقضي قبل حجّة الإِسلام ، فإن فعل حجّة الإِسلام بقي عليه حجّة القضاء ، وإن أحرم بالقضاء ، انعقد بحجّة الإِسلام ؛ لأنّها آكد ، وكان القضاء في ذمّته ، قاله الشيخ(٥) رحمه‌الله ، وهو مذهب العامة(٦) .

ثم قال الشيخ : وإن قلنا : لا يجزئ عن واحد منهما ، كان قويّاً(٧) . وأطلق.

والوجه : ما قوّاه الشيخ إن كان قد استطاع أو استقرّ الحجّ في ذمّته ، وإلّا فالوجه : الإِجزاء عن القضاء.

____________________

(١) أي : الحجّ الأول.

(٢) المغني ٣ : ٢٠٧ ، الشرح الكبير ٣ : ١٧٥.

(٣) في الطبعة الحجرية : لسيّده.

(٤) المغني ٣ : ٢٠٧ ، الشرح الكبير ٣ : ١٧٥.

(٥) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٢٧ - ٣٢٨.

(٦) المغني ٣ : ٢٠٧ ، الشرح الكبير ٣ : ١٧٥.

(٧) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٢٨.


وإن اُعتق قبل الوقوف بالمشعر ، فلا فصل بين أن يفسد بعد العتق أو قبله ، فإنّه يمضي في فاسدة ، ولا تجزئه الفاسدة عن حجّة الإِسلام ، ويلزمه القضاء في القابل ، ويجزئه القضاء عن حجّة الاسلام ؛ لأنّ ما أفسده لو لم يفسده لكان يجزئه عن حجّة الإِسلام وهذه قضاء عنها.

مسألة ٣٤ : إذا أحرم العبد بإذن مولاه فارتكب محظوراً يلزمه به الدم ، كالتطيّب واللبس وحلق الشعر وتقليم الأظفار واللمس بشهوة والوطء في الفرج أو في ما دونه وقتل الصيد أو أكله ، ففرضه الصوم ، وليس عليه دم ، كالمعسر.

وإن تحلّل بحصر عدوّ ، فعليه الصوم ، ولا يتحلّل قبل فعله ، كالحُرّ.

قال الشيخرحمه‌الله : ولسيّده منعه منه ؛ لأنّه فَعَله بغير إذنه ، وإن ملّكه سيّده هدياً ليخرجه فأخرجه ، جاز ، وإن أذن له فصام ، جاز أيضاً ، وإن مات قبل الصيام ، جاز لسيّده أن يُطعم عنه(١) .

وقالت العامّة : ليس للسيّد أن يحول بينه وبين الصوم مطلقاً(٢) .

والوجه : ذلك إن أذن له في الإِحرام ؛ لأنّه صوم وجب عليه ، فأشبه صوم رمضان.

وإن ملّكه السيد هدياً وأذن له في إهدائه وقلنا : إنه يملكه ، فهو كالواجد للهدي لا يتحلّل إلّا به ، وإن قلنا : لا يملكه ، ففرضه الصيام.

وإن أذن له سيّده في تمتّع أو قران ، فعليه الصيام بدلاً عن الهدي الواجب.

وقال بعض العامّة : على سيّده تحمّل ذلك عنه ، لأنّه بإذنه ، فكان على مَنْ أذن فيه ، كما لو فعله النائب بإذن المستنيب(٣) .

وليس بجيّد ؛ لأنّ الحجّ للعبد وهذا من موجباته فيكون عليه ، كالمرأة‌

____________________

(١) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٢٨.

(٢) المغني ٣ : ٢٠٦ ، الشرح الكبير ٣ : ١٧٤.

(٣) المغني ٣ : ٢٠٧ ، الشرح الكبير ٣ : ١٧٤.


إذا حجّت بإذن زوجها ، بخلاف النائب فإنّ الحجّ للمنوب ، فموجبه عليه.

وعندنا أنّ للسيّد الخيار بين أن يأمره بالصوم أو يهدي عنه.

وإن تمتّع أو قرن بغير إذن سيّده ، لم يعتدّ به.

وقالت العامّة : إنّ عليه الصوم(١) .

وإن أفسد حجّه ، فعليه أن يصوم كذلك ، فإنه لا مال له ، فهو كالمعسر من الأحرار.

مسألة ٣٥ : إذا نذر العبدُ الحجَّ ، فلا يخلو إمّا أن يكون مولاه قد أذن له في النذر أو لا ، فإن كان قد أذن له ، فلا يخلو النذر إمّا أن يكون مقيّداً بوقت أو مطلقاً ، فإن كان مقيّداً بوقت ، وجب عليه الوفاء به مع قدرته ، ولا يجوز لمولاه منعه منه ؛ لأنّه واجب عليه ، وكان كما لو أذن له في الإِحرام وتلبّس به.

وهل يجب على مولاه دفع ما يحتاج إليه العبد زائداً عن نفقة الحضر؟ الأقرب : المنع ؛ لأصالة البراءة.

ويحتمل وجوبه ، كالإِذن في الدَّيْن.

ولو قدر العبد على المشي ، لم يجب على المولى بذل الراحلة.

ولو كان مطلقاً ، أو مقيّداً وفرّط العبد ، أو المولى يمنعه عن المبادرة حتى صار قضاءً ، فالأقرب : عدم وجوبه على الفور ؛ لأنّ حقّ السيّد مضيّق ؛ والنذر المطلق وقضاء النذر المقيّد غير مضيّق ، لأصالة البراءة.

فلو شرع العبد وبادر معجّلاً فأحرم بغير إذن مولاه ، فالأقرب أنّه ليس للمولى تحليله ؛ لأنّه إحرام حجّ أذن له فيه مولاه ، فلم يملك تحليله ، كما لو تلبّس بالإِحرام بعد إذن مولاه.

وإن لم يكن مولاه قد أذن له في النذر ، فالمشهور بين علمائنا : عدم انعقاده ؛ لأنّ أوقاته مستحقّة للمولى.

____________________

(١) المغني ٣ : ٢٠٧ ، الشرح الكبير ٣ : ١٧٤.


وقال بعض العامة : يصحّ نذره ؛ لأنّه مكلّف ، فانعقد نذره ، كالحُرّ ، ولسيده منعه من المضيّ فيه ؛ لما فيه من تفويت حقّ سيّده الواجب ، فيُمنع منه ، كما لو لم ينذر(١) .

وروي عن أحمد أنّه لا يُمنع من الوفاء به ؛ لما فيه من أداء الواجب(٢) .

واختلف أصحابه على قولين :

أحدهما : أنّ ذلك على الكراهية دون التحريم.

والثاني : التحريم ؛ لأنّه واجب فلم يملك منعه كسائر الواجبات(٣) .

وهو غلط ، لأنّا نمنع وجوبه.

فإن اُعتق ، وجب عليه الوفاء بما نذره بإذن مولاه ، وفي غيره الخلاف.

وتُقَدَّمُ حجّة الإِسلام مع وجوبها ، وإطلاق النذر أو تقييده بزمان متأخّر عن الاستطاعة.

البحث الثالث : في الاستطاعة‌

مسألة ٣٦ : الاستطاعة شرط في وجوب الحجّ والعمرة ، بإجماع العلماء وبالنصّ :

قال الله تعالى( وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) (٤) دلّ بمفهومه على سقوطه عن غير المستطيع.

ولا نعلم في ذلك خلافاً ، ولقضاء الضرورة بقبح تكليف غير القادر.

إذا عرفت هذا ، فنقول : الاستطاعة المشترطة في الآية هي الزاد والراحلة ، بإجماع علمائنا ، وبه قال الحسن البصري ومجاهد وسعيد بن جبير والشافعي وأحمد وإسحاق(٥) .

____________________

(١ - ٣) المغني ٣ : ٢٠٦ ، الشرح الكبير ٣ : ١٧٤.

(٤) آل عمران : ٩٧.

(٥) المغني ٣ : ١٦٨ ، الشرح الكبير ٣ : ١٧٨.


قال الترمذي : والعمل عليه عند أهل العلم(١) .

لما رواه العامّة أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، سُئل ما السبيل؟ قال : ( الزاد والراحلة )(٢) .

ومن طريق الخاصة : ما رواه محمد بن يحيى الخثعمي ، قال : سأل حفصُ الكناسي الصادقعليه‌السلام - وأنا عنده - عن قول الله عزّ وجلّ :( وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) قال : ما يعني بذلك؟ قال : « من كان صحيحاً في بدنه مخلّى سربه ، له زاد وراحلة ، فهو ممّن يستطيع الحجّ »(٣) .

ولأنّها عبادة تتعلّق بقطع مسافة بعيدة ، واشترط لوجوبها الزاد والراحلة ، كالجهاد.

وقال عكرمة : الاستطاعة هي الصحة(٤) .

وقال الضحّاك : إن كان شابّاً فليؤاجر نفسه بأكله وعَقِبَه(٥) حتى يقضي نسكه(٦) .

وقال مالك : إن كان يمكنه المشي وعادته سؤال الناس ، لزمه الحجّ ؛ لأنّ هذه الاستطاعةُ في حقّه ، فهو كواجد الزاد والراحلة(٧) .

وليس بجيّد ؛ لأنّ هذا فعلٌ شاقٌّ ، فليس استطاعةً وإن كان عادةً ،

____________________

(١) سنن الترمذي ٣ : ١٧٧ ذيل الحديث ٨١٣ ، وحكاه عنه ابنا قدامة في المغني ٣ : ١٦٨ ، والشرح الكبير ٣ : ١٧٨.

(٢) سنن الترمذي ٥ : ٢٢٥ / ٢٩٩٨ ، سنن الدار قطني ٢ : ٢١٧ و ٢١٨ / ١١ و ١٢ ، سنن البيهقي ٤ : ٣٢٧ و ٣٣٠ ، المستدرك - للحاكم - ١ : ٤٤٢.

(٣) الكافي ٤ : ٢٦٧ / ٢ ، التهذيب ٥ : ٣ / ٢ ، الاستبصار ٢ : ١٣٩ / ٤٥٤.

(٤) المغني ٣ : ١٦٨ ، الشرح الكبير ٣ : ١٧٨.

(٥) منصوب بنزع الخافض.

(٦) المغني ٣ : ١٦٨ ، الشرح الكبير ٣ : ١٧٨.

(٧) بداية المجتهد ١ : ٣١٩ ، المغني ٣ : ١٦٨ ، الشرح الكبير ٣ : ١٧٨.


والشارع اعتبر عموم الأحوال دون خصوصها ، كما في مشقّة السفر ، فإنّها غير معتبرة ، بل المظنّة وإن كانت المشقّةُ منتفيةً.

مسألة ٣٧ : الراحلة إنّما هي شرط في حقّ البعيد عن مكة ، وأمّا أهل مكة فلا تشترط الراحلة فيهم ، وكذا من كان بينه وبين مكة [ مكان ](١) قريب لا يحتاج إلى الراحلة ، وإنّما تعتبر الراحلة في حقّه ، لأنّها مسافة قريبة يمكنه المشي إليها فلزمه ، كالسعي إلى الجمعة ، ولو لم يتمكّن من المشي ، اشترط في حقّه وجود المحمولة ، لأنّه عاجز عن المشي ، فأشبه البعيد.

وأمّا الزاد فلا بدّ من اشتراطه في حقّ القريب والبعيد ، فإن لم يجد زاداً لم يلزمه الحج ؛ لعجزه(٢) .

مسألة ٣٨ : الراحلة شرط في الحجّ للقادر على المشي والعاجز عنه ، وبه قال الشافعي(٣) ، لقولهعليه‌السلام لـمّا سُئل عن تفسير السبيل : ( زاد وراحلة )(٤) .

ويعتبر راحلةُ مِثْلِه ، فإن كان يستمسك على الراحلة من غير محمل ولا يلحقه ضرر ولا مشقّة شديدة ، فلا يعتبر في حقّه إلّا وجدان الراحلة لحصول الاستطاعة معها ، وإن كان لا يستمسك على الراحلة بدون المحمل أو يجد مشقّةً عظيمة ، اعتبر مع وجود الراحلة وجود المحمل ، ولو كان يجد مشقّة عظيمة‌

____________________

(١) زيادة يقتضيها السياق.

(٢) المغني ٣ : ١٧٠ ، الشرح الكبير ٣ : ١٧٩.

(٣) فتح العزيز ٧ : ١٠.

(٤) سنن الدار قطني ٢ : ٢١٨ / ١٣ ، سنن البيهقي ٤ : ٣٣٠.


في ركوب المحمل ، اعتبر في حقّه الكنيسة(١) .

ولا فرق بين الرجل والمرأة في ذلك.

وقال بعض الشافعية : إنّ المحمل معتبر في حقّ المرأة مطلقاً(٢) .

وليس بمعتمد ، والستر يحصل بالملحفة.

فروع :

أ - لا يشترط وجود عين الزاد والراحلة ، بل المعتبر التمكّن منهما تملّكاً أو استئجاراً.

ب - إنّما يشترط الزاد والراحلة في حقّ المحتاج إليهما لبُعد المسافة ، أمّا القريب فيكفيه اليسير من الاُجرة بنسبة حاجته ، والمكّي لا تُعتبر الراحلة في حقّه ، ويكفيه التمكّن من المشي.

ج - إذا وجد شقّ محمل ووجد شريكاً يجلس في الجانب الآخر ، لزمه الحجّ ، فإن لم يجد الشريك ولم يتمكّن إلّا من مؤونة الشقّ ، سقط عنه الحجّ مع حاجته إلى المحمل ، وإن تمكّن من المحمل بتمامه ، احتمل وجوب الحجّ ؛ لأنّه مستطيع ، وعدمه ؛ لأنّ بذل الزيادة خسران لا مقابل له.

د - القريب إلى مكة إذا شقّ عليه المشي أو الركوب بغير محمل ، اشترطت الراحلة والمحمل في حقّه ، كالبعيد ، ولا يؤمر بالزحف(٣) وإن أمكن.

ه - يجب شراء الراحلة والمحمل مع الحاجة إليهما أو استيجارهما بثمن المثل واُجرته ، فإن زاد فإن لم يتمكّن من الزيادة ، سقط الحج ، وإن تمكّن منها ، وجب ؛ لأنّه مستطيع.

____________________

(١) بهامش « ن » : يريد بها المحفّة.

(٢) فتح العزيز ٧ : ١١ ، المجموع ٧ : ٦٧.

(٣) الزحف : المشي. لسان العرب ٩ : ١٢٩.


وقيل : لا يجب(١) . وليس بمعتمد.

مسألة ٣٩ : الزاد شرط في وجوب الحجّ ؛ لعدم التمكّن بدونه.

والمراد منه أن يملك ما يبلغه إلى الحجّ إمّا عين الزاد أو ثمنه مع وجود بائعه بقدر كفايته مدّة سفره وعوده إلى وطنه ، سواء كان له أهل وعشيرة يأوي إليهم أو لم يكن ، وهو أحد وجهي الشافعية(٢) .

والثاني لهم : أنّه لا يشترط في حقّ من لا أهل له ولا عشيرة مؤونة الإِياب ؛ لأنّ البلاد بالنسبة إليه متساوية(٣) .

وليس بجيّد ؛ لأنّ النفوس تطلب الأوطان.

ولا فرق أيضاً بين أن يملك في بلدته مسكناً أو لا.

وخصّص الجويني الوجهين بمن له ملك في البلد(٤) .

ويجري الوجهان لهم في الراحلة(٥) .

ولهم وجه آخر ضعيف عندهم : أنّه لا يعتبر مؤونة الإِياب مطلقاً(٦) .

إذا عرفت هذا ، فالمشترط في الراحلة والزاد راحلة مثله وزادُ مثله ؛ لتفاوت الأشخاص في خشونة العيش ونُعومته ، فيعتبر في حقّ الرفيع زيادة على ما يحتاج إليه غيره ممّا يناسبه.

مسألة ٤٠ : يشترط أن يكون الزاد والراحلة فاضلين عن نفقته‌ ونفقة من تلزمه نفقته مدّة ذهابه ورجوعه ودست ثوب يليق به.

وهل يشترط أن يكونا فاضلين عن مسكنه وعبده الذي يحتاج إلى خدمته لعجزه أو لمنصبه؟ الوجه : ذلك ، كما في الكفّارة ، وهو أظهر وجهي الشافعيّة.

____________________

(١) كما في شرائع الإِسلام ١ : ٢٢٦ ، وراجع : المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٠٠.

(٢ و ٣) المهذب - للشيرازي - ١ : ٢٠٤ ، فتح العزيز ٧ : ١٣ ، المجموع ٧ : ٦٨.

(٤) فتح العزيز ٧ : ١٣.

(٥ و ٦) فتح العزيز ٧ : ١٣ ، المجموع ٧ : ٦٨.


والثاني : لا يشترط ، بل يباعان في المؤونة - وبه قال مالك - لأنّ الاستطاعة في الخبر(١) مفسّرة بالزاد والراحلة وهو واجد لهما(٢) .

والوجه : الأول ؛ لحاجته إلى المسكن والعبد ، فأشبها ثياب بدنه.

فعلى هذا إذا كانت الدار مستغرقة لحاجته وكانت سكنى مثله والعبد عبد مثله ، لم يبع شيئاً منهما ، وإن كانت الدار فاضلةً عن حاجته وأمكن بيع بعضها أو كانت نفيسةً أو العبد كذلك وأمكن شراء أدون منه ممّا تندفع به حاجته ، احتمل وجوب البيع والاقتصار على الأدون ، وعدمه ، كما في الكفّارة.

وربما يفرّق بين الحجّ والكفّارة بأنّ الحجّ لا بدل له والعتق في الكفّارة له بدل.

إذا ثبت هذا ، فالزاد الذي يشترط القدرة عليه هو ما يحتاج إليه في ذهابه وعوده من مأكول ومشروب وكسوة ، فإن كان يملك ذلك أو وجده يُباع بثمن المثل في الغلاء والرخص أو بزيادة يسيرة لا تجحف بماله ، لزمه شراؤه ، وإن كانت تجحف بماله ، لم يلزمه شراؤه وإن تمكّن على إشكال ، كما قلنا في شراء الماء للوضوء ، وإذا كان يجد الزاد في كلّ منزل ، لم يلزمه حمله ، وإن لم يجده كذلك ، لزمه حمله.

وأمّا الماء وعلف البهائم فإن كان يوجد في المنازل التي ينزلها على حسب العادة ، فلا كلام ، وإن لم يوجد ، لم يلزمه حمله من بلده ولا من أقرب البلدان إلى مكة كأطراف الشام ونحوها ، لما فيه من عظم المشقة وعدم جريان العادة به ، ولا يتمكّن من حمل الماء لدوابّه في جميع الطريق ، والطعام بخلاف ذلك.

مسألة ٤١ : كما تعتبر قدرته على المطعوم والمشروب‌ والتمكّن من‌

____________________

(١) في النسخ الخطية المعتمدة في التحقيق ، والطبعة الحجرية : الحر. وهي تصحيف ، والصحيح ما أثبتناه.

(٢) فتح العزيز ٧ : ١٣.


حمله من بلده كذا تعتبر قدرته على الآلات والأوعية التي يحتاج إليها كالغرائر(١) ونحوها ، وأوعية الماء من القِرَب وغيرها ، وجميع ما يحتاج إليه ، كالسُّفرة وشبهها ؛ لأنّه ممّا لا يستغني عنه ، فأشبه علف البهائم.

وكذا يشترط وجود راحلة تصلح لمثله على ما بيّنّا إمّا بشراء أو باُجرة لذهابه وعوده ، ويجد ما يحتاج إليه من آلتها التي تصلح لمثله.

فإن كان ممّن يكفيه الرحل والقتب ولا يخشى السقوط ، أجزأ وجود ذلك ، وإن كان ممّن لم تجر عادته بذلك ويخشى السقوط عنهما ، يعتبر وجود محمل وما أشبهه ممّا لا مشقّة في ركوبه ولا يخشى السقوط عنه ، لأنّ الراحلة إنّما اعتبرت في حقّ القادر على المشي لدفع المشقّة عنه ، فيجب أن يعتبر هنا ما تندفع به المشقّة.

وإن كان ممّن لا يقدر على خدمة نفسه والقيام بأمره ، اعتبرت القدرة على من يخدمه ؛ لأنّه من سبيله.

مسألة ٤٢ : يعتبر أن تكون هذه الأشياء التي ذكرناها فاضلةً عمّا يحتاج إليه‌ لنفقة عياله الذين تلزمه مؤونتهم في سفره ذاهباً وعائداً ؛ لما رواه العامة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنّه قال : ( كفى بالمرء إثماً أن يضيعَ من يقوت )(٢) .

ومن طريق الخاصة : ما رواه أبو الربيع الشامي ، قال : سُئل أبو عبد اللهعليه‌السلام عن قول الله عزّ وجلّ :( وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) فقال : « ما يقول الناس؟ » قال : فقيل له : الزاد والراحلة ، قال : فقال أبو عبد اللهعليه‌السلام : « قد سُئل أبو جعفرعليه‌السلام عن هذا ، فقال : هلك الناس إذن ، لئن كان كلّ من له زاد وراحلة قدر ما يقوت‌

____________________

(١) الغرائر جمع ، واحدتها ، غِرارة ، وهي الجُوالق. لسان العرب ٥ : ١٨.

(٢) سنن أبي داود ٢ : ١٣٢ - ١٦٩٢ ، سنن البيهقي ٧ : ٤٦٧ و ٩ : ٢٥ ، المعجم الكبير - للطبراني - ١٢ : ٣٨٢ / ١٣٤١٤ ، مسند أحمد ١٢ : ١٦٠.


عياله ويستغني به عن الناس ينطلق فيسلبهم إيّاه لقد هلكوا إذن » فقيل له : ما السبيل؟ قال : فقال : « السعة في المال إذا كان يحجّ ببعض ويبقى بعض لقوت عياله ، أليس قد فرض الله الزكاة ، فلم يجعلها إلّا على من ملك مائتي درهم »(١) .

ولأنّ النفقة متعلّقة بحقوق الآدميّين وهُمْ أحوج وحقّهم آكد.

ويشترط أيضاً أن تكون فاضلةً عمّا يحتاج هو وأهله إليه من مسكن وخادم وما لا بدّ منه من ثياب وغيرها ، وأن يكون فاضلاً عن قضاء دينه ؛ لأنّ قضاء الدَّيْن من حوائجه الأصلية ، وتتعلّق به حقوق الآدميّين فهو آكد ، ولهذا منع الخمس مع تعلّق حقوق الفقراء من ذوي القربى به ، وحاجتهم إليها ، فالحجّ الذي هو خالص حقّ الله تعالى أولى.

ولا فرق بين أن يكون الدّين لآدمي معيّن أو من حقوق الله تعالى ، كزكاة في ذمّته أو كفّارات وشبهها.

ولا فرق أيضاً بين أن يكون الدَّيْن حالّاً أو مؤجّلاً محلّه قبل عرفة أو بعدها في منع الوجوب ؛ لأنّه غير موصوف بالاستطاعة.

وللشافعية في وجوب الحجّ على المديون إذا كان الدّين يحلّ بعد عرفة وجهان :

أحدهما كما قلناه.

والثاني : الوجوب ؛ لأنّ الدَّيْن المؤجّل غير مستحقّ عليه قبل حلوله(٢) . وهو ممنوع.

تذنيب : لو احتاج إلى النكاح وخاف على نفسه العَنَت ، قدّم الحجّ ؛ لأنّه واجب والنكاح تطوّع ، ويلزمه الصبر.

____________________

(١) الكافي ٤ : ٢٦٧ / ٣ ، الفقيه ٢ : ٢٥٨ / ١٢٥٥ ، التهذيب ٥ : ٢ - ٣ / ١ ، الاستبصار ٢ : ١٣٩ / ٤٥٣.

(٢) الحاوي الكبير ٤ : ١٣.


وقال بعض العامة : يقدّم النكاح ؛ لأنّه واجب عليه ، ولا غنى به عنه ، فهو كنفقته(١) .

ونمنع الوجوب.

ولو لم يخف العَنَت ، قدّم الحجّ إجماعاً.

تذنيب آخر : لو حجّ من تلزمه هذه الحقوق وضيّعها ، قال بعض العامة : يصح حجّة ، لأنّها متعلّقة بذمّته ، فلا تمنع صحة فعله(٢) .

وفيه نظر ؛ لأنّه مأمور بصرف المال إلى نفقة العيال مثلاً ، فإذا صرفه في غيره ، كان قد فعل المنهي عنه ، والنهي يدلّ على الفساد في العبادات.

البحث الرابع : المؤونة.

ويشترط أن يكون له مال يصرفه في مؤونة سفره ذهاباً وعوداً ، ومؤونة عياله الذين تلزمه نفقتهم على الاقتصاد.

وهل يشترط الرجوع إلى كفايةٍ من مالٍ أو حرفةٍ أو صناعةٍ في وجوب الحجّ بعد وجدان ما ذكر؟ قال الشيخ : نعم(٣) .

فلو كان له زاد وراحلة ونفقة له ولعياله بقدر ذهابه وعوده وجميع ما تقدّم وليس له ما يرجع إليه من مالٍ أو ملكٍ أو صناعةٍ وحرفةٍ يرجع إليها عند عوده من حجّه ، سقط عنه فرض الحجّ - وبه قال أبو العباس بن سريج من الشافعية(٤) - خوفاً من فقره وحاجته إلى المسألة ، وفي ذلك أعظم مشقّة.

____________________

(١) المغني ٣ : ١٧٢ ، الشرح الكبير ٣ : ١٨٠.

(٢) المغني ٣ : ١٧٣ ، الشرح الكبير ٣ : ١٨٠.

(٣) المبسوط - للطوسي - ١ : ٢٩٧ ، الخلاف ٢ : ٢٤٥ ، المسألة ٢.

(٤) الحاوي الكبير ٤ : ١٣ ، فتح العزيز ٧ : ١٤ ، حلية العلماء ٣ : ٢٣٦ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٠٤ ، المجموع ٧ : ٧٣.


ولرواية أبي الربيع الشامي عن الباقر(١) عليه‌السلام .

وقال أكثر علمائنا : لا يشترط الرجوع إلى كفاية(٢) - وهو قول الشافعي(٣) - وهو المعتمد ؛ لأنّه مستطيع بوجود الزاد والراحلة ونفقته ونفقة عياله ذهاباً وعوداً.

ورواية أبي الربيع لا حجّة فيها على ما قالوه ، والمشقّة ممنوعة ، فإنّ الله هو الرزّاق.

فروع :

أ - لو كان له عقار يحتاج إليه لسكناه أو سكنى عياله ، أو يحتاج إلى اُجرته لنفقة نفسه أو نفقة عياله ، أو سائمة يحتاجون إليها ، لم يلزمه الحجّ.

ولو كان له شي‌ء من ذلك فاضل عن حاجته ، لزمه بيعه وصرفه في الحجّ.

ولو كان مسكنه واسعاً يكفيه للسكنى بعضه ، وجب بيع الفاضل وصرفه في الحجّ إذا كان بقدر الاستطاعة.

وكذا لو كان له كتب يحتاج إليها ، لم يلزمه بيعها في الحجّ ، ولو استغنى عنها ، وجب البيع.

ولو كان له بكتاب نسختان يستغني بإحداهما ، وجب بيع الفاضل.

ولو كان له دار نفيسة أو عبد نفيس أو كتب نفيسة وأمكنه بيعها وشراء أقلّ من ثمنها وكان مسكن مثله أو عبد مثله والحجّ بالفاضل عن مئونته من ثمنها ، فالأقرب وجوب البيع وشراء الأدون ممّا تقوم به كفايته.

____________________

(١) تقدّمت الإِشارة إلى مصادره في صدر المسألة ٤٢.

(٢) منهم : ابن إدريس في السرائر : ١١٨ ، والمحقّق في المعتبر : ٣٢٩ ، وشرائع الإِسلام ١ : ٢٢٨ ، والمختصر النافع : ٧٦ ، والفاضل الآبي في كشف الرموز ١ : ٣٢٥ - ٣٢٦.

(٣) الحاوي الكبير ٤ : ١٣ ، المهذب - للشيرازي - ١ : ٢٠٤ ، المجموع ٧ : ٧٣ ، فتح العزيز ٧ : ١٤.


ب - لو كان له دَيْنٌ على باذل له يكفيه للحجّ ، لزمه ؛ لأنّه مستطيع ، ولو كان على معسر أو تعذّر استيفاؤه أو كان مؤجّلاً ، لم يلزمه الحجّ ؛ لعدم الاستطاعة.

ج - لو كان له رأس مال يتّجر به وينفق من ربحه ولو صرفه في الحج لبطلت تجارته ، وجب عليه الحج‌ - وهو أصحّ وجهي الشافعية ، وبه قال أبو حنيفة(١) - لأنّه واجد.

والثاني للشافعية : أنّه لا يكلّف الصرف إليه - وبه قال أحمد - لئلّا يلتحق بالمساكين ، وكالعبد والمسكن(٢) .

وليس بجيّد ؛ لأنّ العبد والمسكن يحتاج إليهما في الحال ، وهذا إمساك ذخيرة للمستقبل.

د - لو لم يجد الزاد ووجد الراحلة وكان كسوباً يكتسب ما يكفيه وقد عزل نفقة أهله مدّة ذهابه وعوده ، فإن كان السفر طويلاً ، لم يلزمه الحجّ ؛ لما في الجمع بين السفر والكسب من المشقّة العظيمة ، ولأنّه قد ينقطع عن الكسب لعارض فيؤدّي إلى هلاك نفسه.

وإن كان السفر قصيراً ، فإن كان تكسّبه في كلّ يوم بقدر كفاية ذلك اليوم من غير فضل ، لم يلزمه الحجّ ؛ لأنّه قد ينقطع عن كسبه في أيّام الحجّ فيتضرّر.

وإن كان كسبه في كلّ يوم يكفيه لأيّامه ، لم يلزمه الحجّ أيضا ؛ للمشقّة ، ولأنّه غير واجد لشرط الحجّ ، وهو أحد وجهي الشافعية ، والثاني : الوجوب - وبه قال مالك - مطلقاً(٣) .

ه - لو كان له مال فباعه نسيئةً عند قرب وقت الخروج‌ إلى أجل يتأخّر‌

____________________

(١ و ٢) فتح العزيز ٧ : ١٤.

(٣) فتح العزيز ٧ : ١٤ - ١٥.


عنه ، سقط الفور في تلك السنة عنه ؛ لأنّ المال إنّما يعتبر وقت خروج الناس ، وقد يتوسّل المحتال بهذا إلى دفع الحجّ.

مسألة ٤٣ : لو كان له مال يكفيه لذهابه وعوده دون نفقة عياله ، سقط عنه فرض الحجّ ؛ لما تقدّم من الأمر بالنفقة على العيال ، ولأنّ نفقة العيال تتعلّق بالفاضل عن قوته ، وفرض الحجّ(١) يتعلّق بالفاضل عن كفايته ، فكان الإِنفاق على العيال أولى من الحجّ.

والمراد بالعيال هنا من تلزمه النفقة عليه دون من تُستحب.

مسألة ٤٤ : لو لم يكن له زاد وراحلة أو كان ولا مؤونة له لسفره أو لعياله ، فبذل له باذل الزاد والراحلة ومئونته ذاهباً وعائداً ومؤونة عياله مدّة غيبته ، وجب عليه الحجّ عند علمائنا ، سواء كان الباذل قريباً أو بعيداً ؛ لأنّه مستطيع للحجّ.

ولأنّ الباقر والصادقعليهما‌السلام سُئلا عمّن عرض عليه ما يحجّ به فاستحيى من ذلك ، أهو ممّن يستطيع إلى ذلك سبيلا؟ قال : « نعم »(٢) .

وللشافعي قولان في وجوب الحجّ إذا كان الباذل ولدا :

أحدهما : الوجوب ؛ لأنّ الابن يخالف غيره في باب المنّة.

والثاني : عدم الوجوب ؛ لأنّه لا يلزمه القبول ؛ لاشتماله على المنّة.

وإن لم يكن ولداً ، لم يجب القبول(٣) .

وقال أحمد : لا يجب الحجّ مطلقاً ، سواء بُذل له الركوب والزاد أو بُذل له مال ؛ لأنّه غير مالك للزاد والراحلة ولا لثمنهما ، فسقط عنه فرض الحجّ(٤) .

____________________

(١) في « ف ، ن » زيادة : على الكفاية.

(٢) الكافي ٤ : ٢٦٦ - ٢٦٧ / ١ ، التهذيب ٥ : ٣ - ٤ / ٣ و ٤ ، الاستبصار ٢ : ١٤٠ / ٤٥٥ و ٤٥٦.

(٣) الوجيز ١ : ١١١ ، فتح العزيز ٧ : ٤٥ - ٤٦.

(٤) المغني ٣ : ١٦٩ ، الشرح الكبير ٣ : ١٨١.


ونمنع ثبوت المنّة وعدم الملك المشروط في الاستطاعة.

فروع :

أ - لو بُذل له مال يتمكّن به من الحجّ ويكفيه في مئونته ومؤونة عياله ، لم يجب عليه القبول ، سواء كان الباذل له ولداً أو أجنبياً ؛ لاشتماله على المنّة في قبول الطاعة.

ولأنّ في قبول المال وتملّكه إيجاب سببٍ يلزم به الفرض ، وهو : القبول ، وربما حدثت عليه حقوق كانت ساقطة ، فيلزمه صرف المال إليها من وجوب نفقة وقضاء دين.

ولأنّ تحصيل شرط الوجوب غير واجب ، كما في تحصيل مال الزكاة.

ب - لو وجد بعض ما يلزمه الحجّ به وعجز عن الباقي فبُذل له ما عجز عنه ، وجب عليه الحجّ ؛ لأنّه ببذل الجميع مع عدم تمكّنه من شي‌ء أصلاً يجب عليه فمع تمكّنه من البعض يكون الوجوب أولى.

ج - لو طلب من فاقد الاستطاعة إيجار نفسه للمساعدة في السفر بما تحصل به الاستطاعة ، لم يجب القبول ، لأنّ تحصيل شرط الوجوب ليس بواجب.

نعم لو آجر نفسه بمال تحصل به الاستطاعة أو ببعضه إذا كان مالكاً للباقي ، وجب عليه الحجّ.

وكذا لو قبل مال الهبة ؛ لأنّه صار الآن مالكاً للاستطاعة.

د - قال ابن إدريس من علمائنا : إنّ من يعرض عليه بعض إخوانه ما يحتاج إليه من مؤونة الطريق يجب عليه الحجّ بشرط أن يملّكه ما يبذل له ويعرض عليه ، لا وعدا بالقول دون الفعل ، وكذا فيمن حجّ به بعض إخوانه(١) .

____________________

(١) السرائر : ١٢١.


والتحقيق أن نقول : البحث هنا في أمرين :

الأول : هل يجب على الباذل بالبذل الشي‌ء المبذول أم لا؟

فإن قلنا بالوجوب أمكن وجوب الحج على المبذول له ، لكن في إيجاب المبذول بالبذل إشكال أقربه عدم الوجوب.

وإن قلنا بعدم وجوبه ، ففي إيجاب الحجّ إشكال ، أقربه : العدم ؛ لما فيه من تعليق الواجب بغير الواجب.

الثاني : هل بين بذل المال وبذل الزاد والراحلة ومئونته ومؤونة عياله فرق أم لا؟ الأقرب : عدم الفرق ؛ لعدم جريان العادة بالمسامحة في بذل الزاد والراحلة والمؤن بغير منّة كالمال.

ه - لو وهب المال ، فإن قبل ، وجب الحجّ ، وإلاّ فلا ، ولا يجب عليه قبول الاتّهاب ، وكذا الزاد والراحلة ، لأنّ في قبول عقد الهبة تحصيل شرط الوجوب وليس واجبا.

و - لا يجب الاقتراض للحجّ إلّا أن يحتاج إليه ويكون له مال بقدره يفضل عن الزاد والراحلة ومئونته ومؤونة عياله ذهاباً وعوداً ، فلو لم يكن له مال ، أو كان له ما يقصر عن ذلك ، لم يجب عليه الحجّ ؛ لأصالة البراءة ، ولأنّ تحصيل شرط الوجوب ليس واجباً.

ز - لو كان له ولد له مال ، لم يجب عليه بذله لأبيه في الحجّ ولا إقراضه له ، سواء كان الولد كبيراً أو صغيراً ، ولا يجب على الأب الحجّ بذلك المال.

وقال الشيخرحمه‌الله : وقد روى أصحابنا أنّه إذا كان له ولد له مال ، وجب أن يأخذ من ماله ما يحجّ به ، ويجب عليه إعطاؤه(١) .

ونحن نحمل ما رواه الشيخ على الاستحباب.

ج - لو حجّ فاقد الزاد والراحلة ماشياً أو راكباً ، لم يجزئه عن حجّة‌

____________________

(١) الخلاف ٢ : ٢٥٠ ، المسألة ٨.


الإِسلام ؛ لأنّ الحج على هذه الحالة غير واجب عليه ، فلم يكن ما أوقعه واجباً عليه ، فإذا حصل شرط الوجوب الذي هو كالوقت له ، وجب عليه الحجّ ؛ لأنّ الفعل أوّلاً كان فعلاً للواجب قبل وقته ، فلم يكن مجزئاً كالصلاة.

مسألة ٤٥ : لا تباع داره التي يسكنها في ثمن الزاد والراحلة ، ولا خادمه ولا ثياب بدنه ولا فرس ركوبه بإجماع العلماء ؛ لأنّ ذلك ممّا تمسّ الحاجة إليه ، ويجب عليه بيع ما زاد على ذلك من ضياع وعقار وغير ذلك من الذخائر والأثاث التي له منها بُدٌّ إذا حصلت الاستطاعة معه.

مسألة ٤٦ : لو(١) فقد الاستطاعة فغصب مالاً فحجّ به ، أو غصب حمولةً فركبها حتى أوصلته ، أثم بذلك ، وعليه اُجرة الحمولة وضمان المال ، ولم يجزئه عن الحجّ.

أمّا لو كان واجداً للزاد والراحلة والمؤونة فغصب وحجَّ بالمغصوب ، أجزأه ذلك - وبه قال الشافعي(٢) - لأنّ الحجّ عبادة بدنيّة ، والمال والمحمولة يُرادان للتوصّل إليه ، فإذا فعله لم يقدح فيه ما يوصل به إليه.

نعم لو طاف أو سعى على الدابة المغصوبة ، لم يصحّا.

ولو وقف عليها فالأقوى : الصحّة ؛ لأنّ الواجب هو الكون في الموقف وقد حصل.

وقال أحمد : إذا حجّ بالمال المغصوب ، لم يصح ، وكذا لو غصب حمولةً فركبها حتى أوصلته(٣) ؛ لأنّ الزاد والراحلة من شرائط الحجّ ولم يوجد على الوجه المأمور به ، فلا يخرج به عن العهدة.

وليس بجيّد ؛ لأنّ الشرط(٤) ليس تملّك عين الزاد والراحلة ، بل هما أو‌

____________________

(١) في النسخ الخطية : ولو ، بدل مسألة : لو.

(٢ و ٣) المجموع ٧ : ٦٢.

(٤) في الطبعة الحجرية : لأنّ شرط الحج ، بدل لأنّ الشرط.


ثمنهما ، والبحث في القادر.

مسألة ٤٧ : الفقير الزمن لا يجب عليه الحجّ إجماعاً ، فلو بذل له غيره الحجّ عنه بأن ينوبه ، لم يجب عليه أيضاً - وبه قال مالك وأبو حنيفة(١) - لقولهعليه‌السلام : ( السبيل زاد وراحلة )(٢) .

ولأنّ الحجّ عبادة بدنيّة فوجب أن لا يجب عليه ببذل الغير النيابة عنه فيها ، كالصلاة والصوم.

ولأنّ العبادات ضربان :

منها : ما يتعلّق بالأبدان ، فتجب بالقدرة عليها ، كالصلاة والصيام.

ومنها : ما يتعلّق بالأموال ، فيعتبر في وجوبها ملك المال ، كالزكاة ، ولم يُعهد في الاُصول وجوب عبادة ببذل الطاعة(٣) .

وقال الشافعي : يجب ؛ لما روي أنّ امرأةً من خثعم قالت : يا رسول الله إنّ فريضة الله في الحجّ على عباده أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يستمسك على الراحلة ، فهل ترى أن أحجّ عنه؟ فقال : ( نعم ) فقالت : أو ينفعه؟ فقال : ( أرأيت لو كان على أبيكِ دَيْنٌ فقضيِته أكان ينفعه؟ ) فقالت : نعم ، قال : ( فدَيْن الله أحقّ أن يقضى )(٤) .

وجه الدلالة : أنّها بذلت الطاعة لأبيها ، فأمرها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالحجّ عنه من غير أن يجري للمال ذكر ، فدلّ على أنّ الفرض وجب ببذل الطاعة.

____________________

(١) بداية المجتهد ١ : ٣١٩ - ٣٢٠ ، الحاوي الكبير ٤ : ٩ ، المجموع ٧ : ١٠١.

(٢) سنن الدار قطني ٢ : ٢١٨ / ١٣ ، سنن البيهقي ٤ : ٣٣٠.

(٣) قوله : ببذل الطاعة ، أي بالتقرّب إلى الله تعالى بالنيابة عنه في الحج ، فلم يجب على النائب. هامش « ن ».

(٤) صحيح مسلم ٢ : ٩٧٣ / ١٣٣٤ ، سنن ابن ماجة ٢ : ٩٧١ / ٢٩٠٩ ، سنن البيهقي ٤ : ٣٢٨ بتفاوت واختصار.


ولأنّ المغصوب(١) الموسر يجب عليه الحجّ بالاستنابة للغير بالمال ، وهذا في حكمه ؛ لأنّه قادر على فعل الحجّ عن نفسه فلزمه ، كالقادر بنفسه(٢) .

والحديث لا يدلّ على الوجوب ، ولهذا شبّههعليه‌السلام بالدَّيْن مع أنّ الولد لا يجب عليه قضاء ما وجب على أبيه من الدَّيْن ، بل يستحب له ، فكذا هنا.

ونمنع وجوب الاستنابة على المعضوب ، وسيأتي(٣) إن شاء الله.

تنبيه : شرط الشافعية في وجوب الحجّ ببذل الطاعة سبعة شرائط ، ثلاثة في الباذل :

أ - أن يكون الباذل من أهل الحجّ ، فيجمع البلوغ والعقل والحرّية والإِسلام ؛ لأنّ من لا يصح منه أداء الحجّ عن نفسه لا تصح منه النيابة فيه عن غيره.

ب - أن لا تكون عليه حجة الإِسلام ليصحّ إحرامه(٤) بالحجّ عن غيره.

ج - أن يكون واجداً للزاد والراحلة ؛ لأنّه لمـّا كان ذلك معتبراً في المبذول له كان اعتباره في الباذل أولى ؛ إذ ليس حال الباذل أوكد في إلزام الفرض من المبذول له.

وبعض الشافعية لا يعتبر هذا الشرط في بذله للطاعة وإن اعتبره في فرض نفسه ؛ لأنّه التزم الطاعة باختياره ، فصار كحجّ النذر المخالف للفرض بالأصالة.

____________________

(١) المعضوب : الزمن الذي لا حراك به. النهاية - لابن الأثير - ٣ : ٢٥١.

(٢) الحاوي الكبير ٤ : ٩ ، فتح العزيز ٧ : ٤٦ ، المهذب - للشيرازي - ١ : ٢٠٥ ، المجموع ٧ : ٩٧ و ١٠١.

(٣) يأتي في المسألة ٩٩.

(٤) في « ف » : الإِحرام.


وأربعة في المبذول له :

أ - أن يكون المبذول له واثقاً بطاعة الباذل عالماً أنّه متى أمره بالحجّ امتثل أمره ؛ لأنّ قدرة الباذل قد اُقيمت مقام قدرته ، فافتقر إلى الثقة بطاعته.

ب - أن يكون الفرض غير ساقط عنه.

ج - أن يكون معضوباً آيساً من أن يفعل بنفسه.

د - أن لا يكون له مال ؛ لأنّ ذا المال يجب عليه الحجّ بماله.

فإذا اجتمعت الشروط نُظر في الباذل ؛ فإن كان من غير ولد ولا والد ، ففي لزوم الفرض ببذله وجهان :

أحدهما - وهو الصحيح عندهم ونصّ عليه الشافعي - : أنّه كالولد في لزوم الفرض ببذل طاعته ؛ لكونه مستطيعاً للحجّ في الحالين.

والثاني : أنّ الفرض لا يلزمه ببذل غير ولده ؛ لما يلحقه من المنّة في قبوله ، ولأنّ حكم الولد مخالف لغيره في القصاص وحدّ القذف والرجوع في الهبة ، فخالف غيره في بذل الطاعة.

وإذا كملت الشرائط التي يلزم بها فرض الحج ببذل الطاعة فعلى المبذول له الطاعة أن يأذن للباذل أن يحجّ عنه ؛ لوجوب الفرض عليه ، وإذا أذن له وقبل الباذل إذنه فقد لزمه أن يحجّ عنه متى شاء ، وليس له الرجوع بعد القبول.

إذا تقرّر هذا فعلى المبذول له أن يأذن وعلى الباذل أن يحجّ.

فإن امتنع المبذول له من الإِذن فهل يقوم الحاكم مقامه في الإِذن للباذل؟ وجهان :

أحدهما : القيام فيأذن للباذل في الحجّ ؛ لأنّ الإِذن قد لزمه ، ومتى امتنع من فعل ما وجب عليه قام الحاكم مقامه في استيفاء ما لزمه ، كالديون.

والثاني - وهو الصحيح عندهم - : أنّ إذن الحاكم لا يقوم مقام إذنه ؛ لأنّ البذل كان لغيره ، فإن أذن المبذول له قبل وفاته ، انتقل الفرض عنه إلى‌


الباذل ، وإن لم يأذن حتى مات ، لقي الله تعالى وفرض الحجّ واجب عليه.

فلو حجّ الباذل بغير إذن المبذول له ، كانت الحجّة واقعةً عن نفسه ؛ لأنّ الحجّ عن الحي لا يصحّ بغير إذنه ، وكان فرض الحجّ باقياً على المبذول له(١) .

وهذا كلّه ساقط عندنا.

البحث الخامس : في إمكان المسير‌

ويشتمل على اُمور أربعة : الصحة ، والتثبّت على الراحلة ، وأمن الطريق في النفس والبُضع والمال ، واتّساع الوقت ، فالنظر هنا في أربعة :

النظر الأول : الصحة‌

مسألة ٤٨ : أجمع علماء الأمصار في جميع الأعصار على أنّ القادر على الحجّ بنفسه الجامع لشرائط وجوب حجّة الإِسلام يجب عليه إيقاعه مباشرةً ، ولا تجوز له الاستنابة فيه ، فإن استناب غيره لم يجزئه ، ووجب عليه أن يحجّ بنفسه.

فإن مات بعد استطاعته واستنابته واستقرار الحجّ في ذمّته ، وجب أن يُخرج عنه اُجرة المثل من صلب ماله ؛ لأنّ ما فعله أوّلاً لم يُفده براءة ذمّته ، فيكون بمنزلة التارك للحجّ بعد استقراره في الذمّة من غير إجارة.

أمّا المريض مرضاً لا يتضرّر بالسفر والركوب فإنّه كالصحيح يجب عليه مباشرة الحجّ بنفسه ، فإن وجد مشقّة أو احتاج إلى ما يزيد على مؤونة سفر الصحيح مع عجزه عنه ، سقط عنه فرض المباشرة ، ولو احتاج إلى الدواء‌

____________________

(١) الحاوي الكبير ٤ : ١٠ - ١١ ، المهذب - للشيرازي - ١ : ٢٠٥ ، المجموع ٧ : ٩٥ و ٩٦ و ١٠٠ ، فتح العزيز ٧ : ٤٦.


فكالزاد.

مسألة ٤٩ : المريض الذي يتضرّر بالركوب أو بالسفر إن كان مرضه لا يرجى زواله وكان مأيوساً من بُرئه لزمانة أو مرض لا يرجى زواله أو كان معضوباً نِضْو(١) الخلقة لا يقدر على التثبّت على الراحلة إلّا بمشقّة غير محتملة أو كان شيخاً فانياً وما أشبه ذلك إذا كان واجداً لشرائط الحج من الزاد والراحلة وغيرهما ، لا تجب عليه المباشرة بنفسه إجماعاً ؛ لما فيه من المشقّة والحرج وقد قال تعالى :( ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) (٢) .

ولما رواه العامة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال : ( من لم تمنعه من الحج حاجة أو مرض حابس أو سلطان جائر فمات فليمت يهوديّاً أو نصرانيّاً )(٣) .

ومن طريق الخاصة قول الصادقعليه‌السلام : « من مات ولم يحجّ حجّة الإِسلام ولم تمنعه من ذلك حاجة تجحف به أو مرض لا يطيق معه الحجّ أو سلطان يمنعه فليمت يهوديّاً أو نصرانياً »(٤) .

وهل تجب عليه الاستنابة؟ قال الشيخ : نعم(٥) ، وبه قال في الصحابة : عليعليه‌السلام ، وفي التابعين : الحسن البصري ، ومن الفقهاء : الشافعي والثوري وأحمد وإسحاق(٦) .

لما رواه العامة عن عليعليه‌السلام أنّه سُئل عن شيخ يجد الاستطاعة ،

____________________

(١) أي : مهزولاً. لسان العرب ١٥ : ٣٣٠.

(٢) الحج : ٧٨.

(٣) حلية الأولياء ٩ : ٢٥١ ، سنن الدارمي ٢ : ٢٨.

(٤) الكافي ٤ : ٢٦٨ / ١ ، الفقيه ٢ : ٢٧٣ / ١٣٣٣ ، التهذيب ٥ : ١٧ / ٤٩.

(٥) المبسوط - للطوسي - ١ : ٢٩٩ ، الخلاف ٢ : ٢٤٨ ، المسألة ٦.

(٦) الحاوي الكبير ٤ : ٨ ، فتح العزيز ٧ : ٤٤ ، المجموع ٧ : ٩٤ و ١٠٠ ، المغني ٣ : ١٨١ ، الشرح الكبير ٣ : ١٨٣ ، تفسير القرطبي ٤ : ١٥١.


فقال : « يجهّز من يحجّ عنه »(١) .

ولحديث الخثعمية(٢) .

ومن طريق الخاصة : ما رواه معاوية بن عمّار - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام قال : « إنّ عليّاًعليه‌السلام رأى شيخاً لم يحج قطّ ولم يُطق الحجّ من كبره ، فأمر أن يجهّز رجلاً فيحجّ عنه »(٣) .

ولأنّها عبادة تجب بإفسادها الكفّارة فجاز أن يقوم غير فعله مقام فعله فيها ، كالصوم إذا عجز عنه.

وقال بعض علمائنا : لا تجب الاستنابة(٤) ، وبه قال مالك ؛ لأنّ الاستطاعة غير موجودة ؛ لعدم التمكّن من المباشرة ، والنيابة فرع الوجوب والوجوب ساقط ؛ لعدم شرطه ، فإنّ الله تعالى قال( مَنِ اسْتَطاعَ ) وهذا غير مستطيع.

ولأنّها عبادة لا تدخلها النيابة مع القدرة فلا تدخلها مع العجز ، كالصوم والصلاة(٥) .

ونمنع عدم الاستطاعة ؛ لأنّ الصادقعليه‌السلام فسّرها بالزاد والراحلة(٦) ، وهي موجودة ، والقياس ضعيف ، وهذا القول لا بأس به أيضاً.

قال مالك : ولا يجوز أن يستأجر من يحجّ عنه في حال حياته ، فإن وصّى أن يُحجّ عنه بعد وفاته ، جاز(٧) .

____________________

(١) تفسير القرطبي ٤ : ١٥١ ، المغني ٣ : ١٨٢ ، الشرح الكبير ٣ : ١٨٤.

(٢) تقدّمت الإِشارة إلى مصادره في الصفحة ٦٤ ، الهامش (٤)

(٣) التهذيب ٥ : ١٤ / ٣٨.

(٤) قاله ابن إدريس في السرائر : ١٢٠.

(٥) الحاوي الكبير ٤ : ٩ ، المجموع ٧ : ١٠٠ ، المغني ٣ : ١٨١ ، الشرح الكبير ٣ : ١٨٣ ، تفسير القرطبي ٤ : ١٥٠.

(٦) الكافي ٤ : ٢٦٨ / ٥.

(٧) الحاوي الكبير ٤ : ٩ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ١٣٣ ، تفسير القرطبي ٤ : =


وقال أبو حنيفة : إن قدر على الحجّ قبل زمانته ، لزمه الحجّ ، وإن لم يقدر عليه ، فلا حجّ عليه(١) .

مسألة ٥٠ : لو لم يجد هذا المريض الذي لا يرجى بُرؤه مالاً يستنيب به ، لم يكن عليه حجّ إجماعاً ؛ لأنّ الصحيح لو لم يجد ما يحجّ به لم يجب عليه فالمريض أولى ، وإن وجد مالاً ولم يجد مَنْ ينوب عنه لم يجب عليه أيضاً ؛ لعدم تمكّنه من الاستئجار.

وعن أحمد روايتان في إمكان المسير هل هو من شرائط الوجوب أو من شرائط لزوم السعي ، فإن قلنا : من شرائط لزوم السعي ، ثبت الحجّ في ذمّته يُحجّ عنه بعد موته ، وإن قلنا : من شرائط الوجوب ، لم يجب عليه شي‌ء(٢) .

وهذا ساقط عندنا.

مسألة ٥١ : المريض الذي لا يرجى بُرؤه لو استناب من حجّ عنه ثم عُوفي ، والمعضوب إذا تمكّن من المباشرة بعد أن أحجّ عن نفسه ، وجب عليه أن يحجّ بنفسه مباشرةً.

قال الشيخرحمه‌الله : لأنّ ما فعله كان واجباً في ماله وهذا يلزمه في نفسه(٣) .

وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر ؛ لأنّ هذا بدل اياس فإذا برأ تبيّنّا أنّه لم يكن مأيوساً منه ، فلزمه الأصل كالآيسة إذا اعتدت بالشهور ثم حاضت لا تجزئها تلك العدّة(٤) .

____________________

= ١٥٠ - ١٥١.

(١) الحاوي الكبير ٤ : ٨ - ٩.

(٢) المغني ٣ : ١٨٢ ، الشرح الكبير ٣ : ١٨٤.

(٣) المبسوط - للطوسي - ١ : ٢٩٩.

(٤) الاُم ٢ : ١١٤ و ١٢٣ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٠٦ ، المغني ٣ : ١٨٢ ، الشرح الكبير ٣ : ١٨٤.


وقال أحمد وإسحاق : لا يجب عليه حجٌّ آخر ؛ لأنّه فَعَل المأمور به ، فخرج عن العهدة ، كما لو لم يبرأ ، ولأنّه أدّى حجة الإِسلام بأمر الشارع ، فلم يلزمه حجّ ثانٍ ، كما لو حجّ بنفسه ، ولإِفضائه إلى إيجاب حجّتين وليس عليه إلّا حجّة واحدة(١) .

ونمنع فعله للمأمور به ، والفرق بينه وبين عدم البرء ظاهر ، ونمنع أداء حجّة الإِسلام بل بدلها المشروط بعدم القدرة على المباشرة ، ونمنع أنّه ليس عليه إلّا حجّة واحدة.

إذا عرفت هذا ، فلو عُوفي قبل فراق النائب من الحجّ ، قال بعض العامة : لم يجزئه الحجّ ؛ لأنّه قدر على الأصل قبل تمام البدل فلزمه ، كالصغيرة ومن ارتفع حيضها إذا حاضتا قبل تمام عدّتهما بالشهور ، وكالمتيمّم إذا رأى الماء في صلاته.

ويحتمل الاجزاء ، كالمتمتّع إذا شرع في الصيام ثم قدر على الهدي ، والمكفّر إذا قدر على الأصل بعد الشروع في البدل ، وإن برأ قبل إحرام النائب ، لم يجزئه بحال(٢) .

وهذا كلّه ساقط عندنا.

مسألة ٥٢ : المريض إذا كان مرضه يرجى زواله والبرء منه ، والمحبوس ونحوه إذا وجد الاستطاعة وتعذّر عليه الحجّ ، يستحب أن يستنيب ، قاله الشيخ(٣) رحمه‌الله .

ومنع منه الشافعي وأحمد ، فإن استناب غيره ، لم يجزئه كالصحيح ، سواء برأ من مرضه أو لم يبرأ ؛ لأنّه يرجو القدرة على الحجّ بنفسه ، فلم تكن‌

____________________

(١) المغني ٣ : ١٨٢ - ١٨٣ ، الشرح الكبير ٣ : ١٨٤.

(٢) المغني ٣ : ١٨٣ ، الشرح الكبير ٣ : ١٨٥.

(٣) المبسوط - للطوسي - ١ : ٢٩٩.


له الاستنابة ، ولا يجزئه إن فعل ، كالفقير(١) .

وقال أبو حنيفة : يجوز له ان يستنيب ، ويكون ذلك مراعىً ، فإن قدر على الحج بنفسه ، لزمه ، وإلّا أجزأه ذلك ؛ لأنّه عاجز عن الحج بنفسه ، فأشبه المأيوس من برئه(٢) .

وفرّق الشافعية بأنّ المأيوس عاجز على الإِطلاق ، آيس من القدرة على الأصل فأشبه الميت ، ولأنّ النصّ إنّما ورد في الحجّ عن الشيخ الكبير وهو ممّن لا يرجى منه مباشرة الحج ، فلا يقاس عليه إلّا ما يشابهه(٣) .

والمعتمد : ما قاله الشيخ ؛ لقول الباقرعليه‌السلام : « كان عليعليه‌السلام يقول : لو أنّ رجلا أراد الحجّ فعرض له مرض أو خالطه سقم فلم يستطع الخروج ، فليجهّز رجلاً من ماله ثم ليبعثه مكانه»(٤) وهو عام.

ولأنّه غير قادر على الحجّ بنفسه ، فجاز له الاستنابة ، كالمعضوب.

إذا ثبت هذا ، فلو استناب من يرجو القدرة على الحجّ بنفسه ثم صار مأيوساً من بُرئه ، فعليه أن يحجّ عن نفسه مرّة اُخرى ؛ لأنّه استناب في حال لا تجوز الاستنابة فيها ، فأشبه الصحيح.

قال الشيخ : ولأنّ تلك الحجّة كانت عن ماله وهذه عن بدنه(٥) .

ولو مات سقط الحج عنه مع الاستنابة وبدونها ؛ لأنّه غير مستطيع للحجّ.

وللشافعي وجهان مع الاستنابة :

____________________

(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٠٦ ، المجموع ٧ : ٩٤ و ١١٦ ، فتح العزيز ٧ : ٤٠ ، حلية العلماء ٣ : ٢٤٦ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٤ ، المغني ٣ : ١٨٤ ، الشرح الكبير ٣ : ١٨٥.

(٢) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٥٢ ، المغني ٣ : ١٨٤ ، الشرح الكبير ٣ : ١٨٥ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٤ ، حلية العلماء ٣ : ٢٤٦.

(٣) راجع : المغني ٣ : ١٨٢ ، والشرح الكبير ٣ : ١٨٥.

(٤) الكافي ٤ : ٢٧٣ / ٤ ، التهذيب ٥ : ١٤ - ١٥ / ٤٠.

(٥) المبسوط - للطوسي - ١ : ٢٩٩.


أحدهما : عدم الإِجزاء ؛ لأنّه استناب وهو غير مأيوس منه ، فأشبه ما إذا برأ.

والثاني : الإِجزاء ؛ لأنّا تبيّنّا أنّ المرض كان مأيوساً منه حيث اتّصل الموت به(١) .

مسألة ٥٣ : قد بيّنّا أنّ من بذل طاعة الحج لغيره لا يجب على ذلك الغير القبول ، خلافاً للشافعي حيث أوجب القبول والإِذن للمطيع في الحجّ عنه.

ولو مات المطيع قبل أن يأذن له ، فإن كان قد أتى من الزمان ما يمكنه فعل الحجّ فيه ، استقرّ في ذمّته ، وإن كان قبل ذلك ، لم يجب عليه ؛ لأنّه قد بان أنّه لم يكن مستطيعاً.

وهل يلزم الباذل ببذله؟ قال : إن كان قد أحرم لزم المضيّ فيه ، وإلّا فلا ؛ لأنّه لا يجب عليه البذل ، فلا يلزمه به حكم ؛ لأنّه متبرّع به(٢) .

وهذه كلّها ساقطة عندنا ؛ لأنّها مبنية على وجوب الحج بالطاعة ، وهو باطل ؛ لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله سُئل ما يوجب الحجّ؟ فقال : ( الزاد والراحلة )(٣) .

ولو كان على المعضوب حجّتان : منذورة وحجة الإِسلام ، جاز له أن يستنيب اثنين في سنة واحدة ؛ لأنّهما فعلان متباينان لا ترتيب بينهما ، ولا يؤدّي ذلك إلى وقوع المنذورة دون حجّة الإِسلام ، بل يقعان معاً ، فأجزأ ذلك ، بخلاف ما إذا ازدحم الفرضان على واحد.

____________________

(١) الحاوي الكبير ٤ : ١٤ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٠٦ ، المجموع ٧ : ١١٦ ، فتح العزيز ٧ : ٤٢.

(٢) فتح العزيز ٧ : ٤٥ و ٤٦ ، المجموع ٧ : ٩٥ و ٩٦ ، الحاوي الكبير ٤ : ١١.

(٣) سنن الترمذي ٣ : ١٧٧ / ٨١٣ ، سنن ابن ماجة ٢ : ٩٦٧ / ٢٨٩٦ ، سنن الدار قطني ٢ : ٢١٥ / ٣.


وللشافعي وجهان(١) .

تذنيبان :

الأول : قال الشيخ : المعضوب إذا وجب عليه حجّة بالنذر أو بإفساد حجّه ، وجب عليه أن يُحجّ غيره عن نفسه ، وإن برأ فيما بعدُ ، وجب عليه الإِعادة(٢) .

وفيه نظر.

الثاني : يجوز استنابة الصرورة وغير الصرورة على ما يأتي(٣) .

مسألة ٥٤ : يجوز للصحيح الذي قضى ما عليه من حجّة الإِسلام أن يستنيب في حجّ التطوّع وإن تمكّن من مباشرة الحجّ بنفسه عند علمائنا - وبه قال أبو حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين(٤) - لأنّها حجّة لا تلزمه بنفسه ، فجاز أن يستنيب فيها ، كالمعضوب.

وقال الشافعي : لا يجوز - وهو الرواية الثانية عن أحمد - لأنّه غير آيس من الحجّ بنفسه قادر عليه ، فلم يجز أن يستنيب فيه كالفرض(٥) .

وهو خطأ ؛ للفرق ، فإنّ الفرض لم يؤدّه مباشرة وهنا قد أدّاه ، فافترقا.

ولو لم يكن قد حجّ حجّة الإِسلام ، جاز له أن يستنيب أيضاً في حجّ التطوّع ، سواء وجب عليه الحجّ قبل ذلك أو لا ، وسواء تمكّن من أداء الواجب أو لا ؛ لعدم المنافاة بينهما.

ولو كان قد أدّى حجّة الإِسلام وعجز عن الحجّ بنفسه ، صحّ أن يستنيب‌

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٣٦ ، المهذب - للشيرازي - ١ : ٢٠٧.

(٢) المبسوط - للطوسي - ١ : ٢٩٩.

(٣) يأتي في المسألة ٨٤.

(٤) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٥٢ ، المغني ٣ : ١٨٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٢١١ ، المجموع ٧ : ١١٦.

(٥) المجموع ٧ : ١١٦ ، المغني ٣ : ١٨٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٢١٢.


في التطوّع ؛ لأنّ ما جازت الاستنابة في فرضه جازت في نفله ، كالصدقة.

مسألة ٥٥ : يجوز الاستئجار على الحجّ ، وبه قال مالك والشافعي وابن المنذر وأحمد في إحدى الروايتين(١) ، ومنع في الرواية الاُخرى منه ومن الاستئجار على الأذان وتعليم القرآن والفقه ونحوه ممّا يتعدّى نفعه ويختصّ فاعله أن يكون من أهله القربة(٢) .

وجوّز ذلك كلّه الشافعي ومالك ؛ لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : ( أحقّ ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله)(٣) .

وأخذ أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله الجعل على الرقية بكتاب الله ، وأخبروا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بذلك فصوّبهم.

ولأنّه تجوز النفقة عليه فجاز الاستئجار عليه كبناء المساجد والقناطر(٤) .

واحتجّ المانعون : بأنّ عبادة بن الصامت كان يُعلّم رجلاً القرآن ، فأهدى له قوساً ، فسأل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله عن ذلك ، فقال له : ( إن سرّك أن تتقلّد قوساً من نار فتقلّدها )(٥) .

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لعثمان بن أبي العاص : ( واتّخذ مؤذّناً لا يأخذ على أذانه أجراً )(٦) .

____________________

(١) الكافي في فقه أهل المدينة : ١٦٦ ، المنتقى - للباجي - ٢ : ٢٧١ ، الاُم ٢ : ١٢٤ ، فتح العزيز ٧ : ٤٩ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٤ و ٢٥٧ ، المجموع ٧ : ١٢٠ و ١٣٩ ، المغني والشرح الكبير ٣ : ١٨٦.

(٢) المغني ٣ : ١٨٦ ، الشرح الكبير ٣ : ١٨٥ ، فتح العزيز ٧ : ٤٩.

(٣) صحيح البخاري ٣ : ١٢١ ، سنن البيهقي ١ : ٤٣٠.

(٤) الاُم ٢ : ١٢٤ ، فتح العزيز ٣ : ١٩٨ و ٧ : ٤٩ ، المجموع ٣ : ١٢٧ و ٧ : ١٢٠ و ١٣٩ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٥٧ ، المدوّنة الكبرى ١ : ٦٢ و ٤ : ٤١٩ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ١٦٦ و ٣٧٤ و ٣٧٥ ، المغني والشرح الكبير ٣ : ١٨٦.

(٥) أورده ابن قدامة في المغني ٣ : ١٨٦ ، وفي سنن البيهقي ٦ : ١٢٥ ، ومسند أحمد ٥ : ٣١٥ ، وتفسير القرطبي ١ : ٣٣٥ بتفاوت.

(٦) سنن أبي داود ١ : ١٤٦ / ٥٣١ ، سنن الترمذي ١ : ٤٠٩ - ٤١٠ / ٢٠٩ ، سنن النسائي =


ولأنّها عبادة يختص فاعلها أن يكون من أهل القربة ، فلم يجز أخذ الاُجرة عليها ، كالصلاة والصوم.

والرقية قضية في عين ، فتختص بها.

وأمّا بناء المساجد فلا يختص فاعله أن يكون من أهل القربة ، ويجوز أن يقع قربةً وغير قربة ، فإذا وقع باُجرة لم يكن قربةً ولا عبادةً ، ولا يصح هنا أن يكون غير عبادة ، ولا يجوز الاشتراك في العبادة ، فمتى فعله من أجل الاُجرة خرج عن كونه عبادةً ، فلم يصح.

ولا يلزم من جواز أخذ النفقة جواز أخذ الاُجرة ، كالقضاء والشهادة والإِمامة يؤخذ عليها الرزق من بيت المال ، وهو نفقة في المعنى ، ولا يجوز أخذ الاُجرة عليها(١) .

ونمنع أنّه إذا فعل من أجل أخذ الاُجرة خرج عن كونه عبادةً ، وإنّما يتحقّق ذلك لو لم يقصد سوى أخذ الاُجرة ، أمّا إذا جعله جزءاً لمقصود فلا.

وفائدة الخلاف : أنّه متى لم يجز أخذ الاُجرة عليها فلا يكون إلّا نائباً محضاً ، وما يدفع إليه من المال يكون نفقةً لطريقة ، فلو مات أو اُحصر أو مرض أو ضلّ الطريق ، لم يلزمه الضمان لما أنفق ؛ لأنّه إنفاق بإذن صاحب المال ، قاله أحمد(٢) ، فأشبه ما لو أذن له في سدّ بثق فانفتق ولم ينسد.

وإذا ناب عنه آخر ، فإنّه يحجّ من حيث بلغ النائب الأول من الطريق ؛ لأنّه حصل قطع هذه المسافة بمال المنوب عنه ، فلم يكن عليه الإِنفاق دفعةً اُخرى ، كما لو خرج بنفسه فمات في بعض الطريق ، فإنّه يحجّ عنه من حيث انتهى ، وما فضل معه من المال ردّه إلّا أن يؤذن له في أخذه ، ويُنفق على نفسه‌

____________________

= ٢ : ٢٣ ، سنن البيهقي ١ : ٤٢٩ ، المستدرك - للحاكم - ١ : ١٩٩ ، مسند أحمد ٤ :٢١.

(١) المغني ٣ : ١٨٦ - ١٨٧ ، الشرح الكبير ٣ : ١٨٦.

(٢) المغني ٣ : ١٨٧ ، الشرح الكبير ٣ : ١٨٦.


بقدر الحاجة من غير إسراف ولا تقتير ، وليس له التبرّع بشي‌ء منه إلّا أن يؤذن له في ذلك.

وعلى القول بجواز الاستئجار للحجّ يجوز أن يدفع إلى النائب من غير استئجار ، فيكون الحكم فيه على ما مضى.

وإن استأجره ليحجّ عنه أو عن ميت ، اعتبرت فيه شرائط الإِجارة من معرفة الاُجرة وعقد الإِجارة ، وما يأخذه اُجرةً له يملكه ويباح له التصرّف فيه والتوسّع في النفقة وغيرها ، وما فضل فهو له.

وإن اُحصر أو ضلّ الطريق أو ضاعت النفقة منه ، فهو في ضمانه ، والحجّ عليه ، وإن مات ، انفسخت الإِجارة ؛ لأنّ المعقود عليه تلف فانفسخ العقد ، كما لو ماتت البهيمة المستأجرة ، ويكون الحجّ أيضاً من موضع بلغ إليه النائب.

وما يلزمه من الدماء فعليه ؛ لأنّ الحجّ عليه.

النظر الثاني : التثبّت على الراحلة‌

التثبّت على الراحلة شرط في وجوب الحجّ ، فالشيخ الهِمّ والمعضوب الذي لا يتمكّن من الاستمساك على الراحلة لا يجب عليه الحجّ.

وكذا لو كان يتثبّت على الراحلة لكن بمشقّة عظيمة ، يسقط عنه فرض عامه ، لقولهعليه‌السلام : ( مَنْ لم يحبسه مرض أو حاجة ظاهرة أو سلطان جائر ولم يحج فليمت إن شاء يهوديّاً أو نصرانيّاً)(١) .

إذا عرفت هذا ، فمقطوع اليدين أو الرِّجْلين إذا أمكنه الثبوت على الراحلة من غير مشقّة شديدة يجب عليه مباشرة الحجّ ، ولا تجوز الاستنابة.

ولو احتاج المعضوب إلى حركة عنيفة يعجز عنها ، سقط في عامه ، فإن‌

____________________

(١) سنن البيهقي ٤ : ٣٣٤.


مات قبل التمكّن ، سقط.

النظر الثالث : أمن الطريق‌

وهو شرط في وجوب الحجّ ، فلو كان الطريق مخوفاً أو كان فيه مانع من عدوّ وشبهه ، سقط فرض الحجّ في ذلك العام وإن حصلت باقي الشرائط ، عند علمائنا - وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين(١) - لأنّ الله تعالى إنّما فرض الحجّ على المستطيع وهذا غير مستطيع.

ولأنّ هذا يتعذّر معه فعل الحجّ ، فكان شرطاً ، كالزاد والراحلة.

ولأنّ حفص الكناسي سأل الصادقعليه‌السلام عن قول الله عزّ وجلّ :( وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) (٢) ما يعني بذلك؟ قال : « مَنْ كان صحيحاً في بدنه ، مخلّى سربه ، له زاد وراحلة فهو ممّن يستطيع الحج »(٣) .

وقال أحمد في الرواية الاُخرى : إنّه ليس شرطاً للوجوب ، بل هو شرط لزوم السعي ، فلو كملت شرائط الحج ثم مات قبل وجود هذا الشرط ، حُجّ عنه بعد موته ، وإن أعسر قبل وجوده، بقي في ذمته ، لأنّ النبيعليه‌السلام لمـّا سئل ما يوجب الحج؟ قال : ( الزاد والراحلة )(٤) وهذا له زاد وراحلة.

ولأنّ هذا عذر يمنع نفس الأداء ، فلم يمنع الوجوب ، كالعضب.

ولأنّ إمكان الأداء ليس شرطاً في وجوب العبادات بدليل ما لو طهرت الحائض أو بلغ الصبي أو أفاق المجنون ولم يبق من وقت الصلاة ما يمكن‌

____________________

(١) بدائع الصنائع ٢ : ١٢٣ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٣ ، المهذب - للشيرازي - ١ : ٢٠٤ ، الوجيز ١ : ١٠٩ ، فتح العزيز ٧ : ١٧ ، المغني ٣ : ١٦٦ ، الشرح الكبير ٣ : ١٩٥.

(٢) آل عمران : ٩٧.

(٣) الكافي ٤ : ٢٦٧ / ٢ ، التهذيب ٥ : ٣ / ٢ ، الاستبصار ٢ : ١٣٩ / ٤٥٤.

(٤) تقدّمت الإِشارة إلى مصادره في المسألة ٣٦.


أداؤها فيه(١) .

وليس بجيّد ، لأنّ تكليف الخائف بالسعي تكليف بالمنهي عنه ، فإنّ الله تعالى قال :( وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) (٢) وهو قبيح.

والمراد بقولهعليه‌السلام : ( الزاد والراحلة ) ليس على إطلاقه ، بل مع حصول باقي الشرائط قطعاً.

ونمنع الوجوب في حقّ المعضوب ، وقد تقدّم(٣) .

وللفرق : بأنّ المعضوب يتمكّن من الاستنابة ، بخلاف المتنازع ، فإنّه غير متمكّن من الاستئجار ، فإنّ الأجير لا يتمكّن المضيّ مع الخوف.

مسألة ٥٦ : أمن الطريق على النفس والبُضْع والمال شرط في وجوب الحجّ ، فلو خاف على نفسه من سبع أو عدوّ في الطريق ، لم يلزمه الحجّ ، ولهذا جاز التحلّل عن الإِحرام بمثل ذلك على ما يأتي في باب الإِحصار ، وقد تقدّم الخلاف فيه.

هذا إذا لم يجد طريقاً سواه ، فإن وجد طريقاً آخر آمناً ، لزمه سلوكه وإن كان أبعد إذا وجد النفقة المحتاج إليها في سلوكه واتّسع الزمان ، وهو قول الشافعية(٤) .

ولهم وجه آخر : إنّه لا يلزمه ، كما لو احتاج إلى بذل مؤونة زائدة في ذلك الطريق(٥) .

وليس بجيّد ؛ لأنّه مستطيع ، وليس للطريق ضابط.

مسألة ٥٧ : لو كان في الطريق بحر ، وكان له في البرّ طريق آخر ، فإن استويا في الأمن ، تخيّر في سلوك أيّهما شاء ، وإن اختصّ أحدهما بالأمن دون‌

____________________

(١) المغني ٣ : ١٦٦ - ١٦٧ ، الشرح الكبير ٣ : ١٩٥.

(٢) البقرة : ١٩٥.

(٣) تقدّم في المسألة ٤٧.

(٤ و ٥) فتح العزيز ٧ : ١٧ ، المجموع ٧ : ٨١.


الآخر ، تعيّن الآمن ؛ لأنّه مستطيع ، ولو استويا في عدم الأمن ، سقط فرض الحجّ في ذلك العام؛ لانتفاء شرط الوجوب ، ولا تجب الاستنابة على ما تقدّم.

ولو خاف من ركوب البحر ولا طريق آمناً سواه ، سقط الفرض في ذلك العام ، ولو لم يخف من ركوبه ، وجب عليه الحجّ.

وللشافعي قولان :

أحدهما قوله في المختصر : لم يبِنْ لي أن اُوجب ركوب البحر.

ونصّ في الاُم على أنّه لا يجوز.

وقال في الإِملاء : إن كان أكثر عيشه في البحر ، وجب ، فانقسم أصحابه قسمين : أحدهما أثبت الخلاف في المسألة ، والثاني نفاه.

وللمثبتين طريقان :

أحدهما : أنّ المسألة على قولين مطلقاً :

أحدهما : أنّه يلزمه الركوب ؛ للظواهر المطلقة في الحجّ.

والثاني : لا يلزمه ؛ لما فيه من الخوف والخطر.

وأظهرهما : أنّه إن كان الغالب منه الهلاك إمّا باعتبار خصوص ذلك البحر ، أو لهيجان الأمواج في بعض الأحوال ، لم يلزم الركوب ، وإن كان الغالب فيه السلامة ، فقولان :

أظهرهما : اللزوم ؛ لسلوك طريق البرّ عند غلبة السلامة.

والثاني : المنع ؛ لأنّ عوارض البحر عسرة الدفع.

وعلى هذا فلو اعتدل الاحتمال فيلحق بغلبة السلامة أو بغلبة الهلاك ، تردّد فيه الشافعية(١) .

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ١٧ - ١٨ ، وراجع : المهذب - للشيرازي - ١ : ٢٠٤ ، والمجموع ٧ : ٨٣ ، ومختصر المزني : ٦٢.


وأمّا النافون للخلاف فلهم طُرُق :

أحدها : القطع بعدم اللزوم وحُمِل نصّه في الإِملاء على ما إذا ركبه لبعض الأغراض ، فصار أقرب إلى الشط الذي يلي مكة.

والثاني : القطع باللزوم.

والثالث : أنّه إن كان الغالب الهلاك ، لم يلزم ، وإن كان الغالب السلامة ، لزم ، واختلاف القولين محمول على حالين ، وبه قال أبو حنيفة وأحمد(١) .

والرابع : تنزيل القولين على حالين من وجه آخر : إن كان الرجل ممّن اعتاد ركوب البحر كالملّاحين وأهل الجزائر ، لزمه ، وإلّا فلا ؛ لصعوبته عليه.

ونقل الجويني عن بعض الشافعية : اللزوم عند جرأة الراكب ، وعدمه عند استشعاره.

ومن الشافعية مَنْ قال : لا يجب على المستشعر ، وفي غيره قولان.

ومنهم مَنْ قال : يجب على غير المستشعر ، وفيه قولان.

وعلى القول بعدم وجوب ركوبه هل يستحب؟ فيه وجهان لهم :

أحدهما : لا ، لما فيه من التغرير بالنفس.

وأظهرهما : نعم ، كما يستحب ركوبه للغزو.

والوجهان فيما إذا كان الغالب السلامة ، أمّا إذا كان الغالب الهلاك ، فيحرم الركوب ، نقله الجويني ، وحكى تردّد الشافعية فيما إذا اعتدل الاحتمال.

وإذا لم نوجب الركوب ، فلو توسّط البحر هل له الانصراف أم عليه التمادي؟ فيه قولان مبنيان على القولين في المحصر إذا أحاط العدوّ به من‌

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ١٩ ، المغني ٣ : ١٦٧.


الجوانب هل يجوز له التحلّل؟ إن قلنا : له التحلّل ، فله الانصراف ، وإن قلنا : لا - لأنّه لا يستفيد الخلاص - فليس له الانصراف.

والوجهان فيما إذا استوى ما بين يديه وما خلفه في غالب الظنّ ، فإن كان فيما بين يديه أكثر ، لم يلزمه التمادي ، وإن كان أقلّ ، لزم.

قالوا : هذا في حقّ الرجل ، أمّا المرأة ففيها خلاف بينهم مرتّب على الرجل ، وأولى بعدم الوجوب ؛ لأنّها أشدّ تأثّرا بالأهوال ، ولأنّها عورة وربما تنكشف للرجال ، لضيق المكان ، وإذا قلنا بعدم الوجوب فنقول بعدم الاستحباب أيضاً.

ومنهم من طرّد الخلاف.

وليست الأنهار العظيمة - ك‍ « جيحون » - في معنى البحر ؛ لأنّ المقام فيها لا يطول ، والخطر فيها لا يعظم(١) .

مسألة ٥٨ : المرأة كالرجل متى خافت على نفسها أو المكابرة على فرجها سقط الفرض عنها ، فإن احتاجت إلى المحرم وتعذّر ، سقط الفرض عنها أيضاً ؛ لعدم استطاعتها بدونه.

وليس المحرم شرطاً في وجوب الحجّ عليها مع الاستغناء عنه ، عند علمائنا ، وبه قال ابن سيرين ومالك والأوزاعي والشافعي وأحمد في إحدى الروايات(٢) .

قال ابن سيرين : تخرج مع رجل من المسلمين لا بأس به(٣) .

وقال مالك : تخرج مع جماعة النساء(٤) .

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ١٨ - ٢٢ ، المجموع ٧ : ٨٣ - ٨٥.

(٢) المغني ٣ : ١٩٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٠١ ، بداية المجتهد ١ : ٣٢٢ ، المجموع ٨ : ٣٤٣ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٢٣.

(٣) المغني ٣ : ١٩٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٠١.

(٤) الموطّأ ١ : ٤٢٦ ذيل الحديث ٢٥٤ ، المنتقى - للباجي - ٣ : ٨٢ ، المغني ٣ : ١٩٢ ، =


وقال الشافعي : تخرج مع حُرة مسلمة ثقة(١) .

وقال الأوزاعي : تخرج مع قوم عدول تتّخذ سُلّماً تصعد عليه وتنزل ، ولا يقربها رجل إلّا أنّه يأخذ رأس البعير وتضع رجلها(٢) على ذراعه(٣) .

قال ابن المنذر : تركوا القول بظاهر الحديث ، واشترط كلّ واحد منهم شرطاً لا حجّة معه عليه(٤) .

والأصل في ذلك : أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فسّر الإِستطاعة بالزاد والراحلة(٥) وقال لعدي بن حاتم : ( يوشك أن تخرج الظعينة(٦) من الحيرة يوم تؤمّ البيت لا جوار معها لا تخاف إلّا الله )(٧) رواه العامّة(٨) .

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام : « مَنْ كان صحيحاً في بدنه ، مخلّى سربه ، له زاد وراحلة ، فهو ممّن يستطيع الحج »(٩) .

____________________

= الشرح الكبير ٣ : ٢٠١ ، معالم السنن - للخطّابي - ٢ : ٢٧٦ ، الحاوي الكبير ٤ : ٣٦٣ ، المجموع ٨ : ٣٤٣.

(١) الحاوي الكبير ٤ : ٣٦٣ ، المجموع ٨ : ٣٤٣ ، معالم السنن - للخطّابي - ٢ : ٢٧٦ ، المغني ٣ : ١٩٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٠١.

(٢) في جميع النسخ الخطية المعتمدة في التحقيق ، والطبعة الحجرية والمصدر : رجله. والصحيح ما أثبتناه بدلالة السياق.

(٣ و ٤) المغني ٣ : ١٩٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٠١.

(٥) أورده ابنا قدامة في المغني ٣ : ١٩٢ ، والشرح الكبير ٣ : ٢٠١.

(٦) أصل الظعينة : الراحلة التي يرحل ويظعن عليها ، أي يسار. وقيل للمرأة : ظعينة ؛ لأنّها تظعن مع الزوج حين ظعن ، أو لأنّها تُحمل على الراحلة إذا ظعنت. النهاية - لابن الأثير - ٣ : ١٥٧.

(٧) ورد في هامش « ن » هذه الحاشية : قلت : هذا إخبار منه صلوات الله عليه بالمغيبات كما هو جاري عادته ، لأنّ الحيرة لم تفتح في أيام حياته بل بعد انتقاله الى الله تعالى ، وهذا إيماء إلى زمان القائمعليه‌السلام .

(٨) أورده ابنا قدامة في المغني ٣ : ١٩٢ ، والشرح الكبير ٣ : ٢٠١ ، وبتفاوت في سنن الدار قطني ٢ : ٢٢٢ / ٢٨.

(٩) الكافي ٤ : ٢٦٧ / ٢ ، التهذيب ٥ : ٣ / ٢ ، الاستبصار ٢ : ١٣٩ / ٤٥٤.


وعن أبي بصير عن الصادقعليه‌السلام ، قال : سألته عن المرأة تحجّ بغير وليها ، قال : « نعم إذا كانت امرأةً مأمونةً تحجّ مع أخيها المسلم »(١) .

وفي الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجّاج عن الصادقعليه‌السلام ، قال : سألته عن المرأة تحجّ بغير محرم ، فقال : « إذا كانت مأمونةً ولم تقدر على محرم فلا بأس بذلك »(٢) .

ولأنّه سفر واجب ، فلا يشترط فيه المحرم ، كالمسلمة إذا تخلّصت من أيدي الكفّار.

وقال أحمد في رواية اُخرى : المحرم من السبيل ، وإنّ المرأة الموسرة إذا لم يكن لها محرم لا يجب عليها الحجّ - وبه قال الحسن البصري والنخعي وإسحاق وابن المنذر وأصحاب الرأي - فلو لم يكن محرم لم يجز لها الخروج إلّا أن يكون بينها وبين مكة مسير ما دون ثلاثة أيام ؛ لما رواه أبو هريرة قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم إلّا ومعها ذو محرم )(٣) .

ولأنّها أنشأت سفراً في دار الإِسلام ، فلم يجز بغير محرم ، كحجّ التطوّع(٤) .

والحديث مخصوص بالمتخلّصة من أيدي الكفّار ، فيكون مخصوصاً بالحجّ ؛ لاشتراكهما في الوجوب.

ويحمل أيضاً على السفر في غير الحجّ الواجب.

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٤٠٠ - ٤٠١ / ١٣٩٣.

(٢) التهذيب ٥ : ٤٠١ / ١٣٩٤.

(٣) صحيح مسلم ٢ : ٩٧٧ / ٤٢٠ ، سنن البيهقي ٥ : ٢٢٧.

(٤) المغني ٣ : ١٩٢ - ١٩٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٠١ - ٢٠٢ ، معالم السنن - للخطّابي - ٢ : ٢٧٦ ، بداية المجتهد ١ : ٣٢٢ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٢٣ ، النتف ١ : ٢٠٤ ، أحكام القرآن - للجصّاص - ٢ : ٢٤.


ونمنع اشتراط المحرم في حجّ التطوّع ؛ فإنّ الزوج إذا أذن لزوجته في الحجّ ، جاز لها المضيّ فيه وإن لم يصحبها.

تذنيبات : المحرم عند المشترطين له هو الزوج أو مَنْ تحرم عليه على التأبيد إمّا بنسب أو بسبب مباح كأبيها وابنها وأخيها من نسب أو رضاع ؛ لما رووه عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال : ( لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفراً يكون ثلاثة أيام فصاعداً إلّا ومعها أبوها أو ابنها أو زوجها أو ذو محرم منها )(١) (٢) .

قال أحمد : ويكون زوج اُمّ المرأة محرماً لها يحجّ بها ، ويسافر الرجل مع اُمّ ولد جدّه ، فإذا كان أخوها من الرضاعة خرجت معه(٣) .

وقال في اُمّ امرأته : يكون محرماً لها في حجّ الفرض دون غيره(٤) .

وأمّا مَنْ لا تحرم عليه مؤبّداً فليس بمحرم ، كعبدها وزوج اُختها ؛ لأنّهما غير مأمونين عليها ، ولا تحرم عليهما مؤبّداً ، فهما كالأجنبي ، قاله أحمد(٥) .

وقال الشافعي : عبدها محرم لها ، لأنّه مباح له النظر إليها ، فكان محرما لها ، كذي رحمها(٦) .

وهو غلط ؛ فإنّا نمنع إباحة نظره إليها ، وسيأتي(٧) .

وأمّا اُمّ الموطوءة بشبهة أو المزني بها أو ابنتها فليس بمحرم لهما ؛ لأنّ تحريمهما بسبب غير مباح؛ فلم يثبت به حكم المحرمية ، كالتحريم الثابت باللعان ، وليس له الخلوة بهما ولا النظر إليهما كذلك.

____________________

(١) صحيح مسلم ٢ : ٩٧٧ / ١٣٤٠ ، سنن الترمذي ٣ : ٤٧٢ / ١١٦٩.

(٢) المغني ٣ : ١٩٣ - ١٩٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٠٣ - ٢٠٤.

(٣ و ٤) المغني ٣ : ١٩٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٠٤.

(٥) المغني ٣ : ١٩٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٠٤ ، الكافي في فقه الإِمام أحمد ١ : ٤٧٠.

(٦) المهذب - للشيرازي - ٢ : ٣٦ ، المغني ٣ : ١٩٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٠٤.

(٧) يأتي في كتاب النكاح ، المقدمة الثامنة من مقدّماته.


قال أحمد : والكافر ليس محرماً للمسلمة وإن كانت ابنته(١) .

وقال أبو حنيفة والشافعي : هو محرم لها ، لأنّها محرّمة عليه على التأبيد(٢) .

وقول أحمد لا بأس به في كافر يعتقد حلّها ، كالمجوسي.

وقال أحمد : يشترط في المحرم أن يكون بالغاً عاقلاً ؛ لأنّ الصبي لا يقوم بنفسه قبل الاحتلام فكيف يخرج مع امرأة ، ولأنّ المقصود بالمحرم حفظ المرأة ، ولا يحصل إلّا من البالغ العاقل(٣) .

ونفقة المحرم في الحجّ عليها ؛ لأنّه من سبيلها ، فكان عليها نفقته كالراحلة ، فعلى هذا يعتبر في استطاعتها أن تملك زاداً وراحلةً لها ولمحرمها ، فإن امتنع محرمها من الحجّ معها مع بذلها له نفقته ، فهي كمن لا محرم لها.

وهل تلزمه إجابتها إلى ذلك؟ عن أحمد روايتان(٤) .

والصحيح : أنّه لا يلزمه الحجّ معها ؛ لما في الحجّ من المشقّة الشديدة والكلفة العظيمة ، فلا يلزم أحداً لأجل غيره ، كما لم يلزمه أن يحجّ عنها إذا كانت مريضة.

ولو مات محرم المرأة في الطريق ، قال أحمد : إذا تباعدت ، مضت فقضت الحجّ(٥) .

مسألة ٥٩ : لا يجوز للرجل منع زوجته الموسرة من حجّة الإِسلام إذا حصلت الشرائط ، عند علمائنا - وبه قال النخعي وإسحاق وأبو ثور وأحمد وأصحاب الرأي والشافعي في أصحّ قوليه(٦) - لما رواه العامة عن النبي صلّى‌

____________________

(١ و ٢) المغني ٣ : ١٩٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٠٥.

(٣) المغني ٣ : ١٩٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٠٥ - ٢٠٦.

(٤ و ٥) المغني ٣ : ١٩٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٠٦ ، الكافي في فقه الإِمام أحمد ١ : ٤٧٠.

(٦) المغني ٣ : ١٩٥ ، الشرح الكبير ٣ : ١٧٦ ، الكافي في فقه الإِمام أحمد ١ : ٤٧٠ ، =


الله عليه وآله قال : ( لا تمنعوا إماء الله عن مساجد الله )(١) .

ومن طريق الخاصة : رواية محمد بن مسلم - في الصحيح - عن الباقرعليه‌السلام ، قال : سألته عن امرأة لم تحجّ ولها زوج وأبى أن يأذن لها في الحجّ فغاب زوجها فهل لها أن تحجّ؟ قال : « لا طاعة له عليها في حجّة الإِسلام »(٢) .

ولأنّه فرض ، فلم يكن له منعها منه ، كالصوم والصلاة الواجبين.

وقال الشافعي في الآخر : له منعها منه ؛ لأنّ الحجّ على التراخي(٣) . وهو ممنوع.

إذا عرفت هذا ، فيستحب أن تستأذنه في ذلك ، فإن أذن وإلّا خرجت بغير إذنه.

وأمّا حجّ التطوّع فله منعها.

قال ابن المنذر : أجمع كلّ مَنْ يحفظ عنه من أهل العلم أنّ له منعها من الخروج إلى حجّ التطوّع ، لأنّ حقّ الزوج واجب ، فليس لها تفويته بما ليس بواجب ، كالسيد مع عبده(٤) .

ولما رواه إسحاق بن عمّار عن الرضاعليه‌السلام ، قال : سألته عن المرأة‌

____________________

= الحاوي الكبير ٤ : ٣٦٣ ، المهذب - للشيرازي - ١ : ٢٤٢ ، المجموع ٨ : ٣٢٧ ، الهداية - للمرغيناني - ١ : ١٣٥.

(١) صحيح البخاري ٢ : ٧ ، صحيح مسلم ١ : ٣٢٧ / ١٣٦ ، سنن أبي داود ١ : ١٥٥ / ٥٦٥ و ٥٦٦ ، سنن البيهقي ٣ : ١٣٢ ، المعجم الكبير - للطبراني - ١٢ : ٣٦٣ / ١٣٣٥٠ و ٤٢٥ / ١٣٥٦٥ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٢ : ٣٨٣ ، مسند أبي عوانة ٢ : ٥٩ ، مسند الحميدي ٢ : ٤٣١ - ٤٣٢ ، مسند احمد ٢ : ٤٣٨.

(٢) التهذيب ٥ : ٤٠٠ / ١٣٩١ ، الاستبصار ٢ : ٣١٨ / ١١٢٦.

(٣) الحاوي الكبير ٤ : ٣٦٣ ، المهذب - للشيرازي - ١ : ٢٤٢ ، المجموع ٨ : ٣٢٧ و ٣٢٨ ، المغني ٣ : ١٩٥ ، الشرح الكبير ٣ : ١٧٦ ، الهداية - للمرغيناني - ١ : ١٣٥.

(٤) المغني ٣ : ١٩٥ ، الإِجماع - لابن المنذر - ١٦ / ١٣٥.


الموسرة قد حجّت حجّة الإِسلام تقول لزوجها : حجّني من مالي ، أله أن يمنعها من ذلك؟ قال : « نعم ويقول لها : حقّي عليك أعظم من حقّك عليّ في هذا »(١) .

وأمّا الحجّة المنذورة ، فإن كانت قد نذرت الحجّ المعيّن بزمان معيّن حالة خلوّها من الزوج ، أو قيّدت النذر بزمان معيّن بإذنه لو كانت مزوّجةً به ، فإنّه ليس له منعها منه ، لأنّه واجب عليها ، فأشبه حجّة الإِسلام.

وإن نذرت حال الزوجية به ، فإن أذن لها في النذر وكان مطلقاً ، فالوجه : أنّه يجوز له منعها في ذلك العام ؛ لأنّه واجب مطلق.

ويحتمل عدم المنع ؛ لأنّه أداء الواجب.

تذنيب : حكم العبد حكم المزوّجة ، فإن اُعتق فكالمطلّقة بائناً ، والأمة المزوّجة يشترط في حجّها التطوّع ونذره إذن المولى والزوج.

مسألة ٦٠ : المعتدة عدّة رجعية كالزوجة ، لأنّ للزوج الرجوع في طلاقها والاستمتاع بها ، والحجّ يمنعه عن ذلك لو راجع ، فيقف على إذنه.

ولأنّ الصادقعليه‌السلام قال : « المطلّقة إن كانت صرورة ، حجّت في عدّتها ، وإن كانت حجّت ، فلا تحجّ حتى تقضي عدّتها »(٢) .

ولها أن تخرج في حجّة الإِسلام من غير إذن الزوج ؛ لأنّ الزوجة لها ذلك فالمطلّقة أولى ؛ لقول أحدهماعليهما‌السلام : « المطلّقة تحجّ في عدّتها »(٣) .

أمّا التطوّع فليس لها ذلك إلّا بإذنه ؛ لما تقدّم.

ولما رواه معاوية بن عمّار عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « لا تحجّ‌

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٤٠٠ / ١٣٩٢ ، والفقيه ٢ : ٢٦٨ / ١٣٠٧.

(٢) التهذيب ٥ : ٤٠٢ / ١٣٩٩ ، الاستبصار ٢ : ٣١٨ / ١١٢٥.

(٣) التهذيب ٥ : ٤٠٢ / ١٣٩٨ ، الاستبصار ٢ : ٣١٧ / ١١٢٤ ، والفقيه ٢ : ٢٦٩ / ١٣١١.


المطلّقة في عدّتها »(١) وحملناه على التطوّع ؛ جمعاً بين الأدلّة.

أمّا المطلّقة طلاقاً بائناً فإنّها تخرج في الواجب والتطوّع من غير إذن الزوج ؛ لانقطاع سلطنته عليها وصيرورته أجنبياً لا اعتبار بإذنه.

وأمّا المعتدّة عدّة الوفاة فإنّها تخرج في حجّ الإِسلام عند علمائنا ؛ لانقطاع العصمة.

ولما رواه زرارة - في الصحيح - قال : سألت الصادقعليه‌السلام عن التي يتوفّى عنها زوجها أتحجّ في عدّتها؟ قال : « نعم »(٢) .

وقال أحمد : لا يجوز لها أن تخرج ، وتقدّم ملازمة المنزل على الحجّ ؛ لأنّه يفوت(٣) .

والحقّ : اتّباع النقل.

مسألة ٦١ : لو كان في الطريق عدوّ يخاف منه على ماله ، سقط فرض الحجّ ، عند علمائنا - وبه قال الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين(٤) - لأنّ بذل المال تحصيل لشرط الوجوب وهو غير واجب ، فلا يجب ما يتوقّف عليه.

وفي الرواية الاُخرى عن أحمد : أنّه لا يسقط فرض الحجّ ، ويجب أن يستنيب(٥) .

وليس بمعتمد.

ولا فرق بين أن يكون المال قليلاً أو كثيراً.

ويحتمل أن يقال بالوجوب مع القلّة إذا لم يتضرّر.

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٤٠١ / ١٣٩٦ ، الاستبصار ٢ : ٣١٧ / ١١٢٢.

(٢) الفقيه ٢ : ٢٦٩ / ١٣١٢ ، والتهذيب ٥ : ٤٠٢ / ١٤٠١ بتفاوت يسير فيه.

(٣) المغني ٣ : ١٩٦ ، الشرح الكبير ٣ : ١٧٧ ، الكافي في فقه الإِمام أحمد ١ : ٤٧٠.

(٤) فتح العزيز ٧ : ٢٤ ، المجموع ٧ : ٨١ - ٨٢ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٣ ، المغني ٣ : ١٦٦.

(٥) المغني ٣ : ١٦٦ - ١٦٧.


ولو لم يندفع العدوّ إلّا بمال أو خفارة ، قال الشيخ : لا يجب ، لأنّه لم تحصل التخلية(١) .

ولو قيل بالوجوب مع إمكان الدفع من غير إجحاف ، أمكن ، لأنّه كأثمان الآلات.

ولو بذل باذل المطلوب فانكشف العدوّ ، لزمه الحجّ ، وليس له منع الباذل ، لتحقّق الاستطاعة.

أمّا لو قال الباذل : أقبل المال وادفع أنت ، لم يجب.

ولا فرق بين أن يكون الذي يُخاف منه مسلمين أو كفّاراً.

ولو تمكّن من محاربتهم بحيث لا يلحقه ضرر ولا خوف فهو مستطيع.

ويحتمل عدم الوجوب ؛ لأنّ تحصيل الشرط ليس بواجب.

أمّا لو خاف على نفسه أو ماله من قتل أو جرح أو نهب ، لم يجب.

ولو كان العدوّ كفّاراً وقدر الحاج على محاربتهم من غير ضرر ، استحب قتالهم ؛ لينالوا ثواب الجهاد والحجّ معاً ، أمّا لو كانوا مسلمين ، فإنّه لا يستحب الحجّ ؛ لما فيه من قتل المسلم ، وليس محرّماً.

ولو كان على المراصد مَنْ يطلب مالا ، لم يلزمه الحجّ.

وكره الشافعية بذل المال لهم ؛ لأنّهم يحرضون بذلك على التعرّض للناس(٢) .

ولو بعثوا بأمان الحجيج وكان أمانهم موثوقاً به ، أو ضمن لهم أمير [ ما يطلبونه ](٣) وأمن الحجيج ، لزمهم الخروج.

ولو وجدوا من يُبَذْرقُهم(٤) باُجرة ولو استأجروا لأمنوا غالباً ، احتمل وجوب‌

____________________

(١) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٠١.

(٢) فتح العزيز ٧ : ٢٤ ، المجموع ٧ : ٨٢.

(٣) في النسخ الخطية والحجرية : فانطلقوا به. وهي تصحيف ، وما أثبتناه من فتح العزيز.

(٤) البذرقة ، فارسي معرّب : الخفارة. لسان العرب ١٠ : ١٤.


الاستئجار - وهو أحد وجهي الشافعية(١) - لأنّ بذل الاُجرة بذل مال [ بحقّ ](٢) والمـُبَذْرِقُ أهبة الطريق ، كالراحلة وغيرها.

ويحتمل عدم الوجوب - وهو الوجه الثاني للشافعية(٣) - لأنّه خسران لدفع الظلم ، فأشبه التسليم إلى الظالم.

مسألة ٦٢ : يشترط لوجوب الحجّ وجود الزاد والماء في المواضع التي جرت العادة بحمل الزاد والماء منها ، فإن كان العام عام جدب وخلا بعض تلك المنازل عن أهلها أو انقطعت المياه ، لم يلزمه الحجّ ، لأنّه إن لم يحمل معه ، خاف على نفسه ، وإن حمله ، لحقته مؤونة عظيمة.

وكذلك الحكم لو كان يوجد الزاد والماء فيها لكن بأكثر من ثمن المثل وهو القدر اللائق في ذلك المكان والزمان.

وإن وجدهما بثمن المثل ، لزم التحصيل ، سواء كانت الأسعار رخيصةً أو غاليةً إذا وفي ماله.

ويحمل منها قدر ما جرت العادة به في طريق مكة كحمل الزاد من الكوفة والماء مرحلتين أو ثلاثاً إذا قدر عليه ووجد آلات الحمل.

وأمّا علف الدواب فيشترط وجوده في كلّ مرحلة.

ويشترط أيضاً في الوجوب : وجود الرفقة إن احتاج إليها ، فإن حصلت له الاستطاعة وحصل بينه وبين الرفقة مسافة لا يمكنه اللحاق أو يحتاج أن يتكلّف إمّا بمناقلة(٤) أو بجعل منزلين منزلاً ، لم يلزمه الحج تلك السنة ، فإن بقي حالته في إزاحة العلّة إلى السنة المقبلة ، لزمه ، وإن مات قبل ذلك لا يجب أن يحجّ عنه ، فإن فاتته السنة المقبلة ولم يحج ، وجب حينئذٍ أن يُحجّ‌

____________________

(١) الوجيز ١ : ١٠٩ ، فتح العزيز ٧ : ٢٥ ، المجموع ٧ : ٨٢.

(٢) في النسخ الخطية والحجرية : يخفّ. وهي تصحيف ، وما أثبتناه من فتح العزيز.

(٣) المصادر في الهامش (١)

(٤) مناقلة من النقيل : ضرب من السير ، وهو المداومة عليه. الصحاح ٥ : ١٨٣٤.


عنه ، ولو احتاج إلى حركة عنيفة يعجز عنها ، سقط في عامه ، فإن مات قبل التمكّن ، سقط.

النظر الرابع : في اتّساع الوقت‌

مسألة ٦٣ : اتّساع الوقت شرط في الوجوب ، وهو أن يكمل فيه هذه الشرائط والزمان يتّسع للخروج ولحوق المناسك ، فلو حصلت الشرائط وقد ضاق الوقت بحيث لو شرع في السير لم يصل إلى مكة ، لم يجب الحج في ذلك العام عند علمائنا - وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين(١) - لأنّ الله تعالى إنّما فرض الحجّ على المستطيع وهذا غير مستطيع ، ولأنّ هذا يتعذّر معه فعل الحج ، فكان شرطاً ، كالزاد والراحلة.

وقال أحمد في الرواية الثانية : إنّه ليس شرطاً في الوجوب ، وإنّما هو شرط للزوم الحج ، لأنّهعليه‌السلام فسّر الاستطاعة بالزاد والراحلة(٢) .

وهو ضعيف وقد سلف(٣) .

ولو مات حينئذٍ ، لم يُقْض عنه ، ولو علم الإِدراك لكن بعد طيّ المنازل وعجزه عن ذلك ، لم يجب ، ولو قدر ، وجب.

تتمّة تشتمل على مسائل :

الاُولى : هذه الشرائط التي ذكرناها منها ما هو شرط في الصحة والوجوب ، وهو : العقل ؛ لعدم الوجوب على المجنون وعدم الصحة منه ، ومنها ما هو شرط في الصحة دون الوجوب ، وهو : الإِسلام ، فإنّ الكافر يجب عليه الحج وغيره من فروع العبادات عند علمائنا أجمع ، وبه قال الشافعي في‌

____________________

(١) الحاوي الكبير ٤ : ١٦ ، المجموع ٧ : ٨٨ - ٨٩ ، فتح العزيز ٧ : ٢٩ ، المغني ٣ : ١٦٦ ، الشرح الكبير ٣ : ١٩٥ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ١ : ٤٦٦.

(٢) المغني ٣ : ١٦٦ - ١٦٧ ، الشرح الكبير ٣ : ١٩٥ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ١ : ٤٦٦ ، المجموع ٧ : ٨٩ ، فتح العزيز ٧ : ٣٠.

(٣) راجع : بداية مبحث أمن الطريق.


أحد الوجهين.

وفي الآخر : إنّه غير واجب عليه. وجَعَل الإِسلام شرطاً في الوجوب. وبه قال أبو حنيفة(١) .

لنا : عموم قوله تعالى :( وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ) (٢) والعارض - وهو الكفر - لا يصلح للمانعية ، كما لا يمنع من الخطاب بالإِسلام.

واحتجاج أبي حنيفة : بأنّ الكافر إمّا أن يجب عليه حال كفره أو بعد إسلامه ، والأول باطل؛ لأنّه لو وجب عليه ، لصحّ منه ، وإلّا لزم التكليف بالمحال ، والثاني باطل ؛ لقولهعليه‌السلام : (الإِسلام يجبّ ما قبله )(٣) .

وهو غلط ؛ لأنّ الوجوب حالة الكفر يستلزم الصحة العقلية ، أمّا الشرعية فإنّها موقوفة على شرط هو قادر عليه وهو : الإِسلام ، فكان كالمحدث المخاطب بالصلاة.

إذا عرفت هذا ، فلو أحرم وهو كافر ، لم يصح إحرامه ، فإذا أسلم قبل فوات الوقوف بالمشعر، وجب عليه الرجوع إلى الميقات وإنشاء الإِحرام منه ، وإن لم يتمكّن ، أحرم من موضعه ، ولو أسلم بعد فوات الوقوف بالمشعر ، وجب عليه في المـُقبل.

مسألة ٦٤ : المرتدّ إذا كان قد حجّ حالة إسلامه ثم حصل الارتداد بعد قضاء مناسكه ، لم يعد الحجّ بعد التوبة - وبه قال الشافعي(٤) - لما رواه العامّة من قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لمـّا سُئل أحجّتنا هذه لعامنا أم للأبد؟ فقال : ( للأبد )(٥) .

____________________

(١) شرح البدخشي ١ : ٢٠٧ - ٢٠٨ ، المجموع ٣ : ٤ و ٧ : ١٩ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٢٠.

(٢) آل عمران : ٩٧.

(٣) أورده الماوردي في الحاوي الكبير ١٤ : ٣١٣ ، وفي مسند أحمد ٤ : ١٩٩ و ٢٠٤ و ٢٠٥ ، ودلائل النبوة - للبيهقي - ٤ : ٣٥١ ، والطبقات الكبرى - لابن سعد - ٧ : ٤٩٧ بتفاوت.

(٤) فتح العزيز ٧ : ٥ ، المجموع ٧ : ٩.

(٥) أورده الماوردي في الحاوي الكبير ٤ : ٦.


ومن طريق الخاصة : قول الباقرعليه‌السلام : « مَنْ كان مؤمناً فحجّ ثم أصابته فتنة فكفر ثم تاب يحسب له كلّ عمل صالح عمله ولا يبطل منه شي‌ء »(١) .

ولأنّه أوقع الحجّ بشروطه ، فخرج عن العهدة ؛ لعدم وجوب التكرّر.

وتردّد الشيخرحمه‌الله ، وقوّى الإِعادة(٢) وجزم بها أبو حنيفة(٣) ؛ لقوله تعالى :( وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ) (٤) .

وهو ممنوع ؛ فإنّ الإِحباط مشروط بالموافاة.

تذنيب : المخالف إذا حجّ على معتقده ولم يُخلّ بشي‌ء من أركان الحجّ ، لم تجب عليه الإِعادة؛ لأنّ الصادقعليه‌السلام سُئل عن رجل حجّ وهو لا يعرف هذا الأمر ثم منّ الله عليه بمعرفته والدينونة به تجب عليه حجّة الإِسلام أو قد قضى فريضة؟ قال : « قد قضى فريضة ، ولو حجّ كان أحبّ إليّ»(٥) . الحديث.

آخر : لو أحرم ثم ارتدّ ثم عاد إلى الإِسلام ، كان إحرامه باقياً وبنى عليه.

وللشافعي وجهان : أحدهما : الإِبطال(٦) .

وليس بجيّد ؛ لأنّ الإِحرام لا يبطل بالموت والجنون ، فلا يبطل بالردّة.

ومنها : ما هو شرط في الوجوب دون الصحة ، وهو : البلوغ والحرّية والاستطاعة وإمكان المسير ؛ لأنّ الصبي والمملوك ومَنْ ليس معه زاد ولا راحلة‌

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٤٥٩ - ٤٦٠ / ١٥٩٧.

(٢) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٠٥.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٥ ، المجموع ٧ : ٩.

(٤) المائدة : ٥.

(٥) الكافي ٤ : ٢٧٥ / ٤ ، الفقيه ٢ : ٢٦٣ / ١٢٨١ ، التهذيب ٥ : ١٠ / ٢٥ ، الاستبصار ٢ : ١٤٦ / ٤٧٥.

(٦) المهذب - للشيرازي - ١ : ٢٤٢ ، المجموع ٨ : ٣٥٤ ، حلية العلماء ٣ : ٢٣٣.


وليس بمخلّى السرب ولا يمكنه المسير لو تكلّفوا الحج لصحّ منهم وإن لم يكن واجباً عليهم ولا يجزئهم عن حجّة الإِسلام.

مسألة ٦٥ : جامع الشرائط إذا قدر على المشي ، كان المشي أفضل من الركوب مع عدم الضعف عن أداء الفرائض ، ولو خاف الضعف عن إكمال الفرائض واستيفاء الشرائط والدعاء ، كان الركوب أفضل ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « ما عُبد الله بشي‌ء أشدّ من المشي ولا أفضل »(١) .

وسُئل الصادقعليه‌السلام عن فضل المشي ، فقال : « الحسن بن عليعليهما‌السلام قاسَمَ ربّه ثلاث مرّات حتى نعلاً ونعلاً وثوباً وثوباً وديناراً وديناراً ، وحجّ عشرين حجّة ماشياً على قدمه »(٢) .

وقد روي أنّ الصادقعليه‌السلام سُئل : الركوب أفضل أم المشي؟

فقال : « الركوب أفضل من المشي لأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ركب »(٣) .

وهو محمول على التفصيل الذي ذكرناه ؛ لما روي عنهعليه‌السلام أيّ شي‌ء أحبّ إليك نمشي أو نركب؟ فقال : « تركبون أحبّ إليّ ، فإنّ ذلك أقوى على الدعاء والعبادة »(٤) .

تذنيب : لو نذر أن يحجّ حجّة الإِسلام ماشياً ، وجب عليه الوفاء به مع القدرة ، لأنّه نذر في طاعة ، ولو عجز عن المشي ، وجب الركوب.

ولو نذر أن يحجّ ماشياً غير حجّة الإِسلام ، فإن قيّده بوقت ، تعيّن مع القدرة ، فإن عجز في تلك السنة ، احتمل وجوب الركوب مع القدرة ، وعدمه ؛ للعجز عن النذر فيسقط ، ولو لم يكن مقيّداً ، توقّع المكنة.

____________________

(١) التهذيب ٥ : ١١ / ٢٨ ، الاستبصار ٢ : ١٤١ / ٤٦٠.

(٢) التهذيب ٥ : ١١ - ١٢ / ٢٩ ، الاستبصار ٢ : ١٤١ - ١٤٢ / ٤٦١.

(٣) التهذيب ٥ : ١٢ / ٣١ ، الاستبصار ٢ : ١٤٢ / ٤٦٣.

(٤) التهذيب ٥ : ١٢ / ٣٢ ، الاستبصار ٢ : ١٤٢ / ٤٦٤.


مسألة ٦٦ : إذا كملت شرائط الحج فأهمل ، أثم ، فإن حجّ في السنة المقبلة ، برئت ذمته ، ويجب عليه المبادرة على الفور ولو مشياً.

وإن مات ، وجب أن يخرج عنه حجّة الإِسلام وعمرته من صلب المال ، ولا تسقط بالموت عند علمائنا أجمع - وبه قال الحسن وطاوس والشافعي(١) - لما رواه العامّة عن ابن عباس أنّ امرأة سألت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله عن أبيها مات ولم يحج ، قال : ( حجّي عن أبيك )(٢) .

ومن طريق الخاصة : ما رواه سماعة بن مهران ، قال : سألت الصادقعليه‌السلام عن الرجل يموت ولم يحج حجّة الإِسلام ولم يوص بها وهو موسر ، فقال : « يحجّ عنه من صلب ماله لا يجوز غير ذلك »(٣) .

ولأنّه حقّ استقرّ عليه تدخله النيابة فلم يسقط بالموت كالدّيْن.

وقال أبو حنيفة ومالك : تسقط بالموت ، فإن وصّى بها ، فهي من الثلث - وبه قال الشعبي والنخعي - لأنّها عبادة بدنية تسقط بالموت ، كالصلاة(٤) .

والفرق : أنّ الصلاة لا تدخلها النيابة.

مسألة ٦٧ : وفي وجوب الاستئجار من البلد الذي وجب على الميت الحج فيه إمّا من بلده أو من الموضع الذي أيسر فيه قولان :

أحدهما هذا ، وبه قال الحسن البصري وإسحاق ومالك في النذر(٥) .

والثاني : أنّه يجب من أقرب الأماكن إلى مكة وهو الميقات - وبه قال‌

____________________

(١) مختصر المزني : ٦٢ ، فتح العزيز ٧ : ٣١ ، المهذب - للشيرازي - ١ : ٢٠٦ ، المجموع ٧ : ١٠٩ و ١١٢ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٦ ، حلية العلماء ٣ : ٢٤٤ ، المغني ٣ : ١٩٨ ، الشرح الكبير ٣ : ١٩٦.

(٢) سنن النسائي ٥ : ١١٧ ، المعجم الكبير - للطبراني - ١٨ : ٢٨٤ / ٢٧٢.

(٣) التهذيب ٥ : ١٥ / ٤١.

(٤) حلية العلماء ٣ : ٢٤٤ ، المغني ٣ : ١٩٨ ، الشرح الكبير ٣ : ١٩٦ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ١٣٣ ، التفريع ١ : ٣١٥.

(٥) المغني ٣ : ١٩٨ ، الشرح الكبير ٣ : ١٩٦.


الشافعي(١) - وهو الأقوى عندي ؛ لأنّ الواجب أداء المناسك في المشاعر المخصوصة ، ولهذا لو خرج بنيّة التجارة ثم جدّد نيّة الحجّ عند المواقيت ، أجزأه فعله ، فعَلِمْنا أنّ قطع المسافة غير مطلوب للشرع.

ولما رواه حريز بن عبد الله عن الصادقعليه‌السلام ، قال : سألته عن رجل أعطى رجلاً حجّةً يحجّ عنه من الكوفة فحجّ عنه من البصرة ، قال : « لا بأس إذا قضى جميع المناسك فقد تمّ حجّه»(٢) .

وسأل علي بن رئاب ، الصادقعليه‌السلام عن رجل أوصى أن يحجّ عنه حجّة الإِسلام فلم يبلغ جميع ما ترك إلّا خمسين درهماً ، قال : « يحجّ عنه من بعض المواقيت الذي وقّت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من قرب »(٣) ولم يستفصل الإِمامعليه‌السلام في الجواب هل يمكن أن يحجّ بها من أبعد من الميقات أم لا؟

احتجّ الآخرون : بأنّ الحجّ وجب على الميّت من بلده فوجب أن ينوب عنه منه ؛ لأنّ القضاء يكون على وفق الأداء ، كقضاء الصلاة والصيام(٤) .

ونحن نمنع الوجوب من البلد ، وإنّما ثبت اتّفاقاً ، ولهذا لو اتّفق له اليسار في الميقات ، لم يجب عليه الرجوع إلى بلده لإِنشاء الإِحرام منه ، فدلّ على أنّ قطع المسافة ليس مراداً للشارع.

تذنيبات:

لو كان له موطنان ، قال الموجبون للاستنابة من بلده : يستناب من أقربهما(٥) . فإن وجب عليه الحجّ بخراسان ومات ببغداد ، أو وجب عليه‌

____________________

(١) المغني ٣ : ١٩٨ ، الشرح الكبير ٣ : ١٩٦.

(٢) التهذيب ٥ : ٤١٥ / ١٤٤٥.

(٣) الاستبصار ٢ : ٣١٨ / ١١٢٨ ، والتهذيب ٥ : ٤٠٥ / ١٤١١.

(٤) المغني ٣ : ١٩٨ - ١٩٩ ، الشرح الكبير ٣ : ١٩٧.

(٥) المغني ٣ : ١٩٦ ، الشرح الكبير ٣ : ١٩٧.


ببغداد فمات بخراسان ، قال أحمد : يحجّ عنه من حيث وجب عليه لا من حيث موته(١) .

ويحتمل أن يحجّ عنه من أقرب المكانين ؛ لأنّه لو كان حيّاً في أقرب المكانين لم يجب عليه الحجّ من أبعد منه فكذا نائبه.

فإن خرج للحجّ فمات في الطريق ، حُجّ عنه من حيث مات ؛ لأنّه أسقط بعض ما وجب عليه ، فلم يجب ثانياً ، وكذا إن مات نائبه استنيب من حيث مات كذلك.

قال أحمد : ولو أحرم بالحج ثم مات ، صحّت النيابة عنه فيما بقي من النسك ، سواء كان إحرامه لنفسه أو لغيره ؛ لأنّها عبادة تدخلها النيابة ، فإذا مات بعد فعل بعضها ، قضي عنه باقيها ، كالزكاة(٢) .

ولو لم يخلّف تركةً تفي بالحج من بلده ، حُجّ عنه من حيث تبلغ ، وإن كان عليه دين لآدمي؛ تحاصّا ، ويؤخذ للحجّ حصّته فيستأجر بها من حيث تبلغ.

ولو أوصى أن يُحجّ عنه ولم تبلغ النفقة ، قال أحمد : يحجّ عنه من حيث تبلغ النفقة للراكب من غير مدينته ؛ لقولهعليه‌السلام : ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم )(٣) .

ولأنّه قدر على أداء بعض الواجب فلزمه ، كالزكاة(٤) .

وعنه رواية اُخرى أنّ الحجّ يسقط عمّن عليه دين ؛ لأنّ حقّ الآدمي المعيّن أولى بالتقديم(٥) .

____________________

(١) المغني ٣ : ١٩٩ ، الشرح الكبير ٣ : ١٩٧.

(٢) المغني ٣ : ١٩٩ ، الشرح الكبير ٣ : ١٩٨ ، الكافي في فقه الإِمام أحمد ١ : ٤٧١.

(٣) صحيح البخاري ٩ : ١١٧ ، مسند أحمد ٢ : ٥٠٨.

(٤) المغني ٣ : ١٩٩ ، الشرح الكبير ٣ : ١٩٨.

(٥) المغني ٣ : ٢٠٠ ، الشرح الكبير ٣ : ١٩٩.


وهو باطل ؛ لقولهعليه‌السلام : ( دين الله أحقّ أن يقضى )(١) .

ولو أوصى بحجّ تطوّع بثلث ماله فلم يف الثلث بالحج من بلده ، حجّ به من حيث يبلغ.

ويستناب عن الميت ثقة بأقلّ ما يوجد إلّا أن يرضى الورثة بزيادة أو يكون قد أوصى بشي‌ء فيجوز ما أوصى به ما لم يزد على الثلث.

مسألة ٦٨ : إذا أوصى أن يُحجّ عنه فإمّا أن يكون بحجّ واجب أو مندوب ، أو لا يعلم وجوبه وندبه ، فإن كان بواجب فلا يخلو إمّا أن يعيّن قدراً أو لا ، وإن عيّن فإن كان بقدر اُجرة المثل ، أخرجت من الأصل ، وإن زادت عن اُجرة المثل ، اُخرجت اُجرة المثل من الأصل والباقي من الثلث ، وإن لم يعيّن ، أخرجت أجرة المثل من أصل المال.

وإن كان مندوباً ، اُخرج ما يعيّنه من الثلث إن عيّن قدراً ، وإلّا اُجرة المثل ، وإن لم يعلم ، اُخرج من الثلث اُجرة المثل أو ما عيّنه ؛ حملاً للإِطلاق على الندب ؛ لأصالة البراءة.

ولو أوصى بالحجّ عنه دائماً ، حُجّ عنه بقدر ثلث ماله إمّا مرّة واحدة أو أزيد.

ولو أوصى بالحجّ ولم يبلغ الثلث قدر ما يحجّ عنه من أقرب الأماكن ولم يوجد راغب فيه وكان عليه دين ، صُرف في الدّيْن ، فإن فضل منه فضلة أو لم يكن دين ، فالأولى الصدقة به ؛ لخروجه بالوصية عن ملك الورثة.

ويحتمل صرفه إلى الميراث ؛ لأنّه لمـّا تعذّر الوجه الموصى به رجع إلى الورثة كأنّه لا وصية.

مسألة ٦٩ : مَنْ مات قبل الحجّ فإمّا أن يكون قد وجب عليه الحجّ أو‌

____________________

(١) صحيح البخاري ٣ : ٤٦ ، صحيح مسلم ٢ : ٨٠٤ / ١٥٥ ، المعجم الكبير - للطبراني - ١٢ : ١٥ / ١٢٣٣٢.


لا ، فإن كان قد وجب عليه الحجّ فإمّا أن يكون قد استقرّ عليه أو لا ، فإن كان قد استقرّ عليه أوّلاً ثم أهمل وتمكّن من الإِتيان به ولم يفعل ، وجب عليه القضاء ؛ لما رواه الحلبي - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام قال : « يقضى عن الرجل حجّة الإِسلام من جميع ماله »(١) .

وإن لم يكن قد استقرّ عليه بل حال ما تحقّق الوجوب أدركته الوفاة ، فإنّه يسقط عنه فرض الحجّ ، ولا يجب الاستئجار ، وكذا لو لم يجب عليه الحج لم يجب الاستئجار ، لكن يستحب فيهما خصوصاً الأبوين ، رواه العامة(٢) ؛ لأنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أمر أبا رزين فقال : ( حجّ عن أبيك واعتمر )(٣) .

ومن طريق الخاصة : ما رواه عمّار بن عمير ، قال : قلت للصادقعليه‌السلام : بلغني عنك أنّك قلت : لو أنّ رجلاً مات ولم يحج حجة الإِسلام فأحجّ عنه بعض أهله أجزأ ذلك عنه ، فقال : « أشهد على أبي أنّه حدّثني عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه أتاه رجل فقال : يا رسول الله إنّ أبي مات ولم يحج حجّة الإِسلام ، فقال : حجّ عنه فإنّ ذلك يجزئ عنه »(٤) .

وفي الصحيح عن معاوية بن عمّار ، قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن رجل مات ولم يكن له مال ولم يحج حجة الإِسلام فأحجّ عنه بعض إخوانه هل يجزئ عنه؟ أو هل هي ناقصة؟ فقال : « بل هي حجة تامة »(٥) .

ولو أراد أن يحج عن أبويه ، قال أحمد : ينبغي أن يقدّم الحج عن الاُم ؛ لأنّها مقدّمة في البِرّ.

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٤٠٣ - ٤٠٤ / ١٤٠٥.

(٢) المغني ٣ : ٢٠٠ ، الشرح الكبير ٣ : ١٩٩.

(٣) سنن النسائي ٥ : ١١٧ ، سنن الترمذي ٣ : ٢٧٠ / ٩٣٠ ، سنن ابن ماجة ٢ : ٩٧٠ / ٢٩٠٦ ، سنن البيهقي ٤ : ٣٢٩ ، مسند أحمد ٤ : ١٠.

(٤) التهذيب ٥ : ٤٠٤ / ١٤٠٧.

(٥) التهذيب ٥ : ٤٠٤ / ١٤٠٨.


قال أبو هريرة : جاء رجل إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال : مَنْ أحقّ الناس بحسن صحابتي؟ قال : ( أمّك ) قال : ثمّ من؟ قال : ( أمّك ) قال : ثمّ من؟ قال : ( أبوك )(١) .

ولو كان الحج واجباً على الأب دونها ، بدأ به ، لأنّه واجب فكان أولى من التطوّع(٢) .

مسألة ٧٠ : من وجب عليه الحج فخرج لأدائه فمات في الطريق ، فإن لم يفرّط بالتأخير بل خرج حالة وجوب الحج ، لم يجب إخراج شي‌ء من تركته في الحج ، سواء دخل الحرم وأحرم أو لا.

وإن كان الحج قد استقرّ في ذمّته بأن وجب عليه الحج في سنة فلم يخرج فيها وأخّر إلى سنة أُخرى فخرج فمات في الطريق ، فإن كان قد أحرم ودخل الحرم فقد أجزأه عمّا وجب عليه ، وسقط الحج عنه ، سواء كان وجب عليه الحج عن نفسه أو عن غيره بأن استؤجر للحج فمات بعد الإِحرام ودخول الحرم ، وتبرأ أيضاً ذمّة المنوب ، وإن مات قبل ذلك ، وجب أن يقضى عنه من صلب ماله.

وقال أحمد : يستأجر عنه عمّا بقي من أفعاله(٣) . ولم يفصّل كما فصّلناه.

ونحن اعتمدنا في ذلك على ما رواه الخاصة عن أهل البيتعليهم‌السلام :

روى بريد بن معاوية العجلي - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : سألته عن رجل خرج حاجّاً ومعه جمل ونفقة وزاد فمات في الطريق ، فقال : « إن كان صرورة فمات في الحرم فقد أجزأت عنه حجة‌

____________________

(١) صحيح البخاري ٨ : ٢ ، صحيح مسلم ٤ : ١٩٧٤ / ٢٥٤٨.

(٢) المغني والشرح الكبير ٣ : ٢٠٠.

(٣) المغني ٣ : ١٩٩ ، الشرح الكبير ٣ : ١٩٨ ، الكافي في فقه الإِمام أحمد ١ : ٤٧١.


الإِسلام ، وإن مات قبل أن يُحرم وهو صرورة جُعل جمله وزاده ونفقته في حجة الإِسلام ، فإن فضل من ذلك شي‌ء فهو لورثته » قلت : أرأيت إن كانت الحجة تطوّعاً فمات في الطريق قبل أن يُحرم لمن يكون جمله ونفقته وما تركه؟ قال : « لورثته إلّا أن يكون عليه دين فيقضى دينه ، أو يكون أوصى بوصية فينفذ ذلك لمن أوصى ويجعل ذلك من الثلث »(١) .

تذنيب : استقرار الحج في الذمّة يحصل بالإِهمال بعد حصول الشرائط بأسرها ومضيّ زمان جميع أفعال الحجّ ، ويحتمل مضيّ زمان يتمكّن فيه من الإحرام ودخول الحرم.

آخر : الكافر يجب عليه الحج على ما تقدّم ، ولا يصح منه قبل الإسلام ، فإن وجد الاستطاعة حالة الكفر فلم يحج ومات ، أثم ، ولم يقض عنه ، ولو أسلم ، وجب عليه الإتيان به إن استمرّت الاستطاعة ، ولو فقدت بعد إسلامه ، لم يجب عليه بالاستطاعة السابقة حال كفره ، ولو فقد الاستطاعة بعد الإسلام ومات قبل عودها ، لم يقض عنه ، ولو أحرم حال كفره ، لم يعتد به ، وأعاده بعد الإسلام ، ولو استطاع المرتدّ حال ردّته ، وجب عليه وصحّ منه إن تاب ، ولو مات اخرج من صلب تركته وإن لم يتب على إشكال.

مسألة ٧١ : من وجب عليه حجة الإسلام فنذر الإتيان بها صحّ نذره ، لأنّ متعلّقه طاعة ، ولا يجب عليه الإتيان بحجة اخرى ، وفائدة النذر : وجوب الكفّارة لو أهمل.

ولو نذر حجّة أخرى وجب عليه النذر مغايرا لحجة الإسلام.

ولو أطلق النذر ولم ينو حجة الإسلام ولا المغايرة ، وجب عليه حجّ آخر غير حجة الإسلام ، ولا تجزئ إحداهما عن الأخرى.

وقال بعض علمائنا : إن حجّ ونوى النذر أجزأ عن حجة الإسلام ، وإن‌

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٤٠٧ / ١٤١٦.


نوى حجة الإِسلام ، لم يجزئ عن النذر(١) ؛ لما رواه رفاعة بن موسى - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : سألته عن رجل نذر أن يمشي إلى بيت الله هل يجزئه ذلك عن حجة الإِسلام؟ قال : « نعم »(٢) .

ولا دلالة فيه ، لاحتمال أن يقصد بالنذر حجة الإسلام.

مسألة ٧٢ : لو نذر الحجّ ماشياً ، انعقد نذره ، ووجب المشي إلى بيت الله تعالى ، وأداء المناسك ، فلو احتاج إلى عبور نهر عظيم في سفينة ، قيل : يقوم في السفينة(٣) .

والوجه : الاستحباب.

ولو ركب طريقه بأسرها مختاراً ، قضاه إلّا أن يكون معذوراً بعجز وشبهه ، فيركب ولا شي‌ء عليه.

ولا يسقط عنه الحج ؛ لأنّ نذر الحج ماشيا نذر للمركّب فيستلزم نذر أجزائه ، وبالعجز عن البعض لا يسقط الباقي ، لما رواه رفاعة بن موسى - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : سألته عن رجل نذر أن يمشي إلى بيت الله ، قال : « فليمش » قلت : فإنّه تعب ، قال : « فإذا تعب ركب »(٤) .

ولو ركب البعض مختاراً ومشى البعض ، قال بعض علمائنا : يجب القضاء ماشياً ؛ لإِخلاله بالصفة(٥) .

وقال بعضهم : يقضي ويمشي في القضاء ما ركبه ويركب فيه ما مشاة أوّلاً(٦) .

____________________

(١) النهاية : ٢٠٥.

(٢) التهذيب ٥ : ١٣ / ٣٥ ، والكافي ٤ : ٢٧٧ / ١٢.

(٣) القائل هو الشيخ الطوسي في النهاية : ٢٠٥ و ٥٦٦ ، والمبسوط ١ : ٣٠٣ ، والمحقّق الحلّي في شرائع الإِسلام ١ : ٢٣١.

(٤) التهذيب ٥ : ٤٠٣ / ١٤٠٢ ، الاستبصار ٢ : ١٥٠ / ٤٩٢.

(٥) ابن ادريس في السرائر : ٣٥٧.

(٦) الشيخ الطوسي في المبسوط ١ : ٣٠٣ ، والنهاية : ٥٦٥ - ٥٦٦.


ولو عجز عن المشي ، قال بعض علمائنا : يركب ويسوق بدنة(١) ؛ لما رواه ذريح المحاربي ، قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن رجل حلف ليحجنّ ماشياً ، فعجز عن ذلك فلم يطقه ، قال : « فليركب وليسق الهدي »(٢) .

وقال بعض علمائنا : يركب ولا هدي عليه(٣) .

وقال بعضهم : إن كان النذر مطلقاً ، توقّع المكنة ، وإن كان مقيّداً ، سقط ؛ للعجز عن فعل ما نذره(٤) .

مسألة ٧٣ : لو مات وعليه حجة الإِسلام واُخرى منذورة مستقرّتان ، وجب أن يُخرج عنه من صلب ماله اُجرة الحجّتين ، لأنّهما كالدّيْن.

وللشيخ -رحمه‌الله - قول : إنّ حجّة الإِسلام تخرج من أصل المال ، وما نذره من الثلث(٥) ؛ لوجوب تلك بالأصالة ووجوب هذه بالعرض ، لأنّها كالمتبرّع بها ، فأشبهت الندب.

ولما رواه ضريس بن أعين ، أنّه سأل الباقرعليه‌السلام عن رجل عليه حجّة الإسلام ونذر في شكر ليحجّنّ رجلا ، فمات الرجل الذي نذر قبل أن يحجّ حجّة الإِسلام وقبل أن يفي لله بنذره ، فقال : « إن كان ترك مالاً ، حجّ عنه حجّة الإِسلام من جميع ماله ، ويخرج من ثُلْثه ما يحج به عنه للنذر ، وإن لم يكن ترك مالاً إلّا بقدر حجّة الإِسلام ، حجّ عنه حجّة الإِسلام في ما ترك ، وحجّ عنه وليّه النذر ، فإنّما هو دين عليه »(٦) .

____________________

(١) الشيخ الطوسي في النهاية : ٢٠٥ ، والمبسوط ١ : ٣٠٣.

(٢) التهذيب ٥ : ٤٠٣ / ١٤٠٣ ، الاستبصار ٢ : ١٤٩ / ٤٩٠.

(٣) الشيخ المفيد في المقنعة : ٦٩ ، وابن إدريس في السرائر : ١٢١ و ٣٥٧.

(٤) كما في شرائع الإِسلام ١ : ٢٣١.

(٥) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٠٦.

(٦) التهذيب ٥ : ٤٠٦ / ١٤١٣.


قال الشيخ : قولهعليه‌السلام : « فليحجّ عنه وليّه ما نذر » على جهة التطوّع والاستحباب دون الفرض والإِيجاب(١) .

والوجه : ما تقدّم.

تذنيب : لو أوصى بحجّ وغيره من الطاعات ، فإن كان فيها واجب ، قدّم ، ولو كان الجميع واجباً وقصرت التركة ، بسطت على الجميع بالحصص ، فإن لم يمكن الاستئجار بما جعل في نصيب الحج ، صرف في الباقي.

وقال بعض علمائنا : يقدّم الحجّ(٢) ؛ لأولويته ، وللرواية(٣) .

والوجه : ما قلناه.

آخر : لو أوصى أن يحجّ عنه عن كلّ سنة بمال معيّن ، فلم يسع ذلك القدر للحجّة ، جعل مال سنتين لسنة ، ولو قصرا ، جعل نصيب ثلاث سنين ، وهكذا ؛ لما رواه إبراهيم بن مهزيار ، قال : كتب إليه علي بن محمد الحصيني(٤) أنّ ابن [ عمّي ](٥) أوصى أن يحجّ عنه بخمسة عشر ديناراً في كلّ سنة فليس يكفي ، فما تأمر في ذلك؟ فكتبعليه‌السلام « يجعل حجّتين حجّةً ، فإنّ الله تعالى عالم بذلك »(٦) .

مسألة ٧٤ : لو كان عنده وديعة ومات صاحبها وعليه حجّة الإِسلام وعرف أنّ الورثة لا يؤدّون الحجّة عنه ، فليستأجر من يحجّ عنه ، وليدفع الوديعة في الإِجارة باُجرة المثل ؛ لأنّه مال خارج عن الورثة ، ويجب صرفه في الحجّ ،

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٤٠٦ ذيل الحديث ١٤١٣.

(٢) القاضي ابن البرّاج في المهذّب ٢ : ١١٢.

(٣) أي : رواية ضريس بن أعين ، التي تقدّمت آنفاً.

(٤) في التهذيب : الحضيني.

(٥) في النسخ الخطية والحجرية : عمر. وما أثبتناه من المصدر.

(٦) الكافي ٤ : ٣١٠ باب بعد باب الحج ، الحديث ٢ ، التهذيب ٥ : ٤٠٨ / ١٤١٨.


فليصرف فيه.

ولما رواه بريد العجلي - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : سألته عن رجل استودعني مالاً فهلك وليس لولده شي‌ء ولم يحجّ حجّة الإِسلام ، قال : « حجّ عنه ، وما فضل فأعطهم»(١) .

إذا ثبت هذا ، فإنّما يسوغ له ذلك بشروط :

أ - علمه بأنّ الورثة لا يحجّون عنه إذا دفع المال إليهم.

ب - أمن الضرر ، فلو خاف على نفسه أو ماله ، لم يجز له ذلك.

ج - أن لا يتمكّن من الحاكم ، فإن تمكّن منه بأن يشهد له عدلان عنده بذلك أو بغير ذلك من الأسباب بثبوت الحج في ذمّته وامتناع الورثة من الاستئجار ، لم يجز له الاستقلال به ، ولو عجز عن إثبات ذلك عند الحاكم ، جاز له الاستبداد بالاستئجار.

مسألة ٧٥ : إذا نذر الحجّ مطلقاً ، لم يتعيّن الفور ، بل يجوز التأخير إلى أن يغلب على الظنّ الوفاة لو لم يفعله ، فإن مضى زمان يمكنه فيه فعل الحجّ ولم يفعله حتى مات ، وجب أن يقضى عنه من أصل التركة ؛ لأنّه قد وجب عليه بالنذر ، واستقرّ بمضيّ زمان التمكّن ، ولا يسقط عنه بعدم وجوب الفورية.

أمّا لو منعه مانع عن الفورية ، فإنّه يصبر حتى يزول المانع فإن مات قبل زوال المانع ، لم يجب القضاء عنه ؛ لفوات شرط الوجوب ، وهو : القدرة.

ولو عيّن الوقت فأخلّ مع القدرة ، قضي عنه. وإن منعه عارض - كمرض أو عدوّ - حتى مات ، لم يجب قضاؤه عنه.

ولو نذر الحجّ أو أفسد حجّاً وهو معضوب ، فالأقرب وجوب الاستنابة ، كحجّة الإِسلام.

____________________

(١) الكافي ٤ : ٣٠٦ / ٦ ، الفقيه ٢ : ٢٧٢ / ١٣٢٨ ، التهذيب ٥ : ٤١٦ / ١٤٤٨.


مسألة ٧٦ : لا يجوز لمن وجب عليه الحجّ واستقرّ أن يحجّ تطوّعاً ولا نذراً لم يتضيّق وقته ، فإن أحرم بتطوّع ، قال الشيخرحمه‌الله : يقع عن حجّة الإِسلام(١) . وبه قال الشافعي وأحمد ، وهو قول ابن عمر وأنس ؛ لأنّه أحرم بالحجّ وعليه فرضه فوقع عن فرضه كالمطلق(٢) .

وقال مالك والثوري وأبو حنيفة وإسحاق وابن المنذر : يقع ما نواه. وهو رواية أُخرى عن أحمد(٣) .

والتحقيق أن نقول : إن كان قد وجب عليه واستقرّ ، لم يجزئه عن أحدهما.

أمّا عن حجّ الإسلام : فلأنّه لم ينوه.

وأمّا عن حجّ التطوّع : فلأنّه لم يحصل شرطه ، وهو : خلوّ الذمّة عن حجّ واجب.

وإن كان الحجّ لم يجب عليه ، وقع عن التطوّع.

تذنيب : لو كان عليه حجّة منذورة فأحرم بتطوّع ، لم يصح.

وهل يقع عن المنذورة؟ الأقرب : المنع ؛ لأنّ المنذورة واجبة ، فهي كحجّة الإِسلام.

وقال أحمد : يقع عن المنذورة ؛ لأنّها واجبة ، فهي كحجّة الإِسلام(٤) .

آخر : العمرة كالحجّ فيما ذكرنا ؛ لأنّها أحد النسكين ، فأشبهت الآخر.

مسألة ٧٧ : لو نذر الحجّ فإن أطلق الزمان ، صحّ النذر ، سواء كان قد‌

____________________

(١) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٠٢.

(٢ و ٣) الحاوي الكبير ٤ : ٢٢ ، حلية العلماء ٣ : ٢٤٩ ، المغني ٣ : ٢٠٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٠٩ ، الكافي في فقه الإِمام أحمد ١ : ٤٧٢.

(٤) المغني ٣ : ٢٠٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٠٩.


استقرّ عليه حجّة الإِسلام أو لا ؛ لعدم الفورية فيه على الأقوى.

وإن قيّد النذر بزمان ، فإن لم يكن جامعاً لشرائط حجّة الإِسلام ، انعقد نذره وإن كان صرورةً.

ثمّ إن استطاع بعد ذلك ففي وجوب تقديم حجّة الإِسلام نظر أقربه : المنع ؛ لأنّ الزمان قد استحق صرفه بالنذر إلى غير حجّة الإِسلام ، فلو قدّم حجّة النذر ، أجزأ إن لم نوجب تقديم حجّة الإِسلام ، وإن أوجبنا التقديم ، احتمل البطلان ووقوع الحجّ عن حجّة الإِسلام على ما تقدّم البحث فيه.

ومع إطلاق الزمان في النذر لو كان مستطيعاً ، وجب أن يبدأ بحجّة الإِسلام ، وكذا لو تجدّدت الاستطاعة قبل فعل المنذورة.

تذنيب : لو أحرم بالمنذورة من عليه حجّة الإِسلام فوقعت عن حجة الإِسلام - كما اختاره بعض علمائنا(١) - لم تسقط المنذورة - وهو قول ابن عمر وأنس وعطاء وأحمد(٢) - لأنّها حجّة واحدة ، فلا تجزئ عن حجّتين ، كما لو نذر حجّتين فحجّ واحدة.

وقال أحمد في رواية اُخرى عنه : إنّها تجزئ عن المنذورة ؛ لأنّه قد أتى بالحجّة ناوياً بها نذره ، فأجزأته ، كما لو كان ممّن أسقط فرض الحجّ عن نفسه ، وهذا كما لو نذر صوم يوم قدوم فلان ، فقدم في يوم من رمضان ، فنواه عن فرضه ونذره(٣) . وهو قول ابن عباس وعكرمة(٤) .

وروى سعيد بإسناده عن ابن عباس وعكرمة أنّهما قالا في رجل نذر أن يحجّ ولم يكن حجّ الفريضة ، قال : يجزئ لهما جميعاً(٥) .

وسئل عكرمة عن ذلك ، فقال : يقضي حجّةً عن نذره وعن حجّة الإِسلام ، أرأيتم لو أنّ رجلاً نذر أن يصلّي أربع ركعات فصلّى العصر أليس‌

____________________

(١) راجع : النهاية - للطوسي - : ٢٠٥.

(٢) المغني ٣ : ٢٠٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٠٨.

(٣ - ٥) المغني ٣ : ٢٠٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٠٩.


ذلك يجزئه من العصر ومن النذر؟

قال : وذكرت قولي لابن عباس ، فقال : أصبت وأحسنت(١) .

وقد روى علماؤنا مثل ذلك عن الصادق(٢) عليه‌السلام ، وقد سلف(٣) .

المطلب الثاني : في شرائط باقي أقسام الحج.

وفيه بحثان :

الأول : في شرائط حجّ النذر وشبهه‌

مسألة ٧٨ : يشترط في انعقاد النذر واليمين والعهد : التكليف والحُرّية والإِسلام وإذن الزوج خاصة ، فلا ينعقد نذر الصبي وإن كان مراهقاً ، ولا المجنون المطبق ، ولا من يأخذه أدواراً إذا وقع حالة جنونه ، ولا السكران ولا المغمى عليه ولا الساهي ولا الغافل ولا النائم ولا العبد إلّا بإذن مولاه ، فإن أذن له في النذر ، لم يكن له منعه ، ولا الزوجة إلّا بإذن الزوج ، ومع إذنه في النذر ليس له منعها منه. وللأب حلّ يمين الولد.

ولو نذر الكافر ، لم ينعقد نذره وإن أسلم.

ولا يشترط في النذر شرائط حجّة الإسلام ، لأنّ غير المستطيع بالزاد والراحلة ينعقد نذره ، وكذا المريض ، وإذا صحّ النذر ، وجب الوفاء به إن قيّده بوقت ، وإلاّ لم يجب الفور.

نعم لو تمكّن بعد وجوبه ومات ، لم يأثم ، ويقضى من صلب التركة.

ولو كان عليه حجّة الإسلام ، قسّمت التركة بينهما ، لتساويهما في الوجوب ، ولو اتّسعت لإحداهما خاصّة ، قدّمت حجّة الإسلام ، لأنّ وجوبها بالأصالة. ولو لم يتمكّن من أدائها ومات ، سقط النذر.

____________________

(١) المغني ٣ : ٢٠٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٠٩.

(٢) الكافي ٤ : ٢٧٧ / ١٢ ، التهذيب ٥ : ١٣ / ٣٥.

(٣) سلف في المسألة ٧١.


ولو قيّده بوقت فأخلّ به مع القدرة ، أثم ، وقُضي عنه - لو مات - من صلب المال ، ولو أخلّ لا مع القدرة لمرض وعدوّ وشبههما ، سقط.

ولو نذر أو أفسد وهو معضوب ، قيل : وجبت الاستنابة(١) .

البحث الثاني : في شرائط النيابة‌

مسألة ٧٩ : يشترط في النائب : كمال العقل وإسلام النائب والمنوب عنه وعدم شغل ذمّته بحجّ واجب ، فلا تصح نيابة المجنون ولا الصبي غير المميّز ؛ لارتفاع تحقّق القصد منهما.

ولو كان الصبي مميّزاً ، قيل(٢) : لا يصح أن يكون نائباً ، لأنّه ليس بمكلّف ، فلا تصحّ منه العبادة ولا نيّة القربة ، ولأنّه يعلم من نفسه أنّه غير مكلّف ولا مؤاخذ بما يصدر عنه ، فلا تحصل الثقة بأفعاله.

وقيل(٣) : تصحّ ؛ لأنّ حجّه عن نفسه صحيح فكذا عن غيره.

ويحتمل الفرق ؛ لأنّ الصحة لا تقتضي الإِجزاء فجاز أن تكون النيابة غير مجزئة ، كما لا تجزئ المباشرة عن حجّة الإِسلام.

مسألة ٨٠ : الإِسلام شرط في النائب ، فلو حجّ الكافر عن غيره الكافر أو المسلم ، لم يصح ، سواء استؤجر أو استنيب من غير إجارة ، أو تطوّع بالتبرّع ؛ لأنّه لا تصحّ منه نية القربة التي هي شرط في صحة الفعل.

وكذا هو شرط في المنوب عنه ، فليس للمسلم أن يحجّ عن الكافر ؛ لقوله تعالى :( ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا اُولِي قُرْبى ) (٤) .

ولأنّ ثواب الحج مقارن للتعظيم والإِجلال ، وهو ممتنع في حقّ الكافر ؛

____________________

(١) القائل هو الشيخ الطوسي في المبسوط ١ : ٢٩٩.

(٢ و ٣) كما في شرائع الإِسلام ١ : ٢٣٢.

(٤) التوبة : ١١٣.


لاستحقاقه في الآخرة الخزي والعذاب والاستخفاف ، وإذا انتفى استحقاق الثواب ، انتفى ملزومه وهو صحة الفعل عنه.

مسألة ٨١ : قال الشيخرحمه‌الله : لا يجوز لأحد أن يحجّ عن غيره إذا كان مخالفاً له في الاعتقاد ، إلّا أن يكون أباه ، فإنّه يجوز له أن يحجّ عنه(١) .

ومنع ابن إدريس هذا الاستثناء ، وقال : لا يجوز أن يحجّ عن المخالف سواء كان أباه أو غيره(٢) .

والشيخ -رحمه‌الله - عوّل على ما رواه وهب بن عبد ربه - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : قلت له : أيحجّ الرجل عن الناصب؟ قال : « لا » قلت : فإن كان أبي؟ قال : « إن كان أبوك(٣) فنعم »(٤) والاحتجاج بالرواية أولى.

ولاشتمال ذلك على البرّ بالأبوين.

إذا عرفت هذا ، فالرواية مخصوصة بالناصب ، وهو الذي يتظاهر بالعداوة لأهل البيتعليهم‌السلام ، وقول الأصحاب أعمّ ؛ لأنّ الذي يستحقّ به الثواب الدائم هو الإِيمان ، فغير المؤمن لا يستحقّ ثواباً.

أمّا المخالف فيجوز أن ينوب عن المؤمن ، ويجزئ عن المنوب إذا لم يخلّ بركن ؛ لأنّها تجزئ عنه ، ولا تجب عليه الإِعادة لو استبصر ، فدلّ ذلك على أنّ عبادته معتبرة في نظر الشرع يستحقّ بها الثواب إذا رجع إلى الإِيمان إلّا الزكاة ؛ لأنّه دفعها إلى غير مستحقّها.

ويدلّ على ذلك كلّه : ما رواه بريد بن معاوية العجلي عن الصادقعليه‌السلام ، قال : سألته عن رجل حجّ وهو لا يعرف هذا الأمر ، ثم منّ الله عليه‌

____________________

(١) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٢٦ ، النهاية : ٢٨٠.

(٢) السرائر : ١٤٩.

(٣) « أبوك » مرفوعاً على تقدير : كان أبوك ناصباً. وفي المصدر : « أباك ».

(٤) الكافي ٤ : ٣٠٩ ( باب الحج عن المخالف ) الحديث ١ ، التهذيب ٥ : ٤١٤ / ١٤٤١.


بمعرفته والدينونة به ، عليه حجّة الإِسلام أو قد قضى فريضته؟ فقال : « قد قضى فريضته ، ولو حجّ لكان أحبّ إليّ ».

قال : وسألته عن رجل وهو في بعض هذه الأصناف من أهل القبلة ناصب منذ برهة(١) منّ الله عليه بمعرفة هذا الأمر يقضي حجّة الإِسلام؟ فقال : « يقضي أحبّ إليّ » وقال : « كلّ عمل عمله وهو في حال نصبه وضلالته ثم منّ الله عليه وعرّفه الولاية ، فإنّه يؤجر عليه إلّا الزكاة ، فإنّه يعيدها ، لأنّه قد وضعها في غير مواضعها ، لأنّها لأهل الولاية ، وأمّا الصلاة والحجّ والصيام فليس عليه قضاء »(٢) .

مسألة ٨٢ : يشترط في النائب خلوّ ذمّته عن حجٍّ واجبٍ عليه بالأصالة أو بالنذر أو الاستئجار أو الإِفساد ، فلو وجب عليه حجٌّ بسبب أحد هذه ، لم يجز له أن ينوب عن غيره إلّا بعد أداء فرضه ؛ لما رواه العامة عن ابن عباس أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله سمع رجلاً يقول : لبّيك عن شبرمة ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( مَنْ شبرمة؟ ) قال : قريب لي ، قال : ( حججت قطّ؟ ) قال : لا ، قال : ( فاجعل هذه عن نفسك ثم احجج عن شبرمة )(٣) .

ومن طريق الخاصة : ما رواه سعد بن أبي خلف - في الصحيح - عن الكاظمعليه‌السلام ، قال : سألته عن الرجل الصرورة يحجّ عن الميت؟

قال : « نعم إذا لم يجد الصرورة ما يحجّ به عن نفسه ، فإن كان له ما يحجّ به عن نفسه فليس يجزئ عنه حتى يحجّ من ماله ، وهي تجزئ عن الميت إن كان للصرورة مال وإن لم يكن له مال»(٤) .

____________________

(١) في المصدر : متدين ، بدل منذ برهة.

(٢) التهذيب ٥ : ٩ / ٢٣ ، الاستبصار ٢ : ١٤٥ / ٤٧٢.

(٣) سنن ابن ماجة ٢ : ٩٦٩ / ٢٩٠٣ ، سنن أبي داود ٢ : ١٦٢ / ١٨١١ ، المغني ٣ : ٢٠١.

(٤) الكافي ٤ : ٣٠٥ / ٢ ، التهذيب ٥ : ٤١٠ - ٤١١ / ١٤٢٧ ، الاستبصار ٢ : ٣١٩ - ٣٢٠ - ١١٣١.


ولأنّ ذمّته مشغولة بصرف الزمان في الحجّ عن نفسه فلا يجوز صرفه في غيره ؛ لاستلزامه ترك الواجب ؛ لتضادّهما.

مسألة ٨٣ : لو وجب عليه حجّ الإِسلام واستقرّ بأن مضى زمان يمكنه إيقاعه فيه فأهمل ، أو لم يستقرّ بأن كملت الشرائط في ذلك العام فحجّ عن غيره استئجاراً أو نيابةً ، لم يصح حجّه عن غيره ، ولا تقع النية عن نفسه ، بل يقع باطلاً ، قاله الشيخ(١) رحمه‌الله - وبه قال أبو بكر بن عبد العزيز ، وهو مروي عن ابن عباس(٢) - لأنّ الحجّ لا يقع عن نفسه ؛ لعدم نيّته ، ولا عن غيره ؛ لوجوب صرف هذا الزمان إلى حجّه ، فكان صرفه إلى حجّ غيره منهياً عنه ، والنهي في العبادات يدلّ على الفساد.

ولأنّه لمـّا كان من شرط طواف الزيارة تعيين النيّة ، فمتى نواه لغيره لم يقع لنفسه ، ولهذا لو طاف حاملاً لغيره ولم ينو لنفسه ، لم يقع عن نفسه.

ولرواية سعد ؛ فإنّ قول الكاظمعليه‌السلام : « فإن كان له ما يحجّ به عن نفسه فليس يجزئ عنه حتى يحجّ من ماله »(٣) .

ولما رواه إبراهيم بن عقبة ، قال : كتبت إليه أسأله عن رجل صرورة لم يحجّ قطّ حجّ عن صرورة لم يحجّ قطّ أتجزئ كلّ واحد منهما تلك الحجة عن حجة الإِسلام أو لا؟ بيّن لي ذلك يا سيدي إن شاء الله ، فكتبعليه‌السلام : « لا يجوز ذلك »(٤) .

قال الشيخ : إنّه محمول على أنّه إذا كان للصرورة مال فإنّ تلك الحجّة لا تجزئ عنه(٥) .

____________________

(١) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٠٢.

(٢) المغني ٣ : ٢٠١ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٠٧.

(٣) تقدّمت الإِشارة إلى مصادره في المسألة ٨٢.

(٤) التهذيب ٥ : ٤١١ / ١٤٣٠ ، الاستبصار ٢ : ٣٢٠ / ١١٣٤.

(٥) التهذيب ٥ : ٤١١ ذيل الحديث ١٤٣٠ ، الاستبصار ٢ : ٣٢٠ ذيل الحديث ١١٣٤.


وقال الأوزاعي والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين وإسحاق : يقع إحرامه وحجّه عن نفسه عن حجّة الإِسلام ، لحديث شبرمة ، ولأنّه حجّ عن غيره قبل الحجّ عن نفسه ، فلم يقع عن الغير ، كما لو كان صبيّاً(١) .

وحديث شبرمة لا دلالة فيه ؛ لأنّه لم يعقد إحرامه بالتلبيات الأربع ؛ فأمره النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بإنشاء الإِحرام عن نفسه ، ورفض ما قاله من التلبية حيث لم يكمل إحرامه ، ولو فرضنا إكمال إحرامه فإنّه أمره بالحجّ عن نفسه ، وهو يكون بتجديد نيّة اُخرى وإبطال الاُولى ، فلا يدلّ على صحته ووقوعه عن نفسه.

إذا عرفت هذا ، فلو وجب عليه الحجّ ولم يستقرّ فخرج نيابةً عن الغير ، لم يجزئ عن أحدهما ، فلو فقد الاستطاعة بعد ذلك والوقت باقٍ وجب عليه أداء حجّة الإِسلام ، ويجب عليه تجديد الإِحرام ؛ لأنّ الأول وقع باطلاً ، ولو أكمل حجّةً عن الغير لم تقع عن أحدهما على ما تقدّم ، ثم يجب عليه الابتداء في العام المقبل بحجّة الإِسلام عن نفسه إذا تمكّن منه ولو مشياً ، ولا يشترط الزاد والراحلة مع القدرة على التسكّع والحجّ.

ولو وجب عليه حجّة الإِسلام ولم يفرّط في المضيّ ثم حدث ما يمنعه من المضيّ ولم يتمكّن منه ثم لم يقدر على الحجّ فيما بعد ولا حصلت له شرائطه ، فإنّه يجوز له أن يحجّ عن غيره ؛ لأنّه لم يستقرّ في ذمّته ، ولو كان الحجّ قد استقرّ في ذمّته بأن فرّط فيه ، لم يجز أن يحجّ عن غيره ، سواء عجز فيما بعد أو لم يعجز ، تمكّن من المضيّ أو لم يتمكّن.

مسألة ٨٤ : الصرورة إذا لم يجب عليه حجّة الإِسلام أو وجب ولم يستقرّ بأن خرج في عام تمكّنه فتجدّد عجزه ، يجوز له أن يحجّ نائباً عن غيره‌

____________________

(١) المهذب - للشيرازي - ١ : ٢٠٧ ، المجموع ٧ : ١١٨ ، حلية العلماء ٣ : ٢٤٧ ، المغني ٣ : ٢٠١ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٠٧ - ٢٠٨.


عند علمائنا - وبه قال الحسن البصري وإبراهيم النخعي وأيوب السجستاني ، ونقله العامّة عن الصادق جعفر بن محمّدعليهما‌السلام ، وبه قال مالك وأبو حنيفة ، وهو رواية اُخرى عن أحمد ، وهو قول الثوري أيضاً(١) - لأنّ الحجّ ممّا تدخله النيابة ، فجاز أن يؤدّيه عن غيره مَنْ لم يسقط فرضه عن نفسه ، كالزكاة ؛ لما تقدّم(٢) في حديث سعد عن الكاظمعليه‌السلام .

ولما رواه معاوية بن عمّار - في الحسن - عن الصادقعليه‌السلام ، في رجل صرورة مات ولم يحج حجّة الإِسلام وله مال : [ قال ] « يحجّ عنه صرورة لا مال له »(٣)

وفي الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهماعليهما‌السلام ، قال : « لا بأس أن يحجّ الصرورة عن الصرورة »(٤) .

وقال الأوزاعي والشافعي وأحمد في رواية ، وإسحاق : لا يجوز لمن لم يحج حجّة الإِسلام أن يحجّ عن غيره ، فإن فعل ، وقع إحرامه عن حجّة الإِسلام ؛ لحديث شبرمة(٥) .

ولا دلالة فيه ، وقد تقدّم(٦) .

مسألة ٨٥ : لو كان الرجل قد أسقط فرض أحد النسكين عنه دون الآخر جاز أن ينوب عن غيره في ما أسقط فرضه عنه بأدائه ، فلو كان على إنسان حجٌّ وعمرة فحجّ ، جاز أن يحجّ عن غيره ؛ لسقوط فرض الحجّ عنه ، وليس له أن‌

____________________

(١) المغني ٣ : ٢٠١ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٠٧ - ٢٠٨ ، المجموع ٧ : ١١٨ ، حلية العلماء ٣ : ٢٤٨.

(٢) تقدم في المسألة ٨٢.

(٣) الكافي ٤ : ٣٠٦ / ٣ ، التهذيب ٥ : ٤١١ / ١٤٢٨ ، الاستبصار ٢ : ٣٢٠ / ١١٣٢.

(٤) التهذيب ٥ : ٤١١ / ١٤٢٩ ، الاستبصار ٢ : ٣٢٠ / ١١٣٣.

(٥) المهذب - للشيرازي - ١ : ٢٠٦ - ٢٠٧ ، المجموع ٧ : ١١٨ ، حلية العلماء ٣ : ٢٤٧ ، المغني ٣ : ٢٠١ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٠٧ و ٢٠٨.

(٦) تقدّم في المسألة السابقة.


يعتمر قبل أن تبرأ ذمّته من العمرة.

ولو كان قد اعتمر ولم يحج جاز أن ينوب عن غيره في الاعتمار دون الحجّ.

مسألة ٨٦ : الأقرب عندي جواز نيابة العبد عن الحُرّ بإذن مولاه ؛ لأنّه مكلّف مسلم لا حجّ عليه ، فجاز أن ينوب عن غيره كالحرّ.

ومنع أحمد من نيابة العبد والصبي في الفرض ؛ لأنّهما لم يسقطا فرض الحجّ عن أنفسهما ، فهُما كالحرّ البالغ في ذلك وأولى منه.

قال : ويحتمل أنّ لهما النيابة في حجّ التطوّع دون الفرض ؛ لأنّهما من أهل التطوّع دون الفرض ، ولا يمكن أن تقع الحجّة التي نابا فيها عن فرضهما ؛ لكونهما ليسا من أهله فبقيت لمن فعلت عنه ، فلا يلزمهما ردّ ما أخذا لذلك ، كالبالغ الحُرّ الذي قد حجّ عن نفسه(١) .

وليس بجيّد ؛ فإنّ الحُرّ البالغ له أهلية استحقاق وجوب الحجّ عليه ، بخلافهما ، بل حملهما على من أسقط فرضه بالحجّ أولى.

مسألة ٨٧ : إذا حجّ الصرورة العاجز عن غيره ، فقد بيّنّا صحته ، وأنّه يجزئ عن المنوب ، أمّا النائب فلا يجزئه ما فعله في النيابة عن حجّة الإِسلام إن كانت قد وجبت عليه أوّلاً ثم عجز عنها ، أو لم يتحقّق بعد وجوبها عليه.

أمّا الإِجزاء عن الميّت : فلما تقدّم(٢) في حديث محمد بن مسلم - في الصحيح - عن أحدهماعليهما‌السلام ، قال : « لا بأس أن يحجّ الصرورة عن الصرورة ».

وأمّا عدم الإِجزاء عن النائب : فلأنّه على تقدير عدم وجوب الحج عليه أوّلاً بري‌ء الذمّة من الحجّ ، فلا يتحقّق عليه وجوب ، فلا يتحقّق فيه إجزاء ،

____________________

(١) المغني ٣ : ٢٠٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٢١٠.

(٢) تقدم في المسألة ٨٤.


وأمّا إذا كان قد وجب عليه أوّلاً : فلأنّه لم يأت بالواجب فيبقى في عهدة التكليف ؛ لأنّ الحجّ الذي أتى به كان عن المنوب ، فيبقى ما ثبت عليه أوّلاً.

وقد روى معاوية بن عمّار - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « حجّ الصرورة يجزئ عنه وعمّن حجّ عنه »(١) .

قال الشيخرحمه‌الله : معنى قوله : « يجزئ عنه » ما دام معسراً لا مال له ، فإذا أيسر ، وجب عليه الحجّ(٢) .

أقول : ويحتمل أن يكون المراد : أنّه يجزئ عنه عمّا وجب عليه بالاستئجار.

مسألة ٨٨ : النائب كالمنوب ، قاله أحمد ، فلو أحرم النائب بتطوّع أو نذر عمّن لم يحجّ حجّة الإِسلام ، وقع عن حجّة الإِسلام ، لأنّ النائب يجري مجرى المنوب عنه(٣) .

والتحقيق أن نقول : إن كان النائب قد استؤجر لإِيقاع حجّ تطوّع أو نذر ، ففعل ما استؤجر له ، أجزأ عنه ، ولا يجزئ عن المنوب إن كان عليه حجّة الإِسلام ؛ لأنّه لم ينوها. وإن تبرّع النائب بالحجّ عنه في أحد النسكين : إمّا النذر أو التطوّع ، لم ينقلب إلى حجّة الإِسلام أيضاً.

وإن كان النائب قد استؤجر لإِيقاع حجّة الإِسلام ، فنوى التطوّع عنه أو عن المنوب ، أو النذر كذلك ، لم يجزئه ؛ لأنّه لم يفعل ما وقع عليه عقد الإِجارة.

مسألة ٨٩ : لو استناب رجلين في حجّة الإِسلام ومنذورة أو تطوّع في عام ، فأيّهما سبق بالإِحرام وقعت حجّته عن حجّة الإِسلام ، وتقع الاُخرى تطوّعاً أو عن النذر - قاله أحمد - لأنّه لا يقع الإِحرام عن غير حجّة الإِسلام ممّن‌

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٤١١ - ٤١٢ / ١٤٣٢ ، الاستبصار ٢ : ٣٢٠ / ١١٣٦.

(٢) التهذيب ٥ : ٤١٢ ، الاستبصار ٢ : ٣٢١.

(٣) المغني ٣ : ٢٠٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٠٩ - ٢١٠.


هي عليه فكذا من نائبه(١) . وفيه إشكال.

والأقرب : أنّه إذا اتّفق الزمان ، صحّ العقد ، فإذا حجّا في ذلك العام ، أجزأ حجّهما ، ولا اعتبار بتقديم إحرام أحدهما على إحرام الآخر ، بل إن كان السابق إحرام الواجب ، فلا بحث ، وإن كان إحرام المنذورة أو التطوّع ، أجزأ أيضاً ؛ لأنّ الحجّتين تقعان في ذلك العام.

ولو صدّ النائب في حجّة الإِسلام أو اُحصر ولم يتمكّن النائب فيها من إتمامها في ذلك العام، فالأقوى صحة حجّة التطوّع.

ولو تعدّد العام ، فإن استأجر لحجّ التطوّع أوّلاً ، فإن تمكّن من الاستئجار عن حجّة الإِسلام ، فالوجه : عدم الصحة ، لكن لو حجّ النائب مع جهله ، استحقّ الاُجرة.

ولو لم يكن قد تمكّن من الاستئجار لحجّة الإِسلام ، فالأقرب : الصحة ، ثم يستأجر في العام المقبل لحجّة الإِسلام.

مسألة ٩٠ : إذا استؤجر ليحجّ عن غيره ، وكان الحجّ لا يقع عن ذلك الغير ، وجب عليه ردّ ما أخذه من مال الإِجارة مع علمه بذلك ، لأنّه استؤجر لفعل لا يصح منه إيقاعه ، فوجب عليه ردّ مال الإِجارة.

ولو كان جاهلاً ، فالأقرب عدم وجوب الردّ - ويحتمل وجوب ردّ ما فضل عن اُجرة المثل - لتعبه ، فحينئذٍ يحتمل أن يرجع هو بما أعوز.

مسألة ٩١ : يجوز أن ينوب الرجل عن الرجل وعن المرأة ، وأن تنوب المرأة عن المرأة وعن الرجل في قول عامة أهل العلم(٢) ، لا نعلم فيه مخالفاً إلّا الحسن بن صالح بن حي ؛ فإنّه كره حجّ المرأة عن الرجل(٣) .

قال ابن المنذر : وهذه غفلة عن ظاهر السنّة ، فإنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أمر المرأة أن تحجّ عن أبيها(٤) .

____________________

(١) المغني ٣ : ٢٠٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٢١٠.

(٢ - ٤) المغني والشرح الكبير ٣ : ١٨٩.


وهذا هو الحقّ ؛ لما رواه العامّة عن ابن عباس ، قال : أتت امرأة من خثعم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقالت : يا رسول الله أبي أدركته فريضة الحجّ وهو شيخ كبير لا يستطيع أن يثبت على دابّته ، فقال لها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( فحجّي عن أبيك )(١) .

ومن طريق الخاصة : ما رواه رفاعة عن الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - قال : « تحجّ المرأة عن أخيها وعن اُختها » وقال : « تحجّ المرأة عن أبيها »(٢) .

وفي الحسن عن معاوية بن عمّار عن الصادقعليه‌السلام ، قال : قلت له : المرأة تحجّ عن الرجل؟ قال : « لا بأس »(٣) .

إذا عرفت هذا ، فقد شرط الشيخ -رحمه‌الله - في حجّ المرأة عن الرجل شرطين :

أحدهما : أن تكون عارفةً بمناسك الحج.

والثاني : أن تكون قد حجّت أوّلاً(٤) .

لما رواه مصادف عن الصادقعليه‌السلام ، قال : سألته تحجّ المرأة عن الرجل؟ قال : « نعم إذا كانت فقيهةً مسلمةً وكانت قد حجّت ، ربّ امرأة خير من رجل »(٥) .

وعن زيد الشحّام عن الصادقعليه‌السلام ، قال : سمعته يقول : « يحجّ الرجل الصرورة عن الرجل الصرورة ، ولا تحجّ المرأة الصرورة عن‌

____________________

(١) مسند أحمد ١ : ٢١٢.

(٢) التهذيب ٥ : ٤١٣ - ٤١٤ / ١٤٣٨ ، الاستبصار ٢ : ٣٢٢ / ١١٤٠.

(٣) الكافي ٤ : ٣٠٧ / ٢ ، التهذيب ٥ : ٤١٣ / ١٤٣٧ ، الاستبصار ٢ : ٣٢٢ / ١١٤١.

(٤) التهذيب ٥ : ٤١٤ ذيل الحديث ١٤٣٨ ، الاستبصار ٢ : ٣٢٢ ذيل الحديث ١١٤٢ ، والنهاية : ٢٧٩ - ٢٨٠.

(٥) التهذيب ٥ : ٤١٣ / ١٤٣٦ ، الاستبصار ٢ : ٣٢٢ / ١١٤٢.


الرجل الصرورة »(١) .

وابن إدريس أنكر ذلك(٢) إنكاراً عظيماً ، ونحن نحمل هذه الروايات على الاستحباب دون أن يكون ذلك شرطاً ، ولهذا قالعليه‌السلام : « ربّ امرأة خير من رجل » ولا شك في جواز ذلك من الرجل فجاز من المرأة.

مسألة ٩٢ : يجوز أن يحجّ النائب عن غيره إذا كان المنوب ميّتاً من غير إذن ، سواءً كان واجباً أو تطوّعاً ، ولا نعلم فيه خلافاً ؛ لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أمر بالحجّ عن الميّت(٣) ، ومعلوم استحالة الإِذن في حقّه ، وما جاز فرضه جاز نفله ، كالصدقة.

وأمّا الحيّ : فمنع بعض العامّة من الحجّ عنه إلّا بإذنه ، فرضاً كان أو تطوّعاً ؛ لأنّها عبادة تدخلها النيابة ، فلم تجز عن البالغ العاقل إلّا بإذنه ، كالزكاة(٤) .

وعلّيّة المشترك وثبوت الحكم في الأصل ممنوعان.

مسألة ٩٣ : قد بيّنّا أنّه لا يجوز لمن استقرّ الحجّ في ذمّته أن يحجّ تطوّعاً ولا نذراً ولا نيابةً حتى يؤدّي حجّة الإِسلام ، ويحصل الاستقرار بمضيّ زمان يمكنه فيه الحجّ مع الإِهمال واجتماع الشرائط.

ولو حصلت الشرائط فتخلّف عن الرفقة ثم مات قبل حجّ الناس ، تبيّن عدم الاستقرار ؛ لظهور عدم الاستطاعة وانتفاء الإِمكان ، وهو مذهب أكثر الشافعية(٥) .

وقال بعضهم : يستقرّ الحجّ عليه(٦) .

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٤١٤ / ١٤٣٩ ، الاستبصار ٢ : ٣٢٣ / ١١٤٣.

(٢) السرائر : ١٤٩.

(٣) سنن الترمذي ٣ : ٢٦٩ / ٩٢٩ ، سنن النسائي ٥ : ١١٧ ، سنن البيهقي ٤ : ٣٣٥.

(٤) المغني والشرح الكبير ٣ : ١٨٩.

(٥ و ٦) المجموع ٧ : ١٠٩ ، فتح العزيز ٧ : ٣١.


ولو مات بعد ما حجّ الناس ، استقرّ الوجوب عليه ، ووجب الاستئجار عنه من صلب تركته ، وليس رجوع القافلة شرطاً حتى لو مات بعد انتصاف ليلة النحر ومضيّ زمان يمكنه المسير إلى منى والرمي بها وإلى مكة والطواف للنساء ، استقرّ الفرض عليه. ويحتمل مضيّ زمان يمكنه فيه الإِحرام ودخول الحرم.

ولو ذهب ماله بعد رجوع الحاج أو مضيّ إمكان الرجوع ، استقرّ الحجّ.

ولو تلف المال بعد الحجّ قبل عودهم وقبل مضيّ إمكان عودهم ، لم يستقرّ الحجّ أيضاً ؛ لأنّ نفقة الرجوع لا بدّ منها في الشرائط.

وللشافعية وجهان : هذا أحدهما ، والثاني : الاستقرار ، كما في الموت(١) .

وليس بجيّد ؛ لما بيّنّا من اشتراط نفقة الرجوع هنا ، بخلاف الميّت ؛ فإنّه لا رجوع في طرفه ؛ إذ بموته استغني عن المال للرجوع ، وهنا نفقة الرجوع لا بدّ منها.

ولو اُحصر الذين يمكنه الخروج معهم فتحلّلوا ، لم يستقرّ الفرض عليه ، ولو سلكوا طريقاً آخر فحجّوا ، استقرّ ، وكذا إذا حجّوا في السنة التي بعدها إذا عاش وبقي ماله.

وإذا دامت الاستطاعة وتحقّق الإِمكان ولم يحج حتى مات ، عصى عندنا ، ووجب القضاء من صلب ماله ؛ لأنّ الحج مضيّق ، خلافاً للشافعي حيث لم يوجب الفورية عليه(٢) .

ولأصحابه وجهان :

أحدهما : أنّه يعصي ، وإلّا لارتفع الحكم بالوجوب ، والمجوّز إنّما هو‌

____________________

(١) المجموع ٧ : ١٠٩ ، فتح العزيز ٧ : ٣١ - ٣٢.

(٢) المجموع ٧ : ١٠٣ و ١١١ ، فتح العزيز ٧ : ٣١.


التأخير دون التفويت.

والثاني : لا يعصي ؛ لأنّا جوّزنا له التأخير(١) .

قالوا : والأظهر أنّه لو مات في وسط وقت الصلاة قبل أدائها ، لم يعص.

والفرق : أنّ وقت الصلاة معلوم ، فلا ينسب إليه التقصير ما لم يؤخّر عنه ، وفي الحج اُبيح له التأخير بشرط أن لا يبادر الموت ، فإذا مات قبل الفعل ، أشعر الحال بالتواني والتقصير.

ويجري الوجهان فيما إذا كان صحيح البدن ولم يحجّ حتى طرأ العضب.

والأظهر : المعصية ، ولا نظر إلى إمكان الاستنابة ؛ فإنّها في حكم بدل ، والأصل المباشرة ، فلا يجوز ترك الأصل مع القدرة عليه.

وقال بعض الشافعية : إن كان من وجب عليه الحجّ شيخاً ، مات عاصياً ، وإن كان شاباً فلا(٢) .

وهل تتضيّق الاستنابة عليه لو صار معضوباً؟ الوجه عندنا : ذلك ؛ لوجوب الفورية في الأصل ، فكذا في بدله.

وللشافعي وجهان :

هذا أحدهما ؛ لخروجه بتقصيره عن استحقاق الترفّه.

والثاني : له التأخير ، كما لو بلغ معضوباً عليه الاستنابة على التراخي(٣) .

وفي قضاء الصوم إذا تعدّى بتفويته هذان الوجهان هل هو على الفور أو لا؟(٤) .

____________________

(١) المجموع ٧ : ١٠٣ و ١١٠ - ١١١ ، فتح العزيز ٧ : ٣٢.

(٢ و ٣) المجموع ٧ : ١١١ ، فتح العزيز ٧ : ٣٢.

(٤) فتح العزيز ٧ : ٣٢ - ٣٣.


وعلى ما اخترناه من وجوب الفورية لو امتنع ، أجبره القاضي على الاستنابة ، كما لو امتنع من أداء الزكاة ، وهو أحد وجهي الشافعية ، والثاني : لا يجبره ؛ لأنّ الأمر في ذلك موكول إلى دين الرجل(١) .

وعلى ما اخترناه من وجوب الفورية يحكم بعصيانه من أول سنة الإِمكان ؛ لاستقرار الفرض عليه يومئذٍ.

وللشافعية وجهان :

هذا أحدهما ، وأظهرهما : من آخر سنة الإِمكان ؛ لجواز التأخير إليها(٢) .

وفيه وجه ثالث لهم : الحكم بكونه عاصياً من غير أن يسند إلى وقت معيّن.

وتظهر الفائدة بكونه عاصياً : أنّه لو كان قد شهد عند الحاكم ولم يقض بشهادته حتى مات لا يقضي ، كما لو بان فسقه(٣) .

ولو قضى بشهادته بين الاُولى من سني الإِمكان وآخرها ، نقض الحكم عندنا.

وللشافعي قولان :

فإن حكم بعصيانه من آخرها ، لم ينقض ذلك الحكم بحال ، وإن حكم بعصيانه من أولها ، ففي نقضه قولان مبنيّان على ما إذا بان فسق الشهود(٤) .

مسألة ٩٤ : يجب الترتيب في الحج ، فيبدأ بحجّة الإِسلام ثم بالقضاء ثم بالنذر ثم بالتطوّع ، فلو غيّر الترتيب ، وقع على هذا الترتيب ، ولغت نيّته عند الشافعي(٥) .

والوجه : البطلان على ما سبق.

____________________

(١ - ٤) المجموع ٧ : ١١١ ، فتح العزيز ٧ : ٣٣.

(٥) الوجيز ١ : ١١٠ ، فتح العزيز ٧ : ٣٣.


وصورة اجتماع حجّة الإِسلام والقضاء عند الشافعية أن يفسد الرقيق حجّه ثم يعتق ، فعليه القضاء ، ولا يجزئه عن حجّة الإِسلام(١) ، وكذا عندنا ، وأيضاً لو استؤجر الصرورة أو حجّ تطوّعاً فأفسد.

وكذا تقدّم حجّة الإِسلام على حجّة النذر ؛ لأنّ حجّة الإِسلام واجبة بالأصالة الشرعية ، بخلاف حجّة النذر الواجبة تبرّعاً من المكلّف.

ولو اجتمع القضاء والنذر والتطوّع وحجّة الإِسلام ، قدّمت حجّة الإسلام ثم القضاء الواجب بأصل الشرع.

ومن عليه حجّة الإِسلام أو النذر أو القضاء لا يجوز أن يحجّ عن غيره مع تمكّنه عندنا ، ومطلقاً عند الشافعي(٢) .

وأبو حنيفة ومالك(٣) وافقا على ما قلناه.

ولو استؤجر الصرورة فنوى الحجّ عن المنوب ، فإن كان النائب قد وجب عليه الحجّ وتمكّن من فعله ، بطلت حجّته عن نفسه وعن المنوب.

وعند الشافعية تقع عن المنوب ، وتلغو نيّته عن نفسه(٤) .

ولو نذر الصرورة أن يحجّ في هذه السنة ففعل ، فإن كان قد تمكّن ، بطل حجّه ، ولم يجزئه عن حجّة الإِسلام ؛ لعدم نيّتها ، ولا عن النذر ؛ لوجوب صرف الزمان إلى حجّة الإِسلام.

وقال الشافعي : يقع عن حجّة الإِسلام ، وخرج عن نذره ؛ لأنّه ليس في نذره إلّا تعجيل ما كان له أن يؤخّره(٥) .

ولو استؤجر الصرورة للحج في الذمّة ، جاز ، ثم يجب أن يبدأ بالحجّ عن نفسه إن تمكّن وحصلت الاستطاعة ، ثم يحجّ عن المنوب في السنة‌

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٣٣.

(٢) فتح العزيز ٧ : ٣٤ ، المجموع ٧ : ١١٨.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٣٤ ، حلية العلماء ٣ : ٢٤٨.

(٤ و ٥) فتح العزيز ٧ : ٣٥.


الاُخرى.

أمّا لو استؤجر معيّناً لهذه السنة وهو مستطيع ، لم يصح ؛ لأنّ هذه السنة يجب صرفها في حجّة الإِسلام.

ولو استؤجر للسنة الثانية ، جاز عندنا ، خلافاً للشافعي حيث يشترط اتّصال مدّة الإِجارة بمدّة العقد(١) ، وسيأتي البحث معه.

وإذا فسدت الإِجارة ، فإن كان المستأجر ظنّ أنّه قد حجّ فبان صرورة ، لم يستحقّ الأجير اُجرةً ؛ لتغريره.

وإن علم أنّه صرورة وقال : يجوز في اعتقادي أن يحجّ الصرورة عن غيره ، قال الشافعي : صحّ حجّ الأجير ، ويقع لنفسه ، ولكن في استحقاقه اُجرة المثل قولان(٢) .

مسألة ٩٥ : القران عندنا أن يُقرن إلى إحرامه سياق الهدي ، ولا يجوز أن يُقرن في إحرامه بين حجّتين ولا بين عمرتين ولا بين حجّة وعمرة ، خلافاً للعامّة(٣) ، فلو استؤجر مَنْ حجّ ولم يعتمر للحجّ ، أو للعمرة من اعتمر ولم يحجّ ، فقرن الأجير وأحرم بالنسكين جميعاً عن المستأجر ، أو أحرم بما استؤجر له عن المستأجر وبالآخر عن نفسه ، لم يصح عندنا ، ولا يستحقّ أجراً ؛ لفساد الفعل.

وللشافعي قولان :

الجديد : أنّهما يقعان عن الأجير ؛ لأنّ نسكي القران لا يفترقان ، ولا يمكن صرف ما لم يأمر به المستأجر إليه.

والثاني : أنّ ما استؤجر له يقع عن المستأجر والآخر عن الأجير.

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٣٥.

(٢) فتح العزيز ٧ : ٣٦ ، حلية العلماء ٣ : ٢٤٨.

(٣) المغني ٣ : ٢٥١ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٤٣ ، فتح العزيز ٧ : ١١٨ ، المجموع ٧ : ١٧١ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٢٥ ، بداية المجتهد ١ : ٣٣٤.


وعلى القولين لو استأجر رجلان مَنْ حجّ واعتمر ، أحدهما ليحجّ عنه والآخر ليعتمر عنه ، فقرن عنهما ، فعلى الأول يقعان عن الأجير ، وعلى الثاني يقع عن كلّ واحد منهما ما استأجره له(١) .

ولو استأجر المعضوب رجلين ليحجّا عنه في سنة واحدة أحدهما حجّة الإِسلام والآخر حجّة القضاء أو النذر ، صحّ عندنا.

وللشافعية وجهان :

أحدهما : لا يجوز ؛ لأنّ حجّة الإِسلام لم تتقدّم على غيرها.

والأظهر : الجواز ؛ لأنّ غيرها لم يتقدّم عليها ، وهذا القدر كافٍ في الترتيب.

فعلى أول الوجهين لو اتّفق إحرام الأجيرين في الزمان ، انصرف إحرامهما إلى نفسهما ، وإن سبق إحرام أحدهما ، وقع ذلك عن حجّة الإِسلام عن المستأجر ، وانصرف إحرام الآخر إلى نفسه(٢) .

ولو أحرم الأجير عن المستأجر ثم نذر حجّاً ، نُظر إن نذر بعد الوقوف ، لم ينصرف حجّه إليه ، ووقع عن المستأجر ، وإن نذر قبله ، فوجهان :

أظهرهما : انصرافه إلى الأجير(٣) .

والحقّ عندنا وقوعه عن المستأجر.

ولو أحرم الرجل بحجّ تطوّعاً ثم نذر حجّاً بعد الوقوف ، لم ينصرف إلى النذر ، وإن كان قبله فعلى الوجهين(٤) .

مسألة ٩٦ : العبادات قد تقبل النيابة على بُعدٍ ، لكن جازت في الحجّ عند العجز عن المباشرة إمّا بموتٍ أو كِبَرٍ لا يتمكن معه من الركوب والتثبّت على‌

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٣٦ ، المجموع ٧ : ١١٨ - ١١٩ ، حلية العلماء ٣ : ٢٥٠.

(٢) فتح العزيز ٧ : ٣٦.

(٣ و ٤) فتح العزيز ٧ : ٣٦ ، المجموع ٧ : ١١٩.


الدابّة ، أو زمانةٍ أو عضبٍ كذلك ، أو مرضٍ لا يرجى زواله.

أمّا الموت : فلما روي أنّ امرأةً أتت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقالت : إنّ أُمّي ماتت ولم تحجّ ، فقال : (حجّي عن اُمّك )(١) .

وروى ابن عباس أنّ رجلاً قال : يا رسول الله إنّ اُختي نذرت أن تحجّ وماتت قبل أن تحجّ ، أفأحجّ عنها؟ فقالعليه‌السلام : ( لو كان على اُختك دَينٌ أكنت قاضيه؟ ) قال : نعم ، قال : (فاقضوا حقّ الله فهو أحقّ بالقضاء )(٢) .

وقال أبو حنيفة ومالك : إن لم يوص ، لا يحجّ عنه ، ويسقط فرضه بالموت(٣) .

ونحن نقول : إن كان الميت قد وجب عليه الحج واستقرّ وفرّط في أدائه ، وجب أن يستأجر عنه ، سواء أوصى به أو لم يوص ، ويستوي فيه الوارث والأجنبي ، كقضاء الدين ، وهو قول الشافعي(٤) .

وأمّا الكِبَر : فلما رواه ابن عباس أنّ امرأة من خثعم قالت : يا رسول الله إنّ فريضة الله على عباده في الحجّ أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يستمسك على الراحلة ، فأحجّ عنه؟ قال :(نعم )(٥) .

والمعتبر أن لا يثبت على الراحلة أصلاً ، أو لا يثبت إلّا بمشقّة شديدة.

ومقطوع اليدين أو الرجلين إذا أمكنه التثبّت على الراحلة من غير مشقّة‌

____________________

(١) مسند أحمد ٥ : ٢٥٩ ، ترتيب مسند الشافعي ١ : ٣٨٨ / ٩٩٦.

(٢) صحيح البخاري ٨ : ١٧٧ ، سنن النسائي ٥ : ١١٦ ، مسند أبي داود الطيالسي : ٣٤١ / ٢٦٢١.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٤٤ ، المجموع ٧ : ١١٢ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ١٣٣ ، المنتقى - للباجي - ٢ : ٢٧١.

(٤) فتح العزيز ٧ : ٤٤ ، المجموع ٧ : ١١٢.

(٥) صحيح البخاري ٢ : ١٦٣ ، صحيح مسلم ٢ : ٩٧٣ / ١٣٣٤ ، سنن النسائي ٥ : ١١٧ ، سنن البيهقي ٤ : ٣٢٨ بتفاوت يسير.


شديدة لا تجوز النيابة عنه ؛ لأنّه ربما يفيق فيحجّ بنفسه.

وهذا كلّه في حجّة الإِسلام ، وفي معناها حجّة النذر والقضاء.

مسألة ٩٧ : تجوز استنابة المعضوب في التطوّع.

وللشافعي قولان(١) .

وكذا تجوز استنابة الوارث للميّت فيه.

وللشافعي قولان :

أصحّهما : الجواز - وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد - لأنّ النيابة تدخل في فرضه فتدخل في نفله ، كأداء الزكاة.

والثاني : المنع ؛ لبُعد العبادات البدنية عن قبول النيابة ، وإنّما جوّز في الفرض ؛ للضرورة(٢) .

ولو لم يكن الميّت قد حجّ ولا وجب عليه ؛ لعدم الاستطاعة ، ففي جواز الاستنابة عنه للشافعية طريقان :

أحدهما : طرد القولين ؛ لأنّه لا ضرورة إليه.

والثاني : القطع بالجواز ؛ لوقوعه عن حجّة الإِسلام.

فإن جوّزنا الاستئجار للتطوّع ، فللأجير الاُجرة المسمّاة ، ويجوز أن يكون الأجير عبداً أو صبيّاً ، بخلاف حجّة الإِسلام ، فإنّه لا يجوز استئجارهما عندهم ، ووقع الحجّ عن الأجير ، ولا يستحقّ المسمّى.

وعلى هذا فالأصح أنّ الأجير يستحقّ اُجرة المثل ؛ لأنّ الأجير دخل في العقد طامعاً في الاُجرة ، وتلفت منفعته عليه وإن لم ينتفع منها المستأجر ، فصار كما لو استأجره لحمل طعام مغصوب فَحَمَل ، يستحقّ الاُجرة.

والثاني : لا يستحق ؛ لوقوع الحجّ عنه(٣) .

____________________

(١ و ٢) فتح العزيز ٧ : ٤٠ ، المجموع ٧ : ١١٤.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٤٠ ، المجموع ٧ : ١١٤ - ١١٥.


إذا عرفت هذا ، فإنّ الاستنابة في التطوّع لا تختص بالعاجز ، بل للصحيح أيضا الاستنابة في حجّ التطوّع ، وبه قال أبو حنيفة وأحمد(١) .

وقال الشافعي بالاختصاص(٢) .

ومنع مالك من النيابة عن الحيّ في الفرض والتطوّع ، وخصّها بالميّت(٣) .

مسألة ٩٨ : قد بيّنّا أنّ المريض الذي يرجى زوال علّته ليس له أن يحجّ عنه نائباً ، فإن أحجّ غيره ثم زالت علّته ، لم يجزئه قولاً واحداً ، وإن مات أجزأه ذلك ؛ لأنّا تبيّنّا أنّها لم تكن مرجوّة الزوال ، وبه قال أبو حنيفة والشافعي في أحد القولين ، والثاني : لا يجزئه ؛ لأنّ الاستنابة لم تكن جائزةً(٤) .

وعلى عكس ذلك لو كانت علّته غير مرجوّة الزوال ، فأحجّ عن نفسه ثم عوفي ، فللشافعية طريقان :

أظهرهما : طرد القولين.

والثاني : القطع بعدم الأداء ، وبه قال أبو حنيفة.

والفرق : أنّ الخطأ في الصورة الاُولى غير مستيقن ؛ لجواز أن لا يكون المرض بحيث لا يوجب اليأس ثم يزداد فيوجبه فيجعل الحكم للمآل ، وهنا الخطأ متيقّن ؛ إذ لا يجوز أن يكون اليأس حاصلاً ثم يزول.

والطاردون للقولين في الصورتين قالوا : مأخذهما أنّ النظر إلى الحال أو إلى المآل ، إن نظرنا إلى الحال ، لم يجزئه في الصورة الاُولى ، وأجزأ في‌

____________________

(١) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٥٢ ، المغني ٣ : ١٨٥ ، فتح العزيز ٧ : ٤١ ، المجموع ٧ : ١١٦.

(٢) فتح العزيز ٧ : ٤١ ، المجموع ٧ : ١١٦ ، المغني ٣ : ١٨٥.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٤١ ، المجموع ٧ : ١١٦ ، وانظر : الكافي في فقه أهل المدينة : ١٣٣.

(٤) فتح العزيز ٧ : ٤٢ ، المهذب - للشيرازي - ١ : ٢٠٦ ، المجموع ٧ : ١١٦ ، حلية العلماء ٣ : ٢٤٦.


الثانية ، وإن نظرنا إلى المآل ، عكسنا الحكم فيهما.

وقد شبّهوا القولين هنا بالقولين فيما إذا رأوا سواداً فظنّوه عدوّاً فصلّوا صلاة الخوف ثم تبيّن خلافه ، هل تجزئهم الصلاة؟ والأظهر عندهم : عدم الإِجزاء(١) .

والمعتمد عندنا : الإِجزاء.

إذا عرفت هذا ، فإن قلنا : إنّ الحجّة المأتي بها تجزئه ، استحقّ الأجير الأجرة المسمّاة لا محالة.

وإن قلنا : لا تجزئه ، فهل تقع عن تطوّعه أو لا تقع أصلاً؟ فيه وجهان للشافعية :

أحدهما : أنّها تقع عن تطوّعه ، وتكون العلّة الناجزة عذراً لتقديم التطوّع على حجّة الإِسلام.

والثاني : أنّها لا تقع عنه أصلاً ، كما لو استأجر صرورة ليحجّ عنه(٢) .

وعلى هذا فهل يستحقّ الأجير الاُجرة؟ فيه للشافعية قولان :

أصحهما : عدم الاستحقاق ؛ لأنّ المستأجر لم ينتفع بعمله.

والثاني : نعم ؛ لأنّه عمل له في اعتقاده(٣) .

فعلى هذا الوجه فما ذا يستحقّ؟ الاُجرة المسمّاة أم اُجرة المثل؟

للشافعية وجهان ، مأخذهما : أنّا هل نتبيّن فساد الاستئجار أم لا؟

وإن قلنا : إنّه يقع عن تطوّعه ، فالأجير يستحقّ الاُجرة.

وماذا يستحقّ؟ المسمّى أو اُجرة المثل؟ وجهان مخرّجان عن الوجهين ؛ لأنّ الحاصل غير ما طلبه(٤) .

وقد منع الشافعية من جواز الحجّ عن المعضوب بغير إذنه ، بخلاف‌

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٤٢ - ٤٣ ، المجموع ٧ : ١١٥.

(٢ - ٤) فتح العزيز ٧ : ٤٣ ، المجموع ٧ : ١١٥.


قضاء الدَّيْن عن الغير ؛ لأنّ الحجّ يفتقر إلى النيّة ، بخلاف قضاء الدَّيْن وهو من أهل الإِذن والنيّة وإن لم يكن أهل المباشرة(١) .

وروي عن بعضهم جواز الحجّ بغير إذنه(٢) .

مسألة ٩٩ : الاستنابة في الحجّ واجبة عن ميّت استقرّ الحجّ في ذمّته وفرّط في أدائه.

وهل تجب عن المعضوب أو عن ميّت وجب عليه الحجّ ولم يستقر؟ مضى(٣) الكلام فيهما.

وأوجبه الشافعي على المعضوب في الجملة ، ولا فرق عنده بين أن يطرأ العضب بعد الوجوب وبين ان يبلغ واجداً للمال ، وبه قال أحمد(٤) .

وقال مالك : لا استنابة على المعضوب بحال ؛ لأنّه لا نيابة عن الحي عنده ، ولا حجّ على من لا يستطيع بنفسه(٥) . وهو حسن.

وعند أبي حنيفة لا حجّ على المعضوب ابتداءً ولكن لو طرأ العضب بعد الوجوب ، لم يسقط عنه ، وعليه أن ينفق على من يحجّ عنه(٦) .

وأخبارنا دلّت على وجوب الاستئجار على المعضوب ، وقد سلفت.

وشرطه أن يكون للمعضوب مال يستأجر به من يحجّ عنه ، وأن يكون ذلك المال فاضلاً عن الحاجات المذكورة فيما لو كان يحجّ بنفسه ، إلّا أنّا اعتبرنا هناك أن يكون الصرف إلى الزاد والراحلة فاضلاً عن نفقة عياله إلى الإِياب ؛ وهنا نعتبر أن يكون فاضلاً عن نفقتهم وكسوتهم يوم الاستئجار ، ولا يعتبر بعد فراغ الأجير من الحجّ مدّة إيابه.

وهل تُعتبر مدّة الذهاب؟ الأقرب : أنّه لا تُعتبر - وهو أصحّ وجهي‌

____________________

(١) الوجيز ١ : ١١٠ ، فتح العزيز ٧ : ٤٣ ، المجموع ٧ : ٩٨ و ١١٤.

(٢) فتح العزيز ٧ : ٤٣ - ٤٤ ، المجموع ٧ : ٩٨.

(٣) مضى في المسألتين ٤٩ و ٦٩.

(٤ - ٦) فتح العزيز ٧ : ٤٤.


الشافعية(١) - بخلاف ما إذا كان يحجّ عن نفسه ، فإنّه إذا لم يفارق أهله ، يمكنه تحصيل نفقتهم، كما في الفطرة لا يعتبر فيها إلّا نفقة اليوم.

وكذا في الكفّارات المرتّبة إذا لم نشترط تخلّف رأس المال.

ثم ما في يده إن وفى باُجرة راكب ، فلا يجب ، وإن لم يف إلّا باُجرة ماشٍ ، فالأقرب في صورة وجوب الاستئجار وجوبه هنا - وهو أصحّ وجهي الشافعية(٢) أيضاً - بخلاف ما كان يحجّ بنفسه ، لا يكلّف المشي ؛ لما فيه من المشقّة ، ولا مشقّة عليه في المشي الذي تحمّله الأجير.

والثاني : أنّه لا يلزم استئجار الماشي ، لأنّ الماشي على خطر ، وفي بذل المال في اُجرته تغرير به(٣) .

ولو طلب الأجير أكثر من اُجرة المثل ، لم يلزم الاستئجار ، وإن رضي بأقلّ منها ، لزمه ، ولو امتنع من الاستئجار ، فالأقرب : إلزام الحاكم له.

وللشافعية وجهان ، أشبههما عندهم : أنّه لا يستأجر عليه(٤) .

مسألة ١٠٠ : قد بيّنّا أنّ شرط الاستئجار عن المعضوب وجود المال للمعضوب ، فلو لم يكن له مال ولكن بذل له الأجنبي مالاً ليستأجر به ، لم يلزمه القبول ، كالصحيح.

وللشافعية في لزوم قبوله وجهان :

أحدهما : يلزم ؛ لحصول الاستطاعة بالبذل.

وأصحّهما : أنّه لا يلزم ؛ لما فيه من المنّة الثقيلة(٥) .

ولو كان الباذل واحداً من بنيه وبناته و(٦) أولادهم للطاعة في الحجّ ، فالأقرب : عدم وجوب القبول - وبه قال أبو حنيفة وأحمد(٧) - لأنّه غير‌

____________________

(١ - ٤) فتح العزيز ٧ : ٤٥ ، المجموع ٧ : ٩٥.

(٥) الوجيز ١ : ١١١ ، فتح العزيز ٧ : ٤٥ ، المجموع ٧ : ٩٥ و ٩٩.

(٦) في « ن » والطبعة الحجرية : أو.

(٧) فتح العزيز ٧ : ٤٥.


مستطيع.

وقال الشافعي : يجب ؛ لأنّ وجوب الحجّ معلّق بوجود الاستطاعة وقد حصلت ؛ لأنّ الاستطاعة تارة تكون بالنفس ، وتارة تكون بالأنصار والأعوان ، ولهذا يصدق ممّن لا يُحسن البناء أن يقول : أنا مستطيع للبناء إذا تمكّن منه بالأسباب والأعوان.

ثم شرط في باذل الطاعة أن لا يكون صرورة ولا معضوباً ، وأن يكون موثوقاً بصدقه(١) .

وإذا ظنّ تحقّق الطاعة ، فهل يلزمه الأمر؟(٢) وجهان للشافعية :

أحدهما : لا ؛ لأنّ الظنّ قد يخطئ.

وأظهرهما عندهم : نعم إذا وثق بالإِجابة ، لحصول الاستطاعة(٣) .

ولو بذل المطيع الطاعة فلم يأذن المطاع ، فهل ينوب الحاكم عنه؟ فيه وجهان : أحدهما : لا ؛ لأنّ الحجّ على التراخي عندهم(٤) .

وإذا اجتمعت الشرائط ومات المطيع قبل أن يأذن ، فإن مضى وقت إمكان الحجّ ، استقرّ في ذمّته ، وإلّا فلا.

ولو كان له مَنْ يطيع ولم يعلم بطاعته ، فهو كمن له مال موروث ولم يعلم به.

ولو بذل الولد الطاعة ثم أراد الرجوع ، فإن كان بعد الإِحرام ، لم يكن له ذلك ، وإن كان قبله ، جاز له الرجوع ، وهو أظهر وجهي الشافعية(٥) .

مسألة ١٠١ : لو بذل الأجنبي الطاعة ، ففي لزوم القبول للشافعية وجهان :

أصحّهما : أنّه يلزم ؛ لحصول الاستطاعة ، كما لو كان الباذلُ الولدَ.

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٤٥ - ٤٦ ، المجموع ٧ : ٩٥ - ٩٦.

(٢) أي : الأمر بالحج عنه.

(٣ - ٥) فتح العزيز ٧ : ٤٦ ، المجموع ٧ : ٩٦.


والثاني : لا يلزم ؛ لأنّه يثقل استخدامه ، بخلاف الولد ؛ لأنّه [ بضعة منه ](١) .

والأخ والأب في بذل الطاعة كالأجنبي ؛ لأنّ استخدامهما ثقيل.

ولهم قول آخر : إنّ الأب كالابن ؛ لاستوائهما في وجوب النفقة(٢) .

ولو بذل الولد المال ، فالأقوى عدم وجوب القبول.

وللشافعي وجهان :

أحدهما : يلزم ، كما لو بذل الطاعة.

وأصحّهما : عدمه ؛ لأنّ قبول المال يستلزم منّةً عظيمة ؛ فإنّ الإِنسان يستنكف عن الاستعانة بمال الغير ، ولا يستنكف عن الاستعانة ببدنه في الأشغال(٣) .

وبذل المال للابن كبذل الابن للأب ، أو كبذل الأجنبي؟ للشافعية وجهان(٤) .

وكلّ ما قلنا في بذل الطاعة فإنّه مفروض فيما إذا كان راكباً ، أمّا إذا بذل الابن الطاعة على أن يحجّ ماشياً ، ففي لزوم القبول للشافعية وجهان :

أحدهما : لا يلزم ، كما لا يلزم الحجّ ماشياً.

والثاني : يلزم إذا كان قويّاً ، فإنّ المشقّة لا تناله(٥) .

هذا إذا كان الباذل للطاعة مالكاً للزاد ، فإن عوّل على التكسّب في الطريق ، ففي وجوب القبول وجهان(٦) ، وهُنا عدمه أولى ؛ لأنّ المكاسب قد تنقطع في الأسفار.

____________________

(١) في النسخ الخطية والحجرية بدل ما بين المعقوفين : بعضه. وما أثبتناه من فتح العزيز.

(٢ و ٣) فتح العزيز ٧ : ٤٦ ، المجموع ٧ : ٩٧.

(٤ و ٥) فتح العزيز ٧ : ٤٧ ، المجموع ٧ : ٩٧.

(٦) فتح العزيز ٧ : ٤٧ ، المجموع ٧ : ٩٨.


وإن لم يكن كسوباً وعوّل على السؤال فأولى بالمنع ؛ لأنّ السائل قد يُردّ.

ولو كان يركب مفازة لا يجدي فيها كسب ولا سؤال ، لم يجب القبول إجماعاً ؛ لأنّ التغرير بالنفس حرام.

مسألة ١٠٢ : قد بيّنّا جواز الاستئجار في الحجّ عند علمائنا ، وبه قال الشافعي ومالك(١) .

وقال أبو حنيفة وأحمد : لا يجوز الاستئجار على الحجّ ، كما في سائر العبادات ، ولكن يرزق عليه ، ولو استأجر لكان ثواب النفقة للآمر ، ويسقط عنه الخطاب بالحجّ ، ويقع الحجّ عن الحاجّ(٢) . وقد تقدّم(٣) القول فيه.

وعندنا وعند الشافعي يجوز الحجّ بالرزق ، كما يجوز الإِجارة ، بأن يقول : حجّ عنّي واُعطيك نفقتك أو كذا. ولو استأجره بالنفقة ، لم يصحّ ؛ للجهالة(٤) .

ثم الاستئجار ضربان : استئجار عين الشخص ، بأن يقول المؤجر : آجرتك نفسي لأحجّ عنك أو عن ميّتك بنفسي بكذا ، وإلزام ذمّته العمل ، بأن يستأجره ليحصّل له الحجّ إمّا بنفسه أو بغيره ، ويلزم المستأجر إيجاب ذلك في ذمّته ، ويفترقان في ما يأتي.

وكلّ واحد من ضربي الإِجارة إمّا أن يعيّن زمان العمل فيها أو لا يعيّن ، وإن عيّن فإمّا السنة الاُولى أو غيرها ، فإن عيّن السنة الاُولى ، جاز بشرط أن‌

____________________

(١) الاُم ٢ : ١٢٤ ، فتح العزيز ٧ : ٤٩ ، المجموع ٧ : ١٢٠ و ١٣٩ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٥٧ و ٢٥٨ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ١٦٦ ، المنتقى - للباجي - ٢ : ٢٧١ ، المغني ٣ : ١٨٦.

(٢) المغني ٣ : ١٨٦ ، الشرح الكبير ٣ : ١٨٥ ، فتح العزيز ٧ : ٤٩.

(٣) تقدّم في المسألة ٥٥.

(٤) فتح العزيز ٧ : ٤٩.


يكون الخروج والحجّ فيما بقي منها مقدوراً للأجير ، فلو كان الأجير مريضاً لا يمكنه الخروج ، أو كان الطريق مخوفاً ، أو كانت المسافة بحيث لا تقطع في بقية السنة ، لم يصح العقد ؛ لأنّ المنفعة غير مقدورة.

وإن عيّنا غير السنة الاُولى ، صحّ عندنا وعند أبي حنيفة(١) ؛ للأصل والعمومات ، وسيأتي بيانه.

وقال الشافعي : لا يجوز ، كاستئجار الدار الشهر المقبل ، إلّا إذا كانت المسافة لا تقطع في سنة(٢) .

وأمّا في الإِجارة الواردة على الذمّة فيجوز تعيين السنة الاُولى وغيرها ، وهو بمثابة الدَّيْن في الذمّة قد يكون حالّاً وقد يكون مؤجّلاً.

وإن أطلقا ، فهو كما لو عيّنا السنة الاُولى ، إلّا في شي‌ء سيأتي بيانه.

ولا يقدح في الإِجارة في الذمّة كونه مريضاً ؛ لإِمكان الاستنابة ، ولا خَوف الطريق وضيق الوقت إنّ عيّنا غير السنة الاُولى.

مسألة ١٠٣ : إذا استؤجر المعيّن للحجّ في تلك السنة ، لم يجز له التأخير.

وهل تجب عليه المبادرة مع أول رفقة؟ الأقرب : عدم الوجوب. ويجوز وقوع عقد الإِجارة قبل خروج الناس ، وله انتظار الرفقة ، ولا يلزمه المبادرة وحده ، بل ولا مع أول قافلة ، وهو اختيار جماعة من الشافعية(٣) .

وقال أكثرهم : يشترط وقوع العقد في زمان خروج الناس من ذلك البلد حتى لا يصح استئجار المعيّن إلّا في وقت خروج القافلة من ذلك البلد بحيث يشتغل عقيب العقد بالخروج أو بأسبابه من شراء الزاد ونحوه ، فإن كان قبله ، لم يصح ، لأنّ إجارة الزمان المستقبل عندهم لا يجوز ، وبنوا على ذلك أنّه لو كان‌

____________________

(١) راجع : الوجيز ١ : ١١١.

(٢) فتح العزيز ٧ : ٤٩ ، المجموع ٧ : ١٢٠.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٥٠ ، المجموع ٧ : ١٢٣.


الاستئجار بمكة لم يجز إلّا في أشهر الحج ليمكنه الاشتغال بالعمل عقيب العقد(١) .

ولو وقع العقد في وقت تراكم الثلوج والانداء ، فوجهان للشافعية :

أحدهما : الجواز ؛ لأنّ توقّع زوالها مضبوط ، وعدمه ؛ لتعذّر الاشتغال بالعمل في الحال ، بخلاف انتظار الرفقة ؛ فإنّ خروجها في الحال غير متعذّر(٢) .

هذا كلّه في إجارة العين ، أمّا الإِجارة الواردة على الذمّة فيجوز تقديمها على الخروج لا محالة عندنا وعندهم(٣) .

تذنيب : ليس للأجير في إجارة العين أن يستنيب غيره ؛ لأنّ الفعل مضاف إليه ، والأغراض تختلف باختلاف الاُجراء ، ولو قال : لتحجّ عنّي بنفسك ، فهو أوضح في المنع من الاستنابة.

وأمّا في الإِجارة على الذمّة ، فإذا قال : ألزمت ذمّتك لتحصّل لي حجّةً ، جاز أن يستنيب غيره ، ولو قال : لتحجّ بنفسك ، لم تجز الاستنابة.

وقال بعض الشافعية. تبطل لو قال : لتحجّ بنفسك ؛ لأنّ الذمّيّة مع اشتراط معين يتناقضان، فصار كما لو أسلم في ثمرة بستان بعينه(٤) . وليس بجيّد.

ولو أمره بالاستئجار ، لم يجز له المباشرة.

مسألة ١٠٤ : يجب أن تكون أعمال الحج معلومةً عند المتعاقدين وقت العقد ؛ لبطلان العقد على المجهول ، فإن علماها عند العقد ، فلا بحث ، وإن جهلاها أو أحدهما فلا بدّ من الإِعلام.

وهل يشترط تعيين الميقات الذي يحرم منه الأجير؟ الأقرب : عدمه ؛ عملاً بالأصل.

وللشافعي قولان : هذا أحدهما ، والثاني : يشترط ؛ لاختلاف‌

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٥٠ ، المجموع ٧ : ١٢٣ - ١٢٤‌

(٢ و ٣) فتح العزيز ٧ : ٥٠ ، المجموع ٧ : ١٢٤.

(٤) فتح العزيز ٧ : ٥٠.


الأغراض باختلاف المواقيت(١) .

لكن علماؤنا رووا أنه إذا أمره بالحجّ على طريق معيّن ، جاز له العدول عنه(٢) .

ولأصحابه طريقان ،أظهرهما : أنّ المسألة على قولين : أحدهما : الاشتراط ؛ لاختلاف الأغراض باختلافها(٣) ، وعدمه - وهو الأظهر عندهم - لأنّ الحمل على ميقات البلدة على العادة الغالبة.

والطريق الثاني : تنزيل القولين على حالين ، ولمن قال به طريقان :

أظهرهما : حمل القول الأول على ما إذا كان لبلدة طريق واحد وله ميقات واحد ، وحمل الثاني على ما إذا كان للبلد طريقان مختلفا الميقات ، أو كان يفضي طريقها إلى ميقاتين ، كالعقيق وذات عرق.

والثاني : حمل الأول على ما إذا كان الاستئجار لميّت ، والثاني على ما إذا استأجر الحيّ.

والفرق : أنّ الحيّ له غرض واختيار ، والميّت لا غرض له ولا اختيار ، والمقصود براءة ذمّته ، وهي تحصل بالإِحرام من أيّ ميقات كان ، فإن شرطنا تعيّن الميقات ، فسدت الإِجارة بإهماله ، لكن يقع الحجّ عن المستأجر ، لوجود الإِذن ، وتلزم اُجرة المثل(٤) .

وإذا وقعت الإِجارة للحجّ والعمرة ، فلا بدّ من بيان أنّه يُفرد أو يُقرن أو يتمتّع ؛ لاختلاف الأغراض بها.

مسألة ١٠٥ : يشترط في لزوم الإِجارة وصحتها : الإِتيان بالصيغة على الوجه المعتبر شرعاً ، فلو قال : من حجّ عنّي فله مائة ، صحّ جعالةً ، ولا تكون‌

____________________

(١) الوجيز ١ : ١١١ ، فتح العزيز ٧ : ٥١ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٥٩ ، المجموع ٧ : ١٢١.

(٢) الكافي ٤ : ٣٠٧ / ٢ ، الفقيه ٢ : ٢٦١ / ١٢٧١ ، التهذيب ٥ : ٤١٥ / ١٤٤٥.

(٣) أي : باختلاف المواقيت.

(٤) فتح العزيز ٧ : ٥١ ، المجموع ٧ : ١٢١.


إجارةً ، ولا تلزم المائة إلّا بالعمل.

وللشافعي قولان :

أحدهما : البطلان ؛ لأنّ العامل غير معيّن ، وإنّما يحتمل ذلك عند تعذّر الإِجارة ؛ للضرورة.

والثاني : الصحة - كما قلناه - لأنّ الجعالة تصح على كلّ عمل يصح إيراد الإِجارة عليه ؛ لأنّ الجعالة جائزة مع كون العمل مجهولاً فمع العلم به تكون أولى بالجواز.

وعلى القول بفساد الجعالة لو حجّ عنه إنسان ، فالمسمّى ساقط ؛ لفساد العقد ، لكن الحج يقع عن المستأجر ، وللعامل اُجرة المثل ؛ لوجود الإِذن وإن فسد العقد.

وكذا الحكم عندهم لو قال : مَنْ خاط ثوبي فله كذا ، فخاطه إنسان.

ولهم وجه : أنّه يفسد الْإِذن ؛ لعدم تعيين المأذون له ، كما لو قال : وكّلت مَنْ أراد بيع داري ، لا يصحّ التوكيل ؛ لأنّه ليس موجّهاً نحو معيّن(١) .

مسألة ١٠٦ : إذا أعطى الإِنسان غيره حجّةً ليحجّ عنه من بلد ، فحجّ عنه من بلد آخر ، فإن لم يتعلّق غرض المستأجر بذلك ، أجزأ ؛ لأنّ سلوك الطريق غير مقصود لذاته ، وإنّما المقصود بالذات الحجّ وقد حصل.

ولما رواه حريز بن عبد الله - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : سألته عن رجل أعطى رجلاً حجّةً يحجّ عنه من الكوفة ، فحجّ عنه من البصرة ، قال : « لا بأس إذا قضى جميع المناسك فقد تمّ حجّه »(٢) .

إذا عرفت هذا ، فإنّه يجب على الأجير ردّ التفاوت بين الطريقين إن كان. ما سلكه أسهل ممّا استؤجر عليه ؛ لأنّ العادة قاضية بنقصان اُجرة الأسهل عن‌

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٥١ - ٥٢ ، المجموع ٧ : ١٢٢ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٧٥.

(٢) الكافي ٤ : ٣٠٧ / ٢ ، التهذيب ٥ : ٤١٥ / ١٤٤٥.


اُجرة الأصعب ، وقد استؤجر للأصعب ولم يأت به ، فيتعيّن عليه ردّ التفاوت.

ولو استؤجر للسلوك بالأسهل فسلك الأصعب ، لم يكن له شي‌ء.

هذا إذا لم يتعلّق غرض المستأجر بتعيين الطريق ، وإن تعلّق غرض المستأجر بطريق معيّن ، فاستأجر على أن يسلكه الأجير ، فسلك غيره ، فالأقرب فساد المسمّى ، والرجوع إلى اُجرة المثل ، ويجزئ الحجّ عن المستأجر ، سواء سلك الأصعب أو الأسهل ؛ لأنّه استؤجر على فعل وأتى ببعضه.

إذا ثبت هذا ، فالأقرب أنّ الرواية تضمّنت مساواة الطريقين إذا كان الإِحرام من ميقات واحد، أمّا مع اختلاف الميقاتين ، فالأقرب المنع ؛ لاختلافهما قُرْباً وبُعْداً ، واختلاف الأغراض ، وتفاوت الأجر بسبب تفاوتهما ، وإطلاق الأصحاب ينبغي أن يقيّد بما دلّ مفهوم الرواية عليه.

إذا عرفت هذا ، فلو خالف في سلوك ما شرطه [ المستأجر ](١) من الطرق فأحصر ، لم يستحق الأجير شيئاً في الموضعين.

مسألة ١٠٧ : إذا استأجره ليحجّ عنه بنفسه ، فإمّا أن يعيّن الزمان أو لا ، فإن عيّنه ، وجب أن يكون الأجير على صفة يمكنه التلبّس بالإِحرام في أشهر الحجّ ، فإن لم يمكنه ذلك إمّا لضيق الوقت أو لمرض أو لغير ذلك ، بطل القيد ؛ لأنّه عقد على ما لا يصح.

وإذا كان الأجير ممّن يصح منه الحجّ فأخّر حتى فات الوقت ، وخالف إمّا لعذر أو لغير عذر ، بطل العقد ؛ لأنّ الوقت الذي عيّنه قد فات ، وكان للمستأجر الخيار بين استئجاره في السنة الاُخرى وبين استئجار غيره.

ولو ضمن الأجير الحجّ في السنة الاُخرى ، لم تجب إجابته ، بل لو اُجيب لافتقر إلى عقد آخر.

____________________

(١) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطية والحجرية : المؤجر. والظاهر ما أثبتناه.


وللشافعية طريقان : أظهرهما : أنّه على قولين كالقولين فيما لو حلّ السلم والمسلم فيه منقطع:

أحدهما : ينفسخ ؛ لفوات مقصود العقد.

وأصحّهما : لا ينفسخ ، كما لو أخّر أداء الدَّيْن عن محلّه لا ينقطع.

والثاني : القطع بالقول الثاني.

وعلى القول بعدم الانفساخ يُنظر إن صدر الاستئجار من المعضوب لنفسه ، فله الخيار ؛ لتفويت المقصود ، كما لو أفلس المشتري بالثمن ، فإن شاء أخّر ليحجّ في السنة الاُخرى ، وإن شاء فسخ ، واستردّ الاُجرة ، وارتفق بها إلى أن يستأجر غيره(١) .

وإن كان الاستئجار لميّت من ماله ، فقد قال بعضهم : لا خيار لمن استأجر في فسخ العقد ؛ لأنّ الاُجرة معيّنة لتحصيل الحجّ ، فلا انتفاع باستردادها(٢) .

وقال آخرون : له الخيار ؛ لأنّ الورثة يقصدون باسترداد الاُجرة صرفها إلى مَنْ هُو أحرى بتحصيل المقصود ، ولأنّهم إذا استردّوها تمكّنوا من إبدالها بغيرها(٣) .

وقال بعضهم : إنّ على الولي مراعاة النظر للميّت ، فإن كانت المصلحة في فسخ العقد لخوف إفلاس الأجير أو هربه فلم يفعل ، ضمن(٤) .

أمّا لو كان الميّت قد أوصى بأن يحجّ عنه إنسان بمائة مثلاً ، لم يجز الفسخ ؛ لأنّ الوصية مستحقّة الصرف إلى المعيّن.

ولو استأجر إنسان للميّت من مال نفسه تطوّعاً عليه ، فهو كاستئجار المعضوب لنفسه ، فله الخيار.

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٥٣ ، المجموع ٧ : ١٢٦ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٦٨ - ٢٦٩.

(٢) الوجيز ١ : ١١٢ ، فتح العزيز ٧ : ٥٣ ، المجموع ٧ : ١٢٦.

(٣ و ٤) فتح العزيز ٧ : ٥٣ ، المجموع ٧ : ١٢٧.


ولو قدّم الأجير الحجّ على السنة المعيّنة ، فالأقرب : الجواز ؛ لأنّه قد زاد خيراً ، وبه قال الشافعي(١) .

وأمّا إن لم يعيّن الزمان بل أطلق ، صحّ العقد ، واقتضى الإِطلاق التعجيل.

ولو شرط التأخير عاماً أو عامين ، جاز ، ومع الإِطلاق إذا لم يحجّ في السنة الاُولى ، لم تبطل الإِجارة ؛ لأنّ الإِجارة في الذمّة لا تبطل بالتأخير ، وليس للمستأجر فسخ هذه الإِجارة لأجل التأخير ، فإذا أحرم في السنة الثانية ، كان إحرامه صحيحاً عمّن استأجره.

وقال بعض الشافعية : إذا أطلقا العقد ، لم يقتض التعجيل ، وجاز للمستأجر التأخير مع القدرة ، ويثبت للمستأجر الخيار ؛ لتأخير المقصود(٢) .

مسألة ١٠٨ : إنّه سيأتي أنّ المواقيت المؤقّتة للإِحرام مواضع معيّنة وقّتها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لكلّ إقليم ميقات معيّن(٣) ، لا يجوز الإِحرام قبلها عند علمائنا إلّا لناذر على خلاف بين علمائنا فيه. وكذا للمعتمر في شهر رجب إذا خاف تقضيه يجوز له الإِحرام للعمرة قبل الميقات.

وأجمعت العامة على جواز الإِحرام قبل الميقات(٤) .

إذا عرفت هذا ، فنقول : إذا استأجره للحج فانتهى الأجير إلى الميقات المتعيّن شرعاً أو بتعيينهما إن اعتبرناه فلم يحرم بالحج عن المستأجر ولكن أحرم بعمرة عن نفسه ثم أحرم عن المستأجر بعد فراغه من عمرته ، فإمّا أن لا يعود‌

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٥٣ ، المجموع ٧ : ١٢٨.

(٢) فتح العزيز ٧ : ٥٢ - ٥٣ ، المجموع ٧ : ١٢٦.

(٣) الكافي ٤ : ٣١٨ - ٣١٩ / ١ - ٣ ، التهذيب ٥ : ٥٤ - ٥٥ / ١٦٦ - ١٦٨ ، صحيح البخاري ٢ : ١٦٥ ، صحيح مسلم ٢ : ٨٣٨ / ١١٨١ ، سنن أبي داود ٢ : ١٤٣ / ١٧٣٧ و ١٧٣٨ ، سنن الترمذي ٣ : ١٩٤ / ٨٣١ ، سنن البيهقي ٥ : ٢٦.

(٤) المغني ٣ : ٢٢٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٢٦ ، الوجيز ١ : ١١٤ ، فتح العزيز ٧ : ٩٥ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٦٤.


إلى الميقات بأن أحرم من جوف مكة ، وقع الحجّ عن المستأجر بحكم الإذن ، فكان يجوز أن يقال : المأذون فيه الحجّ من الميقات ، وهذا الخصوص متعلّق الغرض ، فلا يتناول الإذن غيره ، فيحطّ شي‌ء من الأجرة المسمّاة وإن وقع الحجّ عن المستأجر ، لمجاوزته الميقات وكان الواجب عليه أن يحرم منه.

وقال أبو حنيفة : إذا أحرم عن نفسه ثم حجّ عن المستأجر بإحرام من مكة من غير أن يرجع إلى الميقات ، لم يقع فعله عن الآمر ، ويردّ جميع النفقة إليه ، لأنّه أتى بغير ما أمر به(١) .

والأول مذهب الشافعي ، لأنّه ما أخلّ إلّا بما يجبره الدم ، فلم تسقط أجرته(٢) .

وفي قدر المحطوط اختلاف مبني على أنّ الاُجرة تقع في مقابلة أعمال الحجّ وحدها ، أو يتوزّع على المسير من بلد الإِجارة والأعمال ، فإن قلنا بالثاني - وهو الأظهر عند الشافعية(٣) - فقولان : أحدهما : أنّ المسافة لا تُحتسب له هاهنا ؛ لأنّه صرفه إلى غرض نفسه حيث أحرم بالعمرة من الميقات ، فعلى هذا توزّع الاُجرة المسمّاة على حجّة منشأة من بلد الإِجارة وإحرامها من الميقات ، وعلى حجّة منشأة من جوف مكة ، فإذا كانت اُجرة الحجّة المنشأة من بلد الإِجارة مائة ، واُجرة الحجّة المنشأة من مكة عشرة ، حطّ من الاُجرة المسمّاة تسعة أعشارها.

وأصحّهما عندهم : أنّها تحسب له ؛ لأنّ الظاهر أنّه يقصد بها تحصيل الحجّ الملتزم ، إلّا أنّه أراد أن يربح في سفره عمرة ، فعلى هذا تتوزّع الاُجرة المسمّاة على حجّة منشأة من بلد الإِجارة إحرامها من الميقات وعلى حجّة منشأه منها أيضاً إحرامها من مكة ، فإذا كانت اُجرة الاُولى مائة واُجرة الثانية‌

____________________

(١) المغني والشرح الكبير ٣ : ١٩٠.

(٢) فتح العزيز ٧ : ٥٥ ، المجموع ٧ : ١٢٩ ، المغني والشرح الكبير ٣ : ١٩٠.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٥٥ ، المجموع ٧ : ١٢٩‌


تسعين ، حطّ من الاُجرة المسمّاة عُشرها(١) .

وإن قلنا : إنّ الاُجرة تقع في مقابلة أعمال الحج وحدها ، فتوزّع الأجرة المسمّاة على حجّة من الميقات ، وهي التي قوبلت بها ، وعلى حجّة من جوف مكة ، فإذا كانت أجرة الاولى خمسة واجرة الثانية درهمين ، حططنا من الاُجرة ثلاثة أخماسها.

ولو جاوز الميقات بغير إحرام ثم أحرم بالحج عن المستأجر ، يلزمه دم الإِساءة ، وسيأتي الخلاف في أنّ الاساءة هل تنجبر بالدم حتى لا يحطّ شي‌ء من الاُجرة أم لا؟ قال بعض الشافعية : إنّ ذلك الخلاف عائد هنا ، وإنّ الخلاف في قدر المحطوط مفرَّع على القول في قدر الحط ، ويجوز أن يقطع هنا بأنّه لا تنجبر الإِساءة ، ويفرّق بأنّه ارتفق هاهنا بالمجاوزة حيث أحرم بالعمرة لنفسه(٢) .

القسم الثاني(٣) : أن يعود إلى الميقات بعد الفراغ من العمرة وأحرم بالحج ، فإن قلنا : الاُجرة في مقابلة الأعمال وحدها أو وزّعناها عليها وعلى السير واحتسبنا المسافة هنا ، وجبت الاُجرة بتمامها ، وهو الأظهر عندهم(٤) ، وإن وزّعناها عليها ولم تحسب المسافة هاهنا ، فتوزّع الاُجرة على حجة منشأة من بلد الإِجارة إحرامها من الميقات وعلى حجّة من الميقات من غير قطع مسافة.

ولو جاوز الميقات بلا اعتمار ثم أحرم بالحج عن المستأجر ، فإن عاد إلى الميقات وأحرم منه عن المستأجر ، فلا شي‌ء عليه ولا حطّ من الاُجرة ، وإن لم يَعُدْ ، فعليه دم الإِساءة بالمجاوزة.

وهل ينجبر به الخلل حتى لا يحطّ شي‌ء من الاُجرة؟ فيه قولان‌

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٥٦ ، المجموع ٧ : ١٢٩.

(٢) فتح العزيز ٧ : ٥٦ - ٥٧ ، المجموع ٧ : ١٢٩.

(٣) وقد مرّ القسم الأول عند قوله : فإمّا أن لا يعود إلى الميقات

(٤) فتح العزيز ٧ : ٥٧ ، المجموع ٧ : ١٢٩.


للشافعية :

أحدهما : نعم ؛ لأنّ الدم شُرّع للجبر.

وأظهرهما : المنع ؛ لأنّه نقص من العمل الذي استأجره له ، والدم يجب لحقّ الله تعالى ، فلا ينجبر به حقّ الآدمي ، كما لو جنى المـُحْرم على صيد مملوك يلزمه الضمان مع الجزاء(١) .

ومنهم من قطع بالقول الثاني(٢) .

وعلى القول بعدم الانجبار فقد المحطوط يبنى على أنّ الاُجرة في مقابلة العمل وحده أو توزّع على السير والعمل جميعاً؟ إن قلنا بالأول ، وزّعت الاُجرة المسمّاة على حجة من الميقات وحجّة من حيث أحرم ، وإن قلنا بالثاني واعتبرنا المسافة ، وزّعت على حجّة من بلدة الإِجارة وإحرامها من الميقات وعلى حجّة منها إحرامها من حيث أحرم.

والخلاف في اعتبار المسافة هاهنا إذا رتّب على الخلاف فيما إذا أحرم بعمرة عن نفسه ، كانت هذه الصورة أولى بالاعتبار ؛ لأنّه لم يصرفها إلى غرض نفسه.

ثم لهم وجهان في أنّ النظر إلى الفراسخ وحدها أم يعتبر ذلك مع ذكر السهولة والحزونة؟ والأصحّ عندهم : الثاني(٣) .

ولو عدل الأجير عن طريق الميقات المتعيّن إلى طريق آخر ميقاته مثل ذلك الميقات أو أبعد ، فلا شي‌ء عليه ، وهو المذهب عند الشافعية(٤) .

هذا كلّه في الميقات الشرعي ، أمّا إذا عيّنا موضعاً آخر ، فإن كان أقرب إلى مكة من الميقات الشرعي ، فهذا الشرط فاسد مفسد للإِجارة ، فإنّه لا‌

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٥٧ - ٥٨ ، المجموع ٧ : ١٣٠.

(٢) فتح العزيز ٧ : ٥٨ ، المجموع ٧ : ١٣٠.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٥٨ ، المجموع ٧ : ١٣١.

(٤) فتح العزيز ٧ : ٥٩ ، المجموع ٧ : ١٣١.


يجوز لمريد النسك أن يمرّ على الميقات غير مُحْرم ، وإن كان أبعد ، قال الشيخ في المبسوط : لا يلزمه ذلك ؛ لأنّه باطل(١) .

والتحقيق أن نقول : إن كان المستأجر قد نذر الإِحرام قبل الميقات ، لزمه الوفاء به عنده ، فإذا استأجره لذلك ، وجب على الأجير الوفاء به ، وإن لم يكن قد نذر ، لم يلزم الأجير فعله.

إذا عرفت هذا ، فإن استأجره للإِحرام من قبل الميقات الشرعي وسوّغناه فتجاوزه غير مُحْرم ، فهل يجب على الأجير الدم في مجاوزته غير مُحْرم؟

للشافعية وجهان :

أحدهما : عدم الوجوب ؛ لأنّ الدم منوط بالميقات الواجب شرعاً ، فلا يلحق به غيره ، ولأنّ الدم يجب حقّاً لله تعالى ، والميقات المشروط إنّما يتعيّن حقّاً للمستأجر ، والدم لا يُجبر حقّ الآدمي.

وأظهرهما عندهم : أنّه يلزم ؛ لأنّ تعيّنه وإن كان لحقّ الآدمي فالشارع هو الذي يحكم به ويتعلّق به حقّه ، فإن قلنا بالأول ، حطّ قسط من الأجرة قطعا ، وإن قلنا بالثاني ، ففي حصول الانجبار الوجهان(٢) .

وكذلك لزوم الدم بسبب ترك المأمور به كالرمي والمبيت.

وإن لزمه بسبب ارتكاب محظور كاللُّبْس والقَلْم ، لم يحط شي‌ء من الاُجرة ؛ لأنّه لم ينقص شي‌ء من العمل.

ولو شرط على الأجير أن يُحرم في أول شوّال فأخّره ، لزم الدم ، وفي الانجبار الخلاف(٣) ، وكذا لو شرط عليه أن يحجّ ماشياً فحجّ راكباً ؛ لأنّه ترك شيئاً مقصوداً.

مسألة ١٠٩ : أنواع الحجّ ثلاثة على ما يأتي(٤) : تمتّع وهو أفضلها ،

____________________

(١) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٢٢.

(٢ و ٣) فتح العزيز ٧ : ٥٩ ، المجموع ٧ : ١٣١.

(٤) يأتي في المسألة ١٢٥.


وقران وإفراد ، فعندنا إنّ التمتّع فرض من نأى عن مكة لا يجوز له غيره إلّا مع الضرورة ، والقران والإِفراد فرض أهل مكة وحاضريها لا يجوز له غيرهما إلّا مع الاضطرار.

إذا ثبت هذا ، فإذا استأجره ليحجّ عنه ، وجب تعيين أحد الأنواع ، فإذا أمره بالحجّ متمتّعاً فامتثل ، أجزأه إجماعاً ، ودم المتعة لازم للأجير ؛ لأنّه من مقتضيات العقد ، كفعل من الأفعال ، إلّا أن يشترطه على المستأجر فيلزمه ، وإن خالفه إلى القران ، لم يجزئه ؛ لأنّه لم يفعل ما استأجره فيه.

وإن استأجره ليُفْرد فتمتّع أو قرن ، أجزأه ، قاله الشيخ(١) رحمه‌الله ؛ لأنّه عدل إلى الأفضل وأتى بما استؤجر فيه وزيادة.

وإن استأجره للقران فقرن ، صحّ ؛ لأنّه استأجره له ، والهدي الذي به يكون قارناً لازم للأجير؛ لأنّ إجارته تتضمّنه ، فإن شرطه على المستأجر ، جاز.

وإن خالفه وتمتّع ، قال الشيخرحمه‌الله : جاز ؛ لأنّه عدل إلى ما هو الأفضل ، ويقع النسكان معاً عن المستأجر ، وإن أفرد ، لم يجزئه ؛ لأنّه لم يفعل ما استأجره فيه(٢) .

وقال الشافعي : إذا أمره بالقران فامتثل ، وجب دم القران على المستأجر في أصحّ الوجهين ؛ لأنّه مقتضى الإِحرام الذي أمره ، وكأنّه القارن بنفسه.

والثاني : على الأجير ، لأنّه قد الزم القران ، والدم من تتمتّه.

فعلى الأول لو شرطا أن يكون على الأجير ، فسدت الإِجارة ، لأنّه جمع بين الإِجارة وبيع المجهول ، كأنّه يشتري الشاة منه وهي غير معيّنة ولا موصوفة ، والجمع بين الإِجارة وبيع المجهول فاسد.

ولو كان المستأجر معسراً ، فالصوم يكون على الأجير ؛ لأنّ بعض الصوم‌

____________________

(١ و ٢) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٢٤.


ينبغي أن يكون في الحج ، والذي في الحج منهما هو الأجير(١) .

وقال بعضهم : هو كما لو عجز عن الهدي والصوم جميعاً. وعلى الوجهين يستحقّ الاُجرة بتمامها(٢) .

وإن عدل إلى الإِفراد فحجّ ثم اعتمر ، قال الشافعي : يلزمه أن يردّ من الاُجرة ما يخصّ العمرة(٣) .

وهو محمول عند أصحابه على ما إذا كانت الإِجارة على العين ، فإنّه لا يجوز له تأخير العمل فيها عن الوقت المعيّن.

وإن كانت في الذمّة ، فإن عاد إلى الميقات للعمرة ، فلا شي‌ء عليه ، وقد زاد خيراً ، ولا شي‌ء على المستأجر أيضاً ؛ لأنّه لم يُقْرنْ ، وإن لم يَعُدْ ، فعلى الأجير دم ؛ لمجاوزته الميقات للعمرة.

وهل يحطّ شي‌ء من الاُجرة أم تنجبر الإِساءة بالدم؟ فيه الخلاف السابق(٤) .

وإن عدل إلى التمتّع ، فقد قال بعضهم : إن كانت الإِجارةُ إجارةَ عين ، لم يقع الحج عن المستأجر ؛ لوقوعه في غير الوقت المعيّن ، وإن كانت الإِجارة على الذمّة ، نُظر إن عاد إلى الميقات للحج ، فلا دم عليه ولا على المستأجر ، وإن لم يَعُدْ ، فوجهان : أحدهما : لا يُجعل مخالفاً ؛ لتقارب(٥) الجهتين ، فإنّ في القران نقصانا في الأفعال وإحراما من الميقات ، وفي التمتّع كمالاً في الأفعال ونقصاناً في الإِحرام ؛ لوقوعه بعد مجاوزة الميقات ، فعلى هذا : الحكمُ كما لو امتثل(٦) .

وفي كون الدم على الأجير أو المستأجر للشافعية وجهان(٧) .

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٦٠ - ٦١ ، المجموع ٧ : ١٣٢.

(٢ - ٤) فتح العزيز ٧ : ٦١ ، المجموع ٧ : ١٣٢.

(٥) في النسخ الخطية والحجرية : لتفاوت. وما أثبتناه من المصدر.

(٦ - ٧) فتح العزيز ٧ : ٦٢ ، المجموع ٧ : ١٣٢.


وقال بعضهم : يجب على الأجير دم ؛ لتركه الإِحرام من الميقات ، وعلى المستأجر دم آخر ؛ لأنّ القران الذي اُمر به يتضمّنه(١) .

ولو أمره بالتمتّع فأفرد ، فالأقرب أنّه لا يستحقّ أجراً ؛ لأنّه لم يفعل ما استؤجر له.

وقال الشافعي : يُنظر إن قدّم العمرة وعاد للحجّ إلى الميقات ، فقد زاد خيراً ، وإن أخّر العمرة فإن كانت الإِجارةُ إجارةَ عين ، انفسخت فيها ؛ لفوات الوقت المعيّن للعمرة ، فيردّ حصتها من المسمّى ، وإن كانت الإِجارة على الذمّة وعاد للعمرة إلى الميقات ، لم يلزمه شي‌ء ، وإن لم يَعُدْ ، فعليه دم ؛ لترك الإِحرام بالعمرة من الميقات ، وفي حطّ شي‌ء من الاُجرة الخلافُ السابق.

وإن قرن فقد زاد خيراً ؛ لأنّه أحرم بالنسكين من الميقات وكان مأموراً بأن يحرم بالعمرة منه وبالحجّ من مكة.

ثم إن عدّد الأفعال ، فلا شي‌ء عليه ، وإلّا فوجهان في أنّه هل يحطّ شي‌ء من الاُجرة ؛ للاختصار في الأفعال وفي أنّ الدم على المستأجر ؛ لأمره بما يتضمّن الدم ، أو على الأجير ؛ لنقصان الأفعال؟ وكلّ ذلك مخرَّجٌ على الخلاف المقدّم في عكسه ، وهو ما إذا تمتّع المأمور بالقران(٢) .

ولو أمره بالإِفراد فقرن ، فالأقرب : الإِجزاء ، وهدي القران على الأجير ؛ لتبرّعه.

وأمّا الشافعية فقالوا : إن كانت الإِجارة على العين ، فالعمرة واقعة لا في وقتها ، فهو كما لو استأجره للحجّ وحده فقرن ، وإن كانت في الذمّة وقعا عن المستأجر ؛ لأنّ القران كالإِفراد شرعاً في إخراج الذمّة عن العهدة ، وعلى الأجير الدم.

وهل يحطّ شي‌ء من الاُجرة أو ينجبر الخلل بالدم؟ فيه الخلاف‌

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٦٣ ، المجموع ٧ : ١٣٣.

(٢) فتح العزيز ٧ : ٦٣ - ٦٤ ، المجموع ٧ : ١٣٣.


المتقدّم.

وإن تمتّع ، فإن كانت الإِجارة على العين وقد أمره بتأخير العمرة ، فقد وقعت في غير وقتها ، فيردّ ما يخصّها من الاُجرة.

وإن أمره بتقديمها أو كانت الإِجارة على الذمّة ، وقعا عن المستأجر ، وعلى الأجير دم إن لم يَعُدْ للحجّ إلى الميقات ، وفي حطّ شي‌ء من الاُجرة الخلافُ السابق(١) .

واعلم أنّ بعض الشافعية استشكل هذه المسائل ، فإنّها قد اشتركت في العدول عن الجهة المأمور بها إلى غيرها ، وهو [ غير ](٢) قادح في وقوع النسكين عن المستأجر.

وفيه إشكال ؛ لأنّ ما يراعى الإِذن في أصله يراعى في تفاصيله المقصودة ، فإذا خالف ، كان المأتي به غير المأذون فيه(٣) .

مسألة ١١٠ : إذا جامع الأجير قبل الوقوف بالموقفين ، فسد حجّه ، وانقلبت الحجّة إلى الأجير ، فتلزمه الكفّارة ، والمضيّ في الفاسد ، والقضاء للفاسد عنه ؛ لأنّه استؤجر للحجّ الصحيح ولم يأت به بل بحجّ فاسد ، فليصرف إليه ، كما لو أمره بشراء شي‌ء بصفة فاشترى على غير تلك الصفة ، يقع عن المأمور ، والحجّ قابل للنقل عن الحالة التي انعقد عليها ؛ فإنّ حجّ الصبي ينعقد نفلاً ، فإذا بلغ قبل الوقوف ، انقلب فرضاً ، وهو أحد قولي الشافعي(٤) .

والثاني : أنّه لا ينقلب الحجّ إلى الأجير ولا يجب القضاء ؛ لأنّ الإِحرام قد انعقد عن المستأجر فلا ينقلب إلى غيره ، ولا قضاء ، لأنّ مَنْ له الحجّ لم‌

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٦٤ ، المجموع ٧ : ١٣٣.

(٢) أضفناها من المصدر.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٦٥.

(٤) فتح العزيز ٧ : ٦٦ ، المجموع ٧ : ١٣٤.


يفسده ، فلا يؤثّر فعل غيره فيه(١) .

وفي رواية إسحاق بن عمّار عن الصادقعليه‌السلام في رجل حجّ عن رجل فاجترح في حجّه شيئاً يلزمه فيه الحجّ من قابل أو كفّارة ، قال : « هي للأول تامّة ، وعلى هذا ما اجترح »(٢) .

إذا عرفت هذا ، فعلى ما اخترناه إن كانت السنة معيّنةً ، انفسخت الإِجارة ، ولزمالمستأجر أن يستأجر مَنْ ينوب عنه فيها ، وإن لم تكن معيّنةً ، بل كانت في الذمة ، لم تنفسخ ، وعليه أن يأتي بحجّة اُخرى في المستقبل عمّن استأجره بعد أن يقضي الحجّة التي أفسدها عن نفسه ، ولم يكن للمستأجر فسخ هذه الإِجارة عليه ، والحجّة الاُولى فاسدة لا تجزئ عنه ، والثانية قضاء عنها عن نفسه ، ثم يقضي بعد ذلك الحجّ الذي استؤجر له.

وقال الشافعي : إن كانت الإِجارة على العين ، انفسخت ، والقضاء الذي يأتي به الأجير يقع عنه ، وإن كانت في الذمّة ، لم تنفسخ.

وعمّن يقع القضاء قولان :

أحدهما : عن المستأجر ؛ لأنّه قضاء للأول ، ولو لا فساده لوقع عنه.

وأصحهما : عن الأجير ؛ لأنّ القضاء بحكم الأداء ، والأداء وقع عن الأجير ، فعلى هذا يلزمه سوى القضاء حجّة اُخرى للمستأجر ، فيقضي عن نفسه ثم يحجّ عن المستأجر في سنة اُخرى ، أو يستنيب مَنْ يحجّ عنه في تلك السنة. وحيث لا تنفسخ الإِجارة فللمستأجر خيار الفسخ عند الشافعي ؛ لتأخّر المقصود(٣) .

مسألة ١١١ : إذا أحرم الأجير عن المستأجر ثم صرف الإِحرام إلى نفسه ظنّاً منه بأنّه ينصرف ، فأتمّ الحجّ على هذا الظنّ ، فالوجه عندي : فساد‌

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٦٦ ، المجموع ٧ : ١٣٤.

(٢) الكافي ٤ : ٥٤٤ / ٢٣ ، التهذيب ٥ : ٤٦١ / ١٦٠٦.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٦٦ - ٦٧ ، المجموع ٧ : ١٣٤.


الحجّ.

أمّا بالنسبة إليه : فلعدم انصرافه إليه.

وأمّا بالنسبة إلى المستأجر : فلأنّه لم يَنْو بباقي الأفعال النيابة ، بل نوى وقوعها لنفسه ولم يقع؛ لبطلان الإِحرام لنفسه ، ولاستحقاق المستأجر ذلك الزمان ، ولا يستحق الأجير الاُجرة ، لأنّه لم يأت بالمقصود عليه.

وقال الشافعي : يقع الحجّ للمستأجر ، وفي استحقاق الأجير الاُجرة قولان :

أحدهما : لا يستحقّ ؛ لأنّه أعرض عنها حيث قصد بالحجّ نفسه.

وأصحّهما عنده : الاستحقاق ؛ لانعقاد الحجّ للمستأجر ، وحصول غرضه.

وهذا الخلاف جارٍ فيما إذا دفع ثوباً إلى صبّاغ ليصبغه ، فأمسكه لنفسه وجحده وصبغه لنفسه ثمّ ردّه ، هل يستحقّ الاُجرة؟

وعلى القول بالاستحقاق فالمستحقّ المسمّى أو اُجرة المثل؟ وجهان : أصحهما عندهم : الأول(١) .

مسألة ١١٢ : إذا مات الحاجّ عن نفسه فلا يخلو إمّا أن يكون الحجّ قد وجب عليه أوّلاً واستقرّ أولا ، فإن كان الحجّ لم يجب عليه قبل هذه السنة ، سقط الحج عنه مطلقاً.

وإن كان الحجّ قد وجب عليه أوّلاً واستقرّ وفرّط بالتأخير ثم خرج لأدائه فمات قبل فعله ، فالأقرب - على ما يقتضيه مذهبنا - التفصيل ، وهو أنّه إن مات بعد الإِحرام ودخول الحرم ، أجزأه عن الحجّ ، وبرئت ذمّته ؛ لأنّ ذمّة الأجير تبرأ بذلك على ما يأتي ، فكذا الأصل ، وإن مات قبل الإِحرام ودخول الحرم ، وجب أن يقضى عنه ، ولم يعتدّ بما فعله.

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٦٧ ، المجموع ٧ : ١٣٤ - ١٣٥.


وإن كان الميّت الأجير ، فإن كان بعد الإِحرام ودخول الحرم ، أجزأه ما فعله عن نفسه وعن المنوب عنه ، وسقط الحجّ عن المنوب عند علمائنا ، وقد تقدّم.

وإن كان قبل ذلك ، لم تبرأ ذمّة المنوب ، ويجب على الأجير(١) ردّ باقي مال الإِجارة بعد إسقاط ما قابل فعله إن كان قد استؤجر لقطع المسافة والحجّ ، وإن كان قد استؤجر لفعل الحجّ خاصّة ، لم يستحقّ شيئاً في مقابلة قطع المسافة.

وقال الشافعي : إذا حجّ عن نفسه ثم مات في أثنائه ، هل يجوز البناء على حجّه؟ فيه قولان ، وشبّهوهما بالقولين في جواز البناء على الأذان والخطبة.

فالجديد - وهو الصحيح عندهم - : أنّه لا يجوز البناء على الحجّ ؛ لأنّه عبادة يفسد أوّلها بفساد آخرها ، فأشبهت الصوم والصلاة.

ولأنّه لو اُحصر فتحلّل ثم زال الحصر فأراد البناء عليه ، لا يجوز ، فإذا لم يجز له البناء على فعل نفسه فأولى أن لا يجوز لغيره البناء على فعله.

والقديم : الجواز ؛ لأنّ النيابة جارية في جميع أفعال الحج فتجري في بعضها ، كتفرقة الزكاة.

فعلى القديم لو مات وقد بقي وقت الإِحرام بالحجّ ، أحرم الثاني بالحجّ ، ووقف بعرفة إن لم يقف الأصل ، ولا يقف إن وقف ، ويأتي ببقيّة الأعمال.

ولا بأس بوقوع إحرام النائب وراء الميقات ، فإنّه مبني على إحرام اُنشئ منه.

وإن لم يبق وقت الإِحرام بالحجّ ، فبِمَ يحرم؟ وجهان :

____________________

(١) أي : على ورثة الأجير.


أحدهما : أنّه يُحرم بعمرة ؛ لفوات وقت الإِحرام بالحجّ ، ثم يطوف ويسعى ، فيقعان عن الحجّ ولا يبيت ولا يرمي ؛ فإنّهما ليسا من أعمال العمرة ، لكنهما يجبران بالدم.

والأصح عندهم : أن يُحرم بالحجّ أيضاً ، ويأتي ببقية الأعمال ؛ لأنّه لو أحرم بالعمرة ، للزمه أفعال العمرة ، ولما انصرفت إلى الحجّ ، والإِحرام المبتدأ هو الذي يمنع تأخيره عن أشهر الحجّ ، وهذا ليس إحراماً مبتدأً ، وإنّما هو مبني على إحرام اُنشئ في وقته.

وعلى هذا فلو مات بين التحليلين ، أحرم النائب إحراماً لا يحرّم اللبس والقلم ، وإنّما يحرّم النساء ؛ لأنّ إحرام الأصل لو بقي لكان بهذه الصفة.

هذا كلّه فيما إذا مات قبل حصول التحليلين ، فأمّا إذا مات بعد حصولهما ، فقد قال بعضهم : لا يجوز البناء والحال هذه ؛ إذ لا ضرورة إليه ، لإِمكان جبر ما بقي من الأعمال بالدم(١) .

مسألة ١١٣ : لو مات الأجير ، فعندنا قد تقدّم حكمه.

وأمّا الشافعي فقد قال : إن كان قد مات بعد الشروع في الأركان وقبل الفراغ منها فهل يستحقّ شيئاً من الاُجرة؟ فيه قولان :

أحدهما : لا يستحق ؛ لأنّه لم يسقط الفرض عن المستأجر ، وهو المقصود ، فأشبه ما لو التزم له مالاً ليردّ عبده الآبق فردّه بعض الطريق ثم هرب.

والثاني : نعم ؛ لأنّه عمل بعض ما استؤجر له ، فاستحقّ بقسطه من الاُجرة ، كما لو استؤجر لخياطة ثوب فخاط بعضه.

ثم اختلفوا فبعضهم بنى القولين هنا على القولين في أنّه هل يجوز البناء على الحجّ؟ إن قلنا : لا ، فلا شي‌ء له ؛ لأنّ المستأجر لم ينتفع بعمله ، وإن‌

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٦٨ - ٦٩ ، المجموع ٧ : ١٣٥.


قلنا : نعم ، فله القسط.

وبعضهم نازع في هذا البناء ، وقالوا : الجديد هنا : أنّه يستحقّ القسط ، والجديد من القولين في أنّه هل يبنى على الحجّ؟ : المنع.

وأيضاً فقد رجّح كثير من الشافعية الاستحقاق هنا ، وفي خلاف البناء الراجح المنع بالاتّفاق(١) .

وتوسّط الجويني فقال : إن جوّزنا البناء ، استحقّ الأجير قسطاً من الْأُجرة ، وإلّا ففيه الخلاف.

ووجه الاستحقاق : أنّه لا تقصير من الأجير ، والمأتي به ينفع المستأجر في الثواب.

ووجه المنع : أنّ ما كان على المستأجر قد بقي بحاله ، فكأنّ الأجير لم يعمل له شيئا(٢) .

وإذا قلنا : يستحقّ قسطاً ، فالْأُجرة تقسّط على الأعمال وحدها أو عليها مع السير؟ فيه قولان.

وجه الأول : أنّ المقصود الأعمال ، والسير وسيلة إليها ، والْأُجرة تقابل المقصود.

والثاني - وهو الأظهر عندهم - : أنّ الوسائل تأخذ حكم المقاصد ، والتعب في السير أكثر منه في الأعمال ، فيبعد أن لا يقابل بشي‌ء(٣) .

ومنهم من قال : لا خلاف في المسألة ، ولكن إن قال : استأجرتك لتحجّ عنّي ، فالتقسيط على الأعمال خاصة ، ولو قال : لتحجّ عنّي من بلد كذا ، فالتقسيط عليهما معاً(٤) .

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٧٠.

(٢) فتح العزيز ٧ : ٧٠ - ٧١.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٧١.

(٤) فتح العزيز ٧ : ٧١ ، المجموع ٧ : ١٣٦.


ثم إن كانت الإِجارة على العين انفسخت ولا بناء لورثة الأجير ، كما لم يكن له أن يبني بنفسه.

وهل للمستأجر أن يستأجر من يتمّه؟ فيه قولان مبنيّان على القولين في جواز البناء ، إن جوّزناه فله ذلك ، وإلّا فلا.

وإن كانت الإِجارة على الذمّة ، فإن لم نجوّز البناء ، فلورثة الأجير أن يستأجروا من يحجّ عمّن استؤجر له مورّثهم ، فإن تمكّنوا منه في تلك السنة لبقاء الوقت فذاك ، وإلّا فللمستأجر الخيار ، وإن جوّزنا البناء ، فلهم أن يتمّوا الحجّ(١) .

وإن مات الأجير بعد ما أخذ في السير وقبل أن يُحرم ، فالمنقول عن نصّ الشافعي في عامّة كتبه أنّه لا يستحقّ شيئاً من الْأُجرة ؛ لأنّه بسبب لم يتّصل بالمقصود ، فأشبه ما لو قرّب الأجير على البناء آلات البناء من موضع الى موضع البناء ولم يبن شيئاً(٢) .

وفيه وجه لأصحابه : أنّه يستحقّ قسطاً من الْأُجرة ؛ لأنّ الْأُجرة في مقابلة السير والعمل جميعاً ، فإنّها تختلف باختلاف المسافة طولاً وقصراً(٣) .

ولو مات بعد إتمام الأركان وقبل الفراغ من سائر الأعمال ، فينظر إن فات وقتها أو لم يفت ولكن لم نجوّز البناء ، فيجبر بالدم من مال الأجير. وفي ردّ شي‌ء من الْأُجرة الخلافُ السابق.

وإن جوّزنا البناء فإن كانت الإِجارة على المعيّن انفسخت ، ووجب ردّ قسطها من الْأُجرة ، ويستأجر المستأجر من يرمي ويبيت ، ولا دم على الأجير ، وإن كانت على الذمّة ، استأجر وارث الأجير من يرمي ويبيت ، ولا حاجة إلى الإِحرام ، لأنّهما عملان يفعلان بعد التحلّلين ولا يلزم الدم ولا ردّ شي‌ء من‌

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٧١ - ٧٢ ، المجموع ٧ : ١٣٦.

(٢) فتح العزيز ٧ : ٧٢ ، المجموع ٧ : ١٣٦.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٧٢ ، المجموع ٧ : ١٣٧.


الْأُجرة(١) .

مسألة ١١٤ : لو صدّ الأجير عن بعض الطريق ، قال الشيخان رحمهما الله : كان عليه ممّا أخذ بقدر نصيب ما بقي من الطريق الذي يؤدّي فيه الحجّ إلّا أن يضمن العود لأداء ما وجب(٢) .

ونحن نقول : إن كانت الإِجارة في الذمّة ، وجب على الأجير الإتيان بها مرّة ثانية ، ولم يكن للمستأجر فسخ الإِجارة ، وكانت الاُجرة بكمالها للأجير ، وإن كانت معيّنةً ، فله أن يرجع عليه بالمتخلّف ، ولا يجب على المستأجر الإِجابة في قضاء الحج ثانياً ، بل له فسخ العقد واستئجار غيره ، وله أن يجيبه إلى ذلك.

مسألة ١١٥ : لو اُحصر الأجير ، جاز له أن يتحلّل بالهدي ؛ لعموم الآية(٣) .

ويقع ما فعله عن المستأجر ؛ لأنّه قصد الفعل له.

وقال بعض الشافعية : يقع عن المحصر(٤) .

إذا عرفت هذا ، فالدم على الأجير.

ولم لم يتحلّل وأقام على إحرامه حتى فات الحج ، تحلّل بعمرة ، ولا يستحقّ الْأُجرة على ما فعله من وقت الوقوف الى التحلّل ؛ لأنّ تلك الأفعال لم يفعلها للمستأجر ، بل ليتحلّل من إحرامه ، وأمّا ما فعله قبل ذلك فإنّه يستحقّ به الْأُجرة عندنا.

وقال الشافعي : لو اُحصر الأجير ، فله التحلّل ، كما لو اُحصر الحاج لنفسه ، فإن تحلّل فعمّن يقع ما أتى به؟ وجهان : أصحّهما : عن المستأجر ،

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٧٢ - ٧٣ ، المجموع ٧ : ١٣٧.

(٢) المقنعة : ٦٩ ، النهاية : ٢٧٨.

(٣) البقرة : ١٩٦.

(٤) فتح العزيز ٧ : ٧٣ ، المجموع ٧ : ١٣٧.


كما لو مات ؛ إذ لم يوجد من الأجير تقصير. والثاني : عن الأجير ، كما لو أفسده ؛ لأنّه لم يحصّل غرضه ، فعلى هذا دم الإِحصار على الأجير ، وعلى الأول هو على المستأجر ، وفي استحقاقه شيئاً من الْأُجرة الخلاف المذكور في الموت.

وإن لم يتحلّل وأقام على الإِحرام حتى فاته الحج ، انقلب الحجّ إليه ، كما في صورة الإِفساد ، ثم يتحلّل بعمرة ، وعليه دم الفوات.

ولو فرض الفوات بنوم أو تأخّرٍ عن القافلة وغيرهما من غير إحصار ، انقلب المأتي به إلى الأجير أيضاً ، كما في الإِفساد ؛ لاشتراكهما في إيجاب القضاء ، ولا شي‌ء للأجير(١) .

مسألة ١١٦ : يشترط في النيابة نية النائب عن المنوب بالقلب ، ويستحب ضمّ اللسان ، ولا يجزئ لو تجرّد عن القلب ؛ لأنّ الحجّ فعل يحتمل وجوهاً ، وصرفه إلى الفاعل أقرب ، فلا بدّ من تخصيص الفعل بالمنوب ليقع له.

ويستحب له أن يذكره في المواقف كلّها ؛ لما رواه محمد بن مسلم - في الصحيح - عن الباقرعليه‌السلام ، قال : قلت له : ما يجب على الذي يحجّ عن الرجل؟ قال : « يسمّيه في المواطن والمواقف »(٢) .

وأمّا عدم وجوب التلفّظ بذلك : فللأصل.

ولما رواه مثنى بن عبد السلام عن الصادقعليه‌السلام في الرجل يحجّ عن الإِنسان يذكره في جميع المواطن كلّها؟ قال : « إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل ، الله يعلم أنّه قد حجّ عنه ، ولكن يذكره عند الْأُضحية إذا ذبحها »(٣) .

ويستحب للنائب عند عقد الإِحرام أن يقول ما رواه الحلبي عن الصادق‌

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٧٣ - ٧٤ ، المجموع ٧ : ١٣٧.

(٢) الكافي ٤ : ٣١٠ - ٣١١ / ٢ ، التهذيب ٥ : ٤١٨ - ٤١٩ / ١٤٥٣ ، الاستبصار ٢ : ٣٢٤ / ١١٤٨.

(٣) الفقيه ٢ : ٢٧٩ / ١٣٦٨ ، التهذيب ٥ : ٤١٩ / ١٤٥٤ ، الاستبصار ٢ : ٣٢٤ / ١١٤٩.


عليه‌السلام ، قال : قلت : الرجل يحجّ عن أخيه أو عن أبيه أو عن رجل من الناس ، هل ينبغي له أن يتكلّم بشي‌ء؟ قال : « نعم يقول بعد ما يُحرم : اللهم ما أصابني في سفري هذا من تعب أو شدة أو بلاء أو سغب فأجُر فلاناً فيه وأجُرني في قضائي عنه »(١) .

مسألة ١١٧ : إذا فعل الأجير شيئاً تلزمه الكفّارة به من محظورات الإِحرام ، كانت الكفّارة عليه في ماله من الصيد واللباس والطيب وغير ذلك ؛ لأنّها عقوبة على جناية صدرت عنه ، أو ضمان في مقابلة إتلاف وقع منه ، فاختصّت بالجاني ، وجرى مجرى الأجير إذا جنى على إنسان ، فخرق ثوبه أو جرحه ، يجب الأرش عليه لا على المستأجر ، كذلك هاهنا.

مسألة ١١٨ : قال الشيخرحمه‌الله : إذا أخذ الأجير حجّةً من غيره ، لم يكن له أن يأخذ حجّة اُخرى حتى يقضي التي أخذها(٢) .

والتحقيق أن نقول : إن كانت الإِجارة الْأُولى وقعت على تلك السنة ، لم يكن له أن يؤجر نفسه لغيره تلك السنة بعينها ؛ لأنّ فعله صار مستحقاً للأول ، فلا يجوز صرفه إلى غيره.

وإن استأجره الأول مطلقاً ، فإن استأجره الثاني للسنة الْأُولى ، فإن قلنا باقتضاء الإِطلاق التعجيل ، لم يصح العقد الثاني ؛ لأنّ الإِجارة الْأُولى وإن كانت غير معيّنة بزمان لكن يجب إتيانها في السنة الْأُولى ، فلا يجوز حينئذٍ صرف العمل فيها إلى غيره ، وإن استأجر للسنة الثانية ، جاز.

ولو استأجره مطلقاً ، فالأقرب الجواز ؛ للأصل ، واقتضاء التعجيل هنا مندفع بسبب استحقاق الأول.

ولو استأجره الأول للسنة الثانية ، جاز للثاني أن يستأجره مطلقاً وأن‌

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٤١٨ / ١٤٥٢ ، الاستبصار ٢ : ٣٢٤ / ١١٤٧ وفيه : « شعث » بدل « سغب ».

(٢) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٢٦.


يستأجره للسنة الْأُولى.

مسألة ١١٩ : لا يجوز لحاضر مكة المتمكّن من الطواف الاستنابة فيه ؛ لأنّه عبادة بدنية يمكن الإِتيان بها مباشرة ، فلا تجوز الاستنابة فيها كالحجّ.

ولو كان غائباً ، جاز له أن يستنيب فيه مع وجوبه عليه وعدم تمكّنه منه ، أو مع ندبيته ؛ لأنّه بغيبته عاجز عن المباشرة ، فجاز له الاستنابة.

ولما رواه عبد الرحمن بن أبي نجران عمّن حدّثه عن الصادقعليه‌السلام ، قال : قلت : الرجل يطوف عن الرجل وهما مقيمان بمكّة ، قال : « لا ولكن يطوف عن الرجل وهو غائب » قلت : وكم قدر الغيبة؟ قال : « عشرة أميال »(١) .

إذا عرفت هذا ، فإنّه يجوز للحاضر غير المتمكّن من الطواف ؛ لعدم تمكّنه من الطهارة ، بأن يكون مريضاً لا يستمسك الطهارة ، فإنّه يُطاف عنه ، ولو استمسك ، طيف به.

والمغمى عليه والكسير يُطاف به ويُرمى عنه ؛ لما رواه حريز عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « المريض والمغمى عليه يرمى عنه ويطاف عنه »(٢) .

وفي رواية معاوية بن عمار عن الصادقعليه‌السلام قال : « الكسير يُحمل ويُطاف به ، والمبطون يُرمى عنه ويطاف عنه »(٣) .

مسألة ١٢٠ : الأجير يملك الاُجرة بالعقد ، فإذا حجّ فإن فضل له شي‌ء من الاُجرة عن نفقة الحج ، استحبّ له ردّه إلى المستأجر ليكون قصده بالحج القربة لا العوض ، وليس ذلك بلازم ؛ لما رواه مسمع عن الصادقعليه‌السلام ، قال : قلت : أعطيت الرجل دراهم ليحجّ بها عنّي ، ففضل‌

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٤١٩ / ١٤٥٥.

(٢) التهذيب ٥ : ١٢٣ / ٤٠٣ ، الاستبصار ٢ : ٢٢٦ / ٧٧٩.

(٣) التهذيب ٥ : ١٢٥ / ٤٠٩.


منها شي‌ء فلم يردّه عليّ ، قال : « هو له ، ولعلّه ضيّق على نفسه »(١) .

ولأنّ عقد الإِجارة سبب لتملّك الاُجرة مع الإِتيان بما وقع عليه الإِجارة وقد وجد السبب فيوجد المسبّب.

ولو قصرت الاُجرة عن النفقة ، لم يجب على المستأجر الإِتمام ، بل يستحب ؛ لاشتماله على المساعدة للمؤمن وإعانته على طاعته والإِنفاق على أفضل العبادات ، وليس واجباً ؛ عملاً بالأصل.

وأبو حنيفة منع من الإِجارة ، فيكون الأجير نائباً محضاً ، وما يدفع إليه من المال يكون رزقاً لطريقة(٢) .

فلو مات أو اُحصر أو ضلّ الطريق أو صُدّ ، لم يلزمه الضمان لما أنفق عليه ؛ لأنّه إنفاق بإذن صاحب المال.

فإذا ناب عنه آخر ، فإنّه يحج من حين بلغ النائب الأول ؛ لأنّه حصل قطع هذه المسافة بمال المنوب عنه ، فلم يكن عليه الإِنفاق دفعة اُخرى ، ويردّ النائب ما فضل معه من المال ، ولا يُسرف ولا يقتر على نفسه ولا يمشي ولا يدعو إلى طعامه ولا يتفضّل ، أمّا لو أعطاه ألفاً وقال : حجّ بهذه ، كان له أن يتوسّع فيها ، وإن فضل شي‌ء فهو له.

ولو سلك النائب طريقاً يمكنه سلوك أقرب منه ، كان الفاضل من النفقة في ماله. وإن تعجّل عجلة يمكنه تركها فكذلك.

وإن أقام بمكة أكثر من مدّة القصر بعد إمكان السفر للرجوع ، أنفق من ماله ؛ لأنّه غير مأذون فيه ، فأمّا من لا يمكنه الخروج قبل ذلك فله النفقة ؛ لأنّه مأذون فيه ، وله نفقة الرجوع.

وإن مرض في الطريق فعاد ، فله نفقة رجوعه ؛ لأنّه لا بدّ له منه حصل‌

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٤١٤ - ٤١٥ / ١٤٤٢.

(٢) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٥٩ ، المغني ٣ : ١٨٦ ، الشرح الكبير ٣ : ١٨٥ ، المجموع ٧ : ١٣٩.


بغير تفريطه ، فأشبه ما لو قطع عليه الطريق أو صدّ.

وإن قال : خفت أن أمرض فرجعتُ ، فعليه الضمان ؛ لأنّه مجرّدوهم.

مسألة ١٢١ : يشترط في الاستئجار على الحج : العلم بالعوض كغيره ، فلو قال : استأجرتك للحج بنفقتك لم يصح - وبه قال الشافعي(١) - لفوات شرط صحة العقد ، وهو العلم بمال الإِجارة.

وقال أبو حنيفة : يصح(٢) . وليس بمعتمد.

وكذا البحث لو قال : حجّ عنّي بما شئت.

وإذا فسدت الإِجارة فإن حجّ عنه ، وجب له اُجرة المثل ، وصحّت الحجّة عن المستأجر.

ولو قال : أول من يحجّ عنّي فله مائة ، صحّ جعالة.

وقال المزني : الإِجارة فاسدة ، وله اُجرة المثل(٣) .

واحتجّ الشيخ -رحمه‌الله - بقوله : [صلى‌الله‌عليه‌وآله ] : ( المؤمنون عند شروطهم )(٤) (٥) .

ولو قال : حجّ عنّي أو اعتمر بمائة ، قال الشيخ : يكون صحيحاً ، فمتى حجّ أو اعتمر ، استحقّ المائة ، لأنّه خيّره بين الحجّ والعمرة باُجرة معيّنة ، وليس بمجهول ، ولا مانع يمنع منه.

وقال الشافعي : تبطل الإِجارة ؛ لجهالة العمل ، فإن حجّ أو اعتمر ،

____________________

(١) حكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٣٩٣ ، المسألة ٢٥٠ ، وراجع : الاُم ٢ : ١٢٩ - ١٣٠ ، والحاوي الكبير ٤ : ٢٧٦.

(٢) حكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٣٩٣ ، المسألة ٢٥٠.

(٣) حكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٣٨٧ ، المسألة ٢٣٨ ، وراجع : الحاوي الكبير ٤ : ٢٧٥ - ٢٧٦ ، وفتح العزيز ٧ : ٥١ - ٥٢ ، والمجموع ٧ : ١٢٢.

(٤) التهذيب ٧ : ٣٧١ / ١٥٠٣ ، الاستبصار ٣ : ٢٣٢ / ٨٣٥ ، تفسير القرطبي ٦ : ٣٣.

(٥) الخلاف ٢ : ٣٨٧ - ٣٨٨ ، المسألة ٢٣٨.


استحقّ اُجرة المثل(١) .

والتحقيق : أنّه إن كان إجارةً ، فالوجه ما قاله الشافعي ، وإن كان جعالةً ، فالوجه ما قاله الشيخ.

وكذا لو قال : مَنْ حجّ عنّي فله عبد أو دينار أو عشرة دراهم إن كان عقد إجارة ، بطل ؛ لجهالة العوض ، وإن كان جعالةً ، صحّ ، ويتخيّر المستأجر في دفع أيّها شاء.

وقال الشافعي : يبطل العقد ، فإن حجّ ، استحقّ اُجرة المثل(٢) .

مسألة ١٢٢ : لو استأجره اثنان ليحجّ عنهما حجّة واحدة ، فأحرم عنهما ، قال الشيخرحمه‌الله : لا يصح إحرامه عنهما ولا عن واحد منهما ؛ لأنّ الحجّة الواحدة لا تقع عن شخصين ، وليس أحدهما أولى بها من صاحبه ، ولا ينعقد عن نفسه ؛ لأنّه لم يَنْوها عنه بل عنهما ، فانقلابها اليه يحتاج الى دليل ، وعدم صحتها عنهما وعن واحد منهما بلا خلاف ، ولا يصح عندنا إحرامه عن نفسه ولا ينقلب اليه(٣) .

وقال الشافعي : ينقلب الإِحرام اليه(٤) .

وليس بجيّد ؛ لأنّه لم يقصد الإِيقاع لنفسه ، فلا يقع عنها ؛ لقولهعليه‌السلام : ( لا عمل إلّا بنيّة )(٥) ( وإنّما لكلّ امرئ ما نوى )(٦) .

والوجه أن يقال : إن كانت الحجّة مندوبةً ، صحّ أن تقع عن واحد وأكثر ؛ لأنّها طاعة تصح النيابة فيها عن واحد ، فتصح عن أكثر.

____________________

(١) الخلاف ٢ : ٣٩٣ - ٣٩٤ ، المسألة ٢٥٢.

(٢) حكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٣٩٤ ، المسألة ٢٥٣.

(٣) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٢٣ ، الخلاف ٢ : ٣٨٨ - ٣٨٩ ، المسألة ٢٤٠.

(٤) حكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٣٨٩ ، المسألة ٢٤٠ ، وانظر : المجموع ٧ : ١٣٨ ، والحاوي الكبير ٤ : ٢٧١.

(٥) أمالي الطوسي ٢ : ٢٠٣.

(٦) صحيح البخاري ١ : ٢.


ولما رواه علي بن أبي حمزة عن الكاظمعليه‌السلام ، قال : سألته عن الرجل يُشرك في حجّةٍ الأربعة والخمسة من مواليه ، فقال : « إن كانوا صرورةً جميعاً فلهم أجر ، ولا تجزئ عنهم من حجّة الإِسلام ، والحجّة للذي حجّ »(١) .

مسألة ١٢٣ : إذا أحرم الأجير عن نفسه وعمّن استأجره ، قال الشيخرحمه‌الله : لا ينعقد الإِحرام عنهما ولا عن واحد منهما ؛ لأنّ شرط الإِحرام النيّة ، فإذا لم يَنْو عن نفسه بالاستقلال ، لم يصح عنه ، كما لا يصح عن المستأجر(٢) .

وقال الشافعي : ينعقد عن نفسه ولا يصح عن غيره ؛ لأنّ الإِحرام قد انعقد ولا يصح عن غيره ، فيقع عن نفسه ، كالصرورة(٣) .

وليس بجيّد ؛ لأنّ مجامعة غيره في النية إن كان مبطلاً ، لم يتخصّص الوقوع بالأجير ، ونمنع من انعقاد الإِحرام.

ولو أحرم عن المستأجر ثم نقل الحجّ إلى نفسه ، لم يصح ، فإذا أتمّ الحجّ ، استحقّ الاُجرة ؛ لامتثال الشرط على إشكال.

وللشافعي قولان : هذا أحدهما ، والثاني : صحة النقل ، لقولهعليه‌السلام لمـّا سمع مُلبّياً عن شبرمة ، قال : ( حجّ عن نفسك ثم عن شبرمة )(٤) (٥) .

ولو استأجره ليحجّ عنه فاعتمر ، أو ليعتمر عنه فحجّ ، قال الشيخرحمه‌الله : لا يقع عن المستأجر سواء كان حيّاً أو ميّتاً ، ولا يستحقّ شيئاً من الاُجرة ؛

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٤١٣ / ١٤٣٥ ، الاستبصار ٢ : ٣٢٢ / ١١٣٩ بتفاوت يسير.

(٢) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٢٣ ، الخلاف ٢ : ٣٨٩ ، المسألة ٢٤١.

(٣) الاُم ٢ : ١٢٥ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٧١ ، المجموع ٧ : ١٣٨.

(٤) المعجم الكبير - للطبراني - ١٢ : ٤٢ - ٤٣ / ١٢٤٩.

(٥) راجع : فتح العزيز ٧ : ٦٧ ، المجموع ٧ : ١٣٤.


لأنّه لم يفعل ما استؤجر له(١) .

وقال الشافعي : إن كان المنوب حيّاً ، وقعت عن الأجير ، وإن كان ميّتاً ، وقعت عن المنوب ، ولا يستحق شيئاً من الاُجرة على كلّ حال(٢) .

والوجه : أنّه يقع عن المستأجر ؛ لأنّه نسك نوى به صرفه الى غيره فيصرف اليه.

نعم لا يستحقّ شيئاً من الاُجرة ؛ لتبرّعه بفعله ، والاُجرة وقعت في مقابلة ما لم يفعله فيرجع الى المستأجر.

مسألة ١٢٤ : لو اُحصر الأجير ، تحلّل بالهدي على ما تقدّم ، ولا قضاء عليه ، إذ ليس في ذمّته حجّ يأتي به ، ويبقى المستأجر على ما كان عليه ؛ فإن كان الحجّ واجباً عليه ، وجب عليه أن يستأجر مَنْ يأتي به ، وإلّا كان مستحبّاً.

ولو فاته الموقفان بتفريط منه ، لزمه التحلّل بعمرة لنفسه ، ويعيد الاُجرة إن كان الزمان معيّناً.

وإن لم يكن بتفريط ، قال الشيخ : يستحق اُجرة المثل الى حين الفوات(٣) .

ولو قيل : له من الاُجرة بنسبة ما فعله من أفعال الحج ويستعاد الباقي ، كان وجهاً.

ولو أفسد الحج ، وجب عليه القضاء على ما تقدّم ، ولو أفسد القضاء ، وجب عليه أن يأتي بقضاء آخر ، كما يجب على المنوب لو فعل ذلك.

____________________

(١) الخلاف ٢ : ٣٩٥ ، المسألة ٢٥٥ ، المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٢٥.

(٢) المجموع ٧ : ١٣٤ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٦٦ ، وحكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٣٩٥ ، المسألة ٢٥٥.

(٣) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٢٥ - ٣٢٦.



الفصل الثالث

في أنواع الحج وما يتبعها‌

الأول : في الأنواع‌

مسألة ١٢٥ : أنواع الحجّ ثلاثة : تمتّع وقران وإفراد ، بلا خلاف بين العلماء وإن اختلفوا في تفسير بعضها.

ونحن نقول : العمرة إن تقدّمت على الحجّ ، كان تمتّعاً ، وإن تأخّرت فإن انضمّ اليه سياق هدي ، فهو قران ، وإلّا فإفراد ؛ لما رواه معاوية بن عمّار - في الحسن - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : سمعته يقول : « الحجّ ثلاثة أصناف : حجّ مفرد وقران وتمتّع بالعمرة إلى الحج ، وبها أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والفضل فيها ، ولا نأمر الناس إلّا بها »(١) .

وفي الصحيح عن منصور الصيقل عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « الحج عندنا على ثلاثة أوجه : حاج متمتّع وحاج مفرد ساق الهدي وحاج مفرد للحج »(٢) .

مسألة ١٢٦ : صورة التمتّع : أن يحرم من الميقات بالعمرة المتمتّع بها‌

____________________

(١) الكافي ٤ : ٢٩١ / ١ ، التهذيب ٥ : ٢٤ / ٧٢ ، الاستبصار ٢ : ١٥٣ / ٥٠٤.

(٢) الكافي ٤ : ٢٩١ / ٢ ، التهذيب ٥ : ٢٤ / ٧٣ ، الاستبصار ٢ : ١٥٣ - ١٥٤ / ٥٠٥.


الى الحج ثم يدخل مكة فيطوف سبعة أشواط بالبيت ويصلّي ركعتيه بالمقام ثم يسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط ثم يقصّر وقد أحلّ من كلّ شي‌ء أحرم منه إلّا الصيد ؛ لكونه في الحرم ، فإن خرج منه ، جاز له الصيد أيضاً.

فإذا كان يوم التروية ، أحرم للحجّ ، ولا يتعيّن هذا اليوم ، بل يستحب ، والواجب ما يعلم أنّه يدرك الوقوف معه ، ثم يمضي الى عرفات فيقف بها الى الغروب من يوم عرفة ثم يفيض الى المشعر فيقف به بعد طلوع فجر العيد ثم يفيض إلى منى فيحلق بها يوم النحر ويذبح هديه ويرمي جمرة العقبة ثم يأتي مكة ليومه إن شاء ، وإلّا فمن غده ، فيطوف طواف الحج ويصلّي ركعتيه ويسعى سعي الحج ويطوف طواف النساء ويصلّي ركعتيه ثم يعود الى منى فيرمي ما تخلّف عليه من الجمار الثلاث يوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر ، وإن شاء أقام بمنى حتى يرمي جماره الثلاث يوم الحادي عشر والثاني عشر.

ثم إن اتّقى جاز له أن ينفر بعد الزوال الى مكة للطوافين والسعي ، وإلّا أقام الى الثالث عشر.

وصورة الإِفراد : أن يُحرم من الميقات أو من حيث يصح له الإِحرام منه بالحجّ ثم يمضي الى عرفات فيقف بها ثم يمضي الى المشعر فيقف به ثم يأتي منى فيقضي مناسكه بها ثم يطوف بالبيت ويصلّي ركعتيه ويسعى بين الصفا والمروة ويطوف طواف النساء ويصلّي ركعتيه ثم يأتي بعمرة مفردة بعد الحج والإِحلال منه يأتي بها من أدنى الحلّ.

وصورة القران كالإِفراد ، إلّا أنّه يضيف إلى إحرامه سياق الهدي.

هذا مذهب علماء أهل البيتعليهم‌السلام .

وقالت العامّة : التمتّع : أن يُهلّ بعمرة مفردة من الميقات في أشهر الحج ، فإذا فرغ منها أحرم بالحج من عامه. والإِفراد : أن يُهلّ بالحج مفرداً. والقران : أن يجمع بينهما في الإِحرام بهما ، أو يُحرم بالعمرة ثم يدخل عليها‌


الحج قبل الطواف(١) .

مسألة ١٢٧ : أجمع علماؤنا كافة على أنّ فرض من نأى عن مكة التمتّع لا يجوز لهم غيره إلّا مع الضرورة ، وأمّا النوعان الآخران فهما فرض أهل مكة وحاضريها.

وعندنا أنّه لا يجوز لهم غير هذين النوعين ، وهو اختيار أكثر علمائنا(٢) ؛ لما رواه الحلبي - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : سألته عن الحج ، فقال : « تمتّع » ثم قال : « إنّا إذا وقفنا بين يدي الله تعالى قلنا : يا ربّنا أخذنا بكتابك وقال الناس : برأينا ورأينا(٣) ، ويفعل الله بنا وبهم ما أراد »(٤) .

وأمّا أهل مكة وحاضريها - وهو مَنْ كان بينه وبين مكة دون ثمانية وأربعين ميلاً - فإنّ فرضهم القران أو الإِفراد دون التمتّع ؛ لما رواه الحلبي وسليمان ابن خالد وأبو بصير - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « ليس لأهل مكة ولا لأهل مر ولا لأهل سرف متعة ، وذلك لقول الله عزّ وجلّ :( ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) (٥) »(٦) .

وفي الصحيح عن زرارة عن الباقرعليه‌السلام ، قال : قلت له : قول الله عزّ وجلّ في كتابه :( ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) قال : « يعني أهل مكة ليس عليهم متعة ، كلّ من كان أهله دون ثمانية وأربعين‌

____________________

(١) المغني ٣ : ٢٣٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٤٤ - ٢٤٥ ، المهذب - للشيرازي - ١ : ٢٠٨ ، المجموع ٧ : ١٧١.

(٢) منهم : الشيخ الطوسي في النهاية : ٢٠٦ ، والسيد ابن زهرة في الغنية ( ضمن الجوامع الفقهية ) : ٥١١ ، وابن إدريس في السرائر : ١٢١.

(٣) في المصدر : « رأينا رأينا ».

(٤) التهذيب ٥ : ٢٦ / ٧٦ ، الاستبصار ٢ : ١٥٠ - ١٥١ / ٤٩٤.

(٥) البقرة : ١٩٦.

(٦) التهذيب ٥ : ٣٢ / ٩٦ ، الاستبصار ٢ : ١٥٧ / ٥١٤.


ميلاً ذات عرق وعسفان كما يدور حول مكة فهو ممّن دخل في هذه الآية ، وكلّ مَنْ كان أهله وراء ذلك فعليه المتعة »(١) .

وأطبقت العامة على جواز الإِحرام بأيّ الأنساك الثلاثة شاء ؛ لقول عائشة : خرجنا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فمنّا مَنْ أهلّ بعمرة ، ومنّا مَنْ أهلّ بحج وعمرة ، ومنّا مَنْ أهلّ بحج(٢) (٣) .

ولا حجّة فيه ؛ لاختلافهم في الفرض لا التخيير بين الأنواع.

مسألة ١٢٨ : قال علماؤنا : التمتّع أفضل الأنواع - وبه قال الحسن وابن عمر وابن عباس وابن الزبير وعطاء وطاوس ومجاهد وجابر بن زيد والقاسم وسالم وعكرمة ، وهو أحد قولي الشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد ، وهو قول أصحاب الحديث(٤) - لقوله تعالى :( ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) (٥) وهو يدلّ على أنّه فرضهم ، فلا يجزئهم غيره.

ولما رواه العامة عن ابن عباس وجابر وأبي موسى وعائشة أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أمر أصحابه لمـّا طافوا بالبيت أن يحلّوا ويجعلوها عمرة(٦) ، فنقلهم من الإِفراد والقران الى المتعة ، ولا ينقلهم إلّا الى الأفضل.

ولم يختلف عندهم الرواية عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه لمـّا قدم مكة أمر أصحابه أن يحلّوا إلّا مَنْ ساق هدياً ، وثبت على إحرامه ، وقال : ( لو‌

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٣٣ / ٩٨ ، الاستبصار ٢ : ١٥٧ - ١٥٨ / ٥١٦.

(٢) صحيح البخاري ٢ : ١٧٥ ، صحيح مسلم ٢ : ٨٧٢ و ٨٧٣ / ١١٧ و ١١٨ ، سنن البيهقي ٥ : ١٠٩.

(٣) المغني ٣ : ٢٣٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٣٩ ، الحاوي الكبير ٤ : ٤٤ ، المجموع ٧ : ١٥١ و ١٥٣ ، معالم السنن - للخطّابي - ٢ : ٣٠١.

(٤) المغني ٣ : ٢٣٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٣٩ ، فتح العزيز ٧ : ١٠٦ ، الحاوي الكبير ٤ : ٤٤ ، معالم السنن - للخطّابي - ٢ : ٣٠١ ، حلية العلماء ٣ : ٢٥٩.

(٥) البقرة : ١٩٦.

(٦) المغني ٣ : ٢٣٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٤٠.


استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة )(١) .

قال جابر : حججنا مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يوم ساق البدن معه وقد أهلّوا بالحج مفرداً ، فقال لهم : ( حلّوا من إحرامكم بطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ثم أقيموا حلالاً حتى إذا كان يوم التروية فأهلّوا بالحج واجعلوا التي قدّمتم بها متعةً ) فقالوا : كيف نجعلها متعة وقد سمّينا الحج؟ فقال : ( افعلوا ما أمرتكم به ، ولو لا إنّي سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم به )(٢) .

وفي لفظ : فقام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال : ( قد علمتم أنّي أتقاكم لله وأصدقكم وأبرّكم ولو لا هديي لحللت كما تحلّون ، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت ) فحللنا وسمعنا وأطعنا(٣) .

ومن طريق الخاصة : ما رواه معاوية بن عمّار عن الصادقعليه‌السلام عن آبائهعليهم‌السلام ، قال : « لمـّا فرغ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من سعيه بين الصفا والمروة أتاه جبرئيلعليه‌السلام عند فراغه من السعي وهو على المروة فقال : إنّ الله يأمرك أن تأمر الناس أن يحلّوا إلّا من ساق الهدي ، فأقبل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على الناس بوجهه ، فقال : يا أيّها الناس هذا جبرئيل - وأشار بيده الى خلفه - يأمرني عن الله أن آمر الناس أن يحلّوا إلّا مَنْ ساق الهدي ، فأمرهم بما أمر الله به ، فقام اليه رجل ، فقال : يا رسول الله نخرج إلى منى ورؤوسنا تقطر من النساء ، وقال آخرون : يأمرنا بشي‌ء ويصنع هو غيره ، فقال : يا أيّها الناس لو استقبلت من أمري ما استدبرت صنعت كما‌

____________________

(١) المغني ٣ : ٢٣٩ - ٢٤٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٤٠ ، شرح معاني الآثار ٢ : ١٥٥.

(٢) صحيح البخاري ٢ : ١٧٦ ، صحيح مسلم ٢ : ٨٨٤ - ٨٨٥ / ١٤٣ ، سنن البيهقي ٤ : ٣٥٦ ، المعجم الكبير - للطبراني - ٧ : ١٤٥ / ٦٥٧١ ، المغني ٣ : ٢٤٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٤٠ - ٢٤١.

(٣) صحيح البخاري ٩ : ١٣٨ ، صحيح مسلم ٢ : ٨٨٣ - ٨٨٤ / ١٢١٦ ، سنن البيهقي ٥ : ١٩ ، المغني ٣ : ٢٤٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٤١.


صنع الناس ، ولكنّي سُقْتُ الهدي ، فلا يحلّ مَنْ ساق الهدي حتى يبلغ الهدي محلّه ، فقصّر الناس وأحلّوا وجعلوها عمرةً ، فقام اليه سراقة بن مالك ابن جُشْعم المدلجي ، فقال : يا رسول الله هذا الذي أمرتنا به لعامنا هذا أم للأبد؟ فقال : لا(١) ، للأبد الى يوم القيامة ، وشبّك أصابعه ، وأنزل الله في ذلك قرآناً( فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ) (٢) »(٣) .

وفي الصحيح عن أبي أيّوب إبراهيم بن عيسى عن الصادقعليه‌السلام ، قال : سألته أيّ الأنواع أفضل؟ فقال : « المتعة ، وكيف يكون شي‌ء أفضل منها ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : لو استقبلت من أمري ما استدبرت فعلت كما فعل الناس! »(٤) .

ولأنّ التمتّع منصوص عليه في كتاب الله تعالى ؛ لقوله :( فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ) دون سائر الأنساك.

ولأنّ المتمتّع يجتمع له الحج والعمرة في أشهر الحج مع كمالهما وكمال أفعالهما على وجه اليسر والسهولة.

وذهب الثوري وأصحاب الرأي الى أنّ القران أفضل ؛ لما رواه أنس قال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أهلّ بهما جميعاً يصرخ بهما صُراخاً يقول : ( لبّيك عمرةً وحجّاً ، لبّيك عمرةً وحجّاً )(٥) .

____________________

(١) في المصدر بدل « لا » : « بل ».

(٢) البقرة : ١٩٦.

(٣) التهذيب ٥ : ٢٥ / ٧٤.

(٤) التهذيب ٥ : ٢٩ / ٨٩ ، الاستبصار ٢ : ١٥٤ / ٥٠٧.

(٥) المغني ٣ : ٢٣٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٣٩ - ٢٤٠ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٢٥ ، الاختيار لتعليل المختار ١ : ٢١١ ، حلية العلماء ٣ : ٢٥٩ ، الحاوي الكبير ٤ : ٤٤ ، المجموع ٧ : ١٥٢ ، معالم السنن - للخطابي - ٢ : ٣٠١ ، أحكام القرآن - للجصّاص - ١ : ٢٨٥ ، وراجع : صحيح مسلم ٢ : ٩١٥ / ١٢٥١ ، وسنن أبي داود ٢ : ١٥٧ / ١٧٩٥ ، وسنن النسائي ٥ : ١٥٠ ، وسنن البيهقي ٥ : ٩ ، ومسند أحمد ٣ : ٩٩.


وقال أحمد : إن ساق الهدي ، فالقران أفضل ، وإن لم يسقه ، فالتمتّع أفضل ؛ لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قرن حين ساق الهدي ، ومنع كلّ مَنْ ساق الهدي من الحلّ حتى ينحر هديه(١) .

وذهب مالك وأبو ثور الى اختيار الإِفراد - وهو ظاهر مذهب الشافعي ، وروي ذلك عن عمر وعثمان وابن عمر وجابر وعائشة - لما روت عائشة أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أفرد بالحج(٢) (٣) .

ونمنع كون النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أفرد ؛ فإنّه قد روى ابن عمر وجابر وعائشة من طرق صحاح عندهم أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله تمتّع بالعمرة الى الحج(٤) .

ولأنّ روايتهم اختلفت ، فرووا مرّةً أنّه أفرد ، ومرّةً أنّه تمتّع ، ومرّةً أنّه قرن(٥) مع وحدة القضية ، ولا يمكن الجمع بينها ، فيجب إطراحها كلّها.

مع أنّ عمر قال : إنّي لأنهاكم عن المتعة ، وإنّها لفي كتاب الله ، ولقد صنعها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (٦) .

ولأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أمر أصحابه بالانتقال الى المتعة عن الإِفراد والقران ، ولا يأمرهم إلّا بالانتقال الى الأفضل ، ويستحيل أن ينقلهم‌

____________________

(١) المغني ٣ : ٢٣٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٣٩.

(٢) سنن أبي داود ٢ : ١٥٢ / ١٧٧٧ ، سنن النسائي ٥ : ١٤٥ ، سنن الترمذي ٣ ١٨٣ / ٨٢٠ ، سنن ابن ماجة ٢ : ٩٨٨ / ٢٩٦٥ ، سنن الدارمي ٢ : ٣٥ ، الموطّأ ١ ٣٣٥ / ٣٨.

(٣) الكافي في فقه أهل المدينة : ١٣٨ ، التفريع ١ : ٣٣٥ ، المغني ٣ : ٢٣٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٤٠ ، فتح العزيز ٧ : ١٠٧ ، المجموع ٧ : ١٥١ و ١٥٢ و ١٦٣ ، حلية العلماء ٣ : ٢٥٩ ، معالم السنن - للخطابي - ٢ : ٣٠١ ، أحكام القرآن - للجصاص - ١ : ٢٨٥.

(٤) المغني والشرح الكبير ٣ : ٢٤١ ، سنن النسائي ٥ : ١٥١ ، سنن البيهقي ٥ : ١٧ - ١٨ ، شرح معاني الآثار ٢ : ١٤٢ و ١٥٦.

(٥) المغني والشرح الكبير ٣ : ٢٤١ ، شرح معاني الآثار ٢ : ١٤٣ و ١٤٩ و ١٥٠ و ١٥٤ و ١٥٦.

(٦) المغني ٣ : ٢٤٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٤٤ ، وسنن النسائي ٥ : ١٥٣.


من الأفضل الى الأدنى وهو الداعي إلى الخير الدالّ عليه.

ثم أكّد ذلك بتأسّفه على فوات ذلك في حقّه ، وأنّه لا يقدر على انتقاله وحلّه ؛ لسياقه الهدي.

لا يقال : قد نهى عنها عمر وعثمان ومعاوية.

لأنّا نقول : قد أنكر عليهم علماء الصحابة نهيهم عنها ، وخالفوهم في فعلها.

قالت الحنابلة : والحقّ مع المنكرين عليهم دونهم(١) ؛ لما رواه العامّة أنّ عليّاًعليه‌السلام اختلف هو وعثمان في المتعة بعُسْفان ، فقال عليعليه‌السلام : « ما تريد الى أمر فعله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله تنهى عنه؟»(٢) .

وقال عليعليه‌السلام لعثمان : « ألم تسمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله تمتّع؟ » قال : بلى(٣) .

وعن ابن عمر قال : تمتّع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج(٤) .

وقال سعد : صنعها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وصنعناها معه(٥) .

فلا نقبل نهي عمر عنها خصوصاً مع قول عمر : والله إنّي لأنهاكم عنها ، وإنّها لفي كتاب الله، وقد صنعها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (٦) . فهل يحلّ‌

____________________

(١) المغني ٣ : ٢٤٥.

(٢) المغني ٣ : ٢٤١ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٤٢ ، صحيح مسلم ٢ : ٨٩٧ / ١٥٩ ، سنن البيهقي ٥ : ٢٢ ، شرح معاني الآثار ٢ : ١٤٠.

(٣) المغني ٣ : ٢٤١ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٤٢ ، سنن الدار قطني ٢ : ٢٨٧ / ٢٣١ ، سنن النسائي ٥ : ١٥٢ ، شرح معاني الآثار ٢ : ١٤١.

(٤) المغني ٣ : ٢٤١ - ٢٤٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٤٢ ، سنن النسائي ٥ : ١٥١ ، سنن البيهقي ٥ : ١٧ ، شرح معاني الآثار ٢ : ١٤٢.

(٥) المغني والشرح الكبير ٣ : ٢٤٢ ، سنن البيهقي ٥ : ١٧ ، شرح معاني الآثار ٢ : ١٤١.

(٦) تقدّمت الإِشارة إلى مصادره في ص ١٧٣ ، الهامش (٦)


تقليد مَنْ يُخالف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في ضدّ ما فعله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟

قال صاحب المغني من الحنابلة : قيل لابن عباس : إنّ فلاناً ينهى عن المتعة ، قال : اُنظروا في كتاب الله ، فإن وجدتموها ، فقد كذب على الله وعلى رسوله ، وإن لم تجدوها ، فقد صدق ، فأيّ الفريقين أحقّ بالاتّباع وأولى بالصواب؟ الذين معهم كتاب الله وسنّة رسوله ، أم الذين خالفوهما؟

ثم قد ثبت عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، الذي قوله حجّة على الخلق أجمعين ، فكيف يعارض بقول غيره!؟(١) .

قالوا : قال سعيد بن جبير عن ابن عباس ، قال : تمتّع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال عروة : نهى أبو بكر وعمر عن المتعة ، فقال ابن عباس : أراهم سيهلكون ، أقول : قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ويقول : نهى عنها أبو بكر وعمر(٢) .

قالوا : وسئل ابن عمر عن متعة الحج فأمر بها ، فقال : إنّك تخالف أباك ، فقال : عمر لم يقل الذي تقولون ، فلمـّا أكثروا عليه قال : أفكتاب الله أحقّ أن تتّبعوا أم عمر؟(٣) .

مسألة ١٢٩ : قد بيّنَا أنّ فرض أهل مكة وحاضريها القران أو الإِفراد ، فلو عدلوا الى التمتّع ، فللشيخ قولان :

أحدهما : الإِجزاء ، ولا دم عليهم - وبه قال الشافعي ومالك(٤) - لأنّ المتمتّع آتٍ بصورة الإِفراد وزيادة غير منافية(٥) .

____________________

(١ - ٣) المغني ٣ : ٢٤٦.

(٤) المجموع ٧ : ١٦٩ ، الحاوي الكبير ٤ : ٥٠ ، حلية العلماء ٣ : ٢٦٧ ، فتح العزيز ٧ : ١٦٤ ، أحكام القرآن - لابن العربي - ١ : ١٢٩.

(٥) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٠٦ - ٣٠٧ ، وحكاه عنه المحقّق في المعتبر : ٣٣٧.


والثاني : العدم(١) - وبه قال أبو حنيفة(٢) - لما رواه العامة عن ابن عمر أنّه قال : ليس لأهل مكة تمتّع ولا قران(٣) .

ومن طريق الخاصة : ما رواه علي بن جعفر - في الصحيح - عن أخيه الكاظمعليه‌السلام ، قال : « لا يصلح لأهل مكة أن يتمتّعوا ؛ لقول الله عزّ وجلّ :( ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) (٤) »(٥) .

وهذا الأخير هو المعتمد ، ونمنع إتيانه بصورة الإِفراد ؛ لأنّه أخلّ بالإِحرام من ميقاته ، وأوقع مكانه العمرة مع أنّه غير مأمور بها ، فلا يكون ما أتاه مجزئاً.

وقول الشافعي : إنّ قوله تعالى :( ذلِكَ ) راجع الى الهدي(٦) ، ممنوع ؛ لعدم التخصيص ، ولمعارضة الروايات المنقولة عن أهل البيتعليهم‌السلام .

مسألة ١٣٠ : اختلف علماؤنا في حدّ حاضري المسجد الحرام ، فقال الشيخ في بعض كتبه: مَنْ كان بين منزله وبين المسجد الحرام اثنا عشر ميلاً من كلّ جانب(٧) .

ونحوه قال ابن عباس ؛ لأنّه قال : حاضري أهل الحرم خاصة. وبه قال مجاهد والثوري(٨) .

____________________

(١) النهاية : ٢٠٦ ، وحكاه عنه المحقّق في المعتبر : ٣٣٧.

(٢) الهداية - للمرغيناني - ١ : ١٥٨ ، الاختيار لتعليل المختار ١ : ٢١٠ ، أحكام القرآن - للجصّاص - ١ : ٢٨٧.

(٣) لم نجده في مظانّه.

(٤) البقرة : ١٩٦.

(٥) التهذيب ٥ : ٣٢ - ٣٣ / ٩٧ ، الاستبصار ٢ : ١٥٧ / ٥١٥.

(٦) التفسير الكبير ٥ : ١٧٣.

(٧) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٠٦ ، التبيان ٢ : ١٥٨ - ١٥٩ و ١٦١.

(٨) المغني ٣ : ٥٠٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٤٩ ، المجموع ٧ : ١٨٢ ، الحاوي الكبير ٤ : =


وقال الشيخ في بعض كتبه : حدّ حاضري المسجد الحرام مَنْ كان من أهل مكة أو يكون بينه وبينها ثمانية وأربعون ميلاً من كلّ جانب(١) . وبه قال الشافعي وأحمد(٢) ؛ لأنّه مسافة القصر ، ولأنّ ما دون مسافة القصر يكون قريباً من المسجد ؛ لأنّه بمنزلة الحاضر ، وقد سلف(٣) في حديث الباقرعليه‌السلام التحديد بثمانية وأربعين ميلاً.

ولما رواه الحلبي عن الصادقعليه‌السلام في حاضري المسجد الحرام : قال : « ما دون المواقيت الى مكة فهو من حاضري المسجد الحرام وليس لهم متعة »(٤) ومعلومٌ أنّ هذه المواضع أكثر من اثني عشر ميلاً.

وقال أبو حنيفة : حاضر والمسجد الحرام أهل المواقيت والحرم وما بينهما(٥) .

وقال مالك : هُمْ أهل مكة وذي طوى(٦) . ورُوي عنه أنّهم أهل الحرم.

ومسافة القصر تعتبر من نفس مكة أو الحرم؟ للشافعية وجهان(٧) .

____________________

= ٦٢ ، حلية العلماء ٣ : ٢٦٢ ، أحكام القرآن - للجصّاص - ١ : ٢٨٩ ، جامع البيان ٢ : ١٤٩.

(١) النهاية : ٢٠٦.

(٢) الحاوي الكبير ٤ : ٦٢ ، حلية العلماء ٣ : ٢٦٢ ، المهذب - للشيرازي - ١ : ٢٠٨ ، المجموع ٧ : ١٨٢ ، المغني ٣ : ٥٠٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٤٩ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٦٩ ، تفسير القرطبي ٢ : ٤٠٤ ، التفسير الكبير ٥ : ١٧٤.

(٣) سلف في المسألة ١٢٧.

(٤) التهذيب ٥ : ٣٣ / ٩٩ ، الاستبصار ٢ : ١٥٨ / ٥١٧.

(٥) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٦٩ ، أحكام القرآن - للجصاص - ١ : ٢٨٩ ، تفسير القرطبي ٢ : ٤٠٤ ، التفسير الكبير ٥ : ١٧٤ ، المغني ٣ : ٥٠٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٤٩ ، الحاوي الكبير ٤ : ٦٢ ، حلية العلماء ٣ : ٢٦٢.

(٦) الكافي في فقه أهل المدينة : ١٤٩ ، تفسير القرطبي ٢ : ٤٠٤ ، التفسير الكبير ٥ : ١٧٤ ، أحكام القرآن - للجصاص - ١ : ٢٨٩ ، المغني ٣ : ٥٠٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٤٩ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٦٩.

(٧) المجموع ٧ : ١٧٥.


مسألة ١٣١ : قد بيّنّا أنّ القارن هو الذي يسوق عند إحرامه بالحج هدياً عند علمائنا أجمع ، إلّا ابن أبي عقيل ؛ فإنّه جعله عبارةً عمّن قرن بين الحج والعمرة في إحرام واحد ، وهو مذهب العامّة بأسرهم(١) .

لنا : ما رواه العامة عن أبي شيخ قال : كنت في ملأ من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عند معاوية بن أبي سفيان ، فناشدهم معاوية الله في أشياء ، وكلّما قالوا : نعم يقول : وأنا أشهد ، ثم قال : اُنشدكم الله أتعلمون أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله نهى عن جمع بين حجّ وعمرة؟ قالوا : أمّا هذه فلا ، فقال : أمّا إنّها معهنّ - يعني مع المنهيات - ولكنكم نسيتم(٢) .

ومن طريق الخاصة : ما رواه معاوية بن وهب - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، أنّه قال في القارن : « لا يكون قران إلّا بسياق الهدي »(٣) الحديث.

احتجّوا بما رواه ابن عباس عن عمر ، قال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : ( أتاني آتٍ من ربّي ، فقال : صلّ في هذا الوادي المبارك ركعتين ، وقُلْ : لبّيك بعمرة في حجّة )(٤) .

ولقولهعليه‌السلام : ( أهلّوا يا آل محمد بعمرة في حج )(٥) .

ونحن نقول بموجبه ؛ فإنّ عمرة التمتّع داخلة في الحج ، قال الصادقعليه‌السلام : « دخلت العمرة في الحج الى يوم القيامة »(٦) الى غير ذلك من‌

____________________

(١) المغني ٣ : ٢٣٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٤٤ - ٢٤٥ ، المهذب - للشيرازي - ١ : ٢٠٨ ، لمجموع ٧ : ١٧١ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ١٤٩.

(٢) مسند أحمد ٤ : ٩٢ ، سنن أبي داود ٢ : ١٥٧ / ١٧٩٤.

(٣) التهذيب ٥ : ٤١ / ١٢٢.

(٤) صحيح البخاري ٢ : ١٦٧ ، سنن ابن ماجة ٢ : ٩٩١ / ٢٩٧٦ ، سنن البيهقي ٥ : ١٤ بتفاوت يسير في اللفظ.

(٥) مسند أحمد ٦ : ٢٩٧ - ٢٩٨.

(٦) الفقيه ٢ : ٢٠٤ / ٩٣٤.


الأحاديث.

مسألة ١٣٢ : لا يجوز إدخال الحج على العمرة ولا بالعكس ، مثل أن يكون مُحْرماً بعمرة مفردة فيُحرم بالحج قبل قضاء مناسكها ، أو يُحرم بالحج ثم يدخل عليه العمرة. ولأنّها عبادة شرعية ، فتقف على مورد النقل.

وأطبق العامّة على الأول(١) ، واختلفوا في إدخال العمرة على الحج بعد عقد نيّة الإِفراد ، فجوّزه أبو حنيفة(٢) ، وللشافعي قولان(٣) .

إذا عرفت هذا ، فلو كان مُحْرماً بعمرة التمتّع ، فمنعه مانع من مرض أو حيض عن إتمامها ، جاز نقلها الى الإِفراد إجماعاً ، كما فعلت عائشة(٤) .

وكذا مَنْ كان مُحْرماً بحجّ مفرد فدخل مكة ، جاز أن ينقل إحرامه إلى التمتّع ؛ لقولهعليه‌السلام : (من لم يسق الهدي فليحل وليجعلها عمرة )(٥) .

مسألة ١٣٣ : لا يجوز القران بين الحجّ والعمرة في إحرامه بنيّة واحدة على ما بيّنّاه.

قال الشيخ في الخلاف : لو فعل ، لم ينعقد إحرامه إلّا بالحج ، فإن أتى بأفعال الحج لم يلزمه دم ، وإن أراد أن يأتي بأفعال العمرة ويجعلها متعة ، جاز ذلك ، ولزمه الدم.

____________________

(١) كما في المعتبر : ٣٣٨ ، وراجع : المغني ٣ : ٥١٥ ، والشرح الكبير ٣ : ٢٤٥ ، والمجموع ٧ : ١٧٢ ، وفتح العزيز ٧ : ١٢١ - ١٢٢ ، والحاوي الكبير ٤ : ٣٨.

(٢) كما في المعتبر : ٣٣٨ ، وراجع : تحفة الفقهاء ١ : ٤١٣ ، والمغني ٣ : ٥١٥ ، والشرح الكبير ٣ : ٢٤٥ ، وفتح العزيز ٧ : ١٢٥.

(٣) كما في المعتبر : ٣٣٨ ، وراجع : فتح العزيز ٧ : ١٢٥ ، والمجموع ٧ : ١٧٣ ، والحاوي الكبير ٤ : ٣٨.

(٤) كما في المعتبر : ٣٣٨.

(٥) أورده المحقق في المعتبر : ٣٣٨ ، وراجع : سنن النسائي ٥ : ١٤٣ - ١٤٤ ، وسنن الدارمي ٢ : ٤٦.


وقال الشافعي ومالك والأوزاعي : إذا أتى بأفعال الحجّ ، لزمه دم.

وقال الشعبي وطاوس وداود : لا يلزمه شي‌ء(١) .

لنا : أصالة عدم وجوب الدم فلا يثبت منافيه إلّا بدليل.

وأمّا إذا نوى التمتّع ، فلزوم الدم ثابت بالإجماع.

والمتمتّع إذا أحرم من مكة ، لزمه الدم ، ولو أحرم من الميقات ، لم يسقط الدم.

وقالت العامة : يسقط الدم(٢) .

لنا : أنّ الدم استقرّ بإحرام الحج ، فلا يسقط بعد استقراره ، وكذا لو أحرم المتمتّع من مكة ومضى الى الميقات ثم منه الى عرفات.

وقال الشيخ : يسقط(٣) .

إذا عرفت هذا ، فلا يجوز نيّة حجّتين ولا عمرتين ، ولو فعل ، قيل : تنعقد إحداهما ، وتلغو الاُخرى(٤) ، وبه قال مالك والشافعي(٥) .

وقال أبو حنيفة : ينعقد بهما ، وعليه قضاء إحداهما ، لأنّه أحرم بهما ولم يتمّهما(٦) .

____________________

(١) كما في المعتبر : ٣٣٨ نقلاً عن الشيخ في الخلاف ٢ : ٢٦٤ - ٢٦٥ ، المسألة ٣٠ ، وفيه : وقال الشعبي : عليه بدنة. وقال طاوس : لا شي‌ء عليه. وبه قال داود.

وانظر : الاُم ٢ : ١٣٣ ، والحاوي الكبير ٤ : ٣٩ ، والمجموع ٧ : ١٩٠ و ١٩١ ، والشرح الكبير ٣ : ٢٥٢.

(٢) كما في المعتبر : ٣٣٨.

(٣) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٠٧.

(٤) المغني ٣ : ٢٥٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٦١.

(٥) المغني ٣ : ٢٥٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٦١ ، فتح العزيز ٧ : ٢٠٣ ، الاُم ٢ : ١٣٦ ، مختصر المزني : ٧٠ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٥٥.

(٦) المغني ٣ : ٢٥٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٦١ ، فتح العزيز ٧ : ٢٠٣ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٥٥.


وليس بجيّد ؛ لأنّهما عبادتان لا يلزمه المضيّ فيهما ، فلا يصحّ الإِحرام بهما ، كالصلاتين.

وعلى هذا لو أفسد حجّه أو عمرته ، لم يلزمه إلّا قضاؤها إن قلنا بانعقاد إحداهما.

وعند أبي حنيفة يلزمه قضاؤهما معاً ، بناءً على صحة إحرامه بهما(١) .

مسألة ١٣٤ : المكّي إذا خرج عن مكة ثم عاد وحجّ على ميقات ، أحرم منه ، وجاز له التمتّع ؛ لما رواه العامّة عن ابن عباس ، قال : وقّت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لأهل المدينة ذا الحليفة ، ولأهل الشام مَهْيَعَةَ(٢) ، ولأهل نجد قرن المنازل ، ولأهل اليمن يَلَمْلَمْ ، وهي لهم ولكلّ آتٍ من غيرهم ممّن أراد الحج والعمرة(٣) .

ومن طريق الخاصة : قول الكاظمعليه‌السلام : « مَنْ دخل المدينة فليس له أن يحرم إلّا من المدينة»(٤) .

وأمّا جواز التمتع : فلأنّه إذا خرج عن مكة إلى مصر من الأمصار ، ومرّ على ميقات من المواقيت ، صار ميقاتاً له ، ولحقه أحكام ذلك الميقات.

ولما رواه الكاظمعليه‌السلام : عن رجل من أهل مكة خرج إلى بعض الأمصار ثم رجع فمرّ ببعض المواقيت التي وقّت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، هل له أن يتمتّع؟ قال : « ما أزعم أنّ ذلك ليس له ، والإِهلال بالحجّ أحبّ اليّ ، ورأيت مَنْ سأل أبا جعفرعليه‌السلام ، قال : نويت الحج من المدينة كيف أصنع؟

قال : تمتّع ، قال : إنّي مقيم بمكة وأهلي فيها ، فيقول : تمتّع »(٥) في‌

____________________

(١) المغني ٣ : ٢٥٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٦١.

(١) مَهْيَعَة : اسم للجُحْفة. النهاية - لابن الأثير - ٤ : ٣٧٧ ، معجم البلدان ٥ : ٢٣٥.

(٣) سنن البيهقي ٥ : ٢٩ ، سنن النسائي ٥ : ١٢٥ - ١٢٦ بتفاوت.

(٤) التهذيب ٥ : ٥٧ - ٥٨ / ١٧٩.

(٥) التهذيب ٥ : ٣٣ - ٣٤ / ١٠٠ ، الاستبصار ٢ : ١٥٨ / ٥١٨.


حديث طويل.

مسألة ١٣٥ : ومن كان من أهل الأمصار فجاور بمكة ثم أراد حجّة الإِسلام ، خرج الى ميقات أهله ، فأحرم منه ، فإن تعذّر ، خرج الى أدنى الحلّ ؛ ولو تعذّر ، أحرم من مكة.

هذا إذا لم يجاور مدّة سنتين ، فإن مضى عليه سنتان وهو مقيم بمكة ، صار من أهل مكة وحاضريها ليس له أن يتمتّع ، وبه قال الشيخ في كتابي الأخبار(١) .

وقال في النهاية : لا ينتقل فرضه عن التمتّع حتى يقيم ثلاث سنين(٢) .

وقد روى زرارة - في الصحيح - عن الباقرعليه‌السلام ، قال : « مَنْ أقام بمكة سنتين فهو من أهل مكة لا متعة له » فقلت لأبي جعفر : أرأيت إن كان له أهل بالعراق وأهل بمكة؟ قال : « فلينظر أيّهما الغالب عليه فهو من أهله »(٣) .

إذا عرفت هذا ، فذو المنزلين بمكة وناءٍ يعتبر في حقّه أغلبهما إقامةً ، فيُحْرم بفرض أهله ، فإن تساويا ، تخيّر في التمتّع وغيره.

إذا ثبت هذا ، فلو لم تمض هذه المدّة ، ففرضه التمتّع يخرج الى الميقات ، ويُحْرم منه مع المكنة ، وإلّا فمن حيث أمكن ؛ لأنّه لم ينتقل فرضه عن فرض إقليمه ، فيلزمه الإِحرام من ميقاتهم ، أمّا لو تعذّر فإنّه يخرج الى خارج الحرم فيحرم منه ، للضرورة ، ولأنّ ميقاته قد تعذّر عليه ، فيسقط اعتباره ، كما لو تعذّر عليه التمتّع ، وذلك كقضية عائشة ، ولو كان الإِحرام من مكة جائزاً ، لما كلّفها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله تحمّل المشقّة.

وروى الحلبي عن الصادقعليه‌السلام ، قال : قلت : رجل ترك‌

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٣٤ ذيل الحديث ١٠٠ ، الاستبصار ٢ : ١٥٩ ذيل الحديث ٥١٨.

(٢) النهاية : ٢٠٦.

(٣) التهذيب ٥ : ٣٤ / ١٠١ ، الاستبصار ٢ : ١٥٩ / ٥١٩.


الإِحرام حتى دخل مكة ، قال : « يرجع الى ميقات أهل بلاده ، الذي يُحرمون منه فيُحْرم ، وإن خشي أن يفوته الحج ، فليُحْرم من مكانه ، فإن استطاع أن يخرج من الحرم فليخرج »(١) .

وقال الشافعي : يجوز أن يُحرم من مكة مع المكنة من الخروج الى الميقات(٢) ، لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أمر أصحابه بالإِحرام من مكة للتمتّع(٣) .

وليس حجّةً ؛ لجواز أمرهم بإحرام الحج لا بإحرام العمرة ، أو أنّ ذلك كان للضرورة.

البحث الثاني : في وقت أداء النسكين‌

مسألة ١٣٦ : أشهر الحج شوّال وذو القعدة وذو الحجة عند أكثر علمائنا(٤) ، وبه قال مالك ، وهو مروي عن ابن عباس وعمر وابن عمر(٥) ؛ لقوله تعالى :( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ ) (٦) وأقلّ الجمع ثلاثة.

وما رواه زرارة عن الباقرعليه‌السلام ، قال : «( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ ) شوّال وذو القعدة وذو الحجّة ، ليس لأحد أن يُحرم بالحج في سواهنّ ، وليس لأحد أن يُحرم قبل الوقت الذي وقّت رسول الله صلّى الله عليه‌

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٥٨ / ١٨٠.

(٢) حكاه عنه المحقق في المعتبر : ٣٤١.

(٣) سنن البيهقي ٤ : ٣٥٦.

(٤) منهم : الشيخ الطوسي في النهاية ٢٠٧ ، وابن ادريس في السرائر : ١٢٦ ، والمحقق في شرائع الاسلام ١ : ٢٣٧ ، والمعتبر : ٣٣٦.

(٥) المغني ٣ : ٢٦٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٣٠ ، بداية المجتهد ١ : ٣٢٥ ، أحكام القرآن - لابن العربي - ١ : ١ ٣١ ، المجموع ٧ : ١٤٥ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٧ ، حلية العلماء ٣ : ٢٥٢ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٦١ ، التفسير الكبير ٥ : ١٧٦.

(٦) البقرة : ١٩٧.


وآله ، وإنّما مثل ذلك مثل مَنْ صلّى أربعاً في السفر وترك الثنتين »(١) .

ولأنّه يصح أن يقع في باقي ذي الحجة شي‌ء من أفعال الحج ، كالطواف والسعي وذبح الهدي.

وقال بعض علمائنا هي : شوّال وذو القعدة والى قبل الفجر من عاشر ذي الحجّة(٢) ؛ لقوله تعالى :( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ ) (٣) ولا يمكن فرضه بعد طلوع الفجر من يوم النحر.

ولقوله تعالى :( فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ ) (٤) وهو سائغ يوم النحر ؛ لأنّه يمكنه التحلّل في أوّله.

ولا حجّة فيه ؛ لأنّ المراد : فمن فرض في أكثرهن ، وبه يتمّ المطلوب.

وقال بعض علمائنا : هي شوّال وذو القعدة والى طلوع الفجر من ليلة النحر(٥) . وبه قال الشافعي(٦) .

وقال بعضهم : وتسعة من ذي الحجة(٧) .

وقال أبو حنيفة وأصحابه : إلى آخر العاشر من ذي الحجة - وبه قال ابن مسعود وابن عمر وابن الزبير وعطاء ومجاهد والحسن والشعبي والنخعي وقتادة والثوري وأحمد - لقول ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وابن الزبير : شهران وعشر ليال(٨) . وإذا أطلق ذلك ، اقتضى تعدّده من الأيّام.

____________________

(١) الكافي ٤ : ٣٢١ - ٣٢٢ / ٢ ، التهذيب ٥ : ٥١ / ١٥٥ ، الاستبصار ٢ : ١٦١ / ٥٢٧.

(٢) الشيخ الطوسي في المبسوط ١ : ٣٠٨.

(٣ و ٤) البقرة : ١٩٧.

(٥) الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٢٥٨ ، المسألة ٢٣.

(٦) الحاوي الكبير ٤ : ٢٧ ، فتح العزيز ٧ : ٧٤ ، المجموع ٧ : ١٤٢ ، حلية العلماء ٣ : ٢٥١.

(٧) الشيخ الطوسي في الجمل والعقود ( ضمن الرسائل العشر ) : ٢٢٦.

(٨) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٦٠ و ٦١ ، المغني ٣ : ٢٦٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٢٩ و ٢٣٠ ، =


ولأنّ يوم النحر يدخل به وقت ركن من أركان الحج ، وهو : طواف الزيارة ، ويقع فيه كثير من أفعال الحجّ ، كالرمي والنحر والحلق والطواف والسعي والرجوع الى منى ، فكان من أشهره ، كيوم عرفة.

واعلم : أنّه لا فائدة كثيرة في هذا النزاع ؛ للإِجماع على أنّه لو فاته الموقفان فقد فاته الحجّ ، وأنّه يصح كثير من أفعال الحج يوم العاشر وما بعده.

مسألة ١٣٧ : لو أحرم بالحجّ قبل أشهره ، لم ينعقد إحرامه للحجّ ، وينعقد للعمرة - وبه قال عطاء وطاوس ومجاهد والشافعي(١) - لقوله تعالى :( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ ) (٢) تقديره : وقت الحجّ أشهر ، أو أشهر الحجّ أشهر ، فحذف المضاف ، وأقيم المضاف اليه مقامه ، وإذا ثبت أنّه وقته ، لم يجز تقديم إحرامه عليه ، كأوقات الصلوات.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « مَنْ أحرم بالحجّ في غير أشهُر الحجّ فلا حجّ له »(٣) .

وأمّا انعقاده للعمرة : فلقول الصادقعليه‌السلام في رجل فرض الحجّ من غير أشهر الحجّ ، قال : « يجعلها عمرة »(٤) .

وقال مالك والثوري والنخعي وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق : ينعقد إحرامه ، واذا بقي على احرامه الى وقت الحجّ ، جاز ؛ لقوله تعالى :

____________________

= الحاوي الكبير ٤ : ٢٧ ، التفسير الكبير ٥ : ١٧٦ ، حلية العلماء ٣ : ٢٥١ ، أحكام القرآن - لابن العربي - ١ : ١٣١ ، المجموع ٧ : ١٤٥.

(١) المغني ٣ : ٢٣١ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٢٩ ، الاُم ٢ : ١٢٨ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٨ - ٢٩ و ٣٠ ، حلية العلماء ٣ : ٢٥٢ ، فتح العزيز ٧ : ٧٧ ، المجموع ٧ : ١٤٢ و ١٤٤ ، بداية المجتهد ١ : ٣٢٥ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٦٠ ، المحلّى ٧ : ٦٦.

(٢) البقرة : ١٩٧.

(٣) الكافي ٤ : ٣٢٢ / ٤ ، التهذيب ٥ : ٥٢ / ١٥٧ ، الاستبصار ٢ : ١٦٢ / ٥٢٩.

(٤) الفقيه ٢ : ٢٧٨ / ١٣٦١.


( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنّاسِ وَالْحَجِّ ) (١) فدلّ على أنّ جميع الأشهر ميقات(٢) .

ولا حجّة فيه ؛ لأنّ الأزمنة أوقات للحوادث التي من جملتها الحجّ.

مسألة ١٣٨ : لا ينعقد الاحرام بالعمرة المتمتّع بها قبل أشهر الحجّ ، فإن أحرم بها في غيرها ، انعقد للعمرة المبتولة - وهو أحد قولي الشافعي وأحمد(٣) - لأنّ الإِحرام بالعمرة نسك وركن من أركانها ، فيعتبر وقوعه في أشهر الحجّ ، كما يعتبر وقوع باقيها.

ولأنّ المتمتّع بها داخَلَه في الحجّ ؛ لقولهعليه‌السلام : ( دخلت العمرة في الحجّ هكذا ) وشبّك بين أصابعه(٤) ، والحجّ لا يصح إحرامه قبل أشهره ، فكذا ما دخل فيه.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « لا تكون عمرة إلّا في أشهر الحجّ »(٥) .

ولأنّه أتى بنسك لا تتم العمرة إلّا به في غير أشهر الحج ، فلا يكون متمتّعاً كما لو طاف.

وقال الشافعي في ثاني قوليه : إنّه إذا أحرم بالعمرة في رمضان وأتى بالطواف والسعي والحلق في شوّال وحجّ من سنته فإنّه يكون متمتّعاً(٦) .

وقال مالك : إذا أحرم بها في غير أشهر الحجّ ولم يتحلّل من إحرام‌

____________________

(١) البقرة : ١٨٩.

(٢) المغني ٣ : ٢٣١ - ٢٣٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٢٩ ، بداية المجتهد ١ : ٣٢٥ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٦٠ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٩ ، المجموع ٧ : ١٤٤ ، المحلّى ٧ : ٦٦.

(٣) فتح العزيز ٧ : ١٣٨ - ١٤٠ ، حلية العلماء ٣ : ٢٦١ ، المهذب - للشيرازي - ١ : ٢٠٨ ، المجموع ٧ : ١٧٦ ، الحاوي الكبير ٤ : ٤٩ - ٥٠.

(٤) صحيح مسلم ٢ : ٨٨٨ / ١٢١٨ ، سنن أبي داود ٢ : ١٨٤ / ١٩٠٥ ، سنن البيهقي ٥ : ٧.

(٥) التهذيب ٥ : ٤٣٥ - ٤٣٦ / ١٥١٤ ، المعتبر : ٣٣٦.

(٦) الحاوي الكبير ٤ : ٤٩ - ٥٠ ، حلية العلماء ٣ : ٢٦٠ - ٢٦١.


العمرة حتى دخلت أشهر الحجّ ، صار متمتّعاً(١) .

وقال أبو حنيفة : إذا أتى بأكثر أفعال العمرة في أشهر الحجّ ، صار متمتّعاً إذا دخلت عليه أشهر الحجّ(٢) .

وكلّ هذه الأقوال لا حجّة عليها ، فلا يلتفت اليها.

مسألة ١٣٩ : العمرة المبتولة تجوز في جميع أيّام السنة بغير خلاف بين علماء الأمصار ؛ لما رواه العامة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال : ( عمرة في رمضان تعدل حجّةً )(٣) .

واعتمرعليه‌السلام في شوّال وفي ذي القعدة(٤) .

واعتمرت عائشة من التنعيم ليلة المحصب(٥) ، وهي الليلة التي يرجعون فيها من منى الى مكة.

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام : « السنة اثنا عشر شهراً ، يعتمر لكلّ شهر عمرة»(٦) .

ولأنّها عبادة لها تحريم وتحليل فكان من جنسها عبادة غير موقّتة ، كالصلاة.

مسألة ١٤٠ : المتمتّع إذا دخل مكة وخاف فوات الوقت لو أكملها ، جاز له أن ينقل نيته الى الإِفراد ليدرك أحد الموقفين ثم يعتمر عمرة مفردة بعد إتمام الحج.

____________________

(١) المدونة الكبرى ١ : ٣٩٥ ، المنتقى - للباجي - ٢ : ٢٢٨ ، بداية المجتهد ١ : ٣٣٤ ، حلية العلماء ٣ : ٢٦١ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٣٠ - ٣١.

(٢) بدائع الصنائع ٢ : ١٨٦ ، بداية المجتهد ١ : ٣٣٤ ، فتح العزيز ٧ : ١٤٢ ، حلية العلماء ٣ : ٢٦١.

(٣) سنن الترمذي ٣ : ٢٧٦ / ٩٣٩ ، سنن البيهقي ٤ : ٣٤٦.

(٤) صحيح مسلم ٢ : ٩١٦ / ٢١٧ ، سنن البيهقي ٤ : ٣٤٦.

(٥) صحيح مسلم ٢ : ٨٨١ / ١٢١٣ ، سنن البيهقي ٤ : ٣٤٤.

(٦) الفقيه ٢ : ٢٧٨ / ١٣٦٢.


وكذا الحائض والنفساء لو منعهما عذرهما عن التحلّل وإنشاء إحرام الحجّ ، نقلتا حجّتهما الى الإِفراد ، واعتمرتا بعده ، لأنّ التكليف منوط بالقدرة.

ولما رواه جميل عن الصادقعليه‌السلام ، قال : سألته عن المرأة الحائض إذا قدمت مكة يوم التروية ، قال : « تمضي كما هي الى عرفات فتجعلها حجّةً مفردة ثم تقيم حتى تطهر فتخرج الى التنعيم فتحرم وتجعلها عمرة »(١) .

إذا عرفت هذا ، فلو غلب على ظنّها أنّها تطهر وتدرك الموقف ، صبرت على إحرام المتعة الى أن تطهر ثم تطوف وتتمّ متعتها ؛ لأنّ أبا بصير سأل الصادقعليه‌السلام عن المرأة تجي‌ء متمتّعة فتطمث قبل أن تطوف بالبيت فيكون طهرها ليلة عرفة ، فقال : « إن كانت تعلم أنّها تطهر وتطوف بالبيت وتحلّ من إحرامها وتلحق الناس فلتفعل »(٢) .

البحث الثالث : في المواقيت‌

والنظر في أمرين :

الأول : تعيينها‌

مسألة ١٤١ : المواقيت ستّة ، فقد أجمع العلماء كافّة على أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله نصّ على أربعة مواقيت ، وهي : ذو الحليفة والجحفة وقرن المنازل ويَلَمْلَمْ.

وروى العامة عن ابن عباس ، قال : وقّت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لأهل المدينة ذا الحليفة ، ولأهل الشام الجحفة ، ولأهل نجد قرن المنازل ،

____________________

(١) الفقيه ٢ : ٢٤٠ / ١١٤٦ ، التهذيب ٥ : ٣٩٠ / ١٣٦٣.

(٢) الكافي ٤ : ٤٧٧ / ٨ ، الفقيه ٢ : ٢٤٢ / ١١٥٨ ، التهذيب ٥ : ٣٩١ / ١٣٦٧ ، الاستبصار ٢ : ٣١١ / ١١٠٨.


ولأهل اليمن يَلَمْلَمْ ، قال : فهي لهنّ ولمن أتى عليهنّ من غير أهلهنّ ، فمن كان يريد الحجّ والعمرة فمن كان دونهن فمهلَّه(١) من أهله ، وكذلك أهل مكة يهلّون منها(٢) .

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام : « من تمام الحجّ والعمرة أن تحرم من المواقيت التي وقّتها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولا تجاوزها إلّا وأنت محرم ، فإنّه وقّت لأهل العراق - ولم يكن يومئذٍ عراق - بطن العقيق من قبل أهل العراق ، ووقّت لأهل اليمن يلملم ، ووقّت لأهل الطائف قرن المنازل ، ووقّت لأهل المغرب الجحفة ، وهي : مَهْيَعَة ، ووقّت لأهل المدينة ذا الحليفة ، ومن كان منزله خلف هذه المواقيت ممّا يلي مكة فوقته منزله »(٣) .

وأمّا ميقات أهل العراق : فقد اتّفقوا على أنّه لو أحرم من ذات عرق أحرم من الميقات ، وكان أنس يحرم من العقيق ، واستحسنه الشافعي وابن المنذر وابن عبد البرّ(٤) ، واختلفوا في ثبوته.

قال العلماء : إنّه يثبت بالنصّ من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو مذهب أهل البيتعليهم‌السلام ، وبه قال أحمد وأصحاب أبي حنيفة(٥) ؛ لما رواه العامة عن ابن عباس ، قال : وقّت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لأهل العراق ذات عرق(٦) .

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام وقد سأله أبو أيّوب الخزّاز‌

____________________

(١) أي : موضع الإِهلال بالإِحرام.

(٢) صحيح مسلم ٢ : ٨٣٨ / ١١٨١ ، صحيح البخاري ٢ : ١٦٥ ، سنن البيهقي ٥ : ٢٩.

(٣) الكافي ٤ : ٣١٨ / ١ ، التهذيب ٥ : ٥٤ / ١٦٦.

(٤) المغني ٣ : ٢١٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٢١٣ ، الاُم ٢ : ١٣٨ ، الحاوي الكبير ٤ : ٦٨ ، فتح العزيز ٧ : ٨١ ، المجموع ٧ : ١٩٧.

(٥) المجموع ٧ : ١٩٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٢١٤ ، فتح العزيز ٧ : ٨١.

(٦) أورده المحقق في المعتبر : ٣٤٢.


- في الصحيح - : حدّثني عن العقيق أوقت وقّته رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أو شي‌ء صنعه الناس؟ فقالعليه‌السلام : « إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة ، ووقّت لأهل المغرب الجحفة ، وهي عندنا مكتوبة مَهْيَعَة ، ووقّت لأهل اليمن يَلَمْلَمْ ، ووقّت لأهل الطائف قرن المنازل ، ووقّت لأهل نجد العقيق وما أنجدت »(١) .

وقال قوم : إنّه يثبت قياساً ؛ لأنّ أهل العراق كانوا مشركين(٢) .

ولا حجّة فيه ؛ لعلمهعليه‌السلام بأنّهم يسلمون ، أو يمرّ على هذا الميقات مسلمون.

مسألة ١٤٢ : مَنْ كان منزله دون الميقات فميقاته منزله بإجماع العلماء - خلافاً لمجاهد ؛ فإنّه قال : يُهلّ بمكة(٣) . وهو خطأ - لما رواه العامّة عن عليعليه‌السلام وابن مسعود وعمر في قوله تعالى :( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ ) (٤) قالوا : إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك(٥) .

وعن النبيعليه‌السلام في قوله : ( فمن كان دونهنّ فمهلّه من أهله )(٦) .

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام : « ومن كان منزله خلف هذه المواقيت ممّا يلي مكة فوقته منزله »(٧) .

____________________

(١) الكافي ٤ : ٣١٩ / ٣ ، التهذيب ٥ : ٥٥ / ١٦٨.

(٢) الحاوي الكبير ٤ : ٦٨ ، فتح العزيز ٧ : ٨٠ ، المجموع ٧ : ١٩٧ ، وراجع : المغني والشرح الكبير ٣ : ٢١٤.

(٣) المغني ٣ : ٢١٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٢١٦ ، المجموع ٧ : ٢٠٣ - ٢٠٤.

(٤) البقرة : ٢٩٦.

(٥) الحاوي الكبير ٤ : ٧٥ ، المغني ٣ : ٢٢٢ ، تفسير الطبري ٢ : ١٢٠ ، أحكام القرآن - للجصّاص - ١ : ٢٦٣ - ٢٦٤ ، سنن البيهقي ٥ : ٣٠.

(٦) صحيح البخاري ٢ : ١٦٥ ، سنن البيهقي ٥ : ٢٩.

(٧) الكافي ٤ : ٣١٨ / ١ ، التهذيب ٥ : ٥٤ - ٥٥ / ١٦٦.


مسألة ١٤٣ : ميقات أهل المدينة ذو الحليفة - وهو مسجد الشجرة - اختياراً ، وهو على عشرة مراحل من مكة ، وعن المدينة ميل ، وعند الضرورة الجحفة.

روى العامّة عن جابر أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : ( مهلّ أهل المدينة من ذي الحليفة والطريق الآخر من الجحفة )(١) .

ومن طريق الخاصة : ما رواه الحلبي - في الحسن - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « الإِحرام من مواقيت خمسة وقّتها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لا ينبغي لحاج ولا لمعتمر أن يُحْرم قبلها ولا بعدها ، وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة ، وهو مسجد الشجرة »(٢) الحديث.

وفي الصحيح عن الحلبي ، قال : سألته من أين يُحْرم الرجل إذا جاوز الشجرة؟ فقال : « من الجحفة ولا يجاوز الجحفة إلّا محرماً »(٣) .

وكان الصادقعليه‌السلام عليلاً فأحرم من الجحفة(٤) .

مسألة ١٤٤ : العقيق ميقات أهل العراق ، وكلّ جهاته ميقات من أين أحرم جاز ، لكن الأفضل الإِحرام من المسلخ ، وتليه غمرة ، وآخره ذات عرق.

وروى العامّة عن ابن عباس أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وقّت لأهل المشرق العقيق(٥) .

قال ابن عبد البرّ : العقيق أولى وأحوط من ذات عرق ، وذات عرق‌

____________________

(١) صحيح مسلم ٢ : ٨٤١ / ١٨ ، سنن البيهقي ٥ : ٢٧.

(٢) الكافي ٤ : / ٣١٩ / ٢ ، الفقيه ٢ : ١٩٨ / ٩٠٣ ، التهذيب ٥ : ٥٥ / ١٦٧.

(٣) التهذيب ٥ : ٥٧ / ١٧٧.

(٤) التهذيب ٥ : ٥٧ / ١٧٦.

(٥) سنن أبي داود ٢ : ١٤٣ / ١٧٤٠ ، سنن الترمذي ٣ : ١٩٤ / ٨٣٢ ، سنن البيهقي ٥ : ٢٨.


ميقاتهم بإجماع(١) .

ومن طريق الخاصة : ما رواه ابن بابويه عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « وقّت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لأهل العراق العقيق أوّله المسلخ ووسطه غمرة وآخره ذات عرق ، وأوّله أفضل »(٢) .

واعلم أنّ أبعد المواقيت ذو الحليفة على عشرة مراحل من مكة ، وتليه في البُعْد : الجحفة ، والمواقيت الثلاثة على مسافة واحدة بينها وبين مكة ليلتان قاصدتان.

مسألة ١٤٥ : المواقيت المذكورة مواقيت لأهلها ولمن مرّ بها ممّن يُريد الحجّ أو العمرة ، فإذا حجّ الشامي من المدينة فجاز على ذي الحليفة ، أحرم منها ، وإن حجّ من اليمن ، فميقاته يلملم ، وإن حجّ من العراق ، فميقاته العقيق ، وكذا غيرها ، ولا نعلم فيه خلافاً ؛ لما روى العامّة أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : ( هُنّ لهنّ ولمن أتى عليهنّ من غير أهلهنّ ممّن أراد الحجّ والعمرة )(٣) .

ومن طريق الخاصة : قول الكاظمعليه‌السلام : « مَنْ دخل المدينة فليس له أن يُحْرم إلّا من المدينة»(٤) .

ولأنّ التكليف بالمضيّ إلى ميقات بلده ضرر ، فيكون منفيّاً.

مسألة ١٤٦ : الصبي ميقاته هذه المواقيت ، ويجوز أن يجرّد من فخّ ، وأن يؤخّر إحرامه(٤) إليه ، لما رواه معاوية بن عمّار ، قال : سمعت الصادقعليه‌السلام يقول : « قدّموا من كان معكم من الصبيان إلى الجحفة أو إلى بطن‌

____________________

(١) المغني والشرح الكبير ٣ : ٢١٤.

(٢) الفقيه ٢ : ١٩٩ / ٩٠٧.

(٣) صحيح البخاري ٢ : ١٦٦ ، سنن البيهقي ٥ : ٢٩.

(٤) التهذيب ٥ : ٥٧ - ٥٨ / ١٧٩.

(٥) في النسخ الخطية والحجرية : إحرامهم. وما أثبتناه يقتضيه السياق.


مَرّ ثم يصنع بهم ما يصنع بالمـُحْرم ويطاف بهم ويسعى بهم ، ومن لم يجد منهم هدياً صام عنه وليّه»(١) .

وسأل أيّوب(٢) الصادقعليه‌السلام عن الصبيان أين نجرّدهم للإِحرام؟

فقال : « كان أبي يجرّدهم من فخّ »(٣) .

مسألة ١٤٧ : ميقات عمرة التمتّع هذه المواقيت ، وميقات حجّه مكّة لا غير ، فإن أحرم من غير مكة اختياراً ، لم يجزئه ، وكان عليه العود إلى مكة لإِنشاء الإِحرام ، ذهب إليه علماؤنا.

وقال أحمد : يخرج إلى الميقات فيحرم منه للحجّ(٤) .

وليس بصحيح ؛ لما رواه العامّة أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله دخل على عائشة وهي تبكي ، قال لها : ( أهلّي بالحجّ )(٥) وكانت بمكة.

وأمر أصحابه بالإِحرام من مكة لمـّا فسخوا الحجّ(٦) .

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام : « إذا كان يوم التروية - إلى أن قال - وادخل المسجد - إلى أن قال - فأحرم بالحجّ »(٧) .

إذا عرفت هذا ، فلو أحرم من غير مكة اختياراً ، لم يجزئه ، وكان عليه العود إلى مكة لإِنشاء الإِحرام ؛ لأنّ النبيعليه‌السلام أمر أصحابه بالإِحرام من مكة(٨) .

وقال الشافعي : يجوز أن يخرج إلى أحد المواقيت فيُحْرم بالحجّ‌

____________________

(١) الكافي ٤ : ٣٠٤ / ٤ ، الفقيه ٢ : ٣٦٦ / ١٢٩٤ ، التهذيب ٥ : ٤٠٩ / ١٤٢٣.

(٢) في النسخ الخطية والحجرية : أبو أيوب ، وما أثبتناه من المصدر وكما في المعتبر : ٣٤٢.

(٣) التهذيب ٥ : ٤٠٩ / ١٤٢١.

(٤) المغني ٣ : ٢١٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٢١٨.

(٥) سنن أبي داود ٢ : ١٥٤ - ١٥٥ / ١٧٨٥ ، سنن النسائي ٥ : ١٦٥.

(٦) صحيح مسلم ٢ : ٨٨٢ / ١٢١٤ ، المغني ٣ : ٢١٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٢١٨.

(٧) الكافي ٤ : ٤٥٤ / ١ ، التهذيب ٥ : ١٦٧ / ٥٥٧.

(٨) صحيح مسلم ٢ : ٨٨٢ / ١٢١٤ ، المغني ٣ : ٢١٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٢١٨.


منه(١) .

ويجوز أن يُحرم من أيّ موضع كان من مكة ؛ لأنّها كلّها ميقات ، لكن الأفضل الإِحرام من المسجد ، وأفضله تحت الميزاب أو في مقام إبراهيمعليه‌السلام .

ولو خرج من مكة بغير إحرام ناسياً أو جاهلاً ، رجع إليها أو أحرم منها ، فإن عرض له مانع ، أحرم من موضعه ولو بعرفات ، وكذا في الخائف من الرجوع.

مسألة ١٤٨ : هذه المواقيت المذكورة مواقيت للحجّ على ضروبه وللعمرة المفردة إجماعاً إذا قدم مكة حاجّاً أو معتمراً.

أمّا المفرد والقارن إذا قضيا مناسك الحج وأرادا الاعتمار ، أو غيرهما ممّن يريد الاعتمار ، فإنّه يلزمه أن يخرج إلى أدنى الحلّ ، فيُحْرم بالعمرة المفردة ثم يعود إلى مكة للطواف والسعي ؛ لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لمـّا أرادت عائشة أن تعتمر بعد التحلّل من الحجّ أمر عبد الرحمن أن يعمرها من التنعيم(٢) ، وهو من الحلّ.

ولو خرج إلى أحد المواقيت فأحرم منه ، جاز لكن خفّف عنه بالإِحرام من أدنى الحلّ.

وينبغي أن يُحْرم من الجعرانة ؛ فإنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله اعتمر منها(٣) ، فإن فاتته فمن التنعيم ؛ لأنّ النبيعليه‌السلام أمر عائشة بالإِحرام منها(٤) ، فإن فاتته فمن الحديبية ؛ لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لمـّا قفل(٥) من‌

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٧٨ ، المجموع ٧ : ١٩٦.

(٢) صحيح البخاري ٣ : ٤ و ٥ ، صحيح مسلم ٢ : ٨٧١ / ١١٣ ، سنن البيهقي ٤ : ٣٥٧‌

(٣) صحيح البخاري ٣ : ٣ ، سنن أبي داود ٢ : ٢٠٥ - ٢٠٦ - ١٩٩٣ و ١٩٩٤ ، سنن الترمذي ٣ : ١٨٠ / ٨١٦.

(٤) صحيح البخاري ٣ : ٦ ، صحيح مسلم ٢ : ٨٧٠ - ٨٧١ / ١١٢ ، سنن البيهقي ٥ : ٦.

(٥) قفل : رجع. النهاية - لابن الأثير - ٤ : ٩٢.


حنين أحرم بالجعرانة(١) .

النظر الثاني : في أحكام المواقيت‌

مسألة ١٤٩ : لا يجوز الإِحرام قبل الميقات عند علمائنا إلّا لناذر على خلاف ، ولمـُريد العمرة في رجب إذا خاف فواته.

وأطبق العامّة على جوازه(٢) ، واختلفوا في الأفضل.

فقال مالك : الأفضل الإِحرام من الميقات ، ويكره قبله. وبه قال عمر وعثمان والحسن وعطاء ومالك وأحمد وإسحاق(٣) .

وقال أبو حنيفة : الأفضل الإِحرام من بلده(٤) .

وعن الشافعي كالمذهبين(٥) .

وكان علقمة والأسود وعبد الرحمن وأبو إسحاق يحرمون من بيوتهم(٦) .

لنا : ما رواه العامّة أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أحرم من الميقات(٧) ، ولا يفعل إلّا الراجح ، وقالعليه‌السلام : ( خُذوا عنّي مناسككم )(٨) فوجب‌

____________________

(١) الكامل في التاريخ ٢ : ٢٧٢.

(٢) المغني ٣ : ٢٢٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٢٦ ، المجموع ٧ : ٢٠٠ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٦٦ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٦٤ ، المنتقى - للباجي - ٢ : ٢٠٥.

(٣) المدوّنة الكبرى ١ : ٣٦٣ ، بداية المجتهد ١ : ٣٢٤ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ١٤٨ ، المغني ٣ : ٢٢٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٢٦ ، حلية العلمَاء ٣ : ٢٧٠ ، فتح العزيز ٧ : ٩٣.

(٤) الاختيار لتعليل المختار ١ : ١٨٥ ، المغني ٣ : ٢٢٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٢٦ ، فتح العزيز ٧ : ٩٣ ، حلية العلماء ٣ : ٢٧٠ ، المجموع ٧ : ٢٠٢.

(٥) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢١٠ ، المجموع ٧ : ٢٠٠ ، حلية العلماء ٣ : ٢٧٠ ، فتح العزيز ٧ : ٩٣ ، المغني ٣ : ٢٢٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٢٦.

(٦) المغني ٣ : ٢٢٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٢٦ ، وانظر : المجموع ٧ : ٢٠٢.

(٧) المغني ٣ : ٢٢٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٢٧.

(٨) سنن البيهقي ٥ : ١٢٥.


اتّباعه.

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام : « من أحرم بالحجّ في غير أشهر الحجّ فلا حجّ له ، ومن أحرم دون الميقات فلا إحرام له »(١) .

ولأنّه أحرم قبل الميقات ، فكان حراماً ، كالإِحرام قبل أشهر الحجّ.

ولما فيه من التغرير بالإِحرام والتعرّض لفعل محظوراته ، وفيه مشقّة على النفس ، فمُنع ، كالوصال في الصوم.

احتجّوا : بما رواه العامّة عن اُمّ سلمة زوج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنّها سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : (من أهلّ بحجّة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر)(٢) .

وفي الطريق ضعف عند العامّة(٣) .

مسألة ١٥٠ : سوّغ أكثر أصحابنا(٤) الإِحرام قبل المواقيت في موضعين :

الأول : إذا نذر أن يُحرم قبل الميقات ؛ لما رواه الحلبي - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : سألته عن رجل جعل لله عليه شكراً أن يُحرم من الكوفة ، قال : « فليُحْرم من الكوفة وليف لله بما قال »(٥) .

الثاني : مَنْ يريد الإِحرام بالعمرة المفردة في رجب ، فإنّه إذا خشي تقضّيه قبل الوصول إلى الميقات ، جاز له أن يُحْرم قبل الميقات ليدرك التلبّس بالعمرة في رجب ؛ لما رواه إسحاق بن عمّار عن الكاظمعليه‌السلام عن‌

____________________

(١) الكافي ٤ : ٣٢٢ / ٤ ، التهذيب ٥ : ٥٢ / ١٥٧ ، الاستبصار ٢ : ١٦٢ / ٥٢٩.

(٢) سنن أبي داود ٢ : ١٤٣ / ١٧٤١ ، سنن البيهقي ٥ : ٣٠ ، وانظر : المغني ٣ : ٢٢٢ ، والشرح الكبير ٣ : ٢٢٦.

(٣) المغني ٣ : ٢٢٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٢٣ - ٢٢٤.

(٤) منهم ابن حمزة في الوسيلة : ١٥٩ - ١٦٠ ، والمحقّق في المعتبر : ٣٤٢ ، وشرائع الإِسلام ١ : ٢٤٢ ، ويحيى بن سعيد في الجامع للشرائع : ١٧٨.

(٥) التهذيب ٥ : ٥٣ / ١٦٢ ، الاستبصار ٢ : ١٦٣ / ٥٣٤.


الرجل يجي‌ء معتمراً ينوي عمرة رجب ، فيدخل عليه الهلال قبل أن يبلغ العقيق ، أيُحْرم قبل الوقت ويجعلها لرجب أو يؤخّر الإِحرام إلى العقيق ويجعلها لشعبان؟ قال : « يُحْرم قبل الوقت لرجب ، فإنّ لرجب فضلاً وهو الذي نوى »(١) .

مسألة ١٥١ : وكما لا يجوز الإِحرام قبل الميقات كذا لا يجوز مجاوزته بغير إحرام لمن يريد النسك ، فإن جاوزه فعليه أن يرجع ليُحْرم منه إن أمكنه ، سواء تجاوزه عالماً أو جاهلاً ، وسواء علم تحريم ذلك أو جهله ، فإن رجع إليه فأحرم منه ، فلا شي‌ء عليه ، ولا نعلم فيه خلافاً ؛ لأنّ فائدة توقيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لهذه المواقيت : الإِلزام بالمناسك منها لا يتقدّم عنها ولا يتأخّر.

ولما رواه معاوية بن عمّار - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « من تمام الحجّ والعمرة أن تُحرم من المواقيت التي وقّتها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولا تجاوزها إلّا وأنت مُحْرم »(٢) .

مسألة ١٥٢ : لو أحرم غير الناذر وغير مريد الاعتمار في رجب قبل الميقات ، لم ينعقد إحرامه ، ولم يعتدّ به ، ولو فعل ما هو محظور على المـُحْرم ، لم يكن عليه شي‌ء ، وإذا بلغ الميقات ، وجب عليه تجديد الإِحرام من رأس ؛ لأنّ ما فَعَله كان منهيّاً عنه ، فلا يكون مجزئاً.

ولأنّ الباقرعليه‌السلام شبّه ذلك بمن صلّى في السفر أربعاً(٣) ، والصادقعليه‌السلام شبّهه بمن صلّى العصر(٤) ستّاً(٥) ، والمعنى واحد ، وهو‌

____________________

(١) الكافي ٤ : ٣٢٣ / ٩ ، التهذيب ٥ : ٥٣ / ١٦٠ ، الاستبصار ٢ : ١٦٢ - ١٦٣ / ٥٣٢.

(٢) الكافي ٤ : ٣١٨ / ١ ، التهذيب ٥ : ٥٤ / ١٦٦.

(٣) الكافي ٤ : ٣٢١ - ٣٢٢ / ٢ ، التهذيب ٥ : ٥١ / ١٥٥ ، الاستبصار ٢ : ١٦١ / ٥٢٧.

(٤) في الاستبصار والطبعة الحجرية و « ط » : الظهر.

(٥) التهذيب ٥ : ٥٢ / ١٥٦ ، الاستبصار ٢ : ١٦١ - ١٦٢ / ٥٢٨.


الزيادة في الفريضة ، كزيادة المـُحْرم قبل الميقات على المقدار المعتبر في نظر الشرع.

وقال الباقرعليه‌السلام : « من أحرم من دون الوقت الذي وقّته رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فأصاب شيئاً من النساء والصيد فلا شي‌ء عليه »(١) .

وأطبق الجمهور كافّة على صحة هذا الإِحرام(٢) .

مسألة ١٥٣ : لو ترك الإِحرام من الميقات عامداً مع إرادة النسك ، وجب عليه الرجوع إلى الميقات والإِحرام منه مع المكنة ، ولا نعلم في ذلك خلافاً ؛ لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله جعل المواقيت مواطن الإِحرام ، ومنع من الجواز بها إلّا لمـُحْرم إذا كان مُريداً للنسك(٣) .

ولما روى العامّة أنّ أبا الشعثاء جابر بن زيد رأى ابن عباس يردّ مَنْ جاوز الميقات غير مُحْرم(٤) .

ومن طريق الخاصة : ما رواه الحلبي - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : سألته عن رجل ترك الإِحرام حتى دخل الحرم ، فقال : « يرجع إلى ميقات أهل بلاده الذي يُحْرمون منه ، فيُحرم ، وإن خشي أن يفوته الحجّ فليُحْرم من مكانه ، فإن استطاع أن يخرج من الحرم فليخرج»(٥) .

إذا عرفت هذا ، فلو لم يتمكّن من الرجوع إلى الميقات وكان قد ترك الإِحرام من الميقات عامداً متمكّناً منه مع إرادة النسك ، بطل حجّة - وبه قال سعيد بن جبير(٦) - لأنّه ترك الإِحرام من الميقات عامداً متمكّناً ، فبطل حجّه ،

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٥٤ / ١٦٥.

(٢) تقدّم تخريجه في المسألة ١٤٩.

(٣) صحيح البخاري ٢ : ١٦٦ ، صحيح مسلم ٢ : ٨٣٨ - ٨٣٩ / ١١ و ١٢ ، سنن البيهقي ٥ : ٢٩.

(٤) الاُم ٢ : ١٣٨ ، سنن البيهقي ٥ : ٢٩.

(٥) التهذيب ٥ : ٥٨ / ١٨٠.

(٦) المغني ٣ : ٢٢٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٢٦ ، الحاوي الكبير ٤ : ٧٢ ، المجموع ٧ : =


كما لو ترك الوقوف بعرفة.

وقالت العامّة : يجبره بدم ، ويُحْرم من موضعه ؛ لما رواه ابن عباس : أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : ( من ترك نسكاً فعليه دم )(١) .

ونحن إنّما نثبت العموم لو قلنا بصحة الحج ، وهو ممنوع.

ولو أحرم من موضعه مع تركه عامداً قادراً ، لم يجزئه على ما بيّنّاه ، ولو عاد إلى الميقات فكذلك ما لم يجدّد الإِحرام ؛ لأنّ الأول لم ينعقد ، فجرى مجرى الإِخلال بالإِحرام.

ولا فرق في بطلان الحج بين أن يكون عدم التمكّن من الرجوع لمرض أو خوف أو ضيق الوقت.

مسألة ١٥٤ : لو ترك الإِحرام عامداً فقد قلنا بوجوب الرجوع ، فإن رجع إلى الميقات وأحرم منه ، فلا دم عليه ، سواء رجع بعد التلبّس بشي‌ء من أفعال الحج ، كطواف القدوم مثلاً ، أو الوقوف ، أو لم يتلبّس - وبه قال عطاء والحسن والنخعي(٢) - لأنّ إحرامه من موضعه لا اعتداد به ، وكذا ما فعله ، ومع الرجوع إلى الميقات يصح إحرامه ، والأصل براءة الذمّة من الدم.

ولأنّه رجع إلى الميقات وأحرم منه ، فلا شي‌ء عليه ، كما لو لم يفعل شيئاً من مناسك الحج.

وقال الشافعي : إن رجع قبل التلبّس ، فلا شي‌ء عليه ، وإن رجع بعد التلبّس ، وجب عليه دم(٣) ؛ لأنّه أحرم من دون الميقات فوجب الدم ، لكن برجوعه سقط ، لأنّه حصل في الميقات محرماً قبل التلبّس بشي‌ء من أفعال‌

____________________

= ٢٠٨.

(١) الحاوي الكبير ٤ : ٧٣ ، المغني والشرح الكبير ٣ : ٢٢٥.

(٢) المغني والشرح الكبير ٣ : ٢٢٥ ، المجموع ٧ : ٢٠٨.

(٣) الحاوي الكبير ٤ : ٧٣ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢١٠ ، المجموع ٧ : ٢٠٧ ، حلية العلماء ٣ : ٢٧١ ، فتح العزيز ٧ : ٩٢ ، المغني والشرح الكبير ٣ : ٢٢٥.


العبادة ، فلا يجب عليه الدم ، كما لو أحرم منه ، أمّا إذا عاد بعد فعل شي‌ء من أفعال الحج فقد عاد في غير وقت إحرامه ؛ لأنّ الإِحرام يتقدّم أفعال الحج.

وقد بيّنّا أنّ فعله لا اعتداد به ، فلا فرق بينهما.

وقال أبو حنيفة : إن رجع إلى الميقات ، سقط عنه الدم ، وإن لم يلبّ لم يسقط(١) .

وقال مالك : يجب الدم مطلقاً - وبه قال أحمد وزفر وابن المبارك - لقول ابن عباس : من ترك نسكاً فعليه دم(٢) .

ونمنع كون قوله حجةً أو العموم.

إذا عرفت هذا ، فلو لم يرجع مع قدرته ، بطل إحرامه وحجّه.

وقال الشافعي : إن لم يتمكّن من الرجوع ، جاز أن يُحْرم من مكانه ، ويجب الدم ، وإن لم يكن له عذر ، وجب الرجوع ، فإن لم يرجع أثم ، ووجب الدم ، وصحّ إحرامه(٣) .

وقد بيّنّا بطلانه.

مسألة ١٥٥ : لو تجاوز الميقات ناسياً أو جاهلاً ، أو لا يريد النسك ثم تجدّد له عزم ، وجب عليه الرجوع إلى الميقات ، وإنشاء الاحرام منه مع القدرة ، ولا يكفيه المرور بالميقات ، فإن لم يتمكن ، أحرم من موضعه ، ولو أحرم من موضعه مع إمكان الرجوع ، لم يجزئه.

____________________

(١) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٧٠ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٦٥ ، المغني والشرح الكبير ٣ : ٢٢٥ ، الحاوي الكبير ٤ : ٧٣ ، حلية العلماء ٣ : ٢٧٢ ، المجموع ٧ : ٢٠٨.

(٢) المغني والشرح الكبير ٣ : ٢٢٥ ، بداية المجتهد ١ : ٣٢٤ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ١٤٨ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٦٥ ، الحاوي الكبير ٤ : ٧٣ ، حلية العلماء ٣ : ٢٧١ ، المجموع ٧ : ٢٠٨.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٨٩ ، المجموع ٧ : ٢٠٦.


وقد وافقنا العامّة على وجوب الرجوع إلى الميقات للناسي والجاهل(١) .

أمّا غير مُريد النسك فقد وافقنا أحمد أيضاً في إحدى الروايتين(٢) على وجوب الرجوع ؛ لأنّه متمكّن من الإِتيان بالنسك على الوجه المأمور به ، فيكون واجباً عليه.

ولما رواه الحلبي - في الحسن - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : سألته عن رجل نسي أن يُحْرم حتى دخل الحرم ، قال : « عليه أن يخرج إلى ميقات أهل أرضه ، فإن خشي أن يفوته الحج أحرم من مكانه ، وإن استطاع أن يخرج من الحرم فليخرج ثم ليحرم »(٣) .

وسأل أبو الصباح الكناني الصادقعليه‌السلام عن رجل جهل أن يحرم حتى دخل الحرم كيف يصنع؟ قال : « يخرج من الحرم يهلّ بالحج »(٤) .

وقال مالك والثوري والشافعي وأبو يوسف ومحمد : يحرم من موضعه ، لأنّه حصل دون الميقات على وجه مباح ، فكان له الإِحرام منه كأهل ذلك المكان(٥) .

والفرق ظاهر ؛ لقولهعليه‌السلام : ( ومَنْ كان منزله دون الميقات فمهلّه من أهله )(٦) .

إذا عرفت هذا ، فلو لم يتمكّن من الرجوع إلى الميقات وتمكّن من‌

____________________

(١) المغني ٣ : ٢٢٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٢٤.

(٢) المغني ٣ : ٢٢٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٢٢ ، الحاوي الكبير ٤ : ٧٥ ، حلية العلماء ٣ : ٢٧٢ ، المجموع ٧ : ٢٠٤.

(٣) التهذيب ٥ : ٢٨٣ - ٢٨٤ / ٩٦٥.

(٤) الكافي ٤ : ٣٢٥ / ٧ ، التهذيب ٥ : ٢٨٤ / ٩٦٦.

(٥) الكافي في فقه أهل المدينة : ١٤٨ ، التفريع ١ : ٣١٩ ، المغني ٣ : ٢٢٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٢١ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢١٠ ، المجموع ٧ : ٢٠٣ و ٢٠٤ ، حلية العلماء ٣ : ٢٧٢ ، الحاوي الكبير ٤ : ٧٥.

(٦) أورده ابنا قدامة في المغني ٣ : ٢٢٧ ، والشرح الكبير ٣ : ٢٢٢.


الخروج إلى خارج الحرم ، وجب عليه ، لما رواه عبد الله بن سنان - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : سألته عن رجل مرّ على الوقت الذي يُحْرم منه الناس ، فنسي أو جهل فلم يُحْرمْ حتى أتى مكة فخاف إن يرجع إلى الوقت فيفوته الحج ، قال : « يخرج من الحرم فيحرم منه ويجزئه ذلك »(١) .

ولأنّه بخروجه إلى خارج الحرم يكون جامعاً بين الحلّ والحرم ، بخلاف ما لو أحرم من موضعه مع المكنة من الخروج.

ولو لم يتمكّن من الخروج ، أحرم من موضعه ، وأجزأه إجماعاً ، ولا يجب عليه دم ، خلافاً للشافعي(٢) .

ولو أسلم بعد مجاوزة الميقات ، وجب عليه الرجوع إلى الميقات والإِحرام منه مع المكنة ، وإن لم يتمكّن ، أحرم من موضعه ، ولا دم عليه - وبه قال عطاء ومالك والثوري والأوزاعي وإسحاق وأصحاب الرأي(٣) - لأنّه أحرم من الموضع الذي وجب عليه الإِحرام منه ، فأشبه المكّي ومَنْ كان منزله دون الميقات.

وقال الشافعي : يجب الدم(٤) .

وعن أحمد روايتان(٥) .

والصبي والعبد إذا تجاوزا الميقات من غير إحرام ثم بلغ أو تحرّر وتمكّنا من الحجّ ، وجب عليهما الرجوع إلى الميقات ، والإِحرام منه ، وإن لم‌

____________________

(١) الكافي ٤ : ٣٢٤ / ٦ ، التهذيب ٥ : ٥٨ / ١٨١.

(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢١٠ ، المجموع ٧ : ٢٠٦.

(٣) المغني ٣ : ٢٢٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٢٣ ، حلية العلماء ٣ : ٢٧٣ ، المجموع ٧ : ٦٢.

(٤ و ٥) حلية العلماء ٣ : ٢٧٣ ، المجموع ٧ : ٦١ - ٦٢ ، المغني ٣ : ٢٢٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٢٣.


يتمكّنا ، أحرما من موضعهما ، ولا دم عليهما ، خلافاً للشافعي(١) .

ولو منعه مرض من الإِحرام عند الميقات ، قال الشيخرحمه‌الله : جاز له أن يؤخّره عن الميقات ، فإذا زال المنع ، أحرم من الموضع الذي انتهى إليه(٢) .

والظاهر أنّ مقصوده تأخير نزع الثياب وكشف الرأس وشبهه ، فأمّا النية والتلبية مع القدرة عليهما فلا يجوز له ذلك ؛ إذ لا مانع منه.

ولو زال عقله بإغماء وشبهه ، سقط عنه الحج ، فلو أحرم عنه رجل ؛ جاز ، لما رواه بعض أصحابنا عن أحدهماعليهما‌السلام في مريض أُغمي عليه فلم يعقل حتى أتى الموقف ، قال : « يحرم عنه رجل »(٣) .

إذا عرفت هذا ، فإنّ الإِحرام يجزئ عنه بمعنى لو أفاق ، كان مُحْرماً ، ويجب عليه إتمام الحج ، فإن زال قبل الموقفين ، أجزأه عن حجّة الإِسلام ، وإن زال بعده ، لم يجزئه عن حجّة الإِسلام.

مسألة ١٥٦ : المواقيت التي يجب الاحرام منها هي التي وقّتها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلو كان الميقات قرية فخربت ونقلت عمارتها إلى موضع آخر ، كان الميقات موضع الاُولى وإن انتقل الاسم إلى الثانية ، لأنّ الحكم تعلّق بذلك الموضع ، فلا يزول عنه بخرابه.

وقد روي أنّ سعيد بن جبير رأى رجلاً يريد أن يُحْرم من ذات عِرْقٍ ، فأخذ بيده حتى أخرجه من البيوت وقطع به الوادي وأتى به المقابر ، ثم قال : هذه ذاتُ عِرْق الاُولى(٤) .

مسألة ١٥٧ : لو سلك طريقاً لا يؤدّي إلى شي‌ء من المواقيت ، روى‌

____________________

(١) انظر : المجموع ٧ : ٥٩.

(٢) النهاية : ٢٠٩.

(٣) التهذيب ٥ : ٦٠ / ١٩١.

(٤) الاُم ٢ : ١٣٩ ، الحاوي الكبير ٤ : ٦٩ ، المغني والشرح الكبير ٣ : ٢١٥.


العامّة عن عمر لمـّا قالوا له : وقِّتْ لأهل المشرق ، قال : ما حيال طريقهم؟ قالوا : قرن المنازل ، قال : قيسوا عليه ، فقال قوم : بطن العقيق ، وقال قوم : ذات عِرْق ، فوقَّت عمر ذات عِرْقٍ(١) .

ومن طريق الخاصة : ما رواه عبد الله بن سنان - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : «مَنْ أقام بالمدينة وهو يريد الحج شهراً أو نحوه ثم بدا له أن يخرج في غير طريق المدينة ، فإذا كان حذاء الشجرة مسيرة ستة أميال فليحرم منها »(٢) .

ولو لم يعرف محاذاة الميقات المقارب لطريقة ، احتاط وأحرم من بُعْدٍ بحيث يتيقّن أنّه لم يجاوز الميقات إلّا مُحْرماً ، ولا يلزمه الإِحرام حتى يعلم أنّه قد حاذاه أو يغلب على ظنّه ذلك ؛ لأنّ الأصل عدم الوجوب ، فلا يجب بالشك.

ولو أحرم بغلبة الظنّ بالمحاذاة ثم علم أنّه قد جاوز ما يحاذيه من الميقات غير مُحْرم ، الأقرب : عدم وجوب الرجوع ؛ لأنّه فعل ما كلّف به من اتّباع الظن ، فكان مجزئاً.

ولو مرّ على طريق لم يحاذ ميقاتاً ولا جاز به ، قال بعض الجمهور : يُحْرم من مرحلتين ، فإنّه أقلّ المواقيت وهو ذات عِرْق(٣) .

ويحتمل أنّه يُحْرم من أدنى الحِلّ.

مسألة ١٥٨ : أهل مكة يُحرمون للحجّ من مكة ، وللعمرة من أدنى الحلّ ، سواء كان مقيماً بمكة أو غير مقيم ؛ لأنّ كلّ مَنْ أتى على ميقات كان ميقاتاً له ، ولا نعلم في ذلك خلافاً ، ولهذا أمر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ،

____________________

(١) راجع : صحيح البخاري ٢ : ١٦٦ ، سنن البيهقي ٥ : ٢٧ ، الحاوي الكبير ٤ : ٦٨ ، المغني ٣ : ٢١٤ ، والمحلّى ٧ : ٧٢.

(٢) الفقيه ٢ : ٢٠٠ / ٩١٣.

(٣) الوجيز ١ : ١١٤ ، فتح العزيز ٧ : ٨٨ ، المجموع ٧ : ١٩٩.


عبد الرحمن بن أبي بكر أن يعمر عائشة من التنعيم ، وكانت بمكة(١) .

وإنّما لزم الإِحرام من الحِلّ ، ليجمع في النسك بين الحِلّ والحرم ، فإنّه لو أحرم من الحرم ، لما جمع بينهما فيه ؛ لأنّ أفعال العمرة كلّها في الحرم ، بخلاف الحجّ ، فإنّه يفتقر إلى الخروج إلى عرفة فيجتمع له الحِلّ والحرم ، والعمرة بخلاف ذلك.

ومن أيّ الحِلّ أحرم جاز ، كما أنّ المـُحْرم من مكة يُحْرم من أيّ موضع شاء منها ؛ لأنّ المقصود من الإِحرام الجمع في النسك بين الحِلّ والحرم.

وعن أحمد رواية : أنّ من اعتمر في أشهر الحج من أهل مكة أنّه يُهلّ بالحجّ من الميقات ، فإن لم يفعل ، فعليه دم(٢) .

ولو أحرم بالعمرة من الحرم ، لم يُجْزئه ، خلافاً للعامّة ؛ فإنّهم جوّزوه ، وأوجبوا عليه الدم ؛ لتركه الإِحرام من الميقات(٣) .

ثم إن خرج إلى الحِلّ قبل الطواف ثم عاد ، أجزأه ؛ لأنّه قد جمع بين الحِلّ والحرم.

وإن لم يخرج حتى قضى عمرته صحّ أيضاً عندهم ؛ لأنّه قد أتى بأركانها ، وإنّما أخلّ بالإِحرام من ميقاتها وقد جبره ، وهذا قول أبي ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي وأحد قولي الشافعي ، والقول الثاني : لا تصح عمرته ؛ لأنّه نسك ، فكان من شرطه الجمع بين الحِلّ والحرم ، كالحجّ ، فعلى هذا وجود هذا الطواف كعدمه ، وهو باقٍ على إحرامه حتى يخرج إلى الحِلّ ، ثم يطوف بعد ذلك ويسعى ، وإن حلق قبل ذلك فعليه دم(٤) .

____________________

(١) كما في المغني ٣ : ٢١٥ ، والشرح الكبير ٣ : ٢١٧ ، وراجع : صحيح البخاري ٣ : ٤ ، وصحيح مسلم ٢ : ٨٧١ / ١١٣ ، وسنن البيهقي ٤ : ٣٥٧ ، ومسند أحمد ٣ : ٣٠٥.

(٢) المغني ٣ : ٢١٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٢١٨.

(٣) المغني ٣ : ٢١٨ ، المجموع ٧ : ٢٠٩ ، فتح العزيز ٧ : ٩٨.

(٤) المغني ٣ : ٢١٨ - ٢١٩ ، فتح العزيز ٧ : ٩٩ ، المجموع ٧ : ٢٠٩.


مسألة ١٥٩ : مَنْ لا يريد النسك لو تجاوز الميقات ، فإن لم يُرِدْ دخول الحرم ، بل أراد حاجةً في ما سواه ، فهذا لا يلزمه الإِحرام إجماعاً ، ولا شي‌ء عليه في ترك الإِحرام ؛ لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أتى هو وأصحابه بَدْراً مرّتين ، وكانوا يسافرون للجهاد وغيره ، فيمرّون بذي الحليفة فلا يُحْرمون ، ولا يرون بذلك بأساً(١) .

ثم لو تجدّد له عزم الإِحرام ، احتمل الرجوع إلى الميقات والإِحرام منه ، وهو قول إسحاق وإحدى الروايتين عن أحمد(٢) .

وفي الاُخرى : يُحْرم من موضعه ولا شي‌ء عليه ، وبه قال مالك والثوري والشافعي وأبو يوسف ومحمد(٣) .

وأمّا إن أراد دخول الحرم إمّا إلى مكة أو إلى غيرها ، فأقسامه ثلاثة :

الأول : مَنْ يدخلها لقتال مباح ، أو من خوف ، أو لحاجة متكرّرة ، كالحشّاش والحطّاب وناقل المِيرَة(٤) ، ومَنْ كانت له ضيعة يتكرّر دخوله وخروجه إليها ، فهؤلاء لا إحرام عليهم ؛ لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله دخل يوم الفتح مكة حلالاً وعلى رأسه المِغْفَر(٥) ، وكذا أصحابه(٦) .

ولأنّ في إيجاب الإِحرام على مَنْ يتكرّر دخوله مشقّةً عظيمةً ؛ لاستلزامه‌

____________________

(١) انظر : المغني ٣ : ٢٢٦ ، والشرح الكبير ٣ : ٢٢١.

(٢) المغني ٣ : ٢٢٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٢٢ ، الحاوي الكبير ٤ : ٧٥ ، المجموع ٧ : ٢٠٤.

(٣) المغني ٣ : ٢٢٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٢١ - ٢٢٢ ، المدوّنة الكبرى ١ : ٣٧٣ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ١٤٨ ، الحاوي الكبير ٤ : ٧٥ ، المجموع ٧ : ٢٠٤.

(٤) المِيرَة : الطعام. المفردات في غريب القرآن : ٤٧٨ « مور ».

(٥) المِغفَر : زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس يلبس تحت القلنسوة. والزّرد : حلق المغفر والدرع. لسان العرب ٥ : ٢٦ و ٣ : ١٩٤.

(٦) صحيح مسلم ٢ : ٩٨٩ - ٩٩٠ / ١٣٥٧ ، سنن النسائي ٥ : ٢٠١ ، سنن الدارمي ٢ : ٢٢١ ، المغني ٣ : ٢٢٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٢٢.


أن يكون مُحْرماً في جميع زمانه. وبهذا قال الشافعي وأحمد(١) .

وقال أبو حنيفة : لا يجوز لأحد دخول الحرم بغير إحرام إلّا مَنْ كان دون الميقات ؛ لأنّه يجاوز الميقات مُريداً للحرم ، فلم يجز بغير إحرام ، كغيره(٢) .

والشافعي استدلّ : بأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله دخل يوم الفتح مكة وعلى رأسه عمامة سوداء(٣) .

إذا عرفت هذا ، فلو أراد هذا النسك بعد مجاوزة الميقات ، رجع وأحرم منه ، فإن لم يتمكّن ، أحرم من موضعه.

وقالت العامّة : يحرم من موضعه مطلقاً(٤) .

الثاني : مَنْ لا يكلّف بالحجّ - كالصبي والعبد والكافر - إذا أسلم بعد مجاوزة الميقات ، أو بلغ الصبي ، أو عُتق العبد ، وأراد الإِحرام ، فإنّهم يخرجون إلى الميقات ، ويُحْرمون منه ، فإن لم يتمكّنوا ، أحرموا من موضعه.

وقالت العامّة : يُحْرمون من موضعهم ثم اختلفوا :

فقال الشافعي : على كلّ واحد منهم دم(٥) .

وقال عطاء ومالك والثوري والأوزاعي وإسحاق وأحمد : لا دم عليهم(٦) .

____________________

(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٠٢ ، المغني ٣ : ٢٢٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٢٢.

(٢) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٦٧ ، المغني ٣ : ٢٢٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٢٢ ، المجموع ٧ : ١٦.

(٣) صحيح مسلم ٢ : ٩٩٠ / ١٣٥٨ ، سنن النسائي ٥ : ٢٠١ ، سنن الترمذي ٤ : ١٩٦ / ١٦٧٩ ، وسنن الدارمي ٢ : ٧٤ ، وانظر : المغني ٣ : ٢٢٧ ، والشرح الكبير ٣ : ٢٢٣ ، والمهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٠٢.

(٤) المغني ٣ : ٢٢٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٢١.

(٥) المغني ٣ : ٢٢٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٢٣.

(٦) المدوّنة الكبرى ١ : ٣٨٠ ، المغني ٣ : ٢٢٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٢٣.


وقال أصحاب الرأي : لا دم في الكافر يسلم والصبي يبلغ ، وأمّا العبد فعليه دم(١) .

الثالث : المكلّف الداخل لغير قتال ولا حاجة متكررة ، فلا يجوز له تجاوز الميقات غير مُحْرم ، وبه قال أبو حنيفة وبعض أصحاب الشافعي(٢) .

وقال بعضهم : لا يجب الإِحرام عليه - وعن أحمد روايتان(٣) - لأنّ ابن عمر دخلها بغير إحرام ، ولأنّه أحد الحرمين ، فلا يجب الإِحرام لدخوله ، كحرم المدينة(٤) .

والحقّ خلافه ؛ لأنّه لو نذر دخولها ، لزمه الإِحرام ، ولو لم يكن واجباً لم يجب بنذر الدخول، كسائر البلدان.

إذا ثبت هذا ، فمتى أراد هذا الإِحرام بعد تجاوز الميقات رجع فأحرم منه ، فإن أحرم من دونه مع القدرة ، لم يجزئه ، ولو لم يتمكّن ، أحرم من موضعه.

مسألة ١٦٠ : لو دخل الحرم من غير إحرام ممّن يجب عليه الإِحرام ، وجب عليه الخروج والإِحرام من الميقات ، فإن حجّ والحال هذه ، بطل حجّه ، ووجب عليه القضاء - والشافعي [ ما ](٥) أوجب القضاء(٦) - ؛ لأنّه أخلّ بركن من أركان الحجّ ، فوجب عليه الإِعادة.

وقال أبو حنيفة : يجب عليه أن يأتي بحجّة أو عمرة ، فإنّ أتى بحجّة الإِسلام في سنته أو منذورة أو عمرة ، أجزأته عن عمرة الدخول استحساناً ؛ لأنّ مروره على الميقات مريداً للحرم موجب للإِحرام ، فإذا لم يأت به ، وجب قضاؤه ، كالنذر(٧) .

____________________

(١) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٧٣ ، المغني ٣ : ٢٢٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٢٣.

(٢ - ٤) المغني ٣ : ٢٢٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٢٣.

(٥) زيادة يقتضيها السياق.

(٦ و ٧) المغني ٣ : ٢٢٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٢٤.


وقال أحمد : لا قضاء عليه ؛ لأنّ الإِحرام شُرّع لتحية البقعة ؛ فإذا لم يأت به ، سقط ، كتحية المسجد(١)

وليس بجيّد ؛ لأنّ تحية المسجد غير واجبة.

ولو تجاوز الميقات ورجع ولم يدخل الحرم ، فلا قضاء عليه بلا خلاف نعلمه ، سواء أراد النسك أو لم يرده.

ومَنْ كان منزله دون الميقات خارجاً من الحرم فحكمه في مجاوزة قريته إلى ما يلي الحرم حكم المجاوز للميقات في الأحوال الثلاث السابقة ؛ لأنّه موضعه ميقاته ، فهو في حقّه كالمواقيت الخمسة في حقّ الآفاقي.

مسألة ١٦١ : إذا ترك الإِحرام من الميقات عامداً ، أثم ، ووجب عليه الرجوع إليه والإِحرام منه ، فإن لم يتمكّن من الرجوع ، بطل حجّه.

ولو تركه ناسياً أو جاهلاً ، وجب عليه الرجوع مع القدرة ، فإن لم يتمكّن ، أحرم من موضعه إن لم يتمكّن من الخروج إلى خارج الحرم ، سواء خشي فوات الحجّ برجوعه إلى الميقات أم لا - وقالت العامّة : يُحْرم من موضعه(٢) . وابن جبير(٣) وافقنا - لأنّه ترك ركنا من أركان الحج.

واحتجاج العامّة على أنّه ليس بركن : بإختلاف الناس والأماكن ، ولو كان ركناً لم يختلف ، كالوقوف والطواف(٤) .

والملازمة ممنوعة.

ويستحب لمن يُحْرم من ميقات أن يُحْرم من أول جزء ينتهي إليه منه ، ويجوز أن يُحْرم من آخره؛ لوقوع الاسم عليه.

ومَنْ سلك طريقاً لا يُفضي إلى هذه المواقيت في برٍّ أو بحرٍ ، فقد قلنا :

____________________

(١) المغني ٣ : ٢٢٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٢٤.

(٢) المغني ٣ : ٢٣٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٢٦.

(٣) المغني ٣ : ٢٣٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٢٦ ، المجموع ٧ : ٢٠٨ ، حلية العلماء ٣ : ٢٧١.

(٤) المغني ٣ : ٢٣٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٢٦.


إنّ ميقاته حيث يُحاذي واحداً منها.

ولو حاذى ميقاتين ، فأظهر وجهي الشافعية : أنّه يُحْرم من الموضع المحاذي لأبعدهما ، والثاني : يتخيّر(١) .

مسألة ١٦٢ : قد بيّنّا في ما تقدّم أنواع الحجّ ، وأنّها ثلاثة : تمتّع وقران وإفراد ، وأنّ الإِفراد أن يأتي بالحجّ وحده من ميقاته وبالعمرة مفردةً من ميقاتها في حقّ الحاضر بمكة ، ولا يلزمه العود إلى ميقات بلده عند الشافعي(٢) .

وعن أبي حنيفة أنّ عليه أن يعود ، وعليه دم الإِساءة لو لم يعُدْ(٣) .

والقران عند الشافعي : أن يُحْرم بالحجّ والعمرة معاً ، ويأتي بأعمال الحجّ ، فتحصل العمرة أيضاً ، ويتّحد الميقات والفعل(٤) .

وعند أبي حنيفة : يأتي بطوافين وسَعْيَيْن(٥) .

ولو أحرم بالعمرة أوّلاً ثم أدخل عليها الحج ، لم يجز عندنا.

وقال الشافعي : إن أدخله في غير أشهر الحج ، فهو لغو و [ إحرام ](٦) العمرة بحاله ، وإن أدخله عليها في أشهر الحجّ ، فإن كان إحرامه بالعمرة قبل أشهر الحج ثم أراد إدخال الحجّ عليها في الأشهر ليكون قارناً ، فوجهان :

أحدهما : يجوز ؛ لأنّه إنّما يدخل في الحجّ من وقت إحرامه به ، ووقت إحرامه به صالح للحج ، فعلى هذا له أن يجعله حجّاً بعد دخول الأشهر ، وان يجعله قراناً.

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٨٦ ، الحاوي الكبير ٤ : ٧٢ ، المجموع ٧ : ١٩٩.

(٢) فتح العزيز ٧ : ١١٤ - ١١٥.

(٣) فتح العزيز ٧ : ١١٥.

(٤) فتح العزيز ٧ : ١١٨ ، المجموع ٧ : ١٧١ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٦٤.

(٥) الهداية - للمرغيناني - ١ : ١٥٤ ، فتح العزيز ٧ : ١١٨.

(٦) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطية والحجرية : إدخال. وما أثبتناه يقتضيه السياق. والمراد : لم يتغيّر إحرامه بالعمرة.


والثاني : لا يجوز ؛ لأنّ ابتداء الإِحرام متلبّس بإحرامٍ ، ولذلك لو ارتكب محظوراً ، لم يلزمه إلّا فدية واحدة ، فلو انعقد الحجّ وابتداء الإِحرام سابق على الأشهر ، لانعقد الإِحرام بالحجّ قبل أشهره ، فعلى هذا لا يجوز أن يجعله حجّاً.

وإن كان إحرامه في أشهر الحجّ ، فإن لم يشرع بَعْدُ في الطواف ، جاز ، وصار قارناً ؛ لقضية عائشة لمـّا حاضت وخافت فوت الحجّ ، فأمرها النبيعليه‌السلام بإدخال الحجّ على العمرة لتصير قارنة لتأتي بأعمال الحجّ ، وتؤخّر الطواف إلى أن تطهر.

وإن شرع فيه أو أتمّه ، لم يجز إدخال العمرة عليه ؛ لأنّه أتى بعمل من أعمال العمرة ، فيقع ذلك العمل عن العمرة ، ولا ينصرف بعدها إلى غيرها.

ولأنّه أخذ في التحلّل من العمرة ، ولا ينصرف بعدها إلى غيرها.

ولأنّه أخذ في التحلّل من العمرة ، فلا يليق به إدخال إحرام عليه ، والمتحلّل جارٍ إلى نقصان(١) .

وشبّهوه بما لو ارتدّت الرجعية ، فراجعها الزوج في العدّة ، فإنّه لا يجوز ؛ لأنّ الرجعة استباحة ، فلا يليق بحال التي تجري إلى تحريم.

ولو أحرم بالحجّ ثم أدخل عليه العمرة ، فقولان :

القديم - وبه قال أبو حنيفة - إنّه يجوز كإدخال الحجّ على العمرة.

والجديد - وبه قال أحمد - المنع ؛ لأنّ الحجّ أقوى من العمرة ؛ لاختصاصه بالوقوف والرمي والمبيت ، والضعيف لا يدخل على القويّ وإن كان القويّ قد يدخل على الضعيف ، كما أنّ فراش النكاح يدخل على فراش ملك اليمين حتى لو نكح اُخت أمةٍ(٢) حلّ له وطؤها ، وفراش ملك اليمين لا يدخل على فراش النكاح حتى لو اشترى اُخت منكوحةٍ(٣) لم يجز له وطؤها.

____________________

(١) أي : نقصان الإِحرام.

(٢) أي : أمته.

(٣) أي : منكوحته.


فإن جوّزنا إدخال العمرة على الحجّ فإلى متى يجوز؟ فيه لهم وجوه :

أحدها : يجوز ما لم يطف للقدوم ، ولا يجوز بعده ؛ لأنّه أتى بعمل من أعمال الحجّ.

والثاني : يجوز وإن طاف للقدوم ما لم يأت بالسعي ولا غيره من فروض الحجّ.

والثالث : يجوز ما لم يقف بعرفة ، فإنّ الوقوف أعظم أعمال الحجّ.

والرابع : يجوز وإن وقف ما لم يشتغل بشي‌ء من أسباب التحلّل من الرمي وغيره.

قالوا : ويجب على القارن دم ؛ لأنّ النبيعليه‌السلام أهدى عن أزواجه بقرةً وكنّ قارنات ، ودم القارن كدم المتمتّع ؛ لأنّه أكثر ترفّهاً ؛ لاستمتاعه بمحظورات الإِحرام بين النسكين ، فما يكفي المتمتّع أولى أن يكفي القارن.

وقال مالك : على القارن بدنة. وهو القول القديم للشافعي(١) .

وأمّا التمتّع : فأن يُحْرم بالعمرة من ميقات بلده ، ويأتي بأعمالها ، ثم ينشئ الحج من مكة ، سُمّي متمتّعاً ؛ لتمكّنه من الاستمتاع بمحظورات الإِحرام بينهما ، لحصول التحلّل(٢) . وهذا كمذهبنا.

وعند أبي حنيفة إن كان قد ساق الهدي لم يتحلّل بفراغه من العمرة ، بل يُحْرم بالحجّ ، فإذا فرغ منه ، حلّ منهما(٣) .

وإنّما يجب دم التمتّع عند الشافعي بشروط :

الأول : أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام ؛ لقوله تعالى :

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ١٢٠ - ١٢٧ و ٢٠٤ - ٢٠٥ ، وراجع : المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٠٨ - ٢٠٩ ، والمجموع ٧ : ١٧١ - ١٧٣ ، و ١٩٠ - ١٩١ ، والحاوي الكبير ٤ : ٣٨ و ٣٩ ، والشرح الكبير ٣ : ٢٤٥.

(٢) فتح العزيز ٧ : ١٢٧.

(٣) بدائع الصنائع ٢ : ١٤٩ ، فتح العزيز ٧ : ١٢٧.


( ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) (١) والمعنى فيه أنّ الحاضر بمكة ميقاته للحج مكة ، فلا يكون بالتمتّع رابحاً ميقاتاً.

الثاني : أن يُحْرم بالعمرة في أشهر الحج ، فلو أحرم وفرغ من أعمالها قبل أشهر الحج ثم حجّ ، لم يلزمه الدم ؛ لأنّه لم يجمع بين الحجّ والعمرة في وقت الحجّ ، فأشبه المفرد لمـّا لم يجمع بينهما لم يلزمه دم ؛ لأنّ دم التمتّع منوط من جهة المعنى بأمرين :

أحدهما : ربح ميقات ، كما سبق.

والثاني : وقوع العمرة في أشهر الحجّ ، وكانوا لا يزحمون الحجّ بالعمرة في وقت إمكانه ، ويستنكرون ذلك ، فورد التمتّع رخصةً وتخفيفاً ؛ إذ الغريب قد يرد قبل عرفة بأيّام ، ويشقّ عليه استدامة الإِحرام لو أحرم من الميقات ، ولا سبيل إلى مجاوزته ، فجُوّز أن يعتمر ويتحلّل.

ولو أحرم بها قبل أشهر الحج وأتى بجميع أفعالها في أشهر الحجّ ، فللشافعي قولان :

أحدهما : يلزمه الدم - قاله في القديم - لأنّه حصل له المزاحمة في الأفعال وهي المقصودة ، والإِحرام كالتمهيد لها.

وأصحّهما : لا يلزم - وبه قال أحمد(٢) - لأنّه لم يجمع بين النسكين في أشهر الحجّ ؛ لتقدّم أحد أركان العمرة عليها.

وقال مالك : مهما حصل التحلّل في أشهر الحجّ وجب الدم(٣) .

وقال أبو حنيفة : إذا أتى بأكثر أفعال العمرة في الأشهر ، كان متمتّعاً(٤) .

وإذا لم نوجب دم التمتّع في هذه الصورة ، ففي وجوب دم الإِساءة‌

____________________

(١) البقرة : ١٩٦.

(٢) الشرح الكبير ٣ : ٢٤٦ ، فتح العزيز ٧ : ١٣٩ - ١٤٠ ، حلية العلماء ٣ : ٢٦١.

(٣) فتح العزيز ٧ : ١٤١ - ١٤٢ ، حلية العلماء ٣ : ٢٦١.

(٤) فتح العزيز ٧ : ١٤٢ ، حلية العلماء ٣ : ٢٦١.


للشافعية وجهان :

أحدهما : يجب ؛ لأنّه أحرم بالحج من مكة دون الميقات.

وأصحّهما : لا يجب ؛ لأنّ المسي‌ء مَنْ ينتهي إلى الميقات على قصد النسك ويتجاوزه غير مُحْرم ، وهنا قد أحرم بنسك ، وحافَظَ على حرمة البقعة.

الثالث : أن يقع الحجّ والعمرة في سنة واحدة ، فلو اعتمر ثم حجّ في السنة القابلة ، فلا دم عليه سواء أقام بمكة إلى أن حجّ ، أو رجع وعاد ؛ لأنّ الدم إنّما يجب إذا زاحم بالعمرة حجّةً في وقتها ، وترك الإِحرام بحجّة من الميقات مع حصوله بها في وقت الإِمكان ولم يوجد.

وهذه الشرائط الثلاثة عندنا شرائط في التمتّع.

الرابع : أن لا يعود إلى الميقات ، كما إذا أحرم بالحج من جوف مكة واستمرّ عليه ، فإن عاد إلى ميقاته الذي أنشأ العمرة منه وأحرم بالحجّ ، فلا دم عليه ؛ لأنّه لم يربح ميقاتاً.

ولو رجع إلى مثل مسافة ذلك الميقات وأحرم منه ، فكذلك لا دم عليه ؛ لأنّ المقصود قطع تلك المسافة مُحْرماً.

ولو أحرم من جوف مكة ثم عاد إلى الميقات مُحْرماً ، ففي سقوط الدم مثل الخلاف المذكور فيما إذا جاوز غير مُحْرم وعاد إليه مُحْرماً.

ولو عاد إلى ميقات أقرب إلى مكة من ذلك الميقات وأحرم منه كما إذا كان ميقاته الجحفة فعاد إلى ذات عرق ، فهو كالعود إلى ذلك الميقات للشافعية فيه وجهان :

أحدهما : لا ، وعليه الدم إذا لم يَعُدْ إلى ميقاته ولا إلى مثل مسافته.

والثاني : نعم ؛ لأنّه أحرم من موضع ليس ساكنوه من حاضري المسجد الحرام.

الخامس : اختلفت الشافعيّة في أنّه هل يشترط وقوع النسكين عن شخص واحد أم لا؟


فقال بعضهم : يشترط كما يشترط وقوعهما في سنة واحدة.

وقال الأكثر : لا يشترط ؛ لأنّ زحمة الحجّ وترك الميقات لا يختلف.

وهذا يفرض في ثلاث صُور :

إحداها : أن يكون أجيراً من شخصين استأجره أحدهما للحج والآخر للعمرة.

والثانية : أن يكون أجيراً للعمرة للمستأجر ثم يحجّ عن نفسه.

والثالثة : أن يكون أجيرا للحجّ ، فيعتمر لنفسه ثم يحجّ عن المستأجر.

فعلى قول الأكثر يكون نصف دم التمتّع على مَنْ يقع له الحجّ ونصفه على مَنْ تقع له العمرة.

وفصّل بعضهم ، فقال في الصورة الاُولى : إن أذنا في التمتّع ، فالدم عليهما نصفان ، وإن لم يأذنا ، فهو على الأجير ، وإن أذن أحدهما دون الآخر ، فالنصف على الآذن ، والنصف الآخر على الأجير.

وأمّا في الصورتين الأخيرتين : فإن أذن له المستأجر في التمتّع ، فالدم عليهما نصفان ، وإلاّ فالكلّ على الأجير.

السادس : في اشتراط نيّة التمتّع للشافعي وجهان :

أصحّهما عنده : أنّه لا يُشترط ، كما لا تُشترط نيّة القران ، وهذا لأنّ الدم منوط بزحمة الحجّ وربح أحد الميقاتين ، وذلك لا يختلف بالنيّة وعدمها.

والثاني : يشترط ؛ لأنّه جمع بين عبادتين في وقت إحداهما ، فأشبه الجمع بين الصلاتين.

وهذه الشروط الستّة معتبرة عنده في لزوم الدم ، وهل تعتبر في نفس التمتّع؟

قال بعض الشافعية : نعم ، فإذا تخلّف شرط ، كانت الصورة من صور الإِفراد.

وقال بعضهم : لا. وهو الأشهر عندهم ، ولهذا اختلفوا في أنّه يصحّ‌


التمتّع والقران من المكّي.

فقال بعضهم : نعم. وبه قال مالك.

وقال بعضهم : لا يصح. وبه قال أبو حنيفة(١) .

وعندنا يصحّ القران من المكّي دون التمتّع.

مسألة ١٦٣ : دم التمتّع نسك‌ - وبه قال أبو حنيفة وأصحابه(٢) - لقوله تعالى( وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ) (٣) .

فأخبر أنّها من الشعائر ، فأمر بالأكل ، فلو كان جبراناً لما أمر بالأكل منها.

وقال الشافعي : إنّه دم جبران(٤) . وقد ظهر بطلانه.

إذا عرفت هذا ، فالمتمتّع إذا أحرم بالحجّ من مكة ، لزمه الدم إجماعاً ، فإن أتى الميقات وأحرم منه ، لم يسقط عنه فرض الدم عند علمائنا ؛ لأنّه متمتّع.

وقال جميع العامّة : يسقط عنه الدم(٥) .

مسألة ١٦٤ : من حضر الميقات ولم يتمكّن من الإِحرام لمرض أو غيره ، أحرم عنه وليّه‌ وجنّبه ما يجتنبه المحرم ، وقد تمّ إحرامه.

والحائض والنفساء إذا جاءتا إلى الميقات اغتسلتا وأحرمتا منه وتركتا صلاة الإِحرام.

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ١٢٨ و ١٣٦ - ١٤٩ و ١٥٢ - ١٥٥ و ١٦١ و ١٦٣ - ١٦٤ ، الحاوي الكبير ٤ : ٤٩ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٠٨ ، المجموع ٧ : ١٧٥ - ١٧٩ ، حلية العلماء ٣ : ٢٦٠ - ٢٦١.

(٢) الهداية - للمرغيناني - ١ : ١٨٦ ، المجموع ٧ : ١٧٦ و ٨ : ٤١٩ ، التفسير الكبير ٥ : ١٦٨.

(٣) الحج : ٣٦.

(٤) فتح العزيز ٧ : ١٣٥ ، المجموع ٧ : ١٧٦ ، التفسير الكبير ٥ : ١٦٨.

(٥) انظر : فتح العزيز ٧ : ١٤٧ ، والمجموع ٧ : ١٧٧.


ويجرّد الصبيان من فخّ إذا أُريد الحجّ بهم ، ويجنّبون ما يجتنبه المحرم ، ويفعل بهم جميع ما يفعل به ، وإذا فعلوا ما تجب فيه الكفّارة ، كان على أوليائهم أن يكفّروا عنهم.

ولو كان الصبي لا يحسن التلبية أو لا يتأتّى له ، لبّى عنه وليّه ، وكذا يطوف به ، ويصلّي عنه إذا لم يحسن ذلك.

وإن حجّ بهم متمتّعين ، وجب أن يذبح عنهم إذا كانوا صغاراً ، وإن كانوا كباراً ، جاز أن يؤمروا بالصيام.

وينبغي أن يوقفوا الموقفين معاً ويحضروا المشاهد كلّها ويرمي عنهم ، ويناب عنهم في جميع ما يتولّاه البالغ بنفسه.

وإذا لم يوجد لهم هدي ولا يقدرون على الصوم ، كان على وليّهم أن يصوم عنهم.



المقصد الثاني

في أعمال العمرة المتمتّع بها إلى الحجّ‌

وفيه فصول‌



الأول

في الإِحرام‌

وفيه مطالب :

الأول : في مقدّماته‌

مقدّمات الإِحرام كلّها مستحبّة ، وأمّا الإِحرام فهو ركن من أركان الحجّ إذا أخلّ به عمداً بطل حجّه.

وتشتمل المقدّمات المستحبّة على مسائل :

مسألة ١٦٥ : يستحب لمن أراد التمتّع أن يوفّر شعر رأسه ولحيته من أوّل ذي القعدة‌ ولا يمسّ منهما شيئاً بحلقٍ أو نَتْفٍ أو جزٍّ ، ويتأكّد عند هلال ذي الحجة ، فإن مسّ منهما شيئاً ، يكون قد ترك الأفضل ، ولا شي‌ء عليه ، وهو اختيار الشيخ في بعض كتبه(١) .

وقال في بعضٍ : التوفير واجب ، فإن مسّ منهما شيئاً ، وجب عليه دم يهريقه(٢) .

أمّا التوفير : فلما رواه معاوية بن عمّار - في الحسن - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « الحجّ أشهرٌ معلومات : شوّال وذو القعدة وذو الحجة ، فمَنْ أراد الحجّ وفّر شعره إذا نظر إلى هلال ذي القعدة ، ومَنْ أراد العمرة وفّر‌

____________________

(١) الجُمل والعقود ( ضمن الرسائل العشر ) : ٢٢٧.

(٢) انظر : النهاية : ٢٠٦ ، والمبسوط ١ : ٣٠٩ - ٣١٠ ، والاستبصار ٢ : ١٦١ ذيل الحديث ٥٢٥ ، والتهذيب ٥ : ٤٨ ذيل الحديث ١٤٨.


شعره شهراً »(١) .

والأصل عدم الوجوب.

احتجّ الشيخ : بما رواه جميل عن الصادقعليه‌السلام ، قال : سألته عن متمتّع حلق رأسه بمكة ، قال : « إن كان جاهلاً فليس عليه شي‌ء ، وإن تعمّد ذلك في أول الشهور للحج بثلاثين يوماً فليس عليه شي‌ء ، وإن تعمّد ذلك بعد الثلاثين التي(٢) يوفّر فيها الشعر للحجّ فإنّ عليه دماً يهريقه »(٣) .

وهو محمول على ما إذا حلق بعد التلبّس بالإِحرام ، ويدلّ عليه أنّ السؤال وقع عن متمتّع حلق بمكة ، وهو إنّما يكون بها بعد الإِحرام.

ولا بأس بحلق الرأس وقصّ اللحية قبل هلال ذي القعدة.

مسألة ١٦٦ : يستحب له إذا بلغ الميقات التنظيف‌ بإزالة الشَعَث وقطع الرائحة ونَتْف الإِبط وقصّ الشارب وتقليم الأظفار وحلق العانة ؛ لأنّ الإِحرام يُسنُّ له الاغتسال ، فتُسَنُّ هذه الأشياء له ، كالجمعة.

ولأنّ الإِحرام يمنع حلق الشعر وتقليم الأظفار فاستحب له فعله قبله لئلّا يحتاج إليه في إحرامه ، فلا يتمكّن منه.

قال الصادقعليه‌السلام : « إذا انتهيت إلى بعض المواقيت التي وقّت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فانتف إبطك واحلق عانتك وقلّم أظفارك وقصّ شاربك ولا يضرّك بأيّ ذلك بدأت »(٤) .

ولو كان قد أطلى قبل الإِحرام ، اجتزأ به ما لم تمض خمسة عشر يوماً ، فإن مضت ، استحب له الإِطلاء.

____________________

(١) الكافي ٤ : ٣١٧ / ١ ، التهذيب ٥ : ٤٦ / ١٣٩ ، الإستبصار ٢ : ١٦٠ / ٥٢٠.

(٢) في النسخ الخطية والحجرية : « الذي » بدل « التي » وما أثبتناه من المصدر.

(٣) الكافي ٤ : ٤٤١ / ٧ ، التهذيب ٥ : ٤٨ - ٤٩ / ١٤٩.

(٤) التهذيب ٥ : ٦١ / ١٩٣ ، والفقيه ٢ : ٢٠٠ / ٩١٣.


والإِطلاء أفضل ؛ للرواية(١) .

مسألة ١٦٧ : يستحب له إذا وصل إلى الميقات وأراد الإِحرام أن يغتسل إجماعاً ؛ لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله تجرّد لإِهلاله واغتسل(٢) ، وأمر أسماء بنت عميس - وهي نفساء - أن تغتسل عند الإِحرام(٣) ، وأمر عائشة أن تغتسل عند الإِهلال بالحج وهي حائض(٤) ، رواه العامّة.

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام : « إذا انتهيت إلى العقيق - إلى أن قال - ثم استك واغتسل »(٥) .

وهذا الغسل ليس واجباً في قول أكثر أهل العلم(٦) .

قال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على أنّ الإحرام جائز بغير اغتسال ، وأنّه غير واجب(٧) .

وحكي عن الحسن أنّه قال : إذا نسي الغسل يغتسل إذا ذكر(٨) .

وليس دالاً على الوجوب.

ويستوي في استحبابه الرجل والمرأة والصبيّ.

ولا فرق بين الحائض والنفساء وغيرهما ؛ لأنّ المقصود بهذا الغسل التنظيف وقطع الرائحة الكريهة لدفع أذاها عن الناس عند اجتماعهم.

ولو كان على الحائض أو النفساء مقام بالميقات حتى تطهر ، فالأولى أن تؤخّر الإِحرام حتى تطهر وتغتسل ، ليقع إحرامها في أكمل أحوالها.

____________________

(١) الكافي ٤ : ٣٢٧ / ٦ ، التهذيب ٥ : ٦٢ - ٦٣ / ١٩٩.

(٢) سنن الترمذي ٣ : ١٩٣ / ٨٣٠ ، سنن البيهقي ٥ : ٣٣ ، المغني ٣ : ٢٣٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٣١.

(٣) صحيح مسلم ٢ : ٨٨٧ / ١٢١٨ ، المغني ٣ : ٢٣٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٣١.

(٤) صحيح مسلم ٢ : ٨٨١ / ١٢١٣ ، المغني ٣ : ٢٣٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٣١.

(٥) الكافي ٤ : ٣٢٦ / ١ ، الفقيه ٢ : ٢٠٠ / ٩١٤.

(٦ - ٨) المغني ٣ : ٢٣٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٣١ ، المجموع ٧ : ٢١٢.


ولو تعذّر الماء أو استعماله ، تيمّم بدلاً من غسله ، قاله الشيخ(١) رحمه‌الله - وبه قال الشافعي(٢) - لأنّه غسل مشروع ، فناب عنه التيمّم كالواجب.

وقال أحمد : لا يستحب ؛ قياساً على غسل الجمعة(٣) .

مسألة ١٦٨ : لو خاف عوز الماء في الميقات ، جاز له تقديم الغسل على الميقات ، ويكون على هيئته إلى أن يبلغ الميقات ، ثم يُحْرم ما لم ينم أو يمضي عليه يوم وليلة ، لقول الصادقعليه‌السلام وقد سئل عن الرجل يغتسل بالمدينة لإِحرامه أيجزئه ذلك من غسل ذي الحليفة؟ قال : « نعم»(٤) .

وأرسل هشام بن سالم إلى الصادقعليه‌السلام ، قال : نحن جماعة بالمدينة نريد أن نودّعك ، فأرسل إلينا أن « اغتسلوا بالمدينة فإنّي أخاف أن يعز عليكم الماء بذي الحليفة فاغتسلوا بالمدينة والبسوا ثيابكم التي تحرمون فيها ، ثم تعالوا فرادى أو مثاني »(٥) .

إذا عرفت هذا ، فلو قدّم الغسل خوفاً من عوز الماء ثم وجده في الميقات ، استحب له إعادته.

وغسل اليوم يجزئ عن ذلك اليوم ، وغسل الليلة يجزئه عن ليلته ما لم ينم.

قال الصادقعليه‌السلام : « من اغتسل منذ طلوع الفجر [ كفاه غسله إلى الليل في كلّ موضع يجب فيه الغسل ، ومن اغتسل ليلاً ](٦) كفاه غسله إلى‌

____________________

(١) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣١٤.

(٢) الاُم ٢ : ١٤٥ ، فتح العزيز ٧ : ٢٤٢ ، المجموع ٧ : ٢١٣.

(٣) المغني ٣ : ٢٣٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٣١.

(٤) الكافي ٤ : ٣٢٨ / ٢ ، التهذيب ٥ : ٦٣ / ٢٠٠.

(٥) الكافي ٤ : ٣٢٨ / ٧ ، الفقيه ٢ : ٢٠١ / ٩١٨ ، التهذيب ٥ : ٦٣ - ٦٤ / ٢٠٢.

(٦) ما بين المعقوفين من المصدر.


طلوع الفجر »(١) .

ولو اغتسل ثم نام قبل أن يعقد الإِحرام ، أعاد الغسل ؛ لأنّ النضر بن سويد سأل الكاظمعليه‌السلام عن الرجل يغتسل للإِحرام ثم ينام قبل أن يحرم ، قال : « عليه إعادة الغسل »(٢) .

وكذا لو لبس قميصاً مخيطاً ، أعاد الغسل استحباباً ، لأنّه منافٍ للإِحرام ، لقول الباقرعليه‌السلام : « إذا اغتسل الرجل وهو يريد أن يُحرم فلبس قميصاً قبل أن يلبّي فعليه الغسل »(٣) .

وكذا لو أكل ما لا يحل للمُحرم أكله بعد الغسل ، فإنّه يعيد الغسل استحباباً ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « إذا لبست ثوباً لا ينبغي [ لك ](٤) لبسه أو أكلت طعاماً لا ينبغي لك أكله فأعد الغسل »(٥) .

ولو قلّم أظفاره بعد الغسل قبل الإِحرام ، لم يكن عليه شي‌ء ؛ لأنّه محلّ ، ولا يعيد الغسل ؛ لقول الصادقعليه‌السلام في رجل اغتسل للإِحرام ثم قلّم أظفاره ، قال : « يمسحها بالماء ولا يعيد الغسل »(٦) .

ولو أحرم بغير غسل ، استحب إعادته ؛ لأنّه تقدمة مندوبة ، فاستحب إعادة الفعل مع الإِخلال بها ، كالأذان.

وكتب الحسن بن سعيد إلى الكاظمعليه‌السلام : رجل أحرم بغير صلاة أو بغير غسل جاهلاً أو عالماً ما عليه في ذلك؟ وكيف ينبغي أن يصنع؟

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٦٤ / ٢٠٤.

(٢) الكافي ٤ : ٣٢٨ / ٣ ، التهذيب ٥ : ٦٥ / ٢٠٦ ، الاستبصار ٢ : ١٦٤ / ٥٣٧.

(٣) الكافي ٤ : ٣٢٩ / ٨ ، التهذيب ٥ : ٦٥ / ٢١٠.

(٤) أضفناها من المصدر.

(٥) التهذيب ٥ : ٧١ / ٢٣٢.

(٦) الكافي ٤ : ٣٢٨ / ٦ ، الفقيه ٢ : ٢٠٢ / ٩٢٤ ، التهذيب ٥ : ٦٦ / ٢١١ ، وفيها عن الامام الباقرعليه‌السلام .


فكتب : « يعيده »(١) .

ويجوز الادّهان بعد الغسل قبل الإِحرام ؛ لأنّه محلّ.

ولأنّ ابن أبي يعفور سأل الصادقعليه‌السلام : ما تقول في دهنة بعد الغسل للإِحرام؟ فقال : «قبل وبعد ومع ليس به بأس »(٢) .

هذا إذا لم يكن الدهن فيه طيب ، ولو كان فيه طيب يبقى إلى بعد الإِحرام ، لم يجز ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « الرجل يدّهن بأيّ دهن شاء إذا لم يكن فيه مسك ولا عنبر ولا زعفران ولا ورس قبل أن يغتسل »(٣) .

مسألة ١٦٩ : يكره أن يتطيّب للإِحرام قبله إذا كانت رائحته لا تبقى إلى بعد الإِحرام ، ولو كانت رائحته تبقى إلى بعد الإِحرام ، كان محرّماً ، ووجب عليه إزالته عند علمائنا أجمع - وبه قال عليعليه‌السلام ، وعمر بن الخطاب ومالك ومحمد بن الحسن(٤) - لما رواه العامّة عن يعلى بن اُميّة ، قال : كنّا عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالجعرانة ، فأتاه رجل عليه مقطّعة - يعني جبّة - وهو مضمّخ(٥) بالخلوق في بعضها ، وعليه ردعٌ(٦) من زعفران ، فقال : يا رسول الله إنّي أحرمت بالعمرة وهذه عليّ ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( ما كنت صانعاً في حجّك؟ ) قال : كنت أنزع هذه المقطّعة وأغسل‌

____________________

(١) الكافي ٤ : ٣٢٧ / ٥ ، التهذيب ٥ : ٧٨ - ٧٩ / ٢٦٠.

(٢) الفقيه ٢ : ٢٠١ / ٩١٨ ، وفي التهذيب ٥ : ٣٠٣ / ١٠٣٤ ، والاستبصار ٢ : ١٨٢ / ٦٠٥ مضمراً.

(٣) الفقيه ٢ : ٢٠١ / ٩٢٠.

(٤) المغني ٣ : ٢٣٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٣٣ ، معالم السنن - للخطّابي - ٢ : ٢٨٧ ، المجموع ٧ : ٢٢٢ ، فتح العزيز ٧ : ٢٤٩ ، بداية المجتهد ١ : ٣٢٨ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٤٤.

(٥) التضمّخ : التلطّخ بالطيب وغيره والإِكثار منه. النهاية - لابن الأثير - ٣ : ٩٩.

(٦) في النسخ الخطية والحجرية : درع ، ولعلّها تصحيف. وردع : أي لطخُ لم يعمّه كلّه. النهاية - لابن الأثير - ٢ : ٢١٥.


هذا الخلوق ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( ما كنت صانعاً في حجّك فاصنعه في عمرتك )(١) .

ومن طريق الخاصّة : قول الكاظمعليه‌السلام : يلبس المحرم الثوب المشبع بالعصفر ، فقال : « إذا لم يكن فيه طيب فلا بأس به »(٢) .

وسأل إسماعيل بن الفضل الصادقعليه‌السلام : عن المحرم يلبس الثوب قد أصابه الطيب ، قال : « إذا ذهب ريح الطيب فليلبسه »(٣) .

وقال الشافعي : يستحب له أن يتطيّب قبل الإِحرام للإِحرام ، سواء كان طيباً يبقى عينه ، كالغالية والمسك ، أو تبقى رائحته ، كالبخور والعود والنّدّ(٤) - وبه قال عبد الله بن الزبير وسعد بن أبي وقّاص واُمّ حبيبة وعائشة ومعاوية وأبو حنيفة وأبو يوسف وأحمد ، ورواه العامّة عن ابن عباس وابن الحنفية وأبي سعيد الخدري وعروة والشعبي(٥) - لأنّ عائشة قالت : كنت أطيّب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لإحرامه قبل أن يُحرم ، ولحلّه قبل أن يطوف(٦) .

ونمنع الرواية ، ونحمله على ما لا تبقى رائحته إلى بعد الإِحرام.

إذا ثبت هذا ، فلو لبس ثوباً مطيّباً ثم أحرم ، وكانت رائحته تبقى إلى بعد الإِحرام ، وجب عليه نزعه ، أو إزالة الطيب عنه ، فإن لم يفعل وجب الفداء.

ويجي‌ء على مذهب الشافعي : أنّه لا يجب الفداء إلّا إذا نزعه ثم لبسه ؛

____________________

(١) صحيح مسلم ٢ : ٨٣٦ / ٧ ، سنن البيهقي ٥ : ٥٦ بتفاوت ، وأورده الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٢٨٨ - ٢٨٩ ذيل المسألة ٦٤.

(٢) التهذيب ٥ : ٦٧ / ٢١٧ ، الاستبصار ٢ : ١٦٥ / ٥٤٠.

(٣) الكافي ٤ : ٣٤٣ / ١٩ ، الفقيه ٢ : ٢١٧ / ٩٩ ، التهذيب ٥ : ٦٨ - ٦٩ / ٢٢٣.

(٤) الندّ : ضرب من الطيب يدخّن به. لسان العرب ٣ : ٤٢١ « ندد ».

(٥) الحاوي الكبير ٤ : ٧٨ ، حلية العلماء ٣ : ٢٧٤ ، فتح العزيز ٧ : ٢٤٧ - ٢٤٨ ، المجموع ٧ : ٢١٨ و ٢٢١ - ٢٢٢ ، المغني ٣ : ٢٣٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٣٢ - ٢٣٣.

(٦) صحيح مسلم ٢ : ٨٤٦ / ٣٣ ، الموطّأ ١ : ٣٢٨ / ١٧ ، سنن البيهقي ٥ : ٣٤.


لأنّه لبس ثوباً مطيّباً بعد إحرامه(١) .

ولو نقل الطيب من موضع من الثوب إليه ، [ لزمته الفدية ](٢) (٣) .

ولو تطيّب فسال الطيب من موضعه إلى موضع آخر ، ففيه للشافعي وجهان :

أحدهما : لا يجب الفداء ؛ لأنّه يجري مجرى الناسي.

والثاني : يجب ؛ لأنّه حصل بسببه. واعتماده على الأول(٤) .

مسألة ١٧٠ : لا يجوز تطيّب إزار الإِحرام وردائه حالة الإِحرام ولا قبله‌ إذا كانت رائحته تبقى إلى بعد الإِحرام.

وللشافعي قولان :

أحدهما : المنع ؛ لأنّه قد ينزع الثوب ثم يلبسه ، فيكون كما لو استأنف لبس ثوب مطيّب.

وأصحّهما عندهم : الجواز ، كتطيّب البدن(٥) .

ولو طيّب بدنه فتعطّر ثوبه تبعاً ، فلا بأس به عنده(٦) .

والخلاف من العامّة فيما إذا قصد تطييب الثوب ، فإن جوّزوا تطييب الثوب للإِحرام ، فلا بأس باستدامة ما عليه بعد الإِحرام ، كما في البدن(٧) .

لكن لو نزعه ثم لبسه ففي الفدية لهم وجهان :

أحدهما : لا تلزم ؛ لأنّ العادة في الثوب أن ينزع ويعاد.

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٢٥١ - ٢٥٢ ، المجموع ٧ : ٢١٨.

(٢) أضفناها من المصدر.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٢٥٠ ، المجموع ٧ : ٢١٨.

(٤) فتح العزيز ٧ : ٢٥٠ ، المجموع ٧ : ٢١٨ ، حلية العلماء ٣ : ٢٧٥.

(٥) فتح العزيز ٧ : ٢٥٠ - ٢٥١.

(٦) فتح العزيز ٧ : ٢٥١ ، المجموع ٧ : ٢١٩.

(٧) فتح العزيز ٧ : ٢٥١ ، المجموع ٧ : ٢١٨.


وأصحّهما : اللزوم كما لو أخذ القمل(١) من بدنه ثمّ ردّه(٢) .

وللشافعي ثلاثة أوجه :

فقال في وجه باستحباب التطييب للإِحرام.

وفي آخر : إنّه مباح ليس بمسنون.

وفي آخر : إنّه لا يجوز للنساء التطييب.

وله آخر : إنّه لا يستحب لهنّ(٣) :

ولا فرق بين التطييب الذي يبقى له أثر وجرم وبين غيره.

ومنع أبو حنيفة ممّا يبقى جرمه ولا يثبت(٤) .

وعند مالك يكره التطيّب بما تبقى رائحته بعد الإِحرام(٥) .

وإذا تطيّب للإِحرام فلا بأس عند الشافعي باستدامة ما تطيّب به ، ولا يجي‌ء فيه الوجوه المذكورة في أنّ المرأة المتطيّبة إذا لزمتها الفدية يلزمها إزالة الطيب ؛ لأنّ هذا محقّق حقّ لله تعالى ، والمساهلة فيه أكثر(٦) .

والحقّ : أنّ الاستدامة كالابتداء في التحريم ؛ للإِجماع على تحريم الطيب على المحرم ، ولم يفصّلوا بين استئنافه واستدامته.

مسألة ١٧١ : لا يستحب للمرأة الخضاب قبل الإِحرام بل يكره للزينة ، وسيأتي.

وقال الشافعي : يستحب للمرأة أن تخضب بالحنّاء يديها إلى الكوعين قبل الإِحرام ، وتمسح وجهها أيضاً بشي‌ء من الحناء يسيراً ، ولا‌

____________________

(١) في المصدر : أخذ الطيب.

(٢) فتح العزيز ٧ : ٢٥١ - ٢٥٢ ، المجموع ٧ : ٢١٨ - ٢١٩.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٢٤٨ - ٢٤٩ ، المجموع ٧ : ٢١٨.

(٤) فتح العزيز ٧ : ٢٤٩.

(٥) بداية المجتهد ١ : ٣٢٨ ، فتح العزيز ٧ : ٢٤٩ ، الهداية - للمرغيناني - ١ : ١٣٧.

(٦) فتح العزيز ٧ : ٢٤٩ - ٢٥٠ ، المجموع ٧ : ٢١٨.


يختص أصل الاستحباب بالإِحرام ، بل هو محبوب لها في جميع الأحوال ، نعم يكره الخضاب للخليّة في سائر الأحوال عنده(١) .

ولا فرق في حالة الإِحرام بين الخليّة وذات الزوج ، وإنّما يستحب عنده تعميم اليد بالخضاب دون التنقّش ، والتطريف ، وهو : خضب أطراف الأصابع ، ووافقنا على كراهية الخضاب بعد الإِحرام(٢) .

مسألة ١٧٢ : أفضل أوقات الإِحرام بعد زوال الشمس عقيب فريضة الظهر ، فيبدأ أوّلاً بعد الزوال بركعتي الإِحرام المندوبة قبل فريضة الظهر بحيث يكون الإِحرام عقيب صلاة الظهر ، وإن اتّفق أن يكون الإِحرام في غير هذا الوقت ، كان جائزاً ، لكن الأفضل أن يكون الإِحرام بعد صلاة فريضة ، وأفضل ذلك بعد صلاة الظهر ، فإن لم يكن وقت صلاة فريضة ، صلّى ست ركعات ، وينوي بها صلاة الإِحرام ، ويُحرم في دبرها ، وإن لم يتمكّن من ذلك ، أجزأه ركعتان.

وينبغي أن يقرأ في الاُولى منهما بعد التوجّه : الحمد والإِخلاص ، وفي الثانية : الحمد والجحد ، فإذا فرغ منهما أحرم عقيبهما ؛ لما روى العامّة أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، صلّى بذي الحليفة ركعتين ثم أحرم(٣) .

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام : « لا يضرّك بليل أحرمت أو نهار ، إلّا أنّ أفضل ذلك عند زوال الشمس »(٤) .

وسأل الحلبي الصادقعليه‌السلام عن إحرام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أيّة ساعة؟ قال : « صلاة الظهر »(٥) .

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٢٥٢ - ٢٥٤ ، المجموع ٧ : ٢١٩.

(٢) فتح العزيز ٧ : ٢٥٤ ، المجموع ٧ : ٢١٩.

(٣) أورده الرافعي في فتح العزيز ٧ : ٢٥٧.

(٤) الكافي ٤ : ٣٣١ / ١ ، التهذيب ٥ : ٧٨ / ٢٥٦.

(٥) الكافي ٤ : ٣٣٢ / ٤ ، الفقيه ٢ : ٢٠٧ / ٩٤٠ ، التهذيب ٥ : ٧٨ / ٢٥٥.


وقال الصادقعليه‌السلام : « لا يكون إحرام إلّا في دبر صلاة مكتوبة أو نافلة »(١) .

وقالعليه‌السلام : « تصلّي للإِحرام ست ركعات تحرم في دبرها »(٢) .

إذا ثبت هذا ، فإنّ صلاة الإِحرام تفعل في جميع الأوقات وإن كان أحد الأوقات المكروهة.

وأصحّ الوجهين عند الشافعية : الكراهة في الأوقات المكروهة(٣) .

وهل تكفي الفريضة عن ركعتي الاحرام؟ يحتمل ذلك ، وهو قول الشافعي(٤) .

لكن المشهور تقديم نافلة الإِحرام على الفريضة ما لم يتضيّق وقت الفريضة ، وذلك يدلّ على عدم الاكتفاء في الاستحباب.

المطلب الثاني : في كيفيته‌

مسألة ١٧٣ : الإِحرام يشتمل على واجب وندب ، ونحن نذكر المندوب في أثناء المسائل.

وواجبات الإِحرام ثلاثة : النيّة والتلبيات الأربع ولُبس ثوبي الإِحرام.

وينبغي للحاج إذا وصل إلى الميقات أن يقلّم أظفاره ، ويأخذ من شاربه ، وينتف إبطيه أو يطلي بالنورة ، ويحلق عانته أو يطلي ، ويغتسل ، ويدعو عند الاغتسال بالمنقول ، ثم يلبس ثوبي إحرامه يأتزر بأحدهما ويتوشّح‌

____________________

(١) الفقيه ٢ : ٢٠٦ / ٩٣٩ ، وفي الكافي ٤ : ٣٣١ / ٢ والتهذيب ٥ : ٧٧ / ٢٥٣ ، والاستبصار ٢ : ١٦٦ / ٥٤٨ بدون « أو نافلة ».

(٢) التهذيب ٥ : ٧٨ / ٢٥٧ ، الاستبصار ٢ : ١٦٦ / ٥٤٥.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٢٥٧ - ٢٥٨.

(٤) فتح العزيز ٧ : ٢٥٨.


بالآخر ، ويدعو بالمنقول ، ثم يصلّي ست ركعات الإِحرام أو ركعتيه ، فإذا فرغ من صلاته ، حمد الله وأثنى عليه ، وصلّى على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ويدعو بالمنقول ، فإذا فرغ من الدعاء ، لبّى فيقول : لبّيك اللهم لبّيك لبّيك لا شريك لك لبّيك ، إنّ الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك.

وقال الشيخ في كتبه : لبّيك اللهم لبّيك لبّيك إنّ الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبّيك(١) .

ثم لا يزال مكرّراً للتلبية مستحبّاً إلى أن يدخل مكة ويطوف ويسعى ويقصّر وقد أحلّ ، ثم ينشئ إحرام الحجّ من مكة كذلك ، ثم يمضي إلى عرفات على ما سبق ذكره.

والنظر في الواجبات‌ يتعلّق بأُمور ثلاثة :

الأول : النية‌

مسألة ١٧٤ : النيّة واجبة في الإِحرام‌ وشرطٌ فيه لو أخلّ بها لم يقع إحرامه ؛ لقوله تعالى :( وَما أُمِرُوا إِلّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ ) (٢) والإِخلاص النيّة ، والإِحرام عبادة.

ولقولهعليه‌السلام : ( إنّما الأعمال بالنيّات ، وإنّما لكلّ امرئ ما نوى )(٣) .

وللشافعي قولان : هذا أحدهما ، والآخر : إنّ الإِحرام ينعقد بالتلبية من غير نيّة ، ويلزمه ما لبّى به(٤) .

وليس بجيّد ؛ لما تقدّم.

____________________

(١) وجدنا هذه العبارة في النهاية ونكتها ١ : ٤٧١ ، وانظر : المبسوط - للطوسي - ١ : ٣١٦.

(٢) البيّنة : ٥.

(٣) صحيح البخاري ١ : ٢ ، سنن أبي داود ٢ : ٢٦٢ / ٢٢٠١.

(٤) فتح العزيز ٧ : ٢٠٠ - ٢٠١ ، المجموع ٧ : ٢٢٤.


والواجب في النيّة أن يقصد بقلبه إلى اُمور أربعة : ما يحرم به من حجّ أو عمرة متقرّباً به إلى الله تعالى ، ويذكر ما يحرم له من تمتّع أو قران أو إفراد ، ويذكر الوجوب أو الندب وما يحرم له من حجّة الاسلام أو غيرها.

ولو نوى الإِحرام مطلقاً ولم يذكر لا حجّاً ولا عمرةً ، انعقد إحرامه ، وكان له صرفه إلى أيّهما شاء إن كان في أشهر الحجّ ؛ لأنّها عبادة منويّة.

ولما رواه العامّة أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، خرج من المدينة لا يسمّي حجّاً ولا عمرةً ينتظر القضاء ، فنزل عليه القضاء وهو بين الصفا والمروة ، فأمر أصحابه مَن كان منهم أهلّ ولم يكن معه هدي أن يجعلوها عمرةً(١) .

ومن طريق الخاصة : ما رواه ابن بابويه عن أمير المؤمنينعليه‌السلام ، قال : لمـّا رجع من اليمن وجد فاطمةعليها‌السلام قد أحلّت ، فجاء إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله مستنبئاً(٢) ومُحرشاً(٣) على فاطمةعليها‌السلام ، فقال : « أنا أمرت الناس فبم أهللت أنت يا علي؟ » فقال : « إهلالاً كإهلال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله » فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : « كُن على إحرامك مثلي ، فأنت شريكي في هديي » وكان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ساق معه مائة بدنة ، فجعل لعليعليه‌السلام منها أربعاً وثلاثين ، ولنفسه ستّاً وستّين ، ونحرها كلّها بيده ، ثم أخذ من كلّ بدنة جذوةً(٤) ، ثم طبخها في قدر ، وأكلا منها وتحسّيا(٥) من المرق ، فقال : « قد أكلنا الآن منها جميعاً » ولم يعطيا الجزّارين جلودها ولا‌

____________________

(١) سنن البيهقي ٥ : ٦ ، اختلاف الحديث : ٢٢٧ ، وأورده ابن قدامة في المغني ٣ : ٢٥١.

(٢) في المصدر : مستفتياً.

(٣) أراد : ما يوجب عتابها. مجمع البحرين ٤ : ١٣٣.

(٤) أي : قطعة.

(٥) أي : شربا منه شيئاً بعد شي‌ء. والحسوة : الجرعة من الشراب مل‌ء الفم. مجمع البحرين ١ : ٩٩.


جلالها(١) ولا قلائدها ولكن تصدّق(٢) بها ، وكان عليعليه‌السلام يفتخر على الصحابة ويقول : «مَن فيكم مثلي وأنا شريك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله هديي بيده »(٣) .

ولأنّ الإِحرام بالحجّ يخالف غيره من إحرام سائر العبادات ؛ لأنّه لا يخرج منه بالفساد.

وإذا عقد عن غيره ، أو تطوّعاً وعليه فرضه ، وقع عن فرضه ، فجاز أن ينعقد مطلقاً.

وإذا ثبت أنّه ينعقد مطلقاً ، فإن صرفه إلى الحجّ ، صار حجّاً ، وإن صرفه إلى العمرة ، صار عمرةً ، وإلى أيّ أنواع الحجّ صرفه من تمتّع أو قران أو إفراد ، انصرف إليه.

ولو صرفه إلى الحجّ والعمرة معاً ، لم يصح عندنا ، خلافاً للعامّة.

فروع :

أ - لو عقده مطلقاً قبل أشهر الحجّ ، انعقد للعمرة ؛ لأنّه إحرام لا يصح لغيرها ، فانصرف إليها.

ب - لو كان عليه حجّ واجب أو عمرة واجبة‌ وأطلق الإِحرام ، فالأقرب انصراف المطلق إلى ما وجب عليه.

ج - يصح إبهام الإِحرام ، وهو : أن يُحرم بما أحرم به فلان ، فإن علم ما أحرم به فلان ، انعقد إحرامه مثله.

____________________

(١) جلال جمع ، مفردها : جلّ ، وجلّ الدابّة : الذي تلبسه لتصان به. لسان العرب ١١ : ١١٩ « جلل ».

(٢) كذا ، وفي المصدر : تصدّقا.

(٣) الفقيه ٢ : ١٥٣ - ١٥٤ / ٦٦٥.


ولو لم يعلم وتعذّر علمه بموت أو غيبة ، قال الشيخ : يتمتّع احتياطاً للحجّ والعمرة(١) .

ولو بان أنّ فلاناً لم يُحْرم ، انعقد مطلقاً ، وكان له صرفه إلى أيّ نسك شاء ، وكذا لو لم يعلم هل أحرم فلان أم لا ؛ لأصالة عدم إحرامه.

د - لو لم يعيّن ثم شرع في الطواف قبل التعيين ، قال بعض العامّة(٢) : ينعقد حجّاً ، وينوي الحجّ ، ويقع هذا الطواف طواف القدوم ، ولا يصير معتمراً ؛ لأنّ الطواف ركن في العمرة ، فلا يقع بغير نيّة ، وطواف القدوم لا يحتاج إلى النيّة ، فيصير حاجّاً.

ويحتمل عدم اعتداده بطوافه ، لأنّه لم يطف في حجّ ولا عمرة.

ه - تعيين الإِحرام أولى من إطلاقه‌ - وبه قال مالك والشافعي في أحد قوليه - لأنّه إذا عيّن علم بما هو متلبّس به ، فيكون أولى من عدم العلم(٣) .

وقال الشافعي في الآخر : الإِطلاق أولى ؛ لأنّ النبيعليه‌السلام أطلق الإِحرام(٤) .

والرواية مرسلة ، والشافعي لا يعمل بالمراسيل المفردة(٥) ، فكيف مع مخالفتها للروايات الدالّة على أنّهعليه‌السلام عيّن ما أحرم به.

مسألة ١٧٥ : لو أحرم بنسك ثم نسيه ، تخيّر بين الحجّ والعمرة إذا لم يتعيّن عليه أحدهما ، قاله الشيخ في المبسوط(٦) ؛ لأنّه قبل الإِحرام يجوز ابتداء أيّ النسكين شاء فمع عدم علم التعيين يستمرّ هذا الجواز ؛ عملاً

____________________

(١) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣١٧.

(٢) انظر : بلغة السالك ١ : ٢٦٨.

(٣ و ٤) المغني ٣ : ٢٥١ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٣٦ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢١٢ ، الحاوي الكبير ٤ : ٨٤ ، فتح العزيز ٧ : ٢٠٧ ، حلية العلماء ٣ : ٢٧٧ ، المجموع ٧ : ٢٢٧.

(٥) كما في المغني ٣ : ٢٥٢ ، والشرح الكبير ٣ : ٢٣٦.

(٦) المبسوط ١ : ٣١٧.


باستصحاب الحال.

ولأنّه لو أحرم بالحجّ ، جاز له فسخه إلى العمرة على ما تقدّم.

وقال الشيخ في الخلاف : يجعله عمرةً - وبه قال أحمد(١) - لأنّه لا يخلو إمّا أن يكون إحرامه بالحجّ أو بالعمرة ، فإن كان بالحجّ ، فقد بيّنّا أنّه يجوز فسخه إلى عمرته يتمتّع بها ، وإن كان بالعمرة ، صحّ لها ، فقد صحّت للعمرة على الوجهين ، وإذا أحرم بالعمرة ، لم يمكنه جعلها حجّةً مع القدرة على إتيان أفعال العمرة ، فلهذا قلنا : يجعلها عمرة(٢) .

وقال أبو حنيفة : يجب عليه أن ينوي القران - وهو أحد قولي الشافعي - لأنّ الشكّ لحق به في فعله بعد التلبّس بالعبادة ، فلم يكن له الاجتهاد ، وإنّما يرجع إلى اليقين ، كما لو(٣) شكّ في عدد الركعات ، بخلاف الإِناءين والقبلة ؛ لأنّ عليهما أمارات يرجع إليها عند الاشتباه ، وأمّا هنا فإنّه شكّ في فعل نفسه ولا أمارة على ذلك إلّا ذكره ، فلم يرجع إلّا إليه(٤) .

وهو معارض ببراءة الذمّة من المعيّن.

أمّا لو تعيّن أحدهما عليه ، فالوجه : انصرافه إليه.

وقال الشافعي في القديم : يتحرّى ويبني على ما يغلب على ظنّه ؛ لأنّه اشتباه في شرط من شرائط العبادة ، وكان له الاجتهاد فيه ، كالإِناءين والقبلة(٥) .

ونمنع حكم الأصل.

____________________

(١) المغني ٣ : ٢٥٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٦٢ ، حلية العلماء ٣ : ٢٧٨.

(٢) الخلاف ٢ : ٢٩٠ - ٢٩١ ، المسألة ٦٨.

(٣) في « ط ، ف » : « كمن » ، بدل « كما لو »

(٤ و ٥) المغني ٣ : ٢٥٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٦٢ ، الحاوي الكبير ٤ : ٨٥ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢١٢ ، المجموع ٧ : ٢٣٣ ، فتح العزيز ٧ : ٢٢٢ - ٢٢٣ ، حلية العلماء ٣ : ٢٧٨.


إذا ثبت هذا ، فلو أحرم بهما معاً ، لم يصح ، قال الشيخ : ويتخيّر(١) .

وكذا لو شكّ هل أحرم بهما أو بأحدهما ، فعل أيّهما شاء.

ولو تجدّد الشك بعد الطواف ، جعلها عمرةً متمتّعاً بها إلى الحجّ.

مسألة ١٧٦ : لو نوى الإِحرام بنسك ولبّى بغيره ، انعقد ما نواه دون ما تلفّظ به ؛ لأنّ الاعتبار بالنيّة ، والتلفّظ ليس واجباً ، فلا اعتبار به.

ولأنّ أحمد بن محمد سأل الرضاعليه‌السلام : كيف أصنع إذا أردت أن أتمتّع؟ فقال : « لبّ بالحجّ وانو المتعة ، فإذا دخلت مكة طفت بالبيت وصلّيت الركعتين خلف المقام وسعيت بين الصفا والمروة [ وقصرت ](٢) وفسختها وجعلتها متعة »(٣) .

ولا بدّ من تعيين النوع من تمتّع أو قران أو إفراد.

وقال الشافعي في أحد وجهيه : لا يفتقر المتمتّع إلى النيّة(٤) .

وليس بجيّد ؛ لقوله تعالى :( وَما أُمِرُوا إِلّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ ) (٥) والتمتّع عبادة.

ولأنّها أفعال مختلفة ، فلا بدّ من النيّة ، ليتميّز بعضها عن الآخر.

ويستحب أن يذكر في لفظه ما يقصده من أنواع الحجّ - وبه قال أحمد(٦) - لما رواه العامّة عن أنس ، قال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : ( لبّيك عمرةً وحجّاً )(٧) .

____________________

(١) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣١٧.

(٢) أضفناها من المصدر.

(٣) التهذيب ٥ : ٨٦ / ٢٨٥ ، الاستبصار ٢ : ١٧٢ / ٥٦١.

(٤) لم نعثر عليه.

(٥) البيّنة : ٥.

(٦) المغني ٣ : ٢٥٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٦٦.

(٧) صحيح مسلم ٢ : ٩٠٥ ذيل الحديث ١٢٣٢ ، و ٩١٥ / ٢١٥ ، سنن أبي داود ٢ : ١٥٧ / ١٧٩٥ ، سنن النسائي ٥ : ١٥٠ ، سنن البيهقي ٥ : ٤٠.


وقال أبو سعيد : خرجنا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله نصرخ بالحجّ(١) .

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام : « إنّ عليّاًعليه‌السلام رفع صوته بالتلبية بحجّ وعمرة »(٢) .

ولو اتّقى ، كان الأفضل الإِضمار.

النظر الثاني : في لُبس الثوبين‌

مسألة ١٧٧ : إذا أراد الإِحرام ، وجب عليه نزع ثيابه ، ولُبس ثوبي الإِحرام يأتزر بأحدهما ويرتدي بالآخر ؛ لما رواه العامّة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال : ( وتلبس إزاراً ومُلاءة )(٣) (٤) .

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام : « والبس ثوبيك »(٥) .

ويجب أن يكون الثوبان ممّا تصح فيهما الصلاة ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « كلّ ثوب تصلّي فيه فلا بأس أن تُحرم فيه »(٦) .

فلا يجوز الإِحرام في الابريسم المحض للرجال ؛ لأنّ لُبسه محرّم ، فلا يكون عبادةً.

والأقرب : جواز لُبس النساء الحرير المحض حالة الإِحرام ، اختاره‌

____________________

(١) صحيح مسلم ٢ : ٩١٤ / ١٢٤٧ ، مسند أحمد ٣ : ٥ ، سنن البيهقي ٥ : ٣١.

(٢) التهذيب ٥ : ٨٥ / ٢٨٢ ، الاستبصار ٢ : ١٧١ / ٥٦٤.

(٣) الملاءة ، بالضم ممدود : الرَّيطة ، وهي : الملاءة إذا كانت قطعة واحدة ولم تكن لفِقَين. الصحاح ١ : ٧٣ « ملأ » و ٣ : ١١٢٨ « ريط ».

(٤) لم نجده في المصادر الحديثية.

(٥) الكافي ٤ : ٣٢٦ / ١ ، و ٤٥٤ / ١ و ٢ ، الفقيه ٢ : ٢٠٠ / ٩١٤ ، التهذيب ٥ : ١٦٨ / ٥٥٩ ، الاستبصار ٢ : ٢٥١ / ٨٨١.

(٦) الفقيه ٢ : ٢١٥ / ٩٧٦.


المفيد(١) - خلافاً للشيخ(٢) - لما رواه يعقوب بن شعيب - في الصحيح - قال : قلت للصادقعليه‌السلام : المرأة تلبس القميص تزرّه عليها وتلبس الخزّ والحرير والديباج فقال : « نعم لا بأس به »(٣) .

احتجّ الشيخ -رحمه‌الله - بما رواه عيص - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « المرأة المـُحرمة تلبس ما شاءت من الثياب غير الحرير والقفّازين(٤) »(٥) .

وهو محمول على الكراهة.

مسألة ١٧٨ : يستحب الإِحرام في الثياب القطن ، وأفضلها البيض ؛ لما رواه العامّة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال : ( خير ثيابكم البيض ، فألبسوها أحياءكم ، وكفّنوا بها موتاكم )(٦) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « كان ثوبا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله اللذان أحرم فيهما يمانيّين عَبْريّ وأظفار(٧) ، وفيهما كفّن »(٨) .

ولا بأس بالثوب الأخضر والمعصفر وغيرهما ؛ لأنّ أبا العلاء الخفاف رأى الباقرعليه‌السلام وعليه بُرد أخضر وهو مُحرم(٩) .

____________________

(١) أحكام النساء ( ضمن مصنّفات الشيخ المفيد ) ٩ : ٣٥.

(٢) انظر : المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٢٠.

(٣) التهذيب ٥ : ٧٤ / ٢٤٦ ، الاستبصار ٢ : ٣٠٩ / ١١٠٠.

(٤) القفّاز ، بالضم والتشديد : شي‌ء يعمل لليدين يحشى بقطن ، ويكون له أزرار تزرّ على الساعدين من البرد تلبسه المرأة في يديها ، وهما قفّازان. الصحاح ٣ : ٨٩٣ « قفز ».

(٥) التهذيب ٥ : ٧٣ / ٢٤٣ ، الاستبصار ٢ : ٣٠٨ / ١٠٩٩.

(٦) أورده ابنا قدامة في المغني والشرح الكبير ٣ : ٢٣٤ ، وبتفاوت في سنن ابن ماجة ٢ : ١١٨١ / ٣٥٦٦ ، وسنن البيهقي ٥ : ٣٣ ، والمستدرك - للحاكم - ٤ : ١٨٥.

(٧) كذا في النسخ الخطية والحجرية والفقيه ، وفي الكافي : « ظفار ».

(٨) الكافي ٤ : ٣٣٩ / ٢ ، الفقيه ٢ : ٢١٤ / ٩٧٥.

(٩) الكافي ٤ : ٣٣٩ - ٣٤٠ / ٥ ، الفقيه ٢ : ٢١٥ / ٩٧٨.


وسأل علي بن جعفر أخاه الكاظمعليه‌السلام : يلبس المـُحرم الثوب المشبع بالعُصفر؟ فقال : « إذا لم يكن فيه طيب فلا بأس »(١) .

ويكره الثياب السود ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « لا يحرم في الثوب الأسود ولا يكفّن به الميّت»(٢) .

مسألة ١٧٩ : يكره المعصفر إذا كان مشبعاً ، ولا يكره إذا لم يكن مشبعاً عند علمائنا‌ - وبه قال الشافعي وأحمد(٣) - لما رواه العامّة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال : ( ولتلبس بعد ذلك ما أحبّت من ألوان الثياب من معصفر أو خزّ )(٤) .

ومن طريق الخاصّة : ما رواه أبان بن تغلب عن الصادقعليه‌السلام ، قال : سألته عن الثوب يكون مصبوغاً بالعُصفر ثم يغسل ألبسه وأنا مُحرم؟ قال : « نعم ليس العُصفر من الطيب ولكن أكره أن تلبس ما يشهرك به الناس »(٥) .

وقال أبو حنيفة : العُصفر طيب تجب به الفدية على المـُحرم ، كالورس والزعفران(٦) .

وهو ممنوع ، وقد نصّ الصادقعليه‌السلام على أنّه ليس بطيب(٧) .

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٦٧ / ٢١٧ ، الاستبصار ٢ : ١٦٥ / ٥٤٠.

(٢) الكافي ٤ : ٣٤١ / ١٣ ، الفقيه ٢ : ٢١٥ / ٩٨٣ ، التهذيب ٥ : ٦٦ / ٢١٤.

(٣) الحاوي الكبير ٤ : ١١١ ، المجموع ٧ : ٢٨٢ ، المغني ٣ : ٣٠٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٣٣.

(٤) سنن أبي داود ٢ : ١٦٦ / ١٨٢٧ ، سنن البيهقي ٥ : ٥٢ ، المستدرك - للحاكم - ١ : ٤٨٦ ، وأورده ابنا قدامة في المغني ٣ : ٣٠٠ ، والشرح الكبير ٣ : ٣٣٣.

(٥) التهذيب ٥ : ٦٩ / ٢٢٤ ، الاستبصار ٢ : ١٦٥ / ٥٤١.

(٦) بدائع الصنائع ٢ : ١٨٩ ، بداية المجتهد ١ : ٣٢٧ ، المجموع ٧ : ٢٨٢ ، الحاوي الكبير ٤ : ١١١ ، المغني ٣ : ٣٠٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٣٣.

(٧) الكافي ٤ : ٣٤٢ / ١٧ ، الفقيه ٢ : ٢١٦ / ٩٩٠ ، التهذيب ٥ : ٦٩ / ٢٢٤ ، الاستبصار =


مسألة ١٨٠ : يجوز الإِحرام في الممتزج من الحرير وغيره ؛ لخروجه عن اسم الابريسم بالمزج.

ولأنّ الصادقعليه‌السلام سُئل عن الخميصة(١) سُداها إبريسم ولُحمتها من غَزل ، قال : « لا بأس بأن يحرم فيها ، إنّما يكره الخالص منه(٢) »(٣) .

وكذا يجوز الإِحرام في ثوب قد أصابه طيب إذا غسل وذهبت رائحته - وبه قال الشافعي(٤) - لأنّ الرائحة المقصودة من الطيب قد زالت بالغسل أو طول المكث أو بتجديد صبغ آخر عليه فزال الترفّه.

ولأنّ الكاظمعليه‌السلام سُئل عن الثوب المصبوغ بالزعفران أغسله واُحرم فيه؟ قال : « لا بأس به»(٥) .

وسأل إسماعيل بن الفضل الصادقَعليه‌السلام عن المـُحرم غسل الثوب قد أصابه الطيب ، فقال : « إذا ذهب ريح الطيب فليلبسه »(٦) .

ولو أصاب ثوبه شي‌ء من خلوق الكعبة وزعفرانها ، لم يكن به بأس وإن لم يغسله ؛ لأنّ عبد الله بن سنان سأل الصادقعليه‌السلام عن خلوق الكعبة يصيب ثوب المـُحرم ، قال : « لا بأس به ولا يغسله فإنّه طهور »(٧) .

ويكره النوم على الفُرش المصبوغة ؛ لقول الباقرعليه‌السلام : « يكره‌

____________________

= ٢ : ١٦٥ / ٥٤١.

(١) الخميصة : كساءٌ أسودٌ مربّعٌ له علمان ، فإن لم يكن معلماً فليس بخميصة. الصحاح ٣ : ١٠٣٨ « خمص ».

(٢) في النسخ الخطية والحجرية : « منها » وما أثبتناه من الكافي والتهذيب.

(٣) الكافي ٤ : ٣٣٩ / ٤ ، التهذيب ٥ : ٦٧ / ٢١٥ ، وبتفاوت يسير في الفقيه ٢ : ٢١٧ / ٩٩٢.

(٤) الحاوي الكبير ٤ : ٩٩ - ١٠٠.

(٥) التهذيب ٥ : ٦٧ / ٢١٨.

(٦) الكافي ٤ : ٣٤٣ / ١٩ ، التهذيب ٥ : ٦٨ - ٦٩ / ٢٢٣ بتفاوت يسير.

(٧) التهذيب ٥ : ٦٩ / ٢٢٥.


للمُحرم أن ينام على الفراش الأصفر والمِرفقة(١) الصفراء »(٢) .

ويكره الإِحرام في الثياب الوسخة قبل الغسل ؛ لاستحباب التنظيف ، وقد تقدّم.

وسئل أحدهماعليهما‌السلام عن الثوب الوسخ يُحرم فيه المـُحرم ، فقال : « لا ، ولا أقول : إنّه حرام ، لكن تطهيره أحبّ إليّ ، وطهره غسله »(٣) .

مسألة ١٨١ : ولا يلبس ثوباً يزرّه ولا مدرعة ولا خُفّين ولا سراويل ، كما يحرم عليه لُبس المخيط ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « لا تلبس وأنت تريد الإِحرام ثوباً تزرّه ولا مدرعة ، ولا تلبس سراويل إلّا أن لا يكون لك إزار ، ولا الخُفّين إلّا أن لا يكون لك نعلان »(٤) .

ولا بأس بلُبس الطيلسان ، ولا يزرّه على نفسه ؛ لأنّه بمنزلة الرداء ، وإنّما لا يزرّه ؛ لأنّه حينئذٍ يتنزّل منزلة المخيط ؛ لقول الصادقعليه‌السلام في المـُحرم يلبس الطيلسان المزرور ، قال : « نعم في كتاب عليعليه‌السلام : ولا تلبس طيلساناً حتى تحلّ أزراره » وقال : « إنّما كره ذلك مخافة أن يزرّه الجاهل عليه ، فأمّا الفقيه فلا بأس بلُبسه »(٥) .

وأمّا السراويل فهي مخيطة يحرم لُبسها على المـُحرم إلّا أن لا يجد إزاراً ، فيجوز له لُبسها ، ولا فدية عليه - وبه قال الشافعي وأحمد(٦) - لما رواه العامة‌

____________________

(١) المرفقة : أي المخدّة. مجمع البحرين ٥ : ١٧٢.

(٢) التهذيب ٥ : ٦٨ / ٢٢١.

(٣) التهذيب ٥ : ٦٨ / ٢٢٢.

(٤) التهذيب ٥ : ٦٩ - ٧٠ / ٢٢٧ بتفاوت يسير.

(٥) الفقيه ٢ : ٢١٧ / ٩٩٥.

(٦) الحاوي الكبير ٤ : ٩٨ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢١٥ ، المجموع ٧ : ٢٥٤ و ٢٥٩ و ٢٦٦ ، فتح العزيز ٧ : ٤٥٢ - ٤٥٣ ، حلية العلماء ٣ : ٢٨٥ ، بداية المجتهد ١ : ٣٢٧ ، المغني ٣ : ٢٧٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٨١.


عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال : ( إذا لم يجد المـُحرم نعلين لبس خُفّين ، وإذا لم يجد إزاراً لبس سراويل )(١) .

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام : « ولا تلبس سراويل إلّا أن لا يكون لك إزار »(٢) .

وقال أبو حنيفة ومالك : إذا لبس السراويل ، وجب عليه الفدية ؛ لأنّ ما وجب بلبسه الفدية مع وجود الإِزار وجب للُبسه الفدية مع عدمه كالقميص(٣) .

والفرق : أنّ القميص يمكنه أن يستر به عورته ولا يلبسه وإنّما يأتزر به ، وهذا يجب عليه لُبسه ليستر عورته ، ولا يمكنه ستر عورته إلّا بلبسه على صفته.

مسألة ١٨٢ : ويحرم عليه لُبس القباء بالإِجماع ؛ لأنّه مخيط ، فإن لم يجد ثوباً ، جاز له أن يلبس القباء مقلوباً ، ولا يُدخل يديه في يدي القباء ، ولا فدية عليه حينئذٍ - وبه قال أبو حنيفة(٤) - لأنّه لو توشّح بالقميص لم تجب الفدية فكذا القباء.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « إذا اضطرّ المـُحرم إلى القباء ولم يجد ثوباً غيره فليلبسه مقلوباً ، ولا يُدخل يديه في يدي القباء »(٥) .

وقال الشافعي ومالك وأحمد : يجب الفداء ؛ لأنّه مُحرم لبس مخيطا على العادة في لبسه ، فوجبت عليه الفدية(٦) .

____________________

(١) سنن البيهقي ٥ : ٥٠ ، سنن الدار قطني ٢ : ٢٢٨ / ٥٦.

(٢) التهذيب ٥ : ٦٩ - ٧٠ / ٢٢٧.

(٣) المغني ٣ : ٢٢٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٨١ ، بداية المجتهد ١ : ٣٢٧ ، فتح العزيز ٧ : ٤٥٣ ، المجموع ٧ : ٢٦٦ ، الحاوي الكبير ٤ : ٩٨ ، حلية العلماء ٣ : ٢٨٥.

(٤) المغني ٣ : ٢٨٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٨٧ ، فتح العزيز ٧ : ٤٤١ ، المجموع ٧ : ٢٦٦ ، حلية العلماء ٣ : ٢٨٥.

(٥) التهذيب ٥ : ٧٠ / ٢٢٨.

(٦) الوجيز ١ : ١٢٤ ، فتح العزيز ٧ : ٤٤١ ، المجموع ٧ : ٢٦٦ ، حلية العلماء ٣ : ٢٨٥ ، =


ونمنع لُبسه على العادة.

ولو أدخل كتفيه في القباء ولم يُدخل يديه في كُمّيه ولم يلبسه مقلوباً ، كان عليه الفداء - وبه قال الشافعي(١) - لعموم ما روي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله من قولهعليه‌السلام : ( لا يلبس المـُحرم القميص ولا الأقبية )(٢) خرج منه ما لو لبسه مقلوباً ؛ للضرورة ، وعملاً بما تقدّم ، فيبقى الباقي على المنع.

وقال أبو حنيفة : لا شي‌ء عليه(٣) .

قال الشيخرحمه‌الله : متى توشّح به كالرداء لا شي‌ء عليه بلا خلاف(٤) .

قال ابن إدريس : ليس المراد من القلب جعل ظاهره إلى باطنه وبالعكس ، بل المراد منه النكس بأن يجعل ذيله فوق أكتافه(٥) .

وهو حسن ؛ لما روي عن الصادقعليه‌السلام : « من اضطرّ إلى ثوب وهو مُحْرم وليس معه إلّا قباء فلينكّسه وليجعل أعلاه أسفله ويلبسه »(٦) .

مسألة ١٨٣ : يجوز للمُحْرم أن يلبس النعلين ، ولا نعلم فيه خلافاً ؛ للضرورة الداعية إليه.

ولو لم يجد النعلين ، لبس الخُفّين ، ويقطعهما إلى ظاهر القدم ، كالشمشكين ، ولا يجوز له لُبْسهما قبل القطع - وبه قال الشافعي ومالك وأبو‌

____________________

= المغني ٣ : ٢٨٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٨٧.

(١) كما في الخلاف - للشيخ الطوسي - ٢ : ٢٩٨ ، المسألة ٧٩.

(٢) أورده الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٢٩٨ ذيل المسألة ٧٩ ، وانظر : سنن الدار قطني ٢ : ٢٣٢ / ٦٨ ، وسنن البيهقي ٥ : ٥٠.

(٣) حكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٢٩٨ ، المسألة ٧٩.

(٤) الخلاف ٢ : ٢٩٨ ، المسألة ٧٩.

(٥) السرائر : ١٢٧.

(٦) الكافي ٤ : ٣٤٧ / ٥.


حنيفة(١) - لما رواه العامّة عن النبيعليه‌السلام : ( فإن لم يجد نعلين فليلبس خُفّين ، وليقطعهما حتى يكونا الى الكعبين )(٢) .

ومن طريق الخاصّة : قول الباقرعليه‌السلام في المـُحْرم يلبس الخُفّ إذا لم يكن له نعل ، قال : « نعم ولكن يشقّ ظهر القدم »(٣) .

وقال بعض أصحابنا : يلبسهما صحيحين(٤) - وبه قال أحمد وعطاء بن أبي رباح - لقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( السراويل لمن لا يجد إزاراً ، والخُفّ لمن لا يجد نعلين )(٥) (٦) .

ولأنّ فاقد الإِزار يلبس السراويل من غير فتق فكذا الخُفّ.

ولا منافاة في الحديث لقولنا ، واللُّبْس مع الفتق غير ممكن في السراويل.

ويجوز أيضاً أن يلبس الجُرْمُوقين إذا لم يجد النعلين ؛ لقول الصادقعليه‌السلام وقد سأله رفاعة عن المـُحْرم يلبس الجوربين ، قال : « نعم والخفّين إذا اضطرّ إليهما »(٧) .

ولو وجد النعلين ، لم يجز له لُبس الخُفّين المقطوعين ولا الجُرْمُوقين ولا الشمشكين ؛ لأنّهعليه‌السلام شرط في لُبْسهما عدم وجدان النعلين.

____________________

(١) الحاوي الكبير ٤ : ٩٧ ، المجموع ٧ : ٢٦١ و ٢٦٥ ، فتح العزيز ٧ : ٤٥٣ ، حلية العلماء ٣ : ٢٨٦ ، المغني ٣ : ٢٧٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٨٢.

(٢) صحيح البخاري ٢ : ١٦٩ ، سنن أبي داود ٢ : ١٦٥ / ١٨٢٣ ، سنن النسائي ٥ : ١٣٥ ، سنن ابن ماجة ٢ : ٩٧٨ / ٢٩٣٢ ، سنن الدار قطني ٢ : ٢٢٩ / ٥٩ ، سنن الترمذي ٣ : ١٩٦ ذيل الحديث ٨٣٤.

(٣) الفقيه ٢ : ٢١٨ / ٩٩٧.

(٤) قال به ابن إدريس في السرائر : ١٢٧.

(٥) سنن النسائي ٥ : ١٣٢ - ١٣٣ وفيه : ( الخُفّين ).

(٦) المغني ٣ : ٢٧٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٨١ - ٢٨٢ ، حلية العلماء ٣ : ٢٨٦ ، الحاوي الكبير ٤ : ٩٧ ، بداية المجتهد ١ : ٣٢٧ ، المنتقى - للباجي - ٢ : ١٩٦.

(٧) الفقيه ٢ : ٢١٧ / ٩٩٦.


وقال بعض الشافعية : يجوز(١) . وهو غلط.

وكذا لا يجوز له لُبْس القباء مقلوباً مع وجود الإِزار.

ولو لم يجد رداءً ، لم يجز له لُبْس القميص.

ولو عدم الإِزار ، جاز له التوشّح بالقميص وبالقباء المقلوب ، لقول الصادقعليه‌السلام : « وإن لم يكن له رداء طرح قميصه على عنقه أو قباءه بعد أن ينكّسه »(٢) .

مسألة ١٨٤ : يجوز أن يلبس المـُحْرم أكثر من ثوبين يتّقي بذلك الحَرّ أو البرد ، وأن يُغيّرهما ، لأنّ الحلبي سأل الصادقعليه‌السلام عن الثوبين يرتدي بهما ، قال : « نعم والثلاثة يتّقي بها الحَرَّ والبرد» وسأله عن المـُحْرم يُحوّل ثيابه ، قال : « نعم » وسأله : يغسلها إن أصابها شي‌ء ، قال : « نعم إذا احتلم فيها فليغسلها »(٣) .

ويكره للمُحْرم أن يغسل ثوبي إحرامه إلّا إذا أصابهما نجاسة ؛ لقول أحدهماعليهما‌السلام : « لا يغسل الرجل ثوبه الذي يُحْرم فيه حتى يحلّ وإن توسّخ ، إلّا أن تصيبه جنابة أو شي‌ء فيغسله »(٤) .

إذا ثبت هذا ، فقد بيّنّا أنّه يجوز له تبديل ثيابه ، لكن يستحب له أن يطوف في ثوبيه اللذين أحرم فيهما ؛ لأنّهما وقعت ابتداء العبادة فيهما فيستحب استدامتها فيهما.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « لا بأس بأن يُغيّر المـُحْرم ثيابه ولكن إذا دخل مكة لبس ثوبي إحرامه اللذين أحرم فيهما ، وكره أن يبيعهما »(٥) .

____________________

(١) المهذب - للشيرازي - ١ : ٢١٥ ، المجموع ٧ : ٢٥٨ ، حلية العلماء ٣ : ٢٨٦ ، فتح العزيز ٧ : ٤٥٣ ، المغني ٣ : ٢٧٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٨٣ ، بداية المجتهد ١ : ٣٢٧.

(٢) التهذيب ٥ : ٧٠ / ٢٢٩.

(٣) التهذيب ٥ : ٧٠ / ٢٣٠.

(٤) الكافي ٤ : ٣٤١ / ١٤ ، الفقيه ٢ : ٢١٥ / ٩٨٠ ، التهذيب ٥ : ٧١ / ٢٣٤.

(٥) الكافي ٤ : ٣٤١ / ١١ ، الفقيه ٢ : ٢١٨ / ١٠٠٠ ، التهذيب ٥ : ٧١ / ٢٣٣.


مسألة ١٨٥ : يجوز الإِحرام في الثياب المعلمة ، واجتنابه أفضل ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « لا بأس أن يُحْرم الرجل في الثوب المعلم ، ويدعه أحبّ إليَّ إذا قدر على غيره »(١) .

ويكره بيع الثوب الذي أحرم فيه ؛ لقول معاوية بن عمّار - في الصحيح - : كان الصادقعليه‌السلام يكره للمُحْرم أن يبيع ثوباً أحرم فيه(٢) .

ولو أحرم وعليه قميص ، نزعه ولا يشقّه ، وهو قول أكثر العلماء(٣) ؛ لما روى العامّة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه أتاه رجل فقال : يا رسول الله كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جُبّة بعد ما تضمّخ بطيب؟ فنظر إليه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ساعة ثم سكت فجاءه الوحي ، فقال له النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( أمّا الطيب الذي بك فاغسله ، وأمّا الجبّة فانزعها ثم أصنع في عمرتك ما تصنع في حجّك )(٤) .

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام في رجل أحرم وعليه قميصه ، فقال : « ينزعه(٥) ولا يشقّه ، وإن كان لبسه بعد ما أحرم شقّه وأخرجه ممّا يلي رجليه »(٦) .

قال الشيخرحمه‌الله : إذا لبسه بعد ما أحرم ، وجب عليه أن يشقّه ، ويُخْرجه من قدميه ؛ للرواية السابقة وغيرها(٧) .

____________________

(١) الفقيه ٢ : ٢١٦ / ٩٨٦ ، التهذيب ٥ : ٧١ / ٢٣٥.

(٢) التهذيب ٥ : ٧٢ / ٢٣٦ ، وفيه مضمراً.

(٣) المغني ٣ : ٢٦٧ ، معالم السنن - للخطّابي - ٢ : ٣٤٣.

(٤) صحيح مسلم ٢ : ٨٣٧ / ٨.

(٥) في النسخ الخطّية والحجرية : « يدعه » وما أثبتناه هو الموافق للمصدر.

(٦) التهذيب ٥ : ٧٢ / ٢٣٨.

(٧) التهذيب ٥ : ٧٢ ذيل الحديث ٢٣٦.


النظر الثالث : في التلبيات‌

مسألة ١٨٦ : التلبيات الأربع واجبة وشرط في إحرام المتمتّع والمـُفْرِد ، فلا ينعقد إحرامهما إلّا بها ، والأخرس يُشير بها ويعقد قلبه بها ، وأمّا القارن : فإنّه ينعقد إحرامه بها أو الإِشعار أو التقليد لما يسوقه ، ذهب إليه علماؤنا أجمع ، وبه قال أبو حنيفة والثوري(١) ؛ لقوله تعالى :( فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ ) (٢) .

قال ابن عباس : الإِهلال(٣) .

وعن عطاء وطاوس وعكرمة : هو التلبية(٤) .

وما رواه العامّة أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال : ( أتاني جبرئيل فأمرني أن آمر أصحابي أو مَنْ معي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية أو بالإِهلال )(٥) وظاهر الأمر الوجوب.

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « إذا فرغت من صلاتك وعقدت ما تريد فقُمْ وامش هنيئة ، فإذا استوت بك الأرض ماشياً كُنْتَ أو راكباً فلَبِّ »(٦) الحديث.

وقال أصحاب مالك : إنّها واجبة يجب بتركها الدم(٧) .

____________________

(١) بدائع الصنائع ٢ : ١٦١ ، تحفة الفقهاء ١ : ٤٠٠ ، المغني ٣ : ٢٥٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٦٤ ، فتح العزيز ٧ : ٢٠٢ ، المجموع ٧ : ٢٢٥ ، حلية العلماء ٣ : ٢٧٧.

(٢) البقرة : ١٩٧.

(٣ و ٤ ) المغني ٣ : ٢٥٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٦٤ - ٢٦٥.

(٥) سنن الترمذي ٣ : ١٩١ - ١٩٢ / ٨٢٩ ، ترتيب مسند الشافعي ١ : ٣٠٦ / ٧٩٤.

(٦) التهذيب ٥ : ٩١ / ٣٠٠.

(٧) المنتقى - للباجي - ٢ : ٢٠٧ ، المغني ٣ : ٢٥٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٦٤.


وقال الشافعي : إنّها مستحبّة ليست واجبةً ، وينعقد الإِحرام بالنيّة ، ولا حاجة الى التلبية - وبه قال أحمد والحسن بن صالح بن حي - لأنّ التلبية ذكر ، فلا يجب في الحجّ ، كسائر الأذكار(١) .

وليس بجيّد ، لما يأتي من بيان الوجوب.

مسألة ١٨٧ : والتلبيات الأربع هي الواجبة ؛ للإِجماع على عدم وجوب الزائد عليها ؛ لما رواه الشافعي عن الصادقعليه‌السلام عن الباقرعليه‌السلام عن جابر ، قال : تلبية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : لبّيك اللّهم لبّيك ، لبّيك لا شريك لك لبّيك ، إنّ الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك(٢) .

وقالعليه‌السلام : ( خُذُوا عنّي مناسككم )(٣) .

ومن طريق الخاصّة : ما رواه معاوية بن عمّار - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « فإذا فرغت من صلاتك وعقدت ما تريد فقُمْ وامش هنيئة فاذا استوت بك الأرض ماشيا كنت أو راكبا فلبّ ، والتلبية أن تقول : لبّيك اللهم لبّيك لبّيك لا شريك لك لبّيك ، إنّ الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبّيك لبّيك ذا المعارج لبّيك لبّيك داعياً الى دار السلام ، لبّيك لبّيك غفّار الذنوب ، لبّيك لبّيك أهل التلبية ، لبّيك لبّيك ذا الجلال والإِكرام ، لبّيك لبّيك تبدئ والمعاد إليك ، لبّيك لبّيك تستغني ويفتقر إليك ، لبّيك لبّيك مرهوبا ومرغوبا إليك ، لبّيك لبّيك إله الخلق ، لبّيك لبّيك ذا النعماء والفضل الحسن الجميل ، لبّيك لبّيك كشّاف الكروب ، لبّيك لبّيك عبدك وابن عبديك ، لبّيك لبّيك يا كريم لبّيك ».

____________________

(١) المجموع ٧ : ٢٢٥ و ٢٤٥ و ٢٤٦ ، المغني ٣ : ٢٥٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٦٤.

(٢) الاُم ٢ : ١٥٥ ، ترتيب مسند الشافعي ١ : ٣٠٤ / ٧٩٠.

(٣) سنن البيهقي ٥ : ١٢٥.


« تقول هذا في دبر كلّ صلاة مكتوبة أو نافلة ، وحين ينهض بك بعيرك ، وإذا علوت شرفاً أو هبطت وادياً أو لقيت راكباً أو استيقظت من منامك ، وبالأسحار ، وأكثر ما استطعت واجهر بها ، وإن تركت بعض التلبية فلا يضرّك غير أنّ تمامها أفضل ».

« واعلم أنّه لا بدّ لك من التلبيات الأربع التي كُنّ في أول الكلام هي الفريضة ، وهي التوحيد، وبها لبّى المرسلون ، وأكثر من ذي المعارج فإنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يكثر منها ، وأوّل مَنْ لبّى إبراهيمعليه‌السلام ، قال : إن الله يدعوكم الى أن تحجّوا بيته ، فأجابوه بالتلبية ، فلم يبق أحد أخذ ميثاقه بالموافاة في ظهر رجل ولا بطن امرأة إلّا أجاب بالتلبية »(١) .

ولأنّها عبادة لها تحليل وتحريم ، فكان فيها نطق واجب ، كالصلاة.

إذا عرفت هذا ، فإنّ الزائد على الأربع مستحب - وبه قال أصحاب أبي حنيفة(٢) - لما تقدّم.

وقال الشافعي : إنّه غير مستحب. وبه قال أحمد(٣) - وقال بعضهم : إنّ الزائد مكروه(٤) - لما رواه الشافعي عن الصادق عن الباقرعليهما‌السلام عن جابر - وقد تقدّم(٥) - وما داوم عليه النبيعليه‌السلام أولى.

ونحن نقول : إنّما فَعَلهعليه‌السلام بياناً للواجب ، فلهذا لم يزد.

ويستحب الإِكثار من ذكر « ذي المعارج ».

مسألة ١٨٨ : يستحب رفع الصوت بالتلبية - وهو قول العلماء‌ - لأنّ « جبرئيل قال للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : مُرْ أصحابك بالعجّ والثجّ ، والعجّ :

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٩١ - ٩٢ / ٣٠٠.

(٢) فتح العزيز ٧ : ٢٦٣.

(٣) الأم ٢ : ٢٠٤ ، فتح العزيز ٧ : ٢٦٣ ، المغني ٣ : ٢٥٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٦٤.

(٤) انظر : المجموع ٧ : ٢٤٥.

(٥) تقدّم في صفحة ٢٤٩.


رفع الصوت بالتلبية ، والثجّ : نحر البُدْن »(١) والأمر هنا ليس للوجوب ؛ لأصالة براءة الذمّة.

ويستحب الجهر بها كلّما ركب أو هبط وادياً أو علا أكمةً(٢) ، وبالأسحار ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « واجهر بها كلّما ركبت وكلّما نزلت وكلّما هبطت وادياً أو علوت أكمةً أو لقيت راكباً ، وبالأسحار »(٣) .

وقال الباقر والصادقعليهما‌السلام : « قال جابر بن عبد الله : ما مشى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله الروحاء(٤) حتى بُحّت أصواتنا »(٥) .

ولأنّه من شعائر العبادة ، فأشبه الأذان ، ولاشتمال الإِجهار على تنبيه الغافلين.

وليس على النساء إجهار بالتلبية ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « ليس على النساء جهر بالتلبية»(٦) .

والأخرس يُشير إلى التلبية بإصبعه وتحريك لسانه وعقد قلبه بها ؛ لقول عليعليه‌السلام : « تلبية الأخرس وتشهّده وقراءته القرآن في الصلاة تحريك لسانه وإشارته بإصبعه »(٧) .

ولا يجوز التلبية إلّا بالعربية مع القدرة - خلافاً لأبي حنيفة(٨) - لأنّه المأمور به ، ولأنّه ذكر مشروع ، فلا يجوز بغير العربية ، كالأذان.

____________________

(١) الكافي ٤ : ٣٣٦ / ٥ ، الفقيه ٢ : ٢١٠ / ٩٦٠ ، التهذيب ٥ : ٩٢ / ٣٠٢.

(٢) الأكمة : تلّ صغير. مجمع البحرين ٦ : ٨.

(٣) التهذيب ٥ : ٩٢ / ٣٠١.

(٤) الروحاء : موضع بين الحرمين على ثلاثين أو أربعين ميلاً من المدينة. القاموس المحيط ١ : ٢٢٥.

(٥) التهذيب ٥ : ٩٢ / ٣٠٢.

(٦) الكافي ٤ : ٣٣٦ - ٣٣٧ / ٧ ، التهذيب ٥ : ٩٣ / ٣٠٤.

(٧) الكافي ٤ : ٣٣٥ / ٢ ، التهذيب ٥ : ٩٣ / ٣٠٥.

(٨) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٦ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٦١.


احتجّ : بالقياس على التكبير(١) .

ونمنع الأصل.

مسألة ١٨٩ : لا يشترط في التلبية الطهارة من الحدثين إجماعاً ؛ لأنّ النبيعليه‌السلام قال لعائشة حين حاضت : ( افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت )(٢) .

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام : « لا بأس أن تلبّي وأنت على غير طهور وعلى كلّ حال »(٣) .

وقال الباقرعليه‌السلام : « لا بأس أن يلبّي الجنب »(٤) .

مسألة ١٩٠ : يستحب أن يذكر في تلبيته ما يُحْرم به من حجّ أو عمرة‌ - وبه قال أحمد(٥) - لما رواه العامة في حديث أنس ، قال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : ( لبّيك عمرةً وحجّاً )(٦) .

وقال ابن عباس : قدم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأصحابه وهُمْ يُلبّون بالحجّ(٧) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام في التلبية : « لبّيك‌

____________________

(١) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٦ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٦١.

(٢) صحيح البخاري ٢ : ١٩٥ ، سنن البيهقي ٥ : ٨٦ ، سنن الدارمي ٢ : ٤٤ ، ترتيب مسند الشافعي ١ : ٣٩٠ / ١٠٠٣.

(٣) الكافي ٤ : ٣٣٦ / ٦ ، الفقيه ٢ : ٢١٠ / ٩٦٢ ، التهذيب ٥ : ٩٣ / ٣٠٦.

(٤) الفقيه ٢ : ٢١١ / ٩٦٣.

(٥) المغني ٣ : ٢٥٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٦٦.

(٦) صحيح مسلم ٢ : ٩٠٥ ذيل الحديث ١٢٣٢ ، و ٩١٥ / ٢١٥ ، سنن أبي داود ٢ : ١٥٧ / ١٧٩٥ ، سنن النسائي ٥ : ١٥٠ ، سنن البيهقي ٥ : ٤٠ ، وأورده ابنا قدامة في المغني ٣ : ٢٥٩ ، والشرح الكبير ٣ : ٢٦٦.

(٧) سنن النسائي ٥ : ٢٠١ ، وأورده ابنا قدامة في المغني ٣ : ٢٦٠ ، والشرح الكبير ٣ : ٢٦٦.


بحجّة تمامها عليك »(١) .

وقال الشافعي : لا يستحب(٢) ؛ لما رواه جابر قال : ما سمّى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في تلبيته حجّاً ولا عمرةً(٣) .

وسمع ابن عمر رجلاً يقول : لبّيك بعمرة ، فضرب صدره وقال : تعلمه ما في نفسك(٤) .

وحديَث جابر معارض بما رواه العامّة عنه قال : كنّا مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ونحن نقول : لبّيك بالحجّ(٥) . وبغيره من الروايات.

وقول ابن عمر ليس حجّةً ، خصوصاً مع معارضته لأحاديث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

إذا عرفت هذا ، فيستحب أن يذكر في تلبيته الحجّ والعمرة معاً ، فإن لم يمكنه ؛ للتقية أو غيرها ، اقتصر على ذكر الحجّ ، فإذا دخل مكة ، طاف وسعى وقصّر ، وجعلها عمرةً ؛ لقول الصادقعليه‌السلام عن رجل لبّى بالحجّ مُفرداً ثم دخل مكة فطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة ، قال : « فليحلّ ، وليجعلها متعةً ، إلّا أن يكون ساق الهدي ، فلا يستطيع أن يحلّ حتى يبلغ الهدي محلّه »(٦) .

مسألة ١٩١ : يستحب تكرار التلبية والإِكثار منها على كلّ حال عند الإِشراف والهبوط وأدبار الصلوات وتجدّد الأحوال واصطدام الرفاق والأسحار‌

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٩٢ / ٣٠١.

(٢) فتح العزيز ٧ : ٢٠٨ ، المجموع ٧ : ٢٢٧ ، المغني ٣ : ٢٥٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٦٦.

(٣ و ٤) سنن البيهقي ٥ : ٤٠ ، وأورده ابنا قدامة في المغني ٣ : ٢٥٩ ، والشرح الكبير ٣ : ٢٦٦.

(٥) صحيح مسلم ٢ : ٨٨٦ / ١٢١٦ ، سنن البيهقي ٥ : ٤٠ ، وأورده ابنا قدامة في المغني ٣ : ٢٥٩ - ٢٦٠ ، والشرح الكبير ٣ : ٢٦٦ وفيها : قدمنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

(٦) التهذيب ٥ : ٨٩ / ٢٩٣ ، الاستبصار ٢ : ١٧٤ / ٥٧٥.


بإجماع العلماء ، إلّا مالكاً ، فإنّه قال : لا يلبّي عند اصطدام الرفاق(١) .

والحقّ ما قلناه ؛ لما روى العامة عن جابر : أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يلبّي في حجّه إذا لقي راكباً أو علا أكَمَةً أو هبط وادياً وفي أدبار الصلوات المكتوبة ومن آخر الليل(٢) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام وقد ذكر التلبيات : « تقول هذا في دبر كلّ صلاة مكتوبة أو نافلة وحين ينهض بك بعيرك وإذا علوت شرفاً أو هبطت وادياً أو لقيت راكباً أو استيقظت من منامك وبالأسحار »(٣) .

مسألة ١٩٢ : يقطع المتمتّع التلبية إذا شاهد بيوت مكة ؛ لما رواه الحلبي - في الحسن - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « المتمتّع إذا نظر الى بيوت مكة قطع التلبية »(٤) .

وأمّا المـُفْرد والقارن فإنّهما يقطعان التلبية يوم عرفة عند الزوال ؛ لرواية معاوية بن عمّار عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « إذا دخلت مكة(٥) وأنت متمتّع فنظرت الى بيوت مكة [ فاقطع التلبية ، وحدّ بيوت مكة ](٦) التي كانت قبل اليوم إذا بلغت عقبة المدنيين فاقطع التلبية ، وعليك بالتكبير والتهليل والثناء على الله ما استطعت ، وإن كنت قارناً(٧) بالحجّ فلا تقطع التلبية حتى يوم عرفة الى زوال الشمس ، وإن كنت معتمراً فاقطع التلبية إذا دخلت الحرم »(٨) .

____________________

(١) المغني ٣ : ٢٦٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٦٧.

(٢) أورده أبو إسحاق الشيرازي في المهذّب ١ : ٢١٣ ، والرافعي في فتح العزيز ٧ : ٢٦٠ ، وابنا قدامة في المغني ٣ : ٢٦١ ، والشرح الكبير ٣ : ٢٦٧.

(٣) الكافي ٤ : ٣٣٥ - ٣٣٦ / ٣ ، التهذيب ٥ : ٩١ / ٣٠٠.

(٤) الكافي ٤ : ٣٩٩ / ٣ ، التهذيب ٥ : ٩٤ / ٣٠٧ ، الاستبصار ٢ : ١٧٦ / ٥٨١.

(٥) في النسخ الخطية والحجرية : بيوت مكة وما أثبتناه موافق للمصدر.

(٦) أضفناها من المصدر.

(٧) في النسخ الخطية والحجرية : مقرناً. وما أثبتناه هو الموافق للمصدر.

(٨) التهذيب ٥ : ٩٤ / ٣٠٩.


قال الشيخرحمه‌الله : المعتمر عمرة مفردة إن كان أحرم من خارج مكة ، قَطَع التلبية إذا دخل الحرم ، وإن كان ممّن خرج من مكة للإِحرام ، قَطَعها إذا شاهد الكعبة(١) .

وقيل بالتخيير بينها من غير تفصيل(٢) .

قال الصادقعليه‌السلام : « مَنْ دَخَل مكة مفرداً للعمرة فليقطع التلبية حين تضع الإِبل أخفافها في الحرم »(٣) .

وسأل يونس بن يعقوب الصادقعليه‌السلام عن الرجل يعتمر عمرة مفردة من أين يقطع التلبية؟ قال : « إذا رأيت بيوت ذي طوى فاقطع التلبية »(٤) .

وروى عمر بن يزيد عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « ومن خرج من مكة يريد العمرة ثم دخل معتمرا لم يقطع التلبية حتى ينظر إلى الكعبة »(٥) .

مسألة ١٩٣ : يستحب لمن حجّ على طريق المدينة أن يرفع صوته بالتلبية‌ إذا علت راحلته البيداء إن كان راكباً ، وإن كان ماشياً فحيث يُحْرم ، وإن كان على غير طريق المدينة ، لبّى من موضعه إن شاء ، وإن مشى خطوات ثم لبّى ، كان أفضل ، وبه قال مالك(٦) .

وللشافعي قولان :

قال في القديم : يستحب(٧) أن يُهلّ خلف الصلاة نافلةً كانت أو فريضةً. وبه قال أبو حنيفة وأحمد.

____________________

(١) النهاية : ٢١٦ ، المبسوط - للطوسي - ١ : ٣١٧.

(٢) كما في شرائع الإِسلام ١ : ٢٤٨ ، وراجع : الفقيه ٢ : ٢٧٧ ذيل الحديث ١٣٥٦.

(٣) الاستبصار ٢ : ١٧٧ / ٥٨٦ ، التهذيب ٥ : ٩٥ / ٣١٣ ، وليس فيه « مكة ».

(٤) الفقيه ٢ : ٢٧٧ / ١٣٥٤ ، التهذيب ٥ : ٩٥ / ٣١٤ ، الاستبصار ٢ : ١٧٧ / ٥٨٧.

(٥) الفقيه ٢ : ٢٧٦ - ٢٧٧ / ١٣٥٠ ، التهذيب ٥ : ٩٥ - ٩٦ / ٣١٥ ، الاستبصار ٢ : ١٧٧ / ٥٨٨.

(٦) انظر : المدوّنة الكبرى ١ : ٣٦١ ، والمجموع ٧ : ٢٢٣.

(٧) في « ن » : المستحب.


والجديد : أن يلبّي إذا انبعثت به راحلته إن كان راكباً ، وإذا أخذ في السير إن كان راجلاً(١) .

لنا : ما رواه العامّة عن ابن عباس ، قال : اغتسل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثم لبس ثيابه ، فلمـّا أتى ذا الحليفة صلّى ركعتين ثم قعد على بعيره ، فلمـّا استوى به على البيداء أحرم بالحجّ(٢) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يكن يلبّي حتى يأتي(٣) البيداء »(٤) .

وأما التفصيل : فيدلّ عليه قول الصادقعليه‌السلام : « إن كنت ماشياً فاجهر بإهلالك وتلبيتك من المسجد ، وإن كنت راكباً فإذا علت بك راحلتك البيداء »(٥) .

إذا عرفت هذا ، فالمراد استحباب الإِجهار بالتلبية عند البيداء ، وبينها وبين ذي الحليفة ميل ، ولا يجوز مجاوزة الميقات بغير إحرام ، وإنّما ينعقد الإِحرام بالتلبية ، فيجب إيقاعها في ذي الحليفة ، ويستحب الإِجهار بها بالبيداء.

مسألة ١٩٤ : لا يلبّي في مسجد عرفة - وبه قال مالك(٦) - لما بيّنّاه من أنّ التلبية تُقطع يوم عرفة قبل الزوال.

____________________

(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢١١ ، المجموع ٧ : ٢٢٣ ، فتح العزيز ٧ : ٢٥٨ - ٢٥٩ ، الحاوي الكبير ٤ : ٨١ ، الهداية - للمرغيناني - ١ : ١٣٧ ، المغني ٣ : ٢٣٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٣٥.

(٢) سنن الدار قطني ٢ : ٢١٩ - ٢٢٠ / ٢١ ، سنن البيهقي ٥ : ٣٣.

(٣) في النسخ الخطية والحجرية : لم يكن يكبّر حتى أتى. وما أثبتناه هو الموافق للمصدر.

(٤) التهذيب ٥ : ٨٤ / ٢٧٩ ، الاستبصار ٢ : ١٧٠ / ٥٦١.

(٥) التهذيب ٥ : ٨٥ / ٢٨١ ، الاستبصار ٢ : ١٧٠ - ١٧١ / ٥٦٣.

(٦) حكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٢٩٢ ، المسألة ٧٠ ، وانظر : المدوّنة الكبرى ١ : ٣٦٤.


وقال الشافعي : إنّه مستحب(١) .

وليس بمعتمد.

وكذا لا يلبّي في حال الطواف - وبه قال الشافعي وسالم بن عبد الله وابن عيينة(٢) - لما رواه العامّة عن ابن عمر قال : لا يلبّي الطائف(٣) .

ومن طريق الخاصّة : قول الباقرعليه‌السلام : « إذا قدموا مكة وطافوا بالبيت أحلّوا ، وإذا لبّوا أحرموا ، فلا يزال يحلّ ويعقد حتى يخرج إلى منى بلا حجّ ولا عمرة »(٤) .

ولأنّا بيّنّا أنّ المتمتّع يقطع التلبية عند مشاهدة بيوت مكة.

مسألة ١٩٥ : قد بيّنّا أنّ الإِحرام إنّما ينعقد بالتلبيات الأربع في حقّ المتمتّع والمـُفْرد ، وأمّا القارن فإنّه يتخيّر بين أن يعقد إحرامه بالتلبيات الأربع أو بالإِشعار أو التقليد أيّها فَعَل انعقد إحرامه به ، وكان الباقي مستحباً.

والإِشعار : أن يشقّ سنام البعير من الجانب الأيمن ، ويلطخ صفحته بالدم ليعلم أنّه صدقة ، وهو مختص بالإِبل.

والتقليد : أن يجعل في رقبة الهدي نعلا قد صلّى فيه ، أو يجعل في رقبة الهدي خيطا أو سيراً وما أشبههما ليعلم أنّه صدقة ، وهو مشترك بين الأنعام الثلاثة.

وهذا هو المشهور ، ذهب اليه الشيخ(٥) رحمه‌الله وأتباعه(٦) .

____________________

(١) الوجيز ١ : ١١٧ ، فتح العزيز ٧ : ٢٦٠ - ٢٦١ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢١٣ ، المجموع ٧ : ٢٤٥ ، وحكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٢٩٢ ، المسألة ٧٠.

(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢١٣ ، المجموع ٧ : ٢٤٥ ، فتح العزيز ٧ : ٢٦٢ ، حلية العلماء ٣ : ٢٨١ ، المغني ٣ : ٢٦٤. الشرح الكبير ٣ : ٢٦٨.

(٣) أورده الرافعي في فتح العزيز ٧ : ٢٦٢.

(٤) التهذيب ٥ : ٣١ - ٩٣ ، الاستبصار ٢ : ١٥٦ / ٥١١.

(٥) النهاية : ٢١٤.

(٦) منهم : القاضي ابن البراج في المهذّب ١ : ٢١٤ - ٢١٥.


وقال السيد المرتضى وابن إدريس من علمائنا : لا ينعقد إحرام الأصناف الثلاثة إلّا بالتلبية(١) .

والوجه : ما قاله الشيخ ؛ لما رواه معاوية بن عمّار - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال: « يوجب الإِحرام ثلاثة أشياء : التلبية والإِشعار والتقليد ، فإذا فَعَل شيئاً من هذه الثلاثة فقد أحرم »(٢) .

إذا عرفت هذا ، فينبغي أن تُشعر البُدْن وهي باركة يشقّ سنامها الأيمن ، وتُنحر - وهي قائمة - من قِبَل الأيمن ؛ لأنّ أبا الصباح الكناني سأل الصادقعليه‌السلام عن البدن كيف تشعر؟ فقال : «تُشعر وهي باركة يشقّ سنامها الأيمن ، وتُنحر - وهي قائمة - من قِبَل الأيمن »(٣) .

إذا عرفت هذا ، فلو كانت البُدْن كثيرةً وأراد إشعارها ، دخل بين كلّ بدنتين ، وأشعر إحداهما من الجانب الأيمن والاُخرى من الأيسر ، للرواية عن الصادقعليه‌السلام (٤) ، وللتخفيف.

مسألة ١٩٦ : إذا عقد نيّة الإِحرام ولبس ثوبيه ثم لم يلبّ ولم يشعر ولم يقلّد ، جاز له أن يفعل ما يحرم على المـُحْرم فعله ، ولا كفّارة عليه ، فإن لبّى أو أشعر أو قلّد إن كان قارناً ، حرم عليه ذلك ، ووجبت عليه الكفّارة بفعله ؛ لأنّ الإِحرام إنّما ينعقد بأحد الثلاثة ، فإذا لم يفعلها لم يكن محرماً ، لأنّ حفص بن البختري سأل الصادقعليه‌السلام عمّن عقد الإِحرام في مسجد الشجرة ثم وقع على أهله قبل أن يلبّي ، قال : « ليس عليه شي‌ء »(٥) .

مسألة ١٩٧ : يستحب لمن أراد الإِحرام أن يشترط على ربّه‌ عند عقد‌

____________________

(١) الانتصار : ١٠٢ ، السرائر ١٢٤ - ١٢٥‌

(٢) التهذيب ٥ : ٤٣ - ٤٤ / ١٢٩.

(٣) الفقيه ٢ : ٢٠٩ / ٩٥٥.

(٤) التهذيب ٥ : ٤٣ / ١٢٨‌

(٥) الفقيه ٢ : ٢٠٨ / ٩٤٦.


الإحرام : إن لم تكن حجّةً فعمرة ، وأن يُحلّه حيث حبسه ، سواء كان حجّه تمتّعاً أو قراناً أو إفراداً ، وكذا في إحرام العمرة - وبه قال عليعليه‌السلام ، وعمر بن الخطّاب وابن مسعود وعمّار وعلقمة وشريح وسعيد بن المسيّب وعكرمة والشافعي وأبو حنيفة وأحمد(١) - لما رواه العامّة عن ابن عباس أنّ ضُباعة أتت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقالت : يا رسول الله إنّي اُريد الحجّ فكيف أقول؟ قال : ( قُولي : لبّيك اللّهم لبّيك ومحلّي من الأرض حيث تحبسني ، فإنّ لك على ربّك ما استثنيت )(٢) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « إذا أردت الإِحرام والتمتّع فقُلْ : اللّهم إنّي اُريد ما أمرت به من التمتّع بالعمرة الى الحجّ ، فيسِّر لي ذلك وتقبّله منّي وأعنّي عليه وحلّني حيث حبستني لقدرك الذي قدرت عليّ أحرم لك شعري وبشري من النساء والطيب والثياب ، وإن شئت قلت حين ينهض بك بعيرك ، وإن شئت فأخّره حتى تركب بعيرك وتستقبل القبلة »(٣) .

وعن الفضيل بن يسار عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « المعتمر عمرة مفردة يشترط على ربّه أن يُحلّه حيث حبسه ، ومُفرد الحج يشترط على ربّه إن لم تكن حجّةً فعمرة »(٤) .

وأنكره [ ابن ](٥) عمر وطاوس وسعيد بن جبير والزهري ومالك ؛ لأنّ ابن‌

____________________

(١) المغني ٣ : ٢٤٨ - ٢٤٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٣٨ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٤٣ ، المحلّى ٧ : ١١٤.

(٢) سنن الترمذي ٣ : ٢٧٨ / ٩٤١ ، سنن أبي داود ٢ : ١٥١ - ١٥٢ / ١٧٧٦ ، سنن النسائي ٥ : ١٦٨ ، وأورده ابنا قدامة في المغني ٣ : ٢٤٩ - ٢٥٠ ، والشرح الكبير ٣ : ٢٣٨.

(٣) التهذيب ٥ : ٧٩ / ٢٦٣.

(٤) الكافي ٤ : ٣٣٥ / ١٥ ، التهذيب ٥ : ٨١ - ٨٢ / ٢٧١.

(٥) اضفناها من المصادر ولاقتضاء السياق ، ولكن قال البيهقي في سننه الكبرى ٥ : ٢٢٣ : وعندي أنّ أبا عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب لو بلغه حديث ضباعة بنت الزبير لصار إليه ولم ينكر الاشتراط كما لم ينكره أبوه.


عمر كان يُنكر الاشتراط ويقول : حَسْبُكم سنّة نبيّكم(١) .

ولأنّها عبادة تجب بأصل الشرع ، فلم يفد الاشتراط فيها ، كالصوم والصلاة(٢) .

وقول ابن عمر ليس بحجّة ، خصوصاً مع معارضته لقول النبي وأهل بيتهعليهم‌السلام .

والقياس ممنوع ؛ للفرق.

إذا عرفت هذا ، فالاشتراط لا يفيد سقوط فرض الحجّ في القابل لو فاته الحجّ ، ولا نعلم فيه خلافاً ؛ لأنّ أبا بصير سأل الصادقعليه‌السلام عن الرجل يشترط في الحجّ أن حلّني حيث حبستني ، أعليه الحجّ من قابل؟ قال : « نعم »(٣) .

ولو كان الحجّ تطوّعاً ، سقط عنه الحجّ من قابل.

وإنّما يفيد الاشتراط جواز التحلّل عند الإِحصار.

وقيل : يتحلّل من غير اشتراط - وهو اختيار أبي حنيفة في المريض(٤) .

وقال الزهري ومالك وابن عمر : الشرط لا يفيد شيئاً ، ولا يتعلّق به التحليل(٥) - لأنّ حمزة بن حمران سأل الصادقعليه‌السلام عن الذي يقول : حلّني حيث حبستني ، فقال : « هو حلّ حيث حبسه الله تعالى ، قال أو لم يقل ، ولا يُسقط‌

____________________

(١) سنن الترمذي ٣ : ٢٧٩ / ٩٤٢ ، سنن النسائي ٥ : ١٦٩ ، سنن الدار قطني ٢ : ٢٣٤ / ٨٠ ، سنن البيهقي ٥ : ٢٢٣.

(٢) المغني ٣ : ٢٤٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٣٨ ، المحلّى ٧ : ١١٤ - ١١٥ ، تفسير القرطبي ٢ : ٣٧٥.

(٣) الاستبصار ٢ : ١٦٨ - ١٦٩ / ٥٥٦ ، والتهذيب ٥ : ٨٠ - ٨١ / ٢٦٨.

(٤) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٠٧ ، الهداية - للمرغيناني - ١ : ١٨٠ ، فتح العزيز ٨ : ٨ - ٩ ، المغني ٣ : ٢٤٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٣٨ ، وحكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٤٣٠ ، المسألة ٣٢٣.

(٥) حكاه عنهم الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٤٣٠ ، المسألة ٣٢٣.


الاشتراط عنه الحجّ من قابل »(١) .

والوجه : الأول ؛ تحصيلاً لفائدة الاشتراط الثابت بالشرع.

فروع :

أ - لو اشترط في إحرامه أن يُحلّه حيث حبسه ، قال السيد المرتضى : يسقط دم الإِحصار عند التحلّل(٢) - وبه قال أبو حنيفة(٣) - ؛ لأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب : ( حجّي واشترطي وقولي : اللّهم محلّي حيث حبستني )(٤) ولا فائدة لهذا الشرط إلّا التأثير فيما قلناه.

وقال الشيخرحمه‌الله : لا يسقط - وللشافعي قولان(٥) - لعموم قوله تعالى :( فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ) (٦) (٧) وفيه قوّة.

ب - لا بُدّ أن يكون للشرط فائدة‌ - قاله الشيخ(٨) - مثل أن يقول : إن مرضتُ أو فنيت نفقتي أو فاتني الوقت أو ضاق عليّ أو منعني عدوّ أو غيره ، فأمّا أن يقول : أن تُحلّني حيث شئت ، فليس له ذلك.

ج - قال الشيخرحمه‌الله : لا يجوز للمشترط أن يتحلّل إلّا مع نيّة التحلّل والهدي معاً - وللشافعي فيهما قولان(٩) - لعموم الأمر بالهدي(١٠) ،

____________________

(١) الفقيه ٢ : ٣٠٦ / ١٥١٦.

(٢) الانتصار : ١٠٤ - ١٠٥.

(٣) المغني ٣ : ٢٤٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٣٨‌

(٤) صحيح مسلم ٢ : ٨٦٧ - ٨٦٨ / ١٢٠٧ ، سنن الدار قطني ٢ : ٢١٩ / ١٨ ، سنن البيهقي ٥ : ٢٢١.

(٥) الوجيز ١ : ١٣٠ ، المجموع ٨ : ٣٠٦ - ٣٠٧ ، حلية العلماء ٣ : ٣٦٢.

(٦) البقرة : ١٩٦.

(٧ و ٨ ) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٣٤.

(٩) حكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٤٣١ ، المسألة ٣٢٤ ، وراجع : الحاوي الكبير ٤ : ٣٦٠ - ٣٦١.

(١٠) البقرة : ١٩٦.


وللاحتياط(١) .

مسألة ١٩٨ : يستحب أن يأتي بالتلبية نسقاً لا يتخلّلها كلام ، فإن سُلّم عليه ردّ في أثنائها؛ لأنّ ردّ السلام واجب.

ويستحب إذا فرغ من التلبية أن يصلّي على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لقوله تعالى :( وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ ) (٢) .

قيل في التفسير : لا اُذكر إلّا وتُذكر معي(٣) .

ولأنّ كلّ موضع شُرّع فيه ذكر الله تعالى شُرّع فيه ذكر نبيهعليه‌السلام ، كالصلاة والأذان.

ويجزئ من التلبية في دبر كلّ صلاة مرّة واحدة ؛ لإِطلاق الأمر بها ، وبالواحدة يحصل الامتثال ، ولو زاد ، كان فيه فضل كثير ؛ لقولهمعليهم‌السلام : « وأكثر من ذكر ذي المعارج »(٤) .

ولا أعرف لأصحابنا قولاً في أنّ الحلال يلبّي في غير دعاء الصلاة ، لكن تلك التلبية غير هذه.

واستحسن الحسن البصري هذه التلبيات للحلال ، وكذا النخعي وعطاء ابن السائب والشافعي وأبو ثور وأحمد وابن المنذر وأصحاب الرأي(٥) . وكرهه مالك(٦) . والأصل عدم مشروعيته.

ويكره للمُحْرم إجابة مَنْ يناديه بالتلبية ، بل يقول له : يا سعد ؛ للرواية(٧) .

____________________

(١) الخلاف ٢ : ٤٣١ ، المسألة ٣٢٤.

(٢) الشرح : ٤.

(٣) جامع البيان ٣٠ : ١٥٠ ، الرسالة - للشافعي - : ١٦ / ٣٧ ، التبيان ١٠ : ٣٧٣ ، مجمع البيان ٥ : ٥٠٨ ، ونقله أيضاً ابن قدامة في المغني ٣ : ٢٦٥.

(٤) الكافي ٤ : ٣٣٦ / ٣ ، التهذيب ٥ : ٩٢ / ٣٠٠.

(٥ و ٦) المغني ٣ : ٢٦٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٦٨.

(٧) الفقيه ٢ : ٢١١ / ٩٦٥.


وإذا قال : لبّيك إنّ الحمد ، كَسَر الألف ، ويجوز فتحها.

قال ثعلب : مَنْ فَتَحها فقد خصّ ومَنْ كَسَرها فقد عمّ ، ومعناه أنّ مَن كَسَر جَعَل الحمد لله على كلّ حال ، ومَنْ فَتَح فمعناه السببية ، أي : لبّيك لهذا السبب ، أي : للحمد(١) .

المطلب الثالث : في تروك الإِحرام‌

وهي قسمان : محرّمات ومكروهات ، فالمحرمات عشرون شيئاً ، والمكروهات عشرة يأتي تفاصيلها في مباحث :

البحث الأول : يحرم صيد البرّ في الحلّ والحرم‌

وكذا يحرم على المُحلّ صيد الحرم بالنصّ والإجماع.

قال الله تعالى :( وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً ) (٢) .

وقال تعالى( لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ) (٣) .

وروى العامّة عن ابن عباس ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يوم فتح مكة : ( إنّ هذا البلد حرام حرّمه الله يوم خلق السماوات والأرض ، فهو حرام بحرمة الله الى يوم القيامة ، وإنّه لم يحلّ القتال فيه لأحد قبلي ولم يحلّ لي إلّا ساعة من نهار ، فهو حرام بحرمة الله الى يوم القيامة لا يُختلى خلاها(٤) ولا يُعضد(٥) شوكها ولا يُنفَّر صيدها ولا تُلتقط لُقطتها إلّا مَنْ عرَّفها ) فقال العباس : يا رسول الله إلّا الإِذخر(٦) فإنّه لِقَيْنِهم(٧) وبيوتهم ، فقال رسول الله‌

____________________

(١) المغني ٣ : ٢٥٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٦٤ ، المجموع ٧ : ٢٤٤ ، صحيح مسلم بشرح النووي هامش إرشاد الساري ٥ : ١٩٨.

(٢) المائدة : ٩٦.

(٣) المائدة : ٩٥.

(٤) الخلى مقصوراً : الرطب من الحشيش. الصحاح ٦ : ٢٣٣١ « خلا ».

(٥) العضد : القطع. النهاية - لابن الأثير - ٣ : ٢٥١‌

(٦) الإِذخر : حشيش طيب الريح ، وهي شجرة صغيرة. لسان العرب ٤ : ٣٠٣ « ذخر ».

(٧) القَيْن : الحدّاد والصائغ. النهاية - لابن الأثير - ٤ : ١٣٥.


صلى‌الله‌عليه‌وآله : ( إلّا الإِذخر )(١) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « واجتنب في إحرامك صيد البرّ كلّه ولا تأكل ما صاده غيرك ولا تُشر اليه فيصيده »(٢) .

وقد أجمع المسلمون كافّة على تحريم صيد الحرم على الحلال والمحرم.

إذا عرفت هذا ، فالمراد بالصيد الحيوان الممتنع. وقيل : ما جمع ثلاثة أشياء : أن يكون مباحاً وحشيّاً ممتنعاً(٣) .

مسألة ١٩٩ : وصيد البرّ حرام على الـمُحرم اصطياداً وأكلاً وقتلاً وإشارةً ودلالةً وإغلاقاً ، وكذا فرخه وبيضه ، بإجماع العلماء ؛ للنصّ والإِجماع.

قال الله تعالى( وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً ) (٤) وتحريم العين يستلزم تحريم جميع المنافع المتعلّقة بها.

وما رواه العامّة في حديث أبي قتادة لمـّا صاد الحمار الوحشي وأصحابه مُحْرمون ، قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لأصحابه : ( هل فيكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟ )(٥) وهو يدلّ على تعلّق التحريم بالحمل والإِشارة.

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « واجتنب في إحرامك صيد البرّ كلّه ، ولا تأكل ما صاده غيرك ولا تُشر اليه فيصيده »(٦) .

____________________

(١) صحيح مسلم ٢ : ٩٨٦ - ٩٨٧ / ١٣٥٣ ، صحيح البخاري ٣ : ١٨ - ١٩ ، وأورده ابن قدامة في المغني ٣ : ٣٤٩ - ٣٥٠.

(٢) التهذيب ٥ : ٣٠٠ / ١٠٢١‌

(٣) حكاه عن بعض أهل اللغة ، ابن قدامة في المغني ٣ : ٣٤٦.

(٤) المائدة : ٩٦‌

(٥) صحيح مسلم ٢ : ٨٥٣ - ٨٥٤ / ٦٠ ، صحيح البخاري ٣ : ١٦ ، سنن البيهقي ٥ : ١٨٩ بتفاوت يسير.

(٦) التهذيب ٥ : ٣٠٠ / ١٠٢١.


وقالعليه‌السلام : « الـمُحْرم لا يدلّ على الصيد ، فإن دلّ عليه فعليه الفداء »(١) .

ولأنّه تسبّب الى محرَّم عليه فحرم ، كنصبه الاُحبولة(٢) .

إذا عرفت هذا ، فلا فرق بين أن تكون الإِشارة والدلالة صادرةً من الـمُحْرم الى الـمُحْرم والى الـمُحلّ.

مسألة ٢٠٠ : لا يحلّ مشاركة الـمُحْرم للمُحلّ ولا للمُحرم في الصيد ، فإن شاركه ، ضمن كلٌّ منهما فداءً كاملاً. وكذا لو اشترك جماعة في قتل صيد ، ضمن كلّ منهم فداء كاملا - وبه قال أبو حنيفة ومالك(٣) - لأنّه قتل الصيد.

ولأنّ عبد الرحمن بن الحجّاج سأل أبا الحسنعليه‌السلام عن رجلين أصابا صيداً [ وهما مُحرمان ](٤) الجزاء بينهما أو على كلّ واحد منهما جزاء؟ قال : « لا ، بل عليهما جميعاً ، يجزئ كلّ واحد منهما الصيد »(٥) .

ولأنّه اشترك في محرَّم مضمون ، فكان على كلّ واحد منهم جزاء كامل ، كما لو اشترك جماعة في قتل مسلم ، وجب على كلّ واحد منهم كفّارة كاملة.

وقال الشافعي وأحمد : يجب فداء واحد على الجميع ؛ لأنّ المقتول‌

____________________

(١) الكافي ٤ : ٣٨١ / ٢ ، التهذيب ٥ : ٣١٥ / ١٠٨٦ ، الاستبصار ٢ : ١٨٧ - ١٨٨ / ٦٢٩.

(٢) الاُحبولة : المِصْيدة. لسان العرب ١١ : ١٣٦ و ١٣٧ « حبل ».

(٣) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٨٠ - ٨١ ، بدائع الصنائع ٢ : ٢٠٢ ، أحكام القرآن - للجصّاص - ٢ : ٤٧٦ - ٤٧٧ ، بداية المجتهد ١ : ٣٥٨ ، تفسير القرطبي ٦ : ٣١٣ ، التفسير الكبير ١٢ : ٩٠ ، المغني ٣ : ٥٦٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٦٩ ، المحلّى ٧ : ٢٣٧ - ٢٣٨ ، فتح العزيز ٧ : ٥٠٨ ، المجموع ٧ : ٤٣٩.

(٤) اضفناها من المصدر.

(٥) الكافي ٤ : ٣٩١ / ١ ، التهذيب ٥ : ٤٦٦ - ٤٦٧ / ١٦٣١.


واحد فيتّحد جزاؤه ، كما لو اشتركوا في قتل صيد حرمي(١) .

والأصل ممنوع.

ولا يحلّ للمُحْرم الإِعانة على الصيد بشي‌ء ، فإنّ في حديث أبي قتادة : ثم ركبتً ونسيتُ السوط والرمح ، فقلت لهم : ناولوني السوط والرمح ، قالوا : والله لا نُعينك عليه(٢) . وهو يدلّ على أنّهم اعتقدوا تحريم الإِعانة ، والنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أقرّهم على ذلك.

ولأنّه إعانة على محرَّم فحرم ، كالإِعانة على قتل المسلم.

ولو اشترك مُحلّ ومُحْرم في قتل صيد ، فإن كان في الحِلّ ، فلا شي‌ء على الـمُحلّ ، وعلى الـمُحْرم فداء كامل ، خلافاً للشافعي ، فإنّه قال : يجب عليه نصف الفداء ، ولا شي‌ء على الـمُحلّ(٣) .

وإن كان في الحرم ، فعلى الـمُحلّ نصف القيمة ، وعلى الـمُحْرم جزاء كامل ونصف القيمة على الأقوى.

مسألة ٢٠١ : قد بيّنّا أنّه يحرم على الـمُحْرم الدلالة على الصيد سواء كان المدلول مُحلاً أو مُحْرماً ، وكذا يحرم على الحلال الدلالة لهما في الحرم ، فلو دلّ الحلال مُحرماً على صيد فَقَتَله ، وجب الجزاء على الـمُحْرم.

وأمّا الدالّ : فإن كان الصيد في الحِلّ ، فالأقرب أنّه لا شي‌ء عليه ، سواء كان الصيد في يده أو لم يكن ؛ لأنّه لو قَتَله لم يكن عليه شي‌ء فكيف الدلالة! وإن كان في الحرم ، تعلّق عليه الضمان أيضاً ؛ لأنّه أعانه على‌

____________________

(١) الوجيز ١ : ١٢٩ ، فتح العزيز ٧ : ٥٠٨ ، المجموع ٧ : ٤٣٩ - ٤٤٠ ، المغني ٣ : ٥٦٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٦٩ ، التفسير الكبير ١٢ : ٩٠ ، المحلّى ٧ : ٢٣٧ ، تفسير القرطبي ٦ : ٣١٣ ، بداية المجتهد ١ : ٣٥٨ - ٣٥٩ ، بدائع الصنائع ٢ : ٢٠٢ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٨١.

(٢) سنن البيهقي ٥ : ١٨٨ وأورده النووي في المجموع ٧ : ٣٠٢ ، وابنا قدامة في المغني ٣ : ٢٨٨ ، والشرح الكبير ٣ : ٢٩٧.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٥٠٩ ، المجموع ٧ : ٤٣٦.


الـمُحرَّم.

ولو دلّ الـمُحْرم حلالاً على صيد ، فقَتَله الحلال ، فإن كان الصيد في يد الـمُحْرم ، وجب عليه الجزاء ؛ لأنّ حفظه واجب عليه ، ومَنْ يلزمه الحفظ يلزمه الضمان إذا ترك الحفظ ، كما لو دلّ المودع السارق على الوديعة.

وإن لم يكن في يده ، فإن كان الصيد في الحرم ، تعلّق الضمان على كلٍّ منهما ، وإن كان في الحِلّ ، وجب الضمان على الدالّ ، سواء كانت الدلالةُ خفيّةً لولاها لما رأى الحلالُ الصيدَ ، أو ظاهرةً ، ولا شي‌ء على القاتل ؛ لأنّه حلال ، وبه قال عليعليه‌السلام ، وابن عباس وعطاء ومجاهد وإسحاق وأحمد وأصحاب الرأي(١) .

وقال الشافعي : لا شي‌ء على الدالّ ، كما لو دلّ رجل رجلاً على قتل إنسان ، لا كفّارة على الدالّ ، ولا على القاتل ؛ لأنّه حلال. وبه قال مالك(٢) .

وقال أبو حنيفة : إن كانت الدالة ظاهرةً ، فلا جزاء على الدالّ ، وإن كانت خفيةً ، وجب الجزاء عليه. وسلَّم في صيد الحرم أنّه لا جزاء على الدالّ(٣) .

وقال أحمد : إنّ الجزاء يلزم الدالّ والقاتل بينهما(٤) .

مسألة ٢٠٢ : لو دلّ مُحْرم مُحْرماً على صيد فقَتَله ، وجب على كلّ واحد منهما فداء كامل عند علمائنا - وبه قال الشعبي وسعيد بن جبير وأصحاب‌

____________________

(١) المغني ٣ : ٢٨٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٩٧ ، التفسير الكبير ١٢ : ٩٠ ، الهداية - للمرغيناني - ١ : ١٦٩ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٧٩.

(٢) فتح العزيز ٧ : ٤٩١ - ٤٩٢ ، المجموع ٧ : ٣٠٠ ، التفسير الكبير ١٢ : ٩٠ ، المغني ٣ : ٢٨٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٩٧ ، المدوّنة الكبرى ١ : ٤٣٢ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٧٩‌

(٣) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٨٠ ، فتح العزيز ٧ : ٤٩٢‌

(٤) كما في فتح العزيز ٧ : ٤٩٢.


الرأي(١) - لأنّ كلّ واحد منهما فَعَل في الصيد فِعْلاً مُحرّماً لا يشاركه الآخر فيه ، فالدالُّ فَعَل الدلالةَ ، والقاتلُ القَتْلَ ، فوجب على كلٍّ منهما عقوبة كاملة.

ولأنّ كلّ واحد منهما فَعَل فِعْلاً يستحقّ به العقوبة الكاملة لو انفرد ، فكذا لو انضمّ ؛ لأنّ المقتضي لا يخرج بالانضمام عن مقتضاه.

وقال أحمد وعطاء وحمّاد بن أبي سليمان : الجزاء بينهما ؛ لأنّ الواجب جزاء المتلف ، وهو واحد ، فيكون الجزاء واحداً(٢)

ونمنع الملازمة.

وقال الشافعي : لا جزاء على الدال(٣) .

ولو كان المدلول قد رأى الصيد قبل الدلالة أو الإِشارة ، فلا جزاء عليه ؛ لأنّه لم يكن سبباً في قتله.

ولو فَعَل الـمُحْرم فِعْلاً عند رؤية الصيد ، كما لو ضحك أو تشرف على الصيد فرآه غيره وفطن للصيد فصاده ، فلا ضمان ؛ لأنّه لم يدلّ عليه.

مسألة ٢٠٣ : قد بيّنّا تحريم إعانة الـمُحْرم على الصيد ، فلو أعار الـمُحْرم قاتل الصيد سلاحاً فقتله به ، قال الشيخرحمه‌الله : إنّه ليس لأصحابنا فيه نصٌّ(٤) .

وقال بعض العامّة : عليه الجزاء ؛ لأنّه كالدالّ عليه(٥) . ولا بأس به ، سواء كان المستعار ممّا لا يتمّ قتله إلّا به ، أو أعاره شيئا هو مستغن عنه ، كأن يُعيره سيفاً ومعه سيف.

وقال أبو حنيفة : إن أعاره ما هو مستغنٍ عنه ، لم يضمن المعير(٦) .

____________________

(١و٢) المغني ٣ : ٢٨٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٩٧.

(٣) المجموع ٧ : ٣٠٠ ، المغني ٣ : ٢٨٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٩٧.

(٤) الخلاف ٢ : ٤٠٦ ، المسألة ٢٧٥.

(٥) المغني ٣ : ٢٩٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٩٨.

(٦) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٨٠ ، بدائع الصنائع ٢ : ٢٠٤.


أمّا لو أعاره آلة ليستعملها في غير الصيد فصاد بها ، فلا ضمان على المعير قولا واحدا ، لأنّ الإعارة لا للصيد غير محرّمة عليه ، فكان كما لو ضحك عند رؤية الصيد ففطن له القاتل.

ولو أمسك مُحْرم صيداً حتى قتله غيره ، فإن كان القاتل حلالاً ، وجب الجزاء على الـمُحْرم ؛ لتعدّيه بالإِمساك والتعريض للقتل ، ولا يرجع به على الحلال ؛ لأنّه غير ممنوع من التعرّض للصيد. وهو قول بعض الشافعية(١) .

وقال بعضهم : يرجع ، كما لو غصب شيئاً فأتلفه مُتْلف من يده ، يضمن الغاصب ، ويرجع على الـمُتْلف(٢) .

وإن كان مُحْرماً ، ضمن كلٌّ منهما فداءً كاملاً.

وللشافعية وجهان :

أظهرهما : أنّ الجزاء كلّه على القاتل ؛ لأنّه مباشر ، ولا أثر للإِمساك مع المباشرة.

والثاني : أنّ لكلّ واحد من الفعلين مدخلاً في الهلاك ، فيكون الجزاء بينهما نصفين(٣) .

وقال بعضهم : إنّ الممسك يضمنه باليد ، والقاتل بالإتلاف ، فإن أخرج الممسك الضمان ، رجع به على المتلف ، وإن أخرج المتلف ، لم يرجع على الممسك(٤) .

مسألة ٢٠٤ : يحرم على الـمُحْرم أكل الصيد ، سواء ذبحه المحلّ أو المحرم ، في الحِلّ ذَبَحا أو الحرم ، وسواء كان الذابح هو الـمُحْرم لنفسه أو ذُبِح له أو ذُبح لا لَه.

وبالجملة لحم الصيد يحرم على الـمُحْرم بكلّ حال عند علمائنا أجمع ،

____________________

(١ - ٤) فتح العزيز ٧ : ٤٩٤ ، المجموع ٧ : ٤٣٧.


وبه قال عليعليه‌السلام ، وابن عمر وعائشة وابن عباس وطاوس(١) - وكرهه الثوري وإسحاق(٢) - لعموم قوله تعالى( وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً ) (٣) .

وما رواه العامّة عن ابن عباس عن الصعب بن جثّامة الليثي أنّه أهدى الى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله حمارا وحشيّا وهو بالأبواء ، فردّه عليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلمـّا رأى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ما في وجهه قال : ( إنّا لم نردّه عليك إلّا أنّا حُرُم )(٤) .

ومن طريق الخاصّة : قول عليعليه‌السلام : « إذا ذبح الـمُحْرم الصيد لم يأكله الحلال والحرام ، وهو كالميتة ، وإذا ذبح الصيد في الحرم فهو ميتة حلالٌ ذَبَحه أو حرام »(٥) .

وسأل يوسف(٦) الطاطري الصادقَعليه‌السلام عن صيد أكله قوم مُحْرمون ، قال : « عليهم شاة شاة ، وليس على الذي ذبحه إلّا شاة »(٧) .

وسأل علي بن جعفر أخاه موسى الكاظمعليه‌السلام عن قوم اشتروا ظبْياً فأكلوا منه جميعاً وهُمْ حُرُمٌ ما عليهم؟ فقال : « على كلّ مَنْ أكل منه فداء صيد ، على كلّ إنسان منهم على حدته فداء صيد كاملاً »(٨) .

____________________

(١و٢) المغني ٣ : ٢٩٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٠٠.

(٣) المائدة ٩٦.

(٤) صحيح البخاري ٣ : ١٦ ، صحيح مسلم ٢ : ٨٥٠ / ١١٩٣ ، سنن النسائي ٥ : ١٨٤ ، سنن الترمذي ٣ : ٢٠٦ / ٨٤٩ ، الموطأ ١ : ٣٥٣ / ٨٣ ، وأورده ابنا قدامة في المغني ٣ : ٢٩٢ ، والشرح الكبير ٣ : ٣٠٠.

(٥) التهذيب ٥ : ٣٧٧ / ١٣١٥ ، الاستبصار ٢ : ٢١٤ / ٧٣٣.

(٦) في النسخ الخطية والحجرية : سيف. وما أثبتناه من المصادر.

(٧) الفقيه ٢ : ٢٣٥ - ٢٣٦ / ١١٢٢ ، التهذيب ٥ : ٣٥٢ / ١٢٢٥ وفي الكافي ٤ : ٣٩١ ٣ قال : « عليهم شاة ، وليس ».

(٨) التهذيب ٥ : ٣٥١ / ١٢٢١.


وقال الشافعي : إذا ذبح الـمُحْرم صيداً ، لم يحلّ له الأكل منه ، وهل يحلّ الأكل منه لغيره أو يكون ميتة؟ قولان :

الجديد : أنّه يكون ميتة - وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد - لأنّه ممنوع من الذبح لمعنى فيه ، فصار كذبيحة المجوسي ، فعلى هذا لو كان مملوكاً وجب مع الجزاء القيمةُ للمالك

والقديم : أنّه لا يكون ميتةً ، ويحلّ لغيره الأكل منه ، لأنّ مَنْ حلّ بذبحه الحيوان الإِنسي يحلّ بذبحه الصيد ، كالحلال ، فعلى هذا لو كان الصيد مملوكاً فعليه مع الجزاء أرش ما بين قيمته حيّاً ومذبوحاً للمالك(١) .

وهل يحلّ له بعد زوال الإِحرام؟ فيه للشافعية وجهان : أظهرهما : لا.

وفي صيد الحرم إذا ذبح طريقان :

أحدهما : طرد القولين.

والآخر : القطع بالمنع.

والفرق : أنّ صيد الحرم مُنع منه جميع الناس وفي جميع الأحوال ، فكان آكد تحريماً(٢) .

إذا عرفت هذا ، فالاصطياد عند الشافعي يحرم على الـمُحْرم ، وكذا يحرم عليه الأكل من صيد ذَبَحه ، ويحرم عليه الأكل أيضاً ممّا اصطاد له حلال أو بإعانته أو بدلالته ، فأمّا ما ذَبَحه حلال من غير إعانته ولا دلالته فلا يحرم الأكل منه(٣) .

____________________

(١) الوجيز ١ : ١٢٨ ، فتح العزيز ٧ : ٤٩٤ ، المهذب للشيرازي ١ : ٢١٨ ، المجموع ٧ : ٣٠٤ ، المغني ٣ : ٢٩٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٠٣ ، وانظر أيضاً : بدائع الصنائع ٢ ٢٠٤ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٨٥ ، الهداية - للمرغيناني - ١ : ١٧٣ ، المدونة الكبرى ١ : ٤٣٦.

(٢) فتح العزيز ٧ : ٤٩٤ ، المجموع ٧ : ٣٠٤.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٥٠٨ ، المجموع ٧ : ٢٩٦ و ٣٠٣ و ٣٢٤.


وقال أبو حنيفة : إذا لم يُعِنْ ولم يأمر به ، لم يحرم عليه ( ولا عبرة )(١) بالاصطياد له من غير أمره(٢) .

مسألة ٢٠٥ : لو ذبح الـمُحْرم الصيد ، كان حراماً لا يحلّ أكله للمُحلّ ولا للمُحرم ، ويصير ميتةً يحرم أكله على جميع الناس ، ذهب إليه علماؤنا أجمع - وبه قال الحسن البصري وسالم ومالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي(٣) - لأنّه حيوان حرم عليه ذبحه لحرمة الإِحرام وحقّ الله تعالى ، فلا يحلّ بذبحه ، كالمجوسي.

ولقول عليعليه‌السلام : « إذا ذبح الـمُحْرم الصيد في غير الحرم فهو ميتة لا يأكله مُحلّ ولا مُحْرم ، وإذا ذبح المـُحلّ الصيد في جوف الحرم فهو ميتة لا يأكله مُحلّ ولا مُحْرم »(٤) .

فعلى هذا لو كان مملوكاً ، وجب عليه مع الجزاء القيمة للمالك.

وقال الحكم والثوري وأبو ثور : لا بأس بأكله. وبه قال ابن المنذر(٥) .

وقال عمرو بن دينار وأيّوب السختياني : يأكله الحلال(٦) .

وللشافعي قول قديم : إنّه يحلّ لغيره الأكل منه(٧) .

قال ابن المنذر : الذبح حرام ، أمّا الأكل فلا ؛ لأنّه بمنزلة السارق إذا‌

____________________

(١) بدل ما بين القوسين في النسخ الخطية والحجرية : ( ولا على غيره ) وما أثبتناه هو الصحيح والموافق لما في فتح العزيز.

(٢) الهداية - للمرغيناني - ١ : ١٧٤ ، فتح العزيز ٧ : ٥٠٨ ، المجموع ٧ : ٣٢٤.

(٣) المغني ٣ : ٢٩٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٠٣ ، المحرّر في الفقه ١ : ٢٤٠ ، المدوّنة الكبرى ١ : ٤٣٦ ، المنتقى - للباجي - ٢ : ٢٤٨ و ٢٥٠ ، الوجيز ١ : ١٢٨ ، فتح العزيز ٧ : ٤٩٤ ، المهذب - للشيرازي - ١ : ٢١٨ ، المجموع ٧ : ٣٣٠ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٨٥ ، الهداية - للمرغيناني - ١ : ١٧٣ ، بدائع الصنائع ٢ : ٢٠٤.

(٤) التهذيب ٥ : ٣٧٧ / ١٣١٦ ، الاستبصار ٢ : ٢١٤ / ٧٣٤.

(٥و٦) المغني ٣ : ٢٩٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٠٣ ، المجموع ٧ : ٣٣٠.

(٧) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢١٨ ، المجموع ٧ : ٣٣٠ ، فتح العزيز ٧ : ٤٩٤ ، المغني ٣ : ٢٩٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٠٣.


ذبح(١) .

وليس بجيّد ؛ لأنّ التحريم هنا لحقّ الله تعالى ، فكان كالميتة ، بخلاف السارق.

فعلى هذا لو كان مملوكاً فعليه مع الجزاء ما بين قيمته حيّاً ومذبوحاً للمالك.

وهل يحلّ له بعد زوال الإِحرام؟ فيه للشافعية وجهان ، أظهرهما : لا(٢) .

فروع :

أ - لو ذبحه الـمُحلّ في الحرم ، كان حكمه حكم الـمُحْرم إذا ذبحه يكون حراماً ؛ لما تقدّم(٣) في حديث عليعليه‌السلام .

ولقول الصادقعليه‌السلام في حمام ذُبح في الحلّ ، قال : « لا يأكله مُحْرم ، وإذا أدخل مكة أكله المـُحلّ بمكة ، وإن اُدخل الحرم حيّاً ثم ذُبح في الحرم فلا يأكله لأنّه ذُبح بعد ما بلغ مأمنه »(٤) .

ب - لو صاده مُحلٌّ وذَبَحه في الحِلّ ، كان حلالاً على الـمُحلّ في الحِلّ والحرم ، سواء كان للمُحْرم فيه إعانة بإشارة أو دلالة أو إعارة سلاح أو لا ، لا بمشاركة في الذبح.

ج - لو صاده الـمُحْرم من أجل الـمُحلّ ، لم يُبحْ أكله ، وليس بحرام.

ولو صاده الـمُحلّ من أجل الـمُحرم ، كان حراماً على الـمُحرم وبه قال عليعليه‌السلام ، وابن عباس وابن عمر وعائشة وعثمان ومالك والشافعي(٥) .

____________________

(١) انظر : المغني ٣ : ٢٩٥ ، والشرح الكبير ٣ : ٣٠٣ ، والمجموع ٧ : ٣٣٠.

(٢) فتح العزيز ٧ : ٤٩٤ ، المجموع ٧ : ٣٠٤.

(٣) تقدّم في صفحة ٢٧٢.

(٤) التهذيب ٥ : ٣٧٦ / ١٣١٠ ، الإستبصار ٢ : ٢١٣ / ٧٢٨.

(٥) المغني ٣ : ٢٩٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٠٠ ، المجموع ٧ : ٣٢٤ ، المبسوط - للسرخسي – ٤ =


وقال أبو حنيفة : ليس بحرام(١) .

د - لو صاده الـمُحلّ في الحِلّ وذَبَحه في الحِلّ لأجل الـمُحرم ، لم يحلّ على الـمُحْرم ، ويحلّ على الـمُحلّ في الحِلّ والحرم ؛ لأنّ الحكم بن عتيبة سأل الباقرعليه‌السلام : ما تقول في حمام أهلي ذُبح في الحلّ وادخل الحرم؟

فقال : « لا بأس بأكله إن كان مُحلاً ، وإن كان مُحرْماً فلا »(٢) .

ه - لو صاد الـمُحْرم صيداً في الحِلّ‌ وذَبَحه الـمُحلّ ، حلَّ للمُحلّ لا للمُحْرم.

مسألة ٢٠٦ : لو قتل الـمُحْرم صيداً ثم أكله ، وجب عليه فداءان ، أحدهما للقتل ، والآخر للأكل ، قاله بعض علمائنا(٣) - وبه قال عطاء وأبو حنيفة(٤) - لأنّه مُحْرم أكل صيداً مُحرّماً عليه ، فضمنه ، كما لو أكل صيداً ذبحه غيره.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « وأيّ قوم اجتمعوا على صيد فأكلوا منه فإنّ على كلّ إنسان منهم قيمة ، وإن اجتمعوا عليه في صيد فعليهم مثل ذلك »(٥) .

ولأنّ الفعلين لو صدرا عن اثنين كان على كلٍّ منهما فداء كامل ، فكذا لو اجتمعا لواحد.

____________________

= ٤: ٨٧ ، بدائع الصنائع ٢ : ٢٠٥ ، الهداية - للمرغيناني - ١ : ١٧٤ ، تفسير القرطبي ٦ : ٣٢٢ ، المنتقى - للباجي - ٢ : ٢٤٨ ، المدوّنة الكبرى ١ : ٤٣٦.

(١) الهداية - للمرغيناني - ١ : ١٧٤ ، المغني ٣ : ٢٩٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٠٠ ، تفسير القرطبي ٦ : ٣٢٢.

(٢) الاستبصار ٢ : ٢١٣ / ٧٢٧ ، والتهذيب ٥ : ٣٧٥ - ٣٧٦ / ١٣٠٩‌

(٣) النهاية - للطوسي - : ٢٢٧.

(٤) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٨٦ ، بدائع الصنائع ٢ : ٢٠٣ و ٢٠٤ ، الهداية - للمرغيناني - ١ : ١٧٣ ، المغني ٣ : ٢٩٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٠٢ ، المجموع ٧ : ٣٣٠ ، بداية المجتهد ١ : ٣٥٩ ، المنتقى - للباجي - ٢ : ٢٥٠ ، حلية العلماء ٣ : ٢٩٨.

(٥) التهذيب ٥ : ٣٧٠ / ١٢٨٨.


والوجه : وجوب الجزاء بالقتل ، وقيمة المأكول بالأكل.

وقال الشافعي : يضمن القتل دون الأكل - وبه قال مالك وأحمد(١) - لأنّه صيد مضمون بالجزاء ، فلا يضمن ثانياً ، كما لو أتلفه بغير الأكل. ولأنّ تحريمه لكونه ميتة ، والميتة لا تُضمن بالجزاء(٢) .

والفرق ثابت بين الأكل والإِتلاف بغيره ، ونمنع تعليل التحريم بذلك ، ويعارض بما لو صيد لأجله فأكله ، فإنّه يضمنه عند أحمد والشافعي في القديم(٣) .

مسألة ٢٠٧ : لو رمى اثنان صيداً فأصابه أحدهما وأخطأ الآخر ، فعلى كلّ واحد منهم فداء كامل ، أمّا المصيب : فلإِصابته ، وأمّا المخطئ : فلإِعانته.

وما رواه إدريس بن عبد الله ، قال : سألت أبا عبد الله الصادقعليه‌السلام : عن مُحْرمين يرميان صيداً فأصابه أحدهما ، الجزاء بينهما أو على كلّ واحد منهما؟ قال : « عليهما جميعاً يفدي كلّ واحد منهما على حدته »(٤) .

وسأل ضريسُ بن أعين الباقرَعليه‌السلام : عن رجلين مُحْرمين رميا صيدا فأصابه أحدهما ، قال : « على كلّ واحد منهما الفداء »(٥) .

مسألة ٢٠٨ : لو أوقد جماعة محرمون نارا فاحترق فيها طائر ، فإن كان قصدهم ذلك ، كان على كلّ واحد منهم فداء كامل ، وإن لم يكن قصدهم ذلك ، كان عليهم بأسرهم فداء واحد ؛ لما رواه أبو ولّاد الحنّاط ، قال : خرجنا ستة نفر من أصحابنا إلى مكة ، فأوقدنا ناراً عظيمة في بعض المنازل أردنا أن نطرح عليها لحماً نُكبّبه وكُنّا مُحْرمين ، فمرّ بها طير صافّ مثل حمامة‌

____________________

(١ و ٢) المغني ٣ : ٢٩٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٠٢ ، المجموع ٧ : ٣٠٥ و ٣٣٠ ، حلية العلماء ٣ : ٢٩٨ ، المنتقى - للباجي - ٢ : ٢٥٠ ، الموطأ ١ : ٣٥٤.

(٣) المغني ٣ : ٢٩٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٠٢ ، المجموع ٧ : ٣٠٣.

(٤) التهذيب ٥ : ٣٥١ - ٣٥٢ / ١٢٢٢.

(٥) التهذيب ٥ : ٣٥٢ / ١٢٢٣.


أو شبهها ، فاحترقت جناحاه فسقطت في النار فماتت ، فاغتممنا لذلك ، فدخلت على أبي عبد اللهعليه‌السلام بمكة ، وأخبرته وسألته ، فقال : « عليكم فداء واحد دم شاة ، وتشتركون فيه جميعاً ، لأنّ ذلك كان منكم على غير تعمّد ، ولو كان ذلك منكم تعمّدا ليقع فيها الصيد فوقع ، ألزمت كلّ واحد منكم دم شاة » قال أبو ولّاد : كان ذلك منّا قبل أن ندخل الحرم(١) .

مسألة ٢٠٩ : الـمُحْرم يضمن الصيد ، في الحِلّ كان أو في الحرم ، وأمّا المحلّ فإن كان في الحرم ، ضمنه فيه ، وإلاّ فلا ، عند علمائنا ، وبه قال أكثر العامة(٢) ، خلافا لداود ، فإنّه حكي عنه أنّه قال : لا ضمان على المحلّ إذا قتل الصيد في الحرم(٣) .

وهو غلط ، لما رواه العامّة عن عليعليه‌السلام ، وابن عباس وعمر وعثمان وابن عمر أنّهم قضوا في حمام الحرم بشاة شاة(٤) ، ولم ينقل خلاف لغيرهم.

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « وإن أصبته وأنت حرام في الحِلّ فعليك القيمة»(٥) .

إذا عرفت هذا ، فكلّ صيد يحرم ويُضمن في الإِحرام يحرم ويضمن في حرم مكة للمُحلّ ، إلّا القمل والبراغيث ، فإنّه لا يجوز قتلها حالة الإِحرام ، ويجوز للمُحلّ في الحرم ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « لا بأس بقتل القمل‌

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٣٥٢ - ٣٥٣ / ١٢٢٦.

(٢) المغني ٣ : ٢٩١ و ٣٥٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٩٩ و ٣٧١ ، المجموع ٧ : ٤٩٠ ، بداية المجتهد ١ : ٣٥٩.

(٣) المغني ٣ : ٣٥٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٧١ ، المجموع ٧ : ٤٩٠ ، بداية المجتهد ١ ٣٥٩.

(٤) المغني ٣ : ٣٥٠ و ٣٥١ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٧١ وفيهما عن غير عليعليه‌السلام .

(٥) التهذيب ٥ : ٣٧٠ / ١٢٨٨.


والبق في الحرم ، ولا بأس بقتل النملة في الحرم »(١) وبه قال الشافعي(٢) وقال مالك : يحرم قتل الديدان ، وإن قَتَلها فَداها(٣) .

مسألة ٢١٠ : لا يؤثّر الإِحرام ولا الحرم تحريم شي‌ء من الحيوان الأهلي‌

وإن توحّش كالإِبل والبقر والغنم ، بإجماع العلماء.

و ما رواه العامة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال : ( أفضل الحجّ العجّ والثجّ )(٤) يعني إسالة الدماء بالذبح والنحر.

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « يذبح في الحرم الإِبل والبقر والغنم والدجاج »(٥) إذا عرفت هذا ، فالدجاج الأهلي يجوز ذبحه للمُحلّ والـمُحْرم ، وأكله لهما في الحِلّ والحرم إجماعاً.

وأمّا الدجاج الحبشي : فعندنا أنّه كالأهلي يجوز للمُحْرم ذبحه وأكله في الحِلّ والحرم ، ولا جزاء فيه ؛ لقول الصادقعليه‌السلام وقد سأله معاوية بن عمّار عن دجاج الحبش ، فقال : « ليس من الصيد ، إنّما الصيد ما كان بين السماء والأرض »(٦) .

وقال الشافعي : فيه الجزاء(٧) .

وليس بشي‌ء ؛ لأصالة البراءة.

____________________

(١) الفقيه ٢ : ١٧٢ / ٧٦١ ، التهذيب ٥ : ٣٦٦ / ١٢٧٧ بتفاوت يسير.

(٢) الاُم ٢ : ٢٠١ ، فتح العزيز ٧ : ٤٨٨ - ٤٨٩ ، المجموع ٧ : ٣٣٤.

(٣) المغني ٣ : ٣٤٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٣١١.

(٤) سنن الترمذي ٣ : ١٨٩ / ٨٢٧ ، سنن ابن ماجة ٢ : ٩٧٥ / ٩٢٤ ، سنن الدارمي ٢ : ٣١ بتفاوت.

(٥) التهذيب ٥ : ٣٦٧ / ١٢٧٩.

(٦) التهذيب ٥ : ٣٦٧ / ١٢٨٠ ، وفي الكافي ٤ : ٢٣٢ ( باب ما يذبح في الحرم ) الحديث ٢ ، والفقيه ٢ : ١٧٢ / ٧٥٦ بتفاوت يسير.

(٧) الحاوي الكبير ٤ : ٣٣١ ، المجموع ٧ : ٢٩٦.


مسألة ٢١١ : لا كفّارة في قتل السباع ، سواء كانت طائرةً أو ماشيةً ، كالبازي والصقر والشاهين والعقاب ونحوها ، والنمر والفهد وغيرهما ، ذهب إليه علماؤنا - وبه قال أحمد ومالك والشافعي(١) - لما رواه العامة عن عائشة قالت : أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بقتل خمس فواسق في الحرم : الحِدَأَة والغُراب والفأرة والعقرب والكلب العقور(٢) ، نصّ من كلّ جنس على صنف من أدناه تنبيهاً على الأعلى ، فنبّه بالحِدَأة والغُراب على البازي والعقاب وشبههما ، وبالفأرة على الحشرات ، وبالعقرب على الحيّة ، وبالكلب العقور على السباع.

قال مالك : الكلب العقور ما عقر الناس وعدا عليهم كالأسد والنمر والفهد والذئب(٣) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « كلّ ما يخاف الـمُحْرم على نفسه من السباع والحيّات وغيرها فليقتله وإن لم يردّك فلا تردّه »(٤) .

وقال أبو حنيفة : تُقتل الحيّة والغراب الأبقع والفأرة والكلب العقور والذئب والحدأة لا غير ؛ لأنّ الحديث خصّص الفواسق الخمس(٥) .

____________________

(١) المغني ٣ : ٣٤٤ - ٣٤٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٣١٠ ، المدوّنة الكبرى ١ : ٤٤٢ ، المنتقى - للباجي - ٢ : ٢٦٠ و ٢٦٣ ، الحاوي الكبير ٤ : ٣٤١ ، المجموع ٧ : ٣١٦ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٩٠.

(٢) سنن الدارمي ٢ : ٣٦ - ٣٧ ، وأورده ابنا قدامة في المغني ٣ : ٣٤٣ ، والشرح الكبير ٣ : ٣١٠.

(٣) المنتقى - للباجي - ٢ : ٢٦٢ ، المغني ٣ : ٣٤٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٣١٠ ، المجموع ٧ : ٣٣٣.

(٤) الكافي ٤ : ٣٦٣ / ١ ، التهذيب ٥ : ٣٦٥ / ١٢٧٢ ، الاستبصار ٢ : ٢٠٨ / ٧١١.

(٥) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٩٠ ، الهداية - للمرغيناني - ١ : ١٧٢ ، فتح العزيز ٧ : ٤٨٨ ، المغني ٣ : ٣٤٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٣١٠.


والتخصيص بالذكر لا يدلّ على نفي الحكم عمّا عداه.

إذا عرفت هذا ، فقد روى أصحابنا أنّ مَنْ قتل أسداً لم يردّه ، كان عليه كبش :

روى أبو سعيد المكاري عن الصادقعليه‌السلام رجل قتل أسداً في الحرم ، فقال : « عليه كبش يذبحه »(١) .

وأمّا الغُراب والحِدَأَة : فقد روى معاوية بن عمّار عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « وارم الغُراب والحِدَأَة عن ظهر بعيرك »(٢) .

وأمّا الذئب وغيره من أنواع السباع : فلا جزاء عليه ، سواء صال أو لم يَصُلْ - وبه قال الشافعي(٣) - لأنّ حفظ النفس واجب ، ولا يتمّ إلّا بقتلها.

وقال أبو حنيفة : إن صال ، لم يكن عليه شي‌ء ، وإن لم يَصُلْ ، وجب عليه الجزاء(٤) .

وأمّا الضبع : فقال الشيخرحمه‌الله : لا كفّارة فيه وكذا السِّمْع المتولّد بين الذئب والضبع(٥) .

وقال الشافعي : فيهما الجزاء(٦) .

والأصل براءة الذمّة.

قال الشيخرحمه‌الله : الحيوان إمّا مأكول إنسي ، كبهيمة الأنعام ، ولا‌

____________________

(١) الكافي ٤ : ٢٣٧ - ٢٣٨ / ٢٦ ، التهذيب ٥ : ٣٦٦ / ١٢٧٥ ، الاستبصار ٢ : ٢٠٨ / ٧١٢‌

(٢) الكافي ٤ : ٣٦٣ / ٢ ، التهذيب ٥ : ٣٦٥ - ٣٦٦ / ١٢٧٣.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٤٨٧ - ٤٨٨ ، المجموع ٧ : ٣١٦ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٩٠.

(٤) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٩٠ ، الهداية - للمرغيناني - ١ : ١٧٢ - ١٧٣ ، أحكام القرآن - للجصّاص - ٢ : ٤٦٨.

(٥) الخلاف ٢ : ٤١٧ ، المسألة ٣٠٠.

(٦) الاُم ٢ : ١٩٢ ، الحاوي الكبير ٤ : ٣٤١ ، الوجيز ١ : ١٢٨ ، فتح العزيز ٧ : ٤٨٩ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢١٩ ، المجموع ٧ : ٣١٧.


يجب بقتلها فدية ، أو وحشي ، كالغزلان وحمر الوحش وبقرة ، ويجب الجزاء بقتله إجماعاً.

وما ليس بمأكول أقسامه ثلاثة :

ما لا جزاء فيه إجماعاً ، كالحيّة والعقرب وشبههما.

وما يجب فيه الجزاء عند العامّة ولا نصّ لأصحابنا فيه.

والأولى فيه عدم الجزاء ؛ لأصالة البراءة ، كالمتولّد بين ما يجب فيه الجزاء وما لا يجب كالسِّمْع المتولّد بين الضبع والذئب ، والمتولّد بين الحمار الوحشي والأهلي.

ومختلف فيه ، كجوارح الطير وسباع البهائم ، ولا يجب فيه الجزاء عندنا.

ويجوز قتل صغار السباع وإن لم تكن محذورة ، وقتل الزنابير والبراغيث والقمل ، إلّا أنّه إذا قتل القمل على بدنه ، لا شي‌ء عليه ، وإن أزاله عن جسمه ، فعليه الفداء(١) . هذا آخر كلامه.

لكن روى أصحابنا أنّ الزنبور إن قتله خطأ ، لا شي‌ء عليه ، وإن قتله عمداً ، كان عليه أن يتصدّق بشي‌ء من الطعام ؛ لأنّ معاوية بن عمار روى - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام وسأله عن مُحْرم قتل زنبوراً ، فقال : « إن كان خطأ فلا شي‌ء » قلت : بل عمداً ، قال : « يطعم شيئاً من الطعام »(٢) .

إذا ثبت هذا فكلّ ما أدخله الإِنسان إلى الحرم من السباع أسيراً فإنّه يجوز له إخراجه منه ؛ لأنّ قتله مباح ، فإخراجه أولى.

وسُئل الصادقعليه‌السلام عن رجل أدخل فهذاً الى الحرم أَلَهُ أن يُخرجه؟ فقال : « هو سبع ، وكلّ ما أدخلت من السبع الحرم أسيراً فلك أن‌

____________________

(١) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٣٨ - ٣٣٩.

(٢) الكافي ٤ : ٣٦٤ / ٥ ، التهذيب ٥ : ٣٦٥ / ١٢٧١.


تخرجه »(١) .

مسألة ٢١٢ : الجراد عندنا من صيد البرّ يحرم قتله ، ويضمنه الـمُحْرم في الحِلّ ، والـمُحلّ في الحرم ، عند علمائنا - وبه قال عليعليه‌السلام وابن عباس وعمر ، وأكثر أهل العلم(٢) - لما رواه العامّة عن ابن عمر أنّه قال لكعب في جرادتين : ما فعلت في تينك(٣) ؟ قال : بَخٍ درهمان خير من مائة جرادة(٤) .

ومن طريق الخاصّة : قول الباقرعليه‌السلام : « الـمُحْرم لا يأكل الجراد »(٥) .

وقال أبو سعيد الخدري : هو من صيد البحر(٦) . وللشافعي قول غريب إنّه من صيد البحر ؛ لأنّه يتولّد من روث السمك(٧) - وعن أحمد روايتان(٨) - لما روي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : أنّه من صيد البحر(٩) .

قال أبو داود : الظاهر أنّهعليه‌السلام قال : ( إنّه من صيد البرّ ) فوَهَم الراوي(١٠) .

____________________

(١) الفقيه ٢ : ١٧٢ / ٧٦٠ ، التهذيب ٥ : ٣٦٧ / ١٢٨١.

(٢) المغني ٣ : ٥٤٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٣١٦ ، بداية المجتهد ١ : ٣٦٣ ، المجموع ٧ : ٢٩٦ و ٣٣١ ، فتح العزيز ٧ : ٤٩٠.

(٤) الاُم ٢ : ١٩٦ ، مختصر المزني : ٧٢ ، المغني ٣ : ٥٤٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٣١٦ ، المجموع ٧ : ٣٣٢.

(٥) التهذيب ٥ : ٣٦٣ / ١٢٦٢.

(٦) الحاوي الكبير ٤ : ٣٣٢ ، المغني ٣ : ٥٤٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٣١٦.

(٧) فتح العزيز ٧ : ٤٩٠.

(٨) المغني ٣ : ٥٤٤ و ٥٤٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٣١٦.

(٩) سنن أبي داود ٢ : ١٧١ / ١٨٥٣ و ١٨٥٤ ، سنن البيهقي ٥ : ٢٠٧.

(١٠) راجع سنن أبي داود ٢ : ١٧١ ذيل الحديث ١٨٥٤ ، والمغني ٣ : ٥٤٥ ، والشرح الكبير ٣ : ٣١٦.


مسألة ٢١٣ : الـمُحرَّم على الـمُحْرم مطلقاً وعلى الـمُحلّ في الحرم إنّما هو صيد البرّ ، أمّا صيد البحر فإنّه سائغ لكلّ أحد ، ولا فدية فيه ، بالنصّ والإِجماع :

قال الله تعالى :( أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيّارَةِ ) (١) .

وقال الصادقعليه‌السلام : « لا بأس أن يصيد الـمُحْرم السمك ويأكله طريّه ومالحه ويتزوّد »(٢) .

وأجمع أهل العلم كافّة على أنّ صيد البحر مباح للمُحْرم اصطياده وأكله وبيعه وشراؤه.

إذا ثبت هذا ، فإنّ صيد البحر هو ما يعيش في الماء ويبيض ويفرخ فيه ، كالسمك وأشباهه ممّا يحل ، وكالسلحفاة والسرطان ونحوهما.

فإن كان ممّا يعيش في البرّ والبحر معاً ، اعتبر بالبيض والفرخ ، فإن كان ممّا يبيض ويفرخ في البحر ، فهو صيد البحر ، وإن كان يبيض ويفرخ في البرّ ، فهو صيد البرّ ، لا نعلم فيه خلافاً ، إلّا من عطاء ؛ فإنّه حُكي عنه أنّ ما يعيش في البرّ - كالسلحفاة والسرطان - فيه الجزاء ؛ لأنّه يعيش في البرّ ، فأشبه طير الماء(٣) .

وهو ممنوع ؛ لأنّه يبيض ويفرخ في الماء ، فأشبه السمك.

وأمّا طير الماء كالبطّ ونحوه ، فإنّه صيد البرّ في قول عامّة أهل العلم(٤) ، وفيه الجزاء ؛ لأنّه يبيض ويفرخ في البرّ ، فكان من صيده ، كسائر طيوره.

____________________

(١) المائدة : ٩٦.

(٢) التهذيب ٥ : ٣٦٥ / ١٢٧٠.

(٣) المغني ٣ : ٥٤٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٣١٥.

(٤) المغني ٣ : ٥٤٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٣١٥.


و [ عن ](١) عطاء : أنّه قال : حيث يكون أكثر فهو صيده(٢) .

وليس بجيّد ؛ لما تقدّم ، وإقامته في البحر ؛ لطلب الرزق والمعيشة منه ، كالصيّاد.

ولو كان لجنس من الحيوان نوعان : بحري وبرّي ، كالسلحفاة ، فلكلّ نوعٍ حكمُ نفسه ، كالبقر منه الوحشي محرّم ومنه الإِنسي محلّل.

مسألة ٢١٣ : لو صاد الـمُحْرم صيداً ، لم يملكه ، سواء كان في الحلّ أو في الحرم إجماعاً ؛ لعموم :( وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً ) (٣) .

وسأل محمدُ بن مسلم الصادقَعليه‌السلام عن ظبي دَخَل الحرم ، قال : « لا يؤخذ ولا يمسّ ، إنّ الله تعالى يقول :( وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ) (٤) »(٥) .

إذا ثبت هذا ، فلو تلف في يده ، كان ضمانه عليه ؛ لأنّه سبب في الإِتلاف.

وقال الصادقعليه‌السلام : « لا يحرم أحد ومعه شي‌ء من الصيد حتى يُخرجه من ملكه ، فإن أدخله الحرم وجب عليه أن يخلّيه ، فإن لم يفعل حتى يدخل الحرم ومات لزمه الفداء »(٦) .

وسأل بكيرُ بن أعين الباقرَعليه‌السلام : عن رجل أصاب ظبياً فأدخله الحرم فمات الظبي في الحرم ، فقال : « إن كان حين أدخله خلّى سبيله فلا‌

____________________

(١) في النسخ الخطية والحجرية : قال ، وما أثبتناه يقتضيه السياق.

(٢) المغني ٣ : ٥٤٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٣١٥.

(٣) المائدة : ٩٦.

(٤) آل عمران : ٩٧.

(٥) التهذيب ٥ : ٣٦٢ / ١٢٥٨.

(٦) التهذيب ٥ : ٣٦٢ / ١٢٥٧.


شي‌ء عليه ، وإن كان أمسكه حتى مات فعليه الفداء »(١) .

أمّا لو كان الصيد في منزله ، لم يجب عليه إرساله ، ولا يزول ملكه عنه ؛ لأصالة بقاء الملك على مالكه.

وروى صفوان - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : قلت له : الصيد يكون عند الرجل من الوحش في أهله أو من الطير يحرم وهو في منزله ، قال : « لا بأس لا يضرّه »(٢) .

مسألة ٢١٤ : إذا اضطرّ الـمُحْرم الى أكل الصيد ، أكل منه - كما يأكل من الميتة‌ - قدر ما يمسك به الرمق ، ولا يجوز له الشبع ولا التجاوز عن ذلك إجماعاً.

ولو وجد المضطرّ إلى أكله ميتةً ، فلعلمائنا قولان :

قال بعضهم : يأكل الميتة(٣) - وبه قال الحسن البصري والثوري وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن(٤) - لأنّ الصيد إذا ذبح صار ميتة فساواها في التحريم ، وامتاز بإيجاب الجزاء وما يتعلّق به من هتك حرمة الإِحرام ، فكان أكل الميتة أولى.

ولقول عليعليه‌السلام : « إذا اضطرّ الـمُحْرم إلى الصيد وإلى الميتة فليأكل الميتة التي أحلّ الله له »(٥) .

وقال بعضهم : يأكل الصيد ويُفديه(٦) - وبه قال الشافعي وإسحاق وابن‌

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٣٦٢ / ١٢٥٩.

(٢) الكافي ٤ : ٣٨٢ / ٩ ، التهذيب ٥ : ٣٦٢ - ٣٦٣ / ١٢٦٠ ، وفيهما : صفوان عن جميل.

(٣) كما في السرائر : ١٣٣ ، وقوّاه ابن إدريس.

(٤) المغني ٣ : ٢٩٦ و ١١ : ٧٩ ، الشرح الكبير ١١ : ١٠٣.

(٥) التهذيب ٥ : ٣٦٨ / ١٢٨٤ ، الاستبصار ٢ : ٢٠٩ / ٧١٥.

(٦) كما في السرائر : ١٣٣ ، وهو قول السيد المرتضى ، انظر : جُمل العلم والعمل ( ضمن رسائل الشريف المرتضى ) ٣ : ٧٢.


المنذر وأبو يوسف(١) - لأنّه مع الضرورة والفدية يخرج من الإِثم ، فيكون واجداً للمذبوح حلالاً ، فلا تحلّ له الميتة.

ولأنّ تحريم الصيد عارض وتحريم الميتة ذاتي ، فيكون الأول أولى بالتناول.

ولقول الصادقعليه‌السلام وقد سأله عن الـمُحْرم يضطرّ فيجد الميتة والصيد أيّهما يأكل؟ قال : « يأكل من الصيد ، أما يحبّ أن يأكل من ماله؟ » قلت : بلى ، قال : « إنما عليه الفداء فليأكل وليفده »(٢) .

وقال بعض علمائنا : إن كان الصيد حيّاً ، لم يجز له ذبحه ؛ لأنّه يصير ميتة إجماعاً ، فليأكل الميتة ، وإن كان مذبوحاً فإن كان الذابح مُحْرماً فهو كالميتة ؛ لأنّه لا فرق بينهما ، وإن كان مُحلاً فإن كان في الحرم ، فهو ميتة أيضا ، وإن كان في الحلّ فإن كان المحرم المضطر قادرا على الفداء ، أكل الصيد ولم يأكل الميتة ، وإن لم يكن قادراً ، أكل الميتة(٣) .

مسألة ٢١٥ : قد بيّنّا تحريم إمساك الصيد على الـمُحْرم ، فيضمنه لو فعل ، فلو أمسكه حتى حلّ ، لزمه إرساله ، وليس له ذبحه ، فإن ذبحه ، ضمن وحرم أكله ؛ لأنّه صيد ضمنه بحرمة الإِحرام ، فلم يبح أكله ، كما لو ذبحه حال إحرامه.

هذا إذا كان في الحرم ، أمّا لو كان الصيد في الحلّ فأمسكه وهو مُحْرم ، ضمنه ، لأنّ الصيد حرام على الـمُحْرم وإن كان في الحِلّ ، فإن أمسكه حتى حلّ ، جاز له ذبحه ، وفي الضمان إشكال من حيث تعلّقه به بسبب الإِمساك.

مسألة ٢١٦ : مَنْ ملك صيداً في الحِلّ وأدخله الحرم ، وجب عليه‌

____________________

(١) المهذب - للشيرازي - ١ : ٢٥٧ - ٢٥٨ ، المجموع ٩ : ٤٩ ، المغني ٣ : ٢٩٦ و ١١ : ٧٩ ، الشرح الكبير ١١ : ١٠٣ ، وانظر : حلية العلماء ٣ : ٣٢٠.

(٢) التهذيب ٥ : ٣٦٨ / ١٢٨٣.

(٣) كما في السرائر : ١٣٣.


إرساله ، وزال ملكه عنه ، ولو تلف في يده أو أتلفه ، كان عليه ضمانه - وبه قال ابن عباس وعائشة وابن عمر وعطاء وطاوس وإسحاق وأحمد وأصحاب الرأي(١) - لأنّ الحرم سبب مُحرِّم للصيد ، ويوجب ضمانه ، فيحرم استدامة إمساكه ، كالإِحرام.

ولأنّ محمد بن مسلم روى - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : سألته عن ظبي دخل الحرم ، قال : « لا يؤخذ ولا يُمسّ ، إنّ الله تعالى يقول :( وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ) »(٢) .

وسأل بكيرُ بن أعين الباقرَعليه‌السلام عن رجل أصاب ظبياً فأدخله الحرم فمات الظبي في الحرم ، فقال : « إن كان حين أدخله خلّى سبيله فلا شي‌ء عليه ، وإن كان أمسكه حتى مات فعليه الفداء »(٣) .

وقال الشافعي : لو أدخل الحرم صيداً مملوكاً له ، كان له أن يمسكه ، ويذبحه كيف شاء ، كالنعم ؛ لأنّه صيد الحِلّ دون الحرم(٤) .

وليس بجيّد.

ولو كان مقصوص الجناح ، أمسكه حتى ينبت ريشه ويُخلّي سبيله ، أو يودعه من ثقة حتى ينبت ريشه ؛ لأنّ حفظه واجب وإنّما يتمّ بذلك.

ولما رواه الحكم بن عتيبة(٥) ، قال : سألت الباقرعليه‌السلام : ما تقول في رجل اُهدي له حمام أهلي - وهو في الحرم - [ من غير الحرم ](٦) ؟ فقال :

____________________

(١) المغني ٣ : ٣٥٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٠٧ ، فتح العزيز ٧ : ٥٠٩ ، بدائع الصنائع ٢ : ٢٠٨.

(٢) التهذيب ٥ : ٣٦٢ / ١٢٥٨ ، والآية ٩٧ من سورة آل عمران.

(٣) التهذيب ٥ : ٣٦٢ / ١٢٥٩.

(٤) فتح العزيز ٧ : ٥٠٩ ، المجموع ٧ : ٤٤٢ و ٤٩١ ، المغني ٣ : ٣٥٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٠٧.

(٥) في النسخ الخطية والحجرية عيينة. وما أثبتناه هو الموافق للمصدر.

(٦) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطية والحجرية : غير المحرم. وما أثبتناه هو الموافق =


« أمّا إن كان مستوياً خلّيت سبيله ، وإن كان غير ذلك أحسنت إليه حتى إذا استوى ريشه خلّيت سبيله »(١) .

ولأنّ تخليته تتضمّن إتلافه ؛ لأنّه لا يتمكّن من الامتناع عن صغار الحيوان.

مسألة ٢١٧ : حمام الحرم لا يحلّ صيده وإن كان في الحِلّ ؛ لأنّه يصدق عليه أنّه صيد الحرم ، فيدخل تحت قولهعليه‌السلام : ( لا يُنفَّر صيدها )(٢) .

وما رواه علي بن جعفر - في الصحيح - قال : سألت الكاظمعليه‌السلام عن حمام الحرم يصاد في الحِلّ ، فقال : « لا يصاد حمام الحرم حيث كان إذا علم أنّه من حمام الحرم »(٣) .

إذا عرفت هذا ، فإنّ صيد الحرم يضمنه المسلم والكافر والحُرّ والعبد والكبير والصغير والرجل والمرأة إجماعاً ؛ لأنّ الحرمة تعلّقت بمحلّه بالنسبة إلى الجميع ، فوجب على الجميع ضمانه كالآدمي ، وللعمومات الدالّة عليه.

مسألة ٢١٨ : لو رمى المحلّ من الحِلّ صيداً في الحرم فقتله ، أو أرسل كلبه عليه فقتله ، أو قتل صيداً على فرع شجرة في الحرم أصلها في الحِلّ ، ضمنه في جميع هذه الصُور عند علمائنا أجمع - وبه قال الثوري والشافعي وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي وأحمد في إحدى الروايتين(٤) -

____________________

= للمصدر.

(١) التهذيب ٥ : ٣٤٨ / ١٢٠٧.

(٢) صحيح البخاري ٣ : ١٨ ، صحيح مسلم ٢ : ٩٨٨ / ١٣٥٥ ، سنن أبي داود ٢ : ٢١٢ / ٢٠١٧ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٣٨ / ٣١٠٩ ، سنن النسائي ٥ : ٢١١ ، سنن البيهقي ٥ : ١٩٥ ، مسند أحمد ١ : ١١٩ و ٢٥٣.

(٣) التهذيب ٥ : ٣٤٨ / ١٢٠٩.

(٤) الحاوي الكبير ٤ : ٣٠٨ - ٣٠٩ و ٣٢٣ و ٣٢٤ ، فتح العزيز ٧ : ٥٠٩ ، المجموع ٧ : ٤٤٤ و ٤٩٧ ، حلية العلماء ٣ : ٣٢١ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٨٥ و ١٠٣ ، بدائع الصنائع =


لقولهعليه‌السلام : ( لا ينفّر صيدها )(١) ولم يفرّق بين أن يكون المنفّر في الحلّ أو في الحرم.

ولأنّه أصاب الصيد في موضع أمنه.

وقال أحمد في الرواية الثانية : لا ضمان عليه في ذلك كلّه(٢) .

ولو رمى من الحرم صيداً في الحلّ ، أو أرسل كلبه عليه ، ضمنه - وبه قال الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين(٣) - لأنّ الصيد مُحرَّم على مَنْ في الحرم.

ولما رواه مسمع عن الصادقعليه‌السلام في رجل حَلٍّ في الحرم رمى صيداً خارجاً من الحرم فقتله ، فقال : « عليه الجزاء لأنّ الآفة جاءت الصيد من ناحية الحرم »(٤) .

ولقول عليعليه‌السلام وقد سُئل عن شجرة أصلها في الحرم وأغصانها في الحِلّ على غصن منها طير رماه فصرعه ، قال : « عليه جزاؤه إذا كان أصلها في الحرم »(٥) .

وقال أحمد في الرواية الاُخرى : لا ضمان عليه(٦) .

فروع :

أ - لو رمى من الحِلّ الى صيد في الحِلّ ، أو أرسل كلباً في الحِلّ الى صيد في الحِلّ لكن قطع السهمُ في مروره بهذا الحرمَ ، أو تخطّى الكلب طرف‌

____________________

= ٢ : ٢١١ ، المغني ٣ : ٣٥٤ - ٣٥٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٧٣.

(١) تقدّمت الإِشارة إلى مصادره في الهامش (٢) من ص ٢٨٧.

(٢) المغني ٣ : ٣٥٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٧٣.

(٣) الحاوي الكبير ٤ : ٣٢٤ ، المجموع ٧ : ٤٩٧ ، فتح العزيز ٧ : ٥٠٩ ، المغني ٣ : ٣٥٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٧٤.

(٤) التهذيب ٥ : ٣٦٢ / ١٢٥٦.

(٥) الكافي ٤ : ٢٣٨ / ٢٩ ، التهذيب ٥ : ٣٨٦ / ١٣٤٧.

(٦) المغني ٣ : ٣٥٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٧٤.


الحرم ، قال الشيخرحمه‌الله : لا يضمنه - وبه قال أصحاب الرأي وأحمد وأبو ثور وابن المنذر والشافعية في أحد الوجهين(١) - لأصالة البراءة(٢) .

وفي الوجه الثاني : عليه الضمان(٣) .

ب - لو رمى من الحِلّ صيداً في الحِلّ فقتل صيداً في الحرم ، ضمنه ، وبه قال الثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي(٤) ، خلافاً لأبي ثور ؛ فإنّه قال : لا جزاء فيه(٥) .

وهو خطأ ؛ لأنّه قتل صيداً في الحرم.

ج - لو أرسل كلبه على صيد في الحِلّ فدخل الكلب الحرم فقتل صيداً آخر غيره فيه ، فلا ضمان - وبه قال الثوري والشافعي وأبو ثور وأحمد وأصحاب الرأي(٦) - لأنّ الكلب دخل باختيار نفسه لا بإرساله ، فكان كما لو استرسل.

د - لو أرسل كلبه على صيد فدخل الصيد الحرم فتبعه الكلب فقتله في الحرم ، فالأقوى الضمان - وبه قال عطاء وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد(٧) - لأنّه قتل صيداً حرمياً بإرسال كلبه عليه فضمنه ، كما لو قتله بسهمه.

وقال الشافعي : لا ضمان. وبه قال أبو ثور وابن المنذر وأحمد في‌

____________________

(١) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٩٩ ، المغني ٣ : ٣٥٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٧٤ ، الحاوي الكبير ٤ : ٣٢٤ ، فتح العزيز ٧ : ٥٠٩ - ٥١٠ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٢٥ ، المجموع ٧ : ٤٤٣‌

(٢) الخلاف ٢ : ٤١٢ ، المسألة ٢٨٨.

(٣) الحاوي الكبير ٤ : ٣٢٤ ، فتح العزيز ٧ : ٥٠٩ - ٥١٠ ، المهذب - للشيرازي - ١ : ٢٢٥ ، المجموع ٧ : ٤٤٣.

(٤) المغني ٣ : ٣٥٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٧٥ ، بدائع الصنائع ٢ : ٢٠٩ ، فتح العزيز ٧ : ٥١٠.

(٥) المغني ٣ : ٣٥٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٧٥.

(٦) الحاوي الكبير ٤ : ٣٢٤ ، فتح العزيز ٧ : ٥١٠ ، المغني ٣ : ٣٥٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٧٥.

(٧) المغني ٣ : ٣٥٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٧٥.


إحدى الروايتين(١) .

وفي الاُخرى : إن كان الصيد قريباً من الحرم ، ضمنه ، وإن كان بعيداً ، لم يضمنه. وبه قال مالك(٢) .

ه - لا يجوز له أكل الصيد في هذه المواضع أجمع ، سواء ضمنه أو لا ؛ لأنّه صيد حرمي قُتل في الحرم ، فكان ميتةً.

ولو رمى الـمُحلّ صيداً في الحِلّ فجرحه فتحامل الصيد فدخل الحرم فمات فيه ، قال بعض العامّة : يحلّ أكله ولا جزاء فيه ؛ لأنّ الذكاة حصلت في الحِلّ(٣) .

و - لو رمى الى صيد في الحِلّ فمضى الصيد‌ ودخل في الحرم فأصابه السهم ، وجب عليه الضمان.

ز - لو وقف صيد بعض قوائمه في الحِلّ وبعضها في الحرم فقتله قاتل ، ضمنه ، سواء أصاب ما هو في الحِلّ أو الحرم ؛ تغليباً للحرمة ، وبه قال أبو ثور وأصحاب الرأي وأحمد(٤) .

ح - لو نفّر صيداً من الحرم فأصابه شي‌ء حال نفوره ، ضمنه ؛ لأنّه تسبّب إلى إتلافه ، فكان كما لو أتلفه بشَركة(٥) .

ولو سكن من نفوره ثم أصابه شي‌ء ، فلا ضمان ، وهو قول الثوري(٦) .

مسألة ٢١٩ : لو رمى صيداً فجرحه ومضى لوجهه ولم يعلم حياته‌ ولا‌

____________________

(١) الحاوي الكبير ٤ : ٣٢٤ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٢٥ ، المجموع ٧ : ٤٤٣ ، المغني ٣ : ٣٥٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٧٥.

(٢) المغني ٣ : ٣٥٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٧٥ ، المدوّنة الكبرى ١ : ٤٣٥.

(٣) المغني ٣ : ٣٥٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٧٦‌

(٤) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٩٩ ، بدائع الصنائع ٢ : ٢١١ ، المغني ٣ : ٣٦٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٧٦.

(٥) الشَّرَك : حبائل الصائد. لسان العرب ١٠ : ١٥٠ « شرك ».

(٦) المغني ٣ : ٣٦٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٧٦.


موته ، كان عليه الفداء عند علمائنا ؛ تغليباً للإِتلاف عملاً بالسبب ، واحتياطاً للبراءة.

ولأنّ علي بن جعفر سأل أخاه الكاظمعليه‌السلام : عن رجل رمى صيداً وهو مُحْرم ، فكسر يده أو رجله ، فمضى الصيد على وجهه فلم يدر الرجل ما صنع الصيد ، قال : « عليه الفداء كاملاً إذا لم يدر ما صنع الصيد »(١) .

قال الشيخرحمه‌الله : لو رآه بعد كسر يده أو رجله قد رعى وصلح ، وجب عليه ربع الفداء(٢) ؛ لأنّ علي بن جعفر سأل الكاظمعليه‌السلام عن رجل رمى صيداً وهو محرم فكسر يده أو رجله وتركه فرعى الصيد ، قال : « عليه ربع الفداء »(٣) .

مسألة ٢٢٠ : لو كان الصيد يؤمّ الحرم وهو في الحِلّ ، لم يجز للمُحلّ قتله ، قاله الشيخ(٤) رحمه‌الله ؛ لما رواه عقبة بن خالد عن الصادقعليه‌السلام ، قال : سألته عن رجل قضى حجّه ثم أقبل حتى إذا خرج من الحرم فاستقبله صيد قريباً من الحرم والصيد متوجّه نحو الحرم فرماه فقتله ، ما عليه في ذلك شي‌ء؟ قال : « يفديه على نحوه »(٥) .

وقال بعض علمائنا : إنّه مكروه لا محرَّم(٦) ؛ لما رواه عبد الرحمن بن الحجّاج عن الصادقعليه‌السلام ، في الرجل يرمي الصيد وهو يؤمّ الحرم فتصيبه الرمية فيتحامل بها حتى يدخل الحرم فيموت فيه ، قال : « ليس عليه شي‌ء ، إنّما هو بمنزلة رجل نصب شبكة في الحِلّ فوقع فيها صيد فاضطرب حتى دخل‌

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٣٥٩ / ١٢٤٦.

(٢) النهاية : ٢٢٨ ، المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٤٣ ، التهذيب ٥ : ٣٥٩ ، ذيل الحديث ١٢٤٦.

(٣) التهذيب ٥ : ٣٥٩ / ١٢٤٧ ، الإستبصار ٢ : ٢٠٥ / ٦٩٨.

(٤) النهاية : ٢٢٨ ، المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٤٣.

(٥) الكافي ٤ : ٣٩٧ / ٨ ، التهذيب ٥ : ٣٦٠ / ١٢٥١.

(٦) كما في شرائع الإِسلام ١ : ٢٩١.


الحرم فمات فيه » قلت : هذا عندهم من القياس ، قال : « لا ، إنّما شبّهتُ لك شيئاً بشي‌ء»(١) .

وأمّا الكراهة : فلما رواه ابن أبي عمير - في الصحيح - عن بعض أصحابنا عن الصادقعليه‌السلام ، قال : [ كان ](٢) يكره أن يرمي الصيد وهو يؤمّ الحرم(٣) .

مسألة ٢٢١ : يكره الصيد فيما بين البريد والحرم ، وليس محرّماً ؛ للأصل.

وقال الشيخرحمه‌الله : يحرم ويفديه(٤) ؛ لما رواه الحلبي - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « إذا كنت مُحلاً في الحِلّ فقتلت صيداً فيما بينك وبين البريد الى الحرم ، فإنّ عليك جزاءه ، فإن فقأت عينه أو كسرت قرنه ، تصدّقت بصدقة »(٥) .

و الوجه : حمل الرواية على الاستحباب.

مسألة ٢٢٢ : لو نزع عن جسده قملة فقتلها ، أو رمى بها ، فليطعم مكانها كفّاً من طعام ؛ لأنّ حمّاد بن عيسى سأل الصادقعليه‌السلام عن الـمُحْرم يبين القملة عن جسده فيلقيها ، قال : « يُطعم مكانها طعاماً »(٦) .

وروى حسين بن أبي العلاء عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « الـمُحْرم لا ينزع القملة من جسده ولا من ثوبه متعمّداً ، وإن قتل شيئاً من ذلك خطأً ، فليطعم مكانها طعاماً قبضةً بيده »(٧) .

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٣٦٠ / ١٢٥٢ ، الإستبصار ٢ : ٢٠٧ / ٧٠٤.

(٢) أضفناها من المصدر.

(٣) التهذيب ٥ : ٣٥٩ / ١٢٤٩ ، الإستبصار ٢ : ٢٠٦ / ٧٠١.

(٤) النهاية : ٢٢٨ ، التهذيب ٥ : ٣٦١ ذيل الحديث ١٢٥٤.

(٥) التهذيب ٥ : ٣٦١ / ١٢٥٥ ، الاستبصار ٢ : ٢٠٧ / ٧٠٥.

(٦) التهذيب ٥ : ٣٣٦ / ١١٥٨ ، الاستبصار ٢ : ١٩٦ / ٦٥٩.

(٧) التهذيب ٥ : ٣٣٦ / ١١٦٠ ، الاستبصار ١ : ١٩٦ - ١٩٧ / ٦٦١.


ويجوز أن يأخذ ما عدا القملة من جسده ، وإن أراد أن يحوّل القملة من مكان الى مكان ، فعل ، وليس عليه شي‌ء ، لقول الصادقعليه‌السلام : « الـمُحْرم يلقي عنه الدواب كلّها إلّا القملة فإنّها من جسده ، وإن أراد أن يحوّل قملة من مكان الى مكان فلا يضرّه »(١) .

ويجوز أن يرمي القُراد(٢) والحَلَم(٣) عن بدنه لأنّ عبد الله بن سنان سأل الصادقعليه‌السلام : إن وجدت عليّ قُراداً أو حَلَمةً أطرحهما؟ قال : « نعم وصغار لهما إنّهما رقيا في غير مرقاهما »(٤) .

ويجوز أن يرمي القراد عن بعيره دون الحلم ؛ لأنّ معاوية بن عمّار قال : « وإن ألقى الـمُحْرم - يعني القُراد - عن بعيره فلا بأس ، ولا يلقي الحَلَمة »(٥) .

مسألة ٢٢٣ : قد بيّنّا أنّه لا يجوز إخراج شي‌ء من الصيد من الحرم.

وقال الشيخرحمه‌الله : يكره شراء القماري وما أشبهها وإخراجها من مكة(٦) .

ومنعه ابن إدريس(٧) ، وهو المعتمد ؛ لأنّ عيص بن القاسم سأل الصادقعليه‌السلام : عن شراء القماري يخرج من مكة والمدينة ، فقال : « ما اُحبّ أن يخرج منها شي‌ء »(٨) .

واعلم أنّ الشيخ -رحمه‌الله - منع من صيد حمام الحرم حيث كان‌

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٣٣٦ - ٣٣٧ / ١١٦١.

(٢) القُراد : ما يتعلّق بالبعير ونحوه ، وهو كالقمل للإِنسان. مجمع البحرين ٣ : ١٢٧ « قرد ».

(٣) الحَلَم جمع حَلمة ، وهي القراد الضخم. مجمع البحرين ٦ : ٥٠ « حلم ».

(٤) الكافي ٤ : ٣٦٢ / ٤ ، الفقيه ٢ : ٢٢٩ / ١٠٨٥ ، التهذيب ٥ : ٣٣٧ / ١٤٦٢.

(٥) التهذيب ٥ : ٣٣٨ / ١١٦٧.

(٦) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٤١.

(٧) السرائر : ١٣١.

(٨) الفقيه ٢ : ١٦٨ / ٧٣٤ ، التهذيب ٥ : ٣٤٩ / ١٢١٢ ، وفيه : « منهما » بدل « منها ».


للمُحلّ والـمُحرم(١) ، وجوّزه ابن إدريس(٢) .

والحقّ ما قاله الشيخ ؛ لأنّ علي بن جعفر سأل أخاه الكاظمعليه‌السلام عن حمام الحرم يصاد في الحِلّ ، فقال : « لا يُصاد حمام الحرم حيث كان إذا علم أنّه من حمام الحرم »(٣) .

إذا ثبت هذا ، فإنّ صيد الحرم يضمن بالدلالة والإِشارة كصيد الإِحرام ، والواجب عليهما جزاء واحد ، وبه قال أحمد(٤) .

ولا فرق بين كون الدالّ في الحِلّ أو الحرم.

وقال بعض العامّة : لا جزاء على الدالّ إذا كان في الحلّ ، والجزاء على المدلول وحده ، كالحلال إذا دلّ مُحرماً على صيد(٥) .

والحقّ ما قلناه ؛ لأنّ قتل الصيد الحرمي حرام على الدالّ ، فيضمنه بالدلالة ، كما لو كان في الحرم ؛ لحقّية أنّ صيد الحرم محرّم على كل واحد ؛ لقولهعليه‌السلام : ( لا يٌنفَّر صيدها )(٦) وهو عامّ في حقّ كلّ واحد.

ولأنّ صيد الحرم معصوم بمحلّه ، فحرم قتله عليهما ، كالملتجئ الى الحرم ، وإذا ثبت تحريمه عليهما ، فيُضمن بالدلالة ممّن يحرم عليه قتله ، كما يُضمن بدلالة الـمُحْرم عليه.

مسألة ٢٢٤ : لا فرق في تحريم الصيد بين الوحشي في أصله إذا استأنس أو بقي على توحّشه ، كما أنّه لا فرق في إباحة الأهلي بين أن يتوحّش أو لا.

____________________

(١) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٤١.

(٢) السرائر : ١٣١.

(٣) التهذيب ٥ : ٣٤٨ / ١٢٠٩.

(٤) المغني ٣ : ٣٥٣ - ٣٥٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٧٢.

(٥) المغني ٣ : ٣٥٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٧٢.

(٦) تقدمت الإِشارة إلى مصادره في المسألة ٢١٧.


ويجب الجزاء في الأول بقسميه عند علمائنا - وبه قال الشافعي(١) - لأنّ الوحشي وإن استأنس لا يخرج عنه حكم توحّشه الأصلي ، كما أنّه لو توحّش إنسي لا يحرم التعرّض له ؛ إبقاءً لحكمه الأصلي.

وقال مالك : لا جزاء في المستأنس(٢) . وليس بجيّد.

ولا فرق في وجوب الجزاء بين أن يكون الصيد مملوكاً لإِنسان أو مباحاً. - إلّا أنّه يجب في المملوك مع الجزاء ما بين قيمته حيّاً ومذبوحاً للمالك - لظاهر القرآن(٣) .

وقال المزني من الشافعية : لا جزاء في الصيد المملوك(٤) . وليس بمعتمد.

إذا ثبت هذا ، فكما يحرم التعرّض للصيد يحرم التعرّض لأجزائه بالجرح والقطع ؛ لأنّ النبيعليه‌السلام قال في الحرم : ( لا ينفّر صيدها )(٥) ومعلوم أنّ الجرح والقطع أعظم من التنفير.

وكذا يحرم بيض الصيد وفرخه ولبنه على ما سيأتي.

البحث الثاني : لبس الثياب المخيطة‌

مسألة ٢٢٥ : يحرم على الـمُحْرم الرجل لُبْس الثياب المخيطة‌ عند علماء الأمصار.

قال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على أنّ الـمُحْرم ممنوع من لُبْس‌

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٤٨٥ ، المجموع ٧ : ٢٩٧.

(٢) فتح العزيز ٧ : ٤٨٦‌

(٣) المائدة : ٩٥.

(٤) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢١٨ ، المجموع ٧ : ٢٩٧.

(٥) تقدّمت الإِشارة إلى مصادره في المسألة ٢١٧.


القميص والعمامة والسراويل والخُفّ والبُرْنُس(١) (٢) .

لما روى العامّة : أنّ رجلاً سأل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ما يلبس الـمُحْرم من الثياب؟ فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( لا يلبس القميص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البَرانس ولا الخِفاف إلّا أحداً لا يجد نعلين فليلبس الخُفّين ، وليقطعهما أسفل من الكعبين ، ولا يلبس من الثياب شيئاً مسّه الزعفران ولا الورس »(٣) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « لا تلبس وأنت تريد الإِحرام ثوباً تزرّه ولا تدرعه ، ولا تلبس سراويل إلّا أن لا يكون لك إزار ، ولا الخُفّين إلّا أن لا يكون لك نعلان »(٤) .

وقد ألحق أهل العلم بما نصّ النبيعليه‌السلام عليه ما في معناه ، فالجُبّة والدراعة وشبههما ملحق بالقميص ، والتُبّان(٥) والران(٦) وشبههما ملحق بالسراويل ، والقلنسوة وشبهها مُساوٍ للبُرْنس ، والساعدان والقُفّازان(٧) وشبههما مساوية للخُفّين(٨) .

____________________

(١) البُرْنُس : قلنسوة طويلة ، وكان النُسّاك يلبسونها في صدر الإِسلام. الصحاح ٣ : ٩٠٨ « برنس ».

(٢) المغني ٣ : ٢٧٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٨٠ ، المجموع ٧ : ٢٥٤.

(٣) المغني ٣ : ٢٧٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٨٠ ، وفي صحيح مسلم ٢ : ٨٣٤ / ١١٧٧ ، وسنن ابن ماجة ٢ : ٩٧٧ / ٢٩٢٩ ، وسنن النسائي ٥ : ١٣١ - ١٣٢ ، والموطّأ ١ : ٣٢٤ - ٣٢٥ / ٨ بتفاوت.

(٤) التهذيب ٥ : ٦٩ - ٧٠ / ٢٢٧.

(٥) التُبّان : سروال صغير مقدار شبر يستر العورة المغلّظة يكون للملّاحين. الصحاح ٥ : ٢٠٨٦ « تبن ».

(٦) الران كالخُفّ إلّا أنه لا قدم له ، وهو أطول من الخُفّ. القاموس المحيط ٤ : ٢٣٠ « رين ».

(٧) القُفّاز : شي‌ء يُعمل لليدين يُحشى بقطن ، ويكون له أزرار تزرّ على الساعدين من البرد ، تلبسه المرأة في يديها ، وهما قُفّازان. الصحاح ٣ : ٨٩٢ « قفز ».

(٨) المعني ٣ : ٢٧٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٨٠.


إذا عرفت هذا ، فيحرم لُبْس الثياب المخيطة وغيرها إذا شابهها ، كالدرع المنسوج والمعقود ، كجبة اللّبد والملصق بعضه ببعض ، حملاً على المخيط ؛ لمشابهته إيّاه في المعنى من الترفّه والتنعّم.

مسألة ٢٢٦ : لو لم يجد الإِزار ، لبس السراويل ، وإذا لم يجد النعلين ، لبس الخُفّين بإجماع العلماء ؛ لما رواه العامّة عن ابن عباس ، قال : سمعت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يخطب بعرفات ، يقول : ( مَنْ لم يجد نعلين فليلبس الخُفّين ، ومن لم يجد إزاراً فليلبس سراويل للمُحْرم )(١) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « لا تلبس سراويل إلاّ أن لا يكون لك إزار »(٢) .

وعن الباقرعليه‌السلام في الـمُحْرم يلبس الخُفّ إذا لم يكن له نعل ، قال : « نعم ، ولكن يشقّ ظهر القدم »(٣) .

إذا عرفت هذا ، فإذا لبس السراويل أو الخُفّ للضرورة ، لم يكن عليه فدية عند علمائنا - وبه قال عطاء وعكرمة والثوري والشافعي وإسحاق(٤) - لأصالة البراءة ، ولتسويغ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله اللُّبس لهما ؛ لأنّه أمر بلُبْسه ولم يذكر فدية.

وقال أبو حنيفة ومالك : على مَنْ لبس السراويل فدية ؛ لورود النهي عن لبسه(٥) ، ولأنّ ما وجبت الفدية بلُبْسه مع وجود الإِزار وجبت مع عدمه‌

____________________

(١) صحيح البخاري ٣ : ٢٠ ، المغني ٣ : ٢٧٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٨١.

(٢) التهذيب ٥ : ٦٩ - ٧٠ / ٢٢٧.

(٣) الفقيه ٢ : ٢١٨ / ٩٩٧.

(٤) المغني ٣ : ٢٧٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٨١ ، الحاوي الكبير ٤ : ٩٨ ، الوجيز ١ : ١٢٤ ، فتح العزيز ٧ : ٤٥٣ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢١٥ ، المجموع ٧ : ٢٦٦ ، بداية المجتهد ١ : ٣٢٧.

(٥) تقدّمت الإِشارة إلى مصادره في ص ٢٩٦ ، الهامش (٣)


كالقميص(١) .

والنهي مخصوص بحديث ابن عباس ، والقميص يمكنه أن يتّزر به من غير لُبْس ويستتر به ، بخلاف السراويل.

مسألة ٢٢٧ : يحرم عليه لبس الخفّين وما يستر ظهر القدم اختيارا ، ويجوز في حال الضرورة ، لما تقدّم من الأحاديث.

وهل يجب عليه شقّهما؟ قال الشيخرحمه‌الله : نعم(٢) . وبه قال عروة ابن الزبير ومالك والثوري والشافعي وإسحاق وابن المنذر وأصحاب الرأي(٣) ؛ لما رواه العامّة : أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : ( فإن لم يجد نعلين فليلبس خُفّين وليقطعهما حتى يكونا الى الكعبين )(٤) .

ومن طريق الخاصّة : قول الباقرعليه‌السلام في الـمُحْرم يلبس الخُفّ ، قال : « نعم ولكن يشقّ ظهر القدم »(٥) .

وقال بعض علمائنا : لا يجب شقّهما(٦) . ورواه العامّة عن عليعليه‌السلام (٧) ، وبه قال عطاء وعكرمة وسعيد بن سالم(٨) - وعن أحمد روايتان‌

____________________

(١) المغني ٣ : ٢٧٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٨١ ، بداية المجتهد ١ : ٣٢٧ ، المنتقى - للباجي - ٢ : ١٩٧ ، الحاوي الكبير ٤ : ٩٨ ، المجموع ٧ : ٢٦٦ ، فتح العزيز ٧ : ٤٥٣.

(٢) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٢٠ ، الخلاف ٢ : ٢٩٥ ، المسألة ٧٥.

(٣) المغني ٣ : ٢٧٧ - ٢٧٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٨٢ ، الاُم ٢ : ١٤٧ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢١٥ ، المجموع ٧ : ٢٦٥ ، فتح العزيز ٧ : ٤٥٣ ، بداية المجتهد ١ : ٣٢٧ ، المنتقى - للباجي - ٢ : ١٩٦.

(٤) المغني ٣ : ٢٧٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٨٢ ، صحيح البخاري ٣ : ٢٠ - ٢١ ، سنن أبي داود ٢ : ١٦٥ / ١٨٢٣ ، سنن النسائي ٥ : ١٣٥ ، سنن الدار قطني ٢ : ٢٣٠ / ٦٣ ، سنن البيهقي ٥ : ٤٩.

(٥) الفقيه ٢ : ٢١٨ / ٩٩٧.

(٦) ابن إدريس في السرائر : ١٢٧ ، والمحقّق في شرائع الإِسلام ١ : ٢٥٠.

(٧) المغني ٣ : ٢٧٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٨١ - ٢٨٢‌

(٨) المغني ٣ : ٢٧٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٨١ - ٢٨٢ ، المجموع ٧ : ٢٦٥.


كالقولين(١) - لما رواه العامّة عن عليعليه‌السلام : « قطع الخفّين فساد يلبسهما كما هُما »(٢) .

ولأنّه ملبوس اُبيح لعدم غيره ، فلا يجب قطعه كالسراويل.

ولأنّ قطعه لا يُخرجه عن حالة الحظر ، فإنّ المقطوع يحرم لُبْسه مع وجود النعل كلُبْس الصحيح.

ولاشتماله على إتلاف ماليّته.

فروع :

أ - لا يجوز له لُبْس المقطوع من الخُفّين مع وجود النعلين ؛ لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله شرط في لُبْسهما عدم النعل ، فلو لبسه وجبت الفدية - وبه قال مالك وأحمد(٣) - لأنّه مخيط بعضو على قدره ، فوجب على الـمُحْرم الفدية بلُبْسه كالقُفّازين.

وقال أبو حنيفة : لا فدية عليه - وللشافعي قولان كالمذهبين(٤) - لأنّه لو كان لُبْسهما محرّماً تجب به الفدية لما أمر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بقطعهما ؛ لعدم [ الفائدة فيه ](٥) (٦) .

والجواب : القطع واللُّبس بعده إنّما يجوز مع عدم النعلين ، فالفائدة سقوط الدم والعقاب مع القطع وعدم النعل.

____________________

(١) المغني ٣ : ٢٧٧ - ٢٧٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٨١ - ٢٨٢.

(٢) المغني ٣ : ٢٧٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٨٢.

(٣) المدوّنة الكبرى ١ : ٤٦٣ ، بداية المجتهد ١ : ٣٢٧ ، المغني ٣ : ٢٧٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٨٣.

(٤) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢١٥ ، فتح العزيز ٧ : ٤٥٣ - ٤٥٤ ، بداية المجتهد ١ : ٣٢٧ ، المغني ٣ : ٢٧٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٨٣‌

(٥) في النسخ الخطية والحجرية : لعدم الفدية ، وما أثبتناه يقتضيه السياق.

(٦) المغني ٣ : ٢٧٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٨٣ ، بداية المجتهد ١ : ٣٢٧.


ب - يجوز لُبْس النعل مطلقاً ، ولا يجب قطع شي‌ء منها ، ولا فدية حينئذٍ ؛ لورود الأمر بلُبْسهما مطلقاً ، والأصل عدم التخصيص.

وقال أحمد : يجب قطع القيد في النعل والعقب ، وتجب به الفدية لو لم يقطعهما(١) . وبه قال عطاء(٢) .

ج - لو وجد نعلاً لا يتمكّن من لُبْسه ، لبس الخُفّ ، ولا فدية ؛ لأنّه بتعذّر استعماله أشبه المعدوم ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد ، وفي الثانية : تجب الفدية ؛ لأنّ النبيعليه‌السلام قال : ( مَنْ لم يجد نعلين فليلبس الخُفّين )(٣) وهذا واجد(٤) .

وليس بجيّد ؛ لأنّ المراد الوجدان مع التمكّن من الاستعمال.

د - الجَوْربان(٥) كالخُفّين في المنع من لُبْسهما مع التمكّن من النعلين ، وجوازه مع عدمه ؛ لأنّه بمعناه.

وروى الحلبي - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « وأيّ مُحْرم هلكت نعلاه فلم يكن له نعلان فله أن يلبس الخُفّين إن اضطرّ الى ذلك ، والجوربين يلبسهما إذا اضطرّ الى لبسهما »(٦) .

ه - ليس للمُحْرم أن يعقد عليه الرداء ولا غيره إلّا الإِزار والهميان ، وليس له أن يجعل لذلك زرّاً ولا عروة ؛ لأنّ يونس بن يعقوب سأل الصادقعليه‌السلام : عن الـمُحْرم يشدّ الهميان وسطه ، فقال : « نعم ، وما خيره بعد نفقته »(٧) .

____________________

(١و٢) المغني ٣ : ٢٨٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٨٤.

(٣) تقدّمت الإِشارة إلى مصادره في ص ٢٩٧ ، الهامش (١)

(٤) المغني ٣ : ٢٨٠ - ٢٨١ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٨٤ - ٢٨٥.

(٥) الجَوْرَبُ معرّب ، والجمع : الجواربة ، والهاء للعجمة. الصحاح ١ : ٩٩ « جرب ».

(٦) التهذيب ٥ : ٣٨٤ / ١٣٤١.

(٧) الفقيه ٢ : ٢٢١ / ١٠٢٧.


و يجوز له أن يعقد إزاره عليه ؛ لأنّه يحتاج اليه لستر العورة ، فيباح ، كاللباس للمرأة ، ويعقد الهميان.

و - تجب الفدية باللّبس طال الزمان أو قصر‌ - وبه قال الشافعي(١) - لأنّه باشر محظور الإِحرام ، فلزمه الفداء ، كما لو حلق.

وقال أبو حنيفة : إنّما تلزم الفدية التامّة إذا استدام الُّلبْس يوماً كاملاً ، فإن كان أقلّ ، فعليه صدقة(٢) .

ز - تجب الفدية بلُبْس القباء وإن لم يدخل يديه في كُمّيه ، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد(٣) .

وقال أبو حنيفة : لا تجب لو أخرج يديه من كُمّيه(٤) .

ولو ألقى على نفسه قباءً أو فرجياً وهو مضطجع ، قال بعض الشافعية : إن أخذ من بدنه ما إذا قام عُدّ لابسه ، فعليه الفدية ، وإن كان بحيث لو قام أو قعد لم يستمسك عليه إلّا بمزيد أمر فلا(٥) .

مسألة ٢٢٨ : يجوز للمرأة لُبْس المخيط إجماعاً ، لأنّها عورة ، وليست كالرجال.

وكذا يجوز لها أن تلبس الغلالة(٦) إذا كانت حائضا إجماعاً ، لتقي ثيابها‌

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٤٤٠ - ٤٤١ ، المجموع ٧ : ٢٥٩.

(٢) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٢٥ - ١٢٦ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٨٧ ، الهداية - للمرغيناني - ١ : ١٦١ ، فتح العزيز ٧ : ٤٤١.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٤٤١ ، المجموع ٧ : ٢٥٤ و ٢٦٦ ، المنتقى - للباجي - ٢ : ١٩٦ ، المغني ٣ : ٢٨٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٨٧.

(٤) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٢٥ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٨٤ ، فتح العزيز ٧ : ٤٤١ ، المجموع ٧ : ٢٦٦ ، المنتقى - للباجي - ٢ : ١٩٦ ، المغني ٣ : ٢٨٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٨٧.

(٥) فتح العزيز ٧ : ٤٤١ - ٤٤٢ ، المجموع ٧ : ٢٥٤.

(٦) الغِلالة : ثوب رقيق يُلبس على الجسد تحت الثياب ، تتّقي به الحائض عن التلويث. مجمع =


من الدم ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « تلبس المرأة الـمُحْرمة الحائض تحت ثيابها غِلالة »(١) .

ولا يجوز للمرأة لُبْس القُفّازين ، ولا لُبْس شي‌ء من الحُلّي ما لم تجر عادتها بلُبْسه قبل الإِحرام.

ولا يجوز لها لبس البُرْقَع ؛ لأنّ الباقرعليه‌السلام كره للمُحْرمة البُرْقع والقُفّازين(٢) .

والمراد بالقفّازين شي‌ء تتّخذه المرأة لليدين يحشى بقطن ، ويكون له أزرار تزرّ على الساعدين من البرد تلبسه المرأة.

وبه قال عليعليه‌السلام ، وعائشة وابن عمر وعطاء وطاوس ومجاهد والنخعي ومالك وأحمد وإسحاق(٣) .

وللشافعي قولان : أحدهما : الجواز(٤) ، وبه قال أبو حنيفة والثوري وسعد بن أبي وقّاص ؛ فإنّه أمر بناته أن يلبسن القُفّازين(٥) .

لما رواه العامّة عن عليعليه‌السلام ، قال : « لا تتنقب المرأةُ الحرامُ ولا تلبس القُفّازين »(٦) .

____________________

= البحرين ٥ : ٤٣٧ « غلل ».

(١) الفقيه ٢ : ٢١٩ / ١٠١١ ، التهذيب ٥ : ٧٦ / ٢٥١.

(٢) الفقيه ٢ : ٢١٩ / ١٠١٢.

(٣) المغني ٣ : ٣١٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٣١ ، فتح العزيز ٧ : ٤٥٤ ، المجموع ٧ : ٢٦٩ ، المحلّى ٧ : ٨٢ ، بداية المجتهد ١ : ٣٢٨.

(٤) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢١٥ ، الوجيز ١ : ١٢٤ ، فتح العزيز ٧ : ٤٥٤ ، المجموع ٧ : ٢٦٣ ، المغني ٣ : ٣١٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٣١.

(٥) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٢٨ ، المغني ٣ : ٣١٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٣١ ، فتح العزيز ٧ : ٤٥٤ ، المجموع ٧ : ٢٦٩.

(٦) صحيح البخاري ٣ : ١٩ ، سنن الترمذي ٣ : ١٩٤ - ١٩٥ / ٨٣٣ ، سنن أبي داود ٢ : ١٦٥ / ١٨٢٥ ، سنن النسائي ٥ : ١٣٦ ، سنن البيهقي ٥ : ٤٦ ، وفيها : ابن عمر عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .


ومن طريق الخاصّة : ما تقدم(١) .

ويجوز للمرأة أن تلبس الخلخال والـمَسَك بفتح الميم ؛ وهو سِوار من ذَبْلٍ(٢) أو عاجٍ.

فرع : الخنثى المشكل لا يجب عليه اجتناب المخيط ؛ لأصالة البراءة.

مسألة ٢٢٩ : يحرم لُبْس السلاح لغير ضرورة ؛ لما فيه من منافاته للخضوع والتذلّل.

وقيل : يكره(٣) ؛ للأصل.

البحث الثالث : الطيب‌

مسألة ٢٣٠ : يحرم على الـمُحْرم الرجل والمرأة الطيب أكلاً وشمّاً وإطلاءً بإجماع علماء الأمصار ؛ لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال في الـمُحْرم الذي وقصت(٤) به ناقته : ( لا تمسّوه بطيب )(٥) ومنع الحيّ لأجل الإِحرام المتحقّق عيناً أولى من الميّت الـمُحْرم وَهْماً.

وما رواه الخاصّة - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « لا يمسّ الـمُحْرم شيئاً من الطيب ولا من الريحان ولا يتلذّذ به ، فمن ابتلى بشي‌ء من ذلك فليتصدّق بقدر ما صنع بقدر شبعه » يعني من الطعام(٦) .

____________________

(١) من حديث الإِمام الباقرعليه‌السلام .

(٢) الذَّبْل : شي‌ء كالعاج ، وهو ظهر السُّلحفاة البحرية ، يتّخذ منه السوار. الصحاح ٤ : ١٧٠١ « ذبل ».

(٣) كما في شرائع الإِسلام ١ : ٢٥١.

(٤) الوَقْص : كسر العنق. النهاية - لابن الأثير - ٥ : ٢١٤ « وقص ».

(٥) صحيح البخاري ٣ : ٢٢ ، صحيح مسلم ٢ : ٨٦٦ / ٩٩ ، سنن النسائي ٥ : ١٩٥ ، مسند أحمد ١ : ٢١٥.

(٦) التهذيب ٥ : ٢٩٧ / ١٠٠٧ ، الاستبصار ٢ : ١٧٨ / ٥٩١.


إذا عرفت هذا ، فالـمُحْرم إذا مات وهو محرم ، لا يجوز تغسيله بالكافور ، ولا يحنّط به ولا بغيره من أنواع الطيب.

مسألة ٢٣١ : الطيب ما تطيب رائحته ، ويتّخذ للشمّ ، كالمسك والعنبر والكافور والزعفران وماء الورد ، والأدهان الطيّبة ، كدهن البنفسج والورس ، والمعتبر أن يكون معظم الغرض منه التطيّب ، أو يظهر فيه هذا الغرض.

وقد اختلف علماؤنا في تعميم التحريم وعدمه ، فالمشهور : التعميم ، لما تقدّم.

وللشيخرحمه‌الله قول آخر : إنّ المحرّم إنّما هو المسك والعنبر والعود والكافور والزعفران والوَرْس(١) ، بفتح الواو وسكون الراء ، وهو نبت أحمر قاني يوجد على قشور شجرة يُنحت منها ويُجمع ، وهو يشبه الزعفران المسحوق ، يُجلب من اليمن ، طيّب الريح.

لما روي عن الصادقعليه‌السلام أنّه قال : « إنّما يحرم عليك من الطيب أربعة أشياء : المسك والعنبر والوَرْس والزعفران غير أنّه يكره للمُحْرم الأدهان الطيّبة الريح »(٢) .

وتُحمل على شدّة التحريم.

إذا عرفت هذا ، فالنبات الطيب أقسامه ثلاثة :

الأول : ما لا ينبت للطيب ولا يُتّخذ منه ، كنبات الصحراء من الشِّيْح والقَيْصُوم والخُزامي والإِذخر والدار صيني والمصطكي والزنجبيل والسعد وحَبَق الماء - بالحاء المفتوحة غير المعجمة ، والباء المنقطعة تحتها نقطة المفتوحة ، والقاف - وهو الحَنْدَقُوقى ، وقيل : الفُوذَنْج(٣) ، والفواكه ، كالتفّاح والسفرجل‌

____________________

(١) النهاية : ٢١٩.

(٢) التهذيب ٥ : ٢٩٩ / ١٠١٣ ، الاستبصار ٢ : ١٧٩ / ٥٩٦.

(٣) الصحاح ٤ : ١٤٥٥ « حبق ».


والنارنج والاُتْرُج ، وهذا كلّه ليس بمحرَّم ، ولا تتعلّق به كفّارة إجماعاً.

وكذا ما ينبته الآدميون لغير قصد الطيب ، كالحنّاء والعصفر ، لما روي : أنّ أزواج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كنّ يحرمن في المعصفرات(١) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « لا بأس أن تشمّ الإذخر والقيصوم والخزامي والشّيح وأشباهه وأنت محرم »(٢) .

وسأل عمّار الساباطي الصادقعليه‌السلام : عن المحرم أيأكل الأترج؟

قال : « نعم » قلت : فإنّ له رائحة طيبة ، فقال : « إنّ الأترج طعام ليس هو من الطيب»(٣) .

وسأل عبد الله بن سنان الصادقعليه‌السلام : عن الحنّاء ، فقال : « إنّ المحرم ليمسّه ويداوي به بعيره ، وما هو بطيب ، وما به بأس »(٤) .

الثاني : ما ينبته الآدميون للطيب ولا يُتّخذ منه طيب ، كالريحان الفارسي والمرزجوش والنرجس والبَرَم ، قال الشيخرحمه‌الله : فهذا لا تتعلّق به كفّارة ، ويكره استعماله(٥) . وبه قال ابن عباس وعثمان بن عفان والحسن ومجاهد وإسحاق ومالك وأبو حنيفة ؛ لأنّه لا يُتّخذ للطيب ، فأشبه العُصْفر(٦) .

وقال الشافعي في الجديد : تجب به الفدية ، ويكون محرّماً. وبه قال جابر وابن عمر وأبو ثور - وفي القديم : لا تتعلّق به الفدية ؛ لأنّها لا تبقى لها‌

____________________

(١) أورده ابنا قدامة في المغني ٣ : ٢٩٧ ، والشرح الكبير ٣ : ٢٩١ ، وفي الطبقات الكبرى - لابن سعد - ٨ : ٧٢ : يحججن ، بدل يحرمن.

(٢) الكافي ٤ : ٣٥٥ / ١٤ ، الفقيه ٢ : ٢٢٥ / ١٠٥٧ ، التهذيب ٥ : ٣٠٥ / ١٠٤١.

(٣) التهذيب ٥ : ٣٠٦ / ١٠٤٣ ، الإستبصار ٢ : ١٨٣ / ٦٠٧.

(٤) الكافي ٤ : ٣٥٦ / ١٨ ، الفقيه ٢ : ٢٢٤ / ١٠٥٢ ، التهذيب ٥ : ٣٠٠ / ١٠١٩ ، الاستبصار ٢ : ١٨١ / ٦٠٠.

(٥) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٥٢.

(٦) المغني ٣ : ٢٩٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٩١ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٩١ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٢٣.


رائحة إذا جفّت(١) ، وعن أحمد روايتان(٢) - لأنّه يُتّخذ للطيب ، فأشبه الورد(٣) .

الثالث : ما يُقصد شمّه ويُتّخذ منه الطيب ، كالياسمين والورد والنيلوفر.

والظاهر أنّ هذا يحرم شمّه ، وتجب منه الفدية - وبه قال الشافعي(٤) - لأنّ الفدية تجب فيما يُتّخذ منه ، فكذا في أصله.

وقال مالك وأبو حنيفة : لا تجب(٥) .

مسألة ٢٣٢ : ما يُطلب للتطيّب واتّخاذ الطيب منه حرام ، كالزعفران وإن كان يُقصد للصبغ والتداوي ، وكذا الوَرْس.

وما يُطلب للأكل أو التداوي غالباً لا يحرم ، كالقَرَنْفُل والسنبل والدار صيني وسائر الأبازير الطيّبة.

وفي البنفسج للشافعي قولان :

أحدهما : أنّه ليس بطيب ؛ لأنّ الغرض منه التداوي.

والثاني : أنّه طيب(٦) .

وقيل في الجمع : إنّه أراد بالأول الجافّ ، فإنّه حينئذٍ لا يصلح إلّا للتداوي(٧) .

وقيل : أراد بنفسج الشام والعراق ؛ فإنّه لا يتطيّب به(٨) .

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٤٥٧ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢١٦ ، المجموع ٧ : ٢٧٨.

(٢) المغني ٣ : ٢٩٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٩١.

(٣) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢١٦ ، فتح العزيز ٧ : ٤٥٧ ، المجموع ٧ : ٢٧٨ ، المغني ٣ : ٢٩٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٩١.

(٤) الحاوي الكبير ٤ : ١٠٨ ، فتح العزيز ٧ : ٤٥٦ ، المجموع ٧ : ٢٧٧.

(٥) انظر : المدوّنة الكبرى ١ : ٤٥٦ ، وحلية العلماء ٣ : ٢٩٠.

(٦) الاُم ٢ : ١٥٢ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٠٩ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢١٦ ، المجموع ٧ : ٢٧٨ ، فتح العزيز ٧ : ٤٥٧ ، حلية العلماء ٣ : ٢٩٠.

(٧ و ٨) فتح العزيز ٧ : ٤٥٧.


وقيل : أراد المربي بالسكر(١) .

وفي النيلوفر له قولان(٢) .

والريحان طيب عند بعض الشافعية(٣) .

والحِنّاء ليس بطيب ، ولا يجب على المـُحْرم باستعماله فدية ، ولا يحرم استعماله بل يكره للزينة - وبه قال الشافعي(٤) - لما رواه العامّة : أنّ أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كُنّ يختضبن بالحِنّاء(٥) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « إنّه ليس بطيب ، وإنّ المـُحْرم ليمسّه ويداوي به بعيره »(٦) .

وقال أبو حنيفة : يحرم وتجب به الفدية(٧) ؛ لقول النبيعليه‌السلام لاُمّ سلمة : ( لا تطيبي وأنت مُحْرمة ، ولا تمسّي الحِنّاء فإنّه طيب )(٨) .

ولأنّ له رائحة مستلذّة ، فأشبه الوَرْس.

والرواية ضعيفة رواها ابن لهيعة وهو ضعيف ، وروى غيره : ( لا تمسّي‌

____________________

(١) الحاوي الكبير ٤ : ١٠٩ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢١٦ ، المجموع ٧ : ٢٧٨ ، فتح العزيز ٧ : ٤٥٧.

(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢١٦ ، المجموع ٧ : ٢٧٨ ، فتح العزيز ٧ : ٤٥٧ ، حلية العلماء ٣ : ٢٩٠.

(٣) الْأُم ٢ : ١٥٢ ، المجموع ٧ : ٢٧٨ ، فتح العزيز ٧ : ٤٥٧.

(٤) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢١٦ ، المجموع ٧ : ٢٨٢ ، فتح العزيز ٧ : ٤٥٧ ، حلية العلماء ٣ : ٢٩١ ، المغني ٣ : ٣١٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٣٤.

(٥) أورده ابن سعد في الطبقات ٨ : ٧٢ ، وأبو إسحاق الشيرازي في المهذّب ١ : ٢١٦ ، وابنا قدامة في المغني ٣ : ٣١٧ ، والشرح الكبير ٣ : ٣٣٤.

(٦) الكافي ٤ : ٣٥٦ / ١٨ ، الفقيه ٢ : ٢٢٤ / ١٠٥٢ ، التهذيب ٥ : ٣٠٠ / ١٠١٩ ، الاستبصار ٢ : ١٨١ / ٦٠٠ بتفاوت.

(٧) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٢٥ ، الهداية - للمرغيناني - ١ : ١٦٠ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٩١ ، حلية العلماء ٣ : ٢٩١ ، المجموع ٧ : ٢٨٢.

(٨) المعجم الكبير - للطبراني - ٢٣ : ٤١٨ / ١٠١٢.


الحِنّاء فإنّه خضاب )(١) .

وينتقض القياس بالفواكه.

والعُصْفر ليس بطيب ، ويجوز للمُحْرم لُبْس المعصفر ، ولا فدية فيه - وبه قال الشافعي وأحمد(٢) - لأنّ النبيعليه‌السلام سوّغ لبس المـُعَصْفر(٣) .

ومن طريق الخاصّة : ما رواه علي بن جعفر - في الصحيح - عن أخيه الكاظمعليه‌السلام ، قال : سألته يلبس المـُحْرم الثوب المشبع بالعُصْفر؟ فقال : « إذا لم يكن فيه طيب فلا بأس به »(٤) .

وقال أبو حنيفة : العُصْفر طيب تجب به الفدية ، قياساً على الوَرْس(٥) .

ونمنع الإِلحاق.

ولا بأس بخَلُوق الكعبة وشمّ رائحته ، سواء كان عالماً أو جاهلاً ، عامداً أو ناسياً ؛ لأصالة البراءة.

ولما رواه حمّاد بن عثمان - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، أنّه سأله عن خَلُوق الكعبة وخَلُوق القبر يكون في ثوب الإِحرام ، فقال : « لا بأس به هُما طهوران »(٦) .

وقال الشافعي : إن جهل أنّه طيب فبان طيباً رطباً ، فإن غسله في الحال ، وإلّا وجبت الفدية، وإن علمه طيباً فوضع يده عليه يعتقده يابساً فبان رطباً ،

____________________

(١) المعجم الكبير - للطبراني - ٢٣ : ٤١٩ / ١٠١٣ وفيه : ( لا تمتشطي بالحِنّاء ).

(٢) الحاوي الكبير ٤ : ١١١ ، فتح العزيز ٧ : ٤٥٧ ، حلية العلماء ٣ : ٢٩٠ ، المجموع ٧ : ٢٨٢ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٢٦ ، المغني ٣ : ٣٠٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٩١.

(٣) سنن أبي داود ٢ : ١٦٦ / ١٨٢٧ ، سنن البيهقي ٥ : ٤٧ و ٥٢.

(٤) التهذيب ٥ : ٦٧ / ٢١٧ ، الاستبصار ٢ : ١٦٥ / ٥٤٠.

(٥) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٢٦ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٨٩ ، حلية العلماء ٣ : ٢٩٠ ، فتح العزيز ٧ : ٤٥٧.

(٦) التهذيب ٥ : ٢٩٩ / ١٠١٦.


فقولان ؛ لأنّه مسّ طيباً ، فوجبت الفدية(١) .

والملازمة ممنوعة ؛ لأنّ هذا الموضع ممّا تمسّ الحاجة إلى الدخول إليه ، وربما حصل زحام.

مسألة ٢٣٣ : يحرم لُبْس الثوب مسّه طيب ، ذهب اليه علماء الأمصار ؛ لما رواه العامّة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال : ( لا تلبسوا شيئاً من الثياب مسّه الزعفران ولا الوَرْس )(٢) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « لا تمسّ الريحان وأنت مُحْرم ولا تمسّ شيئاً فيه زعفران ، ولا تأكل طعاماً فيه زعفران ، ولا ترتمس في ماء يدخل فيه رأسك »(٣) .

إذا ثبت هذا ، فلا فرق بين صبغ الثوب بالطيب وغمسه فيه وتبخيره به.

وكذا لا يجوز افتراشه والنوم عليه والجلوس ، فمتى لبسه أو نام عليه ، وجبت الفدية - وبه قال الشافعي وأحمد(٤) - لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله نهى عن لُبْس ما مسّه الزعفران(٥) ، ولم يُفرّق بين الرطب واليابس ، ولا بين ما ينفض وما لا ينفض.

وقال أبو حنيفة : إن كان رطباً يلي بدنه أو يابساً ينفض ، فعليه الفدية ، وإلّا فلا ؛ لأنّه غير مستعمل لجرم الطيب في بدنه ، فلا فدية عليه ، كما لو‌

____________________

(١) الحاوي الكبير ٤ : ١١٣ ، فتح العزيز ٧ : ٤٦١ - ٤٦٢ ، المجموع ٧ : ٢٧٢.

(٢) صحيح البخاري ٣ : ١٩ ، صحيح مسلم ٢ : ٨٣٤ / ١١٧٧ ، سنن الترمذي ٣ : ١٩٥ / ٨٣٣ ، سنن ابن ماجة ٢ : ٩٧٧ / ٢٩٢٩ ، الموطّأ ١ : ٣٢٥ / ٨ ، سنن البيهقي ٥ : ٤٩.

(٣) التهذيب ٥ : ٣٠٧ / ١٠٤٨.

(٤) الوجيز ١ : ١٢٥ ، فتح العزيز ٧ : ٤٦١ ، المجموع ٧ : ٢٧٢ ، المغني ٣ : ٢٩٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٨٨.

(٥) تقدّمت الإِشارة إلى مصادره في الهامش (٢)


جلس عند العطّارين(١) .

والفرق : أنّ الجلوس ليس بتطيّب.

فروع :

أ - لو غسل الثوب حتى ذهب الطيب ، جاز لبُسْه إجماعاً.

ولأنّ الصادقعليه‌السلام سُئل عن الثوب للمُحرم يصيبه الزعفران ثم يغسل ، فقال : « لا بأس به إذا ذهب »(٢) .

ب - لو انقطعت رائحة الطيب لطول الزمان عليه ، أو صُبغ بغيره بحيث لا تظهر له رائحة إذا رشّ بالماء ، جاز استعماله - وبه قال سعيد بن المسيّب والحسن البصري والنخعي والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي(٣) - لزوال الرائحة المقتضية للتحريم.

وكرهه مالك(٤) .

ج - لو فرش فوق الثوب المطيّب ثوباً يمنع الرائحة والمباشرة ، فلا فدية بالجلوس عليه والنوم‌. ولو كان الحائل ثياب نومه ، فالوجه : المنع ؛ لأنّه كما مُنع من استعمال الطيب في بدنه مُنع من استعماله في ثوبه.

د - لو أصاب ثوبه طيب ، وجب عليه غسله أو نزعه ، فلو كان معه من الماء ما لا يكفيه لغسل الطيب وطهارته ، غسل به الطيب ؛ لأنّ للوضوء بدلاً.

ه- - لو جعل الطيب في خرقة وشمّها ، وجب عليه الفداء ؛ للعمومات.

وقال الشافعي : لا فدية عليه(٥) .

____________________

(١) المغني ٣ : ٢٩٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٨٨.

(٢) الفقيه ٢ : ٢١٦ / ٩٨٨ ، التهذيب ٥ : ٦٨ / ٢٢٠.

(٣) المغني ٣ : ٢٩٩ ، فتح العزيز ٧ : ٤٥٩ ، المجموع ٧ : ٢٧٣.

(٤) المدوّنة الكبرى ١ : ٣٦٢ ، المغني ٣ : ٢٩٩.

(٥) الْأُم ٢ : ١٥٢ ، الحاوي الكبير ٤ : ١١٢ - ١١٣.


مسألة ٢٣٤ : يكره له الجلوس عند العطّارين ، ويُمسك على أنفه لو جاز في زُقاق العطّارين ، ولا يقبض على أنفه من الرائحة الكريهة ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « وأمسك على أنفك من الريح الطيّبة ولا تُمسك من الريح النتنة »(١) .

ويجوز الجلوس عند الكعبة وهي تُجمّر ، وبه قال الشافعي(٢) .

ولا يجوز الجلوس عند رجل متطيّب ولا في سوق العطّارين ؛ لأنّه يشمّ الطيب حينئذٍ.

وقال الشافعي : إن جلس لحاجة أو غرض غير الطيب ، كره ، وإن جلس لشمّ الطيب ، فقولان :

أحدهما : الجواز من غير كراهة ، كالجلوس الى الكعبة.

والثاني : الكراهة(٣) .

قال الشيخرحمه‌الله : لو كان الطيب يابساً مسحوقاً ، فإن علق ببدنه منه شي‌ء ، فعليه الفدية ، وإن لم يعلق بحال ، فلا فدية ، وإن كان يابساً غير مسحوق ، فإن علق ببدنه رائحته ، فعليه الفدية.

وقال الشافعي : إن علق به رائحة ، فقولان(٤) .

قال الشيخرحمه‌الله : لو مسّ طيباً ذاكراً لإِحرامه ، عالماً بالتحريم ، رطباً ، كالمسك والغالية والكافور المبلول بماء ورد وشبهه ، فعليه الفدية في أيّ موضع كان من بدنه ، وكذا لو تسعّطه أو حقن. وبه قال الشافعي.

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٢٩٧ - ١٠٠٦ ، الاستبصار ٢ : ١٧٨ - ٥٩٠.

(٢) مختصر المزني : ٦٦ ، الحاوي الكبير ٤ : ١١٣ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢١٧ ، المجموع ٧ : ٢٧٥ ، فتح العزيز ٧ : ٤٦٠.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٤٦٠ ، المجموع ٧ : ٢٧١.

(٤) الخلاف ٢ : ٣٠٦ ، المسألة ٩٤ ، وراجع : الوجيز ١ : ١٢٥ ، وفتح العزيز ٧ : ٤٦٠ ، والمهذّب - للشيرازي - ١ : ٢١٧ ، والمجموع ٧ : ٢٧٢.


وقال أبو حنيفة : لو ابتلع الطيب فلا فدية عليه.

وكذا لو حشا جرحه بطيب(١) .

ولو داس بنعله طيباً فعلق بنعله ، فإن تعمّد ذلك ، وجبت الفدية ؛ لأنّه مستعمل للطيب ، كما لو علق بثوبه ، وإن لم يتعمّد ، لم يكن عليه شي‌ء.

ولو اضطرّ المـُحْرم الى سعوط فيه مسك ، جاز له التسعّط به ؛ للرواية(٢) .

ولو لم تكن ضرورة ، فالوجه : المنع ، ووجوب الفدية ، وبه قال الشافعي(٣) . وكذا لو احتقن به ، خلافاً لأبي حنيفة(٤) .

مسألة ٢٣٥ : يحرم على المـُحْرم أكل ما فيه طيب عمداً ، وتجب به الفدية على جميع الأحوال عند علمائنا أجمع ؛ لعموم الأخبار الدالّة على المنع من أكل طعام فيه طيب أو شربه واستعمال الطيب مطلقاً.

وقول الصادقعليه‌السلام : « واتّق الطيب في زادك »(٥) .

وقول الباقرعليه‌السلام : « مَنْ أكل زعفراناً متعمّداً أو طعاماً فيه طيب فعليه دم ، وإن كان ناسياً فلا شي‌ء عليه ويستغفر الله ويتوب اليه »(٦) .

وقال مالك : إن مسّته النار ، فلا فدية - وهو قول أصحاب الرأي(٧) - لأنّه استحال بالطبخ عن كونه طيباً ، فيكون سائغاً ، سواء بقيت أوصافه أو لم تبق(٨) .

____________________

(١) الخلاف ٢ : ٣٠٦ ، المسألة ٩٣ ، وراجع : الأُم ٢ : ١٥٢ ، وفتح العزيز ٧ : ٤٥٩ و ٤٦٠ ، والمجموع ٧ : ٢٧٠ - ٢٧١.

(٢) الفقيه ٢ : ٢٢٤ - ١٠٥٤.

(٣) الْأُم ٢ : ١٥٢ ، فتح العزيز ٧ : ٤٦٠ ، المجموع ٧ : ٢٧١.

(٤) انظر : فتح العزيز ٧ : ٤٦٠.

(٥) التهذيب ٥ : ٢٩٧ / ١٠٠٦ ، الاستبصار ٢ : ١٧٨ / ٥٩٠.

(٦) الكافي ٤ : ٣٥٤ / ٣ ، الفقيه ٢ : ٢٢٣ / ١٠٤٦.

(٧ و ٨) المغني ٣ : ٣٠٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٨٩ ، المنتقى - للباجي - ٢ : ٢٠٤ ، المدوّنة =


وليس بجيّد ؛ لأنّ الترفّه والاستمتاع حاصل من حيث المباشرة ، فأشبه ما لو كان نيئاً.

مسألة ٢٣٦ : لو طيّب بعض العضو كان كما لو طيّب كلّه ، ويجب الفداء عند علمائنا ، وبه قال الشافعي(١) .

وقال أبو حنيفة : إن طيّب جميع العضو كالرأس واليد ، وجبت الفدية التامّة ، وإلّا فلا ، بل يجب صدقة لو طيّب بعض العضو(٢) .

لنا : أنّه مُسْتعمِل للطيب ، فدخل تحت عموم النهي.

وكذا البحث في اللُّبْس لو لبس بعض العضو أو غطّى بعض رأسه كان كما لو ستر الجميع.

ولو اضطرّ الى أكل طعام فيه طيب أو مسّه ، أكل أو لَمَس وقَبَض على أنفه ، للضرورة ، ولا شي‌ء عليه.

ويجوز له شراء الطيب إجماعاً ، لأنّه غير المنهي عنه فيبقى على الإِباحة الأصلية.

وكذا يشتري المخيط والجواري ؛ لأنّه غير الاستمتاع بهما ، بخلاف النكاح الذي لا يقصد به إلّا الاستمتاع ، فلهذا مُنع منه.

وكما يُمنع المـُحْرم من ابتداء الطيب كذا يُمنع من استدامته ، سواء صبغ ثوبه به ، كالمـُمْسَك والمـُزعفَر والمـُعنبَر ، أو غمسه فيه ، كما لو غمسه في ماء الورد وماء الكافور ، أو بجرّه به ، كالندّ(٣) والعود.

____________________

= الكبرى ١ : ٤٥٧ ، الموطأ ١ : ٣٣٠ ذيل الحديث ٢١ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٩١ ، حلية العلماء ٣ : ٢٨٩.

(١) فتح العزيز ٧ : ٤٦٠ ، حلية العلماء ٣ : ٢٩١ ، المجموع ٧ : ٢٧٠ - ٢٧١ ، المغني ٣ : ٥٣٣.

(٢) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٢٢ ، الهداية - للمرغيناني - ١ : ١٦٠ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٨٩ ، فتح العزيز ٧ : ٤٦٠ ، المغني ٣ : ٥٣٣.

(٣) الندّ : ضرب من الطيب يدخّن به. لسان العرب ٣ : ٤٢١ « ندد ».


ولو غمس ثوبه في ماء الفواكه الطيّبة ، كالاُتْرُج والتفّاح وشبهه ، لم يكن به بأس.

قال الشيخرحمه‌الله : يستحب للمُحْرم إذا نسي وتطيّب أن يكلّف مُحلاً غسْله ، ولا يباشره بنفسه ، فإن باشره بنفسه ، فلا شي‌ء عليه(١) . وهو جيّد.

مسألة ٢٣٧ : لو أكل طعاماً فيه زعفران أو طيب آخر ، أو استعمل مخلوطاً بالطيب في غير الأكل ، فإن استهلك الطيب فيه فلم يبق له ريح ولا طعم ولا لون ، فالأقرب أنّه لا فدية فيه ، وبه قال الشافعي(٢) .

وإن ظهرت هذه الأوصاف فيه ، وجبت الفدية قطعاً.

وإن بقيت الرائحة وحدها ، فكذلك ؛ لأنّها الغرض الأعظم من الطيب.

وإن بقي اللون وحده ، فطريقان للشافعية ، أحدهما : أنّ المسألة على قولين : أظهرهما : أنّه لا تجب فدية ؛ لأنّ اللون ليس بمقصود أصلي.

الطريق الثاني : القطع بعدم وجوب الفدية.

ولو بقي الطعم وحده ، فطريقان : أظهرهما : أنّه كالريح ، والثاني : أنّه كاللون(٣) .

ولو أكل الجلنجبين(٤) ، نُظر في استهلاك الورد فيه وعدمه.

ولو خفيت رائحة الطيب أو الثوب المطيّب بمرور الزمان عليه أو بغبار وغيره ، قال الشافعي : إن كان بحيث لو أصابه الماء فاحت الرائحة منه ، لم يجز استعماله ، فان بقي اللون ، فوجهان مبنيّان على الخلاف المذكور في أنّ اللون هل يعتبر؟ والصحيح عندهم : أنّه لا يعتبر(٥) .

____________________

(١) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٥٢.

(٢) الأُم ٢ : ١٥٢ ، فتح العزيز ٧ : ٤٥٨ ، المجموع ٧ : ٢٧٣.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٤٥٨ - ٤٥٩ ، المجموع ٧ : ٢٧٣.

(٤) في « ف ، ن » : الجكنجبين.

(٥) فتح العزيز ٧ : ٤٥٩ ، المجموع ٧ : ٢٧٣.


ولو مزج ماء ورد بماء مطلق فذهبت رائحته ، فقولان :

أحدهما : تجب الفدية باستعماله ؛ للعلم بوصول الطيب اليه.

والثاني - وهو الأصحّ عندهم - : لا تجب الفدية ؛ لفوات مقصود الطيب(١) .

مسألة ٢٣٨ : استعمال الطيب عبارة عن شمّه أو إلصاق الطيب بالبدن‌ أو الثوب أو نشبت(٢) الرائحة بإحداهما قصداً للعرف ، فلو تحقّق الريح دون العين بجلوسه في حانوت عطّار أو في بيت يجمّره ساكنوه ، وجبت الفدية إن قصد تعلّق الرائحة به ، وإلّا فلا.

والشافعي أطلق القول بعدم وجوب الفدية(٣) .

ولو احتوى على مجمرة ، لزمت الفدية عندنا وعنده(٤) أيضاً.

وقال أبو حنيفة : لا تجب الفدية(٥) .

ولو مسّ جرم العود فلم تعبق(٦) به رائحته ، فلا فدية.

وللشافعي قولان(٧) .

ولو حمل مسكاً في فأرة مصمومة الرأس ، فلا فدية إذا لم يشمّها ، وبه قال الشافعي(٨) .

ولو كانت غير مصمومة ، فللشافعية وجهان(٩) .

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٤٥٩ ، المجموع ٧ : ٢٧٣.

(٢) نشب الشي‌ء في الشي‌ء : علق فيه. الصحاح ١ : ٢٢٤ « نشب ».

(٣) الْأُم ٢ : ١٥٢ ، الوجيز ١ : ١٢٥ ، فتح العزيز ٧ : ٤٦٠ ، المجموع ٧ : ٢٧١.

(٤) الوجيز ١ : ١٢٥ ، فتح العزيز ٧ : ٤٦٠ ، المجموع ٧ : ٢٧١.

(٥) فتح العزيز ٧ : ٤٦٠.

(٦) عبق : لزم ، لزق. لسان العرب ١٠ : ٢٣٤ « عبق ».

(٧) الوجيز ١ : ١٢٥ ، فتح العزيز ٧ : ٤٦٠.

(٨) الوجيز ١ : ١٢٥ ، فتح العزيز ٧ : ٤٦٠ ، المجموع ٧ : ٢٧٢.

(٩) الوجيز ١ : ١٢٥ ، فتح العزيز ٧ : ٤٦١.


وقال بعضهم : إنّ حمل الفأرة تطيّب(١) .

ولو جعل الطيب المسحوق في خرقة وشمّها ، فعليه الفداء.

وقال الشافعي : لا فدية عليه ، ولا يكون محرّماً(٢) .

ولو طيّب فراشه ونام عليه ، حرم ، ولزمه الفداء.

ولا فرق بين أن يتّفق الإِلصاق بظاهر البدن أو داخله ، كما لو أكله أو احتقن به أو تسعّط.

وللشافعية قول آخر : إنّه لا تجب الفدية في الحقنة والسعوط(٣) .

ولو مسّ طيباً فلم يعبق ببدنه شي‌ء من جرمه ولكن عبقت به الرائحة ، لزمه الفداء - وهو أحد قولي الشافعي(٤) - لأنّ المقصود الرائحة وقد حصلت.

والثاني : لا تجب ؛ لأنّ الرائحة قد تحصل بالمجاورة(٥) .

ولو لم تعبق به الرائحة ، فلا شي‌ء عليه.

ولو شدّ المسك أو العنبر أو الكافور في طرف ثوبه ، أو وضعته المرأة في جيبها ، أو لبست الحليّ المحشوّ به ، وجبت الفدية.

ولو شمّ الورد فقد تطيّب به ، وكذا لو شمّ ماء الورد.

وقال الشافعي : لا يجب بشمّ ماء الورد شي‌ء إلاّ أن يصبّه على بدنه أو ثوبه ، لأنّ الطريق فيه الصبّ على الثوب أو البدن(٦) .

ولو داس بنعله طيبا ، لزمته الفدية - وبه قال الشافعي(٧) - لأنّها ملبوسة له بحال.

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٤٦١.

(٢) الحاوي الكبير ٤ : ١١٢ - ١١٣ ، والْأُم ٢ : ١٥٢.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٤٦٠ ، المجموع ٧ : ٢٧١.

(٤ و٥ ) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢١٧ ، المجموع ٧ : ٢٧٢ ، فتح العزيز ٧ : ٤٦٠.

(٦) فتح العزيز ٧ : ٤٦٠ ، المجموع ٧ : ٢٧٢.

(٧) فتح العزيز ٧ : ٤٦١ ، المجموع ٧ : ٢٧٣.


ولو نام أو جلس على أرض أو فراش مطيّبين ، فإن فرش فوقهما ثوباً وإن كان رقيقاً ، فلا بأس إذا لم يشمّ طيبهما وإلّا فلا.

مسألة ٢٣٩ : إنّما يحرم استعمال الطيب مع القصد ، فلو تطيّب ناسياً أو جاهلاً بكونه طيباً أو بكون الطيب محرّماً ، فلا فدية - وبه قال الشافعي(١) - كما لو تكلّم في الصلاة ناسياً أو أكل في رمضان.

وقال أبو حنيفة ومالك والمزني : تجب الفدية على الناسي والجاهل(٢) .

وعن أحمد روايتان(٣) .

ولو علم أنّه طيب ولم يعلم أنّه يعبق ، لزمته الفدية.

ولو علم تحريم الاستعمال وجهل وجوب الفدية ، وجبت الفدية ، لأنّه إذا علم التحريم ، كان حقّه الامتناع.

ولو علم تحريم الطيب وجهل كون الممسوس طيباً ، لم تجب الفدية - وهو قول أكثر الشافعية(٤) - لأنّه إذا جهل كون الشي‌ء طيباً فقد جهل تحريم استعماله.

وحكى الجويني وجهاً آخر : أنّه تجب الفدية(٥) .

ولو مسّ طيباً رطباً وهو يظنّ أنّه يابس لا يعلق شي‌ء منه به ، فالأقرب عدم الفدية - وهو أحد قولي الشافعي(٦) - لأنّ جهله برطوبته كجهله بكونه طيباً.

____________________

(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٢٠ ، المجموع ٧ : ٣٤٠ و ٣٤٣ ، الوجيز ١ : ١٢٥ ، فتح العزيز ٧ : ٤٦١ ، مختصر المزني : ٦٦ ، حلية العلماء ٣ : ٣٠٠ ، صحيح مسلم بشرح النووي هامش إرشاد الساري ٥ : ١٨٦.

(٢) فتح العزيز ٧ : ٤٦١ ، المجموع ٧ : ٣٤٠ و ٣٤٣ ، المدوّنة الكبرى ١ : ٣٨٨ ، حلية العلماء ٣ : ٣٠٠ ، صحيح مسلم بشرح النووي هامش إرشاد الساري ٥ : ١٨٦.

(٣) المغني ٣ : ٥٣٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٥٤ ، فتح العزيز ٧ : ٤٦١ ، المجموع ٧ : ٣٤٣ ، صحيح مسلم بشرح النووي هامش إرشاد الساري ٥ : ٣٤٠.

(٤ و ٥ ) فتح العزيز ٧ : ٤٦١ ، المجموع ٧ : ٣٤٠.

(٦) فتح العزيز ٧ : ٤٦١ - ٤٦٢ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٢٠ ، المجموع ٧ : ٣٤٠ ، حلية العلماء ٣ : ٣٠١.


والثاني : تجب الفدية ؛ لأنّه قصد الطيب مع العلم بكونه طيباً(١) .

وقال الشيخرحمه‌الله : لو كان الطيب يابساً مسحوقاً ، فإن علق بيده شي‌ء منه ، فعليه الفدية ، وإن لم يعلق بحال ، فلا فدية ، ولو كان يابساً غير مسحوق ، كالعود والعنبر والكافور ، فإن علق بيده رائحته ، فعليه الفدية ؛ للاحتياط وعموم الأخبار(٢) . وهو جيّد.

مسألة ٢٤٠ : لو لصق الطيب ببدنه أو ثوبه على وجه لا يوجب الفدية‌ بأن كان يابساً أو ألقته الريح ، وجب عليه المبادرة إلى غسله أو تنحيته أو معالجته بما يقطع رائحته ، ويأمر غيره بإزالة ذلك عنه.

ولو باشره بنفسه ، فالأقرب أنّه لا يضرّه ؛ لأنّه قصد الإِزالة.

فإن أخّره قادراً ولم يُزله مع الإِمكان ، وجب الفداء.

ولو كان زمناً لا يقدر على إزالته أو مكتوفاً لا يتمكّن ، فلا فدية.

ولو اكره على التطيّب ، فلا فدية.

ولو اُكره على التطيّب ، فلا فدية.

ولا خلاف بين أهل العلم في تحريم لُبْس ثوب فيه طيب من وَرْس أو زعفران وغيرهما مع رطوبته أو تبخيره به ، فكلّ ما صُبغ بزعفران أو وَرْس ، أو غُمس في ماء ورد أو بُخّر بعود ، فليس للمُحْرم لُبْسه ولا الجلوس عليه ولا النوم عليه ؛ لأنّه استعمال له ، فأشبه لُبْسه ، ومتى لبسه أو استعمله ، فعليه الفداء ، وبه قال الشافعي وأحمد(٣) .

وقال أبو حنيفة : إن كان رطباً يلي بدنه أو يابساً ينفض ، فعليه الفدية ،

____________________

= حلية العلماء ٣ : ٣٠١

(١) فتح العزيز ٧ : ٤٦٢ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٢٠ ، المجموع ٧ : ٣٤٠ ، حلية العلماء ٣ : ٣٠١.

(٢) الخلاف ٢ : ٣٠٦ ، المسألة ٩٤.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٤٦١ ، المجموع ٧ : ٢٧٢ ، المغني ٣ : ٢٩٨ - ٢٩٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٨٨.


وإلّا فلا ؛ لأنّه ليس بمتطيّب(١) .

وهو خطأ ؛ لأنّه مُحْرم استعمل ثوباً مطيّباً ، فلزمته الفدية ، كالرطب.

فإن غسله حتى ذهب ما فيه من الطيب ، فلا بأس به بإجماع العلماء.

ولو انقطعت رائحة الثوب لطول الزمن عليه ، أو لكونه صُبغ بغيره فغلب عليه بحيث لا تفوح له رائحة إذا رشّ فيه الماء ، فلا بأس باستعماله ؛ لزوال الطيب منه ، وبه قال سعيد بن المسيّب والنخعي والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي ، وهو مروي عن عطاء وطاوس(٢) .

وكره ذلك مالك إلّا أن يغسل ويذهب لونه ؛ لأنّ عين الزعفران ونحوه موجودة فيه(٣) .

وليس بجيّد ، لأنّه إنّما نهي عنه لأجل رائحته والتلذّذ به وقد ذهبت بالكلّية.

ولو لم تكن له رائحة في الحال لكن كان بحيث لو رشّ فيه ماء فاح ريحه ، ففيه الفدية ؛ لأنّه متطيّب ؛ لأنّ رائحته تظهر عند رشّ الماء فيه ، والماء لا رائحة له ، وإنّما هي من الصبغ الذي فيه.

ولو فرش فوق الثوب ثوباً صفيقاً يمنع الرائحة والمباشرة ، فلا فدية عليه بالجلوس والنوم عليه.

ولو كان الحائل بينهما ثياب بدنه ، وجب الفداء ؛ لأنّه ممنوع من استعمال الطيب في الثوب الذي عليه ، كما مُنع من استعماله في بدنه.

ولا بأس بالثوب المـُعَصْفر - وهو المصبوغ بالعُصْفُر - للرواية(٤) ، خلافاً

____________________

(١) المغني ٣ : ٢٩٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٨٨.

(٢) المغني ٣ : ٢٩٩ ، فتح العزيز ٧ : ٤٥٩.

(٣) المغني ٣ : ٢٩٩ ، المدوّنة الكبرى ١ : ٣٦٢.

(٤) التهذيب ٥ : ٦٧ / ٢١٧ ، الاستبصار ٢ : ١٦٥ / ٥٤٠.


للثوري وأبي حنيفة ومحمد بن الحسن(١) .

وكذا لا بأس بالممشق وهو المصبوغ بالمشق وهو المصبوغ بالمغرة ؛ لأنّه مصبوغ بطين لا بطيب ، وكذا المصبوغ بسائر الأصباغ سوى ما ذكرنا وإن كان السواد مكروهاً ؛ لأصالة الإِباحة إلّا ما ورد الشرع بتحريمه ، أو كان في معناه.

وأمّا المصبوغ بالرياحين فهو مبني على الرياحين في نفسها ، فما مُنع المـُحْرم من استعماله مُنع من المصبوغ به إذا ظهرت رائحته ، وإلّا فلا.

مسألة ٢٤١ : لو مات المـُحْرم ، لم يجز تغسيله بالكافور‌ - وهو إجماع - للأحاديث الدالّة عليه من طُرق العامّة(٢) والخاصّة :

روى محمّد بن مسلم - في الصحيح - عن الباقرعليه‌السلام : عن المـُحْرم إذا مات كيف يصنع به؟ قال : « يغطّى وجهه ، ويصنع به كما يصنع بالحلال غير أنّه لا يقربه طيباً »(٣) .

البحث الرابع : الادّهان‌

مسألة ٢٤٢ : الدهن ضربان : طيب وغير طيب.

فالطيب : البنفسج والورد والنيلوفر والبان(٤) وما في معناه ، ولا خلاف أنّ فيه الفدية على أيّ وجه استعمله.

____________________

(١) المغني ٣ : ٣٠٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٣٣ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٢٦ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٨٥.

(٢) راجع : صحيح البخاري ٢ : ٩٦ و ٣ : ٢٢ ، وصحيح مسلم ٢ : ٨٦٥ / ٩٤ ، وسنن النسائي ٥ : ١٩٦ ، وسنن البيهقي ٥ : ٥٣ و ٧٠.

(٣) التهذيب ١ : ٣٣٠ / ٩٦٥ عن الإِمامين الباقر والصادقعليهما‌السلام ، وفيه : « لا يقرب طيباً ».

(٤) البان : ضرب من الشجر ، طيّب الزَّهْر ، واحدتها : بأنه ، ومنه دهن البان. لسان العرب ١٣ : ٦١ ، الصحاح ٥ : ٢٠٨١ « بون ».


وأمّا غير الطيب مثل الشيرج والزبد والسمن فيجوز أكله إجماعاً.

قال الشيخرحمه‌الله : ولا يجوز الادّهان به على وجه ، وأمّا وجوب الكفّارة بالادّهان فلَسْتُ أعرف به نصّاً ، والأصل براءة الذمّة.

ثم قال : وقد اختلف الناس على أربعة مذاهب :

فقال أبو حنيفة : فيه الفدية على كلّ حال إلّا أن يداوي به جرحه أو شقوق رجليه.

وقال الحسن بن صالح بن حي : لا فدية فيه بحال.

وقال الشافعي : فيه الفدية في الرأس واللحية ، ولا فدية فيما عداهما ؛ ( لما فيه من ترجيل الشعر وتزيينه ، والمـُحْرم منعوت بالشّعث المعتاد له.

ولو كان أقرع أو أصلع فدهن رأسه ، أو أمرد فدهن ذقنه ، فلا فدية عليه عنده ؛ إذ ليس فيه تزيين شعر.

ولو كان محلوق الرأس ، فوجهان.

ولو كان في رأسه شجّه فجعل الدهن في داخلها ، فلا شي‌ء عليه )(١) .

وقال مالك : إن دهن به ظاهر بدنه ، ففيه الفدية ، وإن كان في بواطن بدنه ، فلا فدية.

واستدلّ -رحمه‌الله - على مذهبه : بأصالة براءة الذمّة.

وبما رواه العامّة عن ابن عمر : أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ادّهن - وهو مُحْرم - بزيت(٢) (٣) .

____________________

(١) ما بين القوسين ليس في الخلاف.

(٢) سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٣٠ / ٣٠٨٣ ، سنن الترمذي ٣ : ٢٩٤ / ٩٦٢ ، مسند أحمد ٢ : ٥٩.

(٣) الخلاف ٢ : ٣٠٣ - ٣٠٤ ، المسألة ٩٠ ، وراجع : بدائع الصنائع ٢ : ١٩٠ ، والمبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٢٢ ، والهداية - للمرغيناني - ١ : ١٦٠ ، والوجيز ١ : ١٢٥ ، وفتح العزيز ٧ : ٤٦٢ ، والمهذّب - للشيرازي - ١ : ٢١٧ ، والمجموع ٧ : ٢٧٩ و ٢٨٢ ، والحاوي الكبير ٤ : ١٠٩ و ١١٠.


إذا عرفت هذا ، فنقول : الدهن الطيب كدهن الورد والبنفسج والنيلوفر يحرم الادّهان به ، وبه قال الأوزاعي وأحمد(١) .

وكره مالك وأبو ثور وأصحاب الرأي الادّهان بدهن البنفسج(٢) .

وقال الشافعي : ليس بطيب(٣) .

وهو غلط ؛ لأنّه يتّخذ للطيب ، وتُقصد رائحته ، فكان طيباً ، كماء الورد.

وأمّا ما لا طيب فيه كالزيت والشيرج والسمن والشحم ودهن البان الساذج : فالمشهور عند علمائنا تحريم الادّهان به بعد الإِحرام اختياراً ، وذهب العامّة إلى جوازه.

قال ابن المنذر : أجمع عوام أهل العلم على أنّ للمُحْرم أن يدّهن بدنه بالشحم والزيت والسمن(٤) .

ونقل بعض العامّة جواز ذلك عن ابن عباس وأبي ذر والأسود بن يزيد وعطاء والضحّاك وغيرهم(٥) .

وقال عطاء ومالك والشافعي وأبو ثور وأحمد في رواية ، وأصحاب الرأي : لا يدّهن المـُحْرم رأسه بالزيت الذي يؤكل ؛ لأنّه يُزيل الشَّعَث ويُرجّل الشعر ويُحسّنه(٦) .

____________________

(١) المغني ٣ : ٣٠٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٨٩.

(٢) المدوّنة الكبرى ١ : ٤٥٦ ، المغني ٣ : ٣٠٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٨٩.

(٣) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢١٦ ، المجموع ٧ : ٢٧٨ ، فتح العزيز ٧ : ٤٥٨ ، المغني ٣ : ٣٠٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٨٩.

(٤) المغني ٣ : ٣٠٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٩٢ ، المجموع ٧ : ٢٨٣.

(٥) المغني ٣ : ٣٠٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٩٢.

(٦) المدوّنة الكبرى ١ : ٤٥٥ ، فتح العزيز ٧ : ٤٦٢ ، المجموع ٧ : ٢٧٩ و ٢٨٢ ، المغني ٣ : ٣٠٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٩٢ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٢٢ ، الهداية - للمرغيناني - ١ : ١٦٠.


وأجمعوا على إباحة استعماله في اليدين ، وإنّما الكراهة عندهم في الرأس خاصّة ؛ لأنّه محلّ الشعر(١) .

لنا : ما رواه العامّة عن ابن عمر أنّه صدع وهو مُحْرم ، فقالوا : ألا ندّهنك بالسمن؟ فقال : لا، قالوا : أليس تأكله؟ قال : ليس أكله كالادّهان به(٢) .

وعن مجاهد : إن تداوى به ، فعليه الكفّارة(٣) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « ولا تمسّ شيئاً من الطيب ولا من الدهن في إحرامك »(٤) .

وقالعليه‌السلام : « وادّهن بما شئت من الدهن حيت تريد أن تحرم ، فإذا أحرمت فقد حرم عليك الدهن »(٥) .

ولو ادّهن بالدهن الطيب قبل الإِحرام ، فإن كانت رائحته تبقى إلى بعد الإِحرام ، فَعَل حراماً ، ولو ذهبت رائحته بعد الإِحرام أو ادّهن قبله بما ليس بطيب ، فإنّه جائز إجماعاً.

مسألة ٢٤٣ : لو اضطرّ إلى استعمال الأدهان الطيّبة حالة الإِحرام ، جاز له استعماله ، وتجب الفدية ؛ لما رواه الشيخ - في الصحيح - عن معاوية ابن عمّار : في مُحْرم كانت به قرحة فداواها بدهن بنفسج ، قال : « إن كان فعله بجهالة فعليه طعام مسكين ، وإن كان تعمّد فعليه دم شاة يهريقه »(٦) .

ويجوز استعمال ما ليس بطيب بعد الإِحرام اضطراراً إجماعاً ، ولا فدية ؛ لأصالة البراءة.

____________________

(١ - ٣) المغني ٣ : ٣٠٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٩٢.

(٤) التهذيب ٥ : ٢٩٧ / ١٠٠٦ ، الاستبصار ٢ : ١٧٨ / ٥٩٠.

(٥) الكافي ٤ : ٣٢٩ / ٢ ، التهذيب ٥ : ٣٠٣ / ١٠٣٢ ، الاستبصار ٢ : ١٨١ - ١٨٢ / ٦٠٣.

(٦) التهذيب ٥ : ٣٠٤ / ١٠٣٨.


ولما رواه هشام بن سالم - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « إذا خرج بالمـُحْرم الخراج(١) أو الدمل فليُبطّه(٢) وليداوه بسمن أو زيت »(٣) .

البحث الخامس : الاكتحال بما فيه طيب‌

مسألة ٢٤٤ : أجمع علماؤنا على أنّه لا يجوز للمُحْرم أن يكتحل بكحل فيه طيب ، سواء كان رجلاً أو امرأة ؛ لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله حرّم استعمال الطيب(٤) ، وهو قول كلّ من حرّم استعمال الطيب ، وتجب به الفدية كما قلنا في الطيب ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « لا يكحل المـُحْرم عينيه بكُحْل فيه زعفران ، وليكحلها بكُحْل فارسي »(٥) .

إذا عرفت هذا ، فلا يجوز أن يكتحل للزينة ؛ لما رواه معاوية بن عمّار - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « لا بأس بأن تكتحل وأنت محرم بما لم يكن فيه طيب يوجد ريحه ، فأمّا للزينة فلا »(٦) .

مسألة ٢٤٥ : لا يجوز للمُحْرم أن يكتحل بالسواد ، سواء كان رجلاً أو امرأةً ، إلّا عند الضرورة ، ويجوز لهما أن يكتحلا بما عداه من الأكحال إلّا إذا‌

____________________

(١) الخراج : القروح. القاموس المحيط ١ : ١٨٥ « خرج ».

(٢) بطّ الجرح : شقّه. القاموس المحيط ٢ : ٣٥١ « بطّ ».

(٣) الفقيه ٢ : ٢٢٢ / ١٠٤٠ ، التهذيب ٥ : ٣٠٤ / ١٠٣٦.

(٤) انظر : صحيح مسلم ٢ : ٨٦٦ / ٩٩ ، وصحيح البخاري ٢ : ٩٦ و ٣ : ٢٢ ، وسنن النسائي ٥ : ١٩٦ ، وسنن البيهقي ٥ : ٧٠ ، ومسند أحمد ١ : ٢١٥ ، وفيها تصريح بتحريم الطيب للميّت المـُحْرم. فللمُحْرم الحيّ أولى كما ذكره ابنا قدامة في المغني ٣ : ٢٩٦ ، والشرح الكبير ٣ : ٢٨٨.

(٥) التهذيب ٥ : ٣٠١ / ١٠٢٧.

(٦) الكافي ٤ : ٣٥٧ ذيل الحديث ٥ ، التهذيب ٥ : ٣٠٢ / ١٠٢٨.


كان فيه طيب ، فإنّه لا يجوز على حال ، وبه قال الشافعي(١) .

وقال أبو حنيفة : يجوز الاكتحال بما فيه طيب(٢) .

وكره عطاء والحسن البصري ومجاهد الاكتحال بالإِثْمد(٣) .

وروي عن ابن عمر أنّه قال : يكتحل المـُحْرم بكلّ كُحْل ليس فيه طيب(٤) .

قال مالك : لا بأس أن يكتحل المـُحْرم من حَرٍّ يجده في عينيه بالإِثمد وغيره(٥) .

وعن أحمد أنّه قال : يكتحل المـُحْرم ما لم يُرْد به الزينة ، قيل له : الرجال والنساء ، قال : نعم(٦) .

لنا على المنع من الأسود كالإِثْمد وشبهه : ما رواه العامّة : أنّ عليّاًعليه‌السلام قدم من اليمن فوجد فاطمةعليها‌السلام ممّن حلّ ، فلبست ثياباً صبيغاً واكتحلت ، فأنكر ذلك عليها ، فقالت : ( أبي أمرني بهذا ) فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( صَدَقَتْ صَدَقَتْ )(٧) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « لا يكتحل الرجل والمرأة المـُحْرمان بالكُحْل الأسود إلّا من علّة »(٨) .

____________________

(١) مختصر المزني : ٦٦ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٢١ ، فتح العزيز ٧ : ٤٦٣ ، المجموع ٧ : ٣٥٣.

(٢) فتح العزيز ٧ : ٤٦٣.

(٣) المغني ٣ : ٣١٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٣٢.

(٤) المغني ٣ : ٣١٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٣٢ ، المجموع ٧ : ٣٥٤.

(٥) المدوّنة الكبرى ١ : ٤٥٧ ، المغني ٣ : ٣١٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٣٢.

(٦) المغني ٣ : ٣١٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٣٢.

(٧) صحيح مسلم ٢ : ٨٨٨ / ١٢١٨ ، سنن أبي داود ٢ : ١٨٤ / ١٩٠٥ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٢٤ / ٣٠٧٤ ، سنن النسائي ٥ : ١٤٤ ، المغني ٣ : ٣١٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٣٢.

(٨) التهذيب ٥ : ٣٠١ / ١٠٢٣.


ولقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( الحاج أشعث أغبر )(١) وهو ينافي الاكتحال.

مسألة ٢٤٦ : لو اكتحل الرجل والمرأة بالإِثْمد أو الأسود ، فَعَلا محرّماً عند أكثر علمائنا(٢) ، ولا تجب به الفدية ، عملاً بأصالة البراءة السالم عن معارضٍ من نصٍّ أو غيره.

قال الشافعي : إن فَعَلا ، فلا أعلم عليهما فيه فدية بشي‌ء(٣) .

ولا خلاف في زوال التحريم مع الضرورة.

ولا يجوز الاكتحال بما فيه زينة ، لقول الصادقعليه‌السلام : « تكتحل المرأة [ المـُحرمة ](٤) بالكُحْل كلّه إلّا كحلاً أسود للزينة »(٥) .

وقال الصادقعليه‌السلام : « لا تكتحل المرأة المـُحْرمة بالسواد ، إنّ السواد زينة »(٦) . وهو يدلّ على التعليل ، فيطّرد الحكم باطّرادها.

وقال الشافعي : يحرم الاكتحال بما فيه طيب - خلافاً لأبي حنيفة(٧) - وما لا طيب فيه يجوز الاكتحال به. نَقَله المزني(٨) .

وله قول آخر : إنّه يكره(٩) .

____________________

(١) أورده الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٣١٣ ذيل المسألة ١٠٦.

(٢) منهم : الشيخ المفيد في المقنعة : ٦٨ ، والشيخ الطوسي في النهاية : ٢٢٠ ، والمبسوط ١ : ٣٢١ ، وسلّار في المراسم : ١٠٦ ، وابن إدريس في السرائر : ١٢٨.

(٣) الْأُمّ ٢ : ١٥٠ ، المجموع ٧ : ٣٥٣ - ٣٥٤ ، المغني ٣ : ٣١٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٣٢.

(٤) أضفناها من المصدر.

(٥) التهذيب ٥ : ٣٠١ / ١٠٢٤.

(٦) التهذيب ٥ : ٣٠١ / ١٠٢٥.

(٧) فتح العزيز ٧ : ٤٦٣.

(٨) فتح العزيز ٧ : ٤٦٣ ، مختصر المزني : ٦٦ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٢١ ، المجموع ٧ : ٣٥٣.

(٩) فتح العزيز ٧ : ٤٦٣ ، المجموع ٧ : ٣٥٣.


وتوسّط آخرون من أصحابه : إن لم يكن فيه زينة كالتوتيا الأبيض ، لم يكره ، وإن كان فيه زينة كالإِثْمد ، كره ، إلّا لحاجة الرَّمَد(١) .

البحث السادس : النظر في المرآة‌

مسألة ٢٤٧ : اختلف علماؤنا في تحريم النظر في المرآة على المـُحرم ، فقال بعضهم بالتحريم(٢) ، وبعضهم بالكراهة(٣) .

واحتجّ الأوّل : بما رواه العامّة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنّه قال : ( المـُحْرم الأشعث الأغبر )(٤) .

وفي آخر : ( إنّ الله يباهي بأهل عرفة ملائكته فيقول : يا ملائكتي انظروا إلى عبادي قد أتوني شعثاً غبراً ضاحين )(٥) (٦) .

ومن طريق الخاصّة : ما رواه حمّاد - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « لا تنظر في المرآة للزينة »(٧) .

واحتجّ الآخرون : بأصالة الإِباحة.

وقال أحمد : لا ينظر في المرآة لإِزالة شعث أو تسوية شعر أو شي‌ء من‌

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٤٦٣ ، المجموع ٧ : ٣٥٣ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٢١.

(٢) كالشيخ المفيد في المقنعة : ٦٢ ، والشيخ الطوسي في المبسوط ١ : ٣٢١ ، والنهاية : ٢٢٠ ، وأبي الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه : ٢٠٣ ، وابن إدريس في السرائر : ١٢٨.

(٣) كالشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٣١٩ ، المسألة ١١٩ ، وابن حمزة في الوسيلة : ١٦٤ ، والمحقّق في المختصر النافع : ٨٥.

(٤) أورده ابنا قدامة في المغني ٣ : ٣٠٣ ، والشرح الكبير ٣ : ٣٣٤.

(٥) أي : بارزين ، من قولك : ضحيت للشمس : إذا برزت لها. الصحاح ٦ : ٢٤٠٧ « ضحا ».

(٦) أورده ابنا قدامة في المغني ٣ : ٣٠٣ ، والشرح الكبير ٣ : ٣٢٤ ، وفي سنن البيهقي ٥ : ٥٨ نحوه.

(٧) التهذيب ٥ : ٣٠٢ / ١٠٢٩ ، وفيه : « لا تنظر في المرآة وأنت مُحْرم فإنّها من الزينة ».


الزينة ، فإن نظر لحاجة كمداواة جرح أو إزالة شعر ينبت في عينيه وغير ذلك ممّا أباح الشرع له فِعْلَه ، فلا بأس ، وعلى كلّ حال لا فدية فيه(١) .

البحث السابع : لُبْس الحُليّ للزينة‌

مسألة ٢٤٨ : لا يجوز للمرأة في حال الإِحرام لُبْس الحُليّ للزينة‌ وما لم تعتد لُبْسه في حال الإِحرام ؛ لقول الصادقعليه‌السلام في المـُحْرمة : « إنّها تلبس الحُليّ كلّه إلّا حُليّاً مشهوراً للزينة »(٢) .

وسأل يعقوبُ بن شعيب الصادقَعليه‌السلام عن المرأة تلبس الحُليّ ، قال : « تلبس المـَسَك والخلخالين »(٣) .

ومنع أحمد بن حنبل من الخلخال وما أشبهه من الحُليّ ، مثل : السوار والدُّمْلج(٤) .

وروي عن عطاء أنّه كان يكره للمُحْرمة الحرير والحُليّ(٥) .

وكرهه الثوري وأبو ثور(٦) .

وعن قتادة أنّه كان لا يرى بأساً أن تلبس المرأة الخاتم والقرط(٧) وهي محرمة ، وكره السوارين والدُّمْلجين والخلخالين(٨) .

وظاهر مذهب أحمد : الجواز ، وهو قول ابن عمر وعائشة وأصحاب الرأي ، لأنّ عائشة قالت : تلبس المـُحْرمة ما تلبس وهي حلال من خزّها وقزّها وحُليّها ، وعلى كلّ حال لا فدية فيه عند أحمد(٩) .

____________________

(١) المغني ٣ : ٣٠٣ - ٣٠٤.

(٢) الفقيه ٢ : ٢٢٠ / ١٠١٦ ، التهذيب ٥ : ٧٥ - ٧٦ / ٢٤٩ ، الاستبصار ٢ : ٣١٠ / ١١٠٥.

(٣) الفقيه ٢ : ٢٢٠ / ١٠١٩.

(٤ - ٦ ) المغني ٣ : ٣١٥ - ٣١٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٣١ - ٣٣٢.

(٧) القرط : نوع من حُليّ الاُذن. لسان العرب ٧ : ٣٧٤ « قرط ».

(٨ و ٩ ) المغني ٣ : ٣١٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٣٢.


وأمّا لُبْس القُفّازين ففيه الفدية عنده(١) ، وكذا عندنا ؛ لأنّها لبست ما نُهيت عن لُبْسه في الإِحرام ، فلزمتها الفدية ، كالنقاب ، وقد قال الصادقعليه‌السلام : « تلبس المرأة المـُحْرمة الحُليّ كلّه إلّا القُرْط المشهور والقلادة المشهورة »(٢) .

مسألة ٢٤٩ : الحُليّ الذي تعتاد المرأة لُبْسه في الإِحلال يجوز لها لُبْسه في الإِحرام إذا لم تُظهره للزوج ؛ لما فيه من جذب الشهوة إلى إيقاع المنهيّ عنه.

ولما رواه عبد الرحمن بن الحجّاج - في الصحيح - أنّه سأل أبا الحسنعليه‌السلام : عن المرأة يكون عليها الحُليّ والخلخال والمسكة والقرطان من الذهب والورق تحرم فيه وهو عليها وقد كانت تلبسه في بيتها قبل حجّها أتنزعه إذا أحرمت أو تتركه على حاله؟ قال : « تحرم فيه وتلبسه من غير أن تظهره للرجال في مركبها ومسيرها »(٣) .

مسألة ٢٥٠ : لا يجوز للمُحْرم أن يلبس الخاتم للزينة ، ويستحب للسنّة ؛ لأنّ الروايات الدالّة على تحريم لُبْس الحُليّ للزينة والاكتحال بالسواد للزينة والنظر في المرآة للزينة دلّت بمفهومها على تعليل الحرمة بالزينة ، فتثبت في لُبْس الخاتم ؛ لوجود العلّة.

ولأنّ مسمعاً سأل الصادقعليه‌السلام : أيلبس المـُحْرم الخاتم؟ قال : « لا يلبسه للزينة »(٤) .

وأمّا استحبابه للسنّة : فلأنّ محمد بن إسماعيل قال : رأيت العبد‌

____________________

(١) المغني ٣ : ٣١٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٣٢.

(٢) الفقيه ٢ : ٢٢٠ / ١٠١٤.

(٣) الكافي ٤ : ٣٤٥ / ٤ ، التهذيب ٥ : ٧٥ / ٢٤٨ ، الاستبصار ٢ : ٣١٠ / ١١٠٤.

(٤) التهذيب ٥ : ٧٣ / ٢٤٢ ، الاستبصار ٢ : ١٦٥ - ١٦٦ / ٥٤٤.


الصالحعليه‌السلام وهو مُحْرم وعليه خاتم وهو يطوف طواف الفريضة(١) .

إذا عرفت هذا ، فإنّه يجوز للمرأة لُبْس الخاتم من الذهب ؛ للأصل.

ولأنّه يجوز لها لُبْسه حالة الإِحلال ، فيستصحب الحكم ما لم تقصد به الزينة.

ولما رواه عمّار عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « تلبس المـُحْرمة الخاتم من الذهب »(٢) .

إذا عرفت هذا ، فيجوز أن تلبس المرأة الحرير حالة الإِحرام على كراهية ، ولا يكره الذهب والخزّ ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « لا بأس أن تُحْرم المرأة في الذهب والخزّ ، وليس يكره إلّا الحرير المحض »(٣) .

البحث الثامن : تغطية الرأس‌

مسألة ٢٥١ : يحرم على الرجل حالة الإِحرام تغطية رأسه اختيارا‌ً بإجماع العلماء ؛ لما رواه العامّة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنّه نهى عن العمائم والبرانس(٤) .

ومن طريق الخاصّة : ما رواه زرارة - في الصحيح - عن الباقرعليه‌السلام ، قال : قلت له : الرجل المـُحْرم يريد أن ينام يغطّي وجهه من الذباب؟ قال : « نعم ولا يخمّر رأسه »(٥) .

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٧٣ / ٢٤١ ، الاستبصار ٢ : ١٦٥ / ٥٤٣.

(٢) التهذيب ٥ : ٧٦ / ٢٥٠.

(٣) الفقيه ٢ : ٢٢٠ / ١٠٢٠.

(٤) الموطّأ ١ : ٣٢٥ / ٨ ، سنن أبي داود ٢ : ١٦٥ / ١٨٢٣ ، سنن ابن ماجة ٢ : ٩٧٧ / ٢٩٢٩ ، سنن الترمذي ٣ : ١٩٤ - ١٩٥ / ٨٣٣ ، سنن النسائي ٥ : ١٣٢ و ١٣٣ ، سنن البيهقي ٥ : ٤٩.

(٥) التهذيب ٥ : ٣٠٧ / ١٠٥١ ، الاستبصار ٢ : ١٨٤ / ٦١٤.


إذا عرفت هذا ، فإنّه لا فرق بين أن يستر رأسه بمخيط ، كالقلنسوة ، أو بغير مخيط ، كالعمامة والإِزار والخرقة وكلّ ما يعدّ ساتراً ، وإذا ستر ، لزمه الفداء ؛ لأنّه باشر محظوراً ، كما لو حلق ، وإذا غطّى رأسه ، ألقى الغطاء واجباً ، وجدّد التلبية مستحبّاً.

ولو توسّد بوسادة فلا بأس ، وكذا لو توسّد بعمامة مكورة(١) ؛ لأنّ المتوسّد يطلق عليه عرفاً أنّه مكشوف الرأس.

ولا فرق في التحريم بين تغطية الرأس بالمعتاد ، كالعمامة والقلنسوة ، أو بغيره ، كالزنبيل والقرطاس ، أو خضب رأسه بحنّاء ، أو طيّنه بطين ، أو حمل على رأسه متاعاً أو مكتلاً أو طبقاً ونحوه عند علمائنا.

وذكر الشافعي عن عطاء أنّه لا بأس به ، ولم يعترض عليه(٢) .

وهو يُشعر بموافقته ؛ إذ من عادته الردّ على المذهب الذي لا يرتضيه.

وقال ابن المنذر وجماعة من الشافعية : إنّه نصّ في بعض كتبه على وجوب الفدية(٣) ، فبعض الشافعية قطع بالأول ولم يُثبت الثاني(٤) ، وبعضهم قال : إنّ في المسألة قولين(٥) .

ووافقنا أبو حنيفة(٦) على التحريم ووجوب الفدية ؛ لأنّه غطّى رأسه بما يستره ، فوجبت الفدية ، كغيره.

احتجّ الآخرون : بأنّه قصد نقل المتاع لا تغطية الرأس.

ولو ستر رأسه بيديه ، فلا شي‌ء عليه ؛ لأنّ الستر بما هو متّصل به لا يثبت له حكم الستر. وكذا لو وضع يديه على فرجه ، لم يجزئه في الستر.

____________________

(١) كَوْر العمامة : إدارتها على الرأس. لسان العرب ٥ : ١٥٥ « كور ».

(٢) فتح العزيز ٧ : ٤٣٥ ، المجموع ٧ : ٢٥٣.

(٣) الحاوي الكبير ٤ : ١٠٢ ، فتح العزيز ٧ : ٤٣٥ ، المجموع ٧ : ٢٥٣.

(٤ و ٥) فتح العزيز ٧ : ٤٣٥ ، المجموع ٧ : ٢٥٢ - ٢٥٣.

(٦) انظر : فتح العزيز ٧ : ٤٣٥.


ولأنّ المـُحْرم مأمور بمسح رأسه ، وذلك يكون بوضع يده عليه.

وجوّز الحنابلة للمُحْرم أن يطلي رأسه بالعسل أو الصمغ ؛ ليجتمع الشعر ويتلبّد ، فلا يتخلّله الغبار ، ولا يصيبه الشَّعَث ، ولا يقع فيه الدبيب ؛ لما رواه ابن عمر ، قال : رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يُهلّ ملبّداً(١) (٢) .

مسألة ٢٥٢ : يحرم عليه أن يرتمس في الماء بحيث يعلو الماء على رأسه‌ - وبه قال مالك(٣) - لأنّه مشتمل على تغطية الرأس.

ولما رواه عبد الله بن سنان - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « ولا ترتمس في ماء يدخل فيه رأسك »(٤) .

وفي الصحيح عن حريز عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « لا يرتمس المـُحرم في الماء »(٥) .

ويجوز أن يغسل رأسه ويفيض عليه الماء إجماعاً ؛ لأنّه لا يطلق عليه اسم التغطية ، وليس هو في معناها ، كالارتماس.

ولما رواه حريز - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « إذا اغتسل المـُحْرم من الجنابة صبّ على رأسه الماء يميّز الشعر بأنامله بعضه من بعض »(٦) .

وكذا يجوز للمُحْرم أن يدلك رأسه ويحكّه بيده ؛ لأنّ زرارة سأله عن المـُحْرم هل يحكّ رأسه أو يغسله بالماء؟ فقال : « يحكّ رأسه ما لم يتعمّد قتل دابّة »(٧) .

____________________

(١) سنن النسائي ٥ : ١٣٦.

(٢) المغني ٣ : ٣٠٩ - ٣١٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٧٨.

(٣) المنتقى - للباجي - ٢ : ١٩٥.

(٤) التهذيب ٥ : ٣٠٧ / ١٠٤٨.

(٥) الفقيه ٢ : ٢٢٦ / ١٠٦٤ ، التهذيب ٥ : ٣٠٧ / ١٠٤٩.

(٦) التهذيب ٥ : ٣١٣ - ٣١٤ / ١٠٨٠.

(٧) الكافي ٤ : ٣٦٦ / ٧ ، الفقيه ٢ : ٢٣٠ / ١٠٩٢.


ولا يحلّ للمُحْرم أن يضع الطيب في رأسه بحيث يبقى إلى بعد الإِحرام ؛ لما تقدّم من تحريم استعمال الطيب.

وخالف فيه الجمهور(١) .

ولو خضب رأسه ، وجبت الفدية ، سواء كان الخضاب ثخيناً أو رقيقاً ؛ لأنّه ساتر ، وبه قال الشافعي(٢) .

وفصّل أصحابه بين الثخين والرقيق ، فأوجبوا الفدية في الأول دون الثاني(٣) .

وليس بمعتمد.

وكذا لو وضع عليه مرهماً له جرم يستر رأسه.

ولو طلى رأسه بعسل أو لبن ثخين فكذلك ، خلافاً للشافعي(٤) .

ولو طيّن رأسه ، وجبت الفدية عندنا.

وللشافعية وجهان كالوجهين فيما إذا طلى بالطين عورته وصلّى هل تجزئه؟(٥) .

مسألة ٢٥٣ : لا يشترط في وجوب الفدية استيعاب الرأس بالستر ، بل تجب الفدية بستر بعض الرأس كما تجب بستر جميعه ، لأنّ المنع من تغطية الجميع يقتضي المنع من تغطية بعضه ؛ لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : ( لا تخمّروا رأسه )(٦) والنهي عنه يُحرّم فِعْلَ بعضه.

____________________

(١) المغني ٣ : ٣١٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٧٩.

(٢) المغني ٣ : ٣٠٨ - ٣٠٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٧٦.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٤٣٦ - ٤٣٧ ، المجموع ٧ : ٢٥٣.

(٤) الحاوي الكبير ٤ : ١١٠.

(٥) فتح العزيز ٧ : ٤٣٦ ، المجموع ٧ : ٢٥٣.

(٦) صحيح البخاري ٢ : ٩٦ و ٣ : ٢٢ ، صحيح مسلم ٢ : ٦٨٥ - ٦٨٦ / ٩٣ و ٩٤ و ٩٦ و ٩٨ و ٩٩ ، سنن النسائي ٥ : ١٩٦ و ١٩٧ ، سنن البيهقي ٥ : ٧٠ ، مسند أحمد ١ : ٢١٥.


وكذلك لمـّا قال تعالى :( وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ ) (١) حرم حلق بعضه.

ولا فرق بين أن يكون ذلك لعذر أو لغير عذر ، فإنّ العذر لا يُسقط الفدية ، كما قال تعالى :( فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ ) (٢) .

ولو افتقر إلى تعصيب الرأس بعصابة ، جاز عند الحاجة - وبه قال عطاء(٣) - لأنّه في محلّ الحاجة والضرورة ، وقد قال تعالى :( ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) (٤) .

وقال الصادقعليه‌السلام : « لا بأس أن يعصب المـُحْرم رأسه من الصداع »(٥) .

وسأل محمّدُ بن مسلم الصادقعليه‌السلام : عن المحرم يضع عصام(٦) القربة على رأسه إذا استقى ، فقال : « نعم »(٧) .

واختلفت العامّة في الاُذنين هل يحرم سترهما؟ فنصّ الشافعي على تسويغه(٨) .

ومنع أحمد منه(٩) ؛ لما روي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال : ( الاُذنان من الرأس )(١٠) .

____________________

(١ و ٢ ) البقرة : ١٩٦.

(٣) المغني ٣ : ٣٠٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٧٦.

(٤) الحج : ٧٨.

(٥) الكافي ٤ : ٣٥٩ / ١٠ ، التهذيب ٥ : ٣٠٨ - ٣٠٩ / ١٠٥٦.

(٦) العصام : رباط القِرْبة وسيرها الذي تُحمل به. الصحاح ٥ : ١٩٨٧ « عصم ».

(٧) الفقيه ٢ : ٢٢١ / ١٠٢٤.

(٨ و ٩ ) المغني ٣ : ٣٠٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٧٦.

(١٠) سنن أبي داود ١ : ٣٣ / ١٣٤ ، سنن الترمذي ١ : ٥٣ / ٣٧ ، سنن ابن ماجة ١ : ١٥٢ / ٤٤٣ - ٤٤٥ ، سنن البيهقي ١ : ٦٦ و ٦٧ ، سنن الدار قطني ١ : ٩٧ / ١ - ٣ ، مسند أحمد ٥ : ٢٦٤ و ٢٦٨.


ولو ستر بعض رأسه بيده ففي التحريم إشكال.

وجوّزه العامّة ؛ لأنّ الستر بما هو متّصل به لا يثبت له حكم الستر(١) .

وسأل سعيدُ الأعرج الصادقَعليه‌السلام عن المحرم يستتر من الشمس بعود أو بيده ، فقال : « لا ، إلّا من علّة »(٢) .

مسألة ٢٥٤ : لو غطّى رأسه ناسياً ، ألقى الغطاء وجوباً ، وجدّد التلبية استحباباً ، ولا شي‌ء عليه.

أمّا وجوب الإِلقاء : فلأنّ استدامة التغطية مع الذكر كابتدائها ؛ لما فيه من الترفّه ، بل هو في الاستدامة أقوى منه في الابتداء ، فإيجاب الفدية فيه أولى.

وأمّا استحباب التلبية : فلأنّ حريز بن عبد الله سأل الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - عن محرم غطّى رأسه ناسياً ، قال : « يُلقي القناع عن رأسه ، ويلبّي ، ولا شي‌ء عليه »(٣) .

وكذا لو غطّاه حال نومه ؛ لما رواه الحلبي - في الصحيح - أنّه سأل الصادقعليه‌السلام : عن المـُحْرم يغطّي رأسه ناسياً أو نائماً ، قال : « يلبّي إذا ذكر(٤) »(٥) .

ولأنّ التغطية تنافي الإِحرام ، لأنّها مُحرَّمة فيه ، فاستحبّ تجديد ما ينعقد به ، وهو التلبية.

مسألة ٢٥٥ : يجوز للمُحْرم تغطية وجهه‌ عند علمائنا أجمع - وبه قال عليعليه‌السلام ، وعمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقّاص‌

____________________

(١) المغني ٣ : ٣٠٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٧٦.

(٢) الفقيه ٢ : ٢٢٧ / ١٠٦٩.

(٣) التهذيب ٥ : ٣٠٧ / ١٠٥٠ ، الاستبصار ٢ : ١٨٤ / ٦١٣.

(٤) في النسخ الخطية والحجرية : « ركب » وما أثبتناه من المصدر.

(٥) الفقيه ٢ : ٢٢٧ / ١٠٧٠.


وابن عباس وابن الزبير وزيد بن ثابت وجابر ومروان بن الحكم والقاسم وطاوس والثوري والشافعي وإسحاق وأحمد في إحدى الروايتين(١) - لما رواه العامّة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال : ( إحرام الرجل في رأسه ، وإحرام المرأة في وجهها )(٢) والتفصيل قاطع للشركة.

وعن ابن عباس : أنّ مُحْرماً وقصت به ناقته غداة عرفات ، فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( خمّروا وجهه ولا تخمّروا رأسه ، فإنّه يحشر يوم القيامة ملبّياً )(٣) .

ومن طريق الخاصّة : ما رواه زرارة - في الصحيح - قال : قلت لأبي جعفر الباقرعليه‌السلام : الرجل المـُحْرم يريد أن ينام يغطّي وجهه من الذباب؟ قال : « نعم ولا يخمّر رأسه »(٤) .

وقال الصادقعليه‌السلام : « المـُحْرمة لا تتنقّب ، لأنّ إحرام المرأة في وجهها ، وإحرام الرجل في رأسه »(٥) .

وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد في الرواية الاُخرى : يحرم عليه تغطية وجهه ، كالمرأة ، لتساويهما في تحريم الطيب ، فكذا التغطية.

ولأنّه قد روي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في المـُحْرم الذي وقصت به‌

____________________

(١) المغني ٣ : ٣١٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٧٩ ، الْأُم ٧ : ٢٤١ ، المجموع ٧ : ٢٦٨ ، بداية المجتهد ١ : ٣٢٨ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٨٥ ، وليس في المصادر : عليعليه‌السلام .

(٢) سنن الدار قطني ٢ : ٢٩٤ / ٢٦٠ ، المغني ٣ : ٣١٠ - ٣١١ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٨٠.

(٣) سنن البيهقي ٣ : ٣٩٣.

(٤) التهذيب ٥ : ٣٠٧ / ١٠٥١ ، الاستبصار ٢ : ١٨٤ / ٦١٤.

(٥) الكافي ٤ : ٣٤٥ - ٣٤٦ / ٧ ، الفقيه ٢ : ٢١٩ / ١٠٠٩ ، وفيهما : عن الصادق عن أبيهعليهما‌السلام .


ناقته : ( ولا تخمّروا وجهه ولا رأسه )(١) (٢) .

ويبطل القياس بلبْس القُفّازين ، والحديث ممنوع ، فإنّ المشهور فيه : ( ولا تخمّروا رأسه )(٣) .

مسألة ٢٥٦ : وإحرام المرأة في وجهها ، فيحرم عليها تغطية وجهها حال إحرامها ، كما يحرم على الرجل تغطية رأسه ، ولا نعلم فيه خلافاً - إلّا ما روي عن أسماء أنّها كانت تغطّي وجهها وهي مُحْرمة(٤) ، ويحتمل أنّها كانت تُغطّيه بالسدل عند الحاجة ، فلا يكون اختلافاً - لما رواه العامّة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال : ( إحرام الرجل في رأسه وإحرام المرأة في وجهها )(٥) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « إحرام الرجل في رأسه وإحرام المرأة في وجهها»(٦) .

إذا عرفت هذا ، فقد اجتمع في حقّ المـُحْرمة فعلان لا يمكن فعل أحدهما إلاّ بفعل ما ينافي الآخر : ستر الرأس وكشف الوجه ، فالقدر اليسير من الوجه الذي يلي الرأس يجوز لها ستره ، إذ لا يمكن استيعاب الرأس بالستر إلّا بستر ذلك الجزء ، وهذا أولى من تسويغ كشف جزء من الرأس تبعا لكشف‌

____________________

(١) صحيح مسلم ٢ : ٨٦٦ / ٩٨ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٣٠ / ٣٠٨٤ ، سنن النسائي ٥ : ١٩٦.

(٢) المغني ٣ : ٣١٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٧٩ ، فتح العزيز ٧ : ٤٤٦ ، بداية المجتهد ١ : ٣٢٨ ، المجموع ٧ : ٢٦٨ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٨٥ ، المنتقى - للباجي - ٢ : ١٩٩.

(٣) صحيح البخاري ٢ : ٩٦ و ٣ : ٢٢ ، صحيح مسلم ٢ : ٨٦٥ - ٨٦٧ / ٩٣ و ٩٤ و ٩٦ و ٩٩ و ١٠٠ ، سنن البيهقي ٣ : ٣٩٣ و ٥ : ٧٠ ، سنن الدارمي ٢ : ٥٠ ، سنن النسائي ٥ : ١٩٥ - ١٩٧ ، المغني ٣ : ٣١١ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٨٠.

(٤) المغني ٣ : ٣١١ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٨٠.

(٥) سنن الدار قطني ٢ : ٢٩٤ / ٢٦٠ ، المغني ٣ : ٣١٠ - ٣١١ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٨٠.

(٦) الكافي ٤ : ٣٤٥ - ٣٤٦ / ٧ ، الفقيه ٢ : ٢١٩ / ١٠٠٩.


جميع الوجه ، لأنّ الستر أحوط من الكشف.

ولأنّ المقصود إظهار شعار الإِحرام بالاحتراز عن التنقّب ، وستر الجزء المذكور لا يقدح فيه ، والرأس عورة كلّه ، فيُستر.

إذا ثبت هذا ، فإنّه يجوز لها أن تسدل ثوباً على وجهها فوق رأسها إلى طرف أنفها متجافياً عنه بخشبة وشبهها ، كما يجوز للرجل الاستظلال نازلاً ، عند علمائنا أجمع - وهو قول عامّة أهل العلم(١) - لما رواه العامّة عن عائشة ، قالت : كان الرُكْبان يمرّون بنا ونحن مُحْرمات مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فإذا حاذَوْنا سدلت إحدانا جِلْبابها من رأسها على وجهها ، فإذا جاوزونا كشفناه(٢) .

ومن طريق الخاصّة : ما رواه حريز - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام قال : « المـُحْرمة تسدل الثوب على وجهها إلى الذقن »(٣) .

ولأنّ بالمرأة حاجة إلى ستر وجهها ، فلا يحرم عليها على الإِطلاق ، كالعورة.

ولا فرق بين أن تفعل ذلك لحاجة من دفع حَرٍّ أو بَرْدٍ أو فتنةٍ أو لغير حاجة.

قال الشيخرحمه‌الله : ينبغي أن يكون الثوب متجافياً عن وجهها بحيث لا يصيب البشرة ، فإن أصابها ثم زال أو أزالته بسرعة ، فلا شي‌ء عليها ، وإلّا وجب الدم(٤) .

____________________

(١) المغني ٣ : ٣١١ - ٣١٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٢٩ ، فتح العزيز ٧ : ٤٤٩ ، المجموع ٧ : ٢٦٢ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٢٨ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٨٦ ، بداية المجتهد ١ :٣٢٧.

(٢) سنن أبي داود ٢ : ١٦٧ / ١٨٣٣ ، المغني ٣ : ٣١٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٢٩.

(٣) الفقيه ٢ : ٢١٩ / ١٠٠٧.

(٤) انظر : المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٢٠.


ويشكل بأنّ السدل لا يكاد يسلم من إصابة البشرة ، ولو كان شرطاً ، لبيّن ؛ لأنّه موضع الحاجة.

مسألة ٢٥٧ : يحرم على المرأة النقاب حالة الإِحرام ؛ لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : ( ولا تتنقّب المرأة ولا تلبس القُفّازين )(١) .

ولقول الصادقعليه‌السلام : « إحرام المرأة في وجهها »(٢) .

ورواه العامّة أيضاً عن النبيعليه‌السلام (٣) .

وكذا يحرم عليها لُبْس البُرْقع ؛ لاشتماله على ستر الوجه.

ويجوز لها بعد الإِحلال أن تطوف متنقّبةً من غير كراهة له ؛ فإنّ المقتضي للمنع هو الإِحرام.

وكرهه عطاء ثم رجع عنه(٤) . وطافت عائشة متنقّبة(٥) .

مسألة ٢٥٨ : قد بيّنّا أنّه تجب الفدية بستر بعض الرأس كما تجب بستر جميعه.

وضبطه الشافعي بأن يكون المستور قدراً يقصد ستره لغرض من الأغراض ، كشدّ عصابة وإلصاق لصوقٍ لشجّةٍ ونحوها.

ثم قال : لو شدّ خيطاً على رأسه ، لم يضرّ ، ولا تجب الفدية ؛ لأنّ ذلك لا يمنع من تسميته حاسر الرأس(٦) .

وهو ينقض الضابط المذكور ؛ فإنّ شدّ المقدار الذي يحويه شدّ الخيط‌

____________________

(١) صحيح البخاري ٣ : ١٩ ، سنن أبي داود ٢ : ١٦٥ / ١٨٢٥ ، سنن النسائي ٥ : ١٣٦ ، سنن البيهقي ٥ : ٤٦.

(٢) الكافي ٤ : ٣٤٥ - ٣٤٦ / ٧ ، الفقيه ٢ : ٢١٩ / ١٠٠٩.

(٣) سنن الدار قطني ٢ : ٢٩٤ / ٢٦٠ ، المغني ٣ : ٣١٠ - ٣١١ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٨٠.

(٤) المغني ٣ : ٣١٢ - ٣١٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٣٠.

(٥) المغني ٣ : ٣١٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٣٠.

(٦) فتح العزيز ٧ : ٤٣٧ - ٤٣٨ ، المجموع ٧ : ٢٥٣.


قد يقصد أيضاً لغرض منع الشعر من الانتشار وغيره ، فإذاً الأولى النظر إلى تسميته حاسر الرأس ومستور جميع الرأس أو بعضه.

وعند أبي حنيفة لا تكمل الفدية إلّا إذا ستر ربع الرأس فصاعداً ، فإن ستر أقلّ من ذلك ، فعليه صدقة(١) .

البحث التاسع : التظليل‌

مسألة ٢٥٩ (٢) : يحرم على المـُحْرم الاستظلال حالة السير ، فلا يجوز له الركوب في المحمل وما في معناه ، كالهودج والكنيسة والعمارية وأشباه ذلك ، عند علمائنا أجمع - وبه قال ابن عمر ومالك وسفيان بن عيينة وأهل المدينة وأبو حنيفة وأحمد(٣) - لما رواه العامّة عن ابن عمر أنّه رأى على رحل عمر بن عبد الله ابن أبي ربيعة عوداً يستره من الشمس ، فنهاه(٤) .

ورأى رجلاً محرماً على رحل قد رفع ثوباً على عود يستتر به من الشمس ، فقال : اضحَ لمن أحرمت له(٥) . أي : أبرز للشمس.

ومن طريق الخاصّة : ما رواه جعفر بن المثنى الخطيب عن محمّد بن الفضيل وبشر بن إسماعيل ، قال : قال لي محمّد : ألا أُبشّرك يا ابن مثنى؟ فقلت : بلى ، فقمت إليه ، فقال : دخل هذا الفاسق آنفاً ، فجلس قبالة أبي الحسنعليه‌السلام ، ثم أقبل عليه ، فقال له : يا أبا الحسن ما تقول في المحرم أيستظلّ على المحمل؟ فقال [ له ](٦) : « لا » قال : فيستظلّ في‌

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٤٣٨ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٢٨ ، الهداية - للمرغيناني - ١ : ١٦١ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٨٧.

(٢) ورد في هامش « ن » : ليس في نسخة المصنّف بعد هذا البحث مسألة.

(٣) المغني ٣ : ٢٨٥ - ٢٨٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٧٧ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٢٨ ، حلية العلماء ٣ : ٢٨٤ ، المجموع ٧ : ٢٦٧.

(٤ و ٥ ) المغني ٣ : ٢٨٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٧٧ ، ونحوهما في سنن البيهقي ٥ : ٧٠.

(٦) أضفناها من المصدر.


الخباء؟ فقال له : « نعم » فأعاد عليه القول شبه المستهزئ يضحك ، فقال : يا أبا الحسن فما فرق بين هذا وهذا؟ فقال. « يا أبا يوسف إنّ الدين ليس بقياس كقياسكم أنتم تلعبون ، إنّا صنعنا كما صنع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقلنا كما قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يركب راحلته فلا يستظلّ عليها وتؤذيه الشمس فيستر بعض جسده ببعض ، وربما ستر وجهه بيده ، فإذا نزل استظلّ بالخباء وفي‌ء البيت والجدار »(١) .

ولأنّه ستر بما يقصد به الترفّه ، فأشبه ما لو غطّاه.

ورخّص فيه ربيعة والثوري والشافعي ، وهو مروي عن عثمان وعطاء ، لما روت اُمّ الحُصين قالت : حججت مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله حجّة الوداع ، فرأيت أسامة وبدلا أحدهما أخذ بخِطام(٢) ناقة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والآخر رافع ثوبه يستره من الحرّ حتى رمى جمرة العقبة(٣) .

ولأنّه يُباح له التظليل في البيت والخباء ، فجاز له [ في حال ](٤) الركوب(٥) .

والحديث ممنوع ، وجاز أن يكونعليه‌السلام مضطرّاً إلى التظليل.

ولأنّ رفع الثوب الساتر جاز أن يكون حالة النزول ؛ لأنّه ليس في الحديث أنّه كان حالة الركوب ، والفرق ظاهر ؛ فإنّ التظليل حالة النزول دافع‌

____________________

(١) الكافي ٤ : ٣٥٠ / ١ ، التهذيب ٥ : ٣٠٩ - ٣١٠ / ١٠٦١ بتفاوت يسير في الألفاظ ، وفي الأخير : بشير بن إسماعيل.

(٢) الخطام : الحبل الذي يُقاد به البعير. لسان العرب ١٢ : ١٨٦ « خطم ».

(٣) صحيح مسلم ٢ : ٩٤٤ / ٣١٢ ، سنن أبي داود ٢ : ١٦٧ / ١٨٣٤ ، مسند أحمد ٦ : ٤٠٢.

(٤) أضفناها من المغني والشرح الكبير.

(٥) المغني ٣ : ٢٨٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٧٧ ، فتح العزيز ٧ : ٤٣٣ - ٤٣٤ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٢٨ ، حلية العلماء ٣ : ٢٨٣ ، المجموع ٧ : ٢٦٧.


للأذى ، بخلاف حالة الركوب ؛ فإنّ الفعل حالة النزول أكثر ؛ لدوامه ، بخلاف حالة الركوب.

مسألة ٢٦٠ : يجوز للمُحْرم حالة النزول الاستظلال بالسقف والشجرة‌ والخباء والخيمة لضرورة وغير ضرورة ، عند العلماء كافّة.

روى العامّة أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أمر بقبّة من شعر ، فضُربت له بـ « نَمِرة » فأتى « عرفة » فوجد القبّة قد ضُربت له بـ « نمرة » فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس(١) .

ومن طريق الخاصّة : ما رواه جعفر بن المثنى عن أبي الحسنعليه‌السلام ، قال : « كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يركب راحلته فلا يستظلّ عليها وتؤذيه الشمس ، فيستر بعض جسده ببعض ، وربما ستر وجهه بيده ، وإذا نزل استظلّ بالخباء وفي البيت وبالجدار »(٢) .

مسألة ٢٦١ : لو افتقر حالة السير إلى الاستظلال لعلّة ومرض وشدّة حَرٍّ أو بردٍ أو مطر ، جاز له الاستظلال ، وتجب الفدية ؛ لما رواه سعد بن سعد الأشعري عن الرضاعليه‌السلام ، قال : سألته عن المـُحْرم يظلّل على نفسه ، فقال : « أمن علّة؟ » فقلت : تؤذيه الشمس وهو مُحْرم ، فقال : « هي علّة يظلّ ويفدي »(٣) .

وسأل إبراهيمُ بن أبي محمود ، الرضاعليه‌السلام : عن المـُحْرم يظلّل على محمله ويفدي إذا كانت الشمس والمطر يضرّ به ، قال : « نعم » قلت : كم الفداء؟ قال : « شاة »(٤) .

____________________

(١) صحيح مسلم ٢ : ٨٨٩ / ١٢١٨ ، سنن أبي داود ٢ : ١٨٥ / ١٩٠٥ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٢٤ / ٣٠٧٤، سنن الدارمي ٢ : ٤٧.

(٢) الكافي ٤ : ٣٥٠ / ١ ، التهذيب ٥ : ٣٠٩ - ٣١٠ / ١٠٦١.

(٣) التهذيب ٥ : ٣١٠ - ٣١١ / ١٠٦٤ ، الاستبصار ٢ : ١٨٦ / ٦٢٤.

(٤) الكافي ٤ : ٣٥١ / ٩ ، التهذيب ٥ : ٣١١ / ١٠٦٦ ، الاستبصار ٢ : ١٨٧ / ٦٢٦.


ولأنّه في محلّ الحاجة ، فكان سائغاً.

إذا عرفت هذا ، فإنّه لا يجوز للمُحْرم إذا لم يكن مضطرّاً إلى التظليل أن يظلّل على نفسه وإن التزم الكفّارة ، وإنّما يسوغ التظليل للمُحْرم بشرطين : العلّة والتزام الكفّارة.

روى عبد الله بن المغيرة - في الصحيح - عن الكاظمعليه‌السلام : اُظلّل وأنا مُحرم؟ قال : « لا » قلت : أفاُظلّل واُكفّر؟ قال : « لا » قلت : فإن مرضت؟ قال : « ظلّل وكفّر »(١) .

مسألة ٢٦٢ : يجوز للمرأة التظليل على نفسها حالة السير ، كما جاز للعليل ؛ لضعف مزاجها ، وقبوله للانفعال بسرعة ، فساغ لها التظليل ؛ دفعاً للحرج الحاصل من تركه ، فأشبهت العليل والنازل.

وروى محمّد بن مسلم - في الصحيح - عن أحدهماعليهما‌السلام ، قال : سألته عن المـُحْرم يركب القبّة ، فقال : « لا » قلت : فالمرأة المـُحْرمة ، قال : « نعم »(٢) .

وكذا الصبي يجوز له التظليل ؛ لما قلناه في المرأة.

ولما رواه حريز - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « لا بأس بالقبّة على النساء والصبيان وهم مُحرمون ، ولا يرتمس المحرم في الماء ولا الصائم »(٣) .

قال الشيخرحمه‌الله : قد رخص للنساء في التظليل ، وتركه أفضل على كلّ حال(٤) .

____________________

(١) الفقيه ٢ : ٢٢٥ / ١٠٥٩ ، التهذيب ٥ : ٣١٣ / ١٠٧٥ ، الاستبصار ٢ : ١٨٧ / ٦٢٧.

(٢) التهذيب ٥ : ٣١٢ / ١٠٧٠.

(٣) الفقيه ٢ : ٢٢٦ / ١٠٦٤ ، التهذيب ٥ : ٣١٢ / ١٠٧١.

(٤) النهاية : ٢٢١ ، المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٢١.


مسألة ٢٦٣ : لو زامل المريضَ أو المرأةَ أو الصبيَّ رجلٌ صحيح ، اختصّ المريض والمرأة والصبي بالتظليل على المحمل ، وكشف الصحيح محمله ؛ لقيام المانع من التظليل في حقّه ، وهو الإِحرام السالم عن أحد الأعذار المـُسوّغة له.

ولما رواه بكر بن صالح ، قال : كتبت إلى أبي جعفر الثانيعليه‌السلام : إنّ عمّتي معي وهي زميلتي ويشتدّ عليها الحَرّ إذا أحرمَتْ ، فترى [ أن ](١) اُظلّل عليَّ وعليها؟ فكتب : « ظلِّل عليها وحدها »(٢) .

مسألة ٢٦٤ : إذا استظلّ حالة الاختيار ، وجب عليه الفداء‌ - وهو رواية عن أحمد ، وقول أهل المدينة(٣) - لأنّه ستر رأسه بما يستدام ويلازمه غالباً ، فأشبه ما لو ستره بشي‌ء يُلاقيه.

ولأنّ الفداء يجب للضرورة فبدونها أولى.

ولأنّ محمد بن إسماعيل بن بزيع ، قال : سأله رجل عن الظلال للمُحْرم من أذى مطر أو شمس وأنا أسمعه ، فأمره أن يفدي(٤) شاة يذبحها بمنى(٥) .

وأحمد وإن منع التظليل إلّا أنّه لم يوجب الفدية ، فقيل له : إنّ أهل المدينة يقولون : عليه دم ، قال : نعم أهل المدينة يغلطون(٦) .

إذا عرفت هذا ، فلا فرق بين أن يقع التظليل في إحرام العمرة المتمتّع بها وإحرام الحج.

وقال الشيخ في بعض كتبه : لو وقع التظليل في إحرام العمرة المتمتَّع‌

____________________

(١) أضفناها من المصدر.

(٢) الفقيه ٢ : ٢٢٦ / ١٠٦١ ، التهذيب ٥ : ٣١١ / ١٠٦٨ ، الاستبصار ٢ : ١٨٥ / ٦١٦.

(٣) المغني ٣ : ٢٨٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٧٧.

(٤) في النسخ الخطية والحجرية : يهدي. وما أثبتناه من المصدر.

(٥) الكافي ٤ : ٣٥١ / ٥ ، التهذيب ٥ : ٣١١ / ١٠٦٥ ، الاستبصار ٢ : ١٨٦ / ٦٢٥.

(٦) المغني ٣ : ٢٨٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٧٧.


بها ، لزمه كفّارتان ؛ لما رواه أبو علي بن راشد ، قال : قلت لهعليه‌السلام : جعلت فداك إنّه يشتدّ عليّ كشف الظلال ، لأنّي محرور تشتدّ الشمس عليّ ، فقال : « ظلّل وأرق دماً » فقلت له : دماً أو دمين ، قال : « للعمرة؟ » قلت : إنّا نُحرم بالعمرة وندخل مكة فنحلّ ونحرم بالحجّ ، قال : « فأرق دمين »(١) .

ومع صحة السند نحمله على الاستحباب.

وقال بعض الشافعية : إذا لم تمسّ المظلّة رأسه ، فلا فدية ، وإن مسّته ، وجبت الفدية(٢)

البحث العاشر : إزالة الشعر‌

مسألة ٢٦٥ : يحرم على المـُحْرم إزالة شي‌ء من شعره ، قليلاً كان أو كثيراً ، على رأسه أو على بدنه أو لحيته بإجماع العلماء.

قال الله تعالى :( وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ) (٣) .

وما رواه العامّة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنّه قال لكعب بن عجرة : ( لعلّك تؤذيك هوامّ رأسك ) قال : نعم يا رسول الله ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( احلق رأسك ، وصُمْ ثلاثة أيّام ، أو أطعم ستة مساكين ، أو أنسك شاة )(٤) وهو يدلّ على المنع من الحلق قبل ذلك.

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « مرّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على كعب بن عُجْرَة الأنصاري والقمل يتناثر من رأسه ،

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٣١١ / ١٠٦٧.

(٢) فتح العزيز ٧ : ٤٣٣.

(٣) البقرة : ١٩٦.

(٤) صحيح البخاري ٣ : ١٢ - ١٣ ، المعجم الكبير - للطبراني - ١٩ : ١٠٩ - ٢٢٠ ، سنن البيهقي ٥ : ٥٥ ، الموطّأ ١ : ٤١٧ / ٢٣٨ بتفاوت ، وأورد نصّه ابن قدامة في المغني ٣ : ٣٠١.


فقال : أتؤذيك هوامّك؟ فقال : نعم ، قال : فاُنزلت هذه الآية( فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ) (١) فأمره رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فحلق رأسه ، وجعل عليه صيام ثلاثة أيام والصدقة على ستة مساكين لكلّ مسكين مُدّان ، والنسك شاة »(٢) .

وقال ابن عباس : ( مَرِيضاً ) أي : برأسه قروح( أَوْ بِهِ أَذىً ) ، أي : قمل(٣) .

وسواء حلق لعذر أو لغير عذر ، فإنّ الفدية واجبة عليه ؛ للآية(٤) ، وإذا وجبت مع العذر فمع عدمه أولى.

مسألة ٢٦٦ : ولا فرق بين شعر الرأس في ذلك وبين شعر البدن في قول أهل العلم ؛ لما تقدّم في قول الصادقعليه‌السلام : « ولا يحلق الشعر »(٥) وهو يتناول شعر الرأس وغيره.

ولاشتماله على التنظيف والترفّه ، فلزمته الفدية ، كشعر الرأس ، بل الحاصل من الترفّه والتنظيف فيه أكثر من الرأس.

وقال أهل الظاهر : لا يجب في شعر غير الرأس(٦) ، لقوله تعالى :( وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ ) (٧) .

وهو استدلال بمفهوم اللقب ، وليس حجّةً إجماعاً من المحقّقين.

ولا فرق بين أن يزيل الشعر بالإِطلاء أو الحلق أو النتف عن الرأس أو‌

____________________

(١) البقرة : ١٩٦.

(٢) الكافي ٤ : ٣٥٨ / ٢ ، التهذيب ٥ : ٣٣٣ / ١١٤٧ ، الاستبصار ٢ : ١٩٥ / ٦٥٦.

(٣) المغني ٣ : ٣٠٢ ، بداية المجتهد ١ : ٣٦٦ ، تفسير ابن عباس : ٢٧.

(٤) البقرة : ١٩٦.

(٥) التهذيب ٥ : ٣٠٦ / ١٠٤٤ ، الاستبصار ٢ : ١٨٣ / ٦٠٨.

(٦) المجموع ٧ : ٢٤٨ ، حلية العلماء ٣ : ٢٨٣ ، بداية المجتهد ١ : ٣٦٧.

(٧) البقرة : ١٩٦.


البدن.

ولو قطع يده وعليها شعرات ، فلا فدية ؛ لأنّ الشعر غير مقصود بالإِبانة ، وكذا لو كشط جلدة الرأس ، كما لو قتل الصغيرة لا يجب المهر ؛ لأنّ البُضْع تابع عند القتل.

ولو أرضعت الكبيرةُ الصغيرة ، بطل النكاح ، ووجب المهر.

ولو مشط لحيته أو رأسه ، فانتفت شعرات ، فعليه الفدية.

ولو شكّ هل كانت الشعرات منسلّةً فانفصلت وانتتفت بالمشط ، فالأقرب : وجوب الفدية ، وهو أحد قولي الشافعي ، والثاني : لا تجب(١) .

مسألة ٢٦٧ : الكفّارة تجب بحلق جميع الرأس وبعضه ، قليلاً كان أو كثيراً ، لكن تختلف ، ففي حلق جميع الرأس : دم ، وكذا فيما يسمّى حلق الرأس وإن كان بعضه.

وفي حلق ثلاث شعرات صدقة بمهما كان ؛ لأنّ الدم معلّق على حلق الرأس ، وهو إنّما يصدق حقيقةً في الجميع ، فيبقى الباقي على أصل البراءة.

وأمّا وجوب الفدية في القليل : فلما ورد عنهمعليهم‌السلام : « أنّ مَنْ مسَّ شعر رأسه ولحيته فسقط شي‌ء من شعره يتصدّق بشي‌ء »(٢) .

وقال الشافعي : يجب بحلق ثلاث شعرات دم ، لأنّه شعر آدمي يصدق عليه اسم الجمع المطلق(٣) .

والفرق بين الكثير والقليل ظاهر.

وقال أبو حنيفة : لا يجب الدم إلّا بحلق ربع الرأس ؛ لأنّ الربع يقوم‌

____________________

(١) الوجيز ١ : ١٢٥ ، فتح العزيز ٧ : ٤٦٥ ، المجموع ٧ : ٢٤٨.

(٢) الكافي ٤ : ٣٦١ / ١١ ، الفقيه ٢ : ٢٢٩ / ١٠٨٩ ، التهذيب ٥ : ٣٣٨ - ٣٣٩ / ١١٧١ ، الاستبصار ٢: ١٩٨ / ٦٦٩.

(٣) الوجيز ١ : ١٢٥ ، فتح العزيز ٧ : ٤٦٦ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٢١ ، المجموع ٧ : ٣٧٤ ، مختصر المزني : ٦٦ ، المغني ٣ : ٥٢٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٧٠.


مقام الكلّ ، فإنّه يصدق : رأيت رجلاً ، وإن كان لم يشاهد سوى جانب منه(١) .

ونمنع حقيقة الإِطلاق ، ولهذا يصحّ نفيه.

ورؤية الرجل مجاز إمّا لأنّه ليس هو الهيكل المحسوس ، بل شي‌ء مجرّد ، وإمّا لأنّه أجزاء أصلية.

ولأنّ الإِنسان ليس مربّعاً ، بل إذا رأى ما يعرفونه قال : رأيته ، ولو رأى صفحة وجهه.

وقال مالك : إذا حلق من رأسه ما أماط عنه الأذى ، وجب الدم ، قلّ أو كثر(٢) .

وعن أحمد روايتان : إحداهما : أنّه يجب بثلاث شعرات ، كقول الشافعي ، والثانية : بأربع شعرات(٣) .

ولو نتف شعرة أو شعرتين ، فعندنا تجب صدقة ، وللشافعي أقوال :

أحدها : يجب في الشعرة الواحدة مُدٌّ من طعام ، وفي الشعرتين مُدّان ، وفي الثلاث دم شاة ؛ لأنّ تبعيض الدم عسر ، والشرع(٤) قد عدل الحيوان بالطعام في جزاء الصيد وغيره ، والشعرة الواحدة هي النهاية في القلّة ، والمدّ أقلّ ما وجب في الكفّارات ، فقُوبلت به.

الثاني : أنّه يجب في الشعرة الواحدة درهم ، وفي الشعرتين درهمان ؛ لأنّ‌

____________________

(١) الهداية - للمرغيناني - ١ : ١٦١ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٩٢ ، المغني ٣ : ٥٢٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٧١ ، فتح العزيز ٧ : ٤٦٦ ، المجموع ٧ : ٣٧٤ ، حلية العلماء ٣ : ٣٠٦.

(٢) المدوّنة الكبرى ١ : ٤٣٠ ، بداية المجتهد ١ : ٣٦٥ - ٣٦٦ ، المغني ٣ : ٥٢٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٧١ ، فتح العزيز ٧ : ٤٦٦ ، المجموع ٧ : ٣٧٤ ، حلية العلماء ٣ : ٣٠٧.

(٣) المغني ٣ : ٥٢٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٧٠ ، المجموع ٧ : ٣٧٤ ، فتح العزيز ٧ : ٤٦٦.

(٤) ورد في النسخ الخطية والحجرية : والشعر ، وذلك تصحيف ، وما أثبتناه من فتح العزيز ، وهو الظاهر من المهذّب للشيرازي.


تبعيض الدم عسر ، وكانت الشاة تُقوّم في عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بثلاثة دراهم تقريباً ، فاعتبرت تلك القيمة عند الحاجة إلى التوزيع.

الثالث : أنّ في الشعرة ثُلثَ دم ، وفي الشعرتين ثُلثي الدم ، تقسيطاً للواجب في الشعرات الثلاث على الآحاد.

الرابع : أنّ الدم الكامل يجب بالشعرة الواحدة ؛ لأنّ محظورات الإِحرام لا تختلف بالقلّة والكثرة ، كالطيب واللُّبْس(١) .

مسألة ٢٦٨ : لو حلق رأسه لأذى ، لم يكن مُحرَّماً ، ولا تسقط الفدية ؛ لنصّ القرآن(٢) .

ولو كثرت الهوامّ في رأسه ، أو كانت به جراحة ، وأحوجه أذاها إلى الحلق ، جاز له ذلك ، ويجب الفداء ، كما في حديث كعب بن عُجْرَة ، وقد تقدّم(٣) .

وكذا لو كان كثير الشعر يؤذيه الحَرّ ، جاز له الحلق مع الفداء.

ولو كان الضرر اللاحق من نفس الشعر ، مثل أن ينبت في عينه أو طال حاجباه فغطيا عينيه ، فله قلع ما في العين ، وقطع ما استرسل على عينيه ، ولا فدية عليه ، لأنّ الشعر آذاه ، فكان له دفع أذيّته بغير فدية ، كالصيد إذا صال عليه.

ولو كان الأذى من غير الشعر لكن لا يتمكّن من إزالة الأذى إلّا بإزالة الشعر ، كالقُمَّل والقروح برأسه ، أو صُداع برأسه ، أو شدّة الحَرّ عليه لكثرة شعره ، فعليه الفدية ؛ لأنّه قطع الشعر لإِزالة ضرر غيره ، فأشبه أكل الصيد للمخمصة.

____________________

(١) الحاوي الكبير ٤ : ١١٥ ، الوجيز ١ : ١٢٥ ، فتح العزيز ٧ : ٤٦٧ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٢١ ، المجموع ٧ : ٣٧٠ - ٣٧١ ، حلية العلماء ٣ : ٣٠٧.

(٢) البقرة : ١٩٦.

(٣) تقدّم في المسألة ٢٦٥.


لا يقال : القُمَّل من ضرر الشعر والحَرّ سببه كثرة الشعر فتساويا.

لأنّا نقول : ليس القُمَّل من الشعر وإنّما لا يتمكّن من المقام في الرأس إلّا به ، فهو محلّ له لا سبب فيه.

وكذا الحَرّ من الزمان بدليل أنّ الشعر يوجد في زمن البرد ، فلا يتأذّى به.

وهذا تفصيل حسن لا بأس به ، ذكره بعض الشافعية(١) .

تنبيه : لو نتف إبطه ، وجب عليه الفدية ؛ لأنّه أزال الشعر للترفّه ، فكان عليه الفداء ، كغيره.

ولما رواه حريز - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « إذا نتف الرجل إبطه بعد الإِحرام فعليه دم »(٢) .

إذا عرفت هذا ، فليس الحكم منوطاً بالحلق بل بالإِزالة والإِبانة إمّا بنتف أو إحراق أو غيره.

مسألة ٢٦٩ : النسيان مُسقط للفدية في الطيب واللباس وما عدا الوطء من الاستمتاعات ، كالقُبْلة واللمس بشهوة ، وسيأتي.

وهل يُسقط الفديةَ في الحلق والقلم؟ فيه للشافعية وجهان :

أحدهما : لا تجب ، كما في الاستمتاعات.

والثاني : الوجوب(٣) .

وهو المعتمد ؛ لأنّ الإِتلافات يتساوى عمدها وخطؤها ، كما في ضمان الأموال.

وأمّا المجنون والمغمى عليه والصبي غير المميّز : فالأقرب عدم الضمان‌

____________________

(١) كذا في النسخ الخطيّة والحجرية ، وذكر هذا التفصيل بعينه ابن قدامة في المغني ٣ : ٣٠٢ من دون نسبة إلى بعض الشافعية.

(٢) الفقيه ٢ : ٢٢٨ / ١٠٧٩ ، التهذيب ٥ : ٣٤٠ / ١١٧٧ ، الاستبصار ٢ : ١٩٩ / ٦٧٥.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٤٦٨ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٢٠ ، المجموع ٧ : ٣٤٠ - ٣٤١.


في حقّهم ؛ لعدم التكليف عليهم ، بخلاف الناسي ، فإنّه يفعل ما يتعاطاه ، والنسيان عذر في سقوط الإِثم لا في إزالة الفداء.

مسألة ٢٧٠ : يجوز للمُحْرم أن يحلق شعر المـُحلّ ، ولا شي‌ء عليه - وبه قال الشافعي ومالك وأحمد ، وهو محكي عن مجاهد(١) - لأنّ المـُحلّ يسوغ له حلق رأسه ، فجاز للمُحْرم فعله به ، كما لو فَعَله المـُحلّ ؛ لأنّ المـُحرّم إنّما هو إزالة شعر المـُحْرم عن نفسه.

ولأنّه لم يتعلّق بمنبته حرمه الإِحرام ، فجاز للمُحْرِم حلقه ، كشعر البهيمة.

ولأنّه يجوز له أن يطيبه ويلبسه ، فأشبه المـُحلّ إذا حلقه.

ولأصالة براءة الذمّة.

وقال أبو حنيفة : لا يجوز له ، فإن فَعَل ، فعليه صدقة ؛ لقوله تعالى( وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ ) (٢) معناه لا يحلق بعضٌ رؤوسَ بعض.

ولأنّ المـُحْرم ممنوع منه بكلّ حال ، وما كان كذلك مُنع منه في حقّ غيره ، كقتل الصيد ، بخلاف اللباس ، فإنّه ليس بممنوع منه بكلّ حال(٣) .

والآية خطاب للمُحْرِمين ، لقوله تعالى :( فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ ) (٤) .

ولأنّ المـُحِلّ غير ممنوع من حلق الرأس إجماعاً ، والصيد إذا أتلفه المـُحرم بكلّ حال ضمنه ، وهنا مُنع من شعر المـُحرم ؛ لما فيه من الترفّه وزوال الشعث في الإِحرام ، وهو غير موجود في شعر المـُحلّ.

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٤٦٩ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢١٤ ، المجموع ٧ : ٢٤٨ و ٣٤٥ و ٣٥٠ ، المغني ٣ : ٥٢٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٧٤ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٧٢.

(٢) البقرة : ١٩٦.

(٣) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٧٢ ، الهداية - للمرغيناني - ١ : ١٦٢ ، بدائع الصنائع ٢. ١٩٣ ، المغني ٣ : ٥٢٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٧٤ ، المجموع ٧ : ٢٤٨ ، و ٣٤٥ و ٣٥٠ ، فتح العزيز ٧ : ٤٦٩.

(٤) البقرة : ١٩٦.


مسألة ٢٧١ : لا يجوز للمُحْرم ولا للمُحلّ أن يحلقا رأس المـُحْرم مع علمهما بحاله إجماعاً ؛ لقوله تعالى :( وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ ) (١) .

والمراد : أن لا يحلقه بنفسه ولا بغيره ، بل انصراف ذلك إلى الغير أولى ، فإنّ الإِنسان لا يمكنه أن يحلق رأس نفسه إلّا نادراً.

ولا فدية على واحد منهما عَلِما أو جَهِلا ، أذن لهما أو لا ؛ لأصالة براءة الذمّة ، والتحريم لا يستلزم الفدية ، كما في كثيرٍ من المحرّمات.

وقال أبو حنيفة : إذا كان الحالق مُحلاً ، وجب عليه صدقة نصف صاع ، وعلى المحرم فدية ، وإن كان مُحْرماً ، فإن كان بإذنه ، فعلى الآذن الفدية ، وعلى الحالق صدقة(٢) .

وقال الشافعي : إذا حلق الحلال أو الحرام شعر الحرام ، فقد أساء.

ثم إن حلق بأمره ، فالفدية على المحلوق ، لأنّ فعل الحالق بأمره يضاف إليه ، ألا ترى(٣) أنّه لو حلف لا يحلق رأسه فأمر غيره ، فحلق ، يحنث في يمينه.

ولأنّ يده ثابتة على الشعر ، وهو مأمور بحفظه إمّا على سبيل الوديعة أو العارية ، وكلاهما إذا تلف في يده بأمره يضمن.

وإن حلق لا بأمره يُنظر إن كان نائماً أو مكرهاً أو مغمى عليه ، فقولان :

أصحّهما : أنّ الفدية على الحالق - وبه قال مالك وأحمد - لأنّه المقصّر ولا تقصير من المحلوق.

والثاني - وبه قال أبو حنيفة - أنّها على المحلوق ، لأنّه المرتفق به(٤) .

____________________

(١) البقرة : ١٩٦.

(٢) الهداية - للمرغيناني - ١ : ١٦٢ ، حلية العلماء ٣ : ٣٠٤ ، فتح العزيز ٧ : ٤٩٦ ، المجموع ٧ : ٣٤٥.

(٣) في النسخ الخطيّة والحجرية : فإنّ الأقوى ، بدل ألا ترى ، وما أثبتناه من فتح العزيز.

(٤) فتح العزيز ٧ : ٤٦٩ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٢٠ ، المجموع ٧ : ٣٤٥ - ٣٤٦ ، =


وأصحاب الشافعي بنوا القولين على أنّ استحفاظ الشعر في يد المـُحْرم جارٍ مجرى الوديعة أو مجرى العارية.

وفيه جوابان :

إن قلنا بالأول ، فالفدية على الحالق ، كما أنّ ضمان الوديعة على المـُتْلف دون المـُودع ، وإن قلنا بالثاني ، وجبت على المحلوق وجوب الضمان على المستعير.

قالوا : والأول أظهر ؛ لأنّ العارية هي التي يمسكها لمنفعة نفسه ، وقد يريد المـُحْرم الإِزالة دون الإِمساك.

وأيضاً فإنّه لو احترق شعره بتطاير الشرر ولم يقدر على التطفئة ، فلا فدية عليه ، ولو كان كالمستعير ، لوجبت عليه الفدية.

قالوا : فإن قلنا : الفدية على الحالق ، فإن فدى ، فلا بحث ، وإن امتنع مع القدرة ، فهل للمحلوق مطالبته بإخراجها؟ فيه وجهان : فالأكثر على أنّ له ذلك ، بناءً على أنّ المـُحْرم كالمودع خصم فيما يؤخذ منه ويتلف في يده.

وإذا أخرج المحلوق [ الفدية ](١) بإذن الحالق ، جاز ، وبغير إذنه لا يجوز في أصحّ الوجهين ، كما لو أخرجها أجنبي بغير إذنه.

وإن قلنا : الفدية على المحلوق ، فإن فدى بالهدي أو الطعام ، رجع بأقلّ الأمرين من الطعام أو قيمة الشاة على الحالق ، ولا يرجع بما زاد ، لأنّ الفدية على التخيير ، وهو متطوّع بالزيادة.

وإن فدى بالصوم ، فوجهان : أظهرهما : لا ، وعلى الثاني بم يرجع؟ وجهان :

____________________

= حلية العلماء ٣ : ٣٠٢ و ٣٠٤ ، المغني ٣ : ٥٣٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٧٣.

(١) أضفناها من المصدر.


أظهرهما : بثلاثة أمداد من طعام ؛ لأنّ صوم كلّ يوم مقابل مُدٍّ.

والثاني بما يرجع به لو فدى بالهدي أو الإِطعام.

ثم إذا رجع فإنّما يرجع بعد الإِخراج في أصحّ الوجهين.

والثاني : أنّ له أن يأخذ منه ثم يخرج.

وهل للحالق أن يفدي على هذا القول؟

أمّا بالصوم فلا ؛ لأنّه متحمّل ، والصوم لا يتحمّل.

وأمّا بغيره فنعم ، ولكن بإذن المحلوق ؛ لأنّ في الفدية معنى التقرّب ، فلا بدّ من نيّة مَنْ وَجَبَتْ عليه.

وإن لم يكن نائماً ولا مغمى عليه ولا مُكرهاً ، لكنه سكت عن الحلق ولم يمنع منه ، فقولان :

أحدهما : أنّ الحكم كما لو كان نائماً ، لأنّ السكوت ليس بأمر ، فإنّ السكوت على إتلاف المال لا يكون أمراً بالإِتلاف.

وأصحّهما : أنّه كما لو حلق بأمره ؛ لأنّ الشعر إمّا كالوديعة عنده أو كالعارية ، وعلى التقديرين يجب الدفع عنه(١) .

ولو أمر حلال حلالاً بحلق شعر حرام وهو نائم ، فالفدية على الآمر عند الشافعي إن لم يعرف الحالق الحال ، وإن عرف ، فعليه في أصحّ الوجهين(٢) .

وهذه الفروع كلّها ساقطة عندنا ؛ لأنّ الحالق لا كفّارة عليه عندنا ، وأمّا المحلوق فإن كان الحلق بإذنه ضمن ، وإلّا فلا.

البحث الحادي عشر : القَلْم‌

مسألة ٢٧٢ : أجمع فقهاء الأمصار كافّة‌ على أنّ المـُحْرم ممنوع من‌

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٤٦٩ - ٤٧٠ ، المجموع ٧ : ٣٤٦ - ٣٤٩.

(٢) فتح العزيز ٧ : ٤٧٠ ، المجموع ٧ : ٣٤٩.


قصّ أظفاره مع الاختيار ؛ لأنّه إزالة جزء يترفّه به فحرم ، كإزالة الشعر.

ولما رواه الشيخ عن إسحاق بن عمّار عن أبي الحسنعليه‌السلام ، قال : سألته عن رجل أحرم فنسي أن يقلّم أظفاره ، قال : فقال : « يدعها » قال : قلت : إنّها طوال ، قال : « وإن كانت» قلت : إنّ رجلاً أفتاه بأن يقلّمها وأن يغتسل ويُعيد إحرامه ، ففَعَل ، قال : « عليه دم »(١) .

واعلم أنّ علماءنا نصّوا على أنّ مَنْ قلّم ظُفْره بإفتاء غيره ، فأدمى إصبعه ، كان على الـمُفتي دم شاة ؛ لهذه الرواية.

إذا ثبت هذا ، فليس الحكم مخصوصاً بالقَلْم ، بل بمطلق الإِزالة ، فإنّها تزال للتنظيف والترفّه ، فيلحق بالقَلْمِ الكسْرُ والقطْعُ.

ولو قطع يده أو إصبعه وعليها الظفر ، فلا فدية عليه ؛ لأنّ الظفر تابع غير مقصود بالإِبانة.

مسألة ٢٧٣ : لو احتاج إلى مداواة قرحة ولا يمكنه إلّا بقصّ أظفاره ، جاز له ذلك ، ووجبت الفدية - خلافاً لبعض العامّة(٢) - لأنّه أزال ما مُنع من إزالته لضرر في غيره ، فكان كما لو حلق رأسه لضرر القمل.

ولما رواه معاوية بن عمّار - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : سألته عن الرجل الـمُحْرم تطول أظفاره ، قال : « لا يقصّ شيئاً منها إن استطاع ، فإن كانت تؤذيه فليقصّها وليُطعم مكان كلّ ظُفْر قبضةً من طعام »(٣) .

مسألة ٢٧٤ : لو أزال بعض الظُفْر تعلّق به ما يتعلّق بالظُفْر جميعه ؛ لأنّه بعض من جملة مضمونة.

وكذا لو أخذ بعض شعره ، فإنّه يكون كأخذ الشعرة بأجمعها.

ولو أخذ من بعض جوانب الظُفْر ولم يأت على رأسه كلّه ، ففيه ما في‌

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٣١٤ / ١٠٨٢.

(٢) هو ابن القاسم صاحب مالك كما في المغني ٣ : ٣٠٣ ، والشرح الكبير ٣ : ٢٧٥.

(٣) الكافي ٤ : ٣٦٠ / ٣ ، الفقيه ٢ : ٢٢٨ / ١٠٧٧ ، التهذيب ٥ : ٣١٤ / ١٠٨٣.


الظُفْر.

وقالت الشافعية : إن قلنا : يجب في الظُفْر الواحد ثلث دم أو درهم ، فالواجب فيه ما يقتضيه الحساب ، وإن قلنا : يجب مُدٌّ ، فلا سبيل إلى تبعيضه(١) .

مسألة ٢٧٥ : لو انكسر ظُفْره ، كان له إزالته بلا خلاف بين العلماء ؛ لأنّه يؤذيه ويؤلمه ، فكان له إزالته ، كالشعر النابت في عينه والصيد الصائل عليه.

وهل تجب فيه الفدية؟ إشكال ينشأ : من أصالة براءة الذمّة ومشابهته للصيد الصائل ، ومن الرواية الصحيحة عن الصادقعليه‌السلام وقد سأله معاوية بن عمّار : عن الـمُحْرم تطول أظفاره إلى أن ينكسر بعضها فيؤذيه : « فليقصّها وليُطعم مكان كلّ ظفر قبضةً من طعام »(٢) لأنّ العمل بالرواية متعيّن.

ولو قصّ المكسور خاصّةً ، لم يكن عليه شي‌ء عند قوم على ما تقدّم من الإِشكال.

ولو أزال منه ما بقي ممّا لم ينكسر ، ضمنه بما يضمن به الظُفْر ؛ لأنّه أزال بعض الظُفْر ابتداءً من غير علّة ، فوجب ضمانه ، وكذا لو أزاله تبعاً.

البحث الثاني عشر : إخراج الدم‌

مسألة ٢٧٦ : اختلف علماؤنا في جواز الحجامة للمُحْرم اختياراً ، فمنع منه المفيد وابن إدريس(٣) ، وبه قال مالك(٤) ، وكان الحسن البصري يرى‌

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٤٦٧.

(٢) الكافي ٤ : ٣٦٠ / ٣ ، الفقيه ٢ : ٢٢٨ / ١٠٧٧ ، التهذيب ٥ : ٣١٤ / ١٠٨٣.

(٣) المقنعة : ٦٨ ، السرائر : ١٢٨.

(٤) المنتقى - للباجي - ٢ : ٢٤٠ ، المجموع ٧ : ٣٥٥ ، حلية العلماء ٣ : ٣٠٥ ، المغني =


في الحجامة دماً(١) .

واختار ابن بابويه الجواز(٢) ، وهو قول أكثر العامّة(٣) .

وللشيخ قولان(٤) .

احتجّ المفيد : بما رواه الحسن الصيقل عن الصادقعليه‌السلام : عن الـمُحْرم يحتجم ، قال : « لا ، إلّا أن يخاف على نفسه التلف ولا يستطيع الصلاة » وقال : « إذا أذاه الدم فلا بأس به ويحتجم ولا يحلق الشعر »(٥) .

واحتجّ المجوّزون : بما رواه العامّة عن ابن عباس : انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله احتجم - وهو مُحْرم - في رأسه(٦) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « لا بأس أن يحتجم الـمُحْرم ما لم يحلق أو يقطع الشعر »(٧) .

وهما محمولان على الاحتياج إليه ؛ جمعاً بين الأدلّة.

مسألة ٢٧٧ : يجوز الحجامة مع الضرورة ودعوى الحاجة ، وكذا الفصد بلا خلاف ، دفعاً للضرر(٨) ، وكذا يجوز قطع العضو عند الحاجة ، والختان من غير فدية ؛ للأصل.

ولو احتاج في الحجامة إلى قطع شعر ، قَطَعَه ؛ لما رواه العامّة عن النبي‌

____________________

= ٣ : ٢٨٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٣٤.

(١) المغني ٣ : ٢٨٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٣٤.

(٢) المقنع : ٧٣ ، الفقيه ٢ : ٢٢٢ / ١٠٣٣.

(٣) المغني ٣ : ٢٨٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٣٤ ، المجموع ٧ : ٣٥٥.

(٤) قال بعدم الجواز في المبسوط ١ : ٣٢١ ، والنهاية : ٢٢٠ ، وبالجواز في الخلاف ٢ : ٣١٥ ، المسألة ١١٠.

(٥) التهذيب ٥ : ٣٠٦ / ١٠٤٤ ، الاستبصار ٢ : ١٨٣ / ٦٠٨.

(٦) سنن أبي داود ٢ : ١٦٧ - ١٦٨ / ١٨٣٦.

(٧) التهذيب ٥ : ٣٠٦ / ١٠٤٦ ، الاستبصار ٢ : ١٨٣ / ٦١٠.

(٨) في النسخ الخطية ونسخة بدل في الطبعة الحجرية : للضرورة.


صلى‌الله‌عليه‌وآله : أنّه احتجم في طريق مكّة وهو مُحْرم وسط(١) رأسه(٢) ، ومن ضرورة ذلك قطع الشعر.

ومن طريق الخاصّة : ما رواه مهران بن أبي نصر وعلي بن إسماعيل بن عمّار عن أبي الحسنعليه‌السلام ، قالا : سألناه ، فقال في حلق القفا للمُحْرم : « إن كان أحد منكم يحتاج إلى الحجامة فلا بأس به ، وإلّا فيلزم ما جرى عليه الموسى إذا حلق »(٣) .

ولأنّه يباح إزالة الشعر أجمع لضرر القمل ، فكذا هنا.

إذا عرفت هذا ، فإنّ الفدية واجبة عليه - وبه قال الشافعي وأبو حنيفة ومالك وأحمد وأبو ثور وابن المنذر(٤) - لقوله تعالى :( فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ) (٥) .

ولأنّ حلقه لإِزالة ضرر عنه ، فلزمته الكفّارة ، كما لو حلقه لإِزالة قملة.

وقال أبو يوسف ومحمد : يتصدّق بشي‌ء(٦) .

مسألة ٢٧٨ : يجوز للمُحْرم أن يبطّ خُراجه ويشقّ الدمل‌ إذا احتاج إلى‌

____________________

(١) في النسخ الخطية والطبعة الحجرية : وشرط بدل وسط ، وما أثبتناه من المصادر.

والشَّرْطُ : بَزْغُ الحجّام بالمشرط ، وبَزَغَ دَمَه : أي أساله. لسان العرب ٧ : ٣٣٢ و ٨ : ٤٣٢ « شرط ، بزغ ».

(٢) صحيح البخاري ٣ : ١٩ ، صحيح مسلم ٢ : ٨٦٢ - ٨٦٣ / ١٢٠٣ ، سنن النسائي ٥ : ١٩٤ ، سنن البيهقي ٥ : ٦٥ ، المغني ٣ : ٢٨٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٣٥.

(٣) التهذيب ٥ : ٣٠٦ - ٣٠٧ / ١٠٤٧.

(٤) المجموع ٧ : ٣٥٦ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٩٣ ، الهداية - للمرغيناني - ١ : ١٦٢ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٧٤ ، المدوّنة الكبرى ١ : ٤٢٨ ، المغني ٣ : ٢٨٣ - ٢٨٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٣٥.

(٥) البقرة : ١٩٦.

(٦) بدائع الصنائع ٢ : ١٩٣ ، الهداية - للمرغيناني - ١ : ١٦٢ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٧٤ ، المغني ٣ : ٢٨٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٣٥.


ذلك ، ولا فدية عليه إجماعاً ؛ لما رواه العامّة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه احتجم وهو مُحْرم(١) .

ومن طريق الخاصّة : رواية معاوية بن عمّار - الصحيحة - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : سألته عن الـمُحْرم يعصر الدمل ويربط عليه الخرقة ، فقال : « لا بأس »(٢) .

وروى هشام بن سالم - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « إذا خرج بالمحرم الخراج والدمل فليبطّه وليداوه بزيت أو بسمن »(٣) .

ولأنّه في محلّ الحاجة ولا يستتبع ترفّهاً ، فكان سائغاً ، كشرب الدواء.

ويجوز أن يقلع ضرسه مع الحاجة إليه ؛ لأنّه تداوٍ ، وليس بترفّهٍ ، فكان سائغاً ، كشرب الدواء.

ولما رواه الحسن الصيقل أنّه سأل الصادقعليه‌السلام : عن الـمُحْرم يؤذيه ضرسه أيقلعه؟ قال : « نعم لا بأس به »(٤) .

ولو لم يحتج إلى قلعه ، كان عليه دم.

مسألة ٢٧٩ : لا يدلك الـمُحْرم جسده بعنف لئلّا يدميه أو يقلع شعره ، وكذا لا يستقصي في سواكه لئلّا يُدْمي فاه ، ولا يدلك وجهه في غسل الوضوء وغيره لئلّا يسقط من شعر لحيته شي‌ء ، لما رواه معاوية بن عمّار - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام : عن الـمُحْرم كيف يحكّ رأسه؟ قال : « بأظافيره ما لم يُدْم أو يقطع الشعر »(٥) .

____________________

(١) صحيح البخاري ٣ : ١٩ ، صحيح مسلم ٢ : ٨٦٢ / ١٢٠٢ ، سنن الترمذي ٣ : ١٩٩ / ٨٣٩ ، سنن أبي داود ٢ : ١٦٧ - ١٦٨ / ١٨٣٥ و ١٨٣٦ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٢٩ / ٣٠٨٢ ، سنن النسائي ٥ : ١٩٣ ، سنن البيهقي ٥ : ٦٤ و ٦٥ ، الموطّأ ١ : ٣٤٩ / ٧٤.

(٢) الكافي ٤ : ٣٥٩ / ٥ ، الفقيه ٢ : ٢٢٢ / ١٠٣٨.

(٣) الفقيه ٢ : ٢٢٢ / ١٠٤٠ ، التهذيب ٥ : ٣٠٤ / ١٠٣٦.

(٤) الفقيه ٢ : ٢٢٢ / ١٠٣٦.

(٥) التهذيب ٥ : ٣١٣ / ١٠٧٦.


وعن الحلبي - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : سألته عن الـمُحْرم يستاك ، قال : « نعم ولا يُدْمي »(١) .

وعن معاوية بن عمّار - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « لا بأس أن يدخل الـمُحْرم الحمّام ولكن لا يتدلّك »(٢) .

وعن عمر بن يزيد عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « لا بأس بحكّ الرأس واللحية ما لم يلق الشعر ، وبحكّ الجسد ما لم يُدْمه »(٣) .

وسأل يعقوبُ بن شعيب - في الصحيح - الصادقَعليه‌السلام : عن الـمُحْرم يغتسل ، فقال : « نعم يفيض الماء على رأسه ولا يدلكه »(٤) .

مسألة ٢٨٠ : ينبغي للمُحْرم أن يغسل رأسه وبدنه برفق بحيث لا يسقط منه شي‌ء من شعر رأسه ولحيته إجماعاً ، وفَعَله(٥) عليعليه‌السلام ، وعمر ، وابنه ، وبه قال جابر وسعيد بن جبير والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي(٦) ، إلّا أنّه لا يجوز له الارتماس في الماء بحيث يغيبه فيه ، عند علمائنا ، وبه قال مالك(٧) - خلافاً لباقي العامّة(٨) - لما فيه من تغطية الرأس.

احتجّوا : بما رواه ابن عباس ، قال : ربما قال لي عمر ونحن مُحْرمون‌

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٣١٣ / ١٠٧٨.

(٢) التهذيب ٥ : ٣١٤ / ١٠٨١ ، الاستبصار ٢ : ١٨٤ / ٦١١.

(٣) التهذيب ٥ : ٣١٣ / ١٠٧٧.

(٤) الفقيه ٢ : ٢٣٠ / ١٠٩٣ ، التهذيب ٥ : ٣١٣ / ١٠٧٩.

(٥) في المغني والشرح الكبير : ورخص فيه عليّ.

(٦) المغني ٣ : ٢٧٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٣١٣ ، المحلّى ٧ : ٢٤٧ ، المجموع ٧ : ٣٥٥ ، الهداية - للمرغيناني - ١ : ١٣٩.

(٧) المنتقى - للباجي - ٢ : ١٩٤.

(٨) المغني ٣ : ٢٧٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٣١٣.


بالجحفة : تعال أباقيك(١) أيّنا أطول نفساً في الماء(٢) .

ولأنّه ليس بستر معتاد ، فأشبه صبّ الماء عليه(٣) .

وحديث عمر لا حجّة فيه ، مع احتمال أن يكون في ابتداء الإِحرام ؛ لأنّه في الميقات الذي يحرم منه ، فالظاهر أنّ غسله للإِحرام ، والفرق : أنّ في الارتماس تغطيةَ الرأس دون الصبّ.

إذا عرفت هذا ، فإنّه يجوز له غسل رأسه بالسدر والخطمي ونحوهما - وبه قال جابر بن عبد الله والشافعي وأصحاب الرأي(٤) - ولا فدية عليه.

وعن أحمد رواية : أنّ عليه الفدية ، وبه قال مالك وأبو حنيفة(٥) .

وقال أبو يوسف ومحمّد : عليه صدقة(٦) .

لنا : ما رواه العامّة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنّه قال في الـمُحْرم الذي أوقصه بعيره : ( اغسلوه بماء وسدر ، وكفّنوه في ثوبيه ، ولا تحنّطوه ولا تخمّروا رأسه ، فإنّه يُحشر يوم القيامة ملبّياً )(٧) أمر بغسله بالسدر مع بقاء حكم الإِحرام عليه ، ولهذا منعه من الطيب وتخمير رأسه.

احتجّوا : بأنّه تستطاب رائحته ، ويزيل الشعث ، ويقتل الهوامّ(٨) .

____________________

(١) بقاه بقْياً : انتظره ورصده. لسان العرب ١٤ : ٨١ « بقي ».

(٢) سنن البيهقي ٥ : ٦٣.

(٣) المغني ٣ : ٢٧٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٣١٣.

(٤) المغني ٣ : ٢٧٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٣١٣ ، فتح العزيز ٧ : ٤٦٣ ، المجموع ٧ : ٣٥٥.

(٥) المغني ٣ : ٢٧٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٣١٣ ، المدونّة الكبرى ١ : ٣٨٩ ، بداية المجتهد ١ : ٣٢٩ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٩١ ، حلية العلماء ٣ : ٣٠٤ ، المجموع ٧ : ٣٥٥.

(٦) بدائع الصنائع ٢ : ١٩١ ، المغني ٣ : ٢٧٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٣١٣ ، حلية العلماء ٣ : ٣٠٤ ، المجموع ٧ : ٣٥٥.

(٧) صحيح البخاري ٢ : ٩٦ و ٣ : ٢٢ ، صحيح مسلم ٢ : ٨٦٥ / ٩٤ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٣٠ / ٣٠٨٤ ، سنن النسائي ٥ : ١٩٦ ، سنن الدارمي ٢ : ٥٠ ، سنن البيهقي ٥ : ٧٠ ، مسند أحمد ١ : ٢١٥ ، المغني ٣ : ٢٧٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٣١٤.

(٨) المغني ٣ : ٢٧٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٣١٣.


ونمنع التلذّذ بالرائحة ، وينتقض بالفاكهة ، وإزالة الشعث تحصل بالتراب والماء مع موافقته على تسويغه.

مسألة ٢٨١ : يجوز للمُحْرم دخول الحمّام إجماعاً ، ولا يدلك جسده فيه بقوّة لئلّا يدميه أو يزيل شعره ؛ للأصل.

ولما رواه العامّة عن ابن عباس : أنّه دخل حمّام الجحفة ، وقال : ما يعبأ الله بأوساخكم شيئاً(١) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « لا بأس أن يدخل الـمُحْرم الحمّام ولكن لا يتدلّك»(٢) .

إذا ثبت هذا ، فالأفضل تركه ؛ لاشتماله على الترفّه ( وإزالة الشعث )(٣)

ولما رواه عقبة أنّه سأل الصادقعليه‌السلام عن الـمُحْرم يدخل الحمّام ، قال : « لا يدخل »(٤) وإنّما حملناه على الكراهة ، جمعاً بين الأخبار.

البحث الثالث عشر : قتل هوامّ الجسد‌

مسألة ٢٨٢ : لا يجوز للمُحْرم قتل القمل والصئبان(٥) والبراغيث وغير ذلك من هوامّ الجسد - وهو إحدى الروايتين عن أحمد(٦) - لاشتماله على الترفّه وإزالة الشعث ، فكان حراماً ، كالطيب.

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٤٦٣ ، وفي سنن البيهقي ٥ : ٦٣ : بأوساخنا ، وفي ترتيب مسند الشافعي ١ : ٣١٤ / ٨١٦ : بأوسخنا.

(٢) الكافي ٤ : ٣٦٦ / ٣ ، الفقيه ٢ : ٢٢٨ / ١٠٨١ ، التهذيب ٥ : ٣١٤ / ١٠٨١ ، الاستبصار ٢ : ١٨٤ / ٦١١.

(٣) ما بين القوسين لم يرد في « ن ».

(٤) التهذيب ٥ : ٣٨٦ / ١٣٤٩ ، الإستبصار ٢ : ١٨٤ / ٦١٢.

(٥) الصؤابة : بيضة القملة ، والجمع : الصؤاب والصئبان. الصحاح ١ : ١٦٠ « صأب ».

(٦) المغني ٣ : ٢٧٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٣١١.


ولقول الصادقعليه‌السلام : « الـمُحْرم لا ينزع القملة من جسده ولا من ثوبه متعمّداً ، وإن قتل شيئاً من ذلك خطأً فليطعم مكانها طعاماً قبضةً بيده »(١) .

ولا فرق بين أن يقتله أو يلقيه عن بدنه إلى الأرض أو يقتله بالزئبق وشبهه ؛ لأنّ تحريم قتله ليس معلّلاً بحرمته ، بل للترفّه بفقده ، فعمّ المنع إزالته كيف كان.

ولأنّ حماد بن عيسى سأل الصادقعليه‌السلام : عن الـمُحْرم يبين القملة من جسده فيلقيها ، فقال : « يطعم مكانها طعاماً »(٢) .

وفي الرواية الاُخرى عن أحمد : يُباح قتله(٣) .

إذا عرفت هذا ، فإنّه يجوز له تحويلها من مكان من جسده إلى مكان آخر منه ؛ لاشتمال دوامها في موضع واحد على أذى كثير.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « فإذا أراد أن يحوّل قملة من مكان إلى مكان فلا يضرّه »(٤) .

مسألة ٢٨٣ : لو قتل قملةً ، فَعَل حراماً ، ووجب عليه فدية كف من طعام - وبه قال عطاء(٥) - لأنّه فَعَل إزهاق نفس محرَّمة ، فكان عليه صدقة ، كالصيد.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « يُطعم مكانها طعاماً »(٦) بمجرد الإِلقاء ؛ لأنّه مظنّة القتل لها ، فأشبه رمي الصيد وجهل حاله.

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٣٣٦ / ١١٦٠ ، الاستبصار ٢ : ١٩٦ - ١٩٧ / ٦٦١.

(٢) التهذيب ٥ : ٣٣٦ / ١١٥٨ ، الاستبصار ٢ : ١٩٦ / ٦٥٩.

(٣) المغني ٣ : ٢٧٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٣١١.

(٤) التهذيب ٥ : ٣٣٦ - ٣٣٧ / ١١٦١ ، الفقيه ٢ : ٢٣٠ / ١٠٩١.

(٥) المغني ٣ : ٢٧٣ - ٢٧٤.

(٦) التهذيب ٥ : ٣٣٦ / ١١٥٨ ، الاستبصار ٢ : ١٩٦ / ٦٥٩.


وقال مالك : يفدي بحفنة من طعام. وهو مروي عن ابن عمر(١) .

وقال إسحاق : يتصدّق بتمرة فما فوقها(٢) .

وقال أحمد في إحدى الروايتين : يتصدّق بمهما كان من قليل وكثير ، وهو قول أصحاب الرأي(٣) .

وفي الرواية الاُخرى : لا شي‌ء عليه ، وبه قال سعيد بن جبير وطاوس وأبو ثور وابن المنذر(٤) .

مسألة ٢٨٤ : يجوز له أن ينحّي عن نفسه القراد والحَلَمَة ، ويلقي القراد عنه وعن بعيره ؛ لما رواه معاوية بن عمّار عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « و الـمُحْرم يلقي عنه القِرْدان(٥) كلّها إلّا القملة فإنّها من جسده ، وإن أراد أن يحوّل قملةً من مكان إلى مكان فلا يضرّه »(٦) .

وقال الشيخرحمه‌الله : يجوز للمُحْرم أن يلقي القراد عن بعيره ، وليس له أن يلقي الحَلَمَة(٧) ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « إنّ القراد ليس من البعير ، والحلمة من البعير »(٨) .

البحث الرابع عشر : قطع شجر الحرم‌

مسألة ٢٨٥ : أجمع علماء الأمصار على تحريم قطع شجر الحرم غير الإِذخر‌ وما أنبته الآدمي من البقول والزروع والرياحين.

وبالجملة فالتحريم متعلّق بما نبت بنفسه دون ما يستنبت.

____________________

(١) المغني ٣ : ٢٧٣ - ٢٧٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٣١٢.

(٢ - ٤ ) المغني ٣ : ٢٧٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٣١٢.

(٥) في المصدر : « الدواب » بدل « القردان ».

(٦) الفقيه ٢ : ٢٣٠ / ١٠٩١ ، التهذيب ٥ : ٣٣٧ / ١١٦١.

(٧) التهذيب ٥ : ٣٣٨.

(٨) الفقيه ٢ : ٢٣٢ / ١١٠٧.


لما رواه العامّة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من قولهعليه‌السلام : ( لا يُختلى شوكها ولا يُعضد شجرها )(١) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « كلّ شي‌ء ينبت في الحرم فهو حرام على الناس أجمعين إلّا ما أنبتّه أنت وغرسته »(٢) .

واعلم أنّ النابت إمّا شجر أو غيره.

أمّا الشجر : فيحرم قطع كلّ شجر رطب حرمي وقلعه ، فخرج بالرطب : الشجر اليابس ، فإنّه لا شي‌ء في قطعه ، كما لو قطع صيداً ميّتاً.

وخرج بالحرمي أشجار الحِلّ ، فلا يجوز أن يقلع شجرة من أشجار الحرم وينقلها إلى الحِلّ محافظة على حرمتها ، فإن فَعَل ، فعليه الردّ.

أمّا لو نقل من بقعة من الحرم إلى بقعة اُخرى منه ، فإنّه لا يؤمر بالردّ ، ويضمن لو تلفت بالنقل.

ولا فرق في التحريم بين أن ينقله إلى الحِلّ أو الحرم.

ولو نبتت في الموضع المنقول إليه ، فإن كان في الحرم ، فلا جزاء فيه ؛ لأنّه لم يُتلفها ولم يُزِلْ حرمتها.

ولو كان في الحِلّ ، فكذلك عند الشافعي ؛ لأنّه لم يتحقّق منه الإِتلاف(٣) .

ومقتضى مذهبنا : وجوب الردّ ، فإن تلفت ضمن ، وإلّا فلا ؛ لأنّه أزال حرمتها بالنقل ، فوجب الردّ.

وأمّا غير الشجر كالحشيش ، فلا يجوز قطعه ؛ للخبر(٤) ، ولو قَطَعه ضمنه.

____________________

(١) أورده ابنا قدامة في المغني ٣ : ٣٦١ - ٣٦٢ ، والشرح الكبير ٣ : ٣٧٧.

(٢) الفقيه ٢ : ١٦٦ / ٧١٨ ، التهذيب ٥ : ٣٨٠ / ١٣٢٥.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٥١١ ، المجموع ٧ : ٤٤٨.

(٤) تقدّم في صدر المسألة.


مسألة ٢٨٦ : يحرم قطع الشوك والعوسج وشبهه من الأشجار المؤذية‌ - وبه قال أحمد(١) - لعموم قولهعليه‌السلام : ( لا يعضد شجرها )(٢) .

وقال الشافعي : لا يحرم - وبه قال عطاء ومجاهد وعمرو بن دينار - لأنّه مُؤذٍ ، فأشبه السباع من الحيوان(٣) .

ونمنع المساواة ، والفرق : إمكان الاحتراز غالباً عن الشوك ، وقلّة ضرره ، بخلاف السباع ، ولأنّها تقصد الأذى.

وليس له أخذ ورق الشجر - وبه قال أحمد(٤) - لقولهعليه‌السلام : ( لا يُخبط(٥) شوكها ولا يُعضد شجرها )(٦) .

ولأنّ ما حرم أخذه حرم كلّ شي‌ء منه ، كريش الطائر.

وقال الشافعي : له أخذه ؛ لأنّه لا يضرّ به(٧) . وكان عطاء يرخّص في أخذ ورق السنا(٨) للإِسهال ، ولا ينزع من أصله(٩) ، ورخص فيه عمرو بن دينار(١٠) .

ونمنع عدم تضرّر الشجرة به ، فإنّه يضعفها ، وربما أدّى إلى تلفها.

وكذا يحرم أغصان الشجرة ؛ لأنّ منفعتها به أقوى من منفعة الورق.

____________________

(١) المغني ٣ : ٣٦٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٧٨.

(٢) صحيح البخاري ٣ : ١٨ ، صحيح مسلم ٢ : ٩٨٩ / ٤٤٨ ، سنن أبي داود ٢ : ٢١٢ / ٢٠١٧ ، سنن النسائي ٥ : ٢١١ ، سنن البيهقي ٥ : ١٩٥.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٥١١ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٢٦ ، المجموع ٧ : ٤٤٨ ، المغني ٣ : ٣٦٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٧٨.

(٤) المغني ٣ : ٣٦٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٧٨.

(٥) الخبط : خبط ورق العضاة من الطلح ونحوه ، يخبط ، يُضرب بالعصا فيتناثر. لسان العرب ٧ : ٢٨١ « خبط ».

(٦) صحيح مسلم ٢ : ٩٨٩ / ٤٤٨.

(٧) فتح العزيز ٧ : ٥١١ ، المجموع ٧ : ٤٤٩ ، المغني ٣ : ٣٦٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٧٨.

(٨) السنا : نبت يتداوى به. لسان العرب ١٤ : ٤٠٥ « سنا ».

(٩ و ١٠) المغني ٣ : ٣٦٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٧٨.


مسألة ٢٨٧ : تجب في قطع الشجر الفدية‌ عند أكثر علمائنا(١) - وبه قال ابن عباس وعطاء وأبو حنيفة وأحمد والشافعي في أصحّ قوليه(٢) - لما رواه العامّة عن ابن عباس أنّه قال : في الدوحة بقرة ، وفي الجزلة شاة(٣) .

والدوحة : الشجرة الكبيرة ، والجزلة : الشجرة الصغيرة.

ومن طريق الخاصّة : قول أحدهماعليهما‌السلام : « إذا كان في دار الرجل شجرة من شجر الحرم ولم تُنزع فأراد نزعها ، نزعها وكفّر بذبح بقرة يتصدّق بلحمها على المساكين »(٤) .

ولأنّه ممنوع من إتلافه ؛ لحرمة الحرم ، فكان مضموناً عليه ، كالصيد.

وقال بعض علمائنا : لا ضمان فيه وإن حرم(٥) - وبه قال مالك وأبو ثور وداود وابن المنذر والشافعي في القديم(٦) - لأصالة البراءة.

[ و ](٧) لأنّ الإِحرام لا يوجب ضمان الشجر ، فكذلك الحرم.

مسألة ٢٨٨ : يحرم قطع حشيش الحرم إذا كان رطباً ؛ للخبر ، إلّا ما استثني من الإِذخر وما أنبته الآدميون ؛ لما رواه العامّة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنّه قال : ( لا يُحْتش حشيشها )(٨) .

____________________

(١) منهم : الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٤٠٨ ، المسألة ٢٨١ ، والمبسوط ٢ : ٣٥٤ ، وأبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه : ٢٠٤ ، والقاضي ابن البرّاج في المهذّب ١ : ٢٢٣.

(٢) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٠٤ ، المغني ٣ : ٣٦٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٧٩ - ٣٨٠ ، الْأُم ٢ : ١٠٨ ، الحاوي الكبير ٤ : ٣١٣ ، الوجيز ١ : ١٢٩ ، فتح العزيز ٧ : ٥١١ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٢٥ - ٢٢٦ ، المجموع ٧ : ٤٥٠ و ٤٥١.

(٣) المغني ٣ : ٣٦٧ - ٣٦٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٨٠.

(٤) التهذيب ٥ : ٣٨١ / ١٣٣١.

(٥) قال به ابن إدريس في السرائر : ١٣٠.

(٦) المغني ٣ : ٣٦٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٨٠ ، المدوّنة الكبرى ١ : ٤٥١ ، حلية العلماء ٣٠ : ٣٢٢ ، فتح العزيز ٧ : ٥١١.

(٧) أضفناها لأجل السياق.

(٨) المغني ٣ : ٢٦٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٧٩.


ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « إنّ علي بن الحسينعليهما‌السلام كان يتّقي الطاقة من العُشْب ينتفها من الحرم » قال : « وقد نتف طاقة وهو يطلب أن يعيدها في مكانها »(١) .

ورأى زين العابدينعليه‌السلام شخصا يقلع العشب من حول الفسطاط ، فقالعليه‌السلام : « إنّ هذا لا يقلع »(٢) .

وقال الشافعي : لا يجوز قطعه مطلقاً ؛ للخبر ، فإن قَطَعه ، فعليه قيمته إن لم يخلف ، وإن أخلف فلا ، بخلاف الشجر ؛ فإنّ الغالب فيه الإِخلاف ، فأشبه سنّ الصبي(٣) .

إذا عرفت هذا ، فلو كان يابساً ، لم يكن في قطعه شي‌ء ، كما في الشجر.

نعم لا يجوز قلعه ، فإن قَلَعه ، فعليه الضمان ؛ لأنّه لو لم يقلع لنبت ثانياً ، ذكره بعض الشافعية(٤) ، ولا بأس به.

مسألة ٢٨٩ : يجوز للمُحْرم أن يترك إبله لترعى في حشيش الحرم ، وتسريح البهائم فيه لترعى وإن حرم عليه قلعه عند علمائنا - وبه قال عطاء والشافعي(٥) - لما رواه العامّة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنّه قال : ( إلّا علف الدوابّ )(٦) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « يُخلّى البعير في‌

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٣٧٩ / ١٣٢٣.

(٢) التهذيب ٥ : ٣٧٩ / ١٣٢٢.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٥١٢.

(٤) فتح العزيز ٧ : ٤١٢ ، المجموع ٧ : ٤٥٢.

(٥) المغني ٣ : ٣٦٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٧٩ ، الحاوي الكبير ٤ : ٣١٢ ، حلية العلماء ٣ : ٣٢٢ ، فتح العزيز ٧ : ٥١٢ ، المجموع ٧ : ٤٥٢ - ٤٥٣.

(٦) أورده الماوردي في الحاوي الكبير ٤ : ٣١٢ ، والشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٤٠٩ ، المسألة ٢٨٢.


الحرم يأكل ما شاء »(١) .

ولأنّ الهدايا في زمن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كانت تدخل الحرم وتكثر فيه ، ولم ينقل أنّه [ كانت ](٢) تُشدّ(٣) أفواهها.

ولأنّ الحاجة ماسّة إلى ذلك ، فكان سائغاً ، كالإِذخر.

وقال أحمد وأبو حنيفة : لا يجوز ؛ لأنّ ما حرم إتلافه لا يجوز أن يرسل عليه ما يتلفه ، كالصيد(٤) .

والفرق : الحاجة ، ولأنّ الصيد منهي عن قتله مباشرةً وتولّداً ، بخلاف الحشيش.

ولو اختلى الحشيش ليعلفه البهائم ، فللشافعية وجهان :

أحدهما : الجواز ، كما لو سرحها فيه.

والثاني : المنع ؛ لقولهعليه‌السلام : ( لا يختلى خلاها )(٥) (٦) .

مسألة ٢٩٠ : شجر الفواكه والنخل يجوز قلعه ، سواء أنبته الله تعالى أو الآدميون ، وسواء كانت مُثمرةً ، كالنخل والكرم ، أو غير مثمرة ، كالصنوبر والخلاف - وبه قال أبو حنيفة(٧) - لأنّ تحريم الحرم مختص بما كان وحشياً من‌

____________________

(١) الكافي ٤ : ٢٣١ / ٥ ، الفقيه ٢ : ١٦٦ / ٧١٩ ، التهذيب ٥ : ٣٨١ / ١٣٢٩.

(٢) أضفناها لأجل السياق.

(٣) في النسخ الخطية والحجرية : شدّ. وما أثبتناه هو الصحيح.

(٤) المغني ٣ : ٣٦٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٧٩ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٠٤ ، الهداية - للمرغيناني - ١ : ١٧٥ ، بدائع الصنائع ٢ : ٢١٠ ، حلية العلماء ٣ : ٣٢٢ - ٣٢٣ ، الحاوي الكبير ٤ : ٣١٢ ، فتح العزيز ٧ : ٥١٢.

(٥) صحيح البخاري ٣ : ١٩ ، صحيح مسلم ٢ : ٩٨٧ / ١٣٥٣ ، سنن النسائي ٥ : ٢١١ ، سنن البيهقي ٥ : ١٩٥.

(٦) فتح العزيز ٧ : ٥١٢ ، المجموع ٧ : ٤٥٣‌

(٧) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٠٣ ، بدائع الصنائع ٢ : ٢١٠ - ٢١١ ، المغني ٣ : ٣٦٢ - ٣٦٣.


الصيد ، فكذا من الشجر.

وقول الصادقعليه‌السلام : « لا ينزع من شجر مكة إلّا النخل وشجر الفواكه »(١) .

وكذا يجوز قلع ما أنبته الإِنسان من شجر الفواكه كلّها ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « كلّ شي‌ء ينبت في الحرم فهو حرام على الناس أجمعين إلّا ما أنبتّه أنت وغرسته »(٢) .

وبه قال أبو حنيفة ؛ تشبيهاً للمستنبتات بالحيوان الإِنسي وبالزرع(٣) .

قال الشيخرحمه‌الله : وما أنبته الله تعالى في الحِلّ إذا قلعه المـُحلّ ونَقَله إلى الحرم ثم قَطَعه ، فلا ضمان عليه ، وما أنبته الله إذا نبت في ملك الإِنسان ، جاز له قلعه ، وإنّما لا يجوز له قلع ما نبت في المباح(٤) .

وقال الشافعي : كلّ ما ينبت في الحرم فهو حرام سواء أنبته الله تعالى أو الآدميّون(٥) ؛ لعموم قولهعليه‌السلام : ( لا يُعضد شجرها )(٦) .

ولأنّها شجرة تنبت في الحرم ، فأشبه ما لم ينبته الآدميون.

والحديث قد استثني فيه في بعض الروايات ( إلّا ما أنبته الآدمي ).

ولأنّ أدلّتنا أخصّ.

وللفرق بين الأهلي من الشجر ، كالنخل والجواز واللوز ، والوحشي ،

____________________

(١) الفقيه ٢ : ١٦٦ / ٧٢٠ ، التهذيب ٥ : ٣٧٩ - ٣٨٠ / ١٣٢٤.

(٢) تقدّمت الإِشارة إلى مصادره في ص ٣٦٥ ، الهامش (٢)

(٣) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٠٣ ، بدائع الصنائع ٢ : ٢١١ ، فتح العزيز ٧ : ٥١٢.

(٤) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٥٤.

(٥) فتح العزيز ٧ : ٥١١ و ٥١٢ ، المجموع ٧ : ٤٤٧ و ٤٥٠.

(٦) صحيح البخاري ٣ : ١٨ ، صحيح مسلم ٢ : ٩٨٩ / ٤٤٨ ، سنن أبي داود ٢ : ٢١٢ / ٢٠١٧ ، سنن النسائي ٥ : ٢١١ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٣٨ / ٣١٠٩ ، سنن البيهقي ٥ : ١٩٥.


كالدَّوْح(١) والسَّلَم(٢) ، كالصيد.

إذا عرفت هذا ، فسواء كان الشجر الذي أنبته الآدمي ممّا جنسه أن يُنبته الآدميّون أو لم يكن جنسه من ذلك يجوز قلعه مطلقاً - خلافاً للشافعي(٣) - لعموم قول الصادقعليه‌السلام : « إلّا ما أنبتّه أنت وغرسته »(٤) .

ولا بأس بقطع شجر الإِذخر إجماعاً.

وكذا لا بأس بعودي المحالة للحاجة إلى ذلك.

ولقول الباقرعليه‌السلام : « رخص رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في قطع عودي المـَحالَة - وهي البكرة التي يُستقى بها(٥) - من شجر الحرم والإِذخر »(٦) .

وكذلك لا بأس بأن يقلع الإِنسان شجرة تنبت في منزله بعد بنائه له ، ولو نبتت قبل بنائه ، لم يجز له قلعها ؛ لقول الصادقعليه‌السلام في الشجرة يقلعها الرجل من منزله في الحرم ، فقال : « إن بنى المنزل والشجرة فيه فليس له أن يقلعها ، وإن كانت نبتت في منزله فله قلعها(٧) »(٨) .

ويجوز أن يقلع اليابس من الشجر والحشيش ، لأنّه ميّت فلم تبق له حرمة ، وكذا قطع ما انكسر ولم يبن ؛ لأنّه قد تلف ، فهو بمنزلة الميّت والظفر المنكسر.

____________________

(١) الدوح جمع الدوحة ، وهي : الشجرة العظيمة من أيّ الشجر كان. الصحاح ١ : ٣٦١ « دوح ».

(٢) السَّلَم : شجر من العظاة ، واحدتها سَلَمة. الصحاح ٥ : ١٩٥٠ « سلم ».

(٣) فتح العزيز ٧ : ٥١٢ ، المجموع ٧ : ٤٥٠.

(٤) تقدّمت الإِشارة إلى مصادره في ص ٣٦٥ ، الهامش (٢)

(٥) النهاية - لابن الأثير - ٤ : ٣٠٤ « محل ».

(٦) التهذيب ٥ : ٣٨١ / ١٣٣٠.

(٧) في المصدر : « وهو له فليقلعها » بدل « فله قلعها ».

(٨) الكافي ٤ : ٢٣١ / ٦ ، التهذيب ٥ : ٣٨٠ / ١٣٢٧.


ويجوز أخذ الكَمْأَة(١) والفقْع(٢) من الحرم ، لأنّه لا أصل له ، فهو كالثمرة الموضوعة على الأرض.

ولو انكسر غصن شجرة أو سقط ورقها ، فإن كان بغير فعل الآدمي ، جاز الانتفاع به إجماعاً؛ لتناول النهي القطع وهذا لم يقطع ، وإن كان بفعل آدمي ، فالأقرب جوازه(٣) ؛ لأنّه بعد القطع يكون كاليابس ، وتحريم الفعل لا ينافي جواز استعماله.

ومنعه بعض العامّة ؛ قياساً على الصيد يذبحه المـُحْرم(٤) .

وقال آخرون : يباح لغير القاطع ، والفرق : أنّ الصيد يُعتبر في ذبحه الأهليةُ ، وهي منفية عن المـُحْرم ، بخلاف قطع الشجرة ؛ فإنّ الدابّة لو قطعته جاز الانتفاع به(٥) .

مسألة ٢٩١ : الشجرة إذا كان أصلها في الحرم وفرعها في الحِلّ ، حرم قطعها وقطع غصنها ؛ لأنّها في الحرم.

ولما رواه معاوية بن عمّار - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : سألته عن شجرة أصلها في الحرم وفرعها في الحِلّ ، فقال : « حرم فرعها لمكان أصلها » قال : قلت : فإنّ أصلها في الحلّ وفرعها في الحرم ، قال : « حرام أصلها لمكان فرعها »(٦) والغصن تابع.

وإن كان بالعكس ، فكذلك.

وسوّغ بعض العامّة قطع الغصن في الأخير ؛ لأنّه تابع لأصله ، كالتي‌

____________________

(١) الكَمْأَة واحدها : كَمْءٌ ، وهو نبات ينقّض الأرض فيخرج. لسان العرب ١ : ١٤٨ « كمأ ».

(٢) الفقْع - بالفتح والكسر - : الأبيض الرخو من الكَمْأَة ، وهو أردأها. لسان العرب ٨ : ٢٥٥ « فقع ».

(٣) في « ف » : الجواز.

(٤ و ٥) المغني ٣ : ٣٦٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٧٨.

(٦) الكافي ٤ : ٢٣١ / ٤ ، الفقيه ٢ : ١٦٥ / ٧١٧ ، التهذيب ٥ : ٣٧٩ / ١٣٢١.


قبلها(١) .

وليس بجيّد ؛ لأنّه في الحرم.

وإذا كان الأصل في الحِلّ والغصن في الحرم فقَطَع واحدٌ الغصنَ ، ضمنه.

ولو قطع آخرٌ الأصلَ بعد قطع الغصن ، فالأقرب عدم التحريم ؛ لأنّ المقتضي له هو استتباع قطع الغصن لقطعه وقد زال بقطع الغصن.

ولو كان بعض الأصل في الحِلّ وبعضه في الحرم ، ضمن الغصن ، سواء كان في الحِلّ أو الحرم ، تغليباً لحرمة الحرم ، كما لو وقف صيد بعض قوائمه في الحِلّ وبعضها في الحرم.

مسألة ٢٩٢ : لو قلع شجرةً من الحرم فغرسها في مكان آخر منه فماتت ، ضمنها ؛ لإِتلافه.

ولو غرسها في مكان آخر من الحرم فنبتت ، لم يكن عليه ضمان ؛ لعدم الإِتلاف ولم تزل حرمتها.

ولو غرسها في الحِلّ فنبتت ، وجب عليه ردّها ؛ لأنّه أزال حرمتها ، فإن تعذّر ردّها ، أو ردّها ويبست ، ضمنها.

ولو غرسها في الحِلّ فقلعها غيره منه ، قال بعض العامّة : يضمن الثاني ؛ لأنّه المتلف لها ، بخلاف الصيد إذا نفّره إنسان من الحرم فقتله الآخر في الحلّ ، فإنّ الضمان على المنفّر ؛ لأنّ الشجر لا ينتقل بنفسه ، ولا تزول حرمته بإخراجه ، ولهذا يجب على قالعه ردّه ، وأمّا الصيد فإنّه يكون تارة في الحِلّ واُخرى في الحرم ، فمن نفّره فقد أذهب حرمته ، فوجب عليه جزاؤه ، والشجر لا تفوت حرمته بالإِخراج ، فكان الضمان على المـُتْلف ؛ لأنّه أتلف‌

____________________

(١) المغني ٣ : ٣٦٩ - ٣٧٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٨٢.


شجراً من الحرم(١) .

مسألة ٢٩٣ : يضمن المـُحْرم الشجرة الكبيرة ببقرة ، والصغيرة بشاة ، والحشيش بقيمته ، والغصن بأرشه - وبه قال الشافعي وأحمد(٢) - لما رواه العامّة عن ابن عباس أنّه قال : في الدوحة بقرة ، وفي الجزلة شاة(٣) .

والدوحة : الشجرة الكبيرة ، والجزلة : الشجرة الصغيرة.

ومن طريق الخاصّة : قول أحدهماعليهما‌السلام : « إذا كان في دار الرجل شجرة من شجر الحرم ولم تنزع ، فإن أراد نزعها نزعها ، وكفّر بذبح بقرة ، وتصدّق بلحمها على المساكين »(٤) .

وقال أصحاب الرأي : يضمن الجميع بالقمية ؛ لأنّه لا مقدّر فيه ، فأشبه الحشيش(٥) .

وليس بجيّد ؛ لأنّه أحد نوعي ما يحرم إتلافه ، فكان فيه مقدّر ، كالصيد.

ولو قطع غصناً أو قلع حشيشاً فعاد عوضه ، فالوجه : بقاء الضمان ؛ لأنّ الثاني غير الأول.

إذا عرفت هذا ، فالمرجع في الصغر والكبر إلى العرف.

وقال بعض الشافعية : ضبط الشجرة المضمونة بالشاة أن تقع قريبةً من‌

____________________

(١) المغني ٣ : ٣٦٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٨١.

(٢) الْأُم ٢ : ٢٠٨ ، مختصر المزني : ٧١ ، الوجيز ١ : ١٢٩ ، فتح العزيز ٧ : ٥١١ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٢٥ - ٢٢٦ ، المجموع ٧ : ٤٥١ و ٤٩٦ ، المغني ٣ : ٣٦٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٧٩ و ٣٨٠.

(٣) المغني ٣ : ٣٦٧ - ٣٦٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٨٠.

(٤) التهذيب ٥ : ٣٨١ / ١٣٣١.

(٥) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٠٣ ، الهداية - للمرغيناني - ١ : ١٧٥ ، المحلّى ٧ : ٢٦١ ، المغني ٣ : ٣٦٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٨٠ ، المجموع ٧ : ٤٩٦.


سُبْع الكبيرة ، فإنّ الشاة من البقرة سُبْعُها(١) .

والمتوسّطة صغيرة ؛ لأصالة البراءة ، ولأنّ اسم الصغيرة يتناول ما ليست بكبيرة.

مسألة ٢٩٤ : حدّ الحرم - الذي لا يحلّ الصيد فيه ولا قطع شجره‌ - بريد في بريد ؛ لما رواه زرارة - في الصحيح - عن الباقرعليه‌السلام ، قال : سمعته يقول : « حرّم الله حرمه بريداً في بريد أن يختلى خلاه ويُعضد شجره إلّا الإِذخر أو يصاد طيره ، وحرّم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله المدينة ما بين لابتيها صيدها ، وحرّم ما حولها بريداً في بريد أن يختلى خلاها ويعضد شجرها إلّا عودي الناضح(٢) »(٣) .

مسألة ٢٩٥ : قال الشيخرحمه‌الله : واعلم أنّ للمدينة حرماً مثل حرم مكّة‌ ، وحدّه ما بين لابتيها ، وهو من ظلّ عائر إلى ظلّ وُعير لا يُعْضد شجرها ، ولا بأس أن يؤكل صيدها إلّا ما صيد بين الحرّتين(٤) .

واللابة : الحرّة ، والحرّة : الحجارة السوداء.

وفي هذا الكلام اضطراب ، وينبغي أن يقال : وحدّه من ظلّ عائر إلى ظلّ وعير ، لا يُعْضد شجرها ، ولا بأس أن يؤكل صيدها إلّا ما صيد بين الحرّتين ، لأنّ الحرّتين غير ظلّ عائر وظلّ وُعير ، والحرّتان بين الظلّين ؛ لأنّه قال : لا يعضد الشجر فيما بين الظلّين ، ولا بأس أن يؤكل الصيد إلّا ما صيد بين الحرّتين ، فدلّ على دخول الحرّتين في الظلّين ، وإلّا تناقض الكلام ، ولو كانت الحرّتان هُما حدّ حرم المدينة الأول ، لما حلّ الصيد في شي‌ء من حرم المدينة.

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٥١١ ، المجموع ٧ : ٤٥١.

(٢) في المصدر : « عودي محالة الناضح ».

(٣) التهذيب ٥ : ٣٨١ - ٣٨٢ / ١٣٣٢.

(٤) النهاية : ٢٨٦ - ٢٨٧ ، المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٨٦.


والشيخ -رحمه‌الله - عوّل في التحريم على رواية زرارة عن الباقرعليه‌السلام ، السابقة(١) .

والشافعي ألحق حرم المدينة بحرم مكة في التحريم في أصحّ الوجهين عنده ، وبه قال مالك وأحمد(٢) - وهو المشهور عندنا - لما روى العامّة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنّه قال : ( إنّ إبراهيم حرّم مكة وإنّي حرّمت المدينة مثل ما حرّم إبراهيم مكة ، لا ينفّر صيدها ولا يُعْضد شجرها ولا يُخْتلى خلاها )(٣) .

وروي أنّه قال : ( إنّي اُحرّم ما بين لابتي المدينة أن يقطع عضاهها(٤) أو يُقْتل صيدها )(٥) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ مكة حرم الله حرّمها إبراهيم ، وإنّ المدينة حرمي ما بين لابتيها حرم لا يُعْضد شجرها ، وهو ما بين ظلّ عائر إلى ظلّ وُعير [ و ](٦) ليس صيدها كصيد مكة يؤكل هذا ولا يؤكل ذاك وهو بريد »(٧) .

____________________

(١) سبقت في المسألة (٢٩٤).

(٢) الوجيز ١ : ١٢٩ - ١٣٠ ، فتح العزيز ٧ : ٥١٣ ، حلية العلماء ٣ : ٣٢٣ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٢٦ ، المجموع ٧ : ٤٨٠ و ٤٩٧ ، المنتقى - للباجي - ٢ : ٢٥٢ ، المغني ٣ : ٣٧٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٨٢ - ٣٨٣.

(٣) أورده - كما في المتن - الرافعي في فتح العزيز ٧ : ٥١٣ - ٥١٤ ، وفي صحيح مسلم ٢ : ٩٩٢ / ١٣٦٢ ، وسنن البيهقي ٥ : ١٩٨ بتفاوت واختصار.

(٤) في « ط ، ف ، ن » والطبعة الحجرية : أغصانها. وذلك تصحيف ، وما أثبتناه من المصادر.

(٥) صحيح مسلم ٢ : ٩٩٢ / ١٣٦٣ ، وسنن البيهقي ٥ : ١٩٧ ، وأورده الرافعي في فتح العزيز ٧ : ٥١٤.

(٦) أضفناها من المصدر.

(٧) الكافي ٤ : ٥٦٤ - ٥٦٥ / ٥ ، التهذيب ٦ : ١٢ / ٢٣.


وقال أبو حنيفة : لا يحرم(١) . وهو الوجه الثاني للشافعي(٢) .

وعلى قول التحريم عند الشافعي ففي ضمان صيدها وشجرها قولان :

الجديد - وبه قال مالك - لا يضمن ؛ لأنّه ليس بمحلّ النسك ، فأشبه مواضع الحمى ، وإنّما أثبتنا التحريم ؛ للنصوص.

والقديم - وبه قال أحمد - أنّه يضمن.

وعلى هذا فما جزاؤه؟ وجهان :

أحدهما : أنّ جزاءه كجزاء حرم مكة ؛ لاستوائهما في التحريم.

والثاني - وبه قال أحمد - أنّ جزاءه أخذ سلب الصائد وقاطع الشجر ؛ لما روي أنّ سعد بن أبي وقاص أخذ سَلَب رجل قتلَ صيداً في المدينة ، قال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : ( من رأى رجلاً يصطاد بالمدينة فليسلبه )(٣) .

وهذا ليس بشي‌ء على مذهبنا.

وعلى هذا ففيما يُسلب للشافعي وجهان :

الذي أورده أكثر أصحابه أنّه يسلب منه ما يسلبه القاتل من قتيل الكفّار.

والثاني : لا ينحى بهذا نحو سَلَب القتيل في الجهاد ، وإنّما المراد من السَّلَب هاهنا الثياب فحسب(٤) .

وعلى الوجهين ففي مصرفه وجهان مشهوران لهم :

أظهرهما : انّه للسالب كسَلَب القتيل ، وقد روي أنّهم كلّموا سعداً في هذا السَّلَب ، فقال : ما كنت لأردّ طعمةً أطعمنيها رسول الله صلّى الله عليه‌

____________________

(١) المغني ٣ : ٣٧٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٨٣ ، المجموع ٧ : ٤٩٧.

(٢) فتح العزيز ٧ : ٥١٣ ، المجموع ٧ : ٤٨٠.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٥١٤ ، المجموع ٧ : ٤٨٠ - ٤٨١ و ٤٩٧ ، وراجع : المنتقى - للباجي - ٢ : ٢٥٢ ، والمغني ٣ : ٣٧١ - ٣٧٢ ، والشرح الكبير ٣ : ٣٨٤ و ٣٨٥.

(٤) فتح العزيز ٧ : ٥١٤ ، المجموع ٧ : ٤٨١.


وآله.

والثاني : أنّه لمحاويج المدينة وفقرائها ، كما أنّ جزاء صيد مكة لفقرائها.

ولهم وجه ثالث : أنّه يوضع في بيت المال ، وسبيله سبيل السهم المـُـرصد للمصالح(١) .

مسألة ٢٩٦ : صيدُ وَجٍّ وشجرهُ مباح - ووجّ : وادٍ بالطائف ، وليس المراد منه نفس البلد - قاله علماؤنا ، وبه قال أحمد(٢) ؛ لأصالة الإِباحة ، وعدم شغل الذمّة من واجب أو عقوبة.

وقال الشافعي : إنّه محرَّم ؛ لما روي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال : ( صيدُ وَجّ وعضاهها محرَّم )(٣) (٤) والعضاة كلّ شجر عظيم له شوك.

ونمنع صحة الحديث ؛ فإنّ أحمد طعن فيه(٥) .

وللشافعي قول آخر : إنّه مكروه(٦) .

وعلى الأول هل يتعلّق به ضمان؟ بعض الشافعية مَنَع منه ؛ إذ لم يرد في الضمان نقل ، لكن يؤدّب ، وبعضهم قال : نعم ، وحكمه حكم حرم المدينة(٧) .

وأمّا النقيع(٨) فليس بحرم ، لكن حماه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لإِبل‌

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٥١٤ ، المجموع ٧ : ٤٨١ - ٤٨٢.

(٢) المغني ٣ : ٣٧٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٨٦.

(٣) مسند أحمد ١ : ١٦٥ ، سنن البيهقي ٥ : ٢٠٠ ، سنن أبي داود ٢ : ٢١٥ - ٢١٦ / ٢٠٣٢.

(٤) فتح العزيز ٧ : ٥١٩ - ٥٢٠ ، المجموع ٧ : ٤٨٣ ، المغني ٣ : ٣٧٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٨٦.

(٥) المغني ٣ : ٣٧٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٨٦.

(٦) فتح العزيز ٧ : ٥١٨.

(٧) فتح العزيز ٧ : ٥٢٠‌

(٨) النقيع : موضع قرب المدينة كان لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حماه لخيله ، وكان يجتمع فيه =


الصدقة ونَعَم الجزية(١) ، فلا تُملك أشجاره وحشيشه.

وفي وجوب الضمان على من أتلفها للشافعية وجهان :

أحدهما : لا يجب ، كما لا يجب في صيده شي‌ء.

وأظهرهما عندهم : الوجوب ؛ لأنّه ممنوع منه ، فكانت مضمونةً عليه ، بخلاف الصيد ؛ فإنّ الاصطياد فيه جائز ، وعلى هذا فضمانها القيمة ، ومصرفه مصرف نعم الصدقة والجزية(٢) .

مسألة ٢٩٧ : قد بيّنّا تحريم قطع شجر الحرم‌ إذا كان نابتا بنفسه دون ما يستنبت.

وللشافعي في الثاني قولان : أحدهما : التحريم. والثاني : الكراهة ، فيندرج في التحريم قطع الطرفاء والأراك والعضاة وغيرها من أشجار الفواكه ؛ لأنّها تنبت بنفسها(٣) . وكذا العوسج عند الشافعية(٤) .

لكن سوّغ أصحابنا قطع شجر الأراك وذي الشوك ، كالعوسج وشبهه.

ثم فرّع الشافعية على إباحة ما يستنبت : أنّه لو استنبت بعض ما ينبت بنفسه على خلاف الغالب ، أو نبت بعض ما يستنبت ، لهم خلاف في إلحاقه بأيّ الصنفين :

حكى الجويني عن الأصحاب : النظر إلى الجنس والأصل ، فأوجب الضمان في الصورة الاُولى دون الثانية.

وحكى غيره : أنّ النظر إلى القصد والحال ، فيعكس الحكم فيهما(٥) .

____________________

= الماء. معجم البلدان ٥ : ٣٠١ « نقيع » النهاية - لابن الأثير - ٥ : ١٠٨.

(١) فتح العزيز ٧ : ٥٢١ ، وسنن البيهقي ٥ : ٢٠١.

(٢) فتح العزيز ٧ : ٥٢١ - ٥٢٢.

(٣ و ٤ ) فتح العزيز ٧ : ٥١٢ ، المجموع ٧ : ٤٥٠ ، وفيهما نسب تحريم قطع العوسج إلى بعض الشافعية.

(٥) فتح العزيز ٧ : ٥١٢ ، المجموع ٧ : ٤٥٠.


مسألة ٢٩٨ : لا أعرف لأصحابنا نصّاً في كراهة نقل تراب الحرم وأحجاره إلى سائر البلاد.

وقال بعض الشافعية : يكره نقل تراب الحرم وأحجاره إلى سائر البقاع ، والبرام يجلب من الحِلّ(١) .

ولا يكره نقل ماء زمزم - وبه قال الشافعية(٢) - لأنّ عائشة كانت تنقله(٣) .

قال بعض الشافعية : لا يجوز قطع شي‌ء من ستر الكعبة ونقله وبيعه وشراؤه خلاف ما تفعله العامّة ، فإنّهم يشترونه من بني شيبة ، وربما وضعوه في أوراق المصاحف ، ومَنْ حَمَل منه شيئاً فعليه ردّه(٤) . وهو الوجه عندي ، وكذا البحث في المشاهد المقدسة.

مسألة ٢٩٩ : حرم المدينة يفارق حرم مكة في اُمور :

أ - أنّه لا كفّارة فيما يفعل فيه من صيد أو قطع شجر على ما اخترناه.

ب - أنّه يباح من شجر المدينة ما تدعو الحاجة إليه من الحشيش للمعلف.

روى العامّة عن عليعليه‌السلام ، قال : « المدينة حرام ما بين عائر إلى ثور ، لا يختلى خلاها ، ولا ينفّر صيدها ، ولا يصلح أن يقطع منها شجرة إلّا أن يعلف رجل بعيره »(٥) .

ولأنّ المدينة يقرب منها شجر كثير وزروع ، فلو منع من احتشاشها مع الحاجة ، لزم الضرر ، بخلاف مكة.

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٥١٣ ، المجموع ٧ : ٤٥٨.

(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٢٦ ، المجموع ٧ : ٤٥٧ ، فتح العزيز ٧ : ٥١٣.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٥١٣.

(٤) فتح العزيز ٧ : ٥١٣ ، المجموع ٧ : ٤٥٩ - ٤٦٠.

(٥) سنن أبي داود ٢ : ٢١٦ - ٢١٧ / ٢٠٣٤ و ٢٠٣٥ ، والمغني ٣ : ٣٧٣ ، والشرح الكبير ٣ : ٣٨٤ وفيها عن عليعليه‌السلام عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .


ج - لا يجب دخولها بإحرام ، بخلاف حرم مكة.

د - مَنْ أدخل صيداً إلى المدينة لا يجب عليه إرساله ؛ لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يقول : ( يا أبا عمير ما فعل النُّغَيْر(١) ؟ ) وهو طائر صغير ، رواه العامّة(٢) ، وظاهره إباحة إمساكه ، وإلّا لأنكر عليه.

البحث الخامس عشر : الاستمتاع بالنساء‌

مسألة ٣٠٠ : يحرم على المـُحْرم الاستمتاع بالنساء‌ بالوطء والتقبيل والنظر بشهوة والعقد له ولغيره والشهادة على العقد وإقامة الشهادة به وإن تحمّلها مُحِلاً ، وكذا الاستمناء.

وقد أجمع علماء الأمصار على تحريم الوطء.

قال الله تعالى :( فَلا رَفَثَ ) (٣) .

وروى العامّة عن ابن عمر(٤) : أنّ رجلاً سأله ، فقال : إنّي واقعت بامرأتي ونحن مُحرمان ، فقال : أفسدت حجّك انطلق أنت وأهلك فاقض ما يقضون وحلّ إذا أحلّوا ، فإذا كان العام المقبل فاحجج أنت وامرأتك واهديا هدياً ، فإن لم تجدا فصُوما ثلاثة أيّام في الحجّ وسبعة إذا رجعتم(٥) .

[ وفي حديث ابن عباس ](٦) : ويتفرّقان من حيث يُحرمان حتى يقضيا‌

____________________

(١) النُّغَيْر : تصغير النُّغَر ، وهو : طائر يشبه العصفور ، وجمعه نِغْران. لسان العرب ٥ : ٢٢٣ « نغر ».

(٢) صحيح البخاري ٨ : ٣٧ و ٥٥ ، صحيح مسلم ٣ : ١٦٩٢ - ١٦٩٣ / ٢١٥٠ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٢٢٦ / ٣٧٢٠ ، مسند أحمد ٣ : ١١٥ ، ١١٩ ، ١٧١ ، ١٨٨ ، المغني ٣ : ٣٧٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٨٤.

(٣) البقرة : ١٩٧.

(٤) في النسخ الخطية والحجرية : ابن عباس. وما أثبتناه من المصدر.

(٥) المغني ٣ : ٣٢٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٢١.

(٦) أضفناها من المصدر.


حجّهما(١) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « والرفث الجماع »(٢) .

إذا عرفت هذا ، فقوله تعالى( فَلا رَفَثَ ) (٣) نفي يريد به النهي ، أي : لا ترفثوا ، كقوله تعالى :( لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها ) (٤) .

مسألة ٣٠١ : ولا فرق في التحريم بين الوطء في القُبُل أو الدُّبُر ، ولا بين دُبُر المرأة أو الغلام.

وكذا يحرم التقبيل للنساء وملاعبتهنّ بشهوة ، والنظر إليهنّ بشهوة ، والملامسة بشهوة من غير جماع ؛ لما روى العامّة : أنّ عمر بن عبد الله(٥) قبّل عائشة بنت طلحة مُحْرماً ، فسأل ، فاُجمع له على أن يهريق دماً(٦) . والظاهر أنّه لم يكن أنزل.

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « يا أبا سيّار إنّ حال المـُحْرم ضيّقة ، إن قبَّل امرأته على غير شهوة وهو مُحْرم ، فعليه دم شاة ، ومَنْ قبَّل امرأته على شهوة فأمنى ، فعليه جزور ، ويستغفر الله ، ومَنْ مسّ امرأته وهو مُحرم على شهوة فعليه دم شاة ، ومَنْ نظر إلى امرأته نظر شهوة فأمنى ، فعليه جزور ، وإن مسّ امرأته أو لازمها من غير شهوة ، فلا شي‌ء عليه »(٧) .

مسألة ٣٠٢ : يحرم على المـُحْرم أن يتزوّج أو يُزوّج ، فيكون وكيلاً لغيره‌

____________________

(١) المغني ٣ : ٣٢٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٢١.

(٢) الكافي ٤ : ٣٣٨ / ٣ ، التهذيب ٥ : ٢٩٦ - ٢٩٧ / ١٠٠٣.

(٣) البقرة : ١٩٧.

(٤) البقرة : ٢٣٣.

(٥) في النسخ الخطية والحجرية : عبيد الله. وما أثبتناه من المصدر.

(٦) المغني ٣ : ٣٣٤.

(٧) الكافي ٤ : ٣٧٦ / ٤ ، التهذيب ٥ : ٣٢٦ / ١١٢١ ، الاستبصار ٢ : ١٩١ / ٦٤١.


فيه أو وليّاً ، سواء كان رجلاً أو امرأةً ، ذهب إليه علماؤنا أجمع - وبه قال عليعليه‌السلام ، وعمر وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت ، ومن التابعين : سعيد ابن المسيّب وسليمان بن يسار والزهري ، وبه قال في الفقهاء : مالك والشافعي والأوزاعي وأحمد بن حنبل(١) - لما رواه العامّة أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال : ( لا يَنْكح المـُحْرم ولا يُنْكح ولا يخطب )(٢) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « ليس للمُحْرم أن يتزوّج ولا يُزوّج ، فإن تزوّج أو زوّج فتزويجه باطل »(٣) .

وروى العامّة عن ابن عباس جواز ذلك كلّه ، وبه قال أبو حنيفة والحكم ؛ لما رواه ابن عباس : أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله تزوّج ميمونة وهو مُحْرم(٤) .

ولأنّه عقد يملك به الاستمتاع ، فلا يحرّمه الإِحرام ، كشراء الإِماء(٥) .

والرواية ممنوعة ؛ فإنّ أبا رافع قال : تزوّج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ميمونة وهو حلال ، وبنى بها وهو حلال ، وكُنْتُ أنا الرسول بينهما(٦) .

وروى يزيد [ بن ](٧) الأصم عن ميمونة : أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله

____________________

(١) المغني والشرح الكبير ٣ : ٣١٨ ، المجموع ٧ : ٢٨٧ - ٢٨٨ ، المنتقى - للباجي - ٢ : ٢٣٨ ، بداية المجتهد ١ : ٣٣١ ، سنن الترمذي ٣ : ٢٠٠ ذيل الحديث ٨٤٠.

(٢) صحيح مسلم ٢ : ١٠٣٠ / ١٤٠٩ و ١٠٣١ / ٤٣ ، سنن أبي داود ٢ : ١٦٩ / ١٨٤١ و ١٨٤٢ ، سنن البيهقي ٥ : ٦٩ ، الموطّأ ١ : ٣٤٨ / ٧٠ ، مسند أحمد ١ : ٦٤ ، المغني ٣ : ٣١٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٣١٨.

(٣) التهذيب ٥ : ٣٢٨ / ١١٢٨ ، الاستبصار ٢ : ١٩٣ / ٦٤٧.

(٤) صحيح مسلم ٢ : ١٠٣٢ / ٤٧ ، سنن أبي داود ٢ : ١٦٩ / ١٨٤٤ ، سنن النسائي ٥ : ١٩١ ، سنن الترمذي ٣ : ٢٠١ - ٢٠٢ / ٨٤٢ - ٨٤٤.

(٥) المغني والشرح الكبير ٣ : ٣١٨ ، المجموع ٧ : ٢٨٨ ، بداية المجتهد ١ : ٣٣١ ، المنتقى - للباجي - ٢ : ٢٣٨.

(٦) سنن الترمذي ٣ : ٢٠٠ / ٨٤١ ، سنن البيهقي ٥ : ٦٦ ، المغني ٣ : ٣١٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٣١٨.

(٧) أضفناها من المصدر.


تزوّجها حلالاً ، وبنى بها حلالاً ، وماتت بـ « سرف » في الظلّة التي بنى فيها(١) ، وميمونة صاحبة القصة ، وأبو رافع كان السفير.

ولأنّ ابن عباس كان صغيراً لا يعرف حقائق الأشياء ، ولا يقف عليها ، فربما توهّم الإِحرام وليس موجوداً ، بخلاف أبي رافع.

ولأنّ سعيد بن المسيّب قال : وَهِمَ ابن عباس ، ما تزوّجها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إلّا حلالاً(٢) .

وأيضاً يحتمل أنّه أطلق المـُحْرم على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بمجرّد أنّه تزوّجها في الشهر الحرام في البلد الحرام ، كما قيل :

قتلوا ابن عفّان الخليفةَ مُحرماً

..................(١)

أو أنّه تزوّجها وهو حلال ثم ظهر أمر التزويج وهو مُحْرم.

وشراء الأمة قد يكون للخدمة وهو الغالب ، بخلاف عقد النكاح الذي لا يكون إلّا مقدّمةً للاستمتاع ، فلمـّا كان مقدّمةً للمُحَرَّم كان حراماً.

ولأنّ النكاح يحرم بالعدّة واختلاف الدين والردّة وكون المنكوحة اُختاً من الرضاع ، وتُعتبر له شرائط غير ثابتة في شراء الإِماء ، فافترقا.

إذا عرفت هذا ، فلو أفسد إحرامه ، لم يجز له أن يتزوّج فيه أيضاً ؛ لأنّ حكم الفاسد فيما يمنع حكم الصحيح.

مسألة ٣٠٣ : لو تزوّج المـُحْرم أو زوّج غيره وإن كان مُحلاً أو زوّجت المـُحْرمة ، فالنكاح باطل ، ولا فرق بين أن يكون المزوّجان مُحْرمين أو‌

____________________

(١) سنن الترمذي ٣ : ٣٠٣ / ٨٤٥ ، المغني ٣ : ٣١٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٣١٨ ، وانظر : سنن أبي داود ٢ : ١٦٩ / ١٨٤٣‌

(٢) سنن أبي داود ٢ : ١٦٩ / ١٨٤٥ ، المغني والشرح الكبير ٣ : ٣١٩.

(٣) صدر بيت للراعي ، وعجزه :

..............

ودعا فلم أر مثله مخذولاً

ديوان الراعي النميري : ٢٣١ ، والصحاح - للجوهري - ٥ : ١٨٩٧ ، والمغني والشرح الكبير ٣ : ٣١٩.


أحدهما ، عند علمائنا ؛ لأنّه منهي عنه ، وكان باطلاً ، كنكاح المرضعة.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « إنّ رجلاً من الأنصار تزوّج وهو مُحْرم ، فأبطل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله نكاحه »(١) .

وقال أحمد : إن زوّج المـُحْرم لم أفسخ النكاح(٢) .

وهو يدلّ على أنّه إذا كان الوليّ بمفرده أو الوكيل مُحْرماً ، لم يفسد النكاح ، هذا عند بعض أصحابه ، والمشهور عندهم : الأول(٣) .

إذا عرفت هذا ، فلو عقد المـُحْرم لغيره ، فإنّ العقد يكون باطلاً ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « المـُحْرم لا يَنْكح ولا يُنْكح ولا يشهد ، فإن نكح فنكاحه باطل »(٤) .

وأمّا الخطبة فإنّه تُكره الخطبة للمُحرم وخطبة المـُحْرمة ، ويكره للمُحْرم أن يخطب للمحلّين ؛ لأنّه تسبّب إلى الحرام ، فكان مكروهاً ، كالصرف ، بخلاف الخطبة في العدّة ، فإنّها مُحرَّمة ؛ لأنّها تكون داعيةً للمرأة إلى أن تُخبر بانقضاء العدّة قبل انقضائها رغبةً في النكاح ، فكان حراماً.

ولا فرق بين الإِمام وغيره في تحريم الوكالة والولاية في النكاح المـُحرَّم.

وقال الشافعي في أحد الوجهين : يجوز للإِمام أن يعقد للمُحْرم في حال إحرامه ؛ لأنّه يجوز له التزويج للمُحْرمين بولايته العامّة ، لأنّه موضع الحاجة(٥) .

ونمنع من الحاجة الزائدة على عقد الولي الولايةَ الخاصّة.

____________________

(١) الكافي ٤ : ٣٧٢ / ٢ ، الفقيه ٢ : ٢٣١ / ١٠٩٧ ، التهذيب ٥ : ٣٢٨ - ٣٢٩ / ١١٣٠ ، الاستبصار ٢ : ١٩٣ / ٦٤٩.

(٢ و ٣) المغني والشرح الكبير ٣ : ٣٢٠.

(٤) الكافي ٤ : ٣٧٢ / ١ وفيه بزيادة « ولا يخطب » التهذيب ٥ : ٣٣٠ / ١١٣٦.

(٥) الحاوي الكبير ٤ : ١٢٦ ، حلية العلماء ٣ : ٢٩٣ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢١٧ ، والمجموع ٧ : ٢٨٤.


مسألة ٣٠٤ : لا يجوز للمُحْرم أن يشهد بالعقد بين المـُحلّين‌ - ولو شهد ، انعقد النكاح عندنا ؛ لأنّ النكاح لا يعتبر فيه الشهادة - لما رواه العامّة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ( لا يَنْكح المـُحْرم ولا يُنْكح ولا يشهد )(١) .

ولقول الصادقعليه‌السلام وقد سُئل عن المـُحْرم يشهد على نكاح المـُحلّين ، قال : « لا يشهد»(٢) .

وقال الشافعي : يجوز له أن يشهد ؛ لأنّه لا مدخل للشاهد في العقد ، فأشبه الخطيب(٣) .

والفرق : أنّ الخطبة لإِيقاع العقد في حال الإِحلال وصْلةٌ إلى الحلال ، أمّا الشهادة على عقد المـُحْرم فإنّه معونة على فعل الحرام ، فكان حراماً.

مسألة ٣٠٥ : لو عقد المـُحْرم حال الإِحرام ، فإن كان عالماً بتحريم ذلك عليه ، فُرّق بينهما ولم تحلّ له أبداً ، وإن لم يكن عالماً ، فُرّق بينهما ، فإذا أحلّا أو أحلّ الزوج إن لم تكن المرأة مُحْرمةً ، جاز له العقد عليها ، ذهب إليه علماؤنا - خلافاً للعامّة - لأنّ الاحتياط يقتضي التحريم المؤبّد.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « إنّ المـُحْرم إذا تزوّج وهو مُحْرمٌ فُرّق بينهما ولا يتعاودان أبداً »(٤) .

وأمّا جواز المراجعة مع الجهل وعدم الدخول : فلقول الباقرعليه‌السلام : « قضى أمير المؤمنين عليٌّعليه‌السلام في رجل ملك بُضْع امرأة وهو مُحْرمٌ قبل أن يحلّ ، فقضى أن يخلّي سبيلها ، ولم يجعل نكاحه شيئاً حتى يحلّ ، فإذا أحلّ خطبها ، إن شاء أهلها زوّجوه ، وإن شاءوا لم يزوّجوه »(٥) .

____________________

(١) الحاوي الكبير ٤ : ١٢٦ ، المجموع ٧ : ٢٨٤.

(٢) الفقيه ٢ : ٢٣٠ / ١٠٩٥ ، التهذيب ٥ : ٣١٥ / ١٠٨٧ ، الاستبصار ٢ : ١٨٨ / ٦٣٠.

(٣) حلية العلماء ٣ : ٢٩٤ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢١٧ ، المجموع ٧ : ٢٨٤.

(٤) الكافي ٤ : ٣٧٢ / ٣ ، التهذيب ٥ : ٣٢٩ / ١١٣٣.

(٥) التهذيب ٥ : ٣٣٠ / ١١٣٤.


فروع :

أ - لو وكّل مُحلٌّ مُحلاً في التزويج ، فعقد له الوكيل بعد إحرام الموكّل ، لم يصح النكاح ، سواء حضره الموكّل أو لا ، وسواء علم الوكيل أو لا ؛ لأنّ الوكيل نائب عن الموكّل ، ففعله مسند إليه في الحقيقة وهو مُحْرم.

ب - لو وكّل مُحْرمٌ مُحلاً في التزويج ، فعقد الوكيل والموكّل مُحْرمٌ ، بطل العقد ، وإن كان بعد إحلاله ، صحّ ، ولا يبطل ببطلان التوكيل ؛ لأنّ الإِذن في النكاح وقع مطلقاً ، لكن ما تناول حالة الإِحرام يكون باطلاً ، وما تناول حالة الإِحلال يكون صحيحاً ، والوكالة إذا اشتملت على شرط فاسد ، بطل ذلك ، وبقي مجرّد الإِذن يوجب صحة التصرف ، وكذا فساده في بعضه لا يمنع نفوذ التصرّف فيما يتناوله الإِذن على وجه الصحة ، بخلاف الصبي إذا وكّل في التزويج ، فأوقعه الوكيل بعد بلوغه ؛ لأنّ الوكالة هنا لا اعتبار بها في تلك الحال ولا في ثانيه ، ولم يوجد منه الإذن في ثاني الحال ولا في أوّله على وجه الصحة ، فافترقا.

ج - لو شهد وهو مُحْرم ، صحَّ العقد وفَعَل حراماً. ولو أقام الشهادة بذلك لم يثبت بشهادته النكاح إذا كان تحمّلها وهو مُحْرم ، قاله الشيخ(١) رحمه‌الله

والأقوى ثبوته إذا أقامها حالة الإِحلال.

ويشكل : باستلزامه إباحةَ البُضْع المـُحرَّم ، كما لو عرف العقد ، فتزوّجت بغيره.

وكما تحرم عليه الشهادة بالعقد حال إحرامه تحرم عليه إقامتها في تلك الحال ولو تحمّلها مُحلاً.

ولو قيل : إنّ التحريم مخصوص بالعقد الذي أوقعه المـُحْرم ، كان وجهاً.

____________________

(١) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣١٧.


مسألة ٣٠٦ : إذا اتّفق الزوجان على وقوع العقد حالة الإِحرام ، بطل ، وسقط المهر إن كانا عالمين أو جاهلين ولم يدخل بها ؛ لفساد أصل العقد.

ولو دخل وهي جاهلة ، ثبت المهر بما استحلّ من فرجها ، وفرّق بينهما.

ولو اختلفا فادّعى أحدهما وقوعه حالة الإِحلال وادّعى الآخر وقوعه حالة الإِحرام ، فإن كان هناك بيّنة ، حُكم بها.

ولو انتفت البيّنة ، فإن كانت الزوجةُ مُدّعيةً لوقوعه في الإِحرام وأنكر الرجل ، فالقول قوله مع اليمين ؛ عملاً بأصالة الصحّة ، فإذا حلف ، ثبت النكاح ، وليس لها المطالبة بالمهر مع عدم الدخول ، ولو كانت قَبَضَتْه ، لم يكن للزوج استعادته.

ولو كان الزوج هو المدّعي لوقوعه حالة الإِحرام ، فالقول قول المرأة مع اليمين ، ويحُكم بفساد العقد في حقّ الزوج ؛ لأنّه ادّعى فساده ، ويُحكم عليه بأحكام النكاح الصحيح.

ثم إن كان قد دخل بها ، وجب عليه المهر كملاً ؛ للرواية(١) ، وإن لم يكن دخل بها ، قال الشيخ : يجب نصف المهر(٢) .

والوجه : الجميع.

ولو أشكل الأمر فلم يُعلم هل وقع العقد في الإِحرام أو الإِحلال ، صحَ العقد - وبه قال الشافعي(٣) - لأصالة الصحة.

قال الشيخرحمه‌الله : والأحوط تجديده(٤) ؛ لأنّ الأول إن وقع في الإِحلال ، لم يضرّ الثاني ، وإلّا كان مبيحاً.

وإذا وطأ العاقد في الإِحرام ، لزمه المهر : إمّا المسمّى إن كان قد‌

____________________

(١) الفقيه ٢ : ٢٣١ / ١٠٩٩.

(٢) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣١٨.

(٣) المجموع ٧ : ٢٨٧.

(٤) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣١٧.


سمّاه ، وإلّا مهر المثل ، ويلحق به الولد ، ويفسد حجّه إن كان قبل الوقوف بالموقفين ، ويلزمها العدّة ، وإن لم يكن دخل ، فلا يلزمه شي‌ء من ذلك.

ولو عقد المـُحْرم لغيره ، كان العقد فاسداً ، ثم يُنظر فإن كان المعقود له مُحْرماً ودخل بها ، لزم العاقد بدنة.

مسألة ٣٠٧ : لا بأس للمُحْرم أن يراجع امرأته عند علمائنا‌ - وبه قال الشافعي ومالك وأحمد في إحدى الروايتين(١) - لقوله تعالى :( وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ ) (٢) .

وقوله تعالى :( فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ ) (٣) والإِمساك هو المراجعة ولم يُفصّل.

ولأنّه ليس باستئناف عقد ، بل إزالة مانع عن الوطء ، فأشبه التكفير عن الظهار.

وقال أحمد في الرواية الاُخرى : لا يجوز ؛ لأنّه استباحة فرج مقصود بعقد ، فلا يجوز في الإِحرام ، كعقد النكاح(٤) .

والفرق : أنّ عقد النكاح يملك به الاستمتاع ، بخلاف الرجعة ، فإنّ الاستمتاع مملوك له قبلها؛ إذ لا تخرج بالطلاق الرجعي عن حكم الزوجة ، فإنّهما يتوارثان.

على أن المشهور من مذهب أحمد : أنّ الرجعية مباحة(٥) ، فلا يصح‌

____________________

(١) مختصر المزني : ٦٦ ، حلية العلماء ٢٣ : ٢٩٤ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢١٧ ، المجموع ٧ : ٢٨٥ و ٢٩٠ ، المنتقى - للباجي - ٢ : ٢٣٩ ، المغني ٣ : ٣٤١ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٢٠.

(٢) البقرة : ٢٢٨.

(٣) البقرة : ٢٢٩.

(٤) المغني ٣ : ٣٤١ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٢٠ ، المجموع ٧ : ٢٩٠ ، المنتقى - للباجي - ٢ : ٢٣٩.

(٥) المغني ٣ : ٣٤١ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٢٠.


قوله : الرجعة استباحة.

مسألة ٣٠٨ : يجوز شراء الإِماء في حالة الإِحرام ، لكن لا يقربهنّ إجماعاً ؛ لأنّ الشراء لفائدة الاستخدام غالباً ، فكان سائغاً ، وسواء قصد به التسرّي أو لا ، ولا نعلم فيه خلافاً ؛ لأنّه ليس بموضوع للاستباحة في البُضْع ، فأشبه شراء العبيد ، ولذلك اُبيح شراء مَنْ لا يحلّ وطؤها ، ولم يحرم الشراء في حال يحرم فيه الوطء.

ويؤيّده : ما رواه سعد بن سعد عن الرضاعليه‌السلام - في الصحيح - قال : سألته عن المـُحْرم يشتري الجواري ويبيع ، قال : « نعم »(١) .

إذا ثبت هذا ، فلو اشترى حالة الإِحرام أمةً للتسرّي بها حالة الإِحرام ، احتمل فساد العقد ؛ لأنّ الغرض الذي وقع لأجله مُحرَّم ، ويحتمل الصحة ؛ لأنّ الغرض عارض ، فلا يؤثّر في الصحة الأصلية.

إذا عرفت هذا ، فإنّه يجوز له مفارقة النساء حالة الإِحرام بكلّ حال من طلاق أو خُلع أو ظهار أو لعان أو غير ذلك من أسباب الفرقة إجماعاً.

ورواه أبو بصير - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « المـُحْرم يطلّق ولا يتزوّج »(٢) .

مسألة ٣٠٩ : كلّ موضع حكمنا فيه ببطلان العقد من المـُحْرم يُفرّق بينهما بغير طلاق‌ - وبه قال الشافعي(٣) - لأنّ الطلاق إنّما يقع في صلب نكاح صحيح ، وهذا النكاح باطل.

وقال مالك : يُفرّق بينهما بطلقة. وكذا كلّ نكاح وقع فاسداً عنده يُفرّق بينهما بطلقة(٤) .

____________________

(١) الكافي ٤ : ٣٧٣ / ٨ ، الفقيه ٢ : ٣٠٨ / ١٥٢٩ ، التهذيب ٥ : ٣٣١ / ١١٣٩.

(٢) الكافي ٤ : ٣٧٢ / ٦ ، الفقيه ٢ : ٢٣١ / ١١٠٠.

(٣) حلية العلماء ٣ : ٢٩٤ ، المجموع ٧ : ٢٩٠.

(٤) الكافي في فقه أهل المدينة : ٢٣٩ ، بداية المجتهد ٢ : ٧٠ - ٧١ ، التفريع ٢ : ٧٧ ، حلية =


مسألة ٣١٠ : لو نظر إلى امرأته بشهوة ، فَعَل حراماً ، ولو أمنى حينئذٍ ، كان عليه جزور إن كان موسراً.

ولو نظر بغير شهوة ، لم يكن عليه شي‌ء وإن أمنى ؛ لما رواه أبو بصير عن الصادقعليه‌السلام : أنّه سأله عن رجل مُحْرم نظر إلى ساق امرأته(١) فأمنى ، فقال : « إن كان موسراً فعليه بدنة ، وإن كان وسطاً فعليه بقرة ، وإن كان فقيراً فعليه شاة »(٢) .

ولو نظر إلى غير أهله فأمنى ، كان عليه بدنة ، فإن لم يجد فبقرة ، فإن لم يجد فشاة ؛ لما رواه زرارة - في الصحيح - عن الباقرعليه‌السلام ، قال : سألته عن رجل مُحْرم نظر إلى غير أهله فأنزل ، قال : « عليه جزور أو بقرة ، فإن لم يجد فشاة »(٣) .

ولو حملها بشهوة فأمنى أو لم يُمنْ ، وجب عليه دم شاة ، ولو لم يكن بشهوة ، لم يكن عليه شي‌ء ولو أمنى ؛ لما رواه الحلبي عن الصادقعليه‌السلام ، قال : قلت له : المـُحْرم يضع يده على امرأته ، قال : « لا بأس » قلت : فإنّه أراد أن ينزلها في المحمل ويضمّها إليه ، قال : « لا بأس » قلت : فإنّه أراد أن ينزلها في المحمل فلمـّا ضمّها إليه أدركته الشهوة ، قال : « ليس عليه شي‌ء إلّا أن يكون طلب ذلك »(٤) .

وسأل محمّدُ بن مسلم الصادقَعليه‌السلام : عن رجل مُحْرم حمل امرأته وهو مُحْرم فأمنى أو أمذى ، قال : « إن كان حملها ومسّها بشي‌ء من الشهوة وأمنى أو لم يُمْن أمذى أو لم يُمْذ فعليه دم يهريقه ، وإن حملها أو مسّها‌

____________________

= العلماء ٣ : ٢٩٤ ، المجموع ٧ : ٢٩٠.

(١) في المصدر : امرأة.

(٢) الكافي ٤ : ٣٧٧ / ٧ ، التهذيب ٥ : ٣٢٥ / ١١١٥.

(٣) التهذيب ٥ : ٣٢٥ / ١١١٦.

(٤) التهذيب ٥ : ٣٢٦ / ١١١٨.


بغير شهوة فأمنى أو أمذى فليس عليه شي‌ء »(١) .

ويجوز للمُحْرم أن يُقبّل اُمّه ؛ لأنّه ليس محلّ الشهوة ، ولا داعياً إلى الجماع ، فكان سائغاَ ؛ لأنّ الحسين بن حمّاد سأل الصادقَعليه‌السلام : عن المـُحْرم يُقبِّل اُمَّه ، قال : « لا بأس به هذه قُبْلة رحمة ، إنّما تكره قُبْلة الشهوة »(٢) .

إذا ثبت هذا ، فلا فرق بين الاُمّ والاُخت وغيرهما من المـُحرَّمات المؤبَّدة.

البحث السادس عشر : في الفسوق والجدال‌

مسألة ٣١١ : يحرم على المـُحْرم الفسوقُ ، وهو : الكذب ، وهو حرام على غيره إلّا أنّه يتأكّد في حقّه.

قال الله تعالى :( فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ ) (٣) .

قال الصادقعليه‌السلام : « والفسوق : الكذب والسباب »(٤) .

وروى العامّة قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( سباب المسلم فسوق )(٥) فجعلوا الفسوق هو السباب ؛ لهذا الخبر.

وهو غير دالّ ، وسبب الغلط إيهام العكس.

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٣٢٦ / ١١١٩.

(٢) الكافي ٤ : ٣٧٧ / ٩ ، التهذيب ٥ : ٣٢٨ / ١١٢٧.

(٣) البقرة : ١٩٧.

(٤) الكافي ٤ : ٣٣٨ / ٣ ، التهذيب ٥ : ٢٩٦ - ٢٩٧ / ١٠٠٣.

(٥) صحيح البخاري ١ : ١٩ و ٨ : ١٨ ، و ٩ : ٦٣ ، صحيح مسلم ١ : ٨١ / ١١٦ ، سنن ابن ماجة ١ : ٢٧ / ٦٩ ، و ٢ : ١٢٩٩ / ٣٩٣٩ و ٣٩٤٠ و ١٣٠٠ / ٣٩٤١ ، سنن الترمذي ٤ : ٣٥٣ / ١٩٨٣ ، و ٥ : ٢١ / ٢٦٣٥ ، سنن النسائي ٧ : ١٢٢ ، المعجم الكبير - للطبراني - ١ : ١٤٥ / ٣٢٥ ، و ١٠ : ١٢٩ / ١٠١٠٥ ، و ١٩٤ / ١٠٣٠٨ ، و ١٩٧ / ١٠٣١٦ ، المغني ٣ : ٢٧١.


وقال ابن عباس : الفسوق : المعاصي. وهو قول ابن عمر وعطاء وإبراهيم(١) .

وقال الكاظمعليه‌السلام : « والفسوق : الكذب »(٢) .

مسألة ٣١٢ : ويحرم على المـُحْرم الجدال ، وفسّره الصادقعليه‌السلام بقول الرجل لغيره : لا والله وبلى والله(٣) . وكذا قال الكاظم(٤) عليه‌السلام .

وقال ابن عباس : الجدال هو أن تماري صاحبك حتى تغضبه(٥) . وهو قريب ممّا فسّره الإِمامانعليهما‌السلام .

وقال مجاهد :( وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ ) (٦) أي : لا مجادلة ، ولا شكّ في الحجّ أنّه في ذي الحجّة(٧) . وما قلناه أولى.

إذا عرفت هذا ، فإنّه يستحب للمُحْرم قلّة الكلام إلّا بخير.

وروى العامة عن الحسين بن عليعليهما‌السلام ، قال : « قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه »(٨) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « إذا أحرمت فعليك بتقوى الله وذكر الله وقلّة الكلام إلّا بخير ، فإنّ تمام الحجّ والعمرة أن يحفظ‌

____________________

(١) تفسير الماوردي ١ : ٢٥٩ ، تفسير الطبري ٢ : ١٥٦ ، تفسير القرطبي ٢ : ٤٠٧ ، المغني ٣ : ٢٧١ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٣٥ - ٣٣٦.

(٢) التهذيب ٥ : ٢٩٧ / ١٠٠٥.

(٣) الكافي ٤ : ٣٣٨ / ٣ ، التهذيب ٥ : ٢٩٧ / ١٠٠٣.

(٤) التهذيب ٥ : ٢٩٧ / ١٠٠٥.

(٥) تفسير الطبري ٢ : ١٥٨ ، المغني ٣ : ٢٧١ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٣٦.

(٦) البقرة : ١٩٧.

(٧) تفسير القرطبي ٢ : ٤٠٧ ، تفسير الطبري ٢ : ١٦٠ ، المغني ٣ : ٢٧١ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٣٦.

(٨) المعجم الكبير - للطبراني - ٣ : ١٣٨ / ٢٨٨٦ ، المعجم الصغير - للطبراني - ٢ : ١١١ ، مسند أحمد ١ : ٢٠١ ، المغني ٣ : ٢٧١ - ٢٧٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٣٦.


المرء لسانه إلّا من خير كما قال تعالى ، فإنّ الله يقول :( فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ ) (١) فالرفث : الجماع ، والفسوق : الكذب ، والجدال : قول الرجل : لا والله وبلى والله »(٢) .

ولأنّ ترك الكلام فيما لا ينفع ممّا يقتضي صيانة النفس عن اللغو والوقوع في الكذب وما لا يحلّ ، فإنّ مَنْ كثر كلامه كثر سقطه وقد قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت )(٣) فيستحب ترك الكلام فيما لا يتعلّق بالذكر والبحث في العلوم مطلقاً ، إلّا أنّه في حال الإِحرام أشدّ استحباباً ؛ لأنّه حال عبادة واستغفار واستشعار بطاعة الله تعالى ، فيشبه الاعتكاف.

ولا يعارض ذلك ما رواه العامّة عن عمر أنّه كان إذا ركب ناقته وهو محْرمٌ يقول :

كأنّ راكبها غصن بمروحة

إذا تدلّت به أو شارب ثمل(٤)

وفِعْلُ عمر لا حجّة فيه ، خصوصاً مع معارضة فعل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

مسألة ٣١٣ : لو ارتدّ في أثناء الحجّ والعمرة ، لم تُفسدهما ، ولا يعتدّ بما فَعَله في زمان الردّة - وهو قول بعض الشافعية(٥) - لأصالة الصحّة ، وبراءة الذمّة ، والخروج عن العهدة بامتثال الأمر.

وقال بعض الشافعية : إنّها تُفسدهما ، سواء طال زمانها أو قصر(٦) .

____________________

(١) البقرة : ١٩٧.

(٢) الكافي ٤ : ٣٣٧ - ٣٣٨ / ٣ ، التهذيب ٥ : ٢٩٦ / ١٠٠٣.

(٣) صحيح مسلم ١ : ٦٨ / ٤٧ ، صحيح البخاري ٨ : ٣٩ ، سنن الترمذي ٤ : ٦٥٩ / ٢٥٠٠ ، الموطّأ ٢ : ٩٢٩ / ٢٢ ، المغني ٣ : ٢٧١ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٣٦.

(٤) سنن البيهقي ٥ : ٦٨ ، المغني ٣ : ٢٧٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٣٦.

(٥ و ٦ ) فتح العزيز ٧ : ٤٧٩ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٤٢ ، المجموع ٧ : ٤٠٠.


وعلى القول بالفساد لهُمْ وجهان :

أظهرهما : أنّه يبطل النسك بالكلية حتى لا يمضي فيه لا في الردّة ولا إذا عاد إلى الإِسلام ؛ لأنّ الردّة تُحْبط العبادة.

[ والثاني : أنّ سبيل الفساد هاهنا كسبيله عند الجماع ، فيمضي فيه لو عاد إلى الإِسلام ](١) لكن لا تجب الكفّارة ، كما أنّ إفساد الصوم بالردّة لا يتعلّق به الكفّارة.

وعلى القول بالصحة لهُمْ ثلاثة أوجه :

أحدها : أنّه ينعقد على الصحة ، فإن رجع في الحال فذاك ، وإلّا فسد نسكه ، وعليه الفدية والقضاء والمضيّ في الفاسد.

والثاني : أنّه ينعقد فاسداً ، وعليه القضاء والمضيّ فيه ، سواء مكث أو رجع في الحال ، وإن مكث ، وجبت الفدية ، وهل هي بدنة أو شاة؟ خلاف.

والثالث : لا ينعقد أصلاً ، كما لا تنعقد الصلاة مع الحدث(٢) .

القسم الثاني : في مكروهات الإِحرام‌

أ : يكره للمُحْرم النوم على الفراش المصبوغة ، وليس بحرام ؛ لما رواه أبو بصير - في الصحيح - عن الباقرعليه‌السلام ، قال : « يكره للمُحْرم أن ينام على الفراش الأصفر أو المرفقة الصفراء »(٣) .

ب : يكره الإِحرام في الثوب المصبوغ بالسواد أو المعصفر ، ويتأكّد في السواد والنوم عليه.

____________________

(١) أضفناها من المصدر.

(٢) فتح العزيز ٧ : ٤٧٩.

(٣) التهذيب ٥ : ٦٨ / ٢٢١.


ج : يكره الإِحرام في الثياب الوسخة وإن كانت طاهرةً.

د : لُبْس الثياب المعلمة.

ه - : استعمال الحِنّاء للزينة.

و: النقاب للمرأة على إشكال.

ز : دخول الحمّام وتدليك الجسد فيه.

ح : تلبية المنادي ، بل يقول : يا سعد ؛ لأنّه في مقام التلبية لله تعالى ، فكره لغيره.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « ليس للمُحْرم أن يلبّي مَن دعاه حتى ينقضي إحرامه » قلت : كيف يقول؟ قال : « يقول : يا سعد »(١) .

ط : استعمال الرياحين.

مسألة ٣١٤ : يجوز للمُحْرم أن يلبس الهميان ، وهو قول جمهور العلماء(٢) .

قال ابن عبد البرّ : أجمع فقهاء الأمصار متقدّموهم ومتأخّروهم على جواز ذلك(٣) .

وكرهه ابن عمر ومولاه نافع(٤) .

لما رواه العامّة عن ابن عباس قال : رخص رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله للمُحْرم في الهميان أن يربطه إذا كانت فيه نفقته(٥) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « كان أبيعليه‌السلام يشدّ على بطنه نفقته يستوثق ، فإنّها تمام حجّه »(٦) .

____________________

(١) الكافي ٤ : ٣٦٦ / ٤ ، التهذيب ٥ : ٣٨٦ / ١٣٤٨.

(٢) المغني ٣ : ٢٨٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٨٥.

(٣) المغني ٣ : ٢٨٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٨٥ - ٢٨٦.

(٤ و ٥) المغني ٣ : ٢٨٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٨٦.

(٦) الفقيه ٢ : ٢٢١ / ١٠٢٨ ، وانظر : الكافي ٤ : ٣٤٣ - ٣٤٤ ذيل الحديث ٢.


ولشدّة الحاجة إلى ذلك.

وقول ابن عمر لا حجّة له فيه.

مسألة ٣١٥ : يجوز للمحرم أن يلبس السلاح عند الحاجة إجماعا ، إلاّ من الحسن البصري ، فإنّه كرهه(١) .

والحقُّ الأول ؛ لما رواه العامّة : أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله صالح أهل الحديبية على أن لا يدخلوها إلّا بجُلْبان السلاح(٢) ، يعني القراب بما فيه.

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « إنّ المـُحْرم(٣) إذا خاف العدوّ فلبس السلاح ، فلا كفّارة عليه »(٤) .

وللحاجة إليه.

وقد دلّ هذا الحديث من حيث المفهوم على التحريم مع عدم الخوف ، وهو أحد قولي علمائنا(٥) .

مسألة ٣١٦ : يجوز أن يؤدّب الرجل عبده عند الحاجة إليه حالة إحرامه ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « لا بأس أن يؤدّب المـُحْرم عبده ما بينه وبين عشرة أسواط »(٦) .

وإذا قتل المـُحْرم حيواناً وشكّ في أنّه صيد ، لم يكن عليه شي‌ء ؛ لأصالة البراءة.

ولو علم أنّه صيد وشكّ في أيّ صيد هو ، لزمه دم شاة ؛ لأنّه أقلّ مراتب‌

____________________

(١) المغني ٣ : ٢٨٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٨٧.

(٢) سنن أبي داود ٢ : ١٦٧ / ١٨٣٢ ، المغني ٣ : ٢٨٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٨٧.

(٣) في النسخ الخطية والحجرية : المسلم ، وما أثبتناه من المصدر.

(٤) التهذيب ٥ : ٣٨٧ / ١٣٥١.

(٥) كالشيخ الطوسي في المبسوط ١ : ٣٢٢ ، والقاضي ابن البرّاج في المهذّب ١ : ٢٢١ ، وابن إدريس في السرائر : ١٢٨.

(٦) التهذيب ٥ : ٣٨٧ / ١٣٥٣.


الصيد.

ولقول الصادقعليه‌السلام في رجل أكل من لحم صيد لا يدري ما هو وهو مُحْرمٌ ، قال : « عليه شاة »(١) .

ويجوز أن يكون مع المـُحْرم لحم الصيد إذا لم يأكله ، وتركه إلى وقت إحلاله ثم يأكله إذا لم يكن صاده هو ؛ لأنّ علي بن مهزيار سأله عن المـُحْرم معه لحم من لحوم الصيد في زاده ، هل يجوز أن يكون معه ولا يأكله ويُدخله مكة وهو مُحْرم فإذا أحلّ أكله؟ فقال : « نعم إذا لم يكن صاده »(٢) .

ويجوز إخراج الفهد من الحرم ؛ لأنّ إسماعيل بن الفضل الهاشمي سأل الصادقعليه‌السلام ، فقال له : فهود تُباع على باب المسجد ينبغي لأحد أن يشتريها ويخرج بها؟ قال : « لا بأس »(٣) .

وفي الصحيح عن محمد بن أبي عمير عن بعض أصحابه عن الصادقعليه‌السلام ، أنّه سُئل عن رجل أدخل فهداً إلى الحرم ، له أن يخرجه؟

فقال : « هو سبُع ، وكلّما أدخلت من السباع(٤) الحرم أسيراً فلك أن تخرجه »(٥) .

____________________

(١) الكافي ٤ : ٣٩٧ / ٧ ، التهذيب ٥ : ٣٨٤ / ١٣٤٢.

(٢) التهذيب ٥ : ٣٨٥ / ١٣٤٥.

(٣) التهذيب ٥ : ٣٨٥ / ١٣٤٦.

(٤) في المصدر : « السَّبُع ».

(٥) التهذيب ٥ : ٣٦٧ / ١٢٨١.


المطلب الرابع : في كفّارات الإِحرام‌

وفيه بابان :

الأول : في كفّارات(١) الصيد.

وفيه مباحث :

الأوّل : فيما لكفّارته بدل على الخصوص‌

وهو خمسة :

الأوّل : قتل النعامة‌.

مقدّمة : دابّة الصيد تضمن بمثلها من النَّعَم عند أكثر العلماء(٢) ؛ لقوله تعالى :( فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ) (٣) .

وما رواه العامّة : أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله جعل في الضبع كبشاً(٤) .

ومن طريق الخاصّة : ما رواه أبو الصباح - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : سألته عن قول الله عزّ وجلّ في الصيد( وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ) (٥) قال : « في الظبي شاة ، وفي حمار وحش بقرة ، وفي النعامة جزور »(٦) .

وقال أبو حنيفة : الواجب القيمة ؛ لأنّ الصيد ليس بمثلي ، فتجب القيمة ، ويجوز صرفها في المثل(٧) .

____________________

(١) في « ن » كفّارة.

(٢) المغني ٣ : ٥٤٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٦١.

(٣) المائدة : ٩٥.

(٤) سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٣١ / ٣٠٨٥ ، سنن الدار قطني ٢ : ٢٤٦ / ٤٨ ، سنن البيهقي ٥ : ١٨٣ ، المغني ٣ : ٥٤٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٦١.

(٥) المائدة : ٩٥.

(٦) التهذيب ٥ : ٣٤١ / ١١٨٠.

(٧) بدائع الصنائع ٢ : ١٩٨ ، الهداية - للمرغيناني - ١ : ١٦٩ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : =


والمماثلة الحقيقية ليست مرادةً ؛ لامتناعها بين الصيد والنَّعَم ، بل المراد من حيث الصورة ، فإنّ النعامة شبه البدنة.

وحَكَم الصحابة في الحيوانات بأمثالها ، فحَكَم عليعليه‌السلام وزيد ابن ثابت وعمر وعثمان وابن عباس ومعاوية في النعامة ببدنة. وحَكَم أبو عبيدة وابن عباس في حمار الوحش ببدنة. وحَكَم عمر فيه ببقرة. وحَكَم عليعليه‌السلام في الضبع بشاة(١) ، مع اختلاف الأزمان وتباعد الأمكنة ، ولو كان على وجه القيمة ، لامتنع اتّفاقها في شي‌ء واحد ، وقد حكموا في الحمامة بشاة(٢) ولا تبلغُ الحمامةَ في القيمة.

وما ثبت فيه نصّ مقدّر اتُّبع إمّا من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أو من أحد الأئمةعليهم‌السلام ، ولا يجب استئناف الحكم - وبه قال عطاء والشافعي وإسحاق وأحمد(٣) - لأنّهم أعرف من غيرهم وأزهد ، فكان قولهم حجّةً.

وقال مالك : يستأنف الحكم ؛ لقوله تعالى :( يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ ) (٤) (٥) .

والجواب : التقدير ثبوت الحكم.

مسألة ٣١٧ : يجب في النعامة بدنة عند علمائنا أجمع ، فمن قتل نعامةً وهو مُحْرم وجب عليه جزور - وبه قال عطاء ومجاهد ومالك والشافعي وأحمد وأكثر أهل العلم(٦) - لقوله تعالى :( فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ

____________________

= ٨٢ ، المغني ٣ : ٥٤٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٦١ ، حلية العلماء ٣ : ٣١٦ ، فتح العزيز ٧ : ٥٠٠ ، المجموع ٧ : ٤٣٨ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٨٦.

(١ و ٢ ) المغني ٣ : ٥٤٥ - ٥٤٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٦١ - ٣٦٢ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٩١ - ٢٩٢.

(٣) المغني ٣ : ٥٤٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٦١.

(٤) المائدة : ٩٥.

(٥) المغني ٣ : ٥٤٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٦١.

(٦) الشرح الكبير ٣ : ٣٦١ ، المنتقى - للباجي - ٢ : ٢٥٣ ، الاُم ٢ : ١٩٠ ، الوجيز ١ : ١٢٨ ، =


النَّعَمِ ) (١) .

وروى العامّة : أنّ علياعليه‌السلام حكم فيها ببدنة(٢) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « وفي النعامة جزور »(٣) .

وفي حديث آخر : « بدنة »(٤) .

وقال أبو حنيفة : تجب القيمة. وقد تقدّم(٥) .

ولو لم يجد البدنة ، قوّم البدنة ، وفضّ قيمتها على البرّ ، وأطعم ستّين مسكينا لكلّ مسكين نصف صاع - وبه قال الشافعي وأحمد(٦) - لقوله تعالى :( فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ ) (٧) بقراءة الخفض(٨) ، وهو يقتضي أن يكون الجزاء بدلا عن المثل من النّعم ، لأنّ تقديرها : فجزاء بمثل.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « إذا أصاب المحرم الصيد ولم يجد ما يكفّر من موضعه الذي أصاب فيه الصيد قوّم جزاؤه من النّعم دراهم ثم قوّمت الدراهم طعاما لكلّ مسكين نصف صاع ، فإن لم يقدر على الطعام صام لكلّ نصف صاع يوما »(٩) .

وقال مالك : يقوّم الصيد لا المثل ، لأنّ التقويم إذا وجب لأجل الإتلاف‌

____________________

= فتح العزيز ٧ : ٥٠٢ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٢٣ ، المجموع ٧ : ٤٢٨ و ٤٣٨.

(١) المائدة : ٩٥.

(٢) سنن البيهقي ٥ : ١٨٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٦١.

(٣) التهذيب ٥ : ٣٤١ / ١١٨٠.

(٤) التهذيب ٥ : ٣٤١ / ١١٨١.

(٥) تقدّم في المسألة السابقة.

(٦) فتح العزيز ٧ : ٤٩٩ ، المجموع ٧ : ٤٣٨ ، المغني ٣ : ٥٨٨.

(٧) المائدة : ٩٥.

(٨) أي : بالإِضافة.

(٩) الكافي ٤ : ٣٨٧ / ١٠ ، التهذيب ٥ : ٣٤١ - ٣٤٢ / ١١٨٣.


قوّم المتلف كالذي لا مثل له(١) .

وقال أبو حنيفة : لا يجب المثل ، بل قيمة الصيد ، فإن شاء تصدّق بها ، وإن شاء اشترى شيئاً من النَّعَم التي تجزئ في الأضحية يذبح ، وإن شاء صرفها إلى الطعام ، فأعطى كلّ مسكين نصف صاع من بُرٍّ أو صاعاً من غيره ، أو صام عن كلّ نصف صاع من بُرٍّ أو صاع من غيره يوماً(٢) .

ولو لم يجد الإِطعام ، قوّم الجزور بدراهم والدراهم بطعام على ما قلناه ، ثم صام عن كلّ نصف صاع يوماً - وبه قال ابن عباس والحسن البصري والنخعي والثوري وأصحاب الرأي وابن المنذر(٣) - لأنّ صوم اليوم بدل عن نصف صاع في غير هذه الصورة ، فيكون كذلك هنا.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « فإن لم يقدر على الطعام صام لكلّ نصف صاع يوماً »(٤) .

وقال عطاء : يصوم عن كلّ مُدٍّ يوماً - وبه قال مالك والشافعي ، وعن أحمد روايتان - لأنّ الله تعالى جعل اليوم في كفّارة الظهار في مقابلة إطعام المسكين ، فكذا هنا(٥) .

ويبطل بتقديم النصّ على القياس.

مسألة ٣١٨ : واختلف علماؤنا في كفّارة جزاء الصيد :

____________________

(١) بداية المجتهد ١ : ٣٥٨ ، المغني ٣ : ٥٥٨ ، فتح العزيز ٧ : ٥٠٠ ، المجموع ٧ : ٤٣٨.

(٢) الهداية - للمرغيناني - ١ : ١٦٩ - ١٧٠ ، فتح العزيز ٧ : ٥٠٠ ، حلية العلماء ٣ : ٣١٦ ، المجموع ٧ : ٤٣٨.

(٣) المغني ٣ : ٥٥٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٤٠ ، المجموع ٧ : ٤٣٨ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٨٥ ، بدائع الصنائع ٢ : ٢٠١.

(٤) الكافي ٤ : ٣٨٧ / ١٠ ، التهذيب ٥ : ٣٤١ - ٣٤٢ / ١١٨٣.

(٥) المغني ٣ : ٥٥٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٤٠ ، بداية المجتهد ١ : ٣٥٨ ، المجموع ٧ : ٤٣٨.


فقال بعضهم : إنّها على الترتيب(١) - وبه قال ابن عباس والتوري وابن سيرين ، ونقله أبو ثور عن الشافعي في القديم(٢) - لقول الصادقعليه‌السلام : « فإن لم يقدر على ذلك - يعني الذبح - قوّم جزاء الصيد وتصدّق بثمنه على المساكين » ثم قال : « فإن لم يقدر صام بدل كلّ صاع يوماً»(٣) وهو يدلّ على الترتيب.

ولأنّ هدي المتعة على الترتيب ، وهذا آكد منه ، لأنّه فعل محظور.

وقال بعضهم : إنّها على التخيير(٤) - وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي ، وعن أحمد روايتان(٥) - وهو المعتمد ، لقوله تعالى :( هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً ) (٦) و « أو » للتخيير.

قال ابن عباس : كلّ شي‌ء « أو ، أو » فهو مخيّر ، وأمّا ما كان « فإن لم يجد » فهو الأوّلُ الأوّلُ. رواه العامّة(٧) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « كلّ شي‌ء في القرآن ( أو ) فصاحبه بالخيار يختار ما شاء ، وكلّ شي‌ء في القرآن ( فمن لم يجد فعليه كذا ) فالأول بالخيار »(٨) .

ولأنّها فدية تجب بفعل محظور ، فكان مخيّراً بين ثلاثتها ، كفدية الأذى.

____________________

(١) كالشيخ المفيد في المقنعة : ٦٨ ، والمحقّق في شرائع الإِسلام ١ : ٢٨٤ - ٢٨٥.

(٢) المغني ٣ : ٥٥٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٣٨ - ٣٣٩ ، المجموع ٧ : ٤٢٧ - ٤٢٨ ، بدائع الصنائع ٢ : ٢٠٠ ، المنتقى - للباجي - ٢ : ٢٥٦.

(٣) التهذيب ٥ : ٣٤١ / ١١٨٢.

(٤) كالشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٣٩٧ ، المسألة ٢٦٠ ، وابن إدريس في السرائر : ١٣١.

(٥) بداية المجتهد ١ : ٣٥٨ ، المنتقى - للباجي - ٢ : ٢٥٦ ، فتح العزيز ٧ : ٤٩٩ - ٥٠٠ ، المجموع ٧ : ٤٢٧ ، بدائع الصنائع ٢ : ٢٠٠ ، المغني ٣ : ٥٥٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٣٨‌.

(٦) المائدة : ٩٥.

(٧) المغني ٣ : ٥٥٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٣٩ ، المنتقى - للباجي - ٢ : ٢٥٦.

(٨) الكافي ٤ : ٣٥٨ / ٢ ، التهذيب ٥ : ٣٣٣ / ١١٤٧ ، الاستبصار ٢ : ١٩٥ / ٦٥٦.


وقال الشافعي قولاً آخر : إنّه لا إطعام في الكفّارة ، وإنّما ذكر في الآية ليعدل به الصيام ؛ لأنّ مَنْ قَدَر على الإِطعام قَدَر على الذبح ، وهو مروي عن ابن عباس وعن أحمد(١) أيضاً.

وهو خطأ لأنّ الله تعالى سمّى الإِطعام كفّارةً ، ولو لم يجب إخراجه لم يكن كفّارةً وجعله طعاماً للمساكين ، وما لا يجوز صرفه إليهم لا يكون طعاماً لهم.

ولأنّه عطف الطعام على الهدي ثم عطف الصوم عليه ، ولو لم تكن إحدى الخصال لم يجز ذلك فيه.

ونمنع أنّ مَنْ قَدَر على الطعام قدر على الهدي ، إمّا لتعذّر المذبوح أو لغلاء السعر أو لغيرهما.

مسألة ٣١٩ : لو زادت قيمة الفداء على إطعام ستّين مسكينا لكلّ مسكين نصف صاع ، لم يلزمه الزائد ، وأجزأه إطعام الستّين ، ولو نقص عن إطعام الستّين ، لم يجب الإكمال ، بل أجزأه وإن كان ناقصاً.

وكذا لو زاد ثمن الطعام على صيام ستّين يوما لكلّ يوم نصف صاع ، لم يجب عليه صوم الزائد على الستّين ، ولو نقص ، أجزأه الناقص ، ولا يجب عليه إكمال الصوم.

والعامّة لم يعتبروا ذلك ؛ لأنّها كفّارة ، فلا تزيد على إطعام ستّين ولا على صيام ستين ، لأنّها أعلى مراتب الكفّارات.

وقول الصادقعليه‌السلام في مُحْرم قتل نعامةً ، قال : « عليه بدنة ، فإن لم يجد فإطعام ستّين مسكيناً ، فإن كانت قيمة البدنة أكثر من طعام ستّين مسكيناً لم يزد على طعام ستّين مسكيناً ، وإن كانت قيمة البدنة أقلّ من طعام ستّين مسكيناً لم يكن عليه إلّا قيمة البدنة »(٢) .

____________________

(١) الشرح الكبير ٣ : ٣٣٩ ، المغني ٣ : ٥٥٧ ، وفيه : وهذا قول الشعبي ، بدل الشافعي.

(٢) الكافي ٤ : ٣٨٦ / ٥ ، التهذيب ٥ : ٣٤٢ /٧ ١١٨٥.


إذا عرفت هذا ، فلو بقي ما لا يعدل يوماً ، كربع الصاع ، كان عليه صيام يوم كامل ، وبه قال عطاء والنخعي وحماد والشافعي وأصحاب الرأي(١) ، ولا نعلم فيه خلافاً ؛ لأنّ صيام اليوم لا يتبعّض ، والسقوط غير ممكن ؛ لشغل الذمّة ، فيجب إكمال اليوم.

مسألة ٣٢٠ : لو عجز عن البدنة وإطعام ستّين وصوم شهرين ، صام ثمانية عشر يوماً ؛ لأنّ صوم ثلاثة أيّام بدل عن إطعام عشرة مساكين في كفّارة اليمين مع العجز عن الإِطعام ، فيكون كذلك هنا.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « مَنْ أصاب شيئاً فداؤه بدنة من الإِبل ، فإن لم يجد ما يشتري بدنةً فأراد أن يتصدّق فعليه أن يطعم ستّين مسكيناً لكلّ مسكين مُدّاً ، فإن لم يقدر على ذلك صام مكان ذلك ثمانية عشر يوماً مكان كلّ عشرة مساكين ثلاثة أيّام »(٢) .

مسألة ٣٢١ : في فراخ النعامة لعلمائنا قولان :

أحدهما : من صغار الإِبل(٣) ، وبه قال الشافعي وأحمد(٤) .

والثاني : فيه مثل ما في النعامة سواء(٥) ، وبه قال مالك(٦) .

احتجّ الأوّلون : بقوله تعالى :( فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ) (٧) ومثل الصغير صغير.

____________________

(١) المغني ٣ : ٥٥٩ - ٥٦٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٤٠ ، المجموع ٧ : ٤٢٧.

(٢) التهذيب ٥ : ٣٤٣ / ١١٨٧.

(٣) من القائلين به : الشيخ المفيد في المقنعة : ٦٨.

(٤) الحاوي الكبير ٤ : ٢٩٤ ، فتح العزيز ٧ : ٥٠٤ ، المجموع ٧ : ٤٣١ و ٤٣٩ ، المغني ٣ : ٥٥٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٠٤ ، بداية المجتهد ١ : ٣٦٢.

(٥) من القائلين به : الشيخ الطوسي في النهاية : ٢٢٥ والمبسوط ١ : ٣٤٢.

(٦) بداية المجتهد ١ : ٣٦٢ ، المنتقى - للباجي - ٢ : ٢٥٥ ، فتح العزيز ٧ : ٥٠٤ ، المجموع ٧ : ٤٣٩ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٩٤ ، المغني ٣ : ٥٤٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٦٤.

(٧) المائدة : ٩٥.


ولأنّ فرخ الحمام يضمن بمثله ، فكذا فرخ النعامة.

واحتجّ الآخرون : بقوله تعالى :( هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ ) (١) ولا يجزئ في الهدي صغير.

ولقول الصادقعليه‌السلام في قوم حجّاج مُحْرمين أصابوا فراخ نعام ، فأكلوا جميعاً ، قال : « عليهم مكان كلّ فرخ بدنة يشتركون فيها جميعاً يشترونها على عدد الفراخ وعلى عدد الرجال »(٢) .

الثاني : كفّارة قتل حمار الوحش وبقرته.

مسألة ٣٢٢ : لو قتل الـمُحْرم حمارَ الوحش ، وجب عليه دم بقرة عند علمائنا - وبه قال عمر وعروة ومجاهد والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين(٣) - للمماثلة بين حمار الوحش والبقرة الأهلية.

ولأنّ أبا بصير سأل الصادقعليه‌السلام : قلت : فإن أصاب بقرة وحش أو حمار وحش ما عليه؟ قال : « عليه بقرة »(٤) .

وقال أحمد في الرواية الاُخرى : عليه بدنة. وهو مروي عن أبي عبيدة وابن عباس ، وبه قال عطاء والنخعي(٥) .

وقال أبو حنيفة : تجب القيمة. وقد سلف(٦) .

إذا ثبت هذا ، ففي بقرة الوحش بقرة أهلية أيضاً عند علمائنا ، وهو مروي‌

____________________

(١) المائدة : ٩٥.

(٢) الفقيه ٢ : ٢٣٦ / ١١٢٣.

(٣) المغني ٣ : ٥٤٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٦٢ ، الاُم ٢ : ١٩٢ ، الوجيز ١ : ١٢٨ ، فتح العزيز ٧ : ٥٠٢ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٢٣ ، المجموع ٧ : ٤٢٨ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٨٢ ، الهداية - للمرغيناني - ١ : ١٧٠.

(٤) التهذيب ٥ : ٣٤٢ - ٣٤٣ / ١١٨٦.

(٥) المغني ٣ : ٥٤٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٦٢.

(٦) سلف في صفحة ٣٩٩.


عن ابن مسعود وعطاء وعروة وقتادة والشافعي(١) ، ولا نعلم فيه خلافاً ، إلّا من أبي حنيفة(٢) ؛ لأنّ الصحابة نصّوا فيها على ذلك(٣) . وللمشابهة في الصورة. ولرواية أبي بصير ، الصحيحة ، وقد سلفت(٤) .

مسألة ٣٢٣ : لو لم يجد البقرة في جزاء حمار الوحش وبقرته ، قوّم ثمنها بدراهم وفضَّه على الحنطة ، وأطعم كلّ مسكين نصف صاع ، ولا يجب عليه ما زاد على إطعام ثلاثين مسكيناً ، ولا إتمام ما نقص عنه ، عند علمائنا.

وقال مالك : إنّما يقوّم الصيد. وقد سلف(٥) البحث معه.

وقد روى أبو عبيدة عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « إذا أصاب المحرم الصيد ولم يجد ما يكفّر من موضعه الذي أصاب فيه الصيد قوّم جزاؤه من النّعم دراهم ثم قوّمت الدراهم طعاما لكلّ مسكين نصف صاع ، فإن لم يقدر على الطعام صام لكلّ نصف صاع يوما »(٦) .

وعن أبي بصير عن الصادقعليه‌السلام ، قال : فإن أصاب بقرة وحش أو حمار وحش ما عليه؟ قال : « بقرة » قلت : فإن لم يقدر على بقرة؟ قال : « فليطعم ثلاثين مسكيناً »(٧) .

مسألة ٣٢٤ : لو لم يتمكّن من الإِطعام ، صام ثلاثين يوما كلّ يوم بإزاء نصف صاع ، ولو لم يبلغ الإطعام ذلك ، لم يكن عليه الإِكمال ، ولو فضل ،

____________________

(١) المغني ٣ : ٥٤٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٦٢ ، المجموع ٧ : ٤٢٨ ، فتح العزيز ٧ : ٥٠٢ ، المنتقى - للباجي - ٢ : ٢٥٣.

(٢) تقدّمت الإِشارة إلى مصادر قوله في صفحة ٣٩٩ ، الهامش (٧)

(٣) كما في المغني ٣ : ٥٤٧ ، والشرح الكبير ٣ : ٣٦٢ ، وفتح العزيز ٧ : ٥٠٢ ، والمجموع ٧ : ٤٢٨ ، وسنن البيهقي ٥ : ١٨٢.

(٤) سلفت في صدر المسألة.

(٥) سلف في المسألة ٣١٧.

(٦) الكافي ٤ : ٣٨٧ / ١٠ ، التهذيب ٥ : ٣٤١ - ٣٤٢ / ١١٨٣.

(٧) التهذيب ٥ : ٣٤٢ - ٣٤٣ / ١١٨٦.


لم تجب عليه الزيادة عن ثلاثين ؛ لما تقدم(١) في النعامة.

ولقول الباقرعليه‌السلام : « لكلّ طعام مسكين يوماً »(٢) .

والخلاف في الترتيب والتخيير هنا كما تقدّم(٣) .

ولو لم يتمكّن من هذه الأصناف ، صام تسعة أيّام ؛ لما ثبت في كفّارة اليمين من أنّ صوم ثلاثة أيّام بدل من إطعام عشرة مساكين مع العجز ، فكذا هنا.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « فإن لم يجد(٤) فليطعم ثلاثين مسكينا ، فإن لم يجد(٥) فليصم تسعة أيّام »(٦) .

الثالث : في كفّارة الظبي والثعلب والأرنب.

مسألة ٣٢٥ : لو قتل الـمُحْرم ظبياً ، وجب عليه دم شاة ، وبه قال عليعليه‌السلام ، وعطاء وعروة وعمر بن الخطّاب والشافعي وأحمد وابن المنذر(٧) ؛ لأنّه قول من سمّيناه من الصحابة ، ولم يُعلمْ لهم مُخالف ، فكان حجّةً.

وما رواه العامّة عن جابر عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنّه قال : ( وفي الظبي شاة )(٨) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « وفي الظبي شاة »(٩) .

____________________

(١) تقدم في المسألة ٣١٩.

(٢) التهذيب ٥ : ٣٤٢ / ١١٨٤.

(٣) تقدّم في المسألة ٣١٨.

(٤و٥) في المصدر : فإن لم يقدر.

(٦) الكافي ٤ : ٣٨٥ / ١ ، التهذيب ٥ : ٣٤٢ - ٣٤٣ / ١١٨٦.

(٧) المغني ٣ : ٥٤٦ و ٥٤٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٦٢ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٨٢.

(٨) سنن الدار قطني ٢ : ٢٤٧ / ٥٢ ، المغني ٣ : ٥٤٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٦٢.

(٩) التهذيب ٥ : ٣٤١ / ١١٨١.


وقال أبو حنيفة : الواجب القيمة. وقد تقدّم(١) البحث معه.

مسألة ٣٢٦ : لو عجز عن الشاة ، قوّم ثمنها دراهم ، وفضَّه على البُرّ ، وأطعم عشرة مساكين لكلّ مسكين نصف صاع ، ولو زاد التقويم على ذلك ، لم تجب عليه الزيادة على إطعام العشر ، ولو نقص ، لم يجب عليه الإِكمال ؛ لما ثبت من مساواة إطعام عشرة مساكين للشاة في اليمين وأذى الحلق وغيرهما.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « إذا أصاب الـمُحْرم الصيد ولم يجد ما يكفّر من موضعه الذي أصاب فيه [ الصيد ](٢) قوّم جزاؤه من النَّعَم دراهم ثم قُوّمت الدراهم طعاماً لكلّ مسكين نصف صاع ، فإن لم يقدر على الطعام صام لكلّ نصف صاع يوماً »(٣) .

وسأل أبو بصير الصادقَعليه‌السلام : فإن أصاب ظبياً ما عليه؟ قال : « عليه شاة » قلت : فإن لم يجد شاةً؟ قال : « فعليه إطعام عشرة مساكين »(٤) .

مسألة ٣٢٧ : لو عجز عن الإِطعام ، صام عن كلّ نصف صاع يوماً ، ولو زاد التقويم على خمسة أصْوُعٍ ، لم يكن عليه صوم عن الزائد ، ولو نقص ، لم يكن عليه إلّا بقدر التقويم ؛ لما ثبت من مقابلة صوم اليوم لنصف صاع ، فكذا هنا.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « فإن لم يقدر على الطعام صام لكلّ نصف صاع يوماً »(٥) .

____________________

(١) تقدّم في صفحة ٣٩٩.

(٢) أضفناها من المصدر.

(٣) الكافي ٤ : ٣٨٧ / ١٠ ، التهذيب ٥ : ٣٤١ - ٣٤٢ / ١١٨٣.

(٤) الكافي ٤ : ٣٨٥ / ١ ، التهذيب ٥ : ٣٤٣ / ١١٨٦.

(٥) الكافي ٤ : ٣٨٧ / ١٠ ، التهذيب ٥ : ٣٤١ - ٣٤٢ / ١١٨٣.


واعلم أنّ الخلاف هنا في ترتيب هذه الأصناف الثلاثة أو تخييرها كالخلاف فيما تقدّم(١) .

ولو عجز عن الشاة وإطعام عشرة مساكين وصوم عشرة أيّام ، صام ثلاثة أيّام ؛ لما ثبت من أنّها بدل في كفّارة اليمين عن إطعام عشرة مساكين ، وكذا في كفارة الأذى ، فكذا هنا.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « ومَنْ كان عليه شاة فلم يجد فليطعم عشرة مساكين ، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيّام في الحجّ(٢) »(٣) .

مسألة ٣٢٨ : وفي الثعلب شاة ؛ لأنّ أبا بصير سأل الصادقَعليه‌السلام : عن رجل قتل ثعلباً ، قال : « عليه دم » قلت : فأرنباً؟ قال : « مثل ما في الثعلب »(٤) .

قال الشيخان رحمهما الله تعالى : إنّ في الثعلب مثل ما في الظبي(٥) . ولم يثبت.

ويمكن الاحتجاج بقول الصادقعليه‌السلام : « ومَنْ كان عليه شاة فلم يجد فليطعم عشرة مساكين فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيّام في الحجّ »(٦) .

إذا عرفت هذا ، ففي الأرنب شاة ، ذهب إليه علماؤنا - وبه قال عطاء(٧) - لأنّه كالثعلب ، فيكون جزاؤه مساوياً لجزائه.

ولقول الكاظمعليه‌السلام : « في الأرنب شاة »(٨) .

____________________

(١) تقدّم في المسألة ٣١٨.

(٢) كلمة « في الحج » لم ترد في المصدر.

(٣) التهذيب ٥ : ٣٤٣ / ١١٨٧.

(٤) الكافي ٤ : ٣٨٦ / ٧ ، الفقيه ٢ : ٢٣٣ / ١١١٦ ، التهذيب ٥ : ٣٤٣ / ١١٨٨.

(٥) المقنعة : ٦٨ ، النهاية : ٢٢٢ ، المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٤٠.

(٦) التهذيب ٥ : ٣٤٣ / ١١٨٧.

(٧) المغني ٣ : ٥٤٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٦٢.

(٨) الكافي ٤ : ٣٨٧ / ٨ ، الفقيه ٢ : ٢٣٣ / ١١١٤ ، التهذيب ٥ : ٣٤٣ / ١١٨٩.


وقال ابن عباس : فيه حمل(١) .

وقال الشافعي : فيه عناق(٢) . وهو الاُنثى من ولد المعز في أول سنة ، والذكر جدي.

إذا عرفت هذا ، فقال بعض علمائنا : إنّ فيه مثل ما في الظبي(٣) ؛ لما تقدّم في الثعلب.

الرابع : كسر بيض النعام.

مسألة ٣٢٩ : إذا كسر الـمُحْرم بيض نعامة ، فإن كان قد تحرّك فيه الفرخ ، كان عليه عن كلّ بيضة بكارة من الإِبل ، ولا تُشترط الاُنوثة ، فإن لم يكن قد تحرّك فيه الفرخ ، كان عليه أن يرسل فحولة الإِبل في إناث منها بعدد البيض ، فالناتج هديٌ لبيت الله تعالى ، ذهب إليه علماؤنا.

لنا : أنّه مع التحرّك يكون قد قتل فرخ نعامة ، فعليه مثله من الإِبل ، ومع عدمه يحتمل الفساد والصحة ، فكان عليه(٤) ما يقابله من إلقاء المني في رحم الاُنثى المحتمل للفساد والصحة.

ولما رواه علي بن جعفر - في الصحيح - عن أخيه الكاظمعليه‌السلام ، قال : سألته عن رجل كسر بيض نعامة وفي البيض فراخ قد تحرّك ، فقال : « عليه لكلّ فرخ تحرّك بعير ينحره في المنحر»(٥) .

وسأل رجلٌ أميرَ المؤمنينعليه‌السلام : إنّي خرجت مُحرماً ، فوطأَتْ‌

____________________

(١) المغني ٣ : ٥٤٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٦٢.

(٢) الاُم ٢ : ١٩٣ ، فتح العزيز ٧ : ٥٠٢ ، المجموع ٧ : ٤٣٩ ، المغني ٣ : ٥٤٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٦٢.

(٣) منهم : الشيخ المفيد في المقنعة : ٦٨ ، والشيخ الطوسي في النهاية : ٢٢٢ - ٢٢٣ ، وسلّار في المراسم : ١٢٠ ، وابن إدريس في السرائر : ١٣٠ - ١٣١.

(٤) في « ن » : فيه.

(٥) التهذيب ٥ : ٣٥٥ / ١٢٣٤ ، الإستبصار ٢ : ٢٠٣ / ٦٨٨.


ناقتي بيض نعام فكسَرَتْه ، فهل عليَّ كفّارة؟ فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : « فاسأل ابني الحسن -عليه‌السلام - عنها » وكان بحيث يسمع كلامه ، فتقدّم إليه الرجل ، فسأله ، فقال له : « يجب عليك أن ترسل فحولة الإِبل في إناثها بعدد ما انكسر من البيض ، فما نتج فهو هديٌ لبيت الله عزّ وجلّ » فقال له أمير المؤمنينعليه‌السلام : « يا بُنيّ كيف قلت ذلك وأنت تعلم أنّ الإِبل ربما أزلقت أو كان فيها ما يزلق؟ » فقال : « يا أمير المؤمنين والبيض ربما أمرق(١) » فتبسّم أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وقال له : « صدقت يا بُنيّ » ثم تلا( ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (٢) (٣) .

وقال الشافعي : يجب عليه قيمة البيض - وبه قال عمر بن الخطّاب وابن مسعود والنخعي والزهري وأبو ثور وأحمد وأصحاب الرأي - لأنّ البيض لا مثل له ، فتجب القيمة.

ولما روي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنّه قال : ( في بيض النعام يصيبه الـمُحْرم : ثمنه )(٤) (٥) .

ونمنع عدم المثل ؛ لأنّه ليس المراد المثل الحقيقي.

والحديث مرسل لا اعتداد به.

وقال مالك : يجب في البيضة عُشْر قيمة الصيد(٦) .

____________________

(١) مرقت البيضة : إذا فسدت فصار ماءً. لسان العرب ١٠ : ٣٤٠ « مرق ».

(٢) آل عمران : ٣٣.

(٣) التهذيب ٥ : ٣٥٤ / ١٢٣١.

(٤) سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٣١ / ٣٠٨٦.

(٥) المغني ٣ : ٥٥٣ - ٥٥٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٠٣ ، الاُم ٢ : ٢٠٨ ، فتح العزيز ٧ : ٤٨٦ ، المجموع ٧ : ٣٣٢ - ٣٣٣ ، بداية المجتهد ١ : ٣٦٣ ، المحلّى ٧ : ٢٣٣ و ٢٣٥.

(٦) بداية المجتهد ١ : ٣٦٢ - ٣٦٣ ، الحاوي الكبير ٤ : ٣٣٥ ، فتح العزيز ٧ : ٤٨٦ ، حلية العلماء ٣ : ٢٩٩ ، المجموع ٧ : ٣٣٢ و ٣٣٣ و ٤٤١.


وقال داود وأهل الظاهر : لا شي‌ء في البيض(١) .

مسألة ٣٣٠ : لا فرق بين أن يسكره بنفسه أو بدابّته ؛ لأنّه سبب في الإِتلاف ، فكان عليه ضمانه ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « ما وطأْتَه أو وطأه بعيرك أو دابّتك وأنت مُحْرم فعليك فداؤه»(٢) .

والاعتبار في العدد بالإِناث ، فيجب لكلّ بيضة اُنثى ، ولو كان الذكر واحداً أجزأه ؛ لأنّ الإِنتاج مأخوذ من الإِناث.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « أن يرسل الفحل في مثل عدد البيض من الإِبل الإِناث ، فما لقح وسلم كان النتاج هدياً بالغ الكعبة »(٣) .

مسألة ٣٣١ : لو لم يتمكّن من الإِبل ، كان عليه عن كلّ بيضة شاة ، فإن لم يجد ، كان عليه عن كلّ بيضة إطعام عشرة مساكين لكلّ مسكين مُدُّ ، فإن لم يجد ، كان عليه صيام ثلاثة أيّام ؛ لأنّها تثبت بدلاً في كفّارات متعدّدة ، فكذا هنا.

ولرواية علي بن أبي حمزة عن أبي الحسنعليه‌السلام ، قال : سألته عن رجل أصاب بيض نعامة وهو مُحْرم ، قال : « يُرسل الفحل في الإِبل على عدد البيض » قلت : فإنّ البيض يفسد كلّه ويصلح كلّه ، قال : « ما نتج الهدي فهو هدي بالغ الكعبة ، وإن لم ينتج فليس عليه شي‌ء ، فمن لم يجد إبلاً فعليه لكلّ بيضة شاة ، فإن لم يجد فالصدقة على عشرة مساكين لكلّ مسكين مُدُّ ، فإن لم يقدر فصيام ثلاثة أيام »(٤) .

إذا عرفت هذا ، فلو كسر بيضةً فخرج منها فرخ حيّ وعاش ، لم يكن‌

____________________

(١) المحلّى ٧ : ٢٣٣ ، المجموع ٧ : ٣١٨ و ٣٣٢ و ٤٤١.

(٢) التهذيب ٥ : ٣٥٥ ذيل الحديث ١٢٣٢ ، الاستبصار ٢ : ٢٠٢ ذيل الحديث ٦٨٦.

(٣) التهذيب ٥ : ٣٥٥ / ١٢٣٢ ، الاستبصار ٢ : ٢٠٢ / ٦٨٦.

(٤) الكافي ٤ : ٣٨٧ / ١١ ، التهذيب ٥ : ٣٥٤ / ١٢٢٩ ، الاستبصار ٢ : ٢٠١ - ٢٠٢ / ٦٨٤.


عليه شي‌ء ، ولو مات ، كان فيه ما في صغير النعام.

ولو باض الطير على فراش مُحْرمٍ ، فنقله إلى موضعه فنفر الطير فلم يحضنه ، لزمه الجزاء. وللشافعي قولان(١) .

ولو كسر بيضةً فيها فرخ ميّت ، لم يكن عليه شي‌ء ، وكذا لو كان البيض فاسداً.

وقال الشافعي : إن كان بيض نعام ، كان عليه القيمة ؛ لأنّ للقشر قيمةً(٢) .

وليس بمعتمد ؛ لأنّه بمنزلة الحجر والخشب ، ولهذا لو نقب بيضةً فأخرج ما فيها أجمع ، ضمنها ، ولو كسرها آخرٌ بعده ، لم يكن عليه شي‌ء.

ولقول الكاظمعليه‌السلام : « وإن لم ينتج فليس عليه شي‌ء »(٣) .

الخامس : كسر بيض القطا والقبج.

مسألة ٣٣٢ : لو كسر الـمُحْرم بيضةً من بيض القطا أو القبج ، فإن كان قد تحرّك فيه الفرخ ، كان عليه عن كلّ بيضةٍ مخاضٌ من الغنم ، وإن لم يكن قد تحرّك فيه الفرخ ، وجب عليه إرسال فحولة الغنم في إناثها بعدد البيض ، فالناتج هدي لبيت الله تعالى.

وقالت العامّة : إنّ عليه القيمة(٤) . وقد تقدّم(٥) .

ولأنّ الصادقعليه‌السلام سُئل عن مُحْرم وطأ بيض القطا فشدخه ، قال : « يرسل الفحل في مثل عدد البيض من الغنم ، كما يرسل الفحل في مثل‌

____________________

(١) حلية العلماء ٣ : ٣٠٠ ، المجموع ٧ : ٣٣٧.

(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢١٩ ، المجموع ٧ : ٣١٨ ، فتح العزيز ٧ : ٤٨٦ - ٤٨٧.

(٣) الكافي ٤ : ٣٨٧ / ١١ ، التهذيب ٥ : ٣٥٤ / ١٢٢٩ ، الاستبصار ٢ : ٢٠١ - ٢٠٢ / ٦٨٤.

(٤) المغني ٣ : ٥٥٣ - ٥٥٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٠٣ ، فتح العزيز ٧ : ٤٨٦ ، المجموع ٧ : ٣١٨ و ٣٣٢.

(٥) تقدّم في المسألة ٣٢٩.


عدد البيض من الإِبل »(١) .

وأمّا وجوب المخاض للمتحرّك : فلأنّه بيض يتحرّك فيه الفرخ ، فكان عليه صغير من ذلك النوع ، كما في بيض النعام.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « في كتاب عليعليه‌السلام في بيض القطاة بكارة من الغنم إذا أصابه الـمُحْرم مثل ما في بيض النعام بكارة من الإِبل »(٢) .

مسألة ٣٣٣ : لو لم يتمكّن من إرسال فحولة الغنم في إناثها ، قال الشيخرحمه‌الله : كان حكمه حكم بيض النعام سواء(٣) .

و نَقَل عن المفيد أنّه إذا لم يتمكّن من الإِرسال ، ذبح عن كلّ بيضة شاةً ، فإن لم يجد ، أطعم عن كلّ بيضة عشرةَ مساكين ، فإن لم يقدر ، صام عن كلّ بيضة ثلاثة أيّام(٤) .

والأقرب : أنّ مقصود الشيخ في مساواته لبيض النعام وجوب الصدقة على عشرة مساكين أو صيام ثلاثة أيّام إذا لم يتمكّن من الإِطعام ؛ لأنّ مع التحرّك لا تجب شاة كاملة صغيرة ، فكيف تجب الشاة الكاملة مع عدم التحرّك وإمكان فساده وعدم خروج الفرخ منه!؟

تنبيه : يجب ذبح الجزاء في الموضع الذي تجب التفرقة فيه ، فيتصدّق‌

____________________

(١) الكافي ٤ : ٣٨٩ / ٤ ، التهذيب ٥ : ٣٥٦ / ١٢٣٧ ، الإستبصار ٢ : ٠٣ / ٦٨٩‌

(٢) الكافي ٤ : ٣٨٩ - ٣٩٠ / ٥ ، التهذيب ٥ : ٣٥٥ / ١٢٣٣ ، الإستبصار ٢ : ٢٠٢ / ٦٨٧.

(٣) النهاية : ٢٢٧ ، المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٤٥.

(٤) السرائر : ١٣٢ - ١٣٣ ، وراجع : المقنعة : ٦٨.


به على مساكين الحرم إمّا بأن يُفرّق اللحم ، أو يُملّكهم جملته مذبوحاً ، ولا يجوز أن يُخرجه حيّاً.

وإذا قوّم المثل دراهم ، لم يجز له أن يتصدّق بها ، بل يجعلها طعاماً ، ويتصدّق بها.

ولو صام عن نصف الصاع بقدره فانكسر ، وجب صوم يوم كامل ؛ لأنّ صوم اليوم لا يتبعّض.

البحث الثاني : فيما لا بدل له على الخصوص‌(١)

مسألة ٣٣٤ : الحمام كلّ طائر يهدر بأن يواتر صوته ، ويعبُّ الماء بأن يضع منقاره فيه ، فيكرع كما تكرع الشاة ، ولا يأخذ قطرةً قطرةً بمنقاره ، كما يفعل الدجاج والعصفور.

وقال الكسائي : إنّه كلّ مطوّق(٢) فالحجل حمام ، لأنّه مطوَّق.

ويدخل في الأول : الفواخت والوارشين والقماري والدباسي والقطا.

إذا عرفت هذا ، ففي كلّ حمامة شاة ، ذهب إليه علماؤنا أجمع - وبه قال عليعليه‌السلام وعمر وعثمان وابن عمر وابن عباس ونافع بن عبد الحارث ؛ فإنّهم حكموا في حمام الحرم بكلّ حمامة شاة ، وبه قال سعيد بن المسيّب وعطاء وعروة وقتادة والشافعي وأحمد وإسحاق(٣) - لمشابهة الحمامة بالشاة في الكرع.

ولما رواه العامّة عن ابن عباس : أنّه قضى في الحمام حال الإِحرام‌

____________________

(١) أي : فيما ليس لكفّارته بدل على الخصوص.

(٢) المغني ٣ : ٥٥٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٦٣.

(٣) المغني ٣ : ٥٥٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٦٣ ، الاُم ٢ : ١٩٥ ، الوجيز ١ : ١٢٨ ، فتح العزيز ٧ : ٥٠٤ ، المجموع ٧ : ٤٤٠ ، حلية العلماء ٣ : ٣١٧ ، المحلّى ٧ : ٢٢٩ ، مصنّف عبد الرزاق ٤ : ٤١٨ / ٨٢٨٥.


بالشاة ، ولم يخالفه أحد من الصحابة(١) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « الـمُحْرم إذا أصاب حمامةً ففيها شاة »(٢) .

ولأنّها حمامة [ مضمونة ](٣) لحقّ الله تعالى ، فضُمنت بالشاة ، كحمامة الحرم.

ولأنّ الشاة مِثْلٌ لما في الحرم فتكون كذلك في الإِحرام ؛ لقوله تعالى :( فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ) (٤) .

وقال أبو حنيفة ومالك : فيه القيمة - إلّا أنّ مالكاً وافقنا في حمام الحرم دون حمام الإِحرام - لأنّ الحمامة لا مثل لها ، فتجب القيمة.

ولأنّ القياس يقتضي القيمة في كلّ الطير ، تركناه في حمام الحرم ؛ لقضاء الصحابة ، فيبقى ما عداه على الأصل(٥) .

وقد بيّنّا أنّ المماثلة في الحقيقة أو الصورة غير مرادة ، بل ما شابهها شرعاً ، وقد بيّنّا أنّ الشارع حَكَم في الحمامة بشاة ، مع قوله تعالى :( فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ) (٦) فدلّ على ثبوت المماثلة الشرعية بينهما. وهو الجواب عن الثاني.

مسألة ٣٣٥ : الشاة تجب بقتل الـمُحْرم للحمامة ، أمّا الـمُحِلُّ لو قتلها في الحرم ، فإنّه يجب عليه القيمة ، وهي درهم عند علمائنا ، لقول الصادق‌

____________________

(١) سنن البيهقي ٥ : ٢٠٥ ، المغني ٣ : ٥٥٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٦٣.

(٢) الكافي ٤ : ٣٨٩ / ١ ، التهذيب ٥ : ٣٤٥ / ١١٩٧ ، الاستبصار ٢ : ٢٠٠ / ٦٧٨.

(٣) أضفناها من المغني والشرح الكبير.

(٤) المائدة : ٩٥.

(٥) المغني ٣ : ٥٥٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٦٣ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٩٨ ، بداية المجتهد ١ : ٣٦٢ ، المنتقى - للباجي - ٢ : ٢٥٤ ، حلية العلماء ٣ : ٣١٧.

(٦) المائدة : ٩٥.


عليه‌السلام : « في الحمامة درهم »(١) .

وسأل عبدُ الرحمن بن الحجّاج الصادقَعليه‌السلام : عن فرخين مسرولين(٢) ذبحتُهما وأنا بمكة مُحِلٌّ ، فقال لي : « لِمَ ذبحتهما؟ » قلت : جاءتني بهما جارية قوم من أهل مكة ، فسألتني أن أذبحهما لها ، فظننت أنّي بالكوفة ، ولم أذكر أنّي بالحرم فذبحتُهما ، فقال : « تصدّق بثمنهما » قلت : كم ثمنهما؟ قال : « درهم خيرٌ من ثمنهما »(٣) .

ولو كانت القيمة أزيد من درهم أو أنقص ، فالأقرب : الغرم ؛ عملاً بالنصوص ، والأحوط : وجوب الأزيد من الدرهم والقيمة.

مسألة ٣٣٦ : لو كان القاتل للحمام مُحْرماً في الحرم ، وجب عليه الجزاء والقيمة معاً ، فيجب عليه عن كلّ حمامة شاة ودرهم ؛ لأنّه يهتك حرمةَ الحرم والإِحرام ، فكان عليه فداؤهما.

ولأنّ الشاة تجب على الـمُحْرم في الحِلّ ، والدرهم يجب على الـمُحِلّ في الحرم ، فالـمُحْرم في الحرم يجب عليه الأمران ؛ لأنّه اجتمع فيه الوصفان :

ولأنّ أبا بصير سأل الصادقَعليه‌السلام : عن مُحْرم قتل حمامةً من حمام الحرم خارجاً من الحرم ، قال : فقال : « عليه شاة » قلت : فإن(٤) قتلها في جوف الحرم؟ قال : « عليه شاة وقيمة الحمامة » قلت : فإن(٥) قتلها في الحرم وهو حلال؟ قال : « عليه ثمنها ليس غيره »(٦) .

مسألة ٣٣٧ : لو قتل فرخاً من فراخ الحمام ، وجب عليه حمل قد فُطم ورعى الشجر إن كان مُحْرماً ؛ لما تقدّم من المماثلة بين الجزاء والصيد ، ومثل‌

____________________

(١) الكافي ٤ : ٢٣٤ / ١٠ ، التهذيب ٥ : ٣٤٥ / ١١٩٦ ، الاستبصار ٢ : ٢٠٠ / ٦٧٧.

(٢) أي : في رجليهما ريش. مجمع البحرين ٥ : ٣٩٦ « سرول ».

(٣) التهذيب ٥ : ٣٤٦ / ١٢٠٠ ، الاستبصار ٢ : ٢٠١ / ٦٨١.

(٤ و ٥) في النسخ الخطيّة والحجرية : فإنّه. وما أثبتناه من المصدر.

(٦) التهذيب ٥ : ٣٤٧ / ١٢٠٣.


الصغير صغير.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « فإن كان فرخاً فجدي أو حمل صغير من الضأن »(١) .

ولو كان القاتل للفرخ مُحِلاً في الحرم ، وجب عليه نصف درهم ، ولو كان مُحْرماً في الحرم ، وجب عليه الجزاء والقيمة معاً ، فيجب حملٌ ونصفُ درهم ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « في الحمامة درهم ، وفي الفرخ نصف درهم ، وفي البيض رُبْع درهم »(٢) .

مسألة ٣٣٨ : لو كسر الـمُحْرم بيض الحمام ولم يكن قد تحرّك فيه الفرخ ، وجب عليه عن كلّ بيضة درهم ، وإن كان قد تحرّك فيه الفرخ ، وجب عليه عن كلّ بيضة حمل ، هذا إن كان في الحلّ ، لقول الصادقعليه‌السلام : « وإن وطأ الـمُحْرم بيضةً فكسرها فعليه درهم ، كلّ هذا يتصدّق به بمكة ومنى ، وهو قول الله تعالى :( تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ ) (٣) »(٤) .

ولو كان الكاسر مُحلاً في الحرم ، فعليه لكلّ بيضة رُبْع درهم ؛ لقولهعليه‌السلام : « وفي البيض رُبْع درهم »(٥) .

ولو كان مُحْرماً في الحرم ، وجب عليه عن كلّ بيضة درهمٌ ورُبْعٌ.

مسألة ٣٣٩ : لا فرق بين حمام الحرم والأهلي في القيمة إذا قُتل في الحرم ، إلّا أنّ حمام الحرم يشترى بقيمته علف لحمامه ، والأهلي يتصدّق بثمنه على المساكين ، عند العلماء ، إلّا داود ؛ فإنّه قال : لا جزاء في صيد الحرم(٦) ؛ لأصالة البراءة.

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٣٤٦ / ١٢٠١ ، الاستبصار ٢ : ٢٠١ / ٦٨٢.

(٢) الكافي ٤ : ٢٣٤ / ١٠ ، التهذيب ٥ : ٣٤٥ / ١١٩٦ ، الاستبصار ٢ : ٢٠٠ / ٦٧٧.

(٣) المائدة : ٩٤.

(٤) التهذيب ٥ : ٣٤٦ / ١٢٠٢ ، الاستبصار ٢ : ٢٠١ / ٦٨٣.

(٥) المصادر في الهامش (٢)

(٦) حكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٤٠٦ ، المسألة ٢٧٧.


وهو غلط ؛ لما بيّنّا من أنّ جماعةً من الصحابة حكموا في حمام الحرم بشاة.

ولأنّه صيد ممنوع منه لحقّ الله تعالى ، فأشبه الصيد في الحرم.

ولأنّ حمّاد بن عثمان سأل الصادقعليه‌السلام : عن رجل أصاب طيرين : واحداً من حمام الحرم ، والآخر من حمام غير الحرم ، قال : « يشتري بقيمة الذي من حمام الحرم قمحاً ، فيطعمه حمام الحرم ، ويتصدّق بجزاء الآخر »(١) .

مسألة ٣٤٠ : في كلّ واحد من القطا والحجل والدراج حَمْل قد فُطم ورعى الشجر ، وحدّه ما كمل أربعة أشهر لغةً ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « وجدنا في كتاب عليّعليه‌السلام : في القطاة إذا أصابها المـُحْرم حَمْل قد فُطم من اللبن وأكل من الشجر »(٢) .

وقال الباقرعليه‌السلام : « في كتاب عليعليه‌السلام : مَنْ أصاب قطاةً أو حجلةً أو دراجةً أو نظيرهنّ فعليه دم »(٣) .

وأوجب ابن عباس وعطاء وجابر شاة شاة(٤) .

مسألة ٣٤١ : في العصفور والصعوة والقبرة وما أشبهها مُدُّ من طعام عند أكثر علمائنا(٥) ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « القبرة والصعوة والعصفور إذا قتله المـُحْرم فعليه مُدُّ من طعام عن كلّ واحد منهم »(٦) .

وقال داود : لا يضمن ما كان أصغر من الحمام ؛ لقوله تعالى :( فَجَزاءٌ

____________________

(١) الكافي ٤ : ٣٩٠ / ١٠ ، التهذيب ٥ : ٣٥٣ / ١٢٢٨.

(٢) التهذيب ٥ : ٣٤٤ / ١١٩٠.

(٣) الكافي ٤ : ٣٩٠ / ٩ ، التهذيب ٥ : ٣٤٤ / ١١٩١.

(٤) المغني ٣ : ٥٥٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٦٦.

(٥) منهم : الشيخ الطوسي في النهاية : ٢٢٣ ، وابن إدريس في السرائر : ١٣١ ، والمحقّق في شرائع الإِسلام ١ : ٢٨٧.

(٦) التهذيب ٥ : ٣٤٤ / ١١٩٣.


مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ) (١) وهذا لا مِثْل له(٢) .

وليس بجيّد ؛ لعموم قوله تعالى :( تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ ) (٣) يعني الفرخ والبيض ما يعجز عن الفرار من صغار الصيد ، ورماحكم ، يعني الكبار.

وروى العامّة عن ابن عباس : أنّه حكم في الجراد بجزاء(٤) .

ومن طريق الخاصّة : ما تقدّم(٥) .

مسألة ٣٤٢ : الزنبور إن قتله المـُحْرم خطأً ، لم يكن عليه شي‌ء فيه ، وإن قتله عمداً ، كان عليه كفُّ من طعام - وبه قال مالك(٦) - لأنّ معاوية بن عمّار سأل الصادقعليه‌السلام : عن مُحْرم قتل زنبوراً ، فقال : « إن كان خطأً فلا شي‌ء » قلت : بل عمداً ، قال : « يُطعم شيئاً من الطعام »(٧) .

وقال الشافعي وأحمد : لا شي‌ء فيه(٨) .

أمّا الهوامّ من الحيّات والعقارب وغير ذلك فلا يلزمه شي‌ء بقتله ، ولا يقتله إذا لم يرده ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « كلّ ما يخاف المـُحْرم على نفسه من السباع والحيّات وغيرها فليقتله ، وإن لم يرده فلا يرده »(٩) .

وأمّا القمل والبقّ وأشباههما فلا بأس بقتلها للمحلّ في الحرم ؛ لقول‌

____________________

(١) المائدة : ٩٥.

(٢) المغني ٣ : ٥٥٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٦٥ ، حلية العلماء ٣ : ٣١٧ ، الحاوي الكبير ٤ : ٣٣٠.

(٣) المائدة : ٩٤.

(٤) المغني ٣ : ٥٥٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٦٥ ، الحاوي الكبير ٤ : ٣٣٠.

(٥) تقدّم في صدر المسألة.

(٦) المغني ٣ : ٣٤٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٣١١.

(٧) الكافي ٤ : ٣٦٤ / ٥ ، التهذيب ٥ : ٣٦٥ / ١٢٧١.

(٨) المغني ٣ : ٣٤٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٣١١.

(٩) الكافي ٤ : ٣٦٣ / ١ ، التهذيب ٥ : ٣٦٥ / ١٢٧٢ ، الاستبصار ٢ : ٢٠٨ / ٧١١ ، بتفاوت يسير في بعض الألفاظ.


الصادقعليه‌السلام : « لا بأس بقتل القمل والبق في الحرم »(١) .

قال الشيخ : ولو كان مُحْرماً ، لزمته الكفّارة(٢) . وهو جيّد ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « وإن قتل شيئاً من ذلك - يعني القمل - خطأً ، فليطعم مكانها طعاماً قبضةً بيده »(٣) .

وكذا إذا ألقاها عن جسده ، وقد تقدّم(٤) .

مسألة ٣٤٣ : مَنْ قتل جرادةً وهو مُحْرم كان عليه كفُّ من طعام أو تمرة ، ولو كان كثيراً ، كان عليه دم شاة ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : في مُحْرم قتل جرادةً ، قال : « يُطعم تمرةً ، وتمرةٌ خير من جرادة »(٥) .

وسأل محمّدُ بن مسلم الصادقعليه‌السلام : عن مُحْرم قتل جراداً ، قال : « كفُّ من طعام ، وإن كان أكثر فعليه دم شاة »(٦) .

ولو عمّ الجرادُ المسالكَ ولم يتمكّن من الاحتراز عن قتله ، لم يكن عليه شي‌ء ، وبه قال عطاء والشافعي في أحد القولين ، وفي الآخر : عليه الضمان(٧) .

لنا : أصالة البراءة.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « على المـُحْرم أن يتنكّب(٨) عن الجراد إذا‌

____________________

(١) الفقيه ٢ : ١٧٢ / ١٦١ ، التهذيب ٥ : ٣٦٦ / ١٢٧٧ بتفاوت.

(٢) التهذيب ٥ : ٣٦٦ ذيل الحديث ١٢٧٥.

(٣) التهذيب ٥ : ٣٣٦ / ١١٦٠ ، الاستبصار ٢ : ١٩٦ - ١٩٧ / ٦٦١.

(٤) تقدّم في المسألة ٢٢٢.

(٥) الكافي ٤ : ٣٩٣ / ٤ ، التهذيب ٥ : ٣٦٣ - ٣٦٤ / ١٢٦٥ ، الاستبصار ٢ : ٢٠٧ / ٧٠٦.

(٦) التهذيب ٥ : ٣٦٤ / ١٢٦٧ ، الاستبصار ٢ : ٢٠٨ / ٧٠٨.

(٧) الاُم ٢ : ٢٠٠ ، الوجيز ١ : ١٢٨ ، فتح العزيز ٧ : ٤٩٨ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢١٩ - ٢٢٠ ، المجموع ٧ : ٣٣٧ ، حلية العلماء ٣ : ٣٠٠ ، وحكاه عنهما الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٤١٥ ، المسألة ٢٩٥.

(٨) التنكّب : العدول والميل. مجمع البحرين ٢ : ١٧٦ « نكب ».


كان على طريقه ، وإن لم يجد بُدّاً فقتل فلا بأس »(١) .

مسألة ٣٤٤ : في كلّ واحد من الضبّ والقنفذ واليربوع جدي ؛ لقوله تعالى :( فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ) (٢) .

ولما تقدّم(٣) من أنّ الصحابة قضوا فيما ذكرنا بمثله من النعم : قضى عمر وابن مسعود في اليربوع بجفرة. وقضى عمر وأربد(٤) في الضبّ بجدي. وقضى جابر بن عبد الله فيه بشاة(٥) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « في اليربوع والقنفذ والضبّ إذا أصابه المـُحْرم جدي ، والجدي خيرٌ منه ، وإنّما جعل هذا لكي ينكل عن فعل غيره من الصيد »(٦) .

البحث الثالث : فيما لا نصّ فيه‌

مسألة ٣٤٥ : ما لا مِثْلَ له من الصيد ولا تقدير شرعي فيه يرجع إلى قول عدلين يقوّمانه ، وتجب عليه القيمة التي يقدّرانها فيه.

ويشترط في الحَكَمين العدالةُ إجماعاً ؛ للآية(٧) . ولا بدّ وأن يكونا اثنين فما زاد ؛ للآية(٨) .

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٣٦٤ / ١٢٦٨ ، الاستبصار ٢ : ٢٠٨ / ٧١٠.

(٢) المائدة : ٩٥.

(٣) تقدّم في ص ٤٠٠‌

(٤) في النسخ الخطية والحجرية والشرح الكبير : « زيد » بدل « أربد » وما أثبتناه من المغني وسنن البيهقي والحاوي الكبير.

(٥) المغني ٣ : ٥٤٧ - ٥٤٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٦٢ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٩٢ ، فتح العزيز ٧ : ٥٠٢ - ٥٠٣ ، المجموع ٧ : ٤٢٩ و ٤٤٠ ، بداية المجتهد ١ : ٣٦٢ ، سنن البيهقي ٥ : ١٨٤ و ١٨٥.

(٦) التهذيب ٥ : ٣٤٤ / ١١٩٢.

(٧ و ٨ ) المائدة : ٩٥.


ولو كان القاتل أحدهما ، جاز - وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق وابن المنذر(١) - لقوله تعالى :( يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ ) (٢) والقاتل مع غيره ذوا عدل منّا ، فيكون مقبولاً.

ولأنّه مال يخرج في حقّ الله تعالى ، فجاز أن يكون مَنْ وجب عليه أميناً فيه ، كالزكاة.

وقال النخعي : لا يجوز ؛ لأنّ الإِنسان لا يحكم لنفسه(٣) .

وهو ممنوع كما في الزكاة.

ولو قيل : إن كان القتل عمداً عدواناً ، لم يجز حكمه ؛ لفسقه ، وإلّا جاز ، كان وجهاً.

ولو حَكَم اثنان بأنّ له مِثْلاً وآخران بانتفاء المثل ، قال بعض العامّة : الأخذ بالأول أولى(٤) .

مسألة ٣٤٦ : قال الشيخرحمه‌الله : في البطّ والإوز والكركي شاة ، وهو الأحوط.

قال : وإن قلنا : فيه القيمة ؛ لأنّه لا نصّ فيه ، كان جائزاً(٥) .

وهو الظاهر من قول ابن بابويه ؛ لأنّه أوجب شاةً في كلّ طائر عدا النعامة(٦) .

ويؤيّده : قول الصادقعليه‌السلام : في مُحْرم ذبح طيراً : « إنّ عليه دم‌

____________________

(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٢٣ ، المجموع ٧ : ٤٢٣ و ٤٣٠ ، الوجيز ١ : ١٢٨ ، فتح العزيز ٧ : ٥٠٣ ، حلية العلماء ٣ : ٣١٧ ، المغني ٣ : ٥٤٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٦٣.

(٢) المائدة : ٩٥.

(٣) المغني ٣ : ٥٤٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٦٣.

(٤) فتح العزيز ٧ : ٥٠٤ ، المجموع ٧ : ٤٣١.

(٥) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٤٦.

(٦) المقنع : ٧٨.


شاة يهريقه ، فإن كان فرخاً فجدي أو حمل صغير من الضأن »(١) وهو عامّ.

قال الشيخرحمه‌الله : مَنْ قتل عظايةً كان عليه كفٌّ من طعام ؛ لأنّ معاوية بن عمّار سأل الصادقَعليه‌السلام : عن مُحْرم قتل عظايةً ، قال : « كفٌّ من طعام »(٢) .

إذا ثبت هذا : فالقيمة واجبة في قتل كلّ ما لا تقدير فيه شرعاً ، وكذا البيوض التي لا نصّ في تقديرها.

مسألة ٣٤٧ : يضمن الكبير من ذوات الأمثال بكبير ، والصغير بصغير ، وإن ضمنه بكبير ، كان أولى ، ويضمن الذكر بمثله والاُنثى بمثلها - وبه قال الشافعي(٣) - لقوله تعالى :( فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ ) (٤) .

وقال مالك : يضمن الأصغر بكبير ؛ لقوله تعالى( هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ ) (٥) والصغير لا يُهدى(٦) . وهو ممنوع.

وكذا يضمن الصحيح بصحيح إجماعاً ، والمعيب بمثله ، وإن ضمنه بصحيح ، كان أحوط ، وبه قال الشافعي وأحمد(٧) .

وقال مالك : يضمن المعيب بصحيح(٨) . وقد تقدّم.

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٣٤٦ / ١٢٠١ ، الاستبصار ٢ : ٢٠١ / ٦٨٢.

(٢) التهذيب ٥ : ٣٤٤ - ٣٤٥ ، والحديث ١١٩٤.

(٣) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٢٣ ، المجموع ٧ : ٤٣٩ ، فتح العزيز ٧ : ٥٠٤ ، حلية العلماء ٣ : ٣١٦ ، المغني ٣ : ٥٤٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٦٤ ، بداية المجتهد ١ : ٣٦٢.

(٤ و ٥ ) المائدة : ٩٥.

(٦) بداية المجتهد ١ : ٣٦٢ ، المنتقى - للباجي - ٢ : ٢٥٥ ، المغني ٣ : ٥٤٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٦٤ ، حلية العلماء ٣ : ٣١٦ ، فتح العزيز ٧ : ٥٠٤ ، المجموع ٧ : ٤٣٩.

(٧) فتح العزيز ٧ : ٥٠٥ ، المجموع ٧ : ٤٣٢ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٩٥ ، المغني ٣ : ٥٤٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٦٤.

(٨) المنتقى - للباجي - ٢ : ٢٥٥ ، المغني ٣ : ٥٤٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٦٤ ، فتح العزيز ٧ : ٥٠٥ ، المجموع ٧ : ٤٣٩ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٩٥.


ولو اختلف العيب بالجنس ، فإن فدى الأعرج بأعور أو بالعكس ، لم يجز ، أمّا لو اختلف بالمحلّ بأن فدى الأعور من اليمنى بالأعور من اليسرى أو الأعرج من إحدى الرِّجْلين بأعرج الاُخرى ، جاز ؛ لعدم الخروج به عن المماثلة.

ويُفدى الذكر بمثله أو بالاُنثى ؛ لأنّها أطيب لحماً وأرطب.

وللشافعي قولان(١) .

وتُفدى الاُنثى بمثلها.

وهل يجزئ الذكر؟

قيل : نعم ؛ لأنّ لحمه أوفر ، فتساويا.

وقيل بالمنع ؛ لأنّ زيادته ليست من جنس زيادتها ، فأشبه اختلاف العيب جنساً ، ولاختلافهما خلقةً ، فيقدح في المثلية(٢) .

وللشافعي قولان(٣) .

والشيخ -رحمه‌الله - جوّز الجميع ؛ لقوله تعالى :( فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ ) (٤) ومعلومٌ أنّ المراد المثل في الخلقة ؛ لعدم اعتبار الصفات الاُخرى ، كاللون(٥) .

ولو قتل ماخضاً ، ضمنها بماخض مثلها ؛ للآية(٦) ، ولأنّ الحمل فضيلة مقصودة ، فلا سبيل إلى إهمالها ، وبه قال الشافعي ، إلّا أنّه قال : لا تذبح الحامل ؛ لأنّ فضيلة الحامل بالقيمة ، لتوقّع الولد(٧) .

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٥٠٥ ، المجموع ٧ : ٤٣٢.

(٢) انظر : المغني ٣ : ٥٥٠ ، والشرح الكبير ٣ : ٣٦٥.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٥٠٥ ، المجموع ٧ : ٤٣٢ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٩٦.

(٤) المائدة : ٩٥.

(٥) الخلاف ٢ : ٤٠٠ - ٤٠١ ، المسألة ٢٦٤.

(٦) المائدة : ٩٥.

(٧) فتح العزيز ٧ : ٥٠٦ ، المجموع ٧ : ٤٣٣ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٩٦.


وقال الشافعي [ أيضاً ] : يضمنها بقيمة مثلها ؛ لأنّ قيمته أكثر من قيمة لحمه(١) .

وهو عدول عن المثل مع إمكانه ، ولا عبرة بالزيادة والنقصان في القيمة مع إمكان المثل.

ولو فداها بغير ماخض ، ففي الإِجزاء نظر : من حيث عدم المماثلة ، ومن حيث إنّ هذه الصفة لا تزيد في لحمها ، بل قد تنقصه غالباً ، فلا يشترط وجود مثلها في الجزاء ، كالعيب واللون.

ولو أصاب صيداً حاملاً فألقت جنيناً ، فإن خرج حيّاً وماتا معاً ، لزمه فداؤهما معاً ، فيفدي الاُم بمثلها ، والصغير بصغير.

وإن عاشا ، فإن لم يحصل عيب ، فلا شي‌ء ؛ عملاً بالأصل ، وإن حصل ، ضمنه بأرشه.

ولو مات أحدهما دون الآخر ، ضمن التالف خاصّةً.

وإن خرج ميّتاً ، ضمن الأرش ، وهو : ما بين قيمتها حاملاً ومُجْهِضاً(٢) .

البحث الرابع : في أسباب الضمان‌

وهو أمران :

الأول : المباشرة‌

مسألة ٣٤٨ : قد بيّنّا أنّ مَنْ قتل صيداً وجب عليه فداؤه ، فإن أكله ، لزمه فداء آخر - وبه قال عطاء وأبو حنيفة(٣) - لأنّه أكل من صيد مُحرَّم عليه ،

____________________

(١) المغني ٣ : ٥٥٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٦٤ ، وما بين المعقوفين لأجل السياق.

(٢) أجهضت : أي أسقطت حملها. لسان العرب ٧ : ١٣٢ « جهض ».

(٣) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٨٦ ، بدائع الصنائع ٢ : ٢٠٣ و ٢٠٤ ، بداية المجتهد ١ : ٣٥٩ ، المنتقى - للباجي - ٢ : ٢٥٠ ، حلية العلماء ٣ : ٢٩٨ ، المغني ٣ : ٢٩٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٠٢ ، الحاوي الكبير ٤ : ٣٠٣.


فوجب عليه فداؤه ، كما لو صيد لأجله.

وقال بعض علمائنا : يجب عليه بالقتل فداء وبالأكل قيمة ما أكل(١) .

وقال مالك والشافعي : لا يضمن الأكل(٢) . وقد تقدّم(٣) بطلانه.

ولا فرق بين أن يُفدي القتيل قبل الأكل أو لا في وجوب الفداءين معاً أو الفداء والقيمةً ؛ لأنّه تناول محظور إحرامه ، فلزمه الجزاء.

وقال أبو حنيفة : إذا ذبحه وأكله قبل أن يؤدّي الجزاء ، دخل ضمان الأكل في ضمان الجزاء ، وإن أكل بعد ما أدّى قيمته ، فعليه قيمة ما أكل(٤) .

وقال أبو يوسف ومحمد : لا يضمن عن الأكل شيئاً ، وعليه الاستغفار ؛ لأنّ حرمته لكونه ميتةً ، لا أنّه جناية على الإِحرام ، وذلك لا يوجب إلّا الاستغفار(٥) .

ونمنع عدم الإِيجاب بما تقدّم.

مسألة ٣٤٩ : حكم البيض حكم الصيد في تحريم أكله إجماعاً ، وسواء كسره هو أو مُحْرمٌ آخر.

ولو كسره حلال ، كان على المـُحْرم إذا أكله قيمته ، سواء اُخذ لأجله أو لغيره ، خلافاً لبعض العامّة ، كما خالف في أكل اللحم ، فجوَّزه إذا ذُبح لا‌

____________________

(١) الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٤٠٥ ، المسألة ٢٧٤ ، وكما في شرائع الإِسلام ١ : ٢٨٨.

(٢) المنتقى - للباجي - ٢ : ٢٥٠ ، بداية المجتهد ١ : ٣٥٩ ، الحاوي الكبير ٤ : ٣٠٢ و ٣٠٣ ، حلية العلماء ٣ : ٢٩٨ ، المجموع ٧ : ٣٠٤ و ٣٠٥ و ٣٣٠ ، بدائع الصنائع ٢ : ٢٠٤ ، المغني ٣ : ٢٩٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٠٢.

(٣) تقدّم في المسألة ٢٠٦.

(٤) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٨٦ ، الهداية - للمرغيناني - ١ : ١٧٣ ، بدائع الصنائع ٢ : ٢٠٣ و ٢٠٤ ، المنتقى - للباجي - ٢ : ٢٥٠ ، المجموع ٧ : ٣٣٠.

(٥) بدائع الصنائع ٢ : ٢٠٤ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٨٦ ، الهداية - للمرغيناني - ١ : ١٧٣ ، المنتقى - للباجي - ٢ : ٢٥٠ ، المجموع ٧ : ٣٣٠.


لأجله ، وَمَنعه إذا ذُبح لأجله(١) .

وقد بيّنّا عدم الفرق.

ولو كسر المـُحْرم بيض الصيد ، لم يحرم على المـُحِلّ أكله وإن وجب على المـُحْرم فداء الكسر ؛ لأنّ حلّه لا يقف على كسره ، ولا يعتبر له أهل يصدر عنه ، بل لو انكسر من نفسه أو كَسَره مجوسي ، لم يحرم ، فأشبه قطع اللحم وطبخه.

وقال بعض العامّة : يحرم على المـُحِلّ أكله - وهو قول الشيخ(٢) رحمه‌الله - كذبح المـُحْرم الصيد(٣) . وليس بجيّد.

مسألة ٣٥٠ : لو اشترى مُحلُّ لمـُحرم بيضَ نعام فأكله المـُحْرم ، كان على المـُحْرم عن كلّ بيضة شاة ، وعلى المـُحِلّ عن كلّ بيضة درهم.

أمّا وجوب الشاة على المـُحْرم : فلأنّه جزاء البيضة على ما قلناه ، وقد بيّنّا وجوب الجزاء على المـُحْرم بالأكل ، كما يجب بالصيد والكسر.

وأمّا وجوب الدرهم على المـُحِلّ : فلإِعانته ، وهي تستلزم الضمان.

ولأنّ أبا عبيدة سأل الباقرَعليه‌السلام : عن رجل مُحِلٍّ اشترى لرجل مُحْرمٍ بيضَ نعام ، فأكله المـُحْرم ، فما على الذي أكله؟ فقال : « على الذي اشتراه فداء لكلّ بيضة درهم ، وعلى المـُحْرم لكلّ بيضة شاة »(٤) .

إذا عرفت هذا ، فالمضمون من البيوض ، إنّما هو بيض الصيد الحرام ، أمّا بيض ما يباح أكله للمُحْرم ، كبيض الدجاج الحبشي ، فإنّه حلال لا يجب بكسره شي‌ء ؛ لأنّ أصله غير مضمون ، ففرعه أولى.

مسألة ٣٥١ : لو أتلف جزءاً من الصيد ، ضمنه بإجماع العلماء‌ - إلّا

____________________

(١) المغني ٣ : ٥٥٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٠٤.

(٢) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٤٨.

(٣) المغني ٣ : ٥٥٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٠٤.

(٤) التهذيب ٥ : ٣٥٥ - ٣٥٦ / ١٢٣٥.


داود وأهل الظاهر ؛ فإنّهم قالوا : لا شي‌ء في أبعاض الصيد(١) - لأنّ الجملة مضمونة ، فأبعاضها كذلك ، كالآدمي.

ولأنّ النبيعليه‌السلام نهى عن التنفير(٢) ، فعن الجرح أولى ، وما كان محرّماً من الصيد كان مضموناً.

قال الشيخرحمه‌الله : في كسر قرني الغزال نصف قيمته ، وفي كلّ واحد ربع القيمة ، وفي عينيه كمال قيمته ، وفي كسر إحدى يديه نصف قيمته ، وكذا في كسر إحدى رجليه ، ولو كسر يديه معاً ، وجب عليه كمال القيمة ، وكذا لو كسر رجليه معاً ، ولو قَتَله ، كان عليه فداء واحد(٣) .

وقال بعض العامّة : يضمن بمثله من مثله ؛ لأنّ ما وجب جملته بالمثل وجب في بعضه مثله ، كالمثليات(٤) .

وقال آخرون : يجب قيمة مقداره من مثله ؛ لمشقّة إخراج الجزاء ، فيمتنع إيجابه ، ولهذا لم يوجب الشارع جزءاً من بعير في خمس من الإِبل ، وعَدَل إلى إيجاب شاة ، وليست من الجنس ؛ طلباً للتخفيف(٥) .

وليس بجيّد ؛ لما بيّنّا من أنّ الكفّارة مخيّرة هنا ، وهذا القائل يوافقنا عليه ، فتنتفي المشقّة ؛ لوجود الخيرة في العدول عن المثل إلى عدله من الطعام أو الصيام.

والشيخ -رحمه‌الله - استدلّ برواية أبي بصير عن الصادقعليه‌السلام ، قال : قلت : ما تقول في مُحْرم كسر أحد قرني غزال في الحِلّ؟ قال : « عليه‌

____________________

(١) الحاوي الكبير ٤ : ٢٩٧ - ٢٩٨ ، وحكاه الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٤٠١ ، المسألة ٢٦٥.

(٢) صحيح البخاري ٢ : ١٨١ ، صحيح مسلم ٢ : ٩٨٦ - ٩٨٧ / ١٣٥٣ ، سنن أبي داود ٢ : ٢١٢ / ٢٠١٧ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٣٨ / ٣١٠٩ ، سنن النسائي ٥ : ٢٠٣ ، سنن البيهقي ٥ : ١٩٥ ، مسند أحمد ١ : ١١٩.

(٣) النهاية : ٢٢٧ ، المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٤٢.

(٤ و ٥) المغني ٣ : ٥٥١ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٦٦.


ربع قيمة الغزال » قلت : فإن هو كسر قرنيه؟ قال : « عليه نصف قيمته يتصدّق به » قلت : فإن هو فقأ عينيه؟ قال : « عليه قيمته » قلت : فإن هو كسر إحدى يديه؟ قال : « عليه نصف قيمته » قلت : فإن كسر إحدى رجليه؟ قال : « عليه نصف قيمته » قلت : فإن هو قتله؟ قال : « عليه قيمته » قلت : فإن هو فعل وهو مُحْرم في الحرم(١) ؟ قال : « عليه دم يهريقه ، وعليه هذه القيمة إذا كان مُحْرماً في الحرم »(٢) .

مسألة ٣٥٢ : لو نتف ريشةً من حمام الحرم ، وجب عليه أن يتصدّق بشي‌ء باليد التي نتف بها ؛ لأنّها آلة الجناية.

ولأنّ إبراهيم بن ميمون قال للصادقعليه‌السلام : رجل نتف ريشة حمامة من حمام الحرم ، قال : « يتصدّق بصدقة على مسكين ، ويطعم باليد التي نتفها فإنّه قد أوجعها »(٣) .

إذا عرفت هذا ، فلو تعدّد الريش ، فإن كان بالتفريق ، فالوجه : تكرّر الفدية ، وإلّا فالأرش ، وبه قال الشافعي وأبو ثور(٤) .

وقال مالك وأبو حنيفة : قيمة الجزاء جميعه(٥) .

وليس بجيّد ؛ لأنّه نقصه نقصاً يمكنه إزالته ، فلا يضمنه بأسره ، كما لو جرحه.

ولو حفظه حتى نبت ريشه ، كان عليه صدقة ؛ لحصول السبب.

وقال بعض العامّة : لا ضمان عليه ؛ لزوال النقص(٦) .

____________________

(١) في المصدر : في الحلّ.

(٢) التهذيب ٥ : ٣٨٧ / ١٣٥٤.

(٣) التهذيب ٥ : ٣٤٨ - ٣٤٩ / ١٢١٠.

(٤) المجموع ٧ : ٤٣٦ ، حلية العلماء ٣ : ٣١٩ ، المغني ٣ : ٥٥٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٦٨.

(٥) الهداية - للمرغيناني - ١ : ١٧١ ، المغني ٣ : ٥٥٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٦٨.

(٦) المغني ٣ : ٥٥٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٦٨.


وهو خطأ ؛ لأنّ المتجدّد غير الزائل.

مسألة ٣٥٣ : لو جرح الصيد ، ضمن الجرح على قدره ، وهو قول العلماء(١) ، إلّا داود وأهل الظاهر ؛ فإنّهم لم يوجبوا شيئاً(٢) . وهو غلط.

ثم يعتبر حاله ، فإن رآه سويّاً بعد ذلك ، وجب عليه الأرش ؛ لوجود سبب الضمان ، والاندمال غير مسقط للفدية ، كالآدمي.

ولو أصابه ولم يؤثّر فيه ، فلا شي‌ء ؛ للأصل.

ولقول الصادقعليه‌السلام لمـّا سأله أبو بصير عن مُحْرم رمى صيداً فأصاب يده فعرج ، فقال : « إن كان الظبي مشى عليها ورعى وهو ينظر إليه فلا شي‌ء عليه ، وإن كان الظبي ذهب لوجهه وهو رافعها فلا يدري ما صنع فعليه فداؤه ، لأنّه لا يدري لعلّه قد هلك »(٣) .

ولو كسر يده أو رجله ثم رآه وقد صلح ورعى ، وجب عليه ربع الفداء ؛ لما رواه أبو بصير عن الصادقعليه‌السلام ، قال : قلت له : رجل رمى ظبياً وهو مُحْرم فكسر يده أو رجله فذهب الظبي على وجهه فلم يدر ما صنع ، فقال : « عليه فداؤه » قلت : فإنّه رآه بعد ذلك مشى ، قال : « عليه ربع ثمنه »(٤) .

ولو جرح الصيد فاندمل وصار غير ممتنع ، فالوجه : الأرش.

وقال الشيخرحمه‌الله : يضمن الجميع(٥) - وهو قول أبي حنيفة(٦) - لأنّه مُفضٍ إلى تلفه. وهو ممنوع.

____________________

(١ و ٢ ) الحاوي الكبير ٤ : ٢٩٧ ، حلية العلماء ٣ : ٣٢٠ ، وحكاه الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٤٠١ ، المسألة ٢٦٥.

(٣) التهذيب ٥ : ٣٥٨ / ١٢٤٥ ، الاستبصار ٢ : ٢٠٥ - ٢٠٦ / ٧٠٠.

(٤) التهذيب ٥ : ٣٥٩ / ١٢٤٨ ، الاستبصار ٢ : ٢٠٥ / ٦٩٩.

(٥) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٤٩.

(٦) بدائع الصنائع ٢ : ٢٠٥ ، المغني ٣ : ٥٥١ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٦٧.


ولو جرحه فغاب عن عينيه(١) ولم يعلم حاله ، وجب عليه ضمانه أجمع ؛ لأنّ علي بن جعفر سأل الكاظمعليه‌السلام : عن رجل رمى صيداً وهو مُحْرمٌ ، فكسر يده أو رجله ، فمضى الصيد على وجهه ، فلم يدر الرجل ما صنع الصيد ، قال : « عليه الفداء كاملاً إذا لم يدر ما صنع الصيد»(٢) .

وقال بعض العامّة : إن كان الجرح موجباً - وهو الذي لا يعيش معها غالباً - ضمنه بأسره ، وإلّا ضمن النقص لا الجميع ؛ لعدم العلم بحصول التلف(٣) .

وليس بجيّد ؛ لأنّه فَعَلَ ما يحصل معه التلف ، فكان ضامناً.

ولو رآه ميّتاً ولم يعلم أمات من الجناية أو غيرها ، ضمنه.

وقال بعض العامّة : لا يضمنه ؛ لعدم العلم بالإِتلاف(٤) .

وليس بجيّد ؛ لأنّه وجد سبب إتلافه منه ولم يعلم له سبب آخر ، فوجب إحالته عليه ؛ لأنّه السبب المعلوم.

ولو صيّرته الجناية غير ممتنع ، فلم يعلم أصار ممتنعاً أم لا ، ضمنه عندنا بأعلى الأرشين ؛ لأنّ الأصل عدم الامتناع.

ولو رماه ولم يعلم هل أثّر فيه أم لا ، لزمه الفداء ؛ عملاً بأغلب الأحوال من الإِصابة عند القصد بالرمي.

إذا عرفت هذا ، فلو جرح الظبي فنقص عُشْر قيمته ، لزمه عُشْر شاة ، وبه قال المزني(٥) ؛ للآية(٦) .

____________________

(١) في « ن » عينه.

(٢) التهذيب ٥ : ٣٥٩ / ١٢٤٦.

(٣ و ٤ ) المغني ٣ : ٥٥١ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٦٧.

(٥) مختصر المزني : ٧١ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٩٨ ، فتح العزيز ٧ : ٥٠٦ ، المجموع ٧ : ٤٣٢ ، حلية العلماء ٣ : ٣١٩.

(٦) المائدة : ٩٥.


وقال الشافعي : يلزمه عُشر قيمة المثل ، وهو عُشْر قيمة الشاة ؛ لأنّ إيجاب عشر الشاة يُفضي إلى التجزئة والتقسيط ، وهو حرج(١) .

وعلى ما اخترناه من التخيير يتخيّر بين إخراج عُشْر الشاة أو عُشْرٍ من ثمن الشاة ويفضّ على الطعام ، وبين الصيام.

مسألة ٣٥٤ : لو جرح الصيد ثم اندمل جرحه وبقي ممتنعاً إمّا بعَدْوه ، كالغزال ، أو بطيرانه ، كالحمام ، وجب عليه الأرش على ما قلناه.

ولو صار الصيَد بعد اندمال جرحه زمناً ، احتمل الجزاء الكامل ؛ لأنّه بالإِزمان صار كالمتلف ، ولهذا لو أزمن عبداً ، لزمه تمام قيمته ، وهو أحد وجهي الشافعية - وبه قال أبو حنيفة(٢) - والثاني : أنّه يجب عليه قدر النقص ؛ لأنّه لم يهلك بالكلّية ، ولهذا يكون الباقي مضموناً لو قتله مُحْرمٌ آخر(٣) .

ولو جاء مُحْرم آخر وقَتَله إمّا بعد الاندمال أو قبله ، فعليه جزاؤه مزمناً ؛ لما تقدّم أنّ المعيب يقابل بمثله ، ويبقى الجزاء على الأول بحاله.

وقال الشيخ : يجب على كلّ واحد منهما الفداء(٤) .

وقال بعض الشافعية : إن أوجبنا جزاءً كاملاً ، عاد هاهنا إلى قدر النقصان ؛ لبُعْد إيجاب جزاءين لمتلف واحد(٥) .

ولو عاد المزمن وقَتَله ، فإن قَتَله قبل الاندمال ، فليس عليه إلّا جزاء واحد ، كما لو قطع يدي رجل ثم قَتَله قبل الاندمال لا يلزمه إلّا دية واحدة ، وإن قَتَله بعد الاندمال ، أفرد كلّ واحد منهما بحكمه ، ففي القتل جزاؤه‌

____________________

(١) مختصر المزني : ٧١ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٩٨ ، الوجيز ١ : ١٢٩ ، فتح العزيز ٧ : ٥٠٦ - ٥٠٧ ، المجموع ٧ : ٤٣٢ ، حلية العلماء ٣ : ٣١٩.

(٢) بدائع الصنائع ٢ : ٢٠٥ ، فتح العزيز ٧ : ٥٠٧.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٥٠٧ ، المجموع ٧ : ٤٣٤.

(٤) الخلاف ٢ : ٤١٩ ، المسألة ٣٠٣.

(٥) فتح العزيز ٧ : ٥٠٧ ، المجموع ٧ : ٤٣٤.


مزمناً.

ولو أوجبنا بالإِزمان جزاءً كاملاً ، فلو كان للصيد امتناعان ، كالنعامة ، فأبطل أحدهما ، فللشافعية وجهان :

أحدهما : أنّه يتعدّد الجزاء ، لتعدّد الامتناع.

وأصحّهما عندهم : أنّه لا يتعدّد ؛ لاتّحاد الممتنع(١) .

وعلى هذا فما الذي يجب؟

قال الجويني : الغالب على الظنّ أنّه يعتبر ما نقص ؛ لأنّ امتناع النعامة في الحقيقة واحد إلّا أنّه يتعلّق بالرِّجل والجناح ، فالزائل بعض الامتناع(٢) .

مسألة ٣٥٥ : لو اشترك مُحْرمان أو أكثر في قتل صيد ، وجب على كلّ واحد منهم فداء كامل - وبه قال أبو حنيفة ومالك والثوري ، وهو مروي عن الحسن البصري والشعبي والنخعي من التابعين(٣) - لأنّ كلّ واحد منهم فَعَل ما حصل بسببه الموت ، فكان كما لو جرحه جرحاً متلفاً.

ولأنّها كفّارة قتل يدخلها الصوم ، فأشبهت كفّارة الآدمي.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « إن اجتمع قوم على صيد وهم مُحْرمون فعلى كلّ واحد منهم قيمة»(٤) .

وقال الشافعي : يجب جزاء واحد على الجميع - وبه قال عمر بن الخطّاب وابن عباس وابن عمر وعطاء والزهري ، وعن أحمد روايتان كالمذهبين(٥) - لأنّ المقتول واحد ، فالمثل واحد(٦) .

____________________

(١ و ٢ ) فتح العزيز ٧ : ٥٠٨ ، المجموع ٧ : ٤٣٤.

(٣) المغني ٣ : ٥٦٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٦٩ ، فتح العزيز ٧ : ٥٠٨ ، المجموع ٧ : ٤٣٦ و ٤٣٩ ، حلية العلماء ٣ : ٣١٦ ، الحاوي الكبير ٤ : ٣٢٠ ، تفسير القرطبي ٦ : ٣١٤.

(٤) الكافي ٤ : ٣٩١ / ٢ ، التهذيب ٥ : ٣٥١ / ١٢١٩.

(٥) المغني ٣ : ٥٦٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٦٩ ، المجموع ٧ : ٤٣٩.

(٦) الوجيز ١ : ١٢٩ ، فتح العزيز ٧ : ٥٠٨ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٢٤ ، المجموع ٧ : ٤٣٦ و ٤٣٩ ، حلية العلماء ٣ : ٣١٦ ، الحاوي الكبير ٤ : ٣٢٠.


وعنه رواية ثالثة : إن كان صوماً ، صام كلّ واحد صوماً تامّاً ، وإن كان غير صوم ، فجزاء واحد ، وإن كان أحدهما يهدي والآخر يصوم ، فعلى المـُهدي بحصته ، وعلى الآخر صوم تام ؛ لأنّ الجزاء ليس بكفّارة ، وإنّما هو بدل ؛ لأنّه تعالى عطف بها ، فقال :( أَوْ كَفّارَةٌ ) (١) والصوم كفّارة ، فيكمل ، ككفّارة قتل الآدمي(٢) .

والمماثلة ليست حقيقيّة ، وإذا ثبت اتّحاد الجزاء في الهدي ، وجب اتّحاده في الصوم ؛ لقوله تعالى :( أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً ) (٣)

فروع :

أ - لو اشترك مُحلٌّ ومحرم وكان القتل في الحِلّ ، فلا شي‌ء على المـُحِلّ ، وعلى المـُحْرم جزاء كامل.

وقال الشافعي : على المـُحْرم نصف الجزاء ، ولا شي‌ء على المـُحلّ(٤) . وقد بيّنّا بطلانه.

ب - لو قتل القارن صيداً ، لم يلزمه إلّا جزاء واحد ، وكذا لو باشر غيره من المحظورات ، وبه قال مالك والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين(٥) .

وقال أبو حنيفة : يلزمه جزاءان(٦) .

ج - لو قتل المـُحْرم صيداً في الحرم ، لزمه الجزاء والقيمة.

وقال الشافعي : يلزمه جزاء واحد ؛ لاتّحاد المتلف ، وهذا كما أنّ الدية‌

____________________

(١) المائدة : ٩٥.

(٢) المغني ٣ : ٥٦٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٦٩.

(٣) المائدة : ٩٥.

(٤) فتح العزيز ٧ : ٥٠٩ ، المجموع ٧ : ٤٣٦.

(٥ و ٦ ) فتح العزيز ٧ : ٥٠٩ ، المجموع ٧ : ٤٣٧ و ٤٤٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٧٠ ، المحلّى ٧ : ٢٣٧ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٨١.


لا تتغلّظ باجتماع أسباب التغليظ(١) .

د - لو أصابه الحلال أوّلاً ثم أصابه الحرام ، فلا شي‌ء على المـُحِلّ ، والواجب على المـُحْرم جزاء مجروح.

ولو كان السابقُ المـُحْرمَ ، فعليه جزاؤه سليماً.

ولو اتّفقا في حالة واحدة ، وجب على المـُحْرم جزاء كامل ، ولا شي‌ء على المـُحِلّ.

وعند الشافعية يجب على المـُحْرم بقسطه ، لأنّه أتلف بعض الجملة(٢) .

وهو غلط ؛ لأنّ المـُحلّ لا جزاء عليه ، فتعذّر الجزاء منه ، فيجب الجزاء بكماله على الآخر.

ه- - لو اشترك الحرام والحلال في قتل صيد حرمي ، وجب على المـُحِلّ القيمة كملاً ، وعلى المـُحْرم الجزاء والقيمة معاً.

وقال بعض العامّة : يجب جزاء واحد عليهما(٣) .

و - لو رمى الصيد اثنان فقَتَله أحدهما وأخطأ الآخر ، كان على كلّ واحد منهما فداء كامل ، أمّا القاتل : فلجنايته ، وأمّا الآخر : فلإِعانته ؛ لأنّ ضريساً سأل الباقَرعليه‌السلام : عن رجلين مُحْرمين رميا صيداً فأصابه أحدهما ، قال : « على كلّ واحد منهما الفداء »(٤) .

ز - لو قتله واحد وأكله جماعة ، كان على كلّ واحد فداء كامل ؛ لأنّ الأكل مُحرَّم كالقتل ؛ لقول الصادقعليه‌السلام في صيد أكله قوم مُحْرمون ، قال : « عليهم شاة شاة ، وليس على الذي ذبحه إلّا شاة »(٥) .

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٥٠٩ ، المجموع ٧ : ٤٤١.

(٢) الحاوي الكبير ٤ : ٣٢٣ ، فتح العزيز ٧ : ٥٠٩ ، المجموع ٧ : ٤٣٦.

(٣) المغني ٣ : ٥٦٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٧٠.

(٤) التهذيب ٥ : ٣٥٢ / ١٢٢٣.

(٥) التهذيب ٥ : ٣٥٢ / ١٢٢٥.


مسألة ٣٥٦ : لو ضرب المـُحْرم بطيرٍ على الأرض فقَتَله ، كان عليه دم وقيمتان : قيمة للحرم ، وقيمة لاستصغاره إيّاه ، ويُعزَّر ؛ لما فيه من زيادة الجُرْم.

ولقول الصادقعليه‌السلام : في مُحْرم اصطاد طيراً في الحرم فضرب به الأرض فقَتَله ، قال : « عليه ثلاث قيمات : قيمة لإِحرامه ، وقيمة للحرم ، وقيمة لاستصغاره إيّاه »(١) .

مسألة ٣٥٧ : لو شرب لبن ظبية ، كان عليه الجزاء وقيمة اللبن ، لقول الصادقعليه‌السلام : في رجل مرَّ وهو مُحرْم في الحرم ، فأخذ عنق ظبية فاحتلبها وشرب لبنها ، قال : « عليه دم وجزاء الحرم عن اللبن »(٢) .

ولأنّه شرب ما لا يحلّ له شربه ، فيكون عليه ما على مَنْ أكل ما لا يحلّ له أكله ؛ لاستوائهما في التعدية.

تذنيب : لو رمى الصيد وهو حلال فأصابه السهم وهو مُحْرم فقَتَله ، لم يكن عليه ضمان ؛ لأنّ الجناية وقعت غير مضمونة ، فأشبه ما لو أصابه قبل الإِحرام ، وكذا لو جعل في رأسه ما يقتل القمل ثم أحرم فقَتَله ، لم يكن عليه شي‌ء.

الأمر الثاني : التسبيب.

وهو كلّ فعل يحصل التلف بسببه ، كحفر البئر ، ونصب الشباك ، والدلالة على الصيد ، وتنفير الطير عن بيضه ، وأشباه ذلك ، ويظهر بمسائل :

مسألة ٣٥٨ : لو كان معه صيد فأحرم ، وجب عليه إرساله ، وزال ملكه عنه إذا كان حاضراً معه ، فإن أمسكه ، ضمنه إذا تلف - وبه قال مالك وأحمد وأصحاب الرأي والشافعي في أحد القولين(٣) - لأنّه فعل في الصيد استدامة‌

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٣٧٠ - ٣٧١ / ١٢٩٠.

(٢) التهذيب ٥ : ٣٧١ / ١٢٩٢ بتفاوت يسير.

(٣) المغني ٣ : ٥٦٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٠٦ ، فتح العزيز ٧ : ٤٩٥ - ٤٩٦ ، المجموع ٧ : =


الإِمساك ، وهو ممنوع منه ، كابتداء الإِمساك ، فكان ضامناً ، كابتداء الإِمساك.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « لا يُحْرم واحد ومعه شي‌ء من الصيد حتى يخرجه من ملكه ، فإن أدخله الحرم وجب عليه أن يخلّيه ، فإن لم يفعل حتى يدخل الحرم ومات لزمه الفداء »(١) .

وقال الشافعي : في الآخر ، وأبو ثور : ليس عليه إرسال ما في يده ؛ لأنّه في يده ، فأشبه ما لو كان نائياً عن الحرم في بيته(٢) .

والفرق : أنّ إمساكه في الحرم هتك له ، وهو منهي عنه ، بخلاف البلاد المتباعدة.

إذا ثبت هذا ، فإنّ ملكه عندنا يزول. وقال بعض العامّة بعدم زواله وإن وجب إرساله ، فإذا أحلّ ، جاز له إمساكه ، ولو أخذه غيره ، ردّه عليه بعد الإِحلال ، ومن قتله ضمنه له(٣) .

وليس بجيّد ؛ لأنّه حينئذٍ من صيد الحرم غير مملوك.

ولأنّ معاوية بن عمّار سأل الصادقَعليه‌السلام : عن طائر أهلي ادخل الحرم حيّاً ، قال : « لا يُمسّ لأنّ الله تعالى يقول :( وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ) (٤) »(٥) .

احتجّوا : بأنّ ملكه كان عليه وإزالة اليد لا تزيل الملك ، كالغصب والعارية(٦) .

____________________

= ٣١١ ، بدائع الصنائع ٢ : ٢٠٦.

(١) التهذيب ٥ : ٣٦٢ / ١٢٥٧.

(٢) فتح العزيز ٧ : ٤٩٥ ، المجموع ٧ : ٣١٠ ، المغني ٣ : ٥٦٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٠٦.

(٣) المغني ٣ : ٥٦٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٠٧.

(٤) آل عمران : ٩٧.

(٥) التهذيب ٥ : ٣٤٨ / ١٢٠٦.

(٦) المغني ٣ : ٥٦٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٠٧.


والفرق : أنّ زوال يده لمعنى شرعي ، بخلاف الغصب والعارية في حكم يده.

ولو تلف قبل تمكّنه من إرساله ، فلا ضمان ؛ لعدم العدوان.

ولو أرسله إنسان من يده ، لم يكن عليه ضمان ؛ لأنّه فَعَل ما يلزمه فِعْله ، فكان كما لو دفع المغصوب إلى مالكه من يد الغاصب.

وقال أبو حنيفة : يضمن ؛ لأنّه أتلف ملك الغير(١) . ونمنع الملكية.

ولو كان الصيد في منزله نائياً عنه ، لم يزل ملكه عنه ، وله نقله عنه ببيع أو هبة وغيرهما - وبه قال مالك وأحمد وأصحاب الرأي(٢) - لأنّه قبل الإِحرام مالك له ، فيدوم ملكه ؛ للاستصحاب.

ولأنّ جميلاً سأل الصادقعليه‌السلام : الصيد يكون عند الرجل من الوحش في أهله أو من الطير يُحْرم وهو في منزله ، قال : « وما بأس لا يضرّه »(٣) .

مسألة ٣٥٩ : لا ينتقل الصيد إلى المـُحْرم بابتياع ولا هبة ولا غيرهما ؛ لما رواه العامّة : أنّ الصَّعْب بن جَثّامة أهدى إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حماراً وحشياً ، فردّه عليه ، وقال : ( إنّا لم نردّه عليه(٤) إلّا أنّا حُرُمٌ )(٥) .

ومن طريق الخاصّة : ما رواه معاوية بن عمّار ، قال : سأل الحكم بن عتيبة الباقرعليه‌السلام : ما تقول في رجل اُهدي له حمام أهلي وهو في‌

____________________

(١) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٨٩ ، بدائع الصنائع ٢ : ٢٠٦.

(٢) المغني ٣ : ٥٦٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٠٦ ، المنتقى - للباجي - ٢ : ٢٤٦ ، بدائع الصنائع ٢ : ٢٠٦‌

(٣) الكافي ٤ : ٣٨٢ / ٩ ، التهذيب ٥ : ٣٦٢ / ١٢٦٠.

(٤) في المصادر : عليك.

(٥) صحيح البخاري ٣ : ١٦ ، صحيح مسلم ٢ : ٨٥٠ / ١١٩٣ ، سنن البيهقي ٥ : ١٩١ ، مسند أحمد ٤ : ٣٨ و ٧١ ، المغني ٣ : ٥٦٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٠٥‌


الحرم؟ فقال : « أما إن كان مستوياً خلّيت سبيله »(١) .

إذا ثبت هذا ، فلو أخذه بأحد هذه الأسباب ، ضمنه ، فإن انتقل إليه بالبيع ، لزمه مع الجزاء القيمة لمالكه ؛ لأنّ ملكه لم يزل عنه ، ولو لم يتلف ، لم يكن له ردّه على مالكه ؛ لأنّه زال ملك المالك عنه بدخوله الحرم ، فإن ردّه ، سقطت عنه القيمة.

ولا يسقط الجزاء إلّا بالإِرسال ، وإذا أرسل ، كان كما إذا اشترى عبداً مرتدّاً فقُتِل في يده ، وهذا قول الشافعي وأصحاب الرأي(٢) .

وكذا لا يجوز للمُحْرم استرداد الصيد الذي باعه بخيار له وهو حلال ، ولا لوجود عيب في الثمن المعيّن ، ولو ردّه المشتري بعيب أو خيار ، فله ذلك ؛ لأنّ سبب الردّ متحقّق ، ومنعه إضرار بالمشتري ، فإذا ردّه عليه ، لم يدخل في ملكه ، ويجب عليه إرساله.

هذا إذا كان الصيد في الحرم ، ولو كان في الحِلّ ، جاز له ذلك ، لأنّ له استدامة الملك فيه ، فله ابتداؤه.

ولو ورث صيداً ، لم يملكه في الحرم ، ووجب عليه إرساله ، خلافاً لبعض العامّة(٣) .

قال الشيخ -رحمه‌الله - في جميع ذلك : يقوى عندي أنّه إن كان حاضراً معه ، انتقل إليه ، ويزول ملكه عنه(٤) .

قال : ولو باع المـُحِلّ صيداً لمـُحِلٍّ ثم أفلس المشتري بعد إحرام البائع ، لم يكن للبائع أن يختار عين ماله من الصيد ؛ لأنّه لا يملكه(٥) .

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٣٤٨ / ١٢٠٧‌

(٢) فتح العزيز ٧ : ٤٩٦ ، المجموع ٧ : ٣٠٧ - ٣٠٩ ، المغني ٣ : ٥٦٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٠٥.

(٣) المغني ٣ : ٥٦٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٠٥.

(٤ و ٥) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٤٧ و ٣٤٨.


مسألة ٣٦٠ : لو أمسك مُحْرمٌ صيداً فذبحه مُحْرمٌ آخر ، كان على كلّ واحد منهما فداء كامل ، لأنّه بالإمساك أعانه حقيقة أكثر من إعانة الدالّ ، ولو كانا في الحرم ، تضاعف الفداء ، ولو كان أحدهما مُحِلاً والآخر مُحْرِماً ، تضاعف الفداء على المـُحْرم خاصّةً.

ولو أمسكه المـُحْرم في الحِلّ فذبحه المـُحِلّ ، ضمنه المـُحْرم خاصّةً ، ولا شي‌ء على المـُحِلّ ، لأنّه لم يهتك حرمه الإِحرام ولا الحرم.

وقال الشافعي : إذا أمسكه مُحْرمٌ وقَتَله مُحْرمٌ آخر ، وجب جزاء واحد ، وعلى مَنْ يجب؟ وجهان ، أحدهما : على الذابح ، والآخر : عليهما(١) .

ولو نقل بيض صيد ففسد ، ضمنه.

ولو أحضنه فخرج الفرخ سليماً ، لم يضمنه.

ولو نفّر طائراً عن بيضة احتضنها ففسدت ، فعليه القيمة.

ولو أخذ بيضة دجاجة فأحضنها صيداً ففسد بيضة ، أو لم يحضنه ، ضمنه ؛ لأنّ الظاهر أنّ الفساد نشأ من ضمّ بيض الدجاجة إلى بيضه.

ولو أخذ بيض صيد وأحضنها دجاجة ، فهي في ضمانه إلى أن يخرج الفرخ ويصير ممتنعاً ، حتى لو خرج ومات قبل الامتناع ، لزمه مثله من النَّعَم.

ولو حلب لبن صيد ، ضمنه - وبه قال بعض الشافعية(٢) - لأنّه مأكول انفصل من الصيد ، فأشبه البيض.

وقال بعض الشافعية : اللبن غير مضمون ، بخلاف البيض ؛ لأنّه يخلق منه مثله(٣) .

مسألة ٣٦١ : لو أغلق باباً على حمام من حمام الحرم وفراخ وبيض ، فإن هلكت وكان الإِغلاق قبل الإِحرام ، ضمن الحمامة بدرهم ، والفرخ‌

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٤٩٤ ، المجموع ٧ : ٣١٣ و ٤٣٧.

(٢ و ٣) فتح العزيز ٧ : ٤٨٧ ، المجموع ٧ : ٣١٩.


بنصف درهم ، والبيض بربع درهم ، وإن كان بعد الإِحرام ، ضمن الحمامة بشاة ، والفرخ بحمل ، والبيضة بدرهم ؛ لأنّ سليمان بن خالد سأل الصادقَعليه‌السلام : رجل أغلق بابه على طائر ، فقال : « إن كان أغلق [ الباب بعد ما أحرم فعليه شاة ، وإن كان أغلق الباب ](١) قبل أن يُحرم فعليه ثمنه »(٢) .

وسأل يونس بن يعقوب الصادقَعليه‌السلام : عن رجل أغلق بابه على حمام من حمام الحرم وفراخ وبيض ، فقال : « إن كان أغلق عليها قبل أن يُحرم ، فإنّ عليه لكلّ طير درهماً ، ولكلّ فرخ نصفَ درهم ، ولكلّ بيضة ربع درهم(٣) ، وإن كان أغلق عليها بعد ما أحرم ، فإنّ عليه لكلّ طائر شاة ، ولكلّ فرخ حملاً ، وإن لم يكن تحرّك ، فدرهم ، وللبيض نصف درهم »(٤) .

ولو أرسلها بعد الإِغلاق سليمةً ، فلا ضمان.

وقال بعض علمائنا : يضمن بنفس الإِغلاق ؛ للرواية(٥) . وليس بجيّد.

ولو كان الإِغلاق من المـُحْرم في الحرم ، وجب عليه الجزاء والقيمة.

ولو أغلق على غير الحمام من الصيود ، ضمن إذا تلف بالإِغلاق.

مسألة ٣٦٢ : لو نفّر حمام الحرم ، فإن رجع ، كان عليه دم شاة ، وإن لم يرجع ، وجب عليه لكلّ طير شاة.

قال الشيخرحمه‌الله : هذا الحكم ذكره علي بن بابويه في رسالته ، ولم أجد به حديثاً مسنداً(٦) .

وأقول : إنّ التنفير حرام ؛ لأنّه سبب الإِتلاف غالباً ، ولعدم العود ، فكان‌

____________________

(١) أضفناها من المصدر.

(٢) التهذيب ٥ : ٣٥٠ / ١٢١٥.

(٣) في المصدر : نصف درهم.

(٤) التهذيب ٥ : ٣٥٠ / ١٢١٦.

(٥) كما في شرائع الإِسلام ١ : ٢٩٠.

(٦) التهذيب ٥ : ٣٥٠ ذيل الحديث ١٢١٧.


عليه مع الرجوع دم ؛ لفعل المـُحَرَّم ، ومع عدم الرجوع يكون عليه لكلّ طير شاة ؛ لما تقدّم أنّ مَنْ أخرج طيراً من الحرم وجب عليه أن يعيده ، فإن لم يفعل ، ضمنه.

ولو نفّر صيداً فتعثّر وهلك ، أو أخذه سبع ، أو انصدم بشجر أو جبل ، وجب عليه ضمانه ، سواء قصد بتنفيره أو لم يقصد ، ويكون في عُهْدة المـُنفِّر إلى أن يعود الصيد إلى طبيعة الاستقرار ، ولو هلك بعد ذلك ، فلا شي‌ء عليه.

ولو هلك قبل سكون النفار ولكن بآفة سماوية ، ففي الضمان وجهان :

أحدهما : الوجوب ، لأنّ دوام النفار كاليد الضامنة.

والثاني : العدم ؛ لأنّه لم يهلك بسبب من جهة المـُحْرم ولا تحت يده.

مسألة ٣٦٣ : لو أوقد جماعة ناراً فوقع فيها طائر ، فإن كان قصدهم ذلك ، وجب على كلّ واحد منهم فداء كامل ، وإن لم يكن قصدهم ذلك ، وجب عليهم أجمع فداء واحد ؛ لأنّهم مع القصد يكون كلّ واحد منهم قد فعل جناية استند الموت إليها وإلى مشاركة ، فيكون بمنزلة من اشترك في قتل صيد وأمّا مع عدم القصد فإنّ القتل غير مراد ، فوجب عليهم أجمع فداء واحد ، لأنّ أبا ولّاد الحنّاط قال : خرجنا بستة نفر من أصحابنا إلى مكة فأوقدنا ناراً عظيمةً في بعض المنازل أردنا أن نطرح عليها لحماً نكببه وكُنّا مُحْرمين ، فمرّ بنا طير صافّ مثل حمامة أو شبهها فاحترق جناحاه فسقط في النار فاغتممنا لذلك ، فدخلت على أبي عبد اللهعليه‌السلام بمكة ، فأخبرته وسألته ، فقال : « عليكم فداء واحد دم شاة ، ولو كان ذلك منكم تعمّداً ليقع فيها الصيد فوقع ألزمت كلّ واحد منكم دم شاة »(١) .

مسألة ٣٦٤ : إذا وطأ ببعيره أو دابّته صيداً فقتله ، ضمنه ؛ لأنّه سبب الإِتلاف.

____________________

(١) الكافي ٤ : ٣٩٢ / ٥ ، التهذيب ٥ : ٣٥٢ - ٣٥٣ / ١٢٢٦ بتفاوت يسير في بعض الألفاظ.


ولأنّ أبا الصباح الكناني سأل الصادقَعليه‌السلام : عن مُحْرم وطأ بيض نعام فشدخها ، قال : « قضى أمير المؤمنينعليه‌السلام أن يرسل الفحل في مثل عدد البيض من الإِبل الإِناث ، فما لقح وسلم كان النتاج هدياً بالغ الكعبة » قال : وقال الصادقعليه‌السلام : « ما وطأته أو وطأه بعيرك أو دابّتك وأنت مُحْرم فعليك فداؤه »(١) .

وإذا كان راكباً على الدابّة سائراً ، ضمن ما تجنيه بيديها وفمها ، ولا ضمان عليه فيما تجنيه برجليها ؛ لأنّه لا يمكنه حفظ رجليها ، وقالعليه‌السلام : ( الرِّجل جُبار(٢) )(٣) .

أمّا لو كان واقفاً أو سائقاً لها غير راكب ، ضمن جميع جنايتها ؛ لأنّه يمكنه حفظها ويده عليها ويُشاهد رجليها.

ولو شردت الدابّة من يده فأتلفت صيداً ، لم يضمنه إذا لم يفرّط في ضبطه ؛ لأنّه لا يدَ له عليها وقد قال النبيعليه‌السلام : ( جُرْح العَجْماء(٤) جُبار )(٥) .

مسألة ٣٦٥ : لو نصب المحرم شبكةً في الحِلّ أو في الحرم ، أو نصب المـُحِلّ شبكةً في الحرم ، فتعقّل بها صيد وهلك ، ضمن ، لأنّه تلف بسببه ،

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٣٥٥ / ١٢٣٢ ، الاستبصار ٢ : ٢٠٢ / ٦٨٦.

(٢) الجبار : الهدر. النهاية - لابن الأثير - ١ : ٢٣٦ « جبر ».

(٣) سنن أبي داود ٤ : ١٩٦ / ٤٥٩٢ ، سنن الدار قطني ٣ : ١٥٢ / ٢٠٨ ، مصنف عبد الرزاق ٩ : ٤٢٣ / ١٧٨٧٣ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٩ : ٢٧٠ / ٧٤١٩.

(٤) العجماء : البهيمة ، سمّيت به ؛ لأنّها لا تتكلّم ، وكلّ ما لا يقدر على الكلام فهو أعجم ومستعجم. النهاية - لابن الأثير - ٣ : ١٨٧ « عجم ».

(٥) مسند أحمد ٢ : ٤٧٥ ، الموطأ ٢ : ٨٦٨ - ٨٦٩ / ١٢ ، سنن الدارمي ٢ : ١٩٦ ، وبتفاوت في صحيح البخاري ٩ : ١٥ ، وصحيح مسلم ٣ : ١٣٣٤ / ١٧١٠ ، وسنن أبي داود ٤ : ١٩٦ / ٤٥٩٣ ، سنن الترمذي ٣ : ٣٤ / ٦٤٢ ، وسنن النسائي ٥ : ٤٤ ، وسنن ابن ماجة ٢ : ٨٩١ / ٢٦٧٣ - ٢٦٧٥.


فكان عليه ضمانه ، كما يضمن الآدمي.

ولا فرق بين أن ينصب في ملكه أو ملك غيره ؛ لأنّه نصبَ الشبكة يقصد بها الاصطياد ، فهو بمنزلة الأخذ باليد.

ولو نصب شبكةً قبل إحرامه فوقع فيها صيد بعد إحرامه ، لم يضمنه ، لأنّه لم يوجد منه بعد إحرامه سبب الإِتلاف ، فكان كما لو صاده قبل الإِحرام وتَرَكه في منزله ، فتلف بعد إحرامه ، أو باعه وهو حلال ، فذبحه المشتري.

ولو جرح صيداً فتحامل فوقع في شي‌ء تلف به ، ضمنه ؛ لأنّ الإِتلاف بسببه ، وكذا لو نفّره فتلف في حال نفوره.

ولو سكن في مكان وأمن من نفوره ثم تلف فهل يضمنه؟ قال بعض العامّة : لا يضمنه ، لأنّ التلف ليس منه ولا بسببه(١) .

وقال بعضهم : يضمنه(٢) .

ولو أمسك صيداً له طفل فتلف بإمساكه ، ضمن.

وكذا لو أمسك المـُحِلّ صيداً له طفل في الحرم فهلك الطفل ، ضمن ؛ لأنّه سبب في إتلافه ، ولا ضمان عليه في الاُم لو تلفت.

أمّا لو أمسكها المحلّ في الحرم فتلفت وتلف فرخها في الحلّ ، قال الشيخ : يضمن الجميع(٣) .

مسألة ٣٦٦ : لو أرسل كلباً فأتلف صيداً ، وجب عليه الضمان ؛ لأنّ إرسال الكلب يُسبّب إلى الهلاك.

ولو كان الكلب مربوطاً ، فحلّ رباطه ، فكذلك ؛ لأنّ السبع شديد الضراوة بالصيد ، فيكفي في قتل الصيد حلّ الرباط وإن كان الاصطياد لا يتمّ إلّا بالإِغراء.

____________________

(١ و ٢) المغني ٣ : ٥٥٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٦٦.

(٣) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٤٧.


ولو انحلّ الرباط لتقصيره في الربط ، ضمن ، كالحَلّ.

ولو لم يكن هناك صيد فأرسل الكلب أو حلّ رباطه ، فظهر الصيد ، احتمل عدم الضمان ؛ لأنّه لم يوجد منه قصد الصيد ، والضمان ؛ لحصول التلف بسبب فعله ، وجهله لا يقدح فيه.

ولو ضرب صيداً بسهم فمرق السهم فقُتل آخر ، أو رمى غرضاً فأصاب صيداً ، فإنّه يضمنه ؛ لما تقدّم.

وكذا لو وقع الصيد في شبكة أو حبالة فأراد تخليصه فتلف أو عاب ، ضمن النفس مع التلف والأرش مع العيب.

وللشافعي قولان : أحدهما : لا جزاء عليه(١) .

ولو دلّ المـُحْرم على صيد فقَتَله المـُحْرم ، ضمن كلٌّ منهما جزاءً كاملاً ، ولو قَتَله المـُحِلّ في الحِلّ ، ضمنه الدالّ.

ولو كان الدالّ محلاً والقاتل مُحْرِماً ، وجب الجزاء على المـُحْرم ، ولا شي‌ء على المـُحِلّ في الحِلّ ، ولو كان في الحرم ، ضمنه أيضاً ، خلافاً للشافعي(٢) .

ولو دلّ المـُحْرم حلالاً على صيد فقَتَله ، فإن كان الصيد في يد المـُحْرم ، وجب عليه الجزاء ؛ لأنّ حفظه واجب عليه ، ومَنْ يلزمه الحفظ يلزمه الضمان إذا ترك الحفظ ، كما لو دلّ المستودع السارق على الوديعة.

وإن لم يكن في يده ، فلا جزاء على الدالّ عند الشافعي ، كما لو دلّ رجلاً على قتل إنسان لا كفّارة على الدالّ ولا على القاتل ؛ لأنّه حلال(٣) ، وبه‌

____________________

(١) انظر : فتح العزيز ٧ : ٤٩٧ ، والمجموع ٧ : ٢٩٧.

(٢) فتح العزيز ٧ : ٤٩١ ، المجموع ٧ : ٣٠٠.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٤٩١ ، المجموع ٧ : ٣٠٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٩٧ ، بدائع الصنائع ٢ : ٢٠٣ - ٢٠٤.


قال مالك(١) .

وقال أبو حنيفة : إن كانت الدلالة ظاهرةً ، فلا جزاء عليه ، وإن كانت خفيةً لولاها لما رأى الحلالُ الصيدَ ، يجب الجزاء. وسلّم في صيد الحرم أنّه لا جزاء على الدالّ(٢) .

وعن أحمد : أنّ الجزاء يلزم الدالّ والقاتل بينهما(٣) .

وما صيد للمُحْرم أو بدلالته أو إعانته لو أكل منه ، للشافعي قولان :

القديم - وبه قال مالك وأحمد - أنّه تلزمه القيمة بقدر ما أكل ؛ لأنّ الأكل فعل مُحرَّم في الصيد ، فيتعلّق به الجزاء ، كالقتل ، ويخالف ما لو ذبحه وأكله حيث لا يلزمه بالأكل جزاء عنده؛ لأنّ وجوبه بالذبح أغنى عن جزاء آخر.

والجديد : أنه لا تلزمه ، لأنّه ليس بنامٍ بعد الذبح ، ولا يؤول إلى النماء ، فلا يتعلّق بإتلافه الجزاء ، كما لو أتلف بيضةً مذرةً(٤) .

مسألة ٣٦٧ : لو أمسك مُحْرم صيداً حتى قَتَله غيره ، فإن كان حلالاً ، وجب الجزاء على المـُحْرم ؛ لأنّه متعدٍّ بالإِمساك والتعريض للقتل ، ولا يرجع به على الحلال عندنا ؛ لأنّه غير ممنوع من التعرّض للصيد ، وهو قول بعض الشافعية(٥) .

وقال بعضهم بالرجوع ، كما لو غصب شيئاً فأتلفه مُتلفٌ من يده ، يضمن الغاصب ، ويرجع على المـُتلف(٦) .

وليس بجيّد ؛ لأنّ المـُتلف في الغصب ممنوع منه ، بخلاف قتل المـُحِلّ‌

____________________

(١) تفسير القرطبي ٦ : ٣٢٤ ، فتح العزيز ٧ : ٤٩١ - ٤٩٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٩٧.

(٢) بدائع الصنائع ٢ : ٢٠٣ - ٢٠٤ ، فتح العزيز ٧ : ٤٩٢.

(٣) المغني ٣ : ٣٥٣ - ٣٥٤ ، فتح العزيز ٧ : ٤٩٢.

(٤) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢١٨ ، المجموع ٧ : ٣٠٣ ، فتح العزيز ٧ : ٤٩٤ ، المغني ٣ : ٢٩٤ - ٢٩٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٠٢.

(٥ و ٦ ) فتح العزيز ٧ : ٤٩٤ ، المجموع ٧ : ٤٣٧.


الصيدَ.

وإن كان القاتل مُحْرماً ، فعلى كلّ واحد منهما جزاء تام عندنا ؛ لصدور ما يوجب الجزاء كملاً من كلّ واحد منهما.

وللشافعية وجهان :

أحدهما : أنّ الجزاء كلّه على القاتل ؛ لأنّه مباشر ، ولا أثر للإِمساك مع المباشرة.

والثاني : أنّ لكلّ واحد من الفعلين مدخلاً في الهلاك ، فيكون الجزاء بينهما نصفين(١) .

وقال بعضهم : إنّ المـُمْسك يضمنه باليد ، والقاتل يضمنه بالإِتلاف ، فإن أخرج المـُمْسك الضمان ، رجع به على المـُتْلف ، وإن أخرج المتلف ، لم يرجع على المـُمْسك(٢) .

مسألة ٣٦٨ : لو نفّر صيداً فهلك بمصادمة شي‌ء ، أو أخذه جارح ، ضمنه.

وكذا لو ضرب صيداً بسهم فمرق السهم فقُتل آخر ، أو رمى غرضاً فأصاب صيداً ، ضمنه.

ولو وقع الصيد في شبكة أو حبالة فأراد تخليصه فتلف أو عاب ، ضمن النفس مع التلف ، والأرش مع العيب.

وللشافعي قولان : أحدهما : لا جزاء عليه ، وقد تقدّم(٣) .

ولو أمر المـُحْرم عبده المـُحِلّ بقتل الصيد فقَتَله ، فعلى السيّد الفداء ؛ لأنّ العبد كالآلة.

ولأنّ الضمان يجب بالدلالة والإِعانة وغيرهما ، فبالأمر أولى.

____________________

(١ و ٢) فتح العزيز ٧ : ٤٩٤ ، المجموع ٧ : ٤٣٧.

(٣) تقدّم في ص ٤٤٧ ، الهامش (١)


ولأنّ عبد الله بن سنان سأل الصادقَعليه‌السلام : عن مُحْرم معه غلام ليس بمُحْرم أصاب صيداً ولم يأمره سيّده ، قال : « ليس على سيّده شي‌ء »(١) وهو يدلّ بمفهومه على أنّه إذا كان بأمره ، لزمه الفداء.

ولو كان الغلام مُحْرماً بإذن سيّده وقتل صيداً بغير إذن مالكه ، وجب على السيّد الفداء ؛ لأنّ الإِذن في الإِحرام يستلزم تحمّل جناياته.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « كلّ ما أصاب العبد وهو مُحْرم في إحرامه فهو على السيّد إذا أذن له في الإِحرام »(٢) .

ولو لم يأذن المولى في الإِحرام ولا في الصيد ، لم يكن على السيّد شي‌ء ؛ لأنّ عبد الرحمن بن أبي نجران سأل الكاظمَعليه‌السلام : عن عبد أصاب صيداً وهو مُحْرم هل على مولاه شي‌ء من الفداء؟ فقال : « لا شي‌ء على مولاه »(٣) .

مسألة ٣٦٩ : قد بيّنّا أنّ إثبات يد المـُحْرم على الصيد يوجب عليه الضمان ، فإن وقع ابتداء الإِثبات في حال الإِحرام فهو حرام غير مفيد للملك ، ويضمنه ، كما يضمن الغاصب ما يتلف في يده ، بل لو تولّد تلف الصيد ممّا في يده ، لزمه الضمان ، كما لو كان راكباً فأتلفت الدابّة صيداً بعضها ، أو رفسها ، أو بالت في الطريق ، فزلق به صيد وهلك ، كما لو زلق به آدمي أو بهيمة ، أمّا لو انفلت بعير فأصاب صيداً ، فلا ضمان.

ولو تقدّم ابتداء اليد على الإِحرام ، فإن كان حاضراً معه ، وجب عليه إرساله - وهو أحد قولي الشافعي(٤) - لأنّ الصيد لا يراد للدوام ، فتحرم‌

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٣٨٢ / ١٣٣٣.

(٢) الكافي ٤ : ٣٠٤ / ٧ ، التهذيب ٥ : ٣٨٢ / ١٣٣٤ ، الاستبصار ٢ : ٢١٦ / ٧٤١.

(٣) التهذيب ٥ : ٣٨٣ / ١٣٣٥ ، الاستبصار ٢ : ٢١٦ / ٧٤٢.

(٤) فتح العزيز ٧ : ٤٩٥ ، المجموع ٧ : ٣١٠ ، المغني ٣ : ٥٦٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٠٦ ، تفسير القرطبي ٦ : ٣٢٣.


استدامته ، كالطيب واللبس.

والثاني : لا يجب ، كما لا يلزم تسريح زوجته وإن حرم ابتداء النكاح عليه(١) .

وهو غلط ؛ لأنّ النكاح يقصد به الدوام.

وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد : يجب رفع اليد المشاهدة عنه ، ولا يجب رفع اليد الحكمية(٢) .

وعلى قول الشافعي بعدم وجوب الإِرسال ، فهو على ملكه له بيعه وهبته ولكن يحرم عليه قتله ، ولو قَتَله ، لزمه الجزاء ، كما لو قتل عبده تلزمه الكفّارة. ولو أرسله غيره ، لزمه قيمته للمالك ، وكذا لو قَتَله وإن كان مُحْرماً ، لزمه الجزاء أيضاً ، ولا شي‌ء على المالك ، كما لو مات(٣) .

وعلى قوله بإيجاب الإِرسال هل يزول ملكه عنه؟ عنده قولان :

أحدهما - وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد - : لا يزول ، كما لا تبين زوجته.

والثاني : نعم ، كما يزول حلّ الطيب واللباس(٤) .

فعلى القول بزوال الملك لو أرسله غيره أو قَتَله فلا شي‌ء عليه ، ولو أرسله المـُحْرم فأخذه غيره ، ملكه.

ولو لم يرسله حتى تحلّل ، فهل عليه إرساله؟ وجهان :

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٤٩٥ ، المجموع ٧ : ٣١٠ ، المغني ٣ : ٥٦٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٠٦ ، تفسير القرطبي ٦ : ٣٢٣.

(٢) المغني ٣ : ٥٦٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٠٦ ، تفسير القرطبي ٦ : ٣٢٣ ، المدوّنة الكبرى ١ : ٤٣٩ ، بدائع الصنائع ٢ : ٢٠٦ ، الهداية - للمرغيناني - ١ : ١٧٤ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٨٩ ، فتح العزيز ٧ : ٤٩٥.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٤٩٥ ، المجموع ٧ : ٣١٠.

(٤) فتح العزيز ٧ : ٤٩٥ ، المجموع ٧ : ٣١١ ، حلية العلماء ٣ : ٢٩٨ ، المغني ٣ : ٥٦٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٠٧ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٨٩ - ٩٠.


أحدهما : نعم ؛ لأنّه كان مستحقّاً للإِرسال ، فلا يرتفع هذا الاستحقاق بتعدّيه بالإِمساك.

والثاني : لا يجب ، ويعود ملكاً له ، كالعصير إذا تخمّر ثم تخلّل(١) .

وعلى هذا القول وجهان في أنّه يزول بنفس الإِحرام ، أو الإِحرام يوجب عليه الإِرسال؟ فإذا أرسل حينئذٍ يزول ، وعلى القول بعدم زوال الملك عنه ليس لغيره أخذه ، ولو أخذه ، لم يملكه ، ولو قَتَله ، ضمنه بمثابة المنفلت من يده(٢) .

ولو مات الصيد في يده بعد إمكان الإِرسال ، لزمه الجزاء ؛ لأنّ التقدير وجوب الإِرسال ، وهو مقصّر بالإِمساك.

ولو مات الصيد قبل إمكان الإِرسال ، فوجهان ، والمذهب عندهم وجوب الضمان ، ولا خلاف في أنّه لا يجب تقديم الإِرسال على الإِحرام(٣) .

مسألة ٣٧٠ : قد بيّنّا أنه لا يدخل الصيد في ملك المـُحْرم ببيع ولا هبة ولا غير ذلك من الأسباب.

وهل ينتقل بالميراث؟ الأقرب ذلك ، لكن يزول ملكه عنه عقيب ثبوته إن كان الصيد حاضراً معه ، ويجب عليه إرساله.

ولو باعه ، ففي الصحة إشكال.

فإن قلنا بالصحة ، لم يسقط عنه ضمان الجزاء حتى لو مات في يد المشتري ، وجب الجزاء على البائع ، وإنّما يسقط عنه إذا أرسله المشتري.

ولو قلنا بأنّه لا يرث ، فالملك في الصيد لباقي الورثة وإن كانوا أبعد.

وإحرامه بالإِضافة إلى الصيد مانع من موانع الميراث ، فحينئذٍ ينتقل ما عداه من التركة إليه إذا كان أولى ، وينتقل الصيد إلى الأبعد.

فلو فرضنا أنّه أحلّ قبل قسمة التركة بينه وبين شركائه في الميراث ، أخذ‌

____________________

(١ - ٣) فتح العزيز ٧ : ٤٩٥ - ٤٩٦ ، المجموع ٧ : ٣١١.


نصيبه ، منه ، وإن أحلّ بعدها ، فلا نصيب له. ولو كان هو أولى من باقي الورثة ، لم يكن له شي‌ء وإن أحلّ قبل القسمة.

ولو استعار المـُحْرم صيداً أو أودع عنده ، كان مضموناً عليه بالجزاء ، وليس له التعرّض له ، فإن أرسله ، سقط عنه الجزاء ، وضمن القيمة للمالك ، وإن ردّ [ ه ] إلى المالك ، لم يسقط عنه ضمان الجزاء ما لم يرسله المالك.

وإذا صار الصيد مضموناً على المـُحْرم بالجزاء ، فإن قَتَله مُحِلُّ في يده ، فالجزاء على المـُحْرم ، وإن قَتَله مُحْرمٌ آخر ، فالجزاء عليهما أو على القاتل ومَنْ في يده ، طريق للشافعية وجهان(١) .

وعندنا يجب على كلّ واحد منهما فداء كامل.

مسألة ٣٧١ : المـُحْرم يضمن الصيد بإتلافه مطلقاً ، سواء قصد التخليص أو لا ، فلو خلّص صيداً من فم هرّةٍ أو سبُعٍ أو من شقّ جدار ، وأخذه ليداويه ويتعهّده فمات في يده ، فهو كما لو أخذ المغصوب من الغاصب ليردّه إلى المالك فهلك في يده ، احتمل الضمان - وبه قال أبو حنيفة(٢) - لأنّ المستحق لم يرض بيده ، فتكون يدُه يدَ ضمان ، وعدمه ؛ لأنّه قصد المصلحة ، فتكون يدُه يدَ وديعة.

وللشافعي قولان(٣) ، كالاحتمالين.

ولو صال صيد على مُحْرم أو في الحرم فقتله دفعاً ، فلا ضمان ؛ لأنّه بالصيال التحق بالمؤذيات ، وبه قال الشافعي(٤) .

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٤٩٧ ، المجموع ٧ : ٣١٣.

(٢) فتح العزيز ٧ : ٤٩٧.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٤٩٧ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢١٨ ، المجموع ٧ : ٢٩٧ ، حلية العلماء ٣ : ٢٩٦.

(٤) فتح العزيز ٧ : ٤٩٨ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢١٩ ، المجموع ٧ : ٣٣٦ و ٣٣٨ ، المغني ٣ : ٥٤٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٠٨.


وقال أبو حنيفة : يجب عليه الضمان(١) .

ولو ركب إنسان صيداً وصال على مُحْرم ولم يمكن دفعه إلّا بقتل الصيد فقَتَله ، فالوجه : وجوب فداء كامل على كلّ واحد منهما.

وللشافعي قولان :

أحدهما : أنّ الضمان على القاتل ؛ لأنّ الأذى هنا ليس من الصيد ، فحينئذٍ يرجع القاتل على الراكب.

والثاني : أنّ الضمان على الراكب ، ولا يطالب به المـُحْرم(٢) .

ولو ذبح صيداً في مخمصة وأكله ، ضمن ؛ لأنّه أهلكه لمنفعة نفسه من غير إيذاء من الصيد.

ولو اُكره مُحْرمٌ أو مُحِلّ في الحرم على قتل صيد فقَتَله ، ضمنه المـُكِره ؛ لأنّ المباشرة ضعفت بالإِكراه

وللشافعي وجهان : هذا أحدهما ، والثاني : أنّه على المـُكرَه ثم يرجع به على المـُكرِه(٣) .

وعن أبي حنيفة : أنّ الجزاء في صيد الحرم على المكره وفي الإِحرام على المكره(٤) .

مسألة ٣٧٢ : الجزاء يجب على المـُحْرم إذا قتل الصيد عمداً وسهواً أو خطأً ، بإجماع العلماء.

قال الله تعالى :( وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ) (٥) .

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٤٩٨ ، المجموع ٧ : ٣٣٨ ، المغني ٣ : ٥٤٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٠٨.

(٢) فتح العزيز ٧ : ٤٩٨ ، المجموع ٧ : ٣٣٦ - ٣٣٧.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٤٩٨ ، المجموع ٧ : ٣٠٠.

(٤) فتح العزيز ٧ : ٤٩٨.

(٥) المائدة : ٩٥.


ولا نعلم فيه خلافاً إلّا من الحسن البصري ومجاهد ، فإنّهما قالا : إن قتله متعمّداً ذاكراً لإِحرامه لا جزاء عليه ، وإن كان مخطئاً أو ناسياً لإِحرامه ، فعليه الجزاء(١) .

وهو مخالف للقرآن ؛ فإنّه تعالى علّق الكفّارة على القتل عمداً والذاكر لإِحرامه متعمّداً ، ثم قال في سياق الآية :( لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ ) (٢) والساهي والمخطئ لا عقاب عليه ولا ذمّ ، ولا نعرف لهما دليلاً على مخالفتهما لنصّ القرآن والإِجماع ، فلا اعتداد بقولهما.

مسألة ٣٧٣ : لا خلاف في وجوب كفّارة الصيد على القاتل ناسياً ، والعامد قد بيّنّا وجوبها عليه أيضاً.

وأمّا الخاطئ ، فإنّ الكفّارة تجب عليه كذلك أيضاً عند علمائنا أجمع - وبه قال الحسن البصري وعطاء والنخعي ومالك والثوري وأصحاب الرأي والزهري(٣) - لما رواه العامّة عن جابر ، قال : جعل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في الضبع يصيده المـُحْرم كبشاً(٤) .

وقالعليه‌السلام : ( في بيض النعام يصيبه المـُحْرم ثمنه )(٥) ولم يفرّقعليه‌السلام بين العامد والخاطئ.

ومن طريق الخاصّة : قول أبي الحسنعليه‌السلام : « وعليه الكفّارة »(٦) .

ولأنّه إتلاف مال ، فاستوى عمده وخطؤه.

____________________

(١) المغني ٣ : ٥٣٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٩٦ ، المجموع ٧ : ٣٢٠.

(٢) المائدة : ٩٥.

(٣) المغني ٣ : ٥٤١ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٥٢ ، المجموع ٧ : ٣٢١.

(٤) سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٣١ - ١٠٣٢ / ٣٠٨٥ ، سنن الدار قطني ٢ : ٢٤٦ / ٤٩ ، سنن البيهقي ٥ : ١٨٣.

(٥) سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٣١ / ٣٠٨٦ ، سنن الدار قطني ٢ : ٢٥٠ / ٦٤.

(٦) الكافي ٤ : ٣٨١ / ٤ ، التهذيب ٥ : ٣٦٠ - ٣٦١ / ١٢٥٣.


وروي عن ابن عباس أنّه قال : لا كفّارة على الخاطئ في قتل الصيد - وبه قال سعيد بن جبير وطاوس وابن المنذر. وعن أحمد روايتان - لقوله تعالى :( وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً ) (١) .

ولأصالة البراءة ، ولأنّه محظور الإِحرام لا يفسده ، فيجب التفرقة بين الخطأ والعمد ، كاللبس والطيب ، ولأنّه يدلّ بدليل الخطاب(٢) .

وليس حجّةً ، والأصل تُرك ؛ للدليل ، والقتل إتلاف ، واللبس ترفّه ، فافترقا.

مسألة ٣٧٤ : لو كرّر المحرم الصيد ناسيا ، تكرّرت الكفّارة إجماعاً. وإن تعمّد فللشيخ قولان:

أحدهما : يجب الجزاء في الأول دون الثاني(٣) ، وبه قال ابن بابويه(٤) ، وهو مروي عن ابن عباس ، وهو قول شريح والحسن البصري وسعيد بن جبير ومجاهد والنخعي وقتادة وأحمد في إحدى الروايات(٥) .

والثاني : تتكرر الكفّارة بتكرّر السبب(٦) ، وهو قول العلماء ، وبه قال عطاء والثوري والشافعي وإسحاق وابن المنذر(٧) ، وهو المعتمد ؛ لقوله تعالى :( وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً ) (٨) وهو يتناول العامد.

____________________

(١) المائدة : ٩٥.

(٢) المغني ٣ : ٥٤١ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٥٢ ، المجموع ٧ : ٣٢١.

(٣) النهاية : ٢٢٦ ، التهذيب ٥ : ٣٧٢ ذيل الحديث ١٢٩٧ ، الاستبصار ٢ : ٢١١ ذيل الحديث ٧٢٠.

(٤) المقنع : ٧٩ ، الفقيه ٢ : ٢٣٤ ذيل الحديث ١١١٨.

(٥) المغني ٣ : ٥٦١ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٦٨ ، المجموع ٧ : ٣٢٣ ، بدائع الصنائع ٢ : ٢٠١ ، تفسير القرطبي ٦ : ٣٠٨ - ٣٠٩ ، أحكام القرآن - للجصّاص - ٢ : ٤٧٥.

(٦) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٤٢ ، الخلاف ٢ : ٣٩٧ ، المسألة ٢٥٩.

(٧) المغني ٣ : ٥٦١ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٦٨ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٢٤ ، المجموع ٧ : ٣٢٣ ، تفسير القرطبي ٦ : ٣٠٨ ، أحكام القرآن - للجصّاص - ٢ : ٤٧٥.

(٨) المائدة : ٩٥.


ولما رواه العامّة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنّه جَعَل في الضبع يصيده المـُحْرم كبشاً(١) ، ولم يفرّق.

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « عليه كلّما عاد كفّارة »(٢) .

ولأنّها كفّارة عن قتل ، فاستوى فيها المبتدئ والعائد ، كقتل الآدمي.

احتجّ الشيخ : بقوله تعالى :( وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ ) (٣) جعل جزاء العود الانتقام ، وهو يدلّ على سقوط الكفّارة ، لأنّه لم يوجب جزاءً.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « فإن عاد فقتل صيداً آخر لم يكن عليه جزاؤه ، وينتقم الله منه »(٤) والنقمة في الآخرة.

والانتقام لا ينافي وجوب الجزاء ؛ لعدم دلالته على أنّه كلّ الجزاء ، ونفي الجزاء محمول على أنّه ليس عليه جزاؤه خاصّةً ؛ جمعاً بين الأدلّة.

مسألة ٣٧٥ : ويجب الجزاء على القاتل للضرورة ، كالمضطرّ إلى أكله ؛ لعموم قوله :( وَمَنْ قَتَلَهُ ) (٥) وهو يتناول المضطرّ وغيره.

ولأنّه قَتَله من غير معنى يحدث فيه من الصيد يقتضي قتله ، فيضمنه ، كغيره.

ولأنّه أتلفه لنفعه ودفع الأذى عنه ، فكان عليه الكفّارة ، كحلق الرأس.

ولقول الصادقعليه‌السلام وقد سُئل عن المـُحْرم يضطرّ فيجد الميتة والصيد أيّهما يأكل؟ قال : « يأكل من الصيد ، أما يحبّ أن يأكل من ماله؟ » قلت : بلى ، قال : « إنّما عليه الفداء ، فليأكل وليفده »(٦) .

____________________

(١) تقدّمت الإِشارة إلى مصادره في الهامش (٤) من ص ٤٥٥.

(٢) التهذيب ٥ : ٣٧٢ / ١٢٩٦ ، الاستبصار ٢ : ٢١٠ - ٢١١ / ٧١٩.

(٣) المائدة : ٩٥.

(٤) التهذيب ٥ : ٣٧٢ / ١٢٩٧ ، الاستبصار ٢ : ٢١١ / ٧٢٠.

(٥) المائدة : ٩٥.

(٦) الكافي ٤ : ٣٨٣ / ١ ، التهذيب ٥ : ٣٦٨ / ١٢٨٣ ، الاستبصار ٢ : ٢٠٩ / ٧١٤.


وقال الأوزاعي : لا يضمنه ؛ لأنّه مباح له ، فأشبه صيد البحر(١) .

والإِباحة لا تستلزم عدم الكفّارة ، كما في حلق الرأس.

والفرق : أنّ صيد البحر لا يتناوله حرم الإِحرام ولا الحرم ، فلا تجب الكفّارة به ، بخلاف الصيد.

ويجب الضمان على مَنْ أتلف الصيد بتخليصه من سبُع أو شبكة ، أو بتخليصه من خيط في رجله ونحوه - وبه قال قتادة(٢) - لعموم الأدلّة.

ولأنّ غاية ذلك عدم القصد إلى قتله ، وهو لا يُسقط الضمان ، كقتل الخطأ.

وقال عطاء : لا ضمان عليه - وللشافعي قولان(٣) - لأنّه فعل اُبيح لحاجة الحيوان ، فلا يضمن ما يتلف به ، كما لو داوى وليُّ الصبيِّ الصبيَّ ، فمات به(٤) .

والجواب : أنّه مشروط بالسلامة.

والجزاء يجب على المـُحْرم ، سواء كان إحرامه للحجّ أو للعمرة ، وسواء كان الحجّ تمتّعاً أو قراناً أو إفراداً ، وسواء كانا واجبين أو مندوبين ، صحيحين أو عرض لهما الفساد ؛ للعمومات ، ولا نعرف فيه خلافاً.

وإذا قتل المـُحْرم صيداً مملوكاً لغيره ، لزمه الجزاء لله تعالى ، والقيمة لمالكه - وبه قال الشافعي وأبو حنيفة(٥) - للعموم.

وقال مالك : لا يجب الجزاء بقتل المملوك(٦) .

____________________

(١) المغني ٣ : ٥٤٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٣١٧.

(٢) المغني ٣ : ٥٤٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٠٨.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٤٩٧ ، المجموع ٧ : ٢٩٧ ، حلية العلماء ٣ : ٢٩٦.

(٤) المغني ٣ : ٥٤٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٠٨.

(٥) فتح العزيز ٧ : ٤٨٦ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢١٨ ، المجموع ٧ : ٣٣٠ و ٤٤٤ ، حلية العلماء ٣ : ٢٩٦ ، المنتقى - للباجي - ٢ : ٢٥١.

(٦) حلية العلماء ٣ : ٢٩٧ ، المجموع ٧ : ٣٣٠.


وإذا كان الصيد في الحرم وتجرّد عن الإِحرام ، ضمن ، ولو كان مُحْرماً ، تضاعف الجزاء.

وقال الشافعي : صيد الحرم مِثْلُ صيد الإِحرام يتخيّر فيه بين ثلاثة أشياء : المثل والإِطعام والصوم ، وفيما لا مِثْلَ له يتخيّر بين الصيام والطعام(١) .

وقال أبو حنيفة : لا مدخل للصوم في ضمان صيد الحرم(٢) .

مسألة ٣٧٦ : الصيد إذا كان مثليّاً ، تخيّر القاتل بين أن يخرج مثله من النَّعَم‌ وبين أن يقوّم المثل دراهم ويشتري به طعاماً ويتصدّق به على المساكين ، وبين أن يصوم عن كلّ مُدَّيْن يوماً ، ولو لم يكن له مِثْلٌ ، تخيَّر بين أن يقوّم الصيد ويشتري بثمنه طعاماً ويتصدّق به ، أو يصوم عن كلّ مُدَّيْن يوماً.

قال الشيخرحمه‌الله : ولا يجوز إخراج القيمة بحال ، ووافقنا الشافعي في ذلك كلّه ومالك ، إلّا أنّ مالكاً قال : يقوّم الصيد ، وعندنا يقوّم المثل.

وقال بعض أصحابنا : إنّها على الترتيب.

وقال أبو حنيفة : الصيد مضمون بالقيمة ، سواء كان له مثل من النَّعَم أو لا ، إلّا أنّه إذا قوّمه تخيّر بين أن يشتري بالقيمة من النَّعَم ويخرجه ، وبين أن يشتري بالقيمة طعاماً ويتصدّق به ، وبين أن يصوم عن كلّ مُدٍّ يوماً ، إلّا أنّه إذا اشترى النَّعَم لم يجزئه إلّا ما يجوز في الضحايا ، وهو : الجذع من الضأن ، والثني من كلّ شي‌ء.

وقال أبو يوسف : يجوز أن يشتري بالقيمة شيئاً(٣) من النَّعَم ما لا يجوز‌

____________________

(١) حلية العلماء ٣ : ٣٢٢ ، المجموع ٧ : ٤٩١.

(٢) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٩٧ - ٩٨ ، بدائع الصنائع ٢ : ٢٠٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٧١ ، المجموع ٧ : ٤٩١.

(٣) في النسخ الخطية والحجرية : شي‌ء. وما أثبتناه من المصدر.


في الضحايا وما يجوز(١) .

وإذا اختار المـِثْلَ أو قلنا بوجوبه ، ذَبَحه وتصدَّق به على مساكين الحرم ؛ لقوله تعالى :( هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ ) (٢) .

ولا يجوز أن يتصدّق به حيّاً ؛ لأنّه تعالى سمّاه هدياً والهدي يجب ذبحه.

وله أن يذبحه أيّ وقت شاء لا يختصّ ذلك بأيّام النحر ؛ لأنّه كفّارة ، فيجب إخراجها متى شاء ، كغيرها من الكفّارات.

وأمّا المكان : فإن كان إحرامه للحجّ ، وجب عليه أن ينحر فداء الصيد أو يذبحه بمنى ، وإن كان بالعمرة ، ذبحه أو نحره بمكة بالموضع المعروف بالحزورة ؛ لأنّه هدي ، فكان كغيره من الهدايا.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « مَنْ وجب عليه فداء أصابه محرما ، فإن كان حاجّا ، نحر هديه الذي يجب عليه بمنى ، وإن كان معتمراً ، نحره بمكة قبالة الكعبة »(٣) .

ولو أخرج الطعام أخرجه إمّا بمكة أو بمنى على التفصيل في الجزاء ؛ لأنّه عوض عمّا يجب دفعه إلى مساكين ذلك المكان ، فيجب دفعه إليهم.

ويعتبر قيمة المثل في الحرم ؛ لأنّه محلّ إخراجه.

والطعام المخرج : الحنطة أو الشعير أو التمر أو الزبيب.

ولو قيل : يجزئ كلّ ما يسمّى طعاماً ، كان حسناً ؛ لأنّه تعالى أوجب الطعام(٤) .

ويتصدّق على كلّ مسكين بنصف صاع ، وبه قال أحمد في التمر ، وقال‌

____________________

(١) الخلاف ٢ : ٣٩٧ - ٣٩٨ ، المسألة ٢٦٠.

(٢) المائدة : ٩٥.

(٣) التهذيب ٥ : ٣٧٣ / ١٢٩٩ ، الاستبصار ٢ : ٢١١ / ٧٢٢.

(٤) المائدة : ٩٥.


في البُرّ بمُدٍّ(١) .

ويقوّم المثل يوم يريد تقويمه ، ولا يلزمه أن يقوّمه وقت إتلاف الصيد ؛ لأنّ القيمة ليست واجبةً في تلك الحال ، وإنّما تجب إذا اختارها القاتل.

وما لا مِثْل له إن قدّر الشارع قيمته ، اُخرجت ، وإلّا قوّم الصيد وقت الإِتلاف ؛ لأنّه وقت الوجوب.

ولو لم يجد ماخضاً في جزاء الماخض قوّم الجزاء ماخضاً.

ولو صام عن كلّ نصف صاع يوماً فبقي ربع صاع ، صام عنه يوماً كاملاً.

ولا يجوز أن يصوم عن بعض الجزاء ويُطعم عن البعض - وبه قال الشافعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر(٢) - لأنّها كفّارة ، فلا يتبعّض جنسها ، كسائر الكفّارات.

ولا يتعيّن الصوم بمكان كغيره من أنواع الصيام.

وما لا مِثْل له من الصيد يتخيّر قاتله بين شراء طعام بقيمته ، فيطعمه المساكين ، وبين الصوم.

ولا يجوز له إخراج القيمة - وبه قال ابن عباس وأحمد في رواية عنه(٣) - لأنّه جزاء صيد ، فلا يجوز إخراج القيمة فيه ، كالذي له مثل.

ولأنّه تعالى خيّر بين ثلاثة(٤) ليس القيمة أحدها ، وقد تعذّر واحد ، فيبقى التخيير بين اثنين.

وعن أحمد رواية : أنّه يجوز إخراج القيمة(٥) .

إذا عرفت هذا ، فإنّه يقوّم في محل الإِتلاف ، بخلاف المثلي ، فإنّ‌

____________________

(١) المغني ٣ : ٥٥٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٤٠.

(٢) المغني ٣ : ٥٦٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٤٠ - ٣٤١.

(٣) المغني ٣ : ٥٦٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٤١.

(٤) المائدة : ٩٥.

(٥) المغني ٣ : ٥٦٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٤١.


المعتبر في قيمة النَّعَم بمكة ؛ لأنّه محلّ ذبحه.

مسألة ٣٧٧ : المـُحْرم في الحرم يتضاعف عليه الجزاء - خلافاً للعامّة(١) ‌- لأنّه جمع بين الإِحرام والحرم وقد هتكهما.

ولأنّ كلّ واحد منهما يوجب الجزاء فيكون كذلك حال الاجتماع.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « وإن أصبته وأنت حرام في الحرم فعليك الفداء مضاعفاً »(٢) .

إذا عرفت هذا ، فإنّما يتضاعف من الجزاء ما كان دون البدنة ، أمّا ما تجب فيه بدنة فإنّه لا يتضاعف وإن كان القاتل مُحْرماً في الحرم ؛ لأصالة البراءة ، لأنّ البدنة أعلى ما يجب في الكفّارات.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « يضاعفه ما بينه وبين البدنة ، فإذا بلغ البدنة فليس عليه(٣) التضعيف »(٤) .

وابن إدريس أوجب التضاعف مطلقاً(٥) .

ولو كان الصيد لا دم فيه وقَتَله مُحِلٌّ في الحرم أو مُحْرم في الحِلّ ، كان عليه القيمة ، ولو كان مُحْرماً في الحرم ، كان عليه قيمتان ، لقول الصادقعليه‌السلام : « فإن أصابه المـُحْرم في الحرم فعليه قيمتان ليس عليه دم » لمـّا سأله سليمان بن خالد : عن القمري والسمان والعصفور والبلبل(٦) .

مسألة ٣٧٨ : كلّ مَنْ وجب عليه بدنة في كفّارة الصيد ولم يجد أطعم ستّين مسكيناً ، فإن لم يقدر ، صام ثمانية عشر يوماً. ولو كان عليه بقرة ولم‌

____________________

(١) المغني ٣ : ٥٦٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٧٠ ، فتح العزيز ٧ : ٥٠٩ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٢٥ ، المجموع ٧ : ٤٤٢.

(٢) التهذيب ٥ : ٣٧٠ / ١٢٨٨.

(٣) في النسخ الخطية والحجرية : له. وما أثبتناه من المصدر.

(٤) التهذيب ٥ : ٣٧٢ / ١٢٩٤.

(٥) السرائر : ١٣٢.

(٦) التهذيب ٥ : ٣٧١ / ١٢٩٣.


يجد أطعم ثلاثين مسكيناً ، فإن لم يجد ، صام تسعة أيام. وإن كان عليه شاة ولم يجد ، أطعم عشرة مساكين ، فإن لم يجد ، صام ثلاثة أيام ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « مَنْ أصاب شيئاً فداؤه بدنة من الإِبل ، فإن لم يجد ما يشتري بدنةً فأراد أن يتصدّق فعليه أن يُطعم ستّين مسكيناً كلّ مسكين مُدّاً.

فإن لم يقدر على ذلك صام مكان ذلك ثمانية عشر يوماً مكان كلّ عشرة مساكين ثلاثة أيّام ، ومَنْ كان عليه فداء شي‌ء من الصيد فداؤه بقرة [ فإن لم يجد فليطعم ثلاثين مسكيناً ](١) فإن لم يجد فليصم تسعة أيّام ، ومَنْ كان عليه شاة فلم يجد فليطعم عشرة مساكين ، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج(٢) »(٣) .

ومَنَع الشيخ صيد حمام الحرم حيث كان للمُحِلّ والمـُحْرم(٤) ؛ لأنّ علي ابن جعفر سأل أخاه الكاظمعليه‌السلام : عن حمام الحرم يصاد في الحِلّ ، فقال : « لا يصاد حمام الحرم حيث كان إذا علم أنّه من حمام الحرم »(٥) .

وجوّزه ابن إدريس(٦) . وليس بجيّد.

ولو قتل المـُحْرم حيواناً وشكّ في أنّه صيد ، لم يضمنه ؛ لأصالة البراءة.

ولو أكل المـُحْرم لحم صيد ولم يعلم ما هو ، لزم دم شاة ؛ لقول الصادقعليه‌السلام في رجل أكل من لحم صيد لا يدري ما هو وهو مُحْرم : « عليه [ دم ](٧) شاة »(٨) .

ولو اقتتل اثنان في الحرم ، كان على كلّ واحد منهما دم ، لأنّه هتك‌

____________________

(١) أضفناها من المصدر.

(٢) كلمة « في الحج » لم ترد في المصدر.

(٣) التهذيب ٥ : ٣٤٣ / ١١٨٧.

(٤) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٤١ ، التهذيب ٥ : ٣٤٨ ذيل الحديث ١٢٠٨.

(٥) التهذيب ٥ : ٣٤٨ / ١٢٠٩.

(٦) السرائر : ١٣١.

(٧) أضفناها من المصدر.

(٨) الكافي ٤ : ٣٩٧ / ٧ ، التهذيب ٥ : ٣٨٤ / ١٣٤٢.


حرمة الحرم ، فتكون عليه عقوبة.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « على كلّ واحد منهما دم »(١) .

ويجوز أن يكون مع المـُحْرم لحم صيد إذا لم يأكله ويتركه إلى وقت إحلاله إذا كان قد صاده مُحِلٌّ.

ولو اشترك مُحلّون في قتل صيد في الحرم ، قال الشيخرحمه‌الله : لزم كلّ واحد منهم القيمة.

ثم قال : وإن قلنا : يلزمهم جزاء واحد ، كان قويّاً ؛ لأصالة البراءة(٢) .

ولو اشترك مُحلّون ومُحْرمون في قتل صيد في الحِلّ ، لزم المـُحْرمين الجزاء ، ولم يلزم المـُحِلّين. ولو كان في الحرم ، لزم المـُحْرمين الجزاء والقيمة ، والمحلّين جزاء واحد.

مسألة ٣٧٩ : الخيار في الكفّارة بين الإِطعام والذبح والصيام إلى القاتل لا إلى العدلين المقوّمين ؛ لأنّ الواجب عليه ، فكان الاختيار في التعيين إليه ، كما في كفّارة اليمين ، وحكم العدلين إنّما هو لبيان قدر الواجب بالتقويم ، وبه قال أبو يوسف وأبو حنيفة(٣) .

وقال محمد : الخيار في التعيين إلى الحَكَمين : إن شاءا حَكَما عليه بالهدي ، وإن شاءا حَكَما عليه بالإِطعام ، وإن شاءا حَكَما عليه بالصيام - وبه قال الشافعي ومالك - لقوله تعالى :( فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ ) (٤) نُصب( هَدْياً ) لوقوع الحكم عليه(٥) .

____________________

(١) الكافي ٤ : ٣٦٧ / ٩ ، التهذيب ٥ : ٣٨٥ / ١٣٤٣.

(٢) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٤٦.

(٣) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٨٣ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٩٨.

(٤) المائدة : ٩٥.

(٥) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٨٣ - ٨٤ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٩٨ ، التفسير الكبير ١٢ : ٩٦ ، المنتقى - للباجي - ٢ : ٢٥٥.


وهو ممنوع ؛ بل نصب على الحال ، والتقدير : فجزاءٌ من النَّعَم هدياً ، أو كفّارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياماً مِثْلُ يحكم به ذوا عدل ، مقصوراً على بيان المثل ، ونصب( هَدْياً ) على الحال ، أي في الإِهداء ، ليبقى ما قبله إيجاباً على العبد من غير حكم أحد بكلمة « أو » فيكون الخيار إليه.

إذا عرفت هذا ، فالاعتبار في المثل بما نصّ الشارع على مثله ، وما لا نصّ فيه الاعتبار بالقيمة؛ لأنّ الشاة تجب في الحمام ، ولا مماثلة بينهما صورةً وقيمةً.

وقال أبو حنيفة وأبو يوسف : الاعتبار بالقيمة ؛ لأنّه حيوان مضمون بالمثل ، فيكون مضموناً بالقيمة ، كالمملوك(١) .

وقال محمد : الاعتبار بالصورة ؛ لقوله تعالى :( فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ) (٢) .

وقد أوجب الشارع البدنة والبقرة والشاة فيما ذكرنا وهي أمثالها(٣) .

والجواب : المراد من النَّعَم المقتول من النَّعَم ، لا أن يكون المِثْلُ من النَّعَم.

مسألة ٣٨٠ : يجوز في إطعام الفدية التمليك والإِباحة‌ - وبه قال أبو يوسف(٤) - لأنّه كفّارة ، فيجوز فيها الأمران ، ككفّارة اليمين.

وقال محمد : لا يجوز إلّا التمليك(٥) ؛ لأنّ الواجب في الزكاة التمليك ، واسم الصدقة لا يقتضي التمليك ، قالعليه‌السلام : ( نفقة الرجل على أهله صدقة )(٦) وذلك إنّما هو بالإِباحة لا التمليك.

____________________

(١) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٨٢ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٩٨.

(٢) المائدة : ٩٥.

(٣) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٨٢ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٩٨.

(٤ و ٥) بدائع الصنائع ٢ : ١٨٧.

(٦) صحيح البخاري ٥ : ١٠٧ ، سنن الترمذي ٤ : ٣٤٤ / ١٩٦٥ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٩ : =


مسألة ٣٨١ : لو قتل مُحْرمٌ صيداً فأخذه مُحْرمٌ آخر ، فعلى كلٍّ منهما جزاء ؛ لتعرّض كلٍّ منهما له ، ولا يرجع القاتل على الثاني ولا بالعكس بما ضمن من الجزاء - وبه قال زفر(١) - لأنّ الآخذ لم يملكه ، فلا يرجع بالضمان على غيره.

وقال أبو حنيفة وصاحباه : يرجع الأول على الثاني(٢) .

ولو أصاب المـُحْرمُ صيوداً كثيرة على وجه الإِحلال ورفض الإِحرام متأوّلاً ، لا يعتبر تأويله ، ويلزمه بكلّ محظور كفّارة على حدة ، وبه قال الشافعي(٣) .

وقال أبو حنيفة : لا يلزمه إلّا جزاء واحد(٤) ؛ لأنّ التأويل الفاسد معتبر في دفع الضمانات الدنيوية ، كالباغي إذا أتلف مالَ العادل وأراق دَمه لا يضمن ؛ لأنّه أتلف عن تأويل.

ونمنع الحكم في الأصل ، ووجود التأويل وعدمه بمثابة واحدة ؛ لأنّ الإِحرام لا يرتفع به فتعدّدت الجناية.

ولو قتل حمامةً مسرولةً ، وجب عليه الضمان - وبه قال أبو حنيفة(٥) - لأنّه صيد حقيقةً ؛ لامتناعه.

وقال مالك : لا ضمان عليه ؛ لأنّه لا يمتنع لبُطء طيرانه(٦) .

والتفاوت اليسير لا يعتبر في كونه صيداً.

____________________

= ١٠٦ / ٦٦٩٥ ، و ١٠٧ / ٦٦٩٧.

(١ و ٢) بدائع الصنائع ٢ : ٢٠٦.

(٣) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٠١ - ١٠٢.

(٤) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٠١.

(٥ و ٦) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٩٤ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٩٦‌.


الفهرس

كتاب الحجّ والعمرة‌ ٦

مسألة ١ : ٨

مسألة ٢ : ٩

مسألة ٣ : ١٠

مسألة ٤ : ١٢

مسألة ٥ : ١٤

و أمّا المقاصد فيشتمل الأول منها على فصول‌ الفصل الأول في كيفية الوجوب مسألة ٦ : ١٥

مسألة ٧ : مسألة ٨ : ١٧

مسألة ٩ : ١٩

مسألة ١٠ : مسألة ١١ : ٢٠

مسألة ١٢ : ٢١

الفصل الثاني في تفصيل هذه الشرائط‌ الأول : في شرائط حجة الإِسلام‌ الأول : البلوغ والعقل‌ مسألة ١٣ : ٢٤

مسألة ١٤ : ٢٥

مسألة ١٥ : مسألة ١٦ : ٢٧

مسألة ١٧ : ٣٠

مسألة ١٨ : ٣٢

مسألة ١٩ : ٣٢

مسألة ٢٠ : ٣٣

مسألة ٢١ : مسألة ٢٢ : ٣٥


مسألة ٢٣ : مسألة ٢٤ : ٣٧

مسألة ٢٥ : ٣٨

مسألة ٢٦ : ٤٠

مسألة ٢٧ : مسألة ٢٨ : ٤١

البحث الثاني : في شرط الحُرّية‌ مسألة ٢٩ : ٤٣

مسألة ٣٠ : ٤٤

فروع : ٤٥

مسألة ٣١ : مسألة ٣٢ : ٤٦

مسألة ٣٣ : ٤٧

مسألة ٣٤ : ٤٨

مسألة ٣٥ : ٤٩

البحث الثالث : في الاستطاعة‌ مسألة ٣٦ : ٥٠

مسألة ٣٧ : مسألة ٣٨ : ٥٢

فروع : ٥٣

مسألة ٣٩ : مسألة ٤٠ : ٥٤

مسألة ٤١ : ٥٥

مسألة ٤٢ : ٥٦

تذنيب : ٥٧

البحث الرابع : المؤونة ٥٨

فروع : ٥٩

مسألة ٤٣ : مسألة ٤٤ : ٦١

فروع : ٦٢

مسألة ٤٥ : مسألة ٤٦ : ٦٤

مسألة ٤٧ : ٦٥

تنبيه : ٦٦


البحث الخامس : في إمكان المسير النظر الأول : الصحة مسألة ٤٨ : ٦٨

مسألة ٤٩ : ٦٩

مسألة ٥٠ : مسألة ٥١ : ٧١

مسألة ٥٢ : ٧٢

مسألة ٥٣ : ٧٤

تذنيبان : مسألة ٥٤ : ٧٥

مسألة ٥٥ : ٧٦

النظر الثاني : التثبّت على الراحلة‌ ٧٨

النظر الثالث : أمن الطريق‌ ٧٩

مسألة ٥٦ : مسألة ٥٧ : ٨٠

مسألة ٥٨ : ٨٣

تذنيبات : ٨٦

مسألة ٥٩ : ٨٧

تذنيب : مسألة ٦٠ : ٨٩

مسألة ٦١ : ٩٠

مسألة ٦٢ : ٩٢

النظر الرابع : في اتّساع الوقت‌ مسألة ٦٣ : ٩٣

مسألة ٦٤ : ٩٤

تذنيب : ٩٥

مسألة ٦٥ : تذنيب : ٩٦

مسألة ٦٦ : مسألة ٦٧ : ٩٧

تذنيبات : ٩٨

مسألة ٦٨ : مسألة ٦٩ : ١٠٠

مسألة ٧٠ : ١٠٢

تذنيب : مسألة ٧١ : ١٠٣


مسألة ٧٢ : ١٠٤

مسألة ٧٣ : ١٠٥

تذنيب : مسألة ٧٤ : ١٠٦

مسألة ٧٥ : ١٠٧

مسألة ٧٦ : تذنيب : مسألة ٧٧ : ١٠٨

تذنيب : ١٠٩

المطلب الثاني : في شرائط باقي أقسام الحج مسألة ٧٨ : ١١٠

البحث الثاني : في شرائط النيابة مسألة ٧٩ : مسألة ٨٠ : ١١١

مسألة ٨١ : ١١٢

مسألة ٨٢ : ١١٣

مسألة ٨٣ : ١١٤

مسألة ٨٤ : ١١٥

مسألة ٨٥ : ١١٦

مسألة ٨٦ : مسألة ٨٧ : ١١٧

مسألة ٨٨ : مسألة ٨٩ : ١١٨

مسألة ٩٠ : مسألة ٩١ : ١١٩

مسألة ٩٢ : مسألة ٩٣ : ١٢١

مسألة ٩٤ : ١٢٤

مسألة ٩٥ : ١٢٦

مسألة ٩٦ : ١٢٧

مسألة ٩٧ : ١٢٩

مسألة ٩٨ : ١٣٠

مسألة ٩٩ : ١٣٢

مسألة ١٠٠ : ١٣٣

مسألة ١٠١ : ١٣٤


مسألة ١٠٢ : ١٣٦

مسألة ١٠٣ : ١٣٧

تذنيب : مسألة ١٠٤ : ١٣٨

مسألة ١٠٥ : ١٣٩

مسألة ١٠٦ : ١٤٠

مسألة ١٠٧ : ١٤١

مسألة ١٠٨ : ١٤٣

مسألة ١٠٩ : ١٤٧

مسألة ١١٠ : ١٥١

مسألة ١١١ : ١٥٢

مسألة ١١٢ : ١٥٣

مسألة ١١٣ : ١٥٥

مسألة ١١٤ : مسألة ١١٥ : ١٥٨

مسألة ١١٦ : ١٥٩

مسألة ١١٧ : مسألة ١١٨ : ١٦٠

مسألة ١١٩ : مسألة ١٢٠ : ١٦١

مسألة ١٢١ : ١٦٣

مسألة ١٢٢ : ١٦٤

مسألة ١٢٣ : ١٦٥

مسألة ١٢٤ : ١٦٦

الفصل الثالث في أنواع الحج وما يتبعها‌ الأول : في الأنواع ‌ مسألة ١٢٥ : مسألة ١٢٦ : ١٦٨

مسألة ١٢٧ : ١٧٠

مسألة ١٢٨ : ١٧١

مسألة ١٢٩ : ١٧٦


مسألة ١٣٠ : ١٧٧

مسألة ١٣١ : ١٧٩

مسألة ١٣٢ : مسألة ١٣٣ : ١٨٠

مسألة ١٣٤ : ١٨٢

مسألة ١٣٥ : ١٨٣

البحث الثاني : في وقت أداء النسكين‌ مسألة ١٣٦ : ١٨٤

مسألة ١٣٧ : ١٨٦

مسألة ١٣٨ : ١٨٧

مسألة ١٣٩ : مسألة ١٤٠ : ١٨٨

البحث الثالث : في المواقيت‌ الأول : تعيينها مسألة ١٤١ : ١٨٩

مسألة ١٤٢ : ١٩١

مسألة ١٤٣ : مسألة ١٤٤ : ١٩٢

مسألة ١٤٥ : مسألة ١٤٦ : ١٩٣

مسألة ١٤٧ : ١٩٤

مسألة ١٤٨ : ١٩٥

النظر الثاني : في أحكام المواقيت مسألة ١٤٩ : ١٩٦

مسألة ١٥٠ : ١٩٧

مسألة ١٥١ : مسألة ١٥٢ : ١٩٨

مسألة ١٥٣ : ١٩٩

مسألة ١٥٤ : ٢٠٠

مسألة ١٥٥ : ٢٠١

مسألة ١٥٦ : مسألة ١٥٧ : ٢٠٤

مسألة ١٥٨ : ٢٠٥

مسألة ١٥٩ : ٢٠٧

مسألة ١٦٠ : ٢٠٩


مسألة ١٦١ : ٢١٠

مسألة ١٦٢ : ٢١١

مسألة ١٦٣ : مسألة ١٦٤ : ٢١٧

المقصد الثاني في أعمال العمرة المتمتّع بها إلى الحجّ‌ وفيه فصول‌ ٢٢٠

الأول في الإِحرام الأول : في مقدّماته‌ مسألة ١٦٥ : ٢٢٢

مسألة ١٦٦ : ٢٢٣

مسألة ١٦٧ : ٢٢٤

مسألة ١٦٨ : ٢٢٥

مسألة ١٦٩ : ٢٢٧

مسألة ١٧٠ : ٢٢٩

مسألة ١٧١ : ٢٣٠

مسألة ١٧٢ : ٢٣١

المطلب الثاني : في كيفيته مسألة ١٧٣ : الأول : النية‌ مسألة ١٧٤ : ٢٣٣

فروع : ٢٣٥

مسألة ١٧٥ : ٢٣٦

مسألة ١٧٦ : ٢٣٨

النظر الثاني : في لُبس الثوبين مسألة ١٧٧ : ٢٣٩

مسألة ١٧٨ : ٢٤٠

مسألة ١٧٩ : ٢٤١

مسألة ١٨٠ : ٢٤٢

مسألة ١٨١ : ٢٤٣

مسألة ١٨٢ : ٢٤٤

مسألة ١٨٣ : ٢٤٥

مسألة ١٨٤ : ٢٤٧

مسألة ١٨٥ : ٢٤٨


النظر الثالث : في التلبيات مسألة ١٨٦ : ٢٤٩

مسألة ١٨٧ : ٢٥٠

مسألة ١٨٨ : ٢٥١

مسألة ١٨٩ : مسألة ١٩٠ : ٢٥٣

مسألة ١٩١ : ٢٥٤

مسألة ١٩٢ : ٢٥٥

مسألة ١٩٣ : ٢٥٦

مسألة ١٩٤ : ٢٥٧

مسألة ١٩٥ : ٢٥٨

مسألة ١٩٦ : مسألة ١٩٧ : ٢٥٩

فروع : ٢٦٢

مسألة ١٩٨ : ٢٦٣

المطلب الثالث : في تروك الإِحرام‌ البحث الأول : يحرم صيد البرّ في الحلّ والحرم‌ وكذا يحرم على المُحلّ صيد الحرم بالنصّ والإجماع ٢٦٤

مسألة ١٩٩ : ٢٦٥

مسألة ٢٠٠ : ٢٦٦

مسألة ٢٠١ : ٢٦٧

مسألة ٢٠٢ : ٢٦٨

مسألة ٢٠٣ : ٢٦٩

مسألة ٢٠٤ : ٢٧٠

مسألة ٢٠٥ : ٢٧٣

فروع : ٢٧٤

مسألة ٢٠٦ : ٢٧٥

مسألة ٢٠٧ : مسألة ٢٠٨ : ٢٧٦

مسألة ٢٠٩ : ٢٧٧


مسألة ٢١٠ : ٢٧٨

مسألة ٢١١ : ٢٧٩

مسألة ٢١٢ : ٢٨٢

مسألة ٢١٣ : ٢٨٣

مسألة ٢١٣ : ٢٨٤

مسألة ٢١٤ : ٢٨٥

مسألة ٢١٥ : مسألة ٢١٦ : ٢٨٦

مسألة ٢١٧ : مسألة ٢١٨ : ٢٨٨

فروع : ٢٨٩

مسألة ٢١٩ : ٢٩١

مسألة ٢٢٠ : ٢٩٢

مسألة ٢٢١ : مسألة ٢٢٢ : ٢٩٣

مسألة ٢٢٣ : ٢٩٤

مسألة ٢٢٤ : ٢٩٥

البحث الثاني : لبس الثياب المخيطة‌ مسألة ٢٢٥ : ٢٩٦

مسألة ٢٢٦ : ٢٩٨

مسألة ٢٢٧ : ٢٩٩

فروع : ٣٠٠

مسألة ٢٢٨ : ٣٠٢

مسألة ٢٢٩ : البحث الثالث : الطيب‌ مسألة ٢٣٠ : ٣٠٤

مسألة ٢٣١ : ٣٠٥

مسألة ٢٣٢ : ٣٠٧

مسألة ٢٣٣ : ٣١٠

فروع : ٣١١

مسألة ٢٣٤ : ٣١٢


مسألة ٢٣٥ : ٣١٣

مسألة ٢٣٦ : ٣١٤

مسألة ٢٣٧ : ٣١٥

مسألة ٢٣٨ : ٣١٦

مسألة ٢٣٩ : ٣١٨

مسألة ٢٤٠ : ٣١٩

مسألة ٢٤١ : البحث الرابع : الادّهان‌ مسألة ٢٤٢ : ٣٢١

مسألة ٢٤٣ : ٣٢٤

البحث الخامس : الاكتحال بما فيه طيب‌ مسألة ٢٤٤ : مسألة ٢٤٥ : ٣٢٥

مسألة ٢٤٦ : البحث السادس : النظر في المرآة‌ مسألة ٢٤٧ : ٣٢٨

البحث السابع : لُبْس الحُليّ للزينة‌ مسألة ٢٤٨ : ٣٢٩

مسألة ٢٤٩ : مسألة ٢٥٠ : ٣٣٠

البحث الثامن : تغطية الرأس‌ مسألة ٢٥١ : ٣٣١

مسألة ٢٥٢ : ٣٣٣

مسألة ٢٥٣ : ٣٣٤

مسألة ٢٥٤ : مسألة ٢٥٥ : ٣٣٦

مسألة ٢٥٦ : ٣٣٨

مسألة ٢٥٧ : مسألة ٢٥٨ : ٣٤٠

البحث التاسع : التظليل مسألة ٢٥٩ ٣٤١

مسألة ٢٦٠ : مسألة ٢٦١ : ٣٤٣

مسألة ٢٦٢ : ٣٤٤

مسألة ٢٦٣ : مسألة ٢٦٤ : ٣٤٥

البحث العاشر : إزالة الشعر مسألة ٢٦٥ : ٣٤٦

مسألة ٢٦٦ : ٣٤٧

مسألة ٢٦٧ : ٣٤٨


مسألة ٢٦٨ : ٣٥٠

تنبيه : مسألة ٢٦٩ : ٣٥١

مسألة ٢٧٠ : مسألة ٢٧١ : ٣٥٣

البحث الحادي عشر : القَلْم‌ مسألة ٢٧٢ : ٣٥٥

مسألة ٢٧٣ : مسألة ٢٧٤ : ٣٥٦

مسألة ٢٧٥ : البحث الثاني عشر : إخراج الدم‌ مسألة ٢٧٦ : ٣٥٧

مسألة ٢٧٧ : ٣٥٨

مسألة ٢٧٨ : ٣٥٩

مسألة ٢٧٩ : ٣٦٠

مسألة ٢٨٠ : ٣٦١

مسألة ٢٨١ : البحث الثالث عشر : قتل هوامّ الجسد‌ مسألة ٢٨٢ : ٣٦٣

مسألة ٢٨٣ : ٣٦٤

مسألة ٢٨٤ : البحث الرابع عشر : قطع شجر الحرم‌ مسألة ٢٨٥ : ٣٦٥

مسألة ٢٨٦ : ٣٦٧

مسألة ٢٨٧ : مسألة ٢٨٨ : ٣٦٨

مسألة ٢٨٩ : ٣٦٩

مسألة ٢٩٠ : ٣٧٠

مسألة ٢٩١ : ٣٧٣

مسألة ٢٩٢ : ٣٧٤

مسألة ٢٩٣ : ٣٧٥

مسألة ٢٩٤ : مسألة ٢٩٥ : ٣٧٦

مسألة ٢٩٦ : ٣٧٩

مسألة ٢٩٧ : ٣٨٠

مسألة ٢٩٨ : مسألة ٢٩٩ : ٣٨١

البحث الخامس عشر : الاستمتاع بالنساء ‌ مسألة ٣٠٠ : ٣٨٢


مسألة ٣٠١ : مسألة ٣٠٢ : ٣٨٣

مسألة ٣٠٣ : ٣٨٥

مسألة ٣٠٤ : مسألة ٣٠٥ : ٣٨٧

فروع : ٣٨٨

مسألة ٣٠٦ : ٣٨٩

مسألة ٣٠٧ : ٣٩٠

مسألة ٣٠٨ : مسألة ٣٠٩ : ٣٩١

مسألة ٣١٠ : ٣٩٢

البحث السادس عشر : في الفسوق والجدال مسألة ٣١١ : ٣٩٣

مسألة ٣١٢ : ٣٩٤

مسألة ٣١٣ : ٣٩٥

القسم الثاني : في مكروهات الإِحرام‌ ٣٩٦

مسألة ٣١٤ : ٣٩٧

مسألة ٣١٥ : مسألة ٣١٦ : ٣٩٨

المطلب الرابع : في كفّارات الإِحرام‌ الأول : في كفّارات(١) الصيد الأوّل : فيما لكفّارته بدل على الخصوص‌ ٤٠٠

مسألة ٣١٧ : ٤٠١

مسألة ٣١٨ : ٤٠٣

مسألة ٣١٩ : ٤٠٥

مسألة ٣٢٠ : مسألة ٣٢١ : ٤٠٦

مسألة ٣٢٢ : ٤٠٧

مسألة ٣٢٣ : مسألة ٣٢٤ : ٤٠٨

مسألة ٣٢٥ : ٤٠٩

مسألة ٣٢٦ : مسألة ٣٢٧ : ٤١٠

مسألة ٣٢٨ : ٤١١


مسألة ٣٢٩ : ٤١٢

مسألة ٣٣٠ : مسألة ٣٣١ : ٤١٤

مسألة ٣٣٢ : ٤١٥

مسألة ٣٣٣ : تنبيه : ٤١٦

البحث الثاني : فيما لا بدل له على الخصوص‌(١) مسألة ٣٣٤ : ٤١٧

مسألة ٣٣٥ : ٤١٨

مسألة ٣٣٦ : مسألة ٣٣٧ : ٤١٩

مسألة ٣٣٨ : مسألة ٣٣٩ : ٤٢٠

مسألة ٣٤٠ : مسألة ٣٤١ : ٤٢١

مسألة ٣٤٢ : ٤٢٢

مسألة ٣٤٣ : ٤٢٣

مسألة ٣٤٤ : البحث الثالث : فيما لا نصّ فيه‌ مسألة ٣٤٥ : ٤٢٤

مسألة ٣٤٦ : ٤٢٥

مسألة ٣٤٧ : ٤٢٦

البحث الرابع : في أسباب الضمان‌ الأول : المباشرة‌ مسألة ٣٤٨ : ٤٢٨

مسألة ٣٤٩ : ٤٢٩

مسألة ٣٥٠ : مسألة ٣٥١ : ٤٣٠

مسألة ٣٥٢ : ٤٣٢

مسألة ٣٥٣ : ٤٣٣

مسألة ٣٥٤ : ٤٣٥

مسألة ٣٥٥ : ٤٣٦

فروع : ٤٣٧

مسألة ٣٥٦ : مسألة ٣٥٧ : تذنيب : مسألة ٣٥٨ : ٤٣٩

مسألة ٣٥٩ : ٤٤١

مسألة ٣٦٠ : مسألة ٣٦١ : ٤٤٣


مسألة ٣٦٢ : ٤٤٤

مسألة ٣٦٣ : مسألة ٣٦٤ : ٤٤٥

مسألة ٣٦٥ : ٤٤٦

مسألة ٣٦٦ : ٤٤٧

مسألة ٣٦٧ : ٤٤٩

مسألة ٣٦٨ : ٤٥٠

مسألة ٣٦٩ : ٤٥١

مسألة ٣٧٠ : ٤٥٣

مسألة ٣٧١ : ٤٥٤

مسألة ٣٧٢ : ٤٥٥

مسألة ٣٧٣ : ٤٥٦

مسألة ٣٧٤ : ٤٥٧

مسألة ٣٧٥ : ٤٥٨

مسألة ٣٧٦ : ٤٦٠

مسألة ٣٧٧ : مسألة ٣٧٨ : ٤٦٣

مسألة ٣٧٩ : ٤٦٥

مسألة ٣٨٠ : ٤٦٦

مسألة ٣٨١ : ٤٦٧

الفهرس ٤٦٨