مرآة العقول- الجزء 9
التجميع متون حديثية
الکاتب الشيخ محمّد باقر بن محمّد تقي ( العلامة المجلسي )
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

بسم الله الرحمن الرحيم

(باب)

(الاهتمام بأمور المسلمين والنصيحة لهم ونفعهم )

١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من أصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم.

باب الاهتمام بأمور المسلمين والنصيحة لهم ونفعهم

الحديث الأول : ضعيف على المشهور.

« من أصبح » أي دخل في الصباح« لا يهتم بأمور المسلمين » أي لا يعزم على القيام بها ، ولا يقوم بها مع القدرة عليه ، في الصحاح : أهمني الأمر إذا أقلقك وحزنك ، والمهم الأمر الشديد والاهتمام الاغتمام ، واهتم له بأمره ، وفي المصباح : اهتم الرجل بالأمر قام به« فليس بمسلم » أي كامل الإسلام ، ولا يستحق هذا الاسم وإن كان المراد عدم الاهتمام بشيء من أمورهم لا يبعد سلب الاسم حقيقة ، لأن من جملتها إعانة الإمام ونصرته ومتابعته وإعلان الدين وعدم إعانة الكفار على المسلمين وعلى التقادير المراد بالأمور أعم من الأمور الدنيوية والأخروية ، ولو لم يقدر على بعضها فالعزم التقديري عليه حسنة يثاب عليها كما مر.


٢ ـ وبهذا الإسناد قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنسك الناس نسكا أنصحهم جيبا ـ وأسلمهم قلبا لجميع المسلمين.

٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن علي بن محمد القاساني ، عن القاسم بن محمد ، عن سليمان بن داود المنقري ، عن سفيان بن عيينة قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول عليك بالنصح

الحديث الثاني : كالأول.

وقال في النهاية :النسك والنسك الطاعة والعبادة وكل ما تقرب به إلى الله ، والنسك ما أمرت به الشريعة ، والورع ما نهت عنه ، والناسك العابد ، وسئل ثعلب عن المناسك ما هو؟ فقال : هو مأخوذ من النسيكة وهي سبيكة الفضة المصفاة كأنه صفى نفسه لله تعالى ، وقال :النصيحة كلمة يعبر بها عن جملة هي إرادة الخير للمنصوح له ، وليس يمكن أن يعبر عن هذا المعنى بكلمة واحدة غيرها ، وأصل النصح في اللغة الخلوص ، يقال : نصحته ونصحت له ، ومعنى نصيحة الله صحة الاعتقاد في وحدانيته وإخلاص النية في عبادته ، والنصيحة لكتاب الله هو التصديق به والعمل بما فيه ونصيحة رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم التصديق بنبوته ورسالته ، والانقياد لما أمر به ونهى عنه ، ونصيحة الأئمة أن يطيعهم في الحق ، ونصيحة عامة المسلمين إرشادهم إلى مصالحهم.

وفي الصحاح :رجل ناصح الجيب أي نقي القلب ، وفي القاموس : رجل ناصح الجيب لا غش فيه ، انتهى.

ونسكا وجيبا تميزان ونسبة الأنسك إلى النسك للمبالغة والمجاز كجد جده« وأسلمهم قلبا » أي من الحقد والحسد والعداوة.

الحديث الثالث : ضعيف.

والنصح لله في خلقه الخلوص في طاعة الله فيما أمر به في حق خلقه من إعانتهم وهدايتهم وكف الأذى عنهم ، وترك الغش معهم ، أو المراد النصح للخلق خالصا


لله في خلقه فلن تلقاه بعمل أفضل منه.

٤ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن ابن محبوب ، عن محمد بن القاسم الهاشمي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال من لم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم.

٥ ـ عنه ، عن سلمة بن الخطاب ، عن سليمان بن سماعة ، عن عمه عاصم الكوزي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال من أصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس منهم ومن سمع رجلا ينادي يا للمسلمين فلم يجبه فليس بمسلم.

٦ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الخلق عيال الله فأحب الخلق إلى الله من نفع عيال الله وأدخل على أهل بيت سرورا.

لله« فلن تلقاه » عند الموت أو في القيامة« بعمل » أي مع عمل.

الحديث الرابع : مجهول.

الحديث الخامس : ضعيف ، واللام المفتوحة في« للمسلمين » للاستغاثة.

الحديث السادس : ضعيف على المشهور.

« الخلق عيال الله » العيال بالكسر جمع عيل كجياد وجيد ، وهم من يمونهم الإنسان ويقوم بمصالحهم ، فاستعار لفظ العيال للخلق بالنسبة إلى الخالق ، فإنه خالقهم والمدبر لأمورهم والمقدر لأحوالهم ، والضامن لأرزاقهم« فأحب الخلق إلى الله » أي أرفعهم منزلة عنده وأكثرهم ثوابا« من نفع عيال الله » بنعمة أو بدفع مضرة أو إرشاد وهداية أو تعليم أو قضاء حاجة وغير ذلك من منافع الدين والدنيا ، وفيه إشعار بحسن هذا الفعل فإنه تكفل ما ضمن الله لهم من أمورهم وإدخال السرور على أهل بيت إما المراد به منفعة خاصة تعم الرجل وأهل بيته وعشائره أو تنبيه على أن كل منفعة توصله إلى أحد من المؤمنين يصير سببا لإدخال السرور على جماعة من أهل بيته.


٧ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن علي بن الحكم ، عن سيف بن عميرة قال حدثني من سمع أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول سئل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من أحب الناس إلى الله قال أنفع الناس للناس.

٨ ـ عنه ، عن علي بن الحكم ، عن مثنى بن الوليد الحناط ، عن فطر بن خليفة ، عن عمر بن علي بن الحسين ، عن أبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من رد عن قوم من المسلمين عادية [ ماء ] أو نار أوجبت له الجنة.

٩ ـ عنه ، عن ابن فضال ، عن ثعلبة بن ميمون ، عن معاوية بن عمار ، عن أبي

الحديث السابع : مرسل.

الحديث الثامن : مجهول

قولهعليه‌السلام : عادية ماء ، في القاموس : العدي كغني : القوم يعدون لقتال أو أول من يحمل على الرجالة كالعادية فيهما ، أو هي للفرسان ، وقال : العادية الشغل يصرفك عن الشيء ، وعداه عن الأمر صرفه وشغله ، وعليه وثب ، وعدا عليه ظلمه ، والعادي العدو.

وفي الصحاح دفعت عنك عادية فلان ، أي ظلمه وشره ، انتهى.

وأقول : يمكن أن يقرأ في الخبر بالإضافة أي ضرر ماء أو سيل أو نار وقعت في البيوت بأن أعان على دفعهما و« أوجبت » على بناء المجهول ، وأن يقرأ عادية بالتنوين وماء ونارا أيضا كذلك بالبدلية أو عطف البيان ، ووجبت على بناء المجرد فإطلاق العادية عليهما على الاستعارة بأحد المعاني المتقدمة.

والأول أظهر كما روي في قرب الإسناد بإسناده عن جعفر عن أبيهعليهما‌السلام قال : قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : من رد عن المسلمين عادية ماء أو عادية نار أو عادية عدو مكابر للمسلمين غفر الله له ذنبه.

الحديث التاسع : موثق كالصحيح.


عبد اللهعليه‌السلام في قول الله عز وجل : «وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً »(١) قال قولوا للناس حسنا ولا تقولوا إلا خيرا حتى تعلموا ما هو.

«وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً » قال الطبرسي (ره) اختلف فيه فقيل : هو القول الحسن الجميل والخلق الكريم وهو مما ارتضاه الله وأحبه عن ابن عباس ، وقيل : هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن سفيان ، وقال الربيع بن أنس : أي معروفا وروى جابر عن أبي جعفرعليه‌السلام في قوله : «قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً » قال : قولوا للناس أحسن ما تحبون أن يقال لكم ، فإن الله يبغض اللعان السباب الطعان على المؤمنين الفاحش المتفحش السائل الملحف ويحب الحليم العفيف المتعفف.

ثم اختلف فيه من وجه آخر فقيل : هو عام في المؤمن والكافر على ما روي عن الباقرعليه‌السلام ، وقيل : هو خاص في المؤمن واختلف من قال أنه عام فقال ابن عباس وقتادة : أنه منسوخ بآية السيف ، وقال الأكثرون : أنها ليست بمنسوخة لأنه يمكن قتالهم مع حسن القول في دعائهم إلى الإيمان ، انتهى.

وفي تفسير العسكريعليه‌السلام قال الصادقعليه‌السلام : «قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً » أي للناس كلهم مؤمنهم ومخالفهم ، أما المؤمنون فيبسط لهم وجهه ، وأما المخالفون فيكلمهم بالمداراة لاجتذابهم إلى الإيمان ، فإن بأيسر من ذلك يكف شرورهم عن نفسه وعن إخوانه المؤمنين.

« ولا تقولوا إلا خيرا » إلخ ، قيل : يعني لا تقولوا لهم إلا خيرا ما تعلموا فيهم الخير وما لم تعلموا فيهم الخير ، فأما إذا علمتم أنه لا خير فيهم وانكشف لكم عن سوء ضمائرهم بحيث لا تبقى لكم مرية فلا عليكم أن لا تقولوا خيرا ، و« ما » تحتمل الموصولية والاستفهام والنفي ، وقيل :حتى تعلموا ، متعلق بمجموع المستثنى والمستثنى منه ، أي من اعتاد بقول الخير ، وترك القبيح يظهر له فوائده.

__________________

(١) سورة البقرة : ٨٣.


١٠ ـ عنه ، عن ابن أبي نجران ، عن أبي جميلة المفضل بن صالح ، عن جابر بن يزيد ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال في قول الله عز وجل : «وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً » قال قولوا للناس أحسن ما تحبون أن يقال فيكم.

١١ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن يحيى بن المبارك ، عن عبد الله بن جبلة ، عن رجل ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال في قول الله عز وجل : «وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ »(١) قال نفاعا.

أقول : ويحتمل أن يكون حتى تعلموا بدلا أو بيانا للاستثناء أي إلا خيرا تعلموا خيريته إذ كثيرا ما يتوهم الإنسان خيرية قول وهو ليس بخير.

الحديث العاشر : ضعيف.

ويومئ إلى أن المرادبقوله : قولوا للناس ، قولوا في حق الناس لا مخاطبتهم بذلك ، والحديث السابق يحتمل الوجهين.

الحديث الحادي عشر : كالسابق.

«وَجَعَلَنِي مُبارَكاً » قال البيضاوي :نفاعا معلم الخير ، وقال الطبرسي (ره) : أي جعلني معلما للخير عن مجاهد ، وقيل : نفاعا حيثما توجهت والبركة نماء الخير ، والمبارك الذي ينمي الخير به(٢) وقيل : ثابتا دائما على الإيمان والطاعة ، وأصل البركة الثبوت عن الجبائي.

__________________

(١) سورة مريم : ٣١.

(٢) وفي نسخة : يتمنّى الخير به.


(باب)

إجلال الكبير

١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن بعض أصحابه ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من إجلال الله إجلال ذي الشيبة المسلم.

٢ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد رفعه قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا.

باب إجلال الكبير

الحديث الأول : حسن كالصحيح.

« من إجلال الله » أي تعظيم الله فإن تعظيم أو أمره سبحانه تعظيم له ، والشيبة بياض الشعر ، وكان فيه دلالة على أن شعرا واحدا أبيض سبب للتعظيم ، قال الجوهري : الشيب والمشيب واحد ، وقال الأصمعي : الشيب بياض الشعر ، والمشيب دخول الرجل في حد الشيب من الرجال ، والأشيب المبيض الرأس ، وإجلاله تعظيمه وتوقيره واحترامه والإعراض عما صدر عنه بسوء خلقه لكبر سنه وضعف قواه ، لا سيما إذا كان أكثر تجربة وعلما وأكيس حزما وأقدم إيمانا وأحسن عبادة.

الحديث الثاني : مرفوع.

« ليس منا » أي من المؤمنين الكاملين أو من شيعتنا الصادقين ، والمراد بالصغير إما الأطفال فإنهم لضعف بنيتهم وعقلهم وتجاربهم مستحقون للترحم ، ويحتمل أن يرادبالكبر والصغر الإضافيان أي يلزم كل أحد أن يعظم من هو أكبر منه ، ويرحم من هو أصغر منه وإن كان بقليل.


٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن عبد الله بن أبان ، عن الوصافي قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام عظموا كباركم وصلوا أرحامكم وليس تصلونهم بشيء أفضل من كف الأذى عنهم.

(باب)

(أخوة المؤمنين بعضهم لبعض )

١ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن عثمان بن عيسى ، عن المفضل بن عمر قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ » بنو أب وأم وإذا

الحديث الثالث : حسن كالصحيح ، والوصافي اسمه عبد الله بن الوليد.

باب إخوة المؤمنين بعضهم لبعض

الحديث الأول : ضعيف على المشهور.

«إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ » كما قال تعالى في كتابه العزيز ، قالوا : أي أخوه في الدين ، أو ينبغي أن يكونوا بمنزلة الأخوة في الترحم والتعاطف ، ثم أكدعليه‌السلام ذلكبقوله : بنو أب وأم ، أي ينبغي أن يكونوا كهذا النوع من الأخوة ، أو نفي لهذا المعنى وبيان أن إخوتهم متأصلة بمنزلة الحقيقة لاشتراكهم في طينة الجنة والروح المختارة المنسوبة إلى الرب الأعلى كما سيأتي ، أو المراد بالأب روح الله الذي نفخ منه في طينة المؤمن ، وبالأم الماء العذب والتربة الطيبة كما مر في أبواب الطينة لا آدم وحواء كما يتبادر إلى بعض الأذهان لعدم اختصاص الانتساب إليهما بالإيمان إلا أن يقال تباين العقائد صار مانعا عن تأثير تلك الأخوة لكنه بعيد.

وقد مر وجه آخر وهو اتحاد آبائهم الحقيقية الذين أحيوهم بالإيمان والعلم ، وأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أبوهم وخديجة أمهم بمقتضى الآية المتقدمة ، وإخراج غير المؤمنين لأنهم عقوا والديهم بترك ولاية أئمة الحق فهم خرجوا عن حكم


ضرب على رجل منهم عرق سهر له الآخرون.

٢ ـ عنه ، عن أبيه ، عن فضالة بن أيوب ، عن عمر بن أبان ، عن جابر الجعفي قال تقبضت بين يدي أبي جعفرعليه‌السلام فقلت جعلت فداك ربما حزنت من غير مصيبة تصيبني أو أمر ينزل بي حتى يعرف ذلك أهلي في وجهي وصديقي فقال نعم يا جابر إن الله عز وجل خلق المؤمنين من طينة الجنان وأجرى فيهم من ريح روحه

الأولاد وانقطعت الأخوة بينهم ، كما أن المنافقات من أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خرجن بذلك عن كونهم أمهات المؤمنين كما طلق أمير المؤمنين صلوات الله عليه عائشة يوم البصرة ليظهر للناس خروجها عن هذا الحكم على بعض الوجوه ، وإن بقي تحريم نكاحها على المسلمين ، وضرب العرق حركته بقوة والمراد هنا المبالغة في قلة الأذى ، وتعديته هنا بعلى لتضمين معنى الغلبة كما في قوله تعالى : «فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ »(١) في النهاية ضرب العرق ضربا وضربانا إذا تحرك بقوة ، وفي القاموس :سهر كفرح لم ينم ليلا ، انتهى.

والمعنى أن الناس كثيرا ما يذهب عنهم النوم في بعض الليالي من غير سبب ظاهرا ، فهذا من وجع عرض لبعض إخوانهم ، ويحتمل أن يكون السهر كناية عن الحزن للزومه له غالبا.

الحديث الثاني : صحيح.

« تقبضت » التقبض ظهور أثر الحزن ضد الانبساط ، في القاموس : انقبض انضم وضد انبسط ، وتقبض عنه اشمأز ، وفي المحاسن : تنفست أي تأوهت وحزنت من باب علم أو على بناء المجهول من باب نصر فإنه متعد حينئذ ، و« صديقي » عطف على أهلي« من ريح روحه » أي من نسيم من روحه الذي نفخة في الأنبياء والأوصياءعليه‌السلام كما قال : «وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي »(٢) أو من رحمة ذاته كما قال الصادقعليه‌السلام

__________________

(١) سورة الكهف : ١١.

(٢) سورة الحجر : ٢٩.


فلذلك المؤمن أخو المؤمن لأبيه وأمه فإذا أصاب روحا من تلك الأرواح في بلد

والله شيعتنا من نور الله خلقوا وإليه يعودون أو الإضافة بيانية شبه الروح بالريح لسريانه في البدن كما أن نسبة النفخ إليه لذلك ، أي من الروح الذي هو كالريح واجتباه واختاره.

وقد روي عن الباقرعليه‌السلام في تفسير قوله تعالى : «وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي » كيف هذا النفخ؟ فقال : إن الروح متحرك كالريح ، وإنما سمي روحا لأنه اشتق اسمه من الريح وإنما أخرجه على لفظة الروح لأن الروح مجانس للريح وإنما أضافه إلى نفسه لأنه اصطفاه على سائر الأرواح كما اصطفى بيتا من البيوت فقال : بيتي ، وقال لرسول من الرسل خليلي وأشباه ذلك ، وكل ذلك مخلوق مصنوع محدث مربوب مدبر ، ويمكن أن يقرأ بفتح الراء أي من نسيم رحمته كما ورد في خبر آخر : وأجرى فيهم من روح رحمته.

« لأبيه وأمه » الظاهر تشبيه الطينة بالأم والروح بالأب ، ويحتمل العكس.

لا يقال : على هذا الوجه يلزم أن يكون المؤمن محزونا دائما؟

لأنا نقول : يحتمل أن يكون للتأثر شرائط أخرى تفقد في بعض الأحيان كارتباط هذا الروح ببعض الأرواح أكثر من بعض ، كما ورد : الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف.

ويحتمل أن يكون الحزن الدائم للمؤمن أحد أسبابه ذلك كما أن تذكر الآخرة أيضا سبب له ، لكن شدته في بعض الأحيان بحيث يتبين له ذلك بحزن الأرواح المناسبة له ، أو بحزن الأرواح الشريفة العالية المؤثرة في العوالم ، لا سيما في أرواح الشيعة وقلوبهم وأبدانهم ، كما روى الصدوق (ره) في معاني الأخبار بإسناده إلى أبي بصير قال : دخلت على أبي عبد اللهعليه‌السلام ومعي رجل من أصحابنا ، فقلت له


من البلدان حزن حزنت هذه لأنها منها.

٣ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن ابن فضال ، عن علي بن عقبة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال المؤمن أخو المؤمن عينه ودليله لا يخونه ولا يظلمه ولا

جعلت فداك يا بن رسول الله إني لأغتم وأحزن من غير أن أعرف لذلك سببا؟ فقالعليه‌السلام : إن ذلك الحزن والفرح يصل إليكم منا لأنا إذا دخل علينا حزن أو سرور كان ذلك داخلا عليكم ، لأنا وإياكم من نور الله تعالى فجعلنا وطينتنا وطينتكم واحدة ، ولو تركت طينتكم كما أخذت لكنا وأنتم سواء ، ولكن مزجت طينتكم بطينة أعدائكم فلو لا ذلك ما أذنبتم ذنبا أبدا ، قال : قلت : جعلت فداك فتعود طينتنا ونورنا كما بدء؟ فقال : أي والله يا عبد الله أخبرني عن هذا الشعاع الزاخر من القرص إذا طلع أهو متصل به أم بائن منه؟ فقلت له : جعلت فداك بل هو بائن منه ، فقال : أفليس إذا غابت الشمس وسقط القرص عاد إليه فاتصل به كما بدء منه؟ فقلت له : نعم ، فقال : كذلك والله شيعتنا من نور الله خلقوا وإليه يعودون ، والله إنكم لملحقون بنا يوم القيامة وإنا لنشفع ونشفع ، والله إنكم لتشفعون فتشفعون ، وما من رجل منكم إلا وسترفع له نار عن شماله ، وجنة عن يمينه فيدخل أحباؤه الجنة وأعداءه النار ، فتأمل وتدبر في هذا الحديث فإن فيه أسرارا غريبة.

الحديث الثالث : موثق كالصحيح.

« عينه » أي جاسوسه يدله على المعايب ، أو بمنزلة عينه الباصرة يدله على مكارمه ومعائبه ، وهو أحد معاني قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : المؤمن مرآة المؤمن ، وقيل : ذاته مبالغة ، أو بمنزلة عينه في العزة والكرم ، ولا يخفى عدم مناسبته لسائر الفقرات فتفطن« ودليله » أي إلى الخيرات الدنيوية والأخروية« لا يخونه » في مال ولا سرو لا عرض« ولا يظلمه » في نفسه وماله وأهله وسائر حقوقه« ولا يغشه »


يغشه ولا يعده عدة فيخلفه.

٤ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى وعدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد جميعا ، عن ابن محبوب ، عن علي بن رئاب ، عن أبي بصير قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول المؤمن أخو المؤمن كالجسد الواحد إن اشتكى شيئا منه ـ وجد

في النصيحة والمشورة وحفظ الغيب والإرشاد إلى مصالحه« ولا يعده عدة فيخلفه » يدل على أنه مناف للأخوة الكاملة لا على الحرمة إلا إذا كان النفي بمعنى النهي ، وفيه أيضا كلام ، وبالجملة النفي في جميع الفقرات يحتمل أن يكون بمعنى النهي وأن يكون بمعناه فيدل على أنه لو أتى بالمنفي لم يتصف بالأخوة وكمال الإيمان.

الحديث الرابع : في أعلى مراتب الصحة.

« كالجسد الواحد » كأنهعليه‌السلام ترقى عن الإخوة إلى الاتحاد أو بين أن إخوتهم ليست مثل سائر الأخوات بل هم بمنزلة أعضاء جسد واحد تعلق بها روح واحدة ، فكما أنه يتألم عضو واحد يتألم ويتعطل سائر الأعضاء فكذا يتألم واحد من المؤمنين يحزن ويتألم سائر هم كما مر ، فقوله : كالجسد الواحد تقديره كعضوي الجسد الواحد ، وقوله : إن اشتكى ، الظاهر أنه بيان للمشبه به ، والضمير المستتر فيه وفيوجد راجعان إلى المرء أو الإنسان ، أو الروح الذي يدل عليه الجسد ، وضميرمنه راجع إلى الجسد ، والضميرفي أرواحهما راجع إلى شيئا وسائر الجسد والجمعية باعتبار جمعية السائر ، أو من إطلاق الجمع على التثنية مجازا.

وفي كتاب الاختصاص للمفيد : وإن روحهما من روح واحدة ، وهو أظهر ، والمراد بالروح الواحد إن كان الروح الحيوانية فمن للتبعيض ، وإن كان النفس الناطقة فمن للتعليل فإن روحهما الروح الحيوانية.

هذا إذا كان قوله : وأرواحهما من تتمة بيان المشبه به ، ويحتمل تعلقه


ألم ذلك في سائر جسده وأرواحهما من روح واحدة وإن روح المؤمن لأشد اتصالا بروح الله من اتصال شعاع الشمس بها.

٥ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن عبد الرحمن بن أبي نجران ، عن مثنى الحناط ، عن الحارث بن المغيرة قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام المسلم أخو المسلم هو عينه ومرآته ودليله لا يخونه ولا يخدعه ولا يظلمه ولا يكذبه

بالمشبه فالضمير راجع إلى الأخوين المذكورين في أول الخبر ، والغرض إما بيان شدة اتصال الروحين كأنهما روح واحدة ، أو أن روحيهما من روح واحدة هي روح الإمامعليه‌السلام ، وهي نور الله كما مر في الخبر السابق عن أبي بصير الذي هو كالشرح لهذا الخبر.

ويحتمل أن يكون اشتكى أيضا من بيان المشبه لإيضاح وجه الشبه ، والمراد بروح الله أيضا روح الإمام التي اختارها الله كما مر في قوله : «وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي » ويحتمل أن يكون المراد بروح الله ذات الله سبحانه إشارة إلى شدة ارتباط المقربين بجناب الحق تعالى ، حيث لا يغفلون عن ربهم ساعة ويفيض عليهم منه سبحانه العلم والكمالات والهدايات والإفاضات آنا فآنا وساعة فساعة كما سيأتي في الحديث القدسي : فإذا أحببته كنت سمعه وبصره ويده ورجله ولسانه ، وسنوضح ذلك بحسب فهمنا هناك إنشاء الله ، وأعرضنا عما أورده بعضهم هيهنا من تزيين العبارات التي ليس تحتها معنى محصل.

الحديث الخامس : ضعيف على المشهور.

« ومرآته » أي يبين محاسنه ليركبها ، ومساويه ليجتنبها كما هو شأن المرآة أو ينظر إلى ما فيه من المعايب فيتركها فإن الإنسان في غفلة عن عيوب نفسه ، وكذا المحاسن وقد روي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المؤمن مرآة المؤمن ويجري فيه الوجهان المتقدمان ، قال الراوندي في ضوء الشهاب : المرآة الآلة التي ترى فيها صورة الأشياء ،


ولا يغتابه.

٦ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حفص بن البختري قال كنت عند أبي عبد اللهعليه‌السلام ودخل عليه رجل فقال لي تحبه فقلت نعم فقال لي ولم لا تحبه وهو أخوك وشريكك في دينك وعونك على عدوك ورزقه

وهي مفعلة من الرؤية ، والمعنى أن المؤمن يحكي لأخيه المؤمن جميع ما يراه فيه ، فإن كان حسنا زينه له ليزداد منه ، وإن كان قبيحا نبهه عليه لينتهي عنه ، انتهى.

وأقول : قد ذهب بعض الصوفية إلى أن المؤمن الثاني هو الله تعالى ، أي المؤمن مظهر لصفاته الكمالية تعالى شأنه كما ينطبع في المرآة صورة الشخص ، والحديث يدل على أنه ليس بمراد من الخبر النبوي ، وقيل : المراد أن كلا من المؤمنين مظهر لصفات الآخر ، لأن في كل منهما صفات الآخر مثل الإيمان وأركانه ولواحقه وآثاره ، والأخلاق والآداب ، ولا يخفى بعده.

« ولا يكذبه » على بناء المجرد أي لا يقول له كذبا ، أو على بناء التفعيل أي لا ينسب الكذب إليه فيما يخبره ، ولا يستلزم ذلك الاعتماد عليه في كل ما يقوله وإن كان يشعر بذلك ، كما ورد في خبر آخر مستدلا عليه بقوله تعالى : «وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ »(١) والظاهر أن المراد بالمسلم هنا المؤمن إيذانا بأن غير المؤمن ليس بمسلم حقيقة.

الحديث السادس : حسن كالصحيح.

« ولم لا تحبه » ترغيب في زيادة المحبة وإدامتها لغيره أيضا بذكر أسبابها وعدم المانع منها« أخوك » أي سماه الله تعالى أخاك أو مخلوق من روحك وطينتك ، ويحتمل أن يكونقوله : وشريكك في دينك تفسيرا للإخوة ، أو يكون في دينك متعلقا بهما على التنازع« على عدوك » من الجن والإنس أو الأخير فقط ، أو الأعم

__________________

(١) سورة التوبة : ٦١.


على غيرك.

٧ ـ أبو علي الأشعري ، عن الحسين بن الحسن ، عن محمد بن أورمة ، عن بعض أصحابه ، عن محمد بن الحسين ، عن محمد بن فضيل ، عن أبي حمزة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال سمعته يقول المؤمن أخو المؤمن لأبيه وأمه لأن الله عز وجل خلق المؤمنين من طينة الجنان وأجرى في صورهم من ريح الجنة فلذلك هم إخوة لأب وأم.

٨ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحجال ، عن علي بن عقبة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إن المؤمن أخو المؤمن عينه ودليله لا يخونه ولا يظلمه ولا يغشه ولا يعده عدة فيخلفه.

٩ ـ أحمد بن محمد بن عيسى ، عن أحمد بن أبي عبد الله ، عن رجل ، عن جميل ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال سمعته يقول المؤمنون خدم بعضهم لبعض قلت وكيف يكونون خدما بعضهم لبعض قال يفيد بعضهم بعضا الحديث.

منهما ومن النفس الأمارة بالسوء ، كما روي : أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك.

الحديث السابع : ضعيف.

« من ريح الجنة » أي من الروح المأخوذة من الجنة أو المنسوبة إليها ، لأن مصيرها لاقتضائها العقائد والأعمال الحسنة إليها ، وقد مر مضمونه.

الحديث الثامن : صحيح وقد مر بعينه إلا أنه كان هناك بدل الحجال ابن فضال.

الحديث التاسع : مجهول.

وقوله : الحديث ، أي إلى تمام الحديث إشارة إلى أنه لم يذكر تمام الخبر ، وفهم أكثر من نظر فيه أن « الحديث » مفعول يفيد ، فيكون حثا على رواية الحديث وهو بعيد ، وقال بعضهم : يحتمل أن يكون المراد به الخبر وأن


١٠ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ومحمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى جميعا ، عن ابن أبي عمير ، عن إسماعيل البصري ، عن فضيل بن يسار قال سمعت أبا جعفرعليه‌السلام يقول إن نفرا من المسلمين خرجوا إلى سفر لهم فضلوا الطريق فأصابهم عطش شديد فتكفنوا ولزموا أصول الشجر فجاءهم شيخ وعليه ثياب بيض فقال قوموا فلا بأس عليكم فهذا الماء فقاموا وشربوا وارتووا فقالوا من أنت يرحمك الله فقال أنا من الجن الذين بايعوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إني سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله

يكون أمرا في صورة الخبر ، والمعنى أن الإيمان يقتضي التعاون بأن يخدم بعض المؤمنين بعضا في أمورهم ، هذا يكتب لهذا وهذا يشتري لهذا ، وهذا يبيع لهذا إلى غير ذلك ، بشرط أن يكون بقصد التقرب إلى الله ، ولرعاية الإيمان ، وأما إذا كان كان يجر منفعة دنيوية إلى نفسه فليس من خدمة المؤمن في شيء بل هو خدمة لنفسه.

الحديث العاشر : مجهول« فتكفنوا » أي سلموا أنفسهم إلى الموت وقطعوا به ، فلبسوا أكفانهم أو ضموا ثيابهم على أنفسهم بمنزلة الكفن ، وفي القاموس : هم مكفنون ليس لهم ملح ولا لبن ولا إدام ، وفي بعض النسخ فتكنفوا بتقديم النون على الفاء ، أي اتخذ كل منهم كنفا وناحية وتفرقوا ، من الكنف بالتحريك وهو الناحية والجانب أو اجتمعوا وأحاط بعضهم ببعض ، قال في النهاية : في حديث الدعاء مضوا على شاكلتهم مكانفين ، أي يكنف بعضهم بعضا ، وفيه فاكتنفته أنا وصاحبي أي أحطنا به من جانبيه ، وفي القاموس : كنفه صانه وحفظه وحاطه وأعانه كأكنفه والتكنيف الإحاطة واكتنفوا فلانا أحاطوا به كتكنفوه.

قوله : أنا من الجن ، الجن بالكسر جمع الجني وقد ذكر الطبرسي (ره) وغيره أن سبعة من جن نصيبين أتوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبايعوه ، وروي أكثر من ذلك كما ذكرناه في الكتاب الكبير ، وفي الصحاح حضرة الرجل قربه وفناؤه ، و


يقول المؤمن أخو المؤمن عينه ودليله فلم تكونوا تضيعوا بحضرتي.

١١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ومحمد بن إسماعيل ، عن الفضل بن شاذان جميعا ، عن حماد بن عيسى ، عن ربعي ، عن فضيل بن يسار قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يغتابه ولا يخونه ولا يحرمه قال ربعي فسألني رجل من أصحابنا بالمدينة فقال سمعت فضيلا يقول ذلك قال فقلت له نعم فقال فإني سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول ـ المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يغشه ولا يخذله ولا يغتابه ولا يخونه ولا يحرمه.

يدل على أن الجن أجسام لطيفة يمكن تشكلهم بشكل الإنس ورؤيتهم لغير الأنبياء والأوصياءعليه‌السلام أيضا ، ويشعر بجواز رواية الحديث عن الجن.

الحديث الحادي عشر : حسن كالصحيح.

« قال سمعت الفضيل » بصيغة الخطاب بتقدير حرف الاستفهام« فقال إني سمعت » هذا كلام الرجل ، واحتمال الفضيل كما توهم بعيد ، وغرض الرجل أن الذي سمعت منهعليه‌السلام أكثر مما سمعه لا سيما على النسخة التي ليس في الأول ولا يغتابه إلخ ، ولعلهما سمعا في مجلس واحد ، ولذا استبعده« ولا يحرمه » أي من عطائه ، وربما يقرأ« ولا يظلمه » على بناء التفعيل أي لا ينسبه إلى الظلم وهو تكلف ، وفي القاموسخذله وعنه خذلا وخذلانا بالكسر : ترك نصرته ، والظبية وغيرها تخلفت عن صواحبها وانفردت ، أو تخلفت ولم تلحق ، وتخاذل القوم تدابروا.


(باب)

(فيما يوجب الحق لمن انتحل الإيمان وينقضه)

١ ـ علي بن إبراهيم ، عن هارون بن مسلم ، عن مسعدة بن صدقة قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول وسئل عن إيمان من يلزمنا حقه وأخوته كيف هو وبما يثبت وبما يبطل فقال إن الإيمان قد يتخذ على وجهين أما أحدهما فهو الذي يظهر

باب في ما يوجب الحق لمن انتحل الإيمان وينقضه

الانتحال ادعاء أمر بغير حقيقة أو مطلقا ، واتخاذ نحلة ودين ، وقوله : وينقضه عطف على يوجب ، والضمير المستتر فيه راجع إلى ما ، والبارز إلى الحق أي هذا باب في بيان ما يوجب رعاية الحقوق الإيمانية لمن ادعى الإيمان ، وبيان ما ينقض الحق ويسقط وجوب رعايته ، ويحتمل إرجاع الظاهر إلى الإيمان لكن الأول أظهر.

الحديث الأول : ضعيف على المشهور.

« وسئل » الواو للحال بتقدير قد ، وإثبات الألف في قوله : بم في الموضعين مع دخول حرف الجر شاذ ، وقوله : فقال ، تكرير وتأكيد لقوله : يقول.

قوله قد يتخذ ، قد هنا للتحقيق ، وإنما اكتفي بذكر أحد وجهي الإيمان مع التصريح بالوجهين ، وكلمة إما التفصيلية المقتضية للتكرار لظهور القسم الآخر من ذكر هذا القسم ، والقسم الآخر هو ما يعرف بالصحبة المتأكدة والمعاشرة المتكررة الموجبة للظن القوي بل اليقين ، وإن كان نادرا ، فإن الإيمان أمر قلبي لا يظهر للغير إلا بآثاره من القول والعمل المخبرين عنه كما مر تحقيقه ، أو القسم الآخر ما كان معلوما بالبرهان القطعي كالحججعليه‌السلام وخواص أصحابهم الذين أخبروا بصحة أيمانهم وكماله كسلمان وأبي ذر والمقداد وأضرابهم رضي الله عنهم ،


لك من صاحبك فإذا ظهر لك منه مثل الذي تقول به أنت حقت ولايته وأخوته إلا أن يجيء منه نقض للذي وصف من نفسه وأظهره لك فإن جاء منه ما تستدل به على نقض الذي أظهر لك خرج عندك مما وصف لك وأظهر وكان لما أظهر لك ناقضا إلا أن يدعي أنه إنما عمل ذلك تقية ومع ذلك ينظر فيه فإن كان ليس مما يمكن أن تكون التقية في مثله لم يقبل منه ذلك لأن للتقية مواضع من أزالها عن مواضعها لم تستقم له وتفسير ما يتقى مثل [ أن يكون ] قوم سوء ظاهر

ونظير هذا في ترك معادل أما ، قوله تعالى : «وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً ، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ »(١) إذ ظاهر أن معادله : وأما الذين كفروا بالله ولم يعتصموا به فسيدخلهم جهنم.

« حقت » بفتح الحاء وضمها ، لأنه لازم ومتعد « ولايته » أي محبته و « إخوته » أي في الدين « ومع ذلك ينظر فيه » أي فيه تفصيل « فإن كان » اسمه الضمير الراجع إلى « ما تستدل به » وجملة « ليس » إلخ ، خبره و « ذلك » إشارة إلى الدعوى المذكور في ضمن إلا أن يدعى ، وتفسير مبتدأ « ويتقى » على بناء المجهول بتقدير يتقى فيه ، و « مثل » خبر و « قوم » مضاف إلى السوء بالفتح ، و « ظاهر » صفة السوء وجملة « حكمهم » إلخ صفة للقوم أو « ظاهر » صفة القوم لكونه بحسب اللفظ مفردا أي قوم غالبين و « حكمهم » إلخ جملة أخرى كما مر أو حكمهم فاعل ظاهر أي قوم سوء كون حكمهم وفعلهم على غير الحق ظاهرا ، أو ظاهر مرفوع مضاف إلى حكمهم ، وهو مبتدأ وعلى غير خبره ، والجملة صفة القوم.

وبالجملة يظهر منه أن التقية إنما تكون لدفع ضرر لا لجلب نفع بأن يكون السوء بمعنى الضرر أو الظاهر بمعنى الغالب ، ويشترط فيه عدم التأدي إلى الفساد في الدين كقتل نبي أو إمام أو اضمحلال الدين بالكلية كما أن الحسينعليه‌السلام

__________________

(١) سورة النساء : ١٧٥.


حكمهم وفعلهم على غير حكم الحق وفعله فكل شيء يعمل المؤمن بينهم لمكان التقية مما لا يؤدي إلى الفساد في الدين فإنه جائز.

(باب)

(في أن التواخي لم يقع على الدين وإنما هو التعارف)

١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن سنان ، عن حمزة بن محمد الطيار ، عن أبيه ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال لم تتواخوا على هذا الأمر وإنما

لم يتق للعلم بأن تقيته يؤدي إلى بطلان الدين بالكلية ، فالتقية إنما تكون فيما لم يصر تقيته سببا لفساد الدين وبطلانه كما أن تقيتنا في غسل الرجلين أو بعض أحكام الصلاة وغيرها لا تصير سببا لخفاء هذا الحكم وذهابه من بين المسلمين ، لكن لم أر أحدا صرح بهذا التفصيل ، وربما يدخل في هذا التقية في الدماء وفيه خفاء ، ويمكن أن يراد بالأداء إلى الفساد في الدين أن يسري إلى العقائد القلبية أو يعمل التقية في غير موضع التقية.

ثم اعلم أنه يستفاد من ظاهر هذا الخبر وجوب المؤاخاة وأداء الحقوق بمجرد ثبوت التشيع ، قيل : وهو على إطلاقه مشكل ، كيف ولو كان ذلك كذلك للزم الحرج وصعوبة المخرج إلا أن يخصص التشيع بما ورد من الشروط في أخبار صفات المؤمن وعلاماته.

وأقول : يمكن أن يكون الاستثناء الوارد في الخبر بقوله : إلا أن يجيء منه نقض ، شاملا لكبائر المعاصي بل الأعم.

باب في أن التآخي لا يقع على الدين وإنما هو التعارف

الحديث الأول : ضعيف على المشهور معتبر عندي.

« لم تتواخوا على هذا الأمر » أقول : الخبر يحتمل وجوها


تعارفتم عليه.

الأول : ما أفاده الوالدقدس‌سره وهو أن التآخي بينكم لم يقع على التشيع ولا في هذه النشأة بل كانت أخوتكم في عالم الأرواح قبل الانتقال إلى الأجساد ، وإنما حصل تعارفكم في هذا العالم بسبب الدين ، فكشف ذلك عن الأخوة في العليين ، وذلك مثل رجلين كانت بينهما مصاحبة قديمة فافترقا زمانا طويلا ثم تلاقيا فعرف كل منهما صاحبه ، ويؤيده الحديث المشهور عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف ، وهذا الخبر وإن كان عاميا لكن ورد مثله في أخبارنا بأسانيد جمة أوردتها في الكتاب الكبير.

منها : ما روى الصفار في البصائر بأسانيد عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : جاء رجل إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام فقال : والله يا أمير المؤمنينعليه‌السلام إني لأحبك ، فقال : كذبت ، فقال الرجل : سبحان الله كأنك تعرف ما في قلبي؟ فقال عليعليه‌السلام : إن الله خلق الأرواح قبل الأبدان بألفي عام ، ثم عرضهم علينا فأين كنت لم أرك.

وعن عمارة قال : كنت جالسا عند أمير المؤمنين إذ أقبل رجل فسلم عليه ثم قال : يا أمير المؤمنين والله إني لأحبك فسأله ثم قال له : إن الأرواح خلقت قبل الأبدان بألفي عام ، ثم أسكنت الهواء فما تعارف منها ثم ائتلف هيهنا ، وما تناكر منها ثم اختلف هيهنا ، وإن روحي أنكر روحك.

وبسنده أيضا عن أبي عبد اللهعليه‌السلام مثله ، إلا أنه قال : إن الله خلق الأرواح قبل الأبدان بألفي عام فأسكنها الهواء ثم عرضها علينا أهل البيت ، فو الله ما منها روح إلا وقد عرفنا بدنه ، فو الله ما رأيتك فيها فأين كنت.

وروى الصدوق في العلل بسند موثق عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : إن الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها في الميثاق ائتلف هيهنا وما تناكر منها في الميثاق اختلف هيهنا.

وروي بسند آخر عنهعليه‌السلام أنه قال لرجل من أصحابه : ما تقول في الأرواح


أنها جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف؟ قال : فقلت : إنا نقول ذلك ، قال : فإنه كذلك إن الله تعالى أخذ على العباد ميثاقهم وهم أظلة قبل الميلاد ، وهو قوله عز وجل «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ »(١) الآية قال : فمن أقر له يومئذ جاءت ألفته هيهنا ، ومن أنكره يومئذ جاء خلافه هيهنا.

وقال ابن الأثير في النهاية : فيه الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف « مجندة » أي مجموعة كما يقال ألوف مؤلفة وقناطير مقنطرة ، ومعناه الإخبار عن مبدء كون الأرواح وتقدمها على الأجساد أي أنها خلقت أول خلقها على قسمين ، من ائتلاف واختلاف كالجنود المجموعة إذا تقابلت وتواجهت ، ومعنى تقابل الأرواح ما جعلها الله عليه من السعادة والشقاوة والأخلاق في مبدء الخلق ، يقول : إن الأجساد التي فيها الأرواح تلتقي في الدنيا فتأتلف وتختلف على حسب ما خلقت عليه ، ولهذا ترى الخير يحب الأخيار ويميل إليهم ، والشرير يحب الأشرار ويميل إليهم ، انتهى.

وقال الخطابي : خلقت قبلها تلتقي فلما التبست بالأبدان تعارفت بالذكر الأول ، انتهى.

وأقول : استدل بهذا الحديث على أمرين « الأول » خلق الأرواح قبل الأبدان وقد اختلف المتكلمون والمحدثون من العامة والخاصة في ذلك فذهب أكثر المتكلمين إلى أن الأرواح بعد تمام خلقة البدن ، قال شارح المقاصد : النفوس الإنسانية سواء جعلناها مجردة أو مادية حادثة عندنا لكونها أثر القادر المختار ، وإنما الكلام في أن حدوثها قبل البدن لقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : خلق الله الأرواح قبل الأجساد بألفي عام ،

__________________

(١) سورة الأعراف : ١٧٢.


أو بعده لقوله تعالى بعد ذكر أطوار البدن : «ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ »(١) إشارة إلى إفاضة النفس ، ولا دلالة في الحديث مع كونه خبر واحد على أن المراد بالأرواح النفوس البشرية أو الجوهرية العلوية ولا في الآية على أن المراد إحداث النفس أو إحداث تعلقها بالبدن ، وأما الفلاسفة فمنهم من جعلها قديمة وذهب أرسطو وشيعته إلى أنها حادثة ، ثم ذكر دلائل الطرفين واعترض عليها بوجوه.

وأما أصحابنا رضوان الله عليهم فظاهر أكثر المحدثين أنهم قالوا بظواهر تلك الأخبار ، قال الصدوقرضي‌الله‌عنه في رسالة الاعتقادات : اعتقادنا في النفوس أنها الأرواح التي بها الحياة وأنها الخلق الأول ، لقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أول ما أبدع الله سبحانه هي النفوس المقدسة المطهرة فأنطقها بتوحيده ، ثم خلق بعد ذلك سائر خلقه ، واعتقادنا فيها أنها خلقت للبقاء ولم تخلق للفناء ، وساق الكلام إلى قوله : وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف ، وقال الصادقعليه‌السلام : إن الله تعالى آخى بين الأرواح في الأظلة قبل أن يخلق الأبدان بألفي عام ، فلو قد قام قائمنا أهل البيت لورث الأخ الذي آخى بينهما في الأظلة ، ولم يورث الأخ من الولادة.

وأما المتكلمون منا فأكثرهم قالوا بحدوثها بعد تصوير البدن في الرحم وأولوا هذه الأخبار بتأويلات بعيدة ، قال الشيخ المفيد (ره) في أجوبة المسائل السروية : فأما الخبر بأن الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام فهو من أخبار الآحاد ، وقد روته العامة كما روته الخاصة ، وليس هو مع ذلك مما يقطع على الله بصحته ، وإن ثبت القول فالمعنى فيه أن الله تعالى قدر الأرواح في علمه قبل اختراع الأجساد ، واخترع الأجساد واخترع لها الأرواح ، فالخلق للأرواح قبل

__________________

(١) سورة المؤمنون : ١٤.


الأجساد خلق تقدير في العلم كما قدمناه ، وليس بخلق لذواتها كما وصفناه ، والخلق لها بالإحداث والاختراع بعد خلق الأجسام والصور التي تدبرها الأرواح ، ولو لا أن ذلك كذلك لكانت الأرواح تقوم بأنفسها ، ولا تحتاج إلى آلة تعتملها ولكنا نعرف ما سلف لنا من الأحوال قبل خلق الأجساد كما نعلم أحوالنا بعد خلق الأجساد ، وهذا محال لا خفاء بفساده ، وأما الحديث بأن الأرواح جنود مجندة فالمعنى فيه أن الأرواح التي هي الجواهر البسائط تتناصر بالجنس وتتخاذل بالعوارض فما تعارف منها باتفاق الرأي والهوى ائتلف ، وما تناكر منها بمباينة في الرأي والهوى اختلف ، وهذا موجود حسا ومشاهد وليس المراد بذلك أن ما تعارف منها في الذر ائتلف كما تذهب إليه الحشوية كما بيناه من أنه لا علم للإنسان بحال كان عليها قبل ظهوره في هذا العالم ، ولو ذكر بكل شيء مما ذكر ذلك ، فوضح بما ذكرناه أن المراد بالخبر ما شرحناه والله الموفق للصواب ، انتهى.

وقال الراوندي (ره) في كتاب ضوء الشهاب : في شرح قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : الأرواح جنود مجندة قال بعض من تكلم في هذا الحديث : أنه على حذف المضاف ، والتقدير ذوا الأرواح ، وهذا قريب المأخذ ، وعند جماعة من محققي أصحاب الأصول أنه يجوز عقلا أن يكون الله تعالى إذا استشهد الشهيد أو توفي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو الصالح من بني آدم ينتزع من جسده أجزاء بقدر ما تحل الحياة التي كانت الجملة بها حية ، فيردها إلى تلك الأجزاء فتصير حيا وإن كان جثته صغيرة ، فيرفعه إلى حيث شاء فإنه لا اعتبار في الحي بالجثة ، وظاهر الكتاب يشهد بصحة ذلك وكذا الحديث ، وهذا الحديث أيضا مما يعضده ، فعلى هذا تتعارف هذه الأجساد اللطيفة بعد موت صاحبها كما كانت في دار الدنيا ، يعرف بعضها بعضا ، وتتباشر فتأتلف وبالعكس ، انتهى.


وأقول : قيام الأرواح بأنفسها أو تعلقها بالأجساد المثالية ثم تعلقها بالأجساد العنصرية مما لا دليل على امتناعه ، وأما عدم تذكر الأحوال السابقة فلعله لتقلبها في الأطوار المختلفة أو لعدم القوي البدنية أو كون تلك القوي قائمة بما فارقته من الأجساد المثالية ، أو لا ذهاب الله تعالى عنها تذكر هذه الأمور لنوع من المصلحة ، كما ورد أن التذكر والنسيان منه تعالى ، مع أن الإنسان لا يتذكر كثيرا من أحوال الطفولية والولادة ، والتأويلات المذكورة يأبى عنها صريح كثير من الأخبار التي مر بعضها.

الثاني(١) : أن الأرواح الإنسانية مختلفة في الحقيقة ، قال العلامة نور الله مرقده في شرح التجريد : ذهب الأكثر إلى أن النفوس البشرية متحدة في النوع متكثرة بالشخص ، وهو مذهب أرسطو ، وذهب جماعة من القدماء إلى أنها مختلفة بالنوع.

وقال شارح المقاصد : ذهب جمع من قدماء الفلاسفة إلى أن النفوس الحيوانية والإنسانية متماثلة متحدة المهية ، واختلاف الأحوال والإدراكات عائد إلى اختلاف الآلات ، وهذا لازم على القائلين بأنها أجسام والأجسام متماثلة إذ لا تختلف إلا بالعوارض ، وأما القائلون بأن النفوس الإنسانية مجردة فذهب الجمهور منهم إلى أنها متحدة المهية وإنما تختلف في الصفات والملكات ، واختلاف الأمزجة والأدوات ، وذهب بعضهم إلى أنها مختلفة بالمهية بمعنى أنها جنس تحته أنواع مختلفة ، تحت كل نوع منها أفراد متحدة المهية متناسبة الأحوال بحسب ما يقتضيه الروح العلوي المسمى بالطباع التام لذلك النوع ، ويشبه أن يكون قولهعليه‌السلام : الناس معادن كمعادن الذهب والفضة وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : الأرواح جنود مجندة « الحديث »

__________________

(١) أي من الأمرين الذي استدلوا لإثباته بهذا الحديث.


٢ ـ عنه ، عن أحمد بن محمد ، عن عثمان بن عيسى ، عن ابن مسكان وسماعة جميعا ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال لم تتواخوا على هذا الأمر [ و ] إنما تعارفتم عليه.

إشارة إلى هذا ، وذكر الإمام في المطالب العالية أن هذا المذهب هو المختار عندنا ، وأما بمعنى أن يكون كل فرد منها مخالفا بالمهية لسائر الأفراد حتى لا يشترك منهم اثنان في الحقيقة ، فلم يقل به قائل تصريحا ، كذا ذكره أبو البركات في المعتبر ، انتهى.

وأقول : دلالة الحديث على هذا المدعى ضعيفة وأصل المدعى ليس مما في تحقيقه طائل.

الثاني(١) : ما قيل : أن المعنى أنكم لم تتواخوا على التشيع إذ لو كان كذلك لجرت بينكم جميعا المؤاخاة وأداء الحقوق ، وليس كذلك بل إنما أنتم متعارفون على التشيع ، يعرف بعضكم بعضا عليه من دون مؤاخاة ، وعلى هذا يجوز أن يكون الحديث واردا مورد الإنكار وأن يكون واقعا موقع الأخبار ، أو المعنى أن مجرد القول بالتشيع لا يوجب التآخي بينكم ، وإنما يوجب التعارف بينكم ، وأما التآخي فإنه يوجبه أمور أخر غير ذلك لا يجب بدونها.

الثالث : أن المعنى أنه لم تكن مؤاخاتكم بعد حدوث هذا المذهب واتصافكم به ، ولكن كانت في حال الولادة وقبلها وبعدها ، فإن المؤاخاة بسبب اتحاد منشإ الطين والأرواح كما مر ، وهذا يرجع إلى الوجه الأول أو قريب منه.

الحديث الثاني : موثق وقد مر مضمونه.

__________________

(١) من معاني الحديث.


(باب)

(حق المؤمن على أخيه وأداء حقه)

١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن سيف بن عميرة ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال من حق المؤمن على أخيه المؤمن أن يشبع جوعته ويواري عورته ويفرج عنه كربته ويقضي دينه فإذا مات خلفه في أهله وولده.

باب حق المؤمن على أخيه وأداء حقه

الحديث الأول : ضعيف.

« أن يشبع جوعته » إسناد الشبع إلى الجوعة مجاز ، يقال : أشبعته أي أطعمته حتى شبع ، وفي المصباح جاع الرجل جوعا ، والاسم الجوع بالفتح « ويواري » أي يستر « عورته » وهي كلما يستحيي منه إذا ظهر وما يجب ستره من الرجل القبل والدبر ، ومن المرأة جميع الجسد إلا ما استثني ، والأمة كالحرة إلا في الرأس ، والظاهر أن المراد هنا أعم من ذلك بل المراد إلباسه باللباس المتعارف ، بما هو عادة أمثاله وفسر في بعض الروايات قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : عورة المؤمن على المؤمن حرام أن المراد بها عيوبه ، ويحتمل هنا ذلك لكنه بعيد ، والكربة بالضم اسم من كربة الأمر فهو مكروب أي أهمه وأحزنه ، وقضاء الدين أعم من أن يكون في حال الحياة أو بعد الموت.

قولهعليه‌السلام : خلقه كنصره أي كان عوضه وخليفته في قضاء حوائج أهله وولده ورعايتهم ، قال في النهاية : خلفت الرجل في أهله إذا قمت بعده فيهم ، وقمت عنه بما كان يفعله ، وفي الدعاء للميت : أخلفه في عقبه أي كن لهم بعده.


٢ ـ عنه ، عن علي بن الحكم ، عن عبد الله بن بكير الهجري ، عن معلى بن خنيس ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قلت له ما حق المسلم على المسلم قال له سبع حقوق واجبات ما منهن حق إلا وهو عليه واجب إن ضيع منها شيئا خرج من ولاية الله وطاعته ولم يكن لله فيه من نصيب قلت له جعلت فداك وما هي قال

الحديث الثاني : مجهول.

والضمير في عنه راجع إلى أحمد « واجبات » بالجر صفة للحقوق ، وقيل : أو بالرفع خبر للسبع ، ويمكن حمل الوجوب على الأعم من المعنى المصطلح والاستحباب المؤكد إذ لا أظن أحدا قال بوجوب أكثر ما ذكر « من ولاية الله » أي محبته سبحانه أو نصرته ، والإضافة إما إلى الفاعل أو المفعول ، وفي النهاية : الولاية بالفتح في النسب والنصرة والمعتق ، والولاية بالكسر في الإمارة والولاء في المعتق ، والموالاة من والى القوم ، وفي القاموس الولي القرب والدنو والولي الاسم منه والمحب والصديق والنصير ، وولي الشيء وعليه ولاية وولاية ، أو هي المصدر ، وبالكسر الحظة والإمارة والسلطان ، وتولاه اتخذه وليا والأمر تقلده وأنه لبين الولاءة والولية والتولي والولاء والولاية وتكسر ، والقوم على ولاية واحدة وتكسر أي يد ، انتهى.

قوله : ولم يكن لله فيه من نصيب ، أي لا يصل شيء من أعماله إلى الله ولا يقبلها ، أو ليس هو من السعداء الذين هم حزب الله بل هو من الأشقياء الذين هم حزب الشيطان ، وحمل جميع ذلك على المبالغة ، وأنه ليس من خلص أولياء الله.

ثم الظاهر أن هذه الحقوق بالنسبة إلى المؤمنين الكاملين أو الأخ الذي وأخاه في الله وإلا فرعاية جميع ذلك بالنسبة إلى جميع الشيعة حرج عظيم بل ممتنع ، إلا أن يقال أن ذلك مقيد بالإمكان بل السهولة ، بحيث لا يضر بحاله ، وبالجملة هذا أمر عظيم يشكل الإتيان به والإطاعة فيه إلا بتأييده سبحانه.


يا معلى إني عليك شفيق أخاف أن تضيع ولا تحفظ وتعلم ولا تعمل قال قلت له

قولهعليه‌السلام : إني عليك شفيق ، أي خائف أي إن لا تعمل أو متعطف محب من أشفقت على الصغير أي حنوت وعطفت ، ولذا لا أذكرها لك لأني أخاف أن تضيع ولا تعتني بشأنه ولا تحفظه وتنساه ، أو لا ترويه أو لا تعمل به ، فالفقرة الآتية مؤكدة.

وعلى التقادير يدل على أن الجاهل معذور ، ولا ريب فيه إن لم يكن له طريق إلى العلم ، لكن يشكل توجيه عدم ذكرهعليه‌السلام ذلك وإبطائه فيه للخوف من عدم عمله به ، وتجويز مثل ذلك مشكل وإن ورد مثله في بيان وجوب الغسل على النساء في احتلامهن ، حيث ورد النهي عن تعليمهن هذا الحكم لئلا يتخذنه علة مع أن ظاهر أكثر الآيات والأخبار وجوب التعليم والهداية وإرشاد الضال لا سيما بالنسبة إليهمعليهم‌السلام ، مع عدم خوف وتقية ، كما هو ظاهر هذا المقام ، وقد قال تعالى : «إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ »(١) وأمثالها كثيرة.

ويمكن الجواب عنه بوجهين « الأول » أن الظاهر أن غرضهعليه‌السلام من هذا الامتناع لم يكن ترك ذكره والإعراض عنه ، بل كان الغرض تشويق المخاطب إلى استماعه وتفخيم الأمر عليه ، وأنه أمر شديد أخاف أن لا تعمل به ، فتستحق العقاب ولم يصرحعليه‌السلام بأني لا أذكره لك لذلك ، ولا أنك مع عدم العلم معذور ، بل إنما أكد الأمر الذي أراد بقائه عليه بتأكيدات لتكون ادعى له على العمل به ، كما إذا أراد الأمير أن يأخذ بعض عبيده وخدمه بأمر صعب فيقول قبل أن يأمره به : أريد أن أولئك أمرا صعبا عظيما وأخاف أن لا تعمل به لصعوبته ، وليس غرضه الامتناع عن الذكر بل التأكيد في الفعل.

__________________

(١) سورة البقرة : ١٥٩.


«لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ » قال أيسر حق منها أن تحب له ما تحب لنفسك وتكره له ما تكره لنفسك والحق الثاني أن تجتنب سخطه وتتبع مرضاته وتطيع أمره والحق الثالث أن تعينه بنفسك ومالك ولسانك ويدك ورجلك والحق الرابع أن تكون عينه ودليله ومرآته والحق الخامس [ أن ] لا تشبع ويجوع ولا تروى ويظمأ ولا تلبس ويعرى والحق السادس أن يكون لك خادم وليس لأخيك

والثاني أن يكون هذا مؤيدا لاستحباب هذه الأمور ، ووجوب بيان المستحبات لجميع الناس لا سيما لمن يخاف عليه عدم العمل به غير معلوم ، خصوصا إذا ذكرهعليه‌السلام لبعض الناس ، بحيث يكفي لشيوع الحكم وروايته وعدم صيرورته متروكا بين الناس ، بل يمكن أن يكون عدم ذكره إذا خيف استهانته بالحكم واستخفافه به أفضل وأصلح بالنسبة إلى السامع ، إذ ترك المستحب مع عدم العلم به أولى بالنسبة إليه من استماعه وعدم الاعتناء بشأنه.

وكلا الوجهين الذين خطرا بالبال حسن ، ولعل الأول أظهر وأحسن وأمتن.

وقوله : لا قوة إلا بالله ، إظهار للعجز عن الإتيان بطاعة الله كما يستحقه ، وطلب للتوفيق منه تعالى ضمنا « أن تجتنب سخطه » أي في غير ما يسخط الله « وتتبع مرضاته » مصدر أي رضاه فيما لم يكن موجبا لسخط الله ، وكذا إطاعة الأمر مقيد بذلك ، وكان عدم التقييد في تلك الفقرات يؤيد كون المراد بالأخ الصالح الذي يؤمن من ارتكاب غير ما يرضى الله غالبا « بنفسك » بأن تسعى في حوائجه بنفسك « وبمالك » بالمواساة والإيثار والإنفاق وقضاء الدين ونحو ذلك قبل السؤال وبعده ، والأول أفضل « ولسانك » بأن تعينه بالشفاعة عند الناس وعند الله والدعاء له ، ودفع الغيبة عنه ، وذكر محاسنه في المجالس ، وإرشاده إلى مصالحه الدينية والدنيوية ، وهدايته وتعليمه « ويدك ورجلك » باس تعمالهما في جلب كل خير ودفع


خادم فواجب أن تبعث خادمك فيغسل ثيابه ويصنع طعامه ويمهد فراشه والحق السابع أن تبر قسمه وتجيب دعوته وتعود مريضه وتشهد جنازته وإذا علمت أن له حاجة تبادره إلى قضائها ولا تلجئه أن يسألكها ولكن تبادره مبادرة فإذا

كل شر يتوقفان عليهما ، وجملة : ويجوع ، ويظمأ ، ويعرى ، حالية

وفي المصباح : خدمه يخدمه فهو خادم غلاما كان أو جارية والخادمة بالهاء في المؤنث قليل ، وفي القاموس : مهده كمنعه بسطة كمهده « وأن تبر قسمه » من باب الأفعال ، وبر اليمين من باب علم وضرب صدق ، وإبرار القسم العمل بما ناشده عليه أو تصديقه فيما أقسم عليه ، كما في الحديث لو أقسم على الله لأبره فقيل : أي لو أقسم على وقوع أمر أوقعه الله إكراما له ، وقيل : لو دعا الله على البت لإجابة ، وفي النهاية بر قسمه وإبرة أي صدقه ، ومنه الحديث أمرنا بسبع منها إبرار المقسم.

وقال الجوهري : بررت والدي بالكسر أبره برا ، وفلان يبر خالقه أي يطيعه ، وبر فلان في يمينه صدق ، وفي القاموس : البر الصلة وضد العقوق ، بررته أبره كعلمته وضربته ، والصدق في اليمين ، وقد بررت وبررت ، وبرت اليمين تبر وتبر كيمل ويحل برا وبرا وبرورا ، وأبرها أمضاها على الصدق ، انتهى.

والمشهور بين الأصحاب استحباب العمل بما أقسمه عليه غيره إذا كان مباحا استحبابا مؤكدا ، ولا كفارة بالمخالفة على أحدهما ، وفي مرسلة ابن سنان عن علي بن الحسينعليهما‌السلام قال : إذا أقسم الرجل على أخيه فلم يبر قسمه فعلى المقسم كفارة يمين ، وهو قول لبعض العامة وحملها الشيخ على الاستحباب ، وقيل : المراد بإبرار القسم أن يعمل بما وعد الأخ لغيره من قبله بأن يقضي حاجته فيفي بذلك ، ولا يخفى ما فيه.


فعلت ذلك وصلت ولايتك بولايته وولايته بولايتك.

٣ ـ عنه ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن سيف ، عن أبيه سيف ، عن عبد الأعلى بن أعين قال كتب [ بعض ] أصحابنا يسألون أبا عبد اللهعليه‌السلام عن أشياء وأمروني أن أسأله عن حق المسلم على أخيه فسألته فلم يجبني فلما جئت لأودعه فقلت سألتك فلم تجبني فقال إني أخاف أن تكفروا إن من أشد ما افترض

قولهعليه‌السلام : وصلت ولايتك بولايته ، أي محبته لك بمحبتك له وبالعكس ، أي صارت المحبة ثابتة مستقرة بينك وبينه وصرت سببا لذلك أو عملت بمقتضى ولايتك له وولايته لك عملا بقوله تعالى : «الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ »(١) كما يقال وصل الرحم وقطعها ، ويحتمل أن يكون المراد بولايتهما موالاتهما للأئمةعليهم‌السلام ، أي أحكمت الأخوة الحاصلة بينكما من جهة الولاية ، وفي الخصال وصلت ولايتك بولايته وولايته بولاية الله عز وجل.

الحديث الثالث : مجهول أيضا.

وضمير عنه راجع إلى محمد بن يحيى وهذا التشويش من المصنف غريب.

قوله : فلم تجبني يدل على جواز تأخير البيان عن وقت السؤال لمصلحة كالمصلحة التي ذكرناها في الوجه الأول من الوجهين اللذين ذكرناهما في الحديث الأول ، على أنه يمكن أن يقال لما كان السؤال من أهل الكوفة وكان وصول السؤال إليهم بعد ذهاب الرسول ، فليس فيه تأخير البيان عن وقت السؤال أيضا.

قولهعليه‌السلام : أن تكفروا ، قيل : أي تخالفوا بعد العلم وهو أحد معاني الكفر ، وأقول : لعل المراد به أن تشكوا في الحكم أو فينا لعظمته وصعوبته ، أو تستخفوا به وهو مظنة الكفر ، أو موجب لصدقه بأحد معانيه ، فهو مؤيد للوجه الثاني من

__________________

(١) سورة المؤمنون : ١٤.


الله على خلقه ثلاثا إنصاف المرء من نفسه حتى لا يرضى لأخيه من نفسه إلا بما يرضى لنفسه منه ومواساة الأخ في المال وذكر الله على كل حال ليس سبحان الله والحمد لله ولكن عند ما حرم الله عليه فيدعه.

٤ ـ عنه ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسن بن محبوب ، عن جميل ، عن مرازم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال ما عبد الله بشيء أفضل من أداء حق المؤمن.

٥ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حماد بن عيسى ، عن إبراهيم بن عمر اليماني ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال حق المسلم على المسلم أن لا يشبع ويجوع أخوه ولا يروى ويعطش أخوه ولا يكتسي ويعرى أخوه فما أعظم حق المسلم على أخيه المسلم وقال أحب لأخيك المسلم ما تحب لنفسك وإذا احتجت فسله وإن سألك فأعطه

الوجهين السابقين ، وأما تتمة الخبر فقد مر مثلها بأسانيد في باب الإنصاف والعدل ، وذكر الله تعالى وإن لم يكن من حقوق المؤمن ، لكن ذكره استطرادا فإنه لما ذكر حقين من حقوق المؤمن وكان حق الله أعظم الحقوق ذكر حقا من حقوقه تعالى ، ويمكن أن يكون إيماء إلى أن حق المؤمن من حقوقه تعالى أيضا مع أن ذكر الله على كل حال مؤيد لأداء حقوق المؤمن أيضا.

الحديث الرابع : صحيح.

وكان أداء حق الأئمةعليهم‌السلام داخل في أداء حقوق المؤمنين ، فإنهم أفضلهم وأكملهم بل هم المؤمنون حقا.

الحديث الخامس : حسن كالصحيح.

والضمائر في يشبع وأخوه ونظائرهما راجعة إلى المسلم في قوله على المسلم ، وأخوه عبارة عن المسلم « وإذا احتجت فسله » يدل على عدم مرجوحية السؤال عن الأخ المؤمن ، ويشمل القرض والهبة ونحوهما « ولا تمله خيرا » هي من باب علم ، والضمير المنصوب للأخ ، وخيرا تميز عن النسبة في لا تمله ولا يمله المستتر فيه للأخ ،


لا تمله خيرا ولا يمله لك كن له ظهرا فإنه لك ظهر إذا غاب فاحفظه في غيبته وإذا شهد فزره وأجله وأكرمه فإنه منك وأنت منه فإن كان عليك عاتبا فلا تفارقه حتى تسأل سميحته وإن أصابه خير فاحمد الله وإن ابتلي فاعضده وإن تمحل

والبارز للخير ، ويحتمل النفي والنهي ، والأول أوفقبقوله عليه‌السلام : فإنه لك ظهر ، ولو كان نهيا كان الأنسب وليكن لك ظهرا ، ويؤيده أن في مجالس الشيخ لا تمله خيرا فإنه لا يملك وكن له عضدا فإنه لك عضد ، وقد يقرأ الثاني من باب الأفعال بأن يكون المستتر راجعا إلى الخير ، والبارز إلى الأخ أي لا يورث الخير إياه ملالا لأجلك.

وقيل : هما من الإملاء بمعنى التأخير أي لا تؤخره خيرا ، ولا يخفى ما فيه والأول أصوب ، قال في القاموس : مللته ومنه بالكسر مللا وملة وملالة وملالا سئمته كاستمللته ، وأملني وأمل علي أبرمني ، والظهر والظهير المعين قال الراغب : الظهر يستعار لمن يتقوى منه «وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ »(١) أي معين.

« إذا غاب » بالسفر أو الأعم« فاحفظه » في ماله وأهله وعرضه« فإنه منك وأنت منه » أي خلقتما من طينة واحدة كما مر أو مبالغة في الموافقة في السيرة والمذهب والمشرب كما قيل في قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : علي مني وأنا من علي ، وفي النهاية فيه : من غشنا فليس منا ، أي ليس على سيرتنا ومذهبنا ، والتمسك بسنتنا كما يقول الرجل : أنا منك وإليك ، يريد المتابعة والمرافقة ، وفي الصحاحعتب عليه أي وجد عليه « حتى تسل سخيمته »(٢) أي تستخرج حقده وغضبه برفق ولطف تدبير ، قال الفيروزآبادي : السل انتزاعك الشيء وإخراجه في رفق كالاستلال ، وقال : السخيمة : الحقد.

وفي بعض النسخ :حتى تسأل سميحته ، أي حتى تطلب منه السماحة والكرم والعفو ، ولم أر مصدره على وزن فعيلة إلا أن يقرأ على بناء التصغير ، فيكون

__________________

(١) سورة سبأ : ٢٢.

(٢) وفي المتن « حتى تسئل سميحته » ويأتي ذكره في كلام الشارح.


له فأعنه وإذا قال الرجل لأخيه أف انقطع ما بينهما من الولاية وإذا قال : أنت

مصغر السمح أو السماحة ، والظاهر أنه تصحيف للنسخة الأولى ، فإنها موافقة لما في مجالس الصدوق ومجالس الشيخ وكتاب الحسين بن سعيد وغيرهما ، وفي مجالس الصدوق سخيمته وما في نفسه ، وفي القاموس : عضده كنصره أعانه ونصره.

« وإذا تمحل(١) له فأعنه » أي إذا كاده إنسان واحتال لضرره فأعنه على دفعه عنه ، أو إذا احتال له رجل فلا تكله إليه وأعنه أيضا ، وقرأ بعضهم يمحل بالياء على بناء المجرد المجهول بالمعنى الأول وهو أوفق باللغة ، لكن لا تساعده النسخ ، وفي القاموس : المحل المكر والكيد ، وتمحل له احتال ، وحقه تكلفه له ، والمحال ككتاب الكيد ، وروم الأمر بالحيل والتدبير والمكر والعداوة والمعاداة والإهلاك ، ومحل به مثلثة الحاء محلا ومحالا كاده بسعاية إلى السلطان ، انتهى.

وقيل : أي إن احتال لدفع البلاء عن نفسه بحيلة نافعة فأعنه في إمضائه ، ولا يخفى بعده ، وفي مجالس الصدوق وإن ابتلي فاعضده وتمحل له ، وروى علي بن إبراهيم في تفسيره عن أبيه عن ابن أبي عمير عن حماد عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : إن الله فرض التمحل في القرآن ، قلت : وما التمحل جعلت فداك؟ قال : أن يكون وجهك أعرض عن وجه أخيك فتمحل له وهو قوله : «لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ » الآية(٢) .

وفي كتاب المؤمن للحسين بن سعيد فيما نقله عنه بعض أصحابنا : وإن ابتلي فأعطه وتحمل عنه وأعنه.

« انقطع ما بينهما من الولاية » أي المحبة التي أمروا بها « كفر أحدهما » لأنه إن صدق فقد خرج المخاطب عن الإيمان بعداوته لأخيه ، وإن كذب فقد خرج القائل عنه بافترائه على أخيه ، وهذا أحد معاني الكفر المقابل للإيمان الكامل كما مر شرحه وسيأتي إن شاء الله.

__________________

(١) وفي المتن « وإن تمحّل ».

(٢) سورة النساء : ١١٤.


قال في النهاية : فيه من قال لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما لأنه إما أن يصدق عليه أو يكذب ، فإن صدق فهو كافر وإن كذب عاد الكفر إليه بتكفيره أخاه المسلم ، والكفر صنفان أحدهما الكفر بأصل الإيمان وهو ضده والآخر الكفر بفرع من فروع الإسلام ، فلا يخرج به عن أصل الإيمان ، وقيل : الكفر على أربعة أنحاء : كفر إنكار بأن لا يعرف الله أصلا ولا يعترف به ، وكفر جحود ككفر إبليس يعرف الله بقلبه ولا يقر بلسانه ، وكفر عناد وهو أن يعرف بقلبه ويعترف بلسانه ولا يدين به حسدا وبغيا ككفر أبي جهل وأضرابه ، وكفر نفاق وهو أن يقر بلسانه ولا يعتقد بقلبه ، قال الهروي : سئل الأزهري عمن يقول بخلق القرآن أتسميه كافرا؟ فقال : الذي يقوله كفر ، فأعيد عليه السؤال ثلاثا ويقول مثل ما قال ، ثم قال في الآخر : قد يقول المسلم كفرا ، ومنه حديث ابن عباس قيل له : «وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ »(١) قال : هم كفرة وليسوا كمن كفر بالله واليوم الآخر ، ومنه الحديث الآخر : أن الأوس والخزرج ذكروا ما كان منهم في الجاهلية فثار بعضهم إلى بعض بالسيوف ، فأنزل الله تعالى : «وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ »(٢) ولم يكن ذلك على الكفر بالله ولكن على تغطيتهم ما كانوا عليه من الألفة والمودة ، ومنه حديث ابن مسعود : إذا قال الرجل للرجل أنت لي عدو فقد كفر أحدهما بالإسلام أراد كفر نعمته لأن الله ألف بين قلوبهم فأصبحوا بنعمته إخوانا ، فمن لم يعرفها فقد كفرها ومنه الحديث : من ترك قتل الحيات خشية النار فقد كفر ، أي كفر النعمة ، ومنه الحديث : فرأيت أكثر أهلها النساء لكفرهن ، قيل : أيكفرن بالله؟ قال : لا ولكن يكفرن الإحسان ، ويكفرن العشير ،

__________________

(١) سورة المائدة : ٤٤.

(٢) سورة آل عمران : ١٠١.


عدوي كفر أحدهما فإذا اتهمه انماث الإيمان في قلبه كما ينماث الملح في الماء وقال بلغني أنه قال إن المؤمن ليزهر نوره لأهل السماء كما تزهر نجوم السماء لأهل الأرض وقال إن المؤمن ولي الله يعينه ويصنع له ولا يقول عليه إلا الحق ولا يخاف غيره.

٦ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن ابن فضال ، عن علي بن

أي يجحدن إحسان أزواجهن ، والحديث الآخر : سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ، ومن رغب عن أبيه فقد كفر ، ومن ترك الرمي فنعمة كفرها ، وأحاديث من هذا النوع كثيرة ، وأصل الكفر تغطية الشيء تستهلكه.

وقال : مثت الشيء أميثه وأموثه فانماث إذا دفته في الماء ، ومنه حديث عليعليه‌السلام : اللهم مث قلوبهم كما يماث الملح في الماء.

« وقال » أي اليماني أو علي بن إبراهيم وغيره من أصحاب الكتب ، وفي القاموس :زهر السراج والقمر والوجه كمنع زهورا تلألأ والنار أضاءت« ولي الله » أي محبة أو محبوبة أو ناصر دينه ، قال في المصباح : الولي فعيل بمعنى فاعل من وليه إذ أقام به ، ومنه «اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا »(١) ويكون الولي بمعنى مفعول في حق المطيع ، فيقال : المؤمن ولي الله ، انتهى.

قوله : يعينه ، أي الله يعين المؤمن« ويصنع له » أي يكفي مهماته« ولا يقول » أي المؤمن« عليه » أي على الله« إلا الحق » أي إلا ما علم أنه حق« ولا يخاف غيره » وفيه تفكيك بعض الضمائر ، أو المعنى يعين المؤمن دين الله وأولياءه ، ويصنع له أي من أعماله خالصة لله ، قال في القاموس : صنع إليه معروفا كمنع صنعا بالضم ، وما أحسن صنع الله بالضم وصنيع الله عندك.

الحديث السادس : موثق بسنديه.

__________________

(١) سورة البقرة : ٢٥٧.


عقبة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال للمسلم على أخيه المسلم من الحق أن يسلم عليه إذا لقيه ويعوده إذا مرض وينصح له إذا غاب ويسمته إذا عطس ويجيبه إذا دعاه ويتبعه إذا مات.

عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن ابن فضال ، عن علي بن عقبة مثله.

٧ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن منصور بن يونس ، عن

« أن يسلم عليه » أي ابتداء« وينصح له إذا غاب » أي يكون خالصا له طالبا لخيره دافعا عنه الغيبة وسائر الشرور ، وفي المصباح التسميت ذكر الله على الشيءوتسميت العاطس الدعاء له ، والشين المعجمة مثله ، وقال في التهذيب : سمته بالسين والشين إذا دعا له ، وقال أبو عبيد : الشين المعجمة أعلى وأفشى ، وقال ثعلب : المهملة هي الأصل أخذا من السمت وهو القصد والهدى والاستقامة ، وكل داع بخير فهو مسمت أي داع بالعود والبقاء إلى سمته ، وقال في النهاية : التسميت الدعاء ومنه الحديث في تسميت العاطس لمن رواه بالسين المهملة ، وقيل : اشتقاقه من السمت وهو الهيئة الحسنة أي جعلك الله على سمت حسن ، لأن هيئته تنزعج للعطاس ، وقال أيضا : التشميت بالشين والسين الدعاء بالخير والبركة والمعجمة أعلاهما ، يقال : شمت فلانا وشمت عليه تشميتا فهو شمت واشتقاقه من الشوامت وهي القوائم كأنه دعا للعاطس بالثبات على طاعة الله تعالى ، وقيل : معناه أبعدك الله عن الشماتة وجنبك ما يشمت به عليك ، انتهى.

« ويجيبه إذا دعاه » أي يقبل دعوته إذا دعاه للضيافة أو الأعم كما قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لو دعيت إلى كراع(١) لأجبت ، أو يلبيه إذا ناداه« ويتبعه » أي جنازته « إذا مات ».

الحديث السابع : مجهول.

__________________

(١) الكراع من البقر والغنم : مستدق الساق. وبالفارسية « پاچه ».


أبي المأمون الحارثي قال قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام ما حق المؤمن على المؤمن قال إن من حق المؤمن على المؤمن المودة له في صدره والمواساة له في ماله والخلف له في أهله والنصرة له على من ظلمه وإن كان نافلة في المسلمين وكان غائبا أخذ له بنصيبه وإذا مات الزيارة إلى قبره وأن لا يظلمه وأن لا يغشه وأن لا يخونه وأن لا يخذله وأن لا يكذبه وأن لا يقول له أف وإذا قال له أف فليس بينهما ولاية وإذا قال له أنت عدوي فقد كفر أحدهما وإذا اتهمه انماث الإيمان في قلبه كما ينماث الملح في الماء.

٨ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن ابن أبي عمير ، عن أبي علي صاحب الكلل ، عن أبان بن تغلب قال كنت أطوف مع أبي عبد اللهعليه‌السلام فعرض لي رجل من أصحابنا كان سألني الذهاب معه في حاجة فأشار إلي فكرهت أن أدع

« والخلف له » بالتحريك بمعنى الخلافة وهذا الوزن في مصادر الثلاثي المجرد المتعدي قياسي إذا كان ماضيه مفتوح العين ، أي يكون خليفته وقائما مقامه في أهل بيته ورعايتهم وتفقدهم والإنفاق عليهم وقضاء حوائجهم إذا غاب أو مات« وإذا كان (١) نافلة » أي عطية من بيت المال والزكوات وغيرهما ، قال الجوهري : النفل والنافلة عطية التطوع من حيث لا يجب ، والباء فيقوله : بنصيبه زائدة للتقوية ، والزيادة معطوف على المودة ، والجملة الشرطية متوسطة بين حرف العطف والمعطوف كما قيل« وأن لا يغشه » في مودته أو في المعاملة معه ، قال في القاموس : غشه لم يمحضه النصح أو أظهر له خلاف ما أضمر ، والغش بالكسر الاسم منه« وأن لا يخونه » في ماله وعرضه« وأن لا يخذله » بترك نصرته« وأن لا يكذبه » بالتشديد ، والتخفيف بعيد.

الحديث الثامن : مجهول.

وصاحب الكلل أي كان يبيعها ، والكلل جمع كلة بالكسر فيهما ، وفي

__________________

(١) وفي المتن « وإن كان ».


أبا عبد اللهعليه‌السلام وأذهب إليه فبينا أنا أطوف إذ أشار إلي أيضا فرآه أبو عبد اللهعليه‌السلام فقال يا أبان إياك يريد هذا قلت نعم قال فمن هو قلت رجل من أصحابنا قال هو على مثل ما أنت عليه قلت نعم قال فاذهب إليه قلت فأقطع الطواف قال نعم قلت وإن كان طواف الفريضة قال نعم قال فذهبت معه ثم دخلت عليه بعد فسألته فقلت أخبرني عن حق المؤمن على المؤمن فقال يا أبان دعه لا ترده قلت بلى جعلت فداك فلم أزل أردد عليه فقال يا أبان تقاسمه شطر مالك ثم نظر إلي فرأى ما دخلني فقال يا أبان أما تعلم أن الله عز وجل قد

القاموس الكلة بالكسر الستر الرقيق ، وغشاء رقيق يتوقى به من البعوض ، وصوفة حمراء في رأس الهودج« على مثل ما أنت عليه » أي من التشيع ، ويدل على جواز قطع طواف الفريضة لقضاء حاجة المؤمن كما ذكره الأصحاب ، وسيأتي مع أحكامه في كتاب الحج إنشاء الله تعالى.

وقد مضى أن ممانعته ومدافعتهعليه‌السلام عن بيان الحقوق للتأكيد وتفخيم الأمر عليه حثا على أدائها وعدم مساهلته فيها ، وكان الراوي كان علم ذلك فكان لا يمتنع من نهيهعليه‌السلام عن السؤال مع جلالته وإذعانه بوجوب إطاعته ، والشطر : النصف« فرأى » أي في بشرتي أثر« ما دخلني » من الخوف من عدم العمل به أو من التعجب ، فأزالعليه‌السلام تعجبه بأن قوما من الأنصار في زمن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله كانوا يؤثرون على أنفسهم إخوانهم فيما يحتاجون إليه غاية الاحتياج ، فمدحهم الله تعالى في القرآن بقوله : «وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ »(١) قيل : يقدمون المهاجرين على أنفسهم حتى أن من كان عنده امرأتان نزل عن واحدة وزوجها من أحدهم ، والخصاصة الحاجة فكيف تستبعد المشاطرة.

وفسرعليه‌السلام الإيثار بأن يعطيه من النصف الآخر فإنه زائد عن الحق اللازم

__________________

(١) سورة الحشر : ٩.


ذكر المؤثرين على أنفسهم قلت بلى جعلت فداك فقال أما إذا أنت قاسمته فلم تؤثره بعد إنما أنت وهو سواء إنما تؤثره إذا أنت أعطيته من النصف الآخر.

للمؤمن فهو حقه ويؤثر أخاه به وكأنهعليه‌السلام ذكر أقل مراتب الإيثار أو هو مقيد بما إذا كان محتاجا إلى جميع ذلك النصف ، أو فسرعليه‌السلام الإيثار مطلقا وإن كان مورد الآية أخص من ذلك للتقييد بالخصاصة.

واعلم أن الآيات والأخبار في قدر البذل وما يحسن منه متعارضة ، فبعضها تدل على فضل الإيثار كهذه الآية ، وبعضها على فضل الاقتصاد كقوله سبحانه : «وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً »(١) وكقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى ، وقد يقال : أنها تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال ، فمن قوي توكله على الله وكان قادرا على الصبر على الفقر والشدة فالإيثار أولى بالنسبة إليه ، ومن لم يكن كذلك كأكثر الخلق فالاقتصاد بالنسبة إليه أفضل ، وورد في بعض الأخبار أن الإيثار كان في صدر الإسلام وكثرة الفقراء وضيق الأمر على المسلمين ، ثم نسخ ذلك بالآيات الدالة على الاقتصاد ، وهذا لا ينافي هذا الخبر لأنه يكفي لرفع استبعاده كون الإيثار مطلوبا في وقت ما لكن المشاطرة أيضا ينافي الاقتصاد غالبا إلا ، إذا حمل على ما إذا لم يضر بحاله.

وفيه إشكال آخر وهو أنه إذا شاطر مؤمنا واحدا واكتفى بذلك فقد ضيع حقوق سائر الإخوان وإن شاطر البقية مؤمنا آخر وهكذا فلا يبقى له شيء ، إلا أن يحمل على المشاطرة مع جميع الإخوان ، كما روي أن الحسن صلوات الله عليه قاسم ماله مع الفقراء مرارا ، أو يخص ذلك بمؤمن واحد أخذه أخا في الله ، كما واخى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بين سلمان وأبي ذر رضي الله عنهما ، وبين مقداد وعمار ، وبين جماعة من الصحابة متشابهين في المراتب والصفات ، بل يمكن حمل كثير من أخبار هذا الباب على هذا القسم من الأخوة وإن كان بعضها بعيدا عن ذلك.

__________________

(١) سورة الإسراء : ٢٩.


٩ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن أبيه ، عن فضالة بن أيوب ، عن عمر بن أبان ، عن عيسى بن أبي منصور قال كنت عند أبي عبد اللهعليه‌السلام أنا وابن أبي يعفور وعبد الله بن طلحة فقال ابتداء منه يا ابن أبي يعفور قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ست خصال من كن فيه كان بين يدي الله عز وجل وعن يمين الله فقال ابن أبي يعفور وما هن جعلت فداك قال يحب المرء المسلم لأخيه ما يحب لأعز أهله ويكره المرء المسلم لأخيه ما يكره لأعز أهله ويناصحه الولاية فبكى ابن أبي يعفور وقال كيف يناصحه الولاية قال يا ابن أبي يعفور إذا كان

الحديث التاسع : صحيح.

« بين يدي الله » أي قدام عرشه وعن يمين عرشه ، أو كناية عن نهاية القرب والمنزلة عنده تعالى كما أن بعض المقربين عند الملك يكونون بين يدي الملك يخدمونه ، وبعضهم عن يمينه ، ويحتمل أن يكون الوصفان لجماعة واحدة عبر عنهم في بعض الأحيان بالوصفين ، وفي بعضها بأحدهما ، وهم أصحاب اليمين ، ويحتمل أن يكون الطائفتين كل منهما اتصفوا بالخصال الست في الجملة ، لكن بعضهم اتصفوا بأعلى مراتبها فهم أصحاب اليمين ، وبعضهم نقصوا عن تلك المرتبة فهم بين يديه كما أن من يخدم بين يدي الملك أنقص مرتبة وأدنى منزلة ممن جلس عن يمينه ، فالواو في قوله : وعن يمين الله ، للتقسيم ، والأول أظهر لا سيما في الحديث النبوي.

« ومناصحة الولاية » خلوص المحبة عن الغش والعمل بمقتضاها ، وقوله : بتلك المنزلة إشارة إلى المرتبة المركبة من الخصلتين الأوليين ، أي إذا كانت منزلة أخيه عنده بحيث يحب له ما يحب لأعز أهله عليه ويكره له ما يكره لأعز أهله عليه بثه همه ، أو إشارة إلى مناصحة الولاية أي إذا كان منه بحيث يناصحه الولاية بثه همه أي الأخ للمرء ، ويحتمل العكس وقيل : إشارة إلى صلاحيته للأخوة والولاية.


منه بتلك المنزلة بثه همه ففرح لفرحه إن هو فرح وحزن لحزنه إن هو حزن وإن كان عنده ما يفرج عنه فرج عنه وإلا دعا الله له قال ثم قال أبو عبد اللهعليه‌السلام ثلاث لكم وثلاث لنا أن تعرفوا فضلنا وأن تطئوا عقبنا وأن تنتظروا عاقبتنا فمن كان هكذا كان بين يدي الله عز وجل فيستضيء بنورهم من هو أسفل منهم وأما الذين عن يمين الله فلو أنهم يراهم من دونهم لم يهنئهم العيش مما

وقوله عليه‌السلام إن هو فرح ، كأنه تأكيد أي إن كان فرحه فرحا واقعيا ، وكذاقوله إن هو حزن ، وقيل : إن فيهما بمعنى إذ لمحض الظرفية كما هو مذهب الكوفيين في مثل قوله تعالى : «لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ »(١) أي ينبغي أن يكون فرحه في وقت فرح أخيه لا قبله ولا بعده ، وكذا الحزن.

وقال الجوهري :بث الخير وأبثه بمعنى أي نشره ، يقال : أبثثتك سري أي أظهرته لك ، وقال :الهم الحزن ، وأهمني الأمر إذا أقلقك وحزنك ، قوله :« ثلاث لكم » أي هذه ثلاث والظرف صفة للثلاثوثلاث بعده مبتدأ والظرف خبره والثلاث الأول الحب والكراهة والمناصحة ، وقيل : الفرح والحزن والتفريج ، ولا يخفى بعده.

ثم بينعليه‌السلام الثلاث الذي لهمعليهم‌السلام بقوله : أن تعرفوا فضلنا ، أي على سائر الخلق بالإمامة والعصمة ووجوب الطاعة ، ونعمتنا عليكم بالهداية والتعليم والنجاة من النار واللحوق بالأبرار« وأن تطؤوا عقبنا » أي تتابعونا في جميع الأقوال والأفعال ولا تخالفونا في شيء« وأن تنتظروا عاقبتنا » أي ظهور قائمنا وعود الدولة إلينا في الدنيا أو الأعم منها ومن الآخرة كما قال تعالى : «وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ »(٢) .

« فمن كان هكذا » أي كانت فيه الخصال الست جميعا« فيستضيء بنورهم من هو أسفل منهم » في الرتبة بالنور الظاهر لظلمة يوم القيامة ، أو هو كناية عن انتفاعهم

__________________

(١) سورة الفتح : ٢٧.

(٢) سورة القصص : ٨٣.


يرون من فضلهم فقال ابن أبي يعفور وما لهم لا يرون وهم عن يمين الله فقال يا ابن أبي يعفور إنهم محجوبون بنور الله أما بلغك الحديث أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يقول إن لله خلقا عن يمين العرش بين يدي الله وعن يمين الله وجوههم أبيض من الثلج وأضوأ من الشمس الضاحية يسأل السائل ما هؤلاء فيقال هؤلاء الذين تحابوا في جلال الله.

بشفاعتهم وكرامتهم عند الله وظاهر هذه الفقرات مغايرة الفريقين ، وإن أمكن أن يكونا صنفا واحدا عبر عنهم تارة بأحد الوصفين وتارة بالآخر وتارة بهما ، كما مر.

قوله : بين يدي الله ، يمكن أن يكون حالا عن العرش ويكون عن يمين الله عطفا على قوله عن يمين العرش ، والمراد بهم الطائفة الذين هم عن يمين الله بناء على اختلاف الطائفتين ، واشتقاق أفعل التفضيل من الألوان في الأبيض نادر.

« من الشمس الضاحية » أي المرتفعة في وقت الضحى فإنها في ذلك الوقت أضوء منها في سائر الأوقات أو البارزة التي لم يسترها غيم ولا غبار ، في النهاية : ولنا الضاحية من البعل ، أي الظاهرة البارزة التي لا حائل دونها ، انتهى.

« الذين تحابوا » بتشديد الباء من الحب أي أحب بعضهم بعضا لجلال الله وعظمته ، لا للأغراض الدنيوية فكلمة في تعليلية أو للظرفية المجازية ، وفي بعض النسخ بالحاء المهملة ، أي تحابوا ببذل المال الحلال الذي أعطاهم الله ، وفي روايات العامة بالجيم قال الطيبي : تحابا في الله هو عبارة عن خلوص المحبة في الله ، أي لله في الحضور والغيبة ، وفي الحديث : المتحابون بجلالي الباء للظرفية أي لأجلي ولوجهي لا للهوى ، وقال النووي : أين المتحابون بجلالي أي بعظمتي وطاعتي لا للدنيا ، وقرأ بعض الأفاضل بتخفيف الباء من الحبوة والتحابي أخذ العطاء أي أخذوا ثوابهم في مكان ستروا فيه بأنوار جلاله ، وفيه ما فيه.


١٠ ـ عنه ، عن عثمان بن عيسى ، عن محمد بن عجلان قال كنت عند أبي عبد اللهعليه‌السلام فدخل رجل فسلم فسأله كيف من خلفت من إخوانك قال فأحسن الثناء وزكى وأطرى فقال له كيف عيادة أغنيائهم على فقرائهم فقال قليلة قال وكيف مشاهدة أغنيائهم لفقرائهم قال قليلة قال فكيف صلة أغنيائهم لفقرائهم في ذات أيديهم فقال إنك لتذكر أخلاقا قل ما هي فيمن عندنا قال فقال فكيف تزعم هؤلاء أنهم شيعة.

١١ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن سالم ، عن أحمد بن النضر ، عن أبي إسماعيل قال قلت لأبي جعفرعليه‌السلام جعلت فداك إن الشيعة عندنا كثير فقال فهل

الحديث العاشر : مجهول.

وفي المصباحزكا الرجل يزكو إذا صلح ، وزكيته بالتثقيل نسبة إلى الزكاء وهو الصلاح ، والرجل زكي والجمع أزكياء ، وأطريت فلانا مدحته بأحسن مما فيه ، وقيل : بالغت في مدحه وجاوزت الحد« كيف عيادة أغنيائهم » المراد إما عيادة المرضى والتعديةبعلى لتضمين معنى العطوفة ، أو من العائدة والمعروف لكن هذا المصدر فيه غير مأنوس ، وفي كثير من الأخبار : وأن يعود غنيهم على فقيرهم أو مطلق الزيارة ، قال في النهاية فيه : فإنها امرأة تكثر عوادها أي زوارها ، وكل من أتاك مرة بعد أخرى فهو عائد وإن اشتهر ذلك في عيادة المريض ، حتى صار كأنه مختص به ، انتهى.

والمرادبالمشاهدة إما الزيارة في غير المرض أو شهودهم لديهم ومجالستهم معهم« في ذات أيديهم » أي في أموالهم وكلمة في للسببية« وتزعم » بصيغة المضارع الغائب فهؤلاء في محل الرفع ، أو بصيغة المخاطب فهؤلاء في محل النصب ، وفي بعض النسخ بالياء فتعين الأول.

الحديث الحادي عشر : مجهول.


يعطف الغني على الفقير وهل يتجاوز المحسن عن المسيء ويتواسون فقلت لا فقال ليس هؤلاء شيعة ـ الشيعة من يفعل هذا.

١٢ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن سنان ، عن العلاء بن فضيل ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال كان أبو جعفر صلوات الله عليه يقول عظموا أصحابكم ووقروهم ولا يتجهم بعضكم بعضا ولا تضاروا ولا تحاسدوا وإياكم والبخل كونوا عباد الله المخلصين.

١٣ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن ابن فضال ، عن عمر بن أبان ، عن سعيد بن الحسن قال قال أبو جعفرعليه‌السلام أيجيء أحدكم إلى أخيه فيدخل يده في كيسه فيأخذ حاجته فلا يدفعه فقلت ما أعرف ذلك فينا فقال أبو جعفرعليه‌السلام فلا شيء إذا قلت فالهلاك إذا فقال إن القوم لم يعطوا أحلامهم بعد.

الحديث الثاني عشر : ضعيف على المشهور معتبر عندي.

وفي القاموس :جهمة كمنعه وسمعه استقبله بوجه كريه كتجهمه وله.

الحديث الثالث عشر : مجهول.

قوله عليه‌السلام : فلا شيء إذا ، أي فلا شيء من الإيمان في أيديهم إذا ، أو ليس شيء من آداب الإيمان بينهم إذا ، وكان السائل حمله على المعنى الأول ولذا قال :فالهلاك إذا ، أي فالعذاب الأخروي ثابت لهم إذا فاعتذرعليه‌السلام من قبل الشيعة أي أكثرهم بأنهم« لم يعطوا أحلامهم بعد » أي لم يكمل عقولهم بعد ، ويختلف التكليف باختلاف مراتب العقول كما مر : إنما يداق الله العباد على قدر ما آتاهم من العقول.

أو لم يتعلموا الآداب من الأئمةعليهم‌السلام بعد فهم معذورون كما يشير إليه الأخبار السابقة واللاحقة حيث لم يذكروا الحقوق أولا معتذرين بأنه يشكل عليكم العمل بها ، فيومئ إلى أنهم معذورون في الجملة مع عدم العلم ، وقيل : هو تأديب للسائل حيث لم يفرق بين ما هو من الآداب ومكملات الإيمان ، وبانتفائه


١٤ ـ علي بن إبراهيم ، عن الحسين بن الحسن ، عن محمد بن أورمة رفعه ، عن معلى بن خنيس قال سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن حق المؤمن فقال سبعون حقا لا أخبرك إلا بسبعة فإني عليك مشفق أخشى ألا تحتمل فقلت بلى إن

ينتفي كمال الإيمان ، وبين ما هو من أركان الإيمان أو فرائضه ، وبانتفائه ينتفي الإيمان ، أو يحصل استحقاق العذاب وهو بعيد ، وفي القاموس الحلم بالكسر الأناة والعقل ، والجمع أحلام وحلوم ومنه «أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ »(١) .

الحديث الرابع عشر : ضعيف.

« أخشى أن لا تحتمل » أي لا تعمل بها ، أو لا تقبلها حق القبول كما مر ، على أن هذه من الآداب التي يعذر السامع بالجهل بها ، والقائل في ترك القول إذا علم عدم عمل السامع أو صيرورته سببا لنوع شك أو فتور في الإذعان ، وهذا لترك ذكر بعضها ، وإن أمكن أن يكونعليه‌السلام ذكرها له في وقت آخر ، أو تكون البقية داخلة في السبعة إجمالا ، ويكون المراد ترك ذكرها مفصلة كما يستنبط من بعض الأخبار المجملة كثير مما يذكر في الأخبار المفصلة ، وأما بالنسبة إلى ما ذكر فيمكن أن تكون المضايقة للتوكيد والمبالغة في العمل كما عرفت ، ويمكن استنباط السبعين من مجموع الأخبار الواردة في ذلك كما أوردتها في الكتاب الكبير.

من ذلك ما رواه الكراجكي (ره) في كنز الفوائد عن الحسين بن محمد الصيرفي عن محمد بن عمر الجعابي عن القاسم بن محمد بن جعفر العلوي عن أبيه عن آبائه عن عليعليه‌السلام قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : للمسلم على أخيه ثلاثون حقا لا براءة له منها إلا بالأداء أو العفو ، يغفر زلته ، ويرحم عبرته ، ويقبل معذرته ، ويرد غيبته ، ويديم نصيحته ، ويحفظ خلته ، ويرعى ذمته ، ويعود مرضته ، ويشهد ميتته ، ويجيب دعوته ، ويقبل هديته ، ويكافئ صلته ، ويشكر نعمته ، ويحسن نصرته ، و

__________________

(١) سورة الطور : ٣٢.


شاء الله فقال لا تشبع ويجوع ولا تكتسي ويعرى وتكون دليله وقميصه الذي يلبسه ولسانه الذي يتكلم به وتحب له ما تحب لنفسك وإن كانت لك جارية بعثتها لتمهد فراشه وتسعى في حوائجه بالليل والنهار فإذا فعلت ذلك وصلت ولايتك بولايتنا وولايتنا بولاية الله عز وجل.

يحفظ حليلته ، ويقضي حاجته ، ويشفع مسألته ، ويسمت عطسته ، ويرشد ضالته ويرد سلامه ، ويطيب كلامه ، ويبر إنعامه ، ويصدق أقسامه ، ويوالي وليه. ولا يعاديه ، وينصره ظالما ومظلوما ، فأما نصرته ظالما فيرده عن ظلمه ، وأما نصرته مظلوما فيعينه على أخذ حقه ، ولا يسلمه ولا يخذله ، ويحب له من الخير ما يحب لنفسه ، ويكره له من الشر لنفسه.

ثم قالعليه‌السلام : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : إن أحدكم ليدع من حقوق أخيه شيئا فيطالبه به يوم القيامة فيقضى له وعليه.

قوله عليه‌السلام : وقميصه الذي يلبسه ، أي تكون محرم إسراره ومختصا به غاية الاختصاص ، وهذه استعارة شايعة بين العرب والعجم ، أو المعنى تكون ساتر عيوبه ، وقيل : تدفع الأذى عنه كما يدفع القميص عنه الحر والبرد وهو بعيد.

« ولسانه » أي تتكلم من قبله إذا عجز أو غاب إذا رضي بذلك ، وقوله تسعى على صيغة الغيبة والضمير للجارية فلا نزيد على السبع« وصلت ولايتك » أي لنا« بولايتنا » ومحبتنا لك« وولايتنا » لك« بولاية الله » لك أو ولايتك له بولايتنا لك أو بولايتك لنا أي ولايتك له من شروط ولايتنا وولايتنا بولاية الله ، فإن ولاية الله لا يتم إلا بولايتنا.

والحاصل أنك إن فعلت ذلك فقد جمعت بين محبته ومحبتنا ومحبة الله عز وجل ، ويحتمل أن يكون المراد بالولاية في جميع المراتب النصرة ، وفيها احتمالات أخر تظهر بالتأمل فيما ذكرنا.


١٥ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن الحكم ، عن أبي المغراء ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يخونه ويحق على المسلمين الاجتهاد في التواصل والتعاون على التعاطف والمواساة لأهل الحاجة وتعاطف بعضهم على بعض حتى تكونوا كما أمركم الله عز وجل ـ رحماء بينكم متراحمين مغتمين لما غاب عنكم من أمرهم على ما مضى عليه معشر الأنصار على عهد

الحديث الخامس عشر : صحيح.

والتعاون على التعاطف ، أي معاونة بعضهم بعضا على التعاطف وعطف بعضهم على بعض ، وفي بعض النسخ التعاقد مكان التعاون أي التعاهد على ذلك« كما أمركم الله » أي في قوله سبحانه : «مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ »(١) إشارة إلى أن الآية أمر في المعنى بتلك الخصال ، لكونها في مقام المدح المستلزم للأمر بها وإلى أن الأمر المستفاد منها غير مختص بالصحابة ، وقيل : إشارة إلى قوله تعالى : «وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ »(٢) والأول أظهر.

وقوله : رحماء ، خبر تكونوا ، ومتراحمين تفسير له ، أو خبر ثانكقوله مغتمين لما غاب عنكم من أمرهم ، أي لما عجزتم عن تداركه من أمر المسلمين ، أو لما بعد عنكم ولم تصل إليه إعانتكم وإذا لم تطلعوا على أحوالهم تكونوا مغتمين لعدم الاطلاع ،وقوله : على ما مضى ، متعلق بجميع ما تقدم ، لا بقوله مغتمين فقط كما قيل ، وهذا يومئ إلى أن الآية في شأن الأنصار ومدحهم ، ولم يذكره المفسرون ، ويحتمل أن تكون هذه الصفات في الأنصار أكثر وإن كان في قليل من المهاجرين كأمير ـ المؤمنين وسلمان وأضرابه ، ثم قال الطبرسي (ره) : وقال الحسن بلغ من شدتهم على الكفار أنهم كانوا يتحرزون من ثياب المشركين حتى لا تلتزق بثيابهم ، وعن أبدانهم حتى لا تمس أبدانهم ، وبلغ تراحمهم فيما بينهم أن كان لا يرى مؤمن مؤمنا

__________________

(١) سورة الفتح : ٢٩.

(٢) سورة البلد : ١٧.


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

١٦ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حق على المسلم إذا أراد سفرا أن يعلم إخوانه وحق على إخوانه إذا قدم أن يأتوه.

(باب)

(التراحم والتعاطف)

١ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن الحسن بن محبوب ، عن شعيب العقرقوفي قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول لأصحابه اتقوا الله وكونوا إخوة بررة متحابين في الله متواصلين متراحمين تزاوروا وتلاقوا وتذاكروا أمرنا وأحيوه.

إلا صافحه وعانقه ، انتهى.

وتكرار التعاطف للتأكيد أو الأول للتعاون أو التعاقد عليه وهذا لأصله.

الحديث السادس عشر : ضعيف على المشهور.

وفيه إيماء إلى أنه إذا لم يعلمهم عند الذهاب لا يلزم عليهم إتيانه بعد الإياب وإن كان ضعيفا.

باب التراحم والتعاطف

الحديث الأول : صحيح.

والمرادبأمرهم إمامتهم ودلائلها وفضائلهم وصفاتهم أو الأعم منها ومن رواية أخبارهم ونشر آثارهم ومذاكرة علومهم ، وإحياؤها تعاهدها ونسخها وروايتها وحفظها عن الاندراس ، وهذا أظهر.


٢ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن سنان ، عن كليب الصيداوي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال تواصلوا وتباروا وتراحموا وكونوا إخوة بررة كما أمركم الله عز وجل.

٣ ـ عنه ، عن محمد بن سنان ، عن عبد الله بن يحيى الكاهلي قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول تواصلوا وتباروا وتراحموا وتعاطفوا.

٤ ـ عنه ، عن علي بن الحكم ، عن أبي المغراء ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال يحق على المسلمين الاجتهاد في التواصل والتعاون على التعاطف والمواساة لأهل الحاجة وتعاطف بعضهم على بعض حتى تكونوا كما أمركم الله عز وجل «رُحَماءُ بَيْنَهُمْ » متراحمين مغتمين لما غاب عنكم من أمرهم على ما مضى عليه معشر الأنصار على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

الحديث الثاني : ضعيف على المشهور ، وقد ظهر مضمونه مما مر.

الحديث الثالث : كالسابق.

يقال : عطف يعطف أي مال وعليه أشفق كتعطف ، وتعاطفوا عطف بعضهم على بعض.

الحديث الرابع : صحيح.

وقد مر بعينه سندا ومتنا في آخر الباب السابق إلا أن هاهنا« بينهم » موافقا للفظ الآية.


(باب)

(زيارة الإخوان)

١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن [ علي ] بن فضال ، عن علي بن عقبة ، عن أبي حمزة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال من زار أخاه لله لا لغيره التماس موعد الله وتنجز ما عند الله وكل الله به سبعين ألف ملك ينادونه ألا طبت و

باب زيارة الإخوان

الحديث الأول : موثق كالصحيح.

« لا لغيره » كحسن صورة أو صوت أو مال أو رياء أو جاه وغير ذلك من الأغراض الدنيوية ، وأما إذا كان لجهة دينية كحق تعليم أو هداية أو علم أو صلاح أو زهد. أو عبادة فلا ينافي ذلك ، وقوله التماس ، مفعول لأجله ، والموعد مصدر أي طلب ما وعده الله ، والتنجز طلب الوفاء بالوعد ، ويدل على أن طلب الثواب الأخروي لا ينافي الإخلاص كما مر في بابه فإنه أيضا بأمر الله والمطلوب منه هو الله لا غيره ، والغاية قسمان قسم هو علة ومقدم في الخارج نحو قعدت عن الحرب جبنا ، وقسم آخر هو متأخر في الخارج ومترتب على الفعل نحو ضربته تأديبا.

فقوله عليه‌السلام : لله من قبيل الأول أي لا طاعة أمر الله ، وقوله : التماس موعد الله من قبيل الثاني ، فلا تنافي بينهما.

قوله : طبت وطابت لك الجنة ، أي طهرت من الذنوب والأدناس الروحانية ، وحلت لك الجنة ونعيمها ، أو دعاء له بالطهارة من الذنوب وتيسر الجنة له سالما من الآفات والعقوبات المتقدمة عليها ، قال في النهاية : قد يرد الطيب بمعنى الطاهر ، ومنه حديث عليعليه‌السلام ـ لما مات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ : بأبي أنت وأمي طبت حيا وميتا أي طهرت ، انتهى.

وقال الطيبي في شرح المشكاة في قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : طبت وطاب ممشاك : أصل


طابت لك الجنة.

٢ ـ عنه ، عن علي بن النعمان ، عن ابن مسكان ، عن خيثمة قال دخلت على أبي جعفرعليه‌السلام أودعه فقال يا خيثمة أبلغ من ترى من موالينا السلام وأوصهم بتقوى الله العظيم وأن يعود غنيهم على فقيرهم وقويهم على ضعيفهم وأن يشهد حيهم جنازة ميتهم وأن يتلاقوا في بيوتهم فإن لقيا بعضهم بعضا حياة لأمرنا رحم الله عبدا أحيا أمرنا يا خيثمة أبلغ موالينا أنا لا نغني عنهم من الله شيئا إلا

الطيب ما تستلذه الحواس والنفس ، والطيب من الإنسان من تزكى عن نجاسة الجهل والفسق ، وتحلى بالعلم ومحاسن الأفعال ، وطبت لها دعاء له بأن يطيب عيشه في الدنيا ، وطاب ممشاك كناية عن سلوك طريق الآخرة بالتعري عن الرذائل أو خبر بذلك.

الحديث الثاني : مجهول.

ويمكن عده حسنا لأن خيثمة في هذه المرتبة مردد بين ممدوح ، ومن قيل فيه أسند عنه ، وكأنه أيضا مدح« أن يعود غنيهم على فقيرهم » أي ينفعهم قال في القاموس : العائدة المعروف والصلة والمنفعة وهذا أعود أنفع ، وفي المصباح : عاد بمعروفه أفضل والاسم العائدة ، وفي القاموس :لقيه كرضيه لقاء ولقاءة ولقائه ولقيا ولقيا رآه«حياة لأمرنا» أي سبب لإحياء ديننا وعلومنا ورواياتنا والقول بإمامتنا«لا نغني عنهم من الله شيئا» أي لا ننفعهم شيئا من الإغناء والنفع ، أو لا ندفع عنهم من عذاب الله شيئا قال البيضاوي في قوله تعالى : «لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً »(١) أي من رحمته أو طاعته على معنى البدلية أو من عذابه ، وقال في قوله عز وجل : «وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئاً »(٢) لا يدفع ما كسبوا من الأموال والأولاد شيئا من عذاب الله ، وفي قوله سبحانه : «وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ

__________________

(١) سورة آل عمران : ١٠.

(٢) سورة الجاثية : ١٠.


بعمل وأنهم لن ينالوا ولايتنا إلا بالورع وأن أشد الناس حسرة يوم القيامة من وصف عدلا ثم خالفه إلى غيره.

٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حماد بن عيسى ، عن إبراهيم بن عمر اليماني ، عن جابر ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حدثني جبرئيلعليه‌السلام أن الله عز وجل أهبط إلى الأرض ملكا فأقبل ذلك الملك يمشي حتى وقع إلى باب عليه رجل يستأذن على رب الدار فقال له الملك ما حاجتك إلى رب هذه الدار قال أخ لي مسلم زرته في الله تبارك وتعالى قال له الملك ما جاء بك إلا ذاك فقال ما جاء بي إلا ذاك فقال إني رسول الله إليك وهو يقرئك السلام

مِنْ شَيْءٍ »(١) أي مما قضى عليكم ، وفي قوله تعالى : «فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا »(٢) أي دافعون عنا من عذاب الله من شيء ، وفي المغرب الغناء بالفتح والمد الإجزاء والكفاية ، يقال : أغنيت عنه إذا أجزأت عنه ، وكفيت كفايته ، وفي الصحاح : أغنيت عنك مغنى فلان أي أجزأت عنك مجزأه ، ويقال : ما يغني عنك هذا أي ما يجدي عنك وما ينفعك.

قوله عليه‌السلام : وصف عدلا أي أظهر مذهبا حقا ولم يعمل بمقتضاه كمن أظهر موالاة الأئمةعليهم‌السلام ولم يتابعهم ، أو وصف عملا صالحا للناس ولم يعمل به.

الحديث الثالث : حسن كالصحيح.

« حتى دفع (٣) إلى باب » على بناء المفعول أي انتهى وفي بعض النسخ وقع وهو قريب من الأول ، قال في المصباح : دفعت إلى كذا بالبناء للمفعول انتهيت إليه ، وقال : وقع في أرض فلاة صار فيها ، ووقع الصيد في الشرك حصل فيه ، ويدل على جواز رؤية الملك لغير الأنبياء والأوصياءعليهم‌السلام ، وربما ينافي ظاهرا بعض الأخبار السابقة في الفرق بين النبي والمحدث ، والجواب أنه يحتمل أن يكون الزائر نبيا أو محدثا ،

__________________

(١) سورة يوسف : ٦٧.

(٢) سورة إبراهيم : ٢١.

(٣) وفي المتن « وقع » ويأتي في كلام الشارح (ره).


ويقول وجبت لك الجنة وقال الملك إن الله عز وجل يقول أيما مسلم زار مسلما فليس إياه زار إياي زار وثوابه علي الجنة.

٤ ـ علي ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن علي النهدي ، عن الحصين ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال من زار أخاه في الله قال الله عز وجل إياي زرت وثوابك علي ولست أرضى لك ثوابا دون الجنة.

٥ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن الحكم ، عن سيف بن عميرة ، عن يعقوب بن شعيب قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول من زار أخاه في جانب المصر ابتغاء وجه الله فهو زوره وحق على الله أن يكرم زوره.

وغاب عنه عند إلقاء الكلام وإظهار أنه ملك ، ولما كانت زيارته خالصا لوجه الله نسب الله سبحانه زيارته إلى ذاته المقدسة.

الحديث الرابع : مجهول.

« إياي زرت » الحصر على المبالغة أي لما كان غرضك إطاعتي وتحصيل رضاي فكأنك لم تزر غيري« ولست أرضى لك ثوابا » أي المثوبات الدنيوية منقطعة فانية ولا أرضى لك إلا الثواب الدائم الأخروي وهو الجنة.

الحديث الخامس : صحيح.

« في جانب المصر » أي ناحية من البلد داخلا أو خارجا وهو كناية عن بعد المسافة بينهما« ابتغاء وجه الله » أي ذاته وثوابه أو جهة الله كناية عن رضاه وقربه« فهو زوره » أي زائره وقد يكون جمع زائر والمفرد هنا أنسب ، وإن أمكن أن يكون المراد هو من زوره ، قال في النهاية : الزور الزائر وهو في الأصل مصدر وضع موضع الاسم كصوم ونوم بمعنى صائم ونائم ، وقد يكون الزور جمع زائر كركب وراكب.


٦ ـ عنه ، عن علي بن الحكم ، عن سيف بن عميرة ، عن جابر ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من زار أخاه في بيته قال الله عز وجل له أنت ضيفي وزائري علي قراك وقد أوجبت لك الجنة بحبك إياه.

٧ ـ عنه ، عن علي بن الحكم ، عن إسحاق بن عمار ، عن أبي غرة قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول من زار أخاه في الله في مرض أو صحة لا يأتيه خداعا ولا استبدالا وكل الله به سبعين ألف ملك ينادون في قفاه أن طبت وطابت لك الجنة فأنتم زوار الله وأنتم وفد الرحمن حتى يأتي منزله فقال له يسير جعلت فداك وإن كان المكان بعيدا قال نعم يا يسير وإن كان المكان مسيرة سنة فإن الله جواد

الحديث السادس : كالسابق.

وقال الجوهريقرئت الضيف قرى مثال قليته قلى وقراء أحسنت إليه إذا كسرت القاف قصرت وإذا فتحت مددت.

الحديث السابع : مجهول.

« لا يأتيه خداعا » بكسر الخاء بأن لا يحبه ويأتيه ليخدعه ويلبس عليه أنه يحبه« ولا استبدالا » أي لا يطلب بذلك بدلا وعوضا دنيويا ومكافأة بزيارة أو غيرها أو عازما على إدامة محبته ولا يستبدل مكانه في الإخوة غيره ، وهذا مما خطر بالبال وإن اختار الأكثر الأول.

قال في القاموس : بدل الشيء محركة وبالكسر وكأمير الخلف منه وتبدله وبه واستبدله وبه وأبدله منه ، وبدله اتخذه منه بدلا ، انتهى.

وفي قوله عليه‌السلام : في قفاه إشعار بأنهم يعظمونه ويقدمونه ولا يتقدمون عليه ولا يساوونه ، و « إن » فيإن طبت ، مفسرة لتضمن النداء معنى القول ، والوفد بالفتح جمع وافد ، قال في النهاية : الوفد هم الذين يقصدون الأمراء لزيارة أو استرفاد وانتجاع وغير ذلك.

قوله : فأنتم ، أي أنت ومن فعل مثل فعلك« وإن كان المكان » أي ينادون و


والملائكة كثيرة يشيعونه حتى يرجع إلى منزله.

٨ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن علي [ بن ] النهدي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال من زار أخاه في الله ولله جاء يوم القيامة يخطر بين قباطي من نور ولا يمر بشيء إلا أضاء له حتى يقف بين يدي الله عز وجل فيقول الله عز

يشيعون إلى منزله وإن كان المكان بعيدا ، وفي بعض النسخ فإن كان فإن شرطية والجزاء محذوف ، أي يفعلون ذلك أيضا وكان السائل استبعد نداء الملائكة وتشييعهم إياه في المسافة البعيدة إن كان المراد النداء والتشييع معا ، أو من المسافة البعيدة إن كان المراد النداء فقط ، و« يسير » كأنه الدهان الذي قد يعبر عنه ببشير.

الحديث الثامن : مجهول.

و « في الله » إما متعلق بزار وفي للتعليل ،فقوله : ولله عطف تفسير وتأكيد له ، أو المراد به في سبيل الله أي على النحو الذي أمره الله « ولله » أي خالصا له أو متعلق بالأخ أي الأخ الذي أخوته في الله ولله ، على الوجهين ، وقيل : في الله متعلق بالأخ ولله بقوله زار ، والواو للعطف على محذوف بتقدير لحبه إياه ولله كما قيل في قوله تعالى في الأنعام : «وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ »(١) .

وأقول : يمكن تقدير فعل أي وزاره الله ويحتمل أن تكون زائدة كما قيل في قوله تعالى : «حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها »(٢) ولا يبعد زيادتها من النساخ كما روي في قرب الإسناد في رواية أخرى بدون الواو ، وفي القاموس :خطر الرجل بسيفه ورمحه يخطر خطرا رفعه مرة ووضعه أخرى ، وفي مشيته رفع يديه ووضعهما ، وفي النهاية : أنه كان يخطر في مشيته أي يتمايل ويمشي مشية المعجب ، وفي المصباح :القبط بالكسر نصارى مصر ، الواحد قبطي على القياس ، والقبطي بالضم من كتان رقيق يعمل بمصر نسبة إلى القبط على غير قياس فرقا بين الإنسان

__________________

(١) الآية : ٧٥.

(٢) سورة زمر : ٧٣.


وجل له مرحبا وإذا قال مرحبا أجزل الله عز وجل له العطية.

٩ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن خالد والحسين بن سعيد ، عن النضر بن سويد ، عن يحيى بن عمران الحلبي ، عن بشير ، عن أبي حمزة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال إن العبد المسلم إذا خرج من بيته زائرا أخاه لله لا لغيره التماس وجه الله رغبة فيما عنده وكل الله عز وجل به سبعين ألف ملك ينادونه من خلفه إلى أن يرجع إلى منزله ألا طبت وطابت لك الجنة.

١٠ ـ الحسين بن محمد [ ، عن أحمد بن محمد ] ، عن أحمد بن إسحاق ، عن بكر بن محمد ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال ما زار مسلم أخاه المسلم في الله ولله إلا ناداه الله عز وجل أيها الزائر طبت وطابت لك الجنة.

والثوب ، وثياب قبطية بالضم أيضا والجمع قباطي ، انتهى.

وكان المراد يمشي مسرورا معجبا بنفسه بين نور أبيض في غاية البياض كالقباطي ، ويحتمل أن يكون المعنى يخطر بين ثياب من نور قد لبسها تشبه القباطي ، ولذا يضيء له كل شيء ، كذا خطر ببالي كالقباطي ، وقيل : المراد هنا أغشية رقيقة تأخذها الملائكة أطرافه لئلا يقربه أحد بسوء أدب ، وأضاء هنا لازم وفي النهاية فيه : أنه قال لخزيمة :مرحبا أي لقيت رحبا وسعة ، وقيل : معناه رحب الله بك مرحبا فجعل المرحب موضع الترحيب.

الحديث التاسع : كالسابق.

وزائرا حال مقدرة عن المستتر في خرج وكانقوله : لله ، متعلق بالأخ والتماس مفعول له لخرج أو زائرا ولله أيضا متعلق بأحدهما ، والتماس بيان له ، وكذاقوله : رغبة تأكيد وتوضيح لسابقه.

الحديث العاشر : صحيح وقد مر مضمونه.


١١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد وعدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد جميعا ، عن ابن محبوب ، عن أبي أيوب ، عن محمد بن قيس ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال إن لله عز وجل جنة لا يدخلها إلا ثلاثة رجل حكم على نفسه بالحق ورجل زار أخاه المؤمن في الله ورجل آثر أخاه المؤمن في الله.

١٢ ـ محمد بن يحيى ، عن محمد بن الحسين ، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع ، عن صالح بن عقبة ، عن عبد الله بن محمد الجعفي ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال إن المؤمن ليخرج إلى أخيه يزوره فيوكل الله عز وجل به ملكا فيضع جناحا في الأرض وجناحا في السماء يظله فإذا دخل إلى منزله نادى الجبار تبارك وتعالى أيها العبد المعظم لحقي المتبع لآثار نبيي حق علي إعظامك سلني أعطك ادعني أجبك اسكت أبتدئك فإذا انصرف شيعه الملك يظله بجناحه حتى يدخل إلى منزله ثم يناديه تبارك وتعالى أيها العبد المعظم لحقي حق علي إكرامك قد أوجبت لك جنتي وشفعتك في عبادي.

١٣ ـ صالح بن عقبة ، عن عقبة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال لزيارة المؤمن

الحديث الحادي عشر : صحيح على الظاهر.

« حكم على نفسه » أي إذا علم أن الحق مع خصمه أقر له به« آثر » أي اختاره على نفسه فيما احتاج إليه ، وفي الله متعلق بأثر أو بالأخ كما مر.

الحديث الثاني عشر : ضعيف.

قوله عليه‌السلام : فيضع جناحا في الأرض ، ليطأ عليه وليحيطه ويحفظه بجناحيه وقيل : هو كناية عن التعظيم والتواضع له ، وقيل : الأمر فيسلني وادعني واسكت ليس على الحقيقة بل لمحض الشرطية ، وشفعتك على بناء التفعيل أي قبلت شفاعتك.

الحديث الثالث عشر : كالسابق ومعلق عليه.


في الله خير من عتق عشر رقاب مؤمنات ومن أعتق رقبة مؤمنة وقى كل عضو عضوا من النار حتى إن الفرج يقي الفرج.

١٤ ـ صالح بن عقبة ، عن صفوان الجمال ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال أيما ثلاثة مؤمنين اجتمعوا عند أخ لهم يأمنون بوائقه ولا يخافون غوائله ويرجون ما عنده إن دعوا الله أجابهم وإن سألوا أعطاهم وإن استزادوا زادهم وإن سكتوا ابتدأهم.

١٥ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن أبي أيوب قال سمعت أبا حمزة يقول سمعت العبد الصالحعليه‌السلام يقول من زار أخاه المؤمن لله لا لغيره يطلب به ثواب الله وتنجز ما وعده الله عز وجل وكل الله عز وجل به سبعين ألف ملك

« وفي كل عضو » وزيد في بعض النسخ الجلالة في البين وكأنه من تحريف النساخ ، وفي بعضها وفي الله بكل ، وهو أيضا صحيح لكن الأول أنسب بهذا الخبر.

الحديث الرابع عشر : كالسابق.

وفي المصباحالبائقة النازلة وهي الداهية والشر الشديد ، والجمع البوائق ، وقال :الغائلة الفساد والشر والجمع الغوائل ، وقال الكسائي : الغوائل الدواهي ، انتهى.

« ويرجون ما عنده » أي من الفوائد الدينية كرواية الحديث واستفادة العلوم الدينية أو الأعم منها ومن المنافع المحللة الدنيوية ، وإرجاع الضمير إلى الله بعيد.

الحديث الخامس عشر : حسن كالصحيح.

ولو كان العبد الصالح الكاظمعليه‌السلام كما هو الظاهر يدل على أن أبا حمزة الثمالي أدرك أيام إمامتهعليه‌السلام ، واختلف علماء الرجال في ذلك والظاهر أنه أدرك ذلك لا بدؤ إمامتهعليه‌السلام في سنة ثمان وأربعين ومائة ، والمشهور أن وفاة أبي حمزة في


من حين يخرج من منزله حتى يعود إليه ينادونه ألا طبت وطابت لك الجنة تبوأت من الجنة منزلا.

١٦ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال أمير المؤمنينعليه‌السلام لقاء الإخوان مغنم جسيم وإن قلوا.

(باب المصافحة)

١ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن فضال ، عن ثعلبة بن ميمون ، عن يحيى بن زكريا ، عن أبي عبيدة قال كنت زميل أبي جعفرعليه‌السلام وكنت أبدأ بالركوب ثم يركب هو فإذا استوينا سلم وساءل مساءلة رجل لا عهد له بصاحبه

سنة خمسين ومائة لكن قد مر مثله في أول الباب عن أبي حمزة عن أبي عبد الله ، فيمكن أن يكون هو المراد بالعبد الصالح ، أو يكون اشتباها من الرواة ، وفي النهاية :بوأه الله منزلا أي أسكنه إياه وتبوأت منزلا اتخذته ، انتهى.

والتنوين في منزلا كأنه للتعظيم.

الحديث السادس عشر : ضعيف على المشهور.

والمغنم الغنيمة وهي الفائدة ،قوله عليه‌السلام : وإن قلوا أي وإن كان الإخوان الذين يستحقون الأخوة قليلين ، أو وإن لاقي قليل منهم والأول أظهر.

باب المصافحة

الحديث الأول : مجهول.

وقال الفيروزآبادي :الزميل كأمير الرديف كالزمل بالكسر ، وزمله أردفه أو عادلة ، وقال :المصافحة الأخذ باليد كالتصافح ويدل على استحباب إيثار الزميل للركوب أولا والابتداء بالنزول آخرا وكأنه لسهولة الأمر على الزميل في الموضعين ،


وصافح قال وكان إذا نزل نزل قبلي فإذا استويت أنا وهو على الأرض سلم وساءل مساءلة من لا عهد له بصاحبه ـ فقلت يا ابن رسول الله إنك لتفعل شيئا ما يفعله أحد من قبلنا وإن فعل مرة فكثير فقال أما علمت ما في المصافحة إن المؤمنين يلتقيان فيصافح أحدهما صاحبه فلا تزال الذنوب تتحات عنهما كما يتحات الورق عن الشجر والله ينظر إليها حتى يفترقا.

٢ ـ عنه ، عن ابن فضال ، عن علي بن عقبة ، عن أبي خالد القماط ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال إن المؤمنين إذا التقيا وتصافحا أدخل الله يده بين أيديهما فصافح

فإن الركوب أولا في المحمل أسهل لأنه ينحط كثيرا وكذا النزول أخيرا أسهل لذلك.

قوله : لا عهد له بصاحبه ، أي لم يره قبل ذلك قريبا قال في المصباح : عهدته بمكان كذا لقيته وعهدي به قريب أي لقائي ، وعهدت الشيء ترددت إليه وأصلحته ، وحقيقته تجديد العهد به ، وفي النهاية :تحاتت عنه ذنوبه تساقطت.

وأقول : في المعصوم يكون بدل ذلك رفع الدرجات أو تساقط ذنوب شيعتهم ببركتهم ، كما ورد عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن الله حملني ذنوب شيعة علي فغفرها لي ، أو تسقط ترك الأولى والمباحات عنهم ويثبت لهم بدلها الحسنات ، فيرجع إلى الأول ،ونظر الله إليهما كناية عن شمول رحمته لهما.

الحديث الثاني : موثق.

قوله عليه‌السلام : بين أيديهما كأنه أطلق الجمع على التثنية مجازا وذلك لاستثقالهم اجتماع التثنيتين ، قال الشيخ الرضيرضي‌الله‌عنه : ثم لفظ الجمع فيه أي في إضافة الجزئين إلى متضمنيهما أولى من الأفراد ، كقوله تعالى : «فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما »(١) وذلك لكراهتهم في الإضافة اللفظية الكثيرة الاستعمال اجتماع تثنيتين مع اتصالهما لفظا

__________________

(١) سورة التحريم : ٤.


أشدهما حبا لصاحبه.

٣ ـ ابن فضال ، عن علي بن عقبة ، عن أيوب ، عن السميدع ، عن مالك بن أعين الجهني ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال إن المؤمنين إذا التقيا فتصافحا أدخل الله عز وجل يده بين أيديهما وأقبل بوجهه على أشدهما حبا لصاحبه فإذا أقبل الله عز وجل بوجهه عليهما تحاتت عنهما الذنوب كما يتحات الورق من الشجر.

ومعنى مع عدم اللبس بترك التثنية ، فإن أدى إلى اللبس لم يجز إلا التثنية عند الكوفيين وهو الحق كما يجيء ، تقول : قلعت عينيهما إذا قلعت من كل واحد عينا ، وأما قوله تعالى : «فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما »(١) فإنه أراد إيمانهما بالخبر والإجماع ، وفي قراءة ابن مسعود فاقطعوا إيمانهما وإنما اختير الجمع على الأفراد لمناسبة التثنية في أنه ضم مفرد إلى شيء آخر ولذلك قال بعض الأصوليين : أن المثنى جمع ، انتهى.

فإن قيل : الالتباس هنا حاصل؟ قلنا : لا التباس لأن العرف شاهد بأن التصافح بيد واحدة فظهر خطأ بعض الأفاضل حيث قال هنا : يدل الخبر على استحباب التصافح باليدين ، مع أن الأنسب حينئذ يديه ، ثم إن المراد باليد هنا الرحمة كما هو الشائع ، أو هو استعارة تمثيلية.

الحديث الثالث : مجهول.

والشيخ في الرجال عدسميدع الهلالي من أصحاب الصادقعليه‌السلام ، وقال في المغرب : السميدع بفتح أوله والميم وسكون الياء وفتح الدال هو ابن راهب بن سوار بن الزهدم الجرمي البصري ثقة في التاسعة ، وفي القاموس بفتح السين والميم وبعدها ياء مثناة تحتية ولا يضم فإنه خطأ : السيد الشريف السخي واسم رجل ، انتهى.

وإقبال الوجه كناية عن غاية اللطف والرحمة.

قوله عليه‌السلام : فإذا أقبل الله عز وجل عليهما ، أي إذا كانا متساويين في شدة

__________________

(١) سورة المائدة : ٣٨.


٤ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام بن سالم ، عن أبي عبيدة الحذاء ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال إن المؤمنين إذا التقيا فتصافحا أقبل الله عز وجل عليهما بوجهه وتساقطت عنهما الذنوب كما يتساقط الورق من الشجر.

٥ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن صفوان الجمال ، عن أبي عبيدة الحذاء قال زاملت أبا جعفرعليه‌السلام في شق محمل من المدينة إلى مكة فنزل في بعض الطريق فلما قضى حاجته وعاد قال هات يدك يا أبا عبيدة فناولته يدي فغمزها حتى وجدت الأذى في أصابعي ثم قال يا أبا عبيدة ما من مسلم لقي أخاه المسلم فصافحه وشبك أصابعه في أصابعه إلا تناثرت عنهما ذنوبهما كما يتناثر الورق من الشجر في اليوم الشاتي.

٦ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن يحيى الحلبي ، عن

الحب أو عبر عن الإقبال بالوجه إلى الأشد كذلك إشعارا بأن الإقبال يكون لهما معا ، لكن يكون للأشد حبا أكثر كما يدل عليه الخبر الآتي.

الحديث الرابع : حسن كالصحيح.

الحديث الخامس : ضعيف على المشهور بسهل ولا يضر عندي ضعفه.

وكان المرادبالتشبيك هنا أخذ أصابعه بأصابعه فإنهما تشبهان الشبكة لا إدخال الأصابع في الأصابع كما زعم ، واليوم الشاتي الشديد البرد ، أو هو كناية عن يوم الريح للزومه لها غالبا ، وعلى التقديرين الوصف لأن تناثر الورق في مثله أكثر ، قال في المصباح : شتا اليوم فهو شات من باب قتل إذا اشتد برده ، ويدل الخبر على استحباب الغمز في المصافحة ، ولكن ينبغي أن يقيد بما إذا لم يصل إلى حد اشتمل على الإيذاء.

الحديث السادس : حسن.

لأن هذا الخبر يدل على مدحه وإن كان راويه نفسه ، لأنه يدل على أنه


مالك الجهني قال قال أبو جعفرعليه‌السلام يا مالك أنتم شيعتنا ألا ترى أنك تفرط في أمرنا إنه لا يقدر على صفة الله فكما لا يقدر على صفة الله كذلك لا يقدر على صفتنا وكما لا يقدر على صفتنا كذلك لا يقدر على صفة المؤمن إن المؤمن ليلقى المؤمن فيصافحه فلا يزال الله ينظر إليهما والذنوب تتحات عن وجوههما كما يتحات الورق من الشجر حتى يفترقا فكيف يقدر على صفة من هو كذلك.

كان مظهرا للتشيع مذعنا به ، والجهني بضم الجيم وفتح الهاء.

« لا ترى » وفي بعض النسخ ألا ترى على الاستفهام« أنك تفرط » على بناء الأفعال أو التفعيل ، فعلى الأولى من النسختين والوجهين ظاهره أنه نهى في صورة النفي أي لا تظن أنك تفرط وتغلو في أمرنا بما اعتقدت من كمالنا وفضلنا ، فإنك كلما بالغت في وصفنا وتعظيمنا ومدحنا فأنت بعد مقصرا ولا تظن أن إفراطك في أمرنا أخرجك من التشيع بل هو دليل على تشيعك ثم لما كان لقائل أن يقول : أن الإفراط في الأمر مذموم فكيف تمدحه به؟ فأزال ذلك بكلام مستأنف حاصله أنهم كلما وصفوا به من الكمال فهو دون مرتبتهم ، لأنهم ممن لا يقدر قدرهم كما أن الله سبحانه لن يقدر قدره بل لا يمكنكم معرفة قدر المؤمن من شيعتنا فكيف تقدرون على معرفة قدرنا ، وعلى الاستفهام أيضا يرجع إلى ذلك ، فإن المعنى ألست تزعم أنك تبالغ في أمرنا لا تزعم ذلك فإنه لا يقدر. إلى آخر ما مر.

وعلى الوجهين محمول على ما إذا لم يبلغ حد الغلو والارتفاع ، وإذا كان تفرط على بناء التفعيل فالمعنى لا تظن أنك تقصر في معرفتنا فإنها فوق طاقتكم ، ولا تقدرون على ذلك وإنما كلفتم بقدر عقولكم ، و «لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها » ، فكما لم تكلفوا كمال معرفة الله فكذا لم تكلفوا كمال معرفتنا والاستفهام أيضا يرجع إلى ذلك كما عرفت.


٧ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن عمر بن عبد العزيز ، عن محمد بن فضيل ، عن أبي حمزة قال زاملت أبا جعفرعليه‌السلام فحططنا الرحل ثم مشى قليلا ثم جاء فأخذ بيدي فغمزها غمزة شديدة فقلت جعلت فداك أوما كنت معك في المحمل فقال أما علمت أن المؤمن إذا جال جولة ثم أخذ بيد أخيه نظر الله إليهما بوجهه فلم يزل مقبلا عليهما بوجهه ويقول للذنوب تحات عنهما فتتحات يا أبا حمزة ـ كما يتحات الورق عن الشجر فيفترقان وما عليهما من ذنب.

٨ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام بن سالم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال سألته عن حد المصافحة فقال دور نخلة.

٩ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن سنان ، عن عمرو بن الأفرق ، عن أبي عبيدة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال ينبغي للمؤمنين إذا توارى أحدهما

الحديث السابع : ضعيف على المشهور.

وفي المصباح :الرحل كل شيء يعد للرحيل من وعاء للمتاع ومركب للبعير ، وحلس ورسن وجمعه أرحل ورحل الشخص مأواه في الحضر ، ثم الطلق على أمتعة المسافر لأنها هناك مأواه ، وقال :جال الفرس في الميدان تجول جولة وجولانا قطع جانبه ، وجالوا في الحرب جولة جال بعضهم على بعض ، وجال في البلاد طاف غير مستقر فيها ، انتهى.

وظاهره أنه يكفي لاستحباب تجديد المصافحة المشي قليلا والافتراق وإن لم يغب أحدهما عن الآخر.

الحديث الثامن : حسن كالصحيح.

ويدل على أنه يكفي لاستحباب تجديد المصافحة غيبة أحدهما عن صاحبه ، ولو بنخلة أو شجرة كما سيأتي ، ويمكن حمل الخبر السابق أيضا على الغيبة أو يقال يكفي إما غيبة ما أو تباعد ما.

الحديث التاسع : ضعيف على المشهور ومعتبر عندي وفي فهرست « جش »


عن صاحبه بشجرة ثم التقيا أن يتصافحا.

١٠ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن بعض أصحابه ، عن محمد بن المثنى ، عن أبيه ، عن عثمان بن زيد ، عن جابر ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه وليصافحه فإن الله عز وجل أكرم بذلك الملائكة فاصنعوا صنع الملائكة.

١١ ـ عنه ، عن محمد بن علي ، عن ابن بقاح ، عن سيف بن عميرة ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا التقيتم فتلاقوا بالتسليم والتصافح وإذا تفرقتم فتفرقوا بالاستغفار.

١٢ ـ عنه ، عن موسى بن القاسم ، عن جده معاوية بن وهب أو غيره ، عن رزين ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال كان المسلمون إذا غزوا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومروا بمكان كثير الشجر ثم خرجوا إلى الفضاء نظر بعضهم إلى بعض فتصافحوا.

١٣ ـ عنه ، عن أبيه عمن حدثه ، عن زيد بن الجهم الهلالي ، عن مالك بن أعين ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال إذا صافح الرجل صاحبه فالذي يلزم التصافح أعظم أجرا من الذي يدع ألا وإن الذنوب لتتحات فيما بينهم حتى لا يبقى ذنب.

عمر بدون الواو ووثقه.

الحديث العاشر : مرسل.

« أكرم بذلك الملائكة » أي إذا لقي بعضهم بعضا يسلمون ويصافحون أو لقوا المؤمنون فعلوا ذلك ، والأول أظهر.

الحديث الحادي عشر : ضعيف« بالاستغفار » بأن يقول : غفر الله لك مثلا.

الحديث الثاني عشر : مجهول« نظر بعضهم إلى بعض » أي بالمودة.

الحديث الثالث عشر : مرسل.

ويدل على استحباب عدم جذب اليد حتى يجذب صاحبه ولعله محمول على ما إذا لم يمتد كثيرا فيمل.


١٤ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن يحيى بن المبارك ، عن عبد الله بن جبلة ، عن إسحاق بن عمار قال دخلت على أبي عبد اللهعليه‌السلام فنظر إلي بوجه قاطب فقلت ما الذي غيرك لي قال الذي غيرك لإخوانك بلغني يا إسحاق أنك أقعدت ببابك بوابا يرد عنك فقراء الشيعة فقلت جعلت فداك إني خفت الشهرة فقال أفلا خفت البلية أوما علمت أن المؤمنين إذا التقيا فتصافحا أنزل الله عز وجل الرحمة عليهما فكانت تسعة وتسعون لأشدهما حبا لصاحبه فإذا توافقا غمرتهما الرحمة فإذا قعدا يتحدثان قال الحفظة بعضها لبعض اعتزلوا بنا فلعل لهما سرا وقد ستر الله عليهما فقلت أليس الله عز وجل يقول : «ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ

الحديث الرابع عشر : ضعيف على المشهور.

في القاموسقطب يقطب قطبا وقطوبا فهو قاطب وقطوب : زوى ما بين عينيه وكلح كقطب ،قوله عليه‌السلام : فكانت تسعة وتسعين ، تسعة اسم كان ، وكان الأنسب تسعون كما في بعض نسخ الحديث ، وفي نسخ الكتاب وتسعين فالواو بمعنى مع ، وليس في بعض الروايات« فكانت » فيستقيم من غير تكلف.

وقال تعالى : «وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ، إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ،ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ » قال الطبرسي (ره) : حبل الوريد هو عرق يتفرق في البدن ، أو عرق الحلق ، أو عرق متعلق بالقلب والمتلقيان الملكان يأخذان منه عمله فيكتبانه كما يكتب المملي عليه ، والمراد بالقعيد الملازم الذي لا يبرح ، وقيل : عن اليمين كاتب الحسنات وعن الشمال كاتب السيئات وقيل : الحفظة أربعة ، ملكان بالنهار وملكان بالليل «ما يَلْفِظُ » أي ما يتكلم بكلام فيلفظه أي يرميه من فيه «إِلاَّ لَدَيْهِ » حافظ حاضر معه والرقيب الحافظ والعتيد المعد للزوم الأمر ، يعني الملك الموكل به إما صاحب اليمين وإما صاحب الشمال ، يحفظ عمله لا يغيب عنه والهاء في لديه تعود إلى القول أو إلى


القائل ، انتهى.

قوله : فإن عالم السر يعلم ، أي يكفي لصدق الآية اطلاع الرب تعالى وهو الرقيب على عباده ، وقد قال سبحانه قبل ذلك : «وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ».

وأقول : قد روي في ثواب الأعمال هذه الرواية أبسط من ذلك فلا بأس بنقله.

روي بسند آخر عن إسحاق قال : كنت بالكوفة فيأتيني إخوان كثيرة وكرهت الشهرة فتخوفت أن أشتهر بديني فأمرت غلامي كلما جاءني رجل منهم يطلبني قال ليس هو هيهنا ، قال : فحججت تلك السنة فلقيت أبا عبد اللهعليه‌السلام فرأيت منه ثقلا وتغيرا فيما بيني وبينه ، قال : قلت جعلت فداك ما الذي غيرني عندك؟ قال : الذي غيرك للمؤمنين ، قلت : جعلت فداك إنما تخوفت الشهرة وقد علم الله شدة حبي لهم ، فقال : يا إسحاق لا تمل زيارة إخوانك فإن المؤمن إذا لقي أخاه المؤمن فقال له : مرحبا كتب له مرحبا إلى يوم القيامة ، فإذا صافحه أنزل الله فيما بين إبهامهما مائة رحمة تسعة وتسعون لأشدهم لصاحبه حبا ثم أقبل الله عليهما بوجهه فكان على أشدهما حبا لصاحبه أشد إقبالا ، فإذا تعانقا غمرتها الرحمة فإذا لبثا لا يريدان إلا وجهه لا يريدان غرضا من غرض الدنيا قيل لهما : غفر لكما فاستأنفا ، فإذا أقبلا على المساءلة قالت الملائكة بعضهم لبعض : تنحوا عنهما فإن لهما سرا وقد ستره الله عليهما.

قال إسحاق : قلت له : جعلت فداك لا يكتب علينا لفظنا وقد قال الله تعالى : «ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ »؟ قال : فتنفس ابن رسول الله الصعداء(١) قال : ثم بكى حتى خضبت دموعه لحيته ، وقال : يا إسحاق إن الله تعالى إنما نادى الملائكة أن يغيبوا عن المؤمنين إذا التقيا إجلالا لهما ، فإذا كانت الملائكة لا تكتب

__________________

(١) الصعداء : التنفّس الطويل من همّ أو تعب.


رَقِيبٌ عَتِيدٌ »(١) فقال يا إسحاق إن كانت الحفظة لا تسمع فإن عالم السر يسمع ويرى.

١٥ ـ عنه ، عن إسماعيل بن مهران ، عن أيمن بن محرز ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال ما صافح رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله رجلا قط فنزع يده حتى يكون هو الذي ينزع يده منه.

١٦ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حماد ، عن ربعي ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : سمعته يقول : إن الله عز وجل لا يوصف وكيف يوصف وقال في

كتابه : «وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ »(٢) فلا يوصف بقدر إلا كان أعظم من ذلك ، وإن لفظهما ولا تعرف كلامهما فقد يعرفه الحافظ عليهما عالم السر وأخفى ، يا إسحاق فخف الله كأنك تراه فإن كنت لا تراه فإنه يراك ، فإن كنت ترى أنه لا يراك فقد كفرت ، وإن كنت تعلم أنه يراك ثم استترت عن المخلوقين بالمعاصي وبرزت له بها فقد جعلته في حد أهون الناظرين إليك.

وأقول : إنما أوردت هذا الخبر لأنه كالشرح لهذه الرواية وسائر روايات هذا الباب.

الحديث الخامس عشر : كالسابق.

ويدل على استحباب عدم نزع اليد قبل صاحبه كما مر.

الحديث السادس عشر : حسن كالصحيح.

«وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ » أي ما عظموا الله حق تعظيمه أو ما عرفوا الله حق معرفته ، وما وصفوا الله حق وصفه كما هو الظاهر من هذا الخبر« فلا يوصف بقدرة »(٣) كأنه خص القدرة بالذكر لأنها التي يمكن أن تعقل في الجملة من صفاته سبحانه ،

__________________

(١) سورة ق : ١٨.

(٢) سورة الحجّ : ٧٤.

(٣) وفي المتن « بقدر » وهو أصحّ كما يأتي في كلام الشارح (ره) أيضا.


النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لا يوصف وكيف يوصف عبد احتجب الله عز وجل بسبع وجعل طاعته في الأرض كطاعته في السماء فقال «وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا » ومن أطاع هذا فقد أطاعني ومن عصاه فقد عصاني وفوض إليه وإنا

أو هو على المثال ويمكن أن يقرأ بالفتح أي بقدر ، وقد مر هذا الجزء من الخبر في كتاب التوحيد ، وفيه بقدر وهو أصوب.

قوله عليه‌السلام : احتجب الله بسبع ، أقول : هذه العبارة تحتمل وجوها شتى نذكر بعضها « الأول » ما ذكره بعض العارفين : أنه قد ورد في الحديث أن لله سبعين ألف حجاب من نور وظلمة ، لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره ، وعلى هذا فيحتمل أن يكون معنى قولهعليه‌السلام : احتجب الله بسبع أنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد ارتفع الحجب بينه وبين الله تعالى حتى بقي من السبعين ألف سبع ، أقول : كأنه قرأ الجلالة بالرفع وقدر العائد أي احتجب الله عنه بسبع.

الثاني : أن يقرأ بالرفع أيضا ويكون تمهيدا لما بعده أي احتجب الله عن الخلق بسبع سماوات وجعله خليفة في عباده ، وناط طاعته بطاعته وفوض إليه أمور خلقة بمنزلة ملك جعل بينه وبين رعيته سبعة حجب وأبواب لم يمكنهم الوصول إليه بوجه ، وبعث إليهم وزيرا ونصب عليهم حاكما وكتب إليهم كتابا ، تضمن وجوب طاعته وأن كل من له حاجة فليرجع إليه فإن قوله قولي وأمره أمري وحكمه حكمي ، فاحتجابه بالسبع كناية عن عدم ظهور وحيه وأمره ونهيه وتقديراته إلا من فوق سبع سماوات وإنما يظهر لنا جميع ذلك ببيانهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهذا وجه وجيه خطر ببالي القاصر سالفا ، وإن وافقني على بعضه بعض.

الثالث : أن يكون سياقه كما مر في الوجه السابق لكن يكون المعنى أنه حجب ذاته عن الخلق بسبع من الحجب النورانية وهي صفاته الكمالية التي لا تصل الخلق إليها أو التنزيهية التي صارت أسبابا لاحتجابه عن عقول الخلق وأحلامهم ،


لا نوصف وكيف يوصف قوم رفع الله عنهم الرجس وهو الشك والمؤمن لا يوصف وإن المؤمن ليلقى أخاه فيصافحه فلا يزال الله ينظر إليهما والذنوب تتحات عن وجوههما كما يتحات الورق عن الشجر.

١٧ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن النعمان ، عن فضيل بن عثمان ، عن أبي عبيدة قال سمعت أبا جعفرعليه‌السلام يقول إذا التقى المؤمنان فتصافحا أقبل الله بوجهه عليهما وتتحات الذنوب عن وجوههما حتى يفترقا.

وجعلهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم معرفا لذاته وصفاته وأوامره ونواهيه لجميع الخلق ، وهذا أيضا مما سنح لي.

الرابع : أن يقرأ الجلالة بالنصب أي احتجب مع الله عن الخلق فوق سبع سماوات أو سبعة حجب بعد السماوات فكلمه الله وناجاه هناك ، وفيه بعد لفظا ، وقال بعضهم : لعل المراد أنه لا يمكن أن يوصف عبد اتخذه الله عز وجل حجابا بسبع سماوات وسبع أرضين وجهه إليه يستفيض منه ووجهه إلى الممكنات يفيض عليها ، أو اتخذه حجابا بسبع صفات الذات لكونه مظهرها وانكشافها له ، وهي حجب نورانية لو انكشف وصف منها لأضاء أنوار الهداية كل ملتبس فصارصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بانكشافها له حجابا نورانيا مثلها ، أو أزال عنه الحجاب بسبع سماوات وسبع أرضين على أن تكون الهمزة للسلب ، فقد ترفع قدره من المجردات الملكوتية والملائكة اللاهوتية ، وتنزه قلبه من العوائق البشرية والعلائق الناسوتية ، ويمكن أن يكون إشارة إلى ما وصل إليه من حجب المعراج ، انتهى.

ولا يخفى ما في الجميع من الخبط والتشويش لا سيما في همزة السلب ، وقد مر معنى التفويض في بابه.

قوله عليه‌السلام : وهو الشك أي لا يعتريهم شك في شيء مما يسألون أو يقولون بل يعلمون جميع ذلك بعين اليقين ، وهذه درجة رفيعة تقصر العقول عن إدراكها.

الحديث السابع عشر : صحيح وقد مر.


١٨ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال تصافحوا فإنها تذهب بالسخيمة.

١٩ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن جعفر بن محمد الأشعري ، عن ابن القداح ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال لقي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله حذيفة فمد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يده فكف حذيفة يده فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يا حذيفة بسطت يدي إليك فكففت يدك عني فقال حذيفة يا رسول الله بيدك الرغبة ولكني كنت جنبا فلم أحب أن تمس يدي يدك وأنا جنب فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أما تعلم أن المسلمين إذا التقيا فتصافحا تحاتت ذنوبهما كما يتحات ورق الشجر.

٢٠ ـ الحسين بن محمد ، عن أحمد بن إسحاق ، عن بكر بن محمد ، عن إسحاق بن عمار قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام إن الله عز وجل لا يقدر أحد قدره وكذلك لا يقدر

الحديث الثامن عشر : ضعيف على الأشهر.

والسخيمة الضغينة والحقد والموجدة في النفس.

الحديث التاسع عشر : كالسابق.

« بيدك الرغبة » كان الباء بمعنى في أي يرغب جميع الخلق في مصافحة يدك الكريمة ، وقيل : الباء للسببية والرغبة بمعنى المرغوب ، أي يحصل بسبب يدك مرغوب الخلائق وهو الجنة وهو تكلف بعيد.

قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أما تعلم؟ ظاهره أن الجنابة لا تمنع مصافحة المعصومينعليهم‌السلام ، ويمكن أن يكون عذره مقبولا لكن لما علمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منه عدم اهتمامه في أمر المصافحة حثه عليها بذلك ، ويؤيده ما روي أن أبا بصير دخل جنبا على الصادقعليه‌السلام فقال : هكذا تدخل بيوت الأنبياء؟.

الحديث العشرون : موثق.

« لا يقدر » على بناء الفاعل كيضرب وقدره منصوب ومفعول مطلق للنوع ، أي


قدر نبيه وكذلك لا يقدر قدر المؤمن إنه ليلقى أخاه فيصافحه فينظر الله إليهما والذنوب تتحات عن وجوههما حتى يفترقا كما تتحات الريح الشديدة الورق عن الشجر.

٢١ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن رفاعة قال سمعته يقول مصافحة المؤمن أفضل من مصافحة الملائكة.

(باب المعانقة)

١ ـ محمد بن يحيى ، عن محمد بن الحسين ، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع ، عن صالح بن عقبة ، عن عبد الله بن محمد الجعفي ، عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليه‌السلام قالا

حق قدره كما مر في قوله تعالى : «ما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ »(١) .

قوله عليه‌السلام : كما تتحات ، الظاهر كما تحت كما في ثواب الأعمال ، فإن التحات لازم إلا أن يتكلف بنصبالريح على الظرفية الزمانية بتقدير مضاف أي يوم الريح ورفعالورق بالفاعلية ، في القاموس : حته فركه وقشره فانحت وتحات والورق سقطت كانحتت وتحاتت والشيء حطه.

الحديث الحادي والعشرون : صحيح.

« مصافحة المؤمن » كان المعنى مصافحة المؤمنين أفضل من مصافحة الملكين ، أو مصافحة المؤمن مع المؤمن أفضل من مصافحته مع الملائكة لو تيسرت له ، ويومئ إلى أن المؤمن الكامل أفضل من الملك.

باب المعانقة

الحديث الأول : ضعيف.

قوله : يزوره ، حال مقدرة ، وعارفا حال محققة عن فاعل خرج وكان المراد

__________________

(١) سورة الحجّ : ٧٤.


أيما مؤمن خرج إلى أخيه يزوره عارفا بحقه كتب الله له بكل خطوة حسنة ومحيت عنه سيئة ورفعت له درجة وإذا طرق الباب فتحت له أبواب السماء فإذا التقيا وتصافحا وتعانقا أقبل الله عليهما بوجهه ثم باهى بهما الملائكة فيقول.

بعرفان حقه أن يعلم فضله وأن له حق الزيارة والرعاية والإكرام ، فيرجع إلى أنه زاره لذلك ، وأن الله تعالى جعل له حقا عليه لا للأغراض الدنيوية ، والظاهر أنمحو السيئة ليس من جهة الحبط بل هو تفضل زائد على الحسنة ، وقال الجوهري :عانقه إذا جعل يديه على عنقه وضمه إلى نفسه ، وتعانقا واعتنقا فهو عنيقه ، انتهى.

وكأنه لا خلاف بيننا في استحباب المعانقة إذا لم يكن فيها غرض باطل أو داعي شهوة أو مظنة هيجان ذلك ، كالمعانقة مع الأمرد وكذا التقبيل ، واستحب المعانقة جماعة من العامة أيضا وأبو حنيفة كرهها ، ومالك رآها بدعة وأنكر سفيان قول مالك واحتج عليه بمعانقتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جعفرا حين قدم من الحبشة ، فقال مالك : هو خاص بجعفر ، فقال سفيان : ما يخص جعفرا يعمنا فسكت مالك.

قال الآبي : سكوته يدل على ظهور حجة سفيان حتى يقوم دليل على التخصيص ، قال القرطبي : هذا الخلاف إنما هو في معانقة الكبير وأما معانقة الصغير فلا أعلم خلافا في جوازها ، ويدل على ذلك أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عانق الحسنرضي‌الله‌عنه ، انتهى.

وأقول : روى الشهيدقدس‌سره في الأربعين بإسناده عن ابن بسطام قال : كنت عند أبي عبد اللهعليه‌السلام فأتى رجل فقال : جعلت فداك إني رجل من أهل الجبل وربما لقيت رجلا من إخواني فالتزمته فيعيب على بعض الناس ويقولون : هذه من فعل الأعاجم وأهل الشرك؟ فقالعليه‌السلام : ولم ذاك فقد التزم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جعفرا


انظروا إلى عبدي تزاورا وتحابا في حق علي ألا أعذبهما بالنار بعد هذا الموقف فإذا انصرف شيعه الملائكة عدد نفسه وخطاه وكلامه يحفظونه من بلاء الدنيا وبوائق الآخرة إلى مثل تلك الليلة من قابل فإن مات فيما بينهما أعفي من الحساب وإن كان المزور يعرف من حق الزائر ما عرفه الزائر من حق المزور كان له مثل أجره.

٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن صفوان بن يحيى ، عن إسحاق بن عمار ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إن المؤمنين إذا اعتنقا غمرتهما الرحمة فإذا التزما لا يريدان بذلك إلا وجه الله ولا يريدان غرضا من أغراض الدنيا قيل لهما مغفورا

وقبل بين عينيه ، وفتح أبواب السماء إما كناية عن نزول الرحمة عليه أو استجابة دعائه ، وإقباله تعالى عليهما بوجهه كناية عن غاية رضاه عنهما أو توجيه رحمته البالغة إليهما.

« إلى عبدي » على التثنية« بعدد نفسه » (١) بالتحريك ، و« خطاه » بالضم« وكلامه » أي جملة وكلماته أو حروفه ، قال الجوهري : الخطوة بالضم ما بين القدمين وجمع القلة خطوات وخطوات والكثير خطا ، والخطوة بالفتح المرة الواحدة ، والجمع خطوات بالتحريك وخطاء مثل ركوة وركاء ، انتهى.

والمراد بعدد جميع ذلك ذهابا وإيابا أو إيابا فقط ، والأول أظهر وكان ذكر الليلة لأن العرب تضبط التواريخ بالليالي ، أو إيماء إلى أن الزيارة الكاملة هي أن يتم عنده إلى الليل ، وقيل : لأنهم كانوا للتقية يتزاورون بالليل.

الحديث الثاني : حسن موثق.

والالتزام في اللغة الاعتناق والمراد هنا إما إدامة الاعتناق طويلا ، أو المراد بالاعتناق جعل كل منهما يديه في عنق الآخر ، وبالالتزام ضمه إلى نفسه والالتصاق به ، كما يسمى المستجار بالملتزم لذلك ،قوله : مغفورا لكما ، منصوب بمحذوف أي

__________________

(١) وفي المتن : « عدد نفسه » بدون الباء.


لكما فاستأنفا فإذا أقبلا على المساءلة قالت الملائكة بعضها لبعض تنحوا عنهما فإن لهما سرا وقد ستر الله عليهما قال إسحاق فقلت جعلت فداك فلا يكتب عليهما لفظهما وقد قال الله عز وجل : «ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ »(١) قال فتنفس أبو عبد اللهعليه‌السلام الصعداء ثم بكى حتى أخضلت دموعه لحيته وقال يا إسحاق إن الله تبارك وتعالى إنما أمر الملائكة أن تعتزل عن المؤمنين إذا التقيا إجلالا لهما

أي ارجعا ، أو كونا ، وقيل : هو مفعول به لفعل محذوف بتقدير أعرفا مغفورا ، ونائب الفاعل ضمير مستتر في المغفور ، ولكما ظرف لغو متعلق بالمغفور ، والفاء فيقوله : فاستأنفا للتعقيب أو للتفريع على أعرفا ومفعوله محذوف ، أي استأنفا العمل ويمكن أن يقدر حرف النداء قبل مغفورا ، أو يكون حالا عن فاعل فاستأنفا ، ويكون الضمير في لكما نائبا للفاعل كما هو مذهب البصريين ، أو النائب للفاعل الضمير المستتر في المغفور ، الراجع إلى مصدر المغفور كما هو مذهب ابن درستويه وأتباعه ، أو لكما ظرف مستقر نائب للفاعل كما هو مختار الكوفيين ، والفاء للتفريع على مضمون جملة فإذا التزما « إلخ ».

وقال : السر هو التصورات الباطلة التي يلقيها الشيطان في قلب المؤمن وهو يتأذى بذلك ولا يضر بآخرته لأنها محض التصور فيشكو ما يلقى من ذلك إلى أخيه ، انتهى.

والصعداء منصوب على أنه مفعول مطلق للنوع ، قال الجوهري : الصعداء بالمد تنفس ممدود. وقال :اخضلت الشيء فهو مخضل إذا بللته ، وقوله : وإن كانت ، يحتمل الوصلية والشرطية« عالم السر وأخفى » إشارة إلى قوله تعالى : «وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى »(٢) والمشهور بين المفسرين أن السر ما حدث به غيره خافضا به صوته ، وأخفى ما يحدث به نفسه ولا يلفظ به ، وقيل : السر ما

__________________

(١) سورة ق : ١٨.

(٢) سورة طه : ٧.


وإنه وإن كانت الملائكة لا تكتب لفظهما ولا تعرف كلامهما فإنه يعرفه ويحفظه عليهما عالم السر وأخفى.

(باب التقبيل)

١ ـ أبو علي الأشعري ، عن الحسن بن علي الكوفي ، عن عبيس بن هشام ، عن الحسين بن أحمد المنقري ، عن يونس بن ظبيان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إن لكم

يضمره الإنسان فلم يظهره ، وأخفى من ذلك ما وسوس إليه ولم يضمره ، وقيل : السر ما تفكرت فيه ، وأخفى ما لم يخطر ببالك وعلم الله أن نفسك تحدث به بعد زمان.

وأقول : يحتمل أن يكون المراد بالسر ما خطر بباله ولم يظهره وأخفى ما علم أنه كان من نفسه ولم يعلم هو به كالرياء الخفي الذي صار باعثا لعمله وهو يظن أن عمله خالص لله وكالصفات الذميمة التي يرى الإنسان أنه طهر نفسه منها ، ويظهر بعد مجاهدة النفس أنها مملوءة منها ، وكل ذلك ظاهر لمن تتبع عيوب نفسه ، والله الموفق.

باب التقبيل

الحديث الأول : ضعيف.

قوله عليه‌السلام : تعرفون ، على بناء المجهول كأنه إشارة إلى قوله تعالى : «سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ »(١) ولا يلزم أن يكون المعرفة عامة بل تعرفهم بذلك الملائكة والأئمة صلوات الله عليهم ، كما ورد في قوله تعالى : «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ »(٢) أن المتوسمين هم الأئمةعليهم‌السلام ، ويمكن أن يعرفهم بذلك بعض الكمل من المؤمنين أيضا وإن لم يروا النور ظاهرا ، وتفرس أمثال هذه الأمور قد يحصل

__________________

(١) سورة الفتح : ٢٩.

(٢) سورة الحجر : ٧٥.


لنورا تعرفون به في الدنيا حتى إن أحدكم إذا لقي أخاه قبله في موضع النور من جبهته

٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن رفاعة بن موسى ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال لا يقبل رأس أحد ولا يده إلا [ يد ] رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أو

لكثير من الناس بمجرد رؤية سيماهم بل لبعض الحيوانات أيضا كما أن الشاة إذا رأت الذئب تستنبط من سيماها العداوة وإن لم ترها أبدا ، ومثل ذلك كثير.

وقوله : حتى إن أحدكم ، يحتمل وجهين : الأول : أن الله عز وجل إنما جعل موضع القبلة المكان الخاص من الجبهة لأنه موضع النور ، والثاني : أن المؤمن إنما يختار هذا الموضع لكونه موضع النور واقعا وإن لم ير النور ولم يعرفه ، ويدل على أن موضع التقبيل في الجبهة.

الحديث الثاني : حسن كالصحيح.

قوله عليه‌السلام أو من أريد به رسول الله من الأئمةعليهم‌السلام إجماعا وغيرهم من السادات والعلماء على الخلاف ، وإن لم أر في كلام أصحابنا تصريحا بالحرمة قال بعض المحققين : لعل المراد بمن أريد به رسول الله الأئمة المعصومينعليهم‌السلام كما يستفاد من الحديث الآتي.

ويحتمل شمول الحكم العلماء بالله وبأمر الله معا العاملين بعلمهم ، والهادين للناس ممن وافق قوله فعله ، لأن العلماء الحق ورثة الأنبياء فلا يبعد دخولهم فيمن يراد به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال الشهيد قدس الله روحه في قواعده : يجوز تعظيم المؤمن بما جرت به عادة الزمان وإن لم يكن منقولا عن السلف لدلالة العمومات عليه ، قال تعالى : «ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ »(١) وقال

__________________

(١) سورة الحجّ : ٣٢.


من أريد به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

تعالى : «ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ »(١) ولقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخوانا ، فعلى هذا يجوز القيام والتعظيم بانحناء وشبهه ، وربما وجب إذا أدى تركه إلى التباغض والتقاطع أو إهانة المؤمن وقد صح أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قام إلى فاطمةعليها‌السلام وإلى جعفررضي‌الله‌عنه لما قدم من الحبشة وقال للأنصار : قوموا إلى سيدكم ونقل أنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قام لعكرمة بن أبي جهل لما قدم من اليمن فرحا بقدومه.

فإن قلت : قد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من أحب أن يتمثل له الناس أو الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار؟ ونقل أنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يكره أن يقام له فكان إذا قدم لا يقومون لعلمهم كراهته ذلك ، فإذا فارقهم قاموا حتى يدخل منزله لما يلزمهم من تعظيمه؟

قلت : تمثل الرجال قياما هو ما تصنعه الجبابرة من إلزامهم الناس بالقيام في حال قعودهم إلى أن ينقضي مجلسهم لا هذا القيام المخصوص القصير زمانه ، سلمنا لكن يحمل على من أراد ذلك تجبرا وعلوا على الناس ، فيؤاخذ من لا يقوم له بالعقوبة ، أما من يريده لدفع الإهانة عنه والنقيصة له فلا حرج عليه ، لأن دفع الضرر عن النفس واجب ، وأما كراهتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فتواضع لله عز وجل وتخفيف على أصحابه ، وكذا ينبغي للمؤمن أن لا يحب ذلك وأن يؤاخذ نفسه بمحبة تركه إذا مالت إليه ، ولأن الصحابة كانوا يقومون كما في الحديث ويبعد عدم علمهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بهم مع أن فعلهم يدل على تسويغ ذلك ، وأما المصافحة فثابتة من السنة وكذا تقبيل موضع السجود وتقبيل اليد ، فقد ورد أيضا في الخبر عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا تلاقى الرجلان فتصافحا تحاتت ذنوبهما وكان أقربهما إلى الله سبحانه أكثرهما بشرا لصاحبه ، وفي

__________________

(١) سورة الحجّ : ٣٠.


٣ ـ علي ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن زيد النرسي ، عن علي بن مزيد صاحب السابري قال دخلت على أبي عبد اللهعليه‌السلام فتناولت يده فقبلتها فقال أما إنها لا تصلح إلا لنبي أو وصي نبي.

٤ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحجال ، عن يونس بن يعقوب قال قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام ناولني يدك أقبلها فأعطانيها فقلت جعلت فداك رأسك ففعل فقبلته فقلت جعلت فداك رجلاك فقال أقسمت أقسمت

الكافي للكليني (ره) في هذه المقامات أخبار كثيرة ، وأما المعانقة فجائزة أيضا لما ثبت من معانقة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جعفرا واختصاصه به غير معلوم ، وفي الحديث أنه قبل بين عيني جعفرعليه‌السلام مع المعانقة ، وأما تقبيل المحارم على الوجه فجائز ما لم يكن لريبة أو تلذذ.

الحديث الثالث : مجهول.

ويدل على المنع من تقبيل يد غير المعصومينعليهم‌السلام لكن الخبر مع جهالته ليس بصريح في حرمته بل ظاهره الكراهة.

الحديث الرابع : موثق كالصحيح.

« أقسمت » أقول : يحتمل وجوها : « الأول » أن يكون على صيغة المتكلم ويكون إخبارا أي حلفت أن لا أعطي رجلي أحدا يقبلها إما لعدم جوازه أو عدم رجحانه أو للتقية ، وقوله : بقي شيء ، استفهام على الإنكار أي هل بقي احتمال الرخصة والتجويز بعد القسم؟

الثاني : أن يكون إنشاء للقسم ومناشدة ، أي أقسم عليك أن تترك ذلك للوجوه المذكورة وهل بقي بعد مناشدتي إياك من طلبك التقبيل شيء؟ أو لم يبق بعد تقبيل اليد والرأس شيء تطلبه؟

الثالث : ما كان يقوله بعض الأفاضل : وهو أن يكون المعنى أقسمت قسمة


أقسمت ثلاثا وبقي شيء وبقي شيء وبقي شيء.

٥ ـ محمد بن يحيى ، عن العمركي بن علي ، عن علي بن جعفر ، عن أبي الحسنعليه‌السلام قال من قبل للرحم ذا قرابة فليس عليه شيء وقبلة الأخ على الخد وقبلة الإمام بين عينيه.

بيني وبين خلفاء الجور فاخترت اليد والرأس وجعلت الرجل لهم ، بقي شيء؟ أي ينبغي أن يبقى لهم شيء لعدم التضرر منهم.

الرابع : ما قال بعضهم أيضا أنه أقسمت بصيغة الخطاب على الاستفهام للإنكار أي أقسمت أن تفعل ذلك فتبالغ فيه؟ وبقي شيء؟ على الوجه السابق.

الخامس : ما ذكره بعض أفاضل الشارحين وهو أن أقسمت على صيغة الخطاب و« ثلاثا » كلام الإمامعليه‌السلام ، أي أقسمت قسما لتقبيل اليد وآخر لتقبيل الرأس ، وآخر لتقبيل الرجلين ، وفعلت اثنين وبقي الثالث وهو تقبيل الرجلين فافعل فإنه يجب عليك.

السادس : ما قيل أن أقسمت بصيغة الخطاب من القسم بالكسر وهو الحظ والنصيب ، أي أخذت حظك ونصيبك وليبق شيء مما يجوز أن يقبل للتقية.

وأقول : لا يخفى ما في الوجوه الأخيرة من البعد والركاكة ، ثم إنه يحتمل على بعض الوجوه المتقدمة أن يكون المراد بقوله بقي شيء؟ التعريض بيونس وأمثاله ، أي بقي شيء آخر سوى هذه التواضعات الرسمية والتعظيمات الظاهرية وهو السعي في تصحيح العقائد القلبية ومتابعتنا في جميع أعمالنا وأقوالنا ، وهي أهم من هذا الذي تهتم به لأنهعليه‌السلام كان يعلم أنه سيضل ويصير فطحيا ، وأماقوله : رأسك فيحتمل الرفع والنصب والأخير أظهر ، أي ناولني رأسك ، وقوله : فرجلاك مبتدأ وخبره محذوف أي أريد أقبلهما أو ما حالهما أي يجوز لي تقبيلهما؟

الحديث الخامس : صحيح.

« من قبل للرحم » أي لا للشهوة والأغراض الباطلة ، وقبلة الأخ أي النسبي أو


٦ ـ وعنه ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن محمد بن سنان ، عن أبي الصباح مولى آل سام ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال ليس القبلة على الفم إلا للزوجة أو الولد الصغير.

(باب تذاكر الإخوان)

١ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن أبيه ، عن فضالة بن أيوب ، عن علي بن أبي حمزة قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول شيعتنا الرحماء بينهم الذين إذا خلوا ذكروا الله [ إن ذكرنا من ذكر الله ] إنا إذا ذكرنا ذكر الله وإذا ذكر عدونا ذكر الشيطان.

الإيماني ، وقبلة الإمام ، الظاهر أنه إضافة إلى المفعول ، وقيل : إلى الفاعل أي قبلة الإمام ذا قرابته بين العينين وكأنه ذهب إلى ذلك لفعل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذلك بجعفررضي‌الله‌عنه ، ولا يخفى ما فيه.

الحديث السادس : ضعيف على المشهور.

وكان المرادبالزوجة ما يعم ملك اليمين.

باب تذاكر الإخوان

الحديث الأول : ضعيف على المشهور.

« شيعتنا الرحماء » الرحماء جمع رحيم أي يرحم بعضهم بعضا« الذين » خبر بعد خبر أو صفة للرحماء« إنا إذا ذكرنا » أي ذكر الله المذكور يشمل ذكرنا لأن ذكر صفاتهم وكمالاتهم ونشر علومهم وأخبارهم شكر لأعظم نعم الله تعالى وعبادة له بأفضل العبادة ، أو باعتبار كمال الاتصال بينهم وبينه تعالى كان ذكرهم ذكر الله ،وإذا ذكر عدوهم ذكر الشيطان لأنه من أعوانه فإن ذكرهم بخير فكأنما ذكر الشيطان بخير ، وإن لعنهم كان له ثواب لعن الشيطان.


٢ ـ محمد بن يحيى ، عن محمد بن الحسين ، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع ، عن صالح بن عقبة ، عن يزيد بن عبد الملك ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال تزاوروا فإن في زيارتكم إحياء لقلوبكم وذكرا لأحاديثنا وأحاديثنا تعطف بعضكم على بعض فإن أخذتم بها رشدتم ونجوتم وإن تركتموها ضللتم وهلكتم فخذوا بها وأنا بنجاتكم زعيم.

٣ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن الوشاء ، عن منصور بن يونس ، عن عباد بن كثير قال قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام إني مررت بقاص يقص وهو يقول هذا المجلس [ الذي ] لا يشقى به جليس قال فقال أبو عبد اللهعليه‌السلام هيهات هيهات أخطأت أستاههم الحفرة إن لله ملائكة سياحين سوى الكرام الكاتبين

الحديث الثاني : ضعيف.

« إحياء لقلوبكم » لأنه يوجب تذكر الإمامة وعلوم الأئمةعليهم‌السلام وحياة القلب بالعلم والحكمة« وأحاديثنا تعطف بعضكم على بعض » لاشتمالها على حقوق المؤمنين بعضهم على بعض ، ولأن الاهتمام برواية أحاديثنا يوجب رجوع بعضكم إلى بعض « وأنا بنجاتكم زعيم » أي كفيل وضامن« إن أخذتم بها » قال في المصباح :زعمت بالمال زعما من باب قتل ومنع كفلت به فأنا زعيم به.

الحديث الثالث : ضعيف.

والقاص راوي القصص ، والمراد هنا القصص الكاذبة الموضوعة ، وظاهر أكثر الأصحاب تحريم استماعها كما يدل عليه قوله تعالى : «سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ »(١) ويمكن أن يكون المراد هنا وعاظ العامة ومحدثوهم فإن رواياتهم أيضا كذلك« لا يشقي به جليس » أي لا يصير شقيا محروما عن الخير من جلس معهم ، قال الراغب : الشقاوة خلاف السعادة ، وقد شقي يشقي شقوة وكما أن السعادة في الأصل ضربان : أخروية ودنيوية ، ثم الدنيوية ثلاثة أضرب : نفسية وبدنية وخارجية ، كذلك الشقاوة

__________________

(١) سورة المائدة : ٤١.


فإذا مروا بقوم ـ يذكرون محمدا وآل محمد قالوا قفوا فقد أصبتم حاجتكم فيجلسون فيتفقهون معهم فإذا قاموا عادوا مرضاهم وشهدوا جنائزهم وتعاهدوا غائبهم فذلك المجلس الذي لا يشقى به جليس.

٤ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن المستورد النخعي عمن رواه ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إن من الملائكة الذين في السماء ليطلعون إلى الواحد والاثنين والثلاثة وهم يذكرون فضل آل محمد قال فتقول أما ترون إلى هؤلاء في قلتهم وكثرة عدوهم يصفون فضل آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله

على هذه الأضرب ، وقال بعضهم : قد يوضع الشقاء موضع التعب نحو شقيت في كذا ، وكل شقاوة تعب وليس كل تعب شقاوة« أخطأت أستاههم الحفرة » الخطأ ضد الصواب والأخطاء عند أبي عبيد الذهاب إلى خلاف الصواب مع قصد الصواب ، وعند غيره : الذهاب إلى غير الصواب مطلقا عمدا وغير عمد ، والأستاه بفتح الهمزة والهاء أخيرا جمع الاست بالكسر ، وهي حلقة الدبر وأصل الاست ستة بالتحريك وقد يسكن التاء ، حذفت الهاء وعوضت عنها الهمزة ، والمراد بالحفرة الكنيف الذي يتغوط فيه وكان هذا كان مثلا سائرا يضرب لمن استعمل كلاما في غير موضعه أو أخطأ خطأ فاحشا ، وقد يقال : شبهت أفواههم بالأستاه تفضيحا لهم ، وتكرير هيهات أي بعد هذا القول عن الصواب للمبالغة في البعد عن الحق ، والسياحة والسيح الذهاب في الأرض للعبادة« فيتفقهون معهم » أي يطلبون العلم ويخوضون فيه ، وفي بعض النسخ فيتفقون أي يصدقونهم أو يذكرون بينهم مثل ذلك« عادوا » أي الملائكة« مرضاهم » أي مرضى القوم.

الحديث الرابع : مرسل.

« إلى الواحد » بأن يذكر واحد ويستمع الباقون أو يذكر ويتفكر في نفسه وكلمة « في » فيقوله : في قلتهم بمعنى مع« يصفون » أي يعتقدون أو يذكرون و


قال فتقول الطائفة الأخرى من الملائكة «ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ».

٥ ـ عنه ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن فضال ، عن ابن مسكان ، عن ميسر ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال قال لي أتخلون وتتحدثون وتقولون ما شئتم فقلت إي والله إنا لنخلو ونتحدث ونقول ما شئنا فقال أما والله لوددت أني معكم في بعض تلك المواطن أما والله إني لأحب ريحكم وأرواحكم وإنكم على دين الله ودين ملائكته فأعينوا بورع واجتهاد.

٦ ـ الحسين بن محمد ومحمد بن يحيى جميعا ، عن علي بن محمد بن سعد ، عن محمد بن مسلم ، عن أحمد بن زكريا ، عن محمد بن خالد بن ميمون ، عن عبد الله بن

الأخير أنسب ، وذلك إشارة إلى الوصف.

الحديث الخامس : مجهول.

« ما شئتم » أي من فضائلنا أو ذم أعادينا ولعنهم ورواية أحاديثنا من غير تقية« لوددت » بكسر الدال الأولى وفتحها أي أحببت أو تمنيت وفيه غاية الترغيب فيه والتحريص عليه« لأحب ريحكم » وسيأتي في الروضة رياحكم ، أي ريحكم الطيبة وأرواحكم جمع الروح بالضم أو بالفتح بمعنى النسيم ، وكان الأول كناية عن عقائدهم ونياتهم الحسنة كما سيأتي أن المؤمن إذا قصد فعل طاعة يستشم الملك منه رائحة حسنة ، والثاني عن أقوالهم الطيبة ، في القاموس : الروح بالضم ما به حياة الأنفس وبالفتح الراحة والرحمة ونسيم الريح ، والريح جمعه أرواح وأرياح ورياح والريح الغلبة والقوة والرحمة والنصرة والدولة والشيء الطيب والرائحة« فأعينوا » أي فأعينوني على شفاعتكم وكفالتكم بورع عن المعاصي واجتهاد في الطاعات.

الحديث السادس : مجهول.

وقوله : فصاعدا منصوب بالحالية وعامله محذوف وجوبا أي أذهب في العدد


سنان ، عن غياث بن إبراهيم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال ما اجتمع ثلاثة من المؤمنين فصاعدا إلا حضر من الملائكة مثلهم فإن دعوا بخير أمنوا وإن استعاذوا من شر دعوا الله ليصرفه عنهم وإن سألوا حاجة تشفعوا إلى الله وسألوه قضاءها وما اجتمع ثلاثة من الجاحدين إلا حضرهم عشرة أضعافهم من الشياطين فإن تكلموا تكلم الشيطان بنحو كلامهم وإذا ضحكوا ضحكوا معهم وإذا نالوا من أولياء الله نالوا معهم فمن ابتلي من المؤمنين بهم فإذا خاضوا في ذلك فليقم ولا يكن شرك شيطان

صاعدا« فإن دعوا بخير » أي ما يوجب السعادة الأخروية كتوفيق العبادة وطلب الجنة أو الاستعاذة من النار ونحوها أو الأعم منها ومن الأمور المباحة الدنيوية كطول العمر وكثرة المال والأولاد وأمثال ذلك ، فيكون احترازا عن طلبه الأمور المحرمة ، وكذا الشر يشمل الشرور الدنيوية والأخروية ، فيكون سؤال الحاجة تعميما بعد التخصيص ، وعلى الأول تكون الفقرتان الأوليان للآخرة ، وهذه للدنيا والتشفع المبالغة في الشفاعة ، قال الجوهري :استشفعته إلى فلان أي سألته أن يشفع لي إليه ، وتشفعت إليه في فلان فشفعني فيه تشفيعا.

والتأمين قول آمين ومعناه اللهم استجب لي ، وفي النهاية فيه :أن رجلا كان ينال من الصحابة يعني الوقيعة فيهم ، يقال : منه نال ينال نيلا إذا أصاب ، وفي القاموس : نال من عرضه سبه« فمن ابتلي من المؤمنين بهم » أي بمجالستهم.

« فإذا خاضوا » قال الجوهري : خاض القوم في الحديث وتخاوضوا أي تفاوضوا فيه« في ذلك » أي في النيل من أولياء الله وسبهم وهو إشارة إلى قوله تعالى : «وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً »(١) وقال علي بن إبراهيم في تفسيره : «آياتِ اللهِ » هم الأئمةعليهم‌السلام ، وفي تفسير

__________________

(١) سورة النساء : ١٤٠.


ولا جليسه فإن غضب الله عز وجل لا يقوم له شيء ولعنته لا يردها شيء ثم قال صلوات الله عليه : فإن لم يستطع فلينكر بقلبه وليقم ولو حلب شاة أو فواق ناقة.

العياشي عن الرضاعليه‌السلام في تفسيرها : إذا سمعت الرجل يجحد الحق ويكذب به ويقع في أهله فقم من عنده ولا تقاعده وقوله تعالى : «إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ » قيل : أي في الكفر إن رضيتم به وإلا ففي الإثم لقدرتكم علي الإنكار أو الإعراض ، وقال سبحانه أيضا : «وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ »(١) .

« ولا يكن شرك شيطان » بالكسر أي شريكه إن شاركهم ،ولا جليسه إن لم يشاركهم ، وكان ساكنا ، ومن قرأ الشرك بالتحريك بمعنى الحبالة أو فسر الشرك بالنصيب فقد صحف لفظا أو معنى.

قوله : لا يقوم له شيء ، أي لا يدفعه أو لا يطيقه ولا يقدر على تحمله ، وقد دلت الرواية والآيتان على وجوب قيام المؤمن ومفارقته لأعداء الدين عند ذمهم أولياء الله ، وعلى لحوق الغضب واللعنة به مع القعود معهم ، بل دلت الآية ظاهرا على أنه مثلهم في الفسق والنفاق والكفر ، ولا ريب فيه مع اعتقاد جواز ذلك أو رضاه به ، وإلا فظاهر بعض الروايات أن العذاب بالهلاك إن نزل يحيط به ، ولكن ينجو في الآخرة بفضل الله تعالى ، وظاهر بعضها أن اللعنة إذا نزلت تعم من في المجلس ، والأحوط عدم مجالسة الظلمة وأعداء الله من غير ضرورة.

ثم بينعليه‌السلام حكمه إذا لم يقدر على المفارقة بالكلية للتقية أو غيرهابقوله : فإن لم يستطع فلينكر بقلبه.

قوله : ولو حلب شاة ، حلب مصدر منصوب بظرفية الزمان بتقدير زمان حلب ، وكذا الفواق وكأنه أقل من الحلب أي يقوم لإظهار حاجة وعذر ولو بأحد هذين

__________________

(١) سورة الأنعام : ٦٨.


٧ ـ وبهذا الإسناد ، عن محمد بن سليمان ، عن محمد بن محفوظ ، عن أبي المغراء قال سمعت أبا الحسنعليه‌السلام يقول ليس شيء أنكى لإبليس وجنوده من زيارة الإخوان في الله بعضهم لبعض قال وإن المؤمنين يلتقيان فيذكران الله ثم يذكران فضلنا أهل البيت فلا يبقى على وجه إبليس مضغة لحم إلا تخدد حتى إن روحه لتستغيث من شدة ما يجد من الألم فتحس ملائكة السماء وخزان الجنان فيلعنونه حتى لا يبقى ملك مقرب إلا لعنه فيقع خاسئا حسيرا مدحورا.

المقدارين من الزمان ، قال في النهاية : فيه أنه قسم الغنائم يوم بدر عن فواق أي في قدرفواق ناقة ، وهو ما بين الحلبتين من الراحة وتضم فاؤه وتفتح ، وذلك لأنها تحلب ثم تراح حتى تدر ثم تحلب ، وفي القاموس : الفواق كغراب ما بين الحلبتين من الوقت وتفتح ، أو ما بين فتح يديك وقبضها على الضرع.

الحديث السابع : كالسابق.

وفي القاموس :نكى العدو وفيه نكاية قتل وجرح وفي النهاية : يقال : نكيت في العدو أنكى نكاية فأنا ناك إذا أكثرت فيهم الجراح والقتل فوهنوا لذلك ، وقد يهمز لغة فيه ، وفي القاموس :المضغة بالضم قطعة لحم وغيره ، وقال :خدد لحمه وتخدد هزل ونقص ، وخدده السير لازم متعد ، وقال :خسأ الكلب كمنع خسأ وخسوءا طرده ، والكلب بعد كانخسأ وخسئ ، وقال : حسر كفرح عليه حسرة وحسرا تلهف فهو حسير ، وكضرب وفرح أعيا كاستحسر فهو حسير ، وقال :الدحر الطرد والإبعاد.


(باب)

(إدخال السرور على المؤمنين)

١ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ومحمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى جميعا ، عن الحسن بن محبوب ، عن أبي حمزة الثمالي قال سمعت أبا جعفرعليه‌السلام يقول قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من سر مؤمنا فقد سرني ومن سرني فقد سر الله.

٢ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن أبيه ، عن رجل من أهل الكوفة يكنى أبا محمد ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال تبسم الرجل في وجه أخيه حسنة وصرف القذى عنه حسنة وما عبد الله بشيء

باب إدخال السرور على المؤمنين

الحديث الأول : صحيح.

وسرور الله تعالى مجاز ، والمراد ما يترتب على السرور من اللطف والرحمة ، أو باعتبار أن الله سبحانه لما خلط أولياءه بنفسه جعل سرورهم كسروره ، وسخطهم كسخطه ، وظلمهم كظلمه ، كما ورد في الخبر ، وسرور المؤمن يتحقق بفعل أسبابه وموجباته كأداء دينه أو تكفل مؤنته أو ستر عورته أو دفع جوعته أو تنفيس كربته أو قضاء حاجته أو إجابة مسألته ، وقيل : السرور من السر وهو الضم والجمع لما تشتت ، والمؤمن إذا مسته فاقة أو عرضت له حاجة فإذا سددت فاقته وقضيت حاجته ورفعت شدته فقد جمعت عليه ما تشتت من أمره ، وضممت ما تفرق من سره ففرح بعد همه ، واستبشر بعد غمه ويسمى ذلك الفرح سرورا.

الحديث الثاني : ضعيف.

« حسنة » أي خصلة حسنة توجب الثواب« وصرف القذى عنه » القذى يحتمل


أحب إلى الله من إدخال السرور على المؤمن.

٣ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن سنان ، عن عبد الله بن مسكان ، عن عبيد الله بن الوليد الوصافي قال سمعت أبا جعفرعليه‌السلام يقول إن فيما ناجى الله عز وجل به عبده موسىعليه‌السلام قال إن لي عبادا أبيحهم جنتي وأحكمهم فيها قال يا رب ومن هؤلاء الذين تبيحهم جنتك وتحكمهم فيها قال من أدخل على مؤمن سرورا ثم قال إن مؤمنا كان في مملكة جبار فولع به فهرب منه إلى دار الشرك فنزل برجل من أهل الشرك فأظله وأرفقه وأضافه فلما حضره الموت أوحى الله عز وجل إليه وعزتي وجلالي لو كان [ لك ] في

الحقيقة ، وأن يكون كناية عن دفع كل ما يقع عليه من الأذى ، قال في النهاية : فيه جماعة على أقذاء ، الأقذاء جمع قذى والقذى جمع قذاة وهو ما يقع في العين والماء والشراب من تراب أو طين أو وسخ أو غير ذلك ، أراد أن اجتماعهم يكون فسادا في قلوبهم فشبهه بقذى العين والماء والشراب.

الحديث الثالث : ضعيف على المشهور.

« أبيحهم جنتي » أي جعلت الجنة مباحة لهم ولا يمنعهم من دخولها شيء ، أو يتبوءون منها حيث يشاءون كما أخبر الله منهم بقوله : «وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ »(١) .

« وأحكمهم فيها » أي أجعلهم فيها حكاما يحكمون على الملائكة والحور والغلمان بما شاءوا أو يشفعون ويدخلون فيها من شاءوا ، في القاموس : حكمه في الأمر تحكيما أمره أن يحكم وقال :ولع الرجل ولعا محركة وولوعا بالفتح ، وأولعته وأولع به بالضم فهو مولع به بالفتح ، وكوضع ولعا وولعانا محركة استخف

__________________

(١) سورة الزمر : ٧٤.


جنتي مسكن لأسكنتك فيها ولكنها محرمة على من مات بي مشركا ولكن يا نار هيديه ولا تؤذيه ويؤتى برزقه طرفي النهار قلت من الجنة قال من حيث شاء الله.

٤ ـ عنه ، عن بكر بن صالح ، عن الحسن بن علي ، عن عبد الله بن إبراهيم ، عن علي بن أبي علي ، عن أبي عبد الله ، عن أبيه ، عن علي بن الحسينصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إن أحب الأعمال إلى الله عز وجل إدخال السرور على المؤمنين.

٥ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن محبوب ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال أوحى الله عز وجل إلى داودعليه‌السلام إن العبد من عبادي ليأتيني بالحسنة فأبيحه جنتي فقال داود يا رب وما تلك الحسنة قال يدخل على عبدي المؤمن سرورا ولو بتمرة قال داود يا رب حق لمن عرفك أن لا يقطع رجاءه منك.

وكذب ، وبحقه ذهب والوالع الكذاب ، وأولعه به أغراه به ،قوله عليه‌السلام : فأظله أي أسكنه منزلا يظله من الشمس ، وفي القاموس :رفق فلانا نفعه كأرفقه وفي المصباح :أضفته وضيفته إذا أنزلته وقريته ، والاسم الضيافة.

« يا نار هيديه » أي خوفيه وأزعجيه ولا تؤذيه ولا تحرقيه ، في القاموس : هاده الشيء يهيده هيدا وهادا : أفزعه وكربه وحركه وأصلحه كهيده في الكل ، وأزاله وصرفه وأزعجه وزهره ، وكان في بعض روايات العامة لا تهيديه قال في النهاية : ومنه الحديث : يا نار لا تهيديه أي لا تزعجيه.

الحديث الرابع : ضعيف.

الحديث الخامس : حسن كالصحيح.

قوله عليه‌السلام : يدخل ، يحتمل أن يكون هذا على المثال ، ويكون المراد كل حسنة مقبولة ، كما ورد : أن من قبل الله منه عملا واحدا لم يعذبه.


٦ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن أبيه ، عن خلف بن حماد ، عن مفضل بن عمر ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال لا يرى أحدكم إذا أدخل على مؤمن سرورا أنه عليه أدخله فقط بل والله علينا بل والله على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

٧ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ومحمد بن إسماعيل ، عن الفضل بن شاذان جميعا ، عن ابن أبي عمير ، عن إبراهيم بن عبد الحميد ، عن أبي الجارود ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال سمعته يقول إن أحب الأعمال إلى الله عز وجل إدخال السرور على المؤمن شبعة مسلم أو قضاء دينه.

٨ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحسن بن محبوب ، عن سدير الصيرفي قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام في حديث طويل إذا بعث الله المؤمن من قبره خرج معه مثال يقدم أمامه كلما رأى المؤمن هولا من أهوال يوم القيامة قال له المثال لا تفزع ولا تحزن وأبشر بالسرور والكرامة من الله عز وجل حتى يقف

الحديث السادس : ضعيف على المشهور ، معتبر عندي.

الحديث السابع : ضعيف.

« شبعة مسلم » بفتح الشين إما بالنصب بنزع الخافض أي بشبعة أو بالرفع بتقدير هو شبعة أو بالجر بدلا أو عطف بيان للسرور والمراد بالمسلم هنا المؤمن ، وكان تبديل المؤمن به للإشعار بأنه يكفي ظاهر الإيمان لذلك ، وذكرهما على المثال.

الحديث الثامن : حسن.

«خرج معه مثال» قال الشيخ البهائيقدس‌سره : المثال الصورة ، و«يقدم» على وزن يكرم أي يقويه ويشجعه ، من الإقدام في الحرب وهو الشجاعة وعدم الخوف ، ويجوز أن يقرأ على وزن ينصر وماضيه قدم كنصر أي يتقدمه كما قال الله : «يَقْدُمُ


بين يدي الله عز وجل فيحاسبه «حِساباً يَسِيراً » ويأمر به إلى الجنة والمثال أمامه فيقول له المؤمن يرحمك الله نعم الخارج خرجت معي من قبري وما زلت تبشرني

قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ »(١) ولفظ أمامه حينئذ تأكيد ، انتهى.

وفي القاموس :الهول المخافة من الأمر لا يدري ما هجم عليه منه والجمع أهوال وهوول ، وقال :أبشر فرح ، ومنه أبشر بخير وبشرت به كعلم وضرب سررت.

« بين يدي الله » أي بين يدي عرشه أو كناية عن وقوفه موقف الحساب« نعم الخارج » قال الشيخ البهائيقدس‌سره : المخصوص بالمدح محذوف لدلالة ما قبله عليه ، أي نعم الخارج أنت ، وجملة خرجت معي وما بعدها مفسرة لجملة المدح أو بدل منها ويحتمل الحالية بتقدير قد.

قوله : أنا السرور الذي كنت أدخلته ، قال الشيخ المتقدم قدس الله روحه : فيه دلالة على تجسم الأعمال في النشأة الأخروية ، وقد ورد في بعض الأخبار تجسم الاعتقادات أيضا فالأعمال الصالحة والاعتقادات الصحيحة تظهر صورا نورانية مستحسنة موجبة لصاحبها كمال السرور والابتهاج والأعمال(٢) والأعمال السيئة والاعتقادات الباطلة تظهر صورا ظلمانية مستقبحة توجب غاية الحزن والتألم كما قاله جماعة من المفسرين عند قوله تعالى : «يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً »(٣) ويرشد إليه قوله تعالى : «يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ »(٤) ومن جعل التقدير ليروا جزاء أعمالهم ولم يرجع ضمير

__________________

(١) سورة هود : ٩٨.

(٢) كذا في النسخ والظاهر زيادة « والأعمال » الأولى.

(٣) سورة آل عمران : ٣٠.

(٤) سورة الزلزلة : ٨ ـ ٧.


بالسرور والكرامة من الله حتى رأيت ذلك فيقول من أنت فيقول أنا السرور الذي كنت أدخلت على أخيك المؤمن في الدنيا خلقني الله عز وجل منه لأبشرك.

٩ ـ محمد بن يحيى ، عن محمد بن أحمد ، عن السياري ، عن محمد بن جمهور قال كان النجاشي وهو رجل من الدهاقين عاملا على الأهواز وفارس فقال بعض

يره إلى العمل فقد أبعد ، انتهى.

وأقول : يحتمل أن يكون الحمل في قوله : أنا السرور على المجاز ، فإنه لما خلق بسببه فكأنه عينه كما يرشد إليهوله : خلقني الله منه ، ومن للسببية أو للابتداء ، والحاصل أنه يمكن حمل الآيات والأخبار على أن الله تعالى يخلق بإزاء الأعمال الحسنة صورا حسنة ، ليظهر حسنها للناس ، وبإزاء الأعمال السيئة صورا قبيحة ليظهر قبحها معاينة ولا حاجة إلى القول بأمر مخالف لطور العقل لا يستقيم إلا بتأويل في المعاد ، وجعله في الأجساد المثالية وإرجاعه إلى الأمور الخيالية كما يشعر به تشبيههم الدنيا والآخرة بنشأتي النوم واليقظة ، وأن الأعراض في اليقظة أجسام في المنام وهذا مستلزم لإنكار الدين والخروج عن الإسلام ، وكثير من أصحابنا المتأخرينرحمهم‌الله يتبعون الفلاسفة القدماء والمتأخرين والمشائين والإشراقيين في بعض مذاهبهم ، ذاهلين عما يستلزمه من مخالفة ضروريات الدين ، والله الموفق للاستقامة على الحق واليقين.

قوله : كنت أدخلته ، قيل : إنما زيد لفظة كنت علي الماضي للدلالة علي بعد الزمان.

الحديث التاسع : ضعيف.

ويظهر من كتب الرجال أن النجاشي المذكور في الخبر اسمه عبد الله وأنه ثامن آباء أحمد بن علي النجاشي صاحب الرجال المشهور ، وفي القاموس :النجاشي


أهل عمله ـ لأبي عبد اللهعليه‌السلام إن في ديوان النجاشي علي خراجا وهو مؤمن يدين بطاعتك فإن رأيت أن تكتب لي إليه كتابا قال فكتب إليه أبو عبد اللهعليه‌السلام «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ » سر أخاك يسرك الله قال فلما ورد الكتاب عليه دخل عليه

بتشديد الياء وبتخفيفها أفصح وتكسر نونها أو هو أفصح ، وفي المصباحالدهقان معرب يطلق على رئيس القرية وعلى التاجر ، وعلى من له مال وعقار ، ودالة مكسورة وفي لغة تضم والجمع دهاقين ، ودهقن الرجل وتدهقن كثر ماله ، وفي القاموس :الأهواز تسع كور بين البصرة وفارس ، لكل كورة منها اسم ويجمعهن الأهواز ، ولا تفرد واحدة منها بهوز ، وهي : رامهرمز ، وعسكر مكرم ، وتستر ، وجندي سابور ، وسوس ، وسرق ، ونهرتيري وإيذج ، ومناذر ، انتهى.

« فقال بعض أهل عمله » أي بعض أهل المواضع التي كان تحت عمله ، وكان عاملا عليها ، والديوان الدفتر الذي فيه حساب الخراج ومرسوم العسكر ، قال في المصباح : الديوان جريدة الحساب ثم أطلق على موضع الحساب ، وهو معرب وأصله دوان فأبدل من إحدى المضعفين ياء للتخفيف ، ولهذا يرد في الجمع إلى أصله ، فيقال دواوين ، ودونت الديوان وضعته وجمعته ، ويقال : إن عمر أول من دون الدواوين في العرب ، أي رتب الجرائد للعمال وغيرها ، انتهى.

والخراج بالفتح ما يأخذه السلطان من الأراضي وأجرة الأرض للأراضي المفتوحة عنوة ،« يدين بطاعتك » أي يعبد الله بطاعتك ويعد طاعتك عبادة أو يعتقد فرض طاعتك أو يعبد الله متلبسا باعتقاد فرض طاعتك« فإن رأيت » جزاء الشرط محذوف ، أي فعلت أو نفعني ويدل الخبر على استحباب افتتاح الكتاب بالتسمية« فلما ورد الكتاب عليه » أي أشرف حامله على الدخول عليه ، وإسناد الورود إليه مجاز ، وكان الأظهر فلما ورد بالكتاب ، قال في المصباح : ورد البعير وغيره الماء يرده ورودا بلغه ، ووافاه من غير دخول ، وقد يكون دخولا ، وورد زيد علينا حضر ، ومنه ورد الكتاب على الاستعارة ، وفي القاموس : الورود الإشراف على الماء وغيره


وهو في مجلسه فلما خلا ناوله الكتاب وقال هذا كتاب أبي عبد اللهعليه‌السلام فقبله ووضعه على عينيه وقال له ما حاجتك قال خراج علي في ديوانك فقال له وكم هو قال عشرة آلاف درهم فدعا كاتبه وأمره بأدائها عنه ثم أخرجه منها وأمر أن يثبتها له لقابل ثم قال له سررتك فقال نعم جعلت فداك ثم أمر له بمركب وجارية وغلام وأمر له بتخت ثياب في كل ذلك يقول له هل سررتك فيقول نعم جعلت فداك فكلما قال نعم زاده حتى فرغ ثم قال له احمل فرش هذا البيت الذي كنت جالسا فيه حين دفعت إلي كتاب مولاي الذي ناولتني فيه وارفع إلي حوائجك قال ففعل وخرج الرجل فصار إلى أبي عبد اللهعليه‌السلام بعد

دخله أو لم يدخله ، انتهى.

والضمير فيدخل راجع إلى بعض أهل عمله وأمره بأدائها عنه أي من ماله أو من محل آخر إلى الجماعة الذين أحالهم عليه أو أعطاه الدراهم ليؤدي إليهم لئلا يشتهر أنه وهب له هذا المبلغ تقية ، وعلى الوجه الأول إنما أعطاها من ماله لأن اسمه كان في الديوان ، وكان محسوبا عليه« ثم أخرجه منها » أي أخرج اسمه من دفاتر الديوان لئلا يحال عليه في سائر السنين.

« وأمر أن يثبتها له » أي أمر أن يكتب له أن يعطى عشرة آلاف في السنة الآتية سوى ما أسقط عنه أو لابتداء السنة الآتية إلى آخر عمله ، وقيل : أعطى ما أحاله في هذه السنة من ماله ثم أخرجه منها أي من العشرة آلاف ، وقوله : وأمر ، بيان للإخراج أي كان إخراجه منها بأن جعل خراج أملاكه وظيفة له لا يحال عليه في سائر السنين ، واللام فيقوله : لقابل ، بمعنى من الابتدائية كما مر ، وفي القاموسالتخت وعاء يصان فيه الثياب.

« حتى فرغ » بفتح الراء وكسرها أي النجاشي من العطاء« ففعل » أي حمل


ذلك فحدثه الرجل بالحديث على جهته فجعل يسر بما فعل فقال الرجل يا ابن رسول الله كأنه قد سرك ما فعل بي فقال إي والله لقد سر الله ورسوله.

١٠ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن الحسن بن علي بن فضال ، عن منصور ، عن عمار بن أبي اليقظان ، عن أبان بن تغلب قال سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام ـ عن حق المؤمن على المؤمن قال فقال حق المؤمن على المؤمن أعظم من ذلك لو حدثتكم لكفرتم إن المؤمن إذا خرج من قبره خرج معه مثال من قبره يقول له أبشر بالكرامة من الله والسرور فيقول له بشرك الله بخير قال ثم يمضي معه يبشره بمثل ما قال وإذا مر بهول قال ليس هذا لك وإذا مر بخير قال هذا لك فلا يزال معه يؤمنه مما يخاف ويبشره بما يحب حتى يقف معه بين يدي الله عز وجل فإذا أمر به إلى الجنة قال له المثال أبشر فإن الله عز وجل قد أمر بك إلى الجنة قال فيقول من أنت رحمك الله تبشرني من حين خرجت من قبري وآنستني في طريقي وخبرتني عن ربي قال فيقول أنا السرور الذي كنت تدخله على إخوانك في الدنيا خلقت منه لأبشرك وأونس وحشتك :

الفرش وتنازع هو وخرج في الرجل« فجعل » أي شرع الإمام« يسر » علي بناء المجهول.

الحديث العاشر : مجهول بسنديه.

قوله : من ذلك ، لما استشعرعليه‌السلام من سؤال السائل أو مما علم من باطنه أنه يعد هذا الحق سهلا يسيراقال : حق المؤمن أعظم من ذلك ، أي مما تظن ، أو لما ظهر من كلام السائل أنه يمكن بيانه بسهولة أو أنه ليس مما يترتب على بيانه مفسدة قال ذلك« لكفرتم » قد مر بيانه ، وقيل : يمكن أن يقرأ بالتشديد على بناء التفعيل ، أي لنسبتم أكثر المؤمنين إلى الكفر لعجزكم عن أداء حقوقهم اعتذارا لتركها أو بالتخفيف من باب نصر أي لسترتم الحقوق ولم تؤدوها ، أو لم تصدقوها


محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن فضال مثله.

١١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن الحكم ، عن مالك بن عطية ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أحب الأعمال إلى الله سرور [ الذي ] تدخله على المؤمن تطرد عنه جوعته أو تكشف عنه كربته.

١٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن الحكم بن مسكين ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال من أدخل على مؤمن سرورا خلق الله عز وجل من ذلك السرور خلقا فيلقاه عند موته فيقول له أبشر يا ولي الله بكرامة من الله ورضوان ـ ثم لا يزال معه حتى يدخله قبره [ يلقاه ] فيقول له مثل ذلك فإذا بعث يلقاه فيقول له مثل ذلك ثم لا يزال معه عند كل هول يبشره ويقول له مثل ذلك فيقول له من أنت رحمك الله فيقول أنا السرور الذي أدخلته على فلان.

١٣ ـ الحسين بن محمد ، عن أحمد بن إسحاق ، عن سعدان بن مسلم ، عن عبد الله بن سنان قال كان رجل عند أبي عبد اللهعليه‌السلام فقرأ هذه الآية «وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ

لعظمتها ، فيصير سببا لكفركم.

وأقول : قد عرفت أن للكفر معان منها ترك الواجبات ، بل السنن الأكيدة أيضا.

الحديث الحادي عشر : صحيح.

والطرد الإبعاد ، والجوع بالضم ضد الشبع ، وبالفتح مصدر أي بأن تطرد ، وذكرهما على المثال.

الحديث الثاني عشر : مجهول.

« من ذلك السرور » أي بسببه وهذا يؤيد ما ذكرنا في الخبر الثامن فتفطن.

الحديث الثالث عشر : مجهول.


الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً »(١) قال فقال أبو عبد اللهعليه‌السلام فما ثواب من أدخل عليه السرور فقلت جعلت فداك عشر حسنات فقال إي والله وألف ألف حسنة.

١٤ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن محمد بن أورمة ، عن علي بن يحيى ، عن الوليد بن العلاء ، عن ابن سنان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال من أدخل السرور على مؤمن فقد أدخله على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومن أدخله على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقد وصل ذلك إلى الله وكذلك من أدخل عليه كربا.

«بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا » أي بغير جناية استحقوا بها الإيذاء «فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً » أي فقد فعلوا ما هو أعظم الإثم مع البهتان وهو الكذب على الغير يواجهه به ، فجعل إيذاءهم مثل البهتان ، وقيل : يعني بذلك أذية اللسان فيتحقق فيها البهتان «وَإِثْماً مُبِيناً » أي معصية ظاهرة كذا ذكره الطبرسي (ره) وقال البيضاوي : قيل : أنها نزلت في المنافقين يؤذون علياعليه‌السلام وكان الغرض من قراءة الآية إعداد المخاطب للإصغاء والتنبيه على أن إيذاءهم إذا كان بهذه المنزلة كان إكرامهم وإدخال السرور عليهم بعكس ذلك ، هذا إذا كان القاري الإمامعليه‌السلام ويحتمل أن يكون القاري الراوي وحكم السائل بالعشر لقوله تعالى : «مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها »(٢) وتصديقهعليه‌السلام إما مبني على أن العشر حاصل في ضمن ألف ألف أو على أن أقل مراتبه ذلك ، ويرتقي بحسب الإخلاص ومراتب السرور إلى ألف ألف ، لقوله تعالى : «وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ »(٣) .

الحديث الرابع عشر : ضعيف.

« فقد وصل ذلك » أي السرور مجازا كما مر أو هو على بناء التفعيل فضمير

__________________

(١) سورة الأحزاب : ٥٨.

(٢) سورة الأنعام : ١٦٠.

(٣) سورة البقرة : ٢٦١.


١٥ ـ عنه ، عن إسماعيل بن منصور ، عن المفضل ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال أيما مسلم لقي مسلما فسره سره الله عز وجل.

١٦ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام بن الحكم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال من أحب الأعمال إلى الله عز وجل إدخال السرور على المؤمن إشباع جوعته أو تنفيس كربته أو قضاء دينه.

(باب)

(قضاء حاجة المؤمن)

١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحسن بن علي ، عن بكار بن كردم ، عن المفضل ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال لي يا مفضل اسمع ما أقول لك واعلم أنه الحق وافعله وأخبر به علية إخوانك قلت جعلت فداك وما علية إخواني قال الراغبون في قضاء حوائج إخوانهم قال ثم قال ومن قضى

الفاعل راجع إلى المدخل« وكذلك من أدخل عليه كربا » أي يدخل الكرب على الله وعلى الرسول.

الحديث الخامس عشر : كالسابق ، والمراد بالمسلم المؤمن.

الحديث السادس عشر : حسن كالصحيح.

وإسنادالإشباع إلى الجوعة على المجاز ، وتنفيس الكرب كشفها.

باب قضاء حاجة المؤمن

الحديث الأول : ضعيف على المشهور.

وكردم كجعفر وهو في الأصل بمعنى القصير ، والعلية بكسر العين وسكون اللام قال الجوهري : فلان من علية الناس جمع رجل علي أي شريف رفيع مثل


لأخيه المؤمن حاجة قضى الله عز وجل له ـ يوم القيامة مائة ألف حاجة من ذلك أولها الجنة ومن ذلك أن يدخل قرابته ومعارفه وإخوانه الجنة بعد أن لا يكونوا نصابا وكان المفضل إذا سأل الحاجة أخا من إخوانه قال له أما تشتهي أن تكون من علية الإخوان.

٢ ـ عنه ، عن محمد بن زياد قال حدثني خالد بن يزيد ، عن المفضل بن عمر ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إن الله عز وجل خلق خلقا من خلقه انتجبهم لقضاء حوائج فقراء شيعتنا ليثيبهم على ذلك الجنة فإن استطعت أن تكون منهم فكن ثم قال لنا والله رب نعبده لا نشرك به شيئا.

صبي وصبية ، وفي القاموس : علية الناس وعليهم مكسورين جلتهم« من ذلك أولها » أولها مبتدأ ومن ذلك خبر والجنة بدل أو عطف بيان لأولها أو خبر مبتدإ محذوف ، ويحتمل أن يكون أولها بدلا لقوله من ذلك.

قوله : بعد أن لا يكونوا نصابا ، أقول : الناصب في عرف الأخبار يشمل المخالفين المتعصبين في مذهبهم فغير النصاب هم المستضعفون وسيأتي تحقيقه إنشاء الله ، مع أن الخبر ضعيف وتعارضه الأخبار المتواترة بالمعنى.

الحديث الثاني : كالأول بسنديه.

والمنتجب المختار ،قوله : ثم قال : لنا والله رب ، الظاهر أنه تنبيه للمفضل وأمثاله لئلا يطيروا إلى الغلو أو لتطيرهم إليه لما ذكره جماعة من علماء الرجال أن المفضل كان يذهب مذهب أبي الخطاب في القول بربوبية الصادقعليه‌السلام وقد أورد الكشي روايات كثيرة في ذمه وأخبارا غزيرة في مدحه ، حتى روي عن الصادقعليه‌السلام أنه قال : هو والد بعد الوالد ، وفي إرشاد المفيد ما يدل على ثقته وجلالته ، ومدحه عندي أقوى ، وهذا الخبر مع أنه يحتمل وجوها أخر على هذا الوجه أيضا لا يدل على ذمه بل يحتمل أن يكونعليه‌السلام قال ذلك لئلا يزل لغاية محبته ومعرفته


٣ ـ عنه ، عن محمد بن زياد ، عن الحكم بن أيمن ، عن صدقة الأحدب ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قضاء حاجة المؤمن خير من عتق ألف رقبة وخير من حملان ألف فرس في سبيل الله.

علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن محمد بن زياد مثل الحديثين.

٤ ـ علي ، عن أبيه ، عن محمد بن زياد ، عن صندل ، عن أبي الصباح الكناني قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام لقضاء حاجة امرئ مؤمن أحب إلى الله من عشرين حجة كل حجة ينفق فيها صاحبها مائة ألف.

٥ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن أبيه ، عن هارون بن

بفضائلهم فينتهي حاله إلى الغلو والارتفاع ، وقيل : إنما قالعليه‌السلام ذلك لبيان وجه تخصيص الفقراء بالشيعة ، وتعريضا بالمخالفين أنهم مشركون لإشراكهم في الإمامة ، وقيل : إشارة إلى أن ترك قضاء حوائج المؤمنين نوع من الشرك ولا يخفى ما فيهما ، وقيل : هو بيان أنهمعليهم‌السلام لا يطلبون حوائجهم إلى أحد سوى الله سبحانه وأنهم منزهون عن ذلك.

الحديث الثالث : مجهول بسنديه.

وفي القاموس : حمله يحمله حملا وحملانا والحملان بالضم ما يحمل عليه من الدواب في الهبة خاصة ، انتهى.

والمراد هنا المصدر بمعنى حمل الغير على الفرس وبعثه إلى الجهاد أو الأعم منه ومن الحج والزيارات ، قال في المصباح : حملت الرجل على الدابة حملا.

الحديث الرابع : كالسابق.

« مائة ألف » أي من الدراهم أو من الدنانير أي إذا أنفقها في غير حوائج الإخوان لئلا يلزم تفضيل الشيء على نفسه.

الحديث الخامس : حسن.


الجهم ، عن إسماعيل بن عمار الصيرفي قال قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام جعلت فداك المؤمن رحمة على المؤمن قال نعم قلت وكيف ذاك قال أيما مؤمن أتى أخاه في حاجة فإنما ذلك رحمة من الله ساقها إليه وسببها له فإن قضى حاجته كان قد قبل الرحمة بقبولها وإن رده عن حاجته وهو يقدر على قضائها فإنما رد عن نفسه رحمة من الله جل وعز ـ ساقها إليه وسببها له وذخر الله عز وجل تلك الرحمة إلى يوم القيامة حتى يكون المردود عن حاجته هو الحاكم فيها إن شاء صرفها إلى نفسه وإن شاء صرفها إلى غيره يا إسماعيل فإذا كان يوم القيامة وهو الحاكم في رحمة من الله قد شرعت له فإلى من ترى يصرفها قلت لا أظن يصرفها عن نفسه قال لا تظن ولكن استيقن فإنه لن يردها عن نفسه يا إسماعيل من أتاه أخوه في حاجة يقدر على قضائها فلم يقضها له سلط الله عليه شجاعا ينهش إبهامه في قبره إلى يوم القيامة

« وسببها له » أي جعلها سببا لغفران ذنوبه ورفع درجاته أو أوجد أسبابها له« قد شرعت له » أي أظهرت أو سوغت أو فتحت أو رفعت له ، في المصباح شرع الله لنا كذا يشرعه أظهره وأوضحه ، وشرع الباب إلى الطريق اتصل به وشرعته أنا يستعمل لازما ومتعديا ، وفي الصحاح : شرع لهم يشرع شرعا سن.

قوله : لا أظن يصرفها ، كأنه بمعنى أظن أنه لا يصرفها ، لقولهعليه‌السلام في جوابه : لا تظنولكن استيقن ، أي يحصل لك اليقين بسبب قولي ، فإن التكليف باليقين مع عدم حصول أسبابه تكليف بالمحال ، وفي القاموس :الشجاع كغراب وكتاب الحية أو الذكر منها أو ضرب منها صغير ، والجمع شجعان بالكسر والضم وقال : نهشه كمنعه نهسه ولسعة وعضه أو أخذه بأضراسه وبالسين أخذه بأطراف الأسنان ، وفي المصباح : نهسه الكلب وكل ذي ناب نهسا من بابي ضرب ونفع عضه ، وقيل : قبض عليه ثم نتره فهو نهاس ، ونهست اللحم أخذته بمقدم الأسنان للأكل ، واختلف في جميع الباب فقيل بالسين المهملة واقتصر عليه ابن السكيت ، وقيل


مغفورا له أو معذبا.

٦ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن الحكم بن أيمن ، عن أبان بن تغلب قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول من طاف بالبيت أسبوعا كتب الله عز وجل له ستة آلاف حسنة ومحا عنه ستة آلاف سيئة ورفع له ستة آلاف درجة قال وزاد فيه إسحاق بن عمار وقضى له ستة آلاف حاجة قال ثم قال وقضاء

جميع الباب بالسين والشين نقله ابن فارس عن الأصمعي ، وقال الأزهري : قال الليث النهش بالشين المعجمة تناول من بعيد كنهش الحية وهو دون النهس ، والنهس بالمهملة القبض على اللحم ونتره ، وعكس تغلب فقال : النهس بالمهملة يكون بأطراف الأسنان ، والنهش بالمعجمة بالأسنان والأضراس ، وقيل : يقال نهشته الحية بالشين المعجمة ونهسه الكلب والذئب والسبع بالمهملة ، انتهى.

وفي الإبهام إبهام ، يحتمل اليد والرجل ، وكان الأول أظهر ، وقيل : صيرورة الإبهام ترابا لا يأبى عن قبول النهش لأن تراب الإبهام كالإبهام في قبوله العذاب ، ولعل الله تعالى يخلق فيه ما يجد به الألم ، انتهى.

وأقول : يحتمل أن يكون النهش في الأجساد المثالية أو يكون النهش أولا وبقاء الألم للروح إلى يوم القيامة « مغفورا له أو معذبا » أي سواء كان في القيامة مغفورا أو معذبا.

الحديث السادس : مجهول.

والدرجات إما درجات القرب المعنوية أو درجات الجنة لأن في الجنة درجات بعضها فوق بعض كما قال الله تعالى : «لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ »(١) قال القرطبي : من العامة أهل السفل من الجنة ينظرون إلى من فوقهم على تفاوت منازلهم كما ينظر من بالأرض دراري السماء وعظام نجومها فيقولون : هذا فلان وهذا فلان ، كما يقال

__________________

(١) سورة الزمر : ٣٩.


حاجة المؤمن أفضل من طواف وطواف حتى عد عشرا.

٧ ـ الحسين بن محمد ، عن أحمد [ بن محمد ] بن إسحاق ، عن بكر بن محمد ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال ما قضى مسلم لمسلم حاجة إلا ناداه الله تبارك وتعالى علي ثوابك ولا أرضى لك بدون الجنة.

٨ ـ عنه ، عن سعدان بن مسلم ، عن إسحاق بن عمار ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال من طاف بهذا البيت طوافا واحدا كتب الله عز وجل له ستة آلاف حسنة ومحا عنه ستة آلاف سيئة ورفع الله له ستة آلاف درجة حتى إذا كان عند الملتزم فتح الله له سبعة أبواب من أبواب الجنة قلت له جعلت فداك هذا الفضل كله في

هذا المشتري وهذا الزهرة ، ويدل عليه ما روي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال : إن أهل الجنة ليتراؤون الغرفة كما تراءون الكوكب في السماء.

الحديث السابع : صحيح ، والمرادبالمسلم المؤمن فيهما.

الحديث الثامن : مجهول.

والملتزم : المستجار مقابل باب الكعبة سمي به لأنه يستحب التزامه وإلصاق البطن به ، والدعاء عنده ، وقيل : المراد به الحجر الأسود أو ما بينه وبين الباب ، أو عند الباب وكأنه أخذ بعضه من قول صاحب المصباح حيث قال : التزمته اعتنقته فهو ملتزم ، ومنه يقال لما بين الباب والحجر الأسود الملتزم ، لأن الناس يعتنقونه أي يضمونه إلى صدورهم ، انتهى.

وهو إنما فسره بذلك لأنهم لا يعدون الوقوف عند المستجار مستحبا وهو من خواص الشيعة ، وما فسره به هو الحطيم عندنا ، وبالجملة هذه التفاسير نشأت من عدم الأنس بالأخبار ، ولا يبعد أن يكون المراد بالكون عند الملتزم بلوغه في الشوط السابع ، فإن الالتزام فيه آكد ، فيكون فتح سبعة أبواب لتلك المناسبة.

وفي ثواب الأعمال بسند آخر عن إسحاق هكذا : حتى إذا صار إلى الملتزم


الطواف قال نعم وأخبرك بأفضل من ذلك قضاء حاجة المسلم أفضل من طواف وطواف وطواف حتى بلغ عشرا.

٩ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن ابن محبوب ، عن إبراهيم الخارقي قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول من مشى في حاجة أخيه المؤمن يطلب بذلك ما عند الله حتى تقضى له كتب الله عز وجل له بذلك مثل أجر حجة وعمرة مبرورتين وصوم شهرين من أشهر الحرم واعتكافهما في المسجد الحرام ومن مشى فيها بنية ولم تقض كتب الله له بذلك مثل حجة مبرورة فارغبوا في الخير.

١٠ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن محمد بن أورمة ، عن الحسن بن

فتح الله له ثمانية أبواب الجنة ، يقال له : ادخل من أيها شئت ، وهو أظهر ، وتأنيث العشر لتقدير المرات.

الحديث التاسع : مجهول.

« حتى تقضي » بالتاء على بناء المفعول ، أو بالياء على بناء الفاعل ، وفي بعض النسخ حتى يقضيها« شهرين من أشهر الحرم » أي متواليين ففيه تجوز أي ما سوى العيد وأيام التشريق لمن كان بمنى ، ومع عدم قيد التوالي لا إشكال ويدل على استحباب الصوم في الأشهر الحرم وفضله ، والأشهر الحرم هي التي يحرم فيها القتال وهي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم ويدل على فضل الاعتكاف فيها أيضا ، وعدم اختصاص الاعتكاف بشهر رمضان ، فإن قيل : الفرق بين القضاء وعدمه في الثواب مشكل إذ السعي مشترك والقضاء ليس باختياره؟ قلت : يمكن حمله على ما إذا لم يبذل الجهد ولذلك لم يقض لا سيما إذا قرأ الفعلان على بناء المعلوم مع أنه يمكن أن يكون مع عدم الاختلاف في السعي أيضا الثواب متفاوتا فإن الثواب ليس بالاستحقاق بل بالتفضل وتكون إحدى الحكم فيه أن يبذلوا الجهد في القضاء ولا يكتفوا بالسعي القليل.

الحديث العاشر : ضعيف.


علي بن أبي حمزة ، عن أبيه ، عن أبي بصير قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام تنافسوا في المعروف لإخوانكم وكونوا من أهله فإن للجنة بابا يقال له ـ المعروف لا يدخله إلا من اصطنع المعروف في الحياة الدنيا فإن العبد ليمشي في حاجة أخيه المؤمن فيوكل الله عز وجل به ملكين واحدا عن يمينه وآخر عن شماله يستغفران له ربه ويدعوان بقضاء حاجته ثم قال والله لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أسر بقضاء حاجة المؤمن إذا وصلت إليه من صاحب الحاجة.

١١ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن أبيه ، عن خلف بن حماد ، عن بعض أصحابه ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال والله لأن أحج حجة أحب إلي من أن أعتق رقبة ورقبة ورقبة ومثلها ومثلها حتى بلغ عشرا ومثلها ومثلها حتى بلغ السبعين ولأن أعول أهل بيت من المسلمين أسد جوعتهم وأكسو عورتهم فأكف وجوههم عن الناس أحب

وقال في النهاية :التنافس من المنافسة وهي الرغبة في الشيء والانفراد به وهو من الشيء النفيس الجيد في نوعه ، ونافست في الشيء منافسة ونفاسا إذا رغب فيه ، وقال :المعروف اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله تعالى ، والتقرب إلى الله والإحسان إلى الناس وحسن الصحبة مع الأهل وغيرهم من الناس.

قوله : فإن العبد كان التعليل لفضل المعروف في الجملة لا لخصوص الدخول من باب المعروف ، وقيل : حاجته التي يدعو أن حصولها له هي الدخول من باب المعروف ، ولا يخفى بعده ، ويحتمل أن تكون الفاء للتعقيب الذكري أو بمعنى الواو وكونهعليه‌السلام أسر لأنه أعلم بحسن الخيرات وعواقبها أو لأن سروره من جهتين من جهة القاضي والمقضي له معا ، وكان الضمير فيوصلت راجع إلى القضاء ، والتأنيث باعتبار المضاف إليه وقيل : راجع إلى الحاجة وإذا للشرط لا لمحض الظرفية ، والغرض تقييد المؤمن بالكامل ، فإن حاجته حاجة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أقول : هذا إذا كان ضمير« إليه » راجعا إليهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ويحتمل رجوعه إلى المؤمن.

الحديث الحادي عشر : مرسل.

والظاهر أن ضميرمثلها في الأولين راجع إلى الرقبة وفي الأخيرين إلى


إلي من أن اعتق رقبه ورقبة [ ورقبة ] ومثلها ومثلها حتى بلغ عشراً ومثلها ومثلها حتى بلغ السبعين ولأن أهول أهل بيت من المسلمين أسد جوعتهم وأكسو عورتهم فاكف وجوههم عن الناس أحبُّ إلي من أن أحج حجة وحجة وحجة ومثلها ومثلها حتى بلغ عشرا ومثلها ومثلها حتى بلغ السبعين.

١٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن أبي علي صاحب الشعير ، عن محمد بن قيس ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال أوحى الله عز وجل إلى موسىعليه‌السلام ـ أن من عبادي من يتقرب إلي بالحسنة فأحكمه في الجنة فقال موسى يا رب وما تلك الحسنة قال يمشي مع أخيه المؤمن في قضاء حاجته قضيت أو لم تقض.

١٣ ـ الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن أحمد بن محمد بن عبد الله ، عن

العشر ، وقوله : حتى بلغ ، في الموضعين كلام الراوي أي قال مثلها سبع مرات في الموضعين ، فصار المجموع سبعين ، ويحتمل كونه كلام الإمامعليه‌السلام ويكون بلغ بمعنى يبلغ ، وقيل : ضمير مثلها في الأول والثاني راجع إلى ثلاث رقبات فيصير ثلاثين وضمير مثلها في الثالث والرابع راجع إلى الثلاثين ، فيصير الحاصل مضروب الثلاثين في السبعين ، فيصير ألفان ومائة ومجموع الثواب مضروب هذا في نفسه أي عتق أربعة آلاف ألف وأربعمائة ألف وعشرة آلاف رقبة.

قوله عليه‌السلام : لأن أعول ، قال الجوهري : عال عياله يعولهم عولا وعيالة أي قاتهم وأنفق عليهم يقال : علته شهرا إذا كفيته معاشه« أسد جوعتهم » أي بأن أسد.

الحديث الثاني عشر : مجهول.

قوله عليه‌السلام : قضيت أم لم تقض ، محمول على ما إذا لم يقصر في السعي كما مر مع أن الاشتراك في دخول الجنة والتحكيم فيها لا ينافي التفاوت بحسب الدرجات.

الحديث الثالث عشر : ضعيف على المشهور.


علي بن جعفر قال سمعت أبا الحسنعليه‌السلام يقول من أتاه أخوه المؤمن في حاجة فإنما هي رحمة من الله تبارك وتعالى ساقها إليه فإن قبل ذلك فقد وصله بولايتنا وهو موصول بولاية الله وإن رده عن حاجته وهو يقدر على قضائها سلط الله عليه شجاعا من نار ينهشه في قبره إلى يوم القيامة مغفورا له أو معذبا فإن عذره الطالب كان

« فإن قبل ذلك فقد وصله » الضمير المنصوب في وصله راجع إلى مصدر قبل والولاية بالكسر والفتح المحبة والإضافة في الموضعين إلى الفاعل ، ويحتمل الإضافة إلى المفعول أيضا ، أي يصير سببا لقبول ولايته لنا وكما لها ، ومغفورا حال مقدرة عن مفعول ينهشه.

قوله عليه‌السلام : فإن عذره الطالب ، قال في المصباح : عذرته فيما صنع عذرا من باب ضرب رفعت عنه اللوم فهو معذور ، أي غير ملوم ، وأعذرته بالألف لغة ،وقوله : كان أسوأ حالا ، يحتمل وجهين : الأول : أن يكون اسم كان ضميرا راجعا إلى المعذور وكونه أسوأ حالا لأنه حينئذ يكون الطالب من كمل المؤمنين ورد حاجته يكون أقبح وأشد وبعبارة أخرى لما كان العاذر لحسن خلقه وكرمه أحق بقضاء الحاجة ممن لا يعذر فرد حاجته أشنع ، والندم عليه أدوم والحسرة عليه أعظم ، أو لأنه إذا عذره لا يشكوه ولا يغتابه ، فيبقى حقه عليه سالما إلى يوم الحساب ، ويروي عن بعض الفضلاء ممن كان قريبا من عصرنا أنه قال : المراد بالعذر إسقاط حق الآخرة وكونه أسوأ لأنه زيدت عليه المنة ولا ينفعه ، وقال بعض الأفاضل من تلامذته لتوجيه كلامه : هذا مبني على أن عذاب القبر لا يسقط بإسقاطه إذ هو حق الله كما صرح به الشيخ قدس الله روحه في الاقتصاد ، حيث قال : كل حق ليس لصاحبه قبضه ليس له إسقاطه كالطفل والمجنون لما لم يكن لهما استيفاؤه لم يكن لهما إسقاطه ، والواحد منا لما لم يكن له استيفاء ثوابه وعوضه في الآخرة لم يسقط بإسقاطه ، فعلم بذلك أن الإسقاط تابع للاستيفاء فمن لم يملك أحدهما لم يملك


كان أسوأ حالا.

١٤ ـ محمد بن يحيى ، عن محمد بن الحسين ، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع ، عن صالح بن عقبة ، عن عبد الله بن محمد الجعفي ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال إن المؤمن لترد عليه الحاجة لأخيه فلا تكون عنده فيهتم بها قلبه فيدخله الله تبارك وتعالى بهمه الجنة.

(باب)

(السعي في حاجة المؤمن)

١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن محمد بن مروان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال مشي الرجل في حاجة أخيه المؤمن يكتب له عشر حسنات ويمحى عنه عشر سيئات ويرفع له عشر درجات قال ولا

الآخر ، انتهى.

والثاني : أن يكون الضمير راجعا إلى الطالب كما فهمه المحدث الأسترآبادي ، حيث قال : أي كان الطالب أسوأ حالا لتصديقه الكاذب ولتركه النهي عن المنكر والأول أظهر وسيأتي الخبر في باب : من منع مؤمنا شيئا.

الحديث الرابع عشر : ضعيف.

باب السعي في حاجة المؤمن

الحديث الأول : مجهول.

« يكتب له » على بناء المفعول والعائد محذوف أو علي بناء الفاعل والإسناد على المجاز« ولا أعلمه » أي لا أظنه واستدل به على جواز كون السنة أفضل من الواجب لأن السعي مستحب غالبا والاعتكاف يشمل الواجب أيضا ، مع أن المستحب


أعلمه إلا قال ويعدل عشر رقاب وأفضل من اعتكاف شهر في المسجد الحرام.

٢ ـ عنه ، عن أحمد بن محمد ، عن معمر بن خلاد قال سمعت أبا الحسنعليه‌السلام يقول إن لله عبادا في الأرض يسعون في حوائج الناس هم الآمنون يوم القيامة ومن أدخل على مؤمن سرورا فرح الله قلبه يوم القيامة.

٣ ـ عنه ، عن أحمد ، عن عثمان بن عيسى ، عن رجل ، عن أبي عبيدة الحذاء قال قال أبو جعفرعليه‌السلام من مشى في حاجة أخيه المسلم أظله الله بخمسة وسبعين ألف ملك ولم يرفع قدما إلا كتب الله له حسنة وحط عنه بها سيئة ويرفع له بها درجة فإذا فرغ من حاجته كتب الله عز وجل له بها أجر حاج ومعتمر.

أيضا ينتهي إلى الواجب في كل ثالثة على المشهور كما سيأتي إنشاء الله تعالى ونظائره كثيرة.

الحديث الثاني : صحيح.

والظاهر أن الأجر مترتب على السعي فقط ، ويحتمل ترتبه على السعي والقضاء معا ، والحصر المستفاد من اللام مع تأكيده بضمير الفصل على المبالغة أو إضافي بالنسبة إلى من تركه أو إلى بعض الناس وأعمالهم ، وتفريح القلب كشف الغم عنه وإدخال السرور فيه.

الحديث الثالث : مرسل.

« أظله الله » أي يجعلهم طائرين فوق رأسه حتى يظلوه لو كان لهم ظل ، أو يجعلهم في ظلهم أي في كنفهم وحمايتهم« فإذا فرغ من حاجته » أي من السعي فيها قضيت أم لم تقض ، وربما يخص بعدم القضاء للخبر السابع الآتي ، وقيل : يدل ظاهره على أن الأجر المذكور قبله للمشي في قضاء الحاجة وجر الحاج والمعتمر لقضاء الحاجة.


٤ ـ عنه ، عن أحمد بن محمد ، عن محمد بن سنان ، عن هارون بن خارجة ، عن صدقة ، عن رجل من أهل حلوان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال لأن أمشي في حاجة أخ لي مسلم أحب إلي من أن أعتق ألف نسمة وأحمل في سبيل الله على ألف فرس مسرجة ملجمة.

٥ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حماد ، عن إبراهيم بن عمر اليماني ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال ما من مؤمن يمشي لأخيه المؤمن في حاجة إلا كتب الله عز وجل له بكل خطوة حسنة وحط عنه بها سيئة ورفع له بها درجة وزيد بعد ذلك عشر حسنات وشفع في عشر حاجات.

٦ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن عثمان بن عيسى ، عن أبي أيوب الخزاز ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال من سعى في حاجة أخيه المسلم طلب

الحديث الرابع : ضعيف على المشهور.

وفي المصباححلوان بالضم بلد مشهور من سواد العراق ، وهي آخر مدن العراق وبينها وبين بغداد نحو خمس مراحل ، وهي من طرف العراق من الشرق والقادسية من طرفه من الغرب ، قيل : سميت باسم بانيها وهو حلوان بن عمران بن الحارث بن قضاعة« واحمل في سبيل الله » أي اركب ألف إنسان على ألف فرس كل منها شد عليه السرج وألبس اللجام وأبعثها في الجهاد ، ومسرجة وملجمة اسما مفعول من بناء الأفعال.

الحديث الخامس : حسن كالصحيح.

« وزيد بعد ذلك » أي لكل خطوة وقيل : للجميع ، وشفع على بناء المجهول من التفعيل ، أي قبلت شفاعته أي استجيب دعاؤه في عشر حاجات من الحوائج الدنيوية والأخروية.

الحديث السادس : موثق.

قوله : يغفر فيها ، أي بسبب تلك الحسنات فإنها تذهب السيئات وقد ورد


وجه الله كتب الله عز وجل له ألف ألف حسنة يغفر فيها لأقاربه وجيرانه وإخوانه ومعارفه ومن صنع إليه معروفا في الدنيا فإذا كان يوم القيامة قيل له ادخل النار فمن وجدته فيها صنع إليك معروفا في الدنيا فأخرجه بإذن الله عز وجل إلا أن يكون ناصبا.

٧ ـ عنه ، عن أبيه ، عن خلف بن حماد ، عن إسحاق بن عمار ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال من سعى في حاجة أخيه المسلم فاجتهد فيها فأجرى الله على يديه قضاءها كتب الله عز وجل له حجة وعمرة واعتكاف شهرين في المسجد الحرام وصيامهما وإن اجتهد فيها ولم يجر الله قضاءها على يديه كتب الله عز وجل له حجة وعمرة.

٨ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسن بن علي ، عن جميل بن دراج

في بعض الأخبار أنها إذا زيدت على سيئاته تذهب سيئات أقاربه ومعارفه ، أو المعنى يغفر معها فيكون علاوة للحسنات ، ويؤيده بعض الروايات وكان الاختلافات الواردة في الروايات في أجور قضاء حاجة المؤمن محمولة على اختلاف النيات ومراتب الإخلاص فيها ، وتفاوت الحاجات في الشدة والسهولة واختلاف ذوي الحاجة في مراتب الحاجة والإيمان والصلاح ، واختلاف السعاة في الاهتمام والسعي وأمثال ذلك ، وعدم تضرر المؤمن بدخول النار لأمره تعالى بكونها عليه بردا وسلاما

الحديث السابع : كالسابق.

ويدل على أن مع قضاء الحاجة ثواب الساعي أكثر مما إذا لم تقض وإن لم يتفاوت السعي ولم يقصر في الاهتمام ، ولا استبعاد في ذلك وقد مر مثله في حديث إبراهيم الخارقي في الباب السابق لكن لم يكن فيه ذكر العمرة ، ويمكن أن يراد بالحجة فيه الحجة التي دخلت العمرة فيها أي التمتع أو حجة كاملة لتقييدها بالمبرورة أو يحمل على اختلاف العمل كما مر.

الحديث الثامن : موثق كالصحيح.


عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال كفى بالمرء اعتمادا على أخيه أن ينزل به حاجته.

٩ ـ عنه ، عن أحمد بن محمد ، عن بعض أصحابنا ، عن صفوان الجمال قال كنت جالسا مع أبي عبد اللهعليه‌السلام إذ دخل عليه رجل من أهل مكة يقال له ميمون فشكا إليه تعذر الكراء عليه فقال لي قم فأعن أخاك فقمت معه فيسر الله كراه فرجعت إلى مجلسي فقال أبو عبد اللهعليه‌السلام ما صنعت في حاجة أخيك فقلت قضاها الله

« كفى بالمرء » الظاهر أن الباء زائدة واعتمادا تميز ، وقوله : أن ينزل على بناء الأفعال بدل اشتمال للمرء ، وقال بعض الأفاضل : الباء فيقوله بالمرء بمعنى في ، والظرف متعلق بكفي واعتمادا تميز عن نسبة كفى إلى المرء ، وأن ينزل فاعل كفى ، انتهى.

وأقول : له وجه لكن ما ذكرنا أنسب بنظائره الكثيرة الواردة في القرآن المجيد وغيره ، وبالجملة فيه ترغيب عظيم في قضاء حاجة المؤمن إذا سأله قضاءها فإن إظهار حاجته عنده يدل على غاية اعتماده على إيمانه ووثوقه بمحبته ، ومقتضى ذلك أن لا يكذبه في ظنه ولا يخيبه في رجائه برد حاجته أو تقصيره في قضائها.

الحديث التاسع : مرسل.

« فشكا إليه تعذر الكراء عليه » الكراء بالكسر والمد أجر المستأجر عليه وهو في الأصل مصدر كاريته والمراد بتعذر الكراء إما تعذر الدابة التي يكتريها أو تعذر من يكتري دوابه بناء على كونه مكاريا أو عدم تيسر أجرة المكاري له وكل ذلك مناسب لحال صفوان الراوي ، وإما بالفتح والتخفيف ، و « أن » بالفتح مصدرية وليس في بعض النسخ ، وقوله : مبتدئا إما حال عن فاعل قال ، أي قالعليه‌السلام ذلك مبتدئا قبل أن أسأله عن أجر من قضى حاجة أخيه أو عن فاعل الطواف


بأبي أنت وأمي فقال أما إنك أن تعين أخاك المسلم أحب إلي من طواف أسبوع بالبيت مبتدئا ثم قال إن رجلا أتى الحسن بن عليعليه‌السلام فقال بأبي أنت وأمي أعني على قضاء حاجة فانتعل وقام معه فمر على الحسين صلوات الله عليه وهو قائم يصلي فقال له أين كنت عن أبي عبد الله تستعينه على حاجتك قال قد فعلت بأبي أنت وأمي فذكر أنه معتكف فقال له أما إنه لو أعانك كان خيرا له من اعتكافه شهرا.

أو هو على بناء اسم المفعول حالا عن الطواف ، وعلى التقديرين الأخيرين لإخراج طواف الفريضة ، وقيل : حال عن فاعل تعين أي تعين مبتدئا أو تميز عن نسبة أحب إلى الإعانة أي أحب من حيث الابتداء يعني قبل الشروع في الطواف لا بعده ، ولا يخفى ما فيهما لا سيما الأخير« تستعينه » أي لتستعينه أو هو حال ، فإن قيل : كيف لم يختر الحسين صلوات الله عليه إعانته مع كونها أفضل؟ قلت : يمكن أن يجاب عن ذلك بوجوه :

الأول : أنه يمكن أن يكون لهعليه‌السلام عذر آخر لم يظهره للسائل ولذا لم يذهب معه ، فأفاد الحسنعليه‌السلام ذلك لئلا يتوهم السائل أن الاعتكاف في نفسه عذر في ترك هذا ، فالمعنى لو أعانك مع عدم عذر آخر كان خيرا.

الثاني : أنه لا استبعاد في نقص علم إمام قبل إمامته عن إمام آخر في حال إمامته أو اختيار الإمام ما هو أقل ثوابا لا سيما قبل الإمامة.

الثالث : ما قيل : إنه لم يفعل ذلك لا يثأر أخيه على نفسه صلوات الله عليهما في إدراك ذلك الفضل.

الرابع : ما قيل أن فعلت بمعنى أردت الاستعانة وقوله : فذكر على بناء المجهول أي ذكر بعض خدمة أو أصحابه أنه معتكف فلذا لم أذكر له.

ثم اعلم أن قضاء الحاجة من المواضع التي جوز الفقهاء خروج المعتكف فيها عن محل اعتكافه إلا أنه لا يجلس بعد الخروج ولا يمشي تحت الظل اختيارا على المشهور ، ولا يجلس تحته على قول.


١٠ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن الحسن بن علي ، عن أبي جميلة ، عن ابن سنان قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام قال الله عز وجل الخلق عيالي فأحبهم إلي ألطفهم بهم وأسعاهم في حوائجهم.

١١ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن أبيه ، عن بعض أصحابه ، عن أبي عمارة قال كان حماد بن أبي حنيفة إذا لقيني قال كرر علي حديثك فأحدثه قلت روينا أن عابد بني إسرائيل كان إذا بلغ الغاية في العبادة صار مشاء

الحديث العاشر : ضعيف ،وكونهم عياله تعالى لضمانه أرزاقهم.

الحديث الحادي عشر : مرسل.

وأبو عمارة كنية لجماعة أكثرهم من أصحاب الباقرعليه‌السلام وكلهم مجاهيل ،وحماد بن أبي حنيفة أيضا مجهول ، والظاهر أنه كان يسأل تكرار هذا الحديث بعينه لالتذاذه بسماعه وليؤثر فيه فيحثه على العمل به ، وقيل : المراد به جنس الحديث فذكر له يوما هذا الحديث وهو بعيد ، ومنهم من قرأ براء واحدة مشددة أي ارجع إلى حديثك كأنه كان محدثا وهو مخالف لما عندنا من النسخ.

قوله : روينا هو على الأشهر بين المحدثين على بناء المجهول من التفعيل ، قال في المغرب : الرواية بعير السقاء لأنه يروي الماء أي يحمله ، ومنه راوي الحديث وراويته والتاء للمبالغة ، يقال : روي الشعر والحديث رواية ورؤيته إياه حملته على روايته ، ومنه إنا روينا في الأخبار ، وفي المصباح عنيت بأمر فلان بالبناء للمفعول عناية وعنيا شغلت به ، ولتعن بحاجتي أي لتكن حاجتي شاغلة لسرك وربما يقال عنيت بأمره بالبناء للفاعل فأنا عان ، وعني يعني من باب تعب إذا أصابته مشقة والاسم العناء بالمد ، انتهى.

فيمكن أن يكون من العناء بمعنى المشقة أو من العناية. الاعتناء بمعنى


في حوائج الناس عانيا بما يصلحهم.

(باب)

(تفريج كرب المؤمن)

١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن ابن محبوب ، عن زيد الشحام قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول من أغاث أخاه المؤمن اللهفان اللهثان عند

الاهتمام بالأمر واشتغالهم بذلك بعد بلوغهم الغاية إما لكونها أرفع العبادات وأشرفها فإن الإنسان يترقى في العبادات حتى يبلغ أقصى مراتبها ، أو لأن النفس لا تنقاد لهذه العبادة الشاقة إلا بعد تزكيتها وتصفيتها بسائر العبادات والرياضات ، أو لأن إصلاح النفس مقدم على إصلاح الغير وإعانته.

باب تفريج كرب المؤمن

الحديث الأول : صحيح.

« والإغاثة » كشف الشدة والنصرة« أخاه المؤمن » أي الذي كانت أخوته لمحض الإيمان ، ويحتمل أن تكون الأخوة أخص من ذلك أي انعقد بينهما المؤاخاة ليعين كل منهما صاحبه ، واللهفان صفة مشبهة كاللهثان ، قال في النهاية : فيه اتقوا دعوةاللهثان هو المكروب ، يقال : لهف يلهف لهفا فهو لهفان ، ولهف فهو ملهوف ، وفي القاموس : اللهشان العطشان وبالتحريك العطش وقد لهث كسمع وكغراب حر العطش وشدة الموت ، ولهث كمنع لهثا ولهاثا بالضم أخرج لسانه عطشا أو تعبأ أو إعياء ، انتهى.

وكأنه هنا كناية عن شدة الاضطرار ، وفي النهاية :الجهد بالضم الوسع و


جهده فنفس كربته وأعانه على نجاح حاجته كتب الله عز وجل له بذلك ثنتين وسبعين رحمة من الله يعجل له منها واحدة يصلح بها أمر معيشته ويدخر له إحدى وسبعين رحمة لأفزاع يوم القيامة وأهواله.

٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من أعان مؤمنا نفس الله عز وجل عنه ثلاثا وسبعين كربة واحدة في الدنيا وثنتين وسبعين كربة عند كربه العظمى قال حيث يتشاغل الناس بأنفسهم.

الطاقة ، وبالفتح المشقة ، وقيل : المبالغة والغاية ، وقيل : هما لغتان في الوسع والطاقة ، فأما في المشقة والغاية فالفتح لا غير ، وفي القاموس :نفس تنفيسا ونفسا أي فرج تفريجا.

وقوله عليه‌السلام : من الله من قبيل وضع الظاهر موضع المضمر ، وربما يقرأ من بالفتح والتشديد والإضافة منصوبا بتقدير اطلبوا أو انظروا من الله ، أو مرفوعا خبر مبتدإ محذوف أي هذا من الله ، وعلى التقادير معترضة تقوية للسابق واللاحق ، أو منصوب مفعولا لأجله للكتب ، وأقول : كل ذلك تكلف بعيد.

الحديث الثاني : ضعيف على المشهور.

« عند كربة العظمى » أي في القيامة حيث يتشاغل الناس بأنفسهم ، أي يوم لا ينظر أحد لشدة فزعه إلى حال أحد من والد أو ولد أو حميم ، كما قال تعالى : «يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ » و «لا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً »(١) «يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ »(٢) وأمثالها كثيرة.

__________________

(١) سورة حج : ٢.

(٢) سورة لقمان : ٣٣.


٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حسين بن نعيم ، عن مسمع أبي سيار قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول من نفس عن مؤمن كربة نفس الله عنه كرب الآخرة وخرج من قبره وهو ثلج الفؤاد ومن أطعمه من جوع أطعمه الله من ثمار الجنة ومن سقاه شربة سقاه الله من الرحيق المختوم.

٤ ـ الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن الحسن بن علي الوشاء ، عن

الحديث الثالث : حسن كالصحيح.

« كرب الآخرة » بضم الكاف وفتح الراء جمع كربة بالضم ، في المصباح : كربة الأمر كربا شق عليه ، ورجل مكروب مهموم ، والكربة الاسم منه ، والجمع كرب مثل غرفة وغرف.

قوله عليه‌السلام : وهو ثلج الفؤاد ، أي فرح القلب مطمئنا واثقا برحمة الله ، في القاموس : ثلجت نفسي كنصر وفرح ثلوجا وثلجا اطمأنت وثلج كخجل فرح وأثلجته ، وقال : الرحيق الخمر أو أطيبها وأفضلها أو الخالص أو الصافي ، وفي النهاية : فيه أيما مؤمن سقى مؤمنا على ظمإ سقاه الله يوم القيامة من الرحيق المختوم ، الرحيق من أسماء الخمر يريد خمر الجنة والمختوم المصون الذي لم يبتذل لأجل ختامه ، انتهى.

وأقول : إشارة إلى قوله تعالى : «إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ ، عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ ، تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ، يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ ، خِتامُهُ مِسْكٌ »(١) قال البيضاوي : أي مختوم أوانيه بالمسك مكان الطين ، ولعله تمثيل لنفاسته أو الذي له ختام أي مقطع هو رائحة المسك.

الحديث الرابع : ضعيف على المشهور.

__________________

(١) سورة المطفّفين : ٢٥.


الرضاعليه‌السلام قال من فرج عن مؤمن فرج الله عن قلبه يوم القيامة.

٥ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسن بن محبوب ، عن جميل بن صالح ، عن ذريح المحاربي قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول أيما مؤمن نفس عن مؤمن كربة وهو معسر يسر الله له حوائجه في الدنيا والآخرة قال ومن ستر على مؤمن عورة يخافها ستر الله عليه سبعين عورة من عورات الدنيا والآخرة قال والله في عون المؤمن ما كان المؤمن في عون أخيه فانتفعوا بالعظة وارغبوا في الخير.

(باب إطعام المؤمن)

١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن أبي يحيى الواسطي ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال من أشبع مؤمنا وجبت له الجنة ومن أشبع كافرا كان حقا على الله أن يملأ جوفه من الزقوم مؤمنا كان أو كافرا.

« فرج الله » في بعض النسخ بالجيم وفي بعضها بالحاء المهملة.

الحديث الخامس : صحيح.

قوله عليه‌السلام : وهو معسر ، الضمير إما راجع إلى المؤمن الأول أو المؤمن الثاني ، والعسر الضيق والشدة والصعوبة وهو أعم من الفقر ، والعورة كل ما يستحيي منه إذا ظهر ، وهي أعم من المحرمات والمكروهات ، وما يشينه عرفا وعادة ، والعيوب البدنية والستر في المحرمات لا ينافي نهيه عنها ، لكن إذا توقف النهي عن المنكر على إفشائها وذمه عليها فالمشهور جوازه بل وجوبه ، فيمكن تخصيصه بغير ذلك.

باب إطعام المؤمن

الحديث الأول : مجهول مرسل.

« من أشبع » إلخ ، لا فرق في ذلك بين البادي والحاضر لعموم الأخبار خلافا


لبعض العامة حيث خصوه بالأول لأن في الحضر مرتفقا وسوقا ولا يخفى ضعفه « مؤمنا كان » أي المطعم ، والزقوم شجرة تخرج في أصل الجحيم طلعها كأنه رؤوس الشياطين ، منبتها قعر جهنم وأغصانها انتشرت في دركاتها ، ولها ثمرة في غاية القبح والمرارة والبشاعة ، ويدل ظاهرا على عدم جواز إطعام الكافر مطلقا حربيا كان أو ذميا ، قريبا كان أو بعيدا ، غنيا كان أو فقيرا ولو كان مشرفا على الموت ، والمسألة لا تخلو عن إشكال ، وللأصحاب فيه أقوال.

واعلم أن المشهور أنه لا يجوز وقف المسلم على الحربي وإن كان رحما لقوله تعالى : «لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ »(١) الآية ، وربما قيل : بجوازه لعموم قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لكل كبد حرى أجر ، وأما الوقف على الذمي ففيه أقوال : « أحدها » المنع مطلقا ، وهو قول سلار وابن البراج ، والثاني : الجواز مطلقا وهو مختار المحقق (ره) وجماعة ، والثالث : الجواز إذا كان الموقوف عليه قريبا دون غيره ، وهو مختار الشيخين وجماعة ، والرابع : الجواز للأبوين خاصة اختاره ابن إدريس.

ثم الأشهر بين الأصحاب جواز الصدقة ، على الذمي وإن كان أجنبيا للخبر المتقدم ، ولقوله تعالى : «لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ »(٢) الآية.

ويظهر من بعض الأصحاب أن الخلاف في الصدقة على الذمي كالخلاف في الوقف عليه ، ونقل في الدروس عن ابن أبي عقيل المنع من الصدقة على غير المؤمن مطلقا ، وروي عن سدير قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام أطعم سائلا لا أعرفه مسلما؟ قال : نعم أعط من لا تعرفه بولاية ولا عداوة للحق ، إن الله عز وجل يقول : «وَقُولُوا

__________________

(١) سورة المجادلة : ٢٢.

(٢) سورة الممتحنة : ٨.


٢ ـ عنه ، عن أحمد بن محمد ، عن عثمان بن عيسى ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال لأن أطعم رجلا من المسلمين أحب إلي من أن أطعم أفقا من الناس قلت وما الأفق قال مائة ألف أو يزيدون.

٣ ـ عنه ، عن أحمد ، عن صفوان بن يحيى ، عن أبي حمزة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام

لِلنَّاسِ حُسْناً »(١) ولا يطعم من نصب بشيء من الحق أو دعا إلى شيء من الباطل ، وروي جواز الصدقة على اليهود والنصارى والمجوس ، وسيأتي جواز سقي النصراني ، وحمل الشهيد الثاني (ره) أخبار المنع على الكراهة ، وهذا الخبر يأبى عن هذا الحمل ، نعم يمكن حمله على ما إذا كان بقصد الموادة ، أو كان ذلك لكفرهم أو إذا صار ذلك سببا لقوتهم على محاربة المسلمين وإضرارهم ، ويمكن حمل أخبار الجواز على المستضعفين أو التقية.

الحديث الثاني : مرسل.

ولم يرد الأفق بهذا المعنى في اللغة بل هو بالضم وبضمتين الناحية ، ويمكن أن يكون المراد أهل ناحية والتفسير بمائة ألف أو يزيدون معناه أن أقله مائة ألف ، أو يطلق على عدد كثير يقال فيهم هم مائة ألف أو يزيدون كما هو أحد الوجوه في قوله تعالى : «وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ »(٢) ، وكان المراد بالمسلمين هنا الكمل من المؤمنين أو الذين ظهر له إيمانهم بالمعاشرة التامة ، وبالناس سائر المؤمنين أو بالمسلمين المؤمنون وبالناس المستضعفون من المخالفين ، فإن في إطعامهم أيضا فضلا كما يظهر من بعض الأخبار ، أو الأعم منهم ومن المستضعفين من المؤمنين.

الحديث الثالث : صحيح.

والجنان بالكسر جمع الجنة وقوله : في ملكوت السماوات إما صفة للجنان

__________________

(١) سورة البقرة : ٨٣.

(٢) سورة الصافّات : ١٤٧.


قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من أطعم ثلاثة نفر من المسلمين أطعمه الله من ثلاث جنان ـ في ملكوت السماوات الفردوس وجنة عدن وطوبى [ و ] شجرة تخرج من جنة عدن

أو متعلق بأطعمة ، والملكوت فعلوت من الملك وهو العز والسلطان والمملكة ، وخص بملك الله تعالى فعلى الأخير الإضافة بيانية ، وعلى بعض الوجوه كلمة في تعليلية ، قال البيضاوي في قوله تعالى : «وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »(١) أي ربوبيتها وملكها وقيل : عجائبها وبدائعها والملكوت أعظم الملك والتاء فيه للمبالغة ، انتهى.

والفردوس البستان الذي فيه الكروم والأشجار وضروب من النبت قال الفراء : هو عربي واشتقاقه من الفردسة وهي السعة ، وقيل : منقول إلى العربية وأصله رومي ، وقيل : سرياني ثم سمي به جنة الفردوس.

والعدن الإقامة ، يقال : عدن بالمكان يعدن وعدنا وعدونا من بابي ضرب وقعد إذا أقام فيه ولزم ولم يبرح ، ومنهجنة عدن أي جنة إقامة ، وقيل :طوبى اسم للجنة مؤنث أطيب من الطيب وأصلها طيبى ، ضمت التاء وأبدلت الياء بالواو ، وقد يطلق على الخير وعلى شجرة في الجنة ، انتهى.

وفي أكثر النسخ شجرة بدون واو العطف وهو الظاهر ، ويؤيده أن في ثواب الأعمال وغيره : وهي شجرة ،فشجرة عطف بيان لطوبى ، وقد يقال : طوبى مبتدأ وشجرة خبره وعدم ذكر الثالث من الجنان لدلالة هذه الفقرة عليها ، وفي بعض النسخ بالعطف ، فهي عطف على ثلاث جنان ، وعلى التقديرين عد الشجرة جنة وجعلها جنة أخرى مع أنها نبتت من جنة عدن لأنها ليست كسائر الأشجار لعظمتها واشتمالها على سائر الثمار وسريان أغصانها في جميع الجنان ، لما ورد في الأخبار أن في بيت كل مؤمن منها غصن.

__________________

(١) سورة الأنعام : ٧٥.


غرسها ربنا بيده.

٤ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حماد بن عيسى ، عن إبراهيم بن عمر اليماني ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال ما من رجل يدخل بيته مؤمنين فيطعمهما شبعهما إلا كان ذلك أفضل من عتق نسمة.

٥ ـ عنه ، عن أبيه ، عن حماد ، عن إبراهيم ، عن أبي حمزة ، عن علي بن الحسينعليه‌السلام قال من أطعم مؤمنا من جوع أطعمه الله من ثمار الجنة ومن سقى مؤمنا من ظمإ سقاه الله من الرحيق المختوم.

٦ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن جعفر بن محمد الأشعري ، عن عبد الله بن ميمون القداح ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال من أطعم مؤمنا حتى يشبعه

قوله : بيده ، أي برحمته ، وقال الأكثر : أي بقدرته ، فالتخصيص مع أن جميع الأشياء بقدرته إما لبيان عظمتها وأنها لا تتكون إلا عن مثل تلك القدرة أو لأن خلقها بدون توسط الأسباب كأشجار الدنيا وكسائر أشجار الجنة ، بتوسط الملائكة ، ومثله قوله تعالى : «لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ »(١) .

الحديث الرابع : حسن كالصحيح.

وفي القاموس :الشبع بالفتح وكعنب سد الجوع ، وبالكسر وكعنب اسم ما أشبعك والمستتر في كان راجع إلى مصدر يدخل وما قيل : إنه راجع إلى الرجل والعتق بمعنى الفاعل فهو تكلف.

الحديث الخامس : كالسابق.

الحديث السادس : ضعيف.

__________________

(١) سورة ص : ٧٥.


لم يدر أحد من خلق الله ما له من الأجر في الآخرة لا ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا الله رب العالمين ثم قال من موجبات المغفرة إطعام المسلم السغبان ثم تلا قول الله عز وجل : «أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ (١) ».

٧ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من سقى مؤمنا شربة من ماء من حيث يقدر على

« لم يدر أحد » أي من عظمته والاستثناء فيقوله : إلا الله منقطع ، وكان المراد به المؤمن الخالص الكامل ، ولذا عبر فيما سيأتي بالمسلم ، أي مطلق المؤمن ، ويقال سغب سغبا وسغبا بالتسكين والتحريك ، وسغابة بالفتح وسغوبا بالضم ومسغبة من بابي فرح ونصر : جاع ، فهو ساغب وسغبان أي جائع ، وقيل : لا يكون السغب إلا أن يكون الجوع مع تعب ، وأشار بالآية الكريمة إلى أن الإطعام من المنجيات التي رغب الله فيها وعظمها حيث قال سبحانه : «فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ » فلم يشكر الأيادي المتقدم ذكرها باقتحام العقبة ، وهو الدخول في أمر شديد ، والعقبة الطريق في الجبل ، استعارها لما فسرها به من الفك والإطعام في قوله : «وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ ، فَكُّ رَقَبَةٍ ، أَوْ إِطْعامٌ »(٢) الآية ، لما فيهما من مجاهدة النفس ، والمسغبة والمقربة والمتربة مفعلات من سغب إذا جاع ، وقرب في النسب ، وترب إذا افتقر ، وقيل : المراد به مسكين قد لصق بالتراب من شدة فقره وضره وفي الآية إشارة إلى تقديم الأقارب في الصدقة على الأجانب بل الأقرب على غيره.

الحديث السابع : ضعيف على المشهور.

قوله : من حيث يقدر « من » في الموضعين بمعنى في ، ويمكن أن يقرأ يقدر

__________________

(١) سورة البلد : ١١.

(٢) سورة البلد : ١٣.


الماء أعطاه الله بكل شربة سبعين ألف حسنة وإن سقاه من حيث لا يقدر على الماء فكأنما أعتق عشر رقاب من ولد إسماعيل.

٨ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن عثمان بن عيسى ، عن حسين بن نعيم الصحاف قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام أتحب إخوانك يا حسين قلت نعم قال تنفع فقراءهم قلت نعم قال أما إنه يحق عليك أن تحب من يحب الله أما والله لا تنفع منهم أحدا حتى تحبه أتدعوهم إلى منزلك قلت نعم ما آكل إلا ومعي منهم الرجلان والثلاثة والأقل والأكثر فقال أبو عبد اللهعليه‌السلام أما

في الموضعين على بناء المجهول وعلى بناء المعلوم أيضا فالضمير للمؤمن ، وقوله : بكل شربة مع ذكر الشربة سابقا ، إما لعموم من سقى شربة أو بأن يحمل شربة أولا على الجنس ، أو بأن يقرأ الأولى بالضم وهي قدر ما يروي الإنسان ، والثانية بالفتح وهي الجرعة تبلغ مرة واحدة ، فيمكن أن يشرب ما يرويه بجرعات كثيرة إما مع الفصل أو بدونه أيضا ، قال الجوهري : الشربة بالفتح المرة الواحدة من الشرب وعنده شربة من ماء ، بالضم أي مقدار الري.

والمرادبعتق الرقبة من ولد إسماعيل تخليصه من القتل ومن المملوكية قهرا بغير الحق أو من المملوكية الحقيقية أيضا ، فإن كونه من ولد إسماعيل لا ينافي رقيته إذا كان كافرا فإن العرب كلهم من ولد إسماعيل.

الحديث الثامن : موثق.

« أما إنه يحق عليك » أي يجب ويلزم« من يحب الله » برفع الجلالة أي يحبه الله ، ويحتمل النصب والأول أظهر« أما والله لا تنفع » كان غرضهعليه‌السلام إن دعوى المحبة بدون النفع كذب ، وإن كنت صادقا في دعوى المحبة لا بد أن تنفعهم« وأوطؤهم رحلي » أي آذنهم وأكلفهم أن يدخلوا منزلي ويمشوا فيه أو


إن فضلهم عليك أعظم من فضلك عليهم فقلت جعلت فداك أطعمهم طعامي وأوطئهم رحلي ويكون فضلهم علي أعظم قال نعم إنهم إذا دخلوا منزلك دخلوا بمغفرتك ومغفرة عيالك وإذا خرجوا من منزلك خرجوا بذنوبك وذنوب عيالك.

٩ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن أبي محمد الوابشي قال ذكر أصحابنا عند أبي عبد اللهعليه‌السلام فقلت ما أتغدى ولا أتعشى إلا ومعي منهم الاثنان والثلاثة وأقل وأكثر فقال أبو عبد اللهعليه‌السلام فضلهم عليك أعظم من فضلك عليهم فقلت جعلت فداك كيف وأنا أطعمهم طعامي وأنفق عليهم من مالي وأخدمهم عيالي فقال إنهم إذا دخلوا عليك دخلوا برزق من الله عز وجل كثير وإذا خرجوا خرجوا بالمغفرة لك.

على فراشي وبسطي ، في القاموس : الرحل مسكنك وما تستصحبه من الأثاث« ويكون فضلهم على أعظم » استفهام على التعجب« دخلوا بمغفرتك » الباء للمصاحبة أو للتعدية ، وفي سائر الأخبار برزقك ورزق عيالك ، ولا يبعد أن يكون سهوا من الرواة ليكون ما بعده تأسيسا.

الحديث التاسع : مجهول.

ووابش أبو قبيلة ، والتغدي : الأكل بالغداة أي أول اليوم والتعشي الأكل بالعشي أي آخر اليوم وأول الليل« وأخدمهم » على بناء الأفعال أي آمر عيالي بخدمتهم وتهيئة أسباب ضيافتهم ، وفي مجالس الشيخ : وأخدمهم خادمي وفي المحاسن : ويخدمهم خادمي« برزق من الله عز وجل كثير » كان التقييد بالكثير لئلا يتوهم أنهم يأتون بقدر ما أكلوا وفي المحاسن دخلوا من الله بالرزق الكثير.

والباء فيقوله : بالمغفرة كأنها للمصاحبة المجازية فإنهم لما خرجوا بعد مغفرة صاحب البيت فكأنها صاحبتهم أو للملابسة كذلك أي متلبسين بمغفرة صاحب البيت ، وقيل : الباء في الموضعين للسببية المجازية فإن الله تعالى لما علم


١٠ ـ عنه ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن محمد بن مقرن ، عن عبيد الله الوصافي ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال لأن أطعم رجلا مسلما أحب إلي من أن أعتق أفقا من الناس قلت وكم الأفق فقال عشرة آلاف.

١١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حماد بن عيسى ، عن ربعي قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام من أطعم أخاه في الله كان له من الأجر مثل من أطعم فئاما من الناس قلت وما الفئام [ من الناس ] قال مائة ألف من الناس.

دخولهم يهيئ رزقهم قبل دخولهم ولما كانت المغفرة أيضا قبل خروجهم عند الأكل كما سيأتي في كتاب الأطعمة فالرزق شبيه بسبب الدخول والمغفرة بسبب الخروج لوقوعهما قبلهما لتقدم العلة على المعلول ، فلذا استعملت الباء للسببية فيهما.

الحديث العاشر : كالسابق.

ولا تنافي بينه وبين ما مضى في رواية أبي بصير إذ كان ما مضى إطعام مائة ألف [ رجل من المسلمين ](١) وهنا عتق عشرة آلاف ، والأفق إما موضوع للعدد الكثير وكان المراد هناك غير ما هو المراد هيهنا ، أو المراد أهل الأفق كما مر وهم أيضا مختلفون في الكثرة أو مشترك لفظي بين العددين ، ويومئ إلى أن في الإعتاق عشرة أمثال إطعام الناس والمراد بالناس أما المؤمن غير الكامل أو المستضعف كما مر.

الحديث الحادي عشر : حسن كالصحيح.

وقال الجوهري :الفئام كقيام الجماعة من الناس لا واحد له من لفظه ، والعامة تقول فئام بلا همز ، انتهى.

وما فسره بهعليه‌السلام بيان للمعنى المراد بالفئام هنا لا أنه معناه لا يطلق على غيره ، وقد أوردنا أخبارا كثيرة في الكتاب الكبير لفضل يوم الغدير مشتملة على تفسير الفأم بمائة ألف.

__________________

(١) ما بين العلامتين ليس في نسخة الأصل.


١٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام بن الحكم ، عن سدير الصيرفي قال قال لي أبو عبد اللهعليه‌السلام ما منعك أن تعتق كل يوم نسمة قلت لا يحتمل مالي ذلك قال تطعم كل يوم مسلما فقلت موسرا أو معسرا قال فقال إن الموسر قد يشتهي الطعام.

١٣ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن صفوان الجمال ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال أكلة يأكلها أخي المسلم عندي أحب إلي من أن أعتق رقبة.

١٤ ـ عنه ، عن إسماعيل بن مهران ، عن صفوان الجمال ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال لأن أشبع رجلا من إخواني أحب إلي من أن أدخل سوقكم هذا فأبتاع منها رأسا فأعتقه.

الحديث الثاني عشر : حسن.

« إن الموسر قد يشتهي الطعام » بيان للتعميم بذكر علته فإن علة الفضل هي إدخال السرور على المؤمن وإكرامه وقضاء وطره ، وكل ذلك يكون في الموسر وقد مر أن اختلاف الفضل باختلاف المطعمين والمطعمين والنيات والأحوال وسائر شرائط قبول العمل مع أن أكثر الاختلافات بحسب المفهوم والأقل داخل في الأكثر ، ويمكن أن يكون التقليل في بعضها لضعف عقول السامعين أو لمصالح أخر.

الحديث الثالث عشر : صحيح.

والأكلة بالفتح المرة من الأكل وبالضم اللقمة والقرصة والطعمة ، فعلى الأول الضمير في يأكلها مفعول مطلق وعلى الثاني مفعول به.

الحديث الرابع عشر : كالسابق.

« رأسا » أي عبدا أو أمة.


١٥ ـ عنه ، عن علي بن الحكم ، عن أبان بن عثمان ، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال لأن آخذ خمسة دراهم وأدخل إلى سوقكم هذا فأبتاع بها الطعام وأجمع نفرا من المسلمين أحب إلي من أن أعتق نسمة.

١٦ ـ عنه ، عن الوشاء ، عن علي بن أبي حمزة ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال سئل محمد بن علي صلوات الله عليهما ما يعدل عتق رقبة قال إطعام رجل مسلم.

١٧ ـ محمد بن يحيى ، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب ، عن محمد بن إسماعيل ، عن صالح بن عقبة ، عن أبي شبل قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام ما أرى شيئا يعدل زيارة المؤمن إلا إطعامه وحق على الله أن يطعم من أطعم مؤمنا من طعام الجنة.

١٨ ـ محمد ، عن محمد بن الحسين ، عن محمد بن إسماعيل ، عن صالح بن عقبة ، عن رفاعة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال لأن أطعم مؤمنا محتاجا أحب إلي من أن أزوره ولأن أزوره أحب إلي من أن أعتق عشر رقاب.

١٩ ـ صالح بن عقبة ، عن عبد الله بن محمد ويزيد بن عبد الملك ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال من أطعم مؤمنا موسرا كان له يعدل رقبة من ولد إسماعيل ينقذه من

الحديث الخامس عشر : موثق.

الحديث السادس عشر : ضعيف على المشهور.

وقيل : المرادبالمعادلة هنا ما يشمل كونه أفضل.

الحديث السابع عشر : ضعيف.

الحديث الثامن عشر : كالسابق.

الحديث التاسع عشر : كالسابق.

«كان له يعدل» في بعض النسخ بصيغة المضارع الغائب وكأنه بتقدير أن المصدرية وفي بعض النسخ بالباء الموحدة داخلة على عدل ، فالباء زائدة للتأكيد ، مثل «جَزاءُ


الذبح ومن أطعم مؤمنا محتاجا كان له يعدل مائة رقبة من ولد إسماعيل ينقذها من الذبح.

٢٠ ـ صالح بن عقبة ، عن نصر بن قابوس ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال لإطعام مؤمن أحب إلي من عتق عشر رقاب وعشر حجج قال قلت عشر رقاب وعشر حجج قال فقال يا نصر إن لم تطعموه مات أو تدلونه فيجيء إلى ناصب فيسأله والموت خير له من مسألة ناصب يا نصر من أحيا مؤمنا «فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ

سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها » وبحسبك درهم ، فيحتمل حينئذ أن يكون العدل بالفتح بمعنى الفداء ، والمستتر فيينقذه راجع إلى المطعم ، وعلى الاحتمال الأخير يحتمل رجوعه إلى العدل ، والضمير البارز في الأول راجع إلى الرقبة بتأويل الشخص ، وفي الثاني إلى المائة.

الحديث العشرون : كالسابق.

و « عشر حجج » عطف على العتق« عشر رقاب » أي عتق عشر رقاب ، قاله تعجبا فأزالعليه‌السلام تعجبه بأن قال إن لم تطعموه فإما أن يموت جوعا إن لم يسأل النواصب أو يصير ذليلا بسؤال ناصب وهو عنده بمنزلة الموت ، بل أشد عليه منه فإطعامه سبب لحياته الصورية والمعنوية ، وقد قال تعالى : «مَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً »(١) والمراد بالنفس المؤمنة ، وبالإحياء أعم من المعنوية لما ورد في الأخبار الكثيرة أن تأويلها الأعظم هدايتها ، لكن كان الظاهر حينئذأو تذلوه للعطف على الجزاء ، ولذا قرأ بعضهم بفتح الواو على الاستفهام الإنكاري وتدلونه بالدال المهملة واللام المشددة من الدلالة.

والحاصل أنه لما قالعليه‌السلام الموت لازملعدم الإطعام كان هنا مظنة سؤال وهو أنه يمكن أن يسأل الناصب ولا يموت فأجابعليه‌السلام بأنه إن أردتم أن تدلوه على أن يسأل ناصبا فهو لا يسأله لأن الموت خير له من مسألته ، فلا بد من أن يموت

__________________

(١) سورة المائدة : ٣٢. والآية هكذا «وَمَنْ أَحْياها ».


جَمِيعاً » فإن لم تطعموه فقد أمتموه وإن أطعمتموه فقد أحييتموه.

(باب من كسا مؤمناً)

١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن عمر بن عبد العزيز ، عن جميل بن دراج ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال من كسا أخاه كسوة شتاء أو صيف كان حقا على الله أن يكسوه من ثياب الجنة وأن يهون عليه سكرات الموت وأن يوسع عليه في قبره وأن يلقى الملائكة إذا خرج من قبره بالبشرى وهو قول الله عز وجل في كتابه : «وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ »(١) .

فإطعامه إحياؤه ، وقرأ آخر تدلونه بالتخفيف من الأدلاء بمعنى الإرسال وما ذكرناه أولا أظهر معنى ، وقوله فقد أمتموه يحتمل الإماتة بالإضلال وبالإذلال ، وكذا الإحياء يحتمل الوجهين.

باب من كسى مؤمناً

الحديث الأول : ضعيف.

وسكرات الموت شدائده« وأن يلقى » يمكن أن يقرأ على بناء المعلوم من باب علم فالضمير المرفوع راجع إلى من ، والملائكة منصوب أو الملائكة مرفوع والمفعول محذوف ، أي يلقاه الملائكة أو من باب التفعيل والمستتر راجع إلى الله والمفعول الأول محذوف ومفعوله الثاني الملائكة ، والآية في سورة الأنبياء وقبلها : «إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ ، لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ » أي تستقبلهم مهنين «هذا يَوْمُكُمُ » أي يوم ثوابكم وهو مقدر بالقول «الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ » أي في الدنيا.

__________________

(١) سورة الأنبياء : ١٠٣.


٢ ـ عنه ، عن أحمد بن محمد ، عن بكر بن صالح ، عن الحسن بن علي ، عن عبد الله بن جعفر بن إبراهيم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال من كسا أحدا من فقراء المسلمين ثوبا من عري أو أعانه بشيء مما يقوته من معيشته وكل الله عز وجل به سبعة آلاف ملك من الملائكة يستغفرون لكل ذنب عمله إلى أن ينفخ في الصور.

٣ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن صفوان ، عن أبي حمزة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من كسا أحدا من فقراء المسلمين ثوبا من عري أو أعانه بشيء مما يقوته من معيشته وكل الله عز وجل به سبعين ألف ملك من الملائكة يستغفرون لكل ذنب عمله إلى أن ينفخ في الصور.

الحديث الثاني : كالسابق.

« من عري » بضم العين وسكون الراء خلاف اللبس والفعل كرضى« مما يقوته » في أكثر النسخ بالتاء من القوت وهو المسكة من الرزق ، قال في المصباح : القوت ما يؤكل ليمسك الرمق وقاته يقوته قوتا من باب قال أعطاه قوتا ، واقتات به أكله ، وقال :المعيش والمعيشة مكسب الإنسان الذي يعيش به والجمع المعايش ، هذا على قول الجمهور أنه من عاش ، والميم زائدة ووزن معائش مفاعل فلا يهمز ، وبه قرأ السبعة ، وقيل : هو من معش والميم أصلية فوزن معيش ومعيشة فعيل وفعيلة ، ووزن معائش فعايل فيهمز ، وبه قرأ أبو جعفر المدني والأعرج ، انتهى.

والضمير المنصوب في يقوته راجع إلى الفقير ، والضمير في قوله من معيشته الظاهر رجوعه إلى المعطي ، ويحتمل رجوعه إلى الفقير أيضا وأما إرجاع الضميرين معا إلى المعطي فيحتاج إلى تكلف في يقوته ، وفي بعض النسخ يقويه بالياء من التقوية ، فالاحتمال الأخير لا تكلف فيه والكل محتمل.

الحديث الثالث : صحيح.

وكان الأنسب أن يقول مثله.


٤ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حماد بن عيسى ، عن إبراهيم بن عمر ، عن أبي حمزة الثمالي ، عن علي بن الحسينعليه‌السلام [ قال ] من كسا مؤمنا كساه الله من الثياب الخضر وقال في حديث آخر لا يزال في ضمان الله ما دام عليه سلك.

٥ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن عثمان بن عيسى ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أنه كان يقول من كسا مؤمنا ثوبا من

الحديث الرابع : حسن كالصحيح.

« من الثياب الخضر » كأنه إشارة إلى قوله تعالى : «عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ »(١) أي يعلوهم ثياب الحرير الخضر مارق منها وما غلظ ، وفيه إيماء إلى أن الخضرة أحسن الألوان« ما دام عليه سلك » السلك : الخيط وضمير عليه إما راجع إلى الموصول أي ما دام عليه سلك منه ، أو إلى الثوب أي ما دام على ذلك الثوب سلك وإن خرج عن حد اللبس والانتفاع والأول أظهر ، وإن كانت المبالغة في الأخير أكثر ، ويؤيد الأول ما في قرب الإسناد عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال : من كسى مؤمنا ثوبا لم يزل في ضمان الله عز وجل ما دام على ذلك المؤمن من ذلك الثوب هدبة أو سلك ، ويؤيد الأخير ما في مجالس الشيخ مرويا عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : من كساه ثوبا كساه الله من الإستبرق والحرير ، وصلى عليه الملائكة ما بقي في ذلك الثوب سلك.

الحديث الخامس : موثق.

وفي القاموس :الإستبرق الديباج الغليظ معرب استروة ، أو ديباج يعمل بالذهب أو ثياب حرير صفاق نحو الديباج ، وكلمة من في الموضعين بمعنى عند كما قيل في قوله تعالى : «لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً »(٢) أو بمعنى في كما في قوله تعالى : «ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ »(٣) وعلى التقديرين بيان لحال المكسو ،

__________________

(١) سورة الإنسان : ٢١.

(٢) سورة آل عمران : ١١٦.

(٣) سورة الأحقاف : ٤.


عري كساه الله من إستبرق الجنة ومن كسا مؤمنا ثوبا من غنى لم يزل في ستر من الله ما بقي من الثوب خرقة.

(باب)

(في إلطاف المؤمن وإكرامه)

١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن الحسين بن هاشم ، عن سعدان بن مسلم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال من أخذ من وجه أخيه المؤمن قذاة كتب الله عز وجل له عشر حسنات ومن تبسم في وجه أخيه كانت له حسنة.

٢ ـ عنه ، عن أحمد بن محمد ، عن عمر بن عبد العزيز ، عن جميل بن دراج ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال من قال لأخيه المؤمن مرحبا كتب الله تعالى له مرحبا إلى يوم القيامة.

ويحتمل الكاسي على بعد« في ستر من الله » أي يستره من الذنوب أو من العقوبة أو من النوائب أو من الفضيحة في الدنيا والآخرة.

باب في إلطاف المؤمن وإكرامه

الحديث الأول : مجهول.

وفي النهاية :القذى جمع قذاة وهو ما يقع في العين والماء والشراب من تراب أو تبن أو وسخ أو غير ذلك.

الحديث الثاني : ضعيف.

« إلى يوم القيامة » إما متعلق بمرحبا فيكون داخلا في المكتوب أو متعلق بكتب وهو أظهر أي يكتب له ثواب هذا القول إلى يوم القيامة ، أو يخاطب بهذا الخطاب ويكتب له فينزل عليه الرحمة بسببه ، أو هو كناية عن أنه محل لألطاف الله


٣ ـ عنه ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال من أتاه أخوه المسلم فأكرمه فإنما أكرم الله عز وجل.

٤ ـ عنه ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن محبوب ، عن نصر بن إسحاق ، عن الحارث بن النعمان ، عن الهيثم بن حماد ، عن أبي داود ، عن زيد بن أرقم قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ما في أمتي عبد ألطف أخاه في الله بشيء من لطف إلا أخدمه الله من خدم الجنة.

٥ ـ وعنه ، عن أحمد بن محمد ، عن بكر بن صالح ، عن الحسن بن علي ، عن عبد الله بن جعفر بن إبراهيم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من أكرم أخاه المسلم بكلمة يلطفه بها وفرج عنه كربته لم يزل في ظل الله الممدود

ورحماته إلى يوم القيامة والرحب السعة ومرحبا منصوب بفعل لازم الحذف ، أي أتيت رحبا وسعة أو مكانا واسعا وفيه إظهار للسرور بملاقاته.

الحديث الثالث : صحيح.

« فأكرمه » أي أكرم المأتي الآتي.

الحديث الرابع : مجهول.

والظرف أيفي الله حال عن الأخ أو متعلق بالألطاف والأول أظهر ، واللطف : الرفق والإحسان وإيصال المنافع.

الحديث الخامس : ضعيف.

« يلطفه بها » على بناء على المعلوم من الأفعال ، وفي بعض النسخ بالتاء فعلا ماضيا من باب التفعل ، في القاموس : لطف كنصر لطفا بالضم رفق ودنا والله لك أوصل إليك مرادك بلطف ، وألطفه بكذا بره والملاطفة المبارة ، وتلطفوا وتلاطفوا رفقوا ، انتهى.

« لم يزل في ظل الله الممدود » أي المنبسط دائما بحيث لا يتقلص ولا يتفاوت


عليه الرحمة ما كان في ذلك.

٦ ـ عنه ، عن أحمد بن محمد ، عن عمر بن عبد العزيز ، عن جميل ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال سمعته يقول إن مما خص الله عز وجل به المؤمن أن يعرفه بر إخوانه وإن قل وليس البر بالكثرة وذلك أن الله عز وجل يقول في كتابه : «وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ » ثم قال «وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ »(١) ومن عرفه الله عز وجل بذلك أحبه الله ومن أحبه الله

إشارة إلى قوله تعالى : «وَظِلٍّ مَمْدُودٍ »(٢) أي لم يزل في القيامة في ظل رحمة الله الممدود أبدا« عليه الرحمة » أي تنزل عليه الرحمة« ما كان في ذلك الظل » أي أبدا أو المعنى لم يزل في ظل حماية الله ورعايته نازلا عليه رحمة الله ما كان مشتغلا بذلك الإكرام ، وقيل : الضمير في عليه راجع إلى الظل ، والرحمة مرفوع وهو نائب فاعل الممدود ، وما بمعنى ما دام والمقصود تقييد الدوام المفهوم من لم يزل.

الحديث السادس : كالسابق.

« أن يعرفه بر إخوانه » أي ثواب البر أو التعريف كناية عن التوفيق للفعل« وذلك أن الله يقول » الاستشهاد بالآية من حيث أن الله مدح إيثار الفقير مع أنه لا يقدر على الكثير ، فعلم أنه ليس البر بالكثرة «وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ » أي يختارون غيرهم من المحتاجين على أنفسهم ويقدمونهم «وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ » أي حاجة وفقر عظيم «وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ » بوقاية الله وتوفيقه ، ويحفظها عن البخل والحرص «فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ » أي الفائزون.

والمشهور أن الآية نزلت في الأنصار وإيثارهم المهاجرين على أنفسهم في أموالهم ،

__________________

(١) سورة الممتحنة : ١٠.

(٢) سورة الواقعة : ٣٠.


تبارك وتعالى وفاه أجره يوم القيامة بغير حساب ثم قال يا جميل ارو هذا الحديث لإخوانك فإنه ترغيب في البر.

٧ ـ محمد بن يحيى ، عن محمد بن الحسين ، عن محمد بن إسماعيل ، عن صالح بن عقبة ، عن المفضل ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إن المؤمن ليتحف أخاه التحفة قلت وأي شيء التحفة قال من مجلس ومتكإ وطعام وكسوة وسلام فتطاول الجنة مكافأة له ويوحي الله عز وجل إليها أني قد حرمت طعامك على أهل الدنيا إلا على نبي أو وصي نبي فإذا كان يوم القيامة أوحى الله عز وجل إليها

وروي من طريق العامة أنها نزلت في أمير المؤمنينعليه‌السلام وأنه مع بقية أهل بيته لم يطعموا شيئا منذ ثلاثة أيام فاقترض دينارا ثم رأى المقداد فتفرس منه أنه جائع ، فأعطاه الدينار فنزلت الآية مع المائدة من السماء ، والقصة طويلة أوردتها في الكتاب الكبير ، وعلى التقديرين يجري الحكم في غير من نزلت فيه« ومن عرفه الله » على بناء التفعيل« بذلك » كان الباء زائدة أو المعنى عرفه بذلك التعريف المتقدم ، ويمكن أن يقرأ عرفه على بناء المجرد ، وفي ثواب الأعمال باختلاف في أول السند عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : من فضل الرجل عند الله محبته لإخوانه ، ومن عرفه الله محبة إخوانه أحبه الله ، ومن أحبه الله أوفاه أجره يوم القيامة.

الحديث السابع : كالسابق.

« ليتحف » على بناء الأفعال ، وهو إعطاء التحفة بالضم وكهمزة وهو البر واللطف والهدية ، وقوله : قلت وجوابه معترضان بين كلام الإمامعليه‌السلام ، ومن فيقوله : من مجلس ، للبيان والمتكإ بضم الميم وتشديد التاء مهموزا ما يتكأ عليه أي يضع له متكا يتكئ عليه أو فراشا يجلس عليه« فتطاول الجنة » أي تمتد وترتفع لإرادة مكافأته وإطعامه في الدنيا عجالة وقيل : استعارة تمثيلية لبيان شدة استحقاقه لذلك.


أن كافئي أوليائي بتحفهم فيخرج منها وصفاء ووصائف معهم أطباق مغطاة بمناديل من لؤلؤ فإذا نظروا إلى جهنم وهولها وإلى الجنة وما فيها طارت عقولهم وامتنعوا أن يأكلوا فينادي مناد من تحت العرش أن الله عز وجل قد حرم جهنم على من أكل من طعام جنته فيمد القوم أيديهم فيأكلون.

٨ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن الفضيل ، عن أبي حمزة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال يجب للمؤمن على المؤمن أن يستر عليه سبعين كبيرة.

٩ ـ الحسين بن محمد ومحمد بن يحيى جميعا ، عن علي بن محمد بن سعد ، عن محمد بن أسلم ، عن محمد بن علي بن عدي قال أملى علي محمد بن سليمان ، عن إسحاق

قال في القاموس : تطاول امتد وارتفع وتفضل ، وفي النهاية تطاول عليهم الرب بفضله أي تطول على أهل الدنيا أي ما داموا فيها ، وفي المصباح :الوصيف الغلام دون المراهق ، والوصيفة الجارية كذلك ، والجمع وصفاء ووصائف مثل كريم وكرماء وكرائم« بتحفهم » أي في الآخرة فالباء للآلة ، أو في الدنيا فالباء للسببية« أن الله » يحتمل كسر الهمزة وفتحها.

الحديث الثامن : مجهول.

وكان التخصيص بالسبعين لأنه بعد الإتيان بها يكون غالبا من المتجاهرين بالفسق ، فلا حرمة له ، وربما يحمل علي مطلق الكثرة لا خصوص العدد كما قالوا في قوله تعالى : «إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً »(١) وتخصيصه بما يكون بالنسبة إليه من إيذائه وشتمه وأمثالهما بعيد ، ولا ينافي وجوب النهي عن المنكر كما مر ، وحمله على ما إذا تاب بعد كل منها لا يستقيم إلا إذا حمل على مطلق الكثرة.

الحديث التاسع : ضعيف.

__________________

(١) سورة التوبة : ٨٠.


بن عمار قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام أحسن يا إسحاق إلى أوليائي ما استطعت فما أحسن مؤمن إلى مؤمن ولا أعانه إلا خمش وجه إبليس وقرح قلبه.

(باب في خدمته)

١ ـ محمد بن يحيى ، عن سلمة بن الخطاب ، عن إبراهيم بن محمد الثقفي ، عن إسماعيل بن أبان ، عن صالح بن أبي الأسود رفعه ، عن أبي المعتمر قال سمعت أمير المؤمنينعليه‌السلام يقول قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أيما مسلم خدم قوما من المسلمين إلا أعطاه الله مثل عددهم خداما في الجنة.

وفي القاموس :خمش وجهه يخمشه ويخمشه خدشه ولطمه وضربه ، وقطع عضوا منه ، انتهى.

وقرح بالقاف من باب التفعيل كناية عن شدة الغم واستمراره.

باب في خدمته

الحديث الأول : ضعيف.

قوله عليه‌السلام : إلا أعطاه الله ، الاستثناء من مقدر أي ما فعل ذلك إلا أعطاه الله أو هي زائدة ، قال في القاموس في معاني إلا : أو زائدة ثم استشهد بقول الشاعر :

حراجيج ما تنفك إلا مناخة

 

على الخسف أو ترمي بها بلدا قفرا


(باب نصيحة المؤمن)

١ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن الحكم ، عن عمر بن أبان ، عن عيسى بن أبي منصور ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال يجب للمؤمن على المؤمن أن يناصحه.

٢ ـ عنه ، عن ابن محبوب ، عن معاوية بن وهب ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال

باب نصيحة المؤمن

الحديث الأول : صحيح.

ويقال نصحه وله كمنعه نصحا ونصاحة ونصاحية فهو ناصح ونصيح ونصاح ، والاسم النصيحة ، وهي فعل أو كلام يراد بهما الخير للمنصوح ، واشتقاقها من نصحت العسل إذا صفيته لأن الناصح يصفي فعله وقوله من الغش ، أو من نصحت الثوب إذا خطته لأن الناصح يلم خلل أخيه كما يلم الخياط خرق الثوب ، والمرادبنصيحة المؤمن للمؤمن إرشاده إلى مصالح دينه ودنياه ، وتعليمه إذا كان جاهلا وتنبيهه إذا كان غافلا والذب عنه وعن إعراضه إذا كان ضعيفا ، وتوقيره في صغره وكبره ، وترك حسده وغشه ودفع الضرر عنه ، وجلب النفع إليه ، ولو لم يقبل النصيحة سلك به طريق الرفق حتى يقبلها ، ولو كانت متعلقة بأمر الدين سلك به طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الوجه المشروع.

ويمكن إدخال النصيحة للرسول والأئمةعليهم‌السلام أيضا فيها لأنهم أفضل المؤمنين ونصيحتهم الإقرار بالنبوة والإمامة فيهم ، والانقياد لهم في أوامرهم ونواهيهم وآدابهم وأعمالهم وحفظ شرائعهم وإجراء أحكامهم على الأمة ، وفي الحقيقة النصيحة للأخ المؤمن نصيحة لهم أيضا.

الحديث الثاني : كالسابق.


يجب للمؤمن على المؤمن النصيحة له في المشهد والمغيب.

٣ ـ ابن محبوب ، عن ابن رئاب ، عن أبي عبيدة الحذاء ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال يجب للمؤمن على المؤمن النصيحة.

٤ ـ ابن محبوب ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لينصح الرجل منكم أخاه كنصيحته لنفسه.

٥ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إن أعظم الناس منزلة عند الله يوم القيامة أمشاهم في أرضه بالنصيحة لخلقه.

٦ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن القاسم بن محمد ، عن المنقري ، عن سفيان بن عيينة قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول عليكم بالنصح لله في خلقه فلن تلقاه

« في المشهد والمغيب » أي في وقت حضوره بنحو ما مر وفي غيبته بالكتابة أو الرسالة وحفظ عرضه ، والدفع عن غيبته ، وبالجملة رعاية جميع المصالح له ودفع المفاسد عنه على أي وجه كان.

الحديث الثالث : كالسابق.

ويحتمل أن يكون الوجوب في بعض الأفراد محمولا على السنة المؤكدة وفقا للمشهور بين الأصحاب.

الحديث الرابع : ضعيف ، وهذا جامع لجميع أفراد النصيحة.

الحديث الخامس : ضعيف على المشهور.

« أمشاهم في الأرض » المراد إما المشي حقيقة أو كناية عن شدة الاهتمام ، والباء في قوله : بالنصيحة للملابسة أو السببية.

الحديث السادس : ضعيف.

و « عليكم » اسم فعل بمعنى ألزموا ، والباء فيقوله : بالنصح زائدة للتقوية ، و


بعمل أفضل منه.

(باب)

(الإصلاح بين الناس)

١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن محمد بن سنان ، عن حماد بن أبي طلحة ، عن حبيب الأحول قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول صدقة يحبها الله إصلاح بين الناس إذا تفاسدوا وتقارب بينهم إذا تباعدوا.

عنه ، عن محمد بن سنان ، عن حذيفة بن منصور ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام مثله.

في للظرفية أو السببية والنصح يتعدى إلى المنصوح بنفسه وباللام ، ونسبة النصح إلى الله إشارة إلى أن نصح خلق الله نصح له ، فإن نصحه تعالى إطاعة أوامره وقد أمر بالنصح لخلقه ، ويحتمل أن يكون المعنى النصح للخلق خالصا لله فيكون في بمعنى اللام ، ويحتمل أن يكون المعنى النصح لله بالإيمان بالله وبرسله وحججه وإطاعة أوامره والاحتراز عن نواهيه« في خلقه » أي من بين خلقه وهو بعيد ، ولا يناسب الباب أيضا ، وقال في النهاية : أصل النصح في اللغة الخلوص يقال : نصحته ونصحت له.

ومعنى نصيحة الله صحة الاعتقاد في وحدانيته وإخلاص النية في عبادته ، والنصيحة لكتاب الله هو التصديق له والعمل بما فيه ، ونصيحة رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم التصديق بنبوته ورسالته والانقياد لما أمر به ونهى عنه ، ونصيحة الأئمة. أن يطيعهم في الحق ولا يرى الخروج عليهم ، ونصيحة عامة المسلمين إرشادهم إلى مصالحهم.

باب الإصلاح بين الناس

الحديث الأول : ضعيف على الأشهر بسنديه.

« وتقارب » أي سعى في تقاربهم أو أصل تقاربهم.


٢ ـ عنه ، عن ابن محبوب ، عن هشام بن سالم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال لأن أصلح بين اثنين أحب إلي من أن أتصدق بدينارين.

٣ ـ عنه ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن سنان ، عن مفضل قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام إذا رأيت بين اثنين من شيعتنا منازعة فافتدها من مالي.

٤ ـ ابن سنان ، عن أبي حنيفة سابق الحاج قال مر بنا المفضل وأنا و

الحديث الثاني : صحيح.

الحديث الثالث : ضعيف على المشهور.

قوله عليه‌السلام : فافتدها كان الافتداء هنا مجاز فإن المال بدفع المنازعة كما أن الدية تدفع بطلب الدم أو كما أن الأسير ينقذ بالفداء فكذلك كل منها ينقذ من الآخر بالمال ، فالإسناد إلى المنازعة على المجاز ، وفي المصباح فدى من الأسير يفديه فدى مقصور وتفتح الفاء وتكسر إذا استنقذه بمال ، واسم ذلك المال الفدية وهو عوض الأسير وفاديته مفاداة وفداء أطلقته وأخذت فديته ، وتفادى القوم اتقى بعضهم ببعض ، كان كل واحد يجعل صاحبه فداه ، وفدت المرأة نفسها من زوجها تفدي وأفدت أعطته مالا حتى تخلصت منه بالطلاق.

الحديث الرابع : كالسابق.

وأبو حنيفة اسمه سعيد بن بيان و« سابق » صححه في الإيضاح وغيره بالباء الموحدة ، وفي أكثر النسخ بالياء من السوق ، وعلى التقديرين إنما لقب بذلك لأنه كان يتأخر عن الحاج ثم يعجل ببقية الحاج من الكوفة ويوصلهم إلى عرفة في تسعة أيام أو في أربعة عشر يوما ، وورد لذلك ذمه في الأخبار لكن وثقه النجاشي وروي في الفقيه عن أيوب بن أعين قال : سمعت الوليد بن صبيح يقول لأبي عبد اللهعليه‌السلام : إن أبا حنيفة رأى هلال ذي الحجة بالقادسية وشهد معنا عرفة؟ فقال : ما لهذا صلاة ما لهذا صلاة.


ختني نتشاجر في ميراث فوقف علينا ساعة ثم قال لنا تعالوا إلى المنزل فأتيناه فأصلح بيننا بأربعمائة درهم فدفعها إلينا من عنده حتى إذا استوثق كل واحد منا من صاحبه قال أما إنها ليست من مالي ولكن أبو عبد اللهعليه‌السلام أمرني إذا تنازع رجلان من أصحابنا في شيء أن أصلح بينهما وأفتديها من ماله فهذا من مال أبي عبد اللهعليه‌السلام .

٥ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن معاوية بن عمار ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال المصلح ليس بكاذب.

٦ ـ علي ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن علي بن إسماعيل ، عن إسحاق بن عمار ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في قول الله عز وجل : «وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ

والختن بالتحريك زوج بنت الرجل وزوج أخته أو كل من كان من قبل المرأة ، والتشاجر التنازع« فوقف علينا ساعة » كان وقوفه كان لاستعلام الأمر المتنازع فيه ، وأنه يمكن إصلاحه بالمال أم لا« حتى إذا استوثق » أي أخذ من كل منا حجة لرفع الدعوى عن الآخر ، في القاموس : استوثق أخذ منه الوثيقة ، وأقول : يدل كسابقه على مدح المفضل وأنه كان أمينهعليه‌السلام واستحباب بذل المال لرفع التنازع بين المؤمنين وأن أبا حنيفة كان من الشيعة.

الحديث الخامس : حسن كالصحيح.

« المصلح ليس بكاذب » أي إذا نقل المصلح كلاما من أحد الجانبين إلى الآخر لم يقله وعلم رضاه به أو ذكر فعلا لم يفعله للإصلاح ، ليس من الكذب المحرم بل هو حسن ، وقيل : إنه لا يسمى كذبا اصطلاحا وإن كان كذبا لغة ، لأن الكذب في الشرع ما لا يطابق الواقع ويذم قائله ، وهذا لا يذم قائله شرعا.

الحديث السادس : حسن موثق.

«وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً » قال البيضاوي : العرضة فعلة بمعنى المفعول كالقبضة ،


أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ »(١) قال إذا دعيت لصلح بين اثنين فلا تقل علي يمين ألا أفعل.

يطلق لما يعرض دون الشيء وللمعرض للأمر ، ومعنى الآية على الأول ولا تجعلوا الله حاجزا لما حلفتم عليه من أنواع الخير ، فيكون المراد بالأيمان الأمور المحلوف عليها كقولهعليه‌السلام لابن سمرة : إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فات الذي هو خير وكفر عن يمينك. وأن مع صلتها عطف بيان لها ، واللام صلة عرضة لما فيها من معنى الاعتراض ، ويجوز أن يكون للتعليل ويتعلق أن بالفعل أو بعرضة ، أي ولا تجعلوا الله عرضة لأن تبروا لأجل أيمانكم فتتبذلوه بكثرة الحلف به ، وأن تبروا علة النهي أي أنهيكم عن إرادة بركم وتقواكم وإصلاحكم بين الناس ، فإن الحلاف مجترئ على الله والمجترئ على الله لا يكون برا متقيا ، ولا موثوقا به في إصلاح ذات البين.

وقال الطبرسي (ره) : في معناه ثلاثة أقوال : أحدها : أن معناه ولا تجعلوا اليمين بالله علة مانعة لكم من البر والتقوى من حيث تعتمدونها لتعتلوا بها وتقولوا حلفنا بالله ولم تحلفوا به ، والثاني : أن عرضة معناه حجة فكأنه قال : لا تجعلوا اليمين بالله حجة في المنع من البر والتقوى فإن كان قد سلف منكم يمين ثم ظهر أن غيرها خير منها فافعلوا الذي هو خير ولا تحتجوا بما قد سلف من اليمين ، والثالث : أن معناه لا تجعلوا اليمين بالله عدة مبتذلة في كل حق وباطل لأن تبروا في الحلف بها وتتقوا المأثم فيها وهو المروي عن أئمتناعليهم‌السلام ، نحو ما روي عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أنه قال : لا تحلفوا بالله صادقين ولا كاذبين فإنه يقول سبحانه : «وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ » وتقديره على الوجه الأول والثاني : لا تجعلوا الله مانعا عن البر والتقوى باعتراضك به حالفا ، وعلى الثالث لا تجعلوا الله مما

__________________

(١) سورة البقرة : ٢٢٤.


٧ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن ابن محبوب ، عن معاوية بن وهب أو معاوية بن عمار ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال أبلغ عني كذا وكذا في أشياء أمر بها قلت فأبلغهم عنك وأقول عني ما قلت لي وغير الذي قلت قال نعم إن المصلح ليس بكذاب [ إنما هو الصلح ليس بكذب ].

تحلف به دائما باعتراضك بالحلف به في كل حق وباطل.

وقوله : أن تبروا قيل في معناه أقوال : الأول : لأن تبروا على معنى الإثبات ، أي لأن تكونوا بررة أتقياء ، فإن من قلت يمينه كان أقرب إلى البر ممن كثرت يمينه ، وقيل : لأن تبروا في اليمين ، والثاني : أن المعنى لدفع أن تبروا أو لترك أن تبروا فحذف المضاف ، والثالث ، أن معناه أن لا تبروا فحذف لا «وَتَتَّقُوا » أي تتقوا الإثم والمعاصي في الإيمان «وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ » أي لا تجعلوا الحلف بالله علة أو حجة في أن لا تبروا ولا تتقوا ولا تصلحوا بين الناس ، أو لدفع أن تبروا وتتقوا وتصلحوا ، وعلى الوجه الثالث لا تجعلوا اليمين بالله مبتذلة لأن تبروا وتتقوا وتصلحوا ، أي لكي تكونوا من البررة والأتقياء والمصلحين بين الناس ، فإن من كثرت يمينه لا يوثق بحلفه ، ومن قلت يمينه فهو أقرب للتقوى والإصلاح بين الناس.

الحديث السابع : صحيح.

وذهب بعض الأصحاب إلى وجوب التورية في هذه المقامات ليخرج عن الكذب ، كان ينويبقوله : قال كذا ، رضي بهذا القول ، ومثل ذلك وهو أحوط.


(باب)

(في إحياء المؤمن)

١ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن عثمان بن عيسى ، عن سماعة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قلت له قول الله عز وجل : «مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً » قال

باب في إحياء المؤمن

الحديث الأول : موثق.

والآية في المائدة هكذا «مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً » فما في الخبر على النقل بالمعنى والاكتفاء ببعض الآية لظهورها ، وقال الطبرسيقدس‌سره في المجمع : «بِغَيْرِ نَفْسٍ » أي بغير قود «أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ » أي بغير فساد كان منها في الأرض فاستحقت بذلك قتلها وفسادها بالحرب لله ولرسوله وإخافة السبيل على ما ذكر الله في قوله «إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ »(١) الآية.

«فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً » قيل في تأويله أقوال : أحدها : أن معناه هو أن الناس كلهم خصماؤه في قتل ذلك الإنسان ، وقد وترهم وتر من قصد لقتلهم جميعا فأوصل إليهم من المكروه ما يشبه القتل الذي أوصله إلى المقتول ، فكأنه قتلهم كلهم ، ومن استنقذها من غرق أو حرق أو هدم أو ما يميت لا محالة ، أو استنقذها من ضلال «فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً » أي آجره الله على ذلك أجر من أحياهم أجمعين لأنه في إسدائه المعروف إليهم بإحيائه أخاهم المؤمن بمنزلة من أحيى كل واحد

__________________

(١) سورة المائدة : ٣٣.


من أخرجها من ضلال إلى هدى فكأنما أحياها ومن أخرجها من هدى إلى ضلال فقد قتلها.

منهم روي ذلك عن أبي عبد اللهعليه‌السلام . ثم قال : وأفضل من ذلك أن يخرجها من ضلال إلى هدى.

وثانيها : أن من قتل نبيا أو إمام عدل فكأنما قتل الناس جميعا ، أي يعذب عليه كما لو قتل الناس كلهم ، ومن شد على عضد نبي أو إمام عدل فكأنما أحيى الناس جميعا في استحقاق الثواب عن ابن عباس.

وثالثها : أن معناه من قتل نفسا بغير حق فعليه مأثم كل قاتل من الناس لأنه سن القتل وسهلة لغيره فكأنه بمنزلة المشارك ، ومن زجر عن قتلها لذلك بما فيه حياتها على وجه يقتدى به فيه بأن يعظم تحريم قتلها كما حرمه الله فلم يقدم على قتلها لذلك فقد أحيى الناس بسلامتهم منه ، فذلك إحياؤها إياها.

ورابعها : أن المراد فكأنما قتل الناس جميعا عند المقتول «وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً » عند المستنقذ.

وخامسها : أن معناه يجب عليه من القصاص بقتلها مثل الذي يجب عليه لو قتل الناس جميعا ومن عفا عن دمها وقد وجب القود عليها كان كما لو عفا عن الناس جميعا والإحياء هنا مجاز لأنه لا يقدر عليه إلا الله تعالى.

وأقول : تطبيق التأويل المذكور في الخبر على قوله تعالى : «بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ » يحتاج إلى تكلف كثير ، ولذا لم يتعرض الطبرسي (ره) له ، ويمكن أن يكون المراد أن نزول الآية إنما هو في إذهاب الحياة البدني لكن يظهر منها حال إذهاب الحياة القلبي والروحاني بطريق أولى ، وبعبارة أخرى دلالة الآية على الأول دلالة مطابقية وعلى الثاني التزامية ولذا قالعليه‌السلام : من أخرجها من ضلال إلى هدى فكأنما أحياها ولم يصرح بأن هذا هو المراد بالآية وكذا عبر في الأخبار


٢ ـ عنه ، عن علي بن الحكم ، عن أبان بن عثمان ، عن فضيل بن يسار قال قلت لأبي جعفرعليه‌السلام قول الله عز وجل في كتابه : «وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً » ـ قال من حرق أو غرق قلت فمن أخرجها من ضلال إلى هدى قال ذاك تأويلها الأعظم.

محمد بن يحيى ، عن أحمد وعبد الله ابني محمد بن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن أبان مثله.

٣ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن محمد بن خالد ، عن النضر بن سويد ، عن يحيى بن عمران الحلبي ، عن أبي خالد القماط ، عن حمران قال قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام أسألك أصلحك الله فقال نعم فقلت كنت على حال وأنا اليوم على حال أخرى كنت أدخل الأرض فأدعو الرجل والاثنين والمرأة فينقذ الله من شاء

الآتية بالتأويل إشارة إلى ذلك ، مع أنه يحتمل أن يكون المراد على هذا التأويل من قتل نفسا بالإضلال بغير نفس أي من غير أن يقتل نفسا ظاهرا أو يفسد في الأرض كان عقابه عقاب من قتل الناس جميعا بالقتل الظاهري.

الحديث الثاني : موثق بسنديه.

قوله عليه‌السلام : ذاك تأويلها الأعظم ، أي الآية شاملة لها وهي بطن من بطونها.

الحديث الثالث : حسن.

قوله : كنت على حال ، كأنه كان قبل أن ينهاهعليه‌السلام عن دعوة الناس تقية يدعو الناس وبعد نهيهعليه‌السلام ترك ذلك ، وكان ذكر ذلك رجاء أن يأذنهفقال عليه‌السلام :

وما عليك ، إما على النفي أي لا بأس عليك ، أو الاستفهام الإنكاري أي أي ضرر عليك« أن تخلي » أي في أن تخلي أي اتركهم مع الله فإن الله يهديهم إذا علم أنهم قابلون لذلك« فمن أراد الله أن يخرجه » إشارة إلى قوله تعالى : «اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ »(١) أي من ظلمة الكفر والضلال والشك إلى نور

__________________

(١) سورة البقرة : ٢٥٧.


وأنا اليوم لا أدعو أحدا فقال وما عليك أن تخلي بين الناس وبين ربهم فمن أراد الله أن يخرجه من ظلمة إلى نور أخرجه ثم قال ولا عليك إن آنست من أحد خيرا أن تنبذ إليه الشيء نبذا قلت أخبرني عن قول الله عز وجل : «وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً » قال من حرق أو غرق ثم سكت ثم قال تأويلها الأعظم أن دعاها فاستجابت له.

الإيمان واليقين ، وقيل : إشارة إلى قوله سبحانه : «فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ »(١) والحاصل أن سعيك في ذلك إن كان للأغراض الدنيوية فهو مضر لك وإن كان لثواب الآخرة فالثواب في زمن التقية في ترك ذلك وإن كان للشفقة على الخلق فلا ينفع سعيك في ذلك فإنه إذا كان قابلا للتوفيق يوفقه الله بأي وجه كان بدون سعيك وإلا فسعيك أيضا لا ينفع.

ثم استثنىعليه‌السلام صورة واحدة فقال :ولا عليك ، أي ليس عليك بأس« إن آنست » أي أبصرت وعلمت ، في القاموس : أنس الشيء أبصره وعلمه وأحس به« من أحد خيرا » كان تجده لينا غير متعصب طالبا للحق وتأمن حيلته وضرره« أن تنبذ إليه الشيء » أي ترمي وتلقي إليه شيئا من براهين دين الحق نبذا يسيرا موافقا للحكمة بحيث إذا لم يقبل ذلك يمكنك تأويله وتوجيهه ، في القاموس : النبذ طرحك الشيء أمامك أو وراءك أو عام والفعل كضرب.

قوله عليه‌السلام : أن دعاها ، لما كانت النفس في صدر الآية المراد بها المؤمنة ، فضمير أحياها أيضا راجع إلى المؤمنة فيكون على سبيل مجاز المشارفة.

__________________

(١) سورة الأنعام : ١٢٥.


(باب)

(في الدعاء للأهل إلى الإيمان)

١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن النعمان ، عن عبد الله بن مسكان ، عن سليمان بن خالد قال قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام إن لي أهل بيت وهم يسمعون مني أفأدعوهم إلى هذا الأمر فقال نعم إن الله عز وجل يقول في كتابه «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ »(١) .

باب في الدعاء للأهل إلى الإيمان

الحديث الأول : صحيح.

«قُوا » أي احفظوا واحرسوا وامنعوا «أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً » أي قوا أنفسكم النار بالصبر على طاعة الله وعن معصيته وعن اتباع الشهوات ، وقوا أهليكم النار بدعائهم إلى طاعة الله ، وتعليمهم الفرائض ونهيهم عن القبائح وحثهم على أفعال الخير «وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ » قيل : أي حجارة الكبريت لأنها تزيد في قوة النار ، وقيل : الأحجار المعبودة وتدل الآية والخبر على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وعلى أن الأقارب من الزوجة والمماليك والوالدين والأولاد وسائر القرابات مقدمون في ذلك على الأجانب.

__________________

(١) سورة التحريم : ٦.


(باب)

(في ترك دعاء الناس)

١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن كليب بن معاوية الصيداوي قال قال لي أبو عبد اللهعليه‌السلام إياكم والناس إن الله عز وجل إذا أراد بعبد خيرا نكت في قلبه نكتة فتركه وهو يجول لذلك ويطلبه ثم قال لو أنكم إذا كلمتم الناس قلتم ذهبنا حيث ذهب الله واخترنا من اختار الله واختار الله محمدا واخترنا ـ آل محمد صلى الله عليه وعليهم.

باب في ترك دعاء الناس

الحديث الأول : حسن كالصحيح.

« إياكم والناس » أي احذروا دعوتهم في زمن شدة التقية وعلل ذلك بأن من كان قابلا للهداية وأراد الله ذلك به« نكت في قلبه نكتة من نور » كناية عن أنه يلقى في قلبه ما يصير به طالبا للحق متهيئا لقبوله ، في القاموس : النكت أن تضرب في الأرض بقضيب فيؤثر فيها ، والنكتة بالضم النقطة ، ثم بينعليه‌السلام طريقا لينا لمعارضتهم والاحتجاج عليهم وهدايتهم ، بحيث لا يصير سببا لمزيد تعصبهم وإصرارهم ولا يتضمن التصريح بكفرهم وضلالتهم بأن قال :« لو أنكم » ولو للتمني وقلتم جواب إذا« حيث ذهب الله » أي حيث أمر الله بالذهاب إليه« واخترنا من اختار الله » أي اخترنا الإمامة من أهل بيت اختارهم الله فإن النبي مختار الله ، والعقل يحكم بأن أهل البيت المختار إذا كانوا قابلين للإمامة أولى من غيرهم ، وهذا دليل إقناعي تقبله طباع أكثر الخلق.


٢ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن إسماعيل ، عن أبي إسماعيل السراج ، عن ابن مسكان ، عن ثابت أبي سعيد قال قال لي أبو عبد اللهعليه‌السلام يا ثابت ما لكم وللناس كفوا عن الناس ولا تدعوا أحدا إلى أمركم فو الله لو أن أهل السماء وأهل الأرض اجتمعوا على أن يضلوا عبدا يريد الله هداه ما استطاعوا كفوا عن الناس ولا يقول أحدكم أخي وابن عمي وجاري فإن الله عز وجل إذا أراد بعبد خيرا طيب روحه فلا يسمع بمعروف إلا عرفه ولا بمنكر إلا أنكره ثم يقذف الله في قلبه كلمة يجمع بها أمره.

٣ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن صفوان بن يحيى ، عن محمد بن مروان ، عن الفضيل قال قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام ندعو الناس إلى هذا الأمر فقال يا فضيل إن الله إذا أراد بعبد خيرا أمر ملكا فأخذ بعنقه حتى أدخله في هذا الأمر طائعا أو كارها.

٤ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن ابن فضال ، عن علي بن

الحديث الثاني : مجهول.

وقد مر مثله في أواخر كتاب التوحيد وقد تكلمنا هناك في معنى الهداية والإضلال ، وفهم هذه الأخبار في غاية الإشكال ومنهم من أول إرادة الهداية بالعلم أو التوفيق والتأييد الذي استحقه بحسن اختياره« ولا يقول أحدكم أخي » أي هذا أخي ترحما عليه لإرادة هدايته« طيب روحه » أي جعلها قابلة لفهم الحق وقبوله إما في بدو الخلق أو بعده في عالم الأجساد« فلا يسمع بمعروف » كان فيما مضى معروفا ومنكرا وهو أظهر ، والكلمة التي يقذفها في قلبه هي اعتقاد الإمامة فإنها جامعة لإصلاح جميع أموره في الدارين ، ولا يشتبه عليه أمر من الأمور.

الحديث الثالث : مجهول ، وقد مر في آخر كتاب التوحيد.

الحديث الرابع : حسن موثق.


عقبة ، عن أبيه قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام اجعلوا أمركم هذا لله ولا تجعلوه للناس فإنه ما كان لله فهو لله وما كان للناس فلا يصعد إلى السماء ولا تخاصموا بدينكم الناس فإن المخاصمة ممرضة للقلب إن الله عز وجل قال لنبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله «إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ »(١) وقال «أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ »(٢) ذروا الناس فإن الناس أخذوا عن الناس وإنكم أخذتم عن رسول

« اجعلوا أمركم هذا » أي دينكم ودعوتكم الناس إليه« لله » بأن تدعو الناس إليه في مقام تعلمون رضا الله فيه ، ولا تدعوا في مقام التقية فإنه نهى الله عنه« ولا تجعلوه للناس » بإظهار الفضل وحب الغلبة على الخصم والعصبية فتدعوهم في مقام التقية أيضا فيعود ضرره عليكم وعلينا« فإنه ما كان لله » أي خالصا لوجهه تعالى« فهو لله » أي يقبله الله ويثيب عليه أو ما كان لله في الدنيا فهو لله في الآخرة ومالهما واحد« فلا يصعد إلى السماء » أي لا يقبل ، إشارة إلى قوله تعالى : «إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ »(٣) .

« ولا تخاصموا بدينكم » أي لا تجادلوا مجادلة يكون غرضكم فيها المغالبة والمعاندة بإلقاء الشبهات الفاسدة لا ظهور الحق فإن المخاصمة على هذا الوجه يمرض القلب بالشك والشبهة والأغراض الباطلة وإن كان غرضكم إجبارهم على الهداية فإنها ليست بيدكم كما قال تعالى لنبيه : «إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ » وقال : «أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ ».

وقوله عليه‌السلام : ذروا الناس ، يحتمل أن يكون المراد به أن غرضكم من المجادلة إن كان ظهور الحق لكم فلا حاجة لكم إلى ذلك فإن حقيتكم أظهر من ذلك فإنكم أخذتم دينكم عن الله بالآيات المحكمات ، وعن رسول الله بالأخبار المتواترة

__________________

(١) سورة القصص : ٥٦.

(٢) سورة يونس : ٩٩.

(٣) سورة فاطر : ١٠.


اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعليعليه‌السلام ولا سواء وإنني سمعت أبي يقول إذا كتب الله على عبد أن يدخله في هذا الأمر كان أسرع إليه من الطير إلى وكره.

٥ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن عثمان بن عيسى ، عن ابن أذينة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إن الله عز وجل خلق قوما للحق فإذا مر بهم الباب من الحق قبلته قلوبهم وإن كانوا لا يعرفونه وإذا مر بهم الباب من الباطل أنكرته قلوبهم وإن كانوا لا يعرفونه وخلق قوما لغير ذلك فإذا مر بهم الباب من الحق أنكرته قلوبهم وإن كانوا لا يعرفونه وإذا مر بهم الباب من الباطل قبلته قلوبهم وإن كانوا لا يعرفونه.

٦ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن عبد الحميد بن أبي العلاء ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إن الله عز وجل إذا أراد بعبد خيرا نكت في قلبه

من الجانبين ، وعن عليعليه‌السلام المقبول من الطرفين وهم أخذوا من الأخبار الموضوعة المنتهية إلى النواصب والمعاندين والشبهات الواهية التي تظهر بأدنى تأمل بطلانها ، ولا سواء مأخذكم ومأخذهم ، ووكر الطائر عشه.

الحديث الخامس : كالسابق.

« خلق قوما للحق » كان اللام للعاقبة أي عالما بأنهم يختارون الحق أو يختارون خلافه وإن كانوا لا يعرفونه ، قيل : هذا مبني على أنه قد يحكم الإنسان بأمر ويذعن به ، وهو مبني على مقدمة مركوزة في نفسه لا يعلم بها أو بابتناء إذعانه عليها ، والغرض من ذكره في هذا الباب أن السعي لا مدخل له كثيرا في الهداية وإنما هو لتحصيل الثواب فلا ينبغي فعله في موضع التقية لعدم ترتب الثواب عليه.

الحديث السادس : حسن كالصحيح.

وقد مر مضمونه بسند آخر في باب الهداية ، وكانالنكت كناية عن التوفيق


نكتة من نور فأضاء لها سمعه وقلبه حتى يكون أحرص على ما في أيديكم منكم وإذا أراد بعبد سوءا ـ نكت في قلبه نكتة سوداء فأظلم لها سمعه وقلبه ثم تلا هذه الآية «فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ »(١) .

٧ ـ عنه ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن محمد بن حمران ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إن الله عز وجل إذا أراد بعبد خيرا نكت في قلبه نكتة بيضاء وفتح مسامع قلبه ووكل به ملكا يسدده وإذا أراد بعبد سوءا نكت في قلبه نكتة سوداء وسد مسامع قلبه ووكل به شيطانا يضله.

لقبول الحق وإفاضة علم يقيني ينتقش فيه« فأضاء له سمعه وقلبه » أي يسمع الحق وفي الثاني كناية عن منع اللطف منه ، لعدم استحقاقه لذلك فيخلى بينه وبين الشيطان فينكت في قلبه الشكوك والشبهات «فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ » قيل : أي يعرفه الحق ويوفقه للإيمان «يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ » فيتسع له ويفسح ما فيه بحاله وهو كناية عن جعل النفس قابلة للحق مهيأة لحلوله فيها مصفاة عما يمنعه وينافيه «وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ » أي يمنع عنه لطفه «يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً » بحيث ينبو عن قبول الحق فلا يدخله الإيمان «كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ » شبهه مبالغة في ضيق صدره بمن يزاول ما لا يقدر عليه ، فإن صعود السماء مثل فيما يبعد عن الاستطاعة.

الحديث السابع : مجهول ومضمونه مما مر معلوم.

__________________

(١) سورة الأنعام : ١٢٥.


(باب)

(أن الله إنما يعطي الدين من يحبه)

١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن ابن فضال ، عن ابن بكير ، عن حمزة بن حمران ، عن عمر بن حنظلة قال قال لي أبو عبد اللهعليه‌السلام يا أبا الصخر إن الله يعطي الدنيا من يحب ويبغض ولا يعطي هذا الأمر إلا صفوته من خلقه أنتم والله على ديني ودين آبائي إبراهيم وإسماعيل لا أعني علي بن الحسين ولا

باب أن الله إنما يعطي الدين من يحبه

الحديث الأول : مجهول.

« من يحب ومن يبغض » أي من يحبه الله ومن يبغضه الله ، أو من يحب الله ومن يبغض الله والأول أظهر« ولا يعطي هذا الأمر » أي الاعتقاد بالولاية واختيار دين الإمامية« إلا صفوته من خلقه » أي من اصطفاه واختاره وفضله من جميع خلقه بسبب طيب روحه وطينته كما مر ، أو المعنى أن ذا المال والجاه والنعمة في الدنيا يمكن أن يكون محبوبا لله أو مبغوضا له ، وليست سببا لحب الله ولا علامة له بخلاف دين الحق فإن من أوتيه يكون لا محالة محبوبا لله مختارا عنده.

وعلى الوجهين الغرض بيان فضل الولاية والشكر عليها وعدم الشكاية بعد حصولها عن فقر الدنيا وذلها وشدائدها وحقارة الدنيا وأهلها عند الله وأنها ليست مناط الشرف والفضل.

قوله عليه‌السلام ودين آبائي ، المعنى أن أصول الدين مشتركة في ملل جميع الأنبياء وإنما الاختلاف في بعض الخصوصيات فإن الاعتقاد والعدل والمعاد مما اشترك فيه جميع الملل وكذا التصديق بنبوة الأنبياء والإذعان بجميع ما جاءوا به وأهمها الإيمان بأوصيائهم ومتابعتهم في جميع الأمور وعدم العدول عنهم إلى غيرهم


محمد بن علي وإن كان هؤلاء على دين هؤلاء.

٢ ـ الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن الحسن بن علي الوشاء ، عن عاصم بن حميد ، عن مالك بن أعين الجهني قال سمعت أبا جعفرعليه‌السلام يقول يا مالك إن الله يعطي الدنيا من يحب ويبغض ولا يعطي دينه إلا من يحب.

٣ ـ عنه ، عن معلى ، عن الوشاء ، عن عبد الكريم بن عمرو الخثعمي ، عن عمر بن حنظلة وعن حمزة بن حمران ، عن حمران ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال إن هذه الدنيا يعطيها الله البر والفاجر ولا يعطي الإيمان إلا صفوته من خلقه.

٤ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن النعمان ، عن أبي سليمان ، عن ميسر قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام إن الدنيا يعطيها الله عز وجل من أحب ومن

كان لازما في جميع الملل ، وإنما الاختلاف في خصوص النبي وخصوص الأوصياء وخصوص بعض العبادات فمن أقر بنبيناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبجميع ما جاء به وبجميع أوصيائه ولم يعدل عنهم إلى غيرهم فهو على دين جميع الأنبياءعليهم‌السلام ، ويحتمل أن يكون إشارة إلى ما ورد في كثير من الأخبار أن الإقرار بنبيناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأوصيائهعليهم‌السلام كان مأخوذا على جميع الأنبياء وأممهمعليهم‌السلام ، وقيل : المراد أنه مأخوذ في دين الإسلام نفي الشرك ونصب غير من نصبه الله للإمامة ، والرجوع إليه نوع من الشرك فالتوحيد الذي هو دين جميع الأنبياء مخصوص بالشيعة ، وما ذكرنا أوضح وأمتن.

الحديث الثاني : ضعيف على المشهور ومضمونه ظاهر مما مر.

الحديث الثالث : كالسابق.

وقال الجوهري :صفوة الشيء خالصة ، ومحمد صفوة الله من خلقه ومصطفاه ، أبو عبيدة يقال له : صفوة وصفوة وصفوة مالي وصفوة مالي ، فإذا نزعوا الهاء قالوا له صفو مالي بالفتح لا غير.

الحديث الرابع : مجهول.


أبغض وإن الإيمان لا يعطيه إلا من أحبه.

(باب سلامة الدين)

١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن النعمان ، عن أيوب بن الحر ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في قول الله عز وجل : «فَوَقاهُ اللهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا »(١) فقال أما لقد بسطوا عليه وقتلوه ولكن أتدرون ما وقاه وقاه أن يفتنوه في دينه.

باب سلامة الدين

أي المقصد الأقصى الذي ينبغي أن يكون مطلوب العاقل هو سلامة الدين لا السلامة في الدنيا من آفاتها.

الحديث الأول : صحيح.

«فَوَقاهُ اللهُ » الضمير راجع إلى مؤمن آل فرعون حيث توكل على الله وفوض أمره إليه حين أراد فرعون قتله بعد أن أظهر إيمانه بموسى ، ووعظهم ودعاهم إلى الإيمان ، فقال : «وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ، فَوَقاهُ اللهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا » أي صرف الله عنه شدائد مكرهم ، قال بعض المفسرين : أنه جاء مع موسى حتى عبر البحر معه وقيل : إنهم هموا بقتله فهرب إلى جبل فبعث فرعون رجلين في طلبه فوجداه قائما يصلي وحوله الوحوش صفوفا ، فخافا ورجعا هاربين ، والخبر يرد هذين القولين كما يرد قول من قال : أن الضمير راجع إلى موسى ويدل على أنهم قتلوه « لقد بسطوا عليه » أي أيديهم في القاموس :بسط يده مدها «وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ » أي مسلطون عليهم كما يقال : بسطت يده عليه أي سلط عليه ، وفي بعض النسخ : سطوا عليه في القاموس : سطا عليه وبه سطوا وسطوة صال أو قهر بالبطش ، انتهى.

وما فيقوله : ما وقاه ، موصولة أو استفهامية وفي القاموس :الفتنة بالكسر الضلال والإثم والكفر والفضيحة والإضلال ، وفتنة يفتنه أوقعه في الفتنة كفتنه وأفتنه فهو مفتن ومفتون لازم متعد ، كافتتن فيهما.

__________________

(١) سورة المؤمن : ٤٠.


٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى بن عبيد ، عن أبي جميلة قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام كان في وصية أمير المؤمنينعليه‌السلام لأصحابه اعلموا أن القرآن هدى الليل والنهار ونور الليل المظلم على ما كان من جهد وفاقة فإذا حضرت بلية فاجعلوا أموالكم دون أنفسكم وإذا نزلت نازلة فاجعلوا أنفسكم دون دينكم واعلموا أن

الحديث الثاني : ضعيف« هدى الليل والنهار » إضافة للمصدر إلى ظرف الزمان ، وقيل : يحتمل أن يكون الليل والنهار كناية عن الباطل والحق كما قال تعالى : «وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ »(١) « ونور الليل المظلم » الظاهر أن الليل المظلم كناية عن زمان الشدة والبلاءفقوله : على ما كان ، متعلق بالمظلم أي كونه مظلما بناء على ما كان من جهد أي مشقة وفاقة ، فالمعنى أن القرآن في أحوال الشدة والفاقة منور القلب ومذهب الهم لما فيه من المواعظ والنصائح ، ولأنه يورث الزهد في الدنيا ، فلا يبالي بما وقع فيها.

ويحتمل أن يكون المعنى أنه نور في ظلم الجهالة والضلالة وعلى أي حال كان من أحوال الدنيا من مشقة وفقر وغير ذلك ، أي ينبغي أن يرضى بالشدة والفاقة مع نور الحق والهداية ومن فيقوله : من جهد ، للبيان أو التبعيض والتفريع فيقوله : فإذا حضرت ، بهذا ألصق ، وقال ابن ميثم : أراد بالفاقة الحاجة إلى ما ينبغي من الهداية والكمال النفساني ، ولا يخفى ما فيه.

والمرادبالبلية ما يمكن دفعه بالمال وبالنازلة ما لا يمكن دفعه إلا ببذل النفس أو ببذل الدين ، أو البلية في أمور الدنيا والنازلة في أمور الآخرة ، والمراد بها ما لا تقية فيه ، وإلا فالتقية واجبة« من هلك » إما بذهابه بالمرة أو بنقصه بترك الفرائض وارتكاب الكبائر أو الأعم ، وفي المصباح : حرب حربا من باب تعب أخذ جميع ماله فهو حريب وحرب على بناء المفعول فهو محروب ، وفي القاموس :حربه حربا

__________________

(١) سورة البلد : ١٠.


الهالك من هلك دينه والحريب من حرب دينه ألا وإنه لا فقر بعد الجنة ـ ألا وإنه لا غنى بعد النار لا يفك أسيرها ولا يبرأ ضريرها.

٣ ـ علي ، عن أبيه ، عن حماد بن عيسى ، عن ربعي بن عبد الله ، عن فضيل بن يسار ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال سلامة الدين وصحة البدن خير من المال والمال زينة من زينة الدنيا حسنة.

محمد بن إسماعيل ، عن الفضل بن شاذان ، عن حماد ، عن ربعي ، عن الفضيل ، عن أبي جعفرعليه‌السلام مثله.

٤ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن ابن فضال ، عن يونس بن

كطلبه طلبا سلب ماله فهو محروب وحريب ، والجمع حربي وحرباء وحريبة : ماله الذي سلب أو ماله الذي يعيش به« لا فقر بعد الجنة » أي بعد فعل ما يوجبها ، وكذاقوله : بعد النار ، أي بعد فعل ما يوجبها.

ثم بينعليه‌السلام عدم الغناء مع استحقاق النار ببيان شدة عذابها من حيث أن أسيرها والمقيد فيها بالسلاسل والأغلال لا يفك أبدا« ولا يبرء ضريرها » أي من عمي عينه فيها أو من ابتلي فيها بالضر أو المراد عدم فك أسيرها في الدنيا من قيد الشهوات وعدم برء من عمي قلبه في الدنيا بالكفر والأول أظهر ، وفي القاموس : الضرير الذاهب البصر ، والمريض المهزول ، وكل ما خالطه ضر.

الحديث الثالث : حسن كالصحيح وسنده الآتي مجهول كالصحيح.

« سلامة الدين » أي مما فيه شائبة الشرك من العقائد الباطلة والأعمال القبيحةوصحة البدن من الأمراض البدنيةخير من زوائدالمال أما خيرية الأولى فظاهرة وأما الثانية فلأنه ينتفع بالصحة مع عدم المال ، ولا ينتفع بالمال مع فقد الصحة« والمال » أي المال الصالح والحلال« زينة حسنة » لكن بشرط أن لا يضر بالدين.

الحديث الرابع : مرسل.


يعقوب ، عن بعض أصحابه قال كان رجل يدخل على أبي عبد اللهعليه‌السلام من أصحابه فغبر زمانا لا يحج فدخل عليه بعض معارفه فقال له فلان ما فعل قال فجعل يضجع الكلام يظن أنه إنما يعني الميسرة والدنيا فقال أبو عبد اللهعليه‌السلام كيف دينه فقال كما تحب فقال هو والله الغنى.

« فصبر زمانا » في بعض النسخفغبر زمانا أي مضى ، وفي بعضها فغبر زمانا أي مكث ، في القاموس : غبر غبورا مكث وذهب ضد« فلان ما فعل؟ » أي كيف حاله ولم تأخر عن الحج؟ « قال » أي بعض الأصحاب الراوي« فجعل » أي شرع بعض المعارف« يضجع الكلام » أي يخفضه أو يقصر ولا يصرح بالمقصود ويشير إلى سوء حاله لئلا يغتم الإمامعليه‌السلام بذلك كما هو الشائع في مثل هذا المقام.

قال في القاموس : أضجعت الشيء أخفضته وضجع في الأمر تضجيعا قصر« فظن » في بعض النسخ يظن وهو أظهر« إنما يعني » إنما بفتح الهمزة وما موصولة ، وهي اسم أن كقوله تعالى : «وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ »(١) أو ما كافة مثل قوله : «أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ »(٢) وعند الزمخشري أنه يفيد الحصر كالمكسور فعلى الأول مفعول يعني وهو عائد ما محذوف ، وتقديره أن ما يعنيه ،والميسرة خبر أن وعلى الثاني الميسرة مفعول يعني ، وعلى التقديرين المستتر في يعني راجع إلى الإمامعليه‌السلام « كما تحب » أي على أحسن الأحوال« فقال هو «وَاللهُ الْغَنِيُ »».

أقول : تعريف الخبر باللام المفيد للحصر وتأكيده بالقسم للتنبيه على أن الغناء الحقيقي ليس إلا الغناء الأخروي الحاصل بسلامة الدين ، كما روي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال : الفقر الموت الأحمر ، فقيل له الفقر من الدينار والدرهم؟ فقال : لا ولكن من الدين.

__________________

(١) سورة الأنفال : ٤١.

(٢) سورة الكهف : ١١٠.


(باب التقية)

١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام بن سالم وغيره ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في قول الله عز وجل : «أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا » قال بما صبروا على التقية «وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ »(١) قال الحسنة التقية

باب التقية

الحديث الأول : حسن كالصحيح.

«أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ » الآية في سورة القصص هكذا : «الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ » قال الطبرسي (ره) : من قبله أي من قبل محمد «هُمْ بِهِ » أي بمحمد «يُؤْمِنُونَ » لأنهم وجدوا صفته في التوراة وقيل : من قبله أي من قبل القرآن هم بالقرآن يصدقون ، والمراد بالكتاب التوراة والإنجيل «وَإِذا يُتْلى » أي القرآن «عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ » ثم أثنى الله سبحانه عليهم فقال : «أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا » قال (ره) مرة بتمسكهم بدينهم حتى أدركوا محمداصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فآمنوا به ومرة بإيمانهم به ، وقيل : بما صبروا على الكتاب الأول وعلى الكتاب الثاني وإيمانهم بما فيهما ، وقيل : بما صبروا على دينهم وعلى أذى الكفار لهم وتحمل المشاق «وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ » أي يدفعون بالحسن من الكلام القبيح من الكلام التي يسمعونه من الكفار ، وقيل : يدفعون بالمعروف المنكر ، وقيل : يدفعون بالحلم جهل الجاهل ، وقيل : يدفعون بالمداراة مع الناس أذاهم عن أنفسهم ، وروي مثل ذلك عن أبي عبد اللهعليه‌السلام .

__________________

(١) سورة القصص : ٥٤.


والسيئة الإذاعة.

٢ ـ ابن أبي عمير ، عن هشام بن سالم ، عن أبي عمر الأعجمي قال قال لي أبو عبد اللهعليه‌السلام يا أبا عمر إن تسعة أعشار الدين في التقية ولا دين لمن لا تقية له والتقية في كل شيء إلا في النبيذ والمسح على الخفين.

وأقول : على ما في الخبر كأنها منزلة على جماعة من مؤمني أهل الكتاب آمنوا بمحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم باطنا وأخفوا إيمانهم عن قومهم تقية فآتاهم أجرهم مرتين لإيمانهم ، ومرة للعمل بالتقية ، والمراد بالإذاعة الإشاعة وإفشاء ما أمرواعليهم‌السلام بكتمانه عند خوف الضرر عليهم.

الحديث الثاني : مجهول.

« إن تسعة أعشار الدين في التقية » كان المعنى أن ثواب التقية في زمانها تسعة أضعاف سائر الأعمال ، وبعبارة أخرى إيمان العاملين بالتقية عشرة أمثال من لم يعمل بها ، وقيل : لقلة الحق وأهله حتى أن الحق عشر والباطل تسعة أعشار ولا بد لأهل الحق من المماشاة مع أهل الباطل فيها حال ظهور دولتهم ليسلموا من بطشهم ، ولا يخفى ما فيه.

« ولا دين » أي كاملا« إلا في النبيذ » أقول : سيأتي في كتاب الطهارة في حديث زرارة : ثلاثة لا أتقي فيهن أحدا : شرب المسكر ،ومسح الخفين ، ومتعة الحج ، وهذا مخالف للمشهور من كون التقية من كل شيء إلا في الدماء.

واختلف في توجيه على وجوه : « الأول » ما ذكره زرارة في تتمة الخبر السابق حيث قال : ولم يقل : الواجب عليكم أن لا تتقوا فيهن أحدا ، أي عدم التقية فيهن مختص بهمعليهم‌السلام إما لأنهم يعلمون أنه لا يلحقهم الضرر بذلك ، وأن الله يحفظهم أو لأنها كانت مشهورة من مذهبهمعليهم‌السلام ، فكان لا ينفعهم التقية.

الثاني : ما ذكره الشيخقدس‌سره في التهذيب وهو أنه لا تقية فيها لأجل


٣ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن عثمان بن عيسى ، عن سماعة ، عن أبي بصير قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام التقية من دين الله ـ قلت من دين

مشقة يسيرة لا تبلغ إلى الخوف على النفس أو المال وإن بلغت أحدهما جازت.

الثالث : أنه لا تقية فيها لظهور الخلاف فيها بين المخالفين فلا حاجة إلى التقية.

الرابع : لعدم الحاجة إلى التقية فيها لجهات أخرى أما في النبيذ فلا مكان التعلل في ترك شربه بغير الحرمة كالتضرر به ونحو ذلك ، وأما في المسح فلان الغسل أولى منه وهم لا يقولون بتعين المسح على الخفين ، وأما في متعة الحج فلأنهم يأتون بالطواف والسعي للقدوم استحبابا ، فلا يكون الاختلاف إلا في النية وهي أمر قلبي لا يطلع عليه أحد ، والتقصير وإخفاؤه في غاية السهولة.

قال في الذكرى : يمكن أن يقال : هذه الثلاث لا تقية فيها من العامة غالبا لأنهم لا ينكرون متعة الحج ، وأكثرهم يحرم المسكر ومن خلع خفه وغسل رجليه فلا إنكار عليه ، والغسل أولى منه عند انحصار الحال فيهما ، وعلى هذا تكون نسبته إلى غيره كنسبته إلى نفسه في أنه تنتفي التقية فيه ، وإذا قدر خوف ضرر نادر جازت التقية ، انتهى.

وأقول : على ما ذكرنا في الوجه الرابع يظهر علة عدم ذكر متعة الحج في هذا الخبر لعدم الحاجة إلى التقية فيه أصلا غالبا ، وأما عدم التعرض لنفي التقية في القتل فلظهوره أو لكون المراد التقية من المخالفين ولا اختصاص لتقية القتل بهم.

الحديث الثالث : موثق.

« من دين الله » أي من دين الله الذي أمر عباده بالتمسك به في كل ملة لأن أكثر الخلق في كل عصر لما كانوا من أهل البدع شرع الله التقية في الأقوال والأفعال والسكوت عن الحق لخلص عباده عند الخوف حفظا لنفوسهم ودمائهم وأعراضهم


الله قال إي والله من دين الله ولقد قال يوسف : «أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ »(١) والله ما كانوا سرقوا شيئا ولقد قال إبراهيمعليه‌السلام «إِنِّي سَقِيمٌ »(٢) والله ما كان سقيما.

وأموالهم وإبقاء لدينه الحق ولو لا التقية بطل دينه بالكلية وانقرض أهله لاستيلاء أهل الجور والتقية إنما هي في الأعمال لا العقائد لأنها من الأسرار التي لا يعلمها إلا علام الغيوب.

واستشهدعليه‌السلام لجواز التقية بالآية الكريمة حيث قال :« ولقد قال يوسف » نسب القول إلى يوسف باعتبار أنه أمر به ، والفعل ينسب إلى الآمر كما ينسب إلى الفاعل ،والعير بالكسر القافلة مؤنثة وهذا القول مع أنهملم يسرقوا السقاية ليس بكذب لأنه كان لمصلحة وهي حبس أخيه عنده بأمر الله ، مع عدم علم القوم بأنهعليه‌السلام أخوهم ، مع ما فيه من التورية المجوزة عند المصلحة التي خرج بها عن الكذب باعتبار أن صورتهم وحالتهم شبيهة بحال السراق بعد ظهور السقاية عندهم أو بإرادة أنهم سرقوا يوسف من أبيه كما ورد في الخبر.

وكذا قول إبراهيمعليه‌السلام «إِنِّي سَقِيمٌ » ولم يكن سقيما ، لمصلحة ، فإنه أراد التخلف عن القوم لكسر الأصنام فتعلل بذلك وأراد أنه سقيم القلب بما يرى من القوم من عبادة الأصنام ، أو لما علم من شهادة الحسينعليه‌السلام كما مر ، أو أراد أنه في معرض السقم والبلايا وكان الاستشهاد بالآيتين على التنظير لرفع الاستبعاد عن جواز التقية بأنه إذا جاز ما ظاهره الكذب لبعض المصالح التي لم تصل إلى حد الضرورة فجواز إظهار خلاف الواقع قولا وفعلا عند خوف الضرر العظيم أولى ، أو المراد بالتقية ما يشمل تلك الأمور أيضا.

__________________

(١) سوره يوسف : ٧٠.

(٢) سورة الصافّات : ٨٩.


٤ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن خالد والحسين بن سعيد جميعا ، عن النضر بن سويد ، عن يحيى بن عمران الحلبي ، عن حسين بن أبي العلاء ، عن حبيب بن بشر قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام سمعت أبي يقول لا والله ما على وجه الأرض شيء أحب إلي من التقية يا حبيب إنه من كانت له تقية رفعه الله يا حبيب من لم تكن له تقية وضعه الله يا حبيب إن الناس إنما هم في هدنة فلو قد كان ذلك كان هذا.

٥ ـ أبو علي الأشعري ، عن الحسن بن علي الكوفي ، عن العباس بن عامر ، عن جابر المكفوف ، عن عبد الله بن أبي يعفور ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال اتقوا على دينكم

الحديث الرابع : مجهول.

وفي النهاية :الهدنة السكون والصلح والموادعة بين المسلمين والكفار ، وبين كل متحاربين ، انتهى.

والمراد بالناس إما المخالفون أي هم في دعة واستراحة لأنا لم نؤمر بعد لمحاربتهم ومنازعتهم ، وإنما أمرنا بالتقية منهم ومسالمتهم أو الشيعة أي أمروا بالموادعة والمداراة مع المخالفين أو الأعم منهما ولعله أظهر« فلو قد كان ذلك » أي ظهور القائمعليه‌السلام والأمر بالجهاد معهم ومعارضتهم« كان هذا » أي ترك التقية الذي هو محبوبكم ومطلوبكم وقال صاحب الوافي : يعني أن مخالفينا اليوم في هدنة وصلح ومسالمة معنا ، لا يريدون قتالنا والحرب معنا ولهذا نعمل معهم بالتقية ، فلو قد كان ذلك ، يعني لو كان في زمن أمير المؤمنين والحسن بن عليعليهما‌السلام أيضا الهدنة لكانت التقية فإن التقية واجبة ما أمكنت فإذا لم تمكن جاز تركها لمكان الضرورة ، انتهى. وما ذكرنا أظهر.

الحديث الخامس : مجهول.

« اتقوا على دينكم » أي احذروا المخالفين بكتمان دينكم إشفاقا وإبقاء عليه لئلا يسلبوه منكم أو احذروهم كامنين على دينكم إشعارا بأن التقية لا ينافي كونكم على الدين أو اتقوهم ما لم يصر سببا لذهاب دينكم ، ويحتمل أن يكون « على » بمعنى « في » والأول أظهر.


فاحجبوه بالتقية فإنه لا إيمان لمن لا تقية له إنما أنتم في الناس كالنحل في الطير لو أن الطير تعلم ما في أجواف النحل ما بقي منها شيء إلا أكلته ولو أن الناس علموا ما في أجوافكم أنكم تحبونا أهل البيت لأكلوكم بألسنتهم ولنحلوكم في السر والعلانية رحم الله عبدا منكم كان على ولايتنا.

« إنما أنتم في الناس كالنحل » أقول : كأنه لذلك لقب أمير المؤمنينعليه‌السلام بأمير النحل ويعسوب المؤمنين ، وتشبيه الشيعة بالنحل لوجوه « الأول » أن العسل الذي في أجوافها ألذ الأشياء المدركة بالحس والذي في قلوب الشيعة من دين الحق والولاية ألذ المشتهيات العقلانية.

الثاني : أن العسل شفاء من الأمراض الجسمانية لقوله تعالى : «فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ »(١) وما في جوف الشيعة شفاء من الأدواء الروحانية.

الثالث : ضعف النحل بالنسبة إلى الطيور ، وضعف الشيعة في زمان التقية بالنسبة إلى المخالفين.

الرابع : شدة إطاعة النحل لرئيسهم كشدة انقياد الشيعة ليعسوبهم صلوات الله عليه.

الخامس : ما ذكر في الخبر من أنهم بين بني آدم كالنحل بين سائر الطيور في أنها إذا علمت ما في أجوافها لأكلتها رغبة فيما في أجوافها للذتها ، كما أن المخالفين لو علموا ما في قلوب الشيعة من دين الحق لقتلوهم عنادا. وقيل : لأن الطير لو كان بينها حسد كبني آدم وعلمت أن في أجوافها العسل وهو سبب عزتها عند بني آدم لقتلتها حسدا ، كما أن المخالفين لو علموا أن في أجواف الشيعة ما يكون سببا لعزتهم عند الله لأفنوهم باللسان فكيف باليد والسنان حسدا. وما ذكرنا أظهر وأقل تكلفا.

__________________

(١) سورة النحل : ٦٩.


٦ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حماد ، عن حريز عمن أخبره ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في قول الله عز وجل : «وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ »(١) قال الحسنة التقية والسيئة الإذاعة وقوله عز وجل : «ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ » السيئة(٢) قال التي هي أحسن التقية ، «فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ »(٣) .

٧ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحسن بن محبوب ، عن هشام

وفي القاموس : نحلة القول كمنعه نسبه إليه وفلانا سابه ، وجسمه كمنع وعلم ونصر وكرم نحولا : ذهب من مرض أو سفر وأنحله الهم. وفي بعض النسخ بالجيم ، في القاموس : نجل فلانا ضربه بمقدم رجله وتناجلوا تنازعوا.

الحديث السادس : مرسل كالحسن.

وكان الجمع بين أجزاء الآيات المختلفة من قبيل النقل بالمعنى وإرجاع بعضها إلى بعض فإن في سورة حم السجدة هكذا : «وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ » وفي سورة المؤمنون هكذا : «ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ » فإلحاق السيئة في الآية الأولى لتوضيح المعنى أو لبيان أن دفع السيئة في الآية الأخرى أيضا بمعنى التقية مع أنه يحتمل أن يكون في مصحفهمعليهم‌السلام كذلك.

قال الطبرسي (ره) : «ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ » أي السيئة أي ادفع بحقك باطلهم وبحلمك جهلهم وبعفوك إساءتهم ، فإذا فعلت ذلك صار عدوك الذي يعاديك في الدين بصورة وليك القريب فكأنه وليك في الدين وحميمك في النسب.

الحديث السابع : مجهول.

__________________

(١) سورة فصّلت : ٣٤.

(٢) سورة المؤمنون : ٩٦.

(٣) سورة فصّلت : ٣٤.


بن سالم ، عن أبي عمرو الكناني قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام يا أبا عمرو أرأيتك لو حدثتك بحديث أو أفتيتك بفتيا ثم جئتني بعد ذلك فسألتني عنه فأخبرتك بخلاف ما كنت أخبرتك أو أفتيتك بخلاف ذلك بأيهما كنت تأخذ قلت بأحدثهما وأدع الآخر فقال قد أصبت يا أبا عمرو أبى الله إلا أن يعبد سرا أما والله لئن فعلتم ذلك إنه لخير لي ولكم وأبى الله عز وجل لنا ولكم في دينه إلا التقية.

٨ ـ عنه ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسن بن علي ، عن درست الواسطي قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام ما بلغت تقية أحد تقية أصحاب الكهف إن كانوا ليشهدون الأعياد ويشدون الزنانير فأعطاهم الله «أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ ».

وفي المصباح :الفتوى بالواو فتفتح الفاء وبالياء فتضم ، وهو اسم من أفتى العالم إذا بين الحكم واستفتيته سألته أن يفتي ، والجمع الفتاوى بكسر الواو على الأصل ، وقيل : يجوز الفتح للتخفيف ، انتهى.

وقوله : بأحدثهما : إما على سبيل الاستفتاء والسؤال أو كان عالما بهذا الحكم قبل ذلك من جهتهمعليهم‌السلام ، وإلا فكيف يجوزعليه‌السلام فتواه من جهة الظن مع تيسر العلم ، ولما كان الاختلاف للتقية قالعليه‌السلام :أبي الله إلا أن يعبد سرا ، أي في دولة الباطل ، والعبادة في السر هي الاعتقاد بالحق قلبا أو العمل بالحكم الأصلي سرا وإظهار خلاف كل منهما علانية وهذا وإن كان عبادة أيضا وثوابه أكثر لكن الأولى هو الأصل فلذا عبر هكذا.

الحديث الثامن : ضعيف.

« ما بلغت » أي في الأمم السابقة أو في هذه الأمة أيضا لأن أعظم التقية في هذه الأمة مع أهل الإسلام المشاركين لهم في كثير من الأحكام ولم تبلغ التقية منهم إلى حد إظهار الشرك ، والزنانير جمع الزنار وزان التفاح وهو على ما وسط النصارى والمجوس ، وتزنروا شدوا الزنار على وسطهم.


٩ ـ عنه ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسن بن علي بن فضال ، عن حماد بن واقد اللحام قال استقبلت أبا عبد اللهعليه‌السلام في طريق فأعرضت عنه بوجهي ومضيت فدخلت عليه بعد ذلك فقلت جعلت فداك إني لألقاك فأصرف وجهي كراهة أن أشق عليك فقال لي رحمك الله ولكن رجلا لقيني أمس في موضع كذا وكذا فقال عليك السلام يا أبا عبد الله ما أحسن ولا أجمل.

١٠ ـ علي بن إبراهيم ، عن هارون بن مسلم ، عن مسعدة بن صدقة قال قيل لأبي عبد اللهعليه‌السلام إن الناس يروون أن علياعليه‌السلام قال على منبر الكوفة أيها الناس إنكم ستدعون إلى سبي فسبوني ثم تدعون إلى البراءة مني فلا تبرءوا مني فقال ما أكثر ما يكذب الناس على عليعليه‌السلام ثم قال إنما قال إنكم ستدعون إلى سبي فسبوني ثم ستدعون إلى البراءة مني وإني لعلى دين محمد ولم يقل لا تبرءوا مني فقال له السائل أرأيت إن اختار القتل دون البراءة فقال والله ما ذلك

الحديث التاسع : مجهول.

وفي القاموسشق عليه الأمر شقا ومشقة صعب ، وعليه أوقعه في المشقة« ما أحسن » ما نافية ، أي لم يفعل الحسن حيث ترك التقية ، وسلم علي على وجه المعرفة والإكرام بمحضر المخالفين« ولا أجمل » أي ولا فعل الجميل وقيل : أي ما أجمل حيث قدم الظرف على السلام وهو يدل على الحصر وعبر بالكنية وكل منهما يدل على التعظيم.

الحديث العاشر : ضعيف على المشهور.

« إنكم ستدعون » هذا من معجزاته صلوات الله عليه فإنه أخبر بما سيقع وقد وقع لأن بني أمية لعنهم الله أمروا الناس بسبهعليه‌السلام وكتبوا إلى عما لهم في البلاد أن يأمروهم بذلك ، وشاع ذلك حتى إنهم سبوهعليه‌السلام على المنابر« وما له إلا ما مضى عليه عمار بن ياسر » روى العامة والخاصة أن قريشا أكرهوا


عليه وما له إلا ما مضى عليه عمار بن ياسر حيث أكرهه أهل مكة وقلبه مطمئن

عمارا وأبويه ياسرا وسمية على الارتداد فلم يقبله أبواه فقتلوهما وأعطاهم عمار بلسانه ما أرادوا مكرها ، فقيل : يا رسول الله إن عمارا كفر فقال : كلا إن عمارا مليء إيمانا من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه ، فأتى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عمار وهو يبكي فجعل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يمسح عينيه فقال : ما لك إن عادوا فعد لهم بما قلت.

أقول : وينافي هذا الخبر ظاهرا ما رواه السيدرضي‌الله‌عنه في نهج البلاغة أنه قالعليه‌السلام : لأصحابه : أما إنه سيظهر عليكم بعدي رجل رحب البلعوم مندحق البطن يأكل ما يجد ويطلب ما لا يجد فاقتلوه ولن تقتلوه إلا وإنه سيأمركم بسبي والبراءة مني ، فأما السب فسبوني فإنه لي زكاة ولكم نجاة ، وأما البراءة فلا تتبرءوا مني فإني ولدت على الفطرة وسبقت إلى الإيمان والهجرة « والبلعوم » مجرى الطعام في الحلق « ومندحق البطن » أي بارزه ، وقيل : واسعه « وأكل ما يجد » كناية عن كثرة أكله أو عن الإسراف والتبذير وطلب ما لا يجد عن الحرص أو عدم الظفر بالمقصد الأصلي ، واختلف في هذا الرجل فقيل : هو زياد بن أبيه أو الحجاج أو المغيرة بن شعبة أو معاوية عليهم اللعنة ، وقد كان معاوية معروفا بكثرة الأكل حتى يضرب به المثل قال الشاعر :

وصاحب لي بطنه كالهاوية

 

كان في أمعائه معاوية

« فإنه لي زكاة » أي زيادة في حسناتي أو لا ينقص من قدري في الدنيا شيئا بل أزيد شرفا وعلو قدر وشياع ذكر ، وأما ولادتهعليه‌السلام على الفطرة فاستشكل فيها بأن ميلادهعليه‌السلام كان متقدما على الإسلام ولو أريد بالفطرة ما يولد عليه كل مولود فذلك مما لا يختص به أحد مع أن الولادة على الإسلام ليس خاصة لهعليه‌السلام .


بالإيمان فأنزل الله عز وجل فيه «إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ »(١) فقال له

وأجيب بأن المراد بالولادة على الفطرة أنه لم يولد في الجاهلية لأنهعليه‌السلام ولد لثلاثين عاما مضت من عام الفيل ، والنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أرسل لأربعين مضت منها.

وقد جاء في الأخبار الصحيحة أنهعليه‌السلام مكث قبل الرسالة سنين عشرا يسمع الصوت ويرى الضوء ولا يخاطبه أحد ، وكان ذلك إرهاصا لرسالته فحكم تلك السنين العشر أيام رسالته ، فالمولود فيها إذا كان في حجره وهو المتولي لتربيته كان مولودا في أيام كأيام النبوة وليس بمولود في الجاهلية ففارقت حاله حال من يدعى له الفضل من الصحابة ، ويقصد بالتبري منهعليه‌السلام توليهم.

وروي أن السنة التي ولدعليه‌السلام فيها كان يسمع الهتاف من الأحجار والأشجار وابتدأ فيها بالتبتل والانقطاع والعزلة في جبل حراء ، فلم يزل كذلك حتى كوشف بالرسالة وأنزل عليه الوحي ، وقال لأهله ليلة ولادته وفيها شاهد ما شاهد من الكرامات والقدرة الإلهية التي لم يشاهدها قبلها : لقد ولد لنا الليلة مولود يفتح الله به علينا أبوابا من النعمة والرحمة.

وقيل : المراد الولادة على الفطرة التي لم يتغير ولم يتبدل بفساد العقائد باتباع الآباء ومتابعة الشبهات وإضلال المضلين ، وذلك أمر لا يعم كل مولود وإن كانت الولادة على الفطرة بمعنى الاستعداد للمعارف لو لم يمنع مانع من الأمور المذكورة مشتركة بين الجميع.

وقيل : يمكن أن يراد بالفطرة الخلقة التي لم يطرء عليها مخالفة أمر الله ونهيه وهي العصمة ، أي لم أخرج عن اتباع أمر الله مذ ولدت ، وأما السبق إلى الهجرة فقيل : إنهعليه‌السلام لم يسبق على جميع الصحابة وقد بات على فراشهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لما هاجر إلى المدينة ومكث أياما لرد الودائع التي كانت عندهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

__________________

(١) سورة النحل : ١٠٦.


وأجيب : بأن المراد بالهجرة الجنس وأول هجرة هاجرها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خروجه إلى بني عامر بن صعصعة لما مات أبو طالبعليه‌السلام ، وأوحى إليه : أن اخرج فقد مات ناصرك ، وكانت مدة تلك الغيبة عشرة أيام ولم يصحبه في تلك الهجرة إلا عليعليه‌السلام وحده.

ثم هاجر إلى شيبان وكان معه هوعليه‌السلام وأبو بكر وقد كان تخلفهعليه‌السلام في الهجرة إلى المدينة أسبق إلى الرتبة من السبق إليها كما لا يخفى على من له أدنى فطنة ، وأما السبق إلى الإيمان فمن خصائصهعليه‌السلام عندنا وعند كثير من مشاهير العامة وقد أشبعنا الكلام في ذلك في الكتاب الكبير ، وينافيه أيضا ما رواه الكشي بإسناده عن حجر بن عدي قال : قال لي عليعليه‌السلام : كيف تصنع أنت إذا ضربت وأمرت بلعني؟ قال : قلت له : كيف أصنع؟ قال العني ولا تبرأ مني فإني على دين الله ، وهذا يدل على أن اللعن في حكم السب ، ويؤيد خبر الكتاب ما رواه صاحب كتاب الغارات بإسناده عن الباقر قال : خطب عليعليه‌السلام على منبر الكوفة فقال : سيعرض عليكم سبي فسبوني وإن عرض عليكم البراءة مني فإني على دين محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم يقل فلا تبرءوا مني ، وروي أيضا عن الصادقعليه‌السلام قال : قال عليعليه‌السلام : لتذبحن على سبي وأشار بيده إلى حلقه ، ثم قال : فإن أمروكم بسبي فسبوني وإن أمروكم أن تبروا مني فإني على دين محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم ينههم عن إظهار البراءة.

وأقول : الجمع بين تلك الروايات في غاية الإشكال ويمكن الجمع بينها بحمل البراءة المنهي عنها على البراءة القلبية والمجوزة على اللفظية ، لكن ينافيه بعض ما سيأتي من الأخبار ، وحمل ابن أبي الحديد البراءة على اللفظية وقال : لما لم تطلق البراءة في الكتاب الكريم إلا في حق المشركين كقوله تعالى : «بَراءَةٌ


النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله عندها يا عمار إن عادوا فعد فقد أنزل الله عز وجل عذرك.

مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ »(١) وقوله عز وجل : «أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ »(٢) فيحمل النهي في كلامهعليه‌السلام على أن التحريم في البراءة أشد وإن كان الحكم في كل من السب والبراءة التحريم ، ويرد عليه أن النهي عن البراءة في كلامهعليه‌السلام في حال الإكراه ، وقد صرح هذا القائل بجواز كل من السب والتبري على وجه التقية وأنه يجوز للمكلف أن لا يفعلهما وإن قتل إذا قصد بذلك إعزاز الدين إلا أن يحمل النهي على التنزيه ، ويقول بالكراهة في إظهار البراءة ويجعل الصبر على القتل مستحبا بخلاف السب إلا أنه لم يصرح بهذا الفرق ، ولم أطلع عليه في كلام غيره ، ويمكن أن يقال : بكراهة الأمرين وشدتها في الثاني ويحمل الأمر بالسب في كلامهعليه‌السلام على الجواز ولو على وجه الكراهة ، ويظهر من الشهيدقدس‌سره التخيير في التبري بين الفعل والترك وفي كل كلمة كفر حيث قال في قواعده : إن التقية تبيح كل شيء حتى إظهار كلمة الكفر ولو تركها حينئذ أثم إلا في هذا المقام ومقام التبري من أهل البيتعليهم‌السلام فإنه لا يأثم بتركها بل صبره إما مباح أو مستحب خصوصا إذا كان ممن يقتدى به ، انتهى.

ولا يظهر من كلامه الفرق بل لا يبعد شمول كلمة الكفر للسب وإن قابلها بالتبري وما ذكره مناف لبعض الروايات كما عرفت ، وقد ذكر أبو الصلاحقدس‌سره في الكافي فصلا طويلا نذكر منه موضع الحاجة ، قال : فأما ما يقع به الإكراه فالخوف على النفس متى فعل الحسن واجتنب القبيح لحصول الإجماع بكون ذلك إكراها مؤثرا وعدم دليل بما دونه من ضروب الخوف ، ثم قال (ره) : فإذا حصل شرط

__________________

(١ و ٢) سورة البرائة : ١ ـ ٣.


الإكراه فما أكره عليه المكلف على ضربين ، أحدهما لا يصح فيه الإكراه ، والثاني يصح.

فالأول أفعال القلوب كلها لأن المكره لا سبيل له إلى علمها فلا يصح الإلجاء إلى شيء منها وما يصح فيه الإكراه أفعال الجوارح ، وهو على ضربين :

أحدهما لا يؤثر فيه الإكراه والثاني يؤثر ، فالأول القبائح العقلية كلها كالظلم والكذب ومن السمعيات الزنا بإجماع الأمة وشرب الخمر بإجماع الفرقة ، والثاني الواجبات العقلية والسمعية وما عدا ما ذكرناه من المحرمات ، فأما الواجبات فيؤثر فيها التأخير عن أوقاتها وتغير كيفياتها والنيابة فيها وسقوط ما لا يصح ذلك فيه ، وأما المحرمات فيؤثر إباحتها كالميتة ولحم الخنزير والصيد في الحرم أو الإحرام وساق الكلام في ذلك إلى قوله : فأما إظهار كلمة الكفر وإنكار الإيمان أو إنكار كلمته مع الخوف على النفس مع الإمساك عن الأولة وإظهار الثانية فيختلف الحال فيه فإن كان مظهر الإيمان والحجة به ومنكر الكفر والممتنع من إظهار شعاره في رتبة من يكون ذلك منه إعزازا للدين كرؤساء المسلمين في العلم والدين والعبادة وتنفيذ الأحكام ، فالأولى به إظهار الإيمان والامتناع من كلمة الكفر فإن قتل فهو شهيد ويجوز له ما أكره عليه ، وإن كان من أطراف الناس وممن لا يؤثر فعله ما أكره عليه أو اجتنابه غضاضة في الدين ففرضه ما دعي إليه فليور في كلامه ما يخرج به عن الكذب ولا يحل له ما جاز لمن ذكرناه من رؤساء الملة على حال ، انتهى.

وقال صاحب الجامع : إن أكره المكلف على إظهار كلمة الكفر بالقتل جاز له إظهارها ، ولو احتملها ولم يظهرها كان مأجورا ، وإن أكره بالقتل على الإخلال بواجب سمعي أو عقلي أو على فعل قبيح سمعي جاز له ذلك ، وإن أكره على قبيح عقلي فإن كان مما له عنه مندوحة ، كالكذب ورى في نفسه ، وإن كان غيره كالظلم لم يحسنه الإكراه.


وأمرك أن تعود إن عادوا.

١١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن الحكم ، عن هشام الكندي قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول إياكم أن تعملوا عملا يعيرونا به فإن ولد السوء يعير والده بعمله كونوا لمن انقطعتم إليه زينا ولا تكونوا عليه شينا صلوا في عشائرهم وعودوا مرضاهم واشهدوا جنائزهم ولا يسبقونكم إلى شيء من الخير فأنتم أولى به منهم والله ما عبد الله بشيء أحب إليه من الخبء قلت وما الخبء قال التقية.

١٢ ـ عنه ، عن أحمد بن محمد ، عن معمر بن خلاد قال سألت أبا الحسنعليه‌السلام عن

وروي أنه يأخذ المال بالإكراه فإن تمكن من رده فعل ولا خلاف أن قتل النفس المحرمة لا يستباح بالإكراه أبدا.

قوله عليه‌السلام : وأمرك ، يمكن أن يكون على صيغة الماضي الغائب بإرجاع المستتر إلى الله وبصيغة المضارع المتكلم.

الحديث الحادي عشر : صحيح.

قوله عليه‌السلام : فإن ولد السوء ، بفتح السين من إضافة الموصوف إلى الصفة وهذا على التنظير أو هو مبني على ما مر مرارا من أن الإمام بمنزلة الوالد لرعيته والوالدين في بطن القرآن النبي والإمامعليهما‌السلام وقد اشتهر أيضا أن المعلم والد روحاني والشين العيب« صلوا في عشائرهم » يمكن أن يقرأ صلوا بالتشديد من الصلاة ، وبالتخفيف من الصلة أي صلوا المخالفين مع عشائرهم ، أي كما يصلهم عن عشائرهم ، وقيل : أي إذا كانوا عشائركم والضمائر للمخالفين بقرينة المقام وفي بعض النسخ عشائركم.

« ولا يسبقونكم » خبر في معنى الأمر والخباء الإخفاء والستر ، تقول خبأت الشيء خبئا من باب منع إذا أخفيته وسترته ، والمراد به هنا التقية لأن فيها إخفاء الحق وستره.

الحديث الثاني عشر : كالسابق.


القيام للولاة فقال قال أبو جعفرعليه‌السلام التقية من ديني ودين آبائي ولا إيمان لمن لا تقية له.

١٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حماد ، عن ربعي ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال التقية في كل ضرورة وصاحبها أعلم بها حين تنزل به.

١٤ ـ علي ، عن أبيه ، عن ابن محبوب ، عن جميل بن صالح ، عن محمد بن مروان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال [ كان ] أبيعليه‌السلام يقول وأي شيء أقر لعيني من التقية إن التقية جنة المؤمن.

١٥ ـ علي ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن جميل ، عن محمد بن مروان قال قال

« عن القيام للولاة » أي القيام عندهم أو لتعظيمهم عند حضورهم أو مرورهم ويفهم منه عدم جواز القيام لهم عند عدم التقية وعلى جوازه للمؤمنين بطريق أولى وفيه نظر ، وقيل : المراد القيام بأمورهم والائتمار بأمرهم ولا يخفى بعده.

الحديث الثالث عشر : حسن كالصحيح.

ويدل على وجوبالتقية في كل ما يضطر إليه الإنسان إلا ما خرج بدليل وعلى أن الضرورة منوطة بعلم المكلف وظنه وهو أعلم بنفسه كما قال تعالى : «الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ »(١) والله يعلم من نفسه أنه مداهنة أو تقية.

الحديث الرابع عشر : مجهول ،« جنة للمؤمن » أي من ضرر المخالفين.

الحديث الخامس عشر : كالسابق.

« ما منع ميثم » كأنه كان ميثما فصحف ويمكن أن يقرأ منع على بناء المجهول ، أي لم يكن ميثم ممنوعامن التقية في هذا الأمر فلم لم يتق؟ فيكون الكلام مسوقا للإشفاق لا الذم والاعتراض كما هو الظاهر على تقدير النصب ، ويحتمل أن يكون على الرفع مدحا بأنه مع جواز التقية تركه لشدة حبه لأمير المؤمنينعليه‌السلام ويحتمل أن يكون المعنى : لم يمنع من التقية ولم يتركها لكن لم تنفعه وإنما تركها

__________________

(١) سورة القيامة : ١٤.


لي أبو عبد اللهعليه‌السلام ما منع ميثمرحمه‌الله من التقية فو الله لقد علم أن هذه الآية نزلت في عمار وأصحابه «إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ »(١) .

لعدم الانتفاع بها وعدم تحقق شرط التقية فيه ، ويمكن أن يقرأ منع على بناء المعلوم ، أي ليس فعله مانعا للغير عن التقية لأنه اختار أحد الفردين المخير فيهما أو لاختصاص الترك به لما ذكر أو فعلها ولم تنفعه ، وبالجملة يبعد من مثل ميثم ورشيد وقنبر وأضرابهم رفع الله درجاتهم بعد إخباره صلوات الله عليه إياهم بما يجري عليهم وأمرهم بالتقية تركهم أمرهعليه‌السلام ومخالفتهم له وعدم بيانه لهم ما يجب عليهم حينئذ أبعد ، فالظاهر أنهم كانوا مخيرين في ذلك فاختاروا ما كان أشق عليهم.

ويؤيده ما رواه الكشي عن ميثمرضي‌الله‌عنه قال : دعاني أمير المؤمنينعليه‌السلام وقال لي كيف أنت يا ميثم إذا دعاك دعي بني أمية عبيد الله بن زياد إلى البراءة مني فقلت : يا أمير المؤمنين أنا والله لا أبرأ منك قال : إذا والله يقتلك ويصلبك فقلت : أصبر فذاك في الله قليل فقالعليه‌السلام : يا ميثم إذا تكون معي في درجتي.

وروي أيضا عن قنوا بنت رشيد الهجري قال : سمعت أبي يقول : أخبرني أمير المؤمنينعليه‌السلام فقال : يا رشيد كيف صبرك إذا أرسل إليك دعي بني أمية فقطع يديك ورجليك ولسانك قلت : يا أمير المؤمنين آخر ذلك إلى الجنة فقالعليه‌السلام : يا رشيد أنت معي في الدنيا والآخرة قالت : والله ما ذهبت الأيام حتى أرسل إليه عبيد الله بن زياد الدعي فدعاه إلى البراءة من أمير المؤمنينعليه‌السلام فأبى أن يتبرء منه فقال له الدعي : فبأي ميتة قال لك تموت؟ فقال له : أخبرني خليلي : إنك تدعوني إلى البراءة فلا أبرأ منه فتقدمني فتقطع يدي ورجلي ولساني فقال : والله لأكذبن قوله قال : فقدموه فقطعوا يديه ورجليه وتركوا لسانه فحملت أطرافه يديه ورجليه فقلت : يا أبت تجد ألما لما أصابك فقال : لا يا بنية إلا كالزحام بين الناس فلما احتملناه وأخرجناه من القصر

__________________

(١) سورة النحل : ١٠٦.


١٦ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن صفوان ، عن شعيب الحداد ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال إنما جعلت التقية ليحقن بها الدم فإذا بلغ الدم فليس تقية.

اجتمع الناس حوله فقال : ائتوني بصحيفة ودواة أكتب لكم ما يكون إلى يوم القيامة فأرسل إليه الحجام حتى قطع لسانه فمات رحمة الله عليه في ليلته.

وأقول : قصة عمار وأبويه رضي الله عنهم تشهد بذلك أيضا إذ مدح عمارا على التقية وقال : سبق أبواه إلى الجنة وإن أمكن أن يكون ذلك لجهلهما بالتقية ، وروي في غوالي اللئالي أن مسيلمة لعنه الله أخذ رجلين من المسلمين فقال لأحدهما : ما تقول في محمد؟ قال : رسول الله قال : فما تقول في؟ قال : أنت أيضا فخلاه ، فقال للآخر : ما تقول في محمد؟ قال : رسول الله قال : فما تقول في؟ قال أنا أصم فأعاد عليه ثلاثا وأعاد جوابه الأول فقتله فبلغ ذلك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال : أما الأول فقد أخذ برخصة الله وأما الثاني فقد صدع بالحق فهنيئا له.

الحديث السادس عشر : صحيح.

قوله عليه‌السلام : إنما جعلت التقية ، أي إنما قررت لئلا ينتهي آخرا إلى إراقة الدم وإن كان في أول الحال يجوز التقية لغيرها ، أو المعنى أن العمدة في مصلحة التقية حفظ النفس فلا ينافي جواز التقية لغيره أيضا كحفظ المال أو العرض.

« فليس تقية » أي ليس هناك تقية أو ليس ما يفعلونه تقية ، ولا خلاف في أنه لا تقية في قتل معصوم الدم وإن ظن أنه يقتل إن لم يفعل ، والمشهور أنه إن أكرهه على الجراح الذي لا يسري إلى فوات النفس يجوز فعله إن ظن أنه يقتل إن لم يفعل ، وإن شمل قولهم لا تقية في الدماء ذلك ، وقد يحمل الخبر على أن المعنى أن التقية لحفظ الدم فإذا علم أنه يقتل على كل حال فلا تقية.


١٧ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن فضال ، عن ابن بكير ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال كلما تقارب هذا الأمر كان أشد للتقية.

١٨ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن ابن أذينة ، عن إسماعيل الجعفي ومعمر بن يحيى بن سام ومحمد بن مسلم وزرارة قالوا سمعنا أبا جعفرعليه‌السلام يقول التقية في كل شيء يضطر إليه ابن آدم فقد أحله الله له.

الحديث السابع عشر : موثق كالصحيح« كلما تقارب هذا الأمر » أي خروج القائم.

الحديث الثامن عشر : حسن الفضلاء ، كالصحيح.

وقيل : الفاء فيقوله : فقد أحله الله للبيان ، وأقول : يدل أيضا على عموم التقية في كل ضرورة ، وقال الشهيد رفع الله درجته في قواعده : التقية مجاملة الناس بما يعرفون وترك ما ينكرون ، وقد دل عليها الكتاب والسنة قال الله تعالى : «لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً »(١) وقال تعالى : «إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ »(٢) ثم ذكر الأخبار في ذلك.

ثم قال (ره) : التقية ينقسم بانقسام الأحكام الخمسة ، فالواجب إذا علم أو ظن نزول الضرر بتركها به أو ببعض المؤمنين ، والمستحب إذا كان لا يخاف ضررا عاجلا أو يخاف ضررا سهلا أو كان تقية في المستحب كالترتيب في تسبيح الزهراءعليها‌السلام وترك بعض فصول الأذان ، والمكروه التقية في المستحب حيث لا ضرر عاجلا ولا آجلا ويخاف منه الالتباس على عوام المذهب ، والحرام التقية حيث يؤمن الضرر عاجلا وآجلا أو في قتل مسلم ، والمباح التقية في بعض المباحات التي ترجحها العامة ولا يصل بتركها ضرر.

__________________

(١) سورة آل عمران : ٢٨.

(٢) سورة النحل : ١٠٦.


١٩ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن ابن مسكان ، عن حريز ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال التقية ترس الله بينه وبين خلقه.

٢٠ ـ الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن محمد بن جمهور ، عن أحمد بن حمزة ، عن الحسين بن المختار ، عن أبي بصير قال قال أبو جعفرعليه‌السلام خالطوهم بالبرانية وخالفوهم بالجوانية إذا كانت الإمرة صبيانية.

٢١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن زكريا المؤمن ، عن عبد الله

الحديث التاسع عشر : صحيح.

قوله عليه‌السلام : ترس الله ، أي ترس يمنع الخلق من عذاب الله ، أو من البلايا النازلة من عنده ، أو المرادبقوله بينه وبين أوليائه على حذف المضاف ، فالمرادبخلقه أعداؤه.

الحديث العشرون : ضعيف.

وقال في النهاية في حديث سلمان : من أصلح جوانيه أصلح الله برانيه ، أرادبالبراني العلانية ، والألف والنون من زيادات النسب ، كما قالوا في صنعاء : صنعاني وأصله من قولهم خرج فلان برا أي خرج إلى البر والصحراء وليس من قديم الكلام وفصيحة ، وقال أيضا في حديث سلمان : إن لكل امرئجوانيا وبرانيا أي باطنا وظاهرا وسرا وعلانية وهو منسوب إلى جو البيت وهو داخله وزيادة الألف والنون للتأكيد ، انتهى.

والإمرة بالكسر الإمارة ، والمراد بكونهاصبيانية كون الأمير صبيا أو مثله في قلة العقل والسفاهة ، أو المعنى أنه لم تكن بناء الإمارة على أمر حق بل كانت مبنية على الأهواء الباطلة كلعب الأطفال ، والنسبة إلى الجمع تكون على وجهين : أحدهما أن يكون المراد النسبة إلى الجنس فيرد إلى المفرد ، والثاني أن تكون الجمعية ملحوظة فلا يرد ، وهذا من الثاني إذ المراد التشبيه بأمارة يجتمع عليها الصبيان.

الحديث الحادي والعشرون : ضعيف.


بن أسد ، عن عبد الله بن عطاء قال قلت لأبي جعفرعليه‌السلام رجلان من أهل الكوفة أخذا فقيل لهما ابرأا من أمير المؤمنين فبرئ واحد منهما وأبى الآخر فخلي سبيل الذي برئ وقتل الآخر فقال أما الذي برئ فرجل فقيه في دينه وأما الذي لم يبرأ فرجل تعجل إلى الجنة.

٢٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن جميل بن صالح قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام احذروا عواقب العثرات.

٢٣ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن محمد بن إسماعيل ، عن علي بن النعمان ، عن ابن مسكان ، عن عبد الله بن أبي يعفور قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول التقية ترس المؤمن والتقية حرز المؤمن ولا إيمان لمن لا تقية له إن العبد ليقع إليه الحديث من حديثنا فيدين الله عز وجل به فيما بينه وبينه فيكون له عزا

ويدل على أن تارك التقية جهلا مأجور ولا ينافي جواز الترك كما مر.

الحديث الثاني والعشرون : حسن كالصحيح.

« احذروا عواقب العثرات » أي في ترك التقية كما فهمه الكليني (ره) ظاهرا أو الأعم فيشمل تركها ، فيحتمل أن يكون ذكره هنا لذلك وعلى الوجهين فالمعنى :

أن كل ما تقولونه فانظروا أولا في عاقبته وماله عاجلا وآجلا ثم قولوه أو افعلوه فإن العثرة قلما تفارق القول والفعل ولا سيما إذا كثرا ، أو المراد أنه كلما عثرتم عثرة في قول أو فعل فاشتغلوا بإصلاحها وتداركها كيلا يؤدي في العاقبة إلى فساد لا يقبل الإصلاح.

الحديث الثالث والعشرون : صحيح.

« لمن لا تقية له » أي مع العلم بوجوبها أو فيما يجب فيه التقية حتما «فيدين الله عز وجل به » أي يعبد الله بقبوله والعمل به« فيما بينه » أي بين الله« وبينه فيكون » أي


في الدنيا ونورا في الآخرة وإن العبد ليقع إليه الحديث من حديثنا فيذيعه فيكون له ذلا في الدنيا وينزع الله عز وجل ذلك النور منه.

(باب الكتمان)

١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن محبوب ، عن مالك بن عطية ، عن أبي حمزة ، عن علي بن الحسينعليه‌السلام قال وددت والله أني افتديت خصلتين في الشيعة لنا ببعض لحم ساعدي النزق وقلة الكتمان.

الحديث أو التدين به« له » أي لهذا العبد« عزا » في الدنيا بسبب التقية« ونورا في الآخرة » بسبب عبادته الصحيحة« من حديثنا » أي المختص بنا المخالف لأحاديث العامة« فيكون له ذلا » أي بسبب ترك التقية وينزع الله لبطلان عبادته التي لم يتق فيها.

باب الكتمان

الحديث الأول : صحيح.

« لوددت » بكسر الدال وفتحها : أي أحببت ويقال :فداه يفديه فداء وافتدى به وفاداه أعطى شيئا فأنقذه ، وكان المعنى وددت أي أهلك وأذهب تينك الخصلتين عن الشيعة ، ولو انجر الأمر إلى أن يلزمني أن أعطى فداء عنها بعض لحم ساعدي ، أو يقال : لما كان افتداء الأسر إعطاء شيء لأخذ الأسير ممن أسره أستعير هنا لإعطاء الشيعة لحم الساعد لأخذ الخصلتين منهم ، أو يكون على القلب ، والمعنى : إنقاذ الشيعة من تينك الخصلتين.

« والنزق » بالفتح : الطيش والخفة عند الغضب ، والمرادبالكتمان : إخفاء أحاديث الأئمة وأسرارهم عن المخالفين عند خوف الضرر عليهم وعلى شيعتهم ، أو الأعم منه ومن كتمان أسرارهم وغوامض أخبارهم عمن لا يحتمله عقله.


٢ ـ عنه ، عن أحمد بن محمد ، عن محمد بن سنان ، عن عمار بن مروان ، عن أبي أسامة زيد الشحام قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام أمر الناس بخصلتين فضيعوهما فصاروا منهما على غير شيء الصبر والكتمان.

٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن يونس بن عمار ، عن سليمان بن خالد قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام يا سليمان إنكم على دين من كتمه أعزه الله ومن أذاعه أذله الله.

٤ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن الحكم ، عن عبد الله بن بكير ، عن رجل ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال دخلنا عليه جماعة ـ فقلنا يا ابن رسول الله إنا نريد العراق فأوصنا فقال أبو جعفرعليه‌السلام ليقو شديدكم ضعيفكم وليعد غنيكم على فقيركم ولا تبثوا سرنا ولا تذيعوا أمرنا وإذا جاءكم عنا حديث فوجدتم عليه شاهدا

الحديث الثاني : ضعيف على المشهور.

« فصاروا منهما » أي بسببهما ، أي بسبب تضييعهما على غير شيء من الدين ، أو ضيعوهما بحيث لم يبق في أيديهم شيء منهما ، الصبر على البلايا وأذى الأعادي وكتمان الأسرار عنهم كما مر في قوله تعالى : «أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ »(١) .

الحديث الثالث : مجهول« أعزه الله » خبر واحتمال الدعاء بعيد.

الحديث الرابع : مرسل.

« جماعة » منصوب على الحالية أي مجتمعين معا« ليقو شديدكم » أي بالإغاثة والإعانة ورفع الظلم ، أو بالتقوية في الدين ورفع الشبه عنه« وليعد » يقال : عاد بمعروفه من باب قال ، أي أفضل ، والاسم العائدة وهي المعروف والصلة« ولا تبثوا سرنا » أي الأحكام المخالفة لمذهب العامة عندهم« ولا تذيعوا أمرنا » أي أمر إمامتهم وخلافتهم

__________________

(١) سورة القصص : ٥٤.


أو شاهدين من كتاب الله فخذوا به وإلا فقفوا عنده ثم ردوه إلينا حتى يستبين لكم واعلموا أن المنتظر لهذا الأمر له مثل أجر الصائم القائم ومن أدرك قائمنا فخرج معه فقتل عدونا كان له مثل أجر عشرين شهيدا ومن قتل مع قائمنا كان له مثل أجر خمسة وعشرين شهيدا.

٥ ـ عنه ، عن أحمد بن محمد ، عن محمد بن سنان ، عن عبد الأعلى قال سمعت أبا

وغرائب أحوالهم ومعجزاتهم عند المخالفين ، بل الضعفة من المؤمنين إذ كانوا في زمان شديد وكان الناس يفتشون أحوالهم ويقتلون أشياعهم وأتباعهم وأما إظهارها عند عقلاء الشيعة وأمنائهم وأهل التسليم منهم ، فأمر مطلوب كما مر.

« فوجدتم عليه شاهدا أو شاهدين من كتاب الله » كأنه محمول على ما إذا كان مخالفا لما في أيديهم ، أو على ما إذا لم يكن الراوي ثقة ، أو يكون الغرض موافقته لعموم الكتاب كما ذهب إليه الشيخ من عدم العمل بخبر الواحد إلا إذا كان موافقا لفحوى الكتاب والسنة المتواترة على التفصيل الذي ذكره في صدر كتابي الحديث.

« وإلا فقفوا عنده » أي لا تعملوا به ولا تردوه بل توقفوا عنده حتى تسألوا عنه الإمام ، وقيل : المراد أنه إذا وصل إليكم منا حديث يلزمكم العمل به فإن وجدتم عليه شاهدا من كتاب الله يكون لكم مفرا عند المخالفين إذا سألوكم عن دليله ، فخذوا المخالفين به وألزموهم وأسكتوهم ولا تتقوا منهم ، وإن لم تجدوا شاهدا فقفوا عنده ، أي فاعملوا به سرا ولا تظهروه عند المخالفين« ثم ردوه » أي العلم بالشاهد إلينا ، أي سلونا عن الشاهد له من القرآن حتى نخبركم بشاهده من القرآن فعند ذلك أظهروه لهم ولا يخفى ما فيه ،« لهذا الأمر » أي لظهور دولة القائمعليه‌السلام .

الحديث الخامس : ضعيف على المشهور.


عبد اللهعليه‌السلام يقول إنه ليس من احتمال أمرنا التصديق له والقبول فقط من احتمال أمرنا ستره وصيانته من غير أهله فأقرئهم السلام وقل لهم رحم الله عبدا اجتر مودة الناس إلى نفسه حدثوهم بما يعرفون واستروا عنهم ما ينكرون ثم قال والله ما الناصب لنا حربا بأشد علينا مئونة من الناطق علينا بما نكره فإذا عرفتم من عبد إذاعة فامشوا إليه وردوه عنها فإن قبل منكم وإلا فتحملوا عليه بمن يثقل عليه ويسمع منه فإن الرجل منكم يطلب الحاجة فيلطف فيها حتى تقضى له فالطفوا في حاجتي كما تلطفون في حوائجكم فإن هو قبل منكم وإلا فادفنوا كلامه تحت أقدامكم ولا

وكان المراد بالتصديق الإذعان القلبي وبالقبول الإقرار الظاهري فقط ، أو مع العمل ، ومن في الموضعين للتبعيض أي ليست أجزاء احتمال أمرنا أي قبول التكليف الإلهي في التشيع منحصرة في الإذعان القلبي والإقرار الظاهري ، بل من أجزائه ستره وصيانته أي حفظه وضبطه من غير أهله وهم المخالفون والمستضعفون من الشيعة ، والضمير فيفأقرئهم راجع إلى المحتملين ، أو مطلق الشيعة بقرينة المقام.

وفي القاموس قرأعليه‌السلام أبلغه كأقرأه ، ولا يقال اقرأه إلا إذا كان السلام مكتوبا ، وقال :الجر الجذب كالاجترار ، وقوله : حدثوهم ، بيان لكيفية اجترار مودة الناس« بما يعرفون » أي من الأمور المشتركة بين الفريقين« والمؤنة » المشقة« فتحملوا عليه » أي احملوا أو تحاملوا عليه ، أو تكلفوا أن تحملوا عليه ،« من يثقل عليه » أي يعظم عنده ، أو يثقل عليه مخالفته ، وقيل : من يكون ثقيلا عليه لا مفر له إلا أن يسمع منه ، في القاموس : حمله على الأمر فانحمل أغراه به وحمله الأمر تحميلا فتحمله تحملا وتحامل في الأمر وبه تكلفه على مشقة وعليه كلفه ما لا يطيق.

وقال :لطف كنصر لطفا بالضم رفق ودنا ، والله لك أوصل إليك مرادك بلطف انتهى.


تقولوا إنه يقول ويقول فإن ذلك يحمل علي وعليكم أما والله لو كنتم تقولون ما أقول لأقررت أنكم أصحابي هذا أبو حنيفة له أصحاب وهذا الحسن البصري له أصحاب وأنا امرؤ من قريش قد ولدني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وعلمت كتاب الله وفيه تبيان كل شيء بدء الخلق وأمر السماء وأمر الأرض وأمر الأولين وأمر الآخرين وأمر ما كان وأمر ما يكون كأني أنظر إلى ذلك نصب عيني.

٦ ـ عنه ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن الحكم ، عن الربيع بن محمد المسلي ، عن عبد الله بن سليمان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال لي ما زال سرنا مكتوما حتى

ودفن الكلام تحت الأقدام كناية عن إخفائه وكتمه ،« إنه يقول ويقول » أي لا تكرروا قوله في المجالس ولو على سبيل الذم« فإن ذلك يحمل » أي الضرر على وعليكم ، أو يغري الناس على وعليكم« لو كنتم تقولون ما أقول » أي من التقية وغيرها أو تعلنون ما أعلن« له أصحاب » أي ترونهم يسمعون قوله ويطيعون أمره مع جهالته وضلالته.

« وأنا امرؤ من قريش » وهذا شرف ، واللذان تقدم ذكرهما ليسا منهم ،« وقد ولدني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » أي أنا من ولده فيدل على أن ولد البنت ولد حقيقة كما ذهب إليه جماعة من أصحابنا ، ومن قرأ ولدني على بناء التفعيل أي أخبر بولادتي وإمامتي في خبر اللوح فقد تكلف« كأني أنظر إلى ذلك نصب عيني » أي أعلم جميع ذلك من القرآن بعلم يقيني كأني أنظر إلى جميع ذلك وهي نصب عيني ، وفي القاموس : هو نصب عيني بالضم والفتح أو الفتح لحن.

الحديث السادس : مجهول.

والمرادبولد كيسان أولاد المختار الطالب بثار الحسينعليه‌السلام ، وقيل : المراد بولد كيسان : أصحاب الغدر والمكر الذين ينسبون أنفسهم من الشيعة وليسوا منهم ، في القاموس : كيسان اسم للغدر ولقب المختار بن أبي عبيد المنسوب


صار في يد [ ي ] ولد كيسان فتحدثوا به في الطريق وقرى السواد.

٧ ـ عنه ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن محبوب ، عن جميل بن صالح ، عن أبي عبيدة الحذاء قال سمعت أبا جعفرعليه‌السلام يقول والله إن أحب أصحابي إلي أورعهم وأفقههم وأكتمهم لحديثنا وإن أسوأهم عندي حالا وأمقتهم للذي إذا سمع الحديث ينسب إلينا ويروى عنا فلم يقبله اشمأز منه وجحده وكفر من دان به وهو لا يدري لعل الحديث من عندنا خرج وإلينا أسند فيكون بذلك خارجا عن ولايتنا.

٨ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن أبيه ، عن عبد الله بن يحيى ، عن حريز ، عن معلى بن خنيس قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام يا معلى اكتم أمرنا ولا تذعه فإنه من كتم أمرنا ولم يذعه أعزه الله به في الدنيا وجعله نورا بين عينيه في الآخرة يقوده إلى الجنة يا معلى من أذاع أمرنا ولم يكتمه أذله الله به في الدنيا

إليه الكيسانية. وفي الصحاح : سواد البصرة والكوفة : قراهما ، وقيل :السواد ناحية متصلة بالعراق أطول منها بخمسة وثلاثين فرسخا ، وحده في الطول من الموصل إلى عبادان ، وفي العرض من العذيب إلى حلوان ، وتسميتها بالسواد لكثرة الخضرة فيها.

الحديث السابع : صحيح.

وفي القاموس :الشمز : نفور النفس مما تكره وتشمز وتمعز وتقبض واشمأز انقبض واقشعر أو ذعر ، والشيء كرهه والمشمئز النافر الكاره والمذعور ، انتهى« وهو لا يدري » إشارة إلى قوله تعالى : «بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ »(١) ويدل على عدم جواز إنكار ما وصل إلينا من أخبارهم وإن لم تصل إليه عقولنا بل لا بد من رده إليهم حتى يبينوا.

الحديث الثامن : مختلف فيه.

وقد مر مضمونه في آخر الباب السابق وكأنهعليه‌السلام كان يخاف علي المعلى

__________________

(١) سورة يونس : ٣٩.


ونزع النور من بين عينيه في الآخرة وجعله ظلمة تقوده إلى النار يا معلى إن التقية من ديني ودين آبائي ولا دين لمن لا تقية له يا معلى إن الله يحب أن يعبد في السر كما يحب أن يعبد في العلانية يا معلى إن المذيع لأمرنا كالجاحد له.

٩ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسن بن علي ، عن مروان بن مسلم ، عن عمار قال قال لي أبو عبد اللهعليه‌السلام أخبرت بما أخبرتك به أحدا قلت لا إلا سليمان بن خالد قال أحسنت أما سمعت قول الشاعر :

فلا يعدون سري وسرك ثالثا

 

ألا كل سر جاوز اثنين شائع

١٠ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال سألت أبا الحسن الرضاعليه‌السلام عن مسألة فأبى وأمسك ثم قال لو أعطيناكم كلما تريدون كان

القتل لما يرى من حرصه على الإذاعة ولذلك أكثر من نصيحته بذلك ومع ذلك لم تنجع نصيحته فيه وإنه قد قتل بسبب ذلك وتأتي أخبار نكال الإذاعة في بابها إنشاء الله.

الحديث التاسع : مجهول.

وقوله : أخبرت ، إما على بناء الأفعال بحذف حرف الاستفهام ، أو على بناء التفعيل بإثباته ، وفيه مدح عظيم لسليمان بن خالد إن حمل قوله أحسنت على ظاهره وإن حمل على التهكم فلا ، وهو أوفقبقوله : أو ما سمعت فإن سليمان كان ثالثا« ولا يعدون » نهي غائب من باب نصر مؤكد بالنون الخفيفة ، والمرادبالاثنين الشخصين وكون المراد بهما الشفتين فيه لطف ، لكن لا يناسب هذا الخبر فتدبر.

وقيل : كان الاستشهاد للإشعار بأن هذا مما يحكم العقل الصريح بقبحه ولا يحتاج إلى السماع عن صاحب الشرع.

الحديث العاشر : صحيح.

قوله : عن مسألة ، كأنها كانت مما يلزم التقية فيها ، أو من الأخبار الآتية


شرا لكم وأخذ برقبة صاحب هذا الأمر قال أبو جعفرعليه‌السلام ولاية الله أسرها إلى جبرئيلعليه‌السلام وأسرها جبرئيل إلى محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله وأسرها محمد إلى عليعليه‌السلام وأسرها علي إلى من شاء الله ثم أنتم تذيعون ذلك من الذي أمسك حرفا سمعه قال أبو جعفرعليه‌السلام في حكمة آل داود ينبغي للمسلم أن يكون مالكا لنفسه مقبلا على شأنه ـ عارفا بأهل زمانه فاتقوا الله ولا تذيعوا حديثنا فلو لا أن الله يدافع عن أوليائه

التي لا مصلحة في إفشائها ، أو من الأمور الغامضة التي لا تصل إليها عقول أكثر الخلق ، كغرائب شؤونهم وأحوالهمعليهم‌السلام وأمثالها من المعارف الدقيقة ، و« أخذ » بصيغة المجهول عطفا على كان ، أو على صيغة التفضيل عطفا على شرا ، ونسبة الأخذ إلى الإعطاء إسناد إلى السبب ، وصاحب هذا الأمر الإمامعليه‌السلام .

« ولاية الله » أي الإمامة وشؤونها وإسرارها وعلومها ولاية الله وإمارته وحكومته ، وقيل : المراد تعيين أوقات الحوادث ، ولا يخفى ما فيه.

« إلى من شاء الله » أي الأئمةعليهم‌السلام ،« ثم أنتم » ثم للتعجب ، وقيل : استفهام إنكار« من الذي أمسك » الاستفهام للإنكار ، أي لا يمسك أحد من أهل هذا الزمان حرفا لا يذيعه ، فلذا لا نعتمد عليهم أو لا تعتمدوا عليهم.

« في حكمة آل داود » أي الزبور ، أو الأعم منه ، أي داود وآله« مالكا لنفسه » أي مسلطا عليها يبعثها إلى ما ينبغي ويمنعها عما لا ينبغي ، أو مالكا لأسرار نفسه لا يذيعها ،« مقبلا على شأنه » أي مشتغلا بإصلاح نفسه متفكرا فيما ينفعه فيجلبه ، وفيما يضره فيجتنبه.

« عارفا بأهل زمانه » فيعرف من يحفظ سره ، ومن يذيعه ، ومن تجب مودته أو عداوته ، ومن ينفعه مجالسته ومن تضره« حديثنا » أي الحديث المختص بنا عند المخالفين ومن لا يكتم السر« فلو لا » الفاء للبناء وجزاء الشرط محذوف أي لانقطعت سلسلة أهل البيتعليهم‌السلام وشيعتهم بترككم التقية أو نحو ذلك.


وينتقم لأوليائه من أعدائه أما رأيت ما صنع الله بآل برمك وما انتقم الله لأبي

« أما رأيت ما صنع الله بآل برمك » أقول : دولة البرامكة وشوكتهم وزوالها عنهم معروفة في التواريخ ، وروى الصدوق (ره) في العيون بإسناده عن علي بن محمد النوفلي عن صالح بن علي ، أن السبب في وقوع موسى بن جعفرعليه‌السلام إلى بغداد ، أن هارون الرشيد أراد أن يعقد الأمر لابنه محمد بن زبيدة وكان له من البنين أربعة عشر ابنا ، واختار منهم ثلاثة محمد بن زبيدة وجعله ولي عهده وعبد الله المأمون وجعل له الأمر بعد ابن زبيدة ، والقاسم المؤتمن وجعل له الأمر بعد المأمون فأراد أن يحكم الأمر في ذلك ويشهره شهرة يقف عليها الخاص والعام فحج في سنة تسع وسبعين ومائة وكتب إلى جميع الآفاق يأمر الفقهاء والعلماء والقراء والأمراء أن يحضروا مكة أيام الموسم فأخذ هو على طريق المدينة.

قال علي بن محمد النوفلي : فحدثني أبي أنه كان سبب سعاية يحيى بن خالد بموسى بن جعفرعليه‌السلام وضع الرشيد ابنه محمد بن زبيدة في حجر جعفر بن محمد بن الأشعث فساء ذلك يحيى ، وقال : إذا مات الرشيد وأفضى الأمر إلى محمد انقضت دولتي ودولة ولدي ، وتحول الأمر إلى جعفر بن محمد بن الأشعث وولده ، وكان قد عرف مذهب جعفر في التشيع فأظهر له أنه على مذهبه فسر به جعفر وأفضى إليه بجميع أموره وذكر له ما هو عليه في موسى بن جعفرعليه‌السلام فلما وقف على مذهبه سعى إلى الرشيد وكان الرشيد يرعى له موضعه وموضع أبيه من نصرة الخلافة فكان يقدم في أمره ويؤخر ويحيى لا يألو أن يخطب عليه إلى أن دخل يوما إلى الرشيد فأظهر له إكراما وجرى بينهما كلام مت به جعفر بحرمته وحرمة أبيه ، فأمر له الرشيد في ذلك اليوم بعشرين ألف دينار فأمسك يحيى عن أن يقول فيه شيئا حتى أمسى ، ثم قال للرشيد : يا أمير المؤمنين قد كنت أخبرك عن جعفر ومذهبه فتكذب عنه ، وهيهنا أمر فيه الفيصل قال : وما هو؟ قال : إنه لا يصل إليه مال من جهة من الجهات إلا أخرج خمسه فوجه به إلى موسى بن جعفر ولست أشك أنه فعل ذلك في العشرين الألف الدينار التي


الحسنعليه‌السلام ـ وقد كان بنو الأشعث على خطر عظيم فدفع الله عنهم بولايتهم ـ لأبي

أمرت بها له.

فقال هارون : إن في هذا لفيصلا فأرسل إلى جعفر ليلا وقد كان عرف سعاية يحيى به فتباينا ، وأظهر كل واحد منهما لصاحبه العداوة فلما طرق جعفرا رسول الرشيد بالليل خشي أن يكون قد سمع فيه قول يحيى وإنه إنما دعاه ليقتله ، فأفاض عليه ماء ودعا بمسك وكافور فتحنط بهما ، ولبس بردة فوق ثيابه وأقبل إلى الرشيد فلما وقعت عليه عينه وشم رائحة الكافور ورأى البردة عليه.

قال : يا جعفر ما هذا؟ فقال : يا أمير المؤمنين قد علمت أنه سعى بي عندك فلما جاءني رسولك في هذه الساعة لم آمن أن يكون قد قدح في قلبك ما يقال علي ، فأرسلت إلى لتقتلني ، فقال : كلا ولكن خبرت إنك تبعث إلى موسى بن جعفر من كل ما يصير إليك بخمسة ، وإنك قد فعلت ذلك في العشرين الألف الدينار فأحببت أن أعلم ذلك.

فقال جعفر : الله أكبر يا أمير المؤمنين تأمر بعض خدمك يذهب فيأتيك بها بخواتيمها ، فقال الرشيد لخادم له : خذ خاتم جعفر ، وانطلق به حتى تأتيني بهذا المال وسمى له جعفر جاريته التي عندها المال فدفعت إليه البدر بخواتيمها فأتى بها الرشيد فقال له جعفر : هذا أول ما تعرف به كذب من سعى بي إليك ، قال : صدقت يا جعفر انصرف آمنا فإني لا أقبل فيك قول أحد ، قال : وجعل يحيى يحتال في إسقاط جعفر.

قال النوفلي : فحدثني علي بن الحسن بن علي بن عمر بن علي ، عن بعض مشايخه ، وذلك في حجة الرشيد قبل هذه الحجة ، فقال : لقيني علي بن إسماعيل بن جعفر بن محمد ، فقال لي : ما لك قد أخملت نفسك؟ ما لك لا تدبر أمر الوزير ، فقد أرسل إلى فعادلته وطلبت الحوائج إليه ، وكان سبب ذلك أن يحيى بن خالد قال ليحيى بن أبي مريم : ألا تدلني على رجل من آل أبي طالب له رغبة في الدنيا فأوسع له منها؟ قال : بلى أدلك على رجل بهذه الصفة ، وهو علي بن إسماعيل بن جعفر.


الحسنعليه‌السلام وأنتم بالعراق ترون أعمال هؤلاء الفراعنة وما أمهل الله لهم فعليكم بتقوى الله ولا «تَغُرَّنَّكُمُ [ الْحَياةُ ]الدُّنْيا » ولا تغتروا بمن قد أمهل له فكأن الأمر

فأرسل إليه يحيي فقال : أخبرني عن عمك وعن شيعته والمال الذي يحمل إليه ، فقال له : عندي الخبر فسعى بعمه ، فكان في سعايته أن قال : إن من كثرة المال عنده أنه اشترى ضيعة تسمى البشرية بثلاثين ألف دينار ، فلما أحضر المال قال البائع : لا أريد هذا النقد أريد نقد كذا وكذا ، فأمر بها فصبت في بيت ماله ، وأخرج منه ثلاثين ألف دينار من ذلك النقد ووزنه من ثمن الضيعة.

قال النوفلي : قال أبي : وكان موسى بن جعفرعليه‌السلام يأمر بالمال لعلي بن إسماعيل ويثق به حتى ربما خرج الكتاب منه إلى بعض شيعته بخط علي بن إسماعيل ، ثم استوحش منه فلما أراد الرشيد الرحلة إلى العراق بلغ موسى بن جعفرعليه‌السلام أن عليا ابن أخيه يريد الخروج مع السلطان إلى العراق ، فأرسل إليه : ما لك والخروج مع السلطان؟ قال : لأن علي دينا ، فقال : دينك علي ، قال : وتدبير عيالي؟ قال : أنا أكفيهم ، فأبى إلا الخروج ، فأرسل إليه مع أخيه محمد بن إسماعيل بن جعفر بثلاثمائة دينار وأربعة آلاف درهم ، فقال : اجعل هذا في جهازك ولا توتم ولدي.

وأقول : في بعض الأخبار أنهعليه‌السلام لما حبسه الرشيد لعنه الله أمر السندي بن شاهك عليه اللعنة فسمه ، وفي بعضها تولى ذلك الفضل بن يحيى البرمكي ، وأوردت تفصيل تلك القصص في الكتاب الكبير ، وقد مر خبر علي بن إسماعيل وسعايته في باب مولد موسى صلوات الله عليه« وما انتقم لأبي الحسن » أي الكاظم صلوات الله عليه أي من البرامكة ، ومن علي بن إسماعيل أيضا كما مر في قصته.

« ترون أعمال هؤلاء الفراعنة » أي بني عباس وأتباعهم ، والحاصل أنه تعالى قد ينتقم لأوليائه من أعدائه وقد يمهلهم إتماما للحجة عليهم.

فاتقوا الله في الحالتين ولا تذيعوا سرنا ولا تغتروا بالدنيا وحبها ، فيصير سببا


قد وصل إليكم.

١١ ـ الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن الحسن بن علي الوشاء ، عن عمر بن أبان ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال سمعته يقول قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله طوبى لعبد نومة عرفه الله ولم يعرفه الناس أولئك مصابيح الهدى ـ وينابيع

للإذاعة للأغراض الباطلة ، أو للتوسل بالمخالفين لتحصيل الدنيا أو باليأس عن الفرج استبطاء« فكان الأمر قد وصل إليكم » بشارة بقرب ظهور أمر القائمعليه‌السلام وبيان لتيقن وقوعه.

الحديث الحادي عشر : ضعيف على المشهور.

قال في النهاية : في حديث عليعليه‌السلام أنه ذكر آخر الزمان والفتن ، ثم قال : خير أهل ذلك الزمان كل مؤمن نومة ،النومة بوزن الهمزة : الخامل الذكر ، الذي لا يؤبه له ، وقيل : الغامض في الناس الذي لا يعرف الشر وأهله وقيل : النومة بالتحريك : الكثير النوم ، وأما الخامل الذي لا يؤبه له فهو بالتسكين.

ومن الأول حديث ابن عباس أنه قال لعلي : ما النومة؟ قال : الذي يسكت في الفتنة فلا يبدو منه شيء ، انتهى.

وقوله : عرفه الله ، على بناء المجرد كأنه تفسير للنومة ، أي عرفه الله فقط دون الناس ، أو عرفه الله بالخير والإيمان والصلاح ، أي اتصف بها واقعاولم يعرفه الناس بها.

ويمكن أن يقرأ على بناء التفعيل أي عرفه الله نفسه وأولياءه ودينه بتوسط حججهعليهم‌السلام ولم تكن معرفته من الناس أي من سائر الناس ممن لا يجوز أخذ العلم عنه لكنه بعيد.

« أولئك مصابيح الهدى » أولئك : إشارة إلى جنس عبد النومة وفيه إشارة إلى أن المراد بالناس الظلمة والمخالفون لا أهل الحق من المؤمنين المسترشدين ،


العلم ينجلي عنهم كل فتنة مظلمة ليسوا بالمذاييع البذر ولا بالجفاة المراءين.

١٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن أبي الحسن الأصبهاني ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال أمير المؤمنينعليه‌السلام طوبى لكل عبد نومة

وهذا وجه جمع حسن بين أخبار مدح العزلة كهذا الخبر وذمها ، وهو أيضا كثير.

أو باختلاف الأزمنة والأحوال ، فإنه يومئ إليه أيضا هذا الخبر ، وكذاقوله : « وينابيع العلم » فإنه يدل على انتفاع الناس بعلمهم« ينجلي » أي ينكشف ويذهب« عنهم كل فتنة مظلمة » أي الفتنة التي توجب اشتباه الحق والدين على الناس ، وانجلاؤها عنهم كناية عن عدم صيرورتها سببا لضلالتهم ، بل هم مع تلك الفتن المضلة على نور الحق واليقين.

« ليسوا بالمذاييع البذر » قال في النهاية : في حديث فاطمة عند وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قالت لعائشة : إني إذا لبذرة ، البذر الذي يفشي السر ويظهر ما يسمعه ، ومنه حديث عليعليه‌السلام في صفة الصحابة : ليسوا بالمذاييع البذر جمع بذور يقال : بذرت الكلام بين الناس كما تبذر الحبوب ، أي أفشيته وفرقته ، وقال : المذاييع ، جمع مذياع ، من أذاع الشيء إذا أفشاه ، وقيل : أراد الذين يشيعون الفواحش ، وهو بناء مبالغة.

وقال :الجفاء ، غلظ الطبع ومنه في صفة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليس بالجافي ولا بالمهين : أي ليس بالغليظ الخلقة والطبع ، أو ليس بالذي يجفو أصحابه ، وفي القاموس البذور والبذير النمام ومن لا يستطيع كتم سره ورجل بذر ككتف : كثير الكلام انتهى.

وقيل : الجافي هو الكز الغليظ السيء الخلق كأنه جعله لانقباضه مقابلا لمنبسط اللسان الكثير الكلام ، والمراد النهي عن طرفي الإفراط والتفريط ولزوم الوسط.

الحديث الثاني عشر : مجهول.

وقال في النهاية : فيه رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لابر


لا يؤبه له يعرف الناس ولا يعرفه الناس يعرفه الله منه برضوان أولئك مصابيح الهدى ينجلي عنهم كل فتنة مظلمة ويفتح لهم باب كل رحمة ليسوا بالبذر المذاييع ولا الجفاة المراءين وقال قولوا الخير تعرفوا به واعملوا الخير تكونوا من أهله ولا تكونوا عجلا مذاييع فإن خياركم الذين إذا نظر إليهم ذكر الله وشراركم المشاءون بالنميمة المفرقون بين الأحبة المبتغون للبرآء المعايب.

قسمه ، أي لا يبالي به ولا يلتفت إليه ،يقال : ما وبهت له بفتح الباء وكسرها وبها ووبها بالسكون والفتح وأصل الواو الهمزة ، انتهى.

« يعرف الناس » أي محقهم ومبطلهم فلا ينخدع منهم« يعرفه الله » كان بناء التفعيل هنا أظهر ، وقوله « منه » متعلق بيعرفه ، أي من عنده ومن لدنه ، كما أراد بسبب رضاه عنه أو متلبسا برضاه ، وربما يقرأ منه بفتح الميم وتشديد النون أي نعمته التي هي الإمام أو معرفته.

« ويفتح لهم باب كل رحمة » أي من رحمات الدنيا والآخرة ، كالفوائد الدنيوية والتوفيقات الأخروية والإفاضات الإلهية والهدايات الربانية« وقولوا الخير تعرفوا به » أي لتعرفوا به أو قولوه كثيرا حتى تصيروا معروفين بقول الخير ، وعلى الأول مبني على أن الخير مما يستحسنه العقل وكفى بالمعروفية به ثمرة لذلك ، وكذا الوجهان جاريان في الفقرة الأخيرة ، والعجل بضمتين جمع العجول : وهو المستعجل في الأمور الذي لا يتفكر في عواقبها.

« الذين إذا نظر إليهم ذكر الله » على بناء المجهول فيهما أي يكون النظر في أعمالهم وأطوارهم لموافقتها للكتاب والسنة وإشعارها بفناء الدنيا وإيذانها بإيثار رضى الله وحبه مذكرا لله سبحانه وثوابه وعقابه.

وفي القاموس :النم التوريش والإغراء ورفع الحديث إشاعة له وإفسادا وتزيين الكلام بالكذب والنميمة : الاسم« المفرقون بين الأحبة » بنقل حديث بعضهم إلى


١٣ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن عثمان بن عيسى عمن أخبره قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام كفوا ألسنتكم والزموا بيوتكم فإنه لا يصيبكم أمر تخصون به أبدا ولا تزال الزيدية لكم وقاء أبدا.

١٤ ـ عنه ، عن عثمان بن عيسى ، عن أبي الحسن صلوات الله عليه قال إن

بعض صدقا أو كذبا ليصير سبب العداوة بينهم وأمثال ذلك« المبتغون للبراء المعايب » أي الطالبون لمن برأ من العيب مطلقا أو ظاهر العيوب الخفية ليظهروه للناس ، أو يفتروا عليهم حسدا وبغيا ، وفي القاموس : بريء المريض فهو بارئ وبريء والجمع ككرام ، وبرأ من الأمر يبرء ويبرء نادر ، براء وبراءة وبروءا تبرأ ، وإبراك منه وبرأك وأنت بريء والجمع بريئون وكفقهاء وكرام وأشراف وأنصباء ورخال.

الحديث الثالث عشر : مرسل.

« كفوا ألسنتكم » أي عن إفشاء السر عند المخالفين وإظهار دينكم والطعن عليهم« وألزموا بيوتكم » أي لا تخالطوا الناس كثيرا فتشتهروا« فإنه لا يصيبكم » أي إذا استعملتم التقية كما ذكر لا يصيبكم« أمر » أي ضرر من المخالفين« تخصون به » أي يكون مخصوصا بالشيعة الإمامية فإنهم حينئذ لا يعرفونكم بذلك وهم إنما يطلبون من ينكر مذهبهم مطلقا من الشيعة وأنتم محفوظون في حصن التقية والزيدية لعدم تجويزهم التقية وطعنهم على أئمتنا بها يجاهرون بمخالفتهم فالمخالفون يتعرضون لهم ويغفلون عنكم ولا يطلبونكم فهم وقاء لكم.

وفي المصباح : الوقاء مثل كتاب : كل ما وقيت به شيئا ، وروى أبو عبيد عن الكسائي الفتح في الوقاية والوقاء أيضا ، انتهى.

وقيل : المراد أنهم يظهرون ما تريدون إظهاره فلا حاجة لكم إلى إظهاره حتى تلقوا بأيديكم إلى التهلكة.

الحديث الرابع عشر : صحيح.


كان في يدك هذه شيء فإن استطعت أن لا تعلم هذه فافعل قال وكان عنده إنسان ـ فتذاكروا الإذاعة فقال احفظ لسانك تعز ولا تمكن الناس من قياد رقبتك فتذل.

١٥ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن خالد بن نجيح ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إن أمرنا مستور مقنع بالميثاق فمن هتك علينا أذله الله.

١٦ ـ الحسين بن محمد ومحمد بن يحيى جميعا ، عن علي بن محمد بن سعد ، عن محمد بن مسلم ، عن محمد بن سعيد بن غزوان ، عن علي بن الحكم ، عن عمر بن أبان ، عن عيسى بن أبي منصور قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول نفس المهموم لنا

« إن كان في يدك هذه شيء » هذا غاية المبالغة في كتمان سرك من أقرب الناس إليك فإنه وإن كان من خواصك فهو ليس بأحفظ لسرك منك« من قياد رقبتك » القياد بالكسر : حبل تقاد به الدابة ، وتمكين الناس من القياد ، كناية عن تسليط المخالفين على الإنسان بسبب ترك التقية وإفشاء الأسرار عندهم.

الحديث الخامس عشر : مجهول.

« والمقنع » اسم مفعول على بناء التفعيل. أي مستور وأصله من القناع« بالميثاق » أي بالعهد الذي أخذ الله رسوله والأئمةعليهم‌السلام أن يكتموه عن غير أهلهوقوله « أذله الله » خبر ويحتمل الدعاء.

الحديث السادس عشر : مجهول. والظاهرمحمد بن أسلم مكان ابن مسلم فيكون الخبر ضعيفا.

« نفس المهموم لنا » أي التفكر في أمرنا ، الطالب لفرجنا ، أو المغتم لعدم وصوله إلينا« المغتم لظلمنا » أي لمظلوميتنا« تسبيح » أي يكتب لكل نفس ثواب« وهمه لأمرنا » أي اهتمامه بخروج قائمنا ، وسعيه في أسبابه ودعاؤه لذلك« عبادة » أي ثوابه


المغتم لظلمنا تسبيح وهمه لأمرنا عبادة وكتمانه لسرنا جهاد في سبيل الله قال لي محمد بن سعيد اكتب هذا بالذهب فما كتبت شيئا أحسن منه.

(باب)

(المؤمن وعلاماته وصفاته)

١ ـ محمد بن جعفر ، عن محمد بن إسماعيل ، عن عبد الله بن داهر ، عن الحسن بن يحيى ، عن قثم أبي قتادة الحراني ، عن عبد الله بن يونس ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام

ثواب المشتغل بالعبادة.

« وكتمانه لسرنا جهاد » لأنه لا يحصل إلا بمجاهدة النفس« قال لي » هو كلام محمد بن مسلم أو أسلم ،« اكتب هذا بالذهب » أي بمائه ولعله كناية عن شدة الاهتمام بحفظه والاعتناء به ونفاسته ، ويحتمل الحقيقة ، ولا منع منه إلا في القرآن كما سيأتي في كتابه« فما كتبت » بالخطاب ويحتمل التكلم.

باب المؤمن وعلاماته وصفاته

أقول : كان المراد بالمؤمن الكامل أو المراد بها الصفات التي ينبغي أن يكون المؤمن متصفا بها.

الحديث الأول : ضعيف على المشهور. لكنه منقول في نهج البلاغة باختلاف كثير ، وفي مجالس الصدوق ، عن محمد بن الحسن بن الوليد ، عن محمد بن الحسن الصفار عن علي بن حسان الواسطي ، عن عمه عبد الرحمن بن كثير الهاشمي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام وهو بما في النهج أوفق.

وفي النهج روي أن صاحبا لأمير المؤمنين يقال له همام كان رجلا مؤمنا عابدا قال له : يا أمير المؤمنين صف لي المتقين حتى كأني أنظر إليهم فتثاقل عن جوابه ، ثم قال صلوات الله عليه : يا همام اتق الله وأحسن «إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ


قال قام رجل يقال له همام وكان عابدا ناسكا مجتهدا إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام وهو يخطب فقال يا أمير المؤمنين صف لنا صفة المؤمن كأننا ننظر إليه فقال :

يا همام المؤمن هو الكيس الفطن بشره في وجهه وحزنه في قلبه أوسع

هُمْ مُحْسِنُونَ » فلم يقنع همام بذلك القول ، حتى عزم عليه قال : فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي محمد وآله ، ثم قال.

وفي المجالس فقال همام : يا أمير المؤمنين أسألك بالذي أكرمك بما خصك به وحباك وفضلك بما آتاك وأعطاك لما وصفتهم لي؟ فقام أمير المؤمنينعليه‌السلام قائما على رجليه فحمد الله « إلخ » وهمام بفتح الهاء وتشديد الميم ، وقيل : هو همام بن شريح بن يزيد بن مرة وكان من شيعة عليعليه‌السلام وأوليائه(١) .

وفي القاموس : الهمام كغراب الملك العظيم الهمة ، والسيد الشجاع السخي وكشداد ، ابن الحارث ، وابن زيد ، وابن مالك صحابيون ، ويمكن أن يكون همام سأل عن صفات المؤمنين والمتقين معا ، فاكتفى في بعض الروايات بذكر الأولى وفي بعضها بذكر الثانية ، وما ذكر في الروايتين من تثاقلهعليه‌السلام في الجواب أنسب بقولهعليه‌السلام في آخر الخبر : لقد كنت أخافها عليه.

وفي القاموس :النسك مثلثة وبضمتين العبادة ، وكل حق لله عز وجل ، وقيل : المراد هنا المواظب على العبادة ، والمجتهد المبالغ في العبادة.

في القاموس :جهد كمنع جد كاجتهد وقال :الكيس خلاف الحمق وقال :الفطنة بالكسر : الحذق ، وأقول : الكيس كسيِّد ، والفطن بفتح الفاء ، وكسر الطاء ، وتعريف الخبر باللام وتوسيط الضمير ، للحصر والتأكيد ، كان الفرق بينهما أن الكياسة ما كان خلقة والفطنة ما يحصل بالتجارب ، أو الأول ما كان في الكليات

__________________

(١) وفي هامش المخطوطة : بل هو همام بن عبادة بن خثيم ابن أخي ربيع بن خثيم الزاهد المعروف.


شيء صدرا وأذل شيء نفسا زاجر عن كل فان حاض على كل حسن ـ لا حقود ولا حسود ولا وثاب ولا سباب ولا عياب ولا مغتاب يكره الرفعة ويشنأ السمعة طويل الغم بعيد الهم كثير الصمت وقور ذكور صبور شكور

والثاني ما كان في الجزئيات ، ويحتمل التأكيد.

وفي القاموس :البشر بالكسر الطلاقة« أوسع شيء صدرا » كناية عن كثرة العلم أو وفور الحلم« وأذل شيء نفسا » أي لا يترفع ، ولا يطلب الرفعة ، ويتواضع للناس ، ويرى نفسه أخس من كل أحد ، وقيل : أي صارت نفسه الأمارة ذليلة لروحه المقدسة ، وصارت مخالفته للنفس شعاره ، فعلى الأول من الذل وهو السهولة والانقياد وعلى الثاني من الذل بالضم بمعنى المذلة والهوان« زاجر » أي نفسه أو غيره أو الأعم منهما« عن كل فإن » أي من جميع الأمور الدنيوية فإنها في معرض الفناء ، والحض : الترغيب والتحريص ، وهذا أيضا يحتمل النفس والغير والأعم ، والحقد : إمساك العداوة والبغض في القلب ، والحقود : الكثير الحقد ، وقيل : لا للمبالغة في النفي ، لا لنفي المبالغة كما قيل في قوله تعالى : «وَما أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ »(١) فلا يلزم ثبوت أصل الفعل وكذا في البواقي.

« ولا وثاب » أي لا يثب في وجوه الناس بالمنازعة والمعارضة ، وفي القاموس :رفع ككرم رفعة بالكسر شرف وعلا قدره ، وقال :شنأه كمنعه وسمعه شنأ ويثلث وشناة وشنآنا : أبغضه ، وقال الجوهري : تقول فعله رياء وسمعة : أي ليراه الناس ويسمعوا به« طويل الغم » أي لما تستقبله من سكرات الموت وأحوال القبر وأهوال الآخرة« بعيد الهم » إما تأكيد للفقرة السابقة فإن الهم والغم متقاربان أي يهتم للأمور البعيدة عنه من أمور الآخرة ، أو المراد بالهم القصد ، أي هو عالي الهمة لا يرضى بالدون من الدنيا الفانية.

وقيل : أي يتفكر في العواقب ، في القاموس الهم : الحزن والجمع هموم

__________________

(١) سورة ق : ٢٩.


مغموم بفكره مسرور بفقره سهل الخليقة لين العريكة رصين الوفاء قليل

وما هم به في نفسه ، والهمة بالكسر ويفتح : ما هم به من أمر ليفعل« كثير الصمت » أي عما لا يعنيه« وقور » أي ذو وقار ورزانة ، لا يستعجل في الأمور ولا يبادر في الغضب ، ولا تجره الشهوات إلى ما لا ينبغي فعله ، وفي القاموس : الوقار كسحاب الرزانة ورجل وقار ووقور ووقر كندس« ذكور » كثير الذكر لله ، ولما ينفعه في الآخرة« صبور » عند البلاء« شكور » عند الرخاء« مغموم بفكره » أي بسبب فكره في أمور الآخرة« مسرور بفقره » لعلمه بقلة خطره ويسر الحساب في الآخرة وقلة تكاليف الله فيه.

« سهل الخليقة » أي ليس في طبعه خشونة وغلظة ، وقيل : أي سريع الانقياد للحق ، وفي القاموس : الخليقة الطبيعة ، قال الله تعالى : «وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ »(١) .

« لين العريكة » هي قريبة من الفقرة السابقة مؤكدة لها ، في القاموس : العريكة كسفينة : النفس ورجل لين العريكة سلس الخلق منكسر النخوة ، وقال الجوهري : العريكة : الطبيعة ، وفلان لين العريكة إذا كان سلسا ويقال : لأنت عريكته إذا انكسرت نخوته ، وفي النهاية في صفتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أصدق الناس لهجة وألينهم عريكة ، العريكة : الطبيعة ، يقال : فلان لين العريكة إذا كان سلسا مطاوعا منقادا قليل الخلاف والنفور.

« رصين الوفاء » بالراء والصاد المهملتين ، وما في بعض نسخ الكافي بالضاد المعجمة تصحيف ، أي محكم الوفاء بعهود الله وعهود الخلق ، في القاموس : رصنه : أكمله وأرصنه : أحكمه ، وقد رصن ككرم ، وكأمير المحكم الثابت والحفي بحاجة صاحبه« قليل الأذى » إنما ذكر القلة ولم ينف الأذى رأسا ، لأن الإيذاء

__________________

(١) سورة آل عمران : ١٥٩.


الأذى لا متأفك ولا متهتك.

إن ضحك لم يخرق وإن غضب لم ينزق ضحكه تبسم واستفهامه تعلم

قد يكون حسنا بل واجبا ، كما في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد الكفار ، وقيل : إنما قال ذلك ، لأنه يؤذي نفسه ، ولا يخفى بعده.

« لا متأفك » كأنه مبالغة في الإفك بمعنى الكذب ، أي لا يكذب كثيرا ، أو المعنى لا يكذب على الناس ، وفي بعض النسخ لا مستأفك ، أي لا يكذب على الناس فيكذبوا عليه فكأنه طلب منهم الإفك ، وقيل : المتأفك : من لا يبالي أن ينسب إليه الإفك« ولا متهتك » أي ليس قليل الحياء لا يبالي أن يهتك سترة ، أو لا يهتك ستر الناس ، في القاموس : هتك الستر وغيره يهتكه فانهتك وتهتك : جذبه فقطعه من موضعه ، أو شق منه جزءا فبدا ما وراءه ، ورجل منهتك ومتهتك ومستهتك لا يبالي أن يهتك ستره.

« إن ضحك لم يخرق » أي لا يبالغ فيه حتى ينتهي إلى الخرق والسفه ، بل يقتصر على التبسم كما سيأتي ، في القاموس : الخرق بالضم والتحريك ضد الرفق وأن لا يحسن الرجل العمل والتصرف في الأمور والحمق ، وقيل : هو من الخرق بمعنى الشق أي لم يشق فاه ولم يفتحه كثيرا.

« وإن غصب لم ينزق » في القاموس : نزق الفرس كسمع ونصر وضرب نزقا ونزوقا : نزا أو تقدم خفة ووثب ، وأنزقه ونزقه غيره وكفرح وضرب : طاش وخف عند الغضب« ضحكه تبسم » في القاموس : بسم يبسم بسما وابتسم وتبسم وهو أقل الضحك وأحسنه ، وفي المصباح : بسم بسما من باب ضرب ضحك قليلا من غير صوت وابتسم وتبسم كذلك.

« واستفهامه تعلم » أي للتعلم لا لإظهار العلم« ومراجعته » أي معاودته في السؤال« تفهم » أي لطلب الفهم لا للمجادلة« كثير الرحمة » أي ترحمه على


ومراجعته تفهم كثير علمه عظيم حلمه كثير الرحمة لا يبخل ولا يعجل ولا يضجر ولا يبطر ولا يحيف في حكمه ولا يجور في علمه نفسه أصلب من الصلد ومكادحته أحلى من الشهد لا جشع ولا هلع ولا عنف ولا صلف ولا متكلف

العباد كثير« لا يبخل » بالباء الموحدة ثم الخاء المعجمة كيعلم ويكرم ، وربما يقرأ بالنون ثم الجيم من النجل وهو الرمي بالشيء ، أي لا يرمي بالكلام من غير روية وهو تصحيف« ولا يعجل » أي في الكلام والعمل« ولا يضجر » في القاموس ضجر منه وبه كفرح وتضجر تبرم وفي الصحاح : الضجر القلق من الغم ، وقال :البطر الأشر وهو شدة المرح ، وقد بطر بالكسر يبطر والبطر أيضا الحيرة والدهش ، وفي القاموس : البطر محركة : النشاط والأشر وقلة احتمال النعمة ، والدهش ، والحيرة ، والطغيان بالنعمة وكراهة الشيء ، من غير أن يستحق الكراهة ، فعل الكل كفرح ، وقال :الحيف : الجور والظلم.

« ولا يجور في علمه » أي لا يظلم أحدا بسبب علمه وربما يقرأ يجوز بالزاء أي لا يتجاوز عن العلم الضروري إلى غيره« نفسه أصلب من الصلد » أي من الحجر الصلب ، كناية عن شدة تحمله للمشاق ، أو عن عدم عدوله عن الحق وتزلزله فيه بالشبهات ، وعدم ميلة إلى الدنيا بالشهوات ، وفي القاموس : الصلد ويكسر الصلب الأملس« ومكادحته أحلى من الشهد » في القاموس : كدح في العمل كمنع : سعى وعمل لنفسه خيرا أو شرا وكد وجهه : خدش ، أو عمل به ما يشينه ككدحه ، أو أفسده ولعياله : كسب كاكتدح ، وفي الصحاح : الكدح : العمل والسعي والخدش والكسب ، يقال : هو يكدح في كذا أي يكد وقوله تعالى : «إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً »(١) أي تسعى ، انتهى.

والشهد : العسل ، وقيل : المكادحة هنا : المنازعة ، أي منازعته لرفقه فيها

__________________

(١) سورة الإنشقاق : ٦.


ولا متعمق جميل المنازعة كريم المراجعة عدل إن غضب رفيق إن طلب

أحلى من العسل ، وأقول : يحتمل أن يكون المعنى أن سعيه في تحصيل المعيشة والأمور الدنيوية لمساهلته فيها حسن لطيف ، وقيل : الكدح الكد والسعي وحلاوة مكادحته لحلاوة ثمرتها ، فإن التعب في سبيل المحبوب راحة.

« لا جشع » في القاموس : الجشع محركة أشد الحرص وأسوأه ، وأن تأخذ نصيبك وتطمع في نصيب غيرك ، وقد جشع كفرح فهو جشع ، وقال :الهلع محركة أفحش الجزع وكصرد : الحريص ، والهلوع من يجزع ويفزع من الشر ويحرص ويشح على المال ، أو الضجور لا يصبر على المصائب ، وقال :العنف مثلثة العين ضد الرفق ، وقال :الصلف بالتحريك قلة نماء الطعام وبركته ، وأن لا تخطئ المرأة عند زوجها ، والتكلم بما يكرهه صاحبك والتمدح بما ليس عندك ، أو مجاوزة قدر الظرف ، والادعاء فوق ذلك تكبرا ، وهو صلف ككتف.

وأقول : أكثر المعاني مناسبة ، وقال :المتكلف العريض لما لا يعنيه ونحوه ، قال الجوهري : وقال تكلفت الشيء وتجشمته : أي ارتكبته على مشقة« ولا متعمق » أي لا يتعمق ولا يبالغ في الأمور الدنيوية ، وقيل : لا يطول الكلام ولا يسعى في تحسينه لإظهار الكمال ، قال في القاموس : عمق النظر في الأمور بالغ وتعمق في كلامه تنطع ، وقال : تنطع في الكلام : تعمق وغالى وتأنق.

ويحتمل أن يكون المراد : عدم التعمق في المعارف الإلهية فإنه أيضا ممنوع لقصور العقول عن الوصول إليها ، لما مر في كتاب التوحيد بسند صحيح قال : سئل علي بن الحسين عن التوحيد؟ فقال : إن الله تعالى علم أنه يكون في آخر الزمان أقوام متعمقون فأنزل الله تعالى «قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ » والآيات من سورة الحديد إلى قوله : «عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ »(١) فمن رام وراء ذلك فقد هلك.

« جميل المنازعة » أي إن احتاج إلى منازعة يأتي بها على أحسن الوجوه

__________________

(١) من أوّل السورة إلى آية ٦.


لا يتهور ولا يتهتك ولا يتجبر خالص الود وثيق العهد وفي العقد شفيق

« كريم المراجعة » قد مر إن مراجعته في السؤال تفهم ، وهنا يصفها بالكرم ، أي يأتي بها في غاية الملاينة وحسن الأدب ، وقيل : المراد بالمراجعة هنا الرجوع عن الذنب ، أو السهو أو الخطإ« عدل إن غضب » أي لا يصير غضبه سببا لجوره على من غضب عليه.

« رفيق إن طلب » أي إن طلب شيئا من أحد يطلبه برفق سواء كان له عنده حق أم لا ، ويمكن أن يقرأ على بناء المجهول ، أي إن طلب أحد رفاقته يصاحبه برفق ، وإن طلب أحد منه حقه يجيبه برفق ،« لا يتهور » التهور الإفراط في الشجاعة وهو مذموم ، قال في القاموس : تهور الرجل وقع في الأمر بقلة مبالاة.

« ولا يتهتك » قد مر ذلك فهو تأكيد ، أو المراد هنا هتك ستر الغير فيكون تأسيسا لكن لا يساعده اللغة كما عرفت« ولا يتجبر » أي لا يتكبر على الغير ، أو لا يعد نفسه كبيرا« خالص الود » أي محبته خالصة لله ، أو مخصوصة بالله أو محبته خالصة لكل من يؤده ، غير مخلوطة بالخديعة والنفاق ، وكان هذا أظهر.« وثيق العهد » أي عهدة مع الله ومع الخلق محكم« وفي العقد » أي يفي بما يصدر عنه من العقود الشرعية كما قال سبحانه : «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ »(١) على بعض الوجوه ، قال في مجمع البيان : اختلف في هذه العقود على أقوال :

أحدها : أن المراد بها العهود التي كان أهل الجاهلية عاهد بعضهم بعضا فيها على النصرة والموازرة والمظاهرة على من حاول ظلمهم ، أو بغاهم سوءا ، وذلك هو معنى الحلف.

وثانيها : أنها العقود التي أخذ الله سبحانه على عباده بالإيمان والطاعة فيما أحل لهم ، أو حرم عليهم.

__________________

(١) سورة المائدة : ١.


وصول حليم خمول قليل الفضول راض عن الله عز وجل مخالف لهواه

وثالثها : أن المراد بها العقود التي يتعاقدها الناس بينهم ، ويعقدها المرء على نفسه كعقد الأيمان ، وعقد النكاح ، وعقد العهد ، وعقد البيع ، وعقد الحلف.

ورابعها : أن ذلك أمر من الله سبحانه لأهل الكتاب بالوفاء بما أخذ به ميثاقهم من العمل بما في كتبهم من تصديق نبيناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وما جاء به من عند الله ، وأقوى هذه الأقوال عن ابن عباس : أن المراد بها عقود الله التي أوجبها على العباد في الحلال والحرام ، والفرائض ، والحدود ، ويدخل في ذلك جميع الأقوال الأخر فيجب الوفاء بجميع ذلك ، إلا ما كان عقدا في المعاونة على أمر قبيح ، انتهى.

والعلماء مدارهم في الاستدلال على لزوم العقود بهذه الآية وقد يحمل العقد في هذا الخبر على الاعتقاد ، وفي القاموس :الشفق حرص الناصح على صلاح المنصوح وهو مشفق وشفيق ، وحاصله أنه ناصح ومشفق على المؤمنين ، وقيل : خائف من الله ، والأول أظهر« وصول » للرحم أو الأعم منهم ومن سائر المؤمنين ، والحلم : الأناة والعقل كما في القاموس ، قال الراغب : الحلم ضبط الشيء عن هيجان الغضب وجمعه أحلام ، قال الله تعالى : «أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا »(١) قيل : معناه عقولهم وليس الحلم في الحقيقة هو العقل لكن فسروه بذلك لكونه من مسببات العقل.

« خمول » في أكثر النسخ بالخاء المعجمة ، وفي بعضها بالحاء المهملة فعلى الأول المعنى أنه خامل الذكر غير مشهور بين الناس ، وكأنه محمول على أنه لا يحب الشهرة ، ولا يسعى فيها ، لا أن الشهرة مطلقا مذمومة.

في القاموس : خمل ذكره وصوته خمولا خفي ، وأخمله الله فهو خامل : ساقط لا نباهة له ، وعلى الثاني : إما المراد به الحلم تأكيدا ، أو المراد بالحليم : العاقل ، أو أنه يتحمل المشاق للمؤمنين ، والأول أظهر ، في القاموس : حمل عنه حلم فهو

__________________

(١) سورة الطور : ٣٢.


لا يغلظ على من دونه ولا يخوض فيما لا يعنيه ناصر للدين محام عن المؤمنين

حمول ذو حلم.

« قليل الفضول » الفضول جمع الفضل وهي الزوائد من القول والفعل ، في القاموس : الفضل ضد النقص ، والجمع فضول ، والفضولي بالضم : المشتغل بما لا يعنيه« مخالف لهواه » أي لما تشتهيه نفسه مخالفا للحق ، قال الراغب : الهوى ميل النفس إلى الشهوة ، ويقال ذلك للنفس المائلة إلى الشهوة ، وقيل : سمي بذلك لأنه يهوي بصاحبه في الدنيا إلى كل داهية ، وفي الآخرة إلى الهاوية وقد عظم الله ذم اتباع الهوى ، فقال : «أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ »(١) وقال «وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ »(٢) «وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً »(٣) «وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ »(٤) وقال : «وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ »(٥) «وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ »(٦) «وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللهِ »(٧) انتهى.

« لا يغلظ » على بناء الأفعال ، يقال : أغلظ له في القول ، أي خشن ، أو على بناء التفعيل أو على بناء المجرد ككرم ، قال في المصباح : غلظ الرجل : اشتد فهو غليظ وفيه غلظة ، أي غير لين ولا سلس ، وأغلظ له في القول إغلاظا وغلظت عليه في اليمين تغليظا شددت عليه وأكدت.

« على من دونه » دنيا أو دينا ، أو الأعم« ولا يخوض » أي لا يدخل« فيما لا يعنيه » أي لا يهمه ، في القاموس : عناه الأمر يعنيه ويعنوه عناية وعناية أهمه واعتنى به اهتم« ناصر للدين » أصوله وفروعه قولا وفعلا« محام عن المؤمنين » أي يدفع الضرر عنهم ، في القاموس : حاميت محاماة وحماء : منعت عنه ،

__________________

(١) سورة الجاثية : ٢٣.

(٢) سورة ص : ٢٦.

(٣) سورة الكهف : ٢٨.

(٤) سورة البقرة : ١٢٠.

(٥) سورة الجاثية : ١٨.

(٦) سورة المائدة : ٧٧.

(٧) سورة القصص : ٥٠.


كهف للمسلمين لا يخرق الثناء سمعه ولا ينكي الطمع قلبه ولا يصرف اللعب حكمه ولا يطلع الجاهل علمه قوال عمال عالم حازم لا بفحاش ولا بطياش

« كهف للمسلمين » في القاموس : الكهف : الوزر والملجإ.

« لا يخرف الثناء سمعه » كان المراد بالخرق الشق وعدمه كناية عن عدم التأثير فيه كأنه لم يسمعه ، وما قيل : من أنه على بناء الأفعال ، أي لا يصير سمعه ذا خرق وأحمق فلا يخفى بعده« ولا ينكي الطمع قلبه » أي لا يؤثر في قلبه ولا يستقر فيه ، وفيه إشعار بأن الطمع يورث جراحة القلب جراحة لا تبرأ.

في القاموس : نكأ القرحة كمنع قشرها قبل أن تبرأ فنديت ، وقال في المعتل : نكى العدو وفيه نكاية قتل وجرح والقرحة نكأها ، أقول : فهنا يمكن أن يقرأ مهموزا وغير مهموز« ولا يصرف اللعب حكمه » أي حكمته ، والمعنى : لا يلتفت إلى اللعب لحكمته ، كما قال تعالى : «وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً »(١) أو المعنى : أن الأمور الدنيوية لا تصير سببا لتغيير حكمه كما قال تعالى : «وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ »(٢) « ولا يطلع الجاهل علمه » لا يطلع على بناء الأفعال ، والمراد بالجاهل المخالفون ، أي يتقى منهم ، أو ضعفاء العقول ، فالمراد بالعلم : ما لا يستطيعون فهمه كما مر« قوال » أي كثير القول لما يحسن قوله ، كثير الفعل والعمل بما يقوله« عالم » قيل : هو ناظر إلى قوله قوال ، و« حازم » ناظر إلى قوله عمال ، والحزم رعاية العواقب.

وفي القاموس : الحزم ضبط الأمر والأخذ فيه بالثقة« لا بفحاش » في القاموس : الفحش ، عدوان الجواب ، وقال الراغب : الفحش ، والفحشاء والفاحشة ما عظم قبحه من الأفعال والأقوال ، وفي القاموس : الطيش النزق والخفة ، طاش يطيش فهو طايش وطياش وذهاب العقل ، والطياش : من لا يقصد وجها واحدا

__________________

(١) سورة الفرقان : ٧٢.

(٢) سورة العنكبوت : ٦٤.


وصول في غير عنف بذول في غير سرف لا بختال ولا بغدار ولا يقتفي أثرا ولا يحيف بشرا رفيق بالخلق ساع في الأرض عون للضعيف غوث للملهوف لا يهتك سترا ولا يكشف سرا كثير البلوى قليل الشكوى إن رأى خيرا ذكره وإن عاين شرا ستره يستر العيب ويحفظ الغيب ويقيل العثرة ويغفر الزلة

« وصول في غير عنف » كان في بمعنى مع ، أي يعاشر الأرحام والمؤمنين ويحسن إليهم بحيث لا يصير سببا للثقل عليهم ، أو وصله دائم غير مشوب بعنف ، أو يصلهم بالمال ولا يعنف عليهم عند العطاء ولا يؤذيهم بالقول والفعل.

« بذول في غير سرف » أي يبذل المال مع غير إسراف « ولا يختار » وفي بعض النسخولا يختال ، في القاموس : الختر :الغدر ، والخديعة ، أو أقبح الغدر ، وهو خاتر وختار ، وقال : ختله يختله ويختله ختلا وختلانا : خدعه والذئب الصيد تخفى له فهو خاتل ، وختول ، وخاتله : خادعه ، وتخاتلوا : تخادعوا« لا يقتفي أثرا » أي لا يتبع عيوب الناس ، أو لا يتبع أثر من لا يعلم حقيته ،« ولا يحيف بشرا » بالحاء المهملة وفي بعضها بالمعجمة ، فعلى الأول هو من الحيف الجور والظلم ، وعلى الثاني من الإخافة.

« ساع في الأرض » أي لقضاء حوائج المؤمنين ، وعيادة مرضاهم ، وشهود جنائزهم وهدايتهم وإرشادهم ، والغوث اسم من الإغاثة وهي النصرة ، وأغاثهم الله برحمته كشف الله شدتهم ، وفي القاموس : لهف كفرح حزن وتحسر كتلهف عليه ، والملهوف ، واللهيف ، واللهفان ، واللاهف : المظلوم المضطر يستغيث ويتحسر ، انتهى.

وهتك الستر : إفشاء العيوب« ولا يكشف سرا » أي سر نفسه ، أو سر غيره ، أو الأعم ، والشكوى : الشكاية« إن رأى خيرا » بالنسبة إليه ، أو مطلقا« ذكره » عند الناس« وإن عاين شرا » بالنسبة إليه أو مطلقا« ستره » عن الناس ، وحفظ الغيب : أن يكون في غيبة أخيه مراعيا لحرمته ، كرعايته عند حضوره« ويقيل العثرة »


لا يطلع على نصح فيذره ولا يدع جنح حيف فيصلحه أمين رصين تقي نقي

أصل الإقالة هو أن يبيع الإنسان آخر شيئا فيندم المشتري فيستقيل البائع أي يطلب منه فسخ البيع فيقيله أي يقبل ذلك منه فيتركه. ثم يستعمل ذلك في أن يفعل أحد بغيره ما يستحق تأديبا أو ضررا فيعتذر منه ، ويطلب العفو فيعفو عنه ، كأنه وقع بينهما معاوضة فتتاركا ، ومنه قولهم : أقال الله عثرته.

وغفر الزلة أيضا قريب من ذلك ، يقال : أرض مزلة : تزل فيها الأقدام ، وزل في منطقه أو فعله يزل من باب ضرب زلة : أخطأ ، ويمكن أن تكون الثانية تأكيدا ، أو تكون إحداهما محمولة على ما يفعل به ، والأخرى على الخطإ الذي صدر منه من غير أن يصل ضرره إليه ، أو يكون إحداهما محمولة على العمد ، والأخرى على الخطإ ، أو إحداهما على القول والأخرى على الفعل ، أو إحداهما على نقض العهد والوعد والأخرى على غيره.

« لا يطلع على نصح فيذره » لا يطلع بالتشديد على بناء الافتعال أي إذا اطلع على نصح لأخيه لا يتركه بل يذكره له« ولا يدع جنح حيف فيصلحه » ، في القاموس : الجنح بالكسر : الجانب ، والكتف ، والناحية ، ومن الليل الطائفة منه ويضم ، وقال : الحيف : الجور والظلم ، والحاصل أنه لا يدع شيئا من الظلم يقع منه أو من غيره على أحد بل يصلحه ، أو لا يصدر منه شيء من الظلم فيحتاج إلى أن يصلحه ، وفي بعض النسخ جنف بالجيم والنون وهو محركة الميل والجور.

« أمين » يأتمنه الناس على حالهم وعرضهم« رصين » بالصاد المهملة وتقدم وفي بعض النسخ بالضاد المعجمة ، وفي القاموس المرصون شبه المنضود من حجارة ونحوها يضم بعضها إلى بعض في بناء وغيره« تقي » عن المعاصي« نقي » عن ذمائم الأخلاق أو مختار ، يقال : انتقاه ، أي اختاره« زكي » أي طاهر من العيوب ، أو نام في الكمالات أو صالح ، في القاموس : زكا يزكو زكاء ، وزكاه الله ، وأزكاه والرجل صلح وتنعم فهو


زكي رضي يقبل العذر ويجمل الذكر ويحسن بالناس الظن ويتهم على العيب نفسه يحب في الله بفقه وعلم ويقطع في الله بحزم وعزم لا يخرق به فرح

زكي من أزكياء ، وفي بعض النسخ بالذال : أي يدرك المطالب العلية من المبادئ الخفية بسهولة.

« رضي » أي راض عن الله وعن الخلق ، أو مرضي عندهما ، كما قال تعالى : «وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا »(١) أي مرضيا عندك قولا وفعلا« ويجمل الذكر » على بناء الأفعال أي يذكرهم بالجميل.

« ويتهم على العيب نفسه » بالعين المهملة ، وفي بعض النسخ بالمعجمة : أي يتهم نفسه غائبا عن الناس ، لا كالرائي الذي يظهر ذلك عند الناس وليس كذلك ، أو يتهم نفسه على ما يغيب عن الناس من عيوبه الباطنة الخفية« يحب في الله بفقه وعلم » أي يحب في الله ولله من يعلم أنه محبوب لله ويلزم محبته ، لا كالجهال الذين يحبون أعداء الله لزعمهم أنهم أولياء الله كالمخالفين.

« ويقطع في الله بحزم وعزم » أي يقطع من أعداء الله بجزم ، ورعاية للعاقبة ، فإنه قد تلزم مواصلتهم ظاهرا للتقية ، وهو عازم على قطعهم ، لا كمن يصل يوما ، ويقطع يوما« لا يخرق به فرح » يخرق كيحسن والباء للتعدية أي لا يصير الفرح سببا لخرقه وسفهه ، قال في المصباح : الفرح يستعمل في معان :

أحدها الأشر والبطر ، وعليه قوله تعالى : «إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ »(٢) ، والثاني : الرضا وعليه قوله تعالى : «كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ »(٣) والثالث : السرور وعليه قوله تعالى : «فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ »(٤) ويقال : فرح بشجاعته ، وبنعمة الله عليه ، وبمصيبة عدوه ، فهذا الفرح لذة القلب بنيل ما يشتهي.

__________________

(١) سورة مريم : ٦.

(٢) سوره القصص : ٧٦.

(٣) سورة المؤمنون : ٥٣.

(٤) سورة آل عمران : ١٧٠.


ولا يطيش به مرح مذكر للعالم معلم للجاهل لا يتوقع له بائقة ولا يخاف له غائلة كل سعي أخلص عنده من سعيه وكل نفس أصلح عنده من نفسه

« ولا يطيش به مرح » أي لا يصير شدة فرحه سببا لنزقه وخفته ، وذهاب عقله أو عدوله عن الحق ، وميلة إلى الباطل ، في القاموس : الطيش : جواز السهم الهدف وأطاشه : أماله عن الهدف ، وقال : مرح كفرح : أشر وبطر واختال ونشط وتبختر ، وقال الجوهري : المرح شدة الفرح والنشاط« مذكر للعالم » الآخرة أو مسائل الدين« لا يتوقع له بائقة » أي لا يخاف أن يصدر عنه داهية وشر ، في القاموس : توقع الأمر : انتظر كونه ، وقال : البائقة : الداهية وباق : جاء بالشر والخصومات ، وقال الجوهري :فلان قليل الغائلة والمغالة أي الشر ، الكسائي ، الغوائل : الدواهي.

« كل سعي أخلص عنده من سعيه » أي لحسن ظنه بالناس ، واتهامه لنفسه سعى كل أحد في الطاعات أخلص عنده من سعيه ، وقريب منه الفقرة التالية ،وقوله : عالم بعيبه ، كالدليل عليها« شاغل بغمه » أي غمه لآخرته شغله عن أن يلتفت إلى عيوب الناس أو إلى الدنيا ولذاتها« قريب » في أكثر النسخ بالقاف أي قريب من الله أو قريب من الناس لا يتكبر عليهم ، أو من فهم المسائل والاطلاع على الأسرار ، قال في النهاية فيه اتقوا قراب المؤمن فإنه ينظر بنور الله ، وروي قرابة المؤمن ، يعني فراسته وظنه الذي هو قريب من العلم والتحقق ، لصدق حدسه وإصابته ، انتهى.

وأقول : كونه مأخوذا منه ليس بقريب والأظهر غريب بالغين كما في بعض النسخ أي لا يجد مثله ، فهو بين الناس غريب ، ولذا يعيش وحيدا فردا لا يأنس بأحد قال في النهاية : فيه أن الإسلام بدأ غريبا وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء ، أي أنه كان في أول أمره كالغريب الوحيد الذي لا أهل له عنده لقلة المسلمين يومئذ وسيعود غريبا كما كان ، أي يقل المسلمون في آخر الزمان فيصيرون كالغرباء فطوبى للغرباء أي الجنة لأولئك المسلمين الذين كانوا في أول الإسلام ويكونون في آخره وإنما


عالم بعيبه شاغل بغمه ـ لا يثق بغير ربه غريب وحيد جريد [ حزين ] يحب في الله ويجاهد في الله ليتبع رضاه ولا ينتقم لنفسه بنفسه ولا يوالي في سخط ربه مجالس لأهل الفقر مصادق لأهل الصدق مؤازر لأهل الحق عون للقريب أب لليتيم بعل للأرملة حفي بأهل المسكنة مرجو لكل كريهة مأمول

خصهم بها لصبرهم على أذى الكفار أولا وآخرا ولزومهم دين الإسلام ، انتهى.

« وحيد » أي يصبر على الوحدة ، أو فريد لا مثل له« حزين » لضلالة الناس وقلة أهل الحق« لا ينتقم لنفسه بنفسه » بل يصبر حتى ينتقم الله له في الدنيا ، أو في الآخرة« ولا يوالي في سخط ربه » أي ليس موالاته لمعاصي الله ، وفي القاموس :الصداقة : المحبة ، والمصادقة والصداق المخالة كالتصادق والمؤازرة : المعاونة« عون » أي معاون« للغريب » النائي عن بلده ، أو للغرباء من أهل الحق كما مر« أب لليتيم » أي كالأب له وكذا البعل ، وفي الصحاح :الأرملة : المرأة التي لا زوج لها ، وفي القاموس امرأة أرملة محتاجة أو مسكينة ، والجمع أرامل وأراملة ، والأرمل العزب وهي بهاء ولا يقال للعزبة المؤسرة : أرملة.

« حفي بأهل المسكنة » قال الراغب : الحفي : البر اللطيف في قوله عز ذكره «إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا »(١) ويقال : حفيت بفلان وتحفيت به : إذا عنيت بإكرامه ، والحفي :

العالم بالشيء« مرجو لكل كريهة » أي يرجى لرفع كل كريهة ويأمله الناس لدفع كل شدة ولو بالدعاء إن لم تمكنه الإعانة الظاهرة وفي القاموس : الكريهة : الحرب ، أو الشدة في الحرب والنازلة ، وقيل : المرجو أقرب إلى الوقوع من المأمول.

« هشاش بشاش » قال الجوهري : الهشاشة : الارتياح والخفة للمعروف ، وقد هششت بفلان ـ بالكسر ـ أهش هشاشة : إذا خففت إليه وارتحت له ، ورجل هش

__________________

(١) سورة مريم : ٤٧.


لكل شدة هشاش بشاش لا بعباس ولا بجساس صليب كظام بسام دقيق النظر عظيم الحذر لا يجهل وإن جهل عليه يحلم لا يبخل وإن بخل عليه صبر عقل فاستحيا ـ وقنع فاستغنى حياؤه يعلو شهوته ووده يعلو حسده وعفوه يعلو حقده لا ينطق بغير صواب ولا يلبس إلا الاقتصاد مشيه التواضع خاضع

بش ، وقال : البشاشة : طلاقة الوجه ، ورجل هش بش أي طلق الوجه.

« لا بعباس » أي كثير العبوس« ولا بجساس » أي لا كثير التجسس لعيوب الناس« صليب » أي متصلب شديد في أمور الدين« كظام » يكظم الغيظ كثيرا ، يقال : كظم غيظه أي رده وحبسه« بسام » أي كثير التبسم« دقيق النظر » أي نافذ الفكر في دقائق الأمور« عظيم الحذر » عن الدنيا ومهالكها وفتنها« لا يبخل » بمنع حقوق الناس واجباتها ومندوباتها« وإن بخل عليه » بمنع حقوقه« صبر » ، « عقل » أي فهم قبح المعاصي فاستحيى من ارتكابها ، أو عقل أن الله مطلع عليه في جميع أحواله« فاستحيى » من أن يعصيه« وقنع » بما أعطاه الله« فاستغني » عن الطلب من المخلوقين.

« حياؤه » من الله ومن الخلق« يعلو شهوته » فيمنعه عن اتباع الشهوات النفسانية« ووده » للمؤمنين« يعلو حسده » أي يمنعه عن أن يحسدهم على ما أعطاهم الله« وعفوه » عن زلات إخوانه وما أصابه منهم الأذى« يعلو حقده » عليهم.

« ولا يلبس إلا الاقتصاد » أي يقتصد ويتوسط في لباسه ، فلا يلبس ما يلحقه بدرجة المسرفين والمترفين ، ولا ما يلحقه بأهل الخسة والدناءة ، فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على خلقه ، أو يصير سببا لشهرتهم بالزهد كما هو دأب المتصوفة ، ويحتمل أن يكون المراد جعله الاقتصاد في جميع أموره شعارا ودثارا على الاستعارة« ومشيه التواضع » أي لا يختال في مشيه ، وقيل : هو العدل بين رذيلتي المهانة والكبر.


لربه بطاعته راض عنه في كل حالاته نيته خالصة أعماله ليس فيها غش ولا خديعة نظره عبرة سكوته فكرة وكلامه حكمة مناصحا متباذلا متواخيا ناصح في السر والعلانية لا يهجر أخاه ولا يغتابه ولا يمكر به ولا يأسف على ما فاته ولا يحزن على ما أصابه ولا يرجو ما لا يجوز له الرجاء ولا يفشل في

وأقول : يحتمل أن يكون المراد مسلكه وطريقته التواضع وفي النهج : ملبسهم الاقتصاد ومشيهم التواضع ،« بطاعته » أي بأن يطيعه ، أو بسبب طاعته في كل حالاته أي من الشدة والرخاء والنعمة والبلاء« خالصة » أي لله سبحانه ليس فيها غش لله أو للخلق ، أو الأعم.

في القاموس :غشه لم يمحضه النصح ، أو أظهر له خلاف ما أضمر ، والغش بالكسر الاسم منه« نظره » إلى المخلوقات« عبرة » واستدلال علي وجود الخالق ، وعلمه ، وقدرته ، ولطفه ، وحكمته ، وإلى الدنيا عبرة بفنائها وانقضائها« وسكوته فكرة » أي تفكر في عظمة الله وقدرته ، وفناء الدنيا ، وعواقب أموره ، والحمل في تلك الفقرات للمبالغة في السببية فإن النظر سبب للعبرة ، والسكوت سبب للفكرة« مناصحا » نصبه وأختيه على الحال مما أضيف إليه المبتدإ على القول بجوازه ، وقيل : نصبها على الاختصاص ، أي ينصح أخاه ويقبل منه النصح« متباذلا » أي يبذل أخاه من المال والعلم ويقبل منه« متاخيا » أي يؤاخي مع خلص المؤمنين لله وفي الله ، ناصحا في السر والعلانية ، أي ينصح في السر إن اقتضته المصلحة ، وفي العلانية إن اقتضته الحكمة ، أو المراد بالسر القلب ، وبالعلانية اللسان ، إشارة إلى أن نصحه غير مشوب بالخدعة« لا يهجر أخاه » الهجر : ضد الوصل أي لا يترك صحبته« ولا يأسف علي ما فاته » أي من النعم.

في القاموس : الأسف محركة : أشد الحزن أسف كفرح وعليه : غضب ،« ولا يحزن على ما أصابه » أي من البلاء« ولا يرجو ما لا يجوز له الرجاء » كان يرجو


الشدة ولا يبطر في الرخاء يمزج الحلم بالعلم والعقل بالصبر تراه بعيدا كسله دائما نشاطه قريبا أمله قليلا زلله متوقعا لأجله خاشعا قلبه ذاكرا ربه قانعة نفسه منفيا جهله سهلا أمره حزينا لذنبه ميتة شهوته كظوما

البقاء في الدنيا أو درجة الأنبياء والأوصياء أو الأمور الدنيوية كالمناصب الباطلة« ولا يفشل في الشدة » أي لا يكسل في العبادة في حال الشدة ، أو لا يضطرب ولا يجبن فيها ، بل يصبر ، أو يقدم علي دفعها بالجهاد ونحوه ، في القاموس : فشل كفرح فهو فشل : كسل وضعف ، وتراخى وجبن.

« يمزج العلم بالحلم » (١) أي بالعفو وكظم الغيظ أو العقل ، والأول أظهر لأن العلم يصير غالبا سببا للتكبر والترفع وترك الحلم ، والمزج : الخلط والفعل كنصر ، وفي النهج : يمزج الحلم بالعلم فالمعنى أنه يحلم مع العلم بفضيلة الحلم ، لا كحلم بعض الجاهلين عن ضعف النفس ، وعدم المبالاة بما قيل له وفعل به ، أو المراد بالحلم العقل أي يتعلم عن تفكر وتدبر ولا يعتمد على الظنون والآراء« والعقل بالصبر » أي مع وفور عقله يصبر على جهل الجهال ، أو يصبر على المصائب لقوة عقله ، وقيل : أي مع عقله وفهمه أحوال الخلائق يصبر عليها« تراه بعيدا كسله » أي في العبادات.

« دائما نشاطه » أي رغبته في الطاعات ، في القاموس : نشط كسمع نشاطا : طابت نفسه للعمل وغيره« قريبا أمله » أي لا يؤمل ما يبعد حصوله من أمور الدنيا ، أو لا يأمل ما يتوقف حصوله على عمر طويل ، بل يعد موته قريبا.

والحاصل أنه ليس له طول الأمل أو لا يؤخر ما يريده من الطاعة ، ولا يسوف فيها« قليلا زلله » لتيقظه وأخذه بالحائطة لدينه« متوقعا لأجله » أي منتظرا له يعده قريبا منه« خاشعا قلبه » أي خاضعا منقادا لأمر الله متذكرا له خائفا منه سبحانه« قانعة نفسه » بما أعطاه ربه« منفيا جهله » لوفور علمه« سهلا أمره » أي هو خفيف المؤنة أو يصفح عن السفهاء ، ولا يصر على الانتقام منهم ، وقيل : أي لا يتكلف

__________________

(١) وفي المتن « الحلم بالعلم » كما في المنقول عن النهج.


غيظه صافيا خلقه آمنا منه جاره ضعيفا كبره قانعا بالذي قدر له متينا صبره محكما أمره كثيرا ذكره يخالط الناس ليعلم ويصمت ليسلم ويسأل ليفهم ويتجر ليغنم لا ينصت للخبر ليفجر به ولا يتكلم ليتجبر به على من سواه نفسه منه في عناء والناس منه في راحة أتعب نفسه لآخرته فأراح الناس

لأحد ولا يكلف أحدا« حزينا لذنبه » في النهج : حريزا دينه ،« ميتة شهوته » أي هو عفيف النفس« صافيا خلقه » عن الغلظ والخشونة« محكما أمره » أي أمر دينه« ليسلم » أي من آفات اللسان« ويتجر ليغنم » أي ليحصل الغنيمة والربح ، لا للفخر والحرص على جمع الأموال والذخيرة ، أو المراد بالغنيمة الفوائد الأخروية أي يتجر لينفق ما يحصل له في سبيل الله ، فتحصل له الغنائم الأخروية ، كذا أفاده الوالدرحمه‌الله ، أو المراد بالتجارة أيضا التجارة الأخروية كما قال تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ. تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ »(١) .

« لا ينصت للخبر ليفخر به » (٢) أي لا يسكت مستمعا لقول الخير لينقله في مجلس آخر فيفخر به ، في القاموس : نصت ينصت ، وأنصت وانتصت : سكت ، وأنصته وله سكت له واستمع لحديثه ، وأنصته وأنصته : أسكته وفي بعض النسخ : لا ينصب للخير ليفجر به : أي لا يقبل المنصب الشرعي ليفجر به ، ويحكم بالفجور ، ويرتشي ويقضي بالباطل ،« ولا يتكلم » أي بالخير.

« نفسه منه في عناء » لرياضتها في الطاعات« والناس منه في راحة » وفسر هذا بقوله : أتعب نفسه لآخرته« فأراح الناس من نفسه » لأن شغله بأمر نفسه يشغله عن التعرض لغيره ، وربما يفرق بين الفقرات ، بأن المراد بالفقرتين الأوليين أن نفسه الأمارة منه في عناء وتعب لمنعها عن هواها وزجرها عن مشتهاها فصار الناس منه في

__________________

(١) سورة الصفّ : ١٠ ـ ١١.

(٢) وفي المتن « ليفجر به ».


من نفسه إن بغي عليه صبر حتى يكون الله الذي ينتصر له بعده ممن تباعد منه بغض ونزاهة ودنوه ممن دنا منه لين ورحمة ليس تباعده تكبرا ولا عظمة ولا دنوه خديعة ولا خلابة بل يقتدي بمن كان قبله من أهل الخير فهو إمام لمن بعده من أهل البر.

قال فصاح همام صيحة ثم وقع مغشيا عليه فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام

راحة لأن المداومة على الطاعات والرياضات تصير النفس سليمة حليمة غير مائلة إلى المعارضات« الذي ينتصر له » أي ينتقم له.

« بعده ممن تباعد منه بغض ونزاهة » أي إنما يبعد عن الكفار والفساق للبغض في الله تعالى « والنزاهة » والبعد عن أعمالهم وأفعالهم ، والنزاهة بالفتح التباعد عن كل قذر ومكروه ، وفي النهج : بعده عمن تباعد عنه زهد ونزاهة ، والزهد خلاف الرغبة ، وكثيرا ما يستعمل في عدم الرغبة في الدنيا« ودنوة ممن دنا منه » من المؤمنين« لين ورحمة » أي ملائنة وملاطفة وترحم ، وفي القاموس : خلبه كنصره خلبا وخلابا وخلابة بكسرهما : خدعه« ولا عظمة » أي تجبرا وعد النفس عظيما ، وقيل : المراد بها العظمة الواقعية« بل يقتدى » أي في هذا البعد والدنو ، وفي النهج : ليس تباعده بكبر وعظمة ، ولا دنوة بمكر وخديعة.

أقول : هذه الصفات قد يتداخل بعضها في بعض ولكن تورد بعبارة أخرى ، أو تذكر مفردة ثم تذكر ثانيا مركبة مع غيرها ، وهذا النوع من التكرار في الخطب والمواعظ مطلوب لمزيد التذكار« ثم وقع مغشيا عليه » كان المراد به أنه مات من غشيته ، إذ في النهج والمجالس « فصعق همام صعقة كانت نفسه فيها » ويقال : صعق كسمع أي غشي عليه من صوت شديد سمعه أو غيره ، وربما مات منه « وكانت نفسه فيها » أي مات بها ، ويحتمل أن يراد بالصعقة الصحة كما هو الغالب في مثل هذا المقام ، ويراد بكون نفسه فيها خروج روحه مع خروجها.


أما والله لقد كنت أخافها عليه وقال هكذا تصنع الموعظة البالغة بأهلها فقال له

« هكذا تصنع المواعظ البالغة » ، هكذا في محل النصب نائب للمفعول المطلق لقوله تصنع ، والتقديم للحصر ، والمشار إليه نوع من التأثير ، صار في همام سبب موته« بأهلها » أي بمن تؤثر فيه ، ويتدبرها ويفهمها كما ينبغي.

« فما بالك يا أمير المؤمنين؟ » أي ما حالك حيث لم يفعل العلم بتلك الصفات ، أو ذكرها أو سماعك من الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما فعل بهمام ، أو لم أتيت بتلك الموعظة مع خوفك عليه؟ فعلى الأول الجواب يحتمل وجوها :

الأول : إن المشار إليه بهكذا التأثير الكامل ، وصيرورته في همام سبب موته لضعف نفسه ، وقلة حوصلته ، وعدم اتصافه ببعض تلك الصفات لا يستلزم صيرورته سببا للموت في كل أحد لا سيما فيه صلوات الله عليه.

الثاني : ما ذكره بعض المحققين : وهو أنه أجابهعليه‌السلام بالإشارة إلى السبب البعيد وهو الأجل المحتوم به القضاء الإلهي وهو جواب مقنع للسائل مع أنه حق وصدق ، وأما السبب القريب الفرق بينه وبين همام ونحوه لقوة نفسه القدسية على قبول الواردات الإلهية وتعوده بها ، وبلوغ رياضته حد السكينة عند ورود أكثرها ، وضعف نفس همام عما ورد عليه من خوف الله ورجائه ، وأيضا فإنهعليه‌السلام كان متصفا بهذه الصفات لم يفقدها حتى يتحسر على فقدها ، قيل : ولم يجبعليه‌السلام بمثل هذا الجواب لاستلزامه تفضيل نفسه ، أو لقصور فهم السائل وهذا قريب من الأول لكن الأول أظهر ، لأنهعليه‌السلام أشار إلى الفرق إجمالا بأن الآجال منوطة بالأسباب ، في المواد مختلفة ، فيمكن أن يؤثر في بعض المواد ولا يؤثر في بعضها.

الثالث : أن يكون المعنى أن قولنا هكذا تصنع المواعظ على تقدير كون هكذا إشارة إلى الموت ليس كليا ، بل المراد أنه قد تصنع ذلك إذا صادف قلة ظرف سامعه ، أو غير ذلك ، وليس سببا مستقلا للموت بالنسبة إلى أهلها ، فإن لكل أحد أجلا منوطا


قائل فما بالك يا أمير المؤمنين فقال إن لكل أجلا لا يعدوه وسببا لا يجاوزه فمهلا لا تعد فإنما نفث على لسانك شيطان.

بأسباب ودواعي ومصالح والوجوه الثلاثة متقاربة ، وقيل : يمكن أن يكون كلام السائل مبنيا على أن هكذا إشارة إلى الإماتة ، وحاصل الجواب حينئذ التنبيه على بطلان هذا التوهم ، وإن المشار إليه التأثير الكامل كما مر ، وعلى الثاني حاصل الجواب إني لم أكن أعلم أنه يفعل به ما فعل والخوف يحصل بمحض الاحتمال ومحض الاحتمال لا يكفي لترك بيان ما أمر الله ببيانه ، كما قال ابن ميثم : إن قيل : كيف جاز منهعليه‌السلام أن يجيبه مع غلبة ظنه بهلاكه وهو كالطبيب يعطي كلا من المرضى بحسب احتمال طبيعته من الدواء؟ قلت : إنه لم يكن يغلب على ظنه إلا الصعقة عن الوجد الشديد ، فأمنا إن تلك الصعقة فيها موته فلم يكن مظنونا له ، انتهى.

ويحتمل أن يكون المراد إن هذا كان أجلا مقدرا له ، ولا يمكن الفرار من الأجل المقدر بترك ما أمر الله به كما قال تعالى : «قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ »(١) على بعض التفاسير ، ويمكن أن يجوز لهعليه‌السلام ذلك العلم بموته لعهد من الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيشبه قصة الغلام وصاحب موسىعليه‌السلام .

« إن لكل أجلا لن يعدوه » في النهج ويحك إن لكل وقت أجلا لا يعدوه ، الويح : كلمة رحمة ويستعمل في التعجب ، والأجل يستعمل في المدة المعينة وانقضائها لن يعدوه : أي لن يتجاوز إلى غيره« وسببا لا يجاوزه » في النهج لا يتجاوزه ، والضمير راجع إلى السبب وقال الجوهري :المهل بالتحريك : التؤدة وأمهله أنظره وتمهل في أمره أي اتأد وقولهم مهلا يا رجل وكذلك للاثنين والجمع والمؤنث وهي موحدة بمعنى أمهل ، وقال :النفث : شبيه بالنفخ وهو أقل من التفل.

أقول : وربما يتوهم التنافي بين ما تضمن هذا الخبر من صعقة همام وموته عند سماع الموعظة ، وبين ما سيأتي في كتاب القرآن من ذم أبي جعفرعليه‌السلام قوما إذا

__________________

(١) سورة آل عمران : ١٥٤.


٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن محبوب ، عن جميل بن صالح ، عن عبد الله بن غالب ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال ينبغي للمؤمن أن يكون فيه ثمان خصال ـ وقور عند الهزاهز صبور عند البلاء شكور عند الرخاء قانع بما رزقه الله لا يظلم الأعداء ولا يتحامل للأصدقاء بدنه منه في تعب والناس منه في راحة إن العلم خليل المؤمن والحلم وزيره والصبر أمير جنوده والرفق أخوه

ذكروا شيئا من القرآن أو حدثوا به صعق أحدهم ، ويمكن أن يجاب بأن عروض ذلك نادرا لا ينافي ذمهعليه‌السلام قوما كان دأبهم ذلك وكانوا متعمدين لفعله رياء وسمعة كالصوفية.

الحديث الثاني : حسن كالصحيح.

قال الجوهري :الوقار : الحلم والرزانة ، وقد وقر الرجل يقر وقارا وقرة فهو وقور ، وهزهزه : أي حركه فتهزهز ، والهزاهز الفتن يهتز فيها الناس« ولا يتحامل للأصدقاء » أي لا يحمل الوزر لأجلهم ، أو لا يتحمل عنهم ما لا يطيق الإتيان به من الأمور الشاقة فيعجز عنها ، والأول أظهر معنى والثاني لفظا ، في النهاية تحاملت الشيء : تكلفته على مشقة.

وفي القاموس : تحامل في الأمر وبه : تكلفه على مشقة وعليه كلفه ما لا يطيق« إن العلم » استئناف وليس داخلا في الثمان« خليل المؤمن » في القاموس : الخل بالكسر والضم الصديق المختص كالخليل أو الخليل الصادق ، أو من أصفى المودة وأصحها ، انتهى.

والتشبيه بالخليل لأن الإنسان لا يفارق خليله ولا يتجاوز عن مصلحته فكذا ينبغي للإنسان أن لا يفارق العلم ولا يتجاوز عن مقتضاه ، وأيضا الخليل أنفع الناس للمرء ، وينجيه عن المهالك ، فكذا العلم أنفع الأشياء له وينجيه عن مهالك الدنيا والآخرة.

« والصبر أمير جنوده » كان المراد بجنوده ما مر في كتاب العقل من جنود العقل


واللين والده.

٣ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن ابن فضال ، عن منصور بن يونس ، عن أبي حمزة ، عن علي بن الحسينعليه‌السلام قال المؤمن يصمت ليسلم

ولا يتم أكثرها بدون الصبر« والرفق أخوه » أي بمنزلة أخيه في نصرته وإعانته وإنجائه عن المهالك« واللين والده » أي ينفعه كنفع الوالد ولده ، أو ينبغي أن يراعيه كرعاية الوالد ، والفرق بينه وبين الرفق مشكل ، ويمكن أن يحمل الرفق على ترك العنف واللين على شدة الرفق وكثرته أو الرفق على المعاملات واللين على المعاشرات ، أو الرفق على اللطف والإحسان وهو أحد معانيه واللين علي لين الجانب وترك الخشونة.

وقرأ بعض الأفاضل : والدين مكان قوله واللين أي هو والده الروحاني ،. فإن الوالد سبب للحياة الجسمانية الفانية ، والدين سبب للحياة الروحانية الأبدية وهذا أظهر وأنسب ، لكن اتفقت النسخ التي رأيناها من كتب الحديث كالمجالس للصدوق والخصال وغيرهما على اللين لكن قد مر هذا الخبر في الباب الذي بعد باب نسبة الإسلام عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن ابن محبوب إلى آخر الخبر وفيه في السند عبد الله بن غالب وفي المتن في آخره والبر والده ، وما في المتن فيما تقدم أصوب وفي السند ما هيهنا أظهر ، لأن عبد الملك بن غالب غير مذكور في الرجال وعبد الله بن غالب الأسدي الشاعر مذكور في الرجال ثقة وهو الذي قال له أبو عبد اللهعليه‌السلام إن ملكا يلقي عليه الشعر وإني لأعرف ذلك الملك ، وأقول : روى السيد الرضيرضي‌الله‌عنه في المجازات النبوية عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هكذا ، قولهعليه‌السلام من جملة كلام ، العلم خليل المؤمن ، والحلم وزيره ، والعقل دليله ، والعمل قيمه ، واللين أخوه ، والرفق والده ، والصبر أمير جنوده ، وقد ذكرنا شرحه في الكتاب الكبير ، إنما أعدنا شرحه لبعد العهد ولزيادة بعض الفوائد.

الحديث الثالث : موثق.


وينطق ليغنم لا يحدث أمانته الأصدقاء ولا يكتم شهادته من البعداء ولا يعمل شيئا من الخير رياء ولا يتركه حياء ـ إن زكي خاف مما يقولون ويستغفر الله لما لا يعلمون لا يغره قول من جهله ويخاف إحصاء ما عمله.

٤ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن بعض من رواه رفعه

« ليغنم » أي الفوائد الأخروية ، أو ليزيد علمه لا لإظهار الكمال ، وقد مر مثل هذا الخبر في باب الحلم وفيه ليفهم« أمانته » أي السر الذي أو تمن عليه ، أو الأعم منه ومن المال الذي جعل أمينا عليه ، وأمر بإخفائه« الأصدقاء » فكيف الأعداء ، وقيل : المعنى إن الصداقة لا تحمله على أن يؤدي الأمانة إلى غير أهلها ولا يخفى بعده.

« ولا يكتم شهادته من البعداء » أي من الأباعد عنه نسبا أو محبة ، فكيف الأقارب ، وفي بعض النسخ من الأعداء ، والمعنى : إنه إن كانت عنده شهادة لعدوه ولا يعلم العدو يظهرها له ، أو يكون كناية عن عدم أداء الشهادة وكتمانها« ولا يتركه » أي عمل الخير« حياء » أي للحياء عن الخلق فإنه لا حياء في الحق قال تعالى : «وَاللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِ »(١) « خاف مما يقولون » أي يصير سببا لغروره وعجبه ، « لما لا يعلمون » أي من ذنوبه.

« لا يغره قول من جهله » أي لا يخدعه ثناء من جهل ذنوبه وعيوبه فيعجب بنفسه« ويخاف إحصاء ما عمله » أي إحصاء الله والحفظة أو إحصاء نفسه ، وعلى الأخير يحتمل أن يكون منصوبا بنزع الخافض أي يخاف الله لإحصائه ما قد عمله ، وفي مجالس الصدوق إحصاء من قد علمه.

الحديث الرابع : مرسل.

__________________

(١) سورة الأحزاب : ٥٣.


إلى أبي عبد اللهعليه‌السلام قال المؤمن له قوة في دين وحزم في لين وإيمان في يقين

« المؤمن له قوة في دين » اعلم أنه في بعض تلك الفقرات الظرف لغو ، وفي بعضها مستقر وهو تفنن حسن ، وإن أمكن أن يكون في الجميع لغوا بتكلفات بعيدة لا حاجة إليها ، ففي هذه الفقرة الظاهر أن الظرف لغو ، و « في » للظرفية أي قوي في أمر الدين متصلب والقوة في الدين أن لا يتطرق إلى الإيمان الشكوك والشبهات ، وإلى الأعمال الوساوس والخطرات ، أو أن لا يدرك العزم في الأمور الدينية ونى ولا فتور للوم وغيره ، قال الله تعالى : «يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ »(١) .

« وحزم في لين » أي مع لين فالظرف مستقر بأن يكون صفة أو حالا ، ويحتمل أن يكون لغوا أي هو في اللين صاحب حزم ، لكنه بعيد ، وقال بعض الأفاضل : أي له ضبط وتيقظ في أموره المدينية والدنيوية ممزوجا بلين الطبع وعدم الفظاظة والخشونة مع معامليه ، وهو فضيلة العدل في المعاملة مع الخلق ، وقد تكون عن تواضع وقد تكون عن مهانة وضعف نفس ، والأول هو المطلوب وهو المقارن للحزم في الأمور ومصالح النفس ، والثاني رذيلة لا يمكن معه الحزم لانفعال المهين عن كل حادث ، وبيان الظرفية في ثلاثة أوجه :

الأول : أن الظرفية مجازية بتشبيه ملابسة الحزم للين الطبع في الاجتماع معه بملابسة المظروف للظرف فتكون لفظة « في » استعارة تبعية.

والثاني : تشبيه الهيئة المنتزعة من الحزم واللين ومصاحبته أحدهما الآخر بالهيئة المنتزعة من المظروف والظرف ومصاحبتهما ، فيكون الكلام استعارة تمثيلية ، لكنه لم يصرح من الألفاظ التي هي بإزاء المشبه به إلا بكلمة في ، فإن مدلولها هو العمدة في تلك الهيئة ، وما عداه تبع له يلاحظ معه في ضمن ألفاظ منوية ، فلا

__________________

(١) سورة المائدة : ٥٤.


وحرص في فقه ونشاط في هدى وبر في استقامة وعلم في حلم وكيس في رفق وسخاء في حق وقصد في غنى وتجمل في فاقة وعفو في قدرة وطاعة لله

تكون لفظة في استعارة ، بل هي على معناها الحقيقي.

الثالث : أن تشبيه اللين بما يكون محلا وظرفا للشيء على طريقة الاستعارة بالكناية ، وتكون كلمة في قرينة وتخييلا« وإيمان في يقين » أي مع يقين أي بلغ إيمانه حد اليقين في جميع العقائد ، أو في الثواب والعقاب ، أو في القضاء والقدر ، كما عرفت في باب اليقين« وحرص في فقه » أي هو حريص في معرفة مسائل الدين ، أو حريص في العبادة مع معرفته لمسائل الدين ، في القاموس : الفقه بالكسر : العلم بالشيء والفهم له والفطنة وغلب على علم الدين لشرفه.

« ونشاط في هدى » أي ناشط راغب في العبادة مع اهتدائه إلى الحق ومعرفته بأصول الدين ، كما مر في تفسير قوله تعالى : «لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى »(١) أو راغب في الاهتداء وما يصير سببا لهدايته« وبر في استقامة » أي مع الاستقامة في الدين كما قال تعالى : «الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا »(٢) أو المراد به الاستقامة في البر أي يضع البر في محله وموضعه« وعلم في حلم » أي مع أناة وعفو ، أو مع عقل« وكيس في رفق » أي كياسة مع رفق بالخلق لا كالأكياس في أمور الدنيا يريدون التسلط على الخلق وإيذائهم ، أو يستعمل الكياسة في الرفق ، فيرفق في محله ويخشن في موضعه ،« وسخاء في حق » أي سخاوته في الحقوق اللازمة لا في الأمور الباطلة ، كما ورد : أسخى الناس من أدى زكاة ماله ، أو مع رعاية الحق فيه بحيث لا ينتهي إلى الإسراف والتبذير ، ويؤكدهقوله « وقصد في غنى » أي يقتصد بين الإسراف والتقتير في حال الغنى والثروة ، أو مع استغنائه عن الخلق.

« وتجمل في فاقة » التجمل : التزين ، والفاقة : الفقر والحاجة ، أي يتزين

__________________

(١) سورة طه : ٨٢.

(٢) سورة فصّلت : ٣٠.


في نصيحة وانتهاء في شهوة وورع في رغبة وحرص في جهاد وصلاة في شغل

في حال الفقر ولا يظهر الفقر لتضمنه الشكاية من الله ، أو يظهر الغنى لذلك ، كما قال الجوهري : التجمل : تكلف الجميل ، وقد يقرأ بالحاء المهملة أي تحمل وصبر في الفقر « في قدرة » أي على الانتقام« في نصيحة » أي مع نصيحة لله أو لأئمة المسلمين أو للمؤمنين أو الأعم من الجميع ونصيحة الله : إخلاص العمل له ، كما ورد في الخبر ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم : إخلاص العمل لله ، والنصيحة لأئمة المسلمين ، ولزوم جماعتهم.

وقال في النهاية فيه : إن الدين النصيحة لله ولرسوله ولكتابة ولأئمة المسلمين وعامتهم ، النصيحة : كلمة يعبر بها عن جملة هي إرادة الخير للمنصوح له ، وأصل النصح في اللغة : الخلوص ومعنى نصيحة الله : صحة الاعتقاد في وحدانيته وإخلاص النية في عبادته ، والنصيحة لكتاب الله : هو التصديق به والعمل بما فيه ، ونصيحة رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : التصديق بنبوته ورسالته والانقياد لما أمر به ونهى عنه ، ونصيحة الأئمة : أن يطيعهم في الحق ، ونصيحة عامة المسلمين : إرشادهم إلى مصالحهم ، انتهى.

« وانتهاء في شهوة » أي يقبل نهي الله في حال شهوة المحرمات ، في الصحاح : نهيته عن كذا فانتهى عنه وتناهى أي كف« وورع في رغبة » أي يتورع عن الشبهات في حال الرغبة فيها فإن الورع يطلق غالبا في ترك الشبهات ، وقيل : في رغبة عنها وعدم الميل إليها وهو بعيد« وحرص في جهاد » الجهاد بالكسر والمجاهدة : القتال مع العدو ويطلق على مجاهدة النفس أيضا وهو الجهاد الأكبر أي حرص في القتال أو في العبادة مع مجاهدة النفس ، و « في » بمعنى « على » على الأول ، وفي بعض النسخ في اجتهاد.

«وصلاة في شغل» أي مع شغل القلب بها ، أو في حال اشتغاله بالأمور الدنيوية كما قال سبحانه : «رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقامِ


وصبر في شدة وفي الهزاهز وقور وفي المكاره صبور وفي الرخاء شكور ولا يغتاب ولا يتكبر ولا يقطع الرحم وليس بواهن ولا فظ ولا غليظ ولا يسبقه بصره ولا يفضحه بطنه ولا يغلبه فرجه ولا يحسد الناس يعير ولا يعير

الصَّلاةِ »(١) وروي عن الصادقعليه‌السلام في تفسير هذه الآية أنه قال : كانوا أصحاب تجارة ، فإذا حضرت الصلاة تركوا التجارة وانطلقوا إلى الصلاة وهم أعظم أجرا ممن لا يتجر وقيل : المراد ذكر الله في إشغاله ، وهو بعيد.

« وفي الهزاهز وقور » عطف على قوله : له قوة في دين ،« وليس بواهن » أي في أمور الدين« ولا فظ ولا غليظ » الفظ : الخشن الخلق في القول والفعل ، والغلظة غلظة القلب ، كما قال تعالى : «وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ »(٢) في القاموس : الفظ الغليظ الجانب ، السيء الخلق ، القاسي ، الخشن الكلام ، انتهى.

والمعنى إن قوته الغضبية قائمة على حد الاعتدال ، خرجت عن الوهن المتضمن للتفريط ، والفظاظة الموجبة للإفراط« ولا يسبقه بصره » أي يملك بصره ولا ينظر إلى شيء إلا بعد علمه بأنه يحل له النظر إليه ولا يضره في الدنيا والآخرة« ولا يفضحه بطنه » بأن يرتكب بسبب شهوات البطن ما يفضحه في الدنيا والآخرة كالسرقة والظلم ، وقيل : بأن يحضر طعاما بغير طلب.

« ولا يغلبه » أي لا يغلب عقله شهوةفرجه فيوقعه في الزنا واللواطة وأشباههما من المحرمات والشبهات« يعير » بفتح الياء المشددة« ولا يعير » بكسر الياء أي يعيره الناس بسبب عدم التعارف وأمثاله وهو لا يعير أحدا ، وفي بعض النسخلا يحسد الناس بعز أي بسبب عزة ولا يقتر ولا يسرف ولعله أصوب ، وفي الخصال ولا يحسد الناس ولا يقتر ولا يبذر« ولا يسرف » بل يقتصد ، والعناء بالفتح والمد النصب والمشقة.

__________________

(١) سورة النور : ٣٧.

(٢) سورة آل عمران : ١٥٩.


ولا يسرف ينصر المظلوم ويرحم المسكين نفسه منه في عناء والناس منه في راحة لا يرغب في عز الدنيا ولا يجزع من ذلها للناس هم قد أقبلوا عليه وله هم قد شغله لا يرى في حكمه نقص ولا في رأيه وهن ولا في دينه ضياع يرشد من استشاره ويساعد من ساعده ويكيع عن الخنا والجهل.

« للناس هم » أي فكر ومقصد من الدنيا وعزها وفخرها ومالها« وله هم » أي فكر وقصد من أمر الآخرة« قد شغله » عما أقبل الناس عليه « لا يرى » على بناء المفعول« في حكمه » أي بين الناس أو في حكمته ، وفي الخصال : في حلمه« ولا في رأيه وهن » أي هو صاحب عزم قوي ، أو ليس رأيه ضعيفا واهنا« ولا في دينه ضياع » أي دينه قوي متين ، لا يضيع بالشكوك والشبهات ، ولا بارتكاب السيئات.

« ويساعد من ساعده » أي يعاون من عاونه ، وحمله على طلب الإعانة بعيد من اللفظ ، وقيل : المراد بمن ساعده جميع المؤمنين فإن كل مؤمن يساعد سائر المؤمنين بتصديق دينهم وموافقته لهم في الإيمان« ويكيع » كيبيع بالياء المثناة التحتانية ، وفي بعض نسخ الخصال بالتاء المثناة الفوقانية ، وفي بعضها بالنون ، والكل متقاربة في المعنى قال في القاموس : كعت عنه أكيع وأكاع كيعا وكيعوعة : إذا هبته وجبنت عنه ، وقال : كنع عن الأمر كمنع : هرب وجبن ، وقال : كتع كمنع : هرب.

وفي النهاية :الخنى : الفحش في القول والجهل مقابل العلم ، أو السفاهة والسب.

وأقول : في النهج في خطبة همام : فمن علامة أحدهم أنك ترى له قوة في دين وحزما في لين وإيمانا في يقين ، وحرصا في علم ، وعلما في حلم ، وقصدا في غنى ، وخشوعا في عبادة ، وتجملا في فاقة ، وصبرا في شدة وطلبا في حلال ، ونشاطا في هدى ، وتحرجا عن طمع.


٥ ـ عنه ، عن بعض أصحابنا رفعه ، عن أحدهماعليهما‌السلام قال مر أمير المؤمنينعليه‌السلام بمجلس من قريش فإذا هو بقوم بيض ثيابهم صافية ألوانهم كثير ضحكهم يشيرون بأصابعهم إلى من يمر بهم ثم مر بمجلس للأوس والخزرج فإذا قوم بليت منهم الأبدان ودقت منهم الرقاب واصفرت منهم الألوان وقد تواضعوا بالكلام فتعجب عليعليه‌السلام من ذلك ودخل على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال بأبي

وقال بعض الشارحين : حرف الجر في بعض هذه المواضع يتعلق بالظاهر فيكون موضعه نصبا بالمفعولية ، وفي بعضها يتعلق بمحذوف ، فيكون موضعه نصبا بالمفعولية ، وفي بعضها يتعلق بمحذوف فيكون موضعه أيضا نصبا على الصفة ، ففي قوله في دين يتعلق بالظاهر ، أي قوة يقال فلان قوي في كذا وعلى كذا ، وفي لين ، يتعلق بمحذوف أي حزما كائنا في دين ، وفي يقين وفي علم يتعلق بالظاهر ، وفي بمعنى على كقوله تعالى : «وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ »(١) ، وفي غنى يتعلق بمحذوف ، وفي عبادة يحتمل الأمرين ، وفي فاقة بمحذوف ، وفي شدة يحتمل الأمرين ، وفي حلال بالظاهر ، وفي بمعنى اللام ، وفي هدى يحتملها ، وعن طمع بالظاهر.

الحديث الخامس : مرفوع.

« بيض » بالكسر جمع أبيض ويحتمل فيه وفي نظائره الجر والرفع« يشيرون بأصابعهم » استهزاء وإشارة إلى عيوبهم والأوس والخزرج قبيلتان من الأنصار« بليت منهم الأبدان » أي خلقت ونحفت لكثرة العبادة والرياضة« ودقت منهم الرقاب » لنحافتهم« واصفرت منهم الألوان » لكثرة سهرهم وصومهم.

« وقد تواضعوا بالكلام » الباء بمعنى في أي كانوا يتكلمون بالتواضع بعضهم لبعض ، أو تكلموا معهعليه‌السلام بالتواضع ، وفي بعض النسخ : تواصفوا بالصاد المهملة والفاء أي كان يصف بعضهم لبعض بالكلام لا بالإشارة كما مر في الفرقة الأخرى

__________________

(١) سورة طه : ٧١.


أنت وأمي إني مررت بمجلس لآل فلان ثم وصفهم ومررت بمجلس للأوس والخزرج فوصفهم ثم قال وجميع مؤمنون فأخبرني يا رسول الله بصفة المؤمن فنكس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ثم رفع رأسه فقال عشرون خصلة في المؤمن فإن لم تكن فيه لم يكمل إيمانه إن من أخلاق المؤمنين يا علي الحاضرون الصلاة والمسارعون

أو لم يكن كلامهم لغوا بل كانوا يصفون ما سمعوا من الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم « وجميع مؤمنون » أي ظاهرا ويحتمل الاستفهام« بصفة المؤمن » أي الواقعي ، وفي القاموس :الناكس المتطأطئ ونكس الرأس العسر العمل بتلك الصفات والاتصاف بها ، وتركها بعد السماع أسوأ لهم كما مر في حقوق الإخوان. وقيل : النكس كان للتأسف على أحوال قريش والتفكر فيما علم أنهم يفعلونه بأوصيائه وأهل بيته بعده« الحاضرون الصلاة » أي للإتيان بها جماعة« إلى الزكاة » أي إلى أدائها عند أول أوقات وجوبها« الماسحون رأس اليتيم » مشفقة عليهم« المطهرون أطمارهم » أي ثيابهم البالية بالغسل أو بالتشمير ، وهما مرويان في قوله تعالى : «وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ »(١) قال الطبرسيقدس‌سره : أي وثيابك الملبوسة فطهرها من النجاسة للصلاة.

وقيل : معناه وثيابك فقصر روي عن ذلك عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال الزجاج : لأن تقصير الثوب أبعد من النجاسة فإنه إذا انجر على الأرض لم يؤمن أن يصيبه ما ينجسه ، وقيل : لا يكن لباسك من حرام ، وروى أبو بصير عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : غسل الثياب يذهب الهم والحزن وهو طهور للصلاة وتشمير الثياب طهور لها ، وقد قال الله سبحانه : «وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ » أي فشمر وفي القاموس : الطمر بالكسر : الثوب الخلق ، أو الكساء البالي من غير الصوف ، والجمع أطمار.

__________________

(١) سورة المدّثّر : ٤.


إلى الزكاة والمطعمون المسكين الماسحون رأس اليتيم المطهرون أطمارهم المتزرون على أوساطهم الذين إن حدثوا لم يكذبوا وإذا وعدوا لم يخلفوا وإذا ائتمنوا لم يخونوا وإذا تكلموا صدقوا رهبان بالليل أسد بالنهار صائمون النهار

« المتزرون على أوساطهم » أي يشدون المئزر على وسطهم احتياطا لستر العورة فإنهم كانوا لا يلبسون السراويل ، أو المراد شد الوسط بالإزار كالمنطقة ليجمع الثياب ، وما توهمه بعض الأصحاب من كراهة ذلك لم أر له مستندا ، وقيل : هو كناية عن الاهتمام في العبادة.

في القاموس : الإزار الملحفة ويؤنث كالمئزر وائتزر به وتأزر ، ولا تقل : ائتزر ، وقد جاء في بعض الأحاديث ولعله من تحريف الرواة ، وفي النهاية في حديث الاعتكاف : كان إذا دخل العشر الأواخر أيقظ أهله وشد المئزر ، والمئزر : الإزار وكنى بشدة عن اعتزال النساء ، وقيل : أراد تشميره للعبادة ، يقال : شددت لهذا الأمر مئزري أي شمرت له ، وفي الحديث كان يباشر بعض نسائه وهي مؤتزرة في حالة الحيض أي مشدودة الإزار ، وقد جاء في بعض الروايات وهي متزرة وهو خطأ لأن الهمزة لا تدغم في التاء.

« وإن حدثوا لم يكذبوا » فيه شائبة تكرار معقوله : وإن تكلموا صدقوا ، ويمكن حمل الأول على الحديث عن النبي والأئمةعليهم‌السلام ، والثاني على سائر الكلام ، أو يقرأ حدثوا على بناء المجهول من التفعيل ولم يكذبوا على بناء المعلوم من التفعيل« وإذا وعدوا لم يخلفوا » على بناء الأفعال والمشهور بين الأصحاب استحباب الوفاء بالوعد ويظهر من الآية وبعض الأخبار الوجوب ، ولا يمكن الاستدلال بهذا الخبر على الوجوب لاشتماله على كثير من المستحبات.

« وإذا ائتمنوا » على حال أو عرض أو كلام« لم يخونوا ، رهبان بالليل » أي يمضون إلى الخلوات ويتضرعون رهبة من الله ، أو يتحملون مشقة السهر والعبادة


قائمون الليل لا يؤذون جارا ولا يتأذى بهم جار ـ الذين مشيهم على الأرض هون وخطاهم إلى بيوت الأرامل وعلى أثر الجنائز جعلنا الله وإياكم من المتقين.

كالرهبان ، وفسر الرهبانية في قوله تعالى «وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها » : بصلاة الليل ، قال الراغب الترهب : التعبد وهو استعمال الرهبة والرهبانية غلو في تحمل التعبد من فرط الرهبة قال تعالى : «وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها »(١) والرهبان يكون واحدا وجمعا« أسد بالنهار » أي شجعان في الجهاد كالأسد ، في الصحاح : الأسد جمعه أسود وأسد مقصور منه وأسد مخفف.

« قائمون الليل » الفرق بينه وبين رهبان بالليل ، أن الرهبان إشارة إلى التضرع والرهبة أو التخلي والترهب ، وقيام الليل للصلاة لا يستلزم شيئا من ذلك ،« ولا يتأذى بهم جار » الفرق بينه وبين ما سبق أن المراد بالجار في الأول من آمنه ، وفي الثاني جار الدار أو في الأول جار الدار ، وفي الثاني من يجاوره في المجلس ، أو في الأول الإيذاء بلا واسطة ، وفي الثاني تأذيه بسبب خدمه وأعوانه ، فالجار في الموضعين جار الدار.

« مشيهم على الأرض هون » إشارة إلى قوله سبحانه : «وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً »(٢) قال البيضاوي : أي هينين أو مشيا هينا مصدر وصف به ، والمعنى : إنهم يمشون بسكينة وتواضع« إلى بيوت الأرامل » للصدقة عليهن وإعانتهن« وعلى أثر الجنائز » كان فيه إشعارا باستحباب المشي خلف الجنازة.

ثم اعلم أن الموعود عشرون خصلة ، والمذكور منها تسع عشرة ، وكان واحدة منها سقطت من الرواة أو النساخ ، إلا أن يقال : المطهرون أطمارهم مشتملة

__________________

(١) سورة الحديد : ٢٧.

(٢) سورة الفرقان : ٦٣.


٦ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن القاسم بن عروة ، عن أبي العباس قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن.

٧ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن الحسن بن زعلان ، عن أبي إسحاق الخراساني ، عن عمرو بن جميع العبدي ، عن أبي عبد الله

على خصلتين التطهير ، ولبس أخلاق الثياب ، وقيل : الدعاء في آخر الخبر إشارة إلى العشرين وهي التقوى ، وروى الصدوق في المجالس بإسناده عن ابن نباتة قال : سمعت أمير المؤمنينعليه‌السلام يقول : سألت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن صفة المؤمن فنكسصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رأسه ثم رفعه فقال : في المؤمنين عشرون خصلة فمن لم تكن فيه لم يكمل إيمانه يا علي إن المؤمنين هم الحاضرون للصلاة ، والمسارعون إلى الزكاة والحاجون لبيت الله الحرام ، والصائمون في شهر رمضان ، والمطعمون المسكين إلى آخر الخبر سواء ، فيظهر منه سقوط خصلتين فقوله : وخطاهم إلى الجنائز خصلة واحدة ، أو إن حدثوا وإن تكلموا واحدة.

الحديث السادس : مجهول.

« من سرته حسنة » أي حسنة نفسه أو أعم من أن يكون من نفسه أو من غيره ، ويؤيد الأول أن في بعض النسخ : حسنته وسيئته كما في كتاب صفات الشيعة ، والسرور بالحسنة لا يستلزم العجب ، فإنه يمكن أن يكون عند نفسه مقصرا في الطاعة ، لكن يسر بأن لم يتركها رأسا وكان هذا أولى مراتب الإيمان ، مع أن السرور الواقعي بالحسنة يستلزم السعي في الإتيان بكل حسنة ، والمساءة الواقعيةبالسيئة يستلزم التنفر عن كل سيئة والاهتمام بتركها وهذان من كمال الإيمان.

الحديث السابع : ضعيف.


عليه‌السلام قال شيعتنا هم الشاحبون الذابلون الناحلون الذين إذا جنهم الليل استقبلوه بحزن.

٨ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حماد بن عيسى ، عن إبراهيم بن عمر اليماني ، عن رجل ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال شيعتنا أهل الهدى وأهل التقى وأهل

« شيعتنا الشاحبون » وفي نادر من النسخ السائحون بالمهملتين بينهما مثناة تحتانية ، قيل : أي الملازمون للمساجد والسيح أيضا الذهاب في الأرض للعبادة ، وقال في النهاية : الشاحب المتغير اللون والجسم لعارض ، من مرض أو سفر ونحوهما وقال :ذبلت بشرته أي قل ماء جلده ، وذهبت نضارته ، وفي الصحاح : ذبل الفرس ضمر ، وقال :النحول : الهزال ، وجمل ناحل مهزول ، وقال : جن عليه الليل يجن جنونا ويقال أيضا : جنه الليل وأجنة الليل بمعنى.

وأقول : تعريف الخبر باللام للحصر ، والحاصل أنه ليس شيعتنا إلا الذين تغيرت ألوانهم من كثرة العبادة والسهر ، وذبلت أجسادهم من كثرة الرياضة ، أو شفاههم من الصوم ، وهزلت أبدانهم مما ذكر ، الذين إذا سترهم الليل استقبلوه بحزن أو اشتغلوا بالعبادة فيه مع الحزن للتفكر في أمر الآخرة وأهوالها

الحديث الثامن : مرسل.

« أهل الهدي » أي الهداية إلى الدين المبين وهو مقدم على كل شيء ، ثم أردفهبالتقوى وهو ترك المنهيات ، ثمبالخير وهو فعل الطاعات ، ثمبالإيمان أي الكامل فإنه متوقف عليهما ، وأماالفتح والظفر فالمراد به إما الفتح والظفر على المخالفين بالحجج والبراهين أو على الأعادي الظاهرة إن أمروا بالجهاد فإنهم أهل اليقين والشجاعة ، أو على الأعادي الباطنة بغلبة جنود العقل على عساكر الجهل ، والجنود الشيطانية بالمجاهدات النفسانية كما مر في كتاب العقل ، أو المراد أنهم أهل لفتح أبواب العنايات الربانية والإفاضات الرحمانية ، وأهل


الخير وأهل الإيمان وأهل الفتح والظفر.

٩ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن إسماعيل ، عن منصور بزرج ، عن مفضل قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام إياك والسفلة فإنما شيعة علي من عف بطنه وفرجه واشتد جهاده وعمل لخالقه ورجا ثوابه وخاف

الظفر بالمقصود كما قيل : إن الأول إشارة إلى كمالهم في القوة النظرية والثاني إلى كمالهم في القوة العملية حتى بلغوا إلى غايتهما وهو فتح أبواب الأسرار والفوز بقرب الحق.

الحديث التاسع : مختلف فيه ومعتبر عندي.

وفي القاموس : السفل والسفلة بكسرهما نقيض العلو ، وسفل في خلقه وعلمه ككرم سفلا ويضم وسفالا ككتاب ، وفي الشيء سفولا بالضم : نزل من أعلاه إلى أسفله ، وسفلة الناس بالكسر وكفرحة أسافلهم وغوغاؤهم ، وفي النهاية : فقالت امرأة من سفلة الناس ، السفلة بفتح السين وكسر الفاء السقاط من الناس والسفالة النذالة يقال : هو من السفلة ، ولا يقال هو سفلة ، والعامة تقول : رجل سفلة من قوم سفل ، وليس بعربي وبعض العرب يخفف فيقول : فلان من سفلة الناس ، فينقل كسرة الفاء إلى السين ، انتهى.

وأقول : ربما يقرأ سفلة بالتحريك جمع سافل ، والحاصل أن السفلة أراذل الناس وأدانيهم ، وقد ورد النهي عن مخالطتهم ومعاملتهم ، وفسر في الحديث بمن لا يبالي ما قال ، ولا ما قيل له ، وبمعان أخر أوردناها في كتابنا الكبير ، وهيهنا قوبلبالشيعة الموصوفين بالصفات المذكورة وحذر عن مخالطتهم ورغب في مصاحبة هؤلاء.

والجهاد هنا الاجتهاد والسعي في العبادة أو مجاهدة النفس الأمارة.

« وعمل لخالقه » أي خالصا له ، والتعبير بالخالق تعليل للحكم ، وتأكيد


عقابه فإذا رأيت أولئك فأولئك شيعة جعفر.

١٠ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن ابن محبوب ، عن علي بن رئاب ، عن ابن أبي يعفور ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إن شيعة علي كانوا خمص

له ، فإن من خالقا(١) ومعطيا للوجود والقوي والجوارح وخالقا لجميع ما يحتاج إليه فهو المستحق للعبادة ، ولا يجوز عقلا تشريك غيره معه فيها.

الحديث العاشر : ضعيف على المشهور كالصحيح عندي.

وروى السيدرضي‌الله‌عنه في الغرر والدرر عن عليعليه‌السلام أنه رأى قوما على بابه فقال : يا قنبر من هؤلاء؟ فقال قنبر : هؤلاء شيعتك ، فقال : ما لي لا أرى فيهم من سيماء الشيعة؟ قال : وما سيماء الشيعة؟ قال : خمص البطون من الطوي ، ذبل الشفاه من الظمأ ، عمش العيون من البكاء ، وخماص البطن كناية عن قلة الأكل أو كثرة الصوم أو العفة عن أكل أموال الناس ، وذبل الشفاه إما كناية عن الصوم أو كثرة التلاوة والدعاء والذكر ، والخمص بالضم أخمص أو بالفتح مصدر ، والحمل للمبالغة ، وربما يقرأ خمصا بضمتين جمع خميص كرغف ورغيف ، والذبل قد يقرأ بالفتح مصدرا والحمل كما مر أو بالضم أو بضمتين أو كركع والجميع جمع ذابل.

وقال في القاموس : الخمصة الجوعة والمخمصة المجاعة وقد خمصه الجوع خمصا ومخمصة وخمص البطن مثلثة الميم خلا ، وقال : ذبل النبات كنصر وكرم ذبلا وذبولا ذوي ، وذبل الفرس ضمر ، وقني ذابل رقيق لاصق اللبط ، والجمع ككتب وركع ، وفي النهاية : رجل خمصان وخميص إذا كان ضامر البطن ، وجمع الخميص خماص ، ومنه الحديث خماص البطون خفاف الظهور أي إنهم أعفه عن أموال الناس فهم ضامروا البطون من أكلها ، خفاف الظهور من ثقل وزرها ، انتهى.

__________________

(١) كذا في النسخ والظاهر « من كان » ولعلّه سقط لفظ « كان ».


البطون ذبل الشفاه أهل رأفة وعلم وحلم يعرفون بالرهبانية فأعينوا على ما أنتم عليه بالورع والاجتهاد.

١١ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن صفوان الجمال قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام إنما المؤمن الذي إذا غضب لم يخرجه غضبه من حق وإذا رضي لم يدخله رضاه في باطل وإذا قدر لم يأخذ أكثر مما له.

١٢ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن النعمان ، عن ابن مسكان ، عن سليمان بن خالد ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال قال أبو جعفرعليه‌السلام

والرهبانية هنا ترك زوائد الدنيا وعدم الانهماك في لذاتها ، أو صلاة الليل كما ورد في الخبر.

« فأعينوا على ما أنتم عليه » أي أعينونا في شفاعتكم زائدا على ما أنتم عليه من الولاية أو كائنين على ما أنتم عليه ، وقد ورد : أعينونا بالورع ، ويحتمل أن يكون المراد بما أنتم عليه من المعاصي ، أي أعينوا أنفسكم أو أعينونا لدفع ما أنتم عليه من المعاصي وذمائم الأخلاق أو العذاب المترتب عليها بالورع ، وهذا أنسب لفظا فإنه يقال أعنه على عدوه.

الحديث الحادي عشر : صحيح.

« لم يخرجه غضبه من حق » بأن يحكم على من غضب عليه بغير حق أو يظلمه أو يكتم شهادة له عنده« وإذا رضي » أي عن أحد« لم يدخله رضاه » عنه« في باطل » بأن يشهد له زورا أو يحكم له باطلا أو يحميه في أن لا يعطي الحق اللازم عليه وأشباه ذلك.

وقوله : مما له ، في بعض النسخ بوصل من بما ، فاللام مفتوح وفي بعضها بالفصل فاللام مكسورة.

الحديث الثاني عشر : كالسابق.


يا سليمان أتدري من المسلم قلت جعلت فداك أنت أعلم قال المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ثم قال وتدري من المؤمن قال قلت أنت أعلم قال إن المؤمن من ائتمنه المسلمون على أموالهم وأنفسهم والمسلم حرام على المسلم أن يظلمه أو يخذله أو يدفعه دفعة تعنته.

١٣ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسن بن محبوب ، عن أبي أيوب ، عن أبي عبيدة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال إنما المؤمن الذي إذا رضي لم يدخله رضاه في إثم ولا باطل وإذا سخط لم يخرجه سخطه من قول الحق والذي إذا قدر لم تخرجه قدرته إلى التعدي إلى ما ليس له بحق.

١٤ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن أبيه ، عن أبي

« المسلم » أي المسلم الكامل الذي يحق أن يسمى مسلما ،وكذا المؤمن ، وقيل : الغرض بيان المناسبة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي ، ويكفي لذلك اتصاف كمل أفراد كل منهما بما ذكر« ولا يخذله » أي لا يترك نصرته مع القدرة عليها «أو يدفعه دفعة تعنته » أي إذا لم يقدر على نصرته يجب عليه أن يعتذر منه ، ويرده برد جميل ولا يدفعه دفعة تلقيه تلك الدفعة في العنت والمشقة ، ويحتمل أن يكون كناية عن مطلق الضرر الفاحش ، وقيل : يدفعه عن خير ويرده إلى شر يوجب عنته ، وفي المصباح : دفعته دفعا نحيته ، ودافعته عن حقه ماطلته والدفعة بالفتح المرة ، وبالضم اسم لما يدفع بمرة ، وفي القاموس : العنت محركة الفساد والإثم والهلاك ودخول المشقة على الإنسان ، وأعنته غيره ولقاء الشدة والزنا والوهي والانكسار ، واكتساب المأثم وعنته تعنيتا شدد عليه وألزمه ما يصعب عليه أداؤه.

الحديث الثالث عشر : كالسابق.

والمرادبالباطل ما لا فائدة فيه إلىما ليس له بحق أي يأخذ زائدا عن حقه.

الحديث الرابع عشر : ضعيف.

وأبو البختري وهب بن وهب القرشي عامي ضعيف ، وهو راوي الصادقعليه‌السلام


البختري رفعه قال سمعته يقول المؤمنون هينون لينون كالجمل الأنف إذا قيد انقاد وإن أنيخ على صخرة استناخ.

وتزوجعليه‌السلام بامة ، فالظاهر كون ضمير سمعته راجعا إلى الصادقعليه‌السلام فالمرادبالرفع نسبة الحديث إليهعليه‌السلام ، ويحتمل أن يكون الرفع إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام وضميرسمعته للرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإن دأب هذا الراوي لكونه عاميا رفع الحديث ، يقول : عن جعفر عن أبيه عن آبائه عن عليعليه‌السلام ويؤيده أن الحديث نبوي روته العامة أيضا عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال في النهاية فيه : المسلمونهينون لينون ، هما تخفيف الهين واللين ، قال ابن الأعرابي : العرب ممدح بإلهين واللين مخففين ، وتذم بهما مثقلين ، وهين فيعل من الهون وهي السكينة والوقار والسهولة ، فعينه وأو ، وشيء هين وهين أي سهل.

وقال فيأنف : فيه : المؤمنون هينون لينون كالجمل الأنف أي المأنوف وهو الذي عقر الخشاش أنفه ، فهو لا يمتنع على قائده للوجع الذي به ، وقيل : الأنف الذلول يقال : أنف البعير يأنف أنفا فهو أنف إذا اشتكى أنفه من الخشاش ، وكان الأصل أن يقال : مأنوف لأنه مفعول به كما يقال مصدور ومبطون للذي يشتكي صدره وبطنه ، وإنما جاء هذا شاذا ويروي كالجمل الأنف بالمد وهو بمعناه ، انتهى.

« إن قيد » (١) صفة للمشبه به أو المشبه« وإن أنيخ على صخرة » كناية عن نهاية انقياده في الأمور المشروعة وعدم استصعابه فيها ، قال الجوهري :أنخت الجمل فاستناخ أبركته فبرك ، انتهى.

وقيل : إنما شبه بالجمل لا بالناقة إشارة إلى أن المؤمن قادر على الامتناع ، ولكن له مانع عظيم من الإيمان ، وأحكامه تمنعه عن ذلك ، أقول : وفي بعض النسخ الألف باللام من الألفة ، والأول أظهر.

__________________

(١) وفي المتن « إذا قيد ».


١٥ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال ثلاثة من علامات المؤمن العلم بالله ومن يحب ومن يكره.

١٦ ـ وبهذا الإسناد قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله المؤمن كمثل شجرة لا يتحات ورقها في شتاء ولا صيف قالوا يا رسول الله وما هي قال النخلة.

الحديث الخامس عشر : ضعيف على المشهور.

« العلم بالله » أي بالربوبية وصفاته الكمالية فيؤمن« ومن يحب » أي يحبه الله من النبي والأئمةعليهم‌السلام وأتباعهم فيواليهم ويتابعهم أو من يحبه المؤمن ويلزمه محبته« ومن يكره » أي يكرهه الله فيبغضه ولا يواليه ، أو من يحب أن يكرهه ، وربما يقرأ الفعلان على بناء المجهول ، وهذه الثلاثة أصل الإيمان وعمدته.

الحديث السادس عشر : كالسابق.

« كمثل شجرة » بالتحريك ، أي مثل المؤمن وصفته كمثلها ، أو بكسر الميم فالكاف زائدة« لا تتحات ورقها » أي لا تتساقط ، ولعل التشبيه لبيان أنه ينبغي أن يكون المؤمن كثير المنافع ، مستقيم الأحوال ، ينتفع منه دائما ، وهذا المضمون مروي من طرق المخالفين ، روى مسلم في صحيحه عن ابن عمر ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إن من الشجر شجرة لا تسقط ورقها وأنها مثل المسلم فحدثوني ما هي؟ فوقع الناس في شجر البوادي ، قال عبد الله : وقع في نفسي أنها النخلة ، فاستحييت ، قالوا : حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال : فقال : هي النخلة ، قالوا : وإنما شبه المؤمن بالنخلة لكثرة خيرها ودوام ظلها ، وطيب ثمرها ، ووجوده على الدوام فإنه من حين يطلع لا يزال يؤكل حتى ييبس ، وبعد أن يبس ، وفيها منافع كثيرة ، جذوعها خشب في البناء والآلات ، وجرائدها حطب وعصي ومحابر وحصر ، وليفها حطب وحشو للوسائد وغير ذلك من وجوه نفعها وجمال نباتها وحسن هيئاتها ، كما أن المؤمن خير كله من كثرة طاعته وكرم أخلاقه هذا هو الصحيح في وجه التشبيه ، وقيل : وجه


١٧ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن محمد بن أورمة ، عن [ أبي ] إبراهيم الأعجمي ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال المؤمن حليم لا يجهل وإن جهل عليه يحلم ولا يظلم وإن ظلم غفر ولا يبخل وإن بخل عليه صبر.

١٨ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن إسماعيل بن مهران ، عن منذر بن جيفر ، عن آدم أبي الحسين اللؤلؤي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال المؤمن من طاب مكسبه وحسنت خليقته وصحت سريرته وأنفق الفضل من

التشبيه أنه إذا قطعت رأسها ماتت بخلاف غيرها من الشجر ، وقيل : أنها لا تحمل حتى تلقح ، ولذلك سماها في الحديث عمة ، فقال : أكرموا عماتكم النخل ، وقيل : لأن أحوالها من حين تطلع إلى تمام ثمرها سبعة كأحوال المؤمن من التوبة إلى قرب الحق سبعة ، التوبة ثم الاجتهاد ، ثم الرجاء ثم الإرادة ثم المحبة ثم الرضا ، وثمر النخل طلع ، ثم إغريض ثم بلح ، ثم بسر ، ثم زهو ، ثم رطب ثم تمر.

الحديث السابع عشر : ضعيف على المشهور.

« ولا ينجل » في بعض النسخ بالنون والجيم وهو الطعن والشق ونجل الناس شارهم(١) وتناجلوا تنازعوا ، أي إن طعنه أحد وسفه عليه صبر ولم يقابله بمثله.

الحديث الثامن عشر : مجهول.

وقال العلامة (ره) في الإيضاحجفير بالجيم المفتوحة والفاء بعدها ثم الياء المنقطة تحتها نقطتين ثم الراء ، وقيل : جيفر بتقديم الجيم ثم الياء ثم الفاء ، ابن حكيم بفتح الحاء والياء قبل الميم ، العبدي بالباء المنقطة نقطة ، انتهى.

وفي فهرس النجاشي آدم بن الحسين النخاس كوفي ثقة ، ق ، وفي رجال الشيخ آدم أبو الحسين النخاس الكوفي ، ق.

« من طاب مكسبه » أي يكون ما يكتسبه من المال حلالا ، في القاموس : فلان

__________________

(١) خاصمهم.


ماله وأمسك الفضل من كلامه وكفى الناس شره وأنصف الناس من نفسه.

١٩ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن الحسن بن علي ، عن أبي كهمس ، عن سليمان بن خالد ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ألا أنبئكم بالمؤمن من ائتمنه المؤمنون على أنفسهم وأموالهم ألا أنبئكم بالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر السيئات وترك ما

طيب المكسب ، والمكسب أي طيب الكسب« وحسنت خليقته » أي طبيعته بالتخلي عن الرذائل والتحلي بالفضائل« وصحت سريرته » أي نيته أو بواطن أموره بأن لا يكون باطنه خلاف ظاهره ، ولا يكون مرائيا مخادعا أو قلبه بصحة عقائده ونياته وإرادته ، في القاموس : الصح بالضم والصحة بالكسر ذهاب المرض والبراءة من كل عيب ، صح يصح فهو صحيح ، وقال : السر ما يكتم كالسريرة.

« وأنفق الفضل من ماله » أي ما يزيد على نفقة نفسه وعياله في سبيل الله« وأمسك الفضل من كلامه » أي لا يتكلم بما لا نفع فيه لآخرته« وكفى الناس شره » بأن لا يصل ضرره إليهم« وأنصف الناس من نفسه » بأن يحكم لهم على نفسه ويحب لهم ما يحب لها ، ويكره لهم ما يكره لها.

الحديث التاسع عشر : مجهول.

« والمهاجر من هجر السيئات » أي ليس المهاجر الذي مدحه الله مقصورا على من هاجر من مكة إلى مدينة قبل الفتح ، أو هاجر من البدو إلى المدينة أو هاجر من بلاد الكفر عند خوف الجور والفساد وعدم التمكن من إظهار شعائر الإسلام كما قيل في قوله تعالى : «يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ »(١) وهذه هي المعاني المشهورة له ، بل يشمل من هجر السيئات لأن فضل الهجرة بالمعاني المذكورة إنما هو للبعد عن الكفر والمعاصي ، ولذا لا فضل لمن هجر منافقا أو كافرا

__________________

(١) سورة العنكبوت : ٥٦.


حرم الله والمؤمن حرام على المؤمن أن يظلمه أو يخذله أو يغتابه أو يدفعه دفعة.

كالمنافقين الغاصبين لحقوق أئمة الدين فإنه لا فضل لهم ولا يعدون من المهاجرين ، فمن هجر الكفر والسيئات والجهل والضلال مشاركون معهم في الفضل والكمال.

ويحتمل أن يكون المراد أن المهاجرين بالمعاني المذكورة إنما يستحقون هذا الاسم إذا هجروا السيئات على سياق سائر الفقرات.

قال في النهاية : الهجرة في الأصل اسم من الهجر ضد الوصل ، وقد هجره هجرا وهجرانا ثم غلب على الخروج من أرض إلى أرض وترك الأولى للثانية ، يقال منه هاجر مهاجرة ، والهجرة هجرتان إحداهما التي وعد الله عليها الجنة في قوله : «إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ »(١) فكان الرجل يأتي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويدع أهله وماله لا يرجع في شيء منه ، وينقطع بنفسه إلى مهاجرة ، فلما فتحت مكة صارت دار الإسلام كالمدينة وانقطعت ، والهجرة الثانية : من هاجر من الأعراب وغزا مع المسلمين ولم يفعل كما فعل أصحاب الهجرة الأولى فهو مهاجر ، وليس بداخل في فضل من هاجر تلك الهجرة ، وهو المراد بقوله : لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ، فهذا وجه الجمع بين الحديثين ، وفيه : هاجروا ولا تهجروا أي أخلصوا الهجرة لله ولا تتشبهوا بالمهاجرين على غير صحة منكم ، انتهى.

وقال الراغب : المهاجرة في الأصل مصارمة الغير ومتاركته ، وفي قوله : «وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا »(٢) وأمثاله فالظاهر منه الخروج من دار الكفر إلى دار الإيمان ، كما هاجر من مكة إلى المدينة ، وقيل : يقتضي ذلك ترك الشهوات والأخلاق الذميمة والخطايا ، وقوله : «إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي »(٣) أي تارك لقومي وذاهب إليه ، وكذا المجاهدة تقتضي مع مجاهدة العدي مجاهدة النفس ، كما روي في الخبر : رجعتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ، وهو مجاهدة النفس.

__________________

(١) سورة التوبة : ١١١.

(٢) سورة البقرة : ٢١٨.

(٣) سورة العنكبوت : ٢٦.


٢٠ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن سنان ، عن مفضل بن عمر ، عن أبي أيوب العطار ، عن جابر قال قال أبو جعفرعليه‌السلام إنما شيعة علي الحلماء العلماء الذبل الشفاه تعرف الرهبانية على وجوههم.

٢١ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن الحسن بن محبوب ، عن عبد الله بن سنان ، عن معروف بن خربوذ ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال صلى أمير المؤمنينعليه‌السلام بالناس الصبح بالعراق فلما انصرف وعظهم فبكى وأبكاهم

الحديث العشرون : ضعيف على المشهور مجهول عندي.

« تعرف الرهبانية » أي آثار الخوف والخشوع وترك الدنيا أو أثر صلاة الليل كما مرالحديث الحادي والعشرون : صحيح.

والعراق هنا الكوفة والبصرة« لقد عهدت » أي لقيت أو هو في ذكري وفي بالي ، وفي المصباح : عهدته بمكان كذا لقيته ، وعهدي به قريب أي لقائي ، وتعهدت الشيء ترددت إليه وأصلحته وحقيقته تجديد العهد به ، وفي القاموس : العهد الالتقاء والمعرفة منه عهدي به بموضع كذا ، والشعث بالضم جمع الأشعثكالغبر بالضم جمع الأغبر ، والشعث تفرق الشعر وعدم إصلاحه ومشطه وتنظيفه والأغبر المتلطخ بالغبار قال في المصباح : شعث الشعر شعثا فهو شعث من باب تعب تغير وتلبد لقلة تعهده بالدهن ، ورجل أشعث وامرأة شعثاء والشعث أيضا الوسخ ، ورجل شعث وسخ الجسد وشعث الرأس أيضا وهو أشعث أغبر من غير استحداد ولا تنظف ، والشعث أيضا الانتشار والتفرق ، وفي القاموس : الشعث محركة انتشار الأمر ، ومصدر الأشعث للمغبر الرأس والشعث التفرق وتلبد الشعر ، انتهى.

فإن قيل : التمشط والتدهن والتنظف كلها مستحبة مطلوبة للشارع ، فكيف مدحهمعليهم‌السلام بتركها؟ قلنا : يحتمل أن تكون تلك الأحوال لفقرهم وعدم


من خوف الله ثم قال أما والله لقد عهدت أقواما على عهد خليلي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وإنهم ليصبحون ويمسون شعثا غبرا خمصا بين أعينهم كركب المعزى ، يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً يراوحون بين أقدامهم وجباههم يناجون ربهم ويسألونه

قدرتهم على إزالتها ، فالمدح على صبرهم على الفقر ، أو المعنى أنهم لا يهتمون بإزالتها زائدا على المستحب ، أو يقال إذا كان تركها لشدة الاهتمام بالعبادة وغلبة خوف الآخرة يكون ممدوحا.

« خمصا » جمع الأخمص وقيل : الخميص أي بطونهم خالية إما للصوم أو للفقر أو لا يشبعون لئلا يكسلوا في العبادة ، وقد مر« كركب المعزي » أي من أثر السجود لكثرته وطوله ، وفي القاموس : الركبة بالضم ما بين أسافل أطراف الفخذ وأعالي الساق ، أو موضع الوظيف والذراع ، أو موضع مرفق الذراع من كل شيء ، والجمع ركب كصرد ، وقال : المعز بالفتح وبالتحريك والمعزي ويمد خلاف الضأن من الغنم ، والماعز واحد المعز للذكر والأنثى وفي المصباح : المعز اسم جنس لا واحد من لفظه ، وهي ذوات الثغر من الغنم ، الواحدة شاة ، والمعزي ألفها للإلحاق لا للتأنيث ولهذا تنون في النكرة ، والذكر ماعز ، والأنثى ماعزة ، انتهى.

«يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ » تضمين لقوله تعالى في الفرقان : «وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً »(١) قال البيضاوي : أي في الصلاة وتخصيص البيتوتة لأن العبادة بالليل أحمز وأبعد من الرياء وتأخير القيام للروي وهو جمع قائم أو مصدر أجري مجراه ، انتهى. وقيل : في تقديم الأقدام على الجباة مع التأخير في الآية إشارة إلى أن تقديم السجود فيها لزيادة القرب فيه ، ولرعاية موافقة الفواصل ، وفي النهاية فيه : أنه كانيراوح قدميه من طول القيام ، أي يعتمد على إحداهما تارة وعلى الأخرى مرة ليوصل الراحة إلى كل منهما ومنه حديث ابن مسعود أنه أبصر رجلا صافا قدميه ، فقال

__________________

(١) سورة الفرقان : ٦٤.


فكاك رقابهم من النار والله لقد رأيتهم مع هذا وهم خائفون مشفقون.

٢٢ ـ عنه ، عن السندي بن محمد ، عن محمد بن الصلت ، عن أبي حمزة ، عن علي بن الحسينعليه‌السلام قال صلى أمير المؤمنينعليه‌السلام الفجر ثم لم يزل في موضعه حتى صارت الشمس على قيد رمح وأقبل على الناس بوجهه فقال والله لقد أدركت أقواما «يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً » يخالفون بين جباههم وركبهم كان زفير النار

لو راوح كان أفضل ، ومنه حديث بكر بن عبد الله كان ثابت يراوح ما بين جبهته وقدميه أي قائما وساجدا ، يعني في الصلاة.

وأقول : ظاهر أكثر أصحابنا استحباب أن يكون اعتماده على قدميه مساويا وأما هذه الأخبار مع صحتها يمكن أن تكون مخصوصة بالنوافل ، أو بحال المشقة والتعب ، والمناجاة : المسارة« وهم خائفون » من رد أعمالهم للإخلال ببعض شرائطها« مشفقون » من عذاب الله ، والحاصل أنهم مع هذا الجد والمبالغة في العمل كانوا يعدون أنفسهم مقصرين ولم يكونوا بأعمالهم معجبين.

الحديث الثاني والعشرون : مجهول.

والقيد بالكسر : القدر ، في النهاية : يقال بيني وبينه قيد رمح وقاد رمح ، أي قدر رمح« يخالفون بين جباههم وركبهم » أي يضعون جباههم على التراب خلف ركبهم يأتون بأحدهما عقب الآخر وهو قريب من المراوحة ، وقيل : أي يجعلون التفاوت بين جلوسهم وسجودهم أطول من جلوسهم.

ثم اعلم أن الركب يحتمل أن يكون المراد به الجلوس كما فهمه الأكثر أو الركوع لوضع اليد عليه أو القيام لكون الاعتماد عليه والأخير أوفق بما مر« كان زفير النار في آذانهم » إشارة إلى سبب تمرنهم بالطاعات وإحياء الليالي بالعبادات وهو كون علمهم بأحوال الجنة والنار في مرتبة عين اليقين ، والزفير صوت توقد النار


في آذانهم إذا ذكر الله عندهم مادوا كما يميد الشجر كأنما القوم باتوا غافلين قال ثم قام فما رئي ضاحكا حتى قبض صلوات الله عليه.

٢٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن صالح بن السندي ، عن جعفر بن بشير ، عن

« مادوا » أي اضطربوا وتحركوا واقشعروا من الخوف ، وهو تلميح إلى قوله سبحانه : «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ »(١) في القاموس : ماد يميد ميدا وميدانا تحرك ، والسراب اضطرب« كأنما القوم » كان المراد بالقوم جماعة الحاضرون أو أهل زمانه في هذا الوقت ، لعدم اهتمامهم في أمور الآخرة واشتغالهم بالدنيا كأنهمباتوا غافلين ، وفي التعبير بالبيتوتة إشعار بأنهم لكثرة غفلتهم كأنهم نيام ، كما قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا ، وفي بعض النسخ : ماتوا أي كأنهم بسبب غفلتهم أموات غير أحياء ، ويحتمل أن يكون المراد بالقوم الذين ذكروا أوصافهم أي كانوا إذا ذكر الله عندهم مادوا من الخوف ، كأنهم باتوا غافلين ، ولم يعبدوا الله في الليل ، ويؤيد الأول ما رواه المفيد في الإرشاد عن صعصعة بن صوحان العبدي قال : صلى بنا أمير المؤمنينعليه‌السلام ذات يوم صلاة الصبح ، فلما سلم أقبل على القبلة بوجهه يذكر الله لا يلتفت يمينا ولا شمالا حتى صارت الشمس على حائط مسجد كم هذا ، يعني جامع الكوفة قيس رمح(٢) ثم أقبل علينا بوجهه ، فقال : لقد عهدت أقواما على عهد خليلي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأنهم ليراوحون في هذا الليل بين جباههم وركبهم فإذا أصبحوا شعثا غبرا بين أعينهم شبه ركب المعزي فإذا ذكروا الموت مادوا كما يميد الشجر في الريح ، ثم انهملت عيونهم حتى تبل ثيابهم ، ثم نهضعليه‌السلام وهو يقول : كأنما القوم باتوا غافلين.

الحديث الثالث والعشرون : ضعيف على المشهور.

__________________

(١) سورة الأنفال : ٣.

(٢) أي قدر رمح.


المفضل بن عمر قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام إذا أردت أن تعرف أصحابي فانظر إلى من اشتد ورعه وخاف خالقه ورجا ثوابه وإذا رأيت هؤلاء فهؤلاء أصحابي.

٢٤ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن محمد بن الحسن بن شمون ، عن عبد الله بن عمرو بن الأشعث ، عن عبد الله بن حماد الأنصاري ، عن عمرو بن أبي المقدام ، عن أبيه ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال قال أمير المؤمنينعليه‌السلام شيعتنا المتباذلون في ولايتنا المتحابون في مودتنا المتزاورون في إحياء أمرنا الذين إن غضبوا لم يظلموا وإن رضوا لم يسرفوا بركة على من جاوروا سلم لمن خالطوا.

« أن تعرف أصحابي » أي خلص أصحابي ، والذين ارتضيهم لذلك« من اشتد ورعه » أي اجتنابه عن المحرمات والشبهات« وخاف خالقه » إشارة إلى أن من عرف الله بالخالقية ينبغي أن يخاف عذابه ويرجو ثوابه لكمال قدرته عليهما.

الحديث الرابع والعشرون : ضعيف.

« المتباذلون ولايتنا » الظاهر أن في للسببية ، ويحتمل أحد المعاني المتقدمة والتباذل بذل بعضهم بعضا فضل ماله ، والولاية إما بالفتح بمعنى النصرة أو بالكسر بمعنى الإمامة والإمارة والأول أظهر ، والإضافة إلى المفعول ، والتحابب حب بعضهم بعضا« في مودتنا » لأن المحبوب يحبنا ، أو لأن المحب يودنا أو الأعم ، أو لنشر مودتنا وإلقائها بينهموالتزاور زيارة بعضهم بعضا.

« في إحياء أمرنا » أي لا حياء ديننا وذكر فضائلنا وعلومنا وإبقائها لئلا تندرس بغلبة المخالفين وشبهاتهم« وإن رضوا » عن أحدهم وأحبوه« لم يسرفوا » أي لم يجاوز الحد في المحبة والمعاونة كما مر والإسراف في المال بعيد هنا« بركة » أي يصل نفعهم إلى من جاوره في البيت أو في المجلس أعم من المنافع الدنيوية والأخروية« سلم » بالكسر والفتح أي مسالم ، وعلى الأول مصدر ، والحمل للمبالغة ، في القاموس : السلم بالكسر المسالم والصلح ويفتح.


٢٥ ـ عنه ، عن محمد بن علي ، عن محمد بن سنان ، عن عيسى النهريري ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من عرف الله وعظمه منع فاه من

الحديث الخامس والعشرون : ضعيف على المشهور.

ورواه الصدوق (ره) في المجالس عن الحسين بن أحمد بن إدريس عن أبيه عن أحمد بن محمد بن علي الكوفي عن محمد بن سنان عن عيسى الجريري عنهعليه‌السلام وزاد فيه هكذا : سكتوا فكان سكوتهم فكرا وتكلموا فكان كلامهم ذكرا ، وقال النجاشي : عيسى بن أعين الجريري الأسدي مولى كوفي ثقة ، وعده من أصحاب الصادقعليه‌السلام فما في المجالس أظهر سندا ومتنا ، لكن في أكثر نسخ المجالسالنهرتيري بالتاء كما في بعض نسخ الكافي ، وفي بعضها النهربيري بالباء الموحدة ، وفي بعضها النهري ، والأخير كأنه نسبة إلى النهروان ولم أجد الأولين في اللغة ، وقال الشيخ البهائيقدس‌سره في حاشية الأربعين : الجريري بضم الجيم والرائين المهملتين منسوب إلى جرير بن عباد بضم العين وتخفيف الباء« من عرف الله » قال الشيخ المتقدم (ره) قال بعض الأعلام : أكثر ما تطلق المعرفة على الأخير من الإدراكين للشيء الواحد إذا تخلل بينها عدم بأن أدركه أولا ثم ذهل عنه ثم أدركه ثانيا فظهر له أنه هو الذي كان قد أدركه أولا ، ومن هيهنا سمي أهل الحقيقة بأصحاب العرفان ، لأن خلق الأرواح قبل خلق الأبدان كما ورد في الحديث ، وهي كانت مطلعة على بعض الإشراقات الشهودية مقرة لمبدعها بالربوبية ، كما قال سبحانه : «أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى »(١) لكنها لألفها بالأبدان الظلمانية وانغمارها في الغواشي الهيولانية ذهلت عن مولاها ومبدعها ، فإذا تخلصت بالرياضة من أسر دار الغرور وترقت بالمجاهدة عن الالتفات إلى عالم الزور تجدد عهدها القديم الذي كاد أن يندرس بتمادي الأعصار والدهور ، وحصل لها الإدراك مرة ثانية وهي المعرفة التي هي نور على نور.

__________________

(١) سورة الأعراف : ١٧٢.


الكلام وبطنه من الطعام وعفا نفسه بالصيام والقيام قالوا بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله هؤلاء أولياء الله قال إن أولياء الله سكتوا فكان سكوتهم ذكرا ونظروا

« من الكلام » أي من فضوله وكذاالطعام فإن الإكثار منه يورث الثقل عن العبادة ، ويحتمل أن يكون كناية عن الصوم« وعفا » كذا ، وفي بعض النسخ بالفاء أي جعلها صافية خالصة أو جعلها مندرسة ذليلة خاضعة أو وفر كمالاتها ، قال في النهاية : أصل العفو المحو والطمس ، وعفت الريح الأثر محته وطمسته ، ومنه حديث أم سلمة :(١) لا تعف سبيلا كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لحبها ، أي لا تطمسها ، وعفى الشيء كثر وزاد ، يقال : أعفيته وعفيته ، وعفا الشيء درس ولم يبق له أثر ، وعفا الشيء صفا وخلص ، انتهى.

وأقول : يمكن أن يحملها بعضهم على الفناء في الله باصطلاحهم والأظهر ما في المجالس وغيره وأكثر نسخ الكتاب « عنى » بالعين المهملة والنون المشددة أي أتعب والعناء بالفتح والمد التعب« بآبائنا وأمهاتنا » قال الشيخ البهائي (ره) هذا الباء يسميها بعض النحاة باء التفدية وفعلها محذوف غالبا والتقدير نفديك بآبائنا وأمهاتنا ، وهي في الحقيقة باء العوض نحو خذ هذا بهذا ، وعد منه قوله تعالى : «ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ »(٢) .

« هؤلاء أولياء الله » هو استفهام محذوف الأداة ويمكن أن يكون خبرا قصد به لازم الحكم والتأكيد في قوله إن أولياء الله ـ إلى آخره ـ لكون الخبر ملقى إلى السائل المتردد على الأول ، ولكون المخاطب حاكما بخلافه على الثاني إن جعلقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إن أولياء الله ، ردا لقولهم هؤلاء أولياء الله أي أولياء الله أناس أخر

__________________

(١) قالت ذلك لعثمان ، ولحبّها أي أوضحها ونهجها.

(٢) سورة النحل : ٣٣.


فكان نظرهم عبرة ونطقوا فكان نطقهم حكمة ومشوا فكان مشيهم بين الناس بركة لو لا الآجال التي قد كتبت عليهم لم تقر أرواحهم في أجسادهم خوفا من العذاب وشوقا إلى الثواب.

صفاتهم فوق هذه الصفات ، وإن جعل تصديقا لقولهم ووصفا للأولياء بصفات أخرى زيادة على صفاتهم الثلاث السابقة ، فالتأكيد لكون الخبر ملقى إلى الخلص الراسخين في الإيمان ، فهو رائج عندهم متقبل لديهم صادر عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن كمال الرغبة ووفور النشاط لأنه في وصف أولياء الله بأعظم الصفات فكأنه مظنة التأكيد كما ذكره صاحب الكشاف عند قوله تعالى : «وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا »(١) .

« فكان سكوتهم ذكرا » أي عند سكوتهم قلوبهم مشغولة بذكر الله وتذكر صفاته الكمالية وآلائه ونعمائه وغرائب صنعه وحكمته ، وفي رواية المجالس كما أشرنا إليه : فكان سكوتهم فكرا.

وقال الشيخ البهائي (ره) : أطلق على سكوتهم الفكر لكونه لازما غير منفك عنه ، وكذا إطلاق العبرة على نظرهموالحكمة على نطقهم والبركة على مشيهم وجعلصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كلامهم ذكرا ثم جعله حكمة إشعارا بأنه لا يخرج عن هذين ، فالأول في الخلوة والثاني بين الناس ، ولك إبقاء النطق على معناه المصدري أي إن نطقهم بمهما نطقوا به مبني على حكمة ومصلحة« فكان مشيهم بين الناس بركة » لأن قصدهم قضاء حوائج الناس وهدايتهم وطلب المنافع لهم ودفع المضار عنهم مع أن وجودهم سبب لنزول الرحمة عليهم ودفع البلايا عنهم.

« لم تقر أرواحهم » في المجالس لم تستقر« خوفا من العذاب وشوقا إلى الثواب » فيه إشارة إلى تساوي الخوف والرجاء فيهم ، وكونهما معا في الغاية القصوى والدرجة العليا كما مضت الأخبار فيه.

__________________

(١) سورة البقرة : ١٤.


ثم اعلم أن كون الشوق إلى الثواب سببا لمفارقة أرواحهم أوكار أبدانهم(١) وطيرانها إلى عالم القدس ومحل الأنس ودرجات الجنان ونعيمها ظاهر ، وأما الخوف من العقاب إما لشدة الدهشة واستيلاء الخوف عليهم ، كما فعل بهمام لعدهم أنفسهم من المقصرين أو يريدون اللحوق بمنازلهم العالية حذرا من أن تتبدل أحوالهم وتستولي الشهوات عليهم ، فيستحقون بذلك العذاب ، فلذا يستعجلون في الذهاب إلى الآخرة ، ثم قال الشيخ المتقدم (ره) : المراد بمعرفة الله تعالى الاطلاع على نعوته وصفاته الجلالية والجمالية بقدر الطاقة البشرية وأما الاطلاع على حقيقة الذات المقدسة فمما لا مطمع فيه للملائكة المقربين والأنبياء المرسلين فضلا عن غيرهم ، وكفى في ذلك قول سيد البشر ما عرفناك حق معرفتك ، وفي الحديث : أن الله احتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار ، وأن الملإ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه أنتم ، ولا تلتفت إلى من يزعم أنه قد وصل إلى كنه الحقيقة المقدسة بل أحث التراب في فيه فقد ضل وغوى ، وكذب وافترى ، فإن الأمر أرفع وأظهر من أن يتلوث بخواطر البشر وكلما تصوره العالم الراسخ فهو عن حرم الكبرياء بفراسخ ، وأقصى ما وصل إليه الفكر العميق فهو غاية مبلغه من التدقيق ، وما أحسن ما قال :

آن چه پيش تو غير از او ره نيست

 

غايت فهم تو است « الله » نيست

بل الصفات التي نثبتها له سبحانه إنما هي على حسب أوهامنا وقدر أفهامنا فإنا نعتقد اتصافه بأشرف طرفي النقيض بالنظر إلى عقولنا القاصرة ، وهو تعالى أرفع وأجل من جميع ما نصفه به ، وفي كلام الإمام أبي جعفر محمد بن علي الباقرعليه‌السلام إشارة إلى هذا المعنى حيث قال : كلما ميزتموه بأوهامكم في أدق معانيه مخلوق

__________________

(١) أوكار جمع الوكر : عشّ الطائر ، وبالفارسية « آشيانه ».


مصنوع مثلكم مردود إليكم ولعل النمل الصغار تتوهم أن لله تعالى زبانيتين فإن ذلك كمالها ويتوهم أن عدمهما نقصان لمن لا يتصف بهما ، وهكذا حال العقلاء فيما يصفون الله تعالى به ، انتهى كلامه صلوات الله عليه وسلامه.

قال بعض المحققين : هذا كلام دقيق رشيق أنيق صدر من مصدر التحقيق ومورد التدقيق ، والسر في ذلك أن التكليف إنما يتوقف على معرفة الله تعالى بحسب الوسع والطاقة ، وإنما كلفوا أن يعرفوه بالصفات التي ألفوها وشاهدوها فيهم مع سلب النقائص الناشئة عن انتسابها إليهم ، ولما كان الإنسان واجبا بغيره عالما قادرا مريدا حيا متكلما سميعا بصيرا كلف بأن يعتقد تلك الصفات في حقه تعالى مع سلب النقائص الناشئة عن انتسابها إلى الإنسان بأن يعتقد أنه تعالى واجب لذاته لا بغيره ، عالم بجميع المعلومات قادر على جميع الممكنات وهكذا في سائر الصفات ولم يكلف باعتقاد صفة له تعالى لا يوجد فيه مثالها ومناسبها بوجه ، ولو كلف به لما أمكنه تعلقه بالحقيقة ، وهذا أحد معاني قولهعليه‌السلام : من عرف نفسه فقد عرف ربه ، انتهى كلامه.

ثم قالقدس‌سره : قد اشتمل هذا الحديث على المهم من سمات العارفين وصفات الأولياء الكاملين ، فأوليها الصمت وحفظ اللسان الذي هو باب النجاة ، وثانيها الجوع وهو مفتاح الخيرات ، وثالثها إتعاب النفس في العبادة بصيام النهار وقيام الليل ، وهذه الصفة ربما توهم بعض الناس استغناء العارف عنها ، وعدم حاجته إليها بعد الوصول ، وهو وهم باطل ، إذ لو استغنى عنها أحد لاستغنى عنها سيد المرسلين وأشرف الواصلين وقد كان يقوم في الصلاة إلى أن ورمت قدماه ، وكان أمير المؤمنين عليعليه‌السلام الذي ينتهي إليه سلسلة أهل العرفان يصلي كل ليلة ألف ركعة ، وهكذا شأن جميع الأولياء والعارفين كما هو في التواريخ مسطور ، وعلى الألسنة مشهور ، ورابعها الفكر ، وفي الحديث تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة ، قال بعض


٢٦ ـ عنه ، عن بعض أصحابه من العراقيين رفعه قال خطب الناس الحسن بن علي صلوات الله عليما فقال أيها الناس أنا أخبركم عن أخ لي كان من أعظم

الأكابر : إنما كان الفكر أفضل لأنه عمل القلب وهو من أفضل الجوارح فعمله أشرف من عملها ، ألا ترى إلى قوله تعالى : «أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي »(١) فجعل الصلاة وسيلة إلى ذكر القلب ، والمقصود أشرف من الوسيلة ، وخامسها الذكر والمراد به الذكر اللساني وقد اختاروا له كلمة التوحيد لاختصاصها بمزايا ليس هذا محل ذكرها ، وسادسها نظر الاعتبار كما قال سبحانه : «فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ »(٢) وسابعها النطق بالحكمة والمراد بهما ما تضمن صلاح النشأتين أو صلاح النشأة الأخرى من العلوم والمعارف ، أما ما تضمن صلاح الحال في الدنيا فقط فليس من الحكمة في شيء ، وثامنها وصول بركتهم إلى الناس ، وتاسعها وعاشرها الخوف والرجاء ، وهذه الصفات العشر إذا اعتبرتها وجدتها أمهات صفات السائرين إلى الله تعالى يسر الله لنا الاتصاف بها بمنه وكرمه.

الحديث السادس والعشرون : مرسل.

وقد روي في نهج البلاغة عن أمير المؤمنينعليه‌السلام هكذا ، وقالعليه‌السلام : كان لي فيما مضى أخ في الله ، وقال ابن أبي الحديد : قد اختلف الناس في المعنى بهذا الكلام ومن هذا الأخ المشار إليه؟ فقال قوم : هو رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واستبعده قوم لقولهعليه‌السلام : وكان ضعيفا مستضعفا فإنه لا يقال في صفاتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مثل هذه الكلمة وإن أمكن تأويلها على لين كلامه وسجاحة أخلاقه إلا أنها غير لائقة بهعليه‌السلام .

وقال قوم : هو أبو ذر الغفاري واستبعده قوم لقولهعليه‌السلام : فإن جاء الجد فهو ليث غاد وصل واد(٣) فإن أبا ذر لم يكن من المعروفين بالشجاعة والبسالة ، وقال

__________________

(١) سورة طه : ١٤.

(٢) سورة الحشر : ٢.

(٣) هذا من كلامهعليه‌السلام في نهج البلاغة وغير مذكور في هذه الرواية فلا تغفل ، وسيأتي شرحه في كلام الشارح (ره).


الناس في عيني وكان رأس ما عظم به في عيني صغر الدنيا في عينه كان خارجا من

قوم : هو مقداد بن عمر والمعروف بمقداد بن الأسود وكان من شيعة عليعليه‌السلام وكان شجاعا مجاهدا حسن الطريقة ، وقد روي في فضله حديث صحيح مرفوع ، وقال قوم : إنه ليس بإشارة إلى أخ معين ولكنه كلام خارج مخرج المثل ، كقولهم : فقلت لصاحبي ، ويا صاحبي ، وهذا عندي أقوى الوجوه ، انتهى.

ولا يبعد أن يقال : إن قولهعليه‌السلام : فإن جاء الجد فهو ليث غاد إلى آخره لا يقتضي الشجاعة والبسالة في الحرب ، بل المراد الوصف بالتصلب في ذات الله ، وترك المداهنة في أمر الدين وإظهار الحق بل في العدول عن لفظ الحرب إلى الجد بعد الوصف بالضعف إشعار بذلك ، وقد كان أبو ذر معروفا بذلك وإفصاحه عن فضائح بني أمية في أيام عثمان وتصلبه في إظهار الحق أشهر من أن يحتاج إلى البيان ، وقال الشارح ابن ميثم : ذكر هذا الفصل ابن المقفع في أدبه ، ونسبه إلى الحسن بن عليعليهما‌السلام ، والمشار إليه قيل : هو أبو ذر الغفاري ، وقيل : هو عثمان بن مظعون ، انتهى.

وأقول : لا يبعد أن يكون المراد به أباهعليه‌السلام عبر هكذا لمصلحة.

« وكان رأس ما عظم به في عيني » أي وكان أقوى وأعظم الصفات التي صارت أسبابا لعظمته في عيني ، فإن الرأس أشرف ما في البدن ، وفي القاموس : الرأس أعلى كل شيء ، والصغر وزان عنب وقفل خلاف الكبر ، وبمعنى الذل والهوان ، وهو خبر كان ، وفاعل عظم ضمير الأخ وضمير به عائد إلى الموصول ، والباء للسببية ، وفي النهج وكان يعظمه في عيني صغر الدنيا في عينه ، وفي القاموس : الصغر كعنب خلاف العظم ، صغر ككرم وفرح صغارة وصغرا كعنب وصغرا محركة وصغره وأصغره جعله صغيرا ، والصاغر الراضي بالذل ، والجمع صغرة ككتبة وقد صغر ككرم صغرا كعنب وصغرا بالضم وأصغره جعله صاغرا واستصغره عده صغيرا. انتهى.


سلطان بطنه فلا يشتهي ما لا يجد ولا يكثر إذا وجد كان خارجا من سلطان

« كان خارجا » وفي النهج :وكان من سلطان بطنه ، أي سلطنته كناية عن شدة الرغبة في المأكول والمشروب كما وكيفا ثم ذكرعليه‌السلام لذلك علامتين حيث قال :فلا يشتهي ما لا يجد ، وفي النهج : فلا يتشهى ، ويقال : تشهي فلان إذا اقترح شهوة بعد شهوة وهو أنسب« ولا يكثر » أي في الأكل« إذا وجد » والإكثار من الشيء الإتيان بالكثير منه ، والمراد به إما الاقتصار على ما دون الشبع أو ترك الإفراط في الأكل أو ترك الإسراف في تجويد المأكول والمشروب.

« كان خارجا من سلطان فرجه » أي لم يكن لشهوة فرجه عليه سلطنة بأن توقعه في المحرمات أو الشبهات والمكروهات ، فذكر لذلك أيضا علامتين فقال :« فلا يستخف له عقله ولا رأيه » في القاموس : استخفه ضد استثقله وفلانا عن رأيه حمله على الجهل والخفة وأزاله عما كان عليه من الصواب ، وقال الراغب : «فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ »(١) أي حملهم على أن يخفوا معه أو وجدهم خفافا في أبدانهم وعزائمهم ، وقيل : معناه وجدهم طائشين ، وقوله عز وجل : «وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ »(٢) أي لا يزعجنك ويزيلنك عن اعتقادك بما يوقعون من الشبه ، وقال البيضاوي في قوله سبحانه : «فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ » فطلب منهم الخفة في مطاوعته أو فاستخف أحلامهم ، وقال في قوله تعالى : «وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ » ولا يحملنك على الخفة والقلق «الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ » بتكذيبهم وإيذائهم.

وأقول : هذه الفقرة تحتمل وجوها : « الأول » أن يكون المستتر في فلا يستخف راجعا إلى الفرج ، والضمير في « له » راجعا إلى الأخ ، ويكون عقله ورأيه منصوبين أي كان لا تجعل شهوة الفرج عقله ورأيه خفيفين مطيعين لها.

الثاني : أن يكون الضمير في يستخف راجعا إلى الأخ ، وفي « له » إلى الفرج

__________________

(١) سورة الزخرف : ٥٤.

(٢) سورة الروم : ٦٠.


فرجه ـ فلا يستخف له عقله ولا رأيه ـ كان خارجا من سلطان الجهالة فلا يمد يده إلا على ثقة لمنفعة كان لا يتشهى ولا يتسخط ولا يتبرم كان أكثر دهره صماتا فإذا قال بذ القائلين كان لا يدخل في مراء ولا يشارك في دعوى ولا يدلي بحجة

أي لا يجعل عقله ورأيه أو لا يجدهما خفيفين سريعين في قضاء حوائج الفرج.

الثالث : أن يقرأ يستخف على بناء المجهول ، وعقله ورأيه مرفوعين وضمير له إما راجع إلى الأخ أو إلى الفرج ، وما قيل : إن يستخف على بناء المعلوم وعقله ورأيه مرفوعان وضمير له للأخ فلا يساعده ما مر من معاني الاستخفاف.

« كان خارجا من سلطان الجهالة » بفتح الجيم وهي خلاف العلم والعقل« فلا يمد يده » أي إلى أخذ شيء ، كناية عن ارتكاب الأمور« إلا على ثقة » واعتماد بأنه ينفعه نفعا عظيما في الآخرة أو في الدنيا أيضا إذا لم يضر بالآخرة« كان لا ـ يتشهى » أي لا يكثر شهوة الأشياء كما مر« ولا يتسخط » أي لا يسخط كثيرا لفقد المشتهيات أو لا يغضب لإيذاء الخلق له أو لقلة عطائهم ، في القاموس : السخط بالضم وكعنق وجبل ضد الرضا ، وقد سخط كفرح وأسخطه أغضبه وتسخطه تكرهه وعطاءه استقله ولم يقع منه موقعا« ولا يتبرم » أي لا يمل ولا يسأم من من حوائج الخلق وكثرة سؤالهم وسوء معاشرتهم ، في القاموس : البرم السأمة والضجر ، وأبرمه فبرم كفرح وتبرم أمله فمل.

« كان أكثر دهره » أي عمره ، وأكثر منصوب على الظرفية« صماتا » بفتح الصاد وتشديد الميم ، وقرأ بضم الصاد وتخفيف الميم مصدرا فالحمل على المبالغة. وفي النهج : صامتا فإن قال بذ القائلين ونقع غليل السائلين ، قال في النهاية : في الحديثبذ القائلين أي سبقهم وغلبهم ، يبذهم بذا ، انتهى.

ونقع الماء العطش أي سكنه ، والغليل مرارة العطش ، ويمكن أن يكون البذ بالفصاحة والنقع بالعلم والجواب الشافي« كان لا يدخل في مراء » أي مجادلة في العلوم للغلبة وإظهار الكمال ، قال في المصباح : ماريته أمارية مماراة ومراء


حتى يرى قاضيا وكان لا يغفل عن إخوانه ولا يخص نفسه بشيء دونهم كان ضعيفا

جادلته ، ويقال ماريته أيضا إذا طعنت في قوله تزييفا للقول وتصغيرا للقائل ، ولا يكون المراء إلا اعتراضا« ولا يشارك في دعوى » أي في دعوى غيره لإعانته أو وكالة عنه« ولا يدلي بحجة حتى يرى قاضيا » في المصباح : أدلى بحجة أثبتها فوصل بها إلى دعواه ، وفي القاموس : أدلى بحجته أحضرها ، وإليه بماله دفعه ، ومنه «وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ ».

أقول : وفي النهج حتى يأتي قاضيا ، وهذه الفقرة تحتمل وجوها : « الأول » ما ذكره بعض شراح النهج أي لا يدلي بحجته حتى يجد قاضيا ، وهو من فضيلة العدل في وضع الأشياء مواضعها ، انتهى. وأقول : المعنى أنه ليس من عادته إذا ظلمه أحد أن يبث الشكوى عند الناس ، كما هود أب أكثر الخلق ، بل يصير إلى أن يجد حاكما يحكم بينه وبين خصمه ، وذلك في الحقيقة يؤول إلى الكف عن فضول الكلام والتكلم في غير موضعه.

الثاني : أن يكون المراد أنه يصبر على الظلم ويؤخر المطالبة إلى يوم القيامة فالمراد بالقاضي الحاكم المطلق ، وهو الله سبحانه أو لا ينازع الأعداء إلا عند زوال التقية فالمراد بالقاضي الإمام الحق النافذ الحكم.

الثالث : أن يكون المراد نفي إتيانه القاضي لكفه عن المنازعة والدعوى وصبره على الظلم أي لا ينشئ دعوى ولا يأتي بحجة حتى يحتاج إلى إتيان القاضي.

الرابع : ما ذكره بعض الأفاضل حيث قرأ يرى على بناء الأفعال ، وفسر القاضي بالبرهان القاطع الفاصل بين الحق والباطل أي كان لا يتعرض للدعوى إلا أن يظهر حجة قاطعة ولعله أخذه من قول الفيروزآبادي : القضاء الحتم والبيان وسم قاض قاتل ولا يخفى بعده مع عدم موافقته لما في النهج.

« وكان لا يغفل عن إخوانه » أي كان يتفقد أحوالهم في جميع الأحوال كتفقد الأهل والعيال« ولا يخص نفسه » بشيء من الخيرات« دونهم » بل كان يجعلهم شركاء


مستضعفا ـ فإذا جاء الجد كان ليثا عاديا كان لا يلوم أحدا فيما يقع العذر في مثله

لنفسه فيما خوله الله ويحب لهم ما يحب لنفسه ، ويكره لهم ما يكره لنفسه« كان ضعيفا مستضعفا » أي فقيرا منظورا إليه بعين الذلة والفقر كما قيل ، أو ضعيفا في القوة البدنية خلقة ، ولكثرة الصيام والقيام « مستضعفا » أي في أعين الناس للفقر والضعف وقلة الأعوان ، يقال : استضعفه أي عده ضعيفا وقال بعض شراح النهج : استضعفه أي عده ضعيفا ووجده ضعيفا وذلك لتواضعه وإن كان قويا.

« وإذا جاء الجد كان ليثا عاديا » في أكثر النسخ بالعين المهملة وفي بعضها بالمعجمة ، وفي النهاية فيه : ما ذئبان عاديان ، العادي الظالم الذي يفترس الناس ، انتهى.

والجد بالكسر ضد الهزل ، والاجتهاد في الأمر والمراد به هنا المحاربة والمجاهدة ، وفي النهج : فإن جاء الجد فهو ليث غاد ، وصل واد ، وفي أكثر نسخه غاد بالمعجمة من غدا عليه أي بكر ، وقال بعض شارحيه : الوصف بالغادي لأنه إذا غدا كان جائعا فصولته أشد والمناسب حينئذ أن يكون ليث منونا وفي النسخ ليث غاد بالإضافة فكأنه من إضافة الموصوف إلى الصفة ، وفي بعض نسخه بالمهملة كما مر ، وفي بعضها غاب بالباء الموحدة بعد الغين المعجمة وهو الأجمة ، ويسكنها الأسد والمناسب حينئذ الإضافة ، وقال الجوهري : الصل بالكسر الحية التي لا تنفع منها الرقية يقال : أنها لصل صفا إذا كانت منكرة مثل الأفعى ، ويقال للرجل إذا كان داهيا منكرا إنه لصل أصلال أي حية من الحيات وأصله في الحيات شبه الرجل بها ، انتهى.

وذكر الوادي لأن الأودية لانخفاضها تشتد فيها الحرارة فيشتد السم في حيتها.

« كان لا يلوم أحدا فيما يقع العذر في مثله حتى يرى اعتذارا » فيما يقع العذر


حتى يرى اعتذارا كان يفعل ما يقول ويفعل ما لا يقول كان إذا ابتزه أمران

أي فيما يمكن أن يكون له فيه عذر ، وفي كلمة المثل إشعار بعدم العلم بكون فاعله معذورا إذ من الجائز أن يكون الفاعل غير معذور فيجب التوقف حتى يسمع الاعتذار ويظهر الحق فإن لم يكن عذره مقبولا لأمه ، ويحتمل أن يكون حتى للتعليل أي كان لا يلومه بل يتفحص العذر حتى يجد له عذرا ولو على سبيل الاحتمال ، وفي النهج : وكان لا يلوم أحدا على ما يجد العذر في مثله حتى يسمع اعتذاره ، وفي بعض النسخ على ما لا يجد بزيادة حرف النفي ، فالمعنى لا يلوم على أمر لا يجد فيه عذرا بمجرد عدم الوجدان إذ يحتمل أن يكون له عذر لا يخطر بباله« وكان يفعل ما يقول ويفعل ما لا يقول » أي يفعل ما يأمر غيره به من الطاعات ، إشارة إلى قوله تعالى : «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ »(١) .

وقد قيل : إن المعنى لم لا تفعلون ما تقولون؟ فإنه إذا قال ولم يفعل فعدم الفعل قبيح لا القول ، ويفعل من الخيرات والطاعات ما لا يقوله لمصلحة تقية أو عدم انتهاز فرصة أو عدم وجدان قابل كما قال تعالى : «فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى »(٢) كذا فهمه الأكثر ، ويخطر بالبال أنه يحسن إلى غيره سواء وعده الإحسان أو لم يعده ، كما فسرت الآية المتقدمة في كثير من الأخبار بخلف الوعد ، وفي النهج وكان يقول ما يفعل ولا يقول ما لا يفعل ، وفي بعض نسخة في الأول وكان يفعل ما يقول.

« كان إذا ابتزه أمران » كذا في أكثر النسخ بالباء الموحدة والزاي على بناء الافتعال ، أي استلبه وغلبه وأخذه قهرا كناية عن شدة ميلة إليهما وحصول الدواعي في كل منهما ، في القاموس : البز الغلبة وأخذ الشيء بجفاء وقهر كالابتزاز ، وبزبز الشيء سلبه كابتزه ، ولا يبعد أن يكون في الأصل انبراه بالنون والباء الموحدة على الحذف والإيصال ، أي اعترض له ، وفي النهج وكان إذا بدهه أمران نظر أيهما

__________________

(١) سورة الصفّ : ٢.

(٢) سورة الأعلى : ٩.


لا يدري أيهما أفضل نظر إلى أقربهما إلى الهوى فخالفه كان لا يشكو وجعا إلا عند من يرجو عنده البرء ولا يستشير إلا من يرجو عنده النصيحة كان لا يتبرم

أقرب إلى الهوي فخالفه ، يقال : بدهه أمر كمنعه أي بغتة وفاجأه.

وهذا الكلام يحتمل معنيين : الأول أن يكون المعنى إذا عرضت له طاعتان كان يختار أشقهما على نفسه لكونها أكثر ثوابا كالوضوء بالماء البارد والحار في الشتاء ، كما ورد ذلك في فضائل أمير المؤمنينعليه‌السلام .

والثاني : أن يكون معيارا لحسن الأشياء وقبحها ، كما إذا ورد عليه فعل لا يدري فعله أفضل أو تركه فينظر إلى نفسه فكلما تهواه يخالفها كما ورد : لا تترك النفس وهواها ، وهذا هو الغالب لكن جعلها قاعدة كلية كما يقوله المتصوفة مشكل كما نقل عن بعضهم أنه مر بعذرة فعرضها على نفسه فأبت فأكلها ، والظاهر أن أكلها عين هواها لتعده الرعاع من الناس شيخا كاملا.

« إلا عند من يرجو عنده البرء » أي ربه تعالى فإنه الشافي حقيقة ، أو المراد به الطبيب الحاذق الذي يرجو بمعالجته البرء ، فإنه ليس بشكاية ، بل هو طلب لعلاجه فالاستثناء منقطع ، وفي النهج : وكان لا يشكو وجعا إلا عند برئه أي يحكيه بعد البرء للشكر ، والتحدث بنعمة الله ، فالاستثناء منقطع أو أطلقت الشكاية عليها على المشاكلة ، وقيل : أي كان يكتم مرضه عن إخوانه لئلا يتجشموا زيارته.

« ولا يستشير » في المصباح : شاورته في كذا واستشرته راجعته لأرى رأيه فيه فأشار علي بكذا ، أراني ما عنده فيه من المصلحة ، فكانت إشارته حسنة ، والاسم المشورة ، وفيه لغتان سكون الشين وفتح الواو ، والثانية ضم الشين وسكون الواو وزان معونة ، ويقال : هي من شار الدابة إذا عرضه في المشوار ، ويقال : من أشرت العسل ، شبه حسن النصيحة بشرى العسل.

« إلا من يرجو عنده النصيحة » أي خلوص الرأي وعدم الغش وكمال


ولا يتسخط ولا يتشكى ولا يتشهى ولا ينتقم ولا يغفل عن العدو فعليكم بمثل هذه الأخلاق الكريمة إن أطقتموها فإن لم تطيقوها كلها فأخذ القليل خير من ترك الكثير ولا حول ولا قوة إلا بالله.

٢٧ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن مهزم وبعض أصحابنا ، عن محمد بن علي ، عن محمد بن إسحاق الكاهلي وأبو علي الأشعري ، عن

الفهم« كان لا يتبرم » كان إعادة تلك الخصال مع ذكرها سابقا للتأكيد وشدة الاهتمام بترك تلك الخصال ، أو المراد بها في الأول تشهي الدنيا والتسخط من فقدها ، والتبرم بمصائب الدنيا والشكاية عن الوجع ، والمراد هنا التبرم من كثرة سؤال الناس وسوء أخلاقهم ، والتسخط بما يصل إليه منهم ،وتشهي ملاذ الدنياوالتشكي عن أحوال الدهر أو عن الإخوان ، والشكاية والتشكي والاشتكاء بمعنى ويمكن الفرق بأمور أخر يظهر بالتأمل فيما ذكرنا.

« ولا ينتقم » أي من العدو حتى ينتقم الله له كما مر« ولا يغفل عن العدو » أي الأعداء الظاهرة والباطنة كالشيطان والنفس والهوى« فعليكم بمثل هذه الأخلاق » في النهج : فعليكم بمثل هذه الخلائق فالزموها وتنافسوا فيها فإن لم تستطيعوها فاعلموا أن أخذ القليل خير من ترك الكثير.

أقول : لما كان الغرض من ذكر صفات الأخ أن يقتدي السامعون به في الفضائل المذكورة أمرهمعليه‌السلام بلزومها والتنافس فيها أو في بعضها إن لم يكن الكل.

قوله عليه‌السلام : من ترك الكثير أي الكل ، وأقول : في رواية النهج ذكر بعض هذه الخصال وفيها زيادة أيضا وهي قوله : وكان إن غلب على الكلام لم يغلب على السكوت ، وكان على ما يسمع أحرص منه على أن يتكلم.

الحديث السابع والعشرون : مجهول.


الحسن بن علي الكوفي ، عن العباس بن عامر ، عن ربيع بن محمد جميعا ، عن مهزم الأسدي قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام يا مهزم شيعتنا من لا يعدو صوته سمعه ولا شحناؤه بدنه ولا يمتدح بنا معلنا ولا يجالس لنا عائبا ولا يخاصم لنا قاليا إن لقي

« من لا يعدو » أي يتجاوز وفي بعض النسخ : لا يعلوصوته سمعه ، كأنه كناية عن عدم رفع الصوت كثيرا ويحمل على ما إذا لم يحتج إلى الرفع لسماع الناس ، كما قال تعالى : «وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ »(١) أو على الدعاء والتلاوة والعبادة ، فإن خفض الصوت فيها أبعد من الرياء ، ويمكن أن يكون المراد بالسمع الإسماع كما ورد في اللغة أو يكون بالإضافة إلى المفعول أي السمع منه أي لا يرفع الصوت زائدا على إسماع الناس ، أو يكون بضم السين وتشديد الميم المفتوحة جمع سامع ، أي لا يتجاوز صوته السامعين منه ، وقرأ السمع بضمتين جمع سموع بالفتح أي لا يقول شيئا إلا لمن يسمع قوله ويقبل منه« ولا شحناؤه بدنه » أي لا يتجاوز عداوته بدنه أي يعادي نفسه ولا يعادي غيره ، وإن عادى غيره في الله لا يظهره تقية ، وفي بعض النسخ يديه أي لا تغلب عليه عداوته بل هي بيديه واختياره يدفعها باللطف والرفق ، أو لا يتجاوز أثر عداوته من يده إلى الخصم بأن يضبط نفسه عن الضرب ، أو لا يضمر العداوة في القلب وإن كانت المكافاة باليد أيضا مذمومة لكن هذا أشد.

وفي غيبة النعماني : ولا شجاه بدنه ، وفي مشكاة الأنوار ولا شجنه بدنه والشجا الحزن ، وما اعترض في الحلق والشجن محركة الهم والحزن وحاصلهما عدم إظهار همه وحزنه لغيره كما مر أن بشره في وجهه وحزنه في قبله أي لا يصل ضرر حزنه إلى غيره« ولا يمتدح بنا معلنا » في القاموس : مدحه كمنعه مدحا ومدحة أحسن الثناء عليه كمدحه وامتدحه وتمدحه ، وتمدح تكلف أن يمدح ، وتشيع

__________________

(١) سورة لقمان : ١٩.


مؤمنا أكرمه وإن لقي جاهلا هجره قلت جعلت فداك فكيف أصنع بهؤلاء المتشيعة قال فيهم التمييز وفيهم التبديل وفيهم التمحيص تأتي عليهم سنون

بما ليس عنده ، والأرض والخاصرة اتسعتا كامتدحت ، وقال : اعتلن ظهر وأعلنته وبه وعلنته أظهرته.

أقول : فالكلام يحتمل وجوها : « الأول » أن يكون الظرف متعلقا بمعلنا كما في نظائره والامتداح بمعنى المدح أي لا يمدح معلنا لإمامتنا ، فإنه لتركه التقية لا يستحق المدح ، الثاني : أن يكون الامتداح بمعنى التمدح كما في بعض النسخ أي لا يطلب المدح ولا يمدح نفسه بسبب قوله بإمامتنا علانية ، وذلك أيضا لترك التقية ، وفيه إشعار بأنه ليس بشيعة لنا لتركه أمرنا ، بل يتكلف ذلك ، الثالث : أن تكون الباء زائدة أي لا يمدحنا معلنا وهو بعيد ، وفي النعماني : ولا يمدح بنا غاليا ، ولا يخاصم لنا واليا.

« لنا عائبا » الظرف متعلق بقوله عائبا« ولا يخاصم لنا قاليا » أي مبغضا لنا« وإن لقي جاهلا » كان المراد به غير المؤمن الكامل أي العالم العامل بقرينة المقابلة فيشمل الجاهل والعالم الغير العامل بعلمه بل الهجران عنه أهم وضرر مجالسته أتم« فكيف أصنع بهؤلاء المتشيعة » أي الذين يدعون التشيع ، وليس لهم صفاته وعلاماته ، والكلام يحتمل وجهين : أحدهما : أن المعنى كيف أصنع بهم حتى يكونوا هكذا؟ فأجابعليه‌السلام بأن هذا ليس من شأنك بل الله يمحصهم ويبدلهم ، والثاني : أن المعنى ما اعتقد فيهم؟ فالجواب أنهم ليسوا بشيعة لنا والله تعالى يصلحهم ويذهب بمن لا يقبل الصلاح منهم« فيهم التمييز » قيل كلمة « في » في المواضع للتعليل ، والظرف خبر للمبتدإ ، والتقديم للحصر واللام في الثلاثة للعهد إشارة إلى ما مر في باب التمحيص والامتحان من كتاب الحجة عن أمير المؤمنينعليه‌السلام حيث قال : والذي بعثه لتبلبلن بلبلة ولتغربلن غربلة حتى يعود أسفلكم أعلاكم وأعلاكم


أسفلكم ، إلى آخر ما مر.

وأقول : قد مر في هذا الباب أيضا عن ابن أبي يعفور قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام ويل لطغاة العرب من أمر اقترب ، قلت : جعلت فداك كم مع القائم من العرب؟ قال :

نفر يسير قلت : والله إن من يصف هذا الأمر منهم لكثير؟ قال : لا بد للناس من أن يمحصوا ويميزوا ويغربلوا ويستخرج في الغربال خلق كثير.

وذكرعليه‌السلام أمورا توجب خروجهم من الفرقة الناجية أو هلاكهم بالأعمال والأخلاق الشنيعة في الدنيا والآخرة « أحدهما » التمييز بين الثابت الراسخ وغيره ، في المصباح يقال : مزته ميزا من باب باع بمعنى عزلته وفصلته من غيره والتثقيل مبالغة وذلك يكون في المشتبهات نحو : «لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ »(١) وفي المختلطات نحو «وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ »(٢) وتمييز الشيء انفصاله عن غيره.

وثانيها :التبديل أي تبديل حالهم بحال أخس أو تبديلهم بقوم آخرين لا يكونوا أمثالهم كما قال تعالى : «وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ »(٣) .

وثالثها :التمحيص وهو الابتلاء والاختبار والتخليص ، يقال : محصت الذهب بالنار إذا خلصته مما يشوبه.

ورابعها :السنون وهي الجدب والقحط ، قال الله تعالى : «وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ »(٤) والواحد السنة وهي محذوفة اللام ، وفيها لغتان إحداهما جعل اللام هاء والأصل سنهة وتجمع على سنهات مثل سجدة وسجدات وتصغر على سنيهة ، وأرض سنهاء أصابتها السنة ، وهي الجدب ، والثانية جعلها واوا والأصل

__________________

(١) سورة الأنفال : ٣٧.

(٢) سورة يس : ٥٩.

(٣) سورة محمّد : ٣٨.

(٤) سورة الأعراف : ١٣٠.


تفنيهم وطاعون يقتلهم واختلاف يبددهم ـ شيعتنا من لا يهر هرير الكلب ولا يطمع طمع الغراب ولا يسأل عدونا وإن مات جوعا ـ قلت جعلت فداك فأين أطلب هؤلاء قال في أطراف الأرض أولئك الخفيض عيشهم المنتقلة ديارهم

سنوة وتجمع على سنوات مثل شهوة وشهوات ، وتصغر على سنية وأرض سنواء أصابتها السنة ، وتجمع في اللغتين كجمع المذكر السالم أيضا فيقال : سنون وسنين ، وتحذف النون للإضافة ، وفي لغة تثبت الياء في الأحوال كلها ، وتجعل النون حرف إعراب تنون في التنكير ، ولا تحذف مع الإضافة كأنها من أصول الكلمة وعلى هذه اللغة قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اللهم اجعلها عليهم سنينا كسنين يوسف ، كل ذلك ذكرها في المصباح.

وخامسها :الطاعون ، وهو الموت من الوباء.

وسادسها :اختلاف يبددهم أي اختلاف بالتدابر والتقاطع والتنازع يبددهم ويفرقهم تفريقا شديدا يقول : بددت الشيء بدا من باب قتل إذا فرقته ، والتثقيل مبالغة وتكثير ، وقيل : تأتي عليهم سنون ، إلى هنا دعاء عليهم ، ولا يخفى بعده.

« لا يهر هرير الكلب » أي لا يجزع عند المصائب أو لا يصول على الناس بغير سبب كالكلب ، قال في القاموس : هر الكلب إليه يهر أي بكسر الهاء هريرا وهو صوته دون نباحه من قلة صبره على البرد ، وقد هرة البرد صوته كأهره وهر يهر بالفتح ساء خلقه.

« ولا يطمع طمع الغراب » وطمعه معروف يضرب به المثل فإنه يذهب فراسخ كثيرة لطلب طعمته« وإن مات جوعا » كأنه على المبالغة أو محمول على إمكان سؤال غير العدو وإلا فالظاهر أن السؤال مطلقا عند ظن الموت من الجوع واجب ، وقيل : المراد به السؤال من غير عوض وأما معه كالاقتراض فالظاهر أنه جائز.

وأقول : في النعماني : ولا يسأل الناس بكفه« فأين أطلب هؤلاء » أي لا أجد


إن شهدوا لم يعرفوا وإن غابوا لم يفتقدوا ومن الموت لا يجزعون وفي القبور

بين الناس من اتصف بتلك الصفات؟« قال في أطراف الأرض » لأنهم يهربون من المخالفين تقية أو يستوحشون من الناس ، لاستيلاء حب الدنيا والجهل عليهم حذرا من أن يصيروا مثلهم ، وما قيل : إن في بمعنى عند كما قيل في قوله تعالى : «فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ »(١) والأطراف جمع طريف بمعنى النفيس ، والمراد بهم العلماء فلا يخفى بعده.

« أولئك الخفيض عيشهم » أي هم خفيفو المؤنة يكتفون من الدنيا بأقلها فلا يتعبون في تحصيلها وترك الملاذ أسهل من ارتكاب المشاق ، في القاموس : الخفض الدعة وعيش خافض والسير اللين ، وغض الصوت وأرض خافضة السقيا سهلة السقي ، وخفض القول يا فلان : لينه والأمر هونه ، وفي النعماني : الخشن عيشهم.

« المنتقلة ديارهم » لفرارهم من شرار الناس من أرض إلى أرض أو يختارون الغربة لطلب العلم« إن شهدوا لم يعرفوا » لعدم شهرتهم وخمول ذكرهم بين الناس ، وقيل : لاختيارهم الغربة لطلب العلم« وإن غابوا لم يفتقدوا » أي لم يطلبوا لاستنكاف الناس عن صحبتهم وعدم اعتنائهم بشأنهم وقيل : لغربتهم بينهم كما مر ، وفي القاموس :

افتقده وتفقده طلبه عند غيبته ومات غير فقيد ولا حميد ، وغير مفقود غير مكترث لفقدانه.

« ومن الموت لا يجزعون » لأن أولياء الله يحبون الموت ويتمنونه وقيل : « من » للتعليل والظرف متعلق بالنفي لا المنفي ، والتقديم للحصر أي عدم جزعهم من أحوال الدنيا وأهلها وما يصيبه منهم من المكاره إنما هو لعلمهم بالموت والانتقام منهم بعده ، ولا يخفى بعده« وفي القبور يتزاورون » أي إنهم لشدة التقية وتفرقهم قلما يمكنهم زيارة بعضهم لبعض وإنما يتزاورون في عالم البرزخ لحسن حالهم و

__________________

(١) سورة التوبة : ٣٨.


يتزاورون وإن لجأ إليهم ذو حاجة منهم رحموه لن تختلف قلوبهم وإن اختلف بهم الدار ثم قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنا المدينة وعلي الباب وكذب من زعم أنه يدخل المدينة لا من قبل الباب وكذب من زعم أنه يحبني ويبغض عليا صلوات الله عليه.

رفاهيتهم أو أنهم مختفون من الناس لا يزارون إلا بعد الموت أو مساكنهم المقابر والمواضع الخربة وفي تلك المواطن يلقى بعضهم بعضا وقيل : أي يزور أحياؤهم أمواتهم في المقابر ، وقيل : القبور عبارة عن مواضع قوم ماتت قلوبهم لترك ذكر الله كما قال تعالى : و «ما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ »(١) أي لا تمكنهم الزيارة في موضع تكون فيه جماعة من الضلال والجهال الذين هم بمنزلة الأموات ، والأول أظهر.

« لن تختلف قلوبهم وإن اختلفت بهم الديار » (٢) أي هم على مذهب واحد وطريقة واحدة وإن تباعد بعضهم بعضا في الديار فإنهم تابعون لأئمة الحق ولا اختلاف عندهم ، وقيل : أي قلب كل واحد منهم غير مختلف ولا متغير من حال إلى حال وإن اختلفت دياره ومنازله لأنسه بالله وعدم تعلقه بغيره فلا يستوحش بالوحدة والغربة واختلاف الديار لأن مقصوده وأنيسه واحد حاضر معه في الديار كلها بخلاف غيره لأن قلبه لما كان متعلقا بغيره تعالى يأنس به إذا وجده ، ويستوحش إذا فقده ، انتهى ولا يخفى بعده.

« أنا المدينة » كان ذكر هذا الخبر لبيان علة اتفاق قلوبهم فإنهم عالمون بهذا الخبر ، أو لبيان أن تلك الصفات إنما تنفع إذا كانت مع الولاية ، أو لبيان لزوم اختيار تلك الصفات فإنها من أخلاق مولى المؤمنين وهو باب مدينة الدين والعلم والحكمة ، فلا بد لمن ادعى الدخول في الدين أن يتصف بها.

__________________

(١) سورة فاطر : ٢٢.

(٢) كذا في النسخ وفي المتن « وإن اختلف بهم الدار ».


٢٨ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن عثمان بن عيسى ، عن سماعة بن مهران ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال من عامل الناس فلم يظلمهم وحدثهم فلم يكذبهم ووعدهم فلم يخلفهم كان ممن حرمت غيبته وكملت مروءته وظهر عدله ووجبت أخوته.

٢٩ ـ عنه ، عن ابن فضال ، عن عاصم بن حميد ، عن أبي حمزة الثمالي ، عن عبد الله بن الحسن ، عن أمه فاطمة بنت الحسين بن عليعليه‌السلام قال قال رسول الله

الحديث الثامن والعشرون : موثق.

« من عامل الناس » أي بالبيع والشراء والمضاربة وأمثالها ، أو المعاشرة« وحدثهم » بنقل الروايات وغيرها« ووعدهم » العطاء أو غيره ، وظاهره وجوب الوفاء بالوعد خلافا للمشهور« كان ممن حرمت غيبته » ظاهره جواز غيبة من لم يتصف بواحدة من تلك الصفات ، وليس ببعيد مع تظاهره بها ، وربما يحمل على شدة الحرمة فيمن اتصف بها« وكملت مروته » قد مر معنى المروة ، وقيل : هي آداب نفسانية تحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف عند محاسن الآداب والأخلاق وجميل العادات وأصله الهمز وقد يشدد الواو ، والمرادبالعدل أما العدالة المعتبرة في الإمامة والشهادة أو ما قيل : إنه ملكة تحصل بتعديل القوي كلها وإقامتها على قانون الشرع والعقل وتوجب صدور الأفعال الجميلة بسهولة ، والمرادبوجوب الأخوة أما تأكد استحباب عقد الأخوة معه أو رعاية حقوقها التي مر ذكرها وهذا أظهر.

الحديث التاسع والعشرون : مجهول.

والظاهر أن فيه إرسالا لأنفاطمة بنت الحسين لا تروي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ولم تلقه وكأنه كان في الأصل عن فاطمة بنت الحسين عن الحسين ، ويؤيده أنه روى الصدوق في الخصال هذا الخبر بإسناده عن البرقي عن الحسن بن علي بن فضال


صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ثلاث خصال من كن فيه استكمل خصال الإيمان إذا رضي لم يدخله رضاه في باطل وإذا غضب لم يخرجه الغضب من الحق وإذا قدر لم يتعاط ما ليس له.

٣٠ ـ عنه ، عن أبيه ، عن عبد الله بن القاسم ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال أمير المؤمنينعليه‌السلام إن لأهل الدين علامات يعرفون بها صدق الحديث وأداء الأمانة ووفاء بالعهد وصلة الأرحام ورحمة الضعفاء وقلة المراقبة للنساء

عن عاصم بن حميد عن أبي حمزة الثمالي عن عبد الله بن الحسن عن أمه فاطمة بنت الحسين بن علي عن أبيهاعليه‌السلام وذكر نحوه.

« استكمل خصال الإيمان » أي لا تحصل هذه الأخلاق في مؤمن إلا وقد حصلت فيه سائر الخصال لأنها أشقها وأشدها ، وأيضا أنها مستلزمة للعدل وهي التوسط في جميع الأمور بين الإفراط والتفريط ، وهو معيار جميع الكمالات كما عرفت مرارا ، وفي القاموس :التعاطي التناول وتناول ما لا يحق والتنازع في الأخذ وركوب الأمر ، انتهى.

أي بعد القدرة لا يأخذ أو لا يرتكب ما ليس له.

الحديث الثلاثون : ضعيف.

« إن لأهل الدين » أي الذين اختاروا دين الإيمان وعملوا بشرائطه ولوازمه« وقلة المراقبة للنساء » أي الميل إليهن والاعتماد عليهن أو الاهتمام بشأنهن والخوف من مخالفتهن ، وقيل : النظر إليهن وإلى أدبارهن وهو بعيد« أو قال » أي الصادقعليه‌السلام والترديد من أبي بصير والمواتاة الموافقة والمطاوعة ، وفي المصباح رقبته أرقبه من باب قتل حفظته فأنا رقيب ورقبته وترقبته وارتقبته انتظرته فأنا رقيب أيضا وراقبت الله تعالى خفت عذابه ، وقال : أتيته على الأمر بمعنى وافقته وفي لغة لأهل اليمن تبدل الهمزة واوا فيقال واتيته على الأمر مواتاة وهي المشهور على ألسنة الناس ، وفي النهاية في الحديث : خير النساء المؤاتية لزوجها ،المواتاة


أو قال قلة المواتاة للنساء وبذل المعروف وحسن الخلق وسعة الخلق واتباع العلم وما يقرب إلى الله عز وجل زلفى «طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ » وطوبى شجرة في الجنة

حسن المطاوعة والموافقة وأصله الهمز فخفف وكثر حتى صار يقال بالواو الخالصة وليس بالوجه.

« وبذل المعروف » أي الخير وهو الإحسان بالفضل من المال إلى الغير ، والظاهر أن المراد هنا المال وإن كان المعروف بحسب اللغة أعم« وحسن الخلق وسعة الخلق » الظاهر أن الخلق بالضم في الموضعين ، والمراد أن حسن خلقه عام وسع كل أحد في جميع الأحوال فإن بعض الناس مع حسن الخلق قد يقع منهم الطيش العظيم ، كما يقال : نعوذ بالله من غضب الحليم ، وربما يقرأ الأول بالفتح فإن الظاهر عنوان الباطن ، لكن هذا ليس كليا فإن حسن الخلق قد يوجد في غير أهل الدين كما قال تعالى في وصف المنافقين : «وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ »(١) وقيل : المراد حسن الأعضاء الظاهرة بالأعمال الفاضلة فإنه من علامات أهل الدين.

« واتباع العلم » أي العمل به ، وقيل : أي عدم اتباع الظن« وما يقربهم إلى الله زلفى » أي قربة ، مفعول مطلق من غير لفظ الفعل ، قال الجوهري : الزلفة والزلفى القربة والمنزلة ومنه قوله تعالى : «وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى »(٢) وهي اسم مصدر كأنه قال بالتي تقربكم عندنا ازدلافا.

«طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ » إشارة إلى قوله سبحانه : «الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ »(٣) وقال البيضاوي : طوبى فعلى من الطيب قلبت ياؤه واوا لضمة ما قبلها ، ويجوز فيه الرفع والنصب ولذلك قرأ : وحسن مآب

__________________

(١) سورة المنافقون : ٤.

(٢) سورة سبأ : ٣٧.

(٣) سورة الرعد : ٢٩.


أصلها في دار النبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله وليس من مؤمن إلا وفي داره غصن منها لا يخطر على قلبه شهوة شيء إلا أتاه به ذلك ولو أن راكبا مجدا سار في ظلها مائة عام ما خرج منه

بالنصب أي حسن مرجع وهو الجنة ، وقال في النهاية : طوبى اسم الجنة وقيل : شجرة فيها وأصلها فعلى من الطيب فلما ضمت الطاء انقلبت الياء واوا وقد تكررت في الحديث ، وفيه : طوبى للشام لأن الملائكة باسطة أجنحتها عليها ، المراد بها هيهنا فعلى من الطيب لا الجنة ولا الشجرة ، وقال الراغب في الآية قيل : هو اسم شجرة في الجنة وقيل : بل إشارة إلى كل مستطاب في الجنة من بقاء بلا فناء وعز بلا ذل وغنى بلا فقر.

« وطوبى شجرة » هذا من كلام الصادقعليه‌السلام أو من كلام أمير المؤمنين صلوات الله عليه« وليس من مؤمن » كأنه مثال شجرة ولاية أمير المؤمنينعليه‌السلام ، تشعبت في صدور المؤمنين« إلا أتاه به ذلك » أي يتدلى ويقربه منه ليأخذه ، وقيل : أي ينبت منه« مجدا » أي مسرعا صاحب جد واهتمام« في ظلها » أي ما يحاذي أغصانها ، فإنه لا ظل في الجنة قال في النهاية : وقد يكنى بالظل عن الكنف والناحية ، ومنه الحديث أن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام أي في ذراها وناحيتها ، انتهى.

وقد روى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مائة عام لا يقطعها ، وفي أخرى يسير الراكب في ظلها مائة سنة ، قال عياض : ظلها كنفها وهو ما تستره أغصانها وقد يكون ظلها نعيمها وراحتها من قولهم : عيش ظليل ، واحتيج إلى تأويل الظل بما ذكر هربا عن الظل في العرف لأنه ما بقي حر الشمس ولا شمس في الجنة ولا برد ، وإنما نور يتلألأ ، انتهى.

وقال المازري : المضمر بفتح الضاد وشد الميم ورواه بعضهم بكسر الميم الثانية


ولو طار من أسفلها غراب ما بلغ أعلاها حتى يسقط هرما ألا ففي هذا فارغبوا إن المؤمن من نفسه في شغل والناس منه في راحة إذا جن عليه الليل افترش وجهه وسجد لله عز وجل بمكارم بدنه يناجي الذي خلقه في فكاك رقبته ألا فهكذا كونوا.

٣١ ـ عنه ، عن إسماعيل بن مهران ، عن سيف بن عميرة ، عن سليمان بن عمرو النخعي قال وحدثني الحسين بن سيف ، عن أخيه علي ، عن سليمان عمن ذكره ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال سئل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله عن خيار العباد فقال الذين إذا أحسنوا استبشروا وإذا أساءوا استغفروا وإذا أعطوا شكروا وإذا ابتلوا صبروا وإذا غضبوا غفروا.

صفة للراكب المضمر فرسه.

« حتى يسقط هرما » إنما خص الغراب بالذكر لأنه أطول الطيور عمرا« ففي هذا فارغبوا » الفاء الثانية تأكيد للفاء الأولى« من نفسه في شغل » من بكسر الميم وقد يقرأ بالفتح اسم موصول أي مشغول بإصلاح نفسه لا يلتفت إلى عيوب غيره ، ولا إلى التعرض لضررهم ، ولذا« الناس منه في راحة ، إذا جن عليه الليل » قال البيضاوي : جن الليل ستره بظلامة وقال الراغب : يقال جنه الليل وأجنة وجن عليه فجنه ستره وجن عليه كذا ستر عليه ، وفي مجمع البيان : فلما جن عليه الليل أي أظلم وستر بظلامة كل ضياء ، وقال : جن عليه الليل وجنه الليل وأجنة الليل إذا أظلم حتى يستره بظلمته ، انتهى.

والمكارم جمع مكرمة أي أعضاؤه الكريمة الشريفة كالوجه والجبهة والخدين واليدين والركبتين والإبهامين« في فكاك » في للتعليل.

الحديث الحادي والثلاثون : ضعيف.

والإحسان فعل الحسنة ، ويحتمل الإحسان إلى الغير ، وكذاالإساءة يحتملهماوالاستبشار الفرح والسرور.


٣٢ ـ وبإسناده ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إن خياركم أولو النهى قيل يا رسول الله ومن أولو النهى قال هم أولو الأخلاق الحسنة والأحلام الرزينة وصلة الأرحام والبررة بالأمهات والآباء والمتعاهدين للفقراء والجيران واليتامى «وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ » ويفشون السلام في العالم ويصلون والناس نيام غافلون.

٣٣ ـ عنه ، عن الهيثم النهدي ، عن عبد العزيز بن عمر ، عن بعض أصحابه ، عن يحيى بن عمران الحلبي قال قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام أي الخصال بالمرء أجمل

الحديث الثاني والثلاثون : كالسابق.

« أولو النهي » في القاموس : النهية بالضم العقل كالنهي ، وهو يكون جمع نهية أيضا ، وقال الراغب : النهية العقل الناهي عن القبائح جمعها نهى ، قال عز وجل : «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ ، لِأُولِي النُّهى »(١) انتهى.

والأحلام جمع حلم بالكسر بمعنى العقل أو الأناءة وعدم التسرع إلى الانتقام وهو هنا أظهر ، وفي القاموس :الرزين الثقيل ، وترزن في الشيء توقر« وصلة الأرحام » عطف على الأحلام ، ويمكن أن تكون الواو جزء الكلمة والصاد مفتوحة جمع وأصل« والمتعاهدين » في أكثر النسخ بالنصب فيكون نصبا على المدح ، كما قالوا في قوله تعالى في سورة النساء : «وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ »(٢) ويمكن على الاحتمال الثاني في وصلة الأرحام نصب الوصلة على المدح« والناس نيام » جمع نائم« وغافلون » خبر بعد خبر أي بعضهم نيام وبعضهم غافلون أو صفة كاشفة أي المراد بالنيام الغافلون كما ورد الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا.

الحديث الثالث والثلاثون : مجهول.

__________________

(١) سورة طه : ٥٣.

(٢) سورة النساء : ١٦٢.


فقال وقار بلا مهابة وسماح بلا طلب مكافأة وتشاغل بغير متاع الدنيا.

٣٤ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحسن بن محبوب ، عن أبي ولاد الحناط ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال كان علي بن الحسينعليه‌السلام يقول إن المعرفة بكمال دين المسلم تركه الكلام فيما لا يعنيه وقلة مرائه وحلمه وصبره وحسن خلقه.

٣٥ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن محمد بن عرفة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ألا أخبركم بأشبهكم بي قالوا بلى يا رسول الله قال أحسنكم خلقا وألينكم كنفا وأبركم بقرابته وأشدكم حبا لإخوانه

« وقار بلا مهابة » الوقار الرزانة والمهابة أن يخاف الناس من سطوته وظلمه وقيل : أي من غير تكبر ، وفي القاموس : الهيبة المخافة والتقية كالمهابة وقال : سمح ككرمسماحا وسماحة وسماحا ككتاب جاد« بلا طلب مكافأة » من عوض أو ثناء وشكر وأصله مهموز ، وقد يقلب الفاء« بغير متاع الدنيا » من ذكر الله وما يقرب العبد إليه تعالى.

الحديث الرابع والثلاثون : صحيح.

« إن المعرفة » أي سبب المعرفة وما يوجبها أو الحمل على المبالغة في السببية« فيما لا يعنيه » أي فيما لا يهمه ولا ينفعه« وقلة مراءه » أي مجادلته في المسائل الدينية وغيرها ، وقيل : هو المجادلة والاعتراض على كلام الغير من غير غرض ديني« وحلمه » أي تحمله وصبره على ما يصيبه من الغير ، أو عقله وصبره عند البلاء.

الحديث الخامس والثلاثون : مجهول.

« وألينكم كنفا » أي لا يتأذى من مجاورتهم ومجالستهم ومن ناحيتهم أحد في القاموس : أنت في كنف الله محركة : في حرزه وستره وهو الجانب والظل و


في دينه وأصبركم على الحق وأكظمكم للغيظ وأحسنكم عفوا وأشدكم من نفسه إنصافا في الرضا والغضب.

٣٦ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن محبوب ، عن مالك بن عطية ، عن أبي حمزة ، عن علي بن الحسينعليه‌السلام قال من أخلاق المؤمن الإنفاق على قدر الإقتار والتوسع على قدر التوسع وإنصاف الناس وابتداؤه إياهم بالسلام عليهم.

الناحية ومن الطائر جناحه ، وأقول : قد مر مثله في باب حسن الخلق ، وفي النهاية فيه ألا أخبركم بأحبكم إلى وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة : أحاسنكم أخلاقا الموطئون أكنافا ، هذا مثل وحقيقته من التوطئة وهي التمهيد والتذلل وفراش وطئ لا يؤذي جنب النائم ، والأكناف الجوانب ، أراد الذين جوانبهم وطيئة يتمكن فيها من يصاحبهم ولا يتأذى ، انتهى.

وأقول : في بالي أن في بعض الأخبار أكتافا بالتاء ، أي إنهم لشدة تذللهم كأنه يركب الناس أكتافهم ، ولا يتأذون بذلك« لإخوانه في دينه » أي تكون إخوته بسبب الدين لا بسبب النسب« على الحق » أي على المشقة والأذية اللتين تلحقانه بسبب اختيار الحق أو قول الحق« في الرضا » أي عن أحد« والغضب » أي في الغضب له.

الحديث السادس والثلاثون : صحيح.

« الإنفاق على قدر الإقتار » أي الإنفاق بالتقتير على قدر الإقتار من الله ، والحاصل أنه يقتر على أهله وعياله بقدر ما قتر الله عليه ،ويوسع عليهم بقدر ما وسع الله عليه ، وقيل : الإنفاق هنا الافتقار كما في القاموس ، أي يعامل معاملة الفقراء.


٣٧ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن ابن فضال ، عن ابن بكير ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال المؤمن أصلب من الجبل الجبل يستقل منه والمؤمن لا يستقل من دينه شيء.

٣٨ ـ علي بن إبراهيم ، عن صالح بن السندي ، عن جعفر بن بشير ، عن إسحاق بن عمار ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال المؤمن حسن المعونة خفيف المئونة جيد

الحديث السابع والثلاثون : موثق.

« الجبل يستقل منه » من القلة أي ينقص ويؤخذ منه بعضا بالفأس والمعول ونحوهما ،والمؤمن لا ينقص من دينه شيء بالشكوك والشبهات.

الحديث الثامن والثلاثون : مجهول.

وفي المصباح : العون الظهير على الأمر واستعان به فأعانه وقد يتعدى بنفسه فيقال استعانة والاسم المعونة والمعانة أيضا بالفتح ، ووزن المعونة مفعلة بضم العين ، وبعضهم يجعل الميم أصلية ويقول : هي مأخوذة من الماعون ، ويقول هي فعولة والمعونة الثقل ، وفي القاموس : القوت ، والحاصل أنه يعين الناس كثيرا ويكتفي لنفسه بقليل من القوت واللباس وأشباههما ، وفي القاموس :المعيشة التي تعيش بها من المطعم والمشرب ، وما يكون به الحياة وما يعاش به أو فيه والجمع معائش ، وفي النهاية فيه :لا يلسع المؤمن من جحر مرتين ، وفي رواية : لا يلدغ. اللسع واللدغ سواء ، والجحر ثقب الحية ، وهو استعارة هنا ، أي لا يدهى المؤمن من جهة واحدة مرتين ، فإنه بالأولى يعتبر ، قال الخطابي : يروى بضم العين وكسرها ، فالضم على وجه الخبر ومعناه أن المؤمن هو الكيس الحازم الذي لا يؤتي من جهة الغفلة فيخدع مرة بعد مرة ، وهو لا يفطن لذلك ولا يشعر به ، والمراد به الخداع في أمر الدين لا أمر الدنيا ، وأما الكسر فعلى وجه النهي ، أي لا يخدعن المؤمن ولا يؤتين من ناحية الغفلة فيقع في مكروه أو شر وهو لا يشعر به ، وليكن فطنا


التدبير لمعيشته لا يلسع من جحر مرتين.

٣٩ ـ علي بن محمد بن بندار ، عن إبراهيم بن إسحاق ، عن سهل بن الحارث ، عن الدلهاث مولى الرضاعليه‌السلام قال سمعت الرضاعليه‌السلام يقول لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يكون فيه ثلاث خصال سنة من ربه وسنة من نبيه وسنة من

حذرا وهذا التأويل يصلح أن يكون لأمر الدين والدنيا معا ، انتهى.

وأقول : روى مسلم في صحيحه مثل هذا الخبر ، وذكر في إكمال الإكمال هذين الوجهين اللذين ذكرهما في النهاية ، ثم قال : وذكر عياض هذين الوجهين ورجح الخبر بأن سبب قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هذا أن أبا عزة الشاعر أخا مصعب بن عمير كان أسر يوم بدر فسأل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يمن عليه ففعل وعاهده أن لا يحرض عليه ولا يهجوه فلما لحق بأهله عاد إلى ما كان عليه فأسر يوم أحد فسأله أيضا أن يمن عليه فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هذا الكلام البليغ الجامع الذي لم يسبق إليه ، وفيه تنبيه عظيم على أنه إذا رأى الأذى من جهة لا يعود إليها ثانية.

وقال الآبي : رجح الخطابي النهي بعد ذكر الوجهين ، وكأنه لم يبلغه أي الخطابي سبب قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هذا الكلام ، ولو بلغه لم يحمله علي النهي ، وأجاب الطيبي بأنه وإن بلغه السبب فلا يبعد النهي بل هو أولى من الخبر ، وذلك أنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لما دعته نفسهصلى‌الله‌عليه‌وآله الزكية الكريمة إلى الحلم والصفح جرد من نفسه مؤمنا حازما فطنا ونهاه أن ينخدع لهذا المتمرد الخائن ، وكان مقام الغضب لله تعالى ، فأبى إلا الانتقام من أعداء الله لأن الانتقام منهم مطلوب ، والتجريد أحد ألقاب البديع ومحسناته ، وبيان أنه أولى أنه إذا حمل على الخبر تفوت دلالة الحديث على طلبه الانتقام.

الحديث التاسع والثلاثون : ضعيف.


وليه فأما السنة من ربه فكتمان سره قال الله عز وجل : «عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ »(١) وأما السنة من نبيه فمداراة الناس فإن الله عز وجل أمر نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله بمداراة الناس فقال «خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ »(٢)

«عالِمُ الْغَيْبِ » قال الطبرسي (ره) : أي هو عالم الغيب يعلم متى تكون القيامة «فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً » أي لا يطلع على الغيب أحدا من عباده ، ثم استثنى فقال : «إِلاَّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ » يعني الرسل فإنه يستدل على نبوتهم بأن يخبروا بالغيب ليكون آية معجزة لهم ، ومعناه إلا من ارتضاه واختاره للنبوة والرسالة فإنه يطلعه على ما شاء من غيبه على حسب ما يراه من المصلحة ، انتهى.

وقد مر عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : كان والله محمد ممن ارتضاه ، وفي الخرائج عن الرضاعليه‌السلام في قوله تعالى : «إِلاَّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ » قال : فرسول الله عند الله مرتضى ، ونحن ورثة ذلك الرسول الذي أطلعه الله على ما يشاء من غيبه ، فعلمنا ما كان وما يكون إلى يوم القيامة ، وفي تفسير علي بن إبراهيم «إِلاَّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ » يعني عليا المرتضى من الرسول وهو منه.

ثم اعلم أن الاستشهاد بالآية الكريمة يدل على أن المراد بكتمان السر الكتمان من غير أهله ، وعمن لا يكتمه.

«خُذِ الْعَفْوَ » قال في المجمع : أي خذ يا محمد ما عفا من أموال الناس أي ما فضل من النفقة ، فكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يأخذ الفضل من أموالهم ليس فيها شيء موقت ثم نزلت آية الزكاة ، فصار منسوخا بها ، وقيل : معناه خذ العفو من أخلاق الناس ، واقبل الميسور منها ، ومعناه أنه أمره بالتساهل وترك الاستقصاء في القضاء والاقتضاء ، وهذا يكون في الحقوق الواجبة لله وللناس وفي غيرها ، وقيل : هو العفو في قبول

__________________

(١) سورة الجنّ : ٢٥ ـ ٢٦.

(٢) سورة الأعراف : ١٩٩.


وأما السنة من وليه فالصبر فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ.

العذر عن المتعذر وترك المؤاخذة بالإساءة ، وروي أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سأل جبرئيل عن ذلك فقال : يا محمد إن الله يأمرك أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك. «وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ » يعني بالمعروف وهو كل ما حسن في العقل فعله أو في الشرع ولم يكن منكرا ولا قبيحا عند العقلاء ، وقيل : بكل خصلة حميدة «وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ » معناه وأعرض عنهم عند قيام الحجة عليهم والإياس من قبولهم ولا تقابلهم بالسفه صيانة لقدرك ، فإن مجاوبة السفيه تضع عن القدر ، ولا يقال هذه الآية منسوخة بآية القتال ، لأنها عامة خص عنها الكافر الذي يجب قتله بدليل.

وأقول : روى الصدوققدس‌سره في العيون هذا الخبر عن هذا الراوي ، و «أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ » موجود فيه ، وزاد في آخره أيضا قال الله عز وجل «وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ » ، وكأنه سقط من النساخ والآية هكذا : «لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ » والأكثر على أن نصب الصابرين على المدح ، وقال البيضاوي عن الأزهري : البأساء في الأموال كالفقر ، والضراء في الأنفس كالمرض ، وحين البأس وقت مجاهدة العدو ، ويدل الخبر على أن هذه الآية نزلت في الأئمةعليهم‌السلام فهم الصادقون الذين أمر الله بالكون معهم ، حيث قال : «وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ».


(باب)

(في قلة عدد المؤمنين)

١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن سنان ، عن قتيبة الأعشى قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول المؤمنة أعز من المؤمن والمؤمن أعز من الكبريت الأحمر فمن رأى منكم الكبريت الأحمر.

٢ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن ابن أبي نجران ، عن مثنى الحناط ، عن كامل التمار قال سمعت أبا جعفرعليه‌السلام يقول الناس كلهم بهائم

باب قلة عدد المؤمنين

الحديث الأول : ضعيف على المشهور.

وفي القاموس :عز يعز عزا وعزة بكسرهما صار عزيزا كتعزز وقوي بعد ذلة ، والشيء قل فلا يكاد يوجد فهو عزيز ، وقال : الكبريت من الحجارة الموقد بها ، والياقوت الأحمر والذهب أو جوهر معدنه خلف التبت بوادي النمل ، انتهى.

والمشهور أن الكبريت الأحمر هو الجوهر الذي يطلبه أصحاب الكيمياء وهو الإكسير ، وحاصل الحديث أن المرأة المتصفة بصفات الإيمان أقل وجودا من الرجل المتصف بها والرجل المتصف بها أعز وجودا من الإكسير الذي لا يكاد يوجد ، ثم أكد قلة وجود الكبريت بقوله : فمن رأى منكم؟ وهو استفهام إنكاري أي إذا لم تروا الكبريت الأحمر فكيف تطمعون في رؤية المؤمن الكامل الذي هو أعز وجودا منه ، أو في كثرته.

الحديث الثاني : كالسابق.

« كلهم بهائم » أي شبيهة بها في عدم العقل وإدراك الحمق وغلبة الشهوات


ثلاثا إلا قليلا من المؤمنين والمؤمن غريب ثلاث مرات.

٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن محبوب ، عن ابن رئاب قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول لأبي بصير أما والله لو أني أجد منكم ثلاثة مؤمنين يكتمون حديثي ما استحللت أن أكتمهم حديثا.

النفسانية على القوي العقلانية كما قال تعالى : «إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً »(١) .

« إلا قليل » كذا في أكثر النسخ ، وفي بعضها : إلا قليلا ، وهو أصوب.« المؤمن غريب » لأنه قلما يجد مثله فيسكن إليه فهو بين الناس كالغريب الذي بعد عن أهله ووطنه ودياره.« ثلاث مرات » أي قال هذا الكلام ثلاث مرات ، وكذا قوله ثلاثا ، وفي بعض النسخ عزيز مكان غريب.

الحديث الثالث : حسن كالصحيح.

« ثلاثة مؤمنين » ثلاثة إما بالتنوين ومؤمنين صفتها أو بالإضافة فمؤمنين تميز ، ويدل على أن المؤمن الكامل الذي يستحق أن يكون صاحب أسرارهم وحافظها قليل ، وإنهم كانوا يتقون من أكثر الشيعة كما كانوا يتقون من المخالفين ، لأنهم كانوا يذيعون فيصل ذلك إما إلى خلفاء الجور فيتضررونعليهم‌السلام منهم ، أو إلى نواقص العقول الذين لا يمكنهم فهمها فيصير سببا لضلالتهم ، وقد مر تحقيق ذلك في باب الكتمان ، ويمكن أن يقال في سبب تعيين الثلاثة أن الواحد لا يمكنه ضبط السر وكذا الاثنان ، وأما إذا كانوا ثلاثة فيأنس بعضهم ببعض ، ويذكرون ذلك فيما بينهم فلا يضيق صدرهم ، ويخف عليهم الاستتار عن غيرهم كما هو المجرب.

__________________

(١) سورة الفرقان : ٤٤.


٤ ـ محمد بن الحسن وعلي بن محمد بن بندار ، عن إبراهيم بن إسحاق ، عن عبد الله بن حماد الأنصاري ، عن سدير الصيرفي قال دخلت على أبي عبد اللهعليه‌السلام فقلت له والله ما يسعك القعود فقال ولم يا سدير قلت لكثرة مواليك وشيعتك وأنصارك والله لو كان لأمير المؤمنينعليه‌السلام ما لك من الشيعة والأنصار والموالي ما طمع فيه تيم ولا عدي فقال يا سدير وكم عسى أن يكونوا قلت مائة ألف قال مائة ألف قلت نعم ومائتي ألف قال مائتي ألف قلت نعم ونصف الدنيا قال فسكت عني ثم قال يخف عليك أن تبلغ معنا إلى ينبع قلت نعم فأمر بحمار وبغل أن يسرجا فبادرت فركبت الحمار فقال يا سدير أترى أن تؤثرني بالحمار

الحديث الرابع : ضعيف.

وسدير كأمير «ما يسعك القعود » أي ترك القتال والجهاد وفي المصباح : قعد عن حاجته تأخر عنها ، والموالي الأحباء أو المخلصون من الشيعة والتيم قبيلة أبي بكر ، والعدي قبيلة عمر ، أي ما طمع في غصب خلافته التيمي والعدوي أو قبيلتهما« قال مائة ألف » على التعجب والإنكار« يخف عليك » بكسر الخاء أي يسهل ولا يثقل ، وفي القاموس : خف القوم ارتحلوا مسرعين ، وقال :ينبع كينصر حصن له حصون ونخيل وزروع بطريق حاج مصر ، وفي النهاية : على سبع مراحل من المدينة من جهة البحر ، وقيل : على أربع مراحل وهو من أوقاف أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وهوعليه‌السلام أجرى عينه كما يظهر من الأخبار« أن يسرجا » بدل اشتمال لقوله : حمار« وبغل أزين » أي الزينة في ركوبه وعند الناس أحسن ، وفي القاموس :النبل بالضم الذكاء والنجابة ، نبل ككرم فهو نبيل وامرأة نبيلة في الحسن بينة النبالة ، وكذا الناقة والفرس والرجل.

والحاصل أني إنما اخترت لك البغل لأنه أشرف وأفضل ، واختارعليه‌السلام الحمار لأن التواضع فيه أكثر مع سهولة الركوب والنزول والسير.


قلت البغل أزين وأنبل قال الحمار أرفق بي فنزلت فركب الحمار وركبت البغل فمضينا فحانت الصلاة فقال يا سدير انزل بنا نصل ثم قال هذه أرض سبخة لا تجوز الصلاة فيها فسرنا حتى صرنا إلى أرض حمراء ونظر إلى غلام يرعى جداء فقال والله يا سدير لو كان لي شيعة بعدد هذه الجداء ما وسعني القعود ونزلنا وصلينا فلما فرغنا من الصلاة عطفت على الجداء فعددتها فإذا هي سبعة عشر.

٥ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن سنان ، عن عمار بن مروان ، عن سماعة بن مهران قال قال لي عبد صالح صلوات الله عليه يا سماعة أمنوا على فرشهم وأخافوني أما والله لقد كانت الدنيا وما فيها إلا واحد يعبد الله

« فحانت الصلاة » أي قرب أو دخل وقتها ، في القاموس : حان يحين قرب وآن ، وكان الأمر بالنزول أولا ثم الإعراض عنه للتنبيه على عدم جواز الصلاة فيها ، وفي المشهور محمول على الكراهة إلا أن لا يحصل الاستقرار ، وسيأتي في كتاب الصلاة ، وكره الصلاة فيالسبخة إلا أن تكون مكانا لينا تقع عليه الجبهة مستويا وسنتكلم عليه إنشاء الله ، وقال الجوهري :الجدي من ولد المعز وثلاثة أجد ، فإذا كثرت فهي الجداء ، ولا تقل الجدايا ، ولا الجدي بكسر الجيم ، وقال :عطفت أي ملت ، ويومئ إلى أن الصاحبعليه‌السلام مع كثرة من يدعي التشيع ليست له شيعة واقعية بهذا العدد ، وقيل : أي لا بد أن يكون في عسكر الإمام هذا العدد من المخلصين حتى يمكنه طلب حقه بهذا العسكر ، لا أن هذا العدد كاف في جواز الخروج.

الحديث الخامس : ضعيف على المشهور.

« وأخافوني » أي بالإذاعة وترك التقية والضمير في آمنوا راجع إلى المدعين للتشيع الذين لم يطيعوا أئمتهم في التقية وترك الإذاعة ، وأشار بذلك إلى أنهم ليسوا بشيعة لنا ، ثم ذكر لرفع استبعاد السائل عن قلة المخلصينبقوله


ولو كان معه غيره لأضافه الله عز وجل إليه حيث يقول «إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ »(١) فغبر بذلك ما شاء الله ثم إن الله آنسه بإسماعيل وإسحاق فصاروا ثلاثة أما والله إن المؤمن لقليل وإن أهل الكفر لكثير

لقد كانت الدنيا وما فيها ، الواو للحال وما نافية« ولو كان معه غيره » أي من أهل الإيمان« لإضافة الله عز وجل إليه » لأن الغرض ذكر أهل الإيمان التاركين للشرك ، حيث قال : «وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ » فلو كان معه غيره من المؤمنين لذكره معه «إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً » قال في مجمع البيان : اختلف في معناه فقيل : قدوة ومعلما للخير قال ابن الأعرابي : يقال للرجل العالم أمة ، وقيل : أراد إمام هدى ، وقيل : سماه أمة لأن قوام الأمة كان فيه ، وقيل : لأنه قام بعمل أمة ، وقيل : لأنه انفرد في دهره بالتوحيد ، فكان مؤمنا وحده والناس كفار «قانِتاً لِلَّهِ » أي مطيعا له دائما على عبادته ، وقيل : مصليا «حَنِيفاً » أي مستقيما على الطاعة وطريق الحق وهو الإسلام «وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ » بل كان موحدا ، انتهى.

وقيل : يحتمل أن يكون من للابتداء أي لم يكن في آبائه مشرك وهو بعيد ، وفي النهاية في حديث قس : أنه يبعث يوم القيامة أمة وحده : الأمة الرجل المتفرد بدين كقوله تعالى «إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ » انتهى.

وأقول : كان هذا كان بعد وفاة لوطعليه‌السلام أو أنه لما لم يكن معه وكان مبعوثا على قوم آخرين لم يكن ممن يؤنسه ويقويه على أمره في قومه.

« فغبر بذلك » في أكثر النسخ بالغين المعجمة والباء الموحدة أي مكث أو مضى وذهب كما في القاموس ، فعلى الأول فيه ضمير مستتر راجع إلى إبراهيم ، وعلى الثاني فاعلهما شاء الله ، وفي بعض النسخ فصبر فهو موافق للأول ، وفي بعضها بالعين المهملة فهو موافق للثاني« وإن أهل الكفر كثير » المراد بالكفر هنا مقابل

__________________

(١) سورة النحل : ١٢٠.


أتدري لم ذاك فقلت لا أدري جعلت فداك فقال صيروا أنسا للمؤمنين يبثون إليهم ما في صدورهم فيستريحون إلى ذلك ويسكنون إليه.

٦ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن محمد بن أورمة ، عن النضر ، عن يحيى بن أبي خالد القماط ، عن حمران بن أعين قال قلت لأبي جعفرعليه‌السلام جعلت فداك ما أقلنا لو اجتمعنا على شاة ما أفنيناها فقال ألا أحدثك بأعجب من ذلك ـ المهاجرون والأنصار ذهبوا إلا وأشار بيده ثلاثة قال حمران فقلت جعلت

الإيمان الكامل ، كما قال سبحانه : «وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ »(١) « أتدري لم ذلك » ؟ هذا بيان لحقية هذا الكلام أي قلة عدد المؤمنين مع أنهم بحسب الظاهر كثيرون أو لأن الله تعالى لم جعل هؤلاء في صورة المؤمنين؟ أو لم خلقهم؟ والمعنى على التقديرين أن الله تعالى جعل لهؤلاء المتشيعة أنسا للمؤمنين لئلا يستوحشوا لقلتهم ، أو يكون علة لخروج هؤلاء عن الإيمان ، فالمعنى أن الله تعالى جعل المخالفين أنسا للمؤمنين فيبثون أي المؤمنون إلى المخالفين أسرار أئمتهم فبذلك خرجوا عن الإيمان ، ويؤيد الاحتمالات المتقدمة خبر علي بن جعفر« فيستريحون إلى ذلك » إلى بمعنى مع لو ضمن في متعلقة معنى التوجه ونحوه.

الحديث السادس : ضعيف.

« ما أقلنا » صيغة تعجب« ما أفنيناها » أي ما نقدر على أكل جميعها و« أشار » كلام الراوي ، والمراد به الإشارة بثلاث أصابع من يده و« ثلاثة » كلام الإمام ، والمراد بالثلاثة سلمان وأبو ذر والمقداد ، كما روى الكشي عن الباقرعليه‌السلام أنه قال : ارتد الناس إلا ثلاثة نفر سلمان وأبو ذر والمقداد ، قال الراوي : فقلت : فعمار؟ قال : كان جاض جيضة ثم رجع ثم قال : إن أردت الذي لم يشك ولم يدخله شيء فالمقداد

__________________

(١) سورة يوسف : ١٠٦.


فداك ما حال عمار قال رحم الله عمارا أبا اليقظان بايع وقتل شهيدا فقلت في نفسي ما شيء أفضل من الشهادة فنظر إلي فقال لعلك ترى أنه مثل الثلاثة أيهات أيهات.

٧ ـ الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن أحمد بن محمد بن عبد الله ، عن علي بن جعفر قال سمعت أبا الحسنعليه‌السلام يقول ليس كل من قال بولايتنا مؤمنا ولكن جعلوا أنسا للمؤمنين.

فأما سلمان فإنه عرض في قلبه أن عند أمير المؤمنين اسم الله الأعظم لو تكلم به لأخذتهم الأرض وهو هكذا ، وأما أبو ذر فأمره أمير المؤمنينعليه‌السلام بالسكوت ولم يأخذه في الله لومة لائم فأبى إلا أن يتكلم.

« جاض » أي عدل عن الحق ومال ، وروي في حديث آخر عنهعليه‌السلام قال : ارتد الناس إلا ثلاثة نفر سلمان وأبو ذر والمقداد ثم أناب الناس بعد ، كان أول من أناب أبو ساسان وعمار وأبو عروة وشتيرة(١) فكانوا سبعة فلم يعرف حق أمير المؤمنينعليه‌السلام إلا هؤلاء السبعة« فنظر إلى » نظرهعليه‌السلام إليه لعلمه بما حدثت به نفسه ، وفي النهاية : قد تكرر في الحديث ذكر هيهات وهي كلمة تبعيد مبنية على الفتح وناس يكسرونها ، وقد تبدل الهاء همزة ، فيقالأيهات ، ومن فتح وقف بالتاء ومن كسر وقف بالهاء ، وقال الجوهري : هيهات كلمة تبعيد ، والتاء مفتوحة ، مثل كيف وأصلها هاء ، وناس يكسرونها على كل حال بمنزلة نون التثنية ، وقد تبدل الهاء همزة ، فيقال أيهات ، مثل هراق وأراق ، قال الكسائي : ومن كسر التاء وقف عليها بالهاء ، فيقول هيهات ، ومن نصبها وقف بالتاء وإن شاء بالهاء.

الحديث السابع : ضعيف.

__________________

(١) قال العلاّمة التستريّ : الظاهر أنّ أبا ساسان محرّف أبي سنان ، وأبي سنان إمّا هو أبو سنان الأسدي أخو عكاشة بن محصن ، وهو أوّل من بايع تحت الشجرة في قصة بيعة الرضوان ، وإمّا أبو سنان الأنصاريّ من خواصّ أمير المؤمنينعليه‌السلام وأصفيائه. وشتيرة مولى أسود لعليّعليه‌السلام كما ذكره أيضا فراجع إن شئت.


(باب)

(الرضا بموهبة الإيمان والصبر على كل شيء بعده)

١ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن فضال ، عن ابن بكير ، عن فضيل بن يسار ، عن عبد الواحد بن المختار الأنصاري قال قال أبو جعفرعليه‌السلام يا عبد الواحد ما يضر رجلا إذا كان على ذا الرأي ما قال الناس له ولو قالوا مجنون وما يضره ولو كان على رأس جبل يعبد الله حتى يجيئه الموت.

٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن ابن مسكان ، عن معلى بن خنيس ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال الله تبارك وتعالى لو لم يكن في الأرض إلا مؤمن واحد لاستغنيت به عن جميع خلقي ولجعلت

باب الرضا بموهبة الإيمان والصبر على كل شيء بعده

الحديث الأول : مجهول.

« ما يضر » ما نافية ويحتمل الاستفهام على الإنكار« على ذا الرأي » أي على هذا الرأي وهو التشيع« ما قال » فاعل ما يضر« ولو قالوا مجنون » فإن هذا أقصى ما يمكن أن يقال فيه كما قالوا في الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم « وما يضره » أي قول الناس وهذا أيضا يحتمل الاستفهام« ولو كان على رأس جبل » لكثرة قول الناس فيه هربا من أقوالهم فيه وضررهم« يعبد الله » حال أو استيناف كأنه سئل كيف لا يضره ذلك؟ قال لأنه يعبد الله حتى يأتيه الموت.

الحديث الثاني : مختلف فيه بالمعلى معتبر عندي.

« لاستغنيت به » أي لأقمت نظام العالم وأنزلت الماء من السماء ، ولدفعت العذاب وأنواع البلاء بسبب هذا المؤمن لأن هذا يكفي لمصلحة بقاء النظام ، ويحتمل أن يكون هذا المؤمن الواحد الإمام ، أو لا بد من أحد غيره يؤمن به ، والأول أظهر


له من إيمانه أنسا لا يحتاج إلى أحد.

٣ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن الحسين بن موسى ، عن فضيل بن يسار ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال ما يبالي من عرفه الله هذا الأمر أن يكون على قلة جبل يأكل من نبات الأرض حتى يأتيه الموت.

٤ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن كليب بن معاوية ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال سمعته يقول ما ينبغي للمؤمن أن يستوحش إلى أخيه

لما مر من كون إبراهيمعليه‌السلام أمة وأما كون الإيمان سببا للأنس وعدم الاستيحاش لأنه يتفكر في الله وصفاته وفي صفات الأنبياء والأئمةعليهم‌السلام وحالاتهم ، وفي درجات الآخرة ونعمها ويتلو كتاب الله ويدعوه ويعبده فيأنس به سبحانه ، كما سئل عن راهب لم لا تستوحش من الخلوة؟ قال : لأني إذا أردت أن يكلمني أحد أتلو كتاب الله ، وإذا أردت أن أكلم أحدا أناجي الله ، وسيأتي في كتاب القرآن عن علي بن الحسينعليه‌السلام أنه لو مات من بين المشرق والمغرب لما استوحشت بعد أن يكون القرآن معي.

الحديث الثالث : مجهول.

« ما يبالي » خبر أو المعنى ينبغي أن لا يبالي« من عرفه الله هذا الأمر » أي دين الإمامية ، وفي الصحاح :القلة أي بالضم أعلى الجبل ، وقلة كل شيء أعلاه.

الحديث الرابع : حسن.

« أن يستوحش » أي يجد الوحشة ، ولعله ضمن معنى الميل والسكون ، فعدي بإلى أي استوحش من الناس مائلا أو ساكنا إلى أخيه ، وقال في الوافي : ضمن الاستيحاش معنى الاستئناس ، فعداه بإلى ، وإنما لا ينبغي له ذلك لأنه ذل ، فلعل أخاه الذي ليس في مرتبته لا يرغب في صحبته ، وقال بعضهم : إلى بمعنى مع ، والمرادبأخيه أخوه النسبي ، ومن موصولة ودون منصوب بالظرفية ، والضمير لأخيه


فمن دونه المؤمن عزيز في دينه.

٥ ـ عنه ، عن أحمد بن محمد ، عن محمد بن خالد ، عن فضالة بن أيوب ، عن عمر بن أبان وسيف بن عميرة ، عن فضيل بن يسار قال دخلت على أبي عبد اللهعليه‌السلام في مرضة مرضها لم يبق منه إلا رأسه فقال يا فضيل إنني كثيرا ما أقول ما على

أي لا ينبغي للمؤمن أن يجد وحشة مع أخيه النسبي إذا كان كافرا ، فمن كان دون هذا الأخ من الأقارب والأجانب ، وقيل : أي لا ينبغي للمؤمن أن يستوحش من الله ومن الإيمان به إلى أخيه فكيف من دونه ، إذ للمؤمن أنس بالإيمان وقرب الحق من غير وحشة ، فلو انتفى الأنس وتحققت الوحشة انتفى الإيمان والقرب.

وأقول : الأظهر ما ذكرنا أولا من أن المؤمن لا ينبغي أن يجد الوحشة من قلة أحبائه وموافقيه وكثرة أعدائه ومخالفيه ، فيأنس لذلك ويميل إلى أخيه الديني أو النسبي ،فمن دونه من الأعادي أو الأجانب ، وقوله : المؤمن عزيز في دينه ، جملة استينافية فكأنه يقول قائل : لم لا يستوحش؟ فيجيب : بأنه منيع رفيع القدر بسبب دينه فلا يحتاج في عزه وكرامته وغلبته إلى أن يميل إلى أحد ويأنس به ، والحاصل أن عزته بالدين لا بالعشائر والتابعين ، فكلمة في سببية.

وأقول : في بعض النسخ عمن دونه ، وفي بعضها عن دونه ، فهو صلة للاستيحاش أي يأنس بأخيه مستوحشا عمن هو غيره.

الحديث الخامس : صحيح.

« في مرضة » بالفتح أو بالتحريك وكلاهما مصدر« مرضها » أي مرض بها ، وقيل : البارز في مرضها مفعول مطلق للنوع« لم يبق منه إلا رأسه » من للتبعيض والضمير للإمامعليه‌السلام أي من أعضائه ، أو للتعليل والضمير للمرض والأول أظهر ، والمعنى أنه نحف جميع أعضائه وهزلت حتى كأنه لم يبق منها شيء إلا رأسه ، فإنه لقلة لحمه لا يعتريه الهزال كثيرا ، أو المراد أنه لم تبق قوة الحركة في شيء


رجل عرفه الله هذا الأمر لو كان في رأس جبل حتى يأتيه الموت يا فضيل بن يسار إن الناس أخذوا يمينا وشمالا وإنا وشيعتنا هدينا «الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ » يا فضيل بن يسار إن المؤمن لو أصبح له ما بين المشرق والمغرب كان ذلك خيرا له ولو أصبح مقطعا أعضاؤه كان ذلك خيرا له يا فضيل بن يسار إن الله لا يفعل بالمؤمن إلا ما هو خير له يا فضيل بن يسار لو عدلت الدنيا عند الله عز وجل جناح بعوضة ما سقى

من أعضائه إلا في رأسه ، والأول أظهر.

« كثيرا ما أقول » ما زائدة للإبهام وما فيقوله : « ما على رجل » نافية أو استفهامية للإنكار ، وحاصلهما واحد ، أي لا ضرر أو لا وحشة عليه« أخذوا يمينا وشمالا » أي عدلوا عن الصراط المستقيم إلى أحد جانبيه ، من الإفراط كالخوارج أو التفريط كالمخالفين« له ما بين المشرق » أي والحال أن له ما بينهما أو أصبح بمعنى صار« مقطعا » على بناء المفعول للتكثير« أعضاؤه » بدل اشتمال من الضمير المستتر في مقطعا ، ومنهم من قرأ أعضاء بالنصب على التميز ، وقوله عليه‌السلام : إن الله لا يفعل بالمؤمن ، تعليل لهاتين الجملتين ، فإنه تعالى لو أعطى جميع الدنيا المؤمن لم يكن ذلك على سبيل الاستدراج ، بل لأنه علم أنه يشكره ويصرفه في مصارف الخير ، ولا يصير ذلك سببا لنقص قدره عند الله ، كما فعل بسليمانعليه‌السلام بخلاف ما إذا فعل ذلك بغير المؤمن ، فإنه لإتمام الحجة عليه واستدراجه ، فيصير سببا لشدة عذابه ، وكذا إذا قدر للمؤمن تقطيع أعضائه فإنما هو لمزيد قربه عنده تعالى ، ورفعة درجاته في الآخرة ، فينبغي أن يشكره سبحانه في الحالتين ، ويرضى بقضائه فيهما ، ولما كان الغالب في الدنيا فقر المؤمنين وابتلائهم بأنواع البلاء ، وغنى الكفار والأشرار والجهال رغب الأولين بالصبر وحذر الآخرين عن الاغترار بالدنيا والفخربقوله عليه‌السلام : « لو عدلت الدنيا عند الله جناح بعوضة » عند الناس« ما سقى عدوه منها شربة ماء » فما أعطاه أعداءه ليس لكرامتهم عنده بل لهوانهم عليه ، ولذا لم


عدوه منها شربة ماء يا فضيل بن يسار إنه من كان همه هما واحدا كفاه الله همه ومن كان همه في كل واد لم يبال الله بأي واد هلك.

يعطهم من الآخرة التي لها عنده قدر ومنزله شيئا ، وقد قال تعالى : «وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ »(١) .

« إنه من كان همه هما واحدا » الهم القصد والعزم والحزن ، والحاصل أنه من كان مقصوده أمرا واحدا وهو طلب دين الحق ورضا الله تعالى وقربه وطاعته ولم يخلطه بالأغراض النفسانية والأهواء الباطلة فإن الحق واحد وللباطل شعب كثيرة« كفاه الله همه » أي أعانه على تحصيل ذلك المقصود ، ونصره على النفس والشيطان وجنود الجهل« ومن كان همه في كل واد » من أودية الضلالة والجهالة« لم يبال الله بأي واد هلك » أي صرف الله لطفه وتوفيقه عنه ، وتركه مع نفسه وأهوائها حتى يهلك باختيار واحد من الأديان الباطلة ، أو كل واد من أودية الدنيا وكل شعبة من شعب أهواء النفس الأمارة بالسوء ، من حب المال والجاه والشرف والعلو ولذة المطاعم والمشارب والملابس والمناكح وغير ذلك من الأمور الباطلة الفانية.

والحاصل أن من اتبع الشهوات النفسانية والآراء الباطلة ولم يصرف نفسه عن مقتضاها إلى دين الحق وطاعة الله وما يوجب قربه لم يمدده الله بنصره وتوفيقه ، ولم يكن له عند الله قدر ومنزلة ، ولم يبال بأي طريق سلك ولا في أي واد هلك ، وقيل : بأي واد من أودية جهنم ، وقيل : يمكن أن يراد بالهم الواحد القصد إلى الله والتوكل عليه في جميع الأمور ، فإنه تعالى يكفيه هم الدنيا والآخرة ، بخلاف من اعتمد على رأيه وقطع علاقة التوكل عن نفسه ، ويحتمل أن يكون

__________________

(١) سورة الزخرف : ٣٣.


٦ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن محمد بن سنان ، عن ابن مسكان ، عن منصور الصيقل والمعلى بن خنيس قالا سمعنا أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال الله عز وجل ما ترددت في شيء أنا فاعله كترددي في موت عبدي

المراد بالهم الحزن والغم أي من كان حزنه للآخرة كفاه الله ذلك وأوصله إلى سرور الأبد ، ومن كان حزنه للدنيا وكله الله تعالى إلى نفسه حتى يهلك في واد من أودية أهوائهم.

الحديث السادس : ضعيف على المشهور.

« ما ترددت في شيء » هذا الحديث من الأحاديث المشهورة بين الفريقين ، ومن المعلوم أنه لم يرد التردد المعهود من الخلق في الأمور التي يقصدونها فيترددون في إمضائها إما لجهلهم بعواقبها أو لقلة ثقتهم بالتمكن منها لمانع ونحوه ، ولهذا قال :« أنا فاعله » أي لا محالة أنا أفعله لحتم القضاء بفعله ، أو المراد به التردد في التقديم والتأخير لا في أصل الفعل.

وعلى التقديرين فلا بد فيه من تأويل وفيه وجوه عند الخاصة والعامة ، أما عند الخاصة فثلاثة :

الأول : أن في الكلام إضمارا ، والتقدير لو جاز على التردد ما ترددت في شيء كترددي في وفاة المؤمن.

الثاني : أنه لما جرت العادة بأن يتردد الشخص في مساءة من يحترمه ويوقره كالصديق ، وأن لا يتردد في مساءة من ليس له عنده قدر ولا حرمة كالعدو ، بل يوقعها من غير تردد وتأمل ، صح أن يعبر عن توقير الشخص واحترامه بالتردد ، وعن إذلاله واحتقاره بعدمه ، فالمعنى ليس لشيء من مخلوقاتي عندي قدر وحرمة ، كقدر عبدي المؤمن وحرمته ، فالكلام من قبيل الاستعارة التمثيلية.

الثالث : أنه ورد من طرق الخاصة والعامة أن الله سبحانه يظهر للعبد المؤمن


المؤمن إنني لأحب لقاءه ويكره الموت فأصرفه عنه وإنه ليدعوني فأجيبه وإنه ليسألني فأعطيه ولو لم يكن في الدنيا إلا واحد من عبيدي مؤمن لاستغنيت

عند الاحتضار من اللطف والكرامة والبشارة بالجنة ما يزيل عنه كراهة الموت ، ويوجب رغبته في الانتقال إلى دار القرار ، فيقل تأذيه به ، ويصير راضيا بنزوله ، وراغبا في حصوله فأشبهت هذه المعاملة معاملة من يريد أن يؤلم حبيبه ألما يتعقبه نفع عظيم ، فهو يتردد في أنه كيف يوصل ذلك الألم إليه على وجه يقل تأذيه ، فلا يزال يظهر له ما يرغبه فيما يتعقبه من اللذة الجسيمة ، والراحة العظيمة إلى أن يتلقاه بالقبول ، ويعده من الغنائم المؤدية إلى إدراك المأمول ، فيكون في الكلام استعارة تمثيلية.

وأما وجوهه عند العامة فهي أيضا ثلاثة :

الأول : أن معناه ما تردد عبدي المؤمن في شيء أنا فاعله كتردده في قبض روحه ، فإنه متردد بين إرادته البقاء وإرادتي للموت ، فأنا ألطفه وأبشره حتى أصرفه عن كراهة الموت ، فأضاف سبحانه تردد نفس وليه إلى ذاته المقدسة كرامة وتعظيما له ، كما يقول غدا يوم القيامة لبعض من يعاتبه من المؤمنين في تقصيره عن تعاهد ولي من أوليائه : عبدي مرضت فلم تعدني؟ فيقول : كيف تمرض وأنت رب العالمين؟ فيقول : مرض عبدي فلان فلم تعده ، فلو عدته لوجدتني عنده ، فكما أضاف مرض وليه وسقمه إلى عزيز ذاته المقدسة عن نعوت خلقه إعظاما لقدر عبده ، وتنويها بكرامة منزلته كذلك أضاف التردد إلى ذاته لذلك.

الثاني : أن ترددت في اللغة بمعنى رددت مثل قولهم فكرت وتفكرت ودبرت وتدبرت فكأنه يقول : ما رددت ملائكتي ورسلي في أمر حكمته بفعله مثل ما رددتهم عند قبض روح عبدي المؤمن فأرددهم في إعلامه بقبضي له وتبشيره بلقائي ، وبما أعددت له عندي كما ردد ملك الموتعليه‌السلام إلى إبراهيم وموسىعليهما‌السلام في القصتين


به عن جميع خلقي ولجعلت له من إيمانه أنسا لا يستوحش إلى أحد.

المشهورتين إلى أن اختارا الموت فقبضهما(١) كذلك خواص المؤمنين من الأولياء يرددهم إليهم رفقا وكرامة ليميلوا إلى الموت ، ويحبوا لقاءه تعالى.

الثالث : أن معناه ما رددت الأعلال والأمراض والبر واللطف والرفق حتى يرى بالبر عطفي وكرمي ، فيميل إلى لقائي طمعا ، وبالبلايا والعلل فيتبرم بالدنيا ، ولا يكره الخروج منها.

وما دل عليه هذا الحديث من أن المؤمن يكره الموت ، لا ينافي ما دلت الروايات الكثيرة عليه من أن المؤمن يحب لقاء الله ولا يكرهه.

أما ما ذكره الشهيد في الذكرى من أن حب لقاء الله غير مقيد بوقت فيحمل على حال الاحتضار ومعاينة ما يحب ، فإنه ليس شيء حينئذ أحب إليه من الموت ولقاء الله ، ولأنه يكره الموت من حيث التألم به ، وهما متغايران وكراهة أحد المتغايرين لا يوجب كراهة الآخر ، أو لأن حب لقاء الله يوجب حب كثرة العمل النافع وقت لقائه ، وهو يستلزم كراهة الموت القاطع له ، واللازم لا ينافي الملزوم.

قوله تعالى : « وإنه ليدعوني » بأن يقول يا الله مثلا« فأجيبه » بأن يقول له : لبيك مثلا« وإنه ليسألني » أي يطلب حاجته كان يقول : اصرف عني الموت« لاستغنيت به » أي اكتفيت به في إبقاء نظام العالم للمصلحة ، وضمن يستوحش معنى الاحتياج ونحوه فعدي بإلى كما مر

__________________

(١) وتفصيل القصّتين مذكور في تاريخ الطبريّ والكامل وكتاب علل الشرايع والأمالي وإكمال الدين للصدوق (ره) ونقلت ترجمة الأحاديث المذكورة في كتاب تاريخ الأنبياء ج ١ ص ١٥٢ وج ٢ ص ١٧٩ فراجع إن شئت.


(باب)

(في سكون المؤمن إلى المؤمن)

١ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى بن عبيد ، عن يونس عمن ذكره ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إن المؤمن ليسكن إلى المؤمن كما يسكن الظمآن إلى الماء البارد.

باب في سكون المؤمن إلى المؤمن

الحديث الأول : مرسل.

« إلى المؤمن » قيل : إلى بمعنى مع وأقول : كان فيه تضمينا وهذا تشبيه كامل للمعقول بالمحسوس ، فإن للظمآن اضطرابا في فراق الماء ، ويشتد طلبه له فإذا وجده استقر وسكن ، ويصير سببا لحياته البدني فكذلك المؤمن يشتد شوقه إلى المؤمن وتعطشه في لقائه ، فإذا وجده سكن ومال إليه ، ويحيى به حياة طيبة روحانية فإنه يصير سببا لقوة إيمانه وإزالة شكوكه وشبهاته ، وزوال وحشته.

وقيل : هذا السكون ينشأ من أمرين : أحدهما : الاتحاد في الجنسية للتناسب في الطبيعة والروح كما مر ، والمتجانسان يميل أحدهما إلى الآخر ، وكلما كان التناسب والتجانس أكمل كان الميل أعظم ، كما روي : أن الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف.

وثانيهما : المحبة لأن المؤمن لكمال صورته الظاهرة والباطنة بالعلم والإيمان والأخلاق والأعمال محبوب القلوب ، وتلك الصورة قد تدرك بالبصر والبصيرة ، وقد تكون سببا للمحبة والسكون بإذن الله تعالى ، وبسبب العلاقة في الواقع ، وإن لم يعلم تفصيلها.


(باب)

(فيما يدفع الله بالمؤمن)

١ ـ محمد بن يحيى ، عن علي بن الحسن التيمي ، عن محمد بن عبد الله بن زرارة ، عن محمد بن الفضيل ، عن أبي حمزة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال إن الله ليدفع بالمؤمن الواحد عن القرية الفناء.

٢ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن محبوب ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي حمزة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال لا يصيب قرية عذاب وفيها سبعة من المؤمنين.

باب فيما يدفع الله بالمؤمن

الحديث الأول : مجهول.

« عن القرية » أي أهلها بحذف المضاف ، كما في قوله تعالى : «وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ »(١) وذلك الدفع إما بدعائه أو ببركة وجوده فيهم.

الحديث الثاني : صحيح.

ويمكن دفع التنافي بينه وبين الأول بوجوه : « الأول » أن الأول محمول على النادر ، والثاني على الغالب أو الحتم. « الثاني » أن يراد بالمؤمن في الأول الكامل ، وفي الثاني غيره. « الثالث » أن يحملا على اختلاف المعاصي واستحقاق العذاب فيها ، فإنها مختلفة ، ففي القليل والخفيف منها يدفع بالواحد ، وفي الكثير والغليظ منها لا يدفع إلا بالسبعة ، مع أن المفهوم لا يعارض المنطوق.

__________________

(١) سورة يوسف : ٨٢.


٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن غير واحد ، عن أبي عبد الله قال قيل له في العذاب إذا نزل بقوم يصيب المؤمنين قال نعم ولكن يخلصون بعده.

الحديث الثالث : حسن كالصحيح.

« ولكن يخلصون بعده » أي ينجون بعد نزول العذاب بهم في البرزخ والقيامة ، في المصباح : خلص الشيء من التلف خلوصا من باب قعد وخلاصا ومخلصا سلم ونجا ، وخلص الماء من الكدر صفا ، انتهى.

ويشكل الجمع بينه وبين الخبرين السابقين ، ويمكن الجمع بوجوه :

الأول : حمل العذاب في الأولين على نوع منه كعذاب الاستئصال ، كما أنه سبحانه أخرج لوطا وأهله من بين قومه ثم أنزل العذاب عليهم ، وهذا الخبر على نوع آخر كالوباء والقحط.

الثاني : أن يحمل هذا على النادر وما مر على الغالب على بعض الوجوه.

الثالث : حمل هذا على أقل من السبعة ، وحمل الواحد على النادر ، وما قيل : من أن المراد بالخلاص الخلاص في الدنيا فهو بعيد ، مع أنه لا ينفع في رفع التنافي.


(باب)

(في أن المؤمن صنفان)

١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن محمد بن سنان ، عن نصير أبي الحكم الخثعمي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال المؤمن مؤمنان فمؤمن صدق بعهد الله ووفى بشرطه وذلك قول الله عز وجل : «رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ »(١) فذلك الذي لا

باب في أن المؤمن صنفان

الحديث الأول : ضعيف على المشهور.

قال الله سبحانه : «مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ » قال البيضاوي : من الثبات مع الرسول والمقاتلة لأعداء الدين من صدقني إذا قال لك الصدق فإن المعاهد إذا وفى بعهده فقد صدق «فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ » أي نذره بأن قاتل حتى استشهد كحمزة ومصعب بن عمير وأنس بن النضر ، والنحب : النذر أستعير للموت ، لأنه كنذر لازم في رقبة كل حيوان «وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ » أي الشهادة «وَما بَدَّلُوا » العهد ولا غيروه «تَبْدِيلاً » أي شيئا من التبديل.

وقال الطبرسي (ره) : «فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ » يعني حمزة بن عبد المطلب وجعفر بن أبي طالب «وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ » يعني علي بن أبي طالب ، وروي في الخصال عن الباقرعليه‌السلام في حديث طويل قال : قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : لقد كنت عاهدت الله تعالى ورسوله أنا وعمي حمزة وأخي جعفر وابن عمي عبيدة على أمر وفينا به لله تعالى ولرسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فتقدمني أصحابي وتخلفت بعدهم لما أراد الله تعالى فأنزل الله فينا : «رِجالٌ » الآية ، حمزة وجعفر وعبيدة ، وأنا والله المنتظر « وما بدلت تبديلا ».

__________________

(١) سورة الأحزاب : ٢٣.


والأخبار في ذلك كثيرة أوردتها في الكتاب الكبير ، فإذا عرفت ذلك فاعلم أنهعليه‌السلام استدل بهذه الآية على أن المؤمنين صنفان ، لأنه تعالى قال : «مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ » فصنف منهم مؤمن « صدق بعهد الله » قيل : الباء بمعنى في ، أي في عهد الله ، فقوله : صدق كنصر بالتخفيف ، ففيه إشارة إلى أن في الآية أيضا الباء مقدرة أي صدقوا بما عاهدوا الله عليه ، ويمكن أن يقرأ صدق بالتشديد بيانا لحاصل معنى الآية ، أي صدقوا بعهد الله وما وعدهم من الثواب وما اشترط في الثواب من الإيمان والعمل الصالح ، والأول أظهر ، والمراد بالعهد أصول الدين من الإقرار بالتوحيد والنبوة والإمامة والمعاد ، والوفاء بالشرط الإتيان بالمأمورات والانتهاء عن المنهيات ، وقيل : أراد بالعهد الميثاق بقوله : «أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ »(١) وبالشرط قوله تعالى : «إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ »(٢) .

وأقول : يحتمل أن يكون المراد بهما ما مر في الحديث السادس من باب معرفة الإمام والرد إليه حيث قال : إنكم لا تكونون صالحين حتى تعرفوا ولا تعرفون حتى تصدقوا ، ولا تصدقوا حتى تسلموا أبوابا أربعة لا يصلح أولها إلا بآخرها ، ضل أصحاب الثلاثة وتاهوا تيها بعيدا ، إن الله تعالى لا يقبل إلا العمل الصالح ، أو لا يقبل الله إلا الوفاء بالشروط والعهود ، فمن وفى لله عز وجل بشرطه واستعمل ما وصف في عهده نال ما عنده ، واستعمل عهده إن الله تبارك وتعالى أخبر العباد بطرق الهدى وشرع لهم فيها المنار ، وأخبرهم كيف يسلكون فقال : «وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى »(٣) وقال : «إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ

__________________

(١) سورة الأعراف : ١٧٢.

(٢) سورة النساء : ٣١.

(٣) سورة طه : ٨٢.


تصيبه أهوال الدنيا ولا أهوال الآخرة وذلك ممن يشفع ولا يشفع له ومؤمن كخامة الزرع تعوج أحيانا وتقوم أحيانا فذلك ممن تصيبه أهوال الدنيا وأهوال

مِنَ الْمُتَّقِينَ »(١) إلى آخر الخبر(٢) .

فالشروط والعهود هي التوبة والإيمان والأعمال الصالحة والاهتداء بالأئمةعليهم‌السلام .

« فذلك الذي لا تصيبه أهوال الدنيا ولا أهوال الآخرة » قيل : المراد بأهوال الدنيا القحط والطاعون وأمثالهما في الحياة وما يراه عند الموت من سكراته وأهواله ، وأهوال الآخرة ما بعد الموت إلى دخول الجنة ، وقيل : المراد بأهوال الدنيا الهموم من فوات نعيمها ، لأن الدنيا ونعيمها لم تخطر بباله فكيف الهموم من فواتها ، والمراد أعم منها ومن عقوباتها ومكارهها ومصائبها لأنها عنده نعمة مرغوبة لا أهوال مكروهة أو لأنها لا تصيبه لأجل المعصية فلا ينافي إصابتها لرفع الدرجة ، ولا يخفى بعد تلك الوجوه.

والأظهر عندي أن المراد بأهوال الدنيا ارتكاب الذنوب والمعاصي ، لأنها عنده من أعظم المصائب والأهوال بقرينة ما سيأتي في الشق المقابل له ، ويحتمل أن يكون إطلاق الأهوال عليها على مجاز المشاكلة« وذلك ممن يشفع » على بناء المجهول أي أنه لا يحتاج إلى الشفاعة لأنه من المقربين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، وإنما الشفاعة لأهل المعاصي« كخامة الزرع » قال في النهاية : فيه مثل المؤمن مثل الخامة من الزرع تفيئها الرياح ، هي الطاقة الغضة اللينة من الزرع ، وألفها منقلبة عن واو ، انتهى ، وأشار إلى وجه الشبهبقوله : يعوج أحيانا ، والمراد باعوجاجه ميلة إلى الباطل وهو متاع الدنيا والشهوات النفسانية ،

__________________

(١) سورة المائدة : ٢٧.

(٢) راجع المجلد الثاني من هذه الطبعة ص ٣٠٥.


الآخرة وذلك ممن يشفع له ولا يشفع.

٢ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن محمد بن عبد الله ، عن خالد العمي ، عن خضر بن عمرو ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال سمعته يقول المؤمن مؤمنان مؤمن وفى لله بشروطه التي شرطها عليه فذلك مع «النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً » وذلك من يشفع ولا يشفع له وذلك ممن لا تصيبه أهوال الدنيا ولا أهوال الآخرة ومؤمن زلت به قدم فذلك كخامة الزرع

وبقيامه استقامته على طريق الحق ومخالفته للأهواء والوساوس الشيطانية ، وقد مر الكلام في أهوال الدنيا« ولا يشفع » أي لا يؤذن له في الشفاعة.

الحديث الثاني : كالأول.

وخضر بكسر الخاء وسكون الضاد أو بفتح الخاء وكسر الضاد صحح بهما في القاموس وغيره« وفي لله بشروطه » العهود داخلة تحت الشروط هنا« فذلك مع النبيين » إشارة إلى قوله تعالى : «وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً »(١) وهذا مبني على ما ورد في الأخبار الكثيرة أن الصديقين والشهداء والصالحين هم الأئمةعليهم‌السلام ، والمراد بالمؤمن في المقسم هنا غيرهم من المؤمنين وقد مر عن أبي ـ جعفرعليه‌السلام أنه قال بعد قراءة هذه الآية فمنا النبي ومنا الصديق والشهداء والصالحون ، وفي تفسير علي بن إبراهيم قال : النبيين رسول الله والصديقين علي ، والشهداء الحسن والحسين ، والصالحين الأئمة «وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً » القائم من آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلا يحتاج إلى ما قيل : أن الظاهر أنه كان من النبيين لأن الصنف الأول إما نبي أو صديق أو شهيد أو صالح ، والصنف الثاني يكون مع هؤلاء بشفاعتهم« زلت به قدم » كان الباء للتعدية ، أي أزلته قدم وأقدام على المعصية ، وقيل : الباء للسببية أي زلت بسببه قدمه أي فعله عمدا من غير نسيان

__________________

(١) سورة النساء : ٦٩.


كيفما كفأته الريح انكفأ وذلك ممن تصيبه أهوال الدنيا والآخرة ويشفع له وهو على خير.

٣ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن إسماعيل بن مهران ، عن يونس بن يعقوب ، عن أبي مريم الأنصاري ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال قام رجل بالبصرة إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام فقال يا أمير المؤمنين أخبرنا عن الإخوان فقال الإخوان صنفان إخوان الثقة وإخوان المكاشرة فأما إخوان الثقة فهم الكف

وإكراه ، و« كيفما » مركب من كيف للشرط ، نحو كيف تصنع أصنع ، وما زائدة للتأكيد ، وفي النهاية : يقالكفأت الإناء وأكفأته إذا كببته وإذا أملته ، وفي القاموس : كفاه كمنعه صرفه وكبه وقلبه كاكفاه واكتفاه وانكفأ رجع ، ولونه تغير.

الحديث الثالث : موثق كالصحيح.

« الإخوان صنفان » المراد بالإخوان إما مطلق المؤمنين فإن المؤمنين إخوة ، أو المؤمنين الذين يصاحبهم ويعاشرهم ويظهرون له المودة والأخوة ، أو الأعم من المؤمنين وغيرهم إذا كانوا كذلك ، والمرادبإخوان الثقة أهل الصلاح والصدق والأمانة ، الذين يثق بهم ويعتمد عليهم في الدين ، وعدم النفاق وموافقة ظاهر هم لباطنهم ، وبإخوان المكاشرة الذين ليسوا بتلك المثابة ، ولكن يعاشرهم لرفع الوحشة ، أو للمصلحة والتقية فيجالسهم ويضاحكهم ولا يعتمد عليهم ولكن ينتفع بمحض تلك المصاحبة منهم لإزالة الوحشة ودفع الضرر ، قال في النهاية : فيه : إنا لنكشر في وجوه أقوام ، الكشر : ظهور الأسنان في الضحك ، وكاشرة إذا ضحك في وجهه وباسط ، والاسم الكشرة كالعشرة« فهم الكف » الحمل على المبالغة والتشبيه أي هم بمنزلة كفك في أعانتك وكف الأذى عنك ، فينبغي أن تراعيه وتحفظه كما تحفظ كفك ، قال في المصباح : قال الأزهري : الكف الراحة مع الأصابع سميت بذلك لأنها


والجناح والأهل والمال فإذا كنت من أخيك على حد الثقة فابذل له مالك وبدنك ـ وصاف من صافاه وعاد من عاداه واكتم سره وعيبه وأظهر منه الحسن

تكف الأذى عن البدن ، وقال : جناح الطائر بمنزلة اليد للإنسان ، وفي القاموس :الجناح اليد والعضد والإبط والجانب ونفس الشيء ، والكنف والناحية ، انتهى.

وأكثر المعاني مناسبة ، والعضد أظهر والحمل كما سبق ، أي هم بمنزلة عضدك في إعانتك فراعهم كما تراعى عضدك ، وكذا الأهل والمال ، ويمكن أن يكون المراد بكونهم مالا أنهم أسباب لحصول المال عند الحاجة إليه « فإذا كنت من أخيك » أي بالنسبة إليه كقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنت مني بمنزلة هارون من موسى « على حد الثقة » أي على مرتبة الثقة والاعتماد ، أو على أول حد من حدودها ، والثقة في الأخوة والديانة والاتصاف بصفات المؤمنين وكون باطنه موافقا لظاهرة « فابذل له مالك وبدنك » بذل المال هو أن يعطيه من ماله عند حاجته إليه سأل أم لم يسأل وبذل البدن هو أن يسعى في حاجته ويخدمه ويدفع الأذى عنه قولا وفعلا ، وهما متفرعان على كونهم الكف والجناح والأهل والمال.

« وصاف من صافاه » أي أخلص الود لمن أخلص له الود ، قال في المصباح : صفا خلص من الكدر ، وأصفيته الود إذا خلصته ، وفي القاموس : صافاه صدقه الإخاء كأصفاه« وعاد من عاداه » أي في الدين أو الأعم إذا كان الأخ محقا وإنما أطلق لأن المؤمن الكامل لا يكون إلا محقا.

ويؤيد هاتين الفقرتين ما روي عنهعليه‌السلام في النهج أنه قال : أصدقاؤك ثلاثة وأعداؤك ثلاثة : فأصدقاؤك صديقك وصديق صديقك ، وعدو عدوك ، وأعداؤك عدوك وعدو صديقك وصديق عدوك.

« واكتم سره » أي ما أمرك بإخفائه أو تعلم أن إظهاره يضره« وعيبه » أي إن كان له عيب نادرا أو ما يعيبه الناس عليه ولم يكن قبيحا واقعا كالفقر


واعلم أيها السائل أنهم أقل من الكبريت الأحمر وأما إخوان المكاشرة فإنك تصيب لذتك منهم فلا تقطعن ذلك منهم ولا تطلبن ما وراء ذلك من ضميرهم وابذل لهم ما بذلوا لك من طلاقة الوجه وحلاوة اللسان.

والأمراض الخفية« وأظهر منه الحسن » بالتحريك أي ما هو حسن ممدوح عقلا وشرعا من الصفات والأخلاق والأعمال ، ويمكن أن يقرأ بالضم« فإنك تصيب لذتك منهم » أي تلتذ بحسن صحبتهم ومؤانستهم وتحصيل بعض المنافع الدنيوية منهم ، بل الأخروية أيضا أحيانا بمذاكرتهم ومفاوضتهم« فلا تقطعن ذلك » الحظ« منهم » بالاستيحاش عنهم ، وترك مصاحبتهم فتصير وحيدا لندرة النوع الأول كما قالعليه‌السلام في حديث آخر : زهدك في راغب فيك نقصان حظ ، ورغبتك في زاهد فيك ذل نفس.

« ولا تطلبن ما وراء ذلك من ضميرهم » أي ما يضمرون في أنفسهم فلعله يظهر لك منهم حسد وعداوة ونفاق ، فتترك مصاحبتهم فيفوتك ذلك الحظ منهم ، أو يظهر لك منهم سوء عقيدة وفساد رأي فتضطر إلى مفارقتهم لذلك ، أو المعنى لا تتوقع منهم موافقة ضميرهم لك وحبهم الواقعي واكتف بالمعاشرة الظاهرة وإن علمت عدم موافقة قلبهم للسانهم كما يرشد إليه قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :« وابذل لهم ما بذلوا لك منهم طلاقة الوجه » أي تهلله وإظهار فرحه برؤيتك وتبسمه ، في المصباح : رجل طلق الوجه أي فرح ظاهر البشر وهو طليق الوجه ، قال أبو زيد : متهلل بسام ، وفي الحديث حث على حسن المعاشرة والاكتفاء بظواهر حالهم وعدم تجسس ما في بواطنهم فإنه أقرب إلى هدايتهم وإرشادهم إلى الحق ، وتعليم الجهال وهداية أهل الضلال وأبعد من التضرر منهم والتنفر عنهم ، والأخبار في حسن المعاشرة كثيرة لا سيما مع المدعين للتشيع والإيمان ، وسيأتي بعضها والله المستعان.


(باب)

(ما أخذه الله على المؤمن من الصبر على ما يلحقه فيما ابتلي به)

١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن عيسى ، عن علي بن النعمان ، عن داود بن فرقد ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال أخذ الله ميثاق المؤمن على أن لا تصدق مقالته ولا ينتصف من عدوه وما من مؤمن يشفي نفسه إلا بفضيحتها لأن كل

باب ما أخذه الله على المؤمن من الصبر

أي ما يلحقه من الغم والهم« فيما ابتلي به » من الأمور الأربعة المذكورة في الأخبار ، أو على ما يلحقه من معاشرة الخلق ، وقيل : أي فيما كلف به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأمثال ذلك ، والأول أظهر.

الحديث الأول : صحيح.

« على أن لا تصدق » أي على الصبر على أن لا تصدق مقالته في دولة الباطل أو أهل الباطل مطلقا ، والانتصاف الانتقام ، وفي القاموس : انتصف منه استوفى حقه منه كاملا حتى صار كل على النصف سواء كاستنصف منه« يشفي نفسه » يقال : شفاه يشفيه من باب ضرب فاشتفى هو ، وهو من الشفاء بمعنى البرء من الأمراض النفسانية ، والمكاره القلبية ، كما يستعمل في شفاء الجسم من الأمراض البدنية ، وكون شفاء نفسه من غيظ العدو موجبا لفضيحتها ظاهر لأن الانتقام من العدو مع عدم القدرة عليه يوجب الفضيحة والمذلة ، ومزيد الإهانة ، والضميرفي بفضيحتها راجع إلى النفس« لأن كل مؤمن ملجم » يعني إذا أراد المؤمن أن يشفي غيظه بالانتقام من عدوه افتضح ، وذلك لأنه ليس بمطلق العنان خليع العذار ، يقول ما يشاء ويفعل ما يريد ، إذ هو مأمور بالتقية والكتمان والخوف من العصيان ، والخشية من الرحمن ، ولأن زمام أمره بيد الله سبحانه لأنه فوض أمره إليه ،


مؤمن ملجم.

٢ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ومحمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد جميعا ، عن ابن محبوب ، عن أبي حمزة الثمالي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إن الله أخذ ميثاق المؤمن على بلايا أربع أيسرها عليه مؤمن يقول بقوله

فيفعل به ما يشاء مما فيه مصلحته ، وقيل : أي ممنوع من الكلام الذي يصير سببا لحصول مطالبه الدنيوية في دولة الباطل.

وأقول : يحتمل أن يكون المعنى أنه ألجمه الله في الدنيا ، فلا يقدر على الانتقام في دول اللئام ، أو ينبغي أن يلجم نفسه ويمنعها من الكلام ، أو الفعل الذي يخالف التقية كما مر ، وقال في النهاية : فيه من سئل عما يعلمه فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة الممسك عن الكلام ، يمثل بمن ألجم نفسه بلجام ، ومنه الحديث : يبلغ العرق منهم ما يلجمهم ، أي يصل إلى أفواههم فيصير لهم بمنزلة اللجام يمنعهم عن الكلام.

الحديث الثاني : كالأول.

« على بلايا أربع » قيل : أي إحدى بلايا للعطف بأو ، وللحديث الرابع ، وأربع مجرور صفة للبلايا ، وأشدها خبر مبتدإ محذوف ، أي هي أشدها والضمير المحذوف راجع إلى إحدى ، والضمير المجرور راجع إلى البلايا ،ومؤمن مرفوع ، وهو بدل أشدها ، وإبدال النكرة من المعرفة جائز إذا كانت النكرة موصوفة ، نحو قوله تعالى : «بِالنَّاصِيَةِ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ »(١) و« أو منافق » عطف على أشدها ، وفي بعض النسخ أيسرها وقال بعضهم :أيسرها صفة لبلايا أربع ، وفيه إشعار بأن للمؤمن بلايا أخر أشد منها ، قال : وفي بعض النسخ أشدها بدل أيسرها فيفيد أن هذه الأربع أشد بلاياه ، وقوله : مؤمن خبر مبتدإ محذوف أي هو مؤمن ، وقيل : إن أيسرها

__________________

(١) سورة العلق : ١٥.


يحسده أو منافق يقفو أثره أو شيطان يغويه أو كافر يرى جهاده فما بقاء المؤمن بعد هذا.

مبتدأ ومؤمن خبره ، وإن أشدها أولى م ن أيسرها لئلا ينافي قولهعليه‌السلام فيما بعد : ومؤمن يحسده وهو أشدهن عليه ، وفيه أن أيسرها أو أشدها صفة لما تقدم فلا تتم ما ذكر ، وكون هذه الأربع أيسر من غيرها لا ينافي أن يكون بعضها أشد من بعض ، ولو جعل مبتدأ كما زعم لزم أن لا يكون المؤمن الحاسد أشد من المنافق وما بعده ، وهو مناف لما سيأتي.

وأقول : يمكن أن يكون أو للجمع المطلق بمعنى الواو ، فلا نحتاج إلى تقدير إحدى ، ويكون أشدها مبتدأ ومؤمن خبره ، وعبر عن الأول بهذه العبارة لبيان الأشدية ثم عطف عليه ما بعده كأنه عطف على المعنى ، ولكل من الوجوه السابقة وجه وكون مؤمن بدل أشدها أوجه.

« يقول بقوله » أي يعتقد مذهبه ويدعي التشيع لكنه ليس بمؤمن كامل بل يغلبه الحسد« أو منافق يقفو أثره » أي يتبعه ظاهرا وإن كان منافقا أو يتبع عيوبه فيذكرها للناس وهو أظهر« أو شيطان » أي شيطان الجن أو الأعم منه ومن شيطان الإنس« يغويه » أي يريد إغواءه وإضلاله عن سبيل الحق بالوساوس الباطلة كما قال تعالى حاكيا عن الشيطان : «لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ » الآية(١) وقال سبحانه : «وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً »(٢) وقال : «وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ »(٣) .

وربما يقرأ يغويه على بناء التفعيل أي ينسبه إلى الغواية وهو بعيد« أو كافر يرى جهاد » أي لازما فيضره بكل وجه يمكنه« فما بقاء المؤمن بعد هذا »؟

__________________

(١) سورة الأعراف : ١٦.

(٢) سورة الأنعام : ١١٢.

(٣) سورة الأنعام : ١٢١.


٣ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن عثمان بن عيسى ، عن ابن مسكان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال ما أفلت المؤمن من واحدة من ثلاث ولربما اجتمعت الثلاث عليه إما بغض من يكون معه في الدار يغلق عليه بابه يؤذيه أو جار يؤذيه أو من في طريقه إلى حوائجه يؤذيه ولو أن مؤمنا على قلة جبل

استفهام إنكار أي كيف يبقى المؤمن على إيمانه بعد الذي ذكرنا ، ولذا قل عدد المؤمنين أو لا يبقى في الدنيا بعد هذه البلايا والهموم والغموم ، أو لا يبقى جنس المؤمن في الدنيا إلا قليل منهم.

الحديث الثالث : موثق.

« ما أفلت المؤمن » أي ما تخلص ، في المصباح : أفلت الطائر وغيره إفلاتا تخلص وأفلته إذا أطلقته وخلصته يستعمل لازما ومتعديا ، وفلت فلتا من باب ضرب لغة وفليته أنا ، يستعمل أيضا لازما ومتعديا ، والظاهر أن بعض مبتدأ ويؤذيه خبره ، ويحتمل أن يكون بعض خبر مبتدإ محذوف ويؤذيه صفة أو حالا« ويغلق » على بناء المجهول أو المعلوم والأول أظهر ، فبابه نائب الفاعل ، وضمير عليه راجع إلى ما يرجع إليه المستتر في يكون ، وجملة يغلق حال عن ضمير يكون أي داخل في داره يكون معه فيها ، والمراد بالشيطان إما شيطان الجن لأن معارضته للمؤمن أكثر أو شيطان الإنس.

وذكروا لتسليط الشياطين والكفرة على المؤمنين وجوها من الحكمة « الأول » أنه لكفارة ذنوبه ، الثاني : أنه لاختبار صبره وإدراجه في الصابرين ، الثالث : أنه لتزهيده في الدنيا لئلا يفتتن بها ويطمئن إليها فيشق عليه الخروج منها ، الرابع : توسله إلى جناب الحق سبحانه في الضراء وسلوكه مسلك الدعاء لدفع ما يصيبه من البلاء ، فترتفع بذلك درجته ، الخامس : وحشته عن المخلوقين وأنسه برب العالمين ، السادس : إكرامه برفع الدرجة التي لا يبلغها الإنسان بكسبه لأنه ممنوع


لبعث الله عز وجل إليه شيطانا يؤذيه ويجعل الله له من إيمانه أنسا لا يستوحش معه إلى أحد.

٤ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن داود بن سرحان قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول أربع لا يخلو منهن المؤمن

من إيلام نفسه شرعا وطبعا ، فإذا سلط عليه في ذلك غيره أدرك ما لا يصل إليه بفعله كدرجة الشهادة مثلا ، السابع : تشديد عقوبة العدو في الآخرة فإنه يوجب سرور المؤمنين به ، والغرض من هذا الحديث وأمثاله حث المؤمن على الاستعداد لتحمل النوائب والمصائب وأنواع البلاء بالصبر والشكر والرضا بالقضاء.

الحديث الرابع : ضعيف على المشهور معتبر.

« أربع » أي أربع خصال« أو واحدة » أي أو من واحدة« مؤمن يحسده » أي حسد مؤمنوهو أشدهن عليه لأن صدور الشر من القريب المجانس أشد وأعظم من صدوره من البعيد المخالف لتوقع الخير من الأول دون الثاني ، وفي الخصال بإسناده عن سماعة عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أنه قال : يا سماعة لا ينفك المؤمن من خصال أربع : من جار يؤذيه ، وشيطان يغويه ، ومنافق يقفو أثره ، ومؤمن يحسده ، ثم قال : يا سماعة أما إنه أشدهم عليه ، قلت كيف ذاك؟ قال : إنه يقول فيه القول فيصدق عليه(١) « وعدو » أي مجاهر بالعداوة ،يجاهده بلسانه ويده.

__________________

(١) ويبقى في هذا الحديث وأمثاله سؤال لم أر من تعرض له من الشرّاح وهو أنّه كيف يحسد المؤمن على أخيه مع أنّ الحسد من المعاصي الكبيرة الموبقة ، وأنّه لا يجامع الإيمان لقولهمعليهم‌السلام : الحسد يأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب ، وقول الصادقعليه‌السلام ( على ما سيأتي في باب الحسد ) : إنّ المؤمن يغبط ولا يحسد ، وأمثال ذلك؟

ويمكن أن يجاب بأنّ المراد من الإيمان معناه اللغويّ والإيمان الظاهري لا الواقعي ، أو المراد من الحسد هو الغبطة أو التنافس كما ورد في الحديث ، وقد استعمل الحسد في هذا المعنى في اللغة والحديث أيضا ، والله العالم.


أو واحدة منهن مؤمن يحسده وهو أشدهن عليه ومنافق يقفو أثره أو عدو يجاهده أو شيطان يغويه.

٥ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن ابن سنان ، عن عمار بن مروان ، عن سماعة بن مهران ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إن الله عز وجل جعل وليه في الدنيا غرضا لعدوه.

٦ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن عثمان بن عيسى ، عن محمد بن عجلان قال كنت عند أبي عبد اللهعليه‌السلام فشكا إليه رجل الحاجة فقال له اصبر فإن الله سيجعل لك فرجا قال ثم سكت ساعة ثم أقبل على الرجل

الحديث الخامس : ضعيف على المشهور.

والغرض بالتحريك هدف يرمى فيه أي جعل محبة في الدنيا هدفا لسهام عداوة عدوه وحيله وشروره.

الحديث السادس : مجهول.

« فإن الله سيجعل لك فرجا » أي بتهيئة أسباب الرزق كما قال سبحانه : «سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً »(١) وقال : «وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ »(٢) « أو بالموت » فإن للمؤمن بعده السرور والراحة والحبور ، كما يومئ إليه ما بعده : « الدنيا سجن المؤمن » هذا الحديث مع تتمته : وجنة الكافر ، منقول من طرق الخاصة والعامة.

قال الراوندي (ره) في ضوء الشهاب بعد نقل هذه الرواية : شبه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المؤمن بالمسجون من حيث هو ملجم بالأوامر والنواهي ، مضيق عليه في الدنيا ، مقبوض على يده فيها ، مخوف بسياط العقاب ، مبتلى بالشهوات ، ممتحن بالمصائب بخلاف الكافر الذي هو مخلوع العذار متمكن من شهوات البطن والفرج ، بطيبة

__________________

(١) سورة الطلاق : ٧.

(٢) سورة الطلاق : ٣.


فقال أخبرني عن سجن الكوفة كيف هو فقال أصلحك الله ضيق منتن وأهله بأسوإ حال قال فإنما أنت في السجن فتريد أن تكون فيه في سعة أما علمت أن الدنيا سجن المؤمن.

من قلبه وانشراح من صدره مخلى بينه وبين ما يريد على ما يسول له الشيطان لا ضيق عليه ولا منع ، فهو يغدو فيها ويروح على حسب مراده وشهوة فؤاده ، فالدنيا كأنها جنة له يتمتع بملاذها ويتمتع بنعيمها كما أنها كالسجن للمؤمن صارفا له عن لذاته مانعا من شهواته.

وفي الحديث أنه قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لفاطمةعليها‌السلام : يا فاطمة تجرعي مرارة الدنيا لحلاوة الآخرة ، وروي أن يهوديا تعرض للحسن بن عليعليه‌السلام وهو في شظف من حاله وكسوف من باله(١) والحسنعليه‌السلام راكب بغلة فارهة(٢) عليه ثياب حسنة فقال : جدك يقول : إن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر فأنا في السجن وأنت في الجنة؟ فقالعليه‌السلام : لو علمت مالك وما يرتب لك من العذاب لعلمت أنك مع هذا الضر هيهنا في الجنة ، ولو نظرت إلى ما أعد لي في الآخرة لعلمت أني معذب في السجن هيهنا ، انتهى.

وأقول : فالكلام يحتمل وجهين : أحدهما أن يكون المعنى أن المؤمن غالبا في الدنيا بسوء حال وتعب وخوف والكافر غالبا في سعة وأمن ورفاهية فلا ينافي كون المؤمن نادرا بحال حسن ، والكافر نادرا بمشقة ، وثانيهما أن يكون المعنى أن المؤمن في الدنيا كأنه في سجن لأنه بالنظر إلى حاله في الآخرة وما أعد الله له من النعيم كأنه في سجن ، لأنه بالنظر إلى حاله في الآخرة وما أعد الله له من النعيم كأنه في سجن وإن كان بأحسن الأحوال بالنظر إلى أهل الدنيا ، والكافر بعكس ذلك لأن نعيمه منحصر في الدنيا وليس له في الآخرة إلا أشد

__________________

(١) الشظف : الضيق والشدة. ويقال : فلان كاسف البال أي سيىء الحال.

(٢) فره فرها : نشط وبطر.


٧ ـ عنه ، عن محمد بن علي ، عن إبراهيم الحذاء ، عن محمد بن صغير ، عن جده شعيب قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول الدنيا سجن المؤمن فأي سجن جاء منه خير.

٨ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحجال ، عن داود بن أبي يزيد ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال المؤمن مكفر.

العذاب ، فالدنيا جنته وإن كان بأسوء الأحوال ، وظهر وجه آخر مما ذكرنا سابقا.

الحديث السابع : ضعيف.

إذ ضميرعنه راجع إلى البرقي ، ومحمد بن علي هو أبو سمينة.

« فأي سجن » استفهام للإنكار ، والمعنى أنه ينبغي للمؤمن أن لا يتوقع الرفاهية في الدنيا.

الحديث الثامن : صحيح وآخره مرسل.

« المؤمن مكفر » على بناء المفعول من التفعيل أي لا يشكر الناس معروفه بقرينة تتمة الخبر ، وقد قال الفيروزآبادي : المكفر كمعظم المجحود النعمة مع إحسانه ، والموثق في الحديد.

وروى الصدوق في العلل بإسناده إلى أبي عبد اللهعليه‌السلام أنه قال : المؤمن مكفر وذلك أن معروفه يصعد إلى الله عز وجل فلا ينتشر في الناس ، والكافر مشكور وذلك أن معروفه للناس ينتشر في الناس ولا يصعد إلى السماء ، وروي أيضا بإسناده عن الحسين بن موسى ، عن أبيه موسى بن جعفر عن أبيه عن جده علي بن الحسينعليهم‌السلام قال : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مكفرا لا يشكر معروفه ، ولقد كان معروفه على القرشي والعربي والعجمي ومن كان أعظم من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على هذا الخلق؟ وكذلك نحن أهل البيت مكفرون لا يشكر معروفنا وخيار المؤمنين مكفرون لا يشكر معروفهم.


وفي رواية أخرى وذلك أن معروفه يصعد إلى الله فلا ينشر في الناس والكافر مشكور.

وقال الجزري في النهاية : فيه المؤمن مكفر أي مزرئا في نفسه وماله لتكفر خطاياه ، انتهى.

وهذا الوجه لا يحتمل في هذه الأخبار ، وكان المراد بالتعليل أن معروفه لما كان خالصا لله مقبولا عنده لا يرضى له بأن يثيبه في الدنيا فتكفر نعمته ليكمل ثوابه في الآخرة ، والكافر لما لم يكن مستحقا لثواب الآخرة يثاب في الدنيا كعمل الشيطان ، وقيل : هو مبني على أن المؤمن يخفى معروفه من الناس ولا يفعله رياء ولا سمعة فيصعد إلى الله ولا ينتشر في الناس ، والكافر يفعله علانية ورياء وسمعة فينتشر في الناس ، ولا يقبله الله ولا يصعد إليه ، وقيل : المعنى أن معروفه الكثير ، الذي يدل عليه صيغة التفعيل ، لا يعلمه إلا الله ، ومن علمه بالوحي من قبله تعالى لأن معروفه ليس من قبيل الدراهم والدنانير ، بل من جملة معروفه حياة سائر الخلق ، وبقائهم بسببه وأمثال ذلك من النعم العظيمة المخفية.

وربما يقال في وجه التعليل أن المؤمن يجعل معروفه في الضعفاء والفقراء الذين ليس لهم وجه عند الناس ولا ذكر ، فلا يذكر ذلك في الخلق ، والكافر يجعل معروفه في المشاهير والشعراء والذين يذكرونه في الناس فينتشر فيهم.

فإن قيل : بعض تلك الوجوه ينافي ما سيأتي في باب الرياء أن الله تعالى يظهر العمل الخالص ويكثره في أعين الناس ومن أراد بعمله الناس يقلله الله في أعينهم؟

قلنا : يمكن حمل هذا على الغالب ، وذاك على النادر ، وهذا على المؤمن الخالص وذاك على غيرهم ، أو هذا على العبادات المالية وذاك على العبادات البدنية


٩ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال ما من مؤمن إلا وقد وكل الله به أربعة شيطانا يغويه يريد أن يضله وكافرا يغتاله ومؤمنا يحسده وهو أشدهم عليه ومنافقا يتتبع عثراته.

١٠ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن ابن محبوب ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال سمعته يقول إذا مات المؤمن خلى على جيرانه من الشياطين عدد ربيعة ومضر كانوا مشتغلين به.

الحديث التاسع : حسن كالصحيح.

« يريد أن يضله » بيان ليغويه لئلا يتوهم أنه يقبل إغواءه ويؤثر فيه ، بل إنما ابتلاؤه به بسبب أنه يوسوسه ، وهو يشتغل بمعارضته وقد مر أن الشيطان يحتمل الجن والإنس والأعم.

« وكافرا يقاتله » وفي بعض النسخيغتاله (١) وفي المصباح غاله غولا من باب قال أهلكه. واغتاله : قتله على غرة ، والاسم الغيلة بالكسر ، يتبع(٢) كيعلم أو على بناء الافتعال أي يتفحص ويتطلب عثراته أي معاصيه التي تصدر عنه أحيانا على الغفلة وعيوبه.

الحديث العاشر : ضعيف.

« خلى على جيرانه » على بناء المعلوم والإسناد مجازي لأن موته صار سببا لاشتغال شياطينه بجيرانه أو هو على بناء المجهول ، والتعدية بعلى لتضمين معنى الاستيلاء أي ترك على جيرانه ، أو خلي بين الشياطين المشتغلين به أيام حياته وبين جيرانه ، والحاصل أن الشياطين كانوا مشغولين بإضلاله ووسوسته لأن إضلاله كان أهم عندهم أو بإيذائه وحث الناس عليه ، فإذا مات تفرقوا على جيرانه لإضلالهم أو إيذائهم ، وقيل : الباء للسببية وضميركانوا إما راجع إلى الشياطين أو الجيران

__________________

(١) كما في المتن.

(٢) وفي المتن « يتتبع ».


١١ ـ سهل بن زياد ، عن يحيى بن المبارك ، عن عبد الله بن جبلة ، عن إسحاق بن عمار ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال ما كان ولا يكون وليس بكائن مؤمن إلا وله جار يؤذيه ولو أن مؤمنا في جزيرة من جزائر البحر لابتعث الله له من يؤذيه.

١٢ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن أبي أيوب ، عن إسحاق بن عمار ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال ما كان فيما مضى ولا فيما بقي ولا فيما أنتم فيه مؤمن إلا وله جار يؤذيه.

١٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن معاوية بن عمار ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال سمعته يقول ما كان ولا يكون إلى أن تقوم الساعة مؤمن إلا وله جار يؤذيه.

أي كان الشياطين ممنوعين عن المعاصي بسببه لأنه كان يعظهم ويهديهم ، أو كان الجيران ممنوعين عن المعاصي بسببه وكأنه دعاه إلى ذلك قول الجوهري يقال شغلت بكذا على ما لم يسم فاعله واشتغلت ، ولا يخفى ما فيه.

وربيعة كقبيلة ، ومضر كصرد قبيلتان عظيمتان من العرب ، يضرب بهما المثل في الكثرة ، وهما في النسب إخوان ابنا نزار بن معد بن عدنان ، ومضر الجد السابع عشر للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

الحديث الحادي عشر : ضعيف.

وكان المرادبالجار هنا أعم من جار الدار والرفيق والمعامل والمصاحب ، وفي الحديث الجار إلى أربعين دارا « لانبعث له » أي من الشيطان ، وفي بعض النسخلابتعث الله له ، فالإسناد على المجاز يقال : بعثه كمنعه أرسله كابتعثه فانبعث.

الحديث الثاني عشر : موثق.

« ولا فيما بقي » أي فيما يأتي« ولا فيما أنتم فيه » أي وليس فيما أنتم فيه.

الحديث الثالث عشر : حسن كالصحيح.


(باب)

(شدة ابتلاء المؤمن)

١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام بن سالم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إن أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الذين يلونهم ثم الأمثل فالأمثل.

باب شدة ابتلاء المؤمن

الحديث الأول : حسن كالصحيح.

« أشد الناس بلاء » قيل : المراد بالناس هنا الكل من الأنبياء والأوصياء فإنهم الناس حقيقة وسائر الناس نسناس ، كما ورد في الأخبار ، والبلاء ما يختبر ويمتحن من خير أو شر وأكثر ما يأتي مطلقا الشر وما أريد به الخير يأتي مقيدا كما قال تعالى : «بَلاءً حَسَناً »(١) وأصله المحنة والله تعالى يبتلي عبده بالصنع الجميل ليمتحن شكره ، وبما يكره ليمتحن صبره ، يقال : بلاه الله بخير أو شر يبلوه بلوا وأبلاه بلاء وابتلاه ابتلاء ، بمعنى امتحنه والاسم البلاء مثل سلام ، والبلوى والبلية مثله.

وقال في النهاية : فيه أشد الناس بلاءالأنبياء ثم الأمثل فالأمثل ، أي الأشرف فالأشرف ، والأعلى فالأعلى في الرتبة والمنزلة ، ثم يقال هذا أمثل من هذا ، أي أفضل وأدنى إلى الخير ، وأماثل الناس خيارهم ، انتهى.

« ثم الذين يلونهم » أي يقربون منهم ، ويكونون بعدهم ، في المصباح : الولي مثل فلس القرب ، وفي الفعل لغتان أكثرهما وليه يليه بكسرتين ، والثانية من باب وعد وهي قليلة الاستعمال ، وجلست مما يليه أي يقاربه ، وقيل : الولي

__________________

(١) سورة الأنفال : ١٧.


حصول الثاني بعد الأول من غير فصل ، انتهى.

والمراد بهم الأوصياءعليه‌السلام ، وفي هذه الأحاديث الواردة من طرق الخاصة والعامة دلالة واضحة على أن الأنبياء والأوصياءعليهم‌السلام في الأمراض الجسمية والبلايا الجسمية كغيرهم بل هم أولى بها من الغير تعظيما لأجرهم الذي يوجب التفاضل في الدرجات ، ولا يقدح ذلك في رتبتهم بل هو تثبيت لأمرهم ، وأنهم بشر إذ لو لم يصبهم ما أصاب سائر البشر مع ما يظهر في أيديهم من خرق العادة لقيل فيهم ما قالت النصارى في نبيهم ، وقد ورد هذا التعليل في الخبر وابتلاؤهم تحفة لهم لرفع الدرجات التي لا يمكن الوصول إليها بشيء من العمل إلا ببلية كما أن بعض الدرجات لا يمكن الوصول إليها إلا بالشهادة ، فيمن الله سبحانه على من أحب من عباده بها تعظيما وتكريما له ، كما ورد في خبر شهادة سيد الشهداءعليه‌السلام أنه رأى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في المنام فقال له : يا حسين لك درجة في الجنة لا تصل إليها إلا بالشهادة ، واستثنى أكثر العلماء ما هو نقص ومنفر للخلق عنهم كالجنون والجذام والبرص ، وحمل استعاذة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عنها على أنها تعليم للخلق.

وقال المحقق الطوسي (ره) في التجريد فيما يجب كونه في كل نبي : العصمة وكمال العقل والذكاء والفطنة وقوة الرأي ، وعدم السهو وكلما ينفر عنه من دناءة الآباء وعهر الأمهات والفظاظة والغلظة والأبنة وشبهها ، والأكل على الطريق وشبهه.

وقال العلامة (ره) في شرحه : وأن يكون منزها عن الأمراض المنفرة نحو الابنة وسلس الريح والجذام والبرص ، لأن ذلك كله مما ينفر عنه ، فيكون منافيا للغرض من البعثة ، وضم القوشجي سلس البول أيضا ، وقال القاضي عياض من علماء المخالفين في كتاب الشفاء قال الله تعالى : «وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ


مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ »(١) وقال : «مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ »(٢) وقال : «وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ »(٣) وقال : «قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَ »(٤) فمحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسائر الأنبياء من البشر أرسلوا إلى البشر ولو لا ذلك لما أطاق الناس مقاومتهم والقبول عنهم ومخاطبتهم.

قال الله تعالى : «وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً »(٥) أي لما كان إلا في صورة البشر الذين تمكنكم مخالطتهم إذ لا تطيقون مقاومة الملك ومخاطبته ورؤيته إذا كان على صورته.

وقال : «لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولاً »(٦) أي لا يمكن في سنة الله إرسال الملك إلا لمن هو من جنسه أو من خصه الله تعالى واصطفاه وقواه على مقاومته كالأنبياء والرسل فالأنبياء والرسل وسائط بين الله وبين خلقه يبلغونهم أو أمره ونواهيه ووعده ووعيده ويعرفونهم بما لم يعلموهم من أمره وخلقه وجلاله وسلطانه وجبروته وملكوته ، فظواهرهم وأجسادهم وبنيتهم متصفة بأوصاف البشر طارء عليها ما يطرء على البشر من الأعراض والأسقام والموت والفناء ، ونعوت الإنسانية وأرواحهم وبواطنهم متصفة بأعلى من أوصاف البشر متعلقة بالملأ الأعلى متشبهة بصفات الملائكة سليمة من التغيير والآفات ولا يلحقها غالبا عجز البشرية ولا ضعف الإنسانية ، إذ لو كانت بواطنهم خالصة للبشرية كظواهرهم لما أطاقوا الأخذ عن الملائكة ورؤيتهم ومخاطبتهم كما لا يطيقه غيرهم من البشر ، ولو كانت أجسامهم وظواهرهم متسمة

__________________

(١) سورة آل عمران : ١٤٤.

(٢) سورة المائدة : ٧٥.

(٣) سوره الفرقان : ٢٠.

(٤) سورة الكهف : ١١٠.

(٥) سورة الأنعام : ٩.

(٦) سورة الإسراء : ٩٥.


بنعوت الملائكة وبخلاف صفات البشر لما أطاق البشر ومن أرسلوا إليه مخاطبتهم كما تقدم من قول الله تعالى ، فجعلوا من جهة الأجسام والظواهر مع البشر ومن جهة الأرواح والبواطن مع الملائكة كما قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : تنام عيناي ولا ينام قلبي ، وقال : إني لست كهيأتكم إني أظل يطعمني ربي ويسقيني ، فبواطنهم منزهة عن الآفات مطهرة من النقائص والاعتلالات.

وقال في موضع آخر قد قدمنا أنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسائر الأنبياء والرسل من البشر وأن جسمه وظاهره خالص للبشر ، يجوز عليه من الآفات والتغييرات والآلام والأسقام وتجرع كأس الحمام ما يجوز على البشر ، وهذا كله ليس بنقيصة فيه لأن الشيء إنما يسمى ناقصا بالإضافة إلى ما هو أتم منه وأكمل من نوعه ، وقد كتب الله على أهل هذه الدار « فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون » وخلق جميع البشر بمدرجة الغير فقد مرضصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واشتكى وأصابه الحر والقر وأدركه الجوع والعطش ولحقه الغضب والضجر ، وناله الإعياء والتعب ، ومسه الضعف والكبر وسقط فجحش شقه وشجه الكفار وكسروا رباعيته وسقي السم وسحر(١) ، وتداوى واحتجم وتعوذ ثم قضى نحبه ، فتوفيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وألحق بالرفيق الأعلى ، وتخلص من دار الامتحان والبلوى ، وهذه سمات البشر التي لا محيص عنها.

وأصاب غيره من الأنبياء ما هو أعظم منها وقتلوا قتلا ورموا في النار ، ونشروا بالمناشير ، ومنهم من وقاه الله ذلك في بعض الأوقات ، ومنهم من عصمه كما عصم نبيناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد من الناس ، فلئن لم يكف عن نبينا ربه تعالى يد ابن قميئة يوم أحد ولا حجبه عن عيون عداه عند دعوة أهل الطائف ، فلقد أخذ على عيون قريش عند خروجه إلى ثور وأمسك عنه سيف غورث وحجر أبي جهل وفرس سراقة ، ولئن لم يقه من سحر ابن الأعصم فلقد وقاه ما هو أعظم من سم اليهودية ، وكذا

__________________

(١) إشارة إلى ما يذكرونه من قصّة سحر ابن الأعصم وبعض المفسرين ينكرونها فراجع.


سائر أنبيائه مبتلى ومعافي ، وذلك من تمام حكمته ليظهر شرفهم في هذه المقامات ويبين أمرهم ويتم كلمته فيهم ، وليحقق بامتحانهم بشريتهم ، ويرتفع الالتباس عن أهل الضعف فيهم ، لئلا يضلوا بما يظهر من العجائب على أيديهم ضلال النصارى بعيسى بن مريم ، وليكون في محنهم تسلية لأمتهم ووفورا لأجورهم عند ربهم تماما على الذي أحسن إليهم.

قال بعض المحققين وهذه الطواري والتغييرات المذكورة إنما يختص بأجسامهم البشرية المقصود بها مقاومة البشر ومعاناة بني آدم لمشاكلة الجسم ، وأما بواطنهم فمنزهة غالبا عن ذلك ، معصومة منه متعلقة بالملأ الأعلى والملائكة لأخذها عنهم ، وتلقيها الوحي منهم ، وقد قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إن عيني تنامان ولا ينام قلبي ، وقال : إني لست كهيأتكم إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني ، وقال : إني لست أنسى ولكن أنسي ليستن بي ، فأخبر أن سره وروحه وباطنه بخلاف جسمه وظاهره وأن الآفات التي تحل ظاهره من ضعف وجوع ونوم وسهر لا يحل منها شيء باطنه بخلاف غيره من البشر في حكم الباطن لأن غيره إذا نام استغرق النوم جسمه وقلبه ، وهوعليه‌السلام في نومه حاضر القلب كما هو في يقظته حتى قد جاء في بعض الآثار أنه كان محروسا من الحدث في نومه ، لكون قلبه يقظان كما ذكرناه ، وكذلك غيره إذا جاع ضعف لذلك جسمه وحارت قوته وبطلت في الكلية حملته ، وهوعليه‌السلام قد أخبر أنه لا يعتريه ذلك وأنه بخلافهم بقوله : لست كهيأتكم ، وكذلك أقول إنه في هذه الأحوال كلها من وصب ومرض وسحر وغضب لم يجر على باطنه ما يحل به ، ولا فاض منه على لسانه وجوارحه ما لا يليق به كما تعتري غيره من البشر.


٢ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحسن بن محبوب ، عن عبد الرحمن بن الحجاج قال ذكر عند أبي عبد اللهعليه‌السلام البلاء وما يخص الله عز وجل به المؤمن فقال سئل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من أشد الناس بلاء في الدنيا فقال النبيون ثم الأمثل فالأمثل ويبتلى المؤمن بعد على قدر إيمانه وحسن أعماله فمن صح إيمانه وحسن عمله اشتد بلاؤه ومن سخف إيمانه وضعف عمله قل بلاؤه.

٣ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن سنان ، عن عمار بن مروان ، عن زيد الشحام ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إن عظيم الأجر لمع عظيم البلاء وما أحب الله قوما إلا ابتلاهم.

٤ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ومحمد بن إسماعيل ، عن الفضل بن شاذان جميعا ، عن حماد بن عيسى ، عن ربعي بن عبد الله ، عن فضيل بن يسار ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأوصياء ثم الأماثل فالأماثل.

٥ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن ابن محبوب ، عن ابن رئاب ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إن لله عز وجل عبادا في الأرض من خالص

الحديث الثاني : صحيح.

السخف الخفة في العقل وغيره ، ذكره الجزري ، والفعل ككرم ،وضعف عمله أي بالكمية أو بالكيفية أو بهما.

الحديث الثالث : ضعيف على المشهور.

ويدل على أن عظيم البلاء سبب للأجر العظيم وعلامة لمحبة الرب الرحيم إذا كان في المؤمن الكريم.

الحديث الرابع : كالصحيح بل أعلى من الصحيح وقد مر مضمونه.

الحديث الخامس : ضعيف على المشهور.


عباده ما ينزل من السماء ـ تحفة إلى الأرض إلا صرفها عنهم إلى غيرهم ولا بلية إلا صرفها إليهم.

٦ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن أحمد بن عبيد ، عن الحسين بن علوان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أنه قال وعنده سدير إن الله إذا أحب عبدا غته بالبلاء غتا وإنا وإياكم يا سدير لنصبح به ونمسي.

٧ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن سنان ، عن الوليد بن علاء ، عن حماد ، عن أبيه ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال إن الله تبارك وتعالى إذا أحب عبدا غته بالبلاء غتا وثجه بالبلاء ثجا فإذا دعاه قال لبيك عبدي

« ما ينزل من السماء » أي يقدر فيها« تحفة » أي من التحف الدنيوية وكذا البلية.

الحديث السادس : مجهول وقد يعد ضعيفا.

« غته » أي غمسه ، والباء بمعنى في ، ويحتمل القهر والغم ، في النهاية فيه يغتهم الله في العذاب غتا أي يغمسهم فيه غمسا متتابعا ، ومنه حديث الدعاء : يا من لا يغته دعاء الداعين ، أي يغلبه ويقهره ، وفي حديث الحوض : يغت فيه ميزابان ، مدادهما من الجنة أي يدفقان فيه الماء دفقا دائما متتابعا ، وفي القاموس غته بالأمر كده ، وفي الماء غطه ، وفلانا غمه وخنقه« لنصبح به » أي بالغت أو بالبلاء.

الحديث السابع : ضعيف على المشهور.

في القاموس :ثج الماء سال ، وثجه أساله وفي النهاية فيه : أفضل الحج العج والثج ، الثج سيلان دماء الهدي والأضاحي ، يقال : ثجه يثجه ثجا ، ومنه فحلب فيه ثجا أي لبنا سائلا كثيرا ، وفي حديث المستحاضة إني أثجه ثجا ، انتهى.

وأقول : ما في هذا الخبر يحتمل أن يكون على الحذف والإيصال ، والباء زائدة


لئن عجلت لك ما سألت إني على ذلك لقادر ولئن ادخرت لك فما ادخرت لك فهو خير لك.

٨ ـ عنه ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن محبوب ، عن زيد الزراد ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إن عظيم البلاء يكافأ به عظيم الجزاء فإذا أحب الله عبدا ابتلاه بعظيم البلاء فمن رضي فله عند الله الرضا ومن سخط البلاء فله عند الله السخط.

أي ثج عليه البلاء ، ويكون تسييله كناية عن شدة ألمه وحزنه ، كأنه يذوب من البلاء ويسيل ، أو عن توجهه إلى جناب الحق سبحانه بالدعاء والتضرع لدفعه ، وقيل : أي أسال دم قلبه بالبلاء.

وأقول : في جامع الأخبار وغيره بجه بالباء الموحدة ، والبج : الشق والطعن بالرمح« فإذا دعاه » أي لدفع البلاء أو لغيره من المطالب أيضا ، وفي القاموس : ألب أقام كلب ، ومنهلبيك أي أنا مقيم على طاعتك إلبابا بعد إلباب ، وإجابة بعد إجابة أو معناه اتجاهي وقصدي لك من داري تلب داره أي تواجهها ، أو معناه محبتي لك ، من امرأة لبه محبة لزوجها ، أو معناه إخلاصي لك لباب خالص.

الحديث الثامن : مجهول.

« يكافيء به » على بناء المفعول أي يجازي أو يساوي ، في القاموس : كافأه مكافأة وكفاء جازاه وفلانا ماثله وراقبه ، والحمد لله كفاء الواجب ، أي ما يكون مكافئا له« فإذا أحب الله عبدا » أي أراد أن يوصل الجزاء العظيم إليه ويرضى عنه ووجده أهلا لذلك« ابتلاه بعظيم البلاء » من الأمراض الجسمانية والمكاره الروحانية« فمن رضي » أي ببلائه وقضائه ، والظاهر أن المراد بالوصول في الموضعين أعم من العبد المحبوب المتقدم فإن العبد المحبوب لله سبحانه لا يسخط قضاءه ، ويحتمل أن يكون المراد بالمحبة تعريضه للمثوبة سواء رضي أم لا« فمن رضي فله عند الله الرضا » أي يرضي الله عنه« ومن سخط القضاء فله عند الله السخط » أي الغضب.


٩ ـ عنه ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن الحكم ، عن زكريا بن الحر ، عن جابر بن يزيد ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال إنما يبتلى المؤمن في الدنيا على قدر دينه أو قال على حسب دينه.

١٠ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن أبي عبد الله ، عن بعض أصحابه ، عن محمد بن المثنى الحضرمي ، عن محمد بن بهلول بن مسلم العبدي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إنما المؤمن بمنزلة كفة الميزان كلما زيد في إيمانه زيد في بلائه.

١١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن أبي أيوب ، عن محمد بن مسلم قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول المؤمن لا يمضي عليه أربعون ليلة إلا عرض له أمر يحزنه يذكر به.

الحديث التاسع : مجهول.

« أو قال » الشك من الراوي ،والحسب بالتحريك المقدار فمآل الروايتين واحد ، قال في المصباح : قولهم : يجزي المرء على حسب عمله أي على مقداره.

الحديث العاشر : مجهول.

« إنما المؤمن » كان المعنى أن حال المؤمن في إيمانه وبلائهبمنزلة كفتي الميزان كما ورد الصلاة ميزان فمن وفى استوفى ، وقيل : المعنى أن المؤمن ككفة الميزان في أنه كلما وضع فيه يوضع في الكفة الأخرى ما يوازنه عند الوزن ، فكلما زيد في المؤمن من الإيمان زيد في الكفة الأخرى وهو الكافر الذي بلاء المؤمن بسببه ، سواء كان من الإنس أو الجن فيزيد بلاؤه وأذاه للمؤمن بحسب زيادة إيمان المؤمن.

الحديث الحادي عشر : حسن كالصحيح.

« أمر يحزنه » بالضم قال في المصباح : حزن حزنا من باب تعب والاسم الحزن بالضم فهو حزين ، ويتعدى في لغة قريش بالحركة يقال : حزنني الأمر يحزنني


١٢ ـ محمد بن يحيى ، عن محمد بن الحسين ، عن صفوان ، عن معاوية بن عمار ، عن ناجية قال قلت لأبي جعفرعليه‌السلام إن المغيرة يقول إن المؤمن لا يبتلى

من باب قتل قاله تغلب والأزهري ، وفي لغة تميم بالألف ومثل الأزهري باسم الفاعل والمفعول في اللغتين على بابهما ، ومنع أبو زيد الماضي من الثلاثي فقال : لا يقال حزنه وإنما يستعمل المضارع من الثلاثي فيقال : يحزنه ، انتهى.

وقوله : يذكر به ، على بناء المفعول من التفعيل كأنه سئل عن سبب عروض ذلك الأمر فقال : يذكر به ذنوبه والتوبة منها لقوله سبحانه : «ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ »(١) وربه القادر على دفع ذلك عنه فيتضرع لذلك ، ويدعو الله لرفعه وسفالة الدنيا ودناءتها لشيوع أمثال ذلك فيها ، فيزهد فيها ، والآخرة وخلوص لذاتها عن الأحزان والكدورات فيرغب إليها ، ولا يصلح القلب إصلاح الحزن شيء وقد قيل إن القلب الذي لا حزن فيه كالبيت الخراب.

الحديث الثاني عشر : مجهول كالحسن.

والمغيرة : هو المغيرة بن سعيد وقد ذكر الكشي أحاديث كثيرة في لعنه ، وقال العلامةقدس‌سره في الخلاصة : أنه كان يدعو إلى محمد بن عبد الله بن الحسن ، وقالرحمه‌الله في مناهج اليقين : القائلون بإمامة الباقرعليه‌السلام اختلفوا بعد موته ، فالإمامية ساقوها إلى ولده الصادقعليه‌السلام ومنهم من قال أنه لم يمت ، ومنهم من ساقها إلى غير ولده ، فذهب بعضهم إلى أن الإمام بعد الباقرعليه‌السلام محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن ، وهم أصحاب المغيرة بن سعيد ، وروى الكشي عن الصادقعليه‌السلام أنه قال يوما : لعن الله المغيرة بن سعيد ، ولعن الله يهودية كان يختلف إليها يتعلم منها السحر والشعبذة والمخاريق(٢) إن المغيرة كذب على أبيعليه‌السلام فسلبه الله الإيمان ، وإن قوما كذبوا علي ، ما لهم أذاقهم الله حر الحديد؟

__________________

(١) سورة الشورى : ٣٠.

(٢) جمع المخرقة الكذب والاختلاق.


بالجذام ولا بالبرص ولا بكذا ولا بكذا فقال إن كان لغافلا عن صاحب ياسين

وروي أيضا عن الرضاعليه‌السلام أنه قال : كان المغيرة يكذب على أبي جعفرعليه‌السلام فأذاقه الله حر الحديد ، وقال في المواقف : قال مغيرة بن سعيد العجلي : الله جسم على صورة إنسان من نور ، على رأسه تاج وقلبه منبع الحكمة ، ولما أراد أن يخلق تكلم بالاسم الأعظم فطار فوقع تاجا على رأسه ، ثم إنه كتب على كفه أعمال العباد ، فغضب من المعاصي فعرق فحصل منه بحران أحدهما مالح مظلم ، والآخر حلو نير ، ثم اطلع في البحر النير فأبصر فيه ظله فانتزعه فجعل منه الشمس والقمر ، أفنى الباقي من الظل نفيا للشريك ، ثم خلق الخلق من البحرين فالكفار من المظلم ، والمؤمنين من النير ثم أرسل محمدا والناس في ضلال ، وعرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان وهو أبو بكر بأمر عمر بشرط أن يجعل الخلافة بعده له ، وقوله تعالى : «كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ »(١) نزلت في أبو بكر وعمر ، والإمام المنتظر هو زكريا بن محمد بن علي بن الحسين ابن علي وهو حي في جبل حاجر إلى أن يؤمر بالخروج ، وقتل المغيرة ، فقال بعض أصحابه بانتظاره وبعضهم بانتظار زكريا ، انتهى.

وقيل : هو المغيرة بن سعد وكان يلقب بالأبتر فنسبت إليه البترية من الزيدية ولم أدر من أين أخذه.

« فقال إن كان لغافلا » إن مخففة من المثقلة ،وصاحب ياسين هو حبيب النجار وإنذاره إشارة إلى قوله تعالى : «وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ »(٢) وهذه القرية هي إنطاكية في قول المفسرين «إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ ، إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ » أي رسولين من رسلنا «فَكَذَّبُوهُما » أي الرسولين ، قال ابن عباس : ضربوهما وسجنوهما «فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ » أي فقوينا وشددنا ظهورهما برسول ثالث ، قيل : كان اسم الرسولين شمعون ويوحنا والثالث بولس ، وقال ابن عباس وكعب : صادق وصدوق ،

__________________

(١) سورة الحشر : ١٦.

(٢) سورة يس : ١٣.


والثالث سلوم ، وقيل : إنهم رسل عيسى وهم الحواريون ، وإنما أضافهم إلى نفسه لأن عيسىعليه‌السلام أرسلهم بأمره «فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ، قالُوا » يعني أهل القرية «ما أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا » فلا تصلحون للرسالة كما لا تصلح نحن لها «وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ ، قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ، وَما عَلَيْنا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ ».

إلى قوله تعالى : «وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى » وكان اسمه حبيب النجار عن ابن عباس وجماعة من المفسرين ، وكان قد آمن بالرسل عند ورودهم القرية ، وكان منزله عند أقصى باب من أبواب المدينة ، فلما بلغه أن قومه قد كذبوا الرسل وهموا بقتلهم جاء يعدو ويشتد «قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ » الذين أرسله الله إليكم وأقروا برسالتهم ، قالوا : وإنما علم هو نبوتهم لأنهم لما دعوه قال : أتأخذون على ذلك أجرا؟ قالوا : لا ، وقيل : إنه كان به زمانة أو جذام فأبرءوه فآمن بهم عن ابن عباس «اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ ، وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ، أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ ، إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ، إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ » أي فاسمعوا قولي واقبلوه.

وقيل : إنه خاطب بذلك الرسل أي فاسمعوا ذلك حتى تشهدوا لي به عند الله عن ابن مسعود ، قال : ثم أن قومه لما سمعوا ذلك القول منه وطئوه بأرجلهم حتى مات فأدخله الله الجنة وهو حي فيها يرزق ، وهو قوله : «قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ » وقيل : رجموه حتى قتلوه ، وقيل : إن القوم لما أرادوا أن يقتلوه رفعه الله إليه فهو في الجنة ولا يموت إلا بفناء الدنيا وهلاك الجنة عن الحسن ومجاهد ، وقالا : إن الجنة التي دخلها يجوز هلاكها ، وقيل : إنهم قتلوه إلا أن الله سبحانه أحياه


إنه كان مكنعا ثم رد أصابعه فقال كأني أنظر إلى تكنيعه أتاهم فأنذرهم

وأدخله الجنة ، فلما دخلها «قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ».

وفي تفسير الثعلبي بالإسناد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : سباق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين : علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، وصاحب ياسين ، ومؤمن آل فرعون ، فهم الصديقون وعلي أفضلهم ، كل ذلك ذكره الطبرسيرحمه‌الله في مجمع البيان.

والأخبار الطويلة الواردة في قصصهم أوردتها في الكتاب الكبير.

« إنه كان مكنعا » في أكثر النسخ بالنون المشددة المفتوحة ، وفي بعضها بالتاء وفي القاموس كنع كمنع كنوعا انقبض وانضم أصابعه ضربها فأيبسها ، وكفرح يبس وتشنج ولزم ، وشيخ كنع ككتف شنج ، والكنيع المكسور اليد ، والأكنع الأشل وكمعظم ومجمل المقفع اليد ، أي متشنجها أو المقطوعها وكنع يده أشلها وقال : كنع كمنع انقبض وانضم ، والأكنع من رجعت أصابعه إلى كفه وظهرت رواجيه.

وأقول : كأنه كان الجذام سببا لتكنيع أصابعه وكان هذا الداء أيضا مذكورا في الأدواء التي نفاها عن المؤمن ، أو الغرض بيان أن الابتلاء بالأدواء العظيمة الشنيعة لا ينافي كمال الإيمان ، وقيل : كانت أصابعه سقطت من الجذام فأشارعليه‌السلام بضم أصابعه إلى كفه إلى ذلك.

« ثم رد أصابعه » هذا من كلام الراوي أي ردعليه‌السلام أصابعه إلى كفه إشارة إلى تكنيعه« فقال كأني أنظر إلى تكنيعه » أي أعلم ذلك وكيفيته بعين اليقين« أتاهم » أي حبيب« فأنذرهم » وخوفهم عقاب الله على ترك اتباع الرسل ، بما حكى الله تعالى عنه.


ثم عاد إليهم من الغد فقتلوه ثم قال إن المؤمن يبتلى بكل بلية ويموت بكل ميتة إلا أنه لا يقتل نفسه.

١٣ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن أبي عبد الله ، عن أبيه ، عن إبراهيم بن محمد الأشعري ، عن عبيد بن زرارة قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول إن المؤمن من الله عز وجل لبأفضل مكان ثلاثا إنه ليبتليه بالبلاء ثم ينزع نفسه عضوا عضوا من جسده وهو يحمد الله على ذلك.

وربما يتوهم التنافي بين هذا الخبر وبين ما سيأتي في الروضة عن الصادقعليه‌السلام أنه إذا بلغ المؤمن أربعين سنة أمنه الله من الأدواء الثلاثة : البرص والجذام والجنون ، ويمكن أن يجاب بأنه محمول على الغالب ، فلا ينافي الابتلاء بعد الأربعين نادرا مع أنه يمكن أن يكون ابتلاء المؤمن قبل الأربعين وأيضا الخبر ليس بصريح في ابتلائه بالجذام ، والميتة بالكسر للحال والهيئة ، ويدل على أن قاتل نفسه ليس بمؤمن سواء قتلها بحربة أو بشرب السم أو بترك الأكل والشرب أو ترك مداواة جراحة أو مرض علم نفعها ، أما لو أحرق العدو السفينة فألقى من فيها نفسه في البحر فمات ، فالظاهر أيضا أنه داخل في هذا الحكم ، خلافا لبعض العامة فإنه أخرجه منه لأنه فر من موت إلى موت وهو ضعيف ، وربما يحمل على من استحل قتل نفسه ، والظاهر أن المراد بالمؤمن الكامل.

الحديث الثالث عشر : صحيح.

« من الله » أي بالنسبة إليه« ثلاثا » أي قال هذا الكلام ثلاث مرات« نفسه عضوا عضوا » أي روحه من بدنه بالتدريج ، وقيل : أراد يقطع بدنه عضوا عضوا فكلما قطع منه عضو سلب منه الروح ، وقال بعضهم : النفس بضم النون والفاء جمع نفيس ، أي يقطع أعضاءه النفيسة بالجذام ، ولا يخفى ما فيه والأول أظهر.


١٤ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن فضيل بن عثمان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إن في الجنة منزلة لا يبلغها عبد إلا بالابتلاء في جسده.

١٥ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن أبيه ، عن إبراهيم بن محمد الأشعري ، عن أبي يحيى الحناط ، عن عبد الله بن أبي يعفور قال شكوت إلى أبي عبد اللهعليه‌السلام ما ألقى من الأوجاع وكان مسقاما فقال لي يا عبد الله لو يعلم المؤمن ما له من الأجر في المصائب لتمنى أنه قرض بالمقاريض.

١٦ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن محمد بن سنان ، عن يونس بن رباط قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول إن أهل الحق لم يزالوا منذ كانوا في شدة أما

الحديث الرابع عشر : صحيح.

ويدل على أن بعض درجات الجنة يمكن البلوغ إليها بالعمل والسعي ، وبعضها لا يمكن الوصول إليها إلا بالابتلاء في الجسد فيمن الله تعالى على من أحب من عباده بالابتلاء ليصلوا إليها.

الحديث الخامس عشر : مجهول.

« وكان مسقاما » هذا كلام أبي يحيى وضمير كان عائد إلى عبد الله ، والمسقام بالكسر الكثير السقم والمرض« إنه قرض » على بناء المفعول بالتخفيف أو بالتشديد للتكثير والمبالغة ، وفي المصباح : قرضت الشيء قرضا من باب ضرب قطعته بالمقراضينوالمقراض أيضا بكسر الميم والجمع مقاريض ، ولا يقال إذا جمع بينهما مقراض كما تقوله العامة ، وإنما يقال عند اجتماعهما قرضته قرضا من باب قطعته بالمقراضين ، وفي الواحد قطعته بالمقراض.

الحديث السادس عشر : ضعيف على المشهور.

« منذ كانوا » تامة ، وفي شدة خبر لم يزالوا« إلى مدة قليلة » أي إلى انتهاء


إن ذلك إلى مدة قليلة وعافية طويلة.

١٧ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن بعض أصحابه ، عن الحسين بن المختار ، عن أبي أسامة ، عن حمران ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال إن الله عز وجل ليتعاهد المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الرجل أهله بالهدية من الغيبة ويحميه الدنيا كما يحمي الطبيب المريض.

١٨ ـ علي ، عن أبيه ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن محمد بن يحيى الخثعمي ، عن محمد بن بهلول العبدي قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول لم يؤمن الله المؤمن من هزاهز الدنيا ولكنه آمنه من العمى فيها والشقاء في الآخرة.

١٩ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حسين بن نعيم الصحاف ، عن ذريح المحاربي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال كان علي بن الحسينعليه‌السلام يقول إني لأكره للرجل أن يعافى في الدنيا فلا يصيبه شيء من المصائب.

مدة قليلة هي العمر ، وينتهي إلى عافية طويلة في البرزخ والآخرة وقيل : إلى بمعنى مع.

الحديث السابع عشر : مرسل.

وفي القاموس تعهده وتعاهده تفقده وأحدث العهد به ، وقال :حمى المريض ما يضره منعه إياه فاحتمى وتحمى امتنع ، وأقول : وجه الشبه في الفقرتين في المشبه وإن كان أقوى لكن المشبه به عند الناس أظهر وأجلى.

الحديث الثامن عشر : مجهول.

« من هزاهز الدنيا » أي الفتن والبلايا التي يهتز فيها الناس ،والعمى عمى القلب الموجب للجهل بالله ، والتنفر عن الحق ، والبعد عن لوازم الإيمان ، وكل ذلك يوجبالشقاء والتعب في الآخرة.

الحديث التاسع عشر : حسن كالصحيح.


٢٠ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن أبي عبد الله ، عن نوح بن شعيب ، عن أبي داود المسترق رفعه قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام دعي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى طعام فلما دخل منزل الرجل نظر إلى دجاجة فوق حائط قد باضت فتقع البيضة على وتد في حائط فثبتت عليه ولم تسقط ولم تنكسر فتعجب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله منها فقال له الرجل أعجبت من هذه البيضة فو الذي بعثك بالحق ما رزئت شيئا قط [ قال ] فنهض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ولم يأكل من طعامه شيئا وقال من لم يرزأ فما لله فيه

الحديث العشرون : مرفوع.

« فتقع » أي فوقعت ، واستعمال المضارع في الماضي في أمثال هذه المواضع شائع« ما رزئت شيئا » أي ما نقصت ، في القاموس رزأه ماله كجعله وعلمه رزءا بالضم أصاب منه شيئا كارتزأه ماله ، ورزأه الشيء نقصه ، والرزيئة المصيبة وما رزئته بالكسر ما نقصته ، وفي النهاية في حديث سراقة فلم يزرءاني شيئا أي لم يأخذا مني شيئا ، يقال : رزأته أرزأه ، وأصله النقص ، فقوله : رزئت على بناء المجهول ، وضمير المتكلم نائب مناب الفاعل ، وشيئا مفعوله الثاني ، وكذا لم يرزأ على بناء المجهول ، ومفعوله الثاني محذوف« فما لله فيه من حاجة » استعمال الحاجة في الله سبحانه مجاز ، والمراد أنه ليس من خلص المؤمنين ، وممن أعده الله لهداية الخلق ولعبادته ومعرفته ، فإن نظام العالم لما كان بوجود هؤلاء فكأنه محتاج إليهم في ذلك ، أو أنهم لما كانوا من حزب الله وعبدته حقيقة وأنصار دينه فكأنه سبحانه محتاج إليهم ، كما أن سائر الخلق محتاجون إلى مثل ذلك ، أو المراد حاجة الأنبياء والأوصياء إليهم في ترويج الدين ، ونسب ذلك إلى ذاته تعظيما لهم ، كما ورد في قوله تعالى : «إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ »(١) و «ما ظَلَمُونا »(٢) وأمثالهما وقد مر ذلك مشروحا ، أو أنه تعالى

__________________

(١) سورة آل عمران : ١٦٠.

(٢) سورة البقرة : ٥٧.


من حاجة.

٢١ ـ عنه ، عن علي بن الحكم ، عن أبان بن عثمان ، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله وأبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لا حاجة لله فيمن ليس له في ماله وبدنه نصيب.

٢٢ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن محمد بن سنان ، عن عثمان النواء عمن ذكره ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إن الله عز وجل يبتلي المؤمن بكل بلية ويميته بكل ميتة ولا يبتليه بذهاب عقله أما ترى أيوب كيف سلط إبليس على

لما طلب من عباده العبادات بالأوامر وغيرها كطلب ذي الحاجة ما يحتاج إليه فاستعملت الحاجة فيه مجازا ، أو سلب الحاجة كناية عن سلب اللطف به ، وترك الإقبال عليه لأن اللطف والإقبال منا لازمان للحاجة فنفى الملزوم وأراد نفي اللازم ، والوجوه متقاربة.

وإنما امتنعصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من طعامه لأن ما ذكره كان من صفات المستدرجين ، ومن لا خير فيه لا خير في طعامه ، والمال الذي لم ينقص منه شيء ملعون كالبدن ، وقد قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ملعون كل مال لا يزكي ، ملعون كل بدن لا يزكى ، مع أنه يمكن أن يكون علمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من تقريره أنه لا يؤدي الحقوق الواجبة أيضا ، وأيضا لما كانت الخصلة التي ذكرها صاحب الطعام مرغوبة بالطبع لسائر الخلق أرادصلى‌الله‌عليه‌وآله المبالغة في ذمها لئلا ترغب الصحابة فيها ، وليعلموا أنها ليست من صفات المؤمنين.

الحديث الحادي والعشرون : موثق كالصحيح.

« فيمن ليس له » أي لله وإرجاعه إلى المؤمن كما زعم بعيد ، والظاهر أن المرادبالنصيب الناقص الذي وقع بقضاء الله وقدره في ماله أو بدنه بغير اختياره ، ويحتمل شموله للاختياري أيضا ، كأداء الحقوق المالية وإبلاء البدن بالطاعة.

الحديث الثاني والعشرون : ضعيف.

« ولا يبتليه بذهاب عقله » لأن فائدة الابتلاء التصبر والتذكر والرضا و


ماله وعلى ولده وعلى أهله وعلى كل شيء منه ولم يسلط على عقله ترك له ليوحد الله به.

نحوها ، ولا يتصور شيء من ذلك بذهاب العقل وفساد القلب ، فلا ينافي ذهاب العقل لا لغرض الابتلاء ، على أن الموضوع هو المؤمن والمجنون لا يتصف بالإيمان ، كذا قيل ، لكن ظاهر الخبر أن المؤمن الكامل لا يبتلي بذلك وإن لم يطلق عليه في تلك الحال اسم الإيمان ، وكان بحكم المؤمن ، ويمكن أن يكون هذا غالبيا فإنا نرى كثيرا من صلحاء المؤمنين يبتلون في أواخر العمر بالخرافة وذهاب العقل ، أو يخص بنوع منه ، والوجه الأول لا يخلو من وجه.

« وعلى كل شيء منه » ظاهره تسلطه على جميع أعضائه وقواه سوى عقله ، وقد يأول بتسلطه على بيته وأثاث بيته وأمثال ذلك ، وأحبائه وأصدقائه.

وأقول : قد ورد ما يؤيد هذه الرواية بطريق(١) كثيرة أكثرها صحيحة أو معتبرة قد أوردتها في الكتاب الكبير ، منها : ما رواه الصدوق (ره) في كتاب علل الشرائع بسند حسن كالصحيح عن أبي بصير عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : إنما كانت بلية أيوب التي ابتلي بها في الدنيا لنعمة أنعم بها عليه فأدى شكرها ، وكان إبليس في ذلك الزمان لا يحجب دون العرش ، فلما صعد عمل أيوب بأداء شكر النعمة حسده إبليس ، فقال : يا رب إن أيوب لم يؤد شكر هذه النعمة إلا بما أعطيته من الدنيا فلو حلت بينه وبين دنياه ما أدى إليك شكر نعمة ، فسلطني على دنياه تعلم أنه لا يؤدى شكر نعمة ، فقال : قد سلطتك عليه ، فلم يدع له دنيا ولا ولدا إلا أهلك كل ذلك وهو يحمد الله عز وجل ، ثم رجع إليه فقال : يا رب إن أيوب يعلم أنك سترد عليه دنياه التي أخذتها منه ، فسلطني على بدنه حتى تعلم أنه لا يؤدى شكر نعمة ، قال عز وجل : سلطتك على بدنه ما عدا عينيه وقلبه ولسانه وسمعه ، فقال

__________________

(١) كذا في النسخ والظاهر « بطرق ».


أبو بصير : قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : فانقض مبادرا خشية أن تدركه رحمة الله عز وجل فيحول بينه وبينه فنفخ في منخريه من نار السموم فصار جسده نقطا نقطا.

وروي أبسط من ذلك بسند معتبر عن أبي بصير أيضا عن الكاظمعليه‌السلام .

وروى علي بن إبراهيم أيضا في تفسيره عن أبي بصير عن أبي عبد اللهعليه‌السلام حديثا طويلا في ذلك إلى أن قال : فسلطه على بدنه ما خلا عقله وعينيه فنفخ فيه إبليس فصار قرحة واحدة من قرنه إلى قدمه ، فبقي في ذلك دهرا يحمد الله ويشكره حتى وقع في بدنه الدود ، وكانت تخرج من بدنه فيردها ويقول لها : ارجعي إلى موضعك الذي خلقك الله منه ونتن حتى أخرجه أهل القرية من القرية والقوة في المزبلة خارج القرية.

والجمع بينها وبين ما ورد في خبر الكافي من استثناء العقل فقط ، بحمل ما في الكافي على العقل وما يتبعه ويقويه ، وهذه المشاعر من آلات العقل وأدواته فالتسليط عليها تسليط على العقل أيضا.

ثم أن للمتكلمين في تلك الأخبار شبه ، منها : ما ذكره السيد الأجل المرتضىرضي‌الله‌عنه في كتاب تنزيه الأنبياء : فإن قيل : فما قولكم في الأمراض والمحن التي لحقت نبي الله أيوبعليه‌السلام ؟ أو ليس قد نطق القرآن أنها كانت جزاء على ذنب في قوله «أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ »(١) والعذاب لا يكون إلا جزاء كالعقاب ، والآلام الواقعة على سبيل الامتحان لا يسمى عذابا ولا عقابا ، أو ليس قد روى جميع المفسرين أن الله تعالى إنما عاقبه بذلك البلاء لتركه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقصته مشهورة يطول شرحها؟

الجواب : قلنا : أما ظاهر القرآن فليس يدل على أن أيوبعليه‌السلام عوقب

__________________

(١) سورة ص : ٤١.


بما نزل به من المضار وليس في ظاهره شيء مما ظنه السائل لأنه تعالى قال : «وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ » والنصب هو التعب ، وفيه لغتان فتح النون والصاد ، وضم النون وتسكين الصاد ، والتعب هو المضرة التي لا تختص بالعقاب وقد تكون على سبيل الاختبار والامتحان ، فأما العذاب فهو أيضا يجري مجرى المضار التي لا يخص إطلاق ذكرها بجهة دون جهة ، ولهذا يقال للظالم المبتدي بالظلم أنه معذب ومضر ومؤلم ، وربما قيل : معاقب على سبيل المجاز ، وليس لفظة العذاب بجارية مجرى لفظة العقاب لأن لفظة العقاب يقتضي بظاهرها الجزاء لأنه من التعقيب والمعاقبة ، ولفظة العذاب ليست كذلك.

فإما إضافته ذلك إلى الشيطان وإنما ابتلاه الله تعالى به؟ فله وجه صحيح لأنه لم يضف المرض والسقم إلى الشيطان وإنما أضاف إليه ما كان يستضر به من وسوسته ويتعب به من تذكيره له ما كان فيه من النعم والعافية والرخاء ودعائه له إلى التضجر والتبرم بما هو عليه ، ولأنه كان أيضا يوسوس إلى قومه بأن يستقذروه ويتجنبوه لما كان عليه من الأمراض البشعة المنظر ، ويخرجوه من بينهم وكل هذا ضرر من جهة اللعين إبليس ، وقد روي أن زوجتهعليه‌السلام كانت تخدم الناس في منازلهم وتصير إليه بما يأكله ويشربه ، وكان الشيطان يلقي إليهم أن داءه يعدي ويحسن إليهم تجنب خدمة زوجته من حيث كانت تباشر قروحه وتمس جسده ، وهذه مضار لا شبهة فيها.

فأما قوله تعالى في سورة الأنبياء : «وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ، فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ »(١) فلا ظاهر لها أيضا يقتضي ما ذكروه لأن الضر

__________________

(١) الآية : ٨٣ ـ ٨٤.


هو الضرر الذي قد يكون محنة كما يكون عقوبة.

فأما ما روي في هذا الباب عن جملة المفسرين فمما لا يلتفت إلى مثله لأن هؤلاء لا يزالون يضيفون إلى ربهم تعالى وإلى رسلهعليهم‌السلام كل قبيح ويقرفونهم بكل عظيم ، وفي روايتهم هذه السخيفة ما إذا تأمله المتأمل علم أنه موضوع باطل ممنوع ، لأنهم رووا أن الله تعالى سلط إبليس على مال أيوبعليه‌السلام وغنمه وأهله ، فلما أهلكهم ودمر عليهم ورأى صبره وتماسكه قال إبليس لربه : يا رب إن أيوب قد علم أنه ستخلف عليه ماله وولده فسلطني على جسده ، فقال : قد سلطتك على جسده إلا قلبه وبصره ، قال : فأتاه فنفخه من لدن قرنه إلى قدمه ، فصار قرحة واحدة فقذف على كناسة لبني إسرائيل سبع سنين وأشهرا ، تختلف الدواب في جسده ، إلى شرح طويل تصون كتابنا عن ذكر تفصيله ، فمن يقبل عقله هذا الجهل والكفر كيف يوثق بروايته؟ ومن لا يعلم أن الله تعالى لا يسلط إبليس على خلقه وأن إبليس لا يقدر على أن يقرح الأجساد ، ولا أن يفعل الأمراض كيف يعتمد على روايته؟

فأما هذه الأمراض النازلة بأيوبعليه‌السلام فلم يكن إلا اختبارا وامتحانا وتعريضا للثواب بالصبر عليها ، والعوض العظيم النفيس في مقابلتها ، وهذه سنة الله في أصفيائه وأوليائه ، فقد روي عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال ـ وقد سئل أي الناس أشد بلاء؟ ـ فقال : الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل من الناس.

فظهر من صبره على محنته وتماسكه ما صار إلى الآن مثلا حتى روي أنه كان في خلال ذلك كله شاكرا محتسبا ناطقا بما له فيه المنفعة والفائدة وأنه ما سمعت له شكوى ، ولا تفوه بتضجر وتبرم فعوضه الله تعالى مع نعيم الآخرة العظيم الدائم أن رد عليه ماله أهله ، وضاعف عددهم في قوله تعالى : «وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ


مَعَهُمْ »(١) وفي سورة ص «وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ »(٢) ثم مسح ما به وشفاه وعافاه وأمره على ما وردت به الرواية يركض برجله الأرض ، فظهرت عين اغتسل منها فتساقط ما كان على جسده من الداء ، قال الله : «ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ »(٣) والركض هو التحريك ، ومنه ركضت الدابة ، انتهى كلامه.

وأقول : لا أعرف وجها لهذا الإنكار الفظيع والرد الشنيع لتلك الرواية ، ولا أعرف فرقا بين ما صدر من أشقياء الإنس بالنسبة إلى الأنبياء والأوصياءعليهم‌السلام حيث خلاهم الله سبحانه مع إرادتهم بمقتضى حكمته الكاملة ولم يمنعهم قهرا عن مثل هذا الظلم العظيم ، وبين ما نقل من تسليط إبليس في تلك الواقعة ، والجواب مشترك؟ نعم لا يجوز أن يسلط الشيطان على أديانهم كما دلت عليه الآيات والروايات ، وأما الأبدان فلم يقم دليل على نفي تسلطه في بعض الأحيان لضرب من المصلحة ، كيف لا وهو الذي يغري الأشرار على قتل الأخيار وإيلامهم بأنواع المضار ، وأيضا أي دليل قام على امتناع قدرة إبليس على فعل يوجب تقريح الأجساد وحدوث الأمراض؟ وأي فرق بين الإنس والجن في ذلك؟ نعم لو قيل بعدم ثبوت بعض الخصوصيات من جهة الأخبار لكان له وجه ، لكن الحكم بنفيها بمجرد الاستبعاد غير موجه.

ومنها : أنها منافية لما مر من عدم ابتلاء الأنبياء والأوصياءعليهم‌السلام بالأمراض المنفرة؟

قال السيدرضي‌الله‌عنه في الكتاب المذكور : فإن قيل : أفتصححون ما روي

__________________

(١) سورة الأنبياء : ٨٤.

(٢) سورة ص : ٤٣.

(٣) سورة ص : ٤٢.


من أن الجذام أصابه حتى تساقطت أعضاؤه؟ قلنا : أما العلل المستقذرة التي تنفر من رآها وتوحشه كالبرص والجذام فلا يجوز شيء منها على الأنبياءعليهم‌السلام لما تقدم ذكره في صدر هذا الكتاب ، لأن النفور ليس يواقف على الأمور القبيحة ، بل قد يكون من الحسن والقبيح معا ، وليس ننكر أن تكون أمراض أيوبعليه‌السلام وأوجاعه ومحنته في جسمه ثم في أهله وماله بلغت مبلغا عظيما يزيد في الغم والألم ، على ما ينال المجذوم ، وليس ننكر تزايد الألم فيهعليه‌السلام وإنما ننكر ما اقتضى التنفير ، انتهى.

وأقول : يدل على ذلك ما رواه الصدوق (ره) في كتاب الخصال بإسناده عن جعفر بن محمد عن أبيهعليه‌السلام قال : إن أيوبعليه‌السلام ابتلي سبع سنين من غير ذنب ، وإن الأنبياء لا يذنبون لأنهم معصومون مطهرون ، ولا يذنبون ولا يزيغون ولا يرتكبون ذنبا صغيرا ولا كبيرا ، وقالعليه‌السلام : إن أيوب مع جميع ما ابتلي به لم تنتن له رائحة ولا قبحت له صورة ، ولا خرجت عنه مدة(١) من دم ولا قيح ولا استقذره أحد رآه ، ولا استوحش منه أحد شاهده ولا تدود شيء من جسده ، وهكذا يصنع الله عز وجل لجميع من يبتليه من أنبيائه وأوليائه المكرمين عليه ، وإنما اجتنبه الناس لفقره وضعفه في ظاهر أمره ، لجهلهم بما له عند ربه تعالى ذكره من التأييد والفرج وقد قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أعظم الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل ، وإنما ابتلاه الله عز وجل بالبلاء العظيم الذي يهون معه على جميع الناس لئلا يدعوا له الربوبية إذا شاهدوا ما أراد الله أن يوصله إليه من عظائم نعمه تعالى متى شاهدوه ، وليستدلوا بذلك على أن الثواب من الله تعالى ذكره على ضربين استحقاق واختصاص ، ولئلا يحتقروا ضعيفا لضعفه ، ولا فقيرا لفقره ، ولا مريضا لمرضه ، وليعلموا أنه

__________________

(١) المِدّة ـ بكسر الميم وتشديد الدال ـ ما يجتمع في الجرح من القيح والقيح : ما يقال له بالفارسية : « چرك ».


يسقم من يشاء ويشفي من يشاء متى شاء ، كيف شاء ، بأي سبب شاء ، ويجعل ذلك عبرة لمن شاء وسعادة لمن شاء ، وهو عز وجل في جميع ذلك عدل في قضائه وحكيم في أفعاله ، لا يفعل بعباده إلا الأصلح لهم ، ولا قوة لهم إلا به.

وأقول : هذا الخبر أوفق بأصول متكلمي الإمامية ، فالأخبار الأخر يمكن حملها على التقية موافقة للعامة فيما رووه ، لكن إقامة الدليل على نفي ذلك عنهم مطلقا ولو بعد ثبوت نبوتهم وحجيتهم لا تخلو من إشكال ، لاحتمال أن يكون ذلك ابتلاء للأمة وتشديدا للتكليف عليهم ، مع أن الأخبار الدالة على ثبوتها أكثر وأصح.

وسيأتي رواية الكليني بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : قلت له : «فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ »(١) فقال : يا با محمد تسلطه والله على المؤمن على بدنه ، ولا يسلط على دينه ، وقد سلط على أيوبعليه‌السلام فشوه خلقه ولم يسلط على دينه وقد يسلط من المؤمنين على أبدانهم ولا يسلط على دينهم ، قلت : قوله تعالى : «إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ »(٢) قال : الذين هم بالله مشركون يسلط على أبدانهم وعلى أديانهم.

وأقول : هذا ينفع في المقام الأول أيضا ، وبالجملة للتوقف فيهما مجال ، والله أعلم بحقيقة الحال.

ثم اعلم أنه أول بعضهم تسليط إبليس على ماله في هذا الخبر بأن أغرى الظلمة على نهبها وغصبها منه ، وعلى أولاده بأن أغرى الفسقة والكفرة على قتلهم ، وعلى أهله بأن أغواهم بأن تنفروا منه وعلى كل شيء منه بأن أنهب أثاث بيته وأغرى

__________________

(١ و ٢) سورة النحل : ١٩٩ ـ ١٠٠.


٢٣ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن ابن فضال ، عن علي بن عقبة ، عن سليمان بن خالد ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إنه ليكون للعبد منزلة عند الله فما ينالها إلا بإحدى خصلتين إما بذهاب ماله أو ببلية في جسده.

٢٤ ـ عنه ، عن ابن فضال ، عن مثنى الحناط ، عن أبي أسامة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال الله عز وجل لو لا أن يجد عبدي المؤمن في قلبه لعصبت رأس الكافر

أحباءه على تركه والنفرة عنه ، ولا يخفى بعد الجميع ، وقد علمت حقيقة الحال في جميع ذلك بعون الله.

الحديث الثالث والعشرون : موثق كالصحيح.

« بذهاب ماله » بكسر اللام وقد يقرأ بالفتح ، وعلى الأول يمكن أن يكون على المثال فيشمل ذهاب ولده وأهله وأقاربه وأشباه ذلك ، والمراد بالعبد المؤمن الخالص الذي يحبه الله.

الحديث الرابع والعشرون : حسن.

« لو لا أن يجد عبدي المؤمن في قلبه » كان مفعول الوجدان محذوف أي شكا أو حزنا شديدا أو يكون الوجد بمعنى الغضب أو بمعنى الحزن فقوله : في قلبه ، للتأكيد أي وجدا مؤثرا في قلبه باقيا فيه ، في المصباح : وجدته أجده وجدانا بالكسر ووجدت عليه موجدة في الغضب ، ووجدت به في الحزن وجدا بالفتح ، انتهى.

والعصابة بالكسر ما يشد على الرأس والعمامة والعصب الطي الشديد ، وعصب رأسه بالعصابة وعصب أيضا بالتشديد أي شدة بها ، والصداع كغراب وجع الرأس يقال : صدع على بناء المفعول من التفعيل وجوز في الشعر التخفيف ، وذكر الرأس هنا على التجريد ، والعصب بالحديد كناية عن حفظه مما يؤلمه ويؤذيه ، وتخصيص الرأس لأن أكثر الأمراض العظيمة ينشأ منه وأكثر القوي فيه ، وذكر الصاع لأنه أقل مراتب الآلام والأوجاع وأخفها ، أي فكيف ما فوقه ،


بعصابة حديد لا يصدع رأسه أبدا.

٢٥ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حسين بن عثمان ، عن عبد الله بن مسكان ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مثل المؤمن كمثل خامة الزرع تكفئها الرياح كذا وكذا وكذلك المؤمن تكفئه

ويحتمل كون تخصيص الرأس لذلك ، والحاصل أنه لو لا مخافة انكسار قلب المؤمن أو ضعف يقينه لما يراه على الكافر من العافية المستمرة لقويت الكافر وصححت جسمه حتى لا يرى وجعا وألما في الدنيا أبدا.

وقيل : تعصب الرأس كناية عن وضع تاج السلطنة على رأسه ، وذكر الحديد كناية عن شدة ملكه بحيث لا تحصل فيه ثلمة ، ولا يخفى بعده ، وفيه إشارة إلى قوله سبحانه : «لَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً »(١) قال الطبرسي (ره) : أي لو لا أن يجتمع الناس على الكفر فيكونوا كلهم كفارا على دين واحد لميلهم إلى الدنيا وحرصهم عليها «لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ » فالسقف إذا كان من فضة فالحيطان من فضة «وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ » أي وجعلنا درجا وسلاليم من فضة لتلك السقف عليها يعلون ويصعدون «وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها » أي على السرر «يَتَّكِؤُنَ ، وَزُخْرُفاً » أي ذهبا أي وجعلنا لهم مع ذلك ذهبا ، وقيل : زخرف النقوش ، وقيل : هو الفرش ومتاع البيت ، والمعنى لأعطي الكافر في الدنيا غاية ما يتمناه فيها لقلتها وحقارتها عنده ، ولكنه سبحانه لم يفعل ذلك لما فيه من المفسدة «وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ » خاصة لهم.

الحديث الخامس والعشرون : حسن كالصحيح.

وقد مر معنىخامة الزرع في باب أن المؤمن صنفان ، والفرق بين التشبيه

__________________

(١) سورة الزخرف : ٣٣.


الأوجاع والأمراض ومثل المنافق كمثل الإرزبة المستقيمة التي لا يصيبها شيء حتى يأتيه الموت فيقصفه قصفا.

هنا وبين ما سبق حيث شبه هناك بعض المؤمنين بها ، وهيهنا جميعهم بها هو أنه شبه المعاصي هناك بالريح ، وهيهنا شبه البلايا والأمراض بها« تكفئها » بالهمز أي تقلبها ، في القاموس : كفئه كمنعه صرفه وكبه وقلبه كاكفاه ، وقال :الإرزبة والمرزبة مشددتان ، أو الأولى فقط : عصية من حديد ، وحتى فيقوله : حتى يأتيه الموت ، متعلق بالجار والمجرور في قوله : كمثل الأرزبة ، وفي المصباح :قصفت العود قصفا فانقصف ، مثل كسرته فانكسر لفظا ومعنى.

ومثل هذه الرواية رواها مسلم في صحيحه بإسناده عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : مثل المؤمن مثل الخامة من الزرع تكفئها الرياح تصرفها مرة وتعدلها أخرى حتى يأتيه أجله ، ومثل المنافق مثل الأرزة المجذية التي لا يصيبها شيء حتى يكون انجعافها مرة واحدة ، وفي رواية أخرى مثل الكافر.

قال عياض : الخامة هي الزرع أول ما ينبت ومعنى تكفئها بضم التاء تميلها الريح ، وتلقيها بالأرض كالمصروع ، ثم تقيمه يقوم على سوقه ، ومعنى المجذية الثابتة ، يقال أجذى يجذي ، والانجعاف الانقطاع يقال : جعفت الرجل صرعته ، وقال محيي الدين : الأرزة بفتح الهمزة وسكون الراء شجر معروف بالشام ، ويسمى بالعراق الصنوبر ، والصنوبر إنما هو ثمره ، وسمي الشجر باسم ثمره.

وحكى الجوهري في « راء » الأرزة بالفتح ، وقال بعضهم : هي الآرزة بالمد وكسر الراء على وزن فاعلة ، وأنكره أبو عبيد ، وقال أهل اللغة الآرزة بالمد النابتة وهذا المعنى صحيح هيهنا ، فإنكار أبو عبيد إنكار الرواية لا إنكار اللغة ، وقال أبو ـ عبيد : شبه المؤمن بالخامة التي تميلها الريح لأنه يرزأ في نفسه وماله ، وشبه الكافر بالأرزة لأنه لا يرزأ في شيء حتى يموت ، وإن رزأ لم يؤجر حتى يلقى الله


٢٦ ـ علي بن إبراهيم ، عن هارون بن مسلم ، عن مسعدة بن صدقة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يوما لأصحابه ملعون كل مال لا يزكى ملعون كل جسد لا يزكى ولو في كل أربعين يوما مرة فقيل يا رسول الله أما زكاة المال فقد عرفناها فما زكاة الأجساد فقال لهم أن تصاب بآفة قال فتغيرت وجوه الذين سمعوا ذلك منه فلما رآهم قد تغيرت ألوانهم قال لهم أتدرون ما عنيت بقولي قالوا لا يا رسول الله قال بلى الرجل يخدش الخدشة وينكب النكبة

بذنوب جمة.

الحديث السادس والعشرون : ضعيف.

« ملعون كل مال لا يزكي » قال الشيخ البهائي (ره) : أي بعيد عن الخير والبركة ، يعني لا خير فيه لصاحبه ولا بركة ، ويجوز أن يراد ملعون صاحبه على حذف مضاف ، أي مطرود مبعد من رحمة الله تعالى ، وقس عليهقوله عليه‌السلام : ملعون كل جسد لا يزكى وذكر الزكاة هنا من باب المشاكلة ويجوز أن يكون استعارة تبعية ، ووجه الشبه أن كلا منهما وإن كان نقصا بحسب الظاهر إلا أنه موجب لمزيد الخير والبركة في نفس الأمر« فتغيرت وجوه الذين سمعوا ذلك منه » لأنهم ظنوا أن مرادهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالآفة العاهة والبلية الشديدة التي كثيرا ما يخلو عنهما الإنسان سنين عديدة فضلا عن أربعين يوما.

« قال بلى » أقول : كأنه جواب عن سؤال مقدر كان القوم قالوا : ألا تفسره لنا؟ قال : بلى ، وصحف بعض الأفاضل فقرأ بلىالرجل مصدرا مضافا إلى الرجل ، أي خلقه ، كان البلايا تبلى الجسد وتخلقها و« يخدش » صفة الرجل لأن اللام للعهد الذهني ولا يخفى ما فيه ، وقال الشيخ المتقدم ذكرهقدس‌سره : يخدش بالبناء للمفعول ، وكذا ينكب ، والخدشة تفرق اتصال في الجلد من ظفر ونحوه ، سواء خرج معه الدم أو لا.


ويعثر العثرة ويمرض المرضة ويشاك الشوكة وما أشبه هذا حتى ذكر في حديثه

وأقول :النكبة أن يقع رجله على الحجارة ونحوها ، أو يسقط على وجهه أو أصابته بلية خفيفة من بلايا الدهر ، في القاموس : النكب الطرح ونكب الإناء هراق ما فيه ، والكنانة نثر ما فيها ، والحجارة رجله لتمتها أو أصابتها فهو منكوب ، ونكب وبه طرحه ، والنكبة بالفتح المصيبة ونكبة الدهر نكبا ونكبا بلغ منه أو أصابه بنكبة ، وفي النهاية : وقد نكب بالحرة أي نالته حجارتها وأصابته ، ومنه النكبة وهي ما يصيب الإنسان من الحوادث ، ومنه الحديث : أنه نكبت إصبعه أي نالته الحجارة« ويعثر العثرة » في القاموس : العثرة المرة من العثار في المشي.

وقال الشيخ (ره) : المراد بها عثرة الرجل ، ويجوز أن يراد بها ما يعم عثرة اللسان أيضا لكنه بعيد.

« ويشاك الشوكة » يقال : شاكته الشوكة تشوكه إذا دخلت في جسده وانتصاب الشوكة بالمفعولية المطلقة كانتصاب الخدشة والنكبة والعثرة ، فإن قلت : تلك مصادر بخلاف الشوكة فكيف يكون مفعولا مطلقا؟ قلت : قد يجيء المفعول المطلق غير مصدر إذا لابس المصدر بالآلية ونحوها ، نحو ضربته سوطا وإن أبيت فاجعل انتصابها بنزع الخافض أي يشاك بالشوكة.

أقول : وفي القاموس شاكته الشوكة دخلت في جسمه وشكته أنا أشوكه وأشكته أدخلتها في جسمه وشاك يشاك شاكة وشيكة بالكسر وقع في الشوك ، والشوكة خالطها وما أشاكه شوكة ولا شاكة بها ما أصابه ، انتهى.

فعلى بعض الوجوه يمكن أن يكون الشوكة مفعولا ثانيا من غير تقدير ، وقال (ره) :وما أشبه هذا يحتمل أن يكون من كلام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأن يكون من كلام الراوي.

أقول : الظاهر أنه من كلام الصادقعليه‌السلام إلى آخر الخبر ، وضمير حديثه


اختلاج العين.

٢٧ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن ابن فضال ، عن ابن بكير قال سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام أيبتلى المؤمن بالجذام والبرص وأشباه هذا قال فقال وهل كتب البلاء إلا على المؤمن.

٢٨ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير عمن رواه ، عن الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إن المؤمن ليكرم على الله حتى لو سأله الجنة بما فيها

راجع إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقالقدس‌سره : عدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اختلاج العين من جملة الآفات لأن الاختلاج مرض من الأمراض ، وقد ذكره الأطباء وهو حركة سريعة متواترة غير عادية يعرض لجزء من البدن كالجلد ونحوه بسبب رطوبة غليظة لزجة تنحل فتصير ريحا بخاريا غليظا يعسر خروجه من المسام ، وتزاول الدافعة دفعة فتقع بينهما مدافعة واضطراب.

الحديث السابع والعشرون : موثق كالصحيح.

« وهل كتب البلاء إلا على المؤمن » أي غالبا.

الحديث الثامن والعشرون : حسن كالصحيح.

وكلمةلو في الموضعين شرطية امتناعية و« أعطاه » جزاء أي لو سأل المؤمن الجنة أعطاه لكن لا يسأله ذلك لأنه يعلم عدم المصلحة في ذلك ، أو يحب الشركاء فيها ، ولا يطلب التفرد مع أنه يمكن أن يعطيه ما هو جنة بالفعل ، ويخلق أمثالها وأضعافها لغيره ، وأما الكافر فإنه أيضا لا يسأل جميع الدنيا لأنه لا يؤمن بالله وسعة قدرته ، بل يعد ذلك ممتنعا ، وقيل : لأنه ممتنع أن يسأل الله لأنه سبحانه لا يدرك بالكنه ولا بالشخص ، بل معرفته منحصرة في أن يعرف بصفات الربوبية والكافر لا يعرفه كذلك وإليه يشير قوله تعالى : «أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ »(١) .

__________________

(١) سورة البقرة : ١٨٦.


أعطاه ذلك من غير أن ينتقص من ملكه شيئا وإن الكافر ليهون على الله حتى لو سأله الدنيا بما فيها أعطاه ذلك من غير أن ينتقص من ملكه شيئا وإن الله ليتعاهد عبده المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الغائب أهله بالطرف وإنه ليحميه الدنيا كما يحمي الطبيب المريض.

٢٩ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن محبوب ، عن سماعة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إن في كتاب عليعليه‌السلام أن أشد الناس بلاء النبيون ثم الوصيون ثم الأمثل فالأمثل وإنما يبتلى المؤمن على قدر أعماله الحسنة فمن صح دينه وحسن عمله اشتد بلاؤه وذلك أن الله عز وجل لم يجعل الدنيا ثوابا لمؤمن ولا

و « انتقص » يكون لازما ومتعديا ، والمراد هنا الثاني ، في القاموس : نقص لازم متعد وأنقصه وانتقصه ونقصه نقصه فانتقص ، وقيل : شيئا ، قائم مقام المفعول المطلق في الموضعين بمعنى انتقاصا ، وفي المصباح :الطرفة ما يستطرف أي يستملح والجمع طرف ، مثل غرفة وغرف ، وفي القاموس : أطرف فلانا أعطاه ما لم يعطه أحد قبله ، والاسم الطرفة بالضم.

الحديث التاسع والعشرون : حسن أو موثق.

« وذلك أن الله تعالى. ».

أقول : دفع لما يتوهم من أن المؤمن لكرامته على الله كان ينبغي أن يكون بلاؤه أقل ، والمعنى أن المؤمن لما كان محل ثوابه الآخرة لأن الدنيا لفنائه وانقطاعه لا يصلح أن يكون ثوابا له فينبغي أن لا يكون له في الدنيا إلا ما يوجب الثواب في الآخرة ، وكذا الكافر لما كانت عقوبته في الآخرة لأن الدنيا لانقطاعها لا يصلح أن تكون عقوبته فيها فلا يبتلى في الدنيا كثيرا ، بل إنما يكون ثوابه لو كان له عمل في الدنيا بدفع البلاء والسعة في النعماء ، وفي القاموس :القرار والقرارة : ما قر فيه والمطمئن من الأرض ، شبهعليه‌السلام البلاء النازل إلى المؤمن بالمطر النازل


عقوبة لكافر ومن سخف دينه وضعف عمله قل بلاؤه وأن البلاء أسرع إلى المؤمن التقي من المطر إلى قرار الأرض.

٣٠ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن مالك بن عطية ، عن يونس بن عمار قال قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام إن هذا الذي ظهر بوجهي ـ يزعم الناس أن الله لم يبتل به عبدا له فيه حاجة قال فقال لي لقد كان مؤمن آل فرعون مكنع الأصابع فكان يقول هكذا ـ ويمد يديه ـ ويقول : «يا

إلى الأرض ، ووجه الشبه متعدد وهو السرعة ، والاستقرار بعد النزول وكثرة النفع والتسبب للحياة فإن البلاء للمؤمن سبب للحياة الأرضية.

الحديث الثلاثون : مجهول.

والظاهر أن الآثار التيظهرت بوجهه كان برصا ، ويحتمل الجذام وعلى الأول ذكر المؤمن لبيان أنه إذا جاز ابتلاء المؤمن بالجذام جاز ابتلاؤه بالبرص بطريق أولى ، لأن الجذام أشد وأخبث ، وأما ذكر مؤمن آل فرعون في هذا الخبر فلعله من اشتباه الرواة أو النساخ لأن الآية المذكورة إنما هي في قصة آل ياسين كما مر في هذا الباب أيضا وربما يوجه بوجهين : أحدهما : أن المرادبالفرعون هنا فرعون عيسىعليه‌السلام وهو الجبار الذي كان بالأنطاكية حين ورده رسل عيسىعليه‌السلام والفرعون يطلق على كل جبار متكبر ، نعم شاع إطلاقه على ثلاثة : فرعون الخليل واسمه سنان ، وفرعون يوسف واسمه الريان بن الوليد ، وفرعون موسى واسمه الوليد بن مصعب ، وإضافته إلى آل فرعون عيسى بأدنى الملابسة وهو كونه فيهم واشتغاله بإنذارهم ، أو باعتبار كونه منهم في نفس الأمر ، وثانيهما : كونهما واحدا وكان طويل العمر جدا ومع إدراكه زمان موسى أدرك زمان عيسىعليه‌السلام أيضا ، مع أنه كان بينهما على رواية ابن الجزري في التنقيح ألف وستمائة واثنتان وثلاثون سنة ، وكان اسمه حبيب النجار وكان يلقب بمؤمن آل ياسين كما مر


قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ » ثم قال لي إذا كان الثلث الأخير من الليل في أوله فتوض وقم إلى صلاتك التي تصليها فإذا كنت في السجدة الأخيرة من الركعتين الأوليين فقل وأنت ساجد ـ يا علي يا عظيم يا رحمان يا رحيم يا سامع الدعوات يا معطي الخيرات صل على محمد وآل محمد وأعطني من خير الدنيا والآخرة ما أنت أهله واصرف عني من شر الدنيا والآخرة ما أنت أهله واذهب عني بهذا الوجع ـ وتسميه فإنه قد غاظني وأحزنني وألح في الدعاء قال فما وصلت إلى الكوفة

في الخبر.

وقال في القاموس خربيل كقنديل اسم مؤمن آل ياسين ، وقال علي بن إبراهيم في قوله تعالى : «وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ »(١) قال : كتم إيمانه ستمائة سنة ، قال : وكان مجذوما مكنعا ، وهو الذي قد وقعت أصابعه ، وكان يشير إلى قومه بيديه المكنوعين ويقول : «يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ » وفي بعض النسخ مكتعا وهو الذي قد عقفت أصابعه ، وكان يشير بيديه المعقوفتين ويقول ، والعقف : العطف ، ولا يخفى بعد الوجهين لا سيما الأخير فإنه ينافيه أخبار كثيرة دالة على تعدد المؤمنين.

« إذا كان الثلث » كان تامة ، وقيل : ناقصة واسمه ضمير مستتر راجع إلى العالم أو نحوه ، والثلث منصوب بالظرفية الزمانية بقرينة في أوله فإنه بدل الثلث والظرف خبر كان ، و« تسميه » كلام الإمامعليه‌السلام اعترض بين الدعاء ، أي وتسمى الوجع بأن تقول مكان هذا الوجع هذا البرص ، وفيه إشعار بأن الدعاء لا يخص البرص.

« وأحزنني » وفيما سيأتي في كتاب الدعاء حزنني وكلاهما صحيح ، يقال : حزنه وأحزنه والإلحاح : المداومة والمبالغة بالتضرع والتكرار والاستشفاع بالنبي والأئمةعليهم‌السلام وأشباه ذلك ، قال في المصباح : ألح السحاب إلحاحا دام مطره ، و

__________________

(١) سورة غافر : ٢٨.


حتى أذهب الله به عني كله.

(باب)

(فضل فقراء المسلمين)

١ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن محمد بن سنان ، عن العلاء ، عن ابن أبي يعفور ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إن فقراء المسلمين يتقلبون في رياض الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا ثم قال سأضرب لك مثل ذلك إنما مثل ذلك مثل سفينتين مر بهما على عاشر فنظر في إحداهما فلم ير فيها شيئا فقال

منه ألح الرجل على الشيء إذا أقبل عليه مواظبا.

باب فضل فقراء المسلمين

الحديث الأول : ضعيف على المشهور.

وفي القاموس :تقلب في الأمور تصرف كيف شاء ، وقال في النهاية : فيه فقراء أمتي يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا ،الخريف : الزمان المعروف من فصول السنة ما بين الصيف والشتاء ، ويريد به أربعين سنة لأن الخريف لا يكون في السنة إلا مرة واحدة ، فإذا انقضى أربعون خريفا فقد مضت أربعون سنة ، انتهى.

وروي في معاني الأخبار بإسناده عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : إن عبدا مكث في النار سبعين خريفا ، والخريف سبعون سنة إلى آخر الخبر ، وفسره صاحب المعالم بأكثر من ذلك ، وفي بعض الروايات أنه ألف عام ، والعام ألف سنة ، وقيل : إن التفاوت بهذه المدة إذا كان الأغنياء من أهل الصلاح والسداد وأدوا الحقوق الواجبة ، ولم يكتسبوا من وجه الحرام ، فيكون حبسهم بمجرد خروجهم عن عهدة الحساب والسؤال عن مكسب المال ومخرجه ، وإلا فهم على خطر عظيم.

« مر بهما » على بناء المجهول والباء للتعدية ، والظرف نائب الفاعل ، و


أسربوها ونظر في الأخرى فإذا هي موقورة فقال احبسوها.

٢ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن أبيه ، عن سعدان قال

العاشر من يأخذ العشر على الطريق ، في المصباح : عشرت المال عشرا من باب قتل وعشورا ، أخذت عشره ، واسم الفاعل عاشر وعشار« فقال أسربوها » على بناء الأفعال أي أرسلوها وخلوها تذهب ، والسارب الذاهب على وجهه في الأرض« فإذا هي موقرة » (١) بفتح القاف أو كسرها ، في القاموس : الوقر بالكسر الحمل الثقيل أو أعم ، وأوقر الدابة إيقارا وقرة ودابة وقرى موقرة ، ورجل موقر ذو وقر ، ونخلة موقرة وموقرة وموقور وموقرة.

« فقال احبسوها » بالأمر من باب ضرب ، والتشبيه في غاية الحسن والكمال ، والحديث يدل أن الفقر أفضل من الغنى ومن الكفاف للصابر ، وما وقع في بعض الروايات من استعاذتهمعليهم‌السلام من الفقر ، يمكن حمله على الاستعاذة من الفقر الذي لا يكون معه صبر ولا ورع يحجزه عما لا يليق بأهل الدين ، أو على فقر القلب أو فقر الآخرة ، وقد صرح به بعض العلماء ، ودل عليه بعض الروايات ، وللعامة في تفضيل الفقر على الغنى والكفاف أو العكس أربعة أقوال ثالثها ، الكفاف أفضل ، ورابعها الوقف ، ومعنى الكفاف أن لا يحتاج ولا يفضل ، ولا ريب أن الفقر أسلم وأحسن بالنسبة إلى أكثر الناس ، والغناء أحسن بالنسبة إلى بعضهم ، فينبغي أن يكون المؤمن راضيا بكل ما أعطاه الله ، وعلم صلاحه فيه ، وسؤال الفقر لم يرد في الأدعية ، بل ورد في أكثرها الاستعاذة عن الفقر الذي يشقي به ، وعن الغنى الذي يصير سببا لطغيانه ، وروى الصدوق (ره) في معاني الأخبار بإسناده عن الحارث الأعور قال : كان فيما سأل عنه علي بن أبي طالب ابنه الحسنعليهما‌السلام إنه قال له : ما الفقر؟ قال : الحرص والشره.

الحديث الثاني : مجهول.

__________________

(١) وفي المتن « موقورة ».


قال أبو عبد اللهعليه‌السلام المصائب منح من الله والفقر مخزون عند الله.

٣ ـ وعنه رفعه ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يا علي إن الله جعل الفقر أمانة عند خلقه فمن ستره أعطاه الله مثل أجر الصائم القائم ومن أفشاه إلى من يقدر على قضاء حاجته فلم يفعل فقد قتله أما إنه ما قتله بسيف ولا رمح ولكنه قتله بما نكى من قلبه.

« منح من الله » المنح بكسر الميم وفتح النون جمع منحة بالكسر وهي العطية ، في القاموس : منحه كمنعه وضربه أعطاه ، والاسم المنحة بالكسر. وأقول : الخبر يحتمل وجهين : أحدهما أن ثواب المصائب منح وعطايا يبذلها الله في الدنيا ، وثواب الفقر مخزون عند الله لا يعطيه إلا في الآخرة لعظمه وشرافته ، والدنيا لا يصلح أن يكون عوضا عنه ، وثانيهما أن المصائب عطايا من الله عز وجل يعطيها من يشاء من عباده ، والفقر من جملتها مخزون عنده ، عزيز لا يعطيه إلا من خصه بمزيد العناية ، ولا يعترض أحد بكثرة الفقراء وذلك لأن الفقير هنا من لا يجد إلا القوت من التعفف ، ولا يوجد من هذه صفته في ألف ألف واحد.

أقول : أو المراد به الفقر الذي يصير سببا لشدة الافتقار إلى الله ، ولا يتوسل معه إلى المخلوقين ، ويكون معه في أعلى مراتب الرضا ، وفيه تنبيه على أنه ينبغي أن يفرح صاحب المصيبة بها كما يفرح صاحب العطية بها.

الحديث الثالث : مرفوع وضمير عنه راجع إلى أحمد.

« فقد قتله » أي قتل المسؤول السائل ، والعكس كما زعم بعيد جدا ، وفي المصباحنكأت القرحة أنكأها مهموز بفتحتين قشرتها ، ونكيت في العدو ونكى من باب نفع أيضا لغة في نكيت فيه أنكى من باب رمى ، والاسم النكاية بالكسر إذا قتلت وأثخنت.


٤ ـ عنه ، عن محمد بن علي ، عن داود الحذاء ، عن محمد بن صغير ، عن جده شعيب ، عن مفضل قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام كلما ازداد العبد إيمانا ازداد ضيقا في معيشته.

٥ ـ وبإسناده قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام لو لا إلحاح المؤمنين على الله في طلب الرزق لنقلهم من الحال التي هم فيها إلى حال أضيق منها.

الحديث الرابع : ضعيف.

والازدياد هنا لازم بمعنى الزيادة ، وإيمانا وضيقا تميزان ، وفي المصباح ازداد الشيء مثل زاد وازددت مالا زدته لنفسي زيادة على ما كان ، ويؤيده ما نسب إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام :

كم من أديب عالم فطن

 

مستكمل العقل مقل عديم

وكم من جهول يكثر ماله

 

ذاك تقدير العزيز العليم

والسر ما مر من فوائد الابتلاء من المثوبات التي ليس لها انتهاء ، وأيضا الإكثار موجب للتكبر والخيلاء ، واحتقار الفقراء والخشونة والقسوة والجفاء والغفلة عن الله سبحانه ، بسبب اشتغالهم بحفظ أموالهم وتنميتها مع كثرة ما يجب عليهم من الحقوق التي قل من يؤديها ، وبذلك يتعرضون لسخط الله عز وجل ، والفقراء مبرؤون من ذلك مع توسلهم بربهم وتضرعهم إليه ، وتوكلهم عليه ، وقربهم عنده بذلك مع سائر الخلال الحميدة التي لا تنفك عن الفقر إذا صبر على الشدائد التي هي من قواصم الظهر.

الحديث الخامس : ضعيف إن كان المراد بإسناده السند السابق ، أو مرسل إن كان المراد سند آخر وهو أظهر.

ويدل على محبوبية الفقر وعلى أن دعاءهم لا يرد ولا يمنع عن السماء.


٦ ـ عنه ، عن بعض أصحابه رفعه قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام ما أعطي عبد من الدنيا إلا اعتبارا وما زوي عنه إلا اختبارا.

٧ ـ عنه ، عن نوح بن شعيب وأبي إسحاق الخفاف ، عن رجل ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال ليس لمصاص شيعتنا في دولة الباطل إلا القوت شرقوا إن شئتم أو غربوا

الحديث السادس : مرفوع.

« إلا اعتبارا » مفعول له ، وكذا اختبارا ، وكان المعنى لا يعطيه إلا ليعتبر به غيره ، فيعلم أنه لا خير فيه لما يظهر للناس من مفاسده الدنيوية والأخروية ، أو ليعتبر بحال الفقراء فيشكر الله على الغناء ويعين الفقراء كما مر في حديث آدمعليه‌السلام حيث سأل عن سبب اختلاف ذريته؟ فقال تعالى في سياق جوابه : وينظر الغني إلى الفقير فيحمدني ويشكرني ، وينظر الفقير إلى الغني فيدعوني ويسألني ، لكن الأول في هذا المقام أنسب ، وقوله : إلا اختبارا في بعض النسخ بالياء المثناة التحتانية أي لأنه اختاره وفضله وأكرمه بذلك ، وفي بعضها بالموحدة أي امتحانا فإذا صبر كان خيرا له ، والابتلاء والاختبار في حقه تعالى مجاز باعتبار أن فعل ذلك مع عباده ليترتب عليه الجزاء ، شبيه بفعل المختبر منا مع صاحبه ، وإلا فهو سبحانه عالم بما يصدر عن العباد قبل صدوره منهم ، و« زوي » على بناء المجهول ، في القاموس : زواه زيا وزويا نحاه فانزوى وسره ، عنه طواه. والشيء جمعه وقبضه.

وأقول : نائب الفاعل ضمير الدنيا ، وقيل : هذا مخصوص بزمان دولة الباطل لئلا ينافي ما سيأتي من الأخبار في كتاب المعيشة.

الحديث السابع : مرسل.

وقال الجوهري :المصاص خالص كل شيء ، يقال : فلان مصاص قومه إذا كان أخلصهم نسبا ، يستوي فيه الواحد والاثنان ، والجمع والمؤنث ، وفي النهاية ومنه الحديث : اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا ، أي بقدر ما يمسك الرمق من المطعم ، وفي المصباح :القوت ما يؤكل ليمسك الرمق قاله ابن فارس والأزهري ، انتهى.


لن ترزقوا إلا القوت.

٨ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن محمد بن الحسن الأشعري ، عن بعض مشايخه ، عن إدريس بن عبد الله ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يا علي الحاجة أمانة الله عند خلقه فمن كتمها على نفسه أعطاه الله ثواب من صلى ومن كشفها إلى من يقدر أن يفرج عنه ولم يفعل فقد قتله أما إنه لم يقتله بسيف ولا سنان ولا سهم ولكن قتله بما نكى من قلبه.

٩ ـ وعنه ، عن أحمد ، عن علي بن الحكم ، عن سعدان قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام إن الله عز وجل يلتفت ـ يوم القيامة إلى فقراء المؤمنين شبيها بالمعتذر إليهم فيقول وعزتي وجلالي ما أفقرتكم في الدنيا من هوان بكم علي ولترون ما أصنع بكم اليوم فمن زود أحدا منكم في دار الدنيا معروفا فخذوا بيده فأدخلوه الجنة قال

وقيل : هو البلغة يعني قدر ما يتبلغ به من العيش ويسمى ذلك أيضا كفافا لأنه قدر يكفه عن الناس ويغنيه عن سؤالهم ، ثم بالغعليه‌السلام في أن نصيبهم القوتبقوله : شرقوا « إلخ » وهو كناية عن الجد في الطلب والسير في أطراف الأرض.

الحديث الثامن : مجهول « من صلى » أي في الليل كله أو واظب عليها

الحديث التاسع : مجهول.

« ولترون » بسكون الواو وتخفيف النون أو بضم الواو وتشديد النون المؤكد« ما أصنع » ما موصولة أو استفهامية« فمن زود » على بناء التفعيل أي أعطي الزاد للسفر كما ذكره الأكثر ، أو مطلقا فيشمل الحضر ، في المصباح : زاد المسافر طعامه المتخذ لسفره وتزود لسفره وزودته أعطيته زادا ونحوه قال الجوهري وغيره ، لكن قال الراغب : الزاد المدخر الزائد على ما يحتاج إليه في الوقت« منكم » أي أحدا منكم ، وقيل : من هنا اسم بمعنى البعض ، وقيل :معروفا صفة للمفعول المطلق المحذوف ، أي تزويدا معروفا ، وفي النهاية :التنافس من المنافسة وهي


فيقول رجل منهم يا رب إن أهل الدنيا تنافسوا في دنياهم فنكحوا النساء ولبسوا الثياب اللينة وأكلوا الطعام وسكنوا الدور وركبوا المشهور من الدواب فأعطني مثل ما أعطيتهم فيقول تبارك وتعالى لك ولكل عبد منكم مثل ما أعطيت أهل الدنيا منذ كانت الدنيا إلى أن انقضت الدنيا سبعون ضعفا.

١٠ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن إبراهيم بن عقبة ، عن إسماعيل بن سهل وإسماعيل بن عباد جميعا يرفعانه إلى أبي عبد اللهعليه‌السلام قال ما كان من ولد آدم مؤمن إلا فقيرا ولا كافر إلا غنيا حتى جاء إبراهيمعليه‌السلام فقال : «رَبَّنا

الرغبة في الشيء النفيس الجيد في نوعه ، ونافست في الشيء منافسة ونفاسا إذا رغبت فيه ، ونفس بالضم نفاسة أي صار مرغوبا فيه ونفست به بالكسر أي بخلت ونفست عليه الشيء نفاسة إذا لم تره له أهلا ، والمشهور من الدواب التي اشتهرت بالنفاسة والحسن ، في القاموس :المشهور المعروف المكان المذكور والنبيه ، وفي النهاية فيه : الضعف في المعاد ، أي مثلي الأجر ، يقال إن أعطيتني درهما فلك ضعفه ، أي درهمان ، وربما قالوا : فلك ضعفاه ، وقيل : ضعف الشيء مثله ، وضعفاه مثلاه وقال الأزهري : الضعف في كلام العرب المثل فما زاد ، وليس بمقصور على مثلين ، فأقل الضعف محصور في الواحد وأكثره غير محصور.

الحديث العاشر : ضعيف على المشهور.

«رَبَّنا لا تَجْعَلْنا » أقول : هذا تتمة قول إبراهيمعليه‌السلام حيث قال في سورة الممتحنة : «قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ، رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » قال في مجمع


لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا » فصير الله في هؤلاء أموالا وحاجة وفي هؤلاء أموالا وحاجة.

١١ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن عثمان بن عيسى عمن ذكره ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال جاء رجل موسر إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله نقي الثوب فجلس إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فجاء رجل معسر درن الثوب فجلس إلى جنب

البيان : معناه لا تعذبنا بأيديهم ولا ببلاء من عندك فيقولوا لو كان هؤلاء على حق لما أصابهم هذا البلاء ، وقيل : معناه لا تسلطهم علينا فيفتنونا عن دينك ، وقيل : معناه ألطف لنا حتى نصبر على أذاهم ولا نتبعهم فنصير فتنة لهم ، وقيل : معناه اعصمنا من موالاة الكفار فإنا إذا واليناهم ظنوا إنا صوبناهم ، وقيل : معناه لا تخذلنا إذا حاربناهم فلو خذلتنا لقالوا لو كان هؤلاء على الحق لما خذلوا ، انتهى.

وأقول : المعنى المستفاد من الخبر قريب من المعنى الأول لأن الفقر أيضا بلاء يصير سببا لافتتان الكفار إما بأن يقولوا لو كان هؤلاء على الحق لما ابتلوا بعموم الفقر فيهم؟ أو بأن يفروا من الإسلام خوفا من الفقر « في هؤلاء أموالا وحاجة » أي صار بعضهم ذوي مال وبعضهم محتاجين مفتاقين ولا ينافي هذا كون الأموال في الكفار أو في غير الخلص من المؤمنين أكثر ، والفاقة في المؤمنين أو كملهم أكثر وأشد.

الحديث الحادي عشر : مرسل.

« فجلس إلى رسول الله » قال الشيخ البهائيقدس‌سره : إلى بمعنى مع ، كما قال بعض المفسرين في قوله تعالى : «مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ »(١) أو بمعنى عند كما في قول الشاعر : « أشهى إلى من الرحيق السلسل »(٢) ويجوز أن يضمن جلس معنى توجه أو نحوه« درن الثوب » بفتح الدال وكسر الراء صفة مشبهة من الدرن

__________________

(١) سورة آل عمران : ٥٢.

(٢) عجز بيت لأبي كبير وصدره « أم لا سبيل إلى الشباب وذكره ».


الموسر فقبض الموسر ثيابه من تحت فخذيه فقال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أخفت أن يمسك من فقره شيء قال لا قال فخفت أن يصيبه من غناك شيء قال لا قال فخفت أن يوسخ ثيابك قال لا قال فما حملك على ما صنعت فقال يا رسول الله إن لي قرينا يزين لي كل قبيح ويقبح لي كل حسن وقد جعلت له نصف مالي

بفتحهما وهو الوسخ.

وأقول : في المصباح : درن الثوب درنا فهو درن مثل وسخ وسخا فهو وسخ وزنا ومعنى« فقبض الموسر ثيابه » قيل : أي أطراف ثوبه« من تحت فخذيه » كان الظاهر إرجاع ضمير فخذيه إلى المعسر ، ولو كان راجعا إلى الموسر لما كان لجمع الطرف الآخر وجه إلا أن تكون لموافقة الطرف الآخر وفيه تكلفات أخر ، وقال الشيخ المتقدم (ره) : ضمير فخذيه يعود إلى الموسر ، أي جمع الموسر ثيابه وضمها تحت فخذي نفسه لئلا تلاصق ثياب المعسر ، ويحتمل عوده إلى المعسر ، ومن على الأول إما بمعنى في أو زائدة على القول بجواز زيادتها في الإثبات ، وعلى الثاني لابتداء الغاية ، والعود إلى الموسر أولى كما يرشد إليهقوله عليه‌السلام : فخفت أن يوسخ ثيابك ، لأن قولهعليه‌السلام فخفت أن يوسخ ثيابك الغرض منه مجرد التقريع للموسر ، كما هو الغرض من التقريعين السابقين أعني قوله خفت أن يمسك من فقره شيء خفت أن يصيبه من غناك شيء ، وهذه التقريعات الثلاث منخرطة في سلك واحد ، ولو كان ثياب الموسر تحت فخذي المعسر لأمكن أن يكون قبضها من تحت فخذيه خوفا من أن يوسخها.

أقول : ما ذكرهقدس‌سره وإن كان التقريع فيه أظهر وبالأولين أنسب لكن لا يصير هذا مجوزا لارتكاب بعض التكلفات إذ يمكن أن يكون التقريع لأن سراية الوسخ في الملاصقة في المدة القليلة نادرة ، أو لأن هذه مفسدة قليلة لا يحسن لأجلها ارتكاب إيذاء مؤمن.

« أن لي قرينا يزين لي كل قبيح » قال (ره) : أي إن لي شيطانا يغويني


فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله للمعسر أتقبل قال لا فقال له الرجل ولم قال أخاف أن يدخلني ما دخلك.

١٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن علي بن محمد القاساني ، عن القاسم بن محمد ، عن سليمان بن داود المنقري ، عن حفص بن غياث ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال في مناجاة موسىعليه‌السلام يا موسى إذا رأيت الفقر مقبلا فقل مرحبا بشعار الصالحين وإذا رأيت الغنى

ويحول القبيح حسنا ، والحسن قبيحا ، وهذا الفعل الشنيع الذي صدر مني من جملة إغوائه لي.

أقول : ويمكن أيضا أن يراد بالقرين النفس الأمارة التي طغت وبغت بالمال أو المال أو الأعم كما قال تعالى : «إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى »(١) وقال في النهاية : ومنه الحديث ما من أحد إلا وكل به قرينه أي مصاحبه من الملائكة أو الشياطين وكل إنسان فإن معه قرينا منهما ، فقرينه من الملائكة يأمره بالخير ويحثه عليه ، وقرينه من الشياطين يأمره بالشر ويحثه عليه.

« وجعلت له نصف مالي » أي في مقابلة ما صدر مني إليه من كسر قلبه وزجر النفس عن العود إلى مثل هذه الزلة« قال أخاف أن يدخلني ما دخلك » أي مما ذكرت أو من الكبر والغرور والترفع على الناس واحتقارهم ، وسائر الأخلاق الذميمة التي من لوازم التمول والغنى.

الحديث الثاني عشر : ضعيف.

والشعار بالكسر ما ولى الجسد من الثياب لأنه يلي شعره ويستعار للصفات المختصة ، وفي حديث الأنصار : أنتم الشعار دون الدثار والشعار أيضا علامة يتعارفون بها في الحرب ، والفقر من خصائص الصالحين ،ومرحبا أي لقيت رحبا وسعة ، وقيل : معناه رحب الله بك مرحبا ، والقول كناية عن غاية الرضا والتسليم.

__________________

(١) سورة العلق : ٧.


مقبلا فقل ذنب عجلت عقوبته.

١٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله طوبى للمساكين بالصبر وهم الذين يرون «مَلَكُوتَ

« ذنب عجلت عقوبته » أي أذنبت ذنبا صار سببا لأن أخرجني الله من أوليائه واتصفت بصفات أعدائه أو ابتلاني بالمشقة التي ابتلى بها أصحاب الأموال كما قال تعالى : «إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا »(١) وما قيل : من أن الذنب هو الغناء فهو بعيد جدا.

الحديث الثالث عشر : ضعيف على المشهور.

وقد مر تفسير طوبى ، وقوله : بالصبر ، الباء إما للسببية أي طوبى لهم بسبب الصبر ، أو للملابسة فيكون حالا عن المساكين ، ولا يبعد أن يقرأ المساكين بالتشديد للمبالغة ، أي المتمسكين كثيرا بالصبر ، ورؤية ملكوت السماوات والأرض مراتب يحصل لكل صنف منهم مرتبة يليق بهم ، فمنهم من يتفكر في خلق السماوات والأرض ، ونظام العالم فيعلم بذلك قدرته تعالى وحكمته وأنه لم يخلقها عبثا بل خلقها لأمر عظيم وهو عبادة الله سبحانه ومعرفته كما قال تعالى : «يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً »(٢) ومنهم من يتفكر في أن خالق السماوات والأرض لا يكون عاجزا ولا بخيلا فلم يفقرهم ويحوجهم إلا لمصلحة عظيمة فيصبر على بلاء الله ويرضى بقضائه وكان تفسير المساكين هنا بالأنبياء والأوصياء أظهر ، وقد ورد في بعض الأخبار تفسيره بهمعليهم‌السلام ، فإن المسكنة الخضوع والخشوع والتوسل بجناب الحق سبحانه والإعراض عن غيره ، قال في النهاية : قد تكرر في الحديث ذكر المساكين والمسكنة والتمسكن وكلها يدور معناها على

__________________

(١) سورة التوبة : ٥٥.

(٢) سورة آل عمران : ١٩١.


السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ».

١٤ ـ وبإسناده قال قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يا معشر المساكين طيبوا نفسا وأعطوا الله الرضا من قلوبكم يثبكم الله عز وجل على فقركم فإن لم تفعلوا فلا

الخضوع والذلة وقلة المال والحال السيئة ، واستكان إذا خضع ، والمسكنة فقر النفس وتمسكن إذا تشبه بالمساكين ، وهم جمع المسكين وهو الذي لا شيء له ، وقيل : هو الذي له بعض الشيء ، وقد تقع المسكنة على الضعف ، ومنه حديث قيلة [ قال لها ] صدقت المسكنة ، أراد الضعف ولم يرد الفقر ، وفيه : اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين ، أراد به التواضع والإخبات وأن لا يكون من الجبارين المتكبرين ، وفيه أنه قال للمصلي تبأس وتمسكن أي تذل وتخضع ، وهو تمفعل من السكون.

الحديث الرابع عشر : كالسابق.

و « نفسا » تميز ، ويدل على أن الثواب إنما هو على الرضا بالفقر لا على أصل الفقر وحمل على أصول المتكلمين وهي أن الثواب هو الجزاء الدائم في الآخرة وهو لا يكون إلا على الفعل الاختياري ،وأما ما يعطيه الله على الآلام التي يوردها على العبد في الدنيا بغير اختياره فإنما هو الجزاء المنقطع في الدنيا أو في الآخرة أيضا على قول بعضهم حيث جوزوا أن يكون انقطاعها على وجه لا يشعر به ، فلا يصير سببا لألمه ، ومنهم من جوز كون العوض دائما في الآخرة.

قال العلامة قدس الله روحه في الباب الحادي عشر : السادسة في أنه تعالى يجب عليه فعل عوض الآلام الصادرة عنه ومعنى العوض هو النفع المستحق الخالي عن التعظيم والإجلال ، وإلا لكان ظالما ، تعالى الله عن ذلك ، ويجب زيادته على الآلام وإلا لكان عبثا.

وقال بعض الأفاضل في شرحه : الألم الحاصل للحيوان إما أن يعلم فيه وجه من وجوه القبح فذلك يصدر عنا خاصة أو لا يعلم فيه ذلك فيكون حسنا ، وقد


ثواب لكم.

ذكر لحسن الألم وجوه : الأول : كونه مستحقا ، الثاني : كونه مشتملا على النفع الزائد ، الثالث : كونه مشتملا على دفع الضرر الزائد عنه ، الرابع : كونه بمجرى العادة ، الخامس : كونه متصلا على وجه الدفع ، وذلك الحسن قد يكون صادرا عنه تعالى على وجه النفع فيجب فيه أمران : أحدهما العوض وإلا لكان ظالما تعالى الله عنه ، ويجب أن يكون زائدا على الألم إلى حد يرضى عنه كل عاقل لأنه يقبح في الشاهد إيلام شخص لتعويضه ألمه من غير زيادة لاشتماله على العبث ، وثانيهما اشتماله على اللطف إما للمتألم أو لغيره ، ليخرج عن العبث فأما ما كان صادرا عنا مما فيه وجه من وجوه القبح فيجب عليه تعالى الانتصاف للمتألم من المولم لعدله ، ولدلالة السمعية عليه ، ويكون العوض هنا مساويا للألم وإلا لكان ظلما.

وهنا فوائد : الأول : العوض هو النفع المستحق الخالي عن تعظيم وإجلال ، فبقيد المستحق خرج التفضل وبقيد الخلو عن تعظيم خرج الثواب ، الثاني : لا يجب دوام العوض لأنه يحسن في الشاهد ركوب الأهوال العظيمة لنفع منقطع قليل ، الثالث : العوض لا يجب حصوله في الدنيا لجواز أن يعلم الله تعالى المصلحة في تأخره بل قد يكون حاصلا في الدنيا وقد لا يكون ، الرابع : الذي يصل إليه عوض ألمه في الآخرة إما أن يكون من أهل الثواب أو من أهل العقاب ، فإن كان من أهل الثواب فكيفية إيصال أعواضه إليه بأن يفرقها الله على الأوقات أو يتفضل الله عليه بمثلها ، وإن كان من أهل العقاب أسقط بها جزءا من عقابه ، بحيث لا يظهر له التخفيف بأن يفرق القدر على الأوقات ، الخامس : الألم الصادر عنا بأمره أو إباحته والصادر عن غير العاقل كالعجماوات وكذا ما يصدر عنه تعالى من تفويت المنفعة لمصلحة الغير وإنزال الغموم الحاصلة من غير فعل العبد عوض ذلك كله على الله تعالى لعدله وكرمه.

وأقول : كون أعواض الآلام الغير الاختيارية منقطعة ، مما لم يدل عليه برهان قاطع ، وبعض الروايات تدل على خلافه ، كالروايات الدالة على أن حمى ليلة تعدل


١٥ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن عيسى الفراء ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال إذا كان يوم القيامة أمر الله تبارك وتعالى مناديا ينادي بين يديه أين الفقراء فيقوم عنق من الناس كثير فيقول عبادي فيقولون لبيك ربنا فيقول إني لم أفقركم لهوان بكم علي ولكني إنما اخترتكم لمثل هذا اليوم تصفحوا وجوه الناس فمن صنع إليكم معروفا لم يصنعه إلا في فكافوه عني بالجنة.

عبادة سنة ، وأن من مات له ولد يدخله الله الجنة صبر أم لم يصبر ، جزع أم لم يجزع ، وأن من سلب الله كريمتيه وجبت له الجنة ، وأمثال ذلك كثيرة وإن أمكن تأويل بعضها مع الحاجة إليه ، وقيل للفقير ثلاثة أحوال : أحدها : الرضا بالفقر والفرح به وهو شأن الأوصياء ، وثانيها : الرضا به دون الفرح وله أيضا ثواب دون الأول ، وثالثها : عدم الرضا به والكراهة في القسمة ، وهذا مما لا ثواب له أصلا وهو كلام على التشهي.

الحديث الخامس عشر : مجهول.

و « كان » تحتمل التامة والناقصة كما مر« بين يديه » أي قدام عرشه وقيل : أي يصل نداوة إلى كل أحد كما أنه حاضر عند كل أحد ، وفي النهاية فيه : يخرج عنق من النار أي طائفة ، وقال :عنق من الناس أي جماعة« لهوان بكم علي » أي لمذلة وهوان علي كان بكم« ولكن إنما اخترتكم » أي اصطفيتكم« لمثل هذا اليوم » أي لهذا اليوم فكلمة مثل زائدة نحو قولهم مثلك لا يبخل ، أو لهذا اليوم ومثله لا يثبكم ، قال في المصباح :المثل يستعمل على ثلاثة أوجه بمعنى التشبيه ، وبمعنى نفس الشيء ، وزائدة ، وقال :صفحت الكتاب قلبت صفحاته ، وهي وجوه الأوراق وتصفحته كذلك ، وصفحت القوم صفحا رأيت صفحات وجوههم« لم يصنعه إلا في » الجملة جزاء الشرط أو صفةلقوله : معروفا ، أي معروفا يكون خالصا لي ، والأول أظهر ، ويومئ إليه قوله : فكافوه عني.


١٦ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن إبراهيم الحذاء ، عن محمد بن صغير ، عن جده شعيب ، عن مفضل قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام لو لا إلحاح هذه الشيعة على الله في طلب الرزق لنقلهم من الحال التي هم فيها إلى ما هو أضيق منها.

١٧ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن ابن فضال ، عن محمد بن الحسين بن كثير الخزاز ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال لي أما تدخل السوق أما ترى الفاكهة تباع والشيء مما تشتهيه فقلت بلى فقال أما إن لك بكل ما تراه فلا تقدر على شرائه حسنة.

١٨ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن سنان ، عن علي بن عفان ، عن مفضل بن عمر ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إن الله جل ثناؤه ليعتذر إلى عبده المؤمن المحوج في الدنيا كما يعتذر الأخ إلى أخيه فيقول وعزتي

الحديث السادس عشر : ضعيف.

« هذه الشيعة » أي الإمامية فإن الشيعة أعم منهم أو إشارة إلى غير الخلص منهم ، فإنهم لا يلحون ، وكان الإشارة على الأول لبيان الاختصاص ، وعلى الثاني للتحقير.

الحديث السابع عشر : مجهول.

« والشيء مما تشتهيه » أي من غير الفاكهة أعم من المال والملبوس وغيرهما ، والظاهر من الحسنة المثوبة الأخروية ، وحمل على العوض أو على أن الحسنة للصبر والرضا بالقضاء على الأصل المتقدم.

الحديث الثامن عشر : ضعيف على المشهور.

« ليعتذر » كأنه مجاز كما يومئ إليه ما مر في التاسع شبيها بالمعتذر و« المحوج » يحتمل كسر الواو وفتحها ، في المصباح : أحوج وزان أكرم من الحاجة ويستعمل


وجلالي ما أحوجتك في الدنيا من هوان كان بك علي فارفع هذا السجف فانظر إلى ما عوضتك من الدنيا قال فيرفع فيقول ما ضرني ما منعتني مع ما عوضتني.

١٩ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام بن الحكم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إذا كان يوم القيامة قام عنق من الناس حتى يأتوا باب الجنة فيضربوا باب الجنة فيقال لهم من أنتم فيقولون نحن الفقراء فيقال لهم أقبل الحساب ـ فيقولون ما أعطيتمونا شيئا تحاسبونا عليه فيقول الله عز وجل صدقوا ادخلوا الجنة

أيضا متعديا يقال أحوجه الله إلى كذا ، وفي القاموسالسجف ويكسر وككتاب الستر« ما ضرني » ما نافية« ما منعتني » ما مصدرية« مع ما عوضتني » ما موصولة وتحتمل المصدرية أيضا.

الحديث التاسع عشر : حسن كالصحيح.

« أقبل الحساب » أي أتدخلون الجنة قبل الحساب؟ على التعجب أو الإنكار« ما أعطيتمونا » أي ما أعطانا الله شيئا وإضافته إلى الملائكة لأنهم مقربو جنابه بمنزلة وكلائه« تحاسبونا » قيل : يجوز فيه تشديد النون كما قرأ في سورة الزمر «تَأْمُرُونِّي » بالتخفيف وبالتشديد وبالنونين ، والمخاطب في« صدقوا » الملائكة وفي أدخلوا الفقراء إذا قرأ على بناء المجرد كما هو الظاهر ، وأمرهم بالدخول يستلزم أمر الملائكة بفتح الباب ، ويمكن أن يقرأ على بناء الأفعال ، فالمخاطب الملائكة أيضا ، وقيل : هو من قبيل ذكر اللازم وإرادة الملزوم أي افتحوا الباب ولذا حذف المفعول ، بناء على أن فتح الباب سبب لدخول كل من يستحقه وإن كان الباعث الفقراء ، وكان هذا مبني على ما سيأتي من أن الله تعالى لا يحاسب المؤمنين على ما أكلوا ولبسوا ونكحوا وأمثال ذلك في الدنيا إذا كان من حلال.


٢٠ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن عثمان بن عيسى ، عن مبارك غلام شعيب قال سمعت أبا الحسن موسىعليه‌السلام يقول إن الله عز وجل يقول إني لم أغن الغني لكرامة به علي ولم أفقر الفقير لهوان به علي وهو مما ابتليت به الأغنياء بالفقراء ولو لا الفقراء لم يستوجب الأغنياء الجنة.

٢١ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن إسحاق بن عيسى ، عن إسحاق بن عمار والمفضل بن عمر قالا قال أبو عبد اللهعليه‌السلام مياسير شيعتنا أمناؤنا على محاويجهم فاحفظونا فيهم يحفظكم الله.

الحديث العشرون : مجهول.

« وهو مما ابتليت به الأغنياء » كان ضمير هو راجع إلى التفاوت المفهوم من الكلام السابق.

أقول : إذا كان من للتبعيض يدل على أن ابتلاء الناس بعضهم ببعض يكون على وجوه شتى : منها ابتلاؤهم بالفقر والغناء ويحتمل أن يكون من للتعليل« ولو لا الفقراء » كان المعنى أن عمدة عبادة الأغنياء إعانة الفقراء أو أنه يلزم الغناء أحوال لا يمكن تداركها إلا برعاية الفقراء فتأمل.

الحديث الحادي والعشرون : كالسابق.

والمياسير والمحاويج جمعا الموسر والمحوج ، لكن على غير القياس لأن القياس جمع مفعال على مفاعيل قال الفيروزآبادي : أيسر إيسارا ويسرا صار ذا غنى فهو موسر ، والجمع مياسير. وقال صاحب مصباح اللغة : أحوج وزان أكرم من الحاجة فهو محوج ، وقياس جمعه بالواو والنون لأنه صفة عاقل ، والناس يقولون محاويج مثل مفاطير ومفاليس ، وبعضهم ينكره ويقول غير مسموع ، انتهى.

وأقول : وروده في الحديث يدل على مجيئه لكن قال بعضهم إنهما جمعا ميسار ومحواج اسمي آلة استعملا في الموسر والمحوج للمبالغة« أمناؤنا على محاويجهم »


٢٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام بن سالم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال أمير المؤمنينعليه‌السلام الفقر أزين للمؤمن من العذار على خد الفرس.

كونهم أمناءهمعليهم‌السلام إما مبني على ما مر في آخر كتاب الحجة أن الأموال كلها للإمام وإنما رخص لشيعتهم التصرف فيها فتصرفهم مشروط برعاية فقراء الشيعة وضعفائهم ، أو على أنهم خلفاء الله ويلزمهم أخذ حقوق الله من الأغنياء وصرفها في مصارفها ، ولما لم يمكنهم في أزمنة التقية والغيبة أخذها منهم وصرفها في مصارفها وأمروا الأغنياء بذلك فهم أمناؤهمعليهم‌السلام ، أو على أنه لما كان الخمس وسائر أموالهم من الفيء والأنفال بأيديهم ولم يمكنهم إيصالها إليهمعليهم‌السلام فهم أمناؤهم في إيصال ذلك إلى فقراء الشيعة ، فيدل على وجوب صرف حصة الإمام من الخمس وميراث من لا وارث له وغير ذلك من أموال الإمام إلى فقراء الشيعة ولا يخلو من قوة ، والأحوط صرفها إلى الفقيه المحدث العادل ليصرفها في مصارفها نيابة عنهمعليهم‌السلام ، والله يعلم.

« فاحفظونا فيهم » أي ارعوا حقنا فيهم لكونهم شيعتنا وبمنزلة عيالنا« يحفظكم الله » أي ليحفظكم الله في أنفسكم وأموالكم في الدنيا ومن عذابه في الآخرة ، ويحتمل أن تكون جملة دعائية ، وقيل : يدل على أن الأغنياء إذا لم يراعوا الفقراء سلبت عنهم النعمة لأنه إذا ظهرت الخيانة من الأمين يؤخذ ما في يده كما قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : إن لله تعالى عبادا يخصهم بالنعم لمنافع العباد فيقرها في أيديهم ما بذلوها فإذا منعوها نزعها منهم ثم حولها إلى غيرهم.

الحديث الثاني والعشرون : حسن كالصحيح.

« أزين للمؤمن » اللام للتعدية وفي النهاية فيه : الفقر أزين للمؤمن من عذار حسن على خد فرس ،العذاران من الفرس كالعارضين من وجه الإنسان ثم سمي به


٢٣ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن ابن محبوب ، عن عبد الله بن غالب ، عن أبيه ، عن سعيد بن المسيب قال سألت علي بن الحسينعليه‌السلام عن قول الله عز وجل : «وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً »(١) قال عنى بذلك أمة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يكونوا على دين واحد ـ كفارا كلهم «لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ » ولو فعل الله ذلك بأمة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله لحزن المؤمنون وغمهم ذلك ولم يناكحوهم ولم يوارثوهم.

السير الذي يكون عليه من اللجام عذارا باسم موضعه ، انتهى.

وأقول : يمكن أن يقال لتكميل التشبيه أن الفقر يمنع الإنسان من الطغيان كما يمنع اللجام الفرس عن العصيان.

الحديث الثالث والعشرون : ضعيف على المشهور.

وقد مر تفسير الآية وأما تأويلهعليه‌السلام فلعل المعنى أن المرادبالناس أمة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد وفاته بقرينة المضارع في يكون ويكفر ، والمرادبمن يكفر بالرحمن المخالفون المنكرون للإمامة والنص على الإمام ، ولذا عبر بالرحمن إشعارا بأن رحمانية الله يقتضي عدم إهمالهم في أمور دينهم ، أو المراد أن المنكر للإمام كافر برحمانية الملك العلام ، والحاصل أنه لو لا أنه كان يصير سببا لكفر المؤمنين لحزنهم وغمهم وانكسار قلبهم فيستولي عليهم الشيطان فيكفرون ويلحقون بالمخالفين إلا شاذ منهم لا يكفي وجودهم لنصرة الإمام أو يهلكون غما وحزنا ، وأيضا لو كان جميع المخالفين بهذه الدرجة من الغناء والثروة ، وجميع المؤمنين في غاية الفقر والمهانة والمذلة« لم يناكحوهم » أي المخالفون المؤمنين بأن يعطوهم بناتهم أو يأخذوا منهم بناتهم ، فلم يكن يحصل بينهم نسب يصير سببا للتوارث فبذلك ينقطع نسل المؤمنين ويصير سببا لانقراضهم ، أو لمزيد غمهم الموجب لارتدادهم ، وبتلك الأسباب

__________________

(١) سورة الزخرف : ٣٣.


(باب)

١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن محمد بن سنان ، عن أبان بن عبد الملك قال حدثني بكر الأرقط ، عن أبي عبد الله أو ، عن شعيب ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أنه دخل عليه واحد فقال أصلحك الله إني رجل منقطع إليكم بمودتي وقد أصابتني

يصير أمة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كلهم كفرة ومخالفين ، فيكونوا أمة واحدة كفرة إما مطلقا أو إلا من شذ منهم ممن محض الإيمان محضا فعبر بالناس عن الأكثرين لقلة المؤمنين فكأنهم ليسوا منهم ، فالمراد بالأمة فيقوله : « عنى بذلك أمة محمد » أعم من أمة الدعوة والإجابة قاطبة أو الأعم من المؤمنين والمنافقين والمخالفين ، وذلك إشارة إلى الناس ، والمراد بالأمة فيقوله : ولو فعل الله ذلك بأمة محمد ، المنافقون والمخالفون. أو الأعم منهم ومن سائر الكفار ، والأول أظهر بقرينة ولم يناكحوهم ، فإن غيرهم من الكفار لا يناكحون الآن أيضا ، والضمير المرفوع راجع إلى المخالفين ، والمنصوب إلى المؤمنين ، وكذا ولم يوارثوهم.

باب

إنما جعله بابا آخر ولم يعنونه لأن إخباره مناسبة للباب الأول لكن بينهما فرق ، فإن الباب الأول كان معقودا لفضل الفقر والخبران المذكوران في هذا الباب يظهر منهما الفرق بين الفقر الممدوح والمذموم ، وقيل : لأن أخبار الباب السابق كانت تدل على مدح الفقراء منطوقا ، وهذان يدلان عليه مفهوما وكان ما ذكرنا أظهر.

الحديث الأول : ضعيف.

« أصلحك الله » مشتمل على سوء أدب إلا أن يكون المراد إصلاح أحوالهم في الدنيا وتمكينهم في الأرض ودفع أعدائهم أو أنه جرى ذلك على لسانهم لا لفهم به فيما


حاجة شديدة وقد تقربت بذلك إلى أهل بيتي وقومي فلم يزدني بذلك منهم إلا بعدا قال فما آتاك الله خير مما أخذ منك قال جعلت فداك ادع الله لي أن يغنيني عن خلقه قال إن الله قسم رزق من شاء على يدي من شاء ولكن سل الله أن يغنيك عن الحاجة التي تضطرك إلى لئام خلقه.

٢ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن علي بن أسباط عمن ذكره

يجري بينهم من غير تحقيق لمعناه ومورده« إني رجل منقطع إليكم » كأنه ضمن الانقطاع معنى التوجه أي منقطع عن الخلق متوجها إليكم بسبب مودتي لكم أو مودتي مختصة بكم« وقد تقربت بذلك » الإشارة إما إلى مصدر أصابتني أو إلى الحاجة ، والمستتر فيقوله : فلم يزدني راجع إلى مصدر تقربت ، ومرجع الإشارة ما تقدم ، وقوله : إلا بعدا ، استثناء مفرغ وهو مفعول لم يزدني أي لم يزدني التقرب منهم بسبب فقري شيئا إلا بعدا منهم« فما آتاك الله » قيل : الفاء للتفريع على قوله إني رجل منقطع إليكم ، فقوله ما أتاك الله المودة ، وقيل : هو الفقر والأول أظهر« مما أخذ منك » أي المال« إلى لئام خلقه » اللئام جمع اللئيم ، وفي المصباح : لؤم بضم الهمزة لؤما فهو لئيم ، يقال ذلك للشحيح والدنيء النفس والمهين ونحوهم ، لأن اللؤم ضد الكرم ، ويومئ الحديث إلى أن الفقر المذموم ما يصير سببا لذلك ، وغيره ممدوح ، وذمة لأن اللئيم لا يقضي حاجة أحد وربما يلومه في رفع الحاجة إليه ، وإذا قضاه لا يخلو من منة ، ويمكن أن يشمل الظالم والفاسق المعلن بفسقه ، وفي كثير من الأدعية : اللهم لا تجعل لظالم ولا فاسق علي يدا ولا منة وذلك لأن القلب مجبول على حب من أحسن إليه ، وفي حب الظالم معاصي كثيرة كما قال تعالى : «وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ »(١) .

الحديث الثاني : ضعيف على المشهور.

__________________

(١) سورة هود : ١١٣.


عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال الفقر الموت الأحمر فقلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام الفقر من الدينار والدرهم فقال لا ولكن من الدين.

وقال في النهاية : وفيه لو تعلمون ما في هذه الأمة من الموت الأحمر يعني القتل لما فيه من حمرة الدم أو لشدته يقال :موت أحمر أي شديد ، ومنه حديث عليعليه‌السلام كنا إذا أحمر البأس اتقينا برسول الله ، أي إذا اشتدت الحرب استقبلنا العدو به وجعلناه لنا وقاية ، وقيل : أراد إذا اضطرمت نار الحرب وتسعرت كما يقال في الشر بين القوم اضطرمت نارهم تشبيها بحمرة النار ، وكثيرا ما يطلقون الحمرة على الشدة.

« ولكن من الدين » نظيره قول أمير المؤمنينعليه‌السلام الفقر والغنى بعد العرض على الله ، والمعنى أنهما يظهران بعد الحساب ، وهو ما أشار إليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله : أتدرون ما المفلس؟ فقالوا : المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع له ، فقال : المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا ، وسفك دم هذا ، وضرب هذا ، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته ، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار ، بل قد يقال أن المفلس حقيقة هو هذا ، ويحتمل أن يراد بقولهعليه‌السلام : ولكن من الدين الفقر القلبي وضده الغنى القلبي فالفقير على هذا من ليس له في الدين معرفة وعلم بأحكامه ، ولا تقوى ولا ورع وغيرها من الصفات الحسنة كذا قيل.

وأقول : يحتمل أن يكون المعنى : الذي يضر بالدين ولا يصبر عليه ويتوسل بالظالمين والفاسقين كما مر.


(باب)

(أن للقلب أذنين ينفث فيهما الملك والشيطان)

١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حماد ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال ما من قلب إلا وله أذنان على إحداهما ملك مرشد وعلى الأخرى شيطان مفتن هذا يأمره وهذا يزجره الشيطان يأمره بالمعاصي والملك يزجره عنها

باب أن للقلب أذنين ينفث فيهما الملك والشيطان

الحديث الأول : حسن كالصحيح.

اعلم أن معرفة القلب وحقيقته وصفاته مما خفي على أكثر الخلق ولم يبين أئمتناعليهم‌السلام ذلك إلا بكنايات وإشارات ، والأحوط لنا أن نكتفي من ذلك بما بينوه لنا من صلاحه وفساده وآفاته ودرجاته ، ونسعى في تكميل هذه الخلقة العجيبة واللطيفة الربانية وتهذيبها عن الصفات الذميمة الشيطانية وتحليتها بالأخلاق الملكية الروحانية لنستعد بذلك للعروج إلى أعلى مدارج الكمال وإفاضة المعارف من حضرة ذي الجلال ، ولا يتوقف ذلك على معرفة حقيقة القلب ابتداء فإنه لو كان متوقفا على ذلك لأوضح موالينا وأئمتناعليهم‌السلام لنا ذلك بأوضح البيان وحيث لم يبينوا ذلك لنا فالأحوط بنا أن نسكت عما سكت عنه الكريم المنان.

لكن نذكر هنا بعض ما قيل في هذا المقام ونكتفي بذلك والله المستعان.

فاعلم أن المشهور بين الحكماء ومن يسلك مسلكهم أن المراد بالقلب النفس الناطقة وهي جوهر روحاني متوسط بين العالم الروحاني الصرف والعالم الجسماني يفعل فيما دونه وينفعل عما فوقه ، وإثبات الأذن له على الاستعارة والتشبيه ، قال بعض المحققين : القلب شرف الإنسان وفضيلته التي بها فاق جملة من أصناف الخلق باستعداده لمعرفة الله سبحانه ، التي في الدنيا جماله وكماله وفخره ، وفي الآخرة عدته


وهو قول الله عز وجل «عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ »(١) .

وذخره ، وإنما استعد للمعرفة بقلبه لا بجارحة من جوارحه ، فالقلب هو العالم بالله ، وهو عامل لله وهو الساعي إلى الله وهو المتقرب إليه ، وإنما الجوارح أتباع له وخدم وآلات يستخدمها القلب ، ويستعملها استعمال الملك للعبيد واستخدام الراعي للرعية ، والصانع للآلة ، والقلب هو المقبول عند الله إذا سلم من غير الله ، وهو المحجوب عن الله إذا صار مستغرقا بغير الله ، وهو المطالب والمخاطب وهو المثاب والمعاقب وهو الذي يستسعد بالقرب من الله تعالى فيفلح إذا زكاه ، وهو الذي يخيب ويشقي إذا دنسه ودساه ، وهو المطيع لله بالحقيقة.

وإنما الذي ينتشر على الجوارح من العبادات أنواره وهو المعاصي المتمرد على الله ، وإنما الساري على الأعضاء من الفواحش آثاره وبإظلامه واستنارته تظهر محاسن الظاهر ومساويه ، إذ كل إناء يترشح بما فيه ، وهو الذي إذا عرفه الإنسان فقد عرف نفسه ، وإذا عرف نفسه فقد عرف ربه ، وهو الذي إذا جهله الإنسان فقد جهل نفسه ، وإذا جهل نفسه فقد جهل ربه ، ومن جهل بقلبه فهو بغيره أجهل.

وأكثر الخلق جاهلون بقلوبهم وأنفسهم وقد حيل بينهم وبين أنفسهم ، فإن الله يحول بين المرء وقلبه ، وحيلولته بأن لا يوفقه لمشاهدته ومراقبته ومعرفة صفاته وكيفية تقلبه بين إصبعين من أصابع الرحمن ، وأنه كيف يهوي مرة إلى أسفل السافلين وينخفض إلى أفق الشياطين وكيف يرتفع أخرى إلى أعلى عليين ، ويرتقي إلى عالم الملائكة المقربين ، ومن لم يعرف قلبه ليراقبه ويراعيه ويترصد ما يلوح من خزائن الملكوت عليه وفيه فهو ممن قال الله تعالى فيه : «وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ »(٢) فمعرفة القلب وحقيقة

__________________

(١) سورة ق : ١٨.

(٢) سورة الحشر : ١٩.


أوصافه أصل الدين وأساس طريق السالكين.

فإذا عرفت ذلك فاعلم أن النفس والروح والقلب والعقل ألفاظ متقاربة المعاني فالقلب يطلق لمعنيين أحدهما اللحم الصنوبري الشكل المودع في الجانب الأيسر من الصدر ، وهو لحم مخصوص وفي باطنه تجويف ، وفي ذلك التجويف دم أسود وهو منبع الروح ومعدنه ، وهذا القلب موجود للبهائم بل هو موجود للميت ، والمعنى الثاني هو لطيفة ربانية روحانية لها بهذا القلب الجسماني تعلق ، وقد تحيرت عقول أكثر الخلق في إدراك وجه علاقته فإن تعلقها به يضاهي تعلق الأعراض بالأجسام والأوصاف بالموصوفات أو تعلق المستعمل للآلة بالآلة أو تعلق المتمكن بالمكان ، وتحقيقه يقتضي إفشاء سر الروح ولم يتكلم فيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فليس لغيره أن يتكلم فيه.

والروح أيضا يطلق على معنيين أحدهما جسم لطيف منبعه تجويف القلب الجسماني ، وينتشر بواسطة العروق الضوارب إلى سائر أجزاء البدن ، وجريانها في البدن وفيضان أنوار الحياة والحس والسمع والبصر والشم منها على أعضائها يضاهي فيضان النور من السراج الذي يدار في زوايا الدار ، فإنه لا ينتهي إلى جزء من البيت إلا ويستنير به فالحياة مثالها النور الحاصل في الحيطان ، والروح مثالها السراج ، وسريان الروح وحركتها في الباطن مثاله مثال حركة السراج في جوانب البيت بتحريك محركه ، والأطباء إذا أطلقوا اسم الروح أرادوا به هذا المعنى ، وهو بخار لطيف أنضجته حرارة القلب.

والمعنى الثاني هو اللطيفة الربانية العالمة المدركة من الإنسان ، وهو الذي شرحناه في أحد معنيي القلب ، وهو الذي أراده الله تعالى بقوله : «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي »(١) وهو أمر عجيب رباني يعجز أكثر العقول و

__________________

(١) سورة الإسراء : ٨٥.


الأفهام عن درك كنه حقيقته.

والنفس أيضا مشترك بين معاني ، وما يتعلق بغرضنا منه معنيان : أحدهما : أن يراد به المعنى الجامع لقوة الغضب والشهوة في الإنسان ، وهذا الاستعمال هو الغالب على الصوفية ، لأنهم يريدون بالنفس الأصل الجامع للصفات المذمومة من الإنسان فيقولون لا بد من مجاهدة النفس وكسرها ، وإليه الإشارة بقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك ، المعنى الثاني : هو اللطيفة التي ذكرناها ، التي هو الإنسان في الحقيقة ، وهي نفس الإنسان وذاته ، ولكنها توصف بأوصاف مختلفة بحسب اختلاف أحوالها ، فإذا سكنت تحت الأمر وزايلها الاضطراب بسبب معارضة الشهوات سميت النفس المطمئنة ، قال تعالى : «يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً »(١) فالنفس بالمعنى الأول لا يتصور رجوعها إلى الله فإنها مبعدة عن الله تعالى ، وهو من حزب الشيطان ، وإذا لم يتم سكونها ولكنها صارت مدافعة للنفس الشهوانية ومعترضة عليها سميت النفس اللوامة ، لأنها تلوم صاحبها عند تقصيره في عبادة مولاها ، قال الله تعالى : «وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ »(٢) وإن تركت الاعتراض وأذعنت وأطاعت مقتضى الشهوات ودواعي الشيطان ، سميت النفس الأمارة بالسوء قال الله تعالى إخبارا عن يوسفعليه‌السلام : «وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ »(٣) وقد يجوز أن يقال : الأمارة بالسوء هي النفس بالمعنى الأول.

فإذن النفس بالمعنى الأول مذمومة غاية الذم وبالمعنى الثاني محمودة لأنها نفس الإنسان أي ذاته وحقيقته العالمة بالله تعالى وبسائر المعلومات.

والعقل أيضا مشتركة لمعان مختلفة ، والمناسب هنا معنيان : أحدهما : العلم بحقائق الأمور أي صفة العلم الذي محله القلب ، والثاني أنه قد يطلق ويراد به

__________________

(١) سورة الفجر : ٢٨.

(٢) سورة القيامة : ٢.

(٣) سورة يوسف : ٥٣.


المدرك المعلوم ، فيكون هو القلب أعني تلك اللطيفة.

فإذا قد انكشف لك أن معاني هذه الأسامي موجودة وهو القلب الجسماني ، والروح الجسماني ، والنفس الشهوانية والعقل العلمي ، وهذه أربعة معان يطلق عليها الألفاظ الأربعة ، ومعنى خامس وهو اللطيفة العالمة المدركة من الإنسان ، فالألفاظ الأربعة بجملتها يتوارد عليها ، فالمعاني خمسة والألفاظ أربعة ، وكل لفظ أطلق لمعنيين ، وأكثر العلماء قد التبس عليهم اختلاف هذه الألفاظ وتواردها ، فتراهم يتكلمون في الخواطر ، ويقولون هذا خاطر العقل ، وهذا خاطر الروح ، وهذا خاطر النفس ، وهذا خاطر القلب ، وليس يدري الناظر اختلاف معاني الأسماء.

وحيث ورد في الكتاب والسنة لفظ القلب ، فالمراد به المعنى الذي يفقه من الإنسان ، ويعرف حقيقة الأشياء ، وقد يكنى عنه بالقلب الذي في الصدر ، لأن بين تلك اللطيفة وبين جسم القلب علاقة خاصة ، فإنها وإن كانت متعلقة بسائر البدن ومستعملة له ، ولكنها تتعلق به بواسطة القلب ، فتعلقها الأول بالقلب فكأنه محلها ومملكتها وعالمها ومطيتها ، ولذا شبه القلب بالعرش والصدر بالكرسي.

ثم قال في بيان تسلط الشيطان على القلب : اعلم أن القلب مثال قبة لها أبواب تنصب إليها الأحوال من كل باب ، ومثاله أيضا مثال هدف تنصب إليه السهام من الجوانب ، أو هو مثال مرآة منصوبة يجتاز عليها أنواع الصور المختلفة ، فيتراءى فيها صورة بعد صورة ولا يخلو عنها ، أو مثال حوض ينصب إليه مياه مختلفة من أنهار مفتوحة إليه ، وإنما مداخل هذه الآثار المتجددة في القلب في كل حال ، أما من الظاهر فالحواس الخمس وأما من الباطن فالخيال والشهوة والغضب والأخلاق المركبة في مزاج الإنسان ، فإنه إذا أدرك بالحواس شيئا حصل منه أثر في القلب ، وإن كف عن الإحساس والخيالات الحاصلة في النفس تبقى وينتقل الخيال من شيء إلى شيء ، وبحسب انتقال الخيال ينتقل القلب من حال إلى حال ، والمقصود أن القلب


في التقلب والتأثر دائما من هذه الآثار ، وأخص الآثار الحاصلة في القلب هي الخواطر ، وأعني بالخواطر ما يعرض فيه من الأفكار والأذكار ، وأعني به إدراكاته علوما إما على سبيل التجدد وإما على سبيل التذكر ، فإنها تسمى خواطر من حيث إنها تخطر بعد أن كان القلب غافلا عنها ، والخواطر هي المحركات للإرادات فإن النية والعزم والإرادة إنما تكون بعد خطور المنوي بالبال لا محالة ، فمبدأ الأفعال الخواطر ، ثم الخاطر يحرك الرغبة ، والرغبة تحرك العزم ويحرك العزم النية ، والنية تحرك الأعضاء.

والخواطر المحركة للرغبة تنقسم إلى ما يدعو إلى الشر أعني ما يضر في العاقبة وإلى ما يدعو إلى الخير أعني ما ينفع في الآخرة ، فهما خاطران مختلفان ، فافتقر إلى اسمين مختلفين فالخاطر المحمود يسمى إلهاما ، والخاطر المذموم أعني الداعي إلى الشر يسمى وسواسا ، ثم إنك تعلم أن هذه الخواطر حادثة وكل حادث لا بد له من سبب ، ومهما اختلفت الحوادث دل على اختلاف الأسباب.

هذا ما عرف من سنة الله عز وجل في ترتيب المسببات على الأسباب ، فمهما استنار حيطان البيت بنور النار وأظلم سقفه وأسود بالدخان ، علمت أن سبب السواد غير سبب الاستنارة ، كذلك لأنوار القلب وظلماته سببان مختلفان ، فسبب الخاطر الداعي إلى الخير يسمى ملكا وسبب الخاطر الداعي إلى الشر يسمى شيطانا ، واللطف الذي به يتهيأ القلب لقبول إلهام الملك يسمى توفيقا ، والذي به يتهيأ لقبول وسواس الشيطان يسمى إغواء وخذلانا ، فإن المعاني المختلفة تفتقر إلى أسامي مختلفة ، والملك عبارة عن خلق خلقه الله شأنه إفاضة الخير وإفادة العلم وكشف الحق والوعد بالمعروف ، وقد خلقه الله وسخره لذلك ، والشيطان عبارة عن خلق شأنه ضد ذلك ، وهو الوعد بالشر والأمر بالفحشاء والتخويف عند الهم بالخير بالفقر ، والوسوسة في مقابلة الإلهام ، والشيطان في مقابلة الملك ، والتوفيق في مقابلة الخذلان ، وإليه


الإشارة بقوله تعالى : «وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ »(١) .

فإن الموجودات كلها متقابلة مزدوجة إلا الله تعالى فإنه لا مقابل له ، بل هو الواحد الحق الخالق للأزواج كلها ، والقلب متجاذب بين الشيطان والملك ، فقد قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : للقلب لمتان لمة من الملك إيعاد بالخير ، وتصديق بالحق ، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله ، ولمة من العدو إيعاد بالشر وتكذيب بالحق ونهي عن الخير ، فمن وجد ذلك فليتعوذ من الشيطان ثم تلا : «الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ »(٢) الآية.

ولتجاذب القلب بين هاتين اللمتين قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن ، والله سبحانه منزه عن أن يكون له إصبع مركبة من دم ولحم وعظم ينقسم بالأنامل ، ولكن روح الإصبع سرعة التقليب والقدرة على التحريك والتغيير ، فإنك لا تريد إصبعك لشخصها بل لفعلها في التقليب والترديد ، وكما أنك تتعاطى الأفعال بأصابعك فالله تعالى إنما يفعل ما يفعله باستسخار الملك والشيطان ، وهما مسخران بقدرته في تقليب القلوب كما أن أصابعك مسخرة لك في تقليب الأجسام مثلا ، والقلب بأصل الفطرة صالح لقبول آثار الملائكة ولقبول آثار الشياطين صلاحا متساويا ، ليس يترجح أحدهما على الآخر ، وإنما يترجح أحد الجانبين باتباع الهوى والإكباب على الشهوات أو الإعراض عنها ومخالفتها ، فإن اتبع الإنسان مقتضى الشهوة والغضب ظهر تسلط الشيطان بواسطة الهوى ، وصار القلب عش الشيطان ومعدنه ، لأن الهوي هو مرعى الشيطان ومرتعه ، وإن جاهد الشهوات ولم يسلطها على نفسه وتشبه بأخلاق الملائكة صار قلبه مستقر الملائكة ومهبطهم ، ولما كان لا يخلو قلب عن شهوة وغضب وحرص وطمع وطول أمل إلى غير

__________________

(١) سورة الذاريات : ٤٩.

(٢) سورة البقرة : ٢٦٨.


ذلك من صفات البشرية المتشعبة عن الهوى لا جرم لم يخل قلب عن أن يكون للشيطان فيه جولان بالوسوسة ، ولذلك قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما منكم من أحد إلا وله شيطان قالوا : ولا أنت يا رسول الله؟ قال : ولا أنا إلا أن الله عز وجل أعانني عليه فأسلم فلم يأمرني إلا بخير.

وإنما كان هذا لأن الشيطان لا يتصرف إلا بواسطة الشهوة ، فمن أعانه الله على شهوته حتى صار لا ينبسط إلا حيث ينبغي وإلى الحد الذي ينبغي ، فشهوته لا تدعوه إلى الشر ، فالشيطان المتدرع بها لا يأمر إلا بالخير ، ومهما غلب على القلب ذكر الدنيا ومتقضيات الهوى وجد الشيطان مجالا فوسوس ، ومهما انصرف القلب إلى ذكر الله تعالى ارتحل الشيطان وضاق مجالة وأقبل الملك وألهم ، فالتطارد بين جندي الملائكة والشيطان في معركة القلب دائم إلى أن ينفتح القلب لأحدهما فيسكن ويستوطن ، ويكون اجتياز الثاني اختلاسا ، وأكثر القلوب قد فتحها جنود الشيطان وملكوها ، فامتلأت بالوساوس الداعية إلى إيثار العاجلة واطراح الآخرة ، ومبدء استيلائها اتباع الهوى ، ولا يمكن فتحها بعد ذلك إلا بتخلية القلب عن قوت الشيطان وهو الهوى والشهوات ، وعمارته بذكر الله إذ هو مطرح أثر الملائكة ، ولذلك قال الله تعالى : «إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ »(١) .

وكل من اتبع الهوى فهو عبد الهوى لا عبد الله ، فلذلك تسلط عليه الشيطان وقال تعالى : «أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ »(٢) إشارة إلى أن الهوى إلهه ومعبوده فهو عبد الهوى لا عبد الله ، ولا يمحو وسوسة الشيطان عن القلب إلا ذكر شيء سوى ما يوسوس به ، لأنه إذا حضر في القلب ذكر شيء انعدم عنه ما كان فيه من قبل ، ولكن كل شيء سوى ذكر الله وسوى ما يتعلق به ، فيجوز أن يكون أيضا مجالا

__________________

(١) سورة الحجر : ٤٢.

(٢) سورة الجاثية : ٢٣.


للشيطان ، فذكر الله سبحانه هو الذي يؤمن جانبه ، ويعلم أنه ليس للشيطان فيه مجال ، ولا يعالج الشيطان إلا بضده وضد جميع وساوس الشيطان ذكر الله تعالى ، والاستعاذة به والتبري عن الحول والقوة ، وهو معنى قولك أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، وذلك لا يقدر عليه إلا المتقون الذين الغالب عليهم ذكر الله ، وإنما الشيطان يطوف بقلوبهم في أوقات الفلتات على سبيل الخلسة ، قال الله تعالى : «إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ »(١) وقال مجاهد في قوله : «مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ » قال : هو منبسط على قلب الإنسان ، فإذا ذكر الله سبحانه خنس وانقبض ، وإذا غفل انبسط على عقله فالتطارد بين ذكر الله ووسوسة الشيطان كالتطارد بين النور والظلام وبين الليل والنهار ، ولتطاردهما قال الله تعالى : «اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللهِ »(٢) وفي الحديث : أن الشيطان واضع خطمه(٣) على قلب ابن آدم فإذا ذكر الله خنس وإن نسي الله التقم قلبه.

وكما أن الشهوات ممتزجة بلحم الآدمي ودمه فسلطنة الشيطان أيضا سارية في لحمه ودمه ومحيطة بالقلب من جوانبه ، ولذا قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه بالجوع ، وذلك لأن الجوع يكسر الشهوة ومجرى الشيطان الشهوات ولأجل اكتناف الشهوات للقلب من جوانبه قال الله تعالى إخبارا عن إبليس : «لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ، ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ »(٤) وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إن الشيطان قعد لابن آدم في طرقه فقعد له بطريق الإسلام فقال له : أتسلم وتترك دينك ودين آبائك فعصاه

__________________

(١) سورة الأعراف : ٢٠١.

(٢) سورة المجادلة : ١٩.

(٣) الخطم من الدابّة : مقدّم أنفها وفمها.

(٤) سورة الأعراف : ١٦.


فأسلم ، ثم قعد له بطريق الهجرة فقال : أتهاجر وتدع أرضك ونساءك فعصاه فهاجر ، ثم قعد له بطريق الجهاد ، فقال : أتجاهد وهو تلف النفس والمال فتقاتل فتقتل فتنكح نساؤك وتقسم مالك فعصاه فجاهد ، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : فمن فعل ذلك فمات كان حقا على الله أن يدخله الجنة

فقد ذكرصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم معنى الوسوسة فإذا الوسواس معلوم بالمشاهدة ، وكل خاطر فله سبب ويفتقر إلى اسم تعرفه ، فاسم سببه الشيطان ولا يتصور أن ينفك عنه آدمي وإنما يختلفون بعصيانه ومتابعته ، ولذا قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما من أحد إلا وله شيطان.

وقد اتضح بهذا النوع من الاستبصار معنى الوسوسة والإلهام والملك والشيطان والتوفيق والخذلان ، فبعد هذا نظر من ينظر في ذات الشيطان ، وأنه جسم لطيف أو ليس بجسم ، وإن كان جسما فكيف يدخل في بدن الإنسان ما هو جسم ، فهذا الآن غير محتاج إليه في علم المعاملة ، بل مثال الباحث عن هذا كمثال من دخل في ثوبه حية وهو محتاج إلى دفع ضرارتها ، فاشتغل بالبحث عن لونها وطولها وعرضها ، وذلك عين الجهل لمصادفة الخواطر الباعثة على الشرور ، وقد علمت ، ودل ذلك على أنه عن سبب لا محالة ، وعلم أن الداعي إلى الشر المحذور المستقبل عدو فقد عرف العدو فينبغي أن يشتغل بمجاهدته.

وقد عرف الله سبحانه عداوته في مواضع كثيرة من كتابه ليؤمن به ويحترز عنه فقال تعالى : «إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ »(١) وقال تعالى : «أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ »(٢) فينبغي للعبد أن يشتغل بدفع العدو عن نفسه لا بالسؤال عن أصله ونسبه ومسكنه ، نعم ينبغي أن يسأل عن سلاحه ليدفعه عن

__________________

(١) سورة فاطر : ٦.

(٢) سورة يس : ٦٠.


نفسه ، وسلاح الشيطان الهوى والشهوات ، وذلك كاف للعالمين ، فأما معرفة صفة ذاته وحقيقة الملائكة فذلك ميدان العارفين المتغلغلين في علوم المكاشفات ، ولا يحتاج في المعاملة إلى معرفته « إلى آخر ما حققه في هذا المقام ».

وأقول : ما ذكره أن دفع الشيطان لا يتوقف على معرفته حق لكن تأويل الملك والشيطان بما أومأ إليه في هذا المقام وصرح به في غيره مع تصريح الكتاب بخلافه جرأة على الله تعالى وعلى رسوله ، كما حققناه في كتابنا الكبير والتوكل على الله العليم الخبير ، وإنما بسطنا الكلام في هذا المقام ليسهل عليك فهم الأخبار الماضية والآتية.

« وشيطان مفتن » بكسر التاء المشددة أو المخففة أي مضل ، في القاموس : الفتنة بالكسر الخبرة وإعجابك بالشيء ، فتنة يفتنه فتنا وفتونا وافتنه ، والضلال والإثم والكفر والفضيحة والعذاب ، وإذابة الذهب والفضة ، والإضلال والجنون والمحنة ، واختلاف الناس في الآراء ، وفتنة يفتنه أوقعه في الفتنة كفتنه وافتنه. قال سبحانه : «إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ » قال البيضاوي : مقدر بأذكر ، أو متعلق بأقرب ، يعني في قوله : «وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ » أي هو أعلم بحاله من كل قريب حين يتلقى أي يتلقى الحفيظان ما يتلفظ به «عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ » أي عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد ، أي مقاعد كالجليس ، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه كقوله : « فإني وقيار بها لغريب »(١) وقيل : يطلق الفعيل للواحد والمتعدد كقوله : «وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ » ما يرمى به من فيه «إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ » ملك يرقب عمله «عَتِيدٌ » معد حاضر ولعله يكتب عليه ما فيه ثواب أو عقاب ، انتهى.

__________________

(١) عجز بيت لضانىء بن حاث البرجمى وصدره : « فمن يك أمسى بالمدينة رحله » والشعر في جامع الشواهد.


٢ ـ الحسين بن محمد ، عن أحمد بن إسحاق ، عن سعدان ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إن للقلب أذنين فإذا هم العبد بذنب قال له روح

وأقول : ظاهر أكثر الأخبار الواردة من طريق الخاص والعام أن المتلقيين والرقيب العتيد هما الملكان الكاتبان للأعمال ، فصاحب اليمين يكتب الحسنات وصاحب الشمال يكتب السيئات ، وظاهر هذا الخبر أن الرقيب والعتيد الملك والشيطان ، بل المتلقيين أيضا ، ويحتمل أن يكون هذا بطن الآية أو يكون الرقيب العتيد صاحب اليمين ويكون الزاجر والكاتب متحدا.

الحديث الثاني : مجهول.

« فإذا هم العبد » للنفس طريق إلى الخير وطريق إلى الشر ، وللخير مشقة حاضرة زائلة ولذة غائبة دائمة ، وللشر لذة حاضرة فانية ومشقة غائبة باقية ، والنفس يطلب اللذة ويهرب عن المشقة ، فهو دائما متردد بين الخير والشر ، فروح الإيمان يأمره بالخير وينهاه عن الشر ، والشيطان بالعكس ، وقد مر بعض الكلام في روح الإيمان في كتاب الحجة في باب الأرواح التي فيهمعليهم‌السلام .

وهنا يحتمل وجوها : « الأول » : أن يكون المراد به الملك كما صرح به في بعض الأخبار وسمي بروح الإيمان ، لأنه مؤيد له وسبب لبقائه فكأنه روحه وبه حياته.

الثاني : أن يراد به العقل فإنه أيضا كذلك ، ومتى لم يغلب الهوى والشهوات النفسانية العقل لم يرتكب الخطيئة ، فكان العقل يفارقه في تلك الحالة.

الثالث : أن يراد به الروح الإنساني من حيث اتصافه بالإيمان فإنها من هذه الجهة روح الإيمان ، فإذا غلبها الهوى ولم يعمل بمقتضاها فكأنها فارقته.

الرابع : أن يراد به قوة الإيمان وكماله ونوره فإن كمال الإيمان باليقين واليقين بالله واليوم الآخر لا يجتمع مع ارتكاب الكبائر والذنوب الموبقة ، فمفارقته


الإيمان لا تفعل وقال له الشيطان افعل وإذا كان على بطنها نزع منه روح الإيمان.

كناية عن ضعفه فإذا ندم بعد انكسار الشهوة مما فعل وتفكر في الآخرة وبقائها وشدة عقوباتها ، وخلوص لذاتها ، يقوى يقينه فكأنه يعود إليه.

الخامس : أن يراد به نفس الإيمان ، وتكون الإضافة للبيان فإن الإيمان الحقيقي ينافي ارتكاب موبقات المعاصي كما أشير إليه بقولهمعليهم‌السلام : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، فإن من آمن وأيقن بوجود النار وإيعاد الله تعالى على الزنا أشد العذاب فيها كيف يجترئ على الزنا وأمثالها ، إذ لو أو عده بعض الملوك على فعل من الأفعال ضربا شديدا أو قتلا بل ضربا خفيفا أو إهانة ، وعلم أن الملك سيطلع عليه لا يرتكب هذا الفعل ، وكذا لو كان صبي من غلمانه أو ضعيف من بعض خدمه فكيف الأجانب حاضرا ، لا يفعل الأمور القبيحة ، فكيف يجتمع الإيمان بأن الملك القادر القاهر الناهي الآمر مطلع على السرائر ولا تخفى عليه الضمائر مع ارتكاب الكبائر بحضرته ، وهل هذا إلا من ضعف الإيمان؟ ولذا قيل : الفاسق إما كافر أو مجنون.

السادس : أن يقال في الكافر ثلاثة أرواح هي موجودة في الحيوانات ، وهي الروح الحيوانية والقوة البدنية والقوة الشهوانية فإنهم ضيعوا الروح التي بها يمتاز الإنسان عن سائر الحيوان وجعلوها تابعة للشهوات النفسانية والقوي البهيمية فإما أن تفارقهم بالكلية كما قيل ، أو لما صارت باطلة معطلة فكأنها فارقتهم ولذا قال تعالى : «إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً »(١) وفي المؤمنين أربعة أرواح فإنه يتعلق بهم روح يصيرون به أحياء بالحياة المعنوية الأبدية ، فهي مع الأرواح البدنية تصير أربعا ، وفي الأنبياء والأوصياءعليهم‌السلام روح خامس هو روح

__________________

(١) سورة الفرقان : ٤٤.


٣ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن سيف بن عميرة ، عن أبان بن تغلب ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال ما من مؤمن إلا ولقلبه أذنان في جوفه أذن ينفث فيها الوسواس الخناس وأذن ينفث فيها الملك فيؤيد الله

القدس كما سيأتي تفصيله.

وهذا على بعض الوجوه قريب من الوجه الثالث. والحاصل أن الإنسان في بدو الأمر عند كونه نطفة جماد ولها صورة جمادية ثم يترقى إلى درجة النباتات فتتعلق به نفس نباتية ثم يترقى إلى أن يتعلق به نفس حيوانية هي مبدء للحس والحركة ، ثم يترقى إلى أن يتعلق به روح آخر هو مبدء الإيمان ومنشأ سائر الكمالات ، ثم يترقى إلى أن يتعلق به روح القدس فيحيط بجميع العوالم ويصير محلا للإلهامات الربانية ، والإفاضات السبحانية.

وقال بعضهم بناء على القول بالحركة في الجوهر : أن الصورة النوعية الجمادية المنوية تترقى وتتحرك إلى أن تصير نفسا نباتية ثم تترقى إلى أن تصير نفسا حيوانية وروحا حيوانيا ثم تترقى إلى أن تصير نفسه مجردة على زعمه مدركة للكليات ، ثم تترقى إلى أن تصير نفسا قدسيا وروح القدس ، وعلى زعمه يتحد بالعقل.

هذا ما حضرني مما يمكن أن يقال في حل هذه الأخبار باختلاف مسالك العلماء ومذاهبهم في تلك الأمور ، والأول أظهر على قواعد متكلمي الإمامية وظواهر الأخبار ، والله المطلع على غوامض الأسرار وحججه صلوات الله عليهم ما تعاقب الليل والنهار ، وأقول : البارز فيقوله عليه‌السلام : على بطنها راجع إلى المرأة المزني بها في الزنا ، ذكره على سبيل المثال.

الحديث الثالث : صحيح.

وقوله : في جوفه ، تأكيد لئلا يتوهم أن المراد بهماالأذنان اللتان في الرأس لأن لهما أيضا طريقا إلى القلب ، وقال البيضاوي : «مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ » أي الوسوسة


المؤمن بالملك فذلك قوله : «وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ »(١) .

كالزلزال بمعنى الزلزلة ، وأما المصدر فبالكسر كالزلزال ، والمراد به الموسوس سمي به مبالغة «الْخَنَّاسِ » الذي عادته أن يخنس أي يتأخر إذا ذكر الإنسان ربه «الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ » إذا غفلوا عن ذكر ربهم ، وذلك كالقوة الوهمية فإنها تساعد العقل في المقدمات ، فإذا آل الأمر إلى النتيجة خنست وأخذت توسوسه وتشككه «مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ » بيان للوسواس أو للذي أو متعلق بيوسوس أي يوسوس في صدورهم من جهة الجنة والناس ، وقيل : بيان للناس ، على أن المراد به ما يعم القبيلتين وفيه تعسف إلا أن يراد به الناسي كقوله : «يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ »(٢) فإن نسيان حق الله يعم الثقلين.

وقال الطبرسيقدس‌سره : فيه أقوال : أحدها : أن معناه من شر الوسوسة الواقعة من الجنة ، والوسواس حديث النفس بما هو كالصوت الخفي ، وأصله الصوت الخفي والوسوسة كالهمهمة ، ومنه قولهم : فلان موسوس إذا غلب عليه ما يعتريه من المرة(٣) يقال : وسوس يوسوس وسواسا ووسوسة وتوسوس ، والخنوس : الاختفاء بعد الظهور ، خنس يخنس ، وثانيها : أن معناه من شر ذي الوسواس وهو الشيطان كما جاء في الأثر أنه يوسوس فإذا ذكر ربه خنس ، ثم وصفه الله تعالى بقوله : «الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ » أي بالكلام الخفي الذي يصل مفهومه إلى قلوبهم من غير سماع ، ثم ذكر أنه من الجنة وهو الشياطين ، والناس عطف على الوسواس ، وثالثها : أن معناه من شر ذي الوسواس الخناس ثم فسره بقوله : من الجنة والناس. فوسواس الجنة هو وسواس الشيطان.

وفي وسواس الإنس وجهان : أحدهما أنه وسوسة الشيطان من نفسه ، والثاني

__________________

(١) سورة المجادلة : ٢٢.

(٢) سورة القمر : ٦.

(٣) كذا في النسخ وكأنّه مصحّف « المرية » بمعنى الشك.


إغواء من يغويه من الناس ، ويدل عليه شياطين الإنس والجن فشيطان الجن يوسوس وشيطان الإنس يأتي علانية ، ويرى أنه ينصح وقصده الشر قال مجاهد : الخناس الشيطان إذا ذكر الله سبحانه خنس وانقبض ، وإذا لم يذكر الله سبحانه انبسط على القلب ، ويؤيده ما روي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : أن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم ، فإذا ذكر الله سبحانه خنس وإن نسي التقم قلبه ، فذلك الوسواس الخناس ، وقيل : الخناس معناه الكثير الاختفاء بعد الظهور وهو المستتر المختفي عن أعين الناس لأنه يوسوس من حيث لا يرى بالعين ، وقيل : إن المعنى يلقي الشغل في قلوبهم بوسواسه ، والمراد أن له رفقا به يوصل الوسواس إلى الصدر وهو أعزب من خلوصه بنفسه إلى الصدر.

وروى العياشي عن الصادقعليه‌السلام قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما من مؤمن إلا ولقلبه في صدره أذنان :أذن ينفث فيه الملك ، وأذن ينفث فيها الوسواس الخناس فيؤيد الله المؤمن بالملك ، وهو قوله سبحانه : «وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ »(١) وقالرحمه‌الله في قوله تعالى : «أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ »(٢) أي ثبت في قلوبهم الإيمان بما فعل بهم من الألطاف فصار كالمكتوب ، وقيل : كتب في قلوبهم علامة الإيمان ، ومعنى ذلك أنها سمة لمن شاهدهم من الملائكة على أنهم مؤمنون «وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ » أي قواهم بنور الإيمان ويدل عليه قوله : «وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ »(٣) وقيل معناه : قواهم بنور الحجج والبرهان حتى اهتدوا للحق وعملوا به ، وقيل : قواهم بالقرآن الذي هو حياة القلوب من الجهل ، وقيل : أيدهم بجبرئيل في كثير من

__________________

(١) سورة المجادلة : ٢٢.

(٢) سورة المجادلة : ٢٢.

(٣) سورة الشورى : ٥٢.


المواطن ينصرهم ويدفع عنهم.

وقال البيضاوي : «بِرُوحٍ مِنْهُ » أي من عند الله ، وهو نور القلب أو القرآن أو النصر على العدو ، وقيل : الضمير للإيمان فإنه سبب لحياة القلب ، انتهى.

وروي من طريق العامة أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ، قال الأزهري : معناه أنه لا يفارق ابن آدم ما دام حيا كما لا يفارقه دمه ، وقال : هذا على طريق ضرب المثل وجمهورهم حملوه على ظاهره ، وقالوا : إن الشيطان جعل له هذا القدر من التطرق على باطن الآدمي بلطافة هيئته فيجري في العروق التي هي مجاري الدم إلى أن يصل إلى قلبه ، فيوسوسه على حسب ضعف إيمان العبد ، وقلة ذكره وكثرة غفلته ، ويبعد عنه ويقل تسلطه وسلوكه إلى باطنه بمقدار قوته ويقظته ودوام ذكره وإخلاص توحيده.

ونقل عن ابن عباس أنه تعالى جعله بحيث يجري من بني آدم مجرى الدم وصدور بني آدم مسكن له كما قال : «مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ » إلخ. والجنة الشياطين وكما قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إن الشيطان ليجثم(١) على قلب بني آدم له خرطوم كخرطوم الكلب ، إذا ذكر العبد لله عز وجل خنس أي رجع على عقبيه ، وإذا غفل عن ذكر الله وسوس ، فاشتق له اسمان من فعليه ، الوسواس من وسوسته عند غفلة العبد ، والخناس من خنوسه عند ذكر العبد ، قيل : والناس عطف على الجنة والإنس لا يصل في وسوسته بذاته إلى باطن الآدمي فكذا الجنة في وسوسته ، وأجيب بأن الإنس ليس له ما للجن من اللطافة ، فعدم وصول الإنس إلى الجوف يستلزم عدم وصول الجن إليه.

ثم أن الله تعالى بلطفه جعل للإنسان حفظة من الملائكة ، وأعطاهم قوي

__________________

(١) جثم : تلبّد بالأرض.


(باب)

(الروح الذي أيد به المؤمن)

١ ـ الحسين بن محمد ومحمد بن يحيى جميعا ، عن علي بن محمد بن سعد ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي سلمة ، عن محمد بن سعيد بن غزوان ، عن ابن أبي نجران ، عن محمد بن سنان ، عن أبي خديجة قال دخلت على أبي الحسنعليه‌السلام فقال

الإلهام والإلمام بهم في بواطن الإنسان في مقابلة لمة الشيطان ، كما روي أن للملك لمة بابن آدم وللشيطان لمة ، لمة الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق ، فمن وجد ذلك فليحمد الله ، ولمة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالحق ، فمن وجد من ذلك شيئا فليستعذ بالله من الشيطان.

وفي النهاية في حديث ابن مسعود : لابن آدم لمتان لمة من الملك ولمة من الشيطان ، اللمة : الهمة والخطرة تقع في القلب ، أراد إلمام الملك أو الشيطان به ، والقرب منه ، فما كان من خطرات الخير فهو من الملك وما كان من خطرات الشر فهو من الشيطان.

باب الروح الذي أيد به المؤمن

الحديث الأول : ضعيف.

وقد مر تفسيرالروح والأظهر أن المراد هنا أيضا الملك ، والمرادبالإحسان الإتيان بالطاعات وبالاتقاء الاجتناب عن المنهيات ، والاعتداد التجاوز عن حدود الشريعة أو الظلم على غيره بل على نفسه أيضا« تهتز » أي تتحرك سرورا ، في القاموس هزه وبه حركه ، والحادي الإبل هزيزا نشطها بحدائه ، والهزة بالكسر النشاط والارتياح ، وتهزهز إليه قلبي ارتاح للسرور ، واهتز عرش الرحمن لموت سعد أي ارتاح بروحه واستبشر لكرامته على ربه ، وقال :ساخت قوائمه أي خاضت والشيء


لي إن الله تبارك وتعالى أيد المؤمن بِرُوحٍ مِنْهُ تحضره في كل وقت يحسن فيه ويتقي وتغيب عنه في كل وقت يذنب فيه ويعتدي فهي معه تهتز سرورا عند إحسانه وتسيخ في الثرى عند إساءته فتعاهدوا عباد الله نعمه بإصلاحكم أنفسكم

رسب ، والأرض بهم انخسفت ، والثرى قيل : هو التراب الندى وهو الذي تحت الظاهر من وجه الأرض ، فإن لم يكن فهو تراب ، ولا يقال ثري.

وأقول : يظهر من الأخبار أنه منتهى المخلوقات السفلية وعند ذلك ضل علم العلماء.

وقال الفيروزآبادي : الثرى الندى والتراب الندى ، أو الذي إذا بل لم يصر طينا والأرض ، وقال : تعهده وتعاهده تفقده وأحدث العهد به ، وفي المصباح : عهدت الشيء ترددت إليه وأصلحته ، وحقيقته تجديد العهد به ، وتعهدته حفظته قال ابن فارس : ولا يقال تعاهدته لأن التفاعل لا يكون إلا من اثنين ، وقال الفارابي : تعهدته أصلح من تعاهدته ، انتهى.

والظاهر أن المراد هنا حفظ نعم الله واستبقاؤها ، واستعمال ما يوجب دوامها وبقاؤها ، والمراد بالنعم هنا النعم الروحانية من الإيمان واليقين ، والتأييد بالروح والتوفيقات الربانية ، وتعاهدها إنما يكون بترك الذنوب والمعاصي ، والأخلاق الذميمة التي توجب نقصها أو زوالها ، كما قالعليه‌السلام : بإصلاحكم أنفسكم.

و « يقينا » تميز وزيادة اليقين لقوله تعالى : «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ »(١) وأيضا إصلاح النفس يوجب الترقي في الإيمان واليقين وما يوجب الفلاح في الآخرة كما قال سبحانه : «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها ، وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها »(٢) والنفيس الكريم الشريف الذي يتنافس فيه ، في المصباح : نفس الشيء نفاسا كرم فهو نفيس ، ونفست

__________________

(١) سورة إبراهيم : ٧.

(٢) سورة الشمس : ٩.


تزدادوا يقينا وتربحوا نفيسا ثمينا رحم الله امرأ هم بخير فعمله أو هم بشر فارتدع عنه ثم قال نحن نؤيد الروح بالطاعة لله والعمل له.

(باب الذنوب)

١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن سنان ، عن طلحة بن زيد ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال كان أبيعليه‌السلام يقول ما من شيء أفسد للقلب من خطيئة إن القلب ليواقع الخطيئة فما تزال به حتى تغلب عليه فيصير أعلاه

به مثل ضننت به لنفاسته وزنا ومعنى ، والثمين : العظيم الثمن ، والمراد بهما هنا الجنة ودرجاتها العالية ، والسعادة الباقية« هم بخير » أي أراده وقصده« فارتدع عنه » أي انزجر عنه وتركه و« نحن نؤيد الروح » أي نقويه ، وفي بعض النسخ نزيد ، فيرجع إلى التأييد أيضا فإنه يتقوى بالطاعة كأنه يزيد.

باب الذنوب

أي غوائلها وتبعاتها وآثارها.

الحديث الأول : ضعيف.

« أفسد للقلب من خطيئة » فإن قلت : ما يفسد القلب فهو خطيئة فما معنى التفضيل؟ قلت : لا نسلم ذلك فإن كثيرا من المباحات تفسد القلب بل بعض الأمراض والآلام والأحزان والهموم ، والوساوس أيضا تفسدها وإن لم تكن مما تستحق عليه العذاب ، وهي أعم من الخطايا الظاهرة إذ للظاهر تأثير في الباطن ، بل عند المتكلمين الواجبات البدنية لطف في الطاعات القلبية ، ومن الخطايا القلبية كالعقائد الفاسدة بالمعصية والصفات الذميمة كالحقد والحسد والعجب وأمثالها.

« ليواقع الخطيئة » أي يباشرها ويخالطها ويرتكبها خطيئة بعد خطيئة ، أو يقاتل ويدافع الخطيئة الواحدة أو جنس الخطيئة« فما تزال به » هو من الأفعال


أسفله.

الناقصة واسمه الضمير الراجع إلى الخطيئة و « به » خبره أي متلبسا به ، وقيل : متعلق بفعل محذوف أي تفعل به ، والمراد إما جنس الخطيئة أو الخطيئة المخصوصة التي ارتكبها ولم يتب منها ، فتؤثر في القلب بحلاوتها حتى تغلب على القلب بالرين والطبع ، أو يدافعها ويحاربها فتغلب عليه حتى يرتكبها لعدم قلع مواد الشهوات عن قلبه على الاحتمال الثاني.

« فيصير أعلاه أسفله » أي يصير منكوسا كالإناء المقلوب المكبوب ، لا يستقر فيه شيء من الحق ولا يؤثر فيه شيء من المواعظ كما سيأتي في باب ظلمة قلب المنافق : القلوب ثلاثة ، قلب منكوس لا يعي شيئا من الخير ، وهو قلب الكافر « الخبر ».

والحاصل أن الخطيئة تلتبس بالقلب وتؤثر فيه حتى تصيره مقلوبا لا يستقر فيه شيء من الخير بمنزلة الكافر ، فإن الإصرار على المعاصي طريق إلى الكفر كما قال سبحانه : «ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ »(١) وهذا أظهر الوجوه المذكورة في تلك الآية وهذا الذي خطر بالبال أظهر الأقوال من جهة الأخبار.

وقيل : فيه وجوه أخر « الأول » ما ذكره بعض المحققين : يعني فما تزال تفعل تلك الخطيئة بالقلب وتؤثر فيه بحلاوتها حتى تجعل وجهه الذي إلى جانب الحق والآخرة إلى جانب الباطل والدنيا ، الثاني : أن المعنى ما تزال تفعل وتؤثر في القلب بميله إلى أمثالها من المعاصي حتى تنقلب أحواله ويتزلزل ويرتفع نظامه ، وحاصله يرجع إلى ما ذكرنا لكن الفرق بين ، الثالث : ما قيل : فلا تزال به حتى تغلب عليه ، فإن لم ترفع بالتوبة الخالصة فتصير أعلاه أسفله أي تكدره وتسوده لأن الأعلى صاف والأسفل دردي من باب التمثيل.

__________________

(١) سورة الروم : ٤٠.


٢ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن عثمان بن عيسى ، عن عبد الله بن مسكان عمن ذكره ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في قول الله عز وجل : «فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ »(١) فقال ما أصبرهم على فعل ما يعلمون أنه يصيرهم إلى النار.

الحديث الثاني : مرسل.

والآية في سورة البقرة هكذا : «إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ، أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ » وذكر البيضاوي قريبا مما ورد في الخبر ، قال تعجب من حالهم في الالتباس بموجبات النار من غير مبالاة « ما » تامة مرفوعة بالابتداء ، وتخصيصها كتخصيص « شر أهر ذا ناب » أو استفهامية وما بعدها الخبر ، أو موصولة وما بعدها صلة والخبر محذوف.

وأقول : يعضده قوله تعالى في الآية السابقة : «ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ » وقال البيضاوي فيه : أما في الحال لأنهم أكلوا ما يلتبس بالنار لكونها عقوبة عليه ، فكأنهم أكلوا النار ، أو في المال أي لا يأكلون يوم القيامة إلا النار : انتهى.

وأقول : مثله قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : قوموا إلى نيرانكم التي أوقدتموها على ظهوركم فأطفئوها بصلاتكم.

وقال الطبرسي (ره) فيه أقوال : أحدها : أن معناه ما أجرأهم على النار ، ذهب إليه الحسن وقتادة ، ورواه علي بن إبراهيم بإسناده عن أبي عبد اللهعليه‌السلام والثاني : ما أعملهم بأعمال أهل النار عن مجاهد وهو المروي عن أبي عبد اللهعليه‌السلام والثالث : ما أبقاهم على النار ، كما يقال : ما أصبر فلانا على الحبس عن الزجاج ، والرابع : ما أدومهم على النار أي ما أدومهم على عمل أهل النار كما يقال ما أشبه سخاك بحاتم ، أي بسخاء حاتم ، وعلى هذه الوجوه فظاهر الكلام التعجب والتعجب

__________________

(١) سورة البقرة : ١٧٥.


٣ ـ عنه ، عن أبيه ، عن النضر بن سويد ، عن هشام بن سالم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال أما إنه ليس من عرق يضرب ولا نكبة ولا صداع ولا مرض إلا بذنب وذلك قول الله عز وجل في كتابه : «وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ

لا يجوز على القديم سبحانه ، لأنه عالم بجميع الأشياء لا يخفى عليه شيء والتعجب إنما يكون مما لا يعرف سببه ، وإذا ثبت ذلك فالغرض أن يدلنا على أن الكفار حلوا محل من يتعجب منه ، فهو تعجيب لنا منهم ، والخامس : ما روي عن ابن عباس أن المراد أي شيء أصبرهم على النار أي حبسهم عليها ، فيكون للاستفهام ، ويجوز حمل الوجوه الثلاثة المتقدمة على الاستفهام أيضا ، فيكون المعنى أي شيء أجرأهم على النار وأبقاهم على النار؟ وقال الكسائي : هو استفهام على وجه التعجب ، وقال المبرد : هذا حسن لأنه كالتوبيخ لهم والتعجيب لنا ، كما يقال لمن وقع في ورطة ما اضطرك إلى هذا؟ إذا كان غنيا عن التعرض للوقوع في مثلها ، والمراد به الإنكار والتقريع على اكتساب سبب الهلاك ، وتعجيب الغير منه ، ومن قال معناه ما أجرأهم على النار فإنه عنده من الصبر الذي هو الحبس أيضا ، لأن بالجرأة يصبر على الشدة.

الحديث الثالث : حسن كالصحيح.

والنكبة وقوع الرجل على الحجارة عند المشي أو المصيبة ، والأول أظهر كما مر ، وقد وقع التصريح في بعض الأخبار التي وردت في هذا المعنى بنكبة قدم.

والمخاطب في هذه الآية من يقع منهم الخطايا والذنوب لا المعصومون من الأنبياء والأوصياءعليهم‌السلام ، فإنها فيهم رفع درجاتهم كما روي عن الصادقعليه‌السلام أنه لما دخل علي بن الحسينعليهما‌السلام على يزيد نظر إليه ثم قال : يا علي «ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ » فقالعليه‌السلام : كلا ما هذه فينا ، إنما نزل فينا : «ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ


وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ »(١) قال ثم قال وما يعفو الله أكثر مما يؤاخذ به.

عَلَى اللهِ يَسِيرٌ ، لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ »(٢) فنحن الذين لا ناسي على ما فاتنا ولا نفرح بما أوتينا.

وروى الحميري في قرب الإسناد عن ابن بكير قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن قول الله عز وجل : «وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ » فقال : هو «وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ » قال : قلت : ما أصاب عليا وأشياعه من أهل بيته من ذلك؟ قال : فقال : إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يتوب إلى الله عز وجل كل يوم سبعين مرة من غير ذنب.

وأقول : سيأتي أخبار كثيرة في ذلك في باب نادر في أواخر هذا المجلد.

وقال الطبرسي (ره) : «وَما أَصابَكُمْ » معاشر الخلق «مِنْ مُصِيبَةٍ » من بلوى في نفس أو مال «فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ » من المعاصي «وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ » منها فلا يعاقب بها ، قال الحسن : الآية خاصة بالحدود التي يستحق على وجه العقوبة ، وقال قتادة : هي عامة ، وروي عن عليعليه‌السلام أنه قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : خير آية في كتاب الله هذه الآية ، يا علي ما من خدش عود ولا نكبة قدم إلا بذنب ، وما عفا الله عنه في الدنيا فهو أكرم من أن يعود فيه ، وما عاقب عليه في الدنيا فهو أعدل من أن يثني على عبده وقال أهل التحقيق : إن ذلك خاص وإن خرج مخرج العموم ، لما يلحق من مصائب الأطفال والمجانين ومن لا ذنب له من المؤمنين ، ولأن الأنبياء والأئمة يمتحنون بالمصائب وإن كانوا معصومين من الذنوب لما يحصل لهم في الصبر عليها من الثواب ، انتهى.

وقيل : الذنوب متفاوتة بالذات ، وبالنسبة إلى الأشخاص ، وترك الأولى ذنب بالنسبة إليهم ، فلذلك قيل : حسنات الأبرار سيئات المقربين ، ويؤيده ما أصاب آدم ويونس وغيرهما بسبب تركهم ما هو أولى بهم ، ولئن سلم فقد يصاب البريء بذنب الجريء ، وما ذكرنا أظهر وأصوب ومؤيد بالأخبار.

__________________

(١) سورة الشورى : ٣٠.

(٢) سورة الحديد : ٢٣.


٤ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حماد ، عن حريز ، عن الفضيل بن يسار ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال ما من نكبة تصيب العبد إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر.

٥ ـ علي ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال كان أمير المؤمنينعليه‌السلام يقول لا تبدين عن واضحة وقد عملت الأعمال الفاضحة ولا يأمن البيات من عمل السيئات.

٦ ـ عنه ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن إبراهيم بن عبد الحميد ، عن أبي

الحديث الرابع : كالسابق سندا ومعنى.

الحديث الخامس : ضعيف على المشهور.

« لا تبدين عن واضحة » الإبداء الإظهار وتعديته بعن لتضمين معنى الكشف ، وفي الصحاح والقاموس والمصباح : الواضحة الأسنان تبدو عند الضحك ، وفي القاموس :فضحه كمنعه كشح مساويه ، أي لا تضحك ضحكا يبدو به أسنانك ، ويكشف عن سرور قلبك ، وقد علمت أعمالا قبيحة افتضحت بها عند الله وعند ملائكته وعند الرسول والأئمة صلوات الله عليهم ، ولا تدري أغفر الله لك أم يعذبك عليها ، ولذا كان من علامة المؤمنين أن ضحكهم التبسم ، ويؤيده ما روي عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا وبكيتم كثيرا لكن البشر في الجملة مطلوب كما مر أن بشره في وجهه وحزنه في قلبه ، وقوله : وقد عملت ، جملة حالية.

« ولا يأمن البيات » بكسر النون ليكون نهيا والكسرة لالتقاء الساكنين ، أو بالرفع خبرا بمعنى النهي ، وما قيل : إنه معطوف على الجملة الحالية بعيد ، والمراد بالبيات نزول الحوادث عليه ليلا أو غفلة وإن كان بالنهار ، في المصباح : البيات بالفتح الإغارة ليلا وهو اسم من بيته تبييتا وبيت الأمر دبره ليلا.

الحديث السادس : حسن أو موثق.


أسامة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال سمعته يقول تعوذوا بالله من سطوات الله بالليل والنهار قال قلت له وما سطوات الله قال الأخذ على المعاصي.

٧ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن أبي عبد الله ، عن أبيه ، عن سليمان الجعفري ، عن عبد الله بن بكير ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال الذنوب كلها شديدة وأشدها ما نبت عليه اللحم والدم لأنه إما مرحوم وإما معذب والجنة لا يدخلها إلا طيب.

وفي القاموس :سطا عليه وبه سطوا وسطوة صال أو قهر بالبطش ، وساطاه شدد عليه ، وفي المصباح هو الأخذ بشدة.

الحديث السابع : موثق.

« كلها شديدة » لأن معصية الجليل جليلة ، أو استيجاب غضب الله وعقوبته مع عدم العلم بالعفو عظيم ، أو لأن التوبة المقبولة نادرة مشكلة ، وشرائطها كثيرة ، والتوفيق لها عزيز« وأشدها ما نبت عليه اللحم والدم » كان المراد به ماله دخل في قوام البدن من المأكول والمشروب الحرامين ، ويحتمل أن يكون المراد به ذنبا أصر وداوم عليه مدة نبت فيه اللحم والعظم ، وإطلاق هذه العبارة في الدوام والاستمرار شائع في عرف العرب والعجم ، بل أخبار الرضاع أيضا ظاهرة في ذلك.

« لأنه إما مرحوم وإما معذب » أي آخرا أو في الجنة والنار لكن لا بد أن يعذب في البرزخ أو المحشر قدر ما يطيب جسمه الذي نبت على الذنوب« لأن الجنة لا يدخلها إلا طيب ».

أقول : ويؤيده ما روي في النهج أن أمير المؤمنينعليه‌السلام قال لقائل قال بحضرته أستغفر الله : ثكلتك أمك أتدري ما الاستغفار؟ إن الاستغفار درجة العليين وهو اسم واقع على ستة معان : أولها : الندم علي ما مضى ، والثاني : العزم على ترك العود إليه أبدا ، والثالث : أن تؤدي إلى المخلوقين حقوقهم حتى تلقى الله عز وجل أملس


٨ ـ الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن الوشاء ، عن أبان ، عن الفضيل بن يسار ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال إن العبد ليذنب الذنب فيزوى عنه الرزق.

ليس عليك تبعة ، والرابع : أن تعمد إلى كل فريضة عليك ضيعتها فتؤدي حقها ، والخامس : أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السحت فتذيبه بالأحزان حتى يلصق الجلد بالعظم وينشأ بينهما لحم جديد ، والسادس : أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية ، فعند ذلك تقول أستغفر الله.

وقيل : المرحوم من كفرت ذنوبه بالتوبة أو البلايا أو العفو ، والمعذب من لم تكفر ذنوبه بأحد هذه الوجوه.

وأقول : هذا الخبر ينافي ظاهرا عموم الشفاعة وعفو الله وتكفير السيئات بالحسنات على القول به ، وأجيب بوجوه : « الأول » أن يقال يعني أن صاحب الذنب الذي نبت عليه اللحم والدم أمره في مشية الله لأنه ليس بطيب ولا يدخل الجنة قطعا وحتما إلا طيب « الثاني » أن يخص هذا بغير تلك الصور ، أي لا يدخلها بدون الشفاعة والعفو والتكفير « الثالث » ما قيل أنه تعالى ينزع عنهم الذنوب فيدخلونها ، وهم طيبون من الذنوب ، ويؤيده قوله تعالى : «وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍ »(١) الآية وهو بعيد.

الحديث الثامن : ضعيف على المشهور.

« فيزوى عنه الرزق » أي يقبض أو يصرف وينحي عنه ، أي قد يكون تقتير الرزق بسبب الذنب عقوبة أو لتكفير ذنبه ، وليس هذا كليا بل هو بالنسبة إلى غير المستدرجين ، فإن كثيرا من أصحاب الكبائر يوسع عليهم الرزق ، وفي النهاية زويت لي الأرض أي جمعت ، وفي حديث الدعاء : وما زويت عني مما أحب أي صرفته عني وقبضته.

__________________

(١) سورة الحجّ : ٤٧.


٩ ـ علي بن محمد ، عن صالح بن أبي حماد ، عن محمد بن إبراهيم النوفلي ، عن الحسين بن مختار ، عن رجل ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ملعون

الحديث التاسع : ضعيف على المشهور.

وقال الصدوقرضي‌الله‌عنه في كتاب معاني الأخبار بعد إيراد هذه الرواية : قال مصنف هذا الكتاب : معنىقوله : ملعون من كمه أعمى يعني من أرشد متحيرا في دينه إلى الكفر وقرره في نفسه حتى اعتقده وقوله : من عبد الدينار والدرهم يعني به من يمنع زكاة ماله ويبخل بمواساة إخوانه فيكون قد آثر عبادة الدينار والدرهم على عبادة الله ، وأما نكاح البهيمة فمعلوم ، انتهى.

وأقول : اللعن الطرد والإبعاد عن الخير من الله ، ومن الخلق السب والدعاء وطلب البعد من الخير وكل من أطاع من لم يأمره الله بطاعته فقد عبده ، كما قال تعالى : «أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ »(١) وقال سبحانه : «اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ »(٢) وكذا من آثر حب شيء على رضا الله وطاعته فقد عبده كعبادة الدينار والدرهم.

قال الراغب : العبودية إظهار التذلل والعبادة أبلغ نهاية غاية التذلل ، ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال ، وهو الله تعالى ، والعبد يقال على أضرب : الأول : عبد بحكم الشرع وهو الإنسان الذي يصح بيعه وابتياعه ، والثاني عبد بالعبادة والخدمة ، والناس في هذا ضربان عبد الله مخلصا وهو المقصود بقوله : «وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ »(٣) وأمثاله وعبد الدنيا وأعراضها وهو المعتكف على خدمتها ومراعاتها ، وإياه قصد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله : تعس عبد الدرهم ، تعس عبد الدينار ، وعلى هذا النحو يصح أن يقال : ليس كل إنسان عبد الله ، فإن العبد على هذا المعنى

__________________

(١) سورة يس : ٦٠.

(٢) سورة التوبة : ٣١.

(٣) سورة ص : ٤١.


ملعون من عبد الدينار والدرهم ملعون ملعون من كمه أعمى ملعون ملعون من نكح بهيمة.

العابد لكن العبد أبلغ من العابد ، انتهى.

وأماقوله : من كمه أعمى ، ففي القاموس : الكمة محركة العمى ، يولد به الإنسان أو عام ، كمه كفرح عمي وصار أعشى ، وبصره اعترته ظلمة تطمس عليه ، والمكمه العينين كمعظم من لم تنفتح عيناه ، والكامه من يركب رأسه ولا يدري أين يتوجه كالمتكمه ، وقال الجوهري : الأكمه الذي يولد أعمى وقد كمه بالكسر كمها واستعاره سويد فجعله عارضا بقوله : كمهت عيناه حتى ابيضتا ، أبو سعيد : الكامه الذي يركب رأسه لا يدري أين يتوجه ، يقال : خرج يكتمه في الأرض ، انتهى.

وقال الراغب : العمى يقال في افتقاد البصر وافتقاد البصيرة ، ويقال في الأول أعمى ، وفي الثاني أعمى وعمي.

وإذا عرفت هذا فاعلم أن هذه الفقرة تحتمل وجوها : الأول : ما مر عن الصدوق (ره) وكأنه أظهرها ، الثاني : أن يكون المعنى أضل أعمى البصر عن الطريق وحيرة أو لا يهديه إليها ، الثالث : أن يقول للأعمى يا أعمى أو يا أكمه ، معيرا له له بذلك ، الرابع : أن يكون المعنى من يذهب طريقا ويختار مذهبا لا يدري هو حق أم لا كأكثر الناس ، فيكون كمه بكسر الميم المخففة مأخوذا من الكامه الذي ذكره الجوهري والفيروزآبادي ، فيكون أعمى حالا عن المستتر في كمه ، أي أعمى القلب ، وهذا وجه وجيه مما خطر بالبال إن كان فعل المجرد استعمل بهذا المعنى كما هو الظاهر ، ولقد أعجب بعض من كان في عصرنا حيث نقل عبارة القاموس : من يركب فرسه ، فقال : ويحتمل كمه بالتخفيف والمعنى من ركب أعمى فهو كناية عمن لم يسلك الطريق الواضحة ، الخامس : أن يقرأ بالتخفيف أيضا ويكون المعنى من كان أعمى مولودا على العمى لم يهتد إلى الخير سبيلا قط ، بخلاف من


١٠ ـ الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن الوشاء ، عن علي بن أبي حمزة ، عن أبي بصير ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال سمعته يقول اتقوا المحقرات من الذنوب فإن لها طالبا يقول أحدكم أذنب وأستغفر إن الله عز وجل يقول : «سنَكْتُبُ

يكون لواما يتنبه ويغفل أحيانا ، السادس : أن يقرأ بضم الكاف وتشديد الميم اسما ، ويكون عمى الكم كناية عن البخل.

وأقول : الأظهر على هذا الوجه أن يكون كناية عن أنه لا يبالي أن يأخذ المال من حرام أو شبهة أو حلال ، أو يعطي المال كيفما اتفق ويبذر ولا يعلم مصارفه الشرعية.

وأما نكاح البهيمة فالظاهر أن المراد به الوطء كما فهمه الصدوق (ره) وغيره ، وربما يحمل على العقد فيكون المراد بالبهيمة المرأة المخالفة أو تزويج البنت المخالف كما مر : أن الناس كلهم بهائم إلا قليلا من المؤمنين ، وكما قيل في قولهمعليهم‌السلام : لا ننزي حمارا على عتيقه ، وربما يقرأ نكح بالتشديد على بعض الوجوه ، ولا يخفى ما في الجميع من التكلف.

الحديث العاشر : ضعيف على المشهور.

والمحقرات على بناء المفعول من الأفعال أو التفعيل : عدها حقيرة ، في القاموس : الحقر الذلة كالحقرية بالضم والحقارة مثلثة والمحقرة والفعل كضرب وكرم والإذلال كالتحقير والاحتقار والاستحقار ، والفعل كضرب وحقر الكلام تحقيرا صغره ، والمحقرات الصغائر وتحاقر تصاغر ، وفي المصباح حقر الشيء بالضم حقارة هان قدره فلا يعبأ به فهو حقير ، ويعدى بالحركة فيقال حقرته من باب ضرب وأحقرته ، وقال :الذنب الإثم ، والجمع ذنوب ، وأذنب صار ذا ذنب بمعنى تحمله.

« فإن لها طالبا » أي إن للذنوب طالبا يعلمها ويكتبها وقرر عليها عقابا وإذا حقرها فهو يضر عليها وتصير كبيرة ، فيمكن أن لا يعفو عنها مع أنه قد ورد


ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ »(١) وقال عز وجل : «إِنَّها

أنها لا تغفر ، ولا ينبغي الاتكال على التوبة والاستغفار فإنه يمكن أن لا يوفق لها وتدركه المنية ، فيذهب بلا توبة ، وقيل : يستفاد من الحديث أن الجرأة على الذنب اتكالا على الاستغفار بعده تحقير له ، وهو كذلك كيف لا وهذا محقق معجل نقد ، وذاك موهوم مؤجل نسيئة.

« إن الله عز وجل يقول » بيان لقوله : إن لها طالبا ، والآية في سورة يس هكذا : «إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا » وكأنه(٢) من النساخ أو الرواة ، وقيل : هذا نقل للآية بالمعنى لبيان أن هذه الكتابة تكون بعد إحياء الموتى على أجسادهم لفضيحتهم.

وقال في مجمع البيان : «وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا » من طاعاتهم ومعاصيهم في دار الدنيا ، وقيل : نكتب ما قدموه من عمل ليس له أثر ، و «آثارَهُمْ » أي ما يكون له أثر وقيل : يعني بآثارهم أعمالهم التي صارت سنة بعدهم يقتدي فيها بهم حسنة كانت أم قبيحة وقيل : معناه ونكتب خطاهم إلى المساجد ، وسبب ذلك ما رواه الخدري أن بني سلمة كانوا في ناحية المدينة فشكوا إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد منازلهم من المسجد والصلاة معه ، فنزلت الآية «وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ » أي وأحصينا وعددنا كل شيء من الحوادث في كتاب ظاهر وهو اللوح المحفوظ ، والوجه في إحصاء ذلك فيه اعتبار الملائكة به إذا قابلوا به ما يحدث من الأمور ، ويكون فيه دلالة على معلومات الله سبحانه على التفصيل ، وقيل : أراد به صحائف الأعمال ، وسمي ذلك مبينا لأنه لا يدرس أثره ، انتهى.

وقد ورد في كثير من الأخبار أن الإمام المبين أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وقيل

__________________

(١) سورة يس : ١٢.

(٢) أي إضافة السين في « سنكتب ».


إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ »(١) .

أريد بالآثار الأعمال ، وبما قدموا النيات المقدمة عليها ، وقال (ره) فيقوله تعالى : «يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ » معناه أن فعلة الإنسان من خير أو شر إن كانت مقدار حبة خردل في الوزن ، ويجوز أن يكون الهاء في أنها ضمير القصة «فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ » أي فتكن تلك الحبة في جبل أي في حجرة عظيمة ، لأن الحبة فيها أخفى وأبعد من الاستخراج «أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ » ذكر السماوات والأرض بعد ذكر الصخرة وإن كان لا بد أن تكون الصخرة في الأرض على وجه التأكيد ، وقال السدي : هذه الصخرة ليست في السماوات ولا في الأرض وهي تحت سبع أرضين ، وهذا قول مرغوب عنه «يَأْتِ بِهَا اللهُ » أي يوم القيامة ويجازي عليها أي يأت بجزاء ما وازنها من خير أو شر ، وقيل : معناه يعلمها الله فيأتي بها إذا شاء كذلك قليل العمل من خير أو شر «يَعْلَمْهُ اللهُ » فيجازي عليه ، فهو مثل قوله : «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ».

روى العياشي عن ابن مسكان عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : اتقوا المحقرات من الذنوب فإن لها طالبا ، لا يقولن أحدكم أذنب وأستغفر الله تعالى ، إن الله تعالى يقول : «إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ » الآية.

«إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ » باستخراجها «خَبِيرٌ » بمستقرها ، انتهى.

وقال بعض المحققين : خفاء الشيء إما لغاية صغره ، وإما لاحتجابه ، وإما لكونه بعيدا ، وإما لكونه في ظلمة ، فأشار إلى الأول بقوله : مثقال حبة ، وإلى الثاني بقوله : فتكن في صخرة ، وإلى الثالث بقوله : أو في السماوات ، وإلى الرابع بقوله

__________________

(١) سورة لقمان : ١٦.


١١ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن ابن فضال ، عن ثعلبة ، عن سليمان بن طريف ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال سمعته يقول إن الذنب يحرم العبد الرزق.

١٢ ـ محمد بن يحيى ، عن عبد الله بن محمد ، عن علي بن الحكم ، عن أبان بن عثمان ، عن الفضيل ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال إن الرجل ليذنب الذنب فيدرأ عنه

أو في الأرض.

وأقول : قد ورد في بعض الأخبار أن المراد بالصخرة هي التي تحت الأرضين وقد أوردتها في الكتاب الكبير ، والاستشهاد بالآيتين لأن يعلم أن الله سبحانه عالم بجميع أعمال العباد وأحصاها وكتبها وأوعد عليها العقاب ، فلا ينبغي تحقير المعاصي لأن الوعيد معلوم ، والموعد عالم قادر ، والعفو غير معلوم.

الحديث الحادي عشر : مجهول.

وفي القاموس :حرمة الشيء كضربه وعلمه حريما وحرمانا بالكسر منعه وأحرمه لغة.

الحديث الثاني عشر : مجهول.

وفي القاموسدرأه كجعله درءا دفعه ، والفعل هنا على بناء المجهول ، ويحتمل المعلوم بإرجاع المستتر إلى الذنب ، واللام في الذنب للعهد الذهني أي أي ذنب كان بل يمكن شموله للمكروهات وترك المستحبات كما تشعر به الآية وإن أمكن حملها علي أنهم لم يؤدوا الزكاة الواجبة ، أو كان الزكاة عندهم حق الجواد والصرام ، أو كان هذا أيضا واجبا في شرعهم كما قيل بوجوبه في شرعنا أيضا.

قال الطبرسي (ره) في جامع الجوامع : «إِنَّا بَلَوْناهُمْ » أي أهل مكة بالجوع والقحط بدعاء الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ » وهم إخوة كانت لأبيهم هذه الجنة دون صنعاء اليمن بفرسخين فكان يأخذ منها قوت سنة ويتصدق بالباقي ،


الرزق وتلا هذه الآية : «إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ وَلا يَسْتَثْنُونَ فَطافَ عَلَيْها

وكان يترك للمساكين ما أخطأه المنجل وما في أسفل الأكداس وما أخطأه القطاف(١) من العنب وما بقي من البساط الذي يبسط تحت النخلة إذا صرمت ، فكان يجتمع لهم شيء كثير ، فلما مات قال بنوه : إن فعلنا ما كان يفعل أبونا ضاق علينا الأمر ونحن أولو عيال ، فحلفواليصرمنها داخلين في وقت الصباح خفية عن المساكين «وَلا يَسْتَثْنُونَ » أي لم يقولوا إنشاء الله في يمينهم فأحرق الله جنتهم.

وقال البيضاوي «وَلا يَسْتَثْنُونَ » ولا يقولون إنشاء الله وإنما سماه استثناء لما فيه من الإخراج غير أن المخرج به خلاف المذكور ، والمخرج بالاستثناء عينه أو لأن معنى لا أخرج إنشاء الله ولا أخرج إلا أن يشاء الله واحد ، أو لا يستثنون حصة المساكين كما كان يخرج أبوهم «فَطافَ عَلَيْها » على الجنة «طائِفٌ » بلاء طائف «مِنْ رَبِّكَ » مبتدأ منه.

وقال في المجمع : أي أحاطت بها النار « فاحترقت » أو طرقها طارق من أمر الله «وَهُمْ نائِمُونَ » قال مقاتل : بعث الله نارا بالليل إلى جنتهم فأحرقتها حتى صارت مسودة فذلك قوله «كَالصَّرِيمِ » أي كالليل المظلم ، والصريمان الليل والنهار لانصرام أحدهما عن الآخر ، وقيل : كالمصروم ثماره أي المقطوع ، وقيل : أي الذي صرم عنه الخير فليس فيه شيء منه ، وقيل : أي كالرملة انصرمت من معظم الرمل ، وقيل : كالرماد الأسود «فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ » أي نادى بعضهم بعضا وقت الصباح «أَنِ اغْدُوا » أي بأن اغدوا «عَلى حَرْثِكُمْ » الحرث الزروع والأعناب «إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ » أي قاطعين النخل «فَانْطَلَقُوا » أي فمضوا إليها «وَهُمْ يَتَخافَتُونَ » يتسارون بينهم «أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ » هذا ما كانوا يتخافتون به «وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ » أي على قصد منع الفقراء «قادِرِينَ » عند أنفسهم وفي اعتقادهم على منعهم وإحراز

__________________

(١) المِنجل : آلة من حديد يقضب بها الزرع ( داس ). والكُدس بضمّ الكاف : الحبّ المحصود المجموع. وقطف الثمر : جناه.


طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ »(١) .

ما في جنتهم ، وقيل : على حرد أي على جد وجهد من أمرهم وقيل : على حنق وغضب من الفقراء ، وقيل : قادرين مقدرين موافاتهم الجنة في الوقت الذي قدروا إصرامها فيه ، وهو وقت الصبح «فَلَمَّا رَأَوْها » أي رأوا الجنة على تلك الصفة «قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ » ضللنا عن الطريق فليس هذا بستاننا ، أو لضالون عن الحق في أمرنا فلذلك عوقبنا بذلك ، ثم استدركوا فقالوا «بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ » أي هذه جنتنا ولكن حرمنا نفعها وخيرها لمنعنا حقوق المساكين ، وتركنا الاستثناء.

«قالَ أَوْسَطُهُمْ » أي أعدلهم قولا أو أفضلهم وأعقلهم ، أو أوسطهم في السن «أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ » كأنه كان حذرهم سوء فعالهم فقال لو لا تستثنون لأن في الاستثناء التوكل على الله والتعظيم لله والإقرار على أنه لا يقدر أحد على فعل شيء إلا بمشيئة الله فلذلك سماه تسبيحا ، وقيل : معناه هلا تعظمون الله بعبادته واتباع أمره ، أو هلا تذكرون نعم الله عليكم فتؤدوا شكرها بأن تخرجوا حق الفقراء من أموالكم أو هلا نزهتم الله عن الظلم واعترفتم بأنه لا يظلم ولا يرضى منكم بالظلم ، وقيل : أي لم لا تصلون ، ثم حكي عنهم أنهم «قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ » في عزمنا على حرمان المساكين من حصتهم عند الصرام أو أنه تعالى منزه عن الظلم فلم يفعل بنا ما فعله ظلما ، وإنما الظلم وقع منا حيث منعنا الحق «فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ » أي يلوم بعضهم بعضا على ما فرط منهم «قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ » قد علونا في الظلم وتجاوزنا الحد فيه ، والويل غلظ المكروه الشاق على النفس «عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها » أي لما تابوا ورجعوا إلى الله قالوا لعل الله يخلف علينا ويولينا خيرا من الجنة التي هلكت «إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ » أي نرغب إلى الله ونسأله ذلك ونتوب إليه مما فعلناه «كَذلِكَ الْعَذابُ » في الدنيا للعاصين «وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ».

__________________

(١) سورة القلم : ٢٨ ـ ١٩.


١٣ ـ عنه ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن فضال ، عن ابن بكير ، عن أبي بصير قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول إذا أذنب الرجل خرج في قلبه نكتة سوداء فإن

وروي عن ابن مسعود أنه قال : بلغني أن القوم أخلصوا وعرف الله منهم الصدق فأبدلهم بها جنة يقال لها الحيوان ، فيها عنب يحمل البغل منها عنقودا ، وقال أبو خالد الهامي : رأيت تلك الجنة ورأيت كل عنقود منها كالرجل الأسود القائم.

الحديث الثالث عشر : موثق كالصحيح.

« خرج في قلبه نكتة » النكتة : النقطة وكل نقطة في الشيء بخلاف لونه فهي نكتة ، وقيل : إن الله خلق قلب المؤمن نورانيا قابلا للصفات النورانية ، فإن أذنب خرج فيه نقطة سوداء ، فإن تاب زالت تلك النقطة وعاد محلها إلى نورانيته ، وإن زاد في الذنب سواء كان من نوع ذلك الذنب أم من غيره زادت نقطة أخرىسوداء وهكذا حتى تغلب النقاط السود على جميع قلبه ، فلا يفلح بعدها أبدا لأن القلب حينئذ لا يقبل شيئا من الصفات النورانية ، والظاهر أنه إن تاب من ذنب ثم عاد لم تبطل التوبة الأولى ، وأنه إن تاب من بعض الذنوب دون بعض فهي صحيحة على أحد القولين فيهما.

أقول : وقال بعض المحققين بعد أن حقق أن القلب هو اللطيفة الربانية الروحانية التي لها تعلق بالقلب الصنوبري كما مر ذكره : القلب في حكم مرآة قد اكتنفته هذه الأمور المؤثرة فيه ، وهذه الآثار على التوالي واصلة إلى القلب ، أما الآثار المحمودة فإنها تزيد مرآة القلب جلاءا وإشراقا ونورا وضياء حتى يتلألأ فيه جلية الحق وتنكشف فيه حقيقة الأمر المطلوب في الدين ، وإلى مثل هذا القلب الإشارة بقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إذا أراد الله بعبد خيرا جعل له واعظا من قلبه ، وبقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من كان له من قلبه واعظ كان عليه من الله حافظ ، وهذا القلب هو الذي


تاب انمحت وإن زاد زادت حتى تغلب على قلبه فلا يفلح بعدها أبدا.

يستقر فيه الذكر قال الله تعالى : «أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ »(١) وأما الآثار المذمومة فإنها مثل دخان مظلم يتصاعد إلى مرآة القلب ، ولا يزال يتراكم عليه مرة بعد أخرى إلى أن يسود ويظلم ، ويصير بالكلية محجوبا عن الله تعالى ، وهو الطبع والرين ، قال الله تعالى : «كَلاَّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ »(٢) وقال الله تعالى : «أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ »(٣) فربط عدم السماع والطبع بالذنوب كما ربط السماع بالتقوى حيث قال : «وَاتَّقُوا اللهَ وَاسْمَعُوا »(٤) «فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ »(٥) «وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ »(٦) ومهما تراكمت الذنوب طبع على القلب ، وعند ذلك يعمى القلب عن إدراك الحق وصلاح الدين ويستهين بالآخرة ويستعظم أمر الدنيا ، ويصير مقصور الهم عليه ، فإذا قرع سمعه أمر الآخرة وما فيها من الأخطار دخل من أذن وخرج من الأخرى ، ولم يستقر في القلب ولم يحركه إلى التوبة والتدارك «أولئك الذين يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ» وهذا هو معنى اسوداد القلب بالذنوب كما نطق به القرآن والسنة.

قال بعضهم : روي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : قلب المؤمن أجرد فيه سراج يزهر ، وقلب الكافر أسود منكوس ، فطاعة الله تعالى بمخالفة الشهوات مصقلات للقلب ومعصيته مسودات له فمن أقبل على المعاصي أسود قلبه ، ومن أتبع السيئة الحسنة ومحي أثرها لم يظلم قلبه ، ولكن ينقص نوره كالمرآة التي يتنفس فيها ، ثم يمسح ثم يتنفس ثم يمسح فإنها لا تخلو عن كدورة ، قال الله تعالى : «إِنَّ الَّذِينَ

__________________

(١) سورة الرعد : ٢٨.

(٢) سورة المطففين : ١٤.

(٣) سورة الأعراف : ١٠٠.

(٤) سورة المائدة : ١٠٨.

(٥) سورة الشعراء : ١٢٦.

(٦) سورة البقرة : ٢٨٢.


١٤ ـ عنه ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن محبوب ، عن أبي أيوب ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال إن العبد يسأل الله الحاجة فيكون من شأنه قضاؤها إلى أجل قريب أو إلى وقت بطيء فيذنب العبد ذنبا فيقول الله تبارك وتعالى للملك لا تقض حاجته واحرمه إياها فإنه تعرض لسخطي واستوجب الحرمان مني.

اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ »(١) فأخبر أن جلاء القلب وإبصاره يحصل بالذكر وأنه لا يتمكن منه إلا الذين اتقوا ، فالتقوى باب الذكر والذكر باب الكشف ، والكشف باب الفوز الأكبر وهو الفوز بلقاء الله تعالى.

أقول : هذا من تحقيقات بعض الصوفية أوردناه استطرادا ، وفيه حق وباطل والله الملهم للخير والصواب.

الحديث الرابع عشر : صحيح.

« فيكون من شأنه » ضمير شأنه راجع إلى الله تعالى ويحتمل رجوعه إلى مصدر يسأل أو العبد ، ومال الجميع واحد ، أي له قابلية قضاء الحاجة ، قيل : لا يقال هذا ينافي ما في بعض الروايات من أن العاصي إذا دعاه أجابه بسرعة كراهة سماع صوته؟ لأنا نقول : لا منافاة بينهما لأن هناك شيئين : أحدهما المعصية وهي تناسب عدم الإجابة ، والثاني كراهة سماع صوته وهي تناسب سرعة الإجابة فربما ينظر إلى الأول فلا يجيبه ، وربما ينظر إلى الثاني فيجيبه ، وليس في الأخبار ما يدل على أن العاصي يجاب دائما ، ولو سلم لأمكن حمل هذا الخبر على أن المؤمن الصالح إذا أذنب وتعرض لسخط ربه استوجب الحرمان ، ولا يقضي الله حاجته تأديبا له لينزجر عما يفعله.

__________________

(١) سورة الأعراف : ٢٠١.


١٥ ـ ابن محبوب ، عن مالك بن عطية ، عن أبي حمزة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال سمعته يقول إنه ما من سنة أقل مطرا من سنة ولكن الله يضعه حيث يشاء إن الله عز وجل إذا عمل قوم بالمعاصي صرف عنهم ما كان قدر لهم من المطر في تلك السنة إلى غيرهم وإلى الفيافي والبحار والجبال وإن الله ليعذب الجعل في جحرها بحبس المطر عن الأرض التي هي بمحلها بخطايا من بحضرتها وقد جعل الله لها السبيل في مسلك سوى محلة أهل المعاصي قال ثم قال أبو جعفرعليه‌السلام «فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ ».

الحديث الخامس عشر : صحيح ومعلق على السند السابق.

« إلى غيرهم » أي من المطيعين إن كانوا مستحقين للمطر« وإلا فإلى الفيافي » وفي النهاية : الفيافي هي البراري الواسعة جمع فيفاء ، وفي القاموس ، الفيف المكان المستوي أو المفازة لا ماء فيها كالفيفاة والفيفاء ويقصر ، وقال : الجعل كصرد دويبة ، وفي المصباح : الجعل وزان عمر الحرباء وهو ذكر أم جبين ، وقال :المحل بفتح الحاء والكسر لغة موضع الحلول ، والمحلة بالفتح المكان ينزله القوم « عن الأرض التي هي بمحلها » الظاهر أن الضمير في قوله : بمحلها راجع إلى الجعل ، أي الأرض التي هي متلبسة بمحل الجعل ، أي مشتملة عليه ، أو ضمير هي راجع إلى الجعل وضمير محلها إلى الأرض ، فتكون إضافة المحل إلى الضمير من إضافة الجزء إلى الكل ، والأول أظهر وضمير« بحضرتها » للجعل.

«فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ » الاعتبار الاتعاظ والتفكر في العواقب وقبول النصيحة ، وأولو الأبصار أصحاب البصائر والعقول ، أي تفكروا في أنه إذا كان حال الحيوان الغير المكلف القليل الشعور أو عديمه هكذا في التضرر بمجاورة أهل المعاصي ، فكيف تكون حالك في المعصية ومجاورة أهلها؟ وهذا الخبر مما يدل على أن للحيوانات شعورا وعلما ببعض التكاليف الشرعية وأفعال العباد وأعمالهم ، و


١٦ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن ابن فضال ، عن ابن بكير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إن الرجل يذنب الذنب فيحرم صلاة الليل وإن العمل السيئ أسرع في صاحبه من السكين في اللحم.

١٧ ـ عنه ، عن ابن فضال ، عن ابن بكير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال من هم بسيئة فلا يعملها فإنه ربما عمل العبد السيئة فيراه الرب تبارك وتعالى فيقول وعزتي وجلالي لا أغفر لك بعد ذلك أبدا.

١٨ ـ الحسين بن محمد ، عن محمد بن أحمد النهدي ، عن عمرو بن عثمان ، عن رجل

أن لهم نوعا من التكليف خلافا لأكثر الحكماء والمتكلمين ، ويؤيده قصة الهدهد وسائر الأخبار التي أوردتها في الكتاب الكبير ، وربما يأول الجعل بأن المراد بها ضعفاء بني آدم ، ولا يخفى بعده.

ثم إن الخبر يدل على وجوب المهاجرة من بلاد أهل المعاصي إذا لم يمكن نهيهم عن المنكر.

الحديث السادس عشر : موثق كالصحيح.

والذنب منصوب مفعول مطلق واللام للعهد الذهني« أسرع » أي نفوذا أو تأثيرا في صاحبه ، وكما أن كثرة نفوذ السكين في المرء يوجب هلاكه البدني فكذا كثرة الخطايا توجب هلاكه الروحاني.

الحديث السابع عشر : كالسابق.

« السيئة » أي نوعا من السيئة تكون مع تحقيرها والاستهانة بها أو غير ذلك ، والعزة القدرة والغلبة ، والجلال الكبرياء والعظمة« لا أغفر لك » أي يستحق لمنع اللطف وعدم التوفيق للتوبة ، ولا يستحق المغفرة ، وفيه تحذير عن جميع السيئات فإن كل سيئة يمكن أن تكون هذه السيئة.

الحديث الثامن عشر : مرسل.


عن أبي الحسنعليه‌السلام قال حق على الله أن لا يعصى في دار إلا أضحاها للشمس حتى تطهرها.

١٩ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن محمد بن الحسن بن شمون ، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأصم ، عن مسمع بن عبد الملك ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إن العبد ليحبس على ذنب من ذنوبه مائة عام وإنه لينظر إلى أزواجه في الجنة يتنعمن.

٢٠ ـ أبو علي الأشعري ، عن عيسى بن أيوب ، عن علي بن مهزيار ، عن

« حق على الله » أي جعلها سبحانه واجبا لازما على نفسه« أن لا يعصي » كان المراد كثرة وقوع المعاصي فيها« إلا أضحاها » أي خربها وأظهر أرضها للشمس حتى تشرق عليها وتطهرها من النجاسة المعنوية ، وهي كناية عن أن المعاصي تخرب الديار ، وفيه إشعار بأن الشمس تطهر الأرض ، وفي القاموس : أضحى الشيء أظهره وضحا ضحوا برز للشمس وكسعى ورضي أصابته الشمس ، وأرض مضحاة لا تكاد تغيب عنه الشمس وضحا الطريق ضحوا بدا وظهر.

الحديث التاسع عشر : ضعيف.

وقد روي عن أمير المؤمنينعليه‌السلام أنه قال : لا تتكلموا بشفاعتنا فإن شفاعتنا قد لا تلحق بأحدكم إلا بعد ثلاثمائة سنة ، وفي الخبر دلالة على أن الذنب يمنع من دخول الجنة في تلك المدة ، ولا دلالة فيه على أنه في تلك المدة في النار أو في شدائد القيامة ، وفي المصباح : النعمة بالفتح اسم من التنعم والتمتع وهو النعيم ونعم عيشه كتعب اتسع ولأن ، ونعمه الله تنعيما جعله ذا رفاهية.

الحديث العشرون : مجهول.

وقد مر شرحه وروي مثله عن أمير المؤمنينعليه‌السلام في النهج حيث قال : إن الإيمان يبدو لمظة في القلب كلما ازداد الإيمان ازدادت اللمظة ، وقال ابن ميثم


القاسم بن عروة ، عن ابن بكير ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال قال ما من عبد إلا وفي قلبه نكتة بيضاء فإذا أذنب ذنبا خرج في النكتة نكتة سوداء فإن تاب ذهب ذلك السواد وإن تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتى يغطي البياض فإذا غطى البياض لم يرجع صاحبه إلى خير أبدا وهو قول الله عز وجل : «كَلاَّ

اللمظة مثل النكتة أو نحوها من البياض ، ومنه قيل : فرس لمظ إذا كان بجحفلته شيء من البياض ، وتوضيح الكلام أن بأصل الإيمان تظهر نكتة أبيض في قلب من آمن أول مرة ، ثم إذا أقر باللسان ازدادت تلك النكتة ، وإذا عمل بالجوارح عملا صالحا ازدادت حتى يصير قلبه نورانيا كالنير الأعظم ، وبعكس ذلك في العمل السيء.

وتحقيق الكلام في هذا المقام أن المقصود بالقصد الأول بالأعمال الظاهرة والأمر بمحاسنها والنهي عن مقابحها ، هو ما تكتسب النفس منها من الأخلاق الفاضلة والصفات الفاسدة ، فمن عمل عملا صالحا أثر في نفسه ، وبازدياد العمل يزداد الضياء والصفاء ، حتى تصير كمرآة مجلوة صافية ، ومن أذنب ذنبا أثر ذلك أيضا وأورث لها كدورة فإن تحقق عنده قبحه وتاب عنه زال الأثر وصارت النفس مصقولة صافية ، وإن أصر عليه زاد الأثر الميشوم وفشا في النفس واستعلى عليها وصار من أهل الطبع ولم ترجع إلى خير أبدا ، إذ دواء هذا الداء هو الانكسار وهضم النفس والاعتراف بالتقصير والرجوع إلى الله بالتوبة والاستغفار ، والانقلاع عن المعاصي ، ولا محل لشيء من ذلك إلى هذا القلب المظلم ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

ثم أشار إلى أن ذلك هو الرين المذكور في الآية الكريمة بقوله : وهو قول الله تعالى : «كَلاَّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ » قيل : أي غلب على قلوبهم ما كانوا يكسبون حتى قبلت الطبع والختم على وجه لا يدخل فيها شيء


بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ »(١) .

٢١ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن علي بن أسباط ، عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام قال قال أمير المؤمنينعليه‌السلام لا تبدين عن واضحة وقد عملت

من الحق ، والمراد بما كانوا يكسبون الأعمال الظاهرة القبيحة والأخلاق الباطنة الخبيثة ، فإن ذلك سبب لرين القلب وصداه ، وموجب لظلمته وعماه ، فلا يقدر أن ينظر إلى وجوه الخيرات ولا يستطيع أن يشاهد صور المعقولات كما أن المرآة إذا ألقيت في مواضع النداء ركبها الصداء وأذهب صفائها وأبطل جلائها ، فلا ينتقش فيها صور المحسوسات.

وبالجملة يشبه القلب في قسوته وغلظته وذهاب نوره بما يعلوه من الذنوب والهوى وما يكسوه من الغفلة والردي ، بالمرآة المنكدرة من الندى ، وكما أن هذه المرآة يمكن إزالة ظلمتها بالعمل المعلوم كذلك هذا القلب يمكن تصفيته من ظلمات الذنوب وكدورات الأخلاق بدوام الذكر والتوبة الخالصة ، والأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة حتى ينظر إلى عالم الغيب بنور الإيمان ، ويشاهده مشاهدة العيان ، إلى أن يبلغ إلى أعلى درجات الإحسان فيعبد الله كأنه يراه ، ويرى الجنة وما أعد الله فيها لأوليائه ، ويرى النار وما أعد الله فيها لأعدائه.

وقال البيضاوي عند قوله تعالى : «وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ، إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ،كَلاَّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ » رد لما قالوه ، وبيان لما أدى بهم إلى هذا القول بأن غلب عليهم حب المعاصي بالانهماك فيه حتى صار ذلك صداء على قلوبهم ، فعمي عليهم معرفة الحق والباطل ، فإن كثرة الأفعال سبب لحصول الملكات كما قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إن العبد كلما أذنب ذنبا حصل في قلبه نكتة سوداء ، حتى يسود قلبه ، والرين الصداء.

الحديث الحادي والعشرون : ضعيف على المشهور وقد مر مضمونه.

__________________

(١) سورة المطففين : ١٤.


الأعمال الفاضحة ولا تأمن البيات وقد عملت السيئات.

٢٢ ـ محمد بن يحيى وأبو علي الأشعري ، عن الحسين بن إسحاق ، عن علي بن مهزيار ، عن حماد بن عيسى ، عن أبي عمرو المدائني ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال سمعته يقول كان أبيعليه‌السلام يقول إن الله قضى قضاء حتما ألا ينعم على العبد بنعمة فيسلبها إياه حتى يحدث العبد ذنبا يستحق بذلك النقمة.

٢٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن محبوب ، عن جميل بن صالح ، عن سدير قال سأل رجل أبا عبد اللهعليه‌السلام عن قول الله عز وجل : «فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ

الحديث الثاني والعشرون : مجهول.

« لا ينعم » استئناف بياني أو منصوب بتقدير أن ، وقوله : فيسلبها معطوف على المنفي لا على النفي ، وحتى للاستثناء والمشار إليه فيقوله : بذلك إما مصدر يحدث أو الذنب والمال واحد ، وفي القاموس :النقمة بالكسر والفتح وكفرحة المكافاة بالعقوبة ، وفيه تلميح إلى قوله سبحانه : «إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ »(١) .

الحديث الثالث والعشرون : حسن.

والآيات في سورة سبأ هكذا «لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ » وقرأ أكثر القراء في مساكنهم قال الطبرسي (ره) : ثم أخبر سبحانه عن قصة سبأ بما دل على حسن عاقبة الشكور وسوء عاقبة الكفور ، فقال : «لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ » وهو أبو عرب اليمن كلها وقد تسمى بها القبيلة وفي الحديث عن فروة بن مسيك أنه قال : سألت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن سبأ أرجل هو أم امرأة؟ فقال : هو رجل من العرب ، ولد له عشر تيامن منهم ستة وتشاءم منهم أربعة ، فأما الذين تيامنوا فالأزد وكندة ومذحج والأشعرون وأنمار وحمير ، فقال رجل من القوم : ما أنمار؟ قال : الذين منهم خثعم

__________________

(١) سورة الرعد : ١١.


أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ » الآية(١) فقال هؤلاء قوم كانت لهم قرى متصلة ينظر بعضهم إلى بعض وأنهار جارية وأموال ظاهرة فكفروا نعم الله عز وجل وغيروا

وبجيلة ، وأما الذين تشاءموا فعاملة وجذام ولخم وغسان ، فالمراد بسبإ هنا القبيلة الذين هم أولاد سبأ بن يشخب بن يعرب بن قحطان.

«فِي مَسْكَنِهِمْ » أي في بلدهم «آيَةٌ » أي حجة على وحدانية الله عز اسمه وكمال قدرته وعلامة على سبوغ نعمه ، ثم فسر سبحانه الآية فقال «جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ » أي بستانان عن يمين من أتاهما وشماله ، وقيل : عن يمين البلد وشماله ، وقيل : أنه لم يرد جنتين اثنتين ، والمراد كانت ديارهم على وتيرة واحدة إذ كانت البساتين عن يمينهم وشمالهم متصلة بعضها ببعض ، وكان من كثرة النعم أن المرأة كانت تمشي والمكتل(٢) على رأسها فيمتلي بالفواكه من غير أن تمس بيدها شيئا.

وقيل : الآية المذكورة هي أنه لم تكن في قريتهم بعوضة ولا ذباب ولا برغوث ولا عقرب ولا حية ، وكان الغريب إذا دخل بلدهم وفي ثيابه قمل ودواب ماتت عن ابن زيد ، وقيل : إن المراد بالآية خروج الأزهار والثمار من الأشجار على اختلاف ألوانها وطعومها ، وقيل : إنها كانت ثلاث عشرة قرية في كل قرية نبي يدعوهم إلى الله سبحانه ، يقولون لهم «كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ » أي كلوا مما رزقكم الله في هذه الجنات واشكروا له يزدكم من نعمه واستغفروه يغفر لكم «بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ » أي هذه بلدة طيبة مخصبة نزهة أرضها عذبة تخرج النبات وليست بسبخة ، وليس فيها شيء من الهوام المؤذية وقيل : أراد به صحة هوائها وعذوبة مائها وسلامة تربتها ، وأنه ليس فيها حر يؤذى في القيظ ، ولا برد يؤذي في الشتاء «وَرَبٌّ غَفُورٌ » أي كثير المغفرة للذنوب ، وتقديره هذه بلدة طيبة والله رب غفور.

__________________

(١) سورة سبأ : ١٩.

(٢) المِكتَل : الزنبيل.


ما بأنفسهم من عافية الله فغير الله ما بهم من نعم ة. وإِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ، فأرسل الله عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ فغرق قراهم وخرب ديارهم وأذهب

«فَأَعْرَضُوا » عن الحق ولم يشكروا الله سبحانه ولم يقبلوا ممن دعاهم إلى الله من أنبيائه «فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ » وذلك أن الماء كان يأتي أرض سبأ من أودية اليمن وكان هناك جبلان يجتمع ماء المطر والسيول بينهما ، فسدوا ما بين الجبلين فإذا احتاجوا إلى الماء نقبوا السد بقدر الحاجة فكانوا يسقون زروعهم وبساتينهم ، فلما كذبوا رسلهم وتركوا أمر الله بعث الله جرذا(١) نقبت ذلك الردم وفاض الماء عليهم فأغرقهم.

والعرم المسناة التي تحبس الماء واحدها عرمة أخذ من عرامة الماء وهي ذهابه كل مذهب وقيل : العرم اسم واد كان يجتمع فيه سيول من أودية شتى ، وقيل : العرم هنا اسم الجرذ الذي نقب السكر(٢) عليهم ، وهو الذي يقال له : الخلد ، وقيل : العرم المطر الشديد ، وقال ابن الأعرابي : العرم السيل الذي لا يطاق «وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ » اللتين فيهما أنواع الفواكه والخيرات «جَنَّتَيْنِ » أخراوين سماها جنتين لازدواج الكلام كما قال : «وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ ».

«ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ » أي صاحبتي أكل وهو اسم لثمر كل شجرة ، وثمر الخمط البرير ، قال ابن عباس : الخمط هو الأراك وقيل : هو شجرة الغضا ، وقيل : هو كل شجر له شوك ، والأثل الطرفاء عن ابن عباس ، وقيل : ضرب من الخشب ، وقيل : هو السمر «وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ » يعني أن الخمط والأثل كانا أكثر فيهما من السدر وهو النبق ، قال قتادة : كان شجرهم خير شجر فصيره الله شر شجر بسوء أعمالهم «ذلِكَ » أي ما فعلنا بهم «جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا » أي بكفرهم بهذا

__________________

(١) الجُرَذ ـ كصرد ـ : ضرب من الفار.

(٢) السكر : اسم من سكر النهر أي سدّه.


أموالهم وأبدلهم مكان جناتهم «جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ

الجزاء «وَهَلْ نُجازِي » هذا الجزاء «إِلاَّ الْكَفُورَ » الذي يكفر نعم الله ، وقيل : معناه هل نجازي بجميع سيئاته إلا الكافر ، لأن المؤمن قد يكفر عنه بعض سيئاته ، وقيل : إن المجازاة من التجازي وهو التقاضي أي لا يقتضي ولا يرتجع ما أعطي إلا الكافر وإنهم لما كفروا النعمة اقتضوا ما أعطوا أي ارتجع منهم عن أبي مسلم.

«وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً » أي وقد كان من قصتهم أنا جعلنا بينهم وبين قرى الشام التي باركنا فيها بالماء والشجر قرى متواصلة ، وكان متجرهم من أرض اليمن إلى الشام ، وكانوا يبيتون بقرية ويقيلون بأخرى حتى يرجعوا ، وكانوا لا يحتاجون إلى زاد من وادي سبأ إلى الشام ، ومعنى الظاهرة أن الثانية كانت ترى من الأولى لقربها منها «وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ » أي جعلنا السير من القرية إلى القرية نصف يوم وقلنا لهم «سِيرُوا فِيها » أي في تلك القرى «لَيالِيَ وَأَيَّاماً » أي ليلا شئتم المسير أو نهارا «آمِنِينَ » من الجوع والعطش والتعب ومن السباع وكل المخاوف ، وفي هذا إشارة إلى تكامل نعمه عليهم في السفر كما أنه كذلك في الحضر.

ثم أخبر سبحانه أنهم بطروا وبغوا «فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا » أي اجعل بيننا وبين الشام فلوات ومفاوز لتركب إليها الرواحل ، ونقطع المنازل ، وهذا كما قالت بنو إسرائيل لما ملوا النعمة «يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها » بدلا من المن والسلوى «وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ » بارتكاب الكفر والمعاصي «فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ » لمن بعدهم يتحدثون بأمرهم وشأنهم ويضربون بهم المثل فيقولون : تفرقوا أيادي سبأ إذا تشتتوا أعظم التشتت «وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ » أي فرقناهم في كل وجه من البلاد كل تفريق «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ » أي دلالات


قَلِيلٍ » ثم قال «ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ ».

٢٤ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن محمد بن سنان ، عن سماعة قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول ما أنعم الله على عبد نعمة فسلبها إياه حتى يذنب ذنبا يستحق بذلك السلب.

لِكُلِّ صَبَّارٍ » على الشدائد «شَكُورٍ » على النعماء وقيل : لكل صبار عن المعاصي شكور للنعم بالطاعات.

ثم نقل عن الكلبي عن أبي صالح قال : ألقت طريفة الكاهنة إلى عمرو بن عامر الذي يقال له مزيقياء بن ماء السماء ، وكانت قد رأت في كهانتها أن سد مأرب سيخرب وأنه سيأتي سيل العرم فيخرب الجنتين ، فباع عمرو بن عامر أمواله وسار هو وقومه حتى انتهوا إلى مكة فأقاموا بها وما حولها ، فأصابتهم الحمى وكانوا ببلد لا يدرون فيه ما الحمى فدعوا طريفة وشكوا إليها الذي أصابهم ، فقالت لهم : قد أصابني الذي تشكون وهو مفرق بيننا ، قالوا : فما ذا تأمرين؟ قالت : من كان منكم ذا هم بعيد وجمل شديد ومزاد جديد فليلحق بقصر عمان المشيد ، فكانت أزد عمان ، ثم قالت : من كان منكم ذا جلد وقسر وصبر على أزمات الدهر(١) فعليه بالأراك من بطن مر فكانت خزاعة ، ثم قالت : من كان منكم يريد الراسيات في الوحل المطعمات في المحل فليلحق بيثرب ذات النخل ، فكانت الأوس والخزرج ، ثم قالت : من كان منكم يريد الخمر والخمير والملك والتأمير وملابس التاج والحرير ، فليلحق ببصري وعوير وهما من أرض الشام وكان الذي سكنوها آل جفنة بن غسان ، ثم قالت : من كان منكم يريد الثياب الرقاق والخيل العتاق وكنوز الأرزاق والدم المهراق فليلحق بأرض العراق ، وفكان الذي يسكنوها آل جذيمة الأبرش ومن كان بالحيرة وآل محرق.

الحديث الرابع والعشرون : ضعيف على المشهور.

__________________

(١) الجلد : القوّة والشدّة. والقسر بمعنى القهر والغلبة. وأزمّات الدهر : شدائده.


٢٥ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد وعلي بن إبراهيم ، عن أبيه جميعا ، عن ابن محبوب ، عن الهيثم بن واقد الجزري قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول إن الله عز وجل بعث نبيا من أنبيائه إلى قومه وأوحى إليه أن قل لقومك إنه ليس من أهل قرية ولا أناس كانوا على طاعتي فأصابهم فيها سراء فتحولوا عما أحب إلى ما أكره إلا تحولت لهم عما يحبون إلى ما يكرهون وليس من أهل قرية ولا أهل بيت كانوا على معصيتي فأصابهم فيها ضراء فتحولوا عما أكره إلى ما أحب إلا تحولت لهم عما يكرهون إلى ما يحبون وقل لهم إن رحمتي سبقت

الحديث الخامس والعشرون : مجهول.

« ولا أناس » هم أقل من أهل القرية كأهل بيت كما قال في الشق الثاني مكانه ولا أهل بيت ، وفي القاموس :السراء المسرة والضراء الزمانة والشدة والنقص في الأموال والأنفس ، وفي المصباح : سره أفرحه والمسرة منه وهو ما يسر به الإنسان والسراء الخير والفضل ، والضراء نقيض السراء.

« إن رحمتي سبقت غضبي » هذا يحتمل وجوها : الأول : أن يكون المراد بالسبق الغلبة ، أي رحمتي غالبة على غضبي وزائدة عليه ، فإنه إذا اشتد سبب الغضب وكان هناك سبب ضعيف للرحمة تتعلق الرحمة بفضله تعالى. الثاني : أن يكون المراد به السبق المعنوي أيضا على وجه آخر فإن أسباب الرحمة من إقامة دلائل الربوبية في الآفاق والأنفس وبعثة الأنبياء والأوصياء وإنزال الكتب وخلق الملائكة وبعثهم لهداية الخلق وإرشادهم ، ودفع وساوس الشياطين وغير ذلك من أسباب التوفيق أكثر من أسباب الضلالة من القوي الشهوانية والغضبية ، وخلق الشياطين وعدم دفع أئمة الضلالة وأشباه ذلك من أسباب الخذلان. الثالث : أن يراد به السبق الزماني فإن تقدير وجود الإنسان وإيجاده وإعطاء الجوارح والسمع والبصر وسائر القوي ونصب الدلائل والحجج وغير ذلك كلها قبل التكليف ، والتكليف


غضبي فلا تقنطوا من رحمتي فإنه لا يتعاظم عندي ذنب أغفره وقل لهم لا يتعرضوا معاندين لسخطي ولا يستخفوا بأوليائي فإن لي سطوات عند غضبي لا يقوم لها شيء من خلقي.

٢٦ ـ علي بن إبراهيم الهاشمي ، عن جده محمد بن الحسن بن محمد بن عبيد الله ، عن سليمان الجعفري ، عن الرضاعليه‌السلام قال أوحى الله عز وجل إلى نبي من الأنبياء إذا أطعت رضيت وإذا رضيت باركت وليس لبركتي نهاية وإذا عصيت غضبت وإذا غضبت لعنت ولعنتي تبلغ السابع من الورى.

مقدم على الغضب والعقاب ، ويمكن إرادة الجميع بل هو أظهر.

« لا يتعرضوا معاندين » أي مصرين على المعاصي فإن من أذنب لغلبة شهوة أو غضب ثم تاب عن قريب لا يكون معاندا ، والاستخفاف بالأولياء شامل لقتلهم وضربهم وشتمهم وإهانتهم وعدم متابعتهم والإعراض عن مواعظهم ونواهيهم وأوامرهم ، والسطوة القهر والبطش بشدة« لا يقوم لها شيء » أي لا يطيقها أو لا يتعرض لدفعها.

الحديث السادس والعشرون : مجهول.

« باركت » أي زدت نعمتي عليهم في الدنيا والآخرةوليس لبركتي نهاية لا في الشدة ولا في المدة« لعنت » أي أبعدتهم من رحمتي« ولعنتي » أي أثرها« تبلغ السابع من الوراء » في الصحاح والقاموس : الوراء ولد الولد ، ويستشكل بأنه أي تقصير لأولاد الأولاد حتى تبلغ اللعنة إليهم إلى البطن السابع ، فمنهم من حمله على أنه قد يبلغهم وهو إذا رضوا بفعل آبائهم كما ورد أن القائمعليه‌السلام يقتل أولاد قتلة الحسينعليه‌السلام لرضاهم بفعل آبائهم.

وأقول : يمكن أن يكون المراد به الآثار الدنيوية كالفقر والفاقة والبلايا والأمراض والحبس والمظلومية كما نشاهد أكثر ذلك في أولاد الظلمة وذلك


٢٧ ـ محمد بن يحيى ، عن علي بن الحسن بن علي ، عن محمد بن الوليد ، عن يونس بن يعقوب ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أنه قال إن أحدكم ليكثر به الخوف من السلطان وما ذلك إلا بالذنوب فتوقوها ما استطعتم ولا تمادوا فيها.

٢٨ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس رفعه قال قال أمير المؤمنينعليه‌السلام لا وجع أوجع للقلوب من الذنوب ولا خوف أشد من الموت وكفى بما سلف تفكرا و

عقوبة لآبائهم ، فإن الناس يرتدعون عن الظلم بذلك لحبهم لأولادهم ، ويعوض الله الأولاد في الآخرة كما قال تعالى : «وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ »(١) الآية وهذا جائز على مذهب العدلية بناء على أنه يمكن إيلام شخص لمصلحة الغير مع التعويض بأكثر منه بحيث يرضى من وصل إليه الألم ، مع أن في هذه الأمور مصالح للأولاد أيضا فإن أولاد المترفين بالنعم إذا كانوا مثل آبائهم يصير ذلك سببا لبغيهم وطغيانهم أكثر من غيرهم.

الحديث السابع والعشرون : موثق.

« وما ذلك إلا بالذنوب » أي الذنوب تصير سببا لتسلط السلاطين والخوف منهم كما سيأتي عن قريب ، وما قيل : أن المراد بالذنوب مخالفة السلاطين أي كما أن من خالف بعض السلاطين يخاف بطشه وعقوبته ، فلا بد أن يكون خوفه من السلطان الأعظم أكثر ، فلا يخفى بعده ، ثم أمرعليه‌السلام بالوقاية من الذنوب بقدر الاستطاعة ونهى عن الإصرار عليها والتمادي فيها على تقدير الوقوع ، وفي المصباح : تمادى فلان في الأمر إذا لج وداوم على فعله.

الحديث الثامن والعشرون : مرفوع.

« لا وجع أوجع للقلوب من الذنوب » أي الذنوب تصير سببا لهم القلب وحزنه أزيد عن غيرها من المخوفات ، لأن الذنوب تصير سببا للخوف من عقاب الله

__________________

(١) سورة النساء : ٩.


كفى بالموت واعظا.

٢٩ ـ أحمد بن محمد الكوفي ، عن علي بن الحسن الميثمي ، عن العباس بن هلال

الذي هو أعظم المفاسد وأشدها ، فالمراد به من الهم الحاصل من الذنوب ، أو المعنى أن الأوجاع والأمراض الصورية والمعنوية والجسمانية والروحانية العارضة للإنسان ليس شيء منها أشد تأثيرا في القلب من الذنوب التي هي من الأمراض الروحانية والأوجاع المعنوية أو المعنى أن للقلب أمراضا وأوجاعا مختلفة بعضها روحانية وبعضها جسمانية ، وليس شيء منها أشد وأوجع وأضر من الذنوب ، فإنها بنفسها أمراض للقلب كالحقد والحسد وضعف التوكل وأمثالها ، أو سبب لأمراضها فإن الذنوب أسباب لضعف الإيمان واليقين كما قال سبحانه : «فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضاً »(١) .

« ولا خوف أشد من الموت » أي من خوف الموت إذ كل شيء يخاف وقوعه غير متيقن بخلاف الموت ، ولأن الخوف إنما هو من ألم والموت ألم شديد مع ما يعقبه من الآلام التي لا يعلم النجاة منها ، ويحتمل أن يراد بالخوف المخوف فلا حاجة إلى تقدير« وكفى بما سلف تفكرا » الباء بعد كفى في الموضعين زائدة وتفكرا تميز ، والحاصل أنه كفى التفكر فيما سلف من أحوال نفسه وأحوال غيره وعدم بقاء لذات الذنوب وبقاء تبعاتها وفناء الدنيا وذهاب من ذهب قبل بلوغ آماله وحسن عواقب الصالحين والمحسنين ، وسوء عاقبة الظالمين والفاسقين وأمثال ذلك.

« وكفى بالموت واعظا » قوله : واعظا تميز كقولهم : لله درة فارسا ، أي يكفي الموت والتفكر فيه وفيما يتعقبه من الأحوال والأهوال للاتعاظ به وعدم الاغترار بالدنيا ولذاتها ، فإنه هادم اللذات ومهون المصيبات كما قالواعليهم‌السلام : فضح الموت الدنيا.

الحديث التاسع والعشرون : مجهول.

__________________

(١) سورة البقرة : ١٠.


الشامي مولى لأبي الحسن موسىعليه‌السلام قال سمعت الرضاعليه‌السلام يقول كلما أحدث العباد من الذنوب ما لم يكونوا يعملون أحدث الله لهم من البلاء ما لم يكونوا يعرفون.

٣٠ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن محبوب ، عن عباد بن صهيب ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال يقول الله عز وجل إذا عصاني من عرفني سلطت عليه من لا يعرفني.

٣١ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن علي بن أسباط ، عن ابن عرفة ، عن أبي الحسنعليه‌السلام قال إن لله عز وجل في كل يوم وليلة مناديا ينادي

« ما لم يكونوا يعملون » أي من البدع التي أحدثوها أو الذنب الذي لم يصدر منهم قبل ذلك وإن صدر من غيرهم« ما لم يكونوا يعرفون » أي لم يروا مثله أو لم يبتلوا بمثله.

الحديث الثلاثون : حسن موثق.

« من عرفني » أي أقر بربوبيتي وبالأنبياء والأوصياء وكان على دين الحق أو كان ممن يعرف الله حق المعرفة ولا ينافي صدور الذنب منه نادرا« من لا يعرفني » من الكفار والمخالفين أو الأعم منهم ومن سائر الظلمة ، ويمكن شموله للشياطين أيضا.

الحديث الحادي والثلاثون : ضعيف على المشهور.

ومهلا اسم فعل بمعنى أمهل ، وقيل : مصدر والنصب على الإغراء أي ألزموا مهلا ، والمهل بالتسكين والتحريك الرفق والتأني والتأخر ، أي تأن في المعاصي ولا تعجل أو تأخر عنها ولا تقربها ، قال في النهاية : في حديث عليعليه‌السلام : إذا سرتم إلى العدو فمهلا مهلا ، فإذا وقعت العين على العين فمهلا مهلا الساكن الرفق والمتحرك التقدم أي إذا سرتم فتأنوا وإذا لقيتم فاحملوا ، كذا قال الأزهري و


مهلا مهلا عباد الله عن معاصي الله فلو لا بهائم رتع وصبية رضع وشيوخ ركع لصب عليكم العذاب صبا ترضون به رضاً.

غيره ، قال الجوهري : المهل بالتحريك التؤدة والتباطي ، والاسم المهلة وفلان ذو مهل بالتحريك أي ذو تقدم في الخير ، ولا يقال في الشر ، يقال : مهلته أي سكنته وأخرته ، ويقال : مهلا للواحد والاثنين ، والجمع والمؤنث بلفظ واحد بمعنى أمهل.

والرتع والرضع والركع بالضم والتشديد في الجميع جمع راتع وراضع وراكع ، في القاموسرتع كمنع رتعا ورتوعا ورتاعا بالكسر أكل وشرب ما شاء في خصب وسعة ، أو هو الأكل والشرب رغدا في الريف أو بشره ، وجمل راتع من إبل رتاع كنائم ونيام ، ورتع كركع ورتع بضمتين ، وقال :رضع أمه كسمع وضرب فهو راضع والجمع كركع ورضع ككرم ومنع رضاعة فهو راضع ورضيع من رضع كركع ، وقال :ركع انحنى كبرا أو كبا على وجهه وافتقر بعد غنى ، وانحطت حاله وكل شيء يخفض رأسه فهو راكع ، وقال :الصبي من لم يفطم بعد والجمع صبية ويضم ، وفي الصحاح : الصبي الغلام والجمع صبية وصبيان وهو من الواو ، وفي النهاية :الرض الدق الجريش ، ومنه الحديث :لصب عليكم العذاب صبا ثم لرض رضا هكذا جاء في رواية ، والصحيح بالصاد المهملة وقال في المهملة : فيه تراصوا في الصفوف أي تلاصقوا حتى لا يكون بينكم فرج ، وأصله تراصصوا من رص البناء يرصه رضا إذا لصق بعضه ببعض فأدغم ، ومنه الحديث : لصب عليكم العذاب صبا ثم لرص رصا ، انتهى.

ولا يخفى أن ما في روايتنا أبلغ وأظهر ، والظاهر أن المراد بالعذاب العذاب الدنيوي وكفى بنا عجزا وذلا بسوء فعالنا أن يرحمنا ربنا الكريم ببركة بهائمنا وأطفالنا.


إلى هنا(١) انتهى هذا الجزء من كتاب مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول ، على يد مؤلفه أفقر العباد إلى عفو ربه الغني محمد باقر بن محمد تقي عفي عنهما في عاشر شهر جمادى الأولى من سنة ست ومائة بعد الألف الهجرية ، والحمد لله أوّلا وآخرا.

__________________

(١) صورة خطّ المؤلّف (ره).


وبه تمّ الجزء التاسع حسب تجزئتنا من هذه الطبعة أيضا والحمد لله على التوفيق والوفاق ، وقد فرغت من تصحيحه ومقابلته والتعليق عليه في غرّة شهر ذي القعدة من شهور سنة ١٣٧٩ من الهجرة النبويّة على هاجرها آلاف الثناء والتحيّة.

وأنا العبد المذنب الفاني

السيّد هاشم الرسولي المحلاتي


الفهرست

رقم الصفحة

العنوان

عدد الأحاديث

١

باب الاهتمام بأمور المسلمين والنصيحة لهم ونفعهم

١١

٧

باب إجلال الكبير

٣

٨

باب أخوة المؤمنين بعضهم لبعض

١١

١٨

باب فيما يوجب الحق لمن انتحل الإيمان وينقضه

١

٢٠

باب في أن التواخي لم يقع على الدين وإنما هو التعارف

٢

٢٧

باب حق المؤمن على أخيه وأداء حقه

١٦

٥٠

باب التراحم والتعاطف

٤

٥٢

باب زيارة الإخوان

١٦

٦١

باب المصافحة

٢١

٧٤

باب المعانقة

٢

٧٨

باب التقبيل

٦

٨٣

باب تذاكر الإخوان

٧

٩٠

باب إدخال السرور على المؤمنين

١٦

١٠١

باب قضاء حاجة المؤمن

١٤

١١١

باب السعي في حاجة المؤمن

١١

١١٨

باب تفريج كرب المؤمن

٥

١٢١

باب إطعام المؤمن

٢٠

١٣٣

باب من كسا مؤمنا

٥


رقم الصفحة

العنوان

عدد الأحاديث

١٣٦

باب في إلطاف المؤمن وإكرامه

٩

١٤١

باب في خدمته

١

١٤٢

باب نصيحة المؤمن

٦

١٤٤

باب الإصلاح بين الناس

٧

١٤٩

باب في إحياء المؤمن

٣

١٥٣

باب في الدعاء للأهل إلى الإيمان

١

١٥٤

باب في ترك دعاء الناس

٧

١٥٩

باب أن الله إنما يعطي الدين من يحبه

٤

١٦١

باب سلامة الدين

٤

١٦٥

باب التقية

٢٣

١٨٦

باب الكتمان

١٦

٢٠٢

باب المؤمن وعلاماته وصفاته

٣٩

٢٨٥

باب في قلة عدد المؤمنين

٧

٢٩٢

باب الرضا بموهبة الإيمان والصبر على كل شيء بعده

٦

٣٠٠

باب في سكون المؤمن إلى المؤمن

١

٣٠١

باب فيما يدفع الله بالمؤمن

٣

٣٠٣

باب في أن المؤمن صنفان

٣

٣١٠

باب ما أخذه الله على المؤمن من الصبر على ما يلحقه فيما ابتلي به

١٣

٣٢١

باب شدة ابتلاء المؤمن

٣٠

٣٥٥

باب فضل فقراء المسلمين

٢٣


رقم الصفحة

العنوان

عدد الأحاديث

٣٧٤

باب ( بدون العنوان )

٢

٣٧٧

باب أن للقلب أذنين ينفث فيهما الملك والشيطان

٣

٣٩٤

باب الروح الذي أيد به المؤمن

١

٣٩٦

باب الذنوب

٣١


الفهرس

(باب) ١

(الاهتمام بأمور المسلمين والنصيحة لهم ونفعهم) ١

باب الاهتمام بأمور المسلمين والنصيحة لهم ونفعهم ١

باب إجلال الكبير ٧

باب إخوة المؤمنين بعضهم لبعض ٨

باب في ما يوجب الحق لمن انتحل الإيمان وينقضه ١٨

باب في أن التآخي لا يقع على الدين وإنما هو التعارف ٢٠

باب حق المؤمن على أخيه وأداء حقه ٢٧

باب التراحم والتعاطف ٥٠

باب زيارة الإخوان ٥٢

باب المصافحة ٦١

باب المعانقة ٧٤

باب التقبيل ٧٨

باب تذاكر الإخوان ٨٣

باب إدخال السرور على المؤمنين ٩٠

باب قضاء حاجة المؤمن ١٠١

باب السعي في حاجة المؤمن ١١١

باب تفريج كرب المؤمن ١١٨

باب إطعام المؤمن ١٢١

باب من كسى مؤمناً ١٣٣

باب في إلطاف المؤمن وإكرامه ١٣٦

باب في خدمته ١٤١

باب نصيحة المؤمن ١٤٢


باب الإصلاح بين الناس ١٤٤

باب في إحياء المؤمن ١٤٩

باب في الدعاء للأهل إلى الإيمان ١٥٣

باب في ترك دعاء الناس ١٥٤

باب أن الله إنما يعطي الدين من يحبه ١٥٩

باب سلامة الدين ١٦١

باب التقية ١٦٥

باب الكتمان ١٨٦

باب المؤمن وعلاماته وصفاته ٢٠٢

باب قلة عدد المؤمنين ٢٨٥

باب الرضا بموهبة الإيمان والصبر على كل شيء بعده ٢٩٢

باب في سكون المؤمن إلى المؤمن ٣٠٠

باب فيما يدفع الله بالمؤمن ٣٠١

باب في أن المؤمن صنفان ٣٠٣

باب ما أخذه الله على المؤمن من الصبر ٣١٠

باب شدة ابتلاء المؤمن ٣٢١

باب فضل فقراء المسلمين ٣٥٥

باب أن للقلب أذنين ينفث فيهما الملك والشيطان ٣٧٧


باب الروح الذي أيد به المؤمن ٣٩٤

(باب الذنوب) ٣٩٦

باب الذنوب ٣٩٦