بسم الله الرحمن الرحيم

(باب الرضا بالقضاء )

١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن جميل بن صالح ، عن بعض أشياخ بني النجاشي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال رأس طاعة الله الصبر والرضا عن الله فيما أحب العبد أو كره ولا يرضى عبد عن الله فيما أحب أو كره إلا كان خيرا له فيما أحب أو كره.

_________________________________________

باب الرضا بالقضاء

الحديث الأول : مجهول.

« رأس طاعة الله » وفي بعض نسخ الحديث : كل طاعة الله ، أي أشرفها أو ما به بقاؤها فشبه الطاعة بإنسان وأثبت له الرأس ، وفي القاموس : الرأس معروف وأعلى كل شيء وسيد القوم ، وفي بعض كتب الحديث كل طاعة الله.

« فيما أحب » أي العبد مثل الصحة والسعة والأمن« أو كره » كالسقم والضيقإلا كان أي ما قضاه الله بقرينة المقام ، فإن الرضا عن الله هو الرضا بقضائه وإرجاعه إلى الرضا بعيد ، والرضا به لا ينافي الفرار عنه والدعاء لرفعه لأنهما أيضا بأمره وقضائه سبحانه.


٢ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن أبي عبد الله ، عن أبيه ، عن حماد بن عيسى ، عن عبد الله بن مسكان ، عن ليث المرادي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إن أعلم الناس بالله أرضاهم بقضاء الله عز وجل.

٣ ـ عنه ، عن يحيى بن إبراهيم بن أبي البلاد ، عن عاصم بن حميد ، عن أبي حمزة الثمالي ، عن علي بن الحسينعليه‌السلام قال الصبر والرضا عن الله رأس طاعة الله ومن صبر ورضي عن الله فيما قضى عليه فيما أحب أو كره لم يقض الله عز وجل له فيما أحب أو كره إلا ما هو خير له.

_________________________________________

الحديث الثاني : صحيح.

« إن أعلم الناس » إلخ يدل على أن الرضا بالقضاء تابع للعلم والمعرفة وأنه قابل للشدة والضعف مثلهما ، وذلك لأن الرضا مبني على العلم بأنه سبحانه قادر قاهر عدل حكيم لطيف بعباده لا يفعل بهم إلا الأصلح وأنه المدبر للعالم وبيده نظامه ، فكلما كان العلم بتلك الأمور أتم كان الرضا بقضائه أكمل وأعظم ، وأيضا الرضا من ثمرات المحبة ، والمحبة تابعة للمعرفة ، فإذا كملت المحبة كلما أتاه من محبوبة التذ به وهذه أعلى مدارج الكمال.

الحديث الثالث : صحيح.

وضميرعنه راجع إلى أحمد ، ومضمونه موافق للحديث الأول فإنقوله عليه‌السلام ومن صبر ورضي ، إلخ المراد به أن الصبر والرضا وقعا موقعهما ، لأن المقضي عليه لا محالة خير له لا أنه إذا لم يرض ولم يصبر لم يكن خيرا له ، ولو حمل على هذا الوجه واعتبر المفهوم يحتمل أن يكون الرضا سببا لمزيد الخيرية ، ولو لم يكن إلا الأجر المترتب على الصبر والرضا لكفى في ذلك مع أنه قد جرب أن الراضي بالسوء من القضاء تتبدل حاله سريعا من الشدة إلى الرخاء ، وقيل : لا بد من القول بأن المفهوم غير معتبر ، أو القول بأن ما قضاه الله شر له لفقده أجر الصبر والرضا ، أو في نظره بخلاف الصابر والراضي فإنه خير في نظرهما وفي الواقع.


٤ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن ابن محبوب ، عن داود الرقي ، عن أبي عبيدة الحذاء ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال الله عز وجل إن من عبادي المؤمنين عبادا لا يصلح لهم أمر دينهم إلا بالغنى والسعة والصحة في البدن فأبلوهم بالغنى والسعة وصحة البدن فيصلح عليهم أمر دينهم وإن من عبادي المؤمنين لعبادا لا يصلح لهم أمر دينهم إلا بالفاقة والمسكنة والسقم في أبدانهم فأبلوهم بالفاقة والمسكنة والسقم فيصلح عليهم أمر دينهم وأنا أعلم بما يصلح عليه أمر دين عبادي المؤمنين وإن من عبادي المؤمنين لمن يجتهد في عبادتي فيقوم من رقاده ولذيذ وساده فيتهجد لي الليالي فيتعب نفسه في عبادتي فأضربه بالنعاس الليلة والليلتين

_________________________________________

الحديث الرابع : مختلف فيه صحيح على الظاهر.

والغناء بالكسر والقصر وبالفتح والمد ضد الفقر ، والسعة بالفتح والكسر مصدر وسعه الشيء بالكسر يسعه سعة وهي تأكيد للغنى أو المراد بها كثرة الغناء وقد مر تأويل الاختبار مرارا ، فظهر أن اختلاف أحوالهم مبني على اختبارهم فيختبر بعضهم بالغنى ليظهر شكره أو كفرانه ، ولعلمه بأنه أصلح لدينه ، وبعضهم بالفقر ليظهر شكره أو شكايته ، ولعلمه بأنه أصلح لدينه وهكذا.

وبالجملة يختبر كلا منهم بما هو أصلح لدينه ، ودنياه ، والرقاد بالضم النوم أو هو خاص بالليل ، والوساد بالفتح المتكإ والمخدة كالوسادة مثلثة ، وإضافة اللذيذ إليه إضافة الصفة إلى الموصوف ، والاجتهاد السعي والجد في العبادة ، والليالي منصوب بالظرفية.

« فأضربه بالنعاس » كأنه على الاستعارة أي أسلطه عليه أو هو نظير قوله تعالى : «فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ »(١) وقال الراغب : الضرب إيقاع شيء على شيء ، ولتصور

__________________

(١) سورة الكهف : ١١.


نظرا مني له وإبقاء عليه فينام حتى يصبح فيقوم وهو ماقت لنفسه زارئ عليها ـ ولو أخلي بينه وبين ما يريد من عبادتي لدخله العجب من ذلك فيصيره العجب إلى الفتنة بأعماله فيأتيه من ذلك ما فيه هلاكه لعجبه بأعماله ورضاه عن نفسه حتى يظن أنه قد فاق العابدين وجاز في عبادته حد التقصير فيتباعد مني عند ذلك وهو يظن

_________________________________________

اختلاف الضرب خولف بين تفاسيرها كضرب الشيء باليد والعصا وضرب الأرض بالمطر وضرب الدراهم اعتبارا بضربه بالمطرقة والضرب في الأرض الذهاب فيه لضربها بالأرجل ، وضرب الخيمة لضرب أوتادها ، وقال : «ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ »(١) أي التحفتهم الذلة التحاف الخيمة لو ضربت عليه ، ومنه أستعير «فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ » وضرب اللبن بعضه ببعض بالخلط.

وفي القاموس :نظر لهم رثى لهم وأعانهم ، وفي النهاية :أبقيت عليه أبقى إبقاء إذا رحمته وأشفقت عليه ، والاسم البقيا.

وقال :المقت أشد البغض ، وقال :زريت عليه زراية إذا عبته ، والعجب ابتهاج الإنسان وسروره بتصور الكمال في نفسه وإعجابه بأعماله بظن كمالها وخلوصها ، وهذا من أقبح الأدواء النفسانية وأعظم الآفات للأعمال الحسنة حتى روي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال : لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أكبر من ذلك العجب ، ولا ينشأ ذلك إلا من الجهل بآفات النفس وأدوائها ، وبشرائط الأعمال ومفسداتها ، وعظمة المعبود وجلاله وغنائه عن طاعة المخلوقين.

« فيصيره العجب إلى الفتنة بأعماله » أي إلى أن يفتتن بها ويحبها ويراها كاملة فائقة على أعمال غيره أو إلى الضلالة أو الإثم بسبب الأعمال ، والأول أظهر قال في القاموس : الفتنة بالكسر إعجابك بالشيء والضلال والإثم والكفر ، والفضيحة قال في القاموس : الفتنة بالكسر إعجابك بالشيء والضلال والإثم والكفر ، والفضيحة والعذاب والمحنة.

__________________

(١) سورة البقرة : ٦١.


أنه يتقرب إلي فلا يتكل العاملون على أعمالهم التي يعملونها لثوابي فإنهم لو اجتهدوا وأتعبوا أنفسهم وأفنوا أعمارهم في عبادتي كانوا مقصرين غير بالغين في عبادتهم كنه عبادتي فيما يطلبون عندي من كرامتي والنعيم في جناتي ورفيع درجاتي العلى في جواري ولكن فبرحمتي فليثقوا وبفضلي فليفرحوا وإلى حسن الظن بي فليطمئنوا فإن رحمتي عند ذلك تداركهم ومني يبلغهم رضواني ومغفرتي تلبسهم عفوي فإني أنا الله الرحمن الرحيم وبذلك تسميت.

_________________________________________

« فلا يتكل العاملون على أعمالهم التي يعملونها لثوابي » لأنها وإن كانت كاملة فهي في جنب عظمة المعبود ناقصة وفي جنب الثواب الذي يرجونها قاصرة وكان في العبارة إشعارا بذلك ، وأيضا قد عرفت أن شرائط الأعمال وآفاتها كثيرة تخفى أكثرها على الإنسان ، وفيه دلالة على جواز العمل بقصد الثواب كما مر تحقيقه.

« فيما يطلبون » أي في جنب ما يطلبونه عندي وهي كرامتهم علي في الدنيا والآخرة« وقربهم عندي في جواري » أي مجاورة رحمتي أو مجاورة أوليائي أو في أماني« ولكن فبرحمتي » وفي مجالس الشيخ برحمتي فليثقوا وفضلي فليرجوا وفي غيره : ومن فضلي فليرجوا ، وما في الكتاب أنسب بقوله تعالى : «قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا »(١) والباء متعلقة بفعل يفسره ما بعده ، والفاء لمعنى الشرط كأنه قيل : إن وثقوا بشيء فبرحمتي فليثقوا« وإلى حسن الظن بي فليطمئنوا » أي ينبغي أن يروا أعمالهم قاصرة ويظنوا بسعة رحمته وعفوه قبولها.

« فإن رحمتي عند ذلك تداركهم » أي تتلافاهم بحذف إحدى التائين ، وفي المجالس وغيره تدركهم ، قال الجوهري : الإدراك اللحوق ، واستدركت ما فات وتداركته بمعنى ، وتدارك القوم أي تلاحقوا و« مني » بالفتح أي نعمتي يبلغهم رضواني أو يوصلهم إليه ، وفي المجالس وبمني أبلغهم رضواني وألبسهم عفوي ، وفي فقه

__________________

(١) سورة يونس : ٥٨.


٥ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن صفوان الجمال ، عن أبي الحسن الأولعليه‌السلام قال ينبغي لمن عقل عن الله أن لا يستبطئه في رزقه ولا يتهمه في قضائه.

٦ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن محمد بن إسماعيل ، عن علي بن النعمان ، عن عمرو بن نهيك بياع الهروي قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام قال الله عز وجل عبدي المؤمن لا أصرفه في شيء إلا جعلته خيرا له فليرض بقضائي وليصبر على بلائي وليشكر نعمائي أكتبه يا محمد من الصديقين عندي.

٧ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحسن بن محبوب ، عن مالك بن عطية ، عن داود بن فرقد ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أن فيما أوحى الله عز وجل إلى موسى بن عمرانعليه‌السلام يا موسى بن عمران ما خلقت خلقا أحب إلي من عبدي

_________________________________________

الرضاعليه‌السلام ومنتي تبلغهم ورضواني ومغفرتي [ وعفوي ] تلبسهم.

الحديث الخامس : ضعيف وقد مر مضمونهالحديث السادس : مجهول.

« بياع الهروي » أي بياع الثوب المعمول في هراة بخراسان« لا أصرفه في شيء » بالتخفيف وكان في بمعنى إلى كقوله تعالى : «وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِ »(١) أو على بناء التفعيل يقال : صرفته في الأمر تصريفا فتصرف ، قلبته فتقلب ، والصديق الكثير الصدق في الأقوال والأفعال بحيث يكون فعله لقوله موافقا ، أو الكثير التصديق للأنبياء المتقدم في ذلك على غيره.

الحديث السابع : صحيح.

والبلاء يكون في الخير والشر والأول هنا أظهر ، قال في النهاية : قال القتيبي : يقال من الخيرأبليته أبليه إبلاء ومن الشر بلوته أبلوه بلاء ، والمعروف أن الابتلاء يكون في الخير والشر معا من غير فرق بين فعليهما ، ومنه قوله تعالى

__________________

(١) سورة الأحقاف : ٤٩.


المؤمن فإني إنما أبتليه لما هو خير له وأعافيه لما هو خير له وأزوي عنه ما هو شر له لما هو خير له وأنا أعلم بما يصلح عليه عبدي فليصبر على بلائي وليشكر نعمائي وليرض بقضائي أكتبه في الصديقين عندي إذا عمل برضائي وأطاع أمري.

٨ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن صفوان بن يحيى ، عن فضيل بن عثمان ، عن ابن أبي يعفور ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال عجبت للمرء المسلم لا يقضي الله عز وجل له قضاء إلا كان خيرا له وإن قرض بالمقاريض كان خيرا له وإن ملك مشارق الأرض ومغاربها كان خيرا له.

_________________________________________

«وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً »(١) وقال في حديث الدعاء : ومازويت عني مما أحب ، أي صرفته عني وقبضته ، انتهى.

الحديث الثامن : صحيح.

« للمرء المسلم » كان المراد المسلم بالمعنى الأخص أي المؤمن المنقاد لله ، وربما يقرأ بالتشديد من التسليم« وإن قرض » على بناء المجهول من باب ضرب أو على بناء التفعيل للتكثير والمبالغة ، في المصباح قرضت الشيء قرضا من باب ضرب قطعته بالمقراضين ، والمقراض أيضا بكسر الميم والجمع مقاريض ولا يقال إذا جمع بينهما مقراض كما تقوله العامة وإنما يقال عند اجتماعهما قرضته قرضا من باب ضرب قطعته بالمقراضين ، وفي الواحد قطعته بالمقراض ، انتهى.

« وإن ملك » على بناء المجرد المعلوم من باب ضرب أو على بناء المفعول من التفعيل ، وربما يحمل التعجب هنا علي المجاز إظهارا لغرابة الأمر وعظمه فإنه محل التعجب وأما التعجب حقيقة فلا يكون إلا عند خفاء الأسباب وهي لم تكن مخفية عليهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

__________________

(١) سورة الأنبياء : ٣٥.


٩ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن ابن سنان ، عن صالح بن عقبة ، عن عبد الله بن محمد الجعفي ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال أحق خلق الله أن يسلم لما قضى الله عز وجل من عرف الله عز وجل ومن رضي بالقضاء أتى عليه القضاء وعظم الله أجره ومن سخط القضاء مضى عليه القضاء وأحبط الله أجره

_________________________________________

الحديث التاسع : ضعيف.

« أن يسلم » بفتح الهمزة بتقدير الباء أي بأن يسلم على بناء التفعيل ويحتمل الأفعال« بما قضى الله » أي من البلايا والمصائب وتقتير الرزق وأمثال ذلك مما ليس له فيه اختيار« وعظم الله أجره » الضمير راجع إلى القضاء ، فالمراد بالأجر العوض على طريقة المتكلمين لا الثواب الدائم ، ويحتمل رجوع الضمير إلى « من » فالأجر يشملهما أي ثواب الرضا وأجر القضاء أو الأعم منهما أيضا فإن الصفات الكمالية تصير سببا لتضاعف أجر سائر الطاعات أيضا ، وكذاقوله عليه‌السلام : أحبط الله أجره ، يحتمل الوجوه ، وقيل : يحتمل أن يكون المراد به إحباط ثواب الرضا وإحباط أجر القضاء أيضا ويؤيد الأول ما روي عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : ثواب المؤمن من ولده إذا مات الجنة ، صبر أو لم يصبر.

فائدة

قال المحقق الطوسي قدس الله روحه في التجريد : بعض إلا لم قبيح يصدر منا خاصة ، وبعض حسن يصدر منه تعالى ومنا ، وحسنه إما لاستحقاقه أو لاشتماله على النفع أو دفع الضرر الزائدين أو لكونه عاديا أو على وجه الدفع ، ويجوز في المستحق كونه عقابا ولا يكفي اللطف في ألم المكلف في الحسن ، ولا يشترط في الحسن اختيار المتألم بالفعل ، والعوض نفع مستحق خال عن تعظيم وإجلال ويستحق عليه تعالى بإنزال الآلام وتفويت المنافع لمصلحة الغير وإنزال الغموم سواء استندت إلى علم ضروري أو مكتسب أو ظن ، لا ما يستند إلى فعل العبد وأمر عباده


........................................................................

_________________________________________

بالمضار وإباحته أو تمكين غير العاقل بخلاف الإحراق عند الإلقاء في النار ، والقتل عند شهادة الزور ، والانتصاف عليه تعالى واجب عقلا وسمعا فلا يجوز تمكين الظالم من الظلم من دون عوض في الحال يوازي ظلمه ، فإن كان المظلوم من أهل الجنة فرق الله أعواضه على الأوقات أو تفضل عليه بمثلها ، وإن كان من أهل العقاب أسقط بها جزءا من عقابه بحيث لا يظهر له التخفيف بأن يفرق الناقص على الأوقات ولا يجب دوامه لحسن الزائد بما يختار معه الألم وإن كان منقطعا ، ولا يجب حصوله في الدنيا لاحتمال مصلحة التأخير والألم على القطع ممنوع مع أنه غير محل النزاع ، ولا يجب إشعار صاحبه بإيصاله عوضا ولا يتعين منافعه ولا يصح إسقاطه والعوض عليه تعالى يجب تزايده إلى حد الرضا عند كل عاقل ، وعلينا تجب مساواته.

وقال العلامة نور الله ضريحه في شرحه : اعلم أنا قد بينا وجوب الألطاف والمصالح وهي ضربان مصالح في الدين ومصالح في الدنيا أعني المنافع الدنيوية ، ومصالح ، الدين إما مضار أو منافع والمضار منها آلام وأمراض وغيرهما كالآجال والغلاء ، والمنافع الصحة والسعة في الرزق والرخص ، واختلف الناس في قبح الألم وحسنه ، فذهب الثنوية إلى قبح جميع الآلام وذهبت المجبرة إلى حسن جميعها من الله تعالى ، وذهبت البكرية وأهل التناسخ والعدلية إلى حسن بعضها وقبح الباقي ، واختلفوا في وجه الحسن إلى أن قال :

وقالت المعتزلة : إنه يحسن عند شروط « أحدها » : أن يكون مستحقا « وثانيها » أن يكون فيها نفع عظيم يوفى عليها « وثالثها » أن يكون فيها دفع ضرر أعظم منها « ورابعها » أن يكون مفعولا على مجرى العادة كما يفعله الله تعالى بالحي إذا ألقيناه في النار « وخامسها » أن يكون مفعولا على سبيل الدفع عن النفس كما إذا آلمنا من يقصد قتلنا ، لأنا متى علمنا اشتمال الألم علي أحد هذه الوجوه حكمنا


...........................................................................

_________________________________________

بحسنه قطعا ، وشرط حسن الألم المبتدأ الذي يفعله الله تعالى كونه مشتملا على اللطف إما للمتألم أو لغيره لأن خلو الألم عن النفع الزائد الذي يختار المولم معه الألم يستلزم الظلم ، وخلوه عن اللطف يستلزم العبث وهما قبيحان ، ولذا أوجب أبو هاشم في أمراض الصبيان مع الأعواض الزائدة اشتمالها على اللطف لمكلف آخر وجوز المصنف كأبي الحسين البصري أن تقع الآلام في الكفار والفساق عقابا للكافر والفاسق ومنع قاضي القضاة من ذلك وجزم بكون أمراضهم محنا لا عقوبات.

وذهب المصنف كالقاضي والشيخين إلى أنه لا يكفي اللطف ، في ألم المكلف في الحسن بل لا بد من عوض خلافا لجماعة اكتفوا باللطف ولو فرضنا اشتمال اللذة على اللطف الذي اشتمل عليه الألم هل يحسن منه تعالى فعل الألم بالحي لأجل لطف الغير مع العوض الذي يختار المكلف لو عرض عليه؟ قال أبو هاشم : نعم ، وأبو الحسين منع ذلك وتبعه المصنف ، ولا يشترط في حسن إلا لم المفعول ابتداء من الله تعالى اختيار المتألم للعوض الزائد عليه بالفعل ، وقيد الخلو عن تعظيم وإجلال ليخرج به الثواب.

والوجوه التي يستحق بها العوض على الله تعالى أمور « الأول » إنزال الآلام بالعبد كالمرض وغيره.

« الثاني » تفويت المنافع إذا كانت منه تعالى لمصلحة الغير فلو أمات الله تعالى ابنا لزيد وكان في معلومه تعالى أنه لو عاش لانتفع به زيد لاستحق عليه تعالى العوض عما فاته من منافع ولده ، ولو كان في معلومه تعالى عدم انتفاعه به لأنه يموت قبل الانتفاع به لم يستحق منه عوضا لعدم تفويت المنفعة منه تعالى ، ولذلك لو أهلك ماله استحق العوض بذلك سواء أشعر بهلاك ماله أو لم يشعر لأن تفويت المنفعة كإنزال الألم ، ولو آلمه ولم يشعر به لاستحق العوض ، وكذا لو قوت عليه منفعة لم يشعر بها وعندي في هذا الوجه نظر.


...........................................................................

_________________________________________

« الثالث » إنزال الغموم بأن يفعل الله تعالى أسباب الغم أما الغم الحاصل من العبد نفسه فإنه لا عوض فيه عليه تعالى.

« الرابع » أمر الله تعالى عباده بإيلام الحيوان أو إباحته سواء كان الأمر للإيجاب أو للندب فإن العوض في ذلك كله على الله تعالى.

« الخامس » تمكين غير العاقل مثل سباع الوحش وسباع الطير والهوام وقد اختلف أهل العدل هنا على أربعة أقوال فذهب بعضهم إلى أن العوض على الله تعالى مطلقا ويعزى إلى الجبائي ، وقال آخرون أن العوض على فاعل الألم عن أبي علي وقال آخرون : لا عوض هنا على الله تعالى ولا على الحيوان ، وقال القاضي : إن كان الحيوان ملجئا إلى إلى الإيلام كان العوض عليه تعالى وإن لم يكن ملجئا كان العوض على الحيوان ، وإذ أطرحنا صبيا في النار فاحترق فإن الفاعل للألم هو الله تعالى والعوض علينا ويحسن لأن فعل الألم واجب في الحكمة من حيث إجراء العادة والله قد منعنا من طرحه ونهانا عنه فصار الطارح كأنه الموصل إليه الألم ، فلهذا كان العوض علينا دونه تعالى ، وكذلك إذا شهد عند الإمام شاهدا زور بالقتل فإن العوض على الشهود وإن كان الله تعالى قد أوجب القتل والإمام تولاه وليس عليهما عوض لأنهما أوجبا بشهادتهما على الإمام إيصال الألم إليه من جهة الشرع ، فصارا كأنهما فعلاه لأن قبول الشاهدين عادة شرعية يجب إجراؤها على قانونها كالعادات الحسية.

واختلف أهل العدل في وجوب الانتصاف عليه تعالى ، فذهب قوم منهم إلى أن الانتصاف للمظلوم من الظالم واجب على الله تعالى عقلا لأنه هو المدبر لعباده فنظره كنظر الوالد لولده ، وقال آخرون منهم أنه يجب سمعا والمصنف (ره) اختار وجوبه عقلا وسمعا ، وهل يجوز أن يمكن الله تعالى من الظلم من لا عوض له في الحال يوازي ظلمه ، فمنع منه المصنفقدس‌سره .


...........................................................................

_________________________________________

وقد اختلف أهل العدل هنا فقال أبو هاشم والكعبي : أنه يجوز لكنهما اختلفا فقال الكعبي : يجوز أن يخرج من الدنيا ولا عوض له يوازي ظلمه ، وقال : إن الله تعالى يتفضل عليه بالعوض المستحق عليه ، ويدفعه إلى المظلوم ، وقال أبو هاشم : لا يجوز بل يجب التبقية لأن الانتصاف واجب والتفضل ليس بواجب ، ولا يجوز تعليق الواجب بالجائز ، وقال السيد المرتضىرضي‌الله‌عنه : أن التبقية تفضل أيضا فلا يجوز تعليق الانتصاف بها ، فلهذا وجب العوض في الحال ، واختاره المصنف (ره) لما ذكرناه.

واعلم أن المستحق للعوض إما أن يكون مستحقا للجنة أو للنار ، فإن كان مستحقا للجنة فإن قلنا أن العوض دائم فلا بحث ، وإن قلنا أنه منقطع توجه الإشكال بأن يقال لو أوصل العوض إليه ثم انقطع عنه حصل له الألم بانقطاعه.

والجواب من وجهين : الأول ، أنه يوصل إليه عوضه متفرقا على الأوقات بحيث لا يتبين له انقطاعه فلا يحصل له الألم ، الثاني : أن يتفضل الله تعالى عليه بعد انقطاعه بمثله دائما فلا يحصل له ألم وإن كان مستحقا للعقاب جعل الله عوضه جزءا من عقابه ، بمعنى دائما فلا يحصل له ألم وإن كان مستحقا للعقاب جعل الله عوضه جزءا من عقابه ، بمعنى أنه يسقط من عقابه بإزاء ما يستحقه من الأعواض إذ لا فرق في العقل بين إيصال النفع ودفع الضرر في الإيثار ، فإذا خفف عقابه وكانت آلامه عظيمة علم أن آلامه بعد إسقاط ذلك القدر من العقاب أشد ولا يظهر له أنه كان في راحة.

أو نقول : أنه تعالى ينقص من آلامه ما يستحقه من أعواضه متفرقا على الأوقات ، بحيث لا تظهر له الخفة من قبل ، واختلف في أنه هل يجب دوام العوض أم لا ، فقال الجبائي : يجب دوامه ، وقال أبو هاشم : لا يجب ، واختاره المصنف (ره) ولا يجب إشعار مستحق العوض بتوفيره عوضا له بخلاف الثواب ، وحينئذ أمكن أن يوفره الله تعالى في الدنيا على بعض المعوضين غير المكلفين وأن ينتصف لبعضهم من بعض في الدنيا ، ولا تجب إعادتهم في الآخرة ، والعوض لا يجب إيصاله في منفعة معينة


...........................................................................

_________________________________________

دون أخرى ، بل يصح توفيره بكل ما يحصل فيه شهوة المعوض بخلاف الثواب لأنه يجب أن يكون من جنس ما ألفه المكلف من ملاذه ولا يصح إسقاط العوض ولا هبته ممن وجب عليه في الدنيا ولا في الآخرة سواء كان العوض عليه تعالى أو علينا ، هذا قول أبي هاشم والقاضي وجزم أبو الحسين بصحة إسقاط العوض علينا إذا استحل الظالم من المظلوم وجعله في حل ، بخلاف العوض عليه تعالى فإنه لا يسقط لأن إسقاطه عنه تعالى عبث لعدم انتفاعه به.

ثم قال بعد إيراد دليل القاضي على عدم صحة الهبة مطلقا : والوجه عندي جواز ذلك لأنه حقه وفي هبته نفع للموهوب ، ويمكن نقل هذا الحق إليه ، وعلى هذا لو كان العوض مستحقا عليه تعالى أمكن هبة مستحقه لغيره من العباد ، أما الثواب المستحق عليه تعالى فلا يصح منا هبته لغيرنا لأنه مستحق بالمدح فلا يصح نقله إلى من لا يستحقه.

ثم قال : العوض الواجب عليه تعالى يجب أن يكون زائدا على الألم الحاصل بفعله أو بأمره أو بإباحته أو بتمكينه لغير العاقل زيادة تنتهي إلى حد الرضا من كل عاقل بذلك العوض في مقابلة ذلك الألم لو فعل به لأنه لو لا ذلك لزم الظلم ، أما مع مثل هذا العوض فإنه يصير كأنه لم يفعل ، وأما العوض علينا فإنه يجب مساواته لما فعله من الألم أو فوته من المنفعة لأن الزائد على ما يستحق عليه من الضمان يكون ظلما ، ولا يخرج ما فعلناه بالضمان عن كونه ظلما قبيحا ، فلا يلزم أن يبلغ الحد الذي شرطناه في الآلام الصادرة عنه تعالى ، انتهى ملخص ما ذكرهقدس‌سره .

وإنما ذكرناها بطولها لتطلع على ما ذكره أصحابنا تبعا لأصحاب الاعتزال وأكثر دلائلهم على جل ما ذكر في غاية الاعتلال ، بل ينافي بعض ما ذكروه كثير من الآيات والأخبار ، ونقلها وتحصيلها وشرحها وتفصيلها لا يناسب هذا المقام ، والله أعلم بالصواب.


١٠ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن القاسم بن محمد ، عن المنقري ، عن علي بن هاشم بن البريد ، عن أبيه قال قال لي علي بن الحسين صلوات الله عليهما الزهد عشرة أجزاء أعلى درجة الزهد أدنى درجة الورع وأعلى درجة الورع أدنى درجة اليقين وأعلى درجة اليقين أدنى درجة الرضا.

١١ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن محمد بن علي ، عن علي بن أسباط عمن ذكره ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال لقي الحسن بن عليعليه‌السلام ـ عبد الله بن جعفر فقال يا عبد الله كيف يكون المؤمن مؤمنا وهو يسخط قسمه ويحقر منزلته والحاكم

_________________________________________

الحديث العاشر : ضعيف.

ويدل على أن للزهد في الدنيا وترك الرغبة فيها مراتب تنتهي أعلاها إلى أدنى درجات الورع أي ترك المحرمات والشبهات ، وله أيضا مراتب تنتهي أعلاها إلى أدنى درجات الورع أي ترك المحرمات والشبهات وله أيضا مراتب تنتهي أعلاها إلى أدنى درجات الرضا بقضاء الله فهو أعلى درجات القرب والكمال.

الحديث الحادي عشر : ضعيف.

و « كيف » للإنكار« مؤمنا » أي كاملا في الإيمان مستحقا لهذا الاسم« وهو » الواو للحال« يسخط قسمه » القسم بالكسر وهو النصيب أو بالفتح مصدر قسمه كضربه أو بكسر القاف وفتح السين جمع قسمة بالكسر مصدرا أيضا ، وعلى الأول الضمير البارز راجع إلى المؤمن ، وعلى الأخيرين إما راجع إليه أيضا بالإضافة إلى المفعول أو إلى الله« ويحقر منزلته » الضمير راجع إلى المؤمن أيضا أي يحقر منزلته التي أعطاه الله إياها بين الناس في المال والعزة وغيرهما ، وقيل : أي منزلته عند الله ، لأنه تعالى جعل ذلك قسما له لرفع منزلته فتحقير القسم السبب لها تحقير لها وما ذكرنا أظهر ، ويمكن إرجاعه إلى القسم أو إلى الله بالإضافة إلى الفاعل« والحاكم عليه الله » الواو للحال وضمير عليه للمؤمن أو للقسم ، وقيل : والحاكم عطف على منزلته ، والله بدل


عليه الله وأنا الضامن لمن لم يهجس في قلبه إلا الرضا أن يدعو الله فيستجاب له.

١٢ ـ عنه ، عن أبيه ، عن ابن سنان عمن ذكره ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قلت له بأي شيء يعلم المؤمن بأنه مؤمن قال بالتسليم لله والرضا فيما ورد عليه من سرور أو سخط.

١٣ ـ عنه ، عن أبيه ، عن ابن سنان ، عن الحسين بن المختار ، عن عبد الله بن أبي يعفور ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال لم يكن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول لشيء قد مضى لو كان غيره.

_________________________________________

عن الحاكم أي ويحقر الحاكم عليه وهو الله لأن تحقير حكم الحاكم تحقير له ، ولا يخفى بعده.

وفي القاموسهجس الشيء في صدره يهجس خطر بباله أو هو أن يحدث نفسه في صدره مثل الوسواس ، ويدل على أن الرضا بالقضاء موجب لاستجابة الدعاء.

الحديث الثاني عشر : ضعيف على المشهور.

« بأنه مؤمن » أي متصف بكمال الإيمان« بالتسليم لله » أي في أحكامه وأو أمره ونواهيه« فيما ورد عليه » أي من قضاياه وتقديراته.

الحديث الثالث عشر : كالسابق.

« لو كان غيره » لو للتمني ، وكان تامة.

وأقول : روى مسلم في صحيحه عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال : إن أصابك شيء فلا تقل إني لو فعلت كذا لم يصبني كذا ، فإن لو تفتح عمل الشيطان ، وقال الآبي :

وألحق الشاطبي بلو « ليت » وهو كذلك إذا أريد بليت الندم والتأسف على عدم فعل ما لو فعله لم يصبه ، لا تمنى لو فعل ذلك ، وقال عياض : النهي عن هذا القول مختص بالماضي ، لأن النهي إنما هو عن دعوى رد القدر بعد وقوعه ، وأما المستقبل فيجوز فيه ذلك ، ومنه قولهعليه‌السلام : لو لا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند


باب

التفويض إلى الله والتوكل عليه

١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن محمد بن سنان ، عن مفضل ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال أوحى الله عز وجل إلى داودعليه‌السلام ما اعتصم بي عبد من عبادي دون أحد من خلقي عرفت ذلك من نيته ثم تكيده السماوات والأرض ومن فيهن إلا جعلت له المخرج من بينهن وما اعتصم عبد من عبادي بأحد من خلقي عرفت ذلك

_________________________________________

كل صلاة ، لأنه مستقبل لا اعتراض فيه على قدر مضى وإنما أخبر فيه أنه كان يفعل ما هو في قدرته لو لا المانع وأما ما مضى وذهب فليس في القدرة والإمكان فعله ، وقال الآبي : والذي عندي أن النهي على عمومه ولكنه نهي تنزيه ، وقال المازري : النهي عن هذا القول في الماضي ينافي ما جاء عنه : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدى ، وأجاب : بأن الظاهر أن النهي إنما هو عن إطلاق ذلك فيما لا فائدة فيه نهي تنزيه ، وأما من يقول تأسفا على فعل طاعة فلا بأس به ، وعليه يحمل أكثر ما جاء من استعمال ذلك في الأحاديث.

باب التفويض إلى الله والتوكل عليه

الحديث الأول : ضعيف على المشهور.

« عبد من عبادي » أي مؤمن« عرفت » نعت للعبد ، والكيد المكر والحلية والحرب ، والظاهر أن تكيد كتبيع وربما يقرأ على بناء التفعل ، وأسخت بالخاء المعجمة وتشديد التاء من السخت وهو الشديد ، وهو من اللغات المشتركة بين العرب والعجم ، أي لا ينبت له زرع ولا يخرج له خير من الأرض أو من السوخ وهو الانخساف على بناء الأفعال أي خسفت الأرض به ، وربما يقرأ بالحاء المهملة


من نيته إلا قطعت أسباب السماوات والأرض من يديه وأسخت الأرض من تحته ولم أبال بأي واد هلك.

٢ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن ابن محبوب ، عن أبي حفص الأعشى ، عن عمر [ و ] بن خالد ، عن أبي حمزة الثمالي ، عن علي بن الحسين صلوات الله عليه قال خرجت حتى انتهيت إلى هذا الحائط فاتكأت عليه فإذا رجل عليه ثوبان أبيضان ينظر في تجاه وجهي ثم قال يا علي بن الحسين ما لي أراك كئيبا حزينا أعلى الدنيا فرزق الله حاضر للبر والفاجر قلت ما على هذا أحزن وإنه لكما تقول قال فعلى الآخرة فوعد صادق يحكم فيه ملك قاهر أو قال قادر قلت ما على هذا أحزن وإنه لكما تقول فقال مم حزنك؟

_________________________________________

من السياحة كناية عن الزلزلة« ولم أبال » كناية عن سلب اللطف والتوفيق عنه وعدم علمه سبحانه الخير فيه وعدم استحقاقه للطف.

الحديث الثاني : مجهول بسنديه.

وفي القاموسوجاهك وتجاهك مثلثتين تلقاء وجهك ، وفي النهاية وطائفة تجاه العدو أي مقابلهم وحذاؤهم والتاء فيه بدل من واو وجاه ، أي مما يلي وجوههم« فرزق الله حاضر » جزاء للشرط المحذوف ، وأقيم الدليل مقام المدلول ، والتقدير إن كان على الدنيا فلا تحزن لأن رزق الله. وكذاقوله : فوعد صادق ، وقوله : أو قال قادر ، ترديد من الثمالي أو أحد الرواة عنه.

وفي هذا التعليل خفاء ويحتمل وجوها « الأول » أن يكون المعنى أن الله لما وعد على الطاعات المثوبات العظيمة وقد أتيت بها ولا يخلف الله وعده فلا ينبغي الحزن عليها مع أنك من أهل العصمة ، وقد ضمن الله عصمتك ، فلأي شيء حزنك فيكون مختصا بهعليه‌السلام فلا ينافي مطلوبية الحزن للآخرة لغيرهمعليهم‌السلام .

الثاني : أن الحزن إنما يكون لأمر لم يكن منه مخرج ، وهنا المخرج موجود


قلت [ مما ] نتخوف من فتنة ابن الزبير وما فيه الناس قال فضحك ثم قال

_________________________________________

لأن وعد الله صادق وقد وعد على الطاعة الثواب وعلى المعصية العقاب ، فينبغي فعل الطاعة وترك المعصية لنيل الثواب والحذر عن العقوبات ولا فائدة للحزن.

الثالث : ما قيل : أن المراد بالحزين من به غاية الحزن لضم الكئيب معه فلا ينافي استحباب قدر من الحزن للآخرة والأول أظهر وأنسب بالمقام.

« وما فيه الناس » أي من الاضطراب والشدة لفتنته ، أو المراد بالناس الشيعة لأنه كان ينتقم منهم ، وابن الزبير هو عبد الله ، وكان أعدى عدو أهل البيتعليهم‌السلام وهو صار سببا لعدول الزبير عن ناحية أمير المؤمنينعليه‌السلام حيث قالعليه‌السلام : لأزال الزبير معنا حتى أدرك فرخه(١) .

والمشهور أنه بويع له بالخلافة بعد شهادة الحسينعليه‌السلام لسبع بقين من رجب سنة أربع وستين في أيام يزيد ، وقيل : لما استشهد الحسينعليه‌السلام في سنة ستين من الهجرة دعا ابن الزبير بمكة إلى نفسه وعاب يزيد بالفسوق والمعاصي وشرب الخمور ، فبايعه أهل تهامة والحجاز فلما بلغ يزيد ذلك ندب له الحصين بن نمير ، وروح بن زنباع ، وضم إلى كل واحد جيشا واستعمل على الجميع مسلم بن عقبة ، وجعله أمير الأمراء ولما ودعهم قال : يا مسلم لا ترد أهل الشام عن شيء يريدونه لعدوهم ، واجعل طريقك على المدينة فإن حاربوك فحاربهم فإن ظفرت بهم فأبحهم ثلاثا.

فسار مسلم حتى نزل الحرة ، فخرج أهل المدينة فعسكروا بها وأميرهم عبد الله ابن حنظلة الراهب غسيل الملائكة فدعاهم مسلم ثلاثا فلم يجيبوا ، فقاتلهم فغلب أهل الشام وقتل عبد الله وسبعمائة من المهاجرين والأنصار ، ودخل مسلم المدينة وأباحها ثلاثة أيام.

ثم شخص بالجيش إلى مكة وكتب إلى يزيد بما صنع بالمدينة ومات مسلم

__________________

(١) الفرخ بمعنى الولد.


...........................................................................

_________________________________________

لعنه الله في الطريق فتولي أمر الجيش الحصين بن نمير حتى وافى مكة فتحصن منه ابن الزبير في المسجد الحرام في جميع من كان معه ، ونصب الحصين المنجنيق على أبي قبيس ورمى به الكعبة فبينما هم كذلك إذ ورد الخبر على الحصين بموت يزيد لعنة الله عليهما ، فأرسل إلى ابن الزبير يسأله الموادعة فأجابه إلى ذلك ، وفتح الأبواب واختلط العسكران يطوفون بالبيت ، فبينما الحصين يطوف ليلة بعد العشاء إذ استقبله ابن الزبير فأخذ الحصين بيده وقال له سرا : هل لك في الخروج معي إلى الشام فأدعو الناس إلى بيعتك فإن أمرهم قد مرج ولا أدري أحدا أحق بها اليوم منك ، ولست أعصي هناك فاجتذب ابن الزبير يده من يده وهو يجهر : دون أن أقتل بكل واحد من أهل الحجاز عشرة من الشام ، فقال الحصين : لقد كذب الذي زعم أنك من دهاة العرب ، أكلمك سرا وتكلمني علانية ، وأدعوك إلى الخلافة وتدعوني إلى الحرب.

ثم انصرف بمن معه إلى الشام وقالوا بايعه أهل العراق وأهل مصر وبعض أهل الشام إلى أن بايعوا المروان بعد حروب واستمر له العراق إلى سنة إحدى وسبعين ، وهي التي قتل فيها عبد الملك بن مروان أخاه مصعب بن الزبير وهدم قصر الإمارة بالكوفة.

ولما قتل مصعب انهزم أصحابه فاستدعى بهم عبد الملك فبايعوه وسار إلى الكوفة ودخلها واستقر له الأمر بالعراق والشام ومصر ثم جهز الحجاج في سنة ثلاث وسبعين إلى عبد الله بن الزبير فحصره بمكة ورمى البيت بالمنجنيق ثم ظفر به وقتله واجتز الحجاج رأسه وصلبه منكسا ، ثم أنزله ودفنه في مقابر اليهود.

وكانت خلافته بالحجاز والعراق تسع سنين واثنين وعشرين يوما وله من العمر ثلاث وسبعون سنة ، وقيل : اثنان وسبعون سنة ، وكانت أمه أسماء بنت أبي بكر.

وأقول : الظاهر أن خوفهعليه‌السلام كان من ابن الزبير عليه وعلى شيعته ،


يا علي بن الحسين هل رأيت أحدا دعا الله فلم يجبه قلت لا قال فهل رأيت أحدا توكل على الله فلم يكفه قلت لا قال فهل رأيت أحدا سأل الله فلم يعطه قلت لا ثم غاب عني

علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن محبوب مثله.

٣ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن علي بن حسان ، عن عمه عبد الرحمن بن كثير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إن الغنى والعز يجولان فإذا

_________________________________________

ويحتمل أن يكون من الحجاج وغيره ممن حاربه ، وكان الفرق بين الدعاء والسؤال أن الدعاء لدفع الضرر ، والسؤال لجلب النفع.

« فهل رأيت أحدا » أي من الأئمةعليهم‌السلام فإنهم لا يدعون إلا لأمر علموا أن الله لم يتعلق إرادته الحتمية بخلافه ، أو هو مقيد بشرائط الإجابة التي منها ما ذكر كما فصلناه في كتاب الدعاء.

ثم الظاهر أن هذا الرجل إما كان ملكا تمثل بشرا بأمر الله تعالى ، أو كان بشرا كخضر وإلياسعليهما‌السلام ، وكونهعليه‌السلام أفضل وأعلم منهم لا ينافي إرسال الله تعالى بعضهم إليه لتذكيره وتنبيهه وتسكينه كإرسال بعض الملائكة إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع كونه أفضل منهم ، وكإرسال خضر إلى موسىعليهما‌السلام ، وكونهعليه‌السلام عالما بما ألقي إليه لا ينافي التذكير والتنبيه ، فإن أكثر أرباب المصائب عالمون بما يلقى إليهم على سبيل التسلية والتعزية ومع ذلك ينفعهم ، لا سيما إذا علم أن ذلك من قبل الله تعالى.

وقيل : أنهعليه‌السلام كان مترددا في أن يدعو على ابن الزبير وهل هو مقرون برضاه سبحانه ، فلما أذن بتوسط هذا الرجل أو الملك في الدعاء عليه دعا فاستجيب له ، فلذا لم يمنع الله من ألقى المنجنيق إلى الكعبة لقتله كما منع الفيل لأن حرمة الإمامعليه‌السلام أعظم من الكعبة ، انتهى.

الحديث الثالث : ضعيف بسنديه.

« يجولان » من الجولان أي يسيران ويتحركان لطلب موطن ومنزل يقيمان فيه ،


ظفرا بموضع التوكل أوطنا.

عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن أبي عبد الله ، عن محمد بن علي ، عن علي بن حسان مثله

٤ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن ابن محبوب ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال أيما عبد أقبل قبل ما يحب الله عز وجل

_________________________________________

فإذا وجدا موضع التوكل أي المتوكل« أوطنا » عنده ولزماه وكأنه استعارة تمثيلية لبيان أن الغناء والعز يلزمان التوكل فإن المتوكل يعتمد على الله ولا يلتجئ إلى المخلوقين فينجو من ذل الطلب ويستغني عنهم فإن الغناء غنى النفس لا الغناء بالمال ، مع أنه سبحانه يغنيه عن التوسل إليهم على كل حال.

ثم إن التوكل ليس معناه ترك السعي في الأمور الضرورية وعدم الحذر عن الأمور المحذورة بالكلية بل لا بد من التوسل بالوسائل والأسباب على ما ورد في الشريعة من غير حرص ومبالغة فيه ومع ذلك لا يعتمد على سعيه وما يحصله من الأسباب بل يعتمد على مسبب الأسباب ، قال المحقق الطوسي (ره) في أوصاف الأشراف : المراد بالتوكل أن يكل العبد جميع ما يصدر عنه ويرد عليه إلى الله تعالى ، لعلمه بأنه أقوى وأقدر ويصنع ما قدر عليه على وجه أحسن وأكمل ، ثم يرضى بما فعل وهو مع ذلك يسعى ويجتهد فيما وكله الله إليه ويعد نفسه وعمله وقدرته وإرادته من الأسباب والشروط والمخصصة لتعلق قدرته تعالى وإرادته بما صنعه بالنسبة إليه ، ومن ذلك يظهر معنى : لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين. بما صنعه بالنسبة إليه ، ومن ذلك يظهر معنى : لا جبر ولا تفويض بل أمرين أمرين.

الحديث الرابع : صحيح.

وفي القاموسإذن أقبل قبلك ، بالضم أقصد قصيدك ، وقبالته بالضم تجاهه ، والقبل محركة المحجة الواضحة ، ولي قبله بكسر القاف أي عنده ، انتهى.

والمراد إقبال العبد نحو ما يحبه الله وكون ذلك مقصوده دائما ، وإقبال


أقبل الله قبل ما يحب ومن اعتصم بالله عصمه الله ومن أقبل الله قبله وعصمه لم يبال لو سقطت السماء على الأرض أو كانت نازلة نزلت على أهل الأرض فشملتهم بلية كان في حزب الله بالتقوى من كل بلية أليس الله عز وجل يقول : «إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ »(١) .

_________________________________________

الله نحو ما يحبه العبد توجيه أسباب ما يحبه العبد من مطلوبات الدنيا والآخرة ، والاعتصام بالله الاعتماد والتوكل عليه.

« ومن أقبل الله » إلخ ، هذه الجمل تحتمل وجهين : الأول : أن يكون لم يبال ، خبرا للموصول ، وقوله : لو سقطت جملة أخرى استئنافية وقوله : كان في حزب الله ، جزاء الشرط « الثاني » أن يكون لم يبال جزاء الشرط ومجموع الشرط والجزاء خبر الموصول ، وقوله : كان في حزب الله استئنافا« فشملتهم بلية » بالنصب على التميز ، أو بالرفع أي شملتهم بلية بسبب النازلة أو يكون من قبيل وضع الظاهر موضع المضمر « بالتقوى » أي بسببه كما هو ظاهر الآية فقوله من كل بلية متعلق بمحذوف أي محفوظا من كل بلية أو الباء للملابسة ، ومن كل متعلق بالتقوى أي يقيه من كل بلية ، والأول أظهر.

وقوله : في حزب الله ، كناية عن الغلبة والظفر ، أي الحزب الذين وعد الله نصرهم ويتيسر أمورهم ، كما قال تعالى : «فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ »(٢) .

«إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ » قرأ ابن عامر ونافع بضم الميم والباقون بالفتح ، أي في موضع إقامة «أَمِينٍ » أي أمنوا فيه الغير من الموت والحوادث ، أو أمنوا فيه من الشيطان والأحزان ، وقال البيضاوي : يأمن صاحبه عن الآفة والانتقال ، انتهى.

وأقول : ظاهر أكثر المفسرين أن المراد وصف مقامهم في الآخرة بالأمن ، وظاهر الرواية الدنيا ، ويمكن حمله علي الأعم ولا يأبى عنه الخبر ، ولعل المراد

__________________

(١) سورة الدخان : ٥١.

(٢) سورة المائدة : ٥٦.


٥ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن غير واحد ، عن علي بن أسباط ، عن أحمد بن عمر الحلال ، عن علي بن سويد ، عن أبي الحسن الأولعليه‌السلام قال سألته عن قول الله عز وجل : «وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ »(١) فقال التوكل على الله درجات منها أن تتوكل على الله في أمورك كلها فما فعل بك كنت عنه

_________________________________________

أمنهم من الضلال والحيرة ومضلات الفتن في الدنيا ، ومن جميع الآفات والعقوبات في الآخرة ، وعليه يحمل قوله سبحانه : «أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ »(٢) فإنه لا يتخوف عليهم الضلالة بعد الهداية ، ولا يحزنون من مصائب الدنيا لعلمهم بحسن عواقبها ، ويحتمل أن يكون المعنى هنا أن الله تعالى يحفظ المطيعين والمتقين المتوكلين عليه من أكثر النوازل والمصائب وينصرهم على أعدائهم غالبا كما نصر كثيرا من الأنبياء والأولياء على كثير من الفراعنة ، ولا ينافي مغلوبيتهم في بعض الأحيان لبعض المصالح.

الحديث الخامس : مرسل كالموثق.

والحلال بالتشديد بياع الحل بالفتح وهو دهن السمسم «وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ » أي ومن يفوض أموره إلى الله ووثق بحسن تدبيره وتقديره فهو كافيه يكفيه أمر دنياه ويعطيه ثواب الجنة ، ويجعله بحيث لا يحتاج إلى غيره.

« منها أن تتوكل » الظاهر أن هذا آخر أفراد التوكل وسائر درجات التوكل أن يتوكل على الله في بعض أموره دون بعض ، وتعددها بحسب كثرة الأمور المتوكل فيها وقلتها.

« فما فعل بك » إلخ ، بيان للوازم التوكل وآثاره وأسبابه ، والألو التقصير وإذا عدي إلى مفعولين ضمن معنى المنع ، قال في النهاية : ألوت قصرت ، يقال :

__________________

(١) سورة الطلاق : ٣.

(٢) سورة يونس : ٦٢.


راضيا تعلم أنه لا يألوك خيرا وفضلا وتعلم أن الحكم في ذلك له فتوكل على الله بتفويض ذلك إليه وثق به فيها وفي غيرها.

٦ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد وعلي بن إبراهيم ، عن أبيه جميعا ، عن يحيى بن المبارك ، عن عبد الله بن جبلة ، عن معاوية بن وهب ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال من أعطي ثلاثا لم يمنع ثلاثا من أعطي الدعاء أعطي الإجابة ومن أعطي الشكر أعطي الزيادة ومن أعطي التوكل أعطي الكفاية ثم قال أتلوت كتاب الله عز وجل «وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ » وقال «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ »(١) وقال «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ »(٢) .

٧ ـ الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن أبي علي ، عن محمد بن الحسن ، عن الحسين بن راشد ، عن الحسين بن علوان قال كنا في مجلس نطلب فيه العلم

_________________________________________

إلى الرجل وآلى إذا قصر وترك الجهد ،قوله : فيها ، أي في أمورك كلها« وفي غيرها » أي في أمور غيرك من عشائرك وأتباعك وغيرهم.

الحديث السادس : مجهول.

والنشر في الآيات علي عكس ترتيب اللف والمراد بالإعطاء توفيق الإتيان به في الكل والتخلف المتوهم في بعض الموارد لعدم تحقق بعض الشرائط فإن « كلا » منها مشروط بعدم كون المصلحة في خلافها ، وعدم صدور ما يمنع الاستحقاق عن فاعله ، وقد قال تعالى : «أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ »(٣) وسيأتي مزيد تحقيق لذلك إنشاء الله تعالى.

الحديث السابع : ضعيف على المشهور.

وأسعف حاجته قضاها له ، وفي أكثر النسخلا تسعف ولا تنجح بالتاء فهما

__________________

(١) سورة إبراهيم : ٧.

(٢) سورة المؤمن : ٦٠.

(٣) سورة البقرة : ٤٠.


وقد نفدت نفقتي في بعض الأسفار فقال لي بعض أصحابنا من تؤمل لما قد نزل بك فقلت فلانا فقال إذا والله لا تسعف حاجتك ولا يبلغك أملك ولا تنجح طلبتك قلت وما علمك رحمك الله قال إن أبا عبد اللهعليه‌السلام حدثني أنه قرأ في بعض الكتب أن الله تبارك وتعالى يقول وعزتي وجلالي ومجدي وارتفاعي على عرشي لأقطعن أمل كل مؤمل [ من الناس ] غيري باليأس ولأكسونه ثوب المذلة عند الناس ولأنحينه من قربي ولأبعدنه من فضلي أيؤمل غيري في الشدائد والشدائد بيدي ويرجو غيري ويقرع بالفكر باب غيري وبيدي مفاتيح الأبواب

_________________________________________

على بناء المفعول وفي بعضها بالياء فهما على بناء الفاعل وحينئذ« لا يبلغك » علي التفعيل أو الأفعال والضمائر المستترة لفلان ، وما علمك أي ما سبب علمك.

والعزة الشدة والقوة والغلبة والسلطنة والملك ، قال الراغب : العزة حالة مانعة للإنسان من أن يقهر من قولهم أرض عزاز أي صلبة والعزيز الذي يقهر ولا يقهر والجلالة العظمة والتنزه عن النقائص ، قال الراغب :الجلالة عظم القدر ، والجلال بغير الهاء التناهي في ذلك ، وخص بوصف الله فقيل : ذو الجلال ولم يستعمل في غيره ، والجليل : العظيم القدر ، ووصفه تعالى بذلك إما لخلقه الأشياء العظيمة المستدل بها عليه أو لأنه يجل عن الإحاطة به أو لأنه يجل عن أن يدرك بالحواس وقال :المجد السعة في الكرم والجلالة ، انتهى.

وارتفاعه إما على عرش العظمة والجلال أو هو كناية عن استيلائه على العرش العظيم ، فهو يتضمن الاستيلاء علي كل شيء لأن تقدير جميع الأمور فيه ، أو لكونه محيطا بالجميع ، أو المراد بالعرش جميع الأشياء وهو أحد إطلاقاته كما مر.

وقوله باليأس متعلق بقوله : لا قطعن أي ييأس غالبا أو إلا بإذنه تعالى ، وإضافة الثوب إلى المذلة من إضافة المشبه به إلى المشبه ، والكسوة ترشيح التشبيه ،ولأنحينه أي لأبعدنه وأزيلنه« والشدائد بيدي » أي تحت قدرتي و« يقرع بالفكر » تشبيه الفكر باليد مكنية ، وإثبات القرع له تخييلية وذكر الباب ترشيح.


وهي مغلقة وبابي مفتوح لمن دعاني فمن ذا الذي أملني لنوائبه فقطعته دونها ومن ذا الذي رجاني لعظيمة فقطعت رجاءه مني جعلت آمال عبادي عندي محفوظة فلم يرضوا بحفظي وملأت سماواتي ممن لا يمل من تسبيحي وأمرتهم أن لا يغلقوا

_________________________________________

« وهي مغلقة » أي أبواب الحاجات مغلقة ومفاتيحها بيده سبحانه ، وهو استعارة على التمثيل للتنبيه على أن قضاء الحاجة المرفوعة إلى الخلق لا يتحقق إلا بإذنه والنائبة المصيبة واحدةنوائب الدهر أي أمل رحمتي لدفع نوائبه.

« فقطعته دونها » أي فجعلته منقطعا عاجزا قبل الوصول إلى دفعها من قولهم قطع بفلان فهو مقطوع به إذا عجز عن سفره من نفقة ذهبت أو قامت عليه راحلة ونحوه ، فالدفع أو نحوه مقدر في الموضعين ، أو التقدير فقطعته أي تجاوزت عنه عند تلك المصيبة فلم أخلصه عنها من قولهم قطع النهر إذا تجاوزه ، وقيل : المعنى قطعته عن نفسي قبل تلك المصيبة فلم أرافقه لدفعها ، وقيل : أي قطعته عند النوائب وهجرته ، أو منعته من أمله ورجائه ولم أدفع نوائبه تقول : قطعت الصديق قطيعة إذا هجرته ، وقطعته من حقه إذا منعته.

« لعظيمة » أي لمطالب عظيمة أو لنازلة عظيمة عندي محفوظة أي لم أعطهم إياها لعدم مصلحتهم ، وحفظت عوضها من المثوبات العظيمة فلم يرضوا بهذا الحفظ بل حملوه على التقصير أو العجز ، أو قلة اللطف وعجلوا طلبها وطلبوا من غيري« ممن لا يمل » أي من الملائكة« وأمرتهم أن لا يغلقوا الأبواب » كناية عن السعي في قضاء حوائجهم أو رفع وساوس الشيطان عنهم وتوفيقهم للدعاء والمسألة ، بل الدعاء وسؤال المغفرة والرحمة لهم ، أو رفع حاجاتهم إلى الله وعرضها عليه سبحانه وإن كان تعالى عالما بها ، فإنه من أسباب الإجابة ، وكل ذلك ورد في الآيات والأخبار مع أنه لا استبعاد في أن يكون للسماوات أبواب تفتح عند دعاء المؤمنين علامة لإجابتهم.


الأبواب بيني وبين عبادي فلم يثقوا بقولي ألم يعلم [ أن ] من طرقته نائبة من نوائبي أنه لا يملك كشفها أحد غيري إلا من بعد إذني ـ فما لي أراه لاهيا عني أعطيته بجودي ما لم يسألني ثم انتزعته عنه فلم يسألني رده وسأل غيري أفيراني أبدأ بالعطاء قبل المسألة ثم أسأل فلا أجيب سائلي أبخيل أنا فيبخلني عبدي أوليس الجود والكرم لي أوليس العفو والرحمة بيدي أوليس أنا محل الآمال فمن يقطعها دوني أفلا يخشى المؤملون أن يؤملوا غيري فلو أن أهل سماواتي وأهل أرضي أملوا جميعا ثم أعطيت كل واحد منهم مثل ما أمل الجميع ما انتقص من ملكي مثل عضو ذرة وكيف ينقص ملك أنا قيمه فيا بؤسا للقانطين من رحمتي

_________________________________________

« فلم يثقوا بقولي » أي وعدي الإجابة لهم وأني أعطيهم مع عدم الإجابة أفضل من ذلك وأن مفاتيح الأمور بيدي« من طرقته » أي نزلت به وأتته مطلقا وإن كان إطلاقه على ما نزل بالليل أكثر« إلا من بعد إذني » أي يتيسر الأسباب ورفع الموانع« أعطيته » الضمير راجع إلى من طرقته نائبة أو إلى الإنسان مطلقا« أفيراني » الاستفهام للإنكار والتعجب ويقال بخلة بالتشديد أي نسبه إلى البخل.

« أو ليس » عطف على بخيل أو الهمزة للاستفهام والواو للعطف على الجمل السابقة ، وكذا الفقرة الآتية يحتمل الوجهين« فمن يقطعها دوني » أي فمن يقدر أن يقطع آمال العباد عني قبل وصولها إلى أو من يقدر أن يقطع الآمال عن العباد غيري ، وعلى الأول أيضا يشعر بأنه سبحانه قادر على قطع آمال العباد بعضهم عن بعض.

« أفلا يخشى المؤملون » الخشية إما من العقوبة أو من قطع الآمال أو من الإبعاد عن مقام القرب ، أو من إزالة النعماء عنه« أنا قيمه » أي قائم بسياسة أموره ، وفيه إشارة إلى أن مقدوراته تعالى غير متناهية ، والزيادة والنقصان من خواص المتناهي« فيا بؤسا » البؤس والبأساء الشدة والفقر والحزن ، ونصب بؤسا بالنداء


ويا بؤسا لمن عصاني ولم يراقبني.

٨ ـ محمد بن يحيى ، عن محمد بن الحسن ، عن بعض أصحابنا ، عن عباد بن يعقوب الرواجني ، عن سعيد بن عبد الرحمن قال كنت مع موسى بن عبد الله ـ بينبع وقد نفدت نفقتي في بعض الأسفار فقال لي بعض ولد الحسين من تؤمل لما قد نزل بك فقلت موسى بن عبد الله فقال إذا لا تقضى حاجتك ثم لا تنجح طلبتك قلت ولم ذاك قال لأني قد وجدت في بعض كتب آبائي أن الله عز وجل يقول ثم ذكر مثله فقلت يا ابن رسول الله أمل علي فأملاه علي فقلت لا والله ما أسأله حاجة بعدها.

_________________________________________

لكونه نكرة والنداء مجاز لبيان أن القانط والعاصي هو محل ذلك ومستحقه ، وقيل : تقديره يا قوم أبصروا بؤسا.

وأقول : يحتمل أن يكون « يا » للتنبيه وقوله بؤسا كقوله سبحانه : «فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ »(١) فإن التقدير أسحقهم الله سحقا ، فكذا هيهنا« ولم يراقبني » أي لم يخف عذابي أو لم يحفظ حقوقي.

الحديث الثامن : مجهول.

وقد مر بعض أحوال موسى بن عبد الله بن الحسن في كتاب الحجة ، وفي القاموسينبع كينصر حصن له عيون ونخيل وزروع بطريق حاج مصر.

__________________

(١) سورة الملك : ١١.


باب الخوف والرجاء

١ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن حديد ، عن منصور بن يونس ، عن الحارث بن المغيرة أو أبيه ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قلت له ما كان في وصية لقمان قال كان فيها الأعاجيب وكان أعجب ما كان فيها أن قال لابنه

_________________________________________

باب الخوف والرجاء

الحديث الأول : ضعيف.

والأعاجيب جمع الأعجوبة وهي ما يعجبك حسنة أو قبحه ، والمراد هنا الأول ويدل على أنه ينبغي أن يكون الخوف والرجاء كلاهما كاملين في النفس ، ولا تنافي بينهما فإن ملاحظة سعة رحمة الله وغنائه وجوده ولطفه على عباده سبب للرجاء والنظر إلى شدة بأس الله وبطشه وما أوعد العاصين من عباده موجب للخوف مع أن أسباب الخوف ترجع إلى نقص العبد وتقصيره وسوء أعماله وقصوره عن الوصول إلى مراتب القرب والوصال ، وانهماكه فيما يوجب الخسران والوبال ، وأسباب الرجاء تؤول إلى لطف الله ورحمته وعفوه وغفرانه ووفور إحسانه ، وكل منهما في أعلى مدارج الكمال.

قال بعضهم : كلما يلاقيك من مكروه ومحبوب ينقسم إلى موجود في الحال وإلى موجود فيما مضى وإلى منتظر في الاستقبال ، فإذا خطر ببالك موجود فيما مضى سمي فكرا وتذكرا وإن كان ما خطر بقلبك موجودا في الحال سمي إدراكا وإن كان خطر ببالك وجود شيء في الاستقبال وغلب ذلك على قلبك سمي انتظارا وتوقعا ، فإن كان المنتظر مكروها حصل منه ألم في القلب سمي خوفا وإشفاقا وإن كان محبوبا حصل من انتظاره وتعلق القلب وإخطار وجوده بالبال لذة في القلب وارتياح يسمى


خف الله عز وجل خيفة لو جئته ببر الثقلين لعذبك وارج الله رجاء لو جئته بذنوب الثقلين لرحمك ثم قال أبو عبد اللهعليه‌السلام كان أبي يقول إنه ليس من عبد مؤمن

_________________________________________

ذلك الارتياحرجاء ، فالرجاء هو ارتياح القلب لانتظار ما هو محبوب ، ولكن ذلك المحبوب المتوقع لا بد وأن يكون له سبب ، فإن كان انتظاره لأجل حصول أكثر أسبابه فاسم الرجاء عليه صادق ، وإن كان ذلك انتظارا مع عدم تهيئ أسبابه واضطرابها ، فاسم الغرور والحمق عليه أصدق من اسم الرجاء ، وإن لم تكن الأسباب معلومة الوجود ولا معلومة الانتفاء فاسم التمني أصدق على انتظاره لأنه انتظار من غير سبب ، وعلى كل حال فلا يطلق اسم الرجاء والخوف إلا على ما يتردد فيه ، أما ما يقطع به فلا ، إذ لا يقال أرجو طلوع الشمس وقت الطلوع وأخاف غروبها وقت الغروب ، لأن ذلك مقطوع به ، نعم يقال أرجو نزول المطر وأخاف انقطاعه.

وقد علم أرباب القلوب أن الدنيا مزرعة الآخرة ، والقلب كالأرض والإيمان كالبذر فيه والطاعات جارية مجرى تقليب الأرض وتطهيرها ومجرى حفر الأنهار وسياقة الماء إليها ، والقلب المستغرق بالدنيا كالأرض السبخة التي لا ينمو فيها البذر ، ويوم القيامة الحصاد ولا يحصد أحد إلا ما زرع ولا ينمو زرع إلا من بذر الإيمان وقل ما ينفع إيمان مع خبث القلب وسوء أخلاقه كما لا ينمو بذر في أرض سبخة.

فينبغي أن يقاس رجاء العبد للمغفرة برجاء صاحب الزرع فكل من طلب أرضا طيبة وألقى فيها بذرا جيدا غير عفن ولا مسوس ثم أمده بما يحتاج إليه وهو سياق الماء إليه في أوقاته ثم نقى الأرض عن الشوك والحشيش وكلما يمنع نبات البذر أو يفسده ثم جلس منتظرا من فضل الله دفع الصواعق والآفات المفسدة إلى أن يثمر الزرع ويبلغ غايته سمي انتظاره رجاء ، وإن بث البذر في أرض صلبة سبخة مرتفعة لا ينصب الماء إليها ولم يشغل بتعهد البذر أصلا ثم انتظر حصاد الزرع يسمى انتظاره حمقا وغرورا لا رجاء ، وإن بث البذر في أرض طيبة ولكن لا ماء


إلا [ و ] في قلبه نوران نور خيفة ونور رجاء لو وزن هذا لم يزد على هذا ولو وزن هذا لم يزد على هذا.

_________________________________________

لها وينتظر مياه الأمطار حيث لا تغلب الأمطار ولا يمتنع سمي انتظاره تمنيا لا رجاء.

فإذا اسم الرجاء إنما يصدق على انتظار محبوب تمهدت جميع أسبابه الداخلة تحت اختيار العبد ، ولم يبق إلا ما ليس يدخل تحت اختياره وهو فضل الله بصرف القواطع والمفسدات ، فالعبد إذا بث بذر الإيمان وسقاه بماء الطاعة ، وطهر القلب عن شوك الأخلاق الرديئة وانتظر من فضل الله تعالى تثبيته على ذلك إلى الموت وحسن الخاتمة المفضية إلى المغفرة كان انتظاره رجاء حقيقيا محمودا في نفسه باعثا له على المواظبة والقيام بمقتضى الإيمان في إتمام أسباب المغفرة إلى الموت ، وإن انقطع عن بذر الإيمان تعهده بماء الطاعات أو ترك القلب مشحونا برذائل الأخلاق ، وانهمك في طلب لذات الدنيا ثم انتظر المغفرة فانتظاره حمق وغرور ، كما قال تعالى : «فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا »(١) وإنما الرجاء بعد تأكد الأسباب ولذا قال تعالى : «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ »(٢) وأما من ينهمك فيما يكرهه الله ولا يذم نفسه عليه ولا يعزم على التوبة والرجوع فرجاؤه المغفرة حمق كرجاء من بث البذر في أرض سبخة وعزم على أن لا يتعهدها بسقي ولا تنقية.

فإذا عرفت حقيقة الرجاء ومظنته فقد عرفت أنها حالة أثمرها العلم بجريان أكثر الأسباب ، وهذه الحالة تثمر الجهد للقيام ببقية الأسباب على حسب الإمكان ، فإن من حسن بذره وطابت أرضه وغزر ماؤه صدق رجاؤه فلا يزال يحمله صدق الرجاء على تفقد الأرض وتعهده وتنقية كل حشيش ينبت فيه ، ولا يفتر عن تعهده أصلا إلى وقت الحصاد ، وهذا لأن الرجاء يضاده اليأس ، واليأس يمنع من التعهد

__________________

(١) سورة الأعراف : ١٦٩.

(٢) سورة البقرة : ٢١٨.


٢ ـ محمد بن الحسن ، عن سهل بن زياد ، عن يحيى بن المبارك ، عن عبد الله بن

_________________________________________

والخوف ليس بضد للرجاء ، بل هو رفيق له وباعث آخر بطريق الرهبة كما أن الرجاء باعث بطريق الرغبة ، انتهى.

ثم ظاهر الخبر أنه لا بد أن يكون العبد دائما بين الخوف والرجاء ، لا يغلب أحدهما على الآخر إذ لو رجح الرجاء لزم الأمن لا في موضعه وقال تعالى : «أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ »(١) ولو رجح الخوف لزم اليأس الموجب للهلاك كما قال سبحانه : «إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ »(٢) وقيل : يستحب أن يغلب في حال الصحة الخوف ، فإذا انقطع الأجل يستحب أن يغلب الرجاء ليلقى الله على حالة هي أحب إليه إذ هو سبحانه الرحمن الرحيم ويحب الرجاء ، وقيل : ثمرة الخوف الكف عن المعاصي فعند دنو الأجل زالت تلك الثمرة فينبغي غلبة الرجاء.

وقال بعضهم : الخوف ليس من الفضائل والكمالات العقلية في النشأة الآخرة وإنما هو من الأمور النافعة للنفس في الهرب عن المعاصي وفعل الطاعات ما دامت في دار العمل ، وأما عند انقضاء الأجل والخروج من الدنيا فلا فائدة فيه ، وأما الرجاء فإنه باق أبدا إلى يوم القيامة لا ينقطع لأنه كلما نال العبد من رحمة الله أكثر كان ازدياد طمعه فيما عند الله أعظم وأشد لأن خزائن جوده وخيره ورحمته غير متناهية لا تبيد ولا تنقص ، فثبت أن الخوف منقطع والرجاء أبدا لا ينقطع ، انتهى.

والحق أن العبد ما دام في دار التكليف لا بد له من الخوف والرجاء وبعد مشاهدة أمور الآخرة يغلب عليه أحدهما لا محالة بحسب ما يشاهده من أحوالها.

الحديث الثاني : ضعيف على المشهور.

واعلم أنالرؤية تطلق على الرؤية بالبصر وعلى الرؤية القلبية وهي كناية

__________________

(١) سورة الأعراف : ٩٩.

(٢) سورة يوسف : ٨٧.


جبلة ، عن إسحاق بن عمار قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام يا إسحاق خف الله كأنك تراه وإن كنت لا تراه فإنه يراك فإن كنت ترى أنه لا يراك فقد كفرت وإن كنت تعلم أنه يراك ثم برزت له بالمعصية فقد جعلته من أهون الناظرين عليك.

٣ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحسن بن محبوب ، عن الهيثم بن واقد قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول من خاف الله أخاف الله منه كل شيء ومن لم يخف الله أخافه الله من كل شيء.

_________________________________________

عن غاية الانكشاف والظهور ، والمعنى الأول هنا أنسب أي خف الله خوف من يشاهده بعينه وإن كان محالا ، ويحتمل الثاني أيضا فإن المخاطب لما لم يكن من أهل الرؤية القلبية ولم يرتق إلى تلك الدرجة العلية فإنها مخصوصة بالأنبياء والأوصياءعليهم‌السلام قال : كأنك تراه ، وهذه مرتبة عين اليقين وأعلى مراتب السالكين ، وقوله : فإن لم تكن تراه ، أي إن لم تحصل لك هذه المرتبة من الانكشاف والعيان ، فكن بحيث تتذكر دائما أنه يراك ، وهذه مقام المراقبة كما قال تعالى : «أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ». «إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً »(١) والمراقبة مراعاة القلب للرقيب واشتغاله به والمثمر لها هو تذكر أن الله تعالى مطلع على كل نفس بما كسبت ، وأنه سبحانه عالم بسرائر القلوب وخطراتها ، فإذا استقر هذا العلم في القلب جذبه إلى مراقبة الله سبحانه دائما وترك معاصيه خوفا وحياءا ، والمواظبة على طاعته وخدمته دائما.

وقوله : وإن كنت ترى ، تعليم لطريق جعل المراقبة ملكة للنفس فتصير سببا لترك المعاصي ، والحق أن هذه شبهة عظيمة للحكم بكفر أرباب المعاصي ، ولا يمكن التفصي عنها إلا بالاتكال على عفوه وكرمه سبحانه ، ومن هنا يظهر أنه لا يجتمع الإيمان الحقيقي مع الإصرار على المعاصي ، كما مرت الإشارة إليه.

« ثم برزت له بالمعصية » أي أظهرت له المعصية ، أو من البراز للمقاتلة كأنك عاديته وحاربته ، و« عليك » متعلق بأهون.

الحديث الثالث : مجهول ، والمضمون مجرب معلوم.

__________________

(١) سورة النساء : ١.


٤ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن أبي عبد الله ، عن أبيه ، عن حمزة بن عبد الله الجعفري ، عن جميل بن دراج ، عن أبي حمزة قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام من عرف الله خاف الله ومن خاف الله سخت نفسه عن الدنيا.

٥ ـ عنه ، عن ابن أبي نجران عمن ذكره ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قلت له قوم يعملون بالمعاصي ويقولون نرجو فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم الموت فقال هؤلاء قوم يترجحون في الأماني كذبوا ليسوا براجين إن من رجا شيئا طلبه ومن خاف من شيء هرب منه.

_________________________________________

الحديث الرابع : كالسابق.

ويقال :سخي عن الشيء يسخى من باب تعب ترك ، ويدل على أن الخوف من الله لازم لمعرفته كما قال تعالى : «إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ »(١) وذلك لأن من عرف عظمته وغلبته على جميع الأشياء ، وقدرته على جميع الممكنات بالإيجاد والإفناء خاف منه ، وأيضا من علم من علم احتياجه إليه في وجوده وبقائه وسائر كمالاته في جميع أحواله خاف سلب ذلك منه ، ومعلوم أن الخوف من الله سبب لترك ملاذ الدنيا وشهواتها الموجبة لسخط الله.

الحديث الخامس : مرسل.

« ويقولون نرجو » أي رحمة الله وغفرانه« حتى تأتيهم الموت » أي بلا توبة ولا تدارك ، والترجح تذبذب الشيء المعلق في الهواء والتميل من جانب إلى جانب ، وترجحت به الأرجوحة مالت ، وهي حبل يعلق ويركبه الصبيان ، فكأنهعليه‌السلام شبه أمانيهم بأرجوحة يركبه الصبيان ، يتحرك بأدنى نسيم وحركة ، فكذا هؤلاء يميلون بسبب الأماني من الخوف إلى الرجاء بأدنى وهم ، و« في » يحتمل الظرفية والسببية ، وكونه بمعنى على ، ولما كان الخوف والرجاء متلازمين ذكر الخوف أيضا فإن رجاء كل شيء مستلزم للخوف من فواته.

__________________

(١) سورة الفاطر : ٢٨.


٦ ـ ورواه علي بن محمد رفعه قال قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام إن قوما من مواليك يلمون بالمعاصي ويقولون نرجو فقال كذبوا ليسوا لنا بموال أولئك قوم ترجحت بهم الأماني من رجا شيئا عمل له ومن خاف من شيء هرب منه.

_________________________________________

الحديث السادس : مرفوع.

وفي القاموس : ألم باشر اللمم ، وبه نزل كلم واللمم : صغار الذنوب« ليسوا لنا بموال » لأن الموالاة ليست مجرد القول ، بل هي اعتقاد ومحبة في الباطن ومتابعة وموافقة في الظاهر لا ينفك أحدهما عن الآخر.

وروي في نهج البلاغة عن أمير المؤمنينعليه‌السلام أنه قال بعد كلام طويل لمدع كاذب أنه يرجو الله يدعي أنه يرجو الله : كذب والله العظيم ما باله لا يتبين رجاؤه في عمله ، وكل من رجا عرف رجاؤه في عمله ، إلا رجاء الله فإنه مدخول ، وكل خوف محقق إلا خوف الله فإنه معلول يرجو الله فإنه مدخول ، وكل خوف محقق إلا خوف الله فإنه معلول يرجو الله في الكبير ، ويرجو العباد في الصغير ، فيعطى العبد ما لا يعطي الرب ، فما بال الله جل ثناؤه يقصر به عما يصنع لعباده ألا تخاف أن تكون في رجائك له كاذبا ، أو تكون لا تراه للرجاء موضعا ، وكذلك إن هو خاف عبدا من عبيده أعطاه من خوفه ما لا يعطي ربه فجعل خوفه من العباد فقدا وخوفه من خالقه ضمارا ووعدا.

وقال ابن ميثم في شرح هذا الكلام : المدخول الذي فيه شبهة وريبة ، والمعلول الغير الخالص ، والضمار الذي لا يرجى من الموعود ، قال : وبيان الدليل أن كل من رجا أمرا من سلطان أو غيره فإنه يخدمه الخدمة التامة ويبالغ في طلب رضاه ، ويكون عمله له بقدر قوة رجائه له وخلوصه ، ويرى هذا المدعي للرجاء غير عامل فيستدل بتقصيره في الأعمال الدينية على عدم رجائه الخالص في الله ، وكذلك كل خوف محقق إلا خوف الله فإنه معلول توبيخ للطامعين في رجائه مع تقصيرهم في الأعمال الدينية ، انتهى.


٧ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن بعض أصحابه ، عن صالح بن حمزة رفعه قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام إن من العبادة شدة الخوف من الله عز وجل يقول الله : «إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ »(١) وقال جل ثناؤه : «فَلا تَخْشَوُا

_________________________________________

والحاصل أن الأحاديث الواردة في سعة عفو الله سبحانه وجزيل رحمته ووفور مغفرته كثيرة جدا ، ولكن لا بد لمن يرجوها ويتوقعها من العمل الخالص المعد لحصولها ، وترك الانهماك في المعاصي ، المفوت لهذا الاستعداد كما عرفت في التمثيل بالباذرين سابقا ، فاحذر أن يغرك الشيطان ويثبطك عن العمل ويقنعك بمحض الرجاء والأمل ، وانظر إلى حال الأنبياء والأولياء واجتهادهم في الطاعات وصرفهم العمر في العبادات ليلا ونهارا ، أما كانوا يرجون عفو الله ورحمته! بلى والله إنهم كانوا أعلم بسعة رحمته وأرجى لها منك ومن كل أحد ، ولكن علموا أن رجاء الرحمة من دون العمل غرور محض وسفه بحث فصرفوا في العبادات أعمارهم ، وقصروا على الطاعات ليلهم ونهارهم.

الحديث السابع : كالسابق.

« إن من العبادة » أي من أعظم أسبابها أو هي بنفسها عبادة أمر الله بها كما سيأتي ، والخوف مبدؤه تصور عظمة الخالق ووعيده وأهوال الآخرة ، والتصديق بها وبحسب قوة ذلك التصور وهذا التصديق يكون قوة الخوف وشدته وهي مطلوبة ما لم تبلغ حد القنوط.

«إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ » وهم الذين علموا عظمة الله وجلاله وعزه وقهره وجوده وفضله علما يقينيا يورث العمل ومعاينة أحوال الآخرة وأهوالها كما مر.

وقال المحقق الطوسي (ره) في أوصاف الأشراف ما حاصله : أن الخوف

__________________

(١) سورة الفاطر : ٢٨.


النَّاسَ وَاخْشَوْنِ »(١) وقال تبارك وتعالى : «وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً »(٢) قال وقال

_________________________________________

والخشية وإن كانا بمعنى واحد في اللغة إلا أن بينهما فرقا بين أرباب القلوب ، وهو أن الخوف تألم النفس من المكروه المنتظر ، والعقاب المتوقع بسبب احتمال فعل المنهيات وترك الطاعات ، وهو يحصل لأكثر الخلق وإن كانت مراتبه متفاوتة جدا والمرتبة العليا منه لا تحصل إلا للقليل ، والخشية حالة نفسانية تنشأ عن الشعور بعظمة الرب وهيبته ، وخوف الحجب عنه ، وهذه الحالة لا تحصل إلا لمن اطلع على جلال الكبرياء وذاق لذة القرب ، ولذلك قال سبحانه : «إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ » والخشية خوف خاص وقد يطلقون عليها الخوف أيضا ، انتهى.

«وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً » التقوى على مراتب : أولها : التبري عن الشرك وما يوجب الخلود في النار ، وثانيها : التجنب عما يؤثم والاتقاء عن العذاب مطلقا ، وثالثها : التنزه عما يشغل القلب عن الحق ، وبناء الكل على الخوف من العقوبة ، والبعد عن الحق.

ولعل المراد هنا إحدى الأخيرتين ، أي ومن يتق الله خوفا منه يجعل له مخرجا من شدائد الدنيا والآخرة ، كما روي عن ابن عباس أو من ضيق المعاش كما يشعر به قوله تعالى : «وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ » قيل : وكان السر في الأول أن شدائد الدارين من الحرص على الدنيا واقتراف الذنوب والغفلة عن الحق والمتقي منزه عن جميع ذلك ، وفي الثاني أن فيضه تعالى وجوده عام لا بخل فيه ، وإنما المانع من قبول فيضه هو بعد العبد عنه ، وعدم استعداده له بالذنوب ، فإذا اتقى منها قرب منه تعالى ، واستحق قبول فيضه بلا تعب ولا كلفة ، فيجمع بذلك خير الدنيا والآخرة.

__________________

(١) سورة المائدة : ٤٤.

(٢) سورة الطلاق : ٢.


أبو عبد اللهعليه‌السلام إن حب الشرف والذكر لا يكونان في قلب الخائف الراهب.

٨ ـ علي بن إبراهيم ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن الحسن بن الحسين ، عن محمد بن سنان ، عن أبي سعيد المكاري ، عن أبي حمزة الثمالي ، عن علي بن الحسين صلوات الله عليه [ قال ] قال إن رجلا ركب البحر بأهله فكسر بهم فلم ينج ممن كان في السفينة إلا امرأة الرجل فإنها نجت على لوح من ألواح السفينة حتى ألجأت على جزيرة من جزائر البحر وكان في تلك الجزيرة رجل يقطع الطريق ولم يدع لله حرمة إلا انتهكها فلم يعلم إلا والمرأة قائمة على رأسه فرفع رأسه إليها فقال إنسية أم جنية فقالت إنسية فلم يكلمها كلمة حتى جلس منها مجلس الرجل من أهله فلما أن هم بها اضطربت فقال لها ما لك تضطربين فقالت :

_________________________________________

« إن حب الشرف والذكر » أي حب الجاه والرئاسة والعزة في الناس ، وحب الذكر والمدح والثناء منهم والشهرة فيهم « لا يكونان في قلب الخائف الراهب » لأن حبهما من آثار الميل إلى الدنيا وأهلها ، والخائف الراهب منزه عنه ، وأيضا حبهما من الأمراض النفسانية المهلكة ، والخوف والرهبة ينزهان النفس عنها ، وذكر الراهب بعد الخائف من قبيل ذكر الخاص بعد العام إذ الرهبة بمعنى الخشية وهي أخص من الخوف.

الحديث الثامن : ضعيف.

« ركب البحر » البحر مفعول به أو مفعول فيه ، أي ركب السفينة في البحر ، وقيل : أراد بالبحر السفينة من قبيل تسمية الحال باسم المحل بقرينة رجوع الضمير المستتر فيقوله « فكسر » إليه ، والباء في« بأهله » بمعنى مع ، وانتهاك الحرمة تناولها بما لا يحل ، والحرمة بالضم ما لا يحل انتهاكه« فلم يعلم » أي تلك الواقعة« إلا » في حالة كانت المرأة قائمة على رأسها.

« مجلس الرجل » أي وقت الجماع ، ويقال :فرق كتعب أي خاف ، والمصدر الفرق بالتحريك وصادفه وجده ولقيه ،حمي الشمس كرضى اشتد حرها ، وتجاسر


أفرق من هذا وأومأت بيدها إلى السماء قال فصنعت من هذا شيئا قالت لا وعزته قال فأنت تفرقين منه هذا الفرق ولم تصنعي من هذا شيئا وإنما أستكرهك استكراها فأنا والله أولى بهذا الفرق والخوف وأحق منك قال فقام ولم يحدث شيئا ورجع إلى أهله وليست له همة إلا التوبة والمراجعة فبينا هو يمشي إذ صادفه راهب يمشي في الطريق فحميت عليهما الشمس فقال الراهب للشاب ادع الله يظلنا بغمامة فقد حميت علينا الشمس فقال الشاب ما أعلم أن لي عند ربي حسنة فأتجاسر على أن أسأله شيئا قال فأدعو أنا وتؤمن أنت قال نعم فأقبل الراهب يدعو والشاب يؤمن فما كان بأسرع من أن أظلتهما غمامة فمشيا تحتها مليا من النهار ثم تفرقت الجادة جادتين فأخذ الشاب في واحدة وأخذ الراهب في واحدة فإذا السحابة مع الشاب فقال الراهب أنت خير مني لك استجيب ولم يستجب لي فأخبرني ما قصتك فأخبره بخبر المرأة فقال غفر لك ما مضى حيث دخلك الخوف فانظر كيف تكون فيما تستقبل.

٩ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن النعمان ، عن حمزة بن حمران قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول إن مما حفظ من خطب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنه قال

_________________________________________

عليه اجترأ« وتؤمن » على بناء التفعيل ، أي تقول آمين« فما كان » أي شيء أسرع من تظليل الغمامة ، وفي النهاية :الملي طائفة من الزمان لا حد لها ، يقال : مضى ملي من النهار ، وملي من الدهر ، أي طائفة منه ويدل على أن ترك كبيرة واحدة مع القدرة عليها خوفا من الله وخالصا لوجهه موجب لغفران الذنوب كلها ولو كان حق الناس ، لأن الرجل كان يقطع الطريق مع احتمال أن تكون المغفرة للخوف مع التوبة إلى الله والمراجعة إلى الناس في حقوقهم ، كما يفهم من قوله : وليس له همة إلا التوبة والمراجعة .

الحديث التاسع : مجهول.


يا أيها الناس إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم ألا إن المؤمن يعمل بين مخافتين بين أجل قد مضى لا يدري ما الله صانع فيه وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه فليأخذ العبد المؤمن من نفسه لنفسه ومن دنياه لآخرته وفي الشبيبة قبل الكبر وفي الحياة قبل الممات فو الذي نفس محمد بيده ما بعد الدنيا من

_________________________________________

« إن لكم معالم » في القاموس معلم الشيء كمقعد مظنته وما يستدل به ، وفي الصحاح المعلم الأثر يستدل به على الطريق والمراد هنا إما الآيات القرآنية لا سيما الآيات الدالة على إمامة أئمة الدين ووجوب متابعتهم ، أو كل ما يعلم منه حكم من أحكام الدين أصولا وفروعا من الكتاب والسنة ، بل البراهين القاطعة العقلية أيضا ، ويمكن شموله لكل ما يعتبر به من آيات الله في الآفاق والأنفس ، أو المراد بها أئمة الدين فإنها معالم الحلال والحرام والحكم والأحكام كما مر في الأخبار ، والنهاية بالكسر الغاية التي ينتهي إليها ، والمراد هنا إما الإمام بقرينة الأفراد إذ ليس في كل عصر إلا إمام واحد ، أو المراد نهاية كل شخص في القرب والكمال بحسب استعداده وقابليته ، وقيل : المستقر في الجنة والقرار في دار القرار ، وقيل : المراد به الأجل الموعود وهو بعيد.

قوله : بين أجل ، قد مضى المراد بالأجل هنا العمر ، وقيل : دل هذا على أن الخوف يطلق بالنسبة إلى ما مضى ، ولا يخفى وهنه لأن الخوف ليس من الأجل ، بل من العقوبة المترتبة على ما عمل في ما مضى من العمر ، فالخوف من المستقبل ، بل المعنى يعمل بين سبب مخافتين ، وقوله : لا يدري ما الله قاض فيه ، شامل للمصائب الدينية والدنيوية معا« فليأخذ العبد من نفسه لنفسه » يعني ليجتهد في الطاعة والعبادة ويروض نفسه بالأعمال الصالحة في أيام قلائل لراحة الأبد ، والنعيم المخلد ، ومن دنياه لآخرته بأن ينفق ما حصله في دنياه لتحصيل آخرته.

« وفي الشيبة قبل الكبر » كذا في بعض النسخ الشبيبة بالبائين كسفينة ، قال


مستعتب وما بعدها من دار إلا الجنة أو النار.

١٠ ـ عنه ، عن أحمد ، عن ابن محبوب ، عن داود الرقي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في قول الله عز وجل : «وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ »(١) قال من علم أن الله يراه ويسمع

_________________________________________

الجوهري : الشباب الحداثة وكذلك الشبيبة وهو خلاف الشيب ، وفي بعض النسخ وفي الشيبة وهي كبر السن وابيضاض الشعر ، وعلى الأول وهو الأظهر المعنى وليعمل في سن الشباب قبل سن الشيخوخة لأنه قد لا يصل إلى الكبر ، وإن وصل فالعمل في الحالتين أفضل من العمل في حالة واحدة ، مع أن المرء في الشباب أقوى على العمل منه في المشيب ، وإذا صار العمل ملكة في الشباب تصير سببا لسهولة العمل عليه في المشيب وأيضا إذا أقبل على الطاعات في شبابه لا يتكدر ولا يرين مرآة قلبه بالفسوق والمعاصي وإذا أقبل على المعاصي وران قلبه بها فلما ينفك عنها ، ولو تركها قلما تصفو نفسه من كدوراتها ، وعلى الثاني المراد بالكبر سن الهرم والزمن أي ينبغي أن يغتنم أوائل الشيخوخة للطاعة قبل تعطل القوي وذهاب العقل ، فيكون قريبا من الفقرة الآتية« وفي الحياة قبل الممات » أي ينبغي أن يغتنم كل جزء من الحياة ولا يسوف العمل لاحتمال انقطاع الحياة بعده.

والمستعتب إما مصدر أو اسم مكان ، والاستعتاب الاسترضاء قال في النهاية : أعتبني فلان ، إذا عاد إلى مسرتي واستعتب طلب أن يرضى عنه كما يقول : استرضيته فأرضاني ، والمعتب المرضي ، ومنه الحديث : لا يتمنين أحدكم الموت إما محسنا فلعله يزداد ، وإما مسيئا فلعله يستعتب أي يرجع عن الإساءة ويطلب الرضا ، ومنه الحديث : ولا بعد الموت من مستعتب ، أي ليس بعد الموت من استرضاء لأن الأعمال بطلت وانقضى زمانها ، وما بعد الموت دار جزاء لا دار عمل والعتبي الرجوع عن الذنب والإساءة.

الحديث العاشر : مختلف فيه صحيح عندي.

«وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ » قال البيضاوي : أي موقفه الذي يقف فيه العباد للحساب

__________________

(١) سورة الرحمن : ٤٦.


ما يقول ويعلم ما يعمله من خير أو شر فيحجزه ذلك عن القبيح من الأعمال فذلك الذي «خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى ».

١١ ـ عنه ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن سنان ، عن ابن مسكان ، عن الحسن بن أبي سارة قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يكون خائفا راجيا ولا يكون خائفا راجيا حتى يكون عاملا لما يخاف ويرجو.

_________________________________________

أو قيامه على أحواله من قام عليه إذا راقبه أو مقام الخائف عند ربه للحساب بأحد المعنيين فأضاف إلى الرب تفخيما وتهويلا أو ربه مقام مقحم للمبالغة «جَنَّتانِ » جنة للخائف الإنسي وجنة للخائف الجني ، فإن الخطاب للفريقين والمعنى لكل خائفين منكما ، أو لكل أحد جنة لعقيدته وأخرى لعمله ، أو جنة لفعل الطاعات وأخرى لترك المعاصي ، أو جنة يثاب بها وأخرى يتفضل بها عليه ، أو روحانية وجسمانية ، انتهى.

وأقول : يحتمل أن يكون المراد جنة البرزخ وجنة الخلد أو اللذات المعنوية في الدنيا للمقربين وجنات الآخرة ،قوله : فذلك الذي ، إشارة إلى تفسير آية أخرى في النازعات تنبيها على تقارب مضمون الآيتين واتحاد الموصول في الموضعين وأن نهي النفس عن الهوى مراد في تلك الآية أيضا ، فإن الخوف بدون ترك المناهي ليس بخوف حقيقة ، ووحدة الجنة لا تنافي التثنية في الأخرى ، لأن المراد بها الجنس وأشارعليه‌السلام إلى أن الخوف تابع للعلم كما قال سبحانه : «إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ ».

الحديث الحادي عشر ضعيف على المشهور ، ويدل على أن كمال الإيمان منوط بالخوف والرجاء ، والخوف والرجاء لا يصدقان إلا بالعمل.


١٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن فضيل بن عثمان ، عن أبي عبيدة الحذاء ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال المؤمن بين مخافتين ذنب قد مضى لا يدري ما صنع الله فيه وعمر قد بقي لا يدري ما يكتسب فيه من المهالك فهو لا يصبح إلا خائفا ولا يصلحه إلا الخوف.

١٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن بعض أصحابه ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال كان أبيعليه‌السلام يقول إنه ليس من عبد مؤمن إلا وفي قلبه نوران نور خيفة ونور رجاء لو وزن هذا لم يزد على هذا ولو وزن هذا لم يزد على هذا.

باب

حسن الظن بالله عز وجل

١ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن محبوب ، عن داود بن كثير ، عن أبي عبيدة الحذاء ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال الله تبارك وتعالى لا يتكل العاملون على أعمالهم التي يعملونها لثوابي فإنهم لو اجتهدوا وأتعبوا أنفسهم أعمارهم في عبادتي كانوا مقصرين غير بالغين في عبادتهم كنه عبادتي فيما يطلبون عندي من كرامتي والنعيم في جناتي ورفيع الدرجات العلى في جواري

_________________________________________

الحديث الثاني عشر : صحيح.

ويدل على أنه لا يصلح الإنسان ، ولا تنكسر شهواته إلا بالخوف منه تعالى.

الحديث الثالث عشر : حسن وقد مر مضمونه.

باب حسن الظن بالله عز وجل

الحديث الأول : مختلف فيه صحيح عندي ، وهو جزء من خبر قد مضى في باب الرضا.


ولكن برحمتي فليثقوا وفضلي فليرجوا وإلى حسن الظن بي فليطمئنوا فإن رحمتي عند ذلك تدركهم ومني يبلغهم رضواني ومغفرتي تلبسهم عفوي فإني أنا الله الرحمن الرحيم وبذلك تسميت.

٢ ـ ابن محبوب ، عن جميل بن صالح ، عن بريد بن معاوية ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال وجدنا في كتاب عليعليه‌السلام أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال وهو على منبره والذي لا إله إلا هو ما أعطي مؤمن قط خير الدنيا والآخرة إلا بحسن ظنه بالله ورجائه له وحسن خلقه والكف عن اغتياب المؤمنين والذي لا إله إلا هو لا يعذب الله مؤمنا بعد التوبة والاستغفار إلا بسوء ظنه بالله وتقصيره من رجائه وسوء خلقه واغتيابه للمؤمنين والذي لا إله إلا هو لا يحسن ظن عبد مؤمن بالله إلا كان الله عند ظن عبده المؤمن لأن الله كريم بيده الخيرات يستحيي أن يكون عبده المؤمن قد أحسن به الظن ثم يخلف ظنه ورجاءه فأحسنوا بالله الظن وارغبوا إليه.

_________________________________________

الحديث الثاني : صحيح ومعلق على الخبر السابق.

قوله عليه‌السلام : إلا بحسن ظنه قيل : معناه حسن ظنه بالغفران إذا ظنه حين يستغفر ، وبالقبول إذا ظنه حين يتوب وبالإجابة إذا ظنه حين يدعو ، وبالكفاية إذا ظنها حين يستكفي ، لأن هذه صفات لا تظهر إلا إذا حسن ظنه بالله تعالى وكذلك تحسين الظن بقبول العمل عند فعله إياه ، فينبغي للمستغفر والتائب والداعي والعامل أن يأتوا بذلك موقنين بالإجابة بوعد الله الصادق ، فإن الله تعالى وعد بقبول التوبة الصادقة والأعمال الصالحة ، وأما لو فعل هذه الأشياء وهو يظن أن لا يقبل ولا ينفعه فذلك قنوط من رحمة الله تعالى والقنوط كبيرة مهلكة ، وأما ظن المغفرة مع الإصرار وظن الثواب مع ترك الأعمال فذلك جهل وغرور يجر إلى مذهب المرجئة ، والظن هو ترجيح أحد الجانبين بسبب يقتضي الترجيح ، فإذا خلا عن سبب فإنما هو غرور وتمن للمحال.


٣ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع ، عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام قال أحسن الظن بالله فإن الله عز وجل يقول أنا عند ظن عبدي المؤمن بي إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا.

٤ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن القاسم بن محمد ، عن المنقري ، عن سفيان بن عيينة قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول حسن الظن بالله أن لا ترجو إلا الله ولا تخاف إلا ذنبك.

باب

الاعتراف بالتقصير

١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحسن بن محبوب ، عن سعد بن أبي خلف ، عن أبي الحسن موسىعليه‌السلام قال قال لبعض ولده يا بني عليك بالجد لا تخرجن نفسك من حد التقصير في عبادة الله عز وجل وطاعته فإن الله

_________________________________________

الحديث الثالث : صحيح.

« أنا عند ظن عبدي » هذا الخبر مروي من طرق العامة أيضا ، وقال الخطابي : معناه أنا عند ظن عبدي في حسن عمله وسوء عمله ، لأن من حسن عمله حسن ظنه ومن ساء عمله ساء ظنه.

الحديث الرابع : ضعيف.

وفيه إشارة إلى أن حسن الظن بالله ليس معناه ومقتضاه ترك العمل والاجتراء على المعاصي اتكالا على رحمة الله ، بل معناه أنه مع العمل لا يتكل على عمله وإنما يرجو قبوله من فضله وكرمه ، ويكون خوفه من ذنبه وقصور عمله لا من ربه فحسن الظن لا ينافي الخوف ، بل لا بد من الخوف وضمه مع الرجاء وحسن الظن كما مر.

باب الاعتراف بالتقصير

الحديث الأول : صحيح.

« لا تخرجن نفسك من حد التقصير » أي عد نفسك مقصرا في طاعة الله وإن


لا يعبد حق عبادته.

٢ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن أبي عبد الله ، عن بعض العراقيين ، عن محمد بن المثنى الحضرمي ، عن أبيه ، عن عثمان بن زيد ، عن جابر قال قال لي أبو جعفرعليه‌السلام يا جابر لا أخرجك الله من النقص و [ لا ] التقصير.

٣ ـ عنه ، عن ابن فضال ، عن الحسن بن الجهم قال سمعت أبا الحسنعليه‌السلام يقول إن رجلا في بني إسرائيل عبد الله أربعين سنة ثم قرب قربانا فلم يقبل منه فقال لنفسه ما أتيت إلا منك وما الذنب إلا لك قال فأوحى الله تبارك وتعالى إليه ذمك لنفسك أفضل من عبادتك أربعين سنة.

_________________________________________

بذلت الجهد فيها ، فإن الله لا يمكن أن يعبد حق عبادته كما قال سيد البشر : ما عبدناك حق عبادتك.

الحديث الثاني : مجهول.

« عن بعض العراقيين » أي علماء الكوفة« لا أخرجك الله » أي وفقك الله لأن تعد عبادتك ناقصة ونفسك مقصرة أبدا.

الحديث الثالث : موثق.

والقربان بالضم ما يتقرب به إلى الله من هدى أو غيره ، وكانت علامة القبول في بني إسرائيل أن تجيء نار من السماء فتحرقه ، وقال في المغرب : من هناأتيت ، أي من هنا دخل البلاء عليك.

« فأوحى الله » يحتمل أن يكون ذلك الرجل نبيا ويحتمل أن يكون الوحي بتوسط نبي في ذلك الزمان ، مع أنه لم يثبت امتناع نزول الوحي على غير الأنبياء كما أن ظاهر الآية نزول الوحي على أم موسى.

قال الطبرسيقدس‌سره في قوله تعالى : «وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى » أي ألهمناها وقذفنا في قلبها وليس بوحي نبوة ، عن قتادة وغيره ، وقيل : أتاها جبرئيل بذلك ، عن مقاتل ، وقيل : كان هذا الوحي رؤيا منام عبر عنها من تثق به من علماء بني إسرائيل عن الجبائي.


٤ ـ أبو علي الأشعري ، عن عيسى بن أيوب ، عن علي بن مهزيار ، عن الفضل بن يونس ، عن أبي الحسنعليه‌السلام قال قال أكثر من أن تقول ـ اللهم لا تجعلني من المعارين ولا تخرجني من التقصير ـ قال قلت أما المعارون فقد عرفت أن الرجل يعار الدين ثم يخرج منه فما معنى لا تخرجني من التقصير فقال كل عمل تريد به الله عز وجل فكن فيه مقصرا عند نفسك فإن الناس كلهم في أعمالهم فيما بينهم وبين الله مقصرون إلا من عصمه الله عز وجل.

_________________________________________

الحديث الرابع : مجهول.

« من المعارين » قال السيد الداماد قدس الله روحه : المعاري من يركب الفرس عريانا ، قال في القاموس : اعرورى سار في الأرض وحده وقبيحا أتاه ، وفرسه ركبه عريانا ، ونحن نعاري : نركب الخيل أعراء ، والمعني بالمعاري هيهنا : المتعبدون الذين يتعبدون لا على أسبغ الوجوه ، والطائعون الذين يلتزمون الطاعات ولكن لا على قصيا المراتب بل على ضرب من التقصير كالذين يركبون الخيل ولكن أعراء بلغنا الله تعالى أقصى المدى في طاعته ، انتهى.

ولعله « ره » غفل عن هذا الخبر وغيره مما سيأتي في باب المعارين فإنها صريحة في أنه مأخوذ من العارية.

« إلا من عصمه الله » أي من الأنبياء والأوصياءعليهم‌السلام فإنهم لا يقصرون في شرائط الطاعة بحسب الإمكان وإن كانوا أيضا يعدون أنفسهم مقصرين ، إظهارا للعجز والنقصان ولما يرون أعمالهم قاصرة في جنب ما أنعم الله عليهم من الفضل والإحسان إلا من عصمه الله من التقصير بالاعتراف بالتقصير.


باب

الطاعة والتقوى

١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن محمد أخي عرام ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال لا تذهب بكم المذاهب فو الله ما شيعتنا إلا من أطاع الله عز وجل.

٢ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن فضال ، عن عاصم بن حميد ، عن أبي حمزة الثمالي ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال خطب رسول اللهعليه‌السلام في حجة الوداع فقال يا أيها الناس والله ما من شيء يقربكم من الجنة ويباعدكم من النار إلا وقد أمرتكم به وما من شيء يقربكم من النار ويباعدكم من الجنة إلا وقد نهيتكم عنه ألا وإن الروح الأمين نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها

_________________________________________

باب الطاعة والتقوى

الحديث الأول : مجهول.

« لا يذهب بكم المذاهب » على بناء المعلوم والباء للتعدية وإسناد الإذهاب إلى المذاهب على المجاز فإن فاعله النفس أو الشيطان ، أي لا يذهبكم المذاهب الباطلة إلى الضلال والوبال أو على بناء المجهول أي لا يذهب بكم الشيطان في المذاهب الباطلة من الأماني الكاذبة والعقائد الفاسدة بأن تجترئوا على المعاصي اتكالا على دعوى التشيع والمحبة والولاية من غير حقيقة فإنه ليس شيعتهم إلا من شايعهم في الأقوال والأفعال لا من ادعى التشيع بمحض المقال.

الحديث الثاني : موثق كالصحيح.

والروح الأمين جبرئيل لأنه سبب لحياة النفوس بالعلم وأمين على وحي الله


فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ولا يحمل أحدكم استبطاء شيء من الرزق أن يطلبه بغير حله فإنه لا يدرك ما عند الله إلا بطاعته.

_________________________________________

إلى الرسل ، وفي النهاية : فيه :أن روح القدس نفث في روعي ، يعني جبرئيل أي أوحى وألقى ، من النفث بالضم وهو شبيه بالنفخ ، وهو أقل من التفل لأن التفل لا يكون إلا ومعه شيء من الريق ، في روعي أي في نفسي وخلدي ، انتهى.

« حتى تستكمل رزقها » أي تأخذ رزقها المقدر على وجه الكمال« فاتقوا الله » أي في خصوص طلب الرزق أو مطلقا« وأجملوا في الطلب » أي اطلبوا طلبا جميلا ولا يكن كدكم كدا فاحشا ، وفي المصباح أجملت في الطلب رفقت ، قال الشيخ البهائيقدس‌سره : يحتمل معنيين : الأول أن يكون المراد اتقوا الله في هذا الكد الفاحش أي لا تقيموا عليه ، كما تقول : اتق الله في فعل كذا أي لا تفعله ، والثاني : أن يكون المراد أنكم إذا اتقيتموه لا تحتاجون إلى هذا الكد والتعب ، ويكون إشارة إلى قوله تعالى : «وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ »(١) .

« ولا يحمل أحدكم » أي لا يبعثه ويحدوه ، والمصدر المسبوك من أن المصدرية ومعمولها منصوب بنزع الخافض ، أي لا يبعثكم استبطاء الرزق على طلبه من غير حله ، وسيأتي في خبر آخر : ولا يحملنكم استبطاء شيء من الرزق أن تطلبوه بشيء من معصية الله فإن الله تعالى قسم الأرزاق بين خلقه حلالا ولم يقسمها حراما فمن اتقى الله وصبر أتاه رزقه من حله ، ومن هتك حجاب ستر الله عز وجل وأخذه من غير حله قصر به من رزقه الحلال وحوسب عليه يوم القيامة.

وأقول : هذه الجمل كالتفسيرلقوله عليه‌السلام : فإنه لا يدرك ما عند الله ، أي من الثواب الجزيل والرزق الحلال إلا بطاعته في الأوامر والنواهي ، والحاصل أن

__________________

(١) سورة الطلاق : ٢.


٣ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن سالم وأحمد بن أبي عبد الله ، عن أبيه جميعا ، عن أحمد بن النضر ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال قال لي يا جابر أيكتفي من انتحل التشيع أن يقول بحبنا أهل البيت فو الله ما شيعتنا إلا من اتقى الله وأطاعه وما كانوا يعرفون يا جابر إلا بالتواضع والتخشع والأمانة

_________________________________________

قوله : ما عند الله يحتمل الرزق الحلال والدرجات الأخروية والأعم والأول أوفق بالتعليل ، وكذا الثالث وإن كان الثاني أظهر في نفسه.

واعلم أن الرزق عند المعتزلة كلما صح الانتفاع به بالتغذي وغيره وليس لأحد منعه منه ، وليس الحرام عندهم رزقا ، والحديث يدل عليه ، وعند الأشاعرة كلما ينتفع به ذو حياة بالتغذي وغيره ، وإن كان حراما ، وخص بعضهم بالأغذية والأشربة ، وسيأتي تمام القول في ذلك في كتاب المكاسب إنشاء الله تعالى.

الحديث الثالث : ضعيف.

« من ينتحل التشيع » أي يدعيه من غير أن يتصف به ، في القاموس : انتحله وتنحله ادعاه لنفسه وهو لغيره« وما كانوا يعرفون » على بناء المجهول ، والضمير راجع إلى الشيعة أو إلى خيار العباد ، أي كان في زمن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأمير المؤمنين وسائر الأئمة الماضين صلوات الله عليهم يعرفون الشيعة بتلك الصفات فمن لم يكن فيه تلك الخلال لم يكونوا يعدونهم من الشيعة أو كانوا موصوفين معروفين باتصافهم بها« إلا بالتواضع » أي بالتذلل لله عند أو أمره ونواهيه ولأئمة الدين بتعظيمهم وإطاعتهم وللمؤمنين بتكريمهم وإظهار حبهم وعدم التكبر عليهم وحسن العشرة معهم والتخشع إظهار الخشوع وهو التذلل لله مع الخوف منه واستعمال الجوارح فيما أمر الله به ، وينسب إلى القلب وإلى الجوارح معا ، والأمانة ضد الخيانة أي أداء حقوق الله والخلق وعهودهم وترك الغدر والخيانة فيها ، وفي مجالس الشيخ والإنابة أي التوبة والرجوع إلى الله.


وكثرة ذكر الله والصوم والصلاة والبر بالوالدين والتعاهد للجيران من الفقراء وأهل المسكنة والغارمين والأيتام وصدق الحديث وتلاوة القرآن وكف الألسن عن الناس إلا من خير وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء قال جابر فقلت يا ابن رسول الله ما نعرف اليوم أحدا بهذه الصفة فقال يا جابر لا تذهبن بك المذاهب حسب الرجل أن يقول أحب عليا وأتولاه ثم لا يكون مع ذلك فعالا فلو قال إني أحب رسول الله ـ فرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خير من عليعليه‌السلام ثم لا يتبع سيرته ولا يعمل بسنته

_________________________________________

« وكثرة ذكر الله » باللسان والقلب ، والصوم عطف على الذكر ، والتعهد للجيران أي رعاية أحوالهم وترك إيذائهم ، وتحمل الأذى عنهم ، وعيادة مرضاهم وتشييع جنائزهم وعدم منع الماعون عنهم وسيأتي الخلاف في كون الفقير أسوأ حالا أو المسكين والتخصيص بهما لكون رعايتهما أهم وإلا يلزم رعاية الجيران مطلقا ، وفي المجالس : وتعاهد الجيران« والغارمين » إما عطف على الفقراء أو على الجيران« وكانوا أمناء عشائرهم » أي يأتمنونهم ويعتمدون عليهم في جميع الأشياء من الأموال والفروج وحفظ الأسرار ، والعشائر جمع العشيرة وهي القبيلة.

« حسب الرجل أن يقول » التركيب مثل حسبك درهم أي كافيك وحرف الاستفهام مقدر وهو على الإنكار أي لا يكفيه ذلك« فعالا » أي كثير الفعل لما يقتضيه اعتقاده من متابعة الأئمةعليهم‌السلام في جميع الأمور.

قوله : فرسول الله ، الظاهر أنها جملة معترضة ، وفي المجالس وبعض الكتب ورسول الله وهو أظهر ، فتكون جملة حالية ، ويحتمل أن يكون على النسختين عطفا على أحب ويكون داخلا في مقول القول ، أي لو قال المخالف إني أحب رسول الله وهو أفضل من علي فكما أنكم تتكلمون على حب عليعليه‌السلام أنا اتكل على حب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يمكنكم إلزامه بالجواب لأنكم إذا قلتم لا ينفعكم حب محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع مخالفته في القول بأوصيائه يمكنه أن يقول فكذا لا ينفعكم حب على


ما نفعه حبه إياه شيئا فاتقوا الله واعملوا لما عند الله ليس بين الله وبين أحد قرابة أحب العباد إلى الله عز وجل وأكرمهم عليه أتقاهم وأعملهم بطاعته يا جابر والله ما يتقرب إلى الله تبارك وتعالى إلا بالطاعة وما معنا براءة من النار ولا على الله لأحد من حجة من كان لله مطيعا فهو لنا ولي ومن كان لله عاصيا فهو لنا عدو وما تنال

_________________________________________

مع مخالفتكم له في الأقوال والأفعال.

« ليس بين الله وبين أحد قرابة » أي ليس بين الله وبين الشيعة قرابة حتى يسامحكم ولا يسامح مخالفيكم مع كونكم مشتركين معهم في مخالفته تعالى أو ليس بينه وبين عليعليه‌السلام قرابة حتى يسامح شيعة عليعليه‌السلام ، ولا يسامح شيعة الرسول ، والحاصل أن جهة القرب بين العبد وبين الله إنما هي بالطاعة والتقوى ، ولذا صار أئمتكم أحب الخلق إلى الله فلو لم تكن هذه الجهة فيكم لم ينفعكم شيء« وما معنا براءة من النار » أي ليس معنا صك وحكم ببراءتنا وبراءة شيعتنا من النار ، وإن عملوا بعمل الفجار.

« ولا على الله لأحد من حجة » أي ليس لأحد على الله حجة إذا لم يغفر له بأن يقول. كنت من شيعة علي ، فلم لم تغفر لي ، لأن الله لم يحتم بغفران من ادعى التشيع بلا عمل ، أو المعنى ليس لنا على الله حجة في إنقاذ من ادعى التشيع من العذاب ، ويؤيده أن في المجالس : وما لنا على الله حجة« من كان لله مطيعا » كأنه جواب عما يتوهم في هذا المقام أنهمعليهم‌السلام حكموا بأن شيعتهم وأولياءهم لا يدخلون النار ، فأجابعليه‌السلام بأن العاصي لله ليس بولي لنا ولا تدرك ولايتنا إلا بالعمل بالطاعات والورع عن المعاصي.

قيل : للورع أربع درجات : الأولى : ورع التائبين وهو ما يخرج به الإنسان من الفسق وهو المصحح لقبول الشهادة ، الثانية : ورع الصالحين وهو الاجتناب عن الشبهات خوفا منها ومن الوقوع في المحرمات ، الثالثة : ورع المتقين وهو ترك


ولايتنا إلا بالعمل والورع.

٤ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ومحمد بن إسماعيل ، عن الفضل بن شاذان جميعا ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام بن الحكم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إذا كان يوم القيامة يقوم عنق من الناس فيأتون باب الجنة فيضربونه فيقال لهم من أنتم فيقولون نحن أهل الصبر فيقال لهم على ما صبرتم فيقولون كنا نصبر على طاعة الله ونصبر عن معاصي الله فيقول الله عز وجل صدقوا أدخلوهم الجنة وهو قول الله عز وجل : «إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ »(١) .

_________________________________________

الحلال خوفا من أن ينجر إلى الحرام مثل ترك التحدث بأحوال الناس مخافة أن ينجر إلى الغيبة ، الرابع : ورع السالكين وهو الإعراض عما سواه تعالى خوفا من صرف ساعة من العمر فيما لا يفيد زيادة القرب منه تعالى وإن علم أنه ينجر إلى الحرام.

الحديث الرابع : حسن كالصحيح.

وفي النهاية :عنق ، أي جماعة من الناس وفي القاموس : العنق بالضم وبضمتين الجماعة من الناس والرؤساء «أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ » قيل : أي أجرا لا يهتدي إليه حساب الحساب ، ويظهر من الخبر أن المعنى أنهم لا يوقفون في موقف الحساب بل يذهب بهم إلى الجنة بغير حساب ، قال الطبرسي (ره) : لكثرته لا يمكن عده وحسابه ، وروى العياشي بالإسناد عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إذا نشرت الدواوين ونصبت الموازين لم ينصب لأهل البلاء ميزان ، ولم ينشر لهم ديوان ، ثم تلا هذه الآية : «إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ ».

__________________

(١) سورة الزمر : ١٠.


٥ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن محمد بن سنان ، عن فضيل بن عثمان ، عن أبي عبيدة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال كان أمير المؤمنين صلوات الله عليه يقول لا يقل عمل مع تقوى وكيف يقل ما يتقبل.

٦ ـ حميد بن زياد ، عن الحسن بن محمد بن سماعة ، عن بعض أصحابه ، عن أبان ، عن عمرو بن خالد ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال يا معشر الشيعة شيعة آل محمد كونوا النمرقة الوسطى يرجع إليكم الغالي ويلحق بكم التالي فقال له رجل من الأنصار

_________________________________________

الحديث الخامس : ضعيف على المشهور.

« وكيف يقل ما يتقبل » لأن الله تعالى يقول : «إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ »(١) .

الحديث السادس : مرسل.

وقال الجوهري :النمرقة وسادة صغيرة وكذلك النمرقة بالكسر لغة حكاها يعقوب ، وربما سموا الطنفسة التي فوق الرحل نمرقة عن أبي عبيد ، وفي القاموس : النمرق والنمرقة مثلثة الوسادة الصغيرة أو المثيرة أو الطنفسة فوق الرحل ، والنمرقة بالكسر من السحاب ما كان بينه فتوق ، انتهى.

وكان التشبيه بالنمرقة باعتبار أنها محل الاعتماد ، والتقييد بالوسطى لكونهم واسطة بين الإفراط والتفريط ، أو التشبيه بالنمرقة الوسطى باعتبار أنها في المجالس صدر ومكان لصاحبه يلحق به ، ويتوجه إليه من على الجانبين ، وقيل : المراد كونوا أهل النمرقة الوسطى وقيل : المراد أنه كما كانت الوسادة التي يتوسد عليها الرجل إذا كانت رفيعة جدا أو خفيفة جدا لا تصلح للتوسد بل لا بد لها من حد من الارتفاع والانخفاض ، حتى يصلح لذلك ، كذلك أنتم في دينكم وأئمتكم لا تكونوا غالين تجاوزون بهم عن مرتبتهم التي أقامهم الله عليها وجعلهم أهلا لها وهي الإمامة

__________________

(١) سورة المائدة : ٢٧.


يقال له سعد جعلت فداك ما الغالي قال قوم يقولون فينا ما لا نقوله في أنفسنا فليس أولئك منا ولسنا منهم قال فما التالي قال المرتاد يريد الخير يبلغه الخير يؤجر عليه ثم أقبل علينا فقال والله ما معنا من الله براءة ولا بيننا وبين الله

_________________________________________

والوصاية النازلتان عن الألوهية والنبوة كالنصارى الغالين في المسيح المعتقدين فيه الألوهية أو النبوة لآله ، ولا تكونوا أيضا مقصرين فيهم تنزلونهم عن مرتبتهم وتجعلونهم كسائر الناس أو أنزل ، كالمقصرين من اليهود في المسيح المنزلين له عن مرتبته ، بل كونوا كالنمرقة الوسطى وهي المقتصدة للتوسد « يرجع إليكم الغالي ويلحق بكم التالي ».

قوله عليه‌السلام : ما لا نقوله في أنفسنا ، كالألوهية وكونهم خالقين للأشياء والنبوة« المرتاد يريد الخير يبلغه الخير » كأنه من قبيل وضع الظاهر موضع المضمر أي يريد الأعمال الصالحة التي تبلغه أن يعملها ، ولكن لا يعمل بها يؤجر عليه بمحض هذه النية ، أو المعنى أنه المرتاد الطالب لدين الحق وكما له ، وقوله : يبلغه الخير ، جملة أخرى لبيان أن طالب الخير سيجده ويوفقه الله لذلك ، كما قال تعالى : «وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا »(١) وقوله : يؤجر عليه ، لبيان أنه بمحض الطلب مأجور ، وقيل : المرتاد الطالب للاهتداء الذي لا يعرف الإمام ، ومراسم الدين بعد يريد التعلم ونيل الحق ، يبلغه الخير بدل من الخير يعني يريد أن يبلغه الخير ليوجر عليه ، وقيل : المرتاد أي الطالب من ارتاد الرجل الشيء إذا طلبه ، والمطلوب أعم من الخير والشر ، فقوله : يريد الخير تخصيص وبيان للمعنى المراد هيهنا « يبلغه الخير » من الإبلاغ أو التبليغ وفاعله معلوم بقرينة المقام ، أي من يوصله إلى الخير المطلوب ثم يؤجر عليه لهدايته وإرشاده.

وأقول : على هذا يمكن أن يكون فاعله الضمير الراجع إلى النمرقة لما فهم

__________________

(١) سورة العنكبوت : ٦٩.


قرابة ولا لنا على الله حجة ولا نتقرب إلى الله إلا بالطاعة فمن كان منكم مطيعا لله تنفعه ولايتنا ومن كان منكم عاصيا لله لم تنفعه ولايتنا ويحكم لا تغتروا ويحكم لا تغتروا.

٧ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن عثمان بن عيسى ، عن مفضل بن عمر قال كنت عند أبي عبد اللهعليه‌السلام فذكرنا الأعمال فقلت أنا ما أضعف

_________________________________________

سابقا أنه يلحق التالي بنفسه ، وقيل : جملة يريد الخير صفة المرتاد ، إذ اللام للعهد الذهني وهو في حكم النكرة ، وجملة « يبلغه » إما على المجرد من باب نصر أو على بناء الأفعال أو التفعيل استئناف بياني ، وعلي الأول الخير مرفوع بالفاعلية إشارة إلى أن الدين الحق لوضوح براهينه كأنه يطلبه ويصل إليه ، وعلي الثاني والثالث الضمير راجع إلى مصدر يريد ، والخير منصوب ويؤجر عليه استئناف للاستئناف الأول لدفع توهم أن لا يؤجر لشدة وضوح الأمر ، فكأنه اضطر إليه وأكثر الوجوه لا تخلو من تكلف ، وكان فيه تصحيفا وتحريفا.

« ولا لنا علي الله حجة » أي بمحض قرابة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من غير عمل لأنفسنا ، ولا لتخليص شيعتنا« ولا نتقرب » بصيغة المتكلم أو الغائب المجهول« ويحكم لا تغتروا » في القاموس ويح لزيد وويحا له كلمة رحمة ورفعه على الابتداء ، ونصبه بإضمار فعل وويح زيد وويحه نصبهما به أيضا أو أصله وي فوصلت بحاء مرة وبلام مرة ، وبياء مرة وبسين مرة ، وفي النهاية : ويح كلمة ترحم وتوجع يقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها وقد يقال بمعنى المدح والتعجب وهي منصوبة على المصدر ، وقد ترفع وتضاف ولا تضاف ، يقال : ويح زيد وويحا له وويح له ، انتهى.

الحديث السابع : ضعيف على المشهور معتبر.

« فذكرنا الأعمال » أي قلتها وكثرتها أو مدخليتها في الإيمان« ما أضعف » على صيغة تعجب كما هو الظاهر ، أو ما نافية وأضعف بصيغة المتكلم أي ما أعد


عملي فقال مه استغفر الله ثم قال لي إن قليل العمل مع التقوى خير من كثير العمل بلا تقوى قلت كيف يكون كثير بلا تقوى قال نعم مثل الرجل يطعم طعامه ويرفق جيرانه ويوطئ رحله فإذا ارتفع له الباب من الحرام دخل فيه

_________________________________________

عملي ضعيفا ، وعلى الأول يتوهم في نهيهعليه‌السلام عنه وأمره بالاستغفار منافاة لما مر في الأخبار من ترك العجب والاعتراف بالتقصير.

ويمكن الجواب عنه بوجوه : « الأول » ما قيل : أن النهي للفتوى بغير علم لا للاعتراف بالتقصير.

الثاني : أنه كان ذلك لاستشمامه منه رائحة الاتكال علي العمل ، مع أن العمل هين جدا في جنب التقوى لاشتراط قبوله بها ، ولذا نبهه على ذلك ، والحاصل أنه لما كان كلامه مبنيا على أن المدار علي قلة العمل وكثرته نهاه عن ذلك.

الثالث : ما قيل أن الأقوال والأفعال يختلف حكمها باختلاف النيات والقصود ، وهو لم يقصد بهذا القول أن عمله ضعيف قليل بالنظر إلى عظمة الحق وما يستحقه من العبادة وإنما قصد به ضعفه وقلته لذاته ، وبينهما فرق ظاهر والأول هو الاعتراف بالتقصير دون الثاني.

الرابع : أنهعليه‌السلام لما علم أن المفضل يعتد بعمله ويعده كثيرا وإنما يقول ذلك تواضعا وإخفاء للعمل نهاه عن ذلك ، وفي القاموس :رفق فلانا نفعه كأرفقه ووطئ الرجل كناية عن كثرة الضيافة قال في القاموس : رجلموطأ الأكناف كمعظم سهل دمث كريم مضياف ، أو يتمكن في ناحيته صاحبه غير مؤذى ولا ناب به موضعه ، وفي النهاية في قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أحاسنكم أخلاقا الموطئون أكنافا ، هذا مثل وحقيقته من التوطئة وهي التمهيد والتذليل ، وفراش ووطؤ لا يؤذي جنب النائم والأكناف الجوانب ، أراد الذين جوانبهم وطئة يتمكن فيها من يصاحبهم ، ولا


فهذا العمل بلا تقوى ويكون الآخر ليس عنده فإذا ارتفع له الباب من الحرام لم يدخل فيه.

٨ ـ الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن أبي داود المسترق ، عن محسن الميثمي ، عن يعقوب بن شعيب قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول ما نقل الله عز وجل عبدا من ذل المعاصي إلى عز التقوى إلا أغناه من غير مال وأعزه من غير عشيرة وآنسه من غير بشر.

باب الورع

١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن أبي المغراء ، عن زيد الشحام ، عن عمرو بن سعيد بن هلال الثقفي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قلت له إني لا ألقاك إلا في السنين فأخبرني بشيء آخذ به فقال أوصيك بتقوى الله والورع

_________________________________________

يتأذى ، انتهى.

وقيل : توطئة الرجل كناية عن التواضع والتذلل.

« فإذا ارتفع له الباب من الحرام » أي ظهر له ما يدخله في الحرام من مال حرام أو فرج حرام وغير ذلك« ليس عنده » أي العمل الكثير الذي كان عند صاحبه.

الحديث الثامن : ضعيف على المشهور.

« وآنسه من غير بشر » أي من غير أنيس من البشر بل الله مؤنسه كما قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : اللهم إنك أنس الآنسين بأوليائك.

باب الورع

الحديث الأول : مجهول كالحسن.

ولعل المرادبالتقوى ترك المحرمات وبالورع ترك الشبهات بل بعض المباحات


والاجتهاد واعلم أنه لا ينفع اجتهاد لا ورع فيه.

٢ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسن بن محبوب ، عن حديد بن حكيم قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول اتقوا الله وصونوا دينكم بالورع.

٣ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن صفوان بن يحيى ، عن يزيد بن خليفة قال وعظنا أبو عبد اللهعليه‌السلام فأمر وزهد ثم قال عليكم بالورع فإنه لا ينال ما عند الله إلا بالورع.

٤ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن ابن فضال ، عن أبي جميلة ، عن ابن أبي يعفور ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال لا ينفع اجتهاد لا ورع فيه.

٥ ـ عنه ، عن أبيه ، عن فضالة بن أيوب ، عن الحسن بن زياد الصيقل ، عن

_________________________________________

وبالاجتهاد بذل الجهد في فعل الطاعات ، يقال : وقاه الله السوء يقيه وقاية ، أي حفظه واتقيت الله اتقاء أي حفظت نفسي من عذابه أو من مخالفته ، والتقوى اسم منه والتاء مبدلة من واو ، والأصل وقوي من وقيت لكن أبدل ولزمت التاء في تصاريف الكلمة ، وفي النهاية : فيه ملاك الدين الورع ، الورع في الأصل الكف عن المحارم والتحرج منه ، يقال : ورع الرجل يرع بالكسر فيهما ورعا ورعة فهو ورع ، وتورع من كذا ثم أستعير للكف عن المباح والحلال« لا ينفع » أي نفعا كاملا.

الحديث الثاني : صحيح ، ويدل على أن ترك الورع عن المحرمات يصير الإيمان بمعرض الضياع والزوال ، فإن فعل الطاعات وترك المعاصي حصون للإيمان من أن يذهب به الشيطان.

الحديث الثالث : ضعيف بيزيد لأنه واقفي لكن فيه مدح« فأمر » أي بالطاعات وما يوجب الفوز بأرفع الدرجات ، و« زهد » على بناء التفعيل أي أمر بالزهد في الشيء وعن الشيء خلاف الترغيب فيه.

الحديث الرابع : ضعيف وقد مر.

الحديث الخامس : مجهول.


فضيل بن يسار قال قال أبو جعفرعليه‌السلام إن أشد العبادة الورع.

٦ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع ، عن حنان بن سدير قال قال أبو الصباح الكناني ـ لأبي عبد اللهعليه‌السلام ما نلقى من الناس فيك فقال أبو عبد اللهعليه‌السلام وما الذي تلقى من الناس في فقال لا يزال يكون بيننا وبين الرجل الكلام فيقول جعفري خبيث فقال يعيركم الناس بي فقال له أبو الصباح نعم قال فقال ما أقل والله من يتبع جعفرا منكم إنما أصحابي من اشتد ورعه وعمل لخالقه ورجا ثوابه فهؤلاء أصحابي.

٧ ـ حنان بن سدير ، عن أبي سارة الغزال ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال قال الله عز وجل ابن آدم اجتنب ما حرمت عليك تكن من أورع الناس.

_________________________________________

« إن أشد العبادة الورع » إذ ترك المحرمات أشق على النفس من فعل الطاعات وأفضل الأعمال أحمزها.

الحديث السادس : موثق.

وكان فيه نوع ذم لأبي الصباح وإن كان ثقة ، قال الشيخ البهائيرحمه‌الله : يعلم منه أنه لم يرتضعليه‌السلام ما قاله أبو الصباح ، لما فيه من الخشونة وسوء الأدب« وعمل لخالقه » أي أخلص العمل لله« ورجا ثوابه » كأنه إشارة إلى أن رجاء الثواب إنما يحسن مع الورع والطاعة وإلا فهو غرور كما مر ، وإلى أنه مع العمل أيضا لا ينبغي اليقين بالثواب لكثرة آفات العمل ، ويمكن أن يكون ما ذكرهعليه‌السلام إيماء إلى أن ما تسمعون من المخالفين إنما هو لعدم الطاعة إما بترك الطاعات والأعمال الرضية أو لترك ما أمرتكم به من التقية.

الحديث السابع : مجهول.

وكانالأورع بالنسبة إلى من يجتنب المكروهات ويأتي بالسنن ويجترئ على


٨ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه وعلي بن محمد ، عن القاسم بن محمد ، عن سليمان المنقري ، عن حفص بن غياث قال سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الورع من الناس فقال الذي يتورع عن محارم الله عز وجل.

٩ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن النعمان ، عن أبي أسامة قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول عليك بتقوى الله والورع والاجتهاد وصدق الحديث وأداء الأمانة وحسن الخلق وحسن الجوار وكونوا دعاة إلى أنفسكم بغير ألسنتكم وكونوا زينا ولا تكونوا شينا وعليكم بطول الركوع والسجود فإن أحدكم

_________________________________________

المحارم وترك الطاعات كما هو الشائع بين الناس ، أو هو تعريض بأرباب البدع الذين يحرمون ما أحل الله على أنفسهم ويسمونه ورعا أو تنبيه على أن الورع إنما هو بترك المعاصي لا بالمبالغة في الطاعات والإكثار منها.

الحديث الثامن : ضعيف والوجوه السابقة جارية فيه.

الحديث التاسع : صحيح.

« وحسن الجوار » لكل من جاوره وصاحبه أو لجار بيته« وكونوا دعاة » أي كونوا داعين للناس إلى طريقتكم المثلي ومذهبكم الحق بمحاسن أعمالكم ومكارم أخلاقكم ، فإن الناس إذا رأوكم على سيرة حسنة وهدى جميل نازعتهم أنفسهم إلى الدخول فيما ذهبتم إليه من التشيع وتصويبكم فيما تقلدتم من طاعة أئمتكمعليهم‌السلام « وكونوا زينا » أي زينة لنا« ولا تكونوا شينا » أي عيبا وعارا علينا ، وفي النهاية في حديث أبي هريرة إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويله ، الويل : الحزن والهلاك والمشقة من العذاب وكل من وقع في هلكة دعا بالويل ، ومعنى النداء فيه يا ويلي ويا حزني ويا هلاكي ويا عذابي احضر فهذا وقتك وأو أنك ، فكأنه نادى الويل أن يحضره لما عرض له من الأمر الفظيع وهو الندم على ترك السجود لآدمعليه‌السلام ، وأضاف الويل إلى ضمير الغائب حملا على


إذا أطال الركوع والسجود هتف إبليس من خلفه وقال يا ويله أطاع وعصيت وسجد وأبيت.

١٠ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن أبي زيد ، عن أبيه قال كنت عند أبي عبد اللهعليه‌السلام فدخل عيسى بن عبد الله القمي فرحب به وقرب من مجلسه ثم قال يا عيسى بن عبد الله ليس منا ولا كرامة من كان في مصر فيه مائة ألف أو يزيدون وكان في ذلك المصر أحد أورع منه.

_________________________________________

المعنى ، وعدل عن حكاية قول إبليس يا ويلي كراهة أن يضيف الويل إلى نفسه ، انتهى.

وقال : النووي : هو من أدب الكلام أنه إذا عرض في الحكاية عن الغير ما فيه سوء صرف الحاكي عن نفسه إلى الغيبة صونا عن صورة إضافة السؤال إلى نفسه ، انتهى.

وقيل : الضمير راجع إلى الساجد ودعا إبليس له بالعذاب والويل ، أو هو من كلام الإمام والضمير لإبليس والجملة معترضة ، ولا يخفى بعدهما ، ويحتمل على الأول أن يكون المنادي محذوفا نحو ألا يا اسجدوا أي يا قوم احضروا ويلي.

الحديث العاشر : مجهول.

وقال الجوهري :الرحب بالضم السعة ، وقولهم : مرحبا وأهلا أي أتيت سعة وأتيت أهلا فاستأنس ولا تستوحش ، وقدر حب به ترحيبا إذا قال له مرحبا ، انتهى.

وفي النهاية : وقيل : معناه رحب الله بك مرحبا ، فجعل المرحب موضع الترحيب ، انتهى.

وقوله : ولا كرامة جملة معترضة أي لا كرامة له عند الله أو عندنا أو أعم منهما« فيه مائة ألف » أي من المخالفين أو الأعم ، ويدل على مدح عيسى بن عبد الله وروى الشيخ المفيد في مجالسه حديثا يدل على مدح عظيم له ، وأنه قالعليه‌السلام فيه هو منا أهل البيت ، وزعم الأكثر أنه الأشعري جد أحمد بن محمد ، والأظهر عندي أنه غيره لبعد ملاقاة الأشعري الصادقعليه‌السلام ، بل ذكروا أن له مسائل عن الرضاعليه‌السلام .


١١ ـ عنه ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن ابن فضال ، عن علي بن عقبة ، عن أبي كهمس ، عن عمرو بن سعيد بن هلال قال قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام أوصني قال أوصيك بتقوى الله والورع والاجتهاد واعلم أنه لا ينفع اجتهاد لا ورع فيه.

١٢ ـ عنه ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن الحكم ، عن سيف بن عميرة ، عن أبي الصباح الكناني ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال أعينونا بالورع فإنه من لقي الله عز وجل منكم بالورع كان له عند الله فرجا وإن الله عز وجل يقول : «مَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ

_________________________________________

الحديث الحادي عشر : مجهول ، وقد مر مضمونه.

الحديث الثاني عشر : صحيح.

« أعينونا بالورع » إشارة إلى أن الأئمةعليهم‌السلام متكفلون لنجاة شيعتهم من العذاب ، فكلما كان ورعهم أشد وأكمل كانت الشفاعة عليهم أسهل ، فالورع إعانة لهمعليهم‌السلام على ذلك.

فإن قلت : مع الورع أي حاجة إلى الشفاعة فإنه يجب عليه سبحانه بمقتضى وعده إدخالهم الجنة وإبعادهم عن العذاب.

قلت : يحتمل أن يكون المراد عدم تجشم الشفاعة أو يكون الورع ترك المعاصي فقط ، فلا ينافي الاحتياج إلى الشفاعة للتقصير في الواجبات ، أو يكون المراد بالورع ترك الكبائر أو أعم من ترك كل المعاصي أو بعضها مع أنه لا استبعاد في الحاجة إلى الشفاعة مع فعل الطاعات وترك المعاصي لسرعة دخول الجنة أو التخلص من أهوال القيامة أو عدم الحساب ، أو تخفيفه.

« كان له عند الله فرجا » اسم كان الضمير المستتر الراجع إلى الورع ، وقيل : إلى اللقاء وفرجا بالجيم خبره ، وربما يقرأ بالحاء المهملة وعلى التقديرين التنوين للتعظيم «مَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ » في سورة النساء «وَالرَّسُولَ » وكأنه نقل بالمعنى مع الإشارة إلى ما في سورة النور «وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ


أُولئِكَ رَفِيقاً »(١) فمنا النبي ومنا الصديق والشهداء والصالحون.

١٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن محبوب ، عن ابن رئاب ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إنا لا نعد الرجل مؤمنا حتى يكون لجميع أمرنا متبعا مريدا ألا وإن من اتباع أمرنا وإرادته الورع فتزينوا به يرحمكم الله وكبدوا أعداءنا [ به ] ينعشكم الله.

_________________________________________

الْفائِزُونَ » وإطاعة الله والرسول لا تكون إلا مع الورع ، فالاستشهاد لذلك وقيل : المراد بطاعة الله ورسوله إطاعتهما في الاعتقاد بإمامة أئمة الهدىعليهم‌السلام وإن كان مع المعاصي فالاستشهاد للشفاعة.

« فمنا » أي من بني هاشم وكان المرادبالصديق أمير المؤمنينعليه‌السلام وبالشهداء الحسنانعليه‌السلام أو الحسينعليه‌السلام وبالصالحين باقي الأئمةعليهم‌السلام ، أو المراد بالشهداء جميع الأئمةعليهم‌السلام وبالصالحين شيعتهم ، وقد فسرت الآية بالوجهين في الأخبار.

الحديث الثالث عشر : حسن« إنا لا نعد الرجل مؤمنا » هذا أحد معاني الإيمان التي مضت« مريدا » أي لجميع أمرنا« يرحمكم الله » جواب الأمر أو جملة دعائية وكذا قوله : ينعشكم الله يحتمل الوجهين« وكيدوا به » في أكثر النسخ بالياء المثناة أي حاربوهم بالورع لتغلبوا أو ادفعوا به كيدهم سمي كيدا مجازا أي الورع يصير سببا لكف ألسنتهم عنكم وترك ذمهم لكم أو احتالوا بالورع ليرغبوا في دينكم كما مر في قوله :عليه‌السلام « كونوا دعاة » إلخ ، وكأنه أظهر ، وفي بعض النسخ بالباء الموحدة المشددة من الكبد بمعنى الشدة والمشقة ، أي أوقعوهم في الألم والمشقة لأنه يصعب عليهم ورعكم والأول أكثر وأظهر.

« ينعشكم الله » أي يرفعكم الله في الدنيا والآخرة ، في القاموس : نعشه الله كمنعه رفعه كأنعشه ونعشه وفلانا جبره بعد فقر ، والميت ذكره ذكرا حسنا.

__________________

(١) سورة النساء : ٦٩ ، وفيها « والرسول » كما ذكره الشارح (ره).


١٤ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن الحجال ، عن العلاء ، عن ابن أبي يعفور قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم ليروا منكم الورع والاجتهاد والصلاة والخير فإن ذلك داعية.

١٥ ـ الحسين بن محمد ، عن علي بن محمد بن سعيد ، عن محمد بن مسلم ، عن محمد بن حمزة العلوي قال أخبرني عبيد الله بن علي ، عن أبي الحسن الأولعليه‌السلام قال كثيرا ما كنت أسمع أبي يقول ليس من شيعتنا من لا تتحدث المخدرات بورعه في خدورهن وليس من أوليائنا من هو في قرية فيها عشرة آلاف رجل فيهم [ من ] خلق [ ا ] لله أورع منه.

_________________________________________

الحديث الرابع عشر : صحيح.

« فإن ذلك داعية » أي للمخالفين إلى الدخول في دينكم كما مر ، والتاء للمبالغة وسيأتي هذا الخبر في باب الصدق بأدنى تفاوت في السند والمتن ، وفيه الصدق مكان الصلاة.

الحديث الخامس عشر : مجهول.

وفي القاموسالخدر بالكسر ستر يمد للجارية في ناحية البيت ، وكل ما واراك من بيت ونحوه ، والجمع خدور وأخدار ، وبالفتح إلزام البنت الخدر كالإخدار والتخدير وهي مخدرة ومخدرة ، انتهى.

والمعنى اشتهر ورعه بحيث تتحدث النساء المستورات غير البارزات بورعه في بيوتهن ، وقيل : إنه يدل على أن إظهار الصلاح ليشتهر أمر مطلوب ، ولكن بشرط أن لا يكون لقصد الرياء والسمعة بل لغرض صحيح مثل الاقتداء به والتحفظ من نسبة الفسق إليه ونحوهما ، وفيه نظر.


باب العفة

١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حماد بن عيسى ، عن حريز ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال ما عبد الله بشيء أفضل من عفة بطن وفرج.

٢ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن محمد بن إسماعيل ، عن حنان بن سدير ، عن أبيه قال قال أبو جعفرعليه‌السلام إن أفضل العبادة عفة البطن والفرج.

_________________________________________

باب العفة

الحديث الأول : حسن كالصحيح.

والعفة في الأصل الكف قال في القاموس : عف عفا وعفافا وعفافة بفتحهن وعفة بالكسر فهو عف وعفيف : كف عما لا يحل ولا يجمل كاستعف وتعفف ، وقال الراغب : العفة حصول حالة للنفس تمنع بها عن غلبة الشهوة ، والمتعفف المتعاطي لذلك بضرب من الممارسة والقهر ، وأصله الاقتصار على تناول الشيء القليل الجاري مجرى العفافة ، والعفة أي البقية من الشيء أو مجرى العفف وهو ثمر الأراك ، والاستعفاف طلب العفة ، انتهى.

وتطلق في الأخبار غالبا على عفة البطن والفرج وكفهما عن مشتهياتها المحرمة بل المشتبهة والمكروهة أيضا من المأكولات والمشروبات والمنكوحات ، بل من مقدماتهما من تحصيل الأموال المحرمة لذلك ومن القبلة واللمس والنظر إلى المحرم ، ويدل على أن ترك المحرمات من العبادات وكونهما من أفضل العبادات ، لكونهما أشقهما.

الحديث الثاني : حسن أو موثق.


٣ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن جعفر بن محمد الأشعري ، عن عبد الله بن ميمون القداح ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال كان أمير المؤمنين صلوات الله عليه يقول أفضل العبادة العفاف.

٤ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن أبي عبد الله ، عن أبيه ، عن النضر بن سويد ، عن يحيى بن عمران الحلبي ، عن معلى أبي عثمان ، عن أبي بصير قال قال رجل لأبي جعفرعليه‌السلام إني ضعيف العمل قليل الصيام ولكني أرجو أن لا آكل إلا حلالا قال فقال له أي الاجتهاد أفضل من عفة بطن وفرج.

٥ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أكثر ما تلج به أمتي النار الأجوفان البطن والفرج.

٦ ـ وبإسناده قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ثلاث أخافهن على أمتي من بعدي الضلالة بعد المعرفة ومضلات الفتن وشهوة البطن والفرج.

_________________________________________

الحديث الثالث : ضعيف ، ويمكن حملالعفاف هنا على ما يشمل ترك جميع المحرمات.

الحديث الرابع : صحيح ، والاجتهاد بذل الوسع في طلب الأمر والمراد هنا المبالغة في الطاعة.

الحديث الخامس : ضعيف على المشهور.

« ما تلج » أي تدخل ، وفي النهاية :الأجوف الذي له جوف ، ومنه الحديث :

أن لا تنسوا الجوف وما وعى ، أي ما يدخل إليه من الطعام والشراب ويجمع فيه ، وقيل : أراد بالجوف القلب وما وعى وحفظ من معرفة الله تعالى ، وقيل : أراد بالجوف البطن والفرج معا ، ومنه الحديث : إن أخوف ما أخاف عليكم الأجوفان.

« وبإسناده » الضمير لعلي أو للسكوني ، وعلى التقديرين المراد به الإسناد


٦ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن بعض أصحابه ، عن ميمون القداح قال سمعت أبا جعفرعليه‌السلام يقول ما من عبادة أفضل من عفة بطن وفرج.

٧ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن الحكم ، عن سيف بن عميرة ، عن منصور بن حازم ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال ما من عبادة أفضل عند الله من عفة بطن وفرج.

باب اجتناب المحارم

١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحسن بن محبوب ، عن داود بن كثير الرقي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في قول الله عز وجل : «وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ »(١) قال من علم أن الله عز وجل يراه ويسمع ما يقوله ويفعله من خير أو شر فيحجزه ذلك عن القبيح من الأعمال فذلك الذي «خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى ».

٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حماد بن عيسى ، عن إبراهيم بن عمر

_________________________________________

السابق وقيل : ليس هذا في نسخة الشهيد الثاني (ره) ، وأقول : قد وقعت الأمة في كل ما خافصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليهم إلا من عصمه الله ، وهم قليل من الأمة.

الحديث السادس : مرسل.

الحديث السابع : صحيح.

باب اجتناب المحارم

الحديث الأول : مختلف فيه صحيح على الأقوى ، وقد مر في آخر باب الخوف والرجاء بأدنى تغيير في المتن مع شرحه.

الحديث الثاني : حسن كالصحيح.

__________________

(١) سورة الرحمن : ٤٦.


اليماني ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال كل عين باكية يوم القيامة غير ثلاث عين سهرت في سبيل الله وعين فاضت من خشية الله وعين غضت عن محارم الله.

٣ ـ علي ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس عمن ذكره ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال فيما ناجى الله عز وجل به موسىعليه‌السلام يا موسى ما تقرب إلي المتقربون بمثل الورع عن محارمي فإني أبيحهم جنات عدن لا أشرك معهم أحدا.

٤ ـ علي [ بن إبراهيم ] ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام بن سالم ، عن أبي عبيدة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال من أشد ما فرض الله على خلقه ذكر الله كثيرا ثم قال لا أعني سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وإن كان منه ولكن

_________________________________________

« في سبيل الله » أي في الجهاد أو الأعم منه ومن السفر إلى الحج والزيارات أو الأعم منها ومن السهر للعبادة ومطالعة العلوم الدينية وهذا أظهر ، وإسناد الفيض إلى العين مجاز يقال : فاض الماء والدمع يفيض فيضا كثر حتى سال ، وغضت على بناء المفعول يقال غض طرفه أي كسره وأطرق ولم يفتح عينه.

الحديث الثالث : مرسل.

« جنات عدن » قال الراغب : أي استقرار وثبات ، وعدن بمكان كذا استقر ومنه المعدن لمستقر الجواهر.

الحديث الرابع : حسن كالصحيح.

« ما فرض الله » أي قرره أعم من الواجب والندب ، ويحتمل الوجوب« وإن كان » أي هذا الذكر اللساني« منه » أي من مطلق الذكر ، لكن الذكر الشديد الذكر عند الطاعة والمعصية ، والذكر اللساني هين بالنسبة إليه ، والحاصل أن الله سبحانه أمر بالذكر ومدحه في مواضع كثيرة من الذكر الحكيم كقوله سبحانه : «اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً »(١) وقوله «وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ

__________________

(١) سورة الأحزاب : ٤١.


ذكر الله عند ما أحل وحرم فإن كان طاعة عمل بها وإن كان معصية تركها.

٥ ـ ابن أبي عمير ، عن هشام بن سالم ، عن سليمان بن خالد قال سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن قول الله عز وجل : «وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً

_________________________________________

الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ »(١) وقوله تعالى : «الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ »(٢) وأصل الذكر التذكر بالقلب ومنه : و «اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ »(٣) أي تذكروا ثم يطلق على الذكر اللساني حقيقة أو من باب تسمية الدال باسم المدلول ثم كثر استعماله فيه لظهوره حتى صار هو السابق إلى الفهم ، فنصعليه‌السلام على إرادة الأول دون الثاني فقط دفعا لتوهم تخصيصه بالثاني ، وإشارة إلى أكمل أفراده.

وقال بعضهم : ذكر اللسان مع خلو القلب عنه لا يخلو من فائدة لأنه يمنعه من التكلم باللغو ، ويجعل لسانه معتادا بالخير ، وقد يلقي الشيطان إليه أن حركة اللسان بدون توجه القلب عبث ينبغي تركه فاللائق بحال الذكر حينئذ أن يحضر قلبه رغما للشيطان ، ولو لم يحضره فاللائق به أن لا يترك ذكر اللسان رغما لأنفه أيضا.

وأن يجيبه بأن اللسان آلة للذكر كالقلب ولا يترك أحدهما بترك الآخر فإن لكل عضو عبادة.

ثم اعلم أن الذكر القلبي من أعظم بواعث المحبة والمحبة أرفع منازل المقربين ، رزقنا الله إياها وسائر المؤمنين.

الحديث الخامس : كالسابق «وَقَدِمْنا » أي عمدنا وقصدنا «إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ » كقري الضعيف وصلة الرحم وإغاثة الملهوف وغيرها «فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً » فلم يبق له أثر والهباء غبار

__________________

(١) سورة الأعراف : ٢٠٧.

(٢) سورة آل عمران : ١٩١.

(٣) سورة البقرة : ١٢١.


مَنْثُوراً »(١) قال أما والله إن كانت أعمالهم أشد بياضا من القباطي ولكن كانوا إذا عرض لهم الحرام لم يدعوه

_________________________________________

في شعاع الشمس الطالع من الكوة من الهبوة وهو الغبار ، والقباطي بالفتح جمع القبطية بالكسر ثياب بيض رقاق من كتان تتخذ بمصر وقد يضم لأنهم يغيرون في النسبة ، وفي المصباح القبطي بالضم من كتان رقيق يعمل بمصر نسبة إلى القبط على غير قياس فرقا بين الإنسان والثوب وثياب قبطية أيضا بالضم والجمع قباطي ، انتهى.

وفيه دلالة على حبط الطاعات بالفسوق وخصه بعض المفسرين بالكفر ولا كلام فيه.

ولنذكر هنا مجملا من معاني الحبط والتكفير والاختلافات الواردة فيه.

اعلم أن الإحباط في عرف المتكلمين عبارة عن إبطال الحسنة بعدم ترتب ما يتوقع منها عليها ويقابلها التكفير وهو إسقاط السيئة بعدم جريان مقتضاها عليها فهو في المعصية نظير الإحباط في الطاعة ، والحبط والتكفير ، وإطلاقهما بهذين اللفظين وبما يساوقهما كثير في الآيات والأخبار ، وقد اشتهر بين المتكلمين أن الوعيدية من المعتزلة وغيرهم يقولون بالإحباط والتكفير دون من سواهم من الأشاعرة وغيرهم وهذا على إطلاقه غير صحيح فإن أصل الإحباط والتكفير مما لا يمكن إنكاره لأحد من المسلمين كما ظهر مما تلونا عليك فلا بد أن يحرر مقصود كل طائفة ليتبين ما هو الحق.

فنقول : لا خلاف بين من يعتد به من أهل الإسلام في أن كل مؤمن صالح يدخل الجنة خالدا فيها حقيقة ، وكل كافر يدخل النار خالدا فيها كذلك ، وأما المؤمن الذي خلط عملا صالحا بعمل غير صالح فاختلفوا فيه فذهب بعض المرجئة إلى أن الإيمان يحبط الزلات فلا عقاب على زلة مع الإيمان ، كما لا ثواب لطاعة مع

__________________

(١) سورة الفرقان : ٢٣.


...........................................................................

_________________________________________

الكفر ، وذهب الآخرون إلى ثبوت الثواب والعقاب في حقه ، أما المعتزلة فبعنوان الاستحقاق المعلوم عقلا باعتبار الحسن والقبح العقليين ، وشرعا باعتبار الآيات الدالة عليه من الوعد والوعيد ، وأما الأشاعرة فبعنوان الاتفاق يقولون : أنه لا يجب على الله شيء فلا يستحق المكلف ثوابا منه تعالى فإن أثابه فبفضله وإن عاقبه فبعدله ، بل له أثابه العاصي وعقاب المطيع أيضا ، وبالجملة قول المعتزلة في المؤمن الخارج من الدنيا بغير توبة عن كبيرة ارتكبها أنه استحق الخلود في النار لكن يكون عقابه أخف من عقاب الكفار أما مطلق الاستحقاق فلما عرفت وأما خصوص الخلود فللعمومات المتداولة عند غيرهم بتخصيصها بالكفار أو بحمل الخلود على المكث الطويل لقوله تعالى : «وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها »(١) وقوله : «وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها »(٢) فلهذا حكموا بأن كبيرة واحدة تحبط جميع الطاعات فإن الخلود الموعود مستلزم لذلك.

هذا قول جمهورهم في أصل الإحباط.

ثم إن الجبائيين أبا علي وابنه أبا هاشم منهم على ما نقل عنهما الآمدي ذهبا إلى اشتراط الكثرة في المحبط بمعنى أن من زادت معاصيه على طاعاته أحبطت معاصيه طاعاته وبالعكس ، لكنهما اختلفا فقال أبو علي : ينحبط الناقص برمته من غير أن ينتقص من الزائد شيء ، وقال أبو هاشم : بل ينتقص من الزائد أيضا بقدره ويبقى الباقي.

إذا عرفت هذا فاعلم أن ما ذكره أكثر أصحابنا من نفي الإحباط والتكفير مع ورود الآيات الكثيرة والأخبار المستفيضة بل المتواترة بالمعنى في كل منهما مما يقضي منه العجب ، مع أنه ليس لهم على ذلك إلا شبه ضعيفة مذكورة في كتب

__________________

(١) سورة الجنّ : ٢٣.

(٢) سورة النساء : ١٤.


...........................................................................

_________________________________________

الكلام كالتجريد وغيره ، لكن بعد التأمل والتحقيق يظهر أن الذي ينفونه منهما لا ينافي ظواهر الآيات والأخبار كثيرا بل يرجع إلى مناقشة لفظية لأنهم قائلون بأن التوبة ترفع العقاب وأن الموت على الكفر تبطل ثواب جميع الأعمال ، لكن الأكثر يقولون ليس هذا بالإحباط ، بل باشتراط الموافاة على الإيمان في استحقاق الثواب على القول بالاستحقاق ، وفي الوعد بالثواب علي القول بعدم الاستحقاق ، وكذا يمكنهم القول بأحد الأمرين في المعاصي التي وردت أنها حابطة لبعض الحسنات من غير قول بالحبط بأن يكون الاستحقاق أو الوعد مشروطا بعدم صدور تلك المعصية وأما التوبة والأعمال المكفرة فلا حاجة إلى ارتكاب أمثال ذلك فيها إذ في تجويز التفضل والعفو كما هو مذهبنا غنى عنها ، وأيضا لا نقول بإذهاب كل معصية كل طاعة وبالعكس كما ذهب إليه المعتزلة ، بل نتبع في ذلك النصوص الواردة في ذلك فكل معصية وردت في الكتاب أو في الآثار الصحيحة أنها ذاهبة أو منقصة لثواب جميع الحسنات وبعضها نقول به وبالعكس ، تابعين للنص في جميع ذلك.

ومن أصحابنا من لم يقل بالموافاة ولا بالإحباط بل يقول كل من الإيمان والكفر يتحقق بتحقق شروطه المقارنة ، وليس شيء من استحقاق الثواب والعقاب مشروطا بشرط متأخر ، بل إن تحقق الإيمان تحقق استحقاق الثواب وإن تحقق الكفر تحقق معه استحقاق العقاب ، فإن كفر بعد الإيمان كان كفره اللاحق كاشفا عن أنه لم يكن مؤمنا سابقا ولم يكن مستحقا للثواب عليه ، وإطلاق المؤمن عليه بمحض اللفظ وبحسب الظاهر ، وإن آمن أحد بعد الكفر زال كفره الأصلي بالإيمان اللاحق ، وسقط استحقاقه العقاب لعفو الله تعالى لا بالإحباط ولا لعدم الموافاة كما يقول الآخرون.

وتفصيل هذا المطلب وتنقيحه يحتاج إلى إيراد مقاصد :

الأول : أن النافين للحسن والقبح لا يثبتون استحقاق شيء من الثواب والعقاب بشيء من الأعمال ، بل المالك للعباد عندهم قادر على الثواب والعقاب ومالك للتصرف


...........................................................................

_________________________________________

فيهم كيف شاء ، وليس من شأن فعله في خلقه استحقاق الذم بل ولا المدح وكلاهما اصطلاح ومواضعة من الشارع ، وأما المثبتون لهما فلا كلام عندهم في استحقاق العقاب نعم ربما قيل بعدم استقلال العقل فيه ضرورة أو نظرا وأما الثواب فعند بعضهم أنه مما يستحقه العبد بطاعته ، وإليه يذهب جماعة من أصحابنا ويحتجون لذلك بأن إلزام المشقة بدون التزام نفع في مقابله قبيح ، وربما يوجه عليه أن التزام النفع في مقابله إنما يلزم لو لم يسبق النعم عليه بما يحسن إلزام المشقة بإزائها والفرق بين النفع المستقبل والنعمة الماضية تحكم وربما كفى في إلزام المشقة حسن العمل الشاق ولم نحتج في حسن الإلزام إلى أزيد منه ، ولهذا ذهب بعض أصحابنا وغيرهم إلى أن الثواب تفضل ووعد منه تعالى بدون استحقاق للعبد ، وهو الظاهر من كلام أكثر أصحابنا رضوان الله عليهم ، ويدل عليه كثير من الأخبار والأدعية.

الثاني : أن الثواب والعقاب هل يجب دوامهما أم لا فذهب المعتزلة إلى الأول وطريقه العقل عندهم ، والصحيح عند أصحابنا أنه لا يجب عقلا ، وأما شرعا فالثواب دائم وكذا عقاب الكفر إجماعا من المسلمين إلا ما نقل من شذاذ من المتصوفين الذين لا يعدون من المسلمين ، وأما عقاب العاصي فمنقطع ويكفي هنا عدم وجدان طريق عقلي إلى دوامهما ، وفي عبارة التجريد في هذا المطلب تناقض يحتاج إلى تكلف تام في دفعه.

الثالث : أن الإحباط بالمعنى الذي ذكرناه من إفناء كل من الاستحقاقين للآخر أو المتأخر للمتقدم باطل عند أصحابنا ، ومذهب أبي علي وهو بقاء المتأخر وفناء المتقدم مناف للنصوص الكثيرة المتضمنة لعدم تضييع العمل ، وأما مذهب أبي هاشم فلا ينافي ظواهر النصوص لأنه إذا أفنى المتقدم المتأخر أيضا فليس بضائع ولا مما لم يره العامل ، لكن الظاهر أن ما ذهب إليه من إبطاله له من جهة المنافاة بينهما فليس بصحيح ، إذ لا منافاة عقلا بين الثواب والعقاب واستحقاقهما ، بل يكاد


...........................................................................

_________________________________________

العقل يجزم بعدم مساواة من أعقب كثيرا من الطاعة بقليل من المعصية مع من اكتفى بالفضل بينهما حسب ، وعدم مساواة من أعقب أحدهما بما يساوي الآخر مع من لم يفعل شيئا.

ثم إنه يمكن أن يسقط العقاب المتقدم عند الطاعة المتأخرة وعلى سبيل العفو وهو إسقاط الله تعالى ما يستحقه على العبد من العقوبة وهو الظاهر من مذاهب أصحابنا رضي الله عنهم ، وأما الثواب فلا يتصور فيه ذلك ، ويمكن أن يكون الوعد بالثواب على الطاعة المتقدمة أو استحقاقه مشروطا بعدم معاقبة المعصية لها كما يشترط ثواب الإيمان والطاعات بالموافاة على الإيمان بأن يموت مؤمنا عند كثير من أصحابنا.

لكن ذلك الاشتراط ليس بعام لجميع المعاصي بل مخصوص بمقتضى النصوص ببعضها ، وليس كلما ورد بطلان الطاعة بسببه مما يقطع باشتراط الثواب به لأن كلا منها أخبار آحاد لا تفيد القطع ، نعم ربما حصل القطع بأن شيئا من تلك المعاصي يشترط استمرار انتفائه لاستحقاق الثواب أو هو شرط في الوعد به.

والفرق بين هذا وبين الإحباط ظاهر من وجوه :

الأول : أن إبطال الثواب في الإحباط من حيث التضاد عقلا بين الاستحقاقين وهيهنا من جهة اشتراطه شرعا بنفي المعصية.

الثاني : أن المنافاة هناك بين الاستحقاقين فلو لم يحصل استحقاق العقاب لانتفاء شرطه لم يحصل الإحباط وهيهنا بنفس المعصية ينتفي الثواب ، أو استحقاقه إن ثبت وكان مستمرا وإن توقف أصل الاستحقاق على استمرار النفي لم يحصل أصلا وإنما يحصل في موضع الحصول بالموت ، ولا يختلف الحال باستحقاق العقاب على تلك المعصية لاستجماع شرائطه وعدمه لفقد شيء منه كمنع الله تعالى لطفا معلوما عن المكلف ، وكما لو أعلم الله تعالى المكلف أنه يغفر له ويعفو عن جميع معاصيه فكان مغريا له بالقبيح ، وكما لو لم يقع فعل القبيح ولا الإخلال بالواجب عن المكلف على سبيل


...........................................................................

_________________________________________

إيثاره على فعل الواجب والامتناع من القبيح ، بل وقع لا على وجه الإيثار فإن العاصي في جميع هذه الصور يستحق ذما ، ولا يستحق عقابا عند أبي هاشم ومن يحذو حذوه وعلى تقدير الاشتراط باستمرار انتفاء المعصية ينتفي استحقاق الثواب وعلى تقدير الإحباط لا ينتفي.

الثالث : أن التوبة على مذهب الإحباط يمنع من الإحباط وعلى ما ذكرنا لا يمنع من الإحباط ، نعم لو كان الشرط استمرار انتفاء المعصية أو الموافاة بالتوبة من المعصية دون استمرار انتفائها فقط منع من الإحباط كمذهب القائلين به.

الثالث : أن التوبة على مذهب الإحباط يمنع من الإحباط وعلى ما ذكرنا لا يمنع من إحباط ، نعم لو كان الشرط استمرار انتفاء المعصية أو الموافاة بالتوبة من المعصية دون استمرار انتفائها فقط منع من الإحباط كمذهب القائلين به.

الرابع : أن هذا يجري في مذهب النافين للاستحقاق دون الإحباط ، وهذا الذي ذكرناه وإن لم يكن مذهبا صريحا لأصحابنا إلا أن من يذهب إلى الموافاة لا بدله من تجويزه وبه يجمع بين نفي الإحباط كما تقتضيه الأدلة بزعمهم وبين الآيات وكثير من الروايات الدالة على أن بعضا من المعاصي يبطل الأعمال السابقة ويمكن القول بمثل هذا في المعاصي بأن يكون استحقاق العقاب عليها أو استمراره مشروط بعدم بعض الطاعات في المستقبل ، فيأول ما يتضمن شبه هذا المعنى من الروايات به لكن عدم استحقاق العقاب بتعمد معصية الله تعالى وتوقفه على أمر منتظر بعيد ، وكذلك انقطاع استمراره وفي العفو مندوحة عنه ، والكلام فيه كالكلام في التوبة وهو ظاهر النصوص.

وفي كلام الشارح العلامة الحليقدس‌سره في شرح التجريد عند قول المصنف (ره) : وهو مشروط بالموافاة « إلخ » ما يدل على أن في المعتزلة من يقول باشتراط الطاعات بالمعاصي المتأخرة وبالعكس ، وظاهره أنه حمل كلام المصنف على هذا المعنى فيكون قائلا بالموافاة في الطاعات باشتراطه بانتفائه الذنب في المستقبل ، وفي المعاصي باشتراطه بعدم الطاعة الصالحة للتكفير في المستقبل إلا أني لم أقف على


...........................................................................

_________________________________________

قائل به من الأصحاب صريحا ، وكلام التجريد ليس بصريح إلا في الموافاة بالإيمان.

الرابع :(١) أن العفو مطلقا سواء كانت المعصية مما تاب المكلف منها أو لا وسواء كانت صغيرة مكفرة أو كبيرة غير واقع بالسمع عند جميع المعتزلة وذهب بعضهم وهم البغداديون منهم إلى أنه قبيح عقلا والسمع أكده ، والبصريون إلى جوازه عقلا وإنما المانع منه السمع فمزيل العقاب عندهم منحصر في أمرين أحدهما التوبة ، والثاني التكفير بالثواب ، وذلك عند من قال بأن التوبة إنما تسقط العقاب لكونه ندما على المعصية ، وإما عند من قال أنه يسقط لكثرة الثواب فالمزيل منحصر في أمر واحد هو الإحباط فتوهم غير هذا باطل ، ودعوى الاتفاق على العفو من الصغائر عند اجتناب الكبائر ، ومن الذنوب مطلقا عند التوبة كما وقع من الشارح الجديد للتجريد مضمحل عند التحقيق كما ذكره بعض الأفاضل.

قال صاحب الكشاف في تفسير قوله تعالى : «إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ »(٢) نمط ما تستحقونه من العقاب في كل وقت على صغائركم ، ونجعلها كان لم تكن لزيادة الثواب المستحق على اجتنابكم الكبائر وصبركم عنها على عقاب السيئات ، وأما إسقاط التوبة للعقاب ففيه ثلاث مذاهب : « الأول » أنها تسقطه على سبيل الوجوب عند اجتماع شرائطها لكونها ندما على المعصية كما أن الندم على الطاعة يحبطها لكونه ندما عليها مع قطن النظر عن استتباعها الثواب والعقاب الثاني : أنها تسقطه على سبيل الوجوب ، لا لكونها ندما عليها ، بل لاستتباعها ثوابا كثيرا ، الثالث : أنها لا تسقطه وإنما تسقط العقاب عندها ، لأنها على سبيل العفو دون الاستحقاق ، وهذه المذاهب مشهورة مسطورة في كتب الكلام.

وأقول : بهذا التفصيل الذي ذكر ارتفع التشنيع واللوم عن محققي أصحابنا

__________________

(١) أي الرابع من المقاصد.

(٢) سورة النساء : ٣١.


٦ ـ علي ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من ترك معصية لله مخافة الله تبارك وتعالى أرضاه الله يوم القيامة.

باب

أداء الفرائض

١ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد وعلي بن إبراهيم ، عن أبيه جميعا ، عن ابن محبوب ، عن أبي حمزة الثمالي قال قال علي بن الحسين صلوات الله عليه من عمل بما افترض الله عليه فهو من خير الناس.

_________________________________________

رضوان الله عليهم بمخالفتهم للآيات المتظافرة والروايات المتواترة ، وأن الإحباط والتكفير بالمعنى الذي هو المتنازع فيه بين أصحابنا وبين المعتزلة نفيهما لا ينافي شيئا من ذلك وإنما أطنبنا الكلام في هذا المقام لأنه من مهمات المسائل الكلامية ، ومن تعرض لتحقيقه لم يستوف حقه ، والله الموفق.

الحديث السادس : ضعيف على المشهور.

ويمكن تعميم المعصية ليشمل ترك الطاعة أيضا ، وعدم ذكر ما يرضيه به لتفخيمه إيماء إلى أن عقل البشر لا يصل إلى كنه حقيقته كما قال سبحانه : «وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ »(١) .

باب أداء الفرائض

الحديث الأول : حسن كالصحيح.

« فهو من خير الناس » ليس من في بعض النسخ فالخيرية إضافية بالنسبة إلى من يأتي بالمستحبات ، ويترك بعض الفرائض.

__________________

(١) سورة التوبة : ٧٢.


٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حماد بن عيسى ، عن الحسين بن المختار ، عن عبد الله بن أبي يعفور ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في قول الله عز وجل : «اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا »(١) قال اصبروا على الفرائض.

٣ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن عبد الرحمن بن أبي نجران ، عن حماد بن عيسى ، عن أبي السفاتج ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في قول الله عز وجل : «اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا » قال «اصْبِرُوا » على الفرائض «وَصابِرُوا » على المصائب «وَرابِطُوا »

_________________________________________

الحديث الثاني : حسن أو موثق.

الحديث الثالث : ضعيف على المشهور وآخره مجهول.

«اصْبِرُوا » قال الطبرسي (ره) : اختلف في معناها على وجوه :

أحدها : أن المعنى فاصبروا على دينكم أي اثبتوا عليه وصابروا الكفار ورابطوهم في سبيل الله فالمعنى اصبروا على طاعة الله سبحانه وعن معاصيه ، وقاتلوا العدو «وَصابِرُوا » على قتالهم في الحق كما يصبرون على قتالكم في الباطل لأن الرباط هو المرابطة فيكون بين اثنين يعني أعدوا لهم من الخيل ما يعدونه لكم.

وثانيها : أن المراد اصبروا على دينكم وصابروا وعدي إياكم ، ورابطوا عدوي وعدوكم.

وثالثها : أن المراد اصبروا على الجهاد ، وقيل : إن معنى رابطوا رابطوا الصلوات ، ومعناه انتظروها واحدة بعد واحدة ، لأن المرابطة لم تكن حينئذ روي ذلك عن عليعليه‌السلام ، وروي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه سئل عن أفضل الأعمال فقال : إسباغ الوضوء في السبرات ، ونقل الأقدام إلى الجماعات ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط.

وروي عن أبي جعفرعليه‌السلام أنه قال : معناه اصبروا على المصائب وصابروا على عدوكم ورابطوا عدوكم وهو قريب من الأول ، انتهى.

« على الفرائض » يحتمل شمولها لترك المحرمات أيضا« وصابروا على المصائب »

__________________

(١) سورة آل عمران : ٢٠٠.


على الأئمةعليهم‌السلام .

وفي رواية ابن محبوب ، عن أبي السفاتج وزاد فيه فاتقوا الله ربكم فيما افترض عليكم.

٤ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله اعمل بفرائض الله تكن أتقى الناس.

٥ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن فضال ، عن أبي جميلة ، عن محمد الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال الله تبارك وتعالى ما تحبب إلي عبدي بأحب مما افترضت عليه.

باب

استواء العمل والمداومة عليه

١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حماد ، عن الحلبي قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام إذا كان الرجل على عمل فليدم عليه سنة ثم يتحول عنه إن

_________________________________________

لعل صيغة المفاعلة على هذا الوجه للمبالغة لأن ما يكون بين الاثنين يكون الاهتمام فيه أشد أو لأن فيه معارضة النفس والشيطان ، وكذاقوله : رابطوا يحتمل الوجهين لأن المراد به ربط النفس على طاعتهم وانقيادهم وانتظار فرجهم مع أن في ذلك معارضة لعدوهم« فيما افترض عليكم » من فعل الواجبات وترك المحرمات.

الحديث الرابع : ضعيف على المشهور وقد مر الكلام فيه.

الحديث الخامس : ضعيف والتحبب جلب المحبة وإظهارها والأول أنسب ، ولو لم تكن الفرائض أحب إليه تعالى لما افترضه.

باب استواء العمل والمداومة عليه

الحديث الأول : حسن كالصحيح.

« ثم يتحول عنه إنشاء » إلى غيره من الطاعات لا أن يتركه بغير عوض« يكون »


شاء إلى غيره وذلك أن ليلة القدر يكون فيها في عامه ذلك ما شاء الله أن يكون.

٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حماد بن عيسى ، عن حريز ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال قال أحب الأعمال إلى الله عز وجل ما داوم عليه العبد وإن قل.

٣ ـ أبو علي الأشعري ، عن عيسى بن أيوب ، عن علي بن مهزيار ، عن فضالة بن أيوب ، عن معاوية بن عمار ، عن نجبة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال ما من شيء أحب إلى الله عز وجل من عمل يداوم عليه وإن قل.

_________________________________________

خبر أن و« فيها » خبر يكون ، والضمير راجع إلى الليلة وقوله : ما شاء الله أن يكون ، اسم يكون ، وقوله : في عامه متعلق بيكون أو حال عن الليلة ، والحاصل أنه إذا داوم سنة يصادف ليلة القدر التي يكون فيها ما شاء الله كونه من البركات والخيرات والمضاعفات ، فيصير له هذا العمل مضاعفا مقبولا ، ويحتمل أن يكون الكون بمعنى التقدير أو يقدر مضاف في ما شاء الله ، فالمعنى لما كان تقدير الأمور في ليلة القدر ، فإذا صادفها يصير سببا لتقدير الأمور العظيمة له ، وكون العمل في اليوم لا ينافي ذلك فإنه قد ورد أن يومها مثل الليلة في الفضل ، وقيل : المستتر في تكون لليلة القدر ، وضمير فيها للسنة ، وفي عامة بتشديد الميم متعلق بتكون أو بقوله فيها ، والمراد بالعامة المجموع ، والمشار إليه بذلك مصدر فليدم ، والمراد زمان الدوام ، وما شاء الله بدل بعض للعامة ، والحاصل أنه يكون فيه ليلة القدر ، سواء وقع أو له أو وسطه أو آخره ، وما ذكرنا أظهر.

الحديث الثاني : حسن كالصحيح ، ويدل على أن العمل القليل الذي يداوم عليه خير من عمل كثير يفارقه ويتركه كما قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : قليل من عمل يدوم عليه خير من كثير من عمل مملول ، أي يمل منه.

الحديث الثالث : مجهول.


٤ ـ عنه ، عن فضالة بن أيوب ، عن معاوية بن عمار ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال كان علي بن الحسين صلوات الله عليه يقول إني لأحب أن أداوم على العمل وإن قل.

٥ ـ عنه ، عن فضالة بن أيوب ، عن العلاء ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال كان علي بن الحسين صلوات الله عليه يقول إني لأحب أن أقدم على ربي وعملي مستو.

٦ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن محمد بن إسماعيل ، عن جعفر بن بشير ، عن عبد الكريم بن عمرو ، عن سليمان بن خالد قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام إياك أن تفرض على نفسك فريضة فتفارقها اثني عشر هلالا.

_________________________________________

الحديث الرابع : كالسابق.

الحديث الخامس : كالسابق.

« وعملي مستو » كان المراد بالاستواء الاشتراك في الكمال وعدم النقص ، فلا ينافي ما روي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من استوى يوماه فهو مغبون ، ويمكن أن يكون المراد الاستواء في الترقي فإن من كان كل يوم منه أزيد من السابق فعمله مستو للاشتراك في هذا المعنى ، أو يكون المراد بأحدهما الكيفية وبالأخرى الكمية.

الحديث السادس : موثق.

« أن تفرض على نفسك » أي تقرر عليها أمرا من الطاعات لا على سبيل النذر فإنه لا تجوز مفارقته بعد السنة أيضا ، ويحتمل شموله للنذر القلبي أيضا فإن الوفاء به مستحب أيضا.


باب

العبادة

١ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن محبوب ، عن عمر بن يزيد ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال في التوراة مكتوب يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى ولا أكلك إلى طلبك وعلي أن أسد فاقتك وأملأ قلبك خوفا مني وإن لا تفرغ لعبادتي أملأ قلبك شغلا بالدنيا ثم لا أسد فاقتك وأكلك إلى طلبك.

٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن أبي جميلة قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام قال الله تبارك وتعالى يا عبادي الصديقين تنعموا بعبادتي في الدنيا فإنكم

_________________________________________

باب العبادة

الحديث الأول : صحيح.

« تفرغ لعبادتي » في القاموس تفرغ تخلى من الشغل ، أي اجعل نفسك وقلبك فارغا عن أشغال الدنيا وشهواتها وعلائقها ، واللام للتعليل أو للظرفية« أملأ قلبك غنى » أي عن الناس وعلي بتشديد الياء والجملة حالية ، وربما يقرأ بالتخفيف عطفا على أملأ بحسب المعنى لأنه في قوة على أن أملأ والأول أظهر« وإن لا تفرغ » إن للشرط ولا نافية وأكلك بالجزم.

الحديث الثاني : ضعيف.

« تنعموا بعبادتي » الظاهر أن الباء صلة فإن الصديقين والمقربين يلتذون بعبادة ربهم ويتقون بها وهي عندهم أعظم اللذات الروحانية ، وقيل : الباء سببية فإن العبادة سبب الرزق كما قال تعالى : «وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً »(١) وهو

__________________

(١) سورة الطلاق : ٢.


تتنعمون بها في الآخرة.

٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن عمرو بن جميع ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أفضل الناس من عشق العبادة فعانقها وأحبها بقلبه وباشرها بجسده وتفرغ لها فهو لا يبالي على ما أصبح من الدنيا على عسر أم على يسر.

_________________________________________

بعيد« فإنكم تتنعمون بها » أي بأصل العبادة فإنها أشهى عندهم من اللذات الجسمانية فهم يعبدون للذة لا للتكليف ، كما أن الملائكة طعامهم التسبيح وشرابهم التقديس أو بسببها أو بقدرها أو بعوضها والأول أظهر.

الحديث الثالث : كالسابق.

وعشق من باب تعب ، والاسم العشق وهو الإفراط في المحبة أي أحبها حبا مفرطا من حيث كونه وسيلة إلى القرب الذي هو المطلوب الحقيقي وربما يتوهم أن العشق مخصوص بمحبة الأمور الباطلة فلا يستعمل في حبه سبحانه وما يتعلق به ، وهذا يدل على خلافه وإن كان الأحوط عدم إطلاق الأسماء المشتقة منه على الله تعالى بل الفعل المشتق منه أيضا بناء على التوقيف ، قيل : ذكرت الحكماء في كتبهم الطبية أن العشق ضرب من الماليخوليا والجنون والأمراض السوداوية وقرروا في كتبهم الإلهية أنه من أعظم الكمالات والسعادات وربما يظن أن بين الكلامين تخالفا وهو من واهي الظنون ، فإن المذموم هو العشق الجسماني الحيواني الشهواني والممدوح هو الروحاني الإنساني النفساني ، والأول يزول ويفنى بمجرد الوصال والاتصال ، والثاني يبقى ويستمر أبد الآباد ، وعلى كل حال.

« على ما أصبح » أي على أي حال دخل في الصباح ، أو صار« أم على يسر » فيه دلالة على أن اليسر والمال لا ينافي حبه تعالى وحب عبادته وتفريغ القلب عن غيرها لأجلها ، وإنما المنافي له تعلق القلب به.


٤ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن شاذان بن الخليل قال وكتبت من كتابه بإسناد له يرفعه إلى عيسى بن عبد الله قال قال عيسى بن عبد الله لأبي عبد اللهعليه‌السلام جعلت فداك ما العبادة قال حسن النية بالطاعة من الوجوه التي يطاع الله منها أما إنك يا عيسى لا تكون مؤمنا حتى تعرف الناسخ من المنسوخ قال قلت جعلت فداك وما معرفة الناسخ من المنسوخ قال فقال أليس تكون مع الإمام موطنا نفسك على حسن النية في طاعته فيمضي ذلك الإمام ويأتي إمام آخر

_________________________________________

الحديث الرابع : مرسل.

« حسن النية بالطاعة » كان المعنى أن العبادة الصحيحة المقبولة هي ما يكون مع النية الحسنة الخالصة من شوائب الرياء والسمعة وغيرها ، مع طاعة أئمة الحقعليهم‌السلام وتكون تلك العبادة مأخوذة من الوجوه التي يطاع الله منها أي لا تكون مبتدعة بل تكون مأخوذة عن الدلائل الحقة والآثار الصحيحة أو تكون تلك الطاعة مستندة إلى البراهين الواضحة ليخرج منها طاعة أئمة الضلالة أو المعنى شدة العزم في طاعة من تجب طاعته حال كون تلك الطاعة من الوجوه التي يطاع الله منها ، أي لم تكن مخلوطة ببدعة ولا رياء ولا سمعة وهذا أنسب بما بعده.

وقيل : يعني أن يكون له في طاعة من يعبده نية حسنة ، فإن تيسر له الإتيان بما وافق نيته وإلا فقد أدى ما عليه من العبادة بحسن نيته.

« أليس تكون » هذا المعنى للناسخ والمنسوخ موافق ومؤيد لما ورد في الأخبار في تفسير قوله تعالى : «ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها »(١) أن المراد به ذهاب إمام ونصب إمام بعده فهو خير منه أو مثله وقيل : لعل المراد بهذه الوجوه الأئمة واحد بعد واحد لأنهم الوجوه التي يطاع الله منها لإرشادهم وهدايتهم وبالطاعة الطاعة المعلومة بتعليمهم وإطاعتهم والانقياد لهم وبحسن النية تعلق القلب بها من

__________________

(١) سورة البقرة : ١٠٦.


فتوطن نفسك على حسن النية في طاعته قال قلت نعم قال هذا معرفة الناسخ من المنسوخ.

٥ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن محبوب ، عن جميل ، عن هارون بن خارجة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إن العباد ثلاثة قوم عبدوا الله عز وجل خوفا فتلك عبادة العبيد وقوم عبدوا الله تبارك وتعالى طلب الثواب فتلك عبادة الأجراء وقوم عبدوا الله عز وجل حبا له فتلك عبادة الأحرار وهي أفضل العبادة.

_________________________________________

صميمه بلا منازعة ولا مخاطرة ، ويحتمل أن يراد بالوجوه وجوه العبادات وأنواعها وبحسن النية تخليصها عن شوائب النقص.

الحديث الخامس : حسن كالصحيح.

« العباد ثلاثة » في بعض النسخ هكذا فلا يحتاج إلى تقدير ، وفي بعضها : العبادة ، فيحتاج إلى تقدير إما في العبادة أو ذوو العبادة أو في الأقوام أي عبادة قوم ، وحاصل المعنى أن العبادة الصحيحة المترتبة عليها الثواب والكرامة في الجملة ثلاثة أقسام ، وأما غيرها كعبادة المرائين ونحوها فليست بعبادة ولا داخلة في المقسم« فتلك عبادة العبيد » إذا لعابد فيها شبيه بالعبيد في أنه يطيع السيد خوفا منه ، وتحرزا من عقوبته.

« فتلك عبادة الأجراء » فإنهم يعبدون للثواب كما أن الأجير يعمل للأجر« حبا له » أي لكونه محبا له ، والمحب يطلب رضا المحبوب أو يعبده ليصل إلى درجة المحبين ويفوز بمحبة رب العالمين والأول أظهر.

« فتلك عبادة الأحرار » أي الذين تحرروا من رق الشهوات ، وخلعوا من رقابهم طوق طاعة النفس الأمارة بالسوء الطالبة اللذات والشهوات فهم لا يقصدون في عبادتهم شيئا سوى رضا عالم الأسرار وتحصيل قرب الكريم الغفار ولا ينظرون إلى الجنة والنار ، وكونها أفضل العبادة لا يخفى على أولي الأبصار ، وفي صيغة التفضيل دلالة على أن كلا من الوجهين السابقين أيضا عبادة صحيحة ولها فضل في الجملة فهو حجة على من قال ببطلان عبادة من قصد التحرز عن العقاب أو الفوز بالثواب.


٦ ـ علي ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ما أقبح الفقر بعد الغنى وأقبح الخطيئة بعد المسكنة وأقبح من ذلك العابد لله ثم يدع عبادته.

٧ ـ الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن الوشاء ، عن عاصم بن حميد ، عن أبي حمزة ، عن علي بن الحسينعليه‌السلام قال من عمل بما افترض الله عليه فهو من أعبد الناس.

_________________________________________

الحديث السادس : ضعيف على المشهور.

« ما أقبح الفقر بعد الغناء » لعل المعنى قبحه عند الناس وإن كان ممدوحا عند الله ، أو يكون محمولا على من فعل ذلك باختياره بالإسراف والتبذير أو ترك الكسب وأشباهه ، أو يكون المراد التعيش بعيش الفقراء بعد حصول الغناء على سياققوله عليه‌السلام : وأقبح الخطيئة بعد المسكنة ، فإن الظاهر أن المراد به بيان قبح ارتكاب الخطايا بعد حصول الفقر والمسكنة ، لضعف الدواعي وقلة الآلات والأدوات وإن احتمل أن يكون الغرض بيان قبح الذنوب بعد كونه مبتلى بالفقر والمسكنة فأغناه الله فارتكب بعد ذلك الخطايا لتضمنه كفران النعمة ونسيان الحالة السابقة ، ويحتمل أن يكون المراد بالمسكنة التذلل لله بترك المعصية فيكون أنسب بما قبله وما بعده ، وأقبح مبتدأ أو خبر فالعابد أيضا يحتملهما ، و« ثم يدع » عطف على العابد إذ اللام في اسم الفاعل بمعنى الذي فهو بتقدير الذي يعبد الله ثم يدع.

الحديث السابع : ضعيف على المشهور وقد مر مضمونه.


باب

النية

١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن محبوب ، عن مالك بن عطية ، عن أبي حمزة ، عن علي بن الحسين صلوات الله عليه قال لا عمل إلا بنية.

_________________________________________

باب النية

الحديث الأول : حسن كالصحيح.

« لا عمل إلا بنية » أي لا عمل صحيحة كما فهمه الأكثر إلا بنية ، وخص بالعبادات لأنه لو كان المراد مطلق تصور الفعل وتصور فائدته والتصديق بترتب الغاية عليه وانبعاث العزم من النفس إليه فهذا لازم لكل فعل اختياري ، ومعلوم أنه ليس غرض الشارع بيان هذا المعنى بل لا بد أن يكون المراد بها نية خاصة خالصة بها يصير العمل كاملا أو صحيحا ، والصحة أقرب إلى نفي الحقيقة الذي هو الحقيقة في هذا التركيب فلا بد من تخصيصها بالعبادات لعدم القول باشتراط نية القربة وأمثالها في غيرها ، ولذا استدلوا به وبأمثاله على وجوب النية وتفصيله في كتب الفروع وقد حققناه في كتاب بحار الأنوار وغيره.

وقال المحقق الطوسيقدس‌سره في بعض رسائله : النية هي القصد إلى الفعل وهي واسطة بين العلم والعمل إذ ما لم يعلم الشيء لم يمكن قصده وما لم يقصده لم يصدر عنه ، ثم لما كان غرض السالك العامل الوصول إلى مقصد معين كامل على الإطلاق وهو الله تعالى لا بد من اشتماله على قصد التقرب به وقال بعض المحققين : يعني لا عمل يحسب من عبادة الله تعالى ويعد من طاعته بحيث يصح أن يترتب عليه الأجر في الآخرة إلا ما يراد به التقرب إلى الله تعالى والدار الآخرة أعني يقصد به وجه الله سبحانه أو التوصل إلى ثوابه أو الخلاص من عقابه ، وبالجملة امتثال أمر الله تعالى فيما ندب


...........................................................................

_________________________________________

عباده إليه ووعدهم الأجر عليه وإنما يأجرهم على حسب أقدارهم ومنازلهم ونياتهم ، فمن عرف الله بجماله وجلاله ولطف فعاله فأحبه واشتاق إليه وأخلص عبادته له لكونه أهلا للعبادة ولمحبته له أحبه الله وأخلصه واجتباه وقربه إلى نفسه وأدناه قربا معنويا ودنوا روحانيا كما قال في حق بعض من هذه صفته : «وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ »(١) وقال أمير المؤمنين وسيد الموحدين صلوات الله عليه : ما عبدتك خوفا من نارك ولا طمعا في جنتك ولكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك ، ومن لم يعرف من الله سوى كونه إلها صانعا للعالم قادرا قاهرا عالما وأن له جنة ينعم بها المطيعين ونارا يعذب بها العاصين فعبده ليفوز بجنته أو يكون له النجاة من ناره أدخله الله تعالى بعبادته وطاعته الجنة وأنجاه من النار لا محالة كما أخبر عنه في غير موضع من كتابه ، فإنما لكل امرئ ما نوى.

فلا تصغ إلى قول من ذهب إلى بطلان العبادة إذا قصد بفعلها تحصيل الثواب أو الخلاص من العقاب زعما منه أن هذا القصد مناف للإخلاص الذي هو إرادة وجه الله سبحانه وحده وأن من قصد ذلك فإنما قصد جلب النفع إلى نفسه ودفع الضرر عنها لا وجه الله سبحانه ، فإن هذا قول من لا معرفة له بحقائق التكاليف ومراتب الناس فيها ، فإن أكثر الناس يتعذر منهم العبادة ابتغاء وجه الله بهذا المعنى ، لأنهم لا يعرفون من الله إلا المرجو والمخوف فغايتهم أن يتذكروا النار ويحذروا أنفسهم عقابها ويتذكروا الجنة ويرغبوا أنفسهم ثوابها وخصوصا من كان الغالب على قلبه الميل إلى الدنيا.

فإنه قلما ينبعث له داعية إلى فعل الخيرات لينال بها ثواب الآخرة فضلا عن عبادته على نية إجلال الله عز وجل لاستحقاقه الطاعة والعبودية فإنه قل من

__________________

(١) سورة ص : ٤٠.


...........................................................................

_________________________________________

يفهمها فضلا عمن يتعاطاها والناس في نياتهم في العبادات على أقسام أدناهم من يكون عمله إجابة لباعث الخوف فإنه يتقي النار ، ومنهم من يعمل إجابة لباعث الرجاء فإنه يرغب في الجنة وكل من القصدين وإن كان نازلا بالإضافة إلى قصد طاعة الله وتعظيمه لذاته ولجلالة لا لأمر سواه ، إلا أنه من جملة النيات الصحيحة لأنه ميل إلى الموعود في الآخرة وإن كان من جنس المألوف في الدنيا.

وأما قول القائل إنه ينافي الإخلاص ، فجوابه أنك ما تريد بالإخلاص؟ إن أردت به أن يكون خالصا للآخرة لا يكون مشوبا بشوائب الدنيا والحظوظ العاجلة للنفس كمدح الناس والخلاص من النفقة بعتق العبد ونحو ذلك فظاهر أن إرادة الجنة والخلاص من النار لا ينافيان الإخلاص بهذا المعنى ، وإن أردت بالإخلاص أن لا يراد بالعمل سوى جمال الله وجلاله من غير شوب من حظوظ النفس وإن كان حظا أخرويا فاشتراطه في صحة العبادة متوقف على دليل شرعي وأنى لك به؟ بل الدلائل على ، خلافه أكثر من أن تذكر ، مع أنه تكليف بما لا يطاق بالنسبة إلى أكثر الخلائق لأنهم لا يعرفون الله بجماله وجلاله ، ولا تتأتى منهم العبادة إلا من خوف النار أو للطمع في الجنة.

وأيضا فإن الله سبحانه قد قال «ادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً »(١) «وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً »(٢) فرغب ورهب ووعد وأوعد ، فلو كان مثل هذه النيات مفسدا للعبادات لكان الترغيب والترهيب والوعد والوعيد عبثا بل مخلا بالمقصود.

وأيضا فإن أولياء الله قد يعملون بعض الأعمال للجنة وصرف النار لأن حبيبهم يحب ذلك أو لتعليم الناس إخلاص العمل للآخرة ، إذا كانوا أئمة يقتدى بهم.

هذا أمير المؤمنين سيد الأولياء قد كتب كتابا لبعض ما وقفه من أمواله فصدر

__________________

(١) سورة الأعراف : ٥٦.

(٢) سورة الأنبياء : ٩٠.


...........................................................................

_________________________________________

كتابه بعد التسمية بهذا : هذا ما أوصى به وقضى به في ماله عبد الله على ابتغاء وجه الله تعالى ليولجني به الجنة ويصرفني به عن النار ، ويصرف النار عني يوم تبيض وجوه وتسود وجوه.

فإن لم تكن العبادة بهذه النية صحيحة لم يصلح له أن يفعل ذلك ويلقن به غيره ويظهره في كلامه ، إن قيل : إن جنة الأولياء لقاء الله وقربه ، ونارهم فراقه وبعده ، فيجوز أن يكون أمير المؤمنينعليه‌السلام أراد ذلك؟ قلنا : إرادة ذلك ترجع إلى طلب القرب المعنوي والدنو الروحاني ومثل هذه النية مختص بأولياء الله كما اعترفت به ، فغيرهم لما ذا يعبدون وليس في الآخرة إلا الله والجنة والنار ، فمن لم يكن من أهل الله وأوليائه لا يمكن له أن يطلب إلا الجنة أو يهرب إلا من النار المعهودتين إذ لا يعرف غير ذلك ، وكل يعمل على شاكلته ولما يحبه ويهواه ، غير هذا لا يكون أبدا.

ولعل هذا القائل لم يعرف معنى النية وحقيقتها وأن النية ليست مجرد قولك عند الصلاة ، والصوم أو التدريس أصلي أو أصوم أو أدرس قربة إلى الله تعالى ملاحظا معاني هذه الألفاظ بخاطرك ومتصورا لها بقلبك.

هيهات إنما هذا تحريك لسان وحديث نفس وإنما النية المعتبرة انبعاث النفس وميلها وتوجهها إلى ما فيه غرضها ومطلبها إما عاجلا وإما آجلا ، وهذا الانبعاث والميل إذا لم يكن حاصلا لها لا يمكنها اختراعه واكتسابه بمجرد النطق بتلك الألفاظ وتصور تلك المعاني وما ذلك إلا كقول الشبعان : أشتهي الطعام وأميل إليه قاصدا حصول الميل والاشتهاء ، وكقول الفارغ : أعشق فلانا وأحبه وانقاد إليه وأطيعه ، بل لا طريق إلى اكتساب صرف القلب إلى الشيء وميلة إليه وإقباله عليه إلا بتحصيل الأسباب الموجبة لذلك الميل والانبعاث واجتناب الأمور المنافية لذلك المضادة له فإن النفس


٢ ـ علي ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله نية المؤمن خير من عمله ونية الكافر شر من عمله وكل

_________________________________________

إنما تنبعث إلى الفعل أو تقصده وتميل إليه تحصيلا للغرض الملائم لها بحسب ما يغلب عليها من الصفات.

فإذا غلب على قلب المدرس مثلا حب الشهرة وإظهار الفضيلة وإقبال الطلبة إليه فلا يتمكن من التدريس بنية القربة إلى الله سبحانه. بنشر العلم وإرشاد الجاهلين بل لا يكون تدريسه إلا لتحصيل تلك المقاصد الواهية والأغراض الفاسدة وإن قال بلسانه أدرس قربة إلى الله وتصور ذلك بقلبه وأثبته في ضميره ، وما دام لم يقلع تلك الصفات الذميمة عن قلبه لا عبرة بنيته أصلا.

وكذلك إذا كان قلبك عند نية الصلاة منهمكا في أمور الدنيا والتهالك عليها والانبعاث في طلبها فلا يتيسر لك توجيهه بكليته ، وتحصيل الميل الصادق إليها والإقبال الحقيقي عليها ، بل لا يكون دخولك فيها دخول متكلف لها متبرم بها ويكون قولك أصلي قربة إلى الله كقول الشبعان أشتهي الطعام ، وقول الفارغ : أعشق فلانا مثلا.

والحاصل أنه لا يحصل لك النية الكاملة المعتد بها في العبادات من دون ذلك الميل والإقبال ، وقمع ما يضاده من الصوارف والأشغال ، وهو لا يتيسر إلا إذا صرفت قلبك عن الأمور الدنيوية وطهرت نفسك عن الصفات الذميمة الدنية وقطعت نظرك عن حظوظك العاجلة بالكلية.

وأقول : أمر النية قد اشتبه على كثير من علمائنا رضوان الله عليهم لاشتباهه على المخالفين ولم يحققوا ذلك على الحق واليقين ، وقد حقق شيخنا البهائيقدس‌سره شيئا من ذلك في شرح الأربعين ، وحققنا كثيرا من غوامض إسرارها في كتاب عين الحياة ورسالة العقائد فمن أراد تحقيق ذلك فليرجع إليهما.

الحديث الثاني : ضعيف على المشهور.

« نية المؤمن خير من عمله ، ونية الكافر شر من عمله » هذا الحديث من الأخبار


عامل يعمل على نيته.

_________________________________________

المشهورة بين الخاصة والعامة وقد قيل فيه وجوه :

الأول : أن المراد بنية المؤمن اعتقاده الحق ولا ريب أنه خير من أعماله إذ ثمرته الخلود في الجنة وعدمه يوجب الخلود في النار بخلاف العمل.

الثاني : أن المراد أن النية بدون العمل خير من العمل بدون النية ، ورد بأن العمل بدون نية لا خير فيه أصلا ، وحقيقة التفضيل تقتضي المشاركة ولو في الجملة.

الثالث : ما نقل عن ابن دريد وهو أن المؤمن ينوي خيرات كثيرة لا يساعده الزمان على عملها فكان الثواب المترتب على نياته أكثر من الثواب المترتب على أعماله.

الرابع : ما ذكره بعض المحققين وهو أن المؤمن ينوي أن يوقع عباداته على أحسن الوجوه لأن إيمانه يقتضي ذلك ثم إذا كان يشتغل بها لا يتيسر له ذلك ، ولا يتأتى كما يريد فلا يأتي بها كما ينبغي ، فالذي ينوي دائما خير من الذي يعمل في كل عبادة ، وهذا قريب من المعنى الأول ويمكن الجمع بينهما ويؤيدهما الخبر الثالث والخامس ، وما رواه الصدوق في علل الشرائع بإسناده عن أبي جعفر أنه كان يقول نية المؤمن خير من عمله وذلك لأنه ينوي من الخير ما لا يدركه ، ونية الكافر شر من عمله وذلك لأن الكافر ينوي الشر ويأمل من الشر ما لا يدركه ، ونية الكافر شر من عمله وذلك لأن الكافر ينوي الشر ويأمل من الشر ما لا يدركه ، وبإسناده عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أنه قال له زيد الشحام : إني سمعتك تقول : نية المؤمن خير من عمله فكيف تكون النية خيرا من العمل؟ قال : لأن العمل إنما كان رياء للمخلوقين والنية خالصة لرب العالمين ، فيعطي عز وجل على النية ما لا يعطي على العمل ، قال أبو عبد اللهعليه‌السلام إن العبد لينوي من نهاره أن يصلي بالليل فتغلبه عينه فينام فيثبت الله له صلاته ويكتب نفسه تسبيحا ويجعل نومه صدقة.

الخامس : أن طبيعة النية خير من طبيعة العمل لأنه لا يترتب عليها عقاب أصلا بل إن كانت خيرا أثيب عليها وإن كانت شرا كان وجودها كعدمها بخلاف


...........................................................................

_________________________________________

العمل فإن من يعمل مثقال ذرة خيرا يره. ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره فصح أن النية بهذا الاعتبار خير من العمل. وأقول : يمكن أن يقال هذا في الشر أيضا بناء على أن الكافر يعاقب على نيات الشر وإنما العفو عن المؤمنين.

السادس : أن النية من أعمال القلب وهو أفضل من الجوارح فعمله أفضل من عملها ألا ترى إلى قوله تعالى : «أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي »(١) جعل سبحانه الصلاة وسيلة إلى الذكر والمقصود أشرف من الوسيلة ، وأيضا فأعمال القلب مستورة عن الخلق لا يتطرق إليها الرياء وغيره بخلاف أعمال الجوارح.

السابع : أن المراد أن نية بعض الأعمال الشاقة كالحج والجهاد خير من بعض الأعمال الخفية كتلاوة آية من القرآن والصدقة بدرهم مثلا.

الثامن : ما ذكره السيد المرتضىرضي‌الله‌عنه في الغرر أن لفظة خير ليست اسم تفضيل بل المراد أن نية المؤمن عمل خير من جملة أعماله ، و « من » تبعيضية وبه دفع التنافي بين هذا الحديث وبين ما يروي عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أفضل الأعمال أحمزها ، ويجري هذا الوجه في قوله : ونية الكافر شر من عمله فإن المعنى فيه ليس معنى التفضيل بل المعنى شر من جملة أعماله ، فإن قيل : كيف يصح هذا مع ما ورد في الحديث من أن ابن آدم إذا هم بالحسنة ، كتبت له حسنة وإذا هم بالسيئة لم يكتب عليه شيء حتى يعمل؟ قلنا : قد ذكرنا سابقا أن ظاهر بعض الأخبار أن ذلك مخصوص بالمؤمنين.

التاسع : أن المراد بالنية تأثر القلب عند العمل وانقياده إلى الطاعة وإقباله على الآخرة وانصرافه عن الدنيا وذلك يشتد بشغل الجوارح في الطاعات وكفها عن المعاصي فإن بين الجوارح والقلب علاقة شديدة يتأثر كل منهما بالآخر كما إذا حصل للأعضاء آفة سرى أثرها إلى القلب فاضطرب وإذا تألم القلب بخوف مثلا سرى أثره

__________________

(١) سورة طه : ١٤.


...........................................................................

_________________________________________

إلى الجوارح فارتعدت والقلب هو الأمير المتبوع والجوارح كالرعايا والأتباع ، والمقصود من أعمالها حصول ثمرة للقلب فلا تظن أن في وضع الجبهة على الأرض غرضا من حيث أنه جمع بين الجبهة والأرض بل من حيث أنه بحكم العادة يؤكد صفة التواضع في القلب فإن من يجد في نفسه تواضعا فإذا استعان بأعضائه وصورها بصورة التواضع تأكد بذلك تواضعه ، وأما من يسجد غافلا عن التواضع وهو مشغول القلب بأغراض الدنيا فلا يصل من وضع جبهته على الأرض أثر إلى قلبه بل سجوده كعدمه نظرا إلى الغرض المطلوب منه فكانت النية روح العمل وثمرته والمقصد الأصلي من التكليف به فكانت أفضل ، وهذا الوجه قريب مما ذكره الغزالي في إحيائه وهو أن كل طاعة تنتظم بنية وعمل ، وكل منهما من جملة الخيرات إلا أن النية من الطاعتين خير من العمل ، لأن أثر النية في المقصود أكثر من أثر العمل ، لأن صلاح القلب هو المقصود من التكليف ، والأعضاء آلات موصلة إلى المقصود ، والغرض من حركات الجوارح أن يعتاد القلب إرادة الخير ويؤكد الميل إليه ليتفرغ عن شهوات الدنيا ويقبل على الذكر والفكر ، فبالضرورة يكون خيرا بالإضافة إلى الغرض ، قال الله تعالى : «لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ »(١) والتقوى صفة القلب ، وفي الحديث : أن في الجسد لمضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد.

العاشر : أن نية المؤمن هي الباعثة له على عمل الخير فهي أصل العمل وعلته والعمل فرعها ، لأنه لا يحصل العمل ولا يوجد إلا بتصور المقصود الحقيقي والتصديق بحصوله وانبعاث النفس إليه حتى يشتد العزم ويوجد الفعل فبهذه الجهة هي أشرف وكذا نية الكافر سبب لعمله الخبيث فهي شر منه.

الحادي عشر : أن النية روح العمل ، والعمل بمثابة البدن لها فخيريته وشريته

__________________

(١) سورة الحجّ : ٣٧.


...........................................................................

_________________________________________

تابعتان لخيرية النية وشريتها كما أن شرافة البدن وخباثته تابعتان لشرافة الروح وخباثته ، فبهذا الاعتبار نية المؤمن خير من عمله ونية الكافر شر من عمله.

الثاني عشر : أن نية المؤمن وقصده أو لا هو الله ، وثانيا العمل لأنه يوصل إليه ، ونية الكافر وقصده غيره تعالى وعمله يوصله إليه ، وبهذا الاعتبار صح ما ذكر ، وهذا الوجه وما تقدمه مستفادان من كلام المحقق الطوسيقدس‌سره ، والوجوه المذكورة ربما يرجع بعضها إلى بعض.

وبعد ما أحطت خبرا بما ذكرنا نذكر ما هو أقوى عندنا بعد الإعراض عن الفضول وهو الحق الحقيق بالقبول ، فاعلم أن الإشكالات الناشئة من هذا الخبر إنما هو لعدم تحقيق معنى النية وتوهم أنها تصور الغرض والغاية وإخطارها بالبال ، وإذا حققتها كما أومأنا إليها سابقا عرفت أن تصحيح النية من أشق الأعمال وأحمزها وأنها تابعة للحالة التي النفس متصفة بها ، وكمال الأعمال وقبولها وفضلها منوط. بها ، ولا يتيسر تصحيحها إلا بإخراج حب الدنيا وفخرها وعزها من القلب برياضات شاقة وتفكرات صحيحة ومجاهدات كثيرة ، فإن القلب سلطان البدن وكل ما استولى عليه يتبعه سائر الجوارح ، بل هو الحصن الذي كل حب استولى عليه وتصرف فيه يستخدم سائر الجوارح والقوي ، ويحكم عليها ولا تستقر فيه محبتان غالبتان كما قال الله عز وجل : يا عيسى لا يصلح لسانان في فم واحد ولا قلبان في صدر واحد ، وكذلك الأذهان ، وقال سبحانه : «ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ »(١) فالدنيا والآخرة ضرتان لا يجتمع حبهما في قلب.

فمن استولى على قلبه حب المال لا يذهب فكره وخياله وقواه وجوارحه إلا إليه ولا يعمل عملا إلا ومقصوده الحقيقي فيه تحصيله وإن ادعى غيره كان كاذبا

__________________

(١) سورة الأحزاب : ٤.


...........................................................................

_________________________________________

ولذا يطلب الأعمال التي وعد فيها كثرة المال ولا يتوجه إلى الطاعات التي وعد فيها قرب ذي الجلال ، وكذا من استولى عليه حب الجاه ليس مقصوده في أعماله إلا ما يوجب حصوله ، وكذا سائر الأغراض الباطلة الدنيوية فلا يخلص العمل لله سبحانه وللآخرة إلا بإخراج حب هذه الأمور من القلب وتصفيته عما يوجب البعد عن الحق.

فللناس في نياتهم مراتب شتى بل غير متناهية بحسب حالاتهم ، فمنها ما يوجب فساد العمل وبطلانه ، ومنها ما يوجب صحته ، ومنها ما يوجب كما له ، ومراتب كما له أيضا كثيرة فأما ما يوجب بطلانه فلا ريب في أنه إذا قصد الرياء المحض أو الغالب بحيث لو لم يكن رؤية الغير له لا يعمل هذا العمل أنه باطل لا يستحق الثواب عليه بل يستحق العقاب كما دلت عليه الآيات والأخبار الكثيرة ، وأما إذا ضم إلى القربة غيرها بحيث كان الغالب القربة ولو لم تكن الضميمة يأتي بها ففيه إشكال ولا تبعد الصحة ، ولو تعلق الرياء ببعض صفاته المندوبة كإسباغ الوضوء وتطويل الصلاة فأشد إشكالا ، ولو ضم إليها غير الرياء كالتبريد ففيه أقوال ثالثها التفصيل بالصحة مع كون القربة مقصودة بالذات ، والبطلان مع العكس.

قال في الذكرى : لو ضم إلى النية منافيا فالأقرب البطلان كالرياء والندب في الواجب ، لأن تنافي المرادات يستلزم تنافي الإرادات ، وظاهر المرتضى الصحة بمنى عدم الإعادة لا بمعنى حصول الثواب ، ذكر ذلك في الصلاة المنوي بها الرياء وهو يستلزم الصحة فيها وفي غيرها ، مع ضم الرياء إلى التقرب ، ولو ضم اللازم كالتبرد قطع الشيخ وصاحب المعتبر بالصحة لأنه فعل الواجب وزيادة غير منافية ، ويمكن البطلان لعدم الإخلاص الذي هو شرط الصحة ، وكذا التسخن والنظافة ، انتهى.

وأقول : لو ضم إلى القربة بعض المطالب المباحة الدنيوية فهل تبطل عبادته؟


...........................................................................

_________________________________________

ظاهر جماعة من الأصحاب البطلان ، ويشكل بأن صلوات الحاجة والاستخارة وتلاوة القرآن والأذكار والدعوات المأثورة للمقاصد الدنيوية عبادات بلا ريب ، مع أن تكليف خلو القصد عنها تكليف بالمحال ، والجمع بين الضدين كان يقول أحد : ائت الموضع الفلاني لرؤية الأسد من غير أن يكون غرضك رؤيته ، أو اذهب إلى السوق واشتر المتاع من غير أن تقصد شراء المتاع ، وقد ورد في الأخبار الكثيرة منافع دنيوية للطاعات ككون صلاة الليل سببا لوسعة الرزق ، وكون الحج موجبا للغناء وأمثال ذلك كثيرة ، فلو كانت هذه مخلة بالقربة لكان ذكرها إغراء بالقبيح ، إذ بعد السماع ربما يمتنع تخلية القصد عنها.

نعم يمكن أن تؤول هذه القصود بالأخرة إلى القربة ، كان يكون غرض طالب الرزق صرفه في وجوه البر والتقوى به على الطاعة ، ومن يكون مقصوده من طول العمر تحصيل رضا الرب تعالى ، لكن هذا القصد لا يتحقق واقعا وحقيقة إلا لآحاد المقربين ولا يتيسر لأكثر الناس هذه النية وهذا الغرض إلا بالانتحال والدعاوي الكاذبة ، وتوهم أن الإخطار بالبال نية واقعية وبينهما بعد المشرقين فالظاهر أنه يكفي لكونه طاعة وقربة كونه بأمره سبحانه ، وموافقا لرضاه ومتضمنا لذكره والتوسل إليه وإن كان المقصود تحصيل بعض الأمور المباحة لنيل اللذات المحللة ، وأما النيات الكاملة والأغراض العرية عن المطالب الدنية الدنيوية فهي تختلف بحسب الأشخاص والأحوال ، ولكل منهم نية تابعة لشاكلته وطريقته وحالته ، بل لكل شخص في كل حالة نية تتبع تلك الحالة ، ولنذكر بعض منازلها ودرجاتها :

فالأولى : نية من تنبه وتفكر في شديد عذاب الله وأليم عقابه ، فصار ذلك موجبا لحط الدنيا ولذاتها عن نظره ، فهو يعمل كلما أراد من الأعمال الحسنة ويترك ما ينتهي عنه من الأعمال السيئة خوفا من عذابه.


...........................................................................

_________________________________________

الثانية : نية من غلب عليه الشوق إلى ما أعد الله للمحسنين في الجنة من نعيمها وحورها وقصورها فهو يعبد الله لتحصيل تلك الأمور.

وهاتان نيتان صحيحتان على الأظهر وإن توهم الأكثر بطلان العبادة بهما ، لغفلتهم عن معنى النية كما عرفت.

والعجب أن العلامة (ره) ادعى اتفاق العدلية على أن من فعل فعلا لطلب الثواب أو خوف العقاب فإنه لا يستحق بذلك ثوابا.

وأقول : لهاتين النيتين أيضا مراتب شتى بحسب اختلاف أحوال الناس ، فإن من الناس من يطلب الجنة لحصول مشتهياته الجسمانية فيه ، ومنهم من يطلبها لكونها دار كرامة الله ومحل قرب الله ، وكذا منهم من يهرب من النار لألمها ، ومنهم من يهرب منها لكونها دار البعد والهجران والحرمان ، ومحل سخط الله كما قال أمير المؤمنينعليه‌السلام في الدعاء الذي علمه كميل بن زياد النخعي : فلئن صيرتني في العقوبات مع أعدائك ، وجمعت بيني وبين أهل بلائك ، وفرقت بيني وبين أحبائك وأوليائك فهبني يا إلهي وسيدي صبرت على عذابك فكيف أصبر على فراقك ، وهبني صبرت على حر نارك فكيف أصبر عن النظر إلى كرامتك ، إلى آخر ما ذكر في هذا الدعاء المشتمل على جميع منازل المحبين ودرجات العارفين.

فظهر أن هاتين الغايتين وطلبهما لا تنافيان درجات المقربين.

الثالثة : نية من يعبد الله تعالى شكرا له فإنه يتفكر في نعم الله التي لا تحصى عليه ، فيحكم عقله بأن شكر المنعم واجب فيعبده لذلك ، كما هو طريقة المتكلمين ، وقد قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه : أن قوما عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار ، وإن قوما عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد ، وإن قوما عبدوا الله شكرا فتلك عبادة الأحرار.


...........................................................................

_________________________________________

الرابعة : نية من يعبده حياءا فإنه يحكم عقله بحسن الحسنات وقبح السيئات ويتذكر أن الرب الجليل مطلع عليه في جميع أحواله فيعبده ويترك معاصيه لذلك وإليه يشير قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

الخامسة : نية من يعبده تقربا إليه تعالى تشبيها للقرب المعنوي بالقرب المكاني ، وهذا هو الذي ذكره أكثر الفقهاء ولم أر في كلامهم تحقيق القرب المعنوي ، فالمراد إما القرب بحسب الدرجة والكمال إذ العبد لا مكانه في غاية النقص عار عن جميع الكمالات ، والرب سبحانه متصف بجميع الصفات الكمالية فبينهما غاية البعد فكلما رفع عن نفسه شيئا من النقائص واتصف بشيء من الكمالات حصل له قرب ما بذلك الجناب ، أو القرب بحسب التذكر والمصاحبة المعنوية ، فإن من كان دائما في ذكر أحد ومشغولا بخدماته فكأنه معه وإن كان بينهما غاية البعد بحسب المكان ، وفي قوة هذه النية إيقاع الفعل امتثالا لأمره تعالى أو موافقة لإرادته أو انقيادا وإجابة لدعوته ، أو ابتغاء لمرضاته ، فهذه النيات التي ذكرها أكثر الأصحاب وقالوا لو قصد الله مجردا عن جميع ذلك كان مجزيا فإنه تعالى غاية كل مقصد وإن كان يرجع إلى بعض الأمور السالفة.

السادسة : نية من عبد الله لكونه أهلا للعبادة وهذه نية الصديقين كما قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : ما عبدتك خوفا من نارك ولا طمعا في جنتك ولكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك ، ولا تسمع هذه الدعوى من غيرهم ، وإنما يقبل ممن يعلم منه أنه لو لم يكن لله جنة ولا نار بل لو كان على الفرض المحال يدخل العاصي الجنة والمطيع النار لاختار العبادة لكونه أهلا لها ، كما أنهم في الدنيا اختاروا النار لذلك فجعلها الله عليهم بردا وسلاما ، وعقوبة الأشرار فجعلها الله عندهم لذة وراحة ونعيما.

السابعة : نية من عبد الله حبا له ، ودرجة المحبة أعلى درجات المقربين ،


...........................................................................

_________________________________________

والمحب يختار رضا محبوبة ولا ينظر إلى ثواب ولا يحذر من عقاب ، وحبه تعالى إذا استولى على القلب يطهره عن حب ما سواه ، ولا يختار في شيء من الأمور إلا رضا مولاه ، كما روى الصدوق (ره) بإسناده عن الصادقعليه‌السلام أنه قال أن الناس يعبدون الله على ثلاثة أوجه فطبقة يعبدونه رغبة في ثوابه فتلك عبادة الحرصاء وهو الطمع ، وآخرون يعبدونه فرقا من النار فتلك عبادة العبيد وهي رهبة ، ولكني أعبده حباله عز وجل فتلك عبادة الكرام وهو الأمن ، لقوله عز وجل : «وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ »(١) ولقوله عز وجل : «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ »(٢) فمن أحب الله أحبه الله ، ومن أحبه الله عز وجل كان من الآمنين.

وفي تفسير الإمامعليه‌السلام قال علي بن الحسينعليه‌السلام : إني أكره أن أعبد الله لأغراض لي ولثوابه ، فأكون كالعبد الطمع المطمع ، إن طمع عمل وإلا لم يعمل ، وأكره أن أعبده لخوف عباده فأكون كالعبد السوء إن لم يخف لم يعمل ، قيل : فلم تعبده؟ قال : لما هو أهله بأياديه على وإنعامه.

وقال محمد بن علي الباقرعليه‌السلام : لا يكون العبد عابد الله حق عبادته حتى ينقطع عن الخلق كله إليه ، فحينئذ يقول هذا خالص لي فيتقبله بكرمه.

وقال جعفر بن محمدعليه‌السلام : ما أنعم الله عز وجل على عبد أجل من أن لا يكون في قلبه مع الله غيره.

وقال موسى بن جعفرعليه‌السلام : أشرف الأعمال التقرب بعبادة الله عز وجل.

وقال علي الرضاعليه‌السلام : «إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ »(٣) قول لا إله إلا الله محمد رسول الله علي ولي الله ، وخليفة محمد رسول الله حقا وخلفاؤه خلفاء الله «وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ

__________________

(١) سورة النمل : ٨٩.

(٢) سورة آل عمران : ٣١.

(٣) سورة فاطر : ١٠.


٣ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن محبوب ، عن هشام بن سالم ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إن العبد المؤمن الفقير ليقول يا رب ارزقني حتى أفعل كذا وكذا من البر ووجوه الخير فإذا علم الله عز وجل ذلك منه بصدق نية كتب الله له من الأجر مثل ما يكتب له لو عمله إن الله واسع كريم.

_________________________________________

يَرْفَعُهُ » علمه في قلبه بأن هذا صحيح كما قلته بلساني.

وأقول : لكل من النيات الفاسدة والصحيحة أفراد أخرى يعلم بالمقايسة بما ذكرنا ، وهي تابعة لأحواله وصفاته وملكاته الراسخة منبعثة عنها ، ومن هذا يظهر سر أن أهل الجنة يخلدون فيها بنياتهم لأن النية الحسنة تستلزم طينة طيبة وصفات حسنة وملكات جميلة ، تستحق الخلود بذلك ، إذ لم يكن مانع العمل من قبله ، فهو بتلك الحالة مهيئ للأعمال الحسنة والأفعال الجميلة ، والكافر مهيئ لضد ذلك ، وبتلك الصفات الخبيثة المستلزمة لتلك النية الرديئة استحق الخلود في النار.

وبما ذكرنا ظهر معنىقوله عليه‌السلام : وكل عامل يعمل على نيته ، أي عمل كل عامل يقع على وفق نيته في النقص والكمال والرد والقبول ، والمدار عليها كما عرفت ، وعلى بعض الاحتمالات المعنى أن النية سبب للفعل وباعث عليه ، ولا يتأتى العمل إلا بها كما مر.

الحديث الثالث : صحيح.

« ليقول » أي بلسانه أو بقلبه أو الأعم منهما« فإذا علم الله عز وجل ذلك » أي علم أنه إن رزقه يفي بما يعده من الخير فإن كثيرا من المتمنيات والمواعيد كاذبة لا يفي الإنسان به «إِنَّ اللهَ واسِعٌ » القدرة أو واسع العطاء« كريم » بالذات ، فالإثابة على نية الخير من سعة جوده وكرمه لا من استحقاقهم ذلك.

قال الشيخ البهائيقدس‌سره : هذا الحديث يمكن أن يجعل تفسيرا لقولهعليه‌السلام نية المؤمن خير من عمله ، فإن المؤمن ينوي كثيرا من هذه النيات فيثاب عليها ولا يتيسر العمل إلا قليلا ، انتهى.


...........................................................................

_________________________________________

وأقول : النية تطلق على النية المقارنة للفعل وعلى العزم المتقدم عليه ، سواء تيسر العمل أم لا ، وعلى التمني للفعل وإن علم عدم تمكنه منه ، والمراد هنا أحد المعنيين الأخيرين ، ويمكن أن يقال : إن النية لما كانت من الأفعال الاختيارية القلبية فلا محالة يترتب عليها ثواب ، وإذا فعل الفعل المنوي يترتب عليه ثواب آخر ، ولا ينافي اشتراط العمل بها تعدد الثواب كما أن الصلاة صحتها مشروطة بالوضوء ويترتب على كل منهما ثواب إذا اقترنا ، فإذا لم يتيسر الفعل لعدم دخوله تحت قدرته أو لمانع عرض له يثاب على العزم ، وترتب الثواب عليه غير مشروط بحصول الفعل ، بل بعدم تقصيره فيه فالثواب الوارد في الخبر يحتمل أن يكون هذا الثواب فله مع الفعل ثوابان ، وبدونه ثواب واحد ، فلا يلزم كون العمل لغوا ولا كون ثواب النية والعمل معا كثوابها فقط ، ويحتمل أن يكون ثواب النية كثوابها مع العمل بلا مضاعفة ومع العمل يضاعف عشر أمثالها أو أكثر.

ويؤيده ما سيأتي أن الله جعل لآدم أن من هم من ذريته بسيئة لم تكتب عليه ، وإن عملها كتبت عليه سيئة ، ومن هم منهم بحسنة فإن لم يعملها كتبت له حسنة ، فإن هو عملها كتبت له عشرا ، وإن أمكن حمله على ما إذا لم يعملها مع القدرة عليها ، وعلى ما حققنا أن النية تابعة للشاكلة والحالة ، وأن كمالها لا يحصل إلا بكمال النفس واتصافها بالأخلاق الرضية الواقعية فلا استبعاد في تساوي ثواب من عزم على فعل على وجه خاص من الكمال ولم يتيسر له ، ومن فعله على هذا الوجه.

وقيل : أثابه المؤمن بنيته أمر خير متفق عليه بين الأمة ورواه الخاصة والعامة روى مسلم بإسناده عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : من طلب الشهادة صادقا أعطيها ولو لم تصبه ، وبإسناد آخر عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه ، قال المازري : وفيهما دلالة على أن من نوى شيئا من أعمال


٤ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن علي بن أسباط ، عن محمد بن إسحاق بن الحسين ، عن عمرو ، عن حسن بن أبان ، عن أبي بصير قال سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن حد العبادة التي إذا فعلها فاعلها كان مؤديا فقال حسن النية بالطاعة.

٥ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن القاسم بن محمد ، عن المنقري ، عن أحمد بن يونس ، عن أبي هاشم قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام إنما خلد أهل النار في النار لأن نياتهم كانت في الدنيا أن لو خلدوا فيها أن يعصوا الله أبدا وإنما خلد أهل الجنة في الجنة لأن نياتهم كانت في الدنيا أن لو بقوا فيها أن يطيعوا الله أبدا فبالنيات خلد هؤلاء وهؤلاء ثم تلا قوله تعالى : «قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ »(١)

_________________________________________

البر ولم يفعله لعذر كان بمنزلة من عمله ، وعلى استحباب طلب الشهادة ونية الخير وقد صرح بذلك جماعة من علمائهم حتى قال الآبي : لو لم ينوه كان حاله حال المنافق لا يفعل الخير ولا ينويه.

الحديث الرابع : مجهول وقد مضى الكلام فيه ، والحاصل أنهحد العبادة الصحيحة المقبولة بالنية الحسنة غير المشوبة مع طاعة الإمام لأنهما العمدة في الصحة والقبول ، فالحمل على المبالغة ، أو المراد بالطاعة الإتيان بالوجوه التي يطاع الله منها مطلقا.

الحديث الخامس : ضعيف.

وكان الاستشهاد بالآية مبني على ما حققنا سابقا أن المدار في الأعمال علي النية التابعة للحالة التي اتصفت النفس بها من العقائد والأخلاق الحسنة والسيئة فإذا كانت النفس على العقائد الثابتة والأخلاق الحسنة الراسخة التي لا يتخلف عنها الأعمال الصالحة الكاملة لو بقي في الدنيا أبدا فبتلك الشاكلة والحالة استحق الخلود في الجنة ، وإذا كانت على العقائد الباطلة والأخلاق الرديئة التي علم الله تعالى أنه لو بقي في الدنيا أبدا لعصى الله تعالى دائما فبتلك الشاكلة استحق الخلود في النار

__________________

(١) سورة الإسراء : ٨٤.


قال على نيته.

_________________________________________

لا بالأعمال التي لم يعملها.

فلا يرد أنه ينافي الأخبار الواردة في أنه إذا أراد السيئة ولم يعملها لم تكتب عليه ، مع أنه يمكن حمله على ما إذا لم تصر شاكلة له ، ولم تكن بحيث علم الله أنه لو بقي لأتى بها ، أو يحمل عدم كتابة السيئة على المؤمنين ، وهذا إنما هو في الكفار وقد يستدل بهذا الخبر على أن كل كافر يمكن في حقه التوبة والإيمان لا يموت على الكفر.

أقول : ويمكن أن يستدل به على أن بالعزم على المعصية يستحق العقاب وإن عفا الله عن المؤمنين تفضلا.

وما ذكره المحقق الطوسي (ره) في التجريد في مسألة خلق الأعمال حيث قال : وإرادة القبيح قبيحة يدل على أنه بعد إرادة العباد للحرام فعلا قبيحا محرما وهو الظاهر من كلام أكثر الأصحاب سواء كان تاما مستتبعا للقبيح أو عزما ناقصا غير مستتبع لكن قد تقرر عندهم أن إرادة القبيح إذا كانت غير مقارنة لفعل قبيح يتعلق بها العفو كما دلت عليه الروايات وسيأتي بعضها ، وأما إذا كانت مقارنة فلعله أيضا كذلك وادعى بعضهم الإجماع على أن فعل المعصية لا تتعلق به إلا أثم واحد ، ومن البعيد أن يتعلق به إثمان أحدهما بإرادته والآخر بإيقاعه.

قال بعض المحققين من المعاصرين في شرح هذه الفقرة المنقولة من التجريد بعد إيراد نحو مما ذكرنا : فيندفع حينئذ التدافع بين ما ذكره المصنف (ره) من قبح إرادة القبيح وبين ما هو المشهور من أن الله تعالى لا يعاقب بإرادة الحرام وإنما يعاقب بفعله ، وما أوله به بعضهم من أن المراد أنه لا يعاقب العقوبة الخاصة بفعل المعصية بمجرد إرادتها ويثيب الثواب الخاص بفعل الطاعة بمجرد إرادتها ، ففيه أن شيئا من ذلك غير صحيح ، فإن الظاهر من النصوص أنه تعالى لا يعاقب ولا يؤاخذ على إرادة المعصية أصلا وأن الإجماع قائم على أن ثواب الطاعة لا يترتب على إرادتها


باب

١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن ابن محبوب ، عن الأحول ، عن سلام بن المستنير ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ألا إن لكل عبادة شرة ثم تصير إلى فترة فمن صارت شرة عبادته إلى سنتي فقد اهتدى ومن

_________________________________________

بل المترتب عليها نوع آخر من الثواب يختلف باختلاف الأحوال المقارنة لها من خلوص النية وشدة الجد فيها ، والاستمرار عليها إلى غير ذلك ، ولا مانع من أن يصير في بعض الأحوال أعظم من ثواب نفس الفعل الذي لم يكن لصاحبه تلك الإرادة البالغة الجامعة لهذه الخصوصيات وكان تتبع الآثار المأثورة يغني عن الإطالة في هذا الباب.

وأقول : قد عرفت بعض ما حققنا في ذلك وسيأتي إنشاء الله تمام الكلام عند شرح بعض الأخبار في أواخر هذا المجلد ، وقد مر بعض القول فيه في باب أن الإيمان مبثوث لجوارح البدن.

باب

إنما لم يعنون الباب لأنه يمكن إدخاله في عنوان الباب الآتي ، ولعله لو ذكر بعده كان أولى ، وأما مناسبته للباب السابق كما توهم فهي ضعيفة.

الحديث الأول : مجهول.

« إن لكل عبادة شرة » الشره بكسر الشين وتشديد الراء شدة الرغبة ، قال في النهاية فيه : إن لهذا القرآن شرة ، ثم إن للناس عنه فترة ، الشره : النشاط والرغبة ، ومنه الحديث الآخر : لكل عابد شرة ، وقال في حديث ابن مسعود : أنه مرض فبكى فقال : إنما أبكي لأنه أصابني على حال فترة ، ولم يصبني على حال اجتهاد ، أي في حال سكون وتقليل من العبادات والمجاهدات ، انتهى.


خالف سنتي فقد ضل وكان عمله في تباب أما إني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأضحك وأبكي فمن رغب عن منهاجي وسنتي فليس مني وقال كفى بالموت موعظة وكفى باليقين غنى وكفى بالعبادة شغلا.

_________________________________________

« إلى سنتي » أي منتهيا إليها ، أو إلى بمعنى مع ، أي لا تدعوه كثرة الرغبة في العبادة إلى ارتكاب البدع كالرياضات المبتدعة للمتصوفة ، بل يعمل بالسنن والتطوعات الواردة في السنة ، ويحتمل أن يكون المراد بانتهاء الشره أن يكون ترك الشره بالاقتصاد والاكتفاء بالسنن وترك بعض التطوعات لا بترك السنن أيضا ، ويؤيده الخبر الآتي.

« في تباب » أي تباب العمل أو صاحبه ، والتباب الخسران والهلاك ، وفي بعض النسخ في تبار بالراء وهو أيضا الهلاك.

« كفى بالموت موعظة » الباء زائدة والموعظة ما يتعظ الإنسان به ، ويصير سببا لانزجار النفس عن الخطايا والميل إلى الدنيا والركون إليها وأعظمها الموت ، إذ العاقل إذا تفكر فيه وفي غمراته وما يعقبه من أحوال البرزخ والقيامة وأهوالها وما فعله بأهل الدنيا من قطع أيديهم عنها وإخراجهم منها طوعا أو كرها فجأة من غير اطلاع منهم على وقت نزوله وكيفية حلوله ، هانت عنده الدنيا وما فيها ، وشرع في التهيئة له إن أعطاه الله تعالى بصيرة في ذلك.

« وكفى باليقين غنى » أي كفى اليقين بأن الله رازق العباد ، وأنه يوسع على من يشاء ويقتر على من يشاء بحسب المصالح سببا لغني النفس وعدم الحرص وترك التوسل بالمخلوقين ، وهو من اليقين بالقضاء والقدر ، وقد مر في باب اليقين أنه يطلق غالبا عليه« وكفى بالعبادة شغلا » كان المقصود أن النفس يطلب شغلا يشتغل به ، فإذا شغلها المرء بالعبادة تحيط بجميع أوقاته فلا يكون له فراغ يصرفه في الملاهي ، وإذا لم يشتغل بالعبادة يدعوه الفراغ إلى البطر واللهو وصرف العمر في المعاصي والملاهي


٢ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن الحجال ، عن ثعلبة قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام لكل أحد شرة ولكل شرة فترة فطوبى لمن كانت فترته إلى خير.

باب

الاقتصاد في العبادة

١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن سنان ، عن أبي الجارود ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إن هذا الدين متين فأوغلوا

_________________________________________

والأمور الباطلة ، كسماع القصص الكاذبة وأمثالها ، والغرض الترغيب في العبادة وبيان عمدة ثمراتها ، والظاهر أن هذه الفقرات الأخيرة مواعظ آخر لا ارتباط لها بما تقدمها ، وقد يتكلف بجعلها مربوطة بها بأن المراد بالأولى كفى الموت موعظة في عدم مخالفته السنة ، وكفى اليقين غنى لئلا يطلب الدنيا بالرياء وارتكاب البدع ، وكفت العبادة المقررة الشرعية شغلا ، فلا يلزم الاشتغال بالبدع.

الحديث الثاني : ضعيف على المشهور وقد مر مضمونه.

والحاصل أن لكل أحد شوقا ونشاطا في العبادة في أول الأمر ، ثم يعرض له فترة وسكون ، فمن كانت فترته بالاكتفاء بالسنن وترك البدع أو ترك التطوعات الزائدة فطوبى له ، ومن كانت فترته بترك السنن أيضا أو بترك الطاعات رأسا وارتكاب المعاصي ، أو بالاقتصار على البدع فويل له ، وقد مر في آخر كتاب العقل بسند آخر عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : ما من أحد إلا وله شرة وفترة فمن كانت فترته إلى سنة فقد اهتدى ، ومن كانت فترته إلى بدعة فقد غوى ، وهو يؤيد ما ذكرنا.

باب الاقتصاد في العبادة

الحديث الأول : ضعيف بسنديه.

وقال في النهايةالمتين الشديد القوي ، وقال فيه :إن هذا الدين متين فأوغل


فيه برفق ولا تكرهوا عبادة الله إلى عباد الله فتكونوا كالراكب المنبت الذي لا سفرا قطع ولا ظهرا أبقى.

محمد بن سنان ، عن مقرن ، عن محمد بن سوقة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام مثله.

٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ومحمد بن إسماعيل ، عن الفضل بن شاذان جميعا ، عن ابن أبي عمير ، عن حفص بن البختري ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال لا تكرهوا

_________________________________________

فيه برفق ، الإيغال : السير الشديد يقال : أوغل القوم وتوغلوا إذا أمعنوا في سيرهم ، والوغول الدخول في الشيء وقد وغل يغل وغولا يريد : سر فيه برفق ، وأبلغ الغاية القصوى منه بالرفق ، لا على سبيل التهافت والخرق ، ولا تحمل نفسك وتكلفها ما لا تطيقه فتعجز وتترك الدين والعمل.

وقال فيه : فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى ، يقال للرجل إذا انقطع به في سفره وعطبت راحلته قد أنبت من البت القطع ، وهو مطاوع بت يقال بتة وأبته يريد أنه بقي في طريقه عاجزا عن مقصده لم يقض وطره وقد أعطب ظهره ، انتهى.

« ولا تكرهوا عبادة الله » كان المعنى أنكم إذا أفرطتم في الطاعات يريد الناس متابعتكم في ذلك ، فيشق عليهم فيكرهون عبادة الله ويفعلونها من غير رغبة وشوق ، ويحتمل أن يكون أوغلوا في فعل أنفسهم ولا تكرهوا في دعوة الغير ، أي لا تحملوا على الناس في تعليمهم وهدايتهم فوق سعتهم وما يشق عليهم كما مر في حديث الرجل الذي هدى النصراني في باب درجات الإيمان ، ويحتمل أن يكون عباد الله شاملا لأنفسهم أيضا ، ويمكن أن يكون الإيغال هنا متعديا أي أدخلوا الناس فيه برفق ليوافق الفقرة الثانية ، قال في القاموس : وغل في الشيء يغل وغولا دخل وتوارى ، أو بعد وذهب ، وأوغل في البلاد والعلم ذهب وبالغ وأبعد كتوغل ، وكل داخل مستعجلا موغل ، وقد أوغلته الحاجة.

الحديث الثاني : حسن كالصحيح.


إلى أنفسكم العبادة.

٣ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن إسماعيل ، عن حنان بن سدير قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول إن الله عز وجل إذا أحب عبدا فعمل عملا قليلا جزاه بالقليل الكثير ولم يتعاظمه أن يجزي بالقليل الكثير له.

٤ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن فضال ، عن الحسن بن الجهم ، عن منصور ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال مر بي أبي وأنا بالطواف وأنا حدث وقد اجتهدت في العبادة فرآني وأنا أتصاب عرقا فقال لي يا جعفر يا بني إن الله إذا أحب عبدا أدخله الجنة ورضي عنه باليسير.

٥ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حفص بن البختري وغيره ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال اجتهدت في العبادة وأنا شاب فقال لي أبيعليه‌السلام يا بني

_________________________________________

وحاصله النهي عن الإفراط في التطوعات بحيث يكرهها النفس ، ولا يكون فيها راغبا ناشطا.

الحديث الثالث : موثق.

وفي القاموستعاظمه عظم عليه ، وكان في أكثر هذه الأخبار إشارة إلى أن السعي في زيادة كيفية العمل أحسن من السعي في زيادة كميته ، وأن السعي في تصحيح العقائد والأخلاق أهم من السعي في كثرة الأعمال.

الحديث الرابع : مجهول.

« إذا أحب عبدا » أي بحسن العقائد والأخلاق ورعاية الشرائط في الأعمال التي منها التقوى.

الحديث الخامس : حسن كالصحيح.


دون ما أراك تصنع فإن الله عز وجل إذا أحب عبدا رضي عنه باليسير.

٦ ـ حميد بن زياد ، عن الخشاب ، عن ابن بقاح ، عن معاذ بن ثابت ، عن عمرو بن جميع ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يا علي إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ولا تبغض إلى نفسك عبادة ربك فإن المنبت يعني المفرط لا ظهرا أبقى ولا أرضا قطع فاعمل عمل من يرجو أن يموت هرما واحذر حذر من يتخوف أن يموت غدا

_________________________________________

« دون ما أراك تصنع » دون منصوب بفعل مقدر أي أصنع دون ذلك.

الحديث السادس : ضعيف.

« فاعمل عمل من يرجو أن يموت هرما » أي تأن وارفق ولا تستعجل ، فإن من يرجو البقاء طويلا لا يسارع في الفعل كثيرا ، أو أن من يرجو ذلك لا يتعب نفسه بل يداري بدنه ولا ينهكه بكثرة الصيام والسهر وأمثالها ، واحذر عن المنهيات كحذر من يخاف أن يموت غدا ، قيل : ولعل السر فيه أن العبادات أعمال وفيها تعب الأركان وشغل عما سواها ، فأمر فيها بالرفق والاقتصاد كيلا تكل بها الجوارح ولا تبغضها النفس ، ولا تفوت بسببها حق من الحقوق ، فأما الحذر عن المعاصي والمنهيات فهو ترك واطراح وليس فيه كثير كد ولا ملالة ، ولا شغل عن شيء فيترك ترك من يخاف أن يموت غدا على معصية الله تعالى ، وقيل : الفرق أن فعل الطاعات نفل وفضل ، وترك المخالفات حتم وفرض.


باب

من بلغه ثواب من الله على عمل

١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام بن سالم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال من سمع شيئا من الثواب على شيء فصنعه كان له وإن لم يكن على ما بلغه.

٢ ـ محمد بن يحيى ، عن محمد بن الحسين ، عن محمد بن سنان ، عن عمران الزعفراني ، عن محمد بن مروان قال سمعت أبا جعفرعليه‌السلام يقول من بلغه ثواب من الله على عمل فعمل ذلك العمل التماس ذلك الثواب أوتيه وإن لم يكن الحديث كما بلغه.

_________________________________________

باب من بلغه ثواب من الله على عمل

الحديث الأول : حسن كالصحيح.

« كان » أي الثواب« له » وفي بعض النسخ كان له أجره.

الحديث الثاني : ضعيف على المشهور.

ويدل على صحة العمل بنية الثواب وأنها لا تنافي الإخلاص كما عرفت.

فائدة جليلة

اعلم أن أصحابنا رضوان الله عليهم كثيرا ما يستدلون بالأخبار الضعيفة والمجهولة على السنن والآداب ، ويحكمون بها بالكراهة والاستحباب ، وأورد عليه أن الاستحباب أيضا حكم شرعي كالوجوب فلا وجه للفرق بينهما والاكتفاء فيه بأخبار الضعفاء والمجاهيل ، وكذا الكراهة والحرمة لا فرق بينهما في ذلك ، وأجيب عنه بأن الحكم بالاستحباب فيما ضعف مستنده ليس في الحقيقة بذلك الخبر الضعيف ، بل بالروايات الواردة في هذا الباب وغيره.

فإن قيل : هذه الروايات أيضا ليست صحيحة على مصطلح القوم؟ قلت : الخبر الأول وإن كان حسنا لكن حسن إبراهيم بن هاشم لا يقصر عن الصحيح ، مع أنه مؤيد


...........................................................................

_________________________________________

بالخبر الثاني ، وبما رواه الصدوق في ثواب الأعمال عن أبيه عن علي بن موسى عن أحمد بن محمد عن علي بن الحكم عن هشام عن صفوان عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : من بلغه شيء من الثواب على شيء من الخير فعمله كان له أجر ذلك وإن كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يقله ، وبما رواه البرقي في المحاسن عن أبيه عن أحمد بن النضر عن محمد بن مروان عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : من بلغه عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شيء من الثواب ففعل ذلك طلب قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان له ذلك الثواب وإن كان النبي لم يقله.

مع أنه روى البرقي بسند صحيح أيضا وإن غفل عنه الأكثر وقالوا : لم يرد فيه خبر صحيح حيث روي عن أبيه عن علي بن الحكم عن هشام بن سالم عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : من بلغه عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شيء من الثواب فعمله كان أجر ذلك له وإن كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يقله ، وقد روته العامة أيضا بأسانيد عن النبي ، فلا يبعد عده من المتواترات فمهما عملنا بخبر ضعيف لم نعمل بهذا الخبر بل بهذه الأخبار المستفيضة الدالة على جواز العمل به ، وترتب الثواب عليه.

ومع ذلك فقد يخدش بوجوه : الأول : أن مفاد الروايات أنه إذا روي أن في العمل الفلاني ثوابا معينا فعمل أحد ذلك العمل رجاء ذلك الثواب يعطي ذلك الثواب وإن كان الخبر خلاف الواقع ولم يقله المعصومعليه‌السلام فلا تشمل هذه الأخبار ما لم يرد فيه ثواب مع أن الأصحاب يستدلون بالأخبار غير الصحيحة التي لم تشتمل على الثواب على الكراهة والاستحباب ، ويمكن أن يجاب بأن الأمر بالعبادة يستلزم ترتب الثواب عليه وإن لم يذكر في الخبر ، فإذا فعل المؤمن ذلك العمل رجاء للثواب المعلوم ترتبه على العمل وإن لم يعلم مقداره يكون داخلا في تلك الأخبار ، ولا بد أن يثاب في الجملة لاقتضائها ذلك ولا يخلو من تمحل.

الثاني : أن الثواب كما يكون للمستحب كذلك يكون للواجب أيضا ، فلم


...........................................................................

_________________________________________

خصصوا الحكم بالمستحب ، والجواب أنك قد عرفت أنا لم نعمل بهذا الخبر الدال على الوجوب بل إنما عملنا بتلك الأخبار وهي لا تدل إلا على رجحان العمل به وترتب الثواب عليه ولا تدل على ترتب العقاب على تركه فالحكم الثابت لنار بهذا الخبر بانضمام تلك الروايات ليس إلا الحكم الاستحبابي فافهم.

الثالث : أن بين تلك الروايات وبين ما يدل على عدم جواز العمل بخبر الفاسق كقوله تعالى : «إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا »(١) عموما من وجه ، فلا وجه لتخصيص الثاني بالأول بل العكس أولى لقطعية طريقه وتأيده بالأصل ، إذ الأصل عدم التكليف وبراءة الذمة منه ، ويمكن أن يجاب بأن الآية إنما تدل على عدم العمل بخبر الفاسق بدون التثبت والتبين ، والعمل به فيما نحن فيه بعد ورود الروايات ليس عملا بلا تثبت فلم تخصص الآية بالأخبار ، بل بسبب ورودها خرجت تلك الأخبار الضعيفة عن عنوان الحكم المثبت في الآية الكريمة.

الرابع : أن هذه المسألة أي ثبوت الاستحباب بالأدلة الضعيفة إنما هو من مسائل الأصول على المشهور وجواز الاكتفاء فيه بالظن الحاصل من خبر الواحد مشكل ، والجواب أن مثل هذا الخبر المشتهر بين الفريقين الوارد بأسانيد كثيرة مما يورث القطع بمضمونه ، مع أن وجوب تحقق العلم القطعي في جميع مسائل الأصول مما يمكن المناقشة فيه.

الخامس : أن عموم العمل الذي ورد في الخبر ترتب الثواب عليه غير معلوم ، فإنه فيما سبق من الأخبار نكرة في سياق الإثبات وهي غير مفيدة للعموم ، فحينئذ يحتمل أن يكون المراد فيها أن من سمع ثوابا من الله على عمل ثابت بدليل شرعي قطعي أو ظني جائز العمل به ، ثم عمل بذلك العمل أعطي ذلك الأجر فلا يدل

__________________

(١) سورة الحجرات : ٦.


...........................................................................

_________________________________________

على إثبات أصل العمل بالأخبار الغير المعتبرة ، والجواب أن العمل وإن كان نكرة في إثبات وهو لا يفيد العموم إلا أنه لما كان مقنن القوانين ومن صدر عنه الحكم لما كان(١) حكيما لا يليق به أن يصدر عنه حكم مجمل لا يمكن العمل به ، ولا يفيد المخاطب فائدة تامة فلا بد من حمل النكرة على العموم ، مثلها في قوله تعالى : «عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ »(٢) وقولهم : تمرة خير من جرادة ، أو يقال أن العموم المستفاد من لفظة « من » كاف لإفادة عموم العمل أيضا فإنه يصدق على من بلغه ثواب من الله على عمل غير ثابت بدليل شرعي خارج أنه ممن بلغه الحديث ، فإن اسم الموصول وغيره من أدوات العموم كما يقتضي عموم الأفراد يقتضي عموم جميع ما يتعلق به ويتم به الصلة أو الاسم الذي دخل عليه أداة العموم.

ففي ما نحن فيه نقول : اسم الموصول دخل على بلغه ثواب من الله على عمل ، فكل شيء يصدق عليه أنه بلغه ثواب ما على عمل ما يتناوله اسم الموصول مع قطع النظر عن عمومه تناولا كتناول المطلق لأفراده ، ومعنى العموم شموله بحسب الحكم لكل ما تناوله تناولا إطلاقيا ، فلو فرضنا أن بلوغا ما أو ثوابا ما أو عملا ما خارج عن تعلق هذا الحكم لم يكن العام المفروض عاما لجميع من بلغه ثواب على عمل وهو يخل بالعموم.

ومن أقوى الشواهد على ذلك أن علماءنا وعلماء العامة اتفقوا على أن قوله تعالى : «وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً »(٣) عام يشمل أولات الحمل وغيرها في قوله تعالى : «وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَ »(٤) واختلفوا في

__________________

(١) كذا في النسخ والظاهر زيادة « لما كان ».

(٢) سورة التكوير : ١٤.

(٣) سورة البقرة : ٢٣٤.

(٤) سورة الطلاق : ٤.


...........................................................................

_________________________________________

ترجيح تخصيص أيهما بالآخر لما بينهما من العموم من وجه وقصة أمير المؤمنينعليه‌السلام في ذلك مع ابن مسعود مشهورة ، ولو لا ما ذكرنا أمكن أن يقال : أن أزواجا جمع منكر فلا عموم له ، وأولات الأحمال جمع مضاف فيعم فلا تعارض.

وبهذا يظهر فساد ما في شرح المختصر في بحث دلالة الأمر على الوجوب حيث استدل عليها بقوله : «فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ »(١) الآية ، ثم اعترض بأن الاستدلال موقوف على عموم الأمر وهو مطلق ، وأجاب بأن الأمر مصدر مضاف فيعم ، وعلى ما ذكرنا تناول الأمر بإطلاقه لجميع الأوامر كاف إذ يكون المعنى حينئذ الأمر بحذر كل من يخالف أمرا ما من الأوامر فيدل على أن كل من يخالف أي أمر من الأوامر يتحقق في حقه مقتضى الحذر ، وما هو إلا استحقاق العقاب والشواهد علي ما ذكرنا كثيرة يظهر علي المتتبع.

ثم اعلم أنه يشكل ترتب الأحكام الأخر على هذا الفعل سوى ترتب الثواب عليه ، كما إذا ورد خبر ضعيف يدل على ترتب الثواب على غسل ، فعلى القول بحصول الاستباحة من الأغسال المندوبة يشكل حصول الاستباحة من هذا الغسل إلا أن يقال : لما ثبت بهذه الأخبار شرعية هذا الغسل يترتب عليه جميع الأحكام ، ولا فرق بين هذا الغسل وغيره من الأغسال المندوبة ، وكل دليل يدل على حصول الاستباحة من الأغسال الأخر ، يدل على هذا أيضا.

قال الشيخ البهائيقدس‌سره : يحتمل أن يراد بسماع الثواب مطلق بلوغه إليه ، سواء كان على سبيل الرواية أو الفتوى أو المذاكرة أو نحو ذلك ، كما لو أراه في شيء من كتب الحديث أو الفقه مثلا ، ويؤيد هذا التعميم أنه ورد في حديث آخر عن الصادقعليه‌السلام : من بلغه شيء من الثواب ، ويمكن أن يراد السماع من لفظ

__________________

(١) سورة النور : ٦٣.


...........................................................................

_________________________________________

الراوي أو المفتي خاصة ، فإنه هو الشائع الغالب في الزمن السالف ، وأما الحمل على التحمل بأحد الوجوه الستة المشهورة فلا يخلو من بعد.

وظاهر الإطلاق أن ظن صدق الناقل غير شرط في ترتب الثواب ، فلو تساوى صدقه وكذبه في نظر السامع وعمل بقوله فاز بالأجر ، نعم يشترط عدم ظن كذبه لقيام بعض القرائن والظاهر أن تصريح الراوي بترتب الثواب غير شرط ، بل قوله إن العمل الفلاني مستحب أو مكروه كاف في ترتب الثواب على فعله أو تركه.

« على شيء »(١) أي على فعل شيء أو تركه « فصنعه » أي أتى بذلك الشيء سواء كان فعلا أو تركا « كان له أجره »(٢) الضمير في أجره إما أن يعود إلى الشيء أي كان له الأجر المرتب على ذلك الشيء أو إلى من ، أي كان لذلك العامل أجره أي الأجر الذي طلبه بذلك العمل « وإن لم يكن على ما بلغه » اسم يكن ضمير الشأن ويجوز عوده إلى الشيء أو الثواب أو المسموع ، ويؤيده أن في رواية أخرى وإن لم يكن الحديث كما بلغه ، انتهى.

وقال المحقق الدواني في أنموزجه : اتفقوا على أن الحديث الضعيف لا تثبت به الأحكام الشرعية ثم ذكروا أنه يجوز بل يستحب العمل بالأحاديث الضعيفة في فضائل الأعمال ، وممن صرح بذلك النووي في كتبه ، لا سيما كتاب الأذكار ، وفيه إشكال لأن جواز العمل واستحبابه كلاهما من الأحكام الخمسة الشرعية فإذا استحب العمل بمقتضى الحديث الضعيف كان ثبوته بالحديث الضعيف ، وذلك ينافي ما تقرر من عدم ثبوت الأحكام بالأحاديث الضعيفة ، وقد حاول بعضهم التفصي عن ذلك وقال : مراد النبوي أنه إذا ثبت حديث حسن أو صحيح في فضيلة عمل من الأعمال يجوز رواية الحديث الضعيف في هذا الباب ، ولا يخفى أن هذا لا يرتبط بكلام النووي أصلا فضلا عن أن يكون مراده ذلك ، فلم يكن جواز العمل واستحبابه

__________________

(١) تتمة كلام الشيخ البهائي (ره).

(٢) كلمة « أجره » غير موجود في أكثر النسخ كما صرّح به الشارح (ره) أيضا.


...........................................................................

_________________________________________

مجرد نقل الحديث ، على أنه لو لم يثبت الحديث الصحيح والحسن في فضيلة عمل يجوز نقل الحديث الضعيف فيها ، لا سيما مع التنبيه على ضعفه ، ومثل ذلك في كتب الحديث وغيره شائع كثير يشهد به من تتبع أدنى تتبع ، والذي يصلح للتعويل عليه حينئذ أنه إذا وجد حديث ضعيف في فضيلة عمل من الأعمال ، ولم يكن هذا العمل مما يحتمل الحرمة والكراهة فإنه يجوز العمل به ويستحب لأنه مأمون الخطر ومرجو النفع ، إذ دائر بين الإباحة والاستحباب ، فالاحتياط العمل به رجاء الثواب ، وأما إذا دار بين الحرمة والاستحباب فلا وجه لاستحباب العمل به ، وإذا دار بين الكراهة والاستحباب فمجال النظر فيه واسع إذ في العمل دغدغة الوقوع في المكروه ، وفي الترك مظنة ترك المستحب ، فلينظر إن كان خطر الكراهة أشد بأن تكون الكراهة المحتملة شديدة والاستحباب المحتمل ضعيفا فحينئذ يترجح الترك على الفعل ، فلا يستحب العمل به وإن كان الكراهة أضعف بأن تكون الكراهة على تقدير وقوعها كراهة ضعيفة دون مرتبة ترك العمل على تقدير استحبابه فالاحتياط العمل به ، وفي صورة المساواة تحتاج إلى نظر تام ، وأظن أنه يستحب أيضا لأن المباحات تصير بالنية عبادة فكيف ما فيه شبهة الاستحباب لأجل الحديث الضعيف ، فجواز العمل واستحبابه مشروطان ، أما جواز العمل فبعدم احتمال الحرمة وأما الاستحباب فبما ذكرنا مفصلا.

بقي هيهنا شيء وهو أنه إذا عدم احتمال الحرمة فجواز العمل ليس لأجل الحديث إذ لو لم يوجد يجوز العمل أيضا لأن المفروض انتفاء الحرمة ، لا يقال : الحديث الضعيف ينفى احتمال الحرمة؟ لأنا نقول : الحديث الضعيف لا يثبت به شيء من الأحكام الخمسة ، وانتفاء الحرمة يستلزم ثبوت الإباحة ، والإباحة حكم شرعي فلا يثبت بالحديث الضعيف ، ولعل مراد النووي ما ذكرنا ، وإنما ذكر


...........................................................................

_________________________________________

الجواز توطئة للاستحباب ، وحاصل الجواب أن الجواز معلوم من خارج ، والاستحباب أيضا معلوم من القواعد الشرعية الدالة على استحباب الاحتياط في أمر الدين ، فلم يثبت شيء من الأحكام بالحديث الضعيف بل أوقع الحديث الضعيف شبهة الاستحباب ، فصار الاحتياط أن يعمل به ، واستحباب الاحتياط معلوم من قواعد الشرع ، انتهى.

واعترض عليه الشيخ البهائيقدس‌سره بأن خطر الحرمة في هذا الفعل الذي تضمن الحديث الضعيف استحبابه حاصل كلما فعله المكلف لرجاء الثواب ، لأنه لا يعتد به شرعا ولا يصير منشأ لاستحقاق الثواب إلا إذا فعله المكلف بقصد القربة ، ولاحظ رجحان فعله شرعا ، فإن الأعمال بالنيات وفعله على هذا الوجه مردد بين كونه سنة ورد الحديث في الجملة ، وبين كونه تشريعا وإدخالا لما ليس من الدين فيه ، ولا ريب أن ترك السنة أولى من الوقوع في البدعة ، فليس الفعل المذكور دائرا في وقت من الأوقات بين الإباحة والاستحباب ، بل هو دائما دائر بين الحرمة والاستحباب فتاركه متيقن للسلامة وفاعله متعرض للندامة.

على أن قولنا بدورانه بين الحرمة والاستحباب إنما هو على سبيل المماشاة وإرخاء العنان ، وإلا فالقول بالحرمة من غير ترديد ليس عن السداد ببعيد ، والتأمل الصادق على ذلك شهيد ، هذا.

وقد تفصى بعض الفضلاء عن أصل الإشكال بأن معنى قولهم يجوز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال دون مسائل الحرام والحلال ، أنه إذا ورد حديث صحيح أو حسن في استحباب عمل وورد حديث ضعيف في أن ثوابه كذا وكذا ، جاز العمل بذلك الحديث الضعيف ، والحكم بترتب ذلك الثواب على ذلك الفعل ، وليس هذا الحكم أحد الأحكام الخمسة التي لا تثبت بالأحاديث الضعيفة.

وبعضهم بأن معنى قولهم الأحكام لا تثبت بالأحاديث الضعيفة أنها لا تستقل


باب الصبر

١ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن الحسن بن محبوب ، عن علي

_________________________________________

بإثباتها لا أنها لا تصير مقوية ومؤكدة لما ثبت به ، ومعنى تجويزهم العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال أنه إذا دل على استحباب عمل حديثان صحيح وضعيف مثلا ، جاز للمكلف حال العمل ملاحظة دلالة الضعيف أيضا عليه ، فيكون عاملا به في الجملة ولا يخفى ما في هذين الكلامين من الخلل ، أما الأول فلمخالفة منطوق عبارات القوم فإنها صريحة في استحباب الإتيان بالفعل إذا ورد في استحبابه حديث ضعيف غير قابلة لهذا التأويل السخيف ، وأما الثاني فمع بعده وسماجته يقتضي عدم صحة التخصيص بفضائل الأعمال دون مسائل الحرام والحلال ، فإن العمل بالحديث الضعيف بهذا المعنى لا نزاع بين أهل الإسلام في جوازه في جميع الأحكام.

باب الصبر

الحديث الأول : ضعيف على المشهور.

وقال المحقق الطوسيقدس‌سره :الصبر حبس النفس عن الجزع عند المكروه ، وهو بمنع الباطن عن الاضطراب ، واللسان عن الشكاية ، والأعضاء عن الحركات غير المعتادة ، انتهى.

وقد مر وسيأتي أن الصبر يكون على البلاء وعلى فعل الطاعة وعلى ترك المعصية ، وعلى سوء أخلاق الخلق ، قال الراغب : الصبر الإمساك في ضيق ، يقال : صبرت الدابة حبستها بلا علف وصبرت فلانا حلفته حلفة لا خروج له منها ، والصبر حبس النفس على ما يقتضيه العقل أو الشرع أو عما يقتضيان حبسها عنه ، فالصبر لفظ عام وربما خولف بين أسمائه بحسب اختلاف مواقعه ، فإن كان حبس النفس لمصيبة سمي صبرا لا غير ، ويضاده الجزع ، وإن كان في محاربة سمي شجاعة ويضاده الجبن ،


بن رئاب ، عن ابن أبي يعفور ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال الصبر رأس الإيمان

_________________________________________

وإن كان في نائبه مضجرة سمي رحب الصدر ويضاده الضجر ، وإن كان في إمساك الكلام سمي كتمانا ويضاده الإذاعة ، وقد سمي الله تعالى كل ذلك صبرا ونبه عليه بقوله : «وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ »(١) «وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ »(٢) «وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ »(٣) وسمي الصوم صبرا لكونه كالنوع له.

وقوله : «اصْبِرُوا وَصابِرُوا »(٤) أي احبسوا أنفسكم علي العبادة وجاهدوا أهواءكم ، وقوله عز وجل : «اصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ »(٥) أي تحمل الصبر بجهدك ، وقوله : «أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا »(٦) أي بما تحملوه من الصبر في الوصول إلى مرضات الله.

قوله : رأس الإيمان ، هو من قبيل تشبيه المعقول بالمحسوس ، ووجه الشبه ما سيأتي في الخبر الآتي ووجهه أن الإنسان ما دام في تلك النشأة هو مورد للمصائب والآفات ومحل للحوادث والنوائب والعاهات ، ومبتلى بتحمل الأذى من بني نوعه في المعاملات ومكلف بفعل الطاعات وترك المنهيات والمشتهيات ، وكل ذلك ثقيل على النفس لا تشتهيها بطبعها ، فلا بد من أن تكون فيه قوة ثابتة وملكة راسخة بها يقتدر على حبس النفس علي هذه الأمور الشاقة ، ورعاية ما يوافق الشرع والعقل فيها ، وترك الجزع والانتقام وسائر ما ينافي الآداب المستحسنة المرضية عقلا وشرعا ، وهي المسماة بالصبر ، ومن البين أن الإيمان الكامل بل نفس التصديق أيضا يبقى ببقائه ، ويفنى بفنائه ، فلذلك هو من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد.

__________________

(١) سورة البقرة : ١٧٧.

(٢) سورة الحجّ : ٣٥.

(٣) سورة الأحزاب : ٣٥.

(٤) سورة آل عمران : ٢٠٠.

(٥) سورة مريم : ٦٥.

(٦) سورة الفرقان : ٧٥.


٢ ـ أبو علي الأشعري ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن سنان ، عن العلاء بن فضيل ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد فإذا ذهب الرأس ذهب الجسد كذلك إذا ذهب الصبر ذهب الإيمان.

٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه وعلي بن محمد القاساني جميعا ، عن القاسم بن محمد الأصبهاني ، عن سليمان بن داود المنقري ، عن حفص بن غياث قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام يا حفص إن من صبر صبر قليلا وإن من جزع جزع قليلا ثم قال عليك بالصبر في جميع أمورك فإن الله عز وجل بعث محمداصلى‌الله‌عليه‌وآله فأمره بالصبر والرفق فقال «وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ »(١) وقال تبارك وتعالى «ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ السَّيِّئَةَ ]

_________________________________________

الحديث الثاني : ضعيف على المشهور.

الحديث الثالث : ضعيف.

« صبر قليلا » نصب قليلا إما على المصدرية أو الظرفية أي صبر صبرا قليلا أو زمانا قليلا ، وهو زمان العمر أو زمان البلية« في جميع أمورك » فإن كل ما يصدر عنه من الفعل والترك والعقد وكل ما يرد عليه من المصائب والنوائب من قبله تعالى ، أو من قبل غيره يحتاج إلى الصبر إذ لا يمكنه تحمل ذلك بدون جهاده مع النفس والشيطان وحبس النفس عليه.

«وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ » أي من الخرافات والشتم والإيذاء «وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً » بأن تجانبهم وتداريهم ولا تكافيهم وتكل أمرهم إلى الله كما قال : «وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ » أي دعني وإياهم وكل إلى أمرهم فإني أجازيهم في الدنيا والآخرة «أُولِي النَّعْمَةِ » النعمة بالفتح لين الملمس أي المتنعمين ذوي الثروة في الدنيا ، وهم صناديد قريش وغيرهم.

«ادْفَعْ » أول الآية هكذا : «وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ » أي في الجزاء وحسن العاقبة « ولا » الثانية مزيدة لتأكيد النفي «ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ » كذا

__________________

(١) سورة المزّمّل : ١٠.


فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَما يُلَقَّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ »(١) فصبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حتى نالوه بالعظائم ورموه بها فضاق صدره فأنزل الله عز وجل عليه : «وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ

_________________________________________

في أكثر نسخ الكتاب وتفسير علي بن إبراهيم ، والسيئة غير مذكورة في المصاحف وكأنهعليه‌السلام زادها تفسيرا وليست في بعض النسخ وهو أظهر ، وقيل : المعنى ادفع السيئة حيث اعترضتك بالتي هي أحسن منها وهي الحسنة ، على أن المراد بالأحسن الزائد مطلقا أو بأحسن ما يمكن دفعها به من الحسنات ، إنما أخرج مخرج الاستئناف على أنه جواب من قال كيف أصنع؟ للمبالغة ، ولذلك وضع أحسن موضع الحسنة ، كذا ذكره البيضاوي ، وقيل : اسم التفضيل مجرد عن معناه ، أو أصل الفعل معتبر في المفضل عليه على سبيل الفرض ، أو المعنى ادفع السيئة بالحسنة التي هي أحسن من العفو أو المكافاة ، وتلك الحسنة هي الإحسان في مقابل الإساءة ، ومعنى التفضيل حينئذ بحاله لأن كلا من العفو أو المكافاة أيضا حسنة إلا أن الإحسان أحسن منهما وهذا قريب مما ذكره الزمخشري من أن لا غير مزيدة ، والمعنى أن الحسنة والسيئة متفاوتان في أنفسهما فخذ بالحسنة التي هي أحسن أن تحسن إليه مكان إساءته.

«فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ » أي إذا فعلت ذلك صار عدوك المشاق مثل الولي الشفيق «وَما يُلَقَّاها » أي ما يلقي هذه السجية وهي مقابلة الإساءة بالإحسان «إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا » فإنها تحبس النفس عن الانتقام «وَما يُلَقَّاها إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ » من الخير وكمال النفس ، وقيل : الحظ العظيم الجنة ، يقال :

لقاه الشيء أي ألقاه إليه« حتى نالوه بالعظائم » يعني نسبوه إلى الكذب والجنون والسحر وغير ذلك ، وافتروا عليه.

«أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ » كناية عن الغم «بِما يَقُولُونَ » من الشرك أو الطعن فيك

__________________

(١) سورة فصّلت : ٣٥.


رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ »(١) ثم كذبوه ورموه فحزن لذلك فأنزل الله عز وجل «قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللهِ

_________________________________________

وفي القرآن والاستهزاء بك وبه «فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ » أي فنزه ربك عما يقولون مما لا يليق به متلبسا بحمده في توفيقك له أو فافزع إلى الله فيما نابك من الغم بالتسبيح والتحميد فإنهما يكشفان الغم عنك «وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ » للشكر في توفيقك أو رفع غمك أو كن من المصلين فإن في الصلاة قطع العلائق عن الغير «إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ » الضمير للشأن أي ما يقولون إنك شاعر أو مجنون وأشباه ذلك.

«فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ » قال الطبرسي (ره) : اختلف في معناه على وجوه : أحدها أن معناه لا يكذبونك بقلوبهم اعتقادا وإن كانوا يظهرون بأفواههم التكذيب عنادا وهو قول أكثر المفسرين ويؤيده ما روي أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لقي أبا جهل فصافحه أبو جهل فقيل له في ذلك؟ فقال : والله إني لأعلم أنه صادق ولكنا متى كنا تبعا لعبد مناف؟ فأنزل الله هذه الآية.

وثانيها : أن المعنى لا يكذبونك بحجة ولا يتمكنون من إبطال ما جئت به ببرهان ، ويدل عليه ما روي عن عليعليه‌السلام أنه كان يقرأ : لا يكذبونك ، ويقول : إن المراد بها أنهم لا يأتون بحق هو أحق من حقك.

وثالثها : أن المراد لا يصادفونك كاذبا ، تقول العرب : قاتلناكم فما أجبناكم أي ما أصبناكم جبناء ، ولا يختص هذا الوجه بالقراءة بالتخفيف لأن أفعلت وفعلت يجوزان في هذا الموضع إلا أن التخفيف أشبه بهذا الوجه.

ورابعها : أن المراد لا ينسبونك إلى الكذب فيما أتيت به لأنك كنت عندهم أمينا صادقا ، وإنما يدفعون ما أتيت به ويقصدون التكذيب بآيات الله ، ويقوي هذا الوجه قوله : ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ، وقوله : وكذب به قومك وهو

__________________

(١) سورة الحجر : ٩٧.


يَجْحَدُونَ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا »(١) فألزم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله نفسه الصبر فتعدوا فذكر الله تبارك وتعالى وكذبوه فقال قد صبرت في نفسي وأهلي وعرضي ولا صبر لي على ذكر إلهي فأنزل الله عز وجل : «وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ

_________________________________________

الحق ، ولم يقل : وكذبك قومك ، وما روي أن أبا جهل قال للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما نتهمك ولا نكذبك ولكننا نتهم الذي جئت به ونكذبه.

وخامسها : أن المراد أنهم لا يكذبونك بل يكذبونني فإن تكذيبك راجع إلى ولست مختصا به لأنك رسول فمن رد عليك فقد رد على ، وذلك تسلية منه تعالى للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

«وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللهِ » أي بالقرآن والمعجزات «يَجْحَدُونَ » بغير حجة سفها وجهلا وعنادا ، ودخلت الباء لتضمين معنى التكذيب وقال أبو علي : الباء تتعلق بالظالمين ، ثم زاد في تسلية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله : «وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا » أي صبروا على ما نالهم منهم من التكذيب والأذى في أداء الرسالة «حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا » إياهم على المكذبين ، وهذا أمر منه تعالى لنبيه بالصبر على أذى كفار قومه إلى أن يأتيه النصر كما صبرت الأنبياء ، وبعده «وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللهِ » أي لا يقدر أحد على تكذيب خبر الله على الحقيقة ولا على إخلاف وعده «وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ » أي خبرهم في القرآن كيف أنجيناهم ونصرناهم على قومهم.

قوله عليه‌السلام : فذكروا الله ، أي نسبوا إليه ما لا يليق بجنابة «وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ » قيل : هذا إشارة إلى حسن التأني وترك التعجيل في الأمور ، وتمهيد للأمر بالصبر ، وأقول : يحتمل أن يكون توطئة للصبر على وجه آخر ، وهو بيان عظم قدرته وأنه قادر على الانتقام منهم «وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ » أي من تعب وإعياء ، وهو رد لما

__________________

(١) سورة الأنعام : ٣٣.


فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ »(١) فصبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في جميع أحواله ثم بشر في عترته

_________________________________________

زعمت اليهود من أنه تعالى بدء خلق العالم يوم الأحد ، وفرغ منه يوم الجمعة واستراح يوم السبت واستلقى على العرش «فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ » أي ما يقول المشركون من إنكارهم البعث ، فإن من قدر على خلق العالم بلا إعياء قدر على بعثهم والانتقام منهم أو ما يقول اليهود من الكفر والتشبيه.

قوله عليه‌السلام : ثم بشر ، على بناء المجهول وقبل الآية في سورة التنزيل هكذا ، «وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً » وفي أكثر نسخ الكتاب وجعلناهم وكأنه تصحيف ، وفي بعضها : جعلنا منهم ، كما في المصاحف.

ثم إنه يرد عليه أن الظاهر من سياق الآية رجوع ضمير منهم إلى بني إسرائيل فكيف تكون بشارة للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في عترته وكيف وصفوا بالصبر؟

والجواب ما عرفت أن ذكر القصص في القرآن لإنذار هذه الأمة وتبشيرهم ، مع أنه قد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنه يقع في هذه الأمة ما وقع في بني إسرائيل حذو النعل بالنعل ، فذكر قصة موسى وإيتائه الكتاب وجعل الأئمة من بني إسرائيل أي هارون وأولاده ، ذكر نظير لبعثة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإيتائه القرآن وجعل الأئمة من أخيه وابن عمه وأولاده كما قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنت مني بمنزلة هارون من موسى ، وقد يقال : إن قوله : «فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ » المراد به لا تكن في تعجب من سقوط الكتاب بعدك وعدم عمل الأمة به فإنا نجعل بعدك أمة يهدون بالكتاب كما جعلنا في بني إسرائيل أئمة يهدون بالتوراة.

والمفسرون ذكروا فيه وجوها : الأول أن المعنى لا تكن في شك من لقائك موسى ليلة الأسرى ، الثاني : من لقاء موسى الكتاب ، الثالث : من لقائك الكتاب ،

__________________

(١) سورة ق : ٣٨.


بالأئمة ووصفوا بالصبر فقال جل ثناؤه «وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ »(١) فعند ذلك قالصلى‌الله‌عليه‌وآله الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد فشكر الله عز وجل ذلك له فأنزل الله عز وجل : «وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا

_________________________________________

الرابع : من لقائك الأذى كما لقي موسى الأذى.

« وجعلناه » أي موسى أو المنزل عليه «يَهْدُونَ » أي الناس إلى ما فيه من الحكم والأحكام «بِأَمْرِنا » إياهم أو بتوفيقنا لهم «لَمَّا صَبَرُوا » أي لصبرهم على الطاعة أو على أذى القوم أو عن الدنيا وملاذها كما قيل «وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ » لا يشكون في شيء منها ، ويعرفونها حق المعرفة.

« فشكر الله ذلك له » إشارة إلى الصبر على جميع الأحوال وذلك القول الدال على الرضا بالصبر ، وشكر الله تعالى لعباده عبارة عن قبول العمل ومقابلته بالإحسان والجزاء في الدنيا والآخرة «وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ » صدر الآية : «وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ » يعني بني إسرائيل في ظهر الآية فإن القبط كانوا يستضعفونهم فأورثهم الله بأن مكنهم وحكم لهم بالتصرف ، وأباح لهم بعد إهلاك فرعون وقومه «مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا » أي أرض الشام شرقها وغربها ، أو أرض الشام ومصر ، وقيل : كل الأرض لأن داود وسليمان كانا منهم وملكا الأرض التي باركنا فيها بإخراج الزرع والثمار وضروب المنافع «وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ » قال الطبرسي (ره) : معناه صح كلام ربك بإنجاز الوعد بإهلاك عدوهم واستخلافهم في الأرض ، وإنما كان الإنجاز تماما للكلام لتمام النعمة به ، وقيل : إن كلمة الحسنى قوله سبحانه : «وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ » إلى قوله : «يَحْذَرُونَ » وقال : الحسنى ، وإن كانت كلمات الله كلها حسنة لأنها وعد بما يحبون ، وقال الحسن : أراد وعد الله لهم بالجنة «بِما صَبَرُوا » على أذى فرعون وقومه «وَدَمَّرْنا ما

__________________

(١) سورة السجدة : ٢٤.


يَعْرِشُونَ »(١) فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله إنه بشرى وانتقام فأباح الله عز وجل له قتال المشركين فأنزل [ الله ] «فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ »(٢) «وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ »(٣) فقتلهم الله على يدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله

_________________________________________

كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ » أي أهلكنا ما كانوا يبنون من الأبنية والقصور والديار «وَما كانُوا يَعْرِشُونَ » من الأشجار والأعناب والثمار ، وقيل : يعرشون يسقفون من القصور والبيوت«فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنه بشرى» أي لي ولا صحابي«وانتقام» من أعدائي ووجه البشارة ما مر أن ذكر هذه القصة تسلية للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأني أنصرك على أعدائك وأهلكهم وأنصر الأئمة من أهل بيتك على الفراعنة الذين غلبوا عليهم وظلموهم في زمن القائمعليه‌السلام وأملكهم جميع الأرض ، فظهر الآية لموسى وبني إسرائيل ، وبطنها لمحمد وآل محمد صلى الله وعليه وآله وسلم.

«فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ » الآية هكذا : «فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ » قيل : أي من حل وحرم «وَخُذُوهُمْ » أي وأسروهم والأخيذ الأسير «وَاحْصُرُوهُمْ » أي واحبسوهم أو حيلوا بينهم وبين المسجد الحرام «وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ » أي كل ممر لئلا ينتشروا في البلاد ، وانتصابه على الظرف ، وقال تعالى في سورة البقرة : «وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ » يقال ثقفه أي صادفه أو أخذه أو ظفر به أو أدركه.

« فقتلهم الله » أي في غزوة بدر وغيرها « وعجل له الثواب ثواب صبره » وفي بعض النسخ وجعل له ثواب صبره والأول أظهر وموافق للتفسير ، والحاصل أن هذه النصرة

__________________

(١) سورة الأعراف : ١٣٦.

(٢) سورة التوبة : ٦.

(٣) سورة البقرة : ١٩١.


وأحبائه وجعل له ثواب صبره مع ما ادخر له في الآخرة فمن صبر واحتسب لم يخرج من الدنيا حتى يقر الله له عينه في أعدائه مع ما يدخر له في الآخرة.

٤ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن أبي محمد عبد الله السراج رفعه إلى علي بن الحسينعليه‌السلام قال الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ولا إيمان لمن لا صبر له.

٥ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حماد بن عيسى ، عن ربعي بن عبد الله ، عن فضيل بن يسار ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد فإذا ذهب الرأس ذهب الجسد كذلك إذا ذهب الصبر ذهب الإيمان.

٦ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن أبيه ، عن علي بن النعمان ، عن عبد الله بن مسكان ، عن أبي بصير قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول إن الحر حر على جميع أحواله إن نابته نائبة صبر لها وإن تداكت عليه المصائب

_________________________________________

وقتل الأعداء كان ثوابا عاجلا على صبره منضما مع ما ادخر له في الآخرة من مزيد الزلفى والكرامة« واحتسب » أي كان غرضه القربة إلى الله ليكون محسوبا من أعماله الصالحة« حتى يقر الله عينه » أي يسره في أعدائه بنصره عليهم مع ما يدخر له في الآخرة من الأجر الجميل والثواب الجزيل.

الحديث الرابع : مجهول مرفوع.

الحديث الخامس : حسن كالصحيح وقد مر بعينه بسند آخر.

الحديث السادس : صحيح.

والحر ضد العبد والمراد هنا من نجا في الدنيا من رق الشهوات النفسانية وأعتق في الآخرة من أغلال العقوبات الربانية فهو كالأحرار عزيز غني في جميع الأحوال.

قال الراغب : الحر خلاف العبد والحرية ضربان : الأول من لم يجر عليه حكم السبي نحو «الْحُرُّ بِالْحُرِّ » والثاني من لم يتملكه قواه الذميمة من الحرص


لم تكسره وإن أسر وقهر واستبدل باليسر عسرا كما كان يوسف الصديق الأمينصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يضرر حريته أن استعبد وقهر وأسر ولم تضرره ظلمة الجب ووحشته وما ناله أن من الله عليه فجعل الجبار العاتي له عبدا بعد إذ كان له مالكا

_________________________________________

والشره على المقتنيات الدنيوية ، وإلى العبودية التي تضاد ذلك ، أشار النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله : تعس عبد الدرهم ، تعس عبد الدينار ، وقول الشاعر : « ورق ذوي الأطماع رق مخلد » ، وقيل : عبد الشهوة أذل من عبد الرق ، انتهى.

وفي القاموس : الحر بالضم خلاف العبد ، وخيار كل شيء والفرس العتيق ، ومن الطين والرمل الطيب.

« إن نابته نائبة صبر لها » أي إن عرض له حادثة أو نازلة أو مصيبة صبر عليها أو حمل عليه مال يؤخذ منه أداه ولا يذل نفسه بالبخل فيه ، قال في النهاية : في حديث خيبر قسمها نصفين نصفا لنوائبه ونصفا بين المسلمين ، النوائب جمع النائبة وهي ما ينوب الإنسان أي ينزل به من المهمات والحوادث ، وقد نابه ينوبه نوبا ومنه الحديث : احتاطوا لأهل الأموال في النائبة والواطية أي الأضياف الذين ينوبونهم.

« وإن تداكت عليه المصائب » أي اجتمعت وازدحمت ، قال في النهاية : وفي حديث عليعليه‌السلام : ثم تداككتم على تداكك الإبل الهيم على حياضها ، أي ازدحمتم وأصل الدك الكسر ، انتهى.

« لم تكسره » أي لم تعجزه عن الصبر ولم تحمله على الجزع وترك الرضا بقضاء الله تعالى« وإن أسر » إن وصلية« واستبدل باليسر عسرا » عطف على أسر ، وفي بعض النسخ واستبدل بالعسر يسرا فهو عطف على قوله لم تكسره فتكون غاية للصبر« إن استبعد » على بناء المجهول فاعل لم يضرر ، والمراد بحريته عزه ورفعته وصبره على تلك المصائب ورضاه بقضاء الله واختياره طاعة الله وعدم تذلله للمخوقين« وما ناله » أي من ظلم الإخوان وسائر الأحزان« أن من الله » أي في أن من الله أو هو بدل اشتمال


...........................................................................

_________________________________________

للضمير في لم تضرره أو بتقدير إلى فالظرف متعلق بلم تضرر في الموضعين على سبيل التنازع.

وأقول : يحتمل أن يكون ما ناله عطفا على الضمير في لم يضرره ، وأن من الله بيانا لما بتقدير من أو بدلا منه ، فيحتمل أن يكون فاعل نال يوسفعليه‌السلام وقيل : اللام فيه مقدر أي لأن من الله فيكون تعليلا لقوله : لم تضرر في الموضعين أو ما ناله مبتدأ وأن من الله خبره ، والجملة معطوفة على لم تضرره أو يكون الواو بمعنى مع ، أي لم تضرره ذلك مع ما ناله وأن من بيان لما.

والعاتي من العتو بمعنى التجبر والتكبر والتجاوز عن الحد ، والجبار بائعه في مصر أو العزيز فالمراد بصيرورته عبدا له أنه صار مطيعا له ، مع أنه قد روى الثعلبي وغيره أن ملك مصر كان ريان بن الوليد والعزيز الذي اشترى يوسفعليه‌السلام كان وزيره وكان اسمه قطفير فلما عبر يوسف رؤيا الملك عزل قطفير عما كان عليه وفوض إلى يوسف أمر مصر وألبسه التاج وأجلسه على سرير الملك وأعطاه خاتمه وهلك قطفير في تلك الليالي فزوج الملك يوسف زليخا امرأة قطفير ، وكان اسمها راعيل فولدت له ابنين أفراثيم وميشا فلما دخلت السنة الأولى من سني الجدب هلك فيها كل شيء أعدوه في السنين المخصبة فجعل أهل مصر يبتاعون من يوسف الطعام فباعهم أول سنة بالنقود حتى لم يبق بمصر دينار ولا درهم إلا قبضه ، وباعهم السنة الثانية بالحلي والجواهر حتى لم يبق في أيدي الناس منها شيء ، وباعهم السنة الثالثة بالمواشي والدواب حتى احتوى عليها أجمع وباعهم السنة الرابعة بالعبيد والإماء حتى لم يبق عبد ولا أمة في يد أحد ، وباعهم السنة الخامسة بالضياع والعقار والدور حتى احتوى عليها ، وباعهم السنة السادسة بأولادهم حتى استرقهم وباعهم السنة السابعة برقابهم حتى لم تبق بمصر حر ولا حرة إلا صار عبدا له ، ثم استأذن الملك وأعتقهم كلهم


فأرسله ورحم به أمة وكذلك الصبر يعقب خيرا فاصبروا ووطنوا أنفسكم على الصبر توجروا.

٧ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن عبد الله بن بكير ، عن حمزة بن حمران ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال الجنة محفوفة بالمكاره

_________________________________________

ورد أموالهم إليهم ، فظهر أن الله ملكه جميع أهل مصر وأموالهم عوضا عن مملوكيته صلوات الله عليه لهم ، فهذه ثمرة الصبر والطاعة.

والمراد بإرساله إرساله إلى الخلق بالنبوة وبرحم الأمة به نجاتهم عن العقوبة الأبدية بإيمانهم به أو عن القحط والجوع أو الأعم.

« وكذلك الصبر يعقب خيرا » يعقب على بناء الأفعال قال الراغب : أعقبه كذا أورثه ذلك قال تعالى : «فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ »(١) وفلان لم يعقب أي لم يترك ولدا ، انتهى.

أي كما أن صبر يوسفعليه‌السلام أعقب خيرا عظيما له كذلك صبر كل أحد يعقب خيرا له ، ومن ثم قيل : اصبر تظفر ، وقيل :

إني رأيت للأيام تجربة

للصبر عاقبة محمودة الأثر

وقل من جد في أمر يطالبه

فاستصحب الصبر إلا فاز بالظفر

الحديث السابع : مجهول.

ومضمونه متفق عليه بين الخاصة والعامة ، فقد روى مسلم عن أنس قال : قال رسول اللهعليه‌السلام : حفت الجنة بالمكاره ، وحفت النار بالشهوات ، وهذا من بديع كلامه ، وقال الراوندي في ضوء الشهاب يقال :حف القوم حول زيد إذا أطافوا به ، واستداروا وحففته بشيء أي أدرته عليه ، يقال : حففت الهودج بالثياب ، ويقال : إنه مشتق من حفا في الشيء أي جانبيه ، يقولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : المكاره مطيفة محدقة بالجنة

__________________

(١) سورة التوبة : ٧٧.


والصبر فمن صبر على المكاره في الدنيا دخل الجنة وجهنم محفوفة باللذات والشهوات ـ فمن أعطى نفسه لذتها وشهوتها دخل النار.

٨ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن محبوب ، عن عبد الله بن مرحوم ، عن أبي سيار ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إذا دخل المؤمن في قبره كانت الصلاة عن يمينه

_________________________________________

وهي الطاعات ، والشهوات محدقة مستديرة بالنار وهي المعاصي وهذا مثل يعني أنك لا يمكنك نيل الجنة إلا باحتمال مشاق ومكاره وهي فعل الطاعات والامتناع عن المقبحات ولا التفصي عن النار إلا بترك الشهوات وهي المعاصي التي تتعلق الشهوة بها فكان الجنة محفوفة بمكاره تحتاج أن تقطعها بتكلفها والنار محفوفة بملاذ وشهوات تحتاج أن تتركها.

وروي أن الله تعالى لما خلق الجنة قال لجبرئيلعليه‌السلام : انظر إليها فلما نظر إليها قال : يا رب لا يتركها أحد إلا دخلها فلما حفها بالمكاره قال : انظر إليها فلما نظر إليها قال : يا رب أخشى أن لا يدخلها أحد ولما خلق النار قال له : انظر إليها فلما نظر إليها قال : يا رب لا يدخلها أحد فلما حفها بالشهوات قال : انظر إليها فلما نظر إليها قال يا رب أخشى أن يدخلها كل أحد.

وفائدة الحديث إعلام أن الأعمال المفضية إلى الجنة مكروهة قرنا الله بها الكراهة وبالعكس منها الأعمال الموصلة إلى النار قرن بها الشهوة ليجاهد الإنسان نفسه فيحتمل تلك ويجتنب هذه.

الحديث الثامن : كالسابق.

والبر يطلق على مطلق أعمال الخير وعلى مطلق الإحسان إلى الغير وعلى الإحسان إلى الوالدين أو إليهما وإلى ذوي الأرحام ، والمراد هنا أحد المعاني سوى المعنى الأول ، قال الراغب : البر خلاف البحر وتصور منه التوسع فاشتق منه البر أي التوسع في فعل الخير وينسب ذلك إلى الله تارة نحو «إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ » و


والزكاة عن يساره والبر مطل عليه ويتنحى الصبر ناحية فإذا دخل عليه الملكان اللذان يليان مساءلته قال الصبر للصلاة والزكاة والبر دونكم صاحبكم فإن عجزتم عنه فأنا دونه.

٩ ـ علي ، عن أبيه ، عن جعفر بن محمد الأشعري ، عن عبد الله بن ميمون ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال دخل أمير المؤمنين صلوات الله عليه المسجد فإذا هو برجل على باب المسجد كئيب حزين فقال له أمير المؤمنينعليه‌السلام ما لك قال يا أمير المؤمنين أصبت بأبي [ وأمي ] وأخي وأخشى أن أكون قد وجلت فقال له أمير المؤمنينعليه‌السلام عليك بتقوى الله والصبر تقدم عليه غدا والصبر في الأمور بمنزلة الرأس

_________________________________________

إلى العبد تارة فيقال بر العبد ربه أي توسع في طاعته فمن الله تعالى الثواب ومن العبد الطاعة ، وبر الوالدين التوسع في الإحسان إليهما وضده العقوق« مطل » بالطاء المهملة من قولهم اطل عليهم أي أشرف ، وفي بعض النسخ بالمعجمة وهو قريب المعنى من الأول لكن التعدية بعلى بالأول أنسب« دونكم » اسم فعل بمعنى خذوا ، ويدل ظاهرا على تجسم الأعمال والأخلاق في الآخرة ومن أنكره يأوله وأمثاله بأن الله تعالى يخلق صورا مناسبة للأعمال يريه إياها لتفريحه أو تحزينه ، أو الكلام مبني على الاستعارة التمثيلية وتنحي الصبر وتمكنه في إعانته يناسب ذاته فتفطن.

الحديث التاسع : كالسابق أيضا.

« أصبت » على بناء المجهول« بأبي وأخي » أي ماتا« وأخشى أن أكون قد وجلت » الوجل : استشعار الخوف وكان المعنى أخشى أن يكون حزني بلغ حدا مذموما شرعا فعبر عنه بالوجل أو أخشى أن تنشق مرارتي من شدة الألم أو أخشى الوجل الذي يوجب الجنون« عليك » اسم فعل بمعنى الزم والباء للتقوية« بتقوى الله » أي في الشكاية والجزع وغيرهما مما يوجب نقص الإيمان ، وكأنه إشارة إلى قوله تعالى : «وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ »(١) .

« تقدم » على بناء المعلوم من باب علم بالجزم جزاء للأمر في « عليك » أو

__________________

(١) سورة آل عمران : ١٨٦.


من الجسد فإذا فارق الرأس الجسد فسد الجسد وإذا فارق الصبر الأمور فسدت الأمور.

١٠ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن سماعة بن مهران ، عن أبي الحسنعليه‌السلام قال قال لي ما حبسك عن الحج قال قلت جعلت فداك وقع علي دين كثير وذهب مالي وديني الذي قد لزمني هو أعظم من ذهاب مالي فلو لا أن رجلا من أصحابنا أخرجني ما قدرت أن أخرج فقال لي إن تصبر تغتبط وإلا تصبر ينفذ الله مقاديره راضيا كنت أم كارها.

١١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن سنان ، عن أبي الجارود ، عن

_________________________________________

بالرفع استئنافا بيانيا وضمير« عليه » راجع إلى الصبر بتقدير مضاف أي جزاءه ، أو إلى الله أي ثوابه ، وقيل : إلى كل من الأب والأخ ، فإن فوته جزءا خير للعلة أو إلى الأب لأنه الأصل والكل بعيد.

« غدا » أي في القيامة أو عند الموت أو سريعا.

الحديث العاشر : موثق.

والاغتباط مطاوع غبطه ، تقول : غبطه أغبطه غبطا وغبطه فاغتبط هو كمنعته فامتنع ، والغبطة إن تتمنى حال المغبوط لكونها في غاية الحسن من غير أن تريد زوالها عنه ، وهذا هو الفرق بينها وبين الحسد ، وفي القاموس : الغبطة بالكسر حسن الحال والمسرة وقد اغتبط ، وقال : الاغتباط : التبهج بالحال الحسنة ، انتهى.

والاغتباط أما في الآخرة بجزيل الأجر وحسن الجزاء ، وفي الدنيا أيضا بتبديل الضراء بالسراء ، فإن الصبر مفتاح الفرج ، وقد قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : أضيق ما يكون الحرج أقرب ما يكون الفرج ، مع أن الكاره تزداد مصيبته فإن فوات الأجر مصيبة أخرى ، والكراهة الموجبة لحزن القلب مصيبة عظيمة ، ومن ثم قيل : المصيبة للصابر واحدة وللجازع اثنتان ، بل له أربع مصيبات الثلاثة المذكورة وشماتة الأعداء ، ومن ثم قيل : الصبر عند المصيبة مصيبة على الشامت.

الحديث الحادي عشر : ضعيف.


الأصبغ قال قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه الصبر صبران صبر عند المصيبة حسن جميل وأحسن من ذلك الصبر عند ما حرم الله عز وجل عليك والذكر ذكران ذكر الله عز وجل عند المصيبة وأفضل من ذلك ذكر الله عند ما حرم عليك فيكون حاجزا.

١٢ ـ أبو علي الأشعري ، عن الحسن بن علي الكوفي ، عن العباس بن عامر ، عن العرزمي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله سيأتي على الناس زمان لا ينال الملك فيه إلا بالقتل والتجبر ولا الغنى إلا بالغصب والبخل ولا المحبة إلا باستخراج الدين واتباع الهوى ـ فمن أدرك ذلك الزمان فصبر على الفقر وهو يقدر

_________________________________________

« صبر » خبر مبتدإ محذوف أي أحدهما صبر ، وحسن أيضا خبر مبتدإ محذوف ، أي هو حسن ، ويحتمل أن يكون صبر مبتدأ وحسن خبره ، فتكون الجملة استئنافا بيانيا ، وقوله : ذكر الله خبر مبتدإ محذوف ليس إلا« فيكون » أي الذكر والفاء بيانية« حاجزا » أي مانعا عن فعل الحرام.

الحديث الثاني عشر : صحيح.

« لا ينال الملك فيه » أي السلطنة« إلا بالقتل » لعدم إطاعتهم أما الحق فيتسلط عليهم الملوك الجورة فيقتلونهم ويتجبرون عليهم ، وذلك من فساد الزمان وإلا لم يتسلط عليهم هؤلاء« ولا الغناء إلا بالغصب والبخل » وذلك من فساد الزمان وأهله لأنهم لسوء عقائدهم يظنون أن الغناء إنما يحصل بغصب أموال الناس والبخل في حقوق الله والخلق ، مع أنه لا يتوقف على ذلك ، بل الأمانة وأداء الحقوق ادعى إلى الغناء لأنه بيد الله ، ولأنه لفسق أهل الزمان منع الله عنهم البركات ، فلا يحصل الغناء إلا بهما« ولا المحبة » أي جلب محبة الناس« إلا باستخراج الدين » أي طلب خروج الدين من القلب أي بطلب خروجهم من الدين ،« واتباع الهوى » أي الأهواء النفسانية أو أهوائهم الباطلة ، وذلك لأن أهل تلك الأزمنة لفسادهم لا


على الغنى وصبر على البغضة وهو يقدر على المحبة وصبر على الذل وهو يقدر على العز آتاه الله ثواب خمسين صديقا ممن صدق بي.

١٣ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن أبي عبد الله ، عن إسماعيل بن مهران ، عن درست بن أبي منصور ، عن عيسى بن بشير ، عن أبي حمزة قال قال أبو جعفرعليه‌السلام لما حضرت أبي علي بن الحسينعليه‌السلام الوفاة ضمني إلى صدره وقال يا بني أوصيك بما أوصاني به أبي حين حضرته الوفاة وبما ذكر أن أباه أوصاه به يا بني اصبر على الحق وإن كان مرا

_________________________________________

يحبون أهل الدين والعبادة ، فمن طلب مودتهم لا بد من خروجه من الدين ومتابعتهم في الفسوق.

« وصبر على البغضة » أي بغضة الناس له لعدم اتباعه أهواءهم ، وصبر على الذل كأنه ناظر إلى نيل الملك ، فالنشر ليس على ترتيب اللف فالمراد بالعز هنا الملك والاستيلاء ، أو المراد بالملك هناك مطلق العز والرفعة ، ويحتمل أن تكون الفقرتان الأخيرتان ناظرتين إلى الفقرة الأخيرة ولم يتعرض للأولى لكون الملك عزيز المنال لا يتيسر لكل أحد ، والأول أظهر.

وفي جامع الأخبار الرواية هكذا : وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : أنه سيكون زمان لا يستقيم لهم الملك إلا بالقتل والجور ، ولا يستقيم لهم الغناء إلا بالبخل ولا يستقيم لهم الصحبة في الناس إلا باتباع أهوائهم والاستخراج من الدين ، فمن أدرك ذلك الزمان فصبر على الفقر وهو يقدر على الغناء ، وصبر على الذل وهو يقدر على العز وصبر على بغضة الناس وهو يقدر على المحبة أعطاه الله ثواب خمسين صديقا.

الحديث الثالث عشر : ضعيف.

« اصبر على الحق » أي على فعل الحق ، من ارتكاب الطاعات وترك المنهيات« وإن كان مرا » ثقيلا على الطبع لكونه مخالفا للمشتهيات النفسانية غالبا أو على


١٤ ـ عنه ، عن أبيه ، عن يونس بن عبد الرحمن رفعه ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال الصبر صبران صبر على البلاء حسن جميل وأفضل الصبرين الورع عن المحارم.

١٥ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى قال أخبرني يحيى بن سليم الطائفي قال أخبرني عمرو بن شمر اليماني يرفع الحديث إلى عليعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الصبر ثلاثة صبر عند المصيبة وصبر على الطاعة وصبر عن المعصية فمن صبر على المصيبة حتى يردها بحسن عزائها كتب الله له ثلاثمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء إلى الأرض ومن صبر على الطاعة كتب الله له ستمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى العرش ومن صبر عن المعصية كتب الله له تسعمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى منتهى العرش.

_________________________________________

قول الحق وإن كان مرا على الناس ، فالصبر على ما يترتب على هذا القول من بغض الناس وأذيتهم ، أو على سماع الحق الذي إليك وإن كان مرا عليك مكروها لك. كمن واجهك بعيب من عيوبك فتصدقه فتقبله أو اطلعك على خطإ في الاجتهاد أو الرأي فتقبله ويمكن التعميم ليشمل الجميع.

الحديث الرابع عشر : مرفوع ، وضمير عنه راجع إلى أحمد فتنسحب عليه العدةالحديث الخامس عشر : ضعيف.

« حتى يردها » أي المصيبة وشدتها« بحسن عزائها » أي بحسن الصبر اللائق لتلك المصيبة« ثلاثمائة درجة » أي من درجات الجنة أو درجات الكمال فالتشبيه من تشبيه المعقول بالمحسوس ، وفي الصحاح : التخم منتهى كل قرية أو أرض ، والجمع تخوم كفلس وفلوس ، انتهى.

ويدل على أن ارتفاع الجنة أكثر من تخوم الأرض إلى العرش ، ولا ينافي ذلك كون عرضها كعرض السماء والأرض ، مع أنه قد قيل في الآية وجوه مع بعضها رفع التنافي أظهر.


١٦ ـ عنه ، عن علي بن الحكم ، عن يونس بن يعقوب قال أمرني أبو عبد اللهعليه‌السلام أن آتي المفضل وأعزيه بإسماعيل وقال أقرئ المفضل السلام وقل له إنا قد أصبنا بإسماعيل فصبرنا فاصبر كما صبرنا إنا أردنا أمرا وأراد الله عز وجل أمرا فسلمنا لأمر الله عز وجل.

١٧ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن سيف بن عميرة ، عن أبي حمزة الثمالي قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام من ابتلي من المؤمنين ببلاء فصبر عليه كان له مثل أجر ألف شهيد.

١٨ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن سنان ، عن عمار

_________________________________________

الحديث السادس عشر : موثق كالصحيح.

والظاهر أنه المفضل بن عمر ويدل على مدح عظيم له ، وأنه كان من خواص أصحابه وأحبائه ، وإسماعيل ولده الأكبر الذي كان يظن الناس أنه الإمام بعدهعليه‌السلام ، فلما مات في حياته علم أنه لم يكن إماما ، وهذا هو المرادبقوله عليه‌السلام :

أردنا أمرا ، أي إمامته بظاهر الحال أو بشهوة الطبع ، أو المراد إرادة الشيعة كالمفضل وأضرابه ، وأدخلعليه‌السلام نفسه تغليبا ومماشاة ، ويدل على لزوم الرضا بقضاء الله والتسليم له ، وقيل : المعنى أردنا طول عمر إسماعيل وأراد الله موته ، وأغرب من ذلك أنه قال : عزى المفضل بابن له مات في ذلك الوقت بذكر فوت إسماعيل.

الحديث السابع عشر : حسن كالصحيح.

قوله عليه‌السلام : مثل أجر ألف شهيد ، فإن قيل : كيف يستقيم هذا مع أن الشهيد أيضا من الصابرين حيث صبر حتى استشهد؟ قلت : يحتمل أن يكون المراد بهم شهداء سائر الأمم أو المعنى مثل ما يستحق ألف شهيد وإن كان ثوابهم التفضلي أضعاف ذلك ، وقيل : المراد بهم الشهداء الذين لم تكن لهم نية خالصة فلم يستحقوا ثوابا عظيما والأوسط كأنه أظهر.

الحديث الثامن عشر : ضعيف على المشهور.


بن مروان ، عن سماعة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إن الله عز وجل أنعم على قوم فلم يشكروا فصارت عليهم وبالا وابتلى قوما بالمصائب فصبروا فصارت عليهم نعمة.

١٩ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ومحمد بن إسماعيل ، عن الفضل بن شاذان جميعا ، عن ابن أبي عمير ، عن إبراهيم بن عبد الحميد ، عن أبان بن أبي مسافر ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في قول الله عز وجل : «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا » قال اصبروا على المصائب.

وفي رواية ابن أبي يعفور ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال صابروا على المصائب.

٢٠ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن محمد بن عيسى ، عن علي بن محمد بن أبي جميلة ، عن جده أبي جميلة ، عن بعض أصحابه قال لو لا أن الصبر خلق قبل البلاء لتفطر المؤمن كما تتفطر البيضة على الصفا.

_________________________________________

والوبال الشدة والثقل والعذاب ، أي صارت النعمة مع عدم الشكر نكالا وعذابا عليهم في الدنيا والآخرة ، وصار البلاء على الصابر نعمة في الدنيا والآخرة.

الحديث التاسع عشر : مجهول وآخره مرسل.

وكأنه تتمة الخبر الثاني المتقدم في باب أداء الفرائض وقد مر تفسير الآية ولا تنافي بينها فإن للآيات معاني شتى ظهرا وبطنا.

الحديث العشرون : ضعيف.

والتفطر التشقق من الفطر وهو الشق ، والصفا جمع الصفاة وهي الحجر الصلد الضخم لا تنبت ، وفيه إيماء إلى أن الصبر من لوازم الإيمان ومن لم يصبر عند البلاء لا يستحق اسم الإيمان كما مر أنه من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ويشعر بكثرة ورود البلاء على المؤمن.


٢١ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن صفوان ، عن إسحاق بن عمار وعبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال الله عز وجل إني جعلت الدنيا بين عبادي قرضا فمن أقرضني منها قرضا أعطيته بكل واحدة عشرا إلى سبعمائة ضعف وما شئت من ذلك ومن لم يقرضني منها قرضا فأخذت منه شيئا قسرا فصبر أعطيته ثلاث خصال لو أعطيت واحدة منهن ملائكتي لرضوا بها

_________________________________________

الحديث الحادي والعشرون : صحيح.

« بين عبادي قرضا » القرض القطع وما سلفت من إساءة أو إحسان ، وما تعطيه لتقضاه ، والمعنى أعطيتهم مقسوما بينهم ليقرضوني فأعوضهم أضعافها لا ليمسكوا عليها ، وقيل : أي جعلتها قطعة قطعة وأعطيت كلا منهم نصيبا« فمن أقرضني منها قرضا » أي نوعا من القرض كصلة الإمام والصدقة والهدية إلى الإخوان ونحوها« وما شئت من ذلك » أي من عدد العطية أو الزيادة زائدا على السبعمائة كما قال تعالى : «وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ »(١) وقيل : إشارة إلى كيفية الثواب المذكور والتفاوت باعتبار تفاوت مراتب الإخلاص وطيب المال ، واستحقاق الأخذ وصلاحه وقرابته وأشباه ذلك ، والقسر : القهر« لرضوا بها مني » أي رضا كاملا.

«الَّذِينَ » صدر الآية : «وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ » قال الطبرسي قدس الله روحه : أي نالتهم نكبة في النفس أو المال فوطنوا أنفسهم على ذلك احتسابا للأجر ، والمصيبة المشقة الداخلة على النفس لما يلحقها من المضرة وهو من الإصابة كأنها يصيبها بالنكبة «قالُوا إِنَّا لِلَّهِ » إقرارا بالعبودية أي نحن عبيد الله وملكه «وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ » هذا إقرار بالبعث والنشور أي نحن إلى حكمه نصير ، ولهذا قال

__________________

(١) سورة البقرة : ٢٦١.


مني قال ثم تلا أبو عبد اللهعليه‌السلام ـ قول الله عز وجل : «الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ » فهذه واحدة من ثلاث خصال : «وَرَحْمَةٌ » اثنتان «وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ »(١) ثلاث ثم قال أبو عبد اللهعليه‌السلام هذا لمن أخذ الله منه شيئا قسرا.

٢٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه وعلي بن محمد القاساني ، عن القاسم بن محمد ، عن سليمان بن داود ، عن يحيى بن آدم ، عن شريك ، عن جابر بن يزيد ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال مروة الصبر في حال الحاجة والفاقة والتعفف والغنى أكثر من

_________________________________________

أمير المؤمنينعليه‌السلام : إن قولنا إنا لله ، إقرار علي أنفسنا بالملك ، وقولنا وإنا إليه راجعون ، إقرار على أنفسنا بالهلك ، وإنما كانت هذه اللفظة تعزية عن المصيبة لما فيها من الدلالة على أن الله تعالى يجبرها إن كانت عدلا ، وينصف من فاعلها إن كانت ظلما ، وتقديره إنا لله تسليما لأمره ورضا بتدبيره ، وإنا إليه راجعون ، ثقة بأنا نصير إلى عدله وانفراده بالحكم في أموره.

«صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ » أي ثناء جميل من ربهم وتزكية وهو بمعنى الدعاء لأن الثناء يستحق دائما ، ففيه معنى اللزوم كما أن الدعاء يدعى به مرة بعد مرة ، ففيه معنى اللزوم ، وقيل : بركات من ربهم عن ابن عباس ، وقيل : مغفرة من ربهم ورحمة أي نعمة عاجلا وآجلا ، فالرحمة النعمة على المحتاج ، وكل أحد يحتاج إلى نعمة الله في دنياه وعقباه.

«وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ » أي المصيبون طريق الحق في الاسترجاع وقيل : إلى الجنة والثواب ، انتهى.

قوله : هذا لمن أخذ الله منه شيئا قسرا ، أي فكيف من أنفق بطيب نفسه.

الحديث الثاني والعشرون : ضعيف.

وقد مضى معنىالمروة وهي الصفات التي بها تكمل إنسانية الإنسان ، و

__________________

(١) سورة البقرة : ١٧٥.


مروة الإعطاء.

٢٣ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن أحمد بن النضر ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر قال قلت لأبي جعفرعليه‌السلام يرحمك الله ما الصبر الجميل قال ذلك صبر ليس فيه شكوى إلى الناس.

٢٤ ـ حميد بن زياد ، عن الحسن بن محمد بن سماعة ، عن بعض أصحابه ، عن أبان ، عن عبد الرحمن بن سيابة ، عن أبي النعمان ، عن أبي عبد الله أو أبي جعفرعليه‌السلام قال من لا يعد الصبر لنوائب الدهر يعجز.

٢٥ ـ أبو علي الأشعري ، عن معلى بن محمد ، عن الوشاء ، عن بعض أصحابه ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إنا صبر وشيعتنا أصبر منا قلت جعلت فداك كيف

_________________________________________

الفاقة الفقر والحاجة ، والتعفف ترك السؤال عن الناس وهو عطف على الصبر والغناء بالغين المعجمة أيضا الاستغناء عن الناس وإظهار الغناء لهم ، وفي بعض النسخ بالمهملة بمعنى التعب فعطفه على الحاجة حينئذ أنسب ، وتخلل التعطف في البين مما يبعده فالأظهر على تقديره عطفه على الصبر أيضا.

الحديث الثالث والعشرون : كالسابق.

« شكوى إلى الناس » ظاهره عموم الناس وربما يختص بغير المؤمن لقول أمير المؤمنينعليه‌السلام : من شكا الحاجة إلى مؤمن فكأنما شكاها إلى الله ، ومن شكاها إلى كافر فكأنما شكا الله.

الحديث الرابع والعشرون : مرسل.

« من لا يعد الصبر » أي لم يجعل الصبر ملكة راسخة في نفسه يدفع صولة نزول النوائب والمصائب به يعجز طبعه ونفسه عن مقاومتها وتحملها فيهلك بالهلاك الصوري والمعنوي أيضا بالجزع وتفويت الأجر ، وربما انتهى به إلى الفسق بل الكفر.

الحديث الخامس والعشرون : ضعيف.

والصبر بضم الصاد وتشديد الباء المفتوحة جمع الصابر« أصبر منا » أي الصبر


صار شيعتكم أصبر منكم قال لأنا نصبر على ما نعلم وشيعتنا يصبرون على ما لا يعلمون.

_________________________________________

عليهم أشق وأشد« لأنا نصبر على ما نعلم ».

أقول : يحتمل وجوها : « الأول » وهو الأظهر أن المعنى إنا نصبر على ما نعلم نزوله قبل وقوعه ، وهذا مما يهين المصيبة ويسهلها وشيعتنا تنزل عليهم المصائب فجأة مع عدم علمهم بها قبل وقوعها ، فهي عليهم أشد ، ويؤيده ما مر أن قوله تعالى : «ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ ، لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ »(١) نزل فيهمعليهم‌السلام فتدبر.

الثاني : أن المعنى إنا نصبر على ما نعلم كنه ثوابه ، والحكمة في وقوعه ، ورفعة الدرجات بسببه وشيعتنا ليس علمهم بجميع ذلك كعلمنا وهذه كلها مما يسكن النفس عند المصيبة ويعزيها.

الثالث : أنا نصبر على ما نعلم عواقبه وكيفية زواله وتبدل الأحوال بعده كعلم يوسفعليه‌السلام في الجب بعاقبة أمره واحتياج الأخوة إليه ، وكذا علم الأئمةعليهم‌السلام برجوع الدولة إليهم والانتقام من أعدائهم وابتلاء أعدائهم بأنواع العقوبات في الدنيا والآخرة ، وهذا قريب من الوجه الثاني.

__________________

(١) سورة الحديد : ٢٢ ـ ٢٣.


باب الشكر

١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الطاعم الشاكر له من الأجر كأجر الصائم

_________________________________________

باب الشكر

الحديث الأول : ضعيف على المشهور.

وقال الراغب :الشكر تصور النعمة وإظهارها ، قيل : وهو مقلوب عن الكشر أي الكشف ويضاده الكفر وهو نسيان النعمة وسترها ، ودابة شكور مظهر لسمنه إسداء صاحبه إليه ، وقيل : أصله من عين شكري أي ممتلئة ، فالشكر علي هذا هو الامتلاء من ذكر المنعم عليه والشكر ثلاثة أضرب شكر القلب وهو تصور النعمة ، وشكر باللسان وهو الثناء على المنعم ، وشكر بسائر الجوارح وهو مكافأة النعمة بقدر استحقاقها ، انتهى.

وقال المحقق الطوسيقدس‌سره : الشكر أشرف الأعمال وأفضلها ، واعلم أن الشكر مقابلة النعمة بالقول والفعل والنية ، وله أركان ثلاثة : الأول : معرفة المنعم وصفاته اللائقة به ومعرفة النعمة من حيث إنها نعمة ، ولا تتم تلك المعرفة إلا بأن يعرف أن النعم كلها جليها وخفيها من الله سبحانه ، وأنه المنعم الحقيقي ، وأن الأوساط كلها منقادون لحكمه مسخرون لأمره ، الثاني : الحال التي هي ثمرة تلك المعرفة ، وهي الخضوع والتواضع والسرور بالنعم من حيث إنها هدية دالة على عناية المنعم بك ، وعلامة ذلك أن لا تفرح من الدنيا إلا بما يوجب القرب منه ، الثالث : العمل الذي هو ثمرة تلك الحال فإن تلك الحال إذا حصلت في القلب حصل فيه نشاط للعمل الموجب للقرب منه.

وهذا العمل يتعلق بالقلب واللسان والجوارح ، أما عمل القلب فالقصد إلى


المحتسب والمعافى الشاكر له من الأجر كأجر المبتلى الصابر والمعطى الشاكر له من الأجر كأجر المحروم القانع.

_________________________________________

تعظيمه وتحميده وتمجيده ، والتفكر في صنائعه وأفعاله وآثار لطفه ، والعزم على إيصال الخير والإحسان إلى كافة خلقه ، وأما عمل اللسان فإظهار ذلك المقصود بالتحميد والتمجيد والتسبيح والتهليل ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى غير ذلك ، وأما عمل الجوارح فاستعمال نعمه الظاهرة والباطنة في طاعته وعبادته ، والتوقي من الاستعانة بها في معصيته ومخالفته ، كاستعمال العين في مطالعة مصنوعاته وتلاوة كتابه وتذكر العلوم المأثورة من الأنبياء والأوصياءعليهم‌السلام ، وكذا سائر الجوارح.

فظهر أن الشكر من أمهات صفات الكمال وتحقق الكامل منه نادر كما قال سبحانه : «وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ »(١) ولما كان الشكر بالجوارح التي هي من نعمه تعالى ولا يتأتى إلا بتوفيقه سبحانه فالشكر أيضا نعمة من نعمه ويوجب شكرا آخر ، فينتهي إلى الاعتراف بالعجز عن الشكر ، فآخر مراتب الشكر الاعتراف بالعجز عنه ، كما أن آخر مراتب المعرفة والثناء الاعتراف بالعجز عنهما ، وكذا العبادة كما قال سيد العابدين والعارفين والشاكرينصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ، وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما عبدناك حق عبادتك وما عرفناك حق معرفتك.

قوله عليه‌السلام : الطاعم الشاكر ، الطاعم يطلق على الآكل والشارب ، كما قال تعالى : «وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ »(٢) ويقال : فلان احتسب عمله وبعمله إذا نوى به وجه الله ، والمعطي اسم مفعول ، والمحروم من حرم العطاء من الله أو من الخلق والقانع الراضي بما أعطاه الله.

__________________

(١) سورة سبأ : ١٣ :.

(٢) سورة البقرة : ٢٤٩.


٢ ـ وبهذا الإسناد قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ما فتح الله على عبد باب شكر فخزن عنه باب الزيادة.

٣ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن جعفر بن محمد البغدادي ، عن عبد الله بن إسحاق الجعفري ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال مكتوب في التوراة اشكر من أنعم عليك وأنعم على من شكرك فإنه لا زوال للنعماء إذا شكرت ولا بقاء لها إذا كفرت الشكر زيادة في النعم وأمان من الغير.

٤ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن أبي عبد الله ، عن محمد بن علي ، عن علي بن أسباط ، عن يعقوب بن سالم ، عن رجل ، عن [ أبي جعفر أو ] أبي عبد اللهعليه‌السلام قال المعافى الشاكر له من الأجر ما للمبتلى الصابر والمعطى الشاكر له من الأجر كالمحروم القانع.

_________________________________________

الحديث الثاني : مثل الأول.

« فخزن » أي أحرز ومنع ، ومثله في نهج البلاغة : ما كان الله ليفتح على عبد باب الشكر ويغلق عليه باب الزيادة وهما إشارتان إلى قوله تعالى : «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ »(١) .

الحديث الثالث : مجهول.

« من أنعم عليك » يشمل المنعم الحقيقي وغيره« زيادة في النعم » أي سبب لزيادتها« وأمان من الغير » أي من تغير النعمة بالنقمة والغير بكسر الغين وفتح الباء اسم للتغير ويظهر من القاموس أنه بفتح الغين وسكون الياء ، قال في النهاية في حديث الاستسقاء : من يكفر بالله يلق الغير ، أي تغير الحال وانتقالها من الصلاح إلى الفساد ، والغير الاسم من قولك غيرت الشيء فتغير ، وفي بعض النسخ بالباء الموحدة وهو محركة داهية لا يهتدي لمثلها ، والظاهر أنه تصحيف.

الحديث الرابع : ضعيف.

وقد مر مضمونه.

__________________

(١) سورة إبراهيم : ٧.


٥ ـ عنه ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن داود بن الحصين ، عن فضل البقباق قال سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن قول الله عز وجل : «وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ »(١) قال الذي أنعم عليك بما فضلك وأعطاك وأحسن إليك ثم قال فحدث بدينه وما أعطاه الله وما أنعم به عليه.

_________________________________________

الحديث الخامس : موثق.

«وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ » قال في مجمع البيان : معناه : اذكر نعم الله تعالى وأظهرها وحدث بها ، وفي الحديث التحدث بنعمة الله شكر وتركه كفر ، وقال الكلبي : يريد بالنعمة القرآن وكان أعظم ما أنعم الله عليه به ، فأمره أن يقرأه وقال مجاهد والزجاج : يريد بالنبوة التي أعطاك ربك أي بلغ ما أرسلت به وحدث بالنبوة التي أتاكها الله ، وهي أجل النعم وقيل : معناه اشكر بما ذكر من النعمة عليك في هذه السورة ، وقال الصادقعليه‌السلام : معناه فحدث بما أعطاك الله وفضلك ورزقك وأحسن إليك وهداك ، انتهى.

قوله : بما فضلك ، بيان للنعمة أي بتفضيلك على سائر الخلق ، أو بما فضلك به من النبوة الخاصة وأعطاك من العلم والمعرفة والمحبة وسائر الكمالات النفسانية والشفاعة واللواء والحوض وسائر النعم الأخروية« وأحسن إليك » من النعم الدنيوية أو الأعم.

« ثم قال » : أي الإمامعليه‌السلام ،فحدث بصيغة الماضي أي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عملا بما أمر به« بدينه » أي العقائد الإيمانية والعبادات القلبية والبدنية« وما أعطاه » من النبوة والفضل والكرامة في الدنيا والآخرة« وما أنعم به عليه » من النعم الدنيوية والأخروية والجسمانية والروحانية.

__________________

(١) سورة الضحى : ١١.


٦ ـ حميد بن زياد ، عن الحسن بن محمد بن سماعة ، عن وهيب بن حفص ، عن أبي بصير ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عند عائشة ليلتها فقالت يا رسول الله لم تتعب نفسك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال يا

_________________________________________

الحديث السادس : كالسابق.

« وقد غفر الله لك » إشارة إلى قوله تعالى : «إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ » وللشيعة في تأويله أقوال : أحدها : أن المراد ليغفر لك الله ما تقدم من ذنب أمتك وما تأخر بشفاعتك وإضافة ذنوب أمته إليه للاتصال والسبب بينه وبين أمته ، ويؤيده ما رواه المفضل بن عمر عن الصادقعليه‌السلام قال :

سأله رجل عن هذه الآية فقال : والله ما كان له ذنب ولكن الله سبحانه ضمن له أن يغفر ذنوب شيعة على ما تقدم من ذنبهم وما تأخر ، وروى عمر بن يزيد عنهعليه‌السلام قال : ما كان له ذنب ولا هم بذنب ولكن الله حمله ذنوب شيعته ثم غفرها له.

والثاني : ما ذكره السيد المرتضىرضي‌الله‌عنه أن الذنب مصدر والمصدر يجوز إضافته إلى الفاعل والمفعول معا فيكون هنا مضافا إلى المفعول والمراد ما تقدم من ذنبهم إليك في منعهم إياك عن مكة وصدهم لك عن المسجد الحرام ويكون معنى المغفرة على هذا التأويل الإزالة والنسخ لأحكام أعدائه من المشركين عليه أي يزيل الله ذلك عنده ويستر عليك تلك الوصمة بما يفتح الله لك من مكة فستدخلها فيما بعد ، ولذلك جعله جزاء على جهاده وغرضا في الفتح ووجها له ، قال : ولو أنه أراد مغفرة ذنوبه لم يكن لقوله : «إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ » معنى معقول لأن المغفرة للذنوب لا تعلق لها بالفتح فلا يكون غرضا فيه ، وأماقوله : « ما تقدم وما تأخر » فلا يمتنع أن يريد به ما تقدم زمانه من فعلهم القبيح بك وبقومك.

الثالث : أن معناه لو كان لك ذنب قديم أو حديث لغفرناه لك.

الرابع : أن المراد بالذنب هناك ترك المندوب ، وحسن ذلك لأن من المعلوم


عائشة ألا أكون عبدا شكورا قال وكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقوم على أطراف أصابع

_________________________________________

أنهعليه‌السلام ممن لا يخالف الأوامر الواجبة فجاز أن يسمى ذنبا منه ما لو وقع من غيره لم يسم ذنبا لعلو قدره ورفعة شأنه.

الخامس : أن القول خرج مخرج التعظيم وحسن الخطاب كما قيل في قوله : «عَفَا اللهُ عَنْكَ »(١) .

أقول : وقد روى الصدوق في العيون بإسناده عن علي بن محمد بن الجهم قال : حضرت مجلس المأمون وعنده الرضاعليه‌السلام فقال له المأمون : يا بن رسول الله أليس من قولك أن الأنبياء معصومون؟ قال : بلى ، قال : فما معنى قول الله : «لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ »؟ قال الرضاعليه‌السلام : لم يكن أحد عند مشركي مكة أعظم ذنبا من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأنهم كانوا يعبدون من دون الله ثلاثمائة وستين صنما ، فلما جاءهمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالدعوة إلى كلمة الإخلاص كبر ذلك عليهم وعظم وقالوا : «أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ » إلى قوله : «إِنْ هذا إِلاَّ اخْتِلاقٌ »(٢) فلما فتح الله تعالى على نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مكة قال له : يا محمد «إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ » عند مشركي أهل مكة بدعائك إلى توحيد الله فيما تقدم وما تأخر لأن مشركي مكة أسلم بعضهم وخرج بعضهم عن مكة ومن بقي منهم لم يقدر على إنكار التوحيد عليه إذا دعا الناس إليه ، فصار ذنبه عندهم في ذلك مغفورا بظهوره عليهم ، فقال المأمون : لله درك يا أبا الحسن.

وكان هذا الحديث بالوجه الرابع أنسب ، لتقريرهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كلام عائشة وإن أمكن توجيهه على بعض الوجوه الأخر.

والحاصل أن عائشة توهمت أن ارتكاب المشقة في الطاعات إنما يكون

__________________

(١) سورة التوبة : ٤٣.

(٢) سورة ص : ٥ ـ ٧.


رجليه فأنزل الله سبحانه وتعالى : «طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى »(١) .

_________________________________________

لمحو السيئات فأجابصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأنه ليس منحصرا في ذلك بل يكون لشكر النعم الغير المتناهية ورفع الدرجات الصورية والمعنوية بل الطاعات عند المحبين من أعظم اللذات كما عرفت.

«طه » قيل : معنى «طه » يا رجل عن ابن عباس وجماعة ، وقد دلت الأخبار الكثيرة أنه من أسماء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم روى علي بن إبراهيم في تفسيره بإسناده عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهما‌السلام قالا : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا صلى قام على أصابع رجليه حتى تورم فأنزل الله تبارك وتعالى «طه » بلغة طي يا محمد «ما أَنْزَلْنا ». الآية.

وروى الصدوق في معاني الأخبار بإسناده عن سفيان الثوري عن الصادقعليه‌السلام في حديث طويل قال فيه : فأما طه فاسم من أسماء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومعناه : يا طالب الحق الهادي إليه ،ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى بل لتسعد ، وروى الطبرسي في الاحتجاج عن موسى بن جعفر عن آبائهعليهم‌السلام قال قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : ولقد قام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عشر سنين على أطراف أصابعه حتى تورمت قدماه وأصفر وجهه يقوم الليل أجمع حتى عوتب في ذلك ، فقال الله عز وجل «طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى » بل لتسعد به « الخبر ».

وقال النسفي من العامة : قال القشيري : الطاء إشارة إلى طهارة قلبه عن غير الله ، والهاء إلى اهتداء قلبه إلى الله ، وقيل : الطاء طرب أهل الجنة والهاء هوان أهل النار ، وقال الطبرسي (ره) : روي عن الحسن أنه قرأ طه بفتح الطاء وسكون الهاء ، فإن صح ذلك عنه فأصله طاه فأبدل من الهمزة هاء ومعناه طأ الأرض بقدميك جميعا فقد روي أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يرفع إحدى رجليه في الصلاة ليزيد تعبه ، فأنزل الله : طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ، فوضعها ، وروي ذلك عن أبي عبد اللهعليه‌السلام .

__________________

(١) سورة طه : ١ ـ ٢.


٧ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن فضال ، عن حسن بن جهم ، عن أبي اليقظان ، عن عبيد الله بن الوليد قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول ثلاث لا يضر معهن شيء الدعاء عند الكرب والاستغفار عند الذنب والشكر عند النعمة.

_________________________________________

وقال الحسن : هو جواب للمشركين حين قالوا إنه شقي فقال سبحانه : يا رجل «ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى » لكن لتسعد به تنال الكرامة به في الدنيا والآخرة.

قال قتادة : وكان يصلي الليل كله ويعلق صدره بحبل حتى لا يغلبه النوم فأمره الله سبحانه أن يخفف عن نفسه ، وذكر أنه ما أنزل عليه الوحي ليتعب كل هذا التعب.

وقال البيضاوي : المعنى ما أنزلنا عليك القرآن لتتعب بفرط تأسفك على كفر قريش ، إذ ما عليك إلا أن تبلغ أو بكثرة الرياضة وكثرة التهجد والقيام على ساق ، والشقاء شائع بمعنى التعب. ولعله عدل إليه للإشعار بأنه أنزل عليه ليسعد ، وقيل : رد وتكذيب للكفرة فإنهم لما رأوا كثرة عبادته قالوا إنك لتشقى بترك ديننا وأن القرآن أنزل إليك لتشقى به ، انتهى.

وأقول : القيام على رجل واحد وعلى أطراف الأصابع وأمثالهما لعلها كانت ابتداء في شريعتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثم نسخت ، بناء على ما هو الأظهر من أنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان عاملا بشريعة نفسه أو في شريعة من كان يعمل بشريعته على الأقوال الأخر ، وقد بسطنا القول في ذلك في الكتاب الكبير.

الحديث السابع : مجهول.

ومفاده معلوم لأن الدعاء يدفع الكرب والاستغفار يمحو الذنوب والشكر يوجب عدم زوال النعمة ، ويؤمن من كونها استدراجا ووبالا في الآخرة.


٨ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن يحيى بن المبارك ، عن عبد الله بن جبلة ، عن معاوية بن وهب ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال من أعطي الشكر أعطي الزيادة يقول الله عز وجل : «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ »(١) .

٩ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن صفوان ، عن إسحاق بن عمار ، عن رجلين من أصحابنا سمعاه ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال ما أنعم الله على عبد من نعمة فعرفها بقلبه وحمد الله ظاهرا بلسانه فتم كلامه حتى يؤمر له بالمزيد.

١٠ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن بعض أصحابنا ، عن محمد بن هشام ، عن ميسر ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال شكر النعمة اجتناب المحارم وتمام الشكر قول الرجل :الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ .

_________________________________________

الحديث الثامن : ضعيف على المشهور.

الحديث التاسع : مرسل.

« فعرفها بقلبه » أي عرف قدر النعمة وعظمتها وأنها من الله تعالى لأنه مسبب الأسباب وفيه إشعار بأن الشكر الموجب للمزيد هو القلبي مع اللساني.

الحديث العاشر : مجهول.

ويدل على أن اجتناب المحارم من أعظم الشكر الأركاني ، وأن الحمد لله رب العالمين فرد كامل من الشكر لأنه يستفاد منه اختصاص جميع المحامد بالله سبحانه فيدل على أنه المولى بجميع النعم الظاهرة والباطنة ، وأنه رب لجميع ما سواه وخالق ومرب لها ، وأنه لا شريك له في الخالقية والمعبودية والرازقية ، وقوله :

تمام الشكر ، المراد به الشكر التام الكامل أو هو متمم لاجتناب المحارم ومكمل له.

__________________

(١) سورة إبراهيم : ٧.


١١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن علي بن عيينة ، عن عمر بن يزيد قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول شكر كل نعمة وإن عظمت أن تحمد الله عز وجل عليها.

١٢ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن إسماعيل بن مهران ، عن سيف بن عميرة ، عن أبي بصير قال قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام هل للشكر حد إذا فعله العبد كان شاكرا قال نعم قلت ما هو قال يحمد الله على كل نعمة عليه في أهل ومال وإن كان فيما أنعم عليه في ماله حق أداه ومنه قوله جل وعز : «سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ »(١) ومنه قوله تعالى : «رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبارَكاً

_________________________________________

الحديث الحادي عشر : حسن.

ويدل على أن الشكر يتحقق بالحمد اللساني ولا ينافي كون كماله بانضمام شكر الجنان والأركان.

الحديث الثاني عشر : صحيح.

قوله : حق ، أي واجب أو الأعم« ومنه » أي من الشكر أو من الحق الذي يجب أداؤه فيما أنعم الله عليه أن يقول عند ركوب الفلك أو الدابة اللتين أنعم الله بهما عليه ما قال سبحانه تعليما لعباده وإرشادا لهم حيث قال عز وجل : «وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي » إلى قوله : «وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ » أي مطيقين ، من أقرنت الشيء إقرانا أطقته وقويت عليه.

قال الطبرسي (ره) في تفسير هذه الآية : ثم تذكروا نعمة ربكم فتشكروه على تلك النعمة التي هي تسخير ذلك المركب وتقولوا معترفين بنعمة منزهين له عن شبه المخلوقين :سبحان الذي سخر لنا هذا ، أي ذلله لنا حتى ركبناه قال قتادة

__________________

(١) سورة الزخرف : ١٣.


وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ »(١) وقوله : «رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ

_________________________________________

قد علمكم كيف تقولون إذا ركبتم.

وروى العياشي بإسناده عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : ذكر النعمة أن تقول : الحمد لله الذي هدانا للإسلام وعلمنا القرآن ومن علينا بمحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتقول بعده : «سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا » إلى قوله : «وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ » ومنه قوله تعالى : «رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ».

ليس هذا في بعض النسخ وعلى تقديره المعنى أنه من موسىعليه‌السلام كان متضمنا للشكر على نعمة الفقر وغيره لاشتماله على الاعتراف بالمنعم الحقيقي والتوسل إليه في جميع الأمور ، وروي عن أمير المؤمنينعليه‌السلام أنه قال : والله ما سأله إلا خبزا يأكله لأنه كان يأكل بقلة الأرض ولقد كانت خضرة البقل ترى من شفيف صفاق بطنه لهزاله وتشذب لحمه ، وكذا علم سبحانه نوحاعليه‌السلام الشكر حيث أمره أن يقول عند دخول سفينة أو عند الخروج منها : «رَبِّ أَنْزِلْنِي » وصدر الآية هكذا :

«فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً » قرأ أبو بكر منزلا بفتح الميم وكسر الزاي أي موضع النزول ، قيل : هو السفينة بعد الركوب ، وقيل : هو الأرض بعد النزول ، وقرأ الباقون منزلا بضم الميم وفتح الزاي أي إنزالا مباركا ، فالبركة في السفينة النجاة وفي النزول بعد الخروج كثرة النسل من أولاده ، وقيل : مباركا بالماء والشجر.

«وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ » لأنه لا يقدر أحد على أن يصون غيره من الآفات إذا أنزل منزلا ويكفيه جميع ما يحتاج إليه إلا أنت فظهر أن هذا شكر أمر الله به وتوسل إلى جنابه سبحانه ، وكذا كل من قرأ هذه الآية عند نزول منزل أو دار فقد شكر الله ، وكذا ما علمه الله الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يقول عند دخول مكة أو في جميع

__________________

(١) سورة المؤمنون : ٩٢.


لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً »(١) .

١٣ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن معمر بن خلاد قال سمعت أبا الحسن صلوات الله عليه يقول من حمد الله على النعمة فقد شكره وكان الحمد أفضل من تلك النعمة.

١٤ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد ، عن علي بن الحكم ، عن صفوان الجمال ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال لي ما أنعم الله على عبد بنعمة صغرت أو كبرت فقال الحمد لله إلا أدى شكرها.

_________________________________________

الأمور «رَبِّ أَدْخِلْنِي » قيل : أي أدخلني في جميع ما أرسلتني به إدخال صدق وأخرجني منه سالما إخراج صدق ، أي أعني على الوحي والرسالة ، وقيل : معناه أدخلني المدينة وأخرجني منها إلى مكة للفتح ، وقيل : إنه أمر بهذا الدعاء إذا دخل في أمر أو خرج من أمر ، وقيل : أي أدخلني القبر عند الموت مدخل صدق وأخرجني منه عند البعث مخرج صدق ، ومدخل الصدق ما تحمد عاقبته في الدنيا والدين «وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً » أي عزا أمتنع به ممن يحاول صدي عن إقامة فرائضك ، وقوة تنصرني بها على من عاداني ، وقيل : اجعل لي ملكا عزيزا أقهر به العصاة فنصر بالرعب ، وقد ورد قراءتها عند الدخول على سلطان ، والتقريب في كونه شكرا ما مر.

الحديث الثالث عشر : صحيح.

« وكان الحمد » أي توفيق الحمد نعمة أخرى أفضل من النعمة الأولى ، ويستحق بذلك شكرا آخر فلا يمكن الخروج عن عهدة الشكر ، فمنتهى الشكر الاعتراف بالعجز ، أو المعنى أن أصل الحمد أفضل له من تلك النعمة لأن ثمراته الدنيوية والأخروية له أعظم.

الحديث الرابع عشر : كالسابق.

__________________

(١) سورة الإسراء ٨٠.


١٥ ـ أبو علي الأشعري ، عن عيسى بن أيوب ، عن علي بن مهزيار ، عن القاسم بن محمد ، عن إسماعيل بن أبي الحسن ، عن رجل ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال من أنعم الله عليه بنعمة فعرفها بقلبه فقد أدى شكرها.

١٦ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن منصور بن يونس ، عن أبي بصير قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام إن الرجل منكم ليشرب الشربة من الماء فيوجب الله له بها الجنة ثم قال إنه ليأخذ الإناء فيضعه على فيه فيسمي ـ ثم يشرب فينحيه وهو يشتهيه فيحمد الله ثم يعود فيشرب ثم ينحيه فيحمد الله ثم يعود فيشرب ثم ينحيه فيحمد الله فيوجب الله عز وجل بها له الجنة.

١٧ ـ ابن أبي عمير ، عن الحسن بن عطية ، عن عمر بن يزيد قال قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام إني سألت الله عز وجل أن يرزقني مالا فرزقني وإني سألت الله أن يرزقني ولدا فرزقني ولدا وسألته أن يرزقني دارا فرزقني وقد خفت أن يكون

_________________________________________

الحديث الخامس عشر : ضعيف.

« فعرفها بقلبه » أي عرف قدر تلك النعمة وأن الله هو المنعم بها.

الحديث السادس عشر : حسن أو موثق.

ويدل على استحباب تثليث الشرب ، واستحباب الافتتاح بالتسمية مرة والاختتام بالتحميد ثلاثا وسيأتي في أبواب الشرب في صحيحة ابن سنان تثليث التحميد من غير تسمية ، وفي رواية أخرى عن عمر بن يزيد الافتتاح والاختتام بالتسمية والتحميد في كل مرة وهو أفضل.

قوله عليه‌السلام : فيضعه ، أي يريد وضعه أو يقرب وضعه على مجاز المشارفة إذ لا تسمية بعد الوضع.

الحديث السابع عشر : حسن كالصحيح.

وقال في القاموس :استدرجه خدعه وأدناه كدرجة واستدراجه تعالى العبد


ذلك استدراجا فقال أما والله مع الحمد فلا.

١٨ ـ الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن الوشاء ، عن حماد بن عثمان قال خرج أبو عبد اللهعليه‌السلام من المسجد وقد ضاعت دابته فقال لئن ردها الله علي لأشكرن الله حق شكره قال فما لبث أن أتي بها فقال الحمد لله فقال له قائل جعلت فداك أليس قلت لأشكرن الله حق شكره فقال أبو عبد اللهعليه‌السلام ألم تسمعني قلت الحمد لله.

١٩ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن القاسم بن يحيى ، عن جده الحسن بن راشد ، عن المثنى الحناط ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا ورد عليه أمر يسره قال الحمد لله على هذه النعمة وإذا ورد عليه أمر يغتم به قال ـ الحمد لله على كل حال.

_________________________________________

أنه كلما جدد خطيئة جدد له نعمة وأنساه الاستغفار ، أو أن يأخذه قليلا قليلا ولا يباغته.

الحديث الثامن عشر : ضعيف على المشهور.

ويدل على أن قول الحمد لله ، أفضل أفراد الحمد اللساني ، وكفى به فضلا افتتاحه سبحانه كتابه به ، مع أنه على الوجه الذي قالهعليه‌السلام مقرونا بغاية الإخلاص والمعرفة كان حق الشكر له تعالى.

الحديث التاسع عشر : ضعيف.

« يغتم به » على بناء المعلوم وقد يقرأ على المجهول« الحمد لله على كل حال » أي هو المستحق للحمد على النعمة والبلاء ، لأن كل ما يفعله الله بعبده ففيه لا محالة صلاحه.

قيل : في كل بلاء خمسة أنواع من الشكر.

الأول : يمكن أن يكون دافعا أشد منه كما أن موت دابته دافع لموت نفسه فينبغي الشكر على عدم ابتلائه بالأشد.


٢٠ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن أبي أيوب الخزاز ، عن أبي بصير ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال تقول ثلاث مرات إذا نظرت إلى المبتلى من غير أن تسمعه ـ الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به ولو شاء فعل قال من قال ذلك لم يصبه ذلك البلاء أبدا.

٢١ ـ حميد بن زياد ، عن الحسن بن محمد بن سماعة ، عن غير واحد ، عن أبان بن عثمان ، عن حفص الكناسي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال ما من عبد يرى مبتلى فيقول ـ الحمد لله الذي عدل عني ما ابتلاك به وفضلني عليك بالعافية اللهم عافني مما ابتليته به إلا لم يبتل بذلك البلاء.

_________________________________________

الثاني : أن البلاء أما كفارة للذنوب أو سبب لرفع الدرجة فينبغي الشكر على كل منهما.

الثالث : أن البلاء مصيبة دنيوية فينبغي الشكر على أنه ليس مصيبة دينية ، وقد نقل أن عيسىعليه‌السلام مر على رجل أعمى مجذوم مبروص مفلوج فسمع منه يشكر ويقول الحمد لله الذي عافاني من بلاء ابتلى به أكثر الخلق فقالعليه‌السلام : ما بقي من بلاء لم يصبك؟ قال : عافاني من بلاء هو أعظم البلايا وهو الكفر فمسهعليه‌السلام فشفاه الله من تلك الأمراض وحسن وجهه ، فصاحبه وهو يعبد معه.

الرابع : أن البلاء كان مكتوبا في اللوح المحفوظ وكان في طريقه لا محالة فينبغي الشكر على أنه مضي ووقع خلف ظهره.

الخامس : أن بلاء الدنيا سبب لثواب الآخرة وزوال حب الدنيا من القلب فينبغي الشكر عليها.

الحديث العشرون : حسن كالصحيح.

« إلى المبتلي » قد يقال يعم المبتلي بالمعصية أيضا إلا أن عدم الإسماع لا يناسبه من غير أن تسمعه لئلا ينكسر قلبه ويكون موهما للشماتة.

الحديث الحادي والعشرون : مرسل.


٢٢ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن أبي عبد الله ، عن عثمان بن عيسى ، عن خالد بن نجيح ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إذا رأيت الرجل وقد ابتلي وأنعم الله عليك فقل ـ اللهم إني لا أسخر ولا أفخر ولكن أحمدك على عظيم نعمائك علي.

٢٣ ـ عنه ، عن أبيه ، عن هارون بن الجهم ، عن حفص بن عمر ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا رأيتم أهل البلاء فاحمدوا الله ولا تسمعوهم فإن ذلك يحزنهم.

٢٤ ـ عنه ، عن عثمان بن عيسى ، عن عبد الله بن مسكان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان في سفر يسير على ناقة له إذا نزل فسجد خمس سجدات فلما أن ركب قالوا يا رسول الله إنا رأيناك صنعت شيئا لم تصنعه فقال نعم استقبلني ـ جبرئيلعليه‌السلام فبشرني ببشارات من الله عز وجل فسجدت لله شكرا لكل بشرى سجدة.

٢٥ ـ عنه ، عن عثمان بن عيسى ، عن يونس بن عمار ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إذا ذكر أحدكم نعمة الله عز وجل فليضع خده على التراب شكرا لله فإن

_________________________________________

الحديث الثاني والعشرون : مجهول.

« لا أسخر » أي لا أستهزئ ، يقال : سخر منه وبه كفرح هزأ والمعنى لا أسخر من هذا المبتلي بابتلائه بذلك ولا أفخر عليه ببراءتي منه.

الحديث الثالث والعشرون : مجهول.

الحديث الرابع والعشرون : موثق.

ويدل على استحباب سجدة الشكر عند تجدد كل نعمة والبشارة بها ، ولا خلاف فيه بين أصحابنا وإن أنكره المخالفون خلافا للشيعة مع ورودها في رواياتهم كثيرا وسيأتي في كتاب الصلاة إنشاء الله.

الحديث الخامس والعشرون : مجهول.

ويدل على استحباب وضع الخد في سجدة الشكر وعلى استحبابها عند تذكر


كان راكبا فلينزل فليضع خده على التراب وإن لم يكن يقدر على النزول للشهرة فليضع خده على قربوسه وإن لم يقدر فليضع خده على كفه ثم ليحمد الله على ما أنعم عليه.

٢٦ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن علي بن عطية ، عن هشام بن أحمر قال كنت أسير مع أبي الحسنعليه‌السلام في بعض أطراف المدينة إذ ثنى رجله عن دابته فخر ساجدا فأطال وأطال ثم رفع رأسه وركب دابته فقلت جعلت فداك قد أطلت السجود فقال إنني ذكرت نعمة أنعم الله بها علي فأحببت أن أشكر ربي.

٢٧ ـ علي ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن أبي عبد الله صاحب السابري فيما أعلم أو غيره ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال فيما أوحى الله عز وجل إلى موسىعليه‌السلام يا موسى اشكرني حق شكري فقال يا رب وكيف أشكرك حق شكرك وليس

_________________________________________

النعم أيضا ، ولو كان بعد حدوثها بمدة وعلى استحباب حمد الله فيها.

الحديث السادس والعشرون : حسن كالصحيح.

ويدل على فورية سجدة الشكر وعلى أنهمعليهم‌السلام يذهلون عن بعض الأمور في بعض الأحيان وكان هذا ليس من السهو المتنازع فيه.

الحديث السابع والعشرون : مجهول.

تقول أديت حق فلان إذا قابلت إحسانه بإحسان مثله ، والمراد هنا طلب أداء شكر نعمته على وجه التفصيل وهو لا يمكن من وجوه :

الأول : أن نعمه غير متناهية لا يمكن إحصاؤها تفصيلا فلا يمكن مقابلتها بالشكر.

الثاني : أن كل ما نتعاطاه مستند إلى جوارحنا وقدرتنا من الأفعال فهي في الحقيقة نعمة وموهبة من الله تعالى ، وكذلك الطاعات وغيرها نعمة منه ، فتقابل نعمته


من شكر أشكرك به إلا وأنت أنعمت به علي قال يا موسى الآن شكرتني حين علمت أن ذلك مني.

٢٨ ـ ابن أبي عمير ، عن ابن رئاب ، عن إسماعيل بن الفضل قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام إذا أصبحت وأمسيت فقل عشر مرات ـ اللهم ما أصبحت بي من نعمة أو عافية من دين أو دنيا فمنك وحدك لا شريك لك لك الحمد ولك الشكر بها علي

_________________________________________

بنعمته.

الثالث : أن الشكر أيضا نعمة منه حصل بتوفيقه فمقابلة كل نعمة بالشكر يوجب التسلسل والعجز ، وقول موسىعليه‌السلام يحتمل كلا من الوجهين الأخيرين ، وقد روي هذا عن داودعليه‌السلام أيضا حيث قال : يا رب كيف أشكرك وأنا لا أستطيع أن أشكرك إلا بنعمة ثانية من نعمك ، فأوحى الله تعالى إليه : إذا عرفت هذا فقد شكرتني.

الحديث الثامن والعشرون : حسن كالصحيح.

« ما أصبحت بي » الإصباح الدخول في الصباح ، وقد يراد به الدخول في الأوقات مطلقا ، وعلى الأول ذكره على المثال ، فيقول في المساء ما أمست وما موصولة مبتدأ ، والظرف مستقر والباء للملابسة أي متلبسا بي فهو حال عن الموصول ، و « من نعمة » بيان له ولذا أنث الضمير العائد إلى الموصول في أصبحت رعاية للمعنى ، وفي بعض الروايات أصبح رعاية للفظ ، وقوله : فمنك ، خبر الموصول والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط وربما يقرأ منك بفتح الميم وتشديد النون وهو تصحيف.« حتى ترضى » المراد به أول مراتب الرضا ،« وبعد الرضا » أي سائر مراتبه فإن كان المراد بقوله لك الحمد ولك الشكر إنك تستحقهما يكون أول مراتب الرضا دون الاستحقاق ، فإن الله سبحانه يرضى بقليل مما يستحقه من الحمد والشكر والطاعة ، وإن كان


يا رب حتى ترضى وبعد الرضا فإنك إذا قلت ذلك كنت قد أديت شكر ما أنعم الله به عليك في ذلك اليوم وفي تلك الليلة.

٢٩ ـ ابن أبي عمير ، عن حفص بن البختري ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال كان نوحعليه‌السلام يقول ذلك إذا أصبح فسمي بذلك عبدا شكورا وقال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من صدق الله نجا

_________________________________________

المراد لك مني الحمد والشكر أي أحمدك وأشكرك فلا يحتاج إلى ذلك« كنت قد أديت » أي يرضي الله منك بذلك لا أنك أديت ما يستحقه.

الحديث التاسع والعشرون : كالسابق.

« يقول ذلك » أي الدعاء المذكور في الحديث السابق وسيأتي في كتاب الدعاء أن نوحاعليه‌السلام كان يقول ذلك عند الصباح وعند المساء ، والأخبار في ذلك كثيرة بأدنى اختلاف أوردتها في الكتاب الكبير.

وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من صدق الله نجا ، معناه أنه إذا أظهر العبد حالة عند الله وكان صادقا في ذلك بحيث لا يعتقد ولا يعمل ما يخالفه يصير سبب نجاته من مهالك الدنيا والآخرة ، ولعل ذكره في هذا المقام لبيان أن نوحاعليه‌السلام كان صادقا فيما ادعى في هذا الدعاء من أن جميع النعم الواصلة إلى العبد من الله تعالى وأنه متوحد بالإنعام والربوبية واستحقاق الحمد والشكر والطاعة ، فكان موقنا بجميع ذلك ولم يأت بما ينافيه من التوسل إلى المخلوقين ورعاية رضاهم دون رضا رب العالمين ، أو معه ، فلذلك صار سببا لنجاته وتسمية الله له شكورا ، وربما يقرأ صدق على بناء التفعيل كما قال بعض الأفاضل لعلهعليه‌السلام أشار بآخر الحديث إلى تسمية نوحعليه‌السلام بنحي الله ، ويستفاد منه أن هذه الكلمات تصديق لله سبحانه فيما وصف الله به نفسه ، وشهد به من التوحيد.

وقال آخر : تصديقه في تكاليفه عبارة عن الإقرار بها والإتيان بمقتضاها وفي


٣٠ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن القاسم بن محمد ، عن المنقري ، عن سفيان بن عيينة ، عن عمار الدهني قال سمعت علي بن الحسينعليه‌السلام يقول إن الله يحب كل قلب حزين ويحب كل عبد شكور يقول الله تبارك وتعالى لعبد من عبيده يوم

_________________________________________

نعمائه عبارة عن معونتها بالقلب ومقابلتها بالشكر والثناء ، انتهى.

ولا يخفى أن ما ذكرنا أظهر.

الحديث الثلاثون : ضعيف.

« كل قلب حزين » أي لأمور الآخرة متفكر فيها وفيما ينجي من عقوباتها غير غافل عما يراد بالمرء ومنه لا محزون بأمور الدنيا وإن احتمل أن يكون المعنى إذا أحب الله عبدا ابتلاه بالبلايا فيصير محزونا ، لكنه بعيد.

« كل عبد شكور » أي كثير الشكر بحيث يشكر الله ويشكر وسائط نعم الله كالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الأئمةعليهم‌السلام والوالدين وأرباب الإحسان من المخلوقين ، وفي الأخبار ظاهرا تناف في هذا المطلب لورود هذا الخبر وأمثاله وقد روي عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه : ولا يحمد حامد إلا ربه ، ومثله كثير ، ويمكن الجمع بينها بأنه إذا حمد المخلوق وشكره لأن مولى النعم أمر بشكره فقد شكر ربه ويحتمل أن يكون هذا هو المراد بقوله : لم تشكرني إذ لم تشكره ، أو تكون أخبار الشكر محمولة على أن يشكرهم باعتقاد أنهم وسائط نعم الله ولهم مدخلية قليلة في ذلك ، ولا يسلب عليهم رأسا فينتهي إلى الجبر ، وأخبار الترك محمولة على أنه لا يجوز شكرهم بقصد أنهم مستقلون في إيصال النعمة فإن هذا في معنى الشرك كما عرفت أن النعم كلها أصولها ووجود المنعم المجازي وآلات العطاء وتوفيق الإعطاء كلها من الله تعالى ، وهذا أحد معاني الأمر بين الأمرين كما عرفت ، وإليه يرجع ما قيل : أن الغير يتحمل المشقة يحمل رزق الله إليك فالنهي عن الحمد لغير الله على أصل الرزق لأن الرازق هو الله ، والترغيب والحمد له على تكلف من حمل الرزق وكلفة إيصاله بإذن الله ليعطيه


القيامة أشكرت فلانا فيقول بل شكرتك يا رب فيقول لم تشكرني إذ لم تشكره ثم قال أشكركم لله أشكركم للناس.

_________________________________________

أجر مشقة الحمل والإيصال.

وبالجملة هناك شكران شكر للرزق وهو لله وشكر للحمل وهو الغير وأيد بما روي لا تحمدن أحدا على رزق الله ، وقيل : النهي مختص بالخواص من أهل اليقين الذين شاهدوه رازقا وشغلوا عن رؤية الوسائط فنهاهم عن الإقبال عليها لأنه تعالى يتولى جزاء الوسائط عنهم بنفسه والأمر بالشكر مختص بغيرهم ممن لاحظ الأسباب والوسائط كأكثر الناس لأن فيه قضاء حق السبب أيضا.

والوجه الثاني الذي ذكرنا كأنه أظهر الوجوه لأن الله تعالى مع أنه مولى النعم على الحقيقة وإليه يرجع كل الطاعات ونفعها يصل إلى العباد يشكرهم على أعمالهم قولا وفعلا في الدنيا والآخرة فكيف لا يحسن شكر العباد بعضهم بعضا لمدخليتهم في ذلك.

ويمكن أن يكون قوله تعالى : لم تشكرني إذ لم تشكره إشارة إلى ذلك ، أي إذا لم تشكر المنعم الظاهري يتوهم أنه لم يكن له مدخل في النعمة فكيف تنسب شكري إلى نفسك لأنه نسبة الفعلين إلى الفاعلين واحدة فأنت أيضا لم تشكرني فلم نسبت الشكر إلى نفسك ونفيت الفعل عن غيرك ، وهذا معنى لطيف لم أر من تفطن به وإن كان بعيدا في الجملة ، والوجه الأول أيضا وجه ظاهر ، وكان آخر الخبر يؤيده وإن احتمل وجوها كما لا يخفى.


باب

حسن الخلق

١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحسن بن محبوب ، عن جميل بن صالح ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال إن أكمل المؤمنين

_________________________________________

باب حسن الخلق

الحديث الأول : صحيح.

والخلق بالضم يطلق على الملكات والصفات الراسخة في النفس حسنة كانت أم قبيحة وهي في مقابلة الأعمال ، ويطلق حسن الخلق غالبا على ما يوجب حسن المعاشرة ومخالطة الناس بالجميل.

قال الراغب : الخلق والخلق في الأصل واحد لكن خص الخلق بالهيئات والأشكال والصور المدركة بالبصر ، وخص الخلق بالقوى والسجايا المدركة بالبصيرة وقال في النهاية : فيه ليس شيء في الميزان أثقل من حسن الخلق ، الخلق بضم اللام وسكونها الدين والطبع والسجية وحقيقته أنه لصورة الإنسان الباطنة وهي نفسها وأوصافها ومعانيها المختصة بها بمنزلة الخلق لصورته الظاهرة وأوصافها ومعانيها ولهما أوصاف حسنة وقبيحة ، والثواب والعقاب يتعلقان بأوصاف الصورة الباطنة أكثر مما يتعلقان بأوصاف الصورة الظاهرة ، ولهذا تكررت الأحاديث في مدح حسن الخلق في غير موضع ، كقوله : أكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق ، وقوله أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وقوله : إن العبد ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم ، وقوله : بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ، وأحاديث من هذا النوع كثيرة وكذلك جاء في ذم سوء الخلق أحاديث كثيرة ، انتهى.

وقيل : حسن الخلق إنما يحصل من الاعتدال بين الإفراط والتفريط في


إيمانا أحسنهم خلقا.

٢ ـ الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن الوشاء ، عن عبد الله بن سنان ، عن رجل من أهل المدينة ، عن علي بن الحسينعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ما يوضع في ميزان امرئ ـ يوم القيامة أفضل من حسن الخلق.

٣ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن محبوب ، عن أبي ولاد الحناط ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال أربع من كن فيه كمل إيمانه وإن كان من قرنه إلى قدمه

_________________________________________

القوة الشهوية والقوة الغضبية ، ويعرف ذلك بمخالطة الناس بالجميل والتودد والصلة والصدق واللطف والمبرة وحسن الصحبة والعشرة والمراعاة والمساواة والرفق والحلم والصبر والاحتمال لهم ، والإشفاق عليهم.

وبالجملة هي حالة نفسانية يتوقف حصولها على اشتباك الأخلاق النفسانية بعضها ببعض ، ومن ثم قيل : هو حسن الصورة الباطنة التي هي صورة الناطقة كما أن حسن الخلق هو حسن الصورة الظاهرة ، وتناسب الأجزاء إلا أن حسن الصورة الباطنة قد يكون مكتسبا ولذا تكررت الأحاديث في الحث به وبتحصيله.

وقال الراونديرحمه‌الله في ضوء الشهاب : الخلق السجية والطبيعة ثم يستعمل في العادات التي يتعودها الإنسان من خير أو شر والخلق ما يوصف العبد بالقدرة عليه ولذلك يمدح ويذم به ، يدل علي ذلك قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : خالق الناس بخلق حسن ، انتهى.

وأقول : مدخلية حسن الخلق في كمال الإيمان قد مر تحقيقه في أبواب الإيمان.

الحديث الثاني : ضعيف على المشهور.

وهو مما يستدل به على تجسم الأعمال ، وقد مضى الكلام فيه.

الحديث الثالث : صحيح.

« وأربع » مبتدأ وكان موصوفة مقدر ، أي خصال أربع ، والموصول بصلته خبره« وإن كان من قرنه إلى قدمه ذنوبا » مبالغة في كثرة ذنوبه أو كناية عن صدورها


ذنوبا لم ينقصه ذلك قال وهو الصدق وأداء الأمانة والحياء وحسن الخلق.

٤ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن ابن محبوب ، عن عنبسة العابد قال قال لي أبو عبد اللهعليه‌السلام ما يقدم المؤمن على الله عز وجل بعمل بعد الفرائض أحب إلى الله تعالى من أن يسع الناس بخلقه.

٥ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن صفوان ، عن ذريح ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إن صاحب الخلق الحسن له مثل أجر الصائم القائم.

_________________________________________

من كل جارحة من جوارحه ، ويمكن حملها على الصغائر فإن صاحب هذه الخصال لا يجترئ على الإصرار على الكبائر أو أنه يوفق للتوبة وهذه الخصال تدعوه إليها مع أن الصدق يخرج كثيرا من الذنوب كالكذب وما يشاكله ، وكذا أداء الأمانة يخرج كثيرا من الذنوب كالخيانة في أموال الناس ومنع الزكوات والأخماس وسائر ، حقوق الله وكذا الحياء من الخلق يمنعه من التظاهر بأكثر المعاصي والحياء من الله يمنعه من تعمد المعالي والإصرار عليها ويدعوه إلى التوبة سريعا وكذا حسن الخلق يمنعه عن المعاصي المتعلقة بإيذاء الخلق كعقوق الوالدين وقطع الأرحام والإضرار بالمسلمين فلا يبقى من الذنوب إلا قليل لا يضر في إيمانه مع أنه موفق للتوبة والله الموفق.

الحديث الرابع : كالسابق.

ما يقدم كيعلم قدوما وتعديته بعلى لتضمين معنى الإقبال ، والباء فيقوله : بعمل لمصاحبة ، ويحتمل التعدية« من أن يسع الناس بخلقه » أي يكون خلقه الحسن وسيعا بحيث يشمل جميع الناس.

الحديث الخامس : كالسابق أيضا.

ويدل على أن الأخلاق لها ثواب مثل ثواب الأعمال.


٦ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أكثر ما تلج به أمتي الجنة تقوى الله وحسن الخلق.

٧ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حسين الأحمسي وعبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إن الخلق الحسن يميث الخطيئة كما تميث الشمس الجليد.

٨ ـ عنه ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال البر وحسن الخلق يعمران الديار ويزيدان في الأعمار.

٩ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن محمد بن عبد الحميد قال حدثني يحيى بن عمرو ، عن عبد الله بن سنان قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام أوحى الله تبارك وتعالى إلى بعض أنبيائهعليهم‌السلام الخلق الحسن يميث الخطيئة كما تميث الشمس الجليد.

_________________________________________

الحديث السادس : ضعيف على المشهور.

والتقوى حسن المعاملة مع الرب وحسن الخلق حسن المعاملة مع الخلق ، وهما يوجبان دخول الجنة والولوج الدخول.

الحديث السابع : حسن كالصحيح.

والميث والموث الإذابة مثت الشيء أميثه وأموثه من بابي باع ، وقال(١) : فانماث إذا دفته وخلطته بالماء وأذبته ، وفي النهاية : فيه حسن الخلق يذيب الخطايا كما يذيب الشمس الجليد ،الجليد هو الماء الجامد من البرد ، وفي المغرب الجليد ما يسقط على الأرض من الندى فيجمد.

الحديث الثامن : كالسابق ، والبر الإحسان إلى الغير.

الحديث التاسع : ضعيف على المشهور.

__________________

(١) أي القائل وهو أحد اللغويين.


١٠ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحسن بن علي الوشاء ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال هلك رجل على عهد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فأتى الحفارين فإذا بهم لم يحفروا شيئا وشكوا ذلك إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقالوا يا رسول الله ما يعمل حديدنا في الأرض فكأنما نضرب به في الصفا فقال ولم إن كان صاحبكم لحسن الخلق ائتوني بقدح من ماء فأتوه به فأدخل يده فيه ثم رشه على الأرض رشا ثم قال احفروا قال فحفر الحفارون فكأنما كان رملا يتهايل عليهم.

_________________________________________

الحديث العاشر : صحيح.

والمستتر فيقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : فأتى للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومنهم من قرأ أتي على بناء المفعول من باب التفعيل ، فالنائب للفاعل الضمير المستتر الراجع إلى الرجل والحفارين مفعوله الثاني ، ولا يخفى ما فيه ، والصفا جمع الصفاة وهي الصخرة الملساء ، وقوله : « ولم » استفهام إنكاري أو تعجبي« إن كان » الظاهر أن إن مخففة عن المثقلة ، وتعجبهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من أنه لم اشتد الأرض عليهم مع كون صاحبهم حسن الخلق فإنه يوجب يسر الأمر في الحياة وبعد الوفاة بخلاف سوء الخلق فإنه يوجب اشتداد الأمر فيهما ، والحاصل أنه لما كان حسن الخلق فليس هذا الاشتداد من قبله ، فهو من قبل صلابة الأرض فصب الماء المتبرك بيده المباركة على الموضع فصار بإعجازه في غاية الرخاوة ، وقيل : إن للشرط ولم قائم مقام جزاء الشرط فحاصله أنه لو كان حسن الخلق لم يشتد الحفر على الحفارين فرش صاحب الخلق الحسن الماء الذي أدخل يده المباركة فيه لرفع تأثير خلقه السيء ولا يخفى بعده.

وقال في النهاية : كل شيء أرسلته إرسالا من طعام أو تراب أورمل فقد هلته هيلا يقال : هلت الماء وأهلته إذا صببته وأرسلته ، ومنه حديث الخندق فعادت كثيبا أهيل أي رملا سائلا ، انتهى.

وبعضهم يقول : هلت التراب حركت أسفله فسال من أعلاه.


١١ ـ عنه ، عن محمد بن سنان ، عن إسحاق بن عمار ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إن الخلق منيحة يمنحها الله عز وجل خلقه فمنه سجية ومنه نية فقلت فأيتهما أفضل فقال صاحب السجية هو مجبول لا يستطيع غيره وصاحب النية يصبر على الطاعة تصبرا فهو أفضلهما.

١٢ ـ وعنه ، عن بكر بن صالح ، عن الحسن بن علي ، عن عبد الله بن إبراهيم ، عن علي بن أبي علي اللهبي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إن الله تبارك وتعالى ليعطي العبد من الثواب على حسن الخلق كما يعطي المجاهد في سبيل الله يغدو عليه ويروح.

_________________________________________

الحديث الحادي عشر : ضعيف على المشهور.

والمنيحة كسفينة والمنحة بالكسر العطية« فمنه سجية » أي جبلة وطبيعة خلق عليها« ومنه نية » أي يحصل عن قصد واكتساب وتعمل ، والحاصل أنه يتمرن عليه حتى يصير كالغريزة ، فبطل قول من قال : أنه غريزة لا مدخل للاكتساب فيه ، وقال أمير المؤمنين صلوات الله عليه : عود نفسك الصبر على المكروه فنعم الخلق التصبر ، والمرادبالتصبر تحمل الصبر بتكلف ومشقة لكونه غير خلق.

الحديث الثاني عشر : ضعيف.

واللهب بالكسر قبيلة« كما يعطي المجاهد » لمشقتهما على النفس ولكون جهاد النفس كجهاد العدو بل أشق وأشد ولذا سمي بالجهاد الأكبر وإن كان في جهاد العدو جهاد النفس أيضا ، وقوله : يغدو عليه ويروح ، حال عن المجاهد كناية عن استمراره في الجهاد في أول النهار وآخره ، فإن الغدو أول النهار والرواح آخره ، أو المعنى يذهب أول النهار ويرجع آخره والأول أظهر.

وقال في المصباح : غدا غدوا من باب فقد ذهب غدوة ، وهي ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس ، ثم كسر حتى استعمل في الذهاب والانطلاق أي وقت كان ، وراح يروح رواحا أي رجع كما في قوله تعالى : «غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ »(١) أي ذهابها

__________________

(١) سورة سبأ : ١٢.


١٣ ـ عنه ، عن عبد الله الحجال ، عن أبي عثمان القابوسي عمن ذكره ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إن الله تبارك وتعالى أعار أعداءه أخلاقا من أخلاق أوليائه ليعيش أولياؤه مع أعدائه في دولاتهم.

وفي رواية أخرى ولو لا ذلك لما تركوا وليا لله إلا قتلوه.

١٤ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حماد بن عيسى ، عن الحسين بن المختار ، عن العلاء بن كامل قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام إذا خالطت الناس فإن استطعت أن لا تخالط أحدا من الناس إلا كانت يدك العليا عليه فافعل فإن العبد يكون فيه

_________________________________________

شهر ورجوعها شهر ، وقد يتوهم بعض الناس أن الرواح لا يكون إلا في آخر النهار وليس كذلك ، بل الرواح والغدو عند العرب يستعملان في المسير أي وقت كان من ليل أو نهار ، وقال الأزهري وغيره : وعليه قولهعليه‌السلام : من راح إلى الجمعة في أول النهار فله كذا ، أي ذهب ، انتهى.

وكان الأنسب هنا ما ذكرنا أولا ، وقيل : لعل المراد أن الثواب يغدو على حسن خلقه ويروح يعني أنه ملازم له كملازمة حسن خلقه ، ولا يخلو من بعد.

الحديث الثالث عشر : مجهول وآخره مرسل.

« أعار أعداءه » كان الإعارة إشارة إلى أن هذه الأخلاق لا يبقى لهم ثمرتها ولا ينتفعون بها في الآخرة فكأنها عارية تسلب منهم بعد الموت ، أو أن هذه ليست مقتضى ذواتهم وطيناتهم وإنما اكتسبوها من مخالطة طينتهم مع طينة المؤمنين كما ورد في بعض الأخبار ، وقد مر شرحها ، أو إلى أنها لما لم تكن مقتضى عقائدهم ونياتهم الفاسدة وإنما أعطوها لمصلحة غيرهم فكأنها عارية عندهم ، والوجوه متقاربة.

الحديث الرابع عشر : مجهول.

والعليا بالضم مؤنث الأعلى ، وهي خبر كانت ، وعليه متعلق بالعليا ، والتعريف يفيد الحصر« فافعل » أي الإحسان أو المخالطة والأول أظهر ، أي كن أنت المحسن عليه أو أكثر إحسانا لا بالعكس ، ويحتمل كون العليا صفة لليد و « عليه » خبر كانت


بعض التقصير من العبادة ويكون له حسن خلق فيبلغه الله بـ [ حسن ] خلقه درجة الصائم القائم.

١٥ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن أبي عبد الله ، عن أبيه ، عن حماد بن عيسى ، عن حريز بن عبد الله ، عن بحر السقاء قال قال لي أبو عبد اللهعليه‌السلام يا بحر حسن الخلق يسر ثم قال ألا أخبرك بحديث ما هو في يدي أحد من أهل المدينة قلت بلى قال بينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ذات يوم جالس في المسجد إذ جاءت جارية لبعض الأنصار وهو قائم فأخذت بطرف ثوبه فقام لها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فلم تقل شيئا ولم

_________________________________________

أي يدك المعطية ثابتة أو مفيضة أو مشرفة عليه ، والأول أظهر ، وفي كتاب الزهد للحسين بن سعيد يدك عليه العليا ، قال في النهاية : فيه : اليد العليا خير من اليد السفلى ، العليا المتعففة والسفلى السائلة ، روي ذلك عن ابن عمر ، وروي عنه أنها المنفقة ، وقيل : العليا المعطية والسفلى الآخذة ، وقيل : السفلى المانعة.

وقال السيد المرتضىرضي‌الله‌عنه في الغرر والدرر ، ومعنى قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أن اليد النعمة والعطية ، وهذا الإطلاق شائع بين العرب ، فالمعنى أن العطية الجزيلة خير من العطية القليلة ، وهذا حث منهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على المكارم ، وتحضيض على اصطناع المعروف بأوجز الكلام وأحسنه ، انتهى.

والتعليل المذكور بعده مبني على أن الكرم أيضا من حسن الخلق أو هو من لوازمه« الصائم القائم » أي المواظب على الصيام بالنهار في غير الأيام المحرمة أو في الأيام المسنونة ، وعلى قيام الليل أي تمامه أو على صلاة الليل مراعيا لآدابها.

الحديث الخامس عشر : كالسابق.

« يسر » أي سبب ليسر الأمور على صاحبه ، ويمكن أن يقرأ يسرا بصيغة المضارع ، أي يصير سببا لسرور صاحبه أو الناس أو الأعم« ما هو » ما نافية ، والجملة صفة للحديث« وهو قائم » حال عن بعض الأنصار ، وقيل : إنما ذكر ذلك للإشعار بأن


يقل لها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله شيئا حتى فعلت ذلك ثلاث مرات فقام لها النبي في الرابعة وهي خلفه فأخذت هدبة من ثوبه ثم رجعت فقال لها الناس فعل الله بك وفعل حبست رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ثلاث مرات لا تقولين له شيئا ولا هو يقول لك شيئا ما كانت حاجتك إليه قالت إن لنا مريضا فأرسلني أهلي لآخذ هدبة من ثوبه ليستشفي بها فلما أردت أخذها رآني فقام فاستحييت منه أن آخذها وهو يراني وأكره أن أستأمره في أخذها فأخذتها.

١٦ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حبيب الخثعمي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أفاضلكم أحسنكم أخلاقا الموطئون

_________________________________________

مالكها لم يكن مطلعا على هذا الأمر فحسن الخلق فيه أظهر« فقام لها النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » كان قيامهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لظن أنها تريده لحاجة يذهب معها ، فقامصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لذلك فلما لم تقل شيئا ولم يعلم غرضها جلس ، وقيل : إنما قام لترى الجارية أن الهدية في أي موضع من الثوب فتأخذ.

وقال في النهاية : هدب الثوب وهدبته وهدابه طرف الثوب مما يلي طرته ، وفي القاموس :الهدب بالضم وبضمتين شعر أشفار العين وخمل الثوب ، واحدتها بهاء.

« فعل الله بك وفعل » كناية عن كثرة الدعاء عليه بإيذائه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهذا شائع في عرف العرب والعجم ، وقولها : يستشفي الضمير المستتر راجع إلى المريض وهو استئناف بياني أو حال مقدرة عن الهدبة ، أو هو بتقدير لأن يستشفي ، وفي بعض النسخ بل أكثرها ليستشفي« وهو يراني » حال عن فاعل أخذها ، وقيل : وأكره حال عن فاعل استحيت.

الحديث السادس عشر : حسن كالصحيح.

« أحسنكم » خبر أفاضلكم ، ويجوز في أفعل التفضيل المضاف إلى المفضل عليه الأفراد والموافقة مع صاحبه في التثنية والجمع ، كما روعي فيقوله : الموطئون ،


أكنافا الذين يألفون ويؤلفون وتوطأ رحالهم.

١٧ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن جعفر بن محمد الأشعري ، عن عبد الله بن ميمون القداح ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال أمير المؤمنينعليه‌السلام المؤمن مألوف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف.

١٨ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن عبد الله بن سنان ، عن

_________________________________________

وفي بعض الروايات أحاسنكم كما في كتاب الزهد للحسين بن سعيد وغيره ، قال في النهاية : الواطية المارة والسابلة سموا بذلك لوطئهم الطريق ، ومنه الحديث : ألا أخبركم بأحبكم إلى وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا الموطئون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون ، هذا مثل وحقيقته من التوطئة وهي التمهيد والتذلل ، وفراش وطئ لا يؤذي جنب النائم ، والأكناف الجوانب ، أراد الذين جوانبهم وطيئة يتمكن فيها من يصاحبهم ولا يتأذى ، انتهى.

ويقال رجل موطأ الأكناف أي كريم مضياف ، وفي بعض النسخ بالناء كناية عن غاية حسن الخلق كأنهم يحملون الناس على أكتافهم ورقابهم ، وكأنه تصحيف وإن كان موافقا لما في كتاب الحسين بن سعيد ، وفي المصباح :ألفته ألفا من باب علم أنست به وأحببته والاسم الألفة بالضم ، والألفة أيضا اسم من الإيلاف وهو الالتئام والاجتماع ، واسم الفاعل آلف مثل عالم ، والجمع ألاف مثل كفار ، انتهى.

وتوطأ رحالهم أي للضيافة أو للزيارة أو لطلب الحاجة أو الأعم ورحل الرجل منزله ومأواه وأثاث بيته.

الحديث السابع عشر : ضعيف على المشهور.

وفيه حث على الألفة وحمل على الألفة بالخيار وإن احتمل التعميم إذا لم يوافقهم بالمعاصي كما وردت الأخبار في حسن المعاشرة.

الحديث الثامن عشر : حسن كالصحيح.


أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إن حسن الخلق يبلغ بصاحبه درجة الصائم القائم.

باب حسن البشر

١ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن الحكم ، عن الحسن بن الحسين قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يا بني عبد المطلب إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فالقوهم بطلاقة الوجه وحسن البشر.

ورواه عن القاسم بن يحيى ، عن جده الحسن بن راشد ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام إلا أنه قال يا بني هاشم.

_________________________________________

وقد مر مضمونه ويبلغ كينصر والباء للتعدية.

باب حسن البشر الحديث الأول : ضعيف على المشهور.

لأن الحسن بن الحسين وإن كان مشتركا لكن الراوي عن الصادقعليه‌السلام منهم ثقة وسنده الثاني ضعيف.

وفي النهاية يقال :وسعه الشيء يسعه سعة فهو واسع ووسع بالضم وساعة فهو وسيع ، والوسع والسعة الجدة والطاقة ، ومنه الحديث إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم أي لا تتسع أموالكم بعطائهم فوسعوا أخلاقكم لصحبتهم ، وقال :

فيه أن تلقاه بوجه طلق ، يقال :طلق الرجل بالضم يطلق طلاقة فهو طلق وطليق ، أي منبسط الوجه متهلله ، وفي القاموس : هو طلق الوجه مثلثة وككتف وأمير ضاحكة مشرقة ، والبشر بالكسر طلاقة الوجه وبشاشته ، وقيل : حسن البشر تنبيه على أن زيادة البشر وكثرة الضحك مذمومة بل الممدوح الوسط من ذلك.

أقول : ويحتمل أن يكون للمبالغة في ذلك أو يكون إشارة إلى أن البشر إنما


٢ ـ عنه ، عن عثمان بن عيسى ، عن سماعة بن مهران ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال ثلاث من أتى الله بواحدة منهن أوجب الله له الجنة الإنفاق من إقتار والبشر لجميع العالم والإنصاف من نفسه.

_________________________________________

يكون حسنا إذا كان عن صفاء الطوية والمحبة القلبية لا ما يكون على وجه الخداع والحيلة.

وبنو هاشم وبنو عبد المطلب مصداقهما واحد ، لأنه لم يبق لهاشم ولد إلا من عبد المطلب.

الحديث الثاني : موثق.

والإقتار التضييق على الإنسان في الرزق ، يقال أقتر الله رزقه أي ضيقه وقلله والإنفاق أعم من الواجب والمستحب وكان المراد بالإقتار عدم الغناء والتوسعة في الرزق وإن كان له زائدا على رزقه ورزق عياله ما ينفقه ، ويحتمل شموله للإيثار أيضا بناء على كونه حسنا مطلقا أو لبعض الناس فإن الأخبار في ذلك مختلفة ظاهرا فبعضها يدل على حسنه وبعضها يدل على ذمه وأنه كان ممدوحا في صدر الإسلام فنسخ ، وربما يجمع بينهما باختلاف ذلك بحسب الأشخاص ، فيكون حسنا لمن يمكنه تحمل المشقة في ذلك ، ويكمل توكله ولا يضطرب عند شدة الفاقة ، ومذموما لمن لم يكن كذلك ، وعسى أن نفصل ذلك في موضع آخر إنشاء الله ، وربما يحمل ذلك على من ينقص من كفافه شيئا ويعطيه من هو أحوج منه أو من لا شيء له.

« والبشر بجميع العالم » هذا إما على عمومه بأن يكون البشر للمؤمنين لإيمانهم وحبه لهم ، وللمنافقين والفاسقين تقية منهم ومداراة لهم كما قيل : دارهم ما دمت في دارهم وأرضهم ما كنت في أرضهم ، أو مخصوص بالمؤمنين كما يشعر به الخبر الآتي.

وعلى التقديرين لا بد من تخصيصه بغير الفساق الذين يعلم من حالتهم أنهم يتركون المعصية إذا لقيهم بوجه مكفهر ولا يتركونها بغير ذلك ولا يتضرر منهم في ذلك فإن ذلك أحد مراتب النهي عن المنكر الواجب على المؤمنين« والإنصاف من


٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن محبوب ، عن هشام بن سالم ، عن أبي بصير ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال أتى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله رجل فقال يا رسول الله أوصني فكان فيما أوصاه أن قال الق أخاك بوجه منبسط.

٤ ـ عنه ، عن ابن محبوب ، عن بعض أصحابه ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قلت له ما حد حسن الخلق قال تلين جناحك وتطيب كلامك وتلقى أخاك

_________________________________________

نفسه » هو أن يرجع إلى نفسه ويحكم لهم عليها فيما ينبغي أن يأتي به إليهم من غير أن يحكم عليه حاكم ، وسيأتي في باب الإنصاف هو أن يرضى لهم ما يرضى لنفسه ويكره لهم ما يكره لنفسه.

قال الراغب : الإنصاف في المعاملة العدالة وهو أن لا يأخذ من صاحبه من المنافع إلا مثل ما يعطيه ولا ينيله من المضار إلا مثل ما يناله منه ، وقال الجوهري : أنصف أي عدل ، يقال : أنصفه من نفسه وانتصفت أنا منه ، وتناصفوا أي أنصف بعضهم بعضا من نفسه.

الحديث الثالث : حسن كالصحيح.

والتخصيص بالأخ لشدة الاهتمام أو المراد به انبساط الوجه مع حب القلب.

الحديث الرابع : مرسل كالحسن لإجماع العصابة على المرسل والضمير فيه وفي الخبر الآتي راجعان إلى إبراهيم بن هاشم.

وتليين الجناح كناية عن عدم تأذي من يجاوره ويجالسه ويحاوره من خشونته بأن يكون سلس الانقياد لهم ويكف أذاه عنهم أو كناية عن شفقته عليهم كما أن الطائر يبسط جناحه على أولاده ليحفظهم ويكنفهم كقوله تعالى : «وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ »(١) .

قال الراغب : الجناح جناح الطائر وسمي جانبا الشيء جناحاه ، فقيل

__________________

(١) سورة الإسراء : ٢٤.


ببشر حسن.

٥ ـ عنه ، عن أبيه ، عن حماد ، عن ربعي ، عن فضيل قال صنائع المعروف وحسن البشر يكسبان المحبة ويدخلان الجنة والبخل وعبوس الوجه يبعدان من الله ويدخلان النار.

_________________________________________

جناحا السفينة وجناحا العسكر ، وجناحا الإنسان لجانبيه ، وقوله تعالى : «وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِ » فاستعارة وذلك أنه لما كان الذل ضربين ضرب يضع الإنسان ، وضرب يرفعه ، وقصد في هذا المكان إلى ما يرفع الإنسان لا إلى ما يضعه استعار لفظ الجناح فكأنه قيل : استعمل الذل الذي يرفعك عند الله من أجل اكتسابك الرحمة أو من أجل رحمتك لهم وقال : الخفض ضد الرفع والخفض الدعة والسير اللين ، فهو حث على تليين الجانب والانقياد وكأنه ضد قوله : أن لا تعلوا على.

وقال البيضاوي في قوله تعالى : «وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِ » تذلل لهما وتواضع فيهما ، جعل للذل جناحا وأمره بخفضها للمبالغة أو أراد جناحه كقوله : «وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ »(١) وإضافته إلى الذل للبيان والمبالغة كما أضيف حاتم إلى الجود ، والمعنى واخفض لهما جناحك الذليل.

الحديث الخامس : كالصحيح موقوف والظاهر أنه مضمر.

والضمير في« قال » راجع إلى الباقر أو الصادقعليهما‌السلام وكأنه سقط من النساخ أو الرواة ، وصنائع المعروف الإحسان إلى الغير بما يعرف حسنه شرعا وعقلا وكان الإضافة للبيان. قال في النهاية : الاصطناع افتعال من الصنيعة ، وهي العطية والكرامة والإحسان. وقال : المعروف اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله تعالى ، والتقرب إليه والإحسان إلى الناس وكل ما ندب إليه الشرع ونهى عنه من المحسنات والمقبحات « وهو من الصفات الغالبة » أي أمر معروف بين الناس إذا رأوه لا ينكرونه ، والمعروف

__________________

(١) سورة الحجر : ٨٨.


٦ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن عثمان بن عيسى ، عن سماعة ، عن أبي الحسن موسىعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حسن البشر يذهب بالسخيمة.

باب

الصدق وأداء الأمانة

١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن الحسين بن أبي العلاء ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إن الله عز وجل لم يبعث نبيا إلا بصدق الحديث وأداء الأمانة إلى البر والفاجر.

_________________________________________

النصفة وحسن الصحبة مع الأهل وغيرهم من الناس والمنكر ضد ذلك جميعه« يكسبان المحبة » أي محبته تعالى بمعنى إفاضة الرحمات والهدايات أو محبة الخلق ، ويؤيد الأولقوله : ويبعدان من الله لأن الظاهر أن يترتب على أحد الضدين نقيض ما يترتب على الضد الآخر.

الحديث السادس : موثق.

والسخيمة الحقد في النفس.

باب الصدق وأداء الأمانة

الحديث الأول : حسن.

« إلا بصدق الحديث » أي متصفا بهما أو كان الأمر بهما في شريعته ، وقد مر أنه يحتمل شمول الأمانة لجميع حقوق الله ، وحقوق الخلق ، لكن الظاهر منه أداء كل حق ائتمنك عليه إنسان ، برا كان أو فاجرا ، والظاهر أن الفاجر يشمل الكافر أيضا فيدل على عدم جواز الخيانة بل التقاص أيضا في ودائع الكفار وأماناتهم ، واختلف الأصحاب في التقاص مع تحقق شرائطه في الوديعة فذهب الشيخ في الاستبصار وأكثر المتأخرين إلى الجواز على كراهة وذهب الشيخ في النهاية


٢ ـ عنه ، عن عثمان بن عيسى ، عن إسحاق بن عمار وغيره ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال لا تغتروا بصلاتهم ولا بصيامهم فإن الرجل ربما لهج بالصلاة والصوم حتى لو تركه استوحش ولكن اختبروهم عند صدق الحديث وأداء الأمانة.

٣ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن ابن أبي نجران ، عن مثنى الحناط ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال من صدق لسانه زكى عمله.

_________________________________________

وجماعة إلى التحريم ، والأخبار مختلفة وسيأتي تحقيقه في محله إنشاء الله ، وستأتي الأخبار في وجوب أداء الأمانة والوديعة إلى الكافر ، وإلى قاتل علي صلوات الله عليه.

الحديث الثاني : موثق.

وقال الجوهري :اغتر بالشيء خدع به ، وقال :اللهج بالشيء الولوع به ، وقد لهج به بالكسر يلهج لهجا إذا أغرى به فثابر عليه ، انتهى.

وحاصل الحديث أن كثرة الصلاة والصوم ليست مما يختبر به صلاح المرء وخوفه من الله تعالى ، فإنهما من الأفعال الظاهرة التي لا بد للمرء من الإتيان بها خوفا أو طمعا ورياء لا سيما للمتسمين بالصلاح فيأتون بها من غير إخلاص حتى يعتادونها ، ولا غرض لهم في تركها غالبا والدواعي الدنيوية في فعلها لهم كثيرة بخلاف الصدق والأمانة فإنهما من الأمور الخفية وظهور خلافهما على الناس نادر ، والدواعي الدنيوية على تركهما كثيرة فاختبروهم بهما ، لأن الآتي بهما غالبا من أهل الصلاح والخوف من الله مع أنهما من الصفات الحسنة التي تدعو إلى كثير من الخيرات ، وبهما يحصل كمال النفس وإن لم تكونا لله ، وأيضا الصدق يمنع كون العمل لغير الله فإن الرياء حقيقة من أقبح أنواع الكذب كما يومئ إليه الخبر الآتي.

الحديث الثالث : ضعيف على المشهور.

« زكي عمله » أي يصير عمله بسببه زاكيا أي ناميا في الثواب لأنه إنما يتقبل الله من المتقين ، وهو من أعظم أركان التقوى ، أو كثيرا لأن الصدق مع الله يوجب


٤ ـ محمد بن يحيى ، عن محمد بن الحسين ، عن موسى بن سعدان ، عن عبد الله بن القاسم ، عن عمرو بن أبي المقدام قال قال لي أبو جعفرعليه‌السلام في أول دخلة دخلت عليه تعلموا الصدق قبل الحديث.

_________________________________________

الإتيان بما أمر الله والصدق مع الخلق أيضا يوجب ذلك ، لأنه إذا سئل عن عمل هل يفعله؟ ولم يفعله لا يمكنه ادعاء فعله ، فيأتي بذلك ، ولعله بذلك يصير خالصا لله ، أو يقال لما كان الصدق لازما للخوف والخوف ملزوما لكثرة الأعمال فالصدق ملزوم لها ، أو المعنى طهر عمله من الرياء فإنها نوع من الكذب كما أشرنا إليه في الخبر السابق وفي بعض النسخ زكي على المجهول من بناء التفعيل بمعنى القبول ، أي يمدح الله عمله ويقبله ، فيرجع إلى المعنى الأول ويؤيده.

الحديث الرابع : ضعيف.

والدخلة مصدر كالجلسة وإن لم يذكر بخصوصه في اللغة« تعلموا الصدق » أي قواعده كجواز النقل بالمعنى ، ونسبة الحديث المأخوذ عن واحد من الأئمة إلى آبائه أو إلى الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو تبعيض الحديث وأمثال ذلك ، أو يكون تعلمه كناية عن العمل به والتمرن عليه على المشاكلة ، أو المراد تعلم وجوبه ولزومه وحرمة تركه« قبل الحديث » أي قبل سماع الحديث منا وروايته وضبطه ونقله ، وهذا يناسب أول دخوله فإنه كان مريدا لسماع الحديث منهعليه‌السلام ولم يسمع بعد هذا ما أفهمه.

وقيل فيه وجوه مبنية على أن المراد بالحديث التكلم لا الحديث بالمعنى المصطلح :

الأول : أن المراد التفكر في الكلام ليعرف الصدق وفيما يتكلم به ، ومثله قول أمير المؤمنينعليه‌السلام : لسان العاقل وراء قلبه وقلب الأحمق وراء لسانه ، يعني أن العاقل يعلم الصدق والكذب أولا ويتفكر فيما يقول ثم يقول ما هو الحق والصدق ، والأحمق يتكلم ويقول من غير تأمل وتفكر فيتكلم بالكذب والباطل كثيرا.

الثاني : أن لا يكون قبل متعلقا بتعلموا ، بل يكون بدلا من قوله في أول دخلة.


٥ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحسن بن محبوب ، عن أبي كهمس قال قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام ـ عبد الله بن أبي يعفور يقرئك السلام قال عليك وعليه‌السلام إذا أتيت عبد الله فأقرئه السلام وقل له إن جعفر بن محمد يقول لك انظر ما بلغ به عليعليه‌السلام عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فالزمه فإن علياعليه‌السلام إنما بلغ ما بلغ به عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بصدق الحديث وأداء الأمانة.

٦ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن أبي إسماعيل البصري ، عن فضيل بن يسار قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام يا فضيل إن الصادق أول من يصدقه الله عز وجل يعلم أنه صادق وتصدقه نفسه تعلم أنه صادق.

_________________________________________

الثالث : أن يكون قبل متعلقا بقال أي قالعليه‌السلام ابتداء قبل التكلم بكلام آخر : تعلموا.

الرابع : أن يكون المعنى تعلموا الصدق قبل تعلم آداب التكلم من قواعد العربية والفصاحة والبلاغة وأمثالها.

ولا يخفى بعد الجميع لا سيما الثاني والثالث ، وكون ما ذكرنا أظهر وأنسب.

الحديث الخامس : مجهول.

« ما بلغ به علي عليه‌السلام » كان مفعول البلوغ محذوف ، أي انظر الشيء الذي بسببه بلغ عليعليه‌السلام عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المبلغ الذي بلغه من القرب والمنزلة ، وقوله بعد ذلك : ما بلغ به ، كأنه زيدت كلمة « به » من النساخ ، وليست في بعض النسخ ، وعلى تقديرها كان الباء زائدة ، فإنه يقال بلغت المنزل أو الدار ، وقد يقال بلغت إليه بتضمين ، فيمكن أن يكون الباء بمعنى إلى ، ويحتمل على بعد أن يكونقوله : فإن عليا تعليلا للزوم وضمير « به » راجعا إلى الموصول في ما بلغ به أولا ، وقوله : بصدق الحديث كلاما مستأنفا متعلقا بفعل مقدر أي بلغ ذلك بصدق الحديث.

الحديث السادس : مجهول ، والمضمون معلوم.


٧ ـ ابن أبي عمير ، عن منصور بن حازم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إنما سمي إسماعيل صادق الوعد لأنه وعد رجلا في مكان فانتظره في ذلك المكان سنة فسماه الله عز وجل صادق الوعد ثم [ قال ] إن الرجل أتاه بعد ذلك فقال له إسماعيل ما زلت منتظرا لك.

٨ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن سالم ، عن أحمد بن النضر الخزاز ، عن جده الربيع بن سعد قال قال لي أبو جعفرعليه‌السلام يا ربيع إن الرجل ليصدق حتى يكتبه الله صديقا.

_________________________________________

الحديث السابع : حسن.

واختلف المفسرون فيإسماعيل المذكور في هذه الآية ، قال الطبرسي (ره) :

هو إسماعيل بن إبراهيم وأنه كان صادق الوعد ، إذا وعد بشيء وفي به ولم يخلف ، وكان مع ذلك رسولا إلى جرهم نبيا رفيع الشأن ، عالي القدر ، قال ابن عباس : أنه واعد رجلا أن ينتظره في مكان ونسي الرجل فانتظره سنة حتى أتاه الرجل ، وروي ذلك عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، وقيل : أقام ينتظره ثلاثة أيام عن مقاتل.

وقيل : إن إسماعيل بن إبراهيم مات قبل أبيه إبراهيم وإن هذا هو إسماعيل بن حزقيل ، بعثه الله إلى قوم فسلخوا جلدة وجهه وفروة رأسه فخيره الله فيما شاء من عذابهم فاستعفاه ورضي بثوابه ، وفوض أمرهم إلى الله في عفوه وعقابه ، ورواه أصحابنا عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، ثم قال في آخره : أتاه ملك من ربه يقرئه السلام ويقول : قد رأيت ما صنع بك وقد أمرني بطاعتك ، فمرني بما شئت ، فقال : يكون بي بالحسين أسوة.

الحديث الثامن : مجهول.

والصديق مبالغة في الصدق أو التصديق والإيمان بالرسول قولا وفعلا ، قال الطبرسي (ره) في قوله تعالى : «إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً »(١) أي كثير التصديق في أمور الدين عن الجبائي ، وقيل : صادقا مبالغا في الصدق فيما يخبر عن الله.

__________________

(١) سورة مريم : ٤١ ـ ٥٦.


٩ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن الوشاء ، عن علي بن أبي حمزة ، عن أبي بصير قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول إن العبد ليصدق حتى يكتب عند الله من الصادقين ويكذب حتى يكتب عند الله من الكاذبين فإذا صدق قال الله عز وجل :

_________________________________________

وقال الراغب : الصدق والكذب أصلهما في القول ماضيا كان أو مستقبلا وعدا كان أو غيره ، ولا يكونان بالقصد الأول إلا في القول ، ولا يكونان من القول إلا في الخبر دون غيره من أصناف الكلام ، وقد يكونان بالعرض في غيره من أنواع الكلام الاستفهام والأمر والدعاء ، وذلك نحو قول القائل : أزيد في الدار؟ فإن في ضمنه إخبارا بكونه جاهلا بحال زيد ، وكذا إذا قال : واسني ، في ضمنه أنه محتاج إلى المواساة ، وإذا قال : لا تؤذني ففي ضمنه أنه يؤذيه.

والصديق من كثر منه الصدق ، وقيل : بل يقال ذلك لمن لم يكذب قط ، وقيل : بل لمن لا يتأتى منه الكذب لتعوده الصدق ، وقيل : بل لمن صدق بقوله واعتقاده وحقق صدقه بفعله فالصديقون هم قوم دوين الأنبياء في الفضيلة وقد يستعمل الصدق والكذب في كل ما يحق ويحصل في الاعتقاد ، نحو صدق ظني وكذب ، ويستعملان في أفعال الجوارح ، فيقال : صدق في القتال إذا وفي حقه ، وفعل على ما يجب وكما يجب ، وكذب في القتال إذا كان بخلاف ذلك ، قال الله تعالى : «رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ »(١) أي حققوا العهد بما أظهروه من أفعالهم ، وقوله : «لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ »(٢) أي يسأل من صدق بلسانه عن صدق فعله تنبيها على أنه لا يكفي الاعتراف بالحق دون تحريه بالفعل.

الحديث التاسع : ضعيف على المشهور.

ويدل على رفعة درجة الصادقين عند الله ، وقال الراغب :البر التوسع في فعل

__________________

(١) سورة الأحزاب : ٢٣.

(٢) سورة الأحزاب : ٨.


صدق وبر وإذا كذب قال الله عز وجل كذب وفجر.

١٠ ـ عنه ، عن ابن محبوب ، عن العلاء بن رزين ، عن عبد الله بن أبي يعفور ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال كونوا دعاة للناس بالخير بغير ألسنتكم ليروا منكم الاجتهاد والصدق والورع.

١١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن الحكم قال قال أبو الوليد حسن بن زياد الصيقل قال أبو عبد اللهعليه‌السلام من صدق لسانه زكى عمله ومن حسنت نيته زيد في رزقه ومن حسن بره بأهل بيته مد له في عمره.

١٢ ـ عنه ، عن أبي طالب رفعه قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام لا تنظروا إلى طول ركوع الرجل وسجوده فإن ذلك شيء اعتاده فلو تركه استوحش لذلك ولكن انظروا إلى صدق حديثه وأداء أمانته.

_________________________________________

الخير ويستعمل في الصدق لكونه بعض الخيرات المتوسع فيه ، وبر العبد ربه : توسع في طاعته ، وقال : سمي الكاذب فاجرا لكون الكذب بعض الفجور.

الحديث العاشر : صحيح ، والضمير راجع إلى أحمد.

« بغير ألسنتكم » أي بجوار حكم وأعمالكم الصادرة عنها ، وإن كان اللسان أيضا داخلا فيها من جهة الأعمال لا من جهة الدعوة الصريحة ، والاجتهاد المبالغة في الطاعات والورع اجتناب المنهيات والشبهات كما مر.

الحديث الحادي عشر : مجهول.

« ومن حسنت نيته » أي عزمه على الطاعات أو على إيصال النفع إلى العباد « أو سريرته » في معاملة الخلق بأن يكون ناصحا لهم غير مبطن لهم غشا وعداوة وخديعة ، أو في معاملة الله أيضا بأن يكون مخلصا ، ولا يكون مرائيا ولا يكون عازما على المعاصي ، ومبطنا خلاف ما يظهر من مخافة الله عز وجل ، والمرادبأهل بيته عياله أو الأعم منهم ومن أقاربه بالتوسعة عليهم وحسن المعاشرة معهم.

الحديث الثاني عشر : مرفوع.

والمراد بطول الركوع والسجود حقيقته أو كناية عن كثرة الصلاة والأول أظهر


باب الحياء

١ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن ابن محبوب ، عن علي بن رئاب ، عن أبي عبيدة الحذاء ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال الحياء من الإيمان والإيمان في الجنة.

_________________________________________

باب الحياء

الحديث الأول : ضعيف على المشهور.

والحياء ملكة للنفس توجب انقباضها عن القبيح وانزجارها عن خلاف الآداب خوفا من اللوم ، و« من » في قوله : من الإيمان ، إما سببية أي تحصل بسبب الإيمان ، لأن الإيمان بالله وبرسوله وبالثواب والعقاب وقبح ما بين الشارع قبحه يوجب الحياء من الله ومن الرسول ، ومن الملائكة وانزجار النفس من القبائح والمحرمات لذلك ، أو تبعيضية أي من الخصال التي هي من أركان الإيمان ، أو توجب كماله وقال الراوندي (ره) في ضوء الشهاب : الحياء انقباض النفس عن القبائح وتركها لذلك ، يقال : حيي يحيي حياء فهو حيي واستحيا فهو مستحيي ، واستحى فهو مستح ، والحياء إذا نسب إلى الله فالمراد به التنزيه ، وأنه لا يرضي فيوصف بأنه يستحي منه ، ويتركه كرما.

وما أكثر ما يمنع الحياء من الفواحش والذنوب ، ولذلك قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الحياء من الإيمان ، الحياء خير كله ، الحياء لا يأتي إلا بالخير ، فإن الرجل إذا كان حييا لم يرخص حياؤه من الخلق في شيء من الفواحش فضلا عن الحياء من الله ، وروى ابن مسعود أنه جاء قوم إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقالوا : إن صاحبنا قد أفسده الحياء؟ فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إن الحياء من الإسلام وإن البذاء من لؤم المرء ، انتهى.

« والإيمان في الجنة » أي صاحبه.


٢ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن محمد بن سنان ، عن ابن مسكان ، عن الحسن الصيقل قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام الحياء والعفاف والعي أعني عي اللسان لا عي القلب من الإيمان.

٣ ـ الحسين بن محمد ، عن محمد بن أحمد النهدي ، عن مصعب بن يزيد ، عن العوام

_________________________________________

الحديث الثاني : ضعيف على المشهور.

والعفاف أي ترك المحرمات بل الشبهات أيضا ويطلق غالبا على عفة البطن والفرج ، وفي القاموس :عي بالأمر وعيي كرضي ، وتعايا واستعيا وتعيا لم يهتد لوجه مراده أو عجز عنه ولم يطق أحكامه ، وعيي في المنطق كرضى عيا بالكسر حصر ، وأعيى الماشي كل ، انتهى.

والمرادبعي اللسان ترك الكلام فيما لا فائدة فيه ، وعدم الاجتراء على الفتوى بغير علم ، وعلى إيذاء الناس وأمثاله وهذا ممدوح ، وعي القلب عجزه عن إدراك دقائق المسائل ، وحقائق الأمور وهو مذموم.

« من الإيمان » قيل : أي من قبيلة في المنع عن القبائح أو من أفراده أو من أجزائه ، أو من شيم أهله ومحاسنه التي ينبغي التخلق بها ، انتهى.

أقول : وروى الحسين بن سعيد في كتاب الزهد عن محمد بن سنان عن ابن مسكان عن الصيقل قال : كنت عند أبي عبد اللهعليه‌السلام جالسا فبعث غلاما له أعجميا في حاجة إلى رجل فانطلق ثم رجع فجعل أبي عبد اللهعليه‌السلام يستفهمه الجواب وجعل الغلام لا يفهمه مرارا ، قال : فلما رأيته لا يتعبر لسانه ولا يفهمه ظننت أن أبا عبد اللهعليه‌السلام سيغضب عليه ، قال : وأحد أبو عبد اللهعليه‌السلام النظر إليه ثم قال : أما والله لئن كنت عيي اللسان فما أنت بعيي القلب ، ثم قال : إن الحياء والعي عي اللسان لا عي القلب من الإيمان ، والفحش والبذاء والسلاطة من النفاق.

الحديث الثالث : ضعيف.


بن الزبير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال من رق وجهه رق علمه.

٤ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن يحيى أخي دارم ، عن معاذ بن كثير ، عن أحدهماعليهما‌السلام قال الحياء والإيمان مقرونان في قرن فإذا ذهب أحدهما تبعه صاحبه.

_________________________________________

والمرادبرقة الوجه الاستحياء عن السؤال وطلب العلم ، وهو مذموم فإنه لا حياء في طلب العلم ، ولا في إظهار الحق ، وإنما الحياء عن الأمر القبيح ، قال تعالى : «وَاللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِ »(١) ورقة العلم كناية عن قلته ، وما قيل : إن المراد برقة الوجه قلة الحياء فضعفه ظاهر ، وفي القاموس : الرقة بالكسر الرحمة ، رققت له أرق والاستحياء والرقة ، رق يرق فهو رقاق ، انتهى.

واستعارة رقة الوجه للحياء شائع بين العرب والعجم ، وقيل : المراد برقة العلم الاكتفاء بما يجب ويحسن طلبه ، لا الغلو فيه بطلب ما لا يفيد بل يضر كعلم الفلاسفة ونحوه ، أو استعارة للإنتاج فإن الثوب الرقيق يحكي ما تحته أو يكون نسبة الرقة إلى العلم على المجاز ، والمراد رقة المعلوم أي يتعلق علمه بالدقائق والحقائق الخفية ، ولا يخفى ما في الجميع من التكلف والتعسف.

الحديث الرابع : مجهول.

وفي القاموس :القرن بالتحريك حبل يجمع به البعيران ، وخيط من سلب يشد به الفدان ، انتهى.

والغرض بيان تلازمهما ، ولا ينافي الجزئية ، ويحتمل أن يكون المراد هنا بالإيمان العقائد اليقينية المستلزمة للأخلاق الجميلة والأفعال الحسنة كما عرفت أنه أحد معانيه.

__________________

(١) سورة الأحزاب : ٥٣.


٥ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن محمد بن عيسى ، عن الحسن بن علي بن يقطين ، عن الفضل بن كثير عمن ذكره ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال لا إيمان لمن لا حياء له.

٦ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن أبي عبد الله ، عن بعض أصحابنا رفعه قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الحياء حياءان حياء عقل وحياء حمق فحياء العقل هو العلم وحياء الحمق هو الجهل.

٧ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن بكر بن صالح ، عن الحسن بن علي ، عن عبد الله بن إبراهيم ، عن علي بن أبي علي اللهبي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أربع من كن فيه وكان من قرنه إلى قدمه ذنوبا بدلها الله حسنات :

_________________________________________

الحديث الخامس : ضعيف على المشهور ومؤيد للسابق.

الحديث السادس : مرسل.

ويدل على انقسام الحياء إلى قسمين ، ممدوح ومذموم ، فأما الممدوح فهو حياء ناش عن العقل بأن يكون حياؤه وانقباض نفسه عن أمر يحكم العقل الصحيح أو الشرع بقبحه ، كالحياء عن المعاصي أو المكروهات ، وأما المذموم فهو الحياء الناشئ عن الحمق بأن يستحيي عن أمر يستقبحه أهل العرف من العوام ، وليست له قباحة واقعية يحكم بها العقل الصحيح والشرع الصريح كالاستحياء عن سؤال المسائل العلمية أو الإتيان بالعبادات الشرعية التي يستقبحها الجهال «فحياء العقل هو العلم » أي موجب لوفور العلم ، أو سببه العلم المميز بين الحسن والقبيح ، وحياء الحمق سببه الجهل وعدم التميز المذكور ، أو موجب للجهل لأنه يستحيى عن طلب العلم ، فهو مؤيد لما ذكرنا في الخبر الثالث.

الحديث السابع : ضعيف.

« بدلها الله حسنات » إشارة إلى قوله تعالى : «إِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً


الصدق والحياء وحسن الخلق والشكر.

_________________________________________

صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً »(١) وقد قيل في هذا التبديل وجوه : « الأول » : أنه يمحو سوابق معاصيهم بالتوبة ويثبت مكانها لواحق طاعاتهم « الثاني » أنه يبدل ملكة المعصية في النفس بملكة الطاعة « الثالث » أنه تعالى يوفقه لأضداد ما سلف منه «الرابع» أنه يثبت له بدل كل عقاب ثوابا.

ويؤيده ما رواه مسلم عن أبي ذررضي‌الله‌عنه قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال :(٢) أعرضا عليه صغار ذنوبه ونحيا عنه كبارها ، فيقال : عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا ، وهو مقر لا ينكر وهو مشفق من الكبار ، فيقال : أعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة ، فيقول : إن لي ذنوبا ما أراها ههنا؟ قال : ولقد رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ضحك حتى بدت نواجذه.

وما رواه علي بن إبراهيم بإسناده عن الرضاعليه‌السلام قال : إذا كان يوم القيامة أوقف الله عز وجل المؤمن بين يديه ويعرض عليه عمله فينظر في صحيفته فأول ما يرى سيئاته فيتغير لذلك لونه وترتعد فرائصه ثم تعرض عليه حسناته فتفرح لذلك نفسه ، فيقول الله عز وجل : بدلوا سيئاتهم حسنات وأظهروها للناس ، فيبدل الله لهم فيقول الناس : أما كان لهؤلاء سيئة واحدة؟ وهو قوله تعالى : «يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ ».

وأقول : أكثر الوجوه جارية في الخبر بأن يوفقه الله للتوبة والأعمال الصالحة فيبدل فسوقه بالطاعات ، أو مساوئ أخلاقه بمحاسنها أو يكتب له في القيامة بدل سيئاته حسنات.

__________________

(١) سورة الفرقان : ٧٠.

(٢) أي للملكان ، بقرينة ضمير التثنية في الأفعال الآتية.


باب العفو

١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في خطبته ألا أخبركم بخير خلائق الدنيا والآخرة العفو عمن ظلمك وتصل من قطعك والإحسان إلى من أساء إليك وإعطاء من حرمك.

٢ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن محمد بن عبد الحميد ، عن يونس بن يعقوب ، عن غرة بن دينار الرقي ، عن أبي إسحاق السبيعي رفعه قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ألا أدلكم على خير أخلاق الدنيا والآخرة تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك.

_________________________________________

باب العفو

الحديث الأول : حسن كالصحيح.

والخلائق جمع الخليفة وهي الطبيعة ، والمراد هنا الملكات النفسانية الراسخة أي خير الصفات النافعة في الدنيا والآخرة ، وتصل في سائر الروايات وصلة وعلى ما هنا لعله مصدر أيضا بتقدير « أن » أو يقال : عدل إلى الجملة الفعلية التي هي في قوة الأمر لزيادة التأكيد ، والفرق بينها وبين الأولى أن القطع لا يستلزم الظلم بل أريد بها المعاشرة لمن اختار الهجران ، ويمكن تخصيصها بالرحم لاستعمال الصلة غالبا فيها ، والإحسان في مقابلة الإساءة أخص منهما ، لأن الإحسان يزيد على العفو ، والإساءة أخص من القطع الذي هو ترك المواصلة ، وكذا الحرمان غير الإساءة والقطع إذ يعتبر في الإساءة فعل ما يضره والقطع إنما هو في المعاشرة مع أنه يمكن أن يكون بعضها تأكيدا لبعض كما هو الشائع في الخطب والمواعظ.

الحديث الثاني : ضعيف.


٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى بن عبيد ، عن يونس بن عبد الرحمن ، عن أبي عبد الله نشيب اللفائفي ، عن حمران بن أعين قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام ثلاث من مكارم الدنيا والآخرة تعفو عمن ظلمك وتصل من قطعك وتحلم إذا جهل عليك.

٤ ـ علي ، عن أبيه ومحمد بن إسماعيل ، عن الفضل بن شاذان جميعا ، عن ابن أبي عمير ، عن إبراهيم بن عبد الحميد ، عن أبي حمزة الثمالي ، عن علي بن الحسينعليه‌السلام قال سمعته يقول إذا كان يوم القيامة جمع الله تبارك وتعالى الأولين والآخرين في صعيد واحد ثم ينادي مناد أين أهل الفضل ـ قال فيقوم عنق من الناس فتلقاهم الملائكة فيقولون وما كان فضلكم فيقولون كنا نصل من قطعنا ونعطي من حرمنا ونعفو عمن ظلمنا قال فيقال لهم صدقتم ادخلوا الجنة.

_________________________________________

الحديث الثالث : مجهول.

واللفائفي كأنه بياع اللفافة ، وفي القاموس : اللفافة بالكسر ما يلف به على الرجل وغيرها ، والجمع لفائف ، انتهى.

ويقال :جهل على غيره سفه.

الحديث الرابع : حسن موثق.

وفي القاموس :العنق بالضم وبضمتين وكأمير وصرد الجيد ، والجمع أعناق ، والجماعة من الناس والرؤساء ، انتهى.

والمرادبأهل الفضل أما أهل الفضيلة والكمال أو أهل الرجحان أو أهل التفضيل والإحسان« فيقال لهم » أي من قبل الله تعالى« صدقتم » أي في اتصافكم بتلك الصفات أو في كونها سبب الفضل أو فيهما معا وهو أظهر.

واعلم أن هذه الخصال فضيلة وأية فضيلة ، ومكرمة وأية مكرمة ، لا يدرك كنه شرفها وفضلها ، إذ العامل بها يثبت بها لنفسه الفضيلة ، ويرفع بها عن صاحبه الرذيلة


٥ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن جهم بن الحكم المدائني ، عن إسماعيل بن أبي زياد السكوني ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عليكم بالعفو فإن العفو لا يزيد العبد إلا عزا فتعافوا يعزكم الله.

٦ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن سنان ، عن أبي خالد القماط ، عن حمران ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال الندامة على العفو أفضل

_________________________________________

ويغلب على صاحبه بقوة قلبه يكسر بها عدو نفسه ونفس عدوه ، وإلى هذا أشير في القرآن المجيد بقوله سبحانه : «ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ »(١) يعني « السيئة «فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ » ثم أشير إلى فضلها العالي وشرفها الرفيع بقوله عز وجل : «وَما يُلَقَّاها إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ » يعني من الإيمان والمعرفة ، رزقنا الله الوصول إليها وجعلنا من أهلها.

الحديث الخامس : ضعيف على المشهور.

« لا يزيد العبد إلا عزا » أي في الدنيا ردا على يسول الشيطان للإنسان بأن ترك الانتقام يوجب المذلة بين الناس ، وجرأتهم عليه ، وليس كذلك ، بل يصير سببا لرفعة قدره وعلو أمره عند الناس ، لا سيما إذا عفا مع القدرة ، وترك العفو ينجر إلى المعارضات والمجادلات والمرافعة إلى الحكام أو إلى إثارة الفتن الموجبة لتلف النفوس والأموال ، وكل ذلك مورث للمذلة ، والعزة الأخروية ظاهرة كما مر ، والتعافي عفو كل عن صاحبه.

الحديث السادس : ضعيف على المشهور حسن عندي.

« الندامة على العفو أفضل » يحتمل وجوها : الأول : أن صاحب الندامة الأولى أفضل من صاحب الندامة الثانية وإن كانت الندامة الأولى أخس وأرذل.

الثاني : أن يكون الكلام مبنيا على التنزل ، أي لو كان في العفو ندامة فهي

__________________

(١) سورة فصّلت : ٣٤.


وأيسر من الندامة على العقوبة.

٧ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن أبي عبد الله ، عن سعدان ، عن معتب قال كان أبو الحسن موسىعليه‌السلام في حائط له يصرم فنظرت إلى غلام له قد أخذ كارة من تمر فرمى بها وراء الحائط فأتيته وأخذته وذهبت به إليه فقلت جعلت فداك إني وجدت هذا وهذه الكارة فقال للغلام يا فلان قال لبيك قال أتجوع قال لا يا سيدي قال فتعرى قال لا يا سيدي قال فلأي شيء أخذت هذه قال اشتهيت ذلك قال اذهب فهي لك وقال خلوا عنه.

٨ ـ عنه ، عن ابن فضال قال سمعت أبا الحسنعليه‌السلام يقول ما التقت فئتان قط إلا نصر أعظمهما عفوا.

_________________________________________

أفضل وأيسر إذ يمكن تداركه غالبا ، بخلاف الندامة على العقوبة فإنه لا يمكن تدارك العقوبة بعد وقوعها غالبا ، فلا تزول تلك الندامة ، فيرجع إلى أن العفو أفضل فإنه يمكن إزالة الندامة بخلاف المبادرة بالعقوبة فإنه لا يمكن إزالة ندامتها وتداركها.

الثالث : أن يقدر مضاف فيهما مثل الدفع أو الرفع ، أي رفع تلك الندامة أيسر من رفع هذه.

الرابع : أن يكون المعنى أن مجموع تلك الحالتين أي العفو والندم عليه أفضل من مجموع حالتي العقوبة والندم عليها فلا ينافي كون الندم على العقوبة ممدوحا والندم على العفو مذموما ، إذ العفو أفضل من تلك الندم والعقوبة أقبح من هذا الندم وهذا وجه وجيه.

الحديث السابع : مجهول.

وصرم النخل جزه ، والفعل كضرب ، وفي القاموس :الكارة مقدار معلوم من الطعام ، ويدل على استحباب العفو عن السارق وترك ما سرقه له.

الحديث الثامن : موثق كالصحيح.

وأبو الحسن هو الرضاعليه‌السلام ويدل على أن نية العفو تورث الغلبة على الخصم.


٩ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن ابن فضال ، عن ابن بكير ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أتي باليهودية التي سمت الشاة للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال لها ما حملك على ما صنعت فقالت قلت إن كان نبيا لم يضره وإن كان ملكا أرحت الناس منه قال فعفا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عنها.

١٠ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال ثلاث لا يزيد الله بهن المرء المسلم إلا عزا الصفح عمن ظلمه وإعطاء من حرمه والصلة لمن قطعه.

_________________________________________

الحديث التاسع : كالسابق ويدل علي حسن العفو عن الكافر وإن أراد القتل وتمسك بحجة كاذبة ، وظاهر أكثر الروايات أنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أكل منها ولكن بإعجازه لم يؤثر فيه عاجلا ، وفي بعض الروايات أن أثره بقي في جسدهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى توفي به بعد سنين ، فصار شهيدا فجمع الله له بذلك بين كرم النبوة وفضل الشهادة ، واختلف المخالفون في أنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هل قتلها أم لا؟ واختلفت رواياتهم أيضا في ذلك ، ففي أكثر روايات الفريقين أنه عفا عنها ولم يقتلها ، وقال بعضهم : أنه قتلها ، ورووا عن ابن عباس أنه دفعها إلى أولياء بشر وقد كان أكل من الشاة فمات فقتلوها ، وبه جمعوا بين الروايات.

الحديث العاشر : ضعيف.


باب كظم الغيظ

١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام بن الحكم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال كان علي بن الحسينعليه‌السلام يقول ما أحب أن لي بذل نفسي حمر النعم وما تجرعت جرعة أحب إلي من جرعة غيظ لا أكافي

_________________________________________

باب كظم الغيظ

الحديث الأول : حسن كالصحيح.

وذل النفس بالكسر سهولتها وانقيادها ، وهي ذلول وبالضم مذلتها وضعفها وهي ذليل ، والنعم المال الراعي وهو جمع لا واحد له من لفظه ، وأكثر ما يقع على الإبل ، قال أبو عبيد : النعم الجمال فقط ، ويؤنث ويذكر ، وجمعه نعمان وإنعام أيضا ، وقيل : النعم الإبل خاصة ، والأنعام ذوات الخف والظلف وهي الإبل والبقر والغنم ، وقيل : تطلق الأنعام على هذه الثلاثة فإذا انفردت الإبل فهي نعم ، وإن انفردت البقر والغنم لم تسم نعما كذا في المصباح وقال الكرماني : حمر النعم بضم الحاء وسكون الميم أي أقواها وأجلدها ، وقال الطيبي : أي الإبل الحمر وهي أنفس أموال العرب ، وقال في المغرب : حمر النعم كرائمها وهي مثل في كل نفيس ، وقيل : الحسن أحمر ، انتهى.

وربما يقرأ النعم بالكسر جمع نعمة ، والحمرة كناية عن الحسن أي محاسن النعم والأول أشهر وأظهر.

والخبر يحتمل وجهين : « الأول » أن يكون الذل بالضم والباء للسببية أو المصاحبة أي لا أحب أن يكون لي مع ذل نفسي أو بسببه نفائس أموال الدنيا أقتنيها أو أتصدق بها لأنه لم يكن للمال عندهعليه‌السلام قدر ومنزلة ، وقال الطيبي : هو كناية عن خير الدنيا كله ، والحاصل أني ما أرضى أن أذل نفسي ولي بذلك كرائم الدنيا ،


بها صاحبها.

٢ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن سنان وعلي بن النعمان ، عن عمار بن مروان ، عن زيد الشحام ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال نعم الجرعة الغيظ لمن صبر عليها فإن عظيم الأجر لمن عظيم البلاء وما أحب الله قوما

_________________________________________

ونبهعليه‌السلام بذكر تجرع الغيظ عقيب هذا علي أن في التجرع العز وفي المكافاة الذل كما مر وسيأتي ، أو المعنى مع أني لا أرضى بذل نفسي أحب ذلك لكثرة ثوابه وعظم فوائده والأول أظهر.

الثاني : أن يكون الذل بالكسر والباء للعوض ، أي لا أرضى أن يكون لي عوض انقياد نفسي وسهولتها وتواضعها ، أو بالضم أيضا أي المذلة الحاصلة عند إطاعة أمر الله بكظم الغيظ والعفو نفائس الأموال ، وقيل : التشبيه للتقريب إلى الأفهام وإلا قذرة من الآخرة خير من الأرض وما فيها.

قوله عليه‌السلام : وما تجرعت جرعة ، الجرعة من الماء كاللقمة من الطعام وهو ما يجرع مرة واحدة والجمع جرع كغرفة وغرف ، وتجرع الغصص مستعار منه وأصله الشرب من عجلة وقيل : الشرب قليلا وإضافة الجرعة إلى الغيظ من قبيل لجين الماء ، والغيظ صفة للنفس عند احتدادها موجبة لتحركها نحو الانتقام ، وفي الكلام تمثيل.

وقال بعض الأفاضل : لا يقال الغيظ أمر جبلي لا اختيار للعبد في حصوله فكيف يكلف برفعه؟ لأنا نقول : هو مكلف بتصفية النفس على وجه لا يحركها أسباب الغيظ بسهولة.

وأقول : على تقدير حصول الغيظ بغير اختيار فهو غير مكلف برفعه ولكنه بعدم العمل بمقتضاه فإنه باختياره غالبا وإن سلب اختياره فلا يكون مكلفا.

الحديث الثاني : صحيح.

« لمن عظيم البلاء » أي الامتحان والاختبار فإن الله تعالى ابتلى المؤمنين بمعاشرة


إلا ابتلاهم.

٣ ـ عنه ، عن علي بن النعمان ومحمد بن سنان ، عن عمار بن مروان ، عن أبي الحسن الأولعليه‌السلام قال اصبر على أعداء النعم فإنك لن تكافئ من عصى الله فيك بأفضل من أن تطيع الله فيه.

٤ ـ عنه ، عن محمد بن سنان ، عن ثابت مولى آل حريز ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال كظم الغيظ عن العدو في دولاتهم تقية حزم لمن أخذ به وتحرز من التعرض

_________________________________________

المخالفين والظلمة وأرباب الأخلاق السيئة وأمرهم بالصبر وكظم الغيظ وهذا من أشد البلاء وأشق الابتلاء.

الحديث الثالث : كالسابق.

والضمير لأحمد ولعل المرادبأعداء النعم الحاسدون الذين يحبون زوال النعم عن غيرهم فهم أعداء لنعم غيرهم يسعون في سلبها ، أو الذين أنعم الله عليهم بنعم وهم يطغون ويظلمون الناس فبذلك يتعرضون لزوال النعم عن أنفسهم فهم أعداء لنعم أنفسهم ، ويحتمل أن يكون المراد بالنعم الأئمةعليهم‌السلام « من عصى الله فيك » بالحسد وما يترتب عليه ، أو بالظلم والطغيان والأذى« من أن تطيع الله فيه » بالعفو وكظم الغيظ والصبر على أذاه كما قال تعالى : «وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ » الآية وفي صيغة التفضيل دلالة على جواز المكافاة بشرط أن لا يتعدى كما قال سبحانه «فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ »(١) وغيره ولكن العفو أفضل.

الحديث الرابع : ضعيف على المشهور ، وفي النهايةكظم الغيظ تجرعه واحتمال سببه والصبر عليه ، ومنه الحديث إذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع ، أي ليحبسه ما أمكنه ، وقال : الحزم ضبط الرجل أمره والحذر من فواته من قولهم حزمت الشيء أي شددته ، وفي القاموسالحزم : ضبط الأمر والأخذ فيه بالثقة ، وقال :المظاظة شدة

__________________

(١) سورة البقرة : ١٩٤.


للبلاء في الدنيا ومعاندة الأعداء في دولاتهم ومماظتهم في غير تقية ترك أمر الله فجاملوا الناس يسمن ذلك لكم عندهم ولا تعادوهم فتحملوهم على رقابكم فتذلوا.

٥ ـ علي بن إبراهيم ، عن بعض أصحابه ، عن مالك بن حصين السكوني قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام ما من عبد كظم غيظا إلا زاده الله عز وجل عزا في الدنيا والآخرة وقد قال الله عز وجل : «وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ

_________________________________________

الخلق وفظاظته ومظظته لمته. وماظظته مماظة ومماظا شاردته ونازعته ، والخصم لازمته وقال :جامله لم يصفه الإخاء بل ماسحة بالجميل له وأحسن عشرته ،قوله : يسمن ذلك عندهم ، كذا في أكثر النسخ من قولهم سمن فلان يسمن من باب تعب ، وفي لغة من باب قرب إذا كثر لحمه وشحمه كناية عن العظمة والنمو ويمكن أن يقرأ على بناء المفعول من الأفعال أو التفعيل ، أي يفعل الله ذلك مرضيا محبوبا عندهم ، وفي بعض النسخ يسمى على بناء المفعول من التسمية أي يذكر عندهم ويحمدونكم بذلك ، فيكون مرفوعا بالاستيناف البياني والحمل على الرقاب كناية عن التسلط والاستيلاء.

الحديث الخامس : مجهول.

« وقد قال الله » بيان لعز الآخرة لأنه تعالى قال في سورة آل عمران : «وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ، الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ »(١) قال البيضاوي : الممسكين عليه ، الكافين عن إمضائه مع القدرة ، من كظمت القربة إذا ملأتها وشددت رأسها ، وعن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من كظم غيظا وهو يقدر على إنفاذه ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا «وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ » التاركين عقوبة من استحقوا مؤاخذته «وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ »(١) يحتمل الجنس ويدخل تحته هؤلاء ، والعهد فيكون إشارة إليهم ، انتهى.

__________________

(١) سورة آل عمران : ١٣٤.


وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ »(١) وأثابه الله مكان غيظه ذلك.

٦ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن إسماعيل بن مهران ، عن سيف بن عميرة قال حدثني من سمع أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول من كظم غيظا ولو شاء أن يمضيه أمضاه أملأ الله قلبه يوم القيامة رضاه.

_________________________________________

فكفى عزا لهم في الآخرة بأن بشر الله لهم بالجنة وحكم بأنها أعدت لهم وأنه تعالى يحبهم ، ويحتمل أن يكون تعليلا لعز الدنيا أيضا بأنهم يدخلون تحت هذه الآية وهذا شرف في الدنيا أيضا ، أو تدل الآية على أنهم من المحسنين وممن يحبهم الله ومحبوبة تعالى عزيز في الدنيا والآخرة كما قيل.

قوله عليه‌السلام : وأثابه الله مكان غيظه ذلك ، يحتمل أن يكون ذلك إشارة إلى المذكور في الآية ويكون فيه تقدير أي مكان كظم غيظه أي لأجله أو عوضه ، ويحتمل أن يكون ذلك عطف بيان أو بدلا من غيظه ، ويكون أثابه عطفا على زاده أي ويعطيه الله أيضا مع عز الدنيا والآخرة أجرا لأصل الغيظ لأنه من البلايا التي يصيب الإنسان بغير اختياره ، ويعطي الله لها عوضا على اصطلاح المتكلمين فالمراد بالثواب العوض لأن الثواب إنما يكون علي الأمور الاختيارية بزعمهم ، والغيظ ليس باختياره وإن كان الكظم باختياره فالجنة على الكظم ، والثواب أي العوض لأصل الغيظ ، وقيل : المراد بالمكان المنزل المخصوص لكل من أهل الجنة وإضافته من قبيل إضافة المعلول إلى العلة.

الحديث السادس : مرسل.

« ولو شاء أن يمضيه » أي يعمل بمقتضى الغيظ« أملأ الله قلبه يوم القيامة » أي يعطيه من الثواب والكرامة والشفاعة والدرجة حتى يرضى رضا كاملا لا يتصور فوقه.

__________________

(١) سورة آل عمران : ١٢٨.


٧ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن ابن فضال ، عن غالب بن عثمان ، عن عبد الله بن منذر ، عن الوصافي ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال من كظم غيظا وهو يقدر على إمضائه حشا الله قلبه أمنا وإيمانا يوم القيامة.

٨ ـ الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن الحسن بن علي الوشاء ، عن عبد الكريم بن عمرو ، عن أبي أسامة زيد الشحام ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال لي يا زيد اصبر على أعداء النعم فإنك لن تكافئ من عصى الله فيك بأفضل من أن تطيع الله فيه يا زيد إن الله اصطفى الإسلام واختاره فأحسنوا صحبته بالسخاء وحسن الخلق.

٩ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن حفص بياع السابري ، عن أبي حمزة ، عن علي بن الحسينعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من أحب السبيل إلى الله عز وجل جرعتان جرعة غيظ تردها بحلم وجرعة مصيبة تردها بصبر.

_________________________________________

الحديث السابع : مجهول.

« أمنا وإيمانا » كان المراد بالإيمان التصديق الكامل بكرمه ولطفه ورحمته ، لكثرة ما يعطيه من الثواب فيرجع إلى الخبر السابق ، ويحتمل الأعم بأن يزيد الله تعالى في يقينه وإيمانه فيستحق مزيد الثواب والكرامة ، ولا دليل على عدم جواز مزيد الإيمان في ذلك اليوم.

الحديث الثامن : ضعيف على المشهور.

وفيقوله : فأحسنوا صحبته ، إيماء إلى أن مع ترك هاتين الخصلتين يخاف زوال الإسلام ، فإن لم يحسن صحبته يهجر غالبا.

الحديث التاسع : مجهول.

« تردها » هذا على التمثيل كان المغتاظ الذي يريد إظهار غيظه فيدفعه ولا يظهره لمنافعه الدنيوية والأخروية كمن شرب دواء بشعا لا يقبله طبعه ، ويريد


١٠ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حماد ، عن ربعي عمن حدثه ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال قال لي أبي يا بني ما من شيء أقر لعين أبيك من جرعة غيظ عاقبتها صبر وما من شيء يسرني أن لي بذل نفسي حمر النعم.

_________________________________________

أن يدفعه فيتصور نفع هذا الدواء فيرده ، وكذا الصبر عند البلاء وترك الجزع يشبه تلك الحالة ، ففيهما استعارة تمثيلية ، والفرق بين الكظم والصبر أن الكظم فيما يقدر على الانتقام ، والصبر فيما لا يقدر عليه.

الحديث العاشر : مرسل.

« ما من شيء » ما نافية ومن زائدة للتصريح بالتعميم ، وهو مرفوع محلا لأنه اسم « ما » وأقر خبره ، واللام فيلعين للتعدية ، قال الراغب : قرت عينه تقر سرت قال تعالى : «كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها »(١) وقيل : لمن يسر به قرة عين قال تعالى : «قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ »(٢) قيل : أصله من القر أي البرد ، فقرت عينه قيل : معناه بردت فصحت ، وقيل : بل لأن للسرور دمعة قارة ، وللحزن دمعة حارة ، وكذلك يقال فيمن يدعي عليه : أسخن الله عينه ، وقيل : هو من القرار والمعنى أعطاه الله ما تسكن به عينه ، فلا تطمح إلى غيره.

قوله عليه‌السلام : عاقبتها صبر ، كان المراد بالصبر الرضا بكظم الغيظ ، والعزم على ترك الانتقام ، أو المعنى أنه يكظم الغيظ بشدة ومشقة إلى أن ينتهي إلى درجة الصابرين ، بحيث يكون موافقا لطبعه غير كاره له ، وهذا من أفضل صفات المقربين ، وقيل : إشارة إلى أن كظم الغيظ إنما هو مع القدرة على الانتقام ، وهو محبوب ، وإن انتهى إلى حد يصبر مع عدم القدرة علي الانتقام أيضا ، ولا يخفى ما فيه.

__________________

(١) سورة القصص : ١٣.

(٢) سورة القصص : ٩.


١١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن معاوية بن وهب ، عن معاذ بن مسلم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال اصبروا على أعداء النعم فإنك لن تكافئ من عصى الله فيك بأفضل من أن تطيع الله فيه.

١٢ ـ عنه ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن خلاد ، عن الثمالي ، عن علي بن الحسين صلوات الله عليه قال قال ما أحب أن لي بذل نفسي حمر النعم وما تجرعت من جرعة أحب إلي من جرعة غيظ لا أكافي بها صاحبها.

١٣ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن الوشاء ، عن مثنى الحناط ، عن أبي حمزة قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام ما من جرعة يتجرعها العبد أحب إلى الله عز وجل من جرعة غيظ يتجرعها عند ترددها في قلبه إما بصبر وإما بحلم.

_________________________________________

الحديث الحادي عشر : حسن كالصحيح وقد مر بسند آخر.

الحديث الثاني عشر : مجهول وقد مر.

الحديث الثالث عشر : حسن.

والمرادبترددها في قلبه إقدام القلب تارة إلى تجرعها لما فيه من الأجر الجزيل وإصلاح النفس ، وتارة إلى ترك تجرعها لما فيه من البشاعة والمرارة« إما بصبر وإما بحلم » الفرق بينهما إما بأن الأول فيما إذا لم يكن حليما فيتحلم ويصبر ، والثاني فيما إذا كان حليما وكان ذلك خلقه وكان عليه يسرا ، أو الأول فيما إذا لم يقدر على الانتقام فيصبر ولا يجزع ، والثاني فيما إذا قدر ولم يفعل حلما وتكرما بناء على أن كظم الغيظ قد يستعمل فيما إذا لم يقدر علي الانتقام أيضا ، وقيل : الصبر هو أن لا يقول ولا يفعل شيئا أصلا ، والحلم أن يقول أو يفعل شيئا يوجب رفع الفتنة وتسكين الغضب ، فيكون الحلم بمعنى العقل واستعماله.


باب الحلم

١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن محمد بن عبيد الله قال سمعت الرضاعليه‌السلام يقول لا يكون الرجل عابدا حتى يكون حليما وإن الرجل كان إذا تعبد في بني إسرائيل لم يعد عابدا حتى يصمت قبل ذلك عشر سنين.

_________________________________________

باب الحلم الحديث الأول : مجهول.

وقال الراغب :الحلم ضبط النفس عن هيجان الغضب ، وقيل : الحلم الأناءة والتثبت في الأمور ، وهو يحصل من الاعتدال في القوة الغضبية ويمنع النفس من الانفعال عن الواردات المكروهة المؤذية ، ومن آثاره عدم جزع النفس عند الأمور الهائلة ، وعدم طيشها في المؤاخذة وعدم صدور حركات غير منتظمة منها ، وعدم إظهار المزية على الغير ، وعدم التهاون في حفظ ما يجب حفظه شرعا وعقلا ، انتهى.

ويدل الحديث على اشتراط قبول العبادة وكمالها بالحلم لأن السفيه يبادر بأمور قبيحة من الفحش والبذاء والضرب والإيذاء بل الجراحة والقتل ، وكل ذلك يفسد العبادة فإن الله إنما يتقبلها من المتقين ، وقيل : الحليم هنا العاقل وقد مر أن عبادة غير العاقل ليس بكامل ولما كانت الصمت عما لا يعني من لوازم الحلم غالبا ذكره بعده ، ولذلك قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إذا غضب أحدكم فليسكت.

وصوم الصمت كان في بني إسرائيل ، وهو وإن نسخ في هذه الأمة لكن كمال الصمت غير منسوخ فاستشهدعليه‌السلام على حسنه بكونه شرعا مقررا في بني إسرائيل ولم يكونوا يعدون الرجل في العابدين المعروفين بالعبادة إلا بعد المواظبة على صوم الصمت أو أصله عشر سنين.


٢ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن النعمان ، عن ابن مسكان ، عن أبي حمزة قال المؤمن خلط عمله بالحلم يجلس ليعلم وينطق ليفهم لا يحدث أمانته الأصدقاء ولا يكتم شهادته الأعداء ولا يفعل شيئا من الحق رياء ولا يتركه حياء إن زكي خاف مما يقولون واستغفر الله مما لا يعلمون لا يغره قول :

_________________________________________

الحديث الثاني : صحيح.

« خلط عمله » في مجالس الصدوق علمه وهو أظهر وأوفق بسائر الأخبار ، إذ العلم بدون العمل يصير غالبا سببا للتكبر والترفع والسفاهة وترك الحلم « يجلس ليعلم » أي يختار مجلسا يحصل فيه التعلم وإنما يجلس له لا للأغراض الفاسدة ، وفي المجالس بعده : وينصت ليسلم أي من مفاسد النطق« وينطق ليفهم » أي إنما ينطق في تلك المجالس ليفهم ما أفاده العالم إن لم يفهمه لا للمعارضة والجدال وإظهار الفضل« لا يحدث أمانته » أي السر الذي ائتمن عليه« الأصدقاء » فكيف الأعداء« ولا يكتم شهادته الأعداء » أي لو كان عنده شهادة لعدو لا تحمله العداوة على أن لا ـ يقول له أنا شاهد لك ، أو لا يكتمه إذا استشهده ، وطلب منه أداء الشهادة ، أو المراد للأعداء« ولا يفعل شيئا من الحق » أي العبادات الحقة ليراه الناس ، وفيه إشعار بأنه لا يفعل شيئا إلا ما هو حق ولا يأتي ببدعة.

« ولا يتركه » أي الحق« حياء » لأنه من الحياء المذموم ولا حياء في الحق« إن زكي » أي أثنى عليه ومدح بما يفعله« خاف مما يقولون » وفي المجالس ما يقولون وكلاهما حسن ، أي خاف أن يصير قولهم سببا لإعجابه بنفسه وبعمله فتضيع أعماله ، أو يكونوا في ذلك كاذبين ورضي بكذبهم فيعاقب على ذلك ، مع أنه لا ينفع تزكيتهم كما قال تعالى : «فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ »(١) .

« مما لا يعلمون » أي من عيوبه ومعاصيه التي صار عدم علمهم بها سببا لتزكيتهم ،

__________________

(١) سورة النساء : ٤٩.


من جهله ويخشى إحصاء ما قد عمله.

٣ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن ابن فضال ، عن ابن بكير ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال كان علي بن الحسينعليه‌السلام يقول إنه ليعجبني الرجل أن يدركه حلمه عند غضبه.

٤ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن علي بن الحكم ، عن أبي جميلة ، عن جابر ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال إن الله عز وجل يحب الحيي الحليم.

٥ ـ عنه ، عن علي بن حفص العوسي الكوفي رفعه إلى أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ما أعز الله بجهل قط ولا أذل بحلم قط.

_________________________________________

وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : وإذا زكي أحد منهم خاف مما يقال فيه فيقول : أنا أعلم بنفسي من غيري ، وربي أعلم مني بنفسي اللهم لا تؤاخذني بما يقولون واجعلني أفضل مما يظنون ، واغفر لي ما لا يعلمون« لا يغره » تأكيد لما سبق أو استيناف بياني وكذا الفقرة الثانية على اللف والنشر المرتب ، أي لا يغتر بتزكية من لا يطلع على عيوبه الخفية ، فيعجب بقولهم ، ويخشى إحصاء الله أو الملائكة ما عمله من المعاصي ، وفي المجالس ويخشى إحصاء من قد علمه وكأنه أظهر.

الحديث الثالث : موثق كالصحيح ، وقوله : أن يدركه بدل اشتمال للرجل.

الحديث الرابع : ضعيف.

الحديث الخامس : مرفوع.

والجهل يطلق على خلاف العلم ، وعلى ما هو مقتضاه من السفاهة وصدور الأفعال المخالفة للعقل ، وهنا يحتمل الوجهين كما أن الحلم يحتمل مقابلهما والثاني أظهر فيهما.


٦ ـ عنه ، عن بعض أصحابه رفعه قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام كفى بالحلم ناصرا وقال إذا لم تكن حليما فتحلم.

٧ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن عبد الله الحجال ، عن حفص بن أبي عائشة قال بعث أبو عبد اللهعليه‌السلام غلاما له في حاجة فأبطأ فخرج أبو عبد اللهعليه‌السلام على أثره لما أبطأ فوجده نائما فجلس عند رأسه يروحه حتى انتبه فلما تنبه قال له أبو عبد اللهعليه‌السلام يا فلان والله ما ذلك لك تنام الليل والنهار لك الليل ولنا منك النهار.

٨ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن النعمان ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إن الله يحب الحيي الحليم العفيف المتعفف.

_________________________________________

الحديث السادس : مرسل.

« كفى بالحلم ناصرا » لأنه بالحلم تندفع الخصومة ، بل يصير الخصم محبا له وهذا أحسن النصر ، مع أن. الحليم يصير محبوبا عند الناس فالناس ينصرونه على الخصوم ويعينونه في المكاره« وقال : إذا لم تكن حليما » أي بحسب الخلقة والطبع« فتحلم » أي أظهر الحلم تكلفا ، وجاهد نفسك في ذلك حتى يصير خلقا لك ويسهل عليك ، مع أن تكلفه بمشقة أكثر ثوابا كما مر ، وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : إن لم تكن حليما فتحلم فإنه قل من تشبه بقوم إلا أوشك أن يكون منهم.

الحديث السابع : مجهول.

« تنام » مرفوع أو منصوب بتقدير أن ، وهو بدل ذلك« لك الليل » استئناف ويدل على جواز تكليف العبد بعدم النوم في النهار إذا لم يستخدمه في الليل ، وعلى استحباب عدم تنبيه المملوك عن النوم وترويحه ، وهذا غاية المروة والحلم.

الحديث الثامن : ضعيف.

والعفيف المجتنب عن المحرمات لا سيما ما يتعلق منها بالبطن والفرج ،والمتعفف إما تأكيد كقولهم ليل أليل أو العفيف عن المحرمات المتعفف عن المكروهات


٩ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن علي بن محبوب ، عن أيوب بن نوح ، عن عباس بن عامر ، عن ربيع بن محمد المسلي ، عن أبي محمد ، عن عمران ، عن سعيد بن يسار ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إذا وقع بين رجلين منازعة نزل ملكان فيقولان للسفيه منهما قلت وقلت وأنت أهل لما قلت ستجزى بما قلت ويقولان للحليم

_________________________________________

لأنه أشد فيناسب هذا البناء ، أو العفيف في البطن المتعفف في الفرج أو العفيف عن الحرام المتعفف عن السؤال كما قال تعالى : «يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ »(١) أو العفيف خلقا المتعفف تكلفا فإن العفة قد يكون عن بعض المحرمات خلقا وطبيعيا ، وعن بعضها تكلفا ولعل هذا أنسب.

قال الراغب : العفة حصول حالة للنفس تمتنع بها عن غلبة الشهوة ، والتعفف التعاطي لذلك بضرب من الممارسة والقهر ، وأصله الاقتصار على تناول الشيء القليل الجاري مجرى العفافة ، والعفة أي البقية من الشيء أو العفف وهو ثمر الأراك ، وفي النهاية فيه من يستعفف يعفه الله ، الاستعفاف طلب العفاف والتعفف وهو الكف عن الحرام والسؤال من الناس ، أي من طلب العفة وتكلفها أعطاه الله تعالى إياها.

الحديث التاسع : مجهول.

« قلت وقلت » التكرار لبيان كثرة الشتم وقول الباطل ، وربما يقرأ الثاني بالفاء ، قال في النهاية يقال : فال الرجل في رأيه وفيل إذا لم يصب فيه ، ورجل فائل الرأي وفاله وفيل ، انتهى والظاهر أنه تصحيف.

__________________

(١) سورة البقرة : ٢٧٣.


منهما صبرت وحلمت سيغفر الله لك إن أتممت ذلك قال فإن رد الحليم عليه ارتفع الملكان.

باب

الصمت وحفظ اللسان

١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال قال أبو الحسن الرضاعليه‌السلام من علامات الفقه الحلم والعلم والصمت إن

_________________________________________

« فإن رد الحليم عليه » أي بعد حلمه عنه أولا ارتفع الملكان ساخطين عليهما ويكلانهما إلى الملكين ليكتبا عليهما قولهما ، والرد بعد مبالغة الآخر في الشتم والفحش لا ينافي وصفه بالحلم لأنه قد حلم أولا ومراتب الحلم متفاوتة.

باب الصمت وحفظ اللسان

الحديث الأول : صحيح.

وكان المرادبالفقه العلم المقرون بالعمل ، فلا ينافي كون مطلق العلم من علاماته ، أو المراد بالفقه التفكر والتدبر في الأمور ، قال الراغب : الفقه هو التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد فهو أخص من العلم ، قال تعالى : «فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً »(١) «بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ »(٢) إلى غير ذلك من الآيات ، والفقه العلم بأحكام الشريعة ، انتهى.

وقيل : أراد العلم فيما يقول والصمت عما لا يعلم أو يضر ، وقيل : المراد بالعلم آثاره أعني إثبات الحق وإبطال الباطل ، وترويج الدين وحل المشكلات ، انتهى.

__________________

(١) سورة النساء : ٧٨.

(٢) سورة الأنفال : ٦٥.


الصمت باب من أبواب الحكمة إن الصمت يكسب المحبة إنه دليل على كل خير.

٢ ـ عنه ، عن الحسن بن محبوب ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي حمزة قال سمعت أبا جعفرعليه‌السلام يقول إنما شيعتنا الخرس.

٣ ـ عنه ، عن الحسن بن محبوب ، عن أبي علي الجواني قال شهدت أبا عبد اللهعليه‌السلام وهو يقول لمولى له يقال له سالم ووضع يده على شفتيه وقال :

_________________________________________

وأقول : قد مر بسند آخر عنهعليه‌السلام من علامات الفقيه الحلم والصمت ، ويظهر من بعض الأخبار أن الفقه هو العلم الرباني المستقر في القلب الذي يظهر آثاره على الجوارح.

« إن الصمت باب من أبواب الحكمة » أي سبب من أسباب حصول العلوم الربانية فإن بالصمت يتم التفكر ، وبالتفكر يحصل الحكمة أو هو سبب لإفاضة الحكم عليه من الله سبحانه ، أو الصمت عند العالم وعدم معارضته ، والإنصات إليه سبب لإفاضة الحكم منه ، أو الصمت دليل من دلائل وجود الحكمة في صاحبه« يكسب المحبة » أي محبة الله أو محبة الخلق ، لأن عمدة أسباب العداوة بين الخلق الكلام من المنازعة والمجادلة والشتم والغيبة والنميمة والمزاح ، وفي بعض النسخ يكسب الجنة ، وفي سائر نسخ الحديث المحبة« أنه دليل على كل خير » أي وجود كل خير في صاحبه أو دليل لصاحبه إلى كل خير.

الحديث الثاني : صحيح.

والخرس بالضم جمع الأخرس ، أي هم لا يتكلمون باللغو والباطل ، وفيما لا يعلمون ، وفي مقام التقية خوفا على أئمتهم وأنفسهم وإخوانهم فكلامهم قليل فكأنهم خرس.

الحديث الثالث : مجهول.


يا سالم احفظ لسانك تسلم ولا تحمل الناس على رقابنا.

٤ ـ عنه ، عن عثمان بن عيسى قال حضرت أبا الحسن صلوات الله عليه وقال له رجل أوصني فقال له احفظ لسانك تعز ولا تمكن الناس من قيادك فتذل رقبتك.

٥ ـ عنه ، عن الهيثم بن أبي مسروق ، عن هشام بن سالم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لرجل أتاه ألا أدلك على أمر يدخلك الله به الجنة قال بلى يا رسول الله قال أنل مما أنالك الله قال فإن كنت أحوج ممن

_________________________________________

وضميرشفتيه للإمامعليه‌السلام ورجوعه إلى سالم بعيد« تسلم » أي من معاصي اللسان ومفاسد الكلام« ولا تحمل الناس على رقابنا » أي لا تسلطهم علينا بترك التقية وإذاعة أسرارنا.

الحديث الرابع : موثق.

وقال الراغبالوصية التقدم إلى الغير بما يعمل به مقترنا بوعظ ، من قولهم أرض واصية متصلة النبات ، يقال : أوصاه ووصاه ، والقياد ككتاب حبل تقاد به الدابة وتمكين الناس من القياد كناية عن تسلطهم وإعطاء حجة لهم على إيذائه وإهانته بترك التقية ، ونسبة الإذلال إلى الرقبة لظهور الذل فيها أكثر من سائر الأعضاء ، وفيه ترشيح للاستعارة السابقة لأن القياد يشد على الرقبة.

الحديث الخامس : حسن.

« أنل مما أنالك الله » أي أعط المحتاجين مما أعطاك الله تعالى ، قال الجوهري : نال خيرا ينال نيلا أي أصاب ، وأنا له غيره والأمر فيه نل بفتح النون« للأخرق » أي الجاهل بمصالح نفسه ، في القاموس : صنع إليه معروفا كمنع صنعا بالضم وصنع به صنيعا قبيحا فعله ، والشيء صنعا بالفتح والضم عمله ، وصنعة الفرس حسن القيام عليه ، وأصنع أعان آخر والأخرق تعلم وأحكم واصطنع عنده صنيعة اتخذها ، و


أنيله قال فانصر المظلوم قال وإن كنت أضعف ممن أنصره قال فاصنع للأخرق يعني أشر عليه قال : فإن كنت أخرق ممن أصنع له قال فأصمت لسانك إلا من خير أما يسرك أن تكون فيك خصلة من هذه الخصال تجرك إلى الجنة؟.

_________________________________________

في النهاية : الخرق بالضم الجهل والحمق ، وقد خرق يخرق خرقا فهو أخرق ، والاسم الخرق بالضم ، ومنه الحديث تعين ضائعا أو تصنع لأخرق ، أي جاهل بما يجب أن يعمله ولم يكن في يده صنعة يكتسب بها ، انتهى.

والظاهر أن« يعني » من كلام الصادقعليه‌السلام ويحتمل كونه كلام بعض الرواة أي ليس المراد نفعه بمال ونحوه ، بل برأي ومشورة ينفعه ، وفيه حث على إرشاد كل من لم يعلم أمرا من مصالح الدين والدنيا.

« فإن كنت أخرق » أي أشد خرقا وإن كان نادرا« فأصمت » على بناء المجرد أو الأفعال ، وفي القاموس : الصمت والصموت والصمات السكوت كالأصمات والتصميت وأصمته وصمته أسكته لا زمان متعديان ، والمراد بالخير ما يورث ثوابا في الآخرة أو نفعا في الدنيا بلا مضرة أحد فالمباح غالبا مما ينبغي السكوت عنه ، والأمر لمطلق الطلب الشامل للوجوب والرجحان.

واختلف في المباح هل يكتب أم لا؟ نقل عن ابن العباس أنه لا يكتب ولا يجازي عليه والأظهر أنه يكتب لعموم قوله تعالى : «ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ »(١) وقوله سبحانه : «كُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ »(٢) ولدلالة كثير من الروايات عليه ، وقد أوردناها في كتابنا الكبير ، وعدم المجازاة لا يدل على عدم الكتابة إذ لعل الكتابة لغرض آخر كالتأسف والتحسر على تضييع العمر فيما لا ينفع مع القدرة

__________________

(١) سورة ق : ١٨.

(٢) سورة القمر : ٥٣.


٦ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن جعفر بن محمد الأشعري ، عن ابن القداح ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال لقمان لابنه يا بني إن كنت زعمت أن الكلام من فضة فإن السكوت من ذهب.

_________________________________________

على فعل ما يوجب الثواب ، ويدل الخبر على أن كمال خصلة واحدة من تلك الخصال يوجب الجنة ، ويحتمل اشتراطها بترك الكبائر أو نحوه ، أو يكون الجر إليها كناية عن القرب منها ، وقيل : يمكن أن يراد أن الخصلة الواحدة تجر إلى أسباب الدخول في الجنة وهي الخصال الأخر ، فإن الخير بعضه يفضي إلى بعض.

الحديث السادس : ضعيف على المشهور.

ويدل على أن السكوت أفضل من الكلام ، وكأنه مبني على الغالب وإلا فظاهر أن الكلام خير من السكوت في كثير من الموارد ، بل يجب الكلام ويحرم السكوت عند إظهار أصول الدين وفروعه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ويستحب في المواعظ والنصائح وإرشاد الناس إلى مصالحهم وترويج العلوم الدينية والشفاعة للمؤمنين وقضاء حوائجهم وأمثال ذلك.

فتلك الأخبار مخصوصة بغير تلك الموارد ، أو بأحوال عامة الخلق فإن غالب كلامهم إنما هو فيما لا يعنيهم أو هو مقصور على المباحات كما روى الطبرسي في كتاب الاحتجاج أنه سئل علي بن الحسينعليه‌السلام عن الكلام والسكوت أيهما أفضل؟

فقالعليه‌السلام : لكل واحد منهما آفات فإذا سلما من الآفات فالكلام أفضل من السكوت ، قيل : كيف ذلك يا بن رسول الله؟ قال : لأن الله عز وجل ما بعث الأنبياء والأوصياء بالسكوت إنما بعثهم بالكلام ، ولا استحقت الجنة بالسكوت ، ولا استوجبت ولاية الله بالسكوت ، ولا توفيت النار بالسكوت ، إنما ذلك كله بالكلام ، ما كنت لأعدل القمر بالشمس إنك تصف السكوت بالكلام ولست تصف فضل الكلام بالسكوت.


...........................................................................

_________________________________________

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ، وقال أمير ـ المؤمنينعليه‌السلام : جمع الخير كله في ثلاث خصال : النظر والسكوت والكلام فكل نظر ليس فيه اعتبار فهو سهو ، وكل سكوت ليس فيه فكرة فهو سهو ، وكل كلام ليس فيه ذكر فهو لغو ، وقال أبو جعفرعليه‌السلام : إن داود قال لسليمانعليه‌السلام يا بني عليك بطول الصمت إلا من خير ، فإن الندامة على طول الصمت مرة واحدة خير من الندامة على كثرة الكلام مرات.

وقال الصادقعليه‌السلام : النوم راحة للجسد ، والنطق راحة للروح ، والسكوت راحة للعقل.

وقالعليه‌السلام : لا تتكلم بما لا يعنيك ودع كثيرا من الكلام فيما يعنيك.

وفي نهج البلاغة قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : لا خير في الصمت عن الحكم كما أنه لا خير في القول بالجهل.

وقالعليه‌السلام : من كثر كلامه كثر خطاؤه ، ومن كثر خطاؤه قل حياؤه ومن قل حياؤه قل ورعه ، ومن قل ورعه مات قلبه ، ومن مات قلبه دخل النار.

وقالعليه‌السلام : من علم أن كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه.

وقالعليه‌السلام : تكلموا تعرفوا فإن المرء مخبوء تحت لسانه.

وقد مر في كتاب العقل في حديث هشام أن أمير المؤمنينعليه‌السلام كان يقول إن من علامة العاقل أن يكون فيه ثلاث خصال : يجيب إذا سئل وينطق إذا عجز القوم عن الكلام ، ويشير بالرأي الذي فيه صلاح أهله ، فمن لم يكن فيه من هذه الخصال الثلاث شيء فهو أحمق.

أقول : وقد أوردت الأخبار الكثيرة في ذلك في كتاب البحار وإنما أوردت قليلا منها هنا لتعرف موقع حسن الكلام وموضع فضل السكوت وتجمع به بين الأخبار.


٧ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن الحلبي رفعه قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أمسك لسانك فإنها صدقة تصدق بها على نفسك ثم قال ولا يعرف عبد حقيقة الإيمان حتى يخزن من لسانه.

٨ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ومحمد بن إسماعيل ، عن الفضل بن شاذان جميعا ، عن ابن أبي عمير ، عن إبراهيم بن عبد الحميد ، عن عبيد الله بن علي الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في قول الله عز وجل : «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا

_________________________________________

الحديث السابع : مرفوع.

« فإنها » أي الإمساك والتأنيث بتأويل الخصلة أو الفعلة أو الصفة أي صفته أنه صدقة أو باعتبار تأنيث الخبر وتشبيه الإمساك بالصدقة على النفس باعتبار أنه ينفعها في الدنيا والآخرة ، كما أن الصدقة تنفع الفقير وباعتبار أنه معط يدفع عنه البلايا ويوجب قربه من الحق كالصدقة فالتشبيه كامل من الجهتين.

« ولا يعرف عبد. إلخ » أشارعليه‌السلام بذلك إلى أن الإيمان لا يكمل إلا باستقامة اللسان على الحق وخزنه عن الباطل كالغيبة والنميمة والقذف والشتم والكذب والزور والفتوى بغير الحق والقول بالرأي وأشباهها من الأمور التي نهى الشارع عنها ، وذلك لأن الإيمان عبارة عن التصديق بالله وبرسوله والاعتقاد بحقية جميع ما جاء به النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو يستلزم استقامة اللسان وهي إقراره بالشهادتين وجميع العقائد الحقة ولوازمها وإمساكه عما لا ينبغي ، ومن البين أن الملزوم لا يستقيم بدون استقامة اللازم ، وقد أشار إليه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله : لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ، وأيضا كلما يتناوله اللسان من الأباطيل والأكاذيب تدخل مفهوماتها في القلب ، وهو ينافي استقرار حقيقة الإيمان فيه.

الحديث الثامن : حسن موثق.

والآية في سورة النساء هكذا : «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَ


أَيْدِيَكُمْ »(١) قال يعني كفوا ألسنتكم.

_________________________________________

أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ، قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً » وقال المفسرون : قيل لهم أي بمكة «كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ » أي أمسكوا عن قتال الكفار فإني لم أومر بقتالهم «فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ » بالمدينة خافوا من الناس وقتلهم إياهم كخشية الله من عقابه «أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ » وهو أن نموت بآجالنا وكذا في تفسير علي بن إبراهيم أيضا.

وفي بعض الأخبار أن ذلك أمر لشيعتنا بالتقية إلى زمن القائمعليه‌السلام كما قال الصادقعليه‌السلام : أما ترضون أن تقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة وتكفوا وتدخلوا الجنة ، وعن الباقرعليه‌السلام : أنتم والله أهل هذه الآية ، وفي بعض الأخبار «كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ » مع الحسنعليه‌السلام «كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ » مع الحسينعليه‌السلام «إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ » إلى خروج القائمعليه‌السلام فإن معه الظفر ، فهذا الخبر إما تفسير لظهر الآية كما ذكرنا أولا أو لبطنها بتنزيل الآية على الشيعة في زمن التقية وهذا أنسب بكف الألسن تقية فإن أحوال أمير المؤمنين صلوات الله عليه في أول أمره وآخره كان شبيها بأحوال الرسول في أول الأمر حين كونه بمكة وترك القتال لعدم الأعوان وأمره في المدينة بالجهاد لوجود الأنصار ، وكذا حال الحسنعليه‌السلام في الصلح والهدنة وحال الحسينعليه‌السلام عند وجود الأنصار ظاهرا وحال سائر الأئمةعليهم‌السلام في ترك القتال والتقية مع حال القائمعليه‌السلام ، فالآية وإن نزلت في حال الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فهي شاملة لتلك الأحوال أيضا لمشابهتها لها واشتراك العلل بينها وبينها.

وأما تفسيرهعليه‌السلام كف الأيدي بكف الألسن على الوجهين يحتمل وجوها

__________________

(١) سورة النساء : ٧٧.


٩ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن الحلبي رفعه قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله نجاة المؤمن في حفظ لسانه.

١٠ ـ يونس ، عن مثنى ، عن أبي بصير قال سمعت أبا جعفرعليه‌السلام يقول كان أبو ذررحمه‌الله يقول يا مبتغي العلم إن هذا اللسان مفتاح خير ومفتاح

_________________________________________

الأول : أن يكون المعنى أن المراد بكف الأيدي عن القتال الكف عنها وعما يوجب بسطها بسط الأيدي وهي الألسنة فإن مع عدم كف الألسنة ينتهي الأمر إلى القتال شاءوا أم أبوا ، فالنهي عن بسط الأيدي يستلزم النهي عن بسط الألسنة فالنهي عن القتال في زمن الهدنة يستلزم الأمر بالتقية.

الثاني : أن يكون المراد بكف الأيدي كف الألسن إطلاقا لاسم المسبب على السبب أو الملزوم على اللازم.

الثالث : أن يكون المراد بالأيدي في الآية الألسن لتشابههما في القوة وكونهما آلة المجادلة وهذا أبعد الوجوه كما أن الأول أقربها.

الحديث التاسع : مرفوع.

« نجاة المؤمن » أي من مهالك الدنيا والآخرة« حفظ لسانه » الحمل علي المبالغة وفي بعض النسخ من حفظ لسانه أي هو من أعظم أسباب النجاة فكأنها منحصرة فيه ، والحاصل أنه لا ينجو إلا من حفظ لسانه.

الحديث العاشر : حسن.

« يا مبتغي العلم » أي يا طالبه ، وفيه ترغيب على التكلم بما ينفع في الآخرة أو في الدنيا أيضا إذا لم يضر بالآخرة« فاختم على لسانك » أي إذا كان اللسان مفتاحا للشر فاخزنه حتى لا يجري عليه ما يوجب خسارك وبوارك ، كما أن ذهبك وفضتك تخزنهما لتوهم صلاح عاجل فيهما فاللسان أولى بذلك ، فإنه مادة لصلاح الدنيا والآخرة ، وفساده يوجب فساد الدارين ، وفي القاموس :الورق مثلثة وككتف


شر فاختم على لسانك كما تختم على ذهبك وورقك.

١١ ـ حميد بن زياد ، عن الخشاب ، عن ابن بقاح ، عن معاذ بن ثابت ، عن عمرو بن جميع ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال كان المسيحعليه‌السلام يقول لا تكثروا الكلام في غير ذكر الله فإن الذين يكثرون الكلام في غير ذكر الله قاسية قلوبهم ولكن لا يعلمون.

١٢ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن ابن أبي نجران ، عن أبي جميلة عمن ذكره ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال ما من يوم إلا وكل عضو من أعضاء

_________________________________________

وجبل ، الدراهم المضروبة والجمع أوراق ووراق ، وفي المصباح : ومنهم من يقول هو النقرة مضروبة أو غير مضروبة ، وقال الفارابي : الورق المال من الدراهم.

وفي نهج البلاغة قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : الكلام في وثاقك ما لم تتكلم به فإذا تكلمت به صرت في وثاقه ، فاخزن لسانك كما تخزن ذهبك وورقك فرب كلمة سلبت نعمة.

الحديث الحادي عشر : ضعيف.

وقساوة القلب غلظه وشدته وصلابته بحيث يتأبى عن قبول الحق كالحجر الصلب يمر عليه الماء ولا يقف فيه ، وفيه دلالة على أن كثرة الكلام في الأمور المباحة يوجب قساوة القلب ، وأما الكلام في الأمور الباطلة فقليله كالكثير في إيجاب القساوة والنهي عنه ، وكان في الحديث إشارة إلى قوله سبحانه : «أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ »(١) قال البيضاوي : الآية في حمزة وعلى وأبي لهب وولده.

الحديث الثاني عشر : كالسابق.

وفي النهاية في حديث الخدري : إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر

__________________

(١) سورة الزمر : ٢٢.


الجسد يكفر اللسان يقول نشدتك الله أن نعذب فيك.

١٣ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن إبراهيم بن مهزم الأسدي ، عن أبي حمزة ، عن علي بن الحسينعليه‌السلام قال إن لسان ابن آدم يشرف على جميع جوارحه ـ كل صباح فيقول كيف أصبحتم فيقولون بخير إن تركتنا ويقولون الله الله فينا ويناشدونه ويقولون إنما نثاب ونعاقب بك.

١٤ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ومحمد بن إسماعيل ، عن الفضل بن شاذان جميعا ، عن ابن أبي عمير ، عن إبراهيم بن عبد الحميد ، عن قيس أبي إسماعيل وذكر أنه لا بأس به من أصحابنا رفعه قال جاء رجل إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال :

_________________________________________

اللسان أي تذل وتخضع ، والتكفير هو أن ينحني الإنسان ويطأطئ رأسه قريبا من الركوع كما يفعل من يريد تعظيم صاحبه وقال :نشدتك الله والرحم أي سألتك بالله وبالرحم ، يقال : نشدتك الله وأنشدك الله وبالله وناشدتك الله وبالله ، أي سألتك وأقسمت عليك وتعديته إلى مفعولين إما لأنه بمنزلة دعوت ، أو لأنهم ضمنوه معنى ذكرت فأما أنشدتك بالله فخطأ ، انتهى.

وكان الكلام بلسان الحال ، وفيه استعارة تمثيلية.

قوله : « أن نعذب » كان في الكلام تقديرا أي تكف نفسك منأن نعذب فيك أي بسببك.

الحديث الثالث عشر : صحيح.

قوله عليه‌السلام : يشرف كان إشرافه كناية عن تسلطه عليها وعليها وكونها تحت حكمهوالله منصوب بتقدير اتق أو أحذر ، والتكرار للتأكيد ، والحصر فيقوله : إنما نثاب ، ادعائي بناء على الغالب ، والحاصل أن العمدة في ثوابنا وعقابنا أنت.

الحديث الرابع عشر : مرفوع.

« جاء رجل » في روايات العامة أن الرجل كان معاذ بن جبل ، وويح كأنه


يا رسول الله أوصني فقال احفظ لسانك قال يا رسول الله أوصني قال احفظ لسانك قال : يا رسول الله أوصني قال احفظ لسانك ويحك وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم.

١٥ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن ابن فضال عمن رواه ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من لم يحسب كلامه من

_________________________________________

منصوب على النداء كما يصرح به كثير ، أورد للتعجب من حاله كيف استصغر ما أوصاه به ولم يكتف وطلب غيره بتكرار السؤال ، وفي النهاية ويح كلمة ترحم وتوجع ، يقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها ، وقد يقال بمعنى المدح والتعجب وهي منصوبة على المصدر ، وقال في الحديث : وهل يكب الناس على مناخر هم في النار إلا حصائد ألسنتهم ، أي ما يقطعونه من الكلام الذي لا خير فيه ، واحدتها حصيدة تشبيها بما يحصد من الزرع ، وتشبيها للسان وما يقتطعه من القول بحد المنجل الذي يحصد به ، وفي القاموس كبه : قلبه وصرعه كأكبه وكبكبه فأكب فهو لازم متعد وقال : المنخر بفتح الميم والخاء وبكسرهما وضمهما وكمجلس ومملول : الأنف ، انتهى.

والحصر كما مر وكأنه إشارة إلى قوله تعالى : «فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ »(١) وقد وردت أخبار بأن الغاوين قوم وصفوا عدلا ثم خالفوه إلى غيره.

الحديث الخامس عشر : مرسل.

« من لم يحسب » من باب نصر من الحساب أو كنعم من الحسبان بمعنى الظن والأول أظهر ، وهذا رد علي ما يسبق إلى أوهام أكثر الخلق ، من الخواص والعوام أن الكلام ليس مما يترتب عليه عقاب فيجترون على أنواع الكلام بلا تأمل وتفكر مع أن أكثر أنواع الكفر والمعاصي من جهة اللسان لأن اللسان له تصرف في كل موجود وموهوم ومعدوم ، وله يد في العقليات والخياليات والمسموعات والمشمومات

__________________

(١) سورة الشعراء : ٩٤.


عمله كثرت خطاياه وحضر عذابه.

١٦ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يعذب الله اللسان بعذاب لا يعذب به شيئا من الجوارح فيقول أي رب عذبتني بعذاب لم تعذب به شيئا فيقال له خرجت منك كلمة فبلغت مشارق الأرض ومغاربها فسفك بها الدم الحرام وانتهب بها المال الحرام وانتهك بها الفرج الحرام وعزتي [ وجلالي ] لأعذبنك بعذاب لا أعذب به شيئا من جوارحك.

١٧ ـ وبهذا الإسناد قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إن كان في شيء شؤم ففي

_________________________________________

والمبصرات والمذوقات والملموسات ، فصاحب هذا الحسبان الباطل لا يبالي بالكلام في أباطيل هذه الأمور وأكاذيبها فيجتمع عليه من كل وجه خطيئة فتكثر خطاياه ، وأما غير اللسان فخطاياه قليلة بالنسبة إليه ، فإن خطيئة السمع ليست إلا المسموعات وخطيئة البصر ليست إلا المبصرات ، وقس عليهما سائر الجوارح ، والمرادبحضور عذابه حضور أسبابه ، وقيل : إنما حضر عذابه لأنه أكثر ما يكون يندم على بعض ما قاله ولا ينفعه الندم ، ولأنه قلما يكون كلام لا يكون موردا للاعتراض ولا سيما إذا كثر.

الحديث السادس عشر : ضعيف على المشهور.

« خرجت منك كلمة » أي من الفتاوى الباطلة أو الأعم منها ومن أحكام الملوك وغيرهم ، وسائر ما يكون سببا لأمثال ذلك ، وقوله : من جوارحك إما بتقدير مضاف أي جوارح صاحبك ، أو الإضافة للمجاورة والملابسة أو للإشارة إلى أن سائر الجوارح تابعة له وهو رئيسها ، وكان الكلام مبني على التمثيل والسؤال والجواب بلسان الحال ، ويحتمل أن يكون الله تعالى يعطيه حياة وشعورا وقدرة على الكلام كما قيل في شهادة الجوارح.

الحديث السابع عشر : كالسابق.

والشؤم أصله الهمز وقد يخفف ، بل الغالب عليه التخفيف لكن الجوهري و


اللسان.

١٨ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد والحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد جميعا ، عن الوشاء قال سمعت الرضاعليه‌السلام يقول كان الرجل من بني إسرائيل إذا أراد العبادة صمت قبل ذلك عشر سنين.

_________________________________________

الفيروزآبادي لم يذكراه إلا مهموزا قال الجوهري : الشؤم نقيض اليمن ، يقال : رجل مشوم ومشؤوم ، وقد شام فلان على قومه يشأمهم فهو شائم إذا جر عليهم الشؤم وقد شئم عليهم فهو مشؤوم إذا صار شؤما عليهم ، انتهى.

وقال في النهاية : فيه إن كان الشؤم ففي ثلاث المرأة والدار والفرس ، أي إن كان ما يكره ويخاف عاقبته ثم قال : والواو في الشؤم همزة ولكنها خففت فصارت واوا غلب عليها التخفيف حتى لم ينطق بها مهموزة ، والشؤم ضد اليمن يقال : تشأمت بالشيء وتيمنت به.

وأقول : الحديث الذي أورده مروي في طرقنا أيضا ، فالحصر في هذا الخبر بالنسبة إلى أعضاء الإنسان ، وكثرة شؤم اللسان لكثرة المضرات والمفاسد المترتبة عليها ظاهرة قد سبق القول فيها.

الحديث الثامن عشر : ضعيف على المشهور معتبر ، لتعاضد السندين مع عدم ضرر ضعف الرجلين لكونهما من مشايخ إجازة كتاب الوشاء وهو أشهر من البيضاء.

« صمت قبل ذلك » أي عما لا ينبغي وتلك المدة ليصير الصمت ملكة له ثم كان يشتغل بالعبادة والاجتهاد فيها لتقع العبادة صافية خالية عن المفاسد.

وأقول : يحتمل أن يكون الصمت في تلك المدة للتفكر في المعارف اليقينية والعلوم الدينية حتى يكمل في العلم ويستحق لتعليم العباد وإرشادهم وتكميل نفسه بالأعمال الصالحة أيضا فيأمن عن الخطإ والخطل في القول والعمل ، ثم يشرع في


١٩ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن بكر بن صالح ، عن الغفاري ، عن جعفر بن إبراهيم قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من رأى موضع كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه.

٢٠ ـ أبو علي الأشعري ، عن الحسن بن علي الكوفي ، عن عثمان بن عيسى ، عن سعيد بن يسار ، عن منصور بن يونس ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال في حكمة آل داود على العاقل أن يكون عارفا بزمانه مقبلا على شأنه حافظا للسانه.

_________________________________________

أنواع العبادات التي منها هداية الخلق وتعليمهم وتكميلهم كما مر عن أمير المؤمنينعليه‌السلام : كل سكوت ليس فيه فكرة فهو سهو ، وقال الكاظمعليه‌السلام : دليل العقل التفكر ودليل التفكر الصمت ومثله كثير ، وهذا وجه حسن لم يسبقني إليه فطن وإن كان بفضل المفيض المالك ، وجل ما أوردته في تلك التعليقات كذلك.

الحديث التاسع عشر : ضعيف.

والغفار ككتاب حي من العرب.

« من رأى موضع كلامه من عمله » أي يعلم أن كلامه أكثر من سائر أعماله ، أو يعلم أنه محسوب من أعماله ومجازي به كما مر والأول هنا أظهر ، ويمكن إدراج المعنيين فيه« فيما يعنيه » أي يهمه وينفعه.

الحديث العشرون : موثق.

« في حكم آل داود » أي الزبور أو الأعم منه ومما صدر عنهعليه‌السلام أو عنهم من الحكم« على العاقل » أي يجب أو يلزم عليه« أن يكون عارفا بزمانه » أي بأهل زمانه ليميز بين صديقه وعدوه الواقعيين وبين من يضله ومن يهديه ، وبين من تجب متابعته ومن تجب مفارقته ومجانبته ، فلا ينخدع منهم في دينه ودنياه ، ويعلم موضع التقية والعشرة والعزلة والحب والبغض ، وقد مر في حديث : والعالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس ، وفي حديث آخر : عارفا بأهل زمانه مستوحشا


٢١ ـ محمد بن يحيى ، عن محمد بن الحسين ، عن علي بن الحسن بن رباط ، عن بعض رجاله ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال لا يزال العبد المؤمن يكتب محسنا ما دام ساكتا فإذا تكلم كتب محسنا أو مسيئا.

_________________________________________

من أوثق إخوانه ، وفي وصية أمير المؤمنين للحسن صلوات الله عليهما : يا بني إنه لا بد للعاقل من أن ينظر في شأنه فليحفظ لسانه وليعرف أهل زمانه.

قوله عليه‌السلام : مقبلا على شأنه أي يكون دائما مشتغلا بإصلاح نفسه ومحاسبتها ومعالجة أدوائها وتحصيل ما ينفعها والاجتناب عما يرديها ويضرها ولا يصرف شيئا من عمره فيما لا يعنيه حافظا للسانه من اللغو والباطل كما قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : إذا تم العقل نقص الكلام.

الحديث الحادي والعشرون : مرسل.

« يكتب محسنا » إما لإيمانه أو لسكوته فإنه من الأعمال الصالحة كما ذكره الناظرون في هذا الخبر.

وأقول : الأول عندي أظهر وإن لم يتفطن به الأكثرلقوله عليه‌السلام : فإذا تكلم كتب محسنا أو مسيئا لأنه على الاحتمال الثاني يبطل الحصر لأنه يمكن أن يتكلم بالمباح فلا يكون محسنا ولا مسيئا إلا أن يعم المسيء تجوزا بحيث يشمل غير المحسن مطلقا وهو بعيد.

فإن قيل : يرد على ما اخترته أن في حال التكلم بالحرام ثواب الإيمان حاصل له فيكتب محسنا ومسيئا معا فلا يصح الترديد.

قلت : يمكن أن يكون المراد بالمحسن المحسن من غير إساءة كما هو الظاهر فتصح المقابلة مع أن بقاء ثواب استمرار الإيمان مع فعل المعصية في محل المنع ، ويومئ إلى عدمه قولهمعليه‌السلام : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن وأمثاله مما قد مر بعضها ، ويمكن أن يكون هذا أحد محامل هذه الأخبار ، وأحد علل ما


باب المداراة

١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ثلاث من لم يكن فيه لم يتم له عمل ورع يحجزه عن معاصي الله وخلق يداري به الناس وحلم يرد به جهل الجاهل.

٢ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن الحسين بن الحسن قال سمعت جعفراعليه‌السلام يقول جاء جبرئيلعليه‌السلام إلى النبي

_________________________________________

ورد أن نوم العالم عبادة أي هو في حال النوم في حكم العبادة لاستمرار ثواب عمله وإيمانه ، وعدم صدور شيء منه يبطله في تلك الحالة.

باب المداراة الحديث الأول : ضعيف على المشهور.

و « ثلاث » أي ثلاث خصال« لم يتم له عمل » أي لم يكمل ولم يقبل منه عمل من العبادات أو الأعم منها ومن أمور المعاش ومعاشرة الخلق فتأثير الورع في قبول الطاعات وكمالها ظاهر لأنه إنما يتقبل الله من المتقين ، وكذا الأخيران لأن تركهما قد ينتهي إلى ارتكاب المعاصي ويحتمل أن يكونا لأمور المعاش بناء على تعميم العمل ، وكان الفرق بين الخلق والحلم أن الخلق وجودي وهو فعل ما يوجب تطييب قلوب الناس ورضاهم ، والحلم عدمي وهو ترك المعارضة والانتقام في الإساءة ، وقال في النهاية : فيه رأس العقل بعد الإيمان مداراة الناس ، المداراة غير مهموزة ملائنة الناس وحسن صحبتهم واحتمالهم لئلا ينفروا عنك وقد تهمز.

الحديث الثاني : مجهول :والمداراة إما مخصوصة بالمؤمنين أو مع المشركين أيضا مع عدم الاضطرار إلى المقاتلة والمحاربة ، كما كان دأبهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فإنه كان يداريهم ما أمكن ، فإذا


صلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : يا محمد ربك يقرئك السلام ويقول لك دار خلقي.

٣ ـ عنه ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن ابن محبوب ، عن هشام بن سالم ، عن حبيب السجستاني ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال في التوراة مكتوب فيما ناجى الله عز وجل به موسى بن عمرانعليه‌السلام يا موسى اكتم مكتوم سري في سريرتك

_________________________________________

لم يكن ينفع الوعظ والمداراة كان يقاتلهم ليسلموا ، وبعد الظفر عليهم أيضا كان يعفو ويصفح ولا ينتقم منهم ، أو كان ذلك قبل أن يؤمرصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالجهاد.

الحديث الثالث : حسن.

« فيما ناجى الله » يقال : ناجاه مناجاة ونجاء ساتره ، والمراد هنا وحيه إليه بلا توسط ملك ، وإضافة المكتوم إلى السر من إضافة الصفة إلى الموصوف للمبالغة فإن السر هو الحديث المكتوم في النفس ، فكان المراد بالسريرة هنا القلب ، لأنه محل السر تسمية للمحل باسم الحال قال الجوهري : السر الذي يكتم والجمع الأسرار ، والسريرة مثله والجمع السرائر ، انتهى.

ويحتمل أن يكون بمعناه أي في جملة ما تسره وتكتمه من أسرارك ، وكان المراد بالسر هنا ما أمر بإخفائه عنهم من العلوم التي ألقاه إليه من عدم إيمانهم مثلا ، وانتهاء أمرهم إلى الهلاك والفرق ، أو الحكم بكون أسلافهم في النار ، كما أن فرعون لما سألهعليه‌السلام عن أحوالهم من السعادة والشقاوة بقوله : «فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى » لم يحكم بشقاوتهم وكونهم في النار ، بل أجمل و «قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى » على بعض الوجوه المذكورة في الآية أو بعض الأسرار التي لم يكونوا قابلين لفهمها « وأظهر في علانيتك المداراة عني » كان التعدية بعن لتضمين معنى الدفع أو يكون مهموزا من الدرء بمعنى الدفع أو لأن أصله لما كان من الدرء بمعنى الدفع عدي بها ، والنسبة إلى المتكلم لبيان أن الضرر الواصل إليك كأنه واصل إلى فالمراد المداراة عنك ،


وأظهر في علانيتك المداراة عني لعدوي وعدوك من خلقي ولا تستسب لي عندهم بإظهار مكتوم سري فتشرك عدوك وعدوي في سبي.

٤ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع ، عن حمزة بن بزيع ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أمرني ربي بمداراة الناس كما أمرني بأداء الفرائض.

٥ ـ علي بن إبراهيم ، عن هارون بن مسلم ، عن مسعدة بن صدقة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مداراة الناس نصف الإيمان والرفق بهم

_________________________________________

ويحتمل أن يكون عني متعلقا بأظهر أي أظهر من قبلي المداراة كما قال تعالى : (فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً »(١) .

« ولا تستسب لي عندهم » أي لا تظهر عندهم من مكتوم سري ما يصير سببا لسبهم وشتمهم لي أو لك فيكون بمنزلة سبي كما ورد هذا في قوله تعالى : «وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ »(٢) فقد روى العياشي عن الصادقعليه‌السلام أنه سئل عن هذه الآية؟ فقال : أرأيت أحدا يسب الله؟ فقيل : لا ، وكيف؟ قال : من سب ولي الله فقد سب الله؟ وفي غيره عنهعليه‌السلام قال : لا تسبوهم فإنهم يسبوكم ، ومن سب ولي الله فقد سب الله.

« فتشرك عدوك » يدل على أن السبب للفعل كالفاعل له.

الحديث الرابع : صحيح على الظاهر لأن في حمزة كلام« بأداء الفرائض » أي الصلوات الخمس أو كلما أمر به في القرآن.

الحديث الخامس : ضعيف.

وكان المرادبالمداراة هنا التغافل والحلم عنهم وعدم معارضتهم ، وبالرفق الإحسان إليهم وحسن معاشرتهم ، ويحتمل أن يكون مرجعهما إلى أمر واحد ،

__________________

(١) سورة طه : ٤٤.

(٢) سورة الأنعام : ١٠٨.


نصف العيش ثم قال أبو عبد اللهعليه‌السلام خالطوا الأبرار سرا وخالطوا الفجار جهارا ولا تميلوا عليهم فيظلموكم فإنه سيأتي عليكم زمان لا ينجو فيه من ذوي الدين إلا من ظنوا أنه أبله وصبر نفسه على أن يقال [ له ] إنه أبله لا عقل له.

_________________________________________

ويكون تفننا في العبارة ، فالغرض بيان أن المداراة والرفق بالعباد لهما مدخل عظيم في صلاح أمور الدين وتعيش الدنيا ، والثاني ظاهر والأول لأنه إطاعة لأمر الشارع حيث أمر به وموجب لهداية الخلق وإرشادهم بأحسن الوجوه كما قال تعالى : «ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ »(١) والعيش الحياة والمراد هنا التعيش الحسن برفاهية« خالطوا الأبرار سرا » أي أحبوهم بقلوبكم أو أفشوا إليهم أسراركم بخلاف الفجار فإنه إنما يحسن مخالطتهم في الظاهر للتقية والمداراة ، ولا يجوز مودتهم قلبا من حيث فسقهم وليسوا محالا لأسرار المؤمنين ، وبينعليه‌السلام ذلكبقوله : ولا تميلوا عليهم ، على بناء المجرد ، والتعدية بعلى للضرر أي لا تعارضوهم إرادة للغلبة ، قال في المصباح : مال الحاكم في حكمه ميلا جار وظلم فهو مائل ، ومال عليهم الدهر أصابهم بجوانحه.

وفي النهاية : فيه لا يهلك أمتي حتى يكون بينهم التمايل والتمايز ، أي لا يكون لهم سلطان يكف الناس عن التظالم فيميل بعضهم على بعض بالأذى والحيف ، انتهى.

وقيل : هو على بناء الأفعال أو التفعيل أي لا تعارضوهم لتميلوهم من مذهب إلى مذهب آخر وهو تكلف وإن كان أنسب بما بعده ، وفي القاموس : رجلأبله بين البله والبلاهة : غافل أو عن الشر أو أحمق لا تمييز له ، والميت الداء ، أي من شره ميت ، والحسن الخلق القليل الفطنة لمداق الأمور أو من غلبة سلامة الصدر.

__________________

(١) سورة النحل : ١٢٥.


٦ ـ علي بن إبراهيم ، عن بعض أصحابه ذكره ، عن محمد بن سنان ، عن حذيفة بن منصور قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول إن قوما من الناس قلت مداراتهم للناس فأنفوا من قريش وايم الله ما كان بأحسابهم بأس وإن قوما من

_________________________________________

وفي المصباح :صبرت صبرا من باب ضرب حبست النفس عن الجزع وصبرت زيدا يستعمل لازما ومتعديا ، وصبرته بالتثقيل حملته على الصبر بوعد الأجر أو قلت له : اصبر ، انتهى.

والحاصل أنه لفساد الزمان وغلبة أهل الباطل يختار العزلة ، والخمول ، ولا يعارض الناس ولا يتعرض لهم ، ويتحمل منهم أنواع الأذى حتى يظن الناس أن ذلك لبلاهته وقلة عقله.

الحديث السادس : ضعيف على المشهور.

قوله عليه‌السلام : فأنفوا من قريش ، كذا في أكثر النسخ وكأنه على بناء الأفعال مشتقا من النفي بمعنى الانتفاء فإن النفي يكون لازما ومتعديا لكن هذا البناء لم يأت في اللغة أو هو على بناء المفعول من أنف ، من قولهم أنفه يأنفه ويأنفه ضرب أنفه ، فيدل على النفي مع مبالغة فيه وهو أظهر وأبلغ ، وقيل : كأنه صيغة مجهول من الأنفة بمعنى الاستنكاف ، إذ لم يأت الإنفاء بمعنى النفي ، انتهى.

وأقول : هذا أيضا لا يستقيم لأن الفساد مشترك إذ لم يأت أنف بهذا المعنى على بناء المجهول فإنه يقال : أنف منه كفرح أنفا وأنفة استنكف ، وفي كثير من النسخ فألقوا أي أخرجوا وأطرحوا منهم ، وفي الخصال : فنفوا وهو أظهر.

ثم أشارعليه‌السلام مؤكدا بالقسم إلى أن ذلك الإلقاء كان باعتبار سوء معاشرتهم وفوات حسب أنفسهم ومأثرها لا باعتبار قدح في نسبهم أو في حسب آبائهم ومآثر أسلافهمبقوله : وأيم الله ما كان بأحسابهم بأس.

قال الجوهري : اليمين القسم والجمع أيمن وأيمان ثم قال : وأيمن الله


غير قريش حسنت مداراتهم فألحقوا بالبيت الرفيع قال ثم قال من كف يده

_________________________________________

اسم وضع للقسم هكذا بضم الميم والنون وألفه ألف وصل عند أكثر النحويين ولم يجيء في الأسماء ألف الوصل مفتوحة غيرها ، وقد تدخل عليه اللام لتأكيد الابتداء تقول : ليمن الله فتذهب الألف في الوصل وهو مرفوع بالابتداء وخبره محذوف ، والتقدير ليمن الله قسمي وليمن الله ما أقسم به ، وإذا خاطبت قلت ليمنك ، وربما حذفوا منه النون قالوا : أيم الله وايم الله بكسر الهمزة ، وربما حذفوا منه الياء قالوا أم الله ، وربما أبقوا الميم وحدها قالوا : م الله ، ثم يكسرونها لأنها صارت حرفا واحدا فيشبهونها بالباء فيقولون م الله ، وربما قالوا من الله بضم الميم والنون ، ومن الله بفتحهما ، ومن الله بكسرهما ، قال أبو عبيد : وكانوا يحلفون باليمين يقولون : يمين الله لا أفعل ثم يجمع اليمين على أيمن ثم حلفوا به فقالوا : أيمن الله لأفعلن كذا ، قال : فهذا هو الأصل في أيمن الله ثم كثر هذا في كلامهم وخف على ألسنتهم حتى حذفوا منه النون كما حذفوا في قوله : لم يكن فقالوا لم يك ، قال : وفيها لغات كثيرة سوى هذا ، وإلى هذا ذهب ابن كيسان وابن درستويه فقالا : ألف أيمن ألف قطع ، وهو جمع يمين وإنما خففت وطرحت في الوصل لكثرة استعمالهم لها.

وقال :الحسب ما يعده الإنسان من مفاخر آبائه ويقال : حسبه دينه ويقال : ماله والرجل حسيب ، قال ابن السكيت : الحسب والكرم يكونان في الرجل وإن لم يكن له آباء لهم شرف ، قال : والشرف والمجد لا يكونان إلا بالآباء انتهى.

والحاصل أن الكلام يحتمل وجهين : أحدهما : أنه لا بد من حسن المعاشرة والمداراة مع المخالفين في دولاتهم مع المخالفة لهم باطنا في أديانهم وأعمالهم فإن قوما قلت مداراتهم للمخالفين فنفاهم خلفاء الجور والضلالة من قبيلة قريش


عن الناس فإنما يكف عنهم يدا واحدة ويكفون عنه أيدي كثيرة.

_________________________________________

وضيعوا أنسابهم وأحسابهم مع أنه لم يكن في أحساب أنفسهم شيء إلا ترك المداراة والتقية أو لم يكن في شرف آبائهم نقص ، وإن قوما من غير قريش لم يكن فيهم حسب أو في آبائهم شرف فألحقهم خلفاء الضلالة وقضاة الجور في الشرف والعطاء والكرم بالبيت الرفيع من قريش ، وهم بنو هاشم.

وثانيهما : أن المعنى أن القوم الأول بتركهم متابعة الأئمةعليهم‌السلام في أو أمرهم التي منها المداراة مع المخالفين في دولاتهم ومع سائر الناس نفاهم الأئمة عن أنفسهم فذهب فضلهم وكأنهم خرجوا من قريش ولم ينفعهم شرف آبائهم ، وإن قوما من غير قريش بسبب متابعة الأئمةعليهم‌السلام ألحقوا بالبيت الرفيع وهم أهل البيتعليهم‌السلام كقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : سلمان منا أهل البيت وكأصحاب سائر الأئمةعليهم‌السلام ، من الموالي فإنهم كانوا أقرب إلى الأئمة من كثير من بني هاشم بل كثير من أولاد الأئمةعليهم‌السلام والمراد بالبيت هنا بيت الشرف والكرامة.

قال في المصباح : بيت العرب شرفها يقال بيت تميم في حنظلة أي شرفها ، أو المراد أهل البيت الرفيع وهم آل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم « من كف يده » هذا مثل ما قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : ومن يقبض يده عن عشيرته فإنما يقبض عنهم يدا واحدة ويقبض منهم عنه أيدي كثيرة ، ومن تلن حاشيته يستدم من قومه المودة.

قال السيد الرضيرضي‌الله‌عنه : وما أحسن هذا المعنى الذي أرادهعليه‌السلام بقوله : من يقبض فإن الممسك خيره يعني ماله عن عشيرته إنما يمسك نفع يد واحدة ، وإذا احتاج إلى نصرتهم واضطر إلى مرادفتهم ومعاونتهم قعدوا من نصره وتثاقلوا عن صوته واستغاثته فمنع ترافد الأيدي الكثيرة وتناهض الأقدام الجمة ، انتهى.

وأقول : يحتمل أن يكون المراد بكف يد واحدة كف ضرر يد واحدة ويصير ذلك سببا لكف ضرر أيد كثيرة عنه ، وكان هذا أنسب بالمقام.


باب الرفق

١ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن أبيه عمن ذكره ، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن أبيه ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال إن لكل شيء قفلا وقفل الإيمان الرفق.

_________________________________________

باب الرفق الحديث الأول : ضعيف.

وقال في النهاية : الرفق لين الجانب وهو خلاف العنف ، تقول منه رفق يرفق ويرفق ومنه الحديث : ما كان الرفق في شيء إلا زانه أي اللطف والحديث الآخر : أنت رفيق والله الطبيب ، أي أنت ترفق بالمريض وتتلطفه وهو الذي يبرئه ويعافيه ، ومنه الحديث في إرفاق ضعيفهم وسد خلتهم أي إيصال الرفق إليهم ، انتهى.

« إن لكل شيء قفلا » أي حافظا له من ورود أمر فاسد عليه ، وخروج أمر صالح منه على الاستعارة وتشبيه المعقول بالمحسوس« وقفل الإيمان الرفق » وهو لين الجانب والرأفة وترك العنف والغلظة في الأفعال والأقوال على الخلق في جميع الأحوال ، سواء صدر عنهم بالنسبة إليه خلاف الآداب أو لم يصدر ، ففيه تشبيه الإيمان بالجوهر النفيس الذي يعتنى بحفظه والقلب بخزانته ، والرفق بالقفل لأنه يحفظه عن خروجه وطريان المفاسد عليه ، فإن الشيطان سارق الإيمان ومع فتح القفل وترك الرفق يبعث الإنسان على أمور من الخشونة والفحش والقهر والضرب ، وأنواع الفساد وغيرها من الأمور التي توجب نقص الإيمان ، أو زواله.

وقال بعض الأفاضل : وذلك لأن من لم يرفق يعنف فيعنف عليه فيغضب فيحمله الغضب على قول أو فعل به يخرج الإيمان من قلبه فالرفق قفل الإيمان يحفظه.


٢ ـ وبإسناده قال قال أبو جعفرعليه‌السلام من قسم له الرفق قسم له الإيمان.

٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن صفوان بن يحيى ، عن يحيى الأزرق ، عن حماد بن بشير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إن الله تبارك وتعالى رفيق يحب

_________________________________________

الحديث الثاني : كالسابق.

« من قسم له الرفق » أي قدر له قسط منه في علم الله« قسم له الإيمان » أي الكامل منه.

الحديث الثالث : مجهول.

« إن الله تعالى رفيق » أقول : روى مسلم في صحيحه عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال :

إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف ، قال القرطبي : الرفيق هو الكثير الرفق يجيء بمعنى التسهيل وهو ضد العنف والتشديد والتعصيب ، وبمعنى الإرفاق وهو إعطاء ما يرتفق به ، وبمعنى التأني والعجلة ، وصحت نسبة هذه المعاني إلى الله تعالى لأنه المسهل والمعطي وغير المعجل في عقوبة العصاة ، وقال الطيبي : الرفق اللطف وأخذ الأمر بأحسن الوجوه وأيسرها « الله رفيق » أي لطيف بعباده يريد بهم اليسر لا العسر ولا يجوز إطلاقه على الله لأنه لم يتواتر ولم يستعمل هنا على التسمية ، بل تمهيد الأمر أي الرفق أنجح الأسباب وأنفعها فلا ينبغي الحرص في الرزق بل يكل إلى الله.

وقال النووي : يجوز تسمية الله بالرفيق وغيره مما ورد في خبر الواحد على الصحيح واختلف أهل الأصول في التسمية بخبر الواحد ، انتهى.

وقال في المصباح : رفقت العمل من باب قتل أحكمته ، انتهى.

فيجوز أن يكون إطلاق الرفيق عليه سبحانه بهذا المعنى ، ومعنى يحب الرفق أنه يأمر به ويحث عليه ويثيب به ، والسل انتزاعك الشيء وإخراجه في رفق كالاستلال كذا في القاموس ، وكان بناء التفعيل للمبالغة ، والضغن بالكسر والضغينة


الرفق فمن رفقه بعباده تسليله أضغانهم ومضادتهم لهواهم وقلوبهم ومن رفقه بهم

_________________________________________

الحقد ، والأضغان جمع الضغن كالأحمال والحمل ، والمعنى أنه من رفقه بعباده ولطفه لهم أنه يخرج أضغانهم قليلا وتدريجا من قلوبهم وإلا لأفنى بعضهم بعضا ، وقيل : لم يكلفهم برفعها دفعة لصعوبتها عليهم بل كلفهم بأن يسعوا في ذلك ويخرجوها تدريجا وهو بعيد.

ويحتمل أن يكون المعنى أنه أمر أنبياءه وأوصياءهم بالرفق بعباده الكافرين والمنافقين والإحسان إليهم وتأليف قلوبهم ببذل الأموال وحسن العشرة فيسل بذلك أضغانهم الله وللرسول وللمؤمنين برفق ، ويمكن أن يكون المراد بالتسليل إظهار كفرهم ونفاقهم على المؤمنين لئلا ينخدعوا منهم كما قال سبحانه : «أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللهُ أَضْغانَهُمْ » أي أحقادهم على المؤمنين ثم قال : «وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ » ، «إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ ، إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ »(١) قالوا إن يسألكموها فيحفكم أي يجهدكم بمسألة جميعها أو أجرا على الرسالة فيبالغ فيه تبخلوا بها فلا تعطوها ويخرج أضغانكم أي بغضكم وعداوتكم لله والرسول ، ولكنه فرض عليكم ربع العشر أو لم يسألكم أجرا على الرسالة ، وهذا يؤيد المعنى السابق أيضا.

قوله : ومضادتهم لهواهم وقلوبهم ، هذا أيضا يحتمل وجوها : « الأول » أن يكون معطوفا على الأضغان أي من لطفه بعباده دفع مضادة أهوية بعضهم لبعض وقلوب بعضهم لبعض ، فيكون قريبا من الفقرة السابقة على بعض الوجوه.

الثاني : أن يكون عطفا على تسليله ، أي من لطفه بعباده المؤمنين أن جعل

__________________

(١) سورة محمّد : ٢٩.


أنه يدعهم على الأمر يريد إزالتهم عنه رفقا بهم لكيلا يلقي عليهم عرى الإيمان

_________________________________________

أهوية المخالفين والكافرين متضادة مختلفة فلو كانوا مجتمعين متفقين في الأهواء لأفنوا المؤمنين واستأصلوهم كما قال تعالى : «لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ »(١) .

الثالث : أن يكون عطفا على تسليله أيضا والمعنى أنه من لطفه جعل المضادة بين هوى كل امرء وقلبه أي روحه وعقله ، فلو لم يكن القلب معارضا للهوى لم يختر أحد الآخرة على الدنيا ، وفي بعض النسخ ومضادته وهو أنسب بهذا المعنى ، والمضادة بمعنى جعل الشيء ضد الشيء شائع كما قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : ضاد النور بالظلمة واليبس بالبلل.

الرابع : أن يكون الواو بمعنى مع ، ويكون تتمة للفقرة السابقة أي أخرج أحقادهم مع وجود سببها وهو مضادة أهوائهم وقلوبهم.

الخامس : أن يكون المعنى من رفقه أنه أوجب عليهم التكاليف المضادة لهواهم وقلوبهم ، لكن برفق ولين بحيث لم يشق عليهم ، بل إنما كلف عباده بالأوامر والنواهي متدرجا كيلا ينفروا كما أنهم لما كانوا اعتادوا بشرب الخمر نزلت أو لا آية تدل على مفاسدها ثم نهوا عن شربها قريبا من وقت الصلاة ثم عمم وشدد ولم ينزل عليهم الأحكام دفعة ليشد عليهم بل أنزلها تدريجا وكل ذلك ظاهر لم تتبع موارد نزول الآيات وتقرير الأحكام ، وفي لفظ المضادة إيماء إلى ذلك ، قال الفيروزآبادي ضده في الخصومة : غلبه وعنه صرفه ومنعه برفق وضاده خالفه.

« ومن رفقه بهم أنه يدعهم على الأمر » حاصله أنه يريد إزالتهم عن أمر من الأمور لكن يعلم أنه لو بادر إلى ذلك يثقل عليهم فيؤخر ذلك إلى أن يسهل عليهم ثم يحولهم عنه إلى غيره فيصير الأول منسوخا ، كأمر القبلة فإن الله تعالى كان يحب

__________________

(١) سورة الحشر ، ١٤.


ومثاقلته جملة واحدة فيضعفوا فإذا أراد ذلك نسخ الأمر بالآخر فصار منسوخا.

٤ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن ابن محبوب ، عن معاوية بن وهب ، عن معاذ بن مسلم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله

_________________________________________

لنبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم التوجه إلى الكعبة وكان في أول ورودهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المدينة هذا الحكم شاقا عليهم لألفهم بالصلاة إلى بيت المقدس فتركهم عليها فلما كملوا وأنسوا بأحكام الإسلام وصار سهلا يسيرا عليهم حولهم إلى الكعبة.

وعرى الإسلام أحكامه وشرائعه كأنها للإسلام بمنزلة العروة من جهة أن من أراد الشرب من الكوز يتمسك بعروته فكذا من أراد التمتع بالإسلام يستمسك بشرائعه وأحكامه ، والتعبير عن الثقل بالمثاقلة للمبالغة اللازمة للمفاعلة ، ولا يبعد أن يكون في الأصل مثاقيله ، يقال : ألقى عليه مثاقيله أي مؤنته.

وقيل : المراد أنه تعالى يعلم أن صلاح العباد في أمرين وأنه لو كلفهم بها دفعة وفي زمان واحد ثقل ذلك عليهم ، وضعفوا عن تحملها فمن رفقه بهم أن يأمرهم بأحدهما ويدعهم عليه حينا ثم إذا أراد إزالتهم عنه نسخ الأمر الأول بالأمر الآخر ليفوزوا بالمصلحتين ، وهذا وجه آخر للنسخ غير ما هو المعروف من اختصاص كل أمر بوقت دون آخر ، انتهى.

ولا يخفى ما فيه ، وقوله عليه‌السلام : نسخ الأمر بالآخر إما من مؤيدات اليسر لأن ترك الناس أمرا رأسا أشق عليهم من تبديله بأمر آخر ، أو لبيان أن النسخ يكون كذلك كما قال تعالى : «ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها »(١) وسيأتي ما يؤيد الأول.

الحديث الرابع : صحيح.

واليمن بالضم البركة كالميمنة ، يمن كعلم وعني وجعل وكرم فهو ميمون

__________________

(١) سورة البقرة : ١٠٦.


الرفق يمن والخرق شؤم.

٥ ـ عنه ، عن ابن محبوب ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال إن الله عز وجل رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف.

٦ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن عمر بن أذينة ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إن الرفق لم يوضع على شيء إلا زانه ولا نزع من شيء إلا شانه.

٧ ـ علي ، عن أبيه ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن عمرو بن أبي المقدام رفعه إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال إن في الرفق الزيادة والبركة ومن يحرم الرفق يحرم الخير.

_________________________________________

كذا في القاموس ، أي الرفق مبارك ميمون ، فإذا استعمل في أمر كان ذلك الأمر مقرونا بخير الدنيا والآخرة : والخرق بعكسه ، قال في القاموس : الخرق بالضم وبالتحريك ضد الرفق وأن لا يحسن الرجل العمل والتصرف في الأمور ، والحمق.

الحديث الخامس : ضعيف.

« يعطي على الرفق » من أجر الدنيا وثواب الآخرة.

الحديث السادس : حسن كالصحيح.

وفي المصباحزان الشيء صاحبه زينا من باب سار ، وأزانه مثله ، والاسم الزينة وزينه تزيينا مثله ، والزين ضد الشين ، وقال :شأنه شينا من باب باع : عابه ، والشين خلاف الزين.

الحديث السابع : ضعيف.

« إن في الرفق الزيادة » أي في الرزق أو في جميع الخيرات والبركة والثبات فيها ،« ومن يحرم الرفق » على بناء المجهول أي منع منه ولم يوفق له حرم خيرات الدنيا والآخرة ، في القاموس : حرمة الشيء كضربه وعلمه حريما وحرمانا بالكسر منعه وأحرمه لغة والمحروم الممنوع من الخير ومن لا ينمي له مال ، والمحارف الذي لا يكاد يكتسب.


٨ ـ عنه ، عن عبد الله بن المغيرة عمن ذكره ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال ما زوي الرفق عن أهل بيت إلا زوي عنهم الخير.

٩ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن أبي عبد الله ، عن إبراهيم بن محمد الثقفي ، عن علي بن المعلى ، عن إسماعيل بن يسار ، عن أحمد بن زياد بن أرقم الكوفي ، عن رجل ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال أيما أهل بيت أعطوا حظهم من الرفق فقد وسع الله عليهم في الرزق والرفق في تقدير المعيشة خير من السعة في المال والرفق لا يعجز عنه شيء والتبذير لا يبقى معه شيء إن الله عز وجل رفيق يحب الرفق.

_________________________________________

الحديث الثامن : مرسل.

« ما زوي » على بناء المفعول أي نحي وأبعد ، في القاموس : زواه زيا وزويا نحاه فانزوى وسره عنه طواه ، والشيء جمعه وقبضه.

الحديث التاسع : ضعيف.

« أعطوا حظهم » أي أعطاهم الله نصيبا وافرا من الرفق ، أي رفق بعضهم ببعض أو رفقهم بخلق الله أو رفقهم في المعيشة بالتوسط من غير إسراف وتقتير أو الأعم من الجميع« فقد وسع الله عليهم في الرزق » لأن أعظم أسباب الرزق المداراة مع الخلق وحسن المعاملة معهم ، فإنه يوجب إقبالهم إليه ، مع أن الله تعالى يوفقه لا طاعة أمره لا سيما مع التقدير في المعيشة كماقال عليه‌السلام : والرفق في تقدير المعيشة أي في خصوص هذا الأمر أو معه بأن يكون « في » بمعنى « مع » وتقدير المعيشة يكون بمعنى التقتير كقوله تعالى «يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ » وبمعنى التوسط بين الإسراف والتقتير وهو المراد هنا« خير من السعة في المال » أي بلا تقدير وقوله عليه‌السلام : والرفق لا يعجز عنه شيء ، كأنه تعليل للمقدمتين السابقتين أي الرفق في تقدير المعيشة لا يضعف ولا يقصر عنه شيء من المال أو الكسب ، لأن القليل منهما يكفي مع التقدير والقدر الضروري قد ضمنه العدل الحكيم« والتبذير » أي الإسراف« لا يبقى معه شيء » من المال وإن كثر ، وقيل : أراد بقوله : الرفق لا يعجز عنه شيء وأن الرفيق يقدر على كل ما يريد بخلاف الأخرق


١٠ ـ علي بن إبراهيم رفعه ، عن صالح بن عقبة ، عن هشام بن أحمر ، عن أبي الحسنعليه‌السلام قال قال لي وجرى بيني وبين رجل من القوم كلام فقال لي ارفق بهم ـ فإن كفر أحدهم في غضبه ولا خير فيمن كان كفره في غضبه.

١١ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن علي بن حسان ، عن موسى بن بكر ، عن أبي الحسن موسىعليه‌السلام قال الرفق نصف العيش.

_________________________________________

ولا يخفى ما فيه.

ثم قال : والسر في جميع ذلك أن الناس إذا رأوا من أحد الرفق أحبوه وأعانوه وألقى الله تعالى له في قلوبهم العطف والود فلم يدعوه يتعب أو يتعسر عليه أمره.

الحديث العاشر : ضعيف.

« فإن كفر أحدهم في غضبه » لأن أكثر الناس عند الغضب يتكلمون بكلمة الكفر وينسبون إلى الله سبحانه وإلى الأنبياء والأوصياءعليهم‌السلام ما لا يليق بهم ، وأي خير يتوقع ممن لا يبالي عند الغضب من الخروج عن الإسلام واستحقاق القتل في الدنيا والعقاب الدائم في الآخرة. فإذا لم يبال بذلك لم يبال بشتمك وضربك وقتلك والافتراء عليك بما يوجب استئصالك.

ويحتمل أن يكون الكفر هنا شاملا لارتكاب الكبائر كما مر أنه أحد معانيه.

الحديث الحادي عشر : كالسابق.

« نصف العيش » أي نصف أسباب العيش الطيب لأن رفاهية العيش إما بكثرة المال والجاه وحصول أسباب الغلبة أو بالرفق في المعيشة والمعاشرة ، بل هذا أحسن كما مر ، وإذا تأملت ذلك علمت أنه شامل لجميع الأمور حتى التعيش في الدار والمعاملة مع أهلها فإن تحصيل رضاهم إما بالتوسعة عليهم في المال ، أو بالرفق معهم في كل حال وبكل منهما يحصل رضاهم ، والغالب أنهم بالثاني أرضي.


١٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهعليه‌السلام إن الله يحب الرفق ويعين عليه فإذا ركبتم الدواب العجف فأنزلوها منازلها ـ فإن كانت الأرض مجدبة فانجوا عنها وإن كانت مخصبة فأنزلوها منازلها.

_________________________________________

الحديث الثاني عشر : ضعيف على المشهور.

« ويعين عليه » أي يهيئ أسباب الرفق أو يعين بسبب الرفق أو معه أو كائنا عليه على سائر الأمور كما مر والتفريعبقوله عليه‌السلام : فإذا ركبتم ، للتنبيه على أن الرفق مطلوب حتى مع الحيوانات ، وقال في المغرب :العجف بالتحريك الهزال والأعجف المهزول والأنثى العجفاء ، والعجفاء يجمع على عجف كصماء على صم ، انتهى.

وقوله : فأنزلوها منازلها أولا ، يحتمل وجهين : « الأول » أن يكون المراد الإنزال المعنوي أي راعوا حالها في إنزالها المنازل ، والمراد في الثاني المعنى الحقيقي والثاني : أن يكون الأول مجملا والثاني تفصيلا وتعيينا لمحل ذلك الحكم ، وعلى التقديرين الفاء فيقوله : فإن كانت للتفصيل ، وفي المصباحالجدب هو المحل لفظا ومعنى وهو انقطاع المطر ويبس الأرض يقال : جدب البلد بالضم جدوبة فهو جدب وجديب وأرض جدبة وجدوب وأجدبت إجدابا فهي مجدبة ، وقال الجوهري :نجوت نجاءا ممدودا أي أسرعت وسبقت ، والناجية والنجاة الناقة السريعة تنجو بمن ركبها ، والبعير ناج ، والخصب بالكسر نقيض الجدب ، وقد أخصبت الأرض ومكان مخصب وخصيب ، وأخصب القوم أي صاروا إلى الخصب.

قوله : فأنزلوها منازلها ، أي منازلها اللائقة بحالها من حيث الماء والكلاء ، أو المراد بها المنازل المقررة في الأسفار ، أي لا تسيروا عليها أكثر من المنازل المقررة كجعل المنزلين منزلا لضعف الدابة ، وإنما يجوز ذلك مع جدب الأرض فإن مصلحتها أيضا في ذلك.


١٣ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن أبي عبد الله ، عن عثمان بن عيسى ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لو كان الرفق خلقا يرى ما كان مما خلق الله شيء أحسن منه.

١٤ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن ابن فضال ، عن ثعلبة بن ميمون عمن حدثه ، عن أحدهماعليهما‌السلام قال إن الله رفيق يحب الرفق ومن رفقه بكم تسليل أضغانكم ومضادة قلوبكم وإنه ليريد تحويل العبد عن الأمر فيتركه عليه حتى يحوله بالناسخ كراهية تثاقل الحق عليه.

_________________________________________

الحديث الثالث عشر : ضعيف.

الحديث الرابع عشر : مرسل.

وقد عرفت الوجوه في حله ، وكان الأنسب هنا عطف مضادة علي أضغانكم إشارة إلى قوله تعالى : «لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ »(١) ويحتمل أيضا العطف على التسليل بالإضافة إلى المفعول كما مر.

قوله : كراهية تثاقل الحق عليه ، قيل : الكراهية علة لتحويله بالناسخ والحق الأمر المنسوخ ، ووجه التثاقل أن النفس يثقل عليها الأمر المكرر وينشط بالأمر الجديد أو علة لتحويله بالناسخ دون جمعه معه ، مع أن في كلا الأمرين صلاح العبد إلا أن الرفق يقتضي النسخ لئلا يتثاقل الحق عليه ، انتهى.

وأقول : لا يخفى ما في الوجهين ، أما الأول فلان ترك المعتاد أشق على النفس ولذا كانت الأمم يثقل عليهم قبول الشرائع المتجددة وإن كانت أسهل وكانوا يرغبون إلى ما ألفوا به ومضوا عليه من طريقة آبائهم ، نعم قد كان بعض الشرائع الناسخة أسهل من المنسوخة كعدة الوفاة نقلهم فيها من السنة إلى أربعة أشهر وعشرة أيام ، وكثبات القدم في الجهاد من العشرة إلى النصف لكن أكثرها كان أشق.

وأما الثاني ففي غالب الأمر لا يمكن الجمع بين الناسخ والمنسوخ لتضادهما

__________________

(١) سورة الأنفال. ٦٣.


١٥ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ما اصطحب اثنان إلا كان أعظمهما أجرا وأحبهما إلى الله عز وجل أرفقهما بصاحبه.

١٦ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن حسان ، عن الحسن بن الحسين ، عن فضيل بن عثمان قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول من كان رفيقا في أمره نال ما يريد من الناس.

باب التواضع

١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن هارون بن مسلم ، عن مسعدة بن صدقة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال أرسل النجاشي إلى جعفر بن أبي طالب وأصحابه

_________________________________________

كالقبلتين والعدتين والحكمين في الجهاد وتحليل الخمر وتحريمه ، وإباحة الجماع في ليالي شهر رمضان وعدمها ، والأكل والشرب فيها بعد النوم وعدمهما ، نعم قد يتصور نادرا كصوم عاشوراء وصوم شهر رمضان إن ثبت ذلك فالأوجه ما ذكرنا سابقا.

الحديث الخامس عشر : ضعيف على المشهور.

ويقال :اصطحب القوم أي صحب بعضهم بعضا ، ويدل على فضل الرفق لا سيما في المصطحبين المترافقين.

الحديث السادس عشر : ضعيف.

ومضمونه مجرب ووجهه ظاهر.

باب التواضع

الحديث الأول : ضعيف.

والنجاشي بفتح النون وتخفيف الجيم وبالشين المعجمة لقب ملك الحبشة والمراد هنا الذي أسلم وآمن بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واسمه أصحمة بن بحر ، أسلم قبل الفتح ومات قبله صلى عليه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لما جاء خبر موته ، وقد ذكرنا جمل أحواله في كتابنا الكبير.


فدخلوا عليه وهو في بيت له جالس على التراب وعليه خلقان الثياب قال فقال جعفرعليه‌السلام فأشفقنا منه حين رأيناه على تلك الحال فلما رأى ما بنا وتغير وجوهنا قال :

الحمد لله الذي نصر محمدا وأقر عينه ألا أبشركم فقلت بلى أيها الملك فقال إنه جاءني الساعة من نحو أرضكم عين من عيوني هناك فأخبرني أن الله عز وجل قد نصر نبيه محمداصلى‌الله‌عليه‌وآله وأهلك عدوه وأسر فلان وفلان وفلان التقوا بواد

_________________________________________

وقال الفيروزآبادي : النجاشي بتشديد الياء وبتخفيفها أفصح وتكسر نونها أو هو أفصح : أصحمة ملك الحبشة ، انتهى.

وجعفر بن أبي طالب هو أخو أمير المؤمنينعليه‌السلام وكان أكبر منهعليه‌السلام بعشر سنين وهو من كبار الصحابة ومن الشهداء الأولين وهو صاحب الهجرتين هجرة الحبشة وهجرة المدينة ، واستشهد يوم مؤتة سنة ثمان ، وله إحدى وأربعون سنة فوجد فيما أقبل من جسده تسعون ضربة ما بين طعنة برمح وضربة بسيف ، وقطعت يداه في الحرب فأعطاه الله جناحين يطير بهما في الجنة فلقب ذا الجناحين ، وقال الجوهري :ثوب خلق أي بال ، يستوي فيه المذكر والمؤنث لأنه في الأصل مصدر الأخلق وهو الأملس والجمع خلقان ، انتهى.

« فأشفقنا منه » أي خفنا عن حاله ومما رأينا منه أن يكون أصابه سوء ، يقال : أشفق منه أي خاف وحذر وأشفق عليه أي عطف عليه ، والعين الجاسوس« وأهلك عدوه » أي السبعين الذين قتلوا ، منهم أبو جهل وعتبة وشيبة وأسر أيضا سبعون ، وبدر اسم موضع بين مكة والمدينة وهو إلى المدينة أقرب ، ويقال : هو منها على ثمانية وعشرين فرسخا ، وعن الشعبي أنه اسم بئر هناك ، قال : وسميت بدرا لأن الماء كان لرجل من جهينة اسمه بدر كذا في المصباح ، وقال :الأراك شجر من الخمط يستاك بقضبانه ، الواحدة أراكة ويقال : هي شجرة طويلة ناعمة كثيرة الورق والأغصان خوارة


يقال له : بدر كثير الأراك لكأني أنظر إليه حيث كنت أرعى لسيدي هناك وهو رجل من بني ضمرة فقال له جعفر أيها الملك فما لي أراك جالسا على التراب وعليك هذه الخلقان فقال له يا جعفر إنا نجد فيما أنزل الله على عيسىعليه‌السلام أن من حق الله على عباده أن يحدثوا له تواضعا عند ما يحدث لهم من نعمة فلما أحدث الله عز وجل لي نعمة ـ بمحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله أحدثت لله هذا التواضع فلما بلغ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله

_________________________________________

العود ، ولها ثمر في عناقيد يسمى البرين يملأ العنقود الكف.

« لكأني أنظر إليه » أي هو في بالي كأني أنظر إليه الآن ، وحيث للتعليل ، ويحتمل المكان بدلا من الضمير ، وبنو ضمرة بفتح الضاد وسكون الميم رهط عمر وبن أمية الضمري ، وقيل : لكأني ، حكاية كلام العين وهو بعيد ، بل هو إشارة إلى ما ذكروا أن والد النجاشي كان ملك الحبشة ولم يكن له ولد غيره ، وكان للنجاشي عم له اثنا عشر ولدا وأهل الحبشة قتلوا والد النجاشي وأطاعوا عمه وجعلوه ملكا وكان النجاشي في خدمة عمه ، فقالت الحبشة للملك : إنا لا نأمن هذا الولد أن يتسلط علينا يوما ويطلب منا دم والده فاقتله قال الملك : قتلتم والده بالأمس وأقتل ولده اليوم ، أنا لا أرضى بذلك وإن أردتم بيعوه من رجل غريب يخرجه من دياركم ففعلوا ذلك فبعد زمان أصيب الملك بصاعقة فمات ولم يكن أحد من أولاده قابلا للسلطنة فاضطروا إلى أن أتوا وأخذوا النجاشي من سيده قهرا بلا ثمن وردوه إلى بلادهم وملكوه عليهم فجاء سيده وادعى عليهم ورفع أمره إلى النجاشي وهو لا يعرفه فحكم له عليهم ، وقال : أعطوه أما الغلام وإما الثمن ، فأدوا إليه الثمن.

والتواضع هو إظهار الخشوع والخضوع والذل والافتقار إليه تعالى عند ملاحظة عظمته وعند تجدد نعمه تعالى أو تذكرها ، ولذا استحبت سجدة الشكر في هذه الأمة ، وورد مثل هذا التذلل بلبس أخس الثياب وأخشنها وإيصال مكارم البدن إلى التراب في بعض صلوات الحاجة.


قال لأصحابه إن الصدقة تزيد صاحبها كثرة فتصدقوا يرحمكم الله وإن التواضع يزيد صاحبه رفعة فتواضعوا يرفعكم الله وإن العفو يزيد صاحبه عزا فاعفوا يعزكم الله.

٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن معاوية بن عمار ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال سمعته يقول إن في السماء ملكين موكلين بالعباد فمن تواضع لله رفعاه ومن تكبر وضعاه.

٣ ـ ابن أبي عمير ، عن عبد الرحمن بن الحجاج ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال أفطر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ـ عشية خميس في مسجد قبا فقال هل من شراب فأتاه أوس بن خولي الأنصاري بعس مخيض بعسل فلما وضعه على فيه نحاه ثم قال شرابان

_________________________________________

« نزيد صاحبها كثرة » أي في الأموال والأولاد والأعوان في الدنيا وفي الأجر في الآخرة« وأن التواضع » أي عدم التكبر والترفع وإظهار التذلل لله وللمؤمنين يوجب رفع صاحبه في الدنيا والآخرة.

الحديث الثاني : حسن كالصحيح.

« رفعاه » أي بالثناء عليه أو بإعانته في حصول المطالب وتيسر أسباب العزة والرفعة في الدارين وفي التكبر بالعكس فيهما.

الحديث الثالث : كالسابق.

وفي القاموسقباء بالضم ويذكر ويقصر موضع قرب المدينة ، وقال :العساس ككتاب الأقداح العظام والواحد عس بالضم وقال :مخض اللبن يمخضه مثلثة الآتي أخذ زبدة فهو مخيض ، وممخوض بعسل أي ممزوج بعسل ، وقيل : إنما امتنعصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأن اللبن المخيض الحامض الممزوج بالعسل لا لذة فيه ، فيكون إسرافا ، فالمراد بالتواضع لله الانقياد لأمره في ترك الإسراف ، ولا يخفى بعده.

وروى الحسين بن سعيد في كتاب الزهد هذا الخبر عن ابن أبي عمير عن


يكتفى بأحدهما من صاحبه لا أشربه ولا أحرمه ولكن أتواضع لله فإن من تواضع لله رفعه الله ومن تكبر خفضه الله ومن اقتصد في معيشته رزقه الله ومن بذر حرمه الله ومن أكثر ذكر الموت أحبه الله.

٤ ـ الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن الحسن بن علي الوشاء ، عن داود الحمار ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام مثله وقال من أكثر ذكر الله أظله الله في جنته.

_________________________________________

عبد الرحمن عنهعليه‌السلام مثله ، إلا أنه قال : بعس من لبن مخيض بعسل.

وروى البرقي في المحاسن عن جعفر بن محمد عن ابن القداح عن أبي عبد اللهعليه‌السلام عن آبائه قال : دخل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مسجد قبا فأتي بإناء فيه لبن حليب مخيض بعسل فشرب منه حسوة أو حسوتين فوضعه ، فقيل : يا رسول الله أتدعه محرما؟ فقال : اللهم إني أتركه تواضعا لله.

ويدل على أن التواضع بترك الأطعمة اللذيذة مستحب ويعارضه أخبار كثيرة ويمكن اختصاصه بالنبي والأئمةعليهم‌السلام كما يظهر من بعض الأخبار ، والاقتصاد :

التوسط وترك الإسراف والتقتير ، والتبذير في الأصل التفريق ويستعمل في تفريق المال في غير الجهات الشرعية إسرافا وإتلافا وصرفا في المحرم.

« ومن أكثر ذكر الموت أحبه الله » لأن كثرة ذكر الموت توجب الزهد في الدنيا والميل إلى الآخرة وترك المعاصي وسائر ما يوجب حبه تعالى.

الحديث الرابع : ضعيف على المشهور.

وهذه الفقرة بدل من الفقرة الأخيرة في الخبر السابق ، وذكر الله أعم أن يكون باللسان أو الجنان ، وأعم من أن يكون بذكر أسمائه الحسنى وصفاته العليا أو بتلاوة كتابه أو بذكر شرائعه وأحكامه أو بذكر أنبيائه وحججه ، فإنه قد ورد إذا ذكرنا ذكر الله.

« أظله الله في جنته » أي آواه تحت قصورها وأشجارها أو وقع عليه ظل رحمته ، أو أدخله في كنفه وحمايته ، كما يقال : فلان في ظل فلان.


٥ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن ابن فضال ، عن العلاء بن رزين ، عن محمد بن مسلم قال سمعت أبا جعفرعليه‌السلام يذكر أنه أتى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ملك فقال إن الله عز وجل يخيرك أن تكون عبدا رسولا متواضعا أو ملكا رسولا قال فنظر إلى جبرئيل وأومأ بيده أن تواضع فقال عبدا متواضعا رسولا فقال الرسول مع أنه لا ينقصك مما عند ربك شيئا قال ومعه مفاتيح خزائن الأرض.

_________________________________________

الحديث الخامس : موثق كالصحيح.

« قال فنظر إلى جبرئيل » أي قال أبو جعفرعليه‌السلام : فنظر الرسول إلى جبرئيل مستشيرا منه وإن كان عالما وكان لا يحب الملك وكان هذا أيضا من تواضعه« فأومأ » جبرئيلعليه‌السلام بيده« أن تواضع » وأن مفسرة ، ويحتمل أن يكون المستتر في قال راجعا إلى الرسول وإلى بالتشديد ، وكان الأول أظهر كما أنه في مشكاة الأنوار ، قال : فنظر إلى جبرئيلعليه‌السلام فأومأ إليه بيده أن يتواضع ، وعلى التقديرين من « قال » إلى قوله : تواضع ، معترضة« فقال : عبدا » أي اخترت أن أكون عبدا« فقال الرسول » أي الملك« مع أنه » أي الملك أو اختياره« مما عند ربك » أي من القرب والمنزلة والمثوبات والدرجات« قال ومعه » أي قال أبو جعفرعليه‌السلام وكان مع الملك عند تبليغ هذه الرسالة المفاتيح أتى بها ليعطيه إياها إن اختار الملك.

ويحتمل أن يكون ضمير قال راجعا إلى الملك ، ومفعول القول محذوفا والواو في قوله : ومعه ، للحال أي قال ذلك ومعه المفاتيح ، وقيل : ضمير قال راجع إلى الرسول أي قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا أقبل وإن كان معه المفاتيح ، ولا يخفى ما فيه.

والمفاتيح جمع المفتاح جمع المفتح ، والمفاتيح يمكن حملها على الحقيقة أي أتى بآلة يمكن بها التسلط على خزائن الأرض والاطلاع عليها ، أو يكون تصويرا لتقدير ذلك وتحقيقا للقول بأنك إذا اخترت ذلك كان سهل الحصول لك كهذه المفاتيح تكون بيدك فتفتح بها ، أو يكون الكلام مبنيا على الاستعارة أي أتى بأمور


٦ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال من التواضع أن ترضى بالمجلس دون المجلس وأن تسلم على من تلقى وأن تترك المراء وإن كنت محقا وأن لا تحب أن تحمد على التقوى.

٧ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن علي بن يقطين عمن رواه ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال أوحى الله عز وجل إلى موسىعليه‌السلام أن يا موسى أتدري لم اصطفيتك

_________________________________________

يتيسر بها الملك ، وعبر عنها بالمفتاح مجازا كخاتم سليمان وبساطه مثلا وأشباه ذلك مما يسهل معه الاستيلاء على جميع الأرض ، أو العلم بطريق الوصول إليها والقدرة عليها.

الحديث السادس : ضعيف على المشهور.

« بالمجلس دون المجلس » أي ترضى بمجلس هو أدون من المجلس الذي هو لائق بشرفك بحسب العرف ، أو تجلس أي مجلس اتفق ولا تتقيد بمجلس خاص والأول أظهر« على من تلقى » أي على كل من تلقاه أي من المسلمين واستثني منه التسليم على المرأة الشابة إلا أن يأمن على نفسه ، وسيأتي تفصيل ذلك في كتاب العشرة إنشاء الله.

« وأن تترك المراء » أي المجادلة والمنازعة وأما إظهار الحق بحيث لا ينتهي إلى المراء فهو حسن بل واجب ، وقيل : إذا كان الغرض الغلبة والتعجيز يكون مراء ، وإن كان الغرض إظهار الحق فليس بمراء.

قال في المصباح : ماريته أمارية مماراة ومراء جادلته ويقال : ماريته أيضا إذا طعنت في قوله تزييفا للقول وتصغيرا للقائل ولا يكون المراء إلا اعتراضا بخلاف الجدال فإنه يكون ابتداء واعتراضا ، انتهى.

« ولا تحب أن تحمد على التقوى » فإن هذا من آثار العجب ، وينافي الإخلاص في العمل كما مر.

الحديث السابع : مرسل.


بكلامي دون خلقي قال يا رب ولم ذاك قال فأوحى الله تبارك وتعالى إليه أن يا موسى إني قلبت عبادي ظهرا لبطن فلم أجد فيهم أحدا أذل لي نفسا منك يا موسى إنك إذا صليت وضعت خدك على التراب أو قال على الأرض.

٨ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام بن سالم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال مر علي بن الحسين صلوات الله عليه على المجذمين وهو راكب حماره وهم يتغدون فدعوه إلى الغداء فقال أما إني لو لا أني صائم لفعلت فلما

_________________________________________

« بكلامي » أي بأن أكلمك بلا توسط ملك« إني قلبت عبادي » أي اختبرتهم بملاحظة ظواهرهم وبواطنهم ، كناية عن إحاطة علمه سبحانه بهم وبجميع صفاتهم وأحوالهم ، قال في المصباح : قلبته قلبا من باب ضرب حولته عن وجهه ، وقلبت الرداء حولته وجعلت أعلاه أسفله وقلبت الشيء للابتياع قلبا أيضا تصفحته فرأيت داخله وباطنه ، وقلبت الأمر ظهرا لبطن اختبرته ، انتهى.

وقيل : ظهرا بدل عن عبادي واللام في لبطن للغاية فهي بمعنى الواو مع مبالغة« أو قال » الترديد من الراوي ، ويدل على استحباب وضع الخد على التراب أو الأرض بعد الصلاة.

الحديث الثامن : حسن كالصحيح.

وفي القاموس :الجذام كغراب علة تحدث من انتشار السوداء في البدن كله فيفسد مزاج الأعضاء وهيئاتها ، وربما انتهى إلى تأكل الأعضاء وسقوطها من تقرح جذم كعني فهو مجذوم ومجذم وأجذم ، ووهم الجوهري في منعه ، وكان صومهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان واجبا حيث لم يفطر مع الدعوة.

« أن يتألقوا » وفي بعض النسخيتنوقوا (١) أي يتكلفوا فيه ويعملوه لذيذا حسنا ، في القاموس : تأنق فيه عمله بالإتقان كتنوق ، وقال : تنيق في مطعمه وملبسه تجود وبالغ كتنوق ، انتهى.

__________________

(١) كما في المتن.


صار إلى منزله أمر بطعام فصنع وأمر أن يتنوقوا فيه ثم دعاهم فتغدوا عنده وتغدى معهم.

_________________________________________

« فتغدوا عنده » أي في اليوم الآخر أو أطلق التغدي على التعشي للمشاكلة« وتغدى معهم » هذا ليس بصريح في الأكل معهم في إناء واحد فلا ينافي الأمر بالفرار من المجذوم ، مع أنه يمكن أن يكونوا مستثنين من هذا الحكم لقوة توكلهم وعدم تأثر نفوسهم بأمثال ذلك أو لعلمهم بأن الله لا يبتليهم بأمثال البلايا التي توجب نفرة الخلق.

وفي مشكاة الأنوار عن أبي عبد الله أن علي بن الحسينعليهما‌السلام مر على المجذومين يأكلون فسلم عليهم فدعوه إلى طعامهم فمضى ، ثم قال : إن الله عز وجل لا يحب المتكبرين وكان صائما فرجع إليهم فقال : إني صائم ثم قال : ائتوني في المنزل فأتوه فأطعمهم وأعطاهم ، وزاد فيه ابن أبي عمير أنه بعد منعهم.

ثم اعلم أن الأخبار في العدوي مختلفة ، فسيأتي في الروضة أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : لا عدوي ولا طيرة ، وقد ورد : فر من المجذوم فرارك من الأسد ، وقيل في الجمع بينهما : أن حديث الفرار ليس للوجوب بل للجواز أو الندب احتياطا خوف ما يقع في النفس من العدوي والأكل والمجالسة للدلالة على الجواز ، وأيد ذلك بما روي من طرق العامة عن جابر أنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أكل مع المجذوم ، فقال : آكل ثقة بالله وتوكلا عليه ، ومن طرقهم أيضا أن امرأة سألت بعض أزواجهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن الفرار من المجذوم فقالت : كلا والله ، وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا عدوى ، وقد كان لنا مولى أصابه ذلك وكان يأكل في صحافي ويشرب من قداحي وينام على فراشي ، وقال بعض العامة : حديث الأكل ناسخ لحديث الفرار ، ورده بعضهم بأن الأصل عدم النسخ ، على أن الحكم بالنسخ يتوقف على العلم بتأخير حديث الأكل وهو غير معلوم ، وقال بعضهم للجمع : حديث الفرار على تقدير وجوبه إنما كان لخوف أن


٩ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن أبي عبد الله ، عن عثمان بن عيسى ، عن هارون بن خارجة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إن من التواضع أن يجلس الرجل دون شرفه.

١٠ ـ عنه ، عن ابن فضال ومحسن بن أحمد ، عن يونس بن يعقوب قال نظر أبو عبد اللهعليه‌السلام إلى رجل من أهل المدينة قد اشترى لعياله شيئا وهو يحمله فلما رآه الرجل استحيا منه فقال أبو عبد اللهعليه‌السلام اشتريته لعيالك وحملته إليهم أما والله لو لا أهل المدينة لأحببت أن أشتري لعيالي الشيء ثم أحمله إليهم.

١١ ـ عنه ، عن أبيه ، عن عبد الله بن القاسم ، عن عمرو بن أبي المقدام ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال فيما أوحى الله عز وجل إلى داودعليه‌السلام يا داود كما أن أقرب الناس من الله المتواضعون كذلك أبعد الناس من الله المتكبرون.

_________________________________________

يقع في العلة بمشية الله فيعتقد أن العدوي حق.

أقول : قد بسطنا القول في ذلك في كتابنا الكبير.

الحديث التاسع : موثق.

« دون شرفه » أي عند المجلس الذي يقتضي شرفه الجلوس فيه أو أدون منه والأخير أظهر وأحسن.

الحديث العاشر : موثق.

ويدل على استحباب شراء الطعام للأهل وحمله إليهم وأنه مع ملامة الناس الترك أولى.

الحديث الحادي عشر : ضعيف.

والتواضع ترك التكبر والتذلل لله ولرسوله ولأولي الأمر وللمؤمنين وعدم حب الرفعة والاستيلاء ، وكل ذلك موجب للقرب ، وإذا كان أحد الضدين موجبا للقرب كان الآخر موجبا للبعد.


١٢ ـ عنه ، عن أبيه ، عن علي بن الحكم رفعه إلى أبي بصير قال دخلت على أبي الحسن موسىعليه‌السلام في السنة التي قبض فيها أبو عبد اللهعليه‌السلام فقلت جعلت فداك ما لك ذبحت كبشا ونحر فلان بدنة فقال يا أبا محمد إن نوحاعليه‌السلام كان في السفينة وكان فيها ما شاء الله وكانت السفينة مأمورة فطافت بالبيت وهو طواف النساء وخلى سبيلها نوحعليه‌السلام فأوحى الله عز وجل إلى الجبال أني واضع سفينة نوح عبدي على

_________________________________________

الحديث الثاني عشر : مرفوع.

«في السنة التي قبض فيها» أي بعد القبض وكان أول إمامته لا قبله كما قيل ، والمراد بفلان أحد الأشراف الذين كانوا يعدون أنفسهم من أقرانه« وكان » أي نوحعليه‌السلام « فيها » أي في السفينة« ما شاء الله من الزمان » أي زمانا طويلا ، ويحتمل أن يكون ما شاء الله اسم كان أي ما شاء الله حفظه من المؤمنين والحيوانات والأشجار والحبوب ، وكل ما يحتاج إليه بنو آدم والأول أظهر ، واختلف في مدة مكثهعليه‌السلام في السفينة فقيل : سبعة أيام كما روي عن الصادقعليه‌السلام ، وفي رواية أخرى مائة وخمسون يوما ، وقيل : ستة أشهر وقيل : خمسة أشهر«وكانت السفينة مأمورة» أي بأمر الله يذهب به حيث أراد ، وقيل : بأمر نوح ، قالوا : كان إذا أراد وقوفها قال : بسم الله ، فوقفت وإذا أراد جريها قال : بسم الله ، فجرت كما قال تعالى : «بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها »(١) .

« فطافت بالبيت » كأنه لما دخلت السفينة الحرم أحرمعليه‌السلام بعمرة مفردة وطواف النساء للإحلال منها بأن أتى ببقية الأفعال قبله ، والتخصيص لبيان أن في شرعه أيضا كان طواف النساء ، ويحتمل أن يكون في شرعهعليه‌السلام هذا مجزيا عن طواف الزيارة والأول أظهر ، بل يحتمل أن يكون الإحرام للحج وأتى بجميع أفعاله كما سيأتي في هذا الكتاب عن علي بن أبي حمزة عن أبي الحسنعليه‌السلام قال

__________________

(١) سورة هود : ٤١.


جبل منكن فتطاولت وشمخت وتواضع الجودي وهو جبل عندكم فضربت السفينة بجؤجؤها الجبل قال فقال نوحعليه‌السلام عند ذلك يا ماري أتقن وهو

_________________________________________

إن سفينة نوح كانت مأمورة فطافت بالبيت حيث غرقت الأرض ثم أتت مني في أيامها ثم رجعت السفينة وكانت مأمورة وطافت بالبيت طواف النساء ، فهذا الخبر كالتفسير لخبر المتن.

وفي القاموس : طاولني فطلته كنت أطول منه في الطول والطول جميعا وتطاول وتطايل واستطال امتد وارتفع وتفضل وتطاول ، وقال :شمخ الجبل علا وطال ، والرجل بأنفه تكبر ، انتهى.

وهذه الجملة إما على الاستعارة التمثيلية إشارة إلى أن الناس لما ظنوا وقوعها على أطول الجبال وأعظمها ولم يظنوا ذلك بالجودي ، وجعلها الله عليه فكأنها تطاولت وكان الجودي خضع فإذا كان التواضع الخلقي مؤثرا في ذلك فالتواضع الإرادي أولى بذلك ، ويحتمل أن يكون الله تعالى أعطاها في ذلك الوقت الشعور وخاطبها للمصلحة ، فالجميع محمول على الحقيقة ، وقد يقال : للجمادات شعور ضعيف بل لها نفوس أيضا وفهمه مشكل وإن أو ما إليه بعض الآيات والروايات.

قوله عليه‌السلام : وهو جبل عندكم ، أقول : في تفسير العياشي وتواضع جبل عندكم بالموصل يقال له الجودي ، وأقول : اختلفوا في الجودي قال الطبرسي : قال الزجاج : الجودي جبل بناحية آمد وقال غيره : بقرب جزيرة الموصل ، وقال أبو مسلم : الجودي اسم لكل جبل وأرض صلبة ، انتهى.

وأقول : يظهر من بعض الأخبار أنه كان بقرب الكوفة ، ومن بعضها أنها الغري على مشرفه السلام ، والجؤجؤ كهدهد : الصدر ، واللام في الجبل للعهد أي الجودي ، وفي العياشي : فمرت السفينة تدور في الطوفان على الجبال كلها حتى انتهت إلى الجودي فوقعت عليه ، فقال نوح : بارأت قنى ، بارأت قنى ، قال : قلت :

جعلت فداك أي شيء هذا الكلام؟ فقال : اللهم أصلح ، اللهم أصلح ، وأقول : كأنه


بالسريانية يا رب أصلح قال فظننت أن أبا الحسنعليه‌السلام عرض بنفسه.

١٣ ـ عنه ، عن عدة من أصحابه ، عن علي بن أسباط ، عن الحسن بن الجهم

_________________________________________

ظهر في السفينة اضطراب عند الوقوع على الجودي خافوا منه الغرق ، فلذا شرععليه‌السلام في التضرع والدعاء كما روى علي بن إبراهيم في حديث طويل عن الصادقعليه‌السلام إلى أن قال : فبقي الماء ينصب من السماء أربعين صباحا ، ومن الأرض العيون حتى ارتفعت السفينة فمسحت السماء قال : فرفع نوحعليه‌السلام يده ثم قال : يا رهمان أتقن ، وتفسيرها : رب أحسن ، فأمر الله الأرض أن تبلع ماءها.

وروى الصدوق في العيون وغيره عن الرضاعليه‌السلام أن نوحاعليه‌السلام لما ركب السفينة أوحى الله عز وجل إليه : يا نوح إن خفت الغرق فهللني ألفا ثم سلني النجاة أنجك من الغرق ومن آمن معك ، قال : فلما استوى نوح ومن معه في السفينة ورفع القلس عصفت الريح عليهم فلم يأمن نوح الغرق فأعجلته الريح فلم يدرك أن يهلل ألف مرة فقال بالسريانية : هلوليا ألفا ألفا ياماريا أتقن ، قال : فاستوى القلس واستمرت السفينة ، الخبر.

قوله : عرض بنفسه ، التعريض توجيه الكلام إلى جانب وإرادة جانب آخر وهو خلاف التصريح أي غرضهعليه‌السلام من هذا التمثيل بيان أنه اختار الكبش للتواضع ، وهو مورث للعزة في الدارين ، ويدل على أن اختيار أقل الأمرين في المستحبات إذا كان مستلزما للتواضع أحسن ، مع أن الإخلاص فيه أكثر وعن الرياء والسمعة والتكبر أبعد.

ويحتمل أن يكون في ذلك تقية أيضا ، ولا يبعد كون الكبش في الهدي والأضحية أفضل لدلالة الأخبار الكثيرة عليه ، وسيأتي القول فيه في محله إن شاء الله تعالى.

الحديث الثالث عشر : مرسل كالموثق وآخره مرسل.


عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام قال قال التواضع أن تعطي الناس ـ ما تحب أن تعطاه.

وفي حديث آخر قال قلت ما حد التواضع الذي إذا فعله العبد كان متواضعا فقال التواضع درجات منها أن يعرف المرء قدر نفسه فينزلها منزلتها بقلب سليم لا يحب أن يأتي إلى أحد إلا مثل ما يؤتى إليه إن رأى سيئة درأها بالحسنة كاظم الغيظ عاف عن الناس «وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ».

_________________________________________

« أن تعطى الناس » أي من التعظيم والإكرام والعطاء« ما تحب أن تعطاه » منهم في جميع ذلك« التواضع درجات » أي التواضع لله وللخلق درجات أو ذوو درجات باعتبار كمال النفس ونقصها« أن يعرف المرء قدر نفسه » بملاحظة عيوبها وتقصيراتها في خدمة خالقه« بقلب سليم » من الشك والشرك والرياء والعجب والحقد والعداوة والنفاق ، فإنها من أمراض القلب قال تعالى : «فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ »(١) « لا يحب أن يأتي إلى أحد » من قبل الله أو من قبله أو الأعم« إلا مثل ما يؤتى إليه » كان المناسب للمعنى المذكور ما ذكرنا « أن يأتي إليه » على المعلوم وكان الظرف فيهما مقدر والتقدير لا يحب أن يأتي إلى أحد بشيء إلا مثل ما يؤتى به إليه ، ويؤيده أنه روي في مشكاة الأنوار نقلا من المحاسن عن أبي الحسن موسىعليه‌السلام أنه سأله علي بن سويد المدني عن التواضع الذي إذا فعل العبد كان متواضعا؟ فقال : التواضع درجات منها أن يعرف المرء قدر نفسه فينزلها منزلتها بقلب سليم ، ولا يحب أن يأتي إلى أحد إلا مثل ما يأتون إليه ، إلى آخر الخبر.

ويمكن أن يقرأ على بناء التفعيل في الموضعين من قولهم أتيت الماء تأتيه وتأتيا أي سهلت سبيله ليخرج إلى موضع ، ذكره الجوهري لكنه بعيد« درأها » أي دفعها« بالحسنة » أي بالخصلة أو المداراة أو الموعظة الحسنة إشارة إلى قوله تعالى : «وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ »(٢) قال البيضاوي : يدفعونها بها فيجازون الإساءة بالإحسان أو يتبعون الحسنة السيئة فتمحوها.

__________________

(١) سورة البقرة : ١٠.

(٢) سورة الرعد : ٢٢.


باب

الحب في الله والبغض في الله

١ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن عيسى وأحمد بن محمد بن خالد وعلي بن إبراهيم ، عن أبيه وسهل بن زياد جميعا ، عن ابن محبوب ، عن علي بن رئاب ، عن أبي عبيدة الحذاء ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله فهو ممن كمل إيمانه.

٢ ـ ابن محبوب ، عن مالك بن عطية ، عن سعيد الأعرج ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال من أوثق عرى الإيمان أن تحب في الله وتبغض في الله وتعطي في الله وتمنع

_________________________________________

باب الحب في الله والبغض في الله

الحديث الأول : صحيح.

« من أحب لله » أي أحب من أحب لأن الله يحبه وأمر بحبة من الأنبياء والأوصياءعليهم‌السلام والصلحاء من المؤمنين لا للأغراض الدنيوية والأطماع الدنية« وأبغض لله » أي أبغض من أبغض لأن الله يبغضه وأمر ببغضه من أئمة الضلالة والكفار والمشركين والمخالفين والظلمة والفجار لمخالفتهم لله تعالى« وأعطى لله » أي أعطى من أمر الله بإعطائه من أئمة الدين وفقراء المؤمنين وصلحائهم خالصا لله من غير رياء ولا سمعة ، وفي بعض النسخ في الله في المواضع فهو أيضا بمعنى لله وفي للتعليل أو بمعنى الحب في سبيل طاعته فيرجع إليه أيضا« فهو ممن كمل إيمانه » لأن ولاية أولياء الله ومعاداة أعدائه وإخلاص العمل عمدة الإيمان وأعظم أركانه.

الحديث الثاني : كالسابق سندا ومتنا.

والعروة ما يكون في الجبل يتمسك به من أراد الصعود وعروة الكوز ونحوه ، والأول هنا أنسب كأنهعليه‌السلام شبه الإيمان بجبل يرتقي به إلى الجنة و


في الله.

٣ ـ ابن محبوب ، عن أبي جعفر محمد بن النعمان الأحول صاحب الطاق ، عن سلام بن المستنير ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ود المؤمن للمؤمن في الله من أعظم شعب الإيمان ألا ومن أحب في الله وأبغض في الله وأعطى في الله ومنع في الله فهو من أصفياء الله.

٤ ـ الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن الحسن بن علي الوشاء ، عن علي بن أبي حمزة ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال سمعته يقول إن المتحابين

_________________________________________

الدرجات العالية ، والأعمال الإيمانية وأخلاقها بالعري التي تكون فيه يتمسك بها من أراد الصعود عليه ، وفيه إشارة إلى قوله تعالى : «فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها »(١) .

والمنع في الله أن يكون عدم بذله وإعطائه لكونه سبحانه منع منه كالحد المنتهى إلى التبذير أو إعطاء الكفار لغير مصلحة والفجار لإعانتهم علي الفجور وأمثال ذلك.

الحديث الثالث : مجهول ، وفي القاموسالود والوداد الحب ويثلثان كالودادة والمودة ، وفي المصباح الشعبة من الشجرة الغصن المتفرع منها والجمع شعب مثل غرفة وغرف ، والشعبة من الشيء الطائفة منه ، وانشعبت أغصان الشجرة تفرعت عن أصلها وتفرقت ويقال : هذه المسألة كثيرة الشعب ، انتهى.

وشعب الإيمان الأعمال والأخلاق التي يقتضي الإيمان الإتيان بها ، والصفي : الحبيب المصافي وخالص كل شيء.

الحديث الرابع : ضعيف على المشهور.

« إن المتحابين في الله » أي الذين يحب كل منهم الآخرين لمحض رضاء الله

__________________

(١) سورة البقرة : ٢٥٦.


في الله يوم القيامة على منابر من نور قد أضاء نور وجوههم ونور أجسادهم ونور منابرهم كل شيء حتى يعرفوا به فيقال هؤلاء المتحابون في الله.

٥ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حماد ، عن حريز ، عن فضيل بن يسار قال سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الحب والبغض أمن الإيمان هو فقال وهل الإيمان إلا

_________________________________________

وكونهم من أحباء الله لا للأغراض الباطلة ويكون أضاء لازما ومتعديا يقال : أضاء الشيء وإضاءة غيره ، ذكره في المصباح.

الحديث الخامس : حسن كالصحيح.

« عن الحب والبغض » أي حب الأئمةعليهم‌السلام وبغض أعدائهم أو الأعم منهما ومن حب المؤمنين والطاعة وبغض المخالفين والمعصية ، والغرض من السؤال إما استعلام أن الاعتقاد بإمامة الأئمةعليهم‌السلام ومحبتهم والتبري عن أعدائهم هل هما من أجزاء الإيمان وأصول الدين كما هو مذهب الإمامية ، أو من فروع الدين والواجبات الخارجة عن حقيقة الإيمان كما ذهب إليه المخالفون ، أو استبانة أن حب أولياء الله وبغض أعدائه هل هما من الأمور الاختيارية التي يقع التكليف بهما أو هما من فعل الله تعالى ، وليس للعبد فيه اختيار فلا يكون مما كلف الله به ، والأول أظهر.

فأجابعليه‌السلام على الاستفهام الإنكاري بأن مدار الإيمان على الحب والبغض ، لأن الاعتقاد بالشيء لا ينفك عن حبه وإنكاره عن بغضه ، أو عمدة الإيمان ولاية الأئمةعليهم‌السلام والبراءة من أعدائهم إذ بهما يتم الإيمان وبدونهما لا ينفع شيء من العقائد والأعمال كما مر مفصلا ، فكان الإيمان منحصر فيهما أو لما كانا أصل الإيمان وعمدته كيف لم يكونا مكلفا به وكيف لم تكن مباديهما بالاختيار ، والاستشهاد بالآية على الأول ظاهر ، وعلى الثاني فلأنه لما حصر الله تعالى الرشد والصلاح فيهما فلو لم يكونا اختياريين لزم الجبر والتكليف بما لا يطاق ، وهما منفيان بالدلائل العقلية.


الحب والبغض ثم تلا هذه الآية «حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ »(١) .

٦ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن أبي عبد الله ، عن محمد بن عيسى ، عن أبي الحسن علي بن يحيى فيما أعلم ، عن عمرو بن مدرك الطائي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لأصحابه أي عرى الإيمان أوثق فقالوا الله ورسوله أعلم

_________________________________________

والنقلية.

وأما الآية فقال الطبرسي (ره):« ولكن «حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ » أي جعله أحب الأديان إليكم بأن أقام الأدلة على صحته وبما وعد من الثواب عليه «وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ » بالألطاف الداعية إليه «وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ » بما وصف من العقاب عليه وبوجوه الألطاف الصارفة عنه «وَالْفُسُوقَ » أي الخروج عن الطاعة إلى المعاصي «وَالْعِصْيانَ » أي جميع المعاصي ، وقيل : الفسوق الكذب وهو المروي عن أبي جعفرعليه‌السلام «أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ » يعني الذين وصفهم بالإيمان وزينه في قلوبهم هم المهتدون إلى معالي الأمور ، وقيل : هم الذين أصابوا الرشد واهتدوا إلى الجنة ، انتهى.

ويحتمل أن يكون المراد بالكفر الإخلال بالعقائد الإيمانية ، وبالفسوق الكبائر وبالعصيان الصغائر أو الأعم أو بالكفر ترك الإيمان ظاهرا وباطنا ، وبالفسق النفاق وبالعصيان جميع المعاصي ، وقد ورد في أخبار كثيرة قد مر بعضها أن الإيمان أمير المؤمنين وولايته والكفر والفسوق والعصيان الأول والثاني والثالث لعنهم الله ، فيؤيد المعنى الأول الذي ذكرنا في صدر الكلام.

الحديث السادس : مجهول.

والغرض من السؤال امتحان فهم القوم وشدة اهتمامهم باستعلام ما هو الحق في ذلك وبالعمل به وكان اختيار كل منهم فعلا وذكره على سبيل الاحتمال أو الاستفهام ، ولم يكن حكما منهم بأنه كذلك فإنه حينئذ يكون قولا بغير علم

__________________

(١) سورة الحجرات : ٧.


وقال بعضهم الصلاة وقال بعضهم الزكاة وقال بعضهم الصيام وقال بعضهم الحج والعمرة وقال بعضهم الجهاد فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لكل ما قلتم فضل وليس به ولكن أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله وتوالي أولياء الله والتبري من أعداء الله.

٧ ـ عنه ، عن محمد بن علي ، عن عمر بن جبلة الأحمسي ، عن أبي الجارود ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله المتحابون في الله يوم القيامة على أرض زبرجدة خضراء في ظل عرشه عن يمينه وكلتا يديه يمين وجوههم أشد بياضا وأضوأ من

_________________________________________

وفتوى بالباطل وهذا حرام ، فكيف يقرر همصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم به ويحثهم عليه« وليس به » ضمير ليس للفضل المذكور ، وضمير « به » للأوثق ، أو ضمير ليس لكل من المذكورات وضمير به للذي أرادصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتوالي أولياء الله الاعتقاد بإمامة الذين جعلهم الله أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، وأعداء الله أضدادهم وغاصبوا خلافتهم أو الأعم منهم ومن سائر المخالفين والكفار.

الحديث السابع : ضعيف.

« على أرض زبرجدة » الإضافة كخاتم حديد« في ظل عرشه » قال في النهاية :

أي في ظل رحمته ، وقال النووي : قيل : الظل عبارة عن الراحة والنعيم ، نحو هو في عيش ظليل ، والمراد ظل الكرامة لا ظل الشمس لأنها وسائر العالم تحت العرش ، وقال الآبي : ومن جواب شيخنا أنه يحتمل جعل جزء من العرش حائلا تحت فلك الشمس ، وقال عياض : ظاهره أنه سبحانه يظلهم حقيقة من حر الشمس ووهج الموقف ، وأنفاس الخلائق وهو تأويل أكثرهم ، وقال بعضهم : هو كناية عن كنهم وجعلهم في كنفه وستره ، ومنه قولهم : السلطان ظل الله ، وقولهم : فلان في ظل فلان أي في كنفه وعزه ، انتهى.

وظاهر الأخبار والآيات أن العرش يوضع يوم القيامة في الموقف وأن له


الشمس الطالعة يغبطهم بمنزلتهم كل ملك مقرب وكل نبي مرسل يقول الناس من هؤلاء فيقال هؤلاء المتحابون في الله.

٨ ـ عنه ، عن أبيه ، عن النضر بن سويد ، عن هشام بن سالم ، عن أبي حمزة الثمالي ، عن علي بن الحسينعليه‌السلام قال إذا جمع الله عز وجل الأولين والآخرين قام مناد فنادى يسمع الناس فيقول أين المتحابون في الله قال فيقوم عنق من الناس فيقال لهم اذهبوا إلى الجنة بغير حساب قال فتلقاهم الملائكة فيقولون إلى أين فيقولون إلى الجنة بغير حساب قال فيقولون فأي ضرب أنتم من الناس

_________________________________________

يمينا وشمالا ، فيمكن أن يكون المقربون في يمينه ومن دونهم في شماله ، وكلاهما يمين مبارك يأمن من استقر فيهما. وقيل : يحتمل أن يراد به الرحمة ولها أفراد متفاوتة فأقواهما يمين وأدونهما يسار وكلاهما مبارك ينجي من أهوال القيامة وقال في النهاية : فيه :وكلتا يديه يمين ، أي أن يديه تبارك وتعالى بصفة الكمال لا نقص في واحدة منهما ، لأن الشمال ينقص عن اليمين ، وكل ما جاء في القرآن والحديث من إضافة اليد والأيدي واليمين وغير ذلك من أسماء الجوارح إلى الله فإنما هو على سبيل المجاز والاستعارة ، والله تعالى منزه عن التشبيه والتجسيم ، انتهى.

« يغبطهم » تقول : غبطهم كضرب غبطا إذا تمنى مثل ما ناله من غير أن يريد زواله لما أعجبه من حسنه ، وكان المعنى أن الملك والنبي مع جلالة قدرهما وعظم نعمتهما يعجبهما هذه المنزلة ويعدانها عظيمة ، فلا يستلزم كون منزلته دون منزلتهما وربما يقرأ يغبطهم على بناء التفعيل ، أي يعد أنهم ذوي غبطة ، وحسن حال أو مغبوطين للناس.

الحديث الثامن : صحيح.

« يسمع الناس » على بناء الأفعال حال عن فاعل فنادى« فتلقاهم » على بناء


فيقولون نحن المتحابون في الله قال فيقولون وأي شيء كانت أعمالكم قالوا كنا نحب في الله ونبغض في الله قال فيقولون «نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ ».

٩ ـ عنه ، عن علي بن حسان عمن ذكره ، عن داود بن فرقد ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال ثلاث من علامات المؤمن علمه بالله ومن يحب ومن يبغض.

١٠ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام بن سالم وحفص بن البختري ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إن الرجل ليحبكم وما يعرف ما أنتم عليه فيدخله الله

_________________________________________

المجرد أو على بناء التفعيل بحذف إحدى التائين أي تستقبلهم« وأي شيء كانت أعمالكم » أي منصوب بخبرية كانت ، أي أية مرتبة بلغ تحابكم ، وأي شيء فعلتم حتى سميتم بهذا الاسم؟ قيل : هو استبعاد لكون محض التحاب سبب هذه المنزلة «نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ » المخصوص بالمدح محذوف أي أجركم وما أعطاكم ربكم.

الحديث التاسع : ضعيف.

« علمه بالله » أي بذاته وصفاته بقدر وسعه وطاقته« ومن يحب ومن يبغض » أي من يحبه الله من الأنبياء والأوصياءعليهم‌السلام ومن يبغضه الله من الكفار وأهل الضلال أو الضمير في الفعلين راجع إلى المؤمن أي علمه بمن يحب أن يحبه ويحب أن يبغضه وكأنه أظهر.

الحديث العاشر : حسن كالصحيح.

قوله عليه‌السلام : إن الرجل ليحبكم ، أقول : يحتمل وجوها : الأول : أن يكون المراد بهم المستضعفين من المخالفين فإنهم يحبون الشيعة ولا يعرفون مذهبهم ، ويحتمل دخولهم الجنة بذلك.

الثاني : أن يكون المراد بهم المستضعفين من الشيعة فإنهم يحبون علماء الشيعة وصلحائهم ولكن لم يصلوا إلى ما هم عليه من العقائد الحقة والأعمال الصالحة فيدخلون بذلك الجنة ، ومنهم من يبغض العلماء والصلحاء فيدخلون بذلك النار ،


الجنة بحبكم وإن الرجل ليبغضكم وما يعرف ما أنتم عليه فيدخله الله ببغضكم النار.

١١ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن ابن العرزمي ، عن أبيه ، عن جابر الجعفي ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال إذا أردت أن تعلم أن فيك خيرا فانظر إلى قلبك فإن كان يحب أهل طاعة الله ويبغض أهل معصيته ففيك خير والله يحبك وإن كان يبغض أهل طاعة الله ويحب أهل معصيته فليس فيك خير والله يبغضك والمرء مع من أحب.

_________________________________________

فإن كان بغضهم للعلم والصلاح فهم كفرة وإلا فهم فسقة كما ورد : كن عالما أو متعلما أو محبا للعلماء ولا تكن رابعا فتهلك.

الثالث : أن يكون المراد بما أنتم عليه الصلاح والورع دون التشيع كما ذكره بعض المحققين.

الرابع : أن يكون المراد بما أنتم عليه المعصية كما روي أن حفصا كان يلعب. بالشطرنج ، فالمراد أن من أحبكم لظاهر إيمانكم وتشيعكم مع عدم علمه بالمعاصي التي أنتم عليه فبذلك يدخل الجنة ، ومن أبغضكم لكونكم مؤمنين ولم يعلم فسقكم ليبغضكم لذلك فهو من أهل النار لأن بغض المؤمن لإيمانه كفر.

الحديث الحادي عشر : مجهول.

« يحب أهل طاعة الله » أي سواء وصل منهم ضرر إلى دنياه أو لم يصل« ويبغض أهل معصيته » سواء وصل منهم إليه نفع أو لم يصل« وإذا كان يبغض أهل طاعة الله » لضرر دنيوي« ويحب أهل معصيته » لنفع دنيوي ، وقيل : أصل المحبة الميل وهو على الله سبحانه محال ، فمحبة الله للعبد رحمته وهدايته إلى بساط قربه ورضاه عنه ، وإرادته إيصال الخير إليه وفعله له فعل المحب ، وبغضه سلب رحمته عنه وطرده عن مقام قربه ووكوله إلى نفسه ، وكون المرء من أحب لا يستلزم أن يكون مثله في الدرجات أو في الدركات فإن دخوله مع محبوبة في الجنة أو في النار يكفي لصدق ذلك.


١٢ ـ عنه ، عن أبي علي الواسطي ، عن الحسين بن أبان عمن ذكره ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال لو أن رجلا أحب رجلا لله لأثابه الله على حبه إياه وإن كان المحبوب في علم الله من أهل النار ولو أن رجلا أبغض رجلا لله لأثابه الله على بغضه إياه وإن كان المبغض في علم الله من أهل الجنة.

١٣ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحسين بن سعيد ، عن النضر بن سويد ، عن يحيى الحلبي ، عن بشير الكناسي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قد يكون حب في الله ورسوله وحب في الدنيا فما كان في الله ورسوله فثوابه على الله

_________________________________________

الحديث الثاني عشر مرسل.

قوله عليه‌السلام : لأثابه الله ، أقول : هذا إذا لم يكن مقصرا في ذلك ولم يكن مستندا إلى ضلالته وجهالته كالذين يحبون أئمة الضلالة ويزعمون أن ذلك لله فإن ذلك لمحض تقصيرهم عن تتبع الدلائل واتكالهم على متابعة الآباء وتقليد الكبراء واستحسان الأهواء بل هو كمن أحب منافقا يظهر الإيمان والأعمال الصالحة وفي باطنه منافق فاسق فهو يحبه لإيمانه وصلاحه لله وهو مثاب بذلك وكذا الثاني فإن أكثر المنافقين يبغضون الشيعة ويزعمون أنه لله وهم مقصرون في ذلك كما عرفت.

وأما من رأي شيعة يتقي من المخالفين ويظهر عقائدهم وأعمالهم ولم ير ولا سمع منه ما يدل على تشيعه فإن أبغضه ولعنه فهو في ذلك مثاب مأجور وإن كان من أبغضه من أهل الجنة ومثابا عند الله بتقية أو كأحد من علماء الشيعة زعم عقيدة من العقائد كفرا أو عملا من الأعمال فسقا وأبغض المتصف بأحدهما لله ولم يكن أحدهما مقصرا في بذل الجهد في تحقيق تلك المسألة فهما مثابان وهما من أهل الجنة إن لم يكن أحدهما ضروريا للدين.

الحديث الثالث عشر : مجهول.

« قد يكون حب في الله ورسوله » أي لهما كحب الأنبياء والأئمةعليهم‌السلام وحب


وما كان في الدنيا فليس بشيء.

١٤ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن عثمان بن عيسى ، عن سماعة بن مهران ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إن المسلمين يلتقيان فأفضلهما أشدهما حبا لصاحبه.

١٥ ـ عنه ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر وابن فضال ، عن صفوان الجمال ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال ما التقى مؤمنان قط إلا كان أفضلهما أشدهما حبا لأخيه.

١٦ ـ الحسين بن محمد ، عن محمد بن عمران السبيعي ، عن عبد الله بن جبلة ، عن إسحاق بن عمار ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال كل من لم يحب على الدين ولم يبغض على الدين فلا دين له.

_________________________________________

العلماء والسادات والصلحاء والإخوان من المؤمنين لعلمهم وسيادتهم وصلاحهم وإيمانهم ولأمره تعالى ورسوله بحبهم« وحب في الدنيا » كحب الناس لبذل مال وتحصيله أو لنيل جاه وغرض من الأغراض الدنيوية« فليس بشيء » أي فأقل مراتبه أنه لا ينفع في الآخرة بل ربما أضر إذا كان لتحصيل الأموال المحرمة والمناصب الباطلة أو لفسقهم أو للعشق الباطل وأمثال ذلك.

الحديث الرابع عشر : موثق.

« فأفضلهما » أي عند الله وأكثرهما ثوابا« أشدهما حبا لصاحبه » في الله كما مر.

الحديث الخامس عشر : صحيح.

الحديث السادس عشر : مجهول.

« كل من لم يحب على الدين » إن كان المراد أنه لم يكن شيء من حبه وبغضه للدين ،فقوله : فلا دين له ، على الحقيقة لأنه لم يحب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمةعليهم‌السلام أيضا لله ولا أبغض أعداءهم لله ، وإن كان المراد غالب حبه وبغضه أو حب أهل زمانه ، أو لم يكن جميع حبه وبغضه للدين فالمعنى لا دين له كاملا.


باب

ذم الدنيا والزهد فيها

١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحسن بن محبوب ، عن الهيثم بن واقد الحريري ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال من زهد في الدنيا أثبت الله

_________________________________________

باب ذم الدنيا والزهد فيها

الحديث الأول : مجهول.

وقال في المغرب :زهد في الشيء وعن الشيء زهدا وزهادة إذا رغب عنه ولم يرده ، ومن فرق بين زهد فيه وعنه فقد أخطأ ، وقال في عدة الداعي : روي أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سئل جبرئيل عن تفسير الزهد فقال جبرئيلعليه‌السلام : الزاهد يحب من يحب خالقه ويبغض من يبغض خالقه ويتحرج من حلال الدنيا ولا يلتفت إلى حرامها ، فإن حلالها حساب وحرامها عقاب ويرحم جميع المسلمين كما يرحم نفسه ويتحرج من الكلام فيما لا يعنيه كما يتحرج من الحرام ويتحرج من كثرة الأكل كما يتحرج من الميتة التي قد اشتد نتنها ويتحرج من حطام الدنيا وزينتها كما يتجنب النار أن يغشاها وأن يقصر أمله وكان بين عينيه أجله.

والحكمة : العلوم الحقة المقرونة بالعمل أو العلوم الربانية الفائضة من الله تعالى بعد العمل بطاعته ، وقد مر تحقيقها في كتاب العقل وغيره.

قال الراغب : الحكمة إصابة الحق بالعلم والفعل فالحكمة من الله تعالى معرفة الأشياء وإيجادها علي غاية الأحكام ، ومن الإنسان معرفة الموجودات وفعل الخيرات وهذا هو الذي وصف به لقمان في قوله تعالى : «وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ »(١) ونبه علي جملتها بما وصفه بها ، انتهى.

__________________

(١) سورة لقمان : ١٢.


الحكمة في قلبه وأنطق بها لسانه وبصره عيوب الدنيا داءها ودواءها وأخرجه من الدنيا سالما إلى دار السلام.

٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه وعلي بن محمد القاساني جميعا ، عن القاسم بن محمد ، عن سليمان بن داود المنقري ، عن حفص بن غياث ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال سمعته يقول جعل الخير كله في بيت وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا ثم

_________________________________________

قوله عليه‌السلام : داءها ودواءها ، كأنه بدل اشتمال للعيوب أي المراد بتبصير العيوب أن يعرفه أدواء الدنيا من ارتكاب المحرمات والصفات الذميمة المتفرعة على حب الدنيا ويعرفه ما يعالج به تلك الأدواء من التفكرات الصحيحة والمواعظ الحسنة وفعل الطاعات والرياضات ومجاهدة النفس في ترك الشهوات كان يقال : الطب معرفة الأمراض بأن يعرف ما تحصل منه ، وأصل المرض وكيفية علاجه ، أو يقال : الدنيا دنياءان دنيا بلاغ يصير سببا لتحصيل الآخرة ، ودنيا ملعونة ، فلما ذكر عيوب الدنيا فصلها وبين أن منها ما هو داء ومنها ما هو دواء.

ويحتمل حينئذ ارتكاب استخدام بأن يكون المراد بالدنيا أولا الدنيا المذمومة وبالضمير الأعم ، ويحتمل أن يكون داؤها تأكيدا لعيوب الدنيا ودوائها عطفا على العيوب ، وقيل : داؤها ودواؤها مجروران بدلا بعض للدنيا فالمراد بعيوب دواء الدنيا شدتها على النفس وصعوبتها ، وربما يقرأ دواها بالقصر بمعنى الأحمق أي المبتلي بحب الدنيا ، ولا يخفى بعده.

« وأخرجه من الدنيا سالما » من العيوب والمعاصي« إلى دار السلام » أي الجنة التي من دخلها سلم من جميع المكاره والآلام.

الحديث الثاني : ضعيف.

« جعل الخير ». اه لما كان الزهد في الدنيا سببا لحصول جميع السعادات العلمية والعملية شبه تلك الكمالات بالأمتعة المخزونة في بيت والزهد بمفتاح


قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لا يجد الرجل حلاوة الإيمان في قلبه حتى لا يبالي من أكل الدنيا ثم قال أبو عبد اللهعليه‌السلام حرام على قلوبكم أن تعرف حلاوة الإيمان حتى تزهد في الدنيا.

٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن أبي أيوب الخزاز ، عن أبي حمزة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال قال أمير المؤمنينعليه‌السلام إن من أعون الأخلاق على الدين الزهد في الدنيا.

٤ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه وعلي بن محمد ، عن القاسم بن محمد ، عن سليمان

_________________________________________

ذلك البيت« لا يجد الرجل ». اه شبهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الإيمان بشيء حلو في ميل الطبع السليم إليه وأثبت له الحلاوة علي الاستعارة المكنية والتخييلية ، أو استعار لفظ الحلاوة لآثار الإيمان التي تلتذ الروح بها.

« حتى لا يبالي من أكل الدنيا » يحتمل أن يكون من اسم موصول وأكل فعلا ماضيا وأن يكون « من » حرف جر وأكل مصدرا ، فعلى الأول المعنى أنه لا يعتني بشأن الدنيا بحيث لا يحسد أحدا عليها ، ولو كانت كلها لقمة في فم كلب لم يغتم لذلك ، ولم ير ذلك له كثيرا ، وعلي الثاني أيضا يرجع إلى ذلك ، أو المعنى لا يعتني بأكل الدنيا والتصرف فيها.

الحديث الثالث : صحيح.

« إن من أعون الأخلاق ». اه وذلك لأن الاشتغال بالدنيا وصرف الفكر في طرق تحصيلها ووجه ضبطها ورفع موانعها مانع عظيم من تفرغ القلب للأمور الدينية وتفكره فيها بل حبها لا يجتمع مع حب الله تعالى وطاعته وطلب الآخرة كما روي : أن الدنيا والآخرة ضرتان ، إذ الميل بأحدهما يضر بالآخر.

الحديث الرابع : ضعيف.

وقد مر صدر هذا الخبر في باب الرضا بالقضاء إلى قوله : ألا إنالزهد ، و


بن داود المنقري ، عن علي بن هاشم بن البريد ، عن أبيه أن رجلا سأل علي بن الحسينعليه‌السلام عن الزهد فقال عشرة أشياء فأعلى درجة الزهد أدنى درجة الورع وأعلى درجة الورع أدنى درجة اليقين وأعلى درجة اليقين أدنى درجة الرضا

_________________________________________

كان فيه الزهد عشرة أجزاء ، ومنهم من جعل الأجزاء العشرة باعتبار ترك عشرة أشياء : المال والأولاد واللباس والطعام والزوجة والدار والمركوب والانتقام من العدو والحكومة وحب الشهرة بالخير ، وهو تكلف مستغنى عنه ، وسيأتي بعض الأقسام في الحديث الثاني عشر.

والآيات في الحديد هكذا : «اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ » إلى قوله سبحانه «وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ » ثم قال تعالى بعد آية : «ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ ، لِكَيْلا تَأْسَوْا ».

قال المفسرون : أي كتبنا ذلك في كتابلكيلا تأسوا أي تحزنوا على ما فاتكم من نعم الدنيا «وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ » أي بما أعطاكم منها ، وقال الطبرسي (ره) :

والذي يوجب نفي الأسي والفرح من هذا أن الإنسان إذا علم أن ما فات منها ضمن الله تعالى العوض عليه في الآخرة فلا ينبغي أن يحزن لذلك ، وإذا علم أن ما ناله منها كلف الشكر عليه والحقوق الواجبة فيه فلا ينبغي أن يفرح به وأيضا فإذا علم أن شيئا منها لا يبقى فلا ينبغي أن يهتم له بل يجب أن يهتم لأمر الآخرة التي تدوم ولا تبيد ، انتهى.

ولا يخفى أن هذين الوجهين لا ينطبقان على التعليل المذكور في الآية إلا أن يقال : أن هذه الأمور أيضا من الأمور المكتوبة ، ولذا قال غيره : أن العلة في ذلك أن من علم أن الكل مقدر هان عليه الأمر.


ألا وإن الزهد في آية من كتاب الله عز وجل : «لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ »(١) .

٥ ـ وبهذا الإسناد ، عن المنقري ، عن سفيان بن عيينة قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام

_________________________________________

وقال بعض الأفاضل : هو تعليل لقوله قبل ذلك بثلاث آيات : «اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ » وهذا وجه حسن بحسب المعنى ولا تكلف في التعليل حينئذ لكنه بحسب اللفظ بعيد وإن كانت الآيات متصلة بحسب المعنى مسوقة لأمر واحد وقد مر وجه آخر في تأويل الآية في كتاب الحجة وأنها نازلة في أهل البيتعليهم‌السلام وقد بيناه هناك.

وقال البيضاوي : المراد منه نفي الأسي المانع عن التسليم لأمر الله والفرح الموجب للبطر والاختيال «وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ » إذ قل من يثبت نفسه حالي السراء والضراء ، انتهى.

وروي في نهج البلاغة عن أمير المؤمنينعليه‌السلام أنه قال : الزهد كلمة بين كلمتين في القرآن ، قال الله سبحانه : «لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ » فمن لم يأس على الماضي ولم يفرح بالآتي فقد أخذ الزهد بطرفيه.

الحديث الخامس : كالسابق.

وروي في نهج البلاغة عن أمير المؤمنينعليه‌السلام أنه قال : الزهد كلمة بين كلمتين في القرآن ، قال الله سبحانه : «لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ » فمن لم يأس على الماضي ولم يفرح بالآتي فقد أخذ الزهد بطرفيه.

الحديث الخامس : كالسابق.

وقد مر الحديث في باب الإخلاص مع زيادة في صدره وهو قوله : قال سألته عن قول الله عز وجل «إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ » قال : القلب السليم الذي يلقى ربه وليس فيه أحد سواه ، وقال : وكل قلب. اه ، وفيه دلالة على أن حب الدنيا متفرع على الشك أي عدم اليقين الكامل بالآخرة ، والشرك أي عدم التوكل التام على الله تعالى في الرزق وغيره ، والاعتماد على السعي والعمل والاشتغال بتحصيل الدنيا والتوسل بغيره تعالى ، وهو إحدى مراتب الشرك الخفي

__________________

(١) سورة الحديد : ٢٣.


وهو يقول كل قلب فيه شك أو شرك فهو ساقط وإنما أرادوا بالزهد في الدنيا لتفرغ قلوبهم للآخرة.

٦ ـ علي ، عن أبيه ، عن ابن محبوب ، عن العلاء بن رزين ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال أمير المؤمنينعليه‌السلام إن علامة الراغب في ثواب الآخرة زهده في عاجل زهرة الدنيا أما إن زهد الزاهد في هذه الدنيا لا ينقصه مما قسم الله

_________________________________________

« فهو ساقط » أي عن درجة الاعتبار والقبول ، والترديد على سبيل منع الخلو« وإنما أرادوا » أي الأنبياء والأوصياء وخلص أصحابهم« بالزهد » الباء زائدة زيادتها في قوله تعالى : «وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ »(١) .

الحديث السادس : حسن كالصحيح.

« إن علامة الراغب » إشارة إلى ما عرفت من أن الدنيا والآخرة ضرتان لا يجتمع حبهما في قلب ، فالراغب في أحدهما زاهد في الآخر لا محالة وإنما أدخل العاجل لأنه السبب لاختيار الناس الدنيا غالبا على ثواب الآخرة آجلا ، أو لدلالته على عدم الثبات ، وقيل : لأن زهرة الدنيا المتعلقة بالآجلة والآخرة كقدر ما يحتاج به الإنسان لتحصيل ما ينفع في الآخرة لا ينافي الرغبة في ثوابها بل معين لحصوله ، والمرادبزهرة الدنيا بهجتها ونضارتها أو متاعها تشبيها له بزهرة النبات لكونها أقل الرياحين ثباتا ، وهو إشارة إلى قوله تعالى : «وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى »(٢) .

قال في القاموس : الزهرة ويحرك النبات ونوره أو الأصفر منه ، ومن الدنيا بهجتها ونضارتها وحسنها ، انتهى.

قوله عليه‌السلام : في هذه الدنيا الإشارة للتحقير« وإن زهد » أي بالغ في الزهد ، وكذاقوله : وإن حرص ، أو المراد بقوله : وإن زهد ، وإن سعى في صرفها عن نفسه ،

__________________

(١) سورة الحجّ : ٢٥.

(٢) سورة طه : ١٣١.


عز وجل له فيها وإن زهد ، وإن حرص الحريص على عاجل زهرة [ الحياة ] الدنيا لا يزيده فيها وإن حرص فالمغبون من حرم حظه من الآخرة.

٧ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن محمد بن يحيى الخثعمي ، عن طلحة بن زيد ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال ما أعجب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله شيء من الدنيا إلا أن يكون فيها جائعا خائفا.

_________________________________________

وبقوله : إن حرص أي بالغ في تحصيلها فالمراد بالزهد والحرص الأولين القلبيان وبالآخرين الجسمانيان.

والحاصل أن الرزق لكل أحد مقدر وإن كان وصولها إليه مشروطا بقدر من السعي على ما أمره الشارع من غير إفراط يمنعه عن الطاعات ولا تقصير كثير بترك السعي مطلقا ولا مدخل لكثرة السعي في كثرة الرزق ، فمن ترك الطاعات وارتكب المحرمات في ذلك حرم ثواب الآخرة ولا يزيد رزقه في الدنيا فهو مغبون ، وهذا على القول بأن مقدار الرزق معين مقدر لا يزيد بالسعي ولا ينقص بتركه ، وعلى القول بأن الرزق المقدر الواجب على الله تعالى هو القدر الضروري ويزيد بالكسب والسعي ، فيحتاج الخبر إلى تأويل بعيد ، وسيأتي الكلام عليه في محله إنشاء الله تعالى.

الحديث السابع : ضعيف كالموثق.

« إلا أن يكون فيها » كان الاستثناء منقطع ويحتمل الاتصال« جائعا » أي بسبب الصوم أو الإيثار على الغير أو لأن الجوع موجب للقرب من الله تعالى بخلاف الشبع فإنه موجب للبعد مع أن في الجوع الاضطراري والصبر عليه والرضا بقضائه سبحانه لذة للمقربين« خائفا » أي من عذاب الآخرة أو من العدو في الجهاد أيضا أو لأن الضراء في الدنيا مطلقا موجب للسراء في الآخرة ، وقد أشبعنا الكلام في جوعه وقناعته وتواضعهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في المأكل والملبس والمجلس وسائر أحواله في كتابنا الكبير ، وذكرها هنا يوجب الإطناب.


٨ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن القاسم بن يحيى ، عن جده الحسن بن راشد ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال خرج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو محزون فأتاه ملك ومعه مفاتيح خزائن الأرض فقال يا محمد هذه مفاتيح خزائن الأرض يقول لك ربك افتح وخذ منها ما شئت من غير أن تنقص شيئا عندي فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الدنيا دار من لا دار له ولها يجمع من لا عقل له فقال الملك والذي بعثك بالحق نبيا لقد سمعت هذا الكلام من ملك يقوله في السماء الرابعة حين أعطيت المفاتيح.

_________________________________________

الحديث الثامن : ضعيف.

« خرج النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » أي من البيت أو إلى بعض الغزوات« وهو محزون » لعل حزنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان لضعف المسلمين وعدم رواج الدين وقوة المشركين وقلة أسباب الجهاد« من غير أن تنقص » على بناء المجهول ، قال الجوهري : نقص الشيء ونقصته أنا يتعدى ولا يتعدى ، انتهى.

ويمكن أن يقرأ على بناء المعلوم فالمستتر راجع إلى المفاتيح ، وفي بعض النسخ على الغيبة أي ينقص أخذك شيئا من المنزلة والدرجة التي لك عندي« من لا دار له » أي في الآخرة فالمعنى أن الذي يهتم لتحصيل الدنيا وتعميرها ليست له دار في الآخرة ، أو يختار الدنيا من لا يؤمن بأن له دارا في الآخرة أو من لا دار له أصلا ، فإن دار الآخرة قد فوتها ودار الدنيا لا تبقى له« ولها » أي للدنيا والعيش فيها.

« يجمع الأموال » والأسباب« من لا عقل له » لأن العاقل لا يختار الفاني على الباقي ، وربما يقرأ يجمع على بناء الأفعال من العزم والاهتمام.

في القاموس : الإجماع الاتفاق ، وصر أخلاف الناقة جمع ، وجعل الأمر جمعا بعد تفرقه والأعداد والإيناس وسوق الإبل جميعا والعزم على الأمر أجمعت الأمر وعليه والأمر مجمع ، انتهى.

ويناسب هنا أكثر المعاني لكن الأول أظهر.


٩ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن جميل بن دراج ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال مر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بجدي أسك ملقى على مزبلة ميتا فقال لأصحابه كم يساوي هذا فقالوا لعله لو كان حيا لم يساو درهما فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله والذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هذا الجدي على أهله.

١٠ ـ علي بن إبراهيم ، عن علي بن محمد القاساني عمن ذكره ، عن عبد الله بن القاسم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إذا أراد الله بعبد خيرا زهده في الدنيا وفقهه في الدين وبصره عيوبها ومن أوتيهن فقد أوتي خير الدنيا والآخرة وقال لم

_________________________________________

الحديث التاسع : حسن كالصحيح.

وقال في النهاية : فيه أنه مربجدي أسك ، أي مصطلم الأذنين مقطوعهما ، وفي القاموس : السكك محركة الصمم وصغر الأذن ولزوقها بالرأس وقلة أشرافها أو صغر قوف الأذن وضيق الصماخ يكون في الناس وغيرهم وسككت وهو أسك وهي سكاء.

وأقول : روى مسلم في صحيحه هذا الحديث بإسناده عن جابر بن عبد الله الأنصاري أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مر بالسوق فمر بجدي أسك ميت فتناوله فأخذ بإذنه ثم قال : أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟ فقالوا : ما نحب أنه لنا بشيء وما نصنع به؟ قال : تحبون أنه لكم؟ قالوا : والله لو كان حيا كان عيبا فيه لأنه أسك فكيف وهو ميت؟ فقال : فو الله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم ، والمزبلة بفتح الباء والضم لغة : موضع يلقى فيه الزبل بالكسر وهو السرقين.

الحديث العاشر : ضعيف.

« وبصره عيوبها » أي الدنيا« ومن أوتيهن » أي تلك الخصال الثلاث وفيه إشعار بأنه لا يتيسر إلا بتوفيق الله تعالى «فَقَدْ أُوتِيَ » كأنه إشارة إلى قوله تعالى : «وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً »(١) فالحكمة العلم بالدين أصوله وفروعه وبعيوب

__________________

(١) سورة البقرة : ٢٦٩.


يطلب أحد الحق بباب أفضل من الزهد في الدنيا وهو ضد لما طلب أعداء الحق قلت جعلت فداك مما ذا قال من الرغبة فيها وقال ألا من صبار كريم فإنما

_________________________________________

الدنيا والزهد فيها« لم يطلب أحد الحق » أي الدين الحق« بباب » أي بسبب ووسيلة أفضل من ترك الدنيا ، فإنه ليس الباعث لاختيار الباطل مع وضوح الحق وظهوره إلا حب الدنيا فإنها غالبا مع أهل الباطل ، ويمكن تعميم الحق في كل حكم ومسألة فإن الأغراض الدنيوية تعمى القلب عن الحق ، أو المراد بالحق الرب تعالى أي قربه ووصاله« وهو » أي الزهد« ضد لما طلب أعداء الحق » وقوله : مما ذا ، طلب لبيان ما طلبه أعداء الحق فبينعليه‌السلام بقوله : من الرغبة فيها ، والرغبة وإن كانت عين الطلب لكن جعلها مطلوبهم مبالغة.

ويحتمل أن يكون ما في قوله لما طلب مصدرية فلا يكون هنا للبيان بل للتعليل كما سيأتي ، ويحتمل أن يكون ضمير هو راجعا إلى الحق أي الحق ضد لمطلوب أعداء الحق فمن في قوله : مما للتعليل « وما ذا » للاستفهام أي لأي علة صار ضد الحق مطلوبهم ، قال : لرغبتهم في الدنيا ، وقيل : أي مما ذا طلب أعداء الحق مطلوبهم ، والهمزة فيألا للاستفهام ولا للنفي ، ومن زائدة لعموم النفي ، والمعنى ألا يوجدصبار كريم النفس يصبر عن الدنيا وعلى فقرها وشدتها ويزهد فيها؟ وقد يقرأ صبار بكسر الصاد وتخفيف الباء مصدر باب المفاعلة مضافا إلى كريم ، وقرأ بعضهم إلا بالتشديد استثناء من الرغبة فيها ، أي إلا أن تكون الرغبة فيها من صبار كريم يطلبها من طرق الحلال ويصبر عن الحرام وعلى إخراج الحقوق المالية وإعانة الفقراء فإن الرغبة في هذه الدنيا إنما هي للآخرة وأول الوجوه أظهرها.

ثم رغبعليه‌السلام في الزهد وسهل تحصيلهبقوله : فإنما هي ، أي الدنيا« أيام قلائل » وهي أيام العمر فالصبر على ترك الشهوات وتحمل الملاذ فيها سهل يسير


هي أيام قلائل ألا إنه حرام عليكم أن تجدوا طعم الإيمان حتى تزهدوا في الدنيا.

قال وسمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول إذا تخلى المؤمن من الدنيا سما ووجد حلاوة حب الله وكان عند أهل الدنيا كأنه قد خولط وإنما خالط القوم حلاوة

_________________________________________

سيما إذا كان مستلزما للراحة الطويلة الدائمة« ألا إنه » ألا حرف تنبيه وشبه حصول الإيمان الكامل في القلب بحيث يظهر أثره في الجوارح بإدراك طعم شيء لذيذ مع أن اللذات الروحانية أعظم من اللذات الجسمانية.

قوله : إذا تخلى المؤمن من الدنيا ، أي جعل نفسه خالية من حب الدنيا وقطع تعلقه بها أو تفرغ للعبادة مجتنبا من الدنيا ومعرضا عنها ، قال في النهاية :

أن تقول أسلمت وجهي إلى الله وتخليت ، التخلي التفرغ ، يقال : تخلى للعبادة وهو تفعل من الخلو والمراد التبرؤ من الشرك وعقد القلب على الإيمان ، وقال : السمو العلو يقال :سما يسمو سموا فهو سام ، ويقال : فلان يسمو إلى المعالي إذا تطاول إليها ، انتهى.

أي ارتفع من حضيض النقص إلى أوج الكمال ، أو مال وارتفع إلى عالم الملكوت وارتفعت همته عن التدنس بما في عالم الناسوت « كأنه قد خولط » قال في القاموس :خالطه مخالطة وخلاطا : مازجه والخلاط بالكسر أن يخالط الرجل في عقله وقد خولط ، وفي النهاية فيه : ظن الناس أن قد خولطوا وما خولطوا ولكن خالط قلبهم هم عظيم يقال : خولط فلان في عقله إذا اختل عقله ، فقوله : خولط بهذا المعنى وخالط بمعنى الممازجة ، وهذا أعلى درجات المحبين حيث استقر حب الله تعالى في قلوبهم وأخرج حب كل شيء غيره منها فلا يلتفتون إلى غيره تعالى ويتركون معاشرة عامة الخلق لمباينة طوره أطوارهم فهم يعدونه سفيها مخالطا كما نسبوا الأنبياءعليهم‌السلام إلى الجنون لذلك.


حب الله فلم يشتغلوا بغيره قال وسمعته يقول إن القلب إذا صفا ضاقت به الأرض حتى يسمو.

_________________________________________

« إن القلب إذا صفا » أي إن القلب أي الروح الإنساني لما كان من عالم الملكوت وإنما أهبط إلى هذا العالم الأدنى وابتلي بالتعلق بالبدن لتحصيل الكمالات وحيازة السعادات كما أن الثوب قد يلوث ببعض الكثافات ليصير بعد الغسل أشد بياضا وأصفى مما كان ، فإذا اختار الشقاوة وتشبث بهذه العلائق الجسمانية والشهوات الظلمانية لحق بالأنعام بل هو أضل سبيلا وإن تمسك بعروة الشريعة الحقة وعمل بالنواميس الإلهية والرياضات البدنية ، حتى انفتح له عين اليقين فنظر إلى الدنيا ولذاتها بتلك العين الصحيحة رآها ضيقة مظلمة فانية موحشة غدارة غرارة ملوثة بأنواع النجاسات المعنوية والصفات الدنية ، استوحش منها وتذكر عالمه الأصلي فرغب إليها وتعلق بها فجانب المتعلقين بهذا العالم وأنس بالمتعلقين بالملأ الأعلى فلحق بهم ، وضاقت به الأرض وصارت همته رفيعة عالية فلم يرض إلا بالصعود إلى سدرة المنتهى وجنة المأوى ، فهم مع كونهم بين الخلق أرواحهم معلقة بالملأ الأعلى ، ويستصعدون بقرب المولى.

أو يقال : لما كانت الأرض أعظم أجزاء الإنسان وكانت قواه الظاهرة والباطنة مائلة إليها بالطبع لكمال النسبة بينهما كانت الدواعي إلى زهراتها حاضرة والبواعث إلى لذاتها ظاهرة فربما اشتغل بها واكتسب الأخلاق والأعمال الفاسدة لتحصيل المقاصد حتى تصير النفس تابعة لها راضية بأثرها مشعوفة بعملها متكدرة بالشهوات منغمسة في اللذات فتحب الاستقرار في الأرض وتركن إليها ، وأما إذا منعت تلك القوي عن مقتضاها وصرفتها عن هواها وروضتها بمقامع الشريعة وأدبتها بآداب الطريقة حتى غلبت عليها وصفت عن كدوراتها وطهرت عن خبائث لذاتها وتحلت بالأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة والآداب السنية والأطوار الرضية ضاقت


١١ ـ علي [ ، عن أبيه ] ، عن علي بن محمد القاساني ، عن القاسم بن محمد ، عن سليمان بن داود المنقري ، عن عبد الرزاق بن همام ، عن معمر بن راشد ، عن الزهري محمد بن مسلم بن شهاب قال سئل علي بن الحسينعليه‌السلام أي الأعمال أفضل عند الله عز وجل فقال ما من عمل بعد معرفة الله جل وعز ومعرفة رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله أفضل من بغض الدنيا وإن لذلك لشعبا كثيرة وللمعاصي شعبا فأول ما عصي الله به الكبر وهي معصية إبليس حين «أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ » والحرص وهي معصية آدم وحواء حين قال الله عز وجل لهما «فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ »(١) فأخذا ما لا حاجة بهما إليه فدخل ذلك على ذريتهما إلى يوم القيامة وذلك أن أكثر ما يطلب ابن آدم ما لا حاجة به إليه ثم الحسد وهي معصية ابن آدم حيث حسد أخاه فقتله فتشعب من ذلك حب النساء وحب

_________________________________________

بها الأرض حتى تسمو إلى عالم النور فتشاهد العالم الأعلى بالعيان وتنظر إلى الحق بعين العرفان ويزداد لها نور الإيمان والإيقان ، فتعاف جملة الدنيا والاستقرار في الأرض فبدنها في هذه الدنيا وهي في العالم الأعلى فيصير كما قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لو لا الآجال التي كتبت عليهم لم تستقر أرواحهم في أبدانهم طرفة عين.

ولذا قال مولى المؤمنين عند الشهادة : فزت ورب الكعبة.

الحديث الحادي عشر : ضعيف.

« وأن لذلك » أي لبغض الدنيا« لشعبا » أي من الصفات الحسنة والأعمال الصالحة ، وهي ضد شعب المعاصي كالتواضع مع الكبر والقنوع مع الحرص والرضا بما آتاه الله مع الحسد ، وقد مر ذكر الأضداد كلها في باب جنود العقل والجهل ، وإنما ذكر هنا معظمها.

« وهي معصية آدم » هي عند الإمامية مجاز والنهي عندهم نهي تنزيه« فدخل ذلك » أي الحرص ، أو أخذ ما لا حاجة به إليه« وذلك أن أكثر ما يطلب » إنما

__________________

(١) سورة البقرة : ٣٥.


الدنيا وحب الرئاسة وحب الراحة وحب الكلام وحب العلو والثروة فصرن سبع خصال فاجتمعن كلهن في حب الدنيا فقال الأنبياء والعلماء بعد معرفة ذلك حب الدنيا رأس كل خطيئة والدنيا دنياءان دنيا بلاغ ودنيا ملعونة.

_________________________________________

قال : أكثر لأن قدر الكفاف لا بد منه« فتشعب من ذلك » أي من ذلك المذكور وهو الكبر والحرص والحسد ، والتخصيص بالحسد بعيد معنى« حب النساء » أي لمحض الشهوة لا لاتباع السنة ، أو إذا انتهى إلى الحرام والشبهة« وحب الدنيا » أي حياة الدنيا وكراهة الموت لئلا ينافي اجتماعهن في حب الدنيا وإن احتمل أن يكون المراد اجتماع الخمسة ، أو الظرفية المجازية« وحب الرئاسة » أي بغير استحقاق أو الباطلة أو لمحض الاستيلاء والغلبة.

« وحب الراحة » كان النوم أيضا داخل فيها« وحب الكلام » أي بغير فائدة أو للفخر والمراء« وحب العلو » أي في المجالس أو الأعم« وحب الثروة » أي الكثرة في الأموال أو الأعم منها ومن الأولاد والعشائر والأتباع.

وروي في المحاسن عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : أول ما عصى الله به ست : حب الدنيا ، وحب الرئاسة ، وحب الطعام ، وحب النساء ، وحب النوم ، وحب الراحة.

قوله عليه‌السلام : والعلماء ، أي الأوصياء أو الأعم وقولهم أما بالوحي أو بعلومهم الكاملة ، ثم لما كان هنا مظنة أن ارتكاب كل ما في الدنيا مذموم قسمعليه‌السلام الدنيا إلى« دنيا بلاغ » أي تبلغ به إلى الآخرة ويحصل بها مرضات الرب تعالى أو دنيا تكون بقدر الضرورة والكفاف فالزائد عليها« ملعونة » أي ملعون صاحبها فالإسناد على المجاز أو هي ملعونة أي بعيدة من الله ومن الخير والسعادة قال في النهاية : البلاغ ما يتبلغ ويتوصل به إلى الشيء المطلوب ، وفي المصباح : البلغة ما يتبلغ به من العيش ولا يفضل يقال : تبلغ به إذا اكتفى به ، وفي هذا بلاغ وبلغة وتبلغ أي كفاية.


١٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن ابن بكير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إن في طلب الدنيا إضرارا بالآخرة وفي طلب الآخرة إضرارا بالدنيا فأضروا بالدنيا فإنها أولى بالإضرار.

_________________________________________

الحديث الثاني عشر : حسن موثق كالصحيح.

ويومي إلى أن المذموم من الدنيا ما يضر بأمر الآخرة فأما ما لا يضر به كقدر الحاجة في البقاء والتعيش فليس بمذموم ، ولنذكر هنا معنى الدنيا وما هو مذموم منها فإن ذلك قد اشتبه على أكثر الخلق فكثير منهم يسمون أمرا حقا بالدنيا ويذمونه ، ويختارون شيئا هو عين الدنيا المذمومة ويسمونه زهدا ويشبهون ذلك على الجاهلين.

اعلم أن الدنيا تطلق على معان : « الأول » حياة الدنيا وهي ليست بمذمومة على الإطلاق وليست مما يجب بغضه وتركه بل المذموم منها أن يحب البقاء في الدنيا للمعاصي والأمور الباطلة ، أو يطول الأمل فيها ويعتمد عليها فبذلك يسوف التوبة والطاعات وينسى الموت ويبادر بالمعاصي والملاهي اعتمادا على أنه يتوب في آخر عمره عند مشيبه ولذلك يجمع الأموال الكثيرة ويبني الأبنية الرفيعة ويكره الموت لتعلقه بالأموال وحبه للأزواج والأولاد ، ويكره الجهاد والقتل في سبيل الله لحبه للبقاء أو يترك الصوم وقيام الليل وأمثال ذلك لئلا يصير سببا لنقص عمره.

والحاصل أن من يحب العيش والبقاء والعمر للأغراض الباطلة فهو مذموم ومن يحبه للطاعات وكسب الكمالات وتحصيل السعادات فهو ممدوح وهو عين الآخرة فلذا طلب الأنبياء والأوصياءعليهم‌السلام طول العمر والبقاء في الدنيا وقد قال سيد الساجدينعليه‌السلام : عمرني ما كان عمري بذلة في طاعتك فإذا كان عمري مرتعا للشيطان فاقبضني إليك ، ولو لم يكن الكون في الدنيا صلاحا للعباد لتحصيل الذخائر


...........................................................................

_________________________________________

للمعاد لما أسكن الله الأرواح المقدسة في تلك الأبدان الكثيفة كما أومأنا إليه سابقا.

وقد روى السيد في النهج أن أمير المؤمنين صلوات الله عليه سمع رجلا يذم الدنيا : فقال أيها الذام للدنيا المغتر بغرورها المنخدع بأباطيلها أتغتر بالدنيا ثم تذمها أأنت المتجرم عليها أم هي المتجرمة عليك ، متى استهوتك أم متى غرتك أبمصارع آبائك من البلى أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى؟ كم عللت بكفيك وكم مرضت بيديك تبغي لهم الشفاء وتستوصف لهم الأطباء لم ينفع أحدهم إشفاقك ولم تسعف فيه بطلبتك ولم تدفع عنهم بقوتك قد مثلت لك به الدنيا نفسك وبمصرعه مصرعك ، إن الدنيا دار صدق لمن صدقها ودار عافية لمن فهم عنها ودار غنى لمن تزود منها ، ودار موعظة لمن اتعظ بها ، مسجد أحباء الله ومصلى ملائكة الله ومهبط وحي الله ومتجر أولياء الله ، اكتسبوا فيها الرحمة وربحوا فيها الجنة فمن ذا يذمها وقد آذنت ببينها ونادت بفراقها ونعت نفسها وأهلها ، فمثلت لهم ببلائها البلاء وشوقتهم بسرورها السرور ، راحت بعافية وابتكرت بفجيعة ترغيبا وترهيبا وتخويفا وتخديرا ، فذمها رجال غداة الندامة ، وحمدها آخرون يوم القيامة ، ذكرتهم الدنيا فذكروا وحدثتهم فصدقوا ، ووعظتهم فاتعظوا.

وقد أوردت هذه الخطبة أبسط من ذلك في الكتاب الكبير وكفى بها مصدقا لما ذكرنا ، وروى العياشي عن الباقرعليه‌السلام في قوله تعالى : «وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ »(١) قال : الدنيا.

الثاني : الدينار والدرهم وأموال الدنيا وأمتعتها ، وهذه أيضا ليست مذمومة بأسرها بل المذموم منها ما كان من حرام أو شبهة أو وسيلة إليها ، وما يلهى عن ذكر الله ويمنع عبادة الله أو يحبها حبا لا يبذلها في الحقوق الواجبة والمستحبة ، و

__________________

(١) سورة النحل : ٣٠.


...........................................................................

_________________________________________

في سبل طاعة الله كما مدح الله تعالى جماعة حيث قال : «رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ »(١) .

وبالجملة المذموم من ذلك الحرص عليها وحبها وشغل القلب بها والبخل بها في طاعة الله وجعلها وسيلة لما يبعد عن الله ، وأما تحصيلها لصرفها في مرضات الله وتحصيل الآخرة بها فهي من أفضل العبادات وموجبة لتحصيل السعادات.

وقد روي في الصحيح عن ابن أبي يعفور قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : إنا لنحب الدنيا فقال لي : تصنع بها ما ذا؟ قلت : أتزوج منها وأحج وأنفق على عيالي وأنيل إخواني وأتصدق ، قال لي : ليس هذا من الدنيا ، هذا من الدنيا ، هذا من الآخرة ، وقد روي : نعم المال الصالح للعبد الصالح ونعم العون الدنيا علي الآخرة ، وسيأتي بعض الأخبار في ذلك في أبواب المكاسب إنشاء الله تعالى.

الثالث : التمتع بملاذ الدنيا من المأكولات والمشروبات والمنكوحات والملبوسات والمركوبات والمساكن الواسعة وأشباه ذلك وقد وردت أخبار كثيرة في استحباب التلذذ بكثير من ذلك ما لم يكن مشتملا على حرام أو شبهة أو إسراف وتبذير ، وفي ذم تركها والرهبانية وقد قال تعالى : «قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ »(٢) .

فإذا عرفت ذلك فاعلم أن الذي يظهر من مجموع الآيات والأخبار على ما نفهمه أن الدنيا المذمومة مركبة من مجموع أمور يمنع الإنسان من طاعة الله سبحانه وقربه فهو من الآخرة وإن كان بحسب الظاهر من أعمال الدنيا كالتجارات والصناعات والزراعات التي يكون المقصود منها تحصيل المعيشة للعيال لأمره تعالى به

__________________

(١) سورة النور : ٣٧.

(٢) سورة الأعراف : ٣٢.


...........................................................................

_________________________________________

وصرفها في وجوه البر وإعانة المحتاجين والصدقات وصون الوجه عن السؤال وأمثال ذلك ، فإن هذه كلها من أعمال الآخرة وإن كان عامة الخلق يعدونها من الدنيا ، والرياضات المبتدعة والأعمال الريائية وإن كان مع الترهب وأنواع المشقة فإنها من الدنيا لأنها مما يبعد عن الله ولا يوجب القرب إليه كأعمال الكفار والمخالفين ، فرب مترهب متقشف يعتزل الناس ويعبد الله ليلا ونهارا وهو أحب الناس للدنيا ، وإنما يفعل ذلك ليخدع الناس ويشتهر بالزهد والورع ، وليس في قلبه إلا جلب قلوب الناس ويحب المال والجاه والعزة وجميع الأمور الباطلة أكثر من سائر الخلق ، وجعل ترك الدنيا ظاهرا مصيدة لتحصيلها ورب تاجر طالب الأجر لا يعده الناس شيئا وهو من الطالبين للآخرة لصحة نيته وعدم حبه للدنيا.

وجملة القول في ذلك : أن المعيار في العلم بحسن الأشياء وقبحها وما يحب فعلها وتركها الشريعة المقدسة وما صدر في ذلك عن أهل بيت العصمة صلوات الله عليهم ، فما علم من الآيات والأخبار أن الله تعالى أمر به وطلبه من عباده سواء كان صلاة أو صوما أو حجا أو تجارة أو زراعة أو صناعة أو معاشرة للخلق أو عزلة أو غيرها وعملها بشرائطها وآدابها بنية خالصة فهي من الآخرة.

وما لم يكن كذلك فهو الدنيا المذمومة المبعدة عن الله وعن الآخرة ، وهي على أنواع : فمنها ما هو حرام وهو ما يستحق به العقاب سواء كان عبادة مبتدعة أو رياء وسمعة أو معاشرة الظلمة أو ارتكاب المناصب المحرمة أو تحصيل الأموال من الحرام أو للحرام ، وغير ذلك مما يستحق به العقاب ، ومنها ما هو مكروه كارتكاب الأفعال والأعمال والمكاسب المكروهة وكتحصيل الزوائد من الأموال والمساكن والمراكب وغيرها مما لم تكن وسيلة لتحصيل الآخرة وتمنع من تحصيل السعادات الأخروية ومنها ما هو مباح كارتكاب الأعمال التي لم يأمر الشارع بها ولم ينه عنها إذا لم


١٣ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن أبي أيوب الخزاز ، عن أبي عبيدة الحذاء قال قلت لأبي جعفرعليه‌السلام حدثني بما أنتفع به فقال يا أبا عبيدة أكثر ذكر الموت فإنه لم يكثر إنسان ذكر الموت إلا زهد في الدنيا.

١٤ ـ عنه ، عن علي بن الحكم ، عن الحكم بن أيمن ، عن داود الأبزاري

_________________________________________

تصر مانعة عن تحصيل الآخرة وإن كانت نادرة ، ويمكن إيقاع كثير من المباهاة على وجه تصير عبادة كالأكل والنوم للقوة على العبادة وأمثال ذلك ، وربما كان ترك المباحات بظن أنها عبادة بدعة موجبة لدخول النار كما يصنعه كثير من أرباب البدع.

وقد روى الصدوق (ره) في معاني الأخبار بإسناده عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أنه قال : ليس الزهد في الدنيا بإضاعة المال ولا بتحريم الحلال ، بل الزهد في الدنيا أن لا تكون بما في يدك أوثق منك بما في يد الله عز وجل وعنهعليه‌السلام قال : قيل : لأمير المؤمنينعليه‌السلام : ما الزهد في الدنيا؟ قال : تنكب حرامها وعن أمير المؤمنينعليه‌السلام قال :

الزهد في الدنيا قصر الأمل وشكر كل نعمة والورع عما حرم الله عليك ، وعن الصادقعليه‌السلام قال : الزهد في الدنيا الذي يترك حلالها مخافة حسابه ويترك حرامها مخافة عذابه.

وأقول : قد أشبعت القول في ذلك في كتاب عين الحياة ولا يناسب هذا الكتاب أزيد من ذلك.

الحديث الثالث عشر : صحيح.

وكان المرادبذكر الموت تذكر ما بعده من الأهوال والشدائد والحسرات أيضا ، وإن كان تذكر الموت وفناء الدنيا كافيا لزهد العاقل.

الحديث الرابع عشر : مجهول.


قال قال أبو جعفرعليه‌السلام ملك ينادي كل يوم ابن آدم لد للموت واجمع للفناء وابن للخراب.

١٥ ـ عنه ، عن علي بن الحكم ، عن عمر بن أبان ، عن أبي حمزة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال قال علي بن الحسين صلوات الله عليهما إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة ولكل واحدة منهما بنون فكونوا من أبناء

_________________________________________

« لد للموات » اللام لام العاقبة كما في قوله تعالى : «فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً »(١) والأمر ليس على حقيقته بل الغرض : اعلموا أن ولادتكم عاقبتها الموت ، وفي نهج البلاغة قال أمير المؤمنين : إن لله ملكا ينادي في كل يوم : لدوا للموت واجمعوا للفناء وابنوا للخراب.

الحديث الخامس عشر : كالسابق.

« إن الدنيا قد ارتحلت » يقال : رحل وارتحل أي شخص وسار« مدبرة » المراد بإدبار الدنيا تقضيها وانصرافها ، وبإقبال الآخرة قرب الموت ، وما يكون بعدها من نعيم أو عذاب ، فشبه الدنيا وحياتها براكب حمل على مراكبها أثقالها وهي لذات الدنيا وشهواتها وأموالها وسائر ما يتعلق الإنسان بها ، والموت براكب آخر حمل على مراكبه نعيمه وعذابه وسائر ما يكون بعده ، فالراكب الأول يوما فيوما وساعة فساعة في التقضي والفناء فهو يبعد عن الإنسان ، والراكب الثاني يسير إلى الإنسان ويقرب منه ، فعن قريب يصل إليه فلا بد من الاستعداد لوصوله وتلقيه بالعقائد الحقة والأعمال الصالحة.

« ولكل واحدة منهما بنون » استعارعليه‌السلام لفظ البنين للعباد بالنسبة إلى الدنيا والآخرة فشبههم لميل كل منهم إلى إحداهما ميل الولد إلى والده ، وركون الفصيل إلى أمه وتوقع كل منهم توقع النفع من إحداهما ومشابهته بها ، وكونه مخلوقة

__________________

(١) سورة القصص : ٨.


الآخرة ، ولا تكونوا من أبناء الدنيا ألا وكونوا من الزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة.

ألا إن الزاهدين في الدنيا اتخذوا الأرض بساطا والتراب فراشا والماء طيبا وقرضوا من الدنيا تقريضا

_________________________________________

لأجلها ، وشبه كلا منهما بالأب أو بالأم لتأنيثهما أو الآخرة بالأب والدنيا بالأم لنقصها ولمناسبة الآباء العلوية بالأولى والأمهات السفلية بالثانية ، فكان أبناء الدنيا بمنزلة أولاد الزنا لا أب لهم.

« فكونوا من أبناء الآخرة » لبقائها وخلوص لذاتها ، ولكونها صادقة في وعدها« ولا تكونوا من أبناء الدنيا » لفنائها وكذبها وغرورها وكون لذاتها مشوبة بأنواع الآلام ، ثم أشارعليه‌السلام إلى أن المقصود ليس مجرد رفض الدنيا وترك العمل لها بل مع إزالة حبها من القلببقوله : « وكونوا من الزاهدين » إلخ.

والبساط فعال بمعنى المفعول ، أي اكتفوا بالأرض عوضا عن الفرش المبسوطة في البيوت مع عدم تيسر البساط إلا من الحرام أو الشبهة أو مطلقا ، والأول أنسب بالجمع بين الأخبار ، وكذا في البواقي وفي الصحاح : البساط ما يبسط وبالفتح الأرض الواسعة« والتراب فراشا » بمعنى المفروش أي عوضا عن الثياب الناعمة المحشوة بالقطن وغيره للنوم عليها ، فإن التراب ألين من سائر أجزاء الأرض« والماء طيبا » فإن الطيب عمدة منفعته رفع الروائح الكريهة وهو يتحقق بالغسل بالماء ، وما قيل : من أن المراد التلذذ بشرب الماء بدلا من الأشربة اللذيذة لأن أصل الطيب اللذة كما في القاموس فهو بعيد.

« وقرضوا من الدنيا تقريضا » على بناء المفعول من القرض بمعنى القطع ، وبناء التفعيل للمبالغة وقيل : بمعنى التجاوز من قرضت الوادي إذا جزته ، أو بمعنى العدول من قرضت المكان إذا عدلت منه ، وفي النهج ، ثم قرضوا الدنيا قرضا.


ألا ومن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصائب.

ألا إن لله عبادا كمن رأى أهل الجنة في الجنة مخلدين وكمن رأى أهل النار في النار معذبين شرورهم مأمونة وقلوبهم محزونة ، أنفسهم عفيفة وحوائجهم خفيفة صبروا أياما قليلة فصاروا بعقبى راحة طويلة أما الليل فصافون أقدامهم

_________________________________________

قوله عليه‌السلام : سلا عن الشهوات ، أي نسيها وتركها ، في القاموس : سلاه وعنه كدعاه ورضيه سلوا وسلوا وسلوانا وسليا : نسيه ، وأسلاه عنه فتسلى عن المحرمات وفي بعض النسخ عن الحرمات جمع الحرمة كالغرفات جمع الغرفة« هانت عليه المصائب » لأنها راجعة إلى فوات الأمور الدنيوية ، ومن زهد فيها سهل عنده فواتها.

قوله عليه‌السلام : كمن رأى ، أي صاروا من اليقين بمنزلة المعاينة كما مر في باب اليقين« مخلدين » أي كأنه يرى خلودهم أو يراهم مع علمه بخلودهم ، ومن الأفاضل من قرأ مخلدين على بناء الفاعل من الأفعال من قولهم أخلد إليه أي مال ، ولا يخفى بعده« وقلوبهم محزونة » لهم الآخرة وخوف التقصير وعدم العلم بالعاقبة.

« أنفسهم عفيفة » عن المحرمات والشبهات« وحوائجهم خفيفة » لاقتصارهم في الدنيا على القدر الضروري منها«صبروا أياما قليلة» أي أيام عمرهم فإنها قليلة في جنب الآخرة صبروا فيها على الفقر والضر ومشقة فعل الطاعات وترك المحرمات وإيذاء الظلمة والمخالفين« فصاروا بعقبى راحة طويلة » في القاموس : العقبى جزاء الأمر ، وقال الراغب : العقب والعقبى يختصان بالثواب نحو «خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً »(١) وقال : «أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ »(٢) «فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ »(٣) ، والعاقبة إطلاقها يختص

__________________

(١) سورة اللكهف : ٤٤.

(٢) سورة الرعد : ٢٢.

(٣) سورة الرعد : ٢٤.


تجري دموعهم على خدودهم وهم يجأرون إلى ربهم يسعون في فكاك رقابهم وأما النهار فحلماء علماء بررة أتقياء كأنهم القداح قد براهم الخوف من العبادة

_________________________________________

بالثواب نحو «وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ »(١) وبالإضافة قد تستعمل في العقوبة نحو «ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى »(٢) انتهى.

وأقول : العقبى غالبة أنه يستعمل في الثواب وقد يستعمل في العقاب أيضا كقوله تعالى : «تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ »(٣) وقوله سبحانه : «وَلا يَخافُ عُقْباها »(٤) وقال البيضاوي في قوله تعالى : «أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ » أي عاقبة الدنيا وما ينبغي أن يكون مال أهلها وهي الجنة ، وفي قوله سبحانه : «تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا » أي الجنة الموصوفة ما لهم ومنتهى أمرهم وفي قوله : «وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ » اللام يدل على أن المراد بالعقبى العاقبة المحمودة ، انتهى.

والباء في قوله : بعقبى ، إما بمعنى إلى أو بمعنى مع ، وإضافة العقبى إلى الراحة للبيان ويحتمل غيره أيضا ، وفي فقه الرضاعليه‌السلام : فصارت لهم العقبى راحة طويلة ، وأما الليل ظاهره النصب على الظرفية ، وقيل : يحتمل الرفع على الابتداء والتخصيص به ، لأن العبادة فيه أشق وأقرب إلى القربة ، وحضور القلب فيه أكثر كما قال تعالى : «إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً »(٥) .

« فصافون أقدامهم » أي للصلاة ، ويدل علي استحباب صف القدمين في الصلاة بحيث لا يكون إحداهما أقرب من القبلة من الأخرى أو تكون الفاصلة بينهما من الأصابع إلى العقبين مساوية والأول أظهر ، وعلى استحباب التضرع والبكاء في

__________________

(١) سورة الأعراف : ١٢٨.

(٢) سورة الروم : ١٠.

(٣) سورة الرعد : ٣٥.

(٤) سورة الشمس : ١٥.

(٥) سورة المزّمّل : ٦.


ينظر إليهم الناظر فيقول مرضى وما بالقوم من مرض أم خولطوا فقد خالط القوم أمر عظيم من ذكر النار وما فيها.

_________________________________________

صلاة الليل وفي القاموس :جار كمنع جارا وجؤارا : رفع صوته بالدعاء وتضرع واستغاث ،قوله عليه‌السلام : في فكاك رقابهم ، أي من النار« كأنهم القداح » وفي القاموس : القدح بالكسر السهم قبل أن يراش وينصل والجمع قداح وأقداح وأقاديح ، انتهى.

وأشارعليه‌السلام إلى وجه التشبيه بالقداحبقوله : قد براهم الخوف ، أي نحلهم وذبلهم كما يبري السهم ، في القاموس : بري السهم يبرئه بريا وابتراه نحته وبرأه السفر يبرئه بريا هزله ، وقوله : من العبادة ، إما متعلق بقوله براهم أي نحتهم الخوف بآلة العبادة أي بحمله إياهم عليها وعلى كثرتها ، أو بقوله : كأنهم القداح فيرجع إلى الأول وعلى التقديرين من للسببية والعلية أو متعلق بالخوف أي من قلة العبادة والأول أظهر.

« فيقول مرضى » أي يظن أنهم مرضى لصفرة وجوههم ونحافة بدنهم فخطأعليه‌السلام ظنه وقال : « وما بالقوم من مرض » بل هم الأصحاء من الأدواء النفسانية والأمراض القلبية«أم خولطوا» أي أو يقول خولطوا ، ويحتمل أن يكون قوله : مرضى ، على الاستفهام وقوله : أم خولطوا معادلا له من كلام الناظر فاعترض جوابهعليه‌السلام بين أجزاء كلامه.

والحاصل أنهم لما كانوا لشدة اشتغالهم بحب الله وعبادته واعتزالهم عن عامة الخلق ومباينة أطوارهم لأطوارهم وأقوالهم لأقوالهم ويسمعون منهم ما هو فوق إدراكهم وعقولهم فتارة ينسبونهم إلى المرض الجسماني وتارة إلى المرض الروحاني وهو الجنون واختلاط العقل بما يفسده ، فأجابعليه‌السلام عن الأول بالنفي المطلق ، وعن الثاني بأن المخالطة متحققة لكن لا بما يفسد العقل ، بل بما يكمله من خوف النار وحب الملك الغفار.


١٦ ـ عنه ، عن علي بن الحكم ، عن أبي عبد الله المؤمن ، عن جابر قال دخلت على أبي جعفرعليه‌السلام فقال يا جابر والله إني لمحزون وإني لمشغول القلب قلت جعلت فداك وما شغلك وما حزن قلبك فقال يا جابر إنه من دخل قلبه صافي خالص دين الله شغل قلبه عما سواه يا جابر ما الدنيا وما عسى أن تكون الدنيا هل هي إلا طعام أكلته أو ثوب لبسته أو امرأة أصبتها؟!

يا جابر إن المؤمنين لم يطمئنوا إلى الدنيا ببقائهم فيها ولم يأمنوا قدومهم الآخرة يا جابر الآخرة دار قرار والدنيا دار فناء وزوال ولكن أهل الدنيا أهل غفلة وكأن المؤمنين هم الفقهاء أهل فكرة وعبرة لم يصمهم عن ذكر الله جل اسمه ما سمعوا بآذانهم ولم يعمهم عن ذكر الله ما رأوا من الزينة بأعينهم ففازوا بثواب الآخرة كما فازوا بذلك العلم.

_________________________________________

الحديث السادس عشر : ضعيف.

قوله عليه‌السلام : صافي خالص دين الله ، كان إضافة الصافي إلى الخالص للبيان تأكيدا ويحتمل اللامية أي المحبة الصافية لله الحاصلة من خالص دينه ، وفي تحف العقول : من دخل قلبه خالص حقيقة الإيمان و« أكلته » وأختاها على صيغة الخطاب ، ويحتمل التكلم ، والغرض أن هذه لذات قليلة فانية ولا يختارها العاقل على النعم الجليلة الباقية« لم يطمئنوا » أي لم يلههم الأمل الطويل عن العمل« ولم يأمنوا » أي في كل حين« قدومهم الآخرة » بالموت أو عذاب الآخرة.

« أهل فكرة » خبر مبتدإ محذوف استئنافا بيانيا وكذاقوله : لم يصمهم ، استئناف بياني للاستئناف« ما سمعوا بأذانهم » من وصف ملاذ الدنيا وزهراتها وحكومة أهلها وبسطة أيديهم فيها والقصص الملهية الباطلة« ولم يعمهم عن ذكر الله » الحاصل بالعبرة من أحوال الدنيا وفنائها« ففازوا » لترك الدنيا« بثواب الآخرة كما فازوا بذلك العلم » وهو العلم اليقيني بدناءة الدنيا وفنائها ورفعة الآخرة وبقائها


واعلم يا جابر أن أهل التقوى أيسر أهل الدنيا مئونة وأكثرهم لك معونة تذكر فيعينونك وإن نسيت ذكروك قوالون بأمر الله قوامون على أمر الله قطعوا محبتهم بمحبة ربهم ووحشوا الدنيا لطاعة مليكهم ونظروا إلى الله عز وجل وإلى محبته

_________________________________________

وتميز الخير من الشر والهدى من الضلالة ، وأهل الدنيا من أهل الآخرة والمحقين من المبطلين ومن يجب اتباعه من أهل الآخرة وأئمة الحق ومن يجب التبري عنه من أهل الدنيا وأصحابها وأئمة الضلالة ، فهذه هي الحكمة الحاصلة من الزهد في الدنيا فلما فازوا بهذا العلم فازوا بنعيم الآخرة« أيسر أهل الدنيا مؤنة » المؤنة بالفتح القوت والثقل ، وذلك لأنهم يكتفون بقدر الكفاية بل الضرورة ، والمعونة بالفتح القوت والثقل ، وذلك لأنهم يكتفون بقدر الكفاية بل الضرورة ، والمعونة مصدر بمعنى الإعانة« تذكر » أي حاجتك لهم« فيعينونك فيها » أو إذا كنت متذكرا لما يوجب صلاح أمر دنياك وآخرتك أعانوك على فعله ، وإن كنت ناسيا له ذكروك وأرشدوك إليه ثم يعينونك مع الحاجة إلى الإعانة« قوالون بأمر الله » أي بما أمر الله به أو بكل أمر يرضى الله به موعظة وإرشادا وتذكيرا وأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر« قوامون على أمر الله » بحفظ دين الله وشرائعه وأصول الدين وفروعه ، وبمنع أهل الباطل وأرباب البدع من التغيير والتحريف في دين الله.

« قطعوا محبتهم » أي عن كل شيء أو عما لا يرضى الله« بمحبة ربهم » أي بسببها أو جعلوا محبتهم تابعين لمحبة الله ولا يحبون شيئا إلا لحب الله له كقوله تعالى : «وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللهُ »(١) .

« وحشوا الدنيا » الوحشة ضد الأنس أي لم يستأنسوا بالدنيا« لطاعة مليكهم » أي مالكهم وسيدهم أو ذي الملك والسلطنة عليهم إما لأمره بالزهد في الدنيا أو لأن طاعة الله مطلقا والإخلاص فيها لا تجتمع مع حب الدنيا« نظروا إلى الله وإلى محبته بقلوبهم » الظرف في قوله بقلوبهم متعلق بنظروا ، أي لم ينظروا بعين قلوبهم

__________________

(١) سورة الإنسان : ٣٠.


بقلوبهم وعلموا أن ذلك هو المنظور إليه لعظيم شأنه فأنزل الدنيا كمنزل نزلته ثم ارتحلت عنه أو كمال وجدته في منامك فاستيقظت وليس معك منه شيء

_________________________________________

إلا إلى الله أي رضاه أو معرفته ومراقبته وذكره وعدم الالتفات إلى غيره وإلى محبته أي تحصيل حبهم لله أو حب الله لهم أو الأعم كما قال تعالى : «يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ »(١) أو ما يحبه الله من الأخلاق والأعمال والأقوال.

« وعلموا أن ذلك » أي المذكور وهو الله ومحبته والإشارة للتعظيم« هو المنظور إليه » أي هو الذي ينبغي أن ينظر إليه لا غيره لعظمة شأنه وحقارة ما سواه بالنسبة إليه.

« فأنزل الدنيا » أي اجعلها عند نفسك كمنزل نزلته« ثم ارتحلت عنه » بل هذه الدنيا بالنسبة إلى الآخرة أقصر بالمراتب الغير المتناهية عن نسبة مدة نزول المنزل بالنسبة إلى مدة عمر الدنيا لأن الأولى نسبة المتناهي إلى غير المتناهي ، والثانية نسبة المتناهي إلى المتناهي.

والغرض العمدة من التشبيه أنها لم تخلق للتوطن بل للعبور كما أن منازل المسافر إنما بنيت لذلك وقد قال بعض الشعراء في هذا المعنى :

نزلنا ههنا ثم ارتحلنا

كذا الدنيا نزول وارتحال

أردنا أن نقيم فيها ولكن

مقيم المرء في الدنيا محال

وهذا مثل للمبتدين ثم ذكر مثلا كاملا للكاملين وهو« أو كما وجدته في منامك » إلخ ، فإن أكثر الناس في الدنيا كالنائمين لغفلتهم عن الآخرة وعما يراد بهم ، فإذا ماتوا لم يجدوا معهم شيئا مما اكتسبوه في الدنيا للدنيا ، كما قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا.

ثم ذكرعليه‌السلام تمثيلا ثالثا وهو أنهاكفيء الظلال في سرعة الزوال ، والظلال

__________________

(١) سورة المائدة : ٥٤.


إني [ إنما ] ضربت لك هذا مثلا لأنها عند أهل اللب والعلم بالله كفيء الظلال يا جابر فاحفظ ما استرعاك الله جل وعز من دينه وحكمته ولا تسألن عما لك عنده

_________________________________________

بالكسر جمع الظل وهو والفيء بمعنى واحد عن كثير من الناس ، وقال ابن قتيبة : الظل يكون غدوة وعشية والفيء لا يكون إلا بعد الزوال لأنه ظل فاء عن جانب المغرب إلى جانب المشرق والفيء الرجوع ، وقال ابن السكيت : الظل من الطلوع إلى الزوال والفيء من الزوال إلى الغروب ، وقال تغلب : الظل للشجرة وغيرها للغداة ، والفيء للعشاء ، وقال رؤبة : كلما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو ظل وفيء ، وما لم تكن عليه الشمس فهو ظل ومن هنا قيل : الشمس تنسخ الظل والفيء ينسخ الشمس.

والمراد هنا بالفيء إما المصدر أي كرجوع الظلال أي كما تظل في ظل شجرة مثلا فتنتفع به ساعة فترجع عنك فتكون في الشمس أو المراد بالفيء الظل وشجرة مثلا فتنتفع به ساعة فترجع عنك فتكون في الشمس أو المراد بالفيء الظل وبالظلال ما أظلك من شجر وجدار ونحوهما ، أو المراد بالظلال قطعات السحاب التي توارى الشمس قليلا ثم تذهب وهذا أنسب.

قال في القاموس : الظل من كل شيء شخصه ، ومن السحاب ما وارى الشمس منه والظلالة بالكسر السحابة تراها وحدها وترى ظلها علي الأرض ، وكسحاب ما أظلك ، وقال : راعيته لاحظته محسنا إليه ، والأمر نظرت إلى م يصير وأمره حفظه كرعاه ، واسترعاه إياهم استحفظه ، انتهى.

وفي تحف العقول : فاحفظ يا جابر ما أستودعك من دين الله وحكمته.

وقوله عليه‌السلام : ولا تسألن ، أقول : يحتمل وجوها : الأول : أن يكون المعنى لا تبالغ في الدعاء والسؤال من الله عما لك عنده من الرزق وغيره مما ضمن لك ، ولكن سله التوفيق عما له عندك من الطاعات ، والاستثناء ظاهره الانقطاع ، ويحتمل الاتصال أيضا لأن التوفيق والإعانة أيضا عما للعبد عند الله.


إلا ما له عند نفسك فإن تكن الدنيا على غير ما وصفت لك فتحول إلى دار المستعتب

_________________________________________

الثاني : أن يكون المراد لا تسأل أحدا عما لك عند الله من الأجر والرزق وأمثالهما فإنها بيد الله وعلمها عنده ولا ينفعك السؤال عنها بل سل العلماء عما لله عندك من الطاعات لتعلم شرائطها وكيفياتها.

الثالث : أن يكون المعنى أنك لا تحتاج إلى السؤال عما لك عند الله من الثواب فإنه بقدر ما لله عندك من عملك فيمكنك معرفته بالرجوع إلى نفسك وعملك فعلى هذا يحتمل أن يكون التقدير لا تسأل عما لك عند الله من أحد إلا مما له عندك فيكون ما له عنده مسئولا والاستثناء متصلا لكن في السؤال تجوز.

ويؤيد الأخير على الوجهين ما روي في المحاسن عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال :

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من أحب أن يعلم ما له عند الله فليعلم ما لله عنده ، وفي تحف العقول في هذا الخبر مكان هذه الفقرة هكذا : وانظر ما لله عندك في حياتك فكذلك يكون لك العهد عنده في مرجعك.

قوله عليه‌السلام : فإن تكن الدنيا ، أقول : هذه الفقرة أيضا تحتمل وجوها :

الأول : ما ذكره بعض المحققين أن المعنى إن تكن الدنيا عندك على غير ما وصفت لك فتكون تطمئن إليها فعليك أن تتحول فيها إلى دار ترضى فيها ربك يعني أن تكون في الدنيا ببدنك وفي الآخرة بروحك تسعى في فكاك رقبتك وتحصيل رضا ربك عنك حتى يأتيك الموت.

الثاني : ما ذكره بعض الأفاضل أن المعنى إن تكن الدنيا عندك على غير ذلك فانتقل إلى مقام التوبة والاستعتاب والاسترضاء فإن هذه عقيدة سيئة.

الثالث : ما خطر بالبال أن المعنى إن لم تكن الدنيا عندك على ما وصفت لك فتوجه إلى الدنيا وانظر بعين البصيرة فيها وتفكر في أحوالها من فنائها وتقلبها بأهلها ليتحقق لك حقيقة ما ذكرت ، وإنما عبرعليه‌السلام عن ذلك بالتحول إشعارا بأن من أنكر ذلك فكأنه لغفلته وغروره ليس في الدنيا فليتحول إليها ليعرف ذلك.


...........................................................................

_________________________________________

الرابع : أنه أراد أنه لا بد لكل مكلف من دار استرضاء حتى يرضى فيها ربه بالأعمال الصالحة فإذا لم تكن الدنيا عندك كما وصفتها لك بل تكون منهمكا في لذاتها حريصا عليها فلتطلب دار استرضاء أخرى غير التي أنت فيها فإنه مما لا بد منه.

الخامس : أن يقرأ تحول بصيغة المضارع المخاطب بحذف إحدى التائين فالمعنى أنه لا يخفى علي ذي عقل قبح الدنيا وفنائها فإن زعمت أنه ليس كذلك فلعلك تقول ذلك لأجل أنها دار يمكن فيها تحصيل رضا الله ، وهذا لا ينافي ما ذكرت لك من ذم الركون إلى لذاتها وشهواتها كما عرفت سابقا.

السادس : أن يكون المراد بدار المستعتب دار الآخرة لأن الكفار يطلبون فيها الرجوع إلى الدنيا عند مشاهدة عذابها كما قال الله تعالى : «وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ »(١) فالمراد به إن لم تصدق بهذه الأوصاف لهذه الدار فاصبر حتى ترد دار القرار فإنه حينئذ يظهر لك حقية هذا الكلام ، وعلى هذا الوجه يمكن أن يقرأ على اسم الفاعل أيضا.

السابع : ما ذكره بعض المدعين للفضل أن المستعتب لعله اسم رجل ذي جاه ومال أصابه الذل وذهب جميع ما كان له ، فقالعليه‌السلام : تحول إلى داره لتعتبر به ، وإنما ذكرناه لغرابته.

وأقول : في تحف العقول ليس لفظ « غير » بل هو هكذا فإن تكن الدنيا عندك على ما وصفت لك فتحول عنها إلى دار المستعتب اليوم ، فيؤيد المعنى الأول أي إذا عرفت أن الدنيا كذلك وصدقت بما قلت فتحول عنها أي انتقل إلى الآخرة بقلبك واقطع تعلقك عن الدنيا اليوم اختيارا قبل أن تقلع عنها عند الموت اضطرارا أو إلى

__________________

(١) سورة فصّلت : ٢٤.


فلعمري لرب حريص على أمر قد شقي به حين أتاه ولرب كاره لأمر قد سعد به حين

_________________________________________

مقام الاسترضاء كما مر.

والظاهر أنالمستعتب على أكثر الاحتمالات مصدر ميمي ، قال في القاموس : العتبي بالضم الرضا واستعتبه أعطاه العتبي كأعتبه وطلب إليه العتبي ضد «وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ » أي إن يستقيلوا ربهم لم يقلهم أي لم يردهم إلى الدنيا ، وفي النهاية : العتبة الغضب ، وأعتبني فلان إذا عاد إلى مسرتي ، واستعتب طلب أن يرضي عنه كما يقول : استرضيته فأرضاني ، والمعتب المرضي ، ومنه الحديث : لا يتمنين أحدكم الموت إما محسنا فلعله يزداد وإما مسيئا فلعله يستعتب ، أي يرجع عن الإساءة ويطلب الرضا ، ومنه الحديث : ولا بعد الموت من مستعتب ، أي ليس بعد الموت من استرضاء ، لأن الأعمال بطلت وانقضى زمانها ، وما بعد الموت دار جزاء لا دار عمل ، انتهى.

وقوله عليه‌السلام : فلعمري أي اقسم بحياتي ، وفي القسم مفتوح غالبا.

« لرب حريص على أمر » من أمور الدنيا« قد شقي به حين أتاه » أي تعب به في الدنيا أو صار سببا لشقاوته في الآخرة ويطلق غالبا على سوء العاقبة ، والسعادة ضد الشقاوة وتطلق غالبا على حسن العاقبة وراحة الآخرة.

في القاموس : الشقاء الشدة والعسر ويمد شقي كرضي شقاوة ويكسر وشقا وشقاء وشقوة ويكسر وقال : السعادة خلاف الشقاوة وقد سعد كعلم وعني فهو سعيد ومسعود ، وقال الراغب : السعد والسعادة معاونة الأمور الإلهية للإنسان على نيل الخير ويضاد الشقاوة ، وقال : الشقاوة خلاف السعادة وكما أن السعادة في الأصل ضربان سعادة أخروية وسعادة دنيوية ثم السعادة الدنيوية ثلاثة أضرب سعادة نفسية وبدنية وخارجة ، كذلك الشقاوة على هذه الأضرب.

وقال بعضهم : قد يوضع الشقاء موضع التعب نحو شقيت في كذا وكل شقاوة


أتاه وذلك قول الله عز وجل «وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ »(١) .

١٧ ـ عنه ، عن علي بن الحكم ، عن موسى بن بكر ، عن أبي إبراهيمعليه‌السلام قال قال أبو ذررحمه‌الله جزى الله الدنيا عني مذمة بعد رغيفين من الشعير

_________________________________________

تعب وليس كل تعب شقاوة ، فالتعب أعم من الشقاوة ، وفي التحف فلرب حريص على أمر من أمور الدنيا قد ناله فلما ناله كان عليه وبالا وشقي به ، ولرب كاره لأمر من أمور الآخرة قد ناله فسعد به ، وإلى هنا انتهى الخبر فيه.

قوله : وليمحص الله ، الآية في آل عمران عند ذكر غزوة أحد حيث قال تعالى : «وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ، وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا ».

قال الطبرسي (ره) بين وجه المصلحة في مداولة الأيام بين الناس ، أي وليبتلي الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين بنقصهم ، أو ليخلص الله ذنوب المؤمنين أو ينجي الله الذين آمنوا من الذنوب بالابتلاء ويهلك الكافرين بالذنوب عند الابتلاء.

أقول : هذا الوجه الأخير أنسب بالخبر ليكون استشهادا للجزءين معا فإن الكافرين كانوا حرصاء في الغلبة على المؤمنين فنالوها فصارت سببا لشقاوتهم ومزيد عذابهم ، والمؤمنين كانوا كارهين للمغلوبية فصارت سببا لمزيد سعادتهم وتمحيص ذنوبهم.

قال الراغب : أصل المحص تخليص الشيء مما فيه من عيب يقال محصت الذهب ومحصته إذا أزلت عنه ما يشوبه من خبث ، قال تعالى : «وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا » فالتمحيص هنا كالتزكية والتطهير.

الحديث السابع عشر : ضعيف كالموثق.

« جزى الله الدنيا عني مذمة » قوله : مذمة مفعول ثان لجزى أي يوفقني

__________________

(١) سورة آل عمران : ١٤١.


أتغدى بأحدهما وأتعشى بالآخر وبعد شملتي الصوف أتزر بإحداهما وأتردى بالأخرى.

١٨ ـ وعنه ، عن علي بن الحكم ، عن المثنى ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال كان أبو ذررضي‌الله‌عنه يقول في خطبته يا مبتغي العلم كأن شيئا

_________________________________________

لأن أجزيه ، وقيل : أحال الذم إلى الله نيابة عنه للدلالة على كمال ذمه فإن كل فعل من الفاعل القوي قوي وفي النهايةالشملة كساء يتغطى به ويتلفف فيه ، انتهى.

ويدل على جواز لبس الصوف بل استحبابه وما ورد بالنهي والذم فمحمول على المداومة عليه أو على ما إذا لم يكن للقناعة بل لإظهار الزهد والفضل كما ورد في وصية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأبي ذررضي‌الله‌عنه : يلبسون الصوف في صيفهم وشتائهم ، يرون أن لهم بذلك الفضل على غيرهم ، وسيأتي الكلام فيه في أبواب التجمل إنشاء الله تعالى.

الحديث الثامن عشر : حسن.

« يا مبتغي العلم » أي يا طالبه« كان شيئا من الدنيا » هذا يحتمل وجوها :

« الأول » أن يكون إلا فيقوله : إلا ما ينفع ، كلمة استثناء وما موصولة ، فالمعنى أن ما يتصور في هذه الدنيا أما شيء ينفع خيره أو شيء يضر شره كل أحد إلا من رحم الله فيغفر له إما بالتوبة أو بدونها.

الثاني : أن يكون مثل السابق إلا أنه يكون المعنى أن كل شيء في الدنيا له جهة نفع وجهة ضر لكل الناس إلا من رحم الله فيوفقه للاحتراز عن جهة شره.

الثالث : أن يكون كلمة ما مصدرية والاستثناء من مفعول يضر أي ليس شيء من الدنيا شيئا إلا نفع خيره وإضرار شره كل أحد إلا من رحم الله.

الرابع : ما قيل : أن إلا بالتخفيف حرف تنبيه وما نافية والضميران للشيء ومعنى الاستثناء أن المرحوم ينتفع بخيره ولا يتضرر من شره ، وقيل في بيان هذا


من الدنيا لم يكن شيئا إلا ما ينفع خيره ويضر شره إلا من رحم الله يا مبتغي العلم لا يشغلك أهل ولا مال عن نفسك أنت يوم تفارقهم كضيف بت فيهم ثم غدوت عنهم إلى غيرهم والدنيا والآخرة كمنزل تحولت منه إلى غيره وما بين الموت والبعث إلا

_________________________________________

الوجه : يعني أن شيئا من الدنيا ليس شيئا يعتد به ويركن إليه العاقل لأنه إما خير أو شر ، وخيره لا ينفع لأنه في معرض الفناء والزوال ، وشره يضر إلا مع رحمة الله وهو الذي عصمه من الشر.

الخامس : أن كلمة ما مصدرية وضمير خيره راجعا إلى شيئا من الدنيا والإضافة من قبيل إضافة الجزء إلى الكل والاستثناء من مفعول يضر أي كان شيئا من الدنيا لم يكن شيئا إلا نفع الطاعة فيه أو إضرار المعصية فيه كل أحد إلا من رحم الله بتوفيق التوبة ، وهذا يرجع إلى المعنى الثالث ، وعلي جميع التقادير الاستثناء الثاني مفرغ« عن نفسك » أي عن تحصيل ما ينفعها في يوم لا ينفع مال ولا بنون وقد قال تعالى : «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ »(١) والمراد بالأهل هنا أعم من الزوجة والأولاد وسائر من في بيته ، بل يشمل الأقارب أيضا.

قال الراغب : أهل الرجل من جمعه وإياهم نسب أو دين أو ما يجري مجراهما من صناعة وبيت وبلد وضيعة ، فأهل الرجل في الأصل من جمعه وإياهم مسكن واحد ثم تجوز به فقيل أهل بيت الرجل لمن يجمعه وإياهم نسب ، وعبر بأهل الرجل عن امرأته وأهل الإسلام الذين يجمعهم.

قوله : كمنزل ، أي كمنزلين تحولت من أحدهما إلى الآخر ، والتصريح بتشبيه الدنيا للإشارة إلى أن الاهتمام هنا ببيان حاله أشد وأكثر ، والضمير في نمتها راجع إلى النومة وهو بمنزلة مفعول مطلق ، وهذا بالنسبة إلى المستضعفين ، وكان التخصيص بذكرهم لأن المتقين بعد الموت في النعيم والجنة ، والكفار في العذاب والنار ،

__________________

(١) سورة المنافقون : ٩.


كنومة نمتها ثم استيقظت منها يا مبتغي العلم قدم لمقامك بين يدي الله عز وجل فإنك مثاب بعملك كما تدين تدان يا مبتغي العلم.

١٩ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن القاسم بن يحيى ، عن

_________________________________________

فليس بين الدنيا والآخرة لهما فاصلة ، فيتحولون من الدنيا إلى الآخرة كما روي : من مات فقد قامت قيامته ، وأما المستضعفون فلما كانوا ملهي عنهم استدرك ذلك بأن حالهم في البرزخ كنوم وليلة ، فلا فاصلة بين دنيا هم وآخرتهم حقيقة ، ويحتمل أن يكون الغرض بيان قلة نعيم البرزخ وجحيمها بالنسبة إلى نعيم الآخرة وجحيمها ، فكأنهم نائمون أو لأن جل عذابهم بعد السؤال والضغطة وأمثالهما لما كان روحانيا شبه تلك الحالة بالنومة.

ولم يتعرض أحد لتحقيق هذه الفقرة مع إشكالها ومخالفتها ظاهرا للآيات والأخبار الكثيرة.

قوله (ره) : قدم ، أي العمل الصالح« لمقامك بين يدي الله عز وجل » أي للحساب« كما تدين تدان » أي كما تفعل تجازى ، فهو على المشاكلة ولا يضر تقدمه أو كما تجازي الرب تجازى ، ولا يخلو من بعد ، أو كما تجازي العباد تجازى فيكون تأسيسا قال الجوهري : دانه دينا أي جازاه كما يقال : كما تدين تدان ، أي كما تجازي تجازى بفعلك وبحسب ما عملت ، وقوله تعالى : «إِنَّا لَمَدِينُونَ »(١) أي مجزيون.

« يا مبتغي العلم » قيل : هذا افتتاح كلام آخر تركه المصنف ، وإنما ذكر ليعلم أن ما ذكره ليس جميع الخطبة كما مر بعضه في باب الصمت ، حيث قالرضي‌الله‌عنه : يا مبتغي العلم إن هذا اللسان مفتاح خير « إلخ ».

الحديث التاسع عشر : ضعيف.

__________________

(١) سورة الصافّات : ٥٣.


جده الحسن بن راشد ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ما لي وللدنيا إنما مثلي ومثلها كمثل الراكب رفعت له شجرة في يوم صائف فقال تحتها ثم راح وتركها.

٢٠ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يحيى بن عقبة الأزدي ، عن

_________________________________________

« ما لي وللدنيا » أي أي شغل لي مع الدنيا ، وقيل : « ما » نافية أي ما لي محبة مع الدنيا أو للاستفهام أي أي محبة لي معها حتى أرغب فيها ذكره الطيبي في شرح بعض رواياتهم « وما أنا والدنيا » أي أي مناسبة بيني وبين الدنيا ، ومن طريق العامة روي عن ابن مسعود أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نام على حصير فقام وقد أثر في جسده فقالوا : لو أمرتنا أن نبسط لك ونعمل؟ فقال : ما لي وللدنيا وما أنا والدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها.

أقول : وجه الشبه سرعة الرحيل وقلة المكث وعدم الرضا به وطنا ، وقال الكرماني في شرح البخاري : فيه فرفعت لنا صخرة أي ظهرت لأبصارنا ، وفيه أيضا فرفع لي البيت المعمور ، أي قرب وكشف وعرض وقال الجوهري :يوم صائف أي حار وليلة صائفة وربما قالوا : يوم صاف بمعنى صائف ، كما قالوا : يوم راح« فقال » القائلة الظهيرة ، يقال : أتانا عند القائلة ، وقد يكون بمعنى القيلولة أيضا ، وهي النوم في الظهيرة تقول : قال يقيل قيلولة وقيلا ومقيلا وهو شاذ فهو قائل ، وفي المصباح :راح يروح رواحا وتروح مثله ، يكون بمعنى الغدو وبمعنى الرجوع ، وقد يتوهم بعض الناس أن الرواح لا يكون إلا في آخر النهار ، وليس كذلك بل الرواح والغدو عند العرب يستعملان في المسير أي وقت كان من ليل أو نهار ، وقال ابن فارس : الرواح رواح العشي وهو من الزوال إلى الليل.

الحديث العشرون : مجهول.

قال في المصباح :القز معرب ، قال الليث : هو ما يعمل منه الإبريسم ، ولهذا


أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال أبو جعفرعليه‌السلام مثل الحريص على الدنيا كمثل دودة القز كلما ازدادت على نفسها لفا كان أبعد لها من الخروج حتى تموت غما قال وقال أبو عبد اللهعليه‌السلام كان فيما وعظ به لقمان ابنه يا بني إن الناس قد جمعوا قبلك لأولادهم فلم يبق ما جمعوا ولم يبق من جمعوا له وإنما أنت عبد مستأجر قد أمرت بعمل ووعدت عليه أجرا فأوف عملك واستوف أجرك ولا تكن في هذه الدنيا بمنزلة شاة وقعت في زرع أخضر فأكلت حتى سمنت(١) فكان حتفها عند سمنها ولكن اجعل الدنيا بمنزلة قنطرة على نهر جزت عليها وتركتها ولم ترجع إليها آخر الدهر أخربها ولا تعمرها فإنك لم تؤمر بعمارتها واعلم أنك ستسأل غدا إذا وقفت بين يدي الله عز وجل عن أربع شبابك فيما أبليته وعمرك فيما أفنيته ومالك مما اكتسبته وفيما أنفقته فتأهب لذلك وأعد له

_________________________________________

قال بعضهم : القز الإبريسم ، مثل الحنطة والدقيق ، انتهى.

« ولفا » تميز عن نسبة ازدادت ، وغما مفعول له أو حال« فلم يبق ما جمعوا » في بعض النسخ ما جمعوا له ، وكأنه زيد « له » من النساخ ، وعلى تقديره كان المعنى لم تبق الأغراض والمطالب الباطلة التي جمعوا لها الدنيا كالجاه والعزة والغلبة والفخر وأمثالها « فكان حتفها » أي هلاكها المعنوي فإن التمتع بالمستلذات الجسمانية موجب لقوة القوى الشهوانية وطغيانها ، وهذا استعارة تمثيلية شبه توسع الإنسان في لذات الدنيا وشهواتها وعدم مبالاته بحرامها وشبهاتها وابتلائه بعد الموت بعقوباتها بشاة وقعت في زرع أخضر فأكلت منها حيث شاءت وكيف شائت بلا مانع حتى إذا سمنت قتلها صاحبها لسمنها.

« آخر الدهر » أي إلى آخر الزمان أي أبدا« أخربها » أي دعها خرابا بترك ما لا تحتاج إليه من المطاعم والمشارب والملابس والمناكح والمساكن ، والاقتصار على القدر الضروري في كل منها« ستسأل » قيل : السين لمحض التأكيد« فيما أبليته »

__________________

(١) كذا في الأصل والظاهر « سمنت » بالتاء.


...........................................................................

_________________________________________

كلمة « ما » في المواضع الأربعة استفهامية وإثبات الألف مع حرف الجر فيها شاذ ، والثوب البالي هو الذي استعمل حتى أشرف على الاندراس.

ثم إن العمر لا يستلزم القوة والشباب ، فكل منهما نعمة يسأل عنها ، ومع الاستلزام أيضا تكفي المغايرة للسؤال عن كل منهما وأما السؤال عن المال إما لغير المؤمنين أو لغير الكاملين منهم ، لما روي عن أمير المؤمنينعليه‌السلام فيما كتب إلى أهل مصر : من عمل لله أعطاه الله أجره في الدنيا والآخرة وكفاه المهم فيهما ، وقد قال الله تعالى : «يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللهِ واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ »(١) فما أعطاهم الله في الدنيا لم يحاسبهم به في الآخرة ، قال الله تعالى : «لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ »(٢) والحسنى هي الجنة ، والزيادة هي الدنيا.

وروى البرقي في الصحيح عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : ثلاثة أشياء لا يحاسب العبد المؤمن عليهن : طعام يأكله ، وثوب يلبسه ، وزوجة صالحة تعاونه ويحصن بها فرجه وقد وردت أخبار كثيرة في تفسير قوله تعالى : «لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ » أن النعيم(٣) ولاية أهل البيتعليهم‌السلام ، وقد روى العياشي وغيره أنه سأل أبو حنيفة أبا عبد اللهعليه‌السلام عن هذه الآية فقال له : ما النعيم عندك يا نعمان؟ قال : القوت من الطعام والماء البارد ، فقال : لئن أوقفك الله بين يديه يوم القيامة حتى يسألك عن كل أكلة أكلتها أو شربة شربتها ليطولن وقوفك بين يديه؟ قال : فما النعيم جعلت فداك؟ قال : نحن أهل بيت النعيم الذي أنعم الله بنا على العباد ، الخبر.

ويمكن أن يقال : السؤال عن المال اكتسبه من حلال أو حرام أو أنفقه في حلال

__________________

(١) سورة الزمر : ١٠.

(٢) سورة يونس : ٢٦.

(٣) سورة التكاثر : ٨.


جوابا ولا تأس على ما فاتك من الدنيا فإن قليل الدنيا لا يدوم بقاؤه وكثيرها لا يؤمن بلاؤه فخذ حذرك وجد في أمرك واكشف الغطاء عن وجهك وتعرض

_________________________________________

أو حرام ، لا ينافي عدم محاسبتهم على ما أنفقوه في الحلال من مأكلهم ومسكنهم وملبسهم ونحو ذلك ، أو المراد بتلك الأخبار أنهم لا يعاتبون بذلك ولا يقاص من حسناتهم بها ، فلا ينافي أصل المحاسبة كما روى الشيخ في مجالسه بإسناده عن أمير المؤمنينعليه‌السلام قال : يوقف العبد بين يدي الله فيقول : قيسوا بين نعمتي عليه وبين عمله ، فتستغرق النعم العمل ، فيقولون : قد استغرق النعم العمل ، فيقول : هبوا له نعمتي وقيسوا بين الخير والشر منه فإن استوى العملان أذهب الله الشر بالخير ، وأدخله الجنة وإن كان له فضل أعطاه الله بفضله ، وإن كان عليه فضل وهو من أهل التقوى ولم يشرك بالله تعالى ، واتقى الشرك به فهو من أهل المغفرة يغفر الله له برحمته إن شاء ويتفضل عليه بعفوه.

وقال الجوهري : تأهب استعد وأهبه الحرب عدتها وقال : الأسي مفتوح مقصور : الحزن ، وأسى على مصيبته بالكسر يأسى أسى أي حزن« لا يدوم بقاؤه » والعاقل لا يتأسف بفوات قليل لا بقاء له.

« لا يؤمن بلاؤه » أي في الدنيا والآخرة ، والعاقل لا يتأسف بفوت ما يتوقع منه الضرر والبلية ، مع أن الرب الذي فوتها عليه أعلم بمصلحته ، أو المعنى لا تحزن على ما لم يصل إليك من الدنيا فإن الصبر على قليل الدنيا وقلته سهل فإنه لا يدوم وينقضي قريبا بالموت ، والكثرة محل الآفات« فخذ حذرك » بالكسر أي ما تحذر به من مكائد النفس والشيطان في الدنيا والعذاب في الآخرة قال الراغب في قوله تعالى : «خُذُوا حِذْرَكُمْ »(١) أي ما فيه الحذر من السلاح وغيره« وجد في أمرك » أي في تهيئة سفر الآخرة والاستعداد للقاء الله من العقائد الحسنة والأعمال الصالحة

__________________

(١) سورة النساء : ٧١.


لمعروف ربك وجدد التوبة في قلبك واكمش في فراغك قبل أن يقصد قصدك ويقضى

_________________________________________

والأخلاق المرضية فإن من أراد سفرا يأخذ الأسلحة لدفع ضرر الطريق ويجهز ويهيئ ما يحتاج إليه في ذلك السفر« واكشف الغطاء عن وجهك » أي ارفع غطاء الغفلة عن وجه قلبك لتميز بين الحق والباطل والفاني والباقي أو عن الجهة التي تتوجه إليه ، والطريق الذي تسلكه لئلا يشتبه عليك فتسلك طريقا يؤديك إلى النار وأنت لا تعلم« وتعرض لمعروف ربك » بما به تستحق إحسانه وتفضله عليك من صالح النيات والأعمال.

« وجدد التوبة في قلبك » أي كلما ذكرت معاصيك ، وفي النسبة إلى القلب إشعار بأن التوبة أمر قلبي وهي الندامة عما مضى والعزم على عدم الإتيان بمثله فيما سيأتي ، وفيه دلالة على حسن تكرار التوبة وإن كانت عن معصية واحدة« واكمش » أي أسرع وعجل ، في الصحاح : الكمش الرجل السريع الماضي ، وقد كمش بالضم كماشة فهو كمش وكميش وكمشته تكميشا أعجلته ، وانكمش أسرع ، انتهى.

« في فراغك » أي في أن تفرغ من الأمور التي تحتاج إليه في الآخرة أو في فراغك من الدنيا وجعلك نفسك فارغة منها للآخرة أو في قصدك إلى الآخرة أو أسرع في العمل في أيام فراغك قبل أن تشتغل أو تبتلي بشيء يمنعك عنه ، فإن الفراغ خلاف الشغل ، قال في المصباح : فرغ من الشغل فروغا من باب قعد ، ومن باب تعب لغة لبني تميم والاسم الفراغ ، وفرغت للشيء وإليه قصدت.

أقول : ويؤيد المعنى الأخير ما روي في مجالس الشيخ عن ابن عمر : خذ من حياتك لموتك ، وخذ من صحتك لسقمك ، وخذ من فراغك لشغلك ، فإنك يا عبد الله لا تدري ما اسمك غدا ، وما رواه الصدوق في مجالسه عن الكاظم عن آبائهعليهم‌السلام


قضاؤك ويحال بينك وبين ما تريد.

٢١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن محبوب ، عن بعض أصحابه ، عن ابن أبي يعفور قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول فيما ناجى الله عز وجل به موسىعليه‌السلام يا موسى لا تركن إلى الدنيا ركون الظالمين وركون من اتخذها أبا وأما يا موسى لو وكلتك إلى نفسك لتنظر لها إذا لغلب عليك حب الدنيا وزهرتها يا موسى

_________________________________________

عن عليعليه‌السلام في قول الله عز وجل : «وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ »(١) قال : لا تنس صحتك وقوتك وفراغك وشبابك ونشاطك تطلب بها الآخرة« قبل أن يقصد » على بناء المجهول« قصدك » أي نحوك كناية عن توجه ملك الموت إليه لقبض روحه أو توجه الأمراض والبلايا من الله إليه« ويقضي قضاءك » أي يقدر ويحتم موتك ، ويحال بالموت أو الأعم بينك وبين ما تريد من التوبة والأعمال الصالحة ولا ينفعه تمنى الحياة والرجعة حيث يقول : «رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ » فيقال : «كَلاَّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ » أعاذنا الله وسائر المؤمنين من ندامة تلك الساعة وأهوال هذا اليوم.

الحديث الحادي والعشرون : مرسل.

وسيأتي تمام تلك المناجاة في الروضة بسند آخر ، وبعض تلك الفقرات مذكور فيها علي خلاف الترتيب ، ويقال :ركن إليه كنصر وعلم ومنع : مال ، ويطلق غالبا على الميل القلبي« لو وكلتك » يدل على أن الزهد في الدنيا لا يحصل بدون توفيقه تعالى ، وفي القاموس : نظر لهم رثى لهم وأعانهم وقال : النظر محركة الفكر في الشيء تقدره وتقيسه ، والحكم بين القوم والإعانة والفعل كنصر ، وفي النهاية المنافسة الرغبة في الشيء والانفراد به ، وهو من الشيء النفيس الجيد في نوعه ونافست في الشيء منافسة ونفاسا إذا رغبت فيه.

__________________

(١) سورة القصص : ٧٧.


نافس في الخير أهله واستبقهم إليه فإن الخير كاسمه واترك من الدنيا ما بك الغنى عنه ولا تنظر عينك إلى كل مفتون بها وموكل إلى نفسه واعلم أن كل فتنة

_________________________________________

قوله تعالى :فإن الخير كاسمه ، لعل المعنى أن الخير لما دل بحسب أصل معناه في اللغة على الأفضلية وما يطلق عليه في العرف والشرع من الأعمال الحسنة أو إيصال النفع إلى الغير هي حير الأعمال ، فالخير كاسمه أي إطلاق هذا الاسم على تلك الأمور بالاستحقاق ، والمعنى المصطلح مطابق للمدلول اللغوي ، أو المراد به أن الخير لما كان كل من سمعه يستحسنه فهو حسن واقعا وحسنه حسن واقعي.

والحاصل أن ما يحكم به عقول عامة الخلق في ذلك مطابق للواقع ، أو المراد باسمه ذكره بين الناس ، يعني إن الخير ينفع في الآخرة كما يصير سببا لرفعة الذكر في الدنيا« ما بك الغناء عنه » أي ما لم تحتج إليه بل لم تضطر إليه« ولا تنظر » على بناء المجرد« عينك » بالرفع أو بالنصب بنزع الخافض ، أي بعينك ، وربما يقرأ تنظر على بناء الأفعال أي لا تجعلها ناظرة إلى كل مفتون بها أي مبتلى مخدوع بها ، والمراد النظر إلى كل من لقيه منهم ، فإنه لا يمكن النظر إلى كلهم أو كناية عن أن النظر إلى واحد منهم بالإعجاب به وبما معه من زينتها بمنزلة النظر إلى جميعهم ، لاشتراك العلة« وموكل إلى نفسه » المتبادر أنه على بناء المفعول لكن كان الظاهر حينئذ وموكول ، إذ لم يأت أو كله فيما عندنا من كتب اللغة لكن كثير من الأبنية المتداولة كذلك ، ويمكن أن يقرأ على بناء الفاعل من الإيكال بمعنى الاعتماد ، في القاموس : وكل بالله وتوكل عليه وأو كل واتكل استسلم إليه ، ووكل إليه الأمر وكلا ووكولا سلمه وتركه.

« أن كل فتنة » أي ضلاله أو بلية أو امتحان أو إثم ، في القاموس : الفتنة بالكسر الخبرة وإعجابك بالشيء والضلال والإثم والكفر والفضيحة والعذاب ، وإذابة الذهب والفضة والإضلال والجنون والمحنة والمال والأولاد ، واختلاف الناس


بدؤها حب الدنيا ولا تغبط أحدا بكثرة المال فإن مع كثرة المال تكثر الذنوب لواجب الحقوق ولا تغبطن أحدا برضى الناس عنه حتى تعلم أن الله راض عنه ولا تغبطن مخلوقا بطاعة الناس له فإن طاعة الناس له واتباعهم إياه على غير الحق هلاك له ولمن اتبعه.

٢٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن غياث بن إبراهيم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إن في كتاب علي صلوات الله عليه إنما مثل الدنيا كم ثل الحية ما ألين مسها وفي جوفها السم الناقع يحذرها الرجل العاقل ويهوي إليها الصبي الجاهل

_________________________________________

في الآراء.

وأقول : يناسب هنا أكثر المعاني« ولا تغبط أحدا » بأن تتمنى حاله« تكثر الذنوب » بصيغة المضارع من باب حسن أو مصدر باب التفعل« لواجب الحقوق » أي للتقصير في أداء الحقوق الواجبة غالبا« بطاعة الناس له » أي في الباطل.

الحديث الثاني والعشرون : حسن موثق.

وفي النهاية :السم الناقع أي القاتل ، وقد نقعت فلانا إذا قتلته ، وقيل :

الناقع الثابت المجتمع ، من نقع الماء ، انتهى.

وما أحسن هذا التشبيه وأتمه وأكمله ، وفي النهج عن أمير المؤمنينعليه‌السلام قال : مثل الدنيا مثل الحية لين مسها والسم الناقع في جوفها ، يهوي إليها الغر الجاهل ، ويحذرها ذو اللب العاقل.

وفي خبر المتن ظاهره أن الجملتين الأخيرتين لبيان المشبه به ، وفي النهج لبيان المشبه ، ويحتمل العكس في كل منهما ، وكون المشبه به أقوى لا ينافي كون ضرر الدنيا على طالبها واقعا أشد من ضرر الحية على لامسها لأن الأشدية والأظهرية إنما تعتبران بالنسبة إلى المخاطب ، والمخاطبون هنا هم أهل الدنيا


٢٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن أبي جميلة قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام كتب أمير المؤمنينعليه‌السلام إلى بعض أصحابه يعظه أوصيك ونفسي بتقوى من لا تحل معصيته ولا يرجى غيره ولا الغنى إلا به فإن من اتقى الله جل وعز وقوي وشبع وروي ورفع عقله عن أهل الدنيا فبدنه مع أهل الدنيا وقلبه وعقله معاين الآخرة فأطفأ بضوء قلبه ما أبصرت عيناه من حب الدنيا فقذر

_________________________________________

المغرورون بها ، الغافلون عن مضارها وضرر الحية عندهم أشد وأبين.

الحديث الثالث والعشرون : ضعيف.

وقال الراغب :الوعظ : خبر مقترن بتخويف وقال الخليل : هو التذكير بالخير فيما يرق له القلب والعظة والموعظة الاسم ، وقال :الوصية التقدم إلى الغير بما يعمل به مقترنا بوعظ من قولهم أرض واصية متصلة النبات يقال : أوصاه ووصاه«فإن من اتقى الله» علة للوصية«عز» أي بعزة واقعية ربانية لا تزول بإزلال الناس ، كما قال تعالى «وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ »(١) وقوي بقوة معنوية إلهية ، ولا تشبه القوي البدنية كما قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : ما قلعت باب خيبر بقوة جسمانية بل بقوة ربانية«وشبع وروي» من غير اكتساب لقوله تعالى : «وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ »(٢) أو شبع بالعلوم اللدنية ، وارتوى بزلال الحكمة الإلهية« ورفع عقله » على بناء المجهول« عن أهل الدنيا » أي صار عقله أرفع من عقولهم أو أرفع من أن ينظر إلى الدنيا وأهلها ويلتفت إليهم ويعتني بشأنهم إلا لهدايتهم وإرشادهم« فبدنة مع أهل الدنيا » لكونه من جنس أبدانهم في الصورة الجسدانية« وقلبه وعقله » لشدة يقينه« معائن الآخرة » لتخليه عن العلائق الجسمانية« من حب الدنيا » من للبيان أو للتبعيض ، وإسناد الإبصار

__________________

(١) سورة المنافقون : ٨.

(٢) سورة الطلاق : ٢.


حرامها وجانب شبهاتها وأضر والله بالحلال الصافي إلا ما لا بد له من كسرة منه يشد بها صلبه وثوب يواري به عورته من أغلظ ما يجد وأخشنه ولم يكن له فيما لا بد له منه ثقة ولا رجاء فوقعت ثقته ورجاؤه على خالق الأشياء فجد واجتهد وأتعب

_________________________________________

إلى الحب علي المجاز ، أو المصدر بمعنى المفعول أو هو بالكسر ، قال في القاموس : الحب بالكسر المحبوب شبهعليه‌السلام ما أبصره أو أحبه بالنار في الإهلاك استعارة مكنية ونسبة الإطفاء إليه تخييلية« فقذر حرامها » أي عده قذرا نجسا يجب اجتنابه أو كرهه ، في الصحاح : القذر ضد النظافة وشيء قدر بين القذارة وقذرت الشيء بالكسر وتقذرته واستقذرته إذا كرهته.

« وجانب شبهاتها » وهي المشبهات بالحرام مع عدم العلم بكونها حراما كأموال الظلمة فيكون مكروها على المشهور ، أو الذي اشتبه عليه الحكم فيه فاجتنابه مستحب على المشهور وكأنهعليه‌السلام لذلك غير التعبير فعبر هنا بالاجتناب ، وفي الحرام بالحكم بالقذارة« وأضر » على بناء المعلوم كناية عن تركه وعدم الاعتناء به ، وترك الالتفات إليه ، أو على بناء المجهول أي يعد نفسه متضررة به أو يتضرر به لعلو حاله« بالحلال الصافي » من الشبهة فكيف بالحرام والشبهة.

وفي المصباح : الكسرة القطعة من الشيء المكسور ومنه الكسرة من الخبز ، وفي القاموس :الكسرة القطعة من الشيء المكسور ، والجمع كسر ، انتهى.

« يشد بها صلبه » أي يقوي بها على العبادة« من أغلظ ما يجد » ظاهره استحباب الاكتفاء بالثياب الخشنة وإن كان قادرا على الناعمة وهو مخالف لأخبار كثيرة إلا أن يحمل على أن المراد به من الأغلظ الذي يجده أي إذا لم يجد غيره أو على ما إذا لم يجد غيره إلا بارتكاب الحرام والشبهة أو بصرف جل أوقاته في تحصيله ، بحيث يمنعه عن النوافل وفواضل الطاعات ، أو على ما إذا علم أنه يصير سببا لطغيانه وإن علاج كبره وصفاته الذميمة منحصر في ذلك« ثقة ولا رجاء » أي بغيره سبحانه كما


بدنه حتى بدت الأضلاع وغارت العينان فأبدل الله له من ذلك قوة في بدنه وشدة

_________________________________________

بينه في الفقرة الآتية.

وفي المصباح :الجد بالكسر الاجتهاد وهو مصدر يقال منه : جد يجد من بابي ضرب وقتل والاسم الجد بالكسر« وأتعب بدنه » أي بالعبادات الشرعية لا الأعمال المبتدعة« فأبدل الله له » لأنه تعالى قال : «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ »(١) .

فمن بذل ما أعطاه الله من الأموال الفانية عوضه الله من الأموال الباقية أضعافها ، ومن بذل قوته البدنية في طاعة الله أبد له الله قوة روحانية لا يفنى في الدنيا والآخرة فتبدو منه المعجزات وخوارق العادات والكرامات وما لا يقدر عليه بالقوى الجسمانية ، ومن بذل علمه في الله وعمل به ورثه الله علما لدنيا يزيد في كل ساعة ، ومن بذل عزه الفاني الدنيوي في رضا الله تعالى أعطاه الله عزا حقيقيا لا يتبدل بالذل أبدا ، كما أن الأنبياء والأوصياءعليهم‌السلام لما بذلوا عزهم الدنيوي في سبيل الله أعطاهم الله عزة في الدارين ، لا يشبه عز غيرهم فيلوذ الناس بقبورهم وضرائحهم المقدسة ، والملوك يعفرون وجوههم على أعتابهم ويتبركون بذكرهم ، ومن بذل حياته البدنية في الجهاد في سبيله عوضه حياة أبدية يتصرفون بعد موتهم في عوالم الملك والملكوت ، وقد قال تعالى : «وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ »(٢) ومن بذل نور بصره وسمعه في الطاعة أعطاه الله نورا منه ينظر في ملكوت السماوات والأرض ، وبه يسمع كلام الملائكة المقربين ووحي رب العالمين ، كما ورد : المؤمن ينظر بنور الله ، وورد : بي يسمع وبي يبصر ، وإذا تخلى من إرادته وجعلها تابعة لإرادة الله جعله الله بحيث لا يشاء إلا أن يشاء الله ، وكان الله هو الذي يدبر في بدنه وقلبه وعقله وروحه ، والكلام هنا دقيق لا تفي به العبارة والبيان ، وفي هذا المقام تزل الأقدام.

__________________

(١) سورة إبراهيم : ٧.

(٢) سورة آل عمران : ١٦٩.


في عقله وما ذخر له في الآخرة أكثر فارفض الدنيا فإن حب الدنيا يعمي ويصم ويبكم ويذل الرقاب فتدارك ما بقي من عمرك ولا تقل غدا أو بعد غد فإنما هلك من كان قبلك بإقامتهم على الأماني والتسويف حتى أتاهم أمر الله بغتة وهم غافلون فنقلوا على أعوادهم إلى قبورهم المظلمة الضيقة وقد أسلمهم الأولاد والأهلون

_________________________________________

والرفض الترك« يعمى » أي بصر القلب من رؤية الحق كما قال تعالى : «فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ »(١) ويصم القلب أيضا عن سماع الحق وقبوله ، ويمكن أن يراد بها عمى البصر الظاهر لعدم انتفاعه بما يرى فكأنه أعمى ، وصمم السمع الظاهر لأنه لا ينتفع بما يسمع فكأنه أصم كما قال سبحانه : «خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ »(٢) .

والبكم نسبته إلى الظاهر أظهر فإنه لما لم يتكلم بالحق وبما ينفعه فكأنه أبكم ، وإن أمكن حمله أيضا على لسان القلب ، فإن لسان الرأس معبر عنه حقيقة« ويذل الرقاب » لأنه موجب للتذلل عند أهل الدنيا لتحصيله أو يذلها لقبول الباطل من أهله من الذل بالكسر ، وهو ضد الصعوبة.

« فتدارك ما بقي » التدارك ليس هنا بمعنى التلافي ، ولا بمعنى التلاحق بل بمعنى الإدراك أي أدركه ولا تفوته كقوله تعالى : «لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ »(٣) أي أدركته بإجابة دعائه كما قاله الطبرسي (ره) ، ويحتمل أن يكون « ما بقي » ظرفا والمفعول مقدرا أي تلاف ما فات منك فيما بقي من عمرك ، لكنه بعيد.

« ولا تقل غدا » أي أتوب أو اعمل غدا« حتى أتاهم أمر الله » أي بالموت أو بالعذاب« بغتة » بالفتح ، وقد يحرك أي فجاءة« وهم غافلون » عن إتيانه« على أعوادهم » أي كائنين على السرر والتوابيت المعمولة من الأعواد« إلى قبورهم المظلمة الضيقة »

__________________

(١) سورة الحجّ : ٤٦.

(٢) سورة البقرة : ٧.

(٣) سورة القلم : ٤٩.


فانقطع إلى الله بقلب منيب من رفض الدنيا وعزم ليس فيه انكسار ولا انخزال أعاننا الله وإياك على طاعته ووفقنا الله وإياك لمرضاته.

٢٤ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن عبد الله بن المغيرة وغيره ، عن طلحة بن زيد ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال مثل الدنيا كمثل ماء البحر كلما شرب منه العطشان ازداد عطشا حتى يقتله.

٢٥ ـ الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن الوشاء قال سمعت الرضا

_________________________________________

فإنها على الأشقياء كذلك وإن كانت للأصفياء روضة من رياض الجنة« فانقطع » أي عن الدنيا وأهلها «بِقَلْبٍ » أي مع قلب «مُنِيبٍ » أي تائب راجع عن الذنوب ، إشارة إلى قوله تعالى : «مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ »(١) قال الطبرسي أي وافى الآخرة بقلب مقبل على طاعة الله ، راجع إلى الله بضمائره« من رفض الدنيا » من تعليل للإنابة ، أو للانقطاع ، وعزم عطف على قلب« ليس فيه انكسار » أي وهن« ولا انخزال » أي تثاقل أو انقطاع ، في القاموس : الانخزال مشية في تثاقل والاختزال الانفراد والحذف والاقتطاع ، وانخزل عن جوابي لم يعبأ به ، وفي كلامه : انقطع« لمرضاته » أي لما يوجب رضاه عنا.

الحديث الرابع والعشرون : ضعيف كالموثق أو كالحسن.

« كمثل ماء البحر » أي المالح ، وهذا من أحسن التمثيلات للدنيا وهو مجرب فإن الحريص على جمع الدنيا كلما ازداد منها ازداد حرصه عليها ، وأيضا كلما حصل منها لا بد له لحفظه ونموه وسائر ما يليق به ويناسبه من أشياء أخرى ولا ينتهي إلى حد فيصرف جميع عمره في تحصيلها حتى يموت ولا يبقى له إلا حسراتها وعقوباتها أعاذنا الله منها.

الحديث الخامس والعشرون : ضعيف على المشهور معتبر.

وقال في النهاية : فيه حواريي من أمتي أي خاصتي من أصحابي وناصري ،

__________________

(١) سورة ق : ٣٣.


عليه‌السلام يقول قال عيسى ابن مريم صلوات الله عليه للحواريين : يا بني إسرائيل لا تأسوا على ما فاتكم من الدنيا كما لا يأسى أهل الدنيا على ما فاتهم من دينهم إذا أصابوا دنياهم.

_________________________________________

ومنهالحواريون أصحاب عيسىعليه‌السلام أي خلصائه وأنصاره ، وأصله من التحوير التبييض قيل : إنهم كانوا قصارين يحورون الثياب أي يبيضونها ، ومنه : الخبز الحوارى الذي نخل مرة بعد مرة قال الأزهري : الحواريون خلصان الأنبياء وتأويله الذين أخلصوا ونقوا من كل عيب ، وقال الراغب : الحواريون أنصار عيسىعليه‌السلام قيل : كانوا قصارين ، وقيل : كانوا صيادين ، وقال بعض العلماء : إنما سموا حواريين لأنهم كانوا يطهرون نفوس الناس بإفادتهم الدين والعلم ، المشار إليه بقوله : «إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً »(١) قال : وإنما قيل : كانوا قصارين على التمثيل والتشبيه ، وتصور منه من لم يتخصص بمعرفة الحقائق المهنة المتداولة بين العامة ، قال : وإنما قال : كانوا صيادين لاصطيادهم نفوس الناس من الحيرة وقودهم إلى الحق ، انتهى.

والأسي الحزن على فوت الفائت ، والغرض لا يكن أهل الدنيا علي باطلهم أشد حرصا منكم على الحق.

__________________

(١) سورة الأحزاب : ٣٣.


باب

١ ـ الحسين بن محمد الأشعري ، عن معلى بن محمد ، عن الحسن بن علي الوشاء ، عن عاصم بن حميد ، عن أبي عبيدة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال إن الله عز وجل يقول وعزتي وجلالي وعظمتي وعلوي وارتفاع مكاني لا يؤثر عبد هواي على هوى

_________________________________________

باب

إنما لم يعنون هذا الباب لأنه قريب من الباب الأول فكأنه داخل في عنوانه لأنه فيه المنع عن إيثار هوى الأنفس وشهواتها على رضا الله تعالى ، وليس هذا الإيثار إلا لحب الدنيا وشهواتها ، لكن لما لم تذكر في الخبرين ذكر الدنيا صريحا أفرد لهما بابا وألحقه بالباب السابق.

الحديث الأول : ضعيف على المشهور ، ولا يضر عندي ضعف المعلى.

قوله تعالى :وعزتي ، العزة القوة والشدة والغلبة ، وقيل : عزته عبارة عن كونه منزها عن سمات الإمكان وذل النقصان ، ورجوع كل شيء إليه وخضوعه بين يديه ، والعظمة في صفة الأجسام كبر الطول والعرض والعمق ، وفي وصفه تعالى عبارة عن تجاوز قدره عن حدود العقول والأوهام حتى لا تتصور الإحاطة بكنه حقيقته عند ذوي الأفهام وعلوه علو عقلي على الإطلاق بمعنى أنه لا رتبة فوق رتبته ، وذلك لأن أعلى مراتب الكمال العقلي هو مرتبته العلية ولما كانت ذاته المقدسة مبدأ كل موجود حسي وعقلي ، لا جرم كانت مرتبته أعلى مراتب العقلية مطلقا وله العلو المطلق في الوجود العاري عن الإضافة إلى شيء ، وعن إمكان أن يكون فوقه ما هو أعلى منه ، وهذا معنى قول أمير المؤمنينعليه‌السلام : سبق في العلو فلا أعلى منه ، وارتفاع مكانه كناية عن عدم إمكان الإشارة إليه بالعقول والحواس« لا يؤثر عبد هواي على هوى نفسه » المراد بهوى النفس ميلها إلى ما هو مقتضى طباعها من اللذات الحاضرة الدنيوية والخروج عن الحدود الشرعية ، وبإيثار هواه سبحانه


...........................................................................

_________________________________________

إعراضها عن هذا الميل ورجوعها إلى ما يوجب قرب الحق تعالى ورضاه ، وقد قال تعالى مخاطبا لداودعليه‌السلام : «إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ ، إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ »(١) فبين سبحانه أن متابعة الهوى أي ما تهوي الأنفس مخالفة لاتباع سبيل الله وسلوك طريق الحق.

ثم بين أن متابعة الهوى متفرع على نسيان يوم الحساب فإن من تذكر الآخرة ونعيمها وعذابها لا يتبع الأهواء النفسانية والدواعي الشهوانية وقال سبحانه : «فَأَمَّا مَنْ طَغى وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى ، وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى »(٢) فأشار إلى أن إيثار الحياة الدنيا مقابل لنهي النفس عن الهوى واتباع الهوى إيثار الحياة الدنيا ولذاتها على الآخرة. وقال سبحانه : «أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً »(٣) وقال عز من قائل : «فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللهِ »(٤) ومثله في الكتاب العزيز كثير.

قوله عليه‌السلام : ألا كففت عليه ضيعته ، قال في النهاية : فيه أمرت أن لا أكف شعرا ولا ثوبا يعني في الصلاة يحتمل أن يكون بمعنى المنع أي لا أمنعها من الاسترسال حال السجود ، ليقعا على الأرض ، ويحتمل أن يكون بمعنى الجمع أي لا يجمعهما ويضمهما ، ومنه الحديث : المؤمن أخو المؤمن يكف عليه ضيعته ، أي يجمع عليه

__________________

(١) سورة ص : ٢٦.

(٢) سورة النازعات : ٤٠.

(٣) سورة الفرقان : ٤٣.

(٤) سورة القصص : ٥٠.


نفسه إلا كففت عليه ضيعته وضمنت السماوات والأرض رزقه وكنت له من وراء تجارة كل تاجر.

_________________________________________

معيشته ويضمها إليه ، وقال في حديث سعد : إني أخاف على الأعناب الضيعة أي أنها تضيع وتتلف ، والضيعة في الأصل المرة من الضياع ، وضيعة الرجل في غير هذا ما يكون منه معاشه كالصنعة والتجارة والزراعة وغير ذلك ، ومنه الحديث : أفشى الله عليه ضيعته أي أكثر عليه معاشه ، انتهى.

وأقول : هذه الفقرة تحتمل وجوها : الأول : ما ذكره في النهاية أي جمعت عليه ضيعته ومعيشته ، والتعدية بعلى لتضمين معنى البركة أو الشفقة ونحوهما ، أو على بمعنى إلى كما أومأ إليه في النهاية فيحتاج أيضا إلى تضمين.

الثاني : أن يكون الكف بمعنى المنع وعلى بمعنى عن والضيعة بمعنى الضياع ، أي أمنع عنه ضياع نفسه وما له وولده وسائر ما يتعلق به ، ويؤيده أن الصدوق (ره) رواه في الخصال عن ابن الوليد عن الصفار عن الحسن بن علي بن فضال عن عاصم عن أبي عبيدة ، وفيه : وكففت عنه ضيعته.

الثالث : ما ذكره بعض المحققين وتبعه غيره أنه من الكفاف وهو ما يفي بمعيشته ويغنيه عن غيره ، أي جعلت معيشته مباركا عليه كفافا له ، ولا يخفى بعده لفظا إذ لا تساعده اللغة.

قوله تعالى :وضمنت ، على صيغة المتكلم من باب التفعيل أي جعلت السماوات والأرض ضامنتين لرزقه كناية عن تسبيب الأسباب السماوية والأرضية له وربما يقرأ بصيغة الغائب على بناء المجرد ، ورفع السماوات والأرض ، وهو بعيد« وكنت له من وراء تجارة كل تاجر » الوراء فعال ولامه همزة عند سيبويه وأبي علي الفارسي ، وياء عند العامة ، وهو من ظروف المكان بمعنى قدام وخلف ، والتجارة مصدر بمعنى البيع والشراء للنفع وقدير أدبها ما يتجر به من الأمتعة ونحوها على تسمية المفعول باسم المصدر ، وهذه الفقرة أيضا تحتمل وجوها :


٢ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن محبوب ، عن العلاء بن رزين ، عن ابن سنان ، عن أبي حمزة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال قال الله عز وجل وعزتي وجلالي وعظمتي وبهائي وعلو ارتفاعي لا يؤثر عبد مؤمن هواي على هواه في شيء

_________________________________________

الأول : أن يكون المعنى كنت له عقب تجارة كل تاجر أسوقها إليه أي ألقى محبته في قلوب التجار ليتجروا له ويكفوا مهماته.

الثاني : أن يكون المعنى كنت له عوضا من تجارة كل تاجر فإن كل تاجر يتجر لمنفعة دنيوية أو أخروية ، ولما أعرض عن جميع ذلك كنت أنا ربح تجارته ، وهذا معنى رفيع دقيق خطر بالبال ، لكن لا يناسب إلا من بلغ في درجات المحبة أقصى مراتب الكمال.

الثالث : الجمع بي المعنيين أي كنت له بعد حصول تجارة كل تاجر له.

الرابع : ما قيل : أن كل تاجر في الدنيا للآخرة يجد نفع تجارته فيها من الجنة ونعيمها ، والله سبحانه بذاته المقدسة والتجليات اللائقة وراء هذا لهذا العبد ، ففيه دلالة على أن للزاهدين في الجنة نعمة روحانية أيضا وهو قريب من الثالث.

الخامس : أن يكون الوراء بمعنى القدام أي كنت له أنيسا ومعينا ومحبا ومحبوبا قبل وصوله إلى نعيم الآخرة الذي هو غاية مقصود التاجرين لها.

السادس : ما قيل : أي أنا أتجر له فأربح له مثل ربح جميع التجار لو اتجروا له ، ولا يخفى بعده.

الحديث الثاني : صحيح.

والبهاء الحسن والمراد الحسن المعنوي ، وهو الاتصاف بجميع الصفات الكمالية« إلا جعلت غناه في نفسه » أي أجعل نفسه غنية قانعة بما رزقته ، لا بالمال فإن الغني بالمال الحريص في الدنيا أحوج الناس ، وإنما الغني غنى النفس فكلمة في للتعليل ، و


من أمر الدنيا إلا جعلت غناه في نفسه وهمته في آخرته وضمنت السماوات والأرض رزقه وكنت له من وراء تجارة كل تاجر.

باب القناعة

١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن سنان ، عن عمار بن مروان ، عن زيد الشحام ، عن عمرو بن هلال قال قال أبو جعفرعليه‌السلام إياك أن تطمح بصرك إلى من فوقك فكفى بما قال الله عز وجل ـ لنبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله «فَلا تُعْجِبْكَ

_________________________________________

يحتمل الظرفية أيضا بتكلف« وهمته » أي عزمه وقصده في آخرته ففي للتعليل أيضا ، أو المعنى أنها مقصورة في آخرته ولا يوجه همته إلى الدنيا أصلا.

باب القناعة

الحديث الأول : ضعيف على المشهور.

« أن تطمح بصرك » الظاهر أنه على بناء الأفعال ونصب البصر ، ويحتمل أن يكون على بناء المجرد ورفع البصر أي لا ترفع بصرك بأن تنظر إلى من هو فوقك في الدنيا ، فتتمنى حاله ولا ترضى بما أعطاك الله ، وإذا نظرت إلى من هو دونك في الدنيا ترضى بما أوتيت وتشكر الله عليه وتقنع به ، قال في القاموس : طمح بصره إليه كمنع فهي طامح ، وأطمح بصره رفعه ، انتهى.

« فكفى بما قال الله » الباء زائدة أي كفاك للاتعاظ ولقبول ما ذكرت ما قال الله لنبيه وإن كان المقصود بالخطاب غيره «وَلا تُعْجِبْكَ » كذا في النسخ التي عندنا والظاهر « فلا » إذ الآية في سورة التوبة في موضعين أحدهما «فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ »(١) والأخرى : «وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ »(٢) وما ذكر هنا لا يوافق شيئا منهما ، وإن احتمل أن يكون نقلا بالمعنى إشارة إلى الآيتين معا.

__________________

(١) الآية : ٥٥.

(٢) الآية : ٨٥.


أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ »(١) وقال : «وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ

_________________________________________

وقال البيضاوي في الأولى «فَلا تُعْجِبْكَ » « إلخ » فإن ذلك استدراج ووبال لهم كما قال «إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها » ، بسبب ما يكابدون لجمعها وحفظها من المتاعب وما يرون فيها من الشدائد والمصائب «وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ » أي فيموتوا كافرين مشتغلين بالتمتع عن النظر في العاقبة فيكون ذلك استدراجا له ، وقال في الأخرى : تكرير للتأكيد والأمر حقيق به فإن الأبصار طامحة إلى الأموال والأولاد ، والنفوس مغتبطة عليها ، ويجوز أن يكون هذه في فريق غير الأول.

«وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ » قال في الكشاف : أي نظر عينيك ومد النظر تطويله وإن لا يكاد يرده استحسانا للمنظور إليه وتمنيا أن يكون له مثله ، وفيه أن النظر غير الممدود معفو عنه ، وذلك مثل نظر من باده الشيء بالنظر ثم غض الطرف وقد شدد العلماء من أهل التقوى في وجوب غض البصر عن أبنية الظلمة وعدد الفسقة في اللباس والمراكب وغير ذلك ، لأنهم اتخذوا هذه الأشياء لعيون النظارة فالناظر إليها محصل لغرضهم وكالمغرى لهم على اتخاذها.

«أَزْواجاً مِنْهُمْ » قال البيضاوي : أصنافا من الكفرة ويجوز أن يكون حالا من الضمير والمفعول منهم أي إلى الذي متعنا به ، وهو أصناف بعضهم وناسا منهم «زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا » منصوب بمحذوف دل عليه متعنا أو به على تضمينه معنى أعطينا أو بالبدل من محل به أو من أزواجا بتقدير مضاف وذويه ، أو بالذم وهي الزينة والبهجة «لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ » لنبلونهم ونختبرهم فيه أو لنعذبهم في الآخرة بسببه «وَرِزْقُ رَبِّكَ » وما ادخره لك في الآخرة أو ما رزقك من الهدى والنبوة «خَيْرٌ » مما منحهم في الدنيا «وَأَبْقى » فإنه لا ينقطع وإنما ذكرنا تتمة الآيتين لأنهما مرادتان

__________________

(١) سورة التوبة : ٥٦. وفي المصحف « فلا تعجبك » كما تنبّه به الشارح (ره).


الْحَياةِ الدُّنْيا »(١) فإن دخلك من ذلك شيء فاذكر عيش رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فإنما كان قوته الشعير وحلواه التمر ووقوده السعف إذا وجده.

_________________________________________

وتركنا اختصارا« فإن دخلك من ذلك » أي من إطماح البصر أي من جملته« شيء » أو بسببه شيء من الرغبة في الدنيا فاذكر لعلاج ذلك وإخراجه عن نفسك« عيش رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » أي طريق تعيشه في الدنيا لتسهل عليك مشاق الدنيا والقناعة فيها فإنه إذا كان أشرف المكونات هكذا تعيشه فكيف لا يرضى من دونه به ، وإن كان شريفا رفيعا عند الناس ، مع أن التأسي بهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لازم.

« فإنما قوته الشعير » أي خبزه غالبا« وحلواه التمر » قال في المصباح الحلواء التي تؤكل ، تمد وتقصر وجمع الممدود حلاوي مثل صحراء وصحاري بالتشديد وجمع المقصور حلاوي بفتح الواو ، وقال الأزهري : الحلواء اسم لما يؤكل من الطعام إذا كان معالجا بحلاوة« ووقوده السعف » الوقود بالفتح الحطب وما يوقد به والسعف أغصان النخل ما دامت بالخوص ، فإن زال الخوص عنها قيل جريدة ، الواحدة سعفة ذكره في المصباح ، وفي القاموس : السعف محركة جريد النخل أو ورقه وأكثر ما يقال إذا يبست والضمير في « إن وجده » راجع إلى كل من الأمور المذكورة أو إلى السعف وحده ، وفسر بعضهم السعف بالورق ، وقال : الضمير راجع إليه ، والمعنى أنه كان يكتفي في خبز الخبز ونحوه بورق النخل ، فإذا انتهى ذلك ولم يجده كان يطبخ بالجريد ، بخلاف المسرفين فإنهم يطرحون الورق ويستعملون الجريد ابتداء.

وأقول : كأنه (ره) تكلف ذلك لأنه لا فرق بين جريد النخل وغيره في الإيقاد فأي قناعة فيه ، وليس كذلك لأن الجريد أرذل الأحطاب للإيقاد لنتنه وكثرة دخانه ، وعدم اتقاد جمرة ، وهذا بين لمن جربه.

__________________

(١) سورة البقرة : ١٣١.


٢ ـ الحسين بن محمد بن عامر ، عن معلى بن محمد وعلي بن محمد ، عن صالح بن أبي حماد جميعا ، عن الوشاء ، عن أحمد بن عائذ ، عن أبي خديجة سالم بن مكرم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من سألنا أعطيناه ومن استغنى أغناه الله.

٣ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحسن بن محبوب ، عن الهيثم بن واقد ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال من رضي من الله باليسير من المعاش رضي الله منه باليسير من العمل.

_________________________________________

الحديث الثاني : ضعيف.

« ومن استغنى » أي عن الناس وترك الطلب أغناه الله عنه بإعطاء ما يحتاج إليه.

الحديث الثالث : مجهول.

« رضي الله منه » قيل : لأن كثرة النعمة توجب مزيد الشكر فكلما كانت النعمة أقل كان الشكر أسهل ، وبعبارة أخرى يسقط عنه كثير من العبادات المالية كالزكاة والحج وبر الوالدين وصلة الأرحام وإعانة الفقراء وأشباه ذلك والظاهر أن المراد به أكثر من ذلك من المسامحة والعفو ، كما روى الصدوق (ره) في كتاب معاني الأخبار بإسناده عن النصر بن قابوس قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن معنى الحديث من رضي من الله باليسير من الرزق رضي الله منه باليسير من العمل؟

قال : يطيعه في بعض ويعصيه في بعض ، وقد ورد في طريق العامة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أخلص قلبك يكفك القليل من العمل ، وقال بعضهم : لأن من زهد في الدنيا وطهر ظاهره وباطنه من الأعمال والأخلاق القبيحة التي يقتضيها الدنيا وفرغ من المجاهدات التي يحتاج إليها السالك المبتدي ، وجعلها وراء ظهره فلم يبق عليه إلا فعل ما ينبغي فعله ، وهذا يسير بالنسبة إلى تلك المجاهدات ، انتهى.

وأقول : يحتمل إجراء مثله في هذا الخبر لأن من رضي بالقليل فقد زهد في الدنيا وأخلص قلبه من حبها.


٤ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن أبي عبد الله ، عن أبيه ، عن عبد الله بن القاسم ، عن عمرو بن أبي المقدام ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال مكتوب في التوراة ابن آدم كن كيف شئت كما تدين تدان من رضي من الله بالقليل من الرزق قبل الله منه اليسير من العمل ومن رضي باليسير من الحلال خفت مئونته وزكت مكسبته وخرج من حد الفجور.

٥ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن محمد بن عرفة ، عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام قال من لم يقنعه من الرزق إلا الكثير لم يكفه من العمل إلا الكثير ومن كفاه من الرزق القليل فإنه يكفيه من العمل القليل.

_________________________________________

الحديث الرابع : ضعيف.

« كن كيف شئت » الظاهر أنه أمر علي التهديد نحو قوله تعالى : «اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ »(١) وقيل : كن كما شئت أن يعمل معك وتتوقعهلقوله : كما تدين تدان ، وقد مر معناه« خفت مؤنته » أي مشقته في طلب المال وحفظه« وزكت » أي طهرت من الحرام« مكسبه » لأن ترك الحرام والشبهة في القليل أسهل أو نمت وحصلت فيه بركة مع قلته« وخرج من حد الفجور » أي من قرب الفجور والإشراف على الوقوع في الحرام ، فإن بين المال القليل والوقوع في الفجور فاصلة كثيرة لقلة الدواعي ، فصاحب المال الكثير لكثرة دواعي الشرور والفجور فيه كأنه على حد هو منتهى الحلال وبأدنى شيء يخرج منه إلى الفجور ، إما بالتقصير في الحقوق الواجبة فيه أو بالطغيان اللازم له أو القدرة علي المحرمات التي تدعو النفس إليه ، أو بالحرص الحاصل منه فلا يكتفي بالحلال ، ويتجاوز إلى الحرام وأشباه ذلك ، ويحتمل أن يكون المعنى خرج من حد الفجور الذي تستلزمه كثرة المال إلى الخير والصلاح اللازم لقلة المال والأول أبلغ وأتم.

الحديث الخامس : مجهول ، والمضمون مما مر معلوم.

__________________

(١) سورة فصّلت : ٤٠.


٦ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام بن سالم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال كان أمير المؤمنين صلوات الله عليه يقول ابن آدم إن كنت تريد من الدنيا ما يكفيك فإن أيسر ما فيها يكفيك وإن كنت إنما تريد ما لا يكفيك فإن كل ما فيها لا يكفيك.

٧ ـ محمد بن يحيى ، عن محمد بن الحسين ، عن عبد الرحمن بن محمد الأسدي ، عن سالم بن مكرم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال اشتدت حال رجل من أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فقالت له امرأته لو أتيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فسألته فجاء إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فلما رآه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال من سألنا أعطيناه ومن استغنى أغناه الله فقال الرجل ما يعني غيري فرجع إلى امرأته فأعلمها فقالت إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بشر فأعلمه فأتاه فلما رآه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال من سألنا أعطيناه ومن استغنى أغناه الله حتى فعل الرجل ذلك ثلاثا ثم ذهب الرجل فاستعار معولا ثم أتى الجبل فصعده فقطع

_________________________________________

الحديث السادس : حسن كالصحيح.

« ما يكفيك » أي ما تكتفي وتقنع به ، أي بقدر الكفاف والضرورة ، وقوله :

فإن أيسر ، من قبيل وضع الدليل موضع المدلول أي فيحصل مرادك لأن أيسر ما في الدنيا يمكن أن يكتفي به« وإن كنت تريد مالا يكفيك » أي مالا تكتفي به وتريد أزيد منه ، فلا تصل إلى مقصودك ولا تنتهي إلى حد فإنه إن حصل لك جميع الدنيا تريد أزيد منها لما مر وجرب أن كثرة المال يصير سببا لكثرة الحرص ، وسيأتي أوضح من ذلك في العاشر وبعده.

الحديث السابع : ضعيف على المشهور.

« لو أتيت » لو للتمني« إن رسول الله بشر » أي لا يعلم الغيب إلا الله وهو بشر لا يعلم الغيب ، أي لم يكن هذا الكلام معك لأنه لا يعلم ما في ضميرك أو لا يعلم كنه شدة حالنا وإنما عرف حاجتك في الجملة ، وفي الصحاح :المعول الفأس العظيمة


حطبا ثم جاء به فباعه بنصف مد من دقيق فرجع به فأكله ثم ذهب من الغد فجاء بأكثر من ذلك فباعه فلم يزل يعمل ويجمع حتى اشترى معولا ثم جمع حتى اشترى بكرين وغلاما ثم أثرى حتى أيسر فجاء إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فأعلمه كيف جاء يسأله وكيف سمع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قلت لك من سألنا أعطيناه ومن استغنى أغناه الله.

٨ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن علي بن الحكم ، عن الحسين بن الفرات ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من أراد أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يد غيره.

٩ ـ عنه ، عن ابن فضال ، عن عاصم بن حميد ، عن أبي حمزة ، عن أبي جعفر أو أبي عبد اللهعليه‌السلام قال من قنع بما رزقه الله فهو من أغنى الناس.

_________________________________________

التي ينقر بها الصخر« من الغد » من بمعنى في ، والبكر بالفتح : الفتى من الإبل ، ويقال : أثرى الرجل إذا كثرت أمواله ، وأيسر الرجل أي استغنى ، كل ذلك ذكره الجوهري.

الحديث الثامن : ضعيف.

« فليكن بما في يد الله » أي في قدرة الله وقضائه وقدره« أوثق منه بما في يد غيره » ولو نفسه فإنه لا يصل إليه الأول ولا ينتفع بالثاني إلا بقضاء الله وقدره ، والحاصل أن الغناء عن الخلق لا يحصل إلا بالوثوق بالله سبحانه والتوكل عليه وعدم الاعتماد على غيره ، والعلم بأن الضار النافع هو الله ، ويفعل بالعباد ما علم صلاحهم فيه ويمنعهم ما علم أنه لا يصلح لهم.

الحديث التاسع : موثق كالصحيح.

« فهو من أغنى الناس » لأن الغناء عدم الحاجة إلى الغير ، والقانع بما رزقه الله لا يحتاج إلى السؤال عن غيره تعالى.


١٠ ـ عنه ، عن ابن فضال ، عن ابن بكير ، عن حمزة بن حمران قال شكا رجل إلى أبي عبد اللهعليه‌السلام أنه يطلب فيصيب ولا يقنع وتنازعه نفسه إلى ما هو أكثر منه وقال علمني شيئا أنتفع به فقال أبو عبد اللهعليه‌السلام إن كان ما يكفيك يغنيك فأدنى ما فيها يغنيك وإن كان ما يكفيك لا يغنيك فكل ما فيها لا يغنيك.

١١ ـ عنه ، عن عدة من أصحابنا ، عن حنان بن سدير رفعه قال قال أمير المؤمنينعليه‌السلام من رضي من الدنيا بما يجزيه كان أيسر ما فيها يكفيه ومن لم يرض من الدنيا بما يجزيه لم يكن فيها شيء يكفيه.

باب الكفاف

١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن غير واحد ، عن عاصم بن حميد ، عن أبي عبيدة الحذاء قال سمعت أبا جعفرعليه‌السلام يقول قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال الله عز

_________________________________________

الحديث العاشر : مجهول وقد مر مضمونه.

الحديث الحادي عشر : مرفوع« وأجزأ » مهموز وقد يخفف أي أغنى وكفى ، قال في المصباح : قال الأزهري والفقهاء يقولون فيه أجزي من غير همز ولم أجده لأحد من أئمة اللغة ولكن إن همز أجزأ فهو بمعنى كفى ، وفيه نظر لأنه أراد امتناع التسهيل فقد توقف في غير موضع التوقف ، فإن تسهيل همزة الطرف في الفعل المزيد ، وتسهيل الهمزة الساكنة قياسي فيقال أرجأت الأمر وأرجيته وأنسأت وأنسيت وأخطأت وأخطيت.

باب الكفاف الحديث الأول : مرسل كالحسن.

والأغبط مأخوذ من الغبطة بالكسر وهي حسن الحال والمسرة« خفيف الحال » في بعض النسخ بالحاء المهملة وفي بعضها بالمعجمة فعلى الثاني أي قليل المال والحظ


وجل إن من أغبط أوليائي عندي رجلا خفيف الحال ذا حظ من صلاة أحسن

_________________________________________

من الدنيا والأول أيضا قريب منه ، قال في النهاية : فيه أنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يشبع من طعام إلا على حفف ، الحفف الضيق وقلة المعيشة ، يقال : أصابه حفف وحفوف ، وحفت الأرض إذا يبس نباتها ، أي لم يشبع إلا والحال عنده خلاف الرخاء والخصب ، ومنه حديث قال له وفد العراق إن أمير المؤمنين بلغ منا وهو حاف المطعم أي يابسه وقحله ومنه رأيت أبا عبيدة حفوفا أي ضيق عيش ، ومنه أن عبد الله بن جعفر حفف وجهد أي قل ماله ، انتهى.

« ذا حظ من صلاة » أي صاحب نصيب حسن وافر من الصلاة فرضا ونفلا كما وكيفا ، ويحتمل أن يكون من للتعليل أي ذا حظ عظيم من القرب أو الثواب أو العفة وترك المحرمات أو الأعم بسبب الصلاة لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر ، وهي قربان كل تقي.

« أحسن عبادة ربه بالغيب » أي غائبا عن الناس والتخصيص لأنه أخلص وأبعد من الرياء أو بسبب إيمانه بموعود غائب عن حواسه كما قال تعالى : «يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ »(١) أو الباء للآلة أي إحسان عبادتهم بالقلب لا بالجوارح الظاهرة فقط والأول أظهر.

« وكان غامضا في الناس » في النهاية أي مغمورا غير مشهور.

وأقول : إما للتقية أو المعنى أنه ليس طالبا للشهرة ورفعة الذكر بين الناس« جعل » على بناء المفعول« رزقه كفافا » أي بقدر الحاجة وبقدر ما يكفه عن السؤال قال في النهاية : الكفاف هو الذي لا يفضل عن الشيء ويكون بقدر الحاجة إليه ، ومنه لا تلام على كفاف ، أي إذا لم يكن عندك كفاف لم تلم على أن لا تعطى أحدا ، وفي المصباح : قوته كفاف ، بالفتح أي مقدار حاجته من غير زيادة ولا نقص ، سمي بذلك لأنه يكف عن سؤال الناس ويغني عنهم.

__________________

(١) سورة البقرة : ٥.


عبادة ربه بالغيب وكان غامضا في الناس جعل رزقه كفافا فصبر عليه عجلت منيته فقل تراثه وقلت بواكيه.

٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله طوبى لمن أسلم وكان عيشه كفافا.

٣ ـ النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله اللهم ارزق محمدا وآل محمد ومن أحب محمدا وآل محمد العفاف والكفاف وارزق من أبغض

_________________________________________

« عجلت منيته » كان ذكر تعجيل المنية لأنه من المصائب التي ترد عليه ، وعلم الله صلاحه في ذلك لخلاصه من أيدي الظلمة أو بذله نفسه لله بالشهادة ، وقيل : كان المراد بعجلة منيته زهده في مشتهيات الدنيا وعدم افتقاره إلى شيء منها كأنه ميت ، وقد ورد في الحديث المشهور : موتوا قبل أن تموتوا ، أو المراد أنه مهما قرب موته قل تراثه وقلت بواكيه لانسلاله متدرجا عن أمواله وأولاده.

وأقول : في مشكاة الأنوار : مات فقل تراثه ، وقال في الصحاح :التراث أصل التاء فيه واو ، وقلة البواكي لقلة عياله وأولاده وغموضه وعدم اشتهاره ، ولأنه ليس له مال ينفق في تعزيته فيجتمع عليه الناس.

الحديث الثاني : ضعيف على المشهور.

وقال في النهاية : فيه فطوبى للغرباء ،طوبى اسم الجنة وقيل : هي شجرة فيها وأصلها فعلى من الطيب ، فلما ضمت الطاء انقلبت الياء واوا ، وفي القاموس :العيش الحياة عاش يعيش عيشا ومعيشة وعيشة بالكسر ، والطعام وما يعاش به والخبز.

الحديث الثالث : كالسابق.

والعفاف بالفتح عفة البطن والفرج ، أو التعفف عن السؤال من الخلق أو الأعم.

ثم إن هذه الأخبار تدل على ذم كثرة الأموال والأولاد ، والأخبار في ذلك


محمدا وآل محمد المال والولد.

_________________________________________

مختلفة وورد في كثير من الأدعية طلب الغناء وكثرة الأموال والأولاد ، وورد في كثير منها ذم الفقر والاستعاذة منه ، والجمع بينها لا يخلو من إشكال ، ويمكن الجمع بينها بأن الغناء الممدوح ما يكون وسيلة إلى تحصيل الآخرة ، ولا يكون مانعا من الاشتغال بالطاعات كما ورد : نعم المال الصالح للعبد الصالح وهو نادر ، والفقر المذموم هو ما لا يصبر عليه ، ويكون سببا للمذلة والافتقار إلى الناس وربما يحمل الفقر والغناء الممدوحان على الكفاف فإنه غنى بحسب الواقع ، ويعده أكثر الناس فقرا ولا ريب في أن كثرة الأموال والأولاد والخدم ملهية غالبا عن ذكر الله والآخرة كما قال سبحانه : «أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ »(١) وقال «إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى »(٢) وأما إذا لم تكن حصول هذه الأشياء مانعة عن تحصيل الآخرة وكان الغرض فيها طاعة الله وكثرة العابدين لله فهي من نعم الله على من علم الله صلاحه فيه ، وكان هذه الأخبار محمولة على الغالب.

ومضمون هذا الحديث مروي في طريق العامة أيضا ، ففي صحيح مسلم عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال : اللهم اجعل رزق محمد قوتا ، وعنه أيضا : اللهم اجعل رزق محمد كفافا ، وفي رواية أخرى اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا.

قال عياض : لا خلاف في فضيلة ذلك لقلة الحساب عليه وإنما اختلف أيهما أفضل الفقر أو الغناء واحتج من فضل الفقر بدخول الفقراء الجنة قبل الأغنياء قال القرطبي : القوت ما يقوت الأبدان ويكف عن الحاجة ، وهذا الحديث حجة لمن قال أن الكفاف أفضل لأنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنما يدعو بالأرجح ، وأيضا فإن الكفاف حالة متوسطة بين الفقر والغناء ، وخير الأمور أوسطها ، وأيضا فإنه حالة يسلم معها من آفات الفقر وآفات الغناء ، وقال الآبي في إكمال الإكمال : في المسألة خلاف والمتحصل

__________________

(١) سورة التغابن : ١٥.

(٢) سورة العلق : ٧.


٤ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن يعقوب بن يزيد ، عن إبراهيم بن محمد النوفلي رفعه إلى علي بن الحسين صلوات الله عليه قال مر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله براعي إبل فبعث يستسقيه فقال أما ما في ضروعها فصبوح الحي وأما ما في آنيتنا فغبوقهم فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ـ اللهم أكثر ماله وولده ثم مر براعي غنم فبعث إليه يستسقيه فحلب له ما في ضروعها وأكفأ ما في إنائه في إناء ـ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وبعث إليه بشاة وقال هذا ما عندنا وإن أحببت أن نزيدك زدناك قال فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ـ اللهم ارزقه الكفاف فقال له بعض أصحابه يا رسول الله دعوت للذي ردك بدعاء عامتنا نحبه ودعوت للذي أسعفك بحاجتك بدعاء كلنا نكرهه فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى اللهم ارزق محمدا وآل محمد الكفاف.

٥ ـ عنه ، عن أبيه ، عن أبي البختري ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إن الله عز

_________________________________________

فيها أربعة أقوال : قيل الغناء أفضل وقيل : الفقر أفضل وقيل : الكفاف أفضل ، وقيل : بالوقف ، وقال : المراد بالرزق المذكور ما ينتفع بهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في نفسه وفي أهل بيته ، وليس المراد به الكسب لأنه كسب من خيبر وغيرها فوق القوت ، انتهى.

الحديث الرابع : مرفوع.

والصبوح بالفتح شرب الغداة وما حلب أول النهار ، والغبوق بالفتح أيضا الشرب بالعشي أو ما حلب آخر النهار ، وفي القاموس :كفاه كمنعه صرفه وكبه وقلبه كاكفاه ، وقال الجوهري : كفأت الإناء كببته وقلبته فهو مكفوء وزعم ابن الأعرابي أن أكفأته لغة وقال الكسائي : كفأت الإناء وأكفأته أملته ، وقال :أسعفت الرجل بحاجته إذا قضيتها له.

الحديث الخامس : ضعيف.

والحزن بالضم الهم وحزن كفرح لازم وحزن كنصر متعد ، يقال حزنه


وجل يقول يحزن عبدي المؤمن إن قترت عليه وذلك أقرب له مني ويفرح عبدي المؤمن إن وسعت عليه وذلك أبعد له مني.

٦ ـ الحسين بن محمد ، عن أحمد بن إسحاق ، عن بكر بن محمد الأزدي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال الله عز وجل إن من أغبط أوليائي عندي عبدا مؤمنا ذا حظ من صلاح أحسن عبادة ربه وعبد الله في السريرة وكان غامضا في الناس فلم يشر إليه بالأصابع وكان رزقه كفافا فصبر عليه فعجلت به المنية فقل تراثه وقلت بواكيه.

_________________________________________

الأمر حزنا وأحزنه ، وهنا يحتمل الوجهين بأن يكون يحزن بفتح الزاي ، وعبدي فاعله وإن بالكسر حرف شرط ، أو يحزن بالضم وعبدي مفعوله وأن بالفتح مصدرية في محل الفاعل ، والتقتير التضييق ، وكذا قوله : يفرح يحتمل بناء المجرد ورفع عبدي ، وكسر إن ، أو بناء التفعيل ونصب عبدي وفتح أن واللام في له في الموضعين للتعدية.

الحديث السادس : صحيح.

والسر والسريرة ما يكتم ، أي عبد الله خفية فهو يؤيد الغيب بالمعنى الأول ، أو في القلب عند حضور المخالفين ، فيؤيد الأخير ، والأول أظهر« فلم يشر » علي بناء المجهول كناية عن عدم الشهرة تأكيدا وتفريعا على الفقرة السابقة وقد مر مضمونه في الحديث الأول ، ولله در من نظم الحديثين فقال :

أخص الناس بالإيمان عبد

خفيف الحال مسكنه القفار

له في الليل حظ من صلاة

ومن صوم إذا طلع النهار

وقوت النفس يأتي من كفاف

وكان له على ذاك اصطبار

وفيه عفة وبه خمول

إليه بالأصابع لا يشار

وقل الباكيات عليه لما

قضى وليس له يسار

فذاك قد نجا من كل شر

ولم تمسسه يوم البعث نار.


باب

تعجيل فعل الخير

١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن النعمان قال حدثني حمزة بن حمران قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول إذا هم أحدكم بخير فلا يؤخره فإن العبد ربما صلى الصلاة أو صام اليوم فيقال له اعمل ما شئت بعدها فقد غفر الله لك.

_________________________________________

باب تعجيل فعل الخير

الحديث الأول : مجهول.

قوله عليه‌السلام : فإن العبد ، يعني أن العبادة التي توجب المغفرة التامة والقرب الكامل من جناب الحق تعالى مستورة على العبد لا يدري أيها هي فكلما هم بعبادة فعليه إمضاؤها قبل أن تفوته فلعلها تكون هي تلك العبادة كما روي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها ، والصلاة والصوم منصوبان بالمصدرية للنوع أي نوعا من الصلاة ونوعا من الصوم ، وفي بعض النسخ مكان الصوم اليوم ، فهو منصوب على الظرفية.

« فيقال له » القائل هو الله كما سيأتي أو الملائكة« بعدها » الضمير راجع إلى الصلاة على المثال أو إلى كل منهما بتأويل العبادة وفيقوله : « اعمل ما شئت » إشكال فإنه ظاهرا أمر بالقبيح؟ والجواب أنه معلوم أنه ليس الأمر هنا على حقيقته بل الغرض بيان أن الأعمال السيئة لا تضرك بحيث تحرمك عن دخول الجنة بأن وفقت لعدم الإصرار على الكبيرة ، أو صرت قابلا للعفو والمغفرة فيغفر الله لك ، فإن قيل : هذا إغراء بالقبيح؟ قلت : الإغراء بالقبيح إنما يكون إذا علم العبد صدور مثل ذلك العمل عنه ، وأنه أي عمل هو وهو مستور عنه ، وقد يقال : إن


٢ ـ عنه ، عن علي بن الحكم ، عن أبي جميلة قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام افتتحوا نهاركم بخير وأملوا على حفظتكم في أوله خيرا وفي آخره خيرا يغفر لكم ما بين ذلك إن شاء الله.

٣ ـ عنه ، عن ابن أبي عمير ، عن مرازم بن حكيم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال كان أبي يقول إذا هممت بخير فبادر فإنك لا تدري ما يحدث.

_________________________________________

المعنى أنك لا تحاسب على ما مضى فقد غفر لك فبعد ذلك استأنف العمل إما للجنة فتستوجبها ، وإما للنار فتستحقها كقوله : اعمل ما شئت فإنك ملاقيه.

وهذا الخبر منقول في طرق العامة وقال القرطبي : الأمر في قوله : اعمل ما شئت أمر إكرام كما في قوله تعالى : «ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ »(١) وإخبار عن الرجل بأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه ومحفوظ في الآتي ، وقال الآبي : يريد بأمر الإكرام أنه ليس إباحة لأن يفعل ما يشاء.

الحديث الثاني : ضعيف.

ويدل على الحث على فعل الطاعات في أول النهار وافتتاح النهار بالأدعية والأذكار والتلاوة وسائر الأقوال الحسنة فإن ملائكة النهار يكتبونها في أول صحيفة أعمالهم فكأنهم يملي عليهم ، وكذا في آخر النهار فإن الإملاء هو أن تلقى شيئا على غيرك ليكتب وأصله الإملال وعلى أن فعل ذلك يوجب غفران ما بينهما من الذنوب ، ولذا وردت عن أئمتناعليهم‌السلام أذكار وأدعية كثيرة للصباح والمساء ، والتقييد بالمشية للتبرك أو لعدم الاغترار.

الحديث الثالث : صحيح.

« فإنك لا تدري ما يحدث » أي كموت أو هرم أو مرض أو سهو أو نسيان أو وسوسة شيطان أو مانع من الموانع التي لا تعد ولا تحصى.

__________________

(١) سورة الحجر : ٣٦.


٤ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن ابن أذينة ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إن الله يحب من الخير ما يعجل.

٥ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن علي بن الحكم ، عن أبان بن عثمان ، عن بشير بن يسار ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إذا أردت شيئا من الخير فلا تؤخره فإن العبد يصوم اليوم الحار يريد ما عند الله فيعتقه الله به من النار ولا تستقل ما يتقرب به إلى الله عز وجل ولو شق تمرة.

٦ ـ عنه ، عن ابن فضال ، عن ابن بكير ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال من هم بخير فليعجله ولا يؤخره فإن العبد ربما عمل العمل فيقول

_________________________________________

الحديث الرابع : حسن كالصحيح.

ويدل على استحباب تعجيل الخيرات كما قال تعالى : «وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ »(١) وقال سبحانه : «أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ »(٢) ويدل على استحباب المبادرة إلى الصلوات في أوائل أوقاتها وكذا سائر العبادات.

الحديث الخامس : مجهول.

« ولو بشق تمرة » أي نصفها فإنه قد يحفظ به النفس عن الجوع المهلك ، وقد يعلل به اليتيم ولأنه إذا اجتمع منه كثير يصير قوتا لشخص ، قال في النهاية : فيه : اتقوا النار ولو بشق تمرة فإنها تقع من الجائع موقعها من الشبعان ، قيل : أراد أن شق التمرة أي نصفها لا يتبين له كبير موقع من الجائع إذا تناوله كما لا يتبين على شبع الشبعان إذا أكله فلا تعجزوا أن تتصدقوا به ، وقيل : لأنه يسأل هذا شق تمرة وذا شق تمرة وثالثا ورابعا فيجتمع له ما يسد به جوعته.

الحديث السادس : مرسل.

__________________

(١) سورة آل عمران : ١٣٣.

(٢) سورة المؤمنون : ٦١.


الله تبارك وتعالى قد غفرت لك ولا أكتب عليك شيئا أبدا ومن هم بسيئة فلا يعملها فإنه ربما عمل العبد السيئة فيراه الله سبحانه فيقول لا وعزتي وجلالي لا أغفر لك بعدها أبدا.

٧ ـ علي ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام بن سالم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إذا هممت بشيء من الخير فلا تؤخره فإن الله عز وجل ربما اطلع على العبد وهو على شيء من الطاعة فيقول وعزتي وجلالي لا أعذبك بعدها أبدا وإذا هممت بسيئة فلا تعملها فإنه ربما اطلع الله على العبد وهو على شيء من المعصية فيقول وعزتي وجلالي لا أغفر لك بعدها أبدا.

٨ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن ابن فضال ، عن أبي جميلة ، عن محمد بن حمران ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إذا هم أحدكم بخير أو صلة فإن عن

_________________________________________

قوله تعالى :قد غفرت لك ، الظاهر أن هذا من باب التفضل وذلك العمل يصير سببا لاستحقاق هذا الفضل ، ويحتمل أن يكون مبنيا على التكفير فإن الحسنات يذهبن السيئات ، ويكون هذا العمل مكفرا لما بعده أيضا ويحفظه الله فيما يأتي عن الكبائر كما مر ، وأماقوله : لا أغفر لك بعدها أبدا ، فهو إما لخروجه بذلك عن استحقاق الغفران فيعاقب على جميع معاصيه بعد ذلك ، أو لاستحقاقه للخذلان فيتسلط عليه الشيطان فيخرجه من الإيمان ، أو هو مبني على الحبط فيحبط هذا العمل ما يأتي به من الطاعات بعده ، أعاذنا الله وسائر المؤمنين من ذلك والله المستعان.

الحديث السابع : حسن كالصحيح.

وفي المصباحاطلعت زيدا على كذا مثال أعلمته وزنا ومعنى فاطلع على افتعل أي أشرف عليه وعلم به.

الحديث الثامن : ضعيف.

« بخير » أي إيصال نفع إلى الغير أو الأعم منه ومن سائر الأعمال الصالحة


يمينه وشماله شيطانين فليبادر لا يكفاه عن ذلك.

٩ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن محمد بن سنان ، عن أبي الجارود قال سمعت أبا جعفرعليه‌السلام يقول من هم بشيء من الخير فليعجله فإن كل شيء فيه تأخير فإن للشيطان فيه نظرة.

_________________________________________

التي ينتفع بها في الآخرة« أو صلة » أي صلة رحم من الوالدين والأقارب أو الأعم منهم ومن المؤمنين فيكون تخصيصا بعد التعميم أو المراد بالخير ما يصل نفعه إلى نفسه ، وبالصلة ما يصل إلى الغير« فإن عن يمينه وشماله » قد يقال صاحب اليمين يضله من جهة الطاعة وصاحب الشمال من جهة المعصية.

واعلم أن النفوس البشرية نافرة على العبادات لما فيها من المشقة الثقيلة عليها ، وعن صلة الأرحام والمبرات لما فيها من صرف المال المحبوب لها ، فإذا هم أحدهم بشيء من ذلك مما يوجب وصوله إلى مقام الزلفى وتشرفه بالسعادة العظمى فليبادر إلى إمضائه وليعجل إلى اقتنائه فإن الشيطان أبدا في مكمن ينتهض الفرصة لنفثه في نفسه الأمارة بالسوء ويتحرى الحيلة مرة بعد أخرى في منعها عن الإرادات الصحيحة الموجبة لسعادتها وأمرها بالقبائح المورثة لشقاوتها ، ويجلب عليها خيله ورجله من جميع الجهات ليسد عليها طرق الوصول إلى الخيرات ، وهي مع ذلك قابلة لتلك الوساوس ومائلة بالطبع إلى هذه الخسائس فربما يتمكن منها الشيطان غاية التمكن حتى يصرفها عن تلك الإرادة ويكفها عن هذه السعادة وهي مجربة مشاهدة في أكثر الناس إلا من عصمه الله« لا يكفاه » أي لا يمنعاه.

الحديث التاسع : ضعيف.

« فإن للشيطان فيه نظرة » بسكون الظاء أي فكرة لإحداث حيلة يكف بها العبد عن الإتيان بالخير ، أو بكسرها يعني مهلة يتفكر فيها لذلك ، أو بالتحريك بمعنى الحكم أو بمعنى الفكر أو بمعنى الانتظار والكل مناسب ، قال في القاموس : نظره كنصره


١٠ ـ محمد بن يحيى ، عن محمد بن الحسين ، عن علي بن أسباط ، عن العلاء ، عن محمد بن مسلم قال سمعت أبا جعفرعليه‌السلام يقول إن الله ثقل الخير على أهل الدنيا

_________________________________________

وسمعه وإليه نظرا ومنظرا تأمله بعينه ، وبينهم حكم والنظر محركة الفكر في الشيء تقدره وتقيسه ، والانتظار والحكم بين القوم والإعانة والفعل كنصر والنظرة كفرحة : التأخير في الأمر والنظرة : الهيبة.

الحديث العاشر : موثق كالصحيح.

« ثقل الخير على أهل الدنيا » أي على جميع المكلفين في الدنيا بأن جعل ما كلفهم به مخالفا لمشتهيات طباعهم وإن كان المقربون لقوة عقولهم وكثرة علومهم ورياضاتهم غلبوا على أهوائهم وصار عليهم خفيفا بل يلتذون به أو المراد بأهل الدنيا الراغبون فيها والطالبون مع ذلك للآخرة فهم يزجرون أنفسهم على ترك الشهوات فالحسنات عليهم ثقيلة والشرور عليهم خفيفة ، والثقل والخفة في الموازين إشارة إلى قوله تعالى : «فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ ، وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ »(١) .

واعلم أنه لا خلاف في حقية الميزان وقد نطق به صريح القرآن في مواضع لكن اختلف المتكلمون من الخاصة والعامة في معناه ، فمنهم من حمله على المجاز وأن المراد من الموازين هي التعديل بين الأعمال والجزاء عليها ووضع كل جزاء في موضعه وإيصال كل ذي حق إلى حقه ، ذهب إليه الشيخ المفيد قدس الله روحه وجماعة من العامة ، والأكثرون منا ومنهم حملوه على الحقيقة ، وقالوا : إن الله ينصب ميزانا له لسان وكفتان يوم القيامة فتوزن به أعمال العباد والحسنات والسيئات ، واختلفوا في كيفية الوزن لأن الأعمال إعراض لا تجوز عليها الإعادة ولا يكون لها وزن ولا تقوم بأنفسها ، فقيل : توزن صحائف الأعمال

__________________

(١) سورة القارعة : ٨ ـ ٩.


كثقله في موازينهم يوم القيامة وإن الله عز وجل خفف الشر على أهل الدنيا كخفته في موازينهم يوم القيامة.

_________________________________________

وقيل : تظهر علامات للحسنات وعلامات للسيئات في الكفتين فتراها الناس وقيل : تظهر للحسنات صور حسنة وللسيئات صور سيئة وهو مروي عن ابن عباس ، وقيل : بتجسم الأعمال في تلك النشأة وقالوا بجواز تبدل الحقائق في النشأتين كما في النوم واليقظة ، وقيل : توزن نفس المؤمن والكافر فعن عبيد بن عمير قال : يؤتى بالرجل العظيم الجثة فلا يزن جناح بعوضة وقيل : الميزان واحد والجمع باعتبار أنواع الأعمال والأشخاص ، وقيل : الموازين متعددة بحسب ذلك ، وقد ورد في الأخبار أن الأئمةعليهم‌السلام هم الموازين القسط ، فيمكن حملها على أنهم الحاضرون عندها والحاكمون عليها وعدم صرف ألفاظ القرآن عن حقائقها بدون حجة قاطعة أولى.

فعلى القول بظاهر الميزان نسبة الخفة والثقل إلى الموازين باعتبار كفة الحسنات فالمراد بمن خفت موازينه من خفت كفة حسناته بسبب ثقل كفة سيئاته ، قال الطبرسي (ره) في قوله تعالى : «فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ » إلخ ، قد ذكر سبحانه الحسنات في الموضعين ولم يذكر وزن السيئات لأن الوزن عبارة عن القدر والخطر والسيئة لا خطر لها ولا قدر وإنما الخطر والقدر للحسنات فكان المعنى فأما من عظم قدره عند الله لكثرة حسناته ، ومن خف قدره عند الله لخفة حسناته ، انتهى.

وأما ما ورد في الخبر من نسبة الخفة إلى الشر فيمكن أن يكون الإسناد على المجاز ، فإن الشر لما كان علة لخفة كفة الحسنات نسبة الخفة إليها أو لأنه يصير سببا لخفة قدر صاحبه ومذلته ، ولا يبعد القول بوحدة كفة الميزان في القيامة فتوضع فيها الحسنات والسيئات معا فتخف بسبب السيئات وتثقل بسبب الحسنات ، فتكون لوقوفها منازل من الاعتدال والثقل والخفة ، كما ذهب إليه بعض المحدثين فالآيات والأخبار تعتدل على ظواهرها ، والله يعلم حقائق كلامه وكلام حججه وهمعليهم‌السلام .


باب

الإنصاف والعدل

١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن الحسن بن حمزة ، عن جده ، عن أبي حمزة الثمالي ، عن علي بن الحسين صلوات الله عليه قال كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول في آخر خطبته طوبى لمن طاب خلقه وطهرت سجيته وصلحت سريرته وحسنت علانيته وأنفق الفضل من ماله وأمسك الفضل من قوله وأنصف الناس من نفسه

_________________________________________

باب الإنصاف والعدل

الحديث الأول : مجهول.

« طوبى » أي الجنة أو شجرتها المعروفة أو أطيب الأحوال في الدنيا والآخرة« لمن طاب خلقه » بضم الخاء أي تخلق بالأخلاق الحسنة ، ويحتمل الفتح أيضا أي يكون مخلوقا من طينة حسنة« وطهرت سجيته » أي طبيعته من الأخلاق الرذيلة فعلى الأول يكون تأكيدا لما سبق ، وفي المصباح : السجية الغريزة والجمع سجايا« وصلحت سريرته » أي قلبه بالمعارف الإلهية والعقائد الإيمانية وبالخلو عن الحقد والنفاق وقصد إضرار المسلمين ، أو بواطن أحواله بأن لا تكون مخالفة لظواهرها كالمرائين ، وفي القاموس : السر ما يكتم كالسريرة.

« وحسنت علانيته » بكونها موافقة للآداب الشرعية« وأنفق الفضل من ماله » بإخراج الحقوق الواجبة والمندوبة أو الأعم منهما ومما فضل من الكفاف« وأمسك الفضل من قوله » بحفظ لسانه عما لا يعنيه« وأنصف الناس من نفسه » أي كان حكما وحاكما على نفسه فيما كان بينه وبين الناس ، ورضي لهم ما رضي لنفسه ، وكره لهم ما كره لنفسه ، وكان كلمة من للتعليل ، أي كان إنصافه الناس بسبب نفسه لا بانتصاف حاكم غيره.


٢ ـ عنه ، عن محمد بن سنان ، عن معاوية بن وهب ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال من يضمن لي أربعة بأربعة أبيات في الجنة أنفق ولا تخف فقرا وأفش السلام في العالم واترك المراء وإن كنت محقا وأنصف الناس من نفسك.

٣ ـ عنه ، عن الحسن بن علي بن فضال ، عن علي بن عقبة ، عن جارود أبي

_________________________________________

قال في المصباح : نصفت المال بين الرجلين أنصفه من باب قتل قسمته نصفين وأنصفت الرجل إنصافا عاملته بالعدل وبالقسط ، والاسم النصفة بفتحتين لأنك أعطيته من الحق ما تستحقه لنفسك.

الحديث الثاني : ضعيف على المشهور.

« من يضمن لي أربعة » من للاستفهام ، ويقال : ضمنت المال وبه ضمانا فأنا ضامن وضمين التزمته« بأربعة أبيات » الباء للمقابلة والأبيات جمع بيت كالبيوت ، والحاصل من يلتزم لي أربعة من الأعمال في مقابلة أربعة أبيات ألتزمها له في الجنة ، وفي المحاسن : من يضمن لي أربعة أضمن له بأربعة أبيات ثم بينعليه‌السلام الأعمال على سبيل الاستئناف ، كان السائل قال : ما هي حتى أفعلها؟ قال :« أنفق » أي فضل مالك في سبيل الله ، وما يوجب رضاه« ولا تخف فقرا » فإن الإنفاق موجب للخلف« وأفش السلام في العالم » أي أنشر التسليم وأكثره أي سلم على كل من لقيته إلا ما استثني مما سيأتي في بابه. في القاموس : فشا خبره وعرفه وفضله فشوا وفشوا وفشيا : انتشر وأفشاه.

« واترك المراء » أي الجدال والمنازعة وإن كان في مسائل العلمية إذا لم يكن الغرض إظهار الحق وإلا فهو مطلوب كما قال تعالى : «وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ »(١) وقد مر الكلام فيه.

الحديث الثالث : موثق.

__________________

(١) سورة النحل : ١٢٥ ،.


المنذر قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول سيد الأعمال ثلاثة إنصاف الناس من نفسك حتى لا ترضى بشيء إلا رضيت لهم مثله ومواساتك الأخ في المال وذكر الله على كل حال ليس سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فقط ولكن

_________________________________________

« سيد الأعمال » أي أشرفها وأفضلها« حتى لا ترضى بشيء » أي لنفسك أي لا يطلب منهم من المنافع إلا مثل ما يعطيهم ، ولا ينيلهم من المضار إلا ما يرضى أن يناله منهم ويحكم لهم على نفسه« ومواساتك الأخ في المال » أي جعله شريكك في مالك وسيأتي الأخ في الله فيشمل نصرته بالنفس والمال وكلما يحتاج إلى النصرة فيه.

قال في النهاية : قد تكرر ذكر الأسوة والمواساة وهي بكسر الهمزة وضمها القدرة والمواساة المشاركة والمساهمة في المعاش والرزق وأصلها الهمزة فقلبت واوا تخفيفا وفي القاموس : الأسوة بالكسر والضم القدوة واساه بماله مواساة أناله منه وجعله فيه أسوة ولا يكون ذلك إلا من كفاف ، فإن كان من فضلة فليس بمواساة وقال : واساه آساه لغة رديئة ، انتهى.

« وذكر الله على كل حال » سواء كانت الأحوال شريفة أو خسيسة كحال الجنابة وحال الخلاء وغيرهما« ليس » أي ذكر الله« سبحان الله » إلخ ، أي منحصرا فيها كما تفهمه العوام وإن كان ذلك من حيث المجموع وكل واحد من أجزائه ذكرا أيضا ولكن العمدة في الذكر ما سيذكر.

واعلم أن الذكر ثلاثة أنواع : ذكر باللسان ، وذكر بالقلب ، والأول يحصل بتلاوة القرآن والأدعية ، وذكر أسماء الله وصفاته سبحانه ودلائل التوحيد والنبوة والإمامة والعدل والمعاد والمواعظ والنصائح ، وذكر صفات الأئمةعليهم‌السلام وفضائلهم ومناقبهم ، فإنه روي عنهمعليهم‌السلام إذا ذكرنا ذكر الله وإذا ذكر أعداؤنا ذكر الشيطان وبالجملة كلما يصير سببا لذكره تعالى حتى المسائل الفقهية والأخبار المأثورة عنهمعليهم‌السلام .


إذا ورد عليك شيء أمر الله عز وجل به أخذت به أو إذا ورد عليك شيء نهى الله عز وجل عنه تركته.

٤ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن إبراهيم بن محمد الثقفي ، عن علي بن المعلى ، عن يحيى بن أحمد ، عن أبي محمد الميثمي ، عن رومي بن زرارة

_________________________________________

والثاني نوعان : أحدهما التفكر في دلائل جميع ما ذكر وتذكرها وتذكر نعم الله وآلائه والتفكر في فناء الدنيا وترجيح الآخرة عليها وأمثال ذلك مما مر في باب التفكر ، والثاني تذكر عقوبات الآخرة ومثوباتها عند عروض شيء أمر الله به أو نهى عنه ، فيصير سببا لارتكاب الأوامر والارتداع عن النواهي ، وقالوا : الثالث من أقسام الثلاثة أفضل من الأولين ، ومن العامة من فضل الأول على الثالث مستندا بأن في الأول زيادة عمل الجوارح ، وزيادة العمل تقتضي زيادة الأجر ، والحق أن الأول إذا انضم إلى أحد الأخيرين كان المجموع أفضل من كل منهما بانفراده ، إلا إذا كان الذكر القلبي بدون الذكر اللساني أكمل في الإخلاص وسائر الجهات فيمكن أن يكون بهذه الجهة أفضل من المجموع ، وأما الذكر اللساني بدون الذكر القلبي كما هو الشائع عند أكثر الخلق أنهم يذكرون الله باللسان على سبيل العادة ، مع غفلتهم عنه ، وشغل قلبهم بما يلهى عن الله ، فهذا الذكر لو كان له ثواب لكانت له درجة نازلة من الثواب ، ولا ريب أن الذكر القلبي فقط أفضل منه ، وكذا المواعظ والنصائح التي يذكرها الوعاظ رياء من غير تأثر قلبهم به ، فهذا أيضا لو لم يكن صاحبه معاقبا فليس بمثاب ، وأما الترجيح بين الثاني والثالث فمشكل مع أن لكل منهما أفراد كثيرة لا يمكن تفضيلها وترجيحها.

ثم إن العامة اختلفوا في أن الذكر القلبي هل تعرفه الملائكة وتكتبه أم لا؟

فقيل بالأول ، لأن الله تعالى يجعل له علامة تعرفه الملائكة بها ، وقيل بالثاني لأنهم لا يطلعون عليها.

الحديث الرابع : مجهول ، وكلمة من شرطية.


عن أبيه ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال قال أمير المؤمنينعليه‌السلام في كلام له ألا إنه من ينصف الناس من نفسه لم يزده الله إلا عزا.

٥ ـ عنه ، عن عثمان بن عيسى ، عن عبد الله بن مسكان ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال ثلاثة هم أقرب الخلق إلى الله عز وجل يوم القيامة حتى يفرغ من الحساب رجل لم تدعه قدرة في حال غضبه إلى أن يحيف على من تحت يده ورجل مشى بين اثنين فلم يمل مع أحدهما على الآخر بشعيرة ورجل قال بالحق فيما له وعليه.

٦ ـ عنه ، عن أبيه ، عن النضر بن سويد ، عن هشام بن سالم ، عن زرارة ، عن

_________________________________________

الحديث الخامس : موثق.

« هم أقرب الخلق » أي بالقرب المعنوي كناية عن شمول لطفه ورحمته تعالى لهم ، أو المراد به القرب من عرشه تعالى ، أو من الأنبياء والأوصياءعليهم‌السلام الذي إليهم حساب الخلق وعلى الأول ليس المراد بالغاية انقطاع القرب بعده ، بل المراد أن في جميع الموقف الذي الناس فيه خائفون وفارغون ومشغولون بالحساب ، هم في محل الأمن والقرب وتحت ظل العرش وبعده أيضا كذلك بالطريق الأولى.

وقوله : حتى يفرغ ، إما على بناء المعلوم والمستتر راجع إلى الله أو على بناء المجهول ، والظرف نائب الفاعل« لم تدعه » أي لم تحمله من دعا يدعو« قدرة » بالتنوين والإضافة إلى الضمير بعيد أي قدرة على الحيف وهو الجور والظلم ، ويمكن حمله هنا على ما يشمل الانتقام بالمثل المجوز أيضا ، فإن العفو أفضل ، وفي الخصال قدرته« ورجل مشى بين اثنين » بالمشي الحقيقي أو كناية عن الحكم بينهما أو الأعم منه ومن أداء رسالة أو مصالحة« بشعيرة » مبالغة مشهورة في القلة ، والمراد ترك الميل بالكلية« فيما له وعليه » أي فيما ينفعه في الدنيا أو يضره فيها.

الحديث السادس : مجهول وسيأتي تمام الخبر ، ورواه المفيد (ره) في مجالسه بإسناده عن هشام بن سالم عن أبي عبيدة الحذاء عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال


الحسن البزاز ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال في حديث له ألا أخبركم بأشد ما فرض الله على خلقه فذكر ثلاثة أشياء أولها إنصاف الناس من نفسك.

٧ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله سيد الأعمال إنصاف الناس من نفسك ومواساة الأخ في الله وذكر الله عز وجل على كل حال.

٨ ـ علي ، عن أبيه ، عن ابن محبوب ، عن هشام بن سالم ، عن زرارة ، عن الحسن البزاز قال قال لي أبو عبد اللهعليه‌السلام ألا أخبرك بأشد ما فرض الله على خلقه ثلاث قلت بلى قال إنصاف الناس من نفسك ومواساتك أخاك وذكر الله في كل موطن أما إني لا أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وإن كان هذا من ذاك ولكن ذكر الله جل وعز في كل موطن إذا هجمت على طاعة أو على معصية.

_________________________________________

ألا أخبرك بأشد ما افترض الله على خلقه : إنصاف الناس من أنفسهم ، ومواساة الإخوان في الله عز وجل ، وذكر الله على كل حال ، فإن عرضت له طاعة لله عمل بها ، وإن عرضت له معصية تركها ، وكان المراد بالفرض أعم من الواجب والسنة المؤكدة.

الحديث السابع : ضعيف على المشهور ، وقد مر في الثالث ، وهنا مكان في المال« في الله » أي الأخ الذي إخوته لله لا للأغراض الدنيوية أو هو متعلق بالمواساة ، أي تكون المواساة لله لا للشهرة والفخر ، وعلى التقديرين ما فيه المواساة يشمل غير المال أيضا.

الحديث الثامن : مجهول.

« بأشد ما فرض الله على خلقه ثلاث » ليس ثلاث في بعض النسخ وهو أظهر ، وعلى تقديره بدل أو عطف بيان للأشد أو خبر مبتدإ محذوف« إذا هجمت » على بناء المعلوم أو المجهول ، في القاموس : هجم عليه هجوما انتهى إليه بغتة أو دخل


٩ ـ ابن محبوب ، عن أبي أسامة قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام ما ابتلي المؤمن بشيء أشد عليه من خصال ثلاث يحرمها قيل وما هن قال المواساة في ذات يده والإنصاف من نفسه وذكر الله كثيرا أما إني لا أقول ـ سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ولكن ذكر الله عند ما أحل له وذكر الله عند ما حرم عليه.

١٠ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن أبي عبد الله ، عن يحيى بن إبراهيم بن أبي البلاد ، عن أبيه ، عن جده أبي البلاد رفعه قال جاء أعرابي إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو يريد بعض غزواته فأخذ بغرز راحلته فقال يا رسول الله علمني عملا أدخل

_________________________________________

بغير إذن أو دخل وفلانا أدخله كأهجمه ، انتهى.

وفي بعض النسخ إذا همت والأول أكثر وأظهر.

الحديث التاسع : حسن كالصحيح.

« أشد عليه » أي في الآخرة« يحرمها » على بناء المجهول وهو بدل اشتمال للخصال ، أي من حرمان خصال ثلاث يقال : حرمة الشيء كضربه وعلمه حريما وحرمانا بالكسر منعه ، فهو محروم ، ومن قرأ على بناء المعلوم من قولهم حرمته إذا امتنعت فعله فقد أخطأ ، واشتبه عليه ما في كتب اللغة« في ذات يده » أي الأموال المصاحبة ليده أي المملوكة له ، فإن الملك ينسب غالبا إلى اليد كما يقال :

ملك اليمين ، قال الطيبي : ذات الشيء نفسه وحقيقته ، ويراد به ما أضيف إليه ومنه إصلاح ذات البين أي إصلاح أحوال بينكم حتى تكون أحوال ألفه ومحبة واتفاق ، كعليم بذات الصدور أي بمضمراتها ، وفي شرح جامع الأصول في ذات يده أي فيما يملكه من ملك وأثاث.

الحديث العاشر : مرفوع.

« فأخذ بغرز راحلته » قال الجوهري : الغرز ركاب الرحل من جلد عن أبي الغوث قال : فإذا كان من خشب أو حديد فهو ركاب ، وقال : رحل البعير أصغر من


به الجنة فقال ما أحببت أن يأتيه الناس إليك فأته إليهم وما كرهت أن يأتيه الناس إليك فلا تأته إليهم خل سبيل الراحلة.

١١ ـ أبو علي الأشعري ، عن الحسن بن علي الكوفي ، عن عبيس بن هشام ، عن عبد الكريم ، عن الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال العدل أحلى من الماء يصيبه

_________________________________________

القتب ، والراحلة : الناقة التي تصلح لأن ترحل ، ويقال : الراحلة المركب من الإبل ذكرا كان أو أنثى ، انتهى.

« أن يأتيه الناس إليك » كأنه على الحذف والإيصال ، أي يأتي به الناس إليك ، أو هو من قولهم أتى الأمر أي فعله ، أي يفعله الناس منتهيا إليك ، ويمكن أن يقرأ على بناء التفعيل من قولهم : أتيت الماء تأتيه أي سهلت سبيله ، وقال في المصباح : أتى الرجل يأتي إيتاء : جاء ، وأتيته يستعمل لازما ومتعديا.

الحديث الحادي عشر : موثق.

والعدل ضد الجور ، ويطلق على ملكة للنفس تقتضي الاعتدال في جميع الأمور ، واختيار الوسط بين الإفراط والتفريط ، ويطلق على إجراء القوانين الشرعية في الأحكام الجارية بين الخلق.

قال الراغب : العدل ضربان : مطلق يقتضي العقل حسنه ، ولا يكون في شيء من الأزمنة منسوخا ولا يوصف بالاعتداء بوجه نحو الإحسان إلى من أحسن إليك وكف الأذية عمن يكف أذاه عنك ، وعدل يعرف كونه عدلا بالشرع ، ويمكن أن يكون منسوخا في بعض الأزمنة كالقصاص وأرش الجنايات ، ولذلك قال :

«فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ »(١) وقال : «وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها »(٢) فسمي ذلك اعتداء وسيئة ، وهذا النحو هو المعنى بقوله : «إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ »(٣) فإن العدل هو المساواة في المكافاة إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا ،

__________________

(١) سورة البقرة : ١٩٤.

(٢) سورة الشورى : ٤٠.

(٣) سورة النحل : ٩٠.


الظمآن ما أوسع العدل إذا عدل فيه وإن قل.

١٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن محبوب ، عن بعض أصحابه ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال من أنصف الناس من نفسه رضي به حكما لغيره.

١٣ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن سنان ، عن يوسف بن عمران بن ميثم ، عن يعقوب بن شعيب ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال أوحى الله عز

_________________________________________

والإحسان أن يقابل الخير بأكثر منه ، والشر بأقل منه ، انتهى.

وقوله عليه‌السلام : إذا عدل فيه ، يحتمل وجوها : الأول أن يكون الضمير راجعا إلى الأمر أي ما أوسع العدل إذا عدل في أمر وإن قل ذلك الأمر.

الثاني : أن يكون الضمير راجعا إلى العدل ، والمراد بالعدل الأمر الذي عدل فيه فيرجع إلى المعنى الأول ويكون تأكيدا. « الثالث » : إرجاع الضمير إلى العدل أيضا ، والمعنى ما أوسع العدل الذي عدل فيه أي يكون العدل واقعيا حقيقيا لا ما يسميه الناس عدلا ، أو يكون عدلا خالصا غير مخلوط بجور أو يكون عدلا ساريا في جميع الجوارح لا مخصوصا ببعضها ، وفي جميع الناس لا يختص بعضهم.

« الرابع » : ما قيل : أن عدل على المجهول من بناء التفعيل ، والمراد جريانه في جميع الوقائع لا أن يعدل إذا لم يتعلق به غرض فالتعديل رعاية التعادل والتساوي وعلى التقادير يحتمل أن يكون المرادبقوله : وإن قل ، بيان قلة العدل بين الناس.

الحديث الثاني عشر : مرسل.

« رضي به » على بناء المجهول« حكما » بالتحريك تميز أو حال عن ضمير به ، والمعنى أنه يجب أن يكون الحاكم بين الناس من أنصف الناس من نفسه ، ويمكن أن يقرأ على بناء المعلوم أي من أنصف الناس من نفسه لم يحتج إلى حاكم ، بل رضي أن تكون نفسه حكما بينه وبين غيره ، والأول أظهر.

الحديث الثالث عشر : ضعيف على المشهور.


وجل إلى آدمعليه‌السلام أني سأجمع لك الكلام في أربع كلمات قال يا رب وما هن قال واحدة لي وواحدة لك وواحدة فيما بيني وبينك وواحدة فيما بينك وبين الناس قال يا رب بينهن لي حتى أعلمهن قال أما التي لي فتعبدني «لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً » وأما التي لك فأجزيك بعملك أحوج ما تكون إليه وأما التي بيني وبينك فعليك الدعاء وعلي الإجابة وأما التي بينك وبين الناس فترضى للناس ما ترضى لنفسك وتكره لهم ما تكره لنفسك.

١٤ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن ابن فضال ، عن غالب بن عثمان ، عن روح ابن أخت المعلى ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال اتقوا الله واعدلوا

_________________________________________

« سأجمع لك الكلام » أي الكلمات الحقة الجامعة النافعة« فتعبدني » هذه الكلمة جامعة لجميع العبادات الحقة والإخلاص الذي هو من أعظم شروطها ، ومعرفة الله تعالى بالوحدانية والتنزيه عن جميع النقائص والتوكل عليه في جميع الأمور.

قوله تعالى :أحوج ما تكون إليه ، أحوج منصوب بالظرفية الزمانية فإن كلمة ما مصدرية ، وأحوج مضاف إلى المصدر ، وكما أن المصدر يكون نائبا لظرف الزمان نحو رأيته قدوم الحاج فكذا المضاف إليه يكون نائبا له ، ونسبة الاحتياج إلى الكون على المجاز ، و« تكون » تامة و« إليه » متعلق بالأحوج ، وضميره راجع إلى الجزاء الذي هو في ضمن أجزيك.

قوله : فعليك الدعاء ، كان الدعاء مبتدأ وعليك خبره ، وكذا :على الإجابة ، ويحتمل أن يكون بتقدير عليك بالدعاء.

الحديث الرابع عشر : موثق.

« واعدلوا » أي في أهاليكم ومعامليكم ، وكل من لكم عليهم الولاية ، روي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته« فإنكم تعيبون على


فإنكم تعيبون على قوم لا يعدلون.

١٥ ـ عنه ، عن ابن محبوب ، عن معاوية بن وهب ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال العدل أحلى من الشهد وألين من الزبد وأطيب ريحا من المسك.

١٦ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن إسماعيل بن مهران ، عن عثمان بن جبلة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ثلاث خصال من كن فيه أو واحدة منهن كان في ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله رجل أعطى الناس

_________________________________________

قوم لا يعدلون » بين الناس من أمراء الجور فلا ينبغي لكم أن تفعلوا ما تلومون غيركم عليه.

الحديث الخامس عشر : موثق.

والظاهر رجوع ضمير« عنه » إلى أحمد بن محمد بن عيسى في الخبر السابق ، وغفل عن توسط خبر آخر كما لا يخفى على المتتبع ، ويحتمل عوده إلى إبراهيم ابن هاشم لروايته سابقا عن ابن محبوب ، ويمكن عوده إلى محمد بن عبد الجبار والأول أظهر كما لا يخفى على المتتبع.

« أحلى من الشهد » من قبيل تشبيه المعقول بالمحسوس لألف أكثر الخلق بتلك المشتهيات البدنية الدنية.

الحديث السادس عشر : مجهول.

« يوم لا ظل إلا ظله » الضمير راجع إلى الله أو إلى العرش ، فعلى الأول يحتمل أن يكون لله تعالى يوم القيامة ظلال غير ظل العرش وهو أعظمها وأشرفها يخص الله سبحانه من يشاء من عباده ومن جملتهم صاحب هذه الخصال ، وقيل على الأخير : ينافي ظاهرا ما روي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن أرض القيامة نار ما خلا ظل المؤمن فإن صدقته تظله ، ومن ثم قيل : إن في القيامة ظلالا بحسب الأعمال تفيء أصحابها من حر الشمس والنار ، وأنفاس الخلائق ، ولكن ظل العرش


من نفسه ما هو سائلهم ورجل لم يقدم رجلا ولم يؤخر رجلا حتى يعلم أن ذلك لله رضا ورجل لم يعب أخاه المسلم بعيب حتى ينفي ذلك العيب عن نفسه فإنه لا ينفي منها عيبا إلا بدا له عيب وكفى بالمرء شغلا بنفسه عن الناس.

_________________________________________

أحسنها وأعظمها ، وقد يجاب بأنه يمكن أن لا يكون هناك إلا ظل العرش يظل بها من يشاء من عباده المؤمنين ولكن ظل العرش لما كان لا ينال إلا بالأعمال ، وكانت الأعمال تختلف فيحصل لكل عامل ظل يخصه من ظل العرش بحسب عمله وإضافة الظل إلى الأعمال باعتبار أن الأعمال سبب لاستقرار العامل فيه.

وقال الطيبي : في ظل عرش الله ، أي في ظل الله من الحر والوهج في الموقف ، أو أوقفه الله في ظل عرشه حقيقة وقال النووي : قيل : الظل عبارة عن الراحة والنعيم ، نحو هو في عيش ظليل ، والمراد ظل الكرامة لا ظل الشمس لأن سائر العالم تحت العرش ، وقيل : يحتمل جعل جزء من العرش حائلا تحت فلك الشمس ، وقيل : أي كنه من المكاره ووهج الموقف ويوم لا ظل إلا ظله أي دنت منهم الشمس واشتد الحر وأخذهم العرق ، وقيل : أي لا يكون من له ظل كما في الدنيا.

قوله عليه‌السلام : لم يقدم رجلا ، بكسر الراء في الموضعين وهي عبارة شايعة عند العرب والعجم في التعميم في الأعمال أو الأفعال ، أو التقديم كناية عن الفعل ، والتأخير عن الترك ، كما يقال في التردد في الفعل والترك يقدم رجلا ويؤخر أخرى ، وأما قراءة رجلا بفتح الراء وضم الجيم فهو تصحيف.

قوله عليه‌السلام : حتى ينفي قيل : « حتى » هنا مثله في قوله تعالى «حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ »(١) في التعليق على المحال لتتمة الخبر « وكفى بالمرء شغلا » الباء زائدة وشغلا تميز ، والمعنى من شغل بعيوب نفسه وإصلاحها لا يحصل له فراغ ليشتغل بعيوب الناس وتفتيشها ولومهم عليها.

__________________

(١) سورة الأعراف : ٤٠.


١٧ ـ عنه ، عن عبد الرحمن بن حماد الكوفي ، عن عبد الله بن إبراهيم الغفاري ، عن جعفر بن إبراهيم الجعفري ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من واسى الفقير من ماله وأنصف الناس من نفسه فذلك المؤمن حقا.

١٨ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن محمد بن سنان ، عن خالد بن نافع بياع السابري ، عن يوسف البزاز قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول ما تدارأ اثنان في أمر قط فأعطى أحدهما النصف صاحبه فلم يقبل منه إلا أديل منه.

١٩ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن محبوب ، عن أبي أيوب ، عن محمد بن قيس ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال إن لله جنة لا يدخلها إلا ثلاثة أحدهم من حكم في نفسه بالحق.

٢٠ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حماد ، عن الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال العدل أحلى من الماء يصيبه الظمآن ما أوسع العدل إذا عدل فيه وإن قل.

_________________________________________

الحديث السابع عشر : مجهول وقد يعد ضعيفا.

وبنو غفار ككتاب رهط أبي ذررضي‌الله‌عنه « فذلك المؤمن حقا » أي المؤمن الذي يحق ويستأهل أن يسمى مؤمنا لكماله في الإيمان وصفاته.

الحديث الثامن عشر : ضعيف على المشهور.

وفي القاموستدارءوا تدافعوا في الخصومة ،وأديل منه أي جعلت الغلبة والنصرة له عليه ، يقال : أدالنا الله على عدونا أي نصرنا عليه وجعل الغلبة لنا ، وفي الصحيفة أدل لنا ولا تدل منا ، وفي الفائق : أدال الله زيدا من عمر ونزع الله الدولة من عمرو وأتاها زيدا.

الحديث التاسع عشر : صحيح على الظاهر.

الحديث العشرون : حسن كالصحيح وقد مضي عن الحلبي بسند آخر.


باب

الاستغناء عن الناس

١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحسن بن محبوب ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال شرف المؤمن قيام الليل وعزه استغناؤه عن الناس.

٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه وعلي بن محمد القاساني جميعا ، عن القاسم بن محمد ، عن سليمان بن داود المنقري ، عن حفص بن غياث قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام إذا أراد أحدكم أن لا يسأل ربه شيئا إلا أعطاه فلييأس من الناس كلهم ولا يكون

_________________________________________

باب الاستغناء عن الناس

الحديث الأول : صحيح.

والشرف علو القدر والمنزلة ، والعزة الغلبة ودفع المذلة والحمل فيهما على المبالغة والمجاز ، والمراد بالاستغناء قطع الطمع عنهم والقناعة بالكفاف والتوكل على الله وعدم التوسل بهم والسؤال عنهم من غير ضرورة وإلا فالدنيا دار الحاجة والإنسان مدني بالطبع ، وبعضهم محتاجون في تعيشهم إلى بعض ، لكن كلما سعى في قلة الاحتياج والسؤال يكون أعز عند الناس ، وكلما خلى قلبه عن الطمع من الناس كان عون الله له في تيسير حوائجه أكثر.

الحديث الثاني : ضعيف.

قوله عليه‌السلام : فلييأس ، وفي بعض النسخ فليأيس بتوسط الهمزة بين اليائين ، وكلاهما جائز وهو من المقلوب ، قال الجوهري نقلا عن ابن السكيت : أيست منه ييأس يأسا لغة في يئست منه إياس يأسا ومصدرهما واحد ، وآيسني منه فلان أيئسني وكذلك التأييس. وقال : اليأس القنوط وقد يئس من الشيء ييأس وفيه لغة أخرى يئس


له رجاء إلا عند الله فإذا علم الله عز وجل ذلك من قلبه لم يسأل الله شيئا إلا أعطاه.

٣ ـ وبهذا الإسناد ، عن المنقري ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن علي بن الحسين صلوات الله عليه قال رأيت الخير كله قد اجتمع في قطع الطمع عما في أيدي الناس ومن لم يرج الناس في شيء ورد أمره إلى الله عز وجل في جميع أموره استجاب الله عز وجل له في كل شيء.

٤ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن الحكم ، عن الحسين بن أبي العلاء ، عن عبد الأعلى بن أعين قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول طلب الحوائج إلى الناس استلاب للعز ومذهبة للحياء واليأس مما في أيدي الناس عز للمؤمن

_________________________________________

يئيس بالكسر فيهما وهو شاذ ، انتهى.

وقوله : « ولا يكون » جملة حالية أو هو من عطف الخبر على الإنشاء ويدل على أن اليأس من الخلق وترك الرجاء منهم يوجب إجابة الدعاء لأن الانقطاع عن الخلق كلما ازداد زاد القرب منه تعالى ، بل عمدة الفائدة في الدعاء ذلك كما سيأتي تحقيقه إنشاء الله في كتاب الدعاء.

الحديث الثالث : كالسابق سندا ومضمونا.

واجتماع الخيرات في قطع الطمع ظاهر إذ كل خير غيره إما موقوف عليه أو شرط له أو لازم له لأنه لا يحصل ذلك إلا بمعرفة كاملة لجناب الحق تعالى ، واليقين بأنه الضار النافع وبقضائه وقدره وأن أسباب الأمور بيد الله وبلطفه ورحمته ، وفناء الدنيا وعجز أهلها واليقين بالآخرة ومثوباتها وعقوباتها وما من خير إلا وهو داخل في ذلك الأمور.

الحديث الرابع : مجهول.

والاستلاب الاختلاس أي يصير سببا لسلب العز سريعا« مذهبة للحياء » المذهبة إما بالفتح مصدرا ميميا والحمل على المبالغة ، أو هو بمعنى اسم الفاعل أو اسم المكان


في دينه والطمع هو الفقر الحاضر.

٥ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال قلت لأبي الحسن الرضاعليه‌السلام جعلت فداك اكتب لي إلى إسماعيل بن داود الكاتب لعلي أصيب منه قال أنا أضن بك أن تطلب مثل هذا وشبهه ولكن

_________________________________________

أي مظنة لذهاب الحياء ، أو بالكسر أي آلة لذهابه.

« عز للمؤمن في دينه » لأنه مع اليأس عن الناس لا يترك حقا ولا عبادة ولا أمرا بمعروف ولا نهيا عن منكر خوفا من عدم وصول منفعة منهم إليه ، فهو عزيز غالب في دينه أو يكمل دينه بذلك لأنه من أعظم مكملات الإيمان« والطمع هو الفقر الحاضر » لأنه يطمع لئلا يصير فقيرا ومفسدة الفقر الحاجة إلى الناس فهو يتعجل مفسدة الفقر لئلا يصير فقيرا فيترتب عليه مفسدته ، وقيل : يصير سببا لفقر معجل حاضر ، والأول أظهر.

الحديث الخامس : صحيح.

« لعلي أصيب منه » أي نفعا وخيرا« أنا أضن بك » في المصباح ضن بالشيء يضن من باب تعب ضنا وضنة بالكسر بخل فهو ضنين ومن باب ضرب لغة ، انتهى.

أي أنا أبخل بك أن تضيع ، وتطلب هذه المطالب الخسيسة وأشباهها من الأمور الدنيوية بل أريد أن تكون همتك أرفع من ذلك وتطلب مني المطالب العظيمة الأخروية ، أو أن تطلب حاجة من مثل هذا المخالف الموافق له في جميع الصفات أو أكثرها« وشبهه » الموافق له في كونه مخالفا فإن التذلل عند المخالفين موجب لضياع الدين وأنت عزيز علي لا أرضى بهلاكك وأضن بك« ولكن » إذا كانت لك حاجة« عول » واعتمد« على مالي » وخذ منه ما شئت.

ويدل على رفعة شأن البزنطي وكونه من خواصهعليه‌السلام كما يظهر من سائر الأخبار مثل ما رواه الكشي بإسناده عن البزنطي قال : كنت عند الرضاعليه‌السلام فأمسيت


عول على مالي.

٦ ـ عنه ، عن أبيه ، عن حماد بن عيسى ، عن معاوية بن عمار ، عن نجم بن حطيم الغنوي ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال اليأس مما في أيدي الناس عز المؤمن في دينه أوما سمعت قول حاتم :

إذا ما عزمت اليأس ألفيته الغنى

إذا عرفته النفس والطمع الفقر

٧ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن سنان ، عن عمار الساباطي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال كان أمير المؤمنين صلوات الله عليه يقول ليجتمع في قلبك الافتقار إلى الناس والاستغناء عنهم فيكون افتقارك إليهم في لين

_________________________________________

عنده قال : فقلت : أنصرف؟ قال : لا تنصرف فقد أمسيت ، قال : فأقمت عنده فقال لجاريته : هاتي مضربتي ووسادتي فافرشي لأحمد في ذلك البيت ، قال : فلما صرت في البيت دخلني شيء فجعل يخطر ببالي : من مثلي في بيت ولي الله وعلى مهاده! فناداني : يا أحمد إن أمير المؤمنينعليه‌السلام عاد صعصعة بن صوحان فقال : يا صعصعة لا تجعل عيادتي إياك فخرا على قومك وتواضع لله يرفعك.

الحديث السادس : مجهول.

وذكر شعر حاتم ليس للاستشهاد بل للشهرة والدلالة على أن هذا مما يحكم به عقل جميع الناس حتى الكفار« إذا ما عزمت اليأس » كلمة ما زائدة أي إذا عزمت على اليأس عن الناس« ألفيته » أي وجدته« الغناء ، إذا عرفته » بصيغة الخطاب من باب التفعيل ونصب النفس أو بصيغة الغيبة ورفع النفس والطمع مرفوع بالابتدائية والفقر بالخبرية.

الحديث السابع : ضعيف بسنديه على المشهور.

« ليجتمع في قلبك الافتقار إلى الناس والاستغناء عنهم » أي العزم عليهما بأن تعاملهم ظاهرا معاملة من يفتقر إليهم في لين الكلام وحسن البشر وأن تعاملهم من


كلامك وحسن بشرك ويكون استغناؤك عنهم في نزاهة عرضك وبقاء عزك.

علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن علي بن معبد قال حدثني علي بن عمر ، عن يحيى بن عمران ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال كان أمير المؤمنين صلوات الله عليه يقول ثم ذكر مثله.

_________________________________________

جهة أخرى معاملة من يستغني عنهم بأن تنزه عرضك من التدنس بالسؤال عنهم ، وتبقى عزك بعدم التذلل عندهم للأطماع الباطلة أو يجتمع في قلبك اعتقادان اعتقادك بأنك مفتقر إليهم للمعاشرة لأن الإنسان مدني بالطبع يحتاج بعضهم إلى بعض في التعيش والبقاء ، واعتقادك بأنك مستغن عنهم غير محتاج إلى سؤالهم لأن الله تعالى ضمن أرزاق العباد وهو مسبب الأسباب ، وفائدة الأول حسن المعاشرة والمخالطة معهم بلين الكلام وحسن الوجه والبشاشة ، وفائدة الثاني حفظ العرض وصوته عن النقص وحفظ العز بترك السؤال والطمع.

والحاصل أن ترك المعاشرة والمعاملة بالكلية مذموم والاعتماد عليهم والسؤال منهم والتذلل عندهم أيضا مذموم ، والممدوح من ذلك التوسط بين الإفراط والتفريط كما عرفت مرارا.

وفي القاموس :التنزه التباعد والاسم النزهة ، ونزه الرجل تباعد عن كل مكروه فهو نزيه ونزه نفسه عن القبيح تنزيها نحاها.

وقال :العرض بالكسر النفس وجانب الرجل يصونه من نفسه وحسبه أن ينتقص ويثلب ، أو سواء كان في نفسه أو سلفه أو من يلزمه أمره أو موضع المدح والذم منه ، أو ما يفتخر به من حسب وشرف ، وقد يراد به الآباء والأجداد ، والخليفة المحمودة.


باب

صلة الرحم

١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن جميل بن دراج قال سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن قول الله جل ذكره : «وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَ

_________________________________________

باب صلة الرحم

الحديث الأول : حسن كالصحيح.

«وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ » قال البيضاوي : أي يسأل بعضكم بعضا فيقول : أسألك بالله ، وأصله تتساءلون فأدغمت الثانية في السين ، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بطرحها ، انتهى.

والظاهر أن ضمير « به » راجع إلى الله وعوده إلى التقوى بعيد ، والأرحام بالجر على قراءة حمزة عطف على الضمير المجرور ، واستدل به الكوفيون على جواز العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار ومنعه البصريون لأنه من قبيل العطف على بعض الكلمة ، وأجابوا عن الآية بأن الأرحام مرفوعة كما في بعض القراءات الشاذة على أنه مبتدأ محذوف الخبر ، تقديره والأرحام كذلك أي مما يتقى أو يتساءل به ، أو منصوبة كما قرأ به غير حمزة من القراء السبعة بالعطف على محل الجار والمجرور كما في قولك مررت بزيد وعمروا ، أو على الله أي اتقوا الأرحام فصلوها ولا تقطعوها ، على أن الواو يحتمل أن يكون للقسم أو بمعنى مع.

وأجيب بأن الكل خلاف الظاهر أما الأول فلان الأصل عدم الحذف ، وأما الثاني فلان العطف على المحل نادر في كلام الفصحاء ومع ندرته لا يجوز إلا مع تعذر العطف على اللفظ ، ودليل التعذر غير تام لأن امتناع العطف على بعض الكلمة إذا كان ذلك البعض أيضا كلمة ممنوع ، وأما الثالث فلبعد المسافة ولعدم فهم المساءلة في


الْأَرْحامَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً »(١) قال فقال هي أرحام الناس إن الله عز وجل أمر بصلتها وعظمها ألا ترى أنه جعلها منه.

٢ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن النعمان ، عن إسحاق بن عمار قال قال بلغني ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أن رجلا أتى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال يا رسول الله أهل بيتي أبوا إلا توثبا علي وقطيعة لي وشتيمة فأرفضهم قال

_________________________________________

الأرحام حينئذ وأما الأخيران فلأن الأصل في الواو هو العطف ولا يعدل عنه إلا بدليل «إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً » أي حافظا مطلعا.

قوله عليه‌السلام : هي أرحام الناس ، أي ليس المراد هنا رحم آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما في أكثر الآيات« أمر بصلتها » أي في سائر الآيات أو في هذه الآية على قراءة النصب بالعطف على الله والأمر باتقاء الأرحام أمر بصلتها« وعظمها » حيث قرنها بنفسه ،« ألا ترى أنه جعلها منه » أي قرنها بنفسه ، وعلى قراءة الجر حيث قررهم على ذلك حيث كانوا يجمعون بينه تعالى وبين الرحم في السؤال فيقولون أنشدك الله والرحم وربما يقرأ منة بضم الميم وتشديد النون أي جعلها قوة وسببا لحصول المطالب أو بالكسر والتشديد أي أنعم بهما على الخلائق ولا يخفى ما فيهما من التعسف.

وفي تفسير العياشي في روايتين ألا ترى أنه جعلها معه ويؤيد العطف على الجلالة ما رواه الصدوق في العيون والخصال بإسناده عن الرضاعليه‌السلام قال : إن الله عز وجل أمر ثلاثة مقرون بها ثلاثة أخرى ، أمر بالصلاة والزكاة فمن صلى ولم يزك لم تقبل منه صلاته ، وأمر بالشكر له وللوالدين ، فمن لم يشكر والدية لم يشكر الله ، وأمر باتقاء الله وصلة الأرحام فمن لم يصل رحمه لم يتق الله عز وجل.

الحديث الثاني : موثق.

وفي القاموس :الوثب الظفر وواثبه ساوره وتوثب في ضيعتي استولى عليها ظلما ،

__________________

(١) سورة النساء : ٢.


إذا يرفضكم الله جميعا قال فكيف أصنع قال تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك فإنك إذا فعلت ذلك كان لك من الله عليهم ظهير.

٣ ـ وعنه ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن محمد بن عبيد الله قال قال أبو الحسن الرضاعليه‌السلام يكون الرجل يصل رحمه فيكون قد بقي

_________________________________________

وقال : شتمه يشتمه شتما سبه والاسم الشتيمة ، وقال :رفضه يرفضه ويرفضه رفضا ورفضا تركه ، انتهى.

ورفض الله كناية عن سلب الرحمة والنصرة وإنزال العقوبة و« تصل » وما عطف عليه خبر بمعنى الأمر وقد مر تفسيرها والظهير الناصر والمعين ، والمراد هنا نصرة الله والملائكة وصالح المؤمنين كما قال تعالى في شأن زوجتي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الخائنتين : «وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ »(١) .

الحديث الثالث : مجهول.

ويدل على أن العمر يزيد وينقص وأن صلة الرحم توجب زيادته ، وقوله :

يفعل الله ما يشاء ، إشارة إلى المحو والإثبات وأنه قادر على ذلك أو قد يزيد أكثر مما ذكر وأقل منه وقال الراغب : الرحم رحم المرأة ومنه أستعير الرحم للقرابة لكونهم خارجين من رحم واحدة ، يقال رحم ورحم قال عز وجل : «وَأَقْرَبَ رُحْماً »(٢) ، انتهى.

واعلم أن العلماء اختلفوا في الرحم التي يلزم صلتها ، فقيل : الرحم والقرابة نسبة واتصال بين المنتسبين يجمعها رحم واحدة ، وقيل : الرحم عبارة عن قرابة الرجل من جهة طرفيه ، آبائه وإن علوا ، وأولاده وإن سفلوا ، وما يتصل بالطرفين من الأخوة والأخوات وأولادهم والأعمام والعمات ، وقيل : الرحم التي تجب صلتها كل رحم بين اثنين لو كان ذكرا لم يتناكحا فلا يدخل فيهم أولاد الأعمام والأخوال ، وقيل : هي عام في كل ذي رحم من ذوي الأرحام المعروفين بالنسب محرمات أو غير محرمات

__________________

(١) سورة التحريم : ٤.

(٢) سورة الكهف : ٨١.


من عمره ثلاث سنين فيصيرها الله ثلاثين سنة «وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ ».

_________________________________________

وإن بعدوا ، وهذا أقرب إلى الصواب بشرط أن يكونوا في العرف من الأقارب ، وإلا فجميع الناس يجمعهم آدم وحواء.

وأما القبائل العظيمة كبني هاشم في هذا الزمان هل يعدون أرحاما؟ فيه إشكال.

ويدل على دخولهم فيها ما رواه علي بن إبراهيم في تفسير قوله تعالى : «فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ »(١) أنها نزلت في بني أمية وما صدر منهم بالنسبة إلى أهل البيتعليهم‌السلام .

قال ابن الأثير في النهاية : فيه من أراد أن يطول عمره فليصل رحمه وقد تكرر في الحديث ذكر صلة الرحم وهي كناية عن الإحسان إلى الأقربين من ذوي النسب والأصهار ، والتعطف عليهم والرفق بهم والرعاية لأحوالهم ، وكذلك إن بعدوا وأساءوا ، وقطع الرحم ضد ذلك كله يقال : وصل رحمه يصلها وصلا وصلة والهاء فيها عوض من الواو المحذوفة فكأنه بالإحسان إليهم قد وصل ما بينه وبينهم من علاقة القرابة والصهر ، انتهى.

وقال الشهيد الثاني (ره) : اختلف الأصحاب في أن القرابة من هم؟ لعدم النص الوارد في تحقيقه ، فالأكثر أحالوه على العرف وهم المعروفون بنسبة عادة سواء في ذلك الوارث وغيره ، وللشيخ قول بانصرافه إلى من يتقرب إليه إلى آخر أب وأم في الإسلام ، ولا يرتقي إلى آباء الشرك وإن عرفوا بقرابته عرفا لقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : قطع الإسلام أرحام الجاهلية ، وقوله تعالى لنوح : «إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ »(٢) وقال ابن الجنيد : من جعل وصيته لقرابته وذوي رحمه غير مسمين كانت لمن تقرب إليه من جهة ولده أو والديه ولا اختار أن يتجاوز بالتفرقة ولد الأب الرابع ، لأن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يتجاوز ذلك في تفرقة سهم ذوي القربى من الخمس ، ثم على أي معنى حمل ،

__________________

(١) سورة محمد : ٢٢.

(٢) سورة هود : ٤٦.


...........................................................................

_________________________________________

يدخل فيه الذكر والأنثى والقريب والبعيد والوارث وغيره ، ولا فرق بين ذوي القرابة وذوي الرحم ، انتهى.

فإذا عرفت هذا فاعلم أنه لا ريب في حسن صلة الأرحام ولزومها في الجملة ، ولها درجات متفاوتة بعضها فوق بعض ، وأدناها الكلام والسلام وترك المهاجرة ويختلف ذلك أيضا باختلاف القدرة عليها والحاجة إليها فمن الصلة ما يجب ومنها ما يستحب ، والفرق بينهما مشكل والاحتياط ظاهر ، ومن وصل بعض الصلة ولم يبلغ أقصاها ومن قصر عما ينبغي أو عما يقدر عليه هل هو واصل أو قاطع؟ فيه نظر.

وبالجملة التميز بين المراتب الواجبة والمستحبة في غاية الإشكال والله أعلم بحقيقة الحال والاحتياط طريق النجاة.

قال الشيخ الشهيد روح الله روحه في قواعده : كل رحم يوصل للكتاب والسنة والإجماع على الترغيب في صلة الأرحام والكلام فيها في مواضع :

الأول : ما الرحم؟ الظاهر أنه المعروف بنسبة وإن بعد وإن كان بعضه آكد من بعض ، ذكرا كان أو أنثى ، وقصره بعض العامة على المحارم الذي يحرم التناكح بينهم إن كانوا ذكورا وإناثا وإن كانوا من قبيل يقدر أحدهما ذكرا والآخر أنثى ، فإن حرم التناكح فهم الرحم ، واحتج بأن تحريم الأختين إنما كان لما يتضمن من قطيعة الرحم وكذا تحريم أصالة الجمع بين العمة والخالة وابنه الأخ والأخت مع عدم الرضا عندنا ومطلقا عندهم.

وهذا بالإعراض عنه حقيق ، فإن الوضع اللغوي يقتضي ما قلناه والعرف أيضا والأخبار دلت عليه ، وقوله تعالى : «فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ »(١) عن عليعليه‌السلام أنها نزلت في بني أمية أورده علي بن إبراهيم

__________________

(١) سورة محمد : ٢٢.


٤ ـ وعنه ، عن علي بن الحكم ، عن خطاب الأعور ، عن أبي حمزة قال قال أبو جعفرعليه‌السلام صلة الأرحام تزكي الأعمال وتنمي الأموال وتدفع البلوى و

_________________________________________

في تفسيره ، وهو يدل على تسمية القرابة المتباعدة رحما.

الثاني : ما الصلة التي يخرج بها عن القطيعة؟ والجواب : المرجع في ذلك إلى العرف لأنه ليس له حقيقة شرعية ولا لغوية وهو يختلف باختلاف العادات وبعد المنازل وقربها.

الثالث : بم الصلة؟ والجواب قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : صلوا أرحامكم ولو بالسلام ، وفيه تنبيه على أن السلام صلة ولا ريب أن مع فقر بعض الأرحام وهم العمودان تجب الصلة بالمال ، ويستحب لباقي الأقارب وتتأكد في الوارث وهو قدر النفقة ، ومع الغناء فبالهدية في الأحيان بنفسه وأعظم الصلة ما كان بالنفس وفيه أخبار كثيرة ، ثم بدفع الضرر عنها ، ثم بجلب النفع إليها ، ثم بصلة من تجب نفقته وإن لم يكن رحما للواصل ، كزوجة الأب والأخ ومولاه وأدناها السلام بنفسه ثم برسوله والدعاء بظهر الغيب والثناء في المحضر.

الرابع : هل الصلة واجبة أو مستحبة؟ والجواب : أنها تنقسم إلى الواجب وهو ما يخرج به عن القطيعة فإن قطيعة الرحم معصية بل هي من الكبائر ، والمستحب ما زاد على ذلك.

الحديث الرابع : كالسابق.

« تزكي الأعمال » أي تنميها في الثواب أو تطهرها من النقائص أو تصيرها مقبولة كأنها تمدحها وتصفها بالكمال.

« وتنمي الأموال » قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : صلة الرحم مثراة في المال ، وذكر بعض شراح النهج لذلك وجهين : أحدهما أن العناية الإلهية قسمت لكل حي قسطا من الرزق يناله مدة الحياة ، وإذا أعدت شخصا من الناس للقيام بأمر جماعة


تيسر الحساب وتنسئ في الأجل.

_________________________________________

وكفلته بإمدادهم ومعونتهم وجب في العناية إفاضة أرزاقهم على يده ، وما يقوم بإمدادهم على حسب استعداده لذلك ، سواء كانوا ذوي أرحام أو مرحومين في نظره ، حتى لو نوى قطع أحد منهم فربما نقص ما له بحسب رزق ذلك المقطوع ، وهذا معنى قوله : مثراة في المال.

الثاني : أنها من الأخلاق الحميدة التي يستمال بها طباع الخلق ، فواصل رحمه مرحوم في نظر الكل ، فيكون ذلك سببا لإمداده ومعونته من ذوي الأمداد والمعونات.

« وتدفع البلوى » البلاء والبلية والبلوى بمعنى وهو ما يمتحن به الإنسان من المحن والنوائب والمصائب« وتيسر الحساب » أي حساب الأموال والأعمال أيضا« وتنسئ في الأجل » أي تؤخر فيه كما مر ، قال في النهاية : فيه من أحب أن ينسأ في أجله فليصل رحمه ، النسأ التأخير يقال : أنسأت الشيء نسأ ونسأته إنساء إذا أخرته والنسأ الاسم ، ويكون في العمر والدين ، ومنه الحديث : صلة الرحم مثراة في المال منسأة في الأثر ، هي مفعلة منه أي مظنة له وموضع ، وقال النووي وذا بأن يبارك فيه بالتوفيق للطاعات وعمارة أوقاته بالخيرات ، وكذا بسط الرزق عبارة عن البركة ، وقيل : عن توسيعه ، وقيل : إنه بالنسبة إلى ما يظهر للملائكة وفي اللوح المحفوظ أن عمره ستون وإن وصل فمائة ، وقد علم الله ما سيقع ، وقيل : هو ذكره الجميل بعده فكأنه لم يمت.

وقال عياض : الأثر الأجل سمي بذلك لأنه تابع للحياة ، والمراد بنساء الأجل يعني تأخيره هو بقاء الذكر الجميل بعده ، فكأنه لم يمت وإلا فالأجل لا يزيد ولا ينقص ، وقال بعضهم : يمكن حمله على ظاهره لأن الأجل يزيد وينقص إذ قد يكون في أم الكتاب أنه إن وصل رحمه فأجله كذا ، وإن لم يصل


٥ ـ وعنه ، عن الحسن بن محبوب ، عن عمرو بن أبي المقدام ، عن جابر ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أوصي الشاهد من أمتي والغائب منهم ومن في أصلاب الرجال وأرحام النساء إلى يوم القيامة أن يصل الرحم وإن كانت

_________________________________________

فأجله كذا.

وقال المازري : وقيل : معنى الزيادة في عمره أنه بالبركة فيه بتوفيقه لإعمال الطاعة وعمارة أوقاته بما ينفعه في الآخرة ، فالتوجيه ببقاء ذكره بعد الموت ضعيف.

وقال الطيبي : بل التوجيه به أظهر فإن أثر الشيء هو حصول ما يدل على وجوده ، فمعنى يؤخر في أثره يؤخر ذكره الجميل بعد موته ، قال الله تعالى : «نَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ »(١) ومنه قول الخليلعليه‌السلام : «وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ »(٢) .

وقال بعض شراح النهج : النسأ التأخير وذلك من وجهين : أحدهما : أنها يوجب تعاطف ذوي الأرحام وتوازرهم وتعاضدهم لواصلهم ، فيكون من أذى الأعداء أبعد ، وفي ذلك مظنة تأخيره وطول عمرة ، الثاني : أن مواصلة ذوي الأرحام توجب همتهم ببقاء وأصلهم وإمداده بالدعاء ، وقد يكون دعاؤهم له وتعلق همهم ببقائه وإنساء أجله ، انتهى.

وأقول : لا حاجة إلى التكلفات ولا استبعاد في تأثير بعض الأعمال في طول الأعمار وقد بسطنا الكلام في ذلك في شرح أخبار البداء.

الحديث الخامس : ضعيف.

« وإن كانت منه » وفي بعض النسخ كان ، وكلاهما جائز لأن الرحم يذكر ، ويؤنث« فإن ذلك » أي الارتحال إليهم لزيارتهم أو الأعم منه ومن إرسال الكتب

__________________

(١) سورة يس : ١٢.

(٢) سورة الشعراء : ٨٤.


منه على مسيرة سنة فإن ذلك من الدين.

٦ ـ وعنه ، عن علي بن الحكم ، عن حفص ، عن أبي حمزة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال صلة الأرحام تحسن الخلق وتسمح الكف وتطيب النفس وتزيد في الرزق وتنسئ في الأجل.

٧ ـ الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن الحسن بن علي الوشاء ، عن علي بن أبي حمزة ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال سمعته يقول إن الرحم معلقة

_________________________________________

والهدايا إليهم« من الدين » أي من الأمور التي أمر الله به في الدين المتين والقرآن المبين.

الحديث السادس : مجهول.

« تحسن الخلق » فإن بصلة الرحم تصير حسن المعاشرة ملكة ، فيسري إلى الأجانب أيضا ، وكذا سماحة الكف تصير عادة ، والسماحة الجود ونسبتها إلى الكف على المجاز لصدورها منها غالبا« وتطيب النفس » أي تجعلها سمحة بالبذل والعفو والإحسان ، يقال : طابت نفسه بالشيء إذا سمحت به من غير كراهة ولا غضب ، أو تطهرها من الحقد والحسد وسائر الصفات الذميمة ، فإنه كثيرا ما يستعمل الطيب بمعنى الطاهر ، أو يجعل باله فارغا عن الهموم والغموم والتفكر في دفع الأعادي ، فإنها ترفع العداوة بينه وبين أقاربه ، وذلك يوجب أمنه من شر سائر الخلق بل يوجب حبهم أيضا لما عرفت.

الحديث السابع : ضعيف على المشهور.

« إن الرحم معلقة بالعرش » قيل : تمثيل للمعقول بالمحسوس وإثبات لحق الرحم على أبلغ وجه وتعلقها بالعرش كناية عن مطالبة حقها بمشهد من الله ، ومعنى ما تدعو به كن له كما كان لي ، وافعل به ما فعل بي من الإحسان والإساءة ، وقيل : محمول على الظاهر إذ لا يبعد من قدرة الله تعالى أن يجعلها ناطقة كما ورد


بالعرش تقول اللهم صل من وصلني واقطع من قطعني وهي رحم آل محمد وهو قول :

_________________________________________

أمثال ذلك في بعض الأعمال أنه يقول أنا عملك ، وقيل : المشهور من تفاسير الرحم أنها قرابة الرجل من جهة طرفيه ، وهي أمر معنوي والمعاني لا تتكلم ولا تقوم ، فكلام الرحم وقيامها وقطعها ووصلها استعارة لتعظيم حقها وصلة واصلها ، وإثم قاطعها ، ولذا سمي قطعها عقوقا وأصل العق الشق فكأنه قطع ذلك السبب الذي يصلهم ، وقيل : يحتمل أن الذي تعلق بالعرش ملك من الملائكة تكلم بذلك عوضا منها بأمر الله سبحانه فأقام الله ذلك الملك يناضل عنها ويكتب ثواب وأصلها وإثم قاطعها كما وكل الحفظة بكتب الأعمال.

قوله عليه‌السلام : وهي رحم آل محمد ، أي التي تتعلق بالعرش هي رحم آل محمد ، فالمراد أن الرحم المعلقة بالعرش رحم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وذوو قرباه وأهل بيته وهم الأئمة بعده فإن الله أمر بصلتهم وجعل مودتهم أجر الرسالة لقرابتهم بالرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا بالناس ، ولذلك يجب علي الناس صلتهم ، أو المراد به قرابة المؤمنين بالقرابة المعنوية الإيمانية فإن حق والدي النسب على الناس لأنهما صارا سببين للحياة الظاهرية الدنيوية ، وحق ذوي الأرحام لاشتراكهما في الانتساب بذلك ، والرسول وأمير المؤمنينعليهما‌السلام أبوا هذه الأمة لصيرورتهما سببا لوجود كل شيء وعلة غائية لجميع الموجودات كما ورد في الحديث القدسي : لو لا كما لما خلقت الأفلاك. وأيضا صارا سببين للحياة المعنوية الأبدية بالعلم والإيمان لجميع المؤمنين ولا نسبة لهذه الحياة بالحياة الفانية الدنيوية وبهذا السبب صار المؤمنون إخوة فبهذه الجهة صارت قرابة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قرابتهم وذوي أرحامهم ، وأيضا قال الله تعالى : «النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ »(١) وفي قراءة أهل البيتعليهم‌السلام : وهو أب لهم ، فصار النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وخديجة أبوا هذه الأمة وذريتهما الطيبة ذوي أرحامهم فبهذه الجهات

__________________

(١) سورة الأحزاب : ٤.


الله عز وجل : «الَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ »(١) ورحم كل ذي رحم.

٨ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن محبوب ، عن مالك بن عطية ، عن يونس بن عمار قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام أول ناطق من الجوارح ـ يوم القيامة الرحم تقول يا رب من وصلني في الدنيا فصل اليوم ما بينك وبينه ومن قطعني في الدنيا فاقطع اليوم ما بينك وبينه.

٩ ـ عنه ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام صل رحمك ولو بشربة من ماء وأفضل ما توصل به الرحم كف الأذى عنها وصلة الرحم منسأة في الأجل محببة في الأهل.

_________________________________________

صاروا بالصلة أولى وأحق من جميع القرابات.

وقوله عليه‌السلام : ورحم كل ذي رحم ، يحتمل وجوها : الأول أن يكون عطفا على ضمير هو ، أي قوله : الذين يصلون نزل فيهم وفي رحم كل ذي رحم ، الثاني : أن يكون مبتدأ محذوف الخبر ، أي ورحم كل ذي رحم داخلة فيها أيضا ، الثالث : أن يكون معطوفا على رحم آل محمد أي المعلقة بالعرش رحم آل محمد وكل رحم فالآية يحتمل اختصاصها برحم آل محمد بل هو حينئذ أظهر ، لكن سيأتي ما يدل على التعميم ، وقوله تعالى : «أَنْ يُوصَلَ » بدل من ضمير به.

الحديث الثامن : مجهول.

« أول ناطق » لأنه حصل الجميع منها وكأنه تعالى يخلق خلفا مكانها يطلب حقها« من وصلني » أي رعي النسبة الحاصلة بسببي« فصل اليوم » أي بالرحمة.

الحديث التاسع : صحيح.

« محبته » في بعض النسخ على صيغة اسم الفاعل من باب التفعيل ، وفي بعضها بفتح الميم على بناء المجرد إما علي المصدر على المبالغة أي سبب لمحبة الأهل أو اسم المكان أي مظنة كثرة المحبة لأن الإنسان عبيد الإحسان.

__________________

(١) سورة الرعد : ٢٧.


١٠ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حماد بن عيسى ، عن حريز بن عبد الله ، عن فضيل بن يسار قال قال أبو جعفرعليه‌السلام إن الرحم معلقة يوم القيامة بالعرش تقول اللهم صل من وصلني واقطع من قطعني.

١١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع ، عن حنان بن سدير ، عن أبيه ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال قال أبو ذررضي‌الله‌عنه سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول حافتا الصراط ـ يوم القيامة الرحم والأمانة فإذا مر الوصول للرحم المؤدي للأمانة نفذ إلى الجنة وإذا مر الخائن للأمانة القطوع للرحم لم ينفعه معهما عمل وتكفأ به الصراط في النار.

١٢ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حفص بن قرط ، عن أبي حمزة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال صلة الأرحام

_________________________________________

الحديث العاشر : حسن كالصحيح.

الحديث الحادي عشر : حسن موثق.

قوله : حافتا الصراط ، الظاهر أنه بتخفيف الفاء من الأجوف ، لا بتشديده من المضاعف كما توهمه بعض الشارحين ، قال في القاموس في الخوف : حافتا الوادي وغيره جانباه ، وقال في حف الحفاف ككتاب الجانب ، وكان هذا منشأ توهم هذا الفاضل وتشبيه الخصلتين بالحافتين لأنهما يمنعان من السقوط من الصراط في الجحيم ، كما أن من سلك طريق ضيقا مشرفا على هوي يمنعه الحافتان عن السقوط ، وفي النهاية وفي حديث الصراط آخر من يمر رجل يتكفأ به الصراط ، أي يتميل وينقلب ، انتهى.

وأقول : الباء للملابسة أو للتعدية ولا يبعد أن يشمل الرحم رحم آل محمد والأمانة الإقرار بإمامتهم كما مرت الأخبار فيهما.

الحديث الثاني عشر : مجهول وقد مضى مضمونه.


تحسن الخلق وتسمح الكف وتطيب النفس وتزيد في الرزق وتنسئ في الأجل.

١٣ ـ عنه ، عن عثمان بن عيسى ، عن خطاب الأعور ، عن أبي حمزة قال قال أبو جعفرعليه‌السلام صلة الأرحام تزكي الأعمال وتدفع البلوى وتنمي الأموال وتنسئ له في عمره وتوسع في رزقه وتحبب في أهل بيته فليتق الله وليصل

_________________________________________

الحديث الثالث عشر : كالسابق.

وقال الشهيدقدس‌سره في القواعد : تظافرت الأخبار بأن صلة الأرحام تزيد في العمر ، وقد أشكل هذا على كثير من الناس باعتبار أن المقدرات في الأزل والمكتوبات في اللوح المحفوظ لا تتغير بالزيادة والنقصان لاستحالة خلاف معلومه تعالى ، وقد سبق العلم بوجود كل ممكن أراد وجوده وبعدم كل ممكن أراد بقائه على حالة العدم الأصلي أو إعدامه بعد إيجاده فكيف الحكم بزيادة العمر أو نقصانه بسبب من الأسباب ، واضطربوا في الجواب فتارة يقولون : هذا علي سبيل الترغيب وتارة المراد به الثناء الجميل بعد الموت ، وقد قال الشاعر :

ذكر الفتى عمرة الثاني ولذته

ما فاته وفضول العيش أشغال

وقال : « ماتوا فعاشوا بحسن الذكر بعدهم ».

وقيل : بل المراد زيادة البركة في الأجل ، فأما في نفس الأجل فلا ، وهذا الإشكال ليس بشيء ، أما أولا : فلوروده في كل ترغيب مذكور في القرآن والسنة حتى الوعد بالجنة والنعيم على الإيمان وبجواز الصراط والحور والولدان ، وكذلك التوعدات بالنيران وكيفية العذاب ، لأنا نقول : أن الله تعالى علم ارتباط الأسباب بالمسببات في الأزل وكتبه في اللوح المحفوظ ، فمن علمه مؤمنا فهو مؤمن أقر بالإيمان أو لا ، بعث إليه نبي أو لا ، ومن علمه كافرا فهو كافر على التقديرات ، وهذا لازم يبطل الحكمة في بعثة الأنبياء والأوامر الشرعية والمناهي ومتعلقاتها ، وفي


رحمه.

_________________________________________

ذلك هدم الأديان.

والجواب عن الجميع واحد ، وهو أن الله تعالى كما علم كمية العمر علم ارتباطه بسببه المخصوص ، وكما علم من زيد دخول الجنة جعله مرتبطا بأسبابه المخصوصة من إيجاده وخلق العقل له ، ونصب الألطاف ، وحسن الاختيار ، والعمل بموجب الشرع ، فالواجب على كل مكلف الإتيان بما أمر فيه ولا يتكل على العلم فإنه مهما صدر منه فهو المعلوم بعينه ، فإذا قال الصادق أن زيدا إذا وصل رحمه زاد الله في عمره ثلاثين ففعل ، كان ذلك أخبارا بأن الله تعالى علم أن زيدا يفعل ما يصير به عمره زائدا ثلاثين سنة كما أنه إذا أخبر أن زيدا إذا قال لا إله إلا الله دخل الجنة ففعل تبينا أن الله تعالى علم أنه يقول ويدخل الجنة بقوله.

وبالجملة جميع ما يحدث في العالم معلوم لله تعالى على ما هو عليه واقع من شرط أو سبب وليس نصب صلة الرحم زيادة في العمر ، إلا كنصب الإيمان سببا في دخول الجنة والعمل بالصالحات في رفع الدرجة ، والدعوات في تحقق المدعو به ، وقد جاء في الحديث لا تملوا من الدعاء فإنكم لا تدرون متى يستجاب لكم ، وفي هذا سر لطيف وهو أن المكلف عليه الاجتهاد ، ففي كل ذرة من الاجتهاد إمكان سببية لخير علمه الله ، كما قال : «وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا »(١) .

والعجب كيف ذكر الإشكال في صلة الرحم ولم يذكر في جميع التصرفات الحيوانية مع أنه وارد فيها عند من لا يتفطن للخروج منه.

فإن قلت : هذا كلمة مسلم ولكن قال الله تعالى : «وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ »(٢) وقال تعالى : «وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْساً إِذا

__________________

(١) سورة العنكبوت : ٦٩.

(٢) سورة الأعراف : ٣٤.


١٤ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ومحمد بن إسماعيل ، عن الفضل بن شاذان جميعا ، عن ابن أبي عمير ، عن إبراهيم بن عبد الحميد ، عن الحكم الحناط قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام صلة الرحم وحسن الجوار يعمران الديار ويزيدان في الأعمار.

١٥ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن جعفر بن محمد الأشعري ، عن عبد الله بن ميمون القداح ، عن أبي عبيدة الحذاء ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال قال

_________________________________________

جاءَ أَجَلُها »(١) .

قلت : الأجل صادق على كل ما يسمي أجلا موهبيا أو أجلا مسببا فيحمل ذلك على الموهبي ، ويكون وقته وفاء لحق اللفظ كما تقدم في قاعدة الجزئي والجزء ويجاب أيضا بأن الأجل عبارة عما يحصل عنده الموت لا محالة ، سواء كان بعد العمر الموهبي والمسببي ، ونحن نقول كذلك لأنه عند حضور أجل الموت لا يقع التأخر وليس به العمر إذا لأجل مجرد الوقت.

وينبه على قبول العمر للزيادة والنقصان بعد ما دلت عليه الأخبار الكثيرة قوله تعالى : «وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتابٍ »(٢) .

الحديث الرابع عشر : كالسابق.

وحسن الجوار رعاية المجاور في الدار والإحسان إليه وكف الأذى عنه أو الأعم منه ومن المجاور في المجلس والطريق ومن أجرته وجعلته في أمانك ، في القاموس : الجار المجاور والذي أجرته من أن يظلم ، والمجير والمستجير والشريك في التجارة ، وما قرب من المنازل ، والجواز بالكسر أن تعطى الرجل ذمة فيكون بها جارك فتجيره ، وجاوره مجاورة وجوارا وقد يكسر : صار جاره.

الحديث الخامس عشر : ضعيف على المشهور.

__________________

(١) سورة المنافقون : ١١.

(٢) سورة فاطر : ١١.


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إن أعجل الخير ثوابا صلة الرحم.

١٦ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من سره النساء في الأجل والزيادة في الرزق فليصل رحمه.

١٧ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن صفوان بن يحيى ، عن إسحاق بن عمار قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام ما نعلم شيئا يزيد في العمر إلا صلة الرحم حتى إن الرجل يكون أجله ثلاث سنين فيكون وصولا للرحم فيزيد الله في عمره ثلاثين سنة فيجعلها ثلاثا وثلاثين سنة ويكون أجله ثلاثا وثلاثين سنة فيكون قاطعا للرحم فينقصه الله ثلاثين سنة ويجعل أجله إلى ثلاث سنين.

الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن الحسن بن علي الوشاء ، عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام مثله.

١٨ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن بعض أصحابه ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال لما خرج أمير المؤمنينعليه‌السلام يريد البصرة نزل

_________________________________________

« إن أعجل الخير ثوابا » لأن كثيرا من ثوابها يصل إلى الواصل في الدنيا مثل زيادة العمر والرزق ومحبة الأهل ونحوها.

الحديث السادس عشر : كالسابق ، والنساء بالفتح أو كسحاب كما مر.

الحديث السابع عشر : حسن أو موثق وسنده الآتي ضعيف على المشهور.

وقوله عليه‌السلام : ما نعلم شيئا يدل على أن غيرها لا تصير سببا لزيادة العمر وإلا كان هوعليه‌السلام عالما به ، ولعله محمول على المبالغة أو هي أكثر تأثيرا من غيرها وزيادة العمر بسببها أكثر من غيرها ، أو هي مستقلة في التأثير وغيرها مشروط بشرائط أو يؤثر منضما إلى غيره ، لأنه قد وردت الأخبار في أشياء غيرها من الصدقة والبر وحسن الجوار وغيرها أنها تصير سببا لزيادة العمر.

الحديث الثامن عشر : ضعيف.


بالربذة فأتاه رجل من محارب فقال يا أمير المؤمنين إني تحملت في قومي حمالة وإني سألت في طوائف منهم المواساة والمعونة فسبقت إلي ألسنتهم بالنكد فمرهم يا أمير المؤمنين بمعونتي وحثهم على مواساتي فقال أين هم فقال هؤلاء فريق منهم حيث ترى قال فنص راحلته فادلفت كأنها ظليم فادلف بعض أصحابه في

_________________________________________

وفي النهاية :الربذة بالتحريك قرية معروفة قرب المدينة ، بها قبر أبي ذر الغفاري وفي القاموسمحارب قبيلة ، وفي النهاية فيه : لا تحل المسألة إلا لثلاثة ، رجل تحمل بحمالة ،الحمالة بالفتح ما يتحمله الإنسان من غيره من دية أو غرامة مثل أن يقع حرب بين فريقين تسفك فيها الدماء فيدخل بينهم رجل يتحمل ديات القتلى ليصلح ذات البين ، والتحمل أن يحملها عنهم على نفسه ، انتهى.

« وإني سألت في طوائف » أي منهم أو داخلا فيهم ، وفي القاموس :نكد عيشهم كفرح اشتد وعسر والبئر قل ماؤها ، وزيد حاجة عمر ومنعه إياها وفلانا منعه ما سأله أو لم يعطه إلا أقله ، ورجل نكد ونكد ونكد وأنكد شؤم عسر. والنكد بالضم قلة العطاء ويفتح وقال : نص ناقته استخرج أقصى ما عندها من السير والشيء حركة ، وقال :دلف الشيخ يدلف دلفا ويحرك ودليفا ودلفانا محركة مشى مشي المقيد ، وفوق الدبيب ، والكتيبة في الحرب تقدمت يقال : دلفناهم والدالف الماشي بالحمل الثقيل مقاربا للخطو وككتب الناقة التي تدلف بحملها أي تنهض به ، واندلف على انصب وتدلف إليه تمشي ودنا ، انتهى.

وقيل : أدلفت من باب الأفعال أو التفعل والأخير أشهر من الدليف وهو المشي مع تقارب الخطو والإسراع ، وكأنه الوخدان ، قال الثعالبي في سر الأدب : الوخدان نوع من سير الإبل وهو أن يرمي بقوائمها كمشي النعام ، والظليم : الذكر من النعام« في طلبها » أي في طلب الراحلة ، وقيل : أي طلب الجماعة المشهورين أو طلب بقية القوم وإلحاقهم بالمشهورين ، ولا يخفى بعدهما.


طلبها فلأيا بلأي ما لحقت فانتهى إلى القوم فسلم عليهم وسألهم ما يمنعهم من مواساة صاحبهم فشكوه وشكاهم فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام وصل امرؤ عشيرته

_________________________________________

قوله عليه‌السلام : فلأيا بلا أي ما لحقت ، قال الجوهري : يقال فعل كذا بعد لأي أي بعد شدة وإبطاء وفي النهاية : في حديث أم أيمن فبلأي ما استغفر لهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أي بعد مشقة وجهد وإبطاء ومنه حديث عائشة وهجرتها ابن الزبير فبلأي ما كلمته ، انتهى.

وأقول : هذا الكلام يحتمل وجوها : الأول : أن يكون المعنى فلحقت مراكب القوم مركبةعليه‌السلام بعد إبطاء مع إبطاء وشدة مع شدة « وما » مزيدة للتفخيم فقوله لأيا منصوب بنزع الخافض أي لحقت متلبسة بلأي مقرون بلأي ما ، أو على الحال أو على المصدرية بغير لفظ الفعل ، ولحقت على بناء المعلوم ، والمستتر راجع إلى البعض بتأويل الجماعة ، أو على بناء المجهول والضمير لراحلتهعليه‌السلام .

الثاني : أن يكون لأي مصدرا لفعل محذوف ، وما مصدرية في موضع الفاعل أي فلأي لأيا بعد لأي لحوقها.

الثالث : أن يكون نصب لأي على العلة ولحقت على بناء المجهول كقولهم : قعدت من الحرب جبنا ، أي أنهعليه‌السلام جذب زمام راحلته ، وأبطأ في السير حتى لحقوا لما رأى توجه أصحابه.

الرابع : ما قيل : إن كلمة ما نافية أي فجهد جهدا بعد جهد ومشقة بعد مشقة ما لحقت.

الخامس : قال بعضهم فلأي بلأي ما لحقت ، ما مصدرية يعني فأبطأعليه‌السلام واحتبس بسبب إبطاء لحوق القوم ، وفي بعض النسخ : فلأيا على التثنية بضم الرجل معهعليه‌السلام أو بالنصب على المصدر.

قوله عليه‌السلام : وسألهم ما يمنعهم ، ما استفهامية وضمير الغائب في يمنعهم وصاحبهم لتغليب زمان الحكاية على زمان المحكي« وصل امرؤ » أمر في صورة الخبر وكذاقوله


فإنهم أولى ببره وذات يده ووصلت العشيرة أخاها إن عثر به دهر وأدبرت عنه دنيا فإن المتواصلين المتباذلين مأجورون وإن المتقاطعين المتدابرين موزورون قال ثم بعث راحلته وقال حل.

١٩ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن عثمان بن عيسى ، عن يحيى ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال أمير المؤمنينعليه‌السلام لن يرغب المرء عن عشيرته وإن كان ذا مال وولد وعن مودتهم وكرامتهم ودفاعهم بأيديهم وألسنتهم هم أشد

_________________________________________

ووصلت العشيرة ، والنكرة هنا للعموم نحوها في قولهم : أنجز حرما وعد« إن عثر به » الباء للتعدية يقال : عثر كضرب ونصر وعلم وكرم أي كبا وسقط« وقال حل » في أكثر النسخ بالحاء المهملة ، وفي القاموس : حلحلهم أزالهم عن مواضعهم وحركهم فتحلحلوا ، والإبل قال لها حل حل منونين أو حل مسكنة. وقال في النهاية : حل ، زجر للناقة إذا حثثتها على السير ، انتهى.

وقيل : هو بالتشديد أي حل العذاب على أهل البصرة لأنه كان متوجها إليهم ، ولا يخفى ما فيه.

وفي بعض النسخ بالخاء المعجمة : أي خل سبيل الراحلة كان السائل كان آخذا بغرز راحلته ، وهو المسموع عن المشايخ رضي الله عنهم.

الحديث التاسع عشر : ضعيف.

« لن يرغب المرء » نهي مؤكد مؤبد في صورة النفي« وإن كان ذا مال وولد » فلا يتكل عليهما فإنهما لا يغنيانه عن العشيرة ، وعشيرة الرجل قبيلته ، وقيل : بنو أبيه الأدنون« وعن مودتهم وكرامتهم » الإضافة فيهما إلى الفاعل أو إلى المفعول والأول أنسببقوله : ودفاعهم بأيديهم وألسنتهم ، فإن الإضافة فيه إلى الفاعل ، وكون الجمع باعتبار عموم المرء بعيد جدا.

وفي نهج البلاغة : أيها الناس أنه لا يستغني الرجل وإن كان ذا مال عن عشيرته


الناس حيطة من ورائه وأعطفهم عليه وألمهم لشعثه إن أصابته مصيبة أو نزل به بعض مكاره الأمور ومن يقبض يده عن عشيرته فإنما يقبض عنهم يدا واحدة وتقبض عنه منهم أيدي كثيرة ومن يلن حاشيته يعرف صديقه منه المودة ومن بسط يده

_________________________________________

ودفاعهم عنه بأيديهم وألسنتهم وهم أعظم الناس حيطة من ورائه والمهم لشعثه وأعطفهم عليه عند نازلة إذا نزلت به ، ولسان الصدق يجعله الله للمرء في الناس خير له من المال يورثه غيره ، انتهى.

وهو يعين الإضافة إلى الفاعل ، ويحتمل أن يكون المراد بكرامتهم رفعة شأنهم بين الناس لا إكرامهم له.

« هم أشد الناس حيطة » أي حفظا في القاموس : حاطه حوطا وحيطة وحياطة حفظه وصانه وتعهده ، والاسم الحوطة والحيطة ويكسر ، انتهى.

وهذا إذا كان حيطة بالكسر كما في بعض نسخ النهج وفي أكثرها حيطة كبينة بفتح الباء وكسر الياء المشددة وهي التحنن« من ورائه » أي في غيبته ، وقيل : أي في الحرب والأظهر عندي أنه إنما نسب إلى الوراء لأنها الجهة التي لا يمكن التحرز منها ، ولذا يشتق الاستظهار من الظهر« وعطف عليه » أي أشفق ، وفي النهاية :الشعث انتشار الأمر ، ومنه قولهم : لم الله شعثه ، ومنه حديث الدعاء : أسألك رحمة تلم بها شعثي ، أي تجمع بها ما تفرق من أمري.

« ومن يقبض يده » قد مر في باب المداراة أنه يحتمل أن يكون المراد باليد هنا النعمة والمدد والإعانة ، أو الضرر والعداوة ، وكان الأول هنا أنسب ، وفي النهج : فإنما تقبض منه عنهم يد واحدة وتقبض منهم عنه أيد كثيرة« ومن يلن حاشيته » قال في النهاية في حديث الزكاة خذ من حواشي أموالهم ، هي صغار الإبل كابن مخاض وابن لبون واحدها حاشية ، وحاشية كل شيء جانبه وطرفه ، ومنه أنه كان يصلي في حاشية المقام أي جانبه وطرفه تشبيها بحاشية الثوب ، وفي القاموس : الحاشية جانب


بالمعروف إذا وجده يخلف الله له ما أنفق في دنياه ويضاعف له في آخرته ولسان الصدق للمرء يجعله الله في الناس خيرا من المال يأكله ويورثه لا يزدادن أحدكم كبرا

_________________________________________

الثوب وغيره ، وأهل الرجل وخاصته وناحيته وظله ، انتهى.

وقيل : المراد خفض الجناح وعدم تأذي من يجاوره وقيل : يعني لين الجانب وحسن الصحبة مع العشيرة وغيرهم موجب لمعرفتهم المودة منه ومن البين أن ذلك موجب لمودتهم له ، فلئن الجانب مظهر للمودة من الجانبين ، وقيل : « يلن » إما بصيغة المعلوم من باب ضرب أو باب الأفعال ، والحاشية الأقارب والخدمة أي من جعلهم في أمن وراحة تعتمد الأجانب على مودته.

وأقول : الظاهر أنه من باب الأفعال والمعنى من أدب أولاده وأهاليه وعبيده وخدمه باللين وحسن المعاشرة والملاطفة بالعشائر وسائر الناس يعرف أصدقاؤه أنه يودهم وإن أكرمهم بنفسه وآذاه خدمه وأهاليه لا يعتمد على مودته كما هو المجرب.

وفي النهج : ومن تلن حاشيته يستدم من قومه المودة ، فيحتمل الوجهين أيضا بأن يكون المراد لين جانبه وخفض جناحه أو لين خدمه وأتباعه.

« يخلف الله » على بناء الأفعال« في دنياه » متعلق بيخلف إشارة إلى قوله تعالى :

«وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ »(١) ولسان الصدق للمرء أي الذكر الجميل له بعده ، أطلق اللسان وأريد به ما يوجد به أو من يذكر المرء بالخير ، وإضافته إلى الصدق لبيان أنه حسن وصاحبه مستحق لذلك الثناء ، ويجعله صفة للسان لأنه في قوة لسان صدق ، أو حال وخير خبره ، وفي بعض النسخ خيرا بالنصب فيحتمل نصب لسان من قبيل ما أضمر عامله على شريطة التفسير ، ورفعه بالابتداء ويجعله خبره وخيرا مفعول ثان ليجعله ، وعلى التقادير فيه ترغيب على الإنفاق على العشيرة فإنه

__________________

(١) سورة سبأ : ٣٩.


وعظما في نفسه ونأيا عن عشيرته إن كان موسرا في المال ولا يزدادن أحدكم في أخيه زهدا ولا منه بعدا إذا لم ير منه مروة وكان معوزا في المال ولا يغفل أحدكم عن القرابة بها الخصاصة أن يسدها بما لا ينفعه إن أمسكه ولا يضره إن استهلكه

_________________________________________

سبب للصيت الحسن وأن يذكره الناس بالإحسان وكذلك يذكره من أحسن إليه بإحسانه وسائر صفاته الجميلة ، وقال تعالى : «وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا »(١) وقال حاكيا عن إبراهيمعليه‌السلام : «وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ »(٢) .

« كبرا » تميز وكذا« عظما » ونأيا أي بعدا إن كان بفتح الهمزة أي من أن أو بكسرها حرف شرط ، وعلى هذا التقييد ليس لأن في غير تلك الحالة حسن ، بل لأن الغالب حصول تلك الأخلاق الذميمة في تلك الحالة.

وقوله عليه‌السلام : في أخيه ، متعلق بزهد أو منه متعلق بقوله بعدا وقوله : إذا لم ير ، مؤيد لشرطية إن والتقييد على نحو ما مر ، والمروءة بالهمز وقد يخفف بالتشديد :

الإنسانية وهي الصفات التي يحق للمرء أن يكون عليها ، وبها يمتاز عن البهائم والمراد هنا الإحسان واللطف والعطاء.

والمعوز على بناء اسم الفاعل ويحتمل المفعول : القليل المال ، في القاموس : عوز الرجل كفرح افتقر كأعوز وأعوزه الشيء احتاج إليه ، والدهر أحوجه ، والخصاصة : الفقر ، والخلل وجملة « بها الخصاصة » صفة للقرابة أو حال عنها ، وفي النهج : يرى بها الخصاصة.

« أن يسدها » بدل اشتمال للقرابة أي عن أن يسدها ، وضمير يسدها للخصاصة والعائد محذوف أي عنها أو للقرابة وإسناد السد إليها مجاز أي يسد خلتها ، وسد الخلل إصلاحه وسد الخلة إذهاب الفقر« بما لا ينفعه إن أمسكه » أي بالزائد عن قدر الكفاف فإن إمساكه لا ينفعه بل يبقى لغيره واستهلاكه وإنفاقه لا يضره أو

__________________

(١) سورة مريم : ٥٠.

(٢) سورة الشعراء : ٨٤.


٢٠ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن أبي عبد الله ، عن عثمان بن عيسى ، عن سليمان بن هلال قال قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام إن آل فلان يبر بعضهم بعضا ويتواصلون فقال إذا تنمي أموالهم وينمون فلا يزالون في ذلك حتى يتقاطعوا فإذا فعلوا ذلك انقشع عنهم.

٢١ ـ عنه ، عن غير واحد ، عن زياد القندي ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إن القوم ليكونون فجرة ولا يكونون بررة فيصلون أرحامهم فتنمي أموالهم وتطول أعمارهم فكيف إذا كانوا أبرارا بررة.

_________________________________________

بمال الدنيا مطلقا فإن شأنه ذلك ، والرزق على الله أو المراد بقليل من المال كدرهم فإنه لا يتبين إنفاق ذلك في ماله والمستحق ينتفع به والأول أظهر.

وفي النهج : بالذي لا يزيده إن أمسكه ولا ينقصه إن أهلكه ، وقيل : الضمير في لا يزيده عائد إلى الموصول ولا يخفى بعده بل هو عائد إلى الرجل.

الحديث العشرون : مجهول.

« تنمي أموالهم » على بناء الفاعل أو المفعول ، وكذا« ينمون » يحتملهما ونموهم كثرة أولادهم وزيادتهم عددا وشرفا ، في القاموس : نما ينمو نموا زاد كنمى ينمي نميا ونميا ونمية وأنمى ونمى. وفي المصباح : نمى الشيء ينمي من باب رمى نماء بالفتح والمد كثر ، وفي لغة ينمو نموا من باب قعد ويتعدى بالهمزة والتضعيف ، انتهى.

والمشار إليه بذلك أو لا النمو وثانيا التقاطع« انقشع » أي انكشف وزال نمو الأموال والأنفس عنهم ، قال في القاموس : قشع القوم كمنع فرقهم فأقشعوا نادر ، والريح السحاب كشفته كأقشعته ، فأقشع وانقشع وتقشع.

الحديث الحادي والعشرون : مرسل كالموثق.

« فكيف إذا كانوا أبرارا » أي صلحاء« بررة » أي واصلين للأرحام.


٢٢ ـ وعنه ، عن القاسم بن يحيى ، عن جده الحسن بن راشد ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال أمير المؤمنينعليه‌السلام صلوا أرحامكم ولو بالتسليم يقول الله تبارك وتعالى : «وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً »(١) .

٢٣ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن صفوان الجمال قال وقع بين أبي عبد اللهعليه‌السلام وبين عبد الله بن الحسن كلام حتى وقعت الضوضاء بينهم واجتمع الناس فافترقا عشيتهما بذلك وغدوت في حاجة فإذا أنا بأبي عبد اللهعليه‌السلام على باب عبد الله بن الحسن وهو يقول يا جارية قولي لأبي محمد يخرج قال فخرج فقال يا أبا عبد الله ما بكر بك فقال إني تلوت آية

_________________________________________

الحديث الثاني والعشرون : ضعيف.

ويدل على أن أقل مراتب الصلة الابتداء بالتسليم و، بإطلاقه يشمل ما إذا علم أو ظن أنه لا يجيب وقيل : التسليم حينئذ ليس براجح لأنه يوقعهم في الحرام ، وفيه كلام.

الحديث الثالث والعشرون : صحيح.

وقال الجوهري : الضوة الصوت والجلبة والضوضاة أصوات الناس وجلبتهم ، يقال : ضوضو بلا همز ، انتهى.

وفي تفسير العياشي وغيره مكانه : حتى ارتفعت أصواتهما واجتمع الناس عليهما.

قوله : « بذلك » أي بهذا النزاع من غير صلح وإصلاح« قولي لأبي محمد » في الكلام اختصار أي إني أتيته أو أنا بالباب ، وفي العياشي لأبي محمد هذا أبو عبد الله بالباب« ما بكربك » قال في المصباح : بكر إلى الشيء بكورا من باب قعد أسرع أي

__________________

(١) سورة النساء : ٢.


من كتاب الله عز وجل البارحة فأقلقتني قال وما هي قال قول الله جل وعز ذكره : «الَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ

_________________________________________

وقت كان وبكر تبكيرا مثله ، والقلق الاضطراب «الَّذِينَ يَصِلُونَ » قال الطبرسيقدس‌سره : قيل : المراد به الإيمان بجميع الرسل والكتب كما في قوله : «لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ » وقيل : هو صلة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وموازرته والجهاد معه ، وقيل :

هو صلة الرحم عن ابن عباس وهو المروي عن أبي عبد اللهعليه‌السلام وقيل : هو ما يلزم من صلة المؤمنين أن يتولوهم وينصروهم ويذبوا عنهم. وتدخل فيه صلة الرحم وغير ذلك.

وروى جابر عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : بر الوالدين وصلة الرحم يهونان الحساب ، ثم تلا هذه الآية.

وروى محمد بن الفضيل عن الكاظمعليه‌السلام في هذه الآية قال : هي رحم آل محمد معلقة بالعرش تقول : اللهم صل من وصلني واقطع من قطعني ، وهي تجري في كل رحم.

وروى الوليد عن الرضاعليه‌السلام قال : قلت له : هل على الرجل في ما له شيء سوى الزكاة؟ قال : نعم أين ما قال الله «وَالَّذِينَ يَصِلُونَ » « الآية ».

«وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ » أي يخافون عقاب ربهم في قطعها «وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ » قيل فيه أقوال : أحدها : أن سوء الحساب أخذهم بذنوبهم كلها من دون أن يغفر لهم شيء منها.

والثاني : هو أن يحاسبوا للتقريع والتوبيخ فإن الكافر يحاسب على هذا الوجه والمؤمن يحاسب ليسر بما أعد الله له.

والثالث : هو أن لا تقبل لهم حسنة ولا يغفر لهم سيئة ، روي ذلك عن أبي عبد اللهعليه‌السلام .


الْحِسابِ »(١) فقال صدقت لكأني لم أقرأ هذه الآية من كتاب الله جل وعز قط فاعتنقا وبكيا.

_________________________________________

والرابع : أن سوء الحساب هو سوء الجزاء فسمي الجزاء حسابا لأن فيه إعطاء المستحق حقه ، وروى هشام بن سالم عن أبي عبد الله قال : سوء الحساب أن تحسب عليهم السيئات ولا تحسب لهم الحسنات وهو الاستقصاء وروى حماد عنهعليه‌السلام أنه قال لرجل : يا فلان ما لك ولأخيك؟ قال : جعلت فداك لي عليه شيء فاستقصيت منه حقي ، قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : أخبرني عن قول الله : «يَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ » أتراهم خافوا أن يجور عليهم أو يظلمهم؟ لا والله ولكن خافوا الاستقصاء والمداقة ، انتهى.

وأقول : قال تعالى بعد ذلك بآيات : «وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ » فعلى هذا التفسير تلك الآيات من أشد ما ورد في قطع الرحم.

ثم الظاهر أن هذا كان لتنبيه عبد الله وتذكيره بالآية ليرجع ويتوب وإلا فلم يكن ما فعلهعليه‌السلام بالنسبة إليه قطعا للرحم ، بل كان عين الشفقة عليه لينزجر عما أراده من الفسق بل الكفر لأنه كان يطلب البيعة منهعليه‌السلام لولده الميشوم كما مر ، أو شيء آخر مثل ذلك ، وأي أمر كان إذا تضمن مخالفته ومنازعتهعليه‌السلام كان على حد الشرك بالله ، وأيضا مثله صلوات الله عليه لا يغفل عن هذه الأمور حتى يتذكر بتلاوة القرآن ، فظهر أن ذكر ذلك على وجه المصلحة ليتذكر عبد الله عقوبة الله ويترك مخالفة إمامه شفقة عليه ، ولعل التورية في قوله : أقلقتني ، القلق لعبد الله لا لنفسه لكن فيه دلالة على حسن رعاية الرحم وإن كان بهذه المثابة وكان فاسقا ضالا فتدبر.

__________________

(١) سورة الرعد : ٢١.


٢٤ ـ وعنه ، عن علي بن الحكم ، عن عبد الله بن سنان قال قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام إن لي ابن عم أصله فيقطعني وأصله فيقطعني حتى لقد هممت لقطيعته إياي أن أقطعه أتأذن لي قطعه قال إنك إذا وصلته وقطعك وصلكما الله عز وجل جميعا وإن قطعته وقطعك قطعكما الله.

٢٥ ـ عنه ، عن علي بن الحكم ، عن داود بن فرقد قال قال لي أبو عبد اللهعليه‌السلام إني أحب أن يعلم الله أني قد أذللت رقبتي في رحمي وأني لأبادر أهل بيتي أصلهم قبل أن يستغنوا عني.

٢٦ ـ عنه ، عن الوشاء ، عن محمد بن فضيل الصيرفي ، عن الرضاعليه‌السلام قال إن رحم آل محمد الأئمةعليهم‌السلام ـ لمعلقة بالعرش تقول اللهم صل من وصلني واقطع

_________________________________________

الحديث الرابع والعشرون : صحيح.

قوله عليه‌السلام : وصلكما الله ، لعل ذلك لأنه تصير صلته سببا لترك قطيعته فيشملهما الله برحمته لا إذا أصر مع ذلك على القطع ، فإنه يصير سببا لقطع رحمة الله عنه ، وتعجيل فنائه في الدنيا وعقوبته في الآخرة كما دلت عليه سائر الأخبار ، وفي قول أمير المؤمنينعليه‌السلام : خذ على عدوك بالفضل فإنه أحد الظفرين إشارة إلى ذلك فإنه إما أن يرجع أن يستحق العقوبة والخذلان.

الحديث الخامس والعشرون : صحيح.

« إني أحب أن يعلم الله » هو كناية من قبيل ذكر اللازم وإرادة الملزوم أي أحب فعلي ذلك ، فذكر لازمه وهو العلم لأنه أبلغ أو مجاز من إطلاق السبب على المسبب فأطلق العلم وأريد معلولة وهو الجزاء.

قوله عليه‌السلام : قبل أن يستغنوا عني ، فيه إشارة إلى أن الرزق لا بد من أن يصل إليهم فأبادر إلى إيصاله إليهم قبل أن يصل إليهم بسبب آخر ومن جهة أخرى.

الحديث السادس والعشرون : مجهول.


من قطعني ثم هي جارية بعدها في أرحام المؤمنين ثم تلا هذه الآية : «وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ »(١) .

٢٧ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن أبي عبد الله ، عن ابن فضال ، عن ابن بكير ، عن عمر بن يزيد قال سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن قول الله عز وجل : «الَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ »(٢) فقال قرابتك.

٢٨ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حماد بن عثمان وهشام بن الحكم ودرست بن أبي منصور ، عن عمر بن يزيد قال قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : «الَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ » قال نزلت في رحم آل محمد عليه وآله السلام وقد تكون في قرابتك ثم قال فلا تكونن ممن يقول للشيء إنه في شيء واحد.

_________________________________________

والأئمة بدل أو عطف بيان لآل محمد« ثم هي » أي الرحم أو صلتها أو الكلمة وهي : اللهم صل « إلخ ».

الحديث السابع والعشرون : موثق كالصحيح.

قوله : قرابتك ، أي هي شاملة لقرابة المؤمنين أيضا.

الحديث الثامن والعشرون : حسن كالصحيح.

« وقد تكون » كلمة قد للتحقيق أو للتقليل مجازا كناية عن أن الأصل فيها هو الأول« فلا تكونن » أي إذا نزلت آية في شيء خاص فلا تخصص حكمها بذلك الأمر ، بل عممه في نظائره ، أو المعنى إذا ذكرنا لآية معنى ثم ذكرنا لها معنى آخر فلا تنكر شيئا منهما فإن للآيات ظهرا وبطونا ، ونذكر في كل مقام ما يناسبه والكل حق ، وبهذا يجمع بين كثير من الأخبار المتخالفة ظاهرا الواردة في تفسير الآيات وتأويلها.

__________________

(١) سورة النساء : ٢.

(٢) سورة الرعد : ٢١.


٢٩ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن أبي عبد الله ، عن محمد بن علي ، عن أبي جميلة ، عن الوصافي ، عن علي بن الحسينعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من سره أن يمد الله في عمره وأن يبسط له في رزقه فليصل رحمه فإن الرحم لها لسان يوم القيامة ذلق تقول يا رب صل من وصلني واقطع من قطعني فالرجل ليرى بسبيل خير إذا أتته الرحم التي قطعها فتهوي به إلى أسفل قعر في النار.

٣٠ ـ علي بن محمد ، عن صالح بن أبي حماد ، عن الحسن بن علي ، عن صفوان ، عن الجهم بن حميد قال قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام تكون لي القرابة على غير أمري ،

_________________________________________

الحديث التاسع والعشرون : ضعيف.

وفي القاموسذلق اللسان كنصر وفرح وكرم فهو ذليق وذلق بالفتح ، وكصرد وعنق أي حديد بليغ ، وقال : طلق اللسان بالفتح والكسر وكأمير ولسان طلق ذلق وطليق ذليق وطلق ذلق بضمتين وكصرد وكتف ذو حدة وفي النهاية في حديث الرحم جاءت الرحم فتكلمت بلسان ذلق طلق أي فصيح بليغ ، هكذا جاء في الحديث على فعل بوزن صرد يقال : طلق ذلق وطليق ذليق يراد بالجميع المضاء والنفاذ ، انتهى.

« فالرجل » قيل : الفاء للتفريع على « واقطع من قطعني » واللام في الرجل للعهد الذهني« ليرى » على بناء المجهول أي ليظن لكثرة أعماله الصالحة في الدنيا« أنه بسبيل » أي في سبيل« خير » ينتهي به إلى الجنة« فتهوي به » الباء للتعدية أي تسقطه في أسفل قعور النار التي يستحقها مثله ، وربما يحمل على المستحل ويمكن حمله على من قطع رحم آل محمدعليهم‌السلام .

الحديث الثلاثون : ضعيف.

ويدل على أن الكفر لا يسقط حق الرحم ولا ينافي ذلك قوله تعالى : «لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ


ألهم علي حق قال نعم حق الرحم لا يقطعه شيء وإذا كانوا على أمرك كان لهم حقان حق الرحم وحق الإسلام.

٣١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن محبوب ، عن إسحاق بن عمار قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول إن صلة الرحم والبر ليهونان الحساب ويعصمان من الذنوب فصلوا أرحامكم وبروا بإخوانكم ولو بحسن السلام ورد الجواب.

٣٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن عبد الصمد بن بشير قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام صلة الرحم تهون الحساب يوم القيامة وهي منسأة في العمر وتقي مصارع السوء وصدقة الليل تطفئ غضب الرب.

_________________________________________

أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ »(١) فإنها محمولة على المحبة القلبية فلا ينافي حسن المعاشرة ظاهرا ، أو المراد به الموالاة في الدين كما ذكره الطبرسي (ره) أو محمول على ما إذا كانوا معارضين للحق ويصير حسن عشرتهم سبب غلبة الباطل على الحق ولا يبعد أن يكون نفقة الأرحام أيضا من حق الرحم فيجب الإنفاق عليهم فيما يجب على غيرهم.

الحديث الحادي والثلاثون : موثق.

والمرادبالبر البر بالإخوان كما سيأتي وبر الوالدين داخل في صلة الرحم ،ورد الجواب كأنه عطف على السلام.

الحديث الثاني والثلاثون : صحيح.

وفي النهايةمنسأة هي مفعلة « منه » أي مظنة له وموضع والصرع الطرح على الأرض ، والمصرع يكون مصدرا أو اسم مكان ومصارعالسوء كناية عن الوقوع في البلايا العظيمة الفاضحة الفادحة ، وصلة الليل أفضل لأنه أقرب إلى الإخلاص.

__________________

(١) سورة المجادلة : ٢٢.


٣٣ ـ علي ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حسين بن عثمان عمن ذكره ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إن صلة الرحم تزكي الأعمال وتنمي الأموال وتيسر الحساب وتدفع البلوى وتزيد في الرزق.

باب

البر بالوالدين

١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى وعلي بن إبراهيم ، عن أبيه جميعا ، عن الحسن بن محبوب ، عن أبي ولاد الحناط قال سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن قول الله عز وجل : «وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً »(١) ما هذا الإحسان فقال الإحسان أن تحسن صحبتهما وأن لا تكلفهما أن يسألاك شيئا مما يحتاجان إليه وإن كانا مستغنيين أليس يقول الله عز وجل : «لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ »(٢) قال ثم قال أبو عبد الله

_________________________________________

الحديث الثالث والثلاثون : مرسل.

باب البر بالوالدين إنما قدم المصنفقدس‌سره باب صلة الرحم مع أن حق الوالدين أعظم لما أشرنا إليه من أن صلة الرحم يشمل برهما أيضا.

الحديث الأول : صحيح.

«وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً » أي وأحسنوا بهما إحسانا« أن تحسن صحبتهما » أي بالملاطفة وحسن البشر وطلاقة الوجه والتواضع والترحم وغيرهما مما يوجب سرورهما ، وفي إلحاق الأجداد والجدات بهما نظر« وإن كانا مستغنيين » أي يمكنهما تحصيل ما احتاجا إليه بما لهما «لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ » ظاهر الخبر أن المراد بالبر في الآية بر الوالدين ، ويمكن أن يكون المراد أعم منه ويكون إيرادها

__________________

(١) سورة الإسراء : ٢٣.

(٢) سورة آل عمران : ٩٢.


عليه‌السلام وأما قول الله عز وجل : «إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ

_________________________________________

لشمولها بعمومها له.

وعلى التقديرين الاستشهاد إما لأصل البر أو لأن إطلاق الآية شامل للإنفاق قبل السؤال وحال الغناء لعدم التقييد فيها بالفقر والسؤال ، فلا حاجة إلى ما تكلفه بعض الأفاضل حيث قال : كان الاستشهاد بالآية الكريمة أنه على تقدير استغنائهما عنه لا ضرورة داعية إلى قضاء حاجتهما كما أنه لا ضرورة داعية إلى الإنفاق من المحبوب ، إذ بالإنفاق من غير المحبوب أيضا يحصل المطلوب إلا أن ذلك لما كان شاقا على النفس فلا ينال البر إلا به فكذلك لا ينال بر الوالدين إلا بالمبادرة إلى قضاء حاجتهما قبل أن يسألاه وإن استغنيا عنه ، فإنه أشق على النفس لاستلزامه التفقد الدائم ، ووجه آخر وهو أن سرور الوالدين بالمبادرة إلى قضاء حاجتهما أكثر منه بقضائها بعد الطلب كما أن سرور المنفق عليه بإنفاق المحبوب أكثر منه بإنفاق غيره ، انتهى.

وأقول : سيأتي في الكتاب وروى العياشي أيضا أن في قراءة أهل البيتعليهم‌السلام « ما تنفقون » بدون من فالإطلاق بل العموم أظهر ، ويمكن أن يقال : على تقدير تعميم البر كما هو المشهور أنه لما استفيد من الآية أن الرجل لا يبلغ درجة الأبرار إلا إذا أنفق جميع ما يحب ولم يذكر الله المنفق عليهم ، وقد ثبت أن الوالدين ممن تجب نفقته فلا بد من إنفاق كل محبوب عليهم سألوا أم لم يسألوا.

قال الطبرسي (ره) : البر أصله من السعة ومنه البر خلاف البحر ، والفرق بين البر والخير أن البر هو النفع الواصل إلى الغير ابتداء مع القصد إلى ذلك ، والخير يكون خيرا وإن وقع عن سهو ، وضد البر العقوق وضد الخير الشر أي لن تدركوا بر الله لأهل الطاعة.

واختلف في البر هنا فقيل : هو الجنة عن ابن عباس وغيره ، وقيل : هو


لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما »(١) قال إن أضجراك فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما إن ضرباك قال «وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً » قال إن ضرباك فقل لهما غفر الله لكما

_________________________________________

الثواب في الجنة ، وقيل هو الطاعة والتقوى ، وقيل : معناه لن تكونوا أبرارا أي صالحين أتقياء «حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ » أي حتى تنفقوا المال ، وإنما كني بهذا اللفظ عن المال لأن جميع الناس يحبون المال ، وقيل : معناه ما تحبون من نفائس أموالكم دون رذالها كقوله تعالى : «وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ »(٢) وقيل : هو الزكاة الواجبة وما فرضه الله في الأموال عن ابن عباس وقيل : هو جميع ما ينفقه المرء في سبيل الخيرات ، وقال بعضهم : دلهم سبحانه بهذه الآية على الفتوة فقال : لن تنالوا بري بكم إلا ببركم إخوانكم ، والإنفاق عليهم من مالكم وجاهكم وما تحبون ، فإذا فعلتم ذلك نالكم بري وعطفي.

«وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ » فيه وجهان : أحدهما أن تقديره وما تنفقوا من شيء فإن الله يجازيكم به قل أو كثر لأنه عليم لا يخفى عليه شيء منه ، والآخر : أن تقديره فإنه يعلمه الله موجودا على الحد الذي تفعلونه من حسن النية أو قبحها ، فإن قيل : كيف قال سبحانه ذلك والفقير ينال الجنة وإن لم ينفق؟ قيل : الكلام خرج مخرج الحث على الإنفاق وهو مقيد بالإمكان وإن أطلق على سبيل المبالغة في الترغيب ، والأولى أن يكون المراد لن تنالوا البر الكامل الواقع على أشرف الوجوه حتى تنفقوا مما تحبون ، انتهى.

« قال إن أضجراك » « قال » كلام الراوي وفاعله الإمامعليه‌السلام أو كلام الإمام وفاعله هو الله تعالى ، وكذا قال وقل وقال إن ضرباك وما بعدهما يحتملهما ، وقيل : قال في « قال إن أضجراك » كلام الراوي وجواب أما إن أضجراك بتقدير فقال فيه إن أضجراك ، إذ لا يجوز حذف الفاء في جواب أما ، وقيل :الأف في الأصل

__________________

(١) سورة الإسراء : ٢٣.

(٢) سورة البقرة : ٢٦٧.


فذلك منك قول كريم قال «وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ » قال لا تملأ

_________________________________________

وسخ الأظفار ، ثم استعمل فيما يستقذر ثم في الضجر ، وقيل : معناه الاحتقار.

وقال الطبرسي (ره) روي عن الرضا عن أبيه عن أبي عبد اللهعليهم‌السلام قال : لو علم الله لفظة أوجز في ترك عقوق الوالدين من أف لأتى به ، وفي رواية أخرى عنهعليه‌السلام قال : أدنى العقوق أف ، ولو علم الله شيئا أيسر منه وأهون منه لنهى عنه ، فالمعنى لا تؤذهما بقليل ولا كثير «وَلا تَنْهَرْهُما » أي لا تزجرهما بإغلاظ وصياح ، وقيل : معناه لا تمتنع من شيء أراداه منك كما قال : «وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ » «وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً » وخاطبهما بقول رفيق لطيف حسن جميل بعيد عن اللغو والقبيح ، يكون فيه كرامة لهما «وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ » أي وبالغ في التواضع والخضوع لهما قولا وفعلا برا بهما وشفقة لهما ، والمراد بالذل هيهنا اللين والتواضع دون الهوان ، من خفض الطائر جناحه إذا ضم فرخه إليه فكأنه سبحانه قال : ضم أبويك إلى نفسك كما كانا يفعلان بك وأنت صغير ، وإذا وصفت العرب إنسانا بالسهولة وترك الإباء قالوا : هو خافض الجناح ، انتهى.

وقال البيضاوي : واخفض لهما ، أي تذلل لهما وتواضع فيهما ، جعل للذل جناحا وأمر بخفضها مبالغة وأراد جناحه كقوله : واخفض جناحك للمؤمنين ، وإضافته إلى الذل البيان والمبالغة ، كما أضيف حاتم إلى الجود ، والمعنى واخفض لهما جناحك الذليل ، وقرئ الذل بالكسر وهو الانقياد ، انتهى.

والضجر والتضجر التبرم قوله : لا تمل(١) ، الظاهرلا تملأ بالهمزة كما في مجمع البيان وتفسير العياشي ، وأما على ما في نسخ الكتاب فلعله أبدلت الهمزة حرف علة ثم حذفت بالجازم فهو بفتح اللام المخففة ولعل الاستثناء فيقوله : إلا برحمة ، منقطع والمراد بملإ العينين حدة النظر ، والرقة رقة القلب ، وعدم رفع الصوت نوع من الأدب كما قال تعالى : «لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ »(٢) .

__________________

(١) هذا على ما في النسخ الموجودة عند الشارح (ره) والا ففي التي عندنا « لا تملأ » كما في المتن.

(٢) سورة الحجرات : ٢.


عينيك من النظر إليهما إلا برحمة ورقة ولا ترفع صوتك فوق أصواتهما ولا يدك فوق أيديهما ولا تقدم قدامهما

_________________________________________

« ولا يدك فوق أيديهما » الظاهر أن المراد أن عند التكلم معهما لا ترفع يدك فوق أيديهما كما هو الشائع عند العرب أنه عند التكلم يبسطون أيديهم ويحركونها ، وقال الوالد قدس الله روحه : المراد أنه إذا نلتهما شيئا فلا تجعل يدك فوق أيديهما وتضع شيئا في يدهما بل أبسط يدك حتى يأخذا منها ، فإنه أقرب إلى الأدب ، وقيل : المعنى لا تأخذ أيديهما إذا أرادا ضربك« ولا تقدم قدامهما » أي في المشي أو في المجالس أيضا.

ثم اعلم أنه لا ريب في رعاية تلك الأمور من الآداب الراجحة لكن الكلام في أنها هل هي واجبة أو مستحبة ، وعلى الأول هل تركها موجب للعقوق أم لا بحيث إذا قال لهما أف خرج من العدالة واستحق العقاب؟ فالظاهر أنه بمحض إيقاع هذه الأمور نادرا لا يسمى عاقا ما لم يستمر زمان ترك برهما ، ولم يكونا راضيين عنه لسوء أفعاله وقلة احترامه لهما ، بل لا يبعد القول بأن هذه الأمور إذا لم يصر سببا لحزنهما ولم يكن الباعث عليها قلة اعتنائه بشأنهما واستخفافهما لم تكن حراما بل هي من الآداب المستحبة وإذا صارت سبب غيظهما واستمر على ذلك يكون عاقا وإذا رجع قريبا وتداركهما بالإحسان وأرضاهما لم تكن في حد العقوق ولا تعد من الكبائر.

ويؤيده ما رواه الصدوق في الصحيح قال : سأل عمر بن يزيد أبا عبد اللهعليه‌السلام عن إمام لا بأس به في جميع أموره عارف غير أنه يسمع أبويه الكلام الغليظ الذي يغيظهما أقرأ خلفه؟ قال : لا تقرأ خلفه ما لم يكن عاقا قاطعا ، والأحوط ترك الجميع.

وقد روى الصدوق بأسانيد عن الرضاعليه‌السلام أنه قال : أدنى العقوق أف ، ولو لو علم الله عز وجل شيئا أهون من أف لنهى عنه.


٢ ـ ابن محبوب ، عن خالد بن نافع البجلي ، عن محمد بن مروان قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول إن رجلا أتى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال يا رسول الله أوصني فقال لا تشرك بالله شيئا وإن حرقت بالنار وعذبت إلا وقلبك مطمئن بالإيمان ووالديك فأطعهما وبرهما حيين كانا أو ميتين وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك

_________________________________________

وروي في الخصال بسند معتبر عن الصادقعليه‌السلام قال : قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : من أحزن والدية فقد عقهما.

ورأيت في بعض كتب الحسين بن سعيد عن إبراهيم بن أبي البلاد عن أبيه عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : لو علم الله شيئا أدنى من أف لنهى عنه وهو من العقوق ، وهو أدنى العقوق ، ومن العقوق أن ينظر الرجل إلى أبويه يحد إليهما النظر.

الحديث الثاني : مجهول.

« لا تشرك بالله شيئا » أي لا بالقلب ولا باللسان ، أو المراد به الاعتقاد بالشريك ، فعلى الأول الاستثناء متصل أي إلا إذا خفت التحريق أو التعذيب فتتكلم بالشرك تقية« وقلبك مطمئن بالإيمان » كما قال سبحانه في قصة عمار حيث أكره على الشرك وتكلم به : «إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ »(١) .

« ووالديك فأطعهما » الظاهر أن والديك منصوب بفعل مقدر يفسره الفعل المذكور ، والكلام يفيد الحصر والتأكيد إن قدر المحذوف بعده ، والتأكيد فقط إن قدر قبله ، كذا قيل.

وأقول : يمكن أن يقدر فعل آخر أي وارع والديك فأطعهما« وبرهما » بصيغة الأمر من باب علم ونصر« حيين » كما مر« وميتين » كما سيأتي في السابع ، أي بطلب المغفرة لهما وقضاء الديون والعبادات عنهما وفعل الخيرات والصدقات وكل ما يوجب حصول الثواب عنهما« وإن أمراك أن تخرج من أهلك » أي من زوجتك بطلاقها« ومالك » بهبته« فإن ذلك من الإيمان » أي من شرائطه أو من

__________________

(١) سورة النحل ١٠٦.


فافعل فإن ذلك من الإيمان.

_________________________________________

مكملاته وظاهره وجوب طاعتهما فيما لم يكن معصية وإن كان في نفسه مرجوحا لا سيما إذا صار تركه سببا لغيظهما وحزنهما ، وليس ببعيد لكنه تكليف شاق بل ربما انتهى إلى الحرج العظيم.

قال المحقق الأردبيلي قدس الله روحه : العقل والنقل يدلان على تحريم العقوق ، ويفهم وجوب متابعة الوالدين وطاعتهما من الآيات والأخبار ، وصرح به بعض العلماء أيضا.

قال في مجمع البيان : «وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً » أي قضى بالوالدين إحسانا أو أوصى بهما إحسانا وخص حال الكبر وإن كان الواجب طاعة الوالدين على كل حال ، لأن الحاجة أكثر في تلك الحال ، وقال الفقهاء في كتبهم : للأبوين منع الولد عن الغزو والجهاد ما لم يتعين عليه بتعيين الإمام أو بهجوم الكفار على المسلمين مع ضعفهم ، وبعضهم ألحقوا الجدين بهما.

قال في شرح الشرائع : وكما يعتبر إذنهما في الجهاد يعتبر في سائر الأسفار المباحة والمندوبة ، وفي الواجبة الكفائية مع قيام من فيه الكفاية فالسفر لطلب العلم إن كان لمعرفة العلم العيني كإثبات الواجب تعالى وما يجب له ويمتنع والنبوة والإمامة والمعاد لم يفتقر إلى إذنهما ، وإن كان لتحصيل الزائد منه على الفرض العيني كدفع الشبهات وإقامة البراهين المروجة للدين زيادة على الواجب كان فرضه كفاية فحكمه وحكم السفر إلى أمثاله من العلوم الكفائية كطلب التفقه إن كان هناك قائم بفرض الكفاية اشترط إذنهما ، وهذا في زماننا فرض بعيد فإن فرض الكفاية في التفقه لا يكاد يسقط مع وجود مائة مجتهد في العالم ، وإن كان السفر إلى غيره من العلوم المادية مع عدم وجوبها توقف على إذنهما.

هذا كله إذا لم يجد في بلده من يعلمه ما يحتاج إليه بحيث لا تجد في السفر


إلّا ماله عند نفسك ، فان تكن الدنيا على غير ما وصفت لك فتحوّل إلى دار المستعتب ،

_________________________________________

الثاني : أن يكون المراد لا تسأل أحدا عما لك عند الله من الأجر والرزق وأمثالهما فإنها بيد الله وعلمها عنده ولا ينفعك السؤال عنها بل سل العلماء عما لله عندك من الطاعات لتعلم شرائطها وكيفياتها.

الثالث : أن يكون المعنى أنك لا تحتاج إلى السؤال عما لك عند الله من الثواب فإنه بقدر ما لله عندك من عملك فيمكنك معرفته بالرجوع إلى نفسك وعملك فعلى هذا يحتمل أن يكون التقدير لا تسأل عما لك عند الله من أحد إلا مما له عندك فيكون ما له عنده مسئولا والاستثناء متصلا لكن في السؤال تجوز.

ويؤيد الأخير على الوجهين ما روي في المحاسن عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من أحب أن يعلم ما له عند الله فليعلم ما لله عنده ، وفي تحف العقول في هذا الخبر مكان هذه الفقرة هكذا : وانظر ما لله عندك في حياتك فكذلك يكون لك العهد عنده في مرجعك.

قوله عليه‌السلام : فإن تكن الدنيا ، أقول : هذه الفقرة أيضا تحتمل وجوها :

الأول : ما ذكره بعض المحققين أن المعنى إن تكن الدنيا عندك على غير ما وصفت لك فتكون تطمئن إليها فعليك أن تتحول فيها إلى دار ترضى فيها ربك يعني أن تكون في الدنيا ببدنك وفي الآخرة بروحك تسعى في فكاك رقبتك وتحصيل رضا ربك عنك حتى يأتيك الموت.

الثاني : ما ذكره بعض الأفاضل أن المعنى إن تكن الدنيا عندك على غير ذلك فانتقل إلى مقام التوبة والاستعتاب والاسترضاء فإن هذه عقيدة سيئة.

الثالث : ما خطر بالبال أن المعنى إن لم تكن الدنيا عندك على ما وصفت لك فتوجه إلى الدنيا وانظر بعين البصيرة فيها وتفكر في أحوالها من فنائها وتقلبها بأهلها ليتحقق لك حقية ما ذكرت ، وإنما عبرعليه‌السلام عن ذلك بالتحول إشعارا بأن من أنكر ذلك فكأنه لغفلته وغروره ليس في الدنيا فليتحول إليها ليعرف ذلك.


...........................................................................

_________________________________________

الثالث : لو دعواه إلى فعل وقد حضرت الصلاة فليؤخر الصلاة وليطعهما لما قلناه.

الرابع : هل لهما منعه من الصلاة جماعة؟ الأقرب أنه ليس لهما منعه مطلقا بل في بعض الأحيان لما يشق عليهما مخالفته كالسعي في ظلمة الليل إلى العشاء والصبح.

الخامس : لهما منعه من الجهاد مع عدم التعيين لما صح أن رجلا قال يا رسول الله أبايعك على الهجرة والجهاد ، فقال : هل من والديك أحد؟ قال : نعم كلاهما ، قال : أتبغي الأمر من الله؟ قال : نعم قال : فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما.

السادس : الأقرب أن لهما منعه من فروض الكفاية إذا علم قيام الغير أو ظن لأنه حينئذ يكون كالجهاد الممنوع منه.

السابع : قال بعض العلماء : لو دعواه في صلاة النافلة قطعها ، لما صح عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن امرأة نادت ابنها وهو في صلاته قالت : يا جريح قال : اللهم أمي وصلاتي قالت : يا جريح فقال : اللهم أمي وصلاتي ، فقال : لا يموت حتى ينظر في وجوه المومسات ، الحديث(١) وفي بعض الروايات أنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : لو كان جريح فقيها لعلم أن أجابه أمه أفضل من صلاته ، وهذا الحديث يدل على قطع النافلة

__________________

(١) روى القمّيّ (ره) في السفينة عن أبي جعفر (ع) قال : كان في بني إسرائيل عابد يقال له : جريح وكان يتعبد في صومعة فجائته أمّه وهو يصلي فدعته فلم يجبها فانصرفت ثمّ أتته فدعته فلم يلتفت إليها ، فانصرفت ثمّ أتته فدعته فلم يلتفت إليها فانصرفت ثمّ أتته ودعته فلم يجبها ولم يكلمها فانصرفت وهي تقول : أسأل إله بني إسرائيل أن يخذلك ، فلمّا كان من الغد جائت فاجرة وقعدت عند صومعته قد أخذها الطلق فادّعت أنّ الولد من جريح ففشا في بني إسرائيل أنّ من كان يلوم الناس على الزنا قد زنى ، وأمر الملك بصلبه فأقبلت أمّه إليه تلطم وجهها ، فقال لها : اسكتى إنّما هذا لدعوتك فقال الناس لمّا سمعوا ذلك منه : وكيف لنا بذلك؟ قال : هاتوا الصبيّ ، فجاؤا به فقال : من أبوك؟ فقال : فلان الراعي لبني فلان ، فأكذب الله الذين قالوا ما قالوا في جريح ، فحلف جريح ألاّ يفارق أمّه يخدمها.


...........................................................................

_________________________________________

لأجلها ، ويدل بطريق الأولى على تحريم السفر لأن غيبة الوجه فيه أكثر وأعظم ، وهي كانت تريد منه النظر إليها والإقبال عليها.

الثامن : كف الأذى عنهما وإن كان قليلا بحيث لا يوصله الولد إليهما ويمنع غيره من إيصاله بحسب طاقته.

التاسع : ترك الصوم ندبا إلا بإذن الأب ولم أقف على نص في الأم.

العاشر : ترك اليمين والعهد إلا بإذنه أيضا ما لم يكن فعل واجب أو ترك محرم ولم أقف في النذر على نص خاص إلا أن يقال هو يمين يدخل في النهي عن اليمين إلا بإذنه.

تنبيه (١) بر الوالدين لا يتوقف على الإسلام لقوله تعالى : «وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً ». «وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً » وهو نص وفيه دلالة على مخالفتهما في الأمر بالمعصية وهو كقولهعليه‌السلام : لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

فإن قلت : فما تصنع بقوله تعالى : «فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَ »(٢) وهو يشمل الأب ، وهذا منع من النكاح فلا يكون طاعته واجبة فيه أو منع من المستحب فلا يجب في ترك المستحب.

قلت : الآية في الأزواج ولو سلم الشمول أو التمسك في ذلك بتحريم العضل فالوجه فيه أن للمرأة حقا في الإعفاف والتصون ودفع ضرر مدافعة الشهوة والخوف من الوقوع في الحرام وقطع وسيلة الشيطان عنهم بالنكاح وأداء الحقوق واجب

__________________

(١) هذا التنبيه أيضا من تتمة كلام الشهيد (ره).

(٢) سورة البقرة : ٢٣٢. والعضل : المنع.


٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن سيف ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال يأتي يوم القيامة شيء مثل الكبة فيدفع في ظهر المؤمن فيدخله الجنة فيقال هذا البر.

_________________________________________

على الآباء للأبناء كما وجب العكس ، وفي الجملة النكاح مستحب وفي تركه تعرض لضرر ديني أو دنيوي ومثل هذا لا يجب طاعة الأبوين فيه ، انتهى كلام الشهيد (ره).

ثم قال المحقق : ويمكن اختصاص الدعاء بالرحمة بغير الكافرين إلا أن يراد من الدعاء بالرحمة في حياتهما بأن يوفق لهما الله لما يوجب ذلك من الإيمان فتأمل ، والظاهر أن ليس الأذى الحاصل لهما بحق شرعي من الحقوق مثل الشهادة عليهما لقوله تعالى : «أَوِ الْوالِدَيْنِ » فتقبل شهادته عليهما وفي القول بوجوبها عليهما مع عدم القبول لأن في القبول تكذيب لهما بعد واضح وإن قال به بعض ، وأما السفر المباح بل المستحب فلا يجوز بدون إذنهما لصدق العقوق ، ولهذا قاله الفقهاء وأما فعل المندوب فالظاهر عدم الاشتراط إلا في الصوم والنذر على ما ذكروه وتحقيقه في الفقه ، انتهى.

الحديث الثالث : حسن كالصحيح.

« مثل الكبة » أي الدفعة والصدمة أو مثل كبة الغزل في الصغر أو مثل البعير في الكبر ، قال الفيروزآبادي : الكبة الدفعة في القتال والجري ، والحملة في الحرب والزحام ، والصدمة بين الخيلين ، ومن الشتاء شدته ودفعته ، والرمي في الهوة ، وبالضم الجماعة والجروهق(١) من الغزل والإبل العظيمة والثقل ، وقال الجزري : الكبة بالضم الجماعة من الناس وغيرهم ، فيه : وإياكم وكبة السوق أي جماعة السوق ، والكبة بالفتح شدة الشيء ومعظمه ، وكبة النار صدمتها ، وكان فيه تصحيفا ولم أجده في غير الكتاب ، والبر يحتمل الأعم من بر الوالدين.

__________________

(١) قال الجوهريّ في مادة « كبَّ » الجروهق : ما جمع مستديرا كهيئة الكبة ، فارسي معرّب.


٤ ـ الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن الوشاء ، عن منصور بن حازم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قلت أي الأعمال أفضل قال الصلاة لوقتها وبر الوالدين والجهاد في سبيل الله عز وجل.

٥ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى بن عبيد ، عن يونس بن عبد الرحمن ، عن درست بن أبي منصور ، عن أبي الحسن موسىعليه‌السلام قال سأل رجل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ـ ما حق الوالد على ولده قال لا يسميه باسمه ولا يمشي بين يديه ولا يجلس قبله ولا يستسب له.

_________________________________________

الحديث الرابع : ضعيف على المشهور.

لوقتها أي لوقت فضلها.

الحديث الخامس : ضعيف.

« أن لا يسميه باسمه » لما فيه من التحقير وترك التعظيم والتوقير عرفا بل يسميه بالكنية لما فيها من التعظيم عند العرب أو الألقاب المشتملة على التعظيم أو اللطف والإكرام ، كقوله : يا أبه ، وقال أبي أو والدي ونحو ذلك« ولا يجلس قبله » أي زمانا أو رتبة والأول أظهر ، ويحتمل التعميم وإن كان بعيدا« ولا يستسب له » أي لا يفعل ما يصير سببا لسب الناس له كان يسبهم أو أباهم وقد يسب الناس والد من يفعل فعلا شنيعا قبيحا ، وسيأتي في الروضة في حديث عرض الخيل أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعن جماعة إلى أن قال : ومن لعن أبويه ، فقال رجل : يا رسول الله أيوجد رجل يلعن أبويه؟ فقال : نعم ، يلعن آباء الرجال وأمهاتهم فيلعنون أبويه.

وهذان الحديثان مرويان في طرق العامة قال في النهاية في حديث أبي هريرة : لا تمشين أمام أبيك ولا تجلس قبله ، ولا تدعه باسمه ، ولا تستسب له ، أي لا تعرضه للسب وتجره إليه بأن تسب أبا غيرك فيسب أباك مجازاة لك ، وقد جاء مفسرا في الحديث الآخر : أن من أكبر الكبائر أن يسب الرجل والديه ، قيل : و


٦ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن أبيه ، عن عبد الله بن بحر ، عن عبد الله بن مسكان عمن رواه ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال وأنا عنده لعبد الواحد الأنصاري في بر الوالدين في قول الله عز وجل : «وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً » فظننا أنها الآية التي في بني إسرائيل «وَقَضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ [وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ] » فلما كان بعد سألته فقال هي التي في لقمان «وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما » فقال إن

_________________________________________

كيف يسب والديه؟ قال : يسب الرجل فيسب أباه وأمه ، انتهى.

وأقول : مع قطع النظر عن هذا الخبر العامي هل يمكن الحكم بأن من فعل ذلك فعل كبيرة باعتبار أن سب الأب كبيرة؟ الظاهر العدم لأن سب الغير إذا لم ينته إلى الفحش لا يعلم كونه كبيرة ، وليس هذا سب الأب حقيقة بل الظاهر أن الإسناد على المبالغة والمجاز ، وفعل السبب ليس حكمه حكم المسبب إلا إذا كان السبب بحيث لا يتخلف عنه المسبب كضرب العنق بالنسبة إلى القتل ، مع أن الرواية ضعيفة يشكل الاستدلال بها علي مثل هذا الحكم ، وكذا خبر الروضة ضعيف على المشهور ، مع أن الاستدلال باللعن على كونه كبيرة مشكل ، نعم ظاهره التحريم وإن ورد في المكروهات أيضا.

الحديث السادس : ضعيف.

وهو من الأخبار العويصة الغامضة التي سلك كل فريق من الأماثل فيها واديا فلم يأتوا بعد الرجوع بما يسمن أو يغني من جوع ، وفيه إشكالات لفظية ومعنوية.

أما الأولى : فهي أن الآيات الدالة على فضل بر الوالدين كثيرة وما يناسب المقام منها ثلاث : الأولى : الآية التي في بني إسرائيل : «وَقَضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً »(١) الثانية : الآية التي في سورة العنكبوت وهي : «وَوَصَّيْنَا

__________________

(١) الآية : ٢٣.


ذلك أعظم [ من ] أن يأمر بصلتهما وحقهما على كل حال «وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ

_________________________________________

الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما »(١) الثالثة : الآية التي في لقمان وهي : «وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ، وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً »(٢) فأما الآية الأولى فهي موافقة لما في المصاحف ، والآية المنسوبة إلى لقمان لا يوافق شيئا من الآيتين المذكورتين في لقمان والعنكبوت ، وأيضا تصريح الراوي أو لا بأن الكلام كان في قوله تعالى «بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً » ، وجوابهعليه‌السلام بما لا يوافقه مما لا يكاد يستقيم ظاهرا ، وأما الإشكالات المعنوية وسائر الإشكالات اللفظية فسيظهر لك عند ذكر التوجيهات.

وقد ذكر فيها وجوه نكتفي بإيراد بعضها :

الأول : ما خطر في عنفوان شبابي ببالي وعرضتها على مشايخي العظام رضوان الله عليهم فاستحسنوها وهو أن قول الراوي : وبالوالدين إحسانا بناء على زعمه أن الآية التي أشارعليه‌السلام إليها هي التي في بني إسرائيل كما ذكره بعد ذلك ، ولم يذكر الإمامعليه‌السلام ذلك بل قال : أكد الله في موضع من القرآن تأكيدا عظيما في بر الوالدين ، فظننا أن مرادهعليه‌السلام الآية التي في بني إسرائيل ، أو المراد في معنى هذه العبارة ومضمونها وإن لم يذكر بهذا اللفظ ، ويحتمل أن يكونعليه‌السلام قرأ هذه الآية صريحا وأشار إجمالا إلى تأكيد عظيم في برهما فظن الراوي أن المبالغة العظيمة في هذه العبارة فقالعليه‌السلام : لا بل أردت ما في لقمان وإنما نسب الراوي هذه العبارة إلى بني إسرائيل مع أنها قد تكررت في مواضع من القرآن المجيد ، منها في البقرة ، ومنها في الأنعام ، ومنها في النساء لأنه تعالى عقب هذه العبارة في بني إسرائيل بتفسير

__________________

(١) الآية : ٨.

(٢) الآية : ١٥.


تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ »؟ فقال لا بل يأمر بصلتهما وإن جاهداه على الشرك ما زاد

_________________________________________

الإحسان ، وتفصيل رعاية حقهما ، حيث قال : «إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ » إلى آخر ما مر دون ما في سائر السور ، مع أنه يحتمل أن يكون الراوي سمع منهعليه‌السلام أن ما في سائر السور إنما هو في شأن الوالدين بحسب الإيمان والعلم أعني النبي والوصي صلى الله عليهما ، وما في الأسرى في شأن والدي النسب كما قال علي بن إبراهيم في تفسير آية الأنعام أن الوالدين رسول الله وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما وقد مضت الأخبار الكثيرة في ذلك ، لكن الظاهر أنه من بطون الآيات ، ولا ينافي ظواهرها.

وأما الإشكال الثاني فيمكن أن يكون « حسنا » مثبتا في قراءتهمعليهم‌السلام ، ونظيره في الأخبار كثير وقد مر بعضها ، وسائر الأجزاء موافق لما في المصاحف ، لكن قد أسقط من البين قوله : «حَمَلَتْهُ أُمُّهُ » إلى قوله : «إِلَيَّ الْمَصِيرُ » اختصارا لعدم الحاجة إليه في هذا المقام أو إحالة على ما في المصاحف ، كما أنه لم يذكر «وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً » مع شدة الحاجة إليه في هذا المقام ، أو يكون نقلا بالمعنى إشارة إلى الآيتين معا فذكر « حسنا » للإشارة إلى آية العنكبوت و « على أن تشرك » للإشارة إلى لقمان وكأنه لذلك أسقطعليه‌السلام الفاصلة والتتمة لعدمهما في العنكبوت ، فقوله : في لقمان للاختصار أي في لقمان وغيرها ، أو المراد به لقمان وما يقرب منها بالظرفية المجازية كما يقال سجدة لقمان للمجاورة ، وكأنهعليه‌السلام ذكر السورتين والآيتين معا فاختصر الرواة عمدا أو سهوا ومثله كثير.

« فقال » أي الإمامعليه‌السلام « هي التي » أي الآية التي أشرت إليها وذكرت أن فيها المبالغة العظيمة في برهما ، أو الآية التي فسرتها لعبد الواحد التي في لقمان ،« فقال إن ذلك » هذا كلام ابن مسكان يقول قال الراوي المجهول الذي كان حاضرا عند سؤال عبد الواحد ، وهذا شائع في الأخبار يقول راوي الراوي : قال ، مكان قول الراوي : قلت ، ولا يلزم إرجاع المستتر إلى عبد الواحد وتقدير أنه كان حاضرا عند هذا السؤال أيضا ليحكم ببعده ولا يستبعد ذلك من له أدنى أنس بالأخبار.


حقهما إلا عظما.

_________________________________________

والحاصل أنه قال الراوي لهعليه‌السلام إن ذلك ، أي الأمر الذي في بني إسرائيلأعظم أن يأمر ، أي بأن يأمر أو هو بدل لقوله ذلك ، وغرضه أن الآية التي في بني إسرائيل والأمر بالإحسان فيها بإطلاقها شامل لجميع الأحوال حتى حال الشرك والآية التي في لقمان استثني فيها حال الشرك فتكون الأولى أبلغ وأتم في الأمر بالإحسان ، فإن فيقوله : «وَإِنْ جاهَداكَ » وصلية وإن كانت في الآية شرطية ، فقال أي الإمامعليه‌السلام في جوابه : لا ، أي ليس الأمر في الآيتين كما ذكرت فإن آية بني إسرائيل ليس فيها تصريح بعموم الأحوال بل فيها دلالة ضعيفة باعتبار الإطلاق ، وليس في آية لقمان استثناء حال الشرك بل فيها تنصيص علي الإحسان في تلك الحال أيضا ، وإنما نهى عن الإطاعة في الشرك فقط ، وقال بعده : وصاحبهما في الدنيا معروفا ، فأمر بالمصاحبة بالمعروف التي هي أكمل مراتب الإحسان في تلك الحال أيضا فعلى تقدير شمول الإطلاق في الأولى لتلك الحالة التنصيص أقوى في ذلك ، مع أن الدعاء بالرحمة في آخر آيات الأسرى مشعر بكونهما مسلمينفقوله : بل يأمر ، أي بل يأمر الله في آية لقمان بصلتهما ، وإن جاهداه على الشرك ، وقوله : ما زاد حقهما جملة أخرى مؤكدة ، أي ما زاد حقهما بذلك إلا عظما برفع حقهما أو بنصبه ، فيكون زاد متعديا ، أي لم يزد ذلك حقهما إلا عظما ، ويحتمل أن يكون يأمر مبتدأ بتقدير إن وما زاد خبره.

الثاني : ما قال صاحب الوافيقدس‌سره حيث قال : إنما ظنوا أنها في بني إسرائيل لأن ذكر هذا المعنى بهذه العبارة إنما هو في بني إسرائيل دون لقمان ولعلهعليه‌السلام إنما أراد ذكر المعنى أي الإحسان بالوالدين دون لفظ القرآن ، وقولهعليه‌السلام : أن يأمر بصلتهما بدل من قوله : ذلك ، يعني أن يأمر الله بصلتهما وحقهما على كل حال الذي من جملته حال مجاهدتهما على الإشراك بالله أعظم ، والمراد أنه ورد الأمر بصلتهما وإحقاق حقهما في تلك الحال أيضا وإن لم تجب طاعتهما في الشرك ، ولما


...........................................................................

_________________________________________

استبان لهعليه‌السلام من حال المخاطب أنه لا تجب صلتهما في حال مجاهدتهما على الشرك رد عليه ذلك بقوله : لا ، وأضرب عنه بإثبات الأمر بصلتهما حينئذ أيضا ، وقوله : ما زاد حقهما إلا عظما تأكيد لما سبق.

الثالث : ما ذكره بعض أفاضل المعاصرين أيضا وإن كان ماله إلى الثاني حيث قال : فلما كان بعد ، أي بعد انقضاء ذلك الزمان في وقت آخر سألته عن هذا ، يعني قلت : هل كان الكلام في هذه الآية التي في بني إسرائيل ، فقال هي ، يعني الآية التي كان كلامنا فيها هي التي في لقمان وبينها بقوله : «وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ » من الآلهة التي يعبدها الكفرة يعني باستحقاقها الإشراك ، وقيل : المراد بنفي العلم به نفيه «فَلا تُطِعْهُما » وقوله : حسنا ، ليس مذكورا في الآية لكن ذكرهعليه‌السلام بيانا للمقصود ، ولعل هذا منشأ للظن الذي ظنه السائل وغيره ، وقوله : «وَإِنْ جاهَداكَ » مفصول عن قوله : «وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ » لكن ذكرهعليه‌السلام هيهنا لتعلق الغرض به ، « فقال » يعني الصادقعليه‌السلام : إن ذلك ، يعني الوارد في سورة لقمان أعظم دلالة على الأمر بإحسان الوالدين وأبلغ فيه من الوارد في سورة بني إسرائيل ، قولهعليه‌السلام : أن يأمر بصلتهما وحقهما أي رعاية حقهما على كل حال ، وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم ، بدل من اسم الإشارة بدل الاشتمال ، يعني الأمر بصلتهما على جميع الأحوال وإن كانت حال المجاهدة على الكفر كما هو المستفاد من آية لقمان أعظم في بيان حق الوالدين مما يستفاد من آية بني إسرائيل لعدم دلالتها على عموم الأحوال.

بيان ذلك أن المستفاد من آية بني إسرائيل الأمر بالإحسان بالوالدين والأمر لا يدل على التكرار كما تحقق في محله ، فضلا عن عموم الأحوال ، إذ فرق بين المطلق والعام ، وما في الآية من النهي عن التأفيف والزجر الدال على العموم إنما يدل على عموم النهي عن الأذى ووجوب الكف عنه في جميع الأحوال ، ولا يدل على


...........................................................................

_________________________________________

وجوب تعميم الإحسان ، على أن في قوله تعالى : «وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً » إشعار باختصاص الأمر بالإحسان ، وما ذكر في سياقه بالمسلمين منهما للنهي عن الدعاء للكافر ، وإن كان أحد الأبوين «وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ ».

وأما دلالة آية لقمان على وجوب الإحسان بهما وإن كان في حال الكفر فلقوله تعالى : «وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما » حيث قال عز. شأنه «فَلا تُطِعْهُما » ، ولم يقل لا تحسن إليهما بعد الأمر بالإحسان ، ثم قوله : وصاحبهما في الدنيا معروفا ، كما لا يخفى على الفطن « فقال » يعني الصادقعليه‌السلام ، وإنما أعاد لفظ فقال هيهنا وفي السابق للتأكيد ، والفصل بين كلامه والآية ، لا نفيا لما عسى يتوهم في هذا المقام من أن غاية ما ثبت وجوب الإحسان بهما في حال الكفر وإن كان ناقصا بالنسبة إلى ما يجب في حال الإسلام أو مساويا بالنسبة إليه ، فإن المقام مظنة لهذا التوهم بناء علي أن شرف الإسلام يقتضي زيادة الإحسان أو توهمه السائل وفهم الإمامعليه‌السلام ذلك ، فنفاه يعني ليس الأمر كما يتوهم بل الله سبحانه يأمر بصلتهما وإن جاهداه على الشرك ما زاد حقهما إلا عظما فإن المبتلي الممتحن بالبلاء أحق بالترحم ولأن الإحسان بهما في حال الكفر يوجب ميلهما ورغبتهما إلى الإسلام كما في واقعة النصراني وأمه المذكورة في الحديث الذي يلي هذا الحديث.

ويمكن أن يقال : يستفاد من الآية عظم حقهما في حال الشرك بناء على أن الراجح أن يكون قوله عز شأنه «وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً » ، معطوفا على جزاء الشرط لا الجملة الشرطية لمرجح القرب ، وقوله : في الدنيا كما لا يخفى على


...........................................................................

_________________________________________

المتدبر ، وكذا قوله : واتبع سبيل من أناب إلى.

ويحتمل أن يكون المعنى قولهعليه‌السلام : لا ، ليست الآية التي فسرتها ما في بني إسرائيل فيكون تأكيدا للنفي المفهوم في الكلام السابق ، وعلى هذا يجري في قوله : بل يأمر بصلتهما الاحتمالان الآتيان في التفسير الثاني على هذا التفسير أيضا فتدبر.

وفي بعض نسخ الكافي فقال إن ذلك أعظم من أن يأمر بصلتهما ، بزيادة لفظة « من » ويمكن تفسير الحديث بناء على هذه النسخة بأن يقال : قولهعليه‌السلام : ذلك إشارة إلى ما في بني إسرائيل ، ويكون الكلام مسوقا على سبيل الاستفهام الإنكاري ، فيكون المراد ما في سورة بني إسرائيل أعظم في إفادة المراد من أن يأمر بصلتهما علي كل حال وإن كان حال الكفر كما في آية لقمان حتى يكون مقصودي ذلك ، ثم قال : لا ، تأكيدا للنفي المستفاد من الكلام السابق فقال : بل يأمر بصلتهما وإن جاهداه على الشرك ما زاد حقهما إلا عظما كما هو المستفاد من آية لقمان أعظم فالخبر محذوف للقرينة ، وعلى هذا « حقهما » مرفوع على أنه فاعل زاد فيكون حاصل الكلام أن يأمر بصلتهما وإن جاهداه على الشرك كما هو المستفاد من آية لقمان ما زاد حقهما إلا عظما ، فيكون هذا الكلام أي المذكور في سورة لقمان أعظم دلالة من ذلك ففي الكلام تقديران ، وعلى هذا الاحتمال الأخير لا يدل الحديث على زيادة حق الوالدين في حال الكفر ، ويمكن إجراء هذين المعنيين على النسخة الأولى.

الرابع : ما ذكره بعض المشايخ الكبار مد ظله قال : الذي يخطر بالبال أن فيه تقديما وتأخيرا في بعض كلماته وتحريفا في بعضها من النساخ أولا وأن قوله : «وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً » بعد قوله : «أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ » والأصل والله أعلم :

قال وأنا عنده لعبد الواحد الأنصاري في بر الوالدين في قول الله عز وجل ، فظننا أنها الآية التي في بني إسرائيل : «وَقَضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً »


...........................................................................

_________________________________________

ومثل هذا يشتبه إذا كان في آخر سطر أنه من السطر الأول أو الثاني ونحو ذلك ، والبعد بينهما هنا نحو سطر ، وحاصل المعنى أنهعليه‌السلام ذكر لعبد الواحد بر الوالدين في قول الله عز وجل ، ولم يبين في أي موضع ، فظن أن مرادهعليه‌السلام أنه في بني إسرائيل.

ويحتمل أن يكون : فقال إن ذلك « فقلت أن ذلك » بقرينة قوله بعد فقال : لا ، والمعنى على هذا أني قلت لهعليه‌السلام إن هذا عظيم وهو أنه كيف يأمر بصلتهما وحقهما علي كل حال وإن حصلت المجاهدة منهما على الشرك والخطاب حينئذ حكاية للفظ الآية فقالعليه‌السلام : لا ، أي ليس بعظيم كما ظننت أن مجاهدتهما على الشرك تمنع من صلتهما وحقهما ، بل هو تعالى يأمر بصلتهما وإن حصلت منهما المجاهدة ، وحصول المجاهدة لا يسقط حقهما وصلتهما بل يزيده عظما فإن حق الوالدين إذا لم يسقط مع المجاهدة على الشرك كان أعظم منه مع عدم المجاهدة.

والظاهر من السياق على هذا كون إن في «وَإِنْ جاهَداكَ » وصلية في كلام الراوي وإن كانت في الآية شرطية ، وفي كلام الإمامعليه‌السلام يحتمل أن يكون وصلية وقوله : فلا تطعهما كلام مستقل متفرع على ما قبله ، وأن تكون شرطية وجواب الشرط فلا تطعهما ، ومع ملاحظة المحذوف من الآية لا يبعد الوصل باعتبار كون ما بينهما معترضا وإن كان الأظهر خلافه مع الذكر ولفظ « حسنا » إن لم يكن زائدا من النساخ أو الراوي سهوا فقد وقع مثله كثيرا في الأحاديث بما ليس في القرآن الموجود وهمعليهم‌السلام أعلم بحقيقة القرآن ، نعم هو في آية العنكبوت ولا يمكن إرادتهما بعد قولهعليه‌السلام في سورة لقمان باعتبار الظرفية بخلاف سجدة لقمان فإن الإضافة تصدق بأدنى ملابسة فأضيفت سجدة سورة السجدة إلى لقمان للقرب وعدم الفصل بسورة أو باعتبار إضافة السجدة بمعنى سورة السجدة إلى لقمان ثم توسعوا بإضافة السجدة التي في السورة إلى لقمان.


...........................................................................

_________________________________________

ويمكن أن يكون على هذا ، الآية في الواقع كما ذكرهعليه‌السلام من غير الزيادة التي في لقمان وهي «حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً » إلخ إن ثبت هذا وتكون في محل آخر إلا أن يكون المقصود ذكر ما يتعلق بالمقام فقط مع حذف غيره ، والتنبيه على كون «وَإِنْ جاهَداكَ » وصليا للكلام الأول ، ولفظ يأمر الثاني يحتمل أن يكون أصله يؤمر فهو من قبيل ما تقدم من التحريف.

هذا ما يتعلق بالحديث على تقدير المذكور وعلى ما في الحديث من قوله « فقال » يحتمل وجهين :

أحدهما : أن يكون ضميره راجعا إلى عبد الواحد ، وفيه أن عبد الواحد لم يذكر إلا في الكلام الأول ، وقوله : فلما كان بعد سألته ، كلام آخر فرجوعه إلى عبد الواحد يحتاج إلى تكلف تقدير حضور عبد الواحد وقت سؤال غيره في وقت آخر فإرجاع الضمير إليه مع عدم قرينة تدل على ذلك فهو كما ترى.

الثاني : أن يكون معطوفا على « فقال » السابق ، والقائل حينئذ الإمامعليه‌السلام والمعنى فقال بعد ذكر الآية إن هذه الآية أمر الوالدين فيها أعظم من أمرهما في آية بني إسرائيل لفهمهعليه‌السلام ما ظنه السائل فإن في هذه الوصية وإن حصلت المجاهدة على الشرك ، فالمجاهدة لا تسقط حقهما بل يترتب عليهما عدم الإطاعة في ذلك ، وهو أن يأمر تعالى بصلتهما وحقهما على كل حال حتى مع المجاهدة.

وعلى هذا فقوله : فقال لا ، ضميره يحتمل أن يرجع إليه تعالى بمعنى أنه تعالى قال بعد ما ذكر مفسرا من الإمامعليه‌السلام لا ، أي لا تطعهما بل هو تعالى يأمره بصلتهما وإن جاهداه على الشرك ، وليس هذا تكرارا لما تقدمه فإنه يفيد أن عدم الإطاعة لهما ليس في كل شيء فيه برهما بل في الشرك فقط ، وكلما فيه صلة لا يترك بسبب المجاهدة على الشرك ، ويحتمل بعيدا أن تكون إن في قوله : وإن جاهداه على الشرك شرطية ، وجواب الشرط ما زاد حقهما إلا عظما ، والمعنى حينئذ أن


...........................................................................

_________________________________________

المجاهدة على الشرك لا تسقط حقهما بل تزيده عظما والله تعالى أعلم بمقاصد أوليائه انتهى كلامه زيد فضله.

الخامس : ما ذكره بعض الشارحين فاقتفى أثر الفضلاء المتقدم ذكرهم في جعل ضمير قال في الموضعين راجعا إلى الإمامعليه‌السلام إلا أنه حمل الوالدين على والدي العلم والحكمة ، وقال : « ذلك » في قوله : « إن ذلك أعظم » إشارة إلى قوله تعالى : «وَإِنْ جاهَداكَ » و « أعظم » فعل ماض تقول أعظمته وعظمته بالتشديد إذا جعلته عظيما ، و « إن يأمر » مفعوله بتأويل المصدر والمراد بالأمر بالصلة الأمر السابق على هذا القول واللاحق له أعني قوله : اشكر لي ولوالديك ، وقوله : وصاحبهما واتبع ، فأفادعليه‌السلام بعد قراءة قوله تعالى : «وَإِنْ جاهَداكَ » أن هذا القول أعظم الأمر بصلة الوالدين وحقهما علي كل حال ، حيث يفيد أنه تجب صلتهما وطاعتهما مع الزجر والمنع منهما فكيف بدونه «وَإِنْ جاهَداكَ » إلخ ثم قرأ هذا القول وهو قوله تعالى : «وَإِنْ جاهَداكَ » وأفاد بقوله : لا ، أنه ليس المراد منه ظاهره وهو مجاهدة الوالدين على الشرك ونهى الولد عن إطاعتهما عليه بل يأمر الولد بصلة الوالدين وإن منعه المانعان أي أبو بكر وعمر عنهما وما زاد هذا القول حقهما إلا عظما وفخامة.

واستشهد لذلك برواية أصبغ المتقدمة في باب نكت التنزيل في تأويل تلك الآيات ذاهلا عن أنه تأويل لبطن الآية ولا ينافي تفسير ظهرها بوجه آخر.

لكن يؤيده ما رواه مؤلف كتاب تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة نقلا من تفسير محمد بن العباس بن ماهيار بسنده الصحيح عن عبد الله بن سليمان قال : شهدت جابر الجعفي عند أبي جعفرعليه‌السلام وهو يحدث أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلياعليه‌السلام الوالدان ، قال عبد الله بن سليمان : وسمعت أبا جعفرعليه‌السلام يقول : منا الذي أحل له الخمس ، ومنا الذي جاء بالصدق ، ومنا الذي صدق به ، ولنا


...........................................................................

_________________________________________

المودة في كتاب الله عز وجل ، وعلى ورسول الله صلوات الله عليهما الوالدان وأمر الله ذريتهما بالشكر لهما.

وروي أيضا بسند صحيح آخر عن ابن مسكان عن زرارة عن عبد الواحد بن مختار ، قال : دخلت على أبي جعفرعليه‌السلام فقال : أما علمت أن عليا أحد الوالدين قال الله تعالى : «أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ » قال زرارة : فكنت لا أدري أي آية هي التي في بني إسرائيل أو التي في لقمان قال : فقضي لي أن حججت فدخلت على أبي جعفرعليه‌السلام فخلوت به فقلت : جعلت فداك حديث جاء به عبد الواحد؟ قال : نعم ، قلت : أي آية هي؟ التي في لقمان أو التي في بني إسرائيل؟ فقال : التي في لقمان.

وروي أيضا بسند آخر عن جابر عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : سمعته يقول : «وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ » رسول الله وعلي صلوات الله عليهما.

ثم إنه يظهر من هذه الأخبار أن في رواية الكافي تصحيفا وتحريفا وأن قوله عمن رواه تصحيف عن زرارة ، وبه يرتفع بعض الإشكالات ، لكن تطبيقه على الآية في غاية(١) وقد مرت الوجوه في ذلك في الباب المذكور.

وإنما أطنبت الكلام في هذا الخبر لتعرف ما ذهب إليه أوهام أقوام وتختار ما هو الحق بحسب فهمك منها والله الموفق.

ثم لنذكر تفسير آية لقمان مشيرا إلى بعض الدقائق المستنبطة منها :

فمن ذلك قوله تعالى : «وَوَصَّيْنَا » فإن فيه تأكيدا ومبالغة من جهة أن التعبير بالتوصية إنما يكون في الأمور العظيمة المهتم لها كما هو الظاهر في المقامات المستعملة فيها من الآيات والأخبار وعرف سائر الناس ، ومن جهة أن فيها إشعارا بأن الموصى به مما فيه صلاح وقربة ، فإن أصل التوصية التقدم إلى الغير بما فيه صلاح ، ففيه دلالة على أن هذا الأمر مما فيه صلاح الحال أو إصلاح المال فيجب

__________________

(١) كذا في النسخ والظاهر سقوط لفظة « الإشكال » أو غيرها.


...........................................................................

_________________________________________

الإقدام عليه ، فيكون أدل على المقصود وكان بمنزلة نصب الدليل على الدعوى ، مع ما في هذه الصيغة من الدلالة على المبالغة والتكثير.

ولعل قوله تعالى «وَصَّيْنَا » دون وصيت باعتبار التعظيم أو باعتبار شركة الأنبياء والرسل والملائكة وحملة الوحي والأوصياء المبلغين للأحكام في هذه التوصية مع مشاركة العقول المستقيمة فيها ، فإن الحكم بذلك ليس بشرعي صرف ، فيكون فيه مبالغة من هذه الجهة ، على أنه على تقدير التعظيم أيضا لا يخلو عن نوع مبالغة كما لا يخفى.

ومنها قوله جل وعز : « الإنسان » حيث لم يخاطب بصيغة الجمع كما في الآية الأخرى فإنه يدل على عموم المأمورين بهذا الحكم صريحا ، وأما الخطابات القرآنية علي سبيل المشافهة ، فالتحقيق فيها أنها متوجهة إلى الموجودين في وقت الخطاب ، ومشاركة حكم باقي الأمة لحكمهم إنما استفيدت بدليل من خارج ، لا من نفس الآية وإلى هذا ذهب المحققون من الأصوليين ومن حيث لم يقل « الناس » فإنه يستفاد من هذا أن الحكم كأنه متوجه إلى كل واحد واحد من أفراد الإنسان يستفاد من هذا أن الحكم كأنه متوجه إلى كل واحد واحد من أفراد الإنسان بانفراده بخلاف ذلك ، ولا يخفى ما في ذلك من المبالغة.

ومنها عدم ذكر قوله : « إحسانا » كما في الآية الأخرى لما فيه من الإشعار بكون ذلك متعينا لا يتوهم غيره أو للتعميم وذهاب الذهن كل مذهب ، وفيهما من المبالغة ما لا يخفى.

ومنها إيراد الضمير المجرور في قوله تعالى شأنه : «بِوالِدَيْهِ » ولم يقل بالوالدين كما في الأخرى لأن في الاختصاص المستفاد من الإضافة استعطافا واسترحاما وإشارة إلى الانتساب الخاص والرحم الماس وتهييجا للعلاقة الطبيعية من جهة تذكير النسبة الخاصة ، وفيه إشارة إلى التعليل وإلى أن تكون اهتمامهم بذلك حيث كان مصلحة


...........................................................................

_________________________________________

لهم وللمختصين بهم اختصاصا فوق كل اختصاص بحيث لا يحتاج إلى التوصية والموعظة من غيرهم إلى أن هذا من مهمات أمورهم ، ولا يرجع إلى مصلحة للموصي.

ومنها قوله : «حَمَلَتْهُ أُمُّهُ » لأن فيه دلالة على علة الحكم وتذكير ما احتملته من الأعباء الثقيلة والمشاق الشديدة التي قاستها في حال الحمل ، من الحمل الثقيل في جميع الحالات من غير استراحة وتغير المزاج عن الحالة الطبيعية وتطرق الفتور إلى أكثر القوي والأمراض والأعراض التي حلت بها حال الحمل بسبب إحساس الطمث وارتفاع الأبخرة الرديئة إلى الدماغ من الكرب والكسل ، وثقل البدن وخبث النفس والغشيان والقشعريرة والصداع والدوار وظلمة العين والخفقان وغور العين واسترخاء جفنها ، والشهوات الرديئة وتغير اللون وحدوث آثار خارجة عن الطبيعة والعوارض النفسانية التي تعرض لها ، مثل الخوف من شدائد الطلق وتبعاته ، وعروض الآلام والأوجاع التي تتحملها في حال الوضع ، إلى غير ذلك وفي ضمير قوله : أمه ، من المبالغة ما ذكر في قوله : والديه.

ومنها قوله عز شأنه : «وَهْناً » أي ذات وهن ، أو تهن وهنا أي تضعف ضعفا فوق ضعف بالحمل الثقيل الذي يتزايد في الثقل يوما فيوما بسبب أنه يعظم الولد ويكبر ويزداد أعضاءها وقواها ضعفا وو هنا على طول الأيام بسبب دوام الثقل والآفات والعوارض الحادثة بسبب العلوق ، وكل حامل لشيء ثقيل إذا تعب وأعيى يضع حمله ليستريح ويستقوي ، ثم يرجع إلى الحمل بعد رجوع القوة وزوال الإعياء إن تعلق به الغرض ، بخلاف المرأة الحاملة فإنها ليست لها استراحة في الأثناء مع أن المحمول دائما في ازدياد الثقل والنمو ، والعامل في انحطاط القوة وغلبة الضعف وإن أمكن لها دفع ثقل ووضعه بالإسقاط لا تفعل.

ففي ذكر هذا مبالغة في وجوب الإحسان بناء على تحمل مثل هذه المشاق


...........................................................................

_________________________________________

التي لا يتحملها غيرها ، فكيف يمكن الإهمال والتساهل في رعاية حقها ، وفيه تمهيد لكون الإحسان لهما هو الشكر للنعمة الذي تطابق العقل والنقل على وجوب رعايته ، وفي قوله : على ، دون(١) في زيادة المبالغة وإشعار بأن الوهن اللاحق أشد من السابق لما في معناها من تضمن معنى العلو والاستيلاء.

وقيل : قوله وهنا على وهن ، حال من الضمير المنصوب فيكون المراد وهن الولد ، ويكون إشارة إلى ضعف الولد وعجزه وعدم فوته وانتهاضه بتحصيل مصالحه وسقوطه عن مرتبة مكافأة الإحسان ومجازاة الامتنان في مراتب تنقلاته في الأطوار المختلفة وتحولاته في الصور والأحوال المتعاقبة من كونه نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم ظهور نقوش الأعضاء وصورها إلى غير ذلك من أحواله فإن الجنين بل الرضيع قبل استوائه وبلوغ أشده في وهن على وهن ، ولعل الوهن التالي أشد من السالف لانضمام ازدياد الحاجة مع العجز عن الكفاية إلى ضعف القوة ففي مثل تلك الأحوال حملته الأم حملا ثقيلا وأتعب نفسها في حفظه ووقته بذاتها وأعضاء جسدها وأسكنته في صميم بدنها فكيف يسوغ للعاقل التكاسل في أداء حقها.

ففيه مبالغة وتذكير لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

ومنها قوله تعالى : «وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ » أي فصاله في انقضاء عامين ، وفيه بيان لقسط أخرى من حقوق الأم فإنه بعد انقضاء أيام الحمل وتحملها آلامها لم تفرغ للراحة بل كانت ممنوة بتعب الإرضاع في تلك المدة الطويلة فاختارته وآثرته على نفسها في مطعمه ومشربه وملبسه ونومه وراحته مقترة علي نفسها في توسعته ، فهجرت النوم والراحة وقاست التعب الشديد في حفظه ورعايته وضبطه وكفايته حيث عجز من تفقد حاله وجذب المنافع ودفع الآلام عن نفسه ، فكانت

__________________

(١) كذا في الأصل وفيما عندي من المخطوطة ولا يخلو من التصحيف قطعا.


...........................................................................

_________________________________________

بمنزلة حواسه وجوارحه وأعضائه في طلب مصالحه ودفع مضاره نائبة مناب تلك الآلات الجليلة في الآثار التي يترتب عليها وكثيرا ما يبتلي بشدة الاحتماء وترك الملاذ وشرب الأدوية الكريهة البشعة والفصد والحجامة من غير مرض وعلة لمداواة المرض الذي حل به.

والأب لا يخلو عن كثير من ذلك في تلك المدة لاهتمامه واشتغاله بحال الولد وشدة عنايته بتربيته فهو مشغول بحاله بالجنان والأركان ، ففيه إشارة وتذكير إلى عظم منتهما وقدم نعمتهما تحريصا علي الإحسان وحثا على الثبات في هذا الشأن.

ومنها قوله عز شأنه : «أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ » حيث جعلهما تلوا له جل إحسانه في وجوب الشكر وحيث عبر عن الإحسان بهما بالشكر الذي تطابقت العقول وتوافقت الشرائع على وجوب أدائه ولزوم رعايته تذكيرا لأنعمهما ثانيا وتحريصا على مراعاة الإحسان ومبالغة في الغرض المسوق له بالكلام ، وأبلغ من ذلك أنه جعل الإحسان إليهما شكرا له تعالى فإن قوله تعالى : «أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ » تفسير لوصينا أو علة له ، أو بدل من والديه بدل الاشتمال.

ومما يزيد في ذلك استعظامه تعالى أمر الشكر فيما قبل هذا المقام من غير فصل يعتد به حيث قال تعالى : حيث قال «وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ « أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ » أي لأن أشكر أو أي اشكر ، حيث جعل الشكر تفسيرا وغاية للحكمة التي من بها على لقمان ، وآل إبراهيم حيث قال جل شأنه : «فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ »(١) وهي النعمة التي من يؤتها فقد أوتي خيرا كثيرا ، وقد جعل تعليم الحكمة في غير واحد من الآيات غاية لبعث الأنبياء وإرسالهم إلى الخلق ووصف بها ذاته سبحانه

__________________

(١) سورة النساء : ٥٤.


...........................................................................

_________________________________________

في غير موضع ، ثم قال : «وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ » لأن نفعه عائد إليها وهو دوام النعمة واستحقاق مزيدها ، تحريصا على الإتيان بالشكر لأن الإنسان حريص علي تحصيل مصالحه ، ثم قال : «وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ » أي حقيق بالحمد وإن لم يحمد ، أو محمود في السماوات والأرضين يحمده كل مخلوق بلسان الحال وإن عجز أو أبي عن المقال ، ففيه تعبير عن ترك الشكر بالكفر ، وإشارة إلى أن أمره بالشكر ليس لحاجة له إليه وأنه يحمده الصامت والناطق ، فكيف يسوغ لأحد أن يترك شكر ربه.

ففي ذلك من المبالغة الشديدة ما لا يخفى على اللبيب ، والتلون والالتفات الذي في قوله تعالى : «أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ » لا يخلو عن مبالغة ، إذ فيه تنشيط للسامع وتطرية لنشاطه وإيقاظ للإصغاء إليه وإشعار بزيادة الاهتمام.

ومنها قوله سبحانه بعد ما سبق : «إِلَيَّ الْمَصِيرُ » ففيه دلالة على أن المصير والمرجع إلى الله الذي بيده ملكوت السماوات والأرض ، وهو على كل شيء عليم ، وعلى كل شيء قدير ، فيجازي ويثيب أحسن الجزاء أن أحسنتم بهما وشكرتم ، ويعاقب أشد العقوبة والعذاب إن خالفتم وأسأتم ، وإنما قال تعالى : « إلى » لا إلينا ، مثل وصينا لئلا يتوهم الشركة هيهنا.

ومنها قوله تعالى بعد ذلك : «وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما » فإن فيه دلالة على لزوم الإحسان في حال الكفر أيضا كما مر ، وفي التعبير بقوله : جاهداك الدال على زيادة الجهد والمبالغة فيه الدالة على التوغل في الكفر زيادة مبالغة في الغرض المطلوب.

ومنها قوله بعد ذلك : «وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً » أي صحابا معروفا يقتضيه الشرع ويقتضيه الكرم.

ومنها قوله بعد ذلك : «وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَ » إشارة إلى أن هذا طريق


٧ ـ عنه ، عن محمد بن علي ، عن الحكم بن مسكين ، عن محمد بن مروان قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام ما يمنع الرجل منكم أن يبر والديه حيين وميتين يصلي

_________________________________________

الموحدين المخلصين.

ومنها قوله تعالى بعد ذلك تأكيدا وتكريرا : «ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ » فأوفي الظالم والمظلوم والمحسن والمسيء ما يستحقون.

ومنها قوله سبحانه بعد ذلك : «فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » تصريحا بمجازاة الأعمال ومكافأة الأفعال ، وإشارة إلى أن الكل حيث يجازون بأعمالهم لا يضره كفرهما.

ومنها قوله تعالى بعد ذلك : «يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ » الآية على إحاطة علمه سبحانه بكل شيء وأنه يأتي بكل شيء جليل وحقير فيحاسب عليها وهو مناسب للغرض السابق.

ومنها تخلل الآيتين في أثناء مواعظ لقمان واعتراضهما في تضاعيف وصاياه فإنه ورد ذلك تأكيدا لما فيها من النهي عن الشرك كأنه قال وقد وصينا بمثل ما وصى به ، وذكر الوالدين للمبالغة في ذلك فإنهما مع أنهما تلوا الباري تعالى في استحقاق الطاعة والتعظيم لا يجوز أن يستحقا الطاعة في الشرك فما ظنك بغيرهما ، فكأنه تعالى بعد ما ذكر أن الشرك لظلم عظيم ، وبالغ في استعظام الشرك بأنه لا يجوز متابعة الوالدين فيه فبلغ عظم أمره إلى حيث لا يطاع الوالدان فيه ، وإن جاهدا عليه ، وفيه من المبالغة في استعظام أمر الوالدين ما لا يخفى على المتدبر الفطن.

وإنما أطنبنا الكلام في ذلك ليظهر لك أنه عليه الصلاة والسلام لم خص آية لقمان بالذكر من بين سائر الآيات لما فيه من التأكيدات والمبالغات.

الحديث السابع : ضعيف.

« يصلي عنهما » بيان للبر بعد الوفاة فكأنه قيل : كيف يبرهما بعد موتهما؟ قال


عنهما ويتصدق عنهما ويحج عنهما ويصوم عنهما فيكون الذي صنع لهما وله مثل ذلك فيزيده الله عز وجل ببره وصلته خيرا كثيرا.

٨ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن معمر بن خلاد قال قلت

_________________________________________

يصلي عنهما قضاء ونافلة ، وكذا الحج والصوم ، ويمكن شموله لاستيجارها من مال الميت أو من ماله ، وتجب قضاء الصلاة والصوم على أكبر الأولاد وستأتي تفاصيل ذلك إنشاء الله في محله.

ويدل على أن ثواب هذه الأعمال وغيرها يصل إلى الميت وهو مذهب علمائنا ، وأما العامة فقد اتفقوا على أن ثواب الصدقة يصل إليه ، واختلفوا في عمل الأبدان فقيل : يصل قياسا على الصدقة ، وقيل : لا يصل لقوله تعالى : «وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعى »(١) إلا الحج لأن فيه شائبة عمل البدن وإنفاق المال ، فغلب المال.

قوله : فيزيده الله ، أي يعطي ثوابان ، ثواب لأصل العمل ، وثواب آخر كثير للبر في الدنيا والآخرة.

الحديث الثامن : صحيح.

ويدل على جواز الدعاء والتصدق للوالدين المخالفين للحق بعد موتهما والمداراة معهما في حياتهما ، والثاني قد مر الكلام فيه ، وأما الأول فيمكن انتفاعهما بتخفيف عذابهما ، وقد ورد الحج عن الوالد إن كان ناصبا وعمل به أكثر الأصحاب بحمل الناصب على المخالف ، وأنكر ابن إدريس النيابة عن الأب أيضا.

ويمكن حمل الخبر على المستضعف ، لأن الناصب المعلن لعداوة أهل البيتعليهم‌السلام كافر بلا ريب ، والمخالف غير المستضعف أيضا مخلد في النار أطلق عليه الكافر والمشرك في الأخبار المستفيضة ، واسم النفاق في كثير منها ، وقد قال سبحانه في شأن المنافقين : «لا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَ

__________________

(١) سورة النجم : ٣٩.


لأبي الحسن الرضاعليه‌السلام أدعو لوالدي إذا كانا لا يعرفان الحق قال ادع لهما وتصدق عنهما وإن كانا حيين لا يعرفان الحق فدارهما فإن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال

_________________________________________

رَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ »(١) وقال المفسرون «وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ » ، أي لا تقف على قبره للدعاء وقال في شأن المشركين : «ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ، وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ »(٢) فإن التعليل بقوله : من بعد ما تبين ، يدل على عدم جواز الاستغفار لمن علم أنه من أهل النار وإن لم يطلق عليهم المشرك ، وكون المخالفين من أهل النار معلوم بتواتر الأخبار ، وكذا قوله : فلما تبين له أنه عدو لله ، يدل على عدم جواز الاستغفار لهم ، لأنه لا شك أنهم أعداء الله.

فإن قيل : استغفار إبراهيم لأبيه يدل على استثناء الأب؟ قلت : المشهور بين المفسرين أن استغفار إبراهيمعليه‌السلام كان بشرط الإيمان لأنه كان وعده أن يسلم ، فلما مات على الكفر وتبين عداوته لله تبرأ منه ، وقيل : الموعدة كان من إبراهيم لأبيه قال له : إني سأستغفر لك ما دمت حيا ، وكان يستغفر له مقيدا بشرط الإيمان فلما آيس من إيمانه تبرأ منه.

وأما قولهعليه‌السلام في سورة مريم : «سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي »(٣) فقال الطبرسي (ره) سلام توديع وهجر على ألطف الوجوه ، وهو سلام متاركة ومباعدة منه ، وقيل سلام إكرام وبر تأدية لحق الأبوة.

وقال في «سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ » فيه أقوال : أحدها : أنه إنما وعده الاستغفار على مقتضى العقل ولم يكن قد استقر بعد قبح الاستغفار للمشركين « وثانيها » أنه قال سأستغفر لك علي ما يصح ويجوز من تركك عبادة الأوثان وإخلاص العبادة لله

__________________

(١) سورة التوبة : ٨٤.

(٢) سورة التوبة : ١١٤.

(٣) الآية : ٤٧.


إن الله بعثني بالرحمة لا بالعقوق.

٩ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام بن سالم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال جاء رجل إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال يا رسول الله من أبر قال أمك قال ثم من قال أمك قال ثم من قال أمك قال ثم من قال أباك

_________________________________________

« وثالثها » أن معناه سأدعو الله أن لا يعذبك في الدنيا ، انتهى.

وأقول : لو تمت دلالة الآية لدلت على جواز الاستغفار والدعاء لغير الأب أيضا من الأقارب لأنه على المشهور بين الإمامية لم يكن آزر أباهعليه‌السلام بل كان عمه ، والأخبار تدل على ذلك.

ثم إن من جوز الصلاة على المخالف من أصحابنا صرح بأنه يلعنه في الرابعة أو يترك ولم يذكروا الدعاء للوالدين ، وقال الصدوقرضي‌الله‌عنه : إن كان المستضعف منك بسبيل فاستغفر له على وجه الشفاعة لا على وجه الولاية ، لرواية الحلبي عن الصادقعليه‌السلام ، وفي مرسل ابن فضال عنه الترحم على جهة الولاية والشفاعة كذا قال في الذكرى.

وأقول : هذا يؤيد الحمل على المستضعف وأما الاستدلال بالآية المتقدمة على جواز السلام على الأب إذا كان مشركا فلا يخفى ما فيه ، أما أولا فلما عرفت أنه لم يكن أبا إلا أن يستدل بالطريق الأولى ، فيدل على الأعم من الوالدين ، وأما ثانيا فلما عرفت من أن بعضهم بل أكثرهم حملوه على سلام المتاركة والمهاجرة ، نعم يمكن إدخاله في المصاحبة بالمعروف ، مع ورود تجويز السلام على الكافر مطلقا كما سيأتي في بابه إنشاء الله تعالى.

الحديث التاسع : حسن كالصحيح.

واستدل به علي أن للأم ثلاثة أرباع البر ، وقيل : لا يفهم منه إلا المبالغة في بر الأم ولا يظهر منه مقدار الفضل ، ووجه الفضل ظاهر لكثرة مشقتها وزيادة تعبها وآية لقمان أيضا تشعر بذلك كما عرفت ، واختلفت العامة في ذلك فالمشهور


...........................................................................

_________________________________________

عن مالك أن الأم والأب سواء في ذلك ، وقال بعضهم : تفضيل الأم مجمع عليه ، وقال بعضهم : للأم ثلاثا البر لما رواه مسلم أنه قال رجل : يا رسول الله من أحق الناس بحسن الصحبة؟ قال : أمك ، قال : ثم من؟ قال : أمك ، قال : ثم من؟ قال : أمك ، قال : ثم من؟ قال : أبوك.

وقال الشهيد طيب الله رمسه بعد إيراد مضمون الروايتين فقال بعض العلماء : هذا يدل على أن للأم إما ثلثي الأب على الرواية الأولى أو ثلاثة أرباعه على الثانية وللأب أما الثلث أو الربع ، فاعترض بعض المستطيعين بأن هنا سؤالات :

الأول : أن السؤال بأحق عن أعلى رتب البر فعرف الرتبة العالية ، ثم سأل عن الرتبة التي تليها بصيغة « ثم » التي هي للتراخي الدالة على نقص رتبة الفريق الثاني عن الفريق الأول في البر ، فلا بد أن تكون الرتبة الثانية أخفض من الأولى ، وكذا الثالثة أخفض من الثانية فلا تكون رتبة الأب مشتملة على ثلث البر ، وإلا لكانت الرتب مستوية ، وقد ثبت أنها مختلفة فتصيب الأب أقل من الثلث قطعا أو أقل من الربع قطعا ، فلا يكون ذلك الحكم صوابا.

الثاني : أن حرف العطف تقتضي المغايرة لامتناع عطف الشيء على نفسه ، وقد عطف الأم علي الأم.

الثالث : أن السائل إنما سأل ثانيا عن غير الأم فكيف يجاب بالأم والجواب يشترط فيه المطابقة؟

وأجاب عن هذين بأن العطف هنا محمول على المعنى كأنه لما أجيب أولا بالأم قال : فلمن أتوجه ببري بعد فراغي منها؟ فقيل له : للأم وهي مرتبة ثانية دون الأولى كما ذكرنا أولا ، فالأم المذكورة ثانيا هي المذكورة أولا بحسب الذات وإن كانت غيرها بحسب الغرض وهو كونها في الرتبة الثانية من البر ، فإذا


...........................................................................

_________________________________________

تغايرت الاعتبارات جاز العطف ، مثل زيد أخوك وصاحبك ومعلمك ، وأعرض عن الأول كأنه يرى أن لا يجاب عنه ثم يتحجج به(١) .

قلت : قوله : السؤال بأحق ، ليس عن أكثر الناس استحقاقا بحسن الصحابة ، بل عن أعلى رتب الصحابة فالعلو منسوب إلى المبرور على تفسيره حسن الصحابة بالبر لا إلى نفس البر ، مع أن قوله بنقص الفريق الثاني عن الفريق الأول مناف لكلامه الأول إن أراد بالفريق المبرورين ، وإن أراد بالفريق البر ورد عليه الاعتراض الأول.

وقوله : الرتبة الثانية أخفض من الأولى مبني على أمرين فيهما منع : أحدهما : أن أحق هنا للزيادة على من فضل عليه لا للزيادة مطلقا كما تقرر في العربية من احتمال المعنيين ، والثاني : أن ثم لما أتى بها السائل للتراخي كانت في كلام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للتراخي ومن الجائز أن تكون للزيادة المطلقة بل هذا أرجح بحسب المقام لأنه لا يجب بر الناس بأجمعهم بل لا يستحب لأن منهم البر والفاجر فكأنه سأل عمن له حق في البر فأجيب بالأم ، ثم سأل عمن له حق بعدها فأجيب بها منبها على أنه لم يفرغ من برها بعد ، لأن قوله : ثم من؟ صريح في أنه إذا فرغ من حقها في البر لمن يبر فنبه على أنك لم تفرغ من برها بعد ، فإنها الحقيقة بالبر فأفاده الكلام الثاني الأمر ببرها كما أفاده الكلام الأول وأنها حقيقة بالبر مرتين ولا يلزم من إتيان السائل بثم الدالة على التراخي كون البر الثاني أقل من البر الأول لأنه بناه على معتقده من الفراغ من البر ثم ظن الفراغ من البر فأجيب بأنك لم تفرغ من البر بعد ، عليك ببرها فإنها حقيقة به فكأنه أمره ببرها مرتين وببر الأب مرة في الرواية الأولى وأمره ببرها ثلاثا وببر الأب مرة في الرواية الثانية ، وذلك

__________________

(١) كذا.


١٠ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن سالم ، عن أحمد بن النضر ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال أتى رجل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال يا رسول الله إني راغب في الجهاد نشيط قال فقال له النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فجاهد في سبيل الله

_________________________________________

يقتضي أن يكون للأب مرة من ثلاث أو مرة من أربع ، وظاهر أن تلك الثلث أو الربع وبهذا يندفع السؤالان الآخران لأنه لا عطف هنا إلا في كلام السائل.

سلمنا أن أحق للأفضلية على من أضيفت إليه ، وأن من جملة من أضيفت إليه الأب لكن نمنع أن الأحقية الثانية ناقصة عن الأولى ، لأنه إنما استفدنا نقصها من إتيان السائل بثم معتقدا أن هناك رتبة دون هذه فسأل عنها ، فأجاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله : أمك ، وكلامهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في قوة أحق الناس بحسن صحابتك أمك ، أحق الناس بحسن صحابتك أمك ، فظاهر أن هذه العبارة لا تفيد إلا مجرد التأكيد لا أن الثاني أخفض من الأولى.

فالحاصل علي التقديرين الأمر ببر الأم مرتين أو ثلاثا والأمر ببر الأب مرة واحدة ، سواء قلنا أن أحق بالمعنى الأول أو بالمعنى الثاني ، انتهى كلامه رفع مقامه.

وأقول : هذا المضمون ورد في الرواية أيضا كما روى الصدوق في مجالسه بإسناده عن جابر عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : قال موسى بن عمرانعليه‌السلام : يا رب أوصني قال : أوصيك بأمك ، قال : يا رب أوصني ، قال : أوصيك بأمك ، قال : أوصني قال : أوصيك بأبيك قال : فكان يقال لأجل ذلك أن للأم ثلاثا البر ، وللأب الثلث ، وإن احتمل أن يكون المراد أن التأكيد في بر الأم مضاعف بالنسبة إلى الأب ولم يرد بذلك مقدار البر لكنه بعيد.

الحديث العاشر : ضعيف.

وفي المصباح :نشط في عمله من باب تعب خف وأسرع فهو نشيط.


فإنك إن تقتل تكن حيا عند الله ترزق وإن تمت فقد وقع أجرك على الله وإن رجعت رجعت من الذنوب كما ولدت قال يا رسول الله إن لي والدين كبيرين يزعمان أنهما يأنسان بي ويكرهان خروجي فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقر مع والديك فو الذي نفسي بيده لأنسهما بك يوما وليلة خير من جهاد سنة.

١١ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن علي بن الحكم ، عن معاوية بن وهب ، عن زكريا بن إبراهيم قال كنت نصرانيا فأسلمت وحججت

_________________________________________

« تكن حيا » إشارة إلى قوله تعالى في آل عمران : «وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ »(١) .

قوله : فقد وقع أجرك ، إشارة إلى قوله سبحانه في سورة النساء : «وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ »(٢) قال البيضاوي : الوقوع والوجوب متقاربان ، والمعنى ثبت أجره عند الله بثبوت الأمر الواجب ، انتهى.

وأقول : يشعر الخبر بأن المراد بالمهاجرة ما يشمل الجهاد أيضا« فقر » بتثليث القاف من القرار ويدل على أن أجر القيام على الوالدين طلبا لرضاهما يزيد علي أجر الجهاد ، وإطلاقه يشمل الوالدين الكافرين وقيد الأصحاب توقف الجهاد على إذن الوالدين بعدم تعينه عليه ، إذ لا يعتبر إذنهما في الواجبات العينية ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

الحديث الحادي عشر : مجهول.

والآية هكذا : «وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا » قد مر أن المراد به الروح الذي يكون مع الأنبياء والأئمةعليه‌السلام ، وقيل : يعني ما أوحي إليه و

__________________

(١) الآية : ١٦٩.

(٢) الآية : ١٠٠.


فدخلت على أبي عبد اللهعليه‌السلام فقلت : إني كنت على النصرانية وإني أسلمت فقال وأي شيء رأيت في الإسلام قلت قول الله عز وجل «ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ »(١) فقال لقد هداك الله ثم قال اللهم اهده ثلاثا سل عما شئت يا بني فقلت إن أبي وأمي على النصرانية وأهل بيتي وأمي مكفوفة البصر فأكون معهم وآكل في آنيتهم فقال يأكلون لحم الخنزير فقلت لا ولا يمسونه فقال لا بأس فانظر أمك فبرها فإذا ماتت

_________________________________________

سماه روحا لأن القلوب تحيي به ، وقيل : جبرئيلعليه‌السلام ، والمعنى أرسلناه إليك بالوحي «ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ » أي قبل الوحي «وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً » أي الروح أو الكتاب أو الإيمان «نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا » بالتوفيق للقبول والنظر فيه ، وبعده : «وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ».

وكان السائل أرجع الضمير في جعلناه إلى الإيمان ، وحمل الآية على أن الإيمان موهبي وهو بهداية الله تعالى وإن كان بتوسط الأنبياء والحججعليهم‌السلام .

والحاصل أنهعليه‌السلام لما سأله عن سبب إسلامه ، وقال : أي شيء رأيت في الإسلام من الحجة والبرهان صار سببا لإسلامك؟ فأجاب بأن الله تعالى ألقى الهداية في قلبي ، وهداني للإسلام كما هو مضمون الآية الكريمة ، فصدقهعليه‌السلام وقال : لقد هداك الله ، ثم قال : اللهم اهده ثلاثا أي زد في هدايته أو يثبته عليها« وأهل بيتي » أي هم أيضا على النصرانية.

وقوله عليه‌السلام : لا بأس ، يدل على طهارة النصارى بالذات وأن نجاستهم باعتبار مزاولة النجاسات ، ويمكن حمله على أن يأكل معهم الأشياء الجامدة واليابسة ، وربما يؤيده ذلك بعدم ذكر الخمر لأنها بعد اليبس لا يبقى أثرها في أوانيهم بخلاف لحم الخنزير لبقاء دسومته :« فإذا ماتت » ظاهره أن هذا لعلمه بأنها تسلم عند الموت

__________________

(١) سورة الشورى : ٤٢.


فلا تكلها إلى غيرك كن أنت الذي تقوم بشأنها ولا تخبرن أحدا أنك أتيتني حتى تأتيني بمنى إن شاء الله قال فأتيته بمنى والناس حوله كأنه معلم صبيان هذا يسأله وهذا يسأله فلما قدمت الكوفة ألطفت لأمي وكنت أطعمها وأفلي ثوبها ورأسها وأخدمها فقالت لي يا بني ما كنت تصنع بي هذا وأنت على ديني فما الذي أرى منك منذ هاجرت فدخلت في الحنيفية فقلت رجل من ولد نبينا أمرني بهذا فقالت هذا الرجل هو نبي فقلت لا ولكنه ابن نبي فقالت يا بني إن هذا نبي إن هذه وصايا الأنبياء فقلت يا أمه إنه ليس يكون بعد نبينا نبي ولكنه ابنه فقالت يا بني دينك خير دين اعرضه علي فعرضته عليها فدخلت في الإسلام وعلمتها فصلت الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة ثم عرض لها عارض في الليل فقالت يا بني أعد علي ما علمتني فأعدته عليها فأقرت به وماتت فلما أصبحت كان المسلمون الذين غسلوها وكنت أنا الذي صليت عليها ونزلت في قبرها.

_________________________________________

فهو مشتمل على الإعجاز ، وإن احتمل استثناء الوالدين عدم جواز غسلهم والصلاة عليهم.

« ولا تخبرن أحدا » قيل : لعله إنما نهاه عن إخباره بإتيانه إليه كيلا يصرفه بعض رؤساء الضلالة عنهعليه‌السلام ، ويدخله في ضلالته قبل أن يهتدي للحق.

وأقول : يحتمل أن يكون للتقية لا سيما وقد اشتمل الخبر على الإعجاز أيضا وكأنه لذلك طوى حديث اهتدائه في إتيانه الثاني أو الأولى ، ويحتمل أن يكون ترك ذلك لظهوره من سياق القصة.

قوله : كأنه معلم صبيان ، كان التشبيه في كثرة اجتماعهم وسؤالهم ولطفهعليه‌السلام في جوابهم ، وكونهم عنده بمنزلة الصبيان في احتياجهم إلى المعلم وإن كانوا من الفضلاء وقبولهم ما سمعوا منه من غير اعتراض ، وفي القاموس :فلي رأسه يفليه كيفلوه : بحثه عن العمل كفلاه ، والحنيفية ملة الإسلام لميله عن الإفراط والتفريط


١٢ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن الحكم وعدة من أصحابنا ، عن أحمد بن أبي عبد الله ، عن إسماعيل بن مهران جميعا ، عن سيف بن عميرة ، عن عبد الله بن مسكان ، عن عمار بن حيان قال خبرت أبا عبد اللهعليه‌السلام ببر إسماعيل ابني بي فقال لقد كنت أحبه وقد ازددت له حبا إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أتته أخت له من الرضاعة فلما نظر إليها سر بها وبسط ملحفته لها فأجلسها عليها ثم أقبل يحدثها ويضحك في وجهها ثم قامت وذهبت وجاء أخوها فلم يصنع به ما صنع بها فقيل له يا رسول الله صنعت بأخته ما لم تصنع به وهو رجل فقال لأنها كانت أبر بوالديها منه.

١٣ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن سيف بن عميرة ، عن عبد الله بن مسكان ، عن إبراهيم بن شعيب قال قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام إن أبي قد كبر جدا وضعف فنحن نحمله إذا أراد الحاجة فقال إن استطعت أن تلي ذلك منه فافعل ولقمه بيدك فإنه جنة لك غدا.

_________________________________________

إلى الوسط ، أو الملة الإبراهيمية لأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان ينتسب إليها« يا أمة » أصله يا أماه.

الحديث الثاني عشر : مجهول.

والمذكور في رجال الشيخ من أصحاب الصادقعليه‌السلام عمار بن جناب بالجيم والنون والباء الموحدة ، وأخته وأخوهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الرضاعة هما ولدا حليمة السعدية ، وفي إعلام الورى كان لهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أخوان من الرضاعة عبد الله وأنيسة ابنا الحارث بن عبد العزى ويدل على استحباب زيادة إكرام الأبر.

الحديث الثالث عشر : كالسابق.

« أن تلي ذلك » أي بنفسك« فإنه جنة » أي من النار.


١٤ ـ عنه ، عن علي بن الحكم ، عن سيف بن عميرة ، عن أبي الصباح ، عن جابر قال سمعت رجلا يقول ـ لأبي عبد اللهعليه‌السلام إن لي أبوين مخالفين فقال برهما كما تبر المسلمين ممن يتولانا.

١٥ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ومحمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد جميعا ، عن ابن محبوب ، عن مالك بن عطية ، عن عنبسة بن مصعب ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال ثلاث لم يجعل الله عز وجل لأحد فيهن رخصة أداء الأمانة إلى البر والفاجر والوفاء بالعهد للبر والفاجر وبر الوالدين برين كانا أو فاجرين.

١٦ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال من السنة والبر أن يكنى الرجل باسم أبيه.

_________________________________________

الحديث الرابع عشر : صحيح.

« كما تبر المسلمين » بصيغة الجمع أي للأجنبي المؤمن حق الإيمان ، وللوالدين المخالفين حق الولادة فهما متساويان في الحق ، ويمكن أن يقرأ بصيغة التثنية أي كما تبرهما لو كانا مسلمين ، فيكون التشبيه في أصل البر لا في مقداره ، لكنه بعيد.

الحديث الخامس عشر : ضعيف.

ويدل على وجوب رد ما جعله صاحبه أمينا عليه برا أو كان فاجرا ، والفاجر يشمل الكافر ويشعر بعدم التقاص منه ، واختلف الأصحاب في الوديعة ويمكن أن يقال : التقاص نوع من الرد لأنه يبرئ ذمة صاحبه ، وسيأتي الكلام فيه في موضعه إنشاء الله ، وعلى وجوب الوفاء بالعهد ومنه الوعد للمؤمن والكافر ، لكن لا صراحة في تلك الفقرات بالوجوب والمشهور الاستحباب ما لم يكن مشروطا في عقد لازم ، وقد مر الكلام في الوالدين.

الحديث السادس عشر : ضعيف على المشهور.

« أن يكني الرجل » أقول : يحتمل وجوها : « الأول » أن يكون المعنى من


١٧ ـ الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد وعلي بن محمد ، عن صالح بن أبي حماد جميعا ، عن الوشاء ، عن أحمد بن عائذ ، عن أبي خديجة سالم بن مكرم ، عن معلى بن خنيس ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال جاء رجل وسأل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله عن بر الوالدين فقال ابرر أمك ابرر أمك ابرر أمك ابرر أباك ابرر أباك ابرر أباك وبدأ بالأم قبل الأب

_________________________________________

السنة النبوية أو الطريقة الحسنة والبر بالوالدين أن يكني الرجل ولده باسم أبيه كما إذا كان اسم أبيه محمد يكني ولده أبا محمد ، أو يكون المراد بالتكنية أعم من التسمية.

الثاني : أن يقرأ على بناء المفعول أي من السنة والبر بالناس أن يكني المتكلم الرجل باسم أبيه بأن يقول له : ابن فلان ، وذلك لأنه تعظيم وتكريم للوالد بنسبة ولده إليه ، وإشارة لذكره بين الناس وتذكيره له في قلوب المؤمنين ، وربما يدعو له من سمع اسمه ، وفي بعض النسخ ابنه بالنون أي يقال له أبو فلان آتيا باسم ابنه دون نفسه ، لأن ذكر الاسم خلاف التعظيم ولا سيما حال حضور المسمى ، وعلى النسختين على هذا الوجه لا يكون الحديث مناسبا للباب ، لأنه ليس في بر الوالدين بل في بر المؤمن مطلقا ، إلا أن يقال : إنما ذكر هنا لشموله للوالد أيضا إذا خاطبه الوالد.

الثالث : أن يقرأ يكنى بصيغة المعلوم ، أي يكنى عن نفسه باسم أبيه ، فهو من بره بأبيه على الوجوه المتقدمة كما كان أمير المؤمنينعليه‌السلام يعبر عن نفسه بذلك كثيرا كقولهعليه‌السلام : والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه.

الحديث السابع عشر : ضعيف.

« أبرر أمك » من باب علم وضرب« وبدأ بالأم » أي أشار بالابتداء بالأم إلى أفضلية برها.


١٨ ـ الوشاء ، عن أحمد بن عائذ ، عن أبي خديجة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال جاء رجل إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال إني قد ولدت بنتا وربيتها حتى إذا بلغت فألبستها وحليتها ثم جئت بها إلى قليب فدفعتها في جوفه وكان آخر ما سمعت منها وهي تقول يا أبتاه ـ فما كفارة ذلك قال ألك أم حية قال لا قال فلك خالة حية قال نعم قال فابررها فإنها بمنزلة الأم يكفر عنك ما صنعت قال أبو خديجة فقلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام متى كان هذا فقال كان في الجاهلية وكانوا يقتلون البنات مخافة أن يسبين فيلدن في قوم آخرين.

١٩ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع ، عن حنان بن سدير ، عن أبيه قال قلت لأبي جعفرعليه‌السلام هل يجزي الولد والده فقال ليس له جزاء إلا في خصلتين يكون الوالد مملوكا فيشتريه ابنه فيعتقه أو يكون عليه دين فيقضيه عنه.

٢٠ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس بن عبد الرحمن ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر قال أتى رجل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال إني رجل شاب

_________________________________________

الحديث الثامن عشر : كالسابق.

وفي القاموس :القليب البئر أو العادية القديمة منها ، وقوله : وهي تقول ، جملة حالية ومفعول تقول محذوف أي وهي تقول ما قالت ، أو ضمير راجع إلى « ما »وقوله : يا أبتاه خبر كان ، ويدل على فضل الأم وأقاربها في البر على الأب وأقاربه ، وعلى فضل البر بالخالة من بين أقارب الأم ، وفيه تفسير الوأد الذي كان في الجاهلية كما قال تعالى : «وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ ، بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ »(١) .

الحديث التاسع عشر : حسن موثق.

« ويكون » في الموضعين إما مرفوعان بالاستيناف أو منصوبان بتقدير أن.

الحديث العشرون : ضعيف.

وقد مر مضمونه عن جابر.

__________________

(١) سورة التكوير : ٨.


نشيط وأحب الجهاد ولي والدة تكره ذلك فقال له النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ارجع فكن مع والدتك فو الذي بعثني بالحق [ نبيا ] لأنسها بك ليلة خير من جهادك في سبيل الله سنة.

٢١ ـ الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن الحسن بن علي ، عن عبد الله بن سنان ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال إن العبد ليكون بارا بوالديه في حياتهما ثم يموتان فلا يقضي عنهما ديونهما ولا يستغفر لهما فيكتبه الله عاقا وإنه ليكون عاقا لهما في حياتهما غير بار بهما فإذا ماتا قضى دينهما واستغفر لهما فيكتبه الله عز وجل بارا.

_________________________________________

الحديث الحادي والعشرون : كالسابق.

ويدل على أن البر والعقوق يكونان في الحياة ، وبعد الموت وأن قضاء الدين والاستغفار أفضل البر بعد الوفاة.

* * *

إلى هنا تم الجزء الثامن ـ حسب تجزئتنا من هذه الطبعة ـ ويليه الجزء التاسع إنشاء الله تعالى وأوله « باب الاهتمام بأمور المسلمين والنصيحة لهم ونفعهم » وقد وقع الفراغ من تصحيحه والتعليق عليه في ليلة الجمعة الثالث عشر من شهر ربيع الأول سنة ١٣٧٩ والحمد لله أولا وآخرا.

وأنا العبد الفاني

السيد هاشم الرسولي المحلاتي


الفهرست

رقم الصفحة

العنوان

عدد الأحاديث

١

باب الرضا بالقضاء

١٣

١٦

باب التفويض إلى الله والتوكل عليه

٧

٢٩

باب الخوف والرجاء

١٣

٤٣

باب حسن الظن بالله عز وجل

٤

٤٥

باب الاعتراف بالتقصير

٤

٤٨

باب الطاعة والتقوى

٨

٥٨

باب الورع

١٥

٦٦

باب العفة

٧

٦٨

باب اجتناب المحارم

٦

٧٨

باب أداء الفرائض

٥

٨٠

باب استواء العمل والمداومة عليه

٦

٨٣

باب العبادة

٧

٨٨

باب النية

٥

١٠٦

باب

٢

١٠٨

باب الاقتصاد في العبادة

٦

١١٢

باب من بلغه ثواب من الله على عمل

٢

١٢٠

باب الصبر

٢٥

١٤٥

باب الشكر

٣٠

١٦٦

باب حسن الخلق

١٨


رقم الصفحة

العنوان

عدد الأحاديث

١٧٦

باب حسن البشر

٦

١٨٠

باب الصدق وأداء الأمانة

١٢

١٨٧

باب الحياء

٧

١٩٢

باب العفو

١٠

١٩٧

باب كظم الغيظ

١٣

٢٠٥

باب الحلم

٩

٢١٠

باب الصمت وحفظ اللسان

٢١

٢٢٦

باب المداراة

٦

٢٣٣

باب الرفق

١٦

٢٤٣

باب التواضع

١٣

٢٥٧

باب الحب في الله والبغض في الله

١٦

٢٦٧

باب ذم الدنيا والزهد فيها

٢٥

باب آخر

٢

٣٢٠

باب باب القناعة

١١

٣٢٧

باب الكفاف

٦

٣٣٣

باب تعجيل فعل الخير

١٠

٣٤٠

باب الإنصاف والعدل

٢٠

٣٥٣

باب الاستغناء عن الناس

٧

٣٥٨

باب صلة الرحم

٣٣

٣٨٨

باب البر بالوالدين

٢١


الفهرس

باب الرضا بالقضاء ١

باب التفويض إلى الله والتوكل عليه ١٦

باب الخوف والرجاء ٢٩

باب حسن الظن بالله عز وجل ٤٣

باب الاعتراف بالتقصير ٤٥

باب الطاعة والتقوى ٤٨

باب الورع ٥٨

باب العفة ٦٦

باب اجتناب المحارم ٦٨

باب أداء الفرائض ٧٨

باب استواء العمل والمداومة عليه ٨٠

باب العبادة ٨٣

باب النية ٨٨

باب الاقتصاد في العبادة ١٠٨

باب من بلغه ثواب من الله على عمل ١١٢

باب الصبر ١٢٠

باب الشكر ١٤٥

باب حسن الخلق ١٦٦

باب حسن البشر ١٧٦

باب الصدق وأداء الأمانة ١٨٠

باب الحياء ١٨٧

باب العفو ١٩٢


باب كظم الغيظ ١٩٧

باب الحلم ٢٠٥

الصمت وحفظ اللسان ٢١٠

باب المداراة ٢٢٦

باب الرفق ٢٣٣

باب التواضع ٢٤٣

باب الحب في الله والبغض في الله ٢٥٧

باب ذم الدنيا والزهد فيها ٢٦٧

باب ٣١٦

باب القناعة ٣٢٠

باب القناعة ٣٢٠

باب الكفاف ٣٢٧

باب تعجيل فعل الخير ٣٣٤

باب الإنصاف والعدل ٣٤١

باب الاستغناء عن الناس ٣٥٤

باب صلة الرحم ٣٥٩

باب البر بالوالدين ٣٨٩

الفهرست ٤٣٢