تَذْكِرَةُ الْفُقَهاء
الجزء السّادس عشر
تأليْفُ : العَلّامِةَ الحِليْ
بسم الله الرحمن الرحيم
المقصد الثامن : في الصلح
وفيه فصول :
الفصل الأوّل : في ماهيّته وأركانه
وفيه بحثان :
الصلح عقد شُرّع لقطع التنازع بين المتخاصمين.
وهو عقد سائغ بالنصّ والإجماع.
قال الله تعالى :( وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ) (١) وقال تعالى :( وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما ) (٢) .
ومن طريق العامّة : عن أبي هريرة أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال : « الصلح جائز بين المسلمين إلّا صلحاً أحلّ حراماً أو حرّم حلالاً »(٣) .
وعن عبد الله بن كعب بن مالك أنّ كعب بن مالك أخبره أنّه تقاضى ابنَ أبي حَدْرَدٍ دَيْناً كان له - على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله - في المسجد ،
____________________
(١) النساء : ١٢٨.
(٢) الحجرات : ٩.
(٣) سنن أبي داوُد ٣ : ٣٠٤ / ٣٥٩٤ ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٧ : ٢٧٥ / ٥٠٦٩ ، موارد الظمآن : ٢٩١ / ١١٩٩.
فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول اللهصلىاللهعليهوآله وهو في بيته ، فخرج رسول اللهصلىاللهعليهوآله إليهما حتى كشف سجف(١) حجرته ونادى : « يا كعب » قال : لبّيك يا رسول الله ، فأشار بيده أنْ ضَعِ الشطرَ من دَيْنك ، قال كعب : قد فعلتُ يا رسول الله ، قال : « قُمْ فاقبضه »(٢) .
ومن طريق الخاصّة : ما رواه حفص بن البختري - في الحسن - عن الصادقعليهالسلام قال : « الصلح جائز بين الناس »(٣) .
وفي الصحيح عن الباقر والصادقعليهماالسلام أنّهما قالا في رجلين كان لكلّ واحدٍ منهما طعام عند صاحبه لا يدري كلّ واحدٍ منهما كم له عند صاحبه ، فقال كلّ واحدٍ منهما لصاحبه : لك ما عندك ولي ما عندي ، فقال : « لا بأس بذلك »(٤) .
وقد أجمعت الأُمّة على جواز الصلح في الجملة ، ولم يقع بين العلماء فيه خلاف.
مسألة ١٠٢٢ : الصلح عند علمائنا أجمع عقدٌ قائم بنفسه ليس فرعاً على غيره ، بل هو أصل في نفسه منفرد بحكمه ، ولا يتبع غيره في الأحكام ؛ لعدم الدليل على تبعيّته على الغير ، والأصل في العقود الأصالة.
وقال الشافعي : إنّه ليس بأصلٍ ينفرد بحكمه ، وإنّما هو فرع على غيره. وقسّمه على خمسة أضرُب :
ضرب هو فرع البيع ، وهو أن يكون في يده عينٌ أو في ذمّته دَيْنٌ
____________________
(١) السجْف : الستر. النهاية - لابن الأثير - ٢ : ٣٤٣ « سجف ».
(٢) صحيح البخاري ٣ : ٢٤٦ ، صحيح مسلم ٣ : ١١٩٢ / ١٥٥٨ ، سنن البيهقي ٦ : ٦٣ - ٦٤ ، المعجم الكبير - للطبراني - ١٩ : ٦٧ - ٦٨ / ١٢٨.
(٣) الكافي ٥ : ٢٥٩ / ٥ ، التهذيب ٦ : ٢٠٨ / ٤٧٩.
(٤) التهذيب ٦ : ٢٠٦ / ٤٧٠.
فيدّعيها إنسان فيُقرّ له بها ثمّ يصالحه على ما يتّفقان عليه ، وهو جائز فرع على البيع ، بل هو بيع عنده تتعلّق به أحكامه.
وضرب هو فرع الإبراء والحطيطة ، وهو أن يكون له في ذمّته دَيْنٌ فيُقرّ له به ثمّ يصالحه على أن يسقط بعضه ويدفع إليه بعضه ، وهو جائز ، وهو فرع الإبراء.
وضرب هو فرع الإجارة ، وهو أن يكون له عنده دَيْنٌ أو عينٌ فيصالحه من ذلك على خدمة عبدٍ أو سكنى دارٍ مدّةً ، فيجوز ذلك ، ويكون فرعَ الإجارة.
وضرب هو فرع الهبة ، وهو أن يدّعي عليه دارين أو عبدين وشبههما في يده ، فيُقرّ له بهما ، ويصالحه من ذلك على إحداهما ، فيكون هبةً للأُخرى.
وضرب هو فرع العارية ، وهو أن تكون في يده دار فيُقرّ له بها ، فيصالحه على سكناها شهراً ، وهو جائز ، ويكون ذلك عاريةً(١) .
وقال بعض الشافعيّة : الصلح فرعٌ للبيع والإبراء والهبة خاصّةً. ثمّ فسّر الإبراء والهبة بما ليس بصلحٍ ، فقال : إذا كان له في ذمّته ألف درهم فقال : قد أبرأتك من خمسمائة ، ويدفع إليه خمسمائة ، فإن كان بلفظ الصلح ، لم يصح. وكذا إذا قال : أبرأتك من خمسمائة على أن تعطيني خمسمائة ، فإنّه لا يجوز(٢) .
وقال بعضهم : يجوز بلفظ الصلح(٣) .
ثمّ قال القائل الأوّل : لو ادّعى عليه عينين فأقرّ له بهما فوهب له
____________________
(١) البيان ٦ : ٢٢١ - ٢٢٤.
(٢ و ٣) لم نعثر عليه في مظانّه.
إحداهما وأخذ الأُخرى جاز ، ولا يجوز بلفظ الصلح أو بالشرط ؛ لأنّ لفظ الصلح يقتضي المعاوضة ، فأمّا إذا صالحه على بعض الدَّيْن ، كان كأنّه قد باع ألفاً بخمسمائة ، وهو حرام(١) .
وأمّا في الهبة فإذا كان بلفظ الصلح ، فكأنّه قد باع ماله بماله ، فلهذا لم يجز.
والمشهور عندهم : الجواز(٢) ؛ لأنّ لفظ الصلح إذا ذكر فيما كان معاوضةً اقتضى ذلك أن يكون معاوضةً ، فأمّا أن يكون لفظه يقتضيه فليس بصحيحٍ ؛ لأنّ الصلح إنّما معناه الاتّفاق والرضا ، والاتّفاق قد يحصل على المعاوضة وعلى غيرها ، كما أنّ لفظ التمليك إذا كان فيما طريقه المعاوضة - مثل : أن يقول : ملّكتك هذا بهذا - فإنّه يكون بيعاً ، فإذا قال : ملّكتك هذا ، كان هبةً حيث تجرّد عن العوض ، كذا هنا أيضاً.
وعلى القول الثاني يخرج قائله من أن يكون صلحاً ، ولا يبقى له ثَمَّ تعلّقٌ ؛ لأنّه إذا ادّعى عليه شيئاً ، فأقرّ به وأبرأه من بعضه وأخذ بعضه بغير لفظ الصلح ، فذلك براءة وقبض دَيْنه ، ولو أبرأه من جميعه لم يُسمّ صلحاً ، ولو قبض جميعه فكذلك ، فأمّا إذا كان بلفظ الصلح سُمّي بذلك ؛ لوجود لفظه وإن لم يوجد معناه ، كما تُسمّى الهبة المشروطة بالثواب هبةً ؛ لوجود لفظها وإن لم يوجد في ذلك معناها ، وهذا خلاف ما تقدّم ؛ لأنّه معاوضة إجماعاً.
فأمّا إذا قال : أبرأتك من خمسمائة على أن تعطيني خمسمائة فإنّ الشافعيّة منعوا منه ؛ لأنّ هذا الاشتراط يجعله بحكم العوض عن المتنازع
____________________
(١) لم نعثر عليه في مظانّه.
(٢) راجع الحاوي الكبير ٦ : ٣٦٨ ، والتهذيب - للبغوي - ٤ : ١٤٣ ، والبيان ٦ : ٢٢٤.
وذلك لا يجوز(١) .
وإذا ورث رجلان من أبيهما أو أخيهما فصالح أحدهما الآخَر على نصيبه ، كان ذلك صحيحاً عندنا مستقلّاً بنفسه.
وعندهم أنّه فرع البيع ، فإذا شاهدا التركة وعرفا المعوّض ، صحّ الصلح(٢) .
مسألة ١٠٢٣ : الصلح إمّا أن يجري بين المتداعيين ، أو بين المدّعي وبين أجنبيٍّ. والأوّل قسمان : أحدهما : ما يجري على الإقرار عند الشافعيّة(٣) ، وهو نوعان :
أحدهما : الصلح عن العين.
والثاني : الصلح عن الدَّيْن.
وهو قسمان : صلح معاوضةٍ ، وصلح حطيطةٍ.
أمّا صلح المعاوضة فهو الذي يجري على العين المدّعاة ، كما لو ادّعى داراً فأقرّ له المتشبّث بها ، وصالحه منها على عبدٍ أو ثوبٍ. وحكمه حكم البيع عند الشافعي(٤) وإن عقد بلفظ الصلح ، وتتعلّق به جميع أحكام البيع ، كالردّ بالعيب ، والشفعة ، والمنع من التصرّف قبل القبض ، واشتراط
____________________
(١) الحاوي الكبير ٦ : ٣٦٧ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٤٠ ، البيان ٦ : ٢٢٢.
(٢) البيان ٦ : ٢٢٤.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٨٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٢٧.
(٤) مختصر المزني : ١٠٥ ، الحاوي الكبير ٦ : ٣٦٧ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٤٠ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ١٤١ ، البيان ٦ : ٢٢١ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٨٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٢٨ ، منهاج الطالبين : ١٢٥.
القبض إن كان المصالَح عنه والمصالَح عليه متوافقين في علّة الربا ، واشتراط التساوي في الكيل والوزن إن اتّحد جنسهما من أموال الربا ، وجريان التحالف عند الاختلاف ، وفساد العقد بالغرر والجهل.
هذا إذا صالح منها على عينٍ أُخرى ، وإن صالح منها على منفعة دارٍ أُخرى أو خدمة عبدٍ سنةً جاز ، وكان إجارةً ، فتثبت فيه أحكامها.
وأمّا صلح الحطيطة ، وهو الجاري على بعض العين المدّعاة ، كما لو صالح من الدار المدّعاة على نصفها أو ثلثها ، فإنّه هبة بعض المدّعى ممّن هو في يده ، فيشترط القبول ومضيّ إمكان القبض ، ويصحّ بلفظ الهبة - إجماعاً - وما في معناها.
وفي صحّتها بلفظ الصلح وجهان عندهم :
أحدهما : المنع ؛ لأنّ الصلح يتضمّن المعاوضة ، ولا يقابل الإنسان ملك نفسه ببعضه.
وأظهرهما عندهم : الصحّة ؛ لأنّ الخاصّيّة التي يفتقر إليها لفظ الصلح - وهو سبق الخصومة - قد حصلت(١) .
مسألة ١٠٢٤ : لو صالحه من أرش الموضحة - مثلاً - على شيءٍ معلوم ، جاز إذا علما قدر أرشها ، وبه قال الشافعي(٢) .
ولو باعه ، لم يجز عند بعض الشافعيّة(٣) .
وخالفه معظم الشافعيّة في افتراق اللفظين.
وقالوا : إن كان الأرش مجهولاً - كالحكومة التي لم تُقدَّر ولم تُضبط - لم يجز الصلح عنه ولا بيعه.
____________________
(١ - ٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٨٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٢٨.
وإن كان معلومَ القدر والصفة - كالدراهم والدنانير إذا ضُبطت في الحكومة - جاز الصلح عنها ، وجاز بيعها ممّن عليه.
وإن كان معلومَ القدر دون الصفة على الحدّ المعتبر في السَّلَم كالإبل الواجبة في الدية ، ففي جواز الاعتياض عنها بلفظ الصلح وبلفظ البيع جميعاً للشافعيّة قولان :
أحدهما : الصحّة ، كما لو اشترى عيناً ولا يعرف صفاتها.
وأظهرهما عندهم : المنع ، كما لو أسلم في شيءٍ غير موصوفٍ(١) .
هذا حكم الجراح الذي لا يوجب القود ، وإن أوجبه إمّا في النفس أو فيما دونها ، فالصلح عنها مبنيّ عندهم على الخلاف في أنّ مُوجَبَ العمد القصاصُ أو أحدُ الأمرين؟ وسيأتي إن شاء الله تعالى(٢) .
مسألة ١٠٢٥ : لا يشترط عندنا سبق الخصومة في الصلح ؛ لأصالة الصحّة ، فلو كان لواحدٍ ملكٌ فقال له غيره : بِعْني ملكك بكذا ، فباعه ، صحّ البيع إجماعاً.
ولو قال له : صالحني عنه بألف ، ففَعَل ، صحّ عندنا ؛ لأنّ الصلح عقد مستقلّ بنفسه.
وهو أحد وجهي الشافعيّة ؛ لأنّ مثل هذا الصلح معاوضة ، ولا فرق بين أن يعقده بلفظ الصلح أو بلفظ البيع.
وأظهرهما عندهم : المنع ؛ لأنّ لفظ الصلح إنّما يُستعمل ويُطلق إذا سبقت الخصومة(٣) .
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٨٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٢٩ - ٤٣٠.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٨٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٣٠.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٨٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٢٩.
وهو ممنوع ، ولا عبرة باللفظ.
هذا إذا أطلقا لفظ الصلح ولم ينويا شيئاً ، أمّا إذا استعملا ونويا البيع ، فإنّه يكون كنايةً قطعاً ، ويكون عند الشافعيّة مبنيّاً على الخلاف المشهور في انعقاد البيع بالكنايات(١) .
وعندنا الأصل عصمة مال الغير ، وعدم الانتقال عنه بالكناية.
مسألة ١٠٢٦ : لو صالح الإمام أهلَ الحرب من أموالهم على شيءٍ يأخذه منهم ، جاز ، ولا يقوم البيع مقامه ، وبه قال بعض الشافعيّة(٢) .
واعترض بعضهم : بأنّ هذا الصلح ليس عن أموالهم ، وإنّما يصالحهم ويأخذه منهم للكفّ عن دمائهم وأموالهم(٣) .
وهذا الكلام ساقط عندنا ؛ لأنّ الصلح عقد مستقلٌّ بنفسه على ما تقدّم(٤) .
وهو قسمان :
صلح معاوضةٍ ، وهو الجاري على ما يغاير الدَّيْن المدّعى ، كما لو صالحه على الدَّيْن الذي له عليه بعبدٍ أو ثوبٍ أو شبهه.
وهو صحيح عندنا مطلقاً ، سواء وقع الصلح على بعض أموال الربا الموافق في العلّة أو المخالف ، أو على غيره.
____________________
(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٨٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٢٩.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٨٧ - ٨٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٢٩.
(٤) في ص ٦ ، المسألة ١٠٢٢.
ولا يشترط التقابض في المجلس. ولا يشترط تعيينه في عقد الصلح على أصحّ الوجهين عندهم(١) .
وإن لم يكن العوضان كذلك ، فإن كان العوض عيناً صحّ الصلح.
ولا يشترط قبضه في المجلس في أصحّ الوجهين عندهم(٢) ، لكن يشترط التعيين في المجلس ، ولا يشترط القبض بعد التعيين في أصحّ الوجهين(٣) .
وكلّ ذلك آتٍ في بيع الدَّيْن ممّن عليه الدَّيْن.
القسم الثاني : صلح الحطيطة ، وهو الجاري على بعض الدَّيْن المدّعى ، وهو إبراء عن بعض الدَّيْن.
ثمّ لا يخلوإمّا أن يأتي بلفظ الإبراء أو ما يشبهه ، مثل أن يقول : أبرأتك عن خمسمائة من الألف الذي لي عليك وصالحتك على الباقي ، فإنّه يصحّ قطعاً ، ويكون إبراءً ، وتبرأ ذمّة المديون عمّا أبرأه منه.
وهل يشترط القبول؟ الأقرب عندي : عدم الاشتراط ، وهو أظهر وجهي الشافعيّة(٤) .
ولهم وجهٌ آخَر بعيد مطّرد في كلّ إبراءٍ(٥) .
ولا يشترط قبض الباقي في المجلس.
وإمّا أن لا يأتي بلفظ الإبراء ، ويقتصر على لفظ الصلح ، فيقول : صالحتك عن الألف التي لي في ذمّتك على خمسمائة ، صحّ عندنا أيضاً.
وللشافعيّة وجهان كما تقدّم في صلح الحطيطة في العين.
والأصحّ عندهم : الصحّة(٦) .
____________________
(١ - ٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٨٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٣٠.
(٤ - ٦) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٨٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٣٠.
وهل يشترط القبول؟ إشكال ينشأ : من كونه عقداً مستقلّاً ، ومن كونه في معنى الإبراء.
وللشافعيّة وجهان كالوجهين فيما إذا قال لمن له عليه الدَّيْن : وهبته منك.
والأظهر عندهم : الاشتراط ؛ لاقتضاء وضع اللفظ ذلك(١) .
ولو صالح منه على خمسمائة معيّنة ، فللشافعيّة الوجهان(٢) .
واختار الجويني هنا الفسادَ ؛ لأنّ تعيّن الخمسمائة يقتضي كونها عوضاً وكون العقد معاوضةً ، فيصير كأنّه قد باع الألف بنصفها ، وهو ربا(٣) .
وهو ممنوع ؛ لأنّ الصلح على البعض المعيّن إبراءٌ للبعض واستيفاءٌ للباقي ، ولا يصحّ هذا الضرب بلفظ البيع ، كما في نظيره من الصلح على العين ؛ لأنّه ربا محقّق.
مسألة ١٠٢٧ : يصحّ الصلح على الأعيان المتماثلة جنساً ووصفاً ، سواء كانت ربويّةً أو لا ، وسواء تفاوتت في المقدار أو الحلول أو التأجيل ، أو لا ، عندنا ؛ لما تقدّم(٤) من كون الصلح عقداً مستقلّاً بنفسه ليس يجب أن تتبعه لواحق البيع.
فلو كان له ألف مؤجَّلة على غيره ، فصالحه منها على ألفٍ حالّ ، أو بالعكس ، صحّ ؛ لما مهّدناه من القاعدة.
وقالت الشافعيّة : لو صالح عن ألفٍ حالّ على ألفٍ مؤجَّل ، أو من ألفٍ مؤجَّل على ألفٍ حالّ ، كان لغواً ؛ لأنّ الأوّل وَعْدٌ من صاحب الدَّيْن
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٨٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٣٠.
(٢ و ٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٨٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٣١.
(٤) في ص ٦ ، المسألة ١٠٢٢.
بإلحاق الأجل ، والثاني وَعْدٌ من المديون بإسقاط الأجل ، والأجل لا يلحق ولا يسقط(١) .
وهو ممنوع ؛ لأنّه مبنيّ على عدم استقلال عقد الصلح بنفسه.
أمّا لو عجّل المديون الدَّيْنَ المؤجَّل ودفعه إلى صاحبه ، لم يجب على المالك القبولُ ، فإن قَبِل ورضي بالدفع سقط الأجل إجماعاً ؛ لحصول الإيفاء والاستيفاء.
وكذا البحث في الصحيحة والمكسّرة.
ولو صالح عن ألفٍ مؤجَّل على خمسمائة حالّة ، صحّ عندنا ؛ عملاً بالأصل.
وبما رواه أبان بن عثمان عمّن حدّثه عن الصادقعليهالسلام ، قال : سألته عن الرجل يكون له على الرجل الدَّيْن ، فيقول له قبل أن يحلّ الأجل : عجِّل لي النصفَ من حقّي على أن أضع عنك النصفَ ، أيحلّ ذلك لواحدٍ منهما؟ قال : « نعم »(٢) .
وفي الصحيح عن محمّد بن مسلم عن الباقرعليهالسلام ، وعن الحلبي عن الصادقعليهالسلام أنّهما قالا في الرجل يكون عليه الدَّيْن إلى أجل مسمّى ، فيأتيه غريمه فيقول : أنقدني من الذي لي عليك كذا وأضع عنك بقيّته ، أو يقول : أنقدني بعضاً وأمدُّ لك في الأجل فيما بقي ، قال : « لا أرى به بأساً ما لم يزد على رأس ماله شيئاً ، يقول الله [ عزّ وجلّ ] :( فَلَكُمْ رُءوُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ ) (٣) »(٤) .
____________________
(١) الوسيط ٤ : ٥٠ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٨٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٣١.
(٢) الكافي ٥ : ٢٥٨ - ٢٥٩ / ٣ ، التهذيب ٦ : ٢٠٦ / ٤٧٤.
(٣) البقرة : ٢٧٩.
(٤) التهذيب ٦ : ٢٠٧ / ٤٧٥.
وقال الشافعي : لا يصحّ الصلح عن ألفٍ مؤجَّل بخمسمائة حالّة ؛ لأنّه نزل عن بعض المقدار لتحصيل الحلول في الباقي ، والصفة بانفرادها لا تُقابَل بالعوض ، ثمّ صفة الحلول لا تلتحق بالمال المؤجَّل ، فإذا لم يحصل ما نزل عن القدر لتحصيله لم يصح النزول(١) .
ونحن نمنع ذلك ؛ لعدم اتّحاد المالين بالشخص. ونمنع عدم التحاق صفة الحلول بالمال المؤجَّل في صورة النزاع ؛ لأنّ الصلح عقد أثره ذلك.
فروع :
أ - لو صالحه عن ألفٍ حالّ بألفين مؤجَّلة ، أو عن ألفٍ مؤجَّلة إلى سنةٍ بألفين مؤجَّلة إلى سنتين ، لم يجز ؛ عملاً بحديث الباقر والصادقعليهماالسلام ، وقد سبق(٢) .
ب - لو صالح عن ألفٍ حالّ على خمسمائة مؤجَّلة ، جاز ؛ لأنّه يتضمّن الإبراء ، ولزم الصلح والأجل ؛ عملاً بالشرط.
وقالت الشافعيّة : إنّ هذا الصلح ليس فيه [ شائبة ](٣) المعاوضة ، وإنّما هو مسامحة من وجهين : حطِّ بعض القدر ، وهو سائغ ، فيبرأ عن خمسمائة ، ووعدٍ بالأجل ، وهو غير لازمٍ ، فله أن يطالبه بالباقي الحالّ(٤) .
وقد بيّنّا فساده.
ج - لو صالحه عن الدراهم بالدنانير أو بالدراهم ، لم يكن ذلك صَرفاً
____________________
(١) الوجيز ١ : ١٧٨ ، الوسيط ٤ : ٥١ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ١٤٤ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٨٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٣١.
(٢) في ص ١٥.
(٣) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « سابقة ». والصحيح ما أثبتناه من « العزيز شرح الوجيز ».
(٤) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٨٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٣١.
عندنا ، فلا يشترط فيه ما يشترط في الصَّرف ، خلافاً للشافعي(١) .
مسألة ١٠٢٨ : أركان الصلح أربعة : المتصالحان ، والمصالَح عليه ، والمصالَح عنه.
أمّا المتصالحان فيشترط فيهما الكماليّة بأن يكون كلّ واحدٍ منهما بالغاً عاقلاً رشيداً جائزَ التصرّف فيما وقع الصلح عليه إجماعاً.
وأمّا المصالَح عليه والمصالَح عنه فيشترط فيهما التملّك ، فلو تصالحا على خمر أو خنزير أو استرقاق حُرٍّ أو استباحة بُضْعٍ لم يقع ، ولم يفد العقد شيئاً ، بل يقع باطلاً بلا خلافٍ.
وكذا يبطل لو صالحه على مال غيره ؛ لعدم الملكيّة بالنسبة إليهما.
مسألة ١٠٢٩ : لا يشترط العلم بما يقع الصلح عنه لا قدراً ولا جنساً ، بل يصحّ الصلح ، سواء علما قدر ما تنازعا عليه وجنسه أو جهلاه ، دَيْناً كان أو عيناً ، وسواء كان أرشاً أو غيره ، عند علمائنا أجمع - وبه قال أبو حنيفة وأحمد(٢) - لعموم قوله تعالى :( وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ) (٣) .
وعمومِ قولهعليهالسلام : « الصلح جائز بين المسلمين إلّا صلحاً أحلّ حراماً
____________________
(١) الأُم ٣ : ٢٢٧ ، الحاوي الكبير ٦ : ٣٦٧ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ١٤٣ ، البيان ٦ : ٢٢٤.
(٢) التهذيب - للبغوي - ٤ : ١٤٣ ، البيان ٦ : ٢٢٥ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٨٨ ، المغني ٥ : ٢٥ ، الشرح الكبير ٥ : ٩.
(٣) النساء : ١٢٨.
أو حرّم حلالاً »(١) .
ولأنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال في رجلين اختصما في مواريث درست بينهما : « وتوخّيا ، وليحلّل أحدكما صاحبه » رواه العامّة(٢) .
ومن طريق الخاصّة : ما رواه حفص بن البختري - في الحسن - عن الصادقعليهالسلام قال : « الصلح جائز بين الناس »(٣) .
وقول الباقر والصادقعليهماالسلام في رجلين كان لكلّ واحدٍ منهما طعام عند صاحبه لا يدري كلّ واحدٍ منهما كم له عند صاحبه ، فقال كلّ [ واحدٍ ] منهما لصاحبه : لك ما عندك ولي ما عندي : « لا بأس بذلك إذا تراضيا » وقد تقدّم(٤) .
ولأنّ مَنْ عليه حقٌّ يجهل قدره هو ومالكه ويريد إبراء ذمّته والخلاص من ذلك الحقّ الذي هو أمر مطلوب للعقلاء ، وجب أن يكون له طريق إلى ذلك ، ولا طريق إلّا الصلح ، فوجب أن يكون سائغاً ، وإلّا لزم الحرج والضيق في الأحكام ، وهو منفيّ شرعاً.
ولأنّ الصلح إسقاطٌ ، فيصحّ في المجهول ، كالطلاق.
ولأنّه إذا صحّ الصلح مع العلم وإمكان أداء الحقّ بعينه فلأن يصحّ مع الجهل أولى.
ولأنّه إذا كان معلوماً ، فلهما طريق إلى التخلّص وبراءة ذمّة أحدهما دون صاحبه بدون الصلح ، ومع الجهل لا يمكن ذلك ، فلو لم يجز الصلح
____________________
(١) تقدّم تخريجه في الهامش (٣) من ص ٥.
(٢) سنن البيهقي ٦ : ٦٦ ، المغني ٥ : ٢٦ ، الشرح الكبير ٥ : ٩.
(٣) تقدّم تخريجه في ص ٦ ، الهامش (٣)
(٤) في ص ٦ مع تخريجه في الهامش (٤)
أفضى إلى ضياع المال على تقدير أن يكون بينهما مال لا يعرف كلّ واحدٍ منهما قدر حقّه.
وقال الشافعي : لا يصحّ الصلح عن المجهول ، فلو ادّعى مالاً مجهولاً فأقرّ المدّعى عليه به وصالحه عليه ، لم يصح الصلح ؛ لأنّ ذلك نوع معاوضةٍ ، ولهذا تثبت في الشقص الشفعة فيه ، فلم يصح في المجهول ، كالبيع ، ولأنّ الـمُصالَح عليه يجب أن يكون معلوماً ، فكذا الـمُصالَح عنه قياساً(١) .
وهو ممنوع.
مسألة ١٠٣٠ : يشترط في صحّة الصلح الرضا من المتصالحين ، فلا يقع مع الإكراه ، عند علمائنا كافّة ، كغيره من العقود ؛ لقوله تعالى :( لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إلّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ ) (٢) .
ومن صُور الإكراه ما لو كان على غيره حقٌّ ماليّ ، فأنكره المديون ظاهراً ، فصالحه على بعضه أو على غيره توصّلاً إلى أخذ بعض حقّه ، لم يصح الصلح ، ولم يتمّ إبراء ذمّة المديون من الحقّ الذي عليه ، سواء عرف المالك قدر حقّه أو لا ، وسواء ابتدأ المالك بطلب الصلح عن حقّه المعلوم أو المجهول أو لا.
ولا يفيد مثل هذا الصلح ملكاً للآخَر ، إلّا أن يحصل الرضا الباطن.
وكذا لو كان عليه حقٌّ غير معلوم القدر للمالك ، فصالح المديون مالكه على شيءٍ ، لم يكن إبراءً للمديون ، إلّا أن يُعلمه بقدره ويرضى
____________________
(١) الحاوي الكبير ٦ : ٣٦٨ - ٣٦٩ ، التنبيه : ١٠٣ - ١٠٤ ، البيان ٦ : ٢٢٥ ، المغني ٥ : ٢٦ ، الشرح الكبير ٥ : ٩.
(٢) النساء : ٢٩.
باطناً ، أو يرضى باطناً بالصلح عن أيّ مقدارٍ كان أُوقع عليه عقد الصلح ؛ لما رواه عليّ بن أبي حمزة عن أبي الحسنعليهالسلام ، قلت له : رجل يهوديّ أو نصرانيّ كانت له عندي وديعة أربعة آلاف درهم فمات أيجوز لي أن أُصالح ورثته ولا أُعلمهم كم كان؟ قال : « لا يجوز حتى تُخبرهم »(١) .
ولأنّ ذلك أكل مال الغير بالباطل ، فيدخل تحت النهي ، ومع الرضا بأيّ مقدارٍ كان يكون سائغاً.
القسم الثاني من الصلح ، وهو الواقع بين المدّعي والأجنبيّ.
مسألة ١٠٣١ : الصلح الواقع بين المدّعي والأجنبيّ إمّا أن يقع مع إقرار المدّعى عليه ظاهراً أو مع إنكاره.
أمّا الأوّل فإمّا أن يكون المدّعى به عيناً أو دَيْناً.
فإن كان عيناً بأن ادّعى داراً أو عبداً أو ثوباً أو غير ذلك من الأعيان في يد غيره ، فصدّقه المتشبّث ، فجاء الأجنبيّ وقال : إنّ المدّعى عليه قد وكّلني في مصالحتك له على نصف المدّعى أو على هذه العين الأُخرى من مال المدّعى عليه ، فصالحه على ذلك ، جاز ؛ لعموم قوله تعالى :( وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ) (٢) .
وقولهعليهالسلام : « الصلح جائز بين المسلمين »(٣) .
وكذا لو قال الأجنبيّ : إنّه وكّلني على مصالحتك عنه على عشرة دنانير في ذمّته.
____________________
(١) الكافي ٥ : ٢٥٩ / ٦ ، الفقيه ٣ : ٢١ / ٥٤ ، التهذيب ٦ : ٢٠٦ / ٤٧٢ بتفاوت.
(٢) النساء : ١٢٨.
(٣) سنن ابن ماجة ٢ : ٧٨٨ / ٢٣٥٣ ، سنن أبي داوُد ٣ : ٣٠٤ / ٣٥٩٤ ، سنن الترمذي ٣ : ٦٣٤ - ٦٣٥ / ١٣٥٢ ، سنن الدارقطني ٣ : ٢٧ / ٩٧ ، سنن البيهقي ٦ : ٦٥ ، مسند أحمد ٣ : ٥٤ / ٨٥٦٦ ، المستدرك - للحاكم - ٤ : ١٠١.
ثمّ إن كان صادقاً في الوكالة ، انتقل المدّعى به إلى المدّعى عليه ، وإلّا كان حكمه حكمَ شراء الفضولي.
وإن قال : أمرني بالمصالحة له على هذا العبد من ملكي ، فصالحه عليه ، فهو بمنزلة ما لو اشترى لغيره بمال نفسه بإذن ذلك الغير ، وقد سبق(١) الخلاف فيه ، فإن قلنا بالصحّة فالذي يدفعه قرض أو هبة.
أمّا لو صالح الأجنبيّ لنفسه بمالٍ له إمّا عن دَيْنٍ في ذمّته أو عينٍ لنفسه ، صحّ ، كما لو [ اشتراه ](٢) وهو الأظهر عند الشافعيّة(٣) .
وعند بعضهم وجهان ، كما لو قال ابتداءً لغيره من غير سَبْق دعوى وجواب : صالحني من دارك هذه على ألف ؛ لأنّه لم يَجْر مع الأجنبيّ خصومة فيه ، وهذه الصورة أولى بالصحّة حيث ترتّب اللفظ على دعوى وجواب ، فيكتفى به في استعمال لفظ الصلح(٤) .
وإن كان المدّعى به دَيْناً وقال : وكّلني المدّعى عليه بمصالحتك على نصفه أو على هذا الثوب وهو ملكه أو ملكي ، صحّ عندنا ، ويسقط الدَّيْن ، كما لو ضمن دَيْناً وأدّى عنه عوضاً ، وهو أحد وجهي الشافعيّة. والثاني : لا يصحّ ؛ لأنّه يبيع شيئاً بدَيْن الغير(٥) .
ولو صالح لنفسه على عينٍ أو دَيْنٍ في ذمّته ، فهو بمنزلة ابتياع دَيْنٍ في ذمّة الغير ، وقد سبق.
وأمّا الثاني - وهو أن يقع الصلح مع إنكار المدّعى عليه ظاهراً - فإذا
____________________
(١) في ج ١٠ ، ص ٢١٨ ، الفرع « ج » من المسألة ١١٠.
(٢) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « أبرأه ». والظاهر ما أثبتناه كما في « العزيز شرح الوجيز » و « روضة الطالبين ».
(٣ - ٥) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٩٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٣٥.
جاء الأجنبيّ وقال : أقرّ المدّعى عليه عندي ووكّلني في مصالحتك له إلّا أنّه لا يُظهر إقراره خيفة أن تنتزعه منه ، فصالحه ، صحّ ؛ لأنّ قول الإنسان في دعوى الوكالة مقبول في البيع والشراء وسائر المعاملات.
وإن قال الأجنبيّ : هو منكر ، لكنّه مبطل في الإنكار ، فصالحني له على عبدي هذا لتنقطع الخصومة بينكما ، صحّ عندنا ؛ لأنّ الأصل الصحّة ، والصلح على الإنكار عندنا جائز.
وللشافعيّة وجهان :
أظهرهما على ما قاله الجويني : البطلان ؛ لأنّه صلح واقع لمنكر ، والصلح على الإنكار عندهم باطل.
والثاني : الصحّة ؛ لأنّ العقد منوط بالمتعاقدين ، وهُما متوافقان ، والاعتبار في شرائط العقد بمَنْ يباشره(١) .
هذا إذا كان المدّعى عيناً ، فإن كان دَيْناً صحّ عندنا أيضاً.
وللشافعيّة طريقان :
أحدهما : إنّه على الوجهين.
وأصحّهما عندهم : القطع بالصحّة ، والفرق : إنّه لا يمكن تمليك الغير عين مالٍ بغير إذنه ، ويمكن قضاء الدَّيْن عن الغير بغير إذنه(٢) .
وإن قال الأجنبيّ : إنّه منكر وأنا لا أعلم أيضاً صدقك ، وصالحه مع ذلك ، صحّ عندنا ، خلافاً للشافعيّة ؛ فإنّهم قالوا : لا يصحّ الصلح ، سواء كان المصالَح عليه له أو للمدّعى عليه ، كما لو جرى الصلح مع المدّعى عليه وهو منكر(٣) .
____________________
(١ - ٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٩٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٣٦.
وإن قال : هو منكر ولكنّه مبطل في إنكاره فصالحني لنفسي بعبدي هذا أو بعشرة في ذمّتي لآخذ منه ، فإن كان المدّعى دَيْناً صحّ عندنا ، وكذا إن كان عيناً.
وقالت الشافعيّة : إن كان المدّعى دَيْناً فهو ابتياع دَيْنٍ في ذمّة الغير ، وإن كان عيناً فهو شراء غير الغاصب المغصوبَ ، فيُنظر في قدرته على الانتزاع وعجزه ، وقد سبق حكمهما في أوّل البيع(١) .
فلو صالح وقال : أنا قادر على الانتزاع ، فلهم وجهان :
أظهرهما : إنّه يصحّ العقد ؛ اكتفاءً بقوله.
والثاني : لا يصحّ ؛ لأنّ الملك في الظاهر للمدّعى عليه ، وهو عاجز عن انتزاعه(٢) .
وقيل بالتفصيل فيقال : إن كان الأجنبيّ كاذباً ، فالعقد باطل باطناً ، وفي مؤاخذته في الظاهر لالتزامه الوجهان. وإن كان صادقاً ، حُكم بصحّة العقد باطناً ، وقُطع بمؤاخذته ، لكن لا تُزال يد المدّعى عليه إلّا بحجّةٍ(٣) .
____________________
(١ - ٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٩٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٣٦.
الفصل الثاني : في الأحكام
مسألة ١٠٣٢ : يصحّ الصلح على الإقرار والإنكار معاً ، سواء كان المدّعى به دَيْناً أو عيناً ، عند علمائنا أجمع - وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد(١) - لعموم قوله تعالى :( وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ) (٢) وعمومِ ما رواه العامّة عن النبيّصلىاللهعليهوآله أنّه قال : « الصلح جائز بين المسلمين »(٣) .
ومن طريق الخاصّة : ما رواه حفص بن البختري - في الصحيح - عن الصادقعليهالسلام أنّه قال : « الصلح جائز بين الناس »(٤) .
ولأنّه سبب لإسقاط الخصومة ، فجاز مع الإنكار ، كالإبراء والصلح مع الأجنبيّ.
ولأنّ الصلح وُضع لقطع التنازع ، وهو إنّما يتحقّق مع المخالفة بين المتداعيين بأن يُنكر أحدهما ما ادّعاه الآخَر ، فلو لم يسمع صلح الإنكار
____________________
(١) المبسوط - للسرخسي - ٢٠ : ١٣٩ ، تحفة الفقهاء ٣ : ٢٤٩ ، بدائع الصنائع ٦ : ٤٠ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ١٩٢ ، الاختيار لتعليل المختار ٣ : ٦ ، النتف ١ : ٥٠٤ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ١٩٥ / ١٨٨٧ ، الفقه النافع ٣ : ١٢٦٥ / ١٠١٤ ، المدوّنة الكبرى ٤ : ٣٧٤ ، الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٥٩٦ / ١٠٠١ ، عيون المجالس ٤ : ١٦٥١ - ١٦٥٢ / ١١٦٥ ، بداية المجتهد ٢ : ٢٩٣ - ٢٩٤ ، التلقين : ٤٣٠ ، المعونة ٢ : ١١٩١ ، الذخيرة ٥ : ٣٥١ ، المغني والشرح الكبير ٥ : ١٠ ، الحاوي الكبير ٦ : ٣٦٩ ، حلية العلماء ٥ : ١٠ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ١٤٥ ، البيان ٦ : ٢٢٦ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٩٠.
(٢) النساء : ١٢٨.
(٣) تقدّم تخريجه في ص ٢٠ ، الهامش (٣)
(٤) تقدّم تخريجه في ص ٦ ، الهامش (٣)
انتفت أعظم فوائد الصلح.
وقال الشافعي : لا يصحّ الصلح على الإنكار ، وإنّما يصحّ الصلح على الإقرار خاصّةً - وصورة الإنكار أن يدّعي رجل على رجلٍ آخَر دَيْناً أو عيناً ، فينكر المدّعى عليه فيصالحه على ثوبٍ أو دَيْنٍ أو بعض المدّعى أو غير ذلك - لأنّه عاوض على ما لم يثبت له ، فلم تصحّ المعاوضة ، كما لو باع مال غيره ، وبالقياس على ما إذا أنكر الخلع أو الكتابة ثمّ تصالحا على شيءٍ(١) .
ونمنع بطلان المعاوضة على ما لم يثبت بالصلح ؛ فإنّه المتنازع ، بخلاف ما لو باع مال غيره ؛ لأنّ ذلك تصرّفٌ في مال الغير بغير إذنه ، حتى إنّه لو أجاز الغير صحّ البيع ، والرضا بالصلح رضا بالتصرّف. والقياس عندنا باطل ، فلا يكون حجّةً علينا ، على أنّا نمنع الحكم في الأصل.
مسألة ١٠٣٣ : إذا ادّعى عليه حقّاً دَيْناً أو عيناً ، فقال المدّعى عليه : صالحني على كذا إمّا بعضه أو غيره ، لم يكن ذلك إقراراً منه ، وهو ظاهر عندنا ؛ لأنّا قد بيّنّا أنّ الصلح يصحّ مع الإنكار ، كما يصحّ مع الإقرار.
وأمّا الشافعي فإنّه قال : إذا قال المدّعى عليه : صالحني مطلقاً ، أو
____________________
(١) الأُم ٣ : ٢٢١ ، مختصر المزني : ١٠٥ - ١٠٦ ، الحاوي الكبير ٦ : ٣٦٩ - ٣٧٠ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٤٠ ، الوجيز ١ : ١٧٨ ، الوسيط ٤ : ٥١ ، حلية العلماء ٥ : ٩ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ١٤٥ ، البيان ٦ : ٢٢٥ و ٢٢٦ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٩٠ - ٩١ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٣٢ - ٤٣٣ ، المبسوط - للسرخسي - ٢٠ : ١٣٩ ، تحفة الفقهاء ٣ : ٢٤٩ ، بدائع الصنائع ٦ : ٤٠ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ١٩٢ ، النتف ١ : ٥٠٤ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ١٩٥ / ١٨٨٧ ، الفقه النافع ٣ : ١٢٦٥ / ١٠١٤ ، الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٥٩٦ / ١٠٠١ ، عيون المجالس ٤ : ١٦٥٢ / ١١٦٥ ، بداية المجتهد ٢ : ٢٩٤ ، المعونة ٢ : ١١٩١ ، الذخيرة ٥ : ٣٥١ ، المغني والشرح الكبير ٥ : ١٠.
صالحني عن دعواك الكاذبة ، أو صالحني عن دعواك ، فإنّه لا يكون إقراراً ؛ لأنّه ربما يريد قطع الخصومة ، بل الصلح عن الدعوى لا يصحّ مع الإقرار أيضاً ؛ لأنّ مجرّد الدعوى لا يعتاض عنه(١) .
ولو قال بعد الإنكار : صالحني عن الدار التي ادّعيتها ، فوجهان للشافعيّة :
أحدهما : إنّه إقرار ؛ لأنّه طلب منه التمليك ، وذلك يتضمّن الاعتراف بالملك ، فصار كما لو قال : ملّكني.
وأصحّهما عندهم : إنّه ليس بإقرارٍ ؛ لأنّ الصلح في الوضع هو الرجوع إلى الموافقة وقطع الخصومة ، فيجوز أن يكون المراد قطع الخصومة في المدّعى لا غير ، فعلى هذا يكون الصلح بعد هذا الالتماس صلحاً على الإنكار(٢) .
وإن قال : بعنيها ، أو هَبْها منّي ، فالمشهور : إنّه إقرار ؛ لأنّه صريح في التماس التمليك.
وقال بعض الشافعيّة : إنّه كقوله : صالحني(٣) .
والوجه : الفرق.
وفي معناه إذا كان التنازع في جاريةٍ وقال : زوّجنيها.
ولو قال : أجرني أو أعِرْني ، فأولى أن لا يكون إقراراً.
ولو كان التنازع في دَيْنٍ وقال : أبرئني ، فهو إقرار.
ولو أبرأ المدّعي المدّعى عليه وهو منكر وقلنا : لا يفتقر الإبراء إلى
____________________
(١) الحاوي الكبير ٦ : ٣٧٢ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٤١ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ١٤٥ ، البيان ٦ : ٢٣٠ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٩١ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٣٣.
(٢ و ٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٩١ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٣٣.
القبول ، صحّ الإبراء ، بخلاف الصلح ؛ لأنّه مستقلٌّ بالإبراء(١) ، فلا حاجة فيه إلى تصديق الغير ، ولهذا لو أبرأه بعد التحليف صحّ ، ولو تصالحا بعد التحليف لم يصح عندهم(٢) .
مسألة ١٠٣٤ : لو ادّعى العين في يد الغير فأنكر الغير دعواه ، فصالحه على بعض تلك العين المدّعاة - وهو صلح الحطيطة في العين - صحّ عندنا ؛ لما بيّنّا من صحّة الصلح على الإنكار.
وللشافعيّة وجهان :
أحدهما : إنّه صحيح - وبه قال القفّال - لاتّفاق المتصالحين على أنّ النصف مستحقٌّ للمدّعي ، أمّا المدّعي فإنّه يزعم استحقاق الجميع ، وأمّا المدّعى عليه فإنّه يسلّم النصف له بحكم هبته منه وتسليمه إليه ، فإذَنْ الخلاف بينهما في جهة الاستحقاق.
والثاني - وبه قال أكثر الشافعيّة - : إنّه باطل ، كما كان على غير المدّعي ، قالوا : ومهما اختلف القابض والدافع في الجهة ، فالقول قول الدافع ، كما لو دفع المديون دراهم إلى صاحب الدَّيْن وقال : دفعتُها عن دَيْن الرهن ، وقال القابض : بل دفعتَها عن دَيْن غيره ، قُدّم قول الدافع مع اليمين(٣) .
ولو دفع إلى زوجته دراهم ثمّ اختلفا ، فادّعى الزوج أنّه دفعها عن الصداق ، وقالت : بل دفعتَها عن دَيْنٍ أو هبةٍ ، قُدّم قول الدافع ، وإذا كان كذلك فالدافع يقول : إنّما بذلتُ النصف لدفع الأذى حتى لا ترفعني إلى القاضي ولا تقيم علَيَّ بيّنةَ زورٍ.
____________________
(١) في « ج ، ر » والطبعة الحجريّة : « في نفسه » بدل « بالإبراء ».
(٢ و ٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٩١ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٣٤.
مسألة ١٠٣٥ : لو ادّعى عليه دَيْناً وتصالحا على بعضه بعد الإنكار ، صحّ عندنا ، ولزمه ما وقع الصلح عليه خاصّةً ، وسقط عنه الباقي ؛ للأصل.
ولما رواه عمر بن يزيد أنّه سأل الصادقَعليهالسلام عن رجلٍ ضمن ضماناً ثمّ صالح على بعض ما صالح عليه ، قال : « ليس له إلّا الذي صالح عليه »(١) .
وقال الشافعي : يُنظر إن صالحه من ألف على خمسمائة - مثلاً - في الذمّة ، لم يصح ؛ لأنّ التصحيح بتقدير الهبة ، وإيراد الهبة على ما في الذمّة ممتنع ، وإن أحضر خمسمائة وتصالحا من المدّعى عليها ، فهو مرتّب على صلح الحطيطة في العين ، إن لم يصح ذلك فهذا أولى ، وإن صحّ ففيه وجهان. والفرق أنّ ما في الذمّة ليس ذلك المعيّن الـمُحضَر ، ففي الصلح عليه [ معنى ](٢) المعاوضة ، ولا يمكن تصحيحه معاوضةً مع الإنكار عندهم(٣) .
واتّفق القائلون على أنّ وجه البطلان هنا أرجح(٤) .
وكلّ هذا عندنا باطل ؛ لما بيّنّا من جواز الصلح على الإنكار ، وجوازه على الإقرار.
مسألة ١٠٣٦ : لو تصالحا ثمّ اختلفا في أنّهما تصالحا على الإنكار أو على الإقرار ، لم يكن لذلك الاختلاف عندنا فائدة ؛ لصحّة الصلح في الموضعين.
أمّا الشافعيّة القائلون بصحّته على الإقرار وبطلانه على الإنكار ، فقال
____________________
(١) التهذيب ٦ : ٢٠٦ / ٤٧٣.
(٢) ما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٩٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٣٤.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٩٢.
القاضي ابن كج منهم : إنّ القول قول مَنْ يدّعي الإنكار ؛ لأنّ الأصل عدم العقد(١) .
والمعتمد بناء ذلك على الخلاف السابق في نزاع المتعاقدين في أنّ العقد الواقع بينهما هل كان صحيحاً أو فاسداً؟
مسألة ١٠٣٧ : لو قال أحد الوارثين لصاحبه : تركتُ نصيبي من التركة إليك ، فقال : قبلتُ ، لم يصح ذلك ؛ لأنّ ذلك ليس من ألفاظ العقود الناقلة ، ويبقى حقّه كما كان ؛ لأنّها إن كانت أعياناً فلا بدّ فيها من إيجابٍ وقبولٍ مقتضيان للتمليك ، وإن كان فيها دَيْنٌ فلا بدّ من إبراءٍ.
ولو قال : صالحتك من نصيبي على هذا الثوب ، فقال : قبلتُ ، صحّ العقد ولزم.
وقالت الشافعيّة : إن كانت التركة أعياناً فهو صلح عن العين ، وإن كانت ديوناً عليه فهو صلح عن الدَّيْن ، وإن كانت على سائر الناس فهو بيع الدَّيْن من غير مَنْ عليه الدَّيْن ، وقد سبق حكم ذلك. وهو بناء منهم على أنّ الصلح فرع على غيره.
ولو كان في التركة عينٌ ودَيْنٌ ، فإن كانت ديوناً عليه فصلحٌ عن الدَّيْن ، وإن كانت على سائر الناس فهو بيع الدَّيْن من غير مَنْ عليه الدَّيْن.
وإن كان فيها عينٌ ودَيْنٌ على الغير ولم يجوّزوا بيع الدَّيْن من غير مَنْ عليه الدَّيْن ، فالصلح عندهم باطل في الدَّيْن ، وأمّا في العين فقولان عندهم مبنيّان على قولَي تفريق الصفقة(٢) .
وعندنا أنّ ذلك غير جائزٍ ، وأنّ الصلح ليس فرع غيره.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٩٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٣٤.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٨٩ - ٩٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٣١.
مسألة ١٠٣٨ : لا يشترط في الصلح عن الأثمان ما يشترط في بيع الأثمان عندنا ؛ لأنّ الصلح قد بيّنّا أنّه عقد مستقلٌّ بنفسه ، فلو كان في يد غيره ألف درهم وخمسون ديناراً فصالحه منه على ألف درهم ، صحّ عندنا.
وقال الشافعي : لا يجوز(١) .
وكذا لو مات عن ابنين والتركة ألفا درهم ومائة دينار وهي في يد أحدهما ، فصالحه الآخَر من نصيبه على ألفي درهم.
ولو كان المبلغ دَيْناً في ذمّة غيره فصالحه على ألفي درهم ، يجوز عنده أيضاً.
والفرق : إنّه إذا كان الحقّ في الذمّة فلا ضرورة إلى تقدير المعاوضة فيه ، فيجعل مستوفياً لأحد الألفين معتاضاً بالآخَر عن الدنانير ، وإذا كان معيّناً كان الصلح عنه اعتياضاً ، فكأنّه باع ألف درهم وخمسين ديناراً بألفي درهم ، وهو من صُور مُدّ عَجْوة(٢) .
وهذه التفريعات عندنا باطلة ؛ لأنّ صورة مُدّ عجوة عندنا جائزة ، والصلح على الإنكار جائز ، وليس الصلح عندنا فرعَ البيع.
مسألة ١٠٣٩ : قد بيّنّا أنّه إذا قال المدّعى عليه المنكر : صالحني على كذا ، لم يكن إقراراً منه ؛ لأنّ الصلح قد يراد به تارةً المعاوضة ، وتارةً قطع الدعوى والخصومة ، وإذا احتملهما لم يُحمل على الإقرار.
ولو قال : ملّكني هذا بكذا ، كان إقراراً ؛ لأنّ في ذلك اعترافاً بأنّه ملكه.
ولو قال : بِعْني ، قال بعض الشافعيّة : لا يكون إقراراً ، ويكون بمنزلة
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٩٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٣١.
(٢) روضة الطالبين ٣ : ٤٣١ - ٤٣٢ ، وانظر العزيز شرح الوجيز ٥ : ٩٠.
قوله : صالحني ؛ لأنّ الصلح والبيع عند الشافعيّة واحد(١) .
وقال الباقون : إنّه يكون إقراراً بمنزلة قوله : ملّكني(٢) . وهو المعتمد عندنا ، وبه قال أبو حنيفة(٣) ؛ لأنّ البيع لا يصحّ إلّا فيما يصحّ تمليكه ، فهو بمنزلة قوله : ملّكني.
مسألة ١٠٤٠ : لو ادّعى داراً في يده ، فأنكر المتشبّث دعواه ، فتصالحا على أن يسكنها المدّعي سنةً ، صحّ ، وكان صلحاً قائماً بنفسه ، وليس فرعاً على غيره.
وقال الشافعي : إنّه فرع العارية ، بل هو عين العارية للدار منه يرجع فيها متى شاء ، وليس بمعاوضةٍ ؛ لأنّ الرقبة والمنافع ملكه ، ومحالٌ أن يعتاض بملكه عن ملكه(٤) .
وهذا على تقدير أن يقع الصلح مع الاعتراف.
إذا ثبت هذا ، فإن رجع عن العارية لم يستحق أُجرة المدّة التي مضت ، كما هو قضيّة العارية عند أكثر الشافعيّة(٥) .
ونقل بعضهم وجهاً : إنّه يستحقّ ؛ لأنّه جعل سكنى الدار في مقابلة رفع اليد عنها ، وأنّه عوضٌ فاسدٌ ، فيرجع إلى أُجرة المثل(٦) .
ولو صالحه على أن يسكنها سنةً بمنفعة عبدٍ سنةً ، فهو كما لو آجر داره سنةً بمنفعة عبدٍ سنةً.
مسألة ١٠٤١ : قد بيّنّا أنّ الصلح عقد قائم بنفسه ، فلو صالحه عن الزرع
____________________
(١ و ٢) حلية العلماء ٥ : ١٠ ، البيان ٦ : ٢٣١ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٩١ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٣٣.
(٣) حلية العلماء ٥ : ١٠ ، البيان ٦ : ٢٣١.
(٤ - ٦) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٩٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٣٢.
الأخضر بشيءٍ صحّ ، سواء شرط القطع أم لا.
وقال الشافعي : يصحّ بشرط القطع ، ولو لم يشترطه لم يجز(١) .
ولو كان الصلح عن الزرع مع الأرض جاز ، ولم يحتج إلى شرط القطع عنده في أصحّ الوجهين(٢) .
ولو وجد المتنازع ثمّ أقرّ المدّعى عليه وتصالحا عنه على شيءٍ ، جاز عندنا ، سواء شرطا القطع أو لا.
وقال الشافعي : لا يجوز ، سواء شرطا القطع أو لا ، كما لو باع نصف الزرع مشاعاً ، لا يجوز ، شرط القطع أو لم يشرطه(٣) .
والحكم في الأصل ممنوع.
مسألة ١٠٤٢ : لو ادّعى على ورثة الميّت داراً من تركته وزعم أنّ الميّت غصبها منه ، فصالحهم عنها ، جاز الصلح ، سواء أقرّوا له أو لا ؛ لما تقدّم من جواز الصلح عندنا مع الإقرار والإنكار.
وشرط الشافعيّة في جواز الصلح اعترافهم له بدعواه ، فإذا اعترفوا ودفعوا إلى واحدٍ منهم ثوباً مشتركاً بينهم ليصالح عليه جاز ، وكان عاقداً لنفسه ، ووكيلاً عن باقي الورثة(٤) .
ولو قالوا لواحدٍ : صالِحْه عنّا على ثوبك ، فصالَح عنهم ، فإن لم يُسمّهم في الصلح وقع الصلح عنه ، وإن سمّاهم وقع عنهم.
____________________
(١) بحر المذهب ٨ : ٤٧ ، البيان ٦ : ٢٥١ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٩٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٣٢.
(٢) بحر المذهب ٨ : ٤٧ ، البيان ٦ : ٢٥١ - ٢٥٢ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٩٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٣٢.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٩٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٣٢.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٩٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٣٦.
وللشافعيّة وجهان في أنّ التسمية هل تُلغى أم لا؟ فإن لم تَلغ ، فالصلح يقع عنهم(١) .
وهل يكون الثوب هبةً لهم أو قرضاً عليهم؟ للشافعيّة وجهان(٢) .
والأقرب عندي : التفصيل.
فإن أُلغيت التسمية ، فالصلح كلّه للعاقد أو يبطل في نصيب الشركاء ويخرج حصّته على قولَي تفريق الصفقة؟ للشافعيّة وجهان(٣) .
وإن صالحه أحدهم على مالٍ له بدون إذن الباقين ليتملّك جميع الدار ، جاز. وإن صالح ليكون جميع الدار له ولهم جميعاً ، أُلغي ذكرهم ، وعاد الوجهان في أنّ الكلّ يقع له أو يبطل في نصيبهم ويخرج في نصيبه على الخلاف في تفريق الصفقة(٤) .
والمعتمد : إنّهم إن أجازوا ما صالح عنهم شاركوا ، وإلّا فلا ، وكان الباقي للغريم.
مسألة ١٠٤٣ : إذا أسلم الكافر عن أكثر من أربع نسوة ، خيّر أربعاً منهنّ ، فإن مات قبل الاختيار والتعيين ، وقف الميراث بينهنّ ، فإن اصطلحن على الاقتسام على تفاوتٍ أو تساوٍ ، مُكّن منه وأُجبن إليه.
ووافق الشافعيّة(٥) على ذلك.
وقال بعضهم : هذه المسألة تدلّ على جواز الصلح على الإنكار ؛ لأنّ كلّ واحدةٍ منهنّ تُنكر نكاح مَنْ عداها سوى ثلاثٍ معها ، فالصلح الجاري
____________________
(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٩٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٣٦.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٩٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٣٦ - ٤٣٧.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٩٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٣٧.
(٥) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٩٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٣٧.
بينهنّ صلح على الإنكار(١) .
قال بعض الشافعيّة : إنّهنّ بين أمرين : إن اعترفن بشمول الإشكال ، فليست واحدة منهنّ بمنكرةٍ لغيرها ولا مدّعية لنفسها في الحقيقة ، وإنّما تصحّ القسمة والحالة هذه مع الجهل بالاستحقاق للضرورة وتعذّر التوقيف لا إلى نهايةٍ. وإن زعمت كلّ واحدةٍ منهنّ الوقوف على اختيار الزوج إيّاها ، فكلّ مَنْ أخذت شيئاً تقول : الذي أخذتُه [ بعض ](٢) حقّي ، وسامحت الباقيات بالباقي متبرّعةً ، والمالك غير ممنوعٍ ممّا يتبرّع به(٣) .
وقد سبق الخلاف بينهم في صلح الحطيطة في العين ، فمَنْ صحّحه احتجّ بهذه المسألة ، وقال : الاقتسام الجاري بينهنّ صلح حطيطةٍ ، ومَنْ أبطله فرّق بأنّ المال هناك في يد المدّعى عليه ، وفصل الأمر ممكن بتحليفه ، وهنا استوت الأقدام ، ولا طريق إلى فصل الأمر سوى اصطلاحهنّ(٤) .
ولو اصطلحن على أن تأخذ ثلاث منهنّ أو أربع المالَ الموقوف ويبذلن للباقيات عوضاً من خالص أموالهنّ ، جاز عندنا ؛ للعموم.
وقال الشافعي : لا يجوز ؛ لأنّ الصلح هكذا بذل عوضٍ مملوك في مقابلة ما لم يثبت ملكه ، ومَنْ أخذ عوضاً في معاوضةٍ لا بدّ وأن يكون مستحقّاً للمعوّض ، فإذا لم يكن الاستحقاق معلوماً لم يجز أخذ العوض(٥) .
وكذا مَنْ طلّق إحدى زوجتيه ومات قبل البيان وقفنا لهما الرُّبْع أو
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٩٥.
(٢) ما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.
(٣ و ٤) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٩٥.
(٥) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٩٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٣٧.
الثُّمْن ، واصطلحتا.
وكذا لو ادّعى اثنان وديعةً في يد الغير وقال الودعي : لا أعلم لأيّكما هي.
وكذا لو تداعيا داراً في يدهما وأقام كلٌّ منهما بيّنةً ثمّ اصطلحا ، أو كانت في يد ثالثٍ وقلنا : لا تتساقط البيّنتان بالتعارض ، فاصطلحا.
مسألة ١٠٤٤ : لو كان بين رجلين زرع فادّعاه آخَر فصالحه أحدهما على نصف الزرع بعد أن أقرّ له بنصفه ، صحّ ، وكذا لو أنكر ، عندنا ، خلافاً للشافعي(١) .
ثمّ إن كان مطلقاً وكانت الأرض لغير الـمُقرّ المشتري ، فالصلح فاسد عنده(٢) ، وإن كانت الأرض له فوجهان(٣) .
وإن شرط القطع ، لم يصح عنده ؛ لأنّ قسمته لا تصحّ ، وقطع جميعه لا يجوز ؛ لتعليق حقّ الشريك به(٤) .
ولو ادّعى رجل على رجلٍ زرعاً في أرضه فأقرّ له بنصفه ثمّ صالحه عن نصفه على نصف الأرض ، جاز عندنا.
وقال الشافعي : لا يجوز ؛ لأنّ من شرط بيع الزرع قطعه ، ولا يمكن ذلك في المشاع(٥) .
والاشتراط عندنا ممنوع ، وكذا القياس على البيع.
وإن صالحه منه على جميع الأرض بشرط القطع على أن يسلّم إليه
____________________
(١) مختصر المزني : ١٠٧ ، الحاوي الكبير ٦ : ٤١٦ ، البيان ٦ : ٢٥٢.
(٢ و ٣) الحاوي الكبير ٦ : ٤١٦ ، بحر المذهب ٨ : ٤٨ ، البيان ٦ : ٢٥٢.
(٤) البيان ٦ : ٢٥٢.
(٥) بحر المذهب ٨ : ٤٨ ، البيان ٦ : ٢٥٢.
الأرض فارغةً ، صحّ عنده أيضاً ؛ لأنّ قطع جميع الزرع واجب ، نصفه بحكم الصلح ، والباقي لتفريغ الأرض وأمكن القطع ، وجرى ذلك مجرى مَن اشترى أرضاً فيها زرعٌ وشَرَط تفريغَ الأرض ، فإنّه يجوز ، كذا هنا(١) .
ولو كان قد أقرّ له بجميع الزرع فصالحه من نصفه على نصف الأرض لتكون الأرض والزرع بينهما نصفين وشرط القطع ، نُظر فإن كان الزرع في الأرض بغير حقٍّ جاز الشرط ؛ لأنّ الزرع يجب قطع جميعه ، وإن كان في الأرض بحقٍّ لم يجز عند الشافعي ؛ لأنّه لا يمكن قطع الجميع(٢) .
وقال بعض الشافعيّة : إنّه يجوز إذا شرط على بائع الزرع قطع الباقي(٣) .
وضعّفه آخَرون ؛ لأنّ باقي الزرع ليس بمبيعٍ ، فلا يصحّ شرط قطعه في العقد عنده ، بخلاف ما إذا أقرّ بنصف الزرع وصالحه على جميع الأرض ؛ لأنّه شرط تفريغ المبيع(٤) .
مسألة ١٠٤٥ : لو أتلف رجل على آخَر عيناً - حيواناً أو ثوباً أو شبههما - قيمتها دينار فادّعاه عليه فأقرّ له به ثمّ صالحه منه على أكثر من ذلك ، صحّ عندنا ، وكذا لو أنكره ثمّ صالحه - وبه قال أبو حنيفة(٥) - للأصل ، ولأنّ الثوب والحيوان يثبت في الذمّة مثلهما في الإتلاف ، فكان الصلح على مثلهما.
____________________
(١) بحر المذهب ٨ : ٤٨ ، البيان ٦ : ٢٥٢.
(٢ و ٣) بحر المذهب ٨ : ٤٨ ، البيان ٦ : ٢٥٣.
(٤) البيان ٦ : ٢٥٣.
(٥) الهداية - للمرغيناني - ٣ : ١٩٥ ، بحر المذهب ٨ : ٤٩ ، حلية العلماء ٥ : ٢٩ ، البيان ٦ : ٢٢٥ ، المغني ٥ : ٢٨ ، الشرح الكبير ٥ : ٥.
وقال الشافعي وأحمد : لا يصحّ الصلح ؛ لأنّ الواجب في الذمّة قيمة المتلف ، دون مثله ، ولهذا لا يطالبه بمثله ، وإذا كان الواجب القيمةَ فإذا صالحه عليها بأكثر من قيمتها أو أقلّ فقد عاوض عليه متفاضلاً ، وذلك ربا في النقود(١) .
والكلّ ممنوع.
ولو كانت قيمة العبد ألفاً فصالحه على ألف مؤجَّلة ، صحّ ، ولزم الأجل عندنا - وبه قال أبو حنيفة وأحمد(٢) - للأصل ، وللعموم ، ولأنّهما نقلا الحقّ إلى القيمة ، فكان ما سمّياه تقديراً للقيمة ، فكان جائزاً ، كما لو قدّر الصداق للمفوّضة مؤجَّلاً.
وقال الشافعي : لا يتأجّل ولا يصحّ الصلح ؛ لأنّ الواجب هو دَيْنٌ في ذمّته ، فإن كان العوض مؤجَّلاً ، كان بيعَ الدَّيْن بالدَّيْن ، وهو باطل ، ونقل الحقّ من العبد إلى قيمته إنّما يكون على سبيل المعاوضة والبدل ، ويكون بيعَ الدَّيْن بالدَّيْن ، وقد عرفت أنّ الواجب القيمة وهي حالّة ، فلا تتأجّل ، والصداق غير واجبٍ ، وإنّما يجب بالفرض عند إيجابه ، فاختلفا(٣) .
ونحن نمنع كون الصلح بيعاً.
مسألة ١٠٤٦ : لو اتّجر الشريكان وحصل ربح وكان بعض المال دَيْناً وبعضه عيناً فاصطلحا وقال أحدهما لصاحبه : أعطني رأس المال ، والربح
____________________
(١) بحر المذهب ٨ : ٤٩ ، حلية العلماء ٥ : ٢٩ ، البيان ٦ : ٢٢٤ - ٢٢٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٣٨ ، المغني ٥ : ٢٧ - ٢٨ ، الشرح الكبير ٥ : ٥ - ٦.
(٢) بحر المذهب ٨ : ٤٩ ، حلية العلماء ٥ : ٢٩ ، البيان ٦ : ٢٢٥ ، المغني ٥ : ٢٨ ، الشرح الكبير ٥ : ٦.
(٣) بحر المذهب ٨ : ٤٩ ، حلية العلماء ٥ : ٢٩ ، البيان ٦ : ٢٢٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٣٨ ، المغني ٥ : ٢٨ ، الشرح الكبير ٥ : ٦.
والخسران لك ، جاز ذلك ؛ للعموم.
ولما رواه أبو الصباح - في الصحيح - عن الصادقعليهالسلام في رجلين اشتركا في مالٍ فربحا فيه ربحاً وكان من المال دَيْنٌ وعينٌ ، فقال أحدهما لصاحبه : أعطني رأس المال والربح لك وما تَوى(١) فعليك ، فقال : « لا بأس به إذا شرط ، وإن كان شرطاً يخالف كتاب الله ردّ إلى كتاب الله عزّ وجلّ »(٢) .
مسألة ١٠٤٧ : لا تصحّ قسمة الديون ، فلو اقتسم الشريكان الدَّيْن الذي لهما على الناس وقبض أحدهما وتلف نصيب الآخَر ، وجب على القابض دفع نصيب الشريك ممّا قبضه إليه ؛ لبطلان القسمة ؛ لأنّها تمييز أحد الحقّين من الآخَر ، ولا تمييز في الديون ؛ لأنّها مطلقة لا تتعيّن إلّا بالقبض.
ولما رواه سليمان بن خالد - في الحسن - أنّه سأل الصادقَعليهالسلام عن رجلين كان لهما مال بأيديهما ومنه متفرّق عنهما فاقتسما بالسويّة ما كان في أيديهما وما كان غائباً عنهما فهلك نصيب أحدهما ممّا كان غائباً واستوفى الآخَر فعليه أن يردّ على صاحبه؟ قال : « نعم ، ما يذهب بماله »(٣) .
مسألة ١٠٤٨ : لو ماطل المديون صاحبَ الدَّيْن عن دَيْنه حتى مات فصالح ورثته على بعضه ، فَعَل حراماً ، ولم يكن للورثة المطالبة في الظاهر ، ولا تبرأ ذمّة المصالِح فيما بينه وبين الله تعالى ؛ لما تقدّم أنّ ذلك من صُور الإكراه.
ولما رواه عمر بن يزيد - في الصحيح - عن الصادقعليهالسلام قال : « إذا كان للرجل على الرجل دَيْنٌ فمطله حتى مات ثمّ صالح ورثته على شيءٍ
____________________
(١) التوى : الهلاك. لسان العرب ١٤ : ١٠٦ « توا ».
(٢) التهذيب ٦ : ٢٠٧ / ٤٧٦.
(٣) التهذيب ٦ : ٢٠٧ / ٤٧٧.
فالذي أخذ الورثة لهم ، وما بقي فهو للميّت يستوفيه منه في الآخرة ، وإن هو لم يصالحهم على شيءٍ حتى مات ولم يقض عنه ، فهو للميّت يأخذه به »(١) .
وكذا لو ادّعى كاذباً على غيره فصالحه الغير ، لم يستبح الكاذب بذلك الصلح مال الصلح إلّا مع الرضا الباطن.
مسألة ١٠٤٩ : يصحّ الصلح على الأعيان بمثلها وبالمنافع وبأبعاض الأعيان ، وعلى المنافع بمثلها وأبعاضها ، ولا يشترط ما يشترط في البيع ، فلو صالحه عن الدنانير بدراهم أو بالعكس صحّ ، ولم يكن صَرفاً.
ولو صالَح على عينٍ بأُخرى من الربويّات ، ففي إلحاقه بالبيع نظر.
وكذا في الدَّيْن بمثله ، فإن ألحقناه فسد لو صالَح من ألفٍ مؤجَّل بخمسمائة حالّة.
ولو صالَح من ألفٍ حالّ بخمسمائة مؤجَّلة ، ففي كونه إبراءً إشكال ، ويلزم الأجل.
ولو ظهر استحقاق أحد العوضين ، بطل الصلح ؛ لوقوع التراضي على تلك العين.
ولو صالَح على ثوبٍ أتلفه بدرهمٍ على درهمين ، صحّ الصلح ، وقد سبق(٢) .
____________________
(١) التهذيب ٦ : ٢٠٨ / ٤٨٠.
(٢) في ص ٣٧ ، المسألة ١٠٤٥.
الفصل الثالث : في تزاحم الحقوق
وفيه مباحث :
مسألة ١٠٥٠ : الطرق نوعان : نافذة وغير نافذة.
الأوّل : النافذة ، والناس كلّهم في السلوك فيها شرعٌ سواء مستحقّون للممرّ فيها(١) ، وليس لأحدٍ أن يتصرّف فيها(٢) بما يبطل المرور فيها(٣) أو ينقصه أو يضرّ بالمارّة من بناء حائطٍ فيها(٤) أو دكّة أو وضع جناح أو ساباط(٥) على جداره إذا أضرّ بالمارّة إجماعاً.
ولو لم يضرّ بالمارّة بأن كان عالياً لا يظلم به الدرب ، جاز وضع الجناح والساباط من غير منعٍ عند بعض علمائنا(٦) - وبه قال مالك والشافعي والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو يوسف ومحمّد(٧) - لأنّه ارتفق بما لم يتعيّن ملك أحدٍ عليه ، فكان جائزاً ، وليس لأحدٍ منعه ، كالاستظلال بحائط الغير والاستطراق في الدرب.
____________________
(١ - ٤) بدل كلمة « فيها » في المواضع الأربعة في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « فيه ». والمثبت يقتضيه السياق.
(٥) الساباط : سقيفة بين دارين من تحتها طريق نافذ. العين ٧ : ٢١٨ « سبط ».
(٦) كالمحقّق الحلّي في شرائع الإسلام ٢ : ١٢٣.
(٧) المغني ٥ : ٣٤ ، الشرح الكبير ٥ : ٢٨ ، الأُم ٣ : ٢٢١ - ٢٢٢ ، الحاوي الكبير ٦ : ٣٧٥ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٤١ ، حلية العلماء ٥ : ١١ - ١٢ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ١٤٨ ، البيان ٦ : ٢٣١ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٩٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٣٩ ، المبسوط - للسرخسي - ٢٠ : ١٤٤.
ولأنّ الناس اتّفقوا على إشراع الأجنحة والساباطات في الطرق النافذة والشوارع المسلوكة في جميع الأعصار وفي سائر البقاع من غير إنكارٍ ، فكان سائغاً.
ولأنّ النبيصلىاللهعليهوآله نصب بيده ميزاباً في دار العبّاس(١) ، والجناح مثله ؛ لاشتراكهما في المنفعة الخالية عن الضرر.
وقال الشيخرحمهالله وأبو حنيفة : لا عبرة بالضرر وعدمه ، بل إن عارضه فيه رجل من المسلمين ، نزع ، ووجب قلعه وإن لم يكن مضرّاً به ولا بغيره ، وإلّا تُرك ؛ لأنّه بنى في حقّ غيره بغير إذنه ، فكان له مطالبته بقلعه ، كما لو بنى دكّةً في المسلوك ، أو وضع الجناح في سلك غيره(٢) .
والقياس ممنوع ؛ فإنّ الضرر يحصل مع بناء الدكّة ، بخلاف الجناح والساباط والروشن(٣) ؛ لأنّ الأعمى يتعثّر بها ، وكذا في الليل المظلم يحصل تعثّر البصير بها ، ويضيق الطريق بها ، بخلاف الشارع. وملك الغير لا يجوز الممرّ فيه إلّا بإذنه ، بخلاف الطرق ، فافترقا.
فروع :
أ - شرط أحمد في جواز إشراع الجناح إذنَ الإمام فيه ، فإن أذن فيه جاز ، وإلّا فلا(٤) .
وهو ممنوع ؛ لاتّفاق الناس على عمله.
____________________
(١) الطبقات الكبرى - لابن سعد - ٤ : ٢٠ ، تاريخ مدينة دمشق ٢٦ : ٣٦٦ - ٣٦٧ ، سنن البيهقي ٦ : ٦٦ ، المستدرك - للحاكم - ٣ : ٣٣١ - ٣٣٢.
(٢) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٢٩١ ، الخلاف ٣ : ٢٩٤ ، المسألة ٢ من كتاب الصلح ، المبسوط - للسرخسي - ٢ : ١٤٤ ، المغني ٥ : ٣٤ ، الشرح الكبير ٥ : ٢٨ ، الحاوي الكبير ٦ : ٣٧٦ ، حلية العلماء ٥ : ١٢ ، البيان ٦ : ٢٣١ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٩٦.
(٣) الروشن : الرفّ والكوّة. لسان العرب ١٣ : ١٨١ « رشن ».
(٤) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٩٦.
ب - الضابط في التضرّر وعدمه العرفُ ، ويختلف بحال الطرق.
فإن كان ضيّقاً لا يمرّ فيه الفُرْسان والقوافل ، وجب رفعه بحيث يمرّ المارّ تحته منتصباً ، والمحمل مع الكنيسة المنصوبة على رأسه على البعير ؛ لأنّه يتّفق ذلك وإن كان نادراً ، ولا تشترط الزيادة عليه.
وقال بعض الشافعيّة : يجب أن يكون بحيث يمرّ الراكب تحته منصوبَ الرمح(١) .
وإن كان متّسعاً تمرّ فيه الجيوش والأحمال ، وجب أن لا يضرّ بالعماريّات والكنائس ، وأن يتمكّن الفارس من الممرّ تحته ورمحه منتصب لا يبلغه ؛ لأنّه قد يزدحم الفُرْسان فيحتاج إلى أن ينصب الرماح.
وقال بعض الشافعيّة : لا يقدّر بذلك ؛ لأنّه يمكنه وضع الرمح على عنقه بحيث لا ينال رمحه أحداً(٢) .
وليس بجيّدٍ ؛ لأنّ ذلك قد يعسر.
ج - إذا وضع الجناح أو الروشن أو الساباط في الدرب المسلوك على وجهٍ يضرّ بالمارّة ، تجب عليه إزالته ، وعلى السلطان إلزامه بذلك.
ولو صالحه الإمام على وضعه - أو بعض الرعيّة - على شيءٍ ، لم يجز ؛ لأنّ ذلك بيع الهواء منفرداً ، وهو باطل ، والهواء لا يفرد بالعقد ، بل يتبع الدار ، كالحمل مع الأُم.
ولأنّه إن كان مضرّاً لم يجز أخذ العوض عنه ، كبناء الدكّة في
____________________
(١) الحاوي الكبير ٦ : ٣٧٦ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٤١ ، الوسيط ٤ : ٥٤ ، حلية العلماء ٥ : ١٣ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ١٤٨ ، البيان ٦ : ٢٣٣ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٩٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٣٩.
(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٤١ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ١٤٨ ، البيان ٦ : ٢٣٣ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٩٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٣٩.
الطريق ، وإن لم يكن مضرّاً كان جائزاً ، وما يجوز للإنسان فعله في الطريق لا يجوز أن يؤخذ منه عوض عنه كالسلوك ، وأحدٌ من الرعيّة ليس هو المستحقّ ولا نائبَ المستحقّين.
د - لو أظلم الطريق بوضع الجناح أو الروشن أو الساباط ، فإن أذهب الضياء بالكلّيّة مُنع إجماعاً ؛ لأنّه يمنع السلوك فيه.
وإن لم يُذهب الضياء(١) جملةً بل بعضه ، فالوجه : المنع إن تضرّر به المارّة ، وإلّا فلا.
وللشافعيّة قولان :
أحدهما : المنع مطلقاً.
والثاني : الجواز مطلقاً(٢) .
مسألة ١٠٥١ : لو أخرج روشناً في شارعٍ أو دربٍ نافذ ، لم يكن لمقابله الاعتراضُ عليه ، ولا منعه منه ، سواء استوعب عرض الدرب أو لا إذا لم يحصل ضرر لأحدٍ به.
وليس له وضع أطراف خشبه على حائط جاره وإن لم يتضرّر به الجار.
ولو أخرج روشنه إلى بعض الدرب ، كان لمحاذيه إخراج روشنٍ فيما بقي من الهواء ، وليس لصاحب الروشن الأوّل منعه ما لم يضع على خشبه شيئاً.
وإن أراد محاذيه بأن يُخرج روشناً تحت روشن محاذيه ، جاز ذلك.
وإن أراد أن يُخرج روشناً فوق روشن محاذيه ، جاز إذا لم يتضرّر به
____________________
(١) في الطبعة الحجريّة : « الضوء ».
(٢) البيان ٦ : ٢٣٣ ، وانظر العزيز شرح الوجيز ٥ : ٩٩ ، وروضة الطالبين ٣ : ٤٤٠.
بأن يكون عالياً لا يضرّ بالمارّ في الروشن السفلاني.
ولو أظلم الدرب بوضع الروشن الثاني ، أُزيل خاصّةً دون الأوّل ؛ لأنّ الضرر إنّما حصل بالثاني وإن كان لو لا الأوّل لم يحصل.
مسألة ١٠٥٢ : إذا أخرج جناحاً أو روشناً في الشارع النافذ ، فقد بيّنّا أنّه ليس لأحدٍ منعه مع عدم التضرّر به ، فلو تضرّر جاره بالإشراف عليه ، فالأقرب : إنّ له المنعَ ؛ لأنّه قد حصل به الضرر ، بخلاف ما لو كان الوضع في ملكه أو ما له محلّ على جاره ، فإنّه لا يُمنع وإن حصل معه الإشراف ؛ لأنّ للإنسان التصرّفَ في ملكه كيف شاء ، بخلاف الروشن الموضوع على شرط عدم تضرّر الغير به ، فإذا فرض تضرّر شخصٍ ما به ، لم يجز وضعه ، ويُمنع في الملك من الإشراف على الجار ، لا من التعلية المقتضية لإمكانه.
ولسْتُ أعرف في هذه المسألة بالخصوصيّة نصّاً من الخاصّة ولا من العامّة ، وإنّما صِرتُ إلى ما قلتُ عن اجتهادٍ ، ولعلّ غيري يقف عليه أو يجتهد فيؤدّيه اجتهاده إلى خلاف ذلك.
مسألة ١٠٥٣ : لو وضع جناحاً لا ضرر فيه أو روشناً كذلك فانهدم أو هدمه المالك أو جاره قهراً وتعدّياً ثمّ وضع الجار روشناً أو جناحاً في محاذاته ومدّه إلى مكان روشن الأوّل ، جاز ، وصار أحقَّ به ؛ لأنّ الأوّل كان يستحقّ ذلك بسبقه إليه ، فإذا زال وسبقه الثاني إلى مكانه ، كان أولى ، كرجلٍ جلس في مكانٍ مباح - كمسجدٍ أو دربٍ نافذ - ثمّ قام عنه أو أُقيم ، فإنّه يزول حقّه من الجلوس ، ويكون لغيره الجلوسُ في مكانه ، وليس للأوّل إزعاجه وإن أُزعج الأوّل ، فكذا هنا.
ومَنَع منه بعض الشافعيّة ؛ لأنّ الجالس في الطريق المسلوك الواسع إذا ارتفق بالقعود لمعاملة الناس لا يبطل حقّه بمجرّد الزوال عن ذلك
الموضع ، وإنّما يبطل بالسفر والإعراض عن الحرفة على ما يأتي ، فقياسه أن لا يبطل بمجرّد الانهدام والهدم ، بل يعتبر إعراضه عن ذلك الجناح ورغبته عن إعادته(١) .
ونحن نمنع الحكم في الأصل ، ونمنع أولويّته على ما يأتي إن شاء الله تعالى.
مسألة ١٠٥٤ : لا يجوز لأحدٍ بناء دكّةٍ ولا غرس شجرةٍ في الطريق المسلوك إن ضيّق الطريق وضرّ بالمارّة إجماعاً ؛ لقولهعليهالسلام : « لا ضرر ولا ضرار(٢) »(٣) .
وإن كان متّسعاً لا يضرّ بالمارّة وَضْعُه ، فالأولى المنع أيضاً ، إلّا فيما زاد على حدّ الطريق النافذ ؛ لأنّ ذلك يوجب اختصاصاً له فيما هو مشترك وشرعٌ بين الناس ، ولأنّ المكان المشغول بالبناء والشجر لا يتأتّى فيه السلوك والاستطراق ، وقد يزدحم المارّة ويعسر عليهم السلوك فيه ، فيتعثّرون بها ، ولأنّه ربما طالت المدّة ، فأشبه مكان البناء والغراس بالأملاك ، فانقطع أثر استحقاق السلوك فيه ، بخلاف الأجنحة والرواشن ، وهو أحد قولَي الشافعيّة.
والثاني : إنّه يجوز ذلك ، كوضع الجناح أو الروشن اللَّذَيْن لا يضرّان
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٩٧ - ٩٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٤٠.
(٢) في « ج ، ر » : « إضرار ».
(٣) الكافي ٥ : ٢٨٠ / ٤ ، و ٢٩٢ - ٢٩٤ / ٢ و ٨ ، الفقيه ٣ : ٤٥ / ١٥٤ ، و ١٤٧ / ٦٤٨ ، التهذيب ٧ : ١٤٦ - ١٤٧ / ٦٥١ ، و ١٦٤ / ٧٢٧ ، سنن ابن ماجة ٢ : ٧٨٤ / ٢٣٤٠ و ٢٣٤١ ، سنن الدارقطني ٣ : ٧٧ / ٢٨٨ ، سنن البيهقي ٦ : ٦٩ و ٧٠ ، المستدرك - للحاكم - ٢ : ٥٧ - ٥٨ ، مسند أحمد ٦ : ٤٤٧ / ٢٢٢٧٢.
بالمارّة(١) .
وقد عرفت الفرق.
مسألة ١٠٥٥ : حدّ الطريق المتّخذ في الأرض المباحة إذا تشاحّ أهله في وضعه وسعته وضيقه سبعُ أذرع ؛ لأنّ ذلك قدر ما تدعو الحاجة إليه ، ولا يزيد عليه ؛ لما رواه مسمع بن عبد الملك عن الصادقعليهالسلام قال : « والطريق إذا تشاحّ عليه أهله فحدّه سبع أذرع »(٢) ومثله روى السكوني عن الصادقعليهالسلام (٣) ، والخبران موثّقان.
إذا تقرّر هذا ، فهذا الحدّ حدٌّ مع تشاحّ أهل ذلك الدرب ، المتقابلة دُورهم فيه ، ولا عبرة بغيرهم.
ولو اتّفقوا على وضع أضيق منه في الابتداء جاز ، ولم يكن لأحدٍ الاعتراضُ وطلبُ التوسعة فيه.
وإذا وضعوه على حدّ السبع ، لم يكن لهم بعد ذلك تضييقه.
ولو وضعوه أوسع من السبع ، فالأقرب : إنّ لهم ولغيرهم الاختصاصَ ببعضه إلى حيث يبلغ هذا الحدّ ، فلا يجوز بعد ذلك النقصُ عنه.
مسألة ١٠٥٦ : الشوارع لا يجري عليها ملك أحدٍ ، ولا يختصّ بها شخص من الأشخاص ، بل هي بين الناس كافّةً شرعٌ سواء بلا خلافٍ.
ولا فرق في ذلك بين الجوادّ الممتدّة في الصحاري والبلاد.
وإنّما يصير الموضع شارعاً بأُمور : أن يجعل الإنسان ملكه شارعاً وسبيلاً مسبَّلاً ، ويسلك فيه شخصٌ ما ، أو يُحيي جماعةٌ أرضَ قريةٍ أو بلدةٍ
____________________
(١) الوسيط ٤ : ٥٥ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٩٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٣٩.
(٢) الكافي ٥ : ٢٩٥ / ٢ ، التهذيب ٧ : ١٤٥ / ٦٤٢.
(٣) الكافي ٥ : ٢٩٦ / ٨ ، التهذيب ٧ : ١٤٥ / ٦٤٣.
ويتركوا مسلكاً نافذاً بين الدور والمساكن ، ويفتحوا إليه الأبواب ، أو يصير موضع من الموات جادّةً يسلكه الناس ، فلا يجوز تغييره ، وكلّ مواتٍ يجوز استطراقه ، لكن لا يُمنع أحد من إحيائه وصرف الممرّ عليه ، فليس له حكم الشوارع.
الثاني : الطرق التي لا تنفذ ، كالسكّة المسدودة المنتهية إلى ملك الغير ، ولا منفذ لها إلى المباح ، وتلك مِلْكٌ لأرباب الأبواب فيها.
وهذه الطرق لا يجوز لأحدٍ إشراع جناحٍ فيها ولا روشن ولا ساباط ، إلّا بإذن أرباب الدرب بأسرهم ، سواء كانوا من أهل الدرب أو من غيرهم ، وسواء أضرّ بالباقين أو لا ؛ لأنّ أربابه محصورون ومُلاّكه معدودون ، فإذا تخصّص به أحد منع الباقين منه ، فلم يجز ، وهو أحد قولَي الشافعيّة.
والثاني : إنّه لا يجوز لغير أهل السكّة مطلقاً ، وأمّا أهل السكّة فيجوز لكلّ واحدٍ منهم إشراع الجناح والروشن وغيرهما إذا لم يضرّ بالمارّة ؛ لأنّ لكلّ واحدٍ منهم الارتفاقَ بقرارها ، فليكن الارتفاق بهوائها كذلك ، كالشوارع(١) .
وهو ممنوع ؛ لأنّ السكّة مخصوصة بهم ، فلا يتصرّف فيها أحد دون رضاهم ، كما أنّه لا يجوز إشراع الجناح إلى دار الغير بغير رضاه ، سواء تضرّر أو لا ؛ إذ لا اعتبار بالتضرّر مع إذن المتضرّر.
وبمثل ما قلناه قال أبو حنيفة(٢) .
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٤١ ، حلية العلماء ٥ : ١٣ ، البيان ٦ : ٢٣٤ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٩٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٤١ - ٤٤٢ ، المغني ٥ : ٣٥ ، الشرح الكبير ٥ : ٣١.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٩٩.
مسألة ١٠٥٧ : لو صالَح واضع الروشن أو الجناح أو الساباط أربابَ الدرب وأصحابَ السكّة على وضعه ، جاز على الأظهر عندنا ، لكنّ الأولى اشتراط زمانٍ معيّن ؛ لأنّه حقٌّ ماليٌّ متعيّن المالك ، فجاز الصلح عليه وأخذ العوض عنه ، كما في القرار.
ومَنَع منه الشافعيّة ؛ بناءً منهم على أنّ الهواء تابع ، فلا يُفرد بالمال صلحاً ، كما لا يُفرد به بيعاً(١) .
ويُمنع مانعيّة التبعيّة من الانفراد بالصلح ، بخلاف البيع ؛ لأنّه يتناول الأعيان ، والصلح هنا وقع عن الوضع مدّةً.
وكذا الحكم في صلح مالك الدار عن الجناح المشرع إليها من الجواز عندنا ، والمنع عندهم(٢) .
مسألة ١٠٥٨ : نعني بأرباب الدرب المقطوع وأصحاب السكّة كلّ مَنْ له بابٌ نافذ إلى تلك السكّة ، دون مَنْ يلاصق حدّ داره السكّة ويكون حائطه إليها من غير نفوذ بابٍ له فيها.
وهل يشترك جميعهم في جميع السكّة فيكون الاستحقاق في جميعها لجميعهم ، أم شركة كلّ واحدٍ تختصّ بما بين رأس السكّة وباب داره ، ولا تتخطّى عنه؟ المشهور عندنا : اختصاص كلّ واحدٍ بما بين رأس السكّة وباب داره ؛ لأنّ محلّ تردّده هو ذلك المكان خاصّةً ومروره فيه ، دون باقي السكّة ، فحكم ما عدا ذلك حكم غير أهل السكّة ، وهو أظهر وجهي الشافعيّة.
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٤١ ، البيان ٦ : ٢٣٤ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٩٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٤٢.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٩٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٤٢.
والثاني لهم : الأوّل ، وهو أنّ الاستحقاق في جميعها لجميعهم ؛ لأنّهم ربما احتاجوا إلى التردّد والارتفاق بجميع الصحن لطرح الأثقال ووضع الأحمال عند الإخراج والإدخال(١) .
وتظهر الفائدة - على أصحّ قولَي الشافعي - في منع إشراع الجناح إلّا برضاهم ، فعلى القول باشتراك الكلّ في الكلّ يجوز لكلّ واحدٍ من أهل السكّة المنع ، وعلى الثاني إنّما يجوز المنع لـمَن موضعُ الجناح بين بابه ورأس السكّة ، دون مَنْ بابه بين موضع الجناح ورأس السكّة(٢) .
إذا تقرّر هذا ، فعلى المشهور عندنا : إنّ الأدخل ينفرد بما بين البابين ، ويتشاركان في الطرفين ، ولكلٍّ منهما الخروج ببابه مع سدّ الأوّل وعدمه ، فإن سدّه فله العود إليه مع الثاني ، وليس لأحدهما الدخول ببابه.
ويحتمله ؛ لأنّه قد كان له ذلك في ابتداء الوضع فيستصحب ، وله رفع جميع الحائط فالباب أولى.
مسألة ١٠٥٩ : قد بيّنّا أنّ الدرب المقطوع لأربابه المحصورين ، دون الشوارع المسلوكة ، فلهُم التصرّف فيه كيف شاءوا ؛ لأنّ للإنسان التصرّفَ في ملكه بسائر أنواع التصرّفات ، ولهُم سدّ باب السكّة ، وهو قول أكثر الشافعيّة(٣) .
ومَنَع بعضهم من ذلك ؛ لأنّ أهل الشارع يفزعون إليها إذا عرض لهم سبب من زحمةٍ وشبهها(٤) .
ولو امتنع بعضهم من سدّها ، لم يكن للباقين سدّها إجماعاً. ولو اتّفقوا على السدّ ، لم ينفرد بعضهم بالفتح. ولو اتّفقوا على قسمة صحن
____________________
(١ - ٤) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٠٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٤٢.
السكّة بينهم ، جاز.
ولو أراد أهل رأس السكّة قسمة رأس السكّة بينهم ، مُنعوا ؛ لحقّ مَنْ يليهم.
أمّا لو أراد أهل الأسفل قسمة الأسفل ، فإن قلنا باختصاصهم به ، كان لهم ذلك. وإن قلنا باشتراك الجميع في الأسفل ، لم يكن لهم ذلك ، إلّا بإذن الباقين.
هذا كلّه - أعني سدّ الباب وقسمة الصحن - إنّما هو إذا لم يكن في السكّة مسجد ، فإن كان فيها مسجد قديم أو حديث ، فالمسلمون كلّهم يستحقّون الطروق إليه ، ولا يُمنعون منه.
وكذا لو جعل بعضهم داره رباطاً أو مسجداً أو مدرسةً أو مستراحاً ، لم يكن لأحدٍ منعه ، ولا منع مَنْ له الممرّ فيه ، وحينئذٍ لا يجوز لأحدٍ أن يشرع جناحاً ولا ساباطاً ولا روشناً عند التضرّر به وإن رضي أهل السكّة ؛ لحقّ سائر الناس.
مسألة ١٠٦٠ : قد بيّنّا أنّ الدرب إمّا نافذ وإمّا مقطوع.
أمّا النافذ : فلكلّ أحدٍ فتح بابٍ فيه ، سواء كان له ذلك بحقٍّ قديم أو لا.
وأمّا المقطوع : فليس لمن لا باب له فيه إحداث بابٍ إلّا برضا أهل السكّة بأسرهم ؛ لتضرّرهم إمّا بمرور الفاتح عليهم ، أو بمرورهم على الفاتح.
ولو فتح باباً للاستضاءة دون الاستطراق ، أو قال : أفتحه وأسمره بمسمارٍ لا ينفتح بابه معه ، فالأقرب : منعه من ذلك ؛ لأنّ الباب يشعر بثبوت حقّ الاستطراق ، فربما استدلّ به على الاستحقاق ، وهو أحد قولَي
الشافعيّة(١) .
ويمكن أن يُمكَّن منه ؛ لأنّه لو رفع جميع الجدار لم يكن لأحدٍ منعه ، فلأن يُمكَّن من رفع بعضه [ كان ] أولى.
وأمّا مَنْ له بابٌ في تلك السكّة لو أراد أن يفتح غيره ، نُظر إن كان [ ما ] يريد به الفتح أقربَ من بابه إلى رأس السكّة ، كان له ذلك ؛ لأنّ له الاستطراقَ فيه وهو شريك ، فإذا فتح باباً كان ذلك بعضَ حقّه.
وإن كان [ ما ] يريد [ به ] الفتح أقربَ من بابه إلى صدر السكّة ، لم يكن له ذلك ، وهو أظهر قولَي الشافعيّة. والثاني : له ذلك ؛ لأنّ له يداً في الدرب ، فكأنّ الجميع في أيديهما(٢) .
إذا عرفت هذا ، فإن أراد أن يتقدّم ببابه إلى رأس السكّة ، فإن سدّ بابه الأوّل ، كان له ذلك قطعاً ؛ لأنّه ينقص حقّه.
وإن لم يسدّ بابه ، فكذلك عندنا.
وللشافعيّة فيه قولٌ بالمنع ؛ لأنّ الباب الثاني إذا انضمّ إلى الأوّل أورث زيادة زحمة الناس ووقوف الدوابّ في السكّة فيتضرّرون به(٣) .
وإن أراد أن يتأخّر ببابه عن رأس السكّة ويقرب من صدرها ، فلصاحب الباب المفتوح بين رأس السكّة وداره المنعُ.
وهل لـمَن دارُه بين الباب ورأس السكّة المنعُ؟ وجهان بناءً على كيفيّة الشركة.
ولهم طريقة أُخرى جازمة بأنّه لا منع للّذين يقع الباب المفتوح بين
____________________
(١) بحر المذهب ٨ : ٥١ ، البيان ٦ : ٢٤٣ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٠١ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٤٣.
(٢ و ٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٠١ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٤٣.
دارهم ورأس السكّة ؛ لأنّ الفاتح لا يمرّ عليهم(١) .
وتحويل الميزاب من موضعٍ إلى موضعٍ كفتح بابٍ وسدّ بابٍ.
فروع :
أ - لو كان لرجلين بابان في سدّةٍ أحدهما قريب من باب الزقاق ، وباب الآخَر في وسطه ، فأراد كلّ واحدٍ منهما أن يقدّم بابه إلى أوّل الزقاق ، كان له ذلك ، على ما تقدّم ؛ لأنّ له استطراقَ ذلك ، فقد نقص من استطراقه. وإن أراد أن يؤخّر بابه إلى صدر الزقاق ، لم يكن له ذلك ، على ما سبق - وهو أظهر وجهي الشافعيّة(٢) - لأنّه يقدّم بابه إلى موضعٍ لا استطراق له فيه.
ب - لو كان لأحدهما بابٌ يلي باب الزقاق وللآخَر بابٌ في الصدر ، فأراد الثاني أن يقدّم بابه إلى حدّ باب الأوّل ، فالأقرب : أنّ له ذلك ، على ما سبق.
وعند الشافعيّة يُبنى على الوجهين ، فإن قلنا : لصاحب الباب الذي يلي باب الزقاق أن يؤخّر بابه ، لم يكن له ذلك. وإن قلنا : ليس له ذلك ، كان لصاحب باب الصدر أن يقدّمه إلى باب الثاني. وينبغي أن يكون له أن يقدّمه في فنائه إلى فناء الثاني ؛ لأنّه إنّما يفتح الباب في فناء نفسه ، ولا حقّ له فيما جاوز ذلك(٣) .
ج - لو كان له دار في دربٍ مقطوع فجَعَلها حجرتين وجَعَل لها بابين ، جاز ذلك إذا وضع البابين في موضع استطراقه. وإن أخّرهما أو
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٠١ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٤٣.
(٢ و ٣) بحر المذهب ٨ : ٥٢ ، البيان ٦ : ٢٤٤.
أحدهما لم يجز.
وللشافعيّة فيه الوجهان(١) .
مسألة ١٠٦١ : لو كان له داران ينفذ باب إحداهما إلى الشارع وبابُ الأُخرى إلى سكّة منسدّة فأراد مالكهما فتْحَ بابٍ
في إحداهما إلى الأُخرى ، لم يكن لأهل السكّة منعه ؛ لأنّه يستحقّ المرور في السكّة ، ورفع الجدار الحائل بين الدارين تصرّفٌ منه مصادف للملك ، فلا يُمنع منه ، وهو أظهر وجهي الشافعيّة.
والثاني : إنّ لهم المنعَ ؛ لأنّه يُثبت للدار الملاصقة للشارع ممرّاً في السكّة ويزيد فيما استحقّه من الانتفاع(٢) .
وليس بشيءٍ.
ولو كان له دار لها باب في زقاقٍ غير نافذٍ ولها حدٌّ في شارعٍ أو زقاقٍ نافذ وأراد أن يفتح في حدّه باباً إلى الشارع ، جاز له ؛ لأنّه يرتفق بما لم يتعيّن ملك أحدٍ عليه.
لا يقال : إنّ في ذلك إضراراً بأهل الدرب ؛ لأنّه كان منقطعاً وبفتح الباب يصير الدرب نافذاً مستطرقاً إليه من الشارع.
لأنّا نقول : إنّه بفتح الباب صيّر داره نافذةً ، وأمّا الدرب فإنّه على حاله غير نافذٍ ؛ إذ ليس لأحدٍ غيره استطراقُ داره.
ولو انعكس الحال فكانت بابه إلى الشارع وله حائط في المنقطع ، فأراد فتح بابٍ للاستطراق ، فقد بيّنّا أنّه ليس له ذلك ؛ إذ لا حقّ له في دربٍ قد تعيّن عليه ملك أربابه ، فلم يكن له الانتفاع به بغير إذنهم.
____________________
(١) لم نعثر عليه في المصادر التي بأيدينا ، وانظر بحر المذهب ٨ : ٥٢.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٠١ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٤٤.
ولو كان له داران متلاصقتان باب كلّ واحدةٍ منهما في زقاقٍ غير نافذٍ ، فأراد صاحبهما رفع الحاجز بينهما بالكلّيّة وجَعْلهما داراً واحدة ، جاز قولاً واحداً.
وإن أراد فتح بابٍ من إحداهما إلى الأُخرى ، جاز عندنا أيضاً.
وللشافعيّة قولان :
أحدهما : المنع ؛ لأنّ ذلك يُثبت له حقَّ الاستطراق من الدرب الذي لا ينفذ إلى دارٍ لم يكن لها طريقٌ منه ، ولأنّ ذلك ربما أدّى إلى إثبات الشفعة في قول مَنْ يُثبتها بالطريق لكلّ واحدةٍ من الدارين في زقاق الأُخرى. وهذا قول أكثرهم(١) .
وهو غلط ؛ لأنّ له رفعَ الحاجز بالكلّيّة ، فرفع بعضه أولى ، والمحذور لازمٌ فيما لو رفع الحائط ، مع أنّه لا يبطل به حقّ الشفعة.
والثاني : إنّ له ذلك - كما اخترناه - لأنّ له رفعَ الحاجز بالكلّيّة ، ففتح الباب أولى(٢) .
وقال بعضهم : موضع القولين ما إذا سدّ باب إحدى الدارين وفتح الباب بينهما لغرض الاستطراق ، أمّا إذا قصد اتّساع ملكه أو نحوه ، فلا منع(٣) .
مسألة ١٠٦٢ : لو صالح الممنوع من فتح الباب في الدرب المقطوع أربابه على مالٍ ليفتح الباب ، جاز عندنا ، وبه قال الشافعي(٤) ، بخلاف
____________________
(١ و ٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٤٣ ، بحر المذهب ٨ : ٥١ - ٥٢ ، حلية العلماء ٥ : ١٧ ، البيان ٦ : ٢٤٣ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٠١ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٤٤.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٠١ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٤٤.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٠٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٤٤.
الصلح عن إشراع الأجنحة والساباطات والرواشن ، فإنّهم خالفوا فيه ، وعلّلوا بأنّه بَذْل مالٍ في مقابلة الهواء المجرّد(١) .
قال بعضهم : إن قدّروا مدّةً معيّنة ، كان الصلح إجارةً. وإن أطلقوا أو شرطوا التأبيد ، فهو بيع جزءٍ مشاع من السكّة ، وتنزيلٌ له منزلة أحدهم ، وكان ذلك بمنزلة ما لو صالح غيره عن إجراء نهرٍ في أرضه على مالٍ ، فإنّه يكون ذلك تمليكاً للنهر(٢) .
ولو أراد فتح بابٍ من داره في دار غيره ، فصالحه عنه مالك الدار على مالٍ صحّ ، ويكون ذلك كالصلح عن إجراء الماء على السطح ، ولا يملك شيئاً من الدار والسطح ؛ لأنّ السكّة لا تراد إلّا للاستطراق ، فإثبات الاستطراق فيها يكون نقلاً للملك ، والدار والسطح ليس القصد منهما الاستطراق وإجراء الماء.
مسألة ١٠٦٣ : يجوز فتح الأبواب ونصب الميازيب في الشوارع النافذة ؛ لأنّ الناس بأسرهم اتّفقوا على وضع الميازيب ونصبها على سطوحهم قديماً وحديثاً من غير إنكار أحدٍ منهم ، فكان إجماعاً.
هذا إذا لم يتضرّر بوضعها أحدٌ ، فإن تضرّر أحد بوضع ميزابٍ في الدرب المسلوك وجب قلعه.
وأمّا الطرق الخاصّة الغير النافذة فليس لأحدٍ من أربابها(٣) وضع ميزابٍ يقذف فيها إلّا بإذن كلّ مَنْ له حقٌّ فيها.
وليس للمتقدّم بابه في رأس الدرب المسدود منعُ المتأخّر بابه إلى صدر الدرب من وضع ميزابٍ إذا لم نقل بشركته أو لم يصل ضرره إليه.
____________________
(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٠٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٤٤.
(٣) في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « أربابه ». والمثبت يقتضيه السياق.
وكذا لا يجوز حفر بالوعةٍ فيها إلّا بإذن أربابها وإن كانت أنفع لهم.
أمّا الطرق المسلوكة فكذلك لا يجوز إحداث بالوعةٍ فيها ، بل كلّ بالوعةٍ وُضعت في أصل وضع الدرب فإنّها تستمرّ ليس لأحدٍ إزالتها ، وكلّ بالوعةٍ استُحدثت فإنّ لكلّ أحدٍ من المسلمين إزالتها.
مسألة ١٠٦٤ : إذا كان له باب في شارعٍ وظَهْر داره إلى دربٍ غير نافذٍ ، فأراد أن يُخرج روشناً فيه ، لم يكن له ذلك ؛ لأنّ الدرب مملوكٌ لقومٍ بأعيانهم ، وليس له حقٌّ معهم فيه.
ولو كان له فيه باب ، فكذلك عندنا لا يجوز له الإحداث إلّا بإذن باقي أربابه.
وللشافعيّة قولان تقدّما(١) .
وإذا أذن أرباب الدرب المختصّ بهم في وضع بابٍ أو نصب ميزابٍ أو إشراع جناحٍ أو روشنٍ أو ساباطٍ ، كان هذا الإذن عاريةً يجوز له الرجوع فيه متى شاء ، لكن مع الأرش ؛ لأنّه سبب في إتلاف مال الغير ، على إشكالٍ.
مسألة ١٠٦٥ : يجوز فتح الروازن والشبابيك في الحيطان التي في الدروب المسدودة ، وليس لأحدٍ منعُ ذلك ، سواء كان لصاحب الحائط في ذلك الدرب بابٌ أو لم يكن ؛ لأنّ له رفعَ جميع الحائط وأن يضع مكانه شُبّاكاً فبعضه أولى ، وإنّما مُنع في الباب لمعنىً غير موجودٍ هنا.
وكذا له فتح روزنةٍ وشُبّاكٍ في حائطه الفاصل بينه وبين جاره وإن حرم عليه الاطّلاع إلى دار الغير ، بل ليستفيد الإضاءة في بيته. وللجار أن
____________________
(١) في ص ٤٨ ، « الثاني : الطرق غير النافذة ».
يبني حائطاً في وجه شُبّاكه وروزنته وأن يمنع الضوء بذلك ، لا سدّ الروزنة والشُّبّاك.
مسألة ١٠٦٦ : يجوز لكلّ أحدٍ الاستطراقُ في الطرق النافذة على أيّ حالٍ شاء
من سرعةٍ وبطءٍ وركوبٍ وترجّلٍ ، ولا فرق في ذلك بين المسلم والكافر ؛ لأنّها موضوعة لذلك.
وأمّا الطرق المقطوعة : فكذلك مع إذن أربابها.
ولو منع واحد أو منعوا بأسرهم ، فالأقرب : عدم المنع ؛ لأنّ لكلّ أحدٍ دخولَ هذا الزقاق ، كدخول الدرب النافذ.
وفيه إشكال أقربه : إنّ جواز دخولها من قبيل الإباحات المستندة إلى قرائن الأحوال ، فإذا عارضه نصّ المنع عُمل به.
وأمّا الجلوس بها وإدخال الدوابّ إليها فالأقوى : المنع ، إلّا مع إذن الجميع فيه.
ولو كان بين داريه طريقٌ نافذ فحفر تحته سرداباً من إحداهما إلى الأُخرى وأحكم الأزج ، قال بعض الشافعيّة : لم يُمنع(١) .
وهو جيّد إن لم يتضرّر به أحد من المارّة.
وليس له أن يحفر على وجه الأرض ثمّ يعمل الأزج.
وكذا لا يجوز عمل السرداب في الطريق المسدود - إلّا بإذن أربابه - وإن أحكم الأزج وحفر تحت الأرض ؛ لأنّ أربابه محصورون ، وسواء حصل لهم ضرر بذلك أو لا ، خلافاً لبعض الشافعيّة(٢) .
ولا يجوز وضع ساقيةٍ مبتكرة في دربٍ مسلوك ، سواء تضرّر بها
____________________
(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٠٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٤٥.
السائرون فيها ، أو لا ، ولو حفرها كان لكلّ أحدٍ إزالتها.
ولو وضع عليها أزجاً محكماً ، فالأقرب : جواز إزالته لكلّ أحدٍ.
ولو سدّ الطريق النافذ ، كان لكلّ أحدٍ إنفاذه كما كان ، وإزالة السدّ وإعادته كما كان.
ولو جعل الطريق المقطوع مسلوكاً بأن جعل الاستطراق في ملكه ورفع الحاجز ، فإن كان سبّله مؤبّداً وسلك فيه أحد لم يكن له بعد ذلك قطعه ، ولو لم يرد تسبيله كان كالعارية يجوز له الرجوع فيه.
ولو غصب ملك غيره فجعله طريقاً ، كان للمالك الرجوعُ إلى عين ملكه وقطع السلوك منه.
والنظر في أُمور ثلاثة :
الأوّل : التصرّف.
الجدار بين الملكين إمّا أن يكون مختصّاً بمالكٍ واحد ، أو يكون مشتركاً بين صاحبي الملكين.
فإن كان مختصّاً بمالكٍ واحد ، كان له التصرّف فيه كيف شاء بهدمٍ وبناءٍ وغير ذلك ، وليس للآخَر وضع خشبةٍ ولا جذعٍ عليه إلّا بإذن مالكه ، عند علمائنا أجمع - وبه قال أبو حنيفة والشافعي في الجديد(١) - لقولهعليهالسلام :
____________________
(١) الحاوي الكبير ٦ : ٣٩١ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٤٢ ، الوسيط ٤ : ٥٦ ، الوجيز ١ : ١٧٩ ، حلية العلماء ٥ : ١٦ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ١٥١ ، البيان ٦ : ٢٣٩ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٠٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٤٦ ، المغني ٥ : ٣٨ ، الشرح الكبير ٥ : ٣٧ ، عيون المجالس ٤ : ١٦٥٣ - ١٦٥٤ / ١١٦٧.
« لا يحلّ مال امرئ مسلم إلّا بطيب نفسٍ منه »(١) ولأنّ العقل قاضٍ بقبح تصرّف الغير في مال الغير بغير إذنه.
وقال مالك وأحمد : إنّ للجار أن يضع الجذوع على جدار جاره ، فإن امتنع المالك أُجبر على ذلك ، وهو قول الشافعي في القديم(٢) ؛ لما رواه أبو هريرة أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال : « لا يمنع أحدكم جارَه أن يضع خُشبه على جداره » قال : فنكّس القوم رؤوسهم ، فقال أبو هريرة : مالي أراكم عنها معرضين والله لأرمينّها - أي لأضعنّ هذه السنّة - بين أظهركم(٣) .
ولو سُلّم الحديث لحُمل على الاستحباب ؛ لما تقدّم من الحديث الأوّل.
إذا عرفت هذا ، فقد شرط الشافعي في قوله القديم أُموراً ثلاثة :
أ : أن لا يحتاج مالك الجدار إلى وضع الجذوع عليه.
ب : أن لا يزيد الجار في ارتفاع الجدار ، ولا يبني عليه أزجاً ، ولا يضع عليه ما لا يحتمله الجدار ، ويضرّ به.
ج : أن لا يملك شيئاً من جدران البقعة التي يريد تسقيفها ، أو
____________________
(١) سنن الدارقطني ٣ : ٢٦ / ٩١ ، مسند أحمد ٦ : ٦٩ / ٢٠١٧٢ بتفاوت يسير.
(٢) المنتقى - للباجي - ٦ : ٤٣ ، الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٥٩٧ - ٥٩٨ / ١٠٠٥ ، عيون المجالس ٤ : ١٦٥٤ / ١١٦٧ ، الحاوي الكبير ٦ : ٣٩١ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٤٢ ، الوسيط ٤ : ٥٦ ، حلية العلماء ٥ : ١٥ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ١٥١ ، البيان ٦ : ٢٣٨ - ٢٣٩ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٠٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٤٦ ، المغني ٥ : ٣٨ ، الشرح الكبير ٥ : ٣ (٧)
(٣) صحيح البخاري ٣ : ١٧٣ ، صحيح مسلم ٣ : ١٢٣٠ / ١٦٠٩ ، سنن ابن ماجة ٢ : ٧٨٣ / ٢٣٣٥ ، سنن أبي داوُد ٣ : ٣١٤ - ٣١٥ / ٣٦٣٤ ، سنن الترمذي ٣ : ٦٣٥ / ١٣٥٣ ، سنن البيهقي ٦ : ٦٨ ، الموطّأ ٢ : ٧٤٥ / ٣٢ ، مسند أحمد ٣ : ١٠٧ / ٨٩٠٠.
لا يملك إلّا جداراً واحداً ، فإن مَلَك جدارين فليسقف عليهما ، ولا يُجبر - والحال هذه - صاحب الجدار(١) .
وجَعَل بعض الشافعيّة عوض الشرط الثالث أن تكون الجوانب الثلاثة من البيت لصاحب البيت وهو يحتاج إلى جانبٍ رابع ، فأمّا إذا كان الكلّ للغير ، فإنّه لا يضع الجذوع عليها قولاً واحداً(٢) .
مسألة ١٠٦٧ : قد بيّنّا أنّه ليس للجار وضع جذعٍ ولا غيره على حائط الغير وإن كان محتاجاً إلى الوضع وكان الجار مستغنياً عن الحائط ، إلّا بإذنه ، فإن أذن في الوضع بغير عوضٍ فهو إعارةٌ له الرجوع فيها متى شاء قبل الوضع مجّاناً قطعاً.
وأمّا بعد الوضع للجذوع والبناء عليها : فالأقرب : إنّ له الرجوعَ أيضاً ، كما في سائر العواري ، لكن ليس له القلع مجّاناً ، بل مع الأرش وإن كان القلع يؤدّي إلى خراب ملك الجار ، وإن شاء أبقاه بالأُجرة ، فيثبت له الخيار بين القلع بالأرش وبين التبقية بالأُجرة ، كما لو أعار أرضاً للبناء ، وهو أظهر قولَي الشافعيّة(٣) .
قالوا : إلّا أنّ في إعارة الأرض أمراً ثالثاً يتخيّر فيه ، وهو تملّك البناء بالقيمة ، وليس لمالك الجدار ذلك ؛ لأنّ الأرض أصلٌ ، فجاز أن تستتبع البناء ، والجدار تابع فلا يستتبع(٤) .
وعندي أن لا ثالث هنا ولا في الأرض.
____________________
(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٠٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٤٦.
(٣ و ٤) التهذيب - للبغوي - ٤ : ١٥٣ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٠٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٤٧.
وقال بعض الشافعيّة : إنّه ليس له القلع ؛ لأنّ ضرر القلع يتداعى إلى ما هو خالص ملك المستعير ؛ لأنّ الجذوع إذا رُفعت أطرافها من جدارٍ لم تستمسك على الجدار الثاني ، بل تثبت له الأُجرة خاصّةً(١) .
وقال بعضهم : إنّه ليس له الرجوعُ أصلاً ، ولا يستفيد به القلع ولا طلب الأُجرة للمستقبل(٢) ؛ لأنّ مثل هذه الإعارة يراد بها التأبيد ، فكان بمنزلة ما لو أعار أرضاً للدفن فدفن ، لم يتمكّن المعير من قلعه ولا من طلب الأُجرة(٣) .
ولعلّ بينهما فرقاً.
مسألة ١٠٦٨ : لو أذن للجار في وضع الجذوع على جداره فوَضَعها ، لم يستعقب ذلك المطالبة بالأُجرة عمّا قبل الرجوع ، فإن رفع صاحب الجذوع جذوعه لم يكن له إعادتها إلّا بإذنٍ جديد ؛ لأنّ الإذن الأوّل زال بزواله.
وكذا لو أذن في وضع روشنٍ على حائطه أو جناحٍ أو ساباطٍ.
وهو أحد قولَي الشافعيّة. والثاني : إنّ له الوضعَ ؛ عملاً باستصحاب الإذن الأوّل(٤) .
وكذا لو سقطت الجذوع أو الروشن أو الساباط أو الجناح بنفسه.
ولو سقط الجدار فبناه صاحبه بتلك الآلة فكذلك ؛ لأنّ الإذن لا يتناول إلّا مرّةً.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٠٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٤٧.
(٢) في « ث ، ر » والطبعة الحجريّة : « في المستقبل » بدل « للمستقبل ».
(٣) الحاوي الكبير ٦ : ٣٩٢ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ١٥٣ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٠٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٤ (٧)
(٤) البيان ٦ : ٢٤٠ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٠٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٤٧.
وللشافعيّة وجهان(١) .
ولو بناه بغير تلك الآلة ، لم يُعِد الوضعَ إلّا بإذنٍ جديد عندنا وعند الشافعيّة قولاً واحداً(٢) .
ولو صالحه على وضع الجذوع أو الجناح أو الروشن أو الساباط على حائطه ، جاز ، وبه قال الشافعي(٣) ، بخلاف ما لو صالحه عن إشراع الجناح ؛ لأنّه صلح عن الهواء المجرّد ، فلا يجوز عنده(٤) .
وقد سبق(٥) كلامنا فيه.
ولو رضي مالك الجدار بوضع الجذوع بعوضٍ ، فذلك إمّا بيع أو إجارة ، وسيأتي.
وعلى قول الشافعي - بأنّ له الإجبارَ على وضع الخشب(٦) - لا تصحّ المعاوضة ولا الصلح عليه بمالٍ ؛ لأنّ مَنْ ثبت له حقٌّ لا يؤخذ منه عوضٌ عليه(٧) .
لكنّا قد بيّنّا بطلان هذا القول من رأسٍ.
مسألة ١٠٦٩ : إذا كان الجدار مشتركاً بين اثنين وأكثر ، لم يكن لأحدٍ من الشركاء التصرّفُ فيه بشيءٍ من وجوه الانتفاعات حتى ضَرْب الوتد فيه وفتح الكُوّة بل وأخذ أقلّ ما يكون من ترابه ليترب به الكتاب بدون إذن
____________________
(١ و ٢) التهذيب - للبغوي - ٤ : ١٥٣ ، البيان ٦ : ٢٤٠ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٠٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٤٧.
(٣) التهذيب - للبغوي - ٤ : ١٥٣ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٠٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٤٨.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٠٥ - ١٠٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٤٨.
(٥) في ص ٥٥ - ٥٦ ، المسألة ١٠٦٢.
(٦) راجع الهامش (٢) من ص ٦٠.
(٧) التهذيب - للبغوي - ٤ : ١٥٢ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٠٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٤٨.
جميع الشركاء فيه كغيره من الأموال المشتركة مطلقاً ، سواء كان وضع جذوعٍ عليه أو لا.
وللشافعي في الإجبار على وضع الجذوع قولان ؛ لأنّ له أن يُجبر جاره على وضع جذوعه على جداره ، فشريكه أولى(١) .
والأصل قد بيّنّا بطلانه.
نعم ، يجوز الانتفاع منه بل ومن جدار الغير بما لا تقع المضايقة فيه ، كالاستناد إليه وإسناد المتاع إليه إذا لم يتضرّر الجدار به ؛ لأنّه بمنزلة الاستظلال بجدار الغير والاستضاءة بسراجه.
ولو منع مالك الجدار من الاستناد ، فالوجه : التحريم ؛ لأنّه نوع تصرّفٍ بإيجاد الاعتماد عليه.
ولو بنى في ملكه جداراً متّصلاً بالجدار المشترك أو المختصّ بالجار بحيث لا يقع ثقله عليه ، جاز ، ولم يكن للآخَر الاعتراضُ.
[ الأمر ](٢) الثاني : القسمة.
مسألة ١٠٧٠ : لكلّ جسمٍ أبعاد ثلاثة : طولٌ وعرضٌ وعُمْقٌ.
ونعني بطول الحائط امتداده من زاويةٍ من البيت إلى الزاوية الأُخرى أو من حدٍّ من أرض البيت إلى حدٍّ آخَر من أرضه ، ولا نريد به ارتفاعه عن الأرض ؛ فإنّ ذلك هو العمق والسَّمْك باعتبار أخذ المساحة ، أو الاعتبار من تحتٍ ومن فوقٍ.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٠٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٤٨.
(٢) بدل ما بين المعقوفين هنا وفيما يأتي في ص ٦٧ في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « النظر ». والظاهر ما أثبتناه.
وأمّا العرض : فهو البُعْد الثالث منه.
فإذا كان طوله عشرةً وعرضه ذراعاً ، جاز قسمته في الطول والعرض إن أراداها ، فإذا طلب أحدهما قسمته في كلّ الطول ونصف العرض ليصير لكلّ واحدٍ نصف ذراعٍ في طول عشرةٍ ، وأجابه الآخَر ، جاز.
وكذا يجوز أن يقتسماه في كلّ العرض ونصف الطول ، فيصير لكلّ واحدٍ خمسة أذرع في عرض ذراعٍ.
فإن طلبا قسمته على الوجه الثاني ، كان للحاكم أن يُعلِّم بينهما بعلامةٍ ويخطّ رسماً للتنصيف ، أو يشقّ الجدار وينشره بالمنشار.
وإن طلبا قسمته على الوجه الأوّل ، قسّمه بالعلامة ، دون الشقّ والنشر ؛ لأنّ شقّ الجدار في الطول إتلافٌ له وتضييعٌ.
ولو باشر الشريكان قسمته بالمنشار ، لم يمنعهما أحد ، كما لو نقضاه واقتسما الانقاض.
ولو طلب أحد الشريكين قسمة الجدار وامتنع الآخَر ، نُظر إن طلب القسمة على الوجه الأوّل ، لم تجب الإجابة ؛ لأنّا لو أوجبنا القسمة على هذا النحو لأُقرع في التخصيص ، والقرعة ربما تُعيّن الشقّ الذي يلي أحدهما للآخَر ، والذي يلي الآخَر للأوّل ، فلا يتمكّن أحدهما من الانتفاع بما وقع له بالقسمة ، ولأنّه لا يتمكّن من إفصال أحدهما من الآخَر بفَصْلٍ محقّق ؛ لأنّ غايته رسم خطٍّ بين الشقّين ، فإذا بنى أحدهما على ما صار إليه ، تعدّى الثقل والتحامل إلى الشقّ الآخَر.
نعم ، لو تراضيا على هذه القسمة ، جاز ، وكان رسم الخطّ كافياً في القسمة.
وعن بعض الشافعيّة أنّه يُجبر الممتنع عن القسمة ، ولا قرعة ، بل
يُخصَّص كلّ واحدٍ منهما بما يليه ليقع النفع لهما معاً(١) .
وأمّا إن طلب أحدهما القسمة على الوجه الثاني - وهو قسمة نصف الطول في كلّ العرض - فإن رضي الآخَر وأجابه إليها ، جاز.
وإن امتنع فإن انتفى الضرر عنهما أو عن الممتنع ، أُجبر عليها ، وإن تضرّر الممتنع لم يُجبر عليها.
وللشافعيّة وجهان في الإجبار ، فمَن اعتبر في القسمة الشقَّ والقطعَ مَنَع من القسمة ؛ لأنّ القطع يوجب إتلاف بعض الجدار ، ولا إجبار مع الإضرار(٢) .
وقال بعض هؤلاء : إنّ التضرّر والنقصان هنا هيّن في هذا النوع ، فكان بمنزلة قسمة الثوب الصفيق(٣) .
ومَن اكتفى في القسمة برسم العلامة والخطّ اختلفوا أيضاً :
فبعضهم جوّز الإجبار ؛ لأنّه يمكن تأتّي الانتفاع بما يصير إليه(٤) .
وبعضهم مَنَع ؛ لتعذّر الفاصلة المحقّقة(٥) .
مسألة ١٠٧١ : لو انهدم الجدار أو هدماه أو لم يرسماه في الأوّل
فأرادا قسمة عرصته في كلّ الطول ونصف العرض ولا ضرر مطلقاً أو لا ضرر على الممتنع ، فإن قلنا بتخصيص كلّ واحدٍ بالشقّ الذي يليه من غير قرعةٍ ، أُجيب طالبها إليها.
وإن منعنا من قسمة الحائط في المسألة الأُولى ، فللشافعيّة هنا وجهان مبنيّان على أنّ المنع في الحائط حذراً من القرعة أو من عدم تأتّي الفصل
____________________
(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٠٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٤٩.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٠٧.
(٤ و ٥) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٠٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٤٩.
المحقّق؟ فإن قالوا بالأوّل استمرّ المنع من القسمة هنا ؛ لأنّ المانع هناك موجود هنا ، وإن قالوا بالثاني أُجبر الممتنع عليها ؛ لزوال المانع ، لإمكان الفصل هنا(١) .
ولو طلب قسمتها في نصف الطول وكلّ العرض ، أُجيب ؛ لفقد الموانع المذكورة في الجدار هنا.
وإذا بنى الجدار وأراد أن يكون عريضاً ، زاد في عرضه من عرصة بيته.
[ الأمر ] الثالث : العمارة.
مسألة ١٠٧٢ : إذا استهدم الحائط ، أُجبر صاحبه على نقضه لئلّا يتأذّى به أحد ، سواء كان المالك واحداً أو أكثر.
ولو كان لاثنين فنقضاه لاستهدامه أو لغير استهدامه أو انهدم الجدار بنفسه ، لم يُجبرا على بنائه ، ولا يُجبر أحدهما لو امتنع ، عند علمائنا - وبه قال أبو حنيفة والشافعي في أحد القولين - وهو الجديد له - ومالك وأحمد في إحدى الروايتين عنهما(٢) - لأنّه ملكه ، فإذا لم يكن له حرمة في نفسه
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٠٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٤٩.
(٢) المبسوط - للسرخسي - ١٧ : ٩٢ - ٩٣ ، الحاوي الكبير ٦ : ٤٠١ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٤٣ ، الوسيط ٤ : ٥٨ ، حلية العلماء ٥ : ١٨ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ١٥٦ ، البيان ٦ : ٢٤٥ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ١ : ٣١٨ - ٣١٩ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٠٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥٠ ، الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٥٩٨ / ١٠٠٧ ، التفريع ٢ : ٢٩٣ ، عيون المجالس ٤ : ١٦٥٥ / ١١٦٨ ، المعونة ٢ : ١٢٠١ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ٤٩٣ ، المغني ٥ : ٤٦ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٣.
لم يُجبر على الإنفاق عليه ، كما لو انفرد به ، بخلاف الحيوان ذي الحرمة ، فإنّه يجب عليه الإنفاق عليه ؛ لحرمته ، وتعلّق غرض الشارع بالانتفاع به ، ولأنّه ملكه ، فلا يُجبر على عمارته ، كما لا يُجبر على زراعة الأرض المشتركة ، ولأنّه بناء حائطٍ ، فلا يُجبر عليه ، كالابتداء ، ولأنّه لو أُجبر على البناء فإمّا لحقّ نفسه ، وهو باطل بما لو انفرد به ، أو لحقّ غيره ، ولا يجوز أن يُجبر الإنسان على عمارة ملك الغير ، كما لو انفرد به الغير.
والقول القديم للشافعي : إنّهما يُجبران على عمارته ، ويُجبر الممتنع عليها - وهو الرواية الأُخرى عن مالك وعن أحمد - دفعاً للضرر عن الشركاء ، وصيانةً للأملاك المشتركة عن التعطيل ، وقد قال النبيّصلىاللهعليهوآله : « لا ضرر ولا إضرار »(١) وفي ترك بنائه إضرار ، فأُجبر الممتنع عليه ، كما يُجبر على القسمة بينهما لو طلب أحدهما ، والملك وإن لم يكن له حرمة يلزمه بسببها الإنفاق عليه فإنّ شريكه له حرمة(٢) .
ولا نسلّم أنّ في ترك بنائه ضرراً ؛ فإنّ الضرر إنّما حصل بانهدامه ، وإنّما ترك البناء ترك لما يحصل النفع به ، وفي ترك بنائه إضرار به ، ولا يُزال الضرر بالضرر.
____________________
(١) الفقيه ٣ : ٤٥ / ١٥٤ ، سنن الدارقطني ٤ : ٢٢٨ / ٨٤ و ٨٥ ، مسند أحمد ١ : ٥١٥ / ٢٨٦٢.
(٢) الحاوي الكبير ٦ : ٤٠٠ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٤٣ ، الوسيط ٤ : ٥٨ ، حلية العلماء ٥ : ١٨ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ١٥٦ ، البيان ٦ : ٢٤٥ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ١ : ٣١٩ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٠٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥٠ ، الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٥٩٨ / ١٠٠٧ ، التفريع ٢ : ٢٩٣ ، عيون المجالس ٤ : ١٦٥٥ / ١١٦٨ ، المعونة ٢ : ١٢٠١ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ٤٩٣ ، المغني ٥ : ٤٦ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٣.
والخبر مشترك الدلالة ؛ لأنّ في تكليف الشريك العمارةَ إضراراً عظيماً به ، فلم يُجبر عليها.
والفرق بينه وبين القسمة ظاهر ؛ فإنّ للإنسان الاختصاصَ بالتصرّف في ملكه ، وإنّما يتمّ بالقسمة ، والإجبار على العمارة يقتضي إجبار الغير على عمارة ملكه لينتفع الآخَر به ، والقسمة دفع الضرر عنهما بما لا ضرر فيه ، والبناء مضرّ ؛ لما فيه من الغُرْم ، ولا يلزم من إجباره على إزالة الضرر بما لا ضرر فيه إجباره على إزالته بما فيه ضرر.
مسألة ١٠٧٣ : لو هدم أحد الشريكين الجدار المشترك من غير إذن صاحبه ، فإن كان لاستهدامه وفي موضع وجوب الهدم ، لم يكن عليه شيء.
وإن كان ممّا لا يجب هدمه أو هدمه وهو معمور لا يخشى عليه السقوط ، فقد اختلف قول علمائنا :
قال بعضهم : يُجبَر الهادم على عمارته وإعادته إلى ما كان عليه أوّلاً(١) .
والأقوى : لزوم الأرش على الهادم ؛ لأنّ الجدار ليس بمِثْليٍّ.
مسألة ١٠٧٤ : قد بيّنّا أنّه لا يجب على الشريك في الجدار بناؤه لو انهدم ولا مساعدة شريكه فيه لإزالة الضرر عن شريكه ؛ لأنّ الممتنع قد لا يكون له نفعٌ في الحائط ، بل وقد يكون عليه ضرر فيه أكثر من نفعه به ، وقد يكون معسراً لا مال له ينفق على البناء ، فحينئذٍ لا يُجبر لو امتنع عن الإنفاق وإن كان موسراً وكان يتضرّر بترك البناء.
وعلى القديم للشافعي يُجبر(٢) .
____________________
(١) شرائع الإسلام ٢ : ١٢٥.
(٢) راجع الهامش (٢) من ص ٦٨.
فإن أصرّ على الامتناع ، أنفق الحاكم عليه ليرجع على الممتنع إذا وُجد له مالٌ ، فإن استقلّ وبذل أن يبنيه ويرجع عليه ، ففي الرجوع عليه قولان للشافعي ، ولأصحابه طُرق :
أصحّها عند أكثرهم : القطع بعدم الرجوع ، وحمل قول الرجوع على ما إذا أنفق بالإذن.
والثاني : إنّ القول بعدم الرجوع تفريع على الجديد ، والقول بالرجوع تفريع على القديم.
والثالث : إن قلنا بالقديم رجع قطعاً ، وإن قلنا بالجديد فقولان.
والرابع : إن أمكنه عند البناء مراجعة الحاكم فلا يرجع [ وإن لم يمكنه ](١) فيرجع ، أمّا إن أذن له الحاكم في البناء ليرجع أو بذل عن الشريك إقراضه ، فإنّ له الرجوعَ إن قلنا به(٢) .
مسألة ١٠٧٥ : لو كان بين الشريكين نهر مشترك أو قناة أو دولاب أو ناعورة أو بئر فاحتاج شيء من ذلك في الانتفاع به إلى العمارة ، لم يُجبر أحد الشريكين الآخَر على العمارة كما قلنا في الجدار ، وهو الجديد للشافعي ، كما تقدّم.
وفي القديم : إنّه يُجبر ، وبه قال أبو حنيفة(٣) ، وفرّق بين هذه وبين الجدار ، فأوجب على الشريك في هذه العمارةَ والإصلاحَ وتنقيةَ البئر ،
____________________
(١) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « أو لا يمكنه ». والأنسب بالعبارة ما أثبتناه.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١١٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥١.
(٣) حلية العلماء ٥ : ١٩ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ١٥٧ ، البيان ٦ : ٢٤٥ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ١ : ٣١٨ - ٣١٩ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٠٩ ، المغني ٥ : ٥٠ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٩.
ولم يوجب بناء الجدار ؛ لأنّ الشريك لا يتمكّن من مقاسمته ، فيضرّ به ، بخلاف الحائط ، فإنّه يمكنه قسمته مع شريكه وقسمة عرصته(١) .
وليس بجيّدٍ ؛ لأنّ في قسمة العرصة إضراراً بهما ، وفي قسمة الحائط أكثر إضراراً والإنفاق أرفق ، فكانا سواءً.
مسألة ١٠٧٦ : لو كان علوّ الجدار لواحدٍ وسُفْلها لغيره فانهدمت ، لم يكن لصاحب السُّفْل إجبار صاحب العلوّ على مساعدته في إعادة السُّفْل ؛ لأصالة البراءة.
وكذا ليس لصاحب العلوّ إجبار صاحب السُّفْل على إعادة السُّفْل ليبني عليه علوّه ، عند علمائنا - وبه قال أبو حنيفة والشافعي في الجديد ، وأحمد في إحدى الروايتين ، وأبو الدرداء(٢) - لما تقدّم من أنّ الإنسان لا يُجبر على عمارة ملكه ولا عمارة ملك غيره ، والحقّ لا يعدوهما.
وقال الشافعي - في القديم - ومالك وأحمد - في الرواية الأُخرى - وأبو ثور : إنّه يُجبر صاحب السُّفْل على الإعادة ، وإذا قلنا بالإجبار وجب عليه وحده الإنفاق عليه ؛ لأنّه خاصّ ملكه(٣) .
____________________
(١) الحاوي الكبير ٦ : ٤٠٤ ، حلية العلماء ٥ : ١٩ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ١٥٧ ، البيان ٦ : ٢٤٥ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ١ : ٣١٩ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٠٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥٠.
(٢) تحفة الفقهاء ٣ : ١٩١ ، بدائع الصنائع ٦ : ٢٦٤ ، المبسوط - للسرخسي - ١٧ : ٩٢ ، روضة القضاة ٢ : ٧٧٣ / ٥٢٠٩ ، الحاوي الكبير ٦ : ٤٠١ ، التنبيه : ١٠٤ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٤٤ ، الوسيط ٤ : ٥٨ ، حلية العلماء ٥ : ١٩ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ١٥٧ ، البيان ٦ : ٢٤٨ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٠٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥٠ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ١ : ٣١٨ - ٣١٩ ، المغني ٥ : ٤٨ - ٤٩ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٧ ، عيون المجالس ٤ : ١٦٥٧ / ١١٧٠.
(٣) الحاوي الكبير ٦ : ٤٠٠ ، التنبيه : ١٠٤ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٤٤ ، =
وكذا لو كان له ساباط استحقّ وضعه على حائط غيره فانهدم ، لم يُجبر أحدهما على العمارة.
وللشافعيّة قولان(١) .
وهذا الخلاف فيما إذا انهدم الحائط أو هدمه صاحب السُّفْل والعلوّ معاً من غير شرطٍ ، أمّا إذا استهدم فهدمه صاحب السُّفْل بشرط أن يعيده ، أُجبر عليه قولاً واحداً.
ويجري الخلاف فيما إذا طلب أحدهما اتّخاذ سترةٍ بين سطحيهما ، هل يُجبر الآخَر على مساعدته؟ ومذهبنا أنّه لا يُجبر ؛ لأصالة البراءة.
مسألة ١٠٧٧ : إذا انهدم الحائط المشترك فطلب أحدهما بناءه ، لم يُجبر الآخَر على ذلك ، كما تقدّم(٢) ، وهو الجديد للشافعي.
وفي القديم - وبه قال مالك وأحمد في روايةٍ عنهما - : إنّه يُجبر(٣) .
فإن كان له مالٌ وامتنع ، أنفق الحاكم منه ، وإن لم يكن له مالٌ فبذل شريكه أن يبنيه ويرجع عليه ، أذن له الحاكم.
وكذا إن بذل غيره إقراضه.
فإذا بناه بإذن الحاكم ، استحقّ ما أنفقه على شريكه عنده(٤) ، وكان
____________________
= الوسيط ٤ : ٥٨ ، حلية العلماء ٥ : ١٩ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ١٥٦ - ١٥٧ ، البيان ٦ : ٢٤٨ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٠٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥٠ ، التفريع ٢ : ٢٩٤ ، التلقين : ٤٣٣ ، عيون المجالس ٤ : ١٦٥٦ / ١١٧٠ ، المغني ٥ : ٤٨ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٧ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ١ : ٣١٩ ، روضة القُضاة ٢ : ٧٧٣ / ٥٢١٠.
(١) لم نعثر عليهما في مظانّه.
(٢) في ص ٦٧ ، المسألة ١٠٧٢.
(٣) راجع الهامش (٢) من ص ٦٨.
(٤) البيان ٦ : ٢٤٦ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١١٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥١.
الحائط بينهما يعيد كلّ واحدٍ منهما رسومه عليه.
ولو بناه بغير إذن شريكه في الإنفاق ولا إذن الحاكم عند امتناع شريكه ، كان متطوّعاً ، ولا يرجع به على شريكه.
ثمّ يُنظر فإن بناه وأعاد الحائط بالآلة المشتركة القديمة ، فالجدار بينهما كما كان ؛ لأنّ المُنفق إنّما أنفق على التأليف ، وذلك أثر لا عين يملكها ويختصّ بها.
ولو أراد الباني نقضه ، لم يكن له ذلك ؛ لأنّه ملكهما ، فليس له التصرّف بما فيه ضرر عليهما. وكون التأليف منه لا يقتضي جواز نقضه.
وكذا لو بنى صاحب السُّفْل جدران السُّفْل بإنقاضه القديمة ، فهو لصاحب السُّفْل كما كان ، وليس لصاحب العلوّ نقضه ولا منعه من الانتفاع بملكه.
وإن بناه بآلةٍ من عنده مستجدّة ، فالحائط له ينفرد بملكه ، وله أن يمنع شريكه من وضع خشبه عليه ، ويُمكَّن من نقضه ؛ لأنّه ملكه خاصّةً ، فله التبقية والإزالة ، وبه قال الشافعي وأحمد(١) .
ويشكل فيما إذا كانت العرصة مشتركةً.
ولو قال الشريك : أنا أدفع إليك نصف النفقة ولا تنقض ، فعلى القديم للشافعي : لا يجوز له النقض ، ويجب عليه القبول ؛ لأنّ لأحد الشريكين إجبارَ الآخَر على البناء ، فلأن يُجبره على الاستدامة أولى ، فإن لم يبذل دَفْعَ قيمة نصف البناء كان للباني نقضُه(٢) .
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٤٣ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ١٥٧ ، البيان ٦ : ٢٤٦ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١١٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥١ ، المغني ٥ : ٤٧ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٥.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١١٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥١.
وعلى الجديد لو أراد الشريك الطالب للعمارة الانفرادَ بها ، فإن أراد عمارة الجدران بالنقض المشترك أو أراد صاحب العلوّ إعادة السُّفْل بنقض صاحب السُّفْل أو بآلةٍ مشتركة بينهما ، فللآخَر منعه منها.
وإن أراد بناءه بآلةٍ من عنده ، فله ذلك ، وجاز أن يبني على عرصةٍ مشتركة بينه وبين غيره بغير إذنه ليصل إلى حقّه من الحمل عليه والرسم ، كما لو سقطت جذوعه الموضوعة على الجدار المشترك ، ينفرد بإعادتها(١) .
ثمّ إن أعاده بآلته ، كان لشريكه وضعُ خشبه عليه ؛ لأنّه ملكٌ لهما ، فكان له ردّ رسومه عليه.
وإن بناه بآلةٍ من عنده مختصّة به ، انفرد بملكه ، وكان له أن يمنع الذي كان لشريكه من وضع رسومه ، وكان المعاد ملكاً للباني يضع عليه ما شاء ، وينقضه إذا شاء.
ولو قال الشريك : لا تنقض لأغرم لك نصف القيمة ، أو قال صاحب السُّفْل : لا تنقض لأغرم لك القيمة ، لم تلزمه إجابته على هذا القول - وهو عدم الإجبار على البناء - فلا يُجبره على التبقية ، كابتداء العمارة.
ولو طالَبه شريكه بنقضه ، لم يكن له ذلك ، إلّا أن يكون له رسم خشبٍ عليه ، فيقول : إمّا أن تأخذ منّي نصف قيمته وتمكّنني من وضع خُشُبي عليه ، أو تقلع حائطك لنبنيه جميعاً ، كان له ذلك ؛ لأنّه لا يجوز للباني إبطال رسومه ببنائه.
ولو قال صاحب السُّفْل : انقض ما أعدتَه لأبنيه بآلة نفسي ، فإن كان قد طالَبه بالبناء [ فلم يُجب ](٢) لم يُجب الآن إلى ما يقوله ، وإن لم يطالبه
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١١٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥١.
(٢) ما بين المعقوفين أضفناه من العزيز شرح الوجيز ٥ : ١١٠ ، وكما هو المستفاد من روضة الطالبين ٣ : ٤٥١.
وقد بنى علوّه عليه فكذلك لا يُجاب.
وهل له أن يتملّك السُّفْل بالقيمة؟ قال بعض الشافعيّة : نعم(١) . وليس بجيّدٍ.
وإن لم يَبْن عليه صاحب العلوّ بَعْدُ ، أُجيب صاحب السُّفْل.
ومهما بنى الباني بآلة نفسه ، فله منع صاحبه من الانتفاع بالمعاد بفتح كوّةٍ وغرز وَتَدٍ ووضع خشبةٍ وغير ذلك ، وليس له منع صاحب السُّفْل من السكون ؛ فإنّ العرصة ملكه.
وقال بعض الشافعيّة : له المنع من السكون أيضاً(٢) . وهو غلط.
ولو أنفق أحد الشريكين على البئر والنهر ، لم يكن له منع الشريك من [ سقي ](٣) الزرع والانتفاع بالماء ، وله منعه من الانتفاع بالدولاب والبكرة المحدثين.
ولو كان للممتنع على الجدار الذي انهدم جذوع فأراد إعادتها بعد ما بناه الطالب بآلة نفسه ، كان على الباني تمكينه ، أو نقض ما أعاده ليبني معه الممتنع ويعيد جذوعه.
مسألة ١٠٧٨ : لو كان بينهما دولاب أو ناعورة ، كان حكمهما حكمَ الحائط على ما ذكرناه.
ولو كان بينهما بئر أو نهر ، فإن قلنا : ليس لأحدهما إجبار الآخَر على الإنفاق ، كان لكلّ واحدٍ منهما أن يُنفق على ذلك ، فإن أنفق أحدهما عليه ،
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١١٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥١.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١١١ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥٢.
(٣) ما بين المعقوفين أضفناه من « العزيز شرح الوجيز » و « روضة الطالبين ». راجع الهامش السابق.
لم يكن له أن يمنع الآخَر من نصيبه من الماء ؛ لأنّ الماء ينبع من ملكهما المشترك بينهما ، وإنّما أثر أحدهما نقل الطين عنه ، وليس له فيه عين ملكٍ ، بخلاف الحائط إذا بناه بغير آلته.
وإن قلنا : يُجبر الممتنع منهما - كما هو قول الشافعي في القديم(١) - أجبره الحاكم. فإن امتنع وله مالٌ ظاهر ، أنفق منه ، وإن لم يكن له ، أذن لشريكه ، ويُنفق عليه ، ويرجع بقدر نصيب شريكه عليه. فإن أنفق شريكه بغير إذنه ولا إذن الحاكم ، كان متبرّعاً لا يرجع عليه قولاً واحداً ، وليس له منعه من حقّه من الماء على ما تقدّم.
وقد عرفت مذهبنا فيه ، وأنّ الشريك ليس له الإجبار على الإنفاق.
مسألة ١٠٧٩ : قد ظهر بما مرّ : إنّ الجدار المشترك بين اثنين لو انفرد أحدهما بإعادته بالنقض المشترك فإنّه يعود مشتركاً كما كان ، فلو عمراه معاً وأعاداه بالنقض المشترك بينهما ، كان الاشتراك بينهما أولى.
إذا عرفت هذا ، فلو شرطا مع التعاون على الإعادة والشركة في بنائه زيادةً لأحدهما ، قالت الشافعيّة : لا يجوز ؛ لأنّه شرط عوضٍ من غير معوّضٍ ، فإنّهما متساويان في العمل وفي الجدار والعرصة والأنقاض(٢) .
والأقوى عندي : الجواز ؛ عملاً بالشرط ، وقد قالعليهالسلام : « المؤمنون عند شروطهم »(٣) وبه قال بعض الشافعيّة(٤) .
وكذا لو باع أحد الشريكين في دارٍ أو متاعٍ نصفَه من المشترك بثلث
____________________
(١) راجع الهامش (١) من ص ٧١.
(٢) البيان ٦ : ٢٤٨ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١١١ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥٢.
(٣) التهذيب ٧ : ٣٧١ / ١٥٠٣ ، الاستبصار ٣ : ٢٣٢ / ٨٣٥ ، الجامع لأحكام القرآن ٦ : ٣٣.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١١١ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥٢.
المشترك من نصف صاحبه ، صحّ ، ويصير المشترك بينهما أثلاثاً بعد أن كان نصفين ، فلو باع أحدهما نصفَه المشاع بنصف صاحبه ، فالأقوى : الجواز.
ولم يقدّر الشافعيّة ذلك بيعاً ، ولا تترتّب عليه أحكام البيع عندهم(١) .
والأقرب : ما قدّمناه من صحّة بيع أحدهما نصفَه بالثلث من نصف الآخَر وبنصفه.
وبعض الشافعيّة جوَّز البيعَ هنا ، ومَنَع من صحّة الشرط في البناء ؛ لأنّ الموجود في البناء هو البناء بشرط الزيادة لأحدهما ، ومجرّد الشرط والرضا بالتفاوت لا يغيّر كيفيّة الشركة القديمة ، إلّا أنّ البناء بالإذن والشرط قائم مقام البيع(٢) .
أمّا لو انفرد أحد الشريكين بالبناء بالنقض المشترك بإذن صاحبه بشرط أن يكون له الثلثان ، جاز ، ويكون السدس الزائد له في مقابلة عمله في نصيب الآخَر.
وقال بعض الشافعيّة : هذا إنّما يتصوّر لو شرط سدس النقض له في الحال لتكون الأُجرة عتيدةً(٣) ، فأمّا إذا شرط السدس الزائد له بعد البناء ، لم يصح ؛ فإنّ الأعيان لا تؤجَّل(٤) .
قيل عليه : التصوير وإن وقع فيما ذكره لكن وجب أن يكون الحكم فيه كالحكم فيما إذا شرط للمُرضع جزءاً من الرقيق المرتضع في الحال ولقاطف الثمار جزءاً من الثمار المقطوفة في الحال ؛ لأنّ عمله يقع على ما
____________________
(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١١١.
(٣) أي : حاضرة : لسان العرب ٣ : ٢٧٩ « عتد ».
(٤) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١١١ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥٢.
هو مشترك بينه وبين غيره. وسيأتي(١) .
ولو بناه أحدهما بآلة نفسه بإذن الآخَر بشرط أن يكون ثلثا الجدار له ، فقد قابل ثلث الآلة المملوكة وعمله بسدس العرصة المبنيّ عليها.
وفي صحّة هذه المعاملة للشافعيّة قولان ؛ لأنّه قد جمع فيها بين أمرين مختلفي الحكم ، وهُما البيع والإجارة(٢) .
وهذا عندنا صحيح ، والجمع بين الأُمور المختلفة الأحكام جائز عندنا.
ويشترط في صحّة ذلك العلمُ بالآلات وبصفات الجدار.
مسألة ١٠٨٠ : لو كان لشخصين مِلْكان متجاوران ولا حائط - يحجز بينهما - قديم ، فطلب أحدهما من الآخَر المساعدة على بناء حائطٍ يحجز بينهما ، فامتنع الآخَر ، لم يُجبر على مساعدته ، وبه قال أحمد روايةً واحدة(٣) .
ولو أراد البناء وحده ، لم يكن له البناء إلّا في ملكه خاصّة ؛ لأنّه لا يملك التصرّف في ملك جاره المختصّ ولا في الملك المشترك ، فإن بناه في ملك جاره أو بعضه في ملكه وبعضه في ملك جاره ، كان للجار هدمه ؛ لأنّه وضع بغير حقٍّ ، ولا نعلم فيه خلافاً.
مسألة ١٠٨١ : لو كان له حقّ إجراء الماء في ملك الغير أو على سطحه فانهدم ذلك الملك ، لم يجب على مستحقّ الإجراء مشاركته في العمارة ؛ لأنّ العمارة تتعلّق بتلك الأعيان وهي لمالكها ، وليس لمستحقّ الإجراء فيها
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١١١.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١١٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥٢.
(٣) المغني ٥ : ٤٨ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٦ - ٤٧.
شركة ، ولا يجب أيضاً على صاحب الملك العمارةُ لو طلبها صاحب الإجراء.
ولو كان الانهدام بسبب الماء ، فكذلك على الأقوى.
وليس على صاحب الإجراء عمارةٌ أيضاً ؛ لأنّه ليس بملكٍ والانهدامُ حصل بسببٍ مستحقٍّ ، وهو أقوى وجهي الشافعيّة(١) .
ولو حصل تفريط من أحد الشريكين أو من أحد المستحقّين في ذلك كلّه ، كان عليه الضمان.
مسألة ١٠٨٢ : السقف الحائل بين العلوّ والسُّفْل المختلفي المالكين قد يكون مشتركاً بين المالكين ، وتارةً يكون خالصاً لأحدهما ، كما تقدّم في الجدار بين الدارين لمالكين ، لكن حكم القسمين في الانتفاع يخالف حكمهما في الجدار ؛ فإنّه يجوز لصاحب العلوّ الجلوسُ ووضع الأثقال عليه على الاعتياد ، ولصاحب السُّفْل الاستظلالُ والاستكنان به ؛ لأنّا لو لم نُجوّز له ذلك لعَظُم الضرر وتعطّلت المنافع.
والأقرب : إنّه ليس لصاحب السُّفْل تعليقُ الأمتعة فيه ، سواء كان لها ثِقْلٌ يتأثّر به السقف أو لا ، كالثوب ونحوه.
وللشافعيّة قولان فيما ليس له ثقل :
أحدهما : إنّه غير جائزٍ ؛ إذ لا ضرورة فيه ، بخلاف الاستظلال.
والثاني : الجواز ؛ بناءً على الاعتياد تسويةً بين صاحب العلوّ وصاحب
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١١٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥٢.
السُّفْل في تجويز تثقيل السقف.
فعلى هذا فلهم وجهان :
أحدهما : إنّ التعليق الجائز هو الذي لا يحتاج إلى إثبات وتدٍ في السقف.
وأظهرهما : إنّه لا فرق.
فإن قلنا : ليس له إثبات الوتد والتعليق فيه ، فليس لصاحب العلوّ غرز الوتد في الوجه الذي يليه ؛ إذ لا ضرورة إليه.
وإن جوّزنا ذلك لصاحب السُّفْل ، ففي جوازه لصاحب العلوّ وجهان ؛ لندور الحاجة إليه ، بخلاف التعليق(١) .
وأمّا ما لا ثقل له يتأثّر به السقف فعند الشافعيّة قولاً واحداً أنّه لا منع منه(٢) .
مسألة ١٠٨٣ : تصوير اشتراك السقف سهل ، وأمّا خلوصه لأحدهما :
فأمّا لصاحب العلوّ فبأن يبيعه صاحب السُّفْل السقفَ والغرفةَ عندنا ، أو يكون لصاحب السُّفْل جداران متقابلان فيأذن لغيره في وضع الجذوع عليهما والبناء على تلك الجذوع بعوضٍ أو بغير عوضٍ عندنا وعند الشافعي(٣) .
وأمّا لصاحب السُّفْل فبأن يبيعه جدران الغرفة دون سقفها ، عندنا ، أو يأذن لغيره في البناء على سقف ملكه فيبني عليه ، عندنا وعند الشافعي(٤) .
فإذا أذن المالك لغيره في البناء على ملكه بغير عوضٍ ، كان عاريةً.
وإن كان بعوضٍ ، فهو إمّا إجارة بأن يُكري أرضه أو رأس جداره أو
____________________
(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١١٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥٣.
(٣ و ٤) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١١٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥٣.
سقفه مدّةً معلومة بأُجرةٍ معيّنة ، وهو جائز ، وبه قال الشافعي(١) ، وسبيل ذلك سبيل سائر الإجارات ، وإمّا بيعٌ بأن يأذن له فيه بصيغة البيع ويبيّن الثمن ، وهو صحيح عندنا وعند الشافعي(٢) ؛ للأصل ، ولعموم قوله تعالى :( وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ ) (٣) .
وقال أبو حنيفة : لا يجوز. وبه قال المزني(٤) .
وطريق ذلك أن يبيعه سطحَ البيت للبناء عليه أو علوَّه بثمنٍ معيّن.
وليس له أن يبيع حقَّ البناء على ملكه - خلافاً لبعض الشافعيّة(٥) - لأنّ البيع إنّما يتناول الأعيان ، وحقّ البناء ليس منها.
قال بعض الشافعيّة : بيع سطح البيت أو علوّه للبناء بثمنٍ معلوم هو بعينه بيع حقّ البناء على ملكه ، فإنّ المراد منهما شيء واحد وإن كان ظاهر اللفظ مشعراً بالمغايرة ؛ لأنّ بيع العلوّ للبناء إمّا أن يراد به جملة السقف ، أو الطبقة العليا منها ، وعلى التقديرين فهو بيع جزءٍ معيّن من البناء أو السقف.
وأيضاً فإنّهم صوّروا فيما إذا اشتراه ليبني عليه ، ومَن اشترى شيئاً انتفع به بحسب الإمكان ، ولم يحتج إلى التعرّض للانتفاع به.
وأيضاً ما حقيقة هذا العقد؟ إن كان بيعاً فليفد ملك عينٍ ، كسائر البيوع ، وإن كان إجارةً فليشترط التأقيت ، كسائر الإجارات.
واختلفت الشافعيّة فيه.
فقال بعضهم : يملك المشتري به مواضع رءوس الجذوع. وهو مشكل عند الباقين.
____________________
(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١١٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥٣.
(٣) البقرة : ٢٧٥.
(٤ و ٥) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١١٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥٣.
والأصحّ عندهم : إنّه لا تُملك به عينٌ ، وحينئذٍ فوجهان :
أحدهما : إنّه إجارة ، وإنّما لم يشترط تقدير المدّة ؛ لأنّ العقد الوارد على المنفعة يتبع فيها الحاجة ، فإذا اقتضت الحاجة التأبيد ، أُبّد على خلاف سائر الإجارات ، وأُلحق بالنكاح.
وأظهرهما : إنّه ليس بإجارةٍ محضة ، بل فيه شائبة الإجارة ، وهي أنّ المستحقّ به منفعة ، وشائبةُ البيع ، وهي أنّ الاستحقاق فيه على التأبيد ، وكأنّ الشرع نظر إلى أنّ الحاجة تمسّ إلى ثبوت الاستحقاق المؤبَّد في مرافق الأملاك وحقوقها ، كما تمسّ إلى ثبوت الاستحقاق المؤبَّد في الأعيان ، فجوّز هذا العقدَ ، وأثبت فيه شبهاً من البيع وشبهاً من الإجارة.
وإذا قلنا : إنّه لا تُملك به عينٌ ، فلو عقد بلفظ الإجارة ولم يتعرّض للمدّة ، فوجهان عندهم ، أشبههما : إنّه ينعقد أيضاً ؛ لأنّه يخالف البيع في قضيّةٍ كما يخالف الإجارة في قضيّةٍ أُخرى(١) .
وهذا كلّه عندنا ليس بشيءٍ ، بل الواجب إن أراد نقل السقف أن يبيعه إيّاه ، أو يؤجره ويعيّن المدّة.
مسألة ١٠٨٤ : إذا جرت هذه المعاملة على ما اخترناه نحن ، أو على ما اختاره الشافعيّة وبنى المشتري ، لم يكن للبائع أن يكلّفه النقض ليغرم له أرش النقصان.
ولو انهدم الجدار أو السقف بعد بناء المشتري عليه فأعاده مالكه ، فللمشتري إعادة البناء بتلك الآلات أو بمثلها.
ولو انهدم قبل البناء ، فللمشتري البناء إذا أعاده.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١١٤ - ١١٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥٣.
وهل يُجبر على إعادته؟ فيه خلافٌ تقدّم(١) .
ولو هدم صاحب السُّفْل أو غيره السُّفْلَ قبل بناء المشتري ، فعلى الهادم قيمة حقّ البناء ؛ لأنّه حالَ بينه وبين حقّه بالهدم ، فإذا أعاد مالك السُّفْلِ السُّفْلَ ، استرجع الهادم القيمةَ ؛ لارتفاع الحيلولة ، ولا يغرم أُجرة البناء لمدّة الحيلولة.
ولو كان الهدم بعد البناء ، فعلى قول مَنْ يوجب إعادة المهدوم يكون عليه إعادة السُّفْل والعلوّ ، وعلى قول مَنْ يوجب الأرش يكون عليه أرش نقص الآلات ، وقيمة حقّ البناء ؛ للحيلولة.
ولا تنفسخ هذه المعاملة بما يعرض من هَدْمٍ وانهدامٍ ؛ لأنّها ملتحقة بالبيوع.
مسألة ١٠٨٥ : إذا جرى الإذن في البناء بعوضٍ ، وجب معرفة قدر الموضع المبنيّ عليه طولاً وعرضاً.
وكذا إن كان بغير عوضٍ عند الشافعيّة(٢) .
وعندي فيه إشكال ؛ لأنّ ذلك عارية ، فلا يجب فيها ما شُرط في البيوع.
ولو كان البناء على الجدار أو السطح ، وجب مع ذلك بيان سمْك البناء وطوله وعرضه ، وكون الجدران منضّدةً أو خالية الأجواف ، وكيفيّة السقف المحمول عليها ؛ لاختلاف الأغراض في ذلك كلّه ، واختلاف حمل الجدران ، فإنّ الجدار لا يحمل كلّ شيءٍ ، وكذا السقف ، فوجب البيان.
وقال بعض الشافعيّة : إذا أطلق ذكر البناء كفى ، وحُمل الإطلاق على
____________________
(١) في ص ٦٧ ، المسألة ١٠٧٢.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١١٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥٤.
العادة ، فما يحتمله المبنيّ عليه في العادة انصرف الإطلاق إليه ، وما لا فلا(١) .
وهل يشترط التعرّض لوزن ما يبنيه عليه؟ إشكال ينشأ من أنّ الإعلام في كلّ شيءٍ على ما يليق به ويعتاد فيه من اختلاف المبنيّ بالثقل والخفّة اختلافاً يختلف بسببه الأغراض وحمل الجدران والسقوف.
والأقرب في الخشب ذلك ، دون الآجر واللبن ؛ للعادة.
ولو كانت الآلات حاضرةً ، استغنى بمشاهدتها عن كلّ وصفٍ وتعريفٍ.
ولو كان الإذن في البناء على أرضه ، لم يجب ذكر سمْك البناء وكيفيّته ؛ لأنّ الأرض تحتمل كلّ شيءٍ.
وبعضُ الشافعيّة شَرَطه ؛ لأنّ الإذن إن كان على وجه الإعارة أو الإجارة فإنّ عند الرجوع عن الإعارة أو انقضاء مدّة الإجارة تطول مدّة التفريغ وتقصر بحسب كثرة النقض وقلّته ، ويختلف الغرض بذلك(٢) .
وليس بشيءٍ.
مسألة ١٠٨٦ : لو ادّعى بيتاً في يد غيره فصالحه عليه - إمّا مع إقراره ، عند الشافعي(٣) ، أو مطلقاً عندنا - على أن يبني الـمُقرّ أو المنكر على سطحه ، جاز ، ولم يكن ذلك فرعَ العارية ، خلافاً للشافعيّة ، وعندهم أنّه يكون قد أعاره الـمُقرّ له سطح بيته للبناء(٤) .
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١١٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥٤.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١١٥ - ١١٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥٤.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١١٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥٤ ، وراجع : الهامش (١) من ص ٢٦.
(٤) بحر المذهب ٨ : ٤٤ ، البيان ٦ : ٢٤٩ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١١٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥٤.
فلو كان التنازع في سفله والعلوّ للمدّعى عليه فأقرّ للمدّعي بما ادّعاه فتصالحا على أن يبني المدّعي على السطح ويكون السُّفْل للمدّعى عليه جاز ، وكان عند الشافعي بيعَ السُّفْل بحقّ البناء على العلوّ(١) .
مسألة ١٠٨٧ : لا يجب على الجار إجراء ماء المطر من سطح جاره على سطحه ولا إجراء الماء في أرضه عند علمائنا ؛ لأصالة البراءة ، ولتخصيص المالك التامّ ملكه بالانتفاع بملكه ، وهو قول أكثر الشافعيّة ، والجديد للشافعي.
وفي القديم له قول : إنّه يُجبر صاحب السطح والأرض على إجراء الماء من سطح الجار على سطحه وأرضه(٢) .
والحقّ خلافه.
ولو أذن له فيه جاز.
ولو باعه الإجراء لم يصح.
ولو آجره السطح للإجراء أو باعه إيّاه صحّ ، لكن إذا باعه السطح مَلَكه ملكاً مطلقاً يتصرّف فيه كيف شاء بما لا يتضرّر به.
وإن أعاره أو آجره ، جاز.
ويشترط بيان معرفة الموضع الذي يجري عليه الماء في الإعارة والإجارة والبيع ، والسطوح التي ينحدر منها الماء إليه في الإعارة والإجارة خاصّةً ، ولا يضرّ الجهل بقدر ماء المطر في ذلك كلّه ؛ إذ لا يمكن معرفته وضبطه ، وهذا عقدٌ جُوّز للحاجة.
____________________
(١) بحر المذهب ٨ : ٤٤ ، البيان ٦ : ٢٤٩ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١١٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥٤.
(٢) البيان ٦ : ٢٣٦ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١١٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥٤.
ولو صالحه على إجراء مائه على سطحه جاز ، ولم يكن هذا الصلح فرعَ غيره عندنا ، خلافاً للشافعي(١) .
ويشترط العلم بالسطح الذي يجري ماؤه ؛ لاختلاف الماء قلّةً وكثرةً باختلاف السطوح كبراً وصغراً.
وعند الشافعي أنّ هذا يكون فرعَ الإجارة ، ومع ذلك لا يحتاج إلى ذكر المدّة(٢) .
وإذا أذن له في إجراء الماء على سطحه ثمّ بنى على سطحه بما يمنع الماء من الجريان عليه ، فإن كان عاريةً كان ما فَعَله رجوعاً فيها ، وإن كان بيعاً أو إجارةً كان للمشتري أو المستأجر نقب البناء وإجراء الماء فيه.
مسألة ١٠٨٨ : لو ادّعى عليه مالاً فصالحه منه على مسيل ماءٍ في أرضه ، جاز إذا بيّنا موضعه وعيّناه وعرفا عرضه وطوله.
ولا يحتاجان إلى أن يُبيّنا عمقه إن كان قد عقد بلفظ البيع لذلك الموضع ؛ لأنّ مَنْ مَلَك الموضع كان له النزول فيه إلى تخومه ، وهو أحد وجهي الشافعيّة. والثاني : يجب بيانه ؛ بناءً على أنّ المشتري يملك موضع الجريان ، أو لا يملك إلّا حقّ الإجراء(٣) .
والحقّ : التفصيل ، فإن باعه مسيل الماء أو مكان إجراء الماء مَلَك موضع الجريان ، وإن باع حقّ مسيل الماء بطل عندنا إن كان بلفظ البيع ، وصحّ إن كان بلفظ الصلح.
ويصحّ عند الشافعيّة على الوجهين ؛ لأنّه كبيع حقّ البناء(٤) .
____________________
(١ و ٢) البيان ٦ : ٢٣٧.
(٣) التهذيب - للبغوي - ٤ : ١٥٤ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١١٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥٥.
(٤) التهذيب - للبغوي - ٤ : ١٥٤ - ١٥٥ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١١٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥٥.
وكذا إن عقد بلفظ الصلح على تلك الأرض ، أمّا لو كان على إجراء الماء فإنّ الأرض باقية لمالكها ، وافتقر حينئذٍ إلى تعيين العمق وتقدير المدّة.
وإذا صالحه على أن يجري الماء في ساقيةٍ في أرض الـمُصالَح ، صحّ ولم يكن إجارةً.
وعند الشافعي أنّه يكون إجارةً(١) ، قال في الأُمّ : ويجب تقدير المدّة(٢) . وهو جيّد على مذهبنا.
وإنّما يصحّ إذا كانت الساقية محفورةً ، وإن لم تكن محفورةً لم يجز ؛ لأنّ المستأجر لا يتمكّن من إجراء الماء إلّا بالحفر ، والمستأجر لا يملك الحفر في ملك غيره ، ولأنّه إجارة لساقيةٍ غير موجودةٍ ، قاله بعض الشافعيّة(٣) .
وفيه نظر ؛ إذ التصرّف في مال الغير بإذنه جائز ، ولـمّا صالحه على الإجراء فقد أذن له فيه ، فيستلزم الإذن فيما هو من ضروراته ، والإجارة وقعت على إجراء الماء ، مع أنّا نمنع كونه إجارةً.
ولو حفر الساقية وصالحه ، جاز قطعاً.
ولو كانت الأرض في يد المدّعى عليه بإجارةٍ ، جاز أن يصالحه على إجراء الماء في ساقيةٍ فيها محفورةٍ مدّةً معلومةً لا تجاوز مدّة إجارته.
وإن لم تكن الساقية محفورةً ، لم يجز أن يصالحه على ذلك ؛ لأنّه
____________________
(١) بحر المذهب ٨ : ٤٩ ، البيان ٦ : ٢٣٧ ، المغني ٥ : ٢٩ ، الشرح الكبير ٥ : ٢٠.
(٢) الأُمّ ٣ : ٢٢٧ ، وعنه أيضاً في بحر المذهب ٨ : ٤٩ - ٥٠ ، والبيان ٦ : ٢٣٧.
(٣) بحر المذهب ٨ : ٥٠ ، البيان ٦ : ٢٣٧.
لا يجوز له إحداث ساقيةٍ في أرضٍ في يده بإجارةٍ.
ولو كانت الأرض وقفاً عليه ، جاز أن يصالح على إجراء الماء في ساقيةٍ محفورةٍ مدّةً معلومةً.
وإن أراد أن يحفر ساقيةً ، فالأقرب : الجواز.
ومَنَعه بعض الشافعيّة ؛ لأنّه لا يملكها ، وإنّما له أن يستوفي منفعتها ، كالأرض المستأجرة(١) .
والأولى أنّه يجوز له حفر الساقية ؛ لأنّ الأرض له ، وله التصرّف فيها كيف شاء ما لم ينتقل الملك فيها إلى غيره ، بخلاف المستأجر ، فإنّه إنّما يتصرّف فيها بالإذن له فيه.
فإن مات الموقوف عليه في أثناء المدّة ، فهل لمن انتقل إليه الفسخُ فيما بقي من المدّة؟ مبنيّ على ما إذا آجره مدّةً فمات في الأثناء.
ولو صالحه على أن يسقي أرضه من نهره أو عينه ، جاز مع التعيين.
ومَنَعه الشافعي ؛ لأنّ المعقود عليه هو الماء ، وهو مجهول(٢) .
وليس بجيّدٍ ؛ لانضباطه بالوقت.
ولو صالحه على سهمٍ من العين أو النهر - كالثلث أو الربع أو غير ذلك - وبيّنه ، جاز ، ولا يكون بيعاً وإن أفاد فائدته ، خلافاً للشافعي(٣) .
فروع :
أ - ليس لمستحقّ إجراء الماء بإجارةٍ أو صلحٍ أو بيعٍ الدخولُ إلى أرض الغير الذي تجري فيه الساقية وإن مَلَك الساقية ، إلّا أن يأذن له المالك ؛ لأنّه يستلزم التصرّف في مال الغير ، وهو قبيح عقلاً ، إلّا أن يريد
____________________
(١) البيان ٦ : ٢٣٧.
(٢) الأُمّ ٣ : ٢٢٧ ، البيان ٦ : ٢٣٨.
(٣) الأُمّ ٣ : ٢٢١ و ٢٢٧ ، التنبيه : ١٠٣ ، الوسيط ٤ : ٤٩ ، البيان ٦ : ٢٣٨.
تنقية النهر أو الساقية ، فإنّه يجوز ؛ لموضع الضرورة.
ب - إذا نقّى النهرَ أو الساقيةَ ، وجب عليه أن يُخرج ما يخرج من النهر أو الساقية عن أرض المالك.
ج - المأذون له في إجراء ماء المطر على سطح الآذن أو أرضه أو ساقيته ليس له إلقاء الثلج ، ولا أن يترك الثلج حتى يذوب فيسيل إليه ، ولا أن يجري فيه ما يغسل به ثيابه وأوانيه ، بل لو صالح على ترك الثلوج على السطح أو إجراء الغسالات على مالٍ ، فالأقرب عندي : الجواز.
ومَنَع منه بعضُ الشافعيّة ؛ لأنّ الحاجة لا تدعو إلى مثله(١) .
وهو ممنوع.
د - المأذون له في إلقاء الثلج ليس له إجراء الماء ؛ لتغاير المنفعتين ، ولا يلزم من المصالحة على إحدى المنفعتين المصالحة على الأُخرى ، ولأنّه لا يجوز العكس فكذا هنا.
ه - تجوز المصالحة على قضاء [ الحاجة ](٢) في حُشّ الغير على مالٍ ، وكذا على جمع الزبل والقمامة في ملكه ، ولا يكون ذلك إجارةً - خلافاً للشافعيّة - بل هو عقد مستقلّ برأسه.
وعندهم أنّه إجارة ، فيراعى فيه شرائطها(٣) .
و - تجوز المصالحة على البيتوتة على سطح الجار.
ثمّ لو باع مستحقّ البيتوتة منزله ، فليس للمشتري أن يبيت عليه ، بخلاف ما لو باع مستحقّ إجراء الماء على سطح الغير مدّةً دارَه ، فإنّ المشتري يستحقّ الإجراء بقيّة المدّة ؛ لأنّ إجراء الماء من مرافق الدار ، دون
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١١٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥٥.
(٢) ما بين المعقوفين أضفناه من العزيز شرح الوجيز ٥ : ١١٦ ، وروضة الطالبين ٣ : ٤٥٥.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١١٦ - ١١٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥٥.
البيتوتة.
ز - لا يجب على مستحقّ إجراء الماء في ملك غيره مشاركة المالك في عمارة سقف المجرى
وإن خرب من الماء ، ولا على المالك إصلاح القناة لو خرب بغير سببه.
ح - لو استحقّ وضع خُشُبه على حائط الغير فسقطت أو وقع الحائط ، استحقّ بعد عوده الوضع ، بخلاف الإعارة.
ولو خِيف على الحائط السقوطُ ، فالأقوى : تحريم الإبقاء ؛ لما فيه من الضرر العظيم.
ط - لو وجد بناءه أو خُشُبه أو مجرى مائه في ملك غيره أو سطحه ولم يعلم السبب ، احتُمل تقديم قول مالك الأرض والحائط في عدم الاستحقاق.
وقال بعض العامّة : يُقدَّم قول صاحب البناء والخشبة والمسيل ؛ لأنّ الظاهر أنّه حقٌّ له ، فجرى مجرى اليد الثابتة. ولو اختلفا في ذلك هل هو بحقٍّ أو عدوان؟ فالقول قول صاحب البناء والخشبة والمسيل ؛ لأنّ الظاهر معه ، ولو زال الحائط أو السطح ثمّ عاد فله إعادته ؛ لأنّ الظاهر أنّ هذا الوضع بحقٍّ من صلحٍ أو غيره(١) .
وفيه نظر.
ي - لا يجوز بيع حقّ الهواء ولا مسيل الماء ولا الاستطراق ، خلافاً للشافعيّة في الأخيرين(٢) .
وفرّق بعضهم بين بيع حقّ الهواء وحقّ البناء بأنّ بيع حقّ الهواء اعتياض عن مجرّد الهواء ، وحقّ البناء يتعلّق بعين الموضع المبنيّ عليه ،
____________________
(١) المغني ٥ : ٤١ ، الشرح الكبير ٥ : ٤١ - ٤٢.
(٢) الوجيز ١ : ١٨٠.
حتى لو صالحه عن وضع الجذوع المشرعة على جداره يصحّ ، ولهذا تجوز إجارة الملك للبناء إجماعاً ، ولا تجوز إجارة الهواء ، وكلّ حقٍّ يتعلّق بعينٍ - كمجرى الماء والممرّ - فهو كحقّ البناء.
وبالجملة ، الحقوق المتعلّقة بالأعيان لـمّا كانت عندهم مقصورةً على التأبيد ، أُلحقت بالأعيان حتى استغنى العقد الوارد عليها عن التأقيت(١) .
وهو عندنا باطل.
مسألة ١٠٨٩ : لو خرجت أغصان شجرة الجار إلى هواء داره المختصّة به أو المشتركة بينهما ، أو على هواء جدارٍ له أو بينهما ، أو على بناءٍ أو على نفس الجدار ، كان له المطالبة بإزالة الأغصان عن هواء الدار.
فإن لم يفعل مالك الشجرة من الإزالة لم يُجبر ؛ لأنّه من غير فعله ، فلم يُجبر على إزالته ، كما إذا لم يكن ملكاً له ، وإن تلف بها شيء لم يضمنه ؛ لذلك.
ويحتمل إلزامه ، كما إذا مالَ حائطه.
وعلى التقديرين إذا امتنع فله تحويلها عن ملكه ، فإن لم يمكن عطفها عنه كان له قطعها.
ولا يحتاج فيه إلى إذن القاضي ؛ لأنّه عدوان عليه ، فكان له إزالته عنه وإن لم يأذن القاضي ، وهو أقوى وجهي الشافعيّة(٢) .
فإن صالحه مالك الشجرة على الإبقاء على الجدار بعوضٍ ، صحّ مع تقدير الزيادة أو انتهائها وتعيين المدّة.
وكذا له أن يصالحه على الإبقاء في الهواء ، عندنا.
خلافاً للشافعيّة ؛ فإنّهم قالوا : إن صالحه على الإبقاء من غير أن يستند
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١١٧.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١١٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥٦.
الغصن إلى شيءٍ لم يجز ؛ لأنّه اعتياض عن مجرّد الهواء ، وإن استند إلى جدارٍ فإن كان بعد الجفاف جاز ، وإن كان رطباً لم يجز ؛ لأنّه يزيد ولا يعرف قدر ثقله وضرره(١) .
وجوّزه بعضهم ؛ لأنّ ما ينمو يكون تابعاً(٢) .
أ : لو سرت عروق الشجرة إلى أرض الجار ، كان حكمها حكم سريان الأغصان من جواز عطفها ، فإن تعذّر قَطَعها ؛ لأنّه ليس له التصرّف في ملك غيره إلّا بإذنه ، ولأنّه عِرْق ظالمٍ فله الإزالة ؛ لقولهعليهالسلام : « ليس لعِرْق ظالمٍ حقٌّ »(٣) .
ب : لو مالَ جداره إلى هواء الجار ، كان له الإزالة ، كالأغصان والعروق ؛ لأنّه شَغَل ملك الغير ومَنَعه من التصرّف فيه بغير حقٍّ.
مسألة ١٠٩٠ : يجوز للرجل التصرّف في ملكه بأيّ أنواع التصرّفات شاء ، سواء حصل به تضرّرٌ للجار أو لا ، فله أن يبني ملكه حمّاماً بين الدور ، وأن يفتح خبّازاً بين العطّارين ، أو يجعله دكّان قصارة بين المساكن وإن أضرّت الحيطان بالدقّ وأخربها ، وأن يحفر بئراً إلى جانب بئر جاره يجتذب ماءها ، أو يحفر بالوعة أو مرتفقاً يجري ماؤه إلى بئر جاره - وبه قال الشافعي وبعض أصحاب أبي حنيفة ، وأحمد في إحدى الروايتين(٤) - لقولهعليهالسلام : « الناس مسلّطون على أموالهم »(٥) .
____________________
(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١١٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥٦.
(٣) سنن أبي داوُد ٣ : ١٧٨ / ٣٠٧٣ ، سنن الترمذي ٣ : ٦٦٢ / ١٣٧٨ ، سنن الدارقطني ٤ : ٢١٧ / ٥٠ ، سنن البيهقي ٦ : ٩٩ ، المعجم الكبير - للطبراني - ١٧ : ١٣ - ١٤ / ٤ و ٥ ، الموطّأ ٢ : ٧٤٣ / ٢٦.
(٤) بحر المذهب ٨ : ٥٠ ، البيان ٦ : ٢٤٢ ، المغني ٥ : ٥٢ ، الشرح الكبير ٥ : ٥١.
(٥) أورده الطوسي في الخلاف ٣ : ١٧٦ - ١٧٧ ، المسألة ٢٩٠ من كتاب البيوع.
ولأنّه تصرّف في ملكه المختصّ ولم يتعلّق به حقّ غيره ، فلم يُمنع منه ، كما لو طبخ في داره أو خبز فيها ، فإنّه لا يُمنع منهما تحرّزاً من وصول دخانه إلى جاره وإن تأذّى به ، كذا هنا.
وقال أحمد في الرواية الأُخرى : إنّه يُمنع من ذلك كلّه - وهو قول بعض الحنفيّة - لقولهعليهالسلام : « لا ضرر ولا إضرار »(١) وهذا الفعل يضرّ بجيرانه ، ولأنّ هذا إضرار بالجيران فمُنع منه ، كما يُمنع من إرسال الماء في ملكه بحيث يضرّ بجاره ويتعدّى إلى هدم حيطانه ، ومن إشعال نارٍ تتعدّى إلى احتراق الجيران(٢) .
والجواب : الحديث مشترك ؛ لأنّ منع المالك عن عمل مصلحةٍ له في ملكه يعود نفعها إليه إضرار غير مستحقّ ، فالضرر مشترك ، وليس مراعاة أحدهما أولى من مراعاة الآخَر ، بل مراعاة المالك أولى ، والنار التي أضرمها والماء الذي أرسله تعدّيا فكان مرسلاً لذلك في ملك غيره ، فأشبه ما لو أرسلها إليه قصداً ، ولأنّ ذلك غير عامٍّ ؛ إذ الممنوع منه الإضرام عند هبوب الرياح بحيث يعلم التعدّي ، وليس ذلك دائماً ، فلهذا مُنع. وكذا إرسال الماء على وجه الكثرة.
____________________
(١) تقدّم تخريجه في ص ٦٨ ، الهامش (١)
(٢) المغني ٥ : ٥٢ ، الشرح الكبير ٥ : ٥١ ، بحر المذهب ٨ : ٥٠ ، البيان ٦ : ٢٤٢.
الفصل الرابع : في التنازع
مسألة ١٠٩١ : إذا تنازعا عيناً في يد أحدهما ، حُكم بها لصاحب اليد مع اليمين وعدم البيّنة ؛ لأنّه منكر.
فإن صالحه عنها على شيءٍ منها أو من غيرها جاز ، سواء كان عقيب إقرارٍ أو إنكارٍ ، عند علمائنا ، خلافاً للشافعي(١) ، وقد سبق(٢) .
ولو كانت العين في يد اثنين [ فادّعاها ثالث ](٣) فصدّقه أحدهما وكذّبه الآخَر ، ثبت له النصف بإقرار المصدّق ، وكان على المكذّب اليمين مع عدم البيّنة ؛ لأنّه منكر.
فلو صالح المدّعي [ الـمُقرّ ] ٤ على مالٍ فأراد المكذّب أخذه بالشفعة ، لم يكن له ذلك عندنا ؛ لأنّ الشفعة تتبع البيع خاصّةً ، والصلح عندنا ليس بيعاً وإن كان على مالٍ ، بل هو عقد مستقلّ برأسه.
أمّا مَنْ يعتقده بيعاً كالشافعي(٥) فقد اختلف طُرق الناقلين عنه في الجواب.
قال بعضهم : إن مَلَكاها في الظاهر بسببين مختلفين فله ذلك ؛ لأنّه لا تعلّق لأحد المِلْكين بالآخَر ، وإن مَلَكاها بسببٍ واحد من إرثٍ أو شراءٍ فوجهان :
أحدهما : المنع ؛ لأنّ الدار بزعم المكذّب ليست للمدّعي ، فإنّ في
____________________
(١) راجع الهامش (١) من ص ٢٦.
(٢) في ص ٢٦ ، ضمن المسألة ١٠٣٢.
(٣ و ٤) ما بين المعقوفين يقتضيه السياق.
(٥) راجع الهامش (٣) من ص ٨٨.
ضمن إنكاره تكذيبَ المدّعي في نصيب الـمُقرّ أيضاً ، وحينئذٍ يبطل الصلح.
وأظهرهما عندهم : إنّ له الأخذَ ؛ لحُكمنا في الظاهر بصحّة الصلح ، وانتقال الملك إلى الـمُقرّ ، ولا استبعاد في انتقال نصيب أحدهما إلى المدّعي دون الآخَر وإن مَلَكاها بسببٍ واحد(١) .
وأشكل على بعضهم هذه الطريقة : بأنّا لا نحكم بالملك إلّا بظاهر اليد ، ولا دلالة لليد على اختلاف السبب واتّحاده ، فأيّ طريقٍ يعرف به الحاكم الاختلاف والاتّحاد؟ وإلى قول مَنْ يرجع؟ ومَن الذي يُقيم البيّنة عليه؟(٢) .
وقال بعضهم : إن ادّعى عليهما عن جهتين فللمكذّب الأخذ بالشفعة ، وإن ادّعى عن جهةٍ واحدة ففيه الوجهان ، ولا يخلو من إشكالٍ ؛ لأنّه ليس من شرط المدّعي التعرّض لسبب الملك ، وبتقدير تعرّضه له فليس من شرط الإنكار نفي السبب ، بل يكفي نفي الملك ، وبتقدير تعرّضه له فلا يلزم من تكذيبه المدّعي في قوله : « ورثت هذه الدار » زعم أنّه لم يرث نصفها(٣) .
وقال بعضهم : إن اقتصر المكذّب على أنّه لا شيء لك في يدي ، أو : لا يلزمني تسليم شيءٍ إليك ، أخذ بالشفعة ، وإن قال مع ذلك : وهذه الدار ورثناها ، ففيه الوجهان(٤) .
وقد عرفتَ أنّ هذا كلّه لا يتأتّى على مذهبنا من الاقتصار في طلب الشفعة على الانتقال بالبيع خاصّةً.
مسألة ١٠٩٢ : لو ادّعى اثنان داراً في يد رجلٍ ، فأقرّ لأحدهما بنصفها وكذّب الآخَر ، نُظر فإن كانا قد ادّعياها بسببٍ يوجب الشركة - كالإرث ،
____________________
(١ و ٤) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١١٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥٦.
(٢ و ٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١١٨.
وشراء وكيلهما في عقدٍ واحد - تشاركا في النصف الذي دفعه المدّعى عليه إلى الـمُقرّ له ؛ لأنّ الإرث يقتضي إشاعة التركة بين الورثة ، فكلّ ما يخلص يكون بينهما ، وذلك كما لو تلف بعض التركة وحصل البعض ، فإنّ التالف يكون منهما ، والحاصل لهما ، وكذا لو تلف بعض المال المشترك.
هذا إذا لم يتعرّضا لقبض الدار ، أمّا لو قالا : ورثناها وقبضناها ثمّ غصبتَها منّا ، فالأقرب : إنّه كذلك أيضاً يشتركان فيما يقبضه الـمُقرّ له منه ؛ لأنّ إيجاب الإرثِ الشيوعَ(١) لا يختلف ، وهو أحد قولَي الشافعيّة ، ومحكيٌّ عن أبي حنيفة ومالك.
والقول الآخَر لهم : إنّه لا يشاركه ؛ لأنّ التركة إذا حصلت في يد الورثة صار كلّ واحدٍ منهما قابضاً لحقّه ، وانقطع حقّه عمّا في يد الآخَرين ، ولهذا يجوز أن يطرأ الغصب على نصيب أحدهما خاصّةً بأن تزال يده ، فإنّ المغصوب لا يكون مشتركاً بينهما(٢) .
وإن ادّعياها بجهةٍ غير الإرث من شراءٍ وغيره ، فإن لم يقولا : اشترينا معاً ، أو : اتّهبنا وقبضنا معاً ، فالأقرب عندي : عدم الشركة في المقبوض حيث لم تثبت الشركة في السبب ولم يدّعياه.
وإن قالا : اشتريناها معاً ، أو اتّهبناها وقبضنا معاً ، فالأقرب : إنّه كالإرث ؛ لاشتراك السبب ، وهو أحد قولَي الشافعيّة. والثاني : إنّهما لا يشتركان فيما أقرّ به ؛ لأنّ البيع بين اثنين بمنزلة الصفقتين ، فإنّ تعدّد المشتري يقتضي تعدّد العقد ، فكان بمنزلة ما لو مَلَكا بعقدين(٣) .
ولو لم يتعرّضا لسبب الاستحقاق ، فلا شركة بحالٍ.
____________________
(١) في النسخ الخطّيّة والحجريّة زيادة : « وهو ». والظاهر أنّ المناسب للعبارة عدمها.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١١٨ - ١١٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥٧.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١١٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥٧.
مسألة ١٠٩٣ : كلّ موضعٍ قلنا بالشركة في هذه الصُّور لو صدّق المدّعى عليه أحدهما وكذّب الآخَر وصالح المصدَّق [ المدّعى ](١) عليه عن الـمُقرّ به على مالٍ ، فإن كان بإذن الشريك صحّ ، وتشارك المدّعيان في مال الصلح ، سواء كان بعين النصف أو غيره ، وإن كان بغير إذنه بطل الصلح في نصيب الشريك ، وصحّ في نصيبه.
وللشافعيّة في صحّته في نصيبه قولا تفريق الصفقة(٢) .
وقال بعض الشافعيّة : يصحّ الصلح في جميع الـمُقرّ به ؛ لتوافق المتعاقدين وتقاربهما(٣) .
وليس بجيّدٍ.
مسألة ١٠٩٤ : لو ادّعيا داراً في يد الغير فأقرّ لأحدهما بجميعها ، فإن كان قد وُجد من الـمُقرّ له في الدعوى ما يتضمّن إقراراً لصاحبه بأن قال : هذه الدار بيننا ، وما أشبه ذلك ، شاركه صاحبه فيها.
وكذا إن كان الـمُقرّ له قد تقدّم إقراره بالنصف لصاحبه.
وإن لم يتلفّظ بما يتضمّن الإقرار ، بل اقتصر على دعوى النصف ، نُظر فإن قال بعد إقرار المدّعى عليه بالكلّ : إنّ الكلّ لي ، سلّم الجميع إليه ، وكان هو والآخَر خصمين في النصف الذي ادّعاه الآخَر ، ويكون القولُ قولَ مدّعي الكلّ مع اليمين ، وعلى الآخَر البيّنة.
ولا يلزم من ادّعائه النصفَ أن ينتفي ملكه عن الباقي ؛ لجواز أن تكون معه بيّنة بالنصف ولا تساعده البيّنة على الجميع في الحال ، بل على النصف ، و(٤) يخاف الجحود الكلّي لو ادّعى الجميع.
____________________
(١) ما بين المعقوفين يقتضيه السياق.
(٢ و ٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١١٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥٧.
(٤) الظاهر : « أو » بدل « و».
ولو قال : النصف الآخَر لصاحبي ، سلّم إليه.
وإن لم يقل شيئاً ولا أثبت النصفَ الآخَر لنفسه ولا لصاحبه ولا نفاه ، فالأقرب : إنّه يُترك في يد المدّعى عليه ؛ لأنّ الآخَر ادّعى خلافَ الظاهر ولا بيّنة له ، وهو أصحّ وجوه الشافعيّة.
والثاني : إنّه ينتزع من يد المدّعى عليه ، ويحفظه الحاكم لمن يثبت له.
والثالث : إنّه يُسلّم إلى المدّعي ؛ لأنّه يدّعي ما لا يدّعيه أحد(١) .
ويُضعّف الثاني : بأنّه يؤدّي إلى إسقاط دعوى هذا المدّعي عن الـمُقرّ بغير حجّةٍ ، والثالث : بأنّه يُثبت حقّاً للمدّعي بغير بيّنةٍ ولا إقرار.
وإذا قلنا : ينتزعه الحاكم ، فإنّه يؤجره ويحفظ الأُجرة ، كالأصل.
وقال بعض الشافعيّة : يصرفه في مصالح المسلمين(٢) .
وليس بصحيحٍ ؛ لأنّ الأصل إذا كان موقوفاً فالنماء كذلك.
مسألة ١٠٩٥ : لو تداعى اثنان حائطاً بين ملكيهما ، فإن كان متّصلاً ببناء أحدهما خاصّةً دون الآخَر اتّصالاً لا يمكن إحداثه بعد بنائه - بأن يكون لأحدهما عليه أزج أو قبّة لا يتصوّر إحداثهما بعد تمام الجدار ، وذلك بأن أُميل البناء من مبدأ ارتفاعه عن الأرض قليلاً قليلاً ، أو كان متّصلاً ببناء أحدهما في تربيعه وعلوّه وسَمْكه دون الآخَر ، أو دخل رَصْف من لَبِنات فيه في جداره الخاصّ ، ورَصْف من جداره الخاصّ في المتنازع فيه ، ويظهر ذلك في الزوايا - كان القولُ قولَه مع يمينه ؛ لأنّ ذلك ظاهر يشهد له.
ويحتمل أن يكون بناء القبّة والأزج ورَصْف اللَّبِن برضا الآخَر أو إجازته ، فلهذا أوجبنا اليمين ، وحُكم له بها ، إلّا أن تقوم البيّنة على خلافه.
ولو كان رَصْف اللَّبِن في مواضع معدودة من طرف الجدار ،
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١١٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥٧.
(٢) حلية العلماء ٥ : ٢٧.
لم يُحكم له به ؛ لإمكان إحداثه بعد بناء الجدار بنزع لَبِنةٍ وإدراج أُخرى.
ولو كان الحائط مبنيّاً على خشبةٍ طويلة طرفها تحت الحائط المتنازع فيه وطرفها الآخَر تحت حائطٍ آخَر ينفرد به أحدهما ، كان ذلك ظاهراً أنّه لـمَن بعض الخشب في ملكه والجدار المبنيّ عليها تحت يده ، فيحلف ، ويُحكم له به.
وإن كان الحائط غيرَ متّصلٍ ببناء أحدهما ، بل كان منفصلاً عنهما معاً حائلاً بين ملكيهما لا غير ، أو متّصلاً ببنائهما معاً ، فهو في أيديهما ، فإن أقام أحدهما بيّنةً أنّه له قُضي له به ، وإن لم يكن لأحدهما بيّنةٌ حلف كلّ واحدٍ منهما للآخَر على النصف الذي في يده ، وحُكم به لهما ، وكذا إن نكلا معاً ؛ عملاً بظاهر اليد.
وإن حلف أحدهما ونكل الآخَر ، أعدنا اليمين على الحالف في النصف الذي في يد صاحبه ، فإن حلف قُضي له بالجميع ، وإن نكل ونكل الآخَر فهو لهما.
هذا إن حلّفنا كلّ واحدٍ منهما على النصف الذي في يده.
وللشافعي في الحلف وجهان :
أحدهما : إنّ كلّ واحدٍ منهما يحلف على النصف الذي يسلم له ، وهو أظهر وجهيه.
والثاني : إنّه يحلف كلّ واحدٍ منهما على الجميع ؛ لأنّه ادّعى الجميع(١) .
فإن قلنا بالثاني فإذا حلّف الحاكمُ أحدَهما على الجميع ، لم يمنع ذلك حلف الآخَر عليه ، بل يحلّفه الحاكم على الجميع أيضاً ، فإن حلف الآخَر أيضاً على الجميع قسّم الجدار بينهما ؛ لأنّه لا أولويّة في الحكم به لأحدهما دون الآخَر ، وإن نكل الآخَر بعد أن حلف الأوّل على الجميع
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٢٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥٨.
حُكم للحالف به من غير يمينٍ أُخرى.
ولو حلف الثاني على النصف بعد أن حلف الأوّل على الجميع والتماس الحاكم من الثاني الحلف على الجميع أيضاً ، احتُمل عدمُ الاعتداد بهذه اليمين ؛ حيث إنّه حلف على ما لم يحلّفه الحاكم عليه. والاعتدادُ ؛ حيث إنّ طلب الحلف على الجميع يستلزم طلب الحلف على أبعاضه ، فإن قلنا : يُعتدّ بها ، كان النصف بينهما ، مع احتمال أنّه للثاني خاصّةً.
وإن التمس الحاكم من الثاني الحلفَ على الجميع ، فقال : أنا لا أحلف إلّا على النصف ، كان في الحقيقة مدّعياً للنصف.
تذنيب : كلّ مَنْ قُضي له بالحائط إمّا بالبيّنة أو باليمين أو بشاهد الحال فإنّه يُحكم له بالأساس الذي تحته.
مسألة ١٠٩٦ : إذا لم يكن الحائط متّصلاً ببناء أحدهما أو كان متّصلاً بهما معاً وكان لأحدهما عليه بناء كحائطٍ مبنيّ عليه ويعتمد عليه وتداعياه ، حُكم به لصاحب البناء - وبه قال الشافعي(١) - لأنّ وضع البناء عليه بمنزلة اليد الثابتة عليه ، وهو نوعٌ من التصرّف فيه ، فأشبه الحمل على الدابّة والزرع في الأرض ، ولأنّ الظاهر أنّ الإنسان لا يُمكِّن غيرَه من البناء على حائطه ، وكذا لو كانت له سترة على الحائط ؛ قضاءً للتصرّف الدالّ بالظاهر على الملك.
مسألة ١٠٩٧ : لو كان لأحدهما على هذا الجدار المحلول عنهما أو المتّصل بهما جذوعٌ دون صاحبه ، قال الشيخرحمهالله في الخلاف : لا يُحكم بالحائط لصاحب الجذوع ؛ لأنّه لا دلالة عليه(٢) ، وبه قال الشافعي(٣) ، ولأنّ
____________________
(١) المغني ٥ : ٤٣ ، الشرح الكبير ١٢ : ١٦٨.
(٢) الخلاف ٣ : ٢٩٥ - ٢٩٦ ، المسألة ٤ من كتاب الصلح.
(٣) الأُمّ ٣ : ٢٢٥ ، مختصر المزني : ١٠٦ ، الحاوي الكبير ٦ : ٣٨٩ ، المهذّب =
العادة السماح بذلك للجار ، وقد ورد النهي عن المنع منه(١) .
وعند مالك(٢) وأحمد أنّه حقٌّ على مالك الجدار ، ويجب التمكين منه ، فلم تترجّح به الدعوى كإسناد متاعه إليه وتجصيصه وتزويقه(٣) .
والوجه عندي : الحكم به لصاحب الجذوع - وبه قال أبو حنيفة(٤) - لما تقدّم من دلالة الاختصاص بالتصرّف على الاختصاص بالملكيّة ، ولأنّهما لو تنازعا في العرصة والجدار لأحدهما ، حُكم بها لصاحبه.
والنهي لو ثبت صحّته عن النبيّصلىاللهعليهوآله لكان محمولاً على الكراهة ؛
____________________
= - للشيرازي - ٢ : ٣١٧ ، الوسيط ٤ : ٦٤ ، حلية العلماء ٥ : ٢٦ ، و ٨ : ٢١٠ ، البيان ١٣ : ١٩٣ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٢١ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥٨ ، مختصر الخلافيّات ٣ : ٢١٥ ، الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٥٩٧ / ١٠٠٤ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ١ : ٣١٨ ، عيون المجالس ٤ : ١٦٥٣ / ١١٦٦ ، المغني ٥ : ٤٣ ، الشرح الكبير ١٢ : ١٦٨.
(١) صحيح البخاري ٣ : ١٧٣ ، صحيح مسلم ٣ : ١٢٣٠ / ١٣٦ ، الموطّأ ٢ : ٧٤٥ / ٣٢ ، سنن أبي داوُد ٣ : ٣١٤ - ٣١٥ / ٣٦٣٤ ، سنن الترمذي ٣ : ٦٣٥ / ١٣٥٣ ، سنن البيهقي ٦ : ٦٨ ، المصنّف - لابن أبي شيبة - ١٤ : ٢٢٢ / ١٨١٥٧ ، مسند أحمد ٣ : ١٠٧ / ٨٩٠٠.
(٢) في المصادر التي تأتي الإشارة إليها ذيلاً : إنّ رأي مالك هو أنّه تترجّح الدعوى بوضع الجذوع ويُحكم بالجدار لصاحب الجذوع ، راجع : الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٥٩٧ / ١٠٠٤ ، وعيون المجالس ٤ : ١٦٥٢ - ١٦٥٣ / ١١٦٦ ، والعزيز شرح الوجيز ٥ : ١٢١ ، والإفصاح عن معاني الصحاح ١ : ٣١٨ ، والمغني ٥ : ٤٣ ، والشرح الكبير ١٢ : ١٦٨.
(٣) المغني ٥ : ٤٣ ، الشرح الكبير ١٢ : ١٦٨ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٢١ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ١ : ٣١٨.
(٤) الهداية - للمرغيناني - ٣ : ١٧٤ ، تحفة الفقهاء ٣ : ١٩٠ ، الحاوي الكبير ٦ : ٣٨٩ ، الوسيط ٤ : ٦٤ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ١ : ٣١٨ ، عيون المجالس ٤ : ١٦٥٢ - ١٦٥٣ / ١١٦٦ ، مختصر الخلافيّات ٣ : ٢١٥ ، الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٥٩٧ / ١٠٠٤ ، حلية العلماء ٨ : ٢١٠.
لأصالة البراءة ، على أنّ النهي عن المنع منه لا يمنع كونه دليلاً على الاستحقاق ؛ لأنّا نستدلّ بوضعه على كون الوضع مستحقّاً على الدوام حتى لو زالت جازت إعادتها.
ولأنّ كونه مستحقّاً مشروطٌ له الحاجة إلى وضعه ، ففيما لا حاجة إليه له منعه من وضعه ، وأكثر الناس لا يتسامحون به ، ولهذا لـمّا روى أبو هريرة الحديثَ عن النبيّصلىاللهعليهوآله طأطئوا رءوسهم كراهةً لذلك ، فقال : مالي أراكم عنها معرضين ، والله لأرمينّ بها بين أكتافكم(١) ، وأكثر العلماء منعوا من التمكّن من هذا(٢) .
ولأنّ الأزج يرجّح به فكذا هذا ؛ لجامع الاشتراك في التصرّف.
ولأنّهما لو تنازعا في الحائط وثبت بالبيّنة لأحدهما ، حُكم بالأساس [ له ](٣) ؛ لأنّه صار صاحب يدٍ فيه ، فإذا [ اقتضى ](٤) الجدار على الأساس الترجيحَ في الأساس ، وجب أن [ تقتضي ](٥) الجذوع على الجدار الترجيحَ في الجدار.
تذنيب : لا فرق بين الجذع الواحد في ذلك وما زاد عليه عند عامّة أهل العلم في الدلالة على الاختصاص والمنع منها.
ورجّح مالك بالجذع الواحد(٦) ، كقولنا.
وفرّق أبو حنيفة بين الجذع الواحد والجذعين فما زاد ، فرجّح بما زاد على الواحد ؛ لأنّ الحائط يبنى لوضع الجذوع عليه ، فرجّح به الدعوى ،
____________________
(١) راجع الهامش (١) من ص ١٠٢.
(٢) راجع المغني ٥ : ٤٤ ، والشرح الكبير ١٢ : ١٦٩.
(٣) ما بين المعقوفين يقتضيه السياق.
(٤ و ٥) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « قضى يقضي ».
(٦) حلية العلماء ٥ : ٢٦ ، البيان ١٣ : ١٩٣ ، وراجع أيضاً الهامش (٢) من ص ١٠٢.
كبناء الأزج ، بخلاف الجذع الواحد ؛ لأنّ الحائط لا يبنى له في العادة(١) .
وهو ممنوع ؛ لأنّ الوضع يتبع الحاجة ، وقد تدعو إلى وضع الواحد ، وإنّما استدللنا باختصاص التصرّف ، وهو ثابت في الواحد كثبوته في الأزيد.
مسألة ١٠٩٨ : ولا يُحكم بالحائط المحلول عنهما أو المتّصل بهما [ بالخوارج ](٢) وهي الصُّور والكتابات المتّخذة في ظاهر الجدار بلَبِناتٍ تخرج أو بجصٍّ أو آجرٍ أو خشبٍ ، ولا بالدواخل ، وهي الطاقات والمحاريب في باطن الجدار ، ولا بأنصاف اللَّبِن ، وذلك لأنّ الجدار من لَبِنات مقطعة ، فتُجعل الأطراف الصحاح إلى جانبٍ ، ومواضع الكسر إلى جانبٍ ، أو أنصاف اللَّبِن من أحد الجانبين ومن الآخَر الشكيك(٣) والمدر - وبه قال الشافعي وأبو حنيفة(٤) - لأنّه لا بدّ وأن يكون وجه الحائط إلى أحدهما وإن كانا [ شريكين ](٥) فيه ، ولا يمكن أن يكون إليهما ، فبطلت دلالته ، وجرى مجرى تزويق الحائط.
وقال مالك وأبو يوسف : يُحكم به لمن إليه وجه الحائط ؛ لأنّ العرف
____________________
(١) حلية العلماء ٥ : ٢٦ ، البيان ١٣ : ١٩٣ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٢٢ ، المغني ٥ : ٤٤ ، الشرح الكبير ١٢ : ١٦٩ ، وراجع أيضاً الهامش (٤) من ص ١٠٢.
(٢) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « بالدواخل ». والمثبت هو الصحيح.
(٣) لم نجده في اللغة.
(٤) الأُم ٣ : ٢٢٥ ، مختصر المزني : ١٠٦ ، الحاوي الكبير ٦ : ٣٨٨ ، حلية العلماء ٥ : ٢٦ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ١٥٦ ، البيان ١٣ : ١٩٢ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٢٠ - ١٢١ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥٨ ، روضة القضاة ٢ : ٧٧٣ / ٥٢٠٦ ، الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٥٩٧ / ١٠٠٣ ، المعونة ٢ : ١٢٠٠ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ١ : ٣١٨ ، المغني ٥ : ٤٤ ، الشرح الكبير ١٢ : ١٦ (٩)
(٥) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « شركاء ».
والعادة قاضيان بأنّ مَنْ بنى حائطاً فإنّه يجعل وجه الحائط إليه(١) .
وهو ممنوع ؛ فإنّ العادة جارية بأنّ وجه الحائط يُجعل إلى خارج الدار ليشاهده الناس ، فلا يكون في كون وجهه إلى أحدهما دليلٌ.
مسألة ١٠٩٩ : لو كان الحاجز بين الدارين أو السطحين خُصّاً فتنازعا فيه ، فعند علمائنا أنّه يُحكم به لمن إليه معاقد القِمْط التي تكون في الجدران المتّخذة من القصب وشبهه ، وأغلب ما يكون ذلك في السور بين السطوح ، فتُشدّ بحبال أو بخيوط ، وربما جعل عليها خشبة معترضة ، ويكون العقد من جانبٍ والوجه المستوي من جانبٍ - قال ابن بابويهرحمهالله : الخُصّ الطُّنّ(٢) الذي يكون في السواد بين الدور ، والقِمْط هو شدّ الحبل(٣) - وبه قال مالك وأبو يوسف(٤) .
واختلف النقل عن الشافعي.
فقال بعض أصحابه عنه : إنّ معاقد القِمْط مرجّحة ، يُحكم بالخُصّ لمن المعاقد إليه - كما قلناه - لأنّه إذا كانت المعاقد إليه فالظاهر أنّه وقف في ملكه وعقد(٥) .
ولما رواه العامّة عن جارية التميمي أنّ قوماً اختصموا إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله في خُصٍّ ، فبعث حذيفة بن اليمان ليحكم بينهم ، فحكم به لمن تليه معاقد
____________________
(١) الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٥٩٧ / ١٠٠٣ ، التلقين : ٤٣٣ ، المعونة ٢ : ١٢٠٠ ، الحاوي الكبير ٦ : ٣٨٨ ، حلية العلماء ٥ : ٢٦ - ٢٧ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ١٥٦ ، البيان ١٣ : ١٩٣ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٢١ ، روضة القضاة ٢ : ٧٧٣ / ٥٢٠٦ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ١ : ٣١٨ ، المغني ٥ : ٤٤ ، الشرح الكبير ١٢ : ١٦٩.
(٢) الطُّنّ - بالضمّ - : الحزمة من الحطب والقصب. لسان العرب ١٣ : ٢٦٩ « طنن ».
(٣) الفقيه ٣ : ٥٧ ، ذيل ح ١٩٧.
(٤) البيان ١٣ : ١٩٣ ، الحاوي الكبير ٦ : ٣٨٨ ، المغني ٥ : ٤٤ ، الشرح الكبير ١٢ : ١٦٩.
(٥) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٢١.
القِمْط ، ثمّ رجع إلى النبيّصلىاللهعليهوآله فأخبره ، فقال : « أصبتَ وأحسنتَ »(١) .
ومن طريق الخاصّة : ما رواه جابر عن الباقرعليهالسلام عن أبيه عن جدّه عن أمير المؤمنينعليهمالسلام أنّه قضى في رجلين اختصما [ إليه ] في خُصٍّ ، فقال : « إنّ الخُصّ للّذي إليه القِمْط »(٢) .
وسأل منصور بن حازم الصادقَعليهالسلام عن حظيرة بين دارين ، فذكر أنّ عليّاًعليهالسلام قضى [ بها ] لصاحب الدار الذي من قِبَله القماط(٣) .
والقول الثاني للشافعي : إنّه يرجّح من الوجه المستوي مَن المعاقد تليه ، لا مَنْ إليه المعاقد(٤) .
وليس بمشهورٍ ، والقول المشهور عنه - وبه قال أبو حنيفة - أنّه لا ترجيح لأحدهما على الآخَر ؛ لأنّ كونه حائلاً بين الملكين علامةٌ قويّة في الاشتراك(٥) .
وهو ممنوع.
تذنيبان :
الأوّل : لو كان الأزج مبنيّاً على رأس الجدار ، رُجّح به ؛ لأنّه تصرّفٌ من صاحبه في الجدار ، فيقضى له بملكيّته.
وقال الشافعي : لا يقضى له بذلك ؛ لاحتمال بناء الأزج بعد تمام الجدار(٦) .
____________________
(١) سنن ابن ماجة ٢ : ٧٨٥ / ٢٣٤٣.
(٢) الفقيه ٣ : ٥٧ / ١٩٧ ، وما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.
(٣) الفقيه ٣ : ٥٦ / ١٩٦ ، وما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٢١.
(٥) الأُمّ ٣ : ٢٢٥ ، مختصر المزني : ١٠٦ ، حلية العلماء ٥ : ٢٥ ، البيان ١٣ : ١٩٢ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٢٠ - ١٢١ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥٨.
(٦) الحاوي الكبير ٦ : ٣٨٦ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٢٢.
الثاني : قد بيّنّا أنّه يُرجّح بالجذوع الموضوعة عليه.
وقال الشافعي : لا يُرجّح بذلك ، والجدار في أيديهما معاً ، فيحلفان ويكون الجدار بينهما ، ولا تُرفع الجذوع عنه ، بل تُترك بحالها ؛ لاحتمال أنّها وُضعت بحقٍّ(١) .
مسألة ١١٠٠ : لو تنازع صاحب العلوّ والسُّفْل في السقف المتوسّط بين علوّ أحدهما وسُفْل الآخَر ، فإن لم يمكن إحداثه بعد بناء العلوّ - كالأزج الذي لا يمكن عقده على وسط الجدار بعد امتداده في العلوّ - جُعل لصاحب السُّفْل ؛ لاتّصاله ببنائه على سبيل الترصيف.
وإن أمكن إحداثه بعد بناء العلوّ بأن يكون السقف عالياً فيثقب وسط الجدار وتوضع رءوس الجذوع في الثقب فيصير السقف بينهما ، قال الشيخرحمهالله في الخلاف : يُقرع بين صاحب العلوّ وصاحب السُّفْل فيه إذا لم تكن هناك بيّنة ، فمَنْ خرج اسمه حلف لصاحبه ، وحُكم له به ؛ لإجماع الفرقة على أنّ كلّ مجهولٍ تُستعمل فيه القرعة. ثمّ قال : وإن قلنا : يُقسم بين صاحب البيت وصاحب الغرفة ، كان جائزاً(٢) .
وقال الشافعي : يُحكم به بينهما ؛ لأنّه في يدهما معاً ، فالقول قول صاحب البيت في نصفه مع يمينه ، وقول صاحب الغرفة مع يمينه في نصفه ؛ لأنّه حاجز بين ملكيهما غير متّصلٍ ببناء أحدهما اتّصالَ البنيان ، فكان بينهما ، كالحائط بين الملكين ، وكلّ واحدٍ منهما ينتفع به ، فإنّه سماء لصاحب السُّفْل يظلّه ، وأرض لصاحب الغرفة تُقلّه ، فاستويا فيه. وبه قال
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٢٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥٩ ، وراجع أيضاً الهامش (٣) من ص ١٠١.
(٢) الخلاف ٣ : ٢٩٨ ، المسألة ٨ من كتاب الصلح.
أحمد(١) .
وقال أبو حنيفة : يُحكم به لصاحب السُّفْل ؛ لأنّ السقف على ملك صاحب السُّفْل ، فكان القولُ قولَه فيه ، كما لو تنازعا سرجاً على دابّة أحدهما ، فإنّ القولَ قولُ صاحب الدابّة(٢) .
ويبطل بحيطان الغرفة ، ولا يشبه السرج ؛ لأنّه لا ينتفع به غير صاحب الدابّة ، فكان في يده ، وهنا السقف ينتفع به كلاهما على ما تقدّم.
وهذا القول حكاه أصحاب مالك مذهباً له عنه(٣) .
وحكى الشافعيّة عن مالك أنّه لصاحب العلوّ(٤) .
ولا بأس به عندي ؛ لأنّه ينتفع به ، دون صاحب السُّفْل ، وينفرد بالتصرّف فيه ، فإنّه أرض غرفته ويجلس عليه ويضع عليه متاعه ، ويمكن
____________________
(١) الأُمّ ٣ : ٢٢٦ ، مختصر المزني : ١٠٦ ، الحاوي الكبير ٦ : ٣٩٨ - ٣٩٩ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٣١٧ ، الوسيط ٤ : ٦٤ ، حلية العلماء ٥ : ٢٢ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ١٥٨ ، البيان ١٣ : ١٩٤ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٢٢ - ١٢٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥٩ ، المغني ٥ : ٤٥ ، الشرح الكبير ١٢ : ١٧١ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ١ : ٣١٨ ، الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٥٩٨ / ١٠٠٦ ، عيون المجالس ٤ : ١٦٥٥ / ١١٦٩ ، المعونة ٢ : ١١٩٩ ، روضة القُضاة ٢ : ٧٧٣ / ٥٢٠٨.
(٢) روضة القُضاة ٢ : ٧٧٣ / ٥٢٠٧ ، الحاوي الكبير ٦ : ٣٩٨ ، حلية العلماء ٥ : ٢٢ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ١٥٩ ، البيان ١٣ : ١٩٤ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٢٣ ، المغني ٥ : ٤٥ ، الشرح الكبير ١٢ : ١٧١ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ١ : ٣١٨.
(٣) الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٥٩٨ / ١٠٠٦ ، التلقين : ٤٣٣ ، عيون المجالس ٤ : ١٦٥٥ / ١١٦٩ ، المعونة ٢ : ١١٩٩ ، حلية العلماء ٥ : ٢٢ ، البيان ١٣ : ١٩٤ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ١ : ٣١٨ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٢٣ ، المغني ٥ : ٤٥ ، الشرح الكبير ١٢ : ١٧١.
(٤) الحاوي الكبير ٦ : ٣٩٨ ، حلية العلماء ٥ : ٢٢ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ١٥٩ ، البيان ١٣ : ١٩٤ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٢٣ ، وأيضاً في المغني ٥ : ٤٥ ، والشرح الكبير ١٢ : ١٧١.
وجود بيتٍ لا سقف له ، ولا يمكن وجود ملكٍ لا أرض له.
مسألة ١١٠١ : لو تنازع صاحب البيت والغرفة في جدران البيت ، حُكم بها لصاحب البيت مع يمينه ؛ لأنّ الحيطان في يده ، وهو المنتفع بها.
وإن تنازعا في جدران الغرفة ، فهي لمن الغرفة في يده.
والأوّل لا يخلو من إشكالٍ ؛ لمشاركة صاحب الغرفة له في الانتفاع والتصرّف معاً ، بل تصرّفه وانتفاعه أكثر.
مسألة ١١٠٢ : لو تنازع صاحب علوّ الخان وصاحب سُفْله ، أو صاحب علوّ الدار وصاحب سُفْلها في العرصة أو الدهليز ، فإن كانت الدرجة وشبهها في صدر الخان أو الدار أو في الدهليز ، جُعلت العرصة والدهليز بينهما ؛ لأنّ لكلّ واحدٍ منهما فيهما يداً وتصرّفاً من الممرّ ووضع الأمتعة وغيرهما.
قال الجويني : ولا يبعد أن يقال : ليس لصاحب العلوّ إلّا حقّ الممرّ ، وتُجعل الرقبة لصاحب السُّفْل(١) .
ولكن لم يصر إليه أحد من الشافعيّة(٢) .
وإن كانت الدرجة في دهليز الخان أو في الوسط ، فمن أوّل الباب إلى المرقى بينهما ؛ لأنّه في تصرّفهما.
وفيما وراء ذلك للشافعيّة وجهان :
أصحّهما : إنّه لصاحب السُّفْل ؛ لانقطاع الآخَر عنه ، واختصاص صاحب السُّفْل باليد والتصرّف.
والثاني : إنّه يُجعل بينهما ؛ لأنّه قد ينتفع به صاحب العلوّ بإلقاء الأمتعة فيه وطرح القمامات(٣) .
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٢٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥٩.
(٢) كما في المصدرين في الهامش السابق.
(٣) الحاوي الكبير ٦ : ٤١٤ ، بحر المذهب ٨ : ٤٦ ، حلية العلماء ٨ : ٢١١ ، =
والمعتمد عندي : الأوّل.
وإن كانت الدرجة خارجةً عن خطّة الخان والدار ، فالعرصة بأجمعها لصاحب السُّفْل ، ولا تعلّق [ لصاحب العلوّ ](١) بها بحالٍ.
قالت الشافعيّة : ومثال ما إذا كانت الدرجة في وسط الخان لا في صدره ولا خارجة عنه الزقاقُ المنقطع إذا كان فيه بابان لرجلين ، أحدهما في وسطه والآخَر في صدره ، فمن أوّله إلى الباب الأوّل بينهما ، وما جاوزه إذا تداعياه فعلى الوجهين(٢) .
وقد عرفت مذهبنا فيه فيما تقدّم(٣) .
مسألة ١١٠٣ : إذا تنازع صاحب العلوّ وصاحب السُّفْل في الدَرَج(٤) فادّعاها كلٌّ منهما ، فإن كانت دكّة غير معقودةٍ أو كانت سُلّماً ، حُكم بها لصاحب العلوّ ؛ لأنّها في انتفاعه خاصّةً.
وإن كانت معقودةً تحتها موضع ينتفع به صاحب السُّفْل ، فالأقرب : إنّها لصاحب العلوّ أيضاً ؛ لأنّ الدرجة إنّما تُبنى للارتقاء بها إلى العلوّ ، ولا تُبنى لما تحتها بالعادة ، بل القصد بها السلوك إلى فوق ، وهو أحد وجهي الشافعيّة.
والثاني : إنّها بينهما ؛ لأنّ صاحب السُّفْل ينتفع بها [ بظلّها ](٥) وصاحب العلوّ ينتفع بها ويرتقي عليها ، فهي كالسقف يتنازعه صاحب العلوّ
____________________
= التهذيب - للبغوي - ٤ : ١٥٩ ، البيان ١٣ : ١٩٥ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٢٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥٩ - ٤٦٠.
(١) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « للعلوّ ». والظاهر ما أثبتناه.
(٢) بحر المذهب ٨ : ٤٦ ، البيان ١٣ : ١٩٤.
(٣) راجع ص ٥١ وما بعدها.
(٤) الدَرَج : مصطلح يطلق على الآلة التي يستعان بها للصعود.
(٥) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « بظلّه ». والصحيح ما أثبتناه.
والسُّفْل(١) .
وقد سبق(٢) كلامنا في السقف ، وأنّ الأولى الحكم به لصاحب العلوّ ، مع قيام الفرق بينهما ؛ لأنّ السقف يُبنى للبيت وإن لم يكن له غرفة ، بخلاف الدرجة.
وبعضهم فصّل فقال : إن كان تحتها بيت يقصد بنيانها عليه كانت بينهما ، وإن كان تحتها عقد صغير يوضع فيه الحُبّ أو شبهه فوجهان(٣) .
ولو تنازعا في السُّلَّم وهو غير خارجٍ عن الخان ، فإن كان منقولاً - كالسلاليم التي تُوضع وتُرفع - فإن كان في بيتٍ لصاحب السُّفْل فهو في يده ، وإن كان في غرفةٍ لصاحب العلوّ فهو في يده ، فيُحكم به في الحالين لكلّ مَنْ هو في يده.
وإن كان منصوباً في المرقى ، فهو لصاحب العلوّ ؛ لعود منفعته إليه وظهور تصرّفه فيه ، دون الآخَر ، وهو قول أكثر الشافعيّة(٤) .
وقال بعضهم : إنّه لصاحب السُّفْل ، كسائر المنقولات(٥) .
وهو المعتمد عندي ، ولهذا لا يندرج السُّلَّم الذي لم يُسمر تحت بيع الدار.
ولو كان السُّلَّم مسمراً في موضع المرقى ، فهو لصاحب العلوّ ؛ لعود
____________________
(١) الحاوي الكبير ٦ : ٤١٥ ، بحر المذهب ٨ : ٤٧ ، البيان ١٣ : ١٩٥.
(٢) في ص ١٠٧ وما بعدها ، المسألة ١١٠٠.
(٣) الحاوي الكبير ٦ : ٤١٥ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٣١٧ - ٣١٨ ، بحر المذهب ٨ : ٤٧ ، حلية العلماء ٨ : ٢١١ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ١٥٩ ، البيان ١٣ : ١٩٤ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٢٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٦٠.
(٤) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٣١٨ ، البيان ١٣ : ١٩٤ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٢٣ - ١٢٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٦٠.
(٥) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٢٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٦٠.
فائدته إليه ، وكذا الأخشاب المعقودة في المرقى ، وكذا إن كان مبنيّاً من لَبِن أو آجر أو شبههما إذا لم يكن تحته بيت.
ولو تنازعا في البيت الذي تحت الدرجة ، احتُمل اختصاص صاحبِ السُّفْل به كسائر البيوت ، وصاحبِ العلوّ ؛ لأنّ ملك الهواء يستتبع ملك القرار والشركة فيه.
ولو تنازعا في السقف الأعلى للغرفة ، فهو لصاحب الغرفة ؛ لاختصاصه بالانتفاع به ، دون صاحب السُّفْل.
* * *
الفصل الخامس : في اللواحق
مسألة ١١٠٤ : قد بيّنّا أنّ الصلح يصحّ عن الإنكار كما يصحّ عن الإقرار.
وخالف فيه الشافعي ومَنَع من صحّة الصلح عن الإنكار(١) . وقد سلف(٢) دليله وضعفه.
وربما احتجّ بعضهم : بقولهعليهالسلام : « الصلح بين المسلمين جائز إلّا صلحاً أحلّ حراماً أو حرّم حلالاً »(٣) وهذا الصلح قد أحلّ الحرام ؛ لأنّه لم يكن له أن يأخذ من مال المدّعى عليه وقد حلّ بالصلح(٤) .
وهو ضعيف ؛ لأنّ المعنى الذي ذكروه آتٍ في الصلح بمعنى البيع ؛ لأنّه يحلّ لكلّ واحدٍ منهما ما كان محرَّماً عليه ، وكذا الصلح بمعنى الهبة ، فإنّه يحلّ للموهوب له ما كان محرَّماً عليه ، والإسقاط يحلّ له ترك أداء ما كان واجباً عليه.
ولأنّ الصلح الصحيح هو الذي يحلّل ما كان حراماً لولاه ، كغيره من العقود ، والصلح الفاسد لا يحلّ به الحرام ، والمراد المنع من صلحٍ يتوصّل به إلى تناول المحرَّم مع بقائه بعد الصلح على تحريمه ، كما لو صالحه على استرقاق حُرٍّ أو شرب خمرٍ ، أو إذا كان المدّعي كاذباً في دعواه أو المنكر في إنكاره ، ويتوصّل الكاذب إلى أخذ المال بالصلح من غير رضا الآخَر باطناً ، فإنّه صلحٌ باطل.
____________________
(١) راجع الهامش (١) من ص ٢٦.
(٢) في ص ٢٦.
(٣) تقدّم تخريجه في الهامش (٣) من ص ٥.
(٤) راجع المغني والشرح الكبير ٥ : ١٠ ، والبيان ٦ : ٢٢٦.
ولأنّه يباح لمن له حقٌّ يجحده غريمه أن يأخذ من ماله بقدره أو دونه ، وإذا حلّ له ذلك من غير اختياره ولا علمه ، فلأن يحلّ برضاه وبذله أولى.
ولأنّه يحلّ مع اعتراف الغريم ، فلأن يحلّ به مع جحده وعجزه عن الوصول إلى حقّه إلّا بذلك أولى.
ولأنّ المدّعي هنا يأخذ عوض حقّه الثابت له ، والمدّعى عليه يدفعه لدفع الشرّ عنه وقطع الخصومة ، وليس في الشرع ما يدلّ على تحريم ذلك في موضعٍ.
ولأنّ الصلح مع الإنكار يصحّ مع الأجنبيّ ، فصحّ مع الغريم ، كالصلح مع الإقرار ، بل هو أولى ؛ لأنّه إذا صحّ مع الأجنبيّ مع غناه ، فلأن يصحّ مع الخصم مع حاجته إليه أولى.
واحتجاجهم بأنّه معاوضة(١) ، قلنا : إن أردتم أنّه معاوضة في حقّهما فهو ممنوع ، وإن أردتم أنّه معاوضة في حقّ أحدهما فمسلَّم ؛ لأنّ المدّعي يأخذ عوض حقّه من المنكر ؛ لعلمه بثبوت حقّه عنده ، فهو معاوضة في حقّه ، والمنكر يعتقد أنّه يدفع المال المدفوع لدفع الخصومة والمنازعة وتخليصه من شرّ المدّعي ، فهو إبراء في حقّه ، وغير ممتنعٍ ثبوت المعاوضة في حقّ أحد المتعاقدين دون الآخَر ، كما لو اشترى عبداً شهد بحُرّيّته ، فإنّه يصحّ ، ويكون معاوضةً في حقّ البائع ، واستنقاذاً في حقّ المشتري.
إذا ثبت هذا ، فإنّما يصحّ الصلح لو اعتقد المدّعي حقّيّة دعواه ، والمدّعى عليه يعتقد براءة ذمّته ، وأنّه لا شيء عليه للمدّعي ، فيدفع إلى المدّعي شيئاً ليدفع عنه اليمين ويقطع الخصومة ويصون نفسه عن التبذّل وحضور مجلس الحكم ، فإنّ أرباب النفوس الشريفة والمروءات
____________________
(١) راجع المغني والشرح الكبير ٥ : ١٠ ، والبيان ٦ : ٢٢٦.
والمناصب الجليلة يترفّعون عن ذلك ، ويصعب عليهم الحضور للمنازعة ، ويرون دفع ذلك عنهم من أعظم مصالحهم ، والشرع لا يمنع من وقاية النفس وصيانتها ودفع الشرّ عنها ببذل الأموال ، والمدّعي يأخذ ذلك عوضاً عن حقّه الثابت له في زعمه ، ولا يمنعه الشرع من ذلك أيضاً.
ولا فرق بين أن يكون المأخوذ من جنس حقّه أو من غير جنسه ، ولا بين أن يكون بقدر حقّه أو أقلّ ، فإن أخذ من جنس حقّه بقدره فهو مستوفٍ لحقّه ، وإن أخذ دونه فقد استوفى بعض حقّه وترك البعض.
وإن أخذ من غير جنس حقّه ، فقد أخذ عوضه ، فيجوز أن يأخذ أزيد حينئذٍ.
وإن أخذ من جنس حقّه أزيد ، فالأقرب : الجواز.
ومَنَع منه بعضُ الجمهور ؛ بناءً على أنّ الزائد لا عوض له ، فيكون ظالماً(١) .
وهو غلط إذا رضي الدافع باطناً وظاهراً ، وقد سبق(٢) .
مسألة ١١٠٥ : إذا ادّعى على غيره مالَ الأمانة ، فأنكر أو اعترف ، ثمّ صالح عنه إمّا بجنسه أو بغير جنسه ، جاز ، كالمضمون ؛ عملاً بعموم قوله تعالى :( وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ) (٣) .
وقولهعليهالسلام : « الصلح جائز بين المسلمين »(٤) .
فلو ادّعى على رجلٍ وديعةً أو قراضاً أو لقطةً أو غيرها من الأمانات ، أو ادّعى تفريطاً في وديعةٍ أو في قراضٍ أو غير ذلك فصالح ، جاز ؛ لما
____________________
(١) المغني ٥ : ١١ - ١٢ ، الشرح الكبير ٥ : ١٢.
(٢) في ص ٣٧ - ٣٨ ، المسألة ١٠٤٥.
(٣) النساء : ١٢٨.
(٤) تقدّم تخريجه في الهامش (٣) من ص ٢٠.
تقدّم.
مسألة ١١٠٦ : قد ذكرنا أنّه يصحّ الصلح من الأجنبيّ عن المنكر أو المعترف ، سواء اعترف الأجنبيّ للمدّعي بصحّة دعواه أو لم يعترف ، وسواء كان بإذنه أو بغير إذنه.
وقال أصحاب الشافعي : إنّما يصحّ إذا اعترف للمدّعي بصحّة دعواه(١) .
وهو بناءً على أنّ الصلح عن الإنكار باطل ، وقد بيّنّا بطلانه.
ثمّ إن كان الصلح عن دَيْنٍ ، صحّ ، سواء كان بإذن المنكر أو بغير إذنه ؛ لأنّ قضاء الدَّيْن عن غيره جائز بإذنه وبغير إذنه ؛ فإنّ عليّاًعليهالسلام وأبا قتادة قضيا عن الميّت ، فأجازه النبيّصلىاللهعليهوآله (٢) .
وإن كان الصلح عن عينٍ بإذن المنكر فهو كالصلح منه ؛ لأنّ الوكيل يقوم مقام الموكّل ، وإن كان بغير إذنه فهو افتداء للمنكر من الخصومة واعتياض للمدّعي(٣) ، وهو جائز في الموضعين.
وإذا صالح عنه بغير إذنه ، لم يرجع عليه بشيءٍ ؛ لأنّه أدّى عنه ما لا يلزمه أداؤه ، ولأنّه لم يثبت وجوبه على المنكر ولا يلزمه أداؤه إلى المدّعي ، فكيف يلزمه أداؤه إلى غيره!؟ ولأنّه متبرّع بأدائه غير ما يجب عليه.
وقال بعض الحنابلة : يرجع. ويجعله كالمدّعي(٤) .
____________________
(١) الحاوي الكبير ٦ : ٣٧٣ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٤٠ ، الوجيز ١ : ١٧٨ ، الوسيط ٤ : ٥٢ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ١٤٥ ، البيان ٦ : ٢٢٨ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٩٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٣٥ - ٤٣٦ ، المغني والشرح الكبير ٥ : ١٣.
(٢) مرّ تخريجه في ج ١٤ ، ص ٢٨١ ، الهامش ( ٥ و ٦ ) وص ٢٨٢ ، الهامش (١)
(٣) في النسخ الخطّيّة : « من المدّعي » بدل « للمدّعي ».
(٤) المغني والشرح الكبير ٥ : ١٤.
وهو غلط ؛ لأنّه يجعله كالمدّعي في الدعوى على المنكر ، أمّا أنّه يجب له الرجوع بما أدّاه فلا وجه له أصلاً ، وأكثر ما يجب لمن قضى دَيْن غيره أن يقوم مقام صاحب الدَّيْن ، وصاحب الدَّيْن هنا لم يجب له حقٌّ ، ولا يلزم الأداء إليه ، ولا يثبت له أكثر من جواز الدعوى ، فكذلك هنا.
ويشترط في جواز الدعوى أن يعلم صدق المدّعي ، فإن لم يعلم لم يجز له دعوى شيءٍ لا يعلم ثبوته.
وإذا صالح عنه بإذنه ، فهو وكيله ، والتوكيل في ذلك جائز.
ثمّ إن أدّى عنه بإذنه رجع عليه ، وهذا قول الشافعي(١) ، وإن أدّى عنه بغير إذنه متبرّعاً لم يرجع بشيءٍ.
وإن قضاه محتسباً بالرجوع ، احتُمل الرجوع ؛ لأنّه قد وجب عليه أداؤه بعقد الصلح ، بخلاف ما إذا صالح وقضى بغير إذنه ، فإنّه قضى ما لا يجب على المنكر قضاؤه.
مسألة ١١٠٧ : إذا صالحه على سكنى دارٍ أو خدمة عبدٍ ونحوه من المنافع المتعلّقة بالأعيان ، صحّ بشرط ضبط المدّة ، ولا يكون ذلك إجارةً ، بل عقداً مستقلّاً بنفسه ، خلافاً للشافعي(٢) .
فإن تلفت الدار أو العبد قبل استيفاء شيءٍ من المنفعة ، انفسخ الصلح ، ورجع بما صالح عنه.
وإن تلف بعد استيفاء بعض المنفعة ، انفسخ فيما بقي من المدّة ، ورجع بقسط ما بقي.
ولو صالحه على أن يزوّجه جاريته ، لم يصح ؛ لأنّ البُضْع لا يقع في
____________________
(١) الحاوي الكبير ٦ : ٣٧٣ ، البيان ٦ : ٢٢٨ ، المغني ٥ : ١٤.
(٢) التهذيب - للبغوي - ٤ : ١٤٣ ، البيان ٦ : ٢٢٢ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٨٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٢٨.
مقابله شيء.
وقال بعض الجمهور : يصحّ ، ويكون المصالَح عنه صداقها(١) .
وليس بشيءٍ.
فإن انفسخ النكاح قبل الدخول بأمرٍ يُسقط الصداقَ ، رجع الزوج بما صالَح عنه. فإن [ طلّقها ](٢) قبل الدخول ، رجع بنصفه.
وإن كان المعترف امرأةً فصالحت المدّعي على أن تزوّجه نفسها على أن يكون بُضْعها عوضاً ، لم يصح ، خلافاً لبعض الحنابلة(٣) .
وكذا لو كان الصلح عن عيبٍ في مبيعها فصالحته على نكاحها ، قال : فإن زال العيب رجعت بأرشه ؛ لأنّ ذلك صداقها ، فرجعت به ، لا بمهر مثلها ، وإن لم يزل العيب لكن انفسخ نكاحها بما يُسقط صداقَها ، رجع عليها بأرشه(٤) .
وهو مبنيّ على جواز جَعْل البُضْع عوضاً في الصلح.
مسألة ١١٠٨ : قد بيّنّا أنّه يصحّ الصلح عن الدَّيْن ببعضه مع الرضا الباطن ؛ لأنّ كعباً تقاضى ابن أبي حدْرد دَيْناً - كان له عليه - في المسجد ، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فخرج إليهما ثمّ نادى : « يا كعب » قال : لبّيك ، فأشار إليه أن ضَع الشطر من دَيْنك ، قال : قد فعلتُ يا رسول الله(٥) .
____________________
(١) المغني ٥ : ١٨.
(٢) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « طالب ». والمثبت هو الصحيح.
(٣) المغني ٥ : ١٨ ، الشرح الكبير ٥ : ٧.
(٤) المغني ٥ : ١٨ ، الشرح الكبير ٥ : ٧ - ٨.
(٥) صحيح البخاري ٣ : ٢٤٦ ، صحيح مسلم ٣ : ١١٩٢ / ١٥٥٨ ، سنن البيهقي ٦ : ٦٤ ، المعجم الكبير - للطبراني - ١٩ : ٦٧ - ٦٨ / ١٢٨.
وفي الذي أُصيب في حديقته فمرّ به النبيّصلىاللهعليهوآله وهو ملزوم ، فأشار إلى غرمائه بالنصف ، فأخذوا منه(١) .
وهذا يدلّ على تسويغه مع الرضا الباطن.
ولو قال : على أن توفيني ما بقي ، صحّ أيضاً عندنا.
ومَنَعه الحنابلة ؛ لأنّه ما أبرأه عن بعض الحقّ إلّا ليوفيه بقيّته ، فكأنّه عاوض بعض حقّه ببعضٍ(٢) . وهو ممنوع.
ولو كان له في يد غيره عيناً ، فقال : قد وهبتك نصفها فأعطني نصفها ، صحّ ، واعتُبر في ذلك شروط الهبة.
ولو أخرجه مخرج الشرط ، صحّ عندنا.
خلافاً للشافعي وأحمد ؛ لأنّه إذا شرط الهبة في الوفاء ، جَعَل الهبة عوضاً عن الوفاء ، فكأنّه عاوض بعض حقّه ببعضٍ(٣) .
وهذا ليس بشيءٍ.
ولو قال : صالحني بنصف دَيْنك علَيَّ أو بنصف دارك هذه ، فيقول : صالحتك بذلك ، صحّ عندنا ، وهو قول أكثر الشافعيّة(٤) - ومَنَع منه بعض الشافعيّة والحنابلة(٥) - لأنّه إذا لم يجز بلفظ الصلح خرج عن أن يكون صلحاً ، ولا يبقى له تعلّقٌ به ، فلا يُسمّى صلحاً ، وأمّا إذا كان بلفظ الصلح سُمّي صلحاً ؛ لوجود اللفظ و [ إن تخلّف ](٦) المعنى ، كالهبة بشرط الثواب ، وإنّما يقتضي لفظ الصلح المعاوضةَ إذا كان هناك عوضٌ ، أمّا مع عدمه فلا ، وإنّما معنى الصلح الرضا والاتّفاق ، وقد يحصل من غير عوضٍ ، كالتمليك
____________________
(١ و ٢) المغني ٥ : ١٨ ، الشرح الكبير ٥ : ٤.
(٣ - ٥) المغني ٥ : ١٩ ، الشرح الكبير ٥ : ٤
(٦) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « لم يختلف ». والمثبت هو الصحيح.
إذا كان بعوضٍ سُمّي بيعاً ، وإن خلا عن العوض سُمّي هبةً.
ولو ادّعى على رجلٍ بيتاً ، فصالحه على بعضه أو على بناء غرفةٍ فوقَه أو على أن يُسكنه سنةً ، صحّ عندنا - خلافاً للحنابلة(١) - للأصل.
احتجّوا بأنّه يصالحه عن ملكه ببعضه أو منفعته(٢) .
ونمنع عدم جوازه.
ولو صالحه بخدمة عبده سنةً ، صحّ عندنا وعندهم(٣) .
فإن باع العبد في السنة ، صحّ البيع ، ويكون للمشتري مسلوبَ المنفعة بقيّة السنة ، وللمُصالح منفعته إلى انقضاء السنة.
ولو لم يعلم المشتري بذلك ، كان له الفسخ ؛ لأنّه عيبٌ.
وإن أعتق العبدَ في أثناء المدّة ، صحّ العتق ؛ لأنّه مملوكه يصحّ بيعه فيصحّ عتقه ، وللمُصالح استيفاء منفعته في المدّة ؛ لأنّه أعتقه بعد أن مَلَك منفعته ، فأشبه ما لو أعتق الأمة المزوّجة بحُرٍّ.
ولا يرجع العبد على سيّده بشيءٍ ؛ لأنّه ما زال ملكه بالعتق إلّا عن الرقبة ، فالمنافع حينئذٍ مملوكة لغيره فلم تتلف منافعه بالعتق فلا يرجع بشيءٍ.
ولو أعتق مسلوبَ المنفعة - كمقطوع اليدين ، أو الأمة المزوّجة - لم يرجع عليه بشيءٍ.
وقال الشافعي : يرجع على سيّده بأُجرة مثله ؛ لأنّ العتق اقتضى إزالة ملكه عن الرقبة والمنفعة جميعاً ، فلـمّا لم تحصل المنفعة للعبد هنا فكأنّه حالَ بينه وبين منفعته(٤) .
ونمنع اقتضاء العتق زوالَ الملك عن المنفعة ؛ لأنّ اقتضاءه إنّما يكون
____________________
(١) المغني ٥ : ١٩ - ٢٠ ، الشرح الكبير ٥ : ٦.
(٢) المغني ٥ : ٢٠ ، الشرح الكبير ٥ : ٦.
(٣ و ٤) المغني ٥ : ٢٠ ، الشرح الكبير ٥ : ٨.
لو كانت المنفعة مملوكةً له ، أمّا إذا كانت مملوكةً لغيره فلا يقتضي إعتاقه إزالة ما ليس بموجودٍ.
ولو ظهر أنّ العبد مستحَقٌّ ، تبيّن بطلان الصلح ؛ لفساد العوض ، ويرجع المدّعي فيما أقرّ له به.
ولو ظهر عيب في العبد تنقص به المنفعة ، فله ردّه وفسخ الصلح.
مسألة ١١٠٩ : إذا ادّعى زرعاً في يد رجلٍ ، فأقرّ له به ، ثمّ صالحه منه على الوجه الذي يجوز بيع الزرع فيه ، صحّ ، وكذا لو صالحه على غير الوجه الذي يصحّ بيعه ؛ لأنّ الصلح عقدٌ مستقلّ بنفسه غير فرعٍ على البيع.
ولو كان الزرع في يد رجلين فأقرّ له أحدهما ثمّ صالحه عليه قبل اشتداد الحَبّ ، صحّ عندنا.
خلافاً للشافعي ؛ لأنّه إن صالحه عليه بشرط التبقية أو من غير شرط القطع لم يجز ، لأنّه لا يجوز بيعه كذلك - وقد قلنا : إنّ الصلح عقد قائم برأسه ، فلا يشترط فيه ما يشترط في البيع وغيره - ولو شرط القطع لم يجز ؛ لأنّه لا يمكنه قطع زرع الآخَر ، وقسمته لا تصحّ(١) .
ولو كان الزرع لواحدٍ فأقرّ به للمدّعي وصالحه عليه ، فإن شرط القطع صحّ الصلح عندنا وعند الشافعي(٢) .
وإن شرط التبقية ، صحّ الصلح عندنا ، خلافاً له(٣) .
ولو كانت الأرض للمُصالح ، كان له تبقية الزرع في أرضه.
ولو أطلق صحّ عندنا.
وقال الشافعي : إن كان المشتري(٤) لا يملك الأرض لم يصح ، وإن
____________________
(١) الأُم ٣ : ٢٢٧ ، مختصر المزني : ١٠٧ ، الحاوي الكبير ٦ : ٤١٦.
(٢ و ٣) الحاوي الكبير ٦ : ٤١٥ - ٤١٦ ، البيان ٦ : ٢٥١.
(٤) كذا قوله : « المشتري ». والظاهر : « المُصالح ».
كان يملك الأرض فوجهان ، كما إذا باع الثمرة من صاحب النخل بغير شرط القطع(١) .
مسألة ١١١٠ : لو ادّعى رجل على غيره زرعاً في أرضه فأقرّ له بنصفه أو أنكر - عندنا - ثمّ صالحه عن نصفه على نصف الأرض ، جاز عندنا ؛ عملاً بالأصل.
وقال الشافعي : لا يجوز ؛ لأنّ من شرط بيع الزرع قطعه ، ولا يمكن ذلك في المشاع(٢) .
ونحن نمنع من الاشتراط الذي ذكره ، وقد سبق(٣) .
ولو صالحه منه على جميع الأرض بشرط القطع على أن يسلّم إليه الأرض فارغةً ، صحّ ؛ لأنّ قطع جميع الزرع ثابت نصفه بحكم الصلح والباقي لتفريغ الأرض ، فأمكن القطع ، وأشبه مَن اشترى أرضاً وفيها زرع وشَرَط تفريغَ الأرض فإنّه يجوز ، كذا هنا.
وإن كان أقرّ له بجميع الزرع وصالحه من نصفه على نصف الأرض ليكون الأرض والزرع بينهما نصفين ، وشَرَط القطع ، فإن كان الزرع في الأرض بغير حقٍّ جاز الشرط ؛ لأنّ الزرع يجب قطعه بأجمعه ، وإن كان في الأرض بحقٍّ جاز أيضاً ؛ عملاً بالشرط ، وقد قالعليهالسلام : « المؤمنون عند شروطهم »(٤) ولأنّهما قد شرطا قطع كلّ الزرع وتسليم الأرض فارغةً ، وهو أحد قولَي الشافعيّة.
والثاني : لا يجوز الشرط ؛ لأنّه لا يمكن قطع الجميع ، بخلاف ما إذا
____________________
(١) الحاوي الكبير ٦ : ٤١٦ ، البيان ٦ : ٢٥١ - ٢٥٢ ، و ٥ : ٢٣٧.
(٢) بحر المذهب ٨ : ٤٨ ، البيان ٦ : ٢٥٢.
(٣) في ص ٣٦ ، ضمن المسألة ١٠٤٤.
(٤) تقدّم تخريجه في ص ٧٦ ، الهامش (٣)
شرط على بائع الزرع قطع الباقي ؛ لأنّ باقي الزرع ليس بمبيعٍ ، فلا يصحّ شرط قطعه في العقد ، ويخالف ما إذا أقرّ بنصف الزرع وصالحه على جميع الأرض ؛ لأنّه شرط تفريغ المبيع(١) .
والحقّ : الجواز ؛ لما تقدّم ، ولا يختصّ شرط القطع بالبيع.
مسألة ١١١١ : قد بيّنّا أنّه إذا خرجت أغصان الشجرة إلى ملك الجار ، كان للجار عطفها وإزالتها عن ملكه.
فإن أمكن ذلك بغير إتلافٍ ولا قطعٍ من غير مشقّةٍ تلزمه ولا غرامة ، لم يجز إتلافها ، كما إذا أمكنه إخراج دابّة الغير من ملكه بغير إتلافٍ ، فإن أتلفها والحال هذه ضمنها.
وإن لم يمكن إزالتها إلّا بالإتلاف ، كان له ذلك ، ولا شيء عليه ؛ لأنّه لا يلزمه إقرار مال غيره في ملكه.
فإن صالحه على إقرارها بعوضٍ معلوم ، صحّ.
وللشافعيّة والحنابلة قولان(٢) .
ولا فرق بين أن يكون الغصن رطباً أو يابساً ؛ لأنّ الجهالة في المصالَح عنه لا تمنع الصحّة ؛ لكونها لا تمنع التسليم ، بخلاف العوض ، فإنّه يفتقر إلى العلم لوجوب تسليمه ، ولأنّ الحاجة تدعو إلى الصلح عنه لكون ذلك [ يكثر ](٣) في الأملاك المتجاورة ، وفي القطع إتلاف وضرر ، والزيادة المتجدّدة يعفى عنها ، كالسمن الحادث في المستأجر للركوب ، والمستأجر للغرفة يتجدّد له الأولاد.
____________________
(١) بحر المذهب ٨ : ٤٨ ، البيان ٦ : ٢٥٢ - ٢٥٣.
(٢) الحاوي الكبير ٦ : ٤٠٦ ، حلية العلماء ٥ : ١٥ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١١٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥٦ ، المغني ٥ : ٢٢ - ٢٣ ، الشرح الكبير ٥ : ٢٤ - ٢٥.
(٣) ما بين المعقوفين أضفناه من المغني ٥ : ٢٢ ، والشرح الكبير ٥ : ٢٥.
وعند أحمد يصحّ الصلح في الرطب وإن زاد أو نقص ؛ لأنّ الجهالة في الـمُصالَح عنه لا تمنع الصحّة إذا لم يكن إلى العلم به سبيل ؛ لدعاء الحاجة إليه ، وكونه لا يحتاج إلى تسليمه(١) .
ولو صالحه على إقرارها بجزءٍ معلوم من ثمرها أو كلّه ، لم يجز ، وبه قال الشافعي وأكثر العامّة(٢) - وعن أحمد روايتان(٣) - لأنّ العوض مجهول ، والثمرة مجهولة ، وجزؤها مجهول ، ومن شرط الصلح العلمُ بالعوض ، والمصالَح عليه أيضاً مجهول ؛ لتغيّره بالزيادة والنقصان ، كما تقدّم.
واحتجّ أحمد : بأنّه قد تدعو الحاجة إليه(٤) .
وقد عرفت بطلان التعليل بالحاجة.
نعم ، لو أباح كلٌّ منهما لصاحبه حقَّه ، جاز من غير لزومٍ ، بل لكلٍّ منهما الرجوعُ ، فيستبيح صاحب الشجرة إباحة الوضع على الجدار أو الهواء ، ويستبيح صاحب الدار ثمرة الشجرة ، كما لو قال كلٌّ منهما لصاحبه : أُسكن داري وأسكن دارك ، من غير تقدير مدّةٍ ولا ذكر شروط الإجارة.
وكذا حكم العروق إذا سرت إلى أرض الجار ، سواء أثّرت ضرراً ، كما في المصانع وطيّ الآبار وأساسات الحيطان ، أو [ منعت ](٥) من نبات شجرٍ لصاحب الأرض أو الزرع ، أو لم تؤثّر ضرراً ، فإنّ الحكم في قطعه والصلح عليه كالحكم في الزرع ، إلّا أنّ العروق لا ثمر لها.
وكذا لو زلق من أخشابه إلى ملك غيره ، فالحكم كما سبق.
مسألة ١١١٢ : قد بيّنّا أنّه يصحّ أن يصالحه عن المؤجَّل ببعضه حالّاً
____________________
(١ و ٣) المغني ٥ : ٢٣ ، الشرح الكبير ٥ : ٢٥.
(٢) المغني ٥ : ٢٣ ، الشرح الكبير ٥ : ٢٥ - ٢٦.
(٤) المغني ٥ : ٢٣ ، الشرح الكبير ٥ : ٢٦.
(٥) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « منع ». والظاهر ما أثبتناه.
- وبه قال ابن عباس والنخعي وابن سيرين والحسن البصري(١) - لأنّ التعجيل جائز ، والإسقاط وحده جائز ، فجاز الجمع بينهما ، كما لو فعل ذلك من غير مواطأة عليه.
وكرهه زيد بن ثابت وابن عمر وسعيد بن المسيّب والقاسم وسالم والشعبي ، ومَنَعه أيضاً مالك وأحمد والشافعي والثوري وابن عيينة وهيثم وأبو حنيفة وإسحاق(٢) ، وقد تقدّم(٣) .
مسألة ١١١٣ : قد بيّنّا أنّه يصحّ الصلح عن المجهول دَيْناً كان أو عيناً.
خلافاً للشافعي ؛ حيث قال : لا يصحّ ؛ لأنّه بيع ، فلا يصحّ على المجهول(٤) .
ونمنع كونه بيعاً وكونه فرعَ بيعٍ ، وإنّما هو إبراء.
ولو سلّمنا كونه بيعاً ، فإنّه يصحّ في المجهول عند الحاجة ، كأساسات الحيطان وطيّ الآبار.
ولو أتلف رجل صبرةَ طعامٍ لا يعلم قدرها ، فقال صاحب الطعام لـمُتلفها : بعتك الطعام الذي في ذمّتك بهذا الدرهم أو بهذا الثوب ، لم يصح
____________________
(١) المغني ٥ : ٢٤ - ٢٥ ، الشرح الكبير ٥ : ٥.
(٢) المغني ٥ : ٢٤ ، الشرح الكبير ٥ : ٥ ، المعونة ٢ : ١١٩٣ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ٤٥٢ ، الوجيز ١ : ١٧٨ ، الوسيط ٤ : ٥١ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ١٤٤ ، البيان ٦ : ٢٢٣ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٨٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٣١ ، منهاج الطالبين : ١٢٥ ، تحفة الفقهاء ٣ : ٢٥٢ ، بدائع الصنائع ٦ : ٤٥ ، المبسوط - للسرخسي - ٢١ : ٣١ ، الفقه النافع ٣ : ١٢٦٨ / ١٠١٩ ، الاختيار لتعليل المختار ٣ : ١٢ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ١٩٧.
(٣) في ص ١٥ - ١٦ ، ذيل المسألة ١٠٢٧.
(٤) الحاوي الكبير ٦ : ٣٦٨ - ٣٦٩ ، التنبيه : ١٠٣ - ١٠٤ ، البيان ٦ : ٢٢٥ ، المغني ٥ : ٢٦ ، الشرح الكبير ٥ : ٩ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ١ : ٣١٧ ، وقد تقدّم في ص ١٩ ، ذيل المسألة ١٠٢٩.
عندنا ؛ لأنّ شرط البيع معلوميّة العوضين.
وقال أحمد : يصحّ(١) .
وعلى قولنا وقوله لو صالحه به عليه صحّ ؛ لأنّ الجهل لا ينافي الصلح.
وإذا كان العوض في الصلح ممّا لا يحتاج إلى تسليمه ولا سبيل إلى معرفته ، كالمواريث الدارسة ، والحقوق التالفة ، والأراضي والأموال التي لا يعلمها أحد من المتخاصمين ولا يعرف قدر حقّه منها ، فإنّ الصلح فيها جائز عندنا وعند أحمد(٢) مع الجهالة من الجانبين ، وقد سبق(٣) .
وأمّا ما يمكنه معرفته - كتركةٍ موجودةٍ يعلمها الذي هي في يده ويجهلها الآخَر - فإنّه لا يصحّ الصلح عليه مع الجهل.
وكذا كلّ مَنْ له نصيب في ميراثٍ أو غيره يظنّ قلّته إذا صُولح عليه ، لا يصحّ مع علم الخصم الآخَر ؛ لأنّ الصلح إنّما جاز مع جهالتهما ؛ للحاجة إليه ، فإنّ إبراء الذمّة أمر مطلوب ، ولا طريق إليه إلّا الصلح.
مسألة ١١١٤ : يجوز الصلح عن كلّ ما يجوز أخذ العوض عنه ، سواء كان ممّا يجوز بيعه أو لا يجوز ، فيصحّ عن دم العمد وسكنى الدار وعيب المبيع.
ومَنْ صالَح عمّا يوجب القصاص بأكثر من ديته أو أقلّ ، جاز ؛ لأنّ الحسن والحسينعليهماالسلام وسعيد بن العاص بذلوا للّذي وجب له القصاص على هدبة بن خشرم سبع ديات فأبى أن يقبلها(٤) .
____________________
(١) المغني ٥ : ٢٦ - ٢٧ ، الشرح الكبير ٥ : ٩.
(٢) المغني ٥ : ٢٧ ، الشرح الكبير ٥ : ٩.
(٣) في ص ١٧ ، المسألة ١٠٢٩.
(٤) المغني ٥ : ٢٧ ، و ٩ : ٤٧٨ ، الشرح الكبير ٥ : ١٧.
وإن صالح عن قتل الخطأ بأكثر من ديته من جنسها ، جاز عندنا ، خلافاً لأحمد(١) .
وكذا لو أتلف عبداً أو غيره فصالَح على أكثر من قيمته أو أقلّ ، سواء كان من جنس القيمة أو من غير جنسها ، جاز عندنا ، وبه قال أبو حنيفة(٢) ، خلافاً للشافعي وأحمد(٣) .
مسألة ١١١٥ : قد بيّنّا أنّه إذا ظهر استحقاق أحد العوضين ، بطل الصلح ، فلو صالحه على دارٍ أو عبدٍ بعوضٍ فوجد العوض مستحقّاً أو كان العبد حُرّاً ، فإنّه يرجع في الدار وما صالَح عن العبد إن كان موجوداً ، وإن كان تالفاً رجع بمثله إن كان مثليّاً ، وإلّا رجع بالقيمة.
ولو اشترى شيئاً فوجده معيباً فصالحه عن عيبه بعبدٍ فبانَ مستحقّاً أو حُرّاً ، رجع بأرش العيب.
ولو ظهر استحقاق المعيب ، رجع بالثمن والعبد معاً.
ولو كان البائع امرأةً فزوّجتْه نفسَها عوضاً عن أرش العيب فزال العيب ، لم يصحّ الصلح عندنا.
ويجوز عند أحمد ، فيرجع بأرشه ، لا بمهر المثل ؛ لأنّها رضيت بذلك مهراً لها(٤) .
ولو صالحه عن القصاص بحُرٍّ يعلمان حُرّيّته أو عبدٍ يعلمان أنّه مستحقّ ، أو تصالحا بذلك عن [ غير ](٥) القصاص ، رجع بالدية والأقربِ بالقصاص أو بما تصالح عنه ؛ لأنّ الصلح هنا باطل يعلمان بطلانه ، فكان
____________________
(١) المغني ٥ : ٢٧ ، الشرح الكبير ٥ : ٥.
(٢) روضة القُضاة ٢ : ٧٧١ / ٥١٩٥ ، المغني ٥ : ٢٨ ، الشرح الكبير ٥ : ٥.
(٣) المغني ٥ : ٢٧ - ٢٨ ، الشرح الكبير ٥ : ٥ ، روضة القُضاة ٢ : ٧٧١ / ٥١٩٦ و ٥١٩٧.
(٤) المغني ٥ : ٢٩.
(٥) ما بين المعقوفين أضفناه من المغني ٥ : ٢٩.
وجوده كالعدم.
ولو صالَح عن القصاص بعبدٍ فخرج مستحقّاً ، رجع بقيمة العبد ، وكذا إن خرج حُرّاً - ويحتمل قويّاً الرجوع إلى القصاص فيهما - وبه قال الشافعي وأحمد وأبو يوسف ومحمّد(١) .
وقال أبو حنيفة : إن خرج مستحقّاً رجع بقيمته ، وإن خرج حُرّاً رجع بما صالَح عنه ، وهو الدية(٢) .
مسألة ١١١٦ : قد بيّنّا أنّه يجوز أن يصالحه على إجراء ماء المطر على سطحه مع العلم بالمشاهدة للسطح أو بالمساحة ؛ لاختلاف الماء بكبر السطح وصغره.
وهل يفتقر إلى ذكر المدّة؟ مَنَع منه الحنابلة ؛ لأنّ الحاجة تدعو إليه(٣) .
ويجوز العقد على المنفعة في موضع الحاجة من غير تقديرٍ كما في النكاح.
ولا يملك صاحب الماء مجراه ؛ لأنّ هذا لا يستوفى به منافع المجرى دائماً ولا في أكثر المدّة ، بخلاف الساقية. وفيه نظر.
ولا يحتاج في إجراء الماء في الساقية إلى ما يُقدّر به ؛ لأنّ تقدير ذلك حصل بتقدير الساقية ، فإنّه لا يملك أن يجري فيها أكثر من مائها ، والماء الذي يجري على السطح يحتاج إلى معرفة مقدار السطح ؛ لأنّه يجري فيه القليل والكثير.
ولو كان السطح الذي يجري عليه الماء مستأجَراً أو عاريةً مع إنسانٍ ، لم يجز له أن يصالح على إجراء الماء عليه ؛ لأنّه يتضرّر بذلك ولم يؤذن له
____________________
(١ و ٢) المغني ٥ : ٢٨ ، الشرح الكبير ٥ : ١٧.
(٣) المغني ٥ : ٣٠ ، الشرح الكبير ٥ : ٢١.
فيه ، فلم يكن له أن يتصرّف(١) فيه.
وأمّا الساقية المحصورة فإن مَنَع المالك أو لم يعلم بالعرف إباحته ، فكذلك ، وإلّا جاز ؛ لأنّ الأرض لا تتضرّر به.
ولو كان ماء السطح يجري على الأرض ، جاز الصلح أيضاً على ذلك ، سواء احتاج إلى حفرٍ أو لا ؛ لأنّه بمنزلة إجراء الماء إلى ساقيةٍ. ويشترط المدّة المعيّنة.
ومَنَع أحمد - في إحدى الروايتين - منه(٢) .
مسألة ١١١٧ : لا يجوز للإنسان أن يجري الماء في أرض غيره ، سواء اضطرّ إلى ذلك أو لا ، إلّا بإذنه - وهو إحدى الروايتين عن أحمد(٣) - لأنّه تصرّف في أرض غيره بغير إذنه فلم يجز ، كما لو لم تَدْعُ إليه ضرورة ، ولأنّ مثل هذه الحاجة لا تبيح مال غيره ، كما أنّه لا يباح له الزرع في أرض الغير ولا البناء ولا الانتفاع بسائر وجوه الانتفاعات وإن احتاج إليها.
وفي الرواية الأُخرى عن أحمد : إنّه يجوز له إجراء الماء في أرض الغير عند الحاجة بأن تكون له أرض للزراعة لها ماء لا طريق له إلّا أرض جاره ، فإنّه يجوز له إجراء الماء فيها وإن كره المالك ؛ لما روي أنّ الضحّاك ابن خليفة ساق خليجاً من العريض ، فأراد أن يجريه في أرض محمّد بن مسلمة فأبى ، فقال له الضحّاك : لِمَ تمنعني وهو منفعة لك تشربه أوّلاً وآخراً ولا يضرّك؟ فأبى محمّد ، فكلّم فيه الضحّاك عمر ، فدعا عمر محمّد بن مسلمة فأمره أن يخلّي سبيله ، فقال محمّد : لا والله ، فقال له عمر : لِمَ تمنع أخاك ما ينفعه وهو لك نافع تشربه أوّلاً وآخراً؟ فقال محمّد : لا والله ، فقال
____________________
(١) في « ث ، خ ، ر » والطبعة الحجريّة : « له التصرّف » بدل « أن يتصرّف ».
(٢) المغني ٥ : ٣٠ ، الشرح الكبير ٥ : ٢٢.
(٣) المغني ٥ : ٣٠ - ٣١ ، الشرح الكبير ٥ : ٢٢.
عمر : ليمرّن به ولو على بطنك ، فأمره عمر أن يمرّ به ، ففعل. رواه مالك في موطّئه ، وسعيد في سننه(١) .
وهو خطأ ؛ لتطابق العقل والنقل على قبح التصرّف في مال الغير بغير إذنه. وقول عمر وفعله ليس حجّةً فيما لا يخالف العقل والنقل ، فكيف فيما يخالفهما.
مسألة ١١١٨ : يصحّ الصلح عن كلّ ما يجوز أخذ العوض عنه ، عيناً كان كالدار والعبد ، أو دَيْناً ، أو حقّاً كالشفعة والقصاص ، ولا يجوز على ما ليس بمالٍ ممّا لا يصحّ أخذ العوض عنه.
فلو صالحته المرأة على أن تقرّ له بالزوجيّة ، لم يصح ؛ لأنّها لو أرادت بذل نفسها بعوضٍ لم يجز.
ولو دفعت إليه عوضاً عن دعوى الزوجيّة ليكفّ عنها ، فالأقرب : الجواز - وللحنابلة وجهان(٢) - لأنّ المدّعي يأخذ عوضاً عن حقّه من النكاح فجاز ، كعوض الخلع ، والمرأة تبذله لقطع خصومته وإزالة شرّه فجاز.
فإن صالحته ثمّ ثبتت الزوجيّة بإقرارها أو بالبيّنة ، فإن قلنا : الصلح باطل ، فالنكاح باقٍ بحاله ؛ لأنّه لم يوجد من الزوج سبب الفرقة من طلاقٍ ولا خلع.
وإن قلنا : يصحّ الصلح ، فكذلك أيضاً.
وعند الحنابلة أنّها تبين منه بأخذ العوض ؛ لأنّه أخذه عمّا يستحقّه من نكاحها ، فكان خلعاً ، كما لو أقرّت له بالزوجيّة فخالعها(٣) .
وليس بشيءٍ.
____________________
(١) المغني ٥ : ٣١ ، الشرح الكبير ٥ : ٢٢ ، وانظر : الموطّأ ٢ : ٧٤٦ / ٣٣.
(٢) المغني ٥ : ٣٢ ، الشرح الكبير ٥ : ٦ - ٧.
(٣) المغني ٥ : ٣٢ ، الشرح الكبير ٥ : ٧.
ولو ادّعت أنّ زوجها طلّقها ثلاثاً فصالحها على مالٍ لترك دعواها ، لم يجز ؛ لأنّه لا يجوز لها بذل نفسها لمطلّقها بعوضٍ ولا بغيره.
ولو دفعت إليه مالاً ليُقرّ بطلاقها ، لم يجز.
وللحنابلة وجهان ، أحدهما : الجواز ، كما لو بذلت له مالاً ليطلّقها(١) .
مسألة ١١١٩ : لو ادّعى على غيره أنّه عبده فأنكره ، فصالحه على مالٍ ليُقرّ له بالعبوديّة ، لم يجز ؛ لأنّه يحلّ حراماً ، فإنّ إرقاق الحُرّ نفسه لا يحلّ بعوضٍ ولا بغيره.
ولو دفع المدّعى عليه مالاً صلحاً عن دعواه جاز ؛ لأنّه يجوز أن يعتق عبده بمالٍ ، ولأنّه يقصد بالدفع إليه دفع اليمين الواجبة عليه والخصومة المتوجّهة إليه.
ولو ادّعى على غيره ألفاً فأنكره فدفع إليه شيئاً ليُقرّ له بالألف ، لم يصح ، فإن أقرّ لزمه ما أقرّ به ، ويردّ ما أخذه ؛ لأنّا نتبيّن بإقراره كذبه في إنكاره ، وأنّ الألف عليه ، فيلزمه أداؤه بغير عوضٍ ، ولا يحلّ له [ أخذ ] العوض عن أداء الواجب عليه ، فإن دفع إليه المنكر مالاً صلحاً عن دعواه جاز.
مسألة ١١٢٠ : لو صالَح شاهداً على أن لا يشهد عليه ، لم يصح ؛ لأنّ المشهود به إن كان حقّاً لآدميٍّ - كالدَّيْن - أو لله تعالى - كالزكاة - فإن كان الشاهد يعرف ذلك ، لم يجز له أخذ العوض على تركه ، كما لا يجوز له أخذ العوض على ترك الصلاة ، وإن كان كذباً لم يجز له أخذ العوض على تركه ، كما لا يجوز أخذ العوض على ترك شرب الخمر.
وإن صالحه على أن لا يشهد عليه بالزور ، لم يصح ؛ لأنّ ترك ذلك واجب عليه ، ويحرم عليه فعله ، فلا يجوز أخذ العوض عنه ، كما لا يجوز
____________________
(١) المغني ٥ : ٣٢ ، الشرح الكبير ٥ : ٧.
أن يصالحه على أن لا يقتله ولا يغصب ماله.
وإن صالحه على أن لا يشهد عليه بما يوجب الحدّ كالزنا والسرقة ، لم يجز أخذ العوض عنه ؛ لأنّ ذلك ليس بحقٍّ له ، فلا يجوز له أخذ عوضه ، كسائر ما ليس بحقٍّ له.
ولو صالَح السارق والزاني والشارب بمالٍ على أن لا يرفعه إلى السلطان ، لم يصح كذلك ، ولم يجز له أخذ العوض.
ولو صالحه عن حدّ القذف ، لم يصح ؛ لأنّه إن كان لله تعالى لم يجز(١) له أن يأخذ عوضه ؛ لكونه ليس بحقٍّ له ، فأشبه حدّ الزنا ، وإن كان حقّاً له لم يصحّ الصلح ؛ لأنّه لا يجوز الاعتياض عنه ؛ لأنّه ليس من الحقوق الماليّة ، ولهذا لا يسقط إلى بدلٍ ، بخلاف القصاص ، ولأنّه شُرّع لتنزيه العِرْض ، فلا يجوز أن يعاوض عن عِرْضه بمالٍ.
والأقرب : عدم سقوط الحدّ بالصلح.
وللحنابلة وجهان مبنيّان على كونه حقّاً لله تعالى فلا يصحّ الصلح عنه ، كحدّ الزنا ، وكونه حقّاً للآدميّ فيسقط ، كالقصاص(٢) .
ولو صالَح عن حقّ الشفعة ، جاز عندنا ؛ لأنّه حقٌّ تعلّق بالمال ، فجاز الاعتياض عنه به ، كغيره من الحقوق الماليّة.
ومَنَع منه الحنابلة ؛ لأنّ الشفعة حقٌّ شُرّع على خلاف الأصل لدفع ضرر الشركة ، فإذا رضي بالتزام الضرر سقط الحقّ من غير بدلٍ(٣) .
وهو ممنوع.
مسألة ١١٢١ : لا يجوز أن يحفر في الطرق النافذة بئراً لنفسه ، سواء
____________________
(١) في الطبعة الحجريّة : « لم يكن » بدل « لم يجز ».
(٢) المغني ٥ : ٣٣ ، الشرح الكبير ٥ : ١٩.
(٣) المغني ٥ : ٣٤ ، الشرح الكبير ٥ : ١٩.
جعلها لماء المطر أو يستخرج منها ماء ينتفع به ، ولا غير ذلك.
ولو أراد حفرها للمسلمين ونفعهم أو لينتفع بها الطريق بأن يحفرها ليستقي الناس من مائها ويشرب منه المارّة أو لينزل فيها ماء المطر عن الطريق ، فإن تضرّر بها المسلمون أو كان الدرب ضيّقاً أو يحفرها في ممرّ الناس بحيث يخاف سقوط إنسانٍ فيها أو دابّة أو يضيق عليهم ممرّهم ، لم يجز ذلك ؛ لأنّ ضررها أكثر من نفعها.
وإن حفرها في زاويةٍ من طريقٍ واسع وجعل عليها ما يمنع الوقوع فيها ، فالأقرب : الجواز ؛ لأنّه نفع لا ضرر فيه ، لكن مع الضمان.
وإن كان الدرب غير نافذٍ ، لم يجز شيء من ذلك مطلقاً إلّا بإذن أربابه ؛ لأنّه ملكٌ لقومٍ معيّنين ، فلا يجوز فعله إلّا بإذنهم ، كما لو فعله في بستان غيره.
ولو صالَح أهل الدرب على ذلك جاز ، سواء حفرها لنفسه أو لينزل فيها ماء المطر عن داره أو ليستقي منها ماءً لنفسه ، أو حفرها للسبيل ونفع الطريق.
وكذا إن فَعَل ذلك في ملك إنسانٍ معيّن.
مسألة ١١٢٢ : قد بيّنّا أنّه يجوز إخراج الميازيب في الطرق النافذة إذا لم يمنع منه أحد يتضرّر به - وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي(١) - لأنّ عمر بن الخطّاب اجتاز على دار العبّاس وقد نصب ميزاباً إلى الطريق ، فقلعه ، فقال العبّاس : تقلعه وقد نصبه رسول اللهصلىاللهعليهوآله بيده(٢) ، وما فَعَله النبيّصلىاللهعليهوآله جاز لغيره فعله ؛ عملاً بالتأسّي ما لم يقم دليل على اختصاصه ، ولأنّ الحاجة تدعو إلى ذلك ، ولا يمكنه ردّ مائه إلى داره.
____________________
(١) المغني ٥ : ٣٦ ، الشرح الكبير ٥ : ٢٩.
(٢) تقدّم تخريجه في ص ٤٢ ، الهامش (١)
وقال أحمد : لا يجوز ؛ لأنّه تصرّف في هواءٍ مشتركٍ بينه وبين غيره بغير إذنه فلم يجز ، كغير النافذ(١) .
وعدم الإذن ممنوع بوضع عامّة الناس في الأمصار بأسرها على استمرار الدهور.
مسألة ١١٢٣ : قد بيّنّا أنّه لا يجوز وضع الجذوع على حائط الجار إلّا بإذنه ، وبيّنّا الخلافَ.
وكذا في جدار المسجد.
وعن أحمد روايتان ، إحداهما : الجواز ؛ لأنّه إذا جاز في ملك الجار مع أنّ [ حقّه ](٢) مبنيّ على الشحّ والتضييق ، ففي حقّ الله تعالى المبنيّ على المسامحة والمساهلة أولى(٣) .
وكلتا المقدّمتين ممنوعة.
فرعٌ : على قول أحمد إذا كان له وضع خشبٍ على جدار غيره ، لم يملك إعارته ولا إجارته ؛ لأنّه إنّما كان له ذلك لحاجته الماسّة إلى وضع خشبه ، ولا حاجة له إلى وضع خشبة غيره ، فلم يملكه.
وكذلك لا يملك بيع حقّه من وضع خشبه ولا المصالحة عنه للمالك ولا لغيره ؛ لأنّه أُبيح له لحاجته إليه ، فلا يجوز [ التخطّي ](٤) كطعام غيره إذا أُبيح له للضرورة لم يملك إباحة غيره(٥) .
ولو تنازعا مسنّاةً بين نهر أحدهما وأرض الآخَر أو بين أرضيهما أو
____________________
(١) المغني ٥ : ٣٦ - ٣٧ ، الشرح الكبير ٥ : ٣٠.
(٢) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « حائطه ». والمثبت كما في المصدر.
(٣) المغني والشرح الكبير ٥ : ٣٨.
(٤) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « التخطئة ». والظاهر ما أثبتناه.
(٥) المغني ٥ : ٣٩ ، الشرح الكبير ٥ : ٣٩ - ٤٠.
نهريهما ، تحالفا ، وكانت بينهما ؛ لأنّها حاجز بين ملكيهما ، كالحائط بين الملكين.
مسألة ١١٢٤ : لو كان السُّفْل لرجلٍ والعلوّ لآخَر ، فانهدم السقف الذي بينهما ، لم يُجبر أحدهما على عمارته لو امتنع - وللشافعي قولان ، وعن أحمد روايتان(١) - للأصل.
ولو انهدمت حيطان السُّفْل وأراد صاحب العلوّ بناءه ، لم يُمنع من ذلك ؛ توصّلاً إلى تحصيل ملكه.
فإن بناه بآلته ، فهو على ما كان.
وإن بناه بآلةٍ من عنده ، لم يكن له منع صاحب السُّفْل من السكنى - وبه قال الشافعي(٢) - لأنّ ملكه لم يخرج عن السُّفْل ، والسكنى إنّما هي إقامته في فناء الحيطان من غير تصرّفٍ فيها ، فأشبه الاستظلال بها من خارجٍ.
ومَنَع أبو حنيفة من السكنى ؛ لأنّ البيت إنّما يُبنى للسكنى فلم يملكه ، كغيره(٣) .
وليس بشيءٍ ؛ إذ لا يمنع من التصرّف في ملكه المختصّ به.
وعن أحمد روايتان(٤) .
مسألة ١١٢٥ : لو كان الحائط بينهما نصفين فاتّفقا على بنائه أثلاثاً أو بالعكس ، جاز ، كما لو تبرّع أحدهما ببنائه.
ومَنَع الحنابلة من تساويهما في البناء لو اختلفا في الاستحقاق ؛ لأنّه يصالح على بعض ملكه ببعضٍ فلم يصحّ ، كما لو أقرّ له بدارٍ فصالحه على
____________________
(١) المغني ٥ : ٤٨ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٧.
(٢ - ٤) المغني ٥ : ٤٩ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٧.
سكناها(١) .
والملازمة ممنوعة ، وكذا الحكم في الأصل ممنوع.
ولو اتّفقا على أن يحمله كلّ واحدٍ منهما ما شاء ، لم يجز ؛ لجهالة الحمل ، وإنّه يحمله من الأثقال ما لا طاقة له بحمله.
مسألة ١١٢٦ : لو كان سطح أحدهما أعلى من سطح الآخَر ، لم يُمنع صاحب الأعلى من الصعود على سطحه ، ولا يحلّ له الإشراف على سطح جاره.
وقال أحمد : ليس لصاحب العلوّ الصعودُ على سطحه على وجهٍ يشرف على سطح جاره إلّا أن يبني سترةً تستره(٢) .
ومذهبنا أنّه لا يجب بناء السترة - وبه قال الشافعي(٣) - لأنّه حاجز بين ملكيهما فلا يُجبر عليه ، كالأسفل.
احتجّ أحمد بأنّه يحرم عليه الاطّلاع والإشراف على جاره ؛ لأنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال : « لو أنّ رجلاً اطّلع عليك فخذفته بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح »(٤) (٥) .
ونحن نقول بموجبه ، فإنّ الاطّلاع حرام عندنا ، أمّا العلوّ بالسطح فلا.
مسألة ١١٢٧ : لو تنازع اثنان جملاً ، فإن كان لأحدهما عليه حمْلٌ كان صاحب الحمل أولى ، وبه قال الشافعي وإن لم يحكم بالجدار لصاحب الجذوع التي عليه ، وفرَّق بأنّ الحائط ينتفع به كلّ واحدٍ منهما وإن كان
____________________
(١) المغني ٥ : ٥٠ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٩.
(٢) بحر المذهب ٨ : ٤١ ، المغني ٥ : ٥٢ ، الشرح الكبير ٥ : ٥٢ - ٥٣.
(٣) بحر المذهب ٨ : ٤١ ، المغني ٥ : ٥٢ ، الشرح الكبير ٥ : ٥٣.
(٤) صحيح البخاري ٩ : ٨ - ٩ ، صحيح مسلم ٣ : ١٦٩٩ / ٤٤.
(٥) المغني ٥ : ٥٢ - ٥٣ ، الشرح الكبير ٥ : ٥٣.
صاحب الجذوع أكثر منفعةً ، وأمّا الجمل فالانتفاع لصاحب الحمل ، دون الآخَر(١) .
وهذا الفرق ليس بشيءٍ ، بل انتفاع صاحب الجذوع بالجدار أدوم.
ولو تنازعا عبداً ولأحدهما عليه ثوبٌ لابسه ، تساويا فيه ، بخلاف الحمل ؛ لأنّ صاحب الثوب لا ينتفع بلُبْس العبد له ، بخلاف الحمل ، ولأنّ الحمل لا يجوز أن يحمله على الجمل إلّا بحقٍّ ، ويجوز أن يجبر العبد على لُبْس قميص غير مالكه إذا كان عرياناً وبذله ، فافترقا.
مسألة ١١٢٨ : لو كان في يد شخصين درهمان فادّعاهما أحدهما وادّعى الآخَر واحداً منهما ، أُعطي مدّعيهما معاً درهماً ، وكان الدرهم الآخَر بينهما نصفين ؛ لأنّ مدّعي أحدهما غير منازعٍ في الدرهم الآخَر ، فنحكم به لمدّعيهما ، وقد تساويا في دعوى أحدهما يداً ودعوى ، فيُحكم به لهما.
هذا إذا لم توجد بيّنة.
والأقرب : إنّه لا بدّ من اليمين ، فيحلف كلّ واحدٍ منهما على استحقاق نصف الآخَر الذي تصادمت دعواهما فيه ، فمَنْ نكل منهما قُضي به للآخَر.
ولو نكلا معاً أو حلفا معاً ، قُسّم بينهما نصفين ؛ لما رواه عبد الله بن المغيرة عن غير واحدٍ من أصحابنا عن الصادقعليهالسلام : في رجلين كان معهما درهمان ، فقال أحدهما : الدرهمان لي ، وقال الآخَر : هُما بيني وبينك ، قال : فقال الصادقعليهالسلام : « أمّا أحد الدرهمين ليس له فيه شيء ، وإنّه لصاحبه ، ويُقسم الدرهم الباقي بينهما نصفين »(٢) .
مسألة ١١٢٩ : لو أودع رجل عند آخَر دينارين وأودعه آخَر ديناراً وامتزجا ثمّ ضاع دينار منهما ، فإن كان بغير تفريطٍ منه في الحفظ ولا في
____________________
(١) البيان ١٣ : ١٩٦ ، المغني ١٢ : ٢٢٨ ، وراجع الهامش (٣) من ص ٥٨٣.
(٢) التهذيب ٦ : ٢٠٨ / ٤٨١.
المزج بأن أذنا له في المزج أو حصل المزج بغير فعله ولا اختياره ، فلا ضمان عليه ؛ لأصالة البراءة ، ولو فرّط ضمن التالف.
هذا بالنظر إلى المستودع ، وأمّا المال الباقي فإنّه يعطى صاحب الدينارين ديناراً ؛ لأنّ خصمه يسلّم له أنّه لا يستحقّ منه شيئاً ، ويبقى الدينار الآخَر تتصادم دعواهما فيه ، فيُقسم بينهما نصفين ؛ لما رواه السكوني عن الصادق عن آبائهعليهمالسلام : في رجلٍ استودع رجلاً دينارين واستودعه آخَر ديناراً فضاع دينار منهما ، فقال : « يعطى صاحب الدينارين ديناراً ، ويقتسمان الدينار الباقي بينهما نصفين »(١) .
ولو كان ذلك في متساوي الأجزاء الممتزج مزجاً يرفع الامتياز ، كما لو استودعه أحدهما قفيزين من حنطةٍ أو شعير أو دخن وشبهه ، واستودعه الآخَر قفيزاً مثلهما ثمّ امتزج المالان وتلف قفيز من الممتزج ، فإنّ الأقوى هنا أن يقسم المال التالف بينهما على نسبة المالين ، فيكون لصاحب القفيزين قفيز وثلث قفيزٍ ، ولصاحب القفيز ثلثا قفيزٍ.
والفرق ظاهر ؛ لأنّ عين أحد الدينارين غير مستحقٍّ لصاحب الدينار.
مسألة ١١٣٠ : لو اشترى العامل في البضاعة ثوباً بثلاثين درهماً ، واشترى من مال المباضع الآخَر ثوباً بعشرين درهماً ، ثمّ امتزج الثوبان ، فإن خيّر أحدهما صاحبه فقد أنصفه ، وإن تعاسرا بِيعا معاً ، وبسط الثمن على القيمتين ، فيأخذ صاحب الثلاثين ثلاثة أخماس الثمن ، ويأخذ صاحب العشرين خُمْسي الثمن ؛ إذ الظاهر عدم التغابن ، وأنّ كلّ واحدٍ منهما اشترى بقيمته وباع بالنسبة.
____________________
(١) التهذيب ٦ : ٢٠٨ / ٤٨٣.
ولما رواه إسحاق بن عمّار عن الصادقعليهالسلام أنّه قال في الرجل يبضعه الرجل ثلاثين درهماً في ثوبٍ وآخَر عشرين درهماً في ثوبٍ ، فبعث الثوبين فلم يعرف هذا ثوبه ولا هذا ثوبه ، قال : « يُباع الثوبان فيعطى صاحب الثلاثين ثلاثة أخماس الثمن ، والآخَر خُمْسي الثمن » قال : قلت : فإنّ صاحب العشرين قال لصاحب الثلاثين : اختر أيّهما شئت ، قال : « قد أنصفه »(١) .
ولو بِيعا منفردين ، فإن تساويا في الثمن فلكلٍّ مثل صاحبه ؛ ليميّز حقّ كلّ واحدٍ منهما عن حقّ الآخَر ، وإن تفاوتا كان أقلّ الثمنين لصاحب العشرين وأكثرهما لصاحب الثلاثين ؛ قضاءً بالظاهر من عدم الغبن.
مسألة ١١٣١ : لو تنازعا في دابّةٍ فادّعاها كلّ واحدٍ منهما وكان أحدهما راكبَها والآخَر قابض لجامها ولا بيّنة ، قال الشيخرحمهالله : يُحكم بها لهما ، وتُجعل بينهما نصفين(٢) ، وبه قال أبو إسحاق المروزي(٣) ؛ لأنّ لكلّ واحدٍ منهما يداً عليها.
وقال باقي العامّة : يُحكم بها للراكب ؛ لبُعْد تمكين صاحب الدابّة غيرَه من ركوبها ، وإمكان أخذ اللجام من صاحب الدابّة(٤) . وهو الأقوى عندي.
ولو تنازعا ثوباً في يدهما ، قضي لهما معاً به بالسويّة وإن كان في يد أحدهما أكثر ؛ لتساويهما في اليد والدعوى ، وكلّ ذلك مع عدم البيّنة
____________________
(١) الكافي ٧ : ٤٢١ - ٤٢٢ / ٢ ، الفقيه ٣ : ٢٣ / ٦٢ ، التهذيب ٤ : ٢٠٨ / ٤٨٢.
(٢) الخلاف ٣ : ٢٩٦ ، المسألة ٥ من كتاب الصلح.
(٣) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٣١٨ ، حلية العلماء ٨ : ٢١٢ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٢٢.
(٤) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٣١٨ ، الوجيز ١ : ١٨٠ - ١٨١ ، الوسيط ٤ : ٦٤ ، حلية العلماء ٨ : ٢١١ ، البيان ١٣ : ١٩٦ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٢٢.
واليمين.
ولو كان باب غرفة البيت مفتوحاً إلى الجار فادّعاها كلٌّ من صاحب الأسفل والجار ، حُكم بالغرفة لصاحب الأسفل ؛ لأنّ مَنْ مَلَك القرار مَلَك الهواء ، وفتح الباب يحتمل الإعارة.
أمّا لو كانت الغرفة تحت تصرّف الجار ، فالأقرب : الحكم له بها ؛ قضاءً باليد الدالّة على الملكيّة.
تذنيب : لو بنى مسجداً في أرضٍ اشتراها من غيره ، فادّعاها ثالثٌ ، فإن صدّقه المشتري أو البائع كان على المصدّق القيمة ، ولو كذّباه فصالحه بعض جيران المسجد صحّ الصلح ؛ لأنّه بذْلُ مالٍ على طريق البرّ.
تذنيبٌ آخَر : لو تداعى ذو البابين في المنقطع الدربيّة ، حُكم بينهما لهما من رأس الدربيّة إلى الأوّل ، وما بين البابين للثاني ، والفاصل إلى صدر الدرب يحتمل قويّاً الشركة ، واختصاصُ الأخير.
تمّ الجزء العاشر(١) من كتابتذكرة الفقهاء بحمد الله تعالى ومنّه ، ويتلوه في الجزء الحادي عشر(٢) - بتوفيق الله تعالى - كتاب الأمانات وتوابعها ، وفيه مقاصد.
فرغتُ من تسويده ثامن عشري صفر - خُتم بالخير والظفر - من سنة خمس عشرة وسبعمائة بالسلطانيّة.
وكتب العبد الفقير إلى الله تعالى حسن بن يوسف بن المطهّر ، والحمد لله وحده ، وصلّى الله على سيّدنا ومولانا محمّد النبي وآله الطاهرين.
____________________
(١ و ٢) حسب تجزئة المصنّفرحمهالله .
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
كتاب الأمانات وتوابعها
وفيه مقاصد :
الأوّل : الوديعة
وفيه فصول :
الأوّل : الماهيّة
الوديعة مشتقّة من « ودع ، يدع » إذا استقرّ وسكن ، من قولهم : « يدع كذا » أي يتركه ، والوديعة متروكة مستقرّة عند المستودع.
وقيل : إنّها مشتقّة من الدعة ، وهي الخفض والراحة ، يقال : ودع الرجل فهو وديع ووادع ، لأنّها في دعة عند الـمُودَع لا تتبدّل ولا تستعمل(١) .
والوديعة تُطلق في العرف على المال الموضوع عند الغير ليحفظه ، والجمع : الودائع. واستودعه الوديعة ، أي : استحفظه إيّاها.
وعن الكسائي : يقال : أودعته كذا : إذا دفعت إليه الوديعة. وأودعته كذا : إذا دفع إليك الوديعة فقبلتها ، وهو من الأضداد(٢) .
والمشهور في الاستعمال المعنى الأوّل.
وهي جائزة بالكتاب والسنّة والإجماع.
قال الله تعالى :( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها ) (٣)
____________________
(١) البيان ٦ : ٤٢١ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٢٨٦ - ٢٨٧.
(٢) كما في العزيز شرح الوجيز ٧ : ٢٨٦.
(٣) النساء : ٥٨.
وقال تعالى :( فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ ) (١) .
وما رواه العامّة عن أُبي بن كعب أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال : « أدِّ الأمانة إلى مَن ائتمنك ، ولا تَخُنْ مَنْ خانَك »(٢) .
وروي أنّهعليهالسلام كان عنده ودائع ، فلـمّا أراد الهجرة أودعها عند أُمّ أيمن ، وأمر عليّاًعليهالسلام بردّها على أهلها(٣) .
ومن طريق الخاصّة : ما رواه ابن أخي الفضيل بن يسار قال : كنتُ عند الصادقعليهالسلام ودخلَتْ امرأة وكنتُ أقربَ القوم إليها ، فقالت لي : اسأله ، فقلت : عمّا ذا؟ فقالت : إنّ أبي مات وترك مالاً كان في يد أخي فأتلفه ثمّ أفاد مالاً فأودعنيه ، فلي أن آخذ منه بقدر ما أتلف من شيء؟ فأخبرتُه بذلك ، فقال : « لا ، قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : أدِّ الأمانةَ إلى مَن ائتمنك ، ولا تخُنْ مَنْ خانَك »(٤) .
وعن حسين بن مصعب قال : سمعتُ الصادقَعليهالسلام يقول : « ثلاثة لا عذر فيها لأحدٍ : أداء الأمانة إلى البرّ والفاجر ، وبرّ الوالدين برَّيْن كانا أو فاجرَيْن ، والوفاء بالعهد للبرّ والفاجر »(٥) .
وعن محمّد بن علي الحلبي قال : استودعني رجل من موالي
____________________
(١) البقرة : ٢٨٣.
(٢) سنن أبي داوُد ٣ : ٢٩٠ / ٣٥٣٤ ، سنن الدارقطني ٣ : ٣٥ / ١٤١ ، سنن البيهقي ١٠ : ٢٧٠ ، مسند أحمد ٤ : ٤٢٣ / ١٤٩٩٨.
(٣) الحاوي الكبير ٨ : ٣٥٥ - ٣٥٦ ، البيان ٦ : ٤٢٢ ، المغني ٧ : ٢٨٠ ، سنن البيهقي ٦ : ٢٨٩.
(٤) التهذيب ٦ : ٣٤٨ / ٩٨١ ، الاستبصار ٣ : ٥٢ - ٥٣ / ١٧٢.
(٥) التهذيب ٦ : ٣٥٠ / ٩٨٨ ، وفي الكافي ٥ : ١٣٢ / ١ بتقديمٍ وتأخير في بعض الجملات.
بني مروان ألف دينار فغاب فلم أدْر ما أصنع بالدنانير ، فأتيت أبا عبد الله الصادقعليهالسلام فذكرت ذلك له وقلت : أنت أحقّ بها ، فقال : « لا ، لأنّ أبي كان يقول : إنّما نحن فيهم بمنزلة هدنة نؤدّي أمانتهم ونردّ ضالّتهم ونقيم الشهادة لهم وعليهم ، فإذا تفرّقت الأهواء لم يسع أحدٌ المقام »(١) .
وقال الصادقعليهالسلام : « كان أبي يقول : أربع مَنْ كُنّ فيه كمل إيمانه ، ولو كان ما بين قرنه إلى قدمه ذنوب لم ينتقصه ذلك » قال : « وهي الصدق وأداء الأمانة والحياء وحسن الخلق »(٢) .
وقال الكاظمعليهالسلام : « أهل الأرض مرحومون ما يخافون وأدّوا الأمانة وعملوا بالحقّ »(٣) .
وقال الحسين الشيباني للصادقعليهالسلام : إنّ رجلاً من مواليك يستحلّ مال بني أُميّة ودماءهم ، وإنّه وقع لهم عنده وديعة ، فقالعليهالسلام : « أدّوا الأمانات إلى أهلها وإن كانوا مجوساً(٤) ، فإنّ ذلك لا يكون حتى يقوم قائمنا فيحلّ ويحرّم »(٥) .
وقال الصادقعليهالسلام : « اتّقوا الله وعليكم بأداء الأمانة إلى مَن ائتمنكم ، فلو أنّ قاتل عليٍّ ائتمنني على أداء الأمانة لأدّيتُها إليه »(٦) .
وقد أجمع المسلمون كافّةً على جوازها ، وتواترت الأخبار بذلك.
ولأنّ الحكمة تقتضي تسويغها ، فإنّ الحاجة قد تدعو إليها لاحتياج
____________________
(١) التهذيب ٦ : ٣٥٠ / ٩٨٩.
(٢) التهذيب ٦ : ٣٥٠ / ٩٩٠.
(٣) التهذيب ٦ : ٣٥٠ / ٩٩١.
(٤) في « خ » والكافي : « مجوسيّاً ».
(٥) الكافي ٥ : ١٣٢ - ١٣٣ / ٢ ، التهذيب ٦ : ٣٥١ / ٩٩٣.
(٦) الكافي ٥ : ١٣٣ / ٤ ، التهذيب ٦ : ٣٥١ / ٩٩٥.
الناس إلى حفظ أموالهم ، وربما تعذّر ذلك عليهم بأنفسهم إمّا لخوفٍ أو سفرٍ أو عدم حرزٍ ، فلو لم يشرع الاستيداع لزم الحرج المنفيّ بقوله تعالى :( ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) (١) ولأنّه نفعٌ لا ضرر فيه ، فكان مشروعاً.
مسألة ١ : إذا عرفتَ الوديعة في عرف اللغة ، فهي في عرف الفقهاء عبارة عن عقدٍ يفيد الاستنابة في الحفظ ، لكن قد عرفت أنّ العرف اللغوي يقتضي أن تكون هي المال ، وكذا العرف العامّي ، والإيداع هو العقد.
وهي جائزة من الطرفين بالإجماع ، لكلٍّ منهما فسخه.
ولا بدّ فيها من إيجابٍ وقبولٍ.
فالإيجاب هو كلّ لفظٍ دالٍّ على الاستنابة بأيّ عبارةٍ كان ، ولا ينحصر في لغةٍ دون أُخرى ، ولا في عبارةٍ دون عبارةٍ ، ولا يفتقر إلى التصريح ، بل يكفي التلويح والإشارة والاستعطاء.
والقبول قد يكون بالقول ، وهو كلّ لفظٍ يدلّ على الرضا بالنيابة في الحفظ بأيّ عبارةٍ كان ، وقد يكون بالفعل.
وهل الوديعة عقد برأسه ، أو إذن مجرّد؟ الأقرب : الأوّل.
مسألة ٢ : إذا دفع الإنسان إلى غيره وديعةً وكان المدفوع إليه عاجزاً عن حفظها ، لم يجز له قبولها ؛ لما فيه من إضاعة مال الغير ، وقد نهى النبيّصلىاللهعليهوآله عنه(٢) .
وإن كان قادراً لكنّه غير واثقٍ من نفسه بالأمانة ، لم يجز له القبول ؛
____________________
(١) الحجّ : ٧٨.
(٢) صحيح البخاري ٢ : ١٣٩ ، و ٩ : ١١٨ ، سنن البيهقي ٦ : ٦٣ ، سنن الدارمي ٢ : ٣١١ ، مسند أحمد ٥ : ٣٠٥ و ٣١٢ / ١٧٧٢٧ و ١٧٧٦٨.
لما فيه من التعريض للتفريط في مال الغير ، وهو محرَّم ، وهو أحد قولَي الشافعيّة. والثاني لهم : إنّه يكره(١) .
ولو كان قادراً على الحفظ واثقاً بأمانة نفسه ، استحبّ له القبول ؛ لما فيه من المعاونة على البرّ وقضاء حوائج الإخوان.
ولو لم يكن هناك غيره ، فالأقوى : إنّه يجب عليه القبول ؛ لأنّه من المصالح العامّة. وبالجملة ، فالقبول واجب على الكفاية.
ولو تضمّن القبول ضرراً في نفسه أو ماله أو خاف على بعض المؤمنين أو تضمّن إتلاف منفعة نفسه أو حرزه في الحفظ من غير عوضٍ ، لم يجب القبول.
مسألة ٣ : الألفاظ المتداولة بين الناس من الإيجاب الذي يتضمّنه عقد الوديعة : استودعتك هذا المال ، أو : أودعتك ، أو : استحفظتك ، أو : أنبتك في حفظه ، أو : استنبتك فيه ، أو : احفظه ، أو : هو وديعة عندك ، وما في معناه من الصيغ الصادرة من جهة المودِع ، الدالّة على الاستحفاظ.
ولا يعتبر القبول لفظاً كما تقدّم(٢) ، بل يكفي القبض [ بكيفيّته ](٣) في العقار والمنقول ، وهو قول بعض الشافعيّة(٤) .
وقال بعضهم : لا يكفي القبض ، بل لا بدّ من لفظٍ دالٍّ على القبول(٥) .
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٢٨٧ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٨٦.
(٢) في ص ١٤٤ ، ذيل المسألة ١.
(٣) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « يكفيه ». والمثبت هو الصحيح.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٢٨٨ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٨٦.
(٥) التهذيب - للبغوي - ٥ : ١١٦ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٢٨٨ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٨٦.
وقال بعضهم : إن كان المودِع قد قال : أودعتُك ، وشبهه ممّا هو على صيغ العقود ، وجب القبول لفظاً ، وإن قال : احفظه ، أو : هو وديعة عندك ، لم يفتقر إلى لفظٍ يدلّ على القبول ، كما تقدّم في الوكالة(١) .
مسألة ٤ : لا بدّ من التنجيز ، فلو قال : إذا جاء رأس الشهر فقد أودعتك مالي معه(٢) ، لم يصح الإيداع - وهو قول بعض الشافعيّة(٣) - لأصالة العدم.
وقال بعضهم : يصحّ(٤) .
وقال آخَرون منهم : القياس تخريجه على الخلاف في تعليق الوكالة(٥) .
وقيل : الإيداع عبارة عن الاستنابة في الحفظ ، وهو توكيلٌ خاصٌّ ، و [ الوكيل والموكّل ] يُسمَّيان في هذا التوكيل الـمُودَع والـمُودَع(٦) .
ولو جاء بماله ووضعه بين يدي غيره ولم يتلفّظ بشيءٍ لم يحصل الإيداع ، فإن قبضه الموضوع عنده ضمنه.
وكذا لو كان قد قال من قبلُ : إنّي أُريد أن أُودعك ، ثمّ جاء بالمال.
ولو قال : هذه وديعتي عندك فاحفظه ، ووضعه بين يديه ، فإن أخذه الموضوع عنده تمّت الوديعة ؛ لأنّا لا نعتبر القبول اللفظي ، وإن لم يأخذه فإن لم يتلفّظ بشيءٍ لم يكن وديعةً ، حتى لو ذهب وتركه فلا ضمان عليه ، لكن يأثم إن كان ذهابه بعد ما غاب المالك.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٢٨٨ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٨٦.
(٢) في النسخ الخطّيّة : « بعدُ » بدل « معه ».
(٣) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٢٨٨ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٨٦.
(٤ و ٥) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٢٨٨ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٨٦.
(٦) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٢٨٨ ، وما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.
وإن قال : قبلت ، أو : ضَعْ ، فوضعه ، كان إيداعاً ، كما لو أخذه بيده ، وبه قال بعض الشافعيّة(١) .
وقال بعضهم : لا يكون إيداعاً ما لم يقبض(٢) .
وقال آخَرون بالتفصيل ، فإن كان الموضع في يده ، فقال : ضَعْه ، دخل المال في يده ؛ لحصوله في الموضع الذي هو في يده. وإن لم يكن كما لو قال : انظر إلى متاعي في دكّاني ، فقال : نعم ، لم يكن وديعةً(٣) .
وعلى ما اخترناه من أنّه وديعة مطلقاً لو ذهب الموضوع عنده وتركه ، فإن كان المالك حاضراً بَعْدُ فهو ردٌّ للوديعة ، وإن غاب المالك ضمنه.
مسألة ٥ : قد ذكرنا أنّ الوديعة من العقود الجائزة من الطرفين لكلٍّ منهما فسخها إجماعاً ، وقد تقدّم(٤) أنّه توكيلٌ خاصّ ، والوكالة جائزة من الطرفين ، فإذا أراد المالك الاستردادَ لم يكن للمُستودِع المنعُ ، ووجب عليه الدفع ، ولو أراد المستودع الردَّ لم يكن للمودِع أن يمتنع من القبول ؛ لأنّه متبرّع بالحفظ.
ولو عزل المستودع نفسه ، ارتفعت الوديعة ، وبقي المال أمانةً مطلقة شرعيّة في يده ، كالثوب الطائر بالهواء إلى داره ، وكاللقطة في يد الملتقط بعد ما عرف المالك ، وهو أحد قولَي الشافعيّة. والثاني : إنّ العزل لغو.
والأصل في هذا الخلاف مبنيّ على أنّ الوديعة مجرّد إذنٍ ، أم عقد؟
إن قلنا : إنّها مجرّد إذنٍ ، فالعزل لغو ، كما لو أذن في تناول طعامه للضيفان ،
____________________
(١) التهذيب - للبغوي - ٥ : ١١٦ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٢٨٨ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٨٧.
(٢ و ٣) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٢٨٨ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٨٧.
(٤) في ص ١٤٦ ، ضمن المسألة ٤.
فقال بعضهم : عزلت نفسي ، يلغو قوله ، ويكون له الأكل بالإذن السابق ، فعلى هذا تبقى الوديعة بحالها. وإن قلنا : إنّها عقد ، ارتفعت الوديعة ، وبقي المال أمانةً مجرّدة ، وعليه الردّ عند التمكّن وإن لم يطالب المالك - وهو أظهر وجهي الشافعيّة - ولو لم يفعل ضمن(١) .
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٢٩١ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٨٩.
الفصل الثاني : في المتعاقدين
مسألة ٦ : يشترط في المستودع والـمُودَع التكليف ، فلا يصحّ الإيداع إلّا من مكلّفٍ ، فلو أودع الصبي أو المجنون غيرَه شيئاً ، لم يجز له قبوله منهما ، فإن قَبِله وأخذه من أحدهما ضمن.
ولا يزول الضمان إلّا بالردّ إلى الناظر في أمرهما ، ولو ردّه إليهما لم يبرأ من الضمان ؛ لأنّهما محجور عليهما.
ولو خاف هلاكه فأخذه منهما إرفاقاً لهما ونظراً في مصلحتهما على وجه الحسبة صوناً له ، فالأقرب : عدم الضمان ؛ لأنّه محسن إليهما ، وقد قال تعالى :( ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ) (١) وهو أحد وجهي الشافعيّة ، والثاني : إنّه [ ضامن ](٢) كالوجهين - عندهم - فيما إذا أخذ الـمُحْرم صيداً من جارحةٍ [ ليتعهّده ](٣) . والظاهر عندهم : عدم الضمان(٤) .
مسألة ٧ : كما أنّ التكليف شرط في المودِع كذا هو شرط في المستودع ، فلا يصحّ الإيداع إلّا عند مكلّفٍ ؛ لأنّه استحفاظ ، والصبي
____________________
(١) التوبة : ٩١.
(٢) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « لا ضمان عليه ». والمثبت يقتضيه السياق.
(٣) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « ليتعهّدها ». والمثبت هو الصحيح.
(٤) الحاوي الكبير ٨ : ٣٨٤ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٦٦ ، الوجيز ١ : ٢٨٤ ، حلية العلماء ٥ : ١٦٧ ، التهذيب - للبغوي - ٥ : ١١٦ ، البيان ٦ : ٤٢٣ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٢٨٩ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٨٧.
والمجنون ليسا من أهل الحفظ ، فلو أودع مالاً عند صبيٍّ أو مجنونٍ فتلف فلا ضمان عليهما ؛ إذ ليس على أحدهما حفظه ، فأشبه ما لو تركه عند بالغٍ من غير استحفاظٍ فتلف.
ولو أتلفه الصبي أو المجنون ، فالأقرب عندي : إنّ عليهما الضمان ؛ لأنّهما أتلفا مال الغير بالأكل أو غيره فضمناه ، كغير الوديعة ، وبه قال أحمد والشافعي في أظهر القولين.
والثاني : إنّهما لا يضمنان ؛ لأنّ المالك سلّطهما عليه ، فصار كما لو أقرضه أو باعه منه وأقبضه فأتلفه ، لم يكن عليه ضمان ، ألا ترى أنّه لو دفع إلى صغيرٍ سكّيناً فوقع عليها فتلف ، كان ضمانه على عاقلة الدافع ، وبه قال أبو حنيفة(١) .
وهو ممنوع ؛ للفرق بين الإيداع ، والبيع والإقراض ؛ لأنّ ذلك تمليك وتسليط على التصرّف ، والإيداع تسليط على الحفظ دون الإتلاف والتصرّف ، ويخالف دفع السكّين ؛ لأنّه سبب في الإتلاف ، ودفع الوديعة ليس سبباً في إتلافها.
ولو أودع ماله عند عبدٍ ، فإن تلف عنده من غير تفريطٍ فلا ضمان عليه ، وإن تلف بتفريطه أو أتلفه ضمن ، وكان المال متعلّقاً بذمّته لا برقبته ، كما لو أتلف ابتداءً.
ولا فرق بين أن يأذن له سيّده في الاستيداع أو يمنعه ، ويتبع ذلك
____________________
(١) المغني ٧ : ٢٩٦ ، الشرح الكبير ٧ : ٣١٢ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٦٦ ، الوجيز ١ : ٢٨٤ ، حلية العلماء ٥ : ١٦٧ - ١٦٨ ، التهذيب - للبغوي - ٥ : ١١٦ ، البيان ٦ : ٤٢٤ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٢٨٩ - ٢٩٠ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٨٧ ، المبسوط - للسرخسي - ١١ : ١١٨ ، طريقة الخلاف بين الأسلاف : ٣٠٣.
بعد العتق ، فإن مات عبداً سقط المال ، ولم يتعلّق بالسيّد شيء منه وإن أذن له ؛ لأنّه إنّما أذن له في الاحتفاظ لا في الإتلاف.
وللشافعيّة قولان :
أحدهما : إنّ الضمان يتعلّق برقبته ، كما لو أتلف ابتداءً(١) .
والأصل عندنا ممنوع.
والثاني : إنّه يتعلّق بذمّته دون رقبته - كما قلناه - كما لو باع منه ، فيه الخلاف المذكور في الصبي(٢) .
وإيداع السفيه والإيداع عنده كإيداع الصبي والإيداع عنده.
مسألة ٨ : ولا بُدّ في المتعاقدين من جواز التصرّف ، فلا يصحّ من المحجور عليه للسفه وللفلس الإيداع والاستيداع ، على إشكالٍ في استيداع المفلس ، والأقرب عندي : جوازه.
ولو جنّ المودِع أو المستودِع أو مات أحدهما أو أُغمي عليه ، ارتفعت الوديعة ؛ لأنّها إن كانت مجرّدَ إذنٍ في الحفظ فالمودِع بعرضة التغيّر ، وهذه الأحوال تُبطل إذنه ، والمستودع يخرج عن أهليّة الحفظ ، وإن كانت عقداً فقد سبق(٣) أنّها توكيلٌ خاصّ ، والوكالة جائزة فلا تبقى بعد هذه العوارض.
ولو حُجر على الـمُودَع لسفهٍ ، كان على الـمُودَع ردّ الوديعة إلى وليّه وهو الحاكم ؛ لأنّ إذنه في الإيداع بطل بذلك ، والناظر عليه الحاكم ، فوجب دفعها إليه.
مسألة ٩ : إن قلنا : إنّ الوديعة عقدٌ برأسه ، لم يضمنه الصبي ،
____________________
(١ و ٢) الوجيز ١ : ٢٨٤ ، التهذيب - للبغوي - ٥ : ١١٦ ، البيان ٦ : ٤٢٤ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٢٩٠ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٨٨.
(٣) في ص ١٤٦ ، ضمن المسألة ٤.
ولم يتعلّق برقبة العبد ، وهو قول بعض الشافعيّة(١) .
وإن قلنا : إنّها إذن مجرّد ، ضمنه الصبي ، وتعلّق برقبة العبد ، وهو قول باقي الشافعيّة(٢) .
لكنّا بيّنّا أنّ الحقَّ الأوّلُ ، وأنّ الصبي لا يضمن إلّا بالإتلاف على إشكالٍ ، وأمّا العبد فإنّ الوديعة مع التفريط تتعلّق بذمّته.
إذا عرفت هذا ، فولد الجارية الـمُودَعة ونتاج الدابّة الـمُودَعة وديعة كالأُمّ.
وقال الشافعيّة : إن جعلنا الوديعة عقداً فالولد كالأُمّ يكون وديعةً ، وإلّا لم يكن وديعةً ، بل أمانة شرعيّة مردودة في الحال ، حتى لو لم يردّ مع التمكّن ضمن على أظهر الوجهين عندهم(٣) .
وقال بعض الشافعيّة : إن جعلنا الوديعة عقداً ، لم يكن الولد وديعةً ، بل أمانة ؛ اعتباراً بعقد الرهن والإجارة ، وإلّا فيتعدّى حكم الأُمّ إلى الولد كما في الوصيّة(٤) ، أو لا يتعدّى كما في العارية؟ للشافعيّة وجهان(٥) .
وعلى الأصل المذكور خرّج بعضُ الشافعيّة اعتبارَ القبول لفظاً ، إن جعلناها عقداً اعتبرناها ، وإلّا اكتفينا بالفعل(٦) .
والموافق لإطلاق العامّة كون الوديعة عقداً ، وذكروها من العقود الجائزة(٧) .
____________________
(١ - ٣) التهذيب - للبغوي - ٥ : ١١٦ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٢٩٠ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٨٨.
(٤) في المصدر : « الضحيّة » بدل « الوصيّة ».
(٥) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٢٩٠ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٨٨.
(٦) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٢٩٠.
(٧) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٢٩٠ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٨٨.
الفصل الثالث : في موجبات الضمان
اعلم أنّ الوديعة تستتبع أمرين : الضمان عند التلف ، والردّ عند البقاء ، لكنّ الضمان لا يجب على الإطلاق ، بل إنّما يجب عند وجود أحد أسبابه ، وينظمها شيء واحد هو : التقصير ، ولو انتفى التقصير فلا ضمان ؛ لأنّ الأصل في الوديعة أنّها أمانة محضة لا تُضمن بدون التعدّي أو التفريط ؛ لما رواه العامّة عن النبيّصلىاللهعليهوآله أنّه قال : « ليس على المستودع ضمان »(١) .
وقالعليهالسلام : « مَنْ أُودع وديعة فلا ضمان عليه »(٢)
ومن طريق الخاصّة : ما رواه إسحاق بن عمّار أنّه سأل الكاظمَعليهالسلام عن رجلٍ استودع رجلاً ألف درهم فضاعت ، فقال الرجل : كانت عندي وديعة ، وقال الآخَر : إنّما كانت عليك قرضاً ، قال : « المال لازم له إلّا أن يقيم البيّنة أنّها كانت وديعة »(٣) والاستثناء يقتضي التناقض بين المستثنى والمستثنى منه ، ولـمّا حكم في الأوّل بالضمان ثبت في الاستثناء عدمه.
وعن زرارة - في الحسن - أنّه سأل الصادقَعليهالسلام عن وديعة الذهب والفضّة ، قال : فقال : « كلّما كان من وديعةٍ ولم تكن مضمونةً فلا تلزم »(٤) .
وفي الحسن عن الحلبي عن الصادقعليهالسلام قال : « صاحب الوديعة والبضاعة مؤتمنان »(٥) .
____________________
(١) سنن البيهقي ٦ : ٩١ ، سنن الدارقطني ٣ : ٤١ / ١٦٨ ، المغني ٧ : ٢٨١.
(٢) سنن ابن ماجة ٢ : ٨٠٢ / ٢٤٠١.
(٣) الكافي ٥ : ٢٣٩ / ٨ ، التهذيب ٧ : ١٧٩ / ٧٨٨.
(٤) الكافي ٥ : ٢٣٩ / ٧ ، التهذيب ٧ : ١٧٩ / ٧٨٩.
(٥) الكافي ٥ : ٢٣٨ / ١ ، التهذيب ٧ : ١٧٩ / ٧٩٠.
ولأنّ الله تعالى سمّاها أمانةً(١) ، والضمان ينافي الأمانة.
وهذا الحكم منقول عن عليٍّعليهالسلام وعن أبي بكر وعمر وابن مسعود وجابر(٢) ، ولم يظهر لهم مخالف ، فكان إجماعاً.
لا يقال : قد روي أنّه كان عند أنس وديعة فذهبت فرفع إلى عمر ، فقال : هل ذهب معها شيء من مالك؟ قال : لا ، قال : اغرمها(٣) .
لأنّا نقول : قول عمر ليس حجّةً ، وربما قال ذلك عند تفريط المستودع في حفظها.
ولأنّ المستودع إنّما يحفظها لصاحبها متبرّعاً بذلك ، فلو ألزمناه الضمان أدّى إلى الامتناع عن قبولها ، وفي ذلك ضرر عظيم ؛ لما بيّنّاه من الحاجة إليها ، ولأنّ يد المستودع يد المالك.
وإذا عرفت أنّ السبب الجامع لموجبات الضمان هو التقصير ، فلا بُدّ من الإشارة إلى ما به يصير المستودع مقصّراً ، وهي سبعة تنظمها مباحث نذكر لكلّ سببٍ بحثاً.
مسألة ١٠ : من الأسباب الموجبة للضمان الانتفاعُ بالوديعة ، فلو استودع ثوباً فلبسه ، أو دابّةً فركبها ، أو جاريةً فاستخدمها ، أو كتاباً فنظر فيه
____________________
(١) النساء : ٨٥.
(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٦٦ ، البيان ٦ : ٤٢٥ - ٤٢٦ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٢٩٢ ، المغني ٧ : ٢٨٠ ، الشرح الكبير ٧ : ٢٨٢ ، الإشراف على مذاهب أهل العلم ١ : ٢٥١ - ٢٥٢ / ٤٠٥.
(٣) الحاوي الكبير ٨ : ٣٥٦ ، وفي المصنّف - لعبد الرزّاق - ٨ : ١٨٢ / ١٤٧٩٩ ، وسنن البيهقي ٦ : ٢٨٩ و ٢٩٠ باختصارٍ.
أو نسخ منه ، أو خاتماً فوضعه في إصبعه للتزيّن به لا للحفظ ، فكلّ ذلك وما أشبهه خيانة توجب التضمين عند فقهاء الإسلام لا نعلم فيه خلافاً.
هذا إذا انتفى السبب المبيح للاستعمال ، أمّا إذا وُجد السبب المبيح للاستعمال لم يجب الضمان ، وذلك بأن يلبس الثوب الصوف - الذي يفسده الدود - للحفظ ، فإنّ مثل هذه الثياب يجب على المستودع نشرها وتعريضها للريح ، بل يجب لُبْسها إن لم يندفع إلّا بأن يلبسها وتعبق(١) بها رائحة الآدمي.
ولو لم يفعل ففسدت ، كان عليه الضمان ، سواء أذن المالك أو سكت ؛ لأنّ الحفظ واجب عليه ، ولا يتمّ الحفظ إلّا بالاستعمال ، فيكون الاستعمال واجباً ؛ لأنّ ما لا يتمّ الواجب المطلق إلّا به وكان مقدوراً للمكلّف فإنّه يكون واجباً.
أمّا لو نهاه المالك عن الاستعمال للحفظ فامتنع حتى فسدت ، لم يكن ضامناً ، وهو أظهر قولَي الشافعيّة(٢) .
ولهم قولٌ آخَر : إنّه يكون ضامناً(٣) .
والمعتمد : الأوّل.
وهل يكون قد فَعَل حراماً؟ إشكال ، أقربه ذلك ؛ لأنّ إضاعة المال منهيّ عنها(٤) .
وعند الشافعيّة يكره(٥) .
ولو كان الثوب في صندوقٍ مقفلٍ ففتح القفل ليخرجه وينشره ،
____________________
(١) أي : تبقى. لسان العرب ١٠ : ٢٣٤ « عبق ».
(٢ و ٣ و ٥) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٣ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩٦.
(٤) تقدّم تخريجه في ص ١٤٤ ، الهامش (٢)
فالوجه : إنّه لا يضمن ؛ لأنّه لم يقصد إلّا الحفظ المأمور به ، وما لا يتمّ الواجب إلّا به فهو واجب ، وهو أصحّ وجهي الشافعيّة(١) .
ولهم وجهٌ آخَر : إنّه يضمن(٢) .
هذا إذا علم المستودع ، أمّا لو لم يعلم بأن كان في صندوقٍ أو كيسٍ مشدود ولم يُعْلمه المالك به ، فلا ضمان على المستودع إجماعاً.
مسألة ١١ : قد بيّنّا أنّ ركوب الدابّة خيانة لا مطلقاً ، ولكن مع عدم احتياج الحفظ إليه ، فلو احتاج حفظ الدابّة المودَعة إلى أن يركبها المستودع إمّا أن يخرج بها إلى السقي أو الرعي وكانت لا تنقاد إلّا بالركوب ، فلا ضمان ؛ لعدم التعدّي والتفريط حينئذٍ.
ولو كانت الدابّة تنقاد بغير ركوبٍ فركب ضمن ، إلّا مع عجزه عن سقيها أو رعيها بدون ركوبها فإنّه يجوز ، ولا ضمان.
مسألة ١٢ : لو أخذ المستودع الدراهم المودَعة عنده ليصرفها إلى حاجته ، أو أخذ الثوب ليلبسه ، أو أخرج الدابّة من مكانها ليركبها ثمّ لم يستعمل ، ضمن - وبه قال الشافعي(٣) - لأنّ الإخراج على هذا القصد خيانة.
وقال أبو حنيفة : لا يضمن حتى يستعمل(٤) .
ولو نوى الأخذ ولم يأخذ أو نوى الاستعمال ولم يستعمل ، ففي
____________________
(١ و ٢) التهذيب - للبغوي - ٥ : ١٢٥ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٣ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩٧.
(٣) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٦٨ ، البيان ٦ : ٤٤٢ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٤ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩٧ ، المغني ٧ : ٢٩١ ، الشرح الكبير ٧ : ٣٢٠ ، بدائع الصنائع ٦ : ٢١٣.
(٤) بدائع الصنائع ٦ : ٢١٣ ، البيان ٦ : ٤٤٢ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٤ ، المغني ٧ : ٢٩١ ، الشرح الكبير ٧ : ٣٢٠.
الضمان إشكال ينشأ : من أنّه لم يُحدث في الوديعة قولاً ولا فعلاً ، فلم يضمن ، كما لو لم يَنْو ، وهو قول أكثر الشافعيّة(١) ، ومن أنّه ممسك لها بحكم نيّته ، كما أنّ الملتقط إذا نوى إمساك اللقطة لصاحبها ، كانت أمانةً ، وإن نوى الإمساك لنفسه ، كانت مضمونةً ، وهو قول ابن سريج من الشافعيّة(٢) .
وفرّق المذكورون بين الوديعة واللقطة بأنّه في الوديعة لم يُحدث فعلاً مع قصد الخيانة ، وفي اللقطة أحدث الأخذ مع قصد الخيانة ، ولأنّ سبب أمانته في اللقطة مجرّد نيّته ، فضمن بمجرّد النيّة ، بخلاف الوديعة(٣) .
فروع :
أ - لو أخذ الوديعة على قصد الخيانة ، فالأقوى : الضمان ؛ لأنّه(٤) لم يقبضها على سبيل الأمانة ، بل على سبيل الخيانة.
وللشافعيّة وجهان(٥) .
ب - قياس ابن سريج في الضمان إذا نوى المستودع الأخذَ والتصرّفَ ولم يفعل على ما إذا أخذ الوديعة من مالكها على قصد الخيانة(٦) (٧) غير تامٍّ.
____________________
(١ و ٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٦٩ ، البيان ٦ : ٤٤٢ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٤ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩٧.
(٣) الوجيز ١ : ٢٨٥ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٤.
(٤) في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « لأنّها ».
(٥) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٤.
(٦) في النسخ الخطّيّة والحجريّة زيادة : « في الضمان ». وهي متكرّرة.
(٧) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٤.
أمّا أوّلاً : فلأنّ جماعةً من الشافعيّة(١) لم يوافقوه على هذا الأصل.
وأمّا ثانياً : فللفرق ، وهو أنّ الأخذ فعلٌ أحدثه مع قصد الخيانة.
ج - لو نوى أن لا يردّ الوديعة بعد طلب المالك ، ففي الضمان للشافعيّة الوجهان(٢) .
وعندي فيه التردّد السابق مع أولويّة عدم الضمان هنا إذا لم يطلب المالك ، وثبوته إذا طلب.
وبعض الشافعيّة قال : إذا نوى الأخذ ولم يأخذ لم يضمن ، وإذا نوى عدم الردّ ضمن قطعاً ؛ لأنّه إذا نوى أن لا يردّ صار ممسكاً لنفسه ، وبنيّة الأخذ لا يصير ممسكاً لنفسه(٣) .
مسألة ١٣ : لو كان الثوب المودَع في صندوق مالك الوديعة فرفع المستودع رأسه ليأخذ الثوب
ويتصرّف فيه ثمّ بدا له ، فلا يخلو الصندوق إمّا أن يكون مفتوحاً لا قفل عليه ولا ختم له ، أو يكون عليه شيء من ذلك ، فإن كان لا ختم عليه ولا قفل ، فالأقرب : عدم الضمان ؛ لأنّه لم يُحدث في الثوب فعلاً ، وهو أحد وجهي الشافعيّة ، والثاني لهم : إنّه يضمن(٤) .
وإن كان الصندوق مقفلاً أو الكيس مختوماً ففتح القفلَ وفضّ الختمَ ولم يأخذ ما فيه ، فالأقوى : الضمان لما فيه من الثياب والدراهم - وهو أصحّ وجهي الشافعيّة(١) - لأنّه هتك الحرز.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٤.
(٢ و ٣) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٤ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩٧.
(٤) التهذيب - للبغوي - ٥ : ١١٧ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٤ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩٧.
والثاني للشافعيّة : إنّه لا يضمن ما في الصندوق والكيس ، بل يضمن الختم الذي تصرّف فيه ، وبه قال أبو حنيفة(٢) .
وعلى الوجه الأوّل فهل يضمن الصندوق والكيس؟ الأقرب : العدم ؛ لأنّه لم يقصد الخيانة في الظرف.
وللشافعيّة وجهان(٣) .
ولو خرق الكيس فإن كان الخرق تحت موضع الختم فهو كفضّ الختم ، وإن كان فوقه لم يضمن إلّا نقصان الخرق.
فروع :
أ - لو أودعه شيئاً مدفوناً فنبشه ، فهو بمنزلة فضّ الختم ، إن قلنا : يضمن هناك ، ضمن هنا ، وإلّا فلا.
ب - لو حلّ الخيط الذي شدّ به رأس الكيس أو رِزْمة الثياب(٤) لم يضمن ما في الكيس والرِّزْمة وإن فَعَل ذلك للأخذ ، بخلاف فضّ الختم وفتح القفل ؛ لأنّ القصد منه المنع من الانتشار ، ولم يقصد به الكتمان عنه.
ج - لو كان عنده دراهم وديعة أو ثياب فوزن الدراهم أو عدّها أو عدّ الثياب أو ذرعها ليعرف طولها وعرضها ، ففي الضمان إشكال ينشأ : من أنّه تصرّف في الوديعة ، ومن أنّه لم يقصد الخيانة.
وللشافعيّة وجهان(٥) ، وكذا الوجهان فيما لو حلّ الشدّ(٦) .
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٤ - ٣٠٥ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩٧.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٤ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩٧.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٥ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩٧.
(٤) الرِّزمة من الثياب : ما شدّ في ثوبٍ واحد. لسان العرب ١٢ : ٢٣٩ « رزم ».
(٥) الحاوي الكبير ٨ : ٣٦٢ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٥ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩٧.
(٦) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٥ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩٧.
مسألة ١٤ : إذا صارت الوديعة مضمونةً على المستودع إمّا بنقل الوديعة أو إخراجها من الحرز أو باستعمالها كركوب الدابّة ولُبْس الثوب أو بغيرها من أسباب الضمان ثمّ إنّه ترك الخيانة وردّ الوديعة إلى مكانها وخلع الثوب ، لم يبرأ بذلك عند علمائنا أجمع ، ولم يزل عنه الضمان ، ولم تَعُدْ أمانته - وبه قال الشافعي(١) - لأنّه ضمن الوديعة بعدوان ، فوجب أن يبطل الاستئمان ، كما لو جحد الوديعة ثمّ أقرّ بها.
وقال أبو حنيفة : يزول عنه الضمان ؛ لأنّه إذا ردّها فهو ماسك لها بأمر صاحبها ، فلم يكن عليه ضمانها ، كما لو لم يخرجها(٢) .
والفرق ظاهر ؛ فإنّه إذا لم يخرجها لم يضمنها بعدوان ، بخلاف صورة النزاع.
ثمّ يُنقض على أبي حنيفة بما سلّمه من أنّه إذا جحد الوديعة وضمنها بالجحود ثمّ أقرّ بها ، فإنّه لا يبرأ ، وبالقياس على السارق ، فإنّه لو ردّ المسروق إلى موضعه ، لم يبرأ(٣) ، فكذا هنا.
فروع :
أ - لو ردّ الوديعة - بعد أن تعلّق ضمانها به إمّا بالإخراج من الحرز أو بالتصرّف أو بغيرهما من الأسباب - إلى المالك وأعادها عليه ثمّ إنّ المالك
____________________
(١) الحاوي الكبير ٨ : ٣٦٣ ، التهذيب - للبغوي - ٥ : ١٢٥ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٥ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩٨ ، المغني ٧ : ٢٩٦ ، الشرح الكبير ٧ : ٣٠٥ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٢١٦.
(٢) الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٢١٦ ، الحاوي الكبير ٨ : ٣٦٣ ، التهذيب - للبغوي - ٥ : ١٢٥ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٥ ، المغني ٧ : ٢٩٦ ، الشرح الكبير ٧ : ٣٠٥.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٥.
أودعه إيّاها ثانياً ، فإنّه يعود أميناً إجماعاً ، ويبرأ من الضمان.
ب - لو لم يسلّمها إلى المالك ولكن أحدث المالك له استئماناً ، فقال : أذنتُ لك في حفظها ، أو أودعتُكها ، أو استأمنتُك ، أو أبرأتُك عن الضمان ، فالأقرب : سقوط الضمان عنه ، وعوده أميناً ؛ لأنّ التضمين لحقّ المالك ، وقد رضي بسقوطه ، وهو أصحّ قولَي الشافعيّة.
والثاني : إنّه لا يزول الضمان ولا يعود أميناً - وهو قول ابن سريج - لظاهر قولهعليهالسلام : « على اليد ما أخذت حتى تؤدّي »(١) (٢) .
وكذا الخلاف فيما لو حفر بئراً في ملك غيره عدواناً ثمّ أبرأه المالك عن ضمان الحفر(٣) .
ج - لو قال المالك : أودعتُك كذا - ابتداءً - فإن خُنتَ ثمّ تركتَ الخيانة عُدْتَ أميناً لي ، فخان وضمن ثمّ ترك الخيانة ، لم تزل الخيانة ، ولم يَعُدْ أميناً - وبه قال الشافعي(٤) - لأنّه لا ضمان حينئذٍ حتى يسقط ، وهناك الضمان ثابت فيصحّ إسقاطه ، ولأنّ الاستئمان الثاني معلّق.
د : لو قال : خُذْ هذا وديعةً يوماً وغير وديعةٍ يوماً ، فهو وديعة أبداً. ولو قال : خُذْه وديعةً يوماً وعاريةً يوماً ، فهو وديعة في اليوم الأوّل ، وعارية في اليوم الثاني.
وهل يعود وديعةً؟ مَنَع الشافعيّة منه ، وقالوا : لا يعود وديعةً أبداً(٥) .
____________________
(١) سنن أبي داوُد ٣ : ٢٩٦ / ٣٥٦١ ، سنن الترمذي ٣ : ٥٦٦ / ١٢٦٦ ، مسند أحمد ٥ : ٦٣٨ / ١٩٦٢٠ ، المعجم الكبير - للطبراني - ٧ : ٢٥٢ / ٦٨٦٢.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٥ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩٨.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٥.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٥ - ٣٠٦ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩٨.
(٥) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٦ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩٨.
مسألة ١٥ : إذا مزج المستودع الوديعة بماله مزجاً لا يتميّز أحدهما عن صاحبه ، كدراهم مزجها بمثلها ، أو دنانير مزجها بمثلها بحيث لا مائز بين الوديعة وبين مال المستودع ، أو مزج الحنطة بمثلها ، كان ضامناً ، سواء كان المخلوط بها دونها أو مثلها أو أزيد منها - وبه قال الشافعي(١) - لأنّه قد تصرّف في الوديعة تصرّفاً غير مشروعٍ ، وعيّبها بالمزج ، فإنّ الشركة عيب ، فكان عليه الضمان ، ولأنّه خلطها بماله خلطاً لا يتميّزا ، فوجب أن يضمنها ، كما لو خلطها بدونه.
وقال مالك : إن خلطها بمثلها أو الأجود منها لم يضمن ، وإن خلطها بدونها ضمن ؛ لأنّه لا يمكنه ردّها إلّا ناقصةً(٢) .
وهو آتٍ في المساوي والأزيد ؛ فإنّ الشركة عيب ، والوقوف على عين الوديعة غير ممكنٍ ، فاشتمل ذلك على المعاوضة ، وإنّما تصحّ برضا المالك.
ولو مزجها بمال مالكها بأن كان له عنده كيسان وديعةً ، فمزج أحدهما بالآخَر بحيث لا يتميّز ، ضمن أيضاً ؛ لأنّه تصرّف تصرّفاً غير مشروعٍ في الوديعة ، وربما ميّز بينهما لغرضٍ دعا إليه ، فالخلط خيانة.
وكذا لو أودعه كيساً وكان في يده له كيسٌ آخَر أمانة مجرّدة بأن وقع عليه اتّفاقاً فمزج أحدهما بالآخَر ، كان ضامناً أيضاً.
وكذا لو كان الكيس الآخَر في يده على سبيل الغصب من مالك
____________________
(١) البيان ٦ : ٤٣٧ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٦ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩٨ ، المغني ٧ : ٢٨١ ، الشرح الكبير ٧ : ٣٠٦ - ٣٠٧.
(٢) البيان ٦ : ٤٣٧ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٦ ، المغني ٧ : ٢٨١ ، الشرح الكبير ٧ : ٣٠٧.
الوديعة ، وبالجملة على أيّ وجهٍ كان.
مسألة ١٦ : لو أودعه عشرة دراهم - مثلاً - في كيسٍ ، فإن كان مشدوداً مختوماً فكسر الختم وحلّ الشدّ أو فَعَل واحداً منهما ، ضمن ؛ لأنّه هتك الحرز على ما تقدّم.
وإن لم يكن الكيس مشدوداً ولا مختوماً فأخرج منه درهماً لنفقته ، ضمنه خاصّةً ؛ لأنّه لم يتعدّ في غيره ، فإن ردّه لم يزل عنه الضمان ، فإن لم يختلط بالباقي لم يضمن الباقي ؛ لأنّه لم يتصرّف فيه.
وكذا إن اختلط وكان متميّزاً لم يلتبس بغيره.
وإن امتزج بالباقي مزجاً ارتفع معه الامتياز ، فالوجه : إنّه كذلك لا يضمن الباقي ، بل الدرهم خاصّةً ؛ لأنّ هذا الاختلاط كان حاصلاً قبل الأخذ ، وهو أصحّ قولَي الشافعيّة ، والثاني : إنّ عليه ضمان الباقي ؛ لخلطه المضمون بغير المضمون(١) .
فعلى ما اخترناه لو تلفت العشرة لم يلزمه إلّا درهم واحد ، ولو تلفت منها خمسة لم يلزمه إلّا نصف درهمٍ.
ولو أنفق الدرهم الذي أخذه ثمّ ردّ مثله إلى موضعه ، لم يبرأ من الضمان ، ولا يملكه صاحب الوديعة إلّا بالقبض والدفع إليه.
ثمّ إن كان المردود لا يتميّز عن الباقي ، صار الكلّ مضموناً عليه ؛ لخلطه الوديعةَ بمال نفسه ، وإن كان يتميّز فالباقي غير مضمونٍ عليه.
مسألة ١٧ : لو أتلف بعضَ الوديعة ، فإن كان ذلك البعض منفصلاً عن الباقي - كالثوبين إذا أتلف أحدهما - لم يضمن إلّا الـمُتْلَف ؛ لأنّ العدوان
____________________
(١) البيان ٦ : ٤٣٨ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٦ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩٨.
إنّما وقع فيه ، فلا يتعدّى الضمان إلى غيره وإن كان الإيداع واحداً.
وإن كان متّصلاً ، كالثوب الواحد يخرقه ، أو يقطع طرف العبد أو البهيمة ، فإن كان عامداً في الإتلاف فهو جانٍ على الجميع ، فيضمن الكلّ.
وإن كان مخطئاً ، ضمن ما أتلفه خاصّةً ، ولم يضمن الباقي - وهو أصحّ وجهي الشافعيّة(١) - لأنّه لم يتعدّ في الوديعة ، ولا خان فيها ، وإنّما ضمن الـمُتْلَف ؛ لفواته وصدور الهلاك منه فيه مخطئاً.
وفي الثاني لهم : إنّه يضمنه أيضاً ، ويستوي العمد والخطأ فيه ، كما استويا في القدر التالف(٢) .
مسألة ١٨ : إذا أودع المستودعُ الوديعةَ غيرَه ، فإن كان بإذن المالك فلا ضمان عليه إجماعاً ؛ لانتفاء العدوان.
وإن لم يكن بإذن المالك ، فلا يخلو إمّا أن يودع من غير عذرٍ أو لعذرٍ ، فإن أودع من غير عذرٍ ضمن إجماعاً ؛ لأنّ المالك لم يرض بيد غيره وأمانته.
ولا فرق بين أن يكون ذلك الغير عبدَه أو جاريتَه(٣) أو زوجتَه أو ولدَه أو أجنبيّاً عند علمائنا أجمع - وبه قال الشافعي(٤) - وذلك لعموم الدليل
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٦ - ٣٠٧ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩٩.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٧ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩٩.
(٣) « أو جاريته » لم ترد في النسخ الخطّيّة المعتمدة لدينا.
(٤) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٦٨ ، الوجيز ١ : ٢٨٤ ، الوسيط ٤ : ٥٠٠ ، حلية العلماء ٥ : ١٧٣ و ١٧٦ ، التهذيب - للبغوي - ٥ : ١١٧ ، البيان ٦ : ٤٣٥ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٢٩٢ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٨٩ ، المغني ٧ : ٢٨٢ و ٢٨٣ ، الشرح =
في الجميع.
وقال مالك : إنّ له أن يودع زوجته(١) .
وقال أبو العباس ابن سريج من الشافعيّة : إذا استعان بزوجته أو خادمه في خباء الوديعة ولم تغب عن نظره جاز ، ولا ضمان عليه(٢) .
وقال أبو حنيفة وأحمد : له أن يودع مَنْ عليه نفقته من ولدٍ ووالدٍ وزوجةٍ وعبدٍ ، ولا ضمان عليه بكلّ حال ؛ لأنّه حفظ الوديعة بمن يحفظ به ماله ، فلم يلزمه الضمان ، كما لو حفظها بنفسه(٣) .
وهو غلط ؛ لأنّه سلّم الوديعةَ إلى مَنْ لم يرض به صاحبها مع قدرته على صاحبها ، فضمنها ، كما لو سلّمها إلى الأجنبيّ.
والقياس عليه باطل ؛ لأنّه إذا حفظ ماله بخادمه أو زوجته فقد رضي المالك بذلك ، بخلاف صورة النزاع.
مسألة ١٩ : إذا أودع من غير إذن المالك ولا عذر ، ضمن ، وكان لصاحبها أن يرجع على مَنْ شاء منهما إذا تلفت ، فإن رجع على المستودع
____________________
= الكبير ٧ : ٢٩٩ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ٢ : ١٩ ، روضة القُضاة ٢ : ٦١٨ / ٣٥٦٠٤.
(١) بداية المجتهد ٢ : ٣١٢ ، الذخيرة ٩ : ١٦٢ ، البيان ٦ : ٤٣٦ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٢٩٢ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ٢ : ١٩.
(٢) البيان ٦ : ٤٣٥ - ٤٣٦ ، حلية العلماء ٥ : ١٧٦.
(٣) تحفة الفقهاء ٣ : ١٧١ ، بدائع الصنائع ٦ : ٢٠٧ - ٢٠٨ ، روضة القُضاة ٢ : ٦١٨ / ٣٥٦٠٣ ، المبسوط - للسرخسي - ١١ : ١٠٩ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٢١٨ ، الفقه النافع ٣ : ٩٣٩ / ٦٦١ ، المحيط البرهاني ٥ : ٥٢٨ ، المغني ٧ : ٢٨٣ ، الشرح الكبير ٧ : ٢٩٩ ، الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٦٢٥ / ١٠٦٨ ، بداية المجتهد ٢ : ٣١٢ ، الذخيرة ٩ : ١٦٢ ، حلية العلماء ٥ : ١٧٦ ، التهذيب - للبغوي - ٥ : ١١٧ ، البيان ٦ : ٤٣٦ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٢٩٢ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ٢ : ١٩.
الأوّل فلا رجوع له على الثاني ، وإن رجع على المستودع الثاني كان للمستودع الثاني أن يرجع على المستودع الأوّل ؛ لأنّه دخل معه على أن لا يضمن ، وبه قال الشافعي(١) .
وقال أبو حنيفة : ليس للمالك أن يضمن الثاني ؛ لأنّ قبض الثاني تعلّق به الضمان على الأوّل ، فلا يتعلّق به ضمان على الآخَر(٢) .
وهو ممنوع ؛ لأنّه قبض مال غيره ، ولم يكن له قبضه ، فإذا كان من أهل الضمان في حقّه ضمنه ، كما استودعه إيّاه الغاصب.
ودليله ضعيف ؛ لأنّ المستودع الأوّل ضمن بالتسليم ، والثاني بالتسلّم.
مسألة ٢٠ : ولا فرق عندنا بين أن يودع المستودع الوديعةَ عند القاضي أو عند غيره.
وللشافعيّة وجهان - حكاهما [ أبو ](٣) حامد فيما إذا وجد المالك وقدر على الردّ عليه ، وفيما إذا لم يجد - أحدهما : إنّه لا يضمن.
أمّا إذا كان المالك حاضراً : فلأنّ أمانة القاضي أظهر من أمانة المستودع ، فكأنّه جعل الوديعة في مكانٍ أحرز.
وأمّا إذا كان غائباً : فلأنّه لو كان حاضراً لألزمه المودع الردّ ، فإذا كان غائباً ناب عنه القاضي.
والأظهر عند أكثر الشافعيّة : إنّه يضمن.
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٦٨ ، حلية العلماء ٥ : ١٧٣ ، البيان ٦ : ٤٣٦ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ٢ : ٢١ ، المغني ٧ : ٢٨٢ ، الشرح الكبير ٧ : ٣٠١.
(٢) تحفة الفقهاء ٣ : ١٧١ - ١٧٢ ، بدائع الصنائع ٦ : ٢٠٨ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٢١٨ ، المغني ٧ : ٢٨٢ ، الشرح الكبير ٧ : ٣٠١ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ٢ : ٢١.
(٣) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « ابن ». والصحيح ما أثبتناه.
أمّا إذا كان المالك حاضراً : فلأنّه لا ولاية للقاضي على الحاضر الرشيد ، فأشبه سائر الناس.
وأمّا إذا كان غائباً : فلأنّه لا ضرورة بالمودع إلى إخراجها من يده ، ولم يرض المالك بيد غيره ، فليحفظه إلى أن يجد المالك أو يتجدّد له عذر(١) .
وعلى تقدير تجويز الدفع إلى القاضي هل يجب على القاضي القبول إذا عرضها المستودع عليه؟
أمّا إذا كان المالك حاضراً والتسليم إليه متيسّراً ، فلا وجه لوجوبه عليه.
وأمّا إذا لم يكن كذلك ، ففي إيجاب القبول للشافعيّة وجهان :
أحدهما : المنع ؛ لأنّه التزم حفظه ، فيؤمر بالوفاء به.
وأظهرهما : الإيجاب ؛ لأنّه نائب عن الغائب ، ولو كان المالك حاضراً لألزم القبول(٢) .
ولو دفع الغاصبُ الغصبَ إلى القاضي ، ففي وجوب القبول عليه الوجهان(٣) .
لكن هذه الصورة أولى بعدم الوجوب ، ليبقى مضموناً للمالك.
والمديون إذا حمل الدَّيْن إلى القاضي ، فكلّ موضعٍ لا يجب على ربّ الدَّيْن القبول لو كان حاضراً ففي القاضي أولى ، وكلّ موضعٍ يجب على المالك قبوله ففي القاضي الوجهان(٤) .
وهذه الصورة أولى بعدم الوجوب - وهو الأظهر عندهم(٥) - لأنّ الدَّيْن
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٢٩٢ - ٢٩٣ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٨٩ - ٢٩٠.
(٢ - ٥) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٢٩٣ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩٠.
ثابت في الذمّة لا يتعرّض للتلف ، وإذا تعيّن تعرّض له ، ولأنّ مَنْ في يده العين يثقل عليه حفظها.
وجميع ما ذكرناه فيما إذا استحفظ الغير وأزال يده ونظره على الوديعة ، أمّا إذا استعان به في حملها إلى الحرز فلا بأس ، كما لو استعان في سقي البهيمة وعلفها.
فروع :
أ - لو كانت له خزانة مشتركة بينه وبين أبيه فدفع الوديعة إلى أبيه ليضعها في الخزانة المشتركة ، فالأقرب : الضمان ، إلّا إذا علم المالك بالحال.
ب - لا يجوز أن يضع الوديعة في مكانٍ مشترك بينه وبين غيره ، كدكّانٍ مشترك ودارٍ مشتركة ، فلو وضعها فيه ثمّ أراد الخروج لحاجاته فاستحفظ مَنْ يثق به من متّصليه وكان يلاحظ المحرز في عوداته ، فلا بأس ؛ لأنّه في الحقيقة إيداع مع الحاجة.
ولو فوّض الحفظ إلى بعضهم ولم يلاحظ الوديعة أصلاً ، فالأقرب : الضمان.
ج - لو كان المحرز خارجاً عن داره التي يأوي إليها وكان لا يلاحظه ، فإن كان يشاركه غيره ضمن ، وإلّا فلا.
مسألة ٢١ : لو جعل الوديعة في دار جاره ، فإن كان الموضع محرزاً لا يدخله المالك وكان عاريةً أو مأذوناً فيه فلا ضمان ، وإن لم يكن كذلك ضمن ؛ لأنّه فرّط حيث وضع الوديعة في غير حرزٍ أو في حرزٍ ممنوع منه شرعاً.
ولما رواه محمّد بن الحسن الصفّار قال : كتبت إلى أبي محمّد
العسكريعليهالسلام : رجل دفع إلى رجلٍ وديعةً فوضعها في منزل جاره فضاعت هل تجب عليه إذا خالف أمره وأخرجها من ملكه؟ فوقّععليهالسلام : « هو ضامن لها إن شاء الله »(١) .
مسألة ٢٢ : إذا أراد المستودع ردَّ الوديعة على صاحبها ، كان له ردّها عليه أو على وكيله في قبضها ؛ لأنّ المستودع لا يلزمه إمساكها.
فإن دفعها إلى الحاكم أو إلى ثقةٍ مع وجود صاحبها أو وكيله ، ضمنها على ما قدّمناه ؛ لأنّ الحاكم والأمين لا ولاية له على الحاضر الرشيد.
وإن لم يقدر على صاحبها ولا وكيله فدفعها إلى الحاكم أو أمينٍ ، فإن كان لغير عذرٍ ضمن ؛ لأنّه لا حاجة به إلى ذلك ، ولا ينوب الحاكم في غير حال الحاجة.
وإن كان به حاجة إلى الإيداع - كأن يخاف حريقاً أو نهباً أو غير ذلك - فدفعها إلى الحاكم أو إلى ثقةٍ ليخلصها من ذلك جاز ، وإن تلفت لا ضمان عليه ؛ لأنّه موضع حاجةٍ ، وقد تقدّم.
مسألة ٢٣ : لو عزم المستودع على السفر ، كان له ذلك ، ولم يلزمه المقام لحفظ الوديعة ؛ لأنّه متبرّع بإمساكها ، ويلزمه ردّها إلى صاحبها أو وكيله في استردادها أو في عامّة أشغاله ، فإن لم يظفر بالمالك ؛ لغيبته ، أو تواريه ، أو حبسه وتعذّر الوصول إليه ، ولا ظفر بوكيله ، فإنّه يدفعها إلى الحاكم ، ويجب عليه قبولها ؛ لأنّه موضوع للمصالح ، فإن لم يجد دَفَعها إلى أمينٍ ، ولا يُكلّف تأخير السفر ؛ لأنّ النبيّصلىاللهعليهوآله كانت عنده ودائع ، فلـمّا أراد الهجرة سلّمها إلى أُمّ أيمن ، وأمر عليّاًعليهالسلام بردّها(٢) .
____________________
(١) التهذيب ٧ : ١٨٠ / ٧٩١.
(٢) تقدّم تخريجه في ص ١٤٢ ، الهامش (٣)
فإن ترك هذا الترتيب فدفعها إلى الحاكم أو إلى الأمين مع إمكان الدفع إلى المالك أو وكيله ، ضمن.
وللشافعيّة خلاف في الحاكم(١) سبق(٢) .
وإن دفع إلى أمينٍ وهو يجد الحاكم ، فللشافعي قولان :
أحدهما - وبه قال علماؤنا ، وأحمد بن حنبل وابن خيران من الشافعيّة والاصطخري منهم - : إنّه يضمنه ؛ لأنّ أمانة الحاكم ظاهرة متّفق عليها ، فلا يُعدل عنها ، كما لا يُعدل عن النصّ إلى الاجتهاد ، ولأنّ الحاكم نائب الغائبين ، فكان كالوكيل ، ولأنّ له ولايةً ، فهو يمسكها بالولاية والعدالة ، بخلاف غيره ، فإنّه ليس له الولاية.
والثاني : إنّه لا يضمن - وبه قال مالك - لأنّه أودع بالعذر أميناً ، فأشبه الحاكم ، ولأنّ مَنْ جاز له دفعها إليه مع عدم الحاكم جاز دفعها إليه مع وجوده ، كوكيل صاحبها(٣) .
وقد نقل أصحاب الشافعي عنه اضطراباً في القول ، فقالوا : هذان القولان للشافعي.
قال في باب الرهن فيما إذا أراد العَدْل ردّ الرهن أو الوديعة - يعني إلى عَدْلٍ - بغير أمر الحاكم : ضمن.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٢٩٤ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩٠.
(٢) في ص ١٦٦ ، المسألة ٢٠.
(٣) الحاوي الكبير ٨ : ٣٥٩ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٦٧ ، حلية العلماء ٥ : ١٧٣ ، التهذيب - للبغوي - ٥ : ١١٨ ، البيان ٦ : ٤٣١ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٢٩٤ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩٠ ، المغني ٧ : ٢٨٣ ، الشرح الكبير ٧ : ٣٠٤ ، الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٦٢٥ / ١٠٦٩ ، بداية المجتهد ٢ : ٣١٢ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ٢ : ١٩ - ٢٠.
وقال هنا في ردّ الوديعة : ولو لم يكن حاضراً - يعني ربّ الوديعة - فأودعها أميناً يودعه ماله، لم يضمن. فلم يفرّق بين أن يجد الحاكم أو لا يجد(١) .
ونقل عنه طريقة قاطعة بأنّه يضمن(٢) .
ونقل عنه أيضاً طريقة قاطعة أنّه لا يضمن(٣) .
وحكى بعض الشافعيّة وجهاً : إنّه يشترط أن يكون الأمين الذي يودعه بحيث يأتمنه ويودع ماله عنده(٤) .
لكنّ الظاهر عندهم خلافه ، وقول الشافعي : « يودعه ماله » على سبيل التأكيد والإيضاح(٥) .
مسألة ٢٤ : ولا يجوز للمستودع إذا عزم على السفر أن يسافر بالوديعة ، بل يجب عليه دفعها إلى صاحبها أو وكيله الخاصّ في الاسترداد أو العامّ في الجميع ، فإن لم يوجد أحدهما دفعها إلى الحاكم ، فإن تعذّر الحاكم دفعها إلى أمينٍ ، ولا يسافر بها ، فإن سافر بها مع القدرة على صاحبها أو وكيله أو الحاكم أو الأمين ، ضمن عند علمائنا أجمع ، سواء كان السفر مخوفاً أو غير مخوفٍ - وبه قال الشافعي(٦) - لأنّه سافر بالوديعة من غير ضرورةٍ بغير إذن مالكها فضمن ، كما لو كان الطريق مخوفاً ، ولأنّ حرز
____________________
(١ - ٣) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٢٩٤.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٢٩٤ - ٢٩٥.
(٥) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٢٩٥.
(٦) الحاوي الكبير ٨ : ٣٥٧ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٦٨ ، الوسيط ٤ : ٥٠١ ، حلية العلماء ٥ : ١٧١ ، التهذيب - للبغوي - ٥ : ١١٨ ، البيان ٦ : ٤٣٢ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٢٩٥ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩١ ، المغني ٧ : ٢٨٤ ، الشرح الكبير ٧ : ٣٠٢ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ٢ : ٢٠.
السفر دون حرز الحضر ، وفي الحديث : « إنّ المسافر ومتاعه لعلى قَلَتٍ(١) إلّا ما وقى الله »(٢) .
وقال أبو حنيفة : إذا كان السفر آمناً ، لم يضمن ؛ لأنّه نقل الوديعة إلى موضعٍ مأمون فلم يضمن ، كما لو نقلها في البلد من موضعٍ إلى موضعٍ(٣) .
وهو وجهٌ للشافعيّة ، وكذا إذا كان السفر في البحر إذا كان الغالب فيه السلامة(٤) .
والفرق ظاهر ؛ فإنّ البلد يؤمن أن يطرأ عليه الخوف ، والسفر لا يؤمن فيه مثل ذلك ، ولأنّ البلد في حكم المنزل الواحد وقد رضي مالك الوديعة به ، بخلاف السفر.
مسألة ٢٥ : لو اضطرّ المستودع إلى السفر بالوديعة بأن يضطرّ إلى السفر وليس في البلد حاكم ولا ثقة ولم يجد المالك ولا وكيله ، أو اتّفق جلاءٌ لأهل البلد ، أو وقع حريق أو غارة ونهب ولم يجد المالك ولا وكيله ولا الحاكم ولا العَدْل ، سافر بها ، ولا ضمان عليه إجماعاً ؛ لأنّ حفظها حينئذٍ في السفر بها ، والحفظ واجب ، وإذا لم يتمّ إلّا بالسفر بها كان السفر بها واجباً ، ولا نعلم فيه خلافاً.
____________________
(١) القلت : الهلاك. راجع الهامش التالي.
(٢) غريب الحديث - لابن قتيبة - ٢ : ٥٦٤.
(٣) المبسوط - للسرخسي - ١١ : ١٢٢ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٢١٧ ، المحيط البرهاني ٥ : ٥٣١ ، الحاوي الكبير ٨ : ٣٥٧ ، الوسيط ٤ : ٥٠٢ ، حلية العلماء ٥ : ١٧١ ، البيان ٦ : ٤٣٢ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٢٩٥ - ٢٩٦ ، المغني ٧ : ٢٨٤ ، الشرح الكبير ٧ : ٣٠٢ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ٢ : ٢٠.
(٤) حلية العلماء ٥ : ١٧١ ، البيان ٦ : ٤٣٢ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٢٩٥ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩ (١)
أمّا لو عزم على السفر من غير ضرورةٍ في وقت السلامة وأمن البلد وعجز عن المالك ووكيله وعن الحاكم والأمين فسافر بها ، فالأقرب : الضمان ؛ لأنّه التزم الحفظ في الحضر ، فليؤخّر السفر ، أو ليلتزم خطر الضمان ، وهو أحد وجهي الشافعيّة.
والثاني : إنّه لا ضمان عليه ، وإلّا لزم أن ينقطع عن السفر ، وتتعطّل مصالحه ، وفيه تنفير عن قبول الودائع(١) .
وشرطوا لجواز السفر بها أمن الطريق ، وإلّا فيضمن(٢) .
أمّا عند وقوع الحريق ونحوه فإنّا نقول : إذا كان احتمال الهلاك في الحضر أقرب منه في السفر ، فله أن يسافر بها ، ولو كان الطريق آمناً فحدث خوفٌ أقام.
ولو هجم القطّاع فألقى المال في مضيعة إخفاءً له فضاع ، فعليه الضمان.
مسألة ٢٦ : لو عزم المستودع على السفر فدفن الوديعة ثمّ سافر ، ضمنها إن كان قد دفن في غير حرزٍ.
وإن دفنها في منزله في حرزٍ ولم يُعلمْ بها أحداً ، ضمنها أيضاً ؛ لأنّه غرّر بها ، لأنّه ربما هلك في سفره فلا يصل صاحبها إليها ، ولأنّه ربما يخرب المكان أو يغرق فلا يعلم أحد بمكانها لينقلها فتتلف.
وإن أعلم بها غيره ، فإن كان غير أمينٍ ضمن ؛ لأنّه قد زادها تضييعاً ، لأنّه قد يخون فيها ويطمع.
وإن كان أميناً فإن لم يكن ساكناً في الموضع ، ضمنها ؛ لأنّه لم يودعها
____________________
(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٢٩٦ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩٢.
عنده.
وإن كان ساكناً في الموضع ، فإن كان ذلك مع عدم صاحبها والحاكم جاز ؛ لأنّ الموضع وما فيه في يد الأمين ، فالإعلام كالإيداع ، وهو أظهر وجهي الشافعيّة ، والثاني : إنّه يضمن ؛ لأنّه إعلام لا إيداع(١) .
وإن كان مع القدرة على صاحبها أو وكيله ضمن.
وإن كان مع القدرة على الحاكم ، فعلى الوجهين السابقين.
ولو جعلها في بيت المال ، ضمن ، قاله الشافعي في الأُمّ(٢) .
واختلف أصحابه في معناه.
فمنهم مَنْ قال : أراد بذلك إذا تركها في بيت المال مع القدرة على صاحبها.
ومنهم مَنْ قال : أراد إذا جعلها في بيت المال بنفسه ولم يسلّمها إلى الحاكم(٣) .
ولو خاف المعاجلة عليها فدفنها فلا ضمان.
فروع :
أ - لو راقبها من الجوانب أو من فوق مراقبة الحارس ، فهو كالسكنى في الموضع الذي دُفنت فيه.
ب - قال بعض الشافعيّة : الإعلام كالإيداع من غير فرقٍ بين أن يسكن الموضع أو لا يسكنه(٤) .
____________________
(١) البيان ٦ : ٤٣٣ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٢٩٥ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩١.
(٢) الأُمّ ٤ : ١٣٥ ، وعنه في البيان ٦ : ٤٣٤.
(٣) البيان ٦ : ٤٣٤.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٢٩٥ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩١.
وإذا دفن الوديعة في غير حرزٍ عند إرادة السفر ، ضمن على ما تقدّم ، إلّا أن يخاف عليها المعاجلة.
وكذا يضمن لو دفنها في حرزٍ ولم يُعلِمْ بها أميناً ، أو أعلم أميناً حيث لا يجوز الإيداع عند الأمين.
ج - هل سبيل هذا الإعلام الإشهاد أو الائتمان؟ إشكال.
وللشافعيّة وجهان(١) .
فعلى الأوّل لا بدّ من إعلام رجلين أو رجل وامرأتين. والظاهر الثاني.
د - كما يجوز إيداع الغير لعذر السفر كذا يجوز لسائر الأعذار ، كما لو وقع في البقعة حريق أو غارة أو خاف الغرق.
وفي معناها ما إذا أشرف الحرز على الخراب ولم يجد حرزاً ينقلها إليه.
ه- لو أودعه حالة السفر فسافر بها أو كان المستودع منتجعاً(٢) فانتجع بها ، فلا ضمان ، لأنّ المالك رضي به حيث أودعه ، فكان له إدامة السفر والسير بالوديعة.
مسألة ٢٧ : إذا مرض المستودع مرضاً مخوفاً أو حُبس ليُقتل ، وجب عليه الإيصاء بالوديعة ، وإن تمكّن من صاحبها أو وكيله ، وجب عليه ردّها إليه ، وإن لم يقدر على صاحبها ولا على وكيله ، ردّها إلى الحاكم.
____________________
(١) الحاوي الكبير ٨ : ٣٦١ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٢٩٥ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩١.
(٢) النجعة : طلب الكلأ في موضعه. الصحاح ٣ : ١٢٨٨ « نجع ».
ولو أودعها عند ثقةٍ مع عدم الحاكم جاز ، وإن كان مع القدرة عليه ضمن.
وللشافعيّة وجهان(١) .
ولو لم يوص بها لكن سكت عنها وتركها بحالها حتى مات ، ضمن ؛ لأنّه غرّر بها وعرّضها للفوات ، فإنّ الورثة يقتسمونها ويعتمدون على ظاهر اليد ولا يحسبونها وديعةً ، ويدّعونها لأنفسهم ، فكان ذلك تقصيراً منه يوجب التضمين.
فروع :
أ - التقصير هنا إنّما يتحقّق بترك الوصاية إلى الموت ، فلا يحصل التقصير إلّا إذا مات ، لكن نتبيّن عند الموت أنّه كان مقصّراً من أوّل ما مرض ، فضمّناه ، أو يلحق التلف إذا حصل بعد الموت بالتردّي بعد الموت في بئرٍ حفرها متعدٍّ.
ب - قد توهّم بعض الناس أنّ المراد من الوصيّة بها تسليمها إلى الوصي ليدفعها إلى المالك ، وهو الإيداع بعينه(٢) .
وليس كذلك ، بل المراد الأمر بالردّ من غير أن يخرجها من يده ، فإنّه والحالة هذه مخيّر بين أن يودع للحاجة ، وبين أن يقتصر على الإعلام والأمر بالردّ ؛ لأنّ وقت الموت غير معلومٍ ، ويده مستمرّة على الوديعة ما دام حيّاً.
ج - الأقرب : الاكتفاء بالوصيّة وإن أمكنه الردّ إلى المالك ؛ لأنّه
____________________
(١) البيان ٦ : ٤٣٤.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٢٩٦.
مستودع لا يدري متى يموت ، فيستصحب الحكم.
ويحتمل أنّه يجب عليه الردّ إلى المالك أو وكيله عند المرض ، فإن تعذّر أودع عند الحاكم أو أوصى إليه ، كما إذا عزم على السفر ، وهو قول أكثر الشافعيّة(١) .
د - يجب الإيصاء إلى الأمين ، فإن أوصى إلى غير ثقةٍ ، فهو كما لو لم يوص ، ويجب عليه الضمان ؛ لأنّه غرّر بالوديعة.
ولا يجب أن يكون أجنبيّاً ، بل يجوز أن يوصي بها إلى وارثه ، ويُشهد عليه ؛ صوناً لها عن الإنكار.
وكذا الإيداع حيث يجوز أن يودع أميناً.
مسألة ٢٨ : إذا أوصى بالوديعة ، وجب عليه أن يبيّنها ويميّزها عن غيرها بالإشارة إلى عينها أو بيان جنسها ووصفها ، فلو لم يبيّن الجنس ولا أشار إليها بل قال : عندي وديعة ، فهو كما لو لم يوص.
ولو ذكر الجنس فقال : عندي ثوب لفلان ، ولم يصفه ، فإن لم يوجد في تركته جنس الثوب ، فأكثر علمائنا على أنّ المالك يضارب ، فيضارب ربّ الوديعة الغرماء بقيمة الوديعة ؛ لتقصيره بترك البيان ، وهو قول بعض الشافعيّة ، وهو ظاهر مذهبهم(٢) أيضاً.
وقال بعضهم : لا يضمن ؛ لأنّها ربما تلفت قبل الموت ، والوديعة أمانة ، فلا تُضمن بالشكّ(٣) .
وإن وُجد في تركته جنس الثوب ، فإمّا أن يوجد أثواب أو ثوب واحد ، فإن وُجد أثواب ضمن ؛ لأنّه إذا لم يميّز كان بمنزلة ما لو خلط الوديعة
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٢٩٧ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩٢.
(٢ و ٣) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٢٩٧ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩٣.
بغيرها ، وذلك سبب موجب للضمان ، فكذا ما ساواه ، وهو عدم تنصيصه على التخصيص.
وإن وُجد ثوبٌ واحد ، ففي تنزيل كلامه عليه إشكال.
قال بعض الشافعيّة : إنّه ينزّل عليه ، ويدفع إليه(١) .
ومنهم مَنْ أطلق القول بأنّه إذا وجد جنس الثوب ضمن ، ولا يدفع إليه عين الموجود.
أمّا الضمان : فللتقصير بترك البيان.
وأمّا أنّه لا يدفع إليه عين الموجود : فلاحتمال أن تكون الوديعة قد تلفت ، والموجود غيرها(٢) . وهو جيّد.
ولهم وجهٌ آخَر : إنّه إنّما يضمن إذا قال : عندي ثوب لفلان ، وذكر معه ما يقتضي الضمان ، أمّا إذا اقتصر عليه فلا ضمان(٣) .
مسألة ٢٩ : لو مات ولم يذكر عنده وديعة ولكن وُجد في تركته كيس مختوم أو غير مختومٍ مكتوب عليه : إنّه وديعة فلان ، أو وُجد في جريدته : إنّ لفلان عندي كذا وكذا وديعة ، لم يجب على الوارث التسليم بهذا القدر ؛ لأنّه ربما كتبه عبثاً ولهواً أو تلقّناً(٤) أو ربما اشترى الكيس بعد تلك الكتابة فلم يمحها ، أو ردّ الوديعة بعد ما أثبت في الجريدة ولم يمحه.
وبالجملة ، إنّما يثبت كونها وديعةً بأن يُقرّ أنّ هذه وديعة ، ثمّ يموت ، ولا يكون متّهماً في إقراره عندنا ومطلقاً عند جماعةٍ من علمائنا ، أو يُقرّ الورثة بأنّها وديعة ، أو تقوم البيّنة بذلك ، فإذا ثبتت الوديعة بأحد
____________________
(١ - ٣) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٢٩٧ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩٣.
(٤) كذا قوله : « تلقّناً » ، وبدله في العزيز شرح الوجيز ٧ : ٢٩٨ ، وروضة الطالبين ٥ : ٢٩٤ : « تلبيساً ».
هذه الوجوه وجب على الورثة دفعها إلى مالكها ، فإن أخّروا الدفع مع الإمكان ضمنوا.
ولو لم يعلم صاحبها بموت المستودع ، وجب على الورثة إعلامه ذلك ، ولم يكن لهم إمساك الوديعة إلى أن يطلبها المالك منهم ؛ لأنّ المالك لم يأمنهم عليها ، وذلك كما لو أطارت الريح ثوباً إلى دار إنسانٍ وعلم صاحبها فإنّ عليه إعلامه ، فإن أخّر ذلك مع إمكانه ضمن.
تذنيب : لو لم يوص المستودع بالوديعة فادّعى ربّ الوديعة أنّه قصّر ، وقال الورثة : لعلّها تلفت قبل أن ينسب إلى التقصير ، فالظاهر براءة الذمّة.
ويحتمل الضمان.
تذنيبٌ آخَر : جميع ما قلناه ثابت فيما إذا وجد فرصةً للإيداع أو الوصيّة ، أمّا إذا لم يجد بأن مات فجأةً أو قُتل غيلةً ، فلا ضمان ؛ لأنّه لم يقصّر.
مسألة ٣٠ : قد بيّنّا الخلاف فيما إذا كان عنده وديعة ثمّ مات ولم توجد في تركته ، وأنّ الذي يقتضيه النظر عدم الضمان.
والذي عليه فتوى أكثر العلماء منّا ومن الشافعيّة(١) وجوب الضمان.
وقد قال الشافعي : إذا لم توجد بعينها حاصّ المالك الغرماء(٢) .
واختلف أصحابه في هذه المسألة على ثلاث طُرق :
منهم مَنْ قال : إنّما يحاصّ الغرماء بها إذا كان الميّت قد أقرّ قبل موته ، فقال : عندي أو علَيَّ وديعة لفلان ، فإذا لم تُوجد ، كان الظاهر أنّه أقرّ
____________________
(١) راجع الهامش (٢) من ص ١٧٧.
(٢) الأُم ٤ : ١٣٨ ، الحاوي الكبير ٨ : ٣٨٠ ، حلية العلماء ٥ : ١٧٦ - ١٧٧.
ببدلها ، وأنّها تلفت على وجهٍ مضمون ، وأمّا إذا قامت بالوديعة بيّنة أو أقرّ بها الورثة ولم توجد ، لم يجب ضمانها ؛ لأنّ الوديعة أمانة ، والأصل أنّها تلفت على الأمانة ، فلم يجب ضمانها.
ومنهم مَنْ قال : صورة المسألة أن يثبت أنّ عنده وديعة فتُطلب فلا توجد بعينها ولكن يكون في تركته من جنسها ، فيحتمل أن تكون تلفت ، ويحتمل أن تكون قد اختلطت بماله ، فلـمّا احتمل الأمران أُجري مجرى الغرماء ، وحاصّهم ، فأمّا إذا لم يكن في تركته من جنسها فلا ضمان ؛ لأنّه لا يحتمل إلّا تلفها.
ومنهم مَنْ قال بظاهر قوله ، وأنّه يحاصّ الغرماء بكلّ حال ؛ لأنّ الوديعة يجب عليه ردّها ، إلّا أن يثبت سقوط الردّ بالتلف من غير تفريطٍ ، ولم يثبت ذلك ، ولأنّ الجهل بعينها كالجهل [ بها ](١) وذلك لا يُسقط عنه وجوب الردّ ، كذا هنا(٢) .
فروع :
أ - إذا تبرّم(٣) المستودع بالوديعة فسلّمها إلى القاضي ضمن ، إلّا مع الحاجة.
ب - لا يلحق بالمرض علوّ السنّ والشيخوخة ؛ لأصالة براءة الذمّة.
ج - لو أقرّ المريض بالوديعة ولا تهمة ثمّ مات في الحال ، فالأقرب هنا على قول مَنْ مَنَع من المحاصّة : المحاصّةُ هنا ؛ إذ إقراره بأنّ عنده أو عليه وديعة يقتضي حصوله في الحال ، فإذا مات عقيبه لم يمكن فرض التلف قبل الإيصاء.
____________________
(١) ما بين المعقوفين يقتضيه السياق.
(٢) الحاوي الكبير ٨ : ٣٨٠ ، حلية العلماء ٥ : ١٧٧.
(٣) تبرّم : تضجّر. لسان العرب ١٢ : ٤٣ « برم ».
مسألة ٣١ : إذا أودعه في قريةٍ فنقلها المستودع إلى قريةٍ أُخرى ، فإن اتّصلت القريتان وكانت المنقول إليها أحرز أو ساوت الأُولى في الأمن ولا خوف بينهما ، فالأقرب : عدم الضمان ، مع احتماله ؛ لأنّ الظاهر من الإيداع في قريةٍ عدم رضا المالك بنقلها عنها.
وإن لم تتّصل القريتان ، فالأقرب : الضمان ، سواء كان الطريق آمناً أو مخوفاً - وهو أحد وجهي الشافعيّة(١) - لأنّ حدوث الخوف في الصحراء غير بعيدٍ.
وأظهرهما عندهم : عدم الضمان مع الأمن ، وثبوته لا معه ، كما لو لم تكن بينهما مسافة ، بل اتّصلت العمارتان(٢) .
وقال أكثر الشافعيّة : إن كان بين القريتين مسافة سُمّي المشي فيها سفراً ، ضمن بالسفر بها(٣) .
وبعضهم لا يقيّد ، بل يقول : إن كان بينهما مسافة ضمن. ولم يجعل مطلق المسافة مصحّحاً اسم السفر(٤) .
وقال آخَرون منهم : إن كانت المسافة بينهما دون مسافة التقصير وكانت آمنةً والقرية المنقول إليها أحرز ، لم يضمن(٥) :
وهو يقتضي أنّ السفر بالوديعة إنّما يوجب الضمان بشرط طول السفر. وهو بعيد عندهم ؛ فإنّ خطر السفر لا يتعلّق بالطول والقصر(٦) .
____________________
(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٠.
(٣ و ٤) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٠ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩٤.
(٥) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٠.
(٦) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٠ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩٤.
وإن كانت المسافة بحيث لا تصحّح اسم السفر ، فإن كان فيها خوفٌ ضمن ، وإلّا فوجهان:
أحدهما : إنّ الحكم كذلك ؛ لأنّ الخوف في الصحراء متوقّع.
وأظهرهما عندهم : إنّه كما لو لم تكن مسافة(١) .
وإن كانت القرية المنقول عنها أحرز من المنقول إليها ، ضمن المستودع بالنقل ، فإنّ المالك حيث أودعه فيها اعتمد حفظه فيها ، ولو كانت المنقول إليها أحرز أو تساويا ، فلا ضمان ، وبه قال الشافعي(٢) .
وقد بيّنّا احتمال الضمان.
مسألة ٣٢ : إذا قلنا بالتفصيل - وهو عدم الضمان مع كون القرية المنقول إليها أحرز - وجب معرفة سبب كونها أحرز ، وهو متعدّد :
منها : حصانتها في نفسها أو انضباط أهلها أو امتناع الأيدي الفاسدة عنها.
ومنها : كونها عامرةً لكثرة القطّان بها.
ومنها : أن يكون مسكنه ومسكن أقاربه وأصدقائه بها ، فلا يقدم عليها اللصوص ، ولا يقوى طمعهم فيها ؛ لأنّ قرية أهله وأقاربه أحرز في حقّه.
واعلم أنّا حيث منعنا النقل فذلك إذا لم تَدْعُ ضرورة إليه ، فإن اضطرّ إلى نقلها جاز ، كما جوّزنا له السفر بها مع الحاجة إليه.
مسألة ٣٣ : إذا أراد الانتقال ولا ضرورة إليه ، فالحكم فيه كما سبق فيما إذا أراد السفر.
والنقل من محلّة إلى محلّة أو من دارٍ إلى دارٍ كالنقل من قريةٍ إلى قريةٍ متّصلتي العمارة.
وأمّا إذا نقل من بيتٍ إلى بيتٍ في دارٍ واحدة أو خانٍ واحد ،
____________________
(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٠ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩٤.
لم يضمن وإن كان الأوّل أحرز إذا كان الثاني حرزاً أيضاً.
هذا إذا أطلق الإيداع.
والتحقيق أن نقول : إذا أودعه شيئاً ، ففيه ثلاثة أقسام.
الأوّل : أن يودعه ولا يعيّن له موضعاً لحفظها ، فإنّ المودَع يحفظ الوديعة في حرز مثلها أيّ موضعٍ شاء ، فإن وضعها في حرزٍ ثمّ نقلها إلى حرز مثلها ، جاز ، سواء كان مثل الأوّل أو دونه - وبه قال الشافعي(١) - لأنّ المودَع ردّ ذلك إلى حفظه واجتهاده ، فكلّ موضعٍ هو حرز مثلها وهي محفوظة فيه فكان وضعها فيه داخلاً تحت مطلق الإذن بالوضع فيه حيث جعل ذلك منوطاً باختياره.
الثاني : إذا عيّن له موضعاً ، فقال : احفظها في هذا البيت ، أو في هذه الدار ، واقتصر على ذلك ولم ينهه عن غيره ، فإن كان الموضع ملكاً لصاحب الوديعة ، لم يجز للمستودع نقلها عنه ، فإن نقلها ضمن ؛ لأنّه ليس بمستودعٍ في الحقيقة ، وإنّما هو وكيل في حفظها ، وليس له إخراجها من ملك صاحبها.
وكذا إن كانت في موضعٍ استأجره لها.
وإن كان الموضع ملكاً للمستودع ، فإن نقلها إلى ما دونه في الحرز أو وضعها فيه ابتداءً ، ضمن ؛ لأنّه خالف أمره في شيءٍ مطلوب فيه مرغوب إليه ، فكان ضامناً ، كما لو وضعها في غير حرزٍ.
وإن كان الثاني مثل الأوّل أو أحرز منه ، فلا ضمان عليه ؛ لأنّ تعيينه البيت إنّما أفاد تقدير الحرزيّة ، وليس الغرض عينه ، كما لو استأجر أرضاً لزراعة الحنطة ، فإنّه يجوز أن يزرعها ما يساويها في الضرر أو يقصر ضرره عنها ؛ لأنّ الغرض بتعيينها تقدير المنفعة لا عينها ، كذا هنا ، وحمل التعيين
____________________
(١) البيان ٦ : ٤٢٦.
على تقدير الحرزيّة دون التخصيص الذي لا غرض فيه ، وبه قال الشافعي(١) .
نعم ، لو كان التلف بسبب النقل ، كما إذا انهدم عليه البيت المنقول إليه ، فإنّه يضمن ؛ لأنّ التلف هنا جاء من المخالفة.
وكذا مكتري الدابّة للركوب إذا ربطها في الاصطبل فماتت ، لم يضمن ، وإن انهدم عليها ضمن.
وكذا لو سُرقت من البيت المنقول إليه أو غُصبت فيه ، على إشكالٍ.
الثالث : إذا عيّن له موضعاً ، فقال : احرزها في هذا البيت ، أو هذه الدار ولا تخرجها منه ولا تنقلها عنه ، فأخرجها ، فإن كان لحاجةٍ بأن يخاف عليها في الموضع الذي عيّنه الحريق أو النهب أو اللّصّ فنقلها عنه إلى أحرزها ، لم يضمن ؛ لأنّ الضرورة سوّغت له النقل.
وإن نقلها لغير عذرٍ ، ضمن مطلقاً عندنا - وهو اختيار أبي إسحاق الشيرازي(٢) - سواء نقلها إلى حرزٍ هو دون الأوّل أو كان مساوياً أو أحرز منه ؛ لأنّه خالف صريح الإذن لغير حاجةٍ فضمن ، كما لو نقلها إلى حرزٍ هو دون الأوّل وهو حرز مثلها.
وقال أبو سعيد الاصطخري : إن كان الحرز الثاني مثل الأوّل أو أحرز منه ، لم يضمن بالنقل إليه ؛ لأنه نقلها عنه إلى مثله ، فأشبه ما إذا عيّن له موضعاً فنقلها عنه إلى مثله من غير نهي(٣) .
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٦٦ ، التهذيب - للبغوي - ٥ : ١١٩ ، البيان ٦ : ٤٢٧ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣١٠ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٠١.
(٢) راجع المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٦٦ - ٣٦٧ ، وحلية العلماء ٥ : ١٦٩ ، والبيان ٦ : ٤٢٧.
(٣) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٦٧ ، حلية العلماء ٥ : ١٦٩ ، البيان ٦ : ٤٢٧ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣١٠ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٠١.
ثمّ تأوّل كلام الشافعي بأنّه أراد بذلك إذا كان الموضع الذي هي فيه ملكاً لصاحب الوديعة(١) .
وقال أبو حنيفة : إذا نهاه عن نقلها عن دارٍ فنقلها إلى دارٍ أُخرى ضمن ، وإن نهاه عن نقلها عن بيتٍ فنقلها إلى بيتٍ آخَر في الدار لم يضمن ؛ لأنّ البيتين في دارٍ واحدة حرزٌ واحد ، والطريق إلى أحدهما طريق إلى الآخَر ، فأشبه ما لو نقلها من زاويةٍ إلى زاويةٍ(٢) .
وهو غلط ؛ لأنّه قد يكون بيت في الدار يلي الطريق والآخَر لا يليه ، فالذي لا يليه أحرز.
والحقّ ما قلناه ؛ لأنّه خالف لفظ المودع فيما لا مصلحة له فيه ، فوجب أن يضمن ، كما لو نقلها إلى موضعٍ هو دونه في الحرز.
مسألة ٣٤ : قد بيّنّا أنّه إذا نهاه عن النقل عن الموضع الذي عيّنه ، لم يجز له نقلها عنه إلّا لضرورةٍ ، كحريقٍ أو غرقٍ أو نهبٍ أو خوف اللّصّ وشبهه ، فإن حصلت إحدى هذه الأعذار نَقَلها ، ولا ضمان ، سواء نقلها إلى حرزٍ مثل الأوّل أو أدون منه إذا كان حرز مثلها إذا لم يجد أحرز منه.
فإن وجد أحرز منه واقتصر على الأدون ، احتُمل الضمان ؛ لأنّا قد بيّنّا أنّ التعيين لا يفيد الاختصاص ، بل تقدير الحرز ، فإذا تعذّر الشخص وجب الانتقال إلى المساوي أو الأحرز ، وعدمُه ضعيفاً ؛ لأنّ التعيين قد زال ، فساغ النقل للخوف ، فيتخيّر المستودع حينئذٍ ، ولو لم يعيّن له الحرز ابتداءً جاز له الوضع في الأدون ، فكذا إذا عيّنه.
____________________
(١) لم نعثر عليه في مظانّه.
(٢) تحفة الفقهاء ٣ : ١٧٣ ، بدائع الصنائع ٦ : ٢١٠ ، الحاوي الكبير ٨ : ٣٦٩ ، حلية العلماء ٥ : ١٦٩ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣١١ ، المغني ٧ : ٢٨٥ ، الشرح الكبير ٧ : ٢٨٧.
والأوّل أقوى.
ولو أمكن النقل عن المعيّن مع عروض إحدى هذه الحالات ، ضمن ؛ لأنّه مفرّط حينئذٍ في الحفظ ، إذ الظاهر أنّه قصد بالنهي عن النقل نوعاً من الاحتياط ، فإذا عرضت هذه الأحوال فالاحتياط النقل ، وهو أصحّ وجهي الشافعيّة(١) .
ولو قال : لا تنقلها وإن حدثت ضرورة ، فحدثت ضرورة ، فإن لم ينقل لم يضمن ، كما لو قال : أتلف مالي ، فأتلفه ، وهو أظهر وجهي الشافعيّة(٢) .
ولهم وجهٌ آخَر(٣) .
وإن نقل ، لم يضمن ؛ لأنّه قصد الحفظ والصيانة والإصلاح ، فكان محسناً ، فيندرج تحت عموم قوله تعالى :( ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ) (٤) وهو أصحّ وجهي الشافعيّة(٥) .
مسألة ٣٥ : لو نقلها المستودع عن الموضع المعيّن المنهيّ عن نقلها عنه ، فادّعى المستودع الخوفَ من الحريق أو الغرق أو اللّصّ أو شبهه من الضرورات ، وأنكر المالك ، فإن عرف هناك ما يدّعيه المستودع ، كان القولُ قولَه مع اليمين ؛ لأنّه ادّعى الظاهر ، فصُدّق بيمينه ، وإلّا طُولب بالبيّنة ، فإن لم تكن هناك بيّنة ، صُدّق المالك بيمينه ؛ لأنّه منكر ، وهو قول أكثر الشافعيّة(٦) .
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣١٠ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٠١.
(٢ و ٣) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٦٧ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣١٠ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٠١.
(٤) التوبة : ٩١.
(٥) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣١٠ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٠١.
(٦) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣١٠ - ٣١١ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٠١ - ٣٠٢.
ولهم وجهٌ آخَر : إنّ ظاهر الحال يغنيه عن اليمين(١) .
ولهم وجهٌ آخَر غريب فيما إذا لم ينهه عن النقل ، فنقل إلى ما دونه : إنّه لا يضمن(٢) .
وهذا كلّه فيما إذا كان البيت المعيّن أو الدار المعيّنة ملكاً للمستودع ، أمّا إذا كان ملكاً للمالك ، فليس للمستودع إخراجها عن ملكه بحالٍ ، إلّا أن تعرض ضرورة إلى ذلك.
مسألة ٣٦ : يجب على المستودع دفع مهلكات الوديعة وما يوجب نقص ماليّتها ؛ إذ الحفظ واجب ، ولا يتمّ إلّا بذلك.
فلو استودع ثياب صوفٍ ، وجب على المستودع نشرها وتعريضها للريح بمجرى العادة ؛ لئلّا يفسدها الدود.
ولو لم يندفع الفساد إلّا بأن يلبس وتعبق(٣) بها رائحة الآدمي ، وجب على المستودع لُبْسها.
فإن لم يفعل ففسدت بترك اللُّبْس وتعريض الثوب للريح ، كان ضامناً ، سواء أمره المالك أو سكت عنه.
أمّا لو نهاه عن النشر وفِعْلِ ما يحتاج إليه الحفظ فامتنع من ذلك حتى فسدت ، فَعَل مكروهاً ، ولا ضمان عليه ، وبه قال أكثر الشافعيّة(٤) .
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣١١ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٠٢.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣١١.
(٣) راجع الهامش (١) من ص ١٥٥.
(٤) التهذيب - للبغوي - ٥ : ١٢٥ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٣ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩٦.
ولهم وجهٌ آخَر : إنّ عليه الضمان(١) .
هذا إذا علم المستودع ذلك ، أمّا لو لم يعلم المستودع ذلك بأن أودعه صندوقاً مقفلاً لا يعلم ما فيه ، أو كيساً مشدوداً ولم يُعلمه المالك ، لم يضمن ؛ لعدم التفريط ، وانتفاء التقصير منه.
مسألة ٣٧ : إذا كانت الوديعة دابّةً أو آدميّاً ، وجب على المستودع القيامُ بحراستها ومراعاتها وعلفها وسقيها.
ثمّ لا يخلو إمّا أن يأمره المالك بالعلف والسقي ، أو ينهاه عنهما ، أو يُطلق الإيداع.
فإن أمره بالعلف والسقي ، وجب عليه فعلهما ورعاية المأمور به.
فإن امتنع المستودع من ذلك حتى مضت مدّة تموت مثل الدابّة في مثل تلك المدّة ، نُظر إن ماتت ضمنها ، وإن لم تمت دخلت في ضمانه ، وإن نقصت ضمن النقصان.
وتختلف المدّة باختلاف الحيوان قوّةً وضعفاً.
فإن ماتت قبل مضيّ تلك المدّة ، لم يضمنها إن لم يكن بها جوع وعطش سابق ، وإن كان وهو عالمٌ ضمن ، وكذا لو كان جاهلاً.
وللشافعيّة في الجاهل وجهان كالوجهين فيما إذا حبس مَنْ به بعض الجوع وهو لا يعلم حتى مات(٢) .
وأظهرهما عندهم : عدم الضمان(٣) .
وعلى تقدير الضمان لهم وجهان : هل يضمن الجميع أو بالقسط؟
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٣ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩٦.
(٢) التهذيب - للبغوي - ٥ : ١٢٣ - ١٢٤ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٢ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩٥.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٢ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩٥.
كما لو استأجر دابّةً لحمل قدرٍ فزاد عليه(١) .
وإن نهاه المالك عن العلف والسقي فتركهما ، كان عاصياً ؛ لما فيه من تضييع المال المنهيّ عنه شرعاً وهتكِ حرمة الروح ؛ لأنّ للحيوان حرمةً في نفسه يجب إحياؤه لحقّ الله تعالى.
وفي الضمان إشكال أقربه : العدم - وهو قول أكثر الشافعيّة(٢) - كما لو قال : اقتل دابّتي ، فقتلها ، أو أمره برمي قماشه في البحر ، فرماه ، أو أمره بقتل عبده ، فقتله ، فإنّه يأثم ، ولا ضمان عليه ، كذا هنا.
وقال بعضهم : يجب عليه الضمان ؛ لحصول التعدّي في الوديعة ، وهو مقتضٍ للضمان ، فأشبه ما لو لم ينهه(٣) .
ولو علفها وسقاها مع نهيه عنهما ، كان الحكم كما تقدّم في القسم الأوّل.
وقال بعض الشافعيّة : الخلاف هنا مخرَّجٌ ممّا إذا قال : اقتلني ، فقتله هل تجب الدية؟(٤) .
ولم يرتضه باقي الشافعيّة ؛ لأنّا إذا أوجبنا الدية أوجبناها للوارث ، ولم يوجد منه إذن في الإتلاف ، وهنا بخلافه(٥) .
وإن أطلق الإيداع ، فلا يأمره بالعلف والسقي ولا ينهاه عنهما ، فيجب
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٢ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩٥.
(٢) الحاوي الكبير ٨ : ٣٦٥ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٦٨ ، حلية العلماء ٥ : ١٨٢ ، التهذيب - للبغوي - ٥ : ١٢٤ ، البيان ٦ : ٤٤١ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٢ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩٥ ، المغني ٧ : ٢٩٤ ، الشرح الكبير ٧ : ٢٩٣.
(٣) الحاوي الكبير ٨ : ٣٦٦ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٦٨ ، حلية العلماء ٥ : ١٨٢ ، البيان ٦ : ٤٤١ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٢ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩٥ ، المغني ٧ : ٢٩٤ ، الشرح الكبير ٧ : ٢٩٣.
(٤ و ٥) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٢.
على المستودع العلف والسقي ؛ لأنّه التزم بحفظها ، ولأنّه ممنوع من إتلافها جوعاً ، فإذا التزم حفظها تضمّن ذلك علفها وسقيها ، وبه قال الشافعي(١) .
وقال أبو حنيفة : لا يجب عليه العلف والسقي ؛ لأنّه استحفظه إيّاها ولم يأمره بعلفها(٢) .
وقد بيّنّا الأمر الضمني.
مسألة ٣٨ : لا خلاف في أنّه لا يجب على المستودع الإنفاق على الدابّة والآدمي من ماله ؛ لأصالة البراءة ، والتضرّر المنفي شرعاً ، لكن إن دفع إليه المالك النفقةَ فذاك ، وإن لم يدفع إليه ، فإن كان المالك قد أمره بعلفها وسقيها رجع به عليه ؛ لأنّه أمره بإتلاف ماله فيما عاد نفعه إليه ، فكان كما لو ضمن عنه مالاً بأمره وأدّاه عنه.
وإن أطلق الإيداع ولم يأمره بالعلف والسقي ولا نهاه عنهما ، فإن كان المالك حاضراً أو وكيله طالَبه بالإنفاق عليها أو ردّها عليه ، أو أذن له المالك في الإنفاق فينفق ، ويرجع به إن لم يتطوّع بذلك.
وإن لم يكن المالك حاضراً ولا وكيله ، رفع الأمر إلى الحاكم ، فإن وجد الحاكم لصاحبها مالاً أنفق عليها منه ، وإن لم يجد مالاً رأى الحاكم المصلحة للمالك إمّا في بيعها ، أو بيع بعضها وإنفاقه عليها ، أو إجارتها ، أو الاستدانة على صاحبها من بيت المال أو من المستودع أو من غيره ، فيفعل ما هو الأصلح.
فإن استدان عليه من بيت المال أو من غير المستودع ، دَفَعه إلى
____________________
(١) الحاوي الكبير ٨ : ٣٦٦ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٦٨ ، حلية العلماء ٥ : ١٨١ ، البيان ٦ : ٤٣٩ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٢ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩٥ ، المغني ٧ : ٢٩٢ ، الشرح الكبير ٧ : ٢٩٠.
(٢) الحاوي الكبير ٨ : ٣٦٦ ، حلية العلماء ٥ : ١٨١ ، البيان ٦ : ٤٣٩ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٢ ، المغني ٧ : ٢٩٢ ، الشرح الكبير ٧ : ٢٩٠.
المستودع لينفقه عليها إن رأى ذلك مصلحةً.
وإن استدان من المستودع ، فالأقرب : إنّ الحاكم يتخيّر بين أن يأذن للمستودع في الإنفاق عليها ، وبين أن يأذن لغيره من الأُمناء يقبض من المستودع وينفق ؛ لأنّ المستودع أمين عليها ، فجاز للحاكم الإخلاد [ إليه ](١) في إنفاق ما يستدينه منه عليها ، كما أنّ للمالك أمره بالإنفاق ، وهو أحد وجهي الشافعيّة.
والثاني لهم : إنّه ليس للحاكم أن يأذن للمستودع في الإنفاق ممّا يستدينه منه على المالك ، بل يقيم الحاكم أميناً يقبض منه وينفق ؛ لأنّه لا يجوز أن يكون أميناً في حقّ نفسه(٢) .
والوجه : ما تقدّم.
وعلى ما اخترناه من جواز إخلاد الحاكم إلى المستودع فالأقرب : إنّه لا يقدّرها ، بل يكل الأمر إلى اجتهاد المستودع ، وهو أحد قولَي الشافعيّة ، والثاني لهم : إنّ الحاكم يقدّرها ولا يكلها إلى المستودع(٣) .
[ فإن اختلفا في قدر النفقة ](٤) فالقول قوله فيما أنفق إذا ادّعى الإنفاق بالمعروف ، ولو ادّعى أكثر لم يُقبل قوله إلّا بالبيّنة.
وكذا لو قدّر له الحاكم النفقة ، فادّعى أنّه أنفق أكثر.
ولو اختلف المستودع والمالك في قدر المدّة التي أنفق فيها ، قُدّم قول صاحبها ؛ لأنّ الأصل عدم ذلك ، وبراءة ذمّته.
ولو اختلفا في قدر النفقة ، قُدّم قول المستودع ؛ لأنّه أمين فيها.
____________________
(١) إضافة يقتضيها السياق.
(٢) حلية العلماء ٥ : ١٨٢.
(٣) حلية العلماء ٥ : ١٨٢ ، البيان ٦ : ٤٤٠.
(٤) ما بين المعقوفين أضفناه من المغني ٧ : ٢٩٣ ، والشرح الكبير ٧ : ٢٩٢.
ولو أنفق عليها من غير إذن الحاكم ، فإن قدر على إذن الحاكم ولم يُحصّله ، لم يكن له الرجوع ؛ لأنّه متطوّع.
وإن لم يقدر على الحاكم فأنفق ، فليُشهد على الإنفاق والرجوع ، فإن ترك الإشهاد مع قدرته عليه ، فالأقرب : إنّه متبرّع ، وإن تعذّر عليه الإشهاد ، فالأقرب : إنّه يرجع مع قصده الرجوع ، ويقدّم قوله في ذلك ؛ لأنّه أعرف بقصده.
وإذا قلنا : ينفق ويرجع ، صار كالحاكم في بيعها أو بيع بعضها أو إجارتها أو الاقتراض على مالكها.
ولو ترك المستودع الإنفاقَ مع إطلاق الإيداع ولم يرفعه إلى الحاكم ولا أنفق عليها حتى تلفت ، ضمن إن كانت تلفت من ترك ذلك ؛ لأنّه تعدّى بتركه.
وإن تلفت في زمانٍ لا تتلف في مثله ؛ لعدم العلف ، لم يضمن ؛ لأنّها لم تتلف بذلك.
ولو نهاه عن السقي والعلف ، لم يضمن بترك ذلك على ما تقدّم(١) من الخلاف.
وهل يرجع على المالك؟ إشكال ينشأ : من تبرّعه بالإنفاق ، وعدمه.
مسألة ٣٩ : إذا احتاج المستودع إلى إخراج الدابّة لعلفها أو سقيها ، جاز له ذلك ؛ لأنّ الحفظ يتوقّف عليه ، ولا ضمان.
ولا فرق بين أن يكون الطريق آمناً أو مخوفاً إذا خاف التلف بترك السقي واضطرّ إلى إخراجها.
ولو أخرجها من غير ضرورةٍ للعلف والسقي ، فإن كان الطريق آمناً لا خوف فيه وأمكنه سقيها في موضعها ، فالأقرب : عدم الضمان ؛ لاطّراد
____________________
(١) في ص ١٨٩.
العادة بذلك ، وهو أظهر قولَي الشافعيّة(١) .
ولو علفها وسقاها في داره أو اصطبله حيث يعلف دوابّه ويسقيها ، فقد بالغ في الحفظ.
وإن أخرجها من موضعها وكان يفعل ذلك في دوابّ نفسه لضيق الموضع أو لغيره ، فلا ضمان عليه.
وإن كان يسقي دوابّه فيه ، قال الشافعي : ضمن(٢) .
واختلف أصحابه ، فأطلق بعضُهم وجوبَ الضمان ؛ لأنّه أخرج الوديعة عن الحرز لغير ضرورةٍ(٣) .
وقيّده بعضهم بما إذا كان ذلك الموضع أحرز ، فأمّا إذا كان الموضع المُخْرج إليه أحرز أو مساوياً ، فلا ضمان(٤) .
وقال آخَرون : إنّه محمول على ما إذا كان في الإخراج خوف ، فإن لم يكن فلا ضمان(٥) .
مسألة ٤٠ : إذا تولّى المستودع السقي والعلف بنفسه أو أمر به صاحبه أو غلامه وكان حاضراً لم تزل يده ، فذاك.
وإن بعثها على يده للسقي أو أمره بعلفها أو أخرج الدابّة من يده ، فإن لم يكن صاحبه أو غلامه أميناً ضمن ، وإن كان أميناً فالأقرب : عدم الضمان ؛ لقضاء العادة بالاستنابة في ذلك ، وهو أظهر وجهي الشافعيّة(٦) .
والوجهان عند بعضهم مخصوصان بمَنْ يتولّى ذلك بنفسه ، فأمّا في
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٢ - ٣٠٣ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩٦.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٢ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩٥.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٢ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩٥ - ٢٩٦.
(٤ و ٥) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٢ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩٦.
(٦) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٣ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩٦.
حقّ غيره فلا ضمان قطعاً(١) .
فروع :
أ - لو نهاه عن العلف لعلّةٍ تقتضي النهي - كالقولنج وشبهه - فعلفها قبل زوال العلّة فماتت ، ضمن ؛ لأنّه مفرّط.
ب - العبد المودع والأمة كالدابّة في جميع ما تقدّم.
ج - لو أودعه نخلاً ، فالأقرب : إنّ سقيه واجب كما قلنا في الدابّة ، وهو أحد وجهي الشافعيّة. وفي الثاني : إنّه لا يضمن بترك السقي إذا لم يأمره بالسقي(٢) .
مسألة ٤١ : يجب على المستودع اعتماد ما أمره المالك في كيفيّة الحفظ ، فإذا أمره بالحفظ على وجهٍ مخصوص فعدل عنه إلى وجهٍ آخَر وتلفت الوديعة ، فإن كان التلف بسبب الجهة المعدول إليها ضمن وكانت المخالفة تقصيراً ؛ لأنّه لو راعى الوجه المأمور به لم يتحقّق التلف ، ولو حصل التلف بسببٍ آخَر فلا ضمان.
هذا إذا لم يتحقّق المستودع التلف لو امتثل الأمر ، أمّا إذا تحقّق التلف بالامتثال فخالف للاحتياط في الحفظ فاتّفق التلف فلا ضمان ، لأنّه محسن فلا سبيل عليه ؛ للآية(٣) .
مسألة ٤٢ : إذا أودعه مالاً في صندوقٍ وقال له : لا ترقد عليه ، فخالف ورقد عليه ، فإن تلفت الوديعة بالرقود بأن انكسر رأس الصندوق
____________________
(١) الوسيط ٤ : ٥٠٦ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٣ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩٦.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٣ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩٦.
(٣) التوبة : ٩١.
بثقله وتلف ما فيه ، ضمن ؛ لأنّه خالف ، وتلفت الوديعة بالمخالفة ، فكان ضامناً.
وإن تلفت بغير الرقود ، فإن كان في بيتٍ محرز فأخذه اللّصّ ، أو كان في برّيّةٍ فأخذه اللّصّ من رأس الصندوق ، فالأقرب : عدم الضمان - وبه قال الشافعي(١) - لأنّه زاده احتياطاً وحفظاً ، والتلف ما جاء منه.
وللشافعيّة وجهٌ آخَر : إنّه يضمن - وبه قال مالك - لأنّ رقوده على الصندوق تنبيه عليه وتعظيم لما فيه ، وموهم للسارق نفاسة ما فيه فيقصده(٢) .
وهو غلط ؛ لأنّه زاده احتياطاً وخيراً(٣) ، كما لو قال له : ضَع المال في صحن الدار ، فوضعه في البيت ، لم يضمن ، ولا يقال : إنّ هذا يتضمّن التنبيه عليه ، كذا هنا.
وكذا الخلاف فيما لو قال : لا تقفل عليها ، فقفل ، أو قال : لا تقفل عليها إلّا قفلاً واحداً ، فقفل قفلين ، أو قال : لا تغلق باب البيت ، فأغلق(٤) .
وإن كان في البرّيّة فأخذه اللّصّ من جنب الصندوق ، احتُمل عدمُ الضمان ؛ لأنّه إذا كان فوق الصندوق اطّلع على الجوانب كلّها ، فيكون أبلغ في الحفظ ، وثبوتُه ؛ لأنّه إذا رقد عليه أخلى جنب الصندوق ، وربما لا يتمكّن السارق من الأخذ لو كان [ بجنبه ](٥) .
____________________
(١ و ٢) الحاوي الكبير ٨ : ٣٧٧ ، التهذيب - للبغوي - ٥ : ١٢١ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٧ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩٩.
(٣) في الطبعة الحجريّة : « حرزاً » بدل « خيراً ».
(٤) الحاوي الكبير ٨ : ٣٧٧ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٧ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩٩.
(٥) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « تحته ». والظاهر ما أثبتناه.
وهذا إنّما يظهر إذا فرض الأخذ من الجانب الذي لو لم يرقد عليه لكان يرقد هناك ، وذلك بأن كان يرقد أمام الصندوق فتركه فانتهز السارق الفرصة ، أو قال المالك : ارقد قُدّامه ، فرقد فوقه ، فأخذ السارق المالَ من قُدّامه.
وللشافعيّة وجهان(١) كالاحتمالين.
والأوّل أقوى ؛ لأنّه زاده خيراً(٢) .
وكذا لو قال : ضَعْها في هذا البيت ولا تنقلها ، فخاف عليها فنَقَلها ، فلا ضمان ؛ لأنّه زاده خيراً(٣) .
ولو أمره بدفن الوديعة في بيته وقال : لا تبن عليه ، فبنى ، فهو كما لو قال : لا ترقد عليه ، فرقد.
تذنيب : لو نقل المستودع الوديعةَ عند الخوف إلى مكانٍ غير ما عيّنه المالك بأُجرةٍ ، لم يرجع بها على المالك ؛ لأنّه متطوّع متبرّع.
مسألة ٤٣ : إذا استودع دراهم أو دنانير أو شبهها وأمره المالك بأن يربطها في كُمّه فأمسكها في يده ، ضمن ؛ لأنّه خالف المالكَ في تعيين الحرز ، ولأنّ الكُمّ أحرز ؛ لأنّ الإنسان في معرض السهو والغفلة والنسيان فيرسل يده فتسقط الوديعة ببسط اليد والإرسال ، فإذا خالف المستودع في الإحراز عن الأعلى إلى الأدنى لا لضرورةٍ كان ضامناً.
واختلفت الرواية عن الشافعي ، فروى المزني أنّه لا يضمن(٤) ، ونقل
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٧ - ٣٠٨ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩٩.
(٢ و ٣) في الطبعة الحجريّة : « حرزاً » بدل « خيراً ».
(٤) مختصر المزني : ١٤٧ ، الحاوي الكبير ٨ : ٣٧٨ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٦٧ ، حلية العلماء ٥ : ١٧٠ ، البيان ٦ : ٤٢٩ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٨ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩٩.
الربيع عنه الضمان(١) .
واختلف أصحابه على طريقين :
منهم مَنْ قال : ليست على قولين ، وإنّما هي على اختلاف حالين ، وفيها طريقان :
أحدهما : إنّه إن لم يربطها في الكُمّ واقتصر على الإمساك باليد ، ضمن ، كما نقله الربيع ، ورواية المزني محمولة على ما إذا أمسك باليد بعد الربط في الكُمّ.
وأصحّهما عندهم : إنّ رواية المزني محمولة على ما إذا تلفت بأخذ غاصبٍ ، فلا يضمن ؛ لأنّ اليد أحرز بالإضافة ، وإن سقطت بنومٍ أو نسيانٍ ضمن ؛ لأنّها لو كانت مربوطةً في الكُمّ ما ضاعت بهذا السبب ، فالتلف حصل بسبب المخالفة(٢) .
ومنهم مَنْ قال : إنّ المسألة على قولين :
أحدهما : الضمان ؛ لأنّ ما في اليد يضيع بالنسيان وبسط اليد ، وما في الكُمّ لا يضيع بهما.
وهذا القول يقتضي الضمان بالوضع في اليد مطلقاً ؛ لأنّها ليست حرزاً على هذا القول.
والثاني : عدمه ؛ لأنّ اليد أحرز من الكُمّ ؛ لأنّ الطرّار يأخذ من الكُمّ ، ولا يتمكّن من الأخذ من اليد(٣) .
فروع :
أ - لو أمره بالربط في كُمّه فامتثل ، لم يحتج في ذلك إلى الإمساك
____________________
(١) الأُمّ ٤ : ١٣٧ ، مضافاً إلى المصادر المزبورة في الهامش السابق ما عدا مختصر المزني.
(٢) البيان ٦ : ٤٣٠ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٨ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩٩ - ٣٠٠.
(٣) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٦٧ ، البيان ٦ : ٤٢٩ - ٤٣٠ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٨.
باليد ؛ لأنّه جعلها في حرزٍ أمره المالك به ، فلا يفتقر إلى الزيادة.
ب - لو أمره بربطها في كُمّه فجعلها في جيبه ، لم يضمن ؛ لأنّ الجيب أحرز ، فإنّه ربما نسي فسقط الشيء من كُمّه ، إلّا إذا كان واسعاً غير مزرور ، وهو أحد قولَي الشافعيّة(١) .
ولهم وجهٌ ضعيف : إنّه يضمن(٢) .
ولو انعكس فقال : ضَعْها في جيبك ، فربطها في كُمّه ، ضمن لا محالة.
ج - إذا ربطها في كُمّه بأمر المالك ، فإن جعل الخيط الرابط خارجَ الكُمّ فأخذها الطرّار ضمن ؛ لأنّ فيه إظهارَ الوديعة ، وهو يتضمّن تنبيه الطرّار وإغراءه ، ولأنّ قطعه وحلّه على الطرّار أسهل ، وإن ضاع بالاسترسال وانحلال العقدة لم يضمن إذا احتاط في الربط وقوّة الشدّ ؛ لأنّها إذا انحلّت بقيت الدراهم في الكُمّ.
وإن جعل الخيط الرابط داخلَ الكُمّ ، انعكس الحكم ، فإن أخذه الطرّار لم يضمن ، وإن سقط بالاسترسال ضمن ؛ لأنّ العقد إذا انحلّ تناثرت الدراهم.
واستشكل بعضُ الشافعيّة هذا التفصيلَ ؛ لأنّ المأمور به مطلق الربط ، فإذا أتى به وجب أن لا ينظر إلى جهات التلف ، بخلاف ما إذا عدل عن المأمور به إلى غيره فأفضى إلى التلف ، وقضيّة هذا أن يقال : إذا قال : احفظ الوديعة في هذا البيت ، فوضعها في زاويةٍ منه فانهدمت عليها ، يضمن ؛ لأنّها لو كانت في زاويةٍ أُخرى لسلمت ، ومعلومٌ أنّه بعيد(٣) .
مسألة ٤٤ : إذا أودعه دراهم في طريقٍ أو سوقٍ ولم يقل له : اربطها
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٦٧ ، البيان ٦ : ٤٣٠ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٩ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٠٠.
(٢ و ٣) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٩ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٠٠.
في كُمّك ، أو : أمسكها في يدك ، فربطها في كُمّه وأمسكها بيده ، فقد بالغ في الحفظ.
وكذا لو جعلها في جيبه وهو ضيّق أو واسع مزرور ، ولو كان واسعاً غير مزرورٍ ضمن ؛ لسهولة أخذها باليد.
ولو أمسكها بيده ولم يربطها في كُمّه ، لم يضمن إن قلنا : اليد حرز ، وإلّا ضمن.
وقال الشافعي : إن تلفت بأخذ غاصبٍ لم يضمن ، وإن تلفت بغفلةٍ أو نومٍ أو بسط يدٍ ضمن(١) .
ولو ربطها ولم يمسكها بيده ، فالحكم النظر إلى كيفيّة الربط وجهة التلف عندهم(٢) .
ولو وضعها في الكُمّ ولم يربط فسقطت ، ضمن.
وفصّل بعضُ الشافعيّة فقال : إن كانت خفيفةً لا يشعر بها ضمن ؛ لتفريطه في الإحراز ، وإن كانت ثقيلةً يشعر بها لم يضمن(٣) .
وقياس هذا يلزم طرده فيما سبق من صُور الاسترسال كلّها.
ولو وضعها في كور عمامته من غير شدٍّ ، ضمن.
مسألة ٤٥ : إذا أودعه شيئاً وهو في السوق أو الطريق أو غيره ، وقال : احفظ هذه الوديعة في بيتك ، وجب على المستودع المبادرة إلى بيته والإحراز فيه ، فإن أخّر من غير عذرٍ ضمن ، ولو كان لعذرٍ فلا ضمان.
وكذا لو بادر إلى المضيّ إلى بيته فتلفت ، لم يضمن.
____________________
(١) التهذيب - للبغوي - ٥ : ١٢١ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٩ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٠٠.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٩ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٠٠.
(٣) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٦٧ ، التهذيب - للبغوي - ٥ : ١٢١ ، البيان ٦ : ٤٢٩ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٩ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٠٠.
ولو تركها في دكّانه ولم يحملها إلى بيته مع إمكانه ، ضمنها ؛ لأنّ بيته أحرز لها.
ولو أودعه في بيته وقال له : احفظ هذه الوديعة في بيتك ، فجَعَلها في ثيابه وخرج بها ، ضمن ، سواء ربطها وأحكم شدّها أو لا.
ولو ربطها في كُمّه ولم يخرج بها مع إمكان وضعها في الصندوق ونحوه ، ضمن.
ولو كان ذلك لتعذّر فتح قفل الصندوق وشبهه ، فلا ضمان ؛ لأنّه أحرز من البيت.
ولو أودعه في البيت ولم يقل له شيئاً ، فخرج بها مربوطةً في ثيابه ، احتُمل عدم الضمان ؛ لأنّه أحرز عليها بالشدّ والربط ، وذلك حرز مثلها ، ولم ينصّ الـمُودَع على حرزٍ بعينه.
مسألة ٤٦ : إذا نقل المستودع الوديعةَ من صندوقٍ إلى صندوقٍ غيره أو من خريطةٍ(١) إلى أُخرى أو من ظرفٍ إلى آخَر ، فإن كانت الظروف والصناديق للمالك ضمن ؛ لأنّ المالك بوضعه قد عيّن الحرز ، فإذا خالف المستودع ضمن ، إلّا مع الخوف والحاجة إلى النقل ، وإن كانت للمستودع لم يضمن ؛ لأنّ له تفريغَ ملكه ، ولا يتعيّن الحفظ فيما وضعه فيه ، فجاز له النقل.
واضطرب قول الشافعيّة هنا.
فقال بعضهم : إن كانت الخريطة للمالك ، ضمن المستودع بذلك ؛ لأنّه نقلها عن ملك صاحبها إلى غيره ، فأشبه ما لو أخرجها من صندوقه ، وإن كانت الخريطة للمستودع وقد عيّنها المالك ، فإن نقلها إلى مثلها أو
____________________
(١) الخريطة : وعاءٌ من أَدَمٍ وغيره. الصحاح ٣ : ١١٢٣ « خرط ».
أحرز منها فلا ضمان ، وإن كان دونها في الحرز ضمن(١) .
وأطلق بعضهم : إنّه إذا كانت الظروف للمالك لا يضمن(٢) .
وأطلق آخَرون منهم والحالة هذه : إنّه يضمن ، كما لو نقلها من بيته(٣) .
وفصَّل آخَرون : إنّه إن لم يَجْر فتح قفلٍ ولا فضّ ختمٍ ولا خَلْط ولم يعيّن المالك ظرفاً ، فلا يضمن بمجرّد النقل ، سواء كانت الصناديق للمستودع أو للمالك ، وإذا كانت للمالك فحصولها في يد الـمُودَع قد يكون بجهة كونها وديعةً أيضاً إمّا فارغة أو مشغولة بالوديعة ، وقد يكون بجهة العارية ، وإن جرى شيء من ذلك فأمّا الفضّ والفتح والخَلْط فإنّها مضمنة.
وأمّا إذا عيّن ظرفاً ، فإن كانت الظروف للمالك فوجهان :
أحدهما : إنّه يضمن ؛ لأنّ التفتيش عن المتاع الموضوع في الصندوق والتصرّف فيه بالنقل لا يليق بحال المستودع.
وأصحّهما : عدم المنع ؛ لأنّ الظرف والمظروف كلاهما وديعتان ، وليس فيه إلّا حفظ أحدهما في حرزٍ والآخَر في غيره ، فعلى هذا إن نقل إلى المثل أو الأحرز فلا بأس ، وإن نقل إلى الأدون ضمن.
وإن كانت الظروف للمستودع ، فهي كالبيوت إجماعاً(٤) .
مسألة ٤٧ : لو أمره بالحفظ في بيتٍ معيّن ونهاه عن أن يُدخل إليها أحداً وعن الاستعانة بالحارسين ، فخالف ، فإن حصل التلف بسبب المخالفة بأن سرق الذين أدخلهم أو الحارسون ، ضمن قطعاً.
____________________
(١) راجع : البيان ٦ : ٤٣٧.
(٢) الوجيز ١ : ٢٨٦ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣١١.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣١١.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣١١ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٠٢.
وإن حصل بغير ذلك السبب إمّا بحريقٍ أو بسرقة غير الداخلين أو نهب غير الحارسين وأشباه ذلك ، ففي الضمان إشكال ينشأ : من حصول التفريط بالمخالفة ، ولولاه لم يضمن لو تلف بذلك السبب ، ومن حصول التلف بغير سبب المخالفة. والأوّل أقوى.
وعند الشافعيّة أنّه لا يضمن على التقدير الثاني(١) .
ولو قال : لا تُخبر بوديعتي أحداً ، فخالف وأخبر غيره فسرقها المُخْبَر أو مَنْ أخبره ، ضمن ؛ لإفضاء الإخبار إلى السرقة.
وإن تلفت بسببٍ آخَر ، قال بعض الشافعيّة : لا يضمن(٢) .
وفيه إشكال أقربه : الضمان ؛ لحصول التفريط بالإخبار ، وإلّا لم يضمن لو سرقه الـمُخْبَر.
قال بعض الشافعيّة : لو أنّ رجلاً من عرض الناس سأل المستودعَ : هل لفلان عندك وديعة؟ فأخبره بها ، ضمن ؛ لأنّ كتمانها من حفظها ، فإذا أخبره فقد ترك الحفظ(٣) .
مسألة ٤٨ : لو أودعه خاتماً وأمره بجَعْله في خِنْصِره ، فجَعَله في البِنْصِر ، لم يضمن ؛ لأنّه زاده حفظاً وحراسةً ، فإنّ البِنْصر أغلظ من الخِنْصِر ، والحفظ فيه أكثر.
ولو انكسر لغلظها ، ضمن.
وكذا يضمن لو ضاق عنها فوضعه في أنملته العليا من البِنْصِر ؛ لأنّه في أصل الخِنْصِر أحرز.
ولو قال : اجعله في البِنْصِر ، فجَعَله في الخِنْصِر ، فإن كان ضيّقاً لا ينتهي إلى أصل البِنْصِر لم يضمن ؛ لأنّ الذي فَعَله أحرز ، وإن كان ينتهي
____________________
(١) البيان ٦ : ٤٢٨ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣١١ - ٣١٢ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٠٢.
(٢ و ٣) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣١٢ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٠٣.
إليه ضمن ؛ لأنّ ما يثبت في البِنْصِر إذا جُعل في الخِنْصِر كان في معرض السقوط.
ولو لم يعيّن المالك شيئاً ، فإن جَعَله في الخِنْصِر لم يضمن إن قصد الحفظ ؛ لأنّ الخِنْصِر حرز في مثل الخاتم ، وإن قصد الاستعمال والتزيّن به ضمن ، وهو أحد الاحتمالين عند الشافعيّة.
والثاني : إنّه يضمن - وبه قال أبو حنيفة - لأنّه استعمال(١) .
وقال بعض الشافعيّة : إن جعل فَصَّه إلى ظهر الكفّ ضمن ، وإلّا فلا ؛ لأنّه بجَعْله إلى ظهر الكفّ يكون قد قصد الاستعمال(٢) .
لكن من آداب التختّم جَعْل الفَصّ إلى بطن الكفّ ، وهو يقدح في هذا التعليل.
ولو جعله في البِنْصِر أو غيره غير الخِنْصِر ، لم يضمن إذا انتهى إلى آخر الإصبع ، إلّا أنّ المرأة قد تتختّم في غير الخِنْصِر ، فيكون غير الخِنْصِر في حقّها كالخِنْصِر.
مسألة ٤٩ : إذا عيّن المالك له موضعاً للحفظ ، لم يجز للمستودع التجاوز عنه ، ويضمن لو نقل على ما تقدّم(٣) .
ولو كان الحرز الذي عيّنه بعيداً عنه ، وجبت المبادرة إليه بما جرت العادة ، فإن أخّر متمكّناً ضمن.
ولو لم يعيّن موضعاً للحفظ ، وجب على المستودع حفظها في حرز مثلها ، ولا يضمن بالنقل عنه وإن كان إلى حرزٍ أدون.
____________________
(١) الوسيط ٤ : ٥١٠ ، التهذيب - للبغوي - ٥ : ١٢٢ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣١٢ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٠٣ ، المبسوط - للسرخسي - ١١ : ١٤.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣١٢ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٠٣.
(٣) في ص ١٨٣ ، القسم الثاني من أقسام نقل الوديعة ، ضمن المسألة ٣٣.
مسألة ٥٠ : من الأسباب المقتضية للتقصير التضييعُ ، فإنّ المستودع مأمور بحفظ الوديعة في حرز مثلها بالتحرّز عن أسباب التلف ، فلو أخّر إحرازها مع الإمكان ضمن.
ولو جعلها في مضيعةٍ أو في غير حرز مثلها ، فكذلك.
ولو جعلها في حرزٍ أكبر من حرز مثلها ثمّ نقلها إلى حرز مثلها ، لم يضمن ؛ لأنّ الواجب هو الثاني ، والأوّل تبرّعٌ منه.
ولا فرق بين أن يكون التضييع بالنسيان أو غيره ، فلو استودع فضيّع الوديعة بالنسيان ضمن ؛ لأنّه فرّط في حفظها ، ولأنّ التضييع سبب التقصير ، فيستوي فيه الناسي وغيره ، كالإتلاف ، وهو أحد وجهي الشافعيّة.
والثاني : إنّه لا يضمن ؛ لأنّ الناسي غير متعدٍّ ، والمستودع إنّما يضمن بالتعدّي(١) .
والصغرى ممنوعة ، وحكم الخطأ حكم النسيان ، فلو استودع آنيةً فكسرها مخطئاً ضمن ، ولأنّ الناسي مفرّط ، ولهذا لو نسي الماء في رَحْله فتيمّم فصلّى ثمّ ذكر ، وجب عليه القضاء ، ولأنّه لو انتفع بالوديعة ثمّ ادّعى الغلط وقال : ظننته ملكي ، لم يُصدَّق ، مع أنّ هذا الاحتمال قريب ، فعُلم أنّ الغلط غير دافعٍ للضمان.
مسألة ٥١ : لو سعى المستودع بالوديعة إلى مَنْ يصادر المالك ويأخذ أمواله ، كان ضامناً ؛ لأنّه فرّط في الحفظ ، بخلاف ما لو كانت السعاية من غير المستودع ، فإنّه لا يضمن ؛ لأنّه لم يلتزم بالحفظ.
____________________
(١) الوسيط ٤ : ٥١١ ، الوجيز ١ : ٢٨٦ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣١٣ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٠٣.
ولو أخبر المستودعُ اللّصَّ بالوديعة فسرقها ، فإن عيّن له الموضعَ ضمن ؛ لأنّه فرّط في حفظها ، ولو لم يُعيّن المكانَ لم يضمن.
أمّا لو علم الظالم بالوديعة من غير إعلام المستودع فأخذها منه قهراً ، فإنّه لا يضمن ، كما لو سُرقت منه.
وإن أكرهه الظالم حتى دفعها بنفسه ، فكذلك لا ضمان عليه ؛ لانتفاء التفريط منه ، بل يُطالِب المالكُ الظالم بالضمان ، ولا رجوع له إذا غرم.
وهل للمالك مطالبة المستودع بالعين أو البدل؟ الأقرب ذلك ؛ لأنّه مباشر لتسليم مال الغير إلى غير مالكه ، فإذا رجع المالك عليه رجع هو على الظالم ، وهو أحد وجهي الشافعيّة ، وفي الثاني : ليس له ذلك(١) .
وهذان الوجهان كالوجهين في أنّ الـمُكرَه على إتلاف مال الغير هل يطالَب أم لا؟(٢) .
وعلى كلّ تقديرٍ فقرار الضمان على الظالم.
ومعنى القرار أن لا يرجع الشخص إذا غرم ، ويرجع عليه غيره إذا غرم.
مسألة ٥٢ : إذا خاف المستودع من الظالم إذا منعه من الوديعة وأمكنه مدافعته بالإنكار والاختفاء عنه والامتناع منه ، وجب عليه ذلك على حسب ما يقدر عليه ، فإن ترك الدفع مع القدرة ضمن.
وإن أنكر المستودع الوديعةَ فطلب الظالم إحلافه ، جاز له أن يحلف لمصلحة حفظ الوديعة ، ويورّي إذا كان يُحسنها وجوباً.
ولا كفّارة عليه عندنا ، خلافاً للجمهور ، فإنّهم أوجبوا الكفّارة ؛ لأنّه
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣١٣ - ٣١٤ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٠٤.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣١٤ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٠٤.
كاذب(١) .
قال بعض الشافعيّة : وجوب الكفّارة مبنيٌّ على أنّ مَنْ أُكره ليطلّق إحدى امرأتيه فطلّقها ، هل يقع أم لا؟ إن قلنا : لا يقع ، لم تنعقد يمينه(٢) .
ولو أُكره على أن يحلف بالطلاق أو العتاق ، حلف ، ولا يقع أحدهما وإن كان كاذباً ؛ لبطلان اليمين بأحدهما عندنا ، ولا يسلّم الوديعة إلى الظالم.
وقالت العامّة : حاصل هذا الإكراه التخيير بين الحلف وبين الاعتراف والتسليم ، فإن اعترف وسلّم ضمن ؛ لأنّه قد فدى زوجته بالوديعة ، وإن حلف بالطلاق طُلّقت زوجته ؛ لأنّه قدر على الخلاص بتسليم الوديعة ففدى الوديعة بالطلاق(٣) .
وقال بعض الشافعيّة : إن قلنا : إنّ مَنْ أُكره على طلاق إحدى امرأتيه فطلّق لا يقع ، فهنا إن حلف بالطلاق لم يقع ، وإن اعترف بالوديعة وسلّمها كان كما لو سلّمها مكرهاً(٤) .
مسألة ٥٣ : إذا طلب المالك الوديعةَ من المستودع فجحدها ، كان ضامناً ؛ لخيانته بالإنكار.
ولو كان الجحود لمصلحة الوديعة ، لم يضمن ؛ لأنّه محسن.
ولو لم يطلبها المالك لكن قال : لي عندك وديعة ، فإن سكت لم يضمن ؛ إذ لم يوجد منه تفريط ولا خيانة.
____________________
(١) الوسيط ٤ : ٥١٢ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣١٤ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٠٤.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣١٤.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣١٤ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٠٤.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣١٤.
وان أنكر فالأقرب : عدم الضمان ؛ لأنّه لم يمسكها لنفسه ، بخلاف ما لو أنكر بعد الطلب ، وقد يعرض له في الإخفاء والإنكار غرض صحيح.
ويحتمل الضمان ، كما لو أنكر بعد الطلب.
وكلاهما للشافعيّة(١) .
ولو قال بعد الجحود : كنتُ غلطتُ أو نسيتُ الوديعة ، فإن صدّقه المالك لم يضمن ، وإلّا فالأقرب : الضمان.
مسألة ٥٤ : لو قال المستودع ابتداءً من غير سؤال المالك : لا وديعة عندي ، أو قال ذلك في جواب سؤال غير المالك ، لم يضمن بمجرّد الجحود والإنكار ؛ لأنّه لغير المالك ، والوديعة يُسعى في إخفائها ، فإنّه أقرب للحفظ ، سواء كان المالك حاضراً أو غائباً ، ولا نعلم فيه خلافاً.
مسألة ٥٥ : لو ادّعي عليه وديعةٌ فأنكر قُدّم قوله مع اليمين ، فإن أقرّ بعد ذلك بها أو قامت عليه بيّنة بها طُولب بها.
فإن ادّعى ردَّها أو تلفها قبل الجحود ، فإن كانت صورة جحوده إنكار أصل الإيداع لم يُصدَّق في دعوى الردّ ؛ لاشتمال كلاميه على التناقض ، وثبوت خيانته ، وأمّا في دعوى التلف فيُصدَّق أيضاً باليمين ، لكنّه يكون ضامناً ، كالغاصب.
والأقوى : إنّ له تحليف المالك على عدم دعواه ؛ لإمكان أن يكون قد نسي الوديعة فجحدها ثمّ ذكر فادّعى التلف لوقوعه ، أو كذب في جحوده ، ولأنّه لو صدّقه المالك في التالف بغير تفريطٍ أو في دعوى الردّ سقط حقّه ، وكان متمكّناً من إحلافه ومن إقامة البيّنة على دعوى الردّ أو التلف ، وهذا كما لو ادّعى حقّاً وقال : لا بيّنة لي ، ثمّ جاء بالبيّنة فإنّها تُسمع منه ، كذا هنا.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣١٥ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٠٤.
وهو أحد وجهي الشافعيّة ، والثاني : المنع ؛ لأنّه لـمّا أنكر أصل الإيداع كان مكذّباً لدعوى التلف ولبيّنة الردّ ؛ لتوقّفهما على الإيداع(١) .
إذا تقرّر هذا ، فإن قامت البيّنة على الردّ أو على الهلاك قبل الجحود برئ المستودع من الضمان ، وإن قامت البيّنة على التلف بعد الجحود ضمن ؛ لخيانته بالجحود ، ومَنْعِ المالك عنها ، إلّا إذا كان له عذر من خوفٍ عليه أو عليها لو اعترف.
هذا كلّه إذا كانت صورة الجحود إنكار أصل الإيداع ، وإن كانت صورة جحوده : إنّه لا يلزمني تسليم شيءٍ إليك ، أو : ما لك عندي وديعة ، أو : ليس لك عندي شيء ، فقامت البيّنة بالوديعة ، فادّعى الردَّ أو التلف قبل الجحود ، سُمعت دعواه ؛ لانتفاء التناقض بين كلاميه.
ولو اعترف أنّه كان باقياً يوم الجحود ، لم يُصدَّق في دعوى الردّ ، إلّا ببيّنةٍ.
وإن ادّعى الهلاك ، فهو كالغاصب إذا ادّعاه ، وهو مصدَّق بيمينه في دعواه ، وضامن ؛ لخيانته ، وهو ظاهر مذهب الشافعي(٢) .
____________________
(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣١٥ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٠٥.
الفصل الرابع : في وجوب الردّ عند البقاء
مسألة ٥٦ : إذا كانت الوديعة باقيةً وطلبها مالكها ، وجب على المستودع ردّها عليه في أوّل أوقات الإمكان ، ولا تجب عليه مباشرة الردّ ولا تحمّل مئونته ، بل ذلك على المالك ، وإنّما يجب على المستودع رفع يده عنها والتخلية بين المالك والوديعة ، فإن أخّر المستودع ذلك مع إمكانه وطلب الردّ ، كان ضامناً ، وكان ذلك من أسباب التقصير ، السالفة.
ولو تعذّر الردّ ، لم يضمن ، وتجب عليه المبادرة في أوّل أوقات زوال العذر ، فلو طالبه بالردّ ليلاً والوديعة في صندوقٍ أو خزانةٍ لا يمكن فتحها في تلك الحال ، لم يكن مفرّطاً.
وكذا لو طالبه وهو مشغول بالصلاة أو بقضاء حاجةٍ أو طهارة أو في حمّامٍ أو على طعامٍ فأخّر حتى يفرغ ، أو كان ملازماً لغريمٍ يخاف فوته ، أو كان يجيء المطر والوديعة في البيت وأخّر حتى ينقطع ويرجع إلى البيت وما أشبه ذلك ، فهو جائز.
ولا يُعدّ ذلك تقصيراً ولا يؤثّر ضماناً لو تلفت الوديعة في تلك الحال ، على إشكالٍ أقربه : التفصيل ، وهو : إنّ التأخير إن كان لتعذّر الوصول إلى الوديعة فلا ضمان ، وكذا لو كان في صلاة فَرْضٍ.
وإن كان لعُسْرٍ يلحقه وغرض يفوته أو كان في صلاة نَفْلٍ ، فالأقرب : إنّه يضمن ؛ لأنّ دفع الوديعة إلى المالك مع المطالبة واجب مضيَّق ، وهذه الأشياء ليست أعذاراً فيه.
وبعض الشافعيّة جوّز له التأخيرَ في هذه الأشياء بشرط التزام خطر
الضمان(١) .
مسألة ٥٧ : لو طلب المالك الوديعةَ ، فقال : لا أردّ إليك حتى تُشهد عليك بالقبض ، فالأقرب : إنّ المالك إن كان وقت الدفع أشهد عليه بالإيداع فللمستودع ذلك ؛ ليدفع عن نفسه التهمة ، وإن لم يكن المالك أشهد عليه عند الإيداع لم يكن له ذلك ، ويكون ضامناً ، وهو أحد وجوه الشافعيّة.
والثاني : إنّه ليس للمستودع ذلك مطلقاً ؛ لأنّ قوله في الردّ مقبول ، فلا حاجة به إلى البيّنة.
والثالث : إنّ له الامتناعَ مطلقاً ؛ لئلّا يحتاج إلى اليمين ، فإنّ الأُمناء يحترزون عنها ما أمكنهم.
والرابع : إنّه إن كان التوقّف إلى الإشهاد يورث تأخيراً وتعويقاً في التسليم ، لم يكن له الامتناع ، وإلّا فله ذلك(٢) .
مسألة ٥٨ : وإنّما يجب عليه الردّ عند الطلب لو كان المردود عليه أهلاً للقبض ، فلو أودع ثمّ حجر الحاكم عليه للسفه لم يجب الدفع إليه ، بل يرفع أمره إلى الحاكم.
وكذا لو كان الحجر للفلس ؛ لتعلّق حقّ الغرماء بعين الوديعة.
ولو كان المالك نائماً فوضع المستودع الوديعةَ في يده ، كان ضامناً ؛ لعدم التكليف على النائم.
ولو كان الـمُودَع جماعةً وذكروا أنّ المال مشترك بينهم ، ثمّ جاء بعضهم يطلبه ، لم يكن للمستودع دفعه إليه ولا قسمته معه ، بل يرفع
____________________
(١) الغزالي في الوسيط ٤ : ٥١٤ ، والوجيز ١ : ٢٨٧.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٢٦٨ - ٢٦٩ ، و ٧ : ٣١٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٧٠ ، و ٥ : ٣٠٦.
الأمر(١) إلى الحاكم ، فيقسمه ويدفع إليه نصيبه ، ويجعل الباقي في يد المستودع.
مسألة ٥٩ : لو أمره المالك بدفع الوديعة إلى وكيله وردِّها عليه ، فطلبها الوكيلُ ، لم يكن للمستودع الامتناع ولا التأخير مع المكنة ، فإن فَعَل أحدهما كان ضامناً ، وحكمه حكم ما لو طلب المالك فلم يردّ ، إلّا أنّهما يفترقان في أنّ المستودع له التأخير هنا إلى أن يُشهد المدفوع إليه على القبض ؛ لأنّ المدفوع إليه - وهو الوكيل - لو أنكر الدفع صُدّق بيمينه ، وذلك يستلزم ضرر المستودع بالغرم.
مسألة ٦٠ : لو قال له المالك : ردّ الوديعةَ على فلان وكيلي ، فلم يطلب الوكيلُ الردَّ ، فإن لم يتمكّن المستودع من الردّ فلا ضمان عليه قطعاً ؛ لعدم تقصيره.
وإن تمكّن من الردّ ، احتُمل الضمان ؛ لأنّه لـمّا أمره بالدفع إلى وكيله فكأنّه عزله ، فيصير ما في يده كالأمانات الشرعيّة.
وللشافعيّة فيه وجهان جاريان في كلّ الأمانات الشرعيّة ، كالثوب تطيّره الريح إلى داره ، وفيه للشافعيّة وجهان :
أحدهما : إنّها تمتدّ إلى المطالبة ، كالودائع.
وأظهرهما : إنّها تنتهي بالتمكّن من الردّ(٢) .
ويجري الوجهان في مَنْ وجد ضالّةً وهو يعرف مالكها(٣) .
ولو قال المالك للمستودع : ردّ الوديعةَ على مَنْ قدرتَ عليه من وكلائي ولا تؤخّر ، فقدر على الردّ على بعضهم وأخّر ليردّه على غيره ، فهو
____________________
(١) في « ث ، ج » : « أمره » بدل « الأمر ».
(٢) الوجيز ١ : ٢٨٧ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣١٧ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٠٦.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣١٧ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٠٦.
ضامن عاصٍ بالتأخير.
ولو لم يقل : ولا تؤخّر ، فأخّر ضمن بالتأخير.
وفي العصيان للشافعيّة وجهان(١) .
مسألة ٦١ : لو أمره المالك بالدفع إلى وكيله ، أو أمره بالإيداع لـمّا دفعه إليه ابتداءً ، فالأقرب : إنّه لا يجب على المدفوع إليه الإشهاد على الإيداع ، بخلاف قضاء الدَّيْن ؛ لأنّ الوديعة أمانة ، وقول المستودع مقبول في الردّ والتلف ، فلا معنى للإشهاد ، ولأنّ الودائع حقّها الإخفاء ، بخلاف قضاء الدَّيْن ، وهو أظهر وجهي الشافعيّة.
والثاني لهم : إنّه يلزمه الإشهاد ، كقضاء الدَّيْن(٢) .
وقد بيّنّا الفرق.
وعلى القول الثاني الحكم فيه كما في الوكالة من أنّه إن دفع في غيبة المالك من غير إشهادٍ ضمن ، وإن دفع وهو حاضر لم يضمن.
مسألة ٦٢ : إذا طلب المالك من المستودع الردَّ فادّعى التلفَ ، فالقول قوله مع اليمين عند علمائنا ، سواء ادّعى التلف بسببٍ ظاهرٍ أو خفيٍّ ؛ لأنّه أمين في كلّ حال ، فكان القولُ قولَه في كلّ حالٍ ، هو أمين فيها.
وقال الشافعي : إمّا أن يذكر المستودع سبب التلف ، أو لا ، فإن ذكر السبب فإن كان خفيّاً كالسرقة ، قُبِل قوله مع اليمين ؛ لأنّه قد ائتمنه ، فليصدّقه.
وإن كان سبباً ظاهراً - كالحريق والغارة والسيل - فإن لم يعرف ما يدّعيه بتلك البقعة لم يُقبل قوله ، بل يُطالَب بالبيّنة على ما يدّعيه ، ثمّ يُقبل قوله مع يمينه في حصول الهلاك به.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣١٧ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٠٦.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣١٧ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٠٧.
وإن عرف ما يدّعيه بالمشاهدة أو الاستفاضة ، فإن عرف عمومه صُدّق بغير يمينٍ ، وإن لم يعرف عمومه واحتمل أنّه لم يصب الوديعة صُدّق باليمين.
وإن لم يذكر سبب التلف صُدّق بيمينه ، ولا يكلَّف بيان سبب التلف ، وإن نكل المستودع عن اليمين حلف المالك على نفي العلم بالتلف واستحقّ(١) .
ولا بأس بهذا القول عندي.
وهل يلحق موت الحيوان والغصب بالأسباب الظاهرة أو الخفيّة؟ إشكال.
مسألة ٦٣ : إذا ادّعى المستودع ردَّ الوديعة ، فإمّا أن يدّعي ردَّها على مَن ائتمنه أو على غيره.
فإن ادّعى ردَّها على مَن ائتمنه - وهو المالك - قُدّم قوله باليمين على إشكالٍ ينشأ : من أنّه أمين يُقبل قوله مع اليمين كالتلف ، ومن كونه مدّعياً فافتقر إلى البيّنة ، فإن قدّمنا قوله باليمين فإن مات قبل أن يحلف ، ناب عنه وارثه ، وانقطع الطلب عنه بحلفه.
وقال الشافعي : إنّه يُقدَّم قول المستودع مع اليمين كالتلف ، ولأنّه أمين له لا منفعة له في قبضه ، وبهذا خالف المرتهن ، فإنّه أمين مع أنّه لا يُقبل قوله ؛ لأنّه قبضه لمنفعته(٢) .
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣١٨ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٠٧.
(٢) الأُمّ ٤ : ١٣٦ ، مختصر المزني : ١٤٧ ، الإشراف على مذاهب أهل العلم ١ : ٢٥٤ / ٤١١ ، الحاوي الكبير ٨ : ٣٧١ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٦٩ ، الوجيز ١ : ٢٨٧ ، الوسيط ٤ : ٥١٥ ، حلية العلماء ٥ : ١٧٥ ، التهذيب - للبغوي - ٥ : ١٢٧ ، البيان ٦ : ٤٤٥ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣١٨ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٠٧ ، الإشراف=
وقال مالك : إنّه إن لم يُشهد عليه بالإيداع صُدّق في دعوى الردّ ، وإن أشهد عليه لم يُصدَّق(١) .
وإن ادّعى [ الردَّ ](٢) على غير مَن ائتمنه ، طُولب بالبيّنة ؛ لأنّ الأصل عدم الردّ ، وهو لم يأتمنه ، فلا يُكلّف تصديقه.
مسألة ٦٤ : لو طلب المالك الوديعةَ ، فقال المستودع : أودعتُها عند وكيلك فلان بإذنك ، فإن أنكر المالك الإذنَ والوكالةَ صُدّق باليمين إذا لم تكن بيّنة ؛ لأنّه منكر.
فإذا حلف نُظر إن كان فلان مُقرّاً بالقبض والوديعة باقية ، رُدّت على المالك ، فإن غاب المدفوع إليه كان للمالك أن يغرم المستودع ، فإذا قدم الغائب أخذها المستودع وردّها على المالك واستردّ البدل الذي دفعه.
وإن كانت تالفةً ، فللمالك أن يغرم مَنْ شاء منهما ، وليس للغارم منهما أن يرجع على صاحبه ؛ لزعمه أنّ المالك ظالم بما أخذ.
وإن أنكر فلان القبضَ الذي ادّعاه المستودع ، قُدّم قوله مع اليمين وعدم البيّنة ، فحينئذٍ يختصّ الغرم بالمستودع.
وإن اعترف المالك بالإذن وأنكر الدفع إلى فلان ، احتُمل تصديقُ المستودع ، وكان دعوى الردّ على وكيل المالك كدعوى الردّ على المالك
____________________
= على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٦٢٤ / ١٠٦٥ ، بداية المجتهد ٢ : ٣١٠ ، عيون المجالس ٤ : ١٧٢٧ / ١٢١٤ ، المعونة ٢ : ١٢٠٤
(١) الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٦٢٤ / ١٠٦٥ ، بداية المجتهد ٢ : ٣١٠ ، التفريع ٢ : ٢٧٠ ، التلقين : ٤٣٤ - ٤٣٥ ، الذخيرة ٩ : ١٤٥ ، عيون المجالس ٤ : ١٧٢٧ / ١٢١٤ ، المعونة ٢ : ١٢٠٤ ، الإشراف على مذاهب أهل العلم ١ : ٢٥٤ / ٤١١ ، الحاوي الكبير ٨ : ٣٧١ ، حلية العلماء ٥ : ١٧٥ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣١٨ - ٣١٩.
(٢) إضافة يقتضيها السياق.
- وهو وجهٌ للشافعيّة وقول أبي حنيفة(١) - وتصديقُ المالك في عدم الدفع ؛ لأنّ المستودع يدّعي [ الردَّ ](٢) على مَنْ لم يأتمنه ، وهو أصحّ وجهي الشافعيّة(٣) .
ولو وافق فلان المدفوع إليه المستودعَ في الدفع وقال : إنّها تلفت في يدي ، لم يُقبل قوله على المالك ، بل يحلف ويضمن المستودع.
ولو اعترف المالك بالإذن والدفع معاً ، لكنّه قال : إنّك لم تُشهد عليه ، والمدفوع إليه ينكر ، كان مبنيّاً على الخلاف السابق في وجوب الإشهاد على الإيداع ، إن أوجبناه ضمن ، وإلّا فلا.
ولو اتّفقوا جميعاً على الدفع إلى الأمين الثاني وادّعى الأمين الثاني الردَّ على المالك أو التلف في يده ، كان حكمه حكم المستودع الأوّل من أنّه يُصدَّق باليمين في دعوى التلف ، وأمّا في الردّ فإشكال.
هذا فيما إذا عيّن المالك الثاني ، فأمّا إذا أمره بأن يودع أميناً ولم يعيّن ، فادّعى الثاني التلفَ ، صُدّق باليمين.
وإن ادّعى الردَّ على المالك وأنكر المالك ، قُدّم قول المالك باليمين ؛ لأنّه يدّعي الردَّ هنا على غير مَن ائتمنه.
ويحتمل مساواته للمعيَّن ؛ لأنّ أمينَ أمينِه أمينُه ، كما يقال عند بعض الشافعيّة : وكيلُ وكيلِه وكيلُه(٤) .
____________________
(١) الحاوي الكبير ٨ : ٣٧٢ ، التهذيب - للبغوي - ٥ : ١٢٨ ، البيان ٦ : ٤٤٦ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٢٠ ، روضة الطالبين ٧ : ٣٠٩.
(٢) إضافة يقتضيها السياق.
(٣) الإشراف على مذاهب أهل العلم ١ : ٢٥٤ / ٤١٢ ، الحاوي الكبير ٨ : ٣٧٢ ، التهذيب - للبغوي - ٥ : ١٢٨ ، البيان ٦ : ٤٤٦ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٢٠ ، روضة الطالبين ٧ : ٣٠٩.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٢٠ ، روضة الطالبين ٥ : ٣١٠.
مسألة ٦٥ : إذا أراد المستودع سفراً فأودعها أميناً ، فادّعى ذلك الأمين التلفَ ، قُبِل قوله مع اليمين.
ولو ادّعى الردَّ على المالك ، لم يُصدَّق إلّا بالبيّنة ؛ لأنّه لم يأتمنه.
وإن ادّعى الردَّ على المستودع ، قُبِل قوله مع اليمين ؛ لأنّه ادّعى الردَّ على مَن ائتمنه إن قلنا بتقديم قول المستودع في الردّ.
ولو عاد المستودع الأوّل من سفره ، فهل له استعادتها من الثاني؟ فيه إشكال ينشأ : من أنّه المستودع بالأصالة ، ومن أنّه بريء من الحفظ المأمور به.
ولا ريب في أنّ للمستودع الاستردادَ من الغاصب.
ولو كان المالك قد عيّن أميناً ، فقال للمستودع : إذا سافرتَ فاجعل الوديعةَ عند فلان ، ففَعَل ثمّ ادّعى فلان الردَّ على المالك ، صُدّق باليمين إن قدّمنا قول المستودع فيه ؛ لأنّه ادّعى [ الردَّ ] على مَن ائتمنه.
وإن ادّعى الردَّ على المستودع الأوّل ، لم يُقبل إلّا بالبيّنة.
مسألة ٦٦ : إذا مات المالك ، وجب على المستودع ردّ الوديعة إلى ورثته ؛ لانتقال ملكها إليهم ، فإن أخَّر مع التمكّن من الردّ إليهم كان ضامناً ، وهو أصحّ وجهي الشافعيّة(١) .
ولو لم يجد الوارث ، دَفَعها إلى الحاكم ؛ لأنّه وليّ الغائب.
ولا فرق بين أن يعلم الورثة بالوديعة أو لا.
وقال بعض الشافعيّة : إنّما يجب عليه الدفع إلى الورثة أو إلى الحاكم لو لم يعلموا بالوديعة ، أمّا إذا علموا بها فلا يجب الدفع إلّا بعد الطلب(٢) .
____________________
(١) التهذيب - للبغوي - ٥ : ١٢٦ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣١٩ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٠٧ - ٣٠٨.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣١٩ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٠٨.
ولا بأس به.
ولو طالبه الوارث ، فقال : رددتُ الوديعةَ إلى المالك ، أو تلفت في يدي حال حياته ، قُدّم قوله مع اليمين.
أمّا لو قال : رددتُها عليك ، فأنكر الوارث ، قُدّم قول الوارث مع اليمين قطعاً ؛ لأنّه ادّعى الردَّ على مَنْ لم يأتمنه.
وللشافعيّة وجهان ، هذا أحدهما ، والثاني : إنّ القول قول المستودع ؛ لأصالة براءة ذمّته(١) .
مسألة ٦٧ : لو مات المستودع ، وجب على وارثه ردّ الوديعة إلى مالكها ، فلو أخّر الدفع بعد التمكّن من الردّ فتلفت في يده ضمن ، وهو أصحّ وجهي الشافعيّة ، والثاني : لا يضمن ؛ لأنّه لم يطلب منه(٢) .
ولو كان المالك غائباً ، سلّمها الوارث إلى الحاكم.
فإن اختلفا فادّعى وارث المستودع ردَّ مورّثه على المالك ، أو قال : تلفت في يده ، فالأقرب : تقديم قوله مع اليمين ؛ لأصالة براءة ذمّته ، وعدم حصولها في يده.
وللشافعيّة وجهان ، هذا أصحّهما ، والثاني : إنّه يُطالَب بالبيّنة ؛ لأنّ المالك لم يأتمنه حتى يصدّقه(٣) .
وهو غلط ؛ لأنّ الضمان يترتّب على الاستيلاء ولم يثبت.
أمّا لو قال : أنا رددت عليك ، وأنكر المالك ؛ فإنّ القول قول المالك.
____________________
(١) التهذيب - للبغوي - ٥ : ١٢٧ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣١٩ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٠٨ ، وفيها أنّ الوجهين فيما لو ادّعى المستودع تلف الوديعة في يده قبل تمكّنه من الردّ ، لا فيما إذا ادّعى الردّ على الوارث.
(٢) التهذيب - للبغوي - ٥ : ١٢٦ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣١٩ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٠٨.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣١٩ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٠٨.
ولو قال : تلفت في يدي قبل التمكّن ، احتُمل تقديمُ قوله ؛ لأنّه أمين ، وجرى مجرى الثوب تطيّره الريح إلى داره ، وتقديمُ قول المالك ؛ لقولهعليهالسلام : « على اليد ما أخذت حتى تؤدّي »(١) .
ولو قال مَنْ طيَّر الريحُ الثوبَ إلى داره : رددت على المالك ، أو قال الملتقط : رددت على المالك ، لم يُصدَّقا إلّا بالبيّنة.
مسألة ٦٨ : لو كان في يد رجلٍ مالٌ ، فادّعى رجلان الإيداع ، فقال كلّ واحدٍ منهما : إنّ هذا المال لي وديعة عندك ، فإن كذّبهما معاً فالقول قوله مع اليمين ، فيحلف لكلّ واحدٍ منهما ، وتسقط دعواهما ، ويحلف لكلّ واحدٍ منهما أنّها له وملكه ، أو أنّه لا يلزمه تسليمه إليه.
ولو أقرّ به لأحدهما بعينه ، حُكم بها للمُقرّ له ، ودفع إليه ، ويحلف للآخَر ، فإذا حلف سقطت دعوى الآخَر ، وإن نكل حلف الآخَر ، وكان له إلزامه بالمثل إن كان مثليّاً ، وإلّا فالقيمة وقت الحلف أو الإقرار؟ إشكال.
وللشافعيّة في إحلاف الآخَر قولان مبنيّان على أنّ مَنْ أقرّ بعينٍ في يده لزيدٍ ثمّ أقرّ بها لعمرو هل يغرم لعمرو أو لا؟ فإن قلنا : يغرم ، حلف ، وإن قلنا : لا يغرم ، فلا وجه لإحلافه ؛ لعدم الفائدة(٢) .
وعلى القول بالإحلاف للآخَر للشافعيّة قولان في يمين المدّعي مع نكول المدّعى عليه.
أحدهما : إنّ ذلك يجري مجرى البيّنة.
والثاني : إنّه يجري مجرى الإقرار.
فخرّج أبو العباس ابن سريج من الشافعيّة في هذا الموضع ثلاثةَ أوجُه :
____________________
(١) تقدّم تخريجه في الهامش (١) من ص ١٦١.
(٢) البيان ٦ : ٤٤٧ - ٤٤٨ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٢١ ، روضة الطالبين ٥ : ٣١٠.
أحدها : إنّه يوقف المدّعى بينهما إلى أن يصطلحا ؛ لأنّ الإقرار للأوّل قد تقدّم ، وقد حصل هنا ما هو أقوى من الإقرار ، فاستويا.
والثاني : إنّه يُقسم بينهما ، كما لو أقرّ لهما.
والثالث - وهو المذهب المشهور عندهم - : إنّه يغرم للثاني ، كما لو اعترف له بعد الإقرار الأوّل(١) (٢) .
وقال بعض الشافعيّة بعبارةٍ أُخرى : إذا أقرّ لأحدهما ، فهل للآخَر دعوى القيمة؟ يبنى على الخلاف في الغُرْم لو أقرّ للثاني ، إن قلنا : يغرم ، فنعم ، وإن قلنا : لا ، فيبنى على أنّ اليمين بعد النكول كالإقرار أو كالبيّنة؟ إن قلنا : كالإقرار ، لم يدّع القيمة ، وإن قلنا : كالبيّنة ، فله دعواها ، فإن حلف برئ ، وإن نكل حلف المدّعي وأخذها ، ولا تنزع العين من الأوّل ؛ لأنّها وإن كانت كالبيّنة فليست كالبيّنة في حقّ غير المتداعيين(٣) .
وإن قال : هو لكما ، دُفع إليهما معاً ، ويكون بمنزلة مالٍ في يد شخصين يتداعيانه ، فإن حلف أحدهما قضي له بها ، ولا خصومة للآخَر مع المستودع ؛ لنكوله ، وإن نكلا جُعل بينهما ، وكذا لو حلفا ، ويكون حكم كلّ واحدٍ منهما في النصف كالحكم في الكلّ في حقّ غير الـمُقرّ له ، وقد تقدّم.
مسألة ٦٩ : لو قال : المال لأحدكما وقد نسيتُ عينه ، فإن قلنا : إنّ المستودع يضمن بالنسيان ، فهو ضامن.
وإن لم نضمّنه بالنسيان نُظر ، فإن صدّقاه في النسيان فلا خصومة لهما معه ، بل الخصومة بينهما ، فإن اصطلحا على شيءٍ فذاك ، وإلّا جُعل المال كأنّه في أيديهما يتداعيانه ؛ لأنّ صاحب اليد يقول : إنّ اليد لأحدهما ، وليس
____________________
(١) الظاهر : « للأوّل ».
(٢) البيان ٦ : ٤٤٨ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٢١ ، روضة الطالبين ٥ : ٣١٠.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٢١.
أحدهما أولى من الآخَر.
ولبعض الشافعيّة وجهٌ آخَر : إنّه كمالٍ في يد ثالثٍ يتداعاه اثنان ؛ لأنّه لم يثبت لأحدهما يدٌ عليه(١) .
فإن قلنا بالأوّل فإن أقام كلٌّ منهما بيّنةً أو حلفا أو نكلا فهو بينهما ، وإن أقام أحدهما البيّنةَ أو حلف ونكل صاحبه قُضي له.
وإن قلنا بالثاني لو أقام كلٌّ منهما بيّنةً ، فعلى الخلاف في تعارض البيّنتين ، وإن نكلا أو حلفا وُقف المال بينهما.
وسواء قلنا بالوجه الأوّل أو الثاني فإنّ المال يُترك في يد المدّعى عليه إلى أن تنفصل الحكومة بينهما على أحد قولَي الشافعيّة ؛ لأنّه لا بدّ من وضعه عند أمينٍ ، وهذا أمين لم تظهر منه خيانة ، والثاني : إنّه يُنزع منه ؛ لأنّ مطالبتهما بالردّ تتضمّن عزله(٢) .
وهذان القولان للشافعيّة فيما إذا طلب أحدهما الانتزاعَ والآخَر التركَ ، فأمّا إن اتّفقا على أحد الأمرين فإنّ الحاكم يتبع رأيهما(٣) .
ويمكن أن يكون هذا مبنيّاً على أنّه يجعل المال كأنّه في يدهما ، وإلّا فيتبع الحاكم رأيه.
هذا إذا صدّقاه في النسيان ، وإن كذّباه فيه وادّعى كلّ واحدٍ منهما علمَه بأنّه المالك ، وقالا : إنّك تعلم لـمَن الوديعة منّا ، فالقول قول المستودع مع يمينه ، ويحلف ؛ لأنّه لو أقرّ بها لأحدهما كانت له ، فإذا ادّعي عليه العلم سُمعت دعواه ، ويحلف.
____________________
(١) الوسيط ٤ : ٥١٧ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٢٢ ، روضة الطالبين ٥ : ٣١١.
(٢) حلية العلماء ٥ : ١٨٨ ، البيان ٦ : ٤٤٨ - ٤٤٩ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٢٢ ، روضة الطالبين ٥ : ٣١١.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٢٢ ، روضة الطالبين ٥ : ٣١١.
فإن حلف ، كفاه يمين واحدة على نفي العلم - وبه قال الشافعي(١) - لأنّ المدّعى شيء واحد ، وهو علمه بعين المال ، فكفاه يمين واحدة.
وقال أبو حنيفة : يحلف يمينين لكلّ واحدٍ منهما يميناً ، كما لو أنكر أنّها لهما(٢) .
والفرق : إنّه إذا أنكرهما فقد أنكر دعويين ؛ لأنّ كلّ واحدٍ منهما يدّعي عليه أنّها له ، فهنا دعويان ، فإذا حلف كان كأنّهما صدّقاه.
وهل للحاكم تحليفه على نفي العلم إذا لم يدّعه الخصمان؟ للشافعيّة وجهان(٣) .
ثمّ إذا حلف المدّعى عليه ، فالحكم كما لو صدّقاه في النسيان من أنّه يُقرّ في يده ؛ لأنّه لا فائدة في نقله ، فإنّه مستودع ، ولم تظهر منه خيانة ، أو يُنقل عنه ؛ لأنّه قد اعترف بأنّه لا حقّ له فيها(٤) فيُنقل عنه.
وقال بعضهم : إنّه يُنزع المال منه هنا وإن لم يُنزع هناك ؛ لأنّه خائن عندهما بدعوى النسيان(٥) .
وإن نكل عن اليمين ، رُدّت اليمين عليهما ، فإن نكلا فإمّا أن نقول : يُقسم المال بينهما ، أو يُوقف حتى يصطلحا على الخلاف ، وإن حلف أحدهما ونكل الآخَر قُضي بها للحالف.
____________________
(١) الوسيط ٤ : ٥١٧ ، حلية العلماء ٥ : ١٨٨ ، التهذيب - للبغوي - ٥ : ١٢٩ ، البيان ٦ : ٤٤٩ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٢٢ ، روضة الطالبين ٥ : ٣١١.
(٢) مختصر اختلاف العلماء ٤ : ١٩٢ / ١٨٨٤ ، الوسيط ٤ : ٥١٧ ، حلية العلماء ٥ : ١٨٨ ، البيان ٦ : ٤٤٩ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٢٢ ، المغني ٧ : ٢٩٤ ، الشرح الكبير ٧ : ٣٢٧.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٢٢ ، روضة الطالبين ٥ : ٣١١.
(٤) أي : في الوديعة. والظاهر بحسب السياق : « فيه ».
(٥) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٢٢ ، روضة الطالبين ٥ : ٣١١.
وإن حلفا ، فللشافعيّة قولان :
أحدهما : إنّه يُقسم بينهما ؛ لأنّه في أيديهما - وهو الأصحّ عند الشافعيّة - كما لو أقرّ بها لهما.
والثاني : يُوقف حتى يصطلحا - وبه قال ابن أبي ليلى - لأنّه لا يعلم المالك منهما(١) .
وعلى القول بالقسمة فإنّ المستودع يغرم القيمة ، وتُقسَم بينهما أيضاً ؛ لأنّ كلّ واحدٍ منهما أثبت بيمين الردّ جميعَ العين ولم يحصل له سوى نصفها(٢) .
هذا أشهر ما قاله الشافعيّة فيما إذا نكل المستودع(٣) .
ولهم وجهٌ آخَر : إنّه لا يغرم القيمة مع العين إذا حلفا(٤) .
ولهم وجهٌ آخَر : إنّ المستودع إذا نكل لا تُردّ اليمين عليهما ، بل يوقف ؛ بناءً على أنّهما لو حلفا يوقف المال بينهما ، فلا معنى لعرض اليمين(٥) .
وإن قلنا بردّ اليمين ، فالأقرب : إنّ الحاكم يُقدّم مَنْ رأى تقديمه منهما في الحلف.
ويحتمل القرعة بينهما.
وإذا حلفا وقُسّمت العين بينهما والقيمة ، فإن لم ينازع أحدهما الآخَر فلا بحث ، وإن نازع وأقام البيّنة على أنّ جميع العين له سُلّمت إليه ، ورُدّت
____________________
(١) الحاوي الكبير ٨ : ٣٨٣ ، حلية العلماء ٥ : ١٨٨ ، البيان ٦ : ٤٤٩ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٢٢ ، روضة الطالبين ٥ : ٣١١ ، المغني ٧ : ٢٩٥ ، الشرح الكبير ٧ : ٣٢٨.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٢٢ ، روضة الطالبين ٥ : ٣١١.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٢٢ - ٣٢٣ ، روضة الطالبين ٥ : ٣١١.
(٤ و ٥) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٢٣ ، روضة الطالبين ٥ : ٣١١.
القيمة على المستودع.
وإن لم تكن بيّنة ونكل صاحبه عن اليمين فحلف واستحقّ العين ، فيردّ نصفَ القيمة الذي أخذه ؛ لأنّه عاد إليه المُبدل ، والناكل لا يردّ ما أخذ ؛ لأنّه استحقّه بيمينه على المستودع ، ولم يعد إليه الـمُبدل ، ونكوله كان مع صاحبه ، لا مع المستودع.
مسألة ٧٠ : لو قال المستودع في الجواب : هذا المال وديعة عندي ولا أدري أهو لكما أو لأحدكما أو لغيركما ، وادّعيا عليه العلمَ ، كان القولُ قولَه مع اليمين ، فإذا حلف على نفي العلم تُرك في يده إلى أن تقوم بيّنة ، وليس لأحدهما تحليف الآخَر ؛ لأنّه لم يثبت لواحدٍ منهما فيه يدٌ ولا استحقاق ، بخلاف الصورة الأُولى.
ولو ادّعى عليه اثنان غصبَ مالٍ في يده ، كلّ واحدٍ منهما يقول : غصبتَه منّي ، فقال : غصبتُه من أحدكما ولا أعرف عينه ، فالقول قوله مع اليمين أيضاً ، فعليه أن يحلف لكلّ واحدٍ منهما على البتّ على أنّه لم يغصب(١) ، فإذا حلف لأحدهما تعيّن المغصوب للثاني ، فلا يحلف له.
مسألة ٧١ : تشتمل على فروع متبدّدة :
لو تعدّى في الوديعة ثمّ بقيت في يده مدّة ، لزمه أُجرة مثلها عن تلك المدّة ؛ لأنّه خرج عن الأمانة ، ودخل في الخيانة من حين التعدّي ، فكان كالغاصب عليه عوض المنافع وإن لم ينتفع.
ولو دخل خاناً فجعل حماره في صحن الخان ، وقال للخاني : احفظه كي لا يخرج ، وكان الخاني ينظر إليه ، فخرج في بعض غفلاته ، فالأقرب : الضمان ؛ لأنّه قصّر في الحفظ بالغفلة.
وقال القفّال من الشافعيّة : لا يضمن ؛ لأنّه لم يقصّر في الحفظ
____________________
(١) الظاهر : « لم يغصب منه » أو « لم يغصبه ».
المعتاد(١) .
وهو ممنوع.
ولو وقع في خزانة المستودع حريق ، فبادر إلى نقل الأمتعة وقدّم أمتعته على الوديعة ، فاحترقت الوديعة ، لم يضمن ، كما لو لم يكن فيها إلّا ودائع فأخذ في نقلها كلّها فاحترق ما تأخّر نقله.
ولو ادّعى ابن مالك الوديعة أنّ أباه قد مات وأنّ المستودع علم بذلك ، وطلب الوديعة ، فأنكر المستودع ، فللولد تحليفه على نفي العلم ، فإن نكل حلف المدّعي.
ولو مات المالك وطلب الوارث الوديعةَ ، فامتنع المستودع من الدفع إليه ليتفحّص ويبحث هل في التركة وصيّة؟ ففي كونه متعدّياً ضامناً إشكال أقربه ذلك.
ولو وجد لقطةً وعرف مالكها ولم يُخبره حتى تلفت ، ضمن.
وكذا قيّم الصبي والمسجد إذا كان في يده مال فعزل نفسه ولم يُخبر الحاكم حتى تلف المال ، كان ضامناً.
ومَنْ كان قيّماً لصبيٍّ أو مجنونٍ أو سفيهٍ ولم يبع أوراق شجره التي تُقصد بالبيع حتى يمضي وقتها ، كان ضامناً ، أمّا لو أخّر البيع لتوقّع زيادةٍ لم يضمن.
وكذا قيّم المسجد في أشجاره.
ولو دفع إلى رسوله خاتماً علامةً ليمضي إلى وكيله(٢) ويقبض منه شيئاً ، وقال : إذا قبضتَه تردّ الخاتمَ علَيَّ ، فقبض المأمور بقبضه ولم يردّ الخاتم بل وضعه في حرزه ، فالأقرب : الضمان ؛ لأنّه قبضه على أنّه يردّه ،
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٢٣ ، روضة الطالبين ٥ : ٣١٢.
(٢) في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « خاتماً ليمضي إلى وكيله علامةً ». والظاهر ما أثبتناه.
فإذا لم يردّه كان ضامناً.
ويحتمل عدمه ؛ لأنّه ليس عليه الردّ ولا مئونته ، بل عليه التخلية.
ولو دفع قبالةً إلى غيره وديعةً ففرّط فيها ، ضمن قيمة الكاغذ مكتوباً ، ولا شيء عليه ممّا في القبالة.
وكذا لو أودع إنساناً وثيقةً وقال : لا تردّها إلى زيدٍ حتى يدفع ديناراً ، فردّها قبله ، فعليه قيمة القبالة مكتوبة الكاغذ وأُجرة الورّاق.
مسألة ٧٢ : لو دخل الحمّام فنزع ثيابه وسلّمها إلى الحمّامي ، وجب عليه حفظها ، فإن فرّط ضمن ، وإن لم يفرّط لم يضمن.
وإن لم يسلّم إليه الثياب ، لم يضمن ، سواء احتفظها أو غفل عنها ولم يراعها وكان مستيقظاً ، عند علمائنا ؛ لأنّه إنّما أخذ الجُعْل على الحمّام ، ولم يأخذه على حفظ الثياب ، ولم يستودع شيئاً ، وصاحبها لم يودعه ثيابه ، وخَلْعُه في المسلخ والحمّامي جالس في مكانه مستيقظاً ليس استيداعاً.
وقد روى من طريق الخاصّة غياث بن إبراهيم عن الصادقعليهالسلام عن أبيهعليهالسلام : « إنّ عليّاًعليهالسلام أُتي بصاحب حمّامٍ وُضعت عنده الثياب فضاعت ، فلم يُضمّنه ، وقال : إنّما هو أمين »(١) .
وقال بعض الشافعيّة : إذا سُرقت الثياب والحمّامي جالس في مكانه مستيقظ ، فلا ضمان عليه ، فإن نام أو قام من مكانه ولا نائب هناك ضمن وإن لم يستحفظه المالك عليها ؛ قضاءً للعادة(٢) .
وهو خطأ ؛ لما تقدّم.
ولما رواه إسحاق بن عمّار عن الصادقعليهالسلام عن أبيهعليهالسلام : « إنّ عليّاًعليهالسلام كان يقول : لا ضمان على صاحب الحمّام فيما ذهب من الثياب ،
____________________
(١) التهذيب ٧ : ٢١٨ - ٢١٩ / ٩٥٤.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٢٤ ، روضة الطالبين ٥ : ٣١٣.
لأنّه إنّما أخذ الجُعْل على الحمّام ولم يأخذه على الثياب »(١) .
مسألة ٧٣ : لو ادّعى صاحب اليد أنّ المال وديعة عنده ، وادّعى المالك الإقراض(٢) ، قُدّم قول المالك مع اليمين ؛ لأنّ المتشبّث يزيل بدعواه ما ثبت عليه من وجوب الضمان بالاستيلاء على مال الغير ، فكان القولُ قولَ المالك.
ولما رواه إسحاق بن عمّار عن الكاظمعليهالسلام ، قال : سألته عن رجلٍ استودع رجلاً ألف درهم فضاعت ، فقال الرجل : كانت عندي وديعة ، وقال الآخَر : إنّما كانت عليك قرضاً ، قال : « المال لازم له ، إلّا أن يقيم البيّنة أنّها كانت وديعة »(٣) .
إذا عرفت هذا ، فهذا التنازع إنّما تظهر فائدته لو تلف المال ، أو كان غائباً لا يعرفان خبره ، أو لا يتمكّن من دفعه إلى مالكه ، ولو كان باقياً يتمكّن مَنْ هو في يده من تسليمه فلا فائدة فيه.
ولو انعكس الفرض ، فادّعى المالكُ الإيداعَ والقابضُ الإقراضَ ، قُدّم قول المالك ؛ لأنّ المال إن كان باقياً فالأصل استصحاب ملكيّة المالك ، وإن كان تالفاً فالأصل براءة ذمّة القابض ، وقد وافق المالك الأصل.
مسألة ٧٤ : ولا فرق بين الذهب والفضّة وبين غيرهما من الأموال في هذا الحكم ، وهو عدم الضمان مع عدم التفريط ، وثبوته معه ، بخلاف العارية على ما سيأتي ؛ لأنّ الاستئمان لا يستعقب الضمان.
ولما رواه زرارة - في الحسن - عن الصادقعليهالسلام ، قال : سألته عن وديعة الذهب والفضّة ، قال : فقال : « كلّ ما كان من وديعةٍ ولم تكن
____________________
(١) التهذيب ٦ : ٣١٤ / ٨٦٩.
(٢) في الطبعة الحجريّة : « الاقتراض ».
(٣) الكافي ٥ : ٢٣٩ / ٨ ، التهذيب ٧ : ١٧٩ / ٧٨٨.
مضمونةً فلا تلزم »(١) .
إذا عرفت هذا ، فالبضاعة أمانة في يد العامل ؛ لأصالة البراءة ، وحكمها في عدم الضمان مع عدم التفريط حكم الوديعة ؛ للأصل.
ولما رواه الحلبي - في الحسن - عن الصادقعليهالسلام قال : « صاحب الوديعة والبضاعة مؤتمنان »(٢) .
مسألة ٧٥ : إذا استودع مالاً واتّجر به بغير إذن صاحبه ، فإن كانت التجارة بعين المال فالربح للمالك إن أجاز المعاوضات ، وإلّا بطلت بأسرها ، وإن كانت في الذمّة ونقد مال الوديعة عن دَيْنٍ عليه فالربح للعامل ، وعليه ردّ المال.
وقد روى أبو سيار مسمع عن الصادقعليهالسلام ، قال : قلت له : إنّي كنت استودعت رجلاً مالاً فجحدنيه وحلف لي عليه ، ثمّ إنّه جاءني بعد ذلك بسنين بالمال الذي كنت استودعته إيّاه ، فقال لي : إنّ هذا مالك فخُذْه وهذه أربعة آلاف درهم ربحتُها في مالك ، فهي لك مع مالك واجعلني في حلٍّ ، فأخذتُ منه المال وأبيتُ أن آخذ الربح منه وأوقفته المال الذي كنت استودعته وأتيت أستطلع رأيك فما ترى؟ قال : فقال : « خُذْ نصف الربح ، وأعطه النصف ، وحلِّه ، إنّ هذا رجل تائب ، والله( يُحِبُّ التَّوّابِينَ ) »(٣) .
وهذه الرواية محمولة على الإرشاد على فعل الأولى بقرينة قوله : « فما ترى؟ » والإمامعليهالسلام أرشده إلى المعتاد بين الناس من قسمة ربح التجارة نصفين.
مسألة ٧٦ : مَن استودع من اللّصّ مال السرقة ، لم يجز له ردّها عليه ،
____________________
(١) الكافي ٥ : ٢٣٩ / ٧ ، التهذيب ٧ : ١٧٩ / ٧٨٩.
(٢) الكافي ٥ : ٢٣٨ / ١ ، الفقيه ٣ : ١٩٣ / ٨٧٨ ، التهذيب ٧ : ١٧٩ / ٧٩٠.
(٣) التهذيب ٧ : ١٨٠ / ٧٩٣.
بل يردّها على مالكها إن عرفه بعينه ، فإن كان قد مات ردّها على ورثته ، ولو لم يعرف مالكها أبقاها في يده أمانةً إلى أن يظهر المالك ، فإن لم يمكن معرفته كان بمنزلة اللقطة يُعرّفها سنةً ، فإن تعذّر المالك تصدّق بها عنه ، وكان عليه ضمانها ، وإن شاء حفظها لمالكها ؛ لما رواه حفص بن غياث عن الصادقعليهالسلام ، قال : سألته عن رجلٍ من المسلمين أودعه رجلٌ من اللّصوص دراهم أو متاعاً واللّصّ مسلمٌ هل يردّ عليه؟ قال : « لا يردّه ، فإن أمكنه أن يردّه على صاحبه فَعَل ، وإلّا كان في يده بمنزلة اللقطة يصيبها فيُعرّفها حولاً ، فإن أصاب صاحبها ردّها عليه ، وإلّا تصدّق بها ، فإن جاء بعد ذلك خيّره بين الأجر والغرم ، فإن اختار الأجر فله ، وإن اختار الغرم غرم له ، وكان الأجر له »(١) .
إذا عرفت هذا ، فإن كان الظالم قد مزج الوديعة بماله مزجاً لا يتميّز ، لم يجز للمستودع حبسها ، ووجب عليه ردّ الجميع إليه.
ويحتمل عندي ردّ قدر ما يملكه اللّصّ ، واحتفاظ الباقي لمالكه. والقسمة هنا ضروريّة.
ولو خاف من الظالم لو منعها عنه ، جاز له ردّها عليه.
مسألة ٧٧ : يجب ردّ الوديعة إلى مالكها وإن كان كافراً ؛ لقوله تعالى :( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها ) (٢) .
وقد روى الفضيل عن الرضاعليهالسلام ، قال : سألته عن رجلٍ استودع رجلاً من مواليك مالاً له قيمة ، والرجل الذي عليه المال رجل من العرب يقدر على أن لا يعطيه شيئاً ، والمستودع رجل خبيث خارجيّ شيطان ، فلم أدع شيئاً ، فقال : « قل له : يردّ عليه ، فإنّه ائتمنه عليه بأمانة الله » قلت : فرجل
____________________
(١) التهذيب ٧ : ١٨٠ - ١٨١ / ٧٩٤ ، الاستبصار ٣ : ١٢٤ / ٤٤٠.
(٢) النساء : ٥٨.
اشترى من امرأةٍ من بعض العبّاسيّين بعض قطائعهم وكتب عليها كتاباً : قد قبضت المال ، ولم تقبضه ، فيعطيها المال أم يمنعها؟ قال : « يمنعها أشدّ المنع ، فإنّما باعته ما لم تملكه »(١) .
____________________
(١) التهذيب ٧ : ١٨١ / ٧٩٥.
المقصد الثاني : في العارية
وفيه فصلان :
الأوّل : الماهيّة والأركان
فهنا بحثان :
العاريّة - بتشديد الياء - عقد شُرّع لإباحة الانتفاع بعينٍ من أعيان المال على جهة التبرّع. وشُدّدت الياء كأنّها منسوبة إلى العار ؛ لأنّ طلبها عار ، قاله صاحب الصحاح(١) .
وقال غيره : منسوبة إلى العارة ، وهي مصدر ، يقال : أعار يعير إعارةً وعارةً ، كما يقال : أجاب إجابةً وجابةً ، وأطاق إطاقةً وطاقةً(٢) .
وقيل : إنّها مأخوذة من « عار يعير » إذا جاء وذهب ، ومنه قيل للبطّال : العيّار ؛ لتردّده في بطالته ، فسُمّيت عاريةً ؛ لتحوّلها من يدٍ إلى يدٍ(٣) .
وقيل : إنّها مأخوذة من التعاور والاعتوار ، وهو أن يتداول القوم الشيء بينهم(٤) .
وقال الخطّابي في غريبه : إنّ اللغة العالية : العاريّة ، وقد تُخفّف(٥) .
____________________
(١) الصحاح ٢ : ٧٦١ « عور ».
(٢) كما في « الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي » المطبوع في مقدّمة « الحاوي الكبير » : ٣٠٠.
(٣) قاله الأزهري في الزاهر : ٣٠٠ ، وراجع العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٦٨ ، والمغني والشرح الكبير ٥ : ٣٥٤.
(٤) كما في العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٦٨.
(٥) إصلاح الغلط - للخطّابي - : ٤٦ - ٤٧ / ٣٤ ، وحكاه عن غريبه الرافعي في العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٦٨ ، والنووي في روضة الطالبين ٤ : ٧٠.
مسألة ٧٨ : العارية سائغة بالنصّ والإجماع.
أمّا النصّ : فالكتاب والسنّة.
أمّا الكتاب : فقوله تعالى :( وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى ) (١) والعارية من جملة البرّ.
وقال تعالى :( وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ ) (٢) قال أبو عبيدة(٣) : الماعون اسم لكلّ منفعةٍ وعطيّةٍ ، وأنشد فيه :
بأجود منه بماعونه |
إذا ما سماؤهم لا تغم(٤) |
وروي عن ابن عباس وابن مسعود أنّهما قالا : الماعون العواريّ(٥) .
وفسَّر ذلك ابن مسعود فقال : ذلك القِدْر والدلو والميزان(٦) .
وروي عن عليٍّعليهالسلام و [ ابن ](٧) عمر أنّهما قالا : الماعون : الزكاة(٨) .
وأمّا السنّة : فما رواه العامّة عن أبي أُمامة أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال في
____________________
(١) المائدة : ٢.
(٢) الماعون : ٧.
(٣) في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « أبو عبيد ». وما أثبتناه من المصدر.
(٤) مجاز القرآن ٢ : ٣١٣ ، والبيت للأعشى ، راجع ديوانه : ٨٩ / ٣٩.
(٥) جامع البيان ٣٠ : ٢٠٤ - ٢٠٦ ، الإشراف على مذاهب أهل العلم ١ : ٢٦٩ / ٤٣٧ ، المغني والشرح الكبير ٥ : ٣٥٤.
(٦) المحلّى ٩ : ١٦٨ ، الإشراف على مذاهب أهل العلم ١ : ٢٦٩ / ٤٣٧ ، البيان ٦ : ٤٥٠ ، المغني والشرح الكبير ٥ : ٣٥٤.
(٧) ما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.
(٨) النكت والعيون ٦ : ٣٥٢ ، المحرّر الوجيز ١٦ : ٣٧١ ، معالم التنزيل ٥ : ٦٣٣ ، زاد المسير ٩ : ٢٤٦ ، جامع البيان ٣٠ : ٢٠٣ ، التفسير الكبير ٣٢ : ١١٥ ، تفسير السمرقندي ( بحر العلوم ) ٣ : ٥١٨ ، الجامع لأحكام القرآن ٢٠ : ٢١٣ ، أحكام القرآن - للجصّاص - ٣ : ٤٧٥ ، الحاوي الكبير ٧ : ١١٦ ، الإشراف على مذاهب أهل العلم ١ : ٢٦٩ / ٤٣٧ ، البيان ٦ : ٤٥٠.
خطبته عام حجّة الوداع : « العارية مؤدّاة ، والمِنْحة مردودة ، والدَّيْن مقضيّ ، والزعيم غارم »(١) .
وعن أُميّة بن صفوان(٢) أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله استعار منه يوم خيبر(٣) أدراعاً(٤) ، فقال : أغصباً يا محمّد؟ قال : « بل عارية مضمونة مؤدّاة »(٥) .
ومن طريق الخاصّة : ما رواه أبو بصير عن الصادقعليهالسلام ، قال : سمعته يقول : « بعث رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلى صفوان بن أُميّة ، فاستعار منه سبعين درعاً بأطراقها(٦) ، قال : فقال : غصباً يا محمّد؟ فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : بل عارية مضمونة »(٧) .
وعن سلمة عن الصادق عن الباقرعليهماالسلام قال : « جاء رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلى صفوان بن أُميّة فسأله سلاحاً ثمانين درعاً ، فقال له صفوان : عارية مضمونة أو غصباً؟ فقال له رسول اللهصلىاللهعليهوآله : بل عارية مضمونة ، فقال : نعم »(٨) .
____________________
(١) سنن أبي داوُد ٣ : ٢٩٦ - ٢٩٧ / ٣٥٦٥ ، سنن الترمذي ٤ : ٤٣٣ / ٢١٢٠ ، سنن الدارقطني ٣ : ٤١ / ١٦٦ ، سنن سعيد بن منصور ١ : ١٢٥ - ١٢٦ / ٤٢٧ ، مسند أحمد ٦ : ٣٥٨ / ٢١٧٩١ ، المصنّف - لعبد الرزّاق - ٨ : ١٨١ / ١٤٧٩٦ ، و ٩ : ٤٨ - ٤٩ / ١٦٣٠٨ ، المعجم الكبير - للطبراني - ٨ : ١٥٩ - ١٦٠ / ٧٦١٥.
(٢) في المصادر زيادة : « عن أبيه ».
(٣) فيما عدا مسند أحمد من المصادر : « حنين » بدل « خيبر ».
(٤) في « ث ، خ ، ر » : « أدرعاً » وكذا في بعض المصادر.
(٥) البيان ٦ : ٤٥١ ، وفي مسند أحمد ٤ : ٤٠٠ / ١٤٨٧٨ ، وسنن أبي داوُد ٣ : ٢٩٦ / ٣٥٦٢ ، وسنن البيهقي ٦ : ٨٩ ، والمستدرك - للحاكم - ٢ : ٤٧ بدون كلمة « مؤدّاة ».
(٦) واحدتها : الطراق ، وهي البيضة التي توضع على الرأس. القاموس المحيط ٣ : ٢٥٧ « طرق ».
(٧) الكافي ٥ : ٢٤٠ / ١٠ ، التهذيب ٧ : ١٨٣ / ٨٠٣.
(٨) التهذيب ٧ : ١٨٢ / ٨٠٢.
وأمّا الإجماع : فلا خلاف بين علماء الأمصار في جميع الأعصار في جوازها والترغيب فيها ، ولأنّه لـمّا جازت هبة الأعيان جازت هبة المنافع ، ولذلك صحّت الوصيّة بالأعيان والمنافع جميعاً.
مسألة ٧٩ : العارية مستحبّة مندوب إليها مرغّب فيها ؛ لأنّ اقتران المانع منها في الآية مع المرائي في صلاته(١) يدلّ على شدّة الحثّ عليها والتزهيد في منعها والترغيب في فعلها ، ولأنّها من البرّ وقد أمر الله تعالى بالمعاونة فيه(٢) .
وليست واجبةً في قول أكثر أهل العلم(٣) ؛ للأصل.
ولقول النبيّصلىاللهعليهوآله : « إذا أدّيتَ زكاة مالك فقد قضيتَ ما عليك »(٤) .
وقالعليهالسلام : « ليس في المال حقٌّ سوى الزكاة »(٥) .
وسأله الأعرابي فقال له : ما ذا افترض الله علَيَّ من الصدقة؟ قال : « الزكاة » قال : هل علَيَّ غيرها؟ قال : « لا ، إلّا أن تتطوّع »(٦) .
وقيل : إنّها واجبة ؛ للآية(٧) ، ولما رواه أبو هريرة عن النبيّصلىاللهعليهوآله أنّه قال : « ما من صاحب إبلٍ لا يؤدّي حقّها » الحديث ، قيل : يا رسول الله وما حقّها؟ قال : « إعارة دلوها ، وإطراق فحلها ، ومنحة لبنها يوم وردها »(٨)
____________________
(١) الماعون : ٦ و ٧.
(٢) المائدة : ٢.
(٣) المغني والشرح الكبير ٥ : ٣٥٤.
(٤) سنن ابن ماجة ١ : ٥٧٠ / ١٧٨٨ ، سنن الترمذي ٣ : ١٤ / ٦١٨.
(٥) سنن ابن ماجة ١ : ٥٧٠ / ١٧٨٩.
(٦) صحيح البخاري ١ : ١٨ ، و ٣ : ٢٣٥ ، صحيح مسلم ١ : ٤١ / ١١ ، سنن أبي داوُد ١ : ١٠٦ / ٣٩١ ، سنن النسائي ١ : ٢٢٧ - ٢٢٨ ، سنن البيهقي ١ : ٣٦١ ، المغني والشرح الكبير ٥ : ٣٥٥.
(٧) الماعون : ٧.
(٨) المغني والشرح الكبير ٥ : ٣٥٤.
فذمّ الله تعالى مانعَ العارية ، وتوعّده رسول اللهصلىاللهعليهوآله بما ذكره في خبره(١) .
والجواب : المراد زيادة الترغيب ، على أنّ قول عليٍّعليهالسلام حجّة في تفسيره الماعونَ بالزكاة(٢) ، ولا ريب في وجوبها.
ولو حملناها على العارية ، فالتوعّد إنّما وقع على الثلاث ، قال عكرمة : إذا جمع ثلاثتها فله الويل : إذا سها عن الصلاة ، وراءى ، ومنع الماعون(٣) .
وهي أربعة :
الأوّل : الـمُعير.
وله شرطان : ملكيّة المنفعة ، وأهليّة التصرّف التبرّعيّة ، فلا تصحّ إعارة الغاصب للعين ؛ لأنّه منهيّ عن التصرّف في الغصب ، والإعارة تصرّف.
ولا فرق بين أن يكون غاصباً للعين أو للمنفعة في أنّه يحرم عليه إعارتها ، ولا يباح للمُستعير التصرّف ، فإن علم وتصرّف كان مأثوماً ضامناً للعين والمنفعة بلا خلاف.
ولا يشترط ملكيّة العين في الـمُعير ، بل ملكيّة المنفعة ، فلو استأجر عيناً جاز له أن يعيرها لغيره ، إلّا أن يشترط المالك مباشرة الانتفاع بنفسه ، فيحرم عليه حينئذٍ الإعارة ، ولو لم يشرطه جاز ؛ لأنّه مالك للمنفعة ، ولهذا يجوز أخذ العوض عنها بعقد الإجارة.
____________________
(١) كما في المغني والشرح الكبير ٥ : ٣٥٤.
(٢) راجع الهامش (٨) من ص ٢٣٢.
(٣) الإشراف على مذاهب أهل العلم ١ : ٢٦٩ / ٤٣٧ ، الوسيط - للواحدي - ٤ : ٥٥٩ ، المغني والشرح الكبير ٥ : ٣٥٥.
وكذا الموصى له بخدمة العبد وسكنى الدار يجوز لهما أن يعيراهما.
مسألة ٨٠ : وليس للمُستعير أن يعير - وبه قال أحمد بن حنبل والشافعيّة في أصحّ الوجهين(١) - لأنّ الأصل عصمة مال الغير وصيانته عن التصرّف ، فلا يباح للمُستعير الثاني إلّا بدليلٍ ولم يثبت ، ولأنّه غير مالكٍ للمنفعة ، ولهذا لا يجوز له أن يؤجّر ، وإنّما أُبيح له الانتفاع ، والمستبيح لا يملك نقل الإباحة إلى غيره ، كالضيف الذي أُبيح له الطعام ليس له أن يُبيحه لغيره.
وقال أبو حنيفة : يجوز للمُستعير أن يعير - وهو الوجه الآخَر للشافعيّة - لأنّه تجوز إجارة المستأجر للعين ، فكذا يجوز للمُستعير أن يعير ؛ لأنّه تمليك على حسب ما مَلَك(٢) .
والفرق : إنّ المستأجر مَلَك بعقد الإجارة الانتفاعَ على كلّ وجهٍ ، فلهذا مَلَك أن يملكها ، وأمّا في العارية فإنّه مَلَك المنفعة على وجه ما أُذن له ، فلا يستوفيه بغيره ، فافترقا.
____________________
(١) الكافي في فقه الإمام أحمد ٢ : ٢١٤ ، المغني ٥ : ٣٦١ - ٣٦٢ ، الشرح الكبير ٥ : ٣٦٨ ، الحاوي الكبير ٧ : ١٢٧ ، التنبيه : ١١٣ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٧١ ، بحر المذهب ٩ : ١٢ ، الوجيز ١ : ٢٠٣ ، الوسيط ٣ : ٣٦٧ ، حلية العلماء ٥ : ١٩٥ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٢٨١ ، البيان ٦ : ٤٦١ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ٢ : ١٨ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٧٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٧١ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٢٢١.
(٢) بدائع الصنائع ٦ : ٢١٥ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٢٢١ ، الاختيار لتعليل المختار ٣ : ٨٠ ، الحاوي الكبير ٧ : ١٢٧ ، التنبيه : ١١٣ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٧١ ، بحر المذهب ٩ : ١٢ ، الوجيز ١ : ٢٠٣ ، الوسيط ٣ : ٣٦٧ ، حلية العلماء ٥ : ١٩٥ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٢٨١ ، البيان ٦ : ٤٦١ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ٢ : ١٨ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٧٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٧١ ، المغني ٥ : ٣٦٢ ، الشرح الكبير ٥ : ٣٦٨ - ٣٦٩.
إذا ثبت هذا ، فإنّه يجوز للمُستعير أن يستوفي المنفعة بنفسه وبوكيله ، ولا يكون ذلك إعارةً للوكيل إذا لم تعد المنفعة إليه.
مسألة ٨١ : وشرطنا في الـمُعير جواز التصرّف ، فلا بدّ وأن يكون بالغاً عاقلاً جائز التصرّف ، فلا تصحّ عارية الصبي ؛ لأنّه ممنوع من التصرّفات التي من جملتها الإعارة ، ولا عارية المجنون ، ولا المحجور عليه للسفه أو الفلس ؛ لأنّ هؤلاء بأسرهم ممنوعون من التبرّعات ، والإعارة تبرّع.
وكذا ليس للمُحْرم إعارة الصيد ؛ لأنّه ممنوع من التصرّف فيه ، بل وليس مالكاً له عند الأكثر.
ولو أسلم عبد الكافر تحت يده ، وجب بيعه من المسلمين ، فيجوز للكافر إعارته للمسلم مدّة المساومة.
وكذا لو ورث أو مَلَك - إن قلنا بصحّة البيع - مصحفاً.
الركن الثاني : الـمُستعير.
وشرطه أن يكون معيّناً أهلاً للتبرّع عليه بعقدٍ يشتمل على إيجابٍ وقبولٍ ، فلو أعار أحد هذين ، أو أحد هؤلاء ، لم يصح ؛ لعدم التعيين ، وكلّ واحدٍ لا يتعيّن للإعارة ؛ لصلاحيّة الآخَر لها ، واستباحة منافع الغير لا تكون إلّا بوجهٍ شرعيّ ؛ لأنّ الأصل تحريم منافع الغير على غيره إلّا بإذنه ، ولم يثبت.
ولو عمّم الـمُستعير ، جاز ، سواء كان التعميم في عددٍ محصور ، كقوله : أعرتُ هذا الكتاب لهؤلاء العشرة ، أو في عددٍ غير محصورٍ ، كقوله : لكلّ الناس ، ولأيّ أحدٍ من أشخاص الناس ، أو : لمن دخل الدار.
وبالجملة ، الكلّيّ معيّن وإن لم يكن عامّاً ك « أيّ رجل » و « أيّ داخل ». و « أحد الشخصين » مجهول.
مسألة ٨٢ : شرطنا أن يكون أهلاً للتبرّع عليه ؛ لأنّ من الأعيان ما لا يجوز لبعض الأشخاص الانتفاع بها ، فلا تجوز إعارتها لهم ، وذلك مثل الكافر يستعير عبداً مسلماً ، أو أمةً مسلمةً على إشكالٍ ينشأ : من جواز إعارتهم ، ومن السلطنة عليهم والتسلّط وإثبات السبيل ، وقد نفاه الله تعالى بقوله :( وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ) (١) بخلاف استئجاره الذي هو في مقابلة عوضٍ.
والأقرب : الكراهة.
وكذا لا يجوز للكافر استعارة المصحف من المسلم وغيره ؛ تكرمةً للكتاب العزيز ، وصيانةً عمّن لا يرى له حرمةً.
وأمّا استعارة أحاديث النبيّصلىاللهعليهوآله وأحاديث أهل بيته الأئمّة المعصومينعليهمالسلام فإنّها مبنيّة على جواز شرائهم لها ، فإن منعناه منعنا من الإعارة ، وإلّا فلا.
مسألة ٨٣ : لا يحلّ للمُحْرم استعارة الصيد من الـمُحْرم ، ولا من الـمُحلّ ؛ لأنّه يحرم عليه إمساكه ، فلو استعاره وجب عليه إرساله ، وضمن للمالك قيمته. ولو تلف في يده ضمنه أيضاً بالقيمة لصاحبه الـمُحلّ ، وبالجزاء لله تعالى ، بل يضمنه بمجرّد الإمساك وإن لم يشترط صاحبه الضمان عليه ، فلو دفعه إلى صاحبه برئ منه ، وضمن لله تعالى.
ولو استعار الـمُحْرم صيداً من مُحْرمٍ ، وجب على كلّ واحدٍ منهما الفداء لو تلف.
ولو كان الصيد في يد مُحْرمٍ فاستعاره الـمُحلّ ، فإن قلنا : الـمُحْرم يزول ملكه عن الصيد ، فلا قيمة له على الـمُحلّ ؛ لأنّه أعاره ما ليس ملكاً
____________________
(١) النساء : ١٤١.
له ، وعلى الـمُحْرم الجزاء لو تلف في يد الـمُحلّ ؛ لتعدّيه بالإعارة ، فإنّه كان يجب عليه الإرسال.
وإن قلنا : لا يزول ، صحّت الإعارة ، وعلى الـمُحلّ القيمة لو تلف الصيد عنده.
ولو تلف الصيد عند الـمُحلّ الـمُستعير من الـمُحْرم ، لم يضمنه الـمُحلّ ؛ لزوال ملك الـمُحْرم عنه بالإحرام ، وعلى الـمُحْرم الضمان ؛ لأنّه تعدّى بالإعارة لما يجب إرساله.
مسألة ٨٤ : الـمُستعير هو المنتفع قوّةً أو فعلاً بالعين المستحقّة للغير بإذنٍ منه بغير عوضٍ.
وقال بعض الشافعيّة : الـمُستعير كلّ طالبٍ أخذ المال لغرض نفسه من غير استحقاقٍ(١) .
وزاد بعضهم ، فقال : من غير استحقاقٍ وتملّكٍ(٢) .
وقصد بهذه الزيادة الاحترازَ عن المستقرض ، وقصد بنفي الاستحقاق الاحترازَ عن المستأجر.
واعتُرض عليه بوجهين :
الأوّل : ينتقض بالمستام والغاصب.
الثاني : التعرّض لكونه طالباً غير جيّدٍ ؛ للاستغناء عنه ، إذ لا فرق بين أن يلتمس الـمُستعير العارية ، وبين أن يبتدئ الـمُعير بها ، ولا تجوز الزيادة في الحدود(٣) .
____________________
(١) الغزالي في الوجيز ١ : ٢٠٤ ، والوسيط ٣ : ٣٧١.
(٢) كما في العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٧٩.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٧٩.
الركن الثالث : المستعار.
وله شرطان : كونه منتفعاً به مع بقاء عينه ، وإباحة المنفعة ، فكلّ ما ينتفع به انتفاعاً محلّلاً مع بقاء عينه تصحّ إعارته ، كالعقارات والدوابّ والعبيد والثياب والأقمشة والأمتعة والصُّفْر والحُليّ والفحل للضراب والكلب للصيد والحفظ وأشباه ذلك بلا خلاف ؛ لأنّ النبيّصلىاللهعليهوآله استعار أدراعاً(١) .
أمّا ما لا ينتفع به إلّا بإتلافه كالأطعمة والأشربة فلا تجوز إعارتها ؛ لأنّ المنفعة المطلوبة منها إنّما تحصل في إتلافها ، والإباحة لم تقع على الإتلاف.
وتجوز إعارة جميع أصناف الحيوان المنتفع بها ، كالآدمي والبهائم على ما تقدّم ؛ لأنّ منفعة الحيوان تجوز إجارتها فجاز إعارتها ، والإعارة أوسع من الإجارة ؛ لأنّه تجوز إعارة الفحل للضراب ، ومَنَع كثيرٌ من إجارته لذلك(٢) .
والكلب تجوز إعارته ، ولا تجوز إجارته على أحد وجهي الشافعيّة(٣) .
____________________
(١) راجع الهوامش ( ٥ و ٧ و ٨ ) من ص ٢٣٣.
(٢) الحاوي الكبير ٧ : ١١٧ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٠١ ، بحر المذهب ٩ : ١٢ ، الوجيز ١ : ٢٣١ ، الوسيط ٤ : ١٥٨ ، حلية العلماء ٥ : ٣٨٥ ، البيان ٧ : ٢٥٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٠١ ، و ٦ : ٩٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٦٢ ، و ٤ : ٢٥٤ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ١٠٢ / ١٧٨٢ ، بدائع الصنائع ٤ : ١٧٥ ، المغني ٦ : ١٤٨ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٤.
(٣) الحاوي الكبير ٧ : ١١٧ و ٤١١ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٠١ ، بحر المذهب =
مسألة ٨٥ : تجوز إعارة الغنم للانتفاع بلبنها وصوفها ، وهي المِنْحة ، وذلك لاقتضاء الحكمة إباحته ؛ لأنّ الحاجة قد تدعو إلى ذلك ، والضرورة تبيح مثل هذه الأعيان ، كما في استئجار الظئر.
وقد روى العامّة عن النبيّصلىاللهعليهوآله أنّه قال : « المِنْحة مردودة »(١) والمِنْحة هي : الشاة.
ومن طريق الخاصّة : ما رواه الحلبي - في الحسن - عن الصادقعليهالسلام في الرجل يكون له الغنم يعطيها بضريبة سمناً شيئاً معلوماً أو دراهم معلومة من كلّ شاة كذا وكذا ، قال : « لا بأس بالدراهم ، ولستُ أُحبّ أن يكون بالسمن »(٢) .
وفي الصحيح عن عبد الله بن سنان أنّه سأل الصادقَعليهالسلام عن رجلٍ دفع إلى رجلٍ غنمه للسمن ودراهم معلومة لكلّ شاة كذا وكذا في كلّ شهرٍ ، قال : « لا بأس بالدراهم ، فأمّا السمن فلا أُحبّ ذلك ، إلّا أن تكون حوالب فلا بأس »(٣) وإذا جاز ذلك مع العوض فبدونه أولى.
واختلفت الشافعيّة على قولين :
أحدهما كما قلناه.
والثاني : المنع ، كما لا تجوز إجارتها(٤) .
والفرق : إنّ الإجارة لا تستباح بها الأعيان.
____________________
= ٩ : ١٢ ، الوجيز ١ : ٢٣٠ ، الوسيط ٤ : ١٥٧ ، حلية العلماء ٥ : ٣٨٤ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٤٢٥ ، البيان ٧ : ٢٤٩ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٩٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٥٣ ، المغني ٤ : ٣٢٥.
(١) تقدّم تخريجه في ص ٢٣٣ ، الهامش (١)
(٢) الكافي ٥ : ٢٢٣ / ١ ، التهذيب ٧ : ١٢٧ / ٥٥٤ ، الاستبصار ٣ : ١٠٣ / ٣٥٩.
(٣) الكافي ٥ : ٢٢٤ / ٤ ، التهذيب ٧ : ١٢٧ / ٥٥٦ ، الاستبصار ٣ : ١٠٣ / ٣٦٢.
(٤) حلية العلماء ٥ : ٢٠٧ ، البيان ٦ : ٤٥٢.
وكذا في الشجر.
قال بعض الشافعيّة : إذا دفع شاةً إلى رجلٍ وقال : ملّكتُك دَرَّها ونسلها ، فهي هبة فاسدة ، وما حصل في يده من الدّرّ والنسل كالمقبوض بالهبة الفاسدة ، والشاة مضمونة عليه بالعارية الفاسدة.
ولو قال : أبحتُ لك دَرَّها ونسلها ، فهو كما لو قال : ملّكتُك ، على أحد الوجهين. والثاني : إنّه(١) إباحة صحيحة ، والشاة عارية صحيحة. وعلى هذا فقد تكون العارية لاستفادة عينٍ ، وليس من شرطها أن يكون المقصود مجرّد المنفعة ، بخلاف الإجارة.
ولو قال : ملّكتُك درَّها ، أو : أبحتُك على أن تعلفها ، فقد جعل العلف أُجرة الشاة وثمن الدّرّ والنسل ، فالشاة غير مضمونةٍ ؛ لأنّها مقبوضة بإجارةٍ فاسدة ، والدَّرّ والنسل مضمون عليه بالشراء الفاسد.
وكذا لو دفع فلساً إلى سقّاء وأخذ الكوز ليشرب فسقط من يده وانكسر ، ضمن الماء ؛ لأنّه مأخوذ بالشراء الفاسد ، ولا يضمن الكوز ؛ لأنّه في يده بإجارةٍ فاسدة ، وإن أخذه مجّاناً فالكوز عارية ، والماء كالمقبوض بالهبة الفاسدة(٢) .
مسألة ٨٦ : تجوز إعارة الدراهم والدنانير - وهو أحد وجهي الشافعيّة(٣) - لأنّ لها منفعةً حكميّةً تُفرض مطلوبةً للعقلاء ، فجاز التوصّل إليها بالإعارة والاستعارة ، من التزيّن بها ، وجذب قلوب الراغبين إلى معاملته وإقراضه ، وذلك فائدة عظيمة.
____________________
(١) الظاهر : « إنّها ».
(٢) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٢٨٦ - ٢٨٧ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٧٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٧٤ - ٧٥.
(٣) الوجيز ١ : ٢٠٣ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٢٨٠ ، البيان ٦ : ٤٥١ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٧١ ، روضة الطالبين ٤ : ٧٢.
وأيضاً فقد يرغب إلى أن يطبع مثلها ، ويجوز رهنها ، والإجارة للارتهان سائغة ، فوجب أن تشرع إعارتها.
وأصحّ الوجهين عند الشافعيّة : المنع ؛ لأنّ هذه منفعة ضعيفة قلّما تُقصد ، ومعظم منفعتها في الإنفاق والإخراج(١) .
قال الجويني : وما ذُكر من المنفعة في الدراهم والدنانير يجري في استعارة الحنطة والشعير وما في معناهما(٢) .
ويبطل ما ذكروه بما إذا صرّح في الإعارة بالمنفعة الضعيفة بأن استعارها للتزيّن بها ، فقد جعل هذه المنفعة مقصداً وإن ضعفت.
مسألة ٨٧ : إذا استعار الدراهم والدنانير ، كانت مضمونةً عليه ، سواء شرط المالك ضمانها عليه أو لا ، وإن كانت العارية في غيرهما غير مضمونةٍ على ما سيأتي.
والعامّة أوجبوا الضمان في جميع العواريّ(٣) .
وللشافعيّة وجهٌ في أنّ عارية الدراهم والدنانير خاصّةً غير مضمونةٍ وإن قالوا بالضمان في البواقي(٤) .
لما رواه ابن مسكان - في الصحيح - عن الصادقعليهالسلام قال :
____________________
(١) الوجيز ١ : ٢٠٣ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٢٨٠ ، البيان ٦ : ٤٥١ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٧١ ، روضة الطالبين ٤ : ٧٢.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٧١ ، روضة الطالبين ٤ : ٧٢.
(٣) الأُم ٣ : ٢٤٤ ، الإشراف على مذاهب أهل العلم ١ : ٢٧١ / ٤٤١ ، الحاوي الكبير ٧ : ١١٨ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٧٠ ، بحر المذهب ٩ : ٦ ، الوجيز ١ : ٢٠٤ ، الوسيط ٣ : ٣٦٩ - ٣٧٠ ، حلية العلماء ٥ : ١٨٩ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٢٨٠ ، البيان ٦ : ٤٥٤ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٧٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٧٦ ، بداية المجتهد ٢ : ٣١٣ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ١٨٥ / ١٨٧٦ ، المغني ٥ : ٣٥٥.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٧٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٧٢.
« لا تُضمن العارية إلّا أن يكون اشترط فيها ضماناً ، إلّا الدنانير فإنّها مضمونة وإن لم يشترط فيها ضمان »(١) .
وفي الحسن عن زرارة عن الصادقعليهالسلام ، قال : قلت له : العارية مضمونة؟ قال : فقال : « جميع ما استعرته فتَوى(٢) فلا يلزمك تَواه إلّا الذهب والفضّة فإنّهما يلزمان ، إلّا أن يشترط أنّه متى تَوى لم يلزمك تَواه ، وكذلك جميع ما استعرت واشترط عليك لزمك ، والذهب والفضّة لازمان لك وإن لم يشترط عليك »(٣) .
ولأنّ المنفعة فيهما ضعيفة لا يعتد بها في نظر الشرع ، والنفع المقصود بالذات فيهما الإنفاق ، فكانت مضمونةً ؛ عملاً بالغاية الذاتيّة.
احتجّ القائل بعدم ضمانها : بأنّ العارية - سواء صحّت أو فسدت - تعتمد منفعة معتبرة ، فإذا لم توجد فما جرى بينهما ليس بعاريةٍ ، لا أنّه عارية فاسدة ، ومَنْ قبض مال الغير بإذنه لا لمنفعةٍ كان أمانةً(٤) .
احتجّ الآخَرون : بأنّ العارية الصحيحة مضمونة ، فكذا الفاسدة ؛ لأنّ كلّ عقدٍ يُضمن صحيحه يُضمن فاسده ، وعارية الدراهم والدنانير فاسدة(٥) .
مسألة ٨٨ : ولا بدّ وأن تكون المنفعة مباحةً ؛ لتحريم الإعانة على المحرَّم ، فلو استعار آنية الذهب والفضّة للأكل والشرب ، لم يجز.
ولو استعار كلباً للصيد لهواً وبطراً لم يجز ، وإن كان للقوت أو التجارة جاز.
وكذا تجوز إعارة كلب الماشية والحائط والزرع ؛ لإباحة هذه المنافع
____________________
(١) التهذيب ٧ : ١٨٣ / ٨٠٤.
(٢) راجع الهامش (١) من ص ٣٩.
(٣) الكافي ٥ : ٢٣٨ ( باب ضمان العارية والوديعة ) ح ٣ ، التهذيب ٧ : ١٨٣ / ٨٠٦.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٧٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٧٢.
(٥) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٧١ ، روضة الطالبين ٤ : ٧٢.
منها.
وكلّ عينٍ يُفرض لها منفعة مباحة ومحرَّمة فإنّه تجوز إعارتها لاستيفاء المنفعة المباحة دون المحرَّمة ، فإن استعارها لاستيفاء المحرَّمة ، لم تصح الإعارة ، ولا يستباح بها المنفعة المحلَّلة ، والإطلاق ينصرف إلى المباح منها.
ولو لم يُفرض لها منفعة مباحة محلَّلة البتّة ، حرم استعارتها.
مسألة ٨٩ : لا تجوز استعارة الجواري للاستمتاع على الأشهر ؛ لعموم قوله تعالى :( وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ * إلّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ ) (١) والبُضْع لا يستباح إلّا بأحد الأسباب الآتية : الزوجيّة ، والملك ، والإباحة بلفظها أو بلفظ التحليل ، دون العارية والتمليك وشبهه.
وتجوز استعارتها للخدمة ، سواء كان الـمُستعير رجلاً أو امرأةً ، وسواء كانت الجارية شابّةً أو عجوزاً ، وسواء كانت قبيحةَ المنظر أو حسنته ، لكن تشتدّ كراهيّة إعارة الشابّة لـمَن لا يوثق به.
ومَنَعه الشافعيّة ؛ خوفَ الفتنة(٢) .
ولو أعارها من الـمَحْرم أو كانت صغيرةً لا تُشتهى أو قبيحةَ المنظر كذلك أو كبيرةً كذلك ، فلا كراهيّة.
وللشافعية وجهان : أحدهما : التحريم ، والثاني : الكراهيّة(٣) .
وتكره استعارة أحد الأبوين للخدمة ؛ لأنّ استخدامهما مكروه ؛ لمنافاة التعظيم لهما والتوقير.
وتستحبّ استعارتهما للترفّه.
____________________
(١) المعارج : ٢٩ و ٣٠.
(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٧٠ ، الوسيط ٣ : ٣٦٨ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٢٨٠ ، البيان ٦ : ٤٥٢ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٧٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٧٣.
(٣) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٢٨٠ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٧٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٧٣.
مسألة ٩٠ : لا يشترط تعيين العين الـمُستعارة عند الإعارة ، فلو قال : أعرني دابّتك أو دابّةً ، فقال : ادخل الاصطبل فخُذْ ما شئت ، صحّت العارية ، بخلاف الإجارة ؛ لأنّ فيها عوضاً ، فلا يدخلها الغرر الذي لا يحتمل في المعاوضة.
الركن الرابع : الصيغة.
مسألة ٩١ : لـمّا كان الأصل في الأموال العصمة ، لم يُبَحْ شيء منها على غير مالكها ، إلّا بالرضا منه ، ولـمّا كان الرضا من الأُمور الباطنة الخفيّة تعذّر التوصّل إليه قطعاً ، فاكتفي فيه بالظنّ المستفاد من العبارات والألفاظ وما يقوم مقامها.
ولا يختصّ لفظٌ بعينه ، بل المعتد به في هذا الباب كلّ لفظٍ يدلّ على الإذن في الانتفاع بالعين مع بقائها مطلقاً أو مدّة معيّنة ، كقوله : أعرتُك ، أو أذنتُ لك في الانتفاع به ، أو انتفع به ، أو خُذْه لتنتفع به ، وما أشبه ذلك.
ولا يشترط القبول نطقاً ، فلو قال : أعرتُك ، جاز له الانتفاع به وإن لم يتلفّظ بالقبول ؛ لأنّه عقد ضعيف ، لأنّه يثمر إباحة الانتفاع ، وهي قد تحصل بغير عقدٍ ، كما لو حسن ظنّه بصديقه ، كفى في الانتفاع عن العقد ، وكما في الضيف ، بخلاف العقود اللازمة ، فإنّها موقوفة على ألفاظٍ خاصّة اعتبرها الشرع.
مسألة ٩٢ : والأقرب عندي : إنّه لا تفتقر العارية إلى لفظٍ ، بل تكفي قرينة الإذن بالانتفاع من غير لفظٍ دالٍّ على الإعارة أو الاستعارة ، لا من طرف الـمُعير ولا من طرف الـمُستعير ، كما لو رآه عارياً فدفع إليه قميصاً فلبسه ، تمّت العارية.
وكذا لو فرش لضيفه فراشاً أو بساطاً أو مصلّىً أو حصيراً أو ألقى إليه وسادة فجلس عليها أو مخدّةً فاتّكأ عليها ، كان ذلك إعارةً ، بخلاف ما لو دخل فجلس على الفرش المبسوطة ؛ لأنّه لم يقصد بها انتفاع شخصٍ بعينه - وهو قول بعض الشافعيّة(١) - قضاءً بالظاهر ، وقد قالعليهالسلام : « نحن نقضي بالظاهر »(٢) .
وقال بعضهم : يعتبر اللفظ من جهة الـمُعير ، ولا يعتبر من جهة الـمُستعير ، وإنّما يعتبر منه القبول إمّا باللفظ أو بالفعل(٣) .
وقال بعضهم : لا بدّ من اللفظ من أحد الطرفين ، ولا يشترط أحدهما عيناً ، بل إمّا لفظ الـمُعير أو الـمُستعير ، وفعل الآخَر ، فلو قال المالك :
أعرتُك ، أو : انتفع به ، إلى غير ذلك من الألفاظ ، فأخذه الـمُستعير ، تمّت العارية. ولو قال الـمُستعير : أعرني ، فسلّمه المالك إليه ، صحّت العارية ، وكان كما لو قال : خُذْه لتنتفع به ، وأخذه ؛ تشبيهاً للإعارة بإباحة الطعام(٤) .
والأقرب : ما تقدّم.
وقد جرت العادة بالانتفاع بظرف الهديّة المبعوثة إليه واستعماله ، كأكل الطعام من القصعة المبعوث فيها ، فإنّه يكون عاريةً ؛ لأنّه منتفع بملك الغير بإذنه وإن لم يوجد لفظٌ يدلّ عليها ، بل شاهد الحال.
مسألة ٩٣ : لو قال : أعرتُك حماري لتعيرني فرسك ، فهي إجارة فاسدة ، وعلى كلّ واحدٍ منهما أُجرة مثل دابّة الآخَر ، وكذا لو أعاره شيئاً
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٧٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٧٥.
(٢) المحصول ٢ : ٤٤٧ ، الإحكام في أُصول الأحكام ٢ : ٣٠٦.
(٣) الوسيط ٣ : ٣٦٩ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٧٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٧٥.
(٤) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٧٠ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٢٨٠ ، البيان ٦ : ٤٥٤ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٧٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٧٥.
بعوضٍ مجهول ، كما لو أعاره دابّته ليعلفها ، أو داره ليطيّن سطحها ، وكذا لو كان العوض معلوماً ولكن مدّة [ الإعارة ](١) مجهولة ، كما لو قال : أعرتُك داري بعشرة دراهم ، أو لتعيرني ثوبك شهراً ، هكذا قاله بعض الشافعيّة(٢) .
وليس بجيّدٍ ، بل هي عارية مشروط فيها استعارة أو نفع مجهول ، فتكون الأُولى صحيحةً له الانتفاع إذا فعل الشرط ، والثانية له الانتفاع بالإذن ، ولا تضرّ الجهالة في العوض ولا في المدّة ؛ لكونها من العقود الجائزة.
وقال بعض الشافعيّة : إنّها عارية فاسدة ، فتكون مضمونةً عليه ؛ بناءً منهم على أنّ العارية الصحيحة مضمونة ؛ نظراً إلى اللفظ ، وعلى القول بأنّها إجارة فاسدة لا تكون مضمونةً(٣) .
ولو بيّن مدّة الإعارة وذكر عوضاً معلوماً ، فقال : أعرتُك هذه الدار شهراً من اليوم بعشرة دراهم ، أو لتعيرني ثوبك شهراً من اليوم ، ففي كونه إجارةً صحيحةً أو إعارةً فاسدةً للشافعيّة وجهان مبنيّان على أنّ النظر إلى اللفظ أو المعنى؟(٤) .
ولو دفع دراهم إلى رجلٍ وقال : اجلس على هذا الحانوت واتّجر عليها لنفسك ، أو دفع إليه بذراً وقال : ازرع به هذه الأرض ، فهو مُعير للحانوت والأرض.
وأمّا الدراهم والبذر فإن كان قد قَبِلهما على سبيل الهبة حُكم بها ، وإلّا فهو قرض.
____________________
(١) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « الإجارة ». والمثبت يقتضيه السياق وكما في المصدر.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٧٤ - ٣٧٥ ، روضة الطالبين ٤ : ٧٦.
(٣ و ٤) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٧٥ ، روضة الطالبين ٤ : ٧٦.
وللشافعيّة قولان ، أحدهما : إنّه قرض ، والثاني : إنّه هبة(١) .
مسألة ٩٤ : إذا قال : أعرتُك فرسي لتعيرني حمارك ، فقد بيّنّا أنّها عارية للفرس بشرط أن يعيره الـمُستعير ، لكن لا يجب على الـمُستعير للفرس إعارة حماره ؛ لأصالة عدم الوجوب ، فإن أعاره إيّاه استباح منفعة الفرس ، وإن لم يُعِرْه لم يُبَحْ له الانتفاع ، فإن انتفع به كان عليه الأُجرة ؛ إذ الإذن في الانتفاع لم يقع مطلقاً ، بل مع سلامة نفع الحمار ، فإذا لم يسلم كان له المطالبة بالعوض.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٧٥ ، روضة الطالبين ٤ : ٧٦.
الفصل الثاني : في الأحكام
ومباحثه ثلاثة :
الأوّل : في التسلّط والرجوع.
مسألة ٩٥ : العارية عقد جائز من الطرفين بالإجماع لكلٍّ منهما فسخه ، فللمالك الرجوعُ فيه متى شاء ، وكذا للمُستعير الردُّ متى أراد ؛ لأنّ العارية تبرّع وتفضّل بالمنفعة ، فلا يناسب الإلزام فيما يتعلّق بالمستقبل.
وليس للمالك المطالبةُ بعوضٍ عن المنفعة التي استوفاها الـمُستعير قبل علم الرجوع.
ولو رجع قبل أن يعلم الـمُستعير ، فالأقرب : إنّه كذلك لا عوض له.
ولو رجع وعلم الـمُستعير برجوعه ثمّ استعمل ، فهو غاصب عليه الأُجرة ، إلّا إذا أعار لدفن ميّتٍ مسلمٍ ثمّ رجع بعد الدفن ، لم يصح رجوعه ، ولا قلع الميّت ولا نبش القبر ، إلّا أن يندرس أثر الميّت ؛ لما فيه من هتك حرمة الميّت ، ولا نعلم فيه خلافاً.
أمّا لو رجع قبل الحفر أو بعده قبل وضع الميّت ، فإنّه يصحّ رجوعه ، ويحرم دفنه فيه.
ولو رجع بعد وضع الميّت في القبر وقبل أن يواريه في التراب ، فالأقرب : إنّ له الرجوعَ أيضاً ، ومئونة الحفر إذا رجع بعد الحفر وقبل الدفن لازمة لوليّ الميّت ، ولا يلزم وليّ الميّت الطمّ ؛ لأنّ الحفر مأذون فيه.
مسألة ٩٦ : لو نبتت في القبر شجرة ، كان لمالك الأرض سقيها ، إلّا أن يفضي السقي إلى ظهور شيءٍ من الميّت فيحرم ؛ لأنّه نبشٌ في الحقيقة.
واعلم أنّ الدفن من جملة منافع الأرض ، كالبناء والغراس ، فإذا أطلق
إعارة الأرض لم يكن له الدفن فيها ؛ لأنّ مثل هذه المنفعة لا يكفي فيها إطلاق الإعارة ، بل يجب ذكرها بالنصوصيّة ، بخلاف سائر المنافع ؛ لأنّ هذه المنفعة تقتضي تسلّط الـمُستعير على الـمُعير بما فيه ضرر لازم ، ولو قدّر تسليطه عليه كان ذلك ذريعةً إلى إلزام إعارة الأرضين.
مسألة ٩٧ : لا تخلو العين التي تعلّقت بها العارية إمّا أن تكون جهة الانتفاع فيها واحدةً أو أكثر.
فإن كانت واحدةً لا ينتفع بالـمُستعار به إلّا بجهةٍ واحدة ، كالدراهم والدنانير التي لا ينتفع بها إلّا بالتزيّن ، والبساط الذي لا ينتفع به إلّا في فرشه ، والخيمة التي لا منفعة لها إلّا الاكتنان ، والدار التي لا منفعة فيها إلّا السكنى ، ومثل هذا لا يجب التعرّض للمنفعة ، ولا ذكر وجه الانتفاع بها ؛ لعدم الاحتياج إليه ؛ إذ المقتضي للتعيين في اللفظ حصر أسباب الانتفاع ، وهو في نفسه محصور ، فلا حاجة له إلى مائزٍ لفظيّ.
وإن تعدّدت الجهات التي يحصل بها الانتفاع - كالأرض التي تصلح للزراعة والغرس والبناء ، والدابّة التي تصلح للحمل والركوب - فلا يخلو إمّا أن يعمّم الإذن ، أو يخصّصه بوجهٍ واحد أو أزيد ، أو يطلق.
فإن عمّم ، جاز له الانتفاع بسائر وجوه الانتفاعات المباحة المتعلّقة بتلك العين - كما لو أعاره الأرض لينتفع بها في الزرع والغرس والبناء وغير ذلك - بلا خلاف.
وإن خصّص الوجه كأن يعيره الأرض للزرع أو البناء أو الغرس ، اختصّ التحليل بما خصّصه الـمُعير ، وبما ساواه أو قصر عنه في الضرر ما لم ينصّ على التخصيص ، ويُمنع من التخطّي إلى غيره ، فلا يجوز له التجاوز قطعاً.
وإن أطلق ، فالأقوى : إنّ حكمه حكم التعميم ؛ لأنّ إطلاق الإذن في الانتفاع يُشعر بعمومه والرضا بجميع وجوهه ؛ إذ لا وجه من الوجوه أولى بجواز التصرّف من الآخَر ، وهو أحد وجهي الشافعيّة.
والثاني : إنّه تبطل العارية ؛ لأنّهم اختلفوا في أنّه هل يشترط في العارية التعرّض لجهة الانتفاع؟ فشرطه بعضهم ؛ لأنّ الإعارة معونة شرعيّة جُوّزت للحاجة ، فلتكن على حسب الحاجة ، ولا حاجة إلى الإعارة المرسلة.
وبعضهم لم يشترط ، بخلاف الإجارة ؛ لأنّ الجهالة في الإعارة غير مُضرّةٍ ، بخلاف الإجارة ؛ لأنّه يحتمل في العارية ما لا يحتمل في الإجارة ، ولأنّ الجهالة إنّما تؤثّر في العقود اللازمة ، والإعارة إباحة ، فجاز فيها الإطلاق ، كإباحة الطعام(١) .
فإذا أعاره أرضاً مطلقاً ، كان له أن ينتفع بها بسائر وجوه الانتفاعات ، وجميع ما العين معدّة له في الانتفاع مع بقاء العين ، كالزرع والغرس والبناء ، ويفعل فيها كلّ ما هي مستعدّة له من الانتفاع.
وليس للمُستعير أن يُعير ولا أن يؤجّر ؛ لأنّها رخصة وُضعت للحاجة ، وهي منفيّة هنا.
وكذا ليس له أن يبيع ؛ لأنّه غير داخلٍ في مفهوم الإعارة.
والأقرب : إنّ له أن يرهن مع التعميم ، دون الإطلاق.
مسألة ٩٨ : وحكم جزئيّات المأذون فيه بالخصوصيّة حكم جزئيّات مطلق الانتفاع ، فلو أذن له في الزرع وأطلق ، استباح الـمُستعير زرع ما شاء
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٧١ ، الوجيز ١ : ٢٠٤ ، الوسيط ٣ : ٣٧٢ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٢٨٢ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٨١ - ٣٨٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٨١.
من أصناف الزرع ، كالحنطة والشعير والدخن والذرّة والقطن والفوّه(١) وما يبقى زمناً طويلاً وقصيراً وسائر أصناف الخضر وجميع ما يطلق عليه اسم الزرع.
وليس له البناء ولا الغراس ؛ لأنّ ضررهما أكثر من ضرر الزرع ، والقصد منهما الدوام ، والإذن في القليل لا يستلزم الإذن في الكثير ، بخلاف العكس ، إلّا مع التنصيص ، فلو استعارها للبناء أو الغراس كان له أن يزرع ؛ لقصور ضرره عنهما ، فكأنّه استوفى بعض المنفعة التي أذن فيها ، ولو مَنَعه لم يَسُغْ له الزرع.
ولو أعارها للغراس ، لم يكن له البناء ، وبالعكس ؛ لأنّ ضررهما مختلف ؛ فإنّ ضرر الغراس في باطن الأرض ؛ لانتشار العروق فيها ، وضرر البناء في ظاهرها ، ولأنّ البناء يكون على موضعٍ واحد ، والغرس تنتشر عروقه في الأرض ، فلم يكن الإذن في أحدهما إذناً في الآخَر ، وهو أصحّ وجهي الشافعيّة.
والثاني : إنّه إذا أذن له في أحدهما ، استباح به الآخَر ؛ لتقارب ضررهما ، فإنّ كلّاً منهما للدوام ، والأرض تُتّخذ للبناء وللغراس(٢) .
وليس بجيّدٍ ؛ للاختلاف ، كما قلناه.
مسألة ٩٩ : إذا أذن له في الزرع ، فإمّا أن يطلق أو يعمّم أو يخصّص ، ولا بحث في الأخيرين ، وأمّا الأوّل فإنّه يصحّ عندنا ، ويستبيح الـمُستعير جميعَ أصناف الزرع ، اختلف ضررها أو اتّفق - وهو أصحّ وجهي الشافعيّة -
____________________
(١) الفوّه : عروق يُصبغ بها. لسان العرب ١٣ : ٥٣٠ « فوه ».
(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٧١ ، الوسيط ٣ : ٣٧٣ ، حلية العلماء ٥ : ١٩٦ ، البيان ٦ : ٤٦٢ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٨١ ، روضة الطالبين ٤ : ٨١.
عملاً بإطلاق اللفظ.
والثاني : إنّه لا يستبيح شيئاً بهذه العارية ، وتكون عاريةً باطلة(١) .
وقال بعضهم : تصحّ الإعارة ، ولا يزرع إلّا أقلّ الأنواع ضرراً ؛ لأصالة عصمة مال الغير(٢) . ولا بأس به.
ولو قال : أعرتُك كذا لتفعل به ما بدا لك ، أو لتنتفع به كيف شئت ، صحّ عندنا ، وكان له أن ينتفع به كيف شاء ؛ لإطلاق الإذن ، وهو أحد وجهي الشافعيّة ، والثاني : البطلان(٣) .
وقال بعضهم : ينتفع به بما هو العادة(٤) .
وهو حسن ، فلو أعاره الأرض ، كان له البناء والغرس والزرع ، دون الرهن والوقف والإجارة والبيع.
ولو قال : أعرتُكها لزرع الحنطة ، ولم ينه عن غيرها ، كان له زرع ما هو أقلّ ضرراً من الحنطة ؛ عملاً بشاهد الحال ، كالشعير والباقلّاء. وكذا له زرع ما ساوى ضرره ضرر الحنطة ، وليس له زرع ما ضرره أكثر من ضرر الحنطة ، كالذرّة والقطن.
ولو نهاه عن زرع غير الحنطة ، لم يكن له زراعة غيرها ؛ اقتصاراً على المأذون فيه.
تذنيب : إذا عيّن المزروع فزرع غيره ، كان لصاحب الأرض قلعه
____________________
(١) الوسيط ٣ : ٣٧٢ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٢٨٢ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٨١ ، روضة الطالبين ٤ : ٨١.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٨١ ، روضة الطالبين ٤ : ٨١.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٨٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٨٢.
(٤) الحاوي الكبير ٧ : ١٢٧ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٨٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٨٢.
مجّاناً ؛ لأنّه ظالم ، وقالعليهالسلام : « ليس لعِرْق ظالمٍ حقٌّ »(١) .
مسألة ١٠٠ : تنقسم العارية باعتبار الزمان إلى ثلاثة ، كما انقسمت باعتبار المنافع إليها ؛ لأنّ الـمُعير قد يُطلق العارية من غير تقييدٍ بزمانٍ ، وقد يوقّت بمدّةٍ ، وقد يُعمّم الزمانَ ، كقوله : أعرتُك هذه الأرض ، ولا يقرن لفظه بوقتٍ وزمانٍ ، أو : أعرتُك هذه الأرض سنةً أو شهراً ، أو : أعرتُك هذه الأرض دائماً.
وإنّما جاز الإطلاق فيها بخلاف الإجارة ؛ لأنّ العارية جائزة ، وله الرجوع فيها متى شاء ، فتقديرها لا يفيد شيئاً ، وإنّما جاز تقييدها ؛ لأنّ إطلاقها جائز ، فتقييدها أولى.
مسألة ١٠١ : إذا أطلق العارية ، كان له الرجوع فيها متى شاء ، ولا يجوز للمُستعير التصرّف بعد الرجوع ، فإن تصرّف ضمن العين والأُجرة ، إلّا في إعارة الدفن ، فلا يجوز الرجوع بعده ، ولا مع دفع شيءٍ ، ولا في إعارة الحائط للتسقيف وشبهه ، فلا يجوز الرجوع قبل الخراب إلّا مع دفع(٢) الأرش ، وما عداهما يجوز الرجوع قبل التصرّف وبعده ، سواء كانت العارية موقّتةً أو لا - وفائدة الرجوع بعد التصرّف المطالبةُ بالأُجرة فيما يستقبل ، لا فيما مضى - عند علمائنا - وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد(٣) - لأنّ
____________________
(١) تقدّم تخريجه في ص ٩٢ ، الهامش (٣)
(٢) في الطبعة الحجريّة : « بدفع » بدل « مع الدفع ».
(٣) تحفة الفقهاء ٣ : ١٧٩ ، بدائع الصنائع ٦ : ٢١٦ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ١٨٧ - ١٨٨ / ١٨٧٧ ، روضة القُضاة ٢ : ٥٣٥ / ٣١٦٩ ، الفقه النافع ٣ : ٩٤٧ / ٦٧١ ، الإشراف على مذاهب أهل العلم ١ : ٢٧٤ / ٤٤٦ ، الحاوي الكبير ٧ : ١٢٨ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٧٠ ، بحر المهذب ٩ : ٦ ، الوجيز ١ : ٢٠٤ ، الوسيط ٣ : ٣٧٣ ،
الـمُستعير استباح المنافع بالإذن ، فإذا رجع عن الإذن لم يجز له فعله ؛ لأنّه تصرّف في مال الغير بغير إذنه ، فكان غصباً ، ولأنّ المنافع المستقبلة لم تحصل في يد الـمُستعير فلا يملكها بالإعارة ، كما لو لم تحصل العين في يده.
وقال مالك : إذا كانت العارية موقّتةً لم يكن للمُعير الرجوع فيها ، وإن لم يكن موقّتةً لزمه تركه مدّة ينتفع [ بها ](١) في مثلها ؛ لأنّ الـمُعير قد ملّكه المنفعة مدّةً معلومة ، وصارت العين في يده بعقدٍ مباح ، فلم يكن له الرجوع فيها بغير اختيار المالك ، كالعبد الموصى بخدمته(٢) .
والفرق : إنّ العبد الموصى بخدمته ليس للورثة الرجوع فيه ؛ لأنّ المتبرّع غيرهم ، وأمّا الموصي المتبرّع فله أن يرجع متى شاء.
مسألة ١٠٢ : إذا أعاره أرضاً للبناء أو الغراس(٣) أو الزرع ، أو أطلق له الانتفاع ، كان للمُستعير الانتفاع فيما أذن له فيه ما لم يمنعه.
فإن قدّر له المدّة ، كان له أن يبني ويغرس وينتفع بهما حسبما أذن ما لم يرجع عن إذنه أو تنقضي المدّة ، فإن رجع عن إذنه قبل انقضاء المدّة أو لم يرجع ولكن انقضت المدّة المأذون فيها ، لم يكن له استحداث شيءٍ
____________________
= حلية العلماء ٥ : ١٩٤ ، البيان ٦ : ٤٥٩ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٨٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٨٣ ، المغني ٥ : ٣٦٤ ، الشرح الكبير ٥ : ٣٥٧ ، الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٦٢٣ / ١٠٦٢.
(١) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « به ». والظاهر ما أثبتناه.
(٢) الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٦٢٣ / ١٠٦٢ ، بداية المجتهد ٢ : ٣١٣ ، الإشراف على مذاهب أهل العلم ١ : ٢٧٤ / ٤٤٦. بحر المذهب ٩ : ٦ ، حلية العلماء ٥ : ١٩٥ ، البيان ٦ : ٤٥٩ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٨٢ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ١٨٨ / ١٨٧٧ ، المغني ٥ : ٣٦٤ ، الشرح الكبير ٥ : ٣٥٧.
(٣) في الطبعة الحجريّة : « الغرس ».
من ذلك ، فإن استحدث شيئاً من ذلك بعد علمه بالرجوع ، وجب عليه قلعه مجّاناً ؛ لقولهعليهالسلام : « ليس لعِرْق ظالمٍ حقٌّ »(١) وتجب عليه أُجرة ما استوفاه من منفعة الأرض على وجه التعدّي وطمّ الحُفَر التي حدثت لقلع ما غرسه ، كالغاصب.
وإن كان جاهلاً بالرجوع ، فالأقوى : إنّ له القلعَ مع الأرش ، كما لو لم يرجع ؛ لأنّه غير مفرّطٍ ولا غاصبٍ.
وللشافعيّة وجهان ، كالوجهين فيما لو حمل السيل نواةً إلى أرضه فنبتت ، وقد يشبه بالخلاف في تصرّف الوكيل جاهلاً بالعزل(٢) .
وأمّا ما بناه وغرسه قبل الرجوع : إن أمكن رفعه من غير نقصٍ يدخله ، رفع.
وإن لم يمكن إلّا مع نقصٍ وعيبٍ يدخل على الـمُستعير ، نُظر إن كان قد شرط عليه القلع مجّاناً عند رجوعه وتسوية الحُفَر ، أُلزم ذلك ؛ عملاً بمقتضى الشرط وقد قالعليهالسلام : « المسلمون(٣) عند شروطهم »(٤) فإن امتنع ، قَلَعه الـمُعير مجّاناً.
وإن كان قد شرط القلع دون التسوية ، لم يكن على الـمُستعير
____________________
(١) تقدّم تخريجه في الهامش (٣) من ص ٩٢.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٨٥ ، روضة الطالبين ٤ : ٨٣.
(٣) في « ث ، ر » : « المؤمنون ».
(٤) صحيح البخاري ٣ : ١٢٠ ، سنن الدارقطني ٣ : ٢٧ / ٩٨ و ٩٩ ، سنن البيهقي ٧ : ٢٤٩ ، المستدرك - للحاكم - ٢ : ٤٩ و ٥٠ ، المصنّف - لابن أبي شيبة - ٦ : ٥٦٨ / ٢٠٦٤ ، المعجم الكبير - للطبراني - ٤ : ٢٧٥ / ٤٤٠٤ ، وفي التهذيب ٧ : ٣٧١ / ١٥٠٣ ، والاستبصار ٣ : ٢٣٢ / ٨٣٥ ، والجامع لأحكام القرآن ٦ : ٣٣ : « المؤمنون ».
التسوية ؛ لأنّ شرط القلع رضا بالحفر.
وإن لم يشرط القلع أصلاً ، نُظر إن أراد الـمُستعير القلع مُكّن منه ؛ لأنّه ملكه ، فله نقله عنه.
وإذا قلع فهل عليه التسوية؟ الأقوى : ذلك ؛ لأنّه قلع باختياره لتخليص ماله ، فكان عليه أرش ما نقصه الحفر ، كما لو أراد إخراج دابّته من دار الغير ولا يمكن إلّا بحفر الباب(١) ، وهو أظهر وجهي الشافعيّة ، والثاني : إنّه ليس عليه التسوية ؛ لأنّ الإعارة مع العلم بأنّ للمُستعير أن يقلع رضا بما يحدث من القلع(٢) .
وإن لم يختر الـمُستعير القلع ، لم يكن للمُعير قلعه مجّاناً ؛ لأنّه بناء محترم صدر بالإذن ، ولكنّه يتخيّر بين أن يقلعه ويضمن الأرش - وهو قدر التفاوت بين قيمته مثبتاً ومقلوعاً - وبين إبقائه بأُجرة المثل يأخذها ، وبين أن يتملّكه بقيمته.
فإن اختار القلع وبذل أرش النقص ، فله ذلك ، ويُجبر الـمُستعير عليه ، وليس له الامتناع عنه.
وإن اختار أحد الأمرين الآخَرين ، افتقر إلى رضا الـمُستعير فيه ؛ لأنّ أحدهما بيع ، والآخَر إجارة ، وكلاهما يتوقّفان(٣) على رضا المتعاقدين معاً ،
____________________
(١) كذا قوله : « بحفر الباب » في النسخ الخطّيّة والحجريّة ، والظاهر : « بهدم الباب » أو « بنقض الباب ».
(٢) الحاوي الكبير ٧ : ١٢٨ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٧١ ، الوسيط ٣ : ٣٧٥ ، الوجيز ١ : ٢٠٥ ، حلية العلماء ٥ : ١٩٧ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٢٨٢ - ٢٨٣ ، البيان ٦ : ٤٦٣ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٨٥ ، روضة الطالبين ٤ : ٨٤ ، المغني ٥ : ٣٦٦ - ٣٦٧.
(٣) في « ث ، ج ، ر » : « موقوفان ».
وهو أحد قولَي الشافعي ، والثاني : إنّه لا يعتبر رضا الـمُستعير فيه ، بل يُجبر على ما يختاره الـمُعير منهما(١) .
وله قولان آخَران :
أحدهما : إنّ الـمُعير إن طلب التملّك بالقيمة أُجبر الـمُستعير عليه ، كتملّك الشفيع الشقصَ قهراً ، وإن طلب الإبقاء بالأُجرة اعتبر رضا الـمُستعير فيه.
والثاني : إنّ الـمُعير يتخيّر بين أمرين خاصّة ، أحدهما : القلع مع ضمان الأرش ، والثاني : التملّك بالقيمة(٢) .
والأصل فيه : إنّ العارية مكرمة ومبرّة ، فلا يليق بها منع الـمُعير من الرجوع ولا تضييع مال الـمُستعير ، فأثبتنا الرجوع على وجهٍ لا يتضرّر به الـمُستعير ، وجعلنا الأمر منوطاً باختيار الـمُعير ؛ لأنّه الذي صدرت منه هذه المكرمة ، ولأنّ ملكه الأرض وهي أصل ، وأمّا البناء والغراس فإنّهما تابعان لها ، ولذلك(٣) يتبعانها في البيع(٤) .
ولو طلب الـمُستعير تملّك الأرض وقال : أنا أدفع قيمة الأرض إلى الـمُعير ليبقى البناء والغراس ، لم يُجبر الـمُعير على ذلك ، والفرق بينه وبين الـمُستعير ما تقدّم من كون البناء والغرس تابعين(٥) ، وكون الأرض متبوعةً ، فلهذا أُجيب المالك إلى ما طلبه من تملّك البناء والغرس بالقيمة وما طلبه الـمُستعير من تملّك الأرض بالقيمة.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٨٥ - ٣٨٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٨٤.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٨٦.
(٣) في الطبعة الحجريّة و « العزيز شرح الوجيز » : « كذلك ».
(٤) راجع : العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٨٦.
(٥) في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « تابعان ». والمثبت هو الصحيح.
مسألة ١٠٣ : لو لم يختر الـمُستعير قلع غرسه ولا قلع بنائه مع الإذن المطلق فيهما ، لم يُجبر على القلع ، إلّا أن يضمن الـمُعير أرش النقص ، فحينئذٍ يلزمه تفريغ الأرض من بنائه وغرسه وردّها إلى ما كانت عليه.
واعلم أنّ مَنْ جعل الأمر موكولاً إلى اختيار الـمُعير في القلع بالأرش والإبقاء بالأُجرة والتملّك بالقيمة قال : منه الاختيار ومن الـمُستعير الرضا واتّباع مراده ، فإن لم يفعل وامتنع من إبلاغه مراده ألزمناه بتفريغ أرضه.
ومَن اعتبر رضا الـمُستعير في التملّك بالقيمة والإبقاء بالأُجرة فلا يكلّف التفريغ ، بل يكون الحكم عنده كالحكم فيما إذا لم يختر الـمُعير شيئاً ممّا خيّرناه فيه.
ومَنْ قصر خيرة الـمُعير على أمرين : القلع بشرط الضمان ؛ لنقص الأرض ، والتملّك بالقيمة قال : لو امتنع من بَذْل الأرش والقيمة وبَذَل الـمُستعير الأُجرة لم يكن للمُعير القلع مجّاناً ، وإن لم يبذلها فوجهان ، أظهرهما عندهم : إنّه ليس له ذلك أيضاً(١) .
وبه أجاب مَنْ خيَّره بين الخصال الثلاث إذا امتنع منها جميعاً(٢) .
وما الذي يفعل؟ اختلفت الشافعيّة على قولين :
أحدهما : إنّ الحاكم يبيع الأرض مع البناء والغراس لتفاصل الأمر.
والثاني - وهو قول الأكثر - : إنّه يعرض الحاكم عنهما إلى أن يختارا شيئاً(٣) .
والتحقيق عندي هنا أن نقول : إذا أعاره للبناء أو الغرس أو لهما ففَعَل ثمّ رجع عن الإذن بعد وقوع الفعل ، فإمّا أن يطلب الـمُعير القلع أو
____________________
(١ و ٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٨٧ ، روضة الطالبين ٤ : ٨٥.
(٢) كما في العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٨٧.
الـمُستعير ، فإن طلبه الـمُستعير لم يكن للمُعير ردّه عن ذلك ، وإن طلبه الـمُعير لم يكن للمُستعير ردّه عن ذلك ، ويضمن كلٌّ منهما نقص ما دخل على الآخَر.
مسألة ١٠٤ : يجوز للمُعير دخول الأرض والانتفاع بها والاستظلال بالبناء والشجر ؛ لأنّه جالس على ملكه ، وليس له الانتفاع بشيءٍ من الشجر بثمر ولا غصن ولا ورق ولا غير ذلك ، ولا بضرب وتدٍ في الحائط ، ولا التسقيف عليه.
وليس للمُستعير دخول الأرض للتفرّج ، إلّا بإذن الـمُعير ؛ لأنّه تصرّف غير مأذونٍ فيه.
نعم ، يجوز له الدخول لسقي الشجر ومرمّة الجدار ؛ حراسةً لملكه عن التلف والضياع ، وهو أصحّ وجهي الشافعيّة. والثاني : المنع ؛ لأنّه يشغل ملك الغير إلى أن ينتهي إلى ملكه(١) .
وعلى ما اخترناه من الجواز لو تعطّلت المنفعة على صاحب الأرض بدخوله ، لم يُمكَّن منه إلّا بالأُجرة ؛ جمعاً بين حفظ المالين.
مسألة ١٠٥ : إذا بنى أو غرس في أرض الـمُعير بإذنه أو بغير إذنه ، جاز لكلٍّ منهما أن يبيع ملكه من الآخَر ، ويجوز للمُعير أن يبيع الأرض من ثالثٍ ، ثمّ يتخيّر المشتري كالـمُعير.
وكذا للمُستعير أن يبيع من ثالثٍ أيضاً - وهو أصحّ وجهي
____________________
(١) الحاوي الكبير ٧ : ١٢٩ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٧٢ ، حلية العلماء ٥ : ١٩٩ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٢٨٤ ، البيان ٦ : ٤٦٤ - ٤٦٥ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٨٧ ، روضة الطالبين ٤ : ٨٥.
الشافعيّة(١) - لأنّه مملوك له في حال بيعه غير ممنوعٍ من التصرّف فيه.
والثاني : المنع ؛ لأنّه في معرض النقض والهدم ، ولأنّ ملكه عليه غير مستقرٍّ ؛ لأنّ الـمُعير بسبيلٍ من تملّكه(٢) (٣) .
وليس بجيّدٍ ؛ لأنّ كونه متزلزلاً لا يمنع من جواز بيعه ؛ فإنّ الحيوان المشرف على التلف في معرض الهلاك ، ويجوز بيعه ، ومستحقّ القتل قصاصاً يجوز بيعه على الأقوى ، وتمكّن الـمُعير من تملّكه لا يوجب منع بيعه ، كالشفيع المتمكّن من تملّك الشقص.
إذا ثبت هذا ، فإنّ المشتري إن كان جاهلاً بالحال كان له خيار الفسخ ؛ لأنّ ذلك عيب ، وإن كان عالماً فلا خيار له ، ثمّ يُنزّل المشتري منزلة الـمُستعير ، وللمُعير الخيار على ما تقدّم.
ولو اتّفق الـمُعير والـمُستعير على بيع الأرض مع البناء أو الغراس بثمنٍ واحد ، صحّ - وهو أظهر وجهي الشافعيّة(٤) - للحاجة.
والثاني : المنع ، كما لو كان لكلّ واحدٍ منهما عبد فباعاهما معاً صفقةً واحدة(٥) .
ونحن نقول بالجواز هنا أيضاً.
إذا تقرّر هذا ، فإنّ الثمن يوزّع عليهما ، فيوزّع على أرضٍ مشغولة بالغراس أو البناء على وجه الإعارة مستحقّ القلع مع الأرش ، أو الإبقاء مع
____________________
(١ و ٣) الحاوي الكبير ٧ : ١٢٩ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٧٢ ، حلية العلماء ٥ : ١٩٩ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٢٨٣ ، البيان ٦ : ٤٦٥ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٨٧ ، روضة الطالبين ٤ : ٨٥.
(٢) في « ث ، ر ، خ » : « لأنّ للمُعير تسبيل ملكه ». وفي « ج » والطبعة الحجريّة : « لأنّ الـمُعير بسبيلٍ من ملكه ». والمثبت كما في « العزيز شرح الوجيز ».
(٤ و ٥) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٨٧ ، روضة الطالبين ٤ : ٨٥.
الأُجرة ، أو التملّك بالقيمة إن كان بالإذن ، وعلى ما فيها من بناءٍ أو غرسٍ مستحقٍّ للقلع على أحد الأنحاء ، فحصّة الأرض للمُعير ، وحصّة ما فيها للمُستعير.
مسألة ١٠٦ : إذا أعاره أرضاً للبناء أو الغرس عاريةً موقّتة ، أو أطلق الإعارة مقيّدةً بالمدّة ، كان للمُستعير البناء والغرس في المدّة ، إلّا أن يرجع الـمُعير ، وله أن يجدّد كلّ يومٍ غرساً ، فإذا انقضت المدّة لم يجز له إحداث البناء ولا الغرس إلّا بإذنٍ مستأنف.
ثمّ للمالك الرجوع في العارية قبل انقضاء المدّة بالأرش ، وبعدها مجّاناً إن شرط الـمُعير القلع أو نقض البناء بعد المدّة ، أو شرط عليه القلع متى طالبه بالقلع ؛ عملاً بالشرط ، فإنّ فائدته سقوط الغُرْم ، فلا يجب على صاحب الأرض ضمان ما نقص الغرس بالقلع ، ولا يجب على الـمُستعير طمّ الحُفَر ؛ لأنّه أذن له في القلع بالشرط.
فإن لم يكن قد شرط عليه القلع فإن اختار الـمُستعير قلعه(١) ، كان له ذلك ؛ لأنّه ملكه(٢) .
وهل عليه تسوية الأرض؟ الأقوى ذلك ؛ لأنّه يقلعه باختياره من غير إذن الـمُعير ، وهو أحد وجهي الشافعيّة ، والثاني : ليس عليه ؛ لأنّ إذنه في الإعارة رضا بقلع ذلك ؛ لأنّه ملك لغيره ، فقلعه إلى اختياره(٣) .
وإن لم يختر صاحب الغرس القلعَ وطالَبه الـمُعير بقلعه ، لم يكن له ذلك ، إلّا بأن يضمن ما ينقص بالقلع.
____________________
(١) في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « قلعها ». والظاهر ما أثبتناه.
(٢) في النسخ الخطيّة والحجريّة : « ملكها ». والصحيح ما أثبتناه.
(٣) راجع الهامش (٢) من ص ٢٥٩.
وليس للمُستعير دفع قيمة الأرض إلّا باختيار المالك ، وللمالك دفع قيمة الغرس على إشكالٍ أقربه ذلك مع رضا الـمُستعير لا مع سخطه ، وبهذا قال الشافعي ، إلّا أنّه قال : للمالك دفع قيمة الغرس وإن لم يرض الـمُستعير. وروي مثل ذلك عن أحمد(١) .
وقال أبو حنيفة ومالك : له مطالبته بقلعه من غير ضمانٍ عند انقضاء المدّة ، وبه قال المزني - قال أبو حنيفة : إلّا أن يكون أعاره مدّةً معلومة ورجع [ قبل ](٢) انقضائها - لأنّ الـمُعير لم يغرّه ، فإذا طالبه بالقلع كان له ، كما لو شرط عليه القلع(٣) .
وقالت الشافعيّة : ليس له ذلك إلّا بأرش نقص الغرس ؛ لأنّه بنى وغرس في ملك غيره ، فلم يكن له المطالبة من غير ضمانٍ ، كما لو طالبه قبل انقضاء المدّة.
ثمّ منعوا من قول أبي حنيفة : « إنّ المالك لم يغرّه » لأنّ الغراس والبناء يراد للتبقية ، وتقدير المدّة ينصرف إلى ابتدائه ، كأنّه قال : لا تغرس فيما جاوز هذه المدّة ، أو لطلب الأُجرة(٤) .
والأوّل عندي أقرب.
____________________
(١) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٢٨٣ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٨٥ و ٣٨٨ ، روضة الطالبين ٤ : ٨٤ و ٨٦ ، المغني ٥ : ٣٦٦ - ٣٦٧ ، الشرح الكبير ٥ : ٣٦٠.
(٢) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « مع ». والمثبت من المصدر.
(٣) الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٢٢٢ ، بدائع الصنائع ٦ : ٢١٧ ، حلية العلماء ٥ : ١٩٨ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٢٨٣ ، البيان ٦ : ٤٦٤ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٨٨ ، المغني ٥ : ٣٦٧ ، الشرح الكبير ٥ : ٣٦٠.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٨٥ و ٣٨٨ ، روضة الطالبين ٤ : ٨٤ و ٨٦ ، المغني ٥ : ٣٦٧ ، الشرح الكبير ٥ : ٣٦٠.
مسألة ١٠٧ : لو كانت الأرض مشتركةً فبنى أحدهما بإذن الآخَر أو غرس كذلك ، ثمّ رجع صاحبه ، فالأقرب عندي : أن يكون حكمه حكم الأجنبي من جواز القلع بالأرش.
وقالت الشافعيّة : ليس له ذلك ولا أن يتملّك بالقيمة.
أمّا الأوّل : فلأنّ قلعه يتضمّن قلع غرس المالك في(١) ملكه ونقض بنائه عن ملكه ؛ إذ له في الملك نصيب كما للمُعير.
وأمّا الثاني : فلأنّ الـمُستعير يستحقّ في الأرض مثل حقّ الـمُعير ، فلا يمكننا أن نقول : الأصل للمُعير ، والبناء تابع ، بل له التقرير بالأُجرة خاصّةً ، فإن امتنع من بذلها فإمّا أن يباع أو يعرض عنهما الحاكم(٢) .
وليس بشيءٍ ؛ لأنّ للمُعير تخليصَ ملكه وتفريغه ، وإنّما يحصل بنقض مال الغير ، فوجب أن يكون جائزاً له ، كما في الفصيل(٣) لو لم يمكن إخراجه إلّا بهدم الباب.
مسألة ١٠٨ : يجوز أن يعير الأرض للزراعة ؛ لأنّها منفعة مباحة مطلوبة للعقلاء ، فصحّ في مقابلتها العوض بالإجارة فجازت الإعارة.
فإذا استعار للزرع فزرع ثمّ رجع الـمُعير في العارية قبل أن يدرك الزرع ، فإن كان ممّا يعتاد قطعه كالقصيل قطع ، فإن امتنع الـمُستعير من قطعه أُجبر عليه إن لم ينقص بالقصل ، ولا شيء ؛ إذ لا نقص ، وإن نقص فله القطع أيضاً لكن مع دفع الأرش.
وإن كان ممّا لا يعتاد قطعه ، فالأقرب : إنّ حكمه حكم الرجوع في
____________________
(١) في « ث ، خ ، ر » : « من » بدل « في ».
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٨٨ - ٣٨٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٨٦.
(٣) الفصيل : ولد الناقة إذا فصل عن أُمّه. القاموس المحيط ٤ : ٣٠ « فصل ».
الغرس في القلع والتبقية.
واختلفت الشافعيّة :
فقال بعضهم : إنّ له أن يقطع ، ويغرم أرش القطع ؛ تخريجاً ممّا إذا رجع في العارية الموقّتة للبناء قبل مضيّ المدّة(١) .
وقال بعضهم : إنّه يملكه بالقيمة(٢) .
وقال الباقون - وهو الظاهر من مذهبهم - : إنّه ليس كالبناء في هاتين الخصلتين ؛ لأنّ للزرع أمداً يُنتظر ، والبناء والغرس للتأبيد ، فعلى الـمُعير إبقاؤه للمُستعير إلى أوان الحصاد(٣) .
ثمّ فيه وجهان :
أحدهما : إنّه يُبقيه بلا أُجرة ؛ لأنّ منفعة الأرض إلى الحصاد كالمستوفاة بالزرع.
وأصحّهما عندهم : التبقية بالأُجرة ؛ لأنّه إنّما أباح المنفعة إلى وقت الرجوع ، وصار كما إذا أعاره دابّةً إلى بلدٍ ثمّ رجع في الطريق ، عليه نقل متاعه إلى مأمنٍ بأُجرة المثل(٤) .
ولو قيّد الـمُعير للزرع مدّةً فانقضت ولـمّا يدرك ، فإن كان ذلك لتقصير الـمُستعير ، كالتأخير في الزرع ، قلع مجّاناً ، وإن كان لهبوب الرياح وقصور الماء وغير ذلك ممّا لا يُعدّ تقصيراً للمُستعير ، كان بمنزلة ما لو أعاره مطلقاً.
ولو أعار لزرع الفسيل(٥) ، فإن كان ممّا يُنقل عادةً فهو كالزرع ، وإلّا
____________________
(١ - ٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٨٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٨٦.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٨٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٨٦ - ٨٧.
(٥) الفسيل جمع فسيلة ، وهي النخلة الصغيرة. القاموس المحيط ٤ : ٢٩ ، لسان العرب ١١ : ٥١٩ « فسل ».
فكالبناء.
مسألة ١٠٩ : إذا أعار للزراعة مطلقاً ، انصرف الإطلاق إلى الواحدة ، فإذا زرع ثمّ أخذ زرعه لم يكن له أن يزرع ثانياً إلّا بإذنٍ مستأنف ؛ لأصالة عصمة مال الغير. وكذا لو أعار للغرس فغرس ثمّ ماتت الشجرة أو انقلعت ، لم يكن له غرس أُخرى غيرها إلّا بإذنٍ جديد. وكذا في البناء لو أذن له فيه فبنى ثمّ انهدم ، أو أذن له في وضع جذعٍ على حائطه فانكسر - وهو أحد وجهي الشافعيّة(١) - لأنّ الإذن اختصّ بالأوّلة.
والثاني : إنّ له ذلك ؛ لأنّ الإذن قائم ما لم يرجع فيه(٢) .
أمّا لو انقلع الفسيل المأذون له في زرعه في غير وقته المعتاد ، أو سقط الجذع كذلك وقصر الزمان جدّاً ، فالأولى أنّ له أن يعيده بغير تجديد الإذن.
مسألة ١١٠ : لو حمل السيل حَبّ الغير أو نواه أو جوزه أو لوزه إلى أرض آخَر ، كان على صاحب الأرض ردّه إلى مالكه إن عرفه ، وإلّا كان لقطةً.
فإن نبت في أرضه وصار زرعاً أو شجراً ، فإنّه يكون لصاحب الحَبّ والنوى والجوز واللوز ؛ لأنّه نماء أصله ، كما أنّ الفرخ لصاحب البيض ، ولا نعلم فيه خلافاً.
ثمّ إن طلب صاحب الحَبّ والنوى والجوز واللوز قلعه عن أرض غيره ، كان له ذلك ؛ لأنّه ملكه ، وعليه تسوية الحُفَر ؛ لأنّها حدثت بفعله
____________________
(١) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٢٨٤ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٨٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٨٧.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٨٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٨٧.
لتخليص ملكه منها ، فأشبه فصيلاً دخل دار إنسانٍ ثمّ كبر فاحتاج صاحبه إلى نقض باب الدار لإخراجه ، فإنّ عليه ردّه ، وإصلاحه ؛ لأنّه فعله لتخليص ملكه.
وإن طلب صاحب الأرض القلعَ ، كان له ذلك ؛ لأنّ العِرْق نبت في أرضه بغير إذنه ، فأشبه الغاصب.
فإن امتنع صاحب الزرع ، أُجبر عليه ، كما لو سرت أغصان شجرته في دار جاره ، فإنّها تُقطع ، وهو أحد وجهي الشافعيّة.
والثاني : لا يُجبر إن كان زرعاً ؛ لأنّ قلعه إتلاف المال على مالكه ، ولم يوجد منه تفريط ولا عدوان ، ولا يدوم ضرره ، فلم يُجبر على ذلك ، كما لو حصلت دابّته في دار غيره على وجهٍ لا يمكن خروجها إلّا بقلع الباب أو قتلها ، فإنّنا لا نجبره على قتلها ، بخلاف أغصان الشجر ، فإنّه يدوم ضرره ، ولا يعرف قدر ما يشغل من الهواء حتى يؤدّي أجره ، فحينئذٍ يُقرّ في الأرض إلى حين حصاده بأُجرة المثل(١) .
وقال بعض العامّة : ليس عليه أجر ؛ لأنّه حصل في أرض غيره بغير تفريطه ، فأشبه ما لو ماتت(٢) دابّته في أرض إنسانٍ بغير تفريطه(٣) .
وليس بجيّدٍ ؛ لأنّ منع المالك من أرضه وإبقاء ما لم يأذن فيه لمصلحة الغير إضرار به ، وليس اعتبار مصلحة صاحب الزرع أولى من
____________________
(١) الحاوي الكبير ٧ : ١٢٩ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٧٢ ، بحر المذهب ٩ : ٩ ، الوسيط ٣ : ٣٧٦ ، حلية العلماء ٥ : ١٩٩ - ٢٠٠ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٢٨٤ ، البيان ٦ : ٤٦٥ - ٤٦٦ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٩٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٨٧ ، المغني ٥ : ٣٦٩ - ٣٧٠ ، الشرح الكبير ٥ : ٣٦٣.
(٢) في المصدر : « باتت ».
(٣) المغني ٥ : ٣٧٠ ، الشرح الكبير ٥ : ٣٦٣.
اعتبار مصلحة صاحب الملك.
ثمّ لو سلّمنا وجوب التبقية ، لكن حرمان صاحب الأرض من الأُجرة إضرار به وشغل لملكه بغير اختياره من غير عوضٍ ، فلم يجز ، كما لو أراد بقاء(١) بهيمته في دار غيره عاماً.
وأمّا إن كان النابت شجراً ، كالنخل والزيتون والجوز واللوز وغير ذلك ، فإنّه لمالك النوى ؛ لأنه نماء ملكه ، فهو كالزرع ، ويُجبر على قلعه هنا ؛ لأنّ ضرره يدوم ، فأُجبر على إزالته ، كأغصان الشجرة السارية في هواء أرض غيره.
ولو حمل السيل أرضاً بشجرها فنبتت في أرض غيره كما كانت ، فهي لمالكها ، ويُجبر على إزالتها كما تقدّم.
وفي كلّ ذلك إذا ترك صاحب البذر والنوى ذلك لصاحب الأرض التي انتقل إليها ، لم يلزمه نقله ولا أُجرة ولا غير ذلك ؛ لأنّه حصل بغير تفريطه ولا عدوانه ، وكان الخيار لصاحب الأرض المشغولة به ، إن شاء أخذه لنفسه ، وإن شاء قلعه.
تذنيب : لو كان المحمول بالسيل ما لا قيمة له كنواةٍ واحدة وحَبّةٍ واحدة فنبتت ، احتُمل أن يكون لمالك الأرض إن قلنا : لا يجب عليه ردّها إلى مالكها لو لم تنبت ؛ لانتفاء حقيقة الماليّة فيها ، والتقويم إنّما حصل في أرضه ، وهو أحد وجهي الشافعيّة(٢) ، وأن يكون لمالكها إن قلنا بتحريم
____________________
(١) الظاهر : « إبقاء ».
(٢) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٢٨٥ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٩٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٨٧.
أخذها ووجوب ردّها قبل نباتها ، فعلى هذا في قلع النابت وجهان(١) .
ولو قلع صاحب الشجرة الشجرةَ ، فعليه تسوية الحُفَر ؛ لأنّه قصد تخليص ملكه.
وأقسامه ثلاثة : ضمانُ الردّ ، وهو واجب على الـمُستعير ، فمئونته عليه ؛ لقولهعليهالسلام : « على اليد ما أخذت حتى تؤدّيه »(٢) ، ولأنّ الإعارة نوع من معروف ، فلو كُلّف المالك مئونة الردّ امتنع الناس من الإعارة ، وفي ذلك ضرر عظيم. وضمانُ العين ، وضمانُ الأجزاء.
مسألة ١١١ : العارية أمانة مأذون في الانتفاع بها بغير عوضٍ ، لا تستعقب الضمان - إلّا في مواضع تأتي إن شاء الله تعالى - عند علمائنا أجمع ، فإذا تلفت في يد الـمُستعير بغير تفريطٍ منه ولا عدوان ، لم يكن عليه ضمان ، سواء تلفت بآفةٍ سماويّة أو أرضيّة - وبه قال النخعي والشعبي والحسن البصري وعمر بن عبد العزيز والثوري وأبو حنيفة ومالك والأوزاعي وابن شبرمة ، وهو قول الشافعي في الأمالي(٣) - لما رواه العامّة
____________________
(١) نفس المصادر.
(٢) سنن ابن ماجة ٢ : ٨٠٢ / ٢٤٠٠ ، سنن البيهقي ٦ : ٩٠ ، سنن الدارمي ٢ : ٢٦٤ ، المصنّف - لابن أبي شيبة - ٦ : ١٤٦ / ٦٠٤ ، المستدرك - للحاكم - ٢ : ٤٧ ، مسند أحمد ٥ : ٦٣٢ / ١٩٥٨٢ ، و ٦٤١ / ١٩٦٤٣.
(٣) المغني ٥ : ٣٥٥ ، الشرح الكبير ٥ : ٣٦٥ ، الإشراف على مذاهب أهل العلم ١ : ٢٧٠ - ٢٧١ / ٤٤١ ، الحاوي الكبير ٧ : ١١٨ ، بحر المذهب ٩ : ٦ - ٧ ، الوسيط ٣ : ٣٦٩ - ٣٧٠ ، حلية العلماء ٥ : ١٩٢ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٢٨٠ ، البيان ٦ : ٤٥٤ - ٤٥٥ ، تحفة الفقهاء ٣ : ١٧٧ ، بدائع الصنائع ٦ : ٢١٧ ، الاختيار لتعليل =
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال : « ليس على الـمُستعير غير المُغلّ(١) ضمان »(٢) .
ومن طريق الخاصّة : ما رواه الحلبي - في الصحيح - عن الصادقعليهالسلام قال : « ليس على مُستعير عاريةٍ ضمان ، وصاحب العارية والوديعة مؤتمن »(٣) .
وعن محمّد بن مسلم - في الصحيح - أنّه سأل الباقرَعليهالسلام : عن العارية يستعيرها [ الإنسان ] فتهلك أو تُسرق ، فقال : « إذا كان أميناً فلا غُرْم عليه »(٤) .
ولأنّه قبضها بإذن مالكها ، فكانت أمانةً ، كالوديعة.
ولأنّ قول النبيّصلىاللهعليهوآله : « العارية مؤدّاة »(٥) يدلّ على أنّها أمانة ؛ لقوله تعالى :( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها ) (٦) .
____________________
= المختار ٣ : ٧٩ ، المبسوط - للسرخسي - ١١ : ١٣٤ ، النتف ٢ : ٥٨٣ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٢٢٠ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ١٨٥ / ١٨٧٦ ، عيون المجالس ٤ : ١٧٢٠ و ١٧٢١ / ١٢١١ ، المعونة ٢ : ١٢٠٩ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ٢ : ١٧ ، الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٦٢٢ / ١٠٦١ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٧٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٧٧.
(١) أي : غير خائنٍ في العارية ، والإغلال : الخيانة. النهاية - لابن الأثير - ٣ : ٣٨١ « غلل ».
(٢) سنن الدارقطني ٣ : ٤١ / ١٦٨ ، سنن البيهقي ٦ : ٩١ ، المغني ٥ : ٣٥٥ ، الشرح الكبير ٥ : ٣٦٥.
(٣) التهذيب ٧ : ١٨٢ / ٧٩٨ ، الاستبصار ٣ : ١٢٤ / ٤٤١.
(٤) الفقيه ٣ : ١٩٢ - ١٩٣ / ٨٧٥ ، التهذيب ٧ : ١٨٢ / ٧٩٩ ، الاستبصار ٣ : ١٢٤ / ٤٤٢ ، وما بين المعقوفين أضفناه من المصادر.
(٥) تقدّم تخريجه في الهامش (١) من ص ٢٣٣.
(٦) النساء : ٥٨.
وقال الشافعي : العارية مضمونة بكلّ حال - وإليه ذهب عطاء وأحمد وإسحاق ، ورواه العامّة عن ابن عباس وأبي هريرة - لما روي في حديث صفوان بن أُميّة : أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله استعار منه يوم خيبر(١) أدرعاً ، فقال : أغصباً يا محمّد؟ قال : « بل عارية مضمونة مؤدّاة »(٢) .
وعن سمرة عن النبيصلىاللهعليهوآله أنّه قال : « على اليد ما أخذت حتى تؤدّيه »(٣) .
ولأنّه أخذ ملك غيره لنفع نفسه منفرداً بنفعه من غير استحقاقٍ ولا إذنٍ في الإتلاف ، فكان مضموناً ، كالغاصب ، والمأخوذ على وجه السوم(٤) .
والجواب : إنّا نقول بموجب الحديث ، فإنّ الـمُعير إذا شرط على الـمُستعير الضمانَ لزمه.
وكذا نقول بموجب الثاني ، فإنّه يجب على الـمُستعير أداء العين إلى
____________________
(١) راجع التعليقة (٣) من ص ٢٣٣.
(٢) تقدّم تخريجه في ص ٢٣٣ ، الهامش (٥)
(٣) تقدّم تخريجه في ص ٢٧١ ، الهامش (٢)
(٤) الأُم ٣ : ٢٤٤ ، مختصر المزني : ١١٦ ، الإشراف على مذاهب أهل العلم ١ : ٢٧١ / ٤٤١ ، الحاوي الكبير ٧ : ١١٨ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٧٠ ، بحر المذهب ٩ : ٦ ، الوسيط ٣ : ٣٦٩ - ٣٧٠ ، حلية العلماء ٥ : ١٨٩ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٢٨٠ ، البيان ٦ : ٤٥٤ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ٢ : ١٨ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٧٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٧٦ - ٧٧ ، المغني ٥ : ٣٥٥ - ٣٥٦ ، الشرح الكبير ٥ : ٣٦٥ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٢ : ٢١٣ - ٢١٤ ، المصنّف - لعبد الرزّاق - ٨ : ١٨٠ / ١٤٧٩٢ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ١٨٥ و ١٨٦ / ١٨٧٦ ، الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٦٢٢ / ١٠٦١ ، عيون المجالس ٤ : ١٧٢٢ / ١٢١١ ، المعونة ٢ : ١٢٠٩ ، تحفة الفقهاء ٣ : ١٧٧ ، بدائع الصنائع ٦ : ٢١٧ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٢٢٠ ، النتف ٢ : ٥٨٣.
مالكها ، والضمير عائد إلى المأخوذ ، لا إلى القيمة مع التلف.
والقياس على الغاصب غلط ؛ لأنّه ظالم ، فلا يناسب الاستئمان.
والمأخوذ بالسوم إنّما دفعه المالك طالباً للعوض ، بخلاف العارية.
مسألة ١١٢ : لو شرط الـمُعير الضمانَ على الـمُستعير ، لزمه الضمان مع التلف بغير تفريطٍ.
وإن لم يشترط ضمانها ، كانت أمانةً ، عند علمائنا ، وبه قال قتادة وعبيد الله بن الحسن العنبري(١) - وهذا أحد المواضع المستثناة - لما رواه العامّة عن النبيصلىاللهعليهوآله أنّه شرط لصفوان بن أُميّة الضمانَ(٢) .
ومن طريق الخاصّة : رواية صفوان ، وقد سلفت(٣) .
وفي الصحيح عن ابن مسكان عن الصادقعليهالسلام ، قال : قال : « لا تُضمن العارية إلّا أن يكون اشترط فيها ضماناً ، إلّا الدنانير فإنّها مضمونة وإن لم يشترط فيها ضمان »(٤) .
وفي الحسن عن الحلبي عن الصادقعليهالسلام قال : « إذا هلكت العارية عند الـمُستعير لم يضمنه إلّا أن يكون قد اشترط عليه »(٥) .
ولأنّ الحاجة تدعو إلى العارية وإلى الاحتياط في الأموال ، فلو
____________________
(١) الإشراف على مذاهب أهل العلم ١ : ٢٧١ / ٤٤١ ، الحاوي الكبير ٧ : ١١٨ ، بحر المذهب ٩ : ٧ ، حلية العلماء ٥ : ١٩٢ ، المحلّى ٩ : ١٧٠ ، المصنّف - لعبد الرزّاق - ٨ : ١٨٠ / ١٤٧٩٠ ، عيون المجالس ٤ : ١٧٢٢ / ١٢١١ ، المغني ٥ : ٣٥٦ ، الشرح الكبير ٥ : ٣٦٦.
(٢) راجع الهامش (٥) من ص ٢٣٣.
(٣) في ص ٢٣٣.
(٤) تقدّم تخريجه في ص ٢٤٤ ، الهامش (١)
(٥) التهذيب ٧ : ١٨٣ / ٨٠٥.
لم يشرع الشرط لزم امتناع ذوي الأموال من إعارتها ، وذلك فساد وضرر وحرج وضيق.
ولقولهعليهالسلام : « المسلمون عند شروطهم »(١) ومَنْ أوجب الضمانَ من غير شرطٍ كان إيجابه معه أولى.
وقال أبو حنيفة : لا يضمن بالشرط كالوديعة(٢) .
والفرق : إنّ الوديعة أمانة لا تستعقب انتفاع الأمين بها ، فلا يليق فيها الضمان وإن شرطه ، بخلاف العارية.
وقال ربيعة : كلّ العواريّ مضمونة إلّا موت الحيوان ، وهو منقول ، عن مالك(٣) .
مسألة ١١٣ : لو شرطا في العارية سقوط الضمان سقط ؛ لأنّ العارية لا تستعقب الضمان عندنا ، فوجود الشرط كالعدم.
وروي عن أحمد - مع قوله بأنّ العارية مضمونة(٤) - سقوطه هنا ، وبه قال قتادة والعنبري ؛ لأنّه لو أذن له في إتلافها لم يجب ضمانها ، فكذا إذا أسقط عنه ضمانها(٥) .
وقال الشافعي وأحمد : لا يصحّ هذا الشرط ، ولا يسقط الضمان ؛ لأنّ
____________________
(١) تقدّم تخريجه في ص ٢٥٨ ، الهامش (٤)
(٢) فتاوى قاضيخان - بهامش الفتاوى الهنديّة - ٣ : ٣٨٤ - ٣٨٥.
(٣) الإشراف على مذاهب أهل العلم ١ : ٢٧١ / ٤٤١ ، الحاوي الكبير ٧ : ١١٨ ، بحر المذهب ٩ : ٧ ، البيان ٦ : ٤٥٤ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٧٧ ، الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٦٢٢ / ١٠٦١ ، عيون المجالس ٤ : ١٧٢٠ / ١٢١١.
(٤) راجع الهامش (٤) من ص ٢٧٣.
(٥) المغني ٥ : ٣٥٦ ، الشرح الكبير ٥ : ٣٦٦ ، الإشراف على مذاهب أهل العلم ١ : ٢٧١ / ٤٤١ ، الحاوي الكبير ٧ : ١١٨ ، بحر المذهب ٩ : ٧ ، البيان ٦ : ٤٥٤ ، عيون المجالس ٤ : ١٧٢٢ / ١٢١١.
كلّ عقدٍ اقتضى الضمانَ لم يغيّره الشرط ، كالمقبوض بالبيع الفاسد أو الصحيح ، وما اقتضى الأمانةَ فكذلك ، كالوديعة والشركة والمضاربة ، وفارق إذن الإتلاف ؛ فإنّ الإتلاف فعل يصحّ الإذن فيه ، ويسقط حكمه ؛ إذ لا ينعقد موجباً للضمان مع الإذن فيه ، وإسقاط الضمان هنا نفي الحكم مع وجود سببه ، وليس ذلك للمالك ، ولا يملك الإذن فيه(١) .
والجواب : المنع من قولهم : « كلّ عقدٍ اقتضى الضمانَ لم يغيّره الشرط » لأنّها قضيّة كلّيّة يكذّبها قول النبيّصلىاللهعليهوآله : « المسلمون عند شروطهم »(٢) وإسقاط الحكم بعد وجود سببه ممكن ؛ لأنّه لو أسقطه بعد وجوده أمكن ، كإسقاط الدَّيْن الثابت في الذمّة ، فإسقاطه بعد سببه أولى.
تذنيب : لو شرط سقوط الضمان في العارية المضمونة ، كالذهب والفضّة وغيرهما ممّا يجب فيه الضمان على مذهبنا ، فالأولى السقوط ؛ عملاً بالشرط ، وقد سبق.
وكذا لو شرط الضمان في العارية صحّ ، فإذا أسقطه بعد ذلك سقط.
مسألة ١١٤ : إذا استعار العين من غير مالكها ، ضمن بالقبض ، سواء فرّط فيها وتعدّى أو لا ، وسواء شرط الـمُعير الضمانَ أو لا ، وسواء كانت يد الـمُعير يدَ أمانةٍ أو يد ضمانٍ ؛ لأنّه استولى باليد على مال الغير بغير إذنه ، فكان عليه الضمان.
ولما رواه إسحاق بن عمّار عن الصادق والكاظمعليهماالسلام أنّهما قالا : « إذا
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٧٧ ، روضة الطالبين ٤ : ٧٧ ، المغني ٥ : ٣٥٦ ، الشرح الكبير ٥ : ٣٦٦.
(٢) راجع الهامش (٤) من ص ٢٥٨.
استُعيرت عارية بغير إذن صاحبها فهلكت فالـمُستعير ضامن »(١) .
مسألة ١١٥ : العارية تُضمن في مواضع :
أ : إذا كانت العارية الدراهم والدنانير وإن لم يشترط الضمان ، وقد سلف(٢) .
وهل يدخل المصوغ منهما؟ فيه إشكال ينشأ : من التنصيص على الدراهم والدنانير في بعض الروايات(٣) ، ومن ورود الذهب والفضّة في بعض الروايات ، ففي رواية زرارة عن الصادقعليهالسلام قال : « جميع ما استعرته فتَوى فلا يلزمك تَواه إلّا الذهب والفضّة فإنّهما يلزمان »(٤) .
ب : العارية من غير المالك.
ج : عارية الـمُحْرم الصيدَ مضمونةٌ عليه ؛ لأنّ إمساكه عليه حرام ، فيكون متعدّياً فيكون ضامناً.
ولا فرق بين أن يكون الـمُستعير الـمُحْرم في الحلّ أو في الحرم.
وكذا لو استعار الـمُحلّ صيداً في الحرم ضمنه ؛ لأنّه ممنوع منه ، فكان متعدّياً باستيلاء يده عليه.
د : إذا تعدّى الـمُستعير أو فرّط في العارية ضمن ، وهو ظاهرٌ ، ومن جملته ما لو منعها عن المالك بعد طلبه لها متمكّناً من ردّها إليه.
وأمّا ولد العارية - التي اشترط فيها الضمان عندنا ، ومطلقاً عند القائلين بالتضمين - إذا تجدّد بعد الإعارة ، فإنّه أمانة لا يجب ضمانه على
____________________
(١) التهذيب ٧ : ١٨٣ - ١٨٤ / ٧٠٧ ، الاستبصار ٣ : ١٢٥ / ٤٤٦.
(٢) في ص ٢٤٣ ، المسألة ٨٧.
(٣) الكافي ٥ : ٢٣٨ / ٢ ، التهذيب ٧ : ١٨٣ و ١٨٤ / ٨٠٤ و ٨٠٨ ، الاستبصار ٣ : ١٢٦ / ٤٤٨.
(٤) تقدّم تخريجها في ص ٢٤٤ ، الهامش (٣)
الـمُستعير ؛ لأنّه لم يدخل في الإعارة ، فلم يدخل في الضمان ، ولا فائدة للمُستعير فيه ، فأشبه الوديعة ، وأمّا إن كان عند المالك فكذلك عندنا ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد.
والرواية الأُخرى : إنّها تكون مضمونةً ؛ لأنّه ولد عينٍ مضمونة ، فيضمن ، كولد المغصوبة(١) .
والحكم في الأصل ممنوع ؛ فإنّ ولد المغصوبة لا يُضمن إذا لم يكن مغصوباً ، فكذا ولد العارية إذا لم يوجد مع أُمّه ، وإنّما يُضمن ولد المغصوبة إذا كان مغصوباً ، ولا أثر لكونه ولداً لها.
تذنيب : لو استعار من غير المالك عالماً كان أو جاهلاً بالملكيّة ، ضمن ، واستقرّ الضمان عليه ؛ لأنّ التلف حصل في يده ، ولا يرجع على الـمُعير ، ولو رجع المالك على الـمُعير كان للمُعير الرجوعُ على الـمُستعير.
مسألة ١١٦ : إذا تلفت العين ووجب الضمان ، فإن كانت مثليّةً كانت مضمونةً بالمثل ، وإن لم تكن مثليّةً وجبت القيمة.
ثمّ لا يخلو إمّا أن يكون قد استعملها الـمُستعير ، أو لا ، فإن كان قد استعملها وتلف بالاستعمال بعض أجزائها ، وجب عليه قيمة العين الناقصة ؛ لأنّ تلك الأجزاء مأذون في إتلافها ، فلا تكون مضمونةً ، إلّا أن يتعدّى فيتلف بعض الأجزاء بالتعدّي فيضمن ، بخلاف ما إذا لم يتعدّ ؛ لأنّ الإذن في الاستعمال تضمّنه ، ولو تلفت قبل الاستعمال وهي مضمونة أو أتلفها وجب عليه قيمة العين تامّةً.
لا يقال : إنّه مأذون له في إتلاف الأجزاء ، وإلّا سقط عنه ضمانها.
____________________
(١) المغني ٥ : ٣٥٧ و ٣٥٨ ، الشرح الكبير ٥ : ٣٦٨.
لأنّا نقول : الأجزاء إنّما يسقط ضمانها إذا أتلفها مفردةً عن العين على وجه الاستعمال ، فأمّا إذا أتلفها بتلف العين فإنّه يضمنها ؛ لأنّه لا يمكن تميّزها من العين في الضمان.
مسألة ١١٧ : إذا استعمل العارية المضمونة فنقص بعض أجزائها ثمّ تلفت وهي من ذوات القِيَم ، وجبت القيمة يوم التلف ؛ لأنّها لو كانت باقيةً في تلك الحال وردّها لم يجب عليه شيء ، فإذا تلفت وجب مساويها في تلك الحال ، ولأنّ الأجزاء التي تلفت بالاستعمال تلفت غير مضمونةٍ ؛ لأنّه أذن في إتلافها بالاستعمال ، فلا يجوز تقويمها عليه ، وهو أحد أقوال الشافعي.
والثاني : إنّ عليه أقصى القِيَم من يوم القبض إلى حين التلف ؛ لأنّه لو تلف في حال زيادة القيمة لوجبت القيمة الزائدة ، فأشبه المغصوب.
وليس بجيّدٍ ؛ لأنّه يقتضي إيجاب ضمان الأجزاء التالفة بالاستعمال ، وهي غير مضمونةٍ.
والثالث : إنّه يجب عليه قيمتها يوم القبض ؛ تشبيهاً بالقرض(١) .
والقائل بالثاني يمنع من كون الأجزاء غير مضمونةٍ على الإطلاق ، ويقول : إنّما لا يضمن إذا ردّ العين(٢) .
واعلم أنّه فرقٌ بين المغصوب والمستعار ؛ لأنّ المغصوب يجب ردّه في كلّ حالٍ ، منهيّ عن الإمساك في كلّ وقتٍ ، فلهذا ضمن بأعلى القِيَم ، وأمّا الـمُستعير فإنّ الردّ لا يجب عليه حالة الزيادة ، فافترقا.
ويُبنى على هذا الخلاف أنّ الجارية المستعارة مع الضمان إذا ولدت
____________________
(١) الوسيط ٣ : ٣٧٠ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٧٧ ، روضة الطالبين ٤ : ٧٧.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٧٧.
في يد الـمُستعير هل يكون الولد مضموناً في يده؟ إن قلنا : إنّ العارية مضمونة ضمانَ الغاصب(١) ، كان مضموناً عليه ، وإلّا فلا. وليس له استعماله إجماعاً.
وهذا الخلاف الجاري في العارية أنّها كيف تُضمن آتٍ في المأخوذ على وجه السوم.
لكنّ الأصحّ عند بعض الشافعيّة : إنّ الاعتبار في المستام بقيمته يوم القبض ؛ لأنّ تضمين أجزائه غير ممتنعٍ(٢) .
وقال غيره : الأصحّ كهو في العارية(٣) .
وهذا كلّه فيما إذا تلفت العين بغير الاستعمال.
مسألة ١١٨ : لو تلفت العين المستعارة المضمونة بالاستعمال ، مثل أن ينمحق الثوب باللُّبْس ، فالوجه : ضمان العين وقت التلف ؛ لأنّ حقّ العارية أن تُردّ ، والإذن في الانتفاع إنّما ينصرف غالباً إلى استعمالٍ غير مُتلفٍ ، فإذا تعذّر الردّ لزم الضمان ، وهو أحد قولَي الشافعيّة.
والأصحّ عندهم : إنّ العين لا تُضمن كالأجزاء ؛ لأنّه إتلاف استند إلى فعلٍ مأذونٍ فيه(٤) .
وعلى الأوّل لهم وجهان :
أحدهما : كما قلناه من أنّه تُضمن العين وقت التلف ، وهو آخر حالات التقويم.
____________________
(١) الظاهر : « ضمانَ الغصب ».
(٢ و ٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٧٧ ، روضة الطالبين ٤ : ٧٧.
(٤) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٢٨٠ ، البيان ٦ : ٤٥٦ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٧٧ ، روضة الطالبين ٤ : ٧٧.
والثاني : إنّه تُضمن العين بجميع أجزائها(١) .
مسألة ١١٩ : قد مضى البحث في ضمان العين ، وأمّا ضمان الأجزاء فإن تلف منها شيء بسبب الاستعمال المأذون فيه كانمحاق الثوب باللُّبْس المأذون فيه ، لم يلزم الـمُستعير ضمانه ؛ لحدوثه عن سببٍ مأذونٍ فيه ، وهو قول الشافعيّة(٢) .
ولهم وجهٌ آخَر ضعيف : إنّه يلزمه الضمان ؛ لأنّ العارية مؤدّاة ، فإذا تلف بعضها فقد فات ردّه ، فيضمن بدله(٣) .
والمعتمد : الأوّل.
وأمّا إن تلف من الأجزاء شيء بغير الاستعمال ، فإن كانت العين مضمونةً كان الـمُستعير ضامناً للأجزاء ، وإلّا كانت أمانةً كالعين ، كما لو تلفت العين بأسرها ، وهو أصحّ قولَي الشافعي.
والثاني : إنّه لا يجب ضمانها على الـمُستعير ، كما لو تلفت بالاستعمال ، ويكتفى بردّ الباقي(٤) .
واعلم أنّ تلف الدابّة بسبب الركوب والحمل المعتاد كانمحاق الثوب ، وتعيّبها بالركوب أو الحمل وشبهه كالانسحاق.
ولو قرّح ظهرها بالحمل وتلفت منه ، قال بعض الشافعيّة : يضمن ، سواء كان متعدّياً بما حمل أو لا ؛ لأنّه إنّما أذن له في الحمل ، لا في الجراحة ، وردُّها إلى المالك لا يُخرجه عن الضمان ؛ لأنّ السراية تولّدت من مضمونٍ ، فصار كما لو قرّح دابّة الغير في يده(٥) .
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٧٧ ، روضة الطالبين ٤ : ٧٨.
(٢ و ٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٧٨ ، روضة الطالبين ٤ : ٧٨.
(٤) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٢٨٠ - ٢٨١ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٧٨ ، روضة الطالبين ٤ : ٧٨.
(٥) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٧٨ ، روضة الطالبين ٤ : ٧٨.
وفيه نظر.
مسألة ١٢٠ : المستأجر يملك المنفعة ملكاً تامّاً ، ولهذا جاز له أن يؤجر العين مدّة إجارته ، والمنفعة قابلة للنقل ، فجاز أن يعيرها ، فإذا استعار من المستأجر أو الموصى له بالمنفعة ، كان حكمها حكم العارية من المالك في الضمان وعدمه.
والشافعي القائل بالضمان في مطلق العارية له هنا قولان :
أحدهما : إنّه يضمن الـمُستعير هنا ، كما لو استعار من المالك.
والثاني - وهو الأصح عنده - : إنّه لا يضمن ؛ لأنّ المستأجر لا يضمن ، وهو نائب المستأجر ، ألا ترى أنّه إذا انقضت مدّة الإجارة ارتفعت العارية واستقرّت الإجارة على المستأجر بانتفاع الـمُستعير.
ومئونة الردّ في هذه الاستعارة على الـمُستعير إن ردّ على المستأجر ، وعلى المالك إن ردّ عليه ، كما لو ردّ عليه المستأجر(١) .
مسألة ١٢١ : إذا استعار من الغاصب العينَ المغصوبة وكان عالماً أو جاهلاً ثمّ قامت البيّنة بالغصب ، لم يجز له ردّها على الـمُعير ؛ لأنّه ظالم ، ووجب عليه ردّها إلى مالكها ، فإن كان قد استعملها الـمُستعير مدّةً لمثلها أُجرة كان للمغصوب منه الرجوعُ بأُجرة مثلها على أيّهما شاء.
وكذا إن نقص شيء من أجزائها ، فله الرجوع بقيمة ذلك ؛ لأنّ الغاصب ضمنها باليد المتعدّية ، والـمُستعير أتلف منافع الغير بغير إذنه ، وأتلف أجزاء عينه.
فإن رجع على الـمُستعير ، فالأقرب : إنّه لا يرجع على الـمُعير ؛ لأنّ
____________________
(١) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٢٨١ - ٢٨٢ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٧٨ ، روضة الطالبين ٤ : ٧٨.
التلف وقع في يده ، ولأنّه ضمن ما أتلفه ، ولا يرجع به على غيره ، وهو القول الجديد للشافعي.
وقال في القديم : يرجع عليه - وبه قال أحمد - لأنّه غرّه بأنّه دخل في العارية على أنّه لا يضمن المنفعة والأجزاء(١) .
وإن رجع على الـمُعير ، فهل يرجع الـمُعير على الـمُستعير؟ يبنى على القولين ، إن قلنا : لو رجع على الـمُستعير رجع به على الـمُعير ، فإنّ الـمُعير لا يرجع به ، وإن قلنا : لو رجع على الـمُستعير لم يرجع به ، فإنّ الـمُعير يرجع به.
فأمّا إن تلفت العين في يد الـمُستعير ، فإنّ لصاحبها أن يرجع على مَنْ شاء منهما بقيمتها ، و [ قرار ](٢) الضمان على الـمُستعير ؛ لأنّ المال حصل في يده بجهةٍ مضمونة.
ثمّ إن تساوت القيمة في يده ويد الغاصب فلا بحث ، وإن تفاوتت فإن كانت قيمتها في يد الـمُستعير يوم التلف أكثر ، فإن رجع المالك بها على الـمُستعير لم يرجع الـمُستعير بها على الـمُعير قولاً واحداً ؛ لأنّ العارية مضمونة على الـمُستعير.
وإن كانت قيمتها في يد الـمُعير أكثر ، لم يطالب المالكُ الـمُستعير بالزيادة ؛ لأنّها تلفت في يد الـمُعير ولم يحصل في يده ، وإنّما يطالب بالزيادة الـمُعير ؛ لأنّها تلفت في يده.
____________________
(١) حلية العلماء ٥ : ١٩٤ ، البيان ٦ : ٤٥٧ - ٤٥٨ ، وانظر : المغني ٥ : ٤١٤ - ٤١٥ ، والشرح الكبير ٥ : ٤٢٣.
(٢) بدل ما بين المعقوفين في « ث » : « من ». وفي « ج » والطبعة الحجريّة : « من أنّ ». وكلاهما ساقط في « خ ، ر ». والمثبت من العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٧٨ ، وروضة الطالبين ٤ : ٧٨.
وإذا طالَب المالك بغرامة المنافع ، فإن طالَب الـمُستعير غُرْمها ، فالمنفعة التي تلفت تحت يده قرار ضمانها على الـمُعير ؛ لأنّ يد الـمُستعير الجاهل في المنافع ليست يدَ ضمانٍ ، والتي استوفاها بنفسه الأقوى : إنّ الضمان يستقرّ عليه ؛ لأنّه مباشر للإتلاف ، وهو أظهر قولَي الشافعي.
والثاني : إنّ الضمان على الـمُعير ؛ لأنّه غرّه(١) .
والـمُستعير من المستأجر من الغاصب حكمه حكم الـمُستعير من الغاصب إن قلنا بأنّ الـمُستعير من المستأجر ضامن ، وإلّا فيرجع بالقيمة التي غرمها على المستأجر ، ويرجع المستأجر على الغاصب.
مسألة ١٢٢ : لو أنفذ وكيله إلى موضعٍ وسلّم إليه دابّةً ليركبها إليه في شغله فتلفت الدابّة في يد الوكيل من غير تعدٍّ ، لم يكن عليه ضمان ، وهو ظاهرٌ عندنا ؛ فإنّا لا نوجب الضمان على الـمُستعير.
وأمّا الشافعي القائل بالضمان فإنّه نفاه هنا أيضاً ؛ لأنّ الوكيل لم يأخذ الدابّة لغرض نفسه ، بل لنفع الموكّل ، فالـمُستعير في الحقيقة المالك(٢) .
وكذا لو سلّم الدابّة إلى الرائض ليروضها(٣) فتلفت ، لم يضمن ؛ لأنّه في مصلحة المالك.
وكذا لو كان له عليها متاع فأركب إنساناً غيره فوق ذلك المتاع ليحفظه ويحترز عليه ، فتلفت الدابّة ، لم يكن على الراكب ضمان ؛ لأنّه في شغل المالك.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٧٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٧٩.
(٢) الوسيط ٣ : ٣٧١ ، الوجيز ١ : ٢٠٤ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٢٨٧ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٧٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٧٩.
(٣) راض الدابّة يروضها : وطّأها وذلّلها أو علّمها السير. لسان العرب ٧ : ١٦٤ « روض ».
ولو وجد ماشياً في الطريق قد تعب من المشي فأركبه دابّته ، فعندنا لا ضمان إذا لم يتعدّ ؛ بناءً على أصلنا من عدم تضمين العارية.
وأمّا عند الشافعي فالمشهور أنّ الراكب يضمن ، سواء التمس الراكب الركوبَ للاستراحة ، أو ابتدأ المالك بإركابه ؛ لأنّها عارية محضة ، والعارية على أصله مضمونة(١) .
وقال الجويني من الشافعيّة : إنّه لا يضمن الراكب ؛ لأنّ القصد من هذه العارية التصدّق والقربة ، والصدقات في الأعيان تفارق الهبات ، ألا ترى أنّه يرجع في الهبة ولا يرجع في الصدقة ، فلذلك يجوز أن تفارق العارية التي هي صدقة سائر العواريّ في الضمان(٢) .
ولو أركبه مع نفسه ، فلا ضمان عندنا على الرديف. وعلى قول الشافعي إنّه يضمن النصف(٣) .
وقال الجويني : لا يلزمه شيء ؛ تشبيهاً له بالضيف(٤) .
وعلى الأوّل لو وضع متاعه على دابّة غيره وأمره أن يسيّر بالدابّة ففعل ، كان صاحب المتاع مستعيراً من الدابّة بقسط متاعه ممّا عليها ، حتى لو كان عليها مثل متاعه وتلفت ضمن نصف الدابّة(٥) .
ولو لم يقل صاحب المتاع : سيِّرها ، ولكن سيَّرها المالك ، لم يكن صاحب المتاع مستعيراً ، وضمن صاحب الدابّة المتاعَ ؛ لأنّه كان من حقّه أن
____________________
(١) الوسيط ٣ : ٣٧١ ، الوجيز ١ : ٢٠٤ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٢٨٧ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٧٩ - ٣٨٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٧٩.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٨٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٧٩.
(٣) الوسيط ٣ : ٣٧٢ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٢٨٧ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٨٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٧٩.
(٤ و ٥) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٨٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٧٩.
يطرح المتاع.
ولو كان لأحد الرفيقين في السفر متاع وللآخَر دابّة ، فقال صاحب المتاع للآخَر : احمل متاعي على دابّتك ، ففَعَل ، فصاحب المتاع مستعير لها.
ولو قال صاحب الدابّة : أعطني متاعك لأضعه على الدابّة ، فهو مستودع للمتاع.
ولا تدخل الدابّة في ضمان صاحب المتاع في الصورتين عندنا ، وفي الثانية عند الشافعي(١) .
مسألة ١٢٣ : تجوز استعارة الدابّة للركوب والحمل ، سواء أطلق أو قيّد بالزمان أو المنفعة ، وأن يستعيرها ليركبها ؛ لأنّه تجوز إجارتها لذلك ، والإعارة أوسع ؛ لجوازها فيما لا تجوز إجارته ، فإن استعارها إلى موضعٍ فتجاوزه فقد تعدّى في العارية من وقت المجاوزة ، وكان ضامناً من حين العدوان ، ومطلقاً عند الشافعي(٢) ، فإذا استعارها من بغداد إلى الحلّة فتجاوزها إلى الكوفة ، فعليه أُجرة ما بين الحلّة والكوفة ذهاباً وعوداً.
وهل تلزمه الأُجرة من ذلك الموضع الذي وقع فيه العدوان - وهو الحلّة - إلى أن يرجع إلى البلد الذي استعار منه ، وهو بغداد؟ الأقرب : العدم ؛ لأنّه مأذون فيه من جهة المالك ، وهو أحد وجهي الشافعيّة ، والثاني : اللزوم ؛ لأنّ ذلك الإذن قد انقطع بالمجاوزة(٣) . وهو ممنوع.
____________________
(١) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٢٨٧ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٨٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٨٠.
(٢) راجع الهامش (٤) من ص ٢٧٣.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٨٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٨٠.
إذا عرفت هذا ، فلو شرط الضمان في العارية أو أطلق وقلنا بضمان العواري ، فإنّ الدابّة تكون مضمونةً عليه إلى الحلّة ضمانَ العارية ، ولا أُجرة عليه ؛ لأنّه مأذون له في ركوبها ، فإذا جاوز ضمنها ضمانَ الغصب ، ووجب عليه أُجرة منافعها ، فإذا ردّها إلى الحلّة لم يزل عنه الضمان ، وبه قال الشافعي(١) .
وأبو حنيفة يقول : إنّها أمانة إلى الحلّة ، فإذا جاوزها كانت مغصوبةً ، فإذا ردّها إلى الحلّة لم يزل ضمان الغصب ، بخلاف قوله في الوديعة إذا أخرجها من حرزها ثمّ ردّها إليه(٢) .
إذا ثبت هذا ، فعلى قول الشافعي بانقطاع الإذن من حين التعدّي ليس له الركوب من الحلّة إلى بغداد ، بل يسلّم الدابّة إلى حاكم الحلّة الذي استعار إليه(٣) .
مسألة ١٢٤ : إذا دفع إليه ثوباً وقال : إن شئت أن تلبسه فالبسه ، فهو قبل اللُّبْس وديعة ، وبعده عارية ، وهو المشهور عند الشافعيّة(٤) .
ولهم وجهٌ آخَر مخرَّج من السوم ؛ لأنّه مقبوض على توقّع الانتفاع ، فكما أنّ المأخوذ على سبيل السوم مقبوض على توقّع عقد ضمانٍ ، كذا هنا.
____________________
(١) الإشراف على مذاهب أهل العلم ١ : ٢٧٣ / ٤٤٤ ، البيان ٦ : ٤٦٠.
(٢) بدائع الصنائع ٦ : ٢١٦ ، فتاوى قاضيخان - بهامش الفتاوى الهنديّة - ٣ : ٣٨٤ ، المبسوط - للسرخسي - ١١ : ١٤٥ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٢٣٧ ، الإشراف على مذاهب أهل العلم ١ : ٢٧٣ / ٤٤٤ ، بحر المذهب ٩ : ١٤ ، وراجع أيضاً الهامش (٢) من ص ١٦٠.
(٣) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٢٨٨ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٨٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٨٠.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٨٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٨٠.
قال هذا القائل : لو قيل : لا ضمان في السوم أيضاً تخريجاً ممّا نحن فيه ، لم يبعد(١) .
ولو استعار صندوقاً فوجد فيه شيئاً ، فهو أمانة عنده ، كما لو طيّر الريح الثوبَ في داره ، فلا ضمان فيه وإن كانت العارية مضمونةً ، إلّا مع التفريط أو التعدّي.
مسألة ١٢٥ : قد بيّنّا أنّه لا يجوز للمُحْرم أن يستعير الصيد ، فإن استعاره من الـمُحلّ لم يجز ، فإن قبضه ضمنه لله تعالى بالجزاء ، ولصاحبه ضمان العارية.
فإن استعار مُحلٌّ من مُحْرمٍ صيداً كان يملكه قبل أن يُحرم ، كان ذلك مبنيّاً على القولين في زوال ملكه عنه بالإحرام.
فإن قلنا : لـمّا أحرم زال ملكه عنه بالإحرام ، فقد وجب عليه إرساله ، فإذا دفعه إلى الـمُحلّ لم يجز له ، إلّا أنّ الـمُحلّ لا يضمنه له ؛ لأنّه ليس يملكه ، ولا يضمنه لله تعالى ؛ لأنّه مأذون له في إتلاف الصيد ، إلّا أنّه إذا تلف ضمنه الـمُحْرم ؛ لأنّه تلف بسببٍ من جهته ، وهو تسليمه إلى الـمُحلّ.
وإن قلنا ببقاء ملك الـمُحْرم فيه ، جاز له إعارته ، ويكون مضموناً على الـمُحلّ ضمانَ العارية لصاحبه.
ولو كان الـمُحْرم في الحرم والصيد فيه ، لم يجز له إعارته ، ولا للمُحلّ استعارته.
مسألة ١٢٦ : إذا ردّ الـمُستعير العاريةَ إلى مالكها أو إلى وكيله ، برئ من ضمانها.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٨٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٨٠.
وإن ردّها إلى ملك مالكها بأن حمل الدابّةَ إلى اصطبل المالك وأرسلها فيه ، أو ردّ آلةَ الدار إليها ، لم يزل عنه الضمان ، وبه قال الشافعي(١) ، بل عندنا إن لم تكن العارية مضمونةً فإنّها تصير بهذا الردّ مضمونةً ؛ لأنّه لم يدفعها إلى مالكها ، بل فرّط بوضعها في موضعٍ لم يأذن له المالك بالردّ إليه ، كما لو ترك الوديعة في دار صاحبها فتلفت قبل أن يتسلّمها المالك ؛ لأنّه لم يردّها إلى صاحبها ولا إلى مَنْ ينوب عنه ، فلم يحصل به الردّ ، كما لو ردّها إلى أجنبيٍّ.
وقال أبو حنيفة : إذا ردّها إلى ملك المالك ، صارت كأنّها مقبوضة ؛ لأنّ ردّ العواري في العادة يكون إلى أملاك أصحابها ، فيكون ذلك مأذوناً فيه من طريق العادة(٢) .
وهو غلط ؛ لأنّه يبطل بالسارق إذا ردّ المسروق إلى الحرز ، ولا نعرف العادة التي ذكرها ، فبطل ما قاله.
مسألة ١٢٧ : إذا اختلف المالك والـمُستعير ، فقال المالك : آجرتك هذه العين مدّة كذا بكذا ، وقال الـمُستعير : بل أعرتنيها ، والعين باقية بعد انقضاء المدّة بأسرها أو بعضها ممّا له أُجرة في العادة ، قال الشيخرحمهالله في الخلاف :
____________________
(١) الإشراف على مذاهب أهل العلم ١ : ٢٧٢ - ٢٧٣ / ٤٤٣ ، الحاوي الكبير ٧ : ١٣١ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٧١ ، حلية العلماء ٥ : ١٩٣ ، البيان ٦ : ٤٦٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٩١ ، روضة القُضاة ٢ : ٥٣٥ / ٣١٧٣.
(٢) الاختيار لتعليل المختار ٣ : ٨٣ ، روضة القُضاة ٢ : ٥٣٥ / ٣١٧٢ ، الفقه النافع ٣ : ٩٤٩ / ٦٧٥ ، المبسوط - للسرخسي - ١١ : ١٤٤ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٢٢٣ ، الحاوي الكبير ٧ : ١٣١ ، البيان ٦ : ٤٦٠.
القول قول الـمُستعير - وبه قال أبو حنيفة(١) - لأنّهما اتّفقا على أنّ تلف المنافع كان على ملك الـمُستعير ؛ لأنّ المالك يزعم أنّه ملَّكها بالإجارة ، والـمُستعير يزعم أنّه مَلَكها بالاستيفاء ؛ لأنّ الـمُستعير يملك بذلك ، وقد ادّعي عليه عوض ما تلف على ملكه ، والأصل عدم وجوبه ، فكان القولُ قولَه ، ولأنّ الأصل براءة الذمّة ، والمالك يدّعي شغلها ، فيحتاج إلى البيّنة(٢) .
وقال مالك : القول قول المالك مع اليمين ؛ لأنّ المنافع جارية مجرى الأعيان ، وقد ثبت أنّه لو كان أتلف عليه عيناً كما لو أكل طعامه وقال : كنتَ أبحتَه لي ، وأنكر المالك ، فإنّ القول قول المالك ، أو كانت في يده وادّعى أنّه وهبها منه وأنكر صاحبها ذلك وادّعى أنّه باعها منه : إنّ القول قول صاحبها ، كذا هنا ، ولأنّ المنافع تابعة للأعيان في الملك ، فهي بالأصالة لمالك العين ، فادّعاء الـمُستعير التفرّدَ بالملكيّة لها على خلاف الأصل ، فيحتاج إلى البيّنة(٣) .
وأمّا الشافعي فقد قال في كتاب العارية : إنّه إذا اختلف مالك الدابّة وراكبها ، فقال صاحبها : آجرتكها بكذا ، وقال الراكب : أعرتنيها ولا أُجرة لك علَيَّ ، فالقول قول الراكب(٤) .
____________________
(١) روضة القُضاة ٢ : ٥٣٩ / ٣١٩٨ ، المبسوط - للسرخسي - ١١ : ١٤٩ ، فتاوى قاضيخان - بهامش الفتاوى الهنديّة - ٣ : ٣٨٥ ، بحر المذهب ٩ : ١٦ ، البيان ٦ : ٤٧٤ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٩١ ، المغني والشرح الكبير ٥ : ٣٧١ ، الإشراف على مذاهب أهل العلم ١ : ٢٧٦ / ٤٥٤.
(٢) الخلاف ٣ : ٣٨٨ ، المسألة ٣ من كتاب العارية.
(٣) النوادر والزيادات ١٠ : ٤٦٢ ، بحر المذهب ٩ : ١٥ ، حلية العلماء ٥ : ٢٠٤ ، البيان ٦ : ٤٧٣ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٩١ ، المغني والشرح الكبير ٥ : ٣٧١.
(٤) الأُم ٣ : ٢٤٥ ، مختصر المزني : ١١٦ و ١٣٠ ، الحاوي الكبير ٧ : ١٢١ و ٤٧٢ ، =
وقال في كتاب المزارعة : ولو اختلف الزارع وصاحب الأرض ، وادّعى صاحب الأرض أنّه آجره إيّاها ، وادّعى الزارع أنّه أعاره إيّاها : إنّ القولَ قولُ صاحب الأرض(١) .
واختلف أصحابه في ذلك :
فقال أبو إسحاق وجماعة : إنّه لا فرق بين المسألتين ، وإنّ فيها قولين ، ونقلوا جوابه من كلّ واحدةٍ منهما إلى أُخرى(٢) .
ومنهم مَنْ قال : إنّ المسألتين مختلفتان ، وفرّق بينهما بأنّ العادة جارية بأنّ الدوابّ تُعار ، فكان الظاهر مع الراكب ، ولم تَجْر العادة بإعارة الأرضين ، فكان الظاهر مع صاحبها(٣) .
قال الأوّلون : هذا ليس بصحيحٍ ؛ لأنّ مثل هذه العادة لا اعتبار بها في التداعي ، ولهذا لو اختلف العطّار والدبّاغ في آلة العطر لا يُرجّح قول العطّار
____________________
= الإشراف على مذاهب أهل العلم ١ : ٢٧٦ / ٤٥٤ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٧٣ ، بحر المذهب ٩ : ١٥ ، الوسيط ٣ : ٣٧٧ ، الوجيز ١ : ٢٠٥ ، حلية العلماء ٥ : ٢٠٤ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٢٨٨ ، البيان ٦ : ٤٧٣ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٩٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٨٨ ، المغني والشرح الكبير ٥ : ٣٧١ ، روضة القُضاة ٢ : ٥٣٩ / ٣١٩٩.
(١) مختصر المزني : ١٣٠ ، الحاوي الكبير ٧ : ١٢١ و ٤٧٢ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٧٣ ، بحر المذهب ٩ : ١٥ ، الوجيز ١ : ٢٠٥ ، الوسيط ٣ : ٣٧٧ ، حلية العلماء ٥ : ٢٠٤ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٢٨٨ ، البيان ٦ : ٤٧٣ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٩٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٨٨ ، روضة القُضاة ٢ : ٥٣٩ / ٣٢٠٠.
(٢) الحاوي الكبير ٧ : ١٢١ و ٤٧٢ - ٤٧٣ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٧٣ ، بحر المذهب ٩ : ١٥ ، حلية العلماء ٥ : ٢٠٤ ، البيان ٦ : ٤٧٣ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٩١.
(٣) الحاوي الكبير ٧ : ١٢٢ و ٤٧٣ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٧٣ ، بحر المذهب ٩ : ١٥ ، حلية العلماء ٥ : ٢٠٤ ، البيان ٦ : ٤٧٣ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٩٠.
وإن كانت العادة جاريةً بأنّ آلة العطّار لا تكون للدبّاغ.
وفرّقوا بين هذه المسألة وبين ما إذا غسل ثوبه غسّال أو خاطه خيّاط ثمّ قال : فعلتُه بالأُجرة ، وقال المالك : بل فعلتَ ذلك مجّاناً ، فإنّ القول قول المالك مع يمينه قولاً واحداً ؛ لأنّ الغسّال فوّت منفعة نفسه ثمّ ادّعى لها عوضاً على الغير ، وهناك المتصرّف فوّت منفعة مال الغير وأراد إسقاط الضمان عن نفسه ، فلم يُقبل(١) .
إذا عرفت هذا ، فإن قلنا : القول قول الـمُستعير ، فحلف على نفي الإجارة ، كفاه ، وسقط عنه المطالبة ، وردّ العين ، وإن نكل حلف المالك ، واستحقّ بيمينه المسمّى ؛ لأنّ اليمين مع النكول إمّا أن تكون بمنزلة البيّنة أو الإقرار ، وأيّهما كان يثبت به المسمّى ، وهو قول أكثر الشافعيّة(٢) .
ولهم وجهٌ آخَر ضعيف : إنّه يستحقّ أُجرة المثل ؛ لأنّ الناكل ينفي أصل الإجارة ، فتقع يمين المدّعي على إثباته(٣) .
وليس هذا الوجه عندي بعيداً من الصواب.
وإن قلنا : القول قول المالك مع يمينه ، فإنّه يحلف على نفي الإعارة التي تدّعى عليه ، ولا يتعرّض لإثبات الإجارة ؛ لأنّه مدّعٍ فيها ، وهو قول بعض الشافعيّة(٤) .
فحينئذٍ إذا حلف على نفي الإعارة ، فالأقوى عندي : إنّ الـمُستعير يحلف على نفي الإجارة ، فإذا حلف ثبت للمالك أقلّ الأمرين من أُجرة
____________________
(١) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٢٨٩ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٩١.
(٢) الحاوي الكبير ٧ : ١٢٢ ، بحر المذهب ٩ : ١٦ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٢٨٩ ، البيان ٦ : ٤٧٥ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٩٢.
(٣) البيان ٦ : ٤٧٥ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٩٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٨٨.
(٤) الوسيط ٣ : ٣٧٧ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٩١ ، روضة الطالبين ٤ : ٨٨.
المثل والمسمّى ؛ لأنّه إن كانت أُجرة المثل أقلَّ فهو لم يُقم حجّةً على الزيادة ، وإن كان المسمّى أقلَّ فقد أقرّ بأنّه لا يستحقّ الزيادة.
وقال بعض الشافعيّة : إذا حلف المالك على نفي الإعارة ، استحقّ أقلَّ الأمرين من أُجرة المثل والمسمّى إن لم يحلف الـمُستعير.
قال : وإن قلنا : إنّ المالك يحلف على إثبات الإجارة ونفي الإعارة ويجمع بينهما في يمينه ، ففيما يستحقّه وجهان :
أحدهما : المسمّى إتماماً لتصديقه.
وأظهرهما - وهو مقتضى منصوص الشافعي في الأُم(١) - أُجرة المثل ؛ لأنّهما لو اتّفقا على الإجارة واختلفا في الأُجرة كان الواجب أُجرة المثل ، فإذا اختلفا في أصل الإجارة كان أولى(٢) .
والجويني حكى الوجه الثاني على غير ما ذكر ، بل حكى بدله : إنّه يستحقّ أقلَّ الأمرين ؛ لما(٣) تقدّم.
قال : والتعرّض للإجارة على هذا ليس لإثبات المال الذي يدّعيه ، لكن لينتظم كلامه من حيث إنّه اعترف بأصل الإذن ، فحصل فيما يستحقّه ثلاثة أوجُه(٤) .
ولو نكل المالك عن اليمين المعروضة عليه ، لم تُردّ اليمين على الراكب والزارع ؛ لأنّهما لا يدّعيان حقّاً على المالك حتى يُثبتاه باليمين ، وإنّما يدّعيان الإعارة ، وليست حقّاً لازماً على الـمُعير.
____________________
(١) الأُم ٣ : ٢٤٥.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٩١ ، روضة الطالبين ٤ : ٨٨.
(٣) الظاهر : « كما » بدل « لما ».
(٤) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٩١.
وقال بعض الشافعيّة : إنّها تُردّ ؛ ليتخلّص من الغرم(١) .
مسألة ١٢٨ : لو وقع هذا الاختلاف عقيب العقد قبل انقضاء مدّةٍ لمثلها أجر ، فالقول هنا قول الـمُستعير مع اليمين ، فإذا حلف على نفي الإجارة سقط عنه دعوى الأُجرة ، واستردّ المالك العين ، وإن نكل حلف المالك اليمينَ المردودة ، واستحقّ الأُجرة.
وهذا قول الشافعي أيضاً ، ولا قول له سواه ؛ لأنّ الراكب هنا لا يدّعي لنفسه حقّاً ولا أتلف المنافع على المالك ، والمدّعي في الحقيقة هنا هو المالك ، وإذا تمحّضت الدعوى له لم يتعدّد قوله كما يتعدّد في الصورة الأُولى ؛ لأنّ المنافع هناك تلفت تحت يد الراكب ، وكان القول بسقوطها مجّاناً بعيداً ، فلهذا كان له في الصورة الأُولى قولان(٢) .
مسألة ١٢٩ : لو حصل هذا الاختلاف بعد تلف العين ، فإن تلفت عقيب الأخذ قبل أن يثبت لمثلها أُجرة وشرط في العارية الضمان أو قلنا به على مذهب القائلين بضمان العارية ، فلا معنى للاختلاف ؛ لأنّ صاحبها يدّعي الإجارة وقد انفسخت بتلفها ، والـمُستعير يُقرّ بالقيمة ويعترف باستحقاقها في ذمّته ، والمالك ينكرها ، فليس للمالك حينئذٍ المطالبة بها.
ولو لم نقل بالضمان في العارية ولا شرطه المالك ، فلا بحث هنا ؛ لأنّ كلّ واحدٍ منهما يعترف ببراءة ذمّة الـمُستعير.
وإن تلفت بعد مضيّ مدّةٍ لمثلها أُجرة مع شرط الضمان أو القول به ، فالـمُستعير يُقرّ بالقيمة ، والمالك ينكرها ويدّعي الأُجرة ، فيبنى على الخلاف بين العامّة في أنّ اختلاف الجهة هل يمنع الأخذ؟
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٩١ ، روضة الطالبين ٤ : ٨٨.
(٢) البيان ٦ : ٤٧٣ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٩٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٨٨.
إن قلنا : نعم ، سقطت القيمة بردّه ، والقول في الأُجرة قول المالك أو الـمُستعير على الخلاف الذي تقدّم في الحالة الأُولى.
وإن قلنا : إنّ اختلاف الجهة لا يمنع الأخذ ، فإن كانت الأُجرة مثلَ القيمة أو أقلَّ أخذها بغير يمينٍ ، وإن كانت أكثر أخذ قدر القيمة ، وفي المصدّق في الزيادة الخلافُ المتقدّم(١) .
مسألة ١٣٠ : لو انعكس هذا الاختلاف ، فادّعى المالكُ الإعارةَ ، والمتصرّفُ الإجارةَ ، فإن كانت العين باقيةً وكان الاختلاف عقيب التسليم قبل مضيّ مدّةٍ لمثلها أُجرة ، كان القولُ قولَ المالك ؛ لأنّ المتصرّف يدّعي عليه عقداً واستحقاق منفعةٍ ، والمالك ينكره ، وإذا لم تكن بيّنة كان القولُ قولَ المنكر مع اليمين ، ثمّ تُستردّ العين.
وإن نكل حلف المتصرّف ، واستحقّ المنفعة المدّة والإمساك طولها.
وإن كان بعد مضيّ مدّة الإجارة ، فلا معنى للاختلاف ؛ لأنّهما اتّفقا على وجوب ردّها ، والمتصرّف يُقرّ للمالك بالأُجرة ، والمالك ينكرها.
وإن كان بعد مضيّ بعض المدّة ، فالقول قول المالك ؛ لأنّ الأصل عدم استحقاق الغير منفعة مال الغير ، فإذا حلف على نفي الإجارة أخذ العين ، وليس له مطالبته بالأُجرة عمّا مضى من المدّة ؛ لأنّه ينكرها والمتصرّف معترف له بها.
هذا إذا كان الاختلاف والعين باقية ، وأمّا إن اختلفا والعين تالفة ، فإن كان الاختلاف عقيب القبض قبل انقضاء مدّةٍ لمثلها أُجرة ، فالمالك هنا يدّعي قيمتها على المتصرّف مع شرط الضمان عندنا ، ومطلقاً عند
____________________
(١) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٢٨٩ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٩٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٨٩.
الشافعي(١) ، والمتصرّف ينكرها ، فيُقدَّم هنا قول المالك مع اليمين ؛ لأنّهما اختلفا في صفة القبض ، والأصل فيما يقبضه الإنسان من مال غيره الضمانُ ؛ لقولهعليهالسلام : « على اليد ما أخذت حتى تؤدّيه »(٢) .
وإن كان الاختلاف بعد مضيّ المدّة ، فالمتصرّف يُقرّ بالأُجرة ، والمالك يدّعي عليه القيمة في المضمونة ، فإن كانت القيمة بقدر الأُجرة دفع إليه من غير(٣) يمينٍ ؛ لاتّفاقهما على استحقاق ذلك المقدار ، وهو قول بعض الشافعيّة(٤) .
وقال بعضهم : لا تثبت الأُجرة ؛ لأنّه لا يدّعيها ، ويكون القولُ قولَه في وجوب القيمة(٥) .
وإن كانت أقلَّ ، كان في قدرها الوجهان.
وإن كانت أكثر ، كان قدر الأُجرة منهما على الوجهين ، والباقي يستحقّه بيمينه.
وإن كان التلف في أثناء المدّة ، فقد أقرّ له ببعض الأُجرة ، وهو يدّعي القيمة ، والحكم في ذلك على ما ذكر.
مسألة ١٣١ : لو ادّعى المالكُ الغصبَ ، والمتصرّفُ الإعارةَ والعين باقية قائمة ، ولم تمض مدّة لمثلها أُجرة ، فلا معنى لهذا الاختلاف ؛ إذ لم تفت العين ولا المنفعة ، ويردّ المتصرّفُ العينَ إلى المالك.
وإن مضت مدّة لمثلها أُجرة ، فالأقوى : إنّ القولَ قولُ المالك مع
____________________
(١) راجع الهامش (٤) من ص ٢٧٣.
(٢) تقدّم تخريجه في ص ٢٧١ ، الهامش (٢)
(٣) في « ج » : « بغير » بدل « من غير ».
(٤ و ٥) البيان ٦ : ٤٧٦.
يمينه ؛ لما تقدّم(١) من أصالة تبعيّة المنافع للأعيان في التملّك ، فالقول قول مَنْ يدّعيها مع اليمين وعدم البيّنة ؛ لأنّ المتصرّف يدّعي انتقال المنفعة إليه بالإعارة وبراءة ذمّته من التصرّف في مال الغير ، فعليه البيّنة.
وقال الشيخرحمهالله في الخلاف : القول قول المتصرّف - وهو أحد أقوال الشافعي نقله المزني عنه(٢) - لأنّ المالك يدّعي عليه عوضاً ، والأصل براءة ذمّته منه ، ولأنّ الظاهر من اليد أنّها بحقٍّ ، فكان القولُ قولَ صاحبها(٣) .
وليس بجيّدٍ ؛ لما بيّنّا من أصالة تبعيّة المنافع للأعيان ، ولأصالة عدم الإذن ، وكما أنّ الظاهر أنّ اليد بحقٍّ ، كذا الظاهر التبعيّة.
ولأصحاب الشافعي هنا ثلاثة طُرق :
أظهرها : إنّ الحكم هنا على ما تقدّم في المسألة السالفة ، فيُفرّق بين الدابّة والأرض على طريقٍ ، ويُجعلان على قولين في طريقٍ ؛ لأنّ المالك ادّعى أُجرة المثل هنا ، كما ادّعى المسمّى في الإجارة هناك ، والأصل براءة الذمّة.
والثاني : القطع بأنّ القول قول المالك ، بخلاف تلك المسألة ؛ لأنّهما متّفقان على الإذن هناك ، وهنا المالك منكر له ، والأصل عدمه. ومَنْ قال بهذا خطّأ المزني في النقل.
قال أبو حامد : لكنّه ضعيف ؛ لأنّ الشافعي نصّ في الأُمّ على ما رواه
____________________
(١) في ص ٢٩٠.
(٢) مختصر المزني : ١١٦ ، الحاوي الكبير ٧ : ١٢٣ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٧٣ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٢٩٠ ، البيان ٦ : ٤٧٧ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٩٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٨٩ ، المغني ٥ : ٣٧٣ ، الشرح الكبير ٥ : ٣٧٤.
(٣) الخلاف ٣ : ٣٨٩ ، المسألة ٥ من كتاب العارية.
المزني(١) .
والثالث : القطع بأنّ القول قول المتصرّف ؛ لأنّ الظاهر من حال المسلم أنّه لا يتصرّف إلّا على وجهٍ جائز(٢) .
هذا إذا تنازعا والعين باقية.
مسألة ١٣٢ : لو وقع هذا الاختلاف وقد تلفت العين ، فإن هلكت بعد انقضاء مدّةٍ لمثلها أُجرة ، فالمالك يدّعي أُجرة المثل والقيمة بجهة الغصب ، والمتصرّف يُنكر الأُجرة ويُقرّ بالقيمة بجهة العارية إن كانت مضمونةً ، فالحكم في الأُجرة على ما تقدّم عند بقاء العين.
وأمّا القيمة فإنّه يُحكم فيها بقول المتصرّف ؛ لأصالة براءة ذمّته من الزائد عن القيمة وقت التلف إن أوجبنا على الغاصب أعلى القِيَم.
وقال بعض الشافعيّة : إن قلنا : إنّ اختلاف الجهة يمنع الأخذ ، فلا يأخذ المالك إلّا باليمين. وإن قلنا : لا يمنع فإن قلنا : العارية تُضمن ضمانَ الغصب ، أو لم نقل به لكن كانت قيمته يوم التلف أكثر ، أخذها باليمين ، وإن كانت قيمته يوم التلف أقلَّ ، أخذها بغير يمينٍ ، وفي الزيادة يحتاج إلى اليمين(٣) .
وإن هلكت عقيب القبض قبل مضيّ وقتٍ يثبت لمثله أُجرة ، لزمه القيمة.
ثمّ قياس القول الأوّل أن يقال : إن جعلنا اختلاف الجهة مانعاً من
____________________
(١) البيان ٦ : ٤٧٧ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٩٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٨٩ ، وراجع الأُم ٣ : ٢٤٥ ، ومختصر المزني : ١١٦.
(٢) البيان ٦ : ٤٧٧ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٩٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٨٩.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٩٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٨٩.
الأخذ ، حلف ، وإلّا أخذ بغير يمينٍ.
وقضيّة ما قاله الجويني في مسألة التنازع بين الإجارة والعارية : إنّه لا يُخرّج على ذلك الخلاف لا هذه الصورة ولا ما إذا كان الاختلاف بعد مضيّ مدّةٍ يثبت لمثلها أُجرة.
قال : لأنّ العين متّحدة ، ولا وَقْع للاختلاف في الجهة مع اتّحاد العين(١) .
والظاهر : الأوّل عندهم(٢) .
وإن كانت العارية غيرَ مضمونةٍ ، فإنّ القولَ قولُ المالك في عدم الإعارة ، وقولُ المتصرّف في عدم الغصب لئلّا يضمن ضمانَ الغصب ، ثمّ يثبت على المتصرّف بعد حلف المالك على نفي الإعارة قيمتُها وقت التلف.
مسألة ١٣٣ : لو انعكس الفرض ، فقال المالك : أعرتُكها ، وقال المتصرّف : بل غصبتُها ، فلا فائدة في هذا الخلاف ؛ لأنّ المتصرّف يُقرّ بالضمان ، والمالك يُنكره إن كانت العارية غير مضمونةٍ ، وإن كانت مضمونةً فإنّه يُنكر ضمان الغصب.
وإن مضت مدّة لمثلها أُجرة ، فالمالك ينفي استحقاق العوض عنها ، والمتصرّف يعترف له بها.
ولو قال المالك : غصبتَها ، وقال المتصرّف : بل آجرتني ، فإن كانت العين باقيةً ولم تمض مدّة لمثلها أُجرة ، فالأقوى : التحالف.
أمّا حلف المتصرّف على نفي الغصب : فلنفي زيادة الضمان إن
____________________
(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٩٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٨٩.
أوجبنا أعلى القِيَم.
وأمّا حلف المالك : فلنفي استحقاق المتصرّف المنافع المدّة التي ادّعاها المتصرّف.
وقالت الشافعيّة - تفريعاً على أصحّ الأقوال عندهم - : إنّه إن كانت العين باقيةً ولم تمض مدّة لمثلها أُجرة ، قُدّم قول المالك ، فإذا حلف استردّ المال ، فإن مضت مدّة لمثلها أُجرة فالمالك يدّعي أُجرة المثل ، والمتصرّف يُقرّ له بالمسمّى ، فإن استويا أو كانت أُجرة المثل أقلَّ أخذه بغير يمينٍ ، وإن كانت أُجرة المثل أكثر أخذ قدر المسمّى بغير يمينٍ ، والزيادة باليمين(١) .
قال بعض الشافعيّة : ولا يجيء هنا خلاف اختلاف الجهة ، كما لو ادّعى المالك فسادَ الإجارة والمتصرّف صحّتَها ، يحلف المالك ، ويأخذ أُجرة المثل(٢) .
وإن كان الاختلاف بعد بقاء العين مدّةً في يد المتصرّف وتلفها ، فالمالك يدّعي أُجرة المثل والقيمة ، والمتصرّف يُقرّ بالمسمّى ويُنكر القيمة ، فللمالك أخذُ ما يُقرّ به بغير يمينٍ وأخذُ ما ينكره باليمين.
ولو قال المالك : غصبتني ، وقال المتصرّف : بل أودعتني ، فالقول قول المالك مع اليمين إن لم نوجب أعلى القِيَم ، وإن أوجبناه حلف كلٌّ منهما على نفي ما ادّعاه الآخَر ، ويثبت الضمان على المتصرّف ، فإن تلفت
____________________
(١) الحاوي الكبير ٧ : ١٢٤ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٧٤ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٢٩٠ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٩٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٨٩ - ٩٠.
(٢) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٢٩٠ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٣٩٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٩٠.
العين أخذ المالك المثلَ إن كان مثليّاً ، والقيمةَ إن كانت من ذوات القِيَم ، وأُجرة المثل إن مضت مدّة لمثلها أُجرة.
مسألة ١٣٤ : لو ادّعى الـمُستعير تلفَ العين وأنكر المالك ، قُدّم قول الـمُستعير مع اليمين ؛ لأنّه مؤتمن ، وربما تعذّرت البيّنة عليه.
ولو ادّعى الـمُستعير الردَّ وأنكر المالك ، قُدّم قول المالك مع اليمين ؛ لأصالة عدم الردّ ، وعدم براءة الذمّة بعد شغلها ، فإنّ الـمُستعير يدّعي إسقاط ما ثبت في ذمّته.
ولو تنازعا في القيمة بعد وجوب الضمان بالتفريط أو التضمين ، قُدّم قول الـمُستعير مع اليمين ؛ لأنّه منكر لما يدّعيه المالك من الزيادة.
ولو تنازعا في التفريط وعدمه ، قُدّم قول الـمُستعير ؛ لأصالة براءة ذمّته وعدم الضمان.
فروع :
أ - قد بيّنّا أنّه ليس للمُستعير أن يعير ، فإن فَعَل فللمالك الرجوعُ بأُجرة المثل على مَنْ شاء منهما ، فإن رجع على الـمُستعير لم يرجع الـمُستعير على الـمُعير وإن كان جاهلاً على إشكالٍ ، وإن رجع على الـمُعير كان له الرجوعُ على الـمُستعير العالم ، وفي الجاهل إشكال ، وكذا العين.
ب - لو انتفع الـمُستعير باستعمال العين بعد رجوع المالك في العارية ، فإن كان عالماً برجوعه كان ضامناً للعين والمنفعة معاً.
ولو كان جاهلاً ، احتُمل ذلك أيضاً ؛ لأنّ الاستعمال منوط بالإذن وقد زال ، وعدمُ الضمان.
ج - لو مات الـمُستعير ، وجب على ورثته ردّ العين وإن لم يطالب الـمُعير ؛ لأنّه مالٌ حصل في يدهم لغيرهم ، فيجب عليهم دفعه إليه.
مسألة ١٣٥ : تجوز الإعارة للإرهان ؛ لأنّها منفعة مباحة مطلوبة للعقلاء ، فوجب تسويغها توسعةً على المحاويج بالمباح.
قال ابن المنذر : أجمعوا على أنّ الرجل إذا استعار من الرجل شيئاً ليرهنه عند الرجل على شيءٍ معلومٍ إلى وقتٍ معلومٍ فرهن ذلك على ما أذن له فيه أنّ ذلك جائز ؛ لأنّه استعاره ليقضي به حاجته ، فصحّ كغيره من العواري(١) .
ولا يعتبر العلم بقدر الدَّيْن وجنسه ؛ لأنّ العارية لا يعتبر فيها العلم ، وبه قال أبو ثور وأحمد وأصحاب الرأي ؛ لأنّها عامّة لجنسٍ من النفع ، فلم يعتبر معرفة قدره ، كعارية الأرض للزرع(٢) .
وقال الشافعي : يعتبر ذلك ؛ لاختلاف الضرر به(٣) .
وهو ممنوع ؛ فإنّ الزرع كذلك.
إذا ثبت هذا ، فإنّ الـمُعير لا يصير ضامناً للدَّيْن - وبه قال أحمد والشافعي في أحد القولين(٤) - لأنّه [ أعاره ] ليقضي [ منها ](٥) حاجته ، فلم يكن ضامناً كسائر العواري.
وقال في الآخَر : إنّه يصير ضامناً له في رقبة عبده ؛ لأنّ العارية ما يستحقّ به منفعة العين ، والمنفعة هنا للمالك ، فدلّ على أنّه ضامن به(٦) .
إذا عرفت هذا ، فإنّ الـمُعير إذا عيّن قدر الدَّيْن الذي يرهنه به وجنسه ، أو عيّن محلاًّ ، تعيّن ؛ لأنّ العارية تتعيّن بالتعيين ، فإن خالفه في
____________________
(١) المغني ٥ : ٣٦٢ - ٣٦٣.
(٢ و ٣) المغني ٥ : ٣٦٣.
(٤ و ٦) المغني ٥ : ٣٦٣ ، حلية العلماء ٥ : ٢٠١ - ٢٠٢ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٤٥٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٣٩٣.
(٥) في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « لأنّه استعاره ليقضي منه ». والظاهر ما أثبتناه.
الجنس لم يصح ؛ لأنّه عقد لم يأذن المالك له فيه ، فلم يصح ، كما لو لم يأذن له في رهنه.
وأمّا إن أذن له في أجلٍ فرهنه إلى أقلّ من ذلك الأجل ، فقد خالفه أيضاً ؛ لأنّه قد لا يجد ما يفكّه به في ذلك الأمد القليل ، فيتضرّر المالك بالبيع.
وكذا لو أذن له في المؤجَّل فرهنه حالّاً ؛ لأنّه قد لا يجد ما يفكّه به في الحال ، فيتسلّط المرتهن على العين بالبيع.
ولو أذن له في رهنه حالّاً فرهنه مؤجَّلاً ، لم يصح ؛ لأنّه قد خالف أيضاً ، لأنّه لم يرض أن يحال بينه وبين عينه إلى أجلٍ ، فلم يصح.
ولو خالفه في القدر بأن أذن له في رهنه على مائة ، فرهنه على مائتين ، لم يصح ؛ لأنّ مَنْ رضي بقدرٍ من الدَّيْن لم يلزم أن يرضى بأكثر منه.
وهل يبطل من الرأس ، أو يصحّ في القدر المأذون فيه ويبطل في الزائد بحيث لو رضي المرتهن على رهنه بالمعيّن لزمه؟ إشكال ، أقربه ذلك.
أمّا لو رهنه على خمسين ، فإنّه يجوز قطعاً ؛ لأنّ مَنْ رضي بمائة رضي بخمسين التي هي أقلّ عرفاً ، فأشبه ما إذا أمره بالشراء بعشرة فاشترى بخمسة.
مسألة ١٣٦ : إذا أعاره للرهن فرهنه ، كان للمالك مطالبة الـمُستعير بفكّ الرهن في الحال ، سواء كان بدَيْنٍ حالٍّ أو مؤجَّلٍ ؛ لأنّ العارية عقد جائز من الطرفين ، للمالك الرجوعُ فيها متى شاء.
وإذا حلّ الدَّيْن أو كان حالّاً فلم يفكّه الراهن ، جاز بيعه في الدَّيْن ؛
لأنّ ذلك مقتضى الرهن ، فإنّه وثيقة على الدَّيْن.
وإنّما يتحقّق هذا المعنى بإمكان حصول الدَّيْن من العين عند الامتناع من الأداء ، وإنّما يثبت ذلك ببيعه ، فكان البيع سائغاً.
فإذا بِيع في الدَّيْن ، رجع المالك بأكثر الأمرين من القيمة ومن الثمن الذي بِيعت به ؛ لأنّ القيمة إن كانت أكثر فهو المستحقّ للمالك ؛ لأنّها عوض عينه ، وإن كان الثمن أكثر فهو عوض العين أيضاً.
ولو تلفت العين في يد المرتهن بغير تفريطٍ ، فلا ضمان عليه ؛ لأنّ الرهن لا يُضمن من غير تعدٍّ.
والأقرب عندي : إنّ الـمُستعير يضمن ؛ لأنّه استعار عاريةً هي في معرض الإتلاف.
ولو استعار عبداً من اثنين للرهن فرهنه بمائة ثمّ قضى خمسين على أن تخرج حصّة أحدهما من الرهن ، لم تخرج ؛ لأنّه رهنه بجميع الدَّيْن في صفقةٍ ، فلا ينفكّ بعضه بقضاء بعض الدَّيْن ، كما لو كان العبد لواحدٍ.
هذا إذا كان الرهن على جميع الدَّيْن وعلى كلّ جزءٍ منه.
مسألة ١٣٧ : لو استعار الدراهم للإنفاق بلفظ العارية ، فالأقرب : إنّها عارية فاسدة ؛ لأنّ مقتضى العارية الانتفاع بالعين مع بقائها لمالكها ، فحينئذٍ ليس له أن يشتري بها شيئاً ؛ لأنّ العارية قد فسدت ، ولم يحصل هناك قرض.
ويحتمل استباحة التصرّف ؛ عملاً بالإذن.
وقال أصحاب الرأي : إنّه يكون قرضاً(١) .
____________________
(١) تحفة الفقهاء ٣ : ١٧٧ - ١٧٨ ، بدائع الصنائع ٦ : ٢١٥ ، الاختيار لتعليل المختار =
فعلى ما قلناه يكون أمانةً محضة ، كالعارية الصحيحة.
وعند القائلين بضمان العارية الصحيحة تكون الفاسدة مضمونةً أيضاً.
ولو استعار شيئاً وأذن المالك له في إجارته مدّةً معلومة ، أو في عاريته ، جاز مطلقاً ومدّةً معيّنة ؛ لأنّ الحقّ لمالكه ، فاستباح ما أذن له فيه.
وليس للمُعير الرجوعُ في العارية بعد عقد الإجارة حتى تنقضي المدّة ؛ لتعلّق حقّ المستأجر بها ، وعقد الإجارة لازم.
وتكون العين غير مضمونةٍ على الـمُستأجر ولا على الـمُستعير عندنا ، وعند العامّة تكون مضمونةً ؛ بناءً على ضمان العواري(١) .
ولو آجر الـمُستعير بغير إذنٍ ، بطلت الإجارة ، وكان للمالك الرجوعُ بالأُجرة على مَنْ شاء منهما ، فإن أجاز الإجارة كان له المسمّى ، وإن لم يُجِز كان له أُجرة المثل.
مسألة ١٣٨ : لا يجوز للمُعير الرجوعُ في العارية إذا حصل بالرجوع ضرر بالـمُستعير لا يُستدرك ، كما لو أعاره لوحاً يرقع به السفينة ، فرقعها به ثمّ لجّج في البحر ، لم يجز للمُعير هنا الرجوع ما دامت السفينة في البحر ؛ لما فيه من خوف الغرق الموجب لذهاب المال أو تلف النفس.
ويحتمل أنّ له الرجوعَ ، ويثبت له المثل أو القيمة مع تعذّر المثل ؛ لما فيه من الجمع بين المصالح.
وله الرجوع لو لم تدخل السفينة في البحر أو خرجت منه ؛ لعدم التضرّر فيه.
____________________
= ٣ : ٧٩ ، المبسوط - للسرخسي - ١١ : ١٤٤ - ١٤٥ ، روضة القُضاة ٢ : ٥٣٣ / ٣١٥٤ ، الفقه النافع ٣ : ٩٤٨ / ٦٧٣ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٢٢٢.
(١) راجع الهامش (٤) من ص ٢٧٣.
ولو أعاره حائطاً ليضع عليه أطراف خشبه ، جاز له الرجوع قبل الوضع - إجماعاً - مجّاناً ، وبعده مع الأرش ما لم تكن الأطراف الأُخَر مثبتةً في ملك الـمُستعير ويؤدّي إلى خراب ما بناه الـمُستعير عليه ، ففيه خلاف.
ولو قال الـمُعير : أنا أدفع إليه أرش ما نقص بالقلع ، لم يجب على الـمُستعير إجابته إن منعنا الرجوع هنا ؛ لأنّه إذا قلعه انقلع ما في ملك الـمُستعير منه ، ولا يجب على الـمُستعير قلع شيءٍ من ملكه بضمان القيمة ، وقد سبق.
مسألة ١٣٩ : لو أنفذ رسولاً إلى شخصٍ ليستعير منه دابّةً يمضي عليها إلى قريةٍ معيّنةٍ ، فمضى الرسول وكذب في تعيين القرية وأخبر المالك بأنّ الـمُستعير يطلب الدابّة إلى قريةٍ أُخرى ، فدفع المالك دابّته إليه ، فإن خرج بها الـمُستعير إلى ما عيّنه الرسول وكذب فيه فتلفت ، لم يكن على أحدٍ ضمانٌ ؛ لأنّ صاحبها أعار الدابّة إلى ذلك الموضع.
ولو خرج بها الـمُستعير إلى ما طلبه الـمُستعير وقاله لرسوله فتلفت ، ضمن الـمُستعير ؛ لأنّ المالك إنّما أذن فيما أخبره الرسول ، لا فيما طلبه الـمُستعير ، فيكون الـمُستعير قد تجاوز الإذن ، فكان ضامناً ، سواء عرف الـمُستعير بالحال أو لا.
وأمّا الرسول فلا ضمان عليه ؛ لأنّ التلف حصل في يد الـمُستعير ، فاستقرّ الضمان عليه.
المقصد الثالث : في الشركة
وفيه فصول :
الأوّل : الماهيّة
الشركة هي اجتماع حقوق الـمُلّاك في الشيء الواحد على سبيل الشياع ، أو استحقاق شخصين فصاعداً على سبيل الشياع أمراً من الأُمور.
وسبب الشركة قد يكون إرثاً أو عقداً أو مزجاً أو حيازةً بأن يقتلعا شجرةً أو يغترفا ماءً دفعةً بآنيةٍ ، فكلّ ما هو ثابت بين اثنين فصاعداً مشاع بينهما يقال : إنّه مشترك بينهما(١) .
وهو ينقسم إلى عينٍ ومنفعةٍ وحقٍّ.
وبالجملة ، فهو ينقسم إلى ما لا يتعلّق بالمال ، كالقصاص وحدّ القذف ومنفعة كلب الصيد الباقي من مورّثهم ، وإلى ما يتعلّق بالمال ، وهو إمّا أن يكون عيناً ومنفعةً ، كما لو ورث اثنان أو جماعة مالاً أو غنموه أو اشتروه في عقدٍ واحد أو متعدّد ، أو اتّهبوه أو قَبِلوا الوصيّة به أو الصدقة ، وإمّا أن يكون مجرّد منفعةٍ ، كما لو استأجروا عبداً أو أُوصي لهم بسكنى دارٍ ، وإمّا أن يكون مجرّد عينٍ خاليةٍ عن المنفعة ، كما لو ورثوا عبداً موصى بخدمته وجميع منافعه على التأبيد ، وإمّا حقٌّ يتوصّل به إلى مالٍ ، كالشفعة التي تثبت لجماعةٍ ، وخيار الشرط ، وخيار الردّ بالعيب ، والرهن ، ومرافق الطرق.
وعلى كلّ تقديرٍ فالشركة قد تحدث بغير اختيار الشريك ، كما لو
____________________
(١) في النسخ الخطّيّة : « بينهم ».
ورثوا مالاً أو امتزج مالاهما بغير اختيارهما ، أو باختيارهما ، كما لو مزجا المالين أو اشتركا في الشراء.
والمقصود في هذا المقصد البحثُ عن الشركة الاختياريّة المتعلّقة بالتجارة وتحصيل الربح والفائدة.
مسألة ١٤٠ : الشركة جائزة بالنصّ والإجماع.
أمّا النصّ : فمن الكتاب والسنّة.
أمّا الكتاب : فقوله تعالى :( وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ) (١) أضاف الغنيمة إليهم ، وجعل الخُمس مشتركاً بين الأصناف المذكورين.
وقوله تعالى :( فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ ) (٢) .
وقال تعالى :( وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ ) (٣) والخلطاء هُم الشركاء في أمثال ذلك.
وأمّا السنّة : فما رواه العامّة عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال : « مَنْ كان له شريك في رَبْعٍ أو حائطٍ فلا يبعه حتى يؤذِن شريكه »(٤) .
____________________
(١) الأنفال : ٤١.
(٢) النساء : ١٢.
(٣) « ص » : ٢٤.
(٤) ورد نصّه في البيان ٦ : ٢٢٤ ، ونحوه في صحيح مسلم ٣ : ١٢٢٩ / ١٦٠٨ ، وسنن النسائي ٧ : ٣٠١ ، وسنن الدارمي ٢ : ٢٧٤ ، وسنن البيهقي ٦ : ١٠٤ ، ومسند أحمد ٤ : ٢٥٠ / ١٣٩٢٩.
وعن أبي هريرة : أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال : « [ يقول الله عزّ وجلّ : ](١) أنا ثالث الشريكين ما لم يَخُنْ أحدهما صاحبَه ، فإذا خانه خرجتُ من بينهما »(٢) يعني أنّ البركة تُنزع من مالهما.
وكان ابن [ أبي ](٣) السائب شريكاً للنبيّصلىاللهعليهوآله قبل المبعث ، وافتخر بشركته بعد المبعث ، فلم ينكر عليه(٤) .
وكان البراء بن عازب وزيد بن أرقم شريكين ، فاشتريا فضّةً بنقدٍ ونسيئةٍ ، فبلغ رسول اللهصلىاللهعليهوآله ذلك ، فأمرهما أنّ ما كان بنقدٍ فأجيزوه ، وما كان نسيئةً فردّوه(٥) .
ومن طريق الخاصّة : ما رواه هشام بن سالم - في الصحيح - عن الصادقعليهالسلام ، قال : سألته عن رجلٍ يشاركه الرجل في السلعة ، قال : « إن ربح فله ، وإن وضع فعليه »(٦) .
وعن الحسين بن المختار أنّه سأل الصادقَعليهالسلام : عن الرجل يكون له الشريك فيظهر عليه قد اختان منه شيئاً ، أله أن يأخذ منه مثل الذي أخذ من
____________________
(١) ما بين المعقوفين أضفناه من المصادر.
(٢) سنن أبي داوُد ٣ : ٢٥٦ / ٣٣٨٣ ، سنن الدارقطني ٣ : ٣٥ / ١٣٩ ، سنن البيهقي ٦ : ٧٨ ، المستدرك - للحاكم - ٢ : ٥٢ ، المغني والشرح الكبير ٥ : ١٠٩.
(٣) ما بين المعقوفين أضفناه من بعض المصادر.
(٤) المصنّف - لابن أبي شيبة - ١٤ : ٥٠٥ / ١٨٧٩٤ ، المعجم الكبير - للطبراني - ٧ : ١٦٥ / ٦٦١٨ و ٦٦١٩ ، سنن ابن ماجة ٢ : ٧٨٦ / ٢٢٨٧ ، سنن البيهقي ٦ : ٧٨ ، المستدرك - للحاكم - ٢ : ٦١ ، مسند أحمد ٤ : ٤٤١ / ١٥٠٧٩ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٨٥.
(٥) صحيح البخاري ٣ : ١٨٤ ، المغني والشرح الكبير ٥ : ١٠٩.
(٦) التهذيب ٧ : ١٨٥ / ٨١٧.
غير أن يبيّن ذلك؟ فقال : « شَوَه(١) لهما اشتركا بأمانة الله ، وإنّي لأُحبّ له إن رأى [ منه ](٢) شيئاً من ذلك أن يستر عليه ، وما أُحبّ له أن يأخذ منه شيئاً بغير علمه »(٣) .
والأخبار في ذلك كثيرة من طُرق العامّة وطُرق الخاصّة.
وأمّا الإجماع : فإنّه لا خلاف بين المسلمين في جوازها على الجملة وإن اختلفوا في أنواع منها.
مسألة ١٤١ : الشركة على أربعة أنواع : شركة العنان ، وشركة الأبدان ، وشركة المفاوضة ، وشركة الوجوه.
فأمّا شركة العنان : فإن يُخرج كلٌّ مالاً ويمزجاه ويشترطا العمل فيه بأبدانهما.
واختلفوا في أخذها من أيّ شيءٍ؟
فقيل : أُخذت من عنان الدابّة إمّا لاستواء الشريكين في ولاية الفسخ والتصرّف واستحقاق الربح على قدر رأس المال ، كاستواء طرفي العنان ، أو تساوي الفارسين إذا سوّيا بين فرسيهما وتساويا في السير(٤) يكونان سواءً ، وإمّا لأنّ كلّ واحدٍ منهما يمنع الآخَر من التصرّف كما يشتهي ويريد ، كما يمنع العنان الدابّة ، وإمّا لأنّ الآخذ بعنان الدابّة حبس إحدى يديه على العنان ، ويده الأُخرى مطلقة يستعملها كيف شاء ، كذلك الشريك بالشركة مَنَع نفسَه عن التصرّف في المشترك كما يشتهي وهو مطلق اليد والتصرّف
____________________
(١) الشَّوَه : قبح الوجه والخلقة. لسان العرب ١٣ : ٥٠٨ « شوه ».
(٢) ما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.
(٣) التهذيب ٧ : ١٩٢ / ٨٤٩.
(٤) في المغني ٥ : ١٢٤ ، والشرح الكبير ٥ : ١١١ إضافة : « فإنّ عنانيهما ».
في سائر أمواله(١) .
وقيل : هي مأخوذة من الظهور ، يقال : عنَّ الشيء إذا ظهر ، إمّا لأنّه ظهر لكلّ واحدٍ منهما مال صاحبه ، وإمّا لأنّه أظهر وجوه الشركة ، ولذلك وقع الإجماع من العلماء على صحّتها واختلفوا في غيرها(٢) .
وقيل : إنّها مأخوذة من المعانّة ، وهي المعارضة ؛ لأنّ كلّ واحدٍ منهما يُخرج ماله في معارضة إخراج الآخَر ، فكلّ واحدٍ من الشريكين معارض لصاحبه بماله وفعاله(٣) .
وقال الفرّاء : إنّها مأخوذة من عَنَّ الشيء إذا عرض ، يقال : عنّت لي حاجة إذا عرضت ، فسُمّيت بذلك ؛ لأنّ كلّ واحدٍ منهما عَنَّ له أن يشارك صاحبه(٤) .
وأمّا شركة الأبدان : فإن يشترك اثنان أو أكثر فيما يكتسبون بأيديهم كالصُّنّاع يشتركون على أن يعملوا في صناعتهم ، فما رزق الله تعالى فهو بينهم على التساوي أو التفاوت.
وأمّا شركة المفاوضة : فهو أن يشتركا ليكون بينهما ما يكتسبان ويربحان ويلتزمان من غُرْمٍ ويحصل لهما من غُنْمٍ ، فيلزم كلّ واحدٍ منهما ما يلزم الآخَر من أرش جنايةٍ وضمان غصبٍ وقيمة متلفٍ وغرامةٍ لضمانٍ أو كفالةٍ ، ويقاسمه فيما يحصل له من ميراثٍ أو يجده من ركازٍ أو لقطةٍ أو يكتسبه في تجارته بماله المختصّ به.
____________________
(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٨٦.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٨٦ ، المغني ٥ : ١٢٤ ، الشرح الكبير ٥ : ١١١.
(٤) حكاه عنه ابن هبيرة في الإفصاح عن معاني الصحاح ٢ : ٣ ، وابنا قدامة في المغني ٥ : ١٢٤ ، والشرح الكبير ٥ : ١١١.
قال صاحب إصلاح المنطق : شركة المفاوضة أن يكون مالهما من كلّ شيءٍ يملكانه بينهما(١) .
وأمّا شركة الوجوه : فقد فُسِّرت بمعانٍ أشهرها : إنّ صورتها أن يشترك اثنان وجيهان عند الناس لا مال لهما ليبتاعا في الذمّة إلى أجلٍ على أنّ ما يبتاعه كلّ واحدٍ منهما يكون بينهما ، فيبيعاه ويؤدّيا الأثمان ، فما فضل فهو بينهما(٢) .
وقيل : أن يبتاع وجيه في الذمّة ويفوّض بيعه إلى خاملٍ ، ويشترطا أن يكون الربح بينهما(٣) .
وقيل : أن يشترك وجيهٌ لا مال له وخاملٌ ذو مالٍ ليكون العمل من الوجيه والمال من الخامل ، ويكون المال في يده لا يسلّمه إلى الوجيه ، والربح بينهما(٤) .
وقيل : أن يبيع الوجيهُ مالَ الخامل بزيادة ربحٍ ليكون بعض الربح له(٥) .
مسألة ١٤٢ : لا يصحّ شيءٌ من أنواع الشركة ، سوى شركة العنان ، وقد بيّنّا أنّ شركة العنان جائزة ، وعليه إجماع العلماء في جميع الأعصار.
وأمّا شركة الأبدان : فعندنا أنّها باطلة ، سواء اتّفق عملهما أو اختلف
____________________
(١) تهذيب إصلاح المنطق ٢ : ٣٥٢ ، وحكاه عنه الطوسي في الخلاف ٣ : ٣٢٩ ، المسألة ٥ من كتاب الشركة.
(٢ و ٣) كما في العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٩٢ ، وروضة الطالبين ٣ : ٥١٣.
(٤) هذا التفسير من القاضي ابن كج والجويني كما في العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٩٢ ، وروضة الطالبين ٣ : ٥١٣.
(٥) قاله الغزالي في الوجيز ١ : ١٨٧ ، والوسيط ٣ : ٢٦٢ ، وعنه في العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٩٢ ، وروضة الطالبين ٣ : ٥١٣.
بأن يكون كلّ واحدٍ منهما خيّاطاً ويشتركان في فعل الخياطة ، أو يكون أحدهما خيّاطاً والآخَر نجّاراً ، ويعمل كلّ واحدٍ منهما في صنعته ، ويكون الحاصل بينهما ، وسواء كانت الصنعة البدنيّة في مالٍ مملوكٍ أو في تحصيل مالٍ مباحٍ ، كالاصطياد والاحتطاب والاحتشاش - وبه قال الشافعي(١) - لأنّ كلّ واحدٍ منهما متميّز ببدنه ومنافعه ، فيختصّ بفوائده ، وهذا كما لو اشتركا في ماشيتهما وهي متميّزة ليكون الدرّ والنسل بينهما ، فإنّه لا يصحّ.
ولأنّها شركة على غير مالٍ ، فلا يصحّ ، كما لو اشتركا في الاحتطاب والاحتشاش ، فإنّه لا يصحّ عند أبي حنيفة(٢) ، وكما لو اختلفت الصنعتان ،
____________________
(١) الإشراف على مذاهب أهل العلم ١ : ٦٤ / ٤٥ ، الإقناع : ١٢٨ ، الحاوي الكبير ٦ : ٤٧٩ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٥٣ ، بحر المذهب ٨ : ١٢٧ ، الوجيز ١ : ١٨٧ ، الوسيط ٣ : ٢٦٢ ، حلية العلماء ٥ : ٩٧ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ١٩٥ - ١٩٦ و ١٩٩ ، البيان ٦ : ٢٢٩ و ٣٣٥ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ٢ : ٤ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٩١ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٠٩ و ٥١٢ ، منهاج الطالبين : ١٣٢ ، بداية المجتهد ٢ : ٢٥٥ ، الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٦٠٤ / ١٠٢٢ ، عيون المجالس ٤ : ١٦٨١ / ١١٨٤ ، تحفة الفقهاء ٣ : ١١ ، بدائع الصنائع ٦ : ٥٧ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ١٠ ، روضة القُضاة ٢ : ٥٧١ / ٣٣٧٤ ، النتف ١ : ٥٣٧ ، المغني ٥ : ١١١ ، الشرح الكبير ٥ : ١٨٦.
(٢) الاختيار لتعليل المختار ٣ : ٢٣ ، تحفة الفقهاء ٣ : ١٥ ، بدائع الصنائع ٦ : ٦٣ ، روضة القُضاة ٢ : ٥٧٣ / ٣٣٨٤ ، الفقه النافع ٣ : ٩٩٥ / ٧٢٠ ، فتاوى قاضيخان - بهامش الفتاوى الهنديّة - ٣ : ٦٢٤ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ١٠ / ١٦٧٢ ، المبسوط - للسرخسي - ١١ : ٢١٦ ، النتف ١ : ٥٣٦ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ١١ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ٢ : ٥ - ٦ ، الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٦٠٤ - ٦٠٥ / ١٠٢٣ ، الحاوي الكبير ٦ : ٤٧٩ ، بحر المذهب ٨ : ١٢٧ ، حلية العلماء ٥ : ٩٨ ، البيان ٦ : ٣٣٥ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٩١ ، المغني ٥ : ١١١ ، الشرح الكبير ٥ : ١٨٥.
فإنّه لا يصحّ عند مالك(١) .
ولأنّ الأصل استحقاق كلّ واحدٍ منهما أُجرة عمله واختصاصه بها ، ونقله عنه يحتاج إلى دليلٍ ولم يقم.
وقال أبو حنيفة : شركة الأبدان صحيحة ، إلّا في الاحتطاب والاحتشاش والاغتنام والاصطياد. وبالجملة ، فإنّه سوّغ الشركة في الصناعة ، ومَنَعَها في اكتساب المباح ؛ لأنّ مقتضى الشركة : الوكالة ، ولا تصحّ الوكالة في هذه الأشياء ؛ لأنّ مَنْ أخذها مَلَكها ، ولأنّ أكثر ما في هذه الشركة أنّ كلّ واحدٍ منهما يتقبّل العمل لصاحبه ثمّ يشارك كلّ واحدٍ منهما صاحبَه في المال الذي اكتسبه وإن لم يكن شاركه في نفس العمل ، ومثل ذلك جائز ، ألا ترى أنّ الرجل إذا استأجر قصّاراً ليقصر له فسلّم الثوب إليه ، كان له أن يقصره بنفسه وبغيره ، ويستحقّ هو الأُجرة(٢) .
____________________
(١) المدوّنة الكبرى ٥ : ٤٢ ، الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٦٠٥ / ١٠٢٤ ، بداية المجتهد ٢ : ٢٥٥ ، التفريع ٢ : ٢٠٦ ، التلقين : ٤١٤ ، عيون المجالس ٤ : ١٦٨٠ / ١١٨٤ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ٣٩٣ ، المعونة ٢ : ١١٤٤ ، الحاوي الكبير ٦ : ٤٧٩ ، بحر المذهب ٨ : ١٢٧ ، حلية العلماء ٥ : ٩٩ ، البيان ٦ : ٣٣٥ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٩١ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ١٠ / ١٦٧٢ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ٢ : ٤ و ٥ ، المغني ٥ : ١١٣ ، الشرح الكبير ٥ : ١٨٧.
(٢) تحفة الفقهاء ٣ : ١١ و ١٥ ، بدائع الصنائع ٦ : ٥٧ و ٦٣ ، الاختيار لتعليل المختار ٣ : ١٧ و ٢٣ و ٢٥ ، روضة القُضاة ٢ : ٥٧١ و ٥٧٣ / ٣٣٧١ و ٣٣٧٢ و ٣٣٨٤ ، فتاوى قاضيخان - بهامش الفتاوى الهنديّة - ٣ : ٦٢٣ - ٦٢٤ ، الفقه النافع ٣ : ٩٩٤ و ٩٩٥ / ٧١٨ و ٧٢٠ ، المبسوط - للسرخسي - ١١ : ١٥٤ - ١٥٥ و ٢١٦ ، المحيط البرهاني ٦ : ٩ - ١١ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ١٠ / ١٦٧٢ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ١٠ و ١١ ، النتف ١ : ٥٣٥ و ٥٣٦ ، الحاوي الكبير ٦ : ٤٧٩ ، بحر المذهب ٨ : ١٢٧ ، حلية العلماء ٥ : ٩٨ ، البيان ٦ : ٣٣٥ ، العزيز شرح الوجيز =
والأوّل ممنوع ، إلّا أنّا لا نمنع(١) الشركة في هذه الأشياء وفي غيرها ، ونمنع مساواتها للوكالة.
وقال مالك : تصحّ شركة الأبدان بشرط اتّفاق الصنعتين ؛ لأنّه قال : إذا اتّفقت الصنعتان تقارب الكسبان ، وتدعو الحاجة إلى ذلك في الصنعة الواحدة دون الصنعتين ؛ لأنّ التعاون في الصنعة أمر واقع غالباً(٢) .
وهو ممنوع ؛ فإنّ الصانعَيْن قد تختلف صنعتهما وتتفاوت وتتقارب في الجنسين ، وأمّا الحاجة فالإجارة تكفي للاستعانة ، فلا حاجة إلى الشركة.
وقال أحمد بن حنبل : تجوز شركة الأبدان في جميع الأشياء ، سواء اختلفت الصنعتان أو اتّفقت ، وسواء كان في مالٍ أو في تحصيل مباحٍ ، كالاحتطاب وشبهه ؛ لأنّ سعد بن أبي وقّاص وعبد الله بن مسعود وعمّار بن ياسر اشتركوا فيما يغتنمونه ، فأتى سعد بأسيرين ولم يأتيا بشيءٍ ، فأقرّهم النبيّصلىاللهعليهوآله (٣) . قال أحمد : أشرك النبيّصلىاللهعليهوآله بينهم(٤) .
____________________
= ٥ : ١٩١ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ٢ : ٤ و ٥ - ٦ ، المغني ٥ : ١١١ ، الشرح الكبير ٥ : ١٨٥ - ١٨٦.
(١) في « ج » والطبعة الحجريّة : « والأوّل مسلّم إلّا أنّا نمنع ». والظاهر ما أثبتناه من « ث ، خ ، ر ».
(٢) المدوّنة الكبرى ٥ : ٤٢ ، الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٦٠٤ و ٦٠٥ / ١٠٢٢ و ١٠٢٤ ، بداية المجتهد ٢ : ٢٥٥ ، التفريع ٢ : ٢٠٦ ، التلقين : ٤١٤ ، المعونة ٢ : ١١٤٤ ، عيون المجالس ٤ : ١٦٨ / ١١٨٤ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ٣٩٢ ، الحاوي الكبير ٦ : ٤٧٩ ، بحر المذهب ٨ : ١٢٧ ، حلية العلماء ٥ : ٩٩ ، البيان ٦ : ٣٣٥ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٩١ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ١٠ / ١٦٧٢ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ٢ : ٤ و ٥.
(٣) سنن ابن ماجة ٢ : ٧٦٨ / ٢٢٨٨ ، سنن أبي داوُد ٣ : ٢٥٧ / ٣٣٨٨ ، سنن النسائي ٧ : ٥٧ و ٣١٩ ، سنن الدارقطني ٣ : ٣٤ / ١٣٨.
(٤) المغني ٥ : ١١١ - ١١٢ ، الشرح الكبير ٥ : ١٨٥ - ١٨٧ ، الإشراف على مذاهب
وهو غلط ؛ لأنّ غنائم بدر كانت لرسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فكان له أن يدفعها إلى مَنْ شاء ، فيحتمل أن يكون فَعَل ذلك لهذا.
وأيضاً فالغنائم مشتركة بين الغانمين بحكم الله تعالى ، فكيف يصحّ اختصاص هؤلاء بالشركة فيها!؟
وأيضاً فلا نسلّم أنّ سعداً أعطاهم على سبيل الوجوب ، بل أراد التبرّع والوفاء بالوعد الذي لا يجب إنجازه ، أمّا على سبيل اللزوم فلا.
واعلم أنّ المذهب المشهور للشافعي ما نقلناه عنه أوّلاً من موافقة مذهبنا في بطلان شركة الأبدان(١) .
وقال بعض الشافعيّة : إنّ للشافعي في هذه المسألة قولاً آخَر : إنّها جائزة ؛ لأنّ الشافعي قال في كتاب الإقرار : ولو أقرّ أحد الشريكين على صاحبه بمالٍ قُبِل إقراره ، سواء كانا شريكين في المال أو العمل(٢) .
وقال غيره : هذا ليس بقولٍ آخَر ؛ لأنّه لا يتضمّن صحّة الشركة(٣) .
وعن أحمد رواية أُخرى كمذهب مالك من صحّة شركة الأبدان مع اتّفاق الصنعة ، وبطلانها مع الاختلاف ؛ لأنّ مقتضى الشركة هنا أنّ ما تقبّل كلّ واحدٍ منهما من العمل لزمه ولزم صاحبه ، ويطالَب به كلُّ واحدٍ منهما ، فإذا تقبّل أحدهما شيئاً مع اختلاف صنائعهما ، لم [ يمكن ](٤) للآخَر أن يقوم
____________________
= أهل العلم ١ : ٦٤ - ٦٥ / ٤٥ ، الحاوي الكبير ٦ : ٤٧٩ ، بحر المذهب ٨ : ١٢٧ ، حلية العلماء ٥ : ٩٩ ، البيان ٦ : ٣٣٥ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٩١ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ٢ : ٤ - ٦ ، عيون المجالس ٤ : ١٦٨٠ / ١١٨٤.
(١) راجع ص ٣١٣ ، وكذا الهامش (١) منها.
(٢) بحر المذهب ٨ : ١٢٧ ، حلية العلماء ٥ : ٩٨ ، البيان ٦ : ٣٣٥.
(٣) بحر المذهب ٨ : ١٢٨ ، البيان ٦ : ٣٣٥.
(٤) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « يكن ». والمثبت من المصدر.
به ، وكيف يلزمه عمله أم كيف يطالَب بما لا قدرة له عليه!؟(١) .
مسألة ١٤٣ : وشركة المفاوضة عندنا باطلة ، وليس لها أصل في الشرع - وبه قال الشافعي ومالك(٢) وإسحاق وأبو ثور(٣) - لأنّه عقد قد اشتمل على غررٍ عظيم ؛ لأنّ ما يلزم أحدهما من غرامةٍ يلزم الآخَر ، والعقد يفسد بأقلّ من هذا غرراً ، كبيع الثمرة قبل خروجها أو قبل بدوّ صلاحها عند جماعةٍ(٤) ، واستئجار الأرض ببعض ما يخرج منها ، ولهذا لا يصحّ بين المسلم والكافر عندهم(٥) ، ولا بين الحُرّ والمكاتَب.
وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي : إنّها صحيحة(٦) . ورواه أصحاب
____________________
(١) المغني ٥ : ١١٣ ، الشرح الكبير ٥ : ١٨٧.
(٢) لم نقف على قول مالك فيما بين أيدينا من المصادر للعامّة. نعم ، حكاه عنه الطوسي في الخلاف ٣ : ٣٢٩ ، المسألة ٥ من كتاب الشركة.
(٣) الأُم ٣ : ٢٣١ ، الإشراف على مذاهب أهل العلم ١ : ٦٤ / ٤٤ ، الحاوي الكبير ٦ : ٤٧٥ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٥٣ ، بحر المذهب ٨ : ١٢٦ ، الوجيز ١ : ١٨٧ ، الوسيط ٣ : ٢٦٢ ، حلية العلماء ٥ : ٩٩ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ١٩٥ - ١٩٦ ، البيان ٦ : ٣٣٥ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٩١ - ١٩٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٥١٢ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ٢ : ٤ ، المغني ٥ : ١٣٩ ، الشرح الكبير ٥ : ١٩٨ ، بداية المجتهد ٢ : ٢٥٤ ، المبسوط - للسرخسي - ١١ : ١٥٣ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ١٦ / ١٦٧٨ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٤.
(٤) بحر المذهب ٦ : ١٩١ ، البيان ٥ : ٢٣٧ ، وراجع أيضاً ج ١٠ ، ص ٣٥٠ ، الهامش ( ١ و ٢ ).
(٥) المغني ٥ : ١٣٩ ، الشرح الكبير ٥ : ١٩٩ ، بحر المذهب ٨ : ١٢٧.
(٦) تحفة الفقهاء ٣ : ٩ ، بدائع الصنائع ٦ : ٥٧ ، الاختيار لتعليل المختار ٣ : ١٨ ، فتاوى قاضيخان - بهامش الفتاوى الهنديّة - ٣ : ٦١٨ ، الفقه النافع ٣ : ٩٨٩ / ١٨٠ ، المبسوط - للسرخسي - ١١ : ١٥٣ ، المحيط البرهاني ٦ : ٥ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ١٥ / ١٦٧٨ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٤ ، الإشراف على مذاهب أهل العلم ١ : ٦٤ / ٤٤ ، الحاوي الكبير ٦ : ٤٧٥ ، بحر المذهب ٨ : ١٢٦ ، الوجيز ١ : ١٨٧ ، الوسيط ٣ : ٢٦٢ ، حلية العلماء ٥ : ١٠٠ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ١٩٩ ، =
مالك عن مالك(١) أيضاً.
وشرط أبو حنيفة أُموراً :
الأوّل : أن يكون الشريكان مسلمين حُرّين ، فلا تصحّ شركة المفاوضة بين المسلم والكافر ، ولا بين الكافرين ، ولا بين الحُرّ والعبد.
الثاني : أن يكون مالهما في الشركة سواءً.
الثالث : أن يستعملا لفظ المفاوضة ، فيقولا : تفاوضنا ، أو : اشتركنا شركة المفاوضة.
الرابع : أن يستويا في قدر رأس المال.
الخامس : أن لا يملك واحد منهما من جنس رأس المال إلّا ثلاثة أشياء : قوت يومه ، وثياب بدنه ، وجارية يتسرّى بها.
السادس : أن يُخرجا جميع ما يملكانه من جنس مال الشركة ، وهو الدراهم والدنانير ؛ لأنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال : « إذا تفاوضتم فأحسنوا المفاوضة »(٢) ولأنّ هذه نوع شركةٍ يختصّ باسمٍ ، فكان فيها صحيح ، كشركة العنان(٣) .
____________________
= البيان ٦ : ٣٣٦ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٩٢ ، بداية المجتهد ٢ : ٢٥٤ ، عيون المجالس ٤ : ١٦٧٣ / ١١٨١ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ٢ : ٤ ، المغني ٥ : ١٣٩ ، الشرح الكبير ٥ : ١٩٨.
(١) كما في بحر المذهب ٨ : ١٢٦ ، وحلية العلماء ٥ : ١٠١ ، وراجع : المدوّنة الكبرى ٥ : ٦٨ ، والإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٦٠٥ / ١٠٢٥ ، وبداية المجتهد ٢ : ٢٥٤ ، والتلقين : ٤١٤ ، وعيون المجالس ٤ : ١٦٧٣ / ١١٨١ ، والمعونة ٢ : ١١٤٣ ، والحاوي الكبير ٦ : ٤٧٥ ، والوجيز ١ : ١٨٧ ، والإفصاح عن معاني الصحاح ٢ : ٤ و ٥ ، والمغني ٥ : ١٣٩ ، والشرح الكبير ٥ : ١٩٨.
(٢) بحر المذهب ٨ : ١٢٧ ، المغني ٥ : ١٣٩ ، الشرح الكبير ٥ : ١٩٩.
(٣) تحفة الفقهاء ٣ : ٩ ، بدائع الصنائع ٦ : ٦٠ - ٦٢ ، الاختيار لتعليل المختار ٣ : ١٨ - ١٩ ، روضة القُضاة ٢ : ٥٦٢ - ٥٦٣ / ٣٣٢٣ ، فتاوى قاضيخان - بهامش الفتاوى الهنديّة - ٣ : ٦١٨ - ٦١٩ ، الفقه النافع ٣ : ٩٨٩ - ٩٩٠ / ٧١٠ - ٧١٢ ، المبسوط =
والحديث ممنوع ؛ لأنّه لم يروه [ أصحاب ](١) السنن ، ثمّ ليس فيه ما يدلّ على أنّه أراد هذا العقد ، فيحتمل أنّه أراد المفاوضة في الحديث ، ولهذا روي فيه : « ولا تجادلوا فإنّ المجادلة من الشيطان »(٢) .
والقياس منقوض ببيع الحصاة ، فإنّه لا يصحّ ، وكذا بيع المنابذة ، وغيرهما من البيوع الباطلة ، فإنّها تختصّ باسمٍ ، وهي فاسدة ، ولا يقتضي اختصاصها بالاسم الصحّة ، مع قيام الفرق بين الأصل والفرع ، فإنّ شركة العنان تصحّ بين الكافرين ، والكافر والمسلم ، بخلاف هذه الشركة.
واعلم أنّ عند أبي حنيفة لشركة المفاوضة موجَباتٍ ، فمنها : أن يشارك أحدهما صاحبَه في جميع ما يكتسبه ، ويشاركه فيما يلزمه من الغرامة ، كالغصب والكفالة ، وإذا ثبت لأحدهما شفعةٌ شاركه صاحبه ، وما مَلَكه أحدهما بإرثٍ أو هبةٍ لا يشاركه الآخَر فيه ، فإن كان فيه من جنس رأس المال شيءٌ فسدت شركة المفاوضة ، وانقلبت إلى شركة العنان ، وما لزم أحدهما بغصبٍ أو بيعٍ فاسدٍ أو إتلافٍ كان مشتركاً ، إلّا الجناية على الحُرّ ، وبدل الخلع ، والصداق إذا لزم أحدهما لم يؤاخذ به الآخَر(٣) .
____________________
= - للسرخسي - ١١ : ١٥٣ وما بعدها ، المحيط البرهاني ٦ : ٧ - ٨ ، النتف ١ : ٥٣١ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٣ - ٥ ، بحر المذهب ٨ : ١٢٦ ، حلية العلماء ٥ : ١٠٠ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٢٠٠ ، البيان ٦ : ٣٣٦ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٩٢ ، المغني ٥ : ١٣٩ ، الشرح الكبير ٥ : ١٩٨ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ٢ : ٥.
(١) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « صاحب ». والمثبت هو الصحيح.
(٢) بحر المذهب ٨ : ١٢٧ ، المغني ٥ : ١٣٩ ، الشرح الكبير ٥ : ٢٠٠.
(٣) تحفة الفقهاء ٣ : ٩ ، الاختيار لتعليل المختار ٣ : ١٩ - ٢٠ ، روضة القُضاة ٢ : ٥٦٤ / ٣٣٢٧ و ٣٣٢٨ و ٣٣٣١ ، الفقه النافع ٣ : ٩٩٠ / ٧١٢ ، النتف ١ : ٥٣٢ - ٥٣٣ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٥ ، بحر المذهب ٨ : ١٢٦ ، حلية العلماء ٥ : ١٠٠ ، =
قال الشافعي في اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى : لا أعلم شيئاً في الدنيا يكون باطلاً إن لم تكن شركة المفاوضة باطلةً(١) ، يعني لما فيها من أنواع الغرر والجهالات الكثيرة.
مسألة ١٤٤ : شركة الوجوه عندنا باطلة - وبه قال الشافعي ومالك(٢) - لما تقدّم في شركة الأبدان.
وقال أبو حنيفة : إنّها صحيحة ؛ لما تقدّم من أنّها نوع شركةٍ اختصّت باسمٍ(٣) ، وقد سبق(٤) .
____________________
= التهذيب - للبغوي - ٤ : ٢٠٠ ، البيان ٦ : ٣٣٦ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٩٢ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ٢ : ٥.
(١) الأُم ٧ : ١٣٤ ، الحاوي الكبير ٦ : ٤٧٥ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٢٠٠ ، البيان ٦ : ٣٣٦.
(٢) الإشراف على مذاهب أهل العلم ١ : ٦٦ / ٤٦ ، الحاوي الكبير ٦ : ٤٧٧ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٥٣ ، بحر المذهب ٨ : ١٢٨ ، الوسيط ٣ : ٢٦٢ ، حلية العلماء ٥ : ١٠٢ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ١٩٩ ، البيان ٦ : ٣٣٧ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٩٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٥١٣ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ٢ : ٤ و ٦ ، الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٦٠٥ / ١٠٢٧ ، بداية المجتهد ٢ : ٢٥٥ ، الذخيرة ٨ : ٤٨ ، عيون المجالس ٤ : ١٦٨١ / ١١٨٥ ، المعونة ٢ : ١١٤٤ ، تحفة الفقهاء ٣ : ١٠ ، بدائع الصنائع ٦ : ٥٧ ، روضة القُضاة ٢ : ٥٧٢ / ٣٣٧٩ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ١١ ، المبسوط - للسرخسي - ١١ : ١٥٤.
(٣) تحفة الفقهاء ٣ : ١٠ ، بدائع الصنائع ٦ : ٥٧ ، الاختيار لتعليل المختار ٣ : ٢٥ ، روضة القُضاة ٢ : ٥٧١ - ٥٧٢ / ٣٣٧٨ ، فتاوى قاضيخان - بهامش الفتاوى الهنديّة - ٣ : ٦٢٣ ، الفقه النافع ٣ : ٩٩٤ / ٧١٩ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٩ / ١٦٧١ ، المبسوط - للسرخسي - ١١ : ١٥٤ ، المحيط البرهاني ٦ : ٩ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ١١ ، الحاوي الكبير ٦ : ٤٧٧ ، بحر المذهب ٨ : ١٢٨ ، حلية العلماء ٥ : ١٠٢ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ١٩٩ ، البيان ٦ : ٣٣٧ ، الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٦٠٦ / ١٠٢٧ ، بداية المجتهد ٢ : ٢٥٥ ، الذخيرة ٨ : ٤٨ ، عيون المجالس ٤ : ١٦٨١ / ١١٨٥ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ٢ : ٤ و ٦.
(٤) في ص ٣١٨.
إذا عرفت هذا ، فإن أذن أحدهما للآخَر في الشراء ، فاشترى لهما ، وقع الشراء عنهما ، وكانا شريكين ؛ لأنّه وكيل له اشترى له بإذنه ، ويشترط فيه اعتبار شرائط الوكالة ؛ لما رواه داوُد الأبزاري عن الصادقعليهالسلام ، قال : سألته عن رجلٍ اشترى بيعاً ولم يكن عنده نقد فأتى صاحباً له ، فقال : انقد عنّي والربح بيني وبينك ، فقال : « إن كان ربح فهو بينهما ، وإن كان نقصان فعليهما »(١) .
وعن إسحاق بن عمّار عن العبد الصالح الكاظمعليهالسلام ، أنّه قال : الرجل يدلّ(٢) الرجل على السلعة فيقول : اشترها ولي نصفها ، فيشتريها الرجل وينقد من ماله ، قال : « له نصف الربح » قلت : فإن وضع يلحقه من الوضيعة شيء؟ قال : « عليه من الوضيعة كما أخذ من الربح »(٣) .
____________________
(١) التهذيب ٧ : ١٨٦ / ٨٢٢.
(٢) في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « يدخل » بدل « يدلّ ». والمثبت كما في المصدر.
(٣) الفقيه ٣ : ١٣٩ - ١٤٠ / ٦١٢ ، التهذيب ٧ : ١٨٧ / ٨٢٤.
الفصل الثاني : في أركان الشركة
وهي ثلاثة :
ويشترط في كلٍّ منهما البلوغ والعقل والاختيار والقصد وجواز التصرّف. والضابط : أهليّة التوكّل والتوكيل ؛ لأنّ كلّ واحدٍ من الشريكين متصرّف في جميع المال ، أمّا فيما يخصّه : فبحقّ الملك ، وأمّا في مال غيره : فبحقّ الإذن من ذلك الغير ، فهو وكيل عن صاحبه وموكّل لصاحبه بالتصرّف في ماله ، فلا تصحّ وكالة الصبي ؛ لعدم اعتبار عبارته في نظر الشرع ، ولا المجنون ؛ لذلك ، ولا السفيه ولا المكره ولا الساهي والغافل والنائم ، ولا المفلس المحجور عليه ؛ لأنّه ممنوع من جهة الشرع من التصرّف في أمواله.
ولا فرق بين أن يأذن مَنْ له الولاية عليهم في ذلك أو لا ، إلّا المفلس ، فإنّه إذا أذن له الحاكم في التوكيل أو التوكّل جاز ، وكذا السفيه.
مسألة ١٤٥ : يكره مشاركة المسلم لأهل الذمّة من اليهود والنصارى والمجوس وغير أهل الذمّة من سائر أصناف الكفّار عند علمائنا - وبه قال الشافعي(١) - لما رواه العامّة عن عبد الله بن عباس أنّه قال : أكره أن يشارك المسلم اليهودي(٢) ، ولم يُعرف له مخالف في الصحابة.
ومن طريق الخاصّة : ما رواه ابن رئاب - في الصحيح - عن
____________________
(١) الإشراف على مذاهب أهل العلم ١ : ٦٧ / ٤٩ ، بحر المذهب ٨ : ١٢٠ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٥٢ ، ، الوسيط ٣ : ٢٦٥ ، حلية العلماء ٥ : ٩٢ ، البيان ٦ : ٣٢٧ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٨٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٥١٠ ، المغني والشرح الكبير ٥ : ١١٠.
(٢) بحر المذهب ٨ : ١٢٠ ، البيان ٦ : ٣٢٧ ، المغني والشرح الكبير ٥ : ١١٠.
الصادقعليهالسلام قال : « لا ينبغي للرجل المسلم أن يشارك الذمّي ولا يبضعه بضاعة ولا يودعه وديعة ولا يصافيه المودّة »(١) .
ولأنّ أموال اليهود والنصارى ليست بطيبةٍ ؛ فإنّهم يبيعون الخمور ويتعاملون بالربا ، فكرهت معاملتهم.
وقال الحسن البصري والثوري وأحمد بن حنبل : لا بأس بمشاركة اليهودي والنصراني ، ولكن لا يخلو اليهودي والنصراني بالمال دونه [ و ] يكون هو الذي يليه ؛ لما رواه العامّة عن عطاء قال : نهى رسول اللهصلىاللهعليهوآله عن مشاركة اليهودي والنصراني ، إلّا أن يكون الشراء والبيع بيد المسلم(٢) .
ومن طريق الخاصّة : ما رواه السكوني عن الصادقعليهالسلام : إنّ أمير المؤمنينعليهالسلام كره مشاركة اليهودي والنصراني والمجوسي إلّا أن تكون تجارة حاضرة لا يغيب عنها(٣) .
ولأنّ العلّة في كراهة ما خلوا به معاملتهم بالربا وبيع الخمر والخنزير ، وهذا منتفٍ فيما حضره المسلمون أو تولّوه بأنفسهم(٤) .
والخبران ممنوعان بضعف السند ، مع أنّا نقول بموجبهما ، وهو أن يكون المال أصله من المسلم بأن يبيعه في ذمّته ويعامل به بالوكالة من غير أن يباشر الكافر التصرّفَ ، أمّا إذا كان للكافر مال ، فإنّ المعنى الذي استخرجوه في المنع ثابت فيه ؛ لأنّ أصل أموالهم من التصرّفات المحرَّمة.
والذي احتجّوا به - من كون النبيّصلىاللهعليهوآله قد عاملهم ، ورهن درعه عند
____________________
(١) الكافي ٥ : ٢٨٦ ( باب مشاركة الذمّي ) ح ١ ، الفقيه ٣ : ١٤٥ / ٦٣٨ ، التهذيب ٧ : ١٨٥ / ٨١٥.
(٢) المغني والشرح الكبير ٥ : ١١٠.
(٣) الكافي ٥ : ٢٨٦ ( باب مشاركة الذمّي ) ح ٢ ، التهذيب ٧ : ١٨٥ / ٨١٦.
(٤) بحر المذهب ٨ : ١٢٠ ، حلية العلماء ٥ : ٩٣ ، البيان ٦ : ٣٢٧ ، المغني ٥ : ١٠٩ - ١١٠ ، الشرح الكبير ٥ : ١١٠.
يهوديٍّ على شعيرٍ أخذه لأهله(١) ، وأرسل إلى آخَر يطلب منه قرضاً إلى الميسرة(٢) ، وأضافه يهوديٌّ(٣) ، والنبيّصلىاللهعليهوآله لا يأكل ما ليس بطيبٍ(٤) - لا حجّة فيه ؛ لجواز أن يكونعليهالسلام علم الطيب في ذلك خاصّةً ، وهذا المعنى غير ثابتٍ في حقّ غيره.
مسألة ١٤٦ : لو شاركه المسلم فَعَل مكروهاً ، فإذا اشترى شيئاً بمال الشركة كان على أصل الإباحة مع جهالة المسلم بالحال أو علمه بالحلال ، أمّا لو علم أنّه اشترى به أو عامل في الحرام كالربا وبيع المحرَّمات ، فإنّه يقع فاسداً ، وعلى الذمّي الضمان ؛ لأنّ عقد الوكيل يقع عندنا للموكّل ، والمسلم لا يثبت ملكه على الخمر والخنزير ، فأشبه ما لو اشتراه المسلم نفسه ، وأمّا ما خفي أمره ولم يعلم حاله فالأصل إباحته وحلّه.
وأمّا المجوس فحكمهم حكم أهل الذمّة في كراهة مشاركتهم.
وقال أحمد : يكره معاملة المجوس ومشاركتهم - وإن نفى كراهة مشاركة أهل الذمّة - لأن المجوس يستحلّون ما لا يستحلّه الذمّي(٥) .
ولا خلاف في أنّه لو عامل المسلم أحد هؤلاء أو شاركهم فإنّه يكون تصرّفاً صحيحاً ؛ للأصل.
إذا عرفت هذا ، فليس بعيداً من الصواب كراهة مشاركة مَنْ لا يتوقّى المحرَّمات - كالربا وشراء الخمور - من المسلمين أيضاً ؛ لوجود المقتضي
____________________
(١) صحيح البخاري ٣ : ١٨٦ ، سنن ابن ماجة ٢ : ٨١٥ / ٢٤٣٧ ، سنن البيهقي ٦ : ٣٦ ، مسند أحمد ١ : ٥٩٦ / ٣٣٩٩ ، و ٣ : ٥٩١ / ١١٩٥٢.
(٢) سنن الترمذي ٣ : ٥١٨ / ١٢١٣ ، سنن النسائي ٧ : ٢٩٤ ، سنن البيهقي ٦ : ٢٥ ، مسند أحمد ٤ : ١٣٠ / ١٣١٤٧.
(٣) مسند أحمد ٤ : ٧٥ / ١٢٧٨٩.
(٤) المغني والشرح الكبير ٥ : ١١٠.
(٥) المغني ٥ : ١٠٩ و ١١٠ - ١١١ ، الشرح الكبير ٥ : ١١٠ و ١١١.
في أهل الذمّة فيهم.
الركن الثاني : الصيغة.
قد بيّنّا أنّ الأصل عصمة الأموال على أربابها وحفظها لهم ، فلا يصحّ التصرّف فيها إلّا بإذنهم ، وإنّما يُعلم الرضا والإذن باللفظ الدالّ عليه ، فاشتُرط اللفظ الدالّ على الإذن في التصرّف والتجارة ، فإن أذن كلّ واحدٍ منهما لصاحبه صريحاً فلا خلاف في صحّته.
ولو قال كلٌّ منهما : اشتركنا ، واقتصرا عليه مع قصدهما الشركة بذلك ، فالأقرب : الاكتفاء به في تسلّطهما على التصرّف به من الجانبين ؛ لفهم المقصود عرفاً ، وهو أظهر وجهي الشافعيّة ، وبه قال أبو حنيفة.
والثاني : إنّه لا يكفي ؛ لقصور اللفظ عن الإذن ، واحتمال قصد الإخبار عن حصول الشركة في المال عن غير الاختيار بأن يمتزج المالان بغير رضاهما ، ولا يلزم من حصول الشركة جواز التصرّف ، فإنّهما لو ورثا مالاً أو اشترياه صفقةً واحدة فإنّهما يملكانه بالشركة ، وليس لأحدهما أن يتصرّف فيه إلّا بإذن صاحبه ، وبه قال أكثر الشافعيّة(١) .
ولو أذن أحدهما لصاحبه في التصرّف في جميع المال ولم يأذن الآخَر ، تصرّف المأذون في الجميع ، وليس للآخَر أن يتصرّف إلّا في نصيبه مشاعاً.
وكذا لو أذن لصاحبه في التصرّف في الجميع وقال : أنا لا أتصرّف إلّا في نصيبي.
مسألة ١٤٧ : الشركة قد تقع بالاختيار ، وقد تقع بالإجبار ، كما تقدّم ، وكلامنا في الشركة المستندة إلى الاختيار ، وهي قد تحصل بمزج المالين
____________________
(١) الوسيط ٣ : ٢٦٥ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٨٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٥١٠.
بالاختيار من غير لفظٍ ، فلو امتزج المالان برضاهما حصلت الشركة الاختياريّة وإن لم يكن هناك لفظ ، وأمّا التصرّف والإذن فيه والمنع منه فذاك حكم زائد على مفهوم الشركة.
ولو شرط أحدهما على الآخَر أن لا يتصرّف إلّا في نصيبه ، لم يصح العقد ؛ لما فيه من الحجر على المالك في ملكه.
ثمّ الإذن قد يكون عامّاً بينهما بأن يأذن كلٌّ منهما لصاحبه في التصرّف في جميع المال والتجارة به في جميع الأجناس أو فيما شاء منهما.
وقد يكون خاصّاً ، كما لو أذن كلٌّ منهما لصاحبه في التجارة في جنسٍ واحد أو في بلدٍ واحد بعينه ، فلا يجوز لأحدهما التخطّي إلى غيره ، إلّا إذا استلزمه عرفاً.
وقد يكون عامّاً لأحدهما وخاصّاً للآخَر ، فلمن عمّم الإذن له التصرّفُ فيما شاء ، وأمّا الآخَر فلا يجوز له أن يتعدّى المأذون.
ولا خلاف في ذلك كلّه ، إلّا في صورة التعميم منهما أو من أحدهما ، فإنّ للشافعيّة وجهاً ضعيفاً فيه : إنّه لا يجوز الإطلاق ، بل لا بدّ من التعيين(١) .
تذنيب : لو استعملا لفظ المفاوضة وقصدا شركة العنان ، جاز - وبه قال الشافعي(٢) - لأنّ الكناية هنا معتبرة كالصريح.
الركن الثالث : المال.
مسألة ١٤٨ : يشترط في المال المعقود عليه الشركة أن يكون متساويي الجنس بحيث لو مزجا ارتفع الامتياز بينهما وحصل الاشتباه بينهما ، سواء
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٨٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٥١٠.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٩٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٥١٢ - ٥١٣.
كان المال من الأثمان أو العروض ، كما لو مزجا ذهباً بذهبٍ مثله أو فضّةً بمثلها أو حنطةً بمثلها أو دخناً بمثله ، إلى غير ذلك ممّا يرتفع فيه المائز بينهما.
ولا خلاف في أنّه يجوز جَعْل رأس المال الدراهم والدنانير ؛ لأنّهما أثمان الأموال والبياعات ، ولم يزل الناس يشتركون فيهما من زمن النبيّصلىاللهعليهوآله إلى وقتنا هذا من غير أن يُنكره أحد في صُقْعٍ من الأصقاع أو عصرٍ من الأعصار ، فكان إجماعاً.
وأمّا العروض فعندنا تجوز الشركة فيها مع الشرط المذكور ، سواء كانت من ذوات الأمثال أو من ذوات القِيَم - وبه قال مالك(١) - لأنّ الغرض من الشركة أن يملك أحدهما نصفَ مال الآخَر ، وتكون أيديهما عليه ، وهذا موجود في العروض ، فصحّت الشركة فيها.
وكره ابن سيرين ويحيى بن أبي كثير والثوري والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي الشركةَ في العروض ، ومَنَع الشافعي وأبو حنيفة من الشركة في العروض التي ليست من ذوات الأمثال ؛ لأنّ الشركة لا تخلو إمّا أن تكون واقعةً على الأعيان أو أثمانها أو قيمتها.
والأوّل باطل ؛ لأنّ الشركة توجب أن لا يتميّز مال أحدهما عن الآخَر ، وأن يرجع عند المفاصلة(٢) إلى رأس المال ولا [ مثل ](٣) لهما فيرجع
____________________
(١) المدوّنة الكبرى ٥ : ٥٤ ، الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٦٠٣ / ١٠١٩ ، بداية المجتهد ٢ : ٢٥٢ ، التفريع ٢ : ٢٠٥ ، الذخيرة ٨ : ٤٣ ، عيون المجالس ٤ : ١٦٧٥ / ١١٨١ ، المعونة ٢ : ١١٤٤ ، بحر المذهب ٨ : ١٢٢ ، حلية العلماء ٥ : ٩٣ ، البيان ٦ : ٣٢٨ ، المغني ٥ : ١٢٥ ، الشرح الكبير ٥ : ١١٢ ، تحفة الفقهاء ٣ : ٦ ، بدائع الصنائع ٦ : ٥٩ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٥ / ١٦٦٤ ، المبسوط - للسرخسي - ١١ : ١٦٠ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٦.
(٢) أي : عند فصل الشركة.
(٣) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « مال ». وما أثبتناه من بعض المصادر.
إليه ، وقد تزيد قيمة جنس أحدهما دون الآخَر فيستوعب بذلك جميع الربح ، أو تنقص قيمته فيؤدّي ذلك إلى أن [ يشاركه ](١) الآخَر في ثمن ملكه الذي ليس بربحٍ [ وأنّ ما يتلف ](٢) من مال الشركة يختصّ به أحدهما ، وهو مالك العين ، فيبطل الرجوع إلى أعيانهما.
والثاني - وهو أن تكون الشركة واقعةً على أثمانها - فهو باطل أيضاً ؛ لأنّ الأثمان معدومة حال العقد ولا يملكانها ، ولأنّه إن أراد ثمنها الذي اشتراها به فقد خرج عن ملكه ، وإن أراد ثمنها الذي يبيعها به فهو باطل أيضاً ؛ لأنّ ذلك يكون مضاربةً معلّقةً بشرطٍ ، وهو بيع الأعيان ، ويكون أيضاً عقد الشركة على ما لا يملكانه حال العقد ، ويكون أيضاً عقد الشركة قد وقع على مالٍ مجهول.
والثالث - وهو أن تكون الشركة واقعةً على القيمة - فإنّه باطل أيضاً ؛ لأنّ القيمة ليست ملكهما ، وهي مجهولة أيضاً ، ولأنّ القيمة قد تزيد في أحدهما قبل بيعه ، فيشاركه الآخَر في ثمن العين التي هي ملكه(٣) .
وهو غلط ؛ فإنّا نقول : الشركة تقع في الأعيان ، والرجوع في
____________________
(١) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « يشارك ». والظاهر ما أثبتناه كما في بعض المصادر.
(٢) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطيّة والحجريّة : « وإن تلف ». والظاهر ما أثبتناه من بحر المذهب.
(٣) الإشراف على مذاهب أهل العلم ١ : ٦٣ / ٤٣ ، الحاوي الكبير ٦ : ٤٧٣ - ٤٧٤ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٥٢ ، بحر المذهب ٨ : ١٢٢ ، حلية العلماء ٥ : ٩٣ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ١٩٧ ، البيان ٦ : ٣٢٧ - ٣٢٨ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٨٨ و ١٩٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٥١١ ، الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٦٠٣ / ١٠١٩ ، المغني ٥ : ١٢٤ - ١٢٥ ، الشرح الكبير ٥ : ١١٢ و ١١٣ ، روضة القُضاة ٢ : ٥٦٧ / ٣٣٥٠ ، المبسوط - للسرخسي - ١١ : ١٦٠.
المفاصلة كالرجوع عند الامتزاج بغير الاختيار.
مسألة ١٤٩ : وتجوز الشركة في العروض التي هي من ذوات الأمثال ، عند علمائنا ، وبه قال مالك(١) .
وللشافعي قولان - وعن أحمد روايتان(٢) - :
أحدهما مثل ما قلناه ؛ لما تقدّم(٣) .
والثاني : المنع ؛ فإنّه لا تصحّ الشركة إلّا على أحد النقدين ، كالمضاربة(٤) .
وهو غلط ؛ لأنّ هذا مالٌ له مثلٌ ، فصحّ عقد الشركة عليه إذا لم يتميّز ، كالنقود ، ولأنّ هذا يؤمن فيه المعاني السابقة المانعة من الشركة فيما لا مثل له ؛ لأنّه متى تغيّرت قيمة أحدهما تغيّرت قيمة الآخَر ، بخلاف المضاربة ؛ لأنّه ربما زادت قيمة جنس رأس المال ، فانفرد ربّ المال بجميع الربح ، ولأنّ حقّ العامل محصور في الربح ، فلا بدّ من تحصيل رأس المال ليوزّع الربح ، وفي الشركة لا حاجة إليه ، بل كلّ المال يُوزّع عليهما على قدر ماليهما.
تذنيب : إذا اشتركا فيما لا مثل له كالثياب ، وحصل المزج الرافع للامتياز ، تحقّقت الشركة ، وكان المال بينهما ، فإن عُلمت قيمة كلّ واحدٍ منهما ، كان الرجوع إلى نسبة تلك القيمة ، وإلّا تساويا ؛ عملاً بأصالة التساوي.
____________________
(١) راجع الهامش (١) من ص ٣٢٨.
(٢) المغني ٥ : ١٢٤ و ١٢٥ ، الشرح الكبير ٥ : ١١٢.
(٣) في المسألة السابقة.
(٤) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٥٢ ، بحر المذهب ٨ : ١٢٤ - ١٢٥ ، حلية العلماء ٥ : ٩٣ - ٩٤ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ١٩٧ - ١٩٨ ، البيان ٦ : ٣٢٨ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٨٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٥١١ ، روضة القُضاة ٢ : ٥٦٦ / ٣٣٤٩.
وقال مالك : يكون رأس المال ثمنهما(١) .
وليس بمعتمدٍ.
مسألة ١٥٠ : لا تصحّ الشركة إلّا بمزج المالين وعدم الامتياز بينهما ، عند علمائنا ، وبه قال زفر(٢) ، فالخلطة شرط في صحّة الشركة ، ومتى لم يخلطاه لم تصحّ ، وبه قال الشافعي(٣) ، حتى لو تلف مال أحدهما لم يكن له نصيب في ربح مال الآخَر ؛ لأنّ مال كلّ واحدٍ منهما يتلف منه دون صاحبه ، فلم تنعقد الشركة عليه ، كما لو كان من المكيل.
وقال أبو حنيفة : ليس من شرط الشركة خلطُ المالين ، بل متى أخرجا المالين وإن لم يمزجاه وقالا : قد اشتركنا ، انعقدت الشركة ؛ لأنّ الشركة إنّما هي عقد على التصرّف ، فلا يكون من شرطها الخلطة ، كالوكالة(٤) .
____________________
(١) الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٦٠٣ / ١٠١٩ ، بحر المذهب ٨ : ١٢٢ ، حلية العلماء ٥ : ٩٣ ، البيان ٦ : ٣٢٨.
(٢) تحفة الفقهاء ٣ : ٦ ، بدائع الصنائع ٦ : ٦٠ ، الاختيار لتعليل المختار ٣ : ٢١ ، المبسوط - للسرخسي - ١١ : ١٥٢ ، المحيط البرهاني ٦ : ٧ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٦ / ١٦٦٥ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٩.
(٣) الإشراف على مذاهب أهل العلم ١ : ٦١ / ٣٧ ، الحاوي الكبير ٦ : ٤٧٣ و ٤٨١ - ٤٨٢ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٥٢ ، بحر المذهب ٨ : ١٣٠ ، الوسيط ٣ : ٢٦١ ، حلية العلماء ٥ : ٩٤ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ١٩٦ ، البيان ٦ : ٣٣١ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٨٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٥١١ ، الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٦٠٤ / ١٠٢٠ ، بداية المجتهد ٢ : ٢٥٣ ، عيون المجالس ٤ : ١٦٧٨ / ١١٨٢ ، بدائع الصنائع ٦ : ٦٠ ، روضة القُضاة ٢ : ٥٦٧ / ٣٣٥٢ ، المبسوط - للسرخسي - ١١ : ١٥٢ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٧ / ١٦٦٥ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٩ ، المغني ٥ : ١٢٨ ، الشرح الكبير ٥ : ١١٧.
(٤) تحفة الفقهاء ٣ : ٦ ، بدائع الصنائع ٦ : ٦٠ ، الاختيار لتعليل المختار ٣ : ٢٠ - ٢١ ، روضة القُضاة ٢ : ٥٦٧ / ٣٣٥١ ، فتاوى قاضيخان - بهامش الفتاوى الهنديّة - ٣ : ٦١٣ ، الفقه النافع ٣ : ٩٩٣ / ٧١٦ ، المبسوط - للسرخسي - ١١ : ١٥٢ ، =
والفرق ظاهر ؛ فإنّ الوكالة ليس من شرطها أن يكون من جهة الوكيل مالٌ ، بخلاف الشركة.
وقال مالك : ليس من شرط الشركة الخلطةُ والمزجُ ، بل من شرطها أن تكون يدهما على المالين أو يد وكيلهما بأن يجعل في حانوتٍ لهما أو في يد وكيلهما دون الخلط ؛ لأنّ أيديهما على المال ، فصحّت الشركة ، كما لو خلطاه(١) .
والفرق : إنّ المال بالخلط يصير مشتركاً ، فيوجد فيه الاشتراك ، بخلاف ما إذا لم يمتزجا.
مسألة ١٥١ : قد بيّنّا أنّه لا تصحّ الشركة إلّا مع المزج الرافع للامتياز ، فلو أخرج أحد الشريكين دنانير والآخَر دراهم لم تنعقد الشركة وإن خلطاهما ؛ للامتياز بينهما حالة المزج ، ولو تلف أحدهما قبل التصرّف تلف من صاحبه ، وتعذّر إثبات الشركة في الباقي ، وبه قال الشافعي(٢) ، وقد سبق
____________________
= المحيط البرهاني ٦ : ٧ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٦ / ١٦٦٥ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٩ ، الحاوي الكبير ٦ : ٤٨٢ ، بحر المذهب ٨ : ١٣٠ ، حلية العلماء ٥ : ٩٤ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ١٩٧ ، البيان ٦ : ٣٣١ ، الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٦٠٣ / ١٠٢٠ ، بداية المجتهد ٢ : ٢٥٣ ، عيون المجالس ٤ : ١٦٧٨ / ١١٨٢ ، المغني ٥ : ١٢٨ ، الشرح الكبير ٥ : ١١٧.
(١) الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٦٠٣ / ١٠٢٠ ، بداية المجتهد ٢ : ٢٥٣ ، عيون المجالس ٤ : ١٦٧٨ / ١١٨٢ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٦ / ١٦٦٥ ، بحر المذهب ٨ : ١٣٠ ، حلية العلماء ٥ : ٩٥ ، البيان ٦ : ٣٣١ ، المغني ٥ : ١٢٨ ، الشرح الكبير ٥ : ١١٧.
(٢) الإشراف على مذاهب أهل العلم ١ : ٦٣ / ٤٢ ، الحاوي الكبير ٦ : ٤٨١ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٥٢ ، بحر المذهب ٨ : ١٢٣ و ١٣٠ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ١٩٦ - ١٩٧ ، البيان ٦ : ٣٣٠ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٨٨ - ١٨٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٥١١ ، روضة القُضاة ٢ : ٥٦٧ / ٣٣٥٣ ، المبسوط - للسرخسي - ١١ : =
دليله.
وقال أبو حنيفة : تنعقد الشركة ؛ لأنّهما يجريان مجرى الجنس الواحد ؛ لأنّهما قِيَم المتلفات وأُروش الجنايات ، ولأنّه لا يوجب المزج ، بل نقول : تنعقد الشركة بالقول وإن لم يخلطا المالين بأن يُعيّنا المال ويُحضراه ويقولا : قد تشاركنا في ذلك(١) .
وهو غلط ؛ لأنّهما مالان لا يختلطان ، وهُما متميّزان ، فلا يصحّ عقد الشركة عليهما كالعروض.
وما ذكروه فليس بصحيحٍ ؛ لأنّهما يجريان في حكم الربا مجرى الجنسين عند جماعةٍ ، ولأنّ الاعتبار بما ذكرناه ، دون الجنس الواحد.
وأحمد وافق أبا حنيفة في عدم اشتراط اتّفاق الجنسين ، بل يجوز أن يُخرج أحدهما دنانير والآخَر دراهم ، وهو منقول عن الحسن وابن سيرين(٢) .
مسألة ١٥٢ : ولا بدّ مع اتّفاق الجنس من اتّفاق الأوصاف بحيث لا يتميّز أحدهما عن الآخَر ، فلو تميّز مال أحدهما من مال الآخَر وأمكن تخليصه منه بعينه بعد المزج ، لم تصح الشركة ، بأن تختلف السكّة أو يُخرج أحدهما صحاحاً والآخَر مكسَّرةً ، أو أحدهما مستويةً والآخَر معوجةً ، أو أخرج أحدهما دراهم عتيقة أو سُوداً والآخَر حديثةً أو بيضاء ؛
____________________
= ١٥٢ - ١٥٣ ، المحيط البرهاني ٦ : ٧ ، المغني ٥ : ١٢٧ ، الشرح الكبير ٥ : ١١٨ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ٢ : ٣ - ٤.
(١) الفقه النافع ٣ : ٩٩٣ / ٧١٥ ، الحاوي الكبير ٦ : ٤٨١ ، بحر المذهب ٨ : ١٢٣ ، البيان ٦ : ٣٣٠ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ٢ : ٣ ، وراجع الهامش (٤) من ص ٣٣١.
(٢) المغني ٥ : ١٢٧ ، الشرح الكبير ٥ : ١١٨ ، الإشراف على مذاهب أهل العلم ١ : ٦٢ - ٦٣ / ٤٢.
لعدم حصول شرط الصحّة ، وهو الاشتباه بعد المزج.
وقد وافقنا الشافعي في الصحاح والمكسَّرة(١) .
ولأصحابه في السوداء والبيضاء قول بالجواز مع اختلافهما بالأمرين(٢) .
وقد بيّنّا جواز الشركة في العروض.
وللشافعي في ذوات الأمثال قولان(٣) .
فعلى الجواز يشترط اتّفاق المالين في الجنس والوصف ، فلو مزج الحنطة الحمراء بالبيضاء ، لم تصح الشركة ؛ لإمكان التمييز وإن شقّ وعسر التخليص.
وقال بعض الشافعيّة : تصحّ الشركة هنا ؛ لأنّ الناس يعدّون ذلك خلطاً(٤) .
وهو ممنوع إن أراد المزج الرافع للتمييز وعدم اعتبار غيره.
مسألة ١٥٣ : لا يشترط تقدّم(٥) العقد على الخلط ، بل لو مزجا المالين ثمّ أذن كلٌّ منهما في التصرّف وعقدا الشركةَ صحّت المشاركة بينهما ، سواء وقع الإذن في مجلس المزج أو في غيره - وهو أحد وجوه الشافعي - لأنّ الشركة في الحقيقة توكيل وتوكّل ، ولو حصل ذلك بعد المزج صحّ فكذا هنا.
____________________
(١) الحاوي الكبير ٦ : ٤٨١ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٥٢ ، بحر المذهب ٨ : ١٣٠ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ١٩٦ - ١٩٧ ، البيان ٦ : ٣٣٠ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٨٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٥١١ ، منهاج الطالبين : ١٣٢ ، روضة القُضاة ٢ : ٥٦٧ / ٣٣٥٣.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٨٩.
(٣) راجع الهامش (٤) من ص ٣٣٠.
(٤) الوسيط ٣ : ٢٦١ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٨٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٠٨.
(٥) في « ث ، ر ، خ » : « تقديم ».
ولو وجد التوكيل والمِلْكان متميَّزان ثمّ فُرض الاختلاط ، لم تنقطع الوكالة.
نعم ، لو قيّد الإذن بالتصرّف في المال الفرد(١) ، فلا بدّ من تجديد الإذن.
والوجه الثاني له : المنع - وهو الأظهر عندهم - إذ لا اشتراك عند العقد.
والثالث : إنّه يجوز إن وقع المزج في مجلس العقد ؛ لأنّ المجلس كنفس العقد ، فإن تأخّر لم يجز(٢) .
ولو ورثا عروضاً أو اشترياها ، فقد مَلَكاها شائعةً ، وذلك أبلغ من الخلط ، بل الخلط إنّما اكتفي به لإفادته الشيوع ، فإذا انضمّ إليه الإذن في التصرّف صحّ وتمّ العقد.
مسألة ١٥٤ : إذا أراد الشريكان الشركةَ في الأعيان المختلفة الجنس ، باع كلٌّ منهما نصفَ العين التي له بنصف العين التي لصاحبه ، أو نقلها إليه بوجهٍ آخَر شرعيّ ، ثمّ يأذن كلٌّ منهما لصاحبه في التصرّف ، فيصيرا شريكين.
وإنّما احتاج إلى الإذن ؛ لأنّ عقد البيع الذي حصل بينهما لا يفيد الإذنَ في التصرّف.
وكذا تتحقّق الشركة بينهما لو اشتريا معاً سلعةً من ثالثٍ بثمنٍ عليهما ، فيدفع كلّ واحدٍ منهما العينَ التي في يده عوضاً عمّا يخصّه من الثمن ، فيكون كلّ واحدٍ منهما شريكاً في العين ، ثمّ يأذن كلّ واحدٍ منهما لصاحبه في التصرّف.
____________________
(١) الظاهر : « المفرد ».
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٨٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٠٨.
وقال بعض الشافعيّة : إنّه يصير العرضان مشتركين ويملكان التصرّف بحكم الإذن ، إلّا أنّه لا تثبت أحكام الشركة في الثمن حتى يستأنفا عقداً وهو ناضٌّ(١) .
وجمهور الشافعيّة قائلون بثبوت الشركة وأحكامها على الإطلاق(٢) .
ولو لم يتبايعا العرضين ولكن باعاهما بعرضٍ أو نقدٍ ، ففي صحّة البيع للشافعيّة قولان(٣) .
ونحن اخترنا الصحّة على ما تقدّم ، فيكون الثمن مشتركاً بينهما إمّا على التساوي أو التفاوت بحسب قيمة العرضين ، فيأذن كلّ واحدٍ منهما للآخَر في التصرّف.
مسألة ١٥٥ : لا يشترط في الشركة تساوي المالين في القدر ، بل يجوز أن يكون مال أحدهما أكثر من مال الآخَر - وبه قال الحسن والشعبي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي ، وهو أحد قولَي الشافعيّة(٤) - لأنّهما مالان إذا خلطا اختلطا ، فجاز عقد الشركة عليهما ، كما لو كانا سواءً.
وقال بعض الشافعيّة : لا تجوز الشركة حتى يستوي المالان في القدر ؛ لأنّ الشافعي شرط أن يُخرج أحدهما مثل ما يُخرج الآخَر ، ولأنّ الربح يحصل بالمال والعمل ، ولا يجوز أن يختلف الربح بينهما مع استوائهما في المال ، فكذا أيضاً لا يجوز أن يختلفا في الربح مع استوائهما
____________________
(١ - ٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٨٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٠٨.
(٤) المغني ٥ : ١٢٧ ، الشرح الكبير ٥ : ١١٨ ، الاختيار لتعليل المختار ٣ : ٢٢ ، بدائع الصنائع ٦ : ٦٢ ، فتاوى قاضيخان - بهامش الفتاوى الهنديّة - ٣ : ٦١٣ ، الفقه النافع ٣ : ٩٩٢ / ٧١٤ ، المبسوط - للسرخسي - ١١ : ١٥١ - ١٥٢ ، المحيط البرهاني ٦ : ٣٢ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٧ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ٢ : ٣ و ٤ ، الحاوي الكبير ٦ : ٤٧٧ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٥٣ ، بحر المذهب ٨ : ١٣٠ ، الوسيط ٣ : ٢٦٤ ، حلية العلماء ٥ : ٩٥ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ١٩٧ ، البيان ٦ : ٣٣١ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٨٩ - ١٩٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٠٨ - ٥٠٩.
في العمل ، فإذا اختلف المالان اختلف الربحان مع التساوي في العمل(١) .
ونمنع وجوب تساوي الربح مع تساويهما في المال إذا شرطا الاختلافَ على ما يأتي ، ولأنّ العمل لا يشبه المال ، والأصل في هذه الشركة المال ، والعمل يتبع فيه ، فلهذا جاز أن يختلف معه الربح ، يدلّ على صحّة هذا أنّه يجوز أن يعمل أحدهما أكثر من الآخَر ويقتسما الربح ، وكذلك إذا شرط أحدهما عمل الآخَر والربح بينهما ، فاختلفا.
مسألة ١٥٦ : لا يشترط العلم حالة العقد بمقدار النصيبين بأن يعرف هل مال كلّ واحدٍ منهما مساوٍ لمال الآخَر أو أقلّ أو أكثر؟ وهل هو ثُلثه أو ربعه أو غير ذلك من النِّسَب؟ ولا مقدار ماله كم هو؟ - وهو أظهر وجهي الشافعيّة(٢) - إذا أمكن معرفته من بَعْدُ ؛ لأنّ الحقّ لا يعدوهما ، فيأذن كلّ واحدٍ منهما لصاحبه في التصرّف وإن جهل مقدار ما أذن له فيه.
وفي الوجه الثاني : لا يجوز حتى يعلم كلٌّ منهما نسبة ماله من مال الآخَر ، فلا يصحّ في المجهول ولا الجزاف ؛ لأنّه لا يدري في أيّ شيءٍ أذن ، والمأذون لا يدري ما ذا يستفيد بالإذن(٣) .
والوجه : ما قلناه ، فحينئذٍ تكون الأثمان بينهما مشتركةً مجهولةً على الإبهام ، كالمثمنات.
مسألة ١٥٧ : لو أخرج أحد الشريكين دراهم وأخرج الآخَر دنانير ، لم تصح الشركة على ما قدّمناه من وجوب التساوي في المالين في الجنس.
فإن اشتريا بعين الدراهم والدنانير عبداً أو ثوباً وربحا فيه ، كان الثوب
____________________
(١) الحاوي الكبير ٦ : ٤٧٧ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٥٢ ، بحر المذهب ٨ : ١٣٠ ، الوسيط ٣ : ٢٦٤ ، حلية العلماء ٥ : ٩٥ ، البيان ٦ : ٣٣١ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٩٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٠٩ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ٢ : ٤ ، المغني ٥ : ١٢٧ ، الشرح الكبير ٥ : ١١٨.
(٢ و ٣) الوسيط ٣ : ٢٦٤ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٩٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٠٩.
بينهما والربح بينهما ، فإذا أرادا القسمة ، نظرا إلى نقد البلد ، فقوّما الثوبَ به ثمّ قوّما مالَ الآخَر به ، ويكون التقويم حين صرف الثمن فيه ، فإن كان مالهما متساوياً تساويا في الثمن والربح ، وإن تفاضلا كان بينهما على النسبة.
وللشافعيّة في صحّة هذا الشراء قولان ، كما لو باعا عبديهما صفقةً واحدة ؛ لأنّ الثمن إذا كان معيّناً كان بمنزلة المبيع(١) .
مسألة ١٥٨ : يجوز أن يكون المال سبائك وتِبْراً وحُليّاً وغير ذلك من المصوغات من النقدين ، وهو ظاهرٌ على مذهبنا حيث جوّزنا الشركةَ في جميع الأموال.
وأمّا المانعون من الشركة في غير النقدين اختلفوا ، فأكثر الشافعيّة على المنع من الشركة فيها ؛ لأنّ قيمتها تزيد وتنقص ، فهي كالعروض(٢) .
والأصل فيه : إنّ التِّبْر هل هو متقوّمٌ أو مثليٌّ؟ فإن جُعل متقوّماً لم تجز الشركة عليه كغيره من الأعيان ، وإلّا ففيه قولان ، كالقولين في المثليّات من الأعواض(٣) .
وأمّا الدراهم المغشوشة : فعندنا تجوز الشركة فيها ، قلّ الغشّ أو كثر.
وللشافعيّة قولان مبنيّان على جواز التعامل بها ، إن جوّزنا التعامل فقد ألحقنا المغشوشَ بالخالص(٤) .
وقال بعضهم : إذا استمرّ رواجها في البلد ، جازت الشركة فيها(٥) .
وقال أبو حنيفة : إن كان الغشّ أقلَّ من النصف جازت الشركة فيها ،
____________________
(١) حلية العلماء ٥ : ١٠٩.
(٢) التهذيب - للبغوي - ٤ : ١٩٦ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٨٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٥١١.
(٣ - ٥) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٨٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٥١١.
وإن كان أكثر لم تجز ؛ لأنّ الاعتبار بالغالب في كثيرٍ من الأُصول(١) .
وأمّا الفلوس : فإنّها إذا حصل فيها الاشتباه وارتفاع الامتياز مع المزج صحّت الشركة بها - وبه قال مالك ومحمّد بن الحسن وأبو ثور وأحمد في إحدى الروايتين(٢) - لأنّها قد تقع أثماناً في العادة ، فجازت الشركة فيها ، كالدراهم.
وقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد في الرواية الأُخرى : لا تجوز ؛ لأنّها تنقص مرّةً وتكثر أُخرى ، فأشبهت العروض(٣) .
إذا ثبت هذا ، فإذا صحّت الشركة فيها ، فإن كانت باقيةً كان رأس المال مثلها ، وإن سقطت كانت قيمتها كالعروض.
وإن(٤) كان لهما ثوبان واشتبها عليهما ، لم يكن ذلك كافياً في عقد الشركة ؛ لأنّ المالين متميَّزان ، وإنّما التبس الأمر بينهما.
تذنيب : المثليّات قد تتفاوت قيمتها ، فيقسّط الثمن والربح على القيمتين ، كما لو كان لأحدهما كُرّ حنطةٍ قيمته عشرون ، وللآخَر كُرّ حنطةٍ قيمته عشرة ، فهُما شريكان بالثلث والثلثين.
مسألة ١٥٩ : قد بيّنّا أنّ شركة الوجوه عندنا باطلة حيث لا مال هناك تتحقّق فيه الشركة ، ويرجعان إليه عند المفاصلة. ثمّ ما يشتريه أحدهما يختصّ بربحه وخسرانه لا يشاركه الآخَر فيه ، إلّا أن يكون قد أذن له في الشراء عنه ويقصد المشتري موكّله ، وبه قال الشافعي(٥) .
____________________
(١) المغني ٥ : ١٢٦ ، الشرح الكبير ٥ : ١١٣.
(٢ و ٣) المغني ٥ : ١٢٦ ، الشرح الكبير ٥ : ١١٤ ، المبسوط - للسرخسي - ١١ : ١٦٠ ، المحيط البرهاني ٦ : ٦ ، فتاوى قاضيخان - بهامش الفتاوى الهنديّة - ٣ : ٦١٢.
(٤) في النسخ الخطّيّة : « ولو » بدل « وإن ».
(٥) الحاوي الكبير ٦ : ٤٧٨ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٥٣ ، بحر المذهب ٨ : =
وقال أبو حنيفة : يقع المشترى مشتركاً بمجرّد الشركة وإن لم يوجد قصدٌ من المشتري ولا إذنٌ من صاحبه(١) . وقد سلف(٢) بطلانه.
مسألة ١٦٠ : قد بيّنّا توقّف تحقّق الشركة على مزج المالين ، فلو لم يحصل لم تتحقّق الشركة ، فلا تصحّ في المال الغائب ؛ لانتفاء المزج فيه ، لتوقّفه على الحضور عند المالكين أو وكيلهما.
ولا تصحّ الشركة في الدَّيْن أيضاً ؛ لعدم تحقّق هذا المعنى فيه.
ولا يكفي في المزج الاختلاطُ مع إمكان التخليص ، كحبّاتٍ من الحنطة مع حبّات الشعير ، والدخن مع السمسم وإن شقّ التمييز بينهما ، وكما لو مزج الصحيح من الدراهم بالقراضة أو السمسم ببذر الكتّان ، أو اختلفت السكّة في بعض النقدين. وبالجملة ، متى حصل المائز بين المالين انتفت الشركة.
ولو اشتركا بالأبدان ، لم تصح على ما تقدّم(٣) ، فإن تميّز عمل كلٍّ منهما من عمل صاحبه اختصّ كلّ واحدٍ منهما بأُجرة عمله.
وإن اشتبه ، احتُمل تساويهما ؛ لأصالته ، والصلحُ ؛ إذ لكلّ واحدٍ منهما في المال حقٌّ لا يعلم قدره ، ولا مخلص إلّا عقد الصلح.
مسألة ١٦١ : قد بيّنّا أنّ الشركة لا تصحّ إلّا بالمال الممتزج من الشريكين ، ولا تصحّ بالأعمال.
إذا تقرّر هذا ، فلو دفع واحد إلى رجلٍ دابّةً ليعمل عليها فما رزق الله تعالى كان بينهما بالسويّة أو أثلاثاً أو على ما يتّفقان عليه ، لم يصح عند
____________________
= ١٢٨ - ١٢٩ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ١٩٩ ، البيان ٦ : ٣٣٧ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٩٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٥١٣.
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٩٣.
(٢) في ص ٣٣٢ ، ضمن المسألة ١٥٠.
(٣) في ص ٣١٢ ، المسألة ١٤٢.
علمائنا أجمع - وبه قال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي(١) - لأنّ الحمل الذي يستحقّ به العوض حصل من الدابّة ، فالأُجرة لصاحبها ، وعليه للعامل أُجرة المثل ؛ لأنّ هذا ليس من أقسام الشركة ، والمضاربة بالأعواض غير صحيحةٍ.
فعلى هذا إن كان الأجر المدفوع للدابّة بعينها ، فالأُجرة لمالكها.
وأمّا إن كان قد تقبّل حمل شيءٍ ، فحمله عليها ، أو حمل عليها شيئاً مباحاً فباعه ، فالأُجرة له والثمن له ، وعليه أُجرة المثل للدابّة في الموضعين.
ونُقل عن الأوزاعي صحّة ذلك ، وبه قال أحمد - وكرهه الحسن والشعبي(٢) (٣) - لأنّها عين تنمي بالعمل عليها ، فصحّ العقد عليها ، كالشجرة في المساقاة والأرض في المزارعة والدراهم والدنانير ، وهذه المعاملة وإن لم تكن شركةً ولا مضاربةً إلّا أنّها تشبه المساقاة والمزارعة ؛ لأنّه دفع العين إلى مَنْ يعمل عليها ببعض نمائها مع بقاء عينها(٤) .
وهو غلط ؛ لأنّ المساقاة والمزارعة خرجا عن الأصل بالنصّ ، فلا يقاس عليهما غيرهما إلّا بدليلٍ.
مسألة ١٦٢ : ولو استأجر دابّةً ليحمل عليها بنصف ما يرزقه الله تعالى ، لم يصح عند علمائنا وعند أكثر العامّة(٥) .
____________________
(١) المغني ٥ : ١١٦ ، الشرح الكبير ٥ : ١٩١ ، الإشراف على مذاهب أهل العلم ١ : ١٠٣ / ١٢٥ ، المبسوط - للسرخسي - ١١ : ٢١٩ ، فتاوى قاضيخان - بهامش الفتاوى الهنديّة - ٣ : ٦٢٥.
(٢) في المصادر : « النخعي » بدل « الشعبي ».
(٣) الإشراف على مذاهب أهل العلم ١ : ١٠٣ / ١٢٥ ، المغني ٥ : ١١٦ ، الشرح الكبير ٥ : ١٩١.
(٤) المغني ٥ : ١١٦ و ١١٧ ، الشرح الكبير ٥ : ١٩١ و ١٩٢.
(٥) المغني ٥ : ١١٧ ، الشرح الكبير ٥ : ١٩٢.
وقال أحمد في روايةٍ : إنّه يصحّ(١) .
وهو غلط ؛ لأنّ من شرط الإجارة وصحّتها العلمَ بالعوض وتقدير المدّة أو العمل ، ولو يوجد ، ولأنّه عقد غير منصوصٍ عليه ولا هو في معنى المنصوص ، فيكون كغيره من العقود الفاسدة.
ولو أعطى شخص فرسَه على النصف من الغنيمة ، قال أحمد : أرجو أن لا يكون به بأس. وبه قال الأوزاعي(٢) .
والحقّ : إنّ السهم من الغنيمة له أو الأُجرة.
وكذا لو دفع عبده إلى غيره ليكتسب عليه ويكون له ثلث ذلك أو ربعه ، فإنّه لا يصحّ عندنا ، خلافاً له(٣) .
وكذا لا يصحّ لو دفع إلى رجلٍ ثوباً ليفصله ويخيطه قميصاً ويبيعه وله نصف الربح ، وكذا لو دفع غزلاً إلى حائكٍ لينسجه بثلث ثمنه أو ربعه ، فإنّ ذلك كلّه عندنا باطل ، وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعى(٤) .
وقال أحمد : يصحّ ذلك كلّه(٥) .
وهو خطأ ؛ لأنّه عوضٌ مجهول عن عملٍ مجهول.
ولو دفع إليه الثوب لينسجه وجعل له [ مع ](٦) ذلك(٧) دراهم معلومة ، قال أحمد : لا يجوز. [ وعنه الجواز ](٨) (٩) .
____________________
(١) المغني ٥ : ١١٧ ، الشرح الكبير ٥ : ١٩٢.
(٢ - ٥) المغني ٥ : ١١٨ ، الشرح الكبير ٥ : ١٩٣.
(٦) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « ربع ». والصحيح ما أثبتناه من المغني والشرح الكبير.
(٧) أي : ثلث الثمن أو ربعه.
(٨) ما بين المعقوفين أضفناه من المصادر.
(٩) الكافي في فقه الإمام أحمد ٢ : ١٥٠ ، المغني ٥ : ١١٨ ، الشرح الكبير ٥ : ١٩٣.
ولو أعطاه الثوب بالثلث ودرهم أو درهمين ، فروايتان(١) .
وجوّز ذلك ابن سيرين والنخعي والزهري وأيّوب(٢) .
وقال ابن المنذر : كره هذا كلَّه الحسنُ(٣) .
وقال أبو ثور وأصحاب الرأي : هذا كلّه فاسد(٤) - كما قلناه - واختاره ابن المنذر(٥) .
ولو دفع شبكةً إلى الصيّاد ليصطاد بها على النصف أو غيره من الأجزاء المعلومة ، لم يصح ، وعليه أُجرة الشبكة ، والحاصل للصيّاد.
قال أصحاب أحمد : وقياس مذهب أحمد صحّة الشركة ، فيكون الحاصل بينهما على ما شرطاه ؛ لأنّها عين تنمي بالعمل فيها ، فجاز دفعها ببعض نمائها ، كالأرض(٦) .
مسألة ١٦٣ : لو كان لواحدٍ دابّة ولآخَر راوية فتشاركا مع ثالثٍ ليستقي الماء ويكون الحاصل بينهم ، فلا شركة هنا عندنا ؛ لأنّها منافع أبدانٍ متميّزة ، وشركة الأبدان باطلة ، ولا يصحّ أن يكون مضاربةً ؛ لأنّ رأس مالها العروض والعمل ، ولأنّ من شرطها عود رأس المال سليماً على معنى أنّه لا يستحقّ شيئاً من الربح حتى يستوفي رأس المال بكماله ، والراوية هنا تخلق
____________________
(١) راجع المغني ٥ : ١١٨ ، والشرح الكبير ٥ : ١٩٣ - ١٩٤.
(٢) الإشراف على مذاهب أهل العلم ١ : ٢٣٣ / ٣٦٦ ، المغني ٥ : ١١٨ - ١١٩ ، الشرح الكبير ٥ : ١٩٤.
(٣) الإشراف على مذاهب أهل العلم ١ : ٢٣٢ / ٣٦٦ ، المغني ٥ : ١١٩ ، الشرح الكبير ٥ : ١٩٤.
(٤) الإشراف على مذاهب أهل العلم ١ : ٢٣٢ - ٢٣٣ / ٣٦٦ ، المغني ٥ : ١١٩ ، الشرح الكبير ٥ : ١٩٤.
(٥) الإشراف على مذاهب أهل العلم ١ : ٢٣٣ / ٣٦٦ ، المغني ٥ : ١١٩.
(٦) المغني ٥ : ١١٩ ، الشرح الكبير ٥ : ١٩٤.
وتنقص ، وليس ذلك أيضاً إجارةً ؛ لافتقار الإجارة إلى مدّةٍ معيّنة وأُجرةٍ معلومة ، فتكون فاسدةً.
إذا تقرّر هذا ، فلو آجروا عليه واستقى الثالث ، فنقول : إن كان الماء مملوكاً للسقّاء ، فالثمن له ، وعليه أُجرة المثل للدابّة والراوية.
وإن كان مباحاً ، فإن أخذه بنيّة أنّه له فكالأوّل.
وإن أخذه بنيّة الشركة ، فإن قلنا : إنّه لا تجوز النيابة في تملّك المباحات ، فكالأوّل أيضاً ؛ لأنّ السقّاء يكون قد مَلَكه بمجرّد الحيازة والأخذ ، وإن قلنا : إنّه تجوز النيابة في مثل ذلك ، فالماء بينهم.
وكيف يُقسّم؟ يحتمل أن يُقسّم على نسبة أُجور أمثالهم ؛ لأنّه حصل بالمنافع المختلفة ، وأن يُقسّم بينهم بالسويّة اتّباعاً لقصده ، فحينئذٍ يكون للسقّاء أن يطالب كلّ واحدٍ من صاحبيه بثلث أُجرة منفعته ؛ لأنّ منفعته لم ينصرف إليه منها سوى الثلث.
وكذا يرجع كلّ واحدٍ من صاحب الدابّة والراوية على كلّ واحدٍ من الآخَر والسقّاء بثلث أُجرة منفعة ملكه.
وعلى الوجه الأوّل لا تراجع بينهم في الأُجرة ؛ لأنّ كلّ واحدٍ منهم قد أخذ حقّه - وهو أُجرة مثل عمله - لا أزيد.
مسألة ١٦٤ : لو استأجر رجلٌ الدابّةَ من صاحبها والراويةَ من صاحبها والسقّاءَ لحمل الماء وهو مباح ، فإن أفرد كلّ واحدٍ منهم بعقدٍ صحّ ، والماء للمستأجر ، وعليه لكلّ واحدٍ من الثلاثة ما عيّنه من الأُجرة.
وإن جمع بين الجميع في عقدٍ واحد ، صحّ عندنا ، وحينئذٍ تُوزَّع الأُجرة المسمّاة على أُجور الأمثال ، وهو أحد قولَي الشافعي.
والثاني : بطلان الإجارة ، فلكلّ واحدٍ من الثلاثة أُجرة المثل عليه ،
والماء للمستأجر ، سواء قلنا : إنّ الإجارة صحيحة ، أو لا.
أمّا على تقدير الصحّة : فظاهر.
وأمّا على تقدير الفساد : فلأنّ منافعهم مضمونة عليه بأُجرة المثل(١) .
فإن نوى السقّاء نفسه وقلنا بفساد الإجارة ، قال بعض الشافعيّة : يكون للمستأجر أيضاً(٢) .
وتوقّف الجويني فيه ؛ لأنّ منفعته غير مستحقّةٍ للمستأجر ، فليكن الحاصل له(٣) .
وموضع القولين للشافعي : ما إذا وردت الإجارة على عين السقّاء والدابّة والراوية ، فأمّا إذا ألزم ذمّتهم نقلَ الماء صحّت الإجارة لا محالة ؛ إذ ليست هنا أعيان مختلفة تُفرض جهالة في أُجورها ، وإنّما على كلّ واحدٍ منهم ثلث العمل(٤) .
مسألة ١٦٥ : لو اشترك أربعة لأحدهم بيت الرحى ، ولآخَر حجر الرحى ، ولآخَر دابّة تديره ، والرابع يعمل الصِّماد للدوابّ في الحجر(٥) على أنّ الحاصل من أُجرة الطحن بينهم ، فهي شركة فاسدة على ما عُرف.
ثمّ إن استأجر مالك الحنطة العاملَ والآلات من أربابها وأفراد كلّ واحدٍ منهم بعقدٍ ، لزمه ما سمّى لكلّ واحدٍ منهم ، ولا شركة.
وإن جمع بين الجميع في عقدٍ واحد ، فإن ألزم ذمّتهم الطحن صحّ العقد ، وكانت الأُجرة المسمّاة بينهم أرباعاً ، ويتراجعون أُجرة المثل ؛ لأنّ
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٩٣ - ١٩٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٥١٤.
(٢ - ٤) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٩٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٥١٤.
(٥) كذا قوله : « يعمل الصّماد للدوابّ في الحجر » في النسخ الخطّيّة والحجريّة ، وفي العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٩٤ ، وروضة الطالبين ٣ : ٥١٤ : « يعمل في الرحى ».
المنفعة المملوكة لكلّ واحدٍ منهم قد استوفى ربعها حيث أخذ ربع المسمّى ، وانصرف ثلاثة أرباعها إلى أصحابه ، فيأخذ منهم ثلاثة أرباع أُجرة المثل.
وإن استأجر عين العامل وعين الآلات ، صحّ عندنا.
وللشافعي قولان :
أحدهما : فساد الإجارة ، فلكلّ واحدٍ أُجرة مثله.
والثاني : الصحّة : فيُوزّع المسمّى عليهم ، ويكون التراجع بينهم على ما سبق(١) .
ولو ألزم صاحب الحنطة ذمّةَ العامل الطحن ، لزمه ، وعليه إذا استعمل ما لأصحابه أُجرة المثل لهم ، إلّا أن يستأجرها بعقدٍ صحيح ، فيكون عليه المسمّى.
وقد روى العامّة : أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله نهى عن قفيز الطحّان(٢) ، وهو أن يعطى الطحّان أقفزة معلومة ليطحنها بقفيز دقيق منها.
وعلّة المنع : أنّه جعل له بعض معموله أجراً لعمله ، فيصير الطحن مستحقّاً عليه.
وقد أنكر جماعةٌ منهم(٣) هذا الحديثَ.
وقياس قول أحمد جوازه(٤) .
____________________
(١) بحر المذهب ٨ : ١٣٣ - ١٣٤ ، البيان ٦ : ٣٣٨ - ٣٣٩ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٩٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٥١٤.
(٢) سنن الدارقطني ٣ : ٤٧ / ١٩٥ ، سنن البيهقي ٥ : ٣٣٩ ، المغني ٥ : ١١٩ ، الشرح الكبير ٥ : ١٩٤.
(٣) منهم : ابنا قدامة في المغني ٥ : ١١٩ ، والشرح الكبير ٥ : ١٩٤.
(٤) كما في المغني ٥ : ١١٩ ، والشرح الكبير ٥ : ١٩٤.
مسألة ١٦٦ : لو دفع إلى شخصٍ عيناً على أن يؤجرها المدفوع إليه وتكون الأُجرة بينهما ، لم يصح ، وتكون الإجارة لصاحب العين إن استؤجرت العين ، أو تكون للمدفوع إليه ، فالأجر له ، ولصاحب العين أُجرة المثل.
ولو كان لرجلٍ دابّة ، ولآخَر أُكاف وجوالقات ، فاشتركا على أن يؤاجراهما ، والأُجرة بينهما نصفان ، فهو فاسد ؛ لأنّ هذه أعيان لا يصحّ الاشتراك فيها وكذلك في منافعها ؛ إذ تقديره : آجِر دابّتك ليكون أجرها بيننا ، وأؤجر جوالقاتي لتكون أُجرتها بيننا ، وذلك باطل ، فتكون الأُجرة بأسرها لصاحب الدابّة ؛ لأنّه مالك الأصل ، وللآخَر أُجرة المثل على صاحب البهيمة ؛ لأنّه استوفى منافع ملكه بعقدٍ فاسد.
هذا إذا آجرا الدابّة بما عليها من الأُكاف والجوالقات في عقدٍ واحد ، فأمّا إن آجر كلّ واحدٍ منهما ملكه منفرداً ، فلكلّ واحدٍ منهما أُجرة ملكه.
والتحقيق أن نقول : لا اعتبار بهذه الشركة ، فوجودها كالعدم.
ثمّ المستعمل للدابّة والجوالقات إن كان قد عقد معهما أو مع أحدهما بإذن الآخَر عَقْد إجارةٍ شرعيّة ، كان عليه المسمّى يقسّط على أُجرة مثل الدابّة وأُجرة المثل للجوالقات والأُكاف ، وإن لم يعقد معهما عَقْد إجارةٍ ، كان عليه أُجرة مثل الدابّة لصاحبها ، وأُجرة مثل الأُكاف والجوالقات لصاحبها.
مسألة ١٦٧ : لو كان لواحدٍ البذرُ ولآخَر دوابُّ الحرث ولثالثٍ الأرضُ ، فاشتركوا مع رابعٍ ليعمل ويكون الحاصل بينهم ، فالشركة باطلة ، والنماء لصاحب البذر ، وعليه أُجرة المثل لصاحب الأرض عن أرضه ، ولصاحب الدوابّ عن عملها ، ولصاحب العمل عن عمله.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٩٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٥١٥.
فإن أصاب الزرع آفة ولم يحصل شيء من الغلّة ، لم يسقط حقّهم من أُجرة المثل.
وقال بعض الشافعيّة : لا شيء لهم ؛ لأنّهم لم يحصّلوا له شيئاً(١) .
وهو غلط ظاهر ؛ لأنّه قد تصرّف في مال الغير بعملٍ له أُجرة ؛ فكان عليه الأُجرة.
الفصل الثالث : في الأحكام
مسألة ١٦٨ : الشركة عقد جائز من الطرفين ، وليست من العقود اللازمة بالإجماع ، فإذا اشتركا بمزج المالين وأذن كلٌّ منهما لصاحبه في التصرّف فلكلٍّ من الشريكين فسخها ؛ لأنّ الشركة في الحقيقة توكيل وتوكّل.
فلو قال أحدهما للآخَر : عزلتك عن التصرّف ، أو : لا تتصرّف في نصيبي ، انعزل المخاطب عن التصرّف في نصيب العازل ، ويبقى له التصرّف في نصيبه ، ولا ينعزل العازل عن التصرّف في نصيب المعزول إلّا بعزلٍ متجدّد منه.
ولو فسخاها معاً ، فإنّ الاشتراك باقٍ وإن لم يكن لأحدهما التصرّف في نصيب الآخَر.
ولو قال أحدهما : فسختُ الشركة ، ارتفع العقد ، وانفسخ من تلك الحال ، وانعزلا جميعاً عن التصرّف ؛ لارتفاع العقد.
وقال بعض الشافعيّة : انعزالهما مبنيٌّ على أنّه يجوز التصرّف بمجرّد عقد الشركة ، أم لا بدّ من التصريح بالإذن؟ إن قلنا بالأوّل ، فإذا ارتفع العقد انعزلا ، وإن قلنا بالثاني وكانا قد صرّحا بالإذن ، فلكلٍّ منهما التصرّف إلى أن يعزل(١) .
وكيفما كان فالشافعيّة على ترجيح القول بانعزالهما(٢) .
مسألة ١٦٩ : إذا عقدا الشركةَ ومزجا المالين ، فإن وُجد من كلٍّ منهما
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٩٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٥١٥ - ٥١٦.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٩٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٥١٥.
الإذنُ لصاحبه في التصرّف في جميع المال ، تسلّط كلٌّ منهما على ذلك ، وكان حكمُ تصرّفه حكمَ تصرّف الوكيل مع الإطلاق ، فلا يبيع بالنسيئة ولا بغير نقد البلد ، ولا يبيع ولا يشتري بالغبن الفاحش إلّا مع إذن الشريك.
فإن خالف وباع بالغبن الفاحش ، لم يصح في نصيب الشريك ، ويصحّ في نصيبه عندنا ، ويتخيّر المشتري مع فسخ الشريك للبيع.
وعند الشافعي قولان مبنيّان على تفريق الصفقة ، فإن قالوا ببطلان البيع ، بقي المبيع على ملكهما والشركة بحالها ، وإن قالوا بالصحّة على ما هو مذهبنا ، انفسخت الشركة في المبيع ، وصار مشتركاً بين المشتري والشريك الذي بطل في نصيبه(١) .
ولو اشترى بالغبن ، فإن كان الشراء بعين مال الشركة ، كان حكمُه حكمَ ما لو باع بالغبن ، وقد سلف(٢) ، وإن اشترى في الذمّة لم يقع للشريك ، وكان عليه دفع الثمن من خالص ماله.
مسألة ١٧٠ : ليس لواحدٍ من الشريكين التصرّفُ في المال الممتزج إلّا بإذن صاحبه ، فإن اختصّ أحدهما بالإذن اختصّ بالتصرّف ؛ لأصالة عصمة مال الشخص على غيره ، ولو اشترك الإذن اشترك جواز التصرّف.
وإذا حصل الإذن عامّاً من كلّ واحدٍ منهما ، تصرّف بحسبه في مال شريكه ، كما يتصرّف الوكيل في مال موكّله.
وإن كان عامّاً من أحدهما وخاصّاً من الآخَر ، استفاد مَنْ عمّم له الإذن
____________________
(١) الحاوي الكبير ٦ : ٤٨٨ ، بحر المذهب ٨ : ١٣٨ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٢٠٢ ، البيان ٦ : ٣٤٤ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٩٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٥١٥.
(٢) آنفاً.
جواز التصرّف عامّاً ، والآخَر ما عُيّن له.
وكذا لو كان الإذن من كلٍّ منهما خاصّاً ، لم يجز له التخطّي إلى غير المأذون.
وإذا عيّن له جهة السفر أو البيع على وجهٍ أو شراء جنسٍ بعينه ، لم يجز التجاوز.
ولو شرطا الاجتماع ، لم يجز لأحدهما الانفراد.
ولو أطلق الإذن ، تصرّف كيف شاء.
فإن عيّن جهةً فتجاوزها ، كان ضامناً.
ويجوز الرجوع في الإذن ، فيحرم التصرّف ؛ لأنّه إنّما تصرّف بالإذن وقد زال.
وليس لأحدهما السفر بمال الشركة ، ولا أن يبيعه إلّا بإذن صاحبه ، فإن فَعَل بغير الإذن ضمن.
مسألة ١٧١ : قد بيّنّا أنّ الشركة من العقود الجائزة لكلٍّ منهما فسخها ، فتنفسخ حينئذٍ.
وكذا تنفسخ بموت أحدهما وجنونه وإغمائه والحجر عليه للسفه ، كالوكالة.
ثمّ في صورة الموت إن لم يكن على الميّت دَيْنٌ ولا هناك وصيّة ، تخيّر الوارث بين القسمة مع الشريك وفسخها ، وبين تقرير الشركة إن كان بالغاً رشيداً ، وإن كان صغيراً أو مجنوناً فعلى الوليّ ما فيه الحظّ من فسخ الشركة أو إبقائها.
ولا بدّ في تقرير الشركة من عقدٍ مستأنف.
وإن كان على الميّت دَيْنٌ ، لم يكن للوارث التقرير على الشركة ، إلّا
أن يقضي الدَّيْن من غير مال الشركة.
ولو كان هناك وصيّة ، فإن كانت لمعيّنٍ فهو كأحد الورثة يتخيّر بين التقرير والفسخ إن تعلّقت الوصيّة بذلك المال.
وإن كانت لغير معيّنٍ كالفقراء ، لم يجز تقرير الشركة إلّا بعد خروج الوصيّة ، فإذا خرجت الوصيّة بقي المال كما لو لم تكن وصيّةٌ يتخيّر فيه الوارث بين التقرير والفسخ.
مسألة ١٧٢ : إطلاق الشركة يقتضي بسط الربح والخسران على قدر رؤوس الأموال ؛ لأنّه نماء مالهما ، فكان بينهما على نسبة المالين ، وكذا إذا خسرا ، كالتلف.
ولو شرطا التفاوت في الربح مع تساوي المالين ، أو تساويهما فيه مع تفاوت المالين ، قال الشيخرحمهالله : تبطل الشركة ، وجَعَل من شرط الشركة كونَ الربح والخسران على قدر رأس المالين ، فلا يجوز أن يتفاضلا مع التساوي في المال ، ولا أن يتساويا مع التفاضل فيه(١) ، وبه قال مالك والشافعي ؛ لأنّ هذا الربح في هذه الشركة تبع للمال ؛ بدليل أنّه يصحّ عقد الشركة وإطلاق الربح ، فلا يجوز تغييره بالشرط ، كالخسران ، فإنّهما لو شرطا التفاوت في الخسران مع تساوي المالين أو التساوي فيه مع تفاوتهما ، لغا الشرط ، ويتوزّع الخسران على المال(٢) .
____________________
(١) الخلاف ٣ : ٣٣٢ ، المسألة ٩ من كتاب الشركة.
(٢) المدوّنة الكبرى ٥ : ٦٢ ، بداية المجتهد ٢ : ٢٥٣ ، الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٦٠٦ / ١٠٢٨ ، الذخيرة ٨ : ٥٢ ، عيون المجالس ٤ : ١٦٧٩ / ١١٨٣ ، الإشراف على مذاهب أهل العلم ١ : ٦١ - ٦٢ / ٤٠ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٥٣ ، بحر المذهب ٨ : ١٣١ ، الوجيز ١ : ١٨٧ ، الوسيط ٣ : ٢٦٦ ، حلية العلماء =
والمعتمد : جواز الشرط ولزومه ؛ لعموم قولهعليهالسلام : « المسلمون عند شروطهم »(١) .
ولأنّه شرط لا ينافي الكتاب والسنّة ، فكان لازماً كغيره من الشروط السائغة - وبه قال أبو حنيفة وأحمد(٢) - لأنّه قد يكون أبصر بالتجارة من الآخَر ، أو أجلد منه وأقوى في العمل ، فيشترط له زيادة الربح في مقابلة عمله ذلك ، وهو أمر سائغ ، كما لو شرط الربح في مقابلة عمل المضارب ، يحقّقه أنّ هذه الشركة معقودة على المال والعمل معاً ، ولكلّ واحدٍ منهما حصّة من الربح إذا كان مفرداً ، فكذا إذا اجتمعا ، وأمّا حالة الإطلاق فإنّه لـمّا لم يكن بينهما شرط يقسّم الربح عليه وبقدره ، قدّرناه بالمال ؛ لعدم الشرط ، فإذا وجد الشرط فهو الأصل ، فيصار إليه ، كالمضاربة يصار فيه إلى الشرط ، فإذا عدم وقالا : الربح بيننا ، كان بينهما نصفين.
والحكم في الأصل ممنوع ، مع الفرق ؛ فإنّ الوضيعة لا تتعلّق إلّا بالمال ؛ بدليل المضاربة.
____________________
= ٥ : ٩٦ ، البيان ٦ : ٣٣٣ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٩٥ - ١٩٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٥١٦ ، المغني ٥ : ١٤٠ ، الشرح الكبير ٥ : ١١٥ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ٢ : ٤ ، روضة القُضاة ٢ : ٥٦٨ / ٣٣٥٨ ، المبسوط - للسرخسي - ١١ : ١٥٧ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٧ / ١٦٦٦.
(١) تقدّم تخريجه في ص ٢٥٨ ، الهامش (٤)
(٢) الاختيار لتعليل المختار ٣ : ٢٢ ، روضة القُضاة ٢ : ٥٦٨ / ٣٣٥٧ ، المبسوط - للسرخسي - ١١ : ١٥٦ ، المحيط البرهاني ٦ : ٣٢ - ٣٣ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٧ / ١٦٦٦ ، النتف ١ : ٥٣٣ ، المغني ٥ : ١٤٠ ، الشرح الكبير ٥ : ١١٤ - ١١٥ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ٢ : ٤ ، الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٦٠٦ / ١٠٢٨ ، عيون المجالس ٤ : ١٦٧٩ / ١١٨٣ ، الإشراف على مذاهب أهل العلم ١ : ٦١ - ٦٢ / ٤٢ ، بحر المذهب ٨ : ١٣١ ، الوسيط ٣ : ٢٦٦ ، حلية العلماء ٥ : ٩٦ ، البيان ٦ : ٣٣٣ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٩٧.
مسألة ١٧٣ : لو اختصّ أحدهما بمزيد عملٍ ، وشرط مزيد ربحٍ له ، صحّ عندنا ، وهو ظاهرٌ على أصلنا وأصل أبي حنيفة.
وللشافعي قولان :
أحدهما : صحّة الشرط ، ويكون القدر الذي يناسب ملكه له بحقّ الملك ، والزائد يقع في مقابلة العمل ، ويتركّب العقد من الشركة والقراض.
وأصحّهما عندهم : البطلان ، كما لو شرطا التفاوت في الخسران ، فإنّه يلغو ، ويتوزّع الخسران على المال ، ولا يمكن جَعْله شركةً وقراضاً ؛ فإنّ العمل في القراض مختصٌّ بمال المالك ، وهنا يتعلّق بملكه وملك صاحبه(١) . وقد تقدّم.
إذا عرفت هذا ، فلو شرطا زيادة الربح لقاصر العمل ، جاز عندنا ؛ عملاً بالشرط - ويجيء على قول الشافعي البطلان ؛ لأنّه لا يجوز مع التساوي في العمل فمع القصور أولى - ولأنّه يجوز التساوي في الربح مع التفاوت في العمل.
مسألة ١٧٤ : قد بيّنّا أنّه يجوز التساوي في الربح مع تفاوت المالين ، والتفاوتُ في الربح مع تساوي المالين بالشرط.
والشيخرحمهالله قال : إذا شرطا ذلك بطلت الشركة(٢) . وهو قول الشافعي(٣) .
وإذا فسد الشرط عند الشافعي ، لم يؤثّر ذلك في فساد التصرّفات ؛ لوجود الإذن ، ويكون الربح على نسبة المالين ، ثمّ يرجع كلٌّ منهما على
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٩٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٥١٦.
(٢) راجع الهامش (١) من ص ٣٥٢.
(٣) راجع الهامش (٢) من ص ٣٥٢.
صاحبه بأُجرة مثل عمله في ماله.
فإن تساوى المالان والعملان ، كان نصف عمل كلّ واحدٍ منهما يقع في ماله ، فلا يستحقّ به أُجرةً ، والنصف الواقع في مال صاحبه يستحقّ صاحبه مثل بدله عليه ، فيتقاصّان.
وإن تفاوتا في العمل خاصّةً ، فكان عمل أحدهما يساوي مائةً ، وعمل الآخَر يساوي مائتين ، فإن كان عمل المشروط له الزيادة أكثر ، فنصف عمله مائة ، ونصف عمل الآخَر خمسون ، فيبقى له خمسون بعد المقاصّة.
وإن كان عمل صاحبه أكثر ، ففي رجوعه بالخمسين على المشروط له الزيادة وجهان للشافعيّة:
أحدهما : الرجوع ، كما لو فسد القراض يستحقّ العامل أُجرة المثل.
وأصحّهما عندهم : المنع - وهو محكيٌّ عن أبي حنيفة(١) - لأنّه عمل وُجد من أحد الشريكين لم يشترط عليه عوض ، والعمل في الشركة لا يقابله عوض ؛ بدليل ما إذا كانت الشركة صحيحةً وزاد عمل أحدهما ، فإنّه لا يستحقّ على الآخَر شيئاً.
ويجري الوجهان فيما إذا فسدت الشركة واختصّ أحدهما بأصل التصرّف والعمل ، هل يرجع بنصف أُجرة عمله على الآخَر؟
وإن تفاوتا في المال خاصّةً ، فكان لأحدهما - مثلاً - ألف وللآخَر ألفان ، فلصاحب الأقلّ ثلثا المائة على صاحب الأكثر ، ولصاحب الأكثر ثلث المائة عليه ، فيكون الثلث بالثلث قصاصاً ، يبقى لصاحب الأقلّ ثلث المائة :
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٩٦.
ثلاثة وثلاثون وثلث.
وإن تفاوتا فيهما بأن كان لأحدهما ألف وللآخَر ألفان ، فإن كان عمل صاحب الأكثر أكثر بأن كان عمله يساوي مائتين وعمل الآخَر مائة ، فثلثا عمله في ماله ، وثلثه في مال صاحبه ، وعمل صاحبه على العكس ، فيكون لصاحب الأكثر ثلث المائتين على صاحب الأقلّ ، ولصاحب الأقلّ ثلثا المائة على صاحب الأكثر ، وقدرهما واحد ، فيقع في التقاصّ.
وإن كان عمل صاحب الأقلّ أكثر والتفاوت كما صوّرناه ، فثلث عمل صاحب الأقلّ في ماله ، وثلثاه في مال شريكه ، وثلثا عمل صاحب الأكثر في ماله ، وثلثه في مال شريكه ، فلصاحب الأقلّ ثلثا المائتين على صاحب الأكثر ، وهُما : مائة وثلاثة وثلاثون وثلث ، ولصاحب الأكثر ثلث المائة على صاحب الأقلّ ، وهو : ثلاثة وثلاثون وثلث ، فيبقى بعد التقاصّ لصاحب الأقلّ مائة على الآخَر(١) .
وللشافعيّة قولٌ آخَر : إنّ الشركة تفسد بهذا الشرط ، فتبطل التصرّفات(٢) .
والأكثر جزموا بنفوذ التصرّفات ، ويوزّع الربح على المالين ، وتجب الأُجرة في الجملة.
ومعنى الفساد أنّ كلّ واحدٍ منهما يرجع على صاحبه بأُجرة عمله في ماله ، ولو صحّ عقد الشركة لم يرجع ؛ لأنّه لا يثبت استحقاق الأُجرة(٣) .
وهذا لا يتأتّى على مذهبنا حيث اخترنا صحّة هذا الشرط. ومعنى هذا الفساد المذكور عند تغيّر نسبة الربح جارٍ في سائر أسباب فساد الشركة.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٩٦ - ١٩٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٥١٦ - ٥١٧.
(٢ و ٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٩٧.
ولو لم يكن بين المالين شيوع ولا خلط ، فلا شركة على التحقيق ، وثمن كلّ واحدٍ من المالين يختصّ بمالكه ، ولا يقع مشتركاً.
مسألة ١٧٥ : لو تفاوتا في المال ولم يشترطا التساوي ولا التفاوت والتوزيع على قدر المالين ، بل أطلقا ، فإنّ الربح يكون على نسبة المالين ، وتكون زيادة العمل تبرّعاً من صاحبه.
ويحتمل أن تثبت للزيادة أُجرة المثل ، كما لو استعمل صانعاً ولم يذكر له أُجرةً.
ولو شُرط(١) زيادة الربح لمن ازداد عمله ، ففي اشتراط استبداده باليد للشافعيّة وجهان(٢) .
وكذا لو شرطا انفراد أحدهما بالعمل في وجهٍ لهم ، كشرطه في القراض(٣) .
وفي وجهٍ : لا [ جرياً ](٤) على قضيّة الشركة(٥) .
والخلاف في جواز اشتراط زيادة الربح لمن زاد عمله [ جارٍ ](٦) فيما إذا اشترطا انفراد أحدهما بالتصرّف وجعلا له زيادة ربحٍ(٧) .
وفي وجهٍ لهم : يجوز هنا ، ولا يجوز فيما إذا اشتركا في أصل العمل ؛ لأنّه لا يدري أنّ الربح بأيّ عملٍ حصل فيحال به على المال؟(٨) .
____________________
(١) الظاهر : « شرطا ».
(٢ و ٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٩٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٥١٨.
(٤ و ٦) ما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.
(٥) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٩٧.
(٧) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٩٧ - ١٩٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٥١٨.
(٨) الوسيط ٣ : ٢٦٧ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٩٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٥١٨.
مسألة ١٧٦ : كلّ واحدٍ من الشريكين أمين يده يد أمانةٍ على ما تحت يده - كالمستودع والوكيل - يُقبل قوله في الخسران والتلف مع اليمين ، كالمستودع إذا ادّعى التلف ، سواء أسند التلف إلى سببٍ ظاهرٍ أو خفيّ.
وقال الشافعي : إذا أسند التلف هو أو المستودع إلى سببٍ ظاهر ، طُولب بالبيّنة عليه ، فإذا أقامها صُدّق في الهلاك(١) .
وإذا ادّعى أحد الشريكين خيانةً على الآخَر ، لم تُسمع الدعوى حتى يحرّرها بأن يعيّن القدر الذي ادّعاه من الخيانة على إشكالٍ ، فإذا بيّن القدر سُمعت ، وكان عليه البيّنة ، فإن فُقدت كان له إحلاف الشريك.
ولو ادّعى ردَّ المال إلى الشريك ، قُبِل قوله مع اليمين ، كالمستودع والوكيل بغير جُعْلٍ ، وبه قال الشافعي(٢) .
وعندي فيه نظر.
مسألة ١٧٧ : لو كان في يد أحد الشريكين مالٌ واختلفا فيه ، فقال المكتسب : إنّه لي خاصّةً ، وقال الآخَر : بل هو من مال الشركة ، فالقول قول المتشبّث مع اليمين ؛ قضاءً لليد.
وكذا لو انعكس الفرض ، فقال المتشبّث : إنّه من مال الشركة ، وقال الآخَر : بل هو لي خاصّةً ، قُدّم قول المتشبّث مع اليمين.
ولو قال الآخَر : بل هو لك ، كان في النصف حكمه حكم مَنْ أقرّ لغيره بعينٍ في يده وأنكر الـمُقرّ له.
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٥٤ ، الوسيط ٣ : ٢٦٩ ، البيان ٦ : ٣٤٣ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٩٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٥١٨.
(٢) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٢٠٢ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٩٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٥١٨.
ولو اشترى أحد الشريكين شيئاً ثمّ اختلفا ، فقال المشتري : إنّما اشتريتُه لنفسي ، وقال الآخَر : بل للشركة ، قُدّم قول المباشر للعقد ؛ لأنّه أبصر بنيّته ، وهذا الاختلاف يقع عند ظهور الربح.
ولو قال المباشر : إنّما اشتريتُه للشركة ، وقال الآخَر : بل اشتريتَه لنفسك ، فالقول قول مباشر العقد ؛ لأنّه أبصر بنيّته ، وهذا الاختلاف يقع عند ظهور الخسران.
ولو قال صاحب اليد : اقتسمنا مالَ الشركة وهذا قد خلص لي ، وقال الآخَر : لم نقتسم بَعْدُ وهو مشترك ، فالقول قول الثاني ؛ لأصالة بقاء الشركة وعدم القسمة ، فعلى مدّعيها البيّنة.
ولو كان في أيديهما أو في يد أحدهما مالٌ وقال كلّ واحدٍ منهما : هذا نصيبي من مال الشركة وأنت أخذتَ نصيبك ، حلف كلٌّ منهما لصاحبه ، وجُعل المال بينهما ، فإن حلف أحدهما ونكل الآخَر ، قضي للحالف.
مسألة ١٧٨ : لو كان بينهما عبد مشترك فباعه أحدهما بإذن الثاني وأذن له في قبض الثمن ، ثمّ اختلف الشريكان في قبض الثمن ، فادّعى الآذن على البائع قبض الثمن بأسره وطالَبه بدفع نصيبه إليه ، وصدّقه المشتري على أنّ البائع قبض ، وأنكر البائع القبضَ ، برئ المشتري من نصيب الآذن في البيع ؛ لاعترافه بأنّ البائع - الذي هو وكيله بالقبض - قد قبض.
ثمّ هنا خصومتان ، إحداهما : بين البائع والمشتري ، والثانية : بين الشريكين.
فإن تقدّمت الأُولى على الثانية ، فطالَب البائع المشتري بنصيبه من الثمن ، وادّعى المشتري أنّه أدّاه ، نُظر فإن قامت للمشتري بيّنة على الأداء ،
اندفعت المطالبة عنه ، وبرئ المشتري من الحقّين ؛ لأنّ البائع قد ثبت بالبيّنة أنّه قبض ، والآذن قد ثبت أنّ وكيله - وهو البائع - قد قبض.
ولو شهد له الشريك الآذن ، لم تُقبل شهادته في نصيبه ؛ لأنّه لو ثبت ذلك لطالَب المشهود عليه بحقّه ، وذلك جرّ نفعٍ ظاهر ، فلا تُقبل ؛ للتهمة.
وهل تُقبل شهادته في نصيب البائع؟ قال بعض علمائنا : نعم(١) .
وللشافعيّة قولان مبنيّان على أنّ الشهادة إذا رُدّت في بعض ما شهدت به ؛ للتهمة ، فهل تردّ في الباقي؟(٢) .
ولو لم يكن للمشتري بيّنة بالقبض ، كان القولُ قولَ البائع مع يمينه ؛ لأنّه منكر ، والأصل عدم القبض ، فيحلف البائع أنّه لم يقبض ، فإذا حلف أخذ نصيبه من المشتري ، ولا يشاركه الآذن ؛ لإقراره أنّ البائع قبض أوّلاً ما هو الحقّ ، ويزعم أنّ الذي قبضه ثانياً بيمينه ظلم ، فلا يستحقّ مشاركته فيه ، فإن نكل البائع عن اليمين رُدّت اليمين على المشتري ، فإذا حلف أنّه أقبض البائع جميع الثمن انقطعت المطالبة عنه ، ولو نكل المشتري أيضاً أُلزم بنصيب البائع.
وقال بعض الشافعيّة : لا يُلزم بنصيب البائع أيضاً ؛ لأنّا لا نحكم بالنكول(٣) .
وهو غلط ؛ لأنّ هذا ليس حكماً بالنكول ، وإنّما هو مؤاخذة له بإقراره بلزوم المال بالشراء ابتداءً.
____________________
(١) لم نهتد إلى القائل به ، وراجع المبسوط - للطوسي - ٢ : ٣٥٣.
(٢) الحاوي الكبير ٦ : ٤٩٠ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٥٤ ، بحر المذهب ٨ : ١٤١ ، الوسيط ٣ : ٢٧٠ ، حلية العلماء ٥ : ١٠٦ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٢٠٤ ، البيان ٦ : ٣٤٦ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٩٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٥١٩.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ١٩٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٥١٩.
فإذا انفصلت(١) [ خصومة ](٢) البائع و(٣) المشتري فلو جاء الشريك الآذن وطالَب البائعَ بحقّه ؛ لزعمه أنّه قبض جميع الثمن ، فعليه البيّنة ، ويُقدَّم قول البائع مع اليمين أنّه لم يقبض إلّا نصيبه بعد الخصومة الجارية بينهما ، فإن نكل البائع حلف الآذن وأخذ منه نصيبه ، ولا يرجع البائع به على المشتري ؛ لأنّه يزعم أنّ شريكه ظَلَمه بما فَعَل ، ولا يمنع البائعَ من الحلف نكولُه عن اليمين في الخصومة مع المشتري ؛ لأنّها خصومة أُخرى مع خصمٍ آخَر.
هذا إذا تقدّمت خصومة البائع والمشتري وتبعتها خصومة الشريكين ، وأمّا إن تقدّمت خصومة الشريكين فادّعى الذي لم يبع قبضَ الثمن على البائع وطالَبه بحقّه وأنكر البائع ، قُدّم قوله مع اليمين ، وكان على الشريك الآذن البيّنة بأنّ البائع قبض الثمن ، ولا تُقبل شهادة المشتري له بحالٍ البتّة ؛ لأنّه يدفع عن نفسه ، فإن فُقدت البيّنة حلف البائع على أنّه ما قبض ، فإن نكل حلف الآذن على أنّه قبض ، وأخذ نصيبه من البائع.
ثمّ إذا انفصلت الخصومة بين الشريكين ، فلو طالَب البائع المشتري بحقّه ، وادّعى المشتري الأداءَ ، فعليه البيّنة ، فإن لم تكن بيّنة حلف البائع ، وقبض حقّه ، فإن نكل حلف المشتري وبرئ ، ولا يمنع البائعَ من أن يحلف ويطلب من المشتري حقَّه نكولُه في الخصومة الأُولى مع شريكه.
وللشافعيّة وجهٌ : إنّه يمنع ؛ بناءً على أنّ يمين الردّ كالبيّنة أو كإقرار المدّعى عليه؟ إن كانت كالبيّنة فكأنّه قامت البيّنة على قبضه جميعَ الثمن ،
____________________
(١) في « خ » : « انقضت » بدل « انفصلت ».
(٢) في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « حكومة ». والظاهر ما أثبتناه.
(٣) في « ث ، خ ، ر » : « مع » بدل « و».
وإن كانت كالإقرار فكأنّه أقرّ بقبض جميع الثمن ، وعلى التقديرين يمنع عليه مطالبة المشتري(١) .
وضعّفه باقي الشافعيّة ؛ لأنّ اليمين إنّما تجعل كالبيّنة أو كالإقرار في حقّ المتخاصمين وفيما فيه تخاصمهما لا غير ، ومعلومٌ أنّ الشريك إنّما يحلف على أنّه قبض نصيبه ، فإنّه الذي يطالب به ، فكيف تؤثّر يمينه في غيره!؟(٢) .
وعلى ضعفه فقد قال الجويني : [ القياس ](٣) طرده فيما إذا تقدّمت خصومة البائع والمشتري ونكل البائع وحلف المشتري اليمينَ المردودة حتى يقال : تثبت للّذي لم يبع مطالبة البائع بنصيبه من غير تجديد خصومةٍ ؛ لكون يمين الردّ بمنزلة البيّنة أو الإقرار(٤) .
مسألة ١٧٩ : لو باع الشريك - المأذون له في البيع - العبدَ ، ثمّ اختلف الشريكان ، فادّعى البائع على الآذن بأنّه قبض الثمن بأسره من المشتري ، فأنكر الآذن القبضَ ، وصدّق المشتري المدّعي ، فإن كان الآذن في البيع مأذوناً له في القبض للثمن من جهة البائع ، برئ المشتري من حصّة البائع ؛ لأنّه قد اعترف بأنّ وكيله قد قبض.
ثمّ تُفرض حكومتان كما تقدّم.
فإن تخاصم الذي لم يبع والمشتري ، فالقول قول الذي لم يبع في عدم القبض ، فيحلف ويأخذ نصيبه ويسلّم إليه المأخوذ.
وإن تخاصم البائع والذي لم يبع ، حلف الذي لم يبع ، فإن نكل
____________________
(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٢٠٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٥١٩.
(٣) ما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٢٠٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٥١٩.
حلف البائع ، وأخذ منه نصيبه ، ولا رجوع له على المشتري.
ولو شهد البائع للمشتري على القبض ، لم تُقبل ؛ لأنّه يشهد لنفسه على الذي لم يبع.
وإن لم يكن الآذن في البيع مأذوناً له في القبض من جهة البائع ، لم تبرأ ذمّة المشتري عن شيءٍ من الثمن.
أمّا عن حقّ الذي لم يبع : فلأنّه منكر للقبض ، والقول قوله في إنكاره مع اليمين.
وأمّا عن حقّ المباشر للبيع : فلأنّه لم يعترف بقبضٍ صحيح.
ثمّ لا يخلو إمّا أن يكون البائع مأذوناً من جهة الذي لم يبع في القبض ، أو لا يكون هو مأذوناً أيضاً.
فإن كان مأذوناً ، فله مطالبة المشتري بنصيبه من الثمن ، ولا يتمكّن من مطالبته بنصيب الذي لم يبع ؛ لأنّه لـمّا أقرّ بقبض الذي لم يبع نصيب نفسه فقد صار معزولاً عن وكالته.
ثمّ إذا تخاصم الذي لم يبع والمشتري ، فعلى المشتري البيّنة على القبض ، فإن لم تكن بيّنة فالقول قول الذي لم يبع.
فإذا حلف ، ففي مَنْ يأخذ حقّه منه للشافعيّة وجهان :
قال المزني منهم : إن شاء أخذ تمام حقّه من المشتري ، وإن شاء شارك البائع في المأخوذ ، وأخذ الباقي من المشتري ؛ لأنّ الصفقة واحدة ، وكلّ جزءٍ من الثمن شائع بينهما ، فإن أخذ بالخصلة الثانية لم يبق مع البائع إلّا ربع الثمن(١) .
____________________
(١) بحر المذهب ٨ : ١٤٣ ، الوسيط ٣ : ٢٧٠ ، حلية العلماء ٥ : ١٠٦ ، التهذيب =
و [ يفارق ](١) هذا ما إذا كان الذي لم يبع مأذوناً في القبض حيث لا يشاركه البائع فيما أخذه من المشتري ؛ لأنّ زعمه أنّ الذي لم يبع ظالمٌ فيما أخذه ، فلا يشاركه فيما ظلم به(٢) .
وقال آخَرون منهم ابن سريج : ليس له إلّا أخذ حقّه من المشتري ، ولا يشارك البائع فيما أخذه ؛ لأنّ البائع قد انعزل عن الوكالة بإقراره : إنّ الذي لم يبع قَبَض حقَّه ، فما يأخذه بعد الانعزال يأخذه لنفسه خاصّةً(٣) .
وقال آخَرون : إنّه وإن انعزل فالمسألة تحتمل وجهين بناءً على أنّ مالكَي السلعة إذا باعاها صفقةً واحدة هل ينفرد أحدهما بقبض حصّته من الثمن؟ فيه وجهان :
أحدهما : لا ، بل إذا انفرد بأخذ شيءٍ شاركه الآخَر فيه ، كما أنّ الحقّ الثابت للورثة لا ينفرد بعضهم باستيفاء حصّته منه ، ولو فَعَل شاركه الآخَرون فيه ، وكذا لو كاتبا عبداً صفقةً واحدةً ، لم ينفرد أحدهما بأخذ حقّه من النجوم.
والثاني : نعم ، كما لو باع كلّ واحدٍ منهما نصيبَه بعقدٍ مفرد ، بخلاف الميراث والكتابة ، فإنّهما لا يثبتان في الأصل بصفة التجزّي ؛ إذ لا ينفرد
____________________
= - للبغوي - ٤ : ٢٠٥ ، البيان ٦ : ٣٤٨ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٢٠٠ - ٢٠١ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٢٠.
(١) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « يقارب ». والصحيح ما أثبتناه من « العزيز شرح الوجيز ».
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٢٠١.
(٣) بحر المذهب ٨ : ١٤٤ ، الوسيط ٣ : ٢٧١ ، حلية العلماء ٥ : ١٠٦ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٢٠٥ - ٢٠٦ ، البيان ٦ : ٣٤٨ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٢٠١ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٢٠.
بعض الورثة ببعض أعيان التركة ، ولا تجوز كتابة البعض من العبد ، فلذلك لم يجز التجزّي في القبض(١) .
ولو شهد البائع للمشتري على أنّ الذي لم يبع قد قبض الثمن ، فعلى قول المزني لا تُقبل شهادته ؛ لأنّه يدفع بها شركة صاحبه فيما أخذه(٢) ، وعلى قول ابن سريج تُقبل(٣) .
وإن لم يكن البائع مأذوناً في القبض ، قال بعض الشافعيّة : للبائع مطالبة المشتري بحقّه هنا ، وما يأخذه يسلم له ، وتُقبل هنا شهادة البائع للمشتري على الذي لم يبع(٤) .
وقال آخَرون : ينبغي ثبوت الخلاف في مشاركة صاحبه فيما أخذه ، ويُخرَّج قبول الشهادة على الخلاف(٥) .
مسألة ١٨٠ : لو غصب واحد نصيبَ أحد الشريكين بأن نزّل نفسه منزلته ، فأزال يده ولم يُزل يدَ صاحبه الآخَر ، بل استولى على العبد ومَنَع أحدَهما الانتفاع به دون الآخَر ، فإنّه يصحّ من الذي لم يغصب نصيبه بيع نصيبه ، ولا يصحّ من الآخَر بيع نصيبه ، إلّا من الغاصب ، أو ممّن يتمكّن من انتزاعه من يد الغاصب.
ولو باع الغاصب والذي لم يغصب نصيبه جميعَ العين في عقدٍ واحد ، صحّ في نصيب المالك ، ووقف نصيب الآخَر إن أمضاه المغصوب منه صحّ ، وإلّا فلا.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٢٠١.
(٢ و ٣) الوسيط ٣ : ٢٧١ ، حلية العلماء ٥ : ١٠٧ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٢٠٦ ، البيان ٦ : ٣٤٩ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٢٠١ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٢٠.
(٤ و ٥) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٢٠١ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٢٠.
وقالت الشافعيّة : يصحّ في نصيب مَنْ لم يغصب منه ، ويبطل في الآخَر ، ولا يُخرَّج على الخلاف في تفريق الصفقة عندهم ؛ لأنّ الصفقة تتعدّد بتعدّد البائع(١) .
ومنهم مَنْ قال : يبنى القول في نصيب المالك على أنّ أحد الشريكين إذا باع نصفَ العبد مطلقاً ينصرف إلى نصيبه أو يشيع؟ وجهان ، فإن قلنا : ينصرف إلى نصيبه ، صحّ بيع المالك في نصيبه ، وإن قلنا بالشيوع ، بطل البيع في ثلاثة أرباع العبد ، وفي ربعه قولان.
ولا يُنظر إلى هذا البناء فيما إذا باع المالكان معاً وأطلقا ، ولا يُجعل كما إذا أطلق كلّ واحدٍ منهما بيعَ نصف العبد ؛ لأنّ هناك تناول العقد الصحيح جميعَ العبد(٢) .
مسألة ١٨١ : قد بيّنّا(٣) أنّ شركة الأبدان باطلة ، سواء اشترك العمل أو اختصّ بأحدهما وتقبّل الآخَر.
فلو قال واحد لآخَر : أنا أتقبّل العمل وأنت تعمل والأُجرة بيننا بالسويّة أو على نسبة أُخرى ، لم يصح عند علمائنا - وبه قال زفر(٤) - ولا يستحقّ العامل المسمّى ، بل له أُجرة المثل.
وقال أحمد : تصحّ الشركة ؛ لأنّ الضمان يستحقّ به الربح بدليل شركة الأبدان ، وتقبّل العمل يوجب الضمان على المتقبّل ، ويستحقّ به الربح ،
____________________
(١) بحر المذهب ٨ : ١٤٥ ، حلية العلماء ٥ : ١٠٨ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٢٠٧ ، البيان ٦ : ٣٤٥ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٢٠٢ - ٢٠٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٢١.
(٢) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٢٠٧ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٢٠٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٢١.
(٣) في ص ٣١٢ ، المسألة ١٤٢.
(٤) المغني ٥ : ١١٣ ، الشرح الكبير ٥ : ١٨٧.
فصار كتقبّله المالَ في المضاربة ، والعمل يستحقّ به العامل الربح كعمل المضاربة ، فينزَّل منزلة المضاربة(١) .
والحكم في الأصل ممنوع.
مسألة ١٨٢ : الربح في شركة الأبدان على نسبة العملين ، لا على الشرط الذي شرطاه ، عند علمائنا ؛ لأنّ الشركة باطلة على ما تقدّم(٢) بيانه.
وقال أحمد : إنّها صحيحة ، والشركة على ما اتّفقوا عليه من مساواةٍ أو تفاضلٍ ، ولكلٍّ منهما المطالبة بالأُجرة ، وللمستأجر دفعها إلى كلّ واحدٍ منهما ، وإلى أيّهما دفع برئ منها ، وإن تلفت في يد أحدهما من غير تفريطٍ فهي من ضمانهما معاً ؛ لأنّهما كالوكيلين في المطالبة ، وما يتقبّله كلّ واحدٍ منهما من عملٍ فهو من ضمانهما يطالب به كلّ واحدٍ منهما ، ويلزمه عمله ؛ لأنّ هذه الشركة لا تنعقد إلّا على الضمان ، ولا شيء منها تنعقد عليه الشركة حال الضمان ، فكأنّ الشركة تتضمّن ضمان كلّ واحدٍ منهما عن الآخَر ما يلزمه.
ولو أقرّ أحدهما بما في يده ، قُبِل عليه وعلى شريكه ؛ لأنّ اليد له ، فيُقبل إقراره بما فيها ، ولا يُقبل إقراره بما في يد شريكه ولا بدَيْنٍ عليه(٣) .
وهذا كلّه عندنا باطل.
ولو عمل أحدهما دون صاحبه ، فالكسب للعامل خاصّةً عندنا ، وإن حصل من الآخَر سفارة فله أُجرته عليها.
وقال أحمد : إذا عمل أحدهما خاصّةً ، كان الكسب بينهما على
____________________
(١) المغني ٥ : ١١٣ و ١١٤ ، الشرح الكبير ٥ : ١٨٧ و ١٨٨.
(٢) في ص ٣١٢ - ٣١٣ ، المسألة ١٤٢.
(٣) المغني ٥ : ١١٤ ، الشرح الكبير ٥ : ١٨٨.
ما شرطاه ، سواء ترك العمل لمرضٍ أو غيره ، ولو طالَب أحدهما الآخَر أن يعمل معه ، أو يقيم مقامه مَنْ يعمل ، فله ذلك ، فإن امتنع فللآخَر الفسخ(١) .
وهو باطل عندنا على ما سلف(٢) .
ولو كان لقصّارٍ أداةٌ ولآخَر بيتٌ ، فاشتركا على أن يعملا بأداة هذا في بيت هذا والكسب بينهما ، جاز ، والأجر بينهما على ما شرطاه ، عند أحمد ؛ لأنّ الشركة وقعت على عملهما ، والعمل يستحقّ به الربح في الشركة ، والآلة والبيت لا يستحقّ بهما شيء(٣) .
وعندنا أنّ هذه الشركة باطلة ، وقد سلف(٤) .
مسألة ١٨٣ : إذا كانت الشركة باطلةً ، قسّما الربح على قدر رؤوس أموالهما ، ويرجع كلٌّ منهما على الآخَر بأجر عمله - وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين(٥) - لأنّ المسمّى يسقط في العقد الفاسد ، كالبيع الفاسد إذا تلف المبيع في يد المشتري ، والنماء فائدة مالهما ، فيكون تابعاً للأصل ، كالثمرة.
والرواية الأُخرى لأحمد : إنّهما يقتسمان الربح على ما شرطاه ، ولا يستحقّ أحدهما على الآخَر أجر عمله ، وأجراها مجرى الصحيحة ؛ لأنّه عقد يصحّ مع الجهالة ، فيثبت المسمّى في فاسده ، كالنكاح(٦) .
____________________
(١) المغني ٥ : ١١٤ و ١١٥ ، الشرح الكبير ٥ : ١٨٩.
(٢) في ص ٣٤٠ - ٣٤١ ، المسألة ١٦١.
(٣) المغني ٥ : ١١٦ ، الشرح الكبير ٥ : ١٩١.
(٤) في ص ٣٤٥ ، المسألة ١٦٥.
(٥) الاختيار لتعليل المختار ٣ : ٢٦ ، الفقه النافع ٣ : ٩٩٦ / ٧٢١ ، البيان ٦ : ٣٣٣ ، المغني والشرح الكبير ٥ : ١٢٨.
(٦) المغني ٥ : ١٢٩ ، الشرح الكبير ٥ : ١٢٨.
إذا عرفتَ هذا ، فلو كان مال كلّ واحدٍ منهما متميّزاً ، وكان ربحه معلوماً ، كان لكلٍّ ربحُ ماله ، ولا يشاركه الآخَر فيه.
ولو ربح في جزءٍ منه ربحاً متميّزاً وباقيه مختلطاً ، كان له تمام ما تميّز(١) من ربح ماله ، وله بحصّة باقي ماله من الربح.
مسألة ١٨٤ : ليس لأحد الشريكين أن يكاتب الرقيق ، ولا يعتق على مالٍ ولا غيره ، ولا يزوّج الرقيق ؛ لأنّ الشركة منعقدة على التجارة ، وليست هذه الأنواع تجارةً ، لا سيّما تزويج العبد ؛ فإنّه محض ضررٍ.
وليس له أن يُقرض ولا يحابي ؛ لأنّه تبرّع.
وليس له أن يشارك بمال الشركة ولا يدفعه مضاربةً ؛ لأنّ ذلك يُثبت في المال حقوقاً ، ويستحقّ غير المالك ربحه ، وليس له ذلك إلّا بإذن ربّ المال.
وليس له أن يمزج مال الشركة بماله ، ولا مال غيره ؛ لأنّه تعيّب في المال.
وليس له أن يستدين على مال الشركة ، فإن فَعَل فربحه له ، وعليه خسرانه.
وقال بعض العامّة : إذا استدان شيئاً ، لزم الشريكين معاً ، وربحه لهما وخسرانه عليهما ؛ لأنّ ذلك تملّك مالٍ بمالٍ ، فأشبه الصرف(٢) .
وهو غلط ؛ لأنّه أدخل في الشركة أكثر ممّا رضي الشريك أن يشاركه فيه ، فلم يجز ، كما لو ضمّ إلى مال الشركة شيئاً من ماله ، ويفارق الصرف ؛ لأنّه بيع وإبدال عينٍ بعينٍ ، فهو كبيع الثياب بالدراهم.
____________________
(١) في « ج » والطبعة الحجريّة : « يتميّز ».
(٢) المغني ٥ : ١٣٠ ، الشرح الكبير ٥ : ١٢٣.
وليس له أن يُقرّ على مال الشركة ، فإن فَعَل لزم في حقّه دون صاحبه ، سواء أقرّ بدَيْنٍ أو عينٍ ؛ لأنّ شريكه إنّما أذن له في التجارة ، والإقرار ليس منها.
ولو أقرّ بعيبٍ في عينٍ باعها أو أقرّ الوكيل على موكّله بالعيب ، لم يُقبَل ، خلافاً لأحمد(١) .
ولو أقرّ بقبض ثمن المبيع أو أجر المكاري والحمّال وأشباه ذلك ، فالأقرب : القبول ؛ لأنّه من توابع التجارة ، فكان له ذلك كتسليم المبيع وأداء ثمنه.
ولو رُدّت السلعة عليه بعيبٍ ، قَبِلها ، أو أعطى أرشها.
ولو حطّ من الثمن شيئاً أو أسقط دَيْناً لهما عن [ غريمهما ](٢) لزم في حقّه ، وبطل في حقّ شريكه ؛ لأنّ ذلك تبرّع ، والتبرّع يمضى في حصّته دون شريكه.
ولو كان لهما دَيْنٌ حالّ فأخّر أحدهما حصّته من الدَّيْن ، جاز - وبه قال أبو يوسف ومحمّد(٣) - لأنّه أسقط حقّه من التعجيل ، فصحّ أن ينفرد به أحدهما ، كالإبراء.
وقال أبو حنيفة : لا يجوز(٤) .
مسألة ١٨٥ : قد بيّنّا أنّ الشركة تتضمّن نوع وكالةٍ ، ولا يتعدّى الشريك حدّ الوكالة ، فليس له أن يبيع نَسْأً.
____________________
(١) المغني ٥ : ١٣١ ، الشرح الكبير ٥ : ١٢٠.
(٢) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « غيرهما ». والمثبت كما في المغني ٥ : ١٣١.
(٣ و ٤) المغني ٥ : ١٣١ ، الشرح الكبير ٥ : ١٢٤.
وإذا اشترى بجنس ما عنده دَفَعه ، وإن اشترى بغير جنسه لم يكن له أن يستدين الجنس ويصرفه في الثمن ؛ لأنّا منعناه من الاستدانة ، لكن له أن يبيع بثمنٍ من النقد الذي عيّنه ويدفع.
وليس له أن يودع إلّا مع الحاجة ؛ لأنّه ليس من الشركة ، وفيه غرور ، أمّا مع الحاجة فإنّه من ضرورة الشركة ، فأشبه دفع المتاع إلى الحمّال ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد.
والثانية : يجوز ؛ لأنّه عادة التجّار ، وقد تدعو الحاجة إلى الإيداع(١) .
والعادة لا تقضي على الشرع ، والحاجة مسوّغة كما قلنا.
وليس له أن يوكّل فيما يتولّاه بنفسه ، كالوكيل.
وفي إحدى الروايتين عن أحمد : الجواز(٢) .
فإن وكّل أحدهما بإذن صاحبه جاز ، وكان لكلٍّ منهما عزله.
وليس لأحدهما أن يرهن بالدَّيْن الذي عليهما إلّا بإذن صاحبه أو مع الحاجة.
وعن أحمد روايتان(٣) .
وليس لأحدهما السفر بالمال المشترك إلّا بإذن صاحبه. والأقرب : إنّ له الإقالة ؛ لأنّها إمّا بيعٌ عند جماعةٍ من العامّة(٤) ، وهو يملك البيع ، أو فسخٌ عندنا ، وهو يملك الفسخ ، ويردّ بالعيب ، كلّ ذلك مع المصلحة.
ولو قال له : اعمل برأيك ، جاز أن يعمل كلّ ما يصلح في التجارة من الإبضاع والمضاربة بالمال والمشاركة وخلطه بماله والسفر والإيداع والبيع نسيئةً والرهن والارتهان والإقالة ونحو ذلك ؛ لأنّه فوّض إليه الرأي في
____________________
(١ - ٣) المغني ٥ : ١٣٢ ، الشرح الكبير ٥ : ١٢٢.
(٤) راجع ج ١٢ - من هذا الكتاب - ص ١١٧ ، الهامش (٣)
التصرّف الذي تقتضيه الشركة ، فجاز له كلّ ما هو من التجارة ، فأمّا ما يكون تمليكاً بغير عوضٍ - كالهبة والحطيطة لغير فائدةٍ والقرض والعتق ومكاتبة الرقيق وتزويجه - فلا يفعله إلّا بإذنه ؛ لأنّه إنّما فوّض إليه العمل برأيه في التجارة ، وليس ذلك منها.
ولو أخذ أحد الشريكين مالاً مضاربةً ، فربحه له دون صاحبه ؛ لأنّه يستحقّ ذلك في مقابلة عمله ، وليس ذلك من المال الذي اشتركا فيه.
مسألة ١٨٦ : قد بيّنّا أنّ الشركة من العقود الجائزة لكلٍّ منهما فسخها والرجوع في الإذن والمطالبة بالقسمة ؛ لأنّ الإنسان مسلّط على ماله ، فكان له المطالبة بإفرازه من مال غيره وتمييزه عنه ، وليس لأحدهما مطالبة الآخَر بإقامة رأس المال ، بل يقتسمان الأعواض إذا لم يتّفقا على البيع ، ولا يصحّ التأجيل في الشركة.
ولو كان بعض المال في أيديهما والآخَر غائب عنهما فاقتسما الذي في أيديهما والغائب عنهما ، صحّت في المقبوض ، دون الغائب [ عن ](١) الناس ؛ لأنّ الباقرعليهالسلام سُئل عن رجلين بينهما مال منه بأيديهما ومنه غائب عنهما ، فاقتسما الذي بأيديهما وأحال كلّ واحدٍ منهما بنصيبه من الغائب ، فاقتضى أحدهما ولم يقتض الآخَر ، قال : « ما اقتضى أحدهما فهو بينهما ، وما يذهب بماله!؟ »(٢) .
وسأل [ عبد الله بن سنان ](٣) الصادقَعليهالسلام : عن رجلين بينهما مال منه
____________________
(١) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « على ». والصحيح ما أثبتناه.
(٢) التهذيب ٧ : ١٨٥ - ١٨٦ / ٨١٨.
(٣) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة والطبعة الحجريّة : « معاوية بن عمّار » وهو في سند الحديث ٨٢٠ من التهذيب ٧ : ١٨٦ ، والمثبت من المصدر.
دَيْنٌ ومنه عينٌ ، فاقتسما العين والدَّيْن فتوى(١) الذي كان لأحدهما من الدَّيْن أو بعضه وخرج الذي للآخَر [ أيردّ ](٢) على صاحبه؟ قال : « نعم ، ما يذهب بماله!؟ »(٣) .
مسألة ١٨٧ : لو كان لرجلين دَيْنٌ بسببٍ واحد إمّا عقد أو ميراث أو استهلاك أو غيره ، فقبض أحدهما منه شيئاً ، فللآخَر مشاركته فيه - وهو ظاهر مذهب أحمد بن حنبل(٤) - لما تقدّم(٥) في المسألة السابقة في رواية [ عبد الله بن سنان ](٦) عن الصادق(٧) .
ولأنّ تمليك القابض ما قبضه يقتضي قسمة الدَّيْن في الذمّة من غير رضا الشريك ، وهو باطل ، فوجب أن يكون المأخوذ لهما والباقي بينهما.
ولغير القابض الرجوعُ على القابض بنصفه ، سواء كان باقياً في يده أو أخرجه عنها ، وله أن يرجع على الغريم ؛ لأنّ الحقّ ثبت في ذمّته لهما على وجهٍ سواء ، فليس له تسليم حقّ أحدهما إلى الآخَر ، فإن أخذ من الغريم لم يرجع على الشريك بشيءٍ ؛ لأنّ حقّه ثابت في أحد المحلّين ، فإذا اختار أحدهما سقط حقّه من الآخَر.
وليس للقابض منعه من [ الرجوع على ](٧) الغريم بأن يقول : أنا
____________________
(١) راجع الهامش (١) من ص ٣٩.
(٢) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « يراد ». والمثبت من المصدر.
(٣) التهذيب ٧ : ١٨٦ / ٨٢١.
(٤) المغني ٥ : ١٩٧ ، الشرح الكبير ٥ : ١٨١.
(٥) آنفاً.
(٦) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « معاوية بن عمّار ». والصحيح ما أثبتناه من المصدر.
(٧) ما بين المعقوفين يقتضيه السياق.
أُعطيك نصف ما قبضت ، بل الخيرة إليه من أيّهما شاء قبض ، فإن قبض من شريكه شيئاً رجع الشريك على الغريم بمثله.
وإن هلك المقبوض في يد القابض ، تعيّن حقّه فيه ، ولم يضمنه للشريك ؛ لأنّه قدر حقّه فيما تعدّى بالقبض ، وإنّما كان لشريكه مشاركته ؛ لثبوته في الأصل مشتركاً.
ولو أبرأ أحد الشريكين الغريمَ من حقّه ، برئ منه ؛ لأنّه بمنزلة قبضه منه ، وليس لشريكه الرجوعُ عليه بشيءٍ ؛ لأنّه لم يقبض شيئاً من حقّ الشريك.
ولو أبرأ أحدهما من جزءٍ مشاع ، سقط من حقّه ، وبسط ما يقبضانه من الغريم على النسبة ، فلو أبرأ أحدهما الغريمَ من عُشْر الدَّيْن ثمّ قبضا من الدَّيْن شيئاً ، قسّماه على قدر حقّهما في الباقي ، للمُبرئ أربعة أتساعه ، ولشريكه خمسة أتساعه.
وإن قبض(١) نصف الدَّيْن ثمّ أبرأ أحدهما من عُشْر الدين كلّه ، نفذت البراءة في خُمس الباقي ، وما بقي بينهما على ثمانية ، للمُبرئ ثلاثة أثمانه ، وللآخَر خمسة أثمانه ، فما قبضاه بعد ذلك اقتسماه على هذا.
ولو اشترى أحدهما بنصيبه من الدَّيْن ثوباً ، قال بعض العامّة : كان للآخَر إبطال الشراء ، فإن بذل له المشتري نصف الثوب ولا يبطل البيع ، لم يلزمه(٢) ذلك(٣) .
وإن أجاز البيع ليملك [ نصف ] الثوب جاز ، ويبنى على بيع الفضولي
____________________
(١) الظاهر : « قبضا ».
(٢) في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « لم يلزم ». والمثبت من المصدر.
(٣) المغني ٥ : ١٩٨ ، الشرح الكبير ٥ : ١٨٢.
هل يقف على الإجازة أو لا؟ فعندنا نعم ، وبين العامّة خلاف(١) .
ولو أجّل أحدهما نصيبه من الدَّيْن جاز ، فإنّه لو أسقط حقّه جاز فتأخيره أولى ، فإن قبض الشريك بعد ذلك [ شيئاً ] لم يكن لشريكه الرجوعُ عليه بشيءٍ.
هذا إذا أجّله في عقدٍ لازم ، وإن لم يكن في عقدٍ لازم كان له الرجوعُ ؛ لأنّ الحالّ لا يتأجّل بالتأجيل ، فوجوده كعدمه.
وعن أحمد رواية أُخرى : إنّ ما يقبضه أحدهما له ، دون صاحبه ؛ لأنّ ما في الذمّة لا ينتقل إلى العين إلّا بتسليمه إلى غريمه أو وكيله ، وما قبضه أحدهما فليس لشريكه فيه قبض ولا لوكيله ، فلا يثبت له فيه حقٌّ ، وكان لقابضه(٢) ؛ لثبوت يده عليه بحقٍّ ، فأشبه ما لو كان الدَّيْن بسببين ، ولأنّ هذا يشبه الدَّيْن في الذمّة ، وإنّما يتعيّن حقّه بقبضه ، فأشبه تعيينه بالإبراء ، ولأنّه لو كان لغير القابض حقٌّ في المقبوض لسقط بتلفه كسائر الحقوق ، ولأنّ هذا القبض إن كان بحقٍّ لم يشاركه غيره فيه ، كما لو كان الدَّيْن بسببين ، وإن كان بغير حقٍّ لم يكن له مطالبته ؛ لأنّ(٣) حقّه في الذمّة لا في العين ، فأشبه ما لو أخذ غاصب منه مالاً ، فعلى هذا ما قبضه القابض يختصّ به ، دون شريكه ، وليس لشريكه الرجوعُ عليه ، فإن اشترى بنصيبه ثوباً أو غيره صحّ ، ولم يكن لشريكه إبطال الشراء ، وإن قبض أكثر
____________________
(١) المغني ٥ : ١٩٨ ، الشرح الكبير ٥ : ١٨٢.
(٢) في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « له قبضه » بدل « لقابضه ». والصواب ما أثبتناه من المصدر.
(٣) في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « ولأنّ ». والصحيح ما أثبتناه بدون الواو ، كما في المصدر.
من حقّه بغير إذن شريكه لم يبرأ الغريم ممّا زاد على حقّه(١) .
والمشهور ما قلناه أوّلاً.
ولا تصحّ قسمة ما في الذمم ؛ لأنّ الذمم لا تتكافأ ولا تتعادل ، والقسمة تقتضي التعديل ، والقسمة من غير تعديلٍ بيعٌ ، ولا يجوز بيع الدَّيْن بالدَّيْن ، فلو تقاسما ثمّ تَوى(٢) بعض المال ، رجع مَنْ تَوى ماله على مَنْ لم يَتْو ، وبه قال ابن سيرين والنخعي وأحمد في إحدى الروايتين ، وفي الأُخرى : يجوز ذلك ؛ لأنّ الاختلاف لا يمنع القسمة ، كما لو اختلفت الأعيان ، وبه قال الحسن وإسحاق(٣) .
وهذا إذا كان في ذممٍ متعدّدة ، فأمّا في ذمّةٍ واحدة فلا يمكن القسمة ؛ لأنّ معنى القسمة إفراز الحقّ ، ولا يتصوّر ذلك في ذمّةٍ واحدة.
مسألة ١٨٨ : قد بيّنّا أنّه إذا تساوى المالان تساوى الشريكان في الربح ، وإن تفاوت المالان تفاوتا في الربح على النسبة ، فإن شرطا خلاف ذلك جاز عندنا ، وصحّت الشركة ، وبه قال أبو حنيفة(٤) ، خلافاً للشافعي(٥) .
فلو كان لأحدهما ألف وللآخَر ألفان فأذن صاحب الألفين لصاحب الألف أن يتصرّف فيهما على أن يكون الربح بينهما نصفين فإن كان صاحب الألفين شرط على نفسه العمل فيهما أيضاً ، صحّ عندنا.
وقال الشافعي : تفسد الشركة ، ويكون الربح على قدر المالين ،
____________________
(١) المغني ٥ : ١٩٨ - ١٩٩ ، الشرح الكبير ٥ : ١٨٢ - ١٨٣.
(٢) راجع الهامش (١) من ص ٣٩.
(٣) الإشراف على مذاهب أهل العلم ١ : ٦٨ / ٥٠ ، المغني ٥ : ١٩٩ ، الشرح الكبير ٥ : ١٢٤.
(٤) راجع الهامش (٢) من ص ٣٥٣.
(٥) راجع الهامش (٢) من ص ٣٥٢.
ويجب لكلّ واحدٍ منهما على الآخَر أُجرة عمله في نصيبه(١) .
وقال أبو حنيفة : إذا كانت الشركة فاسدةً لم يجب لواحدٍ منهما أُجرة ؛ لأنّ العمل لا يقابله عوض في الشركة الصحيحة فكذلك الفاسدة(٢) .
والمعتمد عندنا : إنّ الشركة إذا فسدت كان لكلٍّ منهما أُجرة مثل عمله - كما هو قول الشافعي - لأنّ المتشاركين إذا شرطا في مقابلة عملهما ما لم يثبت ، يجب أن يثبت عوض المثل ، كما لو شرطا في الإجارة شرطاً فاسداً.
وما ذكره في الصحيحة فإنّما لم يستحق في مقابلة العمل عوضاً ؛ لأنّه لم يشترط في مقابلته شيئاً ، وفي مسألتنا بخلافه.
ولو شرط صاحب الألفين العمل على صاحب الألف خاصّةً ، صحّت الشركة ، وكانت شركةً وقراضاً عند الشافعي ، ويكون لصاحب الألف ثلث الربح بحقّ ماله ، والباقي - وهو ثلثا الربح - بينهما ، لصاحب المال ثلاثة أرباعه ، وللعامل ربعه ، وذلك لأنّه جعل النصف له ، فجعلنا الربح ستّة أسهم منها ثلاثة شرط حصّة ماله منها سهمان ، وسهم هو ما يستحقّه بعمله على مال شريكه [ و ](٣) حصّة مال شريكه أربعة أسهم ، للعامل سهم ، وهو الربع(٤) .
وعندنا أنّه يكون شركةً صحيحة ؛ عملاً بالشرط.
ولو كان لرجلين ألفا درهم فأذن أحدهما لصاحبه أن يعمل في ذلك
____________________
(١) حلية العلماء ٥ : ٩٦ ، البيان ٦ : ٣٣٣.
(٢) حلية العلماء ٥ : ٩٦ و ٩٧ ، البيان ٦ : ٣٣٣.
(٣) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « من ». والظاهر ما أثبتناه.
(٤) بحر المذهب ٨ : ١٣٢ - ١٣٣ ، البيان ٦ : ٣٣٤ ، المغني ٥ : ١٣٦ - ١٣٧.
ويكون الربح بينهما نصفين ، فإنّ هذا ليس بشركةٍ ولا قراض ؛ لأنّ شركة العنان تقتضي أن يشتركا في المال والعمل ، والقراض يقتضي أن يكون للعامل نصيب من الربح في مقابلة عمله ، وهنا لم يشرط له ، فإذا عمل كان الربح بينهما نصفين على قدر المالين ، وكان عمله في نصيب شريكه معونةً له منه وتبرّعاً ؛ لأنّه لم يشترط لنفسه في مقابلته عوضاً.
مسألة ١٨٩ : لو اشتريا عبداً وقبضاه فأصابا به عيباً فأراد أحدهما الإمساكَ والآخَر الردَّ ، لم يجز ، وبه قال أبو حنيفة(١) .
وقال الشافعي : يجوز(٢) .
وقد سلف(٣) ذلك في كتاب البيوع(٤) .
إذا تقرّر هذا ، فإذا اشترى أحد الشريكين عبداً فوجد به عيباً ، فإن أرادا الردَّ كان لهما.
وإن أراد أحدهما الردَّ والآخَر الإمساك ، فإن كان قد أطلق الشراء ولم يذكر أنّه يشتريه له ولشريكه لم يكن له الردّ ؛ لأنّ الظاهر أنّه يشتريه لنفسه ، فلم يلزم البائع حكماً بخلاف الظاهر.
وإن كان قد أعلمه أنّه يشتريه بمال الشركة أو له ولشريكه ، لم يكن لأحدهما الردّ وللآخَر الأرش على ما تقدّم.
وللشافعيّة وجهان :
أحدهما : ليس له الردّ ؛ لأنّه إنّما أوجب إيجاباً واحداً ، فلا يبعّض
____________________
(١) البيان ٦ : ٣٤٢ ، وراجع ج ١١ - من هذا الكتاب - ص ١٧٢ ، الهامش (٣)
(٢) البيان ٦ : ٣٤٢ ، وراجع ج ١١ - من هذا الكتاب - ص ١٧٢ ، الهامش (٤)
(٣) في ج ١١ ، ص ١٧٢ ، المسألة ٣٤٠.
(٤) في النسخ الخطّيّة : « البيع ».
عليه.
والثاني : له الردّ ؛ لأنّه إذا كان يقع الشراء لاثنين ، كان بمنزلة أن يوجب لهما ، ولو أوجب لهما كان في حكم العقدين ، كذا هنا(١) .
وإذا باع أحد الشريكين عيناً من أعيان الشركة وأطلق البيع ثمّ ادّعى بعد ذلك أنّه باع ماله ومال شريكه بغير إذنه ، لم تُسمع دعواه ؛ لأنّه يخالف ظاهر قوله ، فإن ادّعى ذلك شريكه ، كان عليه إقامة البيّنة أنّه شريكه فيه ، فإذا قامت البيّنة به وادّعى المشتري أنّه أذن للبائع في البيع ، كان القولُ قولَه : إنّه لم يأذن ، مع يمينه ، فإذا حلف فسخ البيع في نصيبه إن لم يجز البيع ، ولا ينفسخ في الباقي إلّا برضا المشتري.
وللشافعي قولان مبنيّان على تفريق الصفقة(٢) .
مسألة ١٩٠ : إذا كان لكلٍّ من الرجلين عبد بانفراده ، صحّ بيعهما معاً صفقةً واحدة ومتعدّدة ، اتّفقت قيمتهما أو اختلفت ، عندنا.
وللشافعي قولان :
أحدهما : يصحّ مطلقاً ؛ لأنّ جملة الثمن معلومة في العقد.
والثاني - وهو الأصحّ عندهم - : إنّ البيع فاسد ؛ لأنّ العقد إذا كان في أحد طرفيه عاقدان كان بمنزلة العقدين ، فتكون حصّة كلّ واحدٍ منهما مجهولةً ؛ لأنّ ما يخصّ كلّ واحدٍ من العبدين من الثمن غير معلومٍ في العقد ، بخلاف ما لو كان العبدان لواحدٍ ؛ لوحدة العقد(٣) .
وهو غلط ؛ إذ مجموع الثمن في مقابلة مجموع الأجزاء ، وهُما
____________________
(١) الحاوي الكبير ٦ : ٤٨٦ ، بحر المذهب ٨ : ١٣٧ ، البيان ٦ : ٣٤٢.
(٢) راجع بحر المذهب ٨ : ١٣٨.
(٣) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٤٩٩ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٤٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٩٢.
معلومان ، ولا يجب العلم بالمقابلة بين الأجزاء والأجزاء لا حالة العقد ولا قبله.
إذا عرفتَ هذا ، فلو كان العبدان لرجلين لكلّ واحدٍ منهما أحدهما ، فوكّل واحدٌ منهما الآخَر في بيع عبده مع عبده ، فباعه معه ، صحّ عندنا - وهو أحد قولَي الشافعي(١) - فيقوّم كلّ واحدٍ منهما ، ويقسّم الثمن على قدر القيمتين.
وعلى القول الآخَر للشافعي - وهو فساد البيع(٢) - إن صدّق المشتري البائعَ أنّه باع عبده وعبد غيره كان البيع فاسداً ، وإن كذّبه فالقول قول المشتري مع يمينه ؛ لأنّ الظاهر أنّه باع ملكه ، ويحلف المشتري أنّه لا يعلم أنّ أحد العبدين لم يكن له ، فإذا حلف سقطت عنه الدعوى.
وأمّا الثمن الذي في يد البائع فإنّه مُقرٌّ أنّه لا يستحقّه إلّا أنّ المشتري قد حال بينه وبين العبدين وقد استحقّ بذلك القيمةَ ، فيُنظر فإن كان الثمن قدر القيمة أو دونه كان لهما أخذه ، وإن كان أكثر منهما لا يستحقّان إلّا قدر القيمة ، والباقي لا يدّعيانه ، فيردّانه إلى يد الحاكم ليحفظه لصاحبه ، فإذا ادّعاه ردّ إليه.
____________________
(١ و ٢) الحاوي الكبير ٦ : ٤٨٧.
الفهرس
المقصد الثامن : في الصلح الفصل الأوّل : في ماهيّته وأركانه البحث الأوّل : في ماهيّته ٦
مسألة ١٠٢٢ : ٧
مسألة ١٠٢٣ : النوع الأوّل : الصلح عن العين ١٠
مسألة ١٠٢٤ : ١١
مسألة ١٠٢٥ : ١٢
مسألة ١٠٢٦ : النوع الثاني : الصلح عن الدَّيْن ١٣
مسألة ١٠٢٧ : ١٥
فروع : ١٧
البحث الثاني : في الأركان مسألة ١٠٢٨ : مسألة ١٠٢٩ : ١٨
مسألة ١٠٣٠ : ٢٠
مسألة ١٠٣١ : ٢١
الفصل الثاني : في الأحكام مسألة ١٠٣٢ : ٢٦
مسألة ١٠٣٣ : ٢٧
مسألة ١٠٣٤ : ٢٩
مسألة ١٠٣٥ : مسألة ١٠٣٦ : ٣٠
مسألة ١٠٣٧ : ٣١
مسألة ١٠٣٨ : مسألة ١٠٣٩ : ٣٢
مسألة ١٠٤٠ : مسألة ١٠٤١ : ٣٣
مسألة ١٠٤٢ : ٣٤
مسألة ١٠٤٣ : ٣٥
مسألة ١٠٤٤ : ٣٧
مسألة ١٠٤٥ : ٣٨
مسألة ١٠٤٦ : ٣٩
مسألة ١٠٤٧ : مسألة ١٠٤٨ : ٤٠
مسألة ١٠٤٩ : ٤١
الفصل الثالث : في تزاحم الحقوق الأوّل : في الطرق مسألة ١٠٥٠ : ٤٢
فروع : ٤٣
مسألة ١٠٥١ : ٤٥
مسألة ١٠٥٢ : مسألة ١٠٥٣ : ٤٦
مسألة ١٠٥٤ : ٤٧
مسألة ١٠٥٥ : مسألة ١٠٥٦ : ٤٨
مسألة ١٠٥٧ : مسألة ١٠٥٨ : ٥٠
مسألة ١٠٥٩ : ٥١
مسألة ١٠٦٠ : ٥٢
فروع : ٥٤
مسألة ١٠٦١ : ٥٥
مسألة ١٠٦٢ : ٥٦
مسألة ١٠٦٣ : ٥٧
مسألة ١٠٦٤ : مسألة ١٠٦٥ : ٥٨
مسألة ١٠٦٦ : ٥٩
البحث الثاني : الجدران ٦٠
مسألة ١٠٦٧ : ٦٢
مسألة ١٠٦٨ : ٦٣
مسألة ١٠٦٩ : ٦٤
مسألة ١٠٧٠ : ٦٥
مسألة ١٠٧١ : ٦٧
مسألة ١٠٧٢ : ٦٨
مسألة ١٠٧٣ : مسألة ١٠٧٤ : ٧٠
مسألة ١٠٧٥ : ٧١
مسألة ١٠٧٦ : ٧٢
مسألة ١٠٧٧ : ٧٣
مسألة ١٠٧٨ : ٧٦
مسألة ١٠٧٩ : ٧٧
مسألة ١٠٨٠ : مسألة ١٠٨١ : ٧٩
البحث الثالث : في السقف مسألة ١٠٨٢ : ٨٠
مسألة ١٠٨٣ : ٨١
مسألة ١٠٨٤ : ٨٣
مسألة ١٠٨٥ : ٨٤
مسألة ١٠٨٦ : ٨٥
مسألة ١٠٨٧ : ٨٦
مسألة ١٠٨٨ : ٨٧
فروع : ٨٩
مسألة ١٠٨٩ : ٩٢
تذنيبان : مسألة ١٠٩٠ : ٩٣
الفصل الرابع : في التنازع مسألة ١٠٩١ : ٩٦
مسألة ١٠٩٢ : ٩٧
مسألة ١٠٩٣ : مسألة ١٠٩٤ : ٩٩
مسألة ١٠٩٥ : ١٠٠
تذنيب : مسألة ١٠٩٦ : مسألة ١٠٩٧ : ١٠٢
تذنيب : ١٠٤
مسألة ١٠٩٨ : ١٠٥
مسألة ١٠٩٩ : ١٠٦
تذنيبان : ١٠٧
مسألة ١١٠٠ : ١٠٨
مسألة ١١٠١ : مسألة ١١٠٢ : ١١٠
مسألة ١١٠٣ : ١١١
الفصل الخامس : في اللواحق مسألة ١١٠٤ : ١١٤
مسألة ١١٠٥ : ١١٦
مسألة ١١٠٦ : ١١٧
مسألة ١١٠٧ : ١١٨
مسألة ١١٠٨ : ١١٩
مسألة ١١٠٩ : ١٢٢
مسألة ١١١٠ : ١٢٣
مسألة ١١١١ : ١٢٤
مسألة ١١١٢ : ١٢٥
مسألة ١١١٣ : ١٢٦
مسألة ١١١٤ : ١٢٧
مسألة ١١١٥ : ١٢٨
مسألة ١١١٦ : ١٢٩
مسألة ١١١٧ : ١٣٠
مسألة ١١١٨ : ١٣١
مسألة ١١١٩ : مسألة ١١٢٠ : ١٣٢
مسألة ١١٢١ : ١٣٣
مسألة ١١٢٢ : ١٣٤
مسألة ١١٢٣ : ١٣٥
مسألة ١١٢٤ : مسألة ١١٢٥ : ١٣٦
مسألة ١١٢٦ : مسألة ١١٢٧ : ١٣٧
مسألة ١١٢٨ : مسألة ١١٢٩ : ١٣٨
مسألة ١١٣٠ : ١٣٩
مسألة ١١٣١ : ١٤٠
تذنيب : تذنيبٌ آخَر : ١٤١
كتاب الأمانات وتوابعها الأوّل : الوديعة الأوّل : الماهيّة ١٤٢
مسألة ١ : مسألة ٢ : ١٤٥
مسألة ٣ : ١٤٦
مسألة ٤ : ١٤٧
مسألة ٥ : ١٤٨
الفصل الثاني : في المتعاقدين مسألة ٦ : مسألة ٧ : ١٥٠
مسألة ٨ : مسألة ٩ : ١٥٢
الفصل الثالث : في موجبات الضمان ١٥٤
البحث الأوّل : في الانتفاع مسألة ١٠ : ١٥٥
مسألة ١١ : مسألة ١٢ : ١٥٧
فروع : ١٥٨
مسألة ١٣ : ١٥٩
فروع : ١٦٠
مسألة ١٤ : فروع : ١٦١
مسألة ١٥ : ١٦٣
مسألة ١٦ : مسألة ١٧ : ١٦٤
البحث الثاني : في الإيداع مسألة ١٨ : ١٦٥
مسألة ١٩ : ١٦٦
مسألة ٢٠ : ١٦٧
فروع : مسألة ٢١ : ١٦٩
مسألة ٢٢ : مسألة ٢٣ : ١٧٠
مسألة ٢٤ : ١٧٢
مسألة ٢٥ : ١٧٣
مسألة ٢٦ : ١٧٤
فروع : ١٧٥
مسألة ٢٧ : ١٧٦
فروع : مسألة ٢٨ : ١٧٨
مسألة ٢٩ : ١٧٩
تذنيب : تذنيبٌ آخَر : مسألة ٣٠ : ١٨٠
فروع : ١٨١
البحث الثالث : في نقل الوديعة مسألة ٣١ : ١٨٢
مسألة ٣٢ : مسألة ٣٣ : ١٨٣
مسألة ٣٤ : ١٨٦
مسألة ٣٥ : ١٨٧
البحث الرابع : في التقصير في دفع المهلكات مسألة ٣٦ : ١٨٨
مسألة ٣٧ : ١٨٩
مسألة ٣٨ : ١٩١
مسألة ٣٩ : ١٩٣
مسألة ٤٠ : ١٩٤
فروع : البحث الخامس : في المخالفة في كيفيّة الحفظ مسألة ٤١ : مسألة ٤٢ : ١٩٥
تذنيب : مسألة ٤٣ : ١٩٧
فروع : ١٩٨
مسألة ٤٤ : ١٩٩
مسألة ٤٥ : ٢٠٠
مسألة ٤٦ : ٢٠١
مسألة ٤٧ : ٢٠٢
مسألة ٤٨ : ٢٠٣
مسألة ٤٩ : ٢٠٤
البحث السادس : في التضييع مسألة ٥٠ : مسألة ٥١ : ٢٠٥
مسألة ٥٢ : ٢٠٦
البحث السابع : في الجحود مسألة ٥٣ : ٢٠٧
مسألة ٥٤ : مسألة ٥٥ : ٢٠٨
الفصل الرابع : في وجوب الردّ عند البقاء مسألة ٥٦ : ٢١٠
مسألة ٥٧ : مسألة ٥٨ : ٢١١
مسألة ٥٩ : مسألة ٦٠ : ٢١٢
مسألة ٦١ : مسألة ٦٢ : ٢١٣
مسألة ٦٣ : ٢١٤
مسألة ٦٤ : ٢١٥
مسألة ٦٥ : مسألة ٦٦ : ٢١٧
مسألة ٦٧ : ٢١٨
مسألة ٦٨ : ٢١٩
مسألة ٦٩ : ٢٢٠
مسألة ٧٠ : مسألة ٧١ : ٢٢٤
مسألة ٧٢ : ٢٢٦
مسألة ٧٣ : مسألة ٧٤ : ٢٢٧
مسألة ٧٥ : مسألة ٧٦ : ٢٢٨
مسألة ٧٧ : ٢٢٩
المقصد الثاني : في العارية الأوّل : الماهيّة والأركان الأوّل : الماهيّة ٢٣٢
مسألة ٧٨ : ٢٣٣
مسألة ٧٩ : ٢٣٥
البحث الثاني : في الأركان ٢٣٦
مسألة ٨٠ : ٢٣٧
مسألة ٨١ : ٢٣٨
مسألة ٨٢ : مسألة ٨٣ : ٢٣٩
مسألة ٨٤ : ٢٤٠
مسألة ٨٥ : ٢٤٢
مسألة ٨٦ : ٢٤٣
مسألة ٨٧ : ٢٤٤
مسألة ٨٨ : ٢٤٥
مسألة ٨٩ : ٢٤٦
مسألة ٩٠ : مسألة ٩١ : مسألة ٩٢ : ٢٤٧
مسألة ٩٣ : ٢٤٨
مسألة ٩٤ : ٢٥٠
الفصل الثاني : في الأحكام مسألة ٩٥ : مسألة ٩٦ : ٢٥٢
مسألة ٩٧ : ٢٥٣
مسألة ٩٨ : ٢٥٤
مسألة ٩٩ : ٢٥٥
تذنيب : ٢٥٦
مسألة ١٠٠ : مسألة ١٠١ : ٢٥٧
مسألة ١٠٢ : ٢٥٨
مسألة ١٠٣ : ٢٦٢
مسألة ١٠٤ : مسألة ١٠٥ : ٢٦٣
مسألة ١٠٦ : ٢٦٥
مسألة ١٠٧ : مسألة ١٠٨ : ٢٦٧
مسألة ١٠٩ : مسألة ١١٠ : ٢٦٩
تذنيب : ٢٧١
المبحث الثاني : في الضمان مسألة ١١١ : ٢٧٢
مسألة ١١٢ : ٢٧٥
مسألة ١١٣ : ٢٧٦
تذنيب : مسألة ١١٤ : ٢٧٧
مسألة ١١٥ : ٢٧٨
تذنيب : مسألة ١١٦ : ٢٧٩
مسألة ١١٧ : ٢٨٠
مسألة ١١٨ : ٢٨١
مسألة ١١٩ : ٢٨٢
مسألة ١٢٠ : مسألة ١٢١ : ٢٨٣
مسألة ١٢٢ : ٢٨٥
مسألة ١٢٣ : ٢٨٧
مسألة ١٢٤ : ٢٨٨
مسألة ١٢٥ : مسألة ١٢٦ : ٢٨٩
المبحث الثالث : في التنازع مسألة ١٢٧ : ٢٩٠
مسألة ١٢٨ : مسألة ١٢٩ : ٢٩٥
مسألة ١٣٠ : ٢٩٦
مسألة ١٣١ : ٢٩٧
مسألة ١٣٢ : ٢٩٩
مسألة ١٣٣ : ٣٠٠
مسألة ١٣٤ : فروع : ٣٠٢
مسألة ١٣٥ : ٣٠٣
مسألة ١٣٦ : ٣٠٤
مسألة ١٣٧ : ٣٠٥
مسألة ١٣٨ : ٣٠٦
مسألة ١٣٩ : ٣٠٧
المقصد الثالث : في الشركة الأوّل : الماهيّة ٣٠٨
مسألة ١٤٠ : ٣٠٩
مسألة ١٤١ : ٣١١
مسألة ١٤٢ : ٣١٣
مسألة ١٤٣ : ٣١٨
مسألة ١٤٤ : ٣٢١
الفصل الثاني : في أركان الشركة الأوّل : المتعاقدان مسألة ١٤٥ : ٣٢٤
مسألة ١٤٦ : ٣٢٦
مسألة ١٤٧ : ٣٢٧
تذنيب : مسألة ١٤٨ : ٣٢٨
مسألة ١٤٩ : تذنيب : ٣٣١
مسألة ١٥٠ : ٣٣٢
مسألة ١٥١ : ٣٣٣
مسألة ١٥٢ : ٣٣٤
مسألة ١٥٣ : ٣٣٥
مسألة ١٥٤ : ٣٣٦
مسألة ١٥٥ : ٣٣٧
مسألة ١٥٦ : مسألة ١٥٧ : ٣٣٨
مسألة ١٥٨ : ٣٣٩
تذنيب : مسألة ١٥٩ : ٣٤٠
مسألة ١٦٠ : مسألة ١٦١ : ٣٤١
مسألة ١٦٢ : ٣٤٢
مسألة ١٦٣ : ٣٤٤
مسألة ١٦٤ : ٣٤٥
مسألة ١٦٥ : ٣٤٦
مسألة ١٦٦ : مسألة ١٦٧ : ٣٤٨
الفصل الثالث : في الأحكام مسألة ١٦٨ : مسألة ١٦٩ : ٣٥٠
مسألة ١٧٠ : ٣٥١
مسألة ١٧١ : ٣٥٢
مسألة ١٧٢ : ٣٥٣
مسألة ١٧٣ : مسألة ١٧٤ : ٣٥٥
مسألة ١٧٥ : ٣٥٨
مسألة ١٧٦ : مسألة ١٧٧ : ٣٥٩
مسألة ١٧٨ : ٣٦٠
مسألة ١٧٩ : ٣٦٣
مسألة ١٨٠ : ٣٦٦
مسألة ١٨١ : ٣٦٧
مسألة ١٨٢ : ٣٦٨
مسألة ١٨٣ : ٣٦٩
مسألة ١٨٤ : ٣٧٠
مسألة ١٨٥ : ٣٧١
مسألة ١٨٦ : ٣٧٣
مسألة ١٨٧ : ٣٧٤
مسألة ١٨٨ : ٣٧٧
مسألة ١٨٩ : ٣٧٩
مسألة ١٩٠ : ٣٨٠
الفهرس ٣٨٢