مرآة العقول- الجزء 7
التجميع متون حديثية
الکاتب الشيخ محمّد باقر بن محمّد تقي ( العلامة المجلسي )
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

بسم الله الرحمن الرحيم

[ كتاب الإيمان والكفر من کتاب الکافی ]

[ تصن يف الشيخ أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني (ره) ]

باب

طينة المؤمن والكافر

١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حماد بن عيسى ، عن ربعي بن عبد الله ، عن رجل ، عن علي بن الحسينعليه‌السلام قال إن الله عز وجل خلق النبيين من طينة

______________________________________________________

الحمد لوليه والصلاة على خير البرايا محمد وعترته ، وبعد : فهذا هو المجلد الرابع من كتاب مرآة العقول لبيان ما في الكافي من أخبار آل الرسول مما ألفه أفقر العباد إلى غفران ربه الغني : محمد باقر بن محمد تقي عفا الله عن جرائمهما.

قال قدس الله روحه أو بعض رواة كتابه : كتاب الإيمان والكفر من كتاب الكافي تصنيف الشيخ أبي جعفر محمد بن يعقوب الكلينيرضي‌الله‌عنه وأرضاه.

أقول : تلك الفقرات لم تكن في بعض النسخ ، والظاهر أنه من كلام رواة الكافي وقدم الإيمان على الكفر لأنه الأصل والأهم أو لأنه وجودي كما قيل ، وفي القاموس كلين كأمير قرية بالري منها محمد بن يعقوب الكليني من فقهاء الشيعة ، انتهى.

وقد يقال : كلين كزبير أيضا قرية بالري ، ومحمد بن يعقوب منها ، كذا سمعت بعض المشايخ يذكر عن أهل الري.

« باب طينة المؤمن والكافر »

الحديث الأول : مرسل.


عليين قلوبهم وأبدانهم وخلق قلوب المؤمنين من تلك الطينة و [ جعل ] خلق أبدان المؤمنين من دون ذلك وخلق الكفار من طينة سجين قلوبهم وأبدانهم فخلط بين الطينتين ـ فمن هذا يلد المؤمن الكافر ويلد الكافر المؤمن ومن هاهنا يصيب المؤمن السيئة ومن هاهنا يصيب الكافر الحسنة فقلوب المؤمنين تحن إلى ما خلقوا منه و

______________________________________________________

قوله : خلق النبيين ، الخلق يكون بمعنى التكوين وبمعنى التقدير ، وفي النهاية : طين عليه أي جبل ويقال : طانه الله على طينته ، أي خلقه على جبلتهوطينة الرجل خلقه وأصله ، وقال :عليون اسم للسماء السابعة وقيل : اسم لديوان الملائكة الحفظة ترفع إليه أعمال الصالحين من العباد ، وقيل : أراد أعلى الأمكنة وأشرف المراتب وأقربها من الله تعالى في الدار الآخرة وتعرب بالحروف والحركات كقنسرين وأشباهها على أنه جمع أو واحد ، انتهى.

وإضافة الطينة إما بتقدير اللام أو من أو في« قلوبهم وأبدانهم » بدل النبيين. ويحتمل أن يراد بالقلب هنا العضو المعروف الذي يتعلق الروح أولا بالبخار المنبعث منه ، فلا ينافي ما مر في باب خلق أبدان الأئمةعليه‌السلام من أن أجسادهم مخلوقة من طينة عليين وأرواحهم مخلوقة من فوق ذلك على أنه لو أريد به الروح أمكن الجمع بجعل الطينة مبدءا لها مجازا باعتبار القرب والتعلق ، أو بتخصيص النبيين بغيرهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ويؤيده خبر ابن مروان ، وفي القاموس :سجين كسكين موضع فيه كتاب الفجار وواد في جهنم أو حجر في الأرض السابعة ، وفي النهاية اسم علم للنار. فعيل من السجن.

قوله : فخلط بين الطينتين ، أي في بدن آدمعليه‌السلام فلذا حصل في ذريته قابلية المرتبتين واستعداد الدرجتين« ومن ههنا يصيب المؤمن السيئة » لخلط طينته بطينة الكافر ، وكذا العكس« فقلوب المؤمنين تحن » أي تميل وتشتاق ، قال الجوهري : الحنين الشوق وتوقان النفس« إلى ما خلقوا منه » أي إلى الأعمال المناسبة لما خلقوا منه


قلوب الكافرين تحن إلى ما خلقوا منه.

______________________________________________________

المؤدية إليها أو إلى الأنبياء والأوصياء المخلوقين من الطينة التي خلق منها قلوبهم ، وكذا الفقرة الثانية تحتمل الوجهين.

وقال بعضهم في تأويل الخبر : المراد بعليين أشرف المراتب وأقربها من الله تعالى ، وله درجات كما يدل عليه ما ورد في بعض الأخبار الآتية من قولهم أعلى عليين وكما وقع التنبيه عليه في هذا الخبر بنسبة خلق القلوب والأبدان كليهما إليه مع اختلافهما في الرتبة ، فيشبه أن يراد به عالم الجبروت والملكوت جميعا اللذين فوق عالم الملك أعني عالم العقل والنفس ، وخلق قلوب النبيين من الجبروت معلوم ، لأنهم المقربون وأما خلق أبدانهم من الملكوت فذلك لأن أبدانهم الحقيقية هي التي لهم في باطن هذه الجلود المدبرة لهذه الأبدان ، وإنما أبدانهم العنصرية أبدان أبدانهم لا علاقة لهم بها فكأنهم وهم في جلابيب من هذه الأبدان ، قد نفضوها وتجردوا عنها لعدم ركونهم إليها وشدة شوقهم إلى النشأة الأخرى ، ولهذا نعموا بالوصول إلى الآخرة ومفارقة هذا الأدنى ، ومن هنا ورد في الحديث : الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ، وإنما نسب خلق أبدان المؤمنين إلى ما دون ذلك لأنها مركبة من هذه ومن هذه لتعلقهم بهذه الأبدان العنصرية أيضا ما داموا فيها ، وسجين أخس المراتب وأبعدها من الله سبحانه فيشبه أن يراد به حقيقة الدنيا وباطنها التي هي مخبوءة تحت عالم الملك أعني هذا العالم العنصري ، فإن الأرواح مسجونة فيه ، ولهذا ورد في الحديث : المسجون من سجنته الدنيا عن الآخرة ، وخلق أبدان الكفار من هذا العالم ظاهر.

وإنما نسب خلق قلوبهم إليه لشدة ركونهم إليه وإخلادهم إلى الأرض ، وتثاقلهم إليها ، فكأنه ليس لهم من الملكوت نصيب لاستغراقهم في الملك ، والخلط بين الطينتين إشارة إلى تعلق الأرواح الملكوتية بالأبدان العنصرية ، بل نشوها منها شيئا فشيئا فكل من النشأتين غلبت عليه صار من أهلها ، فيصير مؤمنا حقيقيا أو كافرا حقيقيا


٢ ـ محمد بن يحيى ، عن محمد بن الحسن ، عن النضر بن شعيب ، عن عبد الغفار الجازي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إن الله عز وجل خلق المؤمن من طينة الجنة وخلق الكافر من طينة النار وقال إذا أراد الله عز وجل بعبد خيرا طيب روحه وجسده فلا يسمع شيئا من الخير إلا عرفه ولا يسمع شيئا من المنكر إلا أنكره قال وسمعته يقول الطينات ثلاث طينة الأنبياء والمؤمن من تلك الطينة إلا أن الأنبياء هم من صفوتها هم الأصل ولهم فضلهم والمؤمنون الفرع «مِنْ طِينٍ لازِبٍ » كذلك لا يفرق

______________________________________________________

أو بين الأمرين على حسب تدارك مراتب الإيمان والكفر ، انتهى.

وقال آخرون : إن الله تعالى لما علم في الأزل الأرواح التي تختار الإيمان باختيارها والتي تختار المعصية باختيارها ، سواء خلقوا من طينة عليين ، أو من طينة سجين فلما علم ذلك أعطى أبدان الأرواح التي علم أنهم يختارون الإيمان كيفية عليين للمناسبة وأعطى أبدان الأرواح التي علم أنها تختار الكفر باختيارها كيفية السجين من غير أن يكون للأمرين مدخل في اختيارهم الإيمان والكفر ، وخلط بين الطينتين من غير أن يكون لذلك الخلط مدخل في اختيار الحسنة والسيئة ، فمن في قوله : من هذا ومن هيهنا ، للعلية المجازية.

الحديث الثاني : مجهول.

« من طينة الجنة » أي من طينة يعلم حين خلقه منها أنه يصير إلى الجنة أو من طينة مرجحة لإعمال تصير سببا لدخول الجنة لا على سبيل الإلجاء« إذا أراد الله بعبد خيرا » أي حسن عاقبة وسعادة« طيب روحه » بالهدايات الخاصة والألطاف المرجحة ، وذلك بعد حسن اختياره وما يعود إليه من الأسباب ،قوله تعالى : «مِنْ طِينٍ لازِبٍ »(١) قال البيضاوي : هو الحاصل من ضرب الجزء المائي إلى الجزء الأرضي وفي القاموس : اللزوب اللصوق والثبوت ، ولزب ككرم لزبا ولزوبا دخل بعضه في بعض والطين لزق وصلب ، انتهى

__________________

(١) سورة الصافّات : ١١.


الله عز وجل بينهم وبين شيعتهم وقال طينة الناصب مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ وأما المستضعفون فمِنْ تُرابٍ ، لا يتحول مؤمن عن إيمانه ولا ناصب عن نصبه ولله المشيئة فيهم.

______________________________________________________

أقول : ويمكن أن يكون على هذا التأويل للآية الكريمة المراد باللزوب لصوقهم بالأئمةعليه‌السلام وملازمتهم لهم ، فقوله : كذلك لا يفرق الله ، إلخ. وفي بعض النسخ لذلك ، أي للزوبهم ولصوقهم بأئمتهم ولصوق طينتهم بطينتهم ، لا يفرق الله بينهم وبينهم.

أو لكونهم من فرع تلك الطينة لا يفرق الله بينهما في الدنيا والآخرة ، لأن الفرع ملحق بالأصل وتابع له.

قوله عليه‌السلام : من حمأ مسنون ، إشارة إلى قوله تعالى : «وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ »(١) والصلصال الطين اليابس تسمع له عند النقر صلصلة أي صوت ، وقيل : طين صلب يخالطه الكثيب ، وقيل : منتن ، والحمأ : الطين الأسود ، والمسنون المتغير المنتن ، وقيل : أي مصبوب كأنه أفرغ حتى صار صورة كما يصب الذهب والفضة ، وقيل : أنه الرطب ، وقيل : مصور عن سيبويه ، قال : أخذ منه سنة الوجه ، والحمأ المسنون : طين سجين.

قوله : فمن تراب ، أي خلقوا من تراب غير ممزوج بماء عذب زلال كما مزجت به طينة الأنبياء والمؤمنين ، ولا بماء آسن أجاج كما مزجت به طينة الكافرين ، فلا يكونون من هؤلاء ولا من هؤلاء ، ولعل هذا وجه جمع بين الآيات الكريمة ، فإن ما دل على أنه خلق من حمأ مسنون فهو في الناصب ، وما دل على أنه خلق من طين لازب فهو في الشيعة ، وما دل على أنه خلق من تراب فهو في المستضعفين ، فيحتمل حينئذ أن يكون المراد إدخال تلك الطينات جميعا في بدن آدم لتحصيل قابلية جميع تلك الأمور والأقسام في أولاده وأن يكون المراد خلق كل صنف من تلك الطينة بإدخال ذلك الطين في النطفة أو بحصول تلك النطفة من هذه الطينة.

والأوسط أظهر لما رواه الشيخ في مجالسه بإسناده عن عبيد بن يحيى عن يحيى

__________________

(١) سورة الحجر : ٢٦.


...............................................................................................

______________________________________________________

ابن عبد الله بن الحسن عن جده الحسن بن عليعليه‌السلام قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إن في الفردوس لعينا أحلى من الشهد وألين من الزبد وأبرد من الثلج وأطيب من المسك ، فيها طينة خلقنا الله عز وجل منها ، وخلق شيعتنا منها فمن لم يكن من تلك الطينة فليس منا ولا من شيعتنا وهي الميثاق الذي أخذ الله عز وجل على ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، قال عبيد : فذكرت لمحمد بن الحسين هذا الحديث فقال : صدقك يحيى بن عبد الله هكذا أخبرني أبي عن جدي عن أبيه عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال عبيد : قلت : أشتهي أن تفسره لنا إن كان عندك تفسير؟ قال : نعم أخبرني أبي عن جدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنه قال : إن لله ملكا رأسه تحت العرش وقدماه في تخوم الأرض السابعة السفلى ، بين عينيه راحة أحدكم فإذا أراد الله عز وجل أن يخلق خلقا على ولاية علي بن أبي طالبعليه‌السلام أمر ذلك الملك فأخذ من تلك الطينة فرمي بها في النطفة حتى تصير إلى الرحم ، منها يخلق وهي الميثاق.

قوله : ولله المشيئة فيهم ، أي في المستضعفين والتعميم بعيد.

وقال بعضهم : في قولهعليه‌السلام : والمؤمنون الفرع من طين لازب ، لأن الجبروت صفوة الملكوت وأصله ، والملكوت فرع الجبروت ، واللازب اللازم للشيء اللاصق به ، وإنما كانت طينتهم لازبة للزوبها لطينة أئمتهم ولصوقها بها لخلطها بها وتركبها من العالمين جميعا ، ألا ترى إلى شوقهم إلى أئمتهم وحنينهم إليهم ، وكما أن الأمر كذلك كذلك لا يفرق الله بين أئمتهم وبينهم ، والحمأ الطين الأسود وهو كناية عن باطن الدنيا وحقيقة تلك العجوزة الشوهاء ، وأما خلق المستضعفين من التراب أعني ماله قبول الأشكال المختلفة وحفظها ، فذلك لعدم لزومهم لطريقة أهل الإيمان ، ولا لطريقة أهل الكفر وعدم تقيدهم بعقيدة لا حق ولا باطل ، ليس لهم نور الملكوت ولا ظلمة باطن الملك ، بل لهم قبول كل من الأمرين بخلاف الآخرين فإنهما لا يتحولان عما خلقوا له ، وأما قوله : ولله المشيئة فيهم ، فهو رد لتوهم الإيجاب في


٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن محبوب ، عن صالح بن سهل قال قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام جعلت فداك من أي شيء خلق الله عز وجل طينة المؤمن فقال من طينة الأنبياء فلم تنجس أبدا.

٤ ـ محمد بن يحيى وغيره ، عن أحمد بن محمد وغيره ، عن محمد بن خلف ، عن أبي نهشل قال حدثني محمد بن إسماعيل ، عن أبي حمزة الثمالي قال سمعت أبا جعفرعليه‌السلام يقول إن الله جل وعز خلقنا من أعلى عليين وخلق قلوب شيعتنا مما خلقنا منه وخلق أبدانهم من دون ذلك وقلوبهم تهوي إلينا لأنها خلقت مما خلقنا منه ثم تلا هذه الآية «كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ * كِتابٌ

______________________________________________________

فعله سبحانه ، وفيه إشارة إلى قوله عز وجل : «وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ »(١) .

الحديث الثالث : ضعيف.

« فلن تنجس أبدا » (٢) بنجاسة الشرك والكفر وإن نجست بالمعاصي فتطهر بالتوبة والشفاعة ، وقيل : لن يتعلق بالدنيا تعلق ركون وإخلاد يذهله عن الآخرة.

الحديث الرابع : مجهول.

وقد مر بعينه في باب خلق أبدان الأئمةعليه‌السلام وقال بعض أرباب التأويل : كل ما يدركه الإنسان بحواسه يرتفع منه أثر إلى روحه ، ويجتمع في صحيفة ذاته وخزانة مدركاته ، وكذلك كل مثقال ذرة من خير أو شر يعمله يرى أثره مكتوبا ثمة ، ولا سيما ما رسخت بسبب الهيئات ، وتأكدت به الصفات وصار خلقا وملكة ، فالأفاعيل المتكررة والعقائد الراسخة في النفوس هي بمنزلة النقوش الكتابية في الألواح ، كما قال الله تعالى : «أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ »(٣) وهذه الألواح النفسية يقال لها صحائف الأعمال ، وإليه الإشارة بقوله سبحانه : «وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ »(٤) وقوله

__________________

(١) سورة النحل : ٩.

(٢) كذا في جميع النسخ وفي المتن « فلم تنجس ».

(٣) سورة المجادلة : ٢٢.

(٤) سورة الإسراء : ١٣.


مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ » وخلق عدونا من سجين وخلق قلوب شيعتهم مما خلقهم منه وأبدانهم من دون ذلك فقلوبهم تهوي إليهم لأنها خلقت مما خلقوا منه ثم تلا هذه الآية : «كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ كِتابٌ مَرْقُومٌ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ »(١) .

______________________________________________________

عز وجل : «وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً »(٢) فيقال له : «لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ »(٣) «هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ »(٤) " فمن كان من أهل السعادة وأصحاب اليمين وكانت معلوماته أمورا قدسية وأخلاقه زكية وأعماله صالحة فقد أوتي كتابه بيمينه أعني من الجانب الأقوى الروحاني ، وهو جهة عليين وذلك لأن كتابه من جنس الألواح العالية والصحف المكرمة المرفوعة المطهرة بأيدي سفرة كرام بررة يشهده المقربون ، ومن كان من الأشقياء المردودين وكانت معلوماته مقصورة على الجرميات وأخلاقه سيئة وأعماله خبيثة فقد أوتي كتابه بشماله أعني من جانبه الأضعف الجسماني وهو جهة سجين ، وذلك لأن كتابه من جنس الأوراق السفلية والصحائف الحسية القابلة للاحتراق فلا جرم يعذب بالنار وإنما عود الأرواح إلى ما خلقت منه كما قال سبحانه : «كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ »(٥) «كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ »(٦) فما خلق من عليين فكتابه في عليين ، وما خلق من سجين فكتابه في سجين.

__________________

(١) سورة المطففين ٧ ـ ١٠.

(٢) سورة الإسراء : ١٣.

(٣) سورة ق : ٢٢.

(٤) سورة الجاثية : ٢٩.

(٥) سورة الأعراف : ٢٩.

(٦) سورة الأنبياء : ١٠٤.


٥ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد وغير واحد ، عن الحسين بن الحسن جميعا ، عن محمد بن أورمة ، عن محمد بن علي ، عن إسماعيل بن يسار ، عن عثمان بن يوسف قال أخبرني عبد الله بن كيسان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قلت له جعلت فداك أنا مولاك ـ عبد الله بن كيسان قال أما النسب فأعرفه وأما أنت فلست أعرفك قال قلت له إني ولدت بالجبل ونشأت في أرض فارس وإنني أخالط الناس في التجارات وغير ذلك فأخالط الرجل فأرى له حسن السمت وحسن الخلق وكثرة أمانة ثم أفتشه فأتبينه عن عداوتكم وأخالط الرجل فأرى منه سوء الخلق وقلة أمانة وزعارة ثم أفتشه فأتبينه عن ولايتكم فكيف يكون ذلك فقال لي أما علمت يا ابن كيسان أن الله عز وجل أخذ طينة من الجنة وطينة من النار فخلطهما جميعا ثم نزع هذه من هذه وهذه من هذه فما رأيت من أولئك من الأمانة وحسن الخلق وحسن السمت فمما مستهم من طينة الجنة وهم يعودون إلى ما خلقوا منه وما رأيت من هؤلاء من قلة الأمانة وسوء الخلق والزعارة فمما مستهم من

______________________________________________________

الحديث الخامس : ضعيف.

« فلست أعرفك » أي بالتشيع« فأفتشه عن عداوتكم » التعدية بعن لتضمين معنى الكشف ، والسمت : الطريق وهيئة أهل الخير ، وزعارة بالزاء والراء المشددة وقد يخفف الشراسة وسوء الخلق ، وفي بعض النسخ بالدال والعين والراء المهملات وهو الفساد والفسق والخبث.« فخلطهما جميعا » أي في صلب آدم إلى أن يخرجوا من أصلاب أولاده ، وهو المرادبقوله : ثم نزع هذه من هذه إذ يخرج المؤمن من صلب الكافر ، والكافر من صلب المؤمن وحمل الخلط على الخلطة في عالم الأجساد واكتساب بعضهم الأخلاق من بعض بعيد جدا.

وقال بعضهم : ثم نزع هذه ـ إلى آخره ـ معناه أنه نزع طينة الجنة من طينة النار ، وطينة النار من طينة الجنة بعد ما مست إحداهما الأخرى ، ثم خلق أهل الجنة من طينة الجنة ، وخلق أهل النار من طينة النار ، وأولئك إشارة إلى الأعداء


طينة النار وهم يعودون إلى ما خلقوا منه.

٦ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن محمد بن خالد ، عن صالح بن سهل قال قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام ـ المؤمنون من طينة الأنبياء قال نعم.

٧ ـ علي بن محمد ، عن صالح بن أبي حماد ، عن الحسين بن يزيد ، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة ، عن إبراهيم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إن الله عز وجل لما أراد أن يخلق آدمعليه‌السلام بعث جبرئيلعليه‌السلام في أول ساعة من يوم الجمعة فقبض بيمينه قبضة بلغت قبضته من السماء السابعة إلى السماء الدنيا وأخذ من

______________________________________________________

وهؤلاء إلى الأولياء ، وما خلقوا منه في الأول طينة النار وفي الثاني طينة الجنة.

الحديث السادس : ضعيف. والمراد فضل طينتهم.

الحديث السابع : ضعيف.

قوله : في أول ساعة « إلخ » قيل : لما كان خلق آدمعليه‌السلام بعد خلق السماوات والأرض ضرورة تقدم البسيط على المركب ، وكان خلق السماوات والأرض وأقواتها في ستة أيام من الأسبوع وقد جمعت جميعا في الجمعة صار بدو خلق الإنسان فيه ، والمراد بكلمته جبرئيل لأنه حامل كلمته أو لاهتداء الناس به كاهتدائهم بكلام الله أو لكونه مخلوقا بكلمة كن بلا مادة ، وقيل : المراد بالسماوات درجات الجنة وبالأرضين دركات سجين ليطابق الأخبار الأخر ، ويحتمل أخذها منهما معا ، وقيل : كان المرادبالتربة ما له مدخل في تهيئة المادة القابلة لأن يخلق منها شيء فيشمل الطينة بمعنى الجبلة وآثار القوى السماوية المربية للنطفة ، وبالجملة ما له مدخل في السبب القابلي ، انتهى.

وقيل : إطلاق التربة على ما أخذ من السماوات من قبيل مجاز المشارفة أي ما يصير تربة وينقلب إليها ، والقصوى مؤنث الأقصى أي الأبعد ، ويدل على أن الأرض سبع طبقات كالسماوات كما قال تعالى : " «اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ


كل سماء تربة وقبض قبضة أخرى من الأرض السابعة العليا إلى الأرض السابعة القصوى فأمر الله عز وجل كلمته فأمسك القبضة الأولى بيمينه والقبضة الأخرى بشماله ففلق الطين فلقتين فذرا من الأرض ذروا ومن السماوات ذروا فقال للذي بيمينه منك الرسل والأنبياء والأوصياء والصديقون والمؤمنون والسعداء ومن أريد كرامته فوجب لهم ما قال كما قال وقال للذي بشماله منك الجبارون

______________________________________________________

مِثْلَهُنَ »(١) .

قوله عليه‌السلام : ففلق الطين فلقتين ، ضمير فلق إما راجع إلى الله أو إلى جبرئيل ، وكذاقوله : فذرأ ، وفي القاموس فلقه يفلقه شقه كفلقه وفالق الحب خالقه أو شاقه بإخراج الورق منه ، وقال : ذرت الريح الشيء ذروا وأذرته وذرته أطارته وأذهبته وذرأ هو بنفسه.

أقول : الكلام يحتمل وجوها « الأول » أن يكون قوله : ففلق تفريعا وتأكيدا لما مضى ، أي فصار يقبض بعض الطين باليمين وبعضه بالشمال الطين صنفين ، ففرق من الأرض أي ما كان في يده من طين الأرض ، وكذا الثاني فقال الله أو جبرئيل للذي بيمينه قبل الذر أو للذي كان بيمينه بعده.

الثاني : أن يكون المعنى ففلق كل طين من الطينين فلقة أي جعل كلا منهما حصتين ففرق من كل طين حصة ليكون طينة للمستضعفين والأطفال والمجانين ، وقال لما بقي في اليمين : منك الرسل « إلخ » ولما بقي في الشمال : منك الجبارون « إلخ » وعلى هذا لعل إرجاع الضمائر إلى الله تعالى أولى ، فيقرأ أريد في الموضعين بصيغة المتكلم ، وعلى الوجه الآخر يقرأ بصيغة الغائب المجهول.

الثالث : ما ذكره بعض الأفاضل حيث قال : كان الفلق كناية عن إفراز ما يصلح من المادتين لخلق الإنسان ، وإنما ذرأ من كل منهما ما ذرأ لأنه كان فيهما ما ليس له مدخل في خلق الإنسان وإنما كان مادة لسائر الأكوان خاصة.

__________________

(١) سورة الطلاق : ١٢.


والمشركون والكافرون والطواغيت ومن أريد هوانه وشقوته فوجب لهم ما قال كما قال ثم إن الطينتين خلطتا جميعا وذلك قول الله عز وجل «إِنَّ اللهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى »(١) فالحب طينة المؤمنين التي ألقى الله عليها محبته والنوى طينة الكافرين الذين نأوا عن كل خير وإنما سمي النوى من أجل أنه نأى عن كل خير وتباعد عنه وقال الله عز وجل «يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِ »(٢)

______________________________________________________

قوله عليه‌السلام : ثم إن الطينتين خلطتا ، أي ما كان في اليدين أو جميع الطينتين المذروء منهما وغير المذروء ، وقوله عليه‌السلام : فالحب طينة المؤمنين ، هذا بطن من بطون الآية وعلى هذا التأويل المراد بالفلق شق كل منهما وإخراج الآخر منه أو شق كل منهما عن صاحبه أو خلقهما« من أجل أنه نأى » كان مناسبة نأى ونوى من جهة الاشتقاق الكبير المبني على توافق بعض حروف الكلمتين فإن الأول مهموز الوسط والثاني من المعتل ، ويحتمل أن يكون أصل المهموز من المعتل أو بالعكس ويؤيد أن صاحب المصباح المنير والراغب في المفردات ذكرا نأى في باب النون مع الواو ، أو يقال ليس الغرض بيان الاشتقاق بل بيان أن النوى بمعنى البعد ، وذكر نأى لتناسب اللفظين فإن الواوي أيضا يطلق بهذا المعنى ، قال في القاموس : النية الوجه الذي يذهب فيه والبعد كالنوى فيهما « انتهى ».

والآية في سورة الأنعام هكذا : «إِنَّ اللهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى » قال في مجمع البيان : أي شاق الحبة اليابسة الميتة فيخرج منه النبات وشاق النواة اليابسة فيخرج منها النخل والشجر ، وقيل : معناه خالق الحب والنوى ومنشإهما ومبدئهما ، وقيل : المراد به ما في الحبة والنواة من الشق ، وهو من عجيب قدرة الله تعالى في استوائه.

«يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِ » أي يخرج النبات الغض

__________________

(١) سورة الأنعام : ٩٥.

(٢) سورة الأنعام : ٩٥.


فالحي المؤمن الذي تخرج طينته من طينة الكافر والميت الذي يخرج من الحي هو الكافر الذي يخرج من طينة المؤمن فالحي المؤمن والميت الكافر وذلك قوله عز وجل : «أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ »(١) فكان موته اختلاط طينته مع طينة الكافر

______________________________________________________

الطري الخضر من الحب اليابس ، ويخرج الحب اليابس من النبات الحي النامي عن الزجاج والعرب تسمى الشجرة ما دام غضا قائما بأنه حي ، فإذا يبس أو قطع أو قلع سموه ميتا.

وقيل : معناه يخلق الحي من النطفة وهي موات ، ويخلق النطفة وهي موات من الحي عن الحسن وغيره ، وهذا أصح ، وقيل : معناه يخرج الطير من البيض والبيض من الطير عن الجبائي ، وقيل : يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن.

ثم قال سبحانه في هذه السورة أيضا : «أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها ».

قال الطبرسي :أومن كان ميتا أي كافرافأحييناه بأن هديناه إلى الإيمان عن ابن عباس وغيره ، شبه سبحانه الكفر بالموت والإيمان بالحياة ، وقيل : معناه من كان نطفة فأحييناه وجعلنا له نورا ، المراد بالنور العلم والحكمة أو القرآن أو الإيمان ، وبالظلمات ظلمات الكفر ، وإنما سمي الله الكافر ميتا كأنه لا ينتفع بحياته ولا ينتفع غيره بحياته فهو أسوأ حالا من الميت إذ لا يوجد من الميت ما يعاقب عليه ، ولا يتضرر غيره به ، وسمي المؤمن حيا لأنه له ولغيره المصلحة والمنفعة في حياته وكذلك سمي الكافر ميتا والمؤمن حيا في عدة مواضع ، مثل قوله : «إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى »(٢) و «لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا »(٣) وقوله : «وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ »(٤)

__________________

(١) سورة الأنعام : ١٢٢.

(٢) سورة الروم : ٥٢.

(٣) سورة يس : ٧٠.

(٤) سورة فاطر : ٢٢.


وكان حياته حين فرق الله عز وجل بينهما بكلمته كذلك يخرج الله عز وجل المؤمن في الميلاد من الظلمة بعد دخوله فيها إلى النور ويخرج الكافر من النور إلى الظلمة

______________________________________________________

وسمي القرآن والعلم والإيمان نورا لأن الناس يبصرون بذلك ، ويهتدون به من ظلمات الكفر وحيرة الضلالة ، كما يهتدى بسائر الأنوار ، وسمي الكفر ظلمة لأن الكافر لا يهتدي بهداه ولا يبصر أمر رشده « انتهى ».

وأقول : على التأويل المذكور في الخبر وأكثر التفاسير المذكورة قوله تعالى : «يُخْرِجُ الْحَيَ » بيان لقوله «فالِقُ الْحَبِ ».

قوله : حين فرق الله بينهما بكلمته ، أي بقدرته أو بأمر كن ، أو بجبرئيل ، والتفريق في الميلاد أو في الطينة ، والأول أظهر ،فقوله : كذلك ، تشبيه الإخراج من الظلمات إلى النور وبالعكس بإخراج الحي من الميت وبالعكس ، في أن المراد فيهما إخراج طينة المؤمن من طينة الكافر وبالعكس ، وليس المراد تأويل تتمة تلك الآية أعني قوله سبحانه : «أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً » « إلخ » فإنه لم يذكر فيها إخراج الكافر من النور إلى الظلمة ، بل فيها أنه في الظلمات ليس بخارج منها بل هو إشارة إلى قوله تعالى : «اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ »(١) الآية ، ولا ينافيهقوله عليه‌السلام : ويخرج الكافر ، مع أن في الآية نسب الإخراج إلى الطاغوت لأن لخذلانه سبحانه مدخلا في ذلك ، مع أنه يمكن أن يقرأ على بناء المجرد المعلوم ، أو على بناء المجهول ، وما قيل : من أنه يظهر من هذا الحديث أن إخراج المؤمن من الكافر وبالعكس في وقتين تفريق الطين ووقت الولادة فليس بظاهر كما عرفت.

ثم استشهدعليه‌السلام لإطلاق الحياة على الإيمان أو كونه من طينة مقربة له بقوله سبحانه : «لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا » أي كان من طينة الجنة على تأويلهعليه‌السلام ، قال الطبرسي : أي أنزلناه ليخوف به من معاصي الله من كان مؤمنا لأن الكافر كالميت بل أقل من الميت أو من كان عاقلا كما روي عن عليعليه‌السلام وقيل : من كان حي القلب

__________________

(١) سورة البقرة : ٢٥٧.


بعد دخوله إلى النور وذلك قوله عز وجل : «لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ »(١) .

______________________________________________________

حي البصر «وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ » أي يجب الوعيد والعذاب على الكافرين بكفرهم.

وأقول : على تأويلهعليه‌السلام يحتمل أن يكون المراد بالقول ما مر من قوله سبحانه : منك الجبارون والمشركون والكافرون « إلخ ».

فذلكة

اعلم أن ما ذكر في هذا الباب وفي بعض الأبواب الآتية من متشابهات الأخبار ومعضلات الآثار ، ومما يوهم الجبر ونفي الاختيار ولأصحابنا رضوان الله عليهم فيها مسالك :

الأول : ما ذهب إليه الأخباريون وهو أنا نؤمن بها مجملا ونعترف بالجهل عن حقيقة معناها وعن أنها من أي جهة صدرت ونرد علمه إليهمعليه‌السلام .

الثاني : أنها محمولة على التقية لموافقتها لروايات العامة ومذاهب الأشاعرة الجبرية وهم جلهم.

الثالث : أنه كناية عن علمه تعالى بما هم إليه صائرون فإنه سبحانه لما خلقهم وكان عند خلقهم عالما بما يصيرون إليه فكأنه خلقهم من طينات مختلفة.

الرابع : أنها كناية عن اختلاف استعداداتهم وقابلياتهم وهذا أمر بين لا يمكن إنكاره ، فإنه لا يريب عاقل في أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وأبا جهل ليسا في درجة واحدة من الاستعداد والقابلية ، وهذا لا يستلزم سقوط التكليف فإن الله تعالى كلف النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بقدر ما أعطاه من الاستعداد والقابلية لتحصيل الكمالات وكلفه ما لم يكلف أحدا مثله ، وكلف أبا جهل ما في وسعه وطاقته ، ولم يجبره على شيء من الشر والفساد.

الخامس : أنه لما كلف الله تعالى الأرواح أولا في الذر وأخذ ميثاقهم فاختاروا الخير والشر باختيارهم في ذلك الوقت ، وتفرع اختلاف الطينة على ما اختاروه باختيارهم كما دلت عليه بعض الأخبار فلا فساد في ذلك.

__________________

(١) سورة يس : ٧٠.


باب آخر منه

وفيه زيادة وقوع التكليف الأول

١ ـ أبو علي الأشعري ومحمد بن يحيى ، عن محمد بن إسماعيل ، عن علي بن الحكم ، عن أبان بن عثمان ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال لو علم الناس كيف ابتداء الخلق ما اختلف اثنان إن الله عز وجل قبل أن يخلق الخلق قال كن ماء

______________________________________________________

باب آخر منه وفيه زيادة وقوع التكليف الأول

أقول : إنما أفرد لتلك الأخبار بابا لاشتمالها على أمر زائد لم يكن في الأخبار السابقة رعاية لضبط العنوان بحسب الإمكان.

الحديث الأول : موثق كالصحيح.

« لما اختلف اثنان » (١) أي في مسألة الاستطاعة والاختيار والجبر ، أو لما تنازع اثنان في أمر من أمور الدين لاختلاف إفهامهم وقابلياتهم وطينهم ، ولما بالغوا في هداية الخلق« كن ماءا عذابا » أمر تكويني أو استعارة تمثيلية لبيان علمه تعالى باختلاف مواد الخلق واستعداداتهم وما هم إليه صائرون وفي القاموس :ماء أجاج ملح مر ، وقال أديم النهار عامته أو بياضه ، ومن الضحى أوله ومن السماء والأرض ما ظهروقال : عركه دلكه وحكه حتى عفاه وقال :الذر صغار النمل ومائة منها زنة حبة شعير ، الواحدة ذرة ، وقال : دبيدب دبا ودبيبا : مشى على هنيئة ، وقال : أقلته فسخته ، واستقالة : طلب إليه أن يقيله ، وقال : هابه يهابه هيبا ومهابة : خافه.

وقال السيدرضي‌الله‌عنه في نهج البلاغة : روى اليماني عن أحمد بن قتيبة عن عبد الله بن يزيد عن مالك بن دحية قال : كنا عند أمير المؤمنين عليعليه‌السلام وقد ذكر عنده اختلاف الناس ، قال : إنما فرق بينهم مبادئ طينهم ، وذلك أنهم قد كانوا فلقة من سبخ أرض وعذبها وحزن تربة وسهلها فهم على حسب قرب أرضهم يتقاربون ،

__________________

(١) وفي المتن « ما اختلف » بدون اللام.


عذبا أخلق منك جنتي وأهل طاعتي وكن ملحا أجاجا أخلق منك ناري وأهل معصيتي ثم أمرهما فامتزجا فمن ذلك صار يلد المؤمن الكافر والكافر المؤمن ثم أخذ طينا

______________________________________________________

وعلى قدر اختلافها يتفاوتون ، فتام الرواء ناقص العقل وماد القامة قصير الهمة وزاكي العمل قبيح المنظر وقريب القعر بعيد السبر ومعروف الضريبة منكر الجليبة وتائه القلب متفرق اللب وطليق اللسان حديد الجنان.

وقال ابن ميثم في قولهعليه‌السلام : إنما فرق بينهم « إلخ » أي تقاربهم في الصور والأخلاق تابع لتقارب طينهم وتقارب مباديه وهي السهل والحزن ، والسبخ والعذب وتفاوتهم فيها لتفاوت طينهم ومباديه المذكورة وقال أهل التأويل : الإضافة بمعنى اللام أي المبادئ لطينهم كناية عن الأجزاء العنصرية التي هي مبادئ المركبات ذوات الأمزجة ، أو السبخ كناية عن الحار اليابس والعذب عن الحار الرطب والسهل عن البارد الرطب ، والحزن عن البارد اليابس ، انتهى.

وأقول : لا يبعد أن يكون الماء العذب كناية عما خلق الله في الإنسان من الدواعي إلى الخير والصلاح كالعقل والنفس الملكوتي ، والماء الأجاج عما ينافي ويعارض ذلك ويدعو إلى الشهوات الدنية واللذات الجسمانية من البدن وما ركب فيه من الدواعي إلى الشهوات ، ويكون مزجهما كناية عن تركيبهما في الإنسان ،فقوله : أخلق منك ، أي من أجلك جنتي وأهل طاعتي ، إذ لو لا ما في الإنسان من جهة الخير لم يكن لخلق الجنة فائدة ولم يكن يستحقها أحد ، ولم يصر أحد مطيعا له تعالى ، وكذاقوله : أخلق منك ناري إذا لو لا ما في الإنسان من دواعي الشرور لم يكن يعصي الله أحد ، ولم يحتج إلى خلق النار للزجر عن الشرور ثم لإظهار إحاطة علمه بما سيقع من كل فرد من أفراد البشر للملائكة لطفا لهم ولبني آدم أيضا بعد إخبار الرسل بذلك جعلهم كالذر ، وميز من علم منهم الإيمان ممن علم منهم خلافه ، وكلفهم بدخول النار ليعلموا قبل التكليف في عالم الأجساد أن ما علم منهم مطابق للواقع« فثم ثبتت الطاعة والمعصية » وعلم الملائكة من يطيع بعد ذلك ومن يعصي وأثبت ذلك في الألواح مطابقا لعلمه تعالى.


من أديم الأرض فعركه عركا شديدا فإذا هم كالذر يدبون فقال لأصحاب اليمين إلى الجنة بسلام وقال لأصحاب الشمال إلى النار ولا أبالي ثم أمر نارا فأسعرت فقال لأصحاب الشمال ادخلوها فهابوها فقال لأصحاب اليمين ادخلوها فدخلوها فقال «كُونِي بَرْداً وَسَلاماً » فكانت بردا وسلاما فقال أصحاب الشمال يا رب أقلنا ـ فقال قد أقلتكم فادخلوها فذهبوا فهابوها فثم ثبتت الطاعة والمعصية ـ فلا يستطيع هؤلاء

______________________________________________________

وقوله : فمن ذلك صار يلد المؤمن الكافر ، أي لأجل ما قرر في الإنسان من جهتي الخير والشر ترى الأب يصير تابعا للعقل ومقويا لدواعي الخير وزاجرا للشهوات فيصير من الأخيار ، والابن يتبع الهوى والشهوات ويسلطها على العقل فيصير من الأشرار مع نهاية الارتباط بينهما.

وقوله : ولا يستطيع هؤلاء ، أي لا يتخلف ما علم الله تعالى منهم ، لكن لا يختارونها إلا باختيارهم وإرادتهم واستطاعتهم.

هذا ما خطر بالبال على وجه الاحتمال والله يعلم غوامض أسرارهمعليه‌السلام .

وقال بعض أهل التأويل عبر عن المادة تارة بالماء وأخرى بالتربة لاشتراكهما في قبول الأشكال ، ولاجتماعهما في طينة الإنسان وتركيب خلقته ، وأديم الأرض وجهها وكأنه كناية عما ينبت منها مما يصلح أن يصير غذاء الإنسان ويحصل منه النطفة أو تتربى به ، والعرك : الدلك وكأنه كناية عن مزجه بحيث يحصل منه المزاج ويستعد للحياة ، والذر : النمل الصغار ووجه الشبه الحس والحركة وكونهم محل الشعور مع صغر الجثة والخفاء ، وهذا الخطاب إنما كان في عالم الأمر ولشدة ارتباط الملك بالملكوت وقوامه به جاز إسناد مادته إليه وإن كان عالم الأمر مجردا عن المادة واجتماعهم في الوجود عند الله تعالى إنما هو لاجتماع الأجسام الزمانية عنده تعالى دفعة واحدة في عالم الأمر وإن كانت متفرقة مبسوطة متدرجة في عالم الخلق ووجودهم في عالم الأمر وجود ملكوتي ظلي ينبعث من حقيقة هذا الوجود الخلقي الجسماني وهو صورة علمه سبحانه بها وعبر عنه بالظلال في حديث آخر ، وأمره تعالى إياهم


أن يكونوا من هؤلاء ولا هؤلاء من هؤلاء.

٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن ابن أذينة ، عن زرارة أن رجلا سأل أبا جعفرعليه‌السلام عن قول الله جل وعز : «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى » إلى آخر الآية(١) .

______________________________________________________

إلى الجنة والنار هدايته إياهم إلى سبيلهما ، ثم توفيقه أو خذلانه ، ولعل المراد بالنار المسعرة بعد ذلك التكاليف الشرعية وتحصيل المعرفة المحرقة للقلوب لصعوبة الخروج عن عهدتها واستقالة أصحاب الشمال كناية عن تمنيهم الإطاعة وعدم قدرتهم التامة عليها لغلبة الشقوة عليهم ، وكونهم مسخرة تحت سلطان الهوى كما قالوا «رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ » انتهى.

والاجتراء على تلك التأويلات في الأخبار جرأة على الله ورسوله والأئمة الأخيار إلا أن يكون على سبيل الاحتمال ، لكن بعد ثبوت ما بنوا عليه الكلام من المقدمات التي لم تثبت بالبرهان واليقين بل بعضها مناف لما ثبت في الدين المبين.

الحديث الثاني : حسن كالصحيح.

وظاهر الحديث أن السؤال عن الباقرعليه‌السلام كان في زمن أبيه وهو حاضر ، وفيه أنه لم يعهد إدراك زرارة علي بن الحسينعليه‌السلام فيحتمل أن يكون روي ذلك عن الرجل السائل ولم يكن زرارة حاضرا عند السؤال ، مع أنه يمكن إدراكه زمان السجادعليه‌السلام وعدم روايته عنه ولذا لم يعد من أصحابه ، وفي تفسير العياشي هكذا عن زرارة أن رجلا سأل أبا عبد اللهعليه‌السلام إلى آخر الخبر ، وهو أصوب.

«وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ » قال البيضاوي : أي أخرج من أصلابهم نسلهم على ما يتوالدون قرنا بعد قرن ، ومن ظهورهم بدل من بني آدم بدل البعض ، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر ويعقوب ذرياتهم «وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ » أي نصب لهم دلائل ربوبيته وركب في عقولهم ما يدعوهم إلى الإقرار

__________________

(١) سورة الأعراف : ١٧٢.


فقال وأبوه يسمععليه‌السلام حدثني أبي أن الله عز وجل قبض قبضة من تراب التربة التي خلق منها آدمعليه‌السلام فصب عليها الماء العذب الفرات ثم تركها أربعين صباحا ثم صب عليها الماء المالح الأجاج فتركها أربعين صباحا فلما اختمرت الطينة أخذها فعركها عركا شديدا فخرجوا كالذر من يمينه وشماله وأمرهم جميعا أن يقعوا في النار فدخل

______________________________________________________

بها حتى صاروا بمنزلة من قيل لهم :ألست بربكم؟ قالوا بلى ، فنزل تمكينهم من العلم بها وتمكنهم منه منزلة الإشهاد والاعتراف على طريقة التمثيل ، ويدل عليه قوله : «قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ » أي كراهة أن تقولوا «إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ » لم ننبه عليه بدليل «أَوْ تَقُولُوا » عطف على أن تقولوا «إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ » فاقتدينا بهم لأن التقليد عند قيام الدليل والتمكن مع العلم به لا يصلح عذرا «أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ » يعني آباءهم المبطلين بتأسيس الشرك ، وقيل : لما خلق الله آدم أخرج من ظهره ذرية كالذر وأحياهم ، وجعل لهم العقل والنطق وألهمهم ذلك ، لحديث رواه عمر ، انتهى.

وقال بعض المحققين لعل معنى إشهاد ذرية بني آدم على أنفسهم بالتوحيد استنطاق حقائقهم بالسنة قابليات جواهرها وألسن استعدادات ذواتها ، وأن تصديقهم به كان بلسان طباع الإمكان قبل نصب الدلائل لهم أو بعد نصب الدلائل ، أو أنه نزل تمكينهم من العلم وتمكينهم منه بمنزلة الإشهاد والاعتراف على طريقة التمثيل نظير ذلك قوله عز وجل : «إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ »(١) إلخ ، وقوله عز وعلا : «فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ »(٢) ومعلوم أنه لا قول ثمة وإنما هو تمثيل وتصوير للمعنى ، ويحتمل أن يكون ذلك النطق باللسان الملكوتي الذي به يسبح كل شيء بحمد ربه ، وذلك لأنهم مفطورون على التوحيد.

قوله عليه‌السلام : من تراب ، التربة هذا من قبيل إضافة الجزء إلى الكل ،قوله

__________________

(١) سورة النحل : ٤٠.

(٢) سورة الفصلت : ١١.


أصحاب اليمين فصارت عليهم بردا وسلاما وأبى أصحاب الشمال أن يدخلوها.

٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن أبان بن عثمان ، عن محمد بن علي الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إن الله عز وجل لما أراد أن يخلق آدمعليه‌السلام أرسل الماء على الطين ثم قبض قبضة فعركها ثم فرقها فرقتين بيده ثم ذرأهم فإذا هم يدبون ثم رفع لهم نارا فأمر أهل الشمال أن يدخلوها فذهبوا إليها فهابوها فلم يدخلوها ثم أمر أهل اليمين أن يدخلوها فذهبوا فدخلوها فأمر الله جل وعز النار فكانت عليهم بردا وسلاما فلما رأى ذلك أهل الشمال قالوا ربنا أقلنا فأقالهم ثم قال لهم ادخلوها فذهبوا فقاموا عليها ولم يدخلوها فأعادهم طينا وخلق منها آدمعليه‌السلام وقال أبو عبد اللهعليه‌السلام فلن يستطيع هؤلاء أن يكونوا من هؤلاء ولا هؤلاء أن يكونوا من هؤلاء قال فيرون أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أول من دخل تلك النار فذلك قوله جل وعز : «قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا

______________________________________________________

من يمينه وشماله ، الضميران راجعان إلى الملك المأمور بهذا الأمر كجبرئيل أو العرش أو إلى التراب فاستعار اليمين للجهة التي فيها اليمن والبركة ، والشمال للأخرى ، أو اليمين لصفة الرحمانية والشمال لصفة القهارية ، فالضميران راجعان إلى الله تعالى كما في الدعاء : الخير في يديك ، أي كلما يصدر منك من خير أو شر أو نفع أو ضر فهو خير ، ومشتمل على المصالح الجليلة.

الحديث الثالث : حسن موثق كالصحيح.

قوله : فيرون ، أي أهل البيتعليه‌السلام «قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ » الآية ، قيل في تفسير الآية وجوه :

« الأول » فإنا أول العابدين منكم ، فإن النبي يكون أعلم بالله وبما يصح له وبما لا يصح له ، وأولى بتعظيم ما يوجب تعظيمه ، ومن حق تعظيم الوالد تعظيم ولده ، ولا يلزم من ذلك صحة كينونة الولد وعبادته له ، فإن المحال قد يستلزم


أَوَّلُ الْعابِدِينَ »(١) .

باب آخر منه

١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن الحكم ، عن داود العجلي ، عن زرارة ، عن حمران ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال إن الله تبارك وتعالى حيث خلق الخلق خلق ماء عذبا وماء مالحا أجاجا فامتزج الماءان فأخذ طينا من أديم الأرض فعركه عركا شديدا فقال لأصحاب اليمين وهم كالذر يدبون إلى الجنة بسلام وقال لأصحاب الشمال إلى النار ولا أبالي ثم قال «أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا

______________________________________________________

المحال ، بل المراد نفيهما.

والثاني : أن معناه إن كان له ولد في زعمكم فأنا أول العابدين لله الموحدين له.

الثالث : أن المعنى إن كان له ولد فأنا أول الآنفين منه أو من أن يكون له ولد ، من عبد يعبد إذا اشتد أنفه.

الرابع : أن كلمة إن نافية أي ما كان له ولد فأنا أول الموحدين من أهل مكة.

أقول : وبناء الخبر على التفسير الأول ، إذ يظهر منه أنهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان مبادرا إلى كل خير وسعادة وإطاعة ، فلا بد أن يكون مبادرا في دخول النار عند الأمر به.

باب آخر منه

الحديث الأول : مجهول.

« فأخذ طينا » أي مزجه بالمائين ليحصل فيه استعداد الخير والشر معا فيصح التكليف« إلى الجنة » أي امضوا إلى الجنة سالمين من العذاب والنكال ، أو إلى ما يوجب الجنة سالمين من شبه الشياطين ووساوسهم «أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ » يعني فعل ذلك كراهة أن تقولوا ، وفي أكثر النسخ أن تقولوا بصيغة الخطاب كما في القراءات

__________________

(١) سورة الزخرف : ٨١.


بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ » ثم أخذ الميثاق على النبيين فقال «أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ » وأن هذا محمد رسولي وأن هذا علي أمير المؤمنين «قالُوا بَلى » فثبتت لهم النبوة وأخذ الميثاق على أولي العزم أنني ربكم ومحمد رسولي وعلي أمير المؤمنين وأوصياؤه من بعده ولاة أمري وخزان علميعليه‌السلام وأن المهدي أنتصر به لديني وأظهر به دولتي وأنتقم به من أعدائي وأعبد به طوعا وكرها قالوا أقررنا يا رب وشهدنا ولم يجحد آدم ولم يقر فثبتت العزيمة لهؤلاء الخمسة في المهدي ولم يكن لآدم عزم على الإقرار به وهو قوله عز وجل : «وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً »(١) قال إنما هو فترك ثم أمر نارا فأججت

______________________________________________________

المشهورة ، فيكون ذكر تتمة الآية استطرادا ، والأصوب هنا أن يقولوا بصيغة الغيبة موافقا لقراءة أبي عمرو في الآية.

قوله عليه‌السلام : ثم أخذ ، لعل كلمة ثم هنا وفيما سيأتي للتراخي الرتبي لا الزماني ، لما بين الميثاقين من التفاوت ، وإلا فالظاهر تقدم أخذ الميثاق على النبيين على غيرهم ، وكذا أخذ الميثاق على أولي العزم وغيرهم لما سيأتي ، وأريد بأولى العزم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ولا ينافي دخول الإقرار بنبوة نبيناصلى‌الله‌عليه‌وآله فيما عهد إليهم دخولهصلى‌الله‌عليه‌وآله في المعهود إليهم ، قيل : ولما كانوا معهودين معلومين جاز أن يشار إليهم بهؤلاء الخمسة مع عدم ذكرهم مفصلا ، وإنما زاد في أخذ الميثاق على من زاد في رتبته وشرفه لأن التكليف إنما يكون بقدر الفهم والاستعداد ، فكلما زاد زاد ، وإنما يعرف مراتب الوجود من له حظ منها وبقدر حظه منها ، وأما آدم فلما لم يعزم على الإقرار بالمهدي لم يعد من أولي العزم ، وإن عزم على الإقرار بغيره من الأوصياء.

« إنما هو فترك » يعني معنى فنسي هيهنا ليس إلا فترك ، ولعل السر في عدم عزم آدم على الإقرار بالمهدي استبعاده أن يكون لهذا النوع الإنساني اتفاق على أمر

__________________

(١) سورة طه : ١١٥.


فقال لأصحاب الشمال ادخلوها فهابوها وقال لأصحاب اليمين ادخلوها فدخلوها فكانت عليهم بردا وسلاما فقال أصحاب الشمال يا رب أقلنا فقال قد أقلتكم اذهبوا فادخلوا فهابوها فثم ثبتت الطاعة والولاية والمعصية.

٢ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد وعلي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن الحسن بن محبوب ، عن هشام بن سالم ، عن حبيب السجستاني قال سمعت أبا جعفرعليه‌السلام يقول إن الله عز وجل لما أخرج ذرية آدمعليه‌السلام من ظهره ليأخذ عليهم الميثاق بالربوبية له وبالنبوة لكل نبي فكان أول من أخذ له عليهم الميثاق بنبوته محمد بن عبد اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ثم قال الله عز وجل لآدم انظر ما ذا ترى قال فنظر آدمعليه‌السلام إلى ذريته وهم ذر قد ملئوا السماء قال آدمعليه‌السلام يا رب ما أكثر ذريتي ولأمر ما خلقتهم فما تريد منهم بأخذك الميثاق عليهم قال الله عز وجل «يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ

______________________________________________________

واحد ، انتهى.

وأقول : الظاهر أن المراد بعدم العزم عدم الاهتمام به وتذكره ، أو عدم التصديق اللساني حيث لم يكن ذلك واجبا لا عدم التصديق به مطلقا ، فإنه لا يناسب منصب النبوة ، بل ما هو أدون منه.

وقوله : إنما هو فترك ، أي معنى النسيان هنا الترك ، لأن النسيان غير مجوز على الأنبياءعليه‌السلام ، أو كان في قراءتهمعليه‌السلام « فترك » مكان « فنسي » أو المعنى أن العزم إنما كان ما ذكر ، أي العزم على الإقرار المذكور ، فترك آدمعليه‌السلام أو كان المطلوب الإقرار التام ولم يأت به ، أو عزم أولا ثم ترك والأول أظهر.

وفي القاموسالأجيج تلهب النار كالتأجج ، وأججتها تأجيجا فتأججت.

الحديث الثاني : حسن.

قوله : فكان ،وثم قال ، وفنظر ، الكل معطوف على أخرج ،وقوله : قال آدم ، جواب لما ، و« لأمر ما » أي لأمر عظيمقوله : يعبدونني ، أي أريد منهم أن يعبدونني ، وقوله : لا يشركون بي شيئا ، حال أو استئناف بيانيقوله : وكذلك


بِي شَيْئاً » ويؤمنون برسلي ويتبعونهم قال آدمعليه‌السلام يا رب فما لي أرى بعض الذر أعظم من بعض وبعضهم له نور كثير وبعضهم له نور قليل وبعضهم ليس له نور فقال الله عز وجل كذلك خلقتهم لأبلوهم في كل حالاتهم قال آدمعليه‌السلام يا رب فتأذن لي في الكلام فأتكلم قال الله عز وجل تكلم فإن روحك من روحي وطبيعتك [ من ] خلاف كينونتي قال آدم يا رب فلو كنت خلقتهم على مثال واحد وقدر واحد وطبيعة واحدة وجبلة واحدة وألوان واحدة وأعمار واحدة وأرزاق سواء لم يبغ بعضهم على بعض ولم يكن بينهم تحاسد ولا تباغض ولا اختلاف في شيء من الأشياء قال الله عز وجل يا آدم بروحي نطقت وبضعف طبيعتك تكلفت ما لا علم لك به وأنا الخالق

______________________________________________________

خلقتهم ، في بعض النسخ لذلك أي لأجل الاختلاف ، كما قال سبحانه : «وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ » على بعض التفاسير ، أو لأن يعبدوني ولا يشركوا بي شيئا.

«مِنْ رُوحِي » أي من روح اصطفيته واخترته ، أو من عالم المجردات بناء على تجرد النفس ، وقيل : الروح الأول النفس ، والثاني جبرئيل ، ولا يخفى ما فيه« وطبيعتك » أي خلقتك الجسمانية البدنية أو صفاتها التابعة لها« خلاف كينونتي » أي وجودي فإنها من عالم الماديات ، ولا تناسب عالم المجردات أو الخطأ والوهم ناش منها ، وقيل : الكينونة هنا مصدر كان الناقصة والإضافة أيضا للتشريف ، أي صفاتك البدنية مخالفة للآداب المرضية لي ـ ككونك صابرا وقانعا وراضيا بقضائه تعالى ، والجبلة بكسر الجيم والباء وتشديد اللام : الخلقة ، وقوله : وبضعف طبيعتك تكلفت ما لا علم لك به ، في بعض النسخ وبضعف قوتك تكلمت ، والحاصل أن حكمك بأنهم إذا كانوا على صفات واحدة كان أقرب إلى الحكمة والصواب إنما نشأ من الأوهام التابعة للقوي البدنية فإنهم لو كانوا كذلك لم يتيسر التكليف المعرض لهم لأرفع الدرجات ، ولم تبق نظام النوع ، ولم يرتكبوا الصناعات الشاقة التي بها بقاء نوعهم


العالم بعلمي خالفت بين خلقهم وبمشيئتي يمضي فيهم أمري وإلى تدبيري وتقديري صائرون لا تبديل لخلقي إنما خلقت الجن والإنس لِيَعْبُدُونِ وخلقت الجنة لمن أطاعني وعبدني منهم واتبع رسلي ولا أبالي وخلقت النار لمن كفر بي وعصاني

______________________________________________________

إلى غير ذلك من الحكم والمصالح.

« بعلمي خالفت بين خلقهم » إذ علمت أن في مخالفة خلقتهم صلاحهم وبقاء نوعهم« وبمشيتي » أي إرادتي التابعة لحكمتي« يمضي فيهم أمري » أي الأمر التكويني أو التكليفي أو الأعم« لا تبديل لخلقي » أي لتقديري ، أو لما قررت فيهم من القابليات والاستعدادات ، وقيل : أي من حسنت أحواله في ذلك الوقت حسنت أحواله في الدنيا ، ومن حسنت أحواله في الدنيا حسنت أحواله في الآخرة ، ومن قبحت أحواله في ذلك الوقت قبحت أحواله في الموطنين الآخرين لا يتبدل هؤلاء إلى هؤلاء ولا هؤلاء إلى هؤلاء.

أقول : وسيأتي الكلام في تفسير قوله تعالى : «لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ »(١) وكان هذا إشارة إليه« إنما خلقت الجن والإنس ليعبدون » إشارة إلى قوله تعالى : «وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ »(٢) وأورد على ظاهر الآية أن بعض الجن والإنس لا يعبدون أصلا إما لكفر أو جنون أو موت قبل البلوغ أو نحو ذلك ، وعدم ترتب العلة الغائية على فعل الحكيم ممتنع ، وأجيب بوجوه أربعة :

الأول : أنه أراد سبحانه بالجن والإنس الذين بلغوا حد التكليف قبل الممات والتعليل المفهوم من اللام أعم من العلة الغائية ، كما روى الصدوق في التوحيد عن أبي الحسن الأولعليه‌السلام أنه قال معنى قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : اعملوا فكل ميسر لما خلق له ، أن الله عز وجل خلق الجن والإنس ليعبدوه ولم يخلقهم ليعصوه ، وذلك قوله عز وجل : «وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ » فيسر كلاما لما خلق له ، فالويل لمن استحب العمى على الهدى.

__________________

(١) سورة الروم : ٣٠.

(٢) سورة الذاريات : ٥٩.


ولم يتبع رسلي ولا أبالي وخلقتك وخلقت ذريتك من غير فاقة بي إليك وإليهم وإنما خلقتك وخلقتهم لأبلوك وأبلوهم «أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً » في دار الدنيا في حياتكم

______________________________________________________

الثاني : أنه إن سلمنا أن المراد بالجن والإنس ما هو أعم من المكلفين وأن اللام للعلة الغائية ، لا نسلم العموم في ضمير الجمع في قوله : ليعبدون ، إذ لعل المراد عبادة بعض الجن والإنس.

الثالث : إن سلمنا عموم ضمير يعبدون أيضا فلا نسلم رجوع الضمير إلى الجن والإنس إذ يمكن عوده إلى المؤمنين المذكورين قبل هذه الآية في قوله تعالى : «وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ » فتدل على أن خلق غير المؤمنين لأجل المؤمنين كما يومئ إليه قولهعليه‌السلام في هذا الخبر : وينظر المؤمن إلى الكافر فيحمدوني ولذلك خلقتهم « إلخ ».

الرابع : لو سلمنا جميع ذلك نقول : ترتب الغاية على فعل الحكيم ووجوبه إنما هو فيما هو غاية بالذات ، والغاية بالذات هنا إنما هي التكليف بالعبادة ، والعبادة غاية بالعرض ، والتكليف شامل لجميع أفراد الجن والإنس للروايات الدالة على أن الأطفال والمجانين يكلفون في القيامة كما سيأتي في كتاب الجنائز.(١)

قوله : وقبل مماتكم ، كان تخصيص قبل الممات بالذكر وإن كان داخلا في الحياة للتنبيه على أن المدار على العاقبة في السعادة والشقاوة ،« لأبلوك وأبلوهم » أي لأعاملك وإياهم معاملة المختبر «أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً » مفعول ثان للبلوى بتضمين معنى العلم.

__________________

(١) وقال بعض الأساتيد في الجواب عن هذا الإيراد ما لفظه :

قلت : الإشكال مبنيّ على كون اللام في الجنّ والإنس للاستغراق فيكون تخلف الغرض في بعض الأفراد منافيا له ، وتخلفا من الغرض ، والظاهر أنّ اللام فيها للجنس دون الاستغراق فوجود العبارة في النوع في الجملة تحقّق للغرض لا يضرّه تخلفه في بعض الأفراد ، نعم لو ارتفعت العبادة عن جميع الأفراد كان ذلك بطلانا للغرض ولله سبحانه في النوع غرض كما أنّ له في الفرد غرضا.


وقبل مماتكم فلذلك خلقت الدنيا والآخرة والحياة والموت والطاعة والمعصية والجنة والنار وكذلك أردت في تقديري وتدبيري وبعلمي النافذ فيهم خالفت بين صورهم وأجسامهم وألوانهم وأعمارهم وأرزاقهم وطاعتهم ومعصيتهم فجعلت منهم الشقي والسعيد والبصير والأعمى والقصير والطويل والجميل والدميم والعالم والجاهل والغني والفقير والمطيع والعاصي والصحيح والسقيم ومن به الزمانة ومن لا عاهة به فينظر الصحيح إلى الذي به العاهة فيحمدني على عافيته وينظر الذي به العاهة إلى الصحيح فيدعوني ويسألني أن أعافيه ويصبر على بلائي فأثيبه جزيل عطائي وينظر الغني إلى الفقير فيحمدني ويشكرني وينظر الفقير إلى الغني فيدعوني ويسألني وينظر المؤمن إلى الكافر فيحمدني على ما هديته فلذلك خلقتهم لأبلوهم في السراء والضراء وفيما أعافيهم وفيما أبتليهم وفيما أعطيهم

______________________________________________________

قوله : والطاعة والمعصية إسناد خلقهما إليه سبحانه إسناد إلى العلة البعيدة ، أو المراد به جعل المعصية معصية ، والطاعة طاعة ، أو المراد بالخلق التقدير على عموم المجاز أو الاشتراك ، وظاهره أن الجنة والنار مخلوقتان كما هو مذهب أكثر الإمامية بل كلهم ، وأكثر العامة ، وذهب جماعة من المعتزلة إلى أنهما غير مخلوقتين الآن ، وستخلقان.

« وبعلمي النافذ فيهم » أي المتعلق بكنه ذواتهم وصفاتهم وأعمالهم ، كأنه نفذ في أعماقهم أو الجاري أثره فيهم « فجعلت منهم الشقي والسعيد » أي من كنت أعلم عند خلقه أنه يصير شقيا ، أو المادة القابلة للشقاوة وإن لم يكن مجبورا عليها ، وكذا السعيد« والبصير » أي بصرا أو بصيرة ، وكذا الأعمى و« الذميم » في أكثر النسخ بالذال المعجمة ، أي المذموم الخلقة ، في القاموس : ذمه ذما ومذمة فهو مذموم وذميم وبئر ذميم وذميمة قليلة الماء ، غزيرة ضد ، وبه ذميمة أي زمانة تمنعه الخروج ، وكأمير بثر يعلو الوجوه من حر أو جرب ، وفي بعض النسخ بالدال المهملة ، في القاموس : والدمة بالكسر الرجل القصير الحقير ، وأدم أقبح أو ولد له ولد قبيح


وفيما أمنعهم وأنا الله الملك القادر ولي أن أمضي جميع ما قدرت على ما دبرت ولي أن أغير من ذلك ما شئت إلى ما شئت وأقدم من ذلك ما أخرت وأؤخر من ذلك ما قدمت وأنا الله الفعال لما أريد لا أسأل عما أفعل وأنا أسأل خلقي عما

______________________________________________________

دميم ، وقال :الزمانة العاهة وقوله : لأبلوهم بدل لقوله لذلك خلقتهم.

قوله : ولي أن أغير إشارة إلى أن الطينات المختلفة والخلق منها ، وتقدير الأمور المذكورة فيهم ليس مما ينفي اختيار الخير والشر أو من الأمور الحتمية التي لا تقبل البداء« لا أسأل عما أفعل » إنما لا يسأل لأنه سبحانه الكامل بالذات العادل في كل ما أراد ، العالم بالحكم والمصالح الخفية التي لا تصل إليها عقول الخلق ، بخلاف غيره فإنهم مسئولون عن أعمالهم وأحوالهم لأن فيها الحسن والقبيح والإيمان والكفر ، لا بالمعنى التي تذهب إليه الأشاعرة أنه يجوز أن يدخل الأنبياءعليه‌السلام النار والكفار الجنة ، ولا يجب عليه شيء ، وقيل : إن هذا إشارة إلى عدم الوجوب السابق وجواز تخلف المعلول عن العلة التامة كما اختاره هذا القائل.

وقال بعض أرباب التأويل في شرح هذا الخبر : إنما ملأوا السماء لأن الملكوت إنما هو في باطن السماء وقد ملأها ، وكانوا يومئذ ملكوتين ، والسر في تفاوت الخلائق في الخيرات والشرور واختلافهم في السعادة والشقاوة واختلاف استعداداتهم وتنوع حقائقهم لتباين المواد السفلية في اللطافة والكثافة واختلاف أمزجتهم في القرب والبعد من الاعتدال الحقيقي واختلاف الأرواح التي بإزائها في الصفاء والكدورة والقوة والضعف وترتب درجاتهم في القرب من الله سبحانه والبعد عنه كما أشير إليه في الحديث : الناس معادن كمعادن الذهب والفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام.

وأما سر هذا السر أعني سر اختلاف الاستعدادات وتنوع الحقائق فهو تقابل صفات الله سبحانه وأسمائه الحسنى التي هي من أوصاف الكمال ونعوت الجلال ، وضرورة تباين مظاهرها التي بها يظهر أثر تلك الأسماء ، فكل من الأسماء يوجب تعلق إرادته سبحانه وقدرته إلى إيجاد مخلوق يدل عليه من حيث اتصافه بتلك الصفة


هم فاعلون.

٣ ـ محمد بن يحيى ، عن محمد بن الحسين ، عن محمد بن إسماعيل ، عن صالح بن عقبة ، عن عبد الله بن محمد الجعفي وعقبة جميعا ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال إن الله عز وجل خلق الخلق فخلق من أحب مما أحب وكان ما أحب أن خلقه من طينة الجنة وخلق من أبغض مما أبغض وكان ما أبغض أن خلقه من طينة النار ثم بعثهم في الظلال فقلت وأي شيء الظلال فقال ألم تر إلى ظلك في الشمس شيئا وليس بشيء ثم

______________________________________________________

فلا بد من إيجاد المخلوقات كلها على اختلافها وتباين أنواعها لتكون مظاهر لأسمائه الحسنى جميعا ، ومجالي لصفاته العليا قاطبة ، كما أشير إلى لمعة منه في هذا الحديث ، انتهى.

وأقول : هذه الكلمات مبنية على خرافات الصوفية وإنما نورد أمثالها لتطلع على مسالك القوم في ذلك وآرائهم.

الحديث الثالث : ضعيف ، وقد مضى هذا الخبر بأدنى تغيير في المتن والسند في باب فيه نتف وجوامع من الرواية في الولاية ، وقد شرحناه هناك ، وقيل : « ما » فيقوله : « ما أحب » « وما أبغض » مصدرية وقد مضى تأويله بالعلم أو باختلاف الاستعدادات ، والمراد بالظل إما عالم الأرواح أو عالم المثال ، فعلى الأول شبه الروح المجرد على القول به أو الجسم اللطيف بالظل للطافته وعدم كثافته ، أو لكونه تابعا لعالم الأجساد الأصلية ، وعلى الثاني ظاهر ، وقوله : شيئا بتقدير تحسبه أو الرؤية بمعنى العلم لكن ينافيه تعديتها بإلى ، والأظهر شيء كما كان فيما مضى.

وقيل : أرادبقوله وليس بشيء أن الحياة والتكليف في ذلك الوقت لا يصيران سببا للثواب والعقاب كأفعال النائم ولا يبقى ، بل مثال وحكاية عن الحياة والتكليف في الأبدان ولذا يسمى الوجود الذهني بالوجود الظلي ، لعدم كونه منشأ للآثار ومبدءا للأحكام ، وقيل : يمكن أن يراد به عالم الذر المبائن لعالم الأجسام الكثيفة وهو يحكى عن هذا العالم ويشبهه وليس منه فهو ظل بالنسبة إليه ، أو عالم الأرواح


بعث منهم النبيين فدعوهم إلى الإقرار بالله عز وجل وهو قوله عز وجل : «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ »(١) ثم دعوهم إلى الإقرار بالنبيين فأقر بعضهم وأنكر بعض ثم دعوهم إلى ولايتنا فأقر بها والله من أحب وأنكرها من أبغض وهو قوله «فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ »(٢) ثم قال أبو جعفرعليه‌السلام كان التكذيب ثم.

______________________________________________________

كما قال أمير المؤمنينعليه‌السلام في بعض خطبه : ألا إن الذرية أفنان أنا شجرتها ، ودوحة أنا ساقتها ، وإني من أحمد بمنزلة الضوء ، من الضوء ، كما إظلالا تحت العرش قبل البشر وقبل خلق الطينة التي كان منها البشر أشباحا حالية لا أجساما نامية.

«لَيَقُولُنَّ اللهُ » أي خلقنا الله أو الله خلقنا على اختلاف في تقديم المحذوف وتأخيره ، والمشهور الأول ، والغرض أن اضطرارهم إلى هذا الجواب بمقتضى العهد والميثاق ،قوله «فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا » ، الآية في سورة الأعراف هكذا : «تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ » وقال البيضاوي : فما كانوا ليؤمنوا عند مجيئهم بالمعجزات ، «بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ »، أي بما كذبوه من قبل الرسل بل كانوا مستمرين على التكذيب ، أو فما كانوا ليؤمنوا مدة عمرهم بما كذبوا به أولا حين جاءتهم الرسل ولم يؤثر قط فيهم دعوتهم المتطاولة والآيات المتتابعة ، واللام لتأكيد النفي والدلالة على أنهم ما صلحوا للإيمان لمنافاته لحالهم في التصميم على الكفر والطبع على قلوبهم.

__________________

(١) سورة لقمان : ٢٥.

(٢) سورة الأعراف : ١٠١.


باب

أن رسول الله (ص) أول من أجاب وأقر لله عز وجل بالربوبية

١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسن بن محبوب ، عن صالح بن سهل ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أن بعض قريش قال لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بأي شيء سبقت الأنبياء ـ وأنت بعثت آخرهم وخاتمهم فقال إني كنت أول من آمن بربي وأول من أجاب حيث أخذ الله ميثاق النبيين «وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ » فكنت

______________________________________________________

باب أن رسول الله (ص) أول من أجاب وأقر لله تعالى بالربوبية

الحديث الأول : ضعيف وقد مر في باب مولد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

قوله : سبقت الأنبياء ، أي رتبة وفضلا وآخرهم منصوب بالظرفية وخاتمهم مرفوع بالعطف على بعثت ، وعلى طريقة أصحاب التأويل يمكن أن يراد بسبقهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى الإقرار كونه أكثر قابلية واستعدادا لقبول الحق وإدراك المعارف الربانية ،وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله حيث أخذ الله ، يمكن تعلقه بالجملتين معا وبالأخيرة فقط ، كما هو الظاهر ، فعلى الأخير يمكن أن يكون سبق الإيمان إشارة إلى سبق خلق روحه على خلق سائر الأرواح وقد آمن عند وجوده ، فزمان إيمانه وإقراره أكثر من زمان إيمان الجميع ، ويمكن أن يكون المراد الإيمان في عالم الأجساد أي عند تعلق الروح بالبدن كان معرفتي وإيماني قبل سائر الأنبياء فإنهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان متكلما بالتوحيد في بطن أمه وهو بعيد ، وقيل في علة تأخيرهصلى‌الله‌عليه‌وآله في الوجود البدني والبعثة وجوه : « منها » تعظيمه لأن سائر الأنبياء مقدمة له مخبرة بوجوده وبعثته كالمقدمة للسلطان ، ومنها : تكميله للأديان السابقة كما قال : بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ، ومنها : تعظيم دينه من جهة نسخه للشرائع السابقة وعدم نسخ شرع آخر ، ومنها : أن يكون شاهدا لتبليغ جميع الأنبياء ، وأيضا مقتضى الترتيب الترقي من الأدنى


أنا أول نبي قال «بَلى » فسبقتهم بالإقرار بالله عز وجل.

٢ ـ أحمد بن محمد ، عن محمد بن خالد ، عن بعض أصحابنا ، عن عبد الله بن سنان قال قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام جعلت فداك إني لأرى بعض أصحابنا يعتريه النزق والحدة والطيش فأغتم لذلك غما شديدا وأرى من خالفنا فأراه حسن السمت قال لا تقل حسن السمت فإن السمت سمت الطريق ولكن قل حسن السيماء ـ فإن الله عز وجل يقول «سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ »(١) قال قلت فأراه حسن

______________________________________________________

إلى الأعلى ، ولو جيء بالأدون بعد الأفضل لا تظهر رتبتهما وفضلهما كما لا يخفى.

الحديث الثاني : مرسل.

ويقال : عراه واعتراه أي غشيه وأتاه ، والنزق بالفتح والتحريك الخفة عند الغضب ، والحدة والطيش قريبان منه ، وقال الجوهري :السمت الطريق وسمت يسمت بالضم أي قصد ، والسمت هيئة أهل الخير ، يقال : ما أحسن سمته أي هديه ، وقال :السيما مقصور من الواو ، قال تعالى : «سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ » وقد يجيء السيماء والسيمياء ممدودين ، وقال الفيروزآبادي : السمت الطريق وهيئة أهل الخير ، والسير على الطريق بالظن وحسن النحو وقصد الشيء ، وقال : السيما والسيماء والسيمياء بكسرهن : العلامة ، وقال الجزري : السمت : الهيئة الحسنة ، ومنه فينظرون إلى سمته وهديه أي حسن هيئته ومنظره في الدين ، وليس من الحسن والجمال.

وقيل : هو من السمت : الطريق ، يقال : ألزم هذا السمت ، وفلان حسن السمت أي حسن القصد ، وقال الزمخشري : السمت أخذ النهج ولزوم المحجة يقال : ما أحسن سمته أي طريقتها أي طريقتها التي ينتهجها في تحري الخير والتزيي بزي الصالحين ، وفي المصباح : السمت الطريق والقصد والسكينة والوقار والهيئة انتهى.

__________________

(١) سورة الفتح : ٢٩.


السيماء وله وقار فأغتم لذلك قال لا تغتم لما رأيت من نزق أصحابك ولما رأيت من حسن سيماء من خالفك إن الله تبارك وتعالى لما أراد أن يخلق آدم خلق تلك الطينتين ثم فرقهما فرقتين فقال لأصحاب اليمين كونوا خلقا بإذني فكانوا خلقا بمنزلة الذر يسعى وقال لأهل الشمال كونوا خلقا بإذني فكانوا خلقا بمنزلة الذر يدرج ثم رفع لهم نارا فقال ادخلوها بإذني فكان أول من دخلها ـ محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ثم اتبعه «أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ » وأوصياؤهم وأتباعهم ثم قال لأصحاب الشمال ادخلوها بإذني فقالوا ربنا خلقتنا لتحرقنا فعصوا فقال لأصحاب اليمين اخرجوا

______________________________________________________

ولعل منعهعليه‌السلام عن إطلاق السمت لأن السمت يكون بمعنى سمت الطريق فيوهم أن طريقهم ومذهبهم حسن فعبرعليه‌السلام بعبارة أخرى لا يوهم ذلك ، أو لما لم يكن السمت بمعنى هيئة أهل الخير فصيحا أمر بعبارة أخرى أفصح منه ، أو أنهعليه‌السلام علم أنه أراد بالسمت السيماء لا هيئة أهل الخير والطريقة الحسنة والأفعال المحمودة فلذا نبههعليه‌السلام بأن السمت لم يأت بالمعنى الذي أردت وهذا قريب من الأول ، والوقار الاطمئنان والسكينة البدنية « لأصحاب اليمين » أي للذين كانوا في يمين الملك الذي أمره بتفريقها أو للذين كانوا في يمين العرش أو للذين علم أنهم سيصيرون من المؤمنين الذين يقفون في القيامة عن يمين العرش« كونوا خلقا » أي مخلوقين ذوي أرواح ، وقيل : أي كونوا أرواحا بمنزلة الذر أي النمل الصغار« يسعى » وإطلاق السعي هنا والدرج فيما سيأتي إما لمحض التفنن في العبارة ، أو المراد بالسعي سرعة السير ، وبالدرج المشي الضعيف كما يقال : درج الصبي إذا مشى أول مشيه فيكون إشارة إلى مسارعة الأولين إلى الخيرات وبطوء الآخرين عنها ، وقيل : المراد سعي الأولين إلى العلو والآخرين إلى السفل ، ولا دلالة في اللفظ عليهما.

« ثم اتبعه أولوا العزم » أي سائرهمعليه‌السلام ، والكلم : الجرح والفعل كضرب ، وقد يبني على التفعيل ، وفي القاموس :وهج النار تهج وهجا ووهجانا اتقدت ، والاسم الوهج محركة.


بإذني من النار لم تكلم النار منهم كلما ولم تؤثر فيهم أثرا فلما رآهم أصحاب الشمال قالوا ربنا نرى أصحابنا قد سلموا فأقلنا ومرنا بالدخول قال قد أقلتكم فادخلوها فلما دنوا وأصابهم الوهج رجعوا فقالوا يا ربنا لا صبر لنا على الاحتراق فعصوا فأمرهم بالدخول ثلاثا كل ذلك يعصون ويرجعون وأمر أولئك ثلاثا كل ذلك يطيعون ويخرجون فقال لهم كونوا طينا بإذني فخلق منه آدم قال

______________________________________________________

وأقول : ما عرفت من التأويلات في الأخبار السابقة يمكن إجراء أكثرها في هذا الخبر كان يقال : لما كان من علم الله منهم السعادة تابعين للعقل والمقتضيات للنفس المقدس فكأنها طينتهم ، ومن علم الله منهم الشقاوة تابعين للشهوات البدنية ودواعي النفس الأمارة فكأنها طينتهم ، ولما مزج الله بينهما في عالم الشهود جرى في غالب الناس الطاعة والمعصية ، والصفات القدسية والملكات الرديئة ، فما كان من الخيرات فهو من جهة العقل والنفس وهما طينة أصحاب اليمين وإن كان في أصحاب الشمال ، وما كان من الشرور والمعاصي فهو من الأجزاء البدنية التي هي طينة أصحاب الشمال وإن كان في أصحاب اليمين ، ويمكن أيضا أن يقال : المعنى أن الله تعالى لما قرر في خلقة آدمعليه‌السلام وطينته دواعي الخير والشر وعلم أنه يكون في ذريته السعداء والأشقياء وخلق آدمعليه‌السلام مع علمه بذلك فكأنه خلط بين الطينتين ، ولما كان أولاد آدم مدنيين بالطبع لا بد لهم في نشأة الدنيا من المخالطة والمصاحبة ، فالسعداء يكتسبون الصفات الذميمة من مخالطة الأشقياء وبالعكس.

فلعل قوله : من لطخ أصحاب الشمال ومن لطخ أصحاب اليمين إشارة إلى هذا المعنى ، ولما كان السبب الأقوى في اكتساب السعداء صفات الأشقياء ، استيلاء أئمة الجور وأتباعهم على أئمة الحق وأتباعهم ، وعلم الله أن المؤمنين إنما يرتكبون الآثام لاستيلاء أهل الباطل عليهم وعدم تولي أئمة الحق لسياستهم فيعذرهم بذلك ، ويعفو عنهم ويعذب أئمة الجور وأتباعهم بتسببهم لجرائم من خالطهم مع ما يستحقون من جرائم أنفسهم.


فمن كان من هؤلاء لا يكون من هؤلاء ومن كان من هؤلاء لا يكون من هؤلاء وما رأيت من نزق أصحابك وخلقهم فمما أصابهم من لطخ أصحاب الشمال وما رأيت من حسن سيماء من خالفكم ووقارهم فمما أصابهم من لطخ أصحاب اليمين.

٣ ـ محمد بن يحيى ، عن محمد بن الحسين ، عن علي بن إسماعيل ، عن محمد بن إسماعيل ، عن سعدان بن مسلم ، عن صالح بن سهل ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال سئل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بأي شيء سبقت ولد آدم قال إني أول من أقر بربي إن الله أخذ ميثاق النبيين «وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى » فكنت أول من أجاب.

باب

كيف أجابوا وهم ذر

١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي بصير قال قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام كيف أجابوا وهم ذر قال جعل فيهم ما

______________________________________________________

كما ورد في بعض الأخبار : أن الله تعالى يلحق الأعمال السيئة التي اقترفها المؤمنون بالنواصب لأنها من طينتهم ، والأعمال الحسنة التي اكتسبها النواصب بالمؤمنين لأنها من طينتهم ، وقد أوردنا الأخبار في ذلك في كتابنا الكبير ، وهذا باب غامض تعجز العقول عن إدراكها والإقرار بالجهل والعجز في مثله أولى.

الحديث الثالث : ضعيف وشرحه ظاهر مما مر.

باب كيف أجابوا وهم ذر

الحديث الأول : حسن.

« ما إذا سألهم » كلمة « ما » موصولة والعائد محذوف أي أجابوه به ، أي جعل


إذا سألهم أجابوه يعني في الميثاق.

______________________________________________________

في كل ذرة العقل وآلة السمع وآلة النطق ، ومن حمل الآية على الاستعارة والتمثيل بحمل الخبر على أن المراد به أن ذلك كناية عن أنه جعلهم بحيث إذا سئلوا في عالم الأبدان أجابوا بلسان المقال وهو بعيد ، وروى العياشي في تفسيره بإسناده عن الأصبغ بن نباتة عن عليعليه‌السلام قال : أتاه ابن الكواء فقال : يا أمير المؤمنين أخبرني عن الله تعالى هل كلم أحدا من ولد آدم قبل موسىعليه‌السلام ؟ فقال عليعليه‌السلام : قد كلم الله جميع خلقه برهم وفاجرهم وردوا عليه الجواب ، فثقل ذلك على ابن الكواء ولم يعرفه ، فقال له : كيف كان ذلك يا أمير المؤمنين؟ فقال له : أو ما تقرأ كتاب الله إذ يقول لنبيه : «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى » فأسمعهم كلامه وردوا عليه الجواب كما تسمع في قوله الله يا ابن الكواء : «قالُوا بَلى » فقال لهم : إني أنا الله لا إله إلا أنا وأنا الرحمن ، فأقروا له بالطاعة والربوبية وميز الرسل والأنبياء والأوصياء ، وأمر الخلق بطاعتهم فأقروا بذلك في الميثاق ، فقالت الملائكة : شهدنا عليكم يا بني آدم أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين.

ثم قال العياشي : قال أبو بصير : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام أخبرني عن الذر حيث أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى وأسر بعضهم خلاف ما أظهر كيف علموا القول حيث قيل لهم ألست بربكم؟ قال : إن الله جعل فيهم ما إذا سألهم أجابوه وروي أيضا عن أبي بصير عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في قول الله : «أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى » قلت : قالوا بألسنتهم؟ قال : نعم ، وقالوا بقلوبهم ، قلت : وأي شيء كانوا يومئذ؟ قال : صنع فيهم ما اكتفى به.

تذييل نفعه جليل اعلم أن آيات الميثاق والأخبار الواردة في ذلك مما يقصر عنه عقول أكثر


.................................................................................................

______________________________________________________

الخلق ، وللناس فيها مسالك :

الأول : طريقة المحدثين والمتورعين فإنهم يقولون نؤمن بظاهرها ولا نخوض فيها ولا نطرق فيها التوجيه والتأويل.

والثاني : حملها على الاستعارة والمجاز والتمثيل.

والثالث : حملها على أخذ الميثاق في عالم التكليف بعد إكمال العقل بالبرهان والدليل.

فلنذكر هنا بعض ما ذكره أصحابنا والمخالفون في ذلك.

فمنها : ما ذكره الشيخ المفيد (ره) في جواب المسائل السروية حيث سئل :

ما قوله أدام الله تأييده في معنى الأخبار المروية عن الأئمة الهاديةعليه‌السلام في الأشباح وخلق الله تعالى الأرواح قبل خلق آدمعليه‌السلام بألفي عام وإخراج الذرية من صلبه على صور الذر ، ومعنى قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف؟

الجواب وبالله التوفيق أن الأخبار بذكر الأشباح تختلف ألفاظها وتتباين معانيها ، وقد بنت الغلاة عليها أباطيل كثيرة وصنفوا فيها كتبا لغوا فيها وهزوا فيما أثبتوه منه في معانيها ، وأضافوا ما حوته الكتب إلى جماعة من شيوخ أهل الحق وتخرصوا الباطل بإضافتها إليهم ، من جملتها كتاب سموه كتاب الأشباح والأظلة نسبوه في تأليفه إلى محمد بن سنان ولسنا نعلم صحة ما ذكروه في هذا الباب عنه وإن كان صحيحا ، فإن ابن سنان قد طعن عليه وهو متهم بالغلو ، فإن صدقوا في إضافة هذا الكتاب إليه فهو ضلال لضال عن الحق ، وإن كذبوا فقد تحملوا أوزار ذلك ، والصحيح من حديث الأشباح الرواية التي جاءت عن الثقات بأن آدمعليه‌السلام رأى على العرش أشباحا يلمع نورها ، فسأل الله تعالى عنها فأوحى إليه أنها أشباح رسول الله وأمير المؤمنين والحسن والحسين وفاطمة صلوات الله عليهم ، وأعلمه أنه لو لا الأشباح


.................................................................................................

______________________________________________________

التي رآها ما خلقه ولا خلق سماء ولا أرضا والوجه فيما أظهره الله تعالى من الأشباح والصور لآدم أن دله على تعظيمهم وتبجيلهم ، وجعل ذلك إجلالا لهم ومقدمة لما يفترضه من طاعتهم ودليلا على أن مصالح الدين والدنيا لا يتم إلا بهم ، ولم يكونوا في تلك الحال صورا مجيبة ولا أرواحا ناطقة لكنها كانت على مثل صورهم في البشرية يدل على ما يكونون عليه في المستقبل في الهيئة والنور الذي جعله عليهم يدل على نور الدين بهم وضياء الحق بحججهم ، وقد روي أن أسماءهم كانت مكتوبة إذ ذاك على العرش وأن آدم لما تاب إلى الله عز وجل وناجاه بقبول توبته سأله بحقهم عليه ومحلهم عنده فأجابه ، وهذا غير منكر في العقول ولا مضاد للشرع المنقول وقد رواه الصالحون الثقات المأمونون وسلم لروايته طائفة الحق ولا طريق إلى إنكاره والله ولي التوفيق.

« فصل » ومثل ما بشر الله به آدمعليه‌السلام من تأهيله بنبيه عليه وآله السلام لما أهله له ، وتأهيل أمير المؤمنين والحسن والحسينعليه‌السلام لما أهلهم له ، وفرض عليه تعظيمهم وإجلالهم كما بشر به في الكتب الأولى من بعثته لنبيناصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال في محكم كتابة : «النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ »(١) وقوله تعالى مخبرا عن المسيحعليه‌السلام : «وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ »(٢) وقوله سبحانه : «وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ »(٣) يعني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فحصلت البشائر به من الأنبياء

__________________

(١) سورة الأعراف : ١٧٥.

(٢) سورة الصف : ٦.

(٣) سورة آل عمران : ٨١.


.................................................................................................

______________________________________________________

وأممهم قبل إخراجه إلى العالم بالوجود ، وإنما أراد جل اسمه بذلك إجلاله وإعظامه وأن يأخذ العهد على الأنبياء والأمم كلها ، فلذلك أظهر لآدمعليه‌السلام صورة شخصه وأشخاص أهل بيتهعليه‌السلام ، وأثبت أسماءهم له ليخبره بعاقبتهم وبين له عن محلهم عنده ومنزلتهم لديه ، ولم يكونوا في تلك الحال أحياء ناطقين ولا أرواحا مكلفين ، وإنما كانت أشباحهم دالة عليهم حسب ما ذكرناه.

« فصل » وقد بشر الله عز وجل بالنبي والأئمةعليه‌السلام في الكتب الأولى فقال في بعض كتبه التي أنزلها على أنبيائهعليه‌السلام وأهل الكتب يقرءونه ، واليهود يعرفونه أنه ناجى إبراهيم الخليل في مناجاته : إني قد عظمتك وباركت عليك وعلى إسماعيل وجعلت منه اثني عشر عظيما وكبرتهم جدا جدا وجعلت منهم شعبا عظيما لأمة عظيمة وأشباه ذلك كثيرة في كتب الله تعالى الأولى.

« فصل » فأما الحديث في إخراج الذرية من صلب آدمعليه‌السلام على صورة الذر فقد جاء الحديث بذلك على اختلاف ألفاظه ومعانيه ، والصحيح أنه إخراج الذرية من ظهره كالذر فملأ بهم الأفق ، وجعل على بعضهم نورا لا يشوبه ظلمة ، وعلى بعضهم ظلمة لا يشوبها نور ، وعلى بعضهم نورا وظلمة ، فلما رآهم آدمعليه‌السلام عجب من كثرتهم وما عليهم من النور والظلمة ، فقال : يا رب ما هؤلاء؟ قال الله عز وجل له : هؤلاء ذريتك ، يريد تعريفه كثرتهم ، وامتلاء الآفاق بهم ، وأن نسله يكون في الكثرة كالذر الذي رآه ليعرفه قدرته ، ويبشره باتصال نسله وكثرتهم ، فقال آدمعليه‌السلام : يا رب ما لي أرى على بعضهم نورا لا ظلمة فيه ، وعلى بعضهم ظلمة لا يشوبها نور ، وعلى بعضهم ظلمة ونورا؟ فقال تبارك وتعالى : أما الذي عليهم النور منهم بلا ظلمة فهم أصفيائي من ولدك الذين يطيعوني ولا يعصوني في شيء من أمري ، فأولئك سكان الجنة ، وأما الذين عليهم ظلمة ولا يشوبها نور فهم الكفار من ولدك الذين يعصوني ولا يطيعوني ، فأما الذين عليهم نور وظلمه فأولئك الذين يطيعوني من ولدك


.................................................................................................

______________________________________________________

ويعصوني ، فيخلطون أعمالهم السيئة بأعمال حسنة ، فهؤلاء أمرهم إلى إن شئت عذبتهم فبعدلي ، وإن شئت عفوت عنهم فبفضلي ، فأنبأه الله تعالى بما يكون من ولده وشبههم بالذر الذي أخرجهم من ظهره ، وجعله علامة على كثرة ولده ، ويحتمل أن يكون ما أخرجه من ظهره وجعل أجسام ذريته دون أرواحهم ، وإنما فعل الله تعالى ذلك ليدل آدمعليه‌السلام على العاقبة منه ، ويظهر له من قدرته وسلطانه وعجائب صنعته ، وأعلمه بالكائن قبل كونه ، وليزداد آدمعليه‌السلام به يقينا بربه ، ويدعوه ذلك إلى التوفر على طاعته ، والتمسك بأوامره ، والاجتناب لزواجره.

فأما الأخبار التي جاءت بأن ذرية آدمعليه‌السلام استنطقوا في الذر فنطقوا فأخذ عليهم العهد فأقروا فهي من أخبار التناسخية وقد خلطوا فيها ومزجوا الحق بالباطل والمعتمد من إخراج الذرية ما ذكرناه دون ما عداه مما استمر القول به على الأدلة العقلية والحجج السمعية ، وإنما هو تخليط لا يثبت به أثر على ما وصفناه.

« فصل » فإن تعلق بقوله تبارك اسمه : «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ » فظن بظاهر هذا القول تحقق ما رواه أهل التناسخ والحشوية والعامة في إنطاق الذرية وخطابهم وأنهم كانوا أحياء ناطقين؟ فالجواب عنه : أن لهذه الآية من المجاز في اللغة كنظائرها مما هو مجاز واستعارة ، والمعنى فيها أن الله تبارك وتعالى أخذ من كل مكلف يخرج من ظهر آدم وظهور ذريته العهد عليه بربوبيته من حيث أكمل عقله ودله بآثار الصنعة على حدثه ، وأن له محدثا أحدثه لا يشبهه ، يستحق العبادة منه بنعمة عليه ، فذلك هو أخذ العهد منهم وآثار الصنعة فيهم والإشهاد لهم على أنفسهم بأن الله تعالى ربهم


.................................................................................................

______________________________________________________

وقوله تعالى : «قالُوا بَلى » يريد به أنهم لم يمتنعوا من لزوم آثار الصنعة فيهم ، ودلائل حدثهم اللازمة لهم ، وحجة العقل عليهم في إثبات صانعهم ، فكأنه سبحانه لما ألزمهم الحجة بعقولهم على حدثهم ووجود محدثهم قال لهم ألست بربكم فلما لم يقدروا على الامتناع من لزوم دلائل الحدث لهم كانوا كقائلين «بَلى شَهِدْنا » ، وقوله تعالى «أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ ، أَوْ تَقُولُوا : إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ » ، ألا ترى أنه احتج عليهم بما لا يقدرون يوم القيامة أن يتأولوا في إنكاره ، ولا يستطيعون وقد قال سبحانه :

«وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ »(١) ولم يرد أن المذكور يسجد كسجود البشر في الصلاة ، وإنما أراد به غير ممتنع من فعل الله فهو كالمطيع لله وهو معبر عنه بالساجد قال الشاعر :

بجمع تظل البلق في حجراته

ترى الأكم فيها سجدا للحوافر

يريد أن الحوافر تدل الأكم بوطئها عليها ، وقوله تعالى : «ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ »(٢) وهو سبحانه لم يخاطب السماء بكلام ، ولا السماء قالت قولا مسموعا ، وإنما أراد أنه عمد إلى السماء فخلقها ولم يتعذر عليه صنعتها ، فكأنه لما خلقها قال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها ، فلما تعلقتا بقدرته كانتا كالقائل أتينا طائعين ، وكمثل قوله تعالى : «يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ »(٣) والله تعالى يجل عن خطاب النار وهو مما لا يعقل ولا يتكلم ، وإنما الخبر عن سعتها وأنها لا تضيق بمن يحلها من المعاقبين ، وذلك كله على مذهب أهل اللغة وعادتهم في المجاز ، ألا

__________________

(١) سورة الحجّ : ١٨.

(٢) سورة فصّلت : ١١.

(٣) سورة ق : ٣٠.


.................................................................................................

______________________________________________________

ترى إلى قول الشاعر :

وقالت له العينان سمعا وطاعة

وأسبلتا كالدر ما لم يثقب

والعينان لم تقل قولا مسموعا ولكنه أراد منها البكاء ، فكانتا كما أراد من غير تعذر عليه ، ومثله قول عنترة :

فازود من وقع القنا بلبانه

وشكا إلى بعبرة وتحمحم

والفرس لا يشتكي قولا لكنه ظهر منه علامة الخوف والجزع ، فسمي ذلك قولا ، ومنه قول الآخر : « وشكا إلى جملي طول السري » والجمل لا يتكلم لكنه لما ظهر منه النصب والوصب لطول السري عبر عن هذه العلامة بالشكوى التي يكون كالنطق والكلام ، ومنه قولهم أيضا :

امتلاء الحوض وقال قطني

حسبك مني قد ملأت بطني

والحوض لم يقل قطني لكنه لما امتلاء بالماء عبر عنه بأنه قال : حسبي ، ولذلك أمثال كثيرة في منثور كلام العرب ومنظومة ، وهو من الشواهد على ما ذكرناه في تأويل الآية ، والله تعالى نسأل التوفيق.

« فصل » فأما الخبر بأن الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام فهو من أخبار الآحاد ، وقد روته العامة كما روته الخاصة ، وليس هو مع ذلك مما يقطع على الله بصحته ، وإنما نقله رواته لحسن الظن به ، وإن ثبت القول فالمعنى فيه أن الله تعالى قدر الأرواح في علمه قبل اختراع الأجساد واخترع الأجساد واخترع لها الأرواح ، فالخلق للأرواح قبل الأجساد خلق تقدير في العلم كما قدمناه ، وليس بخلق لذواتها كما وصفناه ، والخلق لها بالإحداث والاختراع بعد خلق الأجساد والصور التي تدبرها الأرواح ، ولو لا أن ذلك كذلك لكانت الأرواح يقوم بأنفسها ولا تحتاج إلى آلات تعتملها ، ولكنا نعرف ما سلف لنا من الأحوال قبل خلق الأجساد كما نعلم أحوالنا بعد خلق الأجساد ، وهذا محال لإخفاء بفساده.


.................................................................................................

______________________________________________________

وأما الحديث بأن الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف ، فالمعنى فيه أن الأرواح التي هي الجواهر البسائط تتناصر بالجنس ، وتتخاذل بالعوارض ، فما تعارف منها باتفاق الرأي والهوى ائتلف ، وما تناكر منها بمباينة في الرأي والهوى اختلف ، وهذا موجود حسا ومشاهد ، وليس المراد بذلك أن ما تعارف منها في الذر ائتلف كما يذهب إليه الحشوية كما بيناه من أنه لا علم للإنسان بحال كان عليها قبل ظهوره في هذا العالم ، ولو ذكر بكل شيء ما ذكر بذلك فوضح بما ذكرناه أن المراد بالخبر ما شرحناه والله الموفق للصواب ، انتهى.

وأقول : طرح ظواهر الآيات والأخبار المستفيضة بأمثال تلك الدلائل الضعيفة والوجوه السخيفة جرأة على الله وعلى أئمة الدين ، ولو تأملت فيما يدعوهم إلى ذلك من دلائلهم وما يرد عليها من الاعتراضات الواردة لعرفت أن بأمثالها لا يمكن الاجتراء على طرح خبر واحد فكيف يمكن طرح تلك الأخبار الكثيرة الموافقة لظاهر الآية الكريمة بها وبأمثالها ، وقد أوردنا الأخبار الدالة على تقدم خلق الأرواح على الأجساد في كتاب السماء والعالم من كتابنا الكبير وتكلمنا عليها هناك.

ومنها : ما ذكره السيد المرتضىرضي‌الله‌عنه في قوله تعالى : «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ » الآية ، حيث قال : وقد ظن بعض من لا بصيرة له ولا فطنة عنده ، أن تأويل هذه الآية أن الله تعالى سبحانه استخرج من ظهر آدمعليه‌السلام جميع ذريته وهم في خلق الذر ، فقررهم بمعرفته وأشهدهم على أنفسهم ، وهذا التأويل مع أن العقل يبطله ويحيله ، مما يشهد ظاهر القرآن بخلافه ، لأن الله تعالى قال : «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ » ، ولم يقل من آدم ، وقال «مِنْ ظُهُورِهِمْ » ، ولم يقل : من ظهره ، وقال «ذُرِّيَّتَهُمْ » ، ولم يقل : ذريته ، ثم أخبر تعالى بأنه فعل ذلك لئلا يقولوا يوم القيامة إنهم كانوا عن ذلك غافلين ، أو يعتذروا بشرك آبائهم وأنهم نشأوا على دينهم وسنتهم ، وهذا يقتضي أن الآية لم تتناول ولد آدمعليه‌السلام لصلبه ، وأنها إنما


.................................................................................................

______________________________________________________

تناولت من كانت له آباء مشركون ، وهذا يدل على اختصاصها ببعض ذرية بني آدم فهذه شهادة الظاهر ببطلان تأويلهم.

فأما شهادة العقول فمن حيث لا تخلو هذه الذرية التي استخرجت من ظهر آدمعليه‌السلام وخوطبت وقررت من أن تكون كاملة العقول ، مستوفية لشروط التكليف أو لا تكون كذلك ، فإن كانت بالصفة الأولى وجب أن يذكر هؤلاء بعد خلقهم وإنشائهم وإكمال عقولهم ما كانوا عليه في تلك الحال ، وما قرروا به واستشهدوا عليه لأن العاقل لا ينسى ما جرى هذا المجرى وإن بعد العهد وطال الزمان ولهذا لا يجوز أن يتصرف أحدنا في بلد من البلدان وهو عاقل كامل فينسى مع بعد العهد جميع تصرفه المتقدم وسائر أحواله.

وليس أيضا لتخلل الموت بين الحالين تأثير ، لأنه لو كان تخلل الموت يزيل الذكر لكان تخلل النوم والسكر والجنون والإغماء بين أحوال العقلاء يزيل ذكرهم لما مضى من أحوالهم ، لأن سائر ما عددناه مما نفي العلوم يجري مجرى الموت في هذا الباب ، وليس لهم أن يقولوا إذا جاز في العاقل الكامل أن ينسى ما كان عليه في حال الطفولية جاز ما ذكرنا ، وذلك أنا إنما أوجبنا ذكر العقلاء لما ادعوه إذا كملت عقولهم من حيث جرى عليهم وهم كاملو العقل ، ولو كانوا بصفة الأطفال في تلك الحال لم توجب عليهم ما أوجبناه ، على أن تجويز النسيان عليهم ينقض الفرض في الآية ، وذلك أن الله تعالى أخبر بأنه إنما قررهم وأشهدهم لئلا يدعوا يوم القيامة الغفلة عن ذلك وسقوط الحجة عنهم فيه ، وإذا جاز نسيانهم له عاد الأمر إلى سقوط الحجة عنهم وزوالها ، وإن كانوا على صفة الثانية من فقد العلم وشرائط التكليف قبح خطابهم وتقريرهم وإشهادهم ، وصار ذلك عبثا قبيحا يتعالى الله عنه.

فإن قيل : قد أبطلتم تأويل مخالفيكم فما تأويلها الصحيح عندكم؟

قلنا : في الآية وجهان « أحدهما » أن يكون تعالى إنما عني بها جماعة من ذرية


.................................................................................................

______________________________________________________

بني آدم خلقهم وبلغهم وأكمل عقولهم وقررهم على ألسن رسلهعليهم‌السلام بمعرفته وما يجب من طاعته ، فأقروا بذلك وأشهدهم على أنفسهم به لئلا يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو يعتذروا بشرك آبائهم ، وإنما أتى من اشتبه عليه تأويل الآية من حيث ظن أن الذرية لا يقع إلا على من لم يكن كاملا عاقلا وليس الأمر كما ظن لأنا نسمي جميع البشر بأنهم ذرية آدم وإن دخل فيهم العقلاء الكاملون وقد قال الله تعالى : «رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ »(١) ولفظ الصالح لا يطلق إلا على من كان كاملا عاقلا فإن استبعدوا تأويلنا وحملنا الآية على البالغين المكلفين فهذا جوابهم.

الجواب الثاني : أنه تعالى لما خلقهم وركبهم تركيبا يدل على معرفته ويشهد بقدرته ووجوب عبادته وأراهم العبر والآيات والدلائل في غيرهم وفي أنفسهم كان بمنزلة المشهد لهم على أنفسهم وكانوا امتناعهم منه وانفكاكهم من دلالته بمنزلة المقر المعترف وإن لم يكن هناك إشهاد ولا اعتراف على الحقيقة في مشاهدة ذلك ومعرفته وظهوره فيهم على الوجه الذي أراده الله تعالى وتعذر ، ويجري ذلك مجرى قوله تعالى «ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ »(٢) وإن لم يكن منه تعالى قول على الحقيقة ولا منهما جواب ، ومثله قوله تعالى : «شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ »(٣) ونحن نعلم أن الكفار لم يعترفوا بالكفر بألسنتهم وأنهم لما ظهر منهم ظهورا لا يتمكنون من دفعه كانوا بمنزلة المعترفين به ، ومثل هذا قولهم : جوارحي تشهد بنعمتك وحالي معترفة بإحسانك ، وما روى عن بعض الحكماء : سل الأرض من شق أنهارك وغرس أشجارك وجنى ثمارك فإن لم تجبك حوارا إجابتك اعتبارا ، وهذا باب كبير وله نظائر كثيرة في النظم والنثر يغني

__________________

(١) سورة غافر : ٨.

(٢) سورة فصّلت : ١١.

(٣) سورة التوبة : ١٧.


.................................................................................................

______________________________________________________

عن ذكر جميعها القدر الذي ذكرناه منها.

ومنها : ما ذكره الرازي في تفسير تلك الآية حيث قال : في تفسير تلك الآية قولان مشهوران « الأول » وهو مذهب المفسرين وأهل الأثر : ما روى مسلم بن يسار الجهني أن عمر سئل عن هذه الآية فقال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله سئل عنها؟ فقال : إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال : خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ، ثم مسح ظهره فاستخرج ذرية فقال : خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون ، فقال رجل : يا رسول الله ففيم العمل؟ فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخل الجنة ، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخل النار ، وعن أبي هريرة قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة من ذريته إلى يوم القيامة ، وقال مقاتل : إن الله مسح ظهر آدم اليمنى فخرج منه ذرية بيضاء كهيأة الذر تتحرك ثم مسح صفحة ظهره اليسرى فخرج منه ذرية سود كهيأة الذر فقال : يا آدم هؤلاء ذريتك ثم قال لهم : ألست بربكم قالوا بلى فقال للبيض : هؤلاء في الجنة برحمتي وهم أصحاب اليمين وقال للسود : هؤلاء في النار ولا أبالي وهم أصحاب الشمال وأصحاب المشيمة ثم أعادهم جميعا في صلب آدم فأهل القبور محبوسون حتى يخرج أهل الميثاق كلهم من أصلاب الرجال وأرحام النساء ، وقال تعالى فيمن نقض العهد الأول : «وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ »(١) وهذا القول قد ذهب إليه كثير من قدماء المفسرين كسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والضحاك وعكرمة والكلبي.

وأما المعتزلة فقد أطبقوا على أنه لا يجوز تفسير هذه الآية بهذا الوجه

__________________

(١) سورة الأعراف : ١٠٢.


.................................................................................................

______________________________________________________

واحتجوا على فساد هذا القول بوجوه : « الأولى » : أنه قال من بني آدم ، من ظهورهم فقوله : من ظهورهم بدل من قوله : بني آدم ، فلم يذكر الله أنه أخذ من ظهر آدم شيئا.

الثانية : أنه لو كان كذلك لما قال : من ظهورهم ، ولا من ذرياتهم بل قال : من ظهره وذريته.

الثالثة : أنه تعالى حكى عن أولئك الذرية أنهم قالوا «إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ » ، وهذا الكلام لا يليق بأولاد آدم لأنهعليه‌السلام ما كان مشركا.

الرابعة : أن أخذ الميثاق لا يمكن إلا من العاقل فلو أخذ الله الميثاق من أولئك لكانوا عقلاء ، ولو كانوا عقلاء وأعطوا ذلك الميثاق حال عقلهم لوجب أن يتذكروا في هذا الوقت أنهم أعطوا الميثاق قبل دخولهم في هذا العالم لأن الإنسان إذا وقعت له واقعة عظيمة مهيبة فإنه لا يجوز مع كونه عاقلا أن ينساها نسيانا كليا لا يتذكر منها شيئا لا بالقليل ولا بالكثير وبهذا الدليل يبطل القول بالتناسخ ، فإنا نقول لو كانت أرواحنا قد حصلت قبل هذه الأجساد في أجساد أخرى لوجب أن نتذكر الآن أنا كنا قبل هذا الجسد في أجساد أخرى ، وحيث لم نتذكر ذلك كان القول بالتناسخ باطلا ، فإذا كان اعتمادنا في إبطال التناسخ ليس إلا على هذا الدليل وهذا الدليل بعينه قائم في هذه المسألة وجب القول بمقتضاه.

الخامسة أن جميع الخلق الذين خلقهم الله من أولاد آدمعليه‌السلام عدد عظيم وكثرة كثيرة فالمجموع الحاصل من تلك الذرات تبلغ مبلغا عظيما في الحجمية والمقدار ، وصلب آدم على صغره يبعد أن يتسع لهذا المجموع.

السادسة : أن البنية شرط لحصول الحياة والعقل والفهم ، إذ لو لم يكن كذلك لم يبعد في كل ذرة من الذرات الهباء أن تكون عاقلا فاهما مصنفا للتصانيف الكثيرة في العلوم الدقيقة ، وفتح هذا الباب يفضي إلى التزام الجهالات ، وإذا ثبت أن البنية شرط لحصول الحياة فكل واحد من تلك الذرات لا يمكن أن يكون فاهما عاقلا


.................................................................................................

______________________________________________________

إلا إذا حصلت له قدرة من البنية والجثة ، وإذا كان كذلك فمجموع تلك الأشخاص الذين خرجوا إلى الوجود من أول تخليق آدمعليه‌السلام إلى آخر فناء الدنيا لا تحويهم عرصة الدنيا فكيف يمكن أن يقال إنهم بأسرهم حصلوا دفعة واحدة في صلب آدمعليه‌السلام .

السابعة : قالوا هذا الميثاق إما أن يكون قد أخذ الله منهم في ذلك الوقت ليصير حجة عليهم في ذلك الوقت أو ليصير حجة عليهم عند دخولهم في دار الدنيا ، والأول باطل لانعقاد الإجماع على أن بسبب ذلك القدر من الميثاق لا يصيرون مستحقين للثواب والعقاب والمدح والذم ، ولا يجوز أن يكون المطلوب منه أن يصير ذلك حجة عليهم عند دخولهم في دار الدنيا ، لأنهم لما لم يذكروا ذلك الميثاق في الدنيا فكيف يصير حجة عليهم في التمسك بالإيمان.

الثامنة : قال الكعبي إن حال أولئك الذرية لا يكون أعلى في الفهم والعلم من حال الأطفال ، فلما لم يمكن توجيه التكليف على الطفل فكيف يمكن توجيهه على أولئك الذر؟ وأجاب الزجاج عنه وقال : لما لم يبعد أن يؤتي الله النمل كما قال : «قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ »(١) وأن يعطى الجبل الفهم حتى يسبح كما قال : «وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ »(٢) وكما أعطى الله العقل للبعير حتى سجد للرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وللنخلة حتى سمعت وانقادت حين دعيت فكذا هنا.

التاسعة : أن أولئك الذر في ذلك الوقت إما أن يكونوا كاملي العقول والقدر أو ما كانوا كذلك ، فإن كان الأول كانوا مكلفين لا محالة ، وإنما يبقون مكلفين إذا عرفوا الله بالاستدلال ، ولو كانوا كذلك لما امتازت أحوالهم في ذلك الوقت عن أحوالهم في هذه الحياة الدنيا ، فلو افتقر التكليف في الدنيا إلى سبق ذلك الميثاق

__________________

(١) سورة النمل : ٢٧.

(٢) سورة الأنبياء : ٧٩.


.................................................................................................

______________________________________________________

لافتقر التكليف في سبق ذلك الميثاق إلى سبق ميثاق آخر ولزم التسلسل وهو محال ، وأما الثاني وهو أن يقال : إنهم في وقت ذلك الميثاق ما كانوا كاملي العقول ، ولا كاملي القدر ، فحينئذ يمتنع توجيه الخطاب والتكليف عليهم.

العاشرة : قوله تعالى : «فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ ، خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ »(١) ولو كانت تلك الذرات عقلاء فاهمين كاملين لكانوا موجودين قبل هذا الماء الدافق ولا معنى للإنسان إلا ذلك الشيء ، فحينئذ لا يكون الإنسان مخلوقا من الماء الدافق وذلك رد لنص القرآن ، فإن قالوا : لم لا يجوز أن يقال : أنه تعالى خلقه كامل العقل والفهم والقدرة عند الميثاق ثم أزال عقله وفهمه وقدرته ، ثم إنه خلقه مرة أخرى إلى رحم الأم وأخرجه إلى هذه الحياة الدنيا؟ قلنا : هذا باطل لأنه لو كان الأمر كذلك لما كان خلقه من النطفة خلقا على سبيل الابتداء بل كان تجب أن يكون خلقا على سبيل الإعادة ، وأجمع المسلمون علي أن خلقه من النطفة هو الخلق المبتدأ فدل هذا على أن ما ذكرتموه باطل.

الحادية عشر : هي أن تلك الذرات إما أن يقال أنه عين هؤلاء الناس أو غيرهم ، والقول الثاني باطل بالإجماع في القول الأول ، فنقول : إما أن يقال إنهم بقوا فهماء عقلاء قادرين حال ما كانوا نطفة وعلقة ومضغة ، أو ما بقوا كذلك والأول باطل ببديهة العقل ، والثاني يقتضي أن يقال الإنسان حصل له الحياة أربع مرات ، أولها وقت الميثاق ، وثانيها في الدنيا ، وثالثها في القبر ، ورابعها في القيامة وأنه حصل له الموت ثلاث مرات موت بعد الحياة الحاصلة في الميثاق الأول ، وموت في الدنيا وموت في القبر ، وهذا العدد مخالف للعدد المذكور في قوله تعالى : «رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ

__________________

(١) سورة الطارق : ٦.


.................................................................................................

______________________________________________________

وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ »(١) .

الثانية عشر : قوله تعالى : «وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ »(٢) فلو كان القول بهذا الذر صحيحا لكان ذلك الذر هو الإنسان لأنه هو المكلف المخاطب المثاب المعاقب ، وذلك باطل لأن الذر غير مخلوق من النطفة والعلقة والمضغة ، ونص الكتاب دليل على أن الإنسان مخلوق من النطفة والعلقة والمضغة ، وهو قوله : «وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ » وقوله : «قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ »(٣) .

فهذه جملة الوجوه المذكورة في بيان أن هذا القول ضعيف.

والقول الثاني في تفسير هذه الآية قول أصحاب النظر وأرباب المعقولات أنه أخرج الذر وهم الأولاد من أصلاب آبائهم ، وذلك الإخراج أنهم كانوا نطفة ، فأخرجها الله تعالى في أرحام الأمهات وجعلها علقة ثم مضغة ثم جعلهم بشرا سويا وخلقا كاملا ، ثم أشهدهم على أنفسهم بما ركب فيهم من دلائل وحدانيته وعجائب خلقه وغرائب صنعه ، فبالإشهاد صاروا كأنهم قالوا بلى ، وإن لم يكن هناك قول باللسان ، ولذلك نظائر منها قوله تعالى : «فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ »(٤) ومنها قوله تعالى : «إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ »(٥) وقول العرب : قال الجدار للوتد لم تشقني؟ قال : سل من يدقني فإن الذي ورائي ما خلاني ورائي وقال الشاعر : « امتلاء الحوض وقال قطني ».

وهذا النوع من المجاز والاستعارة مشهورة في الكلام ، فوجب حمل الكلام عليه فهذا هو الكلام في تقرير هذين القولين ، وهذا القول الثاني لا طعن فيه البتة ، وبتقدير أن يصح هذا القول لم يكن ذلك منافيا لصحة القول الأول ، إنما الكلام في

__________________

(١) سورة الغافر : ١١.

(٢) سورة المؤمنون : ١٢.

(٣) سورة العبس : ١٧.

(٤) سورة فصّلت : ١١.

(٥) سورة النحل : ٤٠.


.................................................................................................

______________________________________________________

أن القول الأول هل يصح أم لا.

فإن قال قائل : فما المختار عندكم فيه؟ قلنا : هيهنا مقامان : « أحدهما » أنه هل يصح القول بأخذ الميثاق عن الذر؟ والثاني أن بتقدير أن يصح القول به فهل يمكن جعله تفسيرا لألفاظ هذه الآية؟

أما المقام الأول فالمنكرون له قد تمسكوا بالدلائل العقلية التي ذكرناها وقررناها ، ويمكن الجواب عن كل واحد منها بوجه مقنع :

أما الوجه الأول من الوجوه العقلية المذكورة وهو أنه لو صح القول بأخذ هذه الميثاق لوجب أن نتذكره الآن؟ قلنا : خالق العلم بحصول الأحوال الماضية هو الله تعالى لأن هذه العلوم عقلية ضرورية ، والعلوم الضرورية خالقها هو الله تعالى ، وإذا كان كذلك صح منه تعالى أن يخلقها ، فإن قالوا : فإذا جوزتم هذا فجوزوا أن يقال أن قبل هذا البدن كنا في أبدان أخرى على سبيل التناسخ وإن كنا لا نتذكر الآن أحوال تلك الأبدان؟ قلنا : الفرق بين الأمرين ظاهر ، وذلك لأنا إذا كنا في أبدان أخرى وبقينا فيها سنين ودهورا امتنع في مجرى العادة نسيانها أما أخذ هذا الميثاق إنما حصل في أسرع زمان وأقل وقت فلم يبعد حصول النسيان والفرق الظاهر حاكم بصحة هذا الفرق لأن الإنسان إذا بقي على العمل الواحد سنين كثيرة يمتنع أن ينساها ، أما إذا مارس العمل الواحد لحظة واحدة فقد ينساها فظهر الفرق.

وأما الوجه الثاني وهو أن يقال : مجموع تلك الذرات يمتنع حصولها بأسرها في ظهر آدمعليه‌السلام ؟ قلنا : عندنا البنية ليست شرطا لحصول الحياة والجوهر الفرد والجزء الذي لا يتجزى قابل للحياة والعقل ، فإذا جعلنا كل واحد من تلك الذرات جوهرا فردا فلم قلتم أن ظهر آدم لا يتسع لمجموعها ، إلا أن هذا الجواب لا يتم إلا إذا قلنا : الإنسان جوهر فرد وجزء لا يتجزى في البدن ، على ما هو مذهب


.................................................................................................

______________________________________________________

بعض القدماء ، وأما إذا قلنا الإنسان هو النفس الناطقة وأنه جوهر غير متحيز ولا حال في متحيز فالسؤال زائل.

وأما الوجه الثالث وهو قوله : فائدة أخذ الميثاق هي أن تكون حجة في ذلك الوقت أو في الحياة الدنيا ، فجوابنا أن نقول : يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد ، وأيضا أليس أن من المعتزلة إذا أرادوا تصحيح القول بوزن الأعمال وإنطاق الجوارح قالوا : لا يبعد أن يكون لبعض المكلفين في إسماع هذه الأشياء لطف ، فكذا هيهنا لا يبعد أن يكون لبعض الملائكة من تميز السعداء من الأشقياء في وقت أخذ الميثاق لطف ، وقيل : أيضا إن الله تعالى يذكرهم ذلك الميثاق يوم القيامة.

وبقية الوجوه ضعيفة والكلام عليها سهل هين.

وأما المقام الثاني وهو أن بتقدير أن يصح القول بأخذ الميثاق من الذر فهل يمكن جعله تفسيرا لألفاظ هذه الآية فنقول : الوجوه الثلاثة المذكورة أولا دافعة لذلك ، لأن قوله : أخذ ربك من بني آدم ، من ظهورهم ، ذريتهم ، فقد بينا أن المراد منه وإذ أخذ ربك من ظهور بني آدم ، وأيضا لو كانت هذه الذرية مأخوذة من ظهر آدم يقال من ظهره ، ذريته ، ولم يقل من ظهورهم ، ذريتهم ، أجاب الناصرون لذلك القول بأنه صحت الرواية عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه فسر هذه الآية بهذا الوجه ، والطعن في تفسير رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غير ممكن؟ فنقول : ظاهر الآية تدل على أنه تعالى أخرج ذرا من ظهور بني آدم فيحمل ذلك على أنه تعالى يعلم أن الشخص الفلاني يتولد منه فلان ، ومن ذلك الفلان فلان آخر ، فعلى الترتيب الذي علم دخولهم في الوجود يخرجهم ويميز بعضهم من بعض ، وأما أنه تعالى يخرج كل تلك الذرية من صلب آدم فليس في لفظ الآية ما يدل على ثبوته ، وليس في الآية أيضا ما يدل على بطلانه إلا أن الخبر قد دل عليه ، فثبت إخراج الذرية من ظهر آدم بالخبر ، وعلى هذا التقدير فلا منافاة بين الأمرين ولا مدافعة فوجب


باب

فطرة الخلق على التوحيد

١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام بن سالم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قلت «فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها »(١) قال التوحيد.

______________________________________________________

المصير إليهما معا صونا للآية والخبر عن الطعن بقدر الإمكان ، فهذا منتهى الكلام في تقرير هذا المقام ، انتهى.

ولنكتف بنقل ما نقلنا من غير تعرض لجرح وتعديل فإن من له بصيرة نافذة إذا أحاط بما نقلنا من الأخبار وكلام من تكلم في ذلك يتضح له طريق الوصول إلى ما هو الحق في ذلك بفضله تعالى.

باب فطرة الخلق على التوحيد

الحديث الأول : حسن.

«فِطْرَتَ اللهِ » إشارة إلى قوله سبحانه في سورة الروم : «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً » قال البيضاوي أي فقومه له غير ملتفت أو ملتفت عنه ، وهو تمثيل للإقبال والاستقامة عليه وبه «فِطْرَتَ اللهِ » خلقته ، نصب على الإغراء أو المصدر بما دل عليه ما بعدها «الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها » خلقهم عليها وهي قبولهم للحق وتمكنهم من إدراكه ، أو لملة الإسلام فإنهم لو خلوا وما خلقوا عليه أدي بهم إليها ، وقيل : العهد المأخوذ من آدم وذريته «لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ » لا يقدر أحد أن يغيره أو ما ينبغي أن يغيره «ذلِكَ » إشارة إلى الدين المأمور بإقامة الوجه له أو الفطرة إن فسرت بالملة «وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ » استقامته لعدم تدبرهم ، انتهى.

__________________

(١) سورة الروم : ٣٠.


.................................................................................................

______________________________________________________

وقال في النهاية : فيه : كل مولود يولد على الفطرة ، الفطر الابتداء والاختراع والفطرة منه الحالة كالجلسة والركبة ، والمعنى أنه يولد على نوع من الجبلة والطبع المتهيّئ لقبول الدين ، فلو ترك عليها لاستمر على لزومها ولم يفارقها إلى غيرها ، وإنما يعدل عنه من يعدل لآفة من آفات البشر والتقليد ، ثم تمثل بأولاد اليهود والنصارى في اتباعهم لآبائهم ، والميل إلى أديانهم من مقتضى الفطرة السليمة ، وقيل :

معناه كل مولود يولد على معرفة الله والإقرار به ، فلا تجد أحدا إلا وهو يقر بأن الله صانعه وإن سماه بغير اسمه أو عبد معه غيره ، ومنه حديث حذيفة : على غير فطرة محمد ، أراد دين الإسلام الذي هو منسوب إليه ، انتهى.

وقيل : الفطرة بالكسر مصدر للنوع من الإيجاد وهو إيجاد الإنسان على نوع مخصوص من الكمال وهو التوحيد ومعرفة الربوبية مأخوذا عليهم ميثاق العبودية والاستقامة على سنن العدل ، وقال بعض العامة : الفطرة ما سبق من سعادة أو شقاوة ، فمن علم الله سعادته ولد على فطرة الإسلام ، ومن علم شقاوته ولد على فطرة الكفر ، تعلق بقوله تعالى : «لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ » وبحديث الغلام الذي قتله الخضرعليه‌السلام طبع يوم طبع كافرا فإنه يمنع من كون تولده على فطرة الإسلام ، وأجيب عن الأول بأن معنى لا تبديل : لا تغيير يعني لا يكون بعضهم على فطرة الكفر وبعضهم على فطرة الإسلام ، ويؤيده قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه فإن المراد بهذه الفطرة فطرة الإسلام.

وعن الثاني بأن المراد بالطبع حالة ثانية طرأت وهي التهيؤ للكفر عن الفطرة التي ولد عليها.

وقال بعضهم : المراد بالفطرة كونه خلقا قابلا للهداية ومتهيئا لها لما أوجد فيه من القوة القابلة لها ، لأن فطرة الإسلام وصوابها موضوع في العقول ، وإنما يدفع العقول عن إدراكها تغيير الأبوين أو غيرهما.


٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال سألته عن قول الله عز وجل : «فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها » ما تلك الفطرة قال هي الإسلام فطرهم الله حين أخذ ميثاقهم على التوحيد قال «أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ »(١) وفيه المؤمن والكافر.

______________________________________________________

وأجيب عنه بأن حمل الفطرة على الإسلام لا يأباه العقل ، وظاهر الروايات من طريق الأمة يدل عليه ، وحملها على خلاف الظاهر لا وجه له من غير مستند قوي.

الحديث الثاني : صحيح.

وقال في المصباح المنير : فطر الله الخلق فطرأ من باب قتل خلقهم ، والاسم الفطرة بالكسر ، قال الله تعالى : «فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها » وقولهعليه‌السلام : كل مولود يولد على الفطرة قيل : معناه الفطرة الإسلامية والدين الحق وإنما أبواه يهودانه وينصرانه ، أي ينقلانه إلى دينهما وهذا التفسير مشكل إن حمل اللفظ على حقيقته فقط ، لأنه يلزم منه أن لا يتوارث المشركون مع أولادهم الصغار قبل أن يهودوهم وينصروهم واللازم منتف ، بل الوجه حمله على الحقيقة والمجاز معا ، أما حمله على مجازه فعلى ما قبل البلوغ ، وذلك أن إقامة الأبوين على دينهما سبب لجعل الولد تابعا لهما ، فلما كانت الإقامة سببا جعلت تهويدا وتنصيرا مجازا ، ثم أسند إلى الأبوين توبيخا وتقبيحا عليهما كأنه قال : أبواه بإقامتهما على الشرك يجعلانه مشركا ، ويفهم من هذا أنه لم أقام أحدهما على الشرك وأسلم الآخر لا يكون مشركا بل مسلما ، وقد جعل البيهقي هذا معنى الحديث فقال : فقد جعل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حكم الأولاد قبل أن يختاروا لأنفسهم حكم الآباء فيما يتعلق بأحكام الدنيا ، وأما حمله على الحقيقة فعلى ما بعد البلوغ لوجوه الكفر من الأولاد انتهى.

وقوله : على التوحيد متعلق بفطر وأخذ على التنازع.

__________________

(١) سورة الأعراف : ١٧٢.


٣ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن محبوب ، عن علي بن رئاب ، عن زرارة قال سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن قول الله عز وجل : «فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها » قال فطرهم جميعا على التوحيد.

٤ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن ابن أذينة ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال سألته عن قول الله عز وجل : «حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ »(١) قال الحنيفية من الفطرة التي فطر الله «النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ » ، قال

______________________________________________________

الحديث الثالث : صحيح وقد مر شرحه.

الحديث الرابع : حسن.

قوله : حنفاء الله ، إشارة إلى قوله سبحانه في سورة الحج : «فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ » أي اجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان كما يجتنب الأنجاس وكل افتراء ، وعن الصادقعليه‌السلام الرجس من الأوثان الشطرنج ، وقول الزور الغناء وقال الطبرسي (ره) : حنفاء لله ، أي مستقيمي الطريقة على ما أمر الله مائلين عن سائر الأديان «غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ » أي حجاجا مخلصين وهم مسلمون موحدون لا يشركون في تلبية الحج به أحدا ، وقال في النهاية فيه : خلقت عبادي حنفاء ، أي طاهري الأعضاء من المعاصي لا أنه خلقهم كلهم مسلمين لقوله تعالى : «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ »(٢) وقيل : أنه أراد خلقهم حنفاء مؤمنين لما أخذ عليهم الميثاق ألست بربكم قالوا بلى ، فلا يوجد أحد إلا وهو مقر بأن له ربا وإن أشرك به واختلفوا فيه ، والحنفاء جمع حنيف وهو المائل إلى الإسلام الثابت عليه ، والحنيف عند العرب من كان على دين إبراهيم ، وأصل الحنف الميل ومنه الحديث : بعثت بالحنيفة السمحة السهلة ، انتهى.

«لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ » أي بأن يكون كلهم أو بعضهم عند الخلق مشركين بل

__________________

(١) سورة الحجّ : ٣١.

(٢) سورة التغابن : ٢.


فطرهم على المعرفة به قال زرارة وسألته عن قول الله عز وجل : «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى » الآية قال أخرج من ظهر آدم ذريته إلى يوم القيامة فخرجوا كالذر فعرفهم وأراهم نفسه ولو لا ذلك لم يعرف أحد ربه وقال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كل مولود يولد على الفطرة يعني المعرفة بأن الله عز وجل خالقه كذلك قوله «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ »(١) .

______________________________________________________

كان كلهم مسلمين مقرين به أو قائلين للمعرفة وأراهم نفسه بالرؤية العقلية الشبيهة بالرؤية العينية في الظهور ليرسخ فيهم معرفته ، ويعرفوه في دار التكليف ، ولو لا تلك المعرفة الميثاقية لم يحصل لهم تلك القابلية وفسرعليه‌السلام الفطرة في الحديث بالمجبولية على معرفة الصانع والإذعان به« كذلك قوله »أي هذه الآية أيضا محمولة على هذا المعنى : «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ » أي كفار مكة كما ذكره المفسرون أو الأعم كما هو أظهر من الخبر «لَيَقُولُنَّ اللهُ » لفطرتهم على المعرفة.

وقال البيضاوي : لوضوح الدليل المانع من إسناد الخلق إلى غيره بحيث اضطروا إلى إذعانه ، انتهى.

والمشهور أنه مبني على أن كفار قريش لم يكونوا ينكرون أن الصانع هو الله ، بل كانوا يعبدون الأصنام لزعمهم أنها شفعاء عند الله ، وظاهر الخبر أن كل كافر لو خلي وطبعه وترك العصبية ومتابعة الأهواء وتقليد الأسلاف والآباء لأقر بذلك ، كما ورد ذلك في الأخبار الكثيرة.

قال بعض المحققين : الدليل على ذلك ما نرى أن الناس يتوكلون بحسب الجبلة على الله ، ويتوجهون توجها غريزيا إلى مسبب الأسباب ومسهل الأمور الصعاب ، وإن لم يتفطنوا لذلك ، ويشهد لهذا قول الله عز وجل : «قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ، بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ

__________________

(١) سورة لقمان : ٢٥.


.................................................................................................

______________________________________________________

فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ »(١) .

وفي تفسير مولانا العسكريعليه‌السلام أنه سئل مولانا الصادقعليه‌السلام عن الله؟ فقال للسائل : يا أبا عبد الله هل ركبت سفينة قط؟ قال : بلى ، قال : فهل كسرت بك حيث لا سفينة تنجيك ولا سباحة تغنيك؟ قال : بلى ، فهل تعلق قلبك هناك أن شيئا من الأشياء قادر على أن يخلصك من ورطتك؟ قال : بلى ، قال الصادقعليه‌السلام فذلك الشيء هو الله القادر على الإنجاء حين لا منجي ، وعلى الإغاثة حين لا مغيث.

ولهذا جعلت الناس معذورين في تركهم اكتساب المعرفة بالله عز وجل ، متروكين على ما فطروا عليه ، مرضيا عنهم بمجرد الإقرار بالقول ، ولم يكلفوا الاستدلالات العلمية في ذلك ، وإنما التعمق لزيادة البصيرة ولطائفة مخصوصة ، وأما الاستدلال فللرد على أهل الضلال.

ثم أن أفهام الناس وعقولهم متفاوتة في قبول مراتب العرفان وتحصيل الاطمئنان كما وكيفا ، شدة وضعفا ، سرعة وبطأ ، حالا وعلما ، وكشفا وعيانا ، وإن كان أصل المعرفة فطريا إما ضروري أو يهتدي إليه بأدنى تنبيه ، فلكل طريقة هداه الله عز وجل إليها إن كان من أهل الهداية ، والطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق ، وهم درجات عند الله ، يرفع الله الذين آمنوا والذين أوتوا العلم درجات.

قال بعض المنسوبين إلى العلم : اعلم أن أظهر الموجودات وأجلاها هو الله عز وجل ، فكان هذا يقتضي أن يكون معرفته أول المعارف وأسبقها إلى الأفهام وأسهلها على العقول ونرى الأمر بالضد من ذلك ، فلا بد من بيان السبب فيه ، وإنما قلنا : إن أظهر الموجودات وأجلاها هو الله تعالى لمعنى لا نفهمه إلا بمثال هو أنا إذا رأينا إنسانا يكتب أو يخيط مثلا كان كونه حيا من أظهر الموجودات فحياته وعلمه وقدرته للخياطة أجلى عندنا من سائر صفاته الظاهرة والباطنة ، إذ صفاته الباطنة

__________________

(١) سورة الأنعام : ٤١.


.................................................................................................

______________________________________________________

كشهوته وغضبه وخلقه وصحته ومرضه وكل ذلك لا نعرفه ، وصفاته الظاهرة لا نعرف بعضها وبعضها نشك فيه كمقدار طوله واختلاف لون بشرته وغير ذلك من صفاته ، أما حياته وقدرته وإرادته وعلمه وكونه حيوانا فإنه جلي عندنا من غير أن يتعلق حس البصر بحياته وقدرته وإرادته ، فإن هذه الصفات لا تحس بشيء من الحواس الخمس ، ثم لا يمكن أن يعرف حياته وقدرته وإرادته إلا بخياطته وحركته ، فلو نظرنا إلى كل ما في العالم سواه لم نعرف به صفاته ، فما عليه إلا دليل واحد وهو مع ذلك جلي واضح.

ووجود الله وعلمه وقدرته وسائر صفاته يشهد له بالضرورة كل ما نشاهده وندركه بالحواس الظاهرة والباطنة من حجر ومدر ونبات وشجر وحيوان وسماء وأرض وكوكب وبر وبحر ونار وهواء وجوهر وعرض ، بل أول شاهد عليه أنفسنا وأجسامنا وأصنافنا وتقلب أحوالنا وتغير قلوبنا ، وجميع أطوارنا في حركاتنا وسكناتنا وأظهر الأشياء في علمنا أنفسنا ثم محسوساتنا بالحواس الخمس ، ثم مدركاتنا وسكناتنا بالبصيرة والعقل وكل واحد من هذه المدركات له مدرك واحد وشاهد واحد ودليل واحد ، وجميع ما في العالم شواهد ناطقة وأدلة شاهدة بوجود خالقها ومدبرها ومصرفها ومحركها ودالة على علمه وقدرته ولطفه وحكمته ، والموجودات المدركة لا حصر لها.

فإن كانت حياة الكاتب ظاهرة عندنا وليس يشهد له إلا شاهد واحد وهو ما أحسنا من حركة يده ، فكيف لا يظهر عندنا من لا يتصور في الوجود شيء داخل نفوسنا وخارجها إلا وهو شاهد عليه وعلى عظمته وجلاله ، إذ كل ذرة فإنها تنادي بلسان حالها أنه ليس وجودها بنفسها ولا حركتها بذاتها وإنما يحتاج إلى موجد ومحرك لها ، يشهد بذلك أولا تركيب أعضائنا وائتلاف عظامنا ولحومنا وأعصابنا ونبات شعورنا وتشكل أطرافنا وسائر أجزائنا الظاهرة والباطنة ، فإنا نعلم أنها لم تأتلف بنفسها ، كما نعلم أن يد الكاتب لم يتحرك بنفسها ، ولكن لما لم يبق في الوجود


.................................................................................................

______________________________________________________

مدرك ومحسوس ومعقول وحاضر وغائب إلا هو ، وشاهد ومعرف عظم ظهوره ، فانبهرت العقول ودهشت عن إدراكه.

فإذا ما يقصر عن فهمه عقولنا له سببان : أحدهما خفاؤه في نفسه وغموضه وذلك لا يخفى مثاله ، والآخر ما يتناهى وضوحه وهذا كما أن الخفاش يبصر بالليل ولا يبصر بالنهار لا لخفاء النهار واستتاره ولكن لشدة ظهوره ، فإن بصر الخفاش ضعيف يبهره نور الشمس إذا أشرق ، فيكون قوة ظهوره مع ضعف بصره سببان لامتناع إبصاره فلا يرى شيئا إلا إذا امتزج الظلام بالضوء وضعف ظهوره فكذلك عقولنا ضعيفة وجمال الحضرة الإلهية في نهاية الإشراق والاستنارة ، وفي غاية الاستغراق والشمول حتى لا يشذ عن ظهوره ذرة من ملكوت السماوات والأرض فصار ظهوره سبب خفائه ، فسبحان من احتجب بإشراق نوره واختفى عن البصائر والأبصار بظهوره ، ولا تتعجب من اختفاء ذلك بسبب الظهور ، فإن الأشياء تستبان بأضدادها وما عم وجوده حتى لا ضد له عسر إدراكه ، فلو اختلف الأشياء فدل بعضها دون البعض أدركت التفرقة على قرب ، ولما اشتركت في الدلالة على نسق واحد أشكل الأمر.

ومثاله نور الشمس المشرق على الأرض فإنا نعلم أنه عرض من الإعراض يحدث في الأرض ويزول عند غيبة الشمس ، فلو كانت الشمس دائمة الإشراق لا غروب لها لكنا نظن أن لا هيئة في الأجسام إلا ألوانها وهي السواد والبياض وغيرها ، فإنا لا نشاهد في الأسود إلا السواد ، وفي الأبيض إلا البياض ، وأما الضوء فلا ندركه وحده لكن لما غابت الشمس وأظلمت المواضع أدركنا تفرقة بين الحالتين ، فعلمنا أن الأجسام كانت قد استضاءت بضوء واتصفت بصفة فارقتها عند الغروب ، فعرفنا وجود النور بعدمه ، وما كنا نطلع عليه لو لا عدمه إلا بعسر شديد ، وذلك لمشاهدتنا الأجسام متشابهة غير مختلفة في الظلام والنور.

هذا مع أن النور أظهر المحسوسات إذ به يدرك سائر المحسوسات ، فما هو


.................................................................................................

______________________________________________________

ظاهر في نفسه وهو مظهر لغيره ، انظر كيف تصور استبهام أمره بسبب ظهوره لو لا طريان ضده ، فإذا الرب تعالى هو أظهر الأمور وبه ظهرت الأشياء كلها ، ولو كان له عدم أو غيبة أو تغير لانهدمت السماوات والأرض وبطل الملك والملكوت ، ولأدركت التفرقة بين الحالتين ، ولو كان بعض الأشياء موجودا به وبعضها موجودا بغيره لأدركت التفرقة بين الشيئين في الدلالة ، ولكن دلالته عامة في الأشياء على نسق واحد ، ووجوده دائم في الأحوال يستحيل خلافه ، فلا جرم أورث شدة الظهور خفاء.

فهذا هو السبب في قصور الأفهام ، وأما من قويت بصيرته ولم يضعف منته فإنه في حال اعتدال أمره لا يرى إلا الله وأفعاله ، وأفعاله أثر من آثار قدرته ، فهي تابعة له فلا وجود لها بالحقيقة ، وإنما الوجود للواحد الحق الذي به وجود الأفعال كلها ، ومن هذا حاله فلا ينظر في شيء من الأفعال إلا ويرى فيه الفاعل ، ويذهل عن الفعل من حيث أنه سماء وأرض وحيوان وشجر ، بل ينظر فيه من حيث أنه صنع ، فلا يكون نظره مجاوزا له إلى غيره كمن نظر في شعر إنسان أو خطه أو تصنيفه ، ورأى فيه الشاعر والمصنف ورأى آثاره من حيث هي آثاره لا من حيث إنها حبر وعفص وزاج مرقوم على بياض ، فلا يكون قد نظر إلى غير المصنف.

فكل العالم تصنيف الله تعالى فمن نظر إليها من حيث إنها فعل الله ، وعرفها من حيث إنها فعل الله ، وأحبها من حيث إنها فعل الله لم يكن ناظرا إلا في الله ، ولا عارفا إلا بالله ولا محبا إلا لله ، وكان هو الموحد الحق الذي لا يرى إلا الله ، بل لا ينظر إلى نفسه من حيث نفسه ، بل من حيث هو عبد الله.

فهذا هو الذي يقال فيه أنه فني في التوحيد وأنه فنى من نفسه ، وإليه الإشارة بقول من قال : كنا بنا ففنينا عنا فبقينا بلا نحن ، فهذه أمور معلومة عند ذوي البصائر أشكلت لضعف الأفهام عن دركها وقصور قدرة العلماء عن إيضاحها وبيانها بعبارة مفهمة موصلة للغرض إلى الأفهام ، لاشتغالهم بأنفسهم واعتقادهم أن بيان ذلك لغيرهم مما


.................................................................................................

______________________________________________________

لا يغنيهم ، فهذا هو السبب في قصور الأفهام عن معرفة الله تعالى.

وانضم إليه أن المدركات كلها التي هي شاهدة على الله إنما يدركها الإنسان في الصبي عند فقد العقل قليلا قليلا وهو مستغرق الهم بشهواته ، وقد أنس بمدركاته ومحسوساته ألفها ، فسقط وقعها عن قلبه بطول الأنس.

ولذلك إذا رأى على سبيل الفجأة حيوانا غريبا أو فعلا من أفعال الله خارقا للعادة عجيبا انطلق لسانه بالمعرفة طبعا فقال : سبحان الله وهو يرى طول النهار نفسه وأعضاءه وسائر الحيوانات المألوفة وكلها شواهد قاطعة ولا يحس بشهادتها لطول الأنس بها ولو فرض أكمه بلغ عاقلا ثم انقشعت غشاوة عن عينه فامتد بصره إلى السماء والأرض والأشجار والنبات والحيوان دفعة واحدة على سبيل الفجأة يخاف على عقله أن ينبهر لعظم تعجبه من شهادة هذه العجائب على خالقها.

وهذا وأمثاله من الأسباب مع الانهماك في الشهوات وهي التي سدت على الخلق سبيل الاستضائة بأنوار المعرفة والسباحة في بحارها الواسعة ، والجليات إذا صارت مطلوبة صارت معتاضة فهذا سد الأمر ، فليتحقق ولذلك قيل :

لقد ظهرت فلا تخفى على أحد

إلا على أكمه لا يعرف القمرا

لكن بطنت بما أظهرت محتجبا

وكيف يعرف من بالعرف استترا

أقول : وفي كلام سيد الشهداء أبي عبد الله الحسين على جده وأبيه وأمه وأخيه وعليه وبنيه سلام الله ، ما يرشدك إلى هذا العيان ، بل يغنيك عن هذا البيان حيث قال في دعاء عرفة : كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك ، متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك ، ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك ، عميت عين لا تراك ولا تزال عليها رقيبا ، وخسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبك نصيبا.

وقال أيضا : تعرفت لكل شيء ، فما جهلك شيء.


٥ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن فضال ، عن ابن أبي جميلة ، عن محمد الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في قول الله عز وجل : «فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها » قال فطرهم على التوحيد.

باب

كون المؤمن في صلب الكافر

١ ـ الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن الحسن بن علي الوشاء ، عن علي بن ميسرة قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام إن نطفة المؤمن لتكون في صلب المشرك فلا يصيبه من الشر شيء حتى إذا صار في رحم المشركة لم يصبها من الشر شيء حتى تضعه فإذا وضعته لم يصبه من الشر شيء حتى يجري عليه القلم.

٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن علي بن يقطين ، عن أبي الحسن موسىعليه‌السلام قال قلت له إني قد أشفقت من دعوة أبي عبد اللهعليه‌السلام

______________________________________________________

وقال : تعرفت إلى في كل شيء فرأيتك ظاهرا في كل شيء فأنت الظاهر لكل شيء.

الحديث الخامس : ضعيف.

باب كون المؤمن في صلب الكافر

الحديث الأول : ضعيف على المشهور.

« فلا يصيبه من الشر »و في بعض النسخ من الشرك ، أي يحفظه الله من أن يصيبه من شرك الأبوين أو شركهما شيء ، بحيث يضره واقعا والحكم عليه بالكفر والنجاسة بالتبعية قبل البلوغ نظرا إلى الظاهر لا ينافي إيمانه الواقعي في علم الله.

الحديث الثاني : حسن كالصحيح.

وكان يقطين بن موسى من دعاة العباسية في ابتداء دولتهم وكان له اختصاص بهم ، قال الشيخ في الفهرست :علي بن يقطين ( ره) ثقة جليل القدر له منزلة عظيمة


على يقطين وما ولد فقال يا أبا الحسن ليس حيث تذهب إنما المؤمن في صلب الكافر بمنزلة الحصاة في اللبنة يجيء المطر فيغسل اللبنة ولا يضر الحصاة شيئا.

______________________________________________________

عند أبي الحسن موسىعليه‌السلام ، عظيم المكان في الطائفة ، وكان يقطين من وجوه الدعاة وطلبه مروان فهرب ، وابنه علي بن يقطين هذا ولد بالكوفة سنة أربع وعشرين ومائة وهربت أم علي به وبأخيه عبيد بن يقطين إلى المدينة ، فلما ظهرت الدولة الهاشمية ظهر يقطين وعادت أم علي بعلي وعبيد فلم يزل يقطين في خدمة أبي العباس وأبي جعفر المنصور ، ومع ذلك كان يتشيع ويقول بالإمامة ، وكذلك ولده يحمل الأموال إلى جعفر بن محمدعليه‌السلام ونمى خبره إلى المنصور والمهدي فصرف الله عنه كيدهما ، انتهى.

وأقول : هذا الخبر وما تقدم في باب كراهية التوقيت يدلان على أن يقطين لم يكن مشكورا وكان منحرفا عن هذه الناحية ، وهذا الخبر يدل على أن الصادقعليه‌السلام كان دعا على يقطين وولده ولعنهم وكان علي مشفقا خائفا من أن يصيبه أثر تلك الدعوة واللعنة ، فأجابعليه‌السلام بأن اللعنة وسائر الشرار لا تصيب المؤمن الذي في صلب الكافر ، وشبه ذلك بالحصاة في اللبنة ، فإنه لا يضر الحصاة ما تقع على اللبنة من المطر وغيره ، فعلى هذا شبهعليه‌السلام اللعنة بالمطر لأن المطر يفتت اللبنة ويفرقها ويبطلها ، فكذا اللعنة تبطل من تصيبه وتفتته وتفرقه.

ويحتمل أن يكون شبهعليه‌السلام الرحمة والألطاف التي تشمل من الله تعالى المؤمن بالمطر ، ويكون الغرض أن ألطافه سبحانه ورحماته التي تحفظ طينة المؤمن تغسله وتظهره من لوث الكفر وما يلزمه وما يتبعه من اللعنات والعقوبات كما يغسل المطر لوث الطين من الحصاة ولعله أظهر.

وحاصل الكلام على الوجهين أن دعاؤهعليه‌السلام كان مشروطا بعدم إيمانهم ولم يكن مطلقا ، وكان غرضهعليه‌السلام اللعن على من يشبهه من أولاده.

قوله عليه‌السلام شيئا ، أي من الضرر ، وفي بعض النسخ شيء أي من الآفات واللعنات والشرور.


باب

إذا أراد الله عز وجل أن يخلق المؤمن

١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن فضال ، عن إبراهيم بن مسلم الحلواني ، عن أبي إسماعيل الصيقل الرازي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إن في الجنة لشجرة تسمى المزن فإذا أراد الله أن يخلق مؤمنا أقطر منها قطرة فلا تصيب

______________________________________________________

باب إذا أراد الله أن يخلق المؤمن

الحديث الأول : مجهول.

وفي المصباح حلوان بالضم بلد مشهور من سواد العراق وهي آخر مدن العراق وبينها وبين بغداد نحو خمس مراحل ، قيل : سميت باسم بانيها وهو حلوان بن عمران ابن الحارث بن قضاعة ، وفي القاموس :المزن بالضم السحاب أو أبيضه أو ذو الماء ، انتهى.

وكان التسمية هنا على التشبيه ، قيل : هذا الحديث كما يناسب ما قيل من أن المراد بالطينة الأصول الممتزجات المنقلة في أطوار الخلقة كالنطفة وما قبلها من موادها مثل النبات والغذاء وما بعدها من العلقة والمضغة والمزاج الإنساني القابل للنفس الناطقة المدبرة ، كذلك يناسب ما ذكر من أن المراد بالطينة طينة الجنة لأن طينة الجنة اختمارها وتربيتها بهذه القطرة كما أنه بماء العذب الفرات المذكور سابقا ، وبالجملة خلقه من طينة الجنة ومزجها بماء الفرات أولا وتربيتها بماء المزن ثانيا لطف منه تعالى بالنسبة إلى المؤمن ليحصل له الوصول إلى أعلى مراتب القرب ، انتهى.

وقال بعض المحققين من أهل التأويل : الجنة تشمل جنان الجبروت والملكوت ، والمزن الحساب وهو أيضا يعم سحاب ماء الرحمة والجود والكرم


بقلة ولا ثمرة أكل منها مؤمن أو كافر إلا أخرج الله عز وجل من صلبه مؤمنا

______________________________________________________

وسحاب ماء المطر والخصب والديم ، وكما أن لكل قطرة من ماء المطر صورة وسحابا انفصلت منه في عالم الملك كذلك له صورة وسحاب انفصلت منه في عالمي الملكوت والجبروت ، وكما أن البقلة والثمرة تتربى بصورتها الملكوتية كذلك تتربى بصورتيها الملكوتية والجبروتية المخلوقتين من ذكر الله تعالى اللتين من شجرة المزن الجناني وكما أنهما تتربيان بها قبل الأكل كذلك تتربيان بها بعد الأكل في بدن الآكل ، فإنها ما لم تستحل إلى صورة العضو فهي بعد في التربية ، فالإنسان إذا أكل بقلة أو ثمرة ذكر الله عز وجل عندها وشكر الله عليها ، وصرف قوتها في طاعة الله سبحانه والأفكار الإيمانية والخيالات الروحانية فقد تربت تلك البقلة أو الثمرة في جسده بماء المزن الجناني ، فإذا فضلت من مادتها فضلة منوية فهي من شجرة المزن التي أصلها في الجنة وإذا أكلها على غفلة من الله سبحانه ، ولم يشكر الله عليها وصرف قوتها في معصية الله تعالى والأفكار المموهة الدنيوية والخيالات الشهوانية ، فقد تربت تلك البقلة أو الثمرة في جسده بماء آخر غير صالح لخلق المؤمن إلا أن يكون قد تحقق تربيتها بماء المزن الجناني قبل الأكل ، وأما مأكولة الكافر التي يخلق منها المؤمن فإنما يتحقق تربيتها بذلك الماء قبل أكله لها غالبا ، ولذكر الله عند زرعها أو غرسها مدخل في تلك التربية ، وكذلك لحل ثمنها وتقوى زارعها أو غارسها إلى غير ذلك من الأسباب.


باب

في أن الصبغة هي الإسلام

١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ومحمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد جميعا ، عن ابن محبوب ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في قول الله عز وجل «صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً »(١) قال الإسلام وقال في قوله عز وجل «فَقَدِ

______________________________________________________

باب أن الصبغة هي الإسلام

الحديث الأول : صحيح.

قوله «صِبْغَةَ اللهِ » ، أقول : تمام الآية وما يتعلق بها هكذا : «وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ. مُسْلِمُونَ ، فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ، صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ » يعني قالت اليهود كونوا هودا ، وقالت النصارى كونوا نصارى «بَلْ مِلَّةَ » أي بل نكون أهل ملة إبراهيم ، أو بل نتبع ملة إبراهيم ، والحنيف : المائل عن كل دين إلى الحق «وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ » تعريض بأهل الكتابين فإنهم كانوا يدعون أتباع ملة إبراهيم ، وهم مع ذلك على الشرك ، والأسباط حفدة يعقوبعليه‌السلام .

«صِبْغَةَ اللهِ » قال البيضاوي أي صبغنا الله صبغة ، وهي «فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها » ، فإنها حلية الإنسان ، كما أن الصبغة حلية المصبوغ ، أو هدانا هدايته أو أرشدنا حجته أو طهر قلوبنا بالإيمان تطهيره وسماه صبغة لأنه ظهر أثره عليهم

__________________

(١) سورة البقرة : ١٣٨.


اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى »(١) قال هي الإيمان بالله وحده لا شريك له.

______________________________________________________

ظهور الصبغ على المصبوغ ، وتداخل في قلوبهم تداخل الصبغ الثوب أو للمشاكلة فإن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه العمودية ، ويقولون هو تطهير لهم وبه تحق نصرانيتهم ، ونصبها على أنه مصدر مؤكد لقوله آمنا وقيل : على الإغراء ، أي عليكم صبغة الله ، وقيل : على البدل من ملة إبراهيم ، «وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً » لا صبغة أحسن من صبغته «وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ » تعريض بهم أي لا نشرك به كشرككم ، انتهى.

وقيل : على هذه الأخبار يحتمل أن تكون منصوبة على المصدر من مسلمون ، ثم يحتمل أن يكون معناها وموردها مختصا بالخواص والخلص المخاطبين بقولوا دون سائر أفراد بني آدم ، بل يتعين هذا المعنى إن فسر الإسلام بالخضوع والانقياد للأوامر والنواهي كما فعلوه ، وإن فسر بالمعنى العرفي فتوجيه التعميم فيه كتوجيه التعميم في فطرة الله.

وقيل «صِبْغَةَ اللهِ » إبداع الممكنات وإخراجها من العدم إلى الوجود وإعطاء كل ما يليق به من الصفات والغايات وغيرهما.

قوله «فَقَدِ اسْتَمْسَكَ » ، قال تعالى «فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها » وفسر الطاغوت في الأخبار بالشيطان وبأئمة الضلال ، والأولى التعميم ليشمل كل ما عبد من دون الله من صنم أو صاد عن سبيل الله «وَيُؤْمِنْ بِاللهِ » بالتوحيد وتصديق الرسل وأوصيائهم «فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى » أي طلب الإمساك من نفسه بالحبل الوثيق ، وهي مستعار ملتمسك الحق من النظر الصحيح والدين القويم «لَا انْفِصامَ لَها » أي لا انقطاع لها.

وما ورد في الخبر من تفسيره بالإيمان كان المراد به أنه تعالى شبه الإيمان الكامل بالعروة الوثقى ، وعلى ما ورد في كثير من الأخبار من أن المراد بالطاغوت

__________________

(١) سورة البقرة : ٢٥٦.


٢ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن داود بن سرحان ، عن عبد الله بن فرقد ، عن حمران ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في قول الله عز وجل : «صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً » قال الصبغة هي الإسلام.

٣ ـ حميد بن زياد ، عن الحسن بن محمد بن سماعة ، عن غير واحد ، عن أبان ، عن محمد بن مسلم ، عن أحدهماعليهما‌السلام في قول الله عز وجل : «صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً » قال الصبغة هي الإسلام وقال في قوله عز وجل : «فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى » قال هي الإيمان.

______________________________________________________

الغاصبون للخلافة فالمعنى من رفض متابعة أئمة الضلالة وآمن بما جاء من عند الله في علي والأوصياء من بعدهعليه‌السلام فقد آمن بالله وحده لا شريك له ، وإلا فهو مشرك كما روي في معاني الأخبار عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من أحب أن يستمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها فليتمسك بولاية أخي ووصيي علي بن أبي طالب فإنه لا يهلك من أحبه وتولاه ولا ينجو من أبغضه وعاداه ، وعن الباقرعليه‌السلام أن العروة الوثقى هو مودتنا أهل البيت.

الحديث الثاني : ضعيف على المشهور.

الحديث الثالث : مرسل كالموثق ، وقال الجوهري :صبغة الله دينه ، ويقال : أصله من صبغ النصارى أولادهم في ماء لهم ، وقال الفيروزآبادي : الصبغة بالكسر الدين والملة ، وصبغة الله فطرة الله ، أو التي أمر الله تعالى بها محمداصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهي الختانة


باب

في أن السكينة هي الإيمان

١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن أبي حمزة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال سألته عن قول الله عز وجل : «أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي

______________________________________________________

باب أن السكينة هي الإيمان

الحديث الأول : صحيح كما في بعض النسخ عن أبي حمزة ، وضعيف على المشهور إن كان عن علي بن أبي حمزة كما في بعض النسخ.

«هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ » الآية في سورة الفتح هكذا : «هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ » والظاهر أن المراد بالسكينة الثبات وطمأنينة النفس وشدة اليقين بحيث لا يتزلزل عند الفتن وعروض الشبهات ، بل هذا إيمان موهبي يتفرع على الأعمال الصالحة والمجاهدات الدينية سوى الإيمان الحاصل بالدليل والبرهان ، ولذا قال : «لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ ».

وقال في مجمع البيان : هي أن يفعل الله بهم اللطف الذي يحصل لهم عنده من البصيرة بالحق ما تسكن إليه نفوسهم ، وذلك بكثرة ما ينصب لهم من الأدلة الدالة عليه ، فهذه النعمة التامة للمؤمنين خاصة ، وأما غيرهم فتضطرب نفوسهم لأول عارض من شبهة ترد عليهم إذ لا يجدون برد اليقين وروح الطمأنينة في قلوبهم ، وقيل : هي النصرة للمؤمنين لتسكن بذلك قلوبهم ، ويثبتوا في القتال ، وقيل : ما أسكن قلوبهم من التعظيم لله ولرسوله ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ، أي يقينا إلى يقينهم بما يرون من الفتوح وعلو كلمة الإسلام على وفق ما وعدوا ، وقيل : ليزدادوا تصديقا بشرائع الإسلام وهو أنهم كلما أمروا بشيء من الشرائع والفرائض كالصلاة والصيام والصدقات صدقوا به ، وذلك بالسكينة التي أنزلها الله في قلوبهم عن ابن عباس


قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ »(١) قال هو الإيمان قال وسألته عن قول الله عز وجل : «وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ »(٢) قال هو الإيمان.

______________________________________________________

والمعنى ليزدادوا معارف على المعرفة الحاصلة عندهم ، انتهى.

والحاصل أن تفسيرهعليه‌السلام السكينة بالإيمان إما لكون هذا اليقين هو كمال الإيمان ، أو إيمان آخر موهبي ينضم إلى الإيمان الاستدلالي ، وهذا مما يدل على أن اليقين يقبل الشدة والضعف كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله.

وأما الآية الثانية فهي في سورة المجادلة حيث قال : «لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ » قال الطبرسي (ره) : كتب في قلوبهم الإيمان بما فعل بهم من الألطاف فصار كالمكتوب عن الحسن ، وقيل : كتب في قلوبهم علامة الإيمان ومعنى ذلك أنها سمة وعلامة لمن شاهدهم من الملائكة على أنهم مؤمنون كما أن قوله في الكفار : وطبع الله على قلوبهم ، علامة يعلم من شاهدها من الملائكة أنه مطبوع على قلبه ، عن أبي علي الفارسي.

«وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ » أي قواهم بنور الإيمان ، ويدل عليه : «وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ » عن الزجاج ، وقيل : معناه وقواهم بنور الحجج والبرهان حتى اهتدوا للحق وعملوا به ، وقيل : قواهم بالقرآن الذي هو حياة القلوب من الجهل عن الربيع ، وقيل : أيدهم بجبرئيل في كثير من المواطن ينصرهم ويدفع عنهم ، انتهى.

أقول : لعل المراد بالروح الإيمان الموهبي لأنه قال ذلك بعد قوله : «كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ » أو المراد به قوة الإيمان وكماله ، ويحتمل أن يراد به أنه سبب

__________________

(١) سورة الفتح : ٤.

(٢) سورة المجادلة : ٢٢.


٢ ـ عنه ، عن أحمد ، عن صفوان ، عن أبان ، عن فضيل قال قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : «أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ » هل لهم فيما كتب في قلوبهم صنع قال لا.

٣ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن ابن محبوب ، عن العلاء ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال السكينة الإيمان.

٤ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حفص بن البختري وهشام بن سالم وغيرهما ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في قول الله عز وجل : «هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ » قال هو الإيمان.

٥ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى بن عبيد ، عن يونس ، عن جميل قال :

______________________________________________________

الإيمان وقوته وكماله لما سيأتي أن الله تعالى أيد المؤمن بروح يحضره في كل. وقت يحسن فيه ويتقي ويغيب عنه في كل وقت يذنب فيه ويعتدي وإن أمكن تأويل تلك الأخبار بما يوافق ظاهر هذا الخبر كما سيأتي في باب الروح الذي أيد به المؤمن.

الحديث الثاني : موثق كالصحيح.

وإنما ذكر هذا مع عدم اشتماله على ما عنون به الباب لأنه كالتتمة لما ذكر في آخر الخبر السابق لأنهما في آية واحدة ، ويدل على أن الإيمان من الله وليس للعباد فيها صنع واختيار ، وإنما كلف العباد بعدم الجحد ظاهرا وبإخراج التعصب والأغراض الباطلة عن النفس ، أو مع السعي في الجملة أيضا ، ويمكن تخصيصه بمعرفة الصانع كما مر أو بكمال المعرفة وقد مضى تفصيل القول في ذلك في باب البيان والتعريف ، وفي بعض النسخ صبغ بالباء الموحدة والغين المعجمة ، أي لهذه الكتابة صبغ ولون وهو تصحيف.

الحديث الثالث : صحيح.

الحديث الرابع : حسن كالصحيح.

الحديث الخامس : صحيح وفسر أكثر المفسرين كلمة التقوى بكلمة التوحيد


سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن قوله عز وجل : «هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ » قال هو الإيمان قال : «وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ » قال : هو الإيمان وعن قوله : «وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى »(١) قال هو الإيمان.

باب الإخلاص

١ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن عبد الله بن مسكان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في قول الله عز وجل : «حَنِيفاً مُسْلِماً »(٢) قال خالصا مخلصا ليس فيه شيء من

______________________________________________________

فإنه يتقي بها من عذاب الله وما فسرهاعليه‌السلام به أظهر ، إذ بجميع العقائد الإيمانية واجتماعها يتقي من عذاب الله لا بكلمة التوحيد فقط ، وفسرت في كثير من الأخبار بالولاية لأنها مستلزم لسائر العقائد ، وفي بعضها بأمير المؤمنينعليه‌السلام وفي بعضها بجميع الأئمةعليهم‌السلام أي ولايتهم والإقرار بإمامتهم كلمة التقوى ، وأنهم يعبرون عن الله ما يتقى به من عذابه كما ورد في الأخبار الكثيرة أنهم كلمات الله.

باب الإخلاص

الحديث الأول : صحيح.

وقد مر معنى الحنيف وأنه المائل إلى الدين الحق ، وهو الدين الخالص والمسلم المنقاد لله في جميع أوامره ونواهيه ، ولما قال سبحانه «ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ » ، وجعل الحنيف المسلم في مقابلة المشرك ، فلذا فسرعليه‌السلام الحنيف المسلم بمن كان خالصا لله مخلصا عمله من الشرك الجلي والخفي ،فالأوثان أعم من الأوثان الحقيقة والمجازية ، فيشمل عبادة الشياطين في إغوائها وعبادة النفس في أهوائها كما قال تعالى : «أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ »(٣) وقال سبحانه : «أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ »(٤)

__________________

(١) سورة الفتح : ٢٦.

(٢) سورة الروم : ٦٧.

(٣) سورة يس : ٦٠.

(٤) سورة الفرقان : ٤٣.


عبادة الأوثان.

٢ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن أبي عبد الله ، عن أبيه رفعه إلى أبي جعفرعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يا أيها الناس إنما هو الله والشيطان والحق والباطل والهدى والضلالة والرشد والغي والعاجلة والآجلة والعاقبة والحسنات

______________________________________________________

وقال : «اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ »(١) وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ملعون من عبد الدنيا والدرهم ، وفي المحاسن هكذا : خالصا مخلصا لا يشوبه شيء ، من دون ذكر عبادة الأوثان.

الحديث الثاني : مرفوع.

« إنما هو الله » الضمير راجع إلى المقصود في العبادة أو الأعم منه ومن الباعث عليها ، أو الموجود في الدنيا والمقصود فيها ، والغرض أن الحق والهدى والرشد ورعاية الآجلة والحسنات منسوب إلى الله ، وأضدادها منسوبة إلى الشيطان ، فما كان خالصا لله فهو من الحسنات ، وما كان للشيطان فيه مدخل فهو من السيئات ، ففي الكلام شبه قلب ، أو المعنى أن الرب تعالى والحق والهدى والرشد والآجلة والحسنات في جانب ، وأضدادها في جانب آخر ، فالحسنات ما يكون موافقا للحق ومعلوما بهداية الله ، ويكون سببا للرشد والمنظور فيه الدرجات الأخروية دون اللذات الدنيوية وقربه تعالى فهو منسوب إلى الله ، وإلا فهو من خطوات الشيطان ووساوسه ، والرشد ما يوصل إلى السعادة الأبدية والغي ما يؤدي إلى الشقاوة السرمدية ، والعاقبة عطف تفسير للآجلة.

وكان المناسب للترتيب سائر الفقرات تقديم الآجلة على العاجلة ، ولعلهعليه‌السلام إنما غير الأسلوب لأن الآجلة بعد العاجلة.

قال بعض المحققين أريد بالحسنات والسيئات الأعمال الصالحة والسيئة المترتبتان على الأمور الثمانية الناشئتان منها« فما كان من حسنات » يعني ما نشأ

__________________

(١) سورة التوبة : ٣١.


والسيئات فما كان من حسنات فلله وما كان من سيئات فللشيطان لعنه الله.

٣ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن علي بن أسباط ، عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام أن أمير المؤمنين صلوات الله عليه كان يقول طوبى لمن أخلص لله

______________________________________________________

من الحق والهدى والرشد ورعاية العاقبة من الأعمال الصالحة« وما كان من سيئات » يعني ما نشأ من الباطل والضلالة والغي ورعاية العاجلة من الأعمال السيئة ، فكل من عمل عملا من الخير طاعة لله آتيا فيه بالحق على هدى من ربه ورشدة من أمره ، ولعاقبة أمره فهو حسنة تقبله الله بقبول حسن ، ومن عمل عملا من الخير أو الشر طاعة للشيطان آتيا فيه بالباطل على ضلالة من نفسه وغي من أمره ولعاجلة أمره فهو سيئة مردود إلى من عمل له ، ومن عمل عملا مركبا من أجزاء بعضها لله وبعضها للشيطان فما كان لله فهو لله وما كان للشيطان فهو للشيطان ، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره فإن أشرك بالله الشيطان في عمله أو في جزء عمله فهو مردود إليه لأن الله لا يقبل الشريك كما يأتي بيانه في باب الرياء إنشاء الله.

وربما يقال : إن كان الباعث الإلهي مساويا للباعث الشيطاني تقاوما وتساقطا وصار العمل لا له ولا عليه ، وإن كان أحدهما غالبا على الآخر بأن يكون أصلا وسببا مستقلا ويكون الآخر تبعا غير مستقل فالحكم للغالب إلا أن ذلك مما يشتبه على الإنسان في غالب الأمر فربما يظن أن الباعث الأقوى قصد التقرب ويكون الأغلب على سره الحظ النفساني فلا يحصل الأمن إلا بالإخلاص ، وقلما يستيقن بالإخلاص من النفس ، فينبغي أن يكون العبد دائما مترددا بين الرد والقبول ، خائفا من الشوائب ، والله الموفق للخير والسداد.

الحديث الثالث : ضعيف على المشهور.

« طوبى » أي الجنة أو طيبها أو شجرة فيها كما سيأتي في الخبر ، أو العيش الطيب أو الخير« لمن أخلص لله العبادة والدعاء » أي لم يعبد ولم يدع غيره تعالى


العبادة والدعاء ولم يشغل قلبه بما ترى عيناه ولم ينس ذكر الله بما تسمع أذناه ولم يحزن صدره بما أعطي غيره.

٤ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن القاسم بن محمد ، عن المنقري ، عن سفيان بن عيينة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في قول الله عز وجل : «لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً »(١) قال

______________________________________________________

أو كان غرضه من العبادة والدعاء رضي الله سبحانه من غير رياء« بما ترى عيناه » أي من زخارف الدنيا ومشتهياتها ، والرفعة والملك فيها« ولم ينس ذكر الله » بالقلب واللسان« بما تسمع أذناه » من الغناء وأصوات الملاهي ، وذكر لذات الدنيا وشهواتها والشبهات المضلة والآراء المبتدعة ، والغيبة والبهتان ، وكل ما يلهي عن الله« ولم يحزن صدره بما أعطى غيره » من أسباب العيش وحرمها ، والاتصاف بهذه الصفات العلية إنما يتيسر لمن قطع عن نفسه العلائق الدنية ، وفي الخبر إشعار بأن الإخلاص في العبادة لا يحصل إلا لمن قطع عروق حب الدنيا من قلبه ، كما سيأتي تحقيقه إنشاء الله.

الحديث الرابع : ضعيف.

قوله : «لِيَبْلُوَكُمْ » إشارة إلى قوله تعالى : «تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً » تبارك أي تكاثر خيره من البركة وهي كثرة الخير ، أو تزايد عن كل شيء وتعالى عنه في صفاته وأفعاله ، فإن البركة تتضمن معنى الزيادة «الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ » أي بقبضة قدرته التصرف في الأمور كلها «الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ » أي قدرهما أو أوجدهما وفيه دلالة على أن الموت أمر وجودي ، والمراد بالموت الموت الطاري على الحياة أو العدم الأصلي فإنه قد يسمى موتا أيضا ، كما قال تعالى : «كُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ »(٢) وتقديمه على الأول لأنه ادعى إلى حسن العمل وأقوى في ترك الدنيا ولذاتها ،

__________________

(١) سورة الملك : ٢.

(٢) سورة البقرة : ٢٨.


ليس يعني أكثر عملا ولكن أصوبكم عملا وإنما الإصابة خشية الله والنية الصادقة

______________________________________________________

وعلى الثاني ظاهر لتقدمه.

«لِيَبْلُوَكُمْ » أي ليعاملكم معاملة المختبر «أَيُّكُمْ » مفعول ثان لفعل البلوى باعتبار تضمينه معنى العلم ، ووجه التعليل أن الموت داع إلى حسن العمل لكمال الاحتياج إليه بعده ، وموجب لعدم الوثوق بالدنيا ولذاتها الفانية ، والحياة نعمة تقتضي الشكر ويقتدر بها على الأعمال الصالحة ، وإن أريد به العدم الأصلي فالمعنى أنه نقلكم منه وألبسكم لباس الحياة لذلك الاختبار ، ولما كان اتصافنا بحسن العمل يتحقق بكثرة العمل تارة وبإصابته وشدة رعاية شرائطه أخرى نفي الأول ،بقوله : ليس يعني أكثركم عملا ، لأن مجرد العمل من غير خلوصه وجودته ليس أمرا يعتد به ، بل هو تضييع للعمر وأثبت الثانيبقوله : ولكن أصوبكم عملا ، لأن صواب العمل وجودته وخلوصه من الشوائب يوجب القرب منه تعالى ، وله درجات متفاوتة يتفاوت القرب بحسبها.

واسم ليس في قوله : « ليس يعني » ضمير عائد إلى الله عز وجل أو ضمير شأن ، وجملة يعني خبرها ، ثم بين الإصابة وحصرها في أمرينبقوله : إنما الإصابة خشية الله والنية الصادقة ، وذكر الخشية ثانيا لعله من الرواة أو النساخ ، وليست في بعض النسخ ولو سحت يكون معناه خشية أن لا يقبل كما سيأتي في الخبر ، وهو غير خشية الله ، أو يقال : النية الصادقة مبتدأ والخشية معطوف عليه ، والخبر محذوف أي مقرونتان ، أو الخشية منصوب ليكون مفعولا معه.

فيكون الحاصل أن مدار الإصابة على الخشية وتلزمها النية الصادقة ، وفي بعض النسخ والحسنة أي كونه موافقا لأمره تعالى ، ولا يكون فيه بدعة ، وفي أسرار الصلاة للشهيد الثاني (ره) : والنية الصادقة الحسنة وهو أصوب.

والحاصل أن العمدة في قبول العمل بعد رعاية أجزاء العبادة وشرائطها المختصة النية الخالصة والاجتناب عن المعاصي كما قال تعالى : " «فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ


والحسنة ثم قال الإبقاء على العمل حتى يخلص أشد من العمل والعمل الخالص

______________________________________________________

فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً »(١) " وقال سبحانه : «إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ »(٢) .

قال الشيخ البهائيقدس‌سره : المراد بالنية الصادقة انبعاث القلب نحو الطاعة غير ملحوظ فيه شيء سوى وجه الله سبحانه ، لا كمن يعتق عبد مثلا ملاحظا مع القربة الخلاص من مؤنته أو سوء خلقه أو يتصدق بحضور الناس لغرض الصواب والثناء معا بحيث لو كان منفردا لم يبعثه مجرد الثواب على الصدقة وإن كان يعلم من نفسه أنه لو لا الرغبة في الثواب لم يبعثه مجرد الرياء على الإعطاء ، ولا كمن له ورد في الصلوات وعادة في الصدقات واتفق أن حضر في وقتها جماعة فصار الفعل أخف عليه وحصل له نشاط ما بسبب مشاهدتهم ، وإن كان يعلم من نفسه أنهم لو لم يحضروا لم يكن يترك العمل أو يفتر عنه البتة ، فأمثال هذه الأمور مما يخل بصدق النية وبالجملة فكل عمل قصدت به القربة وانضاف إليه حظ من حظوظ الدنيا بحيث تركب الباعث عليه من ديني ونفسي ، فنيتك فيه غير صادقة سواء كان الباعث الديني أقوى من الباعث النفسي أو أضعف أو مساويا.

قال في مجمع البيان : «لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً » أي ليعاملكم معاملة المختبر بالأمر والنهي فيجازى كل عامل بقدر عمله ، وقيل : ليبلوكم أيكم أكثر للموت ذكرا وأحسن له استعدادا وأحسن صبرا على موته وموت غيره ، وأيكم أكثر امتثالا للأوامر واجتنابا عن النواهي في حال حياته قال أبو قتادة : سألت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن قوله تعالى : «أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً » ما عنى به؟ فقال : يقول أيكم أحسن عقلا ، ثم قال تعالى : أتمكم عقلا وأشدكم لله خوفا وأحسنكم فيما أمر الله به ونهى عنه نظرا ، وإن كان أقلكم تطوعا ، وعن ابن عمر عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : أنه تلا قوله : «تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » إلى قوله : «أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً »

__________________

(١) سورة النحل : ١١٠.

(٢) سورة المائدة : ٢٧.


الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلا الله عز وجل والنية أفضل من العمل ألا

______________________________________________________

ثم قال : أيكم أحسن عقلا وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله ، وعن الحسن : أيكم ازهد في الدنيا وأترك لها ، انتهى.

وفي القاموس : الصواب ضد الخطإ كالإصابة ، وقال : الإصابة الإتيان بالصواب وإرادته ، والبقاء على العمل محافظته والإشفاق عليه وحفظه عن الفساد ، قال الجوهري أبقيت على فلان إذا دعيت عليه ، يقال : لا أبقى الله عليك إن أبقيت علي والاسم البقيا ، انتهى.

والحاصل أن رعاية العمل وحفظه عند الشروع وبعده إلى الفراغ منه ، وبعد الفراغ إلى الخروج من الدنيا حتى يخلص عن الشوائب الموجبة لنقصه أو فساده أشد من العمل نفسه كما سيأتي في باب الرياء عن أبي جعفرعليه‌السلام أنه قال :الإبقاء على العمل أشد من العمل ، قال : وما الإبقاء على العمل؟ قال : يصل الرجل بصلة وينفق نفقة لله وحده لا شريك له ، فيكتب له سرا ثم يذكرها فتمحى وتكتب له علانية ثم يذكرها فتمحى وتكتب له رياء ، ومن عرف معنى النية وخلوصها علم أن إخلاص النية أشد من جميع الأعمال كما سيأتي تحقيقه إنشاء الله.

ثم بينعليه‌السلام معنىالعمل الخالص بأنه هو العمل الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلا الله عز وجل ، لا عند الفعل ولا بعده أي يكون خالصا عن أنواع الرياء والسمعة.

وقد يقال : لو كان سروره باعتبار أن الله تعالى قبل عمله حيث أظهر جميلة كما روي في الحديث القدسي عملك الصالح عليك سره وعلي إظهاره ، أو باعتبار أنه استدل بإظهار جميلة في الدنيا على إظهار جميلة في الآخرة ، أو باعتبار رغبتهم إلى طاعة الله وميل قلوبهم إليها لم يقدح ذلك في الخلوص ، وإنما يقدح فيه إن كان لرفع منزلته عند الناس وتعظيمهم له واستجلاب الفوائد منهم فإنه بذلك يصير مرائيا مشركا بالشرك الخفي وبه يحبط عمله ، وهذا الكلام له جهة صدق لكن قلما تصدق النفس في ذلك ،


.................................................................................................

______________________________________________________

فإن لها حيل وتسويلات لا ينجو منها إلا المقربون.

وقال الشيخ البهائي (ره) : الخالص في اللغة كلما صفا وتخلص ولم يمتزج بغيره سواء كان ذلك الغير أدون منه أو لا ، فمن تصدق لمحض الرياء فصدقته خالصة لغة كمن تصدق لمحض الثواب وقد خص العمل الخالص في العرف بما تجرد قصد التقرب فيه عن جميع الشوائب ، وهذا التجريد يسمى إخلاصا ، وقد عرفه أصحاب القلوب بتعريفات أخر ، فقيل : هو تنزيه العمل عن أن يكون لغير الله فيه نصيب ، وقيل : إخراج الخلق عن معاملة الحق ، وقيل : هو ستر العمل عن الخلائق وتصفيته عن العلائق ، وقيل : أن لا يريد عامله عليه عوضا في الدارين ، وهذه درجة علية عزيزة المنال ، وقد أشار إليها أمير المؤمنينعليه‌السلام بقوله : ما عبدتك خوفا من نارك ولا طمعا في جنتك ولكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك.

وقال (ره) : ذهب كثير من علماء الخاصة والعامة إلى بطلان العبادة إذا قصد بفعلها تحصيل الثواب أو الخلاص من العقاب ، وقالوا : إن هذا القصد مناف للإخلاص الذي هو إرادة وجه الله وحده ، وأن من قصد ذلك فإنه قصد جلب النفع إلى نفسه ، ودفع الضرر عنها لا وجه الله سبحانه ، كما أن من عظم شخصا أو أثنى عليه طمعا في ماله أو خوفا من إهانته لا يعد مخلصا في ذلك التعظيم والثناء.

وممن بالغ في ذلك السيد الجليل صاحب المقامات والكرامات رضي الدين علي بن طاوس قدس الله سره ، ويستفاد من كلام شيخنا الشهيد في قواعده أنه مذهب أكثر أصحابنا رضوان الله عليهم.

ونقل الفخر الرازي في التفسير الكبير اتفاق المتكلمين على أن من عبد الله لأجل الخوف من العقاب أو الطمع في الثواب لم تصح عبادته ، أورده عند تفسير


.................................................................................................

______________________________________________________

قوله تعالى «ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً »(١) وجزم في أوائل سورة الفاتحة بأنه لو قال : أصلي لثواب الله أو الهرب من عقابه فسدت صلاته ، ومن قال بأن ذلك القصد غير مفسد للعبادة منع خروجها به عن درجة الإخلاص ، وقال : إن إرادة الفوز بثواب الله والسلامة من سخطه ليس أمرا مخالفا لإرادة وجه الله سبحانه ، وقد قال تعالى في مقام مدح أصفيائه : «كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً »(٢) أي للرغبة في الثواب والرهبة من العقاب ، وقال سبحانه : «وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً »(٣) وقال تعالى : «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ »(٤) أي حال كونكم راجين للفلاح ، أو لكي تفلحوا ، والفلاح هو الفوز بالثواب ، نص عليه الشيخ أبو علي الطبرسي.

هذا ما وصل إلينا من كلام هؤلاء ، وللمناقشة فيه مجال ، أما قولهم أن تلك الإرادة ليست مخالفة لإرادة وجه الله تعالى فكلام ظاهري قشري إذ البون البعيد بين إطاعة المحبوب والانقياد إليه لمحض حبه وتحصيل رضاه وبين إطاعته لأغراض أخر أظهر من الشمس في رائعة النهار ، والثانية ساقطة بالكلية عن درجة الاعتبار عند أولي الأبصار ، وأما الاعتضاد بالآيتين الأوليين ، ففيه : أن كثيرا من المفسرين ذكروا أن المعنى راغبين في الإجابة ، راهبين من الرد والخيبة ، وأما الآية الثالثة فقد ذكر الطبرسي في مجمع البيان أن معنى «لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ » لكي تسعدوا. ولا ريب أن تحصيل رضاه سبحانه هو السعادة العظمى ، وفسر (ره) الفلاح في قوله تعالى : «أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ » بالنجاح والفوز ، وقال شيخ الطائفة في التبيان : المفلحون هم المنجحون

__________________

(١) سورة الأعراف : ٥٥.

(٢) سورة الأنبياء : ٩٠.

(٣) سورة الأعراف : ٥٦.

(٤) سورة الحجّ : ٧٧.


.................................................................................................

______________________________________________________

الذين أدركوا ما طلبوا من عند الله بأعمالهم وإيمانهم.

وفي تفسير البيضاوي المفلح : الفائز بالمطلوب ، ومثله في الكشاف.

نعم فسر الطبرسي (ره) الفلاح في قوله : «قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ » بالفوز بالثواب لكن مجيئه في هذه الآية بهذا المعنى لا يوجب حمله في غيرها أيضا عليه ، وعلى تقدير حمله على هذا المعنى إنما يتم التقريب لو جعلت جملة الترجي حالية ، ولو جعلت تعليلية كما جعله الطبرسي فلا دلالة فيها على ذلك المدعى أصلا كما لا يخفى.

هذا ، والأولى أن يستدل بما رواه الكليني بطريق حسن عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : العباد ثلاثة قوم عبدوا الله عز وجل خوفا فتلك عبادة العبيد ، وقوم عبدوا الله تبارك وتعالى طلبا للثواب فتلك عبادة الأجراء ، وقوم عبدوا الله عز وجل حبا له فتلك عبادة الأحرار وهي أفضل العبادة ، فإن قولهعليه‌السلام وهي أفضل العبادة يعطي أن العبادة على الوجهين السابقين لا يخلو من فضل أيضا فتكون صحيحة وهو المطلوب.

ثم قالرحمه‌الله : المانعون في نية العبادة من قصد تحصيل الثواب أو دفع العقاب جعلوا هذا القصد مفسدا لها وإن انضم إليه قصد وجه الله تعالى على ما يفهم من كلامهم ، أما بقية الضمائم اللازمة الحصول مع العبادة نويت أو لم تنو كالخلاص من النفقة بعتق العبد في الكفارة ، والحمية في الصوم والتبرد في الوضوء وإعلام المأموم الدخول في الصلاة بالتكبير ، ومماطلة الغريم بالتشاغل بالصلاة وملازمته بالطواف والسعي ، وحفظه المتاع بالقيام لصلاة الليل وأمثال ذلك فالظاهر أن قصدها عندهم مفسد أيضا بالطريق الأولى وأما الذين لا يجعلون قصد الثواب مفسدا فقد اختلفوا في الإفساد بأمثال هذه الضمائم ، فأكثرهم على عدمه ، وبه قطع الشيخ في المبسوط ، والمحقق في المعتبر ، والعلامة في التحرير والمنتهى ، لأنها تحصل لا محالة فلا يضر قصدها ، وفيه أن لزوم حصولها لا يستلزم صحة قصد حصولها ، والمتأخرون من أصحابنا حكموا بفساد العبادة بقصدها وهو مذهب العلامة في النهاية


وإن النية هي العمل ثم تلا قوله عز وجل : «قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ »(١) يعني على نيته

______________________________________________________

والقواعد ، وولده فخر المحققين في الشرح ، وشيخنا الشهيد في البيان لفوت الإخلاص وهو الأصح ، واحتمل شيخنا الشهيد في قواعده التفصيل بأن القربة إن كانت هي المقصود بالذات والضميمة مقصودة تبعا صحت العبادة وإن انعكس الأمر أو تساويا بطلت.

هذا ، واعلم أن الضميمة إن كانت راجحة ولاحظ القاصد رجحانها وجوبا أو ندبا كالحمية في الصوم لوجوب حفظ البدن ، والإعلام بالدخول في الصلاة للتعاون على البر فينبغي أن لا تكون مضرة إذ هي حينئذ مؤكدة ، وإنما الكلام في الضمائم غير الملحوظة الرجحان ، فصوم من ضم قصد الحمية مطلقا صحيح مستحبا كان الصوم أو واجبا ، معينا كان الواجب أو غير معين ، ولكن في النفس من صحة غير المعين شيء ، وعدمها محتمل ، والله أعلم.

قوله عليه‌السلام : والنية أفضل من العمل ، أي النية الخالصة أو إخلاص النية أفضل من العمل ، والنية تطلق على إرادة إيقاع الفعل وعلى الغرض الباعث على الفعل وعلى العزم على الفعل والأولتان مقارنتان للفعل دون الثالثة ، والأولى لا تنفك فعل الفاعل المختار عنها ، والثانية الإخلاص فيها من أشق الأمور وأصعبها وبه تتفاضل عبادات المكلفين وهي روح العبادة وبدونها لا تصح ، وكلما كانت أخلص عن الشوائب والأغراض الفاسدة كان العمل أكمل ، ولذا ورد أن نية المؤمن خير من عمله ، ولا ينافي قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أفضل الأعمال أحمزها ، إذ تصحيح النية أصعب من تصحيح العمل بمراتب شتى إذ ليس المراد بالنية ما يتكلم به الإنسان عند الفعل ، أو يتصوره ويخطره بباله ، بل هو الباعث الأصلي والغرض الواقعي الداعي للإنسان على الفعل وهو تابع للحالة التي عليها الإنسان ، والطريقة التي يسلكها ، فمن غلب عليه حب الدنيا وشهواتها لا يمكنه قصد القربة وإخلاص النية عن دواعيها فإن نفسه متوجهة إلى الدنيا وهمته مقصورة عليها ، فما لم يقلع عن قلبه عروق حب الدنيا ولم يستقر فيه

__________________

(١) سورة الإسراء : ٨٤.


.................................................................................................

______________________________________________________

طلب النشأة الأخرى وحب الرب الأعلى لم يمكنه إخلاص النية واقعا عن تلك الأغراض الدنية ، وذلك متوقف على مجاهدات عظيمة ورياضات طويلة وتفكرات صحيحة ، واعتزال عن شرار الخلق ، فلذا ورد أن نية المؤمن خير من عمله ، ومن عرف ذلك لم يحتج إلى تأويل الخبر بما ستسمع من الوجوه مع ركاكة أكثرها وبعدها عن نظم الكلام ، فلذا قالعليه‌السلام : النية أفضل من العمل والسعي في تصحيحها أهم.

فإن قيل : العمل بلا نية باطل ، ومعها النية داخلة فيه فكيف يفضل النية على العمل فإنه يوجب تفضيل الجزء على الكل؟.

قلنا : المراد به أن العمل المقرون بالنية نيته خير من سائر أجزائه ، سواء جعلنا النية جزءا من العمل أو شرطا فيه وقوله عليه‌السلام : ألا وإن النية هي العمل ، مبالغة في اشتراط العمل بها ، وأنه لا اعتداد بالعمل بدونها ، فكأنها عينه ، ولذا أكد بحرف التأكيد وحرف التنبيه واسمية الجملة ، وتعريف الخبر باللام المفيد للحصر ، وضمير الفصل المؤكد له.

وقيل : إشارة إلى دفع ما يتوهم من أن المفضل عليه لا بد أن يكون من جنس المفضل والنية ليست من جنس العمل ، فأجابعليه‌السلام بأن النية أيضا عمل من أعمال القلب ولا يخفى ضعفه ، والاستشهاد بالآية الكريمة لبيان أن مدار العمل على النية صحة وفسادا ونقصا وكمالا ، حيث قال : «قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ » يعني على نيته وكأنهعليه‌السلام فسر الشاكلة التي تطلق غالبا على الحالة والطريقة بالنية إيذانا بأن النية تابعة لحالة الإنسان وطريقته كما أومأنا إليه ، وإن ورد بمعنى النية أيضا ، قال الفيروزآبادي : الشاكلة : الشكل والناحية والنية والطريقة ، وقال في مجمع البيان : أي كل واحد من المؤمن والكافر يعمل على طبيعته وخليقته التي تخلق بها عن ابن عباس ، وقيل : على طريقته وسنته التي اعتادها ، وقيل : ما هو أشكل بالصواب


٥ ـ وبهذا الإسناد قال سألته عن قول الله عز وجل : «إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ

______________________________________________________

وأولى بالحق عنده عن الجبائي ، قال : ولهذا قال : «فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلاً » أي أنه يعلم أي الفريقين على الهدى وأيهما على الضلال ، وقيل : معناه أنه أعلم بمن هو أصوب دينا وأحسن طريقة ، وقال بعض أرباب اللسان هذه الآية أرجى آية في كتاب الله لأن الأليق بكرمه سبحانه وجوده العفو عن عباده ، فهو يعمل به ، انتهى.

ويمكن حمل النية هنا على المعنى الثالث كما سيأتي في الخبر لكنه بعيد عن سياق هذا الخبر وسيأتي مزيد كلام في ذلك في باب النية وباب الرياء.

الحديث الخامس : مثل السابق :

قوله تعالى : «إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ » قال سبحانه في سورة الشعراء حكاية عن إبراهيمعليه‌السلام حيث قال : «وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ ».

قال الطبرسي قدس الله سره أي لا تفضحني ولا تعيرني بذنب يوم يحشر الخلائق ، وهذا الدعاء كان منهعليه‌السلام على وجه الانقطاع إلى الله تعالى لما بينا أن القبيح لا يجوز وقوعه من الأنبياءعليه‌السلام ، ثم فسر ذلك اليوم بأن قال : يوم لا ينفع مال ولا بنون أي لا ينفع المال والبنون أحدا إذ لا يتهيأ لذي مال أن يفتدي من شدائد ذلك اليوم به ولا يتحمل من صاحب البنين بنوه شيئا من معاصيه «إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ » من الشرك والشك عن الحسن ومجاهد وقيل : سليم من الفساد والمعاصي ، وإنما خص القلب بالسلامة لأنه إذا سلم القلب سلم سائر الجوارح من الفساد من حيث أن الفساد بالجارحة لا يكون إلا عن قصد بالقلب الفساد ، وروي عن الصادقعليه‌السلام أنه قال : هو القلب الذي سلم من حب الدنيا ، ويؤيده قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حب الدنيا رأس كل خطيئة انتهى.


سَلِيمٍ »(١) قال القلب السليم الذي يلقى ربه وليس فيه أحد سواه قال وكل قلب فيه شرك أو شك فهو ساقط وإنما أرادوا الزهد في الدنيا لتفرغ قلوبهم للآخرة.

٦ ـ بهذا الإسناد ، عن سفيان بن عيينة ، عن السندي ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال ما أخلص العبد الإيمان بالله عز وجل أربعين يوما أو قال ما أجمل عبد ذكر الله

______________________________________________________

قوله عليه‌السلام : وليس فيه أحد سواه ، أي أخرج عن قلبه حب ما سوى الله والاشتغال بغيره سبحانه ، أولم يختر في قلبه على رضا الله رضا غيره ، أو كانت أعماله ونياته كلها خالصة لله لم يشرك فيها غيره« وكل قلب فيه شرك » أعم من الشرك الجلي والخفي.« أو شك » وهو ما يقابل اليقين الذي يظهر أثره على الجوارح ، فإن كل معصية أو توسل بغيره سبحانه يستلزم ضعفا في اليقين فالشك يشمله« فهو ساقط » أي عن درجة الاعتبار أو بعيد عن الرب تعالى.

« وإنما أرادوا » أي الأنبياء والأوصياء« الزهد » وفي بعض النسخ : أراد بالزهد أي أراد الله ، والباء زائدة يعني أن الزهد في الدنيا ليس مقصودا لذاته ، وإنما أمر الناس به لتكون قلوبهم فارغة عن محبة الدنيا ، صالحة لحب الله تعالى ، خالصة له عز وجل ، لا شركة فيها لما سوى الله ، ولا شك ناشئا من شدة محبتها لغير الله.

الحديث السادس : مثل السابق.

« وإخلاص الأيمان » مما يشوبه من الشرك والرياء والمعاصي ، وأن يكون جميع أعماله خالصة لله تعالى ، ولعل خصوص الأربعين لأن الله تعالى جعل انتقال الإنسان في أصل الخلقة من حال إلى حال في أربعين يوما كالانتقال من النطفة إلى العلقة ومن العلقة إلى المضغة ، ومن المضغة إلى العظام ومنها إلى اكتساء اللحم.

ولذا يوقف قبول توبة شارب الخمر إلى أربعين يوما كما ورد في الخبر ، والزهد في الشيء تركه وعدم الرغبة فيه ، وداء الدنيا المعاصي والصفات الذميمة وما

__________________

(١) سورة الشعراء : ٨٩.


عز وجل أربعين يوما إلا زهده الله عز وجل في الدنيا وبصره داءها ودواءها فأثبت الحكمة في قلبه وأنطق بها لسانه ثم تلا : «إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ »(١) فلا ترى صاحب بدعة

______________________________________________________

يوجب البعد عن الله تعالى ، ودواؤها ما يوجب تركها واجتنابها من الرياضات والمجاهدات والتفكرات الصحيحة وأمثالها ، أو المراد بدائها الأمراض القلبية الحاصلة من محبة الدنيا ، ودواؤها ملازمة ما يوجب تركها ، وقيل : أي قدر الضرورة منها والزائد عليه أو ميل القلب إليها وصرفه عنها أو الضار والمنافع منها في الآخرة أعني الطاعة والمعصية والحكمة العلوم الحقة الواقعية وأصلها ومنبعها معرفة الإمام ولذا فسرت بها كما مر.

وفي مناسبة ذكر الآية لما تقدم إشكال ، ويمكن أن يقال في توجيهه وجوه :

الأول : ما خطر بالبال وهو أنه لما ذكر فوائد إخلاص الأربعين وقد أبدع جماعة من الصوفية فيها ما ليس في الدين ، دفععليه‌السلام توهم شموله لذلك بالاستشهاد بالآية ، وأنها تدل على أن كل مبتدع في الأحكام ومفتر على الله ورسوله في حكم من الأحكام ذليل في الدنيا والآخرة ، لقوله تعالى : «كَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ »وقوله : أو مفتريا أي لا ترى مفتريا ، وبعبارة أخرى لما كان صحة العبادة وكما لها مشترطة بأمرين : الأول ، كونها على وفق السنة ، والثاني : كونها خالصة لوجه الله تعالى ، فأشار أولا إلى الثاني ، وثانيا إلى الأول ، فتأمل.

الثاني : ما قيل أن الوجه في تلاوتهعليه‌السلام الآية التنبيه على أن من كانت عبادته لله تعالى واجتهاده فيها على وفق السنة بصره الله عيوب الدنيا فزهده فيها ، فصار بسبب زهده فيها عزيزا لأن المذلة في الدنيا إنما تكون بسبب الرغبة فيها ، ومن كانت عبادته على وفق الهوى أعمى الله قلبه عن عيوب الدنيا ، فصار بسبب رغبته فيها ذليلا ، فأصحاب البدع لا يزالون أذلاء صغارا ، ومن هنا قال الله في متخذي العجل ما قال.

__________________

(١) سورة الأعراف : ١٥١.


إلا ذليلا ومفتريا على الله عز وجل وعلى رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله وعلى أهل بيته صلوات الله عليهم إلا ذليلا.

باب الشرائع

١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر وعدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن إبراهيم بن محمد الثقفي ، عن محمد بن مروان جميعا ، عن أبان بن عثمان عمن ذكره ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إن الله تبارك وتعالى أعطى محمداصلى‌الله‌عليه‌وآله شرائع نوح وإبراهيم وموسى وعيسىعليهم‌السلام التوحيد والإخلاص

______________________________________________________

الثالث : ما قيل أيضا أن الغرض من تلاوتها هو التنبيه على أن غير المخلص مندرج فيها ، والوعيد متوجه إليه أيضا لأنك قد عرفت أن قلبه ساقط ، لكونه ذا شرك أو شك وهما بدعة وافتراء على الله ورسوله ، والآية على تقدير نزولها في قوم مخصوصين لا يقتضي تخصيص الوعيد بهم.

الرابع : ما خطر بالبال أيضا وهو أن الإخلاص المذكور في صدر الخبر يشمل الإخلاص عن الرياء والبدعة ، وكل ما ينافي قبول العمل فاستشهد لأحد أجزائه بالآية.

باب الشرائع

الحديث الأول : مرسل.

قوله عليه‌السلام : شرائع نوح ، يحتمل أن يكون المراد بالشرائع أصول الدين ويكونالتوحيد والإخلاص وخلع الأنداد بيانا لها ، والفطرة الحنيفية معطوفة على الشرائع وإنما خصعليه‌السلام ما به الاشتراك بهذه الثلاثة مع اشتراكهعليه‌السلام معهم في كثير من العبادات لاختلاف المشتركات فيها دون هذه الثلاثة ، ولعلهعليه‌السلام لم يرد حصر المشتركات فيما ذكر لعدم ذكر سائر أصول الدين ، كالعدل والمعاد مع أنه يمكن


وخلع الأنداد والفطرة الحنيفية السمحة ولا رهبانية ولا سياحة أحل فيها الطيبات

______________________________________________________

إدخالهما في بعض ما ذكر ، لا سيما الإخلاص بتكلف ويمكن أن يكون المراد منها الأصول وأصول الفروع المشتركة ، وإن اختلفت في الخصوصيات والكيفيات وحينئذ يكون جميع تلك الفقرات إلى قولهعليه‌السلام : وزاده ، بيانا للشرائع ، ويشكل حينئذ ذكر الرهبانية والسياحة إذ المشهور أن عدمهما من خصائص نبيناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلا أن يقال : المراد عدم الوجوب وهو مشترك ، أو يقال : إنهما لم يكونا في شريعة عيسىعليه‌السلام أيضا وإن استشكل بالجهاد وأنه لم يجاهد عيسىعليه‌السلام ، فالجواب أنه يمكن أن يكون واجبا عليه لكن لم يتحقق شرائطه ، ولذا لم يجاهد ولعل قولهعليه‌السلام : زاده وفضله ، بهذا الوجه أوفق.

وكان المراد بالتوحيد نفي الشريك في الخلق ، وبالإخلاص نفي الشريك في العبادة ، وخلع الأنداد تأكيد لهما ، أو المراد به ترك اتباع خلفاء الجور وأئمة الضلالة أو نفي الشرك الخفي أو المراد بالإخلاص نفي الشرك الخفي وبخلع الأنداد نفي الشريك في استحقاق العبادة ، والأنداد جمع ند وهو مثل الشيء الذي يضاده في أموره ويناده أي يخالفه ، والفطرة ملة الإسلام التي فطر الله الناس عليها كما مر والحنيفية المائلة من الباطل إلى الحق أو الموافقة لملة إبراهيمعليه‌السلام قال في النهاية : الحنيف عند العرب من كان على دين إبراهيمعليه‌السلام ، وأصل الحنيف الميل ، ومنه الحديث : بعثت بالحنيفية السمحة السهلة ، وفي القاموس :السمحة الملة التي ما فيها ضيق.

وفي النهاية : فيهلا رهبانية في الإسلام ، هي من رهبة النصارى ، وأصله من الرهبة الخوف ، كانوا يترهبون بالتخلي من أشغال الدنيا وترك ملاذها والزهد فيها ، والعزلة عن أهلها ، وتعمد مشاقها حتى أن منهم من كان يخصي نفسه ، ويضع السلسلة في عنقه وغير ذلك من أنواع التعذيب ، فنفاها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله عن الإسلام ونهى المسلمين


.................................................................................................

______________________________________________________

عنها ، انتهى.

وقال الطبرسيقدس‌سره : في قوله تعالى : «وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها »(١) هي الخصلة من العبادة يظهر فيها معنى الرهبة إما في لبسته أو انفراد عن الجماعة أو غير ذلك من الأمور التي يظهر فيها نسك صاحبه والمعنى ابتدعوا رهبانية لم نكتبها عليهم ، وقيل : إن الرهبانية التي ابتدعوها هي رفض النساء واتخاذ الصوامع عن قتادة ، قال : وتقديره ورهبانية ما كتبناها عليهم إلا أنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها ، وقيل : إن الرهبانية التي ابتدعوها لحاقهم بالبراري والجبال في خبر مرفوع عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فما رعاها الذين بعدهم حق رعايتها ، وذلك لتكذيبهم بمحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله عن ابن عباس.

وقيل : إن الرهبانية هي الانقطاع عن الناس للانفراد بالعبادة «ما كَتَبْناها » أي ما فرضناها عليهم ، وقال الزجاج : إن تقديره ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله وابتغاء رضوان الله اتباع ما أمر الله فهذا وجه ، قال : وفيها وجه آخر جاء في التفسير أنهم كانوا يرون من ملوكهم ما لا يصبرون عليه فاتخذوا أسرابا وصوامع وابتدعوا ذلك ، فلما ألزموا أنفسهم ذلك التطوع ودخلوا عليه لزمهم إتمامه ، كما أن الإنسان إذا جعل على نفسه صوما لم يفرض عليه لزمه أن يتمه.

قال : وقوله : فما رعوها حق رعايتها ، على ضربين أحدهما أن يكونوا قصروا فيما ألزموه أنفسهم ، والآخر وهو الأجود أن يكونوا حين بعث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فلم يؤمنوا به ، وكانوا تاركين لطاعة الله فما رعوا تلك الرهبانية حق رعايتها ، ودليل ذلك قوله : «فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ » يعني الذين آمنوا بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله «وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ » أي كافرون ، انتهى كلام الزجاج.

__________________

(١) سورة الحديد : ٢٧.


.................................................................................................

______________________________________________________

ويعضد هذا ما جاءت به الرواية عن ابن مسعود قال : كنت رديف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على حمار فقال : يا ابن أم عبد هل تدري من أين أحدثت بنو إسرائيل الرهبانية؟ فقلت : الله ورسوله أعلم ، فقال : ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسىعليه‌السلام يعملون بمعاصي الله فغضب أهل الإيمان فقاتلوهم فهزم أهل الإيمان ثلاث مرات ، فلم يبق منهم إلا القليل ، فقالوا : إن ظهرنا هؤلاء أفنونا ولم يبق للدين أحد يدعو إليه ، فتعالوا نتفرق في الأرض إلى أن يبعث الله النبي الذي وعدنا به عيسىعليه‌السلام يعنون محمداصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فتفرقوا في غيران الجبال وأحدثوا رهبانية ، فمنهم من تمسك بدينه ، ومنهم من كفر ، ثم تلا هذه الآية : " «وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ » ، إلى آخرها ، ثم قال : يا بن أم عبد أتدري ما رهبانية أمتي؟ قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : الهجرة والجهاد والصلاة والصوم والحج والعمرة.

وفي حديث آخر عن ابن مسعود أنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : من آمن بي وصدقني واتبعني فقد رعاها حق رعيتها ، ومن لم يؤمن بي فأولئك هم الهالكون ، انتهى.

وقال في النهاية :فيه لا سياحة في الإسلام ، يقال : ساح في الأرض يسيح سياحة إذا ذهب فيها وأصله من السيح وهو الماء الجاري أي المنبسط على الأرض ، أراد مفارقة الأمصار وسكنى البراري وترك شهود الجمعة والجماعات ، وقيل : أراد الذين يسيحون في الأرض بالشر والنميمة والإفساد بين الناس ، ومن الأول سياحة هذه الأمة الصيام قيل للصائم : سائح لأن الذي يسيح في الأرض متعبدا يسيح ولا زاد معه ولا ماء ، فحين يجد يطعم ، والصائم يمضي نهاره لا يأكل ولا يشرب شيئا فشبه به ، انتهى.

قوله عليه‌السلام أحل فيها الطيبات ، إشارة إلى قوله تعالى في الأعراف : «الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ » الآية ، قال الطبرسيقدس‌سره : ويحل


.................................................................................................

______________________________________________________

لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث معناه : يبيح لهم المستلذات الحسنة ، ويحرم عليهم القبائح وما تعافه الأنفس ، وقيل : يحل لهم ما اكتسبوه من وجه طيب ويحرم عليهم ما اكتسبوه من وجه خبيث ، وقيل : يحل لهم ما حرمه عليهم رهابينهم وأحبارهم وما كان يحرمه أهل الجاهلية من البحائر والسوائب وغيرها ، ويحرم عليهم الميتة والدم ولحم الخنزير وما ذكر معها «وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ » أي ثقلهم ، شبه ما كان على بني إسرائيل من التكليف الشديد بالثقل ، وذلك أن الله سبحانه جعل توبتهم أن يقتل بعضهم بعضا ، وجعل توبة هذه الأمة الندم بالقلب حرمة للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله عن الحسن. وقيل : الإصر هو العهد الذي كان الله سبحانه أخذه على بني إسرائيل أن يعملوا بما في التوراة عن ابن عباس والضحاك والسدي ، ويجمع المعنيين قول الزجاج :

الإصر ما عقدته من عقد ثقيل.

«وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ » معناه ويضع عنهم العهود التي كانت في ذمتهم ، وجعل تلك العهود بمنزلة الأغلال التي تكون في الأعناق للزومها كما يقال : هذا طوق في عنقك ، وقيل : يريد بالأغلال ما امتحنوا به من قتل نفوسهم في التوبة ، وقرض ما يصيبه البول من أجسادهم وما أشبه ذلك من تحريم السبت ، وتحريم العروق والشحوم وقطع الأعضاء الخاطئة ، ووجوب القصاص دون الدية عن أكثر المفسرين ، انتهى.

وأقول : استدل أكثرهم أصحابنا على تحريم كثير من الأشياء مما تستقذره طباع أكثر الخلق بهذه الآية وهو مشكل ، إذ الظاهر من سياق الآية مدح النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وشريعته بأن ما يحل لهم هو طيب واقعا وإن لم نفهم طيبه ، وما يحرم عليهم هو الخبيث واقعا وإن لم نعلم خبثه كالطعام المستلذ الذي يكون من مال اليتيم أو مال السرقة تستلذه الطبع وهو خبيث واقعا ، وأكثر الأدوية التي يحتاج الناس إليها في


وحرم فيها الخبائث ووضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ثم افترض عليه فيها الصلاة والزكاة والصيام والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحلال

______________________________________________________

غاية البشاعة وتستقذرها الطبع ولم أر قائلا بتحريمها ، فالحمل على المعنى الذي لا يحتاج إلى تخصيص ويكون موافقا لقواعد الإمامية من الحسن والقبح العقليين أولى من الحمل على معنى لا بد فيه من تخصيصات كثيرة ، بل ما يخرج منهما أكثر مما يدخل فيهما كما لا يخفى على من تتبع مواردهما ، ويمكن أن يقال : هذه الآية كالصريحة في الحسن والقبح العقليين ولم يستدل بها الأصحاب رضي الله عنهم.

وقيل : الإصر الثقل الذي يأصر حامله أي يحبسه في مكانه لفرط ثقله ، وقال الزمخشري : هو مثل لثقل تكليفهم وصعوبته ، نحو اشتراط قتل الأنفس في صحة توبتهم وكذلك الأغلال مثل لما كان في شرائعهم من الأشياء الشاقة نحو بت القضاء بالقصاص عمدا كان أو خطأ ، من غير شرع الدية ، وقطع الأعضاء الخاطئة وقرض موضع النجاسة من الجلد والثوب ، وإحراق الغنائم وتحريم العروق في اللحم ، وتحريم السبت.

وعن عطاء : كانت بنو إسرائيل إذا قامت تصلي لبسوا المسوخ وغلوا أيديهم إلى أعناقهم ، وربما ثقب الرجل ترقوته وجعل فيها طرف السلسلة وأوثقها إلى السارية يحبس نفسه على العبادة ، انتهى.

قوله عليه‌السلام : ثم افترض عليه ، أي على نبيناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم « فيها » أي في الفطرة التي هي ملته ، وكان ثم للتفاوت في الرتبة ، وقيل : المرادبالحلال ما عدا الحرام فيشمل الأحكام الأربعة ، والمرادبالفرائض المواريث ذكرت تأكيدا ، أو مطلق الواجبات وقيل : الفرائض ما له تقدير شرعي من المواريث وهي أعم منها ومن غيرها مما ليس له تقدير ، وقيل : المراد بالفرائض ما فرض من القصاص بقدر الجناية ، وقوله : وزاده الوضوء ، يدل على عدم شرع الوضوء في الأمم السابقة ، وينافيه ما ورد في تفسير قوله تعالى : «فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ » أنهم مسحوا ساقيهم وعنقهم وكان ذلك وضوؤهم إلا أن يقال : المراد زيادة الوضوء كما في بعض النسخ ، وزيادة الوضوء عطفا


والحرام والمواريث والحدود والفرائض والجهاد في سبيل الله وزاده الوضوء وفضله بفاتحة الكتاب وبخواتيم سورة البقرة والمفصل وأحل له المغنم والفيء ونصره بالرعب

______________________________________________________

على الجهاد ، وقوله عليه‌السلام : وفضله ، إشارة إلى ما روي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال : أعطيت مكان التوراة السبع الطول ، ومكان الإنجيل المثاني ، ومكان الزبور المئين ، وفضلت بالمفصل ، وفي رواية واثلة بن الأصقع : وأعطيت مكان الإنجيل المئين ، ومكان الزبور المثاني ، وأعطيت فاتحة الكتاب وخواتيم البقرة من تحت العرش لم يعطها نبي قبلي ، وأعطاني ربي المفصل نافلة.

قال الطبرسي (ره) فالسبع الطويل البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والأنفال مع التوبة ، لأنهما تدعيان القرينتين ، ولذلك لم يفصل بينهما بالبسملة وقيل : إن السابعة سورة يونس ، والطول جمع الطولي تأنيث الأطول وإنما سميت هذه السور الطوال ، لأنها أطول سورة القرآن وأما المثاني فهي السور التالية للسبع الطول ، أولها يونس وآخرها النحل وإنما سميت المثاني لأنها ثنت الطول أي تلتها ، وكان الطول هي المبادئ والمثاني لها ثواني وواحدها مثنى مثل المعنى والمعاني ، وقال الفراء ، واحدها مثناة ، وقيل : المثاني سور القرآن كلها طوالها وقصارها ، من قوله تعالى : «كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ »(١) وأما المئون فهي كل سورة تكون نحوا من مائة آية أو فوق ذلك ، أو دوينه ، وهي سبع سور أولها سورة بني إسرائيل وآخرها المؤمنون ، وقيل ، إن المئين : ما ولى السبع الطول ثم المثاني بعدها وهي التي تقصر عن المئين وتزيد على المفصل وسميت مثاني لأن المئين مباديها ، وأماالمفصل فما بعد الحواميم من قصار السور إلى آخر القرآن ، سميت مفصلا لكثرة الفصول بين سورها ببِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ، انتهى.

وأقول : اختلف في أول المفصل فقيل : من سورة ق وقيل من سورة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقيل من سورة الفتح ، وعن النووي : مفصل القرآن من محمد إلى آخر القرآن ، وقصاره من الضحى إلى آخره ، ومطولاته إلى عم ومتوسطاته إلى الضحى ، وفي

__________________

(١) سورة الزمر : ٢٣.


وجعل له الأرض مسجدا وطهورا وأرسله كافة إلى الأبيض والأسود والجن والإنس

______________________________________________________

الخبر : المفصل ثمان وستون سورة وسيأتي تمام الكلام في ذلك في كتاب القرآن.

« أحل له المغنم » في النهاية : الغنمية والغنم والمغنم والغنائم هو ما أصيب من أموال أهل الحرب وأوجف عليه المسلمون بالخيل والركاب ، وقال :الفيء ما حصل للمسلمين من أموال الكفار من غير حرب ولا جهاد ، وأصل الفيء الرجوع ، يقال : فاء يفيء فئة وفيوءا كأنه في الأصل لهم ثم رجع إليهم ، انتهى.

أقول : ويحتمل أن يكون المراد بالمغنم المنقولات وبالفيء الأراضي سواء أخذت بحرب أم لا ، وعلى التقديرين في قوله توسع أي له ولأهل بيته وأمته ، ويحتمل أن يكون اللام سببية لا صلة للإحلال ، فيكون من أحل له غير مذكور ، فيشمل الجميع ، والاختصاص لما مر أن الأمم السابقة كانوا لا تحل لهم الغنيمة بل كانوا يجمعونها فتنزل نار من السماء فتحرقها ، وكان ذلك بلية عظيمة عليهم حتى كان قد يقع فيها السرقة ، فيقع الطاعون بينهم فمن الله على هذه الأمة بإحلالها« ونصره بالرعب » مع قلة العدد والعدة وكثرة الأعداء وشدة بأسهم ، والرعب الفزع والخوف فكان الله تعالى يلقي رعبه في قلوب الأعداء حتى إذا كان بينه وبينهم مسيرة شهر هابوه وفزعوا منه.

« وجعل له الأرض مسجدا » أي مصلى يجوز لهم الصلاة في أي موضع شاءوا بخلاف الأمم السابقة فإن صلاتهم كانت في بيعهم وكنائسهم إلا من ضرورة« وطهورا » أي مطهرا وما يتطهر به تطهر أسفل القدم والنعل ومحل الاستنجاء وتقوم مقام الماء عند تعذره في التيمم ، والمراد بكونها طهورا أنها بمنزلة الطهور في استباحة الصلاة بها ، وحمله السيد (ره) على ظاهره فاستدل بها على ما ذهب إليه أن التيمم يرفع الحدث إلى وجود الماء.

« وأرسله كافة » إشارة إلى قوله تعالى : «وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ » وكافة في الآية إما حال عما بعدها ، أي إلى الناس جميعا ، ومن لم يجوز تقديم الحال على


و أعطاه الجزية وأسر المشركين وفداهم ثم كلف ما لم يكلف أحد من الأنبياء

______________________________________________________

ذي الحال المجرور قال : هي حال عن الضمير المنصوب في أرسلناك ، والتاء للمبالغة أو صفة لمصدر محذوف ، أي إرساله كافة ، أو مصدر كالكاذبة والعاقبة ، ولعل الأخيرين في الخبر أنسب ، وظاهره أن غيرهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يبعث إلى الكافة وهو خلاف المشهور ، ويحتمل أن يكون الحصر إضافيا أو يكون المراد به بعثه على جميع من بعده إذ لا نبي بعده بخلاف سائر أولي العزم فإنهم لم يكونوا كذلك ، بل نسخت شريعتهم.

« الأبيض والأسود » العجم والعرب أو كل من اتصف باللونين ليشمل جميع الناس قال في النهاية : فيه بعثت إلى الأحمر والأسود ، أي العجم والعرب ، لأن الغالب على ألوان العجم الحمرة والبياض ، وعلى ألوان العرب الأدمة والسمرة ، وقيل : الجن والإنس ، وقيل : أراد بالأحمر الأبيض مطلقا فإن العرب تقول : امرأة حمراء أي بيضاء ومنه الحديث أعطيت الكنزين الأحمر والأبيض ، هي ما أفاء الله على أمته من كنوز الملوك ، فالأحمر الذهب والأبيض الفضة ، والذهب كنوز الروم لأنه الغالب على نقودهم ، والفضة كنوز الأكاسرة لأنها الغالبة علي نقودهم ، وقيل : أراد العرب والعجم جمعهم الله على دينه وملته ، انتهى.

والكلام في اختصاص البعث على الجن والإنس بهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كالكلام فيما سبق ويدل الخبر أيضا على اختصاص الجزية والأسر والفداء ، والجزية : المال الذي يقرره الحاكم على الكتابي إذا أقره على دينه ، وهي فعلة من الجزاء كأنها جزت عن قتله وأسره ، والفداء بالكسر والمد ، وبالفتح والقصر ، فكان الأسير بالمال الذي قرره الحاكم عليه يقال : فداه يفديه فداءا ،ثم كلف على بناء المفعول وثم هنا أيضا مثل ما سبق لأن هذا التكليف أعظم التكاليف وأشقها فقد ثبتصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حرب أحد وحنين بعد انهزام أصحابه مصرحا باسمه لا يبالي شيئا ، وأنزل عليه سيف من السماء أي ذو الفقار أو غيره ، وكونهبلا غمد تحريص على الجهاد وإشارة إلى أن سيفه ينبغي أن لا يغمد ، وقيل السيف عبارة عن آية سورة براءة : " «فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ


وأنزل عليه سيف من السماء في غير غمد وقيل له : «فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ »(١) .

٢ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن عثمان بن عيسى ، عن سماعة بن مهران قال قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام قول الله عز وجل : «فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ »(٢) فقال نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله قلت كيف صاروا أولي العزم قال لأن نوحا بعث بكتاب وشريعة وكل من جاء بعد نوح أخذ بكتاب نوح وشريعته ومنهاجه حتى جاء

______________________________________________________

فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ » فإنه يقال لها آية السيف وكونه من غير غمد كناية عن أنها من المحكمات ، ولا يخفى بعده.

والغمد بالكسر الغلاف ، وقال البيضاوي : «فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ » أي إن تثبطوا وتركوك وحدك «لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ » أي إلا فعل نفسك لا يضرك مخالفتهم وتقاعدهم فتقدم إلى الجهاد وإن لم يساعدك أحد ، فإن الله ناصرك لا الجنود.

الحديث الثاني : موثق.

«فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ » قال الطبرسيقدس‌سره أي فاصبر يا محمد على أذى هؤلاء الكفار على ترك إجابتهم لك كما صبر الرسل ، و « من » هنا تبيين الجنس فالمراد جميع الأنبياء لأنهم عزموا على أداء الرسالة وتحمل أعبائها ، وقيل : أن من هيهنا للتبعيض ، وهو قول أكثر المفسرين ، والظاهر في روايات أصحابنا ، ثم اختلفوا فقيل : هم من أتى بشريعة مستأنفة نسخت شريعة من تقدمه ، وهم نوح و

__________________

(١) سورة النساء : ٨٤.

(٢) سورة الأحقاف : ٣٥.


إبراهيمعليه‌السلام بالصحف وبعزيمة ترك كتاب نوح لا كفرا به فكل نبي جاء بعد إبراهيمعليه‌السلام أخذ بشريعة إبراهيم ومنهاجه وبالصحف حتى جاء موسى بالتوراة وشريعته ومنهاجه وبعزيمة ترك الصحف وكل نبي جاء بعد موسىعليه‌السلام أخذ بالتوراة وشريعته ومنهاجه حتى جاء المسيحعليه‌السلام بالإنجيل وبعزيمة ترك شريعة موسى ومنهاجه فكل نبي جاء بعد المسيح أخذ بشريعته ومنهاجه حتى جاء محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله فجاء بالقرآن وبشريعته ومنهاجه فحلاله حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة فهؤلاء «أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ »عليهم‌السلام

______________________________________________________

إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وعليهم عن ابن عباس وقتادة وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليه‌السلام قالا : وهم سادة النبيين وعليهم دارت رحى المرسلين وقيل : هم ستة نوح صبر على أذى قومه وإبراهيم صبر على النار ، وإسحاق صبر على الذبح ، ويعقوب صبر على فقد الولد وذهاب البصر ويوسف صبر على البئر والسجن وأيوب صبر على الضر عن مجاهد ، وقيل : هم الذين أمروا بالجهاد والقتال وأظهروا المكاشفة وجاهدوا في الدين عن السدي والكلبي ، وقيل : هم أربعة إبراهيم ونوح وهود ورابعهم محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن أبي العالية ، والعزم هو الوجوب والحتم وأولو العزم من الرسل هم الذين شرعوا الشرائع وأوجبوا على الناس الأخذ بها والانقطاع عن غيرها ، انتهى.

قوله عليه‌السلام : لا كفرا به أي إنكار الحقية بل إيمانا به وبصلاحه في وقت دون الآخر ، وللنسخ مصالح كثيرة ، والعبد مأمور بالتسليم ، وكان من جملتها ابتلاء الخلق واختبارهم في ترك ما كانوا متمسكين به.

قوله : ومنهاجه ، كأنه إشارة إلى قوله تعالى : «لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً »(١) .

__________________

(١) سورة المائدة : ٤٨.


باب

دعائم الإسلام

١ ـ حدثني الحسين بن محمد الأشعري ، عن معلى بن محمد الزيادي ، عن الحسن بن علي الوشاء قال حدثنا أبان بن عثمان ، عن فضيل ، عن أبي حمزة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال بني الإسلام على خمس على الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية ولم يناد بشيء كما نودي بالولاية

______________________________________________________

باب دعائم الإسلام

قال الجوهري : الدعامة عماد البيت الذي يقوم به.

الحديث الأول : ضعيف على المشهور.

« بني الإسلام على خمس » يحتمل أن يكون المراد بالإسلام الشهادتين ، وكأنهما موضوعتان على هذه الخمسة لا تقومان إلا بها ، أو المراد بالإسلام الإيمان ، والمراد بالبناء عليها كونها أجزاءه وأركانه فحينئذ يمكن أن يكون المراد بالولاية ما يشمل الشهادتين أيضا ، أو يكون عدم ذكر الشهادتين لظهورهما ، وأما ذكر الولاية التي هي من العقائد الإيمانية مع العبادات الفرعية مع تأخيرها عنها إما للمماشاة مع العامة ، أو المراد بالولاية وفور المودة والمتابعة اللتان هما من مكملات الإيمان أو المراد بالأربعة الاعتقاد بها والانقياد لها ، فتكون من أصول الدين لأنها من ضروريات المذهب ، وإنكار كل منها كفر والأول أظهر كما لا يخفى.

« كما نودي بالولاية » أي في يوم الغدير كما سيأتي ، أو في الميثاق وهو بعيد ، والولاية بالكسر الإمارة وكونه أولى بالحكم والتدبير ، وبالفتح المحبة والنصرة وهنا يحتملهما.


٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس بن عبد الرحمن ، عن عجلان أبي صالح قال قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام أوقفني على حدود الإيمان فقال شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله والإقرار بما جاء به من عند الله وصلوات الخمس وأداء الزكاة وصوم شهر رمضان وحج البيت وولاية ولينا وعداوة عدونا والدخول مع الصادقين.

٣ ـ أبو علي الأشعري ، عن الحسن بن علي الكوفي ، عن عباس بن عامر ، عن أبان بن عثمان ، عن فضيل بن يسار ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال بني الإسلام على خمس على الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية ولم يناد بشيء كما نودي بالولاية فأخذ الناس بأربع وتركوا هذه يعني الولاية.

٤ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحسين بن سعيد ، عن ابن

______________________________________________________

الحديث الثاني : صحيح.

وحدود الإيمان هنا أعم من أجزائه وشرائطه ومكملاته والإقرار بما جاء من عند الله إجمالا قبل العلم وتفصيلا بعده كما سيأتي تحقيقه إنشاء الله ، والدخول مع الصادقين متابعة الأئمة الصادقين في جميع الأقوال والأفعال أي المعصومين كما قال سبحانه : «وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ »(١) وقد مر الكلام في تلك الآية في كتاب الحجة.

الحديث الثالث : موثق كالصحيح وقد مر شرحه.

وقال بعضهم يعني أدخل هذه الأعمال في حقيقة الإسلام ، واعتبرت فيه وعد تاركها من الكفار ، والولاية بالفتح بمعنى المحبة والمودة وهي المراد بها في الحديث السابق ، ولهذا لم يكتف بها حتى أردفه بقوله والدخول مع الصادقين ، وبالكسر تولي الأمر ومالكية التصرف فيها وهو المراد بها هيهنا ، انتهى.

والظاهر أن« يعني » كلام الراوي ويحتمل المصنف على بعد.

الحديث الرابع : مجهول.

__________________

(١) سورة التوبة : ١١٩.


العرزمي ، عن أبيه ، عن الصادقعليه‌السلام قال قال أثافي الإسلام ثلاثة الصلاة والزكاة والولاية لا تصح واحدة منهن إلا بصاحبتيها.

٥ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه وعبد الله بن الصلت جميعا ، عن حماد بن عيسى ، عن حريز بن عبد الله ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال بني الإسلام على خمسة أشياء على الصلاة والزكاة والحج والصوم والولاية قال زرارة فقلت وأي شيء من ذلك أفضل فقال الولاية أفضل لأنها مفتاحهن والوالي هو الدليل عليهن قلت ثم الذي يلي ذلك في الفضل فقال الصلاة إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال الصلاة عمود دينكم قال قلت ثم الذي يليها في الفضل قال الزكاة لأنه قرنها بها وبدأ.

______________________________________________________

والأثافي جمع الأثفية بالضم والكسر ، وهي الأحجار التي توضع عليها القدر وأقلها ثلاثة وإنما اقتصر في هذا الحديث على هذه الثلاث لأنها أهمهن ، واشتراط صحة الصلاة والزكاة بالولاية ظاهر.

الحديث الخامس : صحيح.

ولا ريب في أن الولاية والاعتقاد بإمامة الأئمةعليهم‌السلام والإذعان لها من جملة أصول الدين وأفضل من جميع الأعمال البدنيةلأنها مفتاحهن أي بها تفتح أبواب معرفة تلك الأمور وحقائقها وشرائطها وآدابها ، أو مفتاح قبولهن والوالي أي الإمام المنصوب من قبل الله« هو الدليل عليهن » يدل من قبل الله الناس على آدابهم وأحكامها والعمود الخشبة التي يقوم عليها البيت ، ويمكن أن يكون شبه الدين بالفسطاط وأثبت العمود له على سبيل المكنية والتخييلية ، فإذا زال العمود لا ينتفع بالفسطاط لا بغشائه ولا بطنبه ولا بوتده ، فكذلك مع ترك الصلاة لا تنتفع بشيء من أجزاء الدين كما صرح بهذا التشبيه في أخبار أخر ، والمراد بالصلاة المفروضة أو الخمس كما مر وسيأتي في آخر الخبر ما يدل عليه.

قوله عليه‌السلام : لأنه قرنها بها ، استدلال على أن فضل الزكاة بعد الصلاة وقبل غيرها بمجموع مقارنتها في الذكر مع البداءة بذكر الصلاة ثم أكد الجزء الأخير


بالصلاة قبلها وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الزكاة تذهب الذنوب قلت والذي يليها في الفضل قال الحج قال الله عز وجل : «وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ »(١) وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لحجة مقبولة

______________________________________________________

بذكر الحديث ، وليس هو دليلا تاما على الأفضلية لأن الحج أيضا يذهب الذنوب إلا أن يقال أنهعليه‌السلام علم أن الإذهاب الذي يحصل في الزكاة أقوى مما يحصل في الحج ثم استدلعليه‌السلام على فضل الحج بتسميته تعالى ترك الحج كفرا وترك ذكر العقاب المترتب عليه ، وذكر الاستغناء الدال على غاية السخط قال البيضاوي : «لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ » أي قصده للزيارة على الوجه المخصوص ، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم وفي رواية حفص حج بالكسر وهو لغة نجد «مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً » بدل من الناس مخصص له «وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ » وضع كفر موضع من لم يحج تأكيدا لوجوبه وتغليظا على تاركه ، ولذلك قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا.

وقد أكد أمر الحج في هذه الآية من وجوه الدلالة على وجوبه بصيغة الخبر وإبرازه في [ صورة ] الاسمية وإيراده على وجه يفيد أنه حق واجب لله في رقاب الناس وتعميم الحكم أولا وتخصيصه ثانيا فإنه كإيضاح بعد إبهام ، وتثنية وتكرير للمراد وتسمية ترك الحج كفرا من حيث أنه فعل الكفرة وذكر الاستغناء فإنه في هذا الموضع مما يدل على المقت والخذلان ، وقوله : عن العالمين ، يدل عليه لما فيه من مبالغة التعميم والدلالة على الاستغناء عنه بالبرهان ، والإشعار بعظم السخط لأنه تكليف شاق جامع بين كسر النفس وإتعاب البدن وصرف المال والتجرد عن الشهوات والإقبال على الله.

قوله : من عشرين صلاة نافلة فيه دلالة على أن المراد بالصلاة المفضلة في أول الخبر الفريضة.

__________________

(١) سورة آل عمران : ٩٧.


.................................................................................................

______________________________________________________

واعلم أنه يشكل الجمع بين الأخبار المختلفة الواردة في فضل الصلاة والحج فقد روى الخاص والعام عن الصادقعليه‌السلام وعن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : صلاة فريضة خير من عشرين حجة ، وحجة خير من بيت مملوء ذهبا يتصدق منه حتى يفنى ، وحي على خير العمل في الأذان متواتر ، وروي أن الحج أفضل من الصلاة ، والصيام ، لأن المصلي يشتغل عن أهله ساعة وأن الصائم يشتغل عن أهله بياض يوم ، وإن الحاج يشخص بدنه ويضحي نفسه وينفق ماله ويطيل الغيبة عن أهله لا في مال يرجوه ولا إلى تجارة ونحو ذلك من الأخبار ، مع أنه اشتهر في الرواية إن أفضل الأعمال أحمزها.

ويمكن الجواب عنه بوجوه : الأول : ما يومئ إليه هذا الخبر أن المفضلة من الصلاة الفريضة ، والمفضل عليها النافلة أو الحج المفضل هو الفريضة وأن المفضل عليه النافلة ، أو المفضلة من الصلاة الفرائض اليومية ، والمفضل عليها سائرها كما يرشد إليه تخصيص الأذان والإقامة المشتملين على حي على خير العمل باليومية.

الثاني : حمل الثواب في الصلاة على التفضلي ، وفي الحج على الاستحقاقي العرفي لا الواقعي كما حققنا في الكتاب الكبير.

الثالث : أن يراد بالحج الذي فضلت الصلاة عليه ، حج سائر الأمم.

الرابع : ما قيل : إن المراد أنه لو صرف زمان الحج والعمرة في الصلاة كان أفضل ولا يخفى عدم جريانه في أكثر الأخبار.

الخامس : أن يقال : أنه يختلف الأحوال والأشخاص كما نقل أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله سئل أي الأعمال أفضل؟ فقال : الصلاة لأول وقتها ، وسئل أي الأعمال أفضل؟ فقال : بر الوالدين ، وسئل أي الأعمال أفضل؟ فقال : حج مبرور ، فخص كل سائل بما يليق بحاله من الأعمال فيقال : كان السائل الأول عاجزا عن الحج ولم يكن له والدان فكان الأفضل بحسب حاله الصلاة ، والثاني كان له والدان محتاجان إلى بره فكان الأفضل له ذلك ، وكذا الثالث.


خير من عشرين صلاة نافلة ومن طاف بهذا البيت طوافا أحصى فيه أسبوعه وأحسن ركعتيه غفر الله له وقال في يوم عرفة ويوم المزدلفة ما قال قلت فما ذا يتبعه قال الصوم

______________________________________________________

السادس : أن يقال : لكل منهما جهة فضل ليس ذلك للآخر ولا يغني شيء منهما من الآخر فإنه إذا كانت الصلاة أفضل الأعمال لا يغني عن الصوم لأن له تأثيرا في الإيمان وكما له ليس في الصلاة كما أن الأغذية البدنية كالخبز والماء لا يغني شيء منهما عن الآخر فصح أن يقال صلاة واحدة خير من عشرين حجة لأنه يترتب على الصلاة الواحدة أثر لا يترتب ذلك على عشرين حجة ، وصح العكس أيضا إذ يؤثر الحج الواحد في النفس أثرا لا يؤثر عشرون صلاة مثله ، وقد بسطنا القول في ذلك في كتابنا الكبير.

وأما حديث أفضل الأعمال أحمزها على تقدير تسليم صحته المراد به أن أفضل كل نوع من العمل أحمز ذلك النوع كالوضوء في البرد وفي الحر ، والحج ماشيا وراكبا والصوم في الصيف والشتاء وأشباهها ، وما قيل : من أن الصلاة مع مقدماتها من معرفة آدابها وتحصيل المسائل المتعلقة بها أحمز من الحج فهو ضعيف فإن للحج أيضا مسائل كثيرة لا يمكن تحصيلها في سنين متطاولة.

وهيهنا إشكال آخر وهو أن الحج مشتمل على الصلاة أيضا ، وإن كان مندوبا فالصلاة فيه فرض فما معنى تفضيل الصلاة الفريضة على عشرين حجة.

وأجيب عنه بأن المراد الحج بلا صلاة ، واعترض عليه بأن الحج بلا صلاة باطل فلا فضل له ، فكيف يفضل عليه الصلاة؟ والجواب أن المراد الحج مع قطع النظر عن الصلاة وثوابها ، لا الحج الذي لم تكن معه صلاة ، وهذا الإشكال ينحل بكثير من الأجوبة المتقدمة عن الإشكال الأول لا سيما تخصيص الصلاة بالفرائض اليومية فلا تغفل.

قوله : أحصى فيه أسبوعه ، أي حفظها من غير زيادة ولا نقصان ولا سهو ولا شك« وأحسن ركعتيه » أي يفعلهما في وقتهما ومكانهما مع رعاية الشرائط والكيفيات


قلت وما بال الصوم صار آخر ذلك أجمع قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الصوم جنة من النار قال ثم قال إن أفضل الأشياء ما إذا فاتك لم تكن منه توبة دون أن ترجع إليه فتؤديه بعينه إن الصلاة والزكاة والحج والولاية ليس يقع شيء

______________________________________________________

والآداب المرعية فيهما« وقال في يوم عرفة ويوم المزدلفة ما قال » أشار بذلك إلى ما جاء في ثواب عبادة اليومين وفضل الوقوف بالمشعرين أو فضل الحج وكونه سببا لحط السيئات ورفع الدرجات ،قوله : فما ذا يتبعه ، وفي بعض النسخ : بما ذا يتبعه أي الرب أو المكلف ، ولا يخفى أن هذا السؤال لا فائدة فيه لأنه مع ذكر الصوم أولا في الأعمال المعدودة وتفضيل ما سواه علم أن الصوم بعدها إلا أن يكون ذلك تمهيدا للسؤال الثاني أو يقال : لما لم يكن كلامهعليه‌السلام أولا صريحا في كون تلك الأعمال أفضل من غيرها فهذا السؤال لاستعلام أنه هل بين الصوم والحج عمل يكون أفضل منه.

قوله : قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، في بعض النسخ وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيكون من كلام الراوي ، أي كيف يكون مؤخرا عنها وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فيه ذلك وعلى النسخة الأخرى لعله إنما ذكرعليه‌السلام حديثا في فضل الصوم رفعا لما عسى أن يتوهم السائل أنه مما لا فضل فيه ، أو أنه قليل الأجر وكونه جنة من النار لأن أعظم أسباب النار هو الشهوات ، والصوم يكسرها ، والظرف متعلق بجنة لتضمنه معنى الوقاية أو السر أو التبعيد ، وفي النهاية فيه :الصوم جنة أي نفي صاحبه مما يؤذيه من الشهوات ، والجنة الوقاية ثم ذكرعليه‌السلام للفضل قاعدة كلية وهو أن الأفضل ما لم يقم شيء آخر مقامه.

وكان المرادبالتوبة هنا المعنى اللغوي أي الرجوع ، أو أطلقت على ما ينوب مناب الشيء مجازا أو أنهعليه‌السلام لما أطلق الذنب على الشرك وإن كان لعذر أطلق على ما يتداركه التوبة.قوله : أو قصرت ، يعني في شيء من شرائطه أو أركانه ، والحاصل أنهعليه‌السلام أشار إلى أقسام الفوت وأحكامه إجمالا ، لأن الفوت إما للعذر مثل المرض


مكانها دون أدائها وإن الصوم إذا فاتك أو قصرت أو سافرت فيه أديت مكانه أياما غيرها وجزيت ذلك الذنب بصدقة ولا قضاء عليك وليس من تلك الأربعة شيء يجزيك مكانه غيره قال ثم قال ذروة الأمر وسنامه ومفتاحه وباب الأشياء ورضا الرحمن الطاعة للإمام بعد معرفته إن الله عز وجل يقول : «مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ

______________________________________________________

وغيره أو التقصير أو التعمد في تركه ، أو السفر وشبهه ، واللازم إما القضاء فقط أو الكفارة فقط أو هما معا أو لا هذا ذاك ، وتفصيله في كتب الفروع ، والغرض بيان الفرق بين الصوم والأربعة الباقية بأن الأربعة لا تسقط مع الاستطاعة والصوم يسقط في السفر مع القدرة عليه ، وذكر السفر على المثال ، ويمكن أن يكون عدم ذكر المرض لأنه قد ينتهي إلى حال لا يقدر على الصوم فيه. ومع السقوط في السفر يؤدي مكانه أياما ، وقد يسقط القضاء أيضا كما إذا استمر مرضه إلى رمضان آخر.

وكان فيه دلالة على بطلان قول من قال أن فاقد الطهورين تسقط عنه الصلاة أداء وقضاء ويحتمل أن يكون ذكر الشق الأول استطرادا ويكون الغرض أن الصوم إذا فات قد يجب قضاؤه وقد لا يجب ويسقط أصلا ، بخلاف الأربعة فإنها لا تسقط بحيث لا يجب قضاؤها ، فقوله : وجزيت مقابل لقوله أديت أي وقد يكون كذلك.

فإن قلت : صلاة الحائض أيضا ليس لها قضاء؟ قلت : هناك لم يتعلق الوجوب بها أصلا لا أداء ولا قضاء ولا بدلا ، وهيهنا عوض عن الصوم بشيء ، فيدل على أن للصوم عوضا يقوم مقامه.

وذروة الشيء بالضم والكسر أعلاه ، وسنام البعير كسحاب معروف ويستعار لأرفع الأشياء ، والمراد بالأمر الدين ، وبطاعة الإمام انقياده في كل أمر ونهي ، ولما كان معرفة الإمام مع طاعته مستلزم لمعرفة سائر أصول الدين وفروعه فهي كأنها أرفع أجزائه ، وكالسنام بالنسبة إلى سائر أجزاء البعير ، وكالمفتاح الذي يفتح به جميع الأمور المغلقة ، والمسائل المشكلة وكالباب لقرب الحق سبحانه ، وللوصول إلى مدينة علم


اللهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً »(١) أما لو أن رجلا قام ليله وصام نهاره وتصدق بجميع ماله وحج جميع دهره ولم يعرف ولاية ولي الله فيواليه ويكون جميع أعماله بدلالته إليه ما كان له على الله جل وعز حق في ثوابه ولا كان من أهل الإيمان ثم قال أولئك المحسن منهم يدخله الله الجنة بفضل رحمته.

٦ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن صفوان بن يحيى ، عن عيسى بن السري أبي اليسع قال قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام أخبرني بدعائم الإسلام التي لا يسع

______________________________________________________

الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وتوجب رضا الرحمن ، ولا يحصل إلا بها.

والضمير فيقوله : بعد معرفته راجع إلى الإمام ، ويحتمل رجوعه إلى الله والاستشهاد بالآية لجميع ما ذكر أو للأخير إما مبني على أن الآية إنما نزلت في ولاية الأئمةعليهم‌السلام ، أو على أن طاعة الإمام هي بعينها طاعة الرسول إما لأنه أمر بطاعته أو أنه نائب منابه ، فحكمه حكم المنوب عنه وقيل : لأن الرسول في الآية شامل للإمام وهو بعيد.

قوله عليه‌السلام : ما كان له على الله حق في ثوابه ، لأنه لا تشمله آيات الوعد لأنه إنما وعد المؤمنين الثواب بالجنة وهو ليس من المؤمنين فلا يستحق الثواب بمقتضى الوعد أيضا وإن كان المؤمنون المحسنون أيضا لا يستحقون الثواب بأصل أعمالهم ، لكن يجب على الله إثابتهم بمقتضى وعده.

قوله عليه‌السلام : أولئك المحسن منهم ، الظاهر أنه إشارة إلى المخالفين ، والمراد بهم المستضعفون فإنهم مرجون لأمر الله ، ولذا قال :بفضل رحمته في مقابلة قوله : ما كان له على الله حق ، والحاصل أن المؤمنين لهم على الله حق لوعده ، والمستضعفون ليس لهم على الله حق لأنه لم يعدهم الثواب بل قال : إما يعذبهم وإما يتوب عليهم ، فإن أدخلهم الجنة فبمحض فضله ، ويحتمل أن يكون إشارة إلى المؤمنين العارفين أي إنما يدخل المؤمنين الجنة وإدخالهم أيضا بفضله لا باستحقاقهم والأول أظهر.

الحديث السادس : صحيح بسنديه.

__________________

(١) سورة النساء : ٨٠.


أحدا التقصير عن معرفة شيء منها الذي من قصر عن معرفة شيء منها فسد دينه ولم يقبل [ الله ] منه عمله ومن عرفها وعمل بها صلح له دينه وقبل منه عمله ولم يضق به مما هو فيه لجهل شيء من الأمور جهله فقال شهادة أن لا إله إلا الله والإيمان بأن محمدا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله والإقرار بما جاء به من عند الله وحق في الأموال الزكاة

______________________________________________________

قوله عليه‌السلام : ولم يضق به ، الباء للتعدية ومن فيقوله مما هو فيه ، للتبعيض وهو مع مدخولة فاعل لم يضق أي لم يضيق عليه شيء مما هو فيه ، ويمكن أن يقرأ لجهل بالتنوين ، وشيء بالرفع ، فشيء فاعل لم يضيق ، وفي بعض النسخ « فيما » مكان « مما » فلعل الأخير فيه متعين ، وفي بعض النسخ ولم يضر به فيمكن أن يقرأ على بناء المجهول ، و« جهله » فعل ماض ومن في مما صلة الضرر ، أو على بناء الفاعل وجهله على المصدر فاعله ، و « من » ابتدائية يقال : ضره وضربه ، وفي تفسير العياشي ولم يضره ما هو فيه بجهل شيء من الأمور إن جهله ، وقيل : يعني لم يضق أو لم يضر به من أجل ما هو فيه من معرفة دعائم الإسلام والعمل بها جهل شيء جهله من الأمور التي ليست هي من الدعائم ، فقوله : مما هو فيه ، تعليل لعدم الضيق أو الضرر وقوله : لجهل شيء تعليل للضيق أو الضرر ، وقوله : جهله صفة لشيء ، وقوله : من الأمور عبارة عن غير الدعائم من شعائر الإسلام ، انتهى. ولا يخفى ما فيه.

« وحق في الأموال » أما مجرور بالعطف علي ما جاء والزكاة بدله ويكون تخصيصا بعد التعميم ، وربما يخص ما جاء بالصلاة والزكاة وسائر الأخبار المتقدمة وهو بعيد ، وإما مرفوع بالخبرية للزكاة والزكاة مبتدأ ، ويمكن أن يقرأ حق على بناء الماضي المجهول ، وعلى التقديرين الجملة معترضة للتأكيد والتبيين وإنما لم يذكر الصلاة لظهور أمرها فاكتفى عنها بما جاء به ، وأما رفعه بالعطف على الشهادة كما قيل فهو بعيد ، لأنهعليه‌السلام لم يتعرض فيه لسائر العبادات بل اقتصر فيه على الاعتقادات ، وقيل : أرادعليه‌السلام بالولاية المأمور بها من الله بالكسر الإمارة وأولوية التصرف ، وبالأمر بها ما ورد فيها من الكتاب والسنة كالآية المذكورة في


والولاية التي أمر الله عز وجل بها ولاية آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله قال فقلت له هل في الولاية شيء دون شيء فضل يعرف لمن أخذ به قال نعم قال الله عز وجل : «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ »(١) وقال رسول الله

______________________________________________________

هذا الحديث ، وكآية «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ » وحديث الغدير وغير ذلك ، أقول : بل الولاية بالفتح بمعنى المحبة والنصرة والطاعة واعتقاد الإمامة هنا أنسب كما لا يخفى.

قوله : هل في الولاية شيء دون شيء ، أقول : هذا الكلام يحتمل وجهين : أحدهما أن يكون المراد هل في الإمامة شرط مخصوص وفضل معلوم يكون في رجل خاص من آل محمد بعينه يقتضي أن يكون هو ولي الأمر دون غيره يعرف هذا الفضل لمن أخذ به أي بذلك الفضل وادعاه وادعى الإمامة فيكون من أخذ به الإمام أو يكون معروفا لمن أخذ وتمسك به وتابع إماما بسببه ، ويكون حجته على ذلك فالمراد بالموصول الموالي للإمام.

الثاني : أن يكون المراد به هل في الولاية دليل خاص يدل على وجوبها ولزومها فضل أي فضل بيان وحجة وربما يقرأ بالصاد المهملة أي برهان فاصل قاطع يعرف هذا البرهان لمن أخذ به أي بذلك البرهان ، والأخذ يحتمل الوجهين ، ولكل من الوجهين شاهد فيما سيأتي ، ويمكن الجمع بين الوجهين بأن يكون قوله شيء دون شيء إشارة إلى الدليل ، وقوله : فضل إشارة إلى شرائط الإمامة وإن كان بعيدا وحاصل جوابه أنه لما أمر الله بطاعة أولي الأمر مقرونة بطاعة الرسول وبطاعته فيجب طاعتهم ولا بد من معرفتهم ، وقال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله : من مات ولم يعرف إمام زمانه ، أي من يجب أن يقتدى به في زمانه ،مات ميتة جاهلية ، والميتة بالكسر مصدر للنوع أو كموت أهل الجاهلية على الكفر والضلال ، فدل على أن لكل زمان إماما لا بد من معرفته ومتابعته.

__________________

(١) سورة النساء : ٥٩.


صلى‌الله‌عليه‌وآله من مات ولا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية وكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وكان علياعليه‌السلام وقال الآخرون كان معاوية ثم كان الحسنعليه‌السلام ثم كان الحسينعليه‌السلام وقال الآخرون ـ يزيد بن معاوية وحسين بن علي ولا سواء ولا سواء قال ثم سكت ثم قال أزيدك فقال له حكم الأعور نعم جعلت فداك قال ثم كان علي بن الحسين ثم كان محمد بن علي أبا جعفر وكانت الشيعة قبل أن يكون أبو جعفر وهم لا يعرفون مناسك حجهم وحلالهم وحرامهم حتى كان أبو جعفر ففتح لهم وبين لهم مناسك حجهم وحلالهم وحرامهم حتى صار الناس يحتاجون إليهم من بعد ما كانوا

______________________________________________________

« وكان رسول الله » أي كان من تجب طاعته في زمن الرسول هوصلى‌الله‌عليه‌وآله وكان بعده صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليا ، وقال آخرون مكانه معاوية ، وإنما لم يذكر الغاصبين الثلاثة ـ تقية وإشعارا بأن القول بخلافتهم بالبيعة يستلزم القول بخلافة مثل معاوية فاسق جاهل كافر ، وبالجملة لما كان هذا أشنع خصه بالذكر مع أن بطلان خلافته يستلزم بطلان خلافتهم.

« ثم كان الحسن » أي في زمان المعاوية أيضا ،ثم كان الإمام الحسين في بعض زمن معاوية وبعض زمن يزيد عليهما اللعنة ، وحسين بن علي ثانيا كأنه زيد من الرواة أو النساخ ، ويؤيده عدم التكرار في رواية الكشي ، ويحتمل أن يكون جملة حالية بحذف الخبر أي وحسين بن علي حي ، وقد يقرأ حسين بالتنوين فيكون ابن علي خبرا أو يكون ذكره أولا لمقابلتهعليه‌السلام بمعاوية وثانيا لمقابلته بيزيد ، فالمعنىوقال : آخرون : يزيد بن معاوية والحسين معارضان ، أو الواو بمعنى مع« ولا سواء » خبر مبتدإ محذوف ، وفي بعض النسخ مكرر ثلاث مرات ، أي على ومعاوية لا سواء ، وحسن ومعاوية لا سواء وحسين ويزيد لا سواء.

والحاصل أن الأمر أوضح من أن يشتبه على أحد فإنه لا يريب عاقل في أنه إذا كان لا بد من إمام وتردد الأمر بين علي ومعاوية فعلي أولى بالإمامة ،« وكان »


يحتاجون إلى الناس وهكذا يكون الأمر ـ والأرض لا تكون إلا بإمام ومن مات لا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية وأحوج ما تكون إلى ما أنت عليه إذ بلغت نفسك هذه وأهوى بيده إلى حلقه وانقطعت عنك الدنيا تقول لقد كنت على أمر حسن.

أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن صفوان ، عن عيسى بن السري أبي اليسع ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام مثله.

٧ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن مثنى الحناط ، عن عبد الله بن عجلان ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال بني الإسلام على خمس الولاية والصلاة والزكاة وصوم شهر رمضان والحج.

٨ ـ علي بن إبراهيم ، عن صالح بن السندي ، عن جعفر بن بشير ، عن أبان ، عن فضيل ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال بني الإسلام على خمس الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية ولم يناد بشيء ما نودي بالولاية يوم الغدير.

______________________________________________________

في الكل ناقصة لقوله عليا وأبا جعفر ومن قال نصب أبا جعفر بتقدير أعني غفل عن ذلك ، ولكن في قوله : وكانت الشيعة ، وقوله أن يكون أبو جعفر ، وقوله حتى كان أبو جعفر تامة ، والمراد بالكون في الأخيرين ظهور أمره ورجوع الناس إليه ، وقيل : كانت ناقصة والظرف خبره ، والمراد بالناس في الموضعين علماء المخالفين ورواتهم.

« وهكذا يكون الأمر » أي هكذا يكون أمر الإمامة دائما مرددا بين معصوم من أهل البيت بين فضله وورعه وعصمته ، وجاهل فاسق بين الجهالة والفسق من خلفاء الجور« والأرض لا تكون إلا بإمام معصوم » عالم بجميع ما يحتاج إليه الأمة ، ومن لم يعرفه مات ميتة جاهلية ، وأحوج مبتدأ مضاف إلى ما ، وهي مصدرية وتكون تامة ونسبة الحاجة إلى المصدر مجاز ، والمقصود نسبة الحاجة إلى فاعل المصدر باعتبار بعض أحوال وجوده وإلى متعلق بأحوج و« ما » موصولة وعبارة عن التصديق بالولايةوإذا ، ظرف وهو خبر أحوج ،« أومأ » كلام الراوي وقع بين كلامهعليه‌السلام .

الحديث السابع : ضعيف على المشهور.

الحديث الثامن : مجهول.


٩ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن حماد بن عثمان ، عن عيسى بن السري قال قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام حدثني عما بنيت عليه دعائم الإسلام إذا أنا أخذت بها زكى عملي ولم يضرني جهل ما جهلت بعده فقال شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله والإقرار بما جاء به من عند الله وحق في الأموال من الزكاة والولاية التي أمر الله عز وجل بها ولاية آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله فإن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال من مات ولا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية قال الله عز وجل : «أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ »(١) فكان عليعليه‌السلام ثم صار من بعده الحسن

______________________________________________________

الحديث التاسع : صحيح وهو مختصر من الحديث السادس والراوي واحد.

وقال أبو الفتح الكراجكيقدس‌سره في كنز الفوائد : جاء في الحديث من طريق العامة عن عبد الله بن عمر : أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : من مات وليس في عنقه بيعة لإمام ، أو ليس في عنقه عهد لإماممات ميتة جاهلية ، وروى كثير منهم أنهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : من مات وهو لا يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية ، وهذان الخبران يطابقان المعنى في قول الله تعالى : «يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً »(٢) .

فإن قال الخصوم : إن الإمام هيهنا هو الكتاب؟ قيل لهم : هذا انصراف عن ظاهر القرآن بغير حجة توجب ذلك ولا برهان ، لأن ظاهر التلاوة يفيد أن الإمام في الحقيقة هو المقدم في الفعل والمطاع في الأمر والنهي ، وليس يوصف بهذا الكتاب إلا أن يكون على سبيل الاتساع والمجاز ، والمصير إلى الظاهر من حقيقة الكلام أولى ، إلا أن يدعو إلى الانصراف عنه الاضطرار ، وأيضا فإن أحد الخبرين يتضمن ذكر البيعة والعهد للإمام ونحن نعلم أن لا بيعة للكتاب في أعناق الناس ، ولا معنى لأن يكون له عهد في الرقاب ، فعلم أن قولكم في الإمام أنه الكتاب غير صواب.

__________________

(١) سورة النساء : ٥٩.

(٢) سورة الإسراء : ٧١.


ثم من بعده الحسين ثم من بعده علي بن الحسين ثم من بعده محمد بن علي ثم هكذا يكون الأمر إن الأرض لا تصلح إلا بإمام ومن مات لا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية وأحوج ما يكون أحدكم إلى معرفته إذا بلغت نفسه هاهنا قال وأهوى بيده إلى صدره يقول حينئذ لقد كنت على أمر حسن.

١٠ ـ عنه ، عن أبي الجارود قال قلت لأبي جعفرعليه‌السلام يا ابن رسول الله هل تعرف مودتي لكم وانقطاعي إليكم وموالاتي إياكم قال فقال نعم قال ـ فقلت فإني أسألك مسألة تجيبني فيها فإني مكفوف البصر قليل المشي ولا أستطيع زيارتكم كل حين قال هات حاجتك قلت أخبرني بدينك الذي تدين الله عز وجل به أنت وأهل بيتك لأدين الله عز وجل به قال إن كنت أقصرت الخطبة فقد أعظمت المسألة والله لأعطينك ديني ودين آبائي الذي ندين الله عز وجل به شهادة أن

______________________________________________________

فإن قالوا : ما تنكرون أن يكون الإمام المذكور في الآية هو الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ قيل لهم : إن الرسول قد فارق الأمة بالوفاة ، وفي أحد الخبرين أنه إمام الزمان ، وهذا يقتضي أنه حي ناطق موجود في الزمان فأما من مضي بالوفاة فليس يقال أنه إمام وإلا لكان إبراهيمعليه‌السلام إمام زماننا ، إلى آخر ما قالرحمه‌الله .

الحديث العاشر : ضعيف.

وضميرعنه كأنه راجع إلى عيسى بن السري« إن كنت أقصرت الخطبة » الظاهر أن الخطبة بضم الخاء أي ما يتقدم من الكلام المناسب قبل إظهار المطلوب ، وكأنهعليه‌السلام عد خطبة قصيرة مع طولها إعظاما للمسألة وإيذانا بأن هذا المقصود الجليل يستدعي أطول من ذلك من الخطبة ، وقيل : إقصاره إياها اكتفاؤه بالاستفهام من غير بيان وإعلام ، ومنهم من قرأ الخطبة بالكسر مستعارة من خطبة النساء وهو تكلف.

قال في النهاية في الحديث أن أعرابيا جاءه فقال : علمني عملا يدخلني الجنة ، فقال : لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة ، أي جئت بالخطبة قصيرة وبالمسألة عريضة ، يعني قللت الخطبة وأعظمت المسألة.


لا إله إلا الله وأن محمدا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله والإقرار بما جاء به من عند الله والولاية لولينا والبراءة من عدونا والتسليم لأمرنا وانتظار قائمنا والاجتهاد والورع.

١١ ـ علي بن إبراهيم ، عن صالح بن السندي ، عن جعفر بن بشير ، عن علي بن أبي حمزة ، عن أبي بصير قال سمعته يسأل أبا عبد اللهعليه‌السلام فقال له جعلت فداك أخبرني عن الدين الذي افترض الله عز وجل على العباد ما لا يسعهم جهله ولا يقبل منهم غيره ما هو فقال أعد علي فأعاد عليه فقال شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة و «حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ

______________________________________________________

« والتسليم لأمرنا » أي الرضا قلبا بما يصدر عنهم قولا وفعلا من اختيارهم المهادنة أو القتال أو الظهور أو الغيبة وسائر ما يصدر عنهم مما يعجز العقول عن إدراكه والأفهام عن استنباط علته كما قال تعالى : «فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً »(١) والاجتهاد بذل الجهد في الطاعات ، والورع الاجتناب عن المعاصي بل الشبهات والمكروهات.

الحديث الحادي عشر : ضعيف على المشهور.

قوله : « ما لا يسعهم » عطف بيان للدين أو مبتدأ« وما هو » خبره ،قوله : أعد علي كان الأمر بالإعادة لسماع الحاضرين وإقبالهم إليه أو لإظهار حسن الكلام والتلذذ بسماعه وكأنه يدخل في شهادة التوحيد كلما يتعلق بمعرفة الله من صفات فعله وفي شهادة الرسالة ما يتعلق بمعرفة الأنبياء وصفاتهم ، وكذا الإقرار بالمعاد داخل في الأولى أو في الثانية لأخبار النبي بذلك ،« وإقام الصلاة » حذفت التاء للاختصار ، وقيل : المراد بإقامتها إدامتها ، وقيل : فعلها على ما ينبغي ، وقيل : فعلها في أفضل أوقاتها وقيل : جاء على عرف القرآن في التعبير من فعل الصلاة بلفظ الإقامة دون أخواتها ، وذلك لما اختصت به من كثرة ما يتوقف عليه من الشرائط والفرائض والسنن والفضائل ، وإقامتها إدامة فعلها مستوفاة جميع ذلك.

__________________

(١) سورة النساء : ٦٥.


إِلَيْهِ سَبِيلاً » وصوم شهر رمضان ثم سكت قليلا ثم قال والولاية مرتين ثم قال هذا الذي فرض الله على العباد ولا يسأل الرب العباد يوم القيامة فيقول ألا زدتني على ما افترضت عليك ولكن من زاد زاده الله إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله سن سننا حسنة جميلة ينبغي للناس الأخذ بها.

١٢ ـ الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن محمد بن جمهور ، عن فضالة بن أيوب ، عن أبي زيد الحلال ، عن عبد الحميد بن أبي العلاء الأزدي قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول إن الله عز وجل فرض على خلقه خمسا فرخص في أربع ولم يرخص

______________________________________________________

أقول : ويمكن أن يكون ذكر الإقامة لتشبيه الصلاة من الإيمان بمنزلة العمود من الفسطاط كما ورد في الخبر ، وإنما لم يذكر الجهاد لأنه لا يجب إلا مع الإمام فهو تابع للولاية مندرج تحتها ، أو لعدم تحقق شرط وجوبه في ذلك الزمانقوله : مرتين أي كرر الولاية تأكيدا.

قوله عليه‌السلام : هذا الذي فرض الله على العباد أي علم فرضها ضرورة من الدين« فيقول ألا زدتني » بالتشديد حرف تحضيض ، وإذا دخل على الماضي يكون للتعبير والتنديم ، وكان المعنى أنه لا يسأل عن شيء سوى هذه من جنسها ، كما أنه من أتى بالصلوات الخمس لا يسأل الله عن النوافل ومن أتى بالزكاة الواجبة لا يسأل عن الصدقات المستحبة وهكذا.

الحديث الثاني عشر : ضعيف.

قوله عليه‌السلام : فرخص في أربع كالتقصير في الصلاة في السفر وتأخيرها عن وقت الفضيلة مع العذر ، وترك كثير من واجباتها في بعض الأحيان ، أو سقوط الصلاة عن الحائض والنفساء ، وعن فاقد الطهورين أيضا إن قلنا به ، والزكاة عمن لم يبلغ ماله النصاب أو لم يحل عليه الحول ، أو لم يتمكن من التصرف فيه أو فقد سائر الشرائط ، والحج عمن لم يستطع أو لم يخل سر به وأشباه ذلك ، والصوم عن المسافر أو الشيخ الكبير أو ذي العطاش وأمثالهم ، بخلاف الولاية فإنها مع بقاء التكليف لا يسقط


في واحدة.

١٣ ـ عنه ، عن معلى بن محمد ، عن الوشاء ، عن أبان ، عن إسماعيل الجعفي قال دخل رجل على أبي جعفرعليه‌السلام ومعه صحيفة فقال له أبو جعفرعليه‌السلام هذه صحيفة مخاصم يسأل عن الدين الذي يقبل فيه العمل فقال رحمك الله هذا الذي أريد فقال أبو جعفرعليه‌السلام شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداصلى‌الله‌عليه‌وآله عبده ورسوله وتقر بما جاء من عند الله والولاية لنا أهل البيت والبراءة من عدونا والتسليم لأمرنا والورع والتواضع وانتظار قائمنا فإن لنا دولة إذا شاء الله جاء بها.

١٤ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه وأبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار جميعا ، عن صفوان ، عن عمرو بن حريث قال دخلت على أبي عبد اللهعليه‌السلام وهو في منزل أخيه عبد الله بن محمد فقلت له جعلت فداك ما حولك إلى هذا المنزل قال طلب النزهة فقلت جعلت فداك ألا أقص عليك ديني فقال بلى قلت أدين الله بشهادة

______________________________________________________

وجوبها في حال من الأحوال ، ويحتمل أن يراد بالرخصة أنه لا ينتهي تركها إلى حد الكفر والخلود في النار ، بخلاف الولاية فإن تركها كفر والأول أظهر.

الحديث الثالث عشر : ضعيف على المشهور.

« صحيفة مخاصم » أي مناظر مجادل سائل وفي بعض النسخ سئل أي فيها ، ويحتمل على هذه النسخة أن يكون مخاصم اسم رجل ، وقيل في بعض النسخ : سل فعل أمر يعني لا تناظرني بل سل من غير تعنت وهو أوضح ، انتهى.

وأقول : ما رأيت هذه النسخة وفي وضوحه خفاء« وتقر » أي وإن تقر« والورع » أي عن محارم الله« والتواضع » أي لله ولأوليائه أو الأعم وانتظار القائمعليه‌السلام يتضمن العلم بوجوده وظهوره وعدم الشك فيه والتسليم لغيبته والصبر على ما يلقاه من الأذى فيها والتمسك بما في يده من آثارهم والرجوع إلى رواة أخبارهمعليه‌السلام .

الحديث الرابع عشر : صحيح.

وفي القاموس : التنزه التباعد ، والاسمالنزهة بالضم ، ومكان نزه ككتف و


أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله «وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ » وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم شهر رمضان وحج البيت والولاية لعلي أمير المؤمنين بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله والولاية للحسن والحسين والولاية لعلي بن الحسين والولاية لمحمد بن علي ولك من بعده صلوات الله عليهم أجمعين وأنكم أئمتي عليه أحيا وعليه أموت وأدين الله به فقال يا عمرو هذا والله دين الله ودين آبائي الذي أدين الله به في السر والعلانية فاتق الله وكف لسانك إلا من خير ولا تقل إني هديت نفسي بل الله هداك فأد شكر ما أنعم

______________________________________________________

نزيه ، وأرض نزهة بكسر الزاي ونزيهة بعيدة عن الريف وعمق المياه وذبان القرى وومد البحار ، وفساد الهواء ، نزه ككرم وضرب نزاهة ونزاهية والرجل تباعد عن كل مكروه فهو نزيه ، واستعمال التنزه في الخروج إلى البساتين والخضر والرياض غلط قبيح ، وهو بنزهة من الماء بالضم ببعد ، انتهى.

وأقول : كفى باستعماله في هذا المعنى ظاهرا شاهدا على صحته بل فصاحته وإن أمكن حمله على بعض المعاني التي صححها مع أنهمعليهم‌السلام قد كانوا يتكلمون بعرف المخاطبين ومصطلحاتهم تقريبا إلى إفهامهم.

وقال في المصباح قال ابن قتيبة : ذهب أهل العلم في قول الناس خرجوا يتنزهون إلى البساتين أنه غلط وهو عندي ليس بغلط لأن البساتين في كل بلد إنما تكون خارج البلد فإذا أراد أحد أن يأتيها فقد أراد البعد عن المنازل والبيوت ، ثم كثر هذا حتى استعملت النزهة في الخضر والجنان.

قوله : أدين الله أي أعبد الله وأطيعه بتلك العقائد والأعمال في السر والعلانية أي بالقلب واللسان والجوارح أو في الخلوة والمجامع مع عدم التقية.

« وكف لسانك » تخصيص اللسان بالذكر بعد الأمر بالتقوى مطلقا لكون أكثر الشرور منه « ولا تقل إني هديت نفسي » أي لا تفسد دينك بالعجب ، واعلم


الله عز وجل به عليك ولا تكن ممن إذا أقبل طعن في عينه وإذا أدبر طعن في قفاه ولا تحمل الناس على كاهلك فإنك أوشك إن حملت الناس على كاهلك أن يصدعوا شعب كاهلك.

١٥ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن النعمان ، عن ابن مسكان ، عن سليمان بن خالد ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال ألا أخبرك بالإسلام أصله وفرعه

______________________________________________________

أن الهداية من الله سبحانه ، وهو نهي عن القول بالتفويض المطلق وإنكار مدخلية هداية الله وتوفيقه وخذلانه في الفعل والترك كما مر تحقيقه« ولا تكن ممن إذا أقبل » أي كن من الأخيار ليمدحك الناس في وجهك وقفاك ولا تكن من الأشرار الذين يذمهم الناس في حضورهم وغيبتهم أو أمر بالتقية من المخالفين أو حسن المعاشرة مطلقا.

« ولا تحمل الناس على كاهلك » أي لا تسلط الناس على نفسك بترك التقية أو لا تحملهم على نفسك بكثرة المداهنة والمداراة معهم بحيث تتضرر بذلك ، كان يضمن لهم ويتحمل عنهم ما لا يطيق أو يطعمهم في أن يحكم بخلاف الحق أو يوافقهم فيما لا يحل ، وهذا أفيد وإن كان الأول أظهر ، وقال الفيروزآبادي : الكاهل كصاحب : الحارك ، أو مقدم أعلى الظهر مما يلي العنق وهو الثلث الأعلى وفيه ست فقرا ، وما بين الكتفين أو موصل العنق في الصلب ، وقال :الصدع الشق في شيء صلب ، وقال :الشعب بالتحريك بعد ما بين المنكبين.

الحديث الخامس عشر : صحيح.

قوله عليه‌السلام : ذروة سنامه ، الإضافة بيانية أو لامية إذ للسنام الذي هو ذروة البعير ذروة أيضا هي أرفع أجزائه ، وإنما صارت الصلاة أصل الإسلام لأنها بدونها لا يثبت على ساق ، والزكاة فرعه لأنه بدونها لا تتم وقيل : لأنها بدونه لا تصح ولا تقبل ، والجهاد ذروة سنامه لأنه سبب لعلو الإسلام وارتفاعه ، وقيل : لأنه فوق كل بر كما ورد في الخبر ، وذكر من أبواب الخير ثلاثة : أحدها :الصوم


وذروة سنامه قلت بلى جعلت فداك قال أما أصله فالصلاة وفرعه الزكاة وذروة سنامه الجهاد ثم قال إن شئت أخبرتك بأبواب الخير قلت نعم جعلت فداك قال الصوم جنة من النار والصدقة تذهب بالخطيئة وقيام الرجل في جوف الليل بذكر الله ثم قرأعليه‌السلام : «تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ »(١) .

باب

أن الإسلام يحقن به الدم وتؤدى به الأمانة وأن الثواب على الإيمان

١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن الحكم بن أيمن

______________________________________________________

أي الواجب أو الأعم لأنه جنة من النار ومما يؤدي إليها من الشهوات ، وثانيها :الصدقة الواجبة أو الأعم فإنها تكفر الخطايا وتذهبها ، وثالثها :صلاة الليل لمدحه تعالى فاعلهابقوله : «تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ » حيث حصر الإيمان فيهم أولا ثم مدحهم بما مدحهم به ، ثم عظم وأبهم جزاءهم حيث قال : «إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ، تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ، فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ » ويحتمل أن يكون المراد بأبواب الخير الصوم فقط ، فيكون ذكر ما بعده تبرعا ، والأول أظهر.

باب أن الإسلام يحقن به الدم وأن الثواب على الإيمان

يقال : حقن دم فلان أي أنقذه من القتل.

الحديث الأول : مجهول بل حسن.

ويدل على عدم ترادف الإيمان والإسلام وأن غير المؤمن من فرق أهل الإسلام لا يستحق الثواب الأخروي أصلا كما هو الحق والمشهور بين الإمامية

__________________

(١) سورة السجدة : ١٦.


عن القاسم الصيرفي شريك المفضل قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول الإسلام يحقن

______________________________________________________

وستعرف أن كلا من الإسلام والإيمان يطلق على معان ، وظاهر هذا الخبر أن المراد بالإيمان الإذعان بوجوده تعالى وصفاته الكمالية وبالتوحيد والمعاد والإقرار بنبوة نبيناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإمامة الأئمة الاثني عشر صلوات الله عليهم ، وبجميع ما جاء به النبي ما علم منها تفصيلا وما لم يعلم إجمالا وعدم الإتيان بما يخرجه عن الدين كعبادة الضم ، والإسلام هو الإذعان الظاهري بالله وبرسوله وعدم إنكار ما علم ضرورة من دين الإسلام فلا يشترط فيه ولاية الأئمةعليهم‌السلام ، ولا الإقرار القلبي فيدخل فيه المنافقون وجميع فرق المسلمين ممن يظهر الشهادتين عدا النواصب والغلاة والمجسمة ومن أتى بما يخرجه عن الدين كعبادة الصنم وإلقاء المصحف في القاذورات عمدا ونحو ذلك ، وسيأتي تفصيل القول في جميع ذلك إنشاء الله.

ثم إنه ذكرعليه‌السلام من الثمرات المترتبة على الإسلام ثلاثة :

الأول : حقن الدم ، قال في القاموس : حقنة يحقنه ويحقنه حبسه ، ودم الفلان أنقذه من القتل ، انتهى.

وترتب هذه الثمرة على الإسلام الظاهري ظاهر ، لأن في صدر الإسلام وزمن الرسول كانوا يكتفون في ترك قتل الكفار بإظهارهم الشهادتين ، وبعدهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لما حصلت الشبهة بين المسلمين واختلفوا في الإمامة فخرجت عن كونه من ضروريات الدين ، فدم المخالفين وسائر فرق المسلمين محفوظة إلا الخوارج والنواصب ، فإن ولاية أهل البيت ومحبتهم كانت من ضروريات الدين ، وإنما الخلاف كان في إمامتهم ، والباغي على الإمام يجب قتله بنص القرآن ، وهذا الحكم إنما هو إلى ظهور القائمعليه‌السلام إذ في ذلك الزمان ترتفع الشبهة ويظهر الحق بحيث لا يبقى لأحد عذر ، فحكم منكر الإمامة في ذلك الزمان حكم سائر الكفار في وجوب قتلهم وغير ذلك.

وأما المنافقون المظهرون للعقائد الحقة ظاهرا والمنكرون لها قلبا فيحتمل


به الدم وتؤدى به الأمانة وتستحل به الفروج والثواب على الإيمان

______________________________________________________

عدم قبول ذلك منهم ، لحكمهعليه‌السلام بعلمه في أكثر الأحكام ، ويحتمل قبوله منهم إلى أن يظهر منهم خلافه كما يظهر من أخبار دابة الأرض وأكثر الأخبار في ذلك مجملة.

الثاني :أداء الأمانة وظاهره عدم وجوب رد وديعة من لم يظهر الإسلام ، وهو خلاف المشهور وسائر الأخبار ، فإن المشهور بين الأصحاب وجوب رد الوديعة ولو كان المودع كافرا ، وقال أبو الصلاح : إن كان حربيا وجب أن يحتمل ما أودعه إلى سلطان الإسلام ، ويدل كثير من الأخبار على الأول ، فيمكن حمل الخبر على أن الرد على المسلم آكد أو أنه مما يحكم به أهل الإسلام. أو المراد بالأمانة غير الوديعة مما حصل من أمواله في يد غيره ، أو المراد أن الإسلام يصير سببا لأن يؤدي الأمانات إلى أهلها وفي الكل تكلف ، والحمل على مذهب أبي الصلاح (ره) أيضا يحتاج إلى تكلف لأنه أيضا يوجب رد أمانة الذمي ، فيمكن أن يقال : رد أمانة الذمي أيضا بسبب الإسلام إذ هو بسبب أنه في أمان المسلمين وذمتهم.

قال بعض الأفاضل : إن قيل : أداء أمانة الكافر أيضا واجب فلم خص بالمسلم؟ قلنا : إنما يجب أداء أمانة الكافر إذا صار في حكم المسلم بالذمة.

الثالث :استحلال الفرج بالإسلام ، فيدل ظاهرا على عدم جواز نكاح الكافرة مطلقا بل بملك اليمين أيضا إلا ما خرج بالدليل ، وكذا إنكاح الكافر ، وعلى جواز نكاح المسلمة مطلقا وكذا نكاح المسلم من أي الفرق كان.

أما الأول ، فلا خلاف في عدم نكاح المسلم غير الكتابية وفي تحريم الكتابية أقوال : التحريم مطلقا ، وجواز متعة اليهودية والنصرانية اختيارا ، والدوام اضطرارا ، وعدم جواز العقد بحال ، وجواز ملك اليمين وجواز المتعة وملك اليمين لليهودية والنصرانية ، وتحريم الدوام كما هو مختار أكثر المتأخرين تحريم نكاحهن مطلقا اختيارا ، وتجويزه مطلقا اضطرارا ، وتجويز الوطء بملك اليمين


٢ ـ علي ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن العلاء ، عن محمد بن مسلم ، عن أحدهماعليهما‌السلام قال الإيمان إقرار وعمل والإسلام إقرار بلا عمل.

______________________________________________________

الجواز مطلقا كما ذهب إليه الصدوق ، وفي المجوسية اختلاف في الأقوال والروايات والأقرب جواز وطيها بملك اليمين ، والأحوط الترك في غير ذلك وإذا أسلم زوج الكتابية فهو على نكاحه وإن لم يدخل بها.

وأما الثاني وهو تزويج غير المؤمن من فرق المسلمين فالمشهور اعتبار الإيمان في جانب الزوج دون الزوجة ، وذهب جماعة إلى عدم اعتباره مطلقا ، والاكتفاء بمجرد الإسلام ولا يخلو من قوة في زمان الهدنة ، ولا يصح نكاح الناصب المبغض لأهل البيتعليهم‌السلام مطلقا.

ثم ذكرعليه‌السلام ثمرة الإيمان وهو ترتب الثواب على أعماله في الآخرة فغير المؤمن الاثني عشري المصدق قلبا لا يترتب على شيء من أعماله ثواب في الآخرة ويلزمه الخلود في النار كما مر وسيأتي أيضا إنشاء الله.

الحديث الثاني : حسن كالصحيح.

ويدل على اصطلاح آخر للإيمان والإسلام وهو أنالإسلام نفس العقائد مع العمل بمقتضاها من الإتيان بالفرائض وترك الكبائر وهذا اصطلاح آخر غير الاصطلاح المتقدم ، وربما يأول هذا الخبر بأن المرادبالإقرار الإقرار بالشهادتين وبالعمل عمل القلب وهو التصديق بجميع ما أتى به النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو بأن المراد بالإقرار ترك الإيذاء والإنكار ، والمراد بالعمل العمل الصحيح ، والحمل فيهما على المجاز أي الإيمان سبب لأن يقر على دينه ولا يؤذى ويحكم عليه بأحكام المسلمين وسبب لصحة أعماله بخلاف الإسلام فإنه يصير سببا للأول دون الثاني ، ولا يخفى بعده ، ويحتمل أن يكون المراد بالإقرار إظهار الشهادتين ، وبالعمل ما يقتضيه من التصديق بجميع ما جاء به النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومنها الولاية فيرجع إلى الخبر الأول.


٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن جميل بن دراج قال سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن قول الله عز وجل : «قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ

______________________________________________________

الحديث الثالث : صحيح.

«قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا » قال البيضاوي : نزلت في نفر من بني أسد ، قدموا المدينة في سنة جدبة وأظهروا آله الشهادتين ، وكانوا يقولون لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أتيناك بالأثقال والعيال ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان ، يريدون الصدقة ويمنون «قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا » إذ الإيمان تصديق مع ثقة وطمأنينة قلب ولم يحصل لكم وإلا لما مننتم على الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالإسلام وترك المقاتلة كما دل عليه آخر السورة «وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا » فإن الإسلام انقياد ودخول في السلم وإظهار الشهادتين وترك المحاربة يشعر به «وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ » توقيت لقولوا ، فإنه حال عن ضميره أي ولكن قولوا أسلمنا ولم تواطىء قلوبكم ألسنتكم بعد.

وقال الطبرسيقدس‌سره : «قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا » أي صدقنا بما جئت به «قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا » أي لم تصدقوا على الحقيقة في الباطن «وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا » أي أنقذنا واستسلمنا مخافة السبي والقتل ، ثم بين سبحانه أن الإيمان محله القلب دون اللسان فقال : «وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ » قال الزجاج : الإسلام إظهار الخضوع والقبول لما أتى به الرسول وبذلك يحقن الدم ، فإن كان مع ذلك الإظهار اعتقاد وتصديق بالقلب فذلك الإيمان وصاحبه المسلم المؤمن حقا ، فأما من أظهر قبول الشريعة واستسلم لدفع المكروه فهو في الظاهر مسلم وباطنه غير مصدق وقد أخرج هؤلاء من الإيمان بقوله : «وَلَمَّا يَدْخُلِ » إلى آخره ، أي لم تصدقوا بعد ما أسلمتم تعوذا من القتل فالمؤمن مبطن من التصديق مثل ما يظهر ، والمسلم التام الإسلام مظهر للطاعة ، وهو مع ذلك مؤمن بها ، والذي أظهر الإسلام تعوذا من القتل غير مؤمن بالحقيقة إلا أن حكمه في الظاهر حكم المسلمين ، انتهى.

وبالجملة هذه الآية مما استدل به القائلون بعدم ترادف الإسلام والإيمان ،


تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ »(١) فقال لي ألا ترى أن الإيمان غير الإسلام.

٤ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن الحكم ، عن سفيان بن السمط قال سأل رجل أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الإسلام والإيمان ما الفرق بينهما فلم يجبه ثم سأله فلم يجبه ثم التقيا في الطريق وقد أزف من الرجل الرحيل فقال له أبو عبد اللهعليه‌السلام كأنه قد أزف منك رحيل فقال نعم فقال فالقني في البيت فلقيه فسأله عن الإسلام والإيمان ما الفرق بينهما فقال ـ الإسلام هو الظاهر الذي عليه الناس شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة و «حِجُّ الْبَيْتِ » وصيام شهر رمضان فهذا الإسلام وقال الإيمان

______________________________________________________

وأجاب بعضهم بأن المراد بالإسلام هنا الاستسلام والانقياد الظاهري وهو غير المعنى المصطلح ، والجواب أن الأصل في الإطلاق الشرعي الحقيقة الشرعية ، وصرفه عنها يحتاج إلى دليل واستدل أيضا بها على أن الإيمان هو التصديق فقط لنسبته إلى القلب ، والجواب أنها لا تنفي اشتراط الإيمان القلبي بعمل الجوارح ، وإنما تنفي الجزئية ، مع أن فيه أيضا كلاما.

الحديث الرابع : مجهول.

وكان تأخير الجواب للتقية والمصلحة ، وفي القاموس :أزف الترحل كفرح أزفا وأزوفا : دنا.

ويظهر من الخبر أن بين الإيمان والإسلام فرقين : أحدهما أن الإسلام هو الانقياد الظاهري ، ولا يعتبر فيه التصديق والإذعان القلبي بخلافالإيمان ، فإنه يعتبر فيه الاعتقاد القلبي بل القطعي كما سيأتي ، وثانيهما : اعتبار الاعتقاد بالولاية ، وذكر الأعمال إما بناء على اشتراط الإيمان بالأعمال أو على أن المراد الاعتقاد

__________________

(١) سورة الحجرات : ١٤.


معرفة هذا الأمر مع هذا فإن أقر بها ولم يعرف هذا الأمر كان مسلما وكان ضالا.

٥ ـ الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد وعدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد جميعا ، عن الوشاء ، عن أبان ، عن أبي بصير ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال سمعته يقول «قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا » فمن زعم أنهم آمنوا فقد كذب ومن زعم أنهم لم يسلموا فقد كذب.

٦ ـ أحمد بن محمد ، عن الحسين بن سعيد ، عن حكم بن أيمن ، عن قاسم شريك المفضل قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول الإسلام يحقن به الدم وتؤدى به الأمانة وتستحل به الفروج والثواب على الإيمان.

______________________________________________________

بها كما عرفت ، ويرشد إليهقوله : فإن أقر بها ، أو الغرض بيان العقائد وجل الأعمال المشتركة بين أهل الإسلام والإيمان ، والوصف بالضلال وعدم إطلاق الكفر عليهم إما للتقية في الجملة ، أو لعدم توهم كونهم في الأحكام الدنيوية في حكم الكفار.

الحديث الخامس : موثق كالصحيح.

قوله : فمن زعم ، تنبيه على مغايرة المفهومين وتحقق مادة الافتراق بينهما ، وعموم الإسلام بالنسبة إلى الإيمان.

الحديث السادس : حسن على الأصح وقد مر شرحه.

تحقيق وتبيين

اعلم أن الذي ظهر لنا من مجموع الآيات المتضافرة والأخبار المتكاثرة الواردة في الإيمان والإسلام وحقائقهما وشرائطهما أن لكل منهما إطلاقات كثيرة في الكتاب والسنة ولكل منهما فوائد وثمرات تترتب عليه.

فالأول من معاني الإيمان مجموع العقائد الحقة والأصول الخمسة ، والثمرة المترتبة عليه في الدنيا الأمان من القتل ونهب الأموال والإهانة إلا أن يأتي بقتل أو فاحشة يوجب القتل أو الحد أو التعزير ، وفي الآخرة صحة أعماله واستحقاق الثواب عليها في الجملة ، وعدم الخلود في النار ، واستحقاق العفو والشفاعة ، ويدخل


.................................................................................................

______________________________________________________

في الكفر المقابل لهذا الإيمان من سوى الفرقة الناجية الإمامية من فرق الإسلام وغيرهم ، فإنهم مخلدون في النار سوى المستضعفين منهم كما سيأتي.

الثاني : الاعتقادات المذكورة مع الإتيان بالفرائض التي ظهر وجوبها من القرآن وترك الكبائر التي أو عد الله عليها النار ، وعلى هذا المعنى أطلق الكافر على تارك الصلاة وتارك الزكاة وأشباههم ، وورد : لا يزني الزاني وهو مؤمن ، ولا يسرق السارق وهو مؤمن ، وثمرة الإيمان عدم استحقاق الإذلال والإهانة والعذاب في الدنيا والآخرة.

الثالث : العقائد المذكورة مع فعل جميع الواجبات وترك جميع المحرمات ، وثمرته اللحوق بالمقربين والحشر مع الصديقين وتضاعف المثوبات ورفع الدرجات.

الرابع : ما ذكر مع ضم فعل المندوبات وترك المكروهات بل المباحات كما ورد في أخبار صفات المؤمن ، وبهذا المعنى يختص بالأنبياء والأوصياء كما ورد في الأخبار الكثيرة تفسير المؤمنين في الآيات بالأئمة الطاهرين صلوات الله عليهم ، وقد ورد في تفسير قوله سبحانه : «وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ »(١) أن جميع معاصي الله بل التوسل بغيره سبحانه داخلة في الشرك المذكور في هذه الآية ، وثمرة هذا الإيمان أنه يؤمن على الله فيجيز أمانه ، وأنه لا يرد الله دعوته وسائر ما ورد في درجاتهمعليهم‌السلام ومنازلهم عند الله تعالى.

وأما الإسلام فيطلق غالبا على التكلم بالشهادتين والإقرار الظاهري وإن لم يقترن بالإذعان القلبي ولا بالإقرار بالولاية كما عرفت سابقا ، وثمرته إنما تظهر في الدنيا من حقن دمه وماله ، وجواز نكاحه واستحقاقه الميراث وسائر الأحكام الظاهرة للمسلمين ، وليس له في الآخرة من خلاق ، وقد يطلق على كل من معاني الإيمان حتى المعنى الأخير ، فيكون بمعنى الاستسلام والانقياد التام.

__________________

(١) سورة يوسف : ١٠٦.


.................................................................................................

______________________________________________________

ثم إن الآيات والأخبار الدالة على دخول الأعمال في الإيمان يحتمل وجوها :

الأول أن يحمل على ظواهرها ويقال : إن العمل داخل في حقيقة الإيمان على بعض المعاني.

الثاني : أن يكون الأيمان أصل العقائد لكن تسميتها إيمانا مشروطة بالأعمال.

الثالث : أن يقال بزيادة الإيمان وتفاوته شدة وضعفا ، وتكون الأعمال كثرة وقلة كاشفة عن حصول كل مرتبة من تلك المراتب فإنه لا شك أن لشدة اليقين مدخلا في كثرة الأعمال الصالحة وترك المناهي ، وقد بسطنا الكلام في ذلك قليلا في كتاب عين الحياة ، وسيتضح لك بعض ما ذكرنا في تضاعيف الأخبار الآتية ، ولنذكر هنا بعض ما ذكره أصحابنا في حقيقة الإيمان والإسلام ومعانيهما وشرائطهما :

قال المحقق الطوسيقدس‌سره القدوسي في قواعد العقائد : المسألة الخامسة : فيما به يحصل استحقاق الثواب والعقاب ، قالوا : الإسلام أعم في الحكم من الإيمان ، وهما في الحقيقة شيء واحد أما كونه أعم فلأن من أقر بالشهادتين كان حكمه حكم المسلمين «قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا » وأما كون الإسلام في الحقيقة هو الإيمان فلقوله تعالى : «إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ »(١) واختلفوا في معناه فقال بعض السلف : الإيمان إقرار باللسان وتصديق بالقلب وعمل صالح بالجوارح ، وقالت المعتزلة : أصول الإيمان خمسة : التوحيد والعدل والإقرار بالنبوة وبالوعد والوعيد والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وقال الشيعة : أصول الإيمان ثلاثة التصديق بوحدانية الله عز وجل في ذاته ، والعدل في أفعاله ، والتصديق بنبوة الأنبياء والتصديق بإمامة الأئمة المعصومين ، والتصديق بالأحكام التي يعلم يقينا أنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حكم بها دون ما فيه الخلاف والاستتار ، والكفر يقابل الإيمان ، والذنب يقابل العمل الصالح وينقسم إلى كبائر وصغائر ، ويستحق

__________________

(١) سورة آل عمران : ١٩.


.................................................................................................

______________________________________________________

المؤمن بالإجماع الخلود في الجنة ويستحق الكافر الخلود في العذاب وصاحب الكبيرة عند الخوارج كافر ، لأنهم جعلوا العمل الصالح جزءا من الإيمان ، وعند غيرهم فاسق ، والمؤمن عند المعتزلة والوعيدية لا يكون فاسقا وجعلوا الفاسق الذي لا يكون كافرا منزلة بين المنزلتين الإيمان والكفر ، وهو عندهم يكون في النار خالدا وعند غيرهم المؤمن قد يكون فاسقا وقد لا يكون ، وتكون عاقبة الأمر على التقديرين الخلود في الجنة.

وقال (ره) في التجريد : الإيمان التصديق بالقلب واللسان ولا يكفي الأول لقوله تعالى : «وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ »(١) ونحوه ، ولا الثاني لقوله تعالى : «قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا »(٢) والكفر عدم الإيمان إما مع الضد أو بدونه ، والفسق الخروج عن طاعة الله تعالى مع الإيمان به ، والنفاق إظهار الإيمان به وإخفاء الكفر ، والفاسق مؤمن لوجود حده فيه.

وقال العلامة نور الله ضريحه في الشرح : الناس في الإيمان على وجوه كثيرة وليس هنا موضع ذكرها ، والذي اختاره المصنف (ره) أنه عبارة عن التصديق بالقلب واللسان معا ولا يكفي أحدهما فيه ، أما التصديق القلبي فإنه غير كاف لقوله تعالى : «وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ » وقوله تعالى : «فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ »(٣) فأثبت لهم المعرفة والكفر ، أما التصديق اللساني فإنه غير كاف أيضا لقوله تعالى : «قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا »(٤) الآية ، ولا شك في أن أولئك الأعراب صدقوا بألسنتهم وقال (ره) : الكفر في اللغة هو التغطية ، وفي العرف الشرعي هو عدم الإيمان أما مع الضد بأن يعتقد فساد ما هو شرط الإيمان ، أو بدون الضد كالشاك الخالي من

__________________

(١) سورة النمل : ١٤.

(٢ و ٤) سورة الحجرات : ١٤.

(٣) سورة البقرة : ٨٩.


.................................................................................................

______________________________________________________

الاعتقاد الصحيح والباطل والفسق لغة الخروج مطلقا ، وفي الشرع عبارة عن الخروج عن طاعة الله تعالى فيما دون الكفر ، والنفاق في اللغة هو إظهار خلاف الباطن ، وفي الشرع إظهار الإيمان وإبطان الكفر ، واختلف الناس في الفاسق فقالت المعتزلة : أن الفاسق لا مؤمن ولا كافر ، وأثبتوا له منزلة بين المنزلتين ، وقال الحسن البصري : أنه منافق وقالت الزيدية : أنه كافر نعمة ، وقالت الخوارج : أنه كافر والحق ما ذهب إليه المصنف وهو مذهب الإمامية والمرجئة وأصحاب الحديث وجماعة الأشعرية أنه مؤمن ، والدليل عليه أن حد المؤمن وهو المصدق بقلبه ولسانه في جميع ما جاء به النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم موجود فيه ، فيكون مؤمنا ، انتهى.

وقال الشيخ المفيدقدس‌سره في كتاب المسائل : اتفقت الإمامية على أن مرتكب الكبائر من أهل المعرفة والإقرار لا يخرج بذلك عن الإسلام ، وأنه مسلم وإن كان فاسقا بما معه من الكبائر والآثام ووافقهم على هذا القول المرجئة كافة وأصحاب الحديث قاطبة ، ونفر من الزيدية ، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك وزعموا أن مرتكب الكبائر ممن ذكرناه فاسق ليس بمؤمن ولا مسلم.

وقالقدس‌سره : اتفقت الإمامية على أن الإسلام غير الإيمان ، وأن كل مؤمن فهو مسلم وليس كل مسلم مؤمنا ، وأن الفرق بين هذين المعنيين في الدين كما كان في اللسان ، ووافقهم على هذا القول المرجئة وأصحاب الحديث ، وأجمعت المعتزلة على عدم الفرق بينهما.

وقال الشهيد الثانيقدس‌سره في رسالة الإيمان : اعلم أن الإيمان لغة التصديق كما نص عليه أهلها ، وهو أفعال من الأمن بمعنى سكون النفس واطمئنانها لعدم ما يوجب الخوف لها وحينئذ فكان حقيقة آمن به سكنت نفسه واطمأنت بسبب قبول قوله ، وامتثال أمره ، فتكون الباء للسببية ويحتمل أن يكون بمعنى أمنه التكذيب والمخالفة كما ذكره بعضهم ، فتكون الباء فيه زائدة ، والأول أولى كما لا يخفى


.................................................................................................

______________________________________________________

وأوفق لمعنى التصديق ، وهو يتعدى باللام كقوله تعالى : «وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا »(١) «فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ »(٢) وبالباء كقوله تعالى : «آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ »(٣) وأما التصديق فقد قيل : أنه القبول والإذعان بالقلب كما ذكره أهل الميزان ويمكن أن يقال : معناه قبول الخير أعم من أن يكون بالجنان أو باللسان ، ويدل عليه قوله تعالى : «قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا »(٤) فأخبروا عن أنفسهم بالإيمان وهم من أهل اللسان ، مع أن الواقع منهم هو الاعتراف باللسان دون الجنان لنفيه عنهم بقوله تعالى : «قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا » وإثبات الاعتراف بقوله تعالى : «وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا » الدال على كونه إقرارا بالشهادتين ، وقد سموه إيمانا بحسب عرفهم ، والذي نفاه الله عنهم إنما هو الإيمان في عرف الشرع ، وأما الإيمان الشرعي فقد اختلف في بيان حقيقة العبارات بسبب اختلاف الاعتبارات ، وبيان ذلك أن الإيمان شرعا إما أن يكون من أفعال القلوب فقط أو من أفعال الجوارح فقط أو منهما معا ، فإن كان الأول فهو التصديق بالقلب فقط وهو مذهب الأشاعرة وجمع من متقدمي الإمامية ومتأخريهم ومنهم المحقق الطوسي (ره) في فصوله لكن اختلفوا في معنى التصديق فقال أصحابنا : هو العلم وقال الأشعرية : هو التصديق النفساني وعنوا به أنه عبارة عن ربط القلب على ما علم من أخبار المخبر فهو أمر كسبي يثبت باختيار المصدق ولذا يثاب عليه بخلاف العلم والمعرفة فإنها ربما تحصل بلا كسب كما في الضروريات وقد ذكر حاصل ذلك بعض المحققين فقال : التصديق هو أن تنسب باختيارك الصدق إلى المخبر حتى لو وقع ذلك في القلب من غير اختيار لم يكن تصديقا وإن كان

__________________

(١) سورة يوسف : ١٧.

(٢) سورة العنكبوت : ٢٦.

(٣) سورة آل عمران : ٥٣.

(٤) سورة الحجرات : ١٤.


.................................................................................................

______________________________________________________

معرفة وسنبين إنشاء الله تعالى قصور ذلك ، وإن كان الثاني فإما أن يكون عبارة عن التلفظ بالشهادتين فقط وهو مذهب الكرامية أو عن جميع أفعال الجوارح من الطاعات بأسرها فرضا ونفلا وهو مذهب الخوارج وقدماء المعتزلة والعلاف والقاضي عبد الجبار أو عن جميعها من الواجبات وترك المحظورات دون النوافل وهو مذهب أبي علي الجبائي وابنه أبي هاشم وأكثر معتزلة البصرة ، وإن كان الثالث فهو إما أن يكون عبارة عن أفعال القلوب مع جميع أفعال الجوارح من الطاعات وهو قول المحدثين وجمع من السلف كابن مجاهد وغيره فإنهم قالوا أن الإيمان تصديق بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان ، أو يكون عبارة عن التصديق مع كلمتي الشهادة ، ونسب إلى طائفة منهم أبو حنيفة ، أو يكون عبارة عن التصديق بالقلب مع الإقرار باللسان وهو مذهب المحقق نصير الدين الطوسي (ره) في تجريده ، فهذه سبعة مذاهب ، ذكرت في الشرح الجديد وغيره ، واعلم أن مفهوم الإيمان على المذهب الأول يكون تخصيصا للمعنى اللغوي ، وأما على المذاهب الباقية فهو منقول والتخصيص خير من النقل.

وهنا بحث وهو أن القائلين بأن الإيمان عبارة عن فعل الطاعات كقدماء المعتزلة والعلاف والخوارج لا ريب أنهم يوجبون اعتقاد مسائل الأصول وحينئذ فما الفرق بينهم وبين القائلين بأنه عبارة عن أفعال القلوب والجوارح؟ ويمكن الجواب بأن اعتقاد المعارف شرط عند الأولين وشطر عند الآخرين.

ثم قال : اعلم أن المحقق الطوسيقدس‌سره ذكر في قواعد العقائد أن أصول الإيمان عند الشيعة ثلاثة ثم ذكر ما نقلنا عنه سابقا ثم قال : وذكر في شرح الجديد للتجريد أن الإيمان في الشرع عند الأشاعرة هو التصديق للرسول فيما علم مجيئه به ضرورة فتفصيلا فيما علم تفصيلا ، وإجمالا فيما علم إجمالا ، فهو في الشرع تصديق خاص ، انتهى.


.................................................................................................

______________________________________________________

فهؤلاء اتفقوا على أن حقيقة الإيمان هي التصديق فقط ، وإن اختلفوا في مقدار المصدق به ، والكلام هيهنا في مقامين : الأول : في أن التصديق الذي هو الإيمان المراد به اليقيني الجازم الثابت كما يظهر من كلام من حكينا عنه ، والثاني : في أن الأعمال ليست جزءا من حقيقة الإيمان الحقيقي ، بل هي جزء من الإيمان الكمالي ، أما الدليل على الأول فآيات بينات منها قوله تعالى : «إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً »(١) والإيمان حق بالنص والإجماع ، فلا يكفي في حصوله وتحققه الظن ، ومنها «إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَ »(٢) «إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ »(٣) و «إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ »(٤) فهذه قد اشتركت في التوبيخ على اتباع الظن ، والإيمان لا يوبخ من حصل له بالإجماع فلا يكون ظنا ومنها قوله تعالى : «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا »(٥) فنفى عنهم الريب فيكون الثابت هو اليقين ، وفي العرف يطلق عدم الريب على اليقين.

ومن السنة المطهرة قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك ، والثبات هو الجزم والمطابقة ، وفيه منع لم لا يجوز أن يكون طلبهعليه‌السلام لأنه الفرد الأكمل.

ومن الدلائل أيضا الإجماع حيث ادعى بعضهم أنه يجب معرفة الله تعالى التي لا يتحقق الإيمان إلا بها بالدليل إجماعا من العلماء كافة ، والدليل ما أفاد العلم ، والظن لا يفيده ، وفي صحة دعوى الإجماع بحث لوقوع الخلاف في جواز التقليد في المعارف الأصولية كما سنذكره إنشاء الله تعالى.

__________________

(١) سورة النجم : ٢٧.

(٢) سورة الأنعام : ١٦.

(٣) سورة البقرة : ٧٨.

(٤) سورة الحجرات : ١٢.

(٥) سورة الحجرات : ١٥.


.................................................................................................

______________________________________________________

واعلم أن جميع ما ذكرنا من الأدلة لا يفيد شيء منه العلم بأن الجزم والثبات معتبر في التصديق الذي هو الإيمان ، إنما يفيد الظن باعتبارهما لأن الآيات قابلة للتأويل ، وغيرها كذلك مع كونها من الآحاد.

ثم قال رفع الله درجته : اعلم أن العلماء أطبقوا على وجوب معرفة الله بالنظر وأنها لا تحصل بالتقليد إلا من شذ منهم كعبد الله بن الحسن العنبري والحشوية والتعليمية حيث ذهبوا إلى جواز التقليد في العقائد الأصولية كوجود الصانع وما يجب له ويمتنع والنبوة والعدل وغيرها ، بل ذهب بعضهم إلى وجوبه ، لكن اختلف القائلون بوجوب المعرفة أنه عقلي أو سمعي فالإمامية والمعتزلة على الأول والأشعرية على الثاني ، ولا غرض لنا هنا ببيان ذلك بل ببيان أصل الوجوب المتفق عليه.

ثم استدل بوجوب شكر المنعم عقلا وشكره على وجه يليق بكمال ذاته ، يتوقف على معرفته ، وهي لا تحصل بالظنيات كالتقليد وغيره ، لاحتمال كذب المخبر وخطأ الأمارة ، فلا بد من النظر المفيد للعلم ثم قال : هذا الدليل إنما يستقيم على قاعدة الحسن والقبح ، والأشاعرة ينكرون ذلك لكن كما يدل على وجوب المعرفة بالدليل يدل أيضا على كون الوجوب عقليا واعترض أيضا بأنه مبني على وجوب ما لا يتم الواجب المطلق إلا به ، وفيه أيضا منوع الأشاعرة ، ومن ذلك أن الأمة أجمعت على وجوب المعرفة ، والتقليد وما في حكمه لا يوجب العلم إذ لو أوجبه لزم اجتماع الضدين في مثل تقليد من يعتقد حدوث العالم ويعتقد قدمه ، وقد اعترض على هذا بمنع الإجماع كيف والمخالف معروف ، بل عورض بوقوع الإجماع على خلافه ، وذلك لتقرير النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأصحابه العوام على إيمانهم ، وهم الأكثرون في كل عصر مع عدم الاستفسار عن الدلائل الدالة على الصانع وصفاته ، مع أنهم كانوا لا يعلمونها وإنما كانوا مقرين باللسان ومقلدين في المعارف ، ولو كانت المعرفة واجبة لما جاز تقريرهم على ذلك ، مع الحكم بإيمانهم ، وأجيب عن هذا بأنهم كانوا


.................................................................................................

______________________________________________________

يعلمون الأدلة إجمالا كدليل الأعرابي حيث قال : البعرة تدل على البعير ، وأثر الإقدام على المسير ، أفسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج لا تدلان على اللطيف الخبير ، فلذا أقروا ولم يسألوا عن اعتقاداتهم أو أنهم كان يقبل منهم ذلك للتمرين ثم يبين لهم ما يجب عليهم من المعارف بعد حين.

ومن ذلك الإجماع على أنه لا يجوز تقليد غير المحق وإنما يعلم المحق من غيره بالنظر في أن ما يقوله حق أم لا وحينئذ فلا يجوز له التقليد إلا بعد النظر والاستدلال ، وإذا صار مستدلا امتنع كونه مقلدا فامتنع التقليد في المعارف الإلهية ونقض ذلك بلزوم مثله في الشرعيات فإنه لا يجوز تقليد المفتي إلا إذا كانت فتياه عن دليل شرعي ، فإن اكتفي في الاطلاع على ذلك بالظن وإن كان مخطئا في نفس الأمر لحط ذلك عنه فليجر مثله في مسائل الأصول.

وأجيب بالفرق بأن الخطأ في مسائل الأصول يقتضي الكفر ، بخلافه في الفروع فساغ في الثانية ما لم يسغ في الأولى.

احتج من أوجب التقليد في مسائل الأصول بأن العلم بالله تعالى غير ممكن لأن المكلف به إن لم يكن عالما به تعالى استحال أن يكون عالما بأمره وحال امتناع كونه عالما بأمره يمتنع كونه مأمورا من قبله وإلا لزم تكليف ما لا يطاق وإن كان عالما به استحال أيضا أمره بالعلم به لاستحالة تحصيل الحاصل؟ والجواب عن ذلك على قواعد الإمامية والمعتزلة ظاهر ، فإن وجوب النظر والمعرفة عندهم عقلي لا سمعي ، نعم يلزم ذلك على قواعد الأشاعرة إذ الوجوب عندهم سمعي.

أقول : ويجاب أيضا معارضة بأن هذا الدليل كما يدل على امتناع العلم بالمعارف الأصولية يدل على امتناع التقليد فيها أيضا فينسد باب المعرفة بالله تعالى وكل من يرجع إليه في التقليد لا بد وأن يكون عالما بالمسائل الأصولية ليصح تقليده ، ثم يجري الدليل فيه فيقال : علم هذا الشخص بالله تعالى غير ممكن لأنه


.................................................................................................

______________________________________________________

حين كلف به إن لم يكن عالما به تعالى استحال أن يكون عالما بأمره بالمقدمات ، وكلما أجابوا به فهو جوابنا ، ولا مخلص لهم إلا أن يعترفوا بأن وجوب المعرفة عقلي فيبطل ما ادعوه من أن العلم بالله تعالى غير ممكن ، أو سمعي فكذلك.

فإن قيل : ربما يحصل العلم لبعض الناس بتصفية النفس أو إلهامه إلى غير ذلك فيقلده الباقون؟ قلنا : هذا أيضا يبطل قولكم إن العلم بالله تعالى غير ممكن ، نعم ما ذكروه يصلح أن يكون دليلا على امتناع المعرفة بالسمع فيكون حجة على الأشاعرة لا دليلا على وجوب التقليد.

واحتجوا أيضا بأن النهي عن النظر قد ورد في قوله تعالى : «ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا »(١) والنظر يفتح باب الجدال فيحرم ، ولأنهعليه‌السلام رأى الصحابة يتكلمون في مسألة القدر فنهاهم عن الكلام فيها ، وقال : إنما هلك من كان قبلكم بخوضهم في هذا ، ولقولهعليه‌السلام : عليكم بدين العجائز ، والمراد ترك النظر ، فلو كان واجبا لم يكن منهيا عنه.

وأجيب عن الأول بأن المراد الجدال بالباطل كما في قوله تعالى : «وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَ »(٢) لا الجدال بالحق لقوله تعالى : «وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ »(٣) والأمر بذلك يدل على أن الجدال مطلقا ليس منهيا عنه ، وعن الثاني بأن نهيهم عن الكلام في مسألة القدر على تقدير تسليمه لا يدل على النهي عن مطلق النظر ، بل عنه في مسألة القدر ، كيف وقد ورد الإنكار على تارك النظر في قوله تعالى : «أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللهُ »(٤) وقد أثنى على فاعله في قوله

__________________

(١ و ٢) سورة غافر : ٤ ـ ٥.

(٣) سورة النحل : ١٢٥.

(٤) سورة الروم : ٨.


.................................................................................................

______________________________________________________

«وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »(١) على أن نهيهم عن الخوض في القدر لعله لكونه أمرا غيبيا وبحرا عميقا كما أشار إليه عليعليه‌السلام بقوله : بحر عميق فلا تلجه ، بل كان مراد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم التفويض في مثل ذلك إلى الله تعالى ، لأن ذلك ليس من الأصول التي يجب اعتقادها ، والبحث عنها مفصلة.

وهيهنا جواب آخر عنهما معا ، وهو أن النهي في الآية والحديث مع قطع النظر عما ذكرناه إنما يدل على النهي عن الجدال الذي لا يكون إلا من متعدد بخلاف النظر فإنه يكون من واحد ، فهو نصب الدليل على غير المدعى.

وعن الثالث بالمنع من صحة نسبته إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فإن بعضهم ذكر أنه من مصنوعات سفيان الثوري فإنه روى أن عمر بن عبد الله المعتزلي قال : إن بين الكفر والإيمان منزلة بين المنزلتين فقالت عجوز : قال الله تعالى : «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ »(٢) فلم يجعل من عباده إلا الكافر والمؤمن ، فسمع سفيان كلامها فقال : عليكم بدين العجائز.

على أنه لو سلم فالمراد به التفويض إلى الله تعالى في قضائه وحكمه والانقياد له في أمره ونهيه.

واحتج من جوز التقليد بأنه لو وجب النظر في المعارف الإلهية لوجد من الصحابة ، إذ هم أولى به من غيرهم لكنه لم يوجد وإلا لنقل عنهم كما نقل عنهم النظر والمناظرة في المسائل الفقهية فحيث لم ينقل لم يقع فلم يجب.

وأجيب بالتزام كونهم أولى به لكنهم نظروا وإلا لزم نسبتهم إلى الجهل بمعرفة الله تعالى وكون الواحد منا أفضل منهم وهو باطل إجماعا إذ كانوا عالمين

__________________

(١) سورة آل عمران : ١٩١.

(٢) سورة التغابن : ٢.


.................................................................................................

______________________________________________________

وليس بالضرورة فهو بالنظر والاستدلال ، وأما إنه لم ينقل النظر والمناظرة فلاتفاقهم على العقائد الحقة لوضوح الأمر عندهم حيث كانوا ينقلون عقائدهم عمن لا ينطق عن الهوى ، فلم يحتاجوا إلى كثرة البحث والنظر بخلاف الأخلاف بعدهم فإنهم لما كثرت شبه الضالين واختلف أنظار طالبي اليقين لتفاوت أذهانهم في إصابة الحق احتاجوا إلى النظر والمناظرة ليدفعوا بذلك شبه المضلين ، ويقفوا على اليقين إما مسائل الفروع لما كانت أمورا ظنية اجتهادية خفية لكثرة تعارض الأمارات فيها وقع بينهم الخلاف فيها والمناظرة والتخطئة لبعضهم من بعض فلذا نقل.

واحتجوا أيضا بأن النظر مظنة الوقوع في الشبهات والتورط في الضلالات بخلاف التقليد فإنه أبعد عن ذلك وأقرب إلى السلامة فيكون أولى ولأن الأصول أغمض أدلة من الفروع وأخفى ، فإذا جاز التقليد في الأسهل جار في الأصعب بطريق أولى ، ولأنهما سواء في التكليف بهما فإذا جاز في الفروع فليجز في الأصول.

وأجيب عن الأول بأن اعتقاد المعتقد إن كان عن تقليد لزم إما التسلسل أو الانتهاء إلى من يعتقد عن نظر لانتفاء الضرورة ، فيلزم ما ذكرتم من المحذور مع زيادة وهي احتمال كذب المخبر بخلاف الناظر مع نفسه ، فإنه لا يكابر نفسه فيما أدى إليه نظره.

على أنه لو اتفق الانتهاء إلى من اتفق له العلم بغير النظر كتصفية الباطن كما ذهب إليه بعضهم أو بالإلهام أو بخلق العلم فيه ضرورة فهو إنما يكون لأفراد نادرة لأنه على خلاف العادة فلا يتيسر لكل أحد الوصول إليه مشافهة بل بالوسائط فيكثر احتمال الكذب بخلاف الناظر فإنه لا يكابر نفسه ، ولأنه أقرب إلى الوقوف على الصواب.

وأما الجواب عن العلاوة فلأنه لما كان الطريق إلى العمل بالفروع إنما هو النقل ساغ لنا التقليد فيها ولم يقدح احتمال كذب المخبر وإلا لانسد باب العمل


.................................................................................................

______________________________________________________

بها ، بخلاف الاعتقاديات فإن الطريق إليها بالنظر ميسر.

ثم قالرحمه‌الله بعد إطالة الكلام في الجواب عن حجة الخصام : وأما المقام الثاني وهو أن الأعمال ليست جزءا من الإيمان ولا نفسه ، فالدليل عليه من الكتاب العزيز والسنة المطهرة والإجماع ، أما الكتاب فمنه قوله تعالى : «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ* » فإن العطف يقتضي المغايرة وعدم دخول المعطوف في المعطوف عليه ، فلو كان عمل الصالحات جزءا من الإيمان أو نفسه لزم خلو العطف عن الفائدة لكونه تكرارا ، ورد بأن الصالحات جمع معرف يشمل الفرض والنفل ، والقائل بكون الطاعات جزءا من الإيمان يريد بها فعل الواجبات واجتناب المحرمات وحينئذ فيصح العطف لحصول المغايرة المفيدة لعموم المعطوف ، فلم يدخل كله في المعطوف عليه ، نعم يصلح دليلا على إبطال مذهب القائلين بكون المندوب داخلا في حقيقة الإيمان كالخوارج.

ومنه قوله تعالى : «وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ »(١) أي حالة إيمانه وهذا يقتضي المغايرة.

ومنه قوله تعالى : «وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا »(٢) فإنه أثبت الإيمان لمن ارتكب بعض المعاصي فلا يكون ترك المنهيات جزءا من الإيمان.

ومنه قوله تعالى : «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ »(٣) فإن أمرهم بالتقوى التي لا تحصل إلا بفعل الطاعات والانزجار عن المنهيات مع وصفهم بالإيمان يدل على عدم حصول التقوى لهم ، وإلا لكان أمرا بتحصيل الحاصل.

ومنه الآيات الدالة على كون القلب محلا للإيمان من دون ضميمة شيء

__________________

(١) سورة طه : ١١٢.

(٢) سورة الحجرات : ٩.

(٣) سورة التوبة : ١١٩.


.................................................................................................

______________________________________________________

آخر كقوله تعالى : «أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ »(١) ولو كان الإقرار أو غيره من الأعمال نفس الإيمان أو جزءه لما كان القلب محل جميعه ، وقوله تعالى : «وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ »(٢) وقوله تعالى : «وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ »(٣) وكذا آيات الطبع والختم تشعر بأن محل الإيمان القلب كقوله تعالى : «أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ »(٤) و «خَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ »(٥) .

وأما السنة فكقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك وروي أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سأل جبرئيل عن الإيمان؟ فقال : أن تؤمن بالله ورسله واليوم الآخر.

وأما الإجماع فهو أن الأمة أجمعت على أن الإيمان شرط لسائر العبادات والشيء لا يكون شرطا لنفسه فلا يكون الإيمان هو العبادات.

وأما أهل الثاني وهم الكرامية فقد استدلوا على مذهبهم بأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والصحابة كانوا يكتفون في الخروج عن الكفر بكلمتي الشهادتين فتكون هي الإيمان إذ لا واسطة بين الكفر والإيمان ، لأن الكفر عدم الإيمان ، ولقوله تعالى : «فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ »(٦) وبقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، وبقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأسامة حين قتل من تكلم بالشهادتين : هلا شققت قلبه ، أو هل

__________________

(١) سورة المجادلة : ٢٢.

(٢) سورة الحجرات : ١٤.

(٣ و ٤) سورة النحل : ١٠٦ ـ ١٠٨.

(٥) سورة الجاثية : ٢٣.

(٦) سورة التغابن : ٢.


.................................................................................................

______________________________________________________

شققت قلبه؟ على بعض النسخ ، يريد بذلك الإنكار عليه ، حيث لم يكتف بالشهادتين منه.

والجواب عن الأول أن الخروج عن الكفر بكلمة الشهادة إن أرادوا به الخروج في نفس الأمر بحيث يصير مؤمنا عند الله سبحانه بمجرد ذلك من دون تصديق فهو ممنوع ، لم لا يجوز أن يكون اكتفاؤهم بذلك للترغيب في الإسلام ، لا الحكم بالإيمان وإن أرادوا به الخروج بحسب الظاهر فهو مسلم لكن لا ينفعهم إذا الكلام فيما يتحقق به الإيمان عند الله تعالى ، بحيث يصير المتصف به مؤمنا في نفس الأمر لا فيما يتحقق به الإسلام في ظاهر الشرع حيث لا يمكن الاطلاع على الباطن ، ألا ترى أنهم كانوا يحكمون بكفر من ظهر منه النفاق بعد الحكم بإسلامه ، ولو كان مؤمنا في نفس الأمر لما جاز ذلك ، وأما نفي الواسطة فهو مستقيم على أخذ الحكم في نفس الأمر ، فإن حال المكلف في نفس الأمر لا يخلو عن أحدهما ، وأما جعل لا إله إلا الله غاية للقتال ، فلا يدل على أكثر من كونه للترغيب في الإسلام أيضا بسبب حقن الدماء ، على أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ربما لا يطلع على بواطن الناس ، فكيف يؤمر بالقتال على ما لا يطلع عليه.

وأما أهل الثالث وهم قدماء المعتزلة القائلون بأنه جميع الطاعات فرضا ونفلا ، فمن أمتن دلائلهم على ذلك قوله تعالى : «وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ »(١) والمشار إليه بذلك هو جميع ما حصر بإلا وما عطف عليه ، والدين هو الإسلام لقوله تعالى :

«إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ »(٢) والإسلام هو الإيمان لقوله تعالى : «وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ »(٣) ولا ريب أن الإيمان مقبول من مبتغيه للنص

__________________

(١) سورة البينة : ٥.

(٢) سورة آل عمران : ١٩.

(٣) سورة آل عمران : ٨٥.


.................................................................................................

______________________________________________________

والإجماع ، فيكون إسلاما ، فيكون دينا فيعتبر فيه الطاعات كما دلت عليه الآيات.

والجواب المنع من اتحاد الدينين في الآيتين فلا يتكرر الوسط ، ولو سلم اتحادهما فلا نسلم أن الإيمان هو الإسلام ليكون هو الدين ، فتعتبر فيه الطاعات لم لا يجوز أن يكون الإيمان شرطا للإسلام أو جزءا منه أو بالعكس ، وشرط الشيء وجزؤه يقبل مع كونه غيره ، ولا يلزم من ذلك أن يكون الإيمان هو الدين بل شرطه أو جزؤه.

على أنا لو قطعنا النظر عن جميع ذلك فالآية الكريمة إنما تدل على من ابتغى وطلب غير دين الإسلام دينا له فلن يقبل منه ذلك المطلوب ، ولم تدل على أن من صدق بما أوجبه الشارع عليه لكنه ترك فعل بعض الطاعات غير مستحل أنه طالب لغير دين الإسلام ، إذ ترك الفعل يجتمع مع طلبه لعدم المنافاة بينهما ، فإن الشخص قد يكون طالبا للطاعة مريدا لها لكنه تركها إهمالا وتقصيرا ، ولا يخرج بذلك عن ابتغائها.

واستدلوا أيضا بقوله تعالى : «وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ »(١) أي صلاتكم إلى بيت المقدس ، واعترض عليه بأنه لم لا يجوز أن يكون المراد به تصديقكم بتلك الصلاة. سلمنا ذلك لكن لا دلالة لهم في الآية وذلك لأنهم زعموا أن الإيمان جميع الطاعات ، والصلاة إنما هي جزء من الطاعات وجزء الشيء لا يكون ذلك الشيء.

وأما أهل الرابع وهم القائلون بكونه عبارة عن جميع الواجبات وترك المحظورات ودون النوافل فقد يستدل لهم بقوله تعالى : «إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ »(٢) والتقوى لا يتحقق إلا بفعل المأمور به وترك المنهي عنه ، فلا يكون التصديق مقبولا ما لم يحصل التقوى ، وبما روي أن الزاني لا يزني وهو مؤمن ، وبقولهعليه‌السلام : لا إيمان

__________________

(١) سورة البقرة : ١٣٣.

(٢) سورة المائدة : ٢٧.


.................................................................................................

______________________________________________________

لمن لا أمانة له ، وبقوله تعالى : «وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ »(١) وقد لا يحكم بما أنزل الله أو يحكم بما لم ينزل الله مصدقا فلو تحقق الإيمان بالتصديق لزم اجتماع الكفر والإيمان في محل واحد وهو محال لتقابلهما بالعدم والملكة.

والجواب عن الأول أنه يجوز أن يكون المراد والله أعلم الأعمال الندبية ، على أنا نقول أن ظاهر الآية الكريمة متروك فإنها تدل ظاهرا على أن من أخلص في جميع أفعاله وكان قد سبق منه معصية واحدة لم يثبت عليها ويكون جميع الطاعات اللاحقة غير مقبولة ، والقول بذلك مع بعده عن حكمة الله تعالى من أفظع الفظائع فلا يكون مرادا ، بل المراد والله أعلم أن من عمل عملا إنما يكون مقبولا إذا كان متقيا فيه بأن يكون مخلصا فيه لله تعالى وحينئذ فلا دلالة لهم في الآية الكريمة.

مع أنا لو تنزلنا عن ذلك وقلنا بدلالتها على عدم قبول التصديق من دون التقوى فلا يحصل بذلك مدعاهم الذي هو كون الإيمان عبارة عن جميع الواجبات « إلخ » ولقائل أن يقول : لم لا يجوز أن يكون الإيمان عبارة عما ذكرتهم مع التصديق بالمعارف الأصولية وعدم قبول الجزء إنما هو لعدم قبول الكل ، وأما الحديث الأول على تقدير تسليمه فيمكن حمله على المبالغة في الزجر أو تخصيصه بمن استحل ودليل التخصيص في أحاديث أخر ، أو على نفي الكمال في الإيمان ، وكذا الحديث الثاني.

وأما الاستدلال بالآية فقد تعارض بقوله تعالى : «وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ »(٢) والفاسق مؤمن على المذهب الحق أو بين المنزلتين على غيره ويمكن أن يقال : الفسق لا ينافي الكفر إذ الكافر فاسق لغة وإن كان في العرف يباينه لكنه لم يتحقق كونه عرف الشارع ، بل المعلوم كونه لأهل الشرع والأصول فلا تعارض حينئذ.

__________________

(١) سورة المائدة : ٤٤.

(٢) سورة المائدة : ٤٧.


.................................................................................................

______________________________________________________

أقول : والحق في الجواب أن المراد والله أعلم : ومن لم يحكم بما أنزل الله ، أي بما علم قطعا أن الله سبحانه أنزله فإن العدول عنه إلى غيره مستحلا أو الوقوف عنه كذلك لا ريب في كونه كفرا لأنه إنكار لما علم ثبوته ضرورة فلا يكون التصديق حاصلا وحينئذ فلا دلالة فيها على أن من ارتكب معصية غير مستحل أو مستحلا مع كون تحريمها لم يعلم من الدين ضرورة يكون كافرا ، وإنما ارتكبنا هذا الإضمار في الآية لما دل عليه النص والإجماع من أن الحاكم لو أخطأ في حكمه لم يكفر مع أنه يصدق عليه أنه لم يحكم بما أنزل الله.

واعلم أنه قد ظهر من هذا الجواب وجه آخر للجمع بين الآيتين ووقع التعارض بين ظاهر هما بأن يراد من إحداهما ما ذكرناه في الجواب ومن الأخرى ومن لم يحكم غير مستحل مع علمه بالتحريم فهو فاسق ، والحاصل أنه يقال لهم : إن أردتم بالطاعات والتروك ما علم ثبوته من الدين ضرورة فنحن نقول بموجب ذلك ، لكن لا يلزم منه مدعا كم لجواز كون الحكم بكفره إما لجحده ما علم من الدين ضرورة فيكون قد أخل بما هو شرط الإيمان وهو عدم الجحد على ما قدمناه ، أو لكون المذكورات جزء الإيمان على ما ذهب إليه بعضهم ، وإن أردتم الأعم فلا دلالة لكم فيها أيضا وهو ظاهر.

وأما أهل الخامس القائلون بأنه تصديق بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان فيستدل لهم بما استدل به أهل التصديق مع ما استدل به أهل الأعمال ومن أضاف الإقرار باللسان إلى الجنان ، وقد علمت تزييف ما سوى الأول وسيجيء إنشاء الله تعالى تزييف أدلة من أضاف الإقرار فلم يبق لمذهبهم قرار.

نعم في أحاديث أهل البيتعليهم‌السلام ما يشهد لهم وقد ذكر في الكافي وغيره منها جملة فمنها ما رواه علي بن إبراهيم عن العباس بن معروف عن عبد الرحمن بن أبي نجران عن حماد بن عثمان عن عبد الرحيم القصير قال : كتبت مع عبد الملك بن أعين


.................................................................................................

______________________________________________________

إلى أبي عبد اللهعليهم‌السلام أسأله عن الإيمان ما هو إلى آخر الخبر ، ومنها ما رواه علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى عن يونس بن عبد الرحمن عن عجلان أبي صالح قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : أوقفني على حدود الإيمان ، الخبر. ومنها : أبو علي الأشعري عن محمد بن عبد الجبار عن صفوان أو غيره عن العلاء عن محمد بن مسلم عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سألته عن الإيمان ، الخبر.

ثم قالقدس‌سره : واعلم أن هذه الأحاديث منها ما سنده غير نقي كالأول ، فإن في سنده عبد الرحيم وهو مجهول مع كونه مكاتبة ، وأما الثاني فإن سنده وإن كان جيدا إلا أن دلالته غير صريحة فإن كون المذكورات حدود الإيمان لا يقتضي كونها نفس حقيقته إذ حد الشيء نهايته وما لا يجوز تجاوزه ، فإن تجاوزه خرج عنه ، ونحن نقول بموجب ذلك فإن من تجاوز هذه المذكورات بأن تركها جاحدا لا ريب في خروجه عن الإيمان ، لكن لعل ذلك لكونها شروطا للإيمان ، لا لكونها نفسه ، وأما الثالث فإن دلالته وإن كانت جيدة إلا أن في سنده إرسالا مع كون العلاء مشتركا بين المقبول والمجهول ، وبالجملة فهذه الرواية معارضة بما هو أمتن منها دلالة ، وقد تقدم ذلك فليراجع ، نعم لا ريب في كونها مؤيدة لما قالوه.

وأما أهل السادس القائلون بأنه التصديق مع كلمتي الشهادة ففيما مر من الأحاديث ما يصلح شاهدا لهم ، وكذا ما ذكره الكرامية مع ما ذكره أهل التصديق يصلح شاهدا لهم ، وقد عرفت ما في الأولين فلا نعيده ، وأما السابع فإنه مذهب جماعة من المتأخرين منهم المحقق الطوسي (ره) في تجريده فإنه اعتبر في حقيقة الإيمان مع التصديق الإقرار باللسان ، قال : ولا يكفي الأول لقوله تعالى : «وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ »(١) أثبت للكفار الاستيقان النفسي وهو التصديق القلبي ، فلو كان الإيمان هو التصديق القلبي فقط لزم اجتماع الكفر والإيمان وهو باطل لتقابلهما

__________________

(١) سورة النمل : ١٤.


.................................................................................................

______________________________________________________

تقابل العدم والملكة ، ولا الثاني يعني الإقرار باللسان لقوله تعالى : «قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا »(١) الآية ولقوله تعالى : «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ »(٢) فأثبت لهم تعالى في الآيتين التصديق باللسان ، ونفي عنهم الإيمان.

أقول : الاستدلال على عدم الاكتفاء بالثاني مسلم موجه وكذا عدم الاكتفاء بالأول ، أما على اعتبار الإقرار ففيه بحث فإن الدليل أخص من المدعى ، إذ المدعي أن الإيمان لا يحقق إلا بالتصديق مع الإقرار ، وبدون ذلك يتحقق الكفر ، والآية الكريمة إنما دلت على ثبوت الكفر لمن جحد أي أنكر الآيات مع علمه بحقيقتها وبينهما واسطة ، فإن من حصل له التصديق اليقيني في أول الأمر ، ولم يكن تلفظ بكلمات الإيمان لا يقال أنه منكر ولا جاحد ، وحينئذ فلا يلزم اجتماع الكفر والإيمان في مثل هذه الصورة مع أنه غير مقر ولا تارك للإقرار جحدا كما هو المفروض ، هذا إن قصد بالآية الدلالة على اعتبار الإقرار أيضا ، وإلا لكان اعتبار الإقرار دعوى مجردة ، وقد علت ما عليه ، وأما دلالة الآية الكريمة على كفره في صورة جحده واستيقانه فنقول بموجبه لكن ليس لعدم إقراره فقط بل لأنه ضم إنكارا إلى استيقان.

وبالجملة فهو من جملة العلامات على الحكم بالكفر كما جعل الاستخفاف بالشارع أو الشرع ، ووطي المصحف علامة على الحكم بالكفر ، مع أنه قد يكون مصدقا كما سبقت الإشارة إليه ، نعم غاية ما يلزم أن يكون إقرار المصدق شرطا لحكمنا بإيمانه ظاهرا ، وأما قبل ذلك وبعد التصديق فهو مؤمن عند الله تعالى إذا لم يكن تركه للإقرار عن جحد.

على أنه يلزمهقدس‌سره أن من حصل له التصديق بالمعارف الإلهية ثم عرض له الموت فجأة قبل الإقرار يموت كافرا ويستحق العذاب الدائم مع اعتقاده

__________________

(١) سورة الحجرات : ١٤.

(٢) سورة البقرة : ٨.


.................................................................................................

______________________________________________________

وحدة الصانع وحقية ما جاء به النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولا أظن أن مثل هذا المحقق يلتزم ذلك ، والحاصل أنه إن أرادرحمه‌الله أن كون الإنسان مؤمنا عند الله سبحانه كما هو ظاهر كلامه لا يتحقق إلا بمجموع الأمرين فالواسطة والالتزام لا زمان عليه ، وإن أراد أن كونه مؤمنا في ظاهر الشرع لا يتحقق إلا بالأمرين معا فالنزاع لفظي فإن من اكتفى فيه بالتصديق يريد به كونه مؤمنا عند الله تعالى فقط ، وأما عند الناس فلا بد في العلم بذلك من الإقرار ونحوه.

واعلم أنه استدل بعضهم على هذا المذهب أيضا بأنا نعلم بالضرورة أن الإيمان في اللغة هو التصديق ، والدلائل عليه كثيرة ، فإما أن يكون في الشرع كذلك أو يكون منقولا عن معناه في اللغة ، والثاني باطل لأن أكثر الألفاظ تكرار في القرآن وكلام الرسولعليه‌السلام لفظ الإيمان ، فلو كان منقولا عن معناه اللغوي لوجب أن يكون حاله كحال سائر العبادات الظاهرة في وجوب العلم به فلما لم يكن كذلك علمنا أنه باق على وضع اللغة.

إذا ثبت هذه فنقول : ذلك التصديق إما أن يكون هو التصديق القلبي أو اللساني أو مجموعهما ، والأول باطل لقوله تعالى : «فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ »(١) فأثبت لهم المعرفة مع أنه حكم بكفرهم ولو كان مجرد المعرفة إيمانا لما صح ذلك وأيضا قوله تعالى : «فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا »(٢) ولا يصح أن يكون جحدهم لها بقلوبهم حيث أثبت لهم الاستيقان بها ، فلا بد أن يكون بألسنتهم حيث لم يقروا بها وإذا كان الجحد باللسان موجبا للكفر كان الإقرار به مع التصديق القلبي موجبا للإيمان فيكون الإقرار من محققات الإيمان ، وأيضا قوله تعالى حكاية عن موسىعليه‌السلام إذا يقول لفرعون : «لَقَدْ عَلِمْتَ

__________________

(١) سورة البقرة : ٨٩.

(٢) سورة النمل : ١٤.


.................................................................................................

______________________________________________________

ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »(١) فأثبت كونه عالما بأن الله تعالى هو الذي أنزل الآيات التي جاء بها موسىعليه‌السلام ، فلو كان مجرد العلم هو الإيمان لكان فرعون مؤمنا وهو باطل بنص القرآن العزيز وإجماع الأنبياءعليهم‌السلام من لدن موسى إلى محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأيضا قوله تعالى : «فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ »(٢) ومعنى ذلك والله أعلم : أنهم يجحدون ذلك بألسنتهم ولا يكذبونك بقلوبهم أي يعلمون نبوتك ، ولا يستقيم أن يكون المعنى لا يكذبونك بألسنتهم لمنافاة يجحدون بألسنتهم له ، فيلزم أن يكونوا كذبوا بألسنتهم ولم يكذبوا بها وبطلانه ظاهر فيجب تنزيه القرآن العزيز عنه.

ولك أن تقول : لم لا يجوز أن يكون المعنى لا يكذبونك بألسنتهم ولكن يجحدون نبوتك بقلوبهم كما أخبر الله تعالى عن المنافقين في سورتهم حيث قالوا «نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ » ، وكذبهم الله تعالى حيث شهد سبحانه وتعالى بكذبهم فقال : «وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ » والمراد في شهادتهم أي فيما تضمنته من أنها عن صميم القلب وخلوص الاعتقاد كما ذكره جماعة من المفسرين حيث لم توافق عقيدتهم فقد علم من ذلك أنهم لم يكذبوه بألسنتهم بل شهدوا له بها ، ولكنهم جحدوا ذلك بقلوبهم حيث كذبهم الله تعالى في شهادتهم.

والجواب التكذيب لهم ورد على نفس شهادتهم التي هي باللسان لا على نفس عقيدتهم ، وبالجملة فهذا لا يصلح نظيرا لما نحن فيه ، على أن معنى الجحد كما قرروه هو الإنكار باللسان مع تصديق القلب ، وما ذكر من الاحتمال عكس هذا المعنى.

ثم قال : والثاني باطل أما أولا فبالاتفاق من الإمامية ، وأما ثانيا فلقوله تعالى : «قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا »(٣) ولا شك أنهم كانوا

__________________

(١) سورة الإسراء : ١٠٢.

(٢) سورة الأنعام : ٣٣.

(٣) سورة الحجرات : ١٤.


.................................................................................................

______________________________________________________

صدقوا بألسنتهم وحيث لم يكن كافيا نفى الله تعالى عنهم الإيمان مع تحققه ، وقوله تعالى : «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ »(١) فأثبت لهم الإقرار والتصديق باللسان ، ونفي إيمانهم فثبت بذلك أن الإيمان هو التصديق مع الإقرار.

ثم قال : لا يقال : لو كان الإقرار باللسان جزء الإيمان للزم كفر الساكت؟ لأنا نقول : لو كان الإيمان هو العلم أي التصديق لكان النائم غير مؤمن لكن لما كان النوم لا يخرجه عن كونه مؤمنا بالإجماع مع كونه أولى بأن يخرج النائم عن الإيمان لأنه لا يبقى معه معنى من الإيمان بخلاف الساكت ، فإنه قد بقي معه معنى منه وهو العلم لم يكن السكوت مخرجا بطريق أولى ، نعم لو كان الخروج عن التصديق والإقرار أو عن أحدهما على جهة الإنكار والجحد لخرج بذلك عن الإيمان ، ولذلك قلنا أن الإيمان هو التصديق بالقلب والإقرار باللسان أو ما في حكمهما ، انتهى محصل ما ذكره.

أقول : قوله : إن النائم ينتفي عنه العلم أي التصديق غير مسلم ، وإنما المنتفي شعوره بذلك العلم وهو غير العلم ، فالتصديق حينئذ باق لكونه من الكيفيات النفسية ، فلا يزيله النوم وحينئذ فلا يلزم من عدم الحكم بانتفاء الإيمان عن النائم عدم الحكم بانتفائه عن الساكت بطريق أولى ، نعم الحكم بعدم انتفائه عن الساكت على مذهب من جعل الإقرار جزءا إما للزوم الحرج العظيم بدوام الإقرار في كل وقت أو أن يكون المراد من كون الإقرار جزءا للإيمان الإقرار في الجملة أي في وقت ما مع البقاء عليه ، فلا ينافيه السكوت المجرد ، وإنما ينافيه مع الجحد لعدم بقاء الإقرار حينئذ.

وأقول : الذي ذكره من الدليل على عدم النقل لا يدل وحده على كون الإقرار جزءا وهو ظاهر ، بل قصد به الدلالة على بطلان ما عدا مذهب أهل التصديق ،

__________________

(١) سورة البقرة : ٨.


.................................................................................................

______________________________________________________

ثم استدل على بطلان مذهب التصديق بما ذكره من الآيات الدالة على اعتبار الإقرار في الإيمان الشرعي تخصيصا للغوي كما هو عند أهل التصديق وهذا جيد ، لكن دلالة الآيات على اعتبار الإقرار ممنوعة ، وقد بينا ذلك سابقا أن تكفيرهم إنما كان لجحدهم الإقرار وهو أخص من عدم الإقرار فتكفيرهم بالجحد لا يستلزم تكفيرهم بمطلق عدم الإقرار ليكون الإقرار معتبرا.

نعم اللازم من الآيات اعتبار عدم الجحد مع التصديق وهو أعم من الإقرار واعتبار الأعم لا يستلزم اعتبار الأخص وهو ظاهر.

وهذا جواب عن استدلاله بجميع الآيات ، ويزيد في الجواب عن الاستدلال بقوله تعالى ، في الحكاية عن موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام : «لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ »(١) الآية أنه يجوز أن يكون نسب إلى فرعون العلم على طريق الملاطفة والملائمة حيث كان مأمورا بذلك بقوله : «فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً ، لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى »(٢) وهذا شائع في الاستعمال كما يقال في المحاورات كثيرا ، وأنت خبير بأنه كذا وكذا ، مع أن المخاطب بذلك قد لا يكون عارفا بذلك المعنى أصلا ، بل قد لا يكون هناك مخاطب أصلا كما يقع في المؤلفات كثيرا.

وعلى هذا فلا تدل الآية على ثبوت العلم لفرعون ، ولو سلم ثبوته كان الحكم بكفره للجحد لا لعدم الإقرار مطلقا كما سبق بيانه.

واعلم أن المحقق الطوسيقدس‌سره اختار في فصوله الاكتفاء بالتصديق القلبي في تحقق الإيمان فكأنهرحمه‌الله لحظ ما ذكرناه ، وقد استدل بعض الشارحين بقوله تعالى : «أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ »(٣) وبقوله تعالى : «وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ »(٤) فيكون حقيقة فيه ، فلو أطلق على غيره لزم الاشتراك أو المجاز

__________________

(١) سورة الإسراء : ١٠٢.

(٢) سورة طه : ٤٤.

(٣) سورة المجادلة : ٢٢.

(٤) سورة الحجرات : ١٤.


باب

أن الإيمان يشرك الإسلام والإسلام لا يشرك الإيمان

١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسن بن محبوب ، عن جميل بن صالح ، عن سماعة قال قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام أخبرني عن الإسلام والإيمان أهما مختلفان فقال إن الإيمان يشارك الإسلام والإسلام لا يشارك الإيمان فقلت فصفهما لي فقال ـ الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله والتصديق برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله به

______________________________________________________

وهما خلاف الأصل ، والإقرار باللسان كاشف عنه والأعمال الصالحة ثمراته.

أقول : الذي ظهر مما حررناه أن الإيمان هو التصديق بالله وحده وصفاته وعدله وحكمته ، وبالنبوة وبكل ما علم بالضرورة مجيء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع الإقرار بذلك وعلى هذا أكثر المسلمين بل ادعى بعضهم إجماعهم على ذلك ، والتصديق بإمامة الأئمة الاثني عشرعليه‌السلام وبإمام الزمان ، وهذا عند الإمامية.

باب أن الإيمان يشرك الإسلام والإسلام لا يشرك الإيمان

الحديث الأول : موثق.

« أهما مختلفان » أي مفهوما وحقيقة أم متساويان مترادفان« يشارك الإسلام » قيل : المشاركة وعدمها أما باعتبار المفهوم فإن مفهوم الإسلام داخل في مفهوم الإيمان دون العكس أو باعتبار الصدق فإن كل مؤمن مسلم دون العكس ، أو باعتبار الدخول فإن الداخل في الإيمان داخل في الإسلام بدون العكس أو باعتبار الأحكام فإن أحكام الإسلام ثابتة للإيمان بغير عكس.

« فصفهما لي » أي بين لي حقيقتهما« شهادة أن لا إله إلا الله » بيان لأجزاء الإسلام« به حقنت » بيان لأحكام الإسلام ، ويدل على التوارث بين جميع فرق المسلمين كما هو المشهور ، والظاهر أن المراد بالشهادة والتصديق الإقرار الظاهري كما مر


حقنت الدماء وعليه جرت المناكح والمواريث وعلى ظاهره جماعة الناس والإيمان الهدى وما يثبت في القلوب من صفة الإسلام وما ظهر من العمل به والإيمان أرفع من الإسلام بدرجة إن الإيمان يشارك الإسلام في الظاهر والإسلام لا يشارك الإيمان

______________________________________________________

أنه إطلاقه الشائع ويحتمل التصديق القلبي فيكون إشارة إلى معنى آخر للإسلام ، ويحتمل أن يكون أصل معناه الإقرار القلبي وإن ترتبت الأحكام على الإقرار الظاهري ، بناء على الحكم بالظاهر ما لم يظهر خلافه ، لعدم إمكان الاطلاع علي القلب كما قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : فهل شققت قلبه؟ ولذا قالعليه‌السلام وعلى ظاهره جماعة الناس فتأمل ، وعلى هذا فلا فرق بين الإيمان والإسلام إلا بالولاية والإقرار بالأئمةعليهم‌السلام ، إذ في الإيمان أيضا يحكم بالظاهر والأول أظهر ، والمراد بالهدي الولاية والاهتداء بالأئمةعليهم‌السلام وما يثبت في القلوب إشارة إلى العقائد القلبية بالشهادة الظاهرة الإسلامية فكلمة« من » في قوله : من صفة الإسلام ، بيانية ، ويحتمل أن يكون ابتدائية أي ما يسري من أثر الأعمال الظاهرة إلى الباطن ، وقوله : وما ظهر من العمل ، يدل على أن الأعمال أجزاء الإيمان وإن أمكن حمله على الشهادتين كما يومئ إليه آخر الخبر.

« أرفع من الإسلام » لأنه يصير سببا لإحراز المثوبات الأخروية أو لاعتبار الولاية فيه فيكون أكمل وأجمع.

قولهعليه‌السلام : الإيمان يشارك الإسلام ظاهره أنه لا فرق بين العقائد الإيمانية والإسلامية ، والفرق بينهما أن في الإيمان يعتبر الإقرار الظاهري والتصديق الباطني معا بخلاف الإسلام فإنه لا يعتبر فيه إلا الظاهر فقط ، وقد يأول بأن المراد أن الإيمان يشارك الإسلام في جميع الأعمال الظاهرة المعتبرة في الإسلام مثل الصلاة والزكاة وغيرهما ،والإسلام لا يشارك الإيمان في جميع الأمور الباطنة المعتبرة في الإيمان ، لأنه لا يشاركه في التصديق بالولاية وإن اجتمعا في الشهادتين والتصديق بالتوحيد والرسالة ، قيل : ومنه يتبين أن الإيمان كالنوع والإسلام كالجنس ، وقد


في الباطن وإن اجتمعا في القول والصفة.

٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس بن عبد الرحمن ، عن موسى بن بكر ، عن فضيل بن يسار ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال الإيمان يشارك الإسلام والإسلام لا يشارك الإيمان.

٣ ـ علي ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن جميل بن دراج ، عن فضيل بن يسار قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول إن الإيمان يشارك الإسلام ولا يشاركه الإسلام إن الإيمان ما وقر في القلوب والإسلام ما عليه المناكح والمواريث وحقن الدماء والإيمان يشرك الإسلام والإسلام لا يشرك الإيمان.

٤ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن الحسن بن محبوب ، عن أبي الصباح الكناني قال قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام أيهما أفضل الإيمان أو الإسلام فإن من قبلنا يقولون إن الإسلام أفضل من الإيمان فقال الإيمان

______________________________________________________

يطلق الإسلام ويراد به هذا النوع مجازا من باب إطلاق العام على الخاص ، ولعل قوله تعالى : «فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها »(١) الآية من هذا الباب ، فقول من زعم أنهما مترادفان وتمسك بهذه الآية مدفوع.

الحديث الثاني : ضعيف كالموثق وقد مر القول فيه.

الحديث الثالث : حسن كالصحيح.

وهو خلاصة من الخبر الأول ، وفي النهاية بشيءوقر في القلب ، أي سكن فيه وثبت من الوقار الحلم والرزانة ، وقر يقر وقارا وفي المصباح : الوقار الحلم والرزانة وهو مصدر وقر بالضم مثل جمل جمالا ، ويقال أيضا وقر يقر من باب وعد ، ووقر من باب وعد أيضا أي جلس بوقار.

الحديث الرابع : صحيح.

« أيهما أفضل » ؟ مبتدأ وخبر ، والإيمان والإسلام تفسير لمرجع الضمير ، أو هما

__________________

(١) سورة الذاريات : ٣٥ ،.


أرفع من الإسلام قلت فأوجدني ذلك قال ما تقول فيمن أحدث في المسجد الحرام متعمدا قال قلت يضرب ضربا شديدا قال أصبت قال فما تقول فيمن أحدث في الكعبة متعمدا قلت يقتل قال أصبت ألا ترى أن الكعبة أفضل من المسجد وأن الكعبة تشرك المسجد والمسجد لا يشرك الكعبة وكذلك الإيمان يشرك الإسلام والإسلام لا يشرك الإيمان.

٥ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ومحمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد جميعا ، عن ابن محبوب ، عن علي بن رئاب ، عن حمران بن أعين ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال سمعته يقول الإيمان ما استقر في القلب وأفضى به إلى الله عز وجل وصدقه

______________________________________________________

مبتدأ وأيهما أفضل خبر« أوجدني ذلك » أي اجعلني أجده وأفهمه ، وفي القاموس : وجد المطلوب كوعد وورم يجده ويجده بضم الجيم وجد أوجده أدركه وأوجده أغناه ، وفلانا مطلوبه أظفره به ، وبعد ضعف قواه كأجده.

قوله : متعمدا أي لا ساهيا ولا مضطرا ، ويدل على كفر من استخف بالكعبة فإنها من حرمات الله ووجوب تعظيمها من ضروريات الدين« ألا ترى أن الكعبة » شبهعليه‌السلام المعقول بالمحسوس إفهاما للسائل وبيانا للعموم والخصوص ، وشرف الإيمان على الإسلام« وأن الكعبة تشرك المسجد » أي في حكم التعظيم في الجملة أو في أنها يصدق عليها أنها مسجد وكعبة ، أو في أن من دخل الكعبة يحكم بدخوله في المسجد بخلاف العكس.

« والمسجد » أي جميع أجزائه« لا يشرك الكعبة » في قدر التعظيم وعقوبة من استخف بها أو لا يصدق على كل جزء من المسجد أنه كعبة ، أو في أن من دخلها دخل الكعبة كما سيأتي ووجه الشبه على جميع الوجوه ظاهر.

الحديث الخامس : حسن.

قوله عليه‌السلام « وأفضى به إلى الله » الضمير إما راجع إلى القلب أو إلى صاحبه أي أوصله إلى معرفة الله وقربه وثوابه فالضمير في أفضى راجع إلى ما ، ويحتمل أن يكون


العمل بالطاعة لله والتسليم لأمره والإسلام ما ظهر من قول أو فعل وهو الذي عليه جماعة الناس من الفرق كلها وبه حقنت الدماء وعليه جرت المواريث وجاز النكاح واجتمعوا على الصلاة والزكاة والصوم والحج فخرجوا بذلك من الكفر وأضيفوا إلى الإيمان والإسلام لا

______________________________________________________

راجعا إلى المؤمن وضمير به راجعا إلى الموصول أي وصل بسبب ذلك الاعتقاد أو أوصل ذلك الاعتقاد إلى الله كناية عن علمه سبحانه بحصوله في قلبه ، وقيل : أي جعل وجه القلب إلى الله من الفضائل والأحكام أي الفضائل الدنيوية والأحكام الشرعية ، قال في المصباح : أفضى الرجل بيده إلى الأرض بالألف مسها بباطن راحته قاله ابن فارس وغيره ، وأفضيت إلى الشيء وصلت إليه والسر أعلمته به ، انتهى.

وقيل : أشار به إلى أن المراد بما استقر في القلب مجموع التصديق بالتوحيد والرسالة والولاية ، لأن هذا المجموع هو المفضي إلى الله ، وقوله : وصدقه العمل ، مشعر بأن العمل خارج عن الإيمان. ودليل عليه ، لأن الإيمان وهو التصديق أمر قلبي يعلم بدليل خارجي مع ما فيه من الإيماء إلى أن الإيمان بلا عمل ليس بإيمان« والتسليم لأمره » أي الإمامة عبر هكذا تقية أو الأعم فيشملها أيضا ، ويحتمل أن يكون عدم ذكر الولاية لأن التصديق القلبي الواقعي بالشهادتين مستلزم للإقرار بالولاية فكأن المخالفين ليس إذعانهم إلا إذعانا ظاهريا لإخلالهم بما يستلزمانه من الإقرار بالولاية ، فلذا أطلق عليهم في الأخبار اسم النفاق والشرك فتفطن.

« والإسلام ما ظهر من قول أو فعل » أي قول بالشهادتين أو الأعم وفعل بالطاعات كالصلاة والزكاة والصوم والحج وغيرها ، فيدل على أن الإسلام يطلق علي مجرد الطاعات والشهادات من غير اشتراط التصديق« فخرجوا بذلك من الكفر » أي من أن يجري عليهم في الدنيا أحكام الكفار« وأضيفوا إلى الإيمان » أي نسبوا إلى الإيمان ظاهرا وإن لم يكونوا متصفين به حقيقة« وهما في القول والفعل يجتمعان »


يشرك الإيمان والإيمان يشرك الإسلام وهما في القول والفعل يجتمعان كما صارت الكعبة في المسجد والمسجد ليس في الكعبة وكذلك الإيمان يشرك الإسلام والإسلام لا يشرك الإيمان وقد قال الله عز وجل : «قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ »(١) فقول الله عز وجل أصدق القول قلت فهل للمؤمن فضل على المسلم في شيء من الفضائل والأحكام والحدود وغير ذلك فقال لا هما يجريان في ذلك مجرى واحد ولكن للمؤمن فضل على المسلم ـ في أعمالهما وما يتقربان به إلى الله عز وجل قلت أليس الله عز وجل يقول : «مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها »(٢) وزعمت أنهم

______________________________________________________

أي في الشهادتين والعبادات الظاهرة وإن خص الإيمان بالولاية ، وظاهر سياق الحديث لا يخلو من شوب تقية ، وكان المراد بالفضائل ما يفضل به في الدنيا من العطاء والأجر وأمثاله لا الفضائل الواقعية الأخروية أو ما يفضل به على الكافر من الإنفاق والإعطاء والإكرام والرعاية الظاهرية وقيل : أي في التكليف بالفضائل بأن يكون المؤمن مكلفا ولا يكون المسلم مكلفا بها.

وفي تفسير العياشي هكذا قال : قلت له : أرأيت المؤمن له فضل على المسلم في شيء من المواريث والقضايا والأحكام حتى يكون للمؤمن أكثر مما يكون للمسلم في المواريث أو غير ذلك؟ قال : لا ، هما يجريان في ذلك مجرى واحدا إذا حكم الإمام عليهما ، إلى آخر الخبر ، وهو أظهر ، فالفضائل تصحيف القضايا.

« في إعمالهما » أي صحتها وقبولها« وما يتقربان به إلى الله » أي من العقائد والأعمال فيكون تأكيدا أو تعميما بعد التخصيص لشموله للعقائد أيضا ، أو المراد بالأول صحة الأعمال ، وبالثاني كيفياتها فإن المؤمن يعمل بما أخذه من إمامه ، والمسلم يعمل ببدع أهل الخلاف ، وقيل : المراد به الإمام الذي يتقرب بولايته ومتابعته إلى الله تعالى ، فإن أمام المؤمن مستجمع لشرائط الإمامة وإمام المسلم لشرائط الفسق والجهالة.

قوله : أليس الله تعالى يقول. أقول : هذا السؤال والجواب يحتمل وجوها

__________________

(١) سورة الحجرات : ١٤.

(٢) سورة الأنعام : ١٦.


مجتمعون على الصلاة والزكاة والصوم والحج مع المؤمن قال أليس قد قال الله عز وجل : «فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً »(١) فالمؤمنون هم الذين يضاعف الله عز وجل لهم حسناتهم لكل حسنة سبعون ضعفا فهذا فضل المؤمن ويزيده الله في حسناته على قدر صحة إيمانه أضعافا كثيرة ويفعل الله بالمؤمنين ما يشاء من الخير قلت أرأيت

______________________________________________________

« الأول » وهو الظاهر أن السائل أراد أنه إذا كانا مجتمعين في الحسنات والحسنة بالعشر ، فكيف يكون له فضل عليه في الأعمال والقربات مع أن الموصول من أدوات العموم فيشمل كل من فعلها ، فأجابعليه‌السلام بأنها شريكان في العشر والمؤمن يفضل بما زاد عليها ، ويرد عليه أنه على هذا يكون لإعمال غير المؤمنين أيضا ثواب وهو مخالف للإجماع والأخبار المستفيضة إلا أن يحمل الكلام على نوع من التقية أو المصلحة لقصور فهم السائل ، أو يكون المراد بالإيمان الإيمان الخالص وبالإسلام أعم من الإيمان الناقص وغيره ، ويكون الثواب للأول وهو غير بعيد عن سياق الخبر بل لا يبعد أن يكون المراد المستضعف من المؤمنين الذين يظهرون الإيمان ولم يستقر في قلوبهم كما يرشد إليه قوله : وهما في القول والفعل يجتمعان ، وقد عرفت اختلاف الاصطلاح في الإيمان فيكون هذا الخبر موافقا لبعض مصطلحاته ، وقيل في الجواب : لعل عمل غير المؤمن ينفعه في تخفيف العقوبة ورفع شدتها لا في دخول الجنة إذ دخولها مشروط بالإيمان.

الثاني : أنه تعالى قال : «مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً » والقرض الحسن هو العبادة الواقعة على كمالها وشرائط قبولها ، ومن جملة شرائطها هو الإيمان فالمؤمنون هم الذين يضاعف الله عز وجل لهم حسناتهم لا غيرهم ، فيعطيهم لكل حسنة عشرة ، وربما يعطيهم لكل حسنة سبعين ضعفا ، فهذا فضل المؤمن على المسلم ، ويزيد الله في حسناته على قدر صحة إيمانه ، وحسب كماله أضعافا

__________________

(١) سورة البقرة : ٢٤٥.


من دخل في الإسلام أليس هو داخلا في الإيمان فقال لا ولكنه قد أضيف إلى الإيمان وخرج من الكفر وسأضرب لك مثلا تعقل به فضل الإيمان على الإسلام أرأيت لو بصرت رجلا في المسجد أكنت تشهد أنك رأيته في الكعبة قلت لا يجوز لي ذلك قال فلو بصرت رجلا في الكعبة أكنت شاهدا أنه قد دخل المسجد الحرام قلت

______________________________________________________

كثيرة حتى أنه تعطى بواحدة سبعمائة أو أزيد ويفعل الله بالمؤمنين ما يشاء من الخير الذي لا يعلمه إلا هو كما قال : «وَلَدَيْنا مَزِيدٌ »(١) وقيل : أراد بما يشاء من الخير إيتاء العلم والحكمة وزيادة اليقين والمعرفة.

الثالث : ما ذكره بعض الأفاضل ويرجع إلى الثاني وهو أن المراد بالقرض الحسن صلة الإمامعليه‌السلام كما ورد في الأخبار ، فالغرض من الجواب أنه كما أن القرض يكون حسنا وغير حسن ، والحسن الذي هو صلة الإمام يصير سببا لتضاعف أكثر من عشرة ، فكذلك الصلاة والزكاة والحج تكون حسنة وغير حسنة ، والحسنة ما كان مع تصديق الإمام وهو يستحق المضاعفة لا غيره ، والفاء فيقوله : « فالمؤمنون » للبيان ،وقوله : يضاعف الله بتقدير قد يضاعف الله وإلا لكان الظاهر عشرة أضعاف ،« ويزيد الله » أي على السبعين أيضا.

قوله : أرأيت من دخل في الإسلام ، كان السائل لم يفهم الفرق بين الإيمان والإسلام بما ذكرهعليه‌السلام فأعاد السؤال أو أنه لما كان تمكن في نفسه ما اشتهر بين المخالفين من عدم الفرق بينهما أراد أن يتضح الأمر عنده أو قاس الدخول في المركب من الأجزاء المعقولة بالدخول في المركب من الأجزاء المقدارية ، فإن من دخل جزءا من الدار صدق عليه أنه دخل الدار ، فلذا أجابهعليه‌السلام بمثل ذلك لتفهيمه فقال : المتصف ببعض أجزاء الإيمان لا يلزم أن يتصف بجميع أجزائه حتى يتصف بالإيمان كما أن من دخل المسجد لا يحكم عليه بأنه دخل الكعبة ومن دخل الكعبة يحكم عليه بأنه دخل المسجد ، فكذا يحكم على المؤمن أنه مسلم ولا يحكم على كل مسلم أنه مؤمن.

__________________

(١) سورة ق : ٣٥.


نعم قال وكيف ذلك قلت إنه لا يصل إلى دخول الكعبة حتى يدخل المسجد فقال قد أصبت وأحسنت ثم قال كذلك الإيمان والإسلام.

باب

آخر منه وفيه أن الإسلام قبل الإيمان

١ ـ علي بن إبراهيم ، عن العباس بن معروف ، عن عبد الرحمن بن أبي نجران ، عن حماد بن عثمان ، عن عبد الرحيم القصير قال كتبت مع عبد الملك بن أعين إلى أبي عبد اللهعليه‌السلام أسأله عن الإيمان ما هو فكتب إلي مع عبد الملك بن أعين سألت رحمك الله عن الإيمان والإيمان هو الإقرار باللسان وعقد في القلب وعمل بالأركان

______________________________________________________

ثم اعلم أنه استدل بهذه الأخبار على كون الكعبة جزءا من المسجد الحرام ، ويرد عليه أنه لا دلالة في أكثرها على ذلك ، بل بعضها يومئ إلى خلافه كهذا الخبر ، حيث قال :أكنت شاهدا أنه قد دخل المسجد ، ولم يقل أكنت شاهدا أنه في المسجد ، وكذاقوله : لا يصل إلى دخول الكعبة حتى يدخل المسجد ، نعم بعض الأخبار تشعر بالجزئية.

باب آخر منه وفيه أن الإسلام قبل الإيمان

الحديث الأول : مجهول.

قوله عليه‌السلام : والإيمان هو الإقرار « إلخ » هذا تفسير للإيمان الكامل والأخبار في ذلك كثيرة ، وعليه انعقد اصطلاح المحدثين منا ، قال الصدوقرحمه‌الله في الهداية : الإسلام هو الإقرار بالشهادتين وهو الذي يحقن به الدماء ، والأموال ، ومن قال : لا إله إلا الله محمد رسول الله فقد حقن ماله ودمه إلا بحقيهما وعلى الله حسابه ، والإيمان هو الإقرار باللسان وعقد بالقلب وعمل بالجوارح ، وأنه يزيد بالأعمال وينقص بتركها ، وكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم بمؤمن ومثل ذلك مثل الكعبة والمسجد فمن دخل الكعبة فقد دخل المسجد ، وليس كل من دخل المسجد دخل الكعبة ، وقد فرق الله عز اسمه


.................................................................................................

______________________________________________________

في كتابه بين الإسلام والإيمان ، فقال : «قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا » وقد بين الله عز وجل أن الإيمان قول وعمل ، لقوله : «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ » إلى قوله تعالى : «أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا »(١) وأما قوله عز وجل : «فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ »(٢) فليس ذلك بخلاف ما ذكرنا لأن المؤمن يسمى مسلما والمسلم لا يسمى مؤمنا حتى يأتي مع إقراره بعمل ، وأما قوله عز وجل : «وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ »(٣) الآية فقد سئل الصادقعليه‌السلام عن ذلك فقال : هو الإسلام الذي فيه الإيمان ، انتهى.

وقال الشيخ المفيدقدس‌سره في كتاب المسائل : أقول : إن مرتكبي الكبائر من أهل المعرفة والإقرار مؤمنون بإيمانهم بالله وبرسله وبما جاء من عنده وفاسقون بما معهم من كبائر الآثام ولا أطلق لهم اسم الفسوق ولا اسم الإيمان ، بل أقيدهما جميعا في تسميتهم بكل واحد منهما وامتنع من الوصف لهم بهما على الإطلاق وأطلق لهم اسم الإسلام بغير تقييد ، وعلى كل حال وهذا مذهب الإمامية إلا بني نوبخترحمهم‌الله ، فإنهم خالفوا فيه وأطلقوا للفساق اسم الإيمان ، انتهى.

« والإيمان بعضه من بعض » أي تترتب أجزاء الإيمان بعضها على بعض فإن الإقرار بالعقائد يصير سببا للعقائد القلبية والعقائد تصير سببا للأعمال البدنية أو المعنى أن أفراد الإيمان ودرجاته يترتب بعضها على بعض ، فإن الأدنى منها تصير سببا لحصول الأعلى وهكذا إلى حصول أعلى درجاته فإن حصول قدر من اليقين يصير سببا للإتيان بقدر من الأعمال بحسبه فإذا أتى بتلك الأعمال زاد الإيمان القلبي فيزيد أيضا العمل وهكذا ، فيترتب كمال كل جزء من الإيمان على كمال الجزء الآخر.

ويحتمل أن يكون إشارة إلى اشتراط بعض أجزاء الإيمان ببعض ، فإن العمل لا ينفع بدون الاعتقاد والاعتقاد أيضا مشروط في كماله وترتب الآثار عليه بالعمل

__________________

(١) سورة الأنفال : ٣.

(٢) سورة الذاريات : ٣٥.

(٣) سورة آل عمران : ٨٥.


والإيمان بعضه من بعض وهو دار وكذلك الإسلام دار والكفر دار فقد يكون العبد مسلما قبل أن يكون مؤمنا ولا يكون مؤمنا حتى يكون مسلما ـ فالإسلام قبل الإيمان وهو يشارك الإيمان فإذا أتى العبد كبيرة من كبائر المعاصي أو صغيرة من صغائر المعاصي التي نهى الله عز وجل عنها كان خارجا من الإيمان ساقطا عنه اسم

______________________________________________________

« وهو دار » أي الإيمان دار ، قيل : إنما شبه الإيمان والإسلام والكفر بالدار لأن كلا منها بمنزلة حصن لصاحبه يدخل فيها ويخرج منها كما أن الدار حصن لصاحبهوقوله : وهو يشارك الإيمان قيل : معناه أنه كلما يتحقق الإيمان فهو يشاركه في التحقق ، وأما ما مضى في الأخبار أنه لا يشارك الإيمان فمعناه أنه ليس كلما تحقق تحقق الإيمان ، فلا منافاة ، ويحتمل أن يكون سقط من الكلام شيء ، وكان هكذا : وهو يشارك الإسلام والإسلام لا يشارك الإيمان فيكون على وتيرة ما سبق ، انتهى.

وأقول : الظاهر هنا المشاركة في الأحكام الظاهرة وفيما سبق نفي المشاركة في جميع الأحكام ، وقيل وسر ذلك أن الإقرار بالتوحيد والرسالة مقدم على الإقرار بالولاية والعمل ، والمؤمن والمسلم بسبب الأول يخرجان من دار الكفر ويدخلان في دار الإسلام ثم المسلم بسبب الاكتفاء يستقر في هذه الدار والمؤمن بسبب الثاني يترقى وينزل في دار الإيمان ، ومنه لاح أن الإسلام قبل الإيمان وأنه يشارك الإيمان فيما هو سبب للخروج من دار الكفر لا فيما هو سبب للدخول في دار الإيمان ، وبهذا التقرير تندفع المنافاة بين قولهعليه‌السلام هيهنا : وهو يشارك الإيمان ، وقوله سابقا : والإسلام لا يشارك الإيمان.

قوله : فإذا أتى العبد كبيرة « إلخ » يدل على أن الصغيرة أيضا مخرجة من الإيمان مع أنها مكفرة مع اجتناب الكبائر ، ويمكن حمله على الإصرار كما يومئ إليه ما بعده ، أو على أن المراد بهما الكبيرة لكن بعضها صغيرة بالإضافة إلى بعضها التي هي أكبر الكبائر ، فالمراد بقولهعليه‌السلام : نهى الله عنها نهيه عنها في القرآن وإيعاده عليها النار ، ويدل على أن جحود المعاصي واستحلالها موجبان للارتداد ، وينبغي حمله على


الإيمان وثابتا عليه اسم الإسلام فإن تاب واستغفر عاد إلى دار الإيمان ولا يخرجه إلى الكفر إلا الجحود والاستحلال أن يقول للحلال هذا حرام وللحرام هذا حلال ودان بذلك فعندها يكون خارجا من الإسلام والإيمان داخلا في الكفر وكان بمنزلة

______________________________________________________

ما إذا كان من ضروريات الدين ، فيؤيد التأويل الثاني فإن أكثر ما نهى عنه في القرآن كذلك ، أو على ما إذا جحد واستحل بعد العلم بالتحريم ، ويدل على أن المرتد مستحق للقتل وإن كان يفعل ما يؤذن بالاستخفاف بالدين ، ويومئ إلى عدم قبول توبته للمقابلة ، فيحمل على الفطري ، وعلى أنه مستحق للنار وإن تاب.

وجملة القول فيه أن المرتد على ما ذكره الشهيدقدس‌سره في الدروس هو من قطع الإسلام بالإقرار على نفسه بالخروج منه أو ببعض أنواع الكفر سواء كان مما يقر أهله عليه أم لا ، أو بإنكار ما علم ثبوته من الدين ضرورة أو بإثبات ما علم نفيه كذلك ، أو بفعل دال عليه صريحا كالسجود للشمس والصنم ، وإلقاء المصحف في القذر قصدا وإلقاء النجاسة على الكعبة أو هدمها أو إظهار الاستخفاف بها.

وأما حكمه فالمشهور بين الأصحاب أن الارتداد على قسمين فطري وملي ، فالأول ارتداد من ولد على الإسلام بأن انعقد حال إسلام أحد أبويه وهذا لا يقبل إسلامه لو رجع إليه ويتحتم قتله ، وتبين عنه امرأته وتعتد منه عدة الوفاة ، وتقسم أمواله بين ورثته وهذا الحكم بحسب الظاهر لا إشكال فيه بمعنى تعين قتله ، وأما فيما بينه وبين الله فاختلفوا في قبول توبته فأكثر المحققين ذهبوا إلى القبول حذرا من تكليف ما لا يطاق لو كان مكلفا بالإسلام أو خروجه عن التكليف ما دام حيا كامل العقل وهو باطل بالإجماع وحينئذ فلو لم يطلع عليه أحد أو لم يقدر على قتله فتاب قبلت توبته فيما بينه وبين الله تعالى وصحت عباداته ومعاملاته ، ولكن لا تعود ماله وزوجته إليه بذلك ، ويجوز له تجديد العقد عليها بعد العدة أو فيها على احتمال كما يجوز للزوج العقد على المعتدة بائنا حيث لا تكون محرمة مؤبدا كالمطلقة بائنا ولا تقتل المرأة بالردة بل تحبس دائما وإن كانت مولودة على الفطرة وتضرب أوقات الصلوات.


من دخل الحرم ثم دخل الكعبة وأحدث في الكعبة حدثا فأخرج عن الكعبة وعن الحرم فضربت عنقه وصار إلى النار.

٢ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن عثمان بن عيسى ، عن سماعة بن مهران قال سألته عن الإيمان والإسلام قلت له أفرق بين الإسلام والإيمان قال فأضرب لك مثله قال قلت أورد ذلك قال مثل الإيمان والإسلام مثل الكعبة الحرام من الحرم قد يكون في الحرم ولا يكون في الكعبة ولا يكون في الكعبة حتى يكون في الحرم وقد يكون مسلما ولا يكون مؤمنا ولا يكون مؤمنا حتى يكون مسلما قال قلت فيخرج من الإيمان شيء قال نعم قلت فيصيره إلى ما ذا قال إلى الإسلام أو الكفر وقال لو أن رجلا دخل الكعبة فأفلت منه بوله أخرج من الكعبة ولم يخرج من الحرم فغسل ثوبه وتطهر ثم لم يمنع أن يدخل الكعبة ولو أن رجلا دخل الكعبة فبال فيها معاندا أخرج من الكعبة ومن الحرم وضربت عنقه.

______________________________________________________

والثاني أن يكون مولودا على الكفر فأسلم ثم ارتد فهذا يستتاب على المشهور فإن امتنع قتل ، واختلف في مدة الاستتابة فقيل ثلاثة أيام لرواية مسمع ، وقيل : القدر الذي يمكن معه الرجوع ، ويظهر من ابن الجنيد أن الارتداد قسم واحد وأنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل وهو مذهب العامة لكن لا يخلو من قوة.

الحديث الثاني : موثق.

« فخرج من الإيمان شيء؟ قال : نعم » ما يخرجه عن الإيمان فقط أما المعاصي وترك الطاعات بناء على دخول الأعمال في الأيمان ، أو إنكار الإمامة ولوازمها ، وما يخرجه عن الإيمان والإسلام معا الارتداد وما ينافي دين الإسلام قولا أو فعلا والترديد في قوله إلى الإسلام أو الكفر لذلك ، وفي القاموس :كان الأمر فلتة أي فجأة من غير تردد وتدبر ، وأفلتني الشيء وتفلت مني انفلت ، وأفلته غيره وأفلت على بناء المفعول مات فجأة ، وبأمر كذا فوجئ به قبل أن يستعد له ، وفي المصباح أفلت الطائر وغيره إفلاتا تخلص ، وأفلته إذا أطلقته وخلصته يستعمل لازما ومتعديا.


باب

١ ـ علي بن محمد ، عن بعض أصحابه ، عن آدم بن إسحاق ، عن عبد الرزاق بن مهران ، عن الحسين بن ميمون ، عن محمد بن سالم ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال إن أناسا تكلموا في هذا القرآن بغير علم وذلك أن الله تبارك وتعالى يقول : «هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ

______________________________________________________

باب

إنما لم يعنون الباب لأنه قريب من البابين السابقين في أنه مشتمل على معاني الإسلام والإيمان ، لكن لما كان فيه زيادة تفصيل وتوضيح وفوائد كبيرة جعله بابا آخر.

الحديث الأول : مجهول.

قوله : وذلك أن ، تعليل لتكلمهم فيه بغير علم لأنهم تكلموا في متشابهه أيضا مع أنه لا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ، والمحكم في اللغة المتقن ، وفي العرف يطلق على ما له معنى لا يحتمل غيره ، وعلى ما اتضحت دلالته وعلى ما كان محفوظا من النسخ والتخصيص أو منهما جميعا ، وعلى ما لا يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا والمتشابه يقابله بكل من هذه المعاني.

وقال الراغب : المحكم ما لا يعرض فيه شبهة من حيث اللفظ ولا من حيث المعنى ، والمتشابه من القرآن ما أشكل تفسيره لمشابهة غيره ، إما من حيث اللفظ أو من حيث المعنى.

وقال الفقهاء : المتشابه ما لا ينبئ ظاهره عن مراده وحقيقة ذلك أن الآيات عند اعتبار بعضها ببعض ثلاثة أضرب محكم على الإطلاق ، ومتشابه على الإطلاق ، ومحكم من وجه متشابه من وجه ، فالمتشابه في الجملة ثلاثة أضرب ، متشابه من جهة اللفظ


.................................................................................................

______________________________________________________

فقط ومتشابه من جهة المعنى فقط ومتشابه من جهتهما ، فالمتشابه من جهة اللفظ ضربان : أحدهما يرجع إلى الألفاظ المفردة ، وذلك إما من جهة غرابته نحو الأب ويزفون ، وإما من مشاركة في اللفظ كاليد والعين ، والثاني يرجع إلى جملة الكلام المركب ، وذلك ثلاثة أضرب ضرب لاختصار الكلام نحو «وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ »(١) وضرب لبسط الكلام نحو «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ »(٢) لأنه لو قيل ليس مثل مثله شيء كان أظهر للسامع ، وضرب لنظم الكلام نحو «أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيِّماً »(٣) تقديره الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا ، والمتشابه من جهة المعنى أوصاف الله تعالى وأوصاف القيامة فإن تلك الصفات لا تتصور لنا إذا كان لا تحصل في نفوسنا صورة ما لم نحسه أو لم يكن من جنس ما نحسه.

والمتشابه من جهة المعنى واللفظ جميعا خمسة أضرب.

الأول من جهة الكمية كالعموم والخصوص نحو : «فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ »(٤) .

والثاني من جهة الكيفية كالوجوب والندب نحو «فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ »(٥) .

والثالث من جهة الزمان كالناسخ والمنسوخ نحو «اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ »(٦) .

والرابع من جهة المكان والأمور التي نزلت فيها «وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها »(٧) وقوله عز وجل : «إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ »(٨) فإن من لا يعرف عادتهم في الجاهلية يتعذر عليه معرفة تفسير هذه الآية.

الخامس من جهة الشروط التي بها يصح الفعل أو يفسد كشروط الصلاة والنكاح.

__________________

(١ و ٥) سورة النساء : ٣.

(٢) سورة الشورى : ١١.

(٣) سورة الكهف : ١.

(٤) سورة التوبة : ٥.

(٦) سورة آل عمران : ١٠٢.

(٧) سورة البقرة : ١٨٩.

(٨) سورة التوبة : ٣٧.


.................................................................................................

______________________________________________________

وهذه الجملة إذا تصورت علم أن كل ما ذكره المفسرين في تفسير المتشابه لا يخرج عن التقاسيم نحو قول من قال : المتشابه «الم » وقول قتادة المحكم الناسخ والمتشابه والمنسوخ ، وقول الأصم : المحكم ما أجمع على تأويله والمتشابه ما اختلف فيه ، ثم جميع المتشابه على ثلاثة أضرب ضرب لا سبيل للوقوف عليه كوقت الساعة وخروج دابة الأرض وكيفية الدابة ونحو ذلك ، وضرب للإنسان سبيل إلى معرفته كالألفاظ الغريبة والأحكام المغلقة ، وضرب متردد بين الأمرين يجوز أن يختص بمعرفة حقيقته بعض الراسخين في العلم ويخفى على من دونهم وهو الضرب المشار إليه بقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في عليعليه‌السلام : اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل.

وإذا عرفت هذه الجملة علم أن الوقوف على قوله : إلا الله ، ووصله بقوله : والراسخون في العلم جائزان ، وأن لكل واحد منهما وجها حسب ما يدل عليه التفصيل المتقدم ، انتهى.

قوله تعالى : «مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ » قيل : أي أحكمت عباراتها بأن حفظت عن الإجمال «هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ » أي أصله يرد إليها غيرها «وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ » قيل : أي محتملات لا يتضح مقصودها إلا بالفحص والنظر ليظهر فيها فضل العلماء الربانيين في استنباط معانيها وردها إلى المحكمات وليتوصلوا بها إلى معرفة الله وتوحيده.

وأقول : بل ليعلموا عدم استقلالهم في علم القرآن واحتياجهم في تفسيره إلى الإمام المنصوب من قبل الله وهم الراسخون في العلم.

وروى العياشي عن الصادقعليه‌السلام أنه سئل عن المحكم والمتشابه؟ فقال : المحكم ما يعمل به ، والمتشابه ما اشتبه على جاهله ، وفي رواية أخرى : والمتشابه الذي يشبه بعضه بعضا ، وفي رواية أخرى فأما المحكم فتؤمن به وتعمل به وتدين به ، وأما المتشابه فتؤمن به ولا تعمل به «فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ » أي ميل عن الحق كالمبتدعة


فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ

______________________________________________________

«فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ » فيتعلقون بظاهره أو بتأويل باطل «ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ » أي طلب أن يفتنوا الناس عن دينهم بالتشكيك والتلبيس ومناقضة المحكم بالمتشابه.

وفي مجمع البيان عن الصادقعليه‌السلام أن الفتنة هنا الكفر «وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ » أي وطلب أن يأولوه على ما يشتهونه «وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ » الذي يجب أن يحمل عليه «إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ » الذين تثبتوا وتمكثوا فيه.

وأقول : قد مر الكلام منا في تأويل هذه الآية في كتاب الحجة في باب أن الراسخين في العلم هم الأئمةعليهم‌السلام قوله عليه‌السلام : فالمنسوخات من المتشابهات كان هذا الكلام تمهيد لما سيأتي من اختلاف الإيمان المأمور به في مكة قبل الهجرة وفي المدينة بعدها واختلاف التكاليف فيهما كما وكيفا ، ردا على من استدل ببعض الآيات على أن الإيمان نفس الاعتقاد بالتوحيد والنبوة فقط بلا مدخلية للأعمال أو الولاية فيه ، بأن تلك الآيات أكثرها نزلت في مكة وكان الإيمان فيها نفس الاعتقاد بالشهادتين أو التكلم بهما ثم نسخ ذلك في المدينة بعد وجوب الواجبات وتحريم المحرمات ونصب الوالي والأمر بولايته.

ويحتمل أن لا يكون ذلك من قبيل النسخ ويكون ذكر النسخ لبيان عجزهم عن فهم معاني الآيات وخطائهم في الاستدلال بها

كما أنهم لا يعرفون الناسخ من المنسوخ ويستدلون بالآيات المنسوخة على الأحكام مع عدم علمهم بنسخها وعد المنسوخات التي لا يعلم بنسخها من المتشابهات فالمنسوخة أخص مطلقا من المتشابه.

ولما كان المحكم غير المتشابه والناسخ غير المنسوخ ونقيض الأخص أعم من نقيض الأعم غير الأسلوب في الفقرة الثانية فقال :والمحكمات من الناسخات للإشارة إلى ذلك وتسميته غير المنسوخ مطلقا ناسخا إما على التوسع وإطلاق لفظ الجزء على الكل أو لكونها ناسخة للشرائع السالفة أو للإباحة الأصلية التي كانوا متمسكين بها قبلها.

ويمكن حمل الناسخ على معناه وحمل الكلام على الغالب بأن يكون الناسخ


اللهُ »(١) الآية فالمنسوخات من المتشابهات والمحكمات من الناسخات إن الله عز وجل

______________________________________________________

أيضا أخص من المحكم ولا فساد فيه لعدم انحصار الآيات حينئذ في الناسخة والمنسوخة وقيل : لما كان بعض المحكمات مقصور الحكم على الأزمنة السابقة منسوخا بآيات أخر ونسخها خافيا على أكثر الناس فيزعمون بقاء حكمها صارت متشابهة من هذه الجهة ولهذا قالعليه‌السلام : فالمنسوخات من المتشابهات.

وفي بعض النسخ من المتشابهات ، وإنما غير الأسلوب في أختها لأن المحكم أخص من الناسخ من وجه ، بخلاف المتشابه فإنه أعم من المنسوخ مطلقا ، انتهى.

وفيه أن كون المتشابه أعم من مطلق المنسوخ مطلقا لا وجه له إلا أن يخص بمنسوخ لم يعلم نسخه كما أومأنا إليه ، وقيل : الظاهر أن الفاء للتفسير لزيادة تفظيع حالهم بأنهم يتبعون المنسوخات والمتشابهات دون المحكمات والناسخات ، لأن المنسوخات من باب المتشابهات في التشابه إذ يشتبه عليهم ثباتها وبقاءها والمحكمات من قبيل الناسخات في الثبات والبقاء ، فإذا اتبعوا المتشابهات اتبعوا المنسوخات لأنهما من باب واحد ، وإذا اتبعوا المنسوخات لم يتبعوا الناسخات ، وإذا لم يتبعوا الناسخات لم يتبعوا المحكمات لأنهما أيضا من باب واحد.

قوله : إن الله عز وجل بعث نوحا ، هذا شروع في المقصود ، وحاصله أن الإيمان في بداية بعثه كل رسول كان مجرد التصديق بالتوحيد والرسالة ومن مات عليه حينئذ كان مؤمنا ووجبت له الجنة ، فلما استجابوا لهم ذلك وكثرت أتباعهم وضعوا أعمالا وشرائع وأوجبوا عليهم وأوعدوا على تركها النار فصارت تلك الأعمال أجزاء للإيمان فأول أولي العزم من الأنبياء كان نوحاعليه‌السلام فحين بعثه أمرهم أولا بالتوحيد والإقرار بنبوته فقط ، وكان ذلك الإيمان حيث قال في سورة نوح «إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ، قالَ يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ » أي مخلصا من غير شرك «وَاتَّقُوهُ » أي اتقوا عذابه الذي

__________________

(١) سورة آل عمران : ٧.


بعث نوحا إلى قومه «أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ »(١) ثم دعاهم إلى الله وحده وأن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ثم بعث الأنبياءعليهم‌السلام على ذلك إلى أن بلغوا محمداصلى‌الله‌عليه‌وآله فدعاهم إلى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا وقال «شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى

______________________________________________________

قرره على الشرك «وَأَطِيعُونِ » فيما أمركم به وأذعنوا لنبوتي فلم يذكر فيما أنذرهم به إلا هذين الأمرين.

« ثم دعاهم » أي ثم بعد ذلك استمر على هذه الدعوة زمانا طويلا فكانت دعوته منحصرة في التوحيد ونفي الشريك ، وكان قبولهم ذلك منه مستلزما للإذعان بنبوته« ثم بعث الأنبياء » أي ثم بعث سائر أولي العزم في أول بعثتهم على هذا الأمر فقط ، إلى أن انتهت سلسلة أولي العزم وسائر الأنبياء إلى محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فكانصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أول بعثته بمكة يدعوهم إلى التوحيد وما يتبعه من الإقرار بالنبوة بل المعاد أيضا فإنه أيضا من الأمور التي نزلت الآيات المشتملة على التهديدات العظيمة فيها قبل الهجرة ، فالمراد جميع أصول الدين سوى الإمامة ، وذكر التوحيد على المثال ، أو على أن الإقرار به مستلزم للإقرار بسائر الأصول ، ويؤيده قولهعليه‌السلام بعد ذلك :والإقرار بما جاء به من عند الله.

قوله عليه‌السلام : وقال ، أي في سورة الشورى وهي مكية ، على ما ذكره المفسرون إلى قوله : «وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ » إلى قوله : «لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ » عن الحسن ، وعلى قول ابن عباس وقتادة إلا أربع آيات منها نزلت بالمدينة «قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً » إلى قوله : «لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ » وعلى التقادير الآيات المذكورة مكية.

والاستشهاد بالآية لأن الدين المشترك بين جميع الأنبياء هي الأصول الدينية التي لا تختلف باختلاف الشرائع ، مع أن قوله سبحانه : «كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ » يشعر بأن عمدة الدين في ذلك الوقت كانت التوحيد ونفي الشرك مع

__________________

(١) سورة نوح : ٣.


بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ »(١) فبعث الأنبياء إلى قومهم بشهادة أن لا إله إلا الله والإقرار بما جاء [ به ] من عند الله فمن آمن مخلصا ومات على ذلك أدخله الله الجنة بذلك وذلك «أَنَّ اللهَ

______________________________________________________

الإقرار بالنبوة لقوله تعالى : «اللهُ يَجْتَبِي ».

قال الطبرسيرحمه‌الله : «شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً »، أي بين لكم ونهج وأوضح من الدين والتوحيد والبراءة من الشرك ما وصى به نوحا" «وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ »" أي وهو الذي أوحينا إليك يا محمد وهو ما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى ، ثم بين ذلكبقوله : «أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ » وإقامة الدين التمسك به والعمل بموجبه والدوام عليه والدعاء إليه «وَلا تَتَفَرَّقُوا » أي لا تختلفوا «فِيهِ » وائتلفوا فيه واتفقوا وكونوا عباد الله إخوانا" «كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ »" من توحيد الله والإخلاص له ، ورفض الأوثان وترك دين الآباء لأنهم قالوا أجعل الآلهة إلها واحدا ، وقيل : معناه ثقل عليهم وعظم اختيارنا لك بما تدعوهم إليه وتخصيصك بالوحي والنبوة دونهم «اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ » أي ليس لهم الاختيار لأن الله يصطفي لرسالته من يشاء على حسب ما يعلم من قيامه باعتبار الرسالة وقيل : معناه : الله يصطفي من عباده لدينه من يشاء «وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ » أي ويرشد إلى دينه من يقبل إلى طاعته أو يهدي إلى جنته وثوابه من يرجع إليه بالنية والإخلاص.

قوله عليه‌السلام : فمن آمن مخلصا ، أي بقلبه ولسانه دون لسانه فقط ولم يخلطه بشرك« وذلك أن الله » كأنه إشارة إلى إدخاله الجنة بمجرد الشهادة والإقرار وإن لم يعمل من الطاعات شيئا ولم يترك سائر المحرمات لأنه كان بذلك مؤمنا في ذلك الزمان ، وإدخال المؤمن النار ظلم « وذلك أن الله » المشار إليه بذلك إما عدم تعذيب

__________________

(١) سورة الشورى : ١٣.


لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ » وذلك أن الله لم يكن يعذب عبدا حتى يغلظ عليه في القتل والمعاصي التي أوجب الله عليه بها النار لمن عمل بها فلما استجاب لكل نبي من استجاب له من قومه من المؤمنين جعل لكل نبي منهم «شِرْعَةً وَمِنْهاجاً » والشرعة والمنهاج سبيل

______________________________________________________

من ترك العمل بالنار ، أو أنه إن لم يدخل الجنة وأدخل النار كان ظالما ، وهذا الكلام يحتمل وجهين : أحدهما أن تكون المعاصي التي نهى عنها في مكة من المكروهات ويكون النهي عنها نهي تنزيه ، والطاعات التي أمر بها فيها من المستحبات فالتعليل حينئذ ظاهر لأن التعذيب على ترك المستحبات أو فعل المكروهات في الآخرة ظلم ، وثانيهما أن يكون النهي عن المعاصي نهي تحريم والأمر بالطاعات أمر وجوب لكن لم يوعد على فعل المعاصي وترك الطاعات النار ولم يغلظ فيهما ، وإنما أوعد النار على المشرك والإخلال بالعقائد وإنكار النبوة والمعاد فهي كانت بمنزلة الفرائض لسعة كرمه ورحمته أن لا يؤاخذ مجتنب الكبائر بفعل الصغائر ، والكبائر وغيرها بمنزلة الصغائر وسائر الواجبات ، وقد أوجب الله تعالى على نفسه فلو عذبهم بها كان ظلما من حيث الإخلال بما أوجب على نفسه من العفو عنهم أو يقال : التعذيب بالنار مع ترك الإيعاد بها ظلم أو يقال التعذيب بالنار العظيم الأليم أبدا أو مدة طويلة بمحض النهي من غير تهديد ووعيد وتغليظ لا سيما ممن كملت قدرته ووسعت رحمته ظلم ، أو يقال : اللطف على الله تعالى واجب وأعظم الألطاف التهديد والوعيد بالنار فتركه ظلم ، أو يقال : أطلق الظلم على خلاف الأولى مجازا والكل مبني على أن الأعمال والتروك التي هي أجزاء الإيمان إنما هي ما يستحق بتركه الدخول في النار ، وفي مكة سوى العقائد لم تكن كذلك ولما شرع في المدينة شرائع وجعل فيها فرائض وكبائر يستحق بترك الأولى ، وفعل الثانية دخول النار جعلتاه من أجزاء الإيمان.

« جعل لكل نبي » إشارة إلى قوله تعالى في المائدة وهي مدنية : «لِكُلٍ


وسنة وقال الله لمحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ »(١) ـ وأمر كل نبي بالأخذ بالسبيل والسنة وكان من السنة والسبيل التي أمر

______________________________________________________

جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً » قال البيضاوي :شرعة شريعة وهي الطريقة إلى الماء ، شبه بها الدين لأنه طريق إلى ما هو سبب الحياة الأبدية وقرأ بفتح الشين «وَمِنْهاجاً » وطريقا واضحا في الدين من نهج الأمر إذا وضح ، واستدل به على أنا غير متعبدين بالشرائع المتقدمة ، انتهى.

وقال الراغب : الشرع نهج الطريق الواضح ، يقال : شرعت له طريقا والشرع مصدر ، ثم جعل اسما للطريق النهج فقيل له شرع وشرعة وشريعة وأستعير ذلك للطريقة الإلهية من الدين قال تعالى : «لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً » فذلك إشارة إلى أمرين أحدهما : ما سخر تعالى عليه كل إنسان من طريق يتحراه مما يعود إلى مصالح عباده وعمارة بلاده وذلك المشار إليه بقوله : «وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا ».

الثاني : ما قيض له من الدين وأمره به ليتحراه اختيارا مما يختلف فيه الشرائع ويعترضه النسخ ، ودل عليه قوله : «ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها »(٢) قال ابن عباس : الشرعة ما ورد به القرآن والمنهاج ما ورد به السنة وقوله : شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ، الآية ، فإشارة إلى الأصول التي تتساوى فيها الملل ولا يصح عليها النسخ كمعرفة الله ونحو ذلك من نحو ما دل عليه قوله : ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.

قال بعضهم : سميت الشريعة تشبيها بشريعة الماء من حيث أن من شرع فيها على الحقيقة روي وتطهر قال : وأعني بالري ما قال بعض الحكماء : كنت أشرب فلا أروى ، فلما عرفت الله رويت بلا شرب ، وبالتطهير ما قال تعالى : «إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ

__________________

(١) سورة النساء : ١٦٣.

(٢) سورة الجاثية : ١٨.


الله عز وجل بها موسىعليه‌السلام أن جعل الله عليهم السبت وكان من أعظم السبت ولم

______________________________________________________

عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً » انتهى.

والشرعة والمنهاج متقاربان في المعنى كما أن اللفظين الذين فسرهماعليه‌السلام بهما أيضا متقاربان ، فيحتمل أن يكونا تفسيرين لكل منهما أو يكون على اللف والنشر.

فعلى الأول أطلق على أعمال الدين وأحكامه الشرعة لإيصالها العامل بها إلى الحياة الأبدية والتطهر من الأدناس الرديئة ، والمنهاج لأنها كالطريق الواضح الموصل إلى المقصود من الجنة الباقية والدرجات العالية.

وعلى الثاني المراد بالأول الواجبات وبالثاني المستحبات ، ولذا عبرعليه‌السلام عن الثاني بالسنة ، أو بالأول العبادات وبالثاني سائر الأحكام ، والوجه الأول أوفق بقوله : وكان من السبيل ، وإن أمكن أن يكون المراد من مجموعهما وإن كان من أحدهما.

قال الطبرسي (ره) الشرعة والشريعة واحدة وهي الطريقة الظاهرة ، والشريعة هي الطريقة التي يوصل منه إلى الماء الذي فيه الحياة فقيل : الشريعة في الدين الطريق الذي يوصل منه إلى الحياة في النعيم وهي الأمور التي يعبد الله بها من جهة السمع ، والأصل فيه الظهور ، والمنهاج الطريق المستمر يقال : طريق نهج ومنهج أي بين ، وقال المبرد : الشرعة : ابتداء الطريق والمنهاج الطريق المستقيم قال : وهذه الألفاظ إذا تكررت فلزيادة فائدة فيه وقد جاء أيضا بمعنى واحد كقول الشاعر : أقوى وأقفر ، وهما بمعنى ، انتهى.

قوله : أن جعل عليهم السبت ، قال الراغب : أصل السبت قطع العمل ومنه سبت السير أي قطعه ، وسبت شعره حلقه ، وقيل : سمي يوم السبت لأن الله تعالى ابتدأ بخلق السماوات والأرض يوم الأحد فخلقها في ستة أيام كما ذكره فقطع عمله تعالى يوم السبت فسمي بذلك ، وسبت فلان صار في السبت.


يستحل أن يفعل ذلك من خشية الله أدخله الله الجنة ومن استخف بحقه واستحل ما حرم الله عليه من العمل الذي نهاه الله عنه فيه أدخله الله عز وجل النار وذلك حيث استحلوا الحيتان واحتبسوها وأكلوها يوم السبت غضب الله عليهم من غير أن يكونوا

______________________________________________________

وقوله عز وجل : «يَوْمَ سَبْتِهِمْ »(١) قيل : يوم قطعهم للعمل «وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ » قيل : معناه لا يقطعون العمل ، وقيل : يوم لا يكونون في السبت وكلاهما إشارة إلى حالة واحدة وقوله : إنما جعل السبت أي ترك العمل فيه ، انتهى.

قوله عليه‌السلام : ولم يستحل ، الظاهر أن المراد بالاستحلال هنا الجرأة على الله وانتهاك ما حرم الله فكأنه عده حلالا لقوله بعد ذلك ولا شكوا في شيء مما جاء به موسى.

وما قيل : دل على أن مخالفة الأحكام كفر يوجب دخول النار مع الاستحلال والظاهر أنه لا خلاف فيه بين الأمة ، وما ذلك إلا لأن الإقرار بها والعمل بها داخلان في الإيمان ، وإذا كان كذلك كان تاركها وإن لم يستحل كافرا يعذب بالنار أيضا. فلا يخفى وهنه« حيث استحلوا الحيتان » أي استحلوا صيدها أو أكلها أو حبسها أيضا ، وقوله : يوم السبت ظرف لكل من احتبسوها وأكلوها أو لاستحلوا أيضا أي استحلوا أو لأحبسها يوم السبت ثم استحلوا صيدها وأكلها فيه.

وقيل : يوم السبت ظرفلاحتبسوها لا لأكلوها أي احتبسوها يوم السبت في مضيق بسد الطريق عليها ثم اصطادوها يوم الأحد وأكلوها ، فعلوا ذلك حيلة ولم تنفعهم لأن احتباسها فيه هتك لحرمته ، فخرجوا بذلك من الإيمان إلى الكفر ، ولذلك غضب الله عليهم من غير أن يشركوا بالرحمن وأن يشكوا في رسالة موسىعليه‌السلام وما جاء به ، ولذلك لم يصطادوا يوم السبت ، فعلم أن الإيمان ليس مجرد التصديق بل هو مع العمل لأن المؤمن لا يغضب ولا يدخل النار.

وفيه شيء لأن استحلالهم الحيتان ينافي ظاهرا عدم شكهم بما جاء به موسى.

__________________

(١) سورة الأعراف : ١٦٣.


أشركوا بالرحمن ولا شكوا في شيء مما جاء به موسىعليه‌السلام قال الله عز وجل : «وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ »(١) ثم بعث

______________________________________________________

ويمكن دفعه بأن ما جاء به موسى تحريم الحيتان يوم السبت وهم استحلوها يوم الأحد ولحق بهم ما لحق بسبب احتباسهم يوم السبت ، انتهى.

وأقول : قد عرفت معنى الاستحلال وهو معنى شائع في المحاورات ، فلا يرد ما أورده ، وأما الجواب الذي ذكره فهو أيضا لا يسمن ولا يغني من جوع ، لأن الاحتباس إذا لم يكن منهيا عنه فكيف عذبوا عليه ، وإن كان داخلا فيما نهوا عنه عاد الإشكال مع أن ظاهر أكثر الروايات المعتبرة أنهم بعد تلك الحيلة تعدى أكثرهم إلى الصيد والأكل يوم السبت فاعتزلت طائفة منهم فلم يمسخوا ، وبقيت طائفة بينهم فمسخوا أيضا لتركهم النهي عن المنكر ، وإن اختلف المفسرون في ذلك.

قال في مجمع البيان : اختلفت في أنهم كيف اصطادوا فقيل : إنهم ألقوا الشبكة في الماء يوم السبت حتى كان يقع فيها السمك ثم كانوا لا يخرجون الشبكة من الماء إلى يوم الأحد ، وهذا تسبب محظور ، وفي رواية ابن عباس : اتخذوا الحياض فكانوا يسوقون الحيتان إليها ولا يمكنها الخروج منها فيأخذونها يوم الأحد.

وقيل : إنهم اصطادوها وتناولوها باليد يوم السبت عن الحسن.

«وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ » قال البيضاوي : السبت مصدر سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت وأصله القطع ، أمروا أن يجردوه للعبادة فاعتدى فيه ناس منهم في زمن داودعليه‌السلام واشتغلوا بالصيد وذلك أنهم كانوا يسكنون قرية على الساحل يقال لها أبلة ، وإذا كان يوم السبت لم يبق حوت في البحر إلا حضر هناك وأخرج خرطومه وإذا مضى تفرقت فحضروا حياضا وشرعوا إليها الجداول ، وكانت الحيتان تدخلها يوم السبت فيصطادونها يوم الأحد «فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ »

__________________

(١) سورة البقرة : ٦٢.


الله عيسىعليه‌السلام بشهادة أن لا إله إلا الله والإقرار بما جاء به من عند الله وجعل لهم «شِرْعَةً وَمِنْهاجاً » فهدمت السبت الذي أمروا به أن يعظموه قبل ذلك وعامة ما كانوا عليه من السبيل والسنة التي جاء بها موسى فمن لم يتبع سبيل عيسى أدخله الله النار وإن كان الذي جاء به النبيون جميعا أن لا يشركوا بالله شيئا ثم بعث الله محمداصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو بمكة عشر سنين فلم يمت بمكة في تلك العشر سنين أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن

______________________________________________________

جامعين بين صورة القردة ، والخسوء وهو الصغار والطرد ، قال مجاهد : ما مسخت صورهم ولكن قلوبهم فمثلوا بالقردة كما مثلوا بالحمار في قوله : «كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً »(١) وقوله : كونوا ، ليس بأمر إذ لا قدرة لهم عليه وإنما المراد به سرعة التكوين وأنهم صاروا كذلك كما أراد بهم ، انتهى.

قوله : فهدمت ، أي الشرعة والمنهاج أيضا لكونه بمعنى الطريق يجوز فيه التأنيث ، ويمكن أن يقرأ على بناء المجهول بإضمار السنة في السبت ، وقوله : أن يعظموه بدل اشتمال للضمير ، وعامة عطف على السبت« سبيل عيسى » أي شرائعه المختصة به.

قوله عليه‌السلام : وإن كان الذي جاء به النبيون أي هدمت شريعة عيسى عامة ما كانوا عليه وإن كان الذي جاء به النبيون من التوحيد وسائر الأصول باقيا لم يتغير ، أو المعنى أدخله الله النار وإن كان منه الإقرار بما جاء به النبيون وهو التوحيد ، ونفي الشرك ،وقوله : أن لا يشركوا ، عطف بيان أو بدل للموصول ، وعلى الوجهين يحتمل كون كان تامة وناقصة ، وقيل : الموصول اسم كان وأن لا يشركوا خبره وله أيضا وجه وإن كان بعيدا.

قوله عليه‌السلام : عشر سنين ، أقول : هذا مخالف لما مر في تاريخ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولما هو المشهور من أنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أقام بعد البعثة بمكة ثلاث عشرة سنة ، فقيل : هو مبني على إسقاط الكسور بين العددين وهو بعيد في مثل هذا الكسر ، والذي سنح لي أنه مبني على ما يظهر من الأخبار أنه لما نزل : «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ » وكان أول

__________________

(١) سورة الجمعة : ٥.


محمداصلى‌الله‌عليه‌وآله رسول الله إلا أدخله الله الجنة بإقراره وهو إيمان التصديق ولم يعذب الله أحدا ممن مات وهو متبع لمحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله على ذلك إلا من أشرك بالرحمن وتصديق

______________________________________________________

بعثه دعا بني عبد المطلب وأظهر لهم رسالته ودعاهم إلى بيعته والإيمان به ، فلم يؤمن به إلا عليعليه‌السلام ثم خديجة رضي الله عنها ، ثم جعفررضي‌الله‌عنه ، وكان على ذلك ثلاث سنين حتى نزل : «فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ »(١) فدعا الناس إلى الإسلام فلذا لم يعدعليه‌السلام تلك الثلاث سنين من أيام البعثة ، وأنها لم تكن بعثة عامة مؤكدة.

قال علي بن إبراهيم في قوله تعالى «فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ » إلخ ، أنها نزلت بمكة بعد أن نبي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بثلاث سنين وذلك أن النبوة نزلت على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم الاثنين وأسلم علي عليه يوم الثلاثاء ثم أسلمت خديجة بنت خويلد زوجة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثم دخل أبو طالب على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو يصلي وعلي بجنبه وكان مع أبي طالب جعفر فقال له أبو طالب : صل جناح ابن عمك فوقف جعفر على يسار رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فبدر رسول الله من بينهما فكان يصلي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلى وجعفر وزيد بن حارثة وخديجة ، فلما أتى لذلك ثلاث سنين أنزل الله عليه «فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ، إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ».

وفي إعلام الورى بعد ذلك فخرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقام على الحجر وقال : يا معشر قريش ويا معشر العرب أدعوكم إلى عبادة الله وخلع الأنداد والأصنام وأدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فأجيبوني تملكوا بها العرب ، وتدين لكم بها العجم ، وتكون ملوكا في الجنة ، إلى آخر ما ذكر.

ويحتمل أن يكون مبنيا على إسقاط سني الهجرة إلى شعب أبي طالب ، أو إسقاط الثلاث سنين بعد وفاة أبي طالبرضي‌الله‌عنه ، لعدم تمكنه في هاتين المدتين

__________________

(١) سورة الحجر : ٩٤.


ذلك أن الله عز وجل أنزل عليه في سورة بني إسرائيل بمكة «وَقَضى رَبُّكَ

______________________________________________________

من التبليغ كما ينبغي لكنهما بعيدان ، والأظهر ما ذكرنا أولا.

قوله عليه‌السلام : يشهد أن لا إله إلا الله ، الظاهر أن المراد به الشهادة القلبية بالتوحيد والرسالة وما يلزمهما فقط أو مع الإقرار باللسان أو عدم الإنكار الظاهري لا مجرد الإقرار باللسان بقرينةقوله : وهو إيمان التصديق ، وقد عرفت أن الإيمان الظاهري فقط لا ينفع في الآخرة وإن احتمل التعميم ، ويكونقوله : إلا من أشرك بالرحمن ، أي قلبا استثناء منه فيرجع إلى ما ذكرنا أولا وعلى الأول يكون استثناء منقطعا.

وعلى التقديرين يكون المراد بقوله : وهو إيمان التصديق أنه الإيمان بمعنى التصديق فقط ، ولا يدخل فيه الأعمال لا شرطا ولا شطرا وإن كانت سببا لكماله بخلاف الإيمان بعد الهجرة فإن الأعمال قد دخلت فيه على أحد الوجهين وذلك لأنهم لم يكلفوا بعد إلا بالشهادتين فحسب ، وإنما نهوا عن أشياء نهي أدب وعظة وتخفيف ، ثم نسخ ذلك بالتغليظ في الكبائر والتواعد عليها ، ولم يكن التغليظ والتواعد يومئذ إلا في الشرك خاصة ، فلما جاء التغليظ والإيعاد بالنار في الكبائر ثبت الكفر والعذاب بالمخالفة فيها.

« وتصديق ذلك » أي دليل ما ذكرنا من التفاوت في التكاليف ومعنى الإيمان قبل الهجرة وبعدها.

وقال الفاضل الأسترآبادي : بيان لأول الواجبات على المكلفين وأن تكاليف الله تعالى ينزل على التدريج ، وفي كتاب الأطعمة من تهذيب الأحكام أحاديث صريحة في التدريج في التكاليف ، انتهى.

ولنذكر تفسير الآيات التي أسقطت اختصارا إما من الإمامعليه‌السلام أو من الراوي قال تعالى قبل تلك الآيات : «لا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً » ثم قال : «وَقَضى رَبُّكَ » قيل : أي أمر أمرا مقطوعا به : «أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ » لأن


أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً » إلى قوله تعالى «إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً » أدب وعظة وتعليم ونهي خفيف ولم يعد عليه ولم يتواعد على اجتراح شيء مما نهى

______________________________________________________

غاية التعظيم لا تحق إلا لمن له غاية العظمة ونهاية الإنعام «وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً » بأن تحسنوا أو أحسنوا بالوالدين إحسانا لأنهما السبب الظاهر للوجود والتعيش «إِمَّا يَبْلُغَنَ » إما إن الشرطية زيدت عليها ما للتأكيد «عِنْدَكَ الْكِبَرَ » في كنفك وكفالتك «أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ » إن أضجراك «وَلا تَنْهَرْهُما » أي فلا تزجرهما إن ضرباك «وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً » أي حسنا جميلا «وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِ » أي تذلل لهما وتواضع «مِنَ الرَّحْمَةِ » أي من فرط رحمتك عليهما «وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً » جزاء لرحمتهما على وتربيتهما وإرشادهما لي في صغري «رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً ».

عن الصادقعليه‌السلام الأوابون التوابون المتعبدون «وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً » وهو صرف المال فيما لا ينبغي وإنفاقه على وجه الإسراف «إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ » أي أمثالهم «وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً » أي مبالغا في الكفر.

«وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً ، وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً » أي فتصير ملوما عند الله وعند الناس بالإسراف وسوء التدبير «مَحْسُوراً » أي نادما أو منقطعا بك لا شيء عندك «إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ » أي يوسعه ويضيقه بمشيته التابعة للحكمة «إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً » يعلم سرهم وعلانيتهم.

قوله عليه‌السلام : أدب وعظة ، أي كلما ذكر في تلك الآيات سوى صدر الأولى وهو قوله : «وَقَضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ » تأديب وموعظة ، وهذا مبني على أن قوله وبالوالدين بتقدير وأحسنوا عطفا على جملة : قضى ربك ، لأن فيها تأكيدا وتهديدا في الجملة.


عنه وأنزل نهيا عن أشياء حذر عليها ولم يغلظ فيها ولم يتواعد عليها وقال «وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلاً وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ

______________________________________________________

ويحتمل أن يكون المراد جميعها لكن وقع التهديد على الشرك فيما مر وفيما سيأتي من الآيات كقوله «وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ ».

فإن قيل : قوله «وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ » ، إلى قوله : «كَفُوراً » فيه وعيد وتهديد؟ قلنا : ليس محض كونهم إخوان الشياطين تهديدا ووعيدا صريحا بالنار ، بل قيل قوله كانوا ، يدل على أن في أواخر شرائع سائر أولي العزم كانت كذلك ، فلا يدل صريحا على أن في تلك الشريعة أيضا كذلك ، والاجتراح الاكتساب.

«وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ » قيل : أي مخافة الفاقة وقتلهم أولادهم وأدهم بناتهم مخافة الفقر فنهاهم الله عنه ، وضمن لهم أرزاقهم فقال : «نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً » أي ذنبا كبيرا مما فيه من قطع التناسل وانقطاع النوع.

والخطأ الإثم ، يقال : خطىء خطأ كأثم إثما ، وقرأ ابن عامر خطأ بالتحريك وهو اسم من أخطأ يضاد الصواب ، وقيل : لغة فيه كمثل ومثل وحذر وحذر ، وقرأ ابن كثير خطاءا بالمد والكسر ، وهو إما لغة أو مصدر خاطئا ، وقرى خطاءا بالفتح والمد ، وخطأ بحذف الهمزة مفتوحا ومكسورا وعلى التقادير ليس فيه تصريح بكونه ذنبا ، ولا ترتب العقوبة عليه.

«وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى » بالقصد وإتيان المقدمات فضلا أن تباشروه «إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً » فعلة ظاهرة القبح زايدته «وَساءَ سَبِيلاً » أي وبئس طريقا طريقه ، وهو الغصب على الإبضاع المؤدي إلى قطع الأنساب وهيج الفتن.

«وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِ » قيل : أي إلا بإحدى ثلاث خصال : كفر بعد إيمان ، وزنى بعد إحصان ، وقتل مؤمن معصوم عمدا «وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً » غير


قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ

______________________________________________________

مستوجب للقتل «فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ » للذي يلي أمره بعد وفاته وهو الوارث «سُلْطاناً » أي تسلطا بالمؤاخذة بمقتضى القتل «فَلا يُسْرِفْ » أي القاتل «فِي الْقَتْلِ » بأن يقتل من لا يحق قتله فإن العاقل لا يفعل ما يعود عليه بالهلاك أو الولي بالمثلة أو قتل غير القاتل «إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً » علة النهي على الاستئناف ، والضمير إما للمقتول فإنه منصور في الدنيا بثبوت القصاص بقتله وفي الآخرة بالثواب ، وإما لوليه فإن الله نصره حيث أوجب القصاص له وأمر الولاة بمعونته وإما للذي يقتله الولي إسرافا بإيجاب القصاص والتعزير والوزر على المسرف.

«وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ » فضلا أن تتصرفوا فيه «إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ » أي إلا بالطريقة التي هي أحسن «حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ » غاية لجواز التصرف الذي دل عليه الاستثناء «وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ » بما عاهدكم الله من تكاليفه أو ما عاهدتموه وغيره «إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً » مطلوبا يطلب من المعاهد أن لا يضيعه ويفي به ، أو مسئولا عنه يسأل الناكث ويعاتب عليه أو يسأل العهد لم نكثت تبكيتا للناكث كما يقال للموؤدة بأي ذنب قتلت ، ويجوز أن يراد أن صاحب العهد كان مسئولا.

«وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ » ولا تبخسوا فيه «وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ » بالميزان السوي وهو رومي عرب ، وقرأ حمزة والكسائي وحفص بكسر القاف «ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً » أي وأحسن عاقبة تفعيل من آل إذا رجع.

«وَلا تَقْفُ » ولا تتبع «ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ » ما لم يتعلق به علمك تقليدا أو رجما بالغيب قيل : واحتج به من منع من اتباع الظن ، وجوابه : أن المراد بالعلم هو الاعتقاد


عَنْهُ مَسْؤُلاً وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ

______________________________________________________

الراجح المستفاد من سند ، سواء كان قطعيا أو ظنيا واستعماله بهذا المعنى شائع ، وقيل : إنه مخصوص بالعقائد ، وقيل : بالرمي وشهادة الزور «إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ » أي كل الأعضاء فأجراها مجرى العقلاء بما كانت مسئولة عن أحوالها ، شاهدة عن صاحبها ، هذا.

وإن « أولاء » وإن غلب على العقلاء لكنه من حيث أنه اسم جمع لذا وهو يعم القبيلين جاء لغيرهم كقوله : « والعيش بعد أولئك الأيام ».

«كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً » في ثلاثتها ضمير كل ، أي كان كل واحد منها مسئولا عن نفسه ، يعني عما فعل به صاحبه ، ويجوز أن يكون الضمير في عنه لمصدر ولا تقف ، أو لصاحب السمع والبصر ، وقيل : مسئولا مسند إلى عنه كقولك : غير المغضوب عليهم ، والمعنى يسأل صاحبه عنه وهو خطأ لأن الفاعل وما يقوم مقامه لا يتقدم ، وقيل : المراد بسؤال الجوارح إما سؤال نفسها أو سؤال أصحابها كما يظهر من أولئك أو جعلت بمنزلة ذوي العقول أو هم ذوو العقول مع الله تعالى «وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً » أي ذا مرح وهو الاختيال ، وفي القاموس : المرح شدة الفرح والنشاط «إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ » لن تجعل فيها خرقا بشدة وطأتك «وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً » بنظارتك ومد عنقك وهو تهكم بالمختال وتعليل للنهي بأن الاختيال حماقة مجردة لا تعود بجدوى ليس في التذلل «كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ » قيل : يعني المنهي عنه فإن المذكورات مأمورات ومناهي ، وقرأ الحجازيان والبصريان « سيئة » على أنها خبر كان والاسم ضمير كل و « ذلك » إشارة إلى ما نهى عنه خاصة وعلى هذا قوله «عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً » بدل من سيئة أو صفة لها محمولة على المعنى.

«ذلِكَ » إشارة إلى الأحكام المتقدمة «مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ »


الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً »(١) وأنزل في «وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى »(٢) فهذا

______________________________________________________

التي هي معرفة الحق لذاته والخير للعمل به «وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ » كرره للتنبيه على أن التوحيد مبدء الأمر ومنتهاه ورأس الحكمة وملاكها «مَلُوماً » تلوم نفسك «مَدْحُوراً » مطرودا مبعدا من رحمة الله.

وأقول : هذا شروع في ذكر الآيات التي نزلت بمكة مشتملة على الوعيد والتهديد في الشرك ونحوه بخلاف ما ورد في غيره مما مضى فإن كونه خطأ كبيرا أو فاحشة ومسئولا ومسئولا عنه ومكروها ليس في شيء منها تصريح بالعذاب والنكال الأخروي ولا يحتاج إلى ما يتكلف بأن كان خطأ وكان فاحشة ، ومسئولا ، وكان عنه مسئولا ، وكان سيئة عند ربك مكروها ، محمولة على أنها كانت في أواخر الأمم السابقة كذلك ، وستصير في هذه الأمة أيضا بعد ذلك كذلك فإنه في غاية البعد وزيادة" كان" في هذه المقامات كثيرة في الذكر الحميد كقوله «كانَ رَبُّكَ قَدِيراً » و «كانَ غَفُوراً رَحِيماً » بل الوجه ما ذكرنا فتفطن.

«ناراً تَلَظَّى » أي تتلهب «لا يَصْلاها » أي لا يلزمها مقاسيا شدتها «إِلاَّ الْأَشْقَى » قيل أي إلا الكافر فإن الفاسق وإن دخلها لم يلزمها ولكن سماه أشقى ووصفهبقوله : «الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى » أي كذب الحق وأعرض عن الطاعة كذا ذكره البيضاوي ، وقال في قوله تعالى بعد ذلك : «وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى » أي الذي اتقى الشرك والمعاصي فإنه لا يدخلها فضلا أن يدخلها ويصليها ، ومفهوم ذلك أن من اتقى الشرك دون المعصية لا يجنبها ، ولا يلزم ذلك صليها ، فلا يخالف الحصر السابق انتهى.

وقال الطبرسي (ره) : لا يصليها ، أي لا يدخل تلك النار ولا يلزمها إلا

__________________

(١) سورة الإسراء : ٣٠ ـ ٣٩.

(٢) سورة الليل : ١٥ ـ ١٦.


.................................................................................................

______________________________________________________

الأشقى وهو الكافر بالله ، الذي كذب بآيات الله ورسله وتولى ، أي أعرض عن الإيمان ، وسيجنبها ، أي سيجنب النار ويجعل منها على جانب « الأتقى » المبالغ في التقوى «الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ » أي ينفقه في سبيل الله «يَتَزَكَّى » أي يكون عند الله زكيا لا يطلب بذلك رياء ولا سمعة.

قال القاضي : قوله : لا يصليها الآية ، لا يدل على أنه تعالى لا يدخل النار إلا الكافر على ما تقوله الخوارج وبعض المرجئة ، وذلك لأنه نكر النار المذكورة ولم يعرفها ، فالمراد بذلك أن نارا من جملة النيران لا يصليها إلا من هذه حاله ، والنيران دركات على ما بينه سبحانه في سورة النساء في شأن المنافقين ، فمن أين عرف أن هذه النار لا يصليها قوم آخرون ، وبعد فإن الظاهر من الآية يوجب أن لا يدخل النار إلا من كذب وتولى وجمع بين الأمرين ، فلا بد للقوم من القول بخلافه لأنهم يوجبون النار لمن يتولى عن كثير من الواجبات وإن لم يكذب ، وقيل : إن الأتقى والأشقى المراد بهما التقي والشقي ، انتهى.

ثم اعلم أنه استدل بالآيات الأول على أن وعيد النار في مكة إنما كان على الكفار لأنه سبحانه حصر الصلي بالنار على الأشقى الذي كذب الرسول وتولى عن قبول قوله في التوحيد أو الأعم ، ومن كذب الرسول وأعرض عما جاء به كافر مشرك ، فظهر أنه لم يكن يومئذ يستحق النار غير المشركين والكفار من الفساق وإليه أشارعليه‌السلام بقوله فهذا مشرك وهذا وجه حسن ، واستدلال متين لكن كيف يستقيم على هذا الآيات التالية وهي قوله : «وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى » إلخ ، فإنها تدل على أن غير الأتقى لا يجنب النار.

ويمكن الجواب عنه بوجوه :

الأول : أن المضارع في قوله تعالى «لا يَصْلاها » ، للحال واستعمل الصلي في سببه مجازا أي الحكم في الحال قبل الهجرة أنه لا يدخلها إلا المشرك ، وفي قوله


مشرك وأنزل في «إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً وَيَصْلى سَعِيراً إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ بَلى »(١) فهذا مشرك وأنزل في [ سورة ] تبارك «كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ

______________________________________________________

سيجنبها للاستقبال القريب إخبارا عن التكاليف المدينة بعد دخول الأعمال في الإيمان فلا تنافي بينهما وتكون الآيات جمع دالة على الحكمين صريحا.

الثاني : أن يقال أن الآيات التالية نزلت بالمدينة كما روي في تفسير علي بن إبراهيم أنها نزلت في أبي الدحداح بالمدينة لكن ظاهر الرواية أن الآيات الأول أيضا نزلت بالمدينة.

الثالث : أن يقال أن الآيات الأخيرة وإن كانت دالة على عدم تجنب الفساق النار لكنها دلالة ضعيفة بالمفهوم ، فما يدل صريحا على دخول النار إنما هو في الكفار ، وما يدل على حكم الفجار فليس فيه وعيد صريح وتهديد عظيم بل يدل دلالة ضعيفة على عدم الحكم بأنهم لا يدخلونها لا سيما مع الحصر المتقدم ولعل السر في هذا الإجمال عدم اجترائهم على المعاصي.

«وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ » أي يؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره ، قيل : يغل يمناه إلى عنقه ويجعل يسراه وراء ظهره «فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً » أي يتمنى الثبور ويقول وا ثبوراه وهو الهلاك «وَيَصْلى سَعِيراً » أي نارا مسعرة «إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ » أي في الدنيا «مَسْرُوراً » بطرا بالمال والجاه فارغا عن ذكر الآخرة «إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ » أي لن يرجع بعد أن يموت «بَلى » يرجع «إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً » أي عالما بأعماله فلا يهمله بل يرجعه ويجازيه« فهذا مشرك » لأنه أنكر البعث وإنكاره كفر أو كان لا ينكره حينئذ إلا المشركون «كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ » أي جماعة من الكفرة «سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها » أي خزنة جهنم «أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ » يخوفكم هذا العذاب

__________________

(١) سورة الإنشقاق : ١٤.


نَذِيرٌ قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ »(١) فهؤلاء مشركون وأنزل في الواقعة «وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ »(٢) فهؤلاء مشركون وأنزل في الحاقة و «أَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ * يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ * ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ » إلى قوله

______________________________________________________

وهو توبيخ وتبكيت.

«قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا » أي الرسل وأفرطنا في التكذيب حتى نفينا الإنزال رأسا وبالغنا في نسبتهم إلى الضلال حيث قالوا بعد ذلك «إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ ».

فهؤلاء مشركون لتكذيبهم بكتب الله ورسله «وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ » بالبعث والرسل وآيات الله «الضَّالِّينَ » عن الهدى الذاهبين عن الصواب والحق «فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ » أي فنزلهم الذي أعد لهم من الطعام والشراب من حميم جهنم «وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ » أي إدخال نار عظيمة فهؤلاء مشركون للتصريح بأنهم كانوا من المكذبين الضالين.

«وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ » لما رأى من قبح العمل وسوء العاقبة «يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ » الهاء فيهما وفيما بعدها للسكت ، تثبت في الوقف وتسقط في الوصل ، وقالوا : استحب الوقف لثباتها في الإمام ولذلك قرأ بإثباتها في الوصل «يا لَيْتَها » أي يا ليت الموتة التي متها «كانَتِ الْقاضِيَةَ » أي القاطعة لأمري فلم أبعث بعدها أو يا ليت هذه الحالة كانت الموتة التي قضيت علي أو يا ليت حياة الدنيا كانت الموتة ولم أخلق حيا «ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ » أي مالي من المال والتبع أو ما نفي والمفعول محذوف أو استفهام إنكار مفعول لأغنى وبعد ذلك.

«هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ » أي ملكي وتسلطي أو حجتي التي كنت أحتج في

__________________

(١) سورة الملك : ٩.

(٢) سورة الواقعة : ٢٤.


«إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ »(١) فهذا مشرك وأنزل في طسم «وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ »(٢) جنود إبليس ذريته من الشياطين وقوله

______________________________________________________

الدنيا «خُذُوهُ » يقوله الله لخزنة جهنم «فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ » أي ثم لا تصلوه إلا الجحيم وهي النار العظمى لأنه كان يتعظم على الناس «ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ » أي فأدخلوه فيها بأن تلقوه على جسده ، «إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ » فدل على أن هذا الوعيد بالنار لمن لا يؤمن بالله من الكفار فهذا مشرك.

قوله « في طسم » أي في الشعراء «وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ » فيرونها مكشوفة ويتحسرون على أنهم المسوقون إليها «وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ » أي أين آلهتكم الذين تزعمون أنهم شفعاؤكم «هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ » بدفع العذاب عنكم «أَوْ يَنْتَصِرُونَ » بدفعه عن أنفسهم لأنهم وآلهتهم يدخلون النار كما قال «فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ » أي الآلهة وعبدتهم والكبكبة تكرير الكتب لتكرير معناه ، كان من ألقي في النار ينكب مرة بعد أخرى حتى يستقر في قعرها «وَجُنُودُ إِبْلِيسَ » قيل : متبعوه من عتاة الثقلين أو شياطينه «أَجْمَعُونَ » تأكيد للجنود إن جعل مبتدأ خبره ما بعده ، أو للضمير وما عطف عليه وكذا الضمير المنفصل وما يعود إليه في قوله : «قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ ، تَاللهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ » على أن الله ينطق الأصنام فتخاصم العبدة ، ويؤيده الخطاب في قوله : «إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ » أي في استحقاق العبادة ، ويجوز أن يكون الضمائر للعبدة كما في قالوا والخطاب للمبالغة في التحسر والندامة ، والمعنى أنهم مع تخاصمهم في مبدء ضلالهم معترفون بانهماكهم في الضلالة يتحسرون عليها ، كذا ذكره البيضاوي في تفسير تلك الآيات.

__________________

(١) سورة الحاقة : ٢٥ ـ ٣٢.

(٢) سورة الشعراء : ٩١ ـ ١٠٠.


«وَما أَضَلَّنا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ » يعني المشركين الذين اقتدوا بهم هؤلاء فاتبعوهم على شركهم وهم قوم محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ليس فيهم من اليهود والنصارى أحد وتصديق ذلك قول الله عز وجل : «كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ »(١) «كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ »(٢) «كَذَّبَتْ قَوْمُ

______________________________________________________

قوله عليه‌السلام : يعني المشركين ، هو خبر لقوله" بحذف العائد ، أي يعني به ، والمعنى أن المراد بالمجرمين المشركون الذين اتبعهم هؤلاء القائلون على شركهم وكلاهما من أمة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " وتصديق ذلك" أي تصديق أن المراد بهم المشركون من هذه الأمة أن الله تعالى ذكر بعد تلك الآيات أحوال المشركين وعبدة الأوثان من كل أمة ، ولم يدخل فيهم اليهود والنصارى.

فالظاهر أن يكون المراد هنا أيضا طائفة مخصوصة ، وليس هم اليهود والنصارى لقوله تعالى سابقا «فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ » ، لدلالته على أن معبودهم في النار فلم يبق إلا أن يكونوا من هذه الأمة أو يكتفي بالوجه الأول ، ويقال : لما كان الظاهر من الآيات اللاحقة اختصاص الكلام بعبدة الأوثان فالظاهر هنا أيضا أن يكون المراد به من هو من جنسهم ولم يبق من الأمم المشهورة الذين تعرض الله لذكرهم في القرآن إلا هذه الأمة فهم المرادون به وقوله : «كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ » كأنه نقل بالمعنى لأن تلك الآيات في سورة الشعراء وليس فيها « قبلهم » وإنما هو في ص والمؤمن ، ويحتمل أن يكون في مصحفهمعليهم‌السلام هكذا.

هذا ما خطر بالبال ، وقيل : لعل المراد أن القائلين بهذا القول أعني قولهم : «وَما أَضَلَّنا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ » هم مشركو قوم نبينا الذين اتبعوا آباءهم المكذبين للأنبياء بدليل أن الله سبحانه ذكر عقيب ذلك في مقام التفصيل المكذبين للأنبياء طائفة بعد طائفة ، وليس المراد بهم أحدا من اليهود والنصارى الذين صدقوا نبيهم وإنما

__________________

(١) سورة ص : ١٢.

(٢) سورة الشعراء : ١٧٦.


لُوطٍ »(١) ليس فيهم اليهود الذين قالوا «عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ » ولا النصارى الذين قالوا «الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ » سيدخل الله اليهود والنصارى النار ويدخل كل قوم بأعمالهم وقولهم «وَما أَضَلَّنا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ » إذ دعونا إلى سبيلهم ذلك قول الله عز وجل فيهم حين جمعهم إلى

______________________________________________________

أشركوا من جهة أخرى وإن كان الفريقان يدخلان النار أيضا فقوله : سيدخل الله ، استدراك لدفع توهم عدم دخولهما النار وعدم دخول غيرهما ممن أساء العمل ، انتهى.

قوله عليه‌السلام : ليس هم اليهود ، تأكيد لقوله : ليس فيهم ، أو المراد بالأول أنه ليس في القائلين والمجرمين ، وبالثاني أنه ليس في هؤلاء المكذبين من الأمم السابقة ، وقيل : الأول نفي للتشريك ، والثاني نفي للاختصاص ، والأوسط أظهر.

و « قولهم » مبتدأ« إذ دعونا إلى سبيلهم » ذلك من كلامهعليه‌السلام ذكره تفسيرا للآية ، وقول الله خبر للمبتدإ ، ويحتمل أن يكون ذلك مبتدأ ثانيا إشارة إلى قولهم ، وقول الله خبره ، والمجموع خبر للمبتدإ الأول ، وحاصله أن القولين حكايتان عن قصة واحدة ، وقيل :حين ظرف لقول الله مجازا من قبيل وضع الدال موضوع المدلول.

ثم اعلم أن الآيات في سورة الأعراف هكذا : «حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ ، قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً ، قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ ، وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ » فظهر أنقوله : قالت أوليهم لأخريهم ، من سهو النساخ أو الرواة

__________________

(١) سورة الشعراء : ١٦٠.


النار «قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ » وقوله «كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً » برئ بعضهم من بعض ولعن بعضهم بعضا يريد بعضهم أن يحج بعضا رجاء الفلج فيفلتوا من عظيم ما نزل بهم

______________________________________________________

وأن «كُلَّما دَخَلَتْ » مقدم على السابق في الترتيب.

قالوا« و » في قوله : وقوله ، بمعنى مع ، مع أنه لا يدل على الترتيب.

«كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ » أي في النار «لَعَنَتْ أُخْتَها » التي ضلت بالاقتداء بها «حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها » أصل اداركوا تداركوا ، فأدغم ومعناه تلاحقوا ، أي لحق آخرهم أولهم في النار «قالَتْ أُخْراهُمْ » دخولا ومنزلة وهم الأتباع «لِأُولاهُمْ » إذ الخطاب مع الله لا معهم «رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا » أي سنوا لنا الضلال فاقتدينا بهم «فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ » أي مضاعفا لأنهم ضلوا وأضلوا.

«قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ » أما القادة فبكفرهم وتضليلهم ، وأما الأتباع فبكفرهم وتقليدهم «وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ » ما لكم أو ما لكل فريق «وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ » عطفوا كلامهم على جواب الله لأخريهم ، وبنوه عليه ، أي فقد ثبت أن لا فضل لكم علينا ، وإنا إياكم متساوون في الضلال واستحقاق العذاب «فَذُوقُوا الْعَذابَ » من قول القادة أو من قول الفريقين.

« أن يحج بعضا » بضم الحاء أي يغلبه بالحجة ، في القاموس الحج الغلبة بالحجة وفي المصباح حاجة محاجة فحجة بحجة من باب قتل إذا غلبه في الحجة ، وقال :فلج فلوجا من باب قعد ظفر بما طلب ، وفلج بحجته أثبتها ، وأفلج الله حجته أظهرها ، وقال :أفلت الطائر وغيره إفلاتا تخلص ، وأفلته أنا إذا أطلقته وخلصته ، يستعمل لازما ومتعديا وفلت فلتا من باب ضرب لغة وفلتة ، يستعمل


وليس بأوان بلوى ولا اختبار ولا قبول معذرة ولات حين نجاة والآيات وأشباههن مما نزل به بمكة ولا يدخل الله النار إلا مشركا فلما أذن الله لمحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله في الخروج من مكة إلى المدينة بنى الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداصلى‌الله‌عليه‌وآله عبده ورسوله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصيام شهر رمضان وأنزل عليه

______________________________________________________

أيضا لازما ومتعديا ، وانفلت خرج بسرعة.

« وليس بأوان بلوى ولا اختبار » يعني أنهم يطمعون في غير مطمع ، فإن الاحتجاج وطلب الدليل إنما ينفع في دار التكليف والاختبار لا في دار الجزاء بعد ظهور الأمر ودخول النار.

« ولا حين نجاة » أي ليس هذا الزمان حين نجاة يمكن التخلص من العذاب بالتوبة وغيرها ، وفي بعض النسخ ولا حين نجاة ، مقتبسا من قوله تعالى : «وَلاتَ حِينَ مَناصٍ »(١) قال البيضاوي : أي ليس الحين حين مناص ، و « لا » هي المشبهة بليس زيدت عليها تاء التأنيث للتأكيد كما زيدت على رب وثم ، وخصت بلزوم الأحيان وحذف أحد المعمولين ، وقيل : هي النافية للجنس ، أي ولا حين مناص لهم ، وقيل : للفعل والنصب بإضماره أي ولا أرى حين مناص ، وقيل : أن التاء مزيدة على حين لاتصالها به في الإمام ، انتهى.

« والآيات » أي تلك الآيات المتقدمة« ولا يدخل الله » الجملة حالية أي نزلت تلك الآيات في حال كان الحكم فيها أن لا يدخل الله النار إلا مشركا.

قوله عليه‌السلام : فلما أذن الله ، قال المحدث الأسترآبادي : تصريح بأن مصداق الإسلام في مكة أقل من مصداقه في المدينة ، انتهى.

وعد الشهادتين واحدة لتلازمهما وكان الولاية أيضا داخلة فيهما كما عرفت وعدم التصريح للتقية ، أو أنهعليه‌السلام استدل بهذا الخبر المشهور بين العامة إلزاما

__________________

(١) سورة ص : ٣.


الحدود وقسمة الفرائض وأخبره بالمعاصي التي أوجب الله عليها وبها النار لمن عمل بها وأنزل في بيان القاتل «وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً »(١) ولا يلعن الله مؤمنا قال الله عز وجل : «إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً خالِدِينَ فِيها أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً »(٢) وكيف يكون في المشيئة وقد ألحق به حين جزاه جهنم الغضب واللعنة وقد بين ذلك من

______________________________________________________

عليهم ، وكان ذكر العبادات الأربع وتخصيصها لكونها أهم الفرائض أو لأنها صرحت بها في القرآن وأكدت عليها دون غيرها ، أو أنه بني عليها أولا ثم زيدت سائر الفرائض.

«وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً » استدل به من قال بخلود أصحاب الكبائر في النار وأول بوجوه :

الأول أن المراد بالمتعمد من قتله لإيمانه كما ورد في أخبار كثيرة فيكون كافرا.

الثاني : أن المراد بالخلود المكث الطويل.

الثالث : أن المراد أن هذا جزاؤه إن جازاه لكنه سبحانه لا يجازيه كما ورد في بعض أخبارنا.

الرابع : أن المراد بالتعمد المستحل.

الخامس : أنه يفعل فعلا يستحق به دخول النار ، واستدلعليه‌السلام على عدم إيمانه بأن الله لعنه ولا يلعن مؤمنا لقوله تعالى : «إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ »(٣) وكأنهعليه‌السلام استدل بمفهوم الوصف فيدل على حجيته ، ويمكن أن يكون لخصوص سياق الآية أيضا مدخل فيه.

« وكيف يكون في المشيئة » أي كيف يكون أمر القاتل في مشيئة الله إن

__________________

(١) سورة النساء : ٩٥.

(٢ و ٣) سورة الأحزاب : ٦٤ ـ ٦٦.


.................................................................................................

______________________________________________________

شاء عذبه وإن شاء غفر له ، والحال أنه قد ألحق به بعد أن جزاه جهنم الغضب واللعنة المختصين بالكفار.

أقول : كونه في المشيئة إما مبني على ما ذكره أكثر المتكلمين من أن خلف الوعد قبيح وعلى الله محال ، وأما خلف الوعيد فهو حسن ويجوز على الله تعالى وليس بكذب ، قال الطبرسي (ره) : وروى عاصم بن أبي النجود عن ابن عباس فيقوله : «فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ » قال : هي جزاؤه فإن شاء عذبه وإن شاء غفر له ، وروي عن أبي صالح وبكر بن عبد الله وغيره أنه كما يقول الإنسان لمن يزجره عن أمر : إن فعلت فجزاؤك القتل والضرب ، ثم إن لم يجازه بذلك لم يكن ذلك منه كذبا ، انتهى.

أو إشارة إلى قوله تعالى : «إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ »(١) فيدل على أن ما دون الشرك مما يغفره الله لمن يشاء والقتل داخل في ذلك فيكون داخلا في المشيئة كما قال في مجمع البيان قال جماعة من التابعين : الآية اللينة وهي «إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ » الآية ، نزلت بعد الشديدة ، وهي «وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً »(٢) الآية ، وعلى الأول فكان جوابهعليه‌السلام مبني على أن آية القتال ليست مشتملة على الوعيد فقط بل على أنه ممن غضب الله عليه ولعنه ، فإذا دخل الجنة من غير توبة أو غيرها مما يكفره يكون كذبا ، ولم يكن مغضوبا ولا ملعونا مبعدا من رحمة الله.

وعلى الثاني مبني على وجهين : « الأول » أن القتل المذكور داخل في الشرك والكفر حيث لعنه الله ، ولا يلعن إلا الكافر « والثاني » أنه لا يكون داخلا فيمن يشاء مغفرته حيث أخبر بأنه مغضوب وملعون ، وهذا صريح في عدم المغفرة والوجوه كأنها متقاربة.

__________________

(١) سورة النساء : ٤٨.

(٢) سورة النساء : ٩٣.


الملعونون في كتابه وأنزل في مال اليتيم من أكله ظلما «إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً »(١) وذلك أن آكل مال اليتيم يجيء يوم القيامة والنار تلتهب في بطنه حتى يخرج لهب النار من فيه حتى يعرفه كل أهل الجمع أنه آكل مال اليتيم وأنزل في الكيل «وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ »(٢)

______________________________________________________

« وقد بين ذلك » المشار إليه آية الأحزاب أي أن الله لعن الكافرين.

« وأنزل » أي في سورة النساء أيضا« من أكله » بدل اشتمال لمال اليتيم «إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً » قال في المجمع : أي ينتفعون بأموال اليتامى ويأخذونها ظلما بغير حق ، ولم يرد به قصر الحكم على الأكل ، وإنما خص لأنه معظم منافع المال المقصودة.

«إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً » قيل فيه وجهان :

أحدهما : أن النار تلتهب من أفواههم وإسماعهم وآنافهم يوم القيامة ليعلم أهل الموقف أنهم أكلة أموال اليتامى عن السدي ، وروي عن الباقرعليه‌السلام أنه قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يبعث ناس من قبورهم يوم القيامة تأجج أفواههم نارا فقيل له : يا رسول الله من هؤلاء؟ فقرأ هذه الآية.

والآخر : أنه ذكر ذلك على وجه المثل من حيث أن من فعل ذلك يصير إلى جهنم فيمتلي بالنار أجوافهم عقابا على أكلهم مال اليتيم «وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً » أي يلزمون النار المسعرة للإحراق ، وإنما ذكر البطون تأكيدا كما يقال : نظرت بعيني ، وقلت بلساني ، وأخذت بيدي ومشيت برجلي ، انتهى.

« وأنزل في الكيل » فإن قيل : سورة المطففين من السور المكية والغرض هنا بيان التكاليف المتجددة بالمدينة؟ قلنا : لا عبرة بما ذكره المفسرون في ذلك مع أنهم اختلفوا في هذه السورة قال في مجمع البيان : مكية ، وقال المعدل مدنية عن الحسن والضحاك وعكرمة ، وقال ابن عباس وقتادة : إلا ثماني آيات منها ، وهي

__________________

(١) سورة النساء : ١٦٩.

(٢) سورة المطففين : ٢.


ولم يجعل الويل لأحد حتى يسميه كافرا قال الله عز وجل «فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ »(١) وأنزل في العهد «إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً

______________________________________________________

«إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا » إلى آخر السورة ، انتهى.

فالخبر يؤيد قول هؤلاء الجماعة ويؤيده ما رواه في مجمع البيان في سبب نزول صدر السورة عن عكرمة عن ابن عباس أنه لما قدم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا فأنزل الله عز وجل : «وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ » فأحسنوا الكيل بعد ذلك ، وروي عن السدي أنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قدم المدينة وبها رجل يقال له أبو جهينة ومعه صاعان يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر فنزلت الآيات ، ويؤنسه أن الطبرسي (ره) ذكرها في ترتيب نزول السور آخر السور المكية.

فيمكن أن يكون نزولها بعد الهجرة وقبل نزول المدينة.

وفي القاموس : الويل حلول الشر ، وويل كلمة عذاب ، وواد في جهنم أو بئر أو باب لها ، انتهى.

واستدلعليه‌السلام بأن الويل لم يطلق في القرآن إلا للكافرين كقوله : «فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ »(٢) «وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ »(٣) «فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ »(٤) «وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ »(٥) «يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا »(٦) «يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ »(٧) .

وفي المجمع «وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ » ، هم الذين ينقصون المكيال والميزان ويبخسون الناس حقوقهم في الكيل والوزن ، قال الزجاج : وإنما قيل له : مطفف لأنه لا يكاد يسرق في المكيال والميزان إلا الشيء اليسير الطفيف.

« وأنزل في العهد » أي في سورة آل عمران وهي مدنية" «إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ

__________________

(١) سورة مريم : ٣٨.

(٢) سورة البقرة : ٧٩.

(٣) سورة إبراهيم : ٢.

(٤) سورة الزخرف : ٦٥.

(٥) سورة همزة : ١.

(٦) سورة يس : ٥٢.

(٧) سورة قلم : ٣١.


.................................................................................................

______________________________________________________

بِعَهْدِ اللهِ » لعل المراد بالعهد هنا على ظاهر سياق الحديث ما عاهدوا الله عليه ، فخالفوه ، وباليمين الإيمان التي يحلفون بها على المستقبل ثم يخالفونها ، ويحتمل شموله لليمين الغموس الكاذبة ، ويحتمل أن يكون العهد شاملا للبيعة وما عاهدوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثم نقضوه.

وقال الراغب : العهد : حفظ الشيء ومراعاته حالا بعد حال وسمي الموثق الذي يلزم مراعاته عهدا قال عز وجل : «وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً »(١) أي أوفوا لفظ الأمان ، وعهد فلان إلى فلان أي ألقى العهد إليه وأوصاه بحفظه ، قال عز وجل : «وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ »(٢) وعهد الله تارة يكون بما ركزه في عقولنا ، وتارة يكون بما أمرنا به بكتابه وبسنة رسله ، وتارة بما نلتزمه وليس بلازم في أصل الشرع كالنذور وما يجري مجراه ، انتهى.

وأما ما ذكره المفسرون في تلك الآية فقال الطبرسيقدس‌سره : نزلت في جماعة من أحبار اليهود كتموا ما في التوراة من أمر محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكتبوا بأيديهم غيره ، وحلفوا أنه من عند الله لئلا تفوتهم الرئاسة ، وما كان لهم علي أتباعهم عن عكرمة ، وقيل : نزلت في الأشعث بن قيس وخصم له في أرض قام ليحلف عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلما نزلت الآية نكل الأشعث واعترف بالحق عن ابن جريج ، وقيل : نزلت في رجل حلف يمينا فاجرة في تنفيق سلعته ، عن مجاهد والشعبي.

ثم قال : «إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ » أي يستبدلون بأمر الله سبحانه ما يلزمهم الوفاء به ، وقيل : معناه : إن الذين يحصلون بنكث عهد الله ونقضه «وَأَيْمانِهِمْ » أي وبالأيمان الكاذبة «ثَمَناً قَلِيلاً » أي عوضا نذرا لأنه قليل في جنب ما يفوتهم من الثواب ، ويحصل لهم من العقاب ، وقيل : العهد ما أوجبه الله تعالى على الإنسان من الطاعة والكف عن المعصية ، وقيل : هو ما في عقل الإنسان من الزجر عن الباطل

__________________

(١) سورة الإسراء : ٣٤.

(٢) سورة طه : ١١٥.


أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ »(١) والخلاق النصيب فمن لم يكن له نصيب في الآخرة فبأي شيء يدخل الجنة وأنزل بالمدينة «الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلاَّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلاَّ

______________________________________________________

والانقياد للحق.

«أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ » أي لا نصيب وافرا لهم في نعيم الآخرة «وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ » أي بما يسرهم ، أو لا يكلمهم أصلا وتكون المحاسبة بكلام الملائكة استهانة لهم «وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ » أي لا يعطف عليهم ولا يرحمهم كما يقول القائل للغير : انظر إلى ، يريد ارحمني «وَلا يُزَكِّيهِمْ » أي لا يطهرهم ، وقيل : لا ينزلهم منزلة الأزكياء ، وقيل : لا يطهرهم من دنس الذنوب والأوزار بالمغفرة بل يعاقبهم ، وقيل : لا يحكم بأنهم أزكياء ولا يسميهم بذلك بل يحكم بأنهم كفرة فجرة «وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ » مؤلم موجع ، انتهى.

وقال البيضاوي : أي يستبدلون بما عاهدوا عليه من الإيمان بالرسول والوفاء بالأمانات ، وبإيمانهم وبما حلفوا به من قولهم والله لنؤمنن به ولننصرنه «ثَمَناً قَلِيلاً » مَتاعُ الدُّنْيا «ولا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ » الظاهر أنه كناية عن غضبه عليهم لقوله : «وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ » فإن من سخط على غيره واستهان به أعرض عنه وعن التكلم معه والالتفات نحوه كما أن من اعتد بغيره يقاوله ويكثر النظر إليه «وَلا يُزَكِّيهِمْ » ولا يثني عليهم ، انتهى.

وظاهر الخبر أن ناقض العهد واليمين لا يدخل الجنة أصلا ، فيمكن حمله على الاستحلال أو على أنه لا يدخل الجنة ابتداء وحمله علي المشركين والكافرين كما هو ظاهر المفسرين ينافي سياق الحديث ، ويمكن حمله على أنهم لا يستحقون دخول الجنة ولا يلزم على الله ذلك لعدم الوعد إلا أن يدخلهم الجنة بفضله.

« وأنزل بالمدينة » أي في سورة النور وهي مدنية : «الزَّانِي لا يَنْكِحُ » قال في

__________________

(١) سورة آل عمران : ٧١.


زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ »(١) فلم يسم الله الزاني مؤمنا ولا الزانية

______________________________________________________

مجمع البيان : اختلف في تفسيره على وجوه « أحدها » أن يكون المراد بالنكاح العقد ونزلت الآية على سبب وهو أن رجلا من المسلمين استأذن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أن يتزوج أم مهزول وهي امرأة كانت تسافح ولها راية على بابها تعرف بها ، فنزلت الآية عن ابن عباس وغيره ، والمراد بالآية النهي وإن كان ظاهره الخبر « وثانيها » أن النكاح هيهنا الجماع والمعنى أنهما اشتركا في الزنا فهي مثله ، فيكون نظير قوله : «الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ »(٢) في أنه خرج مخرج الأغلب « وثالثها » أن هذا الحكم كان في كل زان وزانية ثم نسخ بقوله : «وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ » الآية(٣) عن سعيد بن المسيب وجماعة « ورابعها » أن المراد به العقد وذلك الحكم ثابت فيمن زنى بامرأة فإنه لا يجوز له أن يتزوج بها ، روي ذلك عن جماعة من الصحابة.

وإنما قرن الله سبحانه بين الزاني والمشرك تعظيما لأمر الزنا وتفخيما لشأنه ، ولا يجوز أن يكون هذه الآية خبرا لأنا نجد الزاني يتزوج غير زانية ، ولكن المراد هنا الحكم في كل زان أو النهي ، سواء كان المراد بالنكاح الوطء أو العقد وحقيقة النكاح في اللغة الوطء.

«وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ » أي حرم نكاح الزانيات أو حرم الزنا على المؤمنين فلا يتزوج بهن ولا يطأهن إلا زان أو مشرك ، انتهى.

ثم المشهور بين الأصحاب كراهة نكاح المشهورات بالزنا ، وذهب الشيخان وجماعة إلى اشتراط التوبة في الحل سواء زنى بها من أراد نكاحها أو غيره للآية المتقدمة وبعض الأخبار ، وأجيب عن الآية تارة بأن المراد بالنكاح الوطء ، وأخرى بأنها منسوخة بقوله تعالى : «وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ »(٤) وبقوله : «فَانْكِحُوا ما طابَ

__________________

(١) سورة النور : ٤.

(٢) سورة النور : ٢٦.

(٣ و ٤) سورة النور : ٣٢.


.................................................................................................

______________________________________________________

لَكُمْ »(١) أو قوله : «وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ »(٢) وفي الأول أنه خلاف الظاهر ، فإنه إن أريد الوطء لم يظهر للكلام فائدة ظاهرة ، وفي الثاني أنه خلاف الأصل مع أن الظاهر من طاب : حل ، ومن وراء ذلكم ، سائر أصناف النساء ، ولا ينافيه عروض الحرمة لعروض زناء ونحوه.

والظاهر أنهعليه‌السلام استدل بالآية على أن الله تعالى أخرج الزناة والزواني في هذه الآية من عداد المؤمنين حيث قابل بين المؤمنين وبينهما ، إذا الظاهر من سياق الآية أن المراد أنه لا يليق نكاح الزاني إلا بزانية أو مشركة ، ولا نكاح الزانية إلا بزان أو مشرك ، وأما المؤمن فإنه لا يليق به هذا الفعل وهو محرم عليه إما بمعناه أو بمعنى الكراهة الشديدة ، أو بمعنى المحرومية كما في قوله سبحانه : «وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ »(٣) فظهر أنه لم يسمها بالإيمان لما عرفت من المقابلة مع أنه جمع بينهما وبين المشرك ففيه أيضا إيماء بعدم إيمانهما.

وهذا وجه حسن خطر بالبال للآية والخبر معا فإن حمل الآية على وجه آخر لا يستقيم ظاهرا فإنه إذا حمل النكاح على الوطء فالكلام إما في قوة النهي أو الخبر ، فعلى الأول المعنى النهي عن أن يطأ الزاني سوى الزانية والمشركة وجواز وطيه لهما ، وفيه ما لا يخفى وكذا العكس ، وعلى الثاني يكون كذبا إن أراد بالوطء غير الزنا أو الأعم ، وإن أريد به الزنا كان الكلام خاليا عن الفائدة.

وإذا حمل على العقد فلو كان في قوة النهي كان مفادها النهي عن أن ينكح الزاني سوى الزانية والمشركة وتجويز نكاحه إياهما وتجويز نكاح الزانية بالزاني والمشرك ولم يقل به أحد ، ولو كان خبرا لزم الكذب ، فلا بد من حمل الآية على ما ذكرنا فيتضح استدلالهعليه‌السلام غاية الوضوح.

ويظهر منه عدم تمام الاستدلال بها على تحريم نكاحهما ، نعم قوله سبحانه

__________________

(١) سورة النساء : ٣.

(٢) سورة النساء : ٢٤.

(٣) سورة القصص : ١٢.


مؤمنة وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ليس يمتري فيه أهل العلم أنه قال لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن فإنه إذا فعل ذلك

______________________________________________________

«وَحُرِّمَ ذلِكَ » فيه دلالة على التحريم إن لم نحمله على معنى الحرمان ، وحمله على الكراهة الشديدة مع وجود المعارض غير بعيد مع أنه يحتمل أن يكون ذلك إشارة إلى الزنا ، ويكون الجملة حالية أو تعليلية.

قوله : ليس يمتري ، الامتراء الشك ، والجملة إلى قوله : أنه قال ، معترضة ، وضمير« فيه » راجع إلى الرسول ، وقوله : إنه قال ، بدل اشتمال للضمير ، وقوله : لا يزني مفعول قال أولا والاعتراض لبيان أن الخبر معلوم متواتر بين الفريقين ، وكان المرادبقوله : حين يزني وحين يسرق ، حين يصير عليهما ولم يتب ، ولا فساد في مفارقه الإيمان بالمعنى الذي ذكرناه ، حيث اشتمل على فعل الفرائض وترك الكبائر عنه ، وبها يستحق العذاب في الجملة لا الخلود في النار ، ومن لم يقل بذلك أوله بتأويلات بعيدة.

قال في النهاية : في الحديث : لا يزني الزاني وهو مؤمن ، قيل : معناه النهي وإن كان في صورة الخبر ، والأصل حذف الياء من يزني ، أي لا يزن المؤمن ولا يسرق ولا يشرب ، فإن هذه الأفعال لا يليق بالمؤمن ، وقيل : هو وعيد يقصد به الردع كقولهعليه‌السلام : لا إيمان لمن لا أمانة له ، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، وقيل : معناه لا يزني وهو كامل الإيمان وقيل : معناه أن الهوى يغطي الإيمان فصاحب الهوى لا يرى إلا هواه ولا ينظر إلى إيمانه الناهي له عن ارتكاب الفاحشة ، فكان الإيمان في تلك الحالة قد انعدم.

وقال ابن عباس : الإيمان نزه فإذا أذنب العبد فارقه ، ومنه الحديث الآخر : إذا زنى الرجل خرج منه الإيمان فوق رأسه كالظلة فإذا أقلع رجع إليه الإيمان ، وكل هذا محمول على المجاز ونفي الكمال دون الحقيقة في رفع الإيمان وإبطاله ، انتهى.

وقيل : أنه ليس بمؤمن إذا كان مستحلا ، وقيل : ليس بمؤمن من العقاب وقيل : المقصود نفي المدح ، أي لا يقال له مؤمن بل يقال : زان أو سارق ، وقيل : أنه


خلع عنه الإيمان كخلع القميص ونزل بالمدينة «وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ »(١) فبرأه الله

______________________________________________________

لنفي البصيرة ، أي ليس هو ذا بصيرة ، وقال ابن عباس : أي ليس ذا نور وقيل : أي ليس بمستحضر الإيمان ، وقيل : أي ليس هو بعاقل لأن المعصية مع استحضار العقوبة مرجوحة والحكم بالمرجوح بخلاف المعقول ، وقيل : المقصود نفي الحياء ، والحياء شعبة من الإيمان أي ليس بمستحي من الله سبحانه.

ولا يخفى ما في أكثر هذه الوجوه من البعد والركاكة.

« وأنزل بالمدينة » أي في سورة النور : «الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ » أي يقذفون العفائف من النساء بالزنا «ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ » أي بأربعة عدول يشهدون أنهم رأوهن يفعلن ما رموهن به من الزنا «فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً » خبر الذين بتأويل «وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً » خبر ثان ، وتنكير شهادة للعموم ، أي في أمر من الأمور كانأبدا تأكيد للعموم أي ما لم يتب «وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ » أي هم في أعلى مراتب الفسق حتى كأنه لا فاسق غيرهم فقد عبر عنهم باسم الإشارة وعرف الخبر وأتى بضمير الفصل مبالغة في ادعاء حصر الفسق فيهم وقصره عليهم.

قيل : ويمكن أن يكون حالا أو اعتراضا يجري مجرى التعليل لعدم قبول الشهادة «إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا » عن القذف وندموا ورجعوا بالتدارك «مِنْ بَعْدِ ذلِكَ » أي من بعد إقامة الحد ، وقيل : من بعد الرمي «وَأَصْلَحُوا » سرائرهم وأعمالهم فاستقاموا على مقتضى التوبة ، قالوا ومنه الاستسلام للحد والاستحلال من المقذوف والعزم على عدم العود إلى ذلك ، وعلى ترك جميع المناهي على قول.

وفي المجمع : ومن شرط توبة القاذف أن يكذب نفسه فيما قاله فإن لم يفعل ذلك لم يجز قبول شهادته «فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » علة للاستثناء.

قوله عليه‌السلام : «فَبَرَّأَهُ اللهُ » الظاهر أنهعليه‌السلام استدل على عدم وصفهم بالإيمان

__________________

(١) سورة النور : ٥.


ما كان مقيما على الفرية من أن يسمى بالإيمان قال الله عز وجل : «أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ »(١) وجعله الله منافقا قال الله عز وجل : «إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ »(٢) وجعله عز وجل من أولياء إبليس قال «إِلاَّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِ

______________________________________________________

بوصفهم بالفسق لأن في عرف القرآن لازم للكفر ولم يطلق فيه الفاسق إلا على الكافر كقوله تعالى : «أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً » فقابل بين الإيمان والفسق ، فدل على أن الفاسق ليس بمؤمن ، وقال : «إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ » فخص الفاسق في المنافق فجعله الله منافقا« وجعله من أولياء إبليس » حيث أطلق الفسق عليهما ، وأيضا إذا نظرت في الآيات الكريمة وسبرتها لم تر الفاسق أطلق فيها إلا على الكافر.

قال الراغب : فسق فلان : خرج من حد الشرع ، وذلك من قولهم فسق الرطب إذا خرج عن قشره وهو أعم من الكافر ، والفسق يقع بالقليل من الذنوب وبالكثير لكن تعورف فيما كان كثيرا ، وأكثر ما يقال لمن التزم حكم الشرع وأقر به ثم أخل بجميع أحكامه أو ببعضه ، وإذا قيل للكافر الأصلي فاسق فلأنه أخل بحكم ما ألزمه العقل واقتضاء الفطرة ، قال عز وجل : «فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ »(٣) «فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ »(٤) «وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ »(٥) «وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ »(٦) «أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ »(٧) وقال : «وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ »(٨) وقال تعالى : «وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ »(٩) «وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ »(١٠) «وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ »(١١) «إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ »(١٢) و «كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ »(١٣) انتهى.

__________________

(١) سورة السجدة : ١٨. (٢) سورة التوبة : ٦٧.

(٣) سورة الكهف : ٥٠. (٤) سورة الإسراء : ١٦.

(٥) سورة آل عمران : ١٨. (٦) سورة النور : ٣.

(٧) سورة السجدة : ١٨. (٨) سورة النور : ٥٥.

(٩) سورة السجدة : ٢٠. (١٠) سورة الأنعام : ٤٩.

(١١) سورة الصفّ : ٥. (١٢) سورة التوبة : ٦٧.

(١٣) سورة يونس : ٣٣.


فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ »(١) وجعله ملعونا فقال : «إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ »(٢) وليست تشهد الجوارح على مؤمن إنما تشهد على من حقت عليه كلمة العذاب فأما المؤمن فيعطى كتابه بيمينه قال الله عز وجل : «فَأَمَّا

______________________________________________________

« وجعله » أي الرامي «الْمُحْصَناتِ » أي العفائف «الْغافِلاتِ » مما قذفن به «الْمُؤْمِناتِ » بالله ورسوله وما جاء به «لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ » بما طعنوا فيهن «وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ » لعظم ذنوبهم.

«يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ » ظرف لما في لهم من معنى الاستقرار لا للعذاب «أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ » يعترفون بها بإنطاق الله إياها بغير اختيارهم أو بظهور آثاره عليها.

قوله عليه‌السلام : وليست تشهد ، يدل على أن شهادة الجوارح إنما هي للكفار كما ذكره جماعة من المفسرين ، وذكره الشيخ البهائي (ره) في الأربعين.

قوله عليه‌السلام : فيعطى كتابه بيمينه ، أي فيقرأه ، ومن تنطق جوارحه يختم على فيه ، لقوله تعالى : «الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ »(٣) أو لأن سياق آيات شهادة الجوارح تدل على غاية الغضب ، والآيات النازلة في المؤمنين مشتملة على نهاية اللطف كقوله سبحانه : «يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ »(٤) أي من المدعوين «كِتابَهُ بِيَمِينِهِ » أي كتاب عمله «فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ » ابتهاجا بما يرون فيه «وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً » أي ولا ينقصون من أجورهم أدنى شيء ، والفتيل : المفتول ، وسمي ما يكون في شق النواة فتيلا لكونه على هيئته ، وقيل : هو ما تفتله بين أصابعك من خيط أو وسخ ويضرب به المثل في الشيء الحقير.

ثم اعلم أن هذا المضمون وقع في مواضع من القرآن المجيد أو لها في بني إسرائيل : «فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ » إلى آخر ما في الحديث.

__________________

(١) سورة الكهف : ٤٨.

(٢) سورة النور : ٢٣ ـ ٢٤.

(٣) سورة يس : ٦٥.

(٤) سورة الإسراء : ٧١.


مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً »(١) وسورة النور أنزلت بعد سورة النساء وتصديق ذلك أن الله عز وجل أنزل عليه في سورة النساء «وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَ

______________________________________________________

وثانيها في إلحاقه «فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ » وثالثها في الانشقاق : «فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً ».

وما في الحديث لا يوافق شيئا منها وإن كان بالأول أنسب ، فكأنه من تصحيف النساخ أو كان في قراءتهمعليهم‌السلام هكذا ، أو نقل بالمعنى جمعا بين الآيات.

« وسورة النور أنزلت » كان هذا جواب عن اعتراض مقدر ، وهو أنه لما أنزل الله في سورة النساء مرتين «إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ* » ، وهي تدل على عدم ترتب العذاب على غير الشرك ، فيمكن كونها ناسخة للآيات الدالة على عقوبات أصحاب الكبائر وعدم كونهم من المؤمنين ، فأجابعليه‌السلام بعد التنزل على عدم المخالفة بين هذه الآية وتلك الآيات لأن تجويز المغفرة لمن شاء الله لا ينافي استحقاقهم للعذاب والعقاب وخروجهم عن الإيمان بأحد معانيه بأن أكثر ما أوردنا من الآيات واستدللنا بها إنما هي في سورة النور وهي نزلت بعد سورة النساء فكيف تكون آية النساء ناسخة لها ، فلو احتاج التوفيق إلى القول بالنسخ لكان الأمر بعكس ما قلتم ، مع أنه لا قائل بالفصل.

ثم استدلعليه‌السلام على ذلك بأن الله تعالى قال في سورة النساء : «أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً » والسبيل هو الذي ذكره من الحد في سورة النور ، ويحتمل أن يكون الغرض إفادة دليل آخر على ما سبق من نزول الأحكام مدرجا ونسخ الأشد للأضعف لكن الأول أظهر.

«وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ » ذهب الأكثر إلى أن المراد بالفاحشة الزنا ، وقيل : هي المساحقة «فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ » الخطاب للأئمة

__________________

(١) سورة الإسراء : ٧٤.


فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً »(١) والسبيل الذي قال الله عز وجل : «سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ »(٢) .

______________________________________________________

والحكام بطلب أربعة رجال من المسلمين شهودا عليهن وقيل : الخطاب للأزواج «فَإِنْ شَهِدُوا » أي الأربعة «فَأَمْسِكُوهُنَ » أي فاحبسوهن «فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَ » أي يدركهن «الْمَوْتُ » قيل : أريد به صيانتهن عن مثل فعلهن والأكثر على أنه على وجه الحد على الزنا قالوا : كان في بدو الإسلام إن فجرت المرأة وقام عليها أربعة شهود حبست في البيت أبدا حتى تموت ، ثم نسخ ذلك بالرجم في المحصنين والجلد في البكرين. «أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً » أي ببيان الحكم كما مر وقيل : بالتوبة أو بالنكاح المغني عن السفاح ، وقالوا : لما نزل قوله تعالى : «الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا » قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : خذوا عني قد جعل الله سبيلا.

«سُورَةٌ » أي هذه سورة أو فيما أوحينا إليك سورة «أَنْزَلْناها » صفة «وَفَرَضْناها » أي فرضنا ما فيها من الأحكام «لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ » فتتقون الحرام «الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي » قيل : أي فيما فرضنا أو أنزلنا حكمهما وهو الجلد ، ويجوز أن يرفعا بالابتداء والخبر «فَاجْلِدُوا » إلى قوله «رَأْفَةٌ » أي رحمه «فِي دِينِ اللهِ » أي في طاعته وإقامة حده فتعطلوه أو تسامحوا فيه «إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ » فإن الإيمان يقتضي الجد في طاعة الله.

ثم اعلم أن عدم ذكر الولاية في هذا الخبر مع أنها الغرض الأصلي منه لنوع من التقية لأنهعليه‌السلام ذكره إلزاما عليهم حيث أنكروا كون الولاية جزءا من الإيمان.

__________________

(١) سورة النساء : ١٤.

(٢) سورة النور : ١ ـ ٢.


٢ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن محمد بن إسماعيل ، عن محمد بن فضيل ، عن أبي الصباح الكناني ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال قيل لأمير المؤمنينعليه‌السلام من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان مؤمنا قال فأين فرائض الله قال وسمعته يقول كان عليعليه‌السلام يقول لو كان الإيمان كلاما لم ينزل فيه صوم ولا صلاة ولا حلال ولا حرام قال وقلت لأبي جعفرعليه‌السلام إن عندنا قوما يقولون إذا شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فهو مؤمن قال فلم يضربون الحدود ولم تقطع أيديهم وما خلق الله عز وجل خلقا أكرم على الله عز وجل من المؤمن لأن الملائكة خدام المؤمنين وأن جوار الله للمؤمنين وأن الجنة للمؤمنين وأن الحور العين للمؤمنين ثم قال فما بال من جحد الفرائض كان كافرا.

______________________________________________________

الحديث الثاني : مجهول.

والحاصل أن الإيمان الذي هو سبب لرفع الدرجات والتخلص من العقوبات في الدنيا والآخرة ليس محض العقائد وإلا لم يفرض الله الفرائض ولم يتوعد على المعاصي ، وأيضا ما ورد في الآيات والأخبار من كرامة المؤمنين ودرجاتهم ومنازلهم ينافي إجراء الحدود عليهم وإذا لهم وإهانتهم ، فلا بد من خروجهم عن الإيمان حين استحقاقهم تلك العقوبات.

قوله : فما بال من جحد؟ لعل المعنى أنه لو كان الإيمان محض التكلم بالشهادتين أو الاعتقاد بهما كما تزعمون لم يكن جحد الفرائض موجبا للكفر مع أنكم توافقوننا في ذلك لورود الأخبار فيه ، فلم لا تقولون بعدم إيمان تاركي الفرائض ومرتكبي الكبائر أيضا مع ورود الأخبار الكثيرة فيها أيضا ، وقيل : المراد بجحد الفرائض تركها عمدا من غير عذر فإنه يؤذن بالاستخفاف والجحد.

قال الشهيد الثاني رفع الله درجته في بيان حقيقة الكفر : عرفه جماعة بأنه عدم الإيمان عما من شأنه أن يكون مؤمنا سواء كان ذلك العدم بضد أو لا بضد فبالضد كان يعتقد عدم الأصول التي بمعرفتها يتحقق الإيمان أو عدم شيء منها وبغير الضد


.................................................................................................

______________________________________________________

كالخالي من الاعتقادين أي اعتقاد ما به يتحقق الإيمان واعتقاد عدمه ، وذلك كالشاك أو الخالي بالكلية كالذي لم يقرع سمعه شيء من الأمور التي يتحقق الإيمان بها.

ويمكن إدخال الشاك في القسم الأول إذ الضد يخطر بباله وإلا لما صار شاكا ، واعترض عليه بأن الكفر قد يتحقق مع التصديق بالأصول المعتبرة في الإيمان كما إذا ألقى إنسان المصحف في القاذورات عامدا أو وطأه كذلك أو ترك الإقرار باللسان جحدا وحينئذ فينقض حد الإيمان منعا وحد الكفر جمعا.

وأجيب تارة بأنا لا نسلم بقاء التصديق لفاعل ذلك ، ولو سلمنا يجوز أن يكون الشارع جعل وقوع شيء من ذلك علامة وأمارة على تكذيب فاعل ذلك وعدم تصديقه فيحكم بكفره عند صدور ذلك منه ، وهذا كما جعل الإقرار باللسان علامة على الحكم بالإيمان مع أنه قد يكون كافرا في نفس الأمر.

وتارة بأنه يجوز أن يكون الشارع حكم بكفره ظاهرا عند صدور شيء من ذلك حسما لمادة جرأة المكلفين على انتهاك حرماته وتعدى حدوده ، وإن كان التصديق في نفس الأمر حاصلا وغاية ما يلزم من ذلك جواز الحكم بكون شخص واحد مؤمنا وكافرا وهذا لا محذور فيه لأنا نحكم بكفره ظاهرا وإمكان إيمانه باطنا فالموضوع مختلف فلم يتحقق اجتماع المتقابلين ليكون محالا ، ونظير ذلك ما ذكرناه من دلالة الإقرار على الإيمان فيحكم به مع جواز كونه كافرا في نفس الأمر.

وأقول أيضا : أن النقض المذكور لا يرد على جامعية تعريف الكفر وذلك لأنه قد بين أن العدم المأخوذ فيه أعم من أن يكون بالضد أو غيره ، وما ذكر من موارد النقض داخل في غير الضد كما لا يخفى ، وحينئذ فجامعيته سالمة لصدقه على الموارد المذكورة والناقض والمجيب غفلا عن ذلك.

ويمكن الجواب عن مانعية تعريف الإيمان أيضا بأن نقول من عرف الإيمان بالتصديق المذكور جعل عدم الإتيان بشيء من موارد النقض شرطا في اعتبار ذلك


٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن سلام الجعفي قال سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الإيمان فقال الإيمان أن يطاع الله فلا يعصى.

______________________________________________________

التصديق شرعا وتحقق حقيقة الإيمان.

والحاصل أنا لما وجدنا الشارع حكم بإيمان المصدق وحكم بكفر من ارتكب شيئا من الأمور المذكورة مطلقا علمنا أن ذلك التصديق إنما يعتبر في نظر الشارع إذا كان مجردا عن ارتكاب شيء من موارد النقض وأمثالها الموجبة للكفر ، فكان عدم الأمور المذكورة شرطا في حصول الإيمان ، ولا ريب أن المشروط عدم عند عدم شرطه وشروط المعرف التي يتوقف عليها وجود ماهيته ملحوظة في التعريف وإن لم يصرح بها فيه للعلم باعتبارها عقلا لما تقرر في بداهة العقول أنه بدون العلة لا يوجب المعلول والشرط من أجزاء العلة كما صرحوا به في بحثها ، والكل لا يوجد بدون جزئه.

وهذا الجواب واللذان قبله لم نجدها لغيرنا بل هي من هبات الواهب تعالى وتقدس ولم نعدم لذلك مثلا وإن لم نكن له أهلا ، انتهى كلامهقدس‌سره .

وأقول : هذه التكلفات إنما يحتاج إليها إذا جعل الإيمان نفس العقائد ولم يدخل فيها الأعمال ومع القول بدخول الأعمال لا حاجة إليها ، مع أن هذا التحقيق يهدم ما أسسه سابقا إذ يجري هذه الوجوه في سائر الأعمال والتروك التي نفي كونها داخلة في الإيمان وما ذكرهعليه‌السلام في آخر الحديث من الإلزام على المخالفين يومئ إلى هذا التحقيق فتأمله.

الحديث الثالث : مجهول.

ويدل على أحد المعاني التي ذكرنا للإيمان ، وحمله القوم على الإيمان الكامل ، وقال بعض المحققين ممن كان في عصرناقدس‌سره : هذا مجمل القول في الإيمان ويفصله سائر الأخبار بعض التفصيل.

وأما الضابط الكلي الذي يحيط بحدوده ومراتبه ويعرفه حق التعريف فهو أن الإيمان الكامل الخالص المنتهى تمامه هو التسليم لله تعالى والتصديق بما


.................................................................................................

______________________________________________________

جاء به النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لسانا وقلبا على بصيرة مع امتثال جميع الأوامر والنواهي كما هي ، وذلك إنما يمكن تحققه بعد بلوغ الدعوة النبوية إليه في جميع الأمور أما من لم تصل إليه الدعوة في جميع الأمور أو في بعضها لعدم سماعه أو عدم فهمه فهو ضال أو مستضعف ليس بكافر ولا مؤمن ، وهو أهون الناس عذابا بل أكثر هؤلاء لا يرون عذابا وإليهم الإشارة بقوله سبحانه : «إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً »(١) ومن وصلت إليه الدعوة فلم يسلم ولم يصدق ولو ببعضها إما لاستكبار وعلو أو لتقليد للأسلاف وتعصب لهم أو غير ذلك فهو كافر بحسبه أي بقدر عدم تسليمه وترك تصديقه كفر جحود وعذابه عظيم على حسب جحوده ، وإليهم الإشارة بقوله سبحانه : «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ، خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ »(٢) .

ومن وصلت إليه الدعوة فصدقها بلسانه وظاهره لعصمة ماله أو دمه أو غير ذلك من الأغراض وأنكرها بقلبه وباطنه لعدم اعتقاده بها فهو كافر كفر نفاق وهو أشدهم عذابا وعذابه أليم بقدر نفاقه.

وإليهم الإشارة بقوله سبحانه : «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ، يُخادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ ، فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ » إلى قوله : «إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ »(٣) .

ومن وصلت إليه الدعوة فاعتقدها بقلبه وباطنه لظهور حقيتها لديه وجحدها أو بعضها بلسانه ولم يعترف بها حسدا وبغيا وعتوا وعلوا أو تقليدا وتعصبا أو غير

__________________

(١) سورة النساء : ٩٨.

(٢ و ٣) سورة البقرة : ٧ ـ ١١.


.................................................................................................

______________________________________________________

ذلك فهو كافر كفر تهود ، وعذابه قريب من عذاب المنافق.

وإليهم الإشارة بقوله عز وجل : «الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ »(١) وقوله : «فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكافِرِينَ »(٢) وقوله : «إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ »(٣) وقوله : «وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً ، أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا »(٤) وقوله : «أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ » إلى قوله : «أَشَدِّ الْعَذابِ »(٥) .

ومن وصلت إليه الدعوة فصدقها بلسانه وقلبه ولكن لا يكون على بصيرة من دينه إما لسوء فهمه مع استبداده بالرأي وعدم تابعيته للإمام أو نائبه المقتفى أثره حقا وإما لتقليد وتعصب للآباء والأسلاف المستبدين بآرائهم مع سوء إفهامهم أو غير ذلك فهو كافر كفر ضلالة وعذابه على قدر ضلالته وقدر ما يضل فيه من أمر الدين.

وإليهم الإشارة بقوله عز وجل : «يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَ »(٦) حيث قالوا عزير ابن الله أو المسيح ابن الله ، وبقوله تعالى : «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ »(٧) وبقول نبيناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا.

ومن وصلت إليه الدعوة فصدقها بلسانه وقلبه على بصيرة واتباع للإمام أو نائبه الحق إلا أنه لم يمتثل جميع الأوامر والنواهي بل أتى ببعض دون بعض بعد أن

__________________

(١) سورة البقرة : ١٤٦.

(٢) سورة البقرة : ٨٩.

(٣) سورة البقرة : ١٥٩.

(٤) سورة النساء : ١٥٠.

(٥) سورة البقرة : ٨٥.

(٦) سورة النساء ، ١٧١.

(٧) سورة المائدة : ٨٧.


.................................................................................................

______________________________________________________

اعترف بقبح ما يفعله ولكن لغلبة نفسه وهواه عليه فهو فاسق عاص والفسق لا ينافي أصل الإيمان ، ولكن ينافي كماله ، وقد يطلق عليه الكفر وعدم الإيمان أيضا إذا ترك كبار الفرائض أو أتى بكبار المعاصي كما في قوله عز وجل : «وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ، وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ »(١) وقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، وذلك لأن إيمان مثل هذا لا يدفع عنه أصل العذاب ودخول النار ، وإن دفع عنه الخلود فيها فحيث لا يفيده في جميع الأحوال فكأنه مفقود.

والتحقيق فيه أن المتروك إن كان أحد الأصول الخمسة التي بني الإسلام عليها أو المأتي به إحدى الكبائر من المنهيات خاصة فصاحبه خارج عن أصل الإيمان أيضا ما لم يتب أو لم يحدث نفسه بتوبة لعدم اجتماع ذلك مع التصديق القلبي فهو كافر كفر استخفاف ، وعليه يحمل ما روي من دخول العمل في أصل الإيمان ، روى ابن أبي شعبة عن الصادقعليه‌السلام في حديث طويل أنه قال : لا يخرج المؤمن من صفة الإيمان إلا بترك ما استحق أن يكون به مؤمنا ، وإنما استوجب واستحق اسم الإيمان ومعناه بأداء كبار الفرائض موصولة ، وترك كبار المعاصي واجتنابها وإن ترك صغار الطاعة وارتكب صغار المعاصي فليس بخارج من الإيمان ولا تارك له ما لم يترك شيئا من كبار الطاعة وارتكاب شيء من كبار المعاصي فما لم يفعل ذلك فهو مؤمن بقول الله : «إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً »(٢) يعني مغفرة ما دون الكبائر فإن هو ارتكب كبيرة من كبائر المعاصي كان مأخوذا بجميع المعاصي صغارها وكبارها معاقبا عليها معذبا بها.

إلى هنا كلام الصادقعليه‌السلام .

إذا عرفت هذا فاعلم أن كل من جهل أمرا من أمور دينه بالجهل البسيط فقد

__________________

(١) سورة آل عمران : ٩٧.

(٢) سورة النساء : ٣١.


.................................................................................................

______________________________________________________

نقص إيمانه بقدر ذلك الجهل ، وكل من أنكر حقا واجب التصديق لاستكبار أو هوي أو تقليد أو تعصب فله عرق من كفر الجحود ، وكل من أظهر بلسانه ما لم يعتقد بباطنه وقلبه لغير غرض ديني كالتقية في محلها ونحو ذلك أو عمل عملا أخرويا لغرض دنيوي فله عرق من النفاق ، وكل من كتم حقا بعد عرفانه أو أنكر ما لم يوافق هواه وقبل ما يوافقه فله عرق من التهود ، وكل من استبد برأيه ولم يتبع إمام زمانه أو نائبه الحق أو من هو أعلم منه في أمر من الأمور الدينية فله عرق من الضلالة ، وكل من أتى حراما أو شبهة أو توانى في طاعة مصرا على ذلك فله عرق من الفسوق ، فإن كان ذلك ترك كبير فريضة أو إتيان كبير معصية فله عرق من كفر الاستخفاف ، ومن أسلم وجهه لله في جميع الأمور من غير غرض وهوى واتبع إمام زمانه أو نائبه الحق آتيا بجميع أوامر الله ونواهيه من غير تواني ولا مداهنة ، فإذا أذنب ذنبا استغفر من قريب وتاب أو زلت قدمه استقام وأناب فهو المؤمن الكامل الممتحن ودينه هو الدين الخالص وهو الشيعي حقا والخالص صدقا وأولئك أصحاب أمير المؤمنين ، بل هو من أهل البيتعليهم‌السلام إذا كان عالما بأمرهم محتملا لسرهم كما قالوا : سلمان منا أهل البيت.


باب

في أن الإيمان مبثوث لجوارح البدن كلها

١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن بكر بن صالح ، عن القاسم بن بريد قال حدثنا أبو عمرو الزبيري ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قلت له أيها العالم أخبرني أي الأعمال أفضل عند الله قال ما لا يقبل الله شيئا إلا به قلت وما هو قال ـ الإيمان بالله الذي لا إله إلا هو أعلى الأعمال درجة وأشرفها منزلة وأسناها حظا

______________________________________________________

باب في أن الإيمان مبثوث لجوارح البدن كلها

يقال : بث الخبر وأبثه أي نشره.

الحديث الأول : ضعيف على المشهور لكنه مؤيد بأخبار أخر ، وقد روى النعماني في تفسيره مثله عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه ومضامينه دالة على صحته.

قوله عليه‌السلام : الإيمان بالله ، هو مبتدأ وأعلى خبره ، ويحتمل أن يكون المراد به جميع العقائد الإيمانية اكتفي بذكر أشرفها وأعظمها للزومها لسائرها مع أن كون التوحيد أشرف لا ينافي وجوب البقية واشتراطه بها ، والسنا الضوء وبالمد الرفعة ، والحظ النصيب ، والمراد بالقول التصديق القلبي أو هو مع الإقرار اللساني بالعقائد الإيمانية ، وقيل : هو الذي يعبر عنه بالكلام النفسي ، وقد يستدل بقوله : عمل كله ، على أن التصديق المكلف به ليس محض العلم إذ هو من قبيل الانفعال ، بل هو فعل قلبي.

قال شارح المقاصد : والمذهب أنه غير العلم والمعرفة لأن من الكفار من كان يعرف الحق ولا يصدق به عنادا واستكبارا ، قال الله تعالى : «الَّذِينَ آتَيْناهُمُ


.................................................................................................

______________________________________________________

الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ »(١) وقال : «وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ »(٢) وقال تعالى حكاية عن موسىعليه‌السلام لفرعون : «لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »(٣) فاحتيج إلى الفرق بين العلم بما جاء به النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو معرفته وبين التصديق ليصح كون الأول حاصلا للمعاندين دون الثاني ، وكون الثاني إيمانا دون الأول ، فاقتصر بعضهم على أن ضد التصديق هو الإنكار والتكذيب ، وضد المعرفة النكارة والجهالة ، وإليه أشار الغزالي حيث فسر التصديق بالتسليم ، فإنه لا يكون مع الإنكار والاستكبار بخلاف العلم والمعرفة وفصل بعضهم زيادة التفصيل ، وقال : التصديق عبارة عن ربط القلب بما علم من أخبار المخبر وهو أمر كسبي يثبت باختيار المصدق ، ولهذا يؤمر ويثاب عليه بل يجعل رأس العبادات بخلاف المعرفة فإنها ربما تحصل بلا كسب كمن وقع بصره على جسم فحصل له معرفة أنه جدار أو حجر ، وحققه بعض المتأخرين زيادة تحقيق فقال : المعتبر في الإيمان هو التصديق الاختياري ، ومعناه نسبة التصديق إلى المتكلم اختيارا وبهذا القيد يمتاز عن التصديق المنطقي المقابل للتصور ، فإنه قد يخلو عن الاختيار كما إذا ادعى النبي النبوة وأظهر المعجزة فوقع في القلب صدقه ضرورة ، من غير أن ينسب إليه اختيارا فإنه لا يقال في اللغة أنه صدقه فلا يكون إيمانا شرعيا ، كيف والتصديق مأمور به فيكون فعلا اختياريا زائدا على العلم لكونه كيفية نفسانية أو انفعالا وهو حصول المعنى في القلب ، والفعل القلبي ليس كذلك بل هو إيقاع النسبة اختيارا الذي هو كلام النفس ، ويسمى عقد القلب فالسوفسطائي عالم بوجود النهار وكذا بعض الكفار بنبوة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لكنهم ليسوا بمصدقين لأنهم لا يحكمون اختيارا بل ينكرون.

__________________

(١) سورة البقرة : ١٤٦.

(٢) سورة البقرة : ١٤٤.

(٣) سورة الإسراء : ١٠٢.


قال قلت ألا تخبرني عن الإيمان أقول هو وعمل أم قول بلا عمل فقال الإيمان

______________________________________________________

وكلام هذا القائل متردد يميل تارة إلى أن التصديق المعتبر في الإيمان نوع من التصديق المنطقي لكونه مقيدا بالاختيار وكون التصديق العلمي أعم لا فرق بينهما إلا بلزوم الاختيار وعدمه ، وتارة إلى أنه ليس من جنس العلم أصلا لكونه فعلا اختياريا ، وكون العلم كيفية أو انفعالا ، وعلى هذا الأخير أصر بعض المعتنين بتحقيق الإيمان ، وجزم بأن التسليم الذي فسر به الغزالي التصديق ليس من جنس العلم ، بل أمر وراءه معناه « گردن دادن وگرويدن وحق دانستن مر آن را كه حق دانسته باشى » ويؤيده ما ذكره إمام الحرمين أن التصديق على التحقيق كلام النفس لكن لا يثبت كلام النفس إلا مع العلم.

ونحن نقول : لا شك أن التصديق المعتبر في الإيمان هو ما يعبر فيه في الفارسية « بگرويدن وباور كردن وراستگوى داشتن » إذا أضيف إلى الحاكم « وراست داشتن وحق داشتن » إذا أضيف إلى الحكم ، ولا يكفي مجرد العلم والمعرفة الخالي عن هذا المعنى ، ثم أطال الكلام في ذلك وآل تحقيقه إلى أنه ليس شيء وراء العلم والمعرفة.

وقال المحقق الدواني في شرح العقائد : اعلم أنه لو فسر التصديق المعتبر في الإيمان بما هو أحد قسمي العلم فلا بد من اعتبار قيد آخر ليخرج الكفر العنادي ، وقد عبر عنه بعض المتأخرين بالتسليم والانقياد ، وجعله ركنا من الإيمان ، والأقرب أن يفسر التصديق بالتسليم الباطني والانقياد القلبي ويقرب منه ما قيل : إن التصديق أن تنسب باختيارك الصدق إلى أحد وهو يحوم حول ذلك وإن لم يصب المخبر ، انتهى.

والحق أن إثبات معنى آخر غير العلم والمعرفة مشكل ، وكون بعض أفراده حاصلا بغير اختيار لا ينافي التكليف به لمن لم يحصل له ذلك وترتب الثواب على ما حصل بغير الاختيار إما تفضل أو هو علي الثبات عليه وإظهاره والعمل بمقتضاه ،


عمل كله والقول بعض ذلك العمل بفرض من الله بين في كتابه واضح نوره ثابتة حجته يشهد له به الكتاب ويدعوه إليه قال قلت صفه لي جعلت فداك حتى أفهمه قال الإيمان حالات ودرجات وطبقات ومنازل فمنه التام المنتهى تمامه

______________________________________________________

والكلام النفسي الذي ذكروه ليس وراء التصور والتصديق شيئا ، نعم المعنى الذي نفهمه هيهنا زائدا على العلم هو العزم على إظهار ما اعتقده أو على عدم إنكاره ظاهرا بغير ضرورة تدعو إليه ، ويمكن عده من لوازم الإيمان أو شرائطه كما يومئ إليه بعض الآيات والأخبار ، والعلم لو سلم أنه من قبيل الانفعال فعده عملا على سبيل التوسع باعتبار أسبابه ومباديه.

قوله عليه‌السلام : بفرض ، الباء للسببية وضميرا« نوره » و« حجته » راجعان إلى الفرض ، وضمير« له » إلى العامل ، وقيل : إلى كونه عملا ، وقيل : إلى الله ، والأول أظهر ، ومن أرجع ضمير« به » إلى الفرض وضمير « له » إلى كونه عملا لو عكس كان أنسب ، وقوله : واضح ، وثابتة ، نعتان للفرض ، وضميريدعوه ، المستتر راجع إلى الكتاب ، والبارز إلى العامل ، وقيل : الظاهر أن يشهد ، ويدعوه حال عن فرض ، وأن ضمير له وإليه راجع إلى الله ، وضمير « به » والبارز في يدعوه للفرض ، والمراد بدعاء الكتاب ذلك الفرض إليه سبحانه نسبته إليه ، وبيانه أنه منه ، ويحتمل أن يكون حالا عن الإيمان وأن يكون ضمير له ويدعوه راجعا إليه وضمير به وإليه للعمل ، أي يشهد الكتاب للإيمان بأنه عمل ، ويدعو الكتاب للإيمان إلى أنه عمل ، انتهى.

ولا يخفى بعدهما ، وفي تفسير العياشي : يشهد له بها الكتاب ، ويدعو إليه فضمير بها راجع إلى الحجة.

« للإيمان حالات » كأنه إشارة إلى الحالات الثلاث الآتية أي التام والناقص : والراجح والدرجات مراتب الرجحان فإنها كثيرة بحسب الكمية والكيفية ، والطبقات مراتب النقصان ، والمنازل ما يلزم تلك الدرجات والطبقات من القرب إليه


ومنه الناقص البين نقصانه ومنه الراجح الزائد رجحانه قلت إن الإيمان ليتم وينقص ويزيد قال نعم قلت كيف ذلك قال لأن الله تبارك وتعالى فرض الإيمان على جوارح ابن آدم وقسمه عليها وفرقه فيها فليس من جوارحه جارحة

______________________________________________________

سبحانه والبعد عنه ، والمثوبات المترتبة عليها.

وقيل : إشارة إلى أن للإيمان مراتب متكثرة وهي حالات الإنسان باعتبار قيامها به ، ودرجات باعتبار ترقيه من بعضها إلى بعض ، وطبقات باعتبار تفاوت مراتبها في نفسها ، وكون بعضها فوق بعض ، ومنازل باعتبار أن الإنسان ينزل فيها ويأوي إليها فمنهالتام وهو إيمان الأنبياء والأوصياءعليهم‌السلام لاشتماله على جميع أجزاء الإيمان من فعل الفرائض وترك الكبائر وإن تفاوتت بانضمام سائر المكملات من المستحبات وترك المكروهات زيادة ونقصانا ، أو المراد بالتام المنتهى تمامه درجة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأوصيائهعليهم‌السلام ، ومنه الناقص البيننقصانه وهو أقل مراتب الإيمان الذي بعده الكفر ، ومنهالراجح وفيه أفراد غير متناهية باعتبار التفاوت في الكمية والكيفية.

ثم أنه يحتمل الكلام وجهين : أحدهما : أن يكون الإيمان المشتمل على فعل الفرائض وترك الكبائر حاصلا في الجميع لعدم صدق الإيمان بدون ذلك ، ويكون الدرجات والمنازل باعتبار تلك الأعمال ونقصها وانضمام فعل سائر الواجبات وترك سائر المحرمات وفعل المندوبات وترك المكروهات ، بل المباحات والاتصاف بالأخلاق السنية والملكات العلية.

وثانيهما : أن يكون القدر المشترك حصول الإيمان في الجملة والكامل ما يكون مشتملا على جميع الأجزاء وهو الإيمان حقيقة والناقص التام ما لم يكن فيه سوى العقائد الحقة والدرجات المتوسطة تختلف باعتبار كثرة أجزاء الإيمان وقلتها فالمؤمن حقيقة هو الفرد الأول ، وإطلاقه على البواقي على التوسع لانتفاع الكل بانتفاء أحد الأجزاء ولكل منهما شواهد لفظا ومعنى فتأمل ، فلما عسر فهمه على السائل لألفته بمصطلحات المتكلمين أعاد السؤال لمزيد التوضيح.


إلا وقد وكلت من الإيمان بغير ما وكلت به أختها فمنها قلبه الذي به يعقل ويفقه ويفهم وهو أمير بدنه الذي لا ترد الجوارح ولا تصدر إلا عن رأيه وأمره و

______________________________________________________

قوله عليه‌السلام : به يعقل ويفقه ويفهم ، قيل : العقل العلم بالقضايا الضرورية ، والفقه ترتيبها لإنتاج القضايا النظرية ، والفهم العلم بالنتيجة.

أقول : ويحتمل أن يكون العقل معرفة الأصول العقلية ، والفقه العلم بالأحكام الشرعية ، والفهم معرفة سائر الأمور المتعلقة بالمعاش وغيره ، والمراد بالقلب النفس الناطقة سميت به لتعلقها أو لا بالروح الحيواني المنبعث منه أو القلب الصنوبري من حيث تعلق النفس به ، وقيل : محل الإدراك هذا الشكل الصنوبري ، عملا بظواهر الآيات والأخبار وسيأتي تحقيقه في محله إن شاء الله.

قال الراغب في المفردات : قال بعض الحكماء حيث ما ذكر الله القلب فإشارة إلى العقل والعلم ، نحو : «إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ »(١) وحيث ما ذكر الصدر فإشارة إلى ذلك وإلى سائر القوي من الشهوة والهوى والغضب ونحوها ، وقوله : «رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي »(٢) فسؤال لإصلاح قواه ، وكذا قوله : «وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ »(٣) إشارة إلى اشتفائهم ، وقوله : «وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ »(٤) أي العقول التي هي مندرجة بين سائر القوي وليست بمهتدية والله أعلم بذلك.

وقال : قلب الإنسان قيل : سمي به لكثرة تقلبه ويعبر بالقلب عن المعاني التي تختص به من الروح والعلم والشجاعة وسائر ذلك ، فقوله : «وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ »(٥) أي الأرواح «إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ »(٦) أي علم وفهم ، وكذلك «وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ »(٧) وقوله : «وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ »(٨)

__________________

(١ و ٦) سورة ق : ٣٧.

(٢) سورة طه : ٢٥.

(٣) سورة التوبة : ١٤.

(٤) سورة الحجّ : ٤٦.

(٥) سورة الأحزاب : ١٠.

(٧) سورة الأنعام : ٢٥.

(٨) سورة التوبة : ٨٧.


منها عيناه اللتان يبصر بهما وأذناه اللتان يسمع بهما ويداه اللتان يبطش بهما ورجلاه اللتان يمشي بهما وفرجه الذي الباه من قبله ولسانه الذي ينطق به ورأسه الذي فيه وجهه فليس من هذه جارحة إلا وقد وكلت من الإيمان بغير ما وكلت به أختها بفرض من الله تبارك اسمه ينطق به الكتاب لها ويشهد به عليها.

ففرض على القلب غير ما فرض على السمع وفرض على السمع غير ما فرض على العينين وفرض على العينين غير ما فرض على اللسان وفرض على اللسان غير ما فرض على اليدين وفرض على اليدين غير ما فرض على الرجلين وفرض على الرجلين غير ما فرض على الفرج وفرض على الفرج غير ما فرض على الوجه فأما ما فرض

______________________________________________________

وقوله : «وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ »(١) أي تثبت به شجاعتكم ويزول خوفكم ، وعلى عكسه «وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ »(٢) وقوله : «هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ »(٣) وقوله : «وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى »(٤) أي متفرقة وقوله : «وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ »(٥) .

وقيل : العقل ، وقيل : الروح ، فأما العقل فلا يصح عليه ذلك ومجازه مجاز قولهم : تجري من تحتها الأنهار ، والأنهار لا تجري وإنما يجري الماء الذي فيه ، انتهى.

والورود حضور الماء للشرب ، والصدر والصدور الانصراف عنه ، وهذا مثل في أنها لا تفعل شيئا إلا بأمره كما يقال في الفارسية : لا يشرب الماء إلا بأمره وإذنه.

والبطش تناول الشيء بصولة وقوة ، والباه في بعض النسخ بدون الهمزة وفي بعضها بها ، قال الجوهري :الباه مثل الجاه لغة في الباءة وهو الجماع« ينطق به » الجملة نعت للفرض وضمير به في الموضعين للفرض ، وضميرلها وعليها للجارحة ، واللام للانتفاع ، وعلى للإضرار وإرجاع ضمير« به » إلى الإيمان كما قيل يقتضي خلو الجملة عن العائد وإرجاع ضمير « لها » هنا إلى الجارحة يؤيد إرجاع ضمير « له » سابقا إلى العامل.

__________________

(١) سورة الأنفال : ١٠.

(٢) سورة الحشر : ٢.

(٣) سورة الفتح : ٤.

(٤) سورة الحشر : ١٤.

(٥) سورة الحجّ : ٤٦.


على القلب من الإيمان فالإقرار والمعرفة والعقد والرضا والتسليم بأن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلها واحدا لم يتخذ «صاحِبَةً وَلا وَلَداً » وأن محمدا عبده ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله والإقرار بما جاء من عند الله من نبي أو كتاب فذلك

______________________________________________________

قوله : فالإقرار ، أي الإقرار القلبي لأن الكلام في فعل القلب وإن احتمل أن يكون المراد الإقرار اللساني لأنه إخبار عن القلب ، لكن ذكره بعد ذلك في عمل اللسان ربما يأبى عن ذلك وإن احتمل توجيهه ، والمعطوفات عليه على الأول عطف تفسير له وكأنها إشارة إلى مراتب اليقين والإيمان القلبي ، فإن أقل مراتبه الإذعان القلبي ولو عن تقليد أو دليل خطابي ، والمعرفة ما كان عن برهان قطعي والعقد هو العزم على الإقرار اللساني وما يتبعه ويلزمه من العمل بالأركان ، والرضا هو عدم إنكار قضاء الله وأوامره ونواهيه ، وأن لا يثقل عليه شيء من ذلك المخالفة لهوى نفسه ، والتسليم هو الانقياد التام للرسول فيما يأتي به لا سيما ما ذكر في أمر أوصيائه وما يحكم به بينهم ، كما قال تعالى : «فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً »(١) فظهر أن الإقرار بالولاية أيضا داخل في ذلك بل جميع ما جاء به النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وقوله بأن لا إله إلا الله ، متعلق بالإقرار لأن ما ذكر بعده تفسير ومكمل له ، والصاحبة الزوجة ، والإقرار عطف على الإقرار ، والمراد الإقرار بسائر أنبياء الله وكتبه ، والمستتر في« جاء » راجع إلى الموصول ، وما قيل : إن قوله بأن لا إله إلا الله « إلخ » متعلق بالإقرار والمعرفة والعقد ، وقوله والإقرار بما جاء من عند الله ، معطوف على أن لا إله فيكون الأولان بيانا للأخيرين والأخير بيانا للأول ، فلا يخفى ما فيه من أنواع الفساد.

وقال المحدث الأسترآبادي : المعرفة جاء في كلامهم لمعان : أحدها ، التصور مطلقا وهو المراد من قولهم على الله التعريف والبيان أي ذكر المدعى والتنبيه عليها

__________________

(١) سورة النساء : ٦٥.


ما فرض الله على القلب من الإقرار والمعرفة وهو عمله وهو قول الله عز وجل : «إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً »(١) وقال «أَلا بِذِكْرِ اللهِ

______________________________________________________

إذ لا يجب خلق الإذعان كما يفهم من باب الشك وغير ذلك من الأبواب « وثانيها » الإذعان القلبي وهو المراد من قولهم أقروا بالشهادتين ولم يدخل معرفة أن محمدا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في قلوبهم « وثالثها » عقد القضية الإجمالية مثل نعم وبلى ، وهذا العقد ليس من باب التصور ولا من باب التصديق « ورابعها » العلم الشامل للتصور والتصديق ، وهو المراد من قولهم العلم والجهل من صنع الله في القلوب ، انتهى.

وفيه ما فيه

والآية الأولى من سورة النحل «مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ » قيل : بدل من الذين لا يؤمنون ، وما بينهما اعتراض ، أو من أولئك أو من الكاذبون ، أو مبتدأ خبره محذوف دل عليه قوله : فعليهم غضب ، ويجوز أن ينتصب بالذم وأن تكون من شرطية محذوفة الجواب «إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ » على الافتراء أو كلمة الكفر استثناء متصل لأن الكفر لغة يعم القول والعقد كالإيمان ، كذا ذكره البيضاوي ، والظاهر أنه منقطع «وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ » لم يتغير عقيدته «وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً » أي اعتقده وطاب به نفسا «فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ » وقد ورد في أخبار كثيرة من طرق الخاصة والعامة أنها نزلت في عمار بن ياسر حيث أكرهه وأبويه ياسرا وسمية كفار مكة على الارتداد فأبى أبواه فقتلوهما وهما أول قتيلين في الإسلام وأعطاهم عمار بلسانه ما أرادوا مكرها فقيل : يا رسول الله إن عمارا كفر ، فقال : كلا إن عمارا مليء إيمانا من قرنه إلى قدمه ، واختلط الإيمان بلحمه ودمه فأتى عمار رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو يبكي فجعل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يمسح عينيه وقال : ما لك إن عادوا لك فعد لهم بما قلت.

وعن الصادقعليه‌السلام فأنزل الله فيه : «إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ » الآية فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

__________________

(١) سورة النحل : ١٠٦.


تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ »(١) وقال الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم(٢) وقال «إِنْ

______________________________________________________

عندها : يا عمار إن عادوا فعد ، فقد أنزل الله عذرك وأمرك أن تعود إن عادوا.

وبالجملة الآية تدل على أن بعض أجزاء الإيمان متعلق بالقلب وإن استدل القوم بها على أن الإيمان ليس إلا التصديق القلبي.

والآية الثانية «الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ » قيل : أي أنسا به واعتمادا عليه ورجاء منه أو بذكر رحمته بعد القلق من خشيته أو بذكر دلائله الدالة على وجوده ووحدانيته أو بكلامه يعني القرآن الذي هو أقوى المعجزات «أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ » أي تسكن إليه.

وقال في المجمع : معناه الذين اعترفوا بتوحيد الله على جميع صفاته ونبوة نبيه وقبول ما جاء به من عند الله وتسكن قلوبهم بذكر الله وتأنس إليه ، والذكر حضور المعنى للنفس وقد يسمى العلم ذكرا والقول الذي فيه المعنى الحاضر للنفس أيضا يسمى ذكرا «أَلا بِذِكْرِ اللهِ » إلخ ، هذا حث للعباد على تسكين القلب إلى ما وعد الله به من النعيم والثواب ، انتهى.

وكان استدلالهعليه‌السلام بالآية مبني على أن المراد بذكر الله العقائد الإيمانية والدلائل المفضية إليها إذ بها تطمئن القلب من الشك والاضطراب ، ويؤيده قوله في الآية السابقة : «وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ ».

قوله سبحانه : «إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ » قال الطبرسي (ره) : أي تظهروها وتعلنوها من الطاعة والمعصية أو العقائد «أَوْ تُخْفُوهُ » أي تكتموه «يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ » أي يعلم الله ذلك فيجازيكم عليه ، وقيل : معناه إن تظهروا الشهادة أو تكتموها فإن الله يعلم ذلك ويجازيكم به عن ابن عباس وجماعة ، وقيل : إنها عامة في الأحكام التي تقدم ذكرها في السورة ، خوفهم الله تعالى من العمل بخلافها وقال قوم : إن هذه

__________________

(١) سورة الرعد : ٢٨.

(٢) سورة المائدة : ٤١ والآية هكذا «قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ »


تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ »(١) فذلك

______________________________________________________

الآية منسوخة بقوله : «لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها »(٢) ورووا في ذلك خبرا ضعيفا ، وهذا لا يصح لأن تكليف ما ليس في الوسع غير جائز فكيف ينسخ وإنما المراد بالآية ما يتأوله الأمر والنهي من الاعتقادات والإرادات وغير ذلك مما هو مستور عنا ، وأما ما لا يدخل في التكليف من الوساوس والهواجس مما لا يمكن التحفظ عنه من الخواطر فخارج عنه لدلالة العقل ، ولقولهعليه‌السلام : ويعفى لهذه الأمة عن نسيانها وما حدثت به أنفسها وعلى هذا تجوز أن تكون الآية الثانية بينت الأولى وأزالت توهم من صرف ذلك إلى غير وجه المراد ، والظن أن ما يخطر بالبال ويتحدث به النفس مما لا يتعلق بالتكليف فإن الله يؤاخذ به والأمر بخلاف ذلك.

«فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ » منهم رحمة وتفضلا «وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ » منهم ممن استحق العقاب عدلا «وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » من المغفرة والعذاب ، عن ابن عباس ، ولفظ الآية عام في جميع الأشياء ، والقول فيما يخطر بالبال من المعاصي إن الله سبحانه لا يؤاخذ به ، وإنما يؤاخذ بما يعزم الإنسان ويعقد قلبه عليه مع إمكان التحفظ عنه فيصير من أفعال القلب فيجازيه كما يجازيه على أفعال الجوارح ، وإنما يجازيه جزاء العزم لا جزاء عين تلك المعصية لأنه لم يباشرها ، وهذا بخلاف العزم على الطاعة فإن العازم على فعل الطاعة يجازي على عزمه ذلك جزاء تلك الطاعة كما جاء في الأخبار أن المنتظر للصلاة في الصلاة ما دام ينتظرها ، وهذا من لطائف ما أنعم الله علي عباده ، انتهى.

والظاهر من الأخبار الكثيرة التي يأتي بعضها في هذا الكتاب عدم مؤاخذة هذه الأمة على الخواطر والعزم على المعاصي ، فيمكن تخصيص هذه الآية بالعقائد كما هو ظاهر هذه الرواية وإن أمكن أن تكون نية المعصية والعزم عليها معصية يغفرها الله للمؤمنين ، فالمراد بقوله : «لِمَنْ يَشاءُ » المؤمنون ويؤيده ما ذكره المحقق

__________________

(١ و ٢) سورة البقرة : ٢٨٤ ، ٢٨٦.


.................................................................................................

______________________________________________________

الطوسي وغيره أن إرادة القبيح قبيحة فتأمل.

ويظهر من بعض الأخبار أن هذه الآية منسوخة وقد خففها الله عن هذه الأمة كما روى الديلمي في إرشاد القلوب بإسناده عن موسى بن جعفر عن آبائهعليهما‌السلام في خبر طويل في معراج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : ثم عرج به حتى انتهى إلى ساق العرش وناجاه بما ذكره الله عز وجل في كتابه ، قال تعالى : «لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ » وكانت هذه الآية قد عرضت على سائر الأمم من لدن آدم إلى أن بعث محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأبوا جميعا أن يقبلوها من ثقلها ، وقبلها محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله فلما رأى الله عز وجل منه ومن أمته القبول خفف عنه ثقلها ، فقال الله عز وجل : «آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ »(١) ثم إن الله عز وجل تكرم على محمد ، وأشفق على أمته من تشديد الآية التي قبلها هو وأمته فأجاب عن نفسه وأمته فقال : «وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ » فقال الله عز وجل لهم المغفرة والجنة إذا فعلوا ذلك ، فقال النبي : «سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ » يعني المرجع في الآخرة فأجابه قد فعلت ذلك بتائبي أمتك قد أوجبت لهم المغفرة ، ثم قال الله تعالى : أما إذا قبلتها أنت وأمتك وقد كانت عرضت من قبل على الأنبياء والأمم فلم يقبلوها فحق على أن أرفعها عن أمتك فقال الله تعالى : «لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ » من خير «وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ » من شر ثم ألهم الله عز وجل نبيه أن قال : «رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا » فقال الله سبحانه أعطيتك لكرامتك ، إلى آخر الخبر.

وأما المخالفون فهم اختلفوا في ذلك ، قال الرازي في تفسير هذه الآية : يروى عن ابن عباس أنه قال : لما نزلت هذه الآية جاء أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن

__________________

(١) سورة البقرة : ٢٨٥.


.................................................................................................

______________________________________________________

عوف ومعاذ وناس إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقالوا : يا رسول الله كلفنا من العمل ما لا نطيق إن أحدنا ليحدث نفسه بما لا يحب أن يثبت في قلبه وإنه لذنب؟ فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : فلعلكم تقولون كما قال بنو إسرائيل «سَمِعْنا وَعَصَيْنا* » فقولوا «سَمِعْنا وَأَطَعْنا » فقالوا : سمعنا وأطعنا واشتد ذلك عليهم فمكثوا في ذلك حولا فأنزل الله تعالى : «لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها » فنسخت هذه الآية فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثوا به أنفسهم ما لم يعلموا أو تكلموا به.

واعلم أن محل البحث في هذه الآية أن قوله : «إِنْ تُبْدُوا » يتناول حديث النفس والخواطر الفاسدة التي ترد على القلب ولا يتمكن من رفعها ، فالمؤاخذة بها تجري مجرى تكليف ما لا يطاق ، والعلماء أجابوا عنه من وجوه :

الأول : أن الخواطر الحاصلة في القلب على قسمين فمنها ما يوطن الإنسان نفسه عليه ويعزم على إدخاله في الوجود ، ومنها ما لا يكون كذلك بل يكون أمورا خاطرة بالبال مع أن الإنسان يكرهها ولكنه لا يمكنه دفعها عن نفسه ، فالقسم الأول يكون مؤاخذا به ، والثاني لا يكون مؤاخذا به ، ألا ترى إلى قوله تعالى : «لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ »(١) وقال في آخر هذه السورة «لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ » وقال : «إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ »(٢) هذا هو الجواب المعتمد.

الوجه الثاني : أن كل ما كان في القلب مما لا يدخل في العمل فإنه في محل العفو ، وقوله : «وَإِنْ تُبْدُوا » إلخ ، فالمراد منه أن يدخل ذلك العمل في الوجود إما ظاهرا أو على سبيل الخفية ، وأما ما يوجد في القلب من العزائم والإرادات ولم يتصل بالعمل فكل ذلك في محل العفو ، وهذا الجواب ضعيف لأن أكثر المؤاخذات إنما يكون

__________________

(١) سورة البقرة : ٢٢٥.

(٢) سورة النور : ١٩.


.................................................................................................

______________________________________________________

بأفعال القلوب ، ألا ترى أن اعتقاد الكفر والبدع ليس إلا من أعمال القلوب وأعظم أنواع العقاب مرتب عليه أيضا ، وأفعال الجوارح إذا خلت من أعمال القلوب لا يترتب عليها عقاب كأفعال النائم والساهي ، فثبت ضعف هذا الجواب.

والوجه الثالث : أنه تعالى يؤاخذ بها ، ومؤاخذتها من الغموم في الدنيا ، وروي ذلك خبرا عن عائشة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

الوجه الرابع : أنه تعالى قال : «يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ » ولم يقل يؤاخذكم به الله ، وقد ذكرنا في معنى كونه حسيبا ومحاسبا وجوها ، منها : كونه عالما بها ، فرجع المعنى إلى كونه تعالى عالما بالضمائر والسرائر وروى عن ابن عباس أنه تعالى إذا جمع الخلائق يخبرهم بما كان في نفوسهم ، فالمؤمن يخبره ويعفو عنه ، وأهل الذنوب يخبرهم بما أخفوا من التكذيب والذنب.

الوجه الخامس : أنه تعالى ذكر بعد هذه الآية «فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ » فيكون الغفران نصيبا لمن كان كارها لورود تلك الخواطر ، والعذاب لمن كان مصرا عليها مستحسنا لها.

الوجه السادس : قال بعضهم : المراد بهذه الآية كتمان الشهادة وهو ضعيف وإن كان واردا عقيبه.

الوجه السابع : ما مر أنها منسوخة بقوله : «لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها » وهذا أيضا ضعيف بوجوه « أحدها » أن هذا النسخ إنما يصح لو قلنا أنهم كانوا قبل هذا النسخ مأمورين بالاحتراز عن تلك الخواطر التي كانوا عاجزين عن دفعها ، وذلك باطل لأن التكليف قط ما ورد إلا بما في القدرة ، ولذلك قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : بعثت بالحنيفية السمحة السهلة.

الثاني : أن النسخ إنما يحتاج إليه لو دلت الآية على حصول العقاب على تلك الخواطر ، وقد بينا أنها لا تدل على ذلك.


ما فرض الله عز وجل على القلب من الإقرار والمعرفة وهو عمله وهو رأس الإيمان وفرض الله على اللسان القول والتعبير عن القلب بما عقد عليه وأقر به قال الله تبارك وتعالى : «وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً »(١) وقال : «وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ

______________________________________________________

الثالث : أن نسخ الخبر لا يجوز وإنما يجوز نسخ الأوامر والنواهي ، واختلفوا في أن الخبر هل ينسخ أم لا ، انتهى.

وقال أبو المعين النسفي : قال أهل السنة والجماعة : العبد مؤاخذ بما عقد بقلبه نحو الزنا واللواطة وغير ذلك ، أما إذا خطر بباله ولم يقصد فلا يؤاخذ به ، وقال بعضهم لا يؤاخذ في الصورتين جميعا ، وحجتهم قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : عفي عن أمتي ما خطر ببالهم ما لم يتكلموا ويفعلوا ، وحجتنا قوله تعالى : «وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ » الآية ، فثبت أنه مؤاخذ بقصده ، وما ذكرتم من الحديث فمحمول على ما خطر بباله ولم يقصد ، أما إذا قصد فلا ، انتهى.

« وهو رأس الإيمان » كان التشبيه بالرأس باعتبار أن بانتفائه ينتفي الإيمان رأسا كما أن بانتفاء الرأس لا تبقى الحياة ، ويفسد جميع البدن.

قوله عليه‌السلام : القول ، أي ما يجب التكلم به من الأقوال كإظهار الحق والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، والقراءة والأذكار في الصلاة وأمثالها ، فيكونقوله : والتعبير تخصيصا بعد التعميم لمزيد الاهتمام.

«وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً » قال البيضاوي : أي قوله حسنا وسماه حسنا للمبالغة ، وقرأ حمزة ويعقوب والكسائي حسنا بفتحتين ، انتهى.

أقول : في بعض الأخبار عن الصادقعليه‌السلام أنه قال : يعني قولوا محمد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وفي رواية أخرى عنهعليه‌السلام : نزلت في اليهود ثم نسخت بقوله : «قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ »(٢) الآية ، وفي بعض الروايات أنه حسن المعاشرة والقول الجميل ،

__________________

(١) سورة البقرة : ٨٣.

(٢) سورة التوبة : ٢٩.


وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ »(١) فهذا ما فرض الله على اللسان وهو عمله وفرض على السمع أن يتنزه عن الاستماع إلى ما حرم الله وأن يعرض عما لا يحل له مما نهى الله عز وجل عنه والإصغاء إلى ما أسخط الله عز وجل فقال في ذلك «وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ

______________________________________________________

وفي بعضها أنه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وكان التعميم أولى فيناسب التعميم في القول أولا ويؤيده أن في تفسير النعماني هكذا : وأما ما فرضه على اللسان فقوله عز وجل في معنى التفسير لما عقد به القلب وأقر به أو جحده «قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ » الآية ، وقوله سبحانه «وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً » ، وقوله سبحانه : «وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا »(٢) فأمر سبحانه بقول الحق ونهى عن قول الباطل.

ثم إن الآية الثانية ليست في المصاحف هكذا ، ففي سورة البقرة «قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ »(٣) وفي سورة العنكبوت : «وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ »(٤) فالظاهر أن التغيير من النساخ أو نقل الآيتان بالمعنى ، وفي النعماني موافق للأولى ولعله كان في الخبر الآيتان فأسقطوا عجز الأولى وصدر الثانية.

والتنزه الاجتناب« وأن يعرض » عطف على « أن يتنزه » والإصغاء عطف على الموصول في قوله : عما لا يحل.

«وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ » هذه الآية في سورة النساء ، وفي تفسير علي بن إبراهيم إنآيات الله هم الأئمةعليهم‌السلام ، وروى العياشي في تفسيرها : إذا سمعت

__________________

(١ و ٤) سورة العنكبوت : ٤٦.

(٢) سورة النساء : ١٧١.

(٣) الآية : ١٣٦.


حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ »(١) ثم استثنى الله عز وجل موضع النسيان فقال «وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ »(٢) وقال «فَبَشِّرْ عِبادِ

______________________________________________________

الرجل يجحد الحق ويكذب به ويقع في أهله فقم من عنده ولا تقاعده ، قال الراغب : والخوض الشروع في الماء والمرور فيه ، يستعار في الأمور وأكثر ما ورد في القرآن ورد فيما يذم الشروع فيه ، وتتمة الآية «إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً » والاستثناء في سورة الأنعام حيث قال : «وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ »(٣) الآية ويحتمل أن يكون قوله تعالى : «وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ » إشارة إلى ما نزل في سورة الأنعام ، فهذه الآية كالتفسير لتلك الآية فذكرهعليه‌السلام آية النساء لبيان أن الخوض في الآيات المذكور في الأنعام هو الكفر والاستهزاء بها ، وإلا كان المناسب ذكر الآية المتصلة بالاستثناء فتفطن.

وروى العياشي عن الباقرعليه‌السلام في هذه الآية قال : الكلام في الله والجدال في القرآن قال منه القصاص «وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ » أي النهي «فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى » أي بعد أن تذكره «مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ » أي معهم ، فوضع الظاهر موضعه تنبيها على أنهم ظلموا بوضع التكذيب والاستهزاء موضع التصديق والاستعظام ، وفي الحديث عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس في مجلس يسب فيه إمام ، أو يغتاب فيه مسلم إن الله تعالى يقول في كتابه : «وَإِذا رَأَيْتَ » الآية.

ثم إن الخطاب في الآية إما خطاب عام أو الخطاب ظاهرا للرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والمراد به الأمة ، لأن النسيان لا يجوز عليهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا سيما إذا كان من الشيطان ، فإن من جوز السهو والنسيان عليهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كالصدوق (ره) إنما جوز الإسهاء من

__________________

(١) سورة النساء : ١٣٩.

(٢ و ٣) سورة الأنعام : ٦٨.


الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ »(١) وقال عز وجل «قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ »(٢) وقال «وَإِذا سَمِعُوا

______________________________________________________

الله تعالى للمصلحة لا من الشيطان.

«فَبَشِّرْ عِبادِ » الإضافة للتشريف ، وأحسن القول ما فيه رضا الله أو أشد رضاه ، وما هو أشق على النفس ، وهذه كلمة جامعة يندرج فيها القول في أصول الدين وفروعه والإصلاح بين الناس والتميز بين الحق والباطل ، وإيثار الأفضل فالأفضل ، وفي رواية هو الرجل يسمع الحديث فيحدث به كما سمع لا يزيد فيه ولا ينقص منه.

«أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللهُ » لدينه «وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ » أي العقول السليمة عن منازعة الهوى والوهم والعادات و « عبادي » في النسخ بإثبات الياء موافقا لرواية أبي عمرو برواية موسى حيث قرأ في الوصل بفتح الياء وفي الوقف بإسكانها ، وقرأ الباقون بإسقاط الياء والاكتفاء بالكسرة.

«الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ » قيل : أي خائفون من الله متذللون له يلزمون أبصارهم مساجدهم وفي تفسير علي بن إبراهيم غضك بصرك في صلاتك وإقبالك عليها ، وسيأتي تفسيره في كتاب الصلاة إنشاء الله.

«وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ » قيل : اللغو ما لا يعنيهم من قول أو فعل ، وفي تفسير علي بن إبراهيم يعني عن الغناء والملاهي ، وفي إرشاد المفيد عن أمير المؤمنينعليه‌السلام كل قول ليس فيه ذكر فهو لغو ، وفي المجمع عن الصادقعليه‌السلام قال : أن يتقول الرجل عليك بالباطل أو يأتيك بما ليس فيك فتعرض عنه لله ، قال : وفي رواية أخرى أنه الغناء والملاهي ، وفي الاعتقادات عنهعليه‌السلام أنه سئل عن القصاص أيحل الاستماع لهم ،

__________________

(١) سورة الزمر : ١٨.

(٢) سورة السجدة : ٢.


اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ »(١) وقال «وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً »(٢) فهذا ما فرض الله على السمع من الإيمان أن لا يصغي إلى ما لا يحل له وهو عمله وهو من الإيمان وفرض على البصر أن لا ينظر إلى ما حرم الله عليه وأن يعرض عما نهى الله عنه مما لا يحل له وهو عمله وهو من الإيمان فقال تبارك وتعالى : «قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ »(٣) فنهاهم أن ينظروا

______________________________________________________

فقال : لا ، والحاصل أن اللغو كل ما لا خير فيه من الكلام والأصوات ، ويكفي في الاستشهاد كون بعض أفراده حراما مثل الغناء والدف والصنج والطنبور والأكاذيب وغيرها.

وقال في سورة القصص : «وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ »(١) قال علي بن إبراهيم : اللغو الكذب واللهو والغناء ، وقال في الفرقان : «وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً »(٢) أي معرضين عنه مكرمين أنفسهم عن الوقوف عليه والخوض فيه ، وفي أخبار كثيرة تفسير اللغو في هذه الآية بالغناء والملاهي.

قوله : من الإيمان ، « من » تبعيضية« وأن لا يصغي » عطف بيان لهذا ، وقيل : من الإيمان مبتدأ وأن لا يصغي خبره ، وفيه ما فيه.

«قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا » الخطاب للرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويغضوا مجزوم بتقدير اللام ، أي ليغضوا فالمقصود تبليغهم أمر ربهم أو حكاية لمضمون أمرهعليه‌السلام أو منصوب بتقدير أن أي أمرهم أن يغيضوا فإن « قل لهم » في معنى مرهم ، وقيل : أنه جواب الأمر أي قل لهم غضوا يغضوا ، واعترض بأنه حينئذ ينبغي الفاء أي فيغضوا وفيه : أنه سهل ليكن محذوفا وأبعد منه ما يقال : إن التقدير : قل لهم غضوا فإنك إن تقل لهم يغضوا وأصل الغض النقصان والخفض كما في قوله : «وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ » وأجاز الأخفش أن تكون من زائدة وأباه سيبويه وقيل : إنه للتبعيض ، ولعله الوجه ،

__________________

(١) سورة القصص : ٥٥.

(٢) سورة الفرقان : ٧٢.

(٣) سورة النور : ٣٠.


إلى عوراتهم وأن ينظر المرء إلى فرج أخيه ويحفظ فرجه أن ينظر إليه وقال «وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَ »(١) من أن تنظر إحداهن إلى فرج أختها وتحفظ فرجها من أن ينظر إليها وقال كل شيء في القرآن من حفظ الفرج فهو من الزنا إلا هذه الآية فإنها من النظر ثم نظم ما فرض على القلب واللسان والسمع والبصر في آية أخرى فقال «وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ

______________________________________________________

وليس المراد نقص المبصرات وتبعيضها ولا الأبصار بل النظر بها وهو المراد مما قيل : المراد غض البصر وخفضه مما يحرم النظر إليه والاقتصار به على ما يحل ، وكذاقوله : «وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ » أي إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ، فلما كان المستثنى هنا كالشاذ النادر مع كونه معروفا معلوما بخلافه في غض الأبصار أطلق الحفظ هنا وقيد الغض بحرف التبعيض ، وفي الكشاف ويجوز أن يراد مع حفظها عن الإبداء وهذه الرواية وغيرها تدل على أن المراد بحفظ الفرج هنا ستره عن أن ينظر إليه أحد وكذا ظاهر الرواية تخصيص غض البصر بترك النظر إلى العورة.

قوله عليه‌السلام : ثم نظم ، أقول : وفي تفسير النعماني : ثم نظم تعالى ما فرض على السمع والبصر والفرج في آية واحدة فقال :وما كنتم ، وهو أظهر ، وما هنا يحتاج إلى تكلف في إدخال اللسان والقلب ، فقيل : المرادبالاستتار ترك ذكر الأعمال القبيحة في المجالس« وأن يشهد » بتقدير من أن يشهد متعلقا بالاستتار بتضمين معنى الخوف ، فقوله تستترون إشارة إلى فرض القلب واللسان معا ، ويحتمل أن يكون المراد بالآية الأخرى الجنس أي الآيتين ، والفؤاد داخل في الآية الثانية وكذا اللسان لأن قوله : «لا تَقْفُ » عبارة عن عدم متابعة غير المعلوم بعدم التصديق به بالقلب وعدم إظهار العلم به باللسان.

«وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ » " قبل هذه الآية في حم التنزيل : " «وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ، حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما

__________________

(١) سورة النور : ٣١.


.................................................................................................

______________________________________________________

كانُوا يَعْمَلُونَ ، وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ » قال الطبرسي (ره) : أي شهد عليهم سمعهم بما قرعه من الدعاء إلى الحق « فأعرضوا عنه » ولم يقبلوه وأبصارهم بما رأوه من الآيات الدالة على وحدانية الله فلم يؤمنوا وسائر جلودهم بما باشروه من المعاصي والأعمال القبيحة ، وقيل في شهادة الجوارح قولان : أحدهما : أن الله تعالى يبنيها بنية الحي ويلجئها إلى الاعتراف والشهادة بما فعله أصحابها ، والآخر : أن الله تعالى تفعل الشهادة فيها وإنما أضاف الشهادة إليها مجازا ، وقيل : في ذلك أيضا وجه ثالث وهو أنه يظهر فيه أماراته الدالة على كون أصحابها مستحقين للنار فسمي ذلك شهادة مجازا كما يقال : عيناك تشهدان لسهرك ، وقيل : إن المراد بالجلود هنا الفروج على طريق الكناية عن ابن عباس والمفسرين ثم قال : «وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ » أي من أن يشهد عليكم سمعكم ، معناه وما كنتم تستخفون أي لم يكن مهيئا لكم أن تستروا أعمالكم عن هذه الأعضاء لأنكم كنتم بما تعملون ، فجعلها الله شاهدة عليكم في القيامة ، وقيل : معناه وما كنتم تتركون المعاصي حذرا أن تشهد عليكم جوارحكم بها لأنكم ما كنتم تظنون ذلك ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما كنتم تعملون لجهلكم بالله تعالى ، فهان عليكم ارتكاب المعاصي لذلك.

وروي عن ابن مسعود أنها نزلت في ثلاثة نفر تساروا فقالوا : أترى إن الله تعالى يسمع تسارنا.

ويجوز أن يكون المعنى أنكم عملتم عمل من ظن أن عمله يخفى على الله كما يقال أهلكت نفسي أي عملت عمل من أهلك النفس ، وقيل : إن الكفار كانوا يقولون إن الله لا يعلم ما في أنفسنا لكنه يعلم ما نظهر عن ابن عباس.

«وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ » ذلكم مبتدأ ، وظنكم خبره ، وأرديكم خبر ثان ، ويجوز أن يكون ظنكم بدلا من ذلكم ، ويكون المعنى وظنكم الذي ظننتم بربكم أنه لا يعلم كثيرا مما تعملون أهلككم إذ هون عليكم أمر المعاصي


سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ »(١) يعني بالجلود الفروج والأفخاذ وقال «وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً »(٢) فهذا ما فرض الله على العينين من غض البصر عما حرم الله عز وجل وهو عملهما وهو من الإيمان وفرض الله على اليدين أن لا يبطش بهما إلى ما حرم الله وأن يبطش بهما إلى ما أمر الله

______________________________________________________

وأدى بكم إلى الكفر «فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ » أي فظللتم من جملة من خسرت تجارته ، لأنكم خسرتم الجنة وخضتم في النار ، انتهى.

فإن قيل : هذه الآيات في السور المكية وكذاقوله : «وَلا تَقْفُ »إلخ ، كما مر في الخبر السابق فكيف صار أعمال الجوارح فيها جزءا من الإيمان ، وكيف يوعد عليها.

قلت : لعل الوعيد فيها باعتبار كفرهم وشركهم لأنها تدل على أنهم إنما فعلوا ذلك كفر بالله واستهانة بأمره وظنهم أنه سبحانه لا يعلم كثيرا مما يعملون فالوعيد على شركهم وإتيانهم بتلك الأعمال من جهة الاستخفاف والاستحلال وقفوا ما ليس لهم به علم كان في أصول الدين مع أنه قد مر أنه ليس فيها وعيد بالنار وكون جميع آيات حم مكية لم يثبت لعدم الاعتماد على قول المفسرين من العامة ، ويحتمل أن يكون الغرض هنا محض كون الأعمال متعلقة بالجوارح وأن لها مدخلا في الإيمان وإن كان مدخليتها في كماله ، والمقصود في الخبر السابق كان أمرا آخر ، وكذا الكلام في قوله : «وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً » فإنها أيضا مكية.

قوله : إلى ما حرم الله ، مثل القتل والضرب والنهب والسرقة وكتابة الجور والكذب والظلم ومس الأجانب ونحوها« وفرض عليهما من الصدقة وصلة الرحم » إذ إيصال الصدقة إلى الفقراء والخير إلى الأقرباء والضرب والبطش والقتال في الجهاد والطهور للصلاة من فروض اليد ، وقيل : يفهم منه وجوب استعمال اليد في غسل الوجه ، وهو إما لأنه الفرد الغالب أو لأنه فرد الواجب التخييري.

__________________

(١) سورة فصّلت : ٢٢.

(٢) سورة الإسراء : ٣٦.


عز وجل وفرض عليهما من الصدقة وصلة الرحم والجهاد في سبيل الله والطهور للصلاة فقال : «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ »(١) وقال «فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها »(٢) فهذا ما فرض الله على اليدين لأن الضرب من علاجهما وفرض على الرجلين أن لا يمشي بهما إلى شيء من معاصي الله وفرض عليهما المشي إلى ما

______________________________________________________

وأقول : يمكن أن يكون غسل الوجه داخلا فيما سيأتي من قوله : وقال فيما فرض الله.

«فَضَرْبَ الرِّقابِ » ضرب الرقاب عبارة عن القتل بضرب العنق ، وأصله فاضربوا الرقاب ضربا ، حذف الفعل وأقيم المصدر مقامه ، وأضيف إلى المفعول والإثخان إكثار القتل أو الجراح بحيث لا يقدر على النهوض ، والوثاق بالفتح والكسر ما يوثق به وشده كناية عن الأسر ، و «مَنًّا » و «فِداءً » مفعول مطلق لفعل محذوف أي فإما تمنون منا ، وإما تفدون فداءا ، وأوزار الحرب أثقالها وآلاتها كالسيف والسنان وغيرهما ، وهو كناية عن انقضاء أمرها.

والمروي ومذهب الأصحاب أن الأسير إن أخذ والحرب قائمة تعين قتله إما بضرب عنقه أو بقطع يده ورجله من خلاف وتركه حتى ينزف ويموت ، وإن أخذ بعد انقضاء الحرب تخير الإمام بين المن والفداء والاسترقاق ، ولا يجوز القتل.

والاسترقاق علم من السنة ، والعلاج : المزاولة ،« أن لا يمشي » بصيغة المجهول ، والباء في« بهما » للآلة ، والظرف نائب الفاعل وقوله عليه‌السلام : فقال ، لعله ليس لتفسير ما تقدم والاستدلال عليه ، بل لبيان نوع آخر من تكليف الرجلين وهو نوع المشي ، وما ذكر سابقا كان غاية المشي ، وفي رواية النعماني : أما ما فرضه الله

__________________

(١) سورة المائدة : ٧.

(٢) سورة محمد (ص) : ٤.


يرضي الله عز وجل فقال «وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً »(١) وقال «وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ »(٢) وقال فيما شهدت الأيدي والأرجل على أنفسهما وعلى أربابهما من تضييعهما لما أمر الله عز وجل به وفرضه عليهما «الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا

______________________________________________________

على الرجلين فالسعي بهما في ما يرضيه ، واجتناب السعي فيما يسخطه ، وذلك قوله سبحانه : «فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ »(٣) وقوله سبحانه : «وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً »(٤) وقوله : «وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ » وفرض الله عليهما القيام في الصلاة فقال : «وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ »(٥) ثم أخبر أن الرجلين من الجوارح التي تشهد يوم القيامة حين تستنطق بقوله سبحانه : «الْيَوْمَ نَخْتِمُ » الآية.

وقال البيضاوي : «وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ » توسط فيه بين الدبيب والإسراع ، وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن «وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ » وأنقص منه واقصر «إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ » أوحشها «لَصَوْتُ الْحَمِيرِ » والحمار مثل في الذم سيما نهاقه(٦) . ولذلك يكنى عنه فيقال : طويل الأذنين وفي تمثيل الصوت المرتفع بصوته ثم إخراجه مخرج الاستعارة مبالغة شديدة ، وتوحيد الصوت لأن المراد تفضيل الجنس في النكر دون الآحاد ، أو لأنه مصدر.

وقال في قوله سبحانه : «الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ » بأن نمنعها عن كلامهم «وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ »إلخ ، بظهور آثار المعاصي عليها ودلالتها على أفعالها أو بإنطاق الله إياها ، وفي الحديث أنهم يجحدون ويخاصمون فيختم على أفواههم وتكلمهم أيديهم وأرجلهم ، انتهى.

__________________

(١) سورة لقمان : ١٨.

(٢) سورة لقمان : ١٩.

(٣) سورة الجمعة : ٩.

(٤) سورة الإسراء : ٣٧.

(٥) سورة البقرة : ٢٣٨.

(٦) نهاق الحمار : صوته.


أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ »(١) فهذا أيضا مما فرض الله على اليدين وعلى الرجلين وهو عملهما وهو من الإيمان وفرض على الوجه السجود له بالليل والنهار في مواقيت الصلاة فقال «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ »(٢) فهذه فريضة جامعة على الوجه واليدين والرجلين

______________________________________________________

وقيل : هذا لا ينافي ما روي أن الناس في هذا اليوم يحتجون لأنفسهم ، ويسعى كل منهم في فكاك رقبته كما قال سبحانه : «يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها » والله يلقن من يشاء حجته كما في دعاء الوضوء : اللهم لقني حجتي يوم ألقاك ، لأن الختم مخصوص بالكفار كما قاله بعض المفسرين ، أو أن الختم يكون بعد الاحتجاج والمجادلة كما في الرواية السابقة ، وبالجملة الختم يقع في مقام والمجادلة في مقام آخر.

قوله : فهذا أيضا ، كأنه إشارة إلى ما تشهد به الجوارح ، فمن فيقوله « مما » تبعيضية ، أو إلى التكليم والشهادة فمن تعليلية ، ويحتمل أن يكون إشارة إلى جميع ما تقدم ، وقال البيضاوي في قوله تعالى : «ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا » أي في صلاتكم أمرهم بهما لأنهم ما كانوا يفعلونهما أول الإسلام ، أو صلوا وعبر عن الصلاة بهما لأنهما أعظم أركانهما ، أو اخضعوا لله وخروا له سجدا واعبدوا ربكم بسائر ما تعبدكم به «وَافْعَلُوا الْخَيْرَ » وتحروا ما هو خير وأصلح فيما تأتون وتذرون كنوافل الطاعات وصلة الأرحام ومكارم الأخلاق «ولَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ » أي افعلوا هذه كلها وأنتم راجعون الفلاح غير متيقنين له ، واثقين علي أعمالكم.

وأقول : « لعل » من الله موجبة ، وهذه فريضةجامعة أي ما ذكر في هذه الآية من الركوع والسجود والعبادة وفعل الخير ، ومدخلية الأعضاء المذكورة في تلك الأعمال في الجملة ظاهرة.

__________________

(١) سورة يس : ٦٥.

(٢) سورة الحجّ : ٧٧.


وقال في موضع آخر «وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً »(١) وقال فيما فرض على الجوارح من الطهور والصلاة بها وذلك أن الله عز وجل لما صرف نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله

______________________________________________________

«وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ » ظاهر أنهعليه‌السلام فسر المساجد بالأعضاء السبعة التي تسجد عليها ، أي خلقت لأن يعبد الله بها فلا تشركوا معه غيره في سجودكم عليها ، وهذا التفسير هو المشهور بين المفسرين والمذكور في صحيحة حماد والمروي عن أبي جعفر الثانيعليه‌السلام حين سأله المعتصم عنها ، وبه قال ابن جبير والزجاج والفراء فلا عبرة بقول من قال : أن المراد بها المساجد المعروفة ، ولا بقول من قال : هي بقاع الأرض كلها ، ولا بقول من قال : هي المسجد الحرام ، والجمع باعتبار أنه قبلة لجميع المساجد ، ولا بقول من قال : هي السجدات جمع مسجد بالفتح مصدرا أي السجودات لله فلا تفعل لغيره.

وقال في الفقيه : قال أمير المؤمنينعليه‌السلام في وصيته لابنه محمد بن الحنفيةرضي‌الله‌عنه : يا بني لا تقل ما لا تعلم بل لا تقل كل ما تعلم ، فإن الله تعالى قد فرض على جوارحك كلها فرائض يحج بها عليك يوم القيامة ويسألك عنها ، وساق الحديث إلى أن قال : ثم استعبدها بطاعته فقال عز وجل : «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا » إلى قوله : «لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ » فهذه فريضة جامعة واجبة على الجوارح ، وقال عز وجل : «وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ » إلخ ، يعني بالمساجد الوجه واليدين والركبتين والإبهامين ، الحديث بطوله.

قوله : وقال فيما فرض على الجوارح من الطهور والصلاة بها ، أي بالجوارح وكان مفعول القول محذوف أي ما قال ، أو« من الطهور » مفعوله بزيادة من ، أو بتقدير شيئا أو كثيرا أو المراد قال ذلك أي آية المساجد فيما فرض الله على هذه الجوارح من الطهور والصلاة ، لأن الطهور أيضا يتعلق بالمساجد.

وعلى التقاديرقوله : وذلك ، إشارة إلى كون الآيات السابقة دليلا على كون

__________________

(١) سورة الجنّ ، ١٨.


إلى الكعبة عن البيت المقدس فأنزل الله عز وجل «وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ »(١) فسمى الصلاة إيمانا فمن لقي الله عز وجل حافظا لجوارحه

______________________________________________________

الإيمان مبثوثا على الجوارح لأنها إنما دلت على أن الله تعالى فرض أعمالا متعلقة بتلك الجوارح ، ولم تدل على أنها إيمان فاستدلعليه‌السلام على ذلك بأن الله تعالى سمي الصلاة المتعلقة بجميع الجوارح إيمانا فتم به الاستدلال بالآيات المذكورة على المطلوب.

والظاهر أن في العبارة سقطا أو تحريفا أو اختصارا مخلا من الرواة أو من المصنف إذ في تفسير النعماني وأما ما افترضه على الرأس فهو أن يمسح من مقدمه بالماء في وقت الطهور للصلاة بقوله : «وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ » وهو من الإيمان وفرض على الوجه الغسل بالماء عند الطهور ، فقال : «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ »(٢) وفرض عليه السجود وعلى اليدين والركبتين والرجلين الركوع وهو من الإيمان ، وقال فيما فرض الله على هذه الجوارح من الطهور والصلاة وسماه في كتابه إيمانا حين تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة ، فقال المسلمون : يا رسول الله صارت صلاتنا إلى بيت المقدس وطهورنا ضياعا؟ فأنزل الله : «وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها » إلى قوله «وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ » فسمي الصلاة والطهور إيمانا ، انتهى.

ويحتمل أن يكون مفعول القول : «وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ » ، أو مبهما يفسره ذلك ، حذف لدلالة التعليل عليه وقوله : وذلك ، تعليل للقول أي النزول ، وقوله : فأنزل الله ، ليس جواب لما لعدم جواز دخول الفاء عليه بل الجواب محذوف ، بتقدير أنزل وجه الحكمة في الصرف فأنزل.

قوله : فمن لقي الله ، عند الموت أو في القيامة أو الأعم« حافظا لجوارحه »

__________________

(١) سورة البقرة : ١٤٣.

(٢) سورة المائدة : ٦.


موفيا كل جارحة من جوارحه ما فرض الله عز وجل عليها لقي الله عز وجل مستكملا لإيمانه وهو من أهل الجنة ومن خان في شيء منها أو تعدى ما أمر الله عز وجل فيها لقي الله عز وجل ناقص الإيمان قلت قد فهمت نقصان الإيمان وتمامه فمن أين جاءت زيادته فقال قول الله

______________________________________________________

عن المحرمات« موفيا كل جارحة » التوفية إعطاء الحق وافيا تاما ويمكن أن يقرأ كل بالرفع وبالنصب« مستكملا لإيمانه » أي مكملا له ، في القاموس : أكمله واستكمله وكمله أتمه وجمله« ومن خان في شيء منها » أي من الجوارح بفعل المنهياتأو تعدى ما أمر الله عز وجل في الجوارح ، ويحتمل أن يكون الخيانة أعم من ترك المأمورات وفعل المنهيات ، والتعدي بإيقاع الفرائض على وجه البدعة ومخالفا لما أمر الله ، وفي النعماني : ومن كان مضيعا لشيء مما فرضه الله تعالى في هذه الجوارح وتعدى ما أمر الله به وارتكب ما نهاه عنه لقي الله ناقص الإيمان.

وأقول : حكمعليه‌السلام في الأول بدخول الجنة أي من غير عقاب ، وفي الثاني لم يحكم بدخول النار ولا بعدم دخول الجنة لأنه يدخل الجنة ولو بعد حين ، وليس دخوله النار مجزوما به لاحتمال عفو الله تعالى وغفرانه.

قوله : فمن أين جاءت زيادته ، يفهم منه أن السائل فهم من الزيادة كون ما يشترط في الإيمان متحققا وزاد عليه ، لا أنه يكون الزائد بالنسبة إلى الناقص ، وإلا فلم يحتج إلى السؤال لأن كل نقص إذا سلب كان زائدا بالنسبة إليه ، فالأفراد ثلاثة : تام الإيمان وهو الذي اعتقد العقائد الحقة كلها ، وعمل بالفرائض واجتنب الكبائر وإن أتى بشيء منها تاب بعده ولم يصر على الصغائر ، وناقص الإيمان وهو الذي أتى مع العقائد الحقة بشيء من الكبائر ولم يتب منها أو ترك شيئا من الفرائض ولم يتداركها أو أصر على الصغائر ، وزائد الإيمان وهو الذي زاد في العقائد على ما يجب كما وكيفا كما سيأتي ، وفي الأعمال بإيتاء سائر الواجبات والمستحبات وترك الصغائر والمكروهات ، وكلما زادت العقائد والأعمال كما وكيفا زاد الإيمان


عز وجل : «وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ »(١) وقال «نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ

______________________________________________________

فإذا عرفت هذا فلم يحتج إلى ما تكلفه بعضهم أنه لما ذكرعليه‌السلام أن الإيمان مفروض على الجوارح وأنه يزيد وينقص وعلم السائل الأول صريحا من الآيات المذكورة ، والثاني ضمنا أو التزاما منها للعلم الضروري بأن العلم يزيد وينقص سأل عن الآيات الدالة على الثاني صريحا ، أو قصده من السؤال أني قد فهمت مما ذكر نقصان الإيمان العملي وتمامه باعتبار أن العمل يزيد وينقص فمن أين جاءت زيادة الإيمان التصديقي وأية آية تدل عليها؟ وفيه حينئذ استخدام إذ أراد بلفظ الإيمان الإيمان العملي ، وبضميره الإيمان التصديقي ، وعلى التقديرين لا يرد أنه إذا علم نقصان الإيمان وتمامه فقد علم زيادته ، لأن في التام زيادة ليست في الناقص ، انتهى.

«فَمِنْهُمْ » قال البيضاوي : فمن المنافقين «مَنْ يَقُولُ » إنكارا واستهزاء «أَيُّكُمْ زادَتْهُ » «هذِهِ » السورة «إِيماناً » وقرأ أيكم بالنصب على إضمار فعل يفسره زادته «فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً » بزيادة العلم الحاصل من تدبر السورة وانضمام الإيمان بها وبما فيها إلى أيمانهم «وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ » بنزولها لأنها سبب لزيادة كما لهم وارتفاع درجاتهم «وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ » كفر «فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ » كفرا بها مضموما إلى الكفر بغيرها «وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ » واستحكم ذلك فيهم حتى ماتوا عليه «وَزِدْناهُمْ هُدىً » أي هداية إلى الإيمان أو زدناهم بسبب الإيمان ثباتا وشدة يقين وصبر على المكاره في الدين كما قال «وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ » فهذه الهداية الخاصة الربانية زيادة على الإيمان الذي كانوا به متصفين حيث قال تعالى

__________________

(١) سورة التوبة : ١٢٦.


وَزِدْناهُمْ هُدىً »(١) ولو كان كله واحدا لا زيادة فيه ولا نقصان لم يكن لأحد منهم فضل على الآخر ولاستوت النعم فيه ولاستوى الناس وبطل التفضيل ولكن بتمام الإيمان دخل المؤمنون الجنة وبالزيادة في الإيمان تفاضل المؤمنون بالدرجات عند الله وبالنقصان دخل المفرطون النار.

٢ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن أبيه ومحمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى جميعا ، عن البرقي ، عن النضر بن سويد ، عن يحيى بن عمران الحلبي ، عن عبيد الله بن لحسن ، عن الحسن بن هارون قال قال لي أبو عبد الله

______________________________________________________

أولا «إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ »« ولو كان كله واحدا » أي كل الإيمان واحدا لا زيادة فيه ولا نقصان لم يكن لأحد من المؤمنين فضل على الآخر ، لأن الفضل إنما هو بالإيمان فلا فضل مع مساواتهم فيه« ولاستوت النعم » أي نعم الله بالهدايات الخاصة في الإيمان« ولاستوى الناس » في دخول الجنة أو في الخير والشر ، وبطل تفضيل بعضهم على بعض بالدرجات والكمالات ، واللوازم كلها باطلة بالكتاب والسنة.

« ولكن بتمام الإيمان » باعتبار أصل التصديق والعمل بالفرائض أو بالواجبات وترك الكبائر أو المنهيات« دخل المؤمنون » المتصفون به« الجنة وبالزيادة في الإيمان » بضم سائر الواجبات مع المندوبات أو المندوبات وترك الصغائر مع المكروهات ، أو المكروهات وتحصيل الآداب المرغوبة والأخلاق المطلوبة« تفاضل المؤمنون » المتصفون بها بدرجات الجنة العالية ، والمنازل الرفيعة في قربه تعالى« وبالنقصان » في التصديق أو التقصير في الأعمال الواجبة وارتكاب المحرمات« دخل المفرطون » في النار إن لم ينجوا بفضله وعفوه سبحانه.

الحديث الثاني : مجهول ، والظاهر زيادةعن أبيه عن النساخ لأن محمد بن يحيى عطف على العدة ، والبرقي هو محمد بن خالد كما هو المصرح به في بعض النسخ ،

__________________

(١) سورة الكهف : ١٣.


عليه‌السلام «إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً »(١) قال يسأل السمع عما سمع والبصر عما نظر إليه والفؤاد عما عقد عليه.

٣ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن صفوان أو غيره ، عن العلاء ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال سألته عن الإيمان فقال شهادة أن لا إله إلا الله أن محمدا رسول الله والإقرار بما جاء من عند الله وما استقر في القلوب من التصديق بذلك قال قلت الشهادة أليست عملا قال بلى قلت العمل من الإيمان قال نعم الإيمان لا يكون إلا بعمل والعمل منه ولا يثبت الإيمان إلا بعمل.

______________________________________________________

وأحمد البرقي وابن عيسى يرويان عن محمد البرقي.

الحديث الثالث : مرسلقوله : شهادة أن لا إله إلا الله أي التكلم بكلمة التوحيد والإقرار به ظاهرا وإنما اكتفي بها عن الإقرار بالرسالة لتلازمهما أو هو داخل فيقوله : والإقرار بما جاء من عند الله ، والضمير في « جاء » راجع إلى الموصول أي الإقرار بكل ما أرسله الله من نبي أو كتاب أو حكم ما علم تفصيلا وما لم يعلم إجمالا ، وكل ذلك الإقرار الظاهري.

وقوله : ما استقر في القلوب ، الإقرار القلبي بجميع ذلك ، وهذا أحد معاني الإيمان كما عرفت ، ولا يدخل فيه أعمال الجوارح سوى الإقرار الظاهري بما صدق به قلبا ، ولما كان عند السائل أن الإيمان محض العلوم والعقائد ولا يدخل فيه الأعمال استبعد كون الشهادة التي هي من عمل الجوارح من الإيمان ، فأجابعليه‌السلام بأن العمل جزء الإيمان.

« ولا يثبت الإيمان » أي لا يتحقق واقعا أو لا يثبت الإيمان عند الناس إلا بالإقرار والشهادة التي هي عمل الجوارح أو لا يستقر الإيمان إلا بأعمال الجوارح ، فإن التصديق الذي لم يكن معه عمل يزول ولا يبقى.

__________________

(١) سورة الإسراء : ٣٦.


٤ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن عثمان بن عيسى ، عن عبد الله بن مسكان ، عن بعض أصحابه ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قلت له ما الإسلام فقال دين الله اسمه الإسلام ـ وهو دين الله قبل أن تكونوا حيث كنتم وبعد أن تكونوا فمن أقر بدين الله فهو مسلم ومن عمل بما أمر الله عز وجل به فهو مؤمن.

٥ ـ عنه ، عن أبيه ، عن النضر بن سويد ، عن يحيى بن عمران الحلبي ، عن أيوب بن الحر ، عن أبي بصير قال كنت عند أبي جعفرعليه‌السلام فقال له سلام إن خيثمة ابن أبي خيثمة يحدثنا عنك أنه سألك عن الإسلام فقلت له إن

______________________________________________________

الحديث الرابع : مرسل

قولهعليه‌السلام : دين الله اسمه الإسلام ، لقوله تعالى : «إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ »(١) وقوله : «وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً »(٢) .

« وهو دين الله قبل أن تكونوا حيث كنتم » أي قبل أن تكونوا في عالم من العوالم أي حين لم تكونوا في عالم الأجساد ، ولا في عالم الأرواح وبعد أن تكونوا في أحد العوالم ، أو قبل أن تكونوا وتوجدوا على هذا الهيكل المخصوص حيث كنتم في الأظلة أو في العلم الأزلي« وبعد أن تكونوا » في عالم الأبدان ، والأول أظهر ، وعلى التقديرين المراد عدم التغير في الأديان والأزمان« فمن أقر بدين الله » أي العقائد التي أمر الله بالإقرار بها في كل دين قلبا وظاهرا« فهو مسلم ومن عمل » أي مع ذلك الإقرار« بما أمر الله عز وجل به » من الفرائض وترك الكبائر أو الأعم« فهو مؤمن » وهذا أحد المعاني التي ذكرنا من الإسلام والإيمان.

الحديث الخامس : صحيح.

وسلام يحتمل ابن المستنير الجعفي ، وابن أبي عمرة الخراساني وكلاهما مجهولان من أصحاب الباقرعليه‌السلام وخيثمة بفتح الخاء ثم الياء المثناة الساكنة ثم المثلثة المفتوحة غير مذكور في الرجال.

__________________

(١) سورة آل عمران : ١٩.

(٢) سورة آل عمران : ٨٥.


الإسلام من استقبل قبلتنا وشهد شهادتنا ونسك نسكنا ووالى ولينا وعادى عدونا فهو مسلم فقال صدق خيثمة قلت وسألك عن الإيمان فقلت الإيمان بالله والتصديق بكتاب الله وأن لا يعصى الله فقال صدق خيثمة.

______________________________________________________

قوله : من استقبل قبلتنا ، أي دين من استقبلفقوله : فهو مسلم ، تفريع وتأكيد ، أو قوله : فهو مسلم قائم مقام العائد لأنه بمنزلة فهو صاحبه ، أو فهو المتصف به« وشهد شهادتنا » أي شهادة جميع المسلمين.

« ونسك نسكنا » أي عبد كعبادة المسلمين فيأتي بالصلاة والزكاة والصوم والحج ، أو المراد بالنسك أفعال الحج أو الذبح ، قال الراغب : النسك العبادة والناسك العابد ، واختص بأعمال الحج ، والمناسك مواقف النسك وأعمالها ، والنسيكة مختصة بالذبيحة ، قال : «فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ »(١) وقال تعالى : «فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ »(٢) وقال : «مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ »(٣) .

« ووالى ولينا » أي ولي جميع المسلمين« وعادى عدونا » أي عدو جميع المسلمين وهم المشركون وسائر الكفار فهذا يشمل جميع فرق المسلمين.

« والتصديق بكتاب الله » يدخل فيه الإقرار بالرسالة والإمامة والعدل والمعاد« وأن لا يعصي الله » بالعمل بالفرائض وترك الكبائر أو العمل بجميع الواجبات وترك جميع المحرمات ، والحاصل أنه يحتمل أن يكون المراد بالإسلام الإسلام الظاهري وإن لم يكن مع التصديق القلبي ، وبالإيمان العقائد القلبية مع الإقرار بالولاية والإتيان بالأعمال ، ويحتمل أن يكون المراد بقوله : والى ولينا وعادى عدونا ، موالاة أولياء الأئمةعليهم‌السلام ومعاداة أعدائهم ، فالإسلام عبارة عن الإذعان بجميع العقائد الحقة ظاهرا وباطنا والإيمان عبارة عن انضمام العقائد القلبية والأعمال معه أو الأعمال فقط ، وعلى كل تقدير يرجع إلى أحد المعاني المتقدمة لهما.

__________________

(١) سورة البقرة : ١٩٦.

(٢) سورة البقرة : ٢٠٠.

(٣) سورة الحجّ : ٦٧.


٦ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن ابن أبي عمير ، عن جميل بن دراج قال سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الإيمان فقال شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قال قلت أليس هذا عمل قال بلى قلت فالعمل من الإيمان قال لا يثبت له الإيمان إلا بالعمل والعمل منه.

٧ ـ بعض أصحابنا ، عن علي بن العباس ، عن علي بن ميسر ، عن حماد بن عمرو النصيبي قال سأل رجل العالمعليه‌السلام فقال أيها العالم أخبرني أي الأعمال أفضل عند الله قال ما لا يقبل عمل إلا به فقال وما ذلك قال الإيمان بالله الذي هو أعلى الأعمال درجة وأسناها حظا وأشرفها منزلة قلت أخبرني عن الإيمان أقول وعمل أم قول بلا عمل قال الإيمان عمل كله والقول بعض ذلك العمل بفرض من الله بينه في كتابه واضح نوره ثابتة حجته يشهد به الكتاب ويدعو إليه قلت صف لي ذلك حتى أفهمه فقال إن الإيمان حالات ودرجات وطبقات ومنازل فمنه التام المنتهى تمامه ومنه الناقص المنتهى نقصانه ومنه الزائد الراجح زيادته قلت وإن الإيمان ليتم ويزيد وينقص قال نعم قلت و

______________________________________________________

الحديث السادس : صحيح ومضمونه قريب من الحديث الثالث.

« أليس هذا عمل » كذا في النسخ بالرفع ولعله من تصحيف النساخ ويحتمل أن يكون اسم ليس ضمير الشأن ويكون مبنيا على لغة بني تميم حيث ذهبوا إلى أن ليس إذا انتقض نفيه يحمل على ما في الإهمال ، والنفي هنا منتقض بالاستفهام الإنكاري.

قوله عليه‌السلام : لا يثبت له الإيمان ، الضمير راجع إلى المؤمن المدلول عليه بالإيمان.

الحديث السابع : ضعيف على المشهور.

وهو جزء من الحديث الأول بتغييرات مخلة.

منها ،قوله : بالله الذي هو ، فإن الصحيح بالله الذي لا إله إلا هو وقوله


كيف ذلك قال إن الله تبارك وتعالى فرض الإيمان على جوارح بني آدم وقسمه عليها وفرقه عليها فليس من جوارحهم جارحة إلا وهي موكلة من الإيمان بغير ما وكلت به أختها فمنها قلبه الذي به يعقل ويفقه ويفهم وهو أمير بدنه الذي لا تورد الجوارح ولا تصدر إلا عن رأيه وأمره ومنها يداه اللتان يبطش بهما ورجلاه اللتان يمشي بهما وفرجه الذي الباه من قبله ولسانه الذي ينطق به الكتاب

______________________________________________________

بينه ، الأصح بين ، وقوله : المنتهى نقصانه ، كان البين نقصانه أصح ، وقوله : لا تورد على بناء المجهول والأصح لا ترد كما في بعض النسخ هنا أيضا.

قوله : ينطق به الكتاب يظهر مما مر أنه سقط هنا نحو من سطرين ، من ينطق به إلى ينطق به ، ويمكن أن يتكلف في تصحيح ما في النسخ بأن يقال من عمل اللسان أن ما يكتب في الكتب يصير متلفظا به ، فكان الكتاب ينطق بسبب اللسان كما قال تعالى : «هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِ »(١) و« يشهد » على بناء المفعول« به » أي بالكتاب« عليها » أي على اللسان بتأويل الجارحة ، وفي المصباح قال الفراء : لم أسمع اللسان من العرب إلا مذكرا ، وقال أبو عمرو بن العلاء : اللسان يذكر ويؤنث ، انتهى.

وقد صرح في المغرب أيضا بأنه يذكر ويؤنث ، أو المراد باللسان عند إرجاع الضمير الكلمات الصادرة عنه ، فلذا أنت قال الجوهري : اللسان جارحة الكلام وقد يكنى بها عن الكلمة فيؤنث حينئذ ، انتهى.

ففيه استخدام ، ويحتمل أن يكون المراد بالكتاب أولا كتاب الأعمال ، ويمكن إرجاع ضمير به إلى اللسان وضمير عليها إلى الجوارح ، أي تؤاخذ الجوارح بما يشهد اللسان عليها.

كل ذلك خطر بالبال وإن كان كل منها لا يخلو من بعد ، وقيل : الظاهر

__________________

(١) سورة الجاثية : ٢٩.


ويشهد به عليها وعيناه اللتان يبصر بهما وأذناه اللتان يسمع بهما وفرض على القلب غير ما فرض على اللسان وفرض على اللسان غير ما فرض على العينين وفرض على العينين غير ما فرض على السمع وفرض على السمع غير ما فرض على اليدين وفرض على اليدين غير ما فرض على الرجلين وفرض على الرجلين غير ما فرض على الفرج وفرض على الفرج غير ما فرض على الوجه فأما ما فرض على القلب من الإيمان فالإقرار والمعرفة والتصديق والتسليم والعقد والرضا بأن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أحدا صمدا لم يتخذ «صاحِبَةً وَلا وَلَداً » وأن محمداصلى‌الله‌عليه‌وآله عبده ورسوله.

٨ ـ محمد بن الحسن ، عن بعض أصحابنا ، عن الأشعث بن محمد ، عن محمد بن حفص بن خارجة قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول وسأله رجل عن قول

______________________________________________________

أن المراد بالكتاب القرآن والضمير في « يشهد » راجع إليه وفي « به » إلى النطق أو إلى اللسان بحذف مضاف أي بأقواله ، وفي « عليها » إلى اللسان ونطق القرآن بأقوال اللسان خيرا وشرا وشهادته عليها كثير ، ويحتمل أن يراد بالكتاب كتاب الإيمان وصحيفتها وشهادته عليها يوم القيامة ظاهرة ، وربما يقرأ الكتاب بضم الكاف وتشديد التاء بأن يراد به الحفظة للأعمال.

الحديث الثامن : مجهول.

ومفعول يقولقوله : سبحان الله إلى آخر الكلام ، وإعادة« فقال » للتأكيد لطول الفصل ، وقد مر أنالمرجئة قوم يقولون أنه لا يضر مع الأيمان معصية كما أنه لا ينفع مع الكفر طاعة ، ويظهر من هذا الخبر أنهم كانوا يقولون بأن الإيمان هو الإقرار الظاهري ولا يشترط فيه الاعتقاد القلبي ، وكذا الكفر لكنه غير مشهور عنهم ، قال في المواقف وشرحه : من كبار الفرق الإسلامية المرجئة لقبوا به لأنهم يرجئون العمل عن النية أي يؤخرونه ، أو لأنهم يقولون لا يضر مع الأيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة ، فهم يعطون الرجاء وعلى هذا ينبغي أن لا يهمز لفظ المرجئة وفرقهم خمس : اليونسية أصحاب يونس النميري ،


المرجئة في الكفر والإيمان وقال إنهم يحتجون علينا ويقولون كما أن الكافر

______________________________________________________

قالوا : الإيمان هو المعرفة بالله والخضوع له والمحبة بالقلب ، فمن اجتمعت فيه هذه الصفات فهو مؤمن ولا يضر معها ترك الطاعات وارتكاب المعاصي ، ولا يعاقب عليها ، والعبيدية أصحاب عبيد المكذب زادوا على اليونسية أن علم الله لم يزل شيئا غيره ، وأنه تعالى على صورة الإنسان ، والغسانية أصحاب غسان الكوفي قالوا : الإيمان هو المعرفة بالله ورسوله وبما جاء من عندهما إجمالا لا تفصيلا وهو يزيد ولا ينقص ، وغسان كان يحكيه عن أبي حنيفة وهو افتراء عليه ، فإنه لما قال الإيمان هو التصديق ولا يزيد ولا ينقص ظن به الإرجاء بتأخير العمل عن الإيمان ، والثوبانية أصحاب الثوبان المرجئي قالوا : الإيمان هو المعرفة والإقرار بالله ورسوله وبكل ما لا يجوز في العقل أن يعقله ، وأما ما جاز في العقل أن يعقله فليس الاعتقاد به من الإيمان وأخروا العمل كله من الإيمان ، والثومنية أصحاب أبي معاذ الثومني قالوا : الإيمان هو المعرفة والتصديق والمحبة والإخلاص والإقرار بما جاء به الرسول وترك كله أو بعضه كفر ، وليس بعضه إيمانا ولا بعض إيمان ، وكل معصية لم يجمع على أنه كفر فصاحبه يقال : إنه فسق وعصى وإنه فاسق ، ومن ترك الصلاة مستحلا كفر لتكذيبه لما جاء به النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومن تركها بنية القضاء لم يكفر ، وقالوا السجود للصنم ليس كفرا بل هو علامة الكفر ، فهذه هي المرجئة الخالصة ، ومنهم من جمع إلى الإرجاء القدر ، انتهى.

قوله : كما أن الكافر ، كأنه قاس الإيمان بالكفر فإن من أنكر ضروريا من ضروريات الدين ظاهرا من غير تقية فهو كافر وإن لم يعتقد ذلك ، فإذا أقر بما جاء به النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يجب أن يكون مؤمنا غير معذب وإن لم يعتقد بقلبه شيئا من ذلك ، ولم يضم إليه أفعال الجوارح من الطاعات وترك المعاصي فأجابعليه‌السلام بأنه مع بطلان القياس لا سيما في المسائل الأصولية فهو قياس مع الفارق ، ثم شبهعليه‌السلام الأمرين بالإقرار والإنكار ليظهر الفرق ، فإن إنكار الضروري مستلزم لترك جزء من أجزاء الإيمان وهو الإقرار الظاهري فهو بمنزلة إقرار الإنسان على نفسه ، فإنه لا يكلف


عندنا هو الكافر عند الله فكذلك نجد المؤمن إذا أقر بإيمانه أنه عند الله مؤمن فقال ـ سبحان الله وكيف يستوي هذان والكفر إقرار من العبد فلا يكلف بعد إقراره ببينة والإيمان دعوى لا تجوز إلا ببينة وبينته عمله ونيته فإذا اتفقا فالعبد عند الله مؤمن والكفر موجود بكل جهة من هذه الجهات الثلاث من نية أو قول أو عمل والأحكام تجري على القول والعمل فما أكثر من يشهد له المؤمنون بالإيمان ويجري عليه أحكام المؤمنين وهو عند الله كافر وقد أصاب من أجرى عليه أحكام

______________________________________________________

بينة على إقراره بل يحكم بمحض الإقرار عليه وإن شهدت البينة على خلافه ، بخلاف إظهار الإيمان والتكلم به ، فإنه وإن أتى بجزء من الإيمان وهو الإقرار الظاهري لكن عمدة أجزائه التصديق القلبي وهو مع ذلك مدع لا بد له من شاهد من عمل الجوارح عند الناس ومن النية والتصديق عند الله ، فإذا اتفق الشاهدان وهما التصديق والعمل ثبت إيمانه عند الله ، ولما كان التصديق القلبي أمرا لا يطلع عليه غير الله لم يكلف الناس في الحكم بإيمانه إلا بالإقرار الظاهري والعمل فإنهما شاهدان عدلان يحكم بهما ظاهرا وإن كانا كاذبين عند الله. والحاصل أنهعليه‌السلام شبه الإقرار الظاهري بالدعوى في سائر الدعاوي ، وكما أن الدعوى في سائر الدعاوي لا تقبل إلا ببينة فكذا جعل الله تعالى هذه الدعوى غير مقبولة إلا بشاهدين من قلبه وجوارحه فلا يثبت عنده إلا بهما ، وأما عند الناس فيكفيهم في الحكم الإقرار والعمل الظاهري كما يكتفي عند الضرورة بالشاهد واليمين ، فالإيمان مركب من ثلاثة أجزاء ولا يثبت الإيمان الواقعي إلا بتحقق الجميع فهو من هذه الجهة يشبه سائر الدعاوي للزوم ثلاثة أشياء في تحققها الدعوى والشاهدين.

ويمكن أن يكون الأصل في الإيمان الأمر القلبي ولما لم يكن ظهوره للناس إلا بالإقرار والعمل ، فجعلهما الله من أجزاء الإيمان أو من شرائطه ولوازمه.

« وقد أصاب » أي حكم بالحق والصواب.


المؤمنين بظاهر قوله وعمله

______________________________________________________

ثم اعلم أن أكثر المتكلمين من الخاصة والعامة اختلفوا في أن الإيمان هل يقبل الزيادة والنقصان كما يدل عليه بعض أخبار هذا الباب أم لا ومنهم من جعل هذا الخلاف فرع الخلاف في أن الأعمال داخلة فيه أم لا ، قال إمامهم الرازي في المحصل : الإيمان عندنا لا يزيد ولا ينقص لأنه لما كان اسما لتصديق الرسول في كل ما علم بالضرورة مجيئه به ، وهذا لا يقبل التفاوت فسمي الإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان ، وعند المعتزلة لما كان اسما لأداء العبادات كان قابلا لهما ، وعند السلف لما كان اسما للإقرار والاعتقاد والعمل فكذلك ، والبحث لغوي ولكل واحد من الفرق نصوص ، والتوفيق أن يقال : الأعمال من ثمرات التصديق ، فما دل على أن الإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان كان مصروفا إلى أصل الإيمان ، وما دل على كونه قابلا لهما فهو مصروف إلى الإيمان الكامل ، انتهى.

وقال الشهيد الثانيقدس‌سره في رسالة العقائد : حقيقة الإيمان بعد الاتصاف بها بحيث يكون المتصف بها مؤمنا عند الله تعالى هل تقبل الزيادة أم لا ، فقيل بالثاني لما تقدم من أنه التصديق القلبي الذي بلغ الجزم والثبات ، فلا تتصور فيه الزيادة عن ذلك ، سواء أتى بالطاعات وترك المعاصي أم لا ، وكذا لا تعرض له النقيصة وإلا لما كان ثابتا وقد فرضناه كذلك هذا خلف وأيضا حقيقة الشيء لو قبلت الزيادة والنقصان لكانت حقائق متعددة ، وقد فرضناها واحدة ، هذا خلف ، وإن قلت : حقيقة الإيمان من الأمور الاعتبارية للشارع وحينئذ فيجوز أن يعتبر الشارع للإيمان حقائق متعددة متفاوتة زيادة ونقصانا بحسب مراتب المكلفين في قوة الإدراك وضعفه ، فإنا نقطع بتفاوت المكلفين في العلم والإدراك؟ قلت : لو جاز ذلك وكان واقعا لوجب علي الشارع بيان حقيقة إيمان كل فرقة يتفاوتون في قوة الإدراك ، مع أنه لم يبين ما ورد من جهة الشارع فيما به يتحقق الإيمان من حديث جبرئيل للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وغيره من الأحاديث قد مر ذكره ، وليس فيه شيء يدل على تعدد الحقائق بحسب


.................................................................................................

______________________________________________________

تفاوت قوي المكلفين.

وأما ما ورد في الكتاب العزيز والسنة المطهرة مما يشعر بقبوله الزيادة والنقصان كقوله تعالى : «وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً »(١) وقوله تعالى : «لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ »(٢) وقوله تعالى : «لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ »(٣) وكذا ما ورد من أمثال ذلك في القرآن العزيز فمحمول على زيادة الكمال وهو أمر خارج عن أصل الحقيقة الذي هو محل النزاع ، والآية الثانية صريحة في ذلك فإن قوله تعالى : «مَعَ إِيمانِهِمْ » يدل على أن أصل الإيمان ثابت ، أو على من كان في عصر النبي حيث كانوا يسمعون فرضا بعد فرض منهعليه‌السلام فيزداد إيمانهم به لأنهم لم يكونوا مصدقين به قبل أن يسمعوه.

وحاصله أن الحقيقة الشرعية للإيمان لم تكن حصلت بتمامها في ذلك الوقت ، فكان كلما حصل منها شيء صدقوا به ، واعترض بأن من كان بعد عصر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يمكن في حقه تجدد الاطلاع على تفاصيل الفرائض المتوقف عليها الإيمان فإنه يجب الاعتقاد إجمالا فيما عليم إجمالا وتفصيلا فيما علم تفصيلا ، ولا ريب أن اعتقاد الأمور المتعددة تفصيلا أزيد وأظهر عند النفس من اعتقادها إجمالا فعلم من ذلك قبول حقيقة الإيمان الزيادة.

أقول : فيه بحث فإن الجازم بحقيقة الجملة جازم بحقيقة كل جزء منها وإن لم يعلمه بعينه ، ألا ترى أنا بعد علمنا بصدق النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جازمون بصدق كل ما يخبر به وإن لم نعلم تفصيل ذلك جزءا جزءا ، حتى لو فصل ذلك علينا واحدا واحدا لما ازداد

__________________

(١) سورة الأنفال : ٢.

(٢) سورة الفتح : ٤.

(٣) سورة المائدة : ٩٣.


.................................................................................................

______________________________________________________

ذلك الجزم ، نعم الزائد في التفصيل إنما هو إدراك الصور المتعددة من حيث التعدد والتشخص وهو لا يوجب زيادة في التصديق الإجمالي الجازم ، فإن هذه الصور قد كانت مجزوما بها على تقدير دخولها في الهيئة الإجمالية ، وإنما الشاذ عن النفس إدراك خصوصياتها وهو أمر خارج عن تحقق الحقيقة المجزوم بها ، نعم لا ريب في حصول الأكملية به وليس الكلام فيها.

وقد أجاب بعض المفسرين عن الآية الثالثة بأن تكرار الإيمان فيها ليس فيه دلالة على الزيادة ، بل إما أن يكون باعتبار الأزمنة الثلاثة أو باعتبار الأحوال الثلاث ، حال المؤمن مع نفسه ، وحاله مع الناس ، وحاله مع الله تعالى ، ولذا بدل الإيمان بالإحسان كما يرشد إليه قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في تفسير الإحسان : أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ، أو باعتبار المراتب الثلاث المبدأ والوسط والمنتهى ، أو باعتبار ما ينبغي فإنه ينبغي ترك المحرمات حذرا عن العقاب ، وترك الشبهات تباعدا عن الوقوع في المحرمات وهو مرتبة الورع ، وترك بعض المباحات المؤذنة بالنقص حفظا للنفس عن الخسة ، وتهذيبا لها عن دنس الطبيعة ، أو يكون هذا التكرار كناية عن أنه ينبغي للمؤمن أن يجدد الإيمان في كل وقت بقلبه ولسانه وأعماله الصالحة ، وعبر عنه على بقائه(١) والثبات عليه عند الذهول ليصير الإيمان ملكة للنفس فلا يزلزله عروض شبهة ، انتهى.

قيل : في بيان قبول الإيمان الزيادة أن الثبات والدوام على الإيمان أمر زائد عليه في كل وقت وزمان ، وحاصل ذلك يرجع إلى أن الإيمان عرض لأنه من الكيفيات النفسانية والعرض لا يبقى زمانين بل بقاؤه إنما يكون بتجدد الأمثال.

أقول : وهذا مع بنائه على ما لم يثبت حقيته بل نفيه فليس من الزيادة في شيء ، إذ لا يقال للمماثل الحاصل بعد انعدام مثله أنه زائد وهذا ظاهر ، وقيل في

__________________

(١) استظهر في هامش المخطوطة أن يكون الأصل « حرصا منه على بقائه ».


.................................................................................................

______________________________________________________

توجيه قبوله الزيادة : أنه بمعنى زيادة ثمرته من الطاعات وإشراق نوره وضيائه في القلب وأنه يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي.

أقول : هذا التوجيه وجيه لو كان النزاع في مطلق الزيادة لكنه ليس كذلك بل النزاع إنما هو في أصل حقيقته لا في كمالها.

واستدل بعض المحققين على أن حقيقة التصديق الجازم الثابت تقبل الزيادة والنقصان بأنا نقطع أن تصديقنا ليس كتصديق النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

أقول : لا ريب في أنا قاطعون بأن تصديق النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أقوى من تصديقنا وأكمل ، لكن هذا لا يدل على اختلاف أصل حقيقة الإيمان التي قدرها الشارع باعتقاد أمور مخصوصة على وجه الجزم والثبات ، فإن تلك الحقيقة إنما هي من اعتبارات الشارع ، ولم يعهد من الشارع اختلاف حقيقة الإيمان باختلاف المكلفين في قوة الإدراك ، بحيث يحكم بكفر قوي الإدراك لو كان جزمه بالمعارف الإلهية كجزم من هو أضعف إدراكا منه ، نعم الذي تفاوت فيه المكلفون إنما هو مراتب كماله بعد تحقق أصل حقيقته التي يخاطب بتحصيلها كل مكلف ويعتبر بها مؤمنا عند الله تعالى وتستحق الثواب الدائم وبدونها العقاب الدائم ، وأما تلك الكمالات الزائدة فإنما تكون باعتبار قرب المكلف إلى الله تعالى بسبب استشعاره لعظمة الله وكبريائه وشمول قدرته وعلمه ، وذلك لإشراق نفسه واطلاعها على ما في مصنوعات الله تعالى من الأحكام والإتقان والحكم والمصالح ، فإن النفس إذا لاحظت هذه البدائع الغريبة العظيمة التي تحار في تعقلها مع علمها بأنها تشترك في الإمكان والافتقار إلى صانع يبدعها ويبديها متوحد في ذاته بذاته انكشف عليها كبرياء ذلك الصانع وعظمته وجلاله وإحاطته بكل شيء ، فيكثر خوفها وخشيتها واحترامها لذلك الصانع حتى كأنها لا تشاهد سواه ولا تخشى غيره ، فتنقطع عن غيره إليه وتسلم أزمة أمورها إليه حيث علمت أن لا رب غيره وأن المبدأ منه والمعاد إليه ، فلا تزال شاخصة منتظرة


.................................................................................................

______________________________________________________

لأمره حتى تأتيها فتفر إليه من ضيق الجهالة إلى سعة معرفته ورحمته ولطفه ، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

وكذا ما ورد من السنة المطهرة مما يشعر بقبوله الزيادة والنقصان يمكن حمله على ما ذكرناه كحديث الجوارح ، ذكره في الكافي بإسناده عن أبي عمرو الزبيري عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : قلت : صفه لي يعني الإيمان جعلت فداك حتى أفهمه ، فقال : الإيمان حالات ودرجات ، إلى قوله : وبالنقصان دخل المفرطون النار ، انتهى.

ثم قال (ره) : اعلم أن سند هذا الحديث ضعيف لأن في طريقه بكر بن صالح الرازي وهو ضعيف جدا كثير التفرد بالغرائب ، وأبو عمرو الزبيري وهو مجهول فسقط الاستدلال به ، ولو سلم سنده فلا دلالة فيه على اختلاف نفس حقيقة الإيمان التي يترتب عليها النجاة ، وجعل الناقص عنها يترتب عليه دخول النار ، فلم يكن إيمانا وإلا لم يدخل صاحبه النار بقوله تعالى «وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ ».

وجعل الزيادة في الإيمان مما يوجب التفاضل في الدرجات ، ولا ريب أن هذه الزيادة لو ترك واقتصر المكلف على ما يحصل به التمام لم يعاقب على ترك هذه الزيادة ، ولأنهعليه‌السلام جعل التمام موجبا للجنة فكيف يوجب العقاب ترك الزيادة مع أن ما دونه وهو التمام يوجب الجنة ، وعلى هذا فتكون الزيادة غير مكلف بها فلم تكن داخلة في أصل حقيقة الإيمان لأنه مكلف به بالنص والإجماع ، فيكون من الكمال ، فظهر بذلك كون الحديث دليلا على عدم قبول حقيقة الإيمان للزيادة والنقصان ، لا دليلا على قبولهما ، وهذا استخراج لم نسبق إليه ، وبيان لم يعثره غيرنا عليه.

على أن هذا الحديث لو قطعنا النظر عما ذكرنا وحملناه على ظاهره لكان


.................................................................................................

______________________________________________________

معارضا بما سبق من حديث جبرئيل للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حيث سأله عن الإيمان فقال : أن تؤمن بالله ورسله واليوم الآخر ، أي تصدق بذلك ، ولو بقي من حقيقته شيء سوى ما ذكره له لبينه له ، فدل على أن حقيقته تتم بما أجابه بالقياس إلى كل مكلف أما للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلأنه المجاب به حين سأله ، وأما لغيره فللتأسي به وطريق الجمع بينهما حينئذ حمل ما في حديث الجوارح من الزيادة عن ذلك على مرتبة الكمال بيناه سابقا.

وهيهنا بحث وهو أن حقيقة الإيمان لما كانت من الأمور الاعتبارية للشارع كان تحديدها إنما هو بجعل الشارع وتقريره لها ، فلا يعلم حينئذ مقداره وحقيقته إلا منه ، وحيث رأينا ما وصل إلينا من خطاباته تعالى غير قاطع في الدلالة على تعيين قدر مخصوص من أنواع الاعتقاد والأعمال بحيث تشترك الكل في التكليف به من غير تفاوت بين قوي الإدراك وضعيفة ، بل رأيناها متفاوتة في الدلالة على ذلك يعلم ذلك من تتبع آيات الكتاب العزيز والسنة المطهرة وقد سبق نبذة من ذلك ولا يجوز الاختلاف في خطاباته ، ولا أن يكلف عباده بأمر لا يبين لهم مراده تعالى منه ، لاستحالة تكليف ما لا يطاق وإخلاله باللطف ورأينا الأكثر ورودا في كتابه بذلك الأمر بالاعتقاد القلبي من غير تعيين مقدار مخصوص منه بقاطع يوقفنا على اعتباره أمكن حينئذ أن يكون مراده منه مطلق الاعتقاد العلمي سواء كان علم الطمأنينة أو علم اليقين أو حق اليقين أو عين اليقين فتكون حقيقة واحدة وهو الإذعان القلبي والاعتقاد العلمي ، والتفاوت بالزيادة والنقصان إنما هو في أفراد تلك الحقيقة ومن مشخصاتها فلا يكون داخلا في الحقيقة المذكورة ، وما ورد مما ظاهره الاختلاف في الدلالة على مراد الشارع منه يمكن تنزيله على تفاوت الأفراد المذكورة كعلم الطمأنينة وعلم اليقين وغيرهما فيكون كل واحد منها مرادا وكافيا في امتثال أمر الشارع.

وهذا هو المناسب لسهولة التكليف واختلاف طبقات المكلفين في الإدراك كما


.................................................................................................

______________________________________________________

لا يخفى ، وبذلك يسهل الخطب في الحكم بإيمان أكثر العوالم الذين لا يتيسر لأنفسهم الاتصاف بالعلم الذي لا يقبل تشكيك المشكك ، فإن علم الطمأنينة متيسر لكل واحد ، وعلى هذا فيكون ما تشعر النفس به من الازدياد في التصديق والاطمئنان عند ما تشاهده من برهان أو عيان ، إنما هو انتقال في أفراد تلك الحقيقة وتبدل واحد بآخر ، والحقيقة واحدة.

لا يقال : أفراد الحقيقة الواحدة لا تنافي الاجتماع في القوة العاقلة فإن أفراد الحيوان والإنسان يصلح اجتماعها في القوة العاقلة وما نحن فيه ليس كذلك ، إذ لا يمكن اتصاف الحصول بنفس علم الطمأنينة وعلم اليقين في حالة واحدة لتضادهما وبهذا يزول الأول بحصول الثاني فلا يكون ما ذكرت أفراد حقيقة واحدة بل حقائق.

قلت : لا نسلم أن أفراد كل حقيقة يصح اجتماعها في الحصول عند القوة العاقلة ، بل قد لا يصح ذلك لما بينها من التضاد كما في البياض والسواد فإنها فردان لحقيقة واحدة هي اللون مع عدم صحة اجتماعهما في محل واحد لا خارجا ولا ذهنا.

بقي هيهنا شيء وهو أنه لا ريب في تحقق الإيمان الشرعي بالتصديق الجازم الثابت وإن أخل المتصف به ببعض الطاعات ، وقارف بعض المنهيات عند من يكتفي في حصول الإيمان بإذعان الجنان ، وإذا كان الأمر كذلك فلا معنى للنزاع عند هؤلاء في أن حقيقة الإيمان هل تقبل الزيادة والنقصان ، إذ لو قبلت شيئا منهما لم تكن واحدة بل متعددة ، لأن القابل غير المقبول ، والعارض غير المعروض فإن دخل الزائد في مفهوم الحقيقة بحيث صار ذاتيا لها تعددت وتبدلت ، وكذا الناقص إذا خرج عنها فلا تكون واحدة ، وقد فرضناها كذلك ، هذا خلف ، وإن لم يدخل ولم يخرج شيء منهما كانت واحدة من غير نقصان وزيادة فيها بل هما راجعان إلى الكمال وعدمه


.................................................................................................

______________________________________________________

وحينئذ فيبقى محل النزاع هل يقبل كما لها الزيادة والنقصان ، وأنت خبير بأن هذا مما لا يختلف في صحته اثنان ، وقد ذكر بعض العلماء أن هذا النزاع إنما يتمشى على قول من جعل الطاعات من الإيمان.

وأقول : الذي يقتضيه النظر أنه لا يتمشى على قولهم أيضا ، وذلك أن ما اعتبروه في الإيمان من الطاعات إما أن يريدوا به توقف حصول الإيمان على جميع ما اعتبروه أو عليه في الجملة ، وعلى الأول يلزم كون حقيقته واحدة ، فإذا ترك فرضا من تلك الطاعات يخرج من الإيمان وعلى الثاني يلزم كون ما يتحقق به الإيمان من تلك الطاعات داخلا في حقيقته وما زاد عليه خارجا فتكون واحدة على التقديرين ، فليس الزيادة والنقصان إلا في الكمال على جميع الأقوال ، انتهى كلامه رفع الله مقامه.

وقال شارح المقاصد : ظاهر الكتاب والسنة وهو مذهب الأشاعرة والمعتزلة والمحكي عن الشافعي وكثير من العلماء أن الإيمان يزيد وينقص ، وعند أبي حنيفة وأصحابه وكثير من العلماء وهو اختيار إمام الحرمين أنه لا يزيد ولا ينقص لأنه اسم للتصديق البالغ حد الجزم والإذعان ولا يتصور فيه الزيادة والنقصان ، والمصدق إذا ضم الطاعات إليه أو ارتكب المعاصي فتصديقه بحاله لم يتغير أصلا وإنما يتفاوت إذا كان اسما للطاعات المتفاوتة قلة وكثرة ، ولهذا قال الإمام الرازي وغيره : إن هذا الخلاف فرع تفسير الأيمان ، فإن قلنا : هو التصديق فلا يتفاوت ، وإن قلنا هو الأعمال فمتفاوت.

وقال إمام الحرمين : إذا حملنا الإيمان على التصديق فلا يفضل تصديق تصديقا كما لا يفضل علم علما ومن حمله على الطاعة سرا وعلنا وقد مال إليه القلانسي فلا يبعد إطلاق القول بأنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ونحن لا نؤثر هذا ، ثم قال : ولقائل أن يقول : لا نسلم أن التصديق لا يتفاوت بل يتفاوت قوة وضعفا كما في التصديق


.................................................................................................

______________________________________________________

بطلوع الشمس والتصديق بحدوث العالم لأنه إما نفس الاعتقاد القابل للتفاوت أو مبني عليه قلة وكثرة كما في التصديق الإجمالي والتفصيلي الملاحظ لبعض التفاصيل وأكثر ، فإن ذلك من الإيمان لكونه تصديقا بما جاء به النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إجمالا فيما علم إجمالا ، وتفصيلا فيما علم تفصيلا.

لا يقال : الواجب تصديق يبلغ حد اليقين وهو لا يتفاوت ، لأن التفاوت لا يتصور إلا باحتمال النقيض.

لأنا نقول : اليقين من باب العلم والمعرفة ، وقد سبق أنه غير التصديق ، ولو سلم أنه التصديق وأن المراد به ما يبلغ حد الإذعان والقبول ويصدق عليه المعنى المسمى بگرويدن ليكون تصديقا قطعا فلا نسلم أنه لا يقبل التفاوت ، بل لليقين مراتب من أجلى البديهيات إلى أخفى النظريات ، وكون التفاوت راجعا إلى مجرد الجلاء والخفاء غير مسلم بل عند الحصول وزوال التردد التفاوت بحاله ، وكفاك قول الخليل : «وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي » وعن عليعليه‌السلام : لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا.

على أن القول بأن المعتبر في حق الكل هو اليقين وأن ليس للظن الغالب الذي لا يخطر معه النقيض بالبال حكم اليقين محل نظر.

احتج القائلون بالزيادة والنقصان بالعقل والنقل أما العقل فلأنه لو لم يتفاوت لكان إيمان آحاد الأمة بل المنهمك في الفسق مساويا لتصديق الأنبياء واللازم باطل قطعا وأما النقل فلكثرة النصوص الواردة في هذا المعنى ، قال الله : «وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً »(١) «لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ »(٢) «وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً »(٣) «وَما زادَهُمْ إِلاَّ إِيماناً وَتَسْلِيماً »(٤) «فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً »(٥) وعن

__________________

(١) سورة الأنفال : ٢.

(٢) سورة الفتح : ٤.

(٣) سورة المدّثّر. ٣١.

(٤) سورة الأحزاب : ٢٢.

(٥) سورة التوبة : ١٢٤.


.................................................................................................

______________________________________________________

ابن عمر قلنا : يا رسول الله إن الإيمان يزيد وينقص؟ قال : نعم يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة وينقص حتى يدخل صاحبه النار.

وأجيب بوجوه : الأول : أن المراد الزيادة بحسب الدوام والثبات وكثرة الأزمان والساعات وهذا ما قال إمام الحرمين : النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يفضل من عداه باستمرار تصديقه وعصمة الله إياه من مخامرة الشكوك ، والتصديق عرض لا يبقى ، فيقع للنبي متواليا ولغيره على الفترات ، فثبت للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أعداد من الإيمان لا يثبت لغيره إلا بعضها ، فيكون إيمانه أكثر ، والزيادة بهذا المعنى مما لا نزاع فيه.

وما يقال : من أن حصول المثل بعد انعدام الشيء لا يكون زيادة ، مدفوع بأن المراد زيادة إعداد حصلت وعدم البقاء لا ينافي ذلك.

الثاني : أن المراد الزيادة بحسب زيادة المؤمن به ، والصحابة كانوا آمنوا في الجملة وكان يأتي فرض بعد فرض ، وكانوا يؤمنون بكل فرض خاص ، وحاصله أن الإيمان واجب إجمالا فيما علم إجمالا وتفصيلا فيما علم تفصيلا ، والناس متفاوتون في ملاحظة التفاصيل كثرة وقلة ، فيتفاوت إيمانهم زيادة ونقصانا ولا يختص ذلك بعصر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على ما يتوهم.

الثالث : أن المراد زيادة ثمرته وإشراق نوره في القلب فإنه يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي ، وهذا مما لا خفاء فيه ، وهذه الوجوه جيدة في التأويل لو ثبت لهم أن التصديق في نفسه لا يقبل التفاوت والكلام فيه ، انتهى.

والحق أن الإيمان يقبل الزيادة والنقصان ، سواء كانت الأعمال أجزاءه أو شرائطه أو آثاره الدالة عليه ، فإن التصديق القلبي بأي معنى فسر لا ريب أنه يزيد ، وكلما ازدادت آثاره على الأعضاء والجوارح فهي كثرة وقلة تدل على مراتب الإيمان زيادة ونقصانا ، وكل منهما يتفرع على الآخر ، فإن كل مرتبة من مراتب الإيمان يصير سببا لقدر من الأعمال يناسبها ، فإذا أتى بها قوي الإيمان


باب

السبق إلى الإيمان

١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن بكر بن صالح ، عن القاسم بن بريد قال حدثنا أبو عمرو الزبيري ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قلت له إن للإيمان درجات ومنازل يتفاضل المؤمنون فيها عند الله قال نعم قلت صفه لي رحمك الله حتى أفهمه قال إن الله سبق بين المؤمنين كما يسبق بين الخيل يوم الرهان ثم فضلهم

______________________________________________________

القلبي ، وحصلت مرتبة أعلى تقتضي عملا أكثر ، وهكذا وسيأتي مزيد تأييد لذلك في الأخبار إنشاء الله تعالى.

باب السبق إلى الإيمان

الحديث الأول : ضعيف ، وتتمة من الحديث الكبير المذكور في الباب السابق.

« درجات » أي ذو درجات أو نفسه باعتبار إضافة الدرجات وقيل : الدرجات مراتب الترقيات ، والمنازل مراتب التنزلات ، ويحتمل أن يكون المقصود منهما واحدا أطلق عليهما اللفظان باعتبارين« إن الله سبق » على بناء التفعيل المعلوم ، ويسبق على بناء التفعيل المجهول ، أي قرر السبق وقدره بينهم في الإيمان ، وندبهم إليه كما يسابق بين الخيل يوم الرهان ، والخيل جماعة الأفراس لا واحد له ، وقيل : واحده خائل لأنه يختال وجمعه أخيال وخيول ، ويطلق الخيل علي الفرسان ، أيضا والمراهنة والرهان بالكسر المسابقة على الخيل ، وكأنهعليه‌السلام سبه مدة الحياة بالمضمار والأرواح بالفرسان ، والأبدان بالخيول ، والعلم الذي يسبق إليه منتهى مراتب الإيمان ، والسبق الذي يراهن عليه الجنة ، فمنهم من سبق الكل وبلغ الغاية وهو رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومنهم من تأخر عن الكل ، ومنهم من


على درجاتهم في السبق إليه فجعل كل امرئ منهم على درجة سبقه لا ينقصه فيها من حقه ولا يتقدم مسبوق سابقا ـ ولا مفضول فاضلا تفاضل بذلك أوائل هذه الأمة وأواخرها ولو لم يكن للسابق إلى الإيمان فضل على المسبوق إذا للحق آخر هذه الأمة أولها نعم ولتقدموهم إذا لم يكن لمن سبق إلى الإيمان الفضل على من أبطأ عنه

______________________________________________________

بقي في وسط الميدان ومنازلهم بحسب العقائد والأعمال كما وكيفا لا يتناهى.

قوله عليه‌السلام : فجعل كل امرئ منهم ، أي أعطاه ما يستحقه من الكرامة والأجر والذكر الجميل ، قيل في الاقتصار بنفي النقص دون الزيادة إيماء إلى جوازها من باب التفضل وإن لم يستحق.

« ولا يتقدم » أي في الفضل والثواب« مسبوق » في الإيمان« سابقا » فيه ولا مفضول في الكمالات والأعمال الصالحة سابقا فيهما« تفاضل » استئناف بياني« بذلك » أي بالسبق« أوائل هذه الأمة » أي من تقدم إيمانه من الصحابة« أواخرها » منهم أو الأعم من الصحابة وغيرهم أو الصحابة على التابعين ، والتابعين على غيرهم ، وظاهره السبق الزماني إشعارا بأن الغاصبين للخلافة وإن فرض منهم تحقق إسلام وعمل صالح فلا يجوز تقديمهم على أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وقد كان أولهم إيمانا وأسبقهم مع قطع النظر عن سائر الكمالات والفضائل التي استحق بها التقديم.

ويحتمل أن يكون المراد أعم من السبق الزماني والسبق بحسب الرتبة وكمال اليقين ، فالأكثرية بحسب الكمية لا الكيفية فإنها تابعة للكمالات النفسانية والحقائق الإيمانية التي هي من الأعمال القلبية لكنه بعيد عن السياق ، وقوله : نعم تأكيد لقوله : للحق ، وقوله ولتقدموهم عطف على قوله : نعم ، أو على قوله : للحق ،وقوله : إذا لم يكن إعادة للشرط السابق تأكيدا.

أو المعنى أنه لو لم يكن للسبق الزماني مدخل في الفضل ، للزم أن يجوز لحوق المتأخرين السابقين أو تقدمهم عليهم مع عدم تحقق فضل في أصل الإيمان وشرائطه


ولكن بدرجات الإيمان قدم الله السابقين وبالإبطاء عن الإيمان أخر الله المقصرين لأنا نجد من المؤمنين من الآخرين من هو أكثر عملا من الأولين وأكثرهم صلاة وصوما وحجا وزكاة وجهادا وإنفاقا ولو لم يكن سوابق يفضل بها المؤمنون بعضهم

______________________________________________________

ومكملاته للسابقين على اللاحقين ، فاللحوق في صورة المساواة ، والتقدم في صورة زيادة إيمان اللاحقين على إيمان السابقين ، والحال أنه ليس كذلك فإن لهم بالتقدم الزماني فضلا عليهم ، فالمراد بالفضل ما هو غير السبق الزماني ، وقوله : ولكن إضراب عن قوله : نعم ولتقدموهم « إلخ ».

أو المراد بالدرجات ما هو باعتبار السبق الزماني من الأولين أو من بعضهم مقدمين على الأولين أي مطلقا ، لكن ليس كذلك بل ربما كان بعض الأولين باعتبار السبق أفضل من كثير من الآخرين وإن كانوا أقل منهم عملا باعتبار تقدمهم وسبقهم وصعوبة الإيمان في ذلك الزمان ، وبسبب أن لهم مدخلا عظيما في أيمان الآخرين.

والحاصل أن المسابقة تكون بحسب الرتبة والزمان ، فمن اجتمعا فيه كأمير المؤمنين صلوات الله عليه فهو الكامل حق الكمال ، والسابق على كل حال ، ومن انتفى عنه الأمران فهو الناقص المستحق للخذلان والوبال ، وأما إذا تعارض الأمران فظاهر الخبر أن السابق زمانا أفضل وأعلى درجة من الآخر ، وقال بعض المحققين : الغرض من هذا الحديث أن يبين أن تفاضل درجات الإيمان بقدر السبق والمبادرة إلى إجابة الدعوة إلى الإيمان.

وهذا يحتمل عدة معان : أحدها : أن يكون المراد بالسبق السبق في الذر وعند الميثاق كما مر أنه سئل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأي شيء سبقت ولد آدم؟ قال : إنني أول من أقر بربي إن الله أخذ ميثاق النبيين وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ، فكنت أول من أجاب ، وعلى هذا يكون المراد بأوائل هذه الأمة وأواخرها أوائلها وأواخرها في الإقرار والإجابة هناك فالفضل للمتقدم في قوله بلى ، والمبادرة إلى


بعضا عند الله لكان الآخرون بكثرة العمل مقدمين على الأولين ولكن أبى الله عز وجل أن يدرك آخر درجات الإيمان أولها ويقدم فيها من أخر الله أو يؤخر فيها

______________________________________________________

ذلك ، ثم المتقدم والمبادرة.

والمعنى الثاني أن يكون المراد بالسبق السبق في الشرف والرتبة والعلم والحكمة وزيادة العقل والبصيرة في الدين ، ووفور سهام الإيمان الآتي ذكرها ، ولا سيما اليقين كما يستفاد من الأخبار الآتية ، وعلى هذا يكون المراد بأوائل هذه الأمة وأواخرها أوائلها وأواخرها في مراتب الشرف والعقل والعلم ، فالفضل للأعقل والأعلم والأجمع للكمالات ، وهذا المعنى يرجع إلى المعنى الأول لتلازمهما ووحدة ما لهما واتحاد محصلهما ، والوجه في أن الفضل للسابق على هذين المعنيين ظاهر لا مرية فيه ، ومما يدل على إرادة هذين المعنيين الذين مرجعهما إلى واحد ،قوله عليه‌السلام : ولو لم يكن سوابق يفضل بها المؤمنون إلى قوله : من قدم الله ، ولا سيماقوله : أبي الله أن يدرك آخر درجات الإيمان أولها.

ومن تأمل في تتمة الحديث أيضا حق التأمل يظهر له أنه المراد إنشاء الله تعالى.

والمعنى الثالث أن يكون المراد بالسبق الزماني في الدنيا عند دعوة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إياهم إلى الإيمان ، وعلى هذا يكون المراد بأوائل هذه الأمة وأواخرها في الإجابة للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقبول الإسلام والتسليم بالقلب والانقياد للتكاليف الشرعية طوعا ، ويعرف الحكم في سائر الأزمنة بالمقايسة.

وسبب فضل السابق على هذا المعنى أن السبق في الإجابة للحق دليل على زيادة البصيرة والعقل والشرف التي هي الفضيلة والكمال.

والمعنى الرابع أن يراد بالسبق السبق الزماني عند بلوغ الدعوة فيعم الأزمنة المتأخرة عن زمن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وهذا المعنى يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون المراد بالأوائل والأواخر ما ذكرناه أخيرا ، وكذا السبب في الفضل ، والآخر : أن يكون المراد بالأوائل من


من قدم الله قلت أخبرني عما ندب الله عز وجل المؤمنين إليه من الاستباق إلى الإيمان فقال قول الله عز وجل : «سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ »(١) وقال «السَّابِقُونَ

______________________________________________________

كان زمن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وبالأواخر من كان بعد ذلك ، ويكون سبب فضل الأوائل صعوبة قبول الإسلام وترك ما نشأوا عليه في تلك الزمن ، وسهولته فيما بعد استقرار الأمر وظهور الإسلام وانتشاره في البلاد ، مع أن الأوائل سبب لاهتداء الأواخر إذ بهم وبنصرتهم استقر ما استقر وقوي ما قوي وبأن ما استبان والله المستعان ، انتهى.

قوله : أخبرني عما ندب الله ، لما دل كلامهعليه‌السلام سابقا على أنه تعالى طلب منهم الاستباق إلى الإيمان سأله الراوي عن الآيات الدالة عليه. «سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ » كذا في سورة الحديد ، وفي سورة آل عمران : «وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ »(٢) وكان مقتضى الجمع بين الآيتين أن المراد بالمسارعة المسابقة ، أي سارعوا مسابقين إلى سبب مغفرة من ربكم من الإيمان والأعمال الصالحة «وَجَنَّةٍ » أي إلى جنة «عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ » وفي آل عمران «عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ».

قال المحقق الأردبيليقدس‌سره : كنى بالعرض عن مطلق المقدار وهو متعارف ، ونقل على ذلك الإشعار في مجمع البيان ، أو لأنه لما علم أن عرضه الذي هو أقل من الطول عرفا في غير المساوي علم أن طوله أيضا يكون إما أكثر أو مثله.

وقال القاضي : ذكر العرض للمبالغة في وصفها بالسعة على طريق التمثيل لأنه دون الطول ، وعن ابن عباس كسبع سماوات وسبع أرضين لو وصل بعضها ببعض ، وظاهر الآية وجوب المسارعة أو رجحانها إلى الطاعة الموجبة للدخول في الجنة وأعظمها الإيمان بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر والترقي إلى مقاماتها العالية.

«أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ » ظاهر هذه الآية وغيرها من الآيات

__________________

(١) سورة الحديد : ٢١.

(٢) الآية : ١٣٣.


السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ »(١) وقال «وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ

______________________________________________________

والروايات أن الجنة مخلوقة الآن وكذا النار وقال به الأصحاب ، وصرح به الشيخ المفيد في بعض رسائله وقال : إن الجنة مخلوقة مسكونة سكنتها الملائكة وظاهر الآية أنها في السماء ، والظاهر أن المراد به أنه يكون بعضها في المساء ويكون البعض الآخر فوقها ، أو يكون أبوابها فيها أو فوق الكل ، وما ذكره الحكماء غير مسموع شرعا وهو ظاهر كما قيل أن النار تحت الأرض فتكون الآية دليلا على بطلان ما قالوه ، انتهى.

وقال البيضاوي : فيه دلالة على أن الجنة مخلوقة وأنها خارجة عن هذا العالم ، وذهب جماعة من المعتزلة إلى أنهما غير مخلوقتين وأنهما تخلقان يوم القيامة.

« وقال » : أي في الواقعة «وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ » قال البيضاوي : أي الذين سبقوا إلى الإيمان والطاعة بعد ظهور الحق من غير تلعثم وتوان ، أو سبقوا إلى حيازة الفضائل والكمالات أو الأنبياء فإنهم مقدموا أهل الأديان هم الذين عرفت حالهم وعرفت ما لهم كقول أبي النجم : « وشعري شعري » أو الذين سبقوا إلى الجنة.

«أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ » «فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ » أي الذين قربت درجاتهم في الجنة وأعليت مراتبهم.

« وقال » أي في التوبة «وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ » في المجمع أي السابقون إلى الإيمان وإلى الطاعات ، وإنما مدحهم بالسبق لأن السابق إلى الشيء يتبعه غيره فيكون متبوعا وغيره تابع له ، فهو إمام فيه وداع له إلى الخير بسبقه إليه ، وكذلك من سبق إلى الشر يكون أسوأ حالا لهذه العلة «مِنَ الْمُهاجِرِينَ » الذين هاجروا من مكة إلى المدينة ، وإلى الحبشة «وَالْأَنْصارِ » أي ومن الأنصار الذين سبقوا

__________________

(١) سورة الواقعة : ١٠.


وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ »(١) فبدأ بالمهاجرين الأولين على درجة سبقهم ثم ثنى بالأنصار ثم ثلث بالتابعين لهم بإحسان فوضع كل قوم على قدر درجاتهم ومنازلهم عنده ثم ذكر ما فضل الله عز وجل به أولياءه بعضهم على بعض فقال عز وجل : «تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ

______________________________________________________

نظراءهم من أهل المدينة إلى الإسلام ، وقرأ يعقوب والأنصار بالرفع فلم يجعلهم من السابقين ، وجعل السبق للمهاجرين خاصة «وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ » أي بأفعال الخير والدخول في الإسلام بعدهم وسلوك منهاجهم ، ويدخل في ذلك من بعدهم إلى يوم القيامة «رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ » قال : وفي هذه الآية دلالة على فضل السابقين ومزيتهم على غيرهم لما لحقهم من أنواع المشقة في نصرة الدين ، فمنها مفارقة العشائر والأقربين ومنها مباينة المألوف من الدين ومنها نصرة الإسلام مع قلة العدد وكثرة العدو ، ومنها السبق إلى الإيمان والدعاء إليه ، انتهى.

وقال بعضهم : السابقون الأولون من المهاجرين هم الذين صلوا إلى القبلتين وشهدوا بدرا وأسلموا قبل الهجرة ، ومن الأنصار أهل بيعة العقبة الأولى ، وكانوا سبعة نفر ، وأهل بيعة العقبة الثانية وكانوا سبعين ، وقال بعض المخالفين : كلمة « من » للتبيين فيتناول المدح جميع الصحابة.

قوله عليه‌السلام : « ثم ذكر » كلمة ثم للتراخي بحسب المرتبة ، إذ سورة البقرة نزلت قبل سورتي التوبة والحديد« فقال الله عز وجل » أي في سورة البقرة «تِلْكَ الرُّسُلُ » قيل : إشارة إلى الجماعة المذكورة قصصها في السورة أو المعلومة للرسول أو جماعة الرسل واللام للاستغراق.

«فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ » بأن خصصناه بمنقبة ليست لغيره «مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ » تفصيل له وهو موسى ، وقيل موسى ومحمد صلى الله عليهما وآله ، كلم موسى ليلة

__________________

(١) سورة التوبة : ١٠٠.


وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ فوق بعض دَرَجاتٍ » إلى آخر الآية(١) وقال «وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ

______________________________________________________

الحيرة وفي الطور ، ومحمدا ليلة المعراج ، حين كان قاب قوسين أو أدنى وبينهما بون بعيد ، وفي المصاحف : ورفع بعضهم درجات ، وليس فيهما فوق بعض ، فالزيادة إما من الرواة أو النساخ أو منهعليه‌السلام زاده للبيان والتفسير ، وهذه الزيادة مذكورة في سورة الزخرف حيث قال : «نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ »(٢) فيحتمل أن يكون الزيادة للإشارة إلى الآيتين ، قيل : ورفع بعضهم درجات بأن فضله على غيره من وجوه متعددة وبمراتب متباعدة وهو محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فإنه خص بالدعوة العامة والحجج المتكاثرة والمعجزات المستمرة والآيات المترتبة المتعاقبة بتعاقب الدهر والفضائل العلمية والعملية الفائتة للحصر والإبهام لتفخيم شأنه كأنه العلم المتعين لهذا الوصف ، المستغني عن التعيين ، وقيل : إبراهيم خصصه بالخلة التي هي أعلى المراتب ، وقيل : إدريس لقوله تعالى : «وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا » وقيل : أولوا العزم من الرسل ، وبعد ذلك «وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ ».

« وقال » أي في سورة الأسرى : «وَلَقَدْ فَضَّلْنا »إلخ.

قال البيضاوي : أي بالفضائل النفسانية والتبري عن العلائق الجسمانية لا بكثرة الأموال والأتباع حتى داود فإن شرفه بما أوحى إليه من الكتاب لا بما أوتي من الملك ، وقيل : هو إشارة إلى تفضيل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لقوله : «آتَيْنا داوُدَ زَبُوراً* » تنبيه على وجه تفضيله وهو أنه خاتم الأنبياء وأمته خير الأمم المدلول عليه بما كتب في الزبور من أن الأرض يرثها عبادي الصالحون.

« وقال » أي في الأسرى أيضا قيل : هو عطف على ثم ذكر ، لا على قوله : فقال ،

__________________

(١) سورة البقرة : ٢٥٣.

(٢) سورة الزخرف : ٣٢.


النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ »(١) وقال «انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً »(٢) وقال «هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللهِ »(٣) وقال «وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ »(٤) وقال «الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ

______________________________________________________

لعدم اختصاص ما يذكر بعده بالأولياء بل هو في مطلق المؤمنين« كيف فضلنا » قيل : أي في الرزق ، وفي المجمع بأن جعلنا بعضهم أغنياء وبعضهم فقراء وبعضهم عبيدا وبعضهم أصحاء وبعضهم مرضى على حسب ما علمناه من المصالح «وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ » أي درجاتها ومراتبها أعلى وأفضل ، فينبغي أن يكون رغبتهم فيها وسعيهم لها أكثر.

« وقال » أي في آل عمران «هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللهِ » قيل : شبهوا بالدرجات لما بينهم من التفاوت في الثواب والعقاب ، أو هم ذوو درجات فقال : «وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ».

« وقال » أي في هود «وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ » أي في دينه «فَضْلَهُ » أي جزاء فضله في الدنيا والآخرة ، ويدل على عدم تفضيل المفضول.

« وقال » أي في التوبة «وَهاجَرُوا » أي إلى الرسول وفارقوا الأوطان وتركوا الأقارب والجيران ، وطلبوا مرضات الرحمن «وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ » بصرفها «وَأَنْفُسِهِمْ » ببذلها «أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ » أي أعلى رتبة وأكثر كرامة ، ممن لم يستجمع هذه الصفات أو من أهل السقاية والعمارة عندكم ، إذ قبلها «أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ».

« وقال » أي في سورة النساء ، وقبل الآية : «لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا

__________________

(١) سورة الإسراء : ٥٥.

(٢) سورة الإسراء : ٢١.

(٣) سورة آل عمران : ١٦٣.

(٤) سورة هود : ٣.


دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ »(١) وقال «فَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً »(٢) وقال «لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا »(٣) وقال : «يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ »(٤) وقال «ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ

______________________________________________________

وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً » قال البيضاوي : نصب على المصدر لأن فضل بمعنى آجر ، أو المفعول الثاني له لتضمنه معنى الإعطاء كأنه قال : وأعطاهم زيادة على القاعدين أجرا عظيما درجات منه ومغفرة ورحمة ، كل واحد منها بدل من أجرا ، ويجوز أن ينتصب درجات على المصدر كقولك ضربته أسواطا وأجرا على الحال عنها ، تقدمت عليها لأنها نكرة «وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً » على المصدر بإضمار فعلهما ، وتتمة الآية «وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً ».

« وقال » أي في سورة الحديد : «لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ » قال البيضاوي : بيان لتفاوت المنفقين باختلاف أحوالهم من السبق وقوة اليقين وتحري الحاجات حثا على تحري الأفضل منها بعد الحث على الإنفاق ، وذكر القتال للاستطراد ، وقسم من أنفق محذوف لوضوحه ودلالة ما بعده عليه ، والفتح فتح مكة إذ أعز الإسلام به وكثر أهله وقلت الحاجة إلى المقاتلة والإنفاق.

«مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا » أي من بعد الفتح ، والتتمة «وَكُلًّا وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ».

" وقال : أي في سورة المجادلة والآية هكذا : «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللهُ » والتفسح التوسع «وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا » أي أنهضوا للتوسعة أو لما أمرتم به كصلاة أو

__________________

(١) سورة التوبة : ٢٠.

(٢) سورة النساء : ٩٦.

(٣) سورة الحديد : ١٠.

(٤) سورة المجادلة : ١١.


اللهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ »(١) وقال «وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ »(٢) وقال «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ »(٣) فهذا ذكر درجات الإيمان

______________________________________________________

جهاد أو ارتفعوا في المجلس «يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ » بالنصر وحسن الذكر في الدنيا وإيوائهم غرف الجنان في الآخرة «وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ » ويرفع العلماء منهم خاصة «دَرَجاتٍ » بما جمعوا من العلم ، وقد مر تفسيرهم بالأئمةعليهم‌السلام .

« وقال » أي في سورة التوبة حيث قال : «ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ ، وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ » ذلك ، قيل : إشارة إلى ما دل عليه قوله : ما كان ، من النهي عن التخلف أو وجوب المتابعة لأنهم بسبب أنهم «لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ » أي شيء من العطش «وَلا نَصَبٌ » أي تعب «وَلا مَخْمَصَةٌ » أي مجاعة «فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَطَؤُنَ » أي لا يدرسون «مَوْطِئاً » أي مكانا «يَغِيظُ الْكُفَّارَ » أي يغضبهم وطيه «وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً » كالقتل والأسر والنهب «إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ » أي إلا استوجبوا الثواب وذلك مما يوجب المسابقة «إِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ».

« وقال » أي في المزمل : «وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ » يمكن أن يكون عدم ذكر تتمة الكلام للاختصار ، فإن التتمة «هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً » أي من الذي تؤخرونه إلى الوصية عند الموت ، وخيرا ثاني مفعولي « تجدوه » وهو تأكيد أو فصل أو هو مبني على قراءة هو خير بالرفع كما قرأ في الشواذ ، فالكلام إلى قوله : عند الله ، تمام وقوله : هو ، مبتدأ وخير خبره وهي جملة أخرى مؤكدة للأولى.

«وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ » الذرة هي النملة الصغيرة ، أو الهباء المنبث في الجو

__________________

(١) سورة التوبة : ١٢٠.

(٢) سورة البقرة : ١١٠. والمزّمّل : ٢٠.

(٣) سورة الزلزلة : ٧ ـ ٨.


ومنازله عند الله عز وجل.

باب

درجات الإيمان

١ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن أبي عبد الله ، عن الحسن بن محبوب ، عن عمار بن أبي الأحوص ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إن الله عز وجل وضع الإيمان على سبعة أسهم على البر والصدق واليقين والرضا والوفاء والعلم والحلم ثم قسم ذلك بين

______________________________________________________

وبالجملة هذه الآيات كلها تدل على اختلاف مراتب المؤمنين في الثواب والدرجات عند الله تعالى والمنازل في الجنة كما لا يخفى.

باب درجات الإيمان

الحديث الأول : مجهول بمعادوالبر الإحسان إلى نفسه وإلى غيره ويطلق غالبا على الإحسان بالوالدين والأقربين والإخوان من المؤمنين كما ورد من خالص الإيمان البر بالإخوان.

والصدق هو القول المطابق للواقع ويطلق أيضا على مطابقة العمل للقول والاعتقاد ، وعلى فعل القلب والجوارح المطابقين للقوانين الشرعية والموازين العقلية ومنه الصديق وهو من حصل له ملكة الصدق في جميع هذه الأمور ، ولا يصدر منه خلاف المطلوب عقلا ونقلا كما صرح به المحقق الطوسي (ره) في أوصاف الأشراف.

واليقين الاعتقاد الجازم المطابق للواقع ، وفي عرف الأخبار هو مرتبة من اليقين يصير سببا لظهور آثاره علي الجوارح ويطلق غالبا على ما يتعلق بأمور الآخرة ، وبالقضاء والقدر كما ستعرف ، وله مراتب أشير إليها في القرآن العزيز وهي علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين كما قال تعالى : «لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ »(١) وقال سبحانه : «وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ »(٢) .

__________________

(١) سورة التكاثر : ٥ ـ ٧.

(٢) سورة الواقعة : ٩٥.


الناس ، فمن جعل فيه هذه السبعة الأسهم فهو كامل ، محتمل ؛ وقسّم لبعض الناس السهم ولبعض السهمين ولبعض الثلاثة حتّى انتهوا إلى [ الـ ] سبع ة ، ثمّ قال : لا تحملوا على صاحب السهم سهمين ولا على صاحب السهمين ثلاثة فتبهضوهم ثمّ قال :

______________________________________________________

وقالوا : الأول مرتبة أرباب الاستدلال كمن لم ير النار واستدل بالدخان ، والثاني مرتبة أصحاب المشاهدة والعيان كمن رأى النار بعينها بعينه ، والثالث مرتبة أرباب اليقين كمن كان في وسط النار واتصف بصفاتها وإن لم يصر عينها كالحديدة المحماة في النار فإنك تظنها نارا وليست بنار ، وهذا هي التي زلت فيها الأقدام وضلت العقول والأحلام وليس محل تحقيقها هذا المقام.

والرضا هو اطمئنان النفس بقضاء الله تعالى عند البلاء والرخاء وعدم الاعتراض عليه سبحانه قولا وفعلا في شيء من الأشياء.

والوفاء هو العمل بعهود الله تعالى من التكاليف الشرعية وما عاهد الله تعالى عليه وألزم على نفسه من الطاعات والوفاء ببيعة النبي والأئمة صلوات الله عليهم ، والوفاء بعهود الخلق ما لم تكن في معصية ، والعلم هو معرفة الله ورسوله وحججه وما أمر به ونهى عنه ، وعلم الشرائع والأحكام والحلال والحرام ، والأخلاق ومقدماتها.

والحلم هو ملكة حاصلة للنفس مانعة لها عن المبادرة إلى الانتقام وطلب التسلط والترفع والغلبة.

« فهو كامل » أي في الإيمان محتمل لشرائطه وأركانه ، قابل لها كما ينبغي« ولا تحملوا على صاحب السهم سهمين » أي لما كانت القابليات والاستعدادات متفاوتة ولم يكلف الله كل امرئ إلا على قدر قابليته فلا تحملوا في العلوم والأعمال والأخلاق على كل امرئ إلا بحسب طاقته ووسعه كما مر : إنما يداق الله العباد في الحساب على قدر ما أتاهم من العقول في الدنيا.

نعم للأعلى أن ينقل الأدنى إلى درجته بالتعليم والتدريج والرفق حتى يصل إلى درجته إن كان قابلا لذلك كما سيأتي إن شاء الله ، وعلى الأدنى أن يسعى ويتضرع


كذلك حتى ينتهي إلى السبعة.

٢ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ومحمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى جميعا ، عن ابن فضال ، عن الحسن بن الجهم ، عن أبي اليقظان ، عن يعقوب بن الضحاك ، عن رجل من أصحابنا سراج وكان خادما لأبي عبد اللهعليه‌السلام قال بعثني أبو عبد اللهعليه‌السلام في حاجة وهو بالحيرة أنا وجماعة من مواليه قال فانطلقنا فيها ثم رجعنا مغتمين قال وكان فراشي في الحائر الذي كنا فيه نزولا فجئت وأنا بحال فرميت بنفسي فبينا أنا كذلك إذا أنا بأبي عبد اللهعليه‌السلام قد أقبل قال فقال قد

______________________________________________________

إلى الله تعالى لأن يوفقه للصعود إلى درجة العليا« فتبهضوهم » في بعض النسخ بالضاد وفي بعضها بالظاء وهما معجمتان متقاربان معنى ، قال في القاموس : بهضني الأمر كمنع وأبهضني أي فدحني وبالظاء أكثر ، وقال : بهظه الأمر كمنع غلبه وثقل عليه وبلغ به مشقة ، والراحلة أوقرها فأتعبها.

الحديث الثاني : مجهول.

والحيرة بالكسر بلد كان قرب الكوفة ، وأنا تأكيد للضمير المنصوب في بعثني ، وتأكيد المنصوب والمجرور بالمرفوع جائز و« جماعة » عطف على الضمير أو الواو بمعنى مع« معتمين » الظاهر أنه بالعين المهملة على بناء الأفعال أو التفعيل ، في القاموس : العتمة ـ محركة ـ ثلث الليل الأول بعد غيبوبة الشفق أو وقت صلاة العشاء الآخرة ، واعتم وعتم سار فيها أو أورد وأصدر فيها ، وظلمة الليل ورجوع الإبل من المرعى بعد ما تمسى ، انتهى.

أي رجعنا داخلين في وقت العتمة ، وفي أكثر النسخ بالغين المعجمة من الغم وكأنه تصحيف(١) ، وربما يقرأ مغتنمين من الغنيمة وهو تحريف ، والحائر المكان المطمئن

__________________

(١) الظاهر أنّ ذهابه (ع) من المدينة إلى الحيرة كان بأمر الخليفة أعني المنصور وهو عليه اللعنة يحتال في قتله (ع) وكانت مواليه مغتمين لذلك ، ويترصدون حاله ومآل أمره مع المنصور وينتظرون رجوعه ، وقوله « أنا بحال » أي بحال سوء من الغمّ كما فسّره في الوافي ، وعليه فما في أكثر النسخ هو الأصحّ.


أتيناك أو قال جئناك فاستويت جالسا وجلس على صدر فراشي فسألني عما بعثني له فأخبرته فحمد الله ثم جرى ذكر قوم فقلت جعلت فداك إنا نبرأ منهم إنهم لا يقولون ما نقول قال فقال يتولونا ولا يقولون ما تقولون تبرءون منهم قال قلت نعم قال فهو ذا عندنا ما ليس عندكم فينبغي لنا أن نبرأ منكم قال قلت لا جعلت فداك قال وهو ذا عند الله ما ليس عندنا أفتراه اطرحنا قال قلت لا والله جعلت فداك ما نفعل قال فتولوهم ولا تبرءوا منهم إن من المسلمين من له سهم ومنهم من له سهمان ومنهم من له ثلاثة أسهم ومنهم من له أربعة أسهم ومنهم من له خمسة أسهم ومنهم من له ستة أسهم ومنهم من له سبعة أسهم فليس ينبغي أن يحمل صاحب السهم على ما عليه صاحب السهمين ولا صاحب السهمين على ما عليه صاحب الثلاثة ولا صاحب الثلاثة على ما عليه صاحب الأربعة ولا صاحب الأربعة على ما عليه صاحب الخمسة ولا صاحب الخمسة على ما عليه صاحب الستة ولا صاحب الستة على ما عليه صاحب السبعة وسأضرب لك مثلا إن رجلا كان له جار

______________________________________________________

والبستان« وأنا بحال » أي بحال سوء من الضعف والكلام« أنهم لا يقولون ما نقول » أي من مراتب فضائل الأئمةعليهم‌السلام وكمالاتهم ومراتب معرفة الله ودقائق مسائل القضاء والقدر وأمثال ذلك مما تختلف تكاليف العباد فيها بحسب إفهامهم واستعداداتهم لا في أصل المسائل الأصولية ، أو المراد اختلافهم في المسائل الفروعية والأول أظهر ، وأما حمله على أدعية الصلاة وغيرها من المستحبات كما قيل فهو في غاية البعد وإن كان يوافقه التمثيل المذكور في آخر الخبر« يتولونا ولا يقولون » إلخ ، استفهام على الإنكار.

« فهو ذا عندنا » أي من المعارف والعلوم والأخلاق والأعمال« ما ليس عندكم فينبغي لنا » على الاستفهام« أطرحنا » أي عن الإيمان والثواب أو عن درجة الاعتبار.

قوله : ما نفعل؟ لما فهم من كلامهعليه‌السلام نفي التبري تردد في أنه هل يلزمه التولي أو عدم ارتكاب شيء من الأمرين فإن نفي أحدهما لا يستلزم ثبوت الآخر« أن يحمل صاحب السهم على ما عليه صاحب السهمين » أي يقاس حاله بحاله ويتوقع


وكان نصرانيا فدعاه إلى الإسلام وزينه له فأجابه فأتاه سحيرا فقرع عليه الباب فقال له من هذا قال أنا فلان قال وما حاجتك فقال توضأ والبس ثوبيك ومر بنا إلى الصلاة قال فتوضأ ولبس ثوبيه وخرج معه قال فصليا ما شاء الله ثم صليا الفجر ثم مكثا حتى أصبحا ـ فقام الذي كان نصرانيا يريد منزله فقال له الرجل أين تذهب النهار قصير والذي بينك وبين الظهر قليل قال فجلس معه إلى أن صلى الظهر ثم قال وما بين الظهر والعصر قليل فاحتبسه حتى صلى العصر قال ثم قام وأراد أن ينصرف إلى منزله فقال له إن هذا آخر النهار وأقل من أوله فاحتبسه حتى صلى المغرب ثم أراد أن ينصرف إلى منزله فقال له إنما بقيت صلاة واحدة قال فمكث حتى صلى العشاء الآخرة ثم تفرقا فلما كان سحير غدا عليه فضرب عليه الباب فقال من هذا قال أنا فلان قال وما حاجتك قال توضأ والبس ثوبيك واخرج بنا فصل قال اطلب لهذا الدين من هو أفرغ مني وأنا إنسان مسكين وعلي عيال فقال أبو عبد اللهعليه‌السلام أدخله في شيء أخرجه منه أو قال أدخله من مثل ذه وأخرجه من مثل هذا

______________________________________________________

منه ما يتوقع من الثاني من الفهم والمعرفة والعمل« وزينه له » أي حسن الإسلام في نظره« فأتاه سحيرا » هو تصغير السحر وهو سدس آخر الليل أو ساعة آخر الليل وقيل : قبيل الصبح ، والتصغير لبيان أنه كان قريبا من الصبح أو بعيدا منه« ومر بنا » أي معنا« وخرج معه » أي إلى المسجد« ما شاء الله » أي كثيرا« حتى أصبحا » أي دخلا في الصباح ، والمراد الإسفار وانتشار ضوء النهار وظهور الحمرة في الأفق.

قال في المفردات : الصبح والصباح أول النهار وهو وقت ما أحمر الأفق بحاجب الشمس.

قوله : وأقل من أوله ، أي مما انتظرت بعد الفجر لصلاة الظهر« أدخله في شيء » أي من الإسلام صار سببا لخروجه من الإسلام رأسا أو المراد بالشيء الكفر أي أدخله بجهله في الكفر الذي أخرجه منه« أو قال أدخله في مثل هذا » أي العمل الشديد« وأخرجه من مثل هذا » أي هذا الدين القويم.


باب آخر منه

١ ـ أحمد بن محمد ، عن الحسن بن موسى ، عن أحمد بن عمر ، عن يحيى بن أبان ، عن شهاب قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول لو علم الناس كيف خلق الله تبارك وتعالى هذا الخلق لم يلم أحد أحدا ـ فقلت أصلحك الله فكيف ذاك فقال إن الله تبارك وتعالى خلق أجزاء بلغ بها تسعة وأربعين جزءا ثم جعل الأجزاء

______________________________________________________

باب آخر منه

أي هذا باب آخر يمكن عده من الباب الأول وإنما جعله بابا آخر لأن الباب الأول كان مبنيا على قسمة الإيمان بسبعة أسهم ، وأخبار هذا الباب مبنية على أكثر أو أقل أو عبر في أخبار الباب السابق بالسهام ، وفي أخبار هذا الباب بالأجزاء والدرجات والمنازل ، وعلى التقديرين لا تنافي بينهما لأنه لما كان تعدد درجات الإيمان ومنازله متفاوتة تارة بحسب الأخلاق الحسنة كثرة وقلة وشدة وضعفا ، وتارة بحسب الاعتقادات الحقة قوة وضعفا كلا وبعضا ، وتارة بحسب الأعمال الصالحة كثرة وقلة ، خالصة ومشوبة ، ولا يدخل شيء من ذلك تحت الحصر والعد يمكن اعتبار تقسيمها بوجوه مختلفة ، بإدخال بعضها تحت بعض وعدمه ، وقسمتها إلى الأجناس وإلى الأنواع وإلى الأصناف.

الحديث الأول : مجهول.

« لم يلم أحد أحدا » أي في عدم فهم الدقائق والقصور عن بعض المعارف أو في عدم اكتساب الفضائل والأخلاق الحسنة ، وترك الإتيان بالنوافل والمستحبات وإلا فكيف يستقيم عدم الملامة علي ترك الفرائض والواجبات وفعل الكبائر والمحرمات وقد مر أن الله تعالى لا يكلف الناس إلا بقدر وسعهم وليسوا بمجبورين في فعل المعاصي ولا في ترك الواجبات لكن يمكن أن لا يكون في وسع بعضهم معرفة دقائق الأمور


أعشارا فجعل الجزء عشرة أعشار ثم قسمه بين الخلق فجعل في رجل عشر جزء وفي آخر عشري جزء حتى بلغ به جزءا تاما وفي آخر جزءا وعشر جزء وآخر جزءا وعشري جزء وآخر جزءا وثلاثة أعشار جزء حتى بلغ به جزءين تامين ثم بحساب ذلك حتى بلغ بأرفعهم تسعة وأربعين جزءا فمن لم يجعل فيه إلا عشر جزء ـ لم يقدر على أن يكون مثل صاحب العشرين وكذلك صاحب العشرين لا يكون مثل صاحب الثلاثة الأعشار وكذلك من تم له جزء لا يقدر على أن يكون مثل صاحب الجزءين ولو علم الناس أن الله عز وجل خلق هذا الخلق على هذا لم يلم أحد أحدا.

٢ ـ محمد بن يحيى ، عن محمد بن أحمد ، عن بعض أصحابه ، عن الحسن بن علي

______________________________________________________

وغوامض الأسرار فلم يكلفوا بها ، وكذا عن تحصيل بعض مراتب الإخلاص واليقين وغيرها من المكارم ، فليسوا بملومين بتركها ، فالتكاليف بالنسبة إلى العباد مختلفة بحسب اختلاف قابلياتهم واستعداداتهم ، ولا يستحق من لم يكن قابلا لمرتبة من المراتب المذكورة أن يلام لم لا تفهم هذا المعنى ولم تفعل الصلاة كما كان أمير المؤمنينعليه‌السلام يفعله مثلا ، وهكذاقوله عليه‌السلام : بلغ بها ، كأنه جعل كل جزء من السهام السبعة المتقدمة سبعة.

قوله عليه‌السلام : فجعل الجزء عشرة أعشار ، كان هذا للتأكيد والتوضيح ، ورفع توهم أن المراد جعل كل جزء عشرا من مرتبة فوقه ، فيصير المجموع أربعمائة وتسعين عشرا« حتى بلغ به » الباء للتعدية والضمير راجع إلى الإيمان ، أو إلى الرجل المطلق المفهوم من رجل لا إلى الرجل المذكور ولا إلى آخر لاختلال المعنى وهذا أظهرلقوله : حتى بلغ بأرفعهم إلا عشر جزء ، أي من القابلية أو قابلية عشر جزء من الإيمان وهكذا في البواقي.

الحديث الثاني : ضعيف.

والقراطيسي بايع القراطيس« عشر درجات » كأنهعليه‌السلام عد كل تسعة


بن أبي عثمان ، عن محمد بن عثمان ، عن محمد بن حماد الخزاز ، عن عبد العزيز القراطيسي قال قال لي أبو عبد اللهعليه‌السلام يا عبد العزيز إن الإيمان عشر درجات بمنزلة السلم يصعد منه مرقاة بعد مرقاة فلا يقولن صاحب الاثنين لصاحب الواحد لست على شيء حتى ينتهي إلى العاشر فلا تسقط من هو دونك فيسقطك من هو

______________________________________________________

وأربعين جزءا من السابق درجة ، أو هذه الدرجات لبعض مراتب الإيمان لا لكلها ، وقيل : يجوز أن يراد بالإيمان هنا التصديق أو الكامل المركب منه ومن العمل« ليصعد » على بناء المجهول« ومنه » نائب مناب الفاعل ، وقيل « من » بمعنى في ، والضمير راجع إلى السلم ، والمرقاة بالفتح والكسر اسم مكان ، أو آلة وهي الدرجة ، وفي المصباح المرقي والمرتقى موضع الرقي ، والمرقاة مثله ، ويجوز فيها فتح الميم على أنه موضع الارتقاء ، ويجوز الكسر تشبيها باسم الآلة كالمطهرة ، وأنكر أبو عبيد الكسر ، انتهى.

« هو » منصوبة على الظرفية للمكان« لست على شيء » أي من الإيمان أو الكمال« فلا تسقط » أي من الإيمان أو من درجة الاعتبار« من هو دونك » أي أسفل منك بدرجة أو أكثر فارفعه إليك.

فإن قلت : كيف يرفعه إليه مع أنه لا يطيقه كما مر في الخبر السابق؟ قلت : يمكن أن تكون الدرجات المذكورة في الخبر السابق درجات القابليات والاستعدادات ولذا نسبها إلى أصل الخلق ، والدرجات المذكورة في هذا الخبر درجات الفعلية والتحقق فيمكن أن يكون رجلان في درجة واحدة من القابلية فسعى أحدهما وحصل ما كان قابلا له والآخر لم يسع ، وبقي في درجة أسفل منه فلو كلفه أن يفهم دفعة ما فهمه في أزمنة متطاولة يعسر الأمر عليه بل يصير سببا لضلالته وحيرته ، بل ينبغي أن يرفق به ويكلمه تدريجا حتى يبلغ إلى تلك الدرجة ، كما أن الكاتب الجيد الخط إذا كلف أميا لم يكتب قط أن يكتب مثله في يوم أو شهر أو سنة لكان تكليفا لما لا يطاق ، بل يجب أن يرقيه تدريجا حتى يصل إلى مرتبته ، وكذا في المراتب العقلية من


فوقك وإذا رأيت من هو أسفل منك بدرجة فارفعه إليك برفق ولا تحملن عليه ما لا يطيق فتكسره ـ فإن من كسر مؤمنا فعليه جبره.

٣ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن سنان ، عن ابن مسكان ، عن سدير قال قال لي أبو جعفرعليه‌السلام إن المؤمنين على منازل منهم على واحدة ومنهم على اثنتين ومنهم على ثلاث ومنهم على أربع ومنهم على خمس ومنهم على ست ومنهم على سبع فلو ذهبت تحمل على صاحب الواحدة ثنتين لم يقو وعلى صاحب الثنتين ثلاثا لم يقو وعلى صاحب الثلاث أربعا لم يقو وعلى صاحب

______________________________________________________

لم يحصل شيئا منها لا يمكن إفهامه دفعة جميع المسائل الغامضة ، ولو ألقيت إليه لتحير ، بل لم يطق فهمها وضل عن السبيل والمعلم الأديب الكامل يرقيه أولا من البديهيات إلى أوائل النظريات ومنها إلى أواسطها ، ومنها إلى غوامضها فلا ينكسر ولا يتحير.

ويمكن أن تحمل القدرة المذكورة في الخبر السابق على الوسع أي الإمكان بسهولة فلا ينافي المذكور في هذا الخبر ولكن الأول أظهر.

وربما يجاب بأنه لما لم يكن معلوما لصاحب الدرجة العليا عدم قابلية صاحب الدرجة السفلى بل ربما يظن أنه قابل للترقي فهو مأمور بهذا رجاء لتحقق مظنونه ولا يخفى ما فيه« فتكسره » أي تكسر إيمانه وتضله لأنه يرفع يده عما هو فيه ، ولا يصل إلى الدرجة الأخرى فيتحير في دينه أو يكلفه من الطاعات ما لا يطيقها فيسوء ظنه بما كان يعمله فيتركهما جميعا كما مر في الباب السابق.

« فعليه جبره » أي يجب عليه جبره وربما لا ينجبر ويلزمه إصلاح ما أفسد من إيمانه وربما لم ينصلح.

الحديث الثالث : ضعيف على المشهور والمرادبالمنازل الدرجات.


الأربع خمسا لم يقو وعلى صاحب الخمس ستا لم يقو وعلى صاحب الست سبعا لم يقو وعلى هذه الدرجات.

٤ ـ عنه ، عن علي بن الحكم ، عن محمد بن سنان ، عن الصباح بن سيابة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال ما أنتم والبراءة يبرأ بعضكم من بعض إن المؤمنين بعضهم أفضل من بعض وبعضهم أكثر صلاة من بعض وبعضهم أنفذ بصرا من بعض وهي الدرجات

______________________________________________________

قوله عليه‌السلام : وعلى هذه الدرجات ، كان المعنى وعلى هذا القياس الدرجات التي تنقسم هذه المنازل إليها فإن كلا منها ينقسم إلى سبعين درجة كما مر في الخبر الأول ، وقيل : أي بقية الدرجات إلى العشر المذكور في الخبر الثاني ، أو المراد بالدرجات المنازل أي على هذا الوجه الذي ذكرنا تنقسم الدرجات فيكون تأكيدا والأول أظهر.

الحديث الرابع : كالسابق.

« أنفذ بصرا » أي بصيرة كما في بعض النسخ يعني فهما وفطانة« وهي الدرجات » أي درجات الإيمان فكل منهم على درجة منه فلا تبرءوا منهم ولا تخرجوهم عن الإيمان ، أو هي الدرجات التي ذكرها الله في قوله : «هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللهِ »(١) وغيره.

__________________

(١) سورة آل عمران : ١٦٣.


باب

نسبة الإسلام

عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن بعض أصحابنا رفعه قال قال أمير المؤمنينعليه‌السلام لأنسبن الإسلام نسبة لا ينسبه أحد قبلي ولا ينسبه أحد بعدي إلا بمثل ذلك إن الإسلام هو التسليم والتسليم هو اليقين واليقين هو التصديق والتصديق هو الإقرار والإقرار هو العمل والعمل هو الأداء ، إن

______________________________________________________

باب نسبة الإسلام

الحديث الأول : مرفوع.

« لأنسبن الإسلام نسبة » يقال نسبت الرجل كنصرت ، وقيل : وكضربت أي ذكرت نسبته ، والمراد بيان الإسلام والكشف التام عن معناه قيل : لما كان نسبة شيء إلى شيء يوضح أمره وحاله وما يؤول هو إليه أطلق هنا على الإيضاح من باب ذكر الملزوم وإرادة اللازم.

وأقول : كان المراد بالإسلام هنا المعنى الإخلاص منه المرادف للإيمان كما يومئ إليه قوله : إن المؤمن لم يأخذ دينه عن رأيه ، وقوله : إن المؤمن يرى يقينه في عمله ، وحاصل الخبرأن الإسلام هو التسليم والانقياد ، والانقياد التام لا يكون إلا باليقين ، واليقين هو التصديق الجازم والإذعان الكامل بالأصول الخمسة أو تصديق الله ورسوله والأئمة الهداة ، والتصديق لا يظهر أو لا يفيد إلا بالإقرار الظاهري ، والإقرار التام لا يكون أو لا يظهر إلا بالعمل بالجوارح فإن الأعمال شهود الإيمان كما مر ، والعمل الذي هو شاهد الإيمان هو أداء ما كلف الله تعالى به لا اختراع الأعمال وإبداعها كما تفعله المبتدعة.

والأداء اسم المصدر الذي هو التأدية ويحتمل أن يكون المراد بالأداء تأديته


المؤمن لم يأخذ دينه عن رأيه ولكن أتاه من ربه فأخذه إن المؤمن يرى يقينه في عمله والكافر يرى إنكاره في عمله فو الذي نفسي بيده ما عرفوا أمرهم فاعتبروا إنكار

______________________________________________________

وإيصاله إلى غيره ، فيدل على أن التعليم ينبغي أن يكون بعد العمل وأنه من لوازم الإيمان ، فظهر أن الحمل في بعضها حقيقي وفي بعضها مجازي.

وقيل : أشارعليه‌السلام إلى أن الإسلام وهو دين الله الذي أشار إليه جل شأنه بقوله : «إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ »(١) يتوقف حصوله على ستة أمور ، والعبارة لا تخلو من لطف وهو أنه جعل التصديق الذي هو الإيمان الخالص الحقيقي بين ثلاثة وثلاثة ، واشتراك الثلاثة التي قبله في أنها من مقتضياته وأسباب حصوله ، واشتراك الثلاثة التي بعده في أنها من لوازمه وآثاره وثمراته ، وبالجملة جعل التصديق الذي هو الإيمان وسطا وجعل أول مراتبه الإسلام ثم التسليم ثم اليقين ، وجعل أول مراتبه من جهة المسببات الإقرار بما يجب الإقرار به ، ثم العمل بالجوارح ، ثم أداء ما افترض الله به ، انتهى.

« إن المؤمن لم يأخذ دينه عن رأيه » كأنه بيان لما بين سابقا وقرره من أن الإسلام لا يكون إلا بالتسليم لأئمة الهدى والانقياد لهم فيما أمروا به ونهوا عنه وأنه لا يكون ذلك إلا بتصديق النبي والأئمةعليهم‌السلام والإقرار بما صدر عنهم وأداء الأعمال على نهج ما بينوه لأن الإيمان ليس أمرا يمكن اختراعه بالرأي والنظر ، بل لا بد من الأخذ عمن يؤدى عن الله.

« فالمؤمن يرى » على بناء المجهول أو المعلوم من باب الأفعال« يقينه » بالرفع أو بالنصب« في عمله » بأن يكون موافقا لما صدر عنهم ولم يكن مأخوذا من الآراء والمقاييس الباطلة ، والكافر بعكس ذلك« ما عرفوا » أي المخالفون أو المنافقون« أمرهم » أي أمور دينهم فروعا وأصولا فضلوا وأضلوا لعدم اتباعهم أئمة

__________________

(١) سورة آل عمران : ١٩.


الكافرين والمنافقين بأعمالهم الخبيثة.

______________________________________________________

الهدى وأخذهم العلم منهم« فاعتبروا إنكار الكافرين والمنافقين بأعمالهم الخبيثة » المخالفة لمحكمات الكتاب والسنة المبتنية على آرائهم الفاسدة ، والمخالفون داخلون في الأول أو في الثاني بل فيهما حقيقة.

وأقول : روى السيد الرضيرضي‌الله‌عنه في نهج البلاغة جزءا من هذا الخبر هكذا ، وقالعليه‌السلام : لأنسبن الإسلام نسبة لم ينسبها أحد قبلي ، الإسلام هو التسليم ، والتسليم هو اليقين ، واليقين هو التصديق ، والتصديق هو الإقرار ، والإقرار هو الأداء والأداء هو العمل.

وقال ابن أبي الحديد : خلاصة هذا الفصل يقتضي صحة مذهب أصحابنا المعتزلة في أن الإسلام والإيمان عبارتان عن معنى واحد ، وأن العمل داخل في مفهوم هذه اللفظة ، ألا ترى جعل كل واحدة من اللفظات قائمة مقام الأخرى في إفادة المفهوم ، كما يقال : الليث هو الأسد والأسد هو السبع ، والسبع هو أبو الحارث فلا شبهة أن الليث يكون أبا الحارث أي أن الأسماء مترادفة ، فإذا كان أول. اللفظات الإسلام ، وآخرها العمل دل على أن العمل هو الإسلام ، وهكذا يقول أصحابنا أن تارك العمل أي تارك الواجب لا يسمى مسلما ، فإن قلت : كيف يدل على أن الإسلام هو الإيمان؟ قلت : لأن كل من قال أن العمل داخل في مسمى الإسلام قال إن الإسلام هو الإيمان ، فإن قلت : لم يقلعليه‌السلام كما تقوله المعتزلة لأنهم يقولون الإسلام اسم واقع على العمل وغيره من الاعتقاد والنطق باللسان وهوعليه‌السلام جعل الإسلام هو العمل؟ قلت : لا يجوز أن يريد غيره لأن لفظ العمل يشمل الاعتقاد والنطق باللسان وحركات الأركان بالعبادات إذ كل ذلك عمل وفعل وإن كان بعضه من أفعال القلوب وبعضه من أفعال الجوارح ، والقول بأن الإسلام هو العمل بالأركان خاصة لم يقل به أحد ، انتهى.

وقال ابن ميثم : هذا قياس مفصول مركب من قياسات طويت نتائجها وينتج


.................................................................................................

______________________________________________________

القياس الأول أن الإسلام هو اليقين ، والثاني أنه التصديق ، والثالث أنه الإقرار ، والرابع أنه الأداء ، والخامس أنه العمل.

أما المقدمة الأولى فلأن الإسلام هو الدخول في الطاعة ويلزمه التسليم لله وصدق اللازم على ملزومه ظاهر ، وأما الثانية فلان التسليم الحق إنما يكون ممن تيقن استحقاق المطاع للتسليم له فاليقين من لوازم التسليم لله ، وأما الثالثة فلأن اليقين بذلك مستلزم للتصديق بما جاء به على لسان رسوله من وجوب طاعته ، فصدق على اليقين به أنه تصديق له ، وأما الرابعة فلان التصديق لله في وجوب طاعته إقرار بصدق الله ، وأما الخامسة فلأن الإقرار والاعتراف بوجوب أمر يستلزم أداء المقر المعترف لما أقر به ، وكان إقراره أداء لازما ، والسادسة أن أداء ما اعترف به لله من الطاعة الواجبة لا يكون إلا عملا ، ويؤول حاصل هذا الترتيب إلى إنتاج أن الإسلام هو العمل لله بمقتضى أو أمره ، وهو تفسير الخاصة كما سبق بيانه ، انتهى.

وكان ما ذكرنا أنسب وأوفق.

وقال الكيدري (ره) : الإسلام هو التسليم يعني الدين هو الانقياد للحق والإذعان له ، والتسليم هو اليقين أي صادر عنه ولازم له فكأنه هو من فرط تعلقه به ، والتصديق هو الإقرار أي إقرار الذهن وحكمه ، والإقرار هو الأداء أي مستلزم للأداء وشديد الشبه بالعلة له ، لأن من تيقن حقية الشيء وأن مصالحة منوط بفعله ومفاسده مترتبة على تركه ، كان ذلك داعيا مقويا لداعيه على فعله غاية التقوية ، يعني من حق المسلم الكامل في إسلامه أن يجمع بين علم اليقين والعمل الخالص ليحط رحله في المحل الأرفع ، ويجاور الرفيق الأعلى.

وقال الشهيد الثاني رفع الله درجته في رسالة حقائق الإيمان بعد إيراد هذا الكلام من أمير المؤمنينعليه‌السلام ما هذا لفظه : البحث عن هذا الكلام يتعلق بأمرين : الأول : ما المراد من هذه النسبة؟ الثاني : ما المراد من هذا المنسوب.


.................................................................................................

______________________________________________________

أما الأول فقد ذكر بعض الشارحين أن هذه النسبة بالتعريف أشبه منها بالقياس فعرف الإسلام بأنه التسليم لله والدخول في طاعته ، وهو تفسير لفظ بلفظ أعرف منه ، والتسليم بأنه اليقين وهو تعريف بلازم مساو إذا لتسليم الحق إنما يكون ممن تيقن صدق من سلم له واستحقاقه التسليم واليقين بأنه التصديق أي التصديق الجازم المطابق البرهاني ، فذكر جنسه ونبه بذلك على حده أو رسمه ، والتصديق بأنه الإقرار بالله ورسله وما جاء من البينات وهو تعريف بخاصة له ، والأداء بأنه العمل وهو تعريف له ببعض خواصه ، انتهى.

أقول : هذا بناء على أن المراد من الإسلام المعرف في كلامهعليه‌السلام ما هو الإسلام حقيقة عند الله تعالى في نفس الأمر ، أو الإسلام الكامل عند الله تعالى أيضا ، وإلا فلا يخفى أن الإسلام يكفي في تحققه في ظاهر الشرع الإقرار بالشهادتين ، سواء علم من المقر التصديق بالله تعالى والدخول في طاعته أم لا ، كما صرحوا به في تعريف الإسلام في كتب الفروع وغيرها ، فعلم أن الحكم بكون تعريف الإسلام بالتسليم لله « إلخ » تعريفا لفظيا إنما يتم على المعنى الأول وهو الإسلام في نفس الأمر أو الكامل ، ويمكن أن يقال أن التعريف حقيقي وذلك لأن الإسلام لغة هو مطلق الانقياد والتسليم ، فإذا قيد التسليم بكونه لله تعالى والدخول في طاعته كان بيانا للماهية التي اعتبرها الشارع إسلاما ، فهو من قبيل ما ذكر جنسه ونبه على حده أو رسمه.

وأقول أيضا : في جعله الإقرار بالله تعالى « إلخ » تعريف لفظ بلفظ أعرف للتصديق بحث لا يخفى ، لأن المراد من التصديق المذكور هنا القلبي لا اللساني حيث فسره بأنه الجازم المطابق « إلخ » والإقرار المراد منه الاعتراف باللسان إذ هو المتبادر منه ، ولذا جعله بعضهم قسيما للتصديق في تعريف الإيمان حيث قال : هو


.................................................................................................

______________________________________________________

التصديق مع الإقرار وحينئذ فيكون بين معنى اللفظين غاية المباينة ، فكيف يكون تعريف لفظ بلفظ ، اللهم إلا أن يراد من الإقرار بالله ورسله مطلق الانقياد والتسليم بالقلب واللسان على طريق عموم المجاز ، ولا يخفى ما فيه.

والذي يظهر لي أنه تعريف بلازم عرفي وذلك لأن من أذعن بالله ورسله وبيناتهم لا يكاد ينفك عن إظهار ذلك بلسانه فإن الطبيعة جبلت على إظهار مضمرات القلوب كما دل عليه قولهعليه‌السلام : ما أضمر أحدكم شيئا إلا وأظهره الله على صفحات وجهه وفلتأت لسانه ، ولما كان هذا الإقرار هنا مطلوبا للشارع مع كونه في حكم ما هو من مقتضيات الطبيعة ، نبهعليه‌السلام على أن التصديق هو الإقرار مع تأكيد طلبه حتى كان التصديق غير مقبول إلا به أو غير معلوم للناس إلا به.

وكذا أقول في جعله الأداء خاصة للإقرار فإن خاصة الشيء لا ينفك عنه ، والأداء قد ينفك عن الإقرار فإن المراد من الأداء هنا عمل الطاعات والإقرار لا يستلزمه.

ويمكن الجواب بأنهعليه‌السلام أراد من الإقرار الكامل فكأنه لا يصير كاملا حتى يردفه بالأداء الذي هو العمل ، وأما الثاني فقد علم من هذه النسبة الشارحة المنسوب أي المشروح هو الإسلام الكامل أو ما هو إسلام عند الله تعالى ، بحيث لا يتحقق بدون الإسلام في الظاهر ، وعلم أيضا أن هذا الإسلام هو الإيمان ، إما الكامل أو ما لا يتحقق حقيقة المطلوبة للشارع في نفس الأمر إلا به ، لكن الثاني لا ينطبق إلا على مذهب من قال بأن حقيقة الإيمان هو تصديق بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان ، وقد عرفت تزييف ذلك فيما تقدم وأن الحق عدم اعتبار جميع ذلك في أصل حقيقة الإيمان ، نعم هو معتبر في كماله.

وعلى هذا فالمنسوب إن كان هو الإسلام الكامل كان الإيمان والإسلام الكاملان واحدا وأما الأصليان فالظاهر اتحادهما أيضا ، مع احتمال التفاوت بينهما ، وإن كان


٢ ـ عنه ، عن أبيه ، عن عبد الله بن القاسم ، عن مدرك بن عبد الرحمن ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الإسلام عريان فلباسه الحياء وزينته

______________________________________________________

هذا المنسوب ما اعتبره الشارع في نفس الأمر إسلاما لا غيره لزم كون الأيمان أعم من الإسلام ، ولزم ما تقدم من الاستهجان فيحصل من ذلك أن الإسلام إما مساو للإيمان أو أخص ، وأما عمومه فلم يظهر له من ذلك احتمال إلا على وجه بعيد ، فليتأمل.

الحديث الثاني : ضعيف بسنديه.

« الإسلام عريان » شبهعليه‌السلام الإسلام برجل ، والحياء بلباسه ، فكما أن اللباس يستر العورات والقبائح الظاهرة ، فكذلك الحياء يستر القبائح والمساوي الباطنة ، ولا يبعد أن يكون المراد بالإسلام المسلم من حيث أنه مسلم أو يكون إسناد العري واللباس إليه على المجاز ، أي لباس صاحبه ، وكذا الفقرات الآتية تحتملها فتفطن.

« وزينته الوفاء » أي بعهود الله ورسوله وحججه وعهود الخلق وعودهم ، وقيل إيفاء كل ذي حق حقه وافيا ،« ومروءته العمل الصالح » المروءة بالضم مهموزا وقد يخفف الهمزة فليشد الواو الإنسانية ، أي العمل بمقتضاها ، قال في القاموس : مرؤ ككرم مروءة فهو مريء أي ذو مروءة وإنسانية ، وفي المصباح المروءة آداب نفسانية تحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات يقال : مرؤ الإنسان فهو مريء مثل قرب فهو قريب ، أي صار ذا مروءة ، وقال الجوهري : وقد يشدد فيقال : مروة ، انتهى.

والحاصل أن العمل الصالح من لوازم الإسلام ومما يجعل الإسلام حقيقا بأن يسمى إسلاما كما أن المروة من لوازم الإنسان ومما يصير به الإنسان حقيقا بأن يسمى إنسانا أو المسلم من حيث أنه مسلم مروته العمل الصالح فلا يسمى مرأى حقيقة أو مسلما إلا به.


الوقار ومروءته العمل الصالح وعماده الورع ولكل شيء أساس وأساس الإسلام حبنا أهل البيت.

علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن علي بن معبد ، عن عبد الله بن القاسم ، عن مدرك بن عبد الرحمن ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام مثله.

٣ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني ، عن أبي جعفر الثانيعليه‌السلام ، عن أبيه ، عن جده صلوات الله عليهم قال قال أمير المؤمنينعليه‌السلام قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إن الله خلق الإسلام فجعل له عرصة وجعل له نورا وجعل له حصنا وجعل له ناصرا فأما عرصته فالقرآن وأما نوره فالحكمة

______________________________________________________

« وعماده الورع » العماد بالكسر ما يسند به وعماد الخيمة والسقف ما يقام به والحاصل أن ثبات الإسلام وبقاؤه واستقراره بالورع أي ترك المحرمات بل الشبهات أيضا كما أن بالمعاصي يتزلزل بل يزول ، والأس بالضم والأساس بالفتح : أصل البناء وأصل كل شيء ، والأساس بالكسر جمع أس ، والحاصل أنه كما يستقر البناء ولا يستقيم بغير أساس فكذا الإسلام لا يتحقق ولا يستقر إلا بحبهم الملزوم للقول بولايتهم وإمامتهم ، فإن من أنكر حقهم فهو أعدى عدوهم.

وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : حبنا أي حبي وحب أهل بيتي ، ويحتمل كون الفقرة الأخيرة كلام الصادقعليه‌السلام ، لكنه بعيد.

الحديث الثالث : حسن كالصحيح بل صحيح عندي ، فإن عبد العظيمرضي‌الله‌عنه أجل من أن يحتاج إلى توثيق.

« فجعل له عرصة » العرصة كل بقعة بين الدور واسعة ليس فيها بناء ، والظاهر أنهعليه‌السلام شبه الإسلام برجل لا بدار كما زعم ، وشبه القرآن بعرصة يجول الإسلام فيه ، وشبه الحكمة والعلوم الحقة بسراج ونور يستنير به الإسلام أو يبصر به صاحبه فإن بالعلم يظهر حقائق الإسلام وأوامره ونواهيه وأحكامه.


وأما حصنه فالمعروف وأما أنصاره فأنا وأهل بيتي وشيعتنا فأحبوا أهل بيتي وشيعتهم وأنصارهم فإنه لما أسري بي إلى السماء الدنيا فنسبني جبرئيلعليه‌السلام لأهل السماء استودع الله حبي وحب أهل بيتي وشيعتهم في قلوب الملائكة فهو عندهم وديعة إلى يوم القيامة ثم هبط بي إلى أهل الأرض فنسبني إلى أهل الأرض فاستودع الله عز وجل حبي وحب أهل بيتي وشيعتهم في قلوب مؤمني أمتي فمؤمنو أمتي يحفظون وديعتي في أهل بيتي إلى يوم القيامة ألا فلو أن الرجل من أمتي عبد الله عز وجل عمره أيام الدنيا ثم لقي الله عز وجل مبغضا لأهل بيتي وشيعتي ما فرج الله صدره إلا عن النفاق.

______________________________________________________

« وأما حصنه فالمعروف » أي الإحسان أو ما عرف بالعقل والشرع حسنه ، كما هو المراد في الأمر بالمعروف ، فإنه بكل من المعنيين يكون سببا لحفظ الإسلام وبقائه وعدم تطرق شياطين الإنس والجن للخلل فيه ، أو المراد به الأمر بالمعروف فالتشبيه أظهر ، وأما كونهمعليهم‌السلام وشيعتهم أنصار الإسلام فهو ظاهر وغيرهم يخربون الإسلام ويضيعونه.

« فنسبني » أي ذكر نسبي أو وصفني وذكر نبوتي ومناقبي ، وأما ذكر نسبه لأهل الأرض فبالآيات التي أنزلها فيه وفي أهل بيته ويقرأها الناس إلى يوم القيامة أو ذكر فضله ونادى به بحيث سمع من في أصلاب الرجال وأرحام النساء كنداء إبراهيمعليه‌السلام بالحج ، وقيل : لما وجبت الصلوات الخمس في المعراج ، فلما هبطعليه‌السلام علمها الناس وكان من أفعالها والصلاة على محمد وآله في التشهد فدلهم بذلك على أنهم أفضل الخلق لأنه لو كان غيرهم أفضل لكانت الصلاة عليه أوجب ، والأول أظهر.

« ثم لقي الله » أي عند الموت أو في القيامة ، وتفريج الصدر كناية عن إظهار ما كان كامنا فيه على الناس في القيامة أو عن علمه تعالى به ، والأول أظهر.


باب

[ خصال المؤمن ](١)

١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحسن بن محبوب ، عن جميل بن صالح ، عن عبد الملك بن غالب ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال ينبغي للمؤمن أن يكون فيه ثماني خصال وقورا عند الهزاهز صبورا عند البلاء شكورا عند الرخاء

______________________________________________________

باب

لما كانت أخبار هذا الباب متقاربة المضمون مع الباب السابق لم يعنونه ، والفرق بينهما أن المذكور في الباب السابق نسبة الإسلام ، وفي هذا الباب نسبة الإيمان.

الحديث الأول : مجهول لكن سيأتي هذا الخبر بعينه في باب المؤمن وعلاماته وصفاته عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن محبوب عن جميل بن صالح عن عبد الله ابن غالب وهو أظهر ، لأن عبد الملك غير مذكور في كتب الرجال ، وعبد الله بن غالب الأسدي الشاعر ثقة معروف ، فالخبر صحيح هيهنا وفيما سيأتي حسن كالصحيح.

والوقور فعول من الوقار بالفتح وهو الحلم والرزانة ، والهز التحريك ،والهزاهز الفتن التي يفتتن الناس بها ، أي لا يعرض له شك عند الفتن التي تصير سببا لشك الناس وكفرهم.

« صبور عند البلاء » البلاء اسم ما يمتحن به من خير أو شر ، وكثر استعماله في الشر وهو المراد هنا ، والصبر حبس النفس على الأمور الشاقة عليها ، وترك الاعتراض على المقدر لها وعدم الشكاية والجزع ، وهو من أعظم خصال الإيمان« شكورا عند الرخاء » الرخاء النعمة والخصب وسعة العيش ، والشكر الاعتراف

__________________

(١) هذا العنوان غير موجود في بعض النسخ.


قانعا بما رزقه الله ، لا يظلم الأعداء ولا يتحامل للأصدقاء بدنه منه في تعب والناس منه في راحة إن العلم خليل المؤمن والحلم وزيره والعقل أمير جنوده والرفق

______________________________________________________

بالنعمة ظاهرا وباطنا ، ومعرفة المنعم وصرفها فيما أمر به ، والشكر مبالغة فيه« قانعا بما رزقه الله » أي لا يبعثه الحرص على طلب الحرام والشبهة ، وتضييع العمر في جمع ما لا يحتاج إليه« لا يظلم الأعداء » الغرض نفي الظلم مطلقا ، وإنما خص الأعداء بالذكر لأنهم مورد الظلم غالبا ، ولأنه يستلزم ترك ظلم غيرهم بالطريق الأولى.

« ولا يتحامل للأصدقاء » في القاموس : تحامل في الأمر وبه تكلفه على مشقة وعليه كلفه ما لا يطيق ، فالكلام يحتمل وجوها :

الأول : أنه لا يظلم الناس لأجل الأصدقاء.

الثاني : أنه لا يتحمل الوزر لأجلهم كان يشهد لهم بالزور أو يكتم الشهادة لرعايتهم أو يسعى لهم في حرام.

الثالث : أن يراد به أنه لا يحمل على نفسه للأصدقاء ما لا يمكنه الخروج عنه.

« بدنه منه في تعب » لاشتغاله وإعراضه عن الرسوم والعادات ، وسعيه في إعانة المؤمنين« والناس منه في راحة » لعدم تعرضه وإعانته إياهم« إن العلم خليل المؤمن » الخلقة الصداقة والمحبة التي تخللت القلب ، فصارت خلاله أي في باطنه ، والخليل الصديق ، فعيل بمعنى فاعل ، وإنما كان العلم خليل المؤمن لأنه لا ينتفع بخليل انتفاعه بالعلم في الدنيا والآخرة.

« والحلم وزيره » فإنه يعاونه في أمور دنياه وآخرته ، كمعاونة الوزير الناصح الملك« والعقل أمير جنوده » إذ جنوده في دفع وساوس الشياطين وصولاتهم الأعمال الصالحة ، والأخلاق الحسنة ، وكلها تابعة للعقل كما مر بيانه في باب جنود العقل« والرفق أخوه » أي اللين واللطف والمداراة مع الصديق والعدو ، وتمشية الأمور


أخوه والبر والده.

٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد الله ، عن أبيهعليه‌السلام قال قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه الإيمان له أركان أربعة التوكل على الله وتفويض الأمر إلى الله والرضا بقضاء الله والتسليم لأمر الله

______________________________________________________

بتدبير وتأمل بمنزلة الأخ له في أنه يصاحبه ولا يفارقه ، أو في إعانته وإيصال النفع إليه« والبر » أي الإحسان إلى الوالدين أو إلى جميع من يستحق البر« والده » أي بمنزلة والده في رعايته واختياره على جميع الأمور أو في الانتفاع منه ، وكونه سببا لحياته المعنوية.

الحديث الثاني : ضعيف على المشهور.

« له أركان أربعة » إنما جعلها بمنزلة الأركان لعدم استقرار الإيمان وثباته إلا بها« التوكل على الله » أي الاعتماد عليه في جميع الأمور والمهمات ، وقطع النظر عن الأسباب الظاهرة وإن كان يجب التوسل بها ظاهرا ، لكن من كمل يقينه بالله وأنه القادر على كل شيء وأنه المسبب للأسباب لا يعتمد عليها بل على مسببها« وتفويض الأمر إلى الله » أي في دفع الأعادي الظاهرة والباطنة ، كما فوض مؤمن آل فرعون أمره إلى الله فوقاه الله سيئات ما مكروا.

ولا ريب أن هذا وما قبله متفرعان على قوة الإيمان بالله ، ويصيران سببا لشدة اليقين أيضا« والرضا بقضاء الله » في الشدة والرخاء والعافية والبلاء ، وهذا أيضا يحصل من الإيمان بكونه سبحانه مالكا لنفع العباد وضرهم ، ولا يفعل بهم إلا ما هو الأصلح لهم ويصير أيضا سببا لكمال اليقين.

" والتسليم لأمر الله" أي الانقياد له في كل ما أمر به ونهى عنه ولنبيه وأوصيائه فيما صدر عنهم من الأقوال والأفعال كما قال سبحانه : «فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ


عز وجل.

٣ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن أبيه عمن ذكره ، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن أبيه ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إنكم لا تكونون صالحين حتى تعرفوا ولا تعرفون حتى تصدقوا ولا تصدقون حتى تسلموا أبوابا أربعة لا يصلح أولها إلا بآخرها ضل أصحاب الثلاثة وتاهوا تيها بعيدا إن الله تبارك وتعالى لا يقبل إلا العمل الصالح ولا يتقبل الله إلا بالوفاء بالشروط والعهود ومن وفى الله بشروطه واستكمل ما وصف في عهده نال ما عنده

______________________________________________________

وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً »(١) ومدخلية هذه الخصلة في الإيمان وكما له أظهر من أن يحتاج إلى البيان والله المستعان.

الحديث الثالث : ضعيف وقد مضى بهذا السند بتغيير يسير في باب معرفة الإمام والرد إليه من كتاب الحجة وشرحناه هناك ونوضح هنا بعض التوضيح.« حتى تعرفوا » قيل : أي إمام الزمان« حتى تصدقوا » أي الإمام ، وتعده صادقا فيما يقول« حتى تسلموا أبوابا أربعة » قد مضى الكلام في الأبواب مفصلا.

وقال المحدث الأسترآبادي (ره) : إشارة إلى الإقرار بالله والإقرار برسوله والإقرار بما جاء به الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والإقرار بتراجمة ما جاء به الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،والتيه : التحير والذهاب عن الطريق المقصد ، يقال : تاه في الأرض إذا ذهب متحيرا كما في القاموس.« إن الله أخبر العباد » تفصيل لما أجملعليه‌السلام سابقا ، وبيان للأبواب والشروط والعهود المذكورة ، والمنار جمع منارة على غير قياس ، يعني موضع النور ومحله ، وقيل : كنى بالمنار عن الأئمة فإنها صيغة جمع على ما صرح به ابن الأثير في نهايته ، وبتقوى الله فيما أمره عن الاهتداء إلى الإمام والاقتداء به وبإتيان أبوابها عن الدخول في المعرفة من جهة الإمامعليه‌السلام ، انتهى.

__________________

(١) سورة النساء : ٦٥.


واستكمل وعده إن الله عز وجل أخبر العباد بطريق الهدى وشرع لهم فيها المنار وأخبرهم كيف يسلكون فقال «وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى »(١) وقال «إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ »(٢) فمن اتقى الله عز وجل فيما أمره لقي الله عز وجل مؤمنا بما جاء به محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله هيهات هيهات فات قوم وماتوا قبل أن يهتدوا وظنوا أنهم آمنوا وأشركوا من حيث لا يعلمون إنه من أتى «الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها » اهتدى ومن أخذ في غيرها سلك طريق الردى وصل الله طاعة ولي أمره بطاعة رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله وطاعة رسوله بطاعته فمن ترك طاعة ولاة الأمر لم يطع الله ولا رسوله وهو الإقرار بما نزل من عند الله : خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ والتمسوا البيوت التي

______________________________________________________

« واستكمل وعده » أي استحق وعده كاملا كما قال تعالى : «أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ »(٣) .

« مات قوم » فيما مضى :فات قوم ، وهو أظهر أي فأتوا عنا ولم يبايعونا أو ماتوا ، فالثاني تأكيد« من أتى البيوت » أي بيوت الإيمان والعلم والحكمة« من أبوابها » وهم الأئمةعليه‌السلام ، إشارة إلى تأويل قوله تعالى : «وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها »(٤) وصل الله إشارة إلى قوله تعالى : «أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ »(٥) وقوله : «أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ »(٦) وقوله : «مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ »(٧) .

«خُذُوا زِينَتَكُمْ » إما بيان لما نزل أو استيناف ، وأولعليه‌السلام الزينة بمعرفة الإمام ، والمسجد بمطلق العبادة ، والبيوت ببيوت أهل العصمة سلام الله عليهم ، والرجال بهمعليهم‌السلام ، والمرادبعدم إلهائهم التجارة والبيع عن ذكر الله أنهم يجمعون بين ذين

__________________

(١) سورة طه : ٨٢.

(٢) سورة المائدة : ٢٧.

(٣) سورة البقرة : ٤٠.

(٤) سورة البقرة : ١٨٩.

(٥) سورة النساء : ٥٩.

(٦) سورة الأنفال : ٤٦.

(٧) سورة النساء : ٨٠.


أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ » فإنه قد خبركم أنهم «رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ » عز وجل «وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ » إن الله قد استخلص الرسل لأمره ثم استخلصهم مصدقين لذلك في نذره فقال «وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيها نَذِيرٌ »(١) تاه من جهل واهتدى من أبصر وعقل إن الله عز وجل يقول «فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ »(٢) وكيف يهتدي من لم يبصر وكيف يبصر من لم ينذر اتبعوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأقروا بما نزل من عند الله واتبعوا آثار الهدى فإنهم علامات الأمانة

______________________________________________________

وذا ، لا أنهم يتركونهما رأسا كما ورد النص عليه وفي خبر آخر.

قوله عليه‌السلام : ثم استخلصهم الضمير راجع إلى ولاة الأمر ، وذلك إشارة إلى الأمر ، أي استخلص واصطفى الأوصياء حال كونهم مصدقين لأمر الرسالة في النذر وهم الرسل فقوله : في نذره متعلق بقوله : مصدقين ، ويحتمل أن يكون في نذره أيضا حالا أي حالكونهم مندرجين في النذر ، ويمكن أن يكون ضمير استخلصهم راجعا إلى الرسل أي ثم بعد إرسال الرسل استخلصهم وأمرهم بأن يصدقوا أمر الخلافة في النذر بعدهم وهم الأوصياءعليهم‌السلام ، وقيل : ثم للتراخي في الرتبة دون الزمان ، يعني وقع ذلك الاستخلاص لهم حالكونهم مصدقين لذلك الاستخلاص في سائر نذره أيضا بمعنى تصديق كل منهم لذلك في الباقين.

واستشهد على استمرارهم في الإنذار بقوله تعالى : «وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيها نَذِيرٌ » ثم بين وجوب النذير ووجوب معرفته بتوقف الاهتداء على الإبصار ، وتوقف الإبصار على الإنذار ، وتوقف الإنذار على وجود النذير ومعرفته ، وأشاربآثار الهدى إلى الأئمةعليهم‌السلام ، وفي بعض النسخ ابتغوا آثار الهدى بتقديم الموحدة

__________________

(١) سورة الفاطر : ٢٤.

(٢) سورة الحجّ : ٤٦.


والتقى واعلموا أنه لو أنكر رجل عيسى ابن مريمعليه‌السلام وأقر بمن سواه من الرسل لم يؤمن اقتصوا الطريق بالتماس المنار والتمسوا من وراء الحجب الآثار تستكملوا أمر دينكم وتؤمنوا بالله ربكم.

٤ ـ عنه ، عن أبيه ، عن سليمان الجعفري ، عن أبي الحسن الرضا ، عن أبيهعليه‌السلام قال رفع إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قوم في بعض غزواته فقال من القوم فقالوا مؤمنون يا رسول الله قال وما بلغ من إيمانكم قالوا الصبر عند البلاء والشكر

______________________________________________________

على المثناة والغين المعجمة.

ونبهبقوله : لو أنكر رجل عيسى عليه‌السلام ، على وجوب الإيمان بهم جميعا من غير تخلف عن أحد منهم ، ثم كرر الوصية بالاقتداء بهم معللا بأنهم منار طريق الله وأمر بالتماس آثارهم إن لم يتيسر الوصول إليهم.

الحديث الرابع : صحيح.

« رفع إلى رسول الله » كمنع على البناء المعلوم أي أسرعوا إليه أو على بناء المجهول أي ظهروا ، فإن الرفع ملزوم للظهور ، وقال في المصباح : رفعته أذعته ، ومنه رفعت على العامل رفيعة ، ورفع البعير في سيره أسرع ، ورفعته أسرعت به يتعدى ولا يتعدى ، انتهى.

وقال الكرماني في شرح البخاري : فيه فرفعت لنا صخرة ، أي ظهرت لأبصارنا ، وفيه : فرفع لي البيت المعمور ، أي قرب وكشف ، انتهى.

ويمكن أن يقرأ بالدال ، ولكن قد عرفت أنه لا حاجة إليه ، قال في المصباح : دفعت إلى كذا بالبناء للمفعول : انتهيت إليه.

« من القوم » أي من أي صنف من الناس أنتم؟« فقالوا مؤمنون » أي نحن مؤمنون« وما بلغ من إيمانكم » ؟ من تبعيضية أي بأي حد بلغ ، أو زائدة أو سببية أي ما بلغكم ووصل إليكم بسبب أيمانكم ، أو البلوغ بمعنى الكمال ومن للتبعيض أي ما كمل من صفات إيمانكم« حلماء » أي هم حلماء من الحلم بالكسر بمعنى العقل ،


عند الرخاء والرضا بالقضاء فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حلماء علماء كادوا من الفقه أن يكونوا أنبياء إن كنتم كما تصفون فلا تبنوا ما لا تسكنون ولا تجمعوا ما لا تأكلون واتقوا الله الذي إليه ترجعون.

باب

١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ومحمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى وعدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد جميعا ، عن الحسن بن محبوب ، عن يعقوب السراج ، عن جابر ، عن أبي جعفرعليه‌السلام وبأسانيد مختلفة ، عن الأصبغ بن نباتة قال خطبنا أمير المؤمنينعليه‌السلام في داره أو قال في القصر ونحن مجتمعون ثم أمر صلوات الله عليه فكتب في كتاب وقرئ على الناس وروى غيره أن ابن

______________________________________________________

أو عدم المبادرة عند الغضب« ما لا تسكنون » أي ما يزيد على ما اضطررتم إليه من المسكن ، وكذا« لا تجمعوا » ما لم تدعكم الضرورة للأكل إليه ويمكن تعميم الأكل بحيث يشمل سائر ما يحتاجون إليه كقوله تعالى : «وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ »(١) أو خصهما بالذكر لأنهما عمدة مطالب الراغبين في الدنيا.

«وَاتَّقُوا اللهَ »إلخ ، لما كانت تلك الصفات يقتضي الزهد في الدنيا والتقوى حثهم في تلك الفقرات عليهما.

باب

إنما لم يعنون لأنه من تتمة البابين السابقين ، وإنما أفرده لأن فيه نسبة الإيمان والإسلام معا أو لأن فيه مدح الإسلام وفضله لا صفاته.

الحديث الأول : صحيح بل ثلاثة أحاديث حسن وصحيحان ، بل ادعي استفاضته بل تواتره لقوله بأسانيد مختلفة عن الأصبغ.

وقوله : وروى غيره أي غير الأصبغ ، وعبد الله بن الكواء كان من الخوارج« فكتب » في كتاب« وقرئ » في المجالس كلا الفعلين مجهول ، وإنما أمر للتشهير

__________________

(١) سورة البقرة : ١٨٨.


الكواء سأل أمير المؤمنينعليه‌السلام عن صفة الإسلام والإيمان والكفر والنفاق فقال أما بعد فإن الله تبارك وتعالى ـ شرع الإسلام وسهل شرائعه لمن ورده وأعز أركانه لمن حاربه وجعله عزا لمن تولاه وسلما لمن دخله وهدى لمن ائتم به وزينة لمن

______________________________________________________

والمبالغة على الضبط ، لكثرة فوائده والاهتمام بأخذه.

« أما بعد » أي بعد الحمد والصلاة« فإن الله تبارك وتعالى » وفي نهج البلاغة ومن خطبة لهعليه‌السلام : « الحمد لله الذيشرع الإسلام فسهل شرائعه لمن ورده » الشرع والشريعة بفتحهما ما شرع الله لعباده من الدين ، أي سنة وافترضه عليهم ، وشرع الله لنا كذا أي أظهره وأوضحه ، والشريعة مورد الإبل على الماء الجاري ، وكذلك المشرعة ، قال الأزهري : وتسميها العرب مشرعة إلا إذا كان الماء غير منقطع كماء الأنهار ، ويكون ظاهرا معينا ولا يستقى منه برشاء فإن كان من ماء الأمطار فهو الكرع بفتحتين ، ووردت الماء كوعدت إذا أحضرته لتشرب ، وقيل : الشريعة مورد الشاربة ، ويقال : لما شرع الله تعالى لعباده إذ به حياة الأبدان.

« وأعز أركانه لمن حاربه » وركن الشيء جانبه أو الجانب الأقوى منه ، والعز والمنعة ، وما يتقوى به من ملك وجند وغيره كما يستند إلى الركن من الحائط عند الضعف ، والعز القوة والشدة والغلبة ، وأعزه أي جعله عزيزا أي جعل أصوله وقواعده أو دلائله وبراهينه قاهرة غالبة منيعة قوية لمن أراد محاربته أي هدمه وتضييعه ، وقيل : محاربته كناية عن محاربة أهله ، وفي بعض النسخ جاربه كسأل بالجيم والهمز أي استغاث به ولجأ إليه ، وفي النهج على من غالبة ، أي حاول أن يغلبه ولعله أظهر ، وفي تحف العقول : على من جانبه.

« وجعله عزا لمن تولاه » أي جعله سببا للعزة والرفعة والغلبة لمن أحبه وجعله وليه في الدنيا من القتل والأسر والنهب والذل ، وفي الآخرة من العذاب والخزي ، وفي المجالس الشيخ : لمن والاه ، وفي النهج مكانه : فجعله أمنا لمن علقه أي نشب واستمسك به« وسلما لمن دخله » والسلم بالكسر كما في النهج وبالفتح أيضا


تجلله وعذرا لمن انتحله وعروة لمن اعتصم به وحبلا لمن استمسك به وبرهانا لمن

______________________________________________________

الصلح ، ويطلق على المسالم أيضا وبالتحريك الاستسلام إذ من دخله يؤمن من المحاربة والقتل والأسر« لمن تجلله » كأنه على الحذف والإيصال أي تجلل به أو علاه الإسلام وظهر عليه ، أو أخذ جلاله وعمدته ، قال الجوهري : تجليل الفرس أن تلبسه الجلل وتجلله أي علاه وتجلله أي أخذ جلاله ، انتهى.

وربما يقرأ بالحاء المهملة ويفسر بأن جعله حلة على نفسه ، ولا يخفى ما فيه ، وفي المجالس والتحف لمن تحلى به وهو أظهر.

« وعذرا لمن انتحله » الانتحال أخذه نحلة ودينا ويطلق غالبا على ادعاء أمر لم يتصف به ، فعلى الثاني المراد أنه عذر ظاهرا في الدنيا ويجري عليه أحكام المسلمين وإن لم ينفعه في الآخرة ، وفي التحف : ودينا لمن انتحله ، والعروة من الدلو والكوز المقبض ، وكل ما يتمسك به شبه الإسلام تارة بالعروة التي في الحبل يتمسك بها في الارتقاء إلى مدارج الكمال والنجاة من مهاوي الحيرة والضلال كما قال تعالى : «فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها »(١) وتارة بالحبل المتين يصعد بالتمسك به إلى درجات المقربين والحبل يطلق على الرسن وعلى العهد وعلى الذمة وعلى الأمان والكل مناسب ، وقيل : شبهه بالعروة لأن من أخذ بعروة الشيء كالكوز مثلا ملك كله ، وكذلك من تمسك بالإسلام استولى على جمع الخيرات ، وفي المجالس والتحف « وعصمة لمن اعتصم بهوبرهان لمن تكلم به » البرهان الحجة والدليل أي الإسلام إذا أحاط الإنسان بأصوله وفروعه يحصل معه براهين ساطعة على من أنكرها إذ لا تحصل الإحاطة التامة إلا بالعلم بالكتاب والسنة وفيهما برهان كل شيء ، وفي النهج قبل هذه الفقرة قوله : وسلما لمن دخله ، وليست فيه الفقرات المتوسطة وقوله : شاهدا « إلخ » قبلقوله : ونورا لمن استضاء به ، شبهه بالنور للاهتداء به إلى طريق النجاة ، ورشحه بذكر الاستضائة.

__________________

(١) سورة البقرة : ٢٥٦.


تكلم به ونورا لمن استضاء به وعونا لمن استغاث به وشاهدا لمن خاصم به وفلجا لمن حاج به وعلما لمن وعاه وحديثا لمن روى وحكما لمن قضى وحلما لمن جرب ولباسا

______________________________________________________

« وشاهدا لمن خاصم به » إذ باشتماله على البراهين الحقة يشهد بحقية من خاصم به« وفلجا لمن حاج به » الفلج بالفتح الظفر والفوز كالأفلاج ، والاسم بالضم والمحاجة المغالبة بالحجة« وعلما لمن وعاه » أي سببا لحصول العلم وإن كان مسببا عنه أيضا في الجملة ، إذ العلم به يزداد ويتكامل« وحديثا لمن روي » أي يتضمن الإحاطة بالإسلام أحاديث وأخبارا لمن أراد روايتها ، ففي الفقرة السابقة حث على الدراية ، وفي هذه الفقرة حث على الرواية« وحكما لمن قضى » أي يتضمن ما به يحكم بين المتخاصمين لمن قضى بينهما« وحلما لمن جرب » الحلم بمعنى العقل أو بمعنى الأناة وترك السفه وكلاهما يحصلان باختيار الإسلام وتجربة ما ورد فيه من المواعظ والأحكام ، واختصاص التجربة بالإسلام لأن من سفه وبادر بسبب غضب عرض له يلزمه في دين الإسلام أحكام من الحد والتعزير والقصاص من جربها واعتبر بها تحمله التجربة على العفو والصفح وعدم الانتقام لا سيما مع تذكر العقوبات الأخروية على فعلها ، والمثوبات الجليلة على تركها وكل ذلك يظهر من دين الإسلام.

« ولباسا لمن تدبر » أي لباس عافية لمن تدبر في العواقب أو في أوامره ونواهيه بتقريب ما مر أو لباس زينة ، والأول أظهر وقد يقرأ تدثر بالثاء المثلثة أي لبسه وجعله مشتملا على نفسه كالدثار وهو تصحيف لطيف ، وفي النهج والكتابين ولبا لمن تدبر واللب بالضم العقل وهو أصوب« وفهما لمن تفطن » الفهم العلم وجودة تهيؤ الذهن بقبول ما يرد عليه ، والفطنة الحذق والتفطن طلب الفطانة أو إعماله ، وظاهر أن الإسلام والانقياد للرسول والأئمةعليهم‌السلام يصير سببا للعلم وجودة الذهن لمن أعمل الفطنة فيما يصدر عنهم من المعارف والحكم ، وفي المجالس لمن فطن.

« ويقينا لمن عقل » أي يصير سببا لحصول اليقين لمن تفكر وتدبر يقال


لمن تدبر وفهما لمن تفطن ويقينا لمن عقل وبصيرة لمن عزم وآية لمن توسم وعبرة لمن اتعظ ونجاة لمن صدق وتؤدة لمن أصلح وزلفى لمن اقترب وثقة لمن توكل ورخاء لمن

______________________________________________________

عقلت الشيء عقلا كضربت أي تدبرته ، وعقل كعلم لغة فيه ويمكن أن يراد بمن عقل من كان من أهل العقل وهو قوة بها يكون التميز بين الحسن والقبيح ، وقيل : غريزة يتهيأ بها الإنسان لفهم الخطاب ، وفي النهج مكان الفقرتين : وفهما لمن عقل.« وبصيرة لمن عزم » وقال الراغب : يقال : لقوة القلب المدركة بصيرة وبصر ، ومنه : «أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ »(١) أي على معرفة وتحقق ، وقوله : تبصرة ، أي تبصيرا وتبيينا يقال : بصرته تبصيرا وتبصرة ، كما يقال : ذكرته تذكيرا وتذكرة ، وقال : العزم والعزيمة عقد القلب على إمضاء الأمر يقال : عزمت الأمر وعزمت عليه واعتزمت ، انتهى.

أي تبصرة لمن عزم على الطاعة كيف يؤديها أو في جميع الأمور ، فإن في الدين كيفية المخرج في جميع أمور الدين والدنيا ، وأيضا من كان ذا دين لا يعزم على أمر إلا على وجه البصيرة.

« وآية لمن توسم » أي الإسلام مشتمل على علامات لمن تفرس ونظر بنور العلم واليقين إشارة إلى قوله تعالى : «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ »(٢) قال الراغب : الوسم التأثير والسمة الأثر ، قال تعالى : «سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ »(٣) وقال : «تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ »(٤) وقوله تعالى : «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ » أي للمعتبرين العارفين المتفطنين وهذا التوسم هو الذي سماه قوم الذكاء ، وقوم الفطنة وقوم الفراسة ، وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اتقوا فراسة المؤمن ، وقال : المؤمن ينظر بنور الله ، وتوسمت تعرفت السمة.« وعبرة لمن اتعظ » العبرة بالكسر ما يتعظ به الإنسان ويعتبره ليستدل به على غيره ، والاتعاظ قبول الوعظ« ونجاة لمن صدق » بالتشديد ويحتمل التخفيف كما ورد في الخبر من صدق نجا ، والأول هو المضبوط في نسخ النهج« وتؤدة »

__________________

(١) سورة يوسف : ١٠٨.

(٢) سورة الحجر : ٥٧.

(٣) سورة الفتح : ٢٩.

(٤) سورة البقرة : ٢٧٣.


.................................................................................................

______________________________________________________

كهمزة بالهمز« لمن أصلح » في القاموس : التؤدة بفتح الهمزة وسكونها الرزانة والتأني وقد اتأد وتؤاد ، وفي المصباح : اتئد في مشيه على افتعل اتئادا ترفق ولم يعجل ، وهو يمشي على تؤدة وزان رطبة وفيه تؤدة أي تثبت ، وأصل التاء فيها واو ، انتهى.

أي يصير الإسلام سبب وقار ورزانة لمن أصلح نفسه بشرائعه وقوانينه ، أو أصلح أموره بالتأني أو يتأنى في الإصلاح بين الناس أو بينه وبين الناس ، وفي بعض النسخ ومودة وهو بالأخير أنسب ، وفي المجالس ومودة من الله لمن أصلح ، وفي التحف ومودة من الله لمن صلح ، أي يؤده الله أو يلقي حبه في قلوب العباد كما قال سبحانه : «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا »(١) .

« وزلفى لمن اقترب » الزلفى كحلبي القرب والمنزلة والخطوة ، والاقتراب الدنو وطلب القرب ، وكان المعنى : الإسلام سبب قرب من الله تعالى لمن طلب ذلك بالأعمال الصالحة التي دل عليها دين الإسلام وشرائعه ، وفي بعض النسخ لمن اقترن أي معه ولم يفارقه وكأنه تصحيف ، وفي المجالس والتحف : لمن ارتقب أي انتظر الموت أو رحمة الله أو حفظ شرائع الدين ، وترصد مواقيتها ، في القاموس : الرقيب : الحافظ والمنتظر والحارس ، ورقبة انتظره كترقبه وارتقبه ، والشيء حرسه كراقبه مراقبة وارتقب أشرف وعلا.

« وثقة لمن توكل » الثقة من يؤتمن ويعتمد عليه ، يقال : وثقت به أثق بكسرهما ثقة ووثوقا أي ائتمنته ووثق الشيء بالضم وثاقة فهو وثيق ، أي ثابت محكم وتوكل عليه أي الإسلام ثقة مأمون لمن وكل أموره إليه أي راعى في جميع الأمور قوانينه فلا يخدعه أو يصير الإسلام سببا لوثوق المرء على الله إذا توكل عليه ويعلم به أن الله حسبه ونعم الوكيل.

« ورجاء لمن فوض » أي الإسلام سبب رجاء لمن فوض أموره إليه أو إلى الله

__________________

(١) سورة مريم : ٩٦.


فوض وسبقة لمن أحسن وخيرا لمن سارع وجنة لمن صبر ولباسا لمن اتقى وظهيرا

______________________________________________________

على الوجهين السابقين ، وفي بعض النسخ بالخاء المعجمة أي سعة عيش ، وفي النهج والكتابين وراحة وهو أظهر« وسبقة لمن أحسن » في القاموس سبقه يسبقه تقدم ، والفرس في الحلبة جلي والسبق محركة والسبقة بالضم الخطر يوضع بين أهل السباق ، وهما سبقان بالكسر أي يستبقان ، انتهى.

والظاهر هنا سبقة بالضم أي الإسلام متضمن بسبقة لمن أحسن المسابقة أو لمن أحسن إلى الناس فإنه من الأمور التي تحسن المسابقة فيه أو لمن أحسن صحبته أو لمن أتى بأمر حسن ، فيشمل جميع الطاعات ، ولا يبعد أن يكون إشارة إلى قوله تعالى : «وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ »(١) بأن يكون المعنى اتبعوهم في الإحسان« وخيرا لمن سارع » على الوجوه المتقدمة إشارة إلى قوله سبحانه في مواضع : «يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ »(٢) .

« وجنة لمن صبر » الجنة بالضم الترس وكل ما وقى من سلاح وغيره فالإسلام يحث على الصبر وهو جنة لمخاوف الدنيا والآخرة ، وقيل : استعار لفظ الجنة للإسلام لأنه يحفظ من صبر على العمل بقواعده وأركانه من العقوبة الدنيوية والأخروية ، وقيل : جنة لمن صبر في المناظرة مع أعادي الدين.

« ولباسا لمن اتقى » كأنه إشارة إلى قوله تعالى : «وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ »(٣) بناء على أن المراد بلباس التقوى خشية الله أو الإيمان أو العمل الصالح ، أو الحياء الذي يكسب التقوى ، أو السمت الحسن ، وقد قيل كل ذلك ، أو اللباس الذي هو التقوى فإنه يستر الفضائح والقبائح ويذهبها ، لا لباس الحرب كالدرع والمغفر والآلات التي يتقي بها عن العدو كما قيل ، فالإسلام سبب للبس لباس الإيمان والتقوى والأعمال الصالحة والحياء وهيئة أهل الخير لمن اتقى وعمل بشرائعه.

__________________

(١) سورة التوبة : ١٠٠.

(٢) سورة آل عمران : ١١٤.

(٣) سورة الأعراف : ٢٦.


لمن رشد وكهفا لمن آمن وأمنة لمن أسلم ورجاء لمن صدق وغنى لمن قنع فذلك

______________________________________________________

« وظهيرا لمن رشد » أي معينا لمن اختار الرشد والصلاح ، في القاموس : رشد كنصر وفرح رشدا ورشدا ورشادا اهتدى ، والرشد الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه ، وفي التحف : وتطهيرا لمن رشد ،« وكهفا لمن آمن » الكهف :

كالغار في الجبل والملجإ أي محل أمن من مخاوف الدنيا والعقبى لمن آمن بقلبه ، لا لمن أظهر بلسانه ونافق بقلبه ،« وأمنه لمن أسلم » الأمنة بالتحريك الأمن ، وقيل في الآية جمع كالكتبة ، والظاهر أن المراد بالإسلام هنا الانقياد التام لله ولرسوله ولأئمة المؤمنين ، فإن من كان كذلك فهو آمن في الدنيا والآخرة من مضارهما« ورجاء لمن صدق » أي الإسلام باعتبار اشتماله على الوعد بالمثوبات الأخروية والدرجات العالية سبب لرجاء من صدق به ، ويمكن أن يقرأ بالتخفيف ويؤيده أن في التحف وروحا للصادقين ، وفي بعض نسخ الكتاب أيضا روحا ، ومنهم من فسر الفقرتين بأن الإسلام أمنه في الدنيا لمن أسلم ظاهرا ، وروح في الآخرة لمن صدق باطنا.

أقول : وكأنه يؤيده قوله تعالى : «فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ »(١) .

« وغنى لمن قنع » أي الإسلام لاشتماله على مدح القناعة وفوائدها فهو يصير سببا لرضا من قنع بالقليل وغناه عن الناس ، وقيل : لأن التمسك بقواعده يوجب وصول ذلك القدر إليه كما قال عز شأنه : «وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ »(٢) ويحتمل أن يراد به أن الإسلام باعتبار اشتماله على ما لا بد للإنسان منه من العلوم الحقة والمعارف الإلهية والأحكام الدينية يغني من قنع به عن الرجوع إلى العلوم الحكمية والقوانين الكلامية والاستحسانات

__________________

(١) سورة الواقعة : ٨٩.

(٢) سورة الطلاق : ٣.


الحق سبيله الهدى ومأثرته المجد وصفته الحسنى فهو أبلج المنهاج مشرق المنار

______________________________________________________

العقلية والقياسات الفقهية ، وإن كان بعيدا.

« فذلك الحق » أي ما وصفت لك من صفة الإسلام حق ، أو ذلك إشارة إلى الإسلام ، أي فلما كان الإسلام متصفا بتلك الصفات فهو الحق الثابت الذي لا يتغير أو لا يشوبه باطل ، أو ذلك هو الحق الذي قال الله تعالى : «أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ »(١) وقوله : سبيله الهدى ، استيناف بياني أو الحق صفة لاسم الإشارة ، وسبيله الهدى خبره أي هذا الدين الحق الذي عرفت فوائده وصفاته سبيله الهدى كما قيل في قوله سبحانه : «أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ »(٢) وكأنه إشارة إليه أيضا ، والمراد بالهدي الهداية الربانية الموصلة إلى المطلوب.

« ومأثرته المجد » المأثرة بفتح الميم وسكون الهمزة وضم الثاء وفتحها واحدة المآثر ، وهي المكارم من الأثر وهو النقل والرواية لأنها تؤثر وتروى ، وفي القاموس : المكرمة المتوارثة ، والمجد نيل الكرم والشرف ، ورجل ماجد أي كريم شريف ، ويطلق غالبا على ما يكون بالآباء فكان المعنى أنه يصير سببا لمجد صاحبه حتى يسري في أعقابه أيضا« وصفته الحسنى » أي موصوف بأنه أحسن الأخلاق والأحوال والأعمال ، وفي المجالس بعد قوله : وجنة لمن صبر : الحق سبيله والهدى صفته ، والحسنى مأثرته ، وفي التحف فالإيمان أصل الحق وسبيله الهدى.

« فهو أبلج المنهاج » وفي المنهج : المناهج ، في القاموس : بلج الصبح أضاء وأشرق كابتلج وتبلج وأبلج ، وكل متضح أبلج ، والنهج والمنهج والمنهاج : الطريق الواضح ، وأنهج وضح وأوضح ، وفي النهج بعده : واضح الولائج ، أي

__________________

(١) سورة الرعد : ١٩.

(٢) سورة البقرة : ٥.


ذاكي المصباح رفيع الغاية يسير المضمار جامع الحلبة سريع السبقة أليم

______________________________________________________

المداخل.

« مشرق المنار » المنار جمع منارة وهي العلامة توضع في الطريق وكأنها سميت بذلك لأنهم كانوا يضعون عليها النار لاهتداء الضال في الليل ، وفي القاموس : المنارة والأصل المنورة موضع النور كالمنار ، والمسرجة والمأذنة والجمع مناور ومنائر ، والمنار العلم ، انتهى.

وفي النهج مشرف بالفاء ، أي العالي وبعده مشرق الجواد جمع الجادة« ذاكي المصباح » وفي النهج والكتابين مضيء المصابيح ، وفي القاموس : ذكت النار واستذكت اشتد لهبها ، وهي ذكية وأذكاها وذكاها أوقدها« رفيع الغاية » الغاية منتهى السباق أو الراية المنصوبة في آخر المسافة ، وهي خرقة تجعل على قصبة وتنصب في آخر المدى يأخذ بها السابق من الفرسان ، وكان الرفعة كناية عن الظهور كما ستعرف ، وقيل : هو من قولهم رفع البعير في سيره : بالغ أي يرفع إليها.

« يسير المضمار » في النهاية تضمير الخيل هو أن تضامر عليها بالعلف حتى تسمن ثم لا تعلف إلا قوتا لتخف ، وقيل : تشد عليها سروجها وتجلل بالأجلة حتى تعرق فيذهب رهلها(١) ويشتد لحمها ، وفي حديث حذيفة : اليوم مضمار وغدا السباق أي اليوم العمل في الدنيا للاستباق في الجنة ، والمضمار الموضع الذي تضمر فيه الخيل ويكون وقتا للأيام التي تضمر فيها وفي القاموس : المضمار الموضع الذي يضمر فيه الخيل ، وغاية الفرس في السباق ، انتهى.

والحاصل أن المضمار يطلق على موضع تضمير الفرس للسباق وزمانه ، وعلى الميدان الذي يسابق فيه ، وشبهعليه‌السلام أهل الإسلام بالخيل التي تجمع للسباق ومدة عمر الدنيا بالميدان الذي يسابق فيه ، والموت بالعلم المنصوب في نهاية الميدان ،

__________________

(١) الرهل : رخاوة في انتفاخ.


.................................................................................................

______________________________________________________

فإن ما يتسابق فيه من الأعمال الصالحة إنما هو قبل الموت والقيامة بوضع تجمع فيه الخيل بعد السباق ليأخذ السبقة من سبق بقدر سبقه ويظهر خسران من تأخر ، والجنة بالسبقة ، والنار بما يلحق المتأخر من الحرمان والخسران.

أو شبهعليه‌السلام الدنيا بزمان تضمير الخيل أو مكانه والقيامة بميدان المسابقة فمن كان تضميره في الدنيا أحسن كانت سبقته في الآخرة أكثر كما ورد التشبيه كذلك في قولهعليه‌السلام في خطبة أخرى : ألا وإن اليوم المضمار وعدا السباق ، والسبقة الجنة والغاية النار ، لكن ينافيه ظاهرا قوله : والموت غايته ، إلا أن يقال : المراد بالموت ما يلزمه من دخول الجنة أو النار إشارة إلى أن آثار السعادة والشقاوة الأخروية تظهر عند الموت ، كما ورد ليس بين أحدكم وبين الجنة والنار إلا الموت.

وعلى التقديرين المراد بقوله : يسير المضمار ، قلة مدته وسرعة ظهور السبق وعدمه ، أو سهولة قطعه وعدم وعورته ، أو سهولة التضمير فيه وعدم صعوبته لقصر المدة وتهيئ الأسباب من الله تعالى ، وفي النهج كريم المضمار ، فكان كرمه لكونه جامعا لجهات المصلحة التي خلق لأجله وهي اختبار العباد بالطاعات وفوز الفائزين بأرفع الدرجات ، ولا ينافي ذلك ما ورد في ذم الدنيا لأنه يرجع إلى ذم من ركن إليها وقصر النظر عليها ، كما بينعليه‌السلام ذلك في خطبة أوردناها في كتاب الروضة.

« جامع الحلبة » الحلبة بالفتح خيل تجمع للسباق من كل أوب أي ناحية لا تخرج من إصطبل واحد ، ويقال : للقوم إذا جاءوا من كل أوب للنصرة قد أحلبوا ، وكون الحلبة جامعة عدم خروج أحد منها ، أو المراد بالحلبة محلها وهو القيامة كما سيأتي ، فالمراد أنه يجمع الجميع للحساب كما قال تعالى : «ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ »(١) .

__________________

(١) سورة هود : ١٠٣.


النقمة كامل العدة كريم الفرسان فالإيمان منهاجه والصالحات مناره والفقه

______________________________________________________

« سريع السبقة » السبقة بالفتح كما في النهج أي يحصل السبق سريعا في الدنيا للعاملين أو في القيامة إلى الجنة ، أو بالضم أي يصل إلى السابقين عوض السباق وهو الجنة سريعا لأن مدة الدنيا قليلة وهو أظهر.

وفي النهج والمجالس والتحف : متنافس السبقة فالضم أصوب وإن كان المضبوط في نسخ النهج بالفتح ، والتنافس الرغبة في الشيء النفيس الجيد في نوعه.

« أليم النقمة » أي مؤلم انتقام من تأخر في المضمار لأنه النار« كامل العدة » بالضم والشد ما أعددته وهيئاته من مال أو سلاح أو غير ذلك مما ينفعك يوما ما ، والمراد هنا التقوى وكماله ظاهر« كريم الفرسان » وفي النهج شريف الفرسان ، والفرسان بالضم جمع فارس كالفوارس.

ثم فسر صلوات الله عليه ما أبهم من الأمور المذكورة فقال :فالإيمان منهاجه ، هذا ناظر إلى قوله : وأبلج المنهاج ، أي المنهاج الواضح للإسلام هو التصديق القلبي بالله وبرسوله وبما جاء به والبراهين القاطعة الدالة عليه ، وفي النهج وغيره : فالتصديق منهاجه وهو أظهر« والصالحات منارة » ناظر إلى قوله : مشرق المنار ، شبه الأعمال الصالحة والعبادات الموظفة بالإعلام والمنائر التي تنصب على طريق السالكين لئلا يضلوا ، فمن اتبع الشريعة النبوية وأتى بالفرائض والنوافل يهديه الله للسلوك إليه ، وبالعمل يقوى إيمانه وبقوة الإيمان يزداد عمله ، وكلما وصل إلى علم يظهر له علم آخر ، ويزداد يقينه بحقية الطريق إلى أن يقطع عمره ، ويصل إلى أعلى درجات كماله بحسب قابليته التي جعلها الله له ، أو شبه الإيمان بالطريق والأعمال بالإعلام ، فكما أن بسلوك الطريق تظهر الأعلام فكذلك بالتصديق بالله ورسله وحججهعليهم‌السلام تعرف الأعمال الصالحة ، وقيل : الأعمال الصالحة علامات لإسلام المسلم ، وبها يستدل على إيمانه ولا يتم حينئذ التشبيه.


مصابيحه والدنيا مضماره والموت غايته والقيامة حلبته والجنة سبقته والنار نقمته

______________________________________________________

« والفقه مصابيحه » الفقه العلم بالمسائل الشرعية أو الأعم ، وبه يرى طريق السلوك إلى الله وأعلامه ، وهو ناظر إلى قوله : ذاكي المصباح ، إذ علوم الدين وشرائعه ظاهرة واضحة للناس بالأنبياء والأوصياءعليهم‌السلام ، وبما أفاضوا عليهم من العلوم الربانية.

« والدنيا مضماره » قال ابن أبي الحديد : كان الإنسان يجري في الدنيا إلى غاية الموت وإنما جعلها مضمار الإسلام لأن المسلم يقطع دنياه لا لدنياه بل لآخرته ، فالدنيا له كالمضمار للفرس إلى الغاية المعينة« والموت غايته » قد عرفت وجه تشبيه الموت بالغاية ، وقال ابن أبي الحديد : أي إن الدنيا سجن المؤمن وبالموت يخلص من ذلك السجن.

وقال ابن ميثم : إنما جعل الموت غاية أي الغاية القريبة التي هي باب الوصول إلى الله تعالى ، ويحتمل أن يريد بالموت موت الشهوات فإنها غاية قريبة للإسلام أيضا ، وهذا ناظر إلى قوله : رفيع الغاية ، وفي سائر الكتب هذه الفقرة مقدمة على السابقة ، فالنشر على ترتيب اللف ، وعلى ما في الكتاب يمكن أن يقال : لعل التأخير هنا لأجل أن ذكر الغاية بعد ذكر المضمار أنسب بحسب الواقع والتقديم سابقا باعتبار الرفعة والشرف ، وإنما الفائدة المقصودة فأشير إلى الجهتين الواقعيتين بتغيير الترتيب « والقيامة حلبته » أي محل اجتماع الحلبة إما للسباق أو لحيازة السبقة كما مر ، وإطلاق الحلبة عليها من قبيل تسمية المحل باسم الحال وقال ابن أبي الحديد : حلبته أي ذات حلبته ، فحذف المضاف كقوله تعالى : «هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللهِ »(١) أي ذوو درجات.

« والجنة سبقته » في أكثر نسخ النهج سبقته بالفتح فلذا قال الشراح : أي جزاء سبقته فحذف المضاف والظاهر سبقته بالضم فلا حاجة إلى تقدير كما عرفت

__________________

(١) سورة آل عمران : ١٦٣.


والتقوى عدته والمحسنون فرسانه فبالإيمان يستدل على الصالحات وبالصالحات يعمر الفقه وبالفقه يرهب الموت وبالموت تختم الدنيا وبالدنيا تجوز القيامة وبالقيامة

______________________________________________________

« والنار نقمته » أي نصيب من تأخر ولم يحصل له استحقاق للسبقة أصلا النار ، زائدا عن الحسرة والحرمان« والتقوى عدته » ناظر إلى قوله : كامل العدة ، لأن التقوى تنفع في أشد الأحوال وأعظمها وهو القيامة كما أن العدة من المال وغيره تنفع صاحبها عند الحاجة إليها.

« والمحسنون فرسانه » لأنهم بالإحسان والطاعات يتسابقون في هذا المضمار ، فبالإيمان« يستدل على الصالحات » إذ تصديق الله ورسوله وحججه يوجب العلم بحسن الأعمال الصالحة وكيفيتها من واجبها وندبها ، وقيل : لأن الإيمان منهج الإسلام وطريقه ولا بد للطريق من زاد يناسبه ، وزاد طريق الإسلام هو الأخلاق والأعمال الصالحة ، فيدل الإيمان عليها كدلالة السبب على المسبب وقيل : أي يستدل بوجوده في قلب العبد على ملازمته لها ، انتهى.

وكأنه حمل الكلام على القلب وإلا فلا معنى للاستدلال بالأمر المخفي في القلب على الأمر الظاهر ، نعم يمكن أن يكون المعنى أن بالإيمان يستدل على صحة الأعمال وقبولها فإنه لا تقبل أعمال غير المؤمن ، وهذا معنى حسن لكن الأول أحسن« وبالصالحات يعمر الفقه » لأن العمل يصير سببا لزيادة العلم كما أن من بيده سراجا إذا وقف لا يرى إلا ما حوله وكلما مشى ينتفع بالضوء ويرى ما لم يره كما ورد : من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم ، وقد مر أن العلم يهتف بالعمل فإن أجاب وإلا ارتحل عنه ، وقيل : الفقرتان مبنيتان على أن المراد بالعمل الصالح ولاية أهل البيتعليهم‌السلام كما ورد في تأويل كثير من الآيات ، وظاهر أن بالإيمان يستدل على الولاية ربها يعمر الفقه لأخذه عنهم.

« وبالفقه يرهب الموت » أي كثرة العلم واليقين سبب لزيادة الخشية كما قال


تزلف الجنة والجنة حسرة أهل النار والنار موعظة المتقين والتقوى سنخ الإيمان

______________________________________________________

تعالى : «إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ »(١) فالمراد بخشية الموت خشية ما بعد الموت أو يخشى نزول الموت قبل الاستعداد له ولما بعده ،فقوله : وبالموت تختم الدنيا كالتعليل لذلك لأن الدنيا التي هي مضمار العمل تختم بالموت فلذا يرهبه لحيلولته بينه وبين العمل والاستعداد للقاء الله لا لحب الحياة واللذات الدنيوية والمألوفات الفانية« وبالدنيا تجوز القيامة » هذه الفقرة أيضا كالتعليل لما سبق أي إنما ترهب الموت لأن بالدنيا والأعمال الصالحة المكتسبة فيها تجوز من أهوال القيامة وتخرج عنها إلى نعيم الأبد بأن يكون على صيغة الخطاب من الجواز ، وفي بعض النسخ بصيغة الغيبة أي يجوز المؤمن أو الإنسان ، وفي بعضها يجاز على بناء المجهول وهو أظهر ، وفي بعضها يحاز بالحاء المهملة من الحيازة أي تحاز مثوبات القيامة وعلى التقادير فالوجه فيه أن كل ما يلقاه العبد في القيامة فإنما هو نتائج عقائده وأعماله وأخلاقه المكتسبة في الدنيا ، فبالدنيا تجاز القيامة أو تحاز.

ومنهم من قرأ تحوز بالحاء المهملة أي بسبب الدنيا وأعمالها تجمع القيامة الناس للحساب والجزاء فإن القيامة جامع الحلبة كما مر ، وفي التحف تحذر القيامة وكأنه أظهر.

« وبالقيامة تزلف الجنة » أي تقرب للمتقين كما قال تعالى : «وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ »(٢) وفي المجالس : وتزلف الجنة للمتقين وتبرز الجحيم للغاوين ، وقال البيضاوي «وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ » بحيث يرونها من الموقف فيتبجحون(٣) بأنهم المحشورون إليها «وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ » فيرونها مكشوفة ويتحسرون على أنهم المسوقون إليها ، وفي اختلاف الفعلين ترجيح لجانب الوعد ، انتهى.

__________________

(١) سورة فاطر : ٢٨.

(٢) سورة ق : ٣١.

(٣) تبجّح به : فرح.


باب

صفة الإيمان

١ ـ بالإسناد الأول ، عن ابن محبوب ، عن يعقوب السراج ، عن جابر ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال سئل أمير المؤمنينعليه‌السلام عن الإيمان فقال إن الله عز وجل

______________________________________________________

« والجنة حسرة أهل النار » في القيامة حيث لا تنفع الحسرة والندامة ، وتلك علاوة لعذابهم العظيم« والنار موعظة للمتقين » في الدنيا حيث ينفعهم فيتركون ما يوجبها ويأتون بما يوجب البعد عنها« والتقوى سنخ الإيمان » أي أصله وأساسه ، في القاموس : السنخ بالكسر الأصل.

باب صفة الإيمان

الحديث الأول : صحيح وهو من تتمة الخبر السابق ، وهو مروي في الكتب الثلاثة بتغيير نشير إلى بعضه.

قال في النهج : سئلعليه‌السلام عن الإيمان؟ فقال :الإيمان على أربع دعائم ، الدعامة بالكسر عماد البيت ، ودعائم الإيمان ما يستقر عليه ويوجب ثباته واستمراره وقوته« على الصبر واليقين والعدل والجهاد » قال ابن ميثم : فاعلم أنهعليه‌السلام أراد الإيمان الكامل ، وذلك له أصل وله كمالات بها يتم أصله ، فأصله هو التصديق بوجود الصانع ، وما له من صفات الكمال ونعوت الجلال ، وبما تنزلت به كتبه وبلغته رسله ، وكمالاته المتممة هي الأقوال المطابقة ومكارم الأخلاق والعبادات.

ثم إن هذا الأصل ومتمماته هو كمال النفس الإنسانية لأنها ذات قوتين علمية وعملية ، وكمالها بكمال هاتين القوتين ، فأصل الإيمان هو كمال القوة العلمية منها ، ومتمماته وهي مكارم الأخلاق والعبادات هي كمال القوة العملية.

إذا عرفت هذا فنقول : لما كانت أصول الفضائل الخلقية التي هي كمال الإيمان


جعل الإيمان على أربع دعائم على الصبر واليقين والعدل والجهاد فالصبر من ذلك على أربع شعب على الشوق والإشفاق والزهد والترقب فمن اشتاق إلى الجنة سلا

______________________________________________________

أربعا هي الحكمة والعفة والشجاعة والعدل أشار إليها واستعار لها لفظ الدعائم باعتبار أن الإيمان الكامل لا يقوم في الوجود إلا بها ، كدعائم البيت فعبر عن الحكمة باليقين ، والحكمة منها علمية وهي استكمال القوة النظرية بتصور الأمور والتصديق بالحقائق النظرية والعملية بقدر الطاقة البشرية ، ولا تسمى حكمة حتى يصير هذا الكمال حاصلا لها باليقين والبرهان ، ومنها عملية وهي استكمال النفس بملكة العلم بوجوه الفضائل النفسانية الخلقية ، وكيفية اكتسابها ووجوه الرذائل النفسانية وكيفية الاحتراز عنها واجتنابها ، وظاهر أن العلم الذي صار ملكة هو اليقين وعبر عن العفة بالصبر.

والعفة هي الإمساك عن الشره في فنون الشهوات المحسوسة وعدم الانقياد للشهوة وقهرها وتصريفها بحسب الرأي الصحيح ، ومقتضى الحكمة المذكورة ، وإنما عبر عنها بالصبر لأنها لازم من لوازمه ، إذ رسمه أنه ضبط النفس وقهرها عن الانقياد لقبائح اللذات.

وقيل : هو ضبط النفس عن أن يقهرها ألم مكروه ينزل بها ، ويلزم في العقل احتماله أو يلزمها حب مشتهى يتشوق الإنسان إليه ، ويلزمه في حكم العقل اجتنابه حتى لا يتناوله على غير وجهه ، وظاهر أن ذلك يلازم العفة وكذلك عبر عن الشجاعة بالجهاد لاستلزامه إياها إطلاقا لاسم الملزوم على لازمه.

والشجاعة هي ملكة الإقدام الواجب على الأمور التي يحتاج الإنسان أن يعرض نفسه لاحتمال المكروه والآلام الواصلة إليه منها ، وأما العدل فهو ملكة فاضلة ينشأ عن الفضائل الثلاث المشهورة وتلزمها ، إذ كل واحدة من هذه الفضائل محتوشة برذيلتين هما طرفا الإفراط والتفريط منها ، ومقابلة برذيلة هي ضدها ، انتهى.

« فالصبر من ذلك » وفي النهج منها« على أربع شعب » الشعبة من الشجرة


عن الشهوات ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات ومن زهد في الدنيا هانت عليه

______________________________________________________

بالضم الغصن المتفرع منها ، وقيل : الشعبة ما بين الغصنين والقرنين ، والطائفة من الشيء وطرف الغصن ، والمراد هنا فروع الصبر وأنواعه أو أسباب حصوله« على الشوق والإشفاق » وفي سائر الكتب والشفق والزهد ، وفي المجالس والزهادة والترقب ، الشوق إلى الشيء نزوع النفس إليه وحركة الهوى ، والشفق بالتحريك : الحذر والخوف كالأشفاق ، والزهد ضد الرغبة« والترقب » الانتظار أي انتظار الموت ومداومة ذكره وعدم الغفلة عنه ، ولما كان الصبر أنواع ثلاثة كما سيأتي في بابه الصبر عند البلية والصبر على مشقة الطاعة ، والصبر على ترك الشهوات المحرمة ، وكان ترك الشهوات قد يكون للشوق إلى اللذات الأخروية ، وقد يكون للخوف من عقوباتها جعل بناء الصبر على أربع ، على الشوق إلى الجنة ، ثم بين ذلكبقوله :

فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات أي نسيها وصبر على تركها ، يقال : سلا عن الشيء أي نسيه ، وسلوت عنه سلوا كقعدت قعودا أي صبرت ، وعلى الإشفاق عن النار ، وبينهابقوله : ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات ، وفي المجالس والتحف عن الحرمات ، وفي النهج اجتنب المحرمات ، ويمكن أن تكون الشهوات المذكورة سابقا شاملة للمكروهات أيضا.

وعلى الزهد وعدم الرغبة في الدنيا وما فيها من الأموال والأزواج والأولاد وغيرها من ملاذها ومألوفاتها ، وبينها بقوله : ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصائب ، وفي بعض النسخ والكتابين :المصيبات. وفي النهج : استهان بالمصيبات أي عدها سهلا هينا واستخف بها ، لأن المصيبة حينئذ بفقد شيء من الأمور التي زهد عنها ولم يستقر في قلبه حبها وعلى ارتقاب الموت وكثرة تذكره وبينهابقوله : ومن راقب الموت سارع إلى الخيرات ، وفي الكتابين ومن ارتقب ، وفي النهج : في الخيرات.

ثم إن تخصيص الشوق إلى الجنة والإشفاق من النار بترك المشتهيات والمحرمات مع أنهما يصيران سببين لفعل الطاعات أيضا إما لشدة الاهتمام بترك المحرمات


المصيبات ومن راقب الموت سارع إلى الخيرات واليقين على أربع شعب ـ تبصرة الفطنة وتأول الحكمة ومعرفة العبرة وسنة الأولين فمن أبصر الفطنة عرف الحكمة

______________________________________________________

وكون الصبر عليها أشق وأفضل كما سيأتي في الخبر ، أو لأن فعل الطاعات أيضا داخلة فيهما فإن المانع عن الطاعات غالبا الاشتغال بالشهوات النفسانية ، فالسلو عنها يستلزم فعلها ، بل لا يبعد أن يكون الغرض الأصلي من الفقرة الأولى ذلك بل يمكن إدخال فعل الواجبات في الفقرة الثانية ، لأن ترك كل واجب محرم ويدخل ترك المكروهات وفعل المندوبات في الفقرة الأولى.

« واليقين على أربع شعب تبصرة الفطنة » وفي النهج والتحف على تبصرة ، والتبصرة مصدر باب التفعيل ، والفطنة الحذق وجودة الفهم ، وقال ابن ميثم : هي سرعة هجوم النفس على حقائق ما تورده الحواس عليها وقال : تبصرة الفطنة أعمالها.

أقول : يمكن أن تكون الإضافة إلى الفاعل ، أي جعل الفطنة الإنسان بصيرا أو إلى المفعول أي جعل الإنسان الفطنة بصيرة ، ويحتمل أن تكون التبصرة بمعنى الإبصار والرؤية فرؤيتها كناية عن التوجه والتأمل فيها وفي مقتضاها ، فالإضافة إلى المفعول وحمله على الإضافة إلى الفاعل محوج إلى تكلف في قوله : فمن أبصر الفطنة.

« وتأول الحكمة » التأول والتأويل تفسير ما يؤول إليه الشيء ، وقيل : أول الكلام وتأوله أي دبره وقدره وفسره ، والحكمة العلم بالأشياء على ما هي عليه ، فتأول الحكمة التأول الناشئ من العلم والمعرفة ، وهو الاستدلال على الأشياء بالبراهين الحقة وقال ابن ميثم : هو تفسير الحكمة واكتساب الحقائق ببراهينها ، واستخراج وجوه الفضائل ومكارم الأخلاق من مظانها ككلام يؤثر أو غيره يعتبر ، وقال الكيدري : تأول الحكمة هو العلم بمراد الحكماء فيما قالوا ، وأولي الحكمة بأن يعلم قول الله ورسوله قال تعالى : «وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ »(١) .

« ومعرفة العبرة » وفي سائر الكتب : وموعظة العبرة ، والعبرة ما يتعظ به

__________________

(١) سورة الجمعة : ٢.


ومن تأول الحكمة عرف العبرة ومن عرف العبرة عرف السنة ومن عرف السنة فكأنما كان مع الأولين واهتدى إلى التي «هِيَ أَقْوَمُ » ونظر إلى من نجا بما نجا ومن

______________________________________________________

الإنسان ويعتبره ليستدل به على غيره ، والموعظة تذكير ما يلين القلب ، وموعظة العبرة أن تعظ العبرة الإنسان فيتعظ بها« وسنة الأولين » السنة السيرة محمودة كانت أو مذمومة ، أي معرفة سنة الماضين وما آل أمرهم إليه من سعادة أو شقاوة فيتبع أعمال السعداء ويجتنب قبائح الأشقياء.

ثم بينعليه‌السلام فوائد هذه الشعب وكيفية ترتب اليقين عليها فقال :فمن أبصر الفطنة أي جعلها بصيرة أو نظر إليها وأعملها ، كان من لم يعملها ولم يعمل بمقتضاها لم يبصرها ، وفي سائر الكتب تبصر في الفطنة وهو أظهر« عرف الحكمة » وفي النهج تبينت له الحكمة ، وفي التحف تأول الحكمة ، وفي المجالس تبين الحكمة والكل حسن ، وقال الكيدري : تبصر أي نظر وتفكر ، وصار ذا بصيرة وقال : الحكمة العلم الذي يدفع الإنسان عن فعل القبيح ، مستعار من حكمة اللجام ، ومن تأول الحكمة وعرفها كما هي ، عرف العبرة بأحوال السماء والأرض والدنيا وأهلها ، فتحصل له الحكمة النظرية والعملية ، وفي النهج : ومن تبينت له الحكمة ، وفي المجالس : ومن تبين الحكمة.

« ومن عرف العبرة عرف السنة » أي سنة الأولين وسنة الله فيهم ، فإنها من أعظم العبر« ومن عرف السنة فكأنما كان مع الأولين » في حياتهم أو بعد موتهم أيضا فإن المعرفة الكاملة تفيد فائدة المعاينة لأهلها ، وفي التحف فكأنما عاش في الأولين وفي النهج : ومن عرف العبرة فكأنما كان في الأولين« واهتدى » أي بذلك« إلى التي «هِيَ أَقْوَمُ » أي الطريقة التي هي أقوم الطرائق.

ثم بينعليه‌السلام كيفية العبرة فقال :« ونظر إلى من نجا » أي من الأولين« بما نجا » من متابعة الأنبياء والمرسلين والأوصياء المرضيين والاقتداء بهم علما


هلك بما هلك وإنما أهلك الله من أهلك بمعصيته وأنجى من أنجى بطاعته والعدل على أربع شعب غامض الفهم وغمر العلم وزهرة الحكم وروضة الحلم فمن فهم فسر

______________________________________________________

وعملا« ومن هلك بما هلك » من مخالفة أئمة الدين ومتابعة الأهواء المضلة والشهوات المزلة ، وليست هذه الفقرات من قوله : واهتدى إلى قوله : بطاعته ، في سائر الكتب.

« والعدل على أربع شعب » وفي النهج والعدل منها ، وكان المراد بالعدل هنا ترك الظلم والحكم بالحق بين الناس وإنصاف الناس من نفسه ، لا ما هو مصطلح الحكماء من التوسط في الأمور فإنه يرجع إلى سائر الأخلاق الحسنة « غامض الفهم » الغامض خلاف الواضح من الكلام ، ونسبته إلى الفهم مجاز ، وكان المعنى فهم الغوامض ، أو هو من قولهم أغمض حد السيف أي رققه ، وفي النهج والتحف : غائص من الغوص وهو الدخول تحت الماء لإخراج اللؤلؤ وغيره ، وقال الكيدري : هو من إضافة الصفة إلى الموصوف للتأكيد والفهم الغائص ما يهجم على الشيء فيطلع على ما هو عليه كمن يغوص على الدر واللؤلؤ.

« وغمر العلم » أي كثرته في القاموس : الغمر الماء الكثير وغمر الماء غمارة وغمورة كثر ، وغمرة الماء غمرا واغتمره غطاه ، وفي التحف والخصال : وغمرة العلم ، وفي النهج وغور العلم وغور كل شيء قعره ، والغور الدخول في الشيء وتدقيق النظر في الأمر.

« وزهرة الحكم » الزهرة بالفتح البهجة والنضارة والحسن والبياض ، ونور النبات ، والحكم بالضم القضاء والعلم والفقه« وروضة الحلم » الإضافة فيها وفي الفقرة السابقة من قبيل لجين الماء ، وفيهما مكنية وتخييلية حيث شبه الحكم الواقعي بالزهرة لكونه معجبا ، ومثمر الأنواع الثمرات الدنيوية والأخروية ، والحلم بالروضة لكونه رائقا ونافعا في الدارين ، وفي النهج ورساخة الحلم يقال : رسخ كمنع رسوخا بالضم ورساخة بالفتح أي ثبت ، والحلم الأناة والتثبت ، وقيل : هو الإمساك عن


جميع العلم ومن علم عرف شرائع الحكم ومن حلم لم يفرط في أمره وعاش في الناس حميدا والجهاد على أربع شعب على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصدق

______________________________________________________

المبادرة إلى قضاء وطر الغضب ورساخة الحلم قوته وكماله« فمن فهم فسر جميع العلم ومن علم عرف شرائع الحكم » أي من فهم غوامض العلوم فسر ما اشتبه على الناس منها ، ومن كان كذلك عرف شرائع الحكم بين الناس فلا يشتبه عليه الأمر ولا يظلم ولا يجور ، وبعده في المجالس : ومن عرف شرائع الحكم لم يضل « ومن حلم لم يفرط في أمره » ولم يغضب على الناس وتثبت في الأمر ، وفي النهج فمن فهم علم غور العلم ومن علم غور العلم صدر عن شرائع الحكم ومن حلم « إلخ ».

والصدور الرجوع عن الماء ، والشريعة مورد الناس للاستسقاء ، والصدور عن شرائع الحكم كناية عن الإصابة فيه وعدم الوقوع في الخطإ ،ولم يفرط على بناء التفعيل أي لم يقصر فيما يتعلق به من أمور القضاء والحكم ، أو مطلقا ، وفي بعض نسخ النهج على بناء الأفعال ، أي لم يجاوز الحد.

« وعاش في الناس حميدا » وفي التحف وعاش به والعيش الحياة والحميد المحمود المرضي.

« والجهاد على أربع شعب » تلك الشعب إما أسباب الجهاد أو أنواعه الخفية ذكرها لئلا يتوهم أنه منحصر في الجهاد بالسيف مع أنه أحد أفراد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، بل الجهاد استفراغ الوسع في إعلاء كلمة الله واتباع مرضاته ، وترويج شرائعه باليد واللسان والقلب ، قال الراغب : الجهاد والمجاهدة استفراغ الوسع في مدافعة العدو ، والجهاد ثلاثة أضرب : مجاهدة العدو الظاهر ومجاهدة الشيطان ومجاهدة النفس ، وتدخل ثلاثتها في قوله : «وَجاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ »(١) «وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ »(٢) «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا

__________________

(١) سورة الحجّ : ٧٨.

(٢) سورة التوبة : ٤١.


في المواطن وشنآن الفاسقين فمن أمر بالمعروف شد ظهر المؤمن ومن نهى عن المنكر

______________________________________________________

بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ »(١) وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم ، والمجاهدة تكون باليد واللسان قالعليه‌السلام : جاهدوا الكفار بأيديكم وألسنتكم.

« على الأمر بالمعروف » وهو الذي عرفه الشارع وعده حسنا ، فإن كان واجبا فالأمر واجب ، وإن كان مندوبا فالأمر مندوب« والنهي عن المنكر » أي ما أنكره الشارع وعده قبيحا وهما مشروطان بالعلم بكونه معروفا أو منكرا وتجويز التأثير وعدم المفسدة وهما يجبان باليد واللسان والقلب.

« والصدق في المواطن » أي ترك الكذب على كل حال إلا مع خوف الضرر فيوري(٢) فلا يكون كذبا ، والمواطن مواضع جهاد النفس ، وجهاد العدو ، وجهاد الفاسق بالأمر والنهي ، ومواطن الرضا والسخط والضر والنفع ما لم يصل إلى حد تجويز التقية ، وأصل الصدق والكذب أن يكونا في القول ثم في الخبر من أصناف الكلام كما قال تعالى : «وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً »(٣) «وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً »(٤) وقد يكونان بالعرض في غيره من أنواع الكلام كقول القائل : أزيد في الدار؟ لتضمنه كونه جاهلا بحال زيد ، وكما إذا قال : واسني لتضمنه أنه محتاج إلى المواساة ويستعملان في أفعال الجوارح فيقال : صدق في القتال إذا وفي حقه ، وصدق في الإيمان إذا فعل ما يقتضيه من الطاعة ، فالصادق الكامل من يكون لسانه موافقا لضميره ، وفعله مطابقا لقوله ، ومنه الصديق حيث يطلق على المعصوم ، فيحتمل أن يكون الصدق هنا شاملا لجميع ذلك.

« وشنآن الفاسقين » الشنآن بالتحريك والسكون وقد صح بهما في النهج

__________________

(١) سورة الأنفال : ٧٢.

(٢) من التورية.

(٣) سورة النساء : ١٣٢.

(٤) سورة النساء : ٨٧.


أرغم أنف المنافق وأمن كيده ومن صدق في المواطن قضى الذي عليه ومن شنئ الفاسقين

______________________________________________________

البغض ، يقال : شنئه كسمعه ومنعه شنأ مثلثة وشناءة وشنآنا وهذا أولى مراتب النهي عن المنكر ، وقيل : هو مقتضى الإيمان ويجب على كل حال ، وليس داخلا في النهي عن المنكر.

« شد ظهر المؤمن » وفي النهج ظهور المؤمنين وشد الظهر كناية عن التقوية كما أن قصم الظهر كناية عن ضدها ، والأمر بالمعروف يقوى المؤمن لأنه يريد ترويج شرائع الإيمان وعسى أن لا يتمكن منه« أرغم أنف المنافقين » وفي النهج أنوف المنافقين وإرغام الأنف كناية عن الإذلال ، وأصله إلصاق الأنف بالرغام وهو التراب ، ويطلق على الإكراه على الأمر ويقال : فعلته على رغم أنفه أي على كره منه ، والرغم مثلثة الكره ، والمنكر مطلوب للمنافقين والفساق الذين هم صنف منهم حقيقة ، والنهي عن المنكر يرغم أنوفهم« ومن صدق في المواطن قضى الذي عليه » وفي سائر الكتب سوى الخصال : قضى ما عليه أي من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا لم يقدر على أكثر من ذلك أو من جميع التكاليف فإن الصدق في الإيمان والعقائد يقتضي العمل بجميع التكاليف فعلا وتركا أو لأنه يأتي بها لئلا يكون كاذبا إذا سئل عنها« ومن شنئ الفاسقين » المضبوط في النهج بكسر النون ، وفيه بعده :وغضب لله غضب الله له وأرضاه يوم القيامة ، ثم ذكر دعائم الكفر كما سيأتي في أبواب الكفر ، والكليني فرق الخبر على الأبواب.

ولنتمم كلام المحقق البحراني وإن لم يكن فيه كثير فائدة بعد ما ذكرنا ، قال بعد ما مر : وأما شعب هذه الدعائم فاعلم أنه جعل لكل دعامة منها أربع شعب من الفضائل بل تتشعب منها ، وتتفرع عليها فهي كالفروع لها والأغصان.

إما شعب الصبر الذي هو عبارة عن ملكة العفة فأحدها : الشوق إلى الجنة ومحبة الخيرات الباقية ، الثاني : الشفق وهو الخوف من النار وما يؤدي إليها ، الثالث : الزهد في الدنيا وهو الإعراض بالقلب عن متاعها وطيباتها ، الرابع


غضب لله ومن غضب لله غضب الله له فذلك الإيمان ودعائمه وشعبه.

______________________________________________________

ترقب الموت ، وهذه الأربع فضائل منبعثة عن ملكة العفة لأن كلا منها يستلزمها.

وأما شعب اليقين فأحدها تبصرة الفطنة وأعمالها ، الثاني : تأول الحكمة وهو تفسيرها ، الثالث : موعظة العبرة ، الرابع : أن يلحظ سنة الأولين حتى يصير كأنه فيهم ، وهذه الأربع هي فضائل تحت الحكمة كالفروع لها وبعضها كالفروع للبعض.

وأما شعب العدل فأحدها غوص الفهم أي الفهم الغائص ، فأضاف الصفة إلى الموصوف وقدمها للاهتمام بها ورسم هذه الفضيلة أنها قوة إدراك المعنى المشار إليه بلفظ أو كتابة أو إشارة ونحوها ، الثاني : غور العلم وأقصاه وهو العلم بالشيء كما هو بحقيقته وكنهه ، الثالث : نور الحكم أي تكون الأحكام الصادرة عنه نيرة واضحة لا لبس فيها ولا شبهة ، الرابع : ملكة الحلم وعبر عنها بالرسوخ لأن شأن الملكة ذلك ، والحلم هو الإمساك عن المبادرة إلى قضاء وطر الغضب فيمن يجني عليه جناية يصل مكروهها إليه.

واعلم أن فضيلتي جودة الفهم وغور العلم وإن كانتا داخلتين تحت الحكمة وكذلك فضيلة الحلم داخلة تحت ملكة الشجاعة إلا أن العدل لما كان فضيلة موجودة في الأصول الثلاثة كانت في الحقيقة هي وفروعها شعبا للعدل ، بيانه أن الفضائل كلها ملكات متوسطة بين طرف إفراط وتفريط ، وتوسطها ذلك هو معنى كونها عدلا فهي بأسرها شعب له وجزئيات تحته.

وأما شعب الشجاعة المعبر عنها بالجهاد فأحدها الأمر بالمعروف ، والثاني : النهي عن المنكر ، والثالث : الصدق في المواطن المكروهة ، ووجود الشجاعة في هذه الشعب الثلاث ظاهر ، والرابع : شنآن الفاسقين ، وظاهر أن بغضهم مستلزم لعداوتهم في الله ، وثوران القوة الغضبية في سبيله لجهادهم وهو مستلزم للشجاعة.

وأما ثمرات هذه الفضائل فأشار إليها للترغيب في مثمراتها ، فثمرات شعب


.................................................................................................

______________________________________________________

العفة أربع : أحدها : ثمرة الشوق إلى الجنة وهو السلو عن الشهوات ، وظاهر كونه ثمرة له إذ السالك إلى الله ما لم يشتق إلى ما وعد المتقون لم يكن له صارف عن الشهوات الحاضرة مع توفر الدواعي إليها ، فلم يسل عنها ، الثانية : ثمرة الخوف من النار وهو اجتناب المحرمات ، الثالثة : ثمرة الزهد وهي الاستهانة بالمصيبات لأن غالبها وعامها إنما يلحق بسبب فقد المحبوب من الأمور الدنيوية فمن أعرض عنها بقلبه كانت المصيبة بها هينة عنده ، الرابعة : ثمرة ترقب الموت وهي المسارعة في الخيرات والعمل له ولما بعده.

وأما ثمرات اليقين فإن بعض شعبة ثمرة لبعض فإن تبين الحكمة وتعلمها ثمرات لإعمال الفطنة والفكرة ومعرفة العبر ومواقع الاعتبار بالماضين ، والاستدلال بذلك على صانع حكيم ثمرة لتبيين وجوه الحكمة وكيفية الاعتبار.

وأما ثمرات العدل فبعضها كذلك أيضا وذلك أن جودة الفهم وغوصة مستلزم للوقوف على غور العلم وغامضة ، والوقوف على غامض العلم مستلزم للوقوف على شرائع الحكم العادل ، والصدور عنها بين الخلق من القضاء الحق.

وأما ثمرة الحلم فعدم وقوع الحليم في طرف التفريط والتقصير عن هذه الفضيلة وهي رذيلة الجبن ، وأن يعيش في الناس محمودا بفضيلته.

وأما ثمرات الجهاد فأحدها ثمرة الأمر بالمعروف وهو شد ظهور المؤمنين ومعاونتهم على إقامة الفضيلة ، الثانية : ثمرة النهي عن المنكر وهي إرغام أنوف المنافقين وإذلالهم بالقهر عن ارتكاب المنكرات ، وإظهار الرذيلة ، الثالثة : ثمرة الصدق في المواطن المكروهة وهي قضاء الواجب من أمر الله تعالى في دفع أعدائه والذب عن الحريم ، والرابعة : ثمرة بغض الفاسقين والغضب لله وهي غضب الله لمن أبغضهم وإرضاؤه يوم القيامة في دار كرامته.


باب

فضل الإيمان على الإسلام واليقين على الإيمان

١ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن سالم ، عن أحمد بن النضر ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر قال قال لي أبو عبد اللهعليه‌السلام يا أخا جعف إن الإيمان أفضل من الإسلام وإن اليقين أفضل من الإيمان وما من شيء أعز من اليقين.

______________________________________________________

باب فضل الإيمان على الإسلام واليقين على الإيمان

الحديث الأول : ضعيف.

« يا أخا جعف » أي يا جعفي وهم قبيلة من اليمن ، وفي المصباح هو أخو تميم أي واحد منهم ، وفضل الإيمان على الإسلام إما باعتبار الولاية في الأول أو الإذعان القلبي فيه مع الأعمال أو بدونها كما مر جميع ذلك ، وعلى أي معنى أخذت يعتبر في الإيمان ما لا يعتبر في الإسلام فهو أخص وأفضل ، وكذا اليقين يعتبر فيه أعلى مراتب الجزم بحيث يترتب عليه الآثار ، ويوجب فعل الطاعات وترك المناهي ، ولا يعتبر ذلك في الإيمان أي في حقيقته حتى يكون في جميع أفراده فهو أخص وأفضل أفراد الإيمان ، أو يعتبر في اليقين عدم احتمال النقيض ، ولا يعتبر ذلك في الإيمان مطلقا كما مر ، والأظهر أن التصديق الذي لا يحتمل النقيض تختلف مراتبه حتى يصل إلى مرتبة اليقين كما أومأنا إليه سابقا.

« وما شيء أعز من اليقين » أي أقل وجودا في الناس منه أو أشرف منه ، والأول أظهر ، إذ اليقين لا يجتمع مع المعصية لا سيما مع الإصرار عليها ، وتارك ذلك نادر قليل ، بل يمكن أن يدعى أن أيمان أكثر الخلق ليس إلا تقليدا وظنا يزول بأدنى وسوسة من النفس والشيطان ، ألا ترى أن الطبيب إذا أخبر أحدهم بأن الطعام الفلاني يضره أو يوجب زيادة مرضه أو بطوء برئه يحتمي الطعام بمحض


٢ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد والحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد جميعا ، عن الوشاء ، عن أبي الحسنعليه‌السلام قال سمعته يقول الإيمان فوق الإسلام بدرجة والتقوى فوق الإيمان بدرجة واليقين فوق التقوى بدرجة وما قسم في الناس

______________________________________________________

قول هذا الطبيب حفظا لنفسه من الضرر الضعيف المتوهم ، ولا يترك المعصية الكبيرة مع إخبار الله ورسوله وأئمة الهدىعليهم‌السلام بأنها مهلكة وموجبة للعذاب الشديد وليس ذلك إلا لضعف الإيمان وعدم اليقين.

الحديث الثاني : ضعيف على المشهور معتبر.

ويدل على أن التقوى أفضل من الإيمان ، والتقوى من الوقاية وهي في اللغة فرط الصيانة ، وفي العرف صيانة النفس عما يضرها في الآخرة وقصرها على ما ينفعها فيها ، ولها ثلاث مراتب الأولى : وقاية النفس عن العذاب المخلد ، بتصحيح العقائد الإيمانية ، والثانية : التجنب عن كل ما يؤثم من فعل أو ترك وهو المعروف عند أهل الشرع ، والثالثة : التوقي عن كل ما يشغل القلب عن الحق ، وهذه درجة الخواص ، من خاص الخاص.

والمراد هنا أحد المعنيين الأخيرين ، وكونه فوق الإيمان بالمعنى الثالث ظاهر على أكثر معاني الإيمان التي سبق ذكرها ، وإن أريد المعنى الثاني فالمراد بالإيمان إما محض العقائد الحقة أو مع فعل الفرائض وترك الكبائر بأن يعتبر ترك الصغائر أيضا في المعنى الثاني ، وقيل : باعتبار أن الملكة معتبرة فيها لا فيه ، ولا يخفى ما فيه.

وكوناليقين فوق التقوى كأنه يعين حملها على المعنى الثاني وإلا فيشكل الفرق ، لكن درجات المرتبة الأخيرة أيضا كثيرة فيمكن حمل اليقين على أعالي درجاتها ، وما قيل في الفرق : أن التقوى قد يوجد بدون اليقين كما في بعض المقلدين فهو ظاهر الفساد ، إذ لا توجد هذه الدرجة الكاملة من التقوى لمن كان بناء إيمانه على الظن والتخمين.

وقوله عليه‌السلام : وما قسم للناس ، يدل على أن للاستعدادات الذاتية والعنايات


شيء أقل من اليقين.

٣ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحسن بن محبوب ، عن علي بن رئاب ، عن حمران بن أعين قال سمعت أبا جعفرعليه‌السلام يقول إن الله فضل الإيمان على الإسلام بدرجة كما فضل الكعبة على المسجد الحرام.

٤ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن أبيه ، عن هارون بن الجهم أو غيره ، عن عمر بن أبان الكلبي ، عن عبد الحميد الواسطي ، عن أبي بصير قال قال لي أبو عبد اللهعليه‌السلام يا أبا محمد الإسلام درجة قال قلت نعم قال والإيمان على الإسلام درجة قال قلت نعم قال والتقوى على الإيمان درجة قال قلت نعم قال واليقين على التقوى درجة قال قلت نعم قال فما أوتي الناس أقل

______________________________________________________

الإلهية مدخلا في مراتب الإيمان واليقين كما مرت الإشارة إليه.

الحديث الثالث : حسن.

وقد مر وجه هذا التشبيه في الفرق بين الإسلام والإيمان.

الحديث الرابع : مجهول.

« الإسلام درجة » أي درجة من الدرجات أو أول درجة وهو استفهام أو خبر« ونعم » يقع في جوابهما« على الإسلام » أي مشرفا أو زائدا عليه« ما أوتي الناس أقل من اليقين » أي الإيمان أقل من سائر ما أعطي الناس من الكمالات أو هو عزيز نادر فيهم كما مر ، وقيل : المعنى ما أعطى الناس شيئا قليلا من اليقين ولا يخفى بعده ، وكأنه حمله على ذلك ما سيأتي.

قوله عليه‌السلام : بأدنى الإسلام ، كان المراد بالإسلام هنا مجموع العقائد الحقة بل مع قدر من الأعمال كما مر من اختلاف معاني الإسلام ، ويحتمل أن يكون المراد بالخطاب غير المخاطب من ضعفاء الشيعة ، وقيل : المراد بأدنى الإسلام أدنى الدرجات إلى الإسلام وهو الإيمان من قبيل يوسف أحسن إخوته.


من اليقين وإنما تمسكتم بأدنى الإسلام فإياكم أن ينفلت من أيديكم.

٥ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس قال سألت أبا الحسن الرضاعليه‌السلام عن الإيمان والإسلام فقال قال أبو جعفرعليه‌السلام إنما هو الإسلام والإيمان فوقه بدرجة والتقوى فوق الإيمان بدرجة واليقين فوق التقوى بدرجة ولم يقسم بين الناس شيء أقل من اليقين قال قلت فأي شيء اليقين قال التوكل

______________________________________________________

« أن ينفلت من أيديكم » أي يخرج من قلوبكم فجأة فيدل على أن من لم يكن في درجة كاملة من الإيمان فهو على خطر من زواله فلا يغتر من لم يتق المعاصي بحصول العقائد له ، فإنه يمكن زواله عنه بحيث لم يعلم ، فإن الأعمال الصالحة والأخلاق الحسنة حصون للإيمان تحفظه من سراق شياطين الإنس والجان ، قال الجوهري : يقال كان ذلك الأمر فلتة أي فجأة إذا لم يكن عن تدبر ولا تردد ، وأفلت الشيء وتفلت بمعنى ، وأفلته غيره.

الحديث الخامس : صحيح.

« إنما هو الإسلام » كان الضمير راجع إلى الدين لقوله تعالى : «إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ »(١) أو ليس أول الدخول في الدين إلا درجة الإسلام.

قوله عليه‌السلام : التوكل على الله ، تفسير اليقين بما ذكر من باب تعريف الشيء بلوازمه وآثاره ، فإنه إذا حصل اليقين في النفس بالله سبحانه ووحدانيته وعلمه وقدرته وحكمته وتقديره للأشياء وتدبيره فيها ورأفته بالعباد ورحمته ، يلزم التوكل عليه في أموره والاعتماد عليه والوثوق به ، وإن توسل بالأسباب تعبدا والتسليم له في جميع أحكامه ، ولخلفائه فيما يصدر عنهم ، والرضا بكل ما يقضي عليه على حسب المصالح من النعمة والبلاء والفقر والغناء ، والعز والذل وغيرها ، وتفويض الأمر إليه في دفع شر الأعادي الظاهرة والباطنة ، أورد الأمر بالكلية إليه في جميع الأمور بحيث يرى قدرته مضمحلة في جنب قدرته ، وإرادته معدومة

__________________

(١) سورة آل عمران : ١٩.


على الله والتسليم لله والرضا بقضاء الله والتفويض إلى الله قلت فما تفسير ذلك قال هكذا قال أبو جعفرعليه‌السلام .

٦ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن الرضاعليه‌السلام قال الإيمان فوق الإسلام بدرجة والتقوى فوق الإيمان بدرجة واليقين فوق التقوى بدرجة ولم يقسم بين العباد شيء أقل من اليقين.

______________________________________________________

عند إرادته كما قال الله تعالى : «وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللهُ »(١) ويعبر عن هذه المرتبة بالفناء في الله.

قوله عليه‌السلام : هكذا « إلخ » لما كان السائل قاصرا عن فهم حقائق هذه الصفات لم يجبهعليه‌السلام بالتفسير بل أكد حقيته بالرواية عن والدهعليهما‌السلام ، وقيل : استبعد الراوي كون هذه الأمور تفسيرا لليقين ، فأجابعليه‌السلام بأن الباقرعليه‌السلام كذا فسره.

الحديث السادس : صحيح ومطابق لحديث الوشاء.

قال بعض المحققين : اعلم أن العلم والعبادة جوهران لأجلهما كان كلما ترى وتسمع من تصنيف المصنفين وتعليم المعلمين ووعظ الواعظين ونظر الناظرين ، بل لأجلهما أنزلت الكتب وأرسلت الرسل ، بل لأجلهما خلقت السماوات والأرض وما فيهما من الخلق ، وناهيك لشرف العلم قول الله عز وجل : «اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً »(٢) ولشرف العبادة قوله سبحانه : «وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ »(٣) فحق للعبد أن لا يشتغل إلا بهما ، ولا يتعب إلا لهما ، وأشرف الجوهرين العلم كما ورد : فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم.

__________________

(١) سورة الإنسان : ٣٠.

(٢) سورة الطلاق : ١٢.

(٣) سورة الذاريات : ٥٦.


.................................................................................................

______________________________________________________

والمراد بالعلم الدين أعني معرفة الله سبحانه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر قال الله عز وجل : «آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ »(١) وقال تعالى : «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً »(٢) ومرجع الإيمان إلى العلم ، وذلك لأن الإيمان هو التصديق بالشيء على ما هو عليه ، ولا محالة هو مستلزم لتصور ذلك الشيء كذلك بحسب الطاقة ، وهما معنى العلم ، والكفر ما يقابله وهو بمعنى الستر والغطاء ، ومرجعه إلى الجهل ، وقد خص الإيمان في الشرع بالتصديق بهذه الخمسة ولو إجمالا ، فالعلم بها لا بد منه ، وإليه الإشارة بقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة ، ولكن لكل إنسان بحسب طاقته ووسعه ، «لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها » ، فإن العلم والإيمان درجات مترتبة في القوة والضعف والزيادة والنقصان ، بعضها فوق بعض ، كما دلت عليه الأخبار الكثيرة.

وذلك لأن الإيمان إنما يكون بقدر العلم الذي به حياة القلب وهو نور يحصل في القلب بسبب ارتفاع الحجاب بينه وبين الله جل جلاله. «اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها » وليس العلم بكثرة التعلم إنما هو نور يقذفه الله في قلب من يريد أن يهديه ، وهذا النور قابل للقوة والضعف والاشتداد والنقص كسائر الأنوار. «وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً » كلما ارتفع حجاب ازداد نور فيقوى الإيمان

__________________

(١) سورة البقرة : ٢٨٥.

(٢) سورة النساء : ١٣٦.


.................................................................................................

______________________________________________________

ويتكامل إلى أن ينبسط نور فينشرح صدره ويطلع على خلق الأشياء وتجلى له الغيوب ويعرف كل شيء في موضعه ، فيظهر له صدق الأنبياءعليهم‌السلام في جميع ما أخبروا عنه إجمالا وتفصيلا على حسب نوره ، وبمقدار انشراح صدره ، وينبعث من قلبه داعية العمل بكل مأمور ، والاجتناب عن كل محظور فيضاف إلى نور معرفته أنوار الأخلاق الفاضلة والملكات الحميدة «نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ » «نُورٌ عَلى نُورٍ » وكل عبادة تقع على وجهها تورث في القلب صفاء يجعله مستعدا لحصول نور فيه وانشراح ومعرفة ويقين ، ثم ذلك النور والمعرفة واليقين تحمله على عبادة أخرى وإخلاص آخر فيها يوجب نورا آخر وانشراحا أتم ومعرفة أخرى ويقينا أقوى ، وهكذا إلى ما شاء الله جل جلاله ، وعلى كل من ذلك شواهد من الكتاب والسنة.

ثم اعلم أن أوائل درجات الإيمان تصديقات مشوبة بالشكوك والشبه على اختلاف مراتبها ، ويمكن معها الشرك" «وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ » " وعنها يعبر بالإسلام في الأكثر" «قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ » " وأواسطها تصديقات لا يشوبها شك ولا شبهة" «الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا » " وأكثر إطلاق الإيمان عليها خاصة" «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ » " وأواخرها تصديقات كذلك مع كشف وشهود وذوق وعيان ، ومحبة كاملة لله سبحانه ، وشوق تام إلى حضرته المقدسة «يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ، أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ ». ، «لا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ، ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ » ، وعنها العبارة تارة بالإحسان ، الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ، وأخرى بالإيقان" «وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ » " وإلى المراتب الثلاث الإشارة بقوله عز وجل : " «لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا


باب

حقيقة الإيمان واليقين

١ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع ، عن محمد بن عذافر ، عن أبيه ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال بينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله

______________________________________________________

مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ »(١) وإلى مقابلاته التي هي مراتب الكفر الإشارة بقوله جل وعز : «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً »(٢) فنسبة الإحسان واليقين إلى الإيمان كنسبة الإيمان إلى الإسلام ، ولليقين ثلاث مراتب علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين «كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ » أن هذا لهو حق اليقين.

والفرق بينها إنما ينكشف بمثال فعلم اليقين بالنار مثلا هو مشاهدة المرئيات بتوسط نورها ، وعين اليقين بها هو معاينة جرمها ، وحق اليقين بها الاحتراق فيها ، وانمحاء الهوية بها والصيرورة نارا صرفا وليس وراء هذا غاية ، ولا هو قابل للزيادة ، لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا.

باب حقيقة الإيمان واليقين

الحديث الأول : مجهول وقد مر مضمونه بسند صحيح قبل ذلك بورقة.

« بينا رسول الله » بينا هي بين الظرفية أشبعت فتحتها فصارت ألفا ويقع بعدها حينئذ إذ الفجائية غالبا ، وعاملها محذوف يفسره الفعل الواقع بعد إذ عند بعض ،

__________________

(١) سورة المائدة : ٩٣.

(٢) سورة النساء : ١٣٧.


في بعض أسفاره إذ لقيه ركب فقالوا السلام عليك يا رسول الله فقال ما أنتم فقالوا نحن مؤمنون يا رسول الله قال فما حقيقة إيمانكم قالوا الرضا بقضاء الله والتفويض إلى الله والتسليم لأمر الله فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله علماء حكماء كادوا أن يكونوا من الحكمة أنبياء فإن كنتم صادقين فلا تبنوا ما لا تسكنون ولا تجمعوا ما لا تأكلون واتقوا الله الذي إليه ترجعون.

٢ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى وعلي بن إبراهيم ، عن أبيه جميعا ، عن ابن محبوب ، عن أبي محمد الوابشي وإبراهيم بن مهزم ، عن إسحاق بن عمار

______________________________________________________

وبعضهم يجعلها خبرا عن مصدر مسبوك من الفعل ، أي بين أوقات سفره لقاء الركب ،والركب جمع راكب كصحب وصاحب.

« فقال ما أنتم » أي أي صنف أنتم من الناس؟ قيل : كما أن ما تكون سؤالا عن حقيقة الشيء يكون سؤالا عن خواصه وآثاره المترتبة عليه ، وهو المراد هنا فلذلك أجابوا بها« فقالوا نحن مؤمنون » انتهى.

وقال الراغب في معاني « ما » الثالث : الاستفهام ، ويسأل به عن جنس ذات الشيء ونوعه ، وعن جنس صفات الشيء ونوعها ، وقد يسأل به عن الأشخاص والأعيان في غير الناطقين ، انتهى.

« فما حقيقة إيمانكم » لما كانت للإيمان حقائق مختلفة ودرجات متفاوتة سألهمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن حقيقة الإيمان الذي يدعونه فأجابوا بلوازمه وآثاره ليظهر حقيقة ما ادعوه ، أو المراد بالحقيقة ما يحقه ويثبته أي الإيمان أمر قلبي إنما يثبت بآثاره ، فما ظهر من آثار إيمانكم ليدل على ثبوته في قلوبكم ، والمعنى الأول أنسب بما مر من مضمون هذا الخبر ، حيث قال : وما بلغ من إيمانكم ، فإن الظاهر اتحاد الواقعة ، والتفويض إلى الله هنا التوكل عليه في جميع الأمور.

الحديث الثاني : موثق.


قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله صلى بالناس الصبح فنظر إلى شاب في المسجد وهو يخفق ويهوي برأسه مصفرا لونه قد نحف جسمه وغارت عيناه في رأسه فقال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كيف أصبحت يا فلان قال أصبحت يا رسول الله موقنا فعجب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من قوله وقال إن لكل يقين حقيقة فما حقيقة يقينك فقال إن يقيني يا رسول الله هو الذي أحزنني وأسهر ليلي وأظمأ

______________________________________________________

« فنظر إلى شاب » كأنه الحارثة الآتي في الخبر الثاني« وهو يخفق ويهوي برأسه » للنعاس بكثرة العبادة في الليل في القاموس : خفقت الراية ينخفق وتخفق وخفقا وخفقانا محركة اضطربت وتحركت ، وفلان حرك رأسه إذا نعس كأخفق وقال : هوى هويا سقط من علو إلى سفل ، انتهى.

فقوله : ويهوي برأسه كالتفسير لقوله : يخفق ، أو مبالغة في الخفق إذ يكفي فيه الحركة القليلة ونحف كتعب وقرب نحافة : هزل« كيف أصبحت » أي على أي حال دخلت في الصباح ، أو كيف صرت« فعجب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » كتعب أي تعجب منه لندرة مثل ذلك ، أو أعجبه وسر به قال الراغب : العجب والتعجب حالة تعرض للإنسان عند الجهل بسبب الشيء ولهذا قال بعض الحكماء : العجب ما لا يعرف سببه ولهذا قيل : لا يصح على الله التعجب إذ هو علام الغيوب ، ويقال : لما لا يعهد مثله عجب ، قال تعالى : «أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا »(١) «كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً »(٢) «إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً »(٣) أي لم نعهد مثله ولم نعرف سببه ، ويستعار تارة للمؤنق فيقال أعجبني كذا أي راقني ، وقال تعالى : «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ »(٤) .

« إن لكل يقين » أي فرد من أفراده أو صنف من أصنافه« حقيقة فما حقيقة يقينك » من أي نوع أو صنف ، أو لكل يقين علامة تدل عليه فما علامة يقينك كما مر« هو الذي أحزنني » أي في أمر الآخرة« وأسهر ليلي » لحزن الآخرة أو

__________________

(١) سوره يونس : ٢.

(٢) سورة الكهف : ٩.

(٣) سورة الجن : ١.

(٤) سورة البقرة : ٢٠٤.


هواجري فعزفت نفسي عن الدنيا وما فيها حتى كأني أنظر إلى عرش ربي وقد نصب للحساب وحشر الخلائق لذلك وأنا فيهم وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتنعمون في الجنة ويتعارفون وعلى الأرائك متكئون وكأني أنظر إلى أهل النار وهم فيها معذبون مصطرخون وكأني الآن أسمع زفير النار يدور في مسامعي فقال رسول

______________________________________________________

للاستعداد لها ، أو لحب عبادة الله ومناجاته : عجبا للمحب كيف ينام ، والإسناد مجازي أي أسهرني في ليلي وكذا فيقوله : « وأظمأ هواجري » مجاز عقلي أي أظمأني عند الهاجرة وشدة الحر للصوم في الصيف ، وإنما خصه لأنه أشق وأفضل ، في القاموس : الهاجرة نصف النهار عند زوال الشمس مع الظهر أو من عند زوالها إلى العصر لأن الناس يستكنون في بيوتهم كأنهم قد تهاجروا ، وشدة الحر.

وقال : عزفت نفسي عنه تعزف عزوفا زهدت فيه وانصرفت عنه ، أو ملته.

« حتى كأني أنظر » أي شدة اليقين بأحوال الآخرة صيرني إلى حالة المشاهدة ،والاصطراخ الاستغاثةوزفير النار صوت توقدها ، في القاموس : زفر يزفر زفرا وزفيرا أخرج نفسه بعد مده إياه ، والنار سمع لتوقدها صوت.

وقال : المسمع كمنبر الأذن كالسامعة والجمع مسامع ، انتهى.

وقيل : المسامع جمع على غير قياس كمشابه وملامح جمع شبه ولمحة ، وقال بعض المحققين : هذا التنوير الذي أشير به في الحديث إنما يحصل بزيادة الإيمان وشدة اليقين فإنهما ينتهيان بصاحبهما إلى أن يطلع على حقائق الأشياء ، محسوساتها ومعقولاتها فتنكشف له حجبها وأستارها ، فيعرفها بعين اليقين على ما هي عليه من غير وصمة ريب أو شائبة شك فيطمئن لها قلبه ويستريح بها روحه ، وهذه هي الحكمة الحقيقة التي من أوتيها فقد أوتي خيرا كثيرا.

وإليه أشار أمير المؤمنين بقوله : هجم بهم العلم على حقائق الأمور ، وباشروا رواح اليقين ، واستلانوا ما استوعره المترفون ، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون ،


اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لأصحابه هذا عبد نور الله قلبه بالإيمان ثم قال له الزم ما أنت عليه فقال الشاب ادع الله لي يا رسول الله أن أرزق الشهادة معك فدعا له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فلم يلبث أن خرج في بعض غزوات النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فاستشهد بعد تسعة نفر وكان هو العاشر.

٣ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن محمد بن سنان ، عن عبد الله بن مسكان ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال استقبل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حارثة بن مالك بن النعمان الأنصاري فقال له كيف أنت يا حارثة بن مالك فقال يا رسول الله مؤمن حقا فقال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لكل شيء حقيقة فما حقيقة قولك فقال

______________________________________________________

وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالملأ الأعلى.

أرادعليه‌السلام بما استوعره المترفون يعني المتنعمون رفض الشهوات البدنية وقطع التعلقات الدنيوية وملازمة الصمت والسهر والجوع والمراقبة ، والاحتراز عما لا يعني ونحو ذلك ، وإنما يتيسر ذلك بالتجافي عن دار الغرور ، والترقي إلى عالم النور ، والأنس بالله والوحشة عما سواه ، وصيرورة الهموم جميعا هما واحدا ، وذلك لأن القلب مستعد لأن يتجلى فيه حقيقة الحق في الأشياء كلها من اللوح المحفوظ الذي هو منقوش بجميع ما قضى الله تعالى به إلى يوم القيامة وإنما حيل بينه وبينها حجب كنقصان في جوهرة أو كدورة تراكمت عليه من كثرة الشهوات أو عدول به عن جهة الحقيقة المطلوبة ، أو اعتقاد سبق إليه ورسخ فيه على سبيل التقليد والقبول بحسن الظن ، أو جهل بالجهة التي منها يقع العثور على المطلوب ، وإلى بعض هذه الحجب أشير في الحديث النبوي : لو لا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماء.

الحديث الثالث : ضعيف على المشهور لا يقصر عن الصحيح عندي.

« مؤمن حقا » قوله : حقا مؤكد كقولهم : هذا عبد الله حقا ، والحاصل أني مؤمن حق الإيمان ، وكما ينبغي أن يكون المؤمن« فأسهرت ليلي » على صيغة


يا رسول الله عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت هواجري وكأني أنظر إلى عرش ربي قد وضع للحساب وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون في الجنة وكأني أسمع عواء أهل النار في النار فقال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عبد نور الله قلبه أبصرت فاثبت فقال يا رسول الله ادع الله لي أن يرزقني الشهادة معك فقال : اللهم ارزق حارثة الشهادة فلم يلبث إلا أياما حتى بعث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله سرية فبعثه فيها فقاتل فقتل تسعة أو ثمانية ثم قتل

______________________________________________________

الغيبة بإرجاع الضمير إلى النفس أو على صيغة التكلم ، وكذا الفقرة التالية تحتمل الوجهين ، ويقال : تزاوروا أي زار بعضهم بعضا ، وقال في النهاية في حديث حارثة :كأني أسمع عواء أهل النار ، أي صياحهم والعواء صوت السباع وكأنه بالذئب والكلب أخص ، وفي القاموس : عوى يعوي عيا وعواءا بالضم لوى خطمه ثم صوت أو مد صوته ولم يفصح.

وقال : السرية من خمسة أنفس إلى ثلاثمائة أو أربعمائة ، وفي الصحاح : السرية قطعة من الجيش.

قوله : وفي رواية القاسم بن يزيد ، يحتمل الإرسال أو يكون الراوي عنه ابن سنان ، فيكون بحكم السند السابق.

ثم اعلم أن هاتين الروايتين تدلان على أن حارثة استشهد في زمن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال بعضهم : وينافيه ما ذكر الشيخ في رجاله حيث قال : حارثة بن نعمان الأنصاري كنيته أبو عبد الله شهد بدرا وأحدا وما بعدهما من المشاهد ، وذكر هو أنه رأى جبرئيلعليه‌السلام دفعتين على صورة دحية الكلبي أو لهما حين خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى بني قريظة ، والثاني حين رجع من حنين ، وشهد مع أمير المؤمنينعليه‌السلام القتال ، وتوفي في زمن معاوية ، انتهى.

وهو خطاء لأن المذكور في الخبر حارثة بن مالك وجده النعمان ، وما ذكره الشيخ حارثة بن النعمان وهو غيره ، والعجب أن هذا الحديث مذكور في


وفي رواية القاسم بن بريد ، عن أبي بصير قال استشهد مع جعفر بن أبي طالب بعد تسعة نفر وكان هو العاشر.

٤ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه إن على كل حق حقيقة وعلى كل

______________________________________________________

كتب العامة أيضا كما يظهر من النهاية ، وهذا الرجل غير مذكور في رجالهم وكأنه لعدم الرواية عنه كما أن أصحابنا أيضا لم يذكروه لذلك.

الحديث الرابع : ضعيف على المشهور.

ويمكن أن يكون المرادبالحقيقة الدليل العقلي وبالنور الدليل النقلي من الكتاب والسنة ، أو يكون المراد بالحقيقة العلامة الدالة على وجوده كما مر ، وبالنور الدلائل الدالة على المسائل الأصولية والفروعية ، عقلية كانت أو نقلية ، ويحتمل أن يكون المراد بالنور الآيات القرآنية فالمراد بالحقيقة السنة أو الأعم منها ومن الدلائل العقلية لأنه قد مضى هذا الخبر بهذا السند في باب الأخذ بالسنة وشواهد الكتاب ، وله تتمة وهي قوله : فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فدعوه.

وقيل : المراد بالحق ظاهر الشريعة وبالحقيقة باطنه وغايته وماله وما به كماله ، كما قيل : ينقسم ما جاء به الشارع إلى شريعة وحقيقة فالشريعة ظاهر ما ورد به النقل ، والحقيقة باطنه وهو بين العبد وبين الله ، فحكم الشريعة على الظاهر وحكم الحقيقة على الباطن كما روى عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نحن نحكم بالظاهر ، والله يتولى السرائر ، فكل عبادة ظاهرة إن لم تصدر عن حقيقة باطنة كأعمال المنافقين والمرائين فهي باطلة ، وكالتقوى فإن أوله حق يشمل عوام المؤمنين ، وله حقيقة وغاية يبلغها خواص الأولياء وكذلك الأيمان فإن أوله حق وبه يخرج عن الكفر وله حقيقة وغاية هي كماله يبلغها خواص المؤمنين.


صواب نورا.

باب التفكر

١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال كان أمير المؤمنينعليه‌السلام يقول نبه بالتفكر قلبك وجاف عن الليل

______________________________________________________

وبالجملة الحق في كل شيء بمنزلة القشر والحقيقة بمنزلة اللب ، وإنما قال : على كل حق ، ولم يقل لكل حق للتنبيه بالاستعلاء على أن حقيقة كل شيء مرتفع على حقه ومستول عليه إذ هو المقصود منه ولمجانسة قوله : وعلى كل صواب نورا ، والصواب ضد الخطإ أي على كل صواب من قول أو فعل أو عقد برهان يحققه ، ودليل يصدقه ، وإنما سمي نورا لأنه سبب ظهوره.

باب التفكر الحديث الأول : ضعيف على المشهور.

والتنبيه الإيقاظ عن النوم وعن الغفلة ، وفي القاموس النبه بالضم الفطنة والقيام من النوم ، وأنبهه ونبهه فتنبه وانتبه وهذا منبهة على كذا يشعر به ، ولفلان مشعر بقدره ومعل له ، وما نبه له كفرح : ما فطن والاسم النبه بالضم ، ونبه باسمه تنبيها نوه ، انتهى.

والتفكر إعمال الفكر فيما يفيد العلم به قوة الإيمان واليقين ، والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة ، قال الغزالي : حقيقة التفكر طلب علم غير بديهي من مقدمات موصلة إليه كما إذا تفكر إن الآخرة باقية والدنيا فانية ، فإنه يحصل له العلم بأن الآخرة خير من الدنيا ، وهو يبعثه على العمل للآخرة فالتفكر سبب لهذا العلم ، وهذا العلم حالة نفسانية وهو التوجه إلى الآخرة وهذه الحالة تقتضي العمل لها ، وقس على هذا فالتفكر موجب لتنور القلب وخروجه من الغفلة ،


جنبك واتق الله ربك.

______________________________________________________

وأصل لجميع الخيرات.

وقال المحقق الطوسيقدس‌سره : التفكر سير الباطن من المبادئ إلى المقاصد وهو قريب من النظر ولا يرتقي أحد من النقص إلى الكمال إلا بهذا السير ومباديه الآفاق والأنفس بأن يتفكر في أجزاء العالم وذراته وفي الأجرام العلوية من الأفلاك والكواكب وحركاتها وأوضاعها ومقاديرها واختلافاتها ومقارناتها ومفارقاتها وتأثيراتها وتغييراتها وفي الأجرام السفلية وترتيبها وتفاعلها وكيفياتها ومركباتها ومعدنياتها وحيواناتها ، وفي أجزاء الإنسان وأعضائه من العظام والعضلات والعصبات والعروق وغيرها مما لا يحصى كثرة ، ويستدل بها وبما فيها من المصالح والمنافع والحكم والتغيير على كمال الصانع وعظمته وعلمه وقدرته ، وعدم ثبات ما سواه.

وبالجملة التفكر فيما ذكر ونحوه من حيث الخلق والحكمة والمصالح أثره العلم بوجود الصانع وقدرته وحكمته ، ومن حيث تغييره وانقلابه وفنائه بعد وجوده أثره الانقطاع منه والتوجه بالكلية إلى الخالق الحق ، ومن هذا القبيل التفكر في أحوال الماضين وانقطاع أيديهم عن الدنيا وما فيها ، ورجوعهم إلى دار الآخرة فإنه يوجب قطع المحبة عن غير الله والانقطاع إليه بالتقوى والطاعة ، ولذا أمر بهما بعد الأمر بالتفكر ، ويمكن تعميم التفكر بحيث يشمل التفكر في معاني الآيات القرآنية والأخبار النبوية والآثار المروية عن الأئمةعليهم‌السلام ، والمسائل الدينية والأحكام الشرعية ، وبالجملة كلما أمر الشارع الصادق بالخوض فيه والعلم به.

قوله عليه‌السلام : وجاف عن الليل جنبك ، الجفاء البعد ، وجاف عنه كذا أي باعده عنه ، في الصحاح : جفا السرج عن ظهر الفرس وأجفيته أنا إذا رفعته عنه ، وجافاه عنه فتجافى جنبه عن الفراش أي نبأ ، انتهى.

وقال سبحانه : «تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ »(١) وإسناد المجافاة إلى الليل مجاز في الإسناد ، أي جاف عن الفراش بالليل أو فيه تقدير مضاف أي جاف عن فراش

__________________

(١) سورة السجدة : ١٦.


٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن بعض أصحابه ، عن أبان ، عن الحسن الصيقل قال سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عما يروي الناس أن تفكر ساعة خير من قيام ليلة قلت كيف يتفكر قال يمر بالخربة أو بالدار فيقول أين ساكنوك أين بانوك ما بالك لا تتكلمين.

______________________________________________________

الليل جنبك ، وعلى التقادير كناية عن القيام بالليل للعبادة ، وقد مر معنى التقوى والتوصيف بالرب للتعليل.

الحديث الثاني : مرسل.

« خير من قيام ليلة » أي للعبادة لأن التفكر من أعمال القلب وهو أفضل من أعمال الجوارح ، وأيضا أثره أعظم وأدوم ، إذ ربما صار تفكر ساعة سببا للتوبة عن المعاصي ، ولزوم الطاعة تمام العمر.

« يمر بخربة » (١) كأنهعليه‌السلام ذكر ذلك على سبيل المثال لتفهيم السائل أو قال ذلك على قدر فهم السائل ورتبته فإنه كان قابلا لهذا النوع من التفكر ، والمراد بالدار ما لم تخرب لكن مات من بناها وسكنها غيره ، وبالخربة ما خرب ولم يسكنه. أحد ، وكون الترديد من الراوي كما زعم بعيد ، ويحتمل أن يكون : أين ساكنوك؟ للخربة وأين بانوك؟ للدار على اللف والنشر المرتب ، لكن كونهما لكل منهما أظهر ، والظاهر أن القول بلسان الحال ، ويحتمل المقال ،وقوله : ما لك لا تتكلمين؟ بيان لغاية ظهور الحال أي العبرة فيك بينة بحيث كان ينبغي أن تتكلم بذلك ، وقيل : هو من قبيل ذكر اللازم وإرادة الملزوم ، فنفي التكلم كناية عن نفي الاستماع أي لم لا يسمع الغافلون ما تتكلم به بلسان الحال جهرا أو قيل : استفهام إنكاري أي أنت تتكلمين لكن الغافلون لا يستمعون وهو بعيد ، ويمكن أن يكون كلامها كناية عن تنبيه الغافلين أي لم تنتبه المغرورين بالدنيا مع هذه الحالة الواضحة ، ويؤول إلى تعبير الجاهلين بعدم الاتعاظ به كما أنه يقول رجل لوالد رجل فاسق بحضرته : لم لا تعظ ابنك؟ مع أنه يعلم أنه يعظه وإنما يقول ذلك تعييرا للابن.

__________________

(١) وفي المتن « بالحزبة ».


٣ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن بعض رجاله ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال أفضل العبادة إدمان التفكر في الله وفي قدرته.

٤ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن معمر بن خلاد قال سمعت

______________________________________________________

الحديث الثالث : مرسل كالصحيح فإنه يقال مراسيل البزنطي في حكم المسانيد.

والإدمان الإدامة وقوله عليه‌السلام : وفي قدرته ، كأنه عطف تفسير لقوله : في الله ، فإن التفكر في ذات الله وكنه صفاته ممنوع كما مر في الأخبار في كتاب التوحيد ، لأنه يورث الحيرة والدهش واضطراب العقل ، فالمراد بالتفكر في الله النظر إلى أفعاله وعجائب صنعه وبدائع أمره في خلقه ، فإنها تدل على جلاله وكبريائه وتقدسه وتعاليه ، وتدل على كمال علمه وحكمته ، وعلى نفاذ مشيته وقدرته وإحاطته بالأشياء ، وأنه سبحانه لكمال علمه وحكمته لم يخلق هذا الخلق عبثا من غير تكليف ومعرفة وثواب وعقاب فإنه لو لم تكن نشأة أخرى باقية غير هذه النشأة الفانية المحفوفة بأنواع المكاره والآلام لكان خلقها عبثا كما قال تعالى : «أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ »(١) .

وهذا تفكر أولي الألباب كما قال تعالى : «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ »(٢) وقال سبحانه «وَمِنْ آياتِهِ » ، «وَمِنْ آياتِهِ » ، في مواضع كثيرة فتلك الآيات هي مجاري التفكر في الله وفي قدرته لأولي النهي لا ذاته تعالى ، فقد روي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنما قال : تفكروا في آلاء الله فإنكم لن تقدروا قدره.

الحديث الرابع : صحيح.

__________________

(١) سورة المؤمنون : ١١٥.

(٢) سورة آل عمران : ١٩١.


أبا الحسن الرضاعليه‌السلام يقول ليس العبادة كثرة الصلاة والصوم إنما العبادة التفكر في أمر الله عز وجل.

٥ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن إسماعيل بن سهل ، عن حماد ، عن ربعي قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه إن التفكر يدعو إلى البر والعمل به.

______________________________________________________

« ليس العبادة كثرة الصلاة » أي ليست منحصرة فيها« إنما العبادة » أي الكاملة« التفكر في أمر الله » بالمعاني المتقدمة ، وقد يقال : المراد بالتفكر في أمر الله طلب العلم بكيفية العمل وآدابه وشرائطه ، والعبادة بدونه باطلة ، فالحاصل أن كثرة الصلاة والصوم بدون العلم بشرائطهما وكيفياتهما وأحكامهما ليست عبادة.

وأقول : يحتمل أن يكون المعنى أن كثرة الصلاة والصوم بدون التفكر في معرفة الله ومعرفة رسوله ومعرفة أئمة الهدى كما يصنعه المخالفون غير مقبولة وموجبة للبعد عن الحق.

الحديث الخامس : ضعيف.

« التفكر يدعو إلى البر » كان التفكر الوارد في هذا الخبر شامل لجميع التفكرات الصحيحة التي أشرنا إليها كالتفكر في عظمة الله فإنه يدعو إلى خشيته وطاعته ، والتفكر في فناء الدنيا ولذاتها فإنها يدعو إلى تركها ، والتفكر في عواقب من مضى من الصالحين فيدعو إلى اقتفاء آثارهم ، وفي ما آل إليه أمر المجرمين فيدعو إلى اجتناب أطوارهم ، وفي عيوب النفس وآفاتها فيدعو إلى الإقبال على إصلاحها ، وفي أسرار العبادة وغاياتها فيدعو إلى السعي في تكميلها ورفع النقص عنها ، وفي رفعة درجات الآخرة فيدعو إلى تحصيلها ، وفي مسائل الشريعة فيدعو إلى العمل بها في مواضعها ، وفي حسن الأخلاق الحسنة فيدعو إلى تحصيلها ، وفي قبح الأخلاق السيئة وسوء آثارها فيدعو إلى تجنبها ، وفي نقص أعماله ومعائبها فيدعو إلى السعي في إصلاحها ، وفي سيئاته وما يترتب عليها من العقوبات والبعد عن الله


باب المكارم

١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الهيثم بن أبي مسروق ، عن يزيد بن إسحاق شعر ، عن الحسين بن عطية ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال المكارم عشر فإن استطعت أن تكون فيك فلتكن فإنها تكون في الرجل ولا تكون في ولده

______________________________________________________

والحرمان عن السعادات فيدعوه إلى الانتهاء عنها وتدارك ما أتى به بالتوبة والندم ، وفي صفات الله وأفعاله من لطفه بعباده وإحسانه إليه بسوابغ النعماء وبسط الآلاء والتكليف دون الطاقة والوعد لعمل قليل بثواب جزيل ، وتسخيره له ما في السماوات والأرض وما بينهما. إلى غير ذلك فيدعوه إلى البر والعمل به ، والرغبة في الطاعات والانتهاء عن السيئات ، وبالمقايسة إلى ما ذكرنا يظهر آثار سائر التفكرات ، والله الموفق للخيرات.

باب المكارم

الحديث الأول : مجهول.

وفي الخصال ومجالس الشيخ والمفيد عن الحسن بن عطية ، فالحديث حسن كالصحيح وهو الظاهر.

وفي القاموس : الكرم محركة ضد اللؤم ، كرم بضم الراء كرامة فهو كريم ومكرمة وأكرمه وكرمه عظمه ونزهة ، والكريم الصفوح والمكرم والمكرمة بضم رأيهما فعل الكرم ، وأرض مكرمة كريمة طيبة ، انتهى.

والمكارم جمع المكرمة أي الأخلاق والأعمال الكريمة الشريفة التي توجب كرم المرء وشرافته.

« فإن استطعت » يدل على أن تحصيل تلك الصفات أو كمالها لا يتيسر لكل أحد فإنها من العنايات الربانية والمواهب السبحانية التابعة للطينات الحسنة الطيبة ، وبينعليه‌السلام ذلك بقوله. فإنها تكون في الرجلولا تكون في ولده مع


وتكون في الولد ولا تكون في أبيه وتكون في العبد ولا تكون في الحر قيل وما

______________________________________________________

شدة المناسبة والخلطة والمعاشرة بينهما ، وكذا العكس ، ولا مدخل للشرافة النسبية في ذلك ولا الكرامة الدنيوية وبينعليه‌السلام ذلكبقوله : وتكون في العبد ، « إلخ ».

فإن قيل : إذا كانت هذه الصفات من المواهب الربانية فلا اختيار للعباد فيها ، فلا يتصور التكليف بها والمذمة على تركها؟

قلت : يمكن أن يجاب عنه بوجهين : الأول : أن يكون المراد بالاستطاعة بسهولة التحصيل ، لا القدرة والاختيار ، وتكون العناية الإلهية سببا لسهولة الأمر لا التمكن منه ، الثاني : أن تكون الاستطاعة في المستحبات كإقراء الضيف وإطعام السائل والتذمم والحياء لا في الواجبات كصدق اللسان وأداء الأمانة.

قوله عليه‌السلام : صدق البأس ، في بعض نسخ الكتاب ومجالس الشيخ وغيره بالياء المثناة التحتانية ، وفي بعضها بالباء الموحدة.

فعلى الأول المراد به اليأس عما في أيدي الناس وقصر النظر على فضله تعالى ولطفه ، والمراد بصدقه عدم كونه بمحض الدعوى من غير ظهور آثاره ، إذ قد يطلق الصدق في غير الكلام من أفعال الجوارح ، فيقال : صدق في القتال إذا وفي حقه وفعل على ما يجب وكما يجب ، وكذب في القتال إذا كان بخلاف ذلك ، وقد يطلق على مطلق الحسن نحو قوله تعالى : «مَقْعَدِ صِدْقٍ »(١) و «قَدَمَ صِدْقٍ »(٢) .

وعلى الثاني المراد بالبأس أما الشجاعة والشدة في الحرب وغيره ، أي الشجاعة الحسنة الصادقة في الجهاد في سبيل الله ، وإظهار الحق والنهي عن المنكر ، أو من البؤس والفقر كما قيل : أريد بصدق البأس موافقة خشوع ظاهره وإخباته لخشوع باطنه وإخباته لا يرى التخشع في الظاهر أكثر مما في باطنه ، انتهى.

وهو بعيد عن اللفظ إذ الظاهر حينئذ البؤس بالضم وهو خلاف المضبوط من

__________________

(١) سورة القمر : ٥٥.

(٢) سورة يونس : ٢.


هن قال صدق البأس وصدق اللسان وأداء الأمانة وصلة الرحم وإقراء الضيف

______________________________________________________

الرسم ، قال في القاموس : البأس العذاب والشدة في الحرب ، بؤس ككرم بأسا فهو بئيس شجاع ، وبئس كسمع بؤسا اشتدت حاجته ، والتباؤس التفاقر وأن يرى تخشع الفقراء إخباتا وتضرعا ، انتهى.

وكأنه أخذه من المعنى الأخير ولا يخفى ما فيه ، وقال بعضهم : صدق البأس أي الخوف أو الخضوع أو الشدة والفقر ومنه «الْبائِسَ الْفَقِيرَ » أو القوة وصدق الخوف من المعصية بأن يتركها ، ومن التقصير في العمل بأن يسعى في كماله ، ومن عدم الوصول إلى درجة الأبرار بأن يسعى في اكتساب الخيرات ، وصدق الخضوع بأن يخضع لله لا لغيره ، وصدق الفقر بأن يترك عن نفسه هواها ومتمنياتها ، وصدق القوة بأن يصرفها في الطاعات ، انتهى.

وفي أكثرها تكلف مستغنى عنه.

« وأداء الأمانة » الأمانة ضد الخيانة وما يؤتمن عليه وكأنها تعم المال والعرض والسر وغيرها من حقوق الله وحقوق النبي والأئمةعليهم‌السلام وسائر الخلق ، كما قال تعالى : «إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها »(١) وقد فسرت الأمانة في هذه الآية وغيرها بالودائع والتكاليف ، والإمامة والخلافة في أخبار كثيرة مر بعضها.

وفي النهاية قد تكرر في الحديث ذكرصلة الرحم وهي كناية عن الإحسان إلى الأقربين من ذوي النسب والأصهار والتعطف عليهم والرفق بهم والرعاية لأحوالهم ، وكذلك إن بعدوا وأساءوا ، وقطع الرحم ضد ذلك كله ، يقال : وصل رحمه يصلها وصلا وصلة ، والهاء فيها عوض من الواو المحذوفة ، فكأنه بالإحسان إليهم وصل ما بينه وبينهم من علاقة القرابة والصهر ، انتهى.

وشمولها للأصهار لا يخلو من نظر وإن كان حسنا.

« وإقراء الضيف » كذا في نسخ الكتاب وغيره إلا في رواية أخرى رواها الشيخ

__________________

(١) سورة النساء : ٥٧.


وإطعام السائل والمكافأة على الصنائع والتذمم للجار والتذمم للصاحب ورأسهن

______________________________________________________

في المجالس موافقة المضامين لهذه الرواية فإن فيها قرى الضيف وهو أظهر وأوفق لما في كتب اللغة ، في القاموس : قرى الضيف قرى بالكسر والقصر ، والفتح والمد أضافه واستقري واقترى وأقرئ طلب ضيافة ، انتهى.

لكن قد نرى كثيرا من الأبنية مستعملة في الأخبار والعرف العام والخاص لم يتعرض لها اللغويون ، وقد يقال : الأفعال هنا للتعريض نحو أباع البعير ، وقيل : إقراء الضيف طلبه للضيافة ولم أدر من أين أخذه ، وكأنه أخذه من آخر كلام الفيروزآبادي ، ولا يخفى ما فيه.

والقرى والإطعام إما مختصان بالمؤمن أو بالمسلم مطلقا كما يدل عليه بعض الأخبار وإن كان يأباه بعضها أو الأعم منه ومن الكفار كما اشتهر على الألسن : أكرم الضيف ولو كان كافرا ، وأما الحربي فالظاهر العدم ، ثم هما يتفاوتان في الفضل بحسب تفاوت نية القاري أو المطعم واحتياجهما واستحقاق الضيف أو السائل وصلاحهما ، والغالب استحبابهما وقد يجبان عند خوف هلاك الضيف والسائل.

والمكافاة على الصنائع أي المجازات على الإحسان ، في القاموس : كافأه مكافأة وكفاء جازاه ، وفي النهاية : الاصطناع افتعال من الصنيعة وهي العطية والكرامة والإحسان ، ولعلها من المستحبات والآداب لجواز الأخذ من غير عوض لما رواه إسحاق بن عمار قال : قلت له : الرجل يهدي إلى الهدية يتعرض لما عندي فآخذها ولا أعطيه شيئا؟ قال : نعم هي لك حلال ولكن لا تدع أن تعطيه ، وهذا هو الأشهر الأقوى.

وعن الشيخ أن مطلق الهبة يقتضي الثواب ومقتضاه لزوم بذله وإن لم يطلبه الواهب وهو بعيد ، وعن أبي الصلاح أن هبة الأدنى للأعلى يقتضي الثواب فيعوض عنها بمثلها ولا يجوز التصرف فيها ما لم يعوض ، والأظهر خلافه.

نعم إن اشترط الواهب على المتهب العوض وعينه لزم وإن أطلق ولم يتفقا على


الحياء.

٢ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن عثمان بن عيسى ، عن عبد الله بن مسكان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إن الله عز وجل خص رسله بمكارم الأخلاق فامتحنوا أنفسكم فإن كانت فيكم فاحمدوا الله واعلموا أن ذلك من خير

______________________________________________________

شيء فالظاهر أنه يلزم المتهب مثل الموهوب أو قيمته إن أراد اللزوم ، وهل يهب على المتهب الوفاء بالشرط أو له التخيير فيه وفي رد العين؟ فيه قولان.

وفي النهايةالتذمم للصاحب هو أن يحفظ ذمامه ويطرح عن نفسه ذم الناس له إن لم يحفظه ، وفي القاموس تذمم استنكف يقال : لو لم أترك الكذب تأثما لتركته تذمما ، والحاصل أن يدفع الضرر عمن يصاحبه سفرا أو حضرا وعمن يجاوره في البيت أو في المجلس أيضا ، أو من أجاره وآمنه خوفا من اللوم والذم لكنه مقيد بما إذا لم ينته إلى الحمية والعصبية بأن يرتكب المعاصي لإعانته.

في القاموس : الجار المجاور ، والذي أجرته من أن يظلم ، والمجير والمستجير والحليف« ورأسهن الحياء » لأن جميع ما ذكر إنما يحصل ويتم بالحياء من الله أو من الخلق ، فهي بالنسبة إليها كالرأس من البدن ، والحياء انقباض النفس عن القبائح وتركها لذلك.

الحديث الثاني : موثق وآخره مرسل.

والخلق بالضم ملكة للنفس يصدر عنها الفعل بسهولة ، ومنها ما تكون خلقية ومنها ما تكون كسبية بالتفكر والمجاهدة والممارسة وتمرين النفس عليها ، فلا ينافي وقوع التكليف بها كما أن البخيل يعطي أولا بمشقة ومجادلة للنفس ثم يكرر ذلك حتى يصير خلقا وعادة له ، والمراد بتخصيص الرسل بها أن الفرد الكامل منها مقصورة عليهم أو هم مقصورون عليها دون أضدادها ، فإن الباء قد تدخل على المقصور كما هو المشهور وقد تدخل على المقصور عليه ، أو المعنى خص الرسل بإنزال المكارم عليهم وأمرهم بتبليغها كما روي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : بعثت لأتمم مكارم الأخلاق« واعلموا أن


وإن لا تكن فيكم فاسألوا الله وارغبوا إليه فيها قال فذكرها عشرة اليقين والقناعة والصبر والشكر والحلم وحسن الخلق والسخاء والغيرة والشجاعة والمروءة

______________________________________________________

ذلك من خير » أي من خير عظيم أراد الله بكم أو علم الله فيكم من صفاء طينتكم أو من عمل خير أو نية خير صدر عنكم فاستحققتم أن يتفضل عليكم بذلك. أو اعلموا أن ذلك من توفيق الله سبحانه ، ولا يمكن تحصيل ذلك إلا به ، أو عدوه من الخيرات العظيمة أو خص رسله من بين سائر الخلق بالنبوة والرسالة والكرامة بسبب مكارم الأخلاق التي علمها فيهم.

واليقين أعلى مراتب الإيمان بحيث يبعث على العمل بمقتضاه كما مر.

والقناعة الاجتزاء باليسير من الأعراض المحتاج إليها يقال : قنع يقنع قناعة إذا رضي ، والأظهر عندي أنها الاكتفاء بما أعطاه الله تعالى وعدم طلب الزيادة منه قليلا كان أم كثيرا.

والصبر هو حبس النفس عن الجزع عند المصيبة وعن ترك الطاعة لمشقتها وعن ارتكاب المعصية لغلبة شهوتها.

والشكر مكافأة نعم الله في جميع الأحوال باللسان والجنان والأركان.

والحلم ضبط النفس عن المبادرة إلى الانتقام فيما يحسن لا مطلقا.

وحسن الخلق هو المعاشرة الجميلة مع الناس بالبشاشة والتودد والتلطف والإشفاق واحتمال الأذى عنهم.

والسخاء هو بذل المال بسهولة على قدر لا يؤدي إلى الإسراف في موضعه ، وأفضله ما كان بغير سؤال.

والغيرة الحمية في الدين وترك المسامحة فيما يرى في نسائه وحرمه من القبائح ، لا تغير الطبع بالباطل والحمية فيه ، والقتل والضرب بالظن من غير ثبوت شيء عليه شرعا وأمثال بذلك.

والشجاعة الجرأة في الجهاد مع أعادي الدين مع تحقق شرائطه ، والأمر


قال وروى بعضهم بعد هذه الخصال العشرة وزاد فيها الصدق وأداء الأمانة.

٣ ـ عنه ، عن بكر بن صالح ، عن جعفر بن محمد الهاشمي ، عن إسماعيل بن

______________________________________________________

بالمعروف والنهي عن المنكر ، ومجاهدة النفس والشيطان.

والمروءة بالهمز وقد يشدد الواو بتخفيف الهمزة هي الإنسانية ، وهي صفات إذا كانت في الإنسان يحق أن يسمى إنسانا أو يحق الإنسان من حيث أنه إنسان أن يأتي بها فهو مشتق من المرء فهي من أمهات الصفات الكمالية ، قال في المصباح : المروءة آداب نفسانية تحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات ، انتهى.

وقريب منه معنى الفتوة ويعبر عنهما بالفارسية ( بمردى وجوانمردي ) ويرجع أكثر ما يندرج فيه إلى البذل والسخاء وحسن المعاشرة وكثرة النفع للعباد والإتيان بما يعظم عند الناس من ذلك.

وروى الصدوق (ره) في معاني الأخبار بسند مرفوع إلى أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : تذاكرنا أمر الفتوة عنده فقال : أتظنون أن الفتوة بالفسق والفجور! إنما الفتوة طعام موضوع ونائل مبذول ، وبشر معروف وأذى مكفوف ، وأما تلك فشطارة وفسق ، ثم قال : ما المروة؟ قلنا : لا نعلم قال : المروة والله أن يضع الرجل خوانه في فناء داره.

قوله : قال : وروى بعضهم ، الظاهر أن فاعل قال البرقي حيث روي من كتابه ، ويحتمل ابن مسكان أيضا ، وعلى التقديرين قوله : روي ، و « زاد فيها » تنازعا في الصدق ،فقوله : وزاد فيها تأكيد للكلام السابق لئلا يتوهم أنه أتى بها بدلا من خصلتين من العشر تركهما ، فلا بد من سقوط عشرة من الرواية الأخيرة كما في الرواية الآتية ، أو إبدالها باثنتي عشرة ، ويحتمل أن يكون المراد بقوله : وزاد فيها أنه زاد في أصل العدد أيضا بما ذكرنا من الإبدال والله أعلم بحقيقة الحال.

الحديث الثالث : ضعيف.


عباد قال بكر وأظنني قد سمعته من إسماعيل ، عن عبد الله بن بكير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إنا لنحب من كان عاقلا فهما فقيها حليما مداريا صبورا صدوقا وفيا إن الله عز وجل خص الأنبياء بمكارم الأخلاق فمن كانت فيه فليحمد الله على ذلك ومن لم تكن فيه فليتضرع إلى الله عز وجل وليسأله إياها

______________________________________________________

وقد مر تفسير العقل في أول الكتاب والأظهر هنا أنه ملكة للنفس يدعو إلى اختيار الخير والنافع واجتناب الشرور والمضار ، وبها تقوى النفس على زجر الدواعي الشهوية والغضبية والوساوس الشيطانية.

والفهم هو جودة تهيؤ الذهن لقبول ما يرد عليه من الحق وينتقل من المبادئ إلى المطالب بسرعة ، والفقه العلم بالأحكام من الحلال والحرام وبالأخلاق وآفات النفوس وموانع القرب من الحق ، وقيل : بصيرة قلبية في أمر الدين تابعة للعلم والعمل ، مستلزم للخوف والخشية ، وقال الراغب : الفقه هو التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد ، فهو أخص من العلم ، قال تعالى : «فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً »(١) «بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ »(٢) إلى غير ذلك من الآيات.

والفقه العلم بأحكام الشريعة يقال : فقه الرجل إذا صار فقيها وتفقه إذا طلبه ، فتخصص به ، قال تعالى : «لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ »(٣) والمداراة الملاطفة والملاينة مع الناس وترك مجادلتهم ومناقشتهم وقد يهمز قال في القاموس : درأه كجعله دفعه ودرأته ودرايته دافعته ولا ينته ضد ، وفي النهاية فيه : كان لا يداري ولا يماري ، أي لا يشاغب ولا يخالف ، وهو مهموز فأما المداراة في حسن الخلق والصحبة فغير مهموز وقد يهمز ، انتهى.

والوفي الكثير الوفاء بعهود الله وعهود الخلق ، وهو قريب من الصدق ملازم له كما قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : الوفاء توأم الصدق ويومئ الحديث إلى التحريص

__________________

(١) سورة النساء : ٧٨.

(٢) سورة الأنفال : ٦٥.

(٣) سورة التوبة : ١٢٢.


قال قلت جعلت فداك وما هن قال هن الورع والقناعة والصبر والشكر والحلم والحياء والسخاء والشجاعة والغيرة والبر وصدق الحديث وأداء الأمانة.

٤ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحسن بن محبوب ، عن بعض أصحابه ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إن الله عز وجل ارتضى لكم الإسلام دينا فأحسنوا صحبته بالسخاء وحسن الخلق.

٥ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد الله

______________________________________________________

على محبة الموصوف بالصفات المذكورة ، واختيار مصاحبته.

والورع قريب من التقوى بل أخص منها ببعض معانيها ، فإنه يعتبر فيه الكف عن الشبهات بل المكروهات وبعض المباحات ، قال في النهاية فيه : ملاك الدين الورع ، الورع في الأصل الكف عن المحارم والتحرج منه ، ثم أستعير للكف عن المباح والحلال.

والبر هو الإحسان بالوالدين والأقربين بل بالناس أجمعين ، وقد يطلق على جميع الأعمال الصالحة والخيرات.

الحديث الرابع : مرسل.

« ارتضى لكم الإسلام » إشارة إلى قوله تعالى : «وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً »(١) ولما ورد في الأخبار المتواترة أن الآية نزلت بعد نصب أمير المؤمنينعليه‌السلام بالخلافة فالخطاب في الرواية متوجه إلى الشيعة لأنهم الذين قبلوا الولاية« فأحسنوا صحبته » شبه الإسلام برجل صالح يصاحبه المؤمن فإن أحسن صحبته لازمه وإلا فارقه ففيه إشعار بأنه إذا ترك هاتين الخصلتين لا يؤمن أن يفارقه الإسلام فيدل على أن للأعمال الحسنة والأخلاق الجميلة مدخلا في رسوخ الإسلام والإيمان وثباتهما وكمالهما.

الحديث الخامس : ضعيف على المشهور.

__________________

(١) سورة المائدة : ٣.


عليه‌السلام قال قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه الإيمان أربعة أركان الرضا بقضاء الله والتوكل على الله وتفويض الأمر إلى الله والتسليم لأمر الله.

٦ ـ الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن الحسن بن علي ، عن عبد الله بن سنان ، عن رجل من بني هاشم قال أربع من كن فيه كمل إسلامه ولو كان من قرنه إلى قدمه خطايا لم تنقصه الصدق والحياء وحسن الخلق والشكر

٧ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد وعلي بن إبراهيم ، عن أبيه جميعا ، عن ابن محبوب ، عن ابن رئاب ، عن أبي حمزة ، عن جابر بن عبد الله قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ألا أخبركم بخير رجالكم قلنا بلى يا رسول الله قال إن من خير

______________________________________________________

« الإيمان أربعة أركان » أي مركب منها أو له هذه الأربعة عليها بناؤه واستقراره فكأنه عينها وقد مر تفسير تلك الدعائم وسيأتي أيضا إنشاء الله.

الحديث السادس : ضعيف على المشهور.

وكان المرادبرجل من بني هاشم الصادقعليه‌السلام عبر هكذا لشدة التقية ، أو الرجل راو وضمير قال راجع إليهعليه‌السلام ، فالحديث مضمر ، والخبر مروي بسند آخر عن أبي ولاد عن الصادقعليه‌السلام ، وسيأتي في باب حسن الخلق.

« أربع » أي أربع خصال« لم تنقصه » ضمير المفعول راجع إلى الإسلام أو إلى الموصول أي لم ينقصه شيئا من الإسلام ، قيل : أي يوفقه الله للتوبة بسبب تلك الخصال فلا ينقصه شيئا من ثواب الآخرة ، مع أن حصول هذه الصفات يوجب ترك أكثر المعاصي ويستلزمه.

الحديث السابع : حسن كالصحيح.

« بخير رجالكم » ربما يتوهم التنافي بين هذا وبينقوله : من خير رجالكم ، وأجيب بأن المراد بالأول الصنف ، وبالثاني كل فرد من هذا الصنف أو الحصر في الأول إضافي بالنسبة إلى من لم يوجد فيه الصفات المذكورة ، دون الخير على الإطلاق.

وأقول : يحتمل أن يكونعليه‌السلام أراد ذكر الكل ثم اكتفى بذكر البعض ،


رجالكم التقي النقي السمح الكفين النقي الطرفين البر بوالديه ولا يلجئ

______________________________________________________

أو المراد أن المتصف بكل من الصفات المذكورة من جملة الخير ، أو المراد بقوله بخير رجالكم ببعضهم بقرينة الأخير ، ومرجعه إلى بعض الوجوه المتقدمة« النقي » أي من الشرك وما يوجب الخروج من الإيمان أو من سائر المعاصي أيضا ، فقوله :

النقي الطرفين ، تخصيص بعد التعميم أو المراد به الاحتراز عن الشبهات ، والنقي النظيف الطاهر من الأوساخ الجسمانية والأدناس النفسانية من رذائل العقائد والأخلاق.

« السمح الكفين » قال في النهاية : سمح وأسمح إذا جاد وأعطى عن كرم وسخاء ، انتهى.

والإسناد إلى الكفين لظهور العطاء منهما ، والتثنية للمبالغة أو إشارة إلى عطاء الواجبات والمندوبات.

« النقي الطرفين » أي الفرج عن الحرام والشبهة ، واللسان عن الكذب والخنى والافتراء والفحش والغيبة وسائر المعاصي ، وما لا يفيد من الكلام ، أو الفرجين أو الفرج والفم عن أكل الحرام والشبهة ، أو المراد كريم الأبوين والأول أظهر ، قال في النهاية : طرفا الإنسان لسانه وذكره ، ومنه قولهم : لا يدري أي طرفيه أطول ، وفيه : وما أدري أي طرفيه أسرع ، أراد حلقه ودبره أي أصابه القيء والإسهال ، فلم أدر أيهما أسرع خروجا من كثرته ، انتهى.

والمعنى الثالث أيضا حسن لما روي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن أكثر ما يدخل النار الأجوفان ، قالوا : يا رسول الله وما الأجوفان؟ قال : الفرج والفم وأيضا قرنوا في أخبار كثيرة في بيان المهلكات بين شهوة البطن والفرج ، وروي في معاني الأخبار عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال : من ضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه ضمنت له الجنة ، وحمله الأكثر على المعنى الأول ، قال الصدوق (ره) : يعني من ضمن لي لسانه وفرجه


عياله إلى غيره.

باب فضل اليقين

١ ـ الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن الحسن بن علي الوشاء ، عن المثنى بن الوليد ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال ليس شيء إلا وله حد

______________________________________________________

وأسباب البلايا تنفتح من هذين العضوين ، انتهى.

« البر بوالديه » أي المحسن إليهما والمطيع لهما والمتحري لمحابهما« ولا يلجئ عياله إلى غيره » أي لم يضطرهم لعدم الإنفاق عليهم مع القدرة عليه إلى السؤال عن غيره ، يقال : ألجأته إليه ولجأته بالهمزة والتضعيف أي اضطررته وأكرهته.

باب فضل اليقين

الحديث الأول : ضعيف على المشهور معتبر.

وقال المحقق الطوسي (ره) في أوصاف الأشراف : اليقين اعتقاد جازم مطابق ثابت لا يمكن زواله ، وهو في الحقيقة مؤلف من علمين العلم بالمعلوم ، والعلم بأن خلاف ذلك العلم محال ، وله مراتب ، علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين.

وقالقدس‌سره في بعض مصنفاته إن مراتب المعرفة مثل مراتب معرفة النار مثلا فإن أدناها من سمع أن في الوجود شيئا يعدم كل شيء يلاقيه ويظهر أثره في كل شيء يحاذيه ، وأي شيء أخذ منه لم ينقص منه شيء ، ويسمى ذلك الموجود نارا ونظير هذه المرتبة في معرفة الله تعالى معرفة المقلدين الذين صدقوا بالدين من غير وقوف على الحجة ، وأعلى منها مرتبة من وصل إليه دخان النار وعلم أنه لا بد من مؤثر فحكم بذات لها أثر هو الدخان ، ونظير هذه المرتبة في معرفة الله تعالى معرفة أهل النظر والاستدلال الذين حكموا بالبراهين القاطعة على وجود الصانع ، وأعلى منها مرتبة من أحس بحرارة النار بسبب مجاورتها وشاهد الموجودات


قال قلت جعلت فداك فما حد التوكل قال اليقين قلت فما حد اليقين قال ألا تخاف مع الله شيئا.

٢ ـ عنه ، عن معلى ، عن الحسن بن علي الوشاء ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ومحمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن محبوب ، عن أبي ولاد الحناط وعبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال من صحة يقين المرء المسلم

______________________________________________________

بنورها وانتفع بذلك الأثر.

ونظير هذه المرتبة في معرفة الله سبحانه معرفة المؤمنين الخلص الذين اطمأنت قلوبهم بالله وتيقنوا أن الله نور السماوات والأرض كما وصف به نفسه ، وأعلى منها مرتبة من احترق بالنار بكليته وتلاشى فيها بجملته ، ونظير هذه المرتبة في معرفة الله تعالى معرفة أهل الشهود والفناء في الله وهو الدرجة العليا والمرتبة القصوى رزقنا الله الوصول إليها والوقوف عليها بمنه وكرمه ، انتهى.

والمرادبالحد هنا إما علامته أو تعريفه أو نهايته ، فعلى الأول المعنى أن علامة التوكل اليقين ، وعلى الثاني تعريف له بلازمه ، وعلى الثالث المعنى أن التوكل ينتهي إلى اليقين فإنه إذا تمرن على التوكل وعرف آثاره حصل له اليقين بأن الله مدبر أمره وأنه الضار النافع ، وكذا الفقرة الثانية تحتمل الوجوه المذكورة وعدم الخوف من غيره سبحانه لا ينافي التقية وعدم إلقاء النفس إلى التهلكة إطاعة لأمره تعالى فإن صاحب اليقين يفعلهما خوفا منه تعالى كما أن التوكل لا ينافي التوسل بالوسائل والأسباب تعبدوا مع كون الاعتماد على الله تعالى في جميع الأمور.

الحديث الثاني : له سندان أولهما ضعيف على المشهور كالصحيح عندي ، وثانيهما صحيح ، فهما في غاية الصحة والقوة.

« من صحة يقين المرء المسلم » أي من علامات كون يقينه بالله وبكونه مالكا لنفعه وضره وقاسما لرزقه على ما علم صلاح دنياه وآخرته فيه ، وأن الله مقلب


أن لا يرضي الناس بسخط الله ولا يلومهم على ما لم يؤته الله فإن الرزق لا يسوقه حرص حريص ولا يرده كراهية كاره ولو أن أحدكم فر من رزقه كما يفر من

______________________________________________________

القلوب وهي بيده يصرفها كيف يشاء وأن الآخرة الباقية خير من الدنيا الفانية صحيحا غير معلول ولا مشوب بشك وشبهة وأنه واقع ليس محض الدعوى.

« أن لا يرضى الناس بسخط الله » بأن يوافقهم في معاصيه تعالى طلبا لما عندهم من الزخارف الدنيوية أو المناصب الباطلة ، ويفتيهم بما يوافق رضاهم من غير خوف أو تقية ، ولا يأمرهم بالمعروف ولا ينهاهم عن المنكر من غير خوف ضرر أو عدم تجويز تأثير ، بل لمحض رعاية رضاهم وطلب التقرب عندهم ، أو يأتي أبواب الظالمين ويتذلل عندهم لا لتقية تجوزه ولا لمصلحة جلب نفع لمؤمن أو لدفع ضرر عنه ، بل لطلب ما في أيديهم لسوء يقينه بالله وبرازقيته ، مع أنه يترتب عليه خلاف ما أمله ، كما روي : من أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس.

قوله عليه‌السلام : ولا يلومهم على ما لم يؤته الله ، أي لا يذمهم ولا يشكرهم على ترك صلتهم إياه بالمال وغيره فإنه يعلم صاحب اليقين أن ذلك شيء لم يقدره الله له ولا يرزقه إياه لعدم كون صلاحه فيه مطلقا أو في كونه بيد هذا الرجل وبتوسطه بل يوصله إليه من حيث لا يحتسب فلا يلوم أحدا بذلك لأنه ينظر إلى مسبب الأسباب ولا ينظر إليها ولا يعترض على الله فيما فعل به.

وهذا اللوم يتضمن نوعا من الشرك حيث جعلهم الرازق والمعطي مع الله وسخطا لقضاء الله والموقن بريء منهما ، فضمير يؤته راجع إلى المرء المسلم ، وعائد« ما » محذوف بتقدير إياه.

وقيل : يحتمل أن يكون المراد أنه لا يلومهم على ما لم يؤته الله إياهم فإن الله خلق كل أحد على ما هو عليه وكل ميسر لما خلق له فيكون كقولهعليه‌السلام لو علم الناس كيف خلق الله هذا الخلق لم يلم أحد أحدا.


الموت لأدركه رزقه كما يدركه الموت ثم قال إن الله بعدله وقسطه جعل

______________________________________________________

ولا يخفى بعده لا سيما بالنظر إلى التعليلبقوله فإن الرزق لا يسوقه حرص حريص أي الرزق الذي قدره الله للإنسان لا يحتاج في وصوله إلى حرص بل يأتيه بأدنى سعي أمر الله به« ولا يرده » هذا الرزق« كراهة كاره » لرزق نفسه لقلته أو للزهد ، أو كاره لرزق غيره حسدا ، ويؤكد الأول :ولو أن أحدكم « إلخ » وهذا يدل على أن الرزق مقدر من الله تعالى ويصل إلى العبد البتة.

وفيه مقامان : الأول : أن الرزق هل يشمل الحرام أم لا؟ فالمشهور بين الإمامية والمعتزلة الثاني ، وبين الأشاعرة الأول قال الرازي في تفسير قوله تعالى : «وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ »(١) الرزق في كلام العرب الحظ وقال بعضهم : كل شيء يؤكل أو يستعمل ، وقال آخرون : الرزق هو ما يملك ، وأما في عرف الشرع فقد اختلفوا فيه فقال أبو الحسن البصري : الرزق هو تمكين الحيوان من الانتفاع بالشيء والحظر غير أن يمنعه من الانتفاع به فإذا قلنا رزقنا الله الأموال فمعنى ذلك أنه مكننا من الانتفاع بها والمعتزلة لما فسروا الرزق بذلك لا جرم قالوا : الحرام لا يكون رزقا وقال أصحابنا : الحرام قد يكون رزقا.

حجة الأصحاب من وجهين : الأول : أن الرزق في أصل اللغة هو الحظ والنصيب على ما بيناه فمن انتفع بالحرام فذلك الحرام صار حظا ونصيبا له ، فوجب أن يكون رزقا له ، الثاني : أنه تعالى قال : «وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُها »(٢) وقد يعيش الرجل طول عمره لا يأكل إلا من السرقة فوجب أن يقال : أنه طول عمره لم يأكل من رزقه شيئا.

وأما المعتزلة فقد احتجوا بالكتاب والسنة ، والمعنى ، أما الكتاب فوجوه

__________________

(١) سورة البقرة : ٣.

(٢) سورة هود : ٦.


الروح والراحة في اليقين والرضا وجعل الهم والحزن في الشك والسخط

______________________________________________________

أحدها : قوله تعالى : «وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ »(١) مدحهم على الإنفاق مما رزقهم الله تعالى فلو كان الحرام رزقا لوجب أن يستحقوا المدح إذا أنفقوا من الحرام وذلك باطل بالاتفاق ، وثانيها. لو كان الحرام رزقا لجاز أن ينفق الغاصب منه لقوله تعالى : «وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ »(٢) وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز للغاصب أن ينفق منه بل يجب عليه رده ، فدل على أن الحرام لا يكون رزقا ، وثالثها : قوله تعالى : «قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ »(٣) فبين أن من حرم رزق الله فهو مفتر على الله ، فثبت أن الحرام لا يكون رزقا.

وأما السنة فما رواه أبو الحسين في كتاب الغرر بإسناده عن صفوان بن أمية قال : كنا عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذ جاء عمرو بن مرة فقال : يا رسول الله إن الله كتب على الشقوة فلا أراني أرزق إلا من دفي بكفي فأذن لي في الغناء من غير فاحشة؟ فقالعليه‌السلام : لا آذن لك ولا كرامة ولا نعمة ، كذبت أي عدو الله لقد رزقك الله طيبا فاخترت ما حرم الله عليك من رزقه مكان ما أحل الله لك من حلاله ، أما إنك لو قلت بعد هذه النوبة شيئا ضربتك ضربا وجيعا.

وأما المعنى فهو أن الله تعالى منع المكلف من الانتفاع به وأمر غيره بمنعه من الانتفاع به ، ومن منع من أخذ شيء والانتفاع به لا يقال أنه رزقه إياه ، ألا ترى أنه لا يقال : أن السلطان رزق جنده مالا وقد منعهم من أخذه.

الثاني : أن الرزق هل يجب على الله إيصاله من غير سعي وكسب ، أم لا بد من الكسب والسعي فيه؟ ظاهر هذا الخبر وغيره الأول ، وقد روي في النهج عن أمير المؤمنين

__________________

(١) سورة البقرة : ٣.

(٢) سورة المنافقون : ١٠.

(٣) سورة سورة يونس : ٥٩.


٣ ـ ابن محبوب ، عن هشام بن سالم قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول إن العمل الدائم القليل على اليقين أفضل عند الله من العمل الكثير على غير يقين.

______________________________________________________

عليه‌السلام أنه قيل لهعليه‌السلام : لو سد على رجل باب بيت وترك فيه من أين كان يأتيه رزقه؟ فقالعليه‌السلام : من حيث يأتيه أجله ، وظاهر كثير من الأخبار الثاني ، وسيأتي تمام الكلام فيه في كتاب المكاسب إنشاء الله تعالى.

قوله عليه‌السلام : وقسطه ، العطف للتفسير والتأكيد ، وكذا الراحة ، والروح راحة القلب وسكونه عن الاضطراب ، والراحة فراغ البدن وعدم المبالغة في الاكتساب« في اليقين » برازقيته سبحانه ولطفه وسعة كرمه ، وأنه لا يفعل بعباده إلا ما هو أصلح لهم ، وأنه لا يصل إلى العباد إلا ما قدر لهم« والرضا » بما يصل من الله إليه وهو ثمرة اليقين ، والحزن بالضم والتحريك أيضا إما عطف تفسير للهم أو الهم اضطراب النفس عند تحصيله والحزن جزعها واغتمامها بعد فواته« في الشك » أي عدم اطمئنان النفس بما ذكر في اليقين« والسخط » وعدم الرضا بقضاء الله المترتب على الشك.

ونعم ما قيل :

ما العيش إلا في الرضا

والصبر في حكم القضاء

ما بات من عدم الرضا

إلا على جمر الغضا(١)

الحديث الثالث : صحيح.

وابن محبوب معلق على ثاني سندي الخبر السابق ، ويدل على أن لكمال اليقين وقوة العقائد مدخلا عظيما في قبول الأعمال وفضلها بل لا يحصل الإخلاص الذي هو روح العبادة وملاكها إلا بها ، وكان قيد الدوام معتبر في الثاني أيضا ليظهر مزيد فضل اليقين ، ويحتمل أن يكون حذف قيد الدوام في الثاني للإشعار بأن إحدى

__________________

(١) الجمر : النار المتقدة ، والغضا شجر خشبه من أصلب الخشب وجمره يبقى زمنا طويلا لا ينطفي.


٤ ـ الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن الوشاء ، عن أبان ، عن زرارة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه على المنبر لا يجد أحدكم طعم الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه.

______________________________________________________

ثمرات اليقين دوام العمل فإن اليقين الذي هو سببه لا يزول بخلاف العمل الكثير على غير يقين فإنه غالبا يكون متفرعا على غرض من الأغراض تتبدل سريعا ، أو إيمان ناقص هو بمعرض الضعف والزوال على نهج قول أمير المؤمنينعليه‌السلام : قليل مدوم عليه خير من كثير مملول منه.

الحديث الرابع : ضعيف على المشهور.

قوله عليه‌السلام : طعم الإيمان ، قيل : إن فيه مكنية وتخييلية حيث شبه الإيمان بالطعام في أنه غذاء للروح به ينمو ويبلغ حد الكمال كما أن الطعام غذاء للبدن.

قوله عليه‌السلام : لم يكن ليخطئه يحتمل أن يكون من المعتل أي يتجاوزه ، أو من المهموز أي لا يصيبه كما يخطئ السهم الرمية.

قال الراغب : الخطأ العدول عن الجهة وذلك أضرب : أحدها : أن يريد غير ما يحسن إرادته فيفعله ، والثاني : أن يريد ما يحسن فعله ولكن يقع منه خلاف ما يريد ، وهذا قد أصاب في الإرادة وأخطأ في الفعل ، والثالث : أن يريد ما لا يحسن فعله ويتفق منه خلافه فهذا مخطئ في الإرادة ومصيب في الفعل ، فهو مذموم بقصده وغير محمود على فعله ، وجملة الأمر أن من أراد شيئا واتفق منه غيره يقال : أخطأ ، وإن وقع منه كما أراده يقال : أصاب ، وقد يقال لمن فعل فعلا لا يحسن أو أراد إرادة لا تجمل أنه أخطأ.

وقال الجوهري في المعتل قولهم في الدعاء : إذا دعوا للإنسان خطىء عنه السوء أي دفع عنه السوء وتخطئته تجاوزته ، وتخطيت رقاب الناس وتخطيت إلى كذا ، ولا تقل تخاطئت.


٥ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن زيد الشحام ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أن أمير المؤمنين صلوات الله عليه جلس إلى حائط مائل يقضي بين الناس فقال بعضهم لا تقعد تحت هذا الحائط فإنه معور فقال أمير المؤمنين

______________________________________________________

وفي المصباح : الخطأ مهموزا ضد الصواب يقصر ويمد ، وهو اسم من أخطأ فهو مخطئ ، قال أبو عبيدة : خطىء خطاء من باب علم وأخطأ بمعنى واحد لمن يذنب على غير عمد ، وقال غيره : خطىء في الدين وأخطأ في كل شيء عامدا أو كان غير عامد ، وأخطأ الحق بعد عنه ، وأخطأه السهم تجاوزه ولم يصبه ، وتخفيف الرباعي جائز.

وقال الزمخشري في الأساس في المهموز : ومن المجاز لن يخطأك ما كتب لك ، وما أخطئك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك ، وقال في المعتل : ومن المجاز تخطأه المكروه ، انتهى.

وأقول : فظهر أن الهمزة أظهر ، وحاصل المعنى أن ما أصابه في الدنيا كان يجب أن يصيبه ولم يكن بحيث يتجاوزه إذا لم يبالغ السعي فيه ، وما لم يصبه في الدنيا لم يكن يصيبه إذا بالغ في السعي ، أو المعنى أن ما أصابه في التقدير الأزلي لا يتجاوزه وإن قصر في السعي وكذا العكس ، وهذا الخبر بظاهره مما يوهم الجبر ، ولذا أول وخص بما لم يكلف العبد به فعلا وتركا ، أو بما يصل إليه بغير اختياره من النعم والبلايا ، والصحة والمرض وأشباهها ، وقد أوردنا الكلام في أمثاله في كتاب العدل [ من البحار ].

الحديث الخامس : حسن كالصحيح.

« فإنه معور » على بناء الفاعل من باب الأفعال أي ذو شق وخلل يخاف منه ، أو على بناء المفعول من التفعيل أو الأفعال أي ذو عيب ، قال في النهاية : العوار بالفتح العيب وقد يضم ، والعورة كل ما يستحيي منه إذا ظهر ، وفيه رأيته وقد طلع في طريق معورة ، أي ذات عورة يخاف فيها الضلال والانقطاع ، وكل عيب وخلل في


صلوات الله عليه حرس امرأ أجله فلما قام سقط الحائط قال وكان أمير المؤمنين

______________________________________________________

شيء فهو عورة ، وفي الأساس مكان معورة ذو عورة.

قوله عليه‌السلام : حرس امرءا أجله ، امرءا مفعول حرس ، وأجله فاعله ، وهذا مما استعمل فيه النكرة في سياق الإثبات للعموم ، أي حرس كل امرئ أجله كقولهم : أنجز حر ما وعد ، ويؤيده ما في النهج أنه قالعليه‌السلام : كفى بالأجل حارسا ، ومن العجب ما ذكره بعض الشارحين أن امرءا مرفوع على الفاعلية وأجله منصوب على المفعولية والعكس محتمل ، والمقصود الإنكار لأن أجل المرء ليس بيده حتى يحرسه ، انتهى.

ويشكل هذا بأنه يدل على جواز إلقاء النفس إلى التهلكة وعدم وجوب الفرار عما يظن عنده الهلاك ، والمشهور عند الأصحاب خلافه.

ويمكن أن يجاب عنه بوجوه : الأول : أنه يمكن أن يكون هذا الجدار مما يظن عدم انهدامه في ذلك الوقت ولكن الناس كانوا يحترزون عن ذلك بالاحتمال البعيد لشدة تعلقهم بالحياة ، فأجابعليه‌السلام : بأن الأجل حارس ولا يحسن الحذر عند الاحتمالات البعيدة لذلك ، وإنما تحترز عند الظن بالهلاك تعبدا وهذا ليس من ذلك ، لكنقوله عليه‌السلام : فلما قام « إلخ » مما يبعد هذا الوجه ويقعده وإن أمكن توجيهه.

الثاني : أن يقال : هذا كان من خصائصهعليه‌السلام وأضرابه ، حيث كان يعلم وقت أجله بإخبار النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وغيره ، فكان يعلم أن هذا الحائط لا يسقط في ذلك الوقت وإن كان مشرفا على الانهدام لعدم الكذب في إخباره ، وأما من لم يعلم ذلك فهو مكلف بالاحتراز ، وكون هذا من اليقين لكونه متفرعا على اليقين بخبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

الثالث : أن يقال أنه من خصائصهعليه‌السلام على وجه آخر ، وهو أنهعليه‌السلام كان يعلم أن هذا الحائط لا ينهدم في هذا الوقت ، فلما علم أنه حان وقت سقوطه قام


عليه‌السلام مما يفعل هذا وأشباهه وهذا اليقين.

______________________________________________________

فسقط ، ويؤيده ما رواه الصدوق في التوحيد بإسناده عن الأصبغ بن نباتة أن أمير المؤمنينعليه‌السلام عدل من عند حائط مائل إلى حائط آخر فقيل له : يا أمير المؤمنين! تفر من قضاء الله؟ قال : أفر من قضاء الله إلى قدر الله.

ولعل المعنى أني لما علمت أنه ينهدم وأعلم أن الله قدر لي أجلا متأخرا عن هذا الوقت فأفر من هذا إلى أن يحصل لي القدر الذي قدره الله لي ، أو المراد بقدر الله أمره وحكمه ، أي إنما أفر من هذا القضاء بأمره تعالى ، أو المعنى أن الفرار أيضا من تقديره تعالى ، فلا ينافي كون الأشياء بقضاء الله تعالى ، الفرار من البلايا ، والسعي لتحصيل ما يجب السعي له فإن كل ذلك داخل في علمه وقضائه ، ولا ينافي شيء من ذلك اختيار العبد كما حققناه في محله.

ويؤيد الوجوه كلها ما روي في الخصال بإسناده عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : خمسة لا يستجاب لهم ، أحدهم رجل مر بحائط مائل وهو يقبل إليه ولم يسرع المشي حتى سقط عليه. « الخبر ».

الرابع : ما قال بعضهم : التكليف بالفرار مختص بغير الموقن لأن الموقن يتوكل على الله ويفوض أمره إليه فيقيه عن كل مكروه كما قال عز وجل : «أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ »(١) وكما قال مؤمن آل فرعون : «وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ فَوَقاهُ اللهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا »(٢) وسر ذلك أن المؤمن الموقن المنتهى إلى حد الكمال لا ينظر إلى الأسباب والوسائط في النفع والضرر ، وإنما نظره إلى مسببها ، وأما من لم يبلغ ذلك الحد من اليقين فإنه يخاطب بالفرار قضاء لحق الوسائط.

« وهذا اليقين » أي من ثمرات اليقين بقضاء الله وقدره وقدرته وحكمته ولطفه

__________________

(١) سورة الزمر : ٣٦.

(٢) سورة غافر : ٤٥.


٦ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن صفوان الجمال قال سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن قول الله عز وجل : «وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما »(١) فقال أما إنه ما كان ذهبا ولا

______________________________________________________

ورأفته وصدق أنبيائه ورسله.

الحديث السادس : صحيح.

«وَأَمَّا الْجِدارُ »إلخ ، هذا في قصة موسى والخضرعليهما‌السلام حيث قال تعالى : «فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ » هي أنطاكية وقيل : إيلة بصرة ، وقيل : باجروان أرمنية ، وقيل : هي قرية على ساحل البحر يقال لها ناصرة ، وهو المروي عن أبي عبد اللهعليه‌السلام «اسْتَطْعَما أَهْلَها » أي سألاهم الطعام «فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما » أي لم يضيفهما أحد من أهلها ، وقال أبو عبد اللهعليه‌السلام : لم يضيفوهما ولا يضيفون بعدهما أحدا إلى يوم القيامة «فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَ » أي أشرف على أن ينهدم استعيرت الإرادة للمشارفة «فَأَقامَهُ » بعمارته أو بعمود عمد به ، وقيل : مسحه بيده فقام ، وقيل : نقضه وبناه «قالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً » قيل : هو تحريص على أخذ الجعل ليسدا به جوعتهما ، وقيل : تعريض بأنه فضول.

فلما أراد الخضر فراق موسىعليهما‌السلام بين له علل ما فعله حتى قال : «وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ » أي في القرية المذكورة «وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما » قال الطبرسيرحمه‌الله الكنز هو كل مال مذخور من ذهب أو فضة وغير ذلك ، واختلف في هذا الكنز فقيل : كانت صحف علم مدفونة تحته عن ابن عباس وابن جبير ومجاهد ، قال ابن عباس : ما كان ذلك الكنز إلا علما ، وقيل : كان كنزا من الذهب والفضة رواه أبو الدرداء عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقيل : كان لوحا من الذهب وفيه مكتوب : عجبا لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن ، عجبا لمن أيقن بالرزق كيف يتعب ، عجبا لمن أيقن بالموت كيف يفرح ، عجبا لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل ، عجبا لمن رأى الدنيا

__________________

(١) سورة الكهف : ٨٢.


فضة وإنما كان أربع كلمات لا إله إلا أنا من أيقن بالموت لم يضحك سنه ومن

______________________________________________________

وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها ، لا إله إلا الله محمد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن ابن عباس والحسن ، وروي ذلك عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، وفي بعض الروايات زيادة ونقصان ، وهذا القول يجمع القولين الأولين لأنه يتضمن أن الكنز كان مالا كتب فيه علم فهو مال وعلم.

«وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً » بين سبحانه أنه حفظ الغلامين بصلاح أبيهما ، ولم يذكر منهما صلاحا عن ابن عباس ، وروي عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أنه كان بينهما وبين ذلك الأب الصالح سبعة آباء ، وقالعليه‌السلام : إن الله ليصلح بصلاح الرجل المؤمن ولده وولد ولده وأهل دويرته ودويرات حوله ، فلا يزالون في حفظ الله لكرامته على الله.

«فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما » قال البيضاوي : أي الحلم وكمال الرأي «وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ » أي مرحومين من ربك ، ويجوز أن يكون علة أو مصدرا لأراد ، فإن إرادة الخير رحمة ، وقيل : يتعلق بمحذوف تقديره : فعلت ما فعلت رحمة من ربك ، انتهى.

قوله عليه‌السلام : ما كان ذهبا ولا فضة ، أقول : يدل على أن الأخبار الواردة بأنه كان من ذهب محمول على التقية ، ويمكن أن يحمل هذا الخبر على أنه لم يكن كونه كنزا وادخاره وحفظ الخضرعليه‌السلام له لكونه ذهبا بل للعلم الذي كان فيه.

وإنما اقتصر على هذه الأربع لأن الأولى مشتملة على توحيد الله وتنزيهه عن كل ما يليق به سبحانه ، والثانية على تذكر الموت والاستعداد لما بعده ، والثالثة على تذكر أحوال القيامة ، وأهوالها الموجب لعدم الفرح بالذات الدنيا والرغبة في زخارفها ، والرابعة على اليقين بالقضاء والقدر المتضمن لعدم الخشية من غير الله وهي من أعظم أركان الإيمان ومن أمهات الصفات الكمالية.

« لم يضحك سنة » إنما نسب الضحك إلى السن لإخراج التبسم فإنه ممدوح ،


أيقن بالحساب لم يفرح قلبه ومن أيقن بالقدر «لَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ ».

٧ ـ عنه ، عن علي بن الحكم ، عن صفوان الجمال ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال كان أمير المؤمنينعليه‌السلام يقول لا يجد عبد طعم الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه وأن الضار النافع هو الله عز وجل.

٨ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الوشاء ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي حمزة ، عن سعيد بن قيس الهمداني قال نظرت يوما في الحرب إلى رجل عليه ثوبان فحركت فرسي فإذا هو أمير المؤمنينعليه‌السلام فقلت يا أمير المؤمنين في مثل هذا الموضع فقال نعم يا سعيد بن قيس إنه ليس من عبد إلا وله من الله حافظ

______________________________________________________

وكان ضحك رسول الله تبسما ، وقراءته بالنصب بأن يكون المراد بالسن العمر بعيد ، وظاهر أن تذكر الموت والأهوال التي بعده يصير الإنسان مغموما مهموما متهيئا لرفع تلك الأهوال ، فلا يدع في قلبه فرحا من اللذات يصير سببا لضحكه ، وكذا اليقين بالحساب لا يدع فرحا في قلب أولي الألباب ، وكذا من أيقن بأن جميع الأمور بقضاء الله وقدره علم أنه الضار النافع في الدنيا والآخرة فلا يخشى ولا يرجو غيره سبحانه.

الحديث السابع : صحيح.

« والله هو الضار النافع » لأن كل نفع وضرر بتقديره تعالى وإن كان بتوسط الغير وأن النفع والضرر الحقيقيان منه تعالى ، وأما الضرر اليسير من الغير مع الجزاء الكثير في الآخرة فليس بضرر حقيقة ، وكذا المنافع الفانية الدنيوية إذا كانت مع العقوبات الأخروية فهو عين الضرر ، وبالجملة كل نفع وضرر يعتد بهما فهو من عنده تعالى ، وأيضا كل نفع أو ضرر من غيره فهو بتوفيقه أو خذلانه سبحانه.

الحديث الثامن : حسن.

« في مثل هذا الموضع » فيه تقدير أي تكتفي بلبس القميص والإزار من غير


وواقية معه ملكان يحفظانه من أن يسقط من رأس جبل أو يقع في بئر فإذا نزل القضاء خليا بينه وبين كل شيء.

______________________________________________________

درع وجنة في مثل هذا الموضع« حافظ » أي ملك حافظ لأعماله وملائكة واقية له من البلايا دافعة لها عنه كما قال تعالى : «لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ »(١) وروي علي بن إبراهيم في تفسيرها عن أبي الجارود عن أبي جعفرعليه‌السلام «مِنْ أَمْرِ اللهِ » يقول : بأمر الله من أن يقع في ركي(٢) أو يقع عليه حائط أو يصيبه شيء حتى إذا جاء القدر خلوا بينه وبينه يدفعونه إلى المقادير ، وهما ملكان يحفظانه بالليل وملكان يحفظانه بالنهار يتعاقبانه ، وروي عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أنه قال : إنما نزلت « له معقبات من خلفه ورقيب من بين يديه يحفظونه بأمر الله ».

وقال الطبرسي (ره) في سياق الوجوه المذكورة في تفسيرها : والثاني أنهم ملائكة يحفظونه من المهالك حتى ينتهوا به إلى المقادير فيحولون بينه وبين المقادير عن عليعليه‌السلام ، وقيل : هم عشرة أملاك على كل آدمي يحفظونه من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله أي يطوفون به كما يطوف الموكل بالحفظ ، وقيل يحفظون ما تقدم من عمله وما تأخر إلى أن يموت فيكتبونه ، وقيل : يحفظونه من وجوه المهالك والمعاطب ، ومن الجن والإنس والهوام ، وقال ابن عباس : يحفظونه مما لم يقدر نزوله ، فإذا جاء المقدر بطل الحفظ ، وقيل : من أمر الله أي بأمر الله ، وقيل : يحفظونه عن خلق الله فمن بمعنى عن ، قال كعب : لو لا أن الله وكل بكم ملائكة يذبون عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم لتخطفنكم الجن ، انتهى.

وروى الصدوق (ره) في التوحيد بإسناده عن أبي حيان التميمي عن أبيه وكان مع عليعليه‌السلام يوم صفين ومعاوية مستقبلة على فرس له يتأكل تحته تأكلا

__________________

(١) سورة الرعد : ١١.

(٢) الركى جمع الركيّة : البئر ذات الماء.


٩ ـ الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن علي بن أسباط قال سمعت أبا الحسن الرضاعليه‌السلام يقول كان في الكنز الذي قال الله عز وجل : «وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما » كان فيه «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ » عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح وعجبت لمن أيقن بالقدر كيف يحزن

______________________________________________________

وعليعليه‌السلام على فرس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المرتجز وبيده حربة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو متقلد سيفه ذا الفقار ، فقال رجل من أصحابه : احترس يا أمير المؤمنين فإنا نخشى أن يغتالك هذا الملعون؟ فقال عليعليه‌السلام : لئن قلت ذلك إنه غير مأمون على دينه وأنه لأشقى القاسطين وألعن الخارجين على الأئمة المهتدين ، ولكن كفى بالأجل حارسا ، ليس أحد من الناس إلا ومعه ملائكة حفظة يحفظونه من أن يتردى في بئر أو يقع عليه حائط أو يصيبه سوء ، فإذا حان أجله خلوا بينه وبين ما يصيبه ، وكذلك أنا إذا حان أجلي انبعث أشقاها مخضب هذه من هذا ـ وأشار إلى لحيته ورأسه ـ عهدا معهودا ووعدا غير مكذوب.

وقيل : التاء فيقوله واقية للنقل إلى الاسمية إذ المراد الواقية من خصوص الموت وقيل : واقية أي جنة واقعية كأنها من الصفات الغالبة أو التاء فيها للمبالغة عطف تفسيري للحافظ ، انتهى.

وقد مضى الكلام فيه في الحديث الخامس.

الحديث التاسع : ضعيف على المشهور معتبر عندي.

وقوله : كان فيه ، تأكيد لقوله كان في الكنز ، واختلاف الأخبار في المكتوب في اللوح لا ضير فيه لأن الجميع كان فيه واختلاف العبارات للنقل بالمعنى مع أن الظاهر أنها لم تكن عربية وفي النقل من لغة إلى لغة كثيرا ما تقع تلك الاختلافات.

فإن قلت : الحصر في الحديث السادس بإنما ينافي تجويز الزيادة على الأربع؟

قلت : الظاهر أن الحصر بالإضافة إلى الذهب والفضة مع أن المضامين قريبة ، وإنما التفاوت بالإجمال والتفصيل ، ونسبة التعجب إلى الله تعالى مجاز ، والغرض الإخبار


وعجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يركن إليها وينبغي لمن عقل عن الله أن لا يتهم الله في قضائه ولا يستبطئه في رزقه

______________________________________________________

عن ندرة الوقوع أو عدمه.

وقال بعض المحققين : إنما اختلفت ألفاظ الروايتين مع أنهما إخبار عن أمر واحد لأنهما إنما تخبران عن المعنى دون اللفظ فلعل اللفظ كان غير عربي ، أما ما يتراءى فيهما من الاختلاف في المعنى فيمكن إرجاع إحداهما إلى الأخرى وذلك لأن التوحيد والتسمية مشتركان في الثناء ولعلهما كانا مجتمعين فاكتفى في كل من الروايتين بذكر أحدهما ، ومن أيقن بالقدر علم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه ، فلم يحزن على ما فاته ولم يخش إلا الله ، ومن أيقن بالحساب نظر إلى الدنيا بعين العبرة ورأى تقلبها بأهلها فلم يركن إليها فلم يفرح بما آتاه ، فهذه خصال متلازمة اكتفي في إحدى الروايتين ببعضها ، وفي الأخرى بآخر ، وأماقوله : ينبغي. إلى آخره ، فلعله من كلام الرضاعليه‌السلام دون أن يكون من جملة ما في الكنز وعلى تقدير أن يكون من جملة ذلك فذكره في إحدى الروايتين لا ينافي السكوت عنه في الأخرى ، انتهى.

« لمن عقل عن الله » أي حصل له معرفة ذاته وصفاته المقدسة من علمه وحكمته ولطفه ورحمته ، أو أعطاه الله عقلا كاملا أو علم الأمور بعلم ينتهي إلى الله بأن أخذه عن أنبيائه وحججهعليهما‌السلام إما بلا واسطة أو بواسطة ، أو بلغ عقله إلى درجة يفيض الله علومه عليه بغير تعليم بشر ، أو تفكر فيما أجرى الله على لسان الأنبياء والأوصياء وفيما أراه من آياته في الآفاق والأنفس وتقلب أحوال الدنيا وأمثالها ، والثاني أظهر لقول الكاظمعليه‌السلام لهشام : يا هشام ما بعث الله أنبياءه ورسله إلى عباده إلا ليعقلوا عن الله ، وقال أيضا : أنه لم يخف الله من لم يعقل عن الله ، ومن لم يعقل عن الله لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة يبصرها ويجد حقيقتها في قلبه.

« أن لا يتهم الله في قضائه » بأن يظن أن ما لم يقدره الله له خير مما قدر له ،


فقلت جعلت فداك أريد أن أكتبه قال فضرب والله يده إلى الدواة ليضعها بين يدي فتناولت يده فقبلتها وأخذت الدواة فكتبته.

١٠ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن الحكم ، عن عبد الرحمن العرزمي ، عن أبيه ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال كان قنبر غلام علي يحب علياعليه‌السلام حبا شديدا فإذا خرج علي صلوات الله عليه خرج على أثره بالسيف فرآه ذات ليلة فقال يا قنبر ما لك فقال جئت لأمشي خلفك يا أمير المؤمنين قال ويحك أمن أهل السماء تحرسني أو من أهل الأرض فقال لا بل من أهل الأرض فقال

______________________________________________________

أو يفعل من السعي والجزع ما يوهم ذلك« ولا يستبطئه » أي لا يعده بطيئا« في رزقه » إن تأخر بأن يعترض عليه في الإبطاء بلسان الحال أو المقال ، ويدل على رجحان كتابة الحديث وعدم الاتكال على الحفظ.

الحديث العاشر : مجهول.

وقنبر كان مولى أمير المؤمنينعليه‌السلام ومن خواصه وقتله الحجاج لعنه الله على حبهعليه‌السلام ، روى الكشي بإسناده عن أبي الحسن العسكريعليه‌السلام أن قنبرا مولى أمير المؤمنينعليه‌السلام أدخل على الحجاج بن يوسف فقال : ما الذي كنت تلي من علي بن أبي طالبعليه‌السلام قال : كنت أوضيه فقال له : ما كان يقول إذا فرغ من وضوئه؟ فقال : كان يتلو هذه الآية : «فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ ، فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ »(١) فقال الحجاج : أظنه كان يتأولها علينا؟ قال : نعم ، فقال : ما أنت صانع إذا ضربت علاوتك؟ قال : إذا أسعد وتشقى ، فأمر به.

قوله عليه‌السلام : فإذا خرج ، روي أنهعليه‌السلام كان يخرج في أكثر الليالي إلى ظهر الكوفة فيعبد الله هناك.

__________________

(١) سورة الأنعام ٤٣ :


إن أهل الأرض لا يستطيعون لي شيئا إلا بإذن الله من السماء فارجع فرجع.

١١ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس عمن ذكره قال قيل للرضاعليه‌السلام إنك تتكلم بهذا الكلام والسيف يقطر دما فقال إن لله واديا من ذهب حماه بأضعف خلقه النمل فلو رامه البخاتي لم تصل إليه.

______________________________________________________

« إلا بإذن الله من السماء » إنما نسب إلى السماء لأن التقديرات فيها ، والإذن بالتخلية كما مر.

الحديث الحادي عشر : مرسل.

« بهذا الكلام » أي بدعوى الإمامة« والسيف » أي سيف هارون« يقطر » على بناء المعلوم من باب نصر و« دما » تميز ، وكونه من باب الأفعال ودما مفعولا بعيد ، وفي القاموس : البخت بالضم الإبل الخراسانية كالبختية والجمع بخاتي وبخاتي وبخات ، انتهى.

وذكر بعض المؤرخين أن عسكر بعض الخلفاء وصلوا إلى موضع فنظروا عن جانب الطريق إلى واد يلوح منها ذهب كثير ، فلما توجهوا إليها خرج إليهم نمل كثير كالبغال فقتلت أكثرهم.


إلى هنا تم الجزء السابع ـ حسب تجزئتنا ـ ويليه الجزء الثامن ـ إنشاء الله تعالى ـ وأوله « باب الرضا بالقضاء » وكان الفراغ منه في الثامن والعشرين من شهر شوّال المكرّم سنة ١٣٩٦. والحمد لله أوّلاً وآخراً.

وأنا العبد المذنب الفاني

السيّد هاشم الرسولي المحلاتي


الفهرست

رقم الصفحة

العنوان

عدد الأحاديث

كتاب الإيمان والكفر

٢

باب طينة المؤمن والكافر

٧

١٦

باب آخر منه وفيه زيادة وقوع التكليف الأول

٣

٢٢

باب آخر منه

٣

٣٢

باب أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أول من أجاب وأقر لله عز وجل بالربوبية

٣

٣٦

باب كيف أجابوا وهم ذر

١

٥٤

باب فطرة الخلق على التوحيد

٥

٦٤

باب كون المؤمن في صلب الكافر

٢

٦٦

باب إذا أراد الله عز وجل أن يخلق المؤمن

١

٦٨

باب في أن الصبغة هي الإسلام

٣

٧١

باب في أن السكينة هي الإيمان

٥

٧٤

باب الإخلاص

٦

٨٩

باب الشرائع

٢

١٠٠

باب دعائم الإسلام

١٥

١٢٠

باب أن الإسلام يحقن به الدم

٦


رقم الصفحة

العنوان

عدد الأحاديث

١٥١

باب أن الإيمان يشرك الإسلام ولاعكس

٥

١٥٩

باب آخر منه

٣

٢١٣

باب في أن الإيمان مبثوث لجوارح البدن كلها

٨

٢٦١

باب السبق إلى الإيمان

١

٢٧٢

باب درجات الإيمان

٢

٢٧٧

باب آخر منه

٤

٢٨٢

باب نسبة الإسلام

٣

٢٩١

باب خصال المؤمن

٤

٢٩٨

باب

١

٣١٣

باب صفة الإيمان

١

٣٢٤

باب فضل الإيمان على الإسلام واليقين على الإيمان

٦

٣٣١

باب حقيقة الإيمان واليقين

٤

٣٣٨

باب التفكر

٥

٣٤٣

باب المكارم

٧

٣٥٤

باب فضل اليقين

١١


الفهرس

[ كتاب الإيمان والكفر من کتاب الکافی ] ١

[ تصن يف الشيخ أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني (ره) ] ١

باب ١

طينة المؤمن والكافر ١

« باب طينة المؤمن والكافر » ١

باب آخر منه ١٦

وفيه زيادة وقوع التكليف الأول ١٦

باب آخر منه وفيه زيادة وقوع التكليف الأول ١٦

باب آخر منه ٢٢

باب أن رسول الله (ص) أول من أجاب وأقر لله عز وجل بالربوبية ٣٢

باب كيف أجابوا وهم ذر ٣٦

باب فطرة الخلق على التوحيد ٥٤

باب كون المؤمن في صلب الكافر ٦٤


باب إذا أراد الله أن يخلق المؤمن ٦٦

باب أن الصبغة هي الإسلام ٦٨

باب أن السكينة هي الإيمان ٧١

باب الإخلاص ٧٤

باب الإخلاص ٧٤

باب الشرائع ٨٩

باب الشرائع ٨٩

باب دعائم الإسلام ١٠٠

باب أن الإسلام يحقن به الدم وأن الثواب على الإيمان ١٢٠

باب أن الإيمان يشرك الإسلام والإسلام لا يشرك الإيمان ١٥١

باب آخر منه وفيه أن الإسلام قبل الإيمان ١٥٩


باب في أن الإيمان مبثوث لجوارح البدن كلها ٢١٣

باب السبق إلى الإيمان ٢٦١

باب درجات الإيمان ٢٧٢

باب آخر منه ٢٧٧

باب نسبة الإسلام ٢٨٢

باب ٢٩١

باب ٢٩٨

باب ٢٩٨

باب صفة الإيمان ٣١٣

باب فضل الإيمان على الإسلام واليقين على الإيمان ٣٢٤


باب حقيقة الإيمان واليقين ٣٣١

باب التفكر ٣٣٨

باب المكارم ٣٤٣

باب المكارم ٣٤٣

باب فضل اليقين ٣٥٤

باب فضل اليقين ٣٥٤

الفهرست ٣٧٣