بسم الله الرحمن الرحيم
(باب الكبائر )
١ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن فضال ، عن أبي جميلة ، عن الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قول الله عز وجل : «إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً »(١) قال الكبائر التي أوجب الله عز وجل عليها النار.
باب الكبائر
الحديث الأول : ضعيف.
«إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ » قال البيضاوي : كبائر الذنوب التي نهاكم الله ورسوله عنها «نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ » نغفر لكم صغائركم ونمحها عنكم «وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً » الجنة وما وعد من الثواب أو إدخالا مع كرامة ، انتهى.
ولنحقق هنا معنى الكبائر وعددها قال الشيخ البهائيقدسسره : اختلف آراء الأكابر في تحقيق الكبائر فقال قوم : هي كل ذنب توعد الله عليه بالعقاب في الكتاب العزيز ، وقال بعضهم : هي كل ذنب رتب عليه الشارع حدا أو صرح فيه بالوعيد ، وقال طائفة : هي كل معصية تؤذن بقلة اكتراث فاعلها بالدين ، وقال آخرون : كل ذنب علم حرمته بدليل قاطع ، وقيل : كل ما توعد عليه تواعدا شديدا في الكتاب أو السنة ، وعن ابن مسعود أنه قال : اقرؤوا من أول سورة النساء إلى قوله : «إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ » فكل ما نهى
__________________
(١) سورة النساء : ٣١.
عنه في هذه السورة إلى هذه الآية فهو كبيرة ، وقال جماعة : الذنوب كلها كبائر لاشتراكها في مخالفة الأمر والنهي لكن قد تطلق الصغيرة والكبيرة على الذنب بالإضافة إلى ما فوقه وما تحته ، فالقبلة صغيرة بالنسبة إلى الزنا ، وكبيرة بالنسبة إلى النظر بشهوة.
قال الشيخ الجليل أمين الإسلام أبو علي الطبرسي طاب ثراه في كتاب مجمع البيان بعد نقل هذا القول : وإلى هذا ذهب أصحابنا رضي الله عنهم فإنهم قالوا المعاصي كلها كبيرة لكن بعضها أكبر من بعض ، وليس في الذنوب صغيرة وإنما يكون صغيرا بالإضافة إلى ما هو أكبر ، ويستحق العقاب عليه أكثر ، انتهى كلامه.
وقال قوم : إنها سبع : الشرك بالله ، وقتل النفس التي حرم الله ، وقذف المحصنة ، وأكل مال اليتيم ، والزنا ، والفرار من الزحف ، وعقوق الوالدين ، ورووا في ذلك حديثا عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وزاد بعضهم على ذلك ثلاثة عشر أخرى : اللواط ، والسحر ، والربا ، والغيبة ، واليمين الغموس ، وشهادة الزور ، وشرب الخمر ، واستحلال الكعبة ، والسرقة ، ونكث الصفقة ، والتعرب بعد الهجرة ، واليأس من روح الله ، والأمن من مكر الله.
وقد يزاد أربعة عشر أخرى : أكل الميتة والدم ولحم الخنزير ، وما أهل لغير الله من غير ضرورة ، والسحت ، والقمار ، والبخس في الكيل والوزن ، ومعونة الظالمين ، وحبس الحقوق من غير عسر ، والإسراف والتبذير والخيانة والاشتغال بالملاهي ، والإصرار على الذنوب ، وهذه الأربعة عشر منقولة في عيون أخبار الرضاعليهالسلام .
فهذه عشرة أقوال في ماهية الكبيرة ، وليس على شيء منها دليل تطمئن به النفس ، ولعل في إخفائها مصلحة لا تهتدي إليه عقولنا كما في إخفاء ليلة القدر و
الصلاة الوسطى وغير ذلك.
وقد نقل أصحاب الحديث عن ابن عباس أنه سئل عن الكبائر أسبع هي؟ فقال : هي إلى السبعمائة أقرب منها إلى السبعة ، وربما يقال : ما ذهب إليه الإمامية من أن الذنوب كلها كبائر كما نقله الشيخ الطبرسي عنهم كيف يستقيم مع ما تقرر من أن الصغائر مغفورة لمن اجتنب الكبائر كقوله تعالى : «إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً » فإنه يقتضي أن يكون الكبائر ذنوبا مخصوصة لتجتنب فيحصل باجتنابها تكفير الصغائر ، والحاصل أن تكفير الصغائر باجتناب الكبائر على القول بأن كلا منها أمور مخصوصة معقول فما معناه على القول بأن الوصف بالكبر والصغر إضافي؟ وجوابه أن معناه أن من عن له أمران منها ، ودعت نفسه إليهما بحيث لا يتمالك فكفها عن أكبرهما مرتكبا أصغرهما فإنه يكفر عنه ما ارتكبه لما استحقه من الثواب باجتناب الأكبر ، كمن عن له التقبيل والنظر بشهوة فكف عن التقبيل ، وارتكب النظر. كذا ذكره البيضاوي وصاحب كنز العرفان ، وفيه تأمل فإنه يلزم منه أن من كف نفسه عن قتل شخص ، وقطع يده مثلا يكون مرتكبا للصغيرة وتكون مكفرة عنه ، اللهم إلا أن يراد بقوله مرتكبا أصغرهما ما لا أصغر منه من نوعه ، وهو في المثال أقل ما يصدق عليه الضرر لا قطع اليد وفيه ما فيه.
ثم قال (ره) : ومما ذكرنا يظهر أن قولهم العدل من يجتنب الكبائر ولا يصر على الصغائر ينبغي أن يراد به إذا عن له أمران وكف عن الأكبر ولم يصر على الأصغر ، وهذا المعنى وإن كان غير مشهور فيما بينهم لكنه هو الذي يقتضيه النظر ، بناء علي ذلك المذهب ، فما في كلام بعض الأعلام من أنه يلزمهم أن تكون كل معصية مخرجة عن العدالة محل نظر ، إذ العدالة على ما يظهر من كلامهم
ملكة تبعث على كف النفس عن الأكبر ، مع عدم الإصرار على الأصغر ، والذنوب وإن كانت كلها كبائر عندهم لكن ليس كل كبيرة عندهم مخرجة عن العدالة ، بل الكبيرة التي لم يكف عنها إلى الأصغر منها ، والتي يصر عليها.
نعم يلزم من ظاهر كلامه أن العدالة لا تجامع من الذنوب إلا واحدا هو أصغر من الجميع ، ولعلهم يريدون من الأصغر من كل نوع من أنواع الذنوب وإن كان بعد لا يخلو من إشكال.
ثم لا يخفى أن كلام الشيخ الطبرسي مشعر بأن الذنوب كلها كبائر متفق عليه بين علماء الإمامية ، وكفى بالشيخ ناقلا.
إذا قالت حذام فصدقوها |
فإن القول ما قالت حذام(١) |
ولكن صرح بعض أفاضل المتأخرين منهم بأنهم مختلفون وأن بعضهم قائل ببعض الأقوال السالفة ، ونسب هذا القول إلى رئيس الطائفة والشيخ المفيد وابن البراج وأبي الصلاح والمحقق محمد بن إدريس والشيخ أبي علي الطبرسي رضوان الله عليهم ، انتهى كلامه رفع الله مقامه.
وأقول : القول بأن الذنوب كلها كبيرة مخالف لكثير من الآيات والأخبار ، ولعل من قال بهذا القول غرضه المنع عن تحقير الذنب والاستهانة بها كما مر في الأخبار ، فإن معصية الكبير كبيرة ، ومخالفة الرب الجليل جليلة ، ولا ينافي ذلك كون بعضها قادحة في العدالة بنفسها ، وبعضها لا تكون قادحة إلا مع الإصرار عليها ، واجتناب بعضها موجبا للعفو عن بعضها ، كما هو صريح هذه الآية الكريمة ، وأما نسبة هذا القول إلى جميع الأصحاب ففي غاية الوهن ، فإن الشيخ وإن كان ظاهر
__________________
(١) الشعر لسحيم بن صعب و « حذام » امرئته. وذكر في جامع الشواهد قصة طويلة في سبب انشاده ، فراجع إن شئت.
كلامه في العدة ذلك لكن في المبسوط صرح بخلافه ، وقسم الذنوب إلى الصغيرة والكبيرة وتبعه على ذلك ابن حمزة والفاضلان ، وجمهور المتأخرين ، والقول الأول من الأقوال التي نقلها الشيخ هو المشهور بين أصحابنا ، ولم أجد في كلامهم اختيار قول آخر وعرف العلامة (ره) الكبيرة في كتبه كالقواعد والتحرير بأنها ما توعد الله عليه النار ، وهو الظاهر من أكثر الأخبار كهذا الخبر ، لكن يظهر من بعضها أن الكبائر هي الذنوب التي أوعد الله عليها النار في القرآن ، ومن بعضها أنها التي أوعد عليها النار أو وقع فيها تهديد وتأكيد أو لعن وتخويف ، ومن بعضها أنها التي ورد فيها وعيد بالنار أو عقاب شديد في القرآن أو في السنة المتواترة أو الأعم ، وسنبين ذلك في شرح الأخبار الآتية إنشاء الله تعالى.
وقال بعض العامة : هي ما توعد الله عليه بعذاب أو قرن بلعنة أو غضب ، ورووا ذلك عن ابن عباس ، وعنه أيضا أن الكبيرة ما نهى الله سبحانه عنه ، وقال الغزالي : هي ما فعل من دون استشعار خوف ولا اعتقاب ندم ، لأن الذي يفعل الذنب بدون أحدهما مجترئ متهاون ، وما وقع منهم مع أحدهما صغيرة ، وقيل : يعرف الفرق بأن تعرف مفسدة الذنب ، فإن نقصت عن مفسدة أقل الكبائر المنصوص عليها فهي صغيرة ، وإن ساوتها أو كانت أعظم فهي كبيرة ، فالشرك كبيرة بالنص ، وتلطخ الكعبة بالقذر وإلقاء المصحف فيه مساو له ، والزنا والقتل كبيرتان بالنص ، وحبس امرأة ليزني بها أو ليقبلها لم ينص عليه لكنه أعظم مفسدة من أكل مال اليتيم المنصوص عليه ، والفرار من الزحف كبيرة ، والدلالة على عورة المسلمين مع العلم بأنهم يسبون أموالهم وذراريهم لم ينص عليه ولكنه أعظم من الفرار من الزحف ، وكذلك لو كذب على مسلم كذبة يعلم أنه يقتل بها ، ولا يخفى ما في تلك الوجوه من الوهن والضعف ، وما في هذا الخبر الظاهر أن الكبائر مبتدأ والتي خبر ، و
٢ ـ عنه ، عن ابن محبوب قال كتب معي بعض أصحابنا إلى أبي الحسنعليهالسلام يسأله عن الكبائر كم هي وما هي فكتب الكبائر من اجتنب ما وعد الله عليه
يحتمل أن يكون الكبائر خبر مبتدإ محذوف والتي صفته ، أي الكبائر المذكورة في الآية هي هذه فالصفة إما موضحة أو احترازية ، وعلى الأخير لا ينافي كون جميع الذنوب كبائر لكنه بعيد.
الحديث الثاني : صحيح.
« كتب معي » أي كنت حامل الكتاب« كم هي؟ » سؤال عن عددها« وما هي؟ » سؤال عن حقيقتها ، وكان الأنسب تقديم الثاني على الأول ولذا عكسعليهالسلام الترتيب في الجواب« فكتب : الكبائر » أي سألت عن الكبائر أو هو خبر مبتدإ محذوف ، بتقدير مضافين ، أي هذا بيان حقيقة الكبائر ، والحاصل أنه كتب لفظ الكبائر في صدر الكتاب ليعلم أن ما بعدها متعلق ببيانها كما هو المتعارف في ذكر العنوانات ، ثم بينعليهالسلام حقيقة الكبائر فقال« من اجتنب » فهو مبتدأ وكفر على بناء المعلوم أو المجهول خبره ، ويظهر منه بتوسط الآية المتقدمة حقيقة الكبائر فإنهعليهالسلام ذكر مضمون الآية ، وذكر مكان الكبائر المذكورة في الآيةما وعد الله عليه النار ، والوعد هنا بمعنى الوعيد ، ثم بينعليهالسلام عدد الكبائر بقوله : والسبع الموجبات ، بالكسر ، ويحتمل الفتح أي السبع الغير المكفرة الموجبات للنار بمقتضى وعيده ، فهو مبتدأ وقتل النفس خبره ، وهذا أظهر الوجوه في تأويل الخبر وأولها.
وثانيها : أن يكون الكبائر مبتدأ وجملة من اجتنب خبرا ، فيكون من باب إقامة المظهر موضع المضمر ، لأن حاصله : الكبائر من اجتنبها كفر عنه سائر سيئاته ، وإنما عبر كذلك لبيان معنى الكبيرة كما مر.
وثالثها : أن يكون الكبائر مبتدأ ومن اجتنب خبره بتقدير مضاف ، أي ذنوب من اجتنب ،فقوله : كفر عنه سيئاته جملة معترضةوالسبع الموجبات معطوف على
النار كفر عنه سيئاته إذا كان مؤمنا والسبع الموجبات قتل النفس الحرام وعقوق
الخبر عطفا تفسيريا ولا يخفى بعده.
وأقول : على هذا الوجه يمكن التقدير في المبتدأ أي مجتنب الكبائر ، وعلى الوجهين تكون من موصولة لا شرطية.
ورابعها : ما أفاده الوالد قدس الله روحه وهو أنهعليهالسلام أراد بيان معنيين للكبائر جمعا بين الأخبار النبوية المختلفة الواردة في ذلك ، وحاصله أنه قد تطلق الكبيرة على ما يصير اجتنابها سببا لتكفير غيرها وقد تطلق على الذنوب المغلظة التي تخرج فاعلها من الإيمان ويستوجب بها دخول النار ، فالحاصل أنه قالعليهالسلام سألت عن الكبائر فأما في هذه الآية فالمراد بها ما أوعد الله عليه النار ، وهي أكثر من السبع كما يظهر من خبر عمرو بن عبيد ، وأما الكبائر الموجبة للنار فسبع ، وهذا وجه وجيه.
وخامسها : ما قيل أن السبع الموجبات عطف على ما وعد الله ، أي من اجتنب السبع الموجبات كفر عنه سيئاته ، من باب عطف الخاص على العام ، لأن الكبائر أكثر منها أو من عطف المفصل على المجمل.
« قتل النفس الحرام » يمكن شموله لقتل النفس أيضا ، وقتل المعاهد« وعقوق الوالدين » أصل العق الشق ، يقال : عق الولد أباه إذا قطع عنه وعصاه وآذاه ، وترك الإحسان إليه ، وأما الإيذاء القليل وترك بعض الحقوق فلا يسمى عقوقا ، وإن كان حراما ، كما روى الشيخ في الصحيح عن عمر بن يزيد قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن إمام لا بأس به في جميع أمره عارف ، غير أنه يسمع أبويه الكلام الغليظ الذي يغيظهما ، أقرأ خلفه؟ قال : لا تقرأ خلفه ما لم يكن عاقا قاطعا ، وقد مر بعض الكلام فيه وسيأتي إنشاء الله.
الوالدين ، وأكل الربا ، والتعرب بعد الهجرة وقذف المحصنات وأكل مال
« وأكل الربا » الربا لغة الزيادة ، وشرعا بيع أحد المتماثلين المقدرين بالكيل أو الوزن في عهد صاحب الشرععليهالسلام أو في العادة ، بالآخر مع زيادة في أحدهما حقيقة أو حكما ، أو اقتراض أحدهما مع الزيادة وإن لم يكونا مقدرين بهما إذا لم يكن باذل الزيادة حربيا ، ولم يكن المتعاقدان والدا مع ولده ولا زوجا مع زوجته ، وتحريمه ثابت بالنص والإجماع ، وهو من أعظم الكبائر الموبقات ، حتى أن الدرهم منه أعظم من سبعين زنية كلها بذات محرم ، رواه هشام بن سالم عن الصادقعليهالسلام والتخصيص بالأكل لأنه أعظم ما يكتسب له حقيقة أو عادة ، على أنه شاع في عرف العرب والعجم إطلاق الأكل على جميع وجوه التصرفات.
« والتعرب بعد الهجرة » قال في النهاية فيه : ثلاث من الكبائر منها التعرب بعد الهجرة ، هو أن يعود إلى البادية ويقيم مع الأعراب بعد أن كان مهاجرا ، وكان من رجع بعد الهجرة إلى موضعه من غير عذر يعدونه كالمرتد ، انتهى.
واعلم أنه اختلف العلماء في أن الهجرة هل تكون بعد فتح مكة أو نسخ وجوبه بعد ذلك كما روي أنه لا هجرة بعد الفتح ، وعلى القول بكونها بعد الفتح ففي أعصار الأئمة الذين جاهدوا كان يجب الهجرة إليهم لنصرتهم ، وفي أعصار سائر الأئمةعليهمالسلام كان يجب الهجرة إليهم لعرض الولاية والنصرة عليهم ، وتعلم الأحكام منهم ، وأما في أعصار الغيبة فالهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام ، ومن بلاد لا يمكن فيها تعلم الأحكام إلى بلاد يتيسر فيها ذلك ، فالتعرب ترك الهجرة بعد الإتيان بها ، ولا ينافي ذلك قوله تعالى : «فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ »(١) لأنه ذكر في الآية
__________________
(١) سورة التوبة : ١٢٢.
وجهان : أحدهما : أن يكون المراد عدم اتفاقهم على النفور إلى الجهاد ، بل يجب أن يبقى جماعة عند النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم للتفقه وهو الجهاد الأكبر ، فإذا رجع النافرون من الجهاد أنذرهم المتخلفون ، وثانيهما : هو المعنى الظاهر وهو أن ينفر من كل فرقة طائفة فيأتوا النبي أو الإمامعليهماالسلام للتفقه ثم يرجعوا بعد التفقه إلى قومهم لإنذارهم وتعليمهم ، فعلى أول الوجهين عدم التنافي ظاهر ، وعلى الثاني فيمكن أن يقال : التعرب إنما يكون مذموما إذا كان بغير إذن النبي أو الإمام ، فإذا كان بإذن يقال : التعرب إنما يكون مذموما إذا كان بغير إذن النبي أو الإمام ، فإذا كان بإذن أحدهما للإنذار فلا تعرب ، أو يقال التعرب إنما نهي عنه لاستلزامه ترك الدين والبعد عن العلم والآداب ، كما قال تعالى : «الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللهُ »(١) فإذا كان بعد الكمال في الفقه والعلم لا يكون تعربا ، ولذا ورد أن التعرب هو ترك التعلم أو ترك الدين فإن النهي عن التعرب إنما هو لأحدهما وقد مر في كتاب العقل عن أبي عبد اللهعليهالسلام : تفقهوا في الدين فإنه من لم يتفقه منكم في الدين فهو أعرابي ، إن الله تعالى يقول في كتابه «لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ».
وقد روي في معاني الأخبار عن حذيفة بن منصور قال : سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول : المتعرب بعد الهجرة التارك لهذا الأمر بعد معرفته.
وقال بعض أصحابنا : التعرب بعد الهجرة في زماننا هذا أن يشتغل الإنسان بتحصيل العلم ثم يتركه ويصير منه غريبا. وقال العلامةقدسسره في المنتهى : لما نزل قوله تعالى : «أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها »(٢) أوجب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم المهاجرة على من يضعف عن إظهار شعائر الإسلام ، واعلم أن الناس في الهجرة على أقسام ثلاثة : أحدها : من يجب عليه
__________________
(١) سورة التوبة : ٩٧.
(٢) سورة النساء : ٩٧.
وهو من أسلم في بلاد الشرك ، وكان مستضعفا فيهم لا يمكنه إظهار دينه ولا عذر له من مرض وغيره ، لقوله تعالى : «إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً »(١) .
الثاني : من لا يجب عليه لكن يستحب له المهاجرة وهو من أسلم من المشركين وله عشيرة تحميه عن المشركين ، يمكنه إظهار دينه ويكون آمنا على نفسه مع مقامه بين أظهرهم كالعباس ، ولهذا بعث النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم الحديبية إلى أهل مكة عثمان لأن عشيرته كانت أقوى بمكة ، وإنما لم يجب عليه المهاجرة لتمكنه من إظهار دينه وعدم مبالاته بهم ، وإنما استحبت له لأن فيه تكثيرا لعددهم ، واختلاطا بهم.
الثالث : من لا تجب عليه ولا تستحب له ، وهو من كان له عذر يمنعه من المهاجرة من مرض أو ضعف أو عدم نفقة أو غير ذلك ، فلا جناح عليه لقوله تعالى : «إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ »(٢) ولأنهم غير متمكنين وكانوا بمنزلة المكرهين ، فلا إثم عليهم ، ولو تجددت له القدرة وجبت عليه المهاجرة.
إذا ثبت هذا فإن الهجرة باقية ما دام الشرك باقيا لوجود المقتضي وهو الكفر الذي يعجز معه من إظهار شعائر الإسلام ، ولما روي عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال : لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مشرقها ، وأما ما روي عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال : لا هجرة بعد الفتح ، فله تأويلان : أحدهما : أنه أراد لا هجرة بعد الفتح فضلها كفضل الهجرة قبل الفتح ، لأن الهجرة قبل الفتح
__________________
(١ و ٢) سورة النساء : ٩٧ ـ ٩٨.
كانت أفضل منها بعد الفتح ، وكذا الإنفاق لقوله تعالى : «لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا »(١) الثاني : أنه أراد لا هجرة من مكة لأنها صارت دار الإسلام أبدا ، انتهى.
وأقول : يخطر بالبال أنه يحتمل أن يكون المراد بالتعرب بعد الهجرة اختيار الأعرابية وترك الهجرة بعد وجوب الهجرة ونزول حكمها كالربا بعد البينة ، وعلى التقادير ترك الهجرة ابتداء أو بعد ارتكابها مما أوعد الله عليه النار ، حيث قال : «فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ » الآية.
« وقذف المحصنة » أي رميها بالزنا ، وكان رمي المحصن به أو باللواط مثله ، والتخصيص لكونه أشنع ، ويحتمل الاختصاص لورود اللعن ووعيد العذاب ، والحكم بالفسق فيه ، والمحصنة العفيفة غير المشهورة بالزنا وظاهر الخبر شموله لما إذا كان القاذف رجلا أو امرأة ، وإن كان ظاهر الآيات التخصيص بالرجال ، لكن أجمعوا على أن حكم النساء أيضا في الحد كذلك.
قال الطبرسي (ره) في قوله تعالى : «وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ »(٢) أي يقذفون العفائف من النساء بالفجور والزنا «ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ » ثم قال : والآية وردت في النساء وحكم الرجال حكمهن في ذلك بالإجماع. وقال المحقق الأردبيلي قدس الله روحه : والظاهر أن المذكر في الذين غلب كالتأنيث في المحصنات ، فلو قذفت امرأة وقذف رجل محصن به يكون الحكم كذلك بالإجماع المنقول في « ن » وغيره.
وأقول : كذا الكلام في قوله سبحانه : «الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ
__________________
(١) سورة الحديد : ١٠.
(٢) سورة النور : ٤.
اليتيم والفرار من الزحف.
٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن عبد الله بن مسكان
الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ »(١) .
« وأكل مال اليتيم » الأكل يعم وجوه التصرفات كما مر ، واليتيم في الناس من فقد أباه ، وفي البهائم من فقد أمه بشرط الصغر فيهما ، وقال الزمخشري : لا يشترط لوجود الانفراد في الكبير أيضا إلا أنه غلب استعماله في الصغير ، وقال : حديث لا يتم بعد البلوغ ، تعليم شريعة لا تعليم لغة ، والمراد هنا الصغير وهو مقيد بأكله ظلما كما قيد به في الآية فلا ينافي ما جوزه أكثر الأصحاب للولي الأكل بالمعروف لقوله تعالى : «فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ »(٢) وكذا إذا خلط ماله بمال نفسه مع رعاية الغبطة كما هو ظاهر الآية والأخبار ، وسيأتي تفاصيل تلك الأمور في محالها إنشاء الله.
« والفرار من الزحف » الزحف المشي يقال : زحف إليه زحفا وزحوفا من باب منع أي مشى ، ويطلق على الجيش الكبير تسمية بالمصدر ، والفرار من العدو بعد الالتقاء بشرط أن لا يزيدوا على الضعف كبيرة ، إلا في التحرف لقتال أو التحيز إلى فئة ، والمراد بالتحرف لقتال الاستعداد له بأن يصلح آلات الحرب أو يطلب الطعام والماء لجوعه أو عطشه ، أو يجتنب عن مواجهة الشمس والريح ، أو يطلب مكانا أحسن أو نحو ذلك ، وقيل : هو الكر بعد الفر يخيل عدوه أنه ينهزم ، ثم ينعطف عليه وهو نوع من مكائد الحرب ، والمراد بالتحيز إلى فئة الرجوع إليهم للاستعانة بهم مع صلاحيتهم لها ، وعدم البعد المفرط بحيث يعد الرجوع إليهم فرارا ، وهذه السبعة كلها مما أوعد الله عليه النار صريحا أو ورد فيه ذم بليغ يستلزم العقاب كما سيأتي بيانها إنشاء الله تعالى.
الحديث الثالث : صحيح.
__________________
(١) سورة النور : ٢٣.
(٢) سورة النساء : ٦.
عن محمد بن مسلم ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال سمعته يقول الكبائر سبع قتل المؤمن متعمدا وقذف المحصنة والفرار من الزحف والتعرب بعد الهجرة وأكل
« قتل المؤمن متعمدا » الظاهر أن التعمد في مقابلة الخطإ ، وقد وقع في بعض الروايات أن المتعمد هو أن يقتله لإيمانه ليكون الخلود بمعناه.« وأكل الربا بعد البينة » أي بعد الموعظة البينة أو الآية البينة. والمراد بعد العلم فيكون قبله من الصغائر ، والمعنى أن الربا الذي يأكلها ويتصرف فيها بعد العلم ، فهو من الكبائر وأما ما أخذه قبل العلم فهو له ، ولا يجب عليه رده ولا يحرم عليه لقوله تعالى : «فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ »(١) لكن اختلف الأصحاب في أن هذا الحكم هل كان مختصا بصدر الإسلام قبل نزول آية تحريم الربا أو جار بعده في كل من لم يعلم حرمة الربا مطلقا أو حرمة بعض شقوقه.
قال الطبرسي (ره) : «فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ » معناه فمن جاءه زجر أو نهي وتذكير من ربه فانزجر وتذكر واعتبر «فَلَهُ ما سَلَفَ » معناه : فله ما أخذ وأكل من الربا قبل النهي لا يلزمه رده ، قال الباقرعليهالسلام : من أدرك الإسلام وتاب مما كان عليه في الجاهلية وضع الله عنه ما سلف ، وقال السدي : معناه له ما أكل وليس عليه رد ما سلف ، فأما ما لم يقبض بعد فلا يجوز له أخذه وله رأس المال.
«وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ » معناه : وأمره بعد مجيء الموعظة والتحريم والانتهاء إلى الله إن شاء عصمه عن أكله وثبته في انتهائه ، وإن شاء خذله ، وقيل : معناه : وأمره إلى الله في حكم الآخرة إن لم يتب وهو غير مستحل له إن شاء عذبه بعدله وإن شاء عفا عنه بفضله وقيل : معناه وأمره إلى الله فلا يؤاخذه بما سلف من الربا «وَمَنْ عادَ » إلى أكل الربا بعد التحريم وقال ما كان يقوله قبل مجيء الموعظة من أن البيع مثل الربا «فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ » لأن ذلك القول لا يصدر إلا من كافر مستحل للرباء ، انتهى.
__________________
(١) سورة البقرة : ٢٧٥.
مال اليتيم ظلما وأكل الربا بعد البينة وكل ما أوجب الله عليه النار.
٤ ـ يونس ، عن عبد الله بن سنان قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول إن من الكبائر عقوق الوالدين واليأس من روح الله والأمن لمكر الله وقد روي [ أن ] أكبر الكبائر الشرك بالله.
٥ ـ يونس ، عن حماد ، عن نعمان الرازي قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول
وقال العلامة روح الله روحه في التذكرة : يجب على آخذ الربا المحرم رده على مالكه إن عرفه وإن لم يعرفه تصدق به عنه ، ثم قال : هذا إذا فعل الربا متعمدا وأما إذا فعله جاهلا بتحريمه فالأقوى أنه كذلك ، وقيل : لا يجب عليه رده لقوله تعالى : «فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ » الآية ، وهو يتناول المال الذي أخذه على وجه الربا ، وسئل الصادقعليهالسلام عن الرجل يأكل الربا وهو يرى أنه له خلال قال : لا يضره حتى يصيبه متعمدا فهي بمنزلة الربا التي قال الله تعالى.
« وكل ما أوجب الله عليه النار » أي بسببه أو على فاعله ، ولما كان ما سوى هذه الست من الكبائر ليست في مرتبتها لم يعد معها مفصلا كأنها بمجموعها كواحد منها.
الحديث الرابع : صحيح.
« من روح الله » أي من رحمته الواسعة المريحة من الشدائد« والأمن لمكر الله » أي عذابه أو استدراجه وإمهاله عند المعاصي ، قال الراغب : المكر صرف الغير عما يقصده بحيلة ، وذلك ضربان مكر محمود وهو أن يتحرى بذلك فعل جميل ، وعلى ذلك قال الله عز وجل : «وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ »(١) ومذموم وهو أن يتحرى به فعل قبيح قال تعالى : «وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ »(٢) . وكان المراد بالشرك جميع أنواع الكفر كما قال تعالى : «إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ »(٣) .
__________________
(١) سورة آل عمران : ٥٤.
(٢) سورة فاطر : ٤٣.
(٣) سورة النساء : ١١٦.
من زنى خرج من الإيمان ومن شرب الخمر خرج من الإيمان ومن أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا خرج من الإيمان.
٦ ـ عنه ، عن محمد بن عبدة قال قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام لا يزني الزاني
الحديث الخامس : مجهول.
والروايات الدالة على أن الكبائر مخرجة من الإيمان لا سيما حين ارتكابها كثيرة ، والقول فيها متفرع على الاختلاف في حقيقة الإيمان وأن الأعمال داخلة في الإيمان أم لا ، وقد تكلمنا فيه في شرح أبواب الإيمان ، وللقوم في تأويلها مسالك شتى فمنهم من حملها على ظاهرها ، ومنهم من حملها علي نفي الكمال وزواله من باب نفي الشيء بنفي صفته وغايته ، نحو لا علم إلا ما نفع ، ومنهم من حملها على أنه ليس آمنا من عقوبة الله ، وأورد عليهما بأنه لا وجه لتخصيص هذه المعاصي بل الجميع كذلك ، ولا للتخصيص بوقت الفعل كما في بعض الروايات.
وقد يجاب عن الأول بأن الحكم غير مختص بهذه المعاصي ، بل نبه بالزنا على جميع ما حرمه الله من الشهوات ، وبالخمر على جميع ما يشغل عن الله ، وبالسرقة على الرغبة في الدنيا وأخذ الشيء من غير وجهه ، ويؤيده ما سيأتي من رواية محمد بن حكيم ، ومنهم من حملها على نفي اسم المدح أي لا يقال له مؤمن ، بل يقال له زان أو شارب أو سارق ، وقالت المعتزلة : الفاسق لا يسمى مؤمنا.
ومنهم من حملها على زوال النور الناشئ من الإيمان ، وهو منقول عن ابن عباس وأيده بقول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من زنى نزع الله. نور الإيمان من قلبه فإن شاء رده إليه.
ومنهم من حملها على زوال استحضار الإيمان أي لا يزني الزاني وهو مستحضر للإيمان ، ويقرب منه قول الفخر الرازي : لا يزني الزاني وهو عاقل ، لأن المعصية مع استحضار العقوبة مرجوحة والحكم بالمرجوح خلاف المعقول ، ومنهم من حملها على نفي الحياء أي لا يزني الزاني وهو مستحيي من الله ، والحياء خصلة من الإيمان.
وهو مؤمن قال لا إذا كان على بطنها سلب الإيمان منه فإذا قام رد إليه فإذا عاد سلب قلت فإنه يريد أن يعود فقال ما أكثر من يريد أن يعود فلا يعود إليه أبدا.
٧ ـ يونس ، عن إسحاق بن عمار ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قول الله عز وجل : «الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ »(١) قال الفواحش الزنى والسرقة
الحديث السادس : مجهول.
« لا يزني الزاني » سيأتي في الثالث عشر « يزني » والسائل واحد ، وهو أظهر ، وإن كان مفادهما واحدا إذ كلمة « لا » هنا في كلامه ليس لنفي ، بل لتصديق النفي« سلب الإيمان » الإيمان إما مرفوع بنيابة الفاعل أو منصوب بكونه ثاني مفعولي سلب ، والمفعول الأول النائب للفاعل الضمير الراجع إلى الزاني« فقال ما أكثر من يريد » الحاصل أنه ليس لإرادة العود حكم العود كما أن إرادة أصل المعصية ليست كنفس المعصية فإنها صغيرة مكفرة كما سيأتي ، ولو لم تكن مكفرة بعد الفعل باعتبار ترك التوبة والإصرار على الذنب فلا ريب أن أصل الفعل أشد.
الحديث السابع : موثق.
قال الله تعالى في سورة النجم : «لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى » قال الطبرسي (ره) : ثم وصف الذين أحسنوا فقال : «الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ » أي عظائم الذنوب «وَالْفَواحِشَ » جمع فاحشة وهي أقبح الذنوب وأفحشها ، وقد قيل : إن الكبيرة كل ذنب ختم بالنار ، والفاحشة كل ذنب فيه الحد «إِلاَّ اللَّمَمَ » اختلف في معناه فقيل : هو صغار الذنوب كالنظر والقبلة وما كان دون الزنا عن ابن عباس ، وقيل : هي ما ألموا به في الجاهلية من الإثم فإنه معفو عنه في الإسلام ، فعلى هذا يكون الاستثناء منقطعا ، وقيل : هو أن يلم بالذنب
__________________
(١) سورة النجم : ٣٢.
مرة ثم يتوب منه ولا يعود عن الحسن والسدي وهو اختيار الزجاج لأنه قال : اللمم هو أن يكون الإنسان قد ألم بالمعصية ، ولم يقم على ذلك ، ويدل على ذلك قوله : «إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ » قال ابن عباس : لمن فعل ذلك وتاب ، ومعناه أن رحمته واسعة تسع جميع الذنوب ولا تضيق عنها.
وقال البيضاوي : «الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ » ما يكبر عقابه من الذنوب ، وهو ما رتب الوعيد عليه بخصوصه ، وقيل : ما أوجب الحد «وَالْفَواحِشَ » وما فحش من الكبائر خصوصا «إِلاَّ اللَّمَمَ » أي ما قل وصغر فإنه مغفور من مجتنبي الكبائر والاستثناء منقطع ، ومحل الذين النصب علي الصفة أو المدح ، أو الرفع على أنه خبر محذوف «إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ » حيث يغفر الصغائر باجتناب الكبائر ، أوله أن يغفر ما شاء من الذنوب صغيرها وكبيرها ، ولعله عقب به وعيد المسيئين ، ووعد المحسنين ، لئلا ييأس صاحب الكبيرة من رحمته ولا يتوهم وجوب العقاب على الله تعالى.
وقال الراغب : اللمم مقاربة المعصية وعبر به عن الصغيرة ويقال : فلان يفعل كذا لمما أي حينا بعد حين ، وذلك قوله : «الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ » وهو من قولك ألممت بكذا إذا نزلت به وقاربته من غير مواقعة ، وفي القاموس : ألم باشر اللمم ، وهو محركة صغار الذنوب.
قوله عليهالسلام : الفواحش الزنا والسرقة ، الزنا بالكسر والقصر ، والسرقة مثل كلمة والفعل من باب ضرب ، وكان ذكرهما على المثال ، والمراد كل ما رتب الله عليه حدا وذكرها بعد الكبائر تخصيص بعد التعميم.
« واللمم الرجل » أي فعل الرجل أو حاله كقوله تعالى : «وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى »(١)
__________________
(١) سورة البقرة : ١٨٩.
واللمم الرجل يلم بالذنب فيستغفر الله منه قلت بين الضلال والكفر منزلة فقال ما أكثر عرى الإيمان.
« يلم » على بناء الأفعال ، والمرادبالذنب الصغائر وذكر الاستغفار لعدم تحقق الإصرار فتلحق بالكبائر لأنه لا صغيرة مع الإصرار فالاستثناء منقطع ، وربما يحمل الاستغفار على التلفظ به من غير تحقق شرائط التوبة ، ليتحقق الفرق بينها وبين الكبائر ، أو الكبائر(١) فإنها مع الاستغفار مغفورة كما ورد : ولا كبيرة مع الاستغفار ، وحينئذ لا ينافي القول بأن الذنوب كلها كبيرة ، وقيل : اللمم بالتحريك مقاربة الذنب ، وقيل : هو الصغائر ، وقيل : هو أن يفعل الصغيرة ثم لا يعاوده كالقبلة والتفخيذ وغيرهما مما تكفره الصلاة وقيل : هو أن يلم بالشيء ولا يفعله.
قوله : بين الضلال والكفر منزلة ، هذا السؤال وجوابه يحتملان وجوها :
« الأول » أن يكون المعنى هل بين حصول أول مراتب الضلال وحصول الكفر منزلة وواسطة؟ فأجابعليهالسلام بأن المنازل كثيرة فإن فعل الفرائض بل مطلق العبادات وترك المعاصي من عرى الإيمان ، فإذا انتفى واحد منها دخل في الضلال ، فالمراد بالضلال الخروج عن الكفر وعدم الدخول في الإيمان الكامل.
الثاني : أن يكون المراد بالضلال التكلم بالكلمتين وترك الولاية والقول بالإمامة إما مطلقا أو مع عدم التعصب في الباطل ، وعدم التمكن من الحجة والبرهان كما هو مصطلح الأخبار ، وسيأتي بعضها ، فحاصل السؤال أنه هل يكون بعد الإيمان منزلة سوى الكفر والضلال؟ فأجابعليهالسلام بأن عرى الإيمان وشرائطه التي يجب التمسك بها كثيرة فمن تمسك بجميعها فهو مؤمن ، ومن لم يتمسك بجميعها فإما أن يكون ترك جميعها بأن لم يقر بالشهادتين أيضا فهو كافر ، وإما أن يكون أقر
__________________
(١) عطف على قوله « الصغائر » فى قوله : والمراد بالذنب الصغائر.
٨ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن عبد الرحمن بن الحجاج ، عن عبيد بن زرارة قال سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن الكبائر فقال هن في كتاب
بالشهادتين وترك عمدة ما بقي وهي الولاية فهو ضال ، وإن تمسك بالولاية أيضا وترك بعض الفرائض أو أتى ببعض الكبائر فهو فاسق ، فهذه منزلة بين الكفر والضلال ، أي ليس بكفر ولا ضلال.
الثالث : ما ذكره بعض المحققين وهو أنه أراد السائل هل يوجد ضال ليس بكافر أو كل من كان ضالا فهو كافر؟ فأشارعليهالسلام في جوابه باختيار الشق الأول ، وبين ذلك بأن عرى الإيمان كثيرة ، منها ما هو بحيث من يتركها يصير كافرا ، ومنها ما هو بحيث من يتركها لا يصير كافرا بل يصير ضالا فقد تحقق المنزلة بينهما بتحقق بعض عرى الإيمان دون بعض.
الرابع : ما قيل أن المراد إثبات المنزلة بينهما بأن الضال من دخل في الإسلام ولم يدخل في الإيمان ، والكافر من لم يدخل في الإسلام ، فبينهما منزلة عريضة هي من الإيمان ، وله مراتب كما أشار إليه بقوله : ما أكثر عرى الإيمان ، وهي أركان الإيمان وآثاره التي بها يكمل الإيمان ويستقر على سبيل تشبيهها بعروة الكوز في احتياج حملها إلى التمسك بها ، فالإيمان بجميع مراتبه منزلة بينهما.
الخامس : ما قيل أيضا أن المراد بالكفر أعم من الخروج من الإيمان وترك رعاية شيء من آثاره ، وإطلاقه على هذا المعنى الأعم شائع ، وحينئذ الإيمان الحقيقي وهو المقرون بجميع آثاره منزلة بينهما.
وأقول : كان الوجهين اللذين خطرا بالبال ذكرناهما أولا أظهر الوجوه ، وإن كان أكثرها متقاربة.
الحديث الثامن : حسن كالصحيح.
الكفر بالله شامل لإنكار جميع العقائد الإيمانية والمخالفون أيضا داخلون
عليعليهالسلام سبع الكفر بالله وقتل النفس وعقوق الوالدين وأكل الربا بعد البينة وأكل مال اليتيم ظلما والفرار من الزحف والتعرب بعد الهجرة قال فقلت فهذا أكبر المعاصي قال نعم قلت فأكل درهم من مال اليتيم ظلما أكبر أم ترك الصلاة قال ترك الصلاة قلت فما عددت ترك الصلاة في الكبائر فقال أي شيء أول ما قلت لك قال قلت الكفر قال فإن تارك الصلاة كافر
فيه ، وآخر الخبر يدل على أن ترك الفرائض كلها أو بعضها متعمدا كفر ، وهذا أحد معاني الكفر الذي ورد في الآيات والأخبار ، كما ورد من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر ، وكذا ورد في تارك الزكاة أنه كافر ، وكذا ترك الحج كما قال تعالى : «وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ »(١) فهذا هو السر في عدم عد ترك الفرائض بخصوصها في الكبائر ، ولعل النكتة فيه أن في ارتكاب المحرمات غالبا شهوة غالبة تغلب على الإنسان حتى يرتكب المعصية كالزنا واللواط وأمثالهما ، أو غضب يغلب عليه يدعوه إلى ارتكاب بعض المحرمات كالقتل والقذف والشتم والضرب والظلم وأمثالها ، بخلاف ترك الفرائض فإنه ليس فيه إلا الاستخفاف والتهاون في الدين ، ولما كان هذا في الصلاة أظهر وأبين فلذا خص من بينها ، إذ في ترك الزكاة والحج قد يدعو الحرص على المال إلى ذلك ، وترك الصوم قد يدعو الشره والحرص على الأكل والشرب إلى ذلك ، بخلاف ترك الصلاة فإنه ليس فيه شيء من ذلك ، فالتهاون فيه أشد وأظهر.
ويدل على ذلك ما رواه الصدوقرضياللهعنه في كتاب علل الشرائع عن أبيه عن الحميري عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة قال : سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام وسئل ما بال الزاني لا تسميه كافرا وتارك الصلاة قد تسميه كافرا؟ وما الحجة في ذلك؟ قال : لأن الزاني وما أشبهه إنما يعمل ذلك لمكان الشهوة لأنها
__________________
(١) سورة آل عمران : ٩٧.
يعني من غير علة.
٩ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن محمد بن حبيب ، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأصم ، عن عبد الله بن مسكان ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه ما من عبد إلا وعليه أربعون جنة حتى يعمل أربعين كبيرة فإذا عمل
تغلبه ، وتارك الصلاة لا يتركها إلا استخفافا بها ، وذلك لأنك لا تجد الزاني يأتي المرأة إلا وهو مستلذ لإتيانه إياها ، قاصدا إليها ، وكل من ترك الصلاة قاصدا إليها فليس يكون قصده لتركها إلى اللذة فإذا امتنعت اللذة وقع الاستخفاف ، وإذا وقع الاستخفاف وقع الكفر.
قيل : ما الفرق بين من أتى امرأة فزنا بها أو خمرا فشربها ، وبين من ترك الصلاة حتى لا يكون الزاني وشارب الخمر مستخفا كما استخف تارك الصلاة وما الحجة في ذلك؟ وما العلة التي تفرق بينهما؟ قال : الحجة أن كلما أدخلت أنت نفسك فيه ولم يدعك إليه داع ولم يغلبك عليه غالب شهوة مثل الزنا وشرب الخمر ، وأنت دعوت نفسك إلى ترك الصلاة وليس ثم شهوة فهو الاستخفاف بعينه ، فهذا فرق بينهما ، فالمراد بالكفر هنا ما يشمل إنكار أصول الدين وترك الفرائض التي يؤذن تركها بالاستخفاف بالدين ، وفيه إيماء إلى أن ما أطلق عليه لفظ الكفر في الأخبار داخل في الكبائر ،وقوله : يعني ، كلام المصنف أو بعض الرواة ، وكونه من كلامهعليهالسلام على سبيل الالتفات كما زعم بعيد جدا.
الحديث التاسع : ضعيف وسنده الثاني موثق كالصحيح إذ الظاهر أنه معلق على السند السابق ، فالراوي عنه محمد بن خالد ، ويحتمل على بعد أن يكون الراوي عنه ابن حبيب ، فيكون مجهولا ، وإن لم يكن معلقا على السابق فهو مرسل ، وهو أيضا بعيد.
« أربعون جنة » الجنة بالضم السترة ، والجمع جنن بضم الجيم وفتح النون ،
أربعين كبيرة انكشفت عنه الجنن فيوحي الله إليهم أن استروا عبدي بأجنحتكم فتستره الملائكة بأجنحتها قال فما يدع شيئا من القبيح إلا
يقال استجن بجنة أي استتر بسترة ، ذكره الجوهري وغيره ، وكان المراد بالجنن ألطافه سبحانه التي تصير سببا لترك المعاصي وامتناعه فبكل كبيرة سواء كانت من نوع واحد أو أنواع مختلفة يستحق منع لطف من ألطافه ، أو رحماته تعالى وعفوه وغفرانه ، فلا يفضحه الله بها ، فإذا استحق غضب الله سلبت عنه لكن يرحمه سبحانه ويأمر الملائكة بستره ، ولكن ليس سترهم كستر الله تعالى.
أو المراد بالجنن ترك الكبائر فإن تركها موجب لغفران الصغائر عند الله ، وسترها عن الناس ، فإذا عمل بكبيرة لم يتحتم على الله مغفرة صغائره وشرع الناس في تجسس عيوبه ، وهكذا إلى أن يعمل جميع الكبائر وهي أربعون تقريبا ، فيفتضح عند الله وعند الناس بكبائره وصغائره.
أو أراد بالجنن الطاعات التي يوفقه الله تعالى لفعلها بسبب ترك الكبائر ، فكلما أتى بكبيرة سلب التوفيق لبعض الطاعات التي هي مكفرة لذنوبه عند الله ، وساترة لعيوبه عند الناس ، ويؤيده ما ورد عن الصادقعليهالسلام وذلك أن الصلاة ستر وكفارة لما بينها من الذنوب ، فهذه ثلاثة وجوه خطر بالبال على سبيل الإمكان والاحتمال.
والرابع : ما قيل كان الجنن كناية عن نتائج أخلاقه الحسنة ، وثمرات أعماله الصالحة التي تخلق منها الملائكة وأجنحة الملائكة كناية عن معارفه الحقة التي بها يرتقي في الدرجات ، وذلك لأن العمل أسرع زوالا من المعرفة ، وإنما يأخذ في بغض أهل البيت لأنهم الحائلون بينه وبين الذنوب التي صارت محبوبة له ، ومعشوقة لنفسه الخبيثة بمواعظهم ووصاياهمعليهمالسلام .
الخامس : ما قيل أن تلك الجنن أجنحة الملائكة ولا يخفى إباء ما بعده عنه إلا بتكلف تام.
قارفه حتى يمتدح إلى الناس بفعله القبيح فيقول الملائكة يا رب هذا عبدك ما يدع شيئا إلا ركبه وإنا لنستحيي مما يصنع فيوحي الله عز وجل إليهم أن ارفعوا أجنحتكم عنه فإذا فعل ذلك أخذ في بغضنا أهل البيت فعند ذلك ينهتك ستره في السماء وستره في الأرض فيقول الملائكة يا رب هذا عبدك قد بقي مهتوك الستر فيوحي الله عز وجل إليهم لو كانت لله فيه حاجة ما أمركم أن ترفعوا
السادس : أن المراد بالجنن الملائكة أنفسهم لأنهم جنن له من دفع شر الشيطان ووساوسه ، فإذا عمل كبيرة فارق عنه ملك إلى أن يفارق الجميع ، فإذا فارقوه جميعا أوحى الله إليهم أن استروه بأجنحتكم من بعيد ليكون محفوظا في الجملة من شر الشياطين ، فضمير إليهم فيقوله : فيوحي الله إليهم ، راجع إلى الجنن.
وأقول : على الوجوه الأخر ضمير إليهم راجع إلى الملائكة بقرينة ما بعده ، وفي القاموساقترف الذنب أتاه وفعله ، وقارفه قاربه والمرأة جامعها ، وقال :تمدح تكلف أن يمدح وافتخر وتشيع بما ليس عنده ، وقال : مدحه كمنعه أحسن الثناء عليه كمدحه وامتدحه وتمدحه فالامتداح استعمل هنا بمعنى التمدح ، وفي بعض النسخ يتمدح وهو أظهر.
« هذا عبدك » قيل : عبدك عطف بيان لهذا« فإذا فعل » على بناء المجهول« ذلك » أي رفع الأجنحة أو علي بناء المعلوم فذلك إشارة إلى ما هو سبب رفع الأجنحة.
« قد بقي مهتوك الستر » لا يقال : قول الملائكة هذا بناء على أنهم يريدون ستره وهذا ينافي قولهم المذكور قبله لإشعاره بأنهم يريدون هتك ستره؟ لأنا نقول : دلالة قولهم الأول على ذلك ممنوع ، لاحتمال أن يكون طلبا لإصلاحه وتوفيقه كما يومئ إليه قوله تعالى :« لو كان لله فيه حاجة » أي كان مستحقا للطف والتوفيق كما مر تحقيقه في الأبواب السابقة ، ولو سلم فيحتمل أن يكون طلبهم هتك الستر أولا
أجنحتكم عنه.
ورواه ابن فضال ، عن ابن مسكان.
١٠ ـ علي بن إبراهيم ، عن هارون بن مسلم ، عن مسعدة بن صدقة قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول الكبائر القنوط من رحمة الله واليأس من روح الله والأمن من مكر الله وقتل النفس «الَّتِي حَرَّمَ اللهُ » وعقوق الوالدين وأكل
نظرا إلى عظمة معصية الرب عندهم ، وثقل ذلك عليهم ، ثم بدا لهم طلب الستر له نظرا إلى رأفتهم وشفقتهم ببني آدم ، ويمكن أن يراد بالملائكة ثانيا غير من رفعوا أجنحتهم كما يومئ إليهقوله : فينهتك ستره في السماء ، فلا منافاة لاختلاف القائلين ، ولا ينافيهقوله : ما آمركم ، إذ يمكن أن يكون المراد بالخطاب جنس الملائكة.
الحديث العاشر : ضعيف على المشهور.
وقد مر شرح أجزاء الخبر إلاذكر اليأس من روح الله بعد القنوط من رحمة الله ، فإنه مما يوهم التكرار لعدم التغاير بينهما ، إذ لا فرق بين اليأس والقنوط ، ولا بين الروح والرحمة.
ويحتمل وجوها من التأويل : الأول : أن يكون الثانية مؤكدة للأولى بقرينة وحدة الفقرة المقابلة لهما.
الثاني : أن يكون القنوط من الرحمات الدنيوية كقوله تعالى : «هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا »(١) والإياس من الرحمات الأخروية كقوله تعالى : «يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ »(٢) ومن تتبع موارد استعمالاتهما يظهر له ما ذكرنا.
الثالث : ما قيل أن الرجاء ما يكون في القلب سواء ظهر منه أثر أم لا ، والطمع إظهار الرجاء فهو مستلزم لشدة الرجاء والقنوط إظهار اليأس وهو مستلزم
__________________
(١) سورة الشورى : ٢٨.
(٢) سورة الممتحنة : ١٣.
مال اليتيم ظلما وأكل الربا بعد البينة والتعرب بعد الهجرة وقذف المحصنة والفرار من الزحف فقيل له أرأيت المرتكب للكبيرة يموت عليها أتخرجه من الإيمان وإن عذب بها فيكون عذابه كعذاب المشركين أو له انقطاع قال يخرج من الإسلام إذا زعم أنها حلال ولذلك يعذب أشد العذاب وإن كان
لشدة اليأس كما يظهر من الترقي في قوله تعالى : «وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ »(١) بناء على كون المراد يؤس من روح الله قنوط من رحمة الله(٢) ، قال في الكشاف : القنوط أن يظهر عليه أثر اليأس فيتضاءل وينكسر ، وفي النهاية قد تكرر ذكر القنوط في الحديث وهو أشد اليأس من الشيء ، انتهى.
وقال : الرحمة إعطاء المحبوب والروح دفع الشر والمكروه.
« أتخرجه » أي الكبيرة كعذاب المشركين أي في الخلود وعدم الانقطاع« إذا زعم أنها حلال » فيه إيماء إلى أن الكبيرة ما علم تحريمه من الدين ضرورة كالزنا وشرب الخمر وترك الصلاة ، فإن إنكار غير الضروري لا يصير سببا للكفر على المشهور ، فهو مؤيد لقول من قال : أن الكبيرة ما علم تحريمه بدليل قطعي ولا يبعد عن قول من قال بأنه ما أوعد الله عليه النار إن فسر بالوعيد في القرآن فإن الظاهر أن جميع ذلك قد صار تحريمها ضروريا« بأنها كبيرة » أي خطيئة عظيمة لا أنها كبيرة بالمعنى المصطلح ، فإن ذلك مما تحير فيه العلماء كما فسرهبقوله وهي عليه حرام ، وفسر الحرام بأنه يعذب عليها أي يمكن أن يعذب عليها إن لم يدركه العفو والرحمة« وأنها غير حلال » تأكيد وتوضيح ، ويمكن أن يكون الواو بمعنى أو في الجميع باعتبار اختلاف الناس في المعرفة فإن العلماء يعلمون أنها كبيرة ، وبعض الناس يعلمون أنه حرام نهى الله عنه ، وبعضهم يذعنون بأنه يعذب عليه قطعا كالوعيدية ، واحتمالا كغيرهم ، لكن الفرق بين قوله وأنها غير حلال
__________________
(١) سورة فصّلت : ٤٩.
(٢) كذا في النسخ.
معترفا بأنها كبيرة وهي عليه حرام وأنه يعذب عليها وأنها غير حلال فإنه معذب عليها وهو أهون عذابا من الأول ويخرجه من الإيمان ولا يخرجه من الإسلام.
١١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن فضال ، عن ابن بكير قال قلت لأبي جعفرعليهالسلام في قول رسول اللهصلىاللهعليهوآله إذا زنى الرجل فارقه روح الإيمان قال هو قوله «وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ »(١) ذاك الذي يفارقه.
وبين قوله وهي عليه حرام مشكل ، إذ حمله على ما يشمل المكروه مخالف للمشهور ، إلا أن يقال المراد أنه لا يعرف معنى الحرام لكن يذعن بهذا الوجه وإن آل إليه ، أو المعنى أنه لا يحل بوجه من الوجوه في غير حال الضرورة أو مطلقا ، فإن الحل في حال الضرورة كأنه ليس من ضروريات الدين« فإنه معذب عليها » أي مع عدم العفو أو على الإمكان« وهو أهون عذابا » أي من جهة الانقطاع أو في نفسه مع قطع النظر عنه ، وقد مر الكلام في معاني الإسلام والإيمان في الأبواب الأولة.
الحديث الحادي عشر : موثق كالصحيح.
وقد مر معنىروح الإيمان ، وحاصله أنه يفارقه كمال الإيمان ونوره وما يترتب به عليه آثاره إذ الإيمان التصديق بدون تأثيره في فعل الطاعات وترك المناهي كبدن بلا روح ، وقد عرفت أنه قد يطلق على ملك موكل بقلب المؤمن يهديه في مقابلة شيطان يغويه ، وعلى نصرة ذلك الملك ، ولا ريب في أن المؤمن إذا زنى فارقه روح الإيمان بتلك المعاني ، فإذا فرغ من العمل فإن تاب يعود إليه الروح كاملا وإلا يعود إليه في الجملة ، والضمير المجرور فيقوله بروح منه راجع إلى الله ، أو إلى الإيمان والأول أظهر.
__________________
(١) سورة المجادلة : ٢٢.
١٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حماد ، عن ربعي ، عن الفضيل ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال يسلب منه روح الإيمان ما دام على بطنها فإذا نزل عاد الإيمان قال قلت له أرأيت إن هم قال لا أرأيت إن هم أن يسرق أتقطع يده؟.
الحديث الثاني عشر : حسن كالصحيح.
« عاد الإيمان » أي إليه فالمراد به الإيمان الكامل ، أو الإيمان الذي معه الروح فاللام للعهد ، وفيه إشارة إلى أن الإيمان الذي فارقه الروح ليس بإيمان كما أن الجسد الذي فارقه الروح ليس بإنسان ، مع أنه يحتمل أن تكون إضافة الروح إلى الإيمان بيانية ، ويحتمل أن يكون المراد عاد الإيمان إلى كماله أو إلى حاله التي كان عليها قبل الزنا ، أي كما أنه قبل الزنا كان إيمانه قابلا للشدة والضعف ، فكذا بعد الزنا قابل لهما بالتوبة وعدمها ، فلا ينافي ما سيأتي من عدم العود إليه إلا بعد التوبة.
وقيل : لعل المراد أنه يسلب منه شعبة من شعب الإيمان وهي إيمان أيضا فإن المؤمن يعلم أن الزنا مهلك ويزهر نور هذا العلم في قلبه ، ويبعثه على كف الآلة عن الفعل المخصوص ، وكل واحد منهما أعني العلم والكف إيمان وشعبة من الإيمان أيضا فإذا غلبت الشهوة على العقل وأحاطت ظلمتها بالقلب زال عنه نور ذلك العلم ، واشتغلت الآلة بذلك فانتقضت عن الإيمان شعبتان ، فإذا انقضت الشهوة وعاد العقل إلى مالكه وعلم وقوع الفساد فيها ، وشرع في إصلاحها بالندامة عن الغفلة صار ذلك الفعل كالعدم ، وزالت تلك الظلمة عن القلب ، ويعود نور ذلك العلم فيعود إيمانه ويصير كاملا بعد ما صار ناقصا ، انتهى.
قوله : أرأيت إن هم ، أي قصد الزنا هل يفارقه روح الإيمان أو إن كان بعد الزنا قاصدا للعود هل يمنع ذلك عود الإيمان؟قال : لا ، والأول أظهر ، وفيما مر في الحديث السابق ويأتي في الثالث عشر الثاني متعين« أرأيت إن هم » أقول
١٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن معاوية بن عمار ، عن صباح بن سيابة قال كنت عند أبي عبد اللهعليهالسلام فقال له محمد بن عبدة يزني الزاني وهو مؤمن قال لا إذا كان على بطنها سلب الإيمان منه فإذا قام رد عليه قلت فإنه أراد أن يعود قال ما أكثر ما يهم أن يعود ثم لا يعود.
١٤ ـ الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن الوشاء ، عن أبان ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال سمعته يقول الكبائر سبعة منها قتل النفس متعمدا والشرك بالله العظيم وقذف المحصنة وأكل الربا بعد البينة والفرار من الزحف والتعرب بعد الهجرة وعقوق الوالدين وأكل مال اليتيم ظلما قال :
المعنى أنه كما أن قصد السرقة ليس كنفسها في المفاسد والعقوبات فكذا قصد الزنا ليس كنفسها في المفاسد ، أو يقال : لما كان ذكر الزنا على سبيل المثال والحكم شامل للسرقة وغيرها ، فالغرض التنبيه بالأحكام الظاهرة على الأحكام الباطنة ، فإن قيل : على الوجهين هذا قياس فقهي وهو ليس بحجة عند الإمامية؟ قلت : ليس الغرض الاستدلال بالقياس ، فإنهعليهالسلام لا يحتاج إلى ذلك ، وقوله : في نفسه حجة لاستنباط العلة وعدم العلم بها ، أما مع العلم بها فيرجع إلى القياس المنطقي ، لكن يرد عليه أنه لما كان العلم بالعلة من جهة قولهعليهالسلام فقوله يكفي لثبوت أصل الحكم فيرجع إلى الوجه الأول.
الحديث الثالث عشر : مجهول وقد مر مضمونه.
الحديث الرابع عشر : ضعيف على المشهور ، ولا يضر عندي ضعف المعلى لأنه من مشايخ إجازة كتاب الوشاء أو أبان ، وهما كانا مشهورين.
« سبعة » كان التاء بتأويل الكبيرة بالذنب إن لم يكن من تصحيف النساخ وقيل : الكبائر مبتدأ وسبعة مبتدأ ثان ،ومنها صفة للسبعة ، و« قتل » خبر المبتدأ الثاني ، والجملة خبر المبتدأ الأول ولا يخلو من وجه ، وقوله عليهالسلام : التعرب والشركواحد ، اعتذار عما يتراءى من المخالفة بين الإجمال والتفصيل في العدد ، فالمعنى
والتعرب والشرك واحد.
١٥ ـ أبان ، عن زياد الكناسي قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام والذي إذا دعاه أبوه لعن أباه والذي إذا أجابه ابنه يضربه.
١٦ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن أبيه رفعه ، عن محمد بن داود الغنوي ، عن الأصبغ بن نباتة قال جاء رجل إلى أمير المؤمنين صلوات الله
أن المراد بالشرك ما يشمل التعرب أيضا ، فإنه بمنزلة الشرك لا سيما على بعض التأويلات المتقدمة ، فذكره بعده من قبيل ذكر الخاص بعد العام لبيان الفرد الخفي.
الحديث الخامس عشر : كالسابق وهو معلق عليه والاختلاف في آخر السند لكن زياد مجهول ، والظاهر أن الكناسي روى الخبر السابق مع هذه الزيادةفقوله : والذي ، عطف على أكل مال اليتيم بتقدير مضاف ، أي عمل الذيإذا دعاه أبوه لحاجةلعن أباه أي شتمه ولم يجبه إلى ما دعاه إليه ، وقيل : إذا دعاه لحاجة ، كنفقة وغيرها أبعده ولم يقض حاجته ،وقوله : يضربه من الضرب أو الإضرار ، ثم أنه يحتمل أن لا تكون في هذه الرواية ذكر العدد ، وعلى تقديره يمكن إدخالهما في العقوق ، أما الأول فظاهر وذكره لكونه أشد العقوق أو أخفه على الاحتمالين ، وأما الثاني فلأنه يصير سببا للعقوق ، وقيل : فيه تنبيه على أن العقوق يكون من جانب الوالد أيضا ومن جعل سبعة في الخبر السابق مبتدأ قدر هنا خبرا وقال : تقديره ومنها الذي ، لئلا يكون من عطف المفرد على الجملة.
الحديث السادس عشر : مرفوع.
ورواه الصفار في البصائر عن أحمد بن محمد عن الحسين بن سعيد عن محمد بن داود عن ابن هارون العبدي عن محمد عن ابن نباتة مثله ، وروى أيضا بإسناده عن جابر قال سألت أبا جعفرعليهالسلام عن الروح قال : يا جابر إن الله خلق الخلق على ثلاث طبقات
عليه فقال يا أمير المؤمنين إن ناسا زعموا أن العبد لا يزني وهو مؤمن ولا يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر وهو مؤمن ولا يأكل الربا وهو مؤمن ولا يسفك الدم الحرام وهو مؤمن فقد ثقل علي هذا وحرج منه صدري حين أزعم أن هذا العبد يصلي صلاتي ويدعو دعائي ويناكحني وأناكحه ويوارثني وأوارثه وقد
وأنزلهم ثلاث منازل ، وبين ذلك في كتابه حيث قال : «فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ، وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ، وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ » فأما ما ذكر من السابقين وساق نحو هذا الخبر إلى آخره وقد مر مجمل من هذا الخبر في كتاب الحجة في باب فيه ذكر الأرواح التي في الأئمةعليهمالسلام ، وقد تكلمنا هناك في تحقيق معنى الروح.
قوله : وحرج منه ، أي ضاق« حين أزعم » أي اعتقد وادعى موافقا لدعواهم« أن هذا العبد يصلي صلاتي » كان قوله صلاتي مفعول مطلق للنوع ، وكذا دعائي والمرادالدعوة إلى دين الحق أو الدعاء إلى الرب وطلب الحاجة منه من الصلاة وغيرها والأول أنسب« ويناكحني » أي يعطيني زوجة كبنته وأخته« وأناكحه » أي أعطيه زوجة كالبنت والأخت ، وقيل : المفاعلة في تلك الأفعال بمعنى الأفعال ، في القاموس : النكاح الوطء والعقد له نكح كمنع وضرب ، وأنكحها زوجها ، وقال :ورث أباه ومنه بكسر الراء يرثه كيعده ورثا ووراثة وإرثا ورثة بكسر الكل ، وأورثه أبوه وورثه جعله من ورثته ، وفي المصباح : ورث مال أبيه ، ثم قيل : ورث أباه مالا والمال موروث والأب موروث أيضا وأورثه أبوه مالا جعله له ميراثا ، وورثته توريثا أشركته في الميراث ، انتهى.
وأقول : كان الإسناد هنا مجازي ، أي جعل الله له في ميراثي ولي في ميراثه نصيبا ، وقيل : الإيراث جعل غيره وارثا بإبقاء المال وعدم إتلافه ، ولا يخفى ما فيه.
خرج من الإيمان من أجل ذنب يسير أصابه فقال أمير المؤمنين صلوات الله عليه صدقت سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول والدليل عليه كتاب الله.
خلق الله عز وجل الناس على ثلاث طبقات وأنزلهم ثلاث منازل وذلك قول
« من أجل ذنب يسير » كأنه عده يسيرا لأن الخلل في العقائد الإيمانية أعظم منه ، وقيل : اليسير في مقابل الكثير فلا ينافي عظمة الذنوب المذكورة وقيل :
اليسير هنا ما قل زمانه وانقضت لذته سريعا« صدقت » على بناء المعلوم المخاطب أي صدقت فيما أخبرت عنهم ، وإن لم يقبله عقلك ، أو صدقت في أنهم لا يخرجون عن الإيمان رأسا بحيث تنتفي المناكحة والموارثة وأمثالهما ، أو في أنهم لا يخرجون بمحض ارتكاب الذنب بل بالإصرار عليه أو المعلوم الغائب ، والضمير راجع إلى الناس أو بناء المجهول المخاطب أي صدقوك فيما أخبروك به.
« يقول » المفعول محذوف أي يقول ذلك ، والاستدلال بالكتاب إما بالآيات الدالة على حصر المؤمن في جماعة موصوفين بصفات معلومة ، وعلى الأول كما هو الظاهر الاستدلال بأن الظاهر من التقسيم وما يأتي بعده أن يكون التقسيم إلى الأنبياء والأوصياء وإلى المؤمنين وإلى الكافرين ، ووصف أصحاب اليمين وجزاءهم بأوصاف لا تليق إلا بمن يستحق عقوبة ولم يرتكب كبيرة موجبة للنار ، فلا بد من دخول المصرين على الكبائر في أصحاب الشمال ، أو بأنه تعالى ذكر في وصف أصحاب الشمال الذين يصرون على الحنث العظيم ، فالإصرار على الذنب العظيم يخرج من الإيمان.
قوله عليهالسلام : خلق الله الناس على ثلاث طبقات ، قيل : الخلق بمعنى الإيجاد أو التقدير ، ووجه الحصر أن الناس على ثلاث طبقات ، قيل : الخلق بمعنى الإيجاد أو التقدير ، ووجه الحصر أن الناس إما كافر أو مؤمن ، والمؤمن إما أن تكون له قوة قدسية مقتضية للعصمة أو لم تكن ، والأول أصحاب المشيمة ، والأخير أصحاب الميمنة ، والثاني السابقون« وذلك قول الله » إشارة إلى قوله سبحانه في سورة الواقعة
الله عز وجل في الكتاب «فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ » و «أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ » و «السَّابِقُونَ » فأما ما ذكر من أمر السابقين فإنهم أنبياء مرسلون وغير مرسلين جعل الله فيهم خمسة أرواح روح القدس وروح الإيمان وروح القوة وروح الشهوة وروح البدن فبروح القدس بعثوا أنبياء مرسلين وغير مرسلين وبها علموا الأشياء وبروح الإيمان عبدوا الله ولم يشركوا به شيئا وبروح القوة جاهدوا عدوهم وعالجوا معاشهم وبروح الشهوة أصابوا لذيذ الطعام ونكحوا الحلال من شباب النساء وبروح البدن دبوا ودرجوا
«وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً ،فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ،وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ،وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ، ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ » إلى آخر الآيات وقد مر تفسير الآيات في كتاب الحجة.
والثلة الجماعة الكثيرة أي هم جماعة كثيرة العدد من الأمم الماضية «وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ » أي أمة محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم وذلك لأن السابقين من الأمم الماضية أعني الأنبياء والأوصياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا من الأنبياء ومثلهم من الأوصياء ، وفي هذه الأمة أربعة عشر ، فالسابقون من هذه الأمة قليلون بالنسبة إلى الأولين « فإنهم » بكسر الهمزة وقد يقرأ بفتحها أي فلأنهم أنبياء كأنهعليهالسلام غلب الأنبياء على الأوصياء ، لأن الأوصياء في الأمم السابقة كان أكثرهم أو كلهم أنبياء فهذا يشمل الأئمةعليهمالسلام ، وقد مر في حديث جابر عن الصادقعليهالسلام فالسابقون هم رسل الله وخاصة الله من خلقه ، وفي رواية أخرى : الأنبياء والأوصياء ، ويمكن عطف غير مرسلين على أنبياء لكنه أبعد ، وكان فيه نوع تقية ، وفي البصائر مرسلين وغير مرسلين ، وفي القاموس :عالجه علاجا ومعالجة زواله وداواه ، وقال :الشباب الفتاء كالشبيبة وجمع الشاب كالشبان ، وقال :دب يدب دبا ودبيبا مشى على هنيئة ، وقال :درج دروجا مشى ، وفي الصحاح دب الشيخ مشى مشيا رويدا.
فهؤلاء مغفور لهم مصفوح عن ذنوبهم ثم قال : قال الله عز وجل : «تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى
« فهؤلاء مغفور لهم ومصفوح عن ذنوبهم » وهاتان الفقرتان ليستا في البصائر في شيء من الروايتين في الموضعين ، وعلى ما في الكتاب كان الذنب هنا مأول بترك الأولى كما مر مرارا ، أو كنايتان عن عدم صدورها عنهم.
«تِلْكَ الرُّسُلُ » قال البيضاوي : إشارة إلى الجماعة المذكورة قصصها في السورة أو المعلومة للرسول أو جماعة الرسل ، واللام للاستغراق «فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ » بأن خصصناه بمنقبة ليست لغيره «مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ » وهو موسى وقيل : موسى ومحمدعليهماالسلام ، كلم موسى ليلة الحيرة وفي الطور ، ومحمدا ليلة المعراج حين كان قاب قوسين أو أدنى ، وبينهما بون بعيد «وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ » بأن فضله على غيره من وجوه متعددة وبمراتب متباعدة ، وهو محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم فإنه خص بالدعوة العامة والحجج المتكاثرة والمعجزات المستمرة والآيات المتراقية المتعاقبة بتعاقب الدهر ، والفضائل العلمية والعملية الفائتة للحصر والإبهام ، لتفخيم شأنه كأنه العلم المتعين لهذا الوصف المستغني عن التعيين ، وقيل : إبراهيم خصصه بالخلة التي هي أعلى المراتب ، وقيل : إدريس لقوله تعالى : «وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا »(١) وقيل : أولو العزم من الرسل.
«وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ » المعجزات الواضحات كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ، والإخبار بالمغيبات أو الإنجيل «وَأَيَّدْناهُ » وقويناه «بِرُوحِ الْقُدُسِ » بالروح المقدسة كقولك حاتم الجود ورجل صدق ، أراد به جبرئيل أو روح عيسى ووصفها به لطهارته عن مس الشيطان أو لكرامته على الله ، ولذلك أضافها إلى نفسه ، أو لأنه لم تضمها الأصلاب والأرحام الطوامث أو الإنجيل أو اسم الله الأعظم الذي كان يحيى به الموتى ، وخص عيسىعليهالسلام بالتعيين لإفراط اليهود والنصارى في
__________________
(١) سورة مريم : ٥٧.
ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ »(١) ثم قال في جماعتهم «وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ »(٢) يقول أكرمهم بها ففضلهم على من سواهم فهؤلاء مغفور لهم مصفوح عن ذنوبهم
تحقيره وتعظيمه ، وجعل معجزاته سبب تفضيله لأنها آيات واضحة ومعجزات عظيمة لم يستجمعها غيره.
« ثم قال في جماعتهم » ظاهره أن المراد أنه قال ذلك في عموم الأنبياء والرسل ، وهو مخالف لظاهر سياق الآيات ، والمشهور بين المفسرين.
والآيات هكذا : «كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ، لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ » وقال البيضاوي : أولئك ، أي الذين لم يوادوهم.
وأقول : يمكن توجيهه بوجوه : الأول : أن يكون أولئك إشارة إلى الرسل في قوله : ورسلي ، وهو وإن كان بعيدا لفظا فليس ببعيد معنى ، ولا ينافي ما مر في بعض الأخبار أنه الروح الذي في المؤمنين جميعا ويفارقهم في وقت المعصية ، لأنهم أكمل المؤمنين ، وفيهم هذا الروح أيضا على وجه الكمال وإن كان في سائر المؤمنين صنف منه ، وهذا غير روح القدس كما مر في الخمسة.
الثاني : أن يكون إشارة إلى المؤمنين وذكرهعليهالسلام هذه الآية لبيان أنهم أيضا مؤيدون بهذا الروح لأنهم أكمل المؤمنين كما عرفت.
الثالث : أن يكون المراد بجماعتهم الجماعة المخصوصين بالرسل من خواص أممهم وأتباعهم ، وكونه في خواص أتباعهم يستلزم كونه فيهم أيضا ، وفي البصائر في حديث جابر بعد قوله وروح البدن : وبين ذلك في كتابه حيث قال : «تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا »(٣) الآية ، وبعدها ثم قال : في جميعهم : «وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ » وهذا
__________________
(١ و ٣) سورة البقرة : ٢٥٣.
(٢) سورة المجادلة : ٢٢.
ثم ذكر أصحاب الميمنة و «هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا » بأعيانهم جعل الله فيهم أربعة أرواح روح الإيمان وروح القوة وروح الشهوة وروح البدن فلا يزال العبد ـ يستكمل هذه الأرواح الأربعة حتى تأتي عليه حالات فقال الرجل يا أمير المؤمنين ما هذه الحالات فقال أما أولاهن فهو كما قال الله عز وجل : «وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً »(١) فهذا ينتقص منه جميع الأرواح و
يأبى عن هذا الحمل ، بل عن الثاني أيضا إلا بتكلف.
«وهُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا » أي يكون إيمانهم واقعيا ولا يكون باطنهم مخالفا لظاهرهم فيكونون منافقين على بعض الاحتمالات السابقة أو المراد بهم المؤمنون الذين لا يتركون الفرائض ولا يرتكبون الكبائر إلا اللمم ، فالذين يفعلون ذلك ولا يتوبون داخلون في أصحاب الشمال ، لكنه يأبى عنه ما سيأتي من التخصيص بأهل الكتاب ، وسيأتي القول فيه.
وقوله : بأعيانهم ، ليس في رواية جابر ، وكان المعنى بخصوصهم أو بأنفسهم من غير أن يلحق بهم أتباعهميستكمل هذه الأرواح ، أي يطلب كمالها وتمامها ، أو يتصف بها كاملة ، وفي البصائر بهذه الأرواح ، وأي يطلب كمالها وتمامها ، أو يتصف بها كاملة ، وفي البصائر بهذه الأرواح ، وفي رواية جابر مستكملا بهذه الأرواح ، وهما أظهر ، وهما على بناء المفعول ، في القاموس استكمله وكمله أتمه وجمله «إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ » في مجمع البيان : أي أدون العمر وأوضعه ، أي يبقيه حتى يصير إلى حال الهرم والخرف ، فيظهر النقصان في جوارحه وحواسه وعقله ، وروي عن عليعليهالسلام أن أرذل العمر خمس وسبعون سنة ، وروي مثل ذلك عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وعن قتادة تسعون سنة «لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً » أي ليرجع إلى حال الطفولية لنسيان ما كان علمه لأجل الكبر ، فكأنه لا يعلم شيئا مما كان عليه ، وقيل : ليقل علمه بخلاف ما كان عليه في حال شبابه ، انتهى.
__________________
(١) سورة النحل : ٧٠.
ليس بالذي يخرج من دين الله لأن الفاعل به رده إلى أرذل عمره فهو لا يعرف للصلاة وقتا ولا يستطيع التهجد بالليل ولا بالنهار ولا القيام في الصف مع الناس فهذا نقصان من روح الإيمان وليس يضره شيئا ومنهم من ينتقص منه روح القوة
وقال البيضاوي : وقيل هو خمس وتسعون سنة ، وأقول : سيأتي في الروضة إنه مائة سنة ، وقيل : الكاف فيقوله كما قال الله ، لبيان أن القريب من أرذل العمر أيضا داخل في المراد وليس بالذي يخرج من دين الله ، قال بعض المحققين : إن قيل : قد ثبت أن الإنسان إنما يبعث على ما مات عليه فإذا مات الكبير على غير معرفة فكيف يبعث عارفا؟ قلنا : لما كان مانعة عن الالتفات إلى معارفه أمرا عارضا وهو اشتغاله بتدبير البدن فلما زال ذلك بالموت برزت له معارفه التي كانت كامنة في ذاته ، بخلاف من لم يحصل المعرفة أصلا فإنه ليس في ذاته شيء ليبرز له.
« لأن الفاعل به رده » أي أن الله الفاعل به المدبر لأمره رده ، أو الرب الفاعل به القوي الأربع وخالقها فيه رده ، أو فاعل آخر غير نفسه رده ، ولا تقصير له فيه ، والأول أظهر وفي البصائر : لأن الله الفاعل ذلك به ، وهو أصوب« ولا يستطيع التهجد بالليل ولا بالنهار » كأنه استعمل التهجد هنا في مطلق العبادة أو يقدر فعل آخر كقولهم : « علفته تبنا وماءا باردا(١) » وقيل : المراد بالتهجد هنا التيقظ من نوم الغفلة ، وأصل التهجد مجانبة الهجود في الليل للصلاة ، وفي القاموس : الهجود النوم كالتهجد ، وبالفتح المصلي بالليل ، والجمع بالضم ، وهجد وتهجد استيقظ كهجد ضد ، وفي البصائر : ولا الصيام بالنهار وهو أصوب« ولا القيام في الصف » أي لصلاة الجماعة ، ويحتمل الجهاد.
« وليس يضره شيئا » لأن ترك الأفعال مع القدرة عليها يوجب نقص الإيمان ، لا مع العذر ولا يوجب نقص ثوابه أيضا لما ورد في الأخبار أنه يكتب له مثل ما كان
__________________
(١) هذا عجزبيت وصدره « لما حططت الرحل عنها واردا » أي علفتها تبنا وسقيتها ماءا باردا.
فلا يستطيع جهاد عدوه ولا يستطيع طلب المعيشة ومنهم من ينتقص منه روح الشهوة فلو مرت به أصبح بنات آدم لم يحن إليها ولم يقم وتبقى روح البدن فيه فهو يدب ويدرج حتى يأتيه ملك الموت فهذا الحال خير لأن الله عز وجل هو الفاعل به وقد تأتي عليه حالات في قوته وشبابه فيهم بالخطيئة فيشجعه روح القوة ويزين له روح الشهوة ويقوده روح البدن حتى توقعه في الخطيئة فإذا لامسها نقص
يعمله في حال شبابه وقوته وصحته « وفيهم » أي في أصحاب الميمنة أو في أصحاب تلك الحالات من ينتقص منه روح القوة أي هي فقط ، أو بسبب غير الكبر في السن و« منهم » يحتمل الوجهين المتقدمين ، وثالثا وهو إرجاع الضمير إلى الذين ينتقص منهم روح القوة ، وعلى الوجهين الأخيرين كان المراد مع نقص الروح السابقة لقوله : ويبقى روح البدن.
« لم يحن إليها » أي لا يشتاق إليها« ولم يقم » أي إليها لطلبها ومراودتها ، وقيل : أي لم تقم آلته لها ، ولا يخفى بعده ، وفي رواية جابر : وقد يأتي على العبد تارات ينقص منه بعض هذه الأربعة ، وذلك قول الله تعالى : «وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً »(١) فينتقص روح القوة ولا يستطيع مجاهدة العدو ولا معالجة المعيشة وينتقص منه روح الشهوة فلو مرت به أحسن بنات بني آدم لم يحن إليهاوتبقى فيه روح الإيمان وروح البدن ، وفبروح الإيمان يعبد الله ، وبروح البدنيدب ويدرج حتى يأتيه مالك الموت ، إلى آخر الخبر ، وكأنه أظهر.
« فهذا مجال خير » أي لا يضره هذا النقص في الأرواح ، وقيل : المعنى أنه يسقط عنه بعض التكاليف الشرعية كالجماع في كل أربعة أشهر والقسمة بين النساء ولا يخفى ما فيه.
« في قوته » كلمة في للسببية أو للظرفية أي في وقت قوته« نقص » النقص يكون لازما ومتعديا وهنا يحتملهما فعلى الأول المعنى نقص بعض الإيمان ، فمن
__________________
(١) سورة النحل : ٧٠.
من الإيمان وتفصى منه فليس يعود فيه حتى يتوب فإذا تاب تاب الله عليه وإن عاد أدخله الله نار جهنم.
فأما أصحاب المشأمة فهم اليهود والنصارى يقول الله عز وجل : «الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ »(١) يعرفون محمدا والولاية في التوراة والإنجيل كما
بمعنى البعض ، أو نقص شيء منه فيكون فاعلا ، وعلى الثاني يكون مفعولا« وتفصى منه » بالفاء أي خرج من الإيمان أو خرج الإيمان منه ، في القاموس : أفصى تخلص من خير أو شر كتفصى ، وفي النهاية : يقال تفصيت من الأمر تفصيا إذا خرجت منه وتخلصت ، وربما يقرأ بالقاف أي بعد منه وهو تصحيف.
« وإن عاد » أي من غير توبة على وجه الإصرار ، وقيل : هو من العادة« أدخله الله نار جهنم » أي يستحق ذلك ويدخله إن لم يعف عنه ، لكن يخرجه بعد ذلك إلا أن يصير مستحلا أو تاركا لولاية أهل البيتعليهمالسلام ، ويؤيده أن في البصائر هكذا فإذا مسها انتقص من الإيمان ، ونقصانه من الإيمان ليس بعائد فيه أبدا أو يتوب فإن تاب وعرف الولاية تاب الله عليه ، وإن عاد وهو تارك الولاية أدخله الله نار جهنم.
وأقول : كأنه لم يذكر العود مع الولاية وأبهم ذلك إما لعدم اجتراء الشيعة على المعصية أو لأن الإصرار يصير سببا لترك الولاية غالبا أو أحيانا كما مر.
« فهم اليهود والنصارى » كان ذكرهما على المثال ، والمراد جميع الكفار والمنكرين للعقائد الإيمانية الذين تمت عليهم الحجة ويؤيده ما في رواية جابر حيث قال : وأما ما ذكرت من أصحاب المشيمة فمنهم أهل الكتاب.
«الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ » قال البيضاوي : يعني علماءهم «يَعْرِفُونَهُ » الضمير لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وإن لم يسبق ذكره لدلالة الكلام عليه ، وقيل : للعلم أو القرآن أو التحويل يعني تحويل القبلة «كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ » يشهد للأول أي يعرفونه بأوصافه كمعرفتهم أبنائهم ولا يلتبسون عليهم بغيرهم «وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ
__________________
(١) سورة البقرة : ١٤٦.
يعرفون أبناءهم في منازلهم «وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ » أنك الرسول إليهم «فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ »(١) فلما جحدوا ما عرفوا ابتلاهم [ الله ] بذلك فسلبهم روح الإيمان وأسكن أبدانهم ثلاثة أرواح روح القوة وروح الشهوة وروح البدن ثم أضافهم إلى الأنعام فقال «إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالْأَنْعامِ »(٢)
الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ » تخصيص لمن عاند واستثناء لمن آمن «الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ » كلام مستأنف والحق إما مبتدأ خبره من ربك ، واللام للعهد والإشارة إلى ما عليه الرسول أو الحق الذي يكتمونه ، أو للجنس والمعنى أن الحق ما ثبت أنه من الله كالذي أنت عليه لا ما لم يثبت كالذي عليه أهل الكتاب ، وإما خبر مبتدإ محذوف أي هو الحق ومن ربك حال أو خبر بعد خبر ، وقرأ بالنصب على أنه بدل من الأول أو مفعول يعلمون.
«فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ » الشاكين في أنه من ربك أو في كتمانهم الحق عالمين به ، وليس المراد به نهي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن الشك فيه لأنه غير متوقع منه ، وليس بقصد واختيار ، بل إما تحقيق الأمر وأنه بحيث لا يشك فيه ناظر أو أمر الأمة باكتساب المعارف المزيحة للشك ، على الوجه الأبلغ.
قوله : والولاية ، أي يعرفون محمدا بالنبوة وأوصياءهم بالإمامة والولاية ، وإنما اكتفى بذكر محمد لأن معرفته على وجه الكمال يستلزم معرفة أوصيائه ، أو لأنه الأصل والعمدة« إنك الرسول إليهم » بيان للحق ، وفي البصائر الحق من ربك الرسول من الله إليهم بالحق ، والظاهر أن قراءتهمعليهمالسلام كان على النصب« ابتلاهم الله بذلك » أي بسبب ذلك الجحود ،فقوله : فسلبهم بيان للابتلاء.
وأقول : يحتمل أن يكون الغرض من ذكر الآية بيان سلبروح الإيمان من هؤلاء بقوله تعالى : «فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ » فإن الظاهر أن هذا تعريض لهم
__________________
(١) سورة البقرة : ١٤٧.
(٢) سورة الفرقان : ٤٤.
لأن الدابة إنما تحمل بروح القوة وتعتلف بروح الشهوة وتسير بروح البدن فقال [ له ] السائل أحييت قلبي بإذن الله يا أمير المؤمنين
١٧ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن داود قال سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن قول رسول اللهصلىاللهعليهوآله إذا زنى الرجل فارقه روح الإيمان قال فقال هو مثل قول الله عز وجل [ : «وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ »(١) ثم قال
بأنهم من الشاكين على أحد وجهين أحدهما : أنه لما جحدوا ما عرفوا سلب الله منهم التوفيق واللطف ، فصاروا شاكين ، ومع الشك لا يبقى الإيمان فسلب منهم روحه ، لأنه لا يكون مع عدم الإيمان ، أو سلب منهم أولا الروح المقوي للإيمان فصاروا شاكين ، وثانيهما : أنهم لما أنكروا ظاهرا ما عرفوا يقينا نسبهم إلى الامتراء وألحقهم بالشاكين لأن اليقين إنما يكون إيمانا إذا لم يقارن الإنكار الظاهري فلذا سلبهم الروح الذي هو لازم الإيمان ، ويؤيده أن في البصائر ابتلاهم الله بذلك الذم ، وهذان الوجهان مما خطر بالبال في غاية المتانة.
« وأسكن أبدانهم » تخصيص تلك الأرواح بالأبدان لأن الروحين الآخرين ليسا مما يسكن البدن ، وإن كانا متعلقين به.
واعلم أن الروح يذكر ويؤنث وإنما بسطنا الكلام في شرح هذا الخبر لأنه لم يتعرض أحد لإيضاح الدقائق المستنبطة منه.
الحديث السابع عشر : صحيح على الظاهر وإن كان داود مشتركا لأنه مشترك بين ثقات ، وابن كثير أيضا عندي ثقة.
ومن« قوله عز وجل » ليس في بعض النسخ ، وهو أظهر ، وعلى تقديره فصدر الآية «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ » أي من حلاله أو من جياده «وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ » أي ومن طيبات ما أخرجنا من الحبوب والثمر
__________________
(١) سورة البقرة : ٢٦٨.
غير هذا أبين منه ذلك قول الله عز وجل ] : «وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ »(١) هو الذي فارقه.
١٨ ـ يونس ، عن ابن بكير ، عن سليمان بن خالد ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال «إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ »(٢) الكبائر فما سواها
والمعادن فحذف المضاف لتقدم ذكره «وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ » أي ولا تقصدوا الردى «مِنْهُ » أي من المال أو مما أخرجنا ، وتخصيصه بذلك لأن التفاوت فيه أكثر «تُنْفِقُونَ » حال مقدرة من فاعل تيمموا ويجوز أن يتعلق به « منه » ويكون الضمير للخبيث ، والجملة حالا منه ، وروي عن ابن عباس أنهم كانوا يتصدقون بحشف التمر وشراره(٣) فنهوا عنه.
وأما التشبيه فيحتمل وجوها :
الأول : ما خطر بالبال أن الأعمال الصالحة إنفاق من النفس ، وإذا فارقها روح الإيمان بسبب الأعمال السيئة صارت خبيثة ، فالمعنى طهروا أنفسكم بترك المعاصي حتى يرد إليها روح الإيمان ثم استعملوها في الأعمال الصالحة حتى تقبل منكم كما قال تعالى : «إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ »(٤) فيكون من بطون الآية ، ولا ينافي ظاهرها.
الثاني : ما قيل : أن الإيمان يصير خبيثا كالمال الرديء.
الثالث : ما قيل : إن وجه المماثلة إن أيمان الزاني ناقص لا أنه معدوم بكله كما أن النفاق من المال الخبيث ناقص لا أنه ليس بإنفاق أصلا ، والكل لا يخلو من تكلف.
الحديث الثامن عشر : موثق كالصحيح.
«إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ » كان المراد بالشرك الإخلال بكل من العقائد
__________________
(١) سورة البقرة : ٢٥٣.
(٢) سورة النساء : ٤٨.
(٣) الحشف : اردأ التمر او اليابس الفاسد منه.
(٤) سورة المائدة : ٢٧.
قال قلت دخلت الكبائر في الاستثناء قال نعم.
الإيمانية ، وبالمغفرة المغفرة بغير توبة ، وقال في مجمع البيان : معناه أن الله لا يغفر أن يشرك به أحد ولا يغفر ذنب الشرك لأحد ، ويغفر ما دون الشرك من الذنوب لمن يريد ، قال المحققون : هذه الآية أرجى آية في القرآن لأن فيه إدخال ما دون الشرك من جميع المعاصي في مشية الغفران ، وقف الله سبحانه المؤمنين الموحدين بهذه الآية بين الرجاء والخوف ، وبين العدل والفضل ، وذلك صفة المؤمن ، انتهى.
وروى الصدوق في التوحيد عن عليعليهالسلام قال : ما في القرآن آية أحب إلى من قوله : «إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ » الآية ، وبإسناده عن أبي ذررضياللهعنه في حديث طويل قال : خرجت مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى قاع(١) حوله حجارة ، فقال لي : اجلس حتى أرجع إليك ، فانطلق في الحرة(٢) حتى لم أره وتوارى عني فأطال ، ثم إني سمعته وهو مقبل وهو يقول : وإن زنى وإن سرق ، قال : فلم أصبر حتى قلت يا نبي الله جعلني الله فداك من تكلم في جانب الحرة فإني ما سمعت أحدا يرد عليك شيئا قال : ذاك جبرئيل عرض لي في جانب الحرة فقال : بشر أمتك أن من مات لا يشرك بالله عز وجل شيئا دخل الجنة ، قال : فقلت : يا جبرئيل وإن زنى وإن سرق؟ قال : نعم ، قلت : وإن زنى وإن سرق؟ قال : نعم وإن شرب الخمر ، والذي يدل على أن الشرك شامل للإخلال بجميع العقائد وأن المغفرة مختصة بالمؤمنين الذين صحت عقائدهم ما رواه علي بن إبراهيم في التفسير عن أبي جعفرعليهالسلام قال : أما قوله : إن الله لا يغفر أن يشرك به ، يعني أنه لا يغفر لمن يكفر بولاية عليعليهالسلام وأما قوله : ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ، يعني لمن والى علياعليهالسلام ، وروى الصدوقرحمهالله في الفقيه قال : لقد سمعت حبيبي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول : لو أن المؤمن خرج من الدنيا وعليه مثل ذنوب أهل الأرض لكان الموت كفارة لتلك الذنوب ، ثم قالعليهالسلام
__________________
(١) القاع : أرض سهلة قد انفرجت عنها الجبال والاكام.
(٢) الحرة : أرض ذات حجارة سود كأنها أحرقت بالنار.
١٩ ـ يونس ، عن إسحاق بن عمار قال قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام الكبائر فيها استثناء أن يغفر لمن يشاء قال نعم.
٢٠ ـ يونس ، عن ابن مسكان ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال سمعته يقول «وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ ـ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً »(١) قال معرفة الإمام و
من قال لا إله إلا الله بإخلاص فهو بريء من الشرك ، ومن خرج من الدنيا لا يشرك بالله دخل الجنة ، ثم تلا هذه الآية إلى قوله : لمن يشاء ، من شيعتك ومحبيك يا علي قال أمير المؤمنينعليهالسلام : فقلت : يا رسول الله هذا لشيعتي؟ قال : إي وربي أنه لشيعتك « الخبر ».
« في الاستثناء » أي في التعليق بالمشية وقد شاع تسمية التعليق بمشية الله استثناء فإن قولك أفعل ذلك إن شاء الله في قوة قولك إلا أن لا يشاء الله فعلي ، وهنا أيضا قوله تعالى : «وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ » في قوة قوله : يغفر ما دون ذلك لكل أحد إلا لمن لا يشاء ، أو لا يغفر ما دون ذلك إلا لمن يشاء ، وبالجملة يدل الحديث على أن الله سبحانه يغفر لأصحاب الكبائر إن شاء ، ردا على من زعم أن المصرين على الكبائر مخلدون في النار.
الحديث التاسع عشر : كالسابق ومعلق عليه.
وقوله : استثناء ، يمكن أن يقرأ منونا وغير منون.
الحديث العشرون : صحيح.
وقال الطبرسي (ره) في قوله تعالى : «يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ » ذكر في معنى الحكمة وجوه : قيل : إنه علم القرآن ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ومقدمه ومؤخره وحلاله وحرامه وأمثاله عن ابن عباس وابن مسعود ، وقيل : هو الإصابة في القول والفعل ، وقيل : إنه علم الدين ، وقيل : هو النبوة ، وقيل : هو المعرفة بالله
__________________
(١) سورة البقرة : ٢٦٩.
اجتناب الكبائر التي أوجب الله عليها النار.
٢١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن محمد بن حكيم قال قلت لأبي الحسنعليهالسلام الكبائر تخرج من الإيمان فقال نعم وما دون الكبائر. قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لا يزني الزاني وهو مؤمن ولا يسرق السارق وهو مؤمن.
وقيل : هو الفهم ، وقيل : هو خشية الله وقيل هو القرآن والفقه عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، وقيل : هو العلم الذي تعظم منفعته ، وتجل فائدته ، وهذا جامع للأقوال ، وقيل : هو ما آتاه الله أنبياءه وأممهم في كتبه وآياته ودلالاته التي يدلهم بها على معرفتهم به وتدينهم ، وذلك تفضل منه يؤتيه من يشاء «وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ » أي ومن يعط ما ذكرناه «فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً » أي أعطي ، انتهى.
وقيل : الحكمة معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم ، وأقول : ظاهر كثير من الأخبار أنه العلم الحق المقرون بالعمل ، أو العلم اللدني الذي أفاضه الله على قلب العبد بعد العمل ، وقد قالوا : الحكيم « راست گفتار درست كردار » والحديث يدل على أنه صحة أصول العقائد مع اجتناب الكبائر فإن معرفة الإمام يستلزم صحة سائر العقائد ، ويمكن إدخال ترك الفرائض أيضا في الكبائر كما ورد في رواية أخرى أنها طاعة الله ومعرفة الإمام بل يمكن إدخال سائر العلوم الحقة في معرفة الإمام ، لأن معرفتهم حق المعرفة يستلزم أخذ العلوم عنهم بقدر القابلية.
الحديث الحادي والعشرون : حسن على الظاهر وقد يعد مجهولا لاشتراك محمد بن حكيم بين ممدوح ومجهولين ، وعندي أن أحد المجهولين وهو الخثعمي متحد مع الممدوح والساباطي لم يلق الكاظمعليهالسلام .
« وما دون الكبائر » أي الصغائر أيضا ولعله محمول على الإصرار فتصير كبيرة ، أو مع عدم اجتناب الكبائر فإن الصغائر غير مكفرة حينئذ ولا استحالة في اجتماع الأسباب الشرعية على معلول واحد ، ونقل قول الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم للاستدلال لإخراج الكبائر فتدبر.
٢٢ ـ ابن أبي عمير ، عن علي [ بن ] الزيات ، عن عبيد بن زرارة قال دخل ابن قيس الماصر وعمرو بن ذر وأظن معهما أبو حنيفة على أبي جعفرعليهالسلام فتكلم ابن قيس الماصر فقال إنا لا نخرج أهل دعوتنا وأهل ملتنا من الإيمان في المعاصي والذنوب قال فقال له أبو جعفرعليهالسلام يا ابن قيس أما رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقد قال لا يزني الزاني وهو مؤمن ولا يسرق السارق وهو مؤمن فاذهب أنت وأصحابك حيث شئت.
٢٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن عبد الله بن سنان قال سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن الرجل يرتكب الكبيرة من الكبائر فيموت هل يخرجه ذلك من الإسلام وإن عذب كان عذابه كعذاب المشركين أم له مدة وانقطاع فقال من ارتكب كبيرة من الكبائر فزعم أنها حلال أخرجه ذلك من الإسلام وعذب أشد العذاب وإن كان معترفا أنه أذنب ومات عليه أخرجه من الإيمان ولم يخرجه من الإسلام وكان عذابه أهون من عذاب الأول.
٢٤ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني قال حدثني أبو جعفر صلوات الله عليه قال سمعت أبي يقول سمعت أبي موسى بن جعفرعليهالسلام يقول دخل عمرو بن عبيد على أبي عبد اللهعليهالسلام فلما
الحديث الثاني والعشرون : مجهول.
« أهل دعوتنا » أي الذين يدعون إلى الدين الذي ندعو إليه ، ويدل على أن الذنوب أو الكبائر يخرج من الإيمان ببعض معانيه كما مر مرارا.
الحديث الثالث والعشرون : صحيح.
« وكان عذابه أهون » أي كما وكيفا وقد مر شرحه في عاشر الباب.
الحديث الرابع والعشرون : صحيح لأن مدح عبد العظيم يربو على التوثيق بمنازل شتى.
سلم وجلس تلا هذه الآية : «الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ »(١) ثم أمسك فقال له أبو عبد اللهعليهالسلام ما أسكتك قال أحب أن أعرف الكبائر من كتاب الله عز وجل فقال نعم يا عمرو أكبر الكبائر الإشراك بالله يقول الله و «مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ »(٢) وبعده الإياس من روح الله لأن الله عز وجل
« ثم أمسك » يعني عن الكلام« فقال نعم » لعله قبول لالتماس عمرو أو تصديقلقوله أكبر الكبائر الإشراك بالله قال الوالد (ره) : إطلاق الكبيرة عليه خلاف مصطلح الأصحاب ثم الظاهر أن المراد بالإشراك ما يستحق به الخلود في النار ، فيشمل إنكار كل ما هو من أصول الدين.
أقول : ويؤيده أنه فسر في كثير من الأخبار الشرك بترك الولاية ، وروي أنه يسلب لا إله إلا الله يوم القيامة من كل أحد إلا من الشيعة ، وروي في تفسير قوله تعالى : «وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ »(٣) أن المعاصي أيضا داخلة في الشرك ، وروي أدنى الشرك أن تقول للحصاة إنها نواة ، وللنواة إنها حصاة ، ثم تحب عليه وتبغض عليه ، وبالجملة الشرك له معان مختلفة وإطلاقات كثيرة ، والمراد هنا ما يشمل الإخلال بجميع العقائد الإيمانية.
«فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ » قال في المجمع : التحريم هنا تحريم منع لا تحريم عبادة ، ومعناه فإن الله يمنعه الجنة وبعده «وَمَأْواهُ النَّارُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ » وقال سبحانه حاكيا عن يعقوبعليهالسلام : «يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ » أي من رحمته وفرجه «إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ » بالله وبصفاته ، فإن العارف لا يقنط من رحمته في شيء من الأحوال.
وقال الطبرسي (ره) : لا تيأسوا من روح الله أي لا تقنطوا من رحمته ، وقيل : من الفرج من قبل الله «إِنَّهُ لا يَيْأَسُ » ( إلخ ) وقال ابن عباس : يريد أن المؤمن من الله
__________________
(١) سورة النجم : ٣٢.
(٢) سورة المائدة : ٧٢.
(٣) سورة يوسف : ١٠٦.
يقول : «إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ » ثم الأمن لمكر الله ، لأن الله
على خير يرجوه في الشدائد والبلاء ، ويشكره ويحمده في الرخاء ، والكافر ليس كذلك ، وفي هذا دلالة على أن الفاسق الملي لا يأس عليه من رحمة الله بخلاف ما يقوله أهل الوعيد ، انتهى.
وأقول : فيه الوعيد بالنار ضمنا فإن الكافر مستحق للنار ، وقال الوالدقدسسره : الظاهر من الخبر أن المراد بالآية أن اليأس من رحمته تعالى كفر ، ويمكن أن يكون المراد أن غير الكفار نهوا عن اليأس أو اليأس من فعلهم ، فالمؤمن الآيس بمنزلتهم والأول أظهر ، انتهى.
وأقول : كان الظاهر من الخبر أن الكبيرة ما أوعد الله عليه النار أو هدده تهديدا عظيما ، أو ذمة ذما بليغا ، فعلى أي المعاني حملت الآية تدل على كون اليأس كبيرة ، وقال (ره) فيقوله : ثم الأمن لمكر الله ، أي عذاب الآخرة أو مع عذاب الدنيا أو الاستدراج بالنعم.
وقال البيضاوي في قوله تعالى : «أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ » مكر الله استعارة لاستدراج العبد وأخذه من حيث لا يحتسب «فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ » أي الذين خسروا بالكفر وترك النظر والاعتبار.
وقال الطبرسي (ره) : سمي العذاب لنزوله بهم من حيث لا يعلمون كما أن المكر ينزل بالممكور به من جهة الماكر من حيث لا يعلمه ، وقيل : إن مكر الله استدراجه إياهم بالصحة والسلامة وطول العمر ، وتظاهر النعمة «فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ » الآية ، يسأل عن هذا فيقال : إن الأنبياء والمعصومين آمنوا مكر الله وليسوا بخاسرين وجوابه من وجوه : « أحدها » أن معناه لا يأمن مكر الله من المذنبين إلا القوم الخاسرون بدلالة قوله سبحانه : «إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ »(١) « وثانيها » : أن معناه لا يأمن
__________________
(١) سورة الدخان : ٥١.
عذاب الله للعصاة إلا الخاسرون ، والمعصومون لا يأمنون عذاب الله للعصاة ولهذا سلموا من مواقعة الذنوب « وثالثها » لا يأمن عقاب الله جهلا بحكمته إلا الخاسرون ومعنى الآية الإبانة عما يجب أن يكون عليه المكلف من الخوف لعقاب الله ، ليسارع إلى طاعته واجتناب معاصيه ، ولا يستشعر الأمن من ذلك ، فيكون قد خسر من دنياه وآخرته ، انتهى.
وأقول : الوصف بالخسران يستلزم الوعيد بالعذاب إذ من استحق الثواب ودخل الجنة لا يقال أنه خاسر ، بل هو رابح ، وإن كان غيره أكثر ربحا ، وأيضا لم يصف الله تعالى في القرآن بالخسران إلا الكافرين والمعذبين وحصر الخسران فيهم كقوله تعالى : «وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ »(١) «الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ »(٢) «وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ »(٣) «الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ »(٤) «مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ »(٥) «أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ »(٦) «أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ »(٧) «وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ »(٨) «قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ »(٩) «وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ »(١٠) «لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ »(١١) «وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ ».
__________________
(١ و ٢) سورة البقرة : ٢٦ و ٢٧.
(٣) سورة البقرة : ١٢١.
(٤ و ٥) سورة الأعراف : ٩٢ و ١٧٨.
(٦) سورة التوبة : ٦٩.
(٧) سورة النمل : ٥.
(٨) سورة العنكبوت : ٥٢.
(٩) سورة الشورى : ٤٥.
(١٠) سورة الزمر : ٦٣.
(١١) سورة الزمر : ٦٥.
عز وجل يقول : «فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ »(١) ومنها عقوق الوالدين
وأمثال ذلك في الآيات كثيرة لا تخفى على من تتبعها.
« جعل العاق جَبَّاراً شَقِيًّا » إشارة إلى قوله تعالى حاكيا عن عيسىعليهالسلام : «وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا »(٢) قال الطبرسي (ره) : وبرا بوالدتي أي وجعلني بارا بها أؤدي شكرها فيما قاسته بسببي «وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً » أي متجبرا «شَقِيًّا » والمعنى أني بلطفه وتوفيقه كنت محسنا إلى والدتي متواضعا في نفسي ، حتى لم أكن من الجبابرة الأشقياء ، انتهى.
وأقول : الآية وإن وردت في بر الوالدة لما لم يكن لعيسىعليهالسلام والد لكن الظاهر شمول الحكم للوالد بطريق أولى ، مع أنه تعالى قال في قصة يحيىعليهالسلام «وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا »(٣) فعلى سياق ما تقدم يدل على أن العاق جبار عاص ، ولا يبعد أن يكون أشارعليهالسلام إلى الآيتين معا لاشتراك الجبار بينهما ، والاكتفاء بالشقي لأنه أبلغ من العصي في الذم وكون الآيتين غاية في الذم ظاهر ، وأما استلزام الوعيد بالنار فلان الجبار في الآيات تطلق على الكفار والمعاندين للحق والبالغين في الظلم ، قال الراغب : الجبار في صفة الإنسان يقال لمن يجبر نقيصته بادعاء منزلة من التعالي لا يستحقها ، وهذا لا يقال إلا على طريق الذم كقوله تعالى «وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ »(٣) وقوله : «وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا » وقوله : «إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ »(٤) وقوله : «كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ »(٥) أي متعال عن قبول الحق والإذعان له ، ويقال للقاهر غيره جبارا ، انتهى.
__________________
(١) سورة الأعراف : ٩٩.
(٢ و ٣) سورة مريم : ٣٢ و ١٤.
(٣) سورة إبراهيم : ١٥.
(٤) سورة المائدة : ٢٢.
(٥) سورة غافر : ٣٥.
لأن الله سبحانه جعل العاق «جَبَّاراً شَقِيًّا » وقتل النفس «الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ »
وأما الشقاوة فهي سوء العاقبة والمراد هنا في الآخرة ، ولا يكون إلا بالعذاب ودخول النار : وقد قال تعالى : «فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خالِدِينَ فِيها »(١) الآية.
وأما العصي فالعصيان مما أوعد عليه النار كما قال تعالى : «وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها »(٢) وقال سبحانه : «وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً »(٣) ومثله كثير.
« وقتل النفس الَّتِي حَرَّمَ اللهُ » أي قتلها «إِلاَّ بِالْحَقِ » استثناء عن القتل أو حرم وقالوا : الحق الذي يستباح به قتل النفس المحرم قتلها هي ثلاثة أشياء : القود ، والزنا بعد إحصانه ، والكفر بعد إيمان ، والآية التي استشهدعليهالسلام بها في سورة النساء هكذا : «وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً » وظاهر الآية أن التعمد في مقابلة الخطإ الذي ذكره الله في الآية التي قبلها ، حيث قال : «وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ » الآية ، وهو الظاهر من هذا الخبر أيضا حيث استشهدعليهالسلام بها لمطلق القتل ، ويشكل حينئذ الحكم بالخلود ، ولذا أول بعضهم التعمد بما يرجع إلى الكفر إما بكونه مستحلا للقتل أو قتله لإيمانه ، كما ورد في بعض أخبارنا ، وقيل : معناه هذا جزاؤه إن جازاه لكنه لا يجازيه ، وروي ذلك أيضا عن أبي عبد اللهعليهالسلام وقيل : هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : «إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ »(٤) وقالوا الآية اللينة نزلت بعد الشديدة ، وقيل : المراد بالخلود المكث الطويل وهذا الوجه أنسب بهذا الخبر ، وكذا ما روي أن هذا جزاؤه إن جازاه لا يأبى عنه هذا الخبر ، وأما ما روي أن المراد به
__________________
(١) سورة هود : ١٠٦.
(٢) سورة النساء : ١٤.
(٣) سورة الجنّ : ٢٣.
(٤) سورة النساء : ٤٨.
لأن الله عز وجل يقول : «فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها » إلى آخر الآية(١) وقذف المحصنة لأن الله عز وجل يقول : «لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ »(٢) وأكل مال اليتيم لأن الله عز وجل يقول : «إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ
قتله لإيمانه فيمكن أن يكون من بطون الآية فلا ينافي الاستدلال بظاهرها في هذا الخبر ، وسيأتي تمام الكلام في الآية في محله إن شاء الله.
« وقذف المحصنة » أي رمي العفيفة غير المشهورة بالزنا بها ، وصدر الآية : «إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ » في المجمع : أي يقذفون العفائف من النساء «الْغافِلاتِ » عن الفواحش «الْمُؤْمِناتِ » بالله ورسوله « واليوم الآخر «لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ » أي أبعدوا من رحمة الله في الدارين ، وقيل : استحقوا اللعنة فيهما وقيل : عذبوا في الدنيا بالجلد ورد الشهادة وفي الآخرة بعذاب النار «وَلَهُمْ » مع ذلك «عَذابٌ عَظِيمٌ » وهذا الوعيد عام لجميع المكلفين.
وآيةأكل مال اليتيم هكذا «الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ » فقوله : ظلما حال أو تميز أي ظالمين أو من جهة الظلم والتقييد للبيان والكشف ، فإن أكل أموالهم لا يكون إلا ظلما كما في «يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍ » وللتقييد لأنه يجوز أكل ما لهم بالحق كالأكل أجرة بالمعروف ، أو عوضا عما أقرضه إياهم أو مستقرضا من مالهم ، والمراد بالأكل جميع التصرفات كما مر «إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ » أي ملأ بطونهم ، يقال : أكل فلان في بطنه وفي بعض بطنه كذا في الكشاف ، وقيل : ذكر البطون للتأكيد مثل « يطير بجناحيه » ونظرت بعينينارا أي ما يجر إلى النار ويؤول إليها وقيل : أكلها كناية عن دخولها ، وقيل : المراد به أكلها يوم القيامة لما روي عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يبعث الله قوما من قبورهم تتأجج أفواههم نارا فقيل : من هم؟ فقال : ألم تر أن الله يقول : «إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ
__________________
(١) سورة النساء ٩٣.
(٢) سورة النور : ٢٣.
سَعِيراً »(١) والفرار من الزحف لأن الله عز وجل يقول : «وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ »(٢)
أَمْوالَ الْيَتامى » إلىقوله : «سَعِيراً » سيدخلون نارا وأي نار.
وأقول : روي عن الباقرعليهالسلام مثل ذلك ، وروي عنهعليهالسلام أيضا في تفسير هذه الآية أنه قال : وذلك أن آكل مال اليتيم يجيء يوم القيامة والنار تلتهب في بطنه حتى تخرج لهب النار من فيه ، يعرفه أهل الجمع أنه آكل مال اليتيم ، ويظهر من حديث المعراج أن هذا عذابه في البرزخ حيث قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : أنه رأى قوما يقذف في أفواههم النار ويخرج من أدبارهم ، فقيل : هؤلاء الذين أكلوا مال اليتيم في الدنيا والسعير في الآخرة ، وقال البيضاوي : يقال صلى النار قاسى حرها ، وصليته شويته وأصليته وصليته ألقيته فيها ، والسعير فعيل بمعنى مفعول من سعرت. النار إذا لهبتها.
«وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ » في المجمع : أي من يجعل ظهره إليهم يوم القتال ، ووجهه إلى جهة الانهزام ، وأراد بقوله : «يَوْمَئِذٍ » ذلك الوقت ولم يرد به بياض النهار خاصة دون الليل «إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ » أي إلا تاركا موقفا إلى موقف آخر أصلح للقتال من الأول ، وقيل : معناه إلا متعلقا مستطردا كأنه يطلب عورة يمكنه إصابتها فيتحرف عن وجهه ، ويرى أنه يفر ثم يكر والحرب كر وفر «أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ » أي منحازا منضما إلى جماعة من المسلمين يريدون العود إلى القتال ليستعين بهم «فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ » أي احتمل غضب الله واستحقه وقيل : رجع بغضب من الله «وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ » أي مرجعه إلى جهنم ، انتهى.
والخبر يدل على أن حكم الآية عام لكنه مقيد بما إذا لم يزد العدو عن الضعف ردا على من قال أنه مخصوص بأهل بدر.
وقال تعالى : «الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا » قال البيضاوي : أي الآخذون له وإنما
__________________
(١) سورة النساء : ١٠.
(٢) سورة الأنفال : ١٦.
وأكل الربا لأن الله عز وجل يقول : «الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِ »(١) والسحر لأن الله عز وجل يقول :
ذكر الأكل لأنه أعظم منافع المال ، ولأن الربا شائع في المطعومات «لا يَقُومُونَ » إذا بعثوا من قبورهم «إِلاَّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ » إلا قياما كقيام المصروع ، وهو وارد على ما يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع ، والخبط ضرب على غير اتساق كخبط العشواء «مِنَ الْمَسِ » أي الجنون ، وهذا أيضا من زعماتهم أن الجني يمسه فيختلط عقله ، ولذا قيل : جن الرجل ، وهو متعلق بلا يقومون أي لا يقومون من المس الذي بهم بسبب أكل الربا ، أو يقوم أو يتخبط فيكون نهوضهم وسقوطهم كالمصروعين ، لا لاختلال عقلهم ، ولكن لأن الله أربى في بطونهم ما أكلوا من الربا فأثقلهم ، انتهى.
وحاصله كما صرح به بعض الأصحاب أنهم لا يقومون من قبورهم بسبب الربا ووزره وثقله عليهم قياما مثل قيام صحيح العقل ، بل مثل قيام المجانين فيسقطون تارة ، ويمشون على غير الاستقامة أخرى ، ولا يقدرون على القيام أخرى فكان ما أكلوا من الربا أربى في بطونهم فصار شيئا ثقيلا على ظهورهم ، فلا يقدرون على القيام والمشي على الاستقامة.
وقال في المجمع : لا يقومون يوم القيامة إلا مثل ما يقوم الذي يصرعه الشيطان من الجنون ، ويكون ذلك أمارة لأهل الموقف على أكله الربا عن ابن عباس وجماعة ، وقيل : إن هذا على وجه التشبيه لأن الشيطان لا يصرع الإنسان على الحقيقة ، ولكن من غلب عليه المرة السوداء وضعف ، ربما يخيل إليه الشيطان أمورا هائلة ويوسوس إليه فيقع الصرع عند ذلك من فعل الله تعالى ، ونسب ذلك إلى الشيطان مجازا لما كان ذلك عند وسوسته عن الجبائي ، وقيل : يجوز أن يكون الصرع من فعل الشيطان في بعض الناس دون بعض عن ابن الهزيل وابن الإخشيد
__________________
(١) سورة البقرة : ٢٧٧.
«وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ »(١) والزنا لأن الله عز وجل
قالا : لأن الظاهر من القرآن يشهد به وليس في العقل ما يمنع منه ، ولا يمنع الله سبحانه الشيطان عنه امتحانا لبعض الناس وعقوبة لبعض على ذنب ألم به ولم يتب منه ، كما يتسلط بعض الناس على بعض فيظلمه ويأخذ ماله ولا يمنعه الله منه ، ويكون هذا علامة لآكلي الربا يعرفون بها يوم القيامة ، كما أن على كل عاص من معصية علامة تليق به فيعرف بها صاحبها ، وعلى كل مطيع من طاعته أمارة يليق به فيعرف بها صاحبها.
ثم قال : وروى أصحابنا عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : لما أسري بي إلى السماء رأيت أقواما يريد أحدهم أن يقوم ولا يقدر عليه من عظم بطنه ، فقلت : من هؤلاء يا جبرئيل؟ فقال : هؤلاء الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس وإذا هم بسبيل آل فرعون يعرضون على النار غدوا وعشيا يقولون ربنا متى تقوم الساعة ، انتهى.
وأقول : ظاهر هذا الخبر أن هذا عذابهم في البرزخ في أجسادهم المثالية وإن احتمل أن يكون هذا صورة حالهم في القيامة مثلت لهصلىاللهعليهوآلهوسلم لكنه بعيد.
« والسحر » أي عمله أو الأعم منه ومن تعلمه وتعليمه ، واختلف في حقيقته وتعريفه ، قال الشهيد الثاني (ره) : هو كلام أو كتابة أو رقية أو أقسام وعزائم ونحوها ، يحدث بسببها ضرر على الغير ، ومنه عقد الرجل عن زوجته بحيث لا يقدر على وطيها ، وإلقاء البغضاء بينهما ، ومنه استخدام الملائكة والجن واستنزال الشياطين في كشف الغائبات وعلاج المصاب واستحضارهم وتلبسهم ببدن صبي أو امرأة وكشف الغائب على لسانه فتعلم ذلك وأشباهه وعمله وتعليمه كله حرام ، والتكسب به سحت ، ويقتل مستحله ، ولو تعلمه ليتوقى به أو ليدفع به المتنبي بالسحر فالظاهر جوازه ، وربما وجب على الكفاية كما اختاره الشهيد في دروسه ،
__________________
(١) سورة البقرة : ١٠٢.
يقول : «وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً »(١) واليمين الغموس الفاجرة لأن الله عز وجل يقول : «الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ
ويجوز حله بالقرآن والأقسام كما ورد في رواية العلاء ، وهل له حقيقة أو هو تخيل؟ الأكثر على الثاني ، ويشكل بوجدان أثره في كثير من الناس على الحقيقة ، والتأثر بالوهم إنما يتم لو سبق للقابل علم بوقوعه ، ونحن نجد أثره فيمن لا يشعر به أصلا حتى يضربه ، ولو حمل تخييله على ما يظهر من تأثيره في حركات الحيات والطيران ونحوهما ، أمكن لا في مطلق التأثير به وإحضار الجان وشبه ذلك ، فإنه أمر معلوم لا يتوجه دفعه ، انتهى.
وفي التخصيص بالضرر وغير ذلك مما أغمضنا عنه نظر.
وقال الطبرسي (ره) : السحر والكهانة والحيلة نظائر وقال صاحب العين : السحر عمل يقرب إلى الشياطين ومن السحر الآخذة التي تأخذ العين متى تظن أن الأمر كما ترى ، وليس الأمر كما ترى ، فالسحر عمل خفي لخفاء سببه ، يصور الشيء بخلاف صورته ، ويقلبه من جنسه في الظاهر ، ولا يقلبه عن جنسه في الحقيقة ، ألا ترى إلى قول الله تعالى : «يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى »(٢) انتهى.
وأقول : قد بسطنا القول في ذلك في كتاب السماء والعالم من الكتاب الكبير.
« واليمين الغموس » قال في النهاية : فيه اليمين الغموس تذر الديار بلاقع ، هي اليمين الكاذبة الفاجرة كالتي يقتطع بها الحالف مال غيره ، سميت غموسا لأنها تغمس صاحبها في الإثم ثم في النار ، وفعول للمبالغة ، انتهى.
وأقول إسناد الفجور إلى اليمين على المجاز ، في المصباح فجر الحالف فجورا كذب.
«وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ » صدر الآية هكذا : «وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ » والظاهر
__________________
(١) سورة الفرقان : ٦٩.
(٢) سورة طه : ٦٦.
اللهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ »(١) والغلول لأن الله
أنه إشارة إلى الزنا كما هو ظاهر الخبر وقول الأكثر ، وقيل : إشارة إلى الجميع «يَلْقَ أَثاماً » قيل أي جزاء إثم ، وفي المجمع : أي عقوبة وجزاء لما فعل ، قال الفراء : إثمه الله يأثمه إثما وأثاما أي جازاه جزاء الإثم ، وقيل : إن أثاما اسم واد في جهنم ثم فسر سبحانه لقي الآثامبقوله : «يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ » يريد سبحانه مضاعفة أجزاء العذاب ، لا مضاعفة الاستحقاق ، لأنه تعالى لا يجوز أن يعاقب أكثر من الاستحقاق لأن ذلك ظلم وهو منفي عنه ، وقيل : معناه أنه يستحق على كل معصية منها عقوبة فيضاعف عليه العذاب ، وقيل : المضاعفة عذاب الدنيا وعذاب الآخرة «وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً » أي ويدوم في العذاب مستخفا به ، انتهى.
وأقول : على تقدير كون ذلك إشارة إلى الزنا وإلى كل واحد مما ذكر لا بد من تأويل في الخلود ، أو حمل الفعل على ما إذا كان على وجه الاستحلال كما مر.
«إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ » في المجمع : أي يستبدلون بعهد الله أي بأمر الله سبحانه ما يلزمهم الوفاء به «وَأَيْمانِهِمْ » أي وبالأيمان الكاذبة «ثَمَناً قَلِيلاً » أي عوضا نذرا وسماه قليلا لأنه قليل في جنب ما يفوتهم من الثواب ، ويحصل لهم من العقاب «أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ » أي لا نصيب وافر لهم في نعيم الآخرة.
وأقول : إنما اكتفىعليهالسلام بهذا الجزء من الآية لأن من لا نصيب له من ثواب الآخرة يكون إما مخلدا أو معذبا عذابا طويلا عظيما مبالغة ، أو المراد إلى آخر الآية فإن بعده «وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ » وفي المجمع : نزلت في جماعة من أحبار اليهود كتموا ما في التوراة من أمر محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم وكتبوا بأيديهم غيره وحلفوا أنه من عند الله ، لئلا تفوتهم الرئاسة وما كان لهم على أتباعهم ، وقيل : نزلت في الأشعث بن قيس وخصم له في أرض
__________________
(١) سورة آل عمران : ٧٧.
عز وجل يقول : «وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ »(١) ومنع الزكاة المفروضة
قام ليحلف عند رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فلما نزلت الآية نكل الأشعث واعترف بالحق ورد الأرض ، وقيل : نزلت في رجل حلف يمينا فاجرة في تنفيق سلعته ، قال : وفي تفسير الكلبي عن ابن مسعود قال : سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول : من حلف بيمين كاذبة يقتطع بها مال امرء مسلم هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان ، وتلا هذه الآية أورده مسلم أيضا في الصحيح.
« والغلول » قال في النهاية : قد تكرر ذكر العلول في الحديث هو الخيانة في المغنم والسرقة من الغنيمة قبل القسمة يقال : غل في المغنم يغل غلولا فهو غال ، وكل من خان في شيء خفية فقد غل ، وسميت غلولا لأن الأيدي فيها مغلولة أي ممنوعة مجعول فيها غل وهو الحديدة التي تجمع يد الأسير إلى عنقه ، ويقال لها جامعة أيضا وأحاديث الغلول في الغنيمة كثيرة ، وقال الجوهري : غل من المغنم غلولا أي خان وأغل مثله ، قال ابن السكيت ولم نسمع في المغنم إلا غل غلولا وقرئ : وما كان لنبي أن يغل ويغل ، قال : فمعنى يغل يخون ومعنى يغل يحتمل معنيين : أحدهما يخان بمعنى أن يؤخذ من غنيمته والآخر يخون أي ينسب إلى الغلول ، وفي الحديث لا أغلال ولا إسلال ، أي لا خيانة ولا سرقة ، ويقال : لا رشوة ، انتهى.
والآية هكذا : «وَما كانَ لِنَبِيٍ » في المجمع : أي ما كان لنبي الغلول أي لا تجتمع النبوة والخيانة «وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ » معناه أنه يأتي به حاملا على ظهره ، كما روي في حديث طويل : ألا لا يغلن أحد بعيرا فيأتي به على ظهره يوم القيامة له رغاء ، ألا لا يغلن أحد فرسا فيأتي يوم القيامة به على ظهره له حمحمة فيقول : يا محمد يا محمد فأقول قد بلغت قد بلغت فلا أملك لك من الله شيئا عن ابن عباس وغيره ، وقال الجبائي : وذلك ليفتضح به على رؤوس الأشهاد ، وقال البلخي
__________________
(١) سورة آل عمران : ١٦١.
لأن الله عز وجل يقول : «فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ »(١) وشهادة الزور
يجوز أن يكون ما تضمنه الخبر على وجه المثل ، كان الله إذا فضحه يوم القيامة جرى ذلك مجرى أن يكون حاملا له وله صوت.
وقد روي في خبر آخر أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يأمر مناديا فينادي في الناس : ردوا الخيط والمخيط لأن الغلول عار وشنار يوم القيامة ، فجاء رجل بكبة من شعر فقال : إني أخذتها لأخيط برذعة بعير لي فقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : أما نصيبي منها فهو لك ، فقال الرجل : أما إذا بلغ الأمر هذا المبلغ فلا حاجة لي فيها ، والأولى أن يكون معناه ومن يغلل يوافي بما غل يوم القيامة فيكون حمل غلوله على عنقه أمارة يعرف بها ، وذلك حكم الله في كل من وافى القيامة بمعصية لم يتب منها ، أو أراد الله سبحانه أن يعامله بالعدل أظهر عليه من معصيته علامة تليق بمعصيته ليعلمه أهل القيامة بها ، ويعلموا سبب استحقاقه العقوبة ، كما قال سبحانه : «فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌ »(٢) وهكذا حكمه سبحانه في كل من وافى القيامة بطاعة فإنه سبحانه يظهر من طاعته علامة يعرف بها ، انتهى.
وأقول : يحتمل أن يكون المراد بالغلول في الآية وهذا الخبر مطلق الخيانة والسرقة.
وآية الزكاة هكذا : «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللهِ » قال البيضاوي : يجوز أن يراد به الكثير من الأحبار والرهبان ليكون مبالغة في وصفهم بالحرص على المال والضن بها وأن يراد المسلمون الذين يجمعون المال ويقتنونه ولا يؤدون حقه ويكون اقترانه بالمرتشين من أهل الكتاب للتغليظ.
__________________
(١) سورة التوبة : ٣٥.
(٢) سورة الرحمن : ٣٩.
وفي المجمع : أي يجمعون المال ولا يؤدون زكاته فقد روي عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال : كل مال لم تؤد زكاته فهو كنز وإن كان ظاهرا وكل مال أديت زكاته فليس بكنز ، وإن كان مدفونا في الأرض ، وبه قال ابن عباس والحسن والشعبي والسدي قال الجبائي : وهو إجماع ، وروي عن عليعليهالسلام ما زاد على أربعة آلاف فهو كنز أدى زكاته أم لم تؤد وما دونها فهو نفقة ، وتقدير الآية : والذين يكنزون الذهب ولا ينفقونه في سبيل الله ويكنزون الفضة ولا ينفقونها في سبيل الله ، فحذف المفعول من الأول لدلالة الثاني عليه كما حذف المفعول في الثاني لدلالة الأول عليه في قوله «وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ » والتقدير والذاكرات الله وأكثر المفسرين على أن قوله «وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ » ، على الاستئناف ، والمراد بذلك مانعوا الزكاة من هذه الأمة ، وقيل : إنه معطوف على ما قبله ، والأولى أن يكون محمولا على العموم في الفريقين.
«فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ » أي أخبرهم بعذاب موجع «يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ » أي توقد على الكنوز أو على الذهب والفضة في نار جهنم حتى تصير نارا.
وقال البيضاوي : أي يوم توقد النار ذات حمي شديدة عليها ، وأصله يحمى بالنار فجعل الأحماء للنار مبالغة ثم حذفت النار وأسند الفعل إلى الجار والمجرور تنبيها على المقصود ، فانتقل من صيغة التأنيث إلى صيغة التذكير ، وإنما قال عليها والمذكور شيئان لأن المراد بهما دنانير ودراهم كثيرة ، وكذا قوله : ولا ينفقونها.
وقيل : الضمير فيهما للكنوز أو الأموال فإن الحكم عام وتخصيصهما بالذكر لأنهما قانون التمول أو للفضة وتخصيصها لقربها ودلالة حكمها على أن الذهب أولى بهذا الحكم «فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ » لأن جمعهم وإمساكهم
وكتمان الشهادة لأن الله عز وجل يقول : «وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ »(١) وشرب
كان لطلب الوجاهة بالغنى والتنعم بالمطاعم الشهية والملابس البهية ، أو لأنهم ازوروا عن السائل وأعرضوا عنه ، وولوه ظهورهم أو لأنها أشرف الأعضاء الظاهرة فإنها المشتملة على الأعضاء الرئيسة التي هي الدماغ والقلب والكبد ، أو لأنها أصول الجهات الأربع التي هي مقاديم البدن ومآخيره وجنبتاه.
وفي المجمع : إنما خص هذه الأعضاء لأنها معظم البدن ، وكان أبو ذر الغفاري يقول : بشر الكانزين بكي في الجباة ، وكي في الجنوب ، وكي في الظهور ، حتى يلتقي الحر في أجوافهم ، ولهذا المعنى الذي أشار أبو ذر خصت هذه المواضع بالكي لأن داخلها جوف بخلاف اليد والرجل ، وقيل : إنما خصت هذه المواضع بالعذاب لأن الجبهة محل الوسم لظهورها والجنب محل الألم ، والظهر محل الحدود ، وقيل : لأن الجبهة محل السجود لظهورها والجنب محل الألم ، والظهور محل الحدود ، وقيل : لأن الجبهة محل السجود فلم يقم فيه بحقه ، والجنب مقابل القلب الذي لم يخلص في معتقده ، والظهر محل الأوزار قال : «يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ » وقيل : لأن صاحب المال إذا رأى الفقير قبض جبهته وزوى ما بين عينيه وطوى عنه كشحه وولاه ظهره.
«هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ » أي يقال لهم في حال الكي أو بعده : هذا جزاء ما كنزتم ، وجمعتم المال ولم تؤدوا حق الله عنها وجعلتموها ذخيرة لأنفسكم «فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ » أي فذوقوا العذاب بسبب ما كنتم تكنزون أي تجمعون وتمنعون حق الله منه ، فحذف لدلالة الكلام عليه وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ما من عبد له مال ولا يؤدي زكاته إلا جمع يوم القيامة صفائح(٢) يحمى عليها في نار جهنم فتكوى جبهته وجنباه وظهره حتى يقضي الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار.
« لأن الله عز وجل يقول » الآية هكذا : «وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ » قال البيضاوي
__________________
(١) سورة البقرة : ٢٨٣.
(٢) جمع الصفيحة : الحجر العريض. الواح الباب.
الخمر لأن الله عز وجل نهى عنها كما نهى عن عبادة الأوثان وترك الصلاة متعمدا
أيها الشهود أو المديونون ، وشهادتهم إقرارهم على أنفسهم «وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ » أي يأثم قلبه أو قلبه يأثم ، والجملة خبر إن وإسناد الإثم إلى القلب لأن الكتمان تقترفه ، ونظيره : العين زانية والأذن زانية ، أو للمبالغة لأنه رئيس الأعضاء وأفعاله أعظم الأفعال ، وكأنه قيل : تمكن الإثم في نفسه وأخذ أشرف أجزائه وفاق سائر ذنوبه.
وقال الطبرسي (ره) : أضاف الإثم إلى القلب وإن كان الإثم للجملة لأن اكتساب الإثم بكتمان الشهادة يقع بالقلب لأن العزم على الكتمان إنما يقع به ، ولأن إضافة الإثم إلى القلب أبلغ في الذم كما أن إضافة الإيمان إلى القلب أبلغ في المدح ، قال سبحانه : «أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ »(١) انتهى.
وأقول : ثاني الوجهين اللذين ذكراه أوفق بالخبر ، فإن تلك المبالغة مما يستلزم وعيد العذاب والعقاب ، فإنها تشعر بأنها أفحش من أكثر الذنوب ، ويؤثر في القلب الذي هو محل العقائد ويفسده.
ثم اعلم أنهعليهالسلام ذكرشهادة الزور ولم يستدل على كونها كبيرة بشيء ، ويحتمل وجهين « أحدهما » أنها تدل عليها أيضا لأن شهادة الزور إنما تكون غالبا مع العلم بخلافه ، فمن شهد بالزور فقد كتم الشهادة التي عنده « وثانيهما » أنها تدل عليها بالطريق الأولى ، إذ لو كان كتمان الحق والسكون عنه كبيرة كان إظهار خلاف الحق والتكلم به أولى بذلك ، ولذا لم يستدل بقوله تعالى : «وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ »(٢) لأنه لا يدل على التحريم فضلا عن كونه من الذنوب العظيمة ، مع أنه يحتمل أن يكون المراد به لا يحضرون مجالس الباطل بل هو الأظهر ، وقال به الأكثر ، وعن الصادقينعليهماالسلام أنه الغناء ولا بقوله تعالى : «فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ »(٣) لأنه لا يدل على أكثر من
__________________
(١) سورة المجادلة : ٢٢.
(٢) سورة الفرقان : ٧٢.
(٣) سورة الحجّ : ٣٠.
أو شيئا مما فرض الله لأن رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال من ترك الصلاة متعمدا فقد
التحريم ، مع أن الأكثر فسروه بمطلق الكذب وإن كان يشمله كما نهى عن عبادة الأوثان ، أي ذكرهما في آية واحدة وسياق واحد ، فيدل على مقاربتهما في وجوب تركهما وترتب العقاب على فعلهما ، ولذا ورد : شارب الخمر كعابد الوثن ، وأيضا قال سبحانه : «فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ » فيدل على أن فاعل كل منهما لا يفلح ، وعدم الفلاح إنما يكون بترتب العذاب والعقاب.
« أو شيئا مما فرض الله » أي في الصلاة من الواجبات والشروط وقيل : أي مطلقا فيكون إجمالا بعد تفصيل بعض الكبائر لبعض المصالح.
قال الوالدقدسسره : يمكن التعميم للاختصار ليدخل فيه ترك الحج والصوم والجهاد مع الوجوب وغيرها من الواجبات وإن ذكر عقوبة ترك الصلاة فقط ليحال عليها غيرها ، وليتدبر في البواقي كما ذكر تعالى في الحج : «وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ »(١) لأن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قال هذا مما يشعر بأن وعيد النار أو ما يستلزمه أعم من أن يكون في الكتاب أو في السنة ، ويمكن أن يكون الخبر ورد تفسيرا لبعض الآيات الواردة في ذلك كقوله تعالى : «وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ »(٢) فإن الصلاة من أعظم عهود الله التي أخذها على العباد.
وأقول : يؤيده ما سيأتي في كتاب الصلاة بأسانيد عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنه قال : الصلوات الخمس المفروضات من أقام حدودهن وحافظ على مواقيتهن لقي الله يوم القيامة وله عنده عهد يدخله به الجنة ومن لم يقم حدودهن ولم يحافظ على مواقيتهن لقي الله ولا عهد له إن شاء عذبه وإن شاء غفر له ، ويحتمل أن يكونعليهالسلام ذكر الحديث استطرادا ولم يتعرض للآيات لكثرتها وظهورها ، كقوله تعالى : «ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ »(٣) وقوله : «فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ »(٤) وأمثال ذلك كثيرة.
__________________
(١) سورة آل عمران : ٩٧.
(٢) سورة الرعد : ٢٥.
(٣) سورة المدّثّر : ٦٣.
(٤) سورة الماعون : ٥.
برئ من ذمة الله وذمة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ونقض العهد وقطيعة الرحم لأن الله
وكان هذا أحسن من الأول لأن الظاهر أن الوعيد الذي ورد في أخبار الكبائر ما يفهم من ظاهر القرآن وإلا فعلم كل شيء في القرآن كما ورد في الأخبار الكثيرة.
« فقد بريء من ذمة الله وذمة رسوله » أي من عهدهما كما مر في الخبر أو من أمانهما أي ليس ممن عهد الله إليه أن لا يعذبه ولا ممن آمنه الله من عذابه« ونقض العهد » أي مع الله في العهد والنذر واليمين ، أو مع الإمام في البيعة ، وقيل : في جميع الواجبات وترك المنهيات وحمله على مخالفة الوعد مع المؤمنين وشروطهم مطلقا بعيد.
وأما الآية فقد قال سبحانه قبل ذلك : «الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ ، وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ » وقال الطبرسيرحمهالله في قوله : «الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ » أي يؤدون ما عهد الله إليهم وألزمهم إياه عقلا وسمعا فالعهد العقلي ما جعله في عقولهم من اقتضاء صحة أمور وفساد أمور أخر كاقتضاء الفعل للفاعل وأن الصانع لا بد أن يرجع إلى صانع غير مصنوع ، وإلا أدى إلى ما لا يتناهى ، وأن للعالم مدبرا لا يشبهه والعهد الشرعي ما أخذه النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم على المؤمنين من الميثاق المؤكد باليمين أن يطيعوه ولا يعصوه ولا يرجعوا عما ألزموه من أوامر شرعه ونواهيه ، وإنما كرر ذكر الميثاق وإن دخل جميع الأوامر والنواهي في لفظة العهد لئلا يظن ظان أن ذلك خاص فيما بين العبد وربه ، فأخبر أن ما بينه وبين العباد من المواثيق كذلك في الوجوب واللزوم ، وقيل : أنه كرره تأكيدا.
«وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ » قيل : المراد به الإيمان بجميع الرسل والكتب ، كما في قوله : «لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ » وقيل : هو صلة محمد وموازرته ومعاونته والجهاد معه ، وقيل : هو صلة الرحم عن ابن عباس ، ثم ذكر
عز وجل يقول : «أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ »(١) قال فخرج عمرو وله صراخ من بكائه وهو يقول هلك من قال برأيه ونازعكم في الفضل والعلم.
أخبارا كثيرة تدل على المعنى الأخير ثم قال تعالى : «وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ».
وفي القاموس :الصرخة الصيحة الشديدة وكغراب الصوت أو شديدة والصارخ المغيث والمستغيث ضد والصارخة الإغاثة.
وأقول : قد أحصى والديقدسسره في بعض مؤلفاته ما يستنبط من الأخبار المختلفة أنها من الكبائر فمنها الشرك ، واليأس من روح الله ، والأمن من مكر الله وقتل النفس ، وعقوق الوالدين ، والقذف ، وأكل مال اليتيم بغير حق ، والفرار من الزحف ، والربا ، والسحر ، والكهانة ، والزنا ، واللواط ، والسرقة لا سيما من الغنيمة ، والحلف كاذبا ، وترك الفرائض : الصلاة والزكاة وصوم شهر رمضان وتأخير الحج عن سنة الاستطاعة بغير عذر ، وشهادة الزور ، وكتمان الشهادة ، وشرب الخمر بل كل مسكر ونكث الصفقة ونقض العهد مع الله ومع الخلق ، وقطع الرحم ، والتعرب بعد الهجرة ، والكذب على الله وعلى رسوله وعلى الأئمةعليهمالسلام ، والغيبة ، والبهتان وقيل : ترك جميع السنن ومنع الزيادة من الماء السابلة مع حاجتهم وعدم حاجته ، وعدم الاحتراز عن البول ، والتسبب إلى سب الوالدين ، والإضرار في الوصية ، وسخط قضاء الله والاعتراض على قدره على قول فيهما ، والتكبر والحسد وعداوة المؤمنين والإلحاد في الحرم وفي المدينة والنم وقطع عضو مؤمن بغير حق وأكل الميتة وسائر النجاسات ، والقيادة ، والإصرار على الصغيرة ، والأمر بالمنكر والنهي عن المعروف ، على احتمال وكذا الكذب ، وخلف الوعد والخيانة ، ولعن المؤمنين وسبهم وإيذاؤهم بغير سبب ، وضرب الخادم زائدا على ما يستحقه ومانع الماء المباح عن
__________________
(١) سورة التوبة : ٢٦.
مستحقه ، وساد الطريق المسلوك ، وتضييع العيال والتعصب ، والظلم والغدر ، وكونه ذا لسانين ، وتحقير المؤمنين وتجسس عيوبهم وتعييرهم والافتراء عليهم وسبهم وسوء الظن بهم وتخويفهم ، وبخس المكيال والميزان ، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والجلوس في مجالس الفساق لا سيما شرب الخمر بغير ضرورة ، والبدعة في الدين ، والجلوس مع أهلها ، وتحقير السيئة والقمار وأكل الحرام ، فمن الأمر بالمنكر إلى هنا احتمال كونها كبيرة والله يعلم.
فائدة
قال بعض المحققين : قد ذكر بعض العلماء ضابطة يعلم بها كبائر المعاصي عن صغائرها بل مراتب التكاليف الشرعية كلها أو جلها ، وملخصها أنا نعلم بشواهد الشرع وأنوار البصائر جميعا أن مقصود الشرائع كلها سياقة الخلق إلى جوار الله وسعادة لقائه وأنه لا وصول لهم إلى ذلك إلا بمعرفة الله تعالى ، ومعرفة صفاته ورسله وكتبه ، وإليه الإشارة بقوله عز وجل : «وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ »(١) أي ليكونوا عبيدا ولا يكون العبد عبدا ما لم بعرف ربه بالربوبية ونفسه بالعبودية فلا بد وأن يعرف نفسه وربه ، فهذا هو المقصود الأصلي ببعثة الأنبياء ، ولكن لا يتم هذا إلا في الحياة الدنيا ، وهو المعنى لقولهعليهالسلام : الدنيا مزرعة الآخرة ، فصار حفظ الدنيا أيضا مقصودا تابعا للدين ، لأنه وسيلة إليه والمتعلق من الدنيا بالآخرة شيئان النفوس والأموال ، فكلما يسد باب معرفة الله فهو أكبر الكبائر ويليه ما يسد باب حياة النفوس ، ويلي ذلك ما يسد يأب المعايش التي بها حياة النفوس ، فهذه ثلاث مراتب ، فحفظ المعرفة على القلوب ، والحياة على الأبدان ، والأموال على الأشخاص ضروري في مقصود الشرائع كلها ، وهذه ثلاثة أمور لا يتصور أن تختلف فيها الملل ، فلا يجوز أن يبعث الله نبيا يريد ببعثه إصلاح الخلق في دينهم
__________________
(١) سورة الذاريات : ٥٦.
ودنياهم ثم يأمرهم بما يمنعهم عن معرفته ومعرفة رسله ويأمرهم بإهلاك النفوس وإهلاك الأموال.
فحصل من هذا أن الكبائر على ثلاث مراتب : « الأولى » ما يمنع عن معرفة الله ومعرفة رسله وهو الكفر فلا كبيرة في المعاصي فوق الكفر ، كما لا فضيلة فوق الإيمان على مراتبه في قوة المعرفة وضعفها لأن الحجاب بين العبد وبين الله هو الجهل ، ويتلو الجهل بحقائق الإيمان أعني الكفر الأمن من مكر الله ، والقنوط من رحمته ، فإن هذا باب من الجهل بالله بل عينه ، فمن عرف الله لم يتصور أن يكون آمنا من مكره ولا أن يكون آيسا من رحمته ويتلو هذه الرتبة البدع كلها المتعلقة بذات الله وصفاته وأفعاله ، وبعضها أشد من بعض.
المرتبة الثانية : قتل النفوس إذ ببقائها تدوم الحياة وبدوامها تحصل المعرفة والإيمان بالله وآياته فهو لا محالة من الكبائر وإن كان دون الكفر لأنه يصدم عن المقصود ، وهذا يصدم عن وسيلته ، ويتلو هذه الكبيرة قطع الأطراف وكل ما يفضي إلى الهلاك حتى الضرب وبعضها أكبر من بعض ، ويقع في هذه المرتبة تحريم الزنا واللواط لأنه لو اجتمع الناس على الاكتفاء بالذكور لا نقطع النسل ، ودفع الوجود قريب من رفعه وأما الزنا فإنه وإن لم يفوت أصل الوجود ولكن يشوش الأنساب ويبطل التوارث والتناصر وما يتعلق بهما من عدم انتظام العيش وتحريك أسباب يكاد يفضي إلى التقاتل.
المرتبة الثالثة : تلف الأموال لأنها معائش الخلق فلا بد من حفظها إلا أنه إذا أخذت أمكن استردادها وإن أكلت أمكن تغريمها ، فليس يعظم الأمر فيها ، نعم إذا أخذ بطريق يعسر التدارك له فينبغي أن يكون ذلك من الكبائر ، وذلك بطرق خفية كالسرقة وأكل الولي مال اليتيم وتفويته بشهادة الزور وباليمين الغموس فإن في هذه الطرق لا يمكن الاسترداد والتدارك ، ولا يجوز أن تختلف الشرائع في
تحريمها أصلا ، وبعضها أشد من بعض ، وكلها دون المرتبة الثانية المتعلقة بالنفوس وأما أكل الربا فلا بد أن تختلف فيه الشرائع إذ ليس فيه إلا أكل مال الغير بالتراضي مع الإخلال بشرط وضعه ، إلا أن الشارع عظم الزجر عنه ، وعده من الكبائر لمصلحة يراها وإن لم يجعل الغصب الذي هو أكل مال الغير بغير رضاه وبغير رضا الشرع منها والله أعلم.
وقال الشهيدقدسسره : كل ما توعد الشرع عليه بخصوصه فإنه كبيرة وقد ضبط ذلك بعضهم ، فقال : هي الشرك بالله تعالى ، والقتل بغير حق ، واللواط ، والزنا ، والفرار من الزحف ، والسحر ، والربا ، وقذف المحصنات ، وأكل مال اليتيم والغيبة بغير حق ، واليمين الغموس ، وشهادة الزور ، وشرب الخمر ، واستحلال الكعبة والسرقة ، ونكث الصفقة ، والتعرب بعد الهجرة ، واليأس من روح الله تعالى ، والأمن من مكر الله تعالى ، وعقوق الوالدين ، وكل هذا ورد في الحديث منصوصا عليه بأنه كبيرة ، وورد أيضا التهمة ، وترك السنة ومنع ابن السبيل فضل الماء ، وعدم التنزه من البول والتسبب إلى شتم الوالدين ، والإضرار في الوصية.
وهناك عبارات أخر في حد الكبيرة ، منها كل معصية توجب الحد ، ومنها التي يلحق بها صاحبها الوعيد الشديد بكتاب أو سنة ، ومنها كل معصية يوجب في جنسها حد ، وهذه الكبائر المعدودة عند الناس يرجع إلى ما يتعلق بالضروريات الخمس التي هي مصلحة الأديان والنفوس والعقول والأنساب والأموال لمصلحة الدين ، منها ما يتعلق بالاعتقاد ، وهو إما كفر وهو الشرك بالله تعالى ، أو ليس بكفر وهو ترك السنة إذا لم ينته إلى الكفر ، وتدخل فيه مقالات المبتدعة من الأمة كالمرجئة والخوارج والمجسمة وقد يكون الاعتقاد في نفسه خطاء وإن لم يسم كفرا ولا بدعة كالأمن من مكر الله تعالى ، واليأس من روح الله سبحانه ، ويدخل فيه كل ما أشبهه كالسخط بقضاء الله تعالى ، والاعتراض بقدره وقد يكون من أفعال القلوب المتعدية
(باب)
(استصغار الذنب )
١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ومحمد بن إسماعيل ، عن الفضل بن شاذان جميعا ، عن ابن أبي عمير ، عن إبراهيم بن عبد الحميد ، عن أبي أسامة زيد الشحام قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام اتقوا المحقرات من الذنوب فإنها لا تغفر قلت وما المحقرات قال الرجل يذنب الذنب فيقول طوبى لي لو لم يكن لي غير ذلك
كالكبر والحسد والغل للمؤمنين ، ومن مصالح الدين ما يتعلق بالبدن إما قاصرا كالإلحاد في الحرم ، فيدخل فيه شبهه كإخافة المدينة الشريفة والإلحاد فيها ، والكذب على النبي والأئمةعليهمالسلام ، وإما متعديا وقد نص على النميمة والسحر والتولي من الزحف ونكث الصفقة لأن ضرره متعد وأما مصلحة النفس فكالقتل بغير حق ويدخل فيه جناية الطرف ، وأما العقل فشرب الخمر ويدخل فيه كل مسكر ، وأكل الميتة وسائر النجاسات في معناه ، لاشتمال الخمر على النجاسة ، وأما الأنساب فالزنا واللواط ويدخل فيها القيادة ، ومن النسب عقوق الوالدين والإضرار في الوصية.
باب استصغار الذنب
الحديث الأول : حسن كالصحيح موثق.
« اتقوا المحقرات » لأن التحقير يوجب الإصرار وترك الندامة الموجبين للبعد عن المغفرة« غير ذلك » أي غير ذلك الذنب.
وأقول : مثل هذا الكلام يمكن أن يذكر في مقامين : أحدهما : بيان كثرة معاصيه وعظمتها ، وأن له معاصي أعظم من ذلك ، وثانيهما : بيان حقارة هذا الذنب وعدم الاعتناء به ، وكأنه محمول على الوجه الأخير.
٢ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن عثمان بن عيسى ، عن سماعة قال سمعت أبا الحسنعليهالسلام يقول لا تستكثروا كثير الخير ولا تستقلوا قليل الذنوب فإن قليل الذنوب يجتمع حتى يكون كثيرا وخافوا الله في السر حتى تعطوا من أنفسكم النصف
٣ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن ابن فضال والحجال جميعا ، عن ثعلبة ، عن زياد قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام إن رسول اللهصلىاللهعليهوآله نزل بأرض قرعاء فقال لأصحابه ائتوا بحطب فقالوا يا رسول الله نحن بأرض قرعاء ما بها من حطب قال فليأت كل إنسان بما قدر عليه فجاءوا به حتى رموا بين يديه بعضه على بعض فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله هكذا تجتمع الذنوب ثم قال إياكم والمحقرات من الذنوب فإن لكل شيء طالبا ألا وإن طالبها يكتب «ما قَدَّمُوا
الحديث الثاني : موثق.
« في السر » أي في الخلوة أو في القلب ، وعلى الأول التخصيص لأن الإخلاص فيه أكثر ولاستلزامه الخوف في العلانية أيضا« حتى تعطوا » أي حتى يبلغ خوفكم درجة يصير سببا لإعطاء الإنصاف والعدل من أنفسكم للناس ، ولا ترضون لهم ما لا ترضون لأنفسكم ، أو حتى تعطواالإنصاف من أنفسكم أنكم تخافون الله وليس عملكم لرئاء الناس ، وكان الأول أظهر.
الحديث الثالث : مجهول.
« بأرض قرعاء » أي لا نبات ولا شجر فيها تشبيها بالرأس الأقرع ، وفي القاموس قرع كفرح ذهب شعر رأسه وهو أقرع وهي قرعاء والجمع قرع وقرعان بضمهما ، ورياض قرع بالضم بلا كلاء ، وفي النهاية : القرع بالتحريك هو أن يكون في الأرض ذات الكلاء موضع لا نبات فيها كالقرع في الرأسحتى رموا بين يديه أي كثر وارتفع والطالب للذنوب هو الله سبحانه وملائكته «ما قَدَّمُوا » أي أسلفوا في حياتهم «وَآثارَهُمْ » ما بقي عنهم بعد مماتهم يصل إليهم ثمرته أما حسنة كعلم علموه أو حبيس وقفوه ،
وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ ».
(باب )
(الإصرار على الذنب )
١ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن عبد الله بن محمد النهيكي ، عن عمار بن مروان القندي ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار.
أو سيئة كإشاعة باطل أو تأسيس ظلم أو نحو ذلك« والإمام المبين » اللوح المحفوظ وقيل : القرآن ، وقيل : كتاب الأعمال ، وفي كثير من الأخبار أنه أمير المؤمنينعليهالسلام وكأنه من بطون الآية ، وأماقوله : «أَحْصَيْناهُ » فيحتمل أن يكون في الأصل أحصاه فصحف النساخ موافقا للآية ، أو هو على سبيل الحكاية ، وقرأ بعض الأفاضل نكتب بالنون موافقا للآية ، فيكون لفظ الآية خبرا لأن أي طالبها هذه الآية على الإسناد المجازي ، وله وجه لكنه مخالف للمضبوط في النسخ ، وقد مر بعض القول في الآية في العاشر من باب الذنوب.
باب الإصرار على الذنب
الحديث الأول : مجهول.
وأما أنهلا كبيرة مع الاستغفار ، فالمراد بالاستغفار التوبة والندم عليها والعزم على عدم العود إليها ، ومع التوبة لا يبقى أثر الكبيرة ولا يعاقب عليها ، وأما أنهلا صغيرة مع الإصرار فيدل على أن الإصرار على الصغيرة كبيرة كما ذكره جماعة من الأصحاب ، وربما يجعل هذا مؤيدا لما مر من أن المعاصي كلها كبيرة ، بناء على أن المراد بالإصرار الإقامة على الذنب بعدم التوبة والاستغفار كما يدل عليه الخبر الآتي ، وروي من طريق العامة عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ما أصر من استغفر ، ويرد عليه أنه يجوز أن يكون المراد بالإصرار المداومة عليه والعزم على المعاودة ، فإن ذلك أنسب
باللغة قال الجوهري : أصررت على الشيء أي أقمت ودمت ، وفي النهاية : أصر على الشيء يصر إصرارا إذا لزمه ودامه وثبت عليه ، وفي القاموس : أصر على الأمر لزم وقريب منه كلام مجمل اللغة.
وقال الشيخ البهائيقدسسره : قد يفهم من نفي الصغيرة مع الإصرار أنها تصير كبيرة معه فلو لبس الحرير مثلا مصرا عليه يصير ذلك اللبس كبيرة والمشهور فيما بين القوم أن الكبيرة هي نفس الإصرار على الصغيرة المصر عليها تصير بالإصرار كبيرة ، فكأنهم يحملون الحديث على معنى أنه لا أثر للصغيرة في ترتب العقاب مع الإصرار بل العقاب معه يترتب على نفس الإصرار الذي هو من الكبائر ، فكأن الصغيرة مضمحلة في جنبه والإصرار في الأصل من الصر وهو الشد والربط ، ومنه سميت الصرة ، ثم أطلق على الإقامة على الذنب من دون استغفار ، كان المذنب ارتبط بالإقامة عليه ، كذا ذكره المفسرون في تفسير قوله تعالى : «وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ »(١) .
وقال الشهيد رفع الله درجته : الإصرار إما فعلي وهو المداومة على نوع واحد من الصغائر بلا توبة ، أو الإكثار من جنس الصغائر بلا توبة ، وإما حكمي وهو العزم على فعل تلك الصغيرة بعد الفراغ منها ، أما من فعل الصغيرة ولم يخطر بباله توبة ولا عزم على فعلها ، فالظاهر أنه غير مصر ولعله مما تكفره الأعمال الصالحة من الوضوء والصلاة والصيام كما جاء في الأخبار ، انتهى.
وقال الشيخ البهائي روح الله روحه بعد نقل هذا الكلام : ولا يخفى أن تخصيصه الإصرار الحكمي بالعزم على تلك الصغيرة بعد الفراغ منها يعطي أنه لو كان عازما على صغيرة أخرى بعد الفراغ مما هو فيه لا يكون مصرا ، والظاهر أنه مصر أيضا وتقييده ببعد الفراغ منها يقتضي بظاهره أن من كان عازما مدة سنة على لبس الحرير مثلا لكنه لم يلبسه أصلا لعدم تمكنه لا يكون في تلك المدة مصرا وهو
__________________
(١) سورة آل عمران : ١٣٥.
٢ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن سالم ، عن أحمد بن النضر ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن أبي جعفرعليهالسلام في قول الله عز وجل : «وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ »(١) قال الإصرار هو أن يذنب الذنب فلا يستغفر الله ولا يحدث نفسه
محل نظر ، انتهى.
وأقول : كان نظره في غير محله لأن الظاهر من الأخبار الكثيرة وأقوال الجم الغفير من الأصحاب عدم المؤاخذة على العزم على المعاصي ، مع عدم الإتيان بها ، وأما قول الشهيد (ره) بتكفير الأعمال الصالحة للصغائر فلعله مع عدم اجتناب الكبائر ومعه يكفرها اجتنابها كما مر ، وقال بعض العامة : الإصرار هو إدامة الفعل والعزم على إدامته إدامة يصح معها إطلاق وصف العزم عليه ، وقال بعضهم : هو تكرار الصغيرة تكرارا يشعر بقلة المبالاة إشعار الكبيرة بذلك ، أو فعل صغائر من أنواع مختلفة بحيث يشعر بذلك ، ثم إن العلامةقدسسره لم يعد من الكبائر الإصرار على الصغائر في بعض كتبه ، وكان ذلك لدخوله في الكبائر.
الحديث الثاني : ضعيف.
وقد مر القول فيه ، ويدل على أحد معاني الإصرار كما أومأنا إليه ، وقال به بعض الأصحاب فقال : المرادبالإصرار عدم التوبة لكن رده بعضهم لضعفه ومخالفته لظاهر اللغة فقيل : المراد بالإصرار على الصغيرة الإكثار منها ، سواء كان من نوع واحد أو أنواع مختلفة ، وقيل : هو الإصرار على نوع واحد منها ، وقيل : يحصل بكل منهما ، وظاهر الأصحاب أن الإكثار من الذنوب وإن لم يكن من نوع واحد بحيث يكون ارتكابه للذنب أغلب من اجتنابه عنه إذا عن له من غير توبة فهو قادح في العدالة بل لا خلاف في ذلك بينهم ، نقل الجماع عليه العلامة في التحرير فلا فائدة في تحقيق كونه داخلا في مفهوم الإصرار أم لا ، وظاهر المحقق أنه غير داخل في مفهوم الإصرار ، وكذا من كلام العلامة في الإرشاد والقواعد.
__________________
(١) سورة آل عمران : ١٣٥.
بتوبة فذلك الإصرار.
٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن منصور بن يونس ، عن أبي بصير قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول لا والله لا يقبل الله شيئا من طاعته على الإصرار على شيء من معاصيه.
(باب )
(في أصول الكفر وأركانه )
١ ـ الحسين بن محمد ، عن أحمد بن إسحاق ، عن بكر بن محمد ، عن أبي بصير قال :
وقال في التحرير : وعن الإصرار على الصغائر أو الإكثار منها ، ثم قال : وأما الصغائر فإن داوم عليها أو وقعت منه في أكثر الأحوال ردت شهادته إجماعا وعلى كل تقدير فالمداومة والإكثار من الذنب والمعصية قادح في العدالة وأما العزم عليها بعد الفراغ ففي كونه قادحا تأمل إن لم يكن ذلك اتفاقيا ، وفي صحيحة عمر ابن يزيد أن إسماع الكلام الغليظ للأبوين لا يوجب ترك الصلاة خلفه ما لم يكن عاقا قاطعا ، وهي تدل على أن مثل ذلك العزم غير قادح إذ الظاهر أن إسماع الكلام المغضب للأبوين معصية.
الحديث الثالث : حسن موثق.
وفيه إشعار بأن الإصرار على الصغيرة كبيرة إذ يبعد أن تكون الصغيرة المكفرة مانعة عن قبول الطاعة ، وفي الخبر إيماء إلى قوله تعالى : «إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ »(١) .
باب في أصول الكفر وأركانه
الحديث الأول : صحيح.
وكان المرادبأصول الكفر ما يصير سببا للكفر أحيانا لا دائما وللكفر
__________________
(١) سورة المائدة : ٢٧.
قال أبو عبد اللهعليهالسلام أصول الكفر ثلاثة الحرص والاستكبار والحسد فأما الحرص فإن آدمعليهالسلام حين نهي عن الشجرة حمله الحرص على أن أكل منها وأما الاستكبار فإبليس حيث أمر بالسجود لآدم فأبى وأما الحسد فابنا آدم حيث قتل أحدهما صاحبه.
٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد الله
أيضا معان كثيرة ، منها ما يتحقق بإنكار الرب سبحانه ، والإلحاد في صفاته ، ومنها ما يتضمن إنكار أنبيائه وحججه أو ما أتوا به من أمور المعاد وأمثالها ، ومنها ما يتحقق بمعصية الله ورسوله ، ومنها ما يكون بكفران نعم الله تعالى إلى أن ينتهي إلى ترك الأولى فالحرص يمكن أن يصير داعيا إلى ترك الأولى أو ارتكاب صغيرة أو كبيرة حتى ينتهي إلى جحود يوجب الشرك والخلود ، فما في آدمعليهالسلام كان من الأول ثم تكامل في أولاده حتى انتهى إلى الأخير ، فصح أنه أصل الكفر ، وكذا سائر الصفات ، وقيل : قد كان إباء إبليس لعنه الله من السجود عن حسد واستكبار ، وإنما خص الاستكبار بالذكر لأنه تمسك به حيث قال : «أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ » أو لأن الاستكبار أقبح من الحسد ، انتهى.
وقوله : فأما الحرص فهو مبتدأ ، وقوله : فإن ، إلى قوله : أكل منها خبر ، والعائد تكرار المبتدأ وضعا للظاهر موضع المضمر ، مثل الحاقة ما الحاقة ،وقوله : فإبليس بتقدير فمعصية إبليس وكذاقوله : فأبناء آدم بتقدير فمعصية ابني آدم ، أي معصية أحدهما كما قيل.
الحديث الثاني : ضعيف على المشهور.
وأركان الكفر قريب من أصوله ولعل المرادبالرغبة الرغبة في الدنيا والحرص عليها ، أو اتباع الشهوات النفسانية ، وبالرهبة الخوف من فوات الدنيا واعتباراتها بمتابعة الحق أو الخوف من القتل عند الجهاد ، ومن الفقر عند أداء
عليهالسلام قال قال النبيصلىاللهعليهوآله أركان الكفر أربعة الرغبة والرهبة والسخط والغضب.
٣ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن نوح بن شعيب ، عن عبد الله الدهقان ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله إن أول ما عصي الله عز وجل به ست حب الدنيا وحب الرئاسة وحب الطعام وحب النوم وحب الراحة وحب النساء.
الزكاة ، ومن لؤم اللائمين عن ارتكاب الطاعات وإجراء الأحكام ، وقيل : الخوف من فوات الدنيا والهم من زوالها وهو يوجب صرف العمر في حفظها والمنع من أداء حقوقها ، وبالسخط عدم الرضا بقضاء الله ، وانقباض النفس في أحكامه وعدم الرضا بقسمة ، وبالغضب ثوران النفس نحو الانتقام عند مشاهدة ما لا يلائمها من المكاره والآلام.
الحديث الثالث : ضعيف.
« حب الدنيا » أي مال الدنيا أو البقاء فيها للذاتها ومألوفاتها لا للطاعة ،وحب الرئاسة بالجور والظلم والباطل ، أو في نفسها لا لإجراء أو أمر الله تعالى وهداية عباده والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ،وحب الطعام لمحض اللذة لا لقوة الطاعة والإفراط في حبه بحيث لا يبالي من حلال حصل أو من حرام ، وكذاحب النوم أي الإفراط فيه بحيث يصير مانعا عن الطاعات الواجبة أو المندوبة ، أو في نفسه لا للتقوى على الطاعة ، وكذاحب الاستراحة على الوجهين ، وكذاحب النساء أي الإفراط فيه بحيث ينتهي إلى ارتكاب الحرام أو ترك السنن والاشتغال عن ذكر الله بسبب كثرة معاشرتهن ، أو ما يوجب إطاعتهن في الباطل وإلا فقد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : اخترت من دنياكم الطيب والنساء.
٤ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن محمد بن سنان ، عن طلحة بن زيد ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام أن رجلا من خثعم جاء إلى النبيصلىاللهعليهوآله فقال أي الأعمال أبغض إلى الله عز وجل فقال الشرك بالله قال ثم ما ذا قال قطيعة الرحم قال ثم ما ذا قال الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف.
٥ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حسن بن عطية ، عن يزيد الصائغ قال قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام رجل على هذا الأمر إن حدث كذب وإن وعد أخلف وإن ائتمن خان ما منزلته قال هي أدنى المنازل من الكفر وليس بكافر.
الحديث الرابع : كالسابق.
وخثعم أبو قبيلة من معد ، وقد مر معنى الشرك ، وقطيعة الرحم يمكن شمولها لقطع رحم آل محمد كما مر ، ويمكن إدخاله كلا أو بعضا في الشرك ، والمنكر ما حرمه الله أو ما علم بالشرع أو العقل قبحه ويحتمل شموله للمكروه أيضا ، وقال الشهيد الثانيقدسسره : المنكر المعصية قولا أو فعلا وقال أيضا : هو الفعل القبيح الذي عرف فاعله قبحه أو دل عليه ، والمعروف ما عرف حسنه عقلا أو شرعا ، وقال الشهيد الثاني (ره) : هو الطاعة قولا أو فعلا ، وقال : يمكن بتكلف دخول المندوب في المعروف.
الحديث الخامس : كالسابق أيضا.
وقوله : على هذا الأمر ، صفة رجل ، وجملةإن حدث ، خبر «أدنى المنازل » أي أقربهامن الكفر أي الذي يوجب الخلود في الناروليس بكافر بهذا المعنى ، وإن كان كافرا ببعض المعاني ، ويشعر بكون خلف الوعد معصية بل كبيرة ، والمشهور استحباب الوفاء به وكأنه مر القول فيه وسيأتي إن شاء الله.
٦ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله من علامات الشقاء جمود العين وقسوة القلب وشدة الحرص في طلب الدنيا والإصرار على الذنب.
٧ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن علي بن أسباط ، عن داود بن النعمان ، عن أبي حمزة ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال خطب رسول اللهصلىاللهعليهوآله الناس فقال ألا أخبركم بشراركم قالوا بلى يا رسول الله قال الذي يمنع رفده ويضرب عبده ويتزود وحده فظنوا أن الله لم يخلق خلقا هو شر من هذا ثم قال ألا أخبركم بمن هو شر من ذلك قالوا بلى يا رسول الله قال الذي لا يرجى خيره ولا يؤمن شره فظنوا أن الله لم يخلق خلقا هو شر من هذا.
الحديث السادس : ضعيف على المشهور.
والشقاء والشقاوة والشقوة سوء العاقبة بالعقاب في الآخرة ضد السعادة ، وهي حسن العاقبة باستحقاق دخول الجنة ، وجمود العين كناية عن بخلها بالدموع وهو من توابعقسوة القلب وهي غلظته وشدته وعدم تأثره من الوعيد بالعقاب والمواعظ قال تعالى : «فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ »(١) وكون تلك الأمور من علامات الشقاء ظاهر ، وفيه تحريص على ترك تلك الخصال ، وطلب أضدادها بكثرة ذكر الله وذكر عقوباته على المعاصي والتفكر في فناء الدنيا وعدم بقاء لذاتها ، وفي عظمة الأمور الأخروية ومثوباتها وعقوباتها وأمثال ذلك.
الحديث السابع : حسن موثق كالصحيح.
« الذي يمنع رفده » الرفد بالكسر العطاء والصلة وهو اسم من رفده رفدا من باب ضرب أعطاه وأعانه ، والظاهر أنه أعم من منع الحقوق الواجبة والمستحبة« ويضرب عبده » أي دائما وفي أكثر الأوقات أو من غير ذنب ، أو زائدا على القدر المقرر أو مطلقا ، فإن العفو من أحسن الخصال« ويتزود وحده » أي يأكل زاده وحده من غير رفيق مع الإمكان ، أو أنه لا يعطي من زاده غيره شيئا من عياله وغيرهم ،
__________________
(١) سورة الزمر : ٢٢.
ثم قال ألا أخبركم بمن هو شر من ذلك قالوا بلى يا رسول الله قال المتفحش اللعان الذي إذا ذكر عنده المؤمنون لعنهم وإذا ذكروه لعنوه.
٨ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن بعض أصحابه ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله ثلاث من كن فيه كان منافقا وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم من إذا ائتمن خان وإذا حدث كذب وإذا وعد أخلف إن الله عز وجل قال في كتابه «إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ »(١) وقال «أَنَّ لَعْنَتَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ »(٢) وفي قوله عز وجل : «وَاذْكُرْ
وقيل : أي لا يأخذ نصيب غيره عند أخذ العطاء ، وهو بعيد.
ثم اعلم أنه لا يلزم حمل هذه الخصال على الأمور المحرمة فإنه يمكن أن يكون الغرض عد مساوئ الأخلاق لا المعاصي ، والتفحش المبالغة في الفحش وسوء القول كما سيأتي ، واللعان المبالغة في اللعن ، وهو من الله الطرد والإبعاد من الرحمة ، ومن الخلق السب والدعاء على الغير ، وقريب منه في النهاية.
الحديث الثامن : ضعيف على المشهور.
واعلم أنه كما يطلق المؤمن والمسلم على معان كما عرفت فكذلك يطلقالمنافق على معان ، منها أن يظهر الإسلام ويبطن الكفر ، وهو المعنى المشهور ، ومنها الرياء ، ومنها أن يظهر الحب ويكون في الباطن عدوا ، أو يظهر الصلاح ويكون في الباطن فاسقا ، وقد يطلق على من يدعي الإيمان ولم يعمل بمقتضاه ، ولم يتصف بالصفات التي ينبغي أن يكون المؤمن عليها ، فكان باطنه مخالفا لظاهرة ، فكأنه المراد هنا ، وسيأتي معاني النفاق في بابه إنشاء الله ، والمرادبالمسلم هنا المؤمن الكامل المسلم لأوامر الله ونواهيه ، ولذا عبر بلفظ الزعم المشعر بأنه غير صادق في
__________________
(١) سورة الأنفال : ٥٨.
(٢) سورة النور : ٧.
فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا »(١) .
٩ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن بعض أصحابه ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله ألا أخبركم بأبعدكم مني شبها قالوا بلى يا رسول الله قال الفاحش المتفحش البذيء البخيل المختال الحقود
دعوى الإسلام.
« من إذا ائتمن » أي على مال أو عرض أو سرخان صاحبه وقيل : المراد به من أصر علي الخيانة كما يدل عليه قوله تعالى : «إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ »(٢) حيث لم يقل إن الله لا يحب الخيانة ، ويدل على أنه كبيرة لا يقبل منه معها عمل ، وإلا كان محبوبا في الجملة ، وأما الاستدلال بآية اللعان فلأنه علق اللعنة بمطلق الكذب وإن كان مورده الكذب في القذف ، ولو لم يكن مستحقا للعن لم يأمره الله بهذا القول.
وأماقوله عليهالسلام : وفي قوله عز وجل ، فلعلهعليهالسلام إنما غير الأسلوب لعدم صراحة الآية في ذمه بل إنما يدل على مدح ضده وبتوسطه يشعر بقبحه ، وإنما لم يذكرعليهالسلام الآية التي هي أدل على ذلك حيث قال : «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ ، كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ »(٣) وسيأتي الاستدلال به في خبر آخر إما لظهوره واشتهاره ، أو لاحتمال معنى آخر كما سيأتي ، وقيل : كلمة « في » في قوله : « في قوله » بمعنى مع أي قال في سورة الصف ما هو مشهور في ذلك ، مع قوله في سورة مريم« واذكر » لدلالته علي مدح ضده.
الحديث التاسع : مرسل كالصحيح.
والفحش القول السيء والكلام الرديء وكل شيء جاوز الحد فهو فاحش ومنه غبن فاحش ، والتفحش كذلك مع زيادة تكلف وتصنع وقيل : أراد بالمتفحش
__________________
(١) سورة مريم : ٥٤.
(٢) سورة الأنفال : ٥٨.
(٣) سورة الصفّ ٣٠.
الحسود القاسي القلب البعيد من كل خير يرجى غير المأمون من كل شر يتقى.
١٠ ـ الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن منصور بن العباس ، عن علي بن أسباط رفعه إلى سلمان قال إذا أراد الله عز وجل هلاك عبد نزع منه الحياء ،
الذي يقبل الفحش من غيره ، فالفاحش المتفحش الذي لا يبالي ما قال ولا ما قيل له ، والأول أظهر ، وبعد من كان كذلك عن مشابهة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ظاهر لأنهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان في غاية الحياء وكان يحترز عن الفحش في القول حتى أنه كان يعبر عن الوقاع والبول والتغوط بالكنايات ، بل بأبعدها تأسيا بالرب سبحانه في القرآن.
قال في النهاية : فيه أن الله يبغض الفاحش المتفحش ، الفاحش ذو الفحش في كلامه وفعاله ، والمتفحش الذي يتكلف ذلك ويتعمده وقد تكرر ذكر الفحش والفاحشة والفواحش في الحديث ، وهو كل ما يشتد قبحه من الذنوب والمعاصي ، وكثيرا ما ترد الفاحشة بمعنى الزنا ، وكل خصلة قبيحة فهي فاحشة من الأقوال والأفعال ، وقال :البذاء بالمد الفحش في القول ، وفلان بذي اللسان ، وفي المصباح بذا علي القوم يبذو بذاء بالفتح والمد سفه وأفحش في منطقه ، وإن كان كلامه صدقا فهو بذي علي فعيل.
وفي النهاية فيه : من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه ،الخيلاء بالضم والكسر :
الكبر والعجب يقال : اختال فهو مختال ، وفيه خيلاء ومخيلة أي كبر وتقييد الخير والشر بكونه مرجوا أو يتقي منه إما للتوضيح أو للاحتراز والأول كأنه أظهر.
الحديث العاشر : ضعيف موقوف لكنه ينتهي إلى سلمان وهو في درجة قريبة من العصمة بل فيها.
« إذا أراد الله هلاك عبد » لعله كناية عن علمه سبحانه بسوء سريرته وعدم
فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلا خائنا مخونا فإذا كان خائنا مخونا نزعت منه الأمانة فإذا نزعت منه الأمانة لم تلقه إلا فظا غليظا فإذا كان فظا غليظا
استحقاقه للطف« نزع منه الحياء » أي سلب التوفيق منه حتى يخلع لباس الحياء ، وهو خلق يمنع من القبائح والتقصير في حقوق الخلق والخالق« فإذا نزع منه الحياء » المانع من ارتكاب القبائح« لم تلقه إلا خائنا مخونا » وقد مر معنى الخائن وذمه ، وأما المخون فيحتمل أن يكون بفتح الميم وضم الخاء أي يخونه الناس فذمه باعتبار أنه السبب فيه ، أو المراد أنه يخون نفسه أيضا ويجعله مستحقا للعقاب فهو خائن لغيره ولنفسه ، وبهذا الاعتبار مخون ففي كل خيانة خيانتان أو يكون بضم الميم وفتح الخاء وفتح الواو المشددة أي منسوبا إلى الخيانة مشهورا به ، أو بكسر الواو المشددة أي ينسب الناس إلى الخيانة مع كونه خائنا.
في القاموس : الخون أن يؤتمن الإنسان فلا ينصح ، خانه خونا وخيانة واختانه فهو خائن ، وقد خانه العهد والأمانة وخونه تخوينا نسبه إلى الخيانة ونقصه.
« نزعت منه الأمانة » لأنها ضد الخيانة ، فإن قيل : كان هذا معلوما لا ـ يحتاج إلى البيان؟ قلت : يحتمل أن يكون المراد أنه إذا لم يبال من الخيانة يصير بالأخرة إلى أنه يسلب منه الأمانة بالكلية ، أو المعنى أنه يصير بحيث لا يأتمنه الناس على شيء.
« لم تلقه إلا فظا غليظا » في القاموس : الفظ الغليظ السيء الخلق القاسي الخشن الكلام ، انتهى.
والغلظة : ضد الرقة والمراد هنا قساوة القلب وغلظته ، كما قال تعالى : «وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ »(١) وتفرع هذا على نزع الأمانة ظاهر لأن الخائن
__________________
(١) سورة آل عمران : ١٥٩.
نزعت منه ربقة الإيمان فإذا نزعت منه ربقة الإيمان لم تلقه إلا شيطانا ملعونا.
١١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن إبراهيم بن زياد الكرخي ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله ثلاث
لا سيما من يعلمه الناس كذلك لا بد من أن يعارض الناس ويجادلهم فيصير سيئ الخلق الخشن الكلام ولا يرحم الناس لذهابه بحقهم فيقسو قلبه ، وأيضا إصراره على ذلك دليل على عدم تأثير المواعظ في قلبه ، فإذا كان كذلك نزعت منه ربقة الإيمان لسلب أكثر لوازمه وصفاته عنه كما مر في صفات المؤمن ، والمراد كمال الإيمان أو أحدا المعاني التي مضت منه ولا أقل أنه ينزع منه الحياء وهو رأس الإيمان« لم تلقه إلا شيطانا » أي شبيها به في الصفات أو بعيدا من الله ومن هدايته وتوفيقه« ملعونا » يلعنه الله والملائكة والناس أو بعيدا من رحمة الله تعالى.
الحديث الحادي عشر : مجهول.
و« ثلاث » مبتدأ ، وقد يجوز كون المبتدأ نكرة محضة لا سيما في العدد ، و« ملعون من فعلهن » استئناف بياني ، والمعنى أن اللعن لا يتعلق بالعمل حقيقة بل بفاعله ، وقرأ بعض الأفاضل بإضافة ثلاث إلى ملعونات ، فالجملة خبر وقوله المتغوط خبر مبتدإ محذوف بتقدير مضاف أيضا بتقديرهن صفة المتغوط والضمير لثلاث ، ويمكن عدم تقدير المضاف فالتقدير هو المتغوط والضمير لمن فعلهن وفي المصباح الغائط المطمئن الواسع من الأرض ، ثم أطلق الغائط على الخارج المستقذر من الإنسان كراهة تسميته باسمه الخاص لأنهم كانوا يقضون حوائجهم في المواضع المطمئنة فهو من مجاز المجاورة ، ثم توسعوا فيه حتى اشتقوا منه وقالوا تغوط الإنسان ، انتهى.
وكان نسبة اللعن إلى الفعل مجاز في الإسناد ، أو كناية عن قبحه. ونهي
ملعونات ملعون من فعلهن المتغوط في ظل النزال والمانع الماء المنتاب والساد
الشارع عنه ، والمرادبظل النزال تحت سقف أو شجرة ينزلها المسافرون ، وقد يعم بحيث يشمل المواضع المعدة لنزولهم وإن لم يكن فيه ظل لاشتراك العلة أو بحمله على الأعم والتعبير بالظل لكونه غالبا كذلك ، والظاهر اختصاص الحكم بالغائط لكونه أشد ضررا ، وربما يعم ليشمل البول ، والمشهور اختصاص الحكم بالغائط لكونه أشد ضررا ، وربما يعم ليشمل البول ، والمشهور بين الأصحاب كراهة ذلك ، وظاهر الخبر التحريم إذ فاعل المكروه لا يستحق اللعن ، وقد يقال : اللعن البعد من رحمة الله وهو يحصل بفعل المكروه أيضا في الجملة ، ولا يبعد القول بالحرمة إن لم يكن إجماع على الخلاف للضرر العظيم فيه على المسلمين ، لا سيما إذا كان وقفا فإنه تصرف مناف لغرض الواقف ومصلحة الوقف ، ولا يبعد القول بهذا التفصيل أيضا.
ويمكن حمل الخبر على أن الناس يلعنونه ويشتمونه لكن يقل فائدة الخبر إلا أن يقال : الغرض بيان علة النهي عن الفعل ، قال في النهاية : فيه : اتقوا الملاعن الثلاث ، هي جمع ملعنة وهي الفعلة التي يلعن بها فاعلها كأنها مظنة للعن ومحل له وهو أن يتغوط الإنسان على قارعة الطريق أو ظل الشجرة أو جانب النهر ، فإذا مر بها الناس لعنوا فاعله ، ومنه الحديث اتقوا اللاعنين أي الآمرين الجالبين للعن الباعثين للناس عليه ، فإنه سبب للعن من فعله في هذه المواضع ، وليس كل ظل وإنما هو الظل الذي يستظل به الناس يتخذونه مقيلا ومناخا ، وأصل اللعن الطرد والإبعاد من الله تعالى ، ومن الخلق السب والدعاء ، انتهى.
« والمانع الماء المنتاب » الماء مفعول أول للمانع إما مجرور بالإضافة من باب الضارب الرجل ، أو منصوب على المفعولية ، والمنتاب اسم فاعل بمعنى صاحب النوبة فهو مفعول ثان وهو من الانتياب افتعال من النوبة ، ويحتمل أن يكون اسم مفعول
الطريق المعربة.
صفة من انتاب فلان القوم أي أتاهم مرة بعد أخرى ، والماء المنتاب هو الماء الذي يرد عليه الناس متناوبة ومتبادلة لعدم اختصاصه بأحدهم ، كالماء المملوك المشترك بين جماعة ، فلعن المانع لأحدهم في نوبته ، والماء المباح الذي ليس ملكا لأحدهم كالغدران والآبار في البوادي ، فإذا ورد عليه الواردون كانوا فيه سواء فيحرم لأحدهم منع الغير من التصرف فيه على قدر الحاجة ، لأن في المنع تعريض مسلم للتلف فلو منع حل قتاله.
قال الجوهري : انتابه انتيابا أتاه مرة بعد أخرى ، وفي النهاية : نابه ينوبه نوبا وانتابه إذا قصده مرة بعد أخرى ، ومنه حديث الدعاء : يا أرحم من انتابه المسترحمون ، وحديث صلاة الجمعة كان الناس ينتابون الجمعة من منازلهم.
« والساد الطريق المعربة » بالعين المهملة على بناء المفعول أي واضحة التي ظهر فيها أثر الاستطراق ، في النهاية : الإعراب الإبانة والإفصاح ، وفي أكثر النسخ المقربة بالقاف فيمكن أن يكون بكسر الراء المشددة أي الطريق المقربة إلى المطلوب بأن يكون هناك طريق آخر أبعد منه ، فإن لم يكن طريق آخر فبطريق أولى ، وهذه النسخة موافقة لروايات العامة لكنهم فسروه على وجه آخر ، قال في النهاية فيه : من غير المطربة والمقربة فعليه لعنة الله ، المطربة واحدة المطارب وهي طرق صغار تنفذ إلى الطرق الكبار ، وقيل : هي الطرق الضيقة المتفرقة يقال : طربت عن الطريق أي عدلت عنه ، والمقربة طريق صغير ينفذ إلى طريق كبير ، وجمعها المقارب ، وقيل هو من القرب وهو السير بالليل ، وقيل : السير إلى الماء ، ومنه الحديث ثلاث لعينات رجل عور طريق المقربة ، وقال في القاموس : المقرب والمقربة الطريق المختصر ، وقال : القرب بالتحريك سير الليل لورد الغد ، والبئر القريبة الماء ، وطلب الماء ليلا ، وفي الفائق : القربة المنزل وأصلها من القرب وهو السير إلى الماء.
١٢ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن محبوب ، عن إبراهيم الكرخي ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله ثلاث ملعون من فعلهن المتغوط في ظل النزال والمانع الماء المنتاب والساد الطريق المسلوك.
١٣ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد وعلي بن إبراهيم ، عن أبيه جميعا ، عن ابن محبوب ، عن ابن رئاب ، عن أبي حمزة ، عن جابر بن عبد الله قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله ألا أخبركم بشرار رجالكم قلنا بلى يا رسول الله فقال إن
الحديث الثاني عشر : مجهول.
وتذكير ضمير الطريق هنا وتأنيثه فيما تقدم باعتبار أن الطريق يذكر ويؤنث.
الحديث الثالث عشر : حسن كالصحيح.
والبهات مبالغة من البهتان ، وهو أن يقول في الناس ما ليس فيهم ، قال الجوهري : بهته بهتا أخذه بغتة ، قال الله تعالى : «بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ »(١) وتقول أيضا : بهته بهتا وبهتا وبهتانا فهو بهات ، أي قال عليه ما لم يفعله فهو مبهوت ، انتهى.
والجري بالياء المشددة وبالهمز أيضا على فعيل وهو المقدام على القبيح من غير توقف والاسم الجرأة ، والفحاش ذو الفحش وهو كلما يشتد قبحه من الأقوال والأفعال وكثيرا ما يراد به الزنا وقد مر الكلام فيه.
« الآكل وحده » أقول : لعل النكتة في إيراد العاطف في الأخيرات وتركها في الأول الإشعار بأن البهت والجرأة والفحش صارت لازمة له كالذاتيات فصرن كالذات التي أجريت عليها الصفات ، فناسب إيراد العاطف بين الصفات لتغايرها ، ويحتمل أن تكون العلة الفصل بالمعمول أي « وحده » و « رفده » و « عبده » بين الفقرات الأخيرة وعدمها في الأول فتأمل.
__________________
(١) سورة الأنبياء : ٤٠.
من شرار رجالكم البهات الجريء الفحاش الآكل وحده والمانع رفده ، والضارب عبده والملجئ عياله إلى غيره.
١٤ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن ميسر ، عن أبيه ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله خمسة لعنتهم وكل نبي مجاب الزائد في كتاب الله والتارك لسنتي والمكذب بقدر الله والمستحل من عترتي ما حرم
« والمانع رفده » قد مر الكلام فيه ، وعدم حرمة هذه الخصلة لا ينافي كون المتصف بجميع تلك الصفات من شرار الناس ، فإنه الظاهر من الخبر لا كون المتصف بكل منها من شرار الناس ، وقيل : يفهم منه ومما سبقه أن ترك المندوب وما هو خلاف المروة شر فالمراد بشرار الرجال فاقد الكمال ، سواء كان فقده موجبا للعقوبة أم لا انتهى.
« والملجئ عياله إلى غيره » أي لا ينفق عليهم ولا يقوم بحوائجهم.
الحديث الرابع عشر : مجهول.
« وكل نبي مجاب » أقول : يحتمل أن يكون عطفا على فاعل لعنتهم ، وترك التأكيد بالمنفصل للفصل بالضمير المنصوب مع أنه قد جوزه الكوفيون مطلقا ، وقيل : كل منصوب على أنه مفعول معه ، فقوله : مجاب صفة للنبي أي لعنهم كل نبي أجابه قومه ، أو لا بد من أن يجيبه قومه أو أجاب الله دعوته ، فالصفة موضحة ، ويحتمل أن يكون « كل » مبتدأ « ومجاب » خبرا والجملة حالية أي والحال أن كل نبي مستجاب الدعوة ، فلعني يؤثر فيهم لا محالة ، ويحتمل العطف أيضا ، ويؤيد الأول ما في مجالس الصدوق وغيره من الكتب ، ولعنهم كل نبي.
« والتارك لسنتي » أي مغير طريقته ، والمبتدع في دينه ، والمكذب بقدر الله أي المفوضة الذين يقولون ليس لله في أعمال العباد مدخل أصلا كالمعتزلة ، وقد مر تحقيقه« والمستحل من عترتي ما حرم الله » والمراد بعترته أهل بيته والأئمة من
الله والمستأثر بالفيء [ و ] المستحل له.
(باب الرياء )
١ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن جعفر بن محمد الأشعري ، عن ابن القداح ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنه قال لعباد بن كثير البصري في المسجد ويلك يا عباد إياك والرياء فإنه من عمل لغير الله وكله الله إلى من عمل له.
ذريته باستحلال قتلهم أو ضربهم أو شتمهم أو إهانتهم أو ترك مودتهم أو غصب حقهم أو عدم القول بإمامتهم أو ترك تعظيمهم« والمستأثر بالفيء المستحل له » في النهاية الاستئثار الانفراد بالشيء ، وقال : الفيء ما حصل للمسلمين من أموال الكفار من غير حرب ولا جهاد ، انتهى.
وأقول : الفيء يطلق على الغنيمة والخمس والأنفال وكل ذلك يتعلق بالإمام كلا أو بعضا كما حقق في محله.
باب الرياء
الحديث الأول : ضعيف.
« وكله الله إلى من عمل له » أي في الآخرة كما سيأتي أو الأعم منها ومن الدنيا وقيل : وكل ذلك العمل إلى الغير ولا يقبله أصلا ، وقد روي عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر؟ قالوا : وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال : الرياء يقول الله عز وجل يوم القيامة إذا جازى العباد بأعمالهم : اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا هل تجدون عندهم ثواب أعمالكم. وقال بعض المحققين : اعلم أن الرياء مشتق من الرؤية ، والسمعة مشتقة من السماع ، وإنما الرياء أصله طلب المنزلة في قلوب الناس بإراءتهم خصال الخير ، إلا أن الجاه والمنزلة يطلب في القلب بأعمال سوى العبادات ويطلب بالعبادات ، واسم الرياء مخصوص
بحكم العادة بطلب المنزلة في القلوب بالعبادات وإظهارها فحد الرياء هو إرادة المنزلة بطاعة الله تعالى ، فالمرائي هو العابد ، والمرائي هو الناس المطلوب رؤيتهم لطلب المنزلة في قلوبهم ، والمرائي به هي الخصال التي قصد المرائي إظهارها ، والرياء هو هو قصده إظهار ذلك.
والمرائي به كثيرة ويجمعها خمسة أقسام ، وهي مجامع ما يتزين العبد به للناس فهو البدن والزي والقول والعمل والأتباع والأشياء الخارجة ، ولذلك أهل الدنيا يراءون بهذه الأسباب الخمسة ، إلا أن طلب الجاه وقصد الرياء بأعمال ليست من جملة الطاعات أهون من الرياء بالطاعات ، والرياء في الدين من جهة البدن ، وذلك بإظهار النحول والصفار ليوهم بذلك شدة الاجتهاد وعظم الحزن على أمر الدين ، وغلبة خوف الآخرة ، وليدل بالنحول على قلة الأكل ، وبالصفار على سهر الليل ، وكثرة الأرق في الدين ، وكذلك يرائي بتشعث الشعر ليدل به على استغراق الهم بالدين وعدم التفرغ لتسريح الشعر ، ويقرب من هذا خفض الصوت وإغارة العينين وذبول الشفتين ، فهذه مراءاة أهل الدين في البدن ، وأما أهل الدنيا فيراءون بإظهار السمن وصفاء اللون واعتدال القامة وحسن الوجه ونظافة البدن وقوة الأعضاء.
وثانيها : الرياء بالزي والهيئة أما الهيئة فتشعث شعر الرأس وحلق الشارب وإطراق الرأس في المشي والهدء في الحركة وإبقاء أثر السجود على الوجه ، وغلظ الثياب ، وليس الصوف وتشميرها إلى قريب من نصف الساق ، وتقصير الأكمام وترك تنظف الثوب وتركه مخرقا ، كل ذلك يرائي به ليظهر من نفسه أنه يتبع السنة فيه ومقتد فيه بعباد الله الصالحين ، وأما أهل الدنيا فمراءاتهم بالثياب النفيسة والمراكب الرفيعة وأنواع التوسع والتجمل.
الثالث : الرياء بالقول ، ورياء أهل الدين بالوعظ والتذكير والنطق بالحكمة
وحفظ الأخبار والآثار لأجل الاستعمال في المحاورة إظهارا لغزارة العلم ولدلالته على شدة العناية بأقوال السلف الصالحين ، وتحريك الشفتين بالذكر في محضر الناس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمشهد الخلق وإظهار الغضب للمنكرات وإظهار الأسف على مقارفة الناس بالمعاصي ، وتضعيف الصوت في الكلام ، وأما أهل الدنيا فمراءاتهم بالقول بحفظ الأشعار والأمثال والتفاصح في العبارات وحفظ النحو الغريب للأعراب على أهل الفضل وإظهار التودد إلى الناس لاستمالة القلوب.
الرابع : الرياء بالعمل ، كمراءاة المصلي بطول القيام ومده وتطويل الركوع والسجود ، وإطراق الرأس وترك الالتفات وإظهار الهدء والسكون ، وتسوية القدمين واليدين ، وكذلك بالصوم وبالحج وبالصدقة وبإطعام الطعام وبالإخبات بالشيء عند اللقاء ، كإرخاء الجفون وتنكيس الرأس والوقار في الكلام حتى أن المرائي قد يسرع في المشي إلى حاجته فإذا اطلع عليه واحد من أهل الدين رجع إلى الوقار وإطراق الرأس خوفا من أن ينسبه إلى العجلة وقلة الوقار ، فإن غاب الرجل عاد إلى عجلته فإذا رآه عاد إلى خشوعه ، ومنهم من يستحيي أن يخالف مشيته في الخلوة لمشيته بمرأى من الناس ، فيكلف نفسه المشية الحسنة في الخلوة حتى إذا رآه الناس لم يفتقر إلى التغيير ويظن أنه تخلص به من الرياء ، وقد تضاعف به رياؤه فإنه صار في خلواته أيضا مرائيا ، وأما أهل الدنيا فمراءاتهم بالتبختر والاختيال وتحريك اليدين وتقريب الخطا والأخذ بأطراف الذيل وإدارة العطفين ليدلوا بذلك على الجاه والحشمة.
الخامس : المراءاة بالأصحاب والزائرين والمخالطين كالذي يتكلف أن يزور عالما من العلماء ليقال أن فلانا قد زار فلانا أو عابدا من العباد لذلك ، أو ملكا من الملوك وأشباهه ليقال إنهم يتبركون به ، وكالذي يكثر ذكر الشيوخ ليرى أنه
لقي شيوخا كثيرة واستفاد منهم فيباهي بشيوخه ، ومنهم من يريد انتشار الصيت في البلاد لتكثر الرحلة إليه ، ومنهم من يريد الاشتهار عند الملوك لتقبل شفاعته ، ومنهم من يقصد التوصل بذلك إلى جمع حطام وكسب مال ، ولو من الأوقاف وأموال اليتامى وغير ذلك.
وأما حكم الرياء فهل هو حرام أو مكروه أو مباح أو فيه تفصيل؟ فأقول : فيه تفصيل ، فإن الرياء هو طلب الجاه ، وهو إما أن يكون بالعبادات أو بغير العبادات فإن كان بغير العبادات فهو كطلب المال فلا يحرم من حيث أنه طلب منزله في قلوب العباد ، ولكن كما يمكن كسب المال بتلبيسات وأسباب مخطورة فكذلك الجاه ، وكما أن كسب قليل من المال وهو ما يحتاج إليه الإنسان محمود فكسب قليل من الجاه وهو ما يسلم به عن الآفات محمود ، وهو الذي طلبه يوسفعليهالسلام حيث قال : «إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ »(١) وكما أن المال فيه سم ناقع وترياق نافع فكذلك الجاه ، وأما انصراف الهم إلى سعة الجاه فهو مبدء الشرور كانصراف الهم إلى كثرة المال ، ولا يقدر محب الجاه والمال على ترك معاصي القلب واللسان وغيرها وأما سعة الجاه من غير حرص منك على طلبه ومن غير اهتمام بزواله إن زال فلا ضرر فيه ، فلا جاه أوسع من جاه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ومن بعده من علماء الدين ، ولكن انصراف الهم إلى طلب الجاه نقصان في الدين ولا يوصف بالتحريم ، وبالجملة المراءاة بما ليس من العبادات قد يكون مباحا وقد يكون طاعة وقد يكون مذموما ، وذلك بحسب الغرض المطلوب به.
وأما العبادات كالصدقة والصلاة والغزو والحج ، فللمرائي فيه حالتان : إحداهما أن لا يكون له قصد إلا الرياء المحض دون الأجر ، وهذا يبطل عبادته
__________________
(١) سورة يوسف : ٥٥.
لأن الأعمال بالنيات ، وهذا ليس بقصد العبادة ، ثم لا يقتصر على إحباط عبادته حتى يقول صار كما كان قبل العبادة ، بل يعصي بذلك ويأثم لما دلت عليه الأخبار والآيات والمعنى فيه أمران ، أحدهما يتعلق بالعبادة ، وهو التلبيس والمكر لأنه خيل إليهم أنه مخلص مطيع لله وأنه من أهل الدين ، وليس كذلك والتلبيس في أمر الدنيا أيضا حرام حتى لو قضى دين جماعة وخيل إلى الناس أنه متبرع عليهم ليعتقدوا سخاوته أثم بذلك لما فيه من التلبيس وتملك القلوب بالخداع والمكر ، والثاني يتعلق بالله وهو أنه مهما قصد بعبادة الله خلق الله فهو مستهزئ بالله ، فهذا من كبائر المهلكات ، ولهذا سماه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الشرك الأصغر فلو لم يكن في الرياء إلا أنه يسجد ويركع لغير الله لكان فيه كفاية ، فإنه إذا لم يقصد التقرب إلى الله فقد قصد غير الله ، لعمري لو قصد غير الله بالسجود لكفر كفرا جليا إلا أن الرياء هو الكفر الخفي.
واعلم أن بعض أبواب الرياء أشد وأغلظ من بعض ، واختلافه باختلاف أركانه وتفاوت الدرجات فيه ، وأركانه ثلاثة المرايا به والمرايا ونفس قصد الرياء ، الركن الأول نفس قصد الرياء وذلك لا يخلو إما أن يكون مجردا دون إرادة الله والثواب ، فإن كان كذلك فلا يخلو إما أن يكون إرادة الثواب أقوى وأغلب أو أضعف أو مساويا لإرادة العبادة ، فيكون الدرجات أربعا.
الأولى : وهو أغلظها أن لا يكون مراده الثواب أصلا كالذي يصلي بين أظهر الناس ، ولو انفرد لكان لا يصلي فهذه الدرجة العليا من الرياء.
الثانية : أن يكون له قصد الثواب أيضا ولكن قصدا ضعيفا بحيث لو كان في في الخلوة لكان لا يفعله ، ولا يحمله ذلك القصد على العمل ، ولو لم يكن الثواب لكان قصد الرياء يحمله على العمل فهذا قريب مما قبله.
الثالثة : أن يكون قصد الثواب وقصد الرياء متساويين بحيث لو كان كل واحد خاليا عن الآخر لم يبعثه على العمل ، فلما اجتمعا انبعثت الرغبة فكان كل واحد لو انفرد لا يستقل بحمله على العمل ، فهذا قد أفسد مثل ما أصلح فنرجو أن يسلم رأسا برأس لا له ولا عليه ، أو يكون له من الثواب مثل ما كان عليه من العقاب ، وظواهر الأخبار تدل على أنه لا يسلم.
الرابعة : أن يكون اطلاع الناس مرجحا ومقويا لنشاطه ، ولو لم يكن لكان لا يترك العبادة ولو كان قصد الرياء وحده لما أقدم ، والذي نظنه والعلم عند الله أنه لا يحبط أصل الثواب ، ولكنه ينقص منه ، أو يعاقب على مقدار قصد الرياء ويثاب على مقدار قصد الثواب ، وأما قوله تعالى : أنا أغنى الأغنياء عن الشرك ، فهو محمول على ما إذا تساوى القصدان أو كان الرياء أرجح.
الركن الثاني : المرايا به وهو الطاعات ، وذلك ينقسم إلى الرياء بأصول العبادات وإلى الرياء بأوصافها ، القسم الأول وهو الأغلظ الرياء بالأصول وهو على ثلاث درجات.
الأولى : الرياء بأصل الإيمان وهو أغلظ أبواب الرياء ، وصاحبه مخلد في النار وهو الذي يظهر كلمتي الشهادة وباطنه مشحون بالتكذيب ، ولكنه يرائي بظاهر الإسلام ، وهم المنافقون الذين ذمهم الله سبحانه في مواضع كثيرة ، وقد قال : «يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاَّ قَلِيلاً »(١) .
وكان النفاق في ابتداء الإسلام ممن يدخل في ظاهر الإسلام ابتداء لغرض وذلك مما يقل في زماننا ، ولكن يكثر نفاق من ينسل من الدين باطنا فيجحد الجنة والنار والدار الآخرة ميلا إلى قول الملحدة ، أو يعتقد طي بساط الشرع
__________________
(١) سورة النساء : ١٤٢.
والأحكام ميلا إلى أهل الإباحة ، ويعتقد كفرا أو بدعة وهو يظهر خلافه فهؤلاء من المرائين المنافقين المخلدين في النار ، وحال هؤلاء أشد من حال الكفار المجاهرين لأنهم جمعوا بين كفر الباطن ونفاق الظاهر.
الثانية : الرياء بأصول العبادات مع التصديق بأصل الدين ، وهذا أيضا عظيم عند الله ، ولكنه دون الأول بكثير ، ومثاله أن يكون مال الرجل في يد غيره فيأمره بإخراج الزكاة خوفا من ذمه والله يعلم منه أنه لو كان في يده لما أخرجها ، أو يدخل وقت الصلاة وهو في جمع فيصلي معهم ، وعادته ترك الصلاة في الخلوة ، وكذا سائر العبادات ، فهو مراء معه أصل الإيمان بالله ، يعتقد أنه لا معبود سواه ، ولو كلف أن يعبد غير الله أو يسجد لغير الله لم يفعل ، ولكنه يترك العبادات للكسل وينشط عند اطلاع الناس ، فتكون منزلته عند الخلق أحب إليه من منزلته عند الخالق ، وخوفه من مذمة الناس أعظم من خوفه من عقاب الله ، ورغبته في محمدتهم أشد من رغبته في ثواب الله ، وهذا غاية الجهل ، وما أجدر صاحبه بالمقت وإن كان غير منسل عن أصل الإيمان من حيث الاعتقاد.
الثالثة : أن لا يرائي بالإيمان ولا بالفرائض ولكن يرائي بالنوافل والسنن التي لو تركها لا يعصي ، ولكن يكسل عنها في الخلوة لفتور رغبته في ثوابها ، ولا يثأر لذة الكسل على ما يرجى من الثواب ، ثم يبعثه الرياء على فعله ، وذلك كحضور الجماعة في الصلاة وعيادة المريض واتباع الجنائز وكالتهجد بالليل وصيام السنة والتطوع ونحو ذلك ، فقد يفعل المرائي جملة ذلك خوفا من المذمة أو طلبا للمحمدة ويعلم الله تعالى منه لو خلي بنفسه لما زاد على أداء الفرائض فهذا أيضا عظيم ، ولكن دون ما قبله ، وكأنه على الشطر من الأول وعقابه نصف عقابه.
القسم الثاني : الرياء بأوصاف العبادات لا بأصولها ، وهي أيضا على ثلاث درجات
الأولى : أن يرائي بفعل ما في تركه نقصان العبادة كالذي غرضه أن يخفف الركوع والسجود ولا يطول القراءة فإذا رآه الناس أحسن الركوع وترك الالتفات وتمم القعود بين السجدتين وقد قال ابن مسعود من فعل ذلك فهو استهانة يستهين بها ربه ، فهذا أيضا من الرياء المخطور لكنه دون الرياء بأصول التطوعات ، فإن قال المرائي : إنما فعلت ذلك صيانة لألسنتهم عن الغيبة فإنهم إذا رأوا تخفيف الركوع والسجود وكثرة الالتفات أطلقوا اللسان بالذم والغيبة فإنما قصدت صيانتهم عن هذه المعصية فيقال له : هذه مكيدة للشيطان وتلبيس ، وليس الأمر كذلك ، فإن ضررك من نقصان صلاتك وهي خدمة منك لمولاك أعظم من ضررك من غيبة غيرك ، فلو كان باعثك الدين لكان شفقتك على نفسك أكثر ، نعم للمرائي فيه حالتان : إحداهما : أن يطلب بذلك المنزلة والمحمدة عند الناس ، وذلك حرام قطعا ، والثانية أن يقول : ليس يحضرني الإخلاص في تحسين الركوع والسجود ، ولو خففت كان صلاتي عند الله ناقصة ، وآذاني الناس بذمهم وغيبتهم واستفيد بتحسين الهيئة دفع مذمتهم ولا أرجو عليه ثوابا فهو خير من أن أترك تحسين الصلاة فيفوت الثواب وتحصل المذمة فهذا فيه أدنى نظر ، فالصحيح أن الواجب عليه أن يحسن ويخلص ، فإن لم تحضره النية فينبغي أن يستمر على عبادته في الخلوة وليس له أن يدفع الذم بالمراءاة بطاعة الله ، فإن ذلك استهزاء.
الثانية أن يرائي بفعل ما لا نقصان في تركه ، ولكن فعله في حكم التكملة والتتمة لعبادته ، كالتطويل في الركوع والسجود ومد القيام وتحسين الهيئة في رفع اليدين ، والزيادة في القراءة على السورة المعتادة وأمثال ذلك ، وكل ذلك مما لو خلي ونفسه لكان لا يقدم عليه.
الثالثة : أن يرائي بزيادات خارجة عن نفس النوافل ، كحضوره الجماعة قبل
القوم ، وقصده الصف الأول وتوجهه إلى يمين الإمام وما يجري مجراه ، وكل ذلك مما يعلم الله منه أنه لو خلي بنفسه لكان لا يبالي من أين وقف ومتى يحرم بالصلاة فهذه درجات الرياء بالإضافة إلى ما يرائي به ، وبعضه أشد من بعض والكل مذموم.
الركن الثالث : المرايا لأجله ، فإن للمرائي مقصودا لا محالة فإنما يرائي لإدراك مال أو جاه أو غرض من الأغراض لا محالة ، وله أيضا ثلاث درجات :
الأولى : وهي أشدها وأعظمها أن يكون مقصده التمكن من معصية كالذي يرائي بعباداته ليعرف بالأمانة فيولي القضاء أو الأوقاف أو أموال الأيتام ، فيحكم بغير الحق ، ويتصرف في الأموال بالباطل وأمثال ذلك كثيرة.
الثانية : أن يكون غرضه نيل حظ مباح من مال أو نكاح امرأة جميلة أو شريفة فهذا رياء مخطور ، لأنه طلب بطاعة الله متاع الدنيا ، ولكنه دون الأول.
الثالثة : أن لا يقصد نيل حظ وإدراك مال أو شبهه ولكن يظهر عبادته خيفة من أن ينظر إليه بعين النقص ولا يعد من الخاصة والزهاد كان يسبق إلى الضحك أو يبدر منه المزاح فيخاف أن ينظر إليه بعين الاحتقار فيتبع ذلك بالاستغفار وتنفس الصعداء وإظهار الحزن ويقول : ما أعظم غفلة الإنسان عن نفسه ، والله يعلم منه أنه لو كان في الخلوة لما كان يثقل عليه ذلك ، فهذه درجات الرياء. ومراتب أصناف المرائين ، وجميعهم تحت مقت الله وغضبه ، وهي من أشد المهلكات.
وأما ما يحبط العمل من الرياء الخفي والجلي وما لا يحبط فنقول : إذا عقد العبد العبادة على الإخلاص ثم ورد وارد الرياء فلا يخلو إما أن ورد عليه بعد فراغه من العمل أو قبل الفراغ ، فإن ورد بعد الفراغ سرور من غير إظهار فلا يحبط العمل إذ العمل قد تم على نعت الإخلاص سالما من الرياء فما يطرء بعده فنرجو
أن لا ينعطف عليه أثره لا سيما إذا لم يتكلف هو إظهاره والتحدث به ولم يتمن ذكره وإظهاره ، ولكن اتفق ظهوره بإظهار الله إياه ولم يكن منه إلا ما دخل من السرور والارتياح على قلبه ، ويدل على هذا ما سيأتي في آخر الباب وقد روي أن رجلا قال لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : يا رسول الله أسر العمل لا أحب أن يطلع عليه أحد فيطلع عليه فيسرني؟ قال : لك أجران أجر السر وأجر العلانية ، وقال الغزالي : نعم لو تم العمل على الإخلاص من غير عقد رياء ، ولكن ظهرت له بعده رغبة في الإظهار فتحدث به وأظهره فهذا مخوف ، وفي الأخبار والآثار ما يدل على أنه محبط ، ويمكن حملها على أن هذا دليل علي أن قلبه عند العبادة لم يخل عن عقد الرياء وقصده لما أن ظهر منه التحدث به ، إذ يبعد أن يكون ما يطرء بعد العمل مبطلا للثواب ، بل الأقيس أن يقال أنه مثاب على عمله الذي مضى ومعاقب على مراءاته بطاعة الله بعد الفراغ منها ، بخلاف ما لو تغير عقده إلى الرياء قبل الفراغ فإنه مبطل.
ثم قال المحقق المذكور : وأما إذا ورد وارد الرياء قبل الفراغ من الصلاة مثلا ، وكان قد عقد على الإخلاص ، ولكن ورد في أثنائها وارد الرياء فلا يخلو إما أن يكون مجرد سرور لا يؤثر في العمل فهو لا يبطله ، وأما أن يكون رياء باعثا على العمل ، وختم به العمل ، فإذا كان كذلك حبط أجره ، ومثاله أن يكون في تطوع فتجددت له نظارة أو حضر ملك من الملوك وهو يشتهي أن ينظر إليه أو يذكر شيئا نسيه من ماله ، وهو يريد أن يطلبه ، ولو لا الناس لقطع الصلاة فاستتمها خوفا من مذمة الناس فقد حبط أجره وعليه الإعادة إن كان في فريضة وقد قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : العمل كالوعاء إذا طاب آخره طاب أوله ، أي النظر إلى خاتمته ، وروي من راءى بعمله ساعة حبط عمله الذي كان قبله ، وهو منزل على الصلاة في هذه الصورة ، لا على
الصدقة ولا على القراءة فإن كل جزء منها منفرد ، فما يطرء يفسد الباقي دون الماضي والصوم والحج من قبيل الصلاة.
فأما إذا كان وارد الرياء بحيث لا يمنعه من قصد الاستتمام لأجل الثواب كما لو حضر جماعة في أثناء صلاة ففرح بحضورهم ، واعتقد الرياء وقصد تحسين الصلاة لأجل نظرهم ، وكان لو لا حضورهم لكان يتمها أيضا فهذا رياء قد أثر في العمل ، وانتهض باعثا على الحركات فإن غلب حتى انمحق معه الإحساس بقصد العبادة والثواب ، وصار قصد العبادة مغمورا فهذا أيضا ينبغي أن يفسد العبادة مهما مضى ركن من أركانها على هذا الوجه ، لأنا نكتفي بالنية السابقة عند الإحرام بشرط أن لا يطرء ما يغلبها ويغمرها ، ويحتمل أن يقال لا تفسد العبادة نظرا إلى حالة العقد وإلى بقاء أصل قصد الثواب وإن ضعف بهجوم قصد هو أغلب منه ، والأقيس أن هذا القدر إذا لم يظهر أثره في العمل بل بقي العمل صادرا عن باعث الدين ، وإنما انضاف إليه سرور بالاطلاع فلا يفسد العمل ، لأنه لم ينعدم به أصل نيته ، وبقيت تلك النية باعثة على العمل ، وحاملة على الإتمام ، وروي في الكافي عن أبي جعفرعليهالسلام ما يدل عليه.
وأما الأخبار التي وردت في الرياء فهي محمولة على ما إذا لم يرد به إلا الخلق ، وأما ما ورد في الشركة فهو محمول على ما إذا كان قصد الرياء مساويا لقصد الثواب أو أغلب منه ، أما إذا كان ضعيفا بالإضافة إليه فلا يحبط بالكلية ثواب الصدقة وسائر الأعمال ، ولا ينبغي أن تفسد الصلاة ، ولا يبعد أيضا أن يقال : إن الذي أوجب عليه صلاة خالصة لوجه الله ، والخالصة ما لا يشوبه شيء ، فلا يكون مؤديا للواجب مع هذا الشوب والعلم عند الله فيه ، فهذا حكم الرياء الطاري بعد عقد العبادة ، إما قبل الفراغ أو بعده.
القسم الثالث : الذي يقارن حال العقد بأن يبتدئ الصلاة على قصد الرياء ، فإن
تم عليه حتى يسلم فلا خلاف في أنه يعصي ولا يعتد بصلاته ، وإن ندم عليه في أثناء ذلك واستغفر ورجع قبل التمام ففيما يلزمه ثلاثة أوجه ، قالت فرقة لم تنعقد صلاته مع قصد الرياء فليستأنف ، وقالت فرقة تلزمه إعادة الأفعال كالركوع والسجود ويفسد أعماله دون تحريمة الصلاة لأن التحريم عقد والرياء خاطر في قلبه لا يخرج التحريم عن كونه عقدا ، وقالت فرقة : لا تلزمه إعادة شيء بل يستغفر الله بقلبه ويتم العبادة على الإخلاص ، والنظر إلى خاتمة العبادة ، كما لو ابتدأها بالإخلاص وختم بالرياء لكان يفسد عمله ، وشبهوا ذلك بثوب أبيض لطخ بنجاسة عارضة ، فإذا أزيل العارض عاد إلى الأصل ، فقالوا : إن الصلاة والركوع والسجود لا يكون إلا لله ، ولو سجد لغير الله لكان كافرا ، ولكن قد اقترن به عارض الرياء.
ثم إن زال بالندم والتوبة وصار إلى حالة لا يبالي بحمد الناس وذمهم فتصح صلاته ، ومذهب الفريقين الآخرين خارج عن قياس الفقه جدا ، خصوصا من قال يلزمه إعادة الركوع والسجود دون الافتتاح ، لأن الركوع والسجود إن لم يصح صارت أفعالا زائدة في الصلاة فتبطل الصلاة ، وكذلك قول من يقول لو ختم بالإخلاص صح نظرا إلى الآخر فهو أيضا ضعيف ، لأن الرياء يقدح في النية وأولى الأوقات بمراعاة أحكام النية حالة الافتتاح ، فالذي يستقيم على قياس الفقه هو أن يقال : إن كان باعثه مجرد الرياء في ابتداء العقد دون طلب الثواب وامتثال الأمر لم ينعقد افتتاحه ، ولم يصح ما بعده ، وذلك من إذا خلا بنفسه لم يصل ولما رآه الناس يحرم بالصلاة ، وكان بحيث لو كان ثوبه أيضا نجسا كان يصلي لأجل الناس ، فهذه صلاة لا نية فيها إذ النية عبارة عن إجابة باعث الدين ، وهيهنا لا باعث ولا إجابة.
فأما إذا كان بحيث لو لا الناس أيضا لكان يصلي إلا أنه ظهرت له الرغبة في المحمدة أيضا فاجتمع الباعثان فهذا إما أن يكون في صدقة أو قراءة وما ليس فيه تحليل وتحريم ، أو في عقد صلاة وحج فإن كان في صدقة فقد عصى بإجابة باعث
الرياء وأطاع بإجابة باعث الثواب ، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ، وله ثواب بقدر قصده الصحيح ، وعقاب بقدر قصده الفاسد ، ولا يحبط أحدهما الآخر ، وإن كان في صلاة يقبل الفساد بتطرق خلل إلى النية فلا يخلو إما أن يكون نفلا أو فرضا ، فإن كانت نفلا فحكمها أيضا حكم الصدقة فقد عصى من وجه وأطاع من وجه ، إذا اجتمع في قلبه الباعثان ، وأما إذا كان في فرض واجتمع الباعثان وكان كل واحد منهما لا يستقل ، وإنما يحصل الانبعاث بمجموعهما فهذا لا يسقط الواجب عنه ، لأن الإيجاب لم ينتهض باعثا في حقه بمجرده واستقلاله وإن كان كل باعث مستقلا حتى لو لم يكن باعث الرياء لأدى الفرض ، ولو لم يكن باعث الفرض لأنشأ صلاة تطوعا لأجل الرياء فهذا في محل النظر وهو محتمل جدا فيحتمل أن يقال : أن الواجب صلاة خالصة لوجه الله ، ولم يؤد الواجب الخالص ، ويحتمل أن يقال : أن الواجب امتثال الأمر بواجب مستقل بنفسه وقد وجد ، فاقتران غيره به لا يمنع سقوط الفرض عنه ، كما لو صلى في دار مغصوبة فإنه وإن كان عاصيا بإيقاع الصلاة في الدار المغصوبة فإنه مطيع بأصل الصلاة ومسقط للفرض عن نفسه ، وتعارض الاحتمال في تعارض البواعث في أصل الصلاة.
أما إذا كان الرياء في المبادرة مثلا دون أصل الصلاة ، مثل من بادر في الصلاة في أول الوقت لحضور الجماعة ، ولو خلا لأخرها إلى وسط الوقت ، ولو لا الفرض لكان لا يبتدأ صلاة لأجل الرياء ، فهذا مما يقطع بصحة صلاته ، وسقوط الفرض به لأن باعث أصل الصلاة من حيث إنها صلاة لم يعارضها غيره ، بل من حيث تعيين الوقت ، فهذا أبعد من القدح في النية.
هذا في رياء يكون باعثا على العمل وحاملا عليه ، فأما مجرد السرور باطلاع الناس إذا لم يبلغ أثره حيث يؤثر في العمل فبعيد أن يفسد الصلاة فهذا ما نراه
لائقا بقانون الفقه والمسألة غامضة من حيث أن الفقهاء لم يتعرضوا لها في فن الفقه ، والذين خاضوا فيه وتصرفوا لم يلاحظوا قوانين الفقه ، ومقتضى فتاوى العلماء في صحة الصلاة وفسادها ، بل حملهم الحرص على تصفية القلوب وطلب الإخلاص على إفساد العبادات بأدنى الخواطر ، وما ذكرناه هو الأقصد فيما نراه والعلم عند الله تعالى ، انتهى كلامه.
وقال الشهيد قدس الله روحه في قواعده : النية يعتبر فيها القربة ، ودل عليه الكتاب والسنة ، قال تعالى : «وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ »(١) والإخلاص فعل الطاعة خالصة لله وحده ، وهنا غايات ثمان :
فالأول الرياء ، ولا ريب في أنه مخل بالإخلاص فيتحقق الرياء بقصد مدح الرائي أو الانتفاع به ، أو دفع ضرره ، فإن قلت : فما تقول في العبادة المشوبة بالتقية؟ قلت : أصل العبادة واقع على وجه الإخلاص وما فعل منها تقية فإن له اعتبارين بالنظر إلى أصله ، وهو قربة ، وبالنظر إلى ما طرأ من استدفاع الضرر ، وهو لازم لذلك فلا يقدح في اعتباره ، أما لو فرض إحداثه صلاة مثلا تقية فإنها من باب الرياء.
الثاني قصد الثواب أو الخلاص من العقاب أو قصدهما معا.
الثالث فعلها شكرا لنعم الله تعالى واستجلابا لمزيده.
الرابع فعلها حياء من الله تعالى.
الخامس فعلها حبا(٢) لله تعالى.
السادس فعلها تعظيما لله تعالى ومهابة وانقيادا وإجابة.
السابع فعلها موافقة لإرادته وطاعة لأمره.
الثامن فعلها لكونه أهلا للعبادة ، وهذه الغاية مجمع على كون العبادة تقع
__________________
(١) سورة البينة : ٥.
(٢) وفي بعض النسخ « حياء » بدل « حبا ».
بها معتبرة وهي أكمل مراتب الإخلاص وإليه أشار الإمام الحق أمير المؤمنينعليهالسلام : ما عبدتك طمعا في جنتك ولا خوفا من نارك ، ولكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك.
وأما غاية الثواب والعقاب فقد قطع الأصحاب بكون العبادة لا يفسد بقصدها(١) وكذا ينبغي أن يكون غاية الحياء والشكر ، وباقي الغايات الظاهر أن قصدها مجز لأن الغرض بها الله في الجملة ، ولا يقدح كون تلك الغايات باعثة على العبادة أعني الطمع والرجاء والشكر والحياء ، لأن الكتاب والسنة مشتملة على المرهبات من الحدود والتعزيرات والذم والإيعاد بالعقوبات ، وعلى المرغبات من المدح والثناء في العاجل ونعيمها في الآجل ، وأما الحياء فغرض مقصود وقد جاء في الخبر عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : استحيوا من الله حق الحياء ، أعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ، فإنه إذا تخيل الرؤية انبعث على الحياء والتعظيم والمهابة ، وعن أمير المؤمنينعليهالسلام وقد قال له ذعلب اليماني ـ بالذال المعجمة المكسورة والعين المهملة الساكنة ، واللام المكسورة ـ هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين؟ فقالعليهالسلام أفأعبد ما لا أرى؟ فقال : وكيف تراه؟ فقال : لا يدركه العيون بمشاهدة العيان ، ولكن يدركه القلوب بحقائق الإيمان ، قريب من الأشياء غير ملامس ، بعيد منها غير مباين ، متكلم بلا رؤية ، مريد بلا هم ، صانع لا بجارحة ، لطيف لا يوصف بالخفاء ، بصير لا يوصف بالحاسة ، رحيم لا يوصف بالرقة ، تعنو الوجوه لعظمته ، وتجل القلوب من مخافته.
وقد اشتمل هذا الكلام الشريف على أصول صفات الجلال والإكرام التي عليها مدار علم الكلام ، وأفاد أن العبادة تابعة للرؤية ، ويفسر معنى الرؤية وأفاد الإشارة إلى أن قصد التعظيم بالعبادة حسن ، وإن لم يكن تمام الغاية ،
__________________
(١) وفي بعض النسخ « فاسد بقصدها ».
وكذلك الخوف منه تعالى.
ثم لما كان الركن الأعظم في النية هو الإخلاص ، وكان انضمام تلك الأربعة غير قادح فيه فخليق أن يذكر ضمائم آخر وهي أقسام : الأول ما يكون منافية له كضم الرياء ويوصف بسببه العبادة بالبطلان بمعنى عدم استحقاق الثواب ، وهل يقع مجزيا بمعنى سقوط التعبد به والخلاص من العقاب؟ الأصح أنه لا يقع مجزيا ولم أعلم فيه خلافا إلا من السيد الإمام المرتضى قدس الله لطيفه ، فإن ظاهره الحكم بالإجزاء في العبادة المنوي بها الرياء.
الثاني : ما يكون من الضمائم لازما للفعل كضم التبرد والتسخن أو التنظيف إلى نية القربة ، وفيه وجهان ينظران إلى عدم تحقق معنى الإخلاص ، فلا يكون الفعل مجزيا وإلى أنه حاصل لا محالة فنيته كتحصيل الحاصل الذي لا فائدة فيه وهذا الوجه ظاهر أكثر الأصحاب ، والأول أشبه ، ولا يلزم من حصوله نية حصوله.
ويحتمل أن يقال : إن كان الباعث الأصلي هو القربة ثم طرأ التبرد عند الابتداء في الفعل لم يضر ، وإن كان الباعث الأصلي هو التبرد فلما أراد ضم القربة لم يجز ، وكذا إذا كان الباعث مجموع الأمرين لأنه لا أولوية فتدافعا فتساقطا فكأنه غير ناو ، ومن هذا الباب ضم نية الحمية إلى القربة في الصوم ، وضم ملازمة الغريم إلى القربة في الطواف والسعي والوقوف بالمشعرين.
الثالث : ضم ما ليس بمناف ولا لازم كما لو ضم إرادة دخول السوق مع نية التقرب في الطهارة أو إرادة الأكل ، ولم يرد بذلك الكون على طهارة في هذه الأشياء ، فإنه لو أراد الكون على طهارة كان مؤكدا غير مناف ، وهذه الأشياء وإن لم يستحب لها الطهارة بخصوصياتها إلا أنهما داخلة فيما يستحب لعمومه ، وفي هذه الضميمة وجهان مرتبان على القسم الثاني وأولى بالبطلان ، لأن ذلك
٢ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن ابن فضال ، عن علي بن عقبة ، عن أبيه قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول اجعلوا أمركم هذا لله ولا تجعلوه للناس فإنه ما كان لله فهو لله وما كان للناس فلا يصعد إلى الله
تشاغل عما يحتاج إليه بما لا يحتاج إليه.
ثم قال (ره) : يجب التحرز من الرياء فإنه يلحق العمل بالمعاصي ، وهو قسمان جلي وخفي فالجلي ظاهر ، والخفي إنما يطلع عليه أولو المكاشفة والمعاملة لله ، كما يروى عن بعضهم أنه طلب الغزو وتاقت نفسه إليه فتفقدها فإذا هو يحب المدح بقولهم : فلان غاز ، فتركه فتئقت نفسه إليه ، فأقبل يعرض على ذلك الرياء حتى أزاله ، ولم يزل يتفقدها شيئا بعد شيء حتى وجد الإخلاص مع بقاء الانبعاث فاتهم نفسه وتفقد أحوالها فإذا هو يحب أن يقال مات فلان شهيدا لتحسن سمعته في الناس بعد موته ، وقد يكون ابتداء النية إخلاصا وفي الأثناء يحصل الرياء ، فيحب التحرز منه ، فإنه مفسد للعمل ، نعم لا يكلف بضبط هواجس النفس وخواطرها بعد إيقاع النية في الابتداء خالصة ، فإن ذلك معفو عنه ، كما جاء في الحديث : إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها.
وأقول : قد مر بعض القول في ذلك في باب الإخلاص.
الحديث الثاني : حسن موثق وقد مر مثله في الرابع من باب ترك دعاء الناس.
« اجعلوا أمركم هذا » أي التشيع« لله » أي خالصا له« ولا تجعلوه للناس » لا بالانفراد ولا بالاشتراك« فإنه ما كان لله » أي خالصا له «فهو لله » أي يصعد إليه ويقبله وعليه أجره« وما كان للناس » ولو بالشركة« فلا يصعد إلى الله » أي لا يدفعه الملائكة ولا يثبتونه في ديوان الأبرار كما قال تعالى : «إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ »(١) والصعود إليه كناية عن القبول.
__________________
(١) سورة المطفّفين : ١٨.
٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن أبي المغراء ، عن يزيد بن خليفة قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام كل رياء شرك إنه من عمل للناس كان ثوابه على الناس ومن عمل لله كان ثوابه على الله.
٤ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحسين بن سعيد ، عن النضر بن سويد ، عن القاسم بن سليمان ، عن جراح المدائني ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قول الله عز وجل : «فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ
الحديث الثالث : ضعيف.
« كل رياء شرك » هذا هو الشرك الخفي فإنه لما أشرك في قصد العبادة غيره تعالى فهو بمنزلة من أثبت معبودا غيره سبحانه كالصنم« كان ثوابه على الناس » أي لو كان ثوابه لازما على أحد كان لازما عليهم ، فإنه تعالى قد شرط في الثواب الإخلاص ، فهو لا يستحق منه تعالى شيئا أو أنه تعالى يحيله يوم القيامة على الناس.
الحديث الرابع : مجهول.
«فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ » قال الطبرسي (ره) : أي فمن كان يطمع في لقاء ثواب ربه ويأمله ويقر بالبعث إليه والوقوف بين يديه ، وقيل : معناه فمن كان يخشى لقاء عقاب ربه ، وقيل : إن الرجاء يشتمل على كلا المعنيين الخوف والأمل «وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً » من ملك أو بشر أو حجر أو شجر ، وقيل : معناه لا يرائي عبادته أحدا عن ابن جبير ، وقال مجاهد : جاء رجل إلى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال إني أتصدق وأصل الرحم ولا أصنع ذلك إلا لله فيذكر ذلك مني وأحمد عليه فيسرني ذلك وأعجب به؟ فسكت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ولم يقل شيئا فنزلت الآية ، قال عطاء عن ابن عباس : إن الله تعالى قال : ولا يشرك به ، لأنه أراد العمل الذي يعمل لله ، ويحب أن يحمد عليه ، قال : ولذلك يستحب للرجل أن يدفع صدقته إلى غيره ليقسمها كيلا يعظمه من يصل بها ، وروي عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال : قال الله عز وجل : أنا أغنى الشركاء عن الشرك ، فمن عمل عملا أشرك فيه
رَبِّهِ أَحَداً »(١) قال الرجل يعمل شيئا من الثواب لا يطلب به وجه الله إنما يطلب تزكية الناس يشتهي أن يسمع به الناس فهذا الذي أشرك بعبادة ربه ثم قال ما من عبد أسر خيرا فذهبت الأيام أبدا حتى يظهر الله له خيرا وما من عبد يسر
غيري فأنا منه بريء ، فهو الذي أشرك ، أورده مسلم في الصحيح ، وروى عن عبادة الصامت وشداد بن الأوس قالا : سمعنا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول : من صلى صلاة يرائي بها فقد أشرك ، ومن صام صوما يرائي بها فقد أشرك ، ثم قرأ هذه الآية وروي أن أبا الحسن الرضاعليهالسلام دخل يوما على المأمون فرآه يتوضأ للصلاة والغلام يصب على يده الماء فقال : لا تشرك بعبادة ربك أحدا ، فصرف المأمون الغلام وتولى إتمام وضوئه بنفسه ، انتهى.
وأقول : الرواية الأخيرة تدل على أن المراد بالشرك هنا الاستعانة في العبادة ، وهو مخالف لسائر الأخبار ، ويمكن الجمع بحملها على الأعم منها فإن الإخلاص التام هو أن لا يشرك في القصد ولا في العمل غيره سبحانه« تزكية الناس » أي مدحهم« أن يسمع » على بناء الأفعال.
« ما من عبد أسر خيرا » أي عمل صالحا بأن أخفاه عن الناس لئلا يشوب بالرياء ، أو أخفى في قلبه نية حسنة خالصة« فذهبت الأيام أبدا » قوله : أبدا متعلق بالنفي في قوله : ما من عبد.
« حتى يظهر الله له خيرا » حتى للاستثناء ، أي يظهر الله ذلك العمل الخفي للناس أو تلك النية الحسنة ، وصرف قلوبهم إليه ليمدحوه ويوقروه فيحصل له مع ثناء الله ثناء الناس ، وعلى الاحتمال الأول يدل على أن إسرار الخير أحسن من إظهاره ، ولكل فائدة ، أما فائدة الأسرار فالتحرز من الرياء ، وأما فائدة الإظهار من إظهاره ، ولكل فائدة ، أما فائدة الأسرار فالتحرز من الرياء ، وأما فائدة الإظهار فترغيب الناس في الاقتداء به ، وتحريكهم إلى فعل الخير ، وقد مدح الله كليهما ،
__________________
(١) سورة الكهف : ١١٠.
شرا فذهبت الأيام أبدا حتى يظهر الله له شرا.
وفضل الإسرار في قوله سبحانه : «إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ »(١) ويظهر من بعض الأخبار أن الإخفاء في النافلة أفضل والإبداء في الفريضة أحسن ، ويمكن القول باختلاف ذلك بحسب اختلاف أحوال الناس ، فمن كان آمنا من الرياء فالإظهار منه أفضل ومن لم يكن آمنا فالإخفاء أفضل ، والأول أظهر لتأييده بالخبر.
قال المحقق الأردبيلي (ره) : المشهور بين الأصحاب أن الإظهار في الفريضة أولى سيما في المال الظاهر ، ولمن هو محل التهمة لرفع تهمة عدم الدفع وبعده عن الرياء ، ولأن يتبعه الناس في ذلك ، والإخفاء في غيرها ليسلم من الرياء ، والمروي عن ابن عباس أن صدقة التطوع إخفاؤها أفضل ، وأما المفروضة فلا يدخلها الرياء ويلحقها تهمة المنع بإخفائها فإظهارها أفضل.
وما رواه في مجمع البيان عن علي بن إبراهيم بإسناده إلى الصادقعليهالسلام قال : الزكاة المفروضة تخرج علانية وتدفع علانية وغير الزكاة إن دفعها سرا فهو أفضل ، فإن ثبت صحته أو صحة مثله فتخصص الآية ، وتفصل به ، وإلا فهي على عمومها ، ومعلوم دخول الرياء في الزكاة المفروضة كما في سائر العبادات المفروضة ، ولهذا اشترط في النية عدمه ولو تمت التهمة لكانت مختصة بمن يتهم ، ( انتهى ).
« وما من عبد يسر شرا » أي عملا قبيحا أو رياء في الأعمال الصالحة فإن الله يفضحه بهذا العمل القبيح إن داوم عليه ولم يتب عند الناس ، وكذا الرياء الذي أصر عليه فيترتب على إخفائه نقيض مقصوده على الوجهين.
__________________
(١) سورة البقرة : ٢٧١.
٥ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى بن عبيد ، عن محمد بن عرفة قال قال لي الرضاعليهالسلام ويحك يا ابن عرفة اعملوا لغير رياء ولا سمعة فإنه من عمل لغير الله وكله الله إلى ما عمل ويحك ما عمل أحد عملا إلا رداه الله إن خيرا فخير وإن شرا فشر.
الحديث الخامس : كالسابق.
وفي النهاية :ويح كلمة ترحم وتوجع يقال : لمن وقع في هلكة لا يستحقها ، وقد يقال بمعنى المدح والتعجب وهي منصوبة على المصدر ، وقد ترفع وتضاف ولا تضاف ، انتهى.
والسمعة بالضم وقد يفتح يكون على وجهين أحدهما أن يعمل عملا ويكون غرضه عند العمل سماع الناس له كما أن الرياء هو أن يعمل ليراه الناس فهو قريب من الرياء بل نوع منه ، وثانيهما أن يسمع عمله الناس بعد الفعل ، والمشهور أنه لا يبطل عمله بل ينقص ثوابه أو يزيله كما سيأتي وكان المراد هنا الأول ، في القاموس : وما فعله رياء ولا سمعة وتضم وتحرك ، وهي ما نوه ليرى ويسمع ، انتهى.
« إلى من عمل » أي إلى من عمل له ، وفي بعض النسخ إلى ما عمل أي إلى عمله أي لا ثواب له إلا أصل عمله وما قصده به أو ليس له إلا التعب« إلا رداه الله به » رداه تردية ألبسه الرداء أي يلبسه الله رداء بسبب ذلك العمل ، فشبهعليهالسلام الأثر الظاهر على الإنسان بسبب العمل بالرداء ، فإنه يلبس فوق الثياب ولا يكون مستورا بثوب آخر« إن خيرا فخيرا » (١) أي إن كان العمل خيرا كان الرداء خيرا وإن كان العمل شرا كان الرداء شرا.
والحاصل أن من عمل شرا إما بكونه في نفسه شرا أو بكونه مشوبا بالرياء يظهر الله أثر ذلك عليه ، ويفضحه بين الناس وكذا إذا عمل عملا خيرا وجعله لله خالصا ألبسه الله أثر ذلك العمل وأظهر حسنه للناس كما مر في الخبر السابق ، وقيل : شبه
__________________
(١) وفي المتن « فخير » وفيما بعده أيضا « فشر ».
٦ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن الحكم ، عن عمر بن يزيد قال إني لأتعشى مع أبي عبد اللهعليهالسلام إذ تلا هذه الآية «بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ
العمل بالرداء في الإحاطة والشمول إن خيرا فخيرا أي إن كان عمله خيرا فكان جزاؤه خيرا ، وكذا الشر وربما يقرأ ردأه بالتخفيف والهمز ، يقال : رداه به أي جعله له ردءا وقوة وعمادا ، ولا يخفى ما فيهما من الخبط والتصحيف وسيأتي ما يأبى عنهما.
الحديث السادس : صحيح.
والتعشي أكل الطعام آخر النهار أو أول الليل ، في القاموس العشي والعشية آخر النهار ، والعشاء كسماء طعام العشي وتعشى أكله «بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ » قال البيضاوي : أي حجة بينة على أعمالها لأنه شاهد بها ، وصفها بالبصارة على سبيل المجاز أو عين بصيرة بها ، فلا يحتاج إلى الإنباء «وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ » أي ولو جاء بكل ما يمكن أن يعتذر به ، جمع معذار وهو العذر أو جمع معذرة على غير قياس كالمناكير في المنكر ، فإن قياسه معاذر ، انتهى.
والتوجيه الأول لبصيرة لأكثر المفسرين ، والثاني نقله النيسابوري عن الأخفش ، فإنه جعل الإنسان بصيرة كما يقال : فلان كرم لأنه يعلم بالضرورة متى رجع إلى عقله أن طاعة خالقه واجبة ، وعصيانه منكر ، فهو حجة على نفسه بعقله السليم ونقل عن أبي عبيدة أن التاء للمبالغة كعلامة ، وقال في قوله تعالى : «وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ » هذا تأكيد أي ولو جاء بكل معذرة يحاج بها عن نفسه فإنها لا تنفعا لأنها لا تخفى شيئا من أفعاله فإن نفسه وأعضائه تشهد عليه.
قال : قال الواحدي والزمخشري : المعاذير اسم جمع للمعذرة كالمناكير للمنكر ولو كان جمعا لكان معاذر بغير ياء ، ونقل عن الضحاك والسدي أن المعاذير جمع المعذار وهو الستر ، والمعنى أنه وإن أسبل الستور أن يخفى شيء من عمله ، قال الزمخشري
بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ »(١) يا أبا حفص ما يصنع الإنسان أن يتقرب إلى الله عز وجل بخلاف ما يعلم الله تعالى ، إن رسول اللهصلىاللهعليهوآله كان يقول من أسر سريرة رداه الله رداءها إن خيرا فخير وإن شرا فشر.
٧ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال النبيصلىاللهعليهوآله إن الملك ليصعد بعمل العبد مبتهجا به فإذا صعد بحسناته يقول الله عز وجل اجعلوها في سجين إنه ليس إياي أراد بها.
إن صح هذا النقل فالسبب في التسمية أن الستر يمنع رؤية المحتجب كما يمنع المعذرة عقوبة المذنب ، انتهى.
« يا أبا حفص » أي قال ذلك« ما يصنع الإنسان » استفهام على الإنكار والغرض التنبيه على أنه لا ينفعه في آخرته ولا في دنياه أيضا لما سيأتي« أن يتقرب إلى الله » أي يفعل ما يفعله المتقرب ويأتي بما يتقرب به وإن كان ينوي به أمرا آخر ،« بخلاف ما يعلم الله » أي من باطنه فإنه يظهر ظاهرا أنه يعمل العمل لله ، ويعلم الله من باطنه أنه يفعله لغير الله ، أو أنه ليس خالصا لله ، وقيل : المعنى التقرب بهذا العمل المشترك إلى الله تعالى تقرب بخلاف ما يعلم الله أنه موجب للتقرب ، والسريرة ما يكتم« رداه الله رداءها » كأنه جرد التردية عن معنى الرداء واستعمل بمعنى الإلباس وسيأتي « ألبسه الله » وقد مر أنه أستعير الرداء للحالة التي تظهر على الإنسان وتكون علامة لصلاحه وفساده.
الحديث السابع : ضعيف على المشهور.
والابتهاج السرور ، والباء فيقوله : بعمل وبحسناته للملابسة ويحتمل التعديةوقوله : ليصعد أي يشرع في الصعود ،وقوله : فإذا صعد أي تم صعوده ووصل إلى موضع يعرض فيه الأعمال على الله تعالى ، وقوله : بحسناته من قبيل وضع المظهر موضع المضمر تصريحا بأن العمل من جنس الحسنات أو هو منها بزعمه ، أي أثبتوا تلك
__________________
(١) سورة القيامة : ١٤.
٨ ـ وبإسناده قال قال أمير المؤمنينعليهالسلام ثلاث علامات للمرائي ينشط إذا رأى الناس ويكسل إذا كان وحده ويحب أن يحمد في جميع أموره.
٩ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن عثمان بن عيسى ، عن علي بن سالم قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول قال الله عز وجل أنا خير شريك
الأعمال التي تزعمون أنها حسنات من ديوان الفجار الذي هو في سجين كما قال الله تعالى : «إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ »(١) وفي القاموس : سجين كسكين موضع فيه كتاب الفجار ، وواد في جهنم أعاذنا الله منها أو حجر في الأرض السابعة وقال البيضاوي «إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ » ما يكتب من أعمالهم «لَفِي سِجِّينٍ » كتاب جامع لإعمال الفجرة من الثقلين كما قال : «وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ ، كِتابٌ مَرْقُومٌ » أي مسطور بين الكتابة ، ثم قال : وقيل : هو اسم المكان والتقدير ما كتاب السجين أو محل كتاب مرقوم فحذف المضاف« اجعلوها » الخطاب إلى الملائكة الصاعدين ، فالمراد بالملك أولا الجنس أو إلى ملائكة الرد والقبول ، والضمير المنصوب للحسنات« ليس إياي أراد » تقديم الضمير للحصر ، أي لم يكن مراده أنا فقط بل أشرك معي غيري.
الحديث الثامن : كالسابق.
وفي القاموس :نشط كسمع نشاطا بالفتح طابت نفسه للعمل وغيره ، وقال :الكسل محركة التثاقل عن الشيء والفتور فيه ، كسل كفرح ، انتهى.
والنشاط يكون قبل العمل وباعثا للشروع فيه ، ويكون بعده وسببا لتطويله وتجويده« في جميع أموره » أي في جميع طاعاته وتركه للمنهيات أو الأعم منها ومن أمور الدنيا.
الحديث التاسع : ضعيف على المشهور.
« أنا خير شريك » لأنه سبحانه غني لا يحتاج إلى الشركة وإنما يقبل
__________________
(١) سورة المطفّفين : ٧.
من أشرك معي غيري في عمل عمله لم أقبله إلا ما كان لي خالصا.
١٠ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن محبوب ، عن داود ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال من أظهر للناس ما يحب الله وبارز الله بما كرهه لقي الله وهو ماقت له.
١١ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن صفوان ، عن فضل أبي العباس ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال ما يصنع أحدكم أن يظهر حسنا ويسر سيئا أليس يرجع إلى نفسه فيعلم أن ذلك ليس كذلك والله عز وجل يقول : «بَلِ الْإِنْسانُ
الشركة من لم يكن غنيا بالذات ، فلا يقبل العمل المخلوط لرفعته وغناه ، أو المراد أني محسن إلى الشركاء أدع إليهم ما كان مشتركا بيني وبينهم ولا أقبله ، وقيل : على هذا الكلام مبني على التشبيه ، والاستثناء في قوله : إلا ما كان ، منقطع.
الحديث العاشر : مختلف فيه.
« وبارز الله » كان المراد به أبرز وأظهر لله بما كرهه الله من المعاصي ، فإن ما يفعله في الخلوة يراه الله ويعلمه ، والمستفاد من اللغة أنه من المبارزة في الحرب فإن من يعصي الله سبحانه بمرأى منه ومسمع ، فكأنه يبارزه ويقاتله ، في القاموس بارز القرن مبارزة وبرازا برز إليه.
الحديث الحادي عشر : صحيح بسنده الأول والثاني ضعيف.
« ويسر سيئا » أي نية سيئة ورياء أو أعمالا قبيحة والأول أظهر ، فيعلم أن ذلك ليس كذلك أي يعلم أن عمله ليس بمقبول لسوء سريرته وعدم صحة نيته« إن السريرة إذا صحت » أي إن النية إذا صحت ،قويت الجوارح على العمل ، كما ورد لا يضعف بدن عما قويت عليه النية ، وروي أن في ابن آدم مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد ألا وهي القلب ، لكن هذا المعنى لا يناسب هذا المقام كما لا يخفى ، ويمكن أن يكون المراد بالقوة القوة المعنوية أي صحة العمل وكمالها ،
عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ » إن السريرة إذا صحت قويت العلانية.
الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن محمد بن جمهور ، عن فضالة ، عن معاوية ، عن الفضيل ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام مثله.
١٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن صالح بن السندي ، عن جعفر بن بشير ، عن علي بن أبي حمزة ، عن أبي بصير قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام ما من عبد يسر خيرا إلا لم تذهب الأيام حتى يظهر الله له خيرا وما من عبد يسر شرا إلا لم تذهب الأيام حتى يظهر الله له شرا.
١٣ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن علي بن أسباط ، عن يحيى بن بشير ، عن أبيه ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال من أراد الله عز وجل بالقليل من عمله أظهر الله له أكثر مما أراد ومن أراد الناس بالكثير من عمله في تعب من بدنه
وقيل : المرادبالعلانية الرداء المذكور سابقا ، أي أثر العمل.
وأقول : يحتمل أن يكون المعنى قوة العلانية على العمل دائما ، لا بمحضر الناس فقط.
الحديث الثاني عشر : ضعيف على المشهور وقد مر.
الحديث الثالث عشر : كالسابق.
« أظهر الله له » في بعض النسخ أظهره الله له ، فالضمير للقليل أو للعمل ، وأكثر صفة للمفعول المطلق المحذوف« مما أراد » أي مما أراد الله به ، والمراد إظهاره على الناس ، ونسبة السهر إلى الليل على المجاز ، وضمير يقلله للكثير أو للعمل ، وقد يقال : الضمير للموصول فالتقليل كناية عن التحقير كما روي أن رجلا من بني إسرائيل قال : لأعبدن الله عبادة أذكر بها فمكث مدة مبالغا في الطاعات وجعل لا يمر بملإ من الناس إلا قالوا متصنع مراء فأقبل على نفسه وقال : قد أتعبت نفسك
وسهر من ليله أبى الله عز وجل إلا أن يقلله في عين من سمعه.
١٤ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله سيأتي على الناس زمان تخبث فيه سرائرهم وتحسن فيه علانيتهم طمعا في الدنيا لا يريدون به ما عند ربهم يكون دينهم رياء لا يخالطهم خوف يعمهم الله بعقاب فيدعونه دعاء الغريق فلا يستجيب لهم.
١٥ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن الحكم ، عن عمر بن يزيد
وضيعت عمرك في لا شيء فينبغي أن تعمل لله سبحانه ، فغير نيته وأخلص عمله لله فجعل لا يمر بملإ من الناس إلا قالوا ورع تقي.
الحديث الرابع عشر : كالسابق أيضا.
« سيأتي » السين للتأكيد أو للاستقبال القريب« يخبث » كيحسن« سرائرهم » بالمعاصي أو بالنيات الخبيثة الريائية« طمعا » مفعول له ليحسن« لا يريدون به » الضمير لحسن العلانية أو للعمل المعلوم بقرينة المقام« يكون دينهم » أي عباداتهم الدينية أو أصل إظهار الدين« رياء » لطلب المنزلة في قلوب الناس ، والباء فيقوله : « بعقاب » للتعدية« دعاء الغريق » أي كدعاء من أشرف على الغرق ، فإن الإخلاص والخضوع فيه أخلص من سائر الأدعية لانقطاع الرجاء من غيره سبحانه ، وما قيل : من أن المعنى من غرق في ماء دموعه فلا يخفى بعده ، وعدم الإجابة لعدم عملهم بشرائطها وعدم وفائهم بعهوده تعالى ، كما قال تعالى : «أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ » وسيأتي الكلام فيه في كتاب الدعاء إنشاء الله ، ولا يبعد أن يكون العقاب إشارة إلى غيبة الإمامعليهالسلام .
الحديث الخامس عشر : صحيح.
وقد مر بعينه سندا ومتنا ولا اختلاف إلا في قوله : أن يعتذر إلى الناس ، وقوله : ألبسه الله ، وكأنه أعاده لاختلاف النسخ في ذلك وهو بعيد ، ولعله كان على السهو ، وما هنا كأنه أظهر في الموضعين ، والاعتذار إظهار العذر وطلب قبوله ، وقيل
قال إني لأتعشى مع أبي عبد اللهعليهالسلام إذ تلا هذه الآية «بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ » يا أبا حفص ما يصنع الإنسان أن يعتذر إلى الناس بخلاف ما يعلم الله منه إن رسول اللهصلىاللهعليهوآله كان يقول من أسر سريرة ألبسه الله رداءها إن خيرا فخير وإن شرا فشر.
١٦ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن علي بن أسباط ، عن بعض أصحابه ، عن أبي جعفرعليهالسلام أنه قال الإبقاء على العمل أشد من العمل قال وما الإبقاء على العمل قال يصل الرجل بصلة وينفق نفقة لله وحده لا شريك له
لعل المراد به هو الحث على التسوية بين السريرة والعلانية ، بحيث لا يفعل سرا ما لو ظهر لاحتاج إلى العذر. ومن البين أن الخير لا يحتاج إلى العذر وإنما المحتاج إليه هو الشر ، ففيه ردع عن تعلق السر بالشر مخالفا للظاهر ، وهذا كما قيل لبعضهم : عليك بعمل العلانية ، قال : وما عمل العلانية؟ قال : ما إذا اطلع الناس عليك لم تستحي منه ، وهذا مأخوذ من كلام أمير المؤمنينعليهالسلام على ما ذكره صاحب العدة (ره) حيث يقولعليهالسلام : إياك وما تعتذر منه فإنه لا تعتذر من خير ، وإياك وكل عمل في السر تستحيي منه في العلانية ، وإياك وكل عمل إذا ذكر لصاحبه أنكره.
الحديث السادس عشر : ضعيف.
« الإبقاء على العمل » أي حفظه ورعايته والشفقة عليه من ضياعه ، في النهاية :
يقال أبقيت عليه أبقى إبقاء إذا رحمته وأشفقت عليه والاسم البقيا ، وفي الصحاح أبقيت على فلان إذا أرعيت عليه ورحمته.
قوله عليهالسلام : يصل ، هو بيان لترك الإبقاء ليعرف الإبقاء فإن الأشياء تعرف بأضدادها« فتكتب » على بناء المجهول ، والضمير المستتر راجع إلى كل من الصلة والنفقة ، وسرا وعلانية ورياء كل منها منصوب ومفعول ثان لتكتب ، وقوله : فتمحى على بناء المفعول من باب الأفعال ، ويمكن أن يقرأ على بناء المعلوم من باب الافتعال
فكتب له سرا ثم يذكرها وتمحى فتكتب له علانية ، ثم يذكرها فتمحى وتكتب له رياء.
١٧ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن جعفر بن محمد الأشعري ، عن ابن القداح ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه اخشوا الله خشية ليست بتعذير واعملوا لله في غير رياء ولا سمعة فإنه من عمل
بقلب التاء ميما« فتكتب له علانية » أي يصير ثوابه أخف وأقل« وتكتب له رياء » أي يبطل ثوابه بل يعاقب عليه ، وقيل : كما يتحقق الرياء في أول العبادة ووسطها كذلك يتحقق بعد الفراغ منها ، فيجعل ما فعل لله خالصا في حكم ما فعل لغيره فيبطلها كالأولين عند علمائنا ، بل يوجب الاستحقاق للعقوبة أيضا عند الجميع.
وقال الغزالي : لا يبطلها لأن ما وقع صحيحا فهو صحيح لا ينتقل من الصحة إلى الفساد ، نعم الرياء بعده حرام يوجب استحقاق العقوبة ، وقد مر بسط القول فيهالحديث السابع عشر : كالسابق.
« خشية ليست بتعذير » أقول : هذه الفقرة تحتمل وجوها : الأول : ما ذكره المحدث الأسترآبادي (ره) حيث قال : إذا فعل أحد فعلا من باب الخوف ولم يرض به فخشيته خشية تعذير وخشية كراهية ، وإن رضي به فخشيته خشية رضى أو خشية محبة.
الثاني : أن يكون التعذير بمعنى التقصير بحذف المضاف أي ذات تعذير ، أي لم تكونوا مقصرين في الخشية ، أو الباء للملابسة أي بمعنى مع ، قال في النهاية : التعذير التقصير ، ومنه حديث بني إسرائيل : كانوا إذا عمل فيهم بالمعاصي نهوهم تعذيرا أي نهيا قصروا فيه ولم يبالغوا ، وضع المصدر موضع اسم الفاعل حالا كقولهم جاء مشيا ، ومنه حديث الدعاء : وتعاطي ما نهيت عنه تعذيرا.
الثالث : أن يكون التعذير بمعنى التقصير أيضا ، ويكون المعنى لا تكون خشيتكم بسبب التقصيرات الكثيرة في الأعمال بل تكون مع بذل الجهد في الأعمال
لغير الله وكله الله إلى عمله.
١٨ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن جميل بن دراج ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال سألته عن الرجل يعمل الشيء من الخير فيراه إنسان فيسره ذلك فقال لا بأس ما من أحد إلا وهو يحب أن يظهر له في الناس الخير إذا لم يكن صنع ذلك لذلك.
كما ورد في صفات المؤمن يعمل ويخشى.
الرابع : أن يكون المعنى تكون خشيتكم خشية واقعية لا إظهار خشية في مقام الاعتذار إلى الناس والعمل بخلاف ما تقتضيه كما مر في قولهعليهالسلام : ما يصنع الإنسان أن يعتذر إلى الناس « إلخ » قال الجوهري : المعذر بالتشديد هو المظهر للعذر من غير حقيقة له في العذر.
الخامس : ما ذكره بعض مشايخنا : أن المعنى اخشوا الله خشية لا تحتاجون معها في القيامة إلى إبداء العذر.
وكان الثالث أظهر الوجوه« وكله الله إلى عمله » أي يرد عمله عليه فكأنه وكله إليه ، أو بحذف المضاف أي مقصود عمله أو شريك عمله أو ليس له إلا العناء والتعب كما مر.
الحديث الثامن عشر : حسن كالصحيح.
« ما من أحد » أي الإنسان مجبول على ذلك لا يمكنه رفع ذلك عن نفسه فلو كلف به لكان تكليفا بما لا يطاق« إذا لم يكن صنع ذلك لذلك » أي لم يكن باعثه على أصل الفعل أو على إيقاعه على الوجه الخاص ظهوره في الناس ، وقد ورد نظير ذلك من طريق العامة عن أبي ذر أنه قيل لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه؟ قال : تلك عاجل بشرى المؤمن يعني البشرى المعجلة له في الدنيا ، والبشرى الأخرى قوله سبحانه : «بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ »(١) .
وقيل : وهذا ينافي ما روي من طريقنا : ما بلغ عبد حقيقة الإخلاص حتى لا يحب أن يحمد على شيء من عمل لله ، وما روي من طريقهم عن ابن جبير في سبب نزول قوله تعالى : «فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ »(٢) « إلخ ». وقد مر وقد جمع بينهما صاحب العدة (ره) بأنه إن كان سروره باعتبار أنه تعالى أظهر جميلة عليهم أو باعتبار أنه استدل بإظهار جميلة في الدنيا على إظهار جميلة في الآخرة على رؤوس الإشهاد ، أو باعتبار أن الرائي قد يميل قلبه بذلك إلى طاعة الله تعالى ، أو باعتبار أنه يسلب ذلك اعتقادهم بصفة ذميمة له فليس ذلك السرور رياء وسمعة ، وإن كان سروره باعتبار رفع المنزلة أو توقع التعظيم والتوقير بأنه عابد زاهد وتزكيتهم له إلى غير ذلك من التدليسات النفسانية والتلبيسات الشيطانية فهو رياء ناقل للعمل من كفة الحسنات إلى كفة السيئات ، انتهى.
وأقول : يمكن أن يكون ذلك باعتبار اختلاف درجات الناس ومراتبهم ، فإن تكليف مثل ذلك بالنظر إلى أكثر الخلق تكليف بما لا يطاق ، ولا ريب في اختلاف التكاليف بالنسبة إلى أصناف الخلق بحسب اختلاف استعداداتهم وقابلياتهم.
__________________
(١) سورة الحديد : ١٢.
(٢) سورة الكهف : ١١.
(باب )
(طلب الرئاسة )
١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن معمر بن خلاد ، عن أبي الحسنعليهالسلام أنه ذكر رجلا فقال إنه يحب الرئاسة فقال ما ذئبان ضاريان
باب طلب الرئاسة
الحديث الأول : صحيح.
« أنه ذكر رجلا » ضمائر « أنه » و « ذكر » و « فقال » أولا راجعة إلى معمر ويحتمل رجوعها إلى الإمامعليهالسلام ، والرئاسة الشرف والعلو على الناس ، رأس الرجل يرأس مهموزا بفتحتين رئاسة شرف وعلى قدره ، فهو رئيس ، والجمع رؤساء مثل شريف وشرفاء ، والضاري السبع الذي اعتاد بالصيد وإهلاكه ، والرعاء بالكسر والمد جمع راع اسم فاعل ، وبالضم اسم جمع صرح بالأول صاحب المصباح ، وبالثاني القاضي وتفرق الرعاء لبيان شدة الضرر ، فإن الراعي إذا كان حاضرا يمنع الذئب عن الضرر ، ويحمى القطيع ، والظاهر أنقوله : في دين المسلم صلة للضرر المقدر أي ليس ضرر الذئبين في الغنم بأشد من ضرر الرئاسة في دين المسلم ، ففي الكلام تقديم وتأخير ، ويؤيده ما سيأتي في باب حب الدنيا مثله هكذا : بأفسد فيها من حب المال والشرف في دين المسلم ، وقيل : في دين المسلم حال عن الرئاسة قدم عليه ، ولا يخفى ما فيه.
وفيه تحذير عن طلب الرئاسة ، وللرئاسة أنواع شتى منها ممدوحة ومنها مذمومة ، فالممدوحة منها الرئاسة التي أعطاها الله تعالى خواص خلقه من الأنبياء والأوصياءعليهمالسلام ، لهداية الخلق وإرشادهم ، ورفع الفساد عنهم ، ولما كانوا معصومين مؤيدين بالعنايات الربانية فهم مأمونون من أن يكون غرضهم من ذلك تحصيل
في غنم قد تفرق رعاؤها بأضر في دين المسلم من الرئاسة.
الأغراض الدنية والأغراض الدنيوية ، فإذا طلبوا ذلك ليس غرضهم إلا الشفقة على خلق الله تعالى ، وإنقاذهم من المهالك الدنيوية والأخروية كما قال يوسفعليهالسلام «اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ »(١) وأما سائر الخلق فلهم رئاسات حقة ورئاسات باطلة وهي مشتبهة بحسب نياتهم واختلاف حالاتهم فمنها القضاء والحكم بين الناس ، وهذا أمر خطير وللشيطان فيه تسويلات ، ولذا وقع التحذير عنه في كثير من الأخبار ، وأما من يأمن ذلك من نفسه ويظن أنه لا ينخدع من الشيطان فإذا كان في زمان حضور الإمام وبسط يدهعليهالسلام وكلفه ذلك يجب عليه قبوله.
وأما في زمان الغيبة فالمشهور أنه يجب على الفقيه الجامع لشرائط الحكم والفتوى ارتكاب ذلك إما عينا وإما كفاية ، فإن كان غرضه من ارتكاب ذلك إطاعة إمامه والشفقة على عباد الله وإحقاق حقوقهم وحفظ فروجهم وأموالهم وأعراضهم عن التلف ولم يكن غرضه الترفع على الناس والتسلط عليهم ، ولا جلب قلوبهم وكسب المحمدة منهم ، فليست رئاسته رئاسة باطلة ، بل رئاسة حقة أطاع الله تعالى فيها ونصح إمامه ، ولو كان غرضه كسب المال الحرام وجلب قلوب الخواص والعوام وأمثال ذلك فهي الرئاسة الباطلة التي حذر عنها ، وأشد منها من ادعى ما ليس له بحق كالإمامة والخلافة ومعارضة أئمة الحق فإنه على حد الشرك بالله وقريب منه ما فعله الكذابون المتصنعون الذين كانوا في أعصار الأئمةعليهالسلام وكانوا يصدون الناس عن الرجوع إليهم كالحسن البصري وسفيان الثوري وأبي حنيفة وأضرابهم.
ومن الرئاسات المنقسمة إلى الحق والباطل ارتكاب الفتوى والتدريس
__________________
(١) سورة يوسف : ٥٥.
والوعظ ، فمن كان أهلا لتلك الأمور عالما(١) بما يقول متبعا للكتاب والسنة وكان غرضه هداية الخلق وتعليمهم مسائل دينهم فهو من الرئاسة الحقة ، ويحتمل وجوبه إما عينا أو كفاية ، ومن لم يكن أهلا لذلك ويفسر الآيات برأيه والأخبار مع عدم فهمها ، ويفتي الناس بغير علم فهو ممن قال الله سبحانه فيهم : «قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً »(٢) وكذلك من هو أهل لتلك الأمور من جهة العلم لكنه مراء متصنع يحرف الكلم عن مواضعه ، ويفتي الناس بخلاف ما يعلم ، أو كان غرضه محض الشهرة وجلب القلوب أو تحصيل الأموال والمناصب فهو أيضا من الهالكين ، ومنها أيضا إمامة الجمعة والجماعة فهذا أيضا إن كان أهله وصحت نيته فهو من الرئاسات الحقة وإلا فهو أيضا من أهل الفساد.
والحاصل أن الرئاسة إن كانت بجهة شرعية ولغرض صحيح فهي ممدوحة وإن كانت على غير الجهات الشرعية أو مقرونة بالأغراض الفاسدة فهي مذمومة فهذه الأخبار محمولة على هذه الوجوه الباطلة ، أو على ما إذا كان المقصود نفس الرئاسة والتسلط.
قال بعض المحققين : معنى الجاه ملك القلوب والقدرة عليها ، فحكمها حكم ملك الأموال فإنه عرض من أعراض الحياة الدنيا وينقطع بالموت كالمال ، والدنيا مزرعة الآخرة فكل ما خلق الله من الدنيا فيمكن أن يتزود منه إلى الآخرة ، وكما أنه لا بد من أدنى مال لضرورة المطعم والملبس ، فلا بد من أدنى جاه لضرورة المعيشة مع الخلق ، والإنسان كما لا يستغني عن طعام يتناوله ، فيجوز أن يحب
__________________
(١) الظاهر أنّ الصحيح « عاملا » بدل « عالما » ولكن النسخ متفقة على ما في المتن ويحتمل التصحيف أيضا.
(٢) سورة الكهف : ١١٣.
الطعام والمال الذي يباع به الطعام فكذلك لا يخلو عن الحاجة إلى خادم يخدمه ورفيق يعينه وأستاد يعلمه وسلطان يحرسه ، ويدفع عنه ظلم الأشرار ، فحبه أن يكون له في قلب خادمه من المحل ما يدعوه إلى الخدمة ليس بمذموم ، وحبه لأن يكون له في قلب رفيقه من المحل ما يحسن به مرافقته ومعاونته ليس بمذموم ، وحبه لأن يكون في قلب أستاذه من المحل ما يحسن به إرشاده وتعليمه والعناية به ليس بمذموم ، وحبه لأن يكون له من المحل في قلب سلطانه ما يحثه ذلك على دفع الشر عنه ليس بمذموم ، فإن ألجأه وسيلة إلى الأغراض كالمال ، فلا فرق بينهما إلا أن التحقيق في هذا يفضي إلى أن لا يكون المال والجاه في أعيانهما محبوبين بل ينزل ذلك منزلة حب الإنسان أن يكون في داره بيت ماء لأنه يضطر إليه لقضاء حاجته وبوده(١) لو استغنى عن قضاء الحاجة حتى يستغني عن بيت الماء ، وهذا على التحقيق ليس بحب لبيت الماء ، فكل ما يراد به التوصل إلى محبوب فالمحبوب هو المقصود المتوسل إليه ، وتدرك التفرقة بمثال وهو أن الرجل قد يحب زوجته من حيث أنه يدفع بها فضلة الشهوة ، كما يدفع بيت الماء فضلة الطعام ، ولو كفى مؤنة الشهوة لكان يهجر زوجته كما لو كفى قضاء الحاجة لكان لا يدخل بيت الماء ولا يدور به ، وقد يحب زوجته لذاتها حب العشاق ولو كفى الشهوة لبقي مستصحبا لنكاحها ، فهذا هو الحب دون الأول ، فكذلك الجاه والمال قد يحب كل واحد منهما من هذين الوجهين فحبهما لأجل التوسل إلى مهمات البدن غير مذموم ، وحبهما لأعيانهما فيما يجاوز ضرورة البدن وحاجته مذموم ولكنه لا يوصف صاحبه بالفسق والعصيان ما لم يحمله الحب على مباشرة معصية ، وما لم يتوصل إلى اكتسابه بعبادة ، فإن التوصل إلى المال والجاه بالعبادة جناية على الدين وهو حرام ، وإليه يرجع معنى الرياء المخطور كما مر.
__________________
(١) كذا في نسخة المؤلّف (ره) وساير النسخ التي عندنا.
فإن قلت : طلب الجاه والمنزلة في قلب أستاذه وخادمه ورفيقه وسلطانه ومن يرتبط به أمره مباح على الإطلاق كيف ما كان ، أو مباح إلى حد مخصوص أو على وجه مخصوص؟.
فأقول : يطلب ذلك على ثلاثة أوجه ، وجهان منها مباح ووجه منها مخطور أما المخطور فهو أن يطلب قيام المنزلة في قلوبهم باعتقادهم فيه صفة هو منفك عنها مثل العلم والورع والنسب فيظهر لهم أنه علوي أو عالم أو ورع ، ولا يكون كذلك فهذا حرام لأنه تلبيس وكذب إما بالقول وإما بالفعل ، وأما المباح فهو أن يطلب المنزلة بصفة هو متصف بها كقول يوسفعليهالسلام : «اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ » فإنه طلب المنزلة في قلبه بكونه حفيظا عليما ، وكان محتاجا إليه ، وكان صادقا فيه ، والثاني أن يطلب إخفاء عيب من عيوبه ومعصية من معاصيه ، حتى لا يعلمه فلا تزول منزلته به ، فهذا أيضا مباح ، لأن حفظ الستر على القبائح جائز ولا يجوز هتك الستر وإظهار القبيح ، فهذا ليس فيه تلبيس بل هو سد لطريق العلم بما لا فائدة في العلم به ، كالذي يخفى عن السلطان أنه يشرب الخمر ولا يلقى إليه أنه ورع ، فإن قوله : إني ورع تلبيس ، وعدم إقراره بالشرب لا يوجب اعتقاده الورع بل يمنع العلم بالشرب.
ومن جملة المخطورات تحسين الصلاة بين يديه لتحسن فيه اعتقاده ، فإن ذلك رياء وهو ملبس إذ يخيل إليه أنه من المخلصين الخاشعين لله ، وهو مرائي بما يفعله فكيف يكون مخلصا ، فطلب الجاه بهذا الطريق حرام ، وكذا بكل معصية ، وذلك يجري مجرى اكتساب المال من غير فرق ، وكما لا يجوز له أن يتملك مال غيره بتلبيس في عوض أو في غيره ، فلا يجوز له أن يتملك قلبه بتزوير وخداع ، فإن ملك القلوب أعظم من ملك الأموال.
٢ ـ عنه ، عن أحمد ، عن سعيد بن جناح ، عن أخيه أبي عامر ، عن رجل ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال من طلب الرئاسة هلك.
٣ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن أبيه ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن عبد الله بن مسكان قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول إياكم وهؤلاء الرؤساء الذين يترأسون فو الله ما خفقت النعال خلف رجل إلا هلك وأهلك
٤ ـ عنه ، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع وغيره رفعوه قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام ملعون من ترأس ملعون من هم بها ملعون من حدث بها نفسه.
٥ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحسن بن أيوب ، عن أبي عقيلة الصيرفي قال حدثنا كرام ، عن أبي حمزة الثمالي قال قال لي أبو عبد الله
الحديث الثاني : مرسل.
الحديث الثالث : صحيح.
وقال الجوهري :رأس فلان القوم يرأس بالفتح رئاسة وهو رئيسهم ، ورأسته أنا ترئيسا فترأس هو وارتأس عليهم ، وقال :خفق الأرض بنعله وكل ضرب بشيء عريض : خفق.
أقول : وهذا أيضا محمول على الجماعة الذين كانوا في أعصار الأئمةعليهمالسلام ويدعون الرئاسة من غير استحقاق ، أو تحذير عن تسويل النفس وتكبرها واستعلائها باتباع العوام ورجوعهم إليه ، فيهلك بذلك ويهلكهم بإضلالهم وإفتائهم بغير علم ، مع أن زلات علماء الجور مسرية إلى غيرهم ، لأن كل ما يرون منهم يزعمون أنه حسن فيتبعونهم في ذلك ، كما قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : أخاف على أمتي زلة عالم.
الحديث الرابع : مرفوع.
« من ترأس » أي ادعى الرئاسة بغير حق ، فإن التفعل غالبا يكون للتكليف.
الحديث الخامس : مجهول إذ في أكثر نسخ الكافي عن أبي عقيل وفي بعضها عنأبي عقيلة ، والظاهر أنه كان أيوب بن أبي غفيلة لأن الشيخ ذكر في الفهرست
عليهالسلام إياك والرئاسة وإياك أن تطأ أعقاب الرجال قال قلت جعلت فداك أما الرئاسة فقد عرفتها وأما أن أطأ أعقاب الرجال فما ثلثا ما في يدي إلا مما وطئت أعقاب الرجال فقال لي ليس حيث تذهب إياك أن تنصب رجلا دون الحجة فتصدقه في كل ما قال.
٦ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن أبي الربيع الشامي ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال قال لي ويحك يا أبا الربيع لا تطلبن الرئاسة ولا تكن ذئبا ـ ولا تأكل بنا الناس فيفقرك الله ولا تقل فينا ما لا نقول في أنفسنا فإنك
الحسن بن أيوب بن أبي غفيلة ، وقال النجاشي : له كتاب أصل ، وكون كتابه أصلا ، عندي مدح عظيم فالخبر حسن موثق« إلا مما وطأت أعقاب الرجال. » أي مشيت خلفهم لأخذ الرواية عنهم ، فأجابعليهالسلام بأنه ليس الغرض النهي عن ذلك ، بل الغرض النهي عن جعل غير الإمام المنصوب من قبل الله تعالى بحيث تصدقه في كل ما يقول ، وقيل : وطؤ العقب كناية عن الاتباع في الفعال ، وتصديق المقال واكتفى في تفسيره بأحدهما لاستلزامه الآخر غالبا.
الحديث السادس : مجهول.
« ولا تكن ذنبا » أي تابعا للجهال والمترئسين وعلماء السوء قال في النهاية : الأذناب الأتباع جمع ذنب كأنهم في مقابل الرؤوس ، وهم المقدمون وفي بعض النسخ ذئبا بالهمز ، فيكون تأكيدا للفقرة السابقة ، فإن رؤساء الباطل ذئاب يفترسون الناس ويهلكونهم من حيث لا يعلمون« ولا تأكل بنا الناس » أي لا تجعل انتسابك إلينا بالتشيع أو العلم أو النسب مثلا وسيلة لأخذ أموال الناس أو إضرارهم ، أو لا تجعل وضع الأخبار فينا وسيلة لأخذ أموال الشيعة« فيفقرك الله » على خلاف مقصودك« ما لا نقول في أنفسنا » كالربوبية والحلول والاتحاد ونسبة خلق العالم إليهم ، أو كونهم أفضل من نبيناصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أو الأعم منها ومن التقصير في حقهم« فإنك موقوف »
موقوف ومسئول لا محالة فإن كنت صادقا صدقناك وإن كنت كاذبا كذبناك.
٧ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن منصور بن العباس ، عن ابن مياح ، عن أبيه قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول من أراد الرئاسة هلك.
٨ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن العلاء ، عن محمد بن مسلم قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول أترى لا أعرف خياركم من شراركم بلى والله وإن شراركم من أحب أن يوطأ عقبه إنه لا بد من كذاب أو عاجز الرأي.
أي يوم القيامة ومسئول عما قلت فينا لقوله تعالى : «وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ »(١) وفي القاموس :لا محالة منه بالفتح لا بد منه.
الحديث السابع : ضعيف.
الحديث الثامن : صحيح.
« أترى » على المعلوم أو المجهول استفهام إنكار« أنه لا بد » قيل : الضمير اسم إن وراجع إلى أن يوطأ ، ولا بد جملة معترضة و« من كذاب » خبر إن ومن للابتداء أو الضمير للشأن ومن كذاب ظرف لغو متعلق بلا بد بتقدير لا بد لنا من كذاب ، وقيل : أي لا بد في الأرض من كذاب يطلب الرئاسة ومن عاجز الرأي يتبعه.
أقول : ويحتمل أن يكون الضمير راجعا إلى الموصول ، والتقدير لا بد من أن يكون كذابا أوعاجز الرأي ، لأن الناس يرجعون إليه في المسائل والأمور المشكلة ، فإن أجابهم كان كذابا غالبا وإن لم يجبهم كان ضعيف العقل عندهم أو واقعا لأنه لا يتم ما أراد بذلك.
__________________
(١) سورة الصافّات : ٢٤.
(باب )
(اختتال الدنيا بالدين )
١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن محمد بن سنان ، عن إسماعيل بن جابر ، عن يونس بن ظبيان قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله إن الله عز وجل يقول ويل للذين يختلون الدنيا بالدين وويل للذين «يَقْتُلُونَ الَّذِينَ
باب اختتال الدنيا بالدين
الحديث الأول : ضعيف على المشهور ، وعندي صحيح لأن ابن سنان وثقه المفيد وابن طاوس (ره) وابن ظبيان روى ابن إدريس في مستطرفات السرائر نقلا من جامع البزنطي بسند صحيح عن الصادق أنه قال فيهرحمهالله : وبنى له بيتا في الجنة كان والله مأمونا على الحديث ، وهو يدل ثقته وجلالته ، والمشهور أنه ضعيف.
« ويل للذين يختلون الدنيا بالدين » أي العذاب والهلاك للذين يطلبون الدنيا بعمل الآخرة بالخديعة والمكر ، قال في النهاية : الويل الحزن والهلاك والمشقة من العذاب ، وقال فيه : من أشراط الساعة أن تعطل السيوف من الجهاد ، والمشقة من العذاب ، وقال فيه : من أشراط الساعة أن تعطل السيوف من الجهاد ، وأن تختل الدنيا بالدين ، أي تطلب الدنيا بعمل الآخرة ، يقال : ختله يختله إذا خدعه وراوغه وختل الذئب الصيد إذا تخفى له ، والختل الخداع ، وفي القاموس : ختله يختله ختلا وختلانا خدعه ، والذئب الصيد تخفى له ، وخاتله خادعه ، وتخاتلوا تخادعوا واختتل تسمع لسر القوم ، انتهى.
وبناء الافتعال المذكور في عنوان الباب لم أره بهذا المعنى في كتب اللغة ، وفي بعض النسخ اختيال بالياء وهو تصحيف« الذين يأمرون بالقسط » أي بالعدل وهم الأئمةعليهمالسلام وخواص أصحابهم« يسير المؤمن » أن يعيش ويعمل مجازا« أبي
يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ » وويل للذين يسير المؤمن فيهم بالتقية أبي يغترون أم علي يجترءون فبي حلفت لأتيحن لهم فتنة تترك الحليم منهم حيران.
(باب )
(من وصف عدلا وعمل بغيره )
١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن يوسف البزاز ، عن معلى بن خنيس ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام [ أنه ] قال إن [ من ] أشد الناس حسرة يوم القيامة من وصف عدلا ثم عمل بغيره.
يغترون » أي بسبب إمهالي ونعمتي يغفلون عن بطشي وعذابي ، من الاغترار بمعنى الغفلة ، ويحتمل أن يكون من الاغترار بمعنى الوقوع في الغرور والهلاك ، وقال تعالى : «ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ »(١) قال البيضاوي : أي شيء خدعك وجرأك على عصيانه« يجترئون » بالهمز أو بدونه بقلب الهمزة ياء ثم إسقاط ضمها ثم حذفها لالتقاء الساكنين« لأتيحن » قال في النهاية فيه : فبي حلفت لأتيحنهم فتنة تدع الحليم منهم حيرانا يقال : أتاح الله لفلان كذا أي قدره له وأنزله به ، وتاح له الشيء ، والحليم ذو الحلم والأناة والتثبت في الأمور أو ذو العقل ، وتنوين حيرانا للتناسب وإنما خص بالذكر لأنه بكلي معنييه أبعد من الحيرة ، وذلك لأنه أصبر على الفتن والزلازل ، والحاصل أنه لا يجد العقلاء وذوا التثبت والتدبر في الأمور المخرج من تلك الفتنة.
باب من وصف عدلا وعمل بغيره
الحديث الأول : مختلف فيه.
__________________
(١) سورة الإنفطار : ٦.
٢ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن سنان ، عن قتيبة الأعشى ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنه قال إن [ من ] أشد الناس عذابا يوم القيامة من وصف عدلا وعمل بغيره.
٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام بن سالم ، عن ابن أبي يعفور ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال إن من أعظم الناس حسرة يوم القيامة
الحديث الثاني : ضعيف.
« من وصف عدلا » أي بين للناس أمرا حقا موافقا لقانون العدل أو أمرا وسطا غير مائل إلى إفراط أو تفريط ، ولم يعمل به أو وصف دينا حقا ولم يعمل بمقتضاه كما إذا ادعى القول بإمامة الأئمةعليهمالسلام ولم يتابعهم قولا وفعلا ، ويؤيد الأول قوله تعالى : «أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ »(١) وقوله سبحانه : «لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ »(٢) وما روي عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال : مررت ليلة أسري بي بقوم تقرض شفاههم بمقارض من نار ، فقلت : من أنتم؟ قالوا : كنا نأمر بالخير ولا نأتيه وننهى عن الشر ونأتيه ، ومثله كثير.
الحديث الثالث : حسن كالصحيح.
وإنما كانت حسرته أشد لوقوعه في الهلكة مع العلم وهو أشد من الوقوع فيها بدونه ، ولمشاهدته نجاة الغير بقوله وعدم نجاته به ، وكان أشدية العذاب والحسرة بالنسبة إلى من لم يعلم ولم يعمل ولم يأمر ، لا بالنسبة إلى من علم ولم يفعل ولم يأمر ، لأن الهداية وبيان الأحكام وتعليم الجهال والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كلها واجبة كما أن العمل واجب ، فإذا تركهما ترك واجبين ، وإذا ترك أحدهما ترك واجبا واحدا ، لكن الظاهر من أكثر الأخبار بل الآيات اشتراط الوعظ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالعمل ، ويشكل التوفيق بينها وبين سائر الآيات والأخبار الدالة على وجوب الهداية والتعليم ، والنهي عن كتمان العلم ، وعلى أي
__________________
(١) سورة البقرة : ٤٤.
(٢) سورة الصفّ : ٢.
من وصف عدلا ثم خالفه إلى غيره.
٤ ـ محمد بن يحيى ، عن الحسين بن إسحاق ، عن علي بن مهزيار ، عن عبد الله بن يحيى ، عن ابن مسكان ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال في قول الله عز وجل «فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ »(١) قال يا أبا بصير هم قوم وصفوا عدلا بألسنتهم ثم خالفوه إلى غيره.
حال الظاهر أنها لا تشمل ما إذا كان له مانع من الإتيان بالنوافل مثلا ، ويبين للناس فضلها ، وأمثال ذلك وسنعيد الكلام في ذلك في محل آخر إنشاء الله تعالى.
الحديث الرابع : مجهول.
«فَكُبْكِبُوا » أقول : قبلها في الشعراء «وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ ، وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ » وفسر المفسرون ما كنتم تعبدون بآلهتهم «فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ » قالوا : أي الآلهة وعبدتهم والكبكبة تكرير الكب لتكرير معناه كان من ألقي في النار ينكب مرة بعد أخرى حتى يستقر في قعرها ، وقد مر تفسير الآيات في الباب الذي بعد باب أن الإسلام قبل الإيمان.
قوله عليهالسلام : هم قوم ، أي ضمير « هم » المذكور في الآية راجع إلى قوم ، أو « هم » ضمير راجع إلى مدلول « هم » في الآية ، والمعنى أن المراد بالمعبودين في بطن الآية المطاعون في الباطل كقوله تعالى : «أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ »(٢) وهم قوموصفوا الإسلام ولم يعملوا بمقتضاه كالغاصبين للخلافة حيث ادعوا الإسلام وخالفوا الله ورسوله في نصب الوصي ، وتبعهم جماعة وهم الغاوون أو وصفوا الإيمان وادعوا اتصافهم به ، وخالفوا الأئمة الذين ادعوا الإيمان بهم وغيروا دين الله وأظهروا البدع فيه ، وتبعهم الغاوون ، ويحتمل أن يكون هم راجعا إلى الغاوين ، فهم في الآية راجع إلى عبدة
__________________
(١) سورة الشعراء : ٩٤.
(٢) سورة يس : ٦٠.
٥ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن ابن أبي عمير ، عن علي بن عطية ، عن خيثمة قال قال لي أبو جعفرعليهالسلام أبلغ شيعتنا أنه لن ينال ما عند الله إلا بعمل وأبلغ شيعتنا أن أعظم الناس حسرة يوم القيامة من وصف عدلا ثم يخالفه إلى غيره.
(باب )
(المراء والخصومة ومعاداة الرجال )
١ ـ علي بن إبراهيم ، عن هارون بن مسلم ، عن مسعدة بن صدقة ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال أمير المؤمنينعليهالسلام إياكم والمراء والخصومة فإنهما يمرضان
الأوثان أو معبودهم أيضا ، لكنه بعيد عن سياق الآيات السابقة ، وقال علي بن إبراهيم بعد نقل هذه الرواية مرسلا عن الصادقعليهالسلام : وفي خبر آخر قال : هم بنو أمية والغاوون بنو فلان أي بنو العباس.
الحديث الخامس : مجهول.
وخيثمة بفتح الخاء المعجمة وسكون الياء وفتح المثلثة «ما عِنْدَ اللهِ » أي من المثوبات والدرجات والقربات.
باب المراء والخصومة ومعاداة الرجال
الحديث الأول : ضعيف.
والمراء بالكسر مصدر باب المفاعلة وقيل : هو الجدال والاعتراض على كلام الغير من غير غرض ديني ، وفي مفردات الراغب : الامتراء والمماراة المحاجة فيما فيه مرية ، وهي التردد في الأمر ، وفي النهاية فيه : لا تماروا في القرآن فإن المراء فيه كفر ، المراء الجدال والتماري والمماراة المجادلة على مذهب الشك والريبة ، ويقال للمناظرة مماراة ، لأن كل واحد منهما يستخرج
ما عند صاحبه ويمتريه ، كما يمتري الحالب اللبن من الضرع ، قال أبو عبيد : ليس وجه الحديث عندنا على الاختلاف في التأويل ، ولكنه على الاختلاف في اللفظ وهو أن يقول الرجل على حرف فيقول الآخر : ليس هو هكذا ، ولكنه على خلافه وكلاهما منزل مقروء بهما ، فإذا جحد كل واحد منهما قراءة صاحبه لم يؤمن أن يكون يخرجه ذلك إلى الكفر لأنه نفى حرفا أنزله الله على نبيه وقيل : إنما جاء هذا في الجدال والمراء في الآيات التي فيها ذكر القدر ونحوه من المعاني على مذهب أهل الكلام وأصحاب الأهواء والآراء دون ما تضمنت من الأحكام وأبواب الحلال والحرام لأن ذلك قد جرى بين الصحابة ومن بعدهم من العلماء ، وذلك فيما يكون الغرض منه والباعث عليه ظهور الحق ليتبع دون الغلبة والتعجيز والله أعلم.
وقال : فيه : ما أوتي الجدل قوم إلا ضلوا ، الجدل مقابلة الحجة بالحجة والمجادلة المناظرة والمخاصمة والمراد به في الحديث الجدل على الباطل ، وطلب المغالبة به ، فأما المجادلة لإظهار الحق فإن ذلك محمود ، لقوله تعالى : «وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ »(١) .
وقال الراغب :الخصم مصدر خصمته أي نازعته خصما يقال : خصمته وخاصمته مخاصمة وخصاما ، وأصل المخاصمة أن يتعلق كل واحد بخصم الآخر أي جانبه ، وأن يجذب كل واحد خصم الجوالق من جانب.
وأقول : هذه الألفاظ الثلاثة متقاربة المعنى ، وقد ورد النهي عن الجميع في الآيات والأخبار وأكثر ما يستعمل المراء والجدال في المسائل العلمية ، والمخاصمة في الأمور الدنيوية ، وقد يخص المراء بما إذا كان الغرض إظهار الفضل والكمال ،
__________________
(١) سورة النحل : ١٢٥.
القلوب على الإخوان وينبت عليهما النفاق
والجدال بما إذا كان الغرض تعجيز الخصم وذلته ، وقيل : الجدل في المسائل العلمية والمراء أعم ، وقيل : لا يكون المراء إلا اعتراضا بخلاف الجدال فإنه يكون ابتداء واعتراضا ، والجدل أخص من الخصومة يقال : جدل الرجل من باب علم فهو جدل إذا اشتدت خصومته ، وجادل مجادلة وجدالا إذا خاصم بما يشغل عن ظهور الحق ووضوح الصواب ، والخصومة لا تعتبر فيها الشدة ولا الشغل وقال الغزالي : يندرج في المراء كل ما يخالف قول صاحبه مثل أن يقول هذا حلو فيقول هذا مر ، أو يقول : من كذا إلى كذا فرسخ ، فيقول ليس بفرسخ أو يقول شيئا فتقول أنت أحمق أو أنت كاذب ، ويندرج في الخصومة كل ما يوجب تأذي خاطر الآخر وترداد القول بينهما ، وإذا اجتمعا يمكن تخصيص المراء بالأمور الدينية والخصومة بغيرها أو بالعكس.
« فإنهما يمرضان القلوب على الإخوان » أي يغيرانها بالعداوة والغيظ ، وإنما عبر عنها بالمرض لأنها توجب شغل القلب وتوزع البال وكثرة التفكر وهي من أشد المحن والأمراض ، وأيضا توجب شغل القلب عن ذكر الله وعن حضور القلب في الصلاة ، وعن التفكر في المعارف الإلهية وخلوها عن الصفات الحسنة وتلوثها بالصفات الذميمة وهي أشد الأمراض النفسانية والأدواء الروحانية ، كما قال تعالى : «فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ »(١) .
« وينبت عليهما النفاق » أي التفاوت بين ظاهر كل واحد منهما وباطنه بالنسبة إلى صاحبه ، وهذا نفاق ، أو النفاق مع الرب تعالى أيضا إذا كان في المسائل الدينية فإنهما يوجبان حدوث الشكوك والشبهات في النفس والتصلب في الباطل للغلبة على الخصم بل في الأمور الدنيوية أيضا بالإصرار على مخالفة الله تعالى ،
__________________
(١) سورة البقرة : ١٠.
وكل ذلك من دواعي النفاق.
فإن قيل : هذا ينافي ما ورد في الآيات والأخبار من الأمر بهداية الخلق والذب عن الحق ودفع الشبهات عن الدين وقطع حجج المبطلين وقال تعالى : «وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ »(١) وقال : «وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ »(٢) .
قلت : هذه الأخبار محمولة على ما إذا كان الغرض محض إظهار الفضل أو الغلبة على الخصم أو التعصب وترويج الباطل ، أو على ما إذا كان مع عدم القدرة على الغلبة وإظهار الحق وكشفه ، فيصير سببا لمزيد رسوخ الخصم في الباطل ، أو على ما إذا أراد إبطال الباطل بباطل آخر ، أو مع إمكان الهداية باللين واللطف يتعدى إلى الغلظة والخشونة المثيرتان للفتن أو بترك التقية في زمنها ، وأما مع عدم التقية والقدرة على تبيين الحق فالسعي في إظهار الحق وإحيائه وإماتة الباطل بأوضح الدلائل وبالتي هي أحسن مع تصحيح النية في ذلك من غير رياء ولا مراء فهو من أعظم الطاعات ، لكن للنفس والشيطان في ذلك طرق خفية ينبغي التحرز عنها والسعي في الإخلاص فيه أهم من سائر العبادات.
ويدل على ما ذكرنا ما ذكره الإمام أبو محمد العسكريعليهالسلام في تفسيره(٣) قال : ذكر عند الصادقعليهالسلام الجدال في الدين وأن رسول الله والأئمة المعصومينعليهمالسلام قد نهوا عنه ، فقال الصادقعليهالسلام : لم ينه عنه مطلقا لكنه نهى عن الجدال بغير التي هي أحسن ، أما تسمعون الله يقول : «وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ » وقوله تعالى : «ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ
__________________
(١) سورة النحل : ١٢٥.
(٢) سورة العنكبوت : ٤٦.
(٣) كتاب التفسير منسوب الى الإمامعليهالسلام وفي صحة هذا الانتساب أيضا كلام ذكره الأستاد الشعرانى (ره) في مقدّمة تفسير مجمع البيان فراجع.
وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ » فالجدال بالتي هي أحسن قد قرنه العلماء بالدين والجدال بغير التي هي أحسن محرم حرمه الله تعالى على شيعتنا وكيف يحرم الله الجدال جملة وهو يقول : «وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى »(١) قال الله تعالى : «تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ » فجعل علم الصدق والإيمان بالبرهان ، وهل يؤتى بالبرهان إلا في الجدال بالتي هي أحسن ، قيل : يا ابن رسول الله فما الجدال بالتي هي أحسن والتي ليست بأحسن؟ قال : أما الجدال بغير التي هي أحسن أن تجادل مبطلا فيورد عليك باطلا فلا ترده بحجة قد نصبها الله تعالى ، ولكن تجحد قوله أو تجحد حقا يريد ذلك المبطل أن يعين به باطله فتجحد ذلك الحق مخافة أن يكون له عليك فيه حجة ، لأنك لا تدري كيف المخلص منه ، فذلك حرام على شيعتنا أن يصيروا فتنة على ضعفاء إخوانهم وعلى المبطلين ، أما المبطلون فيجعلون ضعف الضعيف منكم إذا تعاطى مجادلته وضعف ما في يده حجة له على باطله ، وأما الضعفاء منكم فتغم قلوبهم لما يرون من ضعف المحق في يد المبطل.
وأما الجدال بالتي هي أحسن فهو ما أمر الله تعالى به نبيه أن يجادل به من جحد البعث بعد الموت وإحيائه له فقال الله حاكيا عنه : «وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ »(٢) فقال الله في الرد عليهم : «قُلْ » يا محمد «يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ، الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ » فأراد الله من نبيه أن يجادل المبطل الذي قال كيف يجوز أن يبعث هذه العظام وهي رميم؟ فقال الله تعالى «قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ » ، أفيعجز من ابتدأ به لا من شيء أن يعيده بعد أن يبلى ، بل ابتداءه
__________________
(١) سورة البقرة : ١١١.
(٢) سورة يس : ٧٨.
أصعب عندكم من إعادته ثم قال : «الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً » أي إذا كمن النار الحارة في الشجر الأخضر الرطب يستخرجها فعرفكم أنه على إعادة ما بلى أقدر ، ثم قال : «أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ » أي إذا كان خلق السماوات والأرض أعظم وأبعد في أوهامكم وقدركم أن تقدروا عليه من إعادة البالي ، فكيف جوزتم من الله خلق هذا الأعجب عندكم والأصعب لديكم ولم تجوز أما هو أسهل عندكم من إعادة البالي.
قال الصادقعليهالسلام : فهذا الجدال بالتي هي أحسن ، لأن فيها قطع عذر الكافرين وإزالة شبههم وأما الجدال بغير التي هي أحسن بأن تجحد حقا لا يمكنك أن تفرق بينه وبين باطل من تجادله ، وإنما تدفعه عن باطله بأن تجحد الحق فهذا هو المحرم لأنك مثله ، جحد هو حقا وجحدت أنت حقا آخر ، فقال : قام إليه رجل فقال : يا ابن رسول الله أفجادل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ فقال الصادقعليهالسلام : مهما ظننت برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من شيء فلا تظن به مخالفة الله أو ليس الله تعالى قال : «وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ » وقال : «قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ » لمن ضرب الله مثلا أفتظن أن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم خالف ما أمره الله به فلم يجادل بما أمره الله ولم يخبر عن الله بما أمره أن يخبر به.
وروى أبو عمرو الكشي بإسناده عن عبد الأعلى قال : قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام إن الناس يعيبون علي بالكلام وأنا أكلم الناس فقال : أما مثلك من يقع ثم يطير فنعم ، وأما من يقع ثم لا يطير فلا.
وروي أيضا بإسناده عن الطيار قال : قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام بلغني أنك كرهت مناظرة الناس؟ فقال : أما مثلك فلا يكره ، من إذا طار يحسن أن يقع وإن وقع يحسن أن يطير ، فمن كان هكذا لا نكرهه.
٢ ـ وبإسناده قال قال النبيصلىاللهعليهوآله ثلاث من لقي الله عز وجل بهن دخل الجنة من أي باب شاء من حسن خلقه وخشي الله في المغيب والمحضر وترك المراء وإن كان محقا.
وبإسناده أيضا عن هشام بن الحكم قال : قال لي أبو عبد اللهعليهالسلام : ما فعل ابن الطيار؟ قال : قلت : مات ، قال :رحمهالله ولقاه نضرة وسرورا فقد كان شديد الخصومة عنا أهل البيت.
وبإسناده أيضا عن أبي جعفر الأحول عن أبي عبد اللهعليهالسلام : قال : ما فعل ابن الطيار؟ فقلت : توفي ، فقال :رحمهالله أدخل الله عليه الرحمة والنضرة فإنه كان يخاصم عنا أهل البيت.
وبإسناده أيضا عن نضر بن الصباح قال : كان أبو عبد اللهعليهالسلام يقول لعبد الرحمن ابن الحجاج : يا عبد الرحمن كلم أهل المدينة فإني أحب أن يرى في رجال الشيعة مثلك.
وبإسناده أيضا عن محمد بن حكيم قال : ذكر لأبي الحسنعليهالسلام أصحاب الكلام ، فقال : أما ابن حكيم فدعوه.
فهذه الأخبار كلها مع كون أكثرها من الصحاح تدل على تجويز الجدال والخصومة في الدين على بعض الوجوه ولبعض العلماء ، ويؤيد بعض الوجوه التي ذكرناها في الجمع.
الحديث الثاني : كالأول.
« من لقي الله بهن » أي كن معه إلى الموت أو في المحشر« من أي باب شاء » كأنه مبالغة في إباحة الجنة له ، وعدم منعه منها بوجه« في المغيب والمحضر » أي يظهر فيه آثار خشية الله بترك المعاصي في حال حضور الناس وغيبتهم ، وقيل : أي عدم ذكر الناس بالشر في الحضور والغيبة والأول أظهر« وإن كان محقا »
٣ ـ وبإسناده قال من نصب الله غرضا للخصومات أوشك أن يكثر الانتقال.
قد مر أنه لا ينافي وجوب إظهار الحق في الدين ولا ينافي أيضا جواز المخاصمة لأخذ الحق الدنيوي لكن بدون التعصب وطلب الغلبة ، وترك المداراة بل يكتفي بأقل ما ينفع في المقامين بدون إضرار وإهانة وإلقاء باطل كما عرفت.
الحديث الثالث : كالسابق أيضا.
« من نصب الله » النصب الإقامة ، والغرض بالتحريك الهدف ، قال في المصباح :الغرض الهدف الذي يرمي إليه ، والجمع أغراض ، وقولهم : غرضه كذا على التشبيه بذلك ، أي مرماه الذي يقصده ، انتهى.
وهنا كناية عن كثرة المخاصمة في ذات الله سبحانه وصفاته فإن العقول قاصرة عن إدراكها ، ولذا نهى عن التفكر فيها كما مر في كتاب التوحيد ، وكثرة التفكر والخصومة فيها يقرب الإنسان من كثرة الانتقال من رأي إلى رأي لحيرة العقول فيها وعجزها عن إدراكها ، كما ترى من الحكماء والمتكلمين المتصدين لذلك ، فإنهم سلكوا مسالك شتى ، والاكتفاء بما ورد في الكتاب والسنة وترك الخوض فيها أحوط وأولى ، ويحتمل أن يكون المراد الانتقال من الحق إلى الباطل ، ومن الإيمان إلى الكفر ، فإن الجدال في الله والخوض في ذاته وكنه صفاته يورثان الشكوك والشبه ، قال الله تعالى : «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ »(١) وقال جل شأنه «وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ »(٢) . «إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ » إلى غير ذلك من الآيات في ذلك.
وأوشك من أفعل المقاربة بمعنى القرب والدنو ، ومنهم من ذهب هنا إلى ما يترتب على مطلق الخصومة مع الخلق وقال :الانتقال التحول من حال إلى
__________________
(١) سورة : الحجّ ٨.
(٢) سورة الأنعام : ٦٨.
٤ ـ علي بن إبراهيم ، عن صالح بن السندي ، عن جعفر بن بشير ، عن عمار بن مروان قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام لا تمارين حليما ولا سفيها فإن الحليم يقليك والسفيه يؤذيك.
٥ ـ علي ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن الحسن بن عطية ، عن عمر بن يزيد ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله ما كاد جبرئيلعليهالسلام يأتيني
جال ، كالتحول من الخير إلى الشر ومن حسن الأفعال إلى قبح الأعمال المقتضية لفساد النظام ، وزوال الألفة والالتئام ، وقيل : المراد كثرة الحلف بالله في الدعاوي والخصومات فإنه أوشك أن ينتقل مما حلف عليه إلى ضده ، خوفا من العقاب فيفتضح بذلك ولا يخفى ما فيهما.
الحديث الرابع : مجهول.
والحليم يحتمل المعنيين المتقدمين أي العاقل ، والمتثبت المتأني في الأمور والسفيه يحتمل مقابليهما ، والمعنيان متلازمان غالبا وكذا مقابلاهما ، والحاصل أن العاقل الحازم المتأني في الأمور لا يتصدى للمعارضة ، ويصير ذلك سببا لأن يبطن في قلبه العداوة ، والأحمق المتهتك يعارض ويؤذي ، في القاموسقلاه كرماه ورضيه قلى وقلاء ومقلية ، أبغضه وكرهه غاية الكراهة فتركه ، أو قلاه في الهجر وقليه في البغض.
الحديث الخامس : حسن كالصحيح.
« ما كاد » في القاموس كاد يفعل كذا : قارب وهم ، وفي بعض النسخ ما كان وفي الأول المبالغة أكثر أي لم يقرب إتيانه إلا قال ، والشحناء بالفتح البغضاء والعداوة ، والإضافة إلى المفعول أي العداوة مع الرجال ، ويحتمل الفاعل أيضا أي العداوة الشائعة بين الرجال والأول أظهر ، وعداوتهم تأكيد ، أو المراد بالأول فعل ما يوجب العداوة أو إظهارها قال في المصباح : الشحناء العداوة والبغضاء ، وشحنت عليه شحنا من
إلا قال يا محمد اتق شحناء الرجال وعداوتهم.
٦ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن الحكم ، عن الحسن بن الحسين الكندي ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال جبرئيلعليهالسلام ـ للنبيصلىاللهعليهوآله إياك وملاحاة الرجال.
٧ ـ عنه ، عن عثمان بن عيسى ، عن عبد الرحمن بن سيابة ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال إياكم والمشارة فإنها تورث المعرة وتظهر المعورة.
٨ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن ابن محبوب ، عن عنبسة
باب تعب حقدت وأظهرت العداوة ومن باب نفع لغة.
الحديث السادس : صحيح.
وقال في النهاية : فيه نهيت عنملاحاة الرجال أي مقاولتهم ومخاصمتهم ، يقال : لحيت الرجل ألحاه إذا لمته وعذلته ، ولاحيته ملاحاة ولحاء إذا نازعته.
الحديث السابع : مجهول.
وفي النهاية : فيه :لا تشار أخاك هو تفاعل من الشر أي لا تفعل به شرا يحوجه إلى أن يفعل بك مثله ، ويروى بالتخفيف وفي الصحاح المشارة المخاصمة.
« فإنها تورث المعرة » قال في القاموس : المعرة الإثم والأذى والغرم والدية والخيانة« تظهر العورة » أي العيوب المستورة ، وقال الجوهري : العورة سوءة الإنسان وكل ما يستحيي منه ، وفي بعض النسخ المعورة اسم فاعل من أعور الشيء إذا صار ذا عوار أو ذا عورة وهي العيب والقبيح وكل شيء يستره الإنسان أنفه أو حياءا فهو عورة ، والمراد بها هنا القبيح من الأخلاق والأفعال ، وعلى النسختين المراد ظهور قبائحه وعيوبه أما نفسه فإنه عند المشاجرة والغضب لا يملكها فيبدو منه ما كان يخفيه أو من خصمه فإن الخصومة سبب لإظهار الخصم قبح خصمه لينتقص منه ويضع قدره بين الناس.
الحديث الثامن : صحيح.
العابد ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال إياكم والخصومة فإنها تشغل القلب وتورث النفاق وتكسب الضغائن.
٩ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن الحسن بن عطية ، عن عمر بن يزيد ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله ما كاد جبرئيلعليهالسلام يأتيني إلا قال يا محمد اتق شحناء الرجال وعداوتهم.
١٠ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن مهران ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله ما أتاني جبرئيلعليهالسلام قط إلا وعظني فآخر قوله لي إياك ومشارة الناس فإنها تكشف العورة وتذهب بالعز.
« فإنها تشغل القلب » عن ذكر الله وبالتفكر في الشبه والشكوك والحيل لدفع الخصم ، وبالغم والهم أيضا ، والضغائن جمع الضغينة وهي الحقد ، وتضاغنوا انطووا على الأحقاد.
الحديث التاسع : حسن كالصحيح وقد مر بعينه سندا ومتنا وكأنه من النساخ.
الحديث العاشر : مجهول.
وروى الشيخ في مجالسه عن الرضا عن آبائهعليهمالسلام قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إياكم ومشارة الناس فإنها تظهر العرة وتدفن الغرة ، الأولى بالعين المهملة والثانية بالمعجمة وكلاهما مضمومتان ، وروت العامة أيضا من طرقهم هكذا ، قال في النهاية فيه إياكم ومشارة الناس فإنها تدفن الغرة وتظهر العرة ،الغرة هيهنا الحسن والعمل الصالح شبهه بغرة الفرس وكل شيء ترفع قيمته فهو غرة ، والعرة هي القذر وعذرة الناس فاستعير للمساوئ والمثالب.
١١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ومحمد بن إسماعيل ، عن الفضل بن شاذان جميعا ، عن ابن أبي عمير ، عن إبراهيم بن عبد الحميد ، عن الوليد بن صبيح قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله ما عهد إلي جبرئيلعليهالسلام في شيء ما عهد إلي في معاداة الرجال.
١٢ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن أبي عبد الله ، عن بعض أصحابه رفعه قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام من زرع العداوة حصد ما بذر.
(باب الغضب )
١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الخل العسل.
الحديث الحادي عشر : حسن أو موثق.
وكلمة« ما » في الأولى نافية وفي الثانية مصدرية والمصدر مفعول مطلق للنوع ، والمراد هنا المداراة مع المنافقين من أصحابه كما فعلصلىاللهعليهوآلهوسلم أو مع الكفار أيضا قبل الأمر بالجهاد ، أو الغرض بيان ذلك للناس.
الحديث الثاني عشر : مرفوع.
« حصد ما بذر » في الصحاح بذرت البذر زرعته أي العداوة مع الناس كالبذر يحصد منه مثله وهو عداوة الناس له.
باب الغضب
الحديث الأول : ضعيف على المشهور.
« كما يفسد الخل العسل » أي إذا أدخل الخل العسل ذهبت حلاوته وخاصيته وصار المجموع شيئا آخر ، فكذا الإيمان إذا دخله الغضب فسد ولم يبق على صرافته
وتغيرت آثاره ، فلا يسمى إيمانا حقيقة ، أو المعنى أنه إذا كان طعم العسل في الذائقة فشرب الخل ذهبت تلك الحلاوة بالكلية فلا يجد طعم العسل ، فكذا الغضب إذا ورد على صاحب الإيمان لم يجد حلاوته وذهبت فوائده ، قال بعض المحققين : الغضب شعلة نار اقتبست من نار الله الموقدة إلا أنها لا تطلع إلا على الأفئدة وأنها لمستكنة في طي الفؤاد استكنان الجمر تحت الرماد ، ويستخرجها الكبر الدفين من قلب كل جبار عنيد ، كما يستخرج الحجر النار من الحديد ، وقد انكشف للناظرين بنور اليقين أن الإنسان ينزع منه عرق إلى الشيطان اللعين فمن أسعرته نار الغضب فقد قويت فيه قرابة الشيطان ، حيث قال : «خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ » فمن شأن الطين السكون والوقار ، ومن شأن النار التلظي والاستعار ، والحركة والاضطراب والاصطهار ، ومنه قوله تعالى : «يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ »(١) ومن نتائج الغضب الحقد والحسد ، وبهما هلك من هلك وفسد من فسد.
ثم قال : اعلم أن الله تعالى لما خلق الإنسان معرضا للفساد والموتان بأسباب خارجة منه أنعم عليه بما يحميه الفساد ويدفع عنه الهلاك إلى أجل معلوم سماه في كتابه ، أما السبب الداخل فإنه ركبه من الرطوبة والحرارة ، وجعل بين الحرارة والرطوبة عداوة ومضادة ، فلا تزال الحرارة تحلل الرطوبة وتجففها وتبخرها حتى يتفشى أجزاؤها بخارا يتصاعد منها ، فلو لم يتصل بالرطوبة مدد من الغذاء بجبر ما انحل وتبخر من أجزائها لفسد الحيوان ، فخلق الله الغذاء الموافق لبدن الحيوان وخلق في الحيوان شهوة تبعثه على تناول الغذاء كالموكل به في جبر ما انكسر وسد ما انثلم ليكون حافظا له من الهلاك بهذا الأسباب ، وأما الأسباب الخارجة التي يتعرض لها الإنسان فكالسيف والسنان وسائر المهلكات التي يقصد بها ، فافتقر إلى
__________________
(١) سورة الحجّ : ٢٠.
قوة وحمية تثور من باطنه ، فيدفع المهلكات عنه فخلق الله الغضب من النار ، وغرزه في الإنسان وعجنه بطينته ، فمهما قصد في غرض من أغراضه ومقصود من مقاصده اشتعلت نار الغضب وثارت ثورانا يغلي به دم القلب ، وينتشر في العروق ، ويرتفع إلى أعالي البدن كما يرتفع النار ، وكما يرتفع الماء الذي يغلي في القدر ، ولذلك ينصب إلى الوجه فيحمر الوجه والعين ، والبشرة بصفائها تحكي لون ما ورائها من حمرة الدم كما تحكي الزجاجة لون ما فيها ، وإنما ينبسط الدم إذا غضب على من دونه واستشعر القدرة عليه ، فإن صدر الغضب على من هو فوقه وكان معه يأس من الانتقام تولد منه انقباض الدم من ظاهر الجلد إلى جوف القلب ، وصار حزنا ، ولذلك يصفر اللون وإن كان الغضب على نظير يشك فيه تولد منه تردد بين انقباض وانبساط فيحمر ويصفر ويضطرب.
وبالجملة فقوة الغضب محلها القلب ومعناها غليان دم القلب لطلب الانتقام ، وإنما يتوجه هذه القوة عند ثورانها إلى دفع المؤذيات قبل وقوعها ، وإلى التشفي والانتقام بعد وقوعها ، والانتقام قوت هذه القوة وشهوتها ، وفيه لذتها ولا تسكن إلا به.
ثم الناس في هذه القوة على درجات ثلاث في أول الفطرة وبحسب ما يطرء عليها من الأمور الخارجة من التفريط والإفراط والاعتدال ، أما التفريط فبفقد هذه القوة أو ضعفها بأن لا يستعملها فيما هو محمود عقلا وشرعا ، مثل دفع الضرر عن نفسه على وجه سائغ ، والجهاد مع الأعداء والبطش عليهم وإقامة الحدود على الوجه المعتبر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فتحصل فيه ملكة الجبن بل ينتهي إلى عدم الغيرة على حرمه وأشباه ذلك.
وهذا مذموم معدود من الرذائل النفسانية وقد وصف الله تعالى الصحابة
٢ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن ابن فضال ، عن علي بن عقبة ، عن أبيه ، عن ميسر قال ذكر الغضب عند أبي جعفرعليهالسلام فقال إن الرجل ليغضب فما يرضى أبدا حتى يدخل النار فأيما رجل غضب على قوم وهو قائم
بالشدة والحمية فقال : «أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ »(١) وقال تعالى : «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ »(٢) وإنما الغلظة والشدة من آثار قوة الحمية وهو الغضب وأما الإفراط فهو الإقدام على ما ليس بجميل واستعمالها فيما هو مذموم عقلا وشرعا مثل الضرب والبطش والشتم والنهب والقتل والقذف وأمثال ذلك فيما لا يجوزه العقل والشرع.
وأما الاعتدال فهو غضب ينتظر إشارة العقل والدين فينبعث حيث تجب الحمية وينطفئ حيث يحسن الحلم ، وحفظه على حد الاعتدال هو الاستقامة التي كلف الله تعالى بها عباده ، وهو الوسط الذي وصفه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حيث قال : خير الأمور أوساطها ، فمن مال غضبه إلى الفتور حتى أحس نفسه ضعف الغيرة وخمسة النفس واحتمال الذل والضيم في غير محله فينبغي أن يعالج نفسه حتى يقوى غضبه ، ومن مال غضبه إلى الإفراط حتى جره إلى التهور واقتحام الفواحش فينبغي أن يعالج نفسه ليسكن من ثورة الغضب ويقف على الوسط الحق بين الطرفين ، فهو الصراط المستقيم وهو أدق من الشعر وأحد من السيف ، فينبغي أن يسعى في ذلك بحسب جهده ويتوسل إلى الله تعالى في أن يوفقه لذلك.
الحديث الثاني : حسن.
« فيما يرضى أبدا » فيه تنبيه على أنه ينبغي أن لا يغضب وإن غضب لا يستمر عليه بل يعالجه قريبا بالسعي في الرضا عنه إذ لو استمر عليه اشتد غضبه آنا فآنا وشيئا فشيئا إلى أن يصدر عنه ما يوجب دخوله النار كالقتل والجرح وأمثالهما ، أو
__________________
(١) سورة الفتح : ٢٩.
(٢) سورة التوبة. ٧٣.
فليجلس من فوره ذلك فإنه سيذهب عنه رجز الشيطان وأيما رجل غضب على ذي رحم فليدن منه فليمسه فإن الرحم إذا مست سكنت.
يصير الغضب له عادة وخلقا فلا يمكنه تركه حتى يدخل بسببه النار.
واعلم أن علاج الغضب أمران : علمي وفعلي أما العلمي فبأن يتفكر في الآيات والروايات التي وردت في ذم الغضب ومدح كظم الغيظ والعفو والحلم ويتفكر في توقعه عفو الله عن ذنبه وكف غضبه عنه ، وأما الفعلي فذكرعليهالسلام هنا أمران : الأولقوله « فأيما رجل » ما زائدة« من فوره » كان من بمعنى في ، وقال الراغب : الفور شدة الغليان ، ويقال ذلك في النار نفسها إذا هاجت وفي القدر وفي الغضب ويقال فعلت كذا من فوري أي في غليان الحال وقبل سكون الأمر.
وقال البيضاوي في قوله تعالى : «وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا »(١) أي من ساعتهم هذه ، وهو في الأصل مصدر فارت القدر إذا غلت فاستعير للسرعة ثم أطلق للحال التي لا ريث فيها ولا تراخي ، والمعنى أن يأتوكم في الحال ، وقال في المصباح : فار الماء يفور فورا نبع وجرى ، وفارت القدر فورا وفورانا ، وقولهم الشفعة على الفور من هذا ، أي على الوقت الحاضر الذي لا تأخير فيه ثم استعمل في الحالة التي لا بطؤ فيها يقال : جاء فلان في حاجته ثم رجع من فوره أي حركته التي وصل فيها ولم يسكن بعدها ، وحقيقته أن يصل ما بعد المجيء بما قبله من غير لبث ، انتهى.
وضمير فوره للرجل ، وقيل : للغضب والأول أنسب بالآية ، و« ذلك » صفة فوره« فإنه سيذهب » كيمنع والرجز فاعله ، أو على بناء الأفعال والضمير المستتر فاعله وراجع إلى مصدر فليجلس والرجز مفعوله ، وفي النهاية الرجز بكسر الراء العذاب والإثم والذنب ، ورجز الشيطان وساوسه ، انتهى.
وذهاب ذلك بالجلوس مجرب كما أن من جلس عند حملة الكلب وجده ساكنا لا يحوم حوله ، وفيه سر لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم ، وربما
__________________
(١) سورة آل عمران : ١٢٥.
يقال : السر فيه هو الإشعار بأنه من التراب وعبد ذليل لا يليق به الغضب ، أو التوسل بسكون الأرض وثبوتها ، وأقول : كأنه لقلة دواعيه إلى المشي للقتل والضرب وأشباههما ، أو للانتقال من حال إلى حال أخرى ، والاشتغال بأمر آخر فإنهما مما يذهل عن الغضب في الجملة ، ولذا ألحق بعض العلماء الاضطجاع والقيام إذا كان جالسا والوضوء بالماء البارد وشربه ، الجلوس في ذهاب الرجز.
وأقول : يؤيده ما رواه الصدوق في مجالسه عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد بن عيسى عن ابن فضال عن علي بن عقبة عن أبي بصير عن أبي عبد اللهعليهالسلام عن أبيهعليهماالسلام أنه ذكر عنده الغضب فقال : إن الرجل ليغضب حتى ما يرضى أبدا ويدخل بذلك النار ، وأيما رجل غضب وهو قائم فليجلس فإنه سيذهب عنه رجز الشيطان وإن كان جالسا فليقم وأيما رجل غضب على ذي رحمه فليقم إليه وليدن منه وليمسه فإن الرحم إذا مست الرحم سكنت ، وما رواه العامة عن أبي هريرة قال : كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إذا غضب وهو قائم جلس وإذا غضب وهو جالس اضطجع فيذهب غيظه.
وقال بعضهم : علاج الغضب أن تقول بلسانك أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، هكذا أمر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يقال عند الغيظ ، وكانصلىاللهعليهوآلهوسلم إذا غضبت عائشة أخذ بأنفها وقال : يا عويش قولي : اللهم رب النبي محمد اغفر لي ذنبي وأذهب غيظ قلبي وأجرني من مضلات الفتن ، ويستحب أن تقول ذلك ، وإن لم يزل بذلك فاجلس إن كنت قائما واضطجع إن كنت جالسا ، وأقرب من الأرض التي منها خلقت لتعرف بذلك ذل نفسك ، واطلب بالجلوس والاضطجاع السكون فإن سبب الغضب الحرارة وسبب الحرارة الحركة ، إذ قالصلىاللهعليهوآلهوسلم إن الغضب جمرة تتوقد ألم تر إلى انتفاخ أوداجه وحمرة عينيه ، فإن وجد أحدكم من ذلك شيئا فإن كان قائما فليجلس
وإن كان جالسا فلينم ، فإن لم يزل ذلك فليتوضأ بالماء البارد وليغتسل ، فإن النار لا يطفئها إلا الماء ، وقد قالصلىاللهعليهوآلهوسلم إذا غضب أحدكم فليتوضأ وليغتسل فإن الغضب من النار ، وفي رواية أن الغضب من الشيطان وأن الشيطان خلق من النار ، وإنما يطفئ النار الماء ، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ ، وقال ابن عباس قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إذا غضبت فاسكت ، وقال أبو سعيد الخدري : قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم إن الغضب جمرة في قلب ابن آدم ألا ترون إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه ، فمن وجد من ذلك شيئا فليلصق خده بالأرض ، وكان هذا إشارة إلى السجود وهو تمكين أعز الأعضاء من أذل المواضع وهو التراب ليستشعر به النفس الذل وتزايل به العزة والزهو الذي هو سبب الغضب.
وأما العلاج الثاني فهو خاص بذي الرحم حيث قال : وأيما رجل غضب على ذي رحمفليدن منه أي الغاضب من ذي رحمه« إذا مست » على بناء المجهول أي بمثلها ويحتمل المعلوم أي مثلها ، وما في رواية المجالس المتقدم ذكره أظهر ويظهر منها أنه سقط من رواية الكتاب بعض الفقرات متنا وسندا فتفطن ، إذ هي عين هذه الرواية والظاهر أنسكنت على بناء المعلوم المجرد ، ويحتمل المجهول من بناء التفعيل.
وقيل : ضمير فليدن راجع إلى ذي الرحم وضمير منه إلى الرجل وهو بعيد هنا وإن كان له شواهد من بعض الأخبار ، منها ما رواه الصدوق (ره) في كتاب عيون أخبار الرضاعليهالسلام بإسناده عن موسى بن جعفرعليهماالسلام قال : لما دخلت على الرشيد سلمت عليه فرد على السلام ثم قال : يا موسى بن جعفر خليفتين يجبي إليهما الخراج؟ فقلت : يا أمير المؤمنين أعيذك بالله أن تبوأ بإثمي وإثمك وتقبل الباطل من أعدائنا علينا فقد علمت أنه قد كذب علينا منذ قبض رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن داود بن فرقد قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام الغضب مفتاح كل شر.
٤ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن أبيه ، عن النضر بن سويد ، عن القاسم بن سليمان ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال سمعت أبيعليهالسلام يقول أتى رسول اللهصلىاللهعليهوآله رجل بدوي فقال إني أسكن البادية فعلمني جوامع الكلام
بما علم ذلك عندك ، فإن رأيت بقرابتك من رسول الله أن تأذن لي أحدثك بحديث أخبرني به أبي عن آبائه عن جدي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال : إن الرحم إذا مست الرحم تحركت واضطربت ، فناولني يدك جعلني الله فداك(١) فقال : ادن فدنوت منه فأخذ بيدي ثم جذبني إلى نفسه وعانقني طويلا ثم تركني ، وقال : اجلس يا موسى فليس عليك بأس فنظرت إليه فإذا أنه قد دمعت عيناه فرجعت إلى نفسي فقال : صدقت وصدق جدك ، لقد تحرك دمي واضطربت عروقي حتى غلبت على الرقة وفاضت عيناي ، إلى آخر الخبر.
وأقول : هذا لا يعين حمل خبر المتن على دنو الغاضب فإنه يدنو كل من يريد تسكين الغضب ، فإنه إذا أراد الغاضب تسكين غضبه يدنو من المغضوب وإذا أراد المغضوب تسكين غضب الغاضب يدنو منه.
الحديث الثالث : صحيح.
« مفتاح كل شر » إذ يتولد منه الحقد والحسد والشماتة والتحقير ، والأقوال الفاحشة وهتك الأستار والسخرية والطرد والضرب والقتل والنهب ، ومنع الحقوق ، إلى غير ذلك مما لا يحصى.
الحديث الرابع : مجهول.
وقال في النهاية : فيه« أوتيت جوامع الكلم » يعني القرآن جمع الله بلطفه
__________________
(١) هذا اما من اضافات الراوي واما دليل على ضعف الرواية وعدم صدوره من المعصومعليهالسلام ، والرواية مرفوعة ، راجع المصدر.
فقال آمرك أن لا تغضب فأعاد عليه الأعرابي المسألة ثلاث مرات حتى رجع الرجل إلى نفسه فقال لا أسأل عن شيء بعد هذا ما أمرني رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلا بالخير قال وكان أبي يقول أي شيء أشد من الغضب إن الرجل ليغضب فيقتل «النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ » ويقذف المحصنة.
٥ ـ عنه ، عن ابن فضال ، عن إبراهيم بن محمد الأشعري ، عن عبد الأعلى قال قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام علمني عظة أتعظ بها فقال إن رسول اللهصلىاللهعليهوآله أتاه رجل فقال له يا رسول الله علمني عظة أتعظ بها فقال له انطلق ولا تغضب ثم أعاد إليه فقال له انطلق ولا تغضب ثلاث مرات.
في الألفاظ اليسيرة منه معاني كثيرة واحدها جامعة أي كلمة جامعة ومنه الحديث في صفته : أنه كان يتكلم بجوامع الكلم أي أنه كان كثير المعاني قليل الألفاظ« فأعاد عليه الأعرابي المسألة ثلاث مرات » كان أصل السؤال كان ثلاث مرات فالإعادة مرتان أطلقت على الثلاث تغليبا ، والمعنى أنهصلىاللهعليهوآلهوسلم في كل ذلك يجيبه بمثل الجواب الأول« حتى رجع الرجل » أي تفكر في أن تكرار السؤال بعد اكتفائهصلىاللهعليهوآلهوسلم بجواب واحد غير مستحسن ، فأمسك وعلم أنهصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يجيبه بما أجابه إلا لعلمه بفوائد هذه النصيحة وأنها تكفيه أو تفكر في مفاسد الغضب فعلم أن تخصيصهصلىاللهعليهوآلهوسلم الغضب بالذكر لتلك الأمور« فيقتل النفس » أي إحدى ثمرات الغضب قتل النفس مثلا وهو يوجب القصاص في الدنيا والعذاب الشديد في الآخرة ، والأخرى قذف المحصنة وهي العفيفة وهو يوجب الحد في الدنيا والعقاب العظيم في الآخرة.
الحديث الخامس : مجهول كالحسن.
وقال في المصباح : وعظه يعظه وعظا وعظة أمره بالطاعة ووصاه بها« فاتعظ » أي ائتمر وكف نفسه ، وقال بعض المتقدمين : الوعظ تذكير مشتمل على زجر وتخويف وحمل على طاعة الله بلفظ يرق له القلب والاسم الموعظة.
٦ ـ عنه ، عن إسماعيل بن مهران ، عن سيف بن عميرة عمن سمع أبا عبد اللهعليهالسلام يقول من كف غضبه ستر الله عورته.
٧ ـ عنه ، عن ابن محبوب ، عن هشام بن سالم ، عن حبيب السجستاني ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال مكتوب في التوراة فيما ناجى الله عز وجل به موسىعليهالسلام يا موسى أمسك غضبك عمن ملكتك عليه أكف عنك غضبي.
الحديث السادس : مرسل.
« ستر الله عورته » أي عيوبه وذنوبه في الدنيا فلا يفضحه بها ، أو في الآخرة فيكون كفارة عنها أو الأعم منهما ، وقيل : لأنه إذا لم يغضب لا يقول فيه الناس ما يفضحه ، واختلفوا في أن من كان شديد الغضب وكف غضبه ومن لا يغضب أصلا لكونه حليما بحسب الخلقة ، أيهما أفضل ، فقيل : الأول لأن الأجر على قدر المشقة وفيه جهاد النفس وهو أفضل من جهاد العدو ، وغضب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم مشهور إلا أن غضبه لم يكن من مس الشيطان ورجزه ، وإنما كان من بواعث الدين ، وقيل : الثاني لأن الأخلاق الحسنة من الفضائل النفسانية وصاحب الخلق الحسن بمنزلة الصائم القائم.
الحديث السابع : مجهول أو حسن.
لأن الكشي روى في حبيب أنه كان شاربا ثم دخل في هذا المذهب ، قال : وكان من أصحاب الباقر والصادقعليهماالسلام منقطعا إليهما وكفى بهذا مدحا ، ويقال :ناجيته أي ساررته« عمن ملكتك عليه » أي من العبيد والإماء أو الرعية أو الأعم وهو أولى ، وغضب الخلق ثوران النفس وحركتها بسبب تصور المؤذي والضار إلى الانتقام والمدافعة ، وغضب الخالق عقابه التابع لعلمه بمخالفة أوامره ونواهيه وغيرهما ، وفيه إشارة إلى نوع من معالجة الغضب وهو أن يذكر الإنسان عند غضبه على الغير غضبه تعالى عليه ، فإن ذلك يبعثه على الرضا والعفو طلبا لرضاه سبحانه وعفوه لنفسه.
٨ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن محمد بن عبد الحميد ، عن يحيى بن عمرو ، عن عبد الله بن سنان قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام أوحى الله عز وجل إلى بعض أنبيائه يا ابن آدم اذكرني في غضبك أذكرك في غضبي لا أمحقك فيمن أمحق ـ وارض بي منتصرا فإن انتصاري لك خير من انتصارك لنفسك.
٩ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن ابن فضال ، عن علي بن عقبة ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام مثله وزاد فيه وإذا ظلمت بمظلمة
الحديث الثامن : مجهول.
والمرادبذكره له تعالى ذكر قدرته سبحانه عليه وعقابه ، وبذكر الله له ذكر عفوه عن أخيه فيعفو عن زلاته ومعاصيه جزاء بما صنع ، وقوله : لا أمحقك ، بالجزم بدل من أذكرك ، والمحق هنا إبطال عمله وتعذيبه ومحو ذكره أو إحراقه ، في القاموس : محقة كمنعه أبطله ومحاه كمحقه فتمحق وامتحق وأمحق كافتعل ، والله الشيء ذهب ببركته ، والحر الشيء : أحرقه ، وفي النهاية : المحق النقص والمحو والإبطال ، والانتصار الانتقام ، ولما كان الغرض من إمضاء الغضب غالبا هو الانتقام من الظالم ، رغب سبحانه في تركه بأني منتقم من الظالم لك وانتقامي خير من انتقامك ، والخيرية من وجوه شتى ، الأول : أن انتقامه على قدر قدرته وانتقامه سبحانه أشد وأبقى ، الثاني : أن انتقامه يفوت ثوابه وانتقامه تعالى لا يفوته ، الثالث : أن انتقامه يمكن أن يتعدى إلى ما لا يستحقه فيعاقب عليه ، الرابع : أن انتقامه يؤدي غالبا إلى المفاسد الكلية والجزئية بانتهاض الخصم للمعاداة بخلاف انتقامه تعالى.
الحديث التاسع : موثق كالصحيح.
وفي هذا الخبر وقعقوله وإذا ظلمت بمظلمة فارض بانتصاري لك مكان قوله في الخبر السابق وأرض بي منتصرا ، ومفادهما واحد ، ولما كان هذا في اللفظ أطول أطلق عليه لفظ الزيادة. وإنما ذكر ما بعدها مع كونه مشتركا بينهما للعلم بموضع الزيادة ، وفي المصباح الظلم اسم من ظلمه ظلما من باب ضرب ،
فارض بانتصاري لك فإن انتصاري لك خير من انتصارك لنفسك.
١٠ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن ابن محبوب ، عن إسحاق بن عمار قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول إن في التوراة مكتوبا يا ابن آدم اذكرني حين تغضب أذكرك عند غضبي فلا أمحقك فيمن أمحق وإذا ظلمت بمظلمة فارض بانتصاري لك فإن انتصاري لك خير من انتصارك لنفسك.
١١ ـ الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد وعلي بن محمد ، عن صالح بن أبي حماد جميعا ، عن الوشاء ، عن أحمد بن عائذ ، عن أبي خديجة ، عن معلى بن خنيس ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رجل للنبيصلىاللهعليهوآله يا رسول الله علمني قال اذهب ولا تغضب فقال الرجل قد اكتفيت بذاك فمضى إلى أهله فإذا بين قومه حرب قد قاموا صفوفا ولبسوا السلاح فلما رأى ذلك لبس سلاحه ثم قام معهم ثم ذكر قول رسول اللهصلىاللهعليهوآله لا تغضب فرمى السلاح ثم جاء يمشي إلى القوم الذين هم عدو قومه فقال يا هؤلاء ما كانت لكم من جراحة أو قتل أو ضرب ليس فيه أثر فعلي في مالي أنا أوفيكموه فقال القوم فما كان فهو لكم نحن أولى بذلك منكم قال فاصطلح القوم وذهب الغضب.
ومظلمة بفتح الميم وكسر اللام ويجعل المظلمة اسما لما يطلبه عند الظالم كالظلامة بالضم.
الحديث العاشر : موثق وقد مر.
الحديث الحادي عشر : ضعيف على المشهور.
« ليس فيه أثر » أي علامة جراحة لتصح مقابلته للجراحة ، والأثر بالتحريك بقية الشيء وعلامته ، وبالضم وبضمتين أثر الجراحة يبقى بعد البرء« فعلى في مالي » أي لا أبسطه على القبيلة ليكون فيه مضايقة أو تأخير ، و« أنا » إما تأكيد للضمير المجرور لأنهم جوزوا تأكيده بالمرفوع المنفصل ،أو مبتدأ وخبره
١٢ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد وعلي بن إبراهيم ، عن أبيه جميعا ، عن ابن محبوب ، عن ابن رئاب ، عن أبي حمزة الثمالي ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال إن هذا الغضب جمرة من الشيطان توقد في قلب ابن آدم وإن أحدكم إذا غضب احمرت عيناه وانتفخت أوداجه ودخل الشيطان فيه فإذا خاف أحدكم ذلك من نفسه فليلزم الأرض فإن رجز الشيطان ليذهب عنه عند ذلك.
١٣ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن أبي عبد الله ، عن بعض أصحابه رفعه قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام الغضب ممحقة لقلب الحكيم وقال من لم يملك غضبه لم يملك عقله.
« أوفيكموه » على بناء الأفعال أو التفعيل ، والضمير راجع إلى الموصول أي على دية ما ذكر ، والإيفاء والتوفية إعطاء الحق تاما.
الحديث الثاني عشر : حسن كالصحيح.
والجمرة القطعة الملتهبة من النار شبه بها الغضب في الإحراق والإهلاك ، ونسبها إلىالشيطان لأن بنفخ نزعاته ووساوسه تحدث وتشتدوتوقد في قلب ابن آدم وتلتهب التهابا عظيما ويغلي بها دم القلب غليانا شديدا كغلي الحميم فيحدث منه دخان بتحليل الرطوبات وينتشر في العروق ويرتفع إلى أعالي البدن ، والدماغ والوجه كما يرتفع الماء والدخان في القدر ، فلذلك تحمر العين والوجه والبشرة وتنتفخ الأوداج والعروق وحينئذ يتسلط عليه الشيطان كمال التسلط ويدخل فيه ويحمله على ما يريد ، فيصدر منه أفعال شبيهة بأفعال المجانين ولزوم الأرض يشمل الجلوس والاضطجاع والسجود كما عرفت.
الحديث الثالث عشر : مرفوع.
والمحقة مفعلة من المحق وهو النقص والمحو والإبطال ، أي مظنة له وإنما خصقلب الحكيم بالذكر لأن المحق الذي هو إزالة النور إنما يتعلق بقلب له نور وقلب غير الحكيم يعلم بالأولوية وإذا عرفت أن الغضب يمحق قلب الحكيم
يعني عقله ظهر لك حقيقةقوله : من لم يملك غضبه لم يملك عقله.
قال بعض المحققين : مهما اشتدت نار الغضب وقوي اضطرامها أعمى صاحبه وأصمه عن كل موعظة ، فإذا وعظ لم يسمع بل تزيده الموعظة غيظا ، وإن أراد أن يستضيء بنور عقله وراجع نفسه لم يقدر على ذلك ، إذ ينطفئ نور العقل وينمحي في الحال بدخان الغضب ، فإن معدن الفكر الدماغ ويتصاعد عند شدة الغضب من غليان دم القلب دخان إلى الدماغ مظلم مستولي على معادن الفكر ، وربما يتعدى إلى معادن الحس فيظلم عينه حتى لا يرى بعينه ويسود عليه الدنيا بأسرها ويكون دماغه على مثال كهف أضرمت فيه نار ، فاسود جوه وحمى مستقره وامتلاء بالدخان جوانبه ، وكان فيه سراج ضعيف فانطفأ وانمحى نوره فلا يثبت فيه قدم ولا يسمع فيه كلام ، ولا ترى فيه صورة ، ولا يقدر على إطفائه لا من داخل ولا من خارج ، بل ينبغي أن يصبر إلى أن يحترق جميع ما يقبل الاحتراق ، فكذلك يفعل الغضب بالقلب والدماغ ، وربما يقوى نار الغضب فتفنى الرطوبة التي بها حياة القلب فيموت صاحبه غيظا كما يقوى النار في الكهف فيتشقق وتنهد أعاليه على أسافله ، وذلك لإبطال النار ما في جوانبه من القوة الممسكة الجامعة لأجزائه ، فهكذا حال القلب مع الغضب.
ومن آثار هذا الغضب في الظاهر تغير اللون وشدة الرعدة في الأطراف ، وخروج الأفعال عن الترتيب والنظام ، واضطراب الحركة والكلام ، حتى يظهر الزبد على الأشداق وتحمر الأحداق وتنقلب المناخر وتستحيل الخلقة ، ولو رأى الغضبان في حال غضبه قبح صورته لسكن غضبه حياء من قبح صورته ، واستحالة خلقته ، وقبح باطنه أعظم من قبح ظاهره فإن الظاهر عنوان الباطن ، وإنما قبحت صورة الباطن أولا ثم انتشر قبحها إلى الظاهر ثانيا فهذا أثره في الجسد ، وأما
١٤ ـ الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن الحسن بن علي ، عن عاصم بن حميد ، عن أبي حمزة ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله من كف نفسه
أثره في اللسان فانطلاقه بالشتم والفحش وقبيح الكلام الذي يستحيي منه ذوو العقول ، ويستحيي منه قائله عند فتور الغضب وذلك مع تخبط النظم واضطراب اللفظ ، وأما أثره على الأعضاء فالضرب والتهجم والتمزيق والقتل والجرح عند التمكن من غير مبالاة ، فإن هرب منه المغضوب عليه أو فاته بسبب وعجز عن التشفي رجع الغضب على صاحبه فيمزق ثوب نفسه ويلطم وجهه وقد يضرب يده على الأرض ويعدو عدو الواله السكران ، والمدهوش المتحير ، وربما سقط صريعا لا يطيق العدو والنهوض لشدة الغضب ، ويعتريه مثل الغشية ، وربما يضرب الجمادات والحيوانات فيضرب القصعة على الأرض وقد تكسر وتراق المائدة إذا غضب عليها وقد يتعاطى أفعال المجانين فليشتم البهيمة والجماد ، ويخاطبه ويقول : إلى متى منك كذا ويا كيت وكيت كأنه يخاطب عاقلا حتى ربما رفسته دابة فيرفسها ويقابلها به ، وأما أثره في القلب مع المغضوب عليه فالحقد والحسد وإظهار السوء والشماتة بالمساءة والحزن بالسرور ، والعزم على إفشاء السر وهتك الأستار والاستهزاء وغير ذلك من القبائح ، فهذه ثمرة الغضب المفرط وقد أشير إليها في تلك الأخبار.
الحديث الرابع عشر : ضعيف على المشهور.
والأعراض جمع العرض بالكسر وفي القاموس : العرض بالكسر الحسد وكل موضع يعرق منه ورائحته طيبة كانت أو خبيثة و
النفس ، وجانب الرجل يصونه من نفسه وحسبه أن يتنقص ويثلب ، أو سواء كان في نفسه أو في سلفه أو من يلزمه أمره أو موضع المدح والذم منه ، أو ما يفتخر به من حسب وشرف ، وقال : النفس الروح والدم والجسد والعظمة والعزة والهمة والأنفة والعيب والعقوبة.
وقوله عليهالسلام : من كف نفسه عن أعراض الناس ، أي عن هتك عرضهم بالغيبة
عن أعراض الناس أقال الله نفسه يوم القيامة ومن كف غضبه عن الناس كف الله تبارك وتعالى عنه عذاب يوم القيامة.
١٥ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن ابن محبوب ، عن أبي حمزة ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال من كف غضبه عن الناس كف الله عنه عذاب يوم القيامة.
والبهتان والشتم وكشف عيوبهم وأمثال ذلك« أقال الله نفسه » قيل : المراد بالنفس هنا العيب ، وأقول : يمكن أن يكون المراد بالنفس هنا أيضا المعنى الشائع ، لأن الإقالة وإن كان الغالب نسبتها إلى العثرات والذنوب ، لكن يمكن نسبتها إلى النفس أيضا ، فإن الإقالة في الأصل هو أن يشتري الرجل متاعا فيندم فيأتي البائع فيقول له : أقلني أي اترك ما جرى بيني وبينك ، ورد علي ثمني وخذ متاعك ، واستعمل في غفران الذنوب لأنه بمنزلة معاوضة بينه وبين الرب تعالى ، فكأنه أعطى الذنب وأخذ العقوبة ، والنفس مرهونة في تلك المعاملة يقتص منها ، فكما يمكن نسبة الإقالة إلى الذنب يمكن نسبتها إلى النفس أيضا ، بل هو أنسب لأنه يريد أن يفك نفسه عن العقوبة كما قال تعالى : «كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ »(١) وقال سبحانه «كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ »(٢) وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ألا إن أنفسكم مرهونة بأعمالكم ففكوها باستغفاركم ، مع أنه يمكن تقدير مضاف أي عثرة نفسه.
الحديث الخامس عشر : ضعيف على المشهور.
__________________
(١) سورة الطور : ٢١.
(٢) سورة المدّثّر : ٣٨.
(باب الحسد )
١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن محبوب ، عن العلاء بن رزين ، عن محمد بن مسلم قال قال أبو جعفرعليهالسلام إن الرجل ليأتي بأي بادرة فيكفر وإن الحسد ليأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب.
باب الحسد
الحديث الأول : صحيح ، وفي القاموس :البادرة ما يبدر من حدتك في الغضب من قول أو فعل ، وفي النهاية : البادرة من الكلام الذي يسبق من الإنسان في الغضب وإذا عرفت هذا فهذه الفقرة تحتمل وجوها :
الأول : أن يكون المعنى أن عدم منع النفس عن البوادر وعدم إزالة مواد الغضب عن النفس وإرخاء عنان النفس فيها ينجر إلى الكفر أحيانا أو غالبا كما ترى من كثير من الناس يصدر منهم عند الغضب التلفظ بما يوجب الكفر من سب الله سبحانه ، وسب الأنبياء والأئمةعليهمالسلام أو ارتكاب أعمال يوجب الارتداد ، كوطي المصحف الكريم بالرجل ، ورميه.
الثاني : أن يراد به الحث على ترك البوادر مطلقا ، فإن كل بادرة تصير سببا لنوع من أنواع الكفر المقابل للإيمان الكامل.
الثالث : أن يقرأ فتكفر على بناء المجهول من باب التفعيل ، أي البوادر عند الغضب مكفرة غالبا لعذر الإنسان فيه في الجملة ، لا سيما إذا تعقبتها ندامة وقلما لم تتعقبها بخلاف الحسد ، فإنها صفة راسخة في النفس تأكل الإيمان ، ويمكن حملها حينئذ على ما إذا غلب عليه الغضب بحيث ارتفع عنه القصد ، ويمكن أن يقرأ بالياء كما في النسخ على هذا البناء أيضا أي ينسب إلى الكفر وإن كان معذورا عند الله لرفع الاختيار فيكون ذكر البعض مفاسد البادرة ، في النهاية : الحسد أن يرى الرجل
لأخيه نعمة فيتمنى زوالها عنه ، وتكون له دونه ، والغبطة أن يتمنى أن يكون له مثلها ولا يتمنى زوالها عنه ، انتهى.
واعلم أنه لا حسد إلا على نعمة ، فإذا أنعم الله على أخيك نعمة فلك فيها حالتان أحدهما أن تكره تلك النعمة وتحب زوالها ، سواء أردت وصولها إليك أم لا ، فهذه الحالة تسمى حسدا ، والثانية أن لا تحب زوالها ولا تكره وجودها ودوامها ولكنك تشتهي لنفسك مثلها ، وهذه تسمى غبطة ، وقد يخص باسم المنافسة ، فأما الأول فهو حرام مطلقا كما هو المشهور ، أو إظهارها كما يظهر من بعض الأخبار إلا نعمة أصابها فاجر أو كافر وهو يستعين بها على تهييج الفتنة وإفساد ذات البين وإيذاء الخلق فلا يضرك كراهتك لها ومحبتك لزوالها ، فإنك لا تحب زوالها من حيث إنها نغمة بل من حيث هي آلة الفساد ، ولو آمنت فساده لم تغمك تنعمه.
وأما الحسد المذموم فمع قطع النظر عن الآيات الكثيرة والأخبار المتواترة الواردة في ذمها والنهي عنها ، وصريح العقل أيضا يحكم بقبحها فإنه سخط لقضاء الله في تفضيل بعض عباده على بعض ، وأي معصية تزيد على كراهتك لراحة مسلم من غير أن يكون لك فيها مضرة وسيأتي ذكر بعض مفاسدها.
وأما المنافسة فليست بحرام بل هي إما واجبة أو مندوبة أو مباحة ، كما قال تعالى : «وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ »(١) وقال سبحانه : «سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ »(٢) فأما الواجبة فهي ما إذا كانت في نعمه دينية واجبة كالإيمان والصلاة والزكاة ، فإنه إن لم يحب أن يكون له مثل ذلك يكون راضيا بالمعصية وهو حرام ، والمندوبة فيما إذا كانت النعمة من الفضائل كإنفاق الأموال في المكارم والصدقات ، والمباحة فيما إذا كانت لغيره نعمة مباحة يتنعم فيها على وجه مباح ، فيتمنى أن
__________________
(١) سورة المطفّفين : ٢٦.
(٢) سورة الحديد : ٢١.
يكون له مثلها يتنعم بها من غير أن يريد زوالها عنه في الجميع.
وأقول : يمكن أن يفرض فيها فرد حرام كان يتمنى منصبا حراما أو مالا حراما أو مالا حلالا ليصرفها في الحرام ، بل مكروه أيضا كان يتمنى مال شبهة أو مالا حلالا ليصرفها في المصارف المكروهة.
وقيل : للحسد أسباب كثيرة يحصر جملتها سبعة : العداوة والتعزز والكبر ، والتعجب ، والخوف من فوت المقاصد المحبوبة ، وحب الرئاسة ، وخبث النفس وبخلها ، فإنه إنما يكره النعمة عليه إما لأنه عدوه فلا يريد له الخير ، وإما أن يكون من حيث يعلم أنه يستكبر بالنعمة عليه ، وهو لا يطيق احتمال كبره وتفاخره لعزة نفسه وهو المراد بالتعزز ، وإما أن يكون في طبعه أن يتكبر على المحسود ويمتنع ذلك عليه بنعمته ، وهو المراد بالتكبر ، وإما أن تكون النعمة عظيمة والمنصب كبيرا فيتعجب من فوز مثله بمثل تلك النعمة كما أخبر الله تعالى عن الأمم الماضية إذ قالوا «ما أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا » ، وقالوا «أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا » ، وأمثال ذلك كثيرة ، فتعجبوا من أن يفوز برتبة الرسالة والوحي والقرب من الله بشر مثلهم فحسدوهم وهو المراد بالتعجب ، وإما أن يخاف من فوات مقاصده بسبب نعمته بأن يتوصل بها إلى مزاحمته في أغراضه ، وإما أن يكون بحب الرئاسة التي يبتني على الاختصاص بنعمة لا يساوي فيها ، وإما أن لا يكون بسبب من هذه الأسباب بل لخبث النفس وشحها بالخير لعباد الله.
فهذه أسباب الحسد وقد يجتمع بعض هذه الأسباب أو أكثرها أو جميعها في شخص واحد ، فيعظم الحسد لذلك ويقوى قوة لا يقدر معها على الإخفاء والمجاملة ، بل يهتك حجاب المجاملة ويظهر العداوة بالمكاشفة ، وأكثر المحاسدات يجتمع فيها جملة من هذه الأسباب.
واعلم أن الحسد من الأمراض العظيمة للقلوب ولا تداوى أمراض القلوب إلا بالعلم والعمل ، والعلم المنافع لمرض الحسد هو أن تعرف تحقيقا أن الحسد
ضرر عليك في الدنيا والدين ، وأنه لا ضرر به على المحسود في الدين والدنيا ، بل ينتفع بها في الدنيا والدين ، ومهما عرفت هذا عن بصيرة ولم تكن عدو نفسك وصديق عدوك فارقت الحسد لا محالة ، أما كونه ضررا عليك في الدين فهو أنك بالحسد سخطت قضاء الله تعالى ، وكرهت نعمته التي قسمها لعباده ، وعدله الذي أقامه في ملكه تخفى حكمته ، واستنكرت ذلك واستبشعته ، وهذه جناية على حدقة التوحيد ، وقذى في عين الإيمان ، وناهيك بها جناية على الدين ، وقد انضاف إليه أنك غششت رجلا من المؤمنين وتركت نصيحته وفارقت أولياء الله وأنبيائه في حبهم الخير لعباد الله ، وشاركت إبليس وسائر الكفار في حبهم للمؤمنين البلايا وزوال النعم ، وهذه خبائث في القلب تأكل حسنات القلب والإيمان فيه. والحاصل أن الحسد مع كونه في نفسه صفة منافية للإيمان يستلزم عقائد فاسدة كلها منافية لكمال الإيمان واليقين ، وأيضا لاشتغال النفس بالتفكر في أمر المحسود والتدبير لدفعه يمنعها عن تحصيل الكمالات والتوجه إلى العبادات ، وحضور القلب فيها ، وتولد في النفس صفاتا ذميمة كلها توجب نقص الإيمان ، وأيضا يوجب عللا في البدن وضعفا فيها يمنع الإتيان بالطاعات على وجهها ، فينقص بل يفسد الإيمان على أي معنى كان ، ولذا قالعليهالسلام : يأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب.
وأما كونه ضررا في الدنيا عليك ، فهو أنه تتألم بحسدك وتتعذب به ، ولا تزال في كد وغم إذ أعداؤك لا يخليهم الله عن نعم يفيضها عليهم ، فلا تزال تتعذب بكل نعمة تراها عليهم وتتأذى وتتألم بكل بلية تنصرف عنهم ، فتبقى مغموما محزونا متشعب القلب ضيق النفس كما تشتهيه لأعدائك ، وكما يشتهي أعداؤك لك ، فقد كنت تريد المحنة لعدوك فتنجزت في الحال محنتك وغمك نقدا ، كما قال أمير المؤمنينعليهالسلام : لله در الحسد حيث بدء بصاحبه فقتله ، ولا تزول النعمة على
المحسود بحسدك.
ولو لم تكن تؤمن بالبعث والحساب لكان مقتضى الفطنة إن كنت عاقلا أن تحذر من الحسد لما فيه من ألم القلب ومساءته مع عدم النفع ، فكيف وأنت عالم بما في الحسد من العذاب الشديد في الآخرة ، وأما إنه لا ضرر على المحسود في دينه ودنياه فواضح ، لأن النعمة لا تزول عنه بحسدك ، بل ما قدره الله من إقبال ونعمة فلا بد من أن يدوم إلى أجل قدره الله فلا حيلة في دفعه ، بل كل شيء عنده بمقدار ، ولكل أجل كتاب.
وأما أن المحسود ينتفع به في الدين والدنيا فواضح ، أما منفعته في الدين فهو أنه مظلوم من جهتك لا سيما إذا أخرجك الحسد إلى القول والفعل بالغيبة والقدح فيه ، وهتك ستره وذكر مساويه ، فهذه هدايا تهديها إليه أعني أنك بذلك تهدي إليه حسناتك حتى تلقاه يوم القيامة مفلسا محروما عن النعمة كما حرمت في الدنيا عن النعمة ، فأضفت له نعمة إلى نعمة ، ولنفسك شقاوة إلى شقاوتك ، وأما منفعته في الدنيا فهو أن أهم أغراض الخلق مساءة الأعداء وغمهم وشقاوتهم ، وكونهم معذبين مغمومين ، ولا عذاب أعظم مما أنت فيه من ألم الحسد ، وغاية أماني أعدائك أن يكونوا في نعمة وأن تكون في غم وحسرة بسببهم وقد فعلت بنفسك ما هو مرادهم.
ثم اعلم أن المؤذي ممقوت بالطبع ومن آذاك لا يمكنك أن لا تبغضه غالبا وإذا تيسرت له نعمة فلا يمكنك أن لا تكرهها له حتى يستوي عندك حسن حال عدوك وسوء حاله ، بل لا تزال تدرك في النفس بينهما فرقا ، ولا يزال الشيطان ينازعك في الحسد له ولكن إن قوي ذلك فيك حتى يبعثك على إظهار الحسد بقول أو فعل بحيث يعرف ذلك من ظاهرك بأفعالك الاختيارية فأنت إذا حسود عاص بحسدك ، وإن كففت ظاهرك بالكلية إلا أنك بباطنك تحب زوال النعمة ، وليس
في نفسك كراهة لهذه الحالة فأنت أيضا حسود عاص لأن الحسد صفة القلب لا صفة الفعل ، قال الله تعالى : «وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا »(١) وقال : «وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً »(٢) وقال : «إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ »(٣) أما بالفعل فهو غيبة وكذب وهو عمل صادر عن الحسد ، وليس هو عين الحسد بل محل الحسد القلب دون الجوارح ، نعم هذا الحسد ليست مظلمة يحبب الاستحلال منها ، بل هو معصية بينك وبين الله ، وإنما يجب الاستحلال من الأسباب الظاهرة على الجوارح وأما إذا كففت ظاهرك وألزمت مع ذلك قلبك كراهية ما يترشح منه بالطبع من حيث زوال النعمة حتى كأنك تمقت نفسك على ما في طبعها ، فتكون تلك الكراهية من جهة العقل في مقابلة الميل من جهة الطبع ، فقد أديت الواجب عليك ولا مدخل تحت اختيارك في أغلب الأحوال أكثر من هذا فأما تغيير الطبع ليستوي عنده المؤذي والمحسن ويكون فرحه أو غمه بما تيسر لهما من نعمة وتصب عليهما من بلية سواء ، فهذا مما لا يطاوع الطبع عليه ما دام ملتفتا إلى حظوظ الدنيا إلا أن يصير مستغرقا بحب الله تعالى مثل السكران الواله ، فقد ينتهي أمره إلى أن لا يلتفت قلبه إلى تفاصيل أحوال العباد بل ينظر إلى الكل بعين واحدة وهو عين الرحمة ، ويرى الكل عباد الله ، وذلك إن كان فهو كالبرق الخاطف لا يدوم ويرجع القلب بعد ذلك إلى طبعه ، ويعود العدو إلى منازعته أعني الشيطان فإنه ينازع بالوسوسة ، فمهما قابل ذلك بكراهة ألزم قلبه فقد أدى ما كلفه ، وذهب ذاهبون إلى أنه لا يأثم إذا لم يظهر الحسد على جوارحه ، وروي مرفوعا أنه ثلاثة في المؤمن له منهن مخرج ومخرجه من الحسد أن لا يبغي ، والأولى أن يحمل هذا على ما ذكرناه من أن يكون فيه
__________________
(١) سورة الحشر : ٩.
(٢) سورة النساء : ٨٩.
(٣) سورة آل عمران : ١٢٠.
٢ ـ عنه ، عن أحمد بن محمد ، عن محمد بن خالد والحسين بن سعيد ، عن النضر بن سويد ، عن القاسم بن سليمان ، عن جراح المدائني ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال إن الحسد يأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب.
٣ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن ابن محبوب ، عن داود الرقي قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول اتقوا الله ولا يحسد بعضكم بعضا إن عيسى ابن مريم كان من شرائعه السيح في البلاد فخرج في بعض سيحه ومعه رجل
كراهة من جهة الدين والعقل في مقابلة حب الطبع لزوال النعمة عن العدو ، وتلك الكراهة تمنعه من البغي ومن الإيذاء ، فإن جميع ما ورد في الأخبار في ذم الحسد يدل ظاهرها على أن كل حاسد آثم ، والحسد عبارة عن صفة القلب لا عن الأفعال فكل محب لمساءة المسلمين فهو حاسد ، فإذا كونه آثما بمجرد حسد القلب من غير فعل فهو في محل النظر والإشكال.
وقد عرفت من هذا أن لك في أعدائك ثلاثة أحوال : أحدها : أن تحب مساءتهم بطبعك وتكره حبك لذلك وميل قلبك إليه بعقلك وتمقت نفسك عليه ، وتود لو كانت لك حيلة في إزالة ذلك الميل منك وهذا معفو عنه قطعا لأنه لا يدخل تحت الاختيار أكثر منه ، الثانية : أن تحب ذلك وتظهر الفرح بمساءته إما بلسانك أو بجوارحك ، فهذا هو الحسد المخطور قطعا ، الثالثة : وهي بين الطرفين أن تحسد بالقلب من غير مقتك لنفسك على حسدك ، ومن غير إنكار منك على قلبك ، ولكن تحفظ جوارحك عن طاعة الحسد في مقتضاها ، وهذا محل الخلاف وقيل : إنه لا يخلو من إثم بقدر قوة ذلك الحب وضعفه.
الحديث الثاني : مجهول.
الحديث الثالث : مختلف فيه وصحته أقوى.
وفي القاموس :ساح الماء يسيح سيحا وسيحانا جرى على وجه الأرض ، والسياحة بالكسر والسيح الذهاب في الأرض للعبادة ومنه المسيح ، انتهى.
من أصحابه قصير وكان كثير اللزوم لعيسىعليهالسلام فلما انتهى عيسى إلى البحر قال بسم الله بصحة يقين منه فمشى على ظهر الماء فقال الرجل القصير حين نظر إلى عيسىعليهالسلام جازه بسم الله بصحة يقين منه فمشى على الماء ولحق بعيسىعليهالسلام فدخله العجب بنفسه فقال هذا عيسى روح الله يمشي على الماء وأنا أمشي على الماء فما فضله علي قال فرمس في الماء فاستغاث بعيسى فتناوله من الماء فأخرجه ثم قال له ما قلت يا قصير قال قلت هذا روح الله يمشي على الماء وأنا أمشي على الماء فدخلني من ذلك عجب فقال له عيسى لقد وضعت نفسك في غير الموضع الذي وضعك الله فيه فمقتك الله على ما قلت ـ فتب إلى الله عز وجل مما قلت قال فتاب الرجل وعاد
وأقول : كان من شرائع عيسىعليهالسلام السياحة في الأرض للاطلاع على عجائب قدرة الله وهداية عباد الله ، والفرار من أعدائه وملاقاة أوليائه ، فنسخ ذلك في شرعنا ، وقد روي : لا سياحة في الإسلام ، وسياحة هذه الأمة الصيام« فدخله العجب » فإن قيل : هذا إما عجب كما صرح به ، أو غبطة حيث تمنى منزلة عيسىعليهالسلام لكنه تجاوز عن حد نفسه حيث لم يكن له أن يتمنى تلك الدرجة الرفيعة التي لا يمكن حصولها له ، فكيف فرعهعليهالسلام على النهي عن الحسد؟ قلت : الظاهر أنه كان الحامل له على الجرأة على هذا التمني الحسد بمنزلة عيسى واختصاصه بالنبوة حيث قال : فما فضله علي؟ أو أنه لما رأى مساواته لعيسىعليهالسلام في فضيلة واحدة حسد عيسى على نبوته وأنكر فضله عليه كما قال بعض الكفار «أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا ».
« فرمس في الماء » أي غمس فيه على بناء المجهول فيهما ، لا يقال : سيأتي عدم المؤاخذة بالخطورات القلبية وقصد المعصية وهنا أخذ بها ، لأن الظاهر أنقوله « فقال » المراد به الكلام النفسي؟ لأنا نقول : الأفعال القلبية التي لا مؤاخذة بها هي التي تتعلق بإرادة المعاصي أو كان محض خطور من غير أن يصير سببا لشكه في العقائد الإيمانية أو حدوث خلل فيها ، وهيهنا ليس كذلك مع أنه لا يدل ما سيأتي إلا على أنه لا يعاقب بها وهو لا ينافي حط منزلته عن صدور مثل هذه
إلى مرتبته التي وضعه الله فيها فاتقوا الله ولا يحسدن بعضكم بعضا.
٤ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله كاد الفقر أن يكون كفرا وكاد الحسد أن يغلب القدر
الغرائب منه ، وقوله عليهالسلام : يا قصير! دل على جواز مخاطبة الإنسان ببعض أوصافه المشهورة ، لا على وجه الاستهزاء ، والظاهر أن ذلك كان تأديبا له.
قوله عليهالسلام وعاد ، أي في نفسه واعتقاده« إلى مرتبته » أي الإقرار بحط نفسه عن الارتقاء إلى درجة النبوة وسلم لعيسىعليهالسلام فضله ونبوته وترك الحسد له.
الحديث الرابع : ضعيف على المشهور.
« كاد الفقر أن يكون كفرا » أقول : هذه الفقرة تحتمل وجوها :
الأول : ما خطر بالبال أن المراد به الفقر إلى الناس وهذا هو الفقر المذموم ، فإن سؤال الخلق وعدم التوجه إلى خالقه ومن ضمن رزقه في طلب الرزق وسائر الحوائج نوع من الكفر والشرك ، لعدم الاعتماد على الله سبحانه وضمانه ، وظنه أن المخلوق العاجز قادر على إنجاح حوائجه وسوق الرزق إليه بدون تقديره ، وتيسيره وتسبيبه ، فبعضها يقرب من الكفر ، وبعضها من الشرك.
الثاني : أن المراد به الفقر القاطع لعنان الاصطبار ، وقد وقعت الاستعاذة منه ، وأما الفقر الممدوح فهو المقرون بالصبر ، قال الغزالي : سبب ذلك أن الفقير إذا نظر إلى شدة حاجته وحاجة عياله ، ورأى نعمة جزيلة مع الظلمة والفسقة وغيرهم ، ربما يقول : ما هذا الإنصاف من الله؟ وما هذه القسمة التي لم تقع على العدل فإن لم يعلم شدة حاجتي ففي علمه نقص ، وإن علم ومنع مع القدرة على الإعطاء ففي جوده نقص ، وإن منع لثواب الآخرة فإن قدر على إعطاء الثواب بدون هذه المشقة الشديدة فلم منع ، وإن لم يقدر ففي قدرته نقص ، ومع هذا يضعف
اعتقاده بكونه عدلا جوادا كريما مالكا لخزائن السماوات والأرض ، وحينئذ يتسلط عليه الشيطان ويذكر له شبهات حتى يسب الفلك والدهر وغيرهما ، وكل ذلك كفر أو قريب منه ، وإنما يتخلص من هذه الأمور من امتحن الله قلبه للإيمان ، ورضي عن الله سبحانه في المنع والإعطاء ، وعلم أن كل ما فعله بالنسبة إليه فهو خير له وقليل ما هم.
الثالث : ما ذكره الراونديقدسسره حيث قال : معنى الحديث والله أعلم أنه إشارة إلى أن الفقير يسف إلى المأكل الدنية والمطاعم الوبية ، وإذا وجد أولاده يتضورون من الجوع والعري ، ورأى نفسه لا يقدر على تقويم أودهم وإصلاح حالهم ، والتنفيس عنهم كان بالحري أن يسرق ويخون ويغصب وينهب ، ويستحل أموال الناس ويقطع الطريق ويقتل المسلم أو يخدم بعض الظلمة ، فيأكل ما يغصبه ويظلمه ، وهذا كله من أفعال من لا يحاسب نفسه ولا يؤمن بيوم الحساب ، فهو قريب إلى أن يكون كافرا بحتا ، وفي الأثر : عجبت لمن له عيال وليس له مال كيف لا يخرج على الناس بالسيف؟ انتهى.
وأقول : المعاني متقاربة والمال واحد.
وأماقوله عليهالسلام : وكاد الحسد أن يغلب القدر ، ففيه أيضا وجوه :
الأول : ما ذكر الراوندي (ره) حيث قال : إن المعنى أن للحسد تأثيرا قويا في النظر في إزالة النعمة عن المحسود أو التمني لذلك ، فإنه ربما يحمله حسده على قتل المحسود وإهلاك ماله وإبطال معاشه فكأنه سعى في غلبة المقدور ، لأن الله تعالى قد قدر للمحسود الخير والنعمة ، وهو يسعى في إزالة ذلك منه ، وقيل : الحسد منصف لأنه يبدأ بصاحبه وقيل : الحسود لا يسود ، وقيل : الحسد يأكل الجسد ، وكاد يعطي أنه قرب الفعل ولم يكن ، ويفيد في الحديث شدة تأثير الفقر
والحسد وإن لم يكونا يغلبان القدر ، ويقال : إن كاد إذا أوجب به الفعل دل على النفي ، وإذا نفى دل على الوقوع ، انتهى.
وقريب منه ما قيل فيه مبالغة في تأثير الحسد في فساد النظام المقدر للعالم ، فإنه كثيرا ما يبعث صاحبه على قتل النفوس ونهب الأموال وسبي الأولاد وإزالة النعم حتى كأنه غير راض بقضاء الله وقدره ، ويطلب الغلبة عليهما ، وهو في حد الشرك بالله.
الثاني : ما قيل : المعنى أن الحسد قد يغلب القدر بأن يزيد في المحسود ما قدر له من النعمة.
الثالث : أن يكون المراد غلبة القدر بتغيير نعمة الحاسد وزوال ما قدر له من الخير.
الرابع : أن يكون المراد كاد أن يغلب الحسد في الوزر والإثم القول بالقدر مع شدة عذاب القدرية.
الخامس : أن يكون إشارة إلى تأثير العين فإن الباعث عليه الحسد كما فسر جماعة من المفسرين قوله تعالى : «وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ » بإصابة العين ، وروى العامة عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم والخاصة عن الصادقعليهالسلام : لو كان شيء يسبق القدر سبقه العين ، وقال الطبرسيرحمهالله في قوله تعالى : «لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ »(١) خاف العين عليهم لأنهم كانوا ذوي جمال وهيئة وكمال ، وهم إخوة أولاد رجل واحد عن ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك والسدي وأبو مسلم ، وقيل : خاف عليهم حسد الناس إياهم وأن يبلغ الملك قوتهم وبطشتهم فيحبسهم أو يقتلهم خوفا على ملكه ، عن الجبائي ، وأنكر العين وذكر أنه لم يثبت بحجة وجوزه كثير
__________________
(١) سورة يوسف : ٦٧.
من المحققين ، ورووا فيه الخبر عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أن العين حق تستنزل الحالق ، والحالق المكان المرتفع من الجبل وغيره ، فجعلعليهالسلام كأنها تحط ذروة الجبل من قوة أخذها وشدة بطشها ، وورد في الخبر أنهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يعوذ الحسن والحسينعليهماالسلام بأن يقول : أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان هامة ومن كل عين لامة ، وروي أن إبراهيمعليهالسلام عوذ ابنيه ، وأن موسى عوذ ابني هارون بهذه العوذة ، وروي أن بني جعفر بن أبي طالب كانوا غلمانا بيضا فقالت أسماء بنت عميس : يا رسول الله إن العين إليهم سريعة أفأسترقي لهم من العين؟ فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : نعم ، وروي أن جبرئيلعليهالسلام رقا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعلمه الرقية ، وهي : بسم الله أرقيك من كل عين حاسد ، الله يشفيك ، وروي عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال : لو كان شيء يسبق القدر لسبقه العين.
ثم اختلفوا في وجه تأثير الإصابة بالعين فروي عن الجاحظ أنه قال : لا ينكر أن ينفصل من العين الصائبة إلى الشيء المستحسن أجزاء لطيفة تتصل به وتؤثر فيه ، ويكون هذا المعنى خاصة في بعض الأعين كالخواص في بعض الأشياء ، وقد اعترض على ذلك بأنه لو كان كذلك لما اختص ذلك ببعض الأشياء دون بعض ، ولأن الأجزاء تكون جواهر والجواهر متماثلة ، ولا يؤثر بعضها في بعض ، وقال أبو هاشم : هو فعل الله بالعادة لضرب من المصلحة وهو قول القاضي.
وقال الفخر الرازي في تفسير الآية التي في سورة يوسف : لنا ههنا مقامان الأول إثبات أن العين حق ، ثم استدل على ذلك بإطباق المتقدمين من المفسرين على أن المراد من هذه الآية ذلك ، ثم استدل بالروايات المتقدمة وغيرها ، ثم قال : المقام الثاني في الكشف عن ماهيته فنقول : إن الجبائي أنكر هذا المعنى إنكارا بليغا ولم يذكر في إنكاره شبهة فضلا عن حجة ، وأما الذين اعترفوا به فقد ذكروا فيه وجوها : الأول : قال الجاحظ تمتد من العين أجزاء فتتصل بالشخص المستحسن
فتؤثر وتسري فيه كتأثير اللسع والسم والنار وإن كان مخالفا في وجه التأثير لهذه الأشياء ، قال القاضي : وهذا ضعيف لأنه لو كان الأمر كما قال لوجب أن يؤثر في الشخص الذي لا يستحسن كتأثيره في المستحسن ، واعلم أن هذا الاعتراض ضعيف وذلك لأنه إذا استحسن شيئا فقد يحب بقائه كما إذا استحسن ولد نفسه وبستان نفسه وقد يكره بقائه كما إذا استحسن الحاسد بحصول شيء حسن لعدوه فإن كان الأول فإنه يحصل عند ذلك الاستحسان خوف شديد من زواله ، والخوف الشديد يوجب انحصار الروح في داخل القلب ، فحينئذ يسخن القلب والروح جدا ، وتحصل في الروح الباصر كيفية قوة مسخنة ، وإن كان الثاني فإنه تحصل عند ذلك الاستحسان حسد شديد وحزن عظيم بسبب حصول تلك النعمة لعدوه ، والحزن أيضا يوجب انحصار الروح في داخل القلب ، وتحصل فيه سخونة شديدة ، فثبت أن عند الاستحسان القوي يسخن الروح جدا فيسخن شعاع العين ، بخلاف ما إذا لم يستحسن فإنه لا تحصل هذه السخونة ، فظهر الفرق بين الصورتين ولهذا السبب أمر الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم العائن بالوضوء ، ومن إصابته العين بالاغتسال.
أقول : على ما ذكره إذا عاين شيئا عند استحسان شيء آخر وحصول تلك الحالة فيه أو عند حصول غضب شديد على رجل آخر أو حصول هم شديد من مصيبة أو خوف عظيم من عدو أن يؤثر نظره إليه وإلى كل شيء يعاينه ، ومعلوم أنه ليس كذلك.
ثم قال الرازي : الثاني : قال أبو هاشم وأبو القاسم البلخي : لا يمتنع أن يكون العين حقا ويكون معناه أن صاحب العين إذا شاهد الشيء وأعجب به استحسانا كانت المصلحة له في تكليفه أن يغير الله تعالى ذلك الشخص أو ذلك الشيء حتى لا يبقى قلب ذلك المكلف متعلقا به ، فهذا التغيير غير ممتنع ثم لا يبعد أيضا أنه
لو ذكر ربه عند ذلك الحالة وبعد عن الإعجاب وسأل ربه فعنده تتغير المصلحة والله سبحانه يبقيه ولا يفنيه ، ولما كانت هذه العادة مطردة لا جرم قيل : للعين حق.
الوجه الثالث : هو قول الحكماء قالوا : هذا الكلام مبني على مقدمة وهي أنه ليس من شرط المؤثر أن يكون تأثيره بحسب هذه الكيفيات المحسوسة أعني الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ، بل قد يكون التأثير نفسانيا محضا ، ولا تكون القوي الجسمانية لها تعلق به ، والذي يدل عليه أن اللوح الذي يكون قليل العرض إذا كان موضوعا على الأرض قدر الإنسان على المشي عليه ، ولو كان موضوعا فيما بين جدارين عاليين لعجز الإنسان عن المشي عليه ، وما ذلك إلا لأن خوفه من السقوط منه يوجب سقوطه منه ، فعلمنا أن التأثيرات النفسانية موجودة ، وأيضا أن الإنسان إذا تصور كون فلان مؤذيا له حصل في قلبه غضب وسخن مزاجه ، فمبدأ تلك السخونة ليس إلا ذاك التصور النفساني ولأن مبدء الحركات البدنية ليس إلا التصورات النفسانية ولما ثبت أن تصور النفس يوجب تغير بدنه الخاص لم يبعد أيضا أن يكون بعض النفوس تتعدى تأثيراتها إلى سائر الأبدان ، فثبت أنه لا يمتنع في العقل كون النفس مؤثرة في سائر الأبدان ، وأيضا جواهر النفوس مختلفة بالمهية ، فلا يمتنع أن يكون بعض النفوس بحيث يؤثر في تغيير بدن حيوان آخر بشرط أن تراه وتتعجب منه ، فثبت أن هذا المعنى أمر محتمل والتجارب من الزمن الأقدم ساعدت عليه ، والنصوص النبوية نطقت به ، فعند هذا لا يبقى في وقوعه شك ، وإذا ثبت أن الذي أطبق عليه المتقدمون من المفسرين في تفسير هذه الآية بإصابة العين كلام حق لا يمكن رده.
أقول : ورأيت في شرح هذا للشريف الأجل الرضي الموسوي قدس الله روحه كلاما أحببت إيراده في هذا الموضع قال : إن الله يفعل المصالح بعباده على حسب ما يعلمه من الصلاح لهم في تلك الأفعال التي يفعلها ، فغير ممتنع أن يكون
٥ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن معاوية بن وهب قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام آفة الدين الحسد والعجب والفخر.
تغييره نعمة زيد مصلحة لعمرو ، وإذا كان تعالى يعلم من حال عمرو أنه لو لم يسلب زيدا نعمته أقبل على الدنيا بوجهه ونأى عن الآخرة بعطفه ، وإذا سلب نعمة زيد للعلة التي ذكرناها عوضه عنها وأعطاه بدلا منها عاجلا وآجلا ، فيمكن أن يتأول قولهعليهالسلام : العين حق على هذا الوجه ، على أنه قد روي عنهعليهالسلام ما يدل على أن الشيء إذا عظم في صدور العباد وضع الله قدره ، وصغر أمره ، وإذا كان الأمر على هذا فلا ينكر تغيير حال بعض الأشياء عند نظر بعض الناظرين إليه واستحسانه له وعظمه في صدره ، وفخامته في عينه ، كما روي أنه قال لما سبقت ناقته العضباء وكانت إذا سوبق بها لم تسبق : ما رفع العباد من شيء إلا وضع الله منه ، ويجوز أن يكون ما أمر به المستحسن تغيير للشيء عند رؤيته من تعويذه بالله والصلاة على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قائما في المصلحة مقام تغيير حالة الشيء المستحسن فلا تغيير عند ذلك ، لأن الرائي لذلك قد أظهر الرجوع إلى الله تعالى والإعاذة به ، فكأنه غير راكن إلى الدنيا ولا مغتر بها ، انتهى كلامه رضي الله عنه.
الحديث الخامس : صحيح.
والحسد والعجب من معاصي القلب ، والفخر من معاصي اللسان ، وهو التفاخر بالآباء والأجداد والأنساب الشريفة ، وبالعلم والزهد والعبادة والأموال والمساكن والقبائل وأمثال ذلك ، فبعض تلك كذب وبعضها رياء ، وبعضها عجب ، وبعضها تكبر وتعظم وتعزز ، وكل ذلك من ذمائم الأخلاق ، ومن صفات الشيطان ، حيث تعزز بأصله فاستكبر عن طاعة ربه ، قال الراغب : الفخر المباهاة في الأشياء الخارجة عن الإنسان كالمال والجاه ، ويقال له الفخر ، ورجل فاخر وفخور وفخير على التكثير ، قال تعالى : «إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ »(١)
__________________
(١) سورة لقمان : ١٨.
٦ ـ يونس ، عن داود الرقي ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال الله عز وجل لموسى بن عمرانعليهالسلام يا ابن عمران لا تحسدن الناس على ما آتيتهم من فضلي ولا تمدن عينيك إلى ذلك ولا تتبعه نفسك فإن الحاسد ساخط لنعمي صاد لقسمي الذي قسمت بين عبادي ومن يك كذلك فلست منه وليس مني.
٧ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن القاسم بن محمد ، عن المنقري ، عن الفضيل
وقال في النهاية : الفخر ادعاء العظم والكبر والشرف ، وفي المصباح فخرت به فخرا من باب نفع وافتخرت مثله والاسم الفخار بالفتح وهو المباهاة بالمكارم والمناقب من حسب ونسب وغير ذلك إما في المتكلم أو في آبائه.
الحديث السادس : مختلف فيه صحيح عندي ومعلق على السند السابق ، وكأنه أخذه من كتاب يونس.
« لا تحسدون الناس » إشارة إلى قوله تعالى : «أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ »(١) «وَلا تَمُدَّنَ » إشارة إلى قوله سبحانه : «وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى »(٢) قال البيضاوي : أي لا تمدن نظر عينيك إلى ما متعنا به استحسانا له وتمنيا أن يكون لك مثله ، وقال الطبرسيرحمهالله : أي لا ترفعن عينيك من هؤلاء الكفار إلى ما متعناهم وأنعمنا عليهم به أمثالا في النعم من الأولاد والأموال وغير ذلك ، وقيل : لا تنظرن إلى ما في أيديهم من النعم ، وقيل : ولا تنظرن ولا يعظمن في عينيك ، ولا تمدها إلى ما متعنا به أصنافا من المشركين ، نهى الله رسوله عن الرغبة في الدنيا فحظر عليه أن يمد عينيه إليهما ، وكانصلىاللهعليهوآلهوسلم لا ينظر إلى ما يستحسن من الدنيا.
الحديث السابع : ضعيف.
__________________
(١) سورة النساء : ٥٤.
(٢) سورة طه : ١٣١.
بن عياض ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال إن المؤمن يغبط ولا يحسد والمنافق يحسد ولا يغبط.
(باب العصبية )
١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن داود بن النعمان ، عن منصور بن حازم ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال من تعصب أو تعصب له فقد خلع ربقة الإيمان من عنقه.
وهو بحسب الظاهر إخبار بأن الحاسد منافق كما مر ، وبحسب المعنى أمر بطلب الغبطة وترك الحسد ، وقد مر معناهما ، لا يقال : المغتبط يتمنى فوق مرتبته والأفضل من نعمته ، فهو ساخط بالنعمة غير راض بالقسمة كالحاسد ، وإلا فما الفرق؟ لأنا نقول : الفرق أن الحاسد غير راض بالقسمة حيث تمنى أن يكون قسمته ونصيبه للغير ، ونصيب الغير له ، فهو راد للقسمة قطعا ، وأما المغتبط فقد رضي أن يكون مثل نصيب الغير له ، ورضي أيضا بنصيبه إلا أنه لما جوز أن يكون له أيضا مثل نصيب ذلك الغير ، وكان ذلك ممكنا في نفسه ولم يعلم امتناعه بحسب التقدير الأزلي ولم يدل عدم حصوله على امتناعه ، لجواز أن يكون حصوله مشروطا بشرط كالتمني والدعاء ونحوهما ، وهذا مثل من وجد درجة من الكمال ، يسأل الله تعالى ويطلب عنه التوفيق لما وفقها.
باب العصبية
الحديث الأول : صحيح.
وقال في النهاية فيه : العصبي من يعين قومه على الظلم ، العصبي : هو الذي يغضب لعصبته ويحامي عنهم ، والعصبة الأقارب من جهة الأب لأنهم يعصبونه ويعتصب بهم ، أي يحيطون به ويشتد بهم ، ومنه الحديث : ليس منا من دعا إلى عصبية أو قاتل عصبية ، والتعصب المحاماة والمدافعة ، وقال في قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم
فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه ، الربقة في الأصل عروة في حبل تجعل في عنق البهيمة أو يدها تمسكها ، فاستعارها للإسلام يعني ما يشد المسلم به نفسه من عرى الإسلام ، أي حدوده وأحكامه وأوامره ونواهيه ، وتجمع الربقة على ربق مثل كسرة وكسر ، ويقال للحبل الذي يكون فيه الربقة ربق ، ويجمع على رباق وأرباق ، انتهى.
والتعصب المذموم في الأخبار هو أن يحمى قومه أو عشيرته أو أصحابه في الظلم والباطل ، أو يلج في مذهب باطل أو مسألة باطلة لكونه دينه أو دين آبائه أو عشيرته ، ولا يكون طالبا للحق بل ينصر ما لم يعلم أنه حق أو باطل للغلبة على الخصوم أو لإظهار تدربه في العلوم ، أو اختار مذهبا ثم ظهر له خطاؤه ، فلا يرجع عنه لئلا ينسب إلى الجهل أو الضلال ، فهذه كلها عصبية باطلة مهلكة توجب خلع ربقة الإيمان ، وقريب منه الحمية ، قال سبحانه : «إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ » قال الطبرسي (ره) : الحمية الأنفة والإنكار ، يقال : فلان ذو حمية منكرة إذا كان ذا غضب وأنفه أي حميت قلوبهم بالغضب كعادة آبائهم في الجاهلية أن لا يذعنوا لأحد ولا ينقادوا له.
وقال الراغب : عبر عن القوة الغضبية إذا ثارت بالحمية ، فقيل : حميت على فلان أي غضبت ، انتهى.
وأما التعصب في دين الحق والرسوخ فيه والحماية عنه ، وكذا في المسائل اليقينية والأعمال الدينية أو حماية أهله وعشيرته بدفع الظلم عنهم ، فليس من العصبية والحمية المذمومة ، بل بعضها واجب.
ثم إن هذا الذم والوعيد في المتعصب ظاهر ، وأما المتعصب له فلا بد من تقييده بما إذا كان هو الباعث له والراضي به ، وإلا فلا إثم عليه ، وخلع ربقة الإيمان إما كناية عن خروجه من الإيمان رأسا للمبالغة أو عن إطاعة الإيمان للإخلال
٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام بن سالم ودرست بن أبي منصور ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله من تعصب أو تعصب له فقد خلع ربق الإيمان من عنقه.
٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله من كان في قلبه حبة من خردل من عصبية بعثه الله يوم القيامة مع أعراب الجاهلية.
٤ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن صفوان بن يحيى ، عن خضر ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال من تعصب عصبه الله بعصابة من نار.
بشريعة عظيمة من شرائعه ، أو المعنى خلع ربقة من ربق الإيمان التي ألزمها الإيمان عليه من عنقه.
الحديث الثاني : حسن كالصحيح ، وقد مضى مضمونه.
الحديث الثالث : ضعيف على المشهور وفي النهاية :الأعراب ساكنوا البادية من العرب الذين لا يقيمون في الأمصار ، ولا يدخلونها إلا لحاجة ، وقال : الجاهلية الحال التي كانت عليها العرب قبل الإسلام من الجهل بالله ورسوله وشرائع الدين ، والمفاخرة بالأنساب والكبر والتجبر وغير ذلك ، انتهى.
وكأنه محمول على التعصب في الدين الباطل.
الحديث الرابع : مجهول.
وقال الجوهري :العصب الطي الشديد وتقول : عصب رأسه بالعصابة تعصيبا ، والعصب العمامة وكل ما يعصب به الرأس ، وقال الفيروزآبادي :العصابة بالكسر ما عصب به ، والعمامة ، وتعصب شد العمامة وأتى بالعصبية.
٥ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن صفوان بن مهران ، عن عامر بن السمط ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن علي بن الحسينعليهالسلام قال لم يدخل الجنة حمية غير حمية حمزة بن عبد المطلب وذلك حين
الحديث الخامس : مجهول.
« لم تدخل الجنة » على بناء الأفعال ، والحمية الأنفة والغيرة ، وفي القاموس :
الحمي من لا يحتمل الضيم وحمي من الشيء كرضى حمية : أنف ، وفي النهاية : فيه أن المشركين جاءوا بسلى جزور فطرحوه على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو يصلي ،السلى : الجلد الرقيق الذي يخرج فيه الولد من بطن أمه ملفوفا فيه وقيل : هو في الماشية السلى ، وفي الناس المشيمة ، والأول أشبه لأن المشيمة تخرج بعد الولد ولا يكون الولد فيها حين تخرج.
أقول : قد مرت قصة السلى في باب مولد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وما ذكرهعليهالسلام أن ذلك صار سببا لإسلام حمزةرضياللهعنه إشارة إلى ما رواه الطبرسي (ره) في إعلام الورى بإسناده عن علي بن إبراهيم بن هاشم بإسناده قال : كان أبو جهل تعرض لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وآذاه بالكلام ، واجتمعت بنو هاشم فأقبل حمزة وكان في الصيد فنظر إلى اجتماع الناس فقالت له امرأة من بعض السطوح : يا أبا يعلى إن عمرو بن هشام تعرض لمحمد وآذاه ، فغضب حمزة ومر نحو أبي جهل وأخذ قوسه فضرب بها رأسه ثم احتمله فجلد به الأرض واجتمع الناس وكاد يقع فيهم شر ، فقالوا : يا أبا يعلى صبوت إلى دين ابن أخيك؟ قال : نعم أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله على جهة الغضب والحمية ، فلما رجع إلى منزله ندم فغدا على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال : يا ابن أخ أحقا ما تقول؟ فقرأ عليه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم سورة من القرآن فاستبصر حمزة وثبت على دين الإسلام ، وفرح رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وسر أبو طالب بإسلامه وقال في ذلك :
صبرا أبا يعلى على دين أحمد |
وكن مظهرا للدين وفقت صابرا |
أسلم غضبا للنبيصلىاللهعليهوآله في حديث السلى الذي ألقي على النبيصلىاللهعليهوآله .
وحط من أتى بالدين من عند ربه |
بصدق وحق ولا تكن حمز كافرا |
|
فقد سرني إذ قلت أنك مؤمن |
فكن لرسول الله في الله ناصرا |
|
وناد قريشا بالذي قد أتيته |
جهارا وقل ما كان أحمد ساحرا |
وأقول : قد اختلفوا في سبب إسلام حمزة قال علي بن برهان الدين الحلبي الشافعي : ومما وقع لهصلىاللهعليهوآلهوسلم من الأذية ما كان سببا لإسلام عمه حمزةرضياللهعنه ، وهو ما حدث به ابن إسحاق عن رجل ممن أسلم أن أبا جهل مر برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عند الصفا ، وقيل : عند الحجون ، فأذاه وشتمه ونال منه ما نكرهه ، وقيل : أنه صب التراب على رأسه ، وقيل : ألقى عليه فرثا ووطي برجله على عاتقه فلم يكلمه رسول الله ومولاة لعبد الله بن جذعان في مسكن لها تسمع ذلك وتبصره ، ثم انصرف رسول الله إلى نادى قريش فجلس معهم ، فلم يلبث حمزة أن أقبل متوشحا بسيفه ، راجعا من قنصه أي من صيده ، وكان من عادته إذا رجع من قنصه لا يدخل إلى أهله إلا بعد أن يطوف بالبيت ، فمر على تلك المولاة فأخبرته الخبر ، وقيل : أخبرته مولاة أخته صفية قالت له : إنه صب التراب على رأسه وألقى عليه فرثا ووطي برجله على عاتقه ، وعلى إلقاء الفرث عليه اقتصر أبو حيان ، فقال لها حمزة : أنت رأيت هذا الذي تقولين؟ قالت : نعم ، فاحتمل حمزة الغضب ودخل المسجد ، فرأى أبا جهل جالسا في القوم فأقبل نحوه حتى قام على رأسه ورفع القوس وضربه فشجه شجة منكرة ثم قال : أتشتمه فأنا على دينه أقول ما يقول ، فرد علي ذلك إن استطعت؟ وفي لفظ إن حمزة لما قام على رأس أبي جهل بالقوس صار أبو جهل يتضرع إليه ويقول : سفه عقولنا وسب آلهتنا وخالف آباءنا؟ فقال : ومن أسفه منكم تعبدون الحجارة من دون الله أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، فقامت رجال من بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل ، فقالوا : ما نراك إلا قد صبأت! فقال حمزة : ما يمنعني وقد استبان لي منه أنا أشهد أنه رسول الله وأن الذي يقوله حق والله لا أنزع فامنعوني
٦ ـ عنه ، عن أبيه ، عن فضالة ، عن داود بن فرقد ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام
إن كنتم صادقين ، فقال لهم أبو جهل : دعوا أبا يعلى فإني والله قد أسمعت ابن أخيه شيئا قبيحا وتم حمزة على إسلامه ، فقال لنفسه لما رجع إلى بيته : أنت سيد قريش اتبعت هذا الصابئ وتركت دين آبائك؟ الموت خير لك مما صنعت! ثم قال : اللهم إن كان رشدا فاجعل تصديقه في قلبي وإلا فاجعل لي مما وقعت فيه مخرجا فبات بليلة لم يبت بمثلها من وسوسة الشيطان حتى أصبح فغدا إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال :
يا بن أخي إني وقعت في أمر لا أعرف المخرج منه وإقامة مثلي على ما لا أدري أرشد هو أم غي شديد! فأقبل عليه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فذكره ووعظه ، وخوفه وبشره فألقى الله في قلبه الإيمان بما قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال : أشهد أنك لصادق فأظهر يا بن أخي دينك.
وقد قال ابن عباس في ذلك نزل : «أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ »(١) يعني حمزة «كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها » يعني أبا جهل ، وسر رسول الله بإسلامه سرورا كثيرا لأنه كان أعز فتى في قريش وأشدهم شكيمة(٢) ومن ثم لما عرفت قريش أن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قد عز كفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه ، وأقبلوا على بعض أصحابه بالأذية سيما المستضعفين منهم ، الذين لا جوار لهم ، انتهى.
وأقول : ظاهر بعض تلك الآثار أن قصة السلى التي مر ذكرها غير ما كان سبب إسلام حمزة ، ولم يذكر الأكثر قصة إمرار السلى على أسبالهم وما وقع في الخبرين هو المعتمد ، ولا تنافي بينهما لا مكان وقوع الأمرين معا في قصة السلى.
الحديث السادس : صحيح.
__________________
(١) سورة الأنعام : ١٢٢.
(٢) الشكيمة : الانفة والحمية.
قال إن الملائكة كانوا يحسبون أن إبليس منهم ـ وكان في علم الله أنه ليس منهم فاستخرج ما في نفسه بالحمية والغضب فقال «خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ».
« كانوا يحسبون أن إبليس منهم » أي في طاعة الله وعدم العصيان لمواظبته على عبادة الله تعالى أزمنة متطاولة ولم يكونوا يجوزون أنه يعصي الله ويخالفه في أمره لبعد عدم علم الملائكة بأنه ليس منهم بعد أن أسروه من بين الجن ورفعوه إلى السماء فهو من قبيل قولهمعليهمالسلام : سلمان منا أهل البيت ، ويمكن أن يكون المراد كونه من جنسهم ويكون ذلك الحسبان لمشاهدتهم تباين أخلاقه ظاهرا للجن وتكريم الله تعالى له وجعله بينهم بل رئيسا على بعضهم كما قيل ، فظنوا أنه كان منهم وقع بين الجن ، أو يقال : كان الظان جمع من الملائكة لم يطلعوا على بدو أمره ، وعلى بعض هذه الوجوه أيضا يحمل ما روى العياشي عن جميل بن دراج قال : سألته عن إبليس أكان من الملائكة أو هل كان يلي شيئا من أمر السماء؟ قال : لم يكن من الملائكة ولم يكن يلي شيئا من أمر السماء ، وكان من الجن وكان مع الملائكة ، وكانت الملائكة ترى أنه منها وكان الله يعلم أنه ليس منها فلما أمر بالسجود كان منه الذي كان.
« فاستخرج ما في نفسه » أي أظهر إبليس ما في نفسه أي أخذته الحمية والأنفة والعصبية وافتخر وتكبر على آدم بأن أصل آدم من طين وأصله من نار ، والنار أشرف من الطين وأخطأ في ذلك بجهات شتى : منها أنه إنما نظر إلى جسد آدم ولم ينظر إلى روحه المقدسة التي أودع الله فيها غرائب الشؤون ، وقد ورد ذلك في الأخبار ، ومنها أن ما ادعاه من شرافة النار وكونها أعلى من الطين في محل المنع ، فإن الطين لتذلله منبع لجميع الخيرات ، ومنشأ لجميع الحبوب والرياحين والثمرات ، والنار لرفعتها واشتعالها يحصل منها جميع الشرور والصفات الذميمة ، والأخلاق السيئة فثمرتها الفساد وآخرها الرماد ، وقد أوردنا بعض الكلام فيه في كتابنا الكبير.
٧ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه وعلي بن محمد القاساني ، عن القاسم بن محمد ، عن المنقري ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري قال سئل علي بن الحسينعليهالسلام عن العصبية فقال العصبية التي يأثم عليها صاحبها أن يرى الرجل شرار
ثم اعلم أن هذا الخبر مما يدل على أن إبليس لم يكن من الملائكة وقد اختلف أصحابنا والمخالفون في ذلك ، فالذي ذهب إليه أكثر المتكلمين من أصحابنا وغيرهم أنه لم يكن من الملائكة ، قال الشيخ المفيد برد الله مضجعه في كتاب المقالات : أن إبليس من الجن خاصة وأنه ليس من الملائكة ولا كان منها ، قال الله تعالى : «إِلاَّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِ »(١) وجاءت الأخبار متواترة عن أئمة الهدى من آل محمدعليهمالسلام بذلك ، وهو مذهب الإمامية كلها وكثير من المعتزلة وأصحاب الحديث ، انتهى.
وذهب طائفة من المتكلمين إلى أنه من الملائكة واختاره من أصحابنا شيخ الطائفة روح الله روحه في التبيان(٢) وقال : وهو المروي عن أبي عبد اللهعليهالسلام والظاهر في تفاسيرنا ، ثم قالرحمهالله : ثم اختلف من قال كان منهم فمنهم من قال أنه كان خازنا للجنان ومنهم من قال : كان له سلطان سماء الدنيا وسلطان الأرض ومنهم من
__________________
(١) سورة الكهف : ٥٠.
(٢) وقالوا في معنى قوله تعالى : « انه «كانَ مِنَ الْجِنِّ » اى صار من الجن كما ان قوله : «وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ » معناه صار من الكافرين ، أو المعنى ان إبليس كان من طائفة من الملائكة يسمون جنا من حيث كانوا خزنة الجنة ، وقيل : سموا جنا لاجتنانهم من العيون واستشهدوا بقول الاعشى في سليمان :
« وسخر من جن الملائك تسعة |
قياما لديه يعملون بلا اجر ». |
الى آخر ما قالوا في جواب القائلين بانه كان من الجن ، وما يرد عليهم في ذلك ، ومن أراد الاطلاع على جميع الأقوال فليراجع المجلد الثالث والستين من الطبعة الحديثة من كتاب بحار الأنوار ص ٢٨٦.
قومه خيرا من خيار قوم آخرين وليس من العصبية أن يحب الرجل قومه ولكن من العصبية أن يعين قومه على الظلم.
قال أنه كان يسوس ما بين السماء والأرض.
وأقول : قد استدلوا من الجانبين بالآيات والأخبار كما أوردتها في الكتاب الكبير ، وذكرها هنا يوجب التطويل الكثير ، والظاهر من أكثر الأخبار والآثار عدم كونه من الملائكة وأنه لما كان مخلوطا بهم وتوجه الخطاب بالسجود إليهم شمله هذا الخطاب ، وقوله تعالى : «وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ » مبني على التغليب الشائع في الكلام ، والله تعالى يعلم حقائق الأمور.
الحديث السابع : ضعيف.
« أن يرى » على بناء المجرد أو الأفعال« أن يحب الرجل قومه » إما محض المحبة فإنه من الجبلة الإنسانية أن يحب الرجل قومه وعشيرته وأقاربه أكثر من غيرهم ، وقلما ينفك عنه أحد والظاهر أنه ليس من الصفات الذميمة ، أو بالإفعال أيضا بأن يسعى في حوائجهم أكثر من السعي في حوائج غيرهم ، ويبذل لهم المال أكثر من غيرهم ، والظاهر أن هذا أيضا غير مذموم شرعا بل ممدوح ، فإن أكثره من صلة الرحم وبعضه من رعاية الإخلاء والإخوان والأصحاب وقد مر عن أمير المؤمنينعليهالسلام في باب صلة الرحم الحث على جميع ذلك وعن غيرهعليهالسلام فظهر أن العصبية المذمومة إما إعانة قومه على الظلم أو إثبات ما ليس فيهم لهم أو التفاخر بالأمور الباطلة التي توجب المنفعة أو تفضيلهم على غيرهم من غير فضل ، وغير ذلك مما تقدم ذكره.
(باب الكبر )
١ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن أبان ، عن حكيم قال سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن أدنى الإلحاد فقال إن الكبر أدناه
باب الكبر
الحديث الأول : مجهول.
وقال الراغب :ألحد فلان مال عن الحق والإلحاد ضربان إلحاد إلى الشرك بالله وإلحاد إلى الشرك بالأسباب فالأول ينافي الإيمان ويبطله ، والثاني يوهن عراه ولا يبطله ومن هذا النحو ، قوله عز وجل : «وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ »(١) وقال :الكبر الحالة التي يخصص بها الإنسان من إعجابه بنفسه وذلك أن يرى الإنسان نفسه أكبر من غيره ، وأعظم التكبر التكبر على الله بالامتناع من قبول الحق والإذعان له بالعبادة ، والاستكبار يقال على وجهين أحدهما : أن يتحرى الإنسان ويطلب أن يصير كبيرا وذلك متى كان على ما يجب ، وفي المكان الذي يجب ، وفي الوقت الذي يجب فمحمود ، والثاني أن يتشبع فيظهر من نفسه ما ليس له ، وهذا هو المذموم وعلى هذا ما ورد في القرآن وهو ما قال تعالى : «أَبى وَاسْتَكْبَرَ »(٢) «أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ »(٣) «وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً »(٤) وقال تعالى : «فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ »(٥) الذين يستكبرون في الأرض «إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ »(٦) «قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ »(٧) «فَيَقُولُ
__________________
(١) سورة الحجّ : ٢٥.
(٢ و ٣) سورة البقرة : ٣٣ و ٨٧.
(٤) سورة نوح : ٧.
(٥) سورة العنكبوت : ٣٩.
(٦) سورة الأعراف : ٤٠.
(٧) سورة الأعراف : ٤٧.
الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا »(١) قابل المستكبرين بالضعفاء تنبيها على أن استكبارهم كان بما لهم من القوة في البدن والمال «قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا »(٢) فقابل بالمستكبرين المستضعفين «ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ بِآياتِنا فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ »(٣) نبه تعالى بقوله : «فَاسْتَكْبَرُوا » على تكبرهم وإعجابهم بأنفسهم وتعظمهم عن الإصغاء إليه ونبه بقوله : «وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ » على أن الذي حملهم على ذلك هو ما تقدم من جرمهم وأن ذلك لم يكن شيئا حدث منهم ، بل كان ذلك دأبهم قبل «فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ » وقال بعده : «إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ » والتكبر يقال على وجهين أحدهما : أن تكون الأفعال الحسنة كثيرة في الحقيقة وزائدة على محاسن غيره وعلى هذا وصف الله تعالى بالمتكبر ، قال تعالى : «الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ »(٤) الثاني : أن يكون متكلفا لذلك متشبعا وذلك في وصف عامة الناس نحو قوله : «فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ »(٥) وقوله : «كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ »(٦) ومن وصف بالتكبر على الوجه الأول فمحمود ، ومن وصف به على الوجه الثاني فمذموم ، ويدل على أنه قد يصح أن يوصف الإنسان بذلك ولا يكون مذموما قوله تعالى : «سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ »(٧) فجعل المتكبرين بغير الحق مصروفا ، والكبرياء الترفع عن الانقياد ، وذلك لا يستحقه غير الله ، قال تعالى : «وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »(٨) ولما قلنا روي عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول عن الله تعالى : الكبرياء
__________________
(١) سورة غافر : ٤٧.
(٢) سورة الأعراف : ٧٥.
(٣) سورة يونس : ٧٥.
(٤) سورة الحشر : ٢٣.
(٥) سورة الزمر : ٧٢.
(٦) سورة غافر : ٣٥.
(٧) سورة الأعراف : ١٤٦.
(٨) سورة الجاثية : ٣٧.
ردائي والعظمة إزاري ، فمن نازعني في شيء منهما قصمته «قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ »(١) انتهى.
وأقول : الآيات والأخبار في ذم الكبر ومدح التواضع أكثر من أن تحصى ، وقال الشهيد قدس الله روحه : الكبر معصية والأخبار كثيرة في ذلك ، قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : لن يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من الكبر ، فقالوا : يا رسول الله إن أحدنا يحب أن يكون ثوبه حسنا وفعله حسنا فقال : إن الله جميل يحب الجمال ، ولكن الكبر بطر الحق وغمص الناس ، بطر الحق رده على قائله والغمص بالصاد المهملة الاحتقار ، والحديث مأول بما يؤدي إلى الكفر أو يراد أنه لا يدخل الجنة مع دخول غير المتكبر بل بعده وبعد العذاب في النار ، وقد علم منه أن التجمل ليس من التكبر في شيء ، انتهى.
وقيل : الكبر ينقسم إلى باطن وظاهر فالباطن هو خلق في النفس والظاهر هو أعمال تصدر من الجوارح ، واسم الكبر بالخلق الباطن أحق ، وأما الأعمال فإنها ثمرات لذلك الخلق ، ولذلك إذا ظهر على الجوارح يقال له تكبر وإذا لم يظهر يقال له في نفسه كبر ، فالأصل هو الخلق الذي في النفس ، وهو الاسترواح إلى رؤية النفس فوق المتكبر عليه ، فإن الكبر يستدعي متكبرا عليه ومتكبرا به ، وبه ينفصل الكبر عن العجب ، فإن العجب لا يستدعي غير المعجب ، بل لو لم يخلق الإنسان إلا وحده تصور أن يكون معجبا ، ولا يتصور أن يكون متكبرا إلا أن يكون مع غيره وهو يرى نفسه فوق ذلك الغير في صفات الكمال ، بأن يرى لنفسه مرتبة ولغيره مرتبة ثم يرى مرتبة نفسه فوق مرتبة غيره ، فعند هذه الاعتقادات
__________________
(١) سورة يونس : ٧٨.
الثلاثة يحصل فيه خلق الكبر إلا أن هذه الرؤية هي الكبر ، بل هذه الرؤية وهذه العقيدة تنفخ فيه فيحصل في قلبه اغترار وهزة وفرح وركون إلى ما اعتقده وعز في نفسه بسبب ذلك ، فتلك العزة والهزة والركون إلى المعتقد هو خلق الكبر ، ولذلك قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : أعوذ بك من نفخة الكبرياء ، فالكبر عبارة عن الحالة الحاصلة في النفس من هذه الاعتقادات ويسمى أيضا عزا وتعظما ، ولذلك قال ابن عباس في قوله تعالى : «إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ »(١) فقال : عظمة لم يبلغوها ثم هذه العزة تقتضي أعمالا في الظاهر والباطن ، وهي ثمراته ويسمى ذلك تكبرا فإنه مهما عظم عنده قدر نفسه بالإضافة إلى غيره حقر من دونه وازدرأه وأقصاه من نفسه وأبعده وترفع عن مجالسته ومؤاكلته ، ورأى أن حقه أن يقوم ماثلا بين يديه إن اشتد كبره ، فإن كان كبره أشد من ذلك استنكف عن استخدامه ولم يجعله أهلا للقيام بين يديه ، فإن كان دون ذلك يأنف عن مساواته ويتقدم عليه في مضائق الطرق وارتفع عليه في المحافل ، وانتظر أن يبدأه بالسلام وإن حاج أو ناظر استنكف أن يرد عليه ، وإن وعظ أنف من القبول وإن وعظ عنف في النصح ، وإن رد عليه شيء من قوله غضب ، وإن علم لم يرفق بالمتعلمين واستذلهم وانتهرهم وأمتن عليهم واستخدمهم ، وينظر إلى العامة كما ينظر إلى الحمير استجهالا لهم واستحقارا ، والأعمال الصادرة من الكبر أكثر من أن تحصى.
فهذا هو الكبر وآفته عظيمة وفيه يهلك الخواص والعوام وكيف لا تعظم آفته وقد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : لا يدخل الجنة من كان في قلبه ذرة من كبر ، وإنما صار حجابا عن الجنة لأنه يحول بين العبد وبين أخلاق المؤمنين كلها ، وتلك الأخلاق هي أبواب الجنة ، والكبر وعز النفس تغلق تلك الأبواب كلها ، لأنه مع تلك الحالة لا يقدر على حبه للمؤمنين ما يحب لنفسه ، ولا على التواضع
__________________
(١) سورة غافر : ٥٦.
وهو رأس أخلاق المتقين ، ولا على كظم الغيظ ، ولا على ترك الحقد ، ولا على الصدق ولا على ترك الحسد والغضب ، ولا على النصح اللطيف ولا على قبوله ، ولا يسلم من الإزراء بالناس واغتيابهم ، فما من خلق ذميم إلا وصاحب الكبر والعز مضطر إليه ليحفظ به عزه ، وما من خلق محمود إلا وهو عاجز عنه خوفا من أن يفوته عزه ، فعن هذا لم يدخل الجنة.
وشر أنواع الكبر ما يمنع من استفادة العلم وقبول الحق والانقياد له ، وفيه وردت الآيات التي فيها ذم المتكبرين كقوله سبحانه : «وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ »(١) وأمثالها كثيرة ، ولذلك ذكر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم جحود الحق في حد الكبر والكشف عن حقيقته ، وقال : من سفه الحق وغمص الناس.
ثم اعلم أن المتكبر عليه هو الله أو رسله أو سائر الخلق ، فهو بهذه الجملة ثلاثة أقسام :
الأول التكبر على الله وهو أفحش أنواعه ، ولا مثار له إلا الجهل المحض والطغيان مثل ما كان لنمرود وفرعون.
الثاني : التكبر على الرسل والأوصياءعليهمالسلام كقولهم : «أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا »(٢) «وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ »(٣) «وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً »(٤) وهذا قريب من التكبر على الله وإن كان دونه ، ولكنه تكبر عن قبول أمر الله.
الثالث : التكبر على العباد وذلك بأن يستعظم نفسه ويستحقر غيره فتأبى نفسه عن الانقياد لهم وتدعوه إلى الترفع عليهم ، فيزدريهم ويستصغرهم ويأنف عن مساواتهم ، وهذا وإن كان دون الأول والثاني ، فهو أيضا عظيم من وجهين :
__________________
(١) سورة الأنعام : ٩٣.
(٢ و ٣) سورة المؤمنون : ٤٧ و ٣٤.
(٤) سورة الفرقان : ٢٤.
أحدهما : أن الكبر والعزة والعظمة لا يليق إلا بالمالك القادر ، فأما العبد الضعيف الذليل المملوك العاجز الذي لا يقدر على شيء فمن أين يليق به الكبر ، فمهما تكبر العبد فقد نازع الله تعالى في صفة لا يليق إلا بجلاله ، وإلى هذا المعنى الإشارة بقوله تعالى : العظمة إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني فيهما قصمته ، أي أنه خاص صفتي ولا يليق إلا بي ، والمنازع فيه منازع في صفة من صفاتي ، فإذا كان التكبر على عباده لا يليق إلا به فمن تكبر على عباده فقد جنى عليه إذ الذي استرذل خواص غلمان الملك ويستخدمهم ويترفع عليهم ويستأثر بما حق الملك أن يستأثر به منهم ، فهو منازع له في بعض أمره وإن لم يبلغ درجته درجة من أراد الجلوس على سريره والاستبداد بملكه ، كمدعي الربوبية.
والوجه الثاني : أنه يدعو إلى مخالفة الله تعالى في أوامره لأن المتكبر إذا سمع الحق من عبد من عباد الله استنكف عن قبوله ويشمئز بجحده ، ولذلك ترى المناظرين في مسائل الدين يزعمون أنهم يتباحثون عن أسرار الدين ثم إنهم يتجاحدون تجاحد المتكبرين ، ومهما اتضح الحق على لسان أحدهم أنف الآخر من قبوله ويتشمر بجحده ، ويحتال لدفعه بما يقدر عليه من التلبيس ، وذلك من أخلاق الكافرين والمنافقين إذ وصفهم الله تعالى فقال : «وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ »(١) وكذلك يحمل ذلك على الأنفة من قبول الوعظ كما قال تعالى : «وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ »(٢) .
وتكبر إبليس من ذلك ، فهذه آفة من آفات الكبر عظيمة ، ولهذا شرح رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الكبر بهاتين الآفتين إذ سأله ثابت بن قيس فقال : يا رسول الله إني امرؤ حبب إلى من الجمال ما ترى أفمن الكبر هو؟ فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : لا ولكن الكبر
__________________
(١) سورة فصّلت : ٤٦.
(٢) سورة البقرة : ٢٠٦.
من بطر الحق وغمص الناس ، وفي حديث آخر من سفه الحق ، وقوله : غمص الناس أي ازدرأهم واستحقرهم وهم عباد الله أمثاله وخير منه ، وهذه الآفة الأولى وقوله : سفه الحق هو رده به ، وهذه الآفة الثانية.
ثم اعلم أنه لا يتكبر إلا من استعظم نفسه ، ولا يستعظمها إلا وهو يعتقد لها صفة من صفات الكمال ، ومجامع ذلك يرجع إلى كمال ديني أو دنيوي ، والديني هو العلم والعمل ، والدنيوي هو النسب والجمال والقوة والمال وكثرة الأنصار ، فهذه سبعة.
الأول : العلم وما أسرع الكبر إلى العلماء ولذلك قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : آفة العلم الخيلاء ، فهو يتعزز بعز العلم ويستعظم نفسه ، ويستحقر الناس ، وينظر إليهم نظره إلى البهائم ، ويتوقع منهم الإكرام والابتداء بالسلام ، ويستخدمهم ولا يعتني بشأنهم ، هذا فيما يتعلق بالدنيا وأما في أمر الآخرة فبأن يرى نفسه عند الله أعلى وأفضل منهم ، فيخاف عليهم أكثر مما يخافه على نفسه ، ويرجو لنفسه أكثر مما يرجو لهم ، وهذا بأن يسمى جاهلا أولى من أن يسمى عالما بل العلم الحقيقي هو الذي يعرف الإنسان به نفسه وربه وخطر الخاتمة ، وحجة الله على العلماء ، وعظم خطر العلم فيه ، وهذه العلوم تزيد خوفا وتواضعا وتخشعا ويقتضي أن يرى أن كل الناس خير منه لعظم حجة الله عليه بالعلم وتقصيره في القيام بشكر نعمة العلم.
فإن قلت : فما بال بعض الناس يزداد بالعلم كبرا وأمنا؟
فاعلم أن له سببين : أحدهما أن يكون اشتغاله بما يسمى علما وليس بعلم حقيقي وإنما العلم الحقيقي ما يعرف العبد به نفسه وربه ، وخطر أمره في لقاء الله والحجاب عنه ، وهذا يورث الخشية والتواضع دون الكبر والأمن ، قال الله تعالى
«إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ »(١) فأما وراء ذلك كعلم الطب والحساب واللغة والشعر والنحو وفصل الخصومات وطرق المجادلات ، فإذا تجرد الإنسان لها حتى امتلاء بها ، امتلاء كبرا ونفاقا وهذه بأن تسمى صناعات أولى من أن تسمى علوما ، بل العلم هو معرفة العبودية والربوبية وطريق العبادة ، وهذا يورث التواضع غالبا.
السبب الثاني : أن يخوض العبد في العلم ، وهو خبيث الدخلة رديء النفس سني الأخلاق ، فلم يشتغل أولا بتهذيب نفسه وتزكية قلبه بأنواع المجاهدات ، ولم يرض نفسه في عبادة ربه فبقي خبيث الجوهر ، فإذا خاض في العلم أي علم كان صادف العلم قلبه منزلا خبيثا ، فلم يطب ثمره ولم يظهر في الخير أثره ، وقد ضرب وهب لهذا مثلا فقال : العلم كالغيث ينزل من السماء حلوا صافيا فتشربه الأشجار بعروقها فتحوله على قدر طعومها ، فيزداد المر مرارة والحلو حلاوة ، وكذلك العلم يحفظه الرجال فيحوله على قدر هممهم وأهوائهم فيزيد المتكبر تكبرا ، والمتواضع تواضعا وهذا لأن من كانت همته الكبر وهو جاهل فإذا حفظ العلم وجد ما يتكبر به ، فازداد كبرا وإذا كان خائفا مع جهله فإذا ازداد علما علم أن الحجة قد تأكدت عليه ، فيزداد خوفا وإشفاقا وتواضعا فالعلم من أعظم ما به يتكبر.
الثاني : العمل والعبادة وليس يخلو عن رذيلة العز والكبر واستمالة قلوب الناس ، الزهاد والعباد ، ويترشح الكبر منهم في الدنيا والدين ، أما الدنيا فهو أنهم يرون غيرهم بزيارتهم أولى من أنفسهم بزيارة غيرهم ، ويتوقعون قيام الناس بحوائجهم وتوقيرهم والتوسيع لهم في المجالس ، وذكرهم بالورع والتقوى ، وتقديمهم على سائر الناس في الحظوظ ، إلى غير ذلك مما مر في حق العلماء ، وكأنهم يرون عبادتهم
__________________
(١) سورة فاطر : ٢٨.
منة على الخلق ، وأما في الدين فهو أن يرى الناس هالكين ويرى نفسه ناجيا وهو الهالك تحقيقا مهما رأى ذلك ، قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : إذا سمعتم الرجل يقول : هلك الناس فهو أهلكهم ، وروي أن رجلا في بني إسرائيل يقال له خليع بني إسرائيل لكثرة فساده ، مر برجل آخر يقال له عابد بني إسرائيل ، وكان على رأس العابد غمامة تظله لما مر الخليع به ، فقال الخليع في نفسه : أنا خليع بني إسرائيل وهذا عابد بني إسرائيل فلو جلست إليه لعل الله يرحمني فجلس إليه ، فقال العابد في نفسه : أنا عابد بني إسرائيل كيف يجلس إلى؟ فأنف منه ، وقال له : قم عني ، فأوحى الله إلى نبي ذلك الزمان مر هما فليستأنفا العمل فقد غفرت للخليع وأحبطت عمل العابد وفي حديث آخر : فتحولت الغمامة إلى رأس الخليع.
وهذه آفة لا ينفك عنها أحد من العباد إلا من عصمه الله ، لكن العلماء والعباد في آفة الكبر على ثلاث درجات :
الدرجة الأولى : أن يكون الكبر مستقرا في قلبه يرى نفسه خيرا من غيره إلا أنه يجتهد ويتواضع ويفعل فعل من يرى غيره خيرا من نفسه ، وهذا قد رسخت في قلبه شجرة الكبر ولكنه قطع أغصانها بالكلية.
الثانية : أن يظهر ذلك على أفعاله بالترفع في المجالس والتقدم على الأقران وإظهار الإنكار على من يقصر في حقه ، وأدنى ذلك في العالم أن يصعر خده للناس كأنه معرض عنهم ، وفي العابد أن يعبس وجهه ويقطب جبينه كأنه متنزه عن الناس مستقذر لهم أو غضبان عليهم ، وليس يعلم المسكين أن الورع ليس في الجبهة حتى يقطبها ، ولا في الوجه حتى يعبس ، ولا في الخد حتى يصعر ، ولا في الرقبة حتى يطأطئ ، ولا في الذيل حتى يضم ، إنما الورع في القلوب ، قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : التقوى هيهنا ، وأشار إلى صدره.
وهؤلاء أخف حالا ممن هو في المرتبة الثالثة ، وهو الذي يظهر الكبر على
لسانه حتى يدعوه إلى الدعوى والمفاخرة والمباهاة وتزكية النفس ، أما العابد فإنه يقول في معرض التفاخر لغيره من العباد : من هو؟ وما عمله؟ ومن أين زهده؟ فيطيل اللسان فيهم بالتنقص ، ثم يثني على نفسه ويقول إني لم أفطر منذ كذا وكذا ، ولا أنام بالليل وفلان ليس كذلك ، وقد يزكي نفسه ضمنا فيقول : قصدني فلان فهلك ولده وأخذ ماله أو مرض وما يجري مجراه ، هذا يدعي الكرامة لنفسه ، وأما العالم فإنه يتفاخر ويقول : أنا متفنن في العلوم ومطلع على الحقائق ، رأيت من الشيوخ فلانا وفلانا ومن أنت وما فضلك؟ ومن لقيته؟ وما الذي سمعت من الحديث؟ كل ذلك ليصغره ويعظم نفسه ، فهذا كله أخلاق الكبر وآثاره التي يثمرها التغرز بالعلم والعمل ، وأين من يخلو من جميع ذلك أو عن بعضه.
يا ليت شعري من عرف هذه الأخلاق من نفسه وسمع قول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر كيف يستعظم نفسه ويتكبر على غيره وهو بقول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من أهل النار ، وإنما العظيم من خلا عن هذا ، ومن خلا عنه لم يكن فيه تعظيم وتكبر.
الثالث : التكبر بالنسب والحسب ، فالذي له نسب شريف يستحقر من ليس له ذلك النسب وإن كان أرفع منه عملا وعلما ، وثمرته على اللسان التفاخر به ، وذلك عرق دقيق في النفس لا ينفك عنه نسب وإن كان صالحا أو عاقلا إلا أنه قد لا يترشح منه عند اعتدال الأحوال ، فإن غلبه غضب أطفأ ذلك نور بصيرته وترشح منه.
الرابع : التفاخر بالجمال ، وذلك يجري أكثره بين النساء ويدعو ذلك إلى التنقص والثلب والغيبة ، وذكر عيوب الناس.
الخامس : الكبر بالمال وذلك يجري بين الملوك في الخزائن وبين التجار في بضائعهم وبين الدهاقين في أراضيهم ، وبين المتجملين في لباسهم وخيولهم ومراكبهم ، فيستحقر الغني الفقير ويتكبر عليه ، ومن ذلك تكبر قارون.
السادس : الكبر بالقوة وشدة البطش والتكبر به على أهل الضعف.
السابع : التكبر بالأتباع والأنصار والتلاميذ والغلمان والعشيرة والأقارب والبنين ويجري ذلك بين الملوك في المكاثرة في الجنود وبين العلماء بالمكاثرة بالمستفيدين.
وبالجملة فكل ما هو نعمة وأمكن أن يعتقد كمالا وإن لم يكن في نفسه كمالا أمكن أن يتكبر به حتى أن المخنث ليتكبر على أقرانه بزيادة قدرته ومعرفته في صفة المخنثين لأنه يرى ذلك كمالا فيفتخر به وإن لم يكن فعله إلا نكالا.
وأما بيان البواعث على التكبر فاعلم أن الكبر خلق باطن وأما ما يظهر من الأخلاق والأعمال فهو ثمرتها ونتيجتها ، وينبغي أن تسمى تكبرا ويخص اسم الكبر بالمعنى الباطن الذي هو استعظام النفس ورؤية قدر لها فوق قدر الغير ، وهذا الباطن له موجب واحد وهو العجب ، فإنه إذا أعجب بنفسه وبعمله وعمله ، أو بشيء من أسبابه استعظم نفسه وتكبر.
وأما الكبر الظاهر فأسبابه ثلاثة : سبب في المتكبر ، وسبب في المتكبر عليه وسبب يتعلق بغيرهما ، أما السبب الذي في المتكبر فهو العجب ، والذي يتعلق بالمتكبر عليه هو الحقد والحسد ، والذي يتعلق بغيرهما هو الرياء ، فالأسباب بهذا الاعتبار أربعة : العجب والحقد والحسد والرياء ، أما العجب فقد ذكرنا أنه يورث الكبر ، والكبر الباطن يثمر التكبر الظاهر في الأعمال والأقوال والأفعال ، وأما الحقد فإنه قد يحمل على التكبر من غير عجب ويحمله ذلك على رد الحق إذا جاء من جهته ، وعلى الأنفة من قبول نصحه ، وعلى أن يجتهد في التقدم عليه ، وإن علم أنه لا يستحق ذلك ، وأما الحسد فإنه يوجب البغض للمحسود وإن لم يكن من جهته إيذاء وسبب يقتضي الغضب والحقد ويدعو الحسد أيضا إلى جحد الحق ، حتى يمتنع
من قبول النصح وتعلم العلم ، فكم من جاهل يشتاق إلى العلم وقد بقي في الجهل لاستنكافه أن يستفيد من واحد من أهل بلده وأقاربه حسدا وبغيا عليه.
وأما الرياء فهو أيضا يدعو إلى أخلاق المتكبرين حتى أن الرجل ليناظر من يعلم أنه أفضل منه وليس بينه وبينه معرفة ولا محاسدة ولا حقد ، ولكن يمتنع من قبول الحق منه خيفة من أن يقول الناس أنه أفضل منه ، وأما معالجة الكبر واكتساب التواضع فهو علمي وعملي أما العلمي فهو أن يعرف نفسه وربه ويكفيه ذلك في إزالته فإنه مهما عرف نفسه حق المعرفة علم أنه أذل من كل ذليل وأقل من كل قليل بذاته ، وأنه لا يليق به إلا التواضع والذلة والمهانة ، وإذا عرف ربه علم أنه لا يليق العظمة والكبرياء إلا بالله ، أما معرفة ربه وعظمته ومجده فالقول فيه يطول وهو منتهى علم الصديقين ، وأما معرفته نفسه فكذلك أيضا يطول ويكفيه أن يعرف معنى آية واحدة من كتاب الله تعالى ، فإن في القرآن علم الأولين والآخرين لمن فتحت بصيرته وقد قال تعالى : «قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ، مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ، ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ، ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ ، ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ »(١) فقد أشارت الآية إلى أول خلق الإنسان وإلى آخر أمره وإلى وسطه ، فلينظر الإنسان ذلك ليفهم معنى هذه الآية أما أول الإنسان فهو أنه لم يكن شيئا مذكورا ، وقد كان ذلك في كتم العدم دهورا ، بل لم يكن لعدمه أول فأي شيء أخس وأقل من المحو والعدم ، وقد كان كذلك في القدم ، ثم خلقه الله تعالى من أذل الأشياء ثم من أقذرها إذ خلقه من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ثم جعله عظاما ثم كسى العظام لحما فقد كان هذا بداية وجوده حيث صار شيئا مذكورا ، فما صار مذكورا إلا وهو على أخس الأوصاف والنعوت إذ لم يخلق في ابتدائه كاملا بل خلقه جمادا ميتا لا يسمع ولا يبصر ، ولا يحس ولا يتحرك ولا ينطق ولا يبطش ولا يدرك ، ولا يعلم
__________________
(١) سورة عبس : ١٧ ـ ٢٤.
فبدا بموته قبل حياته ، وبضعفة قبل قوته ، وبجهله قبل علمه ، وبعماه قبل بصره ، وبصممه قبل سمعه ، وببكمه قبل نطقه ، وبضلالته قبل هداه ، وبفقره قبل غناه ، وبعجزه قبل قدرته.
فهذا معنى قوله تعالى : «هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ، إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ »(١) كذلك خلقه أولا ثم أمتن عليه فقال : «ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ » وهذه إشارة إلى ما تيسر له في مدة حياته إلى الموت ، ولذلك قال : «مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً ، إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ » ومعناه أنه أحياه بعد أن كان جمادا ميتا ترابا أولا ، ونطفة ثانيا ، وأسمعه بعد ما كان فاقد البصر ، وقواه بعد الضعف وعلمه بعد الجهل ، وخلق له الأعضاء بما فيها من العجائب والآيات بعد الفقد لها ، وأغناه بعد الفقر وأشبعه بعد الجوع ، وكساه بعد العري ، وهداه بعد الضلال ، فانظر كيف دبره وصوره وإلى السبيل كيف يسره وإلى طغيان الإنسان ما أكفره ، وإلى جهل الإنسان كيف أظهره ، فقال تعالى : «أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ »(٢) «وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ »(٣) .
فانظر إلى نعمة الله عليه كيف نقله من تلك القلة والذلة والخسة والقذارة إلى هذه الرفعة والكرامة ، فصار موجودا بعد العدم وحيا بعد الموت ، وناطقا بعد البكم ، وبصيرا بعد العمى ، وقويا بعد الضعف ، وعالما بعد الجهل ، ومهتديا بعد الضلالة ، وقادرا بعد العجز ، وغنيا بعد الفقر ، فكان في ذاته لا شيء ، وأي شيء
__________________
(١) سورة الدهر : ١ ـ ٢.
(٢) سورة يس : ٧٧.
(٣) سورة الروم : ٢٠.
أخس من لا شيء ، وأي قلة أقل من العدم المحض ، ثم صار بالله شيئا وإنما خلقه من التراب الذليل ، والنطفة القذرة بعد العدم المحض ، ليعرف خسة ذاته فيعرف به نفسه ، وإنما أكمل النعمة عليه ليعرف بها ربه ، ويعلم بها عظمته وجلاله ، وأنه لا يليق الكبرياء إلا به ، ولذلك امتن عليه فقال تعالى : «أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ »(١) وعرف خسته أولا فقال : «أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ثُمَّ كانَ عَلَقَةً »(٢) ثم ذكر مننه فقال : «فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى » ليدوم وجوده بالتناسل كما حصل وجوده ابتداء بالاختراع ، فمن كان هذا بدؤه وهذه أحواله فمن أين له البطر والكبرياء والفخر والخيلاء ، وهو على التحقيق أخس الأخساء وأضعف الضعفاء ، نعم لو أكمله وفوض إليه أمره وأدام له الوجود باختياره لجاز أن يطفئ وينسى المبدأ والمنتهى ، ولكنه سلط عليه في دوام وجوده الأمراض الهائلة والأسقام العظيمة ، والآفات المختلفة ، والطبائع المتضادة من المرة والبلغم ، والريح والدم ، ليهدم البعض من أجزائه البعض ، شاء أم أبي ، رضي أم سخط ، فيجوع كرها ويعطش كرها ويمرض كرها ويموت كرها ، لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولا خيرا ولا شرا يريد أن يعلم الشيء فيجهله ، ويريد أن يذكر الشيء فينساه ، ويريد أن ينسى الشيء فيغفل عنه فلا يغفل ، ويريد أن ينصرف قلبه إلى ما يهمه فيجول في أودية الوسواس والأفكار بالاضطرار ، فلا يملك قلبه قلبه ولا نفسه نفسه ، يشتهي الشيء وربما يكون هلاكه فيه ، ويكره الشيء وتكون حياته فيه ، يستلذ الأطعمة فتهلكه وترديه ، ويستبشع الأدوية وهي تنفعه وتحييه ، لا يأمن في لحظة من ليله ونهاره أن يسلب سمعه وبصره وعلمه وقدرته ، وتفلج أعضاؤه ، ويختلس عقله ، ويختطف روحه ، ويسلب
__________________
(١) سورة البلد : ٨ ـ ٩.
(٢) سورة القيامة : ٣٨.
جميع ما يهواه في دنياه ، وهو مضطر ذليل ، إن ترك ما بقي وإن اختطف فنى ، عبد مملوك لا يقدر على شيء من نفسه ، ولا من غيره.
فأي شيء أذل منه لو عرف نفسه ، وأنى يليق الكبر به لو لا جهله ، فهذا أوسط أحواله فليتأمله.
وأما آخره ومورده فهو الموت المشار إليه بقوله تعالى : «ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ ، ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ » ومعناه أنه يسلب روحه وسمعه وبصره وعلمه وقدرته وحسه وإدراكه وحركته ، فيعود جمادا كما كان أول مرة ، لا تبقى إلا شكل أعضائه وصورته ، لا حس فيه ولا حركة ، ثم يوضع في التراب فيصير جيفة منتنة قذرة كما كان في الأول نطفة قذرة ثم تبلى أعضاؤه وصورته وتفتت أجزائه وتنخر عظامه فتصير رميما ورفاتا ، وتأكل الدود أجزاءه فيبتدئ بحدقتيه فيقلعهما ، وبخديه فيقطعهما ، وبسائر أجزائه فتصير روثا في أجواف الديدان ، وتكون جيفة تهرب منه الحيوان ، ويستقذره كل إنسان ، ويهرب منه لشدة الإنتان ، وأحسن أحواله أن يعود إلى ما كان فيصير ترابا يعمل منه الكيزان ، أو يعمر به البنيان ويصير مفقودا بعد ما كان موجودا ، وصار كان لم يغن بالأمس حصيدا كما كان أول مرة أمدا مديدا ، وليته بقي كذلك فما أحسنه لو تركه ترابا لا بل يحييه بعد طول البلى ليقاسى شدائد البلاء ، فيخرج من قبره بعد جمع أجزائه المتفرقة ، ويخرج إلى أحوال القيامة فينظر إلى قيامة قائمة وسماء ممزقة مشققة وأرض مبدلة وجبال مسيرة ، ونجوم منكدرة وشمس منكسفة وأحوال مظلمة وملائكة غلاظ شداد ، وجحيم تزفر ، وجنة ينظر إليه المجرم فيتحسر ويرى صحائف منشورة ، فيقال له : اقرأ كتابك ، فيقول وما هو؟ فيقال : كان قد وكل بك في حياتك التي كنت تفرح بها وتتكبر بنعيمها ، وتفتخر بأسبابها ملكان رقيبان يكتبان عليك ما تنطق به أو
تعمله ، من قليل وكثير ونقير وقطمير ، وأكل وشرب وقيام وقعود ، وقد نسيت ذلك وأحصاه الله فهلم إلى الحساب واستعد للجواب أو يساق إلى دار العذاب ، فيتقطع قلبه هول هذا الخطاب من قبل أن ينشر الصحف ويشاهد ما فيها من مخازيه ، فإذا شاهدها قال : «يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصاها »(١) .
فهذا آخر أمره ، وهو معنى قوله عز وجل : «ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ » فما لمن هذه حاله والتكبر ، بل ماله وللفرح في لحظة فضلا عن البطر والتجبر فقد ظهر له أول حاله ووسطه ، ولو ظهر آخره والعياذ بالله ربما اختار أن يكون كلبا وخنزيرا ليصير مع البهائم ترابا ، ولا يكون إنسانا يسمع خطابا ، ويلقى عذابا وإن كان عند الله مستحقا للنار ، فالخنزير أشرف منه وأطيب وأرفع إذ أوله التراب وآخره التراب ، وهو بمعزل عن الحساب والعذاب ، والكلب والخنزير لا يهرب منه الخلق ولو رأى أهل الدنيا العبد المذنب في النار لصعقوا من وحشة خلقته ، وقبح صورته ولو وجدوا ريحه لماتوا من نتنه ، ولو وقعت قطرة من شرابه الذي يسقاه في بحار الدنيا لصارت أنتن من الجيف.
فمن هذا حاله في العاقبة إلا أن يعفى عنه وهو على شك من العفو فكيف يتكبر ، وكيف يرى نفسه شيئا حتى يعتقد لها فضلا ، وأي عبد لم يذنب ذنبا استحق به العقوبة إلا أن يعفو الكريم بفضله ، أرأيت من جنى على بعض الملوك بما استحق به ألف سوط فحبس في السجن وهو منتظر أن يخرج إلى العرض ويقام عليه العقوبة على بلاء من الخلق ، وليس يدري أيعفى عنه أم لا ، كيف يكون ذلة في السجن أفترى أنه يتكبر على من معه في السجن وما من عبد مذنب إلا والدنيا
__________________
(١) سورة الكهف : ٤٩.
سجنه ، وقد استحق العقوبة من الله تعالى ، ولا يدري كيف يكون أمره فيكفيه ذلك حزنا وخوفا وإشفاقا ومهانة وذلا فهذا هو العلاج العلمي القاطع لأصل الكبر.
وأما العلاج العملي فهو التواضع بالفعل لله تعالى ولسائر الخلق بالمواظبة على أخلاق المتواضعين ، وما وصل إليه من أحوال الصالحين ، ومن أحوال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حتى أنه كان يأكل على الأرض ويقول إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد ، وقيل لسلمان : لم لا تلبس ثوبا جيدا؟ فقال : إنما أنا عبد فإذا أعتقت يوما لبست ، أشار به إلى العتق في الآخرة ولا يتم التواضع بعد المعرفة إلا بالعمل ، فمن عرف نفسه فلينظر كل ما يتقاضاه الكبر من الأفعال ، فليواظب على نقيضها حتى يصير التواضع له خلقا ، وقد ورد في الأخبار الكثيرة علاج الكبر بالأعمال وبيان أخلاق المتواضعين.
قيل : اعلم أن التكبر يظهر في شمائل الرجل كصعر في وجهه ونظره شزرا وإطراقه رأسه ، وجلوسه متربعا ومتكئا ، وفي أقواله حتى في صوته ونغمته وصفته في الإيراد ويظهر في مشيته وتبختره وقيامه وجلوسه وفي حركاته وسكناته ، وفي تعاطيه ولأفعاله وسائر تقلباته في أحواله وأعماله ، فمن المتكبرين من يجمع ذلك كله ، ومنهم من يتكبر في بعض.
فمنها : التكبر بأن يحب قيام الناس له أو بين يديه ، وقد قال علي صلوات الله عليه : من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى رجل قاعد وبين يديه قوم قيام ، وقال أنس : لم يكن شخص أحب إليهم من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وكانوا إذا رأوه لا يقومون له لما يعلمون من كراهته لذلك.
ومنها : أن لا يمشي إلا ومعه غيره يمشي خلفه ، قال أبو الدرداء : لا يزال
العبد يزداد من الله بعدا ما مشى خلفه ، وكان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في بعض الأوقات يمشي مع الأصحاب فيأمرهم بالتقدم ويمشي في غمارهم.
ومنها : أن لا يزور غيره وإن كان يحصل من زيارته خير لغيره في الدين ، وهو ضد التواضع.
ومنها : أن يستنكف من جلوس غيره بالقرب منه إلا أن يجلس بين يديه ، والتواضع خلافه ، قال أنس : كانت الوليدة من ولائد المدينة تأخذ بيد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ولا ينزع يده منها حتى تذهب به حيث شاءت.
ومنها : أن يتوقى مجالسته المرضى والمعلولين ويتحاشى عنهم وهو كبر ، دخل رجل على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعليه جدري قد يقشر وعنده أصحابه يأكلون فما جلس عند أحد إلا قام من جنبه فأجلسه النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بجنبه.
ومنها : أن لا يتعاطى بيده شغلا في بيته ، والتواضع خلافه.
ومنها : أن لا يأخذ متاعا ويحمله إلى بيته ، وهذا خلاف عادة المتواضعين ، كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يفعل ذلك ، وقال عليعليهالسلام : لا ينقص الرجل من كماله ما حمل من شيء إلى عياله ، وقال بعضهم : رأيت عليا اشترى لحما بدراهم فحمله في ملحفته ، فقال : أحمل عنك يا أمير المؤمنين! قال : لا أبو العيال أحق أن يحمل.
ومنها : اللباس إذ يظهر به التكبر والتواضع ، وقد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : البذاذة من الإيمان ، قيل : هي الدون من الثياب ، وعوتب عليعليهالسلام في إزار مرقوع فقال : يقتدي به المؤمن ويخشع له القلب ، وقال عيسىعليهالسلام : جودة الثياب خيلاء القلب ، وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من ترك زينة لله ووضع ثيابا حسنة تواضعا لله وابتغاء وجهه كان حقا على الله أن يدخر له عبقري الجنة.
فإن قلت : فقد قال عيسىعليهالسلام : جودة الثياب خيلاء القلب ، وقد سئل نبينا
صلىاللهعليهوآلهوسلم عن الجمال في الثياب هل هو من الكبر؟ فقال : لا ولكن الكبر من سفه الحق وغمص الناس ، فكيف طريق الجمع بينهما؟
فاعلم أن الثوب الجيد ليس من ضرورته أن يكون من التكبر في حق كل أحد في كل حال ، وهو الذي أشار إليه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهو الذي عرفه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من حال ثابت بن قيس إذ قال إني امرؤ حبب إلى الجمال ما ترى؟ فعرفه أن ميلة إلى النظافة وجودة الثياب لا ليتكبر على غيره ، فإنه ليس من ضرورته أن يكون من الكبر ، وقد يكون ذلك من الكبر كما أن الرضا بالثوب الدون قد يكون من التواضع ، فإذا انقسمت الأحوال نزل قول عيسىعليهالسلام على بعض الأحوال ، على أن قوله : خيلاء القلب يعني قد يورث خيلاء في القلب ، وقول نبيناصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه ليس من الكبر يعني أن الكبر لا يوجبه ويجوز أن لا يوجبه الكبر ، ثم يكون هو مورثا للكبر.
وبالجملة فالأحوال تختلف في مثل هذا ، والمحمود الوسط من اللباس الذي لا يوجب شهرة بالجودة ولا بالرذالة ، وقد قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : كلوا واشربوا وألبسوا وتصدقوا في غير سرف ولا مخيلة ، إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده ، وقال بكر بن عبد الله المزني : ألبسوا ثياب الملوك وأميتوا قلوبكم بالخشية ، وإنما خاطب بهذا قوما يطلبون التكبر بثياب أهل الصلاح ، وقال عيسىعليهالسلام : ما لكم تأتوني وعليكم ثياب الرهبان ، وقلوبكم قلوب الذئاب الضواري ، ألبسوا ثياب الملوك وألينوا قلوبكم بالخشية.
ومنها : أن يتواضع بالاحتمال إذا سب وأوذي وأخذ حقه فذلك هو الأفضل.
وبالجملة فمجامع حسن الأخلاق والتواضع سيرة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ينبغي أن يقتدى ، ومنه ينبغي أن يتعلم ، وقد قال ابن أبي سلمة قلت لأبي سعيد الخدري
ما ترى فيما أحدث الناس من الملبس والمشرب والمركب والمطعم؟ فقال : يا ابن أخي كل لله وأشرب لله ، وكل شيء من ذلك دخله زهوا(١) ومباهاة أو رياء وسمعة فهو معصية وسرف ، وعالج في بيتك من الخدمة ما كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يعالج في بيته ، كان يعلف الناضح(٢) ويعقل البعير ويقم البيت(٣) ويحلب الشاة ، ويخصف النعل ويرقع الثوب ويأكل مع خادمه ويطحن عنه إذا أعيى ، ويشتري الشيء من السوق ولا يمنعه الحياء أن يعلقه بيده أو يجعله في طرف ثوبه ، فينقلب إلى أهله ، يصافح الغني والفقير والصغير والكبير ، ويسلم مبتدئا على كل من استقبله من صغير أو كبير ، أسود أو أحمر حر أو عبد من أهل الصلاة ، ليست له حلة لمدخله وحلة لمخرجه ، لا يستحيي من أن يجيب إذا دعي ، وإن كان أشعث أغبر ، ولا يحقر ما دعي إليه وإن لم يجد إلا حشف الدقل(٤) لا يرفع غداءا لعشاء ، ولا عشاء لغداء ، هين المؤنة ، لين الخلق ، كريم الطبيعة ، جميل المعاشرة ، طلق الوجه ، بساما من غير ضحك ، محزونا من غير عبوس ، شديدا في غير عنف ، متواضعا من غير مذلة ، جوادا من غير سرف ، رحيما بكل ذي قربى ، قريبا من كل ذمي ومسلم ، رقيق القلب ، دائم الإطراق لم يبشم قط من شبع(٥) ولا يمد يده إلى طمع.
قال أبو سلمة : فدخلت على عائشة فحدثتها كل هذا عن أبي سعيد فقالت : ما أخطأ فيه حرفا ، ولقد قصر إذ ما أخبرك أن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يمتلئ قط شبعا ، ولم يبث إلى أحد شكوى ، وأن كانت الفاقة أحب إليه من اليسار والغني ،
__________________
(١) الزهر : الفخر والكبر.
(٢) الناضح : البعير يستقى عليه.
(٣) قم البيت : كنسه.
(٤) الحشف : اردء التمر أو اليابس الفاسد منه ، والدقل أيضا بمعناه.
(٥) بشم من الطعام : أتخم.
٢ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن الحسين بن أبي العلاء ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال سمعته يقول الكبر قد يكون في شرار
وأن كان ليظل جائعا ليتلوى ليلته حتى يصبح ، فما يمنعه ذلك عن صيام يومه ، ولو شاء أن يسأل ربه فيؤتى كنوز الأرض وثمارها ورغد عيشها من مشارقها ومغاربها لفعل ، وربما بكيت رحمة له مما أوتي من الجوع فأمسح بطنه بيدي فأقول : نفسي لك الفداء لو تبلغت من الدنيا بقدر ما يقوتك ، ويمنعك من الجوع؟ فيقول : يا عائشة إخواني من أولي العزم من الرسل قد صبروا على ما هو أشد من هذا فمضوا على حالهم فقدموا على ربهم فأكرم ما بهم وأجزل ثوابهم ، فأجدني أستحيي أن ترفهت في معيشتي أن يقصرني دونهم ، فاصبر أياما يسيرة أحب إلى من أن ينقص حظي غدا في الآخرة ، وما من شيء أحب إلى من اللحوق بإخواني وأخلائي ، فقالت عائشة : فو الله ما استكمل بعد ذلك جمعة حتى قبضه الله تعالى.
فما نقل من أخلاقهصلىاللهعليهوآلهوسلم يجمع جملة أخلاق المتواضعين ، فمن طلب التواضع فليقتد به ، ومن رأى نفسه فوق محلهصلىاللهعليهوآلهوسلم ولم يرض لنفسه بما رضي هو به فما أشد جهله ، فلقد كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أعظم خلق الله تعالى منصبا في الدنيا والدين ، فلا عزة ولا رفعة إلا في الاقتداء به ، ولذلك لما عوتب بعض الصحابة في بذاذة هيئته قال : إنا قوم أعزنا الله تعالى بالإسلام فلا نطلب العز في غيره.
الحديث الثاني : حسن كالصحيح.
قوله عليهالسلام : قد يكون ، أقول : يحتمل أن يكون قد للتحقيق وإن كان في المضارع قليلا كما قيل في قوله تعالى : «قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ »(١) قال الزمخشري : دخل قد لتوكيد العلم ، ويرجع ذلك إلى توكيد الوعيد ، وقيل : هو للتقليل باعتبار قيد من كل جنس ،وقوله : من كل جنس ، أي من كل صنف من أصناف الناس و
__________________
(١) سورة النور : ٦٤.
الناس من كل جنس والكبر رداء الله فمن نازع الله عز وجل رداءه لم يزده الله إلا سفالا إن رسول اللهصلىاللهعليهوآله مر في بعض طرق المدينة وسوداء تلقط السرقين
إن كان دنيا أو من كل جنس من أجناس سبب التكبر من الأسباب التي أشرنا إليها سابقا والأول أظهر كما يومئ إليه قصة السوداء« والكبر رداء الله » قال في النهاية في الحديث قال الله تبارك وتعالى : العظمة إزاري والكبرياء ردائي ، ضرب الإزار والرداء مثلا في انفراده بصفة العظمة والكبرياء ، أي ليستا كسائر الصفات التي قد يتصف بها الخلق مجازا كالرحمة والكرم وغيرهما ، وشبههما بالإزار والرداء لأن المتصف بهما يشملانه كما يشمل الرداء الإنسان ، ولأنه لا يشاركه في إزاره وردائه أحد ، فكذلك الله لا ينبغي أن يشركه فيهما أحد ، ومثله الحديث الآخر تأزر بالعظمة وتردى بالكبرياء وتسربل بالعز ، انتهى.
قال بعض شراح صحيح مسلم : الإزار الثوب الذي يشد على الوسط ، والرداء الذي يمد على الكتفين ، وقال محيي الدين : وهما لباس ، واللباس من خواص الأجسام ، وهو سبحانه ليس بجسم ، فهما استعارة للصفة التي هي العزة والعظمة ، ووجه الاستعارة أن هذين الثوبين لما كانا مختصين بالناس ولا يستغني عنهما ولا يقبلان الشركة وهما جمال عبر عن العز بالرداء ، وعن الكبر بالإزار ، على وجه الاستعارة المعروفة عند العرب ، كما يقال : فلان شعاره الزهد ، ودثاره التقوى لا يريدون الثوب الذي هو شعار ودثار ، بل صفة الزهد ، كما يقولون : فلان غمر الرداء واسع العطية ، فاستعاروا لفظ الرداء للعطية ، انتهى.
« لم يزده الله إلا سفالا » أي في أعين الخلق مطلقا غالبا على خلاف مقصوده كما سيأتي ، وفي أعين العارفين والصالحين أو في القيامة كما سيأتي أنهم يجعلون في صور الذر« تلقط » كننصر أو على بناء التفعل بحذف إحدى التائين ، في القاموس : لقطه أخذه من الأرض كالتقطه وتلقطه ، التقطه من هيهنا وهيهنا وقال : السرجين
فقيل لها تنحي عن طريق رسول الله فقالت إن الطريق لمعرض فهم بها بعض
والسرقين بكسرهما الزبل معربا سرگين بالفتح « فقيل لها :تنحى » بالتاء والنون والحاء المشددة كلها مفتوحة والياء الساكنة ، أمر الحاضرة من باب التفعل ، أي ابعدي« لمعرض » على بناء المفعول من الأفعال أو التفعيل ، وقد يقرأ على بناء الفاعل من الأفعال فعلى الأولين من قولهم أعرضت الشيء وعرضته أي جعلته عريضا ، وعلى الثالث من قولهم عرضت الشيء أي أظهرته ، فأعرض أي ظهر ، وهو من النوادر.
« فهم بها » أي قصدها« أن يتناولها » أي يأخذها فينحيها قسرا عن طريقهصلىاللهعليهوآلهوسلم أو يشتمها من قولهم : نال من عرضه أي شتمه ، والأول أظهر« فإنها جبارة » أي متكبرة ، وذلك خلقها لا يمكنها تركه ، أو إذا قهرتموها يظهر منها أكثر من ذلك من البذاء والفحش ، قال في النهاية فيه : أنه أمر امرأة فتأبت فقال : دعوها فإنها جبارة ، أي متكبرة عاتية ، وقال الراغب : أصل الجبر إصلاح الشيء بضرب من القهر وتجبر ، يقال إما لتصور معنى الاجتهاد ، أو للمبالغة أو لمعنى التكلف ، والجبار في صفة الإنسان يقال : لمن يجبر نقيصته بادعاء منزلة من التعالي لا يستحقها ، وهذا لا يقال إلا على طريق الذم كقوله تعالى : «وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ »(١) «وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا »(٢) «إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ »(٣) «كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ »(٤) أي متعال عن قبول الحق والإذعان له ، وأما في وصفه تعالى « نحو «الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ »(٥) فقد قيل : سمي بذلك من قولهم
__________________
(١) سورة إبراهيم : ١٥.
(٢) سورة مريم : ٣٢.
(٣) سورة المائدة : ٢٢.
(٤) سورة غافر : ٣٥.
(٥) سورة الحشر : ٢٣.
القوم أن يتناولها فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله دعوها فإنها جبارة.
٣ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن أبي عبد الله ، عن عثمان بن عيسى ، عن العلاء بن الفضيل ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال أبو جعفرعليهالسلام العز رداء الله
جبرت الفقير لأنه هو الذي يجبر الناس بفائض نعمه ، وقيل : لأنه يجبر الناس أي يقهرهم على ما يريده ، ودفع بعض أهل اللغة ذلك من حيث اللفظ فقال : لا يقال من أفعلت فعال ، فجبار لا يبني من أجبرت ، فأجيب عنه بأن ذلك من لفظ الجبر المروي في قوله لا جبر ولا تفويض لا من الإجبار ، وأنكر جماعة من المعتزلة ذلك من حيث المعنى ، فقالوا : تعالى الله عن ذلك وليس ذلك بمنكر ، فإن الله تعالى قد أجبر الناس على أشياء لا انفكاك لهم منها حسب ما تقتضيه الحكمة الإلهية ، لا على ما يتوهمه الغواة الجهلة ، وذلك لإكراههم على المرض والموت والبعث وسخر كلا منهم بصناعة يتعاطاها ، وطريقة من الأخلاق والأعمال يتحراها ، وجعله مجبرا في صورة مخير فإما راض بصنعته لا يريد عنها حولا ، وإما كاره لها يكابدها مع كراهته لها ، كأنه لا يجد عنها بدلا ، ولذلك قال : «فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ »(١) وقال تعالى : «نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا »(٢) وعلى هذا الحد وصف بالقاهر ، وهو لا يقهر إلا على ما تقتضي الحكمة أن يقهر عليه.
الحديث الثالث : موثق.
وقيل في علة تشبيهالعز بالرداء والكبر بالإزار أن العزة أمر إضافي كما قيل هي الامتناع من أن ينال ، وقيل : هي الصفة التي تقتضي عدم وجود مثل الموصوف بها ، وقيل : هي الغلبة على الغير والأمر الإضافي أمر ظاهر ، والرداء من الأثواب
__________________
(١) سورة الروم : ٣٢.
(٢) سورة الرخرف : ٣٢.
والكبر إزاره فمن تناول شيئا منه أكبه الله في جهنم.
٤ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن ابن فضال ، عن ثعلبة
الظاهرة فبينهما مناسبة من جهة الظهور ، والكبر بمعنى العظمة وهي صفة حقيقية إذ العظيم قد يتعاظم في نفسه من غير ملاحظة الغير ، فهي أخفى من العزة ، والإزار ثوب خفي لأنه يستر غالبا بغيره فبينهما مناسبة من هذه الجهة.
أقول : ويحتمل أن يراد بالعز إظهار العظمة وبالكبر نفسها ، أو بالعز ما يصل إليه عقول الخلق من كبريائه وبالكبر ما عجز الخلق عن إدراكه ، أو بالعز ما كان بسبب صفاته العلية وبالكبر ما كان بحسب ذاته المقدسة ، والمناسبة على كل من الوجوه ظاهرة« فمن تناول » أي تصرف وأخذ« شيئا منه » الضمير راجع إلى كل من العز والكبر ، والغالب فيأكب مطاوع كب يقال كبه فأكب ، وقد يستعمل الكب أيضا متعديا ، في القاموس : كبه قلبه وصرعه كأكبه وكبكبه فأكب ، وهو لازم متعد ، وفي المصباح : كببت زيدا كبا ألقيته على وجهه فأكب هو ، وهو من النوادر التي تعدى ثلاثيها ، وقصر رباعيها ، وفي التنزيل : «فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ »(١) «أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ »(٢) .
الحديث الرابع : مجهول والظاهر أنه من معمر بن عمر عن عطاء كما يظهر من كتب الرجال.
وقال بعض المحققين : الإنسان مركب من جوهرين أحدهما أعظم من الآخر ، وهو الروح التي من أمر الرب ، وبينها وبين الرب قرب تام ، لو لا عنان العبودية لقال كل أحد أنا ربكم الأعلى ، فكل أحد يحب الربوبية ولكن يدفعها عن نفسه بالإقرار بالعبودية ، ويطلب باعتبار الجوهر الآخر المركوز فيه القوة الشهوية والغضبية آثار الربوبية وخواصها ، وهي أن يكون فوق كل شيء وأعلى رتبة منه ويغفل عن أن هذا في الحقيقة دعوى الربوبية ، وكذلك كل صفة من الصفات
__________________
(١) سورة النمل : ٩٠.
(٢) سورة الملك : ٢٢.
عن معمر بن عمر بن عطاء ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال الكبر رداء الله والمتكبر ينازع الله رداءه.
٥ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن محمد بن علي ، عن أبي جميلة ، عن ليث المرادي ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال الكبر رداء الله فمن نازع الله شيئا من ذلك أكبه الله في النار.
٦ ـ عنه ، عن أبيه ، عن القاسم بن عروة ، عن عبد الله بن بكير ، عن زرارة ، عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهالسلام قالا لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة
الرذيلة تتولد من ادعاء آثار الربوبية ، كالغضب والحسد والحقد والرياء والعجب فإن الغضب من جهة الاستيلاء اللازم للربوبية ، والحسد من جهة أنه يكره أن يكون أحد أفضل منه في الدين والدنيا ، وهو أيضا من لوازمها ، والحقد يتولد من احتقان الغضب في الباطن ، والرياء من جهة أنه يريد ثناء الخلق ، والعجب من جهة أنه يرى ذاته كاملة ، وكل ذلك من آثار الربوبية. وقس عليه سائر الرذائل ، فإنك إن فتشتها وجدتها مبنية على ادعاء الربوبية والترفع.
الحديث الخامس : ضعيف.
« شيئا من ذلك » أي في شيء من الكبر.
الحديث السادس : مجهول.
وفي النهاية :الذر : النمل الأحمر الصغير واحدتها ذرة ، وسئل تغلب عنها فقال : إن مائة نملة وزن حبة ، والذرة واحدة منها ، وقيل : الذرة ليس لها وزن ويراد بها ما يرى في شعاع الشمس الداخل في النافذة ، وقال : فيه : لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر ، يعني كبر الكفر والشرك ، كقوله تعالى : «إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ »(١) ألا ترى أنه قابله في
__________________
(١) سورة غافر : ٦٠.
من كبر.
٧ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن أبي أيوب ، عن محمد بن مسلم ، عن أحدهماعليهماالسلام قال لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من الكبر قال فاسترجعت فقال ما لك تسترجع قلت لما سمعت منك فقال ليس حيث تذهب إنما أعني الجحود إنما هو الجحود.
نقيضه بالإيمان ، فقال : ولا يدخل النار من في قلبه مثل ذلك من الإيمان ، أراد دخول تأبيد ، وقيل : أراد إذا دخل الجنة نزع ما في قلبه من الكبر ، كقوله : «وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ » انتهى.
وأقول : التأويل الأول حسن وموافق لما في الخبر الآتي ، وأما الثاني فلا يخفى بعده ، لأن المقصود ذم التكبر وتحذيره لا تبشيره برفع الإثم عنه ، ولذا حمله بعضهم على المستحل أو عدم الدخول ابتداء بل بعد المجازاة وما في الخبر أصوب.
الحديث السابع : صحيح.
« فاسترجعت » يقال : أرجع ورجع واسترجع في المصيبة قال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، كما في القاموس ، وإنما قال ذلك لأنه استشعر بالهلاك واستحقاق دخول النار بحمل الكلام على ظاهره ، لأنه كان متصفا ببعض الكبر« إنما هو الجحود » أي المراد بالكبر إنكار الله سبحانه أو إنكار أنبيائه أو حججهعليهمالسلام ، والاستكبار عن إطاعتهم وقبول أوامرهم ونواهيهم مثل تكبر إبليس لعنه الله فإنه لما كان مقرونا بالجحود والإباء عن طاعة الله تعالى والاستصغار لأمره ، كما دل عليه قوله : «لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ » وقوله «أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً » كان سببا لكفره ، والكفر يوجب الحرمان من الجنة أبدا ، وهذا أحد التأويلات للروايات الدالة على أن صاحب الكبر لا يدخل الجنة كما عرفت. وكان المقصود أن هذا الوعيد مختص بكبر الجحود لا أن غيره لا يتعلق به الوعيد مطلقا والتكرير للتأكيد.
٨ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن ابن فضال ، عن علي بن عقبة ، عن أيوب بن الحر ، عن عبد الأعلى ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال الكبر أن تغمص الناس وتسفه الحق.
٩ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن سيف بن عميرة ، عن عبد الأعلى بن أعين قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله :
الحديث الثامن : مجهول كالحسن.
« أن تغمص الناس » أي تحقرهم ، والمراد إما مطلق الناس أو الحجج أو الأئمةعليهمالسلام كما ورد في الأخبار أنهم الناس ، كما قال تعالى : «ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ »(١) في القاموس : غمصه كضرب وسمع احتقره كاغتمصه وعابه ، وتهاون بحقه والنعمة لم يشكرها ، وقال :سفه نفسه ورأيه مثلثة حمله على السفه أو نسبه إليه أو أهلكه ، وسفه كفرح وكرم علينا جهل ، وسفهه تسفيها جعله سفيها كسفهه كعلمه أو نسبه إليه ، وسفه صاحبه كنصر غلبه في المسافهة ، وفي النهاية : فيه إنما ذلك من سفه الحق وغمص الناس ، أي احتقرهم ولم يرهم شيئا ، تقول : منه غمص الناس يغمصهم غمصا ، وقال فيه : إنما البغي من سفه الحق أي من جهله ، وقيل : جهل نفسه ولم يفكر فيها ، ورواه الزمخشري من سفه الحق على أنه اسم مضاف إلى الحق ، وقال وفيه وجهان : أحدهما أن يكون على حذف الجار وإيصال الفعل كان الأصل سفه على الحق ، والثاني : أن يضمن معنى فعل متعد كجهل ، والمعنى الاستخفاف بالحق وأن لا يراه على ما هو عليه من الرجحان والرزانة ، وقال أيضا فيه : ولكن الكبر من بطر الحق أي ذو الكبر ، أو كبر من بطر كقوله تعالى : «وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى »(٢) وهو أن يجعل ما جعله حقا من توحيده وعبادته باطلا ، وقيل : هو أن يتجبر عند الحق فلا يراه حقا ، وقيل : هو أن يتكبر عن الحق فلا يقبله.
الحديث التاسع : كالسابق سندا ومضمونا.
__________________
(١) سورة البقرة : ١٩٩.
(٢) سورة البقرة : ١٨٩.
إن أعظم الكبر غمص الخلق وسفه الحق قال قلت وما غمص الخلق وسفه الحق قال يجهل الحق ويطعن على أهله فمن فعل ذلك فقد نازع الله عز وجل رداءه.
١٠ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن ابن بكير ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال إن في جهنم لواديا للمتكبرين يقال له سقر شكا إلى الله
« قال : يجهل الحق » النشر على خلاف ترتيب اللف ، وكان المراد بالخلق هنا أيضا أهل الحق وأئمة الدين كالناس في الخبر السابق ، والجملتان متلازمتان فإن جهل الحق أي عدم الإذعان به وإنكاره تكبرا يستلزم الطعن على أهله وتحقيرهم وهما لازمتان للجحود ، فالتفاسير كلها ترجع إلى واحد.
« فمن فعل ذلك فقد نازع الله » قيل : فإن قلت : الغمص والسفه بالتفسير المذكور ليسا من صفات الله تعالى وردائه ، فكيف نازعه في ذلك؟ قلت : الغمص والسفه أثر من آثار الكبر ، ففاعل ذلك ينازع الله من حيث الملزوم ، على أنه لا يبعد أن يراد بهما الملزوم مجازا وهو الكبر البالغ إلى هذه المرتبة.
وأقول : يحتمل أن يكون المنازعة من حيث أنه إذا لم يقبل إمامة أئمة الحق ونصب غيرهم لذلك ، فقد نازع الله في نصب الإمام وبيان الحق وهما مختصان به ، كما أطلق لفظ المشرك في كثير من الأخبار على من فعل ذلك.
الحديث العاشر : حسن موثق كالصحيح.
وفي القاموسالوادي مفرج بين جبال أو تلال أو آكام ، وأقول : ذلك إشارة إلى قوله تعالى : «تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ »(١) وقال بعد ذكر المشركين : «فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ »(٢) وقال سبحانه بعد ذكر الكفار ودخولهم النار : «فَبِئْسَ
__________________
(١) سورة الزمر : ٦٠.
(٢) سورة النحل : ٢٩.
عز وجل شدة حره وسأله أن يأذن له أن يتنفس فتنفس فأحرق جهنم.
١١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن سنان ، عن داود بن فرقد ، عن أخيه قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول إن المتكبرين يجعلون في صور الذر يتوطأهم الناس حتى يفرغ الله من الحساب.
مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ »(١) في موضعين ، وإلى قوله عز وجل : «ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ » إلى قوله «كُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ »(٢) وإلى قوله بعد ذكر المكذبين بالنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وبالقرآن «سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ، وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ ، لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ ، لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ »(٣) وقال في النهاية :سقر اسم أعجمي لنار الآخرة ، ولا ينصرف للعجمة والتعريف ، وقيل : هو من قولهم سقرته الشمس إذابته ، فلا ينصرف للتأنيث والتعريف.
وأقول : يظهر من الآيات أن المراد بالمتكبرين في الخبر من تكبر على الله ولم يؤمن به وبأنبيائه وحججهعليهمالسلام ، والشكاية والسؤال إما بلسان الحال أو المقال منه بإيجاد الله الروح فيه ، أو من الملائكة الموكلين به ، والإسناد على المجاز وكان المراد بتنفسه خروج لهب منه ، وبإحراق جهنم تسخينها أشد مما كان لها أو إعدامها أو جعلها رمادا فأعادها الله تعالى كما كانت.
الحديث الحادي عشر : ضعيف على المشهور أو مجهول لجهالة إخوة زيد كلهم ، ويدل على أنه يمكن أن يخلق الإنسان يوم القيامة أصغر مما كان مع بقاء الأجزاء الأصلية أو بعضها فيه ، ثم يضاف إليه سائر الأجزاء فيكبر ، إذ يبعد التكاثف إلى هذا الحد ، ويمكن أن يكون المراد أنهم يخلقون كبارا بهذه الصورة فإنها أحقر الصور في الدنيا معاملة معهم بنقيض مقصودهم ، أو يكون المراد بالصورة الصفة أي يطأهم الناس كما يطأون الذر في الدنيا ، وفي بعض أخبار العامة يحشر المتكبرون أمثال الذر في صورة الرجال ، وقال بعض شراحهم : أي يحشرهم أذلاء يطأهم الناس
__________________
(١) سورة الزمر : ٧٢. وسورة غافر : ٧٦.
(٢) سورة المدّثّر : ٤٢ ـ ٤٧.
(٣) سورة المدّثّر : ٢٦ ـ ٢٩.
١٢ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن غير واحد ، عن علي بن أسباط ، عن عمه يعقوب بن سالم ، عن عبد الأعلى ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قلت له ما الكبر فقال أعظم الكبر أن تسفه الحق وتغمص الناس قلت وما سفه الحق قال يجهل الحق ويطعن على أهله.
١٣ ـ عنه ، عن يعقوب بن يزيد ، عن محمد بن عمر بن يزيد ، عن أبيه قال قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام إنني آكل الطعام الطيب وأشم الريح الطيبة وأركب الدابة
بأرجلهم بدليل أن الأجساد تعاد على ما كانت عليه من الأجزاء عن(١) لا يعاد منهم ما انفصل عنهم من الغلفة وقرينة المجاز قوله : في صورة الرجال ، وقال بعضهم : يعني أن صورهم صور الإنسان وجثتهم كجثة الذر في الصغر وهذا أنسب بالسياق لأنهم شبهوا بالذر ، ووجه الشبه إما صغر الجثة أو الحقارة ، وقوله : في صور الرجال بيان للوجه ، وحديث : الأجساد تعاد على ما كانت عليه لا ينافيه ، لأنه قادر على إعادة تلك الأجزاء الأصلية في مثل الذر.
الحديث الثاني عشر : مرسل كالحسن.
« فقال : ما تسفه (٢) الحق » أي ما معنى هذه الجملة؟ ويمكن أن يقرأ بصيغة المصدر من باب التفعل وكأنه سأل عن الجملتين معا واكتفى بذكر إحداهما ، أي إلى آخر الكلام بقرينة الجواب ، أو كان غرضه السؤال عن الأولى فذكرعليهالسلام الثانية أيضا لتلازمهما أو لعلمه بعدم فهم الثانية أيضا.
الحديث الثالث عشر : مجهول.
وفي النهايةدابة فارهة أي نشيطة حادة قوية ، انتهى.
وكان السائل إنما سأل عن هذه الأشياء لأنها سيرة المتكبرين لتفرعها على الكبر ، أو كون الكبر سبب ارتكابها غالبا فأجابعليهالسلام ببيان معنى التكبر
__________________
(١) كذا في النسخ ، ولم اقف على ما نقله في كتبهم.
(٢) كذا في النسخ وعليه الشرح الآتي والاحتمالات المذكورة ، ولكن الظاهر « سفه الحق » كما في المتن بدون هذا الاحتمالات والتكلفات.
الفارهة ويتبعني الغلام فترى في هذا شيئا من التجبر فلا أفعله فأطرق أبو عبد اللهعليهالسلام ثم قال إنما الجبار الملعون من غمص الناس وجهل الحق قال عمر فقلت أما الحق فلا أجهله والغمص لا أدري ما هو قال من حقر الناس وتجبر عليهم فذلك الجبار.
١٤ ـ محمد بن جعفر ، عن محمد بن عبد الحميد ، عن عاصم بن حميد ، عن أبي حمزة ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله ثلاثة «لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلا يَنْظُرُ
ليعلم أنها إن كانت مستلزمة للتكبر فلا بد من تركها وإلا فلا ، كيف وسيأتي أن الله جميل يحب الجمال ، وإطراقه وسكوتهعليهالسلام للإشعار بأنها في محل الخطر ومستلزمة للتكبر ببعض معانيه ، والتجبر التكبر ، والجبار العاتي.
الحديث الرابع عشر : مجهولبمحمد بن جعفر ، وفي بعض النسخ مكانه محمد بن يحيى فالخبر صحيح ، والأول أظهر لكثرة رواية محمد بن جعفر عن محمد بن عبد الحميد.
«لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ » إشارة إلى قوله تعالى : «إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ »(١) والمعنى لا يكلمهم كلام رضي بل كلام سخط ، مثل «اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ »(٢) وقيل : لا يكلمهم بلا واسطة بل الملائكة يتعرضون لحسابهم وعتابهم وقيل : هو كناية عن الإعراض والغضب ، فإن من غضب على أحد قطع كلامه ، وقيل : أي لا ينتفعون بكلمات الله وآياته ، ومعنىلا ينظر إليهم أنه لا ينظر إليهم نظر الكرامة والعطف والبر والرحمة والإحسان لضعتهم وحقارتهم عنده ، أو كناية عن شدة الغضب لأن من اشتد غضبه على أحد استهان به وأعرض عنه وعن التكلم معه والالتفات نحوه ، كما أن من اعتد بغيره يقاوله و
__________________
(١) سورة آل عمران : ٧٧.
(٢) سورة المؤمنون : ١٠٨.
إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ » شيخ زان وملك جبار ومقل مختال.
يكثر النظر إليه ، وقيل : فيقوله يوم القيامة ، إشعار بأن المعاصي المذكورة بل غيرها أيضا لا تمنع من إيصال الخير والنعمة إليهم في الدنيا ، لأن إفضاله فيها يعم الأبرار والفجار تأكيدا للحجة عليهم.
«وَلا يُزَكِّيهِمْ » أي لا يطهرهم من ذنوبهم ، أو لا يقبل عملهم ، أو لا يثني عليهم ، وتخصيص الثلاثة بالذكر ليس لأجل أن غيرهم معذور بل لأن عقوبتهم أعظم وأشد ، لأن المعصية مع وجود الصارف عنها وعدم الداعي القوي عليها أقبح وأشنع ، وذلك فيالشيخ لانكسار قوته وانطفاء شهوته وطول إعذاره ومدته وقرب الانتقال إلى الله ، فهو حري بأن يتدارك ما فات ويستعد لما هو آت ، فإذا ارتكب الزنا أشعر ذلك بأنه غير مقر بالدين ومستخف بنهي رب العالمين ، فلذا استحق العذاب المهين.
وفيه إشعار بأن الشيخ في أكثر المعاصي بل جميعها أشد عقوبة من الشاب ، وعلى أن الشاب بالعفة أمدح من الشيخ ، والصارفللملك عن كونه جبارا مشاهدة كمال نعمه تعالى عليه حيث سلطه على عباده وبلاده ، وجعلهم تحت يده وقدرته فاقتضى ذلك أن يشكر منعمه ويعدل بين خلق الله ويرتدع عن الظلم والفساد ، ويشاهد ضعفه بين يدي الملك المنان ، فإذا قابل كل ذلك بالكفران استحق عذاب النيران ، والصارفللمقل الفقير عن الاختيال والاستكبار ، فقره لأن الاختيال إنما هو بالدنيا وليست عنده ، فاختياله عناد ، ومن عاند ربه العظيم صار محروما من رحمته وله عذاب أليم.
وأقول : يحتمل أن لا يكون تخصيص الملك لكون الصارف فيه أكثر ، بل لكونه أقوى على الظلم وأقدر ، وفي الصحاح أقل افتقر ، وقال الراغب : الخيلاء
١٥ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن مروك بن عبيد عمن حدثه ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال إن يوسفعليهالسلام لما قدم عليه الشيخ يعقوبعليهالسلام دخله عز الملك فلم ينزل إليه فهبط جبرئيلعليهالسلام فقال يا يوسف ابسط راحتك فخرج منها نور ساطع فصار في جو السماء فقال يوسف يا جبرئيل ما هذا النور الذي خرج من راحتي فقال نزعت النبوة من عقبك عقوبة لما لم تنزل إلى الشيخ يعقوب فلا يكون من عقبك نبي.
١٦ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن بعض أصحابه ، عن
التكبر عن تخيل فضيلة تراءت للإنسان من نفسه ، ومنها يتأول لفظ الخيل لما قيل أنه لا يركب أحد فرسا إلا وجد في نفسه نخوة ، وفي النهاية : فيه من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه ، الخيلاء بالضم والكسر الكبر والعجب ، يقال : اختال فهو مختال ، وفيه خيلاء ومخيلة أي كبر.
الحديث الخامس عشر : مرسل.
والملك بضم الميم وسكون اللام السلطنة ، وبفتح الميم وكسر اللام السلطان ، وبكسر الميم وسكون اللام ما يملك ، وإضافة العز إليه لامية ، والنزول إما عن الدابة أو عن السرير وكلاهما مرويان ، وينبغي حمله على أن ما دخله لم يكن تكبرا وتحقيرا لوالده ، لكون الأنبياء منزهين عن أمثال ذلك ، بل راعى فيه المصلحة لحفظ عزته عند عامة الناس لتمكنه من سياسة الخلق وترويج الدين ، إذ كان نزول الملك عندهم لغيره موجبا لذلة ، وكان رعاية الأدب للأب مع نبوته ومقاساة الشدائد لحبه أهم وأولى من رعاية تلك المصلحة ، فكان هذا منهعليهالسلام تركا للأولى ، فلذا عوتب عليه وخرج نور النبوة من صلبه لأنهم لرفعة شأنهم وعلو درجتهم يعاتبون بأدنى شيء فهذا كان شبيها بالتكبر ولم يكن تكبرا« فصار في جو السماء » أي استقر هناك أو ارتفع إلى السماء.
الحديث السادس عشر : حسن كالصحيح.
أبي عبد اللهعليهالسلام قال ما من عبد إلا وفي رأسه حكمة وملك يمسكها فإذا تكبر قال له اتضع وضعك الله فلا يزال أعظم الناس في نفسه وأصغر الناس في أعين الناس وإذا تواضع رفعه الله عز وجل ثم قال له انتعش نعشك الله فلا يزال أصغر
وقال الجوهري :حكمة اللجام ما أحاط بالحنك وقال في النهاية : يقال : أحكمت فلانا أي منعته ومنه سمي الحاكم لأنه يمنع الظالم وقيل : هو من حكمت الفرس وأحكمته إذا قدعته وكففته ، ومنه الحديث : ما من آدمي إلا وفي رأسه حكمة ، وفي رواية في رأس كل عبد حكمه إذا هم بسيئة فإن شاء الله أن يقدعه بها قدعه ، الحكمة : حديدة في اللجام تكون على أنف الفرس ، وحنكه تمنعه عن مخالفة راكبه ، ولما كانت الحكمة تأخذهم الدابة ، وكان الحنك متصلا بالرأس جعلها تمنع من هي في رأسه كما تمنع الحكمة الدابة ، ومنه الحديث : إن العبد إذا تواضع رفع الله حكمته أي قدره ومنزلته ، يقال : له عندنا حكمه أي قدر ، وفلان عالي الحكمة ، وقيل : الحكمة من الإنسان أسفل وجهه ، مستعار من موضع حكمة اللجام ، ورفعها كناية عن الإعزاز لأن في صفة الذليل تنكيس رأسه ، انتهى.
وقيل : المراد بالحكمة هنا الحالة المقتضية لسلوك سبيل الهداية على سبيل الاستعارة ، وبإمساك الملك إياها إرشاده إلى ذلك السبيل ونهيه عن العدول عنه« اتضع » أمر تكويني أو شرعي« وضعك الله » دعاء عليه ودعاء الملك مستجاب ، أو إخبار بأن الله أمر بوضعك وقدر مذلتك« رفعها الله » (١) أي الحكمة وإنما غير الأسلوب ولم ينسبها إلى الملك لأن نسبة الخير واللطف إلى الله تعالى أنسب وإن كان الكل بأمره تعالى ، وقيل : هو التنبيه على أن الرفع مترتب على التواضع من غير حاجة إلى دعاء الملك ، بخلاف الوضع فإنه غير مترتب على التكبر ما لم
__________________
(١) وفي المتن « رفعه الله » وهو الظاهر.
الناس في نفسه وأرفع الناس في أعين الناس.
١٧ ـ محمد بن يحيى ، عن محمد بن أحمد ، عن بعض أصحابه ، عن النهدي ، عن يزيد بن إسحاق شعر ، عن عبد الله بن المنذر ، عن عبد الله بن بكير قال قال أبو
يدعو الملك عليه بالوضع ، وما ذكرنا أنسب.
« ثم قال له » أي الرب تعالى أو الملك« انتعش » يحتمل الوجهين المتقدمين يقال : نعشه الله كمنعه وأنعشه أي إقامة ورفعه ، ونعشه فانتعش أي رفعه فارتفع« نعشك الله » هذا أيضا إما إخبار بما وقع من الرفع ، أو دعاء له على التأكيد أو دعاء له بالثبات والاستمرار.
وأقول : هذا الخبر في طريق العامة هكذا ، قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : ما من أحد إلا ومعه ملكان وعليه حكمة يمسكانه بها ، فإن هو رفع نفسه جبذاها(١) ثم قالا : اللهم ضعه ، وإن وضع نفسه قالا : اللهم ارفعه.
الحديث السابع عشر والثامن عشر : مرسلان متقاربان في المضمون.
وفي النهاية فيه : أنك امرؤتائه أي متكبر أو ضال متحير ، وقد تاه يتيه تيها إذا تحير وضل وإذا تكبر ، انتهى.
« أو تجبر » يمكن أن يكون الترديد من الراوي وإن كان منهعليهالسلام فيدل على فرق بينهما في المعنى كما يومئ إليه قوله تعالى : «الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ »(٢) وفي الخبر إيماء إلى أن التكبر أقوى من التجبر ، ويمكن أن يقال في الفرق بينهما أن التجبر يدل على جبر الغير وقهره على ما أراد ، بخلاف التكبر فإنه جعل نفسه أكبر وأعظم من غيره وإن كانا متلازمين غالبا.
ثم اعلم أن الخبرين يحتملان وجوها : الأول أن يكون المراد أن التكبر ينشأ من دناءة النفس وخستها ورداءتها.
__________________
(١) جبذه : جذبه.
(٢) سورة الحشر : ٢٣.
عبد اللهعليهالسلام ما من أحد يتيه إلا من ذلة يجدها في نفسه.
١٨ ـ وفي حديث آخر ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال ما من رجل تكبر أو تجبر إلا لذلة وجدها في نفسه.
(باب العجب )
١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن أسباط ، عن رجل من أصحابنا من أهل خراسان من ولد إبراهيم بن سيار يرفعه ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام
الثاني : أن يكون المعنى أن التكبر إنما يكون غالبا فيمن كان ذليلا فعز ، وأما من نشأ في العزة لا يتكبر غالبا بل شأنه التواضع.
الثالث : أن التكبر إنما يكون فيمن لم يكن له كمال واقعي فيتكبر لإظهار الكمال.
الرابع : أن يكون المراد المذلة عند الله أي من كان عزيزا ذا قدر ومنزلة عند الله لا يتكبر.
الخامس : ما قيل أن اللام لام العاقبة أي يصير ذليلا بسبب التكبر وهو أبعد الوجوه.
باب العجب
الحديث الأول : مرسل.
والعجب استعظام العمل الصالح واستكثاره ، والابتهاج له والإدلال به ، وأن يرى نفسه خارجا عن حد التقصير ، وأما السرور به مع التواضع له تعالى والشكر له على التوفيق لذلك وطلب الاستزادة منه فهو حسن ممدوح ، قال الشيخ البهائي قدس الله روحه : لا ريب أن من عمل أعمالا صالحة من صيام الأيام وقيام الليالي وأمثال ذلك يحصل لنفسه ابتهاج ، فإن كان من حيث كونها عطية من الله
قال إن الله علم أن الذنب خير للمؤمن من العجب ولو لا ذلك ما ابتلي مؤمن بذنب أبدا.
له ونعمة منه تعالى عليه وكان مع ذلك خائفا من نقصها مشفقا من زوالها ، طالبا من الله الازدياد منها ، لم يكن ذلك الابتهاج عجبا ، وإن كان من حيث كونها صفته وقائمة به ومضافة إليه فاستعظمها وركن إليها ورأى نفسه خارجا عن حد التقصير ، وصار كأنه يمن على الله سبحانه بسببها ، فذلك هو العجب ، انتهى.
والخبر يدل على أن العجب أشد من الذنب أي من ذنوب الجوارح ، فإن العجب ذنب القلب ، وذلك لأن الذنب يزول بالتوبة ويكفر بالطاعات ، والعجب صفة نفسانية يشكل إزالتها ، ويفسد الطاعات ويهبطها عن درجة القبول ، والعجب آفات كثيره فإنه يدعو إلى الكبر كما عرفت ، ومفاسد الكبر ما عرفت بعضها ، وأيضا العجب يدعو إلى نسيان الذنوب وإهمالها ، فبعض ذنوبه لا يذكرها ولا يتفقدها لظنه أنه مستغن عن تفقدها فينساها ، وما يتذكر منها فيستصغرها فلا يجتهد في تداركها ، وأما العبادات والأعمال فإنه يستعظمها ويبتهج بها ويمن على الله بفعلها وينسى نعمة الله عليه بالتوفيق والتمكين منها ، ثم إذا أعجب بها عمي عن آفاتها ، ومن لم يتفقد آفات الأعمال كان أكثر سعيه ضائعا فإن الأعمال الظاهرة إذا لم تكن خالصة نقية عن الشوائب قلما ينفع ، وإنما يتفقد من يغلب عليه الإشفاق والخوف دون العجب ، والمعجب يغتر بنفسه وبربه ويأمن مكر الله وعذابه ، ويظن أنه عند الله بمكان وأن له على الله منة وحقا بأعماله التي هي نعمة من نعمه وعطية من عطاياه ، ثم إن إعجابه بنفسه ورأيه وعلمه وعقله يمنعه من الاستفادة والاستشارة والسؤال ، فيستنكف من سؤال من هو أعلم منه ، وربما يعجب بالرأي الخطإ الذي خطر له فيصر عليه وآفات العجب أكثر من أن تحصى.
٢ ـ عنه ، عن سعيد بن جناح ، عن أخيه أبي عامر ، عن رجل ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال من دخله العجب هلك.
٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن علي بن أسباط ، عن أحمد بن عمر الحلال ، عن علي بن سويد ، عن أبي الحسنعليهالسلام قال سألته عن العجب الذي يفسد العمل فقال العجب درجات منها أن يزين للعبد سوء عمله فيراه حسنا فيعجبه
الحديث الثاني : كالسابق.
والمرادبالهلاك استحقاق العقاب والبعد من رحمة الله تعالى ، وقيل : العجب يدخل الإنسان بالعبادة وتركه الذنوب والصورة والنسب والأفعال العادية مثل الإحسان إلى الغير وغيره ، وهو من أعظم المهلكات وأشد الحجب بين القلب والرب ويتضمن الشرك بالله وسلب الإحسان والإفضال والتوفيق عنه تعالى ، وادعاء الاستقلال لنفسه ويبطل به الأعمال والإحسان وأجرهما كما قال تعالى : «لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى »(١) وليس المن بالعطاء ، وأذى الفقير بإظهار الفضل والتعيير عليه إلا من عجبه بعطيته وعماه عن منة ربه وتوفيقه.
الحديث الثالث : حسن موثق.
وأبو الحسن يحتمل الأول والثانيعليهماالسلام لرواية ابن سويد عنهما ، وإن كان روايته عن الأول أكثر« العجب درجات منها أن يزين للعبد سوء عمله «فَرَآهُ »(٢) «حَسَناً » إشارة إلى قوله تعالى : «أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً »(٣) .
« فيعجبه ويحسب أنه يحسن صنعا » إشارة إلى قوله سبحانه : «قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً »(٤) وأكثر الجهلة على هذه الصفة ، فإنهم يفعلون أعمالا قبيحة
__________________
(١) سورة البقرة : ٢٦٤.
(٢) كذا في النسخ وفي المتن « فيراه ».
(٣) سورة فاطر : ٨.
(٤) سورة الكهف : ١٠٤.
ويحسب أنه يحسن صنعا ومنها أن يؤمن العبد بربه فيمن على الله عز وجل ولله عليه فيه المن.
٤ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن عبد الرحمن بن الحجاج ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال إن الرجل ليذنب الذنب فيندم عليه ويعمل العمل فيسره ذلك فيتراخى عن حاله تلك فلأن يكون على حاله تلك خير له مما دخل فيه.
عقلا ونقلا ويواظبون عليها حتى تصير تلك الأعمال بتسويل أنفسهم وتزيين قرينهم من صفات الكمال عندهم فيذكرونها ويتفاخرون بها ويقولون إنا فعلنا كذا وكذا إعجابا بشأنهم وإظهارا لكمالهم.
« ومنها أن يؤمن العبد بربه فيمن على الله عز وجل ولله عليه فيه المن » إشارة إلى قوله تعالى : «يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ »(١) .
الحديث الرابع : حسن كالصحيح.
« فيندم عليه » ندامته مقام عجز واعتراف بالتقصير وهو مقام التائبين وهو محبوب لله تعالى في تلك الحالة لأنه قال سبحانه : «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ »(٢) .
« ويعمل العمل فيسره ذلك » المراد بالسرور هنا الإدلال بالعمل واستعظامه وإخراج نفسه عن حد التقصير كما مر« فيتراخى عن حاله تلك » أي تصير حاله بسبب هذا السرور والعجب أدون وأخس من حالة وقت الندامة ، مع كونها مقرونة بالمعصية ، في القاموس : تراخى تقاعس أي تأخر ، وراخاه باعده وتراخى السماء أبطأ المطر ، ويدل على أن العجب يبطل فضل الأعمال السابقة« فلان يكون على حاله تلك خير مما دخل فيه » ضمير دخل راجع إلى الرجل ، وضمير فيه إلى
__________________
(١) سورة الحجرات : ١٧.
(٢) سورة البقرة : ٢٢٢.
٥ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن محمد بن سنان ، عن نضر بن قرواش ، عن إسحاق بن عمار ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال أتى عالم عابدا فقال له كيف صلاتك فقال مثلي يسأل عن صلاته وأنا أعبد الله منذ كذا وكذا قال فكيف بكاؤك؟
الموصول ، ويحتمل العكس ، والفاء للتفريع ، وخير خبر لأن يكون ، أي كونه على حالة الندامة مع كونها مقرونة بالذنب خير مما دخل فيه من العجب ، وإن كان مقرونا بالحسنة ، أو ذلك الذنب لكونه مقرونا بالندامة أفضل من تلك الحسنة المقرونة بالعجب ، أو هاتان الحالتان معا خير من تينك الحالتين.
الحديث الخامس : ضعيف على المشهور أو مجهول.
والقرواش بالكسر الطفيلي أو عظيم الرأس ، والمدل على بناء الفاعل من الأفعال المنبسط المسرور الذي لا خوف له من التقصير في العمل ، وفي النهاية : فيه :
يمشي على الصراط مدلا ، أي منبسطا لا خوف عليه وهو من الإدلال والدالة على من لك عنده منزلة ، وفي القاموس : دل المرأة ودلالها تدللها على زوجها تريه جرأة في تغنج وتشكل كأنها تخالفه وما بها خلاف ، وأدل عليه انبسط كتدلل وأوثق بمحبته فأفرط عليه ، والدالة ما تدل به على حميمك ، انتهى.
والضحك مع الخوف هو الضحك الظاهري مع الخوف القلبي ، كما مر في صفات المؤمن : بشره في وجهه وحزنه في قلبه ، والحاصل أن المدار على القلب ولا يصلح المرء إلا بإصلاح قلبه وإخراج العجب والكبر والرياء منه ، وتذليله بالخوف والخشية ، والتفكر في أهوال الآخرة وشرائط الأعمال وكثرة نعم الله عليه وأمثال ذلك ، ويدل الخبر على أن العالم أفضل من العابد ، وأن العبادة بدون العلم الحقيقي لا تنفع.
قال بعض المحققين : اعلم أن العجب إنما يكون بوصف هو كمال لا محالة ، وللعالم بكمال نفسه في علم وعمل وغيره حالتان : أحدهما أن يكون خائفا على
قال أبكي حتى تجري دموعي فقال له العالم فإن ضحكك وأنت خائف أفضل من بكائك وأنت مدل إن المدل لا يصعد من عمله شيء.
زواله ، مشفقا على تكدره أو سلبه من أصله ، فهذا ليس بمعجب ، والأخرى أن لا يكون خائفا من زواله لكن يكون فرحا به من حيث أنه نعمة من الله تعالى عليه لا من حيث إضافته إلى نفسه ، وهذا أيضا ليس بمعجب ، وله حالة ثالثة هي العجب وهو أن يكون غير خائف عليه ، بل يكون فرحا به مطمئنا إليه ، ويكون فرحه به من حيث أنه كمال ونعمة ورفعة وخير ، لا من حيث أنه عطية من الله تعالى ونعمة منه ، فيكون فرحه به من حيث أنه صفته ومنسوب إليه بأنه له لا من حيث أنه منسوب إلى الله بأنه منه ، فمهما غلب على قلبه أنه نعمة من الله مهما شاء سلبها ، زال العجب بذلك عن نفسه ، فإذا العجب هو إعظام النعمة والركون إليها مع نسيان إضافتها إلى المنعم ، فإن انضاف إلى ذلك أن غلب على نفسه أن له عند الله حقا وأنه منه بمكان حتى توقع بعلمه كرامة له في الدنيا ، واستبعد أن يجري عليه مكروه استبعادا يزيد على استبعاده فيما يجري على الفساق سمي هذا إدلالا بالعمل ، فكأنه يرى لنفسه على الله دالة ، وكذلك قد يعطي غيره شيئا فيستعظمه ويمن عليه فيكون معجبا ، فإن استخدمه أو اقترح عليه الاقتراحات ، أو استبعد تخلفه عن قضاء حقوقه كان مدلا عليه.
قال قتادة في قوله تعالى : «وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ »(١) أي لا تدل بعملك ، وفي الخبر : أن صلاة المدل لا ترتفع فوق رأسه ، ولأن تضحك وأنت معترف بذنبك خير من أن تبكي وأنت تدل بعملك ، والإدلال وراء العجب فلا مدل إلا وهو معجب ورب معجب لا يدل إذ العجب يحصل بالاستعظام ونسيان النعمة ، دون توقع جزاء عليه ، والإدلال لا يتم إلا مع توقع جزاء ، فإن توقع إجابة دعوته واستنكر
__________________
(١) سورة المدّثّر : ٦.
٦ ـ عنه ، عن أحمد بن محمد ، عن أحمد بن أبي داود ، عن بعض أصحابنا ، عن أحدهماعليهماالسلام قال دخل رجلان المسجد أحدهما عابد والآخر فاسق فخرجا من المسجد والفاسق صديق والعابد فاسق وذلك أنه يدخل العابد المسجد مدلا بعبادته يدل بها فتكون فكرته في ذلك وتكون فكرة الفاسق في التندم على فسقه ويستغفر الله عز وجل مما صنع من الذنوب.
٧ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن عبد الرحمن بن الحجاج قال قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام الرجل يعمل العمل وهو خائف مشفق ثم يعمل شيئا من البر فيدخله شبه العجب به فقال هو في حاله الأولى وهو خائف أحسن حالا منه في حال عجبه.
ردها بباطنه وتعجب كان مدلا بعمله ، فإنه لا يتعجب من رد دعاء الفساق ويتعجب من رد دعاء نفسه لذلك ، فهذا هو العجب والإدلال وهو من مقدمات الكبر وأسبابه.
الحديث السادس : مرسل.
« والفاسق صديق » أي مؤمن صادق في إيمانه كثير الصدق والتصديق قولا وفعلا ، قال الراغب : الصديق من كثر منه الصدق ، وقيل : بل يقال ذلك لمن لم يكذب قط ، وقيل : بل لمن لا يتأتى منه الكذب لتعوده الصدق ، وقيل : بل لمن صدق بقوله واعتقاده ، وحقق صدقه بفعله.
الحديث السابع : كالصحيح.
« يعمل العمل » أي معصية أو مكروها أو لغوا ، وحمله على الطاعة بأن يكون خوفه للتقصير في الشرائط كما قيل بعيد ، لقلة فائدة الخبر حينئذ وإنما قال : شبه العجب ، لبيان أنه يدخله قليل من العجب يخرج به عن الخوف السابق ، فأشارعليهالسلام في الجواب إلى أن هذا عجب أيضا.
٨ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى بن عبيد ، عن يونس ، عن بعض أصحابه ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله بينما موسىعليهالسلام جالسا إذ أقبل إبليس وعليه برنس ذو ألوان فلما دنا من موسىعليهالسلام خلع البرنس وقام إلى موسى فسلم عليه فقال له موسى من أنت فقال أنا إبليس قال أنت فلا قرب الله دارك قال إني إنما جئت لأسلم عليك لمكانك من الله قال فقال له موسىعليهالسلام فما هذا البرنس قال به أختطف قلوب بني آدم فقال موسى فأخبرني بالذنب
الحديث الثامن : مرسل.
والبرنس بالضم وفي النهاية : هو كل ثوب رأسه منه ملتزق به من دراعة أو جبة أو ممطر أو غيره ، قال الجوهري : هو قلنسوة طويلة كان النساك يلبسونها في صدر الإسلام ، وهو من البرس بكسر الباء القطن ، والنون زائدة ، وقيل : إنه غير عربي« قال أنت » أي أنت إبليس؟ وقيل : خبر مبتدإ محذوف أي المسلم أنت؟
وعلى التقديرين استفهام تعجبي« فلا قرب الله دارك » أي لا قربك الله منا أو من أحد ، وقيل : أي حيرك الله ، وقيل : لا تكون دارك قريبة من المعمورة ، كناية عن تخريب داره.
« إنما جئت لأسلم عليك » أي لم أجيء لإضلالك فتبعدني لأنه لا طمع لي فيك لقربك من الله ، أو سلامي عليك للمنزلة التي لك عند الله.
« به اختطف » يقال : خطفة من باب علم وضرب واختطفه إذا استلبه وأخذه بسرعة.
وكان الألوان في البرنس كانت صورة شهوات الدنيا وزينتها ، أو الأديان المختلفة والآراء المبتدعة أو الأعم كما روى الشيخ في مجالسه بإسناده عن الرضا عن آبائهعليهمالسلام إن إبليس كان يأتي الأنبياءعليهمالسلام من لدن آدمعليهالسلام إلى أن بعث الله المسيحعليهالسلام يتحدث عندهم ويسائلهم ، ولم يكن بأحد منهم أشد أنسا منه بيحيى بن زكرياعليهالسلام فقال له يحيى : يا با مرة إن لي إليك حاجة ، فقال
الذي إذا أذنبه ابن آدم استحوذت عليه قال إذا أعجبته نفسه واستكثر عمله وصغر في عينه ذنبه.
وقال قال الله عز وجل ـ لداودعليهالسلام يا داود بشر المذنبين وأنذر الصديقين
له : أنت أعظم قدرا من أن أردك بمسألة فسلني ما شئت فإني غير مخالفك في أمر تريده ، فقال يحيى : يا با مرة أحب أن تعرض على مصائدك وفخوخك التي تصطاد بها بني آدم؟ فقال له إبليس : حبا وكرامة وواعده لغد ، فلما أصبح يحيىعليهالسلام قعد في بيته ينتظر الموعد وأغلق عليه الباب إغلاقا فما شعر حتى ساواه من خوخة كانت في بيته ، فإذا وجهه صورة وجه القرد وجسده على صورة الخنزير ، وإذا عيناه مشقوقتان طولا وإذا أسنانه وفمه مشقوق طولا عظما واحدا بلا ذقن ولا لحية ، وله أربعة أيد يدان في صدره ويدان في منكبه ، وإذا عراقيبه قوادمه وأصابعه خلفه ، وعليه قباء وقد شد وسطه بمنطقة فيها خيوط معلقة بين أحمر وأصفر وأخضر وجميع الألوان ، وإذا بيده جرس عظيم وعلى رأسه بيضة ، وإذا في البيضة حديدة معلقة شبيهة بالكلاب ، فلما تأمله يحيىعليهالسلام قال له : ما هذه المنطقة التي في وسطك؟ فقال : هذه المجوسية ، أنا الذي سننتها وزينتها لهم ، فقال له : فما هذه الخيوط الألوان؟ قال له : هذه جميع أصباغ النساء ، لا تزال المرأة تصبغ الصبغ حتى تقع مع لونها فأفتن الناس بها ، فقال له : فما هذا الجرس الذي بيدك؟ قال : هذا مجمع كل لذة من طنبور وبربط ومعزفة وطبل ونأى وصرناي ، وإن القوم ليجلسون على شرابهم فلا يستلذونه فأحرك الجرس فيما بينهم فإذا سمعوه استخفهم الطرب ، فمن بين من يرقص ومن بين من يفرقع أصابعه(١) ، و
__________________
(١) قال الجزريّ : فرقعة الأصابع غمزها حتّى يسمع لمفاصلبها صوت. وقال ابن منظور في لسان العرب : الفرقعة في الأصابع والتفقيع واحد. والفرقعة الصوت بين الشيئين يضربان. وذكر في مادة « فقع » ان التفقيع صوت الأصابع إذا ضرب بعضها ببعض « انتهى » أقول : وعلى ما ذكر لا يبعد أن يكون معنى الفرقعة في الحديث ما يقال له بالفارسية « بشكن » و « ارغشتك » بقرينة السياق ، ولعله هو المتعين في الحديث والمحتمل في ساير الأحاديث.
قال كيف أبشر المذنبين وأنذر الصديقين قال يا داود بشر المذنبين أني أقبل التوبة وأعفو عن الذنب وأنذر الصديقين ألا يعجبوا بأعمالهم فإنه ليس عبد أنصبه للحساب إلا هلك
بين من يشق ثيابه ، فقال له : وأي الأشياء أقر لعينك؟ قال : النساء هن فخوخي(١) ومصائدي فإني إذا اجتمعت على دعوات الصالحين ولعناتهم صرت إلى النساء فطابت نفسي بهن ، فقال له يحيىعليهالسلام : فما هذه البيضة التي على رأسك؟ قال : بها أتوقى دعوة المؤمنين ، قال : فما هذه الحديدة التي أرى فيها؟ قال : بهذه أقلب قلوب الصالحين ، قال يحيىعليهالسلام : فهل ظفرت بي ساعة قط؟ قال : لا ولكن فيك خصلة تعجبني! قال يحيى : فما هي؟ قال : أنت رجل أكول ، فإذا فطرت أكلت وبشمت(٢) فيمنعك ذلك من بعض صلاتك وقيامك بالليل ، قال يحيىعليهالسلام : فإني أعطى الله عهدا أني لا أشبع من الطعام حتى ألقاه ، قال له إبليس : وأنا أعطي الله عهدا أني لا أنصح مسلما حتى ألقاه ، ثم خرج فما عاد إليه بعد ذلك.
واستحواذ الشيطان على العبد غلبته عليه واستمالته إلى ما يريده منه« أن لا يعجبوا » قيل : أن ناصبة ولا نافية أو أن مفسرة ولا ناهية ، ويعجبوا من باب الأفعال على بناء المجهول أو على بناء المعلوم ، نحو أغد البعير.
وأقول : الأول أظهر« أنصبه » كأضربه أي أقيمه وكونه على بناء الأفعال بمعنى الإتعاب بعيد« إلا هلك » أي استحق العذاب إذ جميع الطاعات لا تفي بشكر نعمة واحدة من نعمه سبحانه مع قطع النظر عن المناقشة في شرائط العبادة ، وفي غالب الناس المقاصة بالمعاصي.
__________________
(١) الفخ : آلة الصيد.
(٢) بشم من الطعام : أتخم.
(باب )
(حب الدنيا والحرص عليها )
١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن درست بن أبي منصور ، عن رجل ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام وهشام ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال رأس كل خطيئة حب الدنيا.
٢ ـ علي ، عن أبيه ، عن ابن فضال ، عن ابن بكير ، عن حماد بن بشير قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول ما ذئبان ضاريان في غنم قد فارقها رعاؤها أحدهما في أولها والآخر في آخرها بأفسد فيها من حب المال والشرف في دين المسلم.
٣ ـ عنه ، عن أبيه ، عن عثمان بن عيسى ، عن أبي أيوب ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال ما ذئبان ضاريان في غنم ليس لها راع هذا في أولها وهذا في آخرها بأسرع فيها من حب المال والشرف في دين المؤمن.
باب حب الدنيا والحرص عليها
الحديث الأول : ضعيف.
« رأس كل خطيئة حب الدنيا » لأن خصال الشر مطوية في حب الدنيا وكل ذمائم القوة الشهوية والغضبية مندرجة في الميل إليها ، ولذا قال الله عز وجل : «مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ »(١) ولا يمكن التخلص من حبها إلا بالعلم بمقابحها ومنافع الآخرة وتصفية النفس وتعديل القوتين.
الحديث الثاني : مجهول.
وقد تقدم مثله في أول باب الرئاسة ، وقد مضى القول فيه وأفسد هنا بمعنى أشد فسادا وإن كان نادرا.
الحديث الثالث : حسن موثق كالصحيح« بأسرع » أي في القتل والإفناء.
__________________
(١) سورة الشورى : ٢٠.
٤ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن يحيى الخزاز ، عن غياث بن إبراهيم ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال إن الشيطان يدير ابن آدم في كل شيء فإذا أعياه جثم له عند المال فأخذ برقبته.
٥ ـ عنه ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن النعمان ، عن أبي أسامة زيد ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله من لم يتعز بعزاء الله تقطعت نفسه
الحديث الرابع : موثق.
وفي القاموسجثم الإنسان والطائر والنعام والخشف واليربوع يجثم جثما لزم مكانه فلم يبرح ، أو وقع على صدره أو تلبد بالأرض ، انتهى.
والحاصل أن الشيطان يدير ابن آدم في كل شيء أي يبعثه على ارتكاب كل ضلالة ومعصية أو يكون معه ويلازمه عند عروض كل شبهة أو شهوة لعله يضله أو يزله« فإذا أعياه » المستتر راجع إلى ابن آدم ، والبارز إلى الشيطان أي لم يقبل منه ولم يطعه حتى أعياه ترصد له واختفى عند المال ، فإذا أتى المال أخذ برقبته فأوقعه فيه بالحرام أو الشبهة.
والحاصل أن المال أعظم مصائد الشيطان إذ قال من لم يفتتن به عند تيسره له ، وكأنه محمول على الغالب إذ قد يكون لا يفتتن بالمال ويفتتن بحب الجاه وبعض الشهوات الغالبة ، وقيل : فإذا أعياه ، أي أعجزه عن كل شهوة ولذة ، وذلك بأن يشيب كما ورد في حديث آخر : يشيب ابن آدم ويشب فيه خصلتان الحرص وطول الأمل.
الحديث الخامس : صحيح.
« من لم يتعز بعزاء الله » قال في النهاية : فيه : من لم يتعز بعزاء الله فليس منا ، أي من لم يدع بدعوة الإسلام فيقول : يا للإسلام ويا للمسلمين ويا لله ، وقيل : أراد بالتعزي التسلي والتصبر عند المصيبة وأن يقول : إنا لله وإنا إليه راجعون ، كما أمر الله تعالى ، ومعنى قوله : بعزاء الله أي بتعزية الله تعالى إياه ، فأقام الاسم
حسرات على الدنيا ومن أتبع بصره ما في أيدي الناس كثر همه ولم يشف غيظه
مقام المصدر ، انتهى.
وقيل : العزاء مصدر بمعنى الصبر أو اسم للتعزية ، وكلاهما مناسب ، وعلى الأول إسناده إلى الله تعالى لأنه السبب له والباء إما للآلية المجازية كما قيل في قوله تعالى : «فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ »(١) أو للسببية ، والحاصل أنه من لم يصبر على ما فاته من الدنيا وعلى البلايا التي تصيبه فيها بما سلاه الله في قوله «وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ »(٢) وسائر الآيات الواردة في ذم الدنيا وفنائها ، ومدح الرضا بقضائه تعالى« تقطعت نفسه » للحسرات على المصائب وعلى ما فاته من الدنيا ، وربما يحصل الحسرات على ما يحصل له عند الموت من مفارقتها أو الأعم منها ومما يحصل له في الدنيا وجمعية الحسرات مع كونه مصدرا لإرادة الأنواع.
« ومن اتبع نظره (٣) ما في أيدي الناس » أي نظر إلى من هو فوقه من أهل الدنيا. وما في أيديهم من نعيمها وزبرجها نظر رغبة وتحسر وتمن« كثر همه » لعدم تيسرها له فيغتاظ لذلك ويحسدهم عليها ولا يمكنه شفاء غيظه إلا بأن يحصل له أكثر مما في أيديهم أو يسلب الله عنهم جميع ذلك ، ولا يتيسر له شيء من الأمرين فلا يشفي غيظه أبدا ولا يتهنأ له العيش ما رأى في نعمه أحدا ولا يتفكر في أنه إنما منعه الله ذلك لأنه علم أنه سبب هلاكه ، فهو يتمنى حالهم ولا يعلم حقيقة مالهم كما حكى الله سبحانه عن قوم تمنوا حال قارون حيث قالوا «يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ. وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وَلا يُلَقَّاها إِلاَّ الصَّابِرُونَ. فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ ». «أَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ
__________________
(١) سورة آل عمران : ٣٧.
(٢) سورة البقرة : ١٥٥.
(٣) كذا في النسخ ، وفي المتن « بصره ».
ومن لم ير لله عز وجل عليه نعمة إلا في مطعم أو مشرب أو ملبس فقد قصر عمله ودنا عذابه.
لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ »(١) وانتفاء الخسف الظاهري بأهل الأموال والتجبر من هذه الأمة لا يوجب انتفاء الخسف في دركات الشهوات النفسانية ومهاوي التعلقات الجسمانية والحرمان عن درجات القرب والكمال ، وخسفهم في عظيم النكال وشديد الوبال ، أعاذنا الله وسائر المؤمنين من جميع ذلك ، ويسهل لنا الوصول في الدارين إلى أحسن الأحوال.
« ومن لم ير أن لله عليه نعمة إلا في مطعم » أي من توهم أن نعمة الله عليه منحصرة في هذه النعم الظاهرة كالمطعم والمشرب والمسكن وأمثالها فإذا فقدها أو شيئا منها ظن أنه ليس لله عليه نعمة فلا ينشط في طاعة الله ، وإن عمل شيئا مع هذه العقيدة الفاسدة وعدم معرفة منعمه لا ينفعه ولا يتقبل منه ، فيكون عمله قاصرا وعذابه دانيا لأن هذه النعم الظاهرة حقيرة في جنب نعم الله العظيمة عليه من الإيمان والهداية والتوفيق والعقل والقوي الظاهرة والباطنة ، والصحة ودفع شر الأعادي وغيرها مما لا يحصى ، بل هذا الفقر أيضا من أعظم نعم الله عليه ، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها.
وقال بعض المحققين : معنى الحديث أن من لم يصبر ولم يسل أو لم يحسن الصبر والسلوة على ما رزقه الله من الدنيا بل أراد الزيادة في المال أو ألجأه مما لم يرزقه إياه تقطعت نفسه متحسرا حسرة بعد حسرة على ما يراه في يدي غيره ممن فاق عليه في العيش فهو لم يزل يتبع بصره ما في أيدي الناس ، ومن أتبع بصره ما في أيدي الناس كثر همه ولم يشف غيظه ، فهو لم ير أن لله عليه نعمة إلا نعم الدنيا وإنما يكون كذلك من لا يوقن بالآخرة ، ومن لم يوقن بالآخرة قصر عمله ، وإذ ليس له
__________________
(١) سورة القصص : ٨٠ ـ ٨٢.
٦ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن أبي عبد الله ، عن يعقوب بن زيد ، عن زياد القندي ، عن أبي وكيع ، عن أبي إسحاق السبيعي ، عن الحارث الأعور ، عن أمير المؤمنينعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله إن الدينار والدرهم أهلكا من كان قبلكم وهما مهلكاكم.
٧ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يحيى بن عقبة الأزدي ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال أبو جعفرعليهالسلام مثل الحريص على الدنيا مثل دودة
من الدنيا إلا قليل بزعمه مع شدة طمعه في الدنيا وزينتها فقد دنا عذابه ، نعوذ بالله من ذلك ، ومنشأ ذلك كله الجهل وضعف الإيمان ، وأيضا لما كان عمل أكثر الناس على قدر ما يرون من نعم الله عليهم عاجلا وآجلا لا جرم من لم ير من النعم عليه إلا القليل فلا يصدر عنه من العمل إلا قليل ، وهذا يوجب قصور العمل ودنو العذاب.
الحديث السادس : مجهول.
« إن الدينار والدرهم » أي حبهما وصرف العمر في تحصيلهما وتحصيل ما يتوقف عليهما« أهلكا من كان قبلكم » لأن حبهما يمنع من حبه تعالى ، وصرف العمر فيهما يمنع من صرف العمر في طاعته تعالى ، والتمكن منهما يورث التمكن من كثير من المعاصي ، ويبعثان على الأخلاق الدنية والأعمال السيئة كالظلم والحسد والحقد والعداوة والفخر والكبر والبخل ومنع الحقوق ، إلى غير ذلك مما لا يحصى ، ومفارقتهما عند الموت تورث الحسرة والندامة ، وحبهما يمنع من حب لقاء الله تعالى ، وتركهما يوجب الراحة في الدنيا وخفة الحساب في الآخرة.
الحديث السابع : كالسابق.
« مثل دودة القز » هذا من أحسن التمثيلات للدنيا وقد أنشد بعضهم فيه :
ألم تر أن المرء طول حياته |
حريص على ما لا يزال يناسجه |
|
كدود كدود القز ينسج دائما |
فيهلك غما وسط ما هو ناسجه |
القز كلما ازدادت من القز على نفسها لفا كان أبعد لها من الخروج حتى تموت غما وقال أبو عبد اللهعليهالسلام أغنى الغنى من لم يكن للحرص أسيرا وقال لا تشعروا قلوبكم الاشتغال بما قد فات فتشغلوا أذهانكم عن الاستعداد لما لم يأت.
٨ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه وعلي بن محمد جميعا ، عن القاسم بن محمد ، عن سليمان المنقري ، عن عبد الرزاق بن همام ، عن معمر بن راشد ، عن الزهري محمد بن مسلم بن عبيد الله قال سئل علي بن الحسينعليهالسلام أي الأعمال أفضل عند الله قال ما من عمل بعد معرفة الله عز وجل ومعرفة رسولهصلىاللهعليهوآله أفضل من بغض
قوله عليهالسلام : أغنى الغناء ، أي ليس الغناء وعدم الحاجة بكثرة المال ، بل بترك الحرص ، فإن الحريص كلما ازداد ماله اشتد حرصه فيكون أفقر وأحوج ممن لا مال له« لا تشعروا قلوبكم » أي لا تلزموه إياها ولا تجعلوه شعارها ، في القاموس : أشعره الأمر وبه أعلمه ، والشعار ككتاب ما تحت الدثار من اللباس ، وهو يلي شعر الجسد ، واستشعره لبسه وأشعره غيره ألبسه إياه ، وأشعر الهم قلبي لزق به ، وكلما ألزقته بشيء أشعرته به« الاشتغال بما قد فات » أي من أمور الدنيا سواء لم يحصل أو حصل وفات ، فإن اشتغال القلب به يوجب غفلته عن ذكر الله تعالى وحبة ، فإنه لا يجتمع حبان متضادان في قلب واحد.
الحديث الثامن : ضعيف.
والظاهر أن« عن » بعد الزهري كما في أكثر النسخ زيد من النساخ ، فإنالزهري هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن الحارث بن شهاب بن زهرة بن كلاب ، وهو بدل أو عطف بيان للزهري ، ويؤيده أنه قد مر هذا الخبر بعينه في باب ذم الدنيا ، وليس فيه « عن » ولا ينافي ذلك كون ما مر محمد بن مسلم بن شهاب لأنه إسناد إلى الجد الأعلى وهو شائع ، وقد مر شرح هذا الخبر فيما مضى ، ونذكر هنا بعض الفوائد.
« ما من عمل بعد معرفة الله » يدل على أن المعرفة أفضل لأنها أصل جميع
الدنيا فإن لذلك لشعبا كثيرة وللمعاصي شعب فأول ما عصي الله به الكبر معصية إبليس حين «أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ » ثم الحرص وهي معصية آدم وحواءعليهماالسلام حين قال الله عز وجل لهما : «فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ »(١) فأخذا ما لا حاجة بهما إليه فدخل ذلك على ذريتهما إلى يوم القيامة وذلك أن أكثر ما يطلب ابن آدم ما لا حاجة به إليه ثم الحسد وهي معصية ابن آدم حيث حسد أخاه فقتله فتشعب من ذلك حب النساء وحب الدنيا وحب الرئاسة وحب الراحة وحب الكلام وحب العلو والثروة
الأخلاق والأعمال ، ويدخل في معرفة الرسول معرفة الإمام« فإن لذلك » كأنه تعليل لكون بغض الدنيا بعد المعرفة أفضل ، وفيما مضى « وإن » كما في بعض النسخ هنا وهو أظهر ، وذلك إشارة إلى بغض الدنيا أو إلى الدنيا ، وقيل : المشار إليه العمل ، يعني أن للأعمال الصالحة لشعبا يرجع كلها إلى بغض الدنيا ، وللمعاصي شعبا يرجع كلها إلى حب الدنيا ، ثم اكتفى ببيان أحدهما عن الآخر ، وكان ما ذكرنا أظهر فالمرادبالشعب الأولى أنواع الأخلاق والأعمال الفاضلة ، وبالثانية أنواع المعاصي ، والأولى مندرجة تحت بغض الدنيا ، والثانية تحت حبها ، فبغضها أفضل الأعمال لاشتماله على محاسن كثيرة كالتواضع المقابل للكبر ، والقنوع المقابل للحرص وهكذا وبحكم المقابلة حب الدنيا أقبح الأعمال لاشتماله على رذائل كثيرة ، وهي الكبر إلى آخر ما ذكر.
« فذلك أن » وفي بعض النسخ فلذلك أي لدخول الحرص على ذريتهما ، وإنما قال أكثر لأن طلب المحتاج إليه وهو القدر الضروري من الطعام واللباس والمسكن ونحوها ليس بمذموم بل ممدوح ، لأنه لا يمكن بدونه تكميل النفس بالعلم والعمل« حيث حسد أخاه » قيل : حسده في قبول قربانه ، وقيل : في حب النساء ، وقيل : في حب الدنيا لئلا يكون له نسل يعيرون أولاده في رد قربانه ، وكان المرادبحب الدنيا أولا حب المال أو حب البقاء في الدنيا ، وكراهة الموت ، وبه ثانيا حب كل
__________________
(١) سورة البقرة : ٣٥.
فصرن سبع خصال فاجتمعن كلهن في حب الدنيا فقال الأنبياء والعلماء بعد معرفة ذلك حب الدنيا رأس كل خطيئة والدنيا دنياءان دنيا بلاغ ودنيا ملعونة.
٩ ـ وبهذا الإسناد ، عن المنقري ، عن حفص بن غياث ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال في مناجاة موسىعليهالسلام يا موسى إن الدنيا دار عقوبة عاقبت فيها آدم عند خطيئته وجعلتها ملعونة ملعون ما فيها إلا ما كان فيها لي يا موسى إن عبادي
ما لا حاجة به في تحصيل الآخرة ، وقيل : يمكن أن يكون المراد بالسبع الكبر والحرص وحب النساء وحب الرئاسة وحب الراحة وحب الكلام وحب العلو والثروة ، وهما شعبة واحدة بقرينة عدم ذكر الحب في المعطوف ، وأما الحسد فقد اكتفي عنه بذكر شعبه وأنواعه« دنيا بلاغ » أي كفاف وكفاية أو تبلغ بها إلى الآخرة.
الحديث التاسع : كالسابق.
« وجعلتها ملعونة » اللعن الطرد والإبعاد والسب وكان المراد بلعنها لعن أهلها أو كراهتها والمنع عن حبها ، وكل ما نهى الله تعالى عنها فقد لعنها وطردها وقيل : العرب تقول لكل شيء ضار ملعون ، والشجرة الملعونة عندهم هي كل من ذاقها كرهها ولعنها ، وكذلك حال الدنيا فإن كل من ذاق شهواتها لعنها إذا أحس بضررها.
« ملعون ما فيها إلا ما كان فيها لي » أقول : هذا معيار كامل للدنيا الملعونة وغيرها فكل ما كان في الدنيا ويوجب القرب إلى الله تعالى من المعارف والعلوم الحقة والطاعات وما يتوصل به إليها من المعيشة بقدر الضرورة والكفاف ، فهي من الآخرة وليست من الدنيا ، وكل ما يصير سببا للبعد عن الله والاشتغال عن ذكره ويلهى عن درجات الآخرة وكمالاتها وليس الغرض فيه القرب منه تعالى والوصول إلى رضاه فهي الدنيا الملعونة.
قيل : ما يقع في الدنيا من الأعمال أربعة أقسام : الأول : ما يكون ظاهره
الصالحين زهدوا في الدنيا بقدر علمهم وسائر الخلق رغبوا فيها بقدر جهلهم وما من أحد عظمها فقرت عيناه فيها ولم يحقرها أحد إلا انتفع بها.
١٠ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن فضال ، عن أبي جميلة ، عن محمد الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال ما ذئبان ضاريان في غنم قد فارقها رعاؤها واحد في أولها وهذا في آخرها بأفسد فيها من حب المال والشرف في دين المسلم.
١١ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن منصور بن العباس ، عن سعيد بن جناح ، عن عثمان بن سعيد ، عن عبد الحميد بن علي الكوفي ، عن مهاجر الأسدي ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال مر عيسى ابن مريمعليهالسلام على قرية قد مات أهلها وطيرها ودوابها فقال أما إنهم لم يموتوا إلا بسخطة ولو ماتوا
وباطنه لله كالطاعات والخيرات الخالصة ، الثاني : ما يكون ظاهره وباطنه للدنيا كالمعاصي وكثير من المباحات أيضا لأنها مبدء البطر والغفلة ، الثالث : ما يكون ظاهره لله وباطنه للدنيا كالأعمال الريائية ، الرابع : عكس الثالث ، كطلب الكفاف لحفظ بقاء البدن والقوة على العبادة وتكميل النفس بالعلم والعمل.
« بقدر علمهم » أي بعيوبها وفنائها ومضرتها« ما من أحد عظمها فقرت عينه فيها » (١) أي من عظمها وتعلق قلبه بها تصير سببا لبعده عن الله ، ولا تبقى الدنيا له فيخسر الدنيا والآخرة ، ومن حقرها تركها ولم يأخذ منها إلا ما يصير سببا لتحصيل الآخرة فينتفع بها في الدارين.
الحديث العاشر : كالسابق وقد مر مضمونه.
الحديث الحادي عشر : كالسابق أيضا.
« أما إنهم » قال الشيخ البهائيقدسسره : أما بالتخفيف حرف استفتاح وتنبيه يدخل على الجمل لتنبيه المخاطب وطلب إصغائه إلى ما يلقى إليه ، وقد يحذف ألفها نحو أم والله زيد قائم« إلا بسخطة » السخط بالتحريك وبضم أوله وسكون ثانيه
__________________
(١) وفي النسخة الموجودة عندنا « عيناه » بدل « عينه ».
متفرقين لتدافنوا فقال الحواريون يا روح الله وكلمته ادع الله أن يحييهم لنا
الغضب« لتدافنوا » الظاهر أن التفاعل هيهنا بمعنى فعل كتواني ويمكن إبقاؤه على أصل المشاركة بتكلف« فقال الحواريون » هم خواص عيسىعليهالسلام قيل : سموا حواريين لأنهم كانوا قصارين يحورون الثياب أي يقصرونها وينقونها من الأوساخ ويبيضونها ، مشتق من الحور وهو البياض الخالص ، وقال بعض العلماء : إنهم لم يكونوا قصارين على الحقيقة وإنما أطلق هذا الاسم عليهم رمزا إلى أنهم كانوا ينقون نفوس الخلائق من الأوساخ والأوصاف الذميمة والكدورات ، ويرقونها إلى عالم النور من عالم الظلمات.
« يا روح الله » أقول : في تسميتهعليهالسلام روحا أقوال : الأول أنه إنما سماه روحا لأنه حدث عن نفخة جبرئيل في درع مريم بأمر الله تعالى ، وإنما نسبه إليه لأنه كان بأمره ، وقيل : إنما أضافه إليه تفخيما لشأنه كما قال : الصوم لي وأنا أجزي به ، وقد يسمى النفخ روحا ، والثاني : أن المراد به يحيي به الناس في دينهم كما يحيون بالأرواح ، والثالث : أن معناه إنسان أحياه الله بتكوينه بلا واسطة من جماع ونطفة كما جرت العادة بذلك ، الرابع : أن معناه ورحمة منه ، والخامس : أن معناه روح من الله خلقها فصورها ثم أرسلها إلى مريم فدخلت في فيها فصيرها الله سبحانه عيسى ، السادس : سماه روحا لأنه كان يحيي الموتى كما أن الروح يصير سببا للحياة.
وكذا اختلفوا في تسميته« كلمة » في قوله سبحانه : «إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ »(١) وقوله تعالى : «إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ »(٢) على أقوال : أحدها : أنه إنما سمي بذلك لأنه حصل بكلمة من الله من غير والد ، وهو قوله «كُنْ » كما قال سبحانه : «إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ
__________________
(١) سورة آل عمران : ٤٥.
(٢) سورة النساء : ١٧١.
فيخبرونا ما كانت أعمالهم فنجتنبها فدعا عيسىعليهالسلام ربه فنودي من الجو أن نادهم فقام عيسىعليهالسلام بالليل على شرف من الأرض فقال يا أهل هذه القرية فأجابه منهم مجيب لبيك يا روح الله وكلمته فقال ويحكم ما كانت أعمالكم
فَيَكُونُ »(١) والثاني : أنه سمي بذلك لأن الله تعالى بشر به في الكتب السالفة ، أو بشرت بها مريم على لسان الملائكة ، الثالث : أنه يهتدي به الخلق كما اهتدوا بكلام الله ووحيه.
« فنودي من الجو » بالفتح والتشديد ما بين السماء والأرض« على شرف » قال الشيخ البهائيقدسسره : الشرف المكان العالي قيل : ومنه سمي الشريف شريفا تشبيها للعلو المعنوي بالعلو المكاني« فقال ويحك » (٢) ويح اسم فعل بمعنى الترحم كما أن ويل كلمة عذاب ، وبعض اللغويين يستعمل كلا منهما مكان الأخرىوالطاغوت فلعوت من الطغيان وهو تجاوز الحد وأصله طغيوت فقدموا لامه على عينه على خلاف القياس ، ثم قلبوا الياء ألفا فصارت طاغوت ، وهو يطلق على الكاهن والشيطان والأصنام ، وعلى كل رئيس في الضلالة ، وعلى كل ما يصد عن عبادة الله تعالى ، وعلى كل ما عبد من دون الله تعالى ، ويجيء مفردا لقوله تعالى : «يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ »(٣) وجمعا كقوله تعالى : «وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ »(٤) .
وقالقدسسره : لعلك تظن أن ما تضمنه هذا الحديث من أن الطاعة لأهل المعاصي عبادة لهم جار على ضرب من التجوز لا الحقيقة ، وليس كذلك بل هو حقيقة فإن العبادة ليست إلا الخضوع والتذلل والطاعة والانقياد ، ولهذا جعل سبحانه اتباع الهوى والانقياد إليه عباده للهوى فقال : «أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ
__________________
(١) سورة آل عمران : ٥٩.
(٢) وفي المتن « ويحكم » بصيغة الجمع.
(٣) سورة النساء : ٦٠.
(٤) سورة البقرة : ٢٥٧.
قال عبادة الطاغوت وحب الدنيا مع خوف قليل وأمل بعيد وغفلة في لهو ولعب فقال كيف كان حبكم للدنيا قال كحب الصبي لأمه إذا أقبلت علينا فرحنا وسررنا وإذا أدبرت عنا بكينا وحزنا قال كيف كانت عبادتكم للطاغوت قال الطاعة لأهل المعاصي قال كيف كان عاقبة أمركم قال بتنا ليلة في عافية وأصبحنا
إِلهَهُ هَواهُ »(١) وجعل طاعة الشيطان عبادة له فقال تعالى : «أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ »(٢) ثم نقل أخبارا كثيرة في ذلك ، وقال بعد ذلك : وإذا كان اتباع الغير والانقياد إليه عباده له فأكثر الخلق عند التحقيق مقيمون على عبادة أهواء نفوسهم الخسيسة الدنية وشهواتهم البهيمية والسبعية على كثرة أنواعها واختلاف أجناسها ، وهي أصنامهم التي هم عليها عاكفون والأنداد التي هم لها من دون الله عابدون ، وهذا هو الشرك الخفي نسأل الله سبحانه أن يعصمنا عنه ويطهر نفوسنا منه بمنه وكرمه.
و« غفلة » عطف على خوف ، وعطفه على عبادة الطاغوت بعيد« في لهو » قال الشيخ (ره) : لفظة في هنا إما للظرفية المجازية كما في نحو : النجاة في الصدق ، أو بمعنى مع كما في قوله تعالى : «ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ »(٣) أو للسببية كقوله تعالى : «فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ »(٤) .
« إذا أقبلت علينا » قالقدسسره : الشرطيتان واقعتان موقع أي المفسرة لحب الصبي لأمه« قال : الطاعة لأهل المعاصي » قالرحمهالله : ما ذكره هذا الرجل المكلم لعيسى على نبينا وعليه السلام في وصف أصحاب تلك القرية وما كانوا عليه من الخوف القليل والأمل البعيد والغفلة واللهو واللعب والفرح بإقبال الدنيا والحزن بإدبارها ، هو بعينه حالنا وحال أهل زماننا ، بل أكثرهم خال عن
__________________
(١) سورة الفرقان : ٤٣.
(٢) سورة يس : ٦٠.
(٣) سورة الأعراف : ٣٨.
(٤) سورة يوسف : ٣٢.
في الهاوية فقال وما الهاوية فقال سجين قال وما سجين قال جبال من جمر توقد علينا إلى يوم القيامة قال فما قلتم وما قيل لكم قال قلنا ردنا إلى الدنيا فنزهد فيها قيل لنا كذبتم قال ويحك كيف لم يكلمني غيرك من بينهم قال يا روح الله إنهم ملجمون بلجام من نار بأيدي ملائكة غلاظ شداد وإني كنت فيهم ولم أكن منهم فلما نزل العذاب عمني معهم فأنا معلق بشعرة
ذلك الخوف القليل أيضا ، نعوذ بالله من الغفلة وسوء المنقلب.
« قال جبال من جمر » في القاموس : الجمر النار المتقدة ، والجمع جمر ، قال الشيخ المتقدم ذكرهرحمهالله هذا صريح في وقوع العذاب في مدة البرزخ أعني ما بين الموت والبعث ، وقد انعقد عليه الإجماع ونطقت به الأخبار ، ودل عليه القرآن العزيز ، وقال به أكثر أهل الملل وإن وقع الاختلاف في تفاصيله ، والذي يجب علينا هو التصديق المجمل بعذاب واقع بعد الموت وقبل الحشر في الجملة ، وأما كيفياته وتفاصيله فلم نكلف بمعرفتها على التفصيل وأكثرها مما لا تسعه عقولنا ، فينبغي ترك البحث والفحص عن تلك التفاصيل ، وصرف الوقت فيما هو أهم منها أعني فيما يصرف ذلك العذاب ويدفعه عنا كيف ما كان ، وعلى أي نوع حصل ، وهو المواظبة على الطاعات واجتناب المنهيات لئلا يكون حالنا في الفحص عن ذلك والاشتغال به عن الكفر فيما يدفعه وينجي منه كحال شخص أخذه السلطان وحبسه ليقطع في غد يده ويجدع أنفه فترك الفكر في الحيل المؤدية إلى خلاصه وبقي طول ليله متفكرا في أنه هل يقطع بالسكين أو بالسيف ، وهل القاطع زيد أو عمرو.
« قيل لنا كذبتم » دل على أنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه كما نطقت به الآية ، أو كذبتم فيما دل عليه قولكم هذا أنه يمكنكم العود ، وربما يقرأ بالتشديد أي كذبتم الرسل فلا محيص عن عذابكم« قال : يا روح الله » في بعض
على شفير جهنم لا أدري أكبكب فيها أم أنجو منها فالتفت عيسىعليهالسلام إلى الحواريين فقال يا أولياء الله أكل الخبز اليابس بالملح الجريش والنوم على المزابل خير كثير مع عافية الدنيا والآخرة.
١٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام بن سالم ، عن
النسخ : يا روح الله وكلمته بقدس الله ، فقوله : بقدس الله متعلق بروح الله وكلمته يعني يا أيها الذي صار روح الله وكلمته بقدس الله كما قيل ، ويحتمل أن تكون الباء بمعنى مع أي مع تقدسه عن أن يكون له الروح وكلمة حقيقة.
ثم قال الشيخرحمهالله : ثم لا يخفى أن ما قاله هذا الرجل من أنه كان فيهم ولم يكن منهم فلما نزل العذاب عمه معهم ، يشعر بأنه ينبغي المهاجرة عن أهل المعاصي والاعتزال لهم ، وأن المقيم معهم شريك لهم في العذاب ومحترق بنارهم ، وإن لم يشاركهم في أفعالهم وأقوالهم ، وقد يستأنس لذلك بعموم قوله تعالى : «إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً »(١) ولو لم يكن في الاعتزال عن الناس فائدة سوى ذلك لكفى ، كيف وفيه من الفوائد ما لا يعد ولا يحصى ، نسأل الله سبحانه أن يوفقنا لذلك بمنه وكرمه« فإنا معلق » هذا كناية عن أنه مشرف على الوقوع فيها ، ولا يبعد أن يراد به معناه الصريح أيضا ، والشفير حافة الوادي وجانبه« أكبكب فيها » على البناء للمفعول أي أطرح فيها على وجهي ، وفي القاموس : جرش الشيء لم ينعم دقة فهوجريش ، وفي الصحاح ملم جريش لم يطب« مع عافية الدنيا » أي إذا كان مع عافية الدنيا من الخطاياوالآخرة من النار ، أو فيه عافية الدنيا من تشويش البال ومشقة تحصيل الأموال وعافية الآخرة من العذاب والسؤال.
الحديث الثاني عشر : حسن كالصحيح.
__________________
(١) سورة النساء : ٩٧.
أبي عبد اللهعليهالسلام قال ما فتح الله على عبد بابا من أمر الدنيا إلا فتح الله عليه من الحرص مثله.
١٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن القاسم بن محمد ، عن المنقري ، عن حفص بن غياث ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال عيسى ابن مريم صلوات الله عليه تعملون للدنيا وأنتم ترزقون فيها بغير عمل ولا تعملون للآخرة وأنتم لا ترزقون فيها إلا بالعمل ويلكم علماء سوء الأجر تأخذون والعمل تضيعون يوشك رب العمل
ويدل على زيادة الحرص بزيادة المال وغيره من مطلوبات الدنيا كما هو المجرب.
الحديث الثالث عشر : ضعيف.
« وأنتم ترزقون فيها بغير عمل » أي كد شديد كما قال تعالى : «وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُها »(١) .
« وأنتم لا ترزقون فيها إلا بالعمل » كما قال تعالى : «وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعى »(٢) « علماء سوء » بفتح السين ، قال الجوهري : ساءه يسوؤهسوءا بالفتح نقيض سره ، والاسم السوء بالضم وقرئ قوله تعالى : «عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ »(٣) يعني الهزيمة ، والشر ، ومن فتح فهو من المساءة ، وتقول : هذا رجل سوء بالإضافة ثم تدخل عليه الألف واللام فتقول هذا رجل السوء ، قال الأخفش : ولا يقال الرجل السوء لأن السوء ليس بالرجل ، قال : ولا يقال هذا رجل السوء بالضم انتهى.
« الأجر تأخذون » بحذف حرف الاستفهام وهو على الإنكار ويحتمل أن يكون المراد أجر الدنيا أي نعم الله سبحانه ، وعلى هذا يحتمل أن يكون توبيخا لا استفهاما وأن يكون المراد أجر الآخرة فالاستفهام متعين ، فالواو فيقوله
__________________
(١) سورة هود : ٦.
(٢) سورة النجم : ٣٩.
(٣) سورة التوبة : ٩٨.
أن يقبل عمله ويوشك أن يخرجوا من ضيق الدنيا إلى ظلمة القبر كيف يكون من أهل العلم من هو في مسيره إلى آخرته وهو مقبل على دنياه وما يضره أحب إليه مما ينفعه.
١٤ ـ عنه ، عن أبيه ، عن محمد بن عمرو فيما أعلم ، عن أبي علي الحذاء ، عن حريز ، عن زرارة ومحمد بن مسلم ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال أبعد ما يكون العبد من الله عز وجل إذا لم يهمه إلا بطنه وفرجه.
١٥ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن محبوب ، عن عبد الله بن سنان وعبد العزيز العبدي ، عن عبد الله بن أبي يعفور ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال من أصبح وأمسى والدنيا أكبر همه جعل الله تعالى الفقر بين عينيه وشتت أمره ولم ينل
والعمل ، للحالية أي كيف تستحقون أخذ الأجرة والحالأنكم تضيعون العمل« أن يقبل عمله » أي يتوجه إلى أخذ عمله وهو لا يأخذ ولا يقبل إلا العمل الخالص فهو كناية عن الطلب ، ويؤيده أن في مجالس الشيخ أن يطلب عمله أو هو من الإقبال على الحذف والإيصال ، أي يقبل على عمله ، وقال بعض الأفاضل : أريد برب العمل العابد الذي يقلد أهل العلم في عبادته أعني يعمل بما يأخذ عنهم ، وفيه توبيخ لأهل العلم الغير العامل ، وقرأ بعضهم يقيل بالياء المثناة من الإقالة أي يرد عمله فإن المقيل يرد المتاع.
الحديث الرابع عشر : مجهول.
« إذا لم يهمه إلا بطنه وفرجه » أي لا يكون اهتمامه وسعيه وغمه وحزنه إلا في مشتهيات البطن والفرج ، في القاموس : الهم الحزن وما هم به في نفسه ، وهمه الأمر حزنه كأهمه فاهتم ، انتهى.
فالمراد الإفراط فيهما وقصر همته عليهما ، وإلا فللبطن والفرج نصيب عقلا وشرعا وهو ما يحتاج إليه لقوام البدن واكتساب العلم والعمل وبقاء النوع.
الحديث الخامس عشر : صحيح.
من الدنيا إلا ما قسم الله له ومن أصبح وأمسى والآخرة أكبر همه جعل الله
« أكبر همه » أي قصده أو حزنه« جعل الله الفقر بين عينيه » لأنه كلما يحصل له من الدنيا يزيد حرصه بقدر ذلك ، فيزيد احتياجه وفقره ، أو لضعف توكله على الله يسد الله عليه بعض أبواب رزقه ، وقيل : فهو فقير في الآخرة لتقصيره فيما ينفعه فيها وفي الدنيا لأنه يطلبها شديدا والغني من لا يحتاج إلى الطلب ، ولأن مطلوبه كثيرا ما يفوت عنه ، والفقر عبارة عن فوات المطلوب ، وأيضا يبخل عن نفسه وعياله خوفا من فوات الدنيا وهو فقر حاضر« وشتت أمره » التشتيت التفريق لأنه لعدم توكله على ربه لا ينظر إلا في الأسباب ويتوسل بكل سبب ووسيلة فيتحير في أمره ولا يدري وجه رزقه فلا ينتظم أحواله أو لشدة حرصه لا ينتفع بما حصل له ويطلب الزيادة ولا يتيسر له فهو دائما في السعي والطلب ولا ينتفع بشيء وحمله على تفرق أمر الآخرة بعيد« ولم ينل من الدنيا إلا ما قسم له » (١) يدل على أن الرزق مقسوم ، ولا يزيد بكثرة السعي ، كما قال تعالى : «نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا »(٢) ولذلك منع الصوفية من طلب الرزق ، والحق أن الطلب حسن وقد يكون واجبا وتقديره لا ينافي اشتراطه بالسعي والطلب ، ولزومه على الله بدون سعي غير معلوم ، وقيل : قدر سد الرمق واجب على الله ، ويحتمل أن يكون التقدير مختلفا في صورتي الطلب وتركه بأن قدر الله تعالى قدرا من الرزق بدون الطلب لكن مع التوكل التام عليه ، وقدرا مع الطلب لكن شدة الحرص وكثرة السعي لا تزيده ، وبه يمكن الجمع بين أخبار هذا لباب وسيأتي القول فيه في كتاب التجارة إن شاء الله تعالى ، وقيل : المراد بقوله لم ينل من الدنيا إلا ما قسم له أنه لا ينفع إلا بما قسم له وإن زاد بالسعي فإنه يبقى للوارث وهو حظه.
__________________
(١) وفي المتن الموجود عندنا « ما قسم الله له ».
(٢) سورة الزخرف : ٣٢.
الغنى في قلبه وجمع له أمره.
١٦ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن ابن سنان ، عن حفص بن قرط ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال من كثر اشتباكه بالدنيا كان أشد لحسرته عند فراقها.
١٧ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن محبوب ، عن عبد العزيز العبدي ، عن ابن أبي يعفور قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول من تعلق قلبه بالدنيا تعلق قلبه بثلاث خصال هم لا يفنى ـ وأمل لا يدرك ورجاء لا ينال.
وقيل : فيه إشارة إلى أن ذا المال الكثير قد لا ينتفع به بسبب مرض أو غيره وذا المال القليل ينتفع به أكثر منه ، ولا يخفى ما فيه« جعل الله الغنى في قلبه » أي بالتوكل على ربه والاعتماد عليه وإخراج الحرص وحب الدنيا من قلبه لا بكثرة المال وغيره ، ولذا نسبه إلى القلب« وجمع له أمره » أي جعل أحواله منتظمة ، وباله فارغا عن حب الدنيا وتشعب الفكر في طلبها.
الحديث السادس عشر : ضعيف على المشهور.
« من كثر اشتباكه بالدنيا » أي اشتغاله وتعلق قلبه بها يقال : اشتبكت النجوم إذا كثرت وانضمت ، وكل متداخلين مشتبكان ، ومنه تشبيك الأصابع لدخول بعضها في بعض ، والغرض الترغيب في رفض الدنيا وترك محبتها لئلا يشتد الحزن والحسرة في مفارقتها.
الحديث السابع عشر : ضعيف.
« هم لا يفنى » لأنه لا يحصل له ما هو مقتضى حرصه وأمله في الدنيا ولا يمكنه الاحتراز عن آفاتها ومصائبها فهو في الدنيا دائما في الغم لما فات والهم لما لم يحصل ، وإذا مات فهو في أحزان وحسرات من مفارقتها ، ولم يقدم منها شيئا ينفعه فهمه لا يفنى أبدا ، والفرق بين الأمل والرجاء أن متعلق الأمل العمر ، والبقاء في الدنيا ،
ومتعلق الرجاء ما سواه ، أو متعلق الأمل بعيد الحصول ومتعلق الرجاء قريب الوصول ، ومعلوم أن محب الدنيا وطالبها يأمل منها ما لا مطمع في حصوله ، لكن لشدة حرصه يطلبه ويأمله ويرجو الانتفاع بها ، فيحول الأجل بينه وبينها أو يرجو الآخرة وجمعها مع الدنيا ، مع أنه لا يسعى لتحصيل الآخرة ويقصر همه على تحصيل الدنيا ، ونعم ما قيل :
يا طالب الرزق مجتهدا |
أقصر عنانك فإن الرزق مقسوم |
|
لا تحرصن على ما لست تدركه |
إن الحريص على الآمال محروم |
تتمة مهمة قد مر منا تحقيق في معنى الدنيا المذمومة والممدوحة في باب ذم الدنيا ، ونذكر هنا على وجه آخر قال بعض المحققين : اعلم أن معرفة ذم الدنيا لا يكفيك ما لم تعرف الدنيا المذمومة ما هي وما الذي ينبغي أن يجتنب ، فلا بد أن نبين الدنيا المذمومة المأمور باجتنابها لكونها عدوة قاطعة لطريق الله ما هي.
فنقول : دنياك وآخرتك عبارتان عن حالتين من أحوال قلبك والقريب الداني منهما يسمى دنيا ، وهي كل ما قبل الموت ، والمتراخي المتأخر يسمى آخرة وهي ما بعد الموت ، فكل ما لك فيه حظ وغرض ونصيب وشهوة ولذة في عاجل الحال قبل الوفاة فهي الدنيا في حقك ، إلا أن جميع مالك إليه ميل وفيه نصيب وحظ فليس بمذموم ، بل هي تنقسم إلى ثلاثة أقسام :
الأول : ما يصحبك في الدنيا ويبقى معك ثمرته بعد الموت ، وهو شيئان العلم والعمل فقط ، وأعني بالعلم العلم بالله وصفاته وأفعاله وملائكته وكتبه ورسله ، وملكوت أرضه وسمائه ، والعلم بشريعة نبيه ، وأعني بالعمل العبادة الخالصة لوجه الله ، وقد يأنس العالم بالعلم حتى يصير ذلك ألذ الأشياء عنده ، فيهجر النوم والمنكح والمطعم في لذته لأنه أشهى عنده من جميعها ، فقد صار حظا عاجلا
في الدنيا ، ولكنا إذا ذكرنا الدنيا المذمومة لم نعد هذا من الدنيا أصلا ، بل قلنا أنه من الآخرة ، وكذلك العابد قد يأنس بعبادته ويستلذها بحيث لو منعت عنه لكان ذلك أعظم العقوبات عليه ، وهذا أيضا ليس من الدنيا المذمومة.
الثاني : وهو المقابل للقسم الأول على الطرف الأقصى كل ما فيه حظ عاجل ولا ثمرة له في الآخرة أصلا ، كالتلذذ بالمعاصي ، والتنعم بالمباحات الزائدة على قدر الضرورات والحاجات الداخلة في جملة الرفاهية والرعونات كالتنعم بالقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ، والغلمان والجواري والخيول والمواشي والقصور والدور المشيدة ، ورفيع الثياب ولذائذ الأطعمة ، فحظ العبد من هذه كلها هي الدنيا المذمومة ، وفيما يعد فضولا وفي محل الحاجة نظر طويل.
الثالث : وهو متوسط بين الطرفين كل حظ في العاجل معين على الأعمال الآخرة كقدر القوت من الطعام ، والقميص الواحد الخشن ، وكل ما لا بد منه ليتأتى للإنسان البقاء والصحة التي يتوصل إلى العلم والعمل ، وهذا ليس من الدنيا كالقسم الأول ، لأنه معين على القسم الأول ووسيلة فمهما تناوله العبد على قصد الاستعانة على العلم والعمل ، لم يكن به متناولا للدنيا ، ولم يصر به من أبنائها.
وإن كان باعثه الحظ العاجل دون الاستعانة على التقوى التحق بالقسم الثاني وصار من جملة الدنيا.
ولا يبقى مع العبد عند الموت إلا ثلاث : صفاء القلب ، وأنسه بذكر الله ، وحبه لله وصفاء القلب لا يحصل إلا بالكف عن شهوات الدنيا ، والأنس لا يحصل إلا بكثرة ذكر الله ، والحب لا يحصل إلا بالمعرفة ، ولا تحصل المعرفة إلا بدوام الفكر ، فهذه الثلاث هي المنجيات المسعدات بعد الموت ، وهي الباقيات الصالحات ، أما طهارة
القلب عن شهوات الدنيا فهي من المنجيات ، إذ تكون جنة بين العبد وبين عذاب الله وأما الإنس والحب فهما من المسعدات وهي موصلان العبد إلى لذة اللقاء والمشاهدة وهذه السعادة تتعجل عقيب الموت إلى أن يدخل الجنة ، فيصير القبر روضة من رياض الجنة ، وكيف لا يكون كذلك ولم يكن له إلا محبوب واحد ، وكانت العوائق تعوقه عن الأنس بدوام ذكره ومطالعة جماله ، فارتفعت العوائق وأفلت من السجن ، وخلي بينه وبين محبوبة ، فقدم عليه مسرورا آمنا من الفرق ، وكيف لا يكون محب الدنيا عند الموت معذبا ولم يكن له محبوب إلا الدنيا ، وقد غصب منه وحيل بينه وبينه وسدت عليه طرق الحيلة في الرجوع إليه ، وليس الموت عدما إنما هو فراق لمحاب الدنيا وقدوم على الله تعالى.
فإذا سالك طريق الآخرة هو المواظب على أسباب هذه الصفات الثلاث ، وهي الذكر والفكر والعمل الذي يفطمه عن شهوات الدنيا ، ويبغض إليه ملاذها ويقطعه عنها ، وكل ذلك لا يمكن إلا بصحة البدن ، وصحة البدن لا تنال إلا بالقوت والملبس والمسكن ويحتاج كل واحد إلى أسباب.
فالقدر الذي لا بد منه من هذه الثلاثة إذا أخذه العبد من الدنيا للآخرة لم يكن من أبناء الدنيا ، وكانت الدنيا في حقه مزرعة الآخرة ، وإن أخذ ذلك على قصد التنعم ولحظ النفس صار من أبناء الدنيا ، وللراغبين في حظوظها إلا أن الرغبة في حظوظ الدنيا تنقسم إلى ما يعرض صاحبه لعذاب الله في الآخرة ، ويسمى ذلك حراما وإلى ما يحول بينه وبين الدرجات العلى ، ويعرضه لطول الحساب ، ويسمى ذلك حلالا والبصير يعلم أن طول الموقف في عرصات القيامة لأجل المحاسبة أيضا عذاب ، فمن نوقش في الحساب عذب فلذلك قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : حلالها حساب وحرامها عقاب ، وقد قال أيضا : حلالها عذاب إلا أنه عذاب أخف من عذاب الحرام ، بل لو لم يكن الحساب لكان ما يفوت من الدرجات العلى في الجنة ، وما يرد
على القلب من التحسر على تفويتها بحظوظ حقيرة خسيسة لا بقاء لها ، هو أيضا عذاب.
فالدنيا قليلها وكثيرها حلالها وحرامها ملعونة إلا ما أعان على تقوى الله ، كان ذلك القدر ليس من الدنيا ، وكل من كانت معرفته أقوى وأتقن كان حذره من نعيم الدنيا أشد ، ولهذا زوى الله تعالى الدنيا عن نبيناصلىاللهعليهوآلهوسلم فكان يطوي أياما وكان يشد الحجر على بطنه من الجوع ، ولهذا سلط الله البلاء والمحن على الأنبياء والأولياء ثم الأمثل فالأمثل ، كل ذلك نظرا لهم وامتنانا عليهم ليتوفر من الآخرة حظهم ، كما يمنع الوالد الشفيق ولده لذيذ الفواكه ، ويلزمه ألم الفصد والحجامة شفقة عليه ، وحبا له لا بخلا به عليه.
وقد عرفت بهذا أن كل ما ليس لله فهو للدنيا ، وما هو لله فليس من الدنيا فإن قلت : فما الذي هو لله؟
فأقول : الأشياء ثلاثة أقسام ، منها : ما لا يتصور أن يكون لله ، وهو الذي يعبر عنه بالمعاصي والمحظورات ، وأنواع التنعمات في المباحات وهي الدنيا المحضة المذمومة فهي الدنيا صورة ومعنى.
ومنها : ما صورتها لله ويمكن أن يجعل لغير الله ، وهي ثلاثة : الفكر والذكر والكف عن الشهوات ، فهذه الثلاث إذا جرت سرا ولم يكن عليها باعث سوى أمر الله واليوم الآخر فهي لله ، وليست من الدنيا ، وإن كان الغرض من النظر طلب العلم للتشرف وطلب القبول بين الخلق بإظهار المعرفة ، أو كان الغرض من ترك الشهوة حفظ المال أو الحمية لصحة البدن أو الاشتهار بالزهد فقد صار هذا من الدنيا بالمعنى وإن كان يظن بصورتها أنها لله.
ومنها : ما صورتها لحظ النفس ويمكن أن يجعل معناه لله ، وذلك كالأكل والنكاح وكل ما يرتبط به بقاؤه وبقاء ولده ، فإن كان القصد حظ النفس فهو من
الدنيا ، وإن كان القصد الاستعانة على التقوى فهو لله بمعناه ، وإن كان صورته صورة الدنيا ، قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : من طلب الدنيا حلالا مكاثرا مفاخرا لقي الله وهو عليه غضبان ومن طلبها استعفافا عن المسألة وصيانة لنفسه جاء يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر.
انظر كيف اختلف ذلك بالقصد ، فإذا الدنيا حظ نفسك العاجل الذي لا حاجة إليه لأمر الآخرة ويعبر عنه بالهوى ، وإليه أشار قوله تعالى : «وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى »(١) .
واعلم أن مجامع الهوى خمسة أمور ، وهي ما جمعه الله عز وجل في قوله : «أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ »(٢) . والأعيان التي تحصل منها هذه الأمور سبعة يجمعها قوله تعالى : «زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ »(٣) فقد عرفت أن كلما هو لله فليس من الدنيا ، وقدر ضرورة القوت وما لا بد منه من مسكن وملبس فهو لله إن قصد منه وجه الله ، والاستكثار منه تنعم وهو لغير الله ، وبين التنعم والضرورة درجة يعبر عنها بالحاجة ، ولها طرفان وواسطة ، طرف يقرب من حد الضرورة فلا يضر فإن الاقتصار على حد الضرورة غير ممكن ، وطرف تتاخم جانب التنعم ويقرب منه ، وينبغي أن يحذر ، وبينهما وسائط متشابهة ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه ، والحزم في الحذر والتقوى والتقرب حد الضرورة ما أمكن اقتداء بالأنبياء والأولياء.
__________________
(١) سورة النازعات : ٤٠ ـ ٤١.
(٢) سورة محمّد : ٣٦.
(٣) سورة آل عمران : ١٤.
ثم قال : اعلم أن الدنيا عبارة من أعيان موجودة وللإنسان فيها حظ وله في إصلاحها شغل ، فهذه ثلاثة أمور قد يظن أن الدنيا عبارة عن آحادها وليس كذلك أما الأعيان الموجودة التي الدنيا عبارة عنها فهي الأرض وما عليها ، قال الله تعالى : «إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً »(١) فالأرض فراش للآدميين ومهاد ومسكن ومستقر ، وما عليها لهم ملبس ومطعم ومشرب ومنكح ، ويجمع ما على الأرض ثلاثة أقسام : المعادن والنبات والحيوان ، أما المعادن فيطلبها الآدمي للآلات والأواني كالنحاس والرصاص ، أو للنقد كالذهب والفضة ولغير ذلك من المقاصد وأما النبات فيطلبها الآدمي للاقتيات وللتداوي ، وأما الحيوان فينقسم إلى الإنسان والبهائم ، أما البهائم فيطلب لحومها للمأكل وظهورها للمركب والزينة ، وأما الإنسان فقد يطلب الآدمي أن يملك أبدان الناس ليستخدمهم ويستسخرهم كالغلمان ، أو ليتمتع بهم كالجواري والنسوان ، ويطلب قلوب الناس ليملكها فيغرس فيه التعظيم والإكرام ، وهو الذي يعبر عنه بالجاه ، إذ معنى الجاه ملك قلوب الآدميين.
فهذه هي الأعيان التي يعبر عنها بالدنيا ، وقد جمعها الله تعالى في قوله : «زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ » وهذا من الأنس «وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ » وهذا من المعادن والجواهر وفيه تنبيه على غيرها من اللئالي واليواقيت «وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ » وهي البهائم والحيوانات «وَالْحَرْثِ » وهو النبات والزرع.
فهذه هي أعيان الدنيا إلا أن لها مع العبد علاقتين علاقة مع القلب ، وهو حبه لها وحظه منها ، وانصراف قلبه إليها ، حتى يصير قلبه كالعبد ، أو المحب المستهتر بالدنيا ويدخل في هذه العلاقة جميع صفات القلب المتعلقة بالدنيا كالكبر والغل
__________________
(١) سورة الكهف : ٧.
والحسد ، والرياء والسمعة وسوء الظن والمداهنة وحب الثناء وحب التكاثر والتفاخر فهذه هي الدنيا الباطنة وأما الظاهرة فهي الأعيان التي ذكرناها ، والعلاقة الثانية مع البدن وهو اشتغاله بإصلاح هذه الأعيان ليصلح لحظوظه وحظوظ غيره وهي جملة الصناعات والحرف التي الخلق مشغولون بها ، والخلق إنما تسعى أنفسهم ومالهم ومنقلبهم لهاتين العلاقتين علاقة القلب بالحب وعلاقة البدن بالشغل.
ولو عرف نفسه وعرف ربه وعرف حكمة الدنيا وسرها ، علم أن هذه الأعيان التي سميتها دنيا لم تخلق إلا لعلف الدابة التي تسير بها إلى الله تعالى ، وأعني بالدابة البدن فإنه لا يبقى إلا بمطعم وملبس ومسكن ، كما لا يبقى الإبل في طريق الحج إلا بعلف وماء وجلال.
ومثال العبد في نسيانه نفسه ومقصده مثال الحاج الذي يقف في منازل الطريق ولا يزال يعلف الدابة ويتعهدها وينظفها ويكسوها ألوان الثياب ، ويحمل إليها أنواع الحشيش ، ويبرد لها الماء بالثلج ، حتى تفوته القافلة وهو غافل عن الحج وعن مرور القافلة ، وعن بقائه في البادية ، فريسة للسباع هو وناقته ، والحاج البصير لا يهمه من أمر الجمل إلا القدر الذي يقوى به على المشي فيتعهده وقلبه إلى الكعبة والحج وإنما يلتفت إلى الناقة بقدر الضرورة ، فكذلك البصير في سفر الآخرة لا يشتغل بتعهد البدن إلا بالضرورة ، كما لا يدخل الماء إلا للضرورة ، ولا فرق بين إدخال الطعام في البدن وبين إخراجه من البطن ، وأكثر ما شغل الناس عن الله البدن ، فإن القوت ضروري وأمر الملبس والمسكن أهون ، ولو عرفوا سبب الحاجة إلى هذه الأمور واقتصروا عليها لم تستغرقهم أشغال الدنيا فإنما استغرقتهم لجهلهم بالدنيا وحكمتها وحظوظهم منها ، ولكنهم جهلوا وغفلوا وتتابعت أشغال الدنيا واتصلت بعضها ببعض ، وتداعت إلى غير نهاية محدودة فتاهوا في كثرة الأشغال ونسوا مقصودها.
وأما تفاصيل أشغال الدنيا وكيفية حدوث الحاجة إليها وانجرار بعضها إلى بعض فمما يطول ذكرها وخارج عن مقصود كتابنا.
وإذا تأملت فيها علمت أن الإنسان لاضطراره إلى القوت والمسكن والملبس يحتاج إلى خمس صناعات ، وهي الفلاحة لتحصيل النبات ، والرعاية لحفظ الحيوانات واستنتاجها ، والاقتناص لتحصيل ما خلق الله من صيد أو معدن أو حشيش أو حطب ، والحياكة للباس ، والبناء للمسكن ، ثم يحتاج بسبب ذلك إلى التجارة والحدادة والخرز أي إصلاح جلود الحيوانات وأجزائها ، ثم لبقاء النوع إلى المنكح ثم إلى حفظ الولد وتربيته ثم لاجتماعهم إلى قرية يجتمعون فيها ، ثم إلى قاض وحاكم يتحاكمون إليه ، ثم إلى جند يحرسهم عن الأعادي ثم إلى خراج يعان به الجند ثم إلى عمال وخزان لذلك ، ثم إلى ملك يدبرهم ، وأمير مطاع وقائد على كل طائفة منهم.
فانظر كيف ابتداء الأمر من حاجة القوت والمسكن والملبس وإلى ما ذا انتهى وهكذا أمور الدنيا لا يفتح منها باب إلا وينفتح منها بسببه عشرة أبواب أخر وهكذا يتناهى إلى حد غير محصور ، وكأنها هاوية لا نهاية لعمقها ، ومن وقع في مهواة منها سقط عنها إلى أخرى وهكذا على التوالي ، فهذه هي الحرف والصناعات ، ويتفرع عليها أيضا بناء الحوانيت والخانات للمتحرفة والتجار وجماعة يتجرون ويحملون الأمتعة من بلد إلى بلد ، ويتفرع عليها الكراية والإجارة ، ثم يحدث بسبب البيوع والإجارات وأمثالها الحاجة إلى النقدين لتقع المعاملة بهما فاتخذت النقود من الذهب والفضة والنحاس ، ثم مست الحاجة إلى الضرب والنقش والتقدير فحدث الحاجة إلى دار الضرب وإلى الصيارفة فهذه أشغال الخلق وهي معائشهم وشيء من هذه الحرف لا يمكن مباشرته إلا بنوع تعلم وتعب في الابتداء.
وفي الناس من يغفل عن ذلك في الصبا فلا يشتغل به أو يمنعه مانع فيبقى
عاجزا فيحتاج إلى أن يأكل مما سعى فيه غيره فتحدث فيه حرفتان خسيستان اللصوصية والكدية ، وللصوص أنواع ولهم حيل شتى في ذلك ، وأما التكدي فله أسباب مختلفة ، فمنهم من يطلب ذلك بالتمسخر والمحاكاة والشعبذة والأفعال المضحكة ، وقد يكون بالأشعار مع النغمة أو غيرها في المدح ، أو التعشق أو غيرهما ، أو تسليم ما يشبه العوض وليس بعوض كبيع التعويذات والطلسمات ، وكأصحاب القرعة والفال والزجر من المنجمين ، ويدخل في هذا الجنس الوعاظ المتكدون على رؤوس المنابر.
فهذه هي أشغال الخلق وأعمالهم التي أكبوا عليها وجرهم إلى ذلك كله الحاجة إلى القوت والكسوة ، ولكن نسوا في أثناء ذلك أنفسهم ومقصودهم ومنقلبهم ومالهم ، فضلوا وتاهوا وسبق إلى عقولهم الضعيفة بعد أن كدرها زحمة أشغال الدنيا خيالات فاسدة ، وانقسمت مذاهبهم واختلفت آراؤهم على عدة أوجه.
فطائفة غلبت عليهم الجهل والغفلة فلم ينفتح أعينهم للنظر إلى عاقبة أمرهم ، فقالوا المقصود أن نعيش أياما في الدنيا فنجهد حتى نكسب القوت ثم نأكل حتى نقوى على الكسب ثم نكتسب حتى نأكل ، فيأكلون ليكسبوا ، ويكسبون ليأكلوا فهذه مذاهب المداحين والمتحرفين ومن ليس لهم تنعم في الدنيا ولا قدم في الدين.
وطائفة أخرى زعموا أنهم تفطنوا للأمر وهو أن ليس المقصود أن يشقي الإنسان ولا يتنعم في الدنيا بل السعادة في أن يقضي وطره من شهوات الدنيا وهي شهوة البطن والفرج ، فهؤلاء طائفة نسوا أنفسهم وصرفوا همتهم إلى اتباع النسوان وجمع لذائذ الأطعمة ، يأكلون كما تأكل الأنعام ويظنون أنهم إذا نالوا ذلك فقد أدركوا غايات السعادات ، فيشغلهم ذلك عن الله واليوم الآخر.
وطائفة ظنوا أن السعادة في كثرة المال والاستغناء بكنز الكنوز ، فأسهروا ليلهم ونهارهم في الجمع ، فهم يتعبون في الأسفار طول الليل والنهار ، يترددون
في الأعمال الشاقة ويكسبون ويجمعون ولا يأكلون إلا قدر الضرورة شحا وبخلا عليها أن تنقص ، وهذه لذتهم وفي ذلك دأبهم وحركتهم إلى أن يأتيهم الموت فيبقى تحت الأرض أو يظفر به من يأكله في الشهوات واللذات ، فيكون للجامع تعبها ووبالها وللآكل لذتها وحسابها.
ثم إن الذين يجمعون ينظرون إلى أمثال ذلك في أشباههم وأمثالهم فلا يعتبرون.
وطائفة زعموا أن السعادة في حسن الاسم وانطلاق الألسن بالثناء والمدح بالتجمل والمروة فهؤلاء يتعبون في كسب المعايش ويضيقون على أنفسهم في المطعم ويصرفون جميع مالهم إلى الملابس الحسنة والدواب النفيسة ، ويزخرفون أبواب الدور وما يقع عليه أبصار الناس حتى يقال إنه غني وأنه ذو ثروة ويظنون أن ذلك هو السعادة ، فهمتهم في ليلهم ونهارهم في تعهد موقع نظر الناس.
وطائفة أخرى ظنوا أن السعادة في الجاه والكرامة بين الناس ، وانقياد الخلق بالتواضع والتوقير ، فصرفوا همتهم إلى استجرار الناس إلى الطاعة بطلب الولاية وتقلد الأعمال السلطانية لينفذوا أمرهم بها على طائفة من الناس ، ويرون أنهم إذا اتسعت ولايتهم وانقادت لهم رعاياهم فقد سعدوا سعادة عظيمة ، وأن ذلك غاية المطلب ، وهذا أغلب الشهوات على قلوب المتغافلين من الناس ، فهؤلاء شغلهم حب تواضع الناس لهم عن التواضع لله وعن عبادته ، وعن التفكر في آخرتهم ومعادهم.
ووراء هذا طوائف يطول حصرها تزيد على نيف وسبعين فرقه كلهم ضلوا وأضلوا من سواء السبيل ، وإنما جرهم إلى جميع ذلك حاجة المطعم والملبس والمسكن فنسوا ما يراد له هذه الأمور الثلاثة ، والقدر الذي يكفي منها وانجرت بهم أوائل أسبابها إلى أواخرها ، وتداعت لهم إلى مبادئ لم يمكنهم الترقي منها ،
فمن عرف وجه الحاجة إلى هذه الأسباب والأشغال وعرف غاية المقصود منها فلا يخوض في شغل وحرفة وعمل إلا وهو عالم بمقصوده ، وعالم بحظه ونصيبه منه ، وأن غاية مقصوده تعهد بدنه بالقوت والكسوة حتى لا يهلك.
وذلك إن سلك فيه سبيل التقليل اندفعت الأشغال وفرغ القلب وغلب عليه ذكر الآخرة ، وانصرف الهمة إلى الاستعداد له ، وإن تعدى به قدر الضرورة كثرة الأشغال ، وتداعى البعض إلى البعض وتسلسل إلى غير النهاية فتشعب به الهموم ومن تشعب به الهموم في أودية الدنيا فلا يبال الله في أي واد أهلكه ، فهذا شأن المنهمكين في أشغال الدنيا.
وتنبه لذلك طائفة فأعرضوا عن الدنيا فحسدهم الشيطان فلم يتركهم وأضلهم في الأغراض أيضا حتى انقسموا إلى طوائف ، فظنت طائفة أن الدنيا دار بلاء ومحنة والآخرة دار سعادة لكل من وصل إليها ، سواء تعبد في الدنيا أو لم يتعبد ، فرأوا أن الصواب في أن يقتلوا أنفسهم للخلاص من محنة الدنيا ، وإليه ذهب طوائف من عباد الهند فهم يتهجمون على النار ويقتلون أنفسهم بالإحراق ، ويظنون أن ذلك خلاص منهم من سجن الدنيا.
وظنت طائفة أخرى أن القتل لا يخلص بل لا بد أولا من إماتة الصفات البشرية وقلعها عن النفس بالكلية ، وأن السعادة في قطع الشهوة والغضب ثم أقبلوا على المجاهدة فشددوا حتى هلك بعضهم بشدة الرياضة ، وبعضهم فسد عقله وجن ، وبعضهم مرض وانسدت عليه طرق العبادة ، وبعضهم عجز عن قمع الصفات بالكلية ، فظن أن ما كلفه الشرع محال ، وأن الشرع تلبيس لا أصل له ، فوقع في الإلحاد والزندقة.
وظهر لبعضهم أن هذا التعب كله لله ، وأن الله مستغن عن عبادة العباد ، لا ينقصه عصيان عاص ولا يزيده عبادة عابد ، فعادوا إلى الشهوات وسلكوا مسالك الإباحة
فطووا بساط الشرع والأحكام ، وزعموا أن ذلك من صفاء توحيدهم حيث اعتقدوا أن الله مستغن عن عبادة العباد.
وظن طائفة أخرى أن المقصود من العبادات المجاهدة حتى يصل العبد بها إلى معرفة الله سبحانه ، فإذا حصلت المعرفة فقد وصل ، وبعد الوصال يستغني عن الوسيلة والحيلة ، فتركوا السعي والعبادة وزعموا أنه ارتفع محلهم في معرفة الله سبحانه سبحانه أن يمتحنوا بالتكاليف ، وإنما التكليف على عوام الخلق.
ووراء هذا مذاهب باطلة وضلالة هائلة وخيالات فاسدة يطول إحصاؤها إلى أن يبلغ نيفا وسبعين فرقة ، وإنما الناجي منها فرقة واحدة وهي السالكة ما كان عليه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأصحابه ، وهو أن لا يترك الدنيا بالكلية ولا يقمع الشهوات بالكلية أما الدنيا فيأخذ منها قدر الزاد ، وأما الشهوات فيقمع منها ما يخرج عن طاعة الشرع والعقل فلا يتبع كل شهوة ولا يترك كل شهوة ، بل يتبع العدل ، ولا يترك كل شيء من الدنيا ولا يطلب كل شيء من الدنيا ، بل يعلم مقصود كل ما خلق من الدنيا ويحفظه على حد مقصوده ، فيأخذ من القوت ما يقوى به البدن على العبادة ، ومن المسكن ما يحفظ به من اللصوص والحر والبرد ، ومن الكسوة كذلك حتى إذا فرغ القلب من شغل البدن أقبل على الله بكنه همه ، واشتغل بالذكر والفكر طول العمر ، وبقي ملازما لسياسة الشهوات ، ومراقبا لها حتى لا يجاوز حدود الورع والتقوى(١) .
ولا يعلم تفصيل ذلك إلا بالاقتداء بالفرقة الناجية الذين صحت عقائدهم واتبعوا الرسول والأئمة الهدى صلوات الله عليهم في أقوالهم وأفعالهم ، فإنهم ما كانوا يأخذون الدنيا للدنيا ، بل للدين ، وما كانوا يترهبون ويهجرون الدنيا بالكلية وما كان لهم في الأمور تفريط ولا إفراط بل كانوا بين ذلك قواما ، وذلك هو العدل
__________________
(١) إلى هنا تلخيص لكلام الغزالى في احياء العلوم والباقي من كلام الشارح (ره).
(باب الطمع )
١ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن علي بن حسان عمن حدثه ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال ما أقبح بالمؤمن أن تكون له رغبة تذله.
٢ ـ عنه ، عن أبيه عمن ذكره بلغ به أبا جعفرعليهالسلام قال بئس العبد عبد له طمع يقوده وبئس العبد عبد له رغبة تذله.
٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن القاسم بن محمد ، عن المنقري ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري قال قال علي بن الحسينعليهالسلام رأيت الخير كله قد اجتمع في قطع الطمع عما في أيدي الناس.
والوسط بين الطرفين وهو أحب الأمور إلى الله تعالى والله المستعان.
باب الطمع
الحديث الأول : ضعيف.
و « ما أقبح » صيغة تعجب« وأن تكون » مفعوله ، والمرادالرغبة إلى الناس بالسؤال عنهم ، وهي التي تصير سببا للمذلة ، وأما الرغبة إلى الله فهي عين العزة والصفة تحتمل الكاشفة والموضحة.
الحديث الثاني : مرسل.
ولعل المرادبالطمع ما في القلب من حب ما في أيدي الناس وأمله ، وبالرغبة إظهار ذلك ، والسؤال والطلب من المخلوق يناسب الأول ، كما أن الذلة تناسب الثاني.
الحديث الثالث : ضعيف.
« رأيت الخير كله » أي الرفاهية وخير الدنيا وسعادة الآخرة ، لأن الطمع يورث الذل والحقارة والحسد والحقد والعداوة والغيبة والوقيعة وظهور الفضائح والظلم والمداهنة والنفاق والرياء والصبر على باطل الخلق والإعانة عليه وعدم التوكل
٤ ـ محمد بن يحيى ، عن محمد بن أحمد ، عن بعض أصحابنا ، عن علي بن سليمان بن رشيد ، عن موسى بن سلام ، عن سعدان ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قلت له [ ما ] الذي يثبت الإيمان في العبد قال الورع والذي يخرجه منه قال الطمع.
(باب الخرق )
١ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن أبي عبد الله ، عن أبيه عمن حدثه ، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال من قسم له الخرق حجب عنه الإيمان.
على الله والتضرع إليه والرضا بقسمته والتسليم لأمره ، إلى غير ذلك من المفاسد التي لا تحصى ، وقطع الطمع يورث أضداد هذه الأمور التي كلها خيرات.
الحديث الرابع : مرسل.
والورع اجتناب المحرمات والشبهات وفي المقابلة إشعار بأن الطمع يستلزم ارتكابهما.
باب الخرق
الحديث الأول : مرسل.
والظاهر أنالخرق عدم الرفق في القول والفعل ، في القاموس : الخرق بالضم والتحريك ضد الرفق ، وأن لا يحسن الرجل العمل والتصرف في الأمور ، والحمق وفي النهاية : فيه الرفق يمن والخرق شؤم ، الخرق بالضم : الجهل والحمق ، انتهى.
وإنما كان الخرق مجانبا للإيمان لأنه يؤذي المؤمنين ، والمؤمن من أمن المسلمون من يده ولسانه ، ولأنه لا يتهيأ له طلب العلم الذي به كمال الإيمان ، وهو مجانب لكثير من صفات المؤمنين كما مر ، ثم أنه إنما يكون مذموما إذا أمكن الرفق ولم ينته إلى حد المداهنة في الدين ، كما قال أمير المؤمنينعليهالسلام
٢ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن النعمان ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لو كان الخرق خلقا يرى ما كان شيء مما خلق الله أقبح منه.
(باب سوء الخلق )
١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال إن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل.
٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال النبيصلىاللهعليهوآله أبى الله عز وجل لصاحب الخلق السيئ بالتوبة
وأرفق ما كان الرفق أرفق ، واعتزم بالشدة حين لا يغني عنك ، أي الرفق أو إلا الشدة.
الحديث الثاني : ضعيف.
باب سوء الخلق
الحديث الأول : حسن كالصحيح.
وسوء الخلق وصف للنفس يوجب فسادها وانقباضها وتغيرها على أهل الخلطة والمعاشرة ، وإيذائهم بسبب ضعيف أو بلا سبب ، ورفض حقوق المعاشرة وعدم احتمال ما لا يوافق طبعه منهم ، وقيل : هو كما يكون مع الخلق يكون مع الخالق أيضا ، بعدم تحمل ما لا يوافق طبعه من النوائب ، والاعتراض عليه ، ومفاسده وآفاته في الدنيا والدين كثيرة ، منها : أنهيفسد العمل بحيث لا يترتب عليه ثمرته المطلوبة منه« كما يفسد الخل العسل » وهو تشبيه المعقول بالمحسوس ، وإذا أفسد العمل أفسد الإيمان كما سيأتي.
الحديث الثاني : ضعيف على المشهور.
والآباء بالتوبة يحتمل الإباء بوقوعها والإباء بقبولها ، والسائل سأل عن حاله
قيل وكيف ذاك يا رسول الله قال لأنه إذا تاب من ذنب وقع في ذنب أعظم منه.
٣ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن إسماعيل بن مهران ، عن سيف بن عميرة عمن ذكره ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال إن سوء الخلق ليفسد الإيمان كما يفسد الخل العسل.
٤ ـ عنه ، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع ، عن عبد الله بن عثمان ، عن الحسين بن مهران ، عن إسحاق بن غالب ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال من ساء خلقه عذب نفسه.
وسببه ، مع أن باب التوبة مفتوح للمذنبين ، والله عز وجل «يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ » والجواب أن الخلق السيء يمنع صاحبه من التوبة ، ومن البقاء عليها لو تاب ، حتى إذا تاب من ذنب وقع عقبه في ذنب أعظم منه ، لأن ذلك الخلق إذا لم يعالج يعظم ويشتد يوما فيوما ، فالذنب الآخر أعظم من الأول ، وإنما يتحقق تخلصه بمعالجة هذه الرذيلة بمعالجات علمية وعملية ، كما هو المعروف في معالجة سائر الصفات الذميمة ، وقيل : كونه أعظم لأن نقض التوبة ذنب مقرون بذنب آخر ، وهما أعظم من الأول وله وجه ، ولكن الأول أظهر.
الحديث الثالث : مرسل وقد مر.
الحديث الرابع : ضعيف.
« عذب نفسه » لأن نفسه منه في تعب ، إذ هيجان الغضب والحركات الروحانية والجسمانية مما يضر ببدنه وروحه ، ويندم عما فعل بعد سكون الغضب ويلوم نفسه وأيضا لا يتحمل الناس منه ذلك غالبا ويؤذونه ويهجرون عنه ، ولا يعينونه في شيء ، ولما كان هو الباعث لذلك كأنه عذب نفسه.
ثم اعلم أنه يمكن أن يكون المراد بهذا الخبر وأشباهه مطلق الأخلاق السيئة كالكبر والحسد والحقد وأشباهها ، فإنها كلها مما يوقع الإنسان في المفاسد العظيمة الدنيوية أيضا ، ويورث ضعف الإيمان ونقص الأعمال ، وقد أول بعض
٥ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن محمد بن عبد الحميد ، عن يحيى بن عمرو ، عن عبد الله بن سنان قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام أوحى الله عز وجل إلى بعض أنبيائه الخلق السيئ يفسد العمل كما يفسد الخل العسل.
(باب السفه )
١ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن شريف بن سابق ، عن الفضل بن أبي غرة ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال إن السفه خلق لئيم يستطيل على
المحققين قوله تعالى : «وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ »(١) بذلك.
الحديث الخامس : ضعيف على المشهور.
باب السفه
الحديث الأول : ضعيف.
والسفه خفة العقل ، والمبادرة إلى سوء القول والفعل بلا روية ، وفي النهاية السفه في الأصل الخفة والطيش ، وسفه فلان رأيه إذا كان مضطربا لا استقامة له ، والسفيه الجاهل ، وفي القاموس : السفه محركة خفة الحلم أو نقيضه ، أو الجهل وسفه ـ كفرح وكرم ـ علينا جهل كتسافه ، فهو سفيه ، والجمع سفهاء وسافهه شاتمه وسفه صاحبه كنصر غلبه في المسافهة ، انتهى.
وقوله : خلق لئيم بضم الخاء وجر لئيم بالإضافة فالوصفان بعده للئيم ، ويمكن أن يقرأ لئيم بالرفع على التوصيف فيمكن أن يقرأ بكسر الفاء وفتحها وضم الخاء وفتحها ، فالإسناد على أكثر التقادير في الأوصاف على التوسع والمجاز ، أو يقدر مضاف في السفه على بعض التقادير ، أو فاعللقوله : يستطيل أي صاحبه فتفطن.
وقيل : السفه قد يقابل الحكمة الحاصلة بالاعتدال في القوة العقلية ، وهو
__________________
(١) سورة التوبة : ٤٩.
من [ هو ] دونه ويخضع لمن [ هو ] فوقه.
٢ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن بعض أصحابه ، عن أبي المغراء ، عن الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال لا تسفهوا فإن أئمتكم ليسوا بسفهاء.
وقال أبو عبد اللهعليهالسلام من كافأ السفيه بالسفه فقد رضي بما أتى إليه حيث احتذى مثاله.
وصف للنفس يبعثها على السخرية والاستهزاء والاستخفاف والجزع والتملق وإظهار السرور عند تألم الغير والحركات الغير المنتظمة ، والأقوال والأفعال التي لا تشابه أقوال العقلاء وأفعالهم ، ومنشأه الجهل وسخافة الرأي ، ونقصان العقل ، وقد يقابل الحلم بالاعتدال في القوة الغضبية ، وهو وصف للنفس يبعثها على البطش والضرب والشتم والخشونة ، والتسلط والغلبة والترفع ومنشأه الفساد في تلك القوة ، وميلها إلى طرف الإفراط ، ولا يبعد أن ينشأ من فساد القوة الشهوية أيضا انتهى.
وأقول : الظاهر أن المراد به مقابل الحلم كما مر في حديث جنود العقل والجهل.
الحديث الثاني : مرسل.
« لا تسفهوا » نقل عن المبرد وتغلب أن سفه بالكسر متعد ، وبالضم لازم فإن كسرت الفاء هنا كان المفعول محذوفا ، أي لا تسفهوا أنفسكم ، والخطاب للشيعة كلهم ، والغرض من التعليل هو الترغيب في الأسوة ، وكأنه تنبيه على أنكم إن سفهتم نسب من خالفكم السفه إلى أئمتكم كما ينسب الفعل إلى المؤدب.
« وقال » الظاهر أنه من تتمة الخبر السابق ويحتمل أن يكون خبرا آخر مرسلا.« من كافأ » يستعمل بالهمزة وبدونها ، والأصل الهمزة« بما أتى إليه » على بناء المجرد ، أي جاء إليه من قبل خصمه ، فالمستتر راجع إلى الموصول ، أو التقدير أتى به إليه ، فالمستتر للخصم ، وفي المصباح أنه يأتي متعديا ، وقد يقرأ آتى على بناء الأفعال أو المفاعلة« حيث احتذى » تعليل للرضا ، وفي القاموس : احتذى مثاله
٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن محبوب ، عن عبد الرحمن بن الحجاج ، عن أبي الحسن موسىعليهالسلام في رجلين يتسابان فقال البادي منهما أظلم ووزره ووزر صاحبه عليه ما لم يتعد المظلوم.
اقتدى به ، وفيه ترغيب في ترك مكافأة السفهاء كما قال تعالى : «وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً »(١) .
الحديث الثالث : حسن كالصحيح.
« البادي منهما أظلم » أي إن صدر الظلم عن صاحبه أيضا فهو أشد ظلما لابتدائه أو لما كان فعل صاحبه في صورة الظلم أطلق عليه الظلم مجازا« ما لم يتعد المظلوم » سيأتي الخبر في باب السباب باختلاف في أول السند ، وفيه ما لم يعتذر إلى المظلوم ، وعلى ما هنا كان المعنى ما لم يتعد المظلوم ما أبيح له من مقابلته ، فالمراد بوزر صاحبه الوزر التقديري ، ويؤيد ما هنا ما رواه مسلم في صحيحه عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : المتسابان ما قالا فعلى البادي ما لم يعتد المظلوم ، قال الطيبي : أي الذين يشتمان كل منهما الآخر ، و « ما » شرطية أو موصولة ، فعلى البادي ، جزاء أو خبر أي إثم ما قالا على البادي إذا لم يعتد المظلوم ، فإذا تعدى يكون عليهما ، انتهى.
وقال الراوندي (ره) في شرح هذا الخبر في ضرير الشهاب :السب الشتم القبيح وسميت الإصبع التي تلي الإبهام سبابة لإشارتها بالسب كما سميت مسبحة لتحريكها في التسبيح ، يقولصلىاللهعليهوآلهوسلم : إن ما يتكلم به المتسابان ترجع عقوبته على البادي ، لأنه السبب في ذلك ، ولو لم يفعل لم يكن ، ولذلك قيل : البادي أظلم والذي يجيب ليس بملوم كل الملامة ، كما قال تعالى : «وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ »(٢) على أن الواجب على المشتوم أن يحتمل ويحلم ولا يطفئ النار بالنار ، فإن النارين إذا اجتمعا كان أقوى لهما فيقول تغليظا لأمر
__________________
(١) سورة الفرقان : ٦٣.
(٢) سورة الشورى : ٤١.
الشاتم أن ما يجري بينهما من التشاتم عقوبته تركب البادي لكونه سببا لذلك ، هذا إذا لم يتجاوز المظلوم حده في الجواب ، فإذا تجاوز وتعدى كانا شريكين في الوزر والوبال ، والكلام وارد مورد التغليظ وإلا فالمشتوم ينبغي أن لا يجيب ولا يزيد في الشر ولا تكون عقوبة فعل المشتوم على الشاتم ، إن للشاتم في فعله أيضا نصيبا من حيث كان سببه ، وإلا فكل مأخوذ بفعله ، انتهى.
وأقول : الحاصل أن أثم سباب المتسابين على البادي ، أما إثم ابتدائه فلان السب حرام وفسق لحديث سباب المؤمن فسق ، وقتاله كفر ، وأما إثم سب الراد فلأن البادي هو الحامل له على الرد ، وإن كان منتصرا فلا إثم على المنتصر ، لقوله تعالى : «وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ » الآية ، لكن الصادر منه هو سب يترتب عليه الإثم ، إلا أن الشرع أسقط عنه المؤاخذة ، وجعلها على البادي للعلة المتقدمة ، وإنما أسقطها منه ما لم يتعد فإن تعدى كان هو البادي في القدر الزائد ، والتعدي بالرد قد يكون بالتكرار مثل أن يقول البادي يا كلب ، فيرد عليه مرتين ، وقد يكون بالأفحش كما لو قال له : يا سنور ، فيقول في الرد : يا كلب ، وإنما كان هذا تعديا لأن الرد بمنزلة القصاص ، والقصاص إنما يكون بالمثل ، ثم الراد أسقط حقه على البادي ، ويبقى على البادي حق الله لقدومه على ذلك.
ولا يبعد تخصيص تحمل البادي إثم الراد بما إذا لم يكن الرد كذبا والأول قذفا فإنه إذا كان الرد كذبا مثل أن يقول البادي : يا سارق وهو صادق فيقول الراد : بل أنت سارق وهو كاذب ، أو يكون الأول قذفا مثل أن يقول البادي يا زاني فيقول الراد : بل أنت الزاني ، فالظاهر أن إثم الرد على الراد ، وبالجملة إنما يكون الانتصار إذا كان السب مما تعارف السب به عند التأديب كالأحمق
والجاهل والظالم وأمثالها ، فأمثال هذه إذا رد بها لا إثم على الراد ويعود إثمه على البادي.
وأقول : الآيات والأخبار الدالة على جواز المعارضة بالمثل كثيرة ، فمن الآيات قوله تعالى : «فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ »(١) قال الطبرسيرحمهالله : أي ظلمكم «فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ » أي فجازوه باعتدائه وقابلوه بمثله ، والثاني ليس باعتداء على الحقيقة ، ولكن سماه اعتداء لأنه مجازاة اعتداء وجعله مثله وإن كان ذلك جورا وهذا عدلا ، لأنه مثله في الجنس ، وفي مقدار الاستحقاق ، ولأنه ضرر كما أن ذلك ضرر فهو مثله في الجنس والمقدار والصفة ، وقال : وفيها دلالة على أن من غصب شيئا وأتلفه يلزمه رد مثله.
ثم إن المثل قد يكون من طريق الصورة في ذوات الأمثال ، ومن طريق المعنى كالقيامة فيما لا مثل له ، وقال المحقق الأردبيليقدسسره : واتقوا الله باجتناب المعاصي فلا تظلموا ولا تمنعوا عن المجازاة ، ولا تتعدوا في المجازاة عن المثل والعدل وحقكم. ففيها دلالة على تسليم النفس وعدم المنع عن المجازاة والقصاص ، وعلى وجوب الرد على الغاصب المثل أو القيمة ، وتحريم المنع والامتناع عن ذلك ، وجواز الأخذ بل وجوبه إذا كان تركه إسرافا فلا يترك إلا أن يكون حسنا ، وتحريم التعدي والتجاوز عن حده بالزيادة صفة أو عينا ، بل في الأخذ بطريق يكون تعديا ولا يبعد أيضا جواز الأخذ خفية أو جهرة من غير رضاه على تقدير امتناعه من الإعطاء كما قاله الفقهاء من طريق المقاصة.
ولا يبعد عدم اشتراط تعذر إثباته عند الحاكم ، بل على تقدير الإمكان أيضا ولا إذنه بل يستقل ، وكذا في غير المال من الأذى فيجوز الأذى بمثله من غير إذن الحاكم وإثباته عنده ، وكذا القصاص إلا أن يكون جرحا لا يجري فيه القصاص أو ضربا لا يمكن
__________________
(١) سورة البقرة : ١٩٤.
حفظ المثل ، أو فحشا لا يجوز القول والتلفظ به مما يقولون بعدم جوازه مطلقا ، مثل الرمي بالزنا ، ويدل عليه أيضا قوله سبحانه : «وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ »(١) قال في المجمع : قيل : نزلت لما مثل المشركون بقتلي أحد وحمزة رضي الله عنهم وقال المسلمون : لئن أمكننا الله لنمثلن بالأحياء فضلا عن الأموات ، وقيل : إن الآية عامة في كل ظلم كغصب أو نحوه ، فإنما يجازى بمثل ما عمل «وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ » أي تركتم المكافاة والقصاص وجرعتم مرارته «لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ».
ويدل عليه أيضا قوله سبحانه : «وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ »(٢) في المجمع أي ممن بغى عليهم من غير أن يعتدوا ، وقيل : جعل الله المؤمنين صنفين صنف يعفون في قوله : «وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ »(٣) وصنف ينتصرون ثم ذكر تعالى حد الانتصار فقال : «وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها »(٤) قيل : هو جواب القبيح إذا قال أخزاك الله تقول أخزاك الله من غير أن تعتدي ، وقيل : يعني القصاص في الجراحات والدماء ، وسمي الثانية سيئة على المشاكلة «فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ » أي فمن عفا عما له المؤاخذة به وأصلح أمره فيما بينه وبين ربه فثوابه على الله «إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ، وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ »(٥) معناه من انتصر لنفسه وانتصف من ظالمه بعد ظلمه أضاف الظلم إلى المظلوم ، أي بعد أن ظلم وتعدى عليه فأخذ لنفسه بحقه ، فالمنتصرون ما عليهم من إثم وعقوبة وذم «إِنَّمَا السَّبِيلُ » أي الإثم والعقاب «عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ » الناس ابتداء
__________________
(١) سورة النحل : ١٢٦.
(٢ و ٣) سورة الشورى : ٣٩ و ٣٧.
(٤ و ٥) سورة الشورى : ٤٠ و ٤١.
«وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ » أي مؤلم «وَلَمَنْ صَبَرَ » أي تحمل المشقة في رضا الله «وَغَفَرَ » له فلم ينتصر «إِنَّ ذلِكَ » الصبر والتجاوز «لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ » أي من ثابت الأمور التي أمر الله بها فلم تنسخ.
وقيل : عزم الأمور هو الأخذ بأعلاها في باب نيل الثواب.
وقال المحقق الأردبيلي قدس الله روحه بعد ذكر بعض تلك الآيات : فيها دلالة على جواز القصاص في النفس والطرف والجروح ، بل جواز التعويض مطلقا حتى ضرب المضروب وشتم المشتوم بمثل فعلهما ، فيخرج ما لا يجوز التعويض والقصاص فيه مثل كسر العظام والجرح والضرب في محل الخوف والقذف ونحو ذلك ، وبقي الباقي ، وأيضا تدل على جواز ذلك من غير إذن الحاكم والإثبات عنده والشهود وغيرها ، وتدل على عدم التجاوز عما فعل به وتحريم الظلم والتعدي وعلى حسن العفو وعدم الانتقام وأنه موجب للأجر العظيم ، انتهى.
وأقول : ربما يشعر كلام بعض الأصحاب بعدم جواز المقابلة وأنه أيضا يستحق التعزير كما مر في كلام الراوندي ، وقال الشهيد الثاني (ره) عند شرح قول المحقق : قيل : لا يعزر الكافر مع التنابز بالألقاب والتعيير بالأمراض إلا أن يخشى حدوث فتنة فيحسمها الإمام بما يراه القول بعدم تعزيرهم على ذلك ، مع أن المسلم يستحق التعزير به هو المشهور بين الأصحاب ، بل لم يذكر كثير منهم فيه خلافا ، وكان وجهه تكافؤ السبب والهجاء من الجانبين كما يسقط الحد عن المسلمين بالتقاذف لذلك ، ولجواز الإعراض عنهم في الحدود والأحكام فهنا أولى ، ونسب القول إلى القيل مؤذنا بعدم قبوله ، ووجهه أن ذلك فعل محرم يستحق فاعله التعزير ، والأصل عدم سقوطه بمقابلة الآخر بمثله ، بل يجب على كل منهما ما اقتضاه فعله ، فسقوطه يحتاج إلى دليل كما يسقط عن المتقاذفين بالنص ، انتهى.
٤ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن صفوان ، عن عيص بن القاسم ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال إن أبغض خلق الله عبد اتقى الناس لسانه.
(باب البذاء )
١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن ابن فضال ، عن أبي المغراء ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال إن من علامات شرك الشيطان الذي لا يشك فيه أن يكون فحاشا لا يبالي ما قال ولا ما قيل فيه.
ولا يخفى عليك ضعفه بعد ما ذكرنا ، وأما رواية أبي مخلد السراج عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : قضى أمير المؤمنين في رجل دعا آخر ابن المجنون فقال له الآخر : أنت ابن المجنون ، فأمر الأول أن يجلد صاحبه عشرين جلدة ، وقال له : اعلم أنك ستعقب مثلها عشرين ، فلما جلده أعطى المجلود الشوط فجلده عشرين نكالا ينكل بهما ، فيمكن أن يكون لذكر الأب ، وشتمه لا المواجه ، فتأمل.
الحديث الرابع : ضعيف على المشهور ، وكأنه بالبابين الآتيين لا سيما الثاني أنسب وإنما ذكره هنا لأن مبدء ذلك السفه.
باب البذاء
الحديث الأول : موثق كالصحيح.
والشرك بالكسر مصدر شركته في الأمر من باب علم إذا صرت له شريكا فيه ، والظاهر أنه إضافة إلى الفاعل ، وقال الشيخ في الأربعين : هو بمعنى اسم المفعول أو اسم الفاعل أي مشاركا فيه مع الشيطان ، أو مشاركا فيه الشيطان وسيأتي معناه « الذي لا شك فيه » وفي بعض النسخ« لا يشك فيه » على بناء المجهول وكان المعنى أن أقل ما يكون فيه من رداءة الطينة أن يكون شرك الشيطان فيه عند جماع والده إذ قد يضم إلى ذلك أن يكون ولد زناء كما سيأتي ، أو يكون المراد تأكيد كون
٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله إذا رأيتم الرجل لا يبالي ما قال ولا ما قيل له فإنه لغية أو شرك شيطان.
٣ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن عثمان بن عيسى ، عن عمر بن أذينة ، عن أبان بن أبي عياش ، عن سليم بن قيس ، عن أمير المؤمنينعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله إن الله حرم الجنة على كل فحاش بذيء قليل الحياء
ذلك من علامات شرك الشيطان ، والفحاش من يبالغ في الفحش ويعتاد به ، وهو القول السيء.
الحديث الثاني : حسن كالصحيح.
« لغية » اللام للملكية المجازية ، وهي بالفتح الزنا ، قال الجوهري : يقال فلان لغية وهو نقيض قولك لرشدة ، وقال الفيروزآبادي : ولد غية ويكسر زنية ، ومن الغرائب أن الشيخ البهائيقدسسره قال في الأربعين : يحتمل أن يكون بضم اللام وإسكان الغين المعجمة وفتح الياء المثناة من تحت ، أي ملغى ، والظاهر أن المراد به المخلوق من الزنا ، ويحتمل أن يكون بالعين المهملة المفتوحة أو الساكنة والنون أي من دأبه أن يلعن الناس أو يلعنوه.
قال في كتاب أدب الكاتب : فعلة بضم الفاء وإسكان العين من صفات المفعول ، وبفتح العين من صفات الفاعل يقال : رجل همزة للذي يهزأ به ، وهمزة لمن يهزأ بالناس ، وكذلك لعنة ولعنة ، انتهى كلامه.
لكنهقدسسره تفطن لذلك بعد انتشار النسخ وكتب ما ذكرنا في الحاشية على سبيل الاحتمال.
الحديث الثالث : مختلف فيه ومعتبر عندي.
« إن الله حرم الجنة » قال الشيخ البهائي روح الله روحه : لعلهصلىاللهعليهوآلهوسلم أراد أنها محرمة عليهم زمانا طويلا ، لا محرمة تحريما مؤبدا ، أو المراد جنة خاصة
لا يبالي ما قال ولا ما قيل له فإنك إن فتشته لم تجده إلا لغية أو شرك شيطان فقيل يا رسول الله وفي الناس شرك شيطان فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله أما تقرأ قول الله عز وجل : «وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ »(١) .
معدة لغير الفحاش ، وإلا فظاهره مشكل ، فإن العصاة من هذه الأمة مالهم إلى الجنة وإن طال مكثهم في النار« بذي » بالباء التحتانية الموحدة المفتوحة والذال المعجمة المكسورة والياء المشددة من البذاء بالفتح والمد بمعنى الفحش« قليل الحياء » إما أن يراد به معناه الظاهري أو يراد عديم الحياء كما يقال : فلان قليل الخير أي عديمه.
ثم قالرحمهالله : قال المفسرون في قوله : «وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ » إن مشاركة الشيطان لهم في الأموال حملهم على تحصيلها وجمعها من الحرام ، وصرفها فيما لا يجوز وبعثهم على الخروج في إنفاقها عن حد الاعتدال ، إما بالإسراف والتبذير أو البخل والتقتير ، وأمثال ذلك.
وأما المشاركة لهم في الأولاد فحثهم على التوصل إليها بالأسباب المحرمة من الزنا ونحوه أو حملهم على تسميتهم إياهم بعبد العزى وعبد اللات أو تضليل الأولاد بالحمل على الأديان الزائفة والأفعال القبيحة ، وهذا كلام المفسرين ، وقد روى الشيخ الطوسي في تهذيب الأحكام عن أبي بصير عن أبي عبد اللهعليهالسلام في العمل عند إرادة التزويج وساق الحديث إلى أن قال : فإذا دخلت عليه فليضع يده على ناصيتها ويقول : اللهم على كتابك تزوجتها وبكلماتك استحللت فرجها ، فإن قضيت في رحمها شيئا فاجعله مسلما سويا ولا تجعله شرك شيطان ، قلت : وكيف يكون شرك شيطان؟ فقال لي : إن الرجل إذا دنى من المرأة وجلس مجلسه حضره الشيطان فإن هو ذكر اسم الله تنحى الشيطان عنه ، وإن فعل ولم يسم أدخل الشيطان
__________________
(١) سورة الإسراء : ٦٤.
قال وسأل رجل فقيها هل في الناس من لا يبالي ما قيل له قال من تعرض للناس يشتمهم وهو يعلم أنهم لا يتركونه فذلك الذي لا يبالي ما قال ولا ما قيل فيه.
٤ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن أبي جميلة يرفعه ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال إن الله يبغض الفاحش المتفحش.
ذكره فكان العمل منهما جميعا ، والنطفة واحدة ، قلت : فبأي شيء يعرف هذا؟ قال : بحبنا وببغضنا.
وهذا الحديث يعضد ما قاله المتكلمون من أن الشياطين أجسام شفافة تقدر على الولوج في بواطن الحيوانات ، ويمكنها التشكل بأي شكل شائت ، وبه يضعف ما قاله بعض الفلاسفة من أنها النفوس الأرضية المدبرة للعناصر أو النفوس الناطقة الشريرة التي فارقت أبدانها وحصل لها نوع تعلق وألفه بالنفوس الشريرة المتعلقة بالأبدان ، فتمدها وتعينها على الشر والفساد ، انتهى كلامه زيد إكرامه.
« وسأل رجل فقيها » الظاهر أنه كلام بعض الرواة من أصحاب الكتب كسليم أو البرقي ، فالمراد بالفقيه أحد الأئمةعليهمالسلام وكونه كلام الكليني أو أمير المؤمنين أو الرسول صلوات الله عليهما بعيد ، والأخير أبعد والسؤال مبني على أنه لا يوجد غالبا من لا يتأثر من الفحش وسوء القول فيه بالجد ، وإن كان في بعض الأجامرة من يتشاتم بالهزل ، والجواب مبني على أن الرضا بالسبب يتضمن الرضا بالمسبب مع العلم بالسببية ، أو على أنه من لا يعمل بمقتضى صفة شاع أنه تنفي عنه تلك الصفة كما أن من لا يعمل بعلمه يقال له ليس بعالم كما قيل وما قلنا أظهر ، ولا يبعد أن يكون غرض السائل ندرة هذا الفرد ، فالمراد بالجواب أنه شامل لهذا الفرد أيضا وهو في الناس كثير.
الحديث الرابع : ضعيف.
وقال الجزري فيه :أن الله يبغض الفاحش المتفحش ، الفاحش ذو الفحش في
٥ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن سالم ، عن أحمد بن نضر ، عن عمرو بن نعمان الجعفي قال كان لأبي عبد اللهعليهالسلام صديق لا يكاد يفارقه إذا ذهب مكانا فبينما هو يمشي معه في الحذاءين ومعه غلام له سندي يمشي خلفهما إذا التفت الرجل يريد غلامه ثلاث مرات فلم يره فلما نظر في الرابعة قال يا ابن الفاعلة أين كنت قال فرفع أبو عبد اللهعليهالسلام يده فصك بها جبهة نفسه ثم قال سبحان الله
كلامه وفعاله ، والمتفحش الذي يتكلف ذلك ويتعمده ، وقد تكرر ذكر الفحش والفاحشة والفواحش في الحديث ، وهو كل ما يشتد قبحه من الذنوب والمعاصي وكثيرا ما ترد الفاحشة بمعنى الزنا ، وكل خصلة قبيحة فهي فاحشة من الأقوال والأفعال ، انتهى.
وأقول : يحتمل أن يكون المراد بالمتفحش المتسبب لفحش غيره له ، أو القابل له الذي لا يبالي به كما مر.
الحديث الخامس : مجهول وآخره مرسل.
والحذاء ككتاب النعل ، والحذاء بالتشديد صانعها.
والخبر يدل على أمور : الأول : يومئ إلى أن ابن الفاعلة قذف ، وظاهر الأصحاب عدمه لعدم الصراحة ، لكن الخبر ليس بصريح في ذلك ، إذ الشتم الشامل على التعريض بالزنا أمر قبيح يمكن أن يعد من الكبائر وإن لم يكن موجبا للحد ، مع أنه قذف للأم وهي كانت مشركة فلا يوجب الحد لذلك أيضا ، لكنه إيذاء للمواجه ، وظاهر كثير من الأخبار أن ابن الفاعلة قذف ، ولعله لكونه في عرفهم صريحا في ذلك كما قال بعضهم في ولد الحرام ، وسيأتي القول في ذلك في كتاب الحدود إن شاء الله.
الثاني : أن هذا القول المستند إلى الجهل لا يعذر قائله به.
الثالث : أنه لا يجوز أن يقال ذلك لأحد من أفراد الإنسان إلا مع القطع بأنه
تقذف أمه قد كنت أرى أن لك ورعا فإذا ليس لك ورع فقال جعلت فداك إن أمه سندية مشركة فقال أما علمت أن لكل أمة نكاحا تنح عني قال فما رأيته يمشي معه حتى فرق الموت بينهما.
وفي رواية أخرى إن لكل أمة نكاحا يحتجزون به من الزنا.
٦ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن ابن أذينة ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله إن الفحش لو كان مثالا لكان مثال سوء.
٧ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن ابن محبوب ، عن عمر بن يزيد ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال كان في بني إسرائيل رجل فدعا الله أن يرزقه
متولد من الزنا ، بل مع القطع أيضا إذا لم يثبت عند الحاكم.
الرابع : رجحان هجران الفاسق وإن كان قريبا أو صديقا ، وقيل : إنما فارقهعليهالسلام إلى آخر العمر لأنه كان فاسقا في مدة عمره إذ هذا الذنب لكونه من حق الأم لا يدفعه إلا الحد بعد طلبها أو العفو وشيء منهما لم يقع ، ولم يكن مقدورا.
وأقول : يمكن أن يكونعليهالسلام علم أنه مصر على هذا الأمر ولم يتب منه.
الخامس : أن نكاح كل قوم صحيح يترتب عليه أحكام العقد الصحيح ، بل لا ـ يحتاج إلى التجديد بعد الإسلام كما هو ظاهر الأصحاب ، وتنوين ورعا للتعظيم ، وورع للتحقير ويقال حجزه كضربه ونصره منعه وكفه فانحجز واحتجز.
الحديث السادس : حسن كالصحيح.
« لو كان مثالا » أي ذا شكل وصورة« مثال سوء » بالفتح أي مثالا يسوء الإنسان رؤيته.
الحديث السابع : صحيح.
ويحتمل أن يكون المرادبالقرب والبعد المكانيين ولا يكون ذلك من جهة
غلاما ثلاث سنين فلما رأى أن الله لا يجيبه قال يا رب أبعيد أنا منك فلا تسمعني أم قريب أنت مني فلا تجيبني قال فأتاه آت في منامه فقال إنك تدعو الله عز وجل منذ ثلاث سنين بلسان بذيء وقلب عات غير تقي ونية غير صادقة فاقلع عن بذائك وليتق الله قلبك ولتحسن نيتك قال ففعل الرجل ذلك ثم دعا الله فولد له غلام.
أنه اعتقد أن الله جسم له مكان حتى يكون كافرا ، ويكون سببية هذا لعدم الإجابة أقرب من سببية تلك الصفات ، بل لأنه قد يجري مثل ذلك على اللسان عند الاضطرار من غير قصد إلى ما يستلزمه ، فالسماع وعدمه أيضا بمعناهما ، ويمكن أن يكون المراد القرب والبعد المعنويين ، وبعدم السماع عدم الالتفات المبتني على عدم الرضا ، وبعدم الإجابة التأخير الذي سببه المصلحة مع الرضا ، وإنما نسب القرب إليه تعالى والبعد إلى نفسه للتنبيه على أن البعد إذا تحقق كان من جانب العبد ، والقرب إن تحقق كان من فضله عز وجل ، لأن العبد وإن بلغ الغاية في إخلاص العبودية كان مقصرا ولا يستحق الثواب والقرب إلا بفضله وكرمه ، والبذي على فعيل : الفحاش ، وفي المغربالعاتي الجبار الذي جاوز الحد في الاستكبار ، والتقوى التنزه من رذائل الأعمال والأخلاق ، بل عما يشغل القلب عن الحق ، والنية الصادقة توجه القلب إلى الله سبحانه وحده ، وانبعاث النفس نحو الطاعة غير ملحوظ فيه ، سوى وجه الله ، وما في هذا الخبر أحد الوجوه في دفع شبهة وعده سبحانه الاستجابة مع تخلفها في كثير من الموارد.
والحاصل أن الوعد مشروط بشروط : منها : اجتناب المعاصي وبعض الأخلاق الرذيلة والإخلاص في النية ، فإن قلت : هذا ينافي ما ورد في بعض الأخبار من أن دعاء الفاسق أسرع إجابة لكراهة استماع صوته؟ قلت : يحتمل أن لا تكون سرعة الإجابة كلية ، أو يقال سرعة الإجابة مختصة بمن كان مبغوضا لذاته ، وأما من كان محبوبا بذاته ومبغوضا بفعله فربما تبطئ الإجابة نظرا إلى الأول ، وربما تسرع نظرا
٨ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن عثمان بن عيسى ، عن سماعة ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله إن من شر عباد الله من تكره مجالسته لفحشه.
٩ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن ابن محبوب ، عن ابن رئاب ، عن أبي عبيدة ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال البذاء من الجفاء والجفاء في النار.
إلى الثاني ، وقد يكون البطؤ نظرا إلى الثاني لا لكراهة الاستماع ، بل لغرض آخر نحو زجره عن القبائح كما في هذا الرجل.
الحديث الثامن : موثق.
« من تكره » هو الذي عرف بالفحش من القول واشتهر به لما يجري على لسانه من أنواع البذاء ، ويمكن أن يقرأ تكره على بناء الخطاب وبناء الغيبة على المجهول.
الحديث التاسع : ضعيف على المشهور صحيح عندي.
وفي الصحاحالجفاء ممدود خلاف البر ، وفي القاموس رجل جافي الخلقة كز غليظ ، انتهى.
والحاصل أن البذي والفحش في القول من الجفاء ، أي خلاف الآداب أو خلاف البر والصلة و« من » إما للتبعيض أو الابتداء ، أي ناش من الجفاء وغلظة الطبع والإعراض عن الحق.
« والجفاء في النار » أي يوجب استحقاق النار ، وروي في الشهاب عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم البذاء من الجفاء ، وقال الراوندي (ره) في الضوء : البذاء الفحش وخبث اللسان ، وقد بذؤ الرجل يبذؤ بذوا ، وأصله بذاوة فحذفت الهاء كما قالوا جمل جمالا ، وفلان بذي اللسان ، وامرأة بذية ، والجفاء ضد البر وأصله من البعد ، يقولصلىاللهعليهوآلهوسلم : إن الإفحاش وإسماع المكروه والإجراء إلى أعراض الناس بقبيح المقال من الجفاء المولم ، وما كل جفاء بضم الجيوب وإيلام الجنوب ، فربما كان جفاء
١٠ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن محمد بن سنان ، عن ابن مسكان ، عن الحسن الصيقل قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام إن الفحش والبذاء والسلاطة من النفاق.
١١ ـ عنه ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن النعمان ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله إن الله يبغض الفاحش البذيء والسائل الملحف.
اللسان أوجع ومضضه أفجع ، وقد قيل :
جراحات السيوف لها التيام |
ولا يلتئم ما جرح اللسان |
وقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : الحياء من الإيمان والإيمان في الجنة ، والبذاء من الجفاء والجفاء في النار ، وفائدة الحديث الأمر بحفظ اللسان والنهي عن التسرع إلى أعراض الناس ، وبيان أن الكلام في ذلك نظير الكلام ، ويوشك أن يثبت اسمه في ديوان الجفاة.
الحديث العاشر : ضعيف على المشهور.
وقال الجوهري :السلاطة القهر ، وقد سلطه الله فتسلط عليهم ، وامرأة سليطة أي صخابة ، ورجل سليط أي فصيح حديد اللسان بين السلاطة والسلوطة ، انتهى.
والمرادبالنفاق إما مع الخلق لأنه يظهر ودهم وبأدنى سبب يتغير عليهم ويؤذيهم بلسانه وبغيره ، أو مع الله لأن إيذاء المؤمنين ينافي كمال الإيمان كما مر.
الحديث الحادي عشر : كالسابق.
وفي النهاية فيه : من سأل وله أربعون درهما فقدسأل الناس إلحافا ، أي بالغ فيها يقال : ألحف في المسألة يلحف إلحافا إذا ألح فيها ولزمها ، انتهى.
وهو موجب لبغض الرب حيث أعرض عن الغني الكريم وسأل الفقير اللئيم ، وأنشد بعضهم
١٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن ابن أذينة ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لعائشة يا عائشة إن الفحش لو كان ممثلا لكان مثال سوء.
١٣ ـ الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن أحمد بن محمد ، عن بعض رجاله قال :
الله يغضب إن تركت سؤاله |
وبنو آدم حين يسأل يغضب |
وترى في عرف الناس أن عبد الإنسان إذا سأل غير مولاه فهو عار عليه وشكاية منه حقيقة ، ولذا ورد في ذم المسألة ما ورد.
الحديث الثاني عشر : حسن كالصحيح.
وقد مر بعينه سندا ومتنا إلا أنه ليس فيه أن الخطاب لعائشة ، وكان علي بن إبراهيم رواه على الوجهين.
ثم الظاهر أن هذا مختصر عما سيأتي في باب التسليم على أهل الملل حيث رواه بهذا الإسناد أيضا عن أبي جعفرعليهالسلام قال : دخل يهودي على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعائشة عنده ، فقال : السام عليكم ، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : عليكم ، ثم دخل آخر فقال مثل ذلك فرد عليه كما رد على صاحبه ، ثم دخل آخر فقال مثل ذلك فرد رسول الله كما رد على صاحبيه ، فغضبت عائشة فقالت : عليكم السام والغضب واللعنة يا معشر اليهود ، يا إخوة القردة والخنازير ، فقال لها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : يا عائشة إن الفحش لو كان ممثلا لكان مثال سوء ، إن الرفق لم يوضع على شيء قط إلا زانه ، ولم يرفع عنه قط إلا شانه ، قالت : يا رسول الله أما سمعت إلى قولهم : السام عليكم؟
فقال : بلى أما سمعت ما رددت عليهم ، قلت : عليكم؟ فإذا سلم عليكم مسلم فقولوا : السلام عليكم ، وإذا سلم عليكم كافر فقولوا : عليكم.
الحديث الثالث عشر : ضعيف على المشهور.
والمعصوم المروي عنه غير معلوم ، فإن كان الصادقعليهالسلام فالإرسال بأزيد من واحد ، وأحمد كأنه البزنطي ، وما زعم أنه ابن عيسى بعيد كما لا يخفى على المتدرب ،
قال من فحش على أخيه المسلم نزع الله منه بركة رزقه ووكله إلى نفسه وأفسد عليه معيشته.
١٤ ـ عنه ، عن معلى ، عن أحمد بن غسان ، عن سماعة قال دخلت على أبي عبد اللهعليهالسلام فقال لي مبتدئا يا سماعة ما هذا الذي كان بينك وبين جمالك إياك أن تكون فحاشا أو صخابا أو لعانا فقلت والله لقد كان ذلك أنه ظلمني فقال إن كان ظلمك لقد أربيت عليه إن هذا ليس من فعالي ولا آمر به شيعتي استغفر ربك ولا تعد قلت أستغفر الله ولا أعود.
فيمكن أن يكون الإرسال بواحد ، وفحش ككرم وربما يقرأ على بناء التفعيل ، ومن جملة أسبابفساد المعيشة نفرة الناس عنه وعن معاملته.
الحديث الرابع عشر : ضعيف على المشهور.
« مبتدئا » أي من غير أن أسأله شيئا يكون هذا جوابه أو من غير أن يتظلم إليه الجمال ، وفي النهايةالصخب والسخب الضجة واضطراب الأصوات للخصام ، وفعول وفعال للمبالغة« أنه » بفتح الهمزة أي لأنه ، وهو خبر كان ، و « إن » فيقوله « إن كان » شرطية ، واللام فيقوله : لقد ، جواب قسم مقدر ، وقائم مقام الفاء الرابطة اللازمة كذا قيل ، وفي الصحاح قال الفراء في قوله تعالى : «أَخْذَةً رابِيَةً »(١) أي زائدة ، كقولكأربيت إذا أخذت أكثر مما أعطيت« من فعالي » بالكسر جمع فعل ، أو بالفتح مصدرا وكلاهما مناسب« ولا آمر به » كناية عن النهي.
__________________
(١) سورة الحاقّة : ١٠.
(باب من يتقى شره )
١ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن عثمان بن عيسى ، عن سماعة ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال إن النبيصلىاللهعليهوآله بينا هو ذات يوم عند عائشة إذا استأذن عليه رجل فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله بئس أخو العشيرة ، فقامت عائشة فدخلت البيت وأذن رسول اللهصلىاللهعليهوآله للرجل فلما دخل أقبل عليه بوجهه وبشره إليه يحدثه حتى إذا فرغ وخرج من عنده قالت عائشة يا رسول الله بينا أنت تذكر هذا الرجل بما ذكرته به إذ أقبلت عليه بوجهك وبشرك فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله عند ذلك إن من شر عباد الله من تكره مجالسته لفحشه.
باب من يتقى شره
الحديث الأول : موثق.
وفي القاموس :عشيرة الرجل بنو أبيه الأدنون أو قبيلته وفي المصباح تقول هو أخو تميم أي واحد منهم ، انتهى.
وقرأ بعض الأفاضل العشيرة بضم العين وفتح الشين تصغير العشرة بالكسر ، أي المعاشرة ، ولا يخفى ما فيه و« بشره » بالرفع و« إليه » خبره ، والجملة حالية كيحدثه ، وليس في بعض النسخ « عليه » أو لا فبشره مجرور عطفا على وجهه ، وهو أظهر ، ويحتمل زيادة إليه آخرا كما يومئ إليه قولها إذ أقبلت عليه بوجهك وبشرك.
وقوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : إن من شر عباد الله ، إما عذر لما قاله أولا أو لما فعله آخرا ، أولهما معا فتأمل جدا.
ونظير هذا الحديث رواه مخالفونا عن عروة بن الزبير قال : حدثتني عائشة إن رجلا استأذن على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال : ائذنوا له فلبئس ابن العشيرة ، فلما دخل
٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد الله
عليه ألان له القول ، قالت عائشة : فقلت : يا رسول الله قلت له الذي قلت ثم ألنت له القول؟ قال : يا عائشة إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من ودعه الناس أو تركه اتقاء فحشه.
قال عياض : قوله : لبئس ، ذم له في الغيبة والرجل عيينة بن حصن الفزاري ، ولم يكن أسلم حينئذ ، ففيه لا غيبة على فاسق ومبتدع ، وإن كان قد أسلم فيكونعليهالسلام أراد أن يبين حاله ، وفي ذلك الذم يعني لبئس ، علم من أعلام النبوة ، فإنه ارتد وجيء به إلى أبي بكر وله مع عمر خبر.
وفيه أيضا أن المداراة مع الفسقة والكفرة مباحة وتستحب في بعض الأحوال بخلاف المداهنة المحرمة ، والفرق بينهما أن المداراة بذل الدنيا لصلاح الدين أو الدنيا ، والمداهنة بذل الدين لصلاح الدنيا ، والنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بذل له من دنياه حسن العشرة وطلاقة الوجه ، ولم يرو أنه مدحه حتى يكون ذلك خلاف قوله لعائشة ، ولا من ذي الوجهين وهوعليهالسلام منزه عن ذلك ، وحديثه هذا أصل في جواز المداراة وغيبة أهل الفسق والبدع.
وقال القرطبي : قيل أسلم هو قبل الفتح وقيل بعده ، ولكن الحديث دل على أنه شر الناس منزلة عند الله ولا يكون كذلك حتى يختم له بالكفر ، والله سبحانه أعلم بما ختم له وكان من المؤلفة وجفاة الأعراب.
وقال النخعي : دخل على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بغير إذن فقال له النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : وأين الإذن؟ فقال : ما استأذنت على أحد من مضر ، فقالت عائشة : من هذا يا رسول الله؟ قال : هذا أحمق مطاع ، وهو على ما ترين سيد قومه ، وكان يسمى الأحمق المطاع ، وقال الآبي : هذا منهصلىاللهعليهوآلهوسلم تعليم لغيره لأنه أرفع من أن يتقى فحش كلامه.
الحديث الثاني : ضعيف على المشهور.
عليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله شر الناس عند الله يوم القيامة الذين يكرمون اتقاء شرهم.
٣ ـ عنه ، عن محمد بن عيسى بن عبيد ، عن يونس ، عن عبد الله بن سنان قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام من خاف الناس لسانه فهو في النار.
٤ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن ابن محبوب ، عن ابن رئاب ، عن أبي حمزة ، عن جابر بن عبد الله قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله شر الناس يوم القيامة الذين يكرمون اتقاء شرهم.
(باب البغي )
١ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن جعفر بن محمد الأشعري ، عن ابن قداح ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله إن أعجل الشر عقوبة البغي.
« يكرمون » على بناء المجهول.
الحديث الثالث : صحيح.
الحديث الرابع : ضعيف على المشهور.
باب البغي
الحديث الأول : ضعيف.
والبغي مجاوزة الحد وطلب الرفعة والاستطالة على الغير ، في القاموس : بغى عليه يبغي بغيا علا وظلم وعدل عن الحق واستطال وكذب ، وفي مشيته : اختال ، والبغي الكثير من البطر ، وفئة باغية خارجة عن طاعة الإمام العادل ، وقال الراغب : البغي طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتحرى تجاوزه أو لم يتجاوزه ، فتارة يعتبر في الكمية وتارة في الكيفية ، يقال : بغيت الشيء إذا طلبت أكثر مما يجب ، وابتغيت كذلك ،
٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد الله
والبغي على ضربين محمود وهو تجاوز العدل إلى الإحسان والفرض إلى التطوع ، ومذموم وهو تجاوز الحق إلى الباطل ، وبغى تكبر وذلك لتجاوزه منزلته إلى ما ليس له ويستعمل ذلك في أي أمر كان ، قال تعالى : «يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ »(١) وقال : «إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ »(٢) و «بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللهُ »(٣) «إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ »(٤) وقال تعالى : «فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي »(٥) فالبغي في أكثر المواضع مذموم ، انتهى.
والمراد بتعجيل عقوبته أنها تصل إليه في الدنيا أيضا بل تصل إليه فيها سريعا.
وروي عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنه قال : ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم ، إن الباطل كان زهوقا.
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام : من سل سيف البغي قتل به.
والظاهر أن ذلك من قبل الله تعالى عقوبة على البغي وزجرا عنه وعبرة ، لا لما قيل : سر ذلك أن الناس لا يتركونه بل ينالونه بمثل ما نالهم أو بأشد ، وتلك عقوبة حاضرة جلبها إلى نفسه من وجوه متكثرة ، انتهى ، وأقول : مما يضعف ذلك أنا نرى أن الباغي يبتلي غالبا بغير من بغى عليه.
الحديث الثاني : ضعيف على المشهور.
« فإنهما يعدلان » إلخ ، أي في الإخراج من الدين والعقوبة والتأثير في فساد
__________________
(١) سورة الشورى : ٤٢.
(٢) سورة يونس : ٢٣.
(٣) سورة الحجّ : ٦٠.
(٤) سورة القصص : ٧٦.
(٥) سورة الحجرات : ٩.
عليهالسلام قال يقول إبليس لجنوده ألقوا بينهم الحسد والبغي فإنهما يعدلان عند الله الشرك.
٣ ـ علي ، عن أبيه ، عن حماد ، عن حريز ، عن مسمع أبي سيار أن أبا عبد اللهعليهالسلام كتب إليه في كتاب انظر أن لا تكلمن بكلمة بغي أبدا وإن أعجبتك نفسك وعشيرتك.
٤ ـ علي ، عن أبيه ، عن ابن محبوب ، عن ابن رئاب ويعقوب السراج جميعا ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال أمير المؤمنينعليهالسلام أيها الناس إن البغي يقود أصحابه إلى النار وإن أول من بغى على الله عناق بنت آدم فأول قتيل قتله الله عناق وكان مجلسها جريبا في جريب وكان لها عشرون إصبعا في كل إصبع
نظام العالم إذ أكثر المفاسد التي نشأت في العالم من مخالفة الأنبياء والأوصياءعليهمالسلام وترك طاعتهم ، وشيوع المعاصي إنما نشأت من هاتين الخصلتين كما حسد إبليس على آدمعليهالسلام وبغى عليه ، وحسد الطغاة من كل أمة على حجج الله فيها ، فطغوا وبغوا فجعلوا حجج الله مغلوبين وسرى الكفر والمعاصي في الخلق.
الحديث الثالث : حسن كالصحيح.
« أن لا تكلم » وفي بعض النسخ أن لا تكلمن وهما إما على بناء التفعيل ، أي أحدا فإنه متعد أو على بناء التفعل بحذف إحدى التائين« بكلمة بغي » أي بكلام مشتمل على بغي ، أي جور أو تطاول« وإن أعجبتك نفسك وعشيرتك » الظاهر أن فاعل أعجبتك الضمير الراجع إلى الكلمة ، ونفسك بالنصب تأكيد للضمير وعشيرتك عطف عليه ، وقيل : نفسك فاعل أعجبت والأول أظهر.
الحديث الرابع : حسن كالصحيح.
وهذا جزء من خطبة طويلة أثبتها في أوائل الروضة ، وذكر أنه خطب بها بعد مقتل عثمان وبيعة الناس له« وكان مجلسها جريبا » قال في المصباح : الجريب الوادي ثم أستعير للقطعة المميزة من الأرض فقيل فيها جريب ، ويختلف مقداره
ظفران مثل المنجلين فسلط الله عليها أسدا كالفيل وذئبا كالبعير ونسرا مثل البغل فقتلنها وقد قتل الله الجبابرة على أفضل أحوالهم وآمن ما كانوا.
بحسب اصطلاح أهل الأقاليم كاختلافهم في مقدار الرطل والكيل والذراع ، وفي كتاب المساحة : اعلم أن مجموع عرض كل سبع شعيرات معتدلات يسمى إصبعا والقبضة أربع أصابع ، والذراع ست قبضات ، وكل عشرة أذرع يسمى قصبة وكل عشر قبضات يسمى أشلا ، وقد يسمى مضروب الأشل في نفسه جريبا ، ومضروب الأشل في القصبة قفيزا ، ومضروب الأشل في الذراع عشيرا ، فحصل من هذا أن الجريب عشرة آلاف ذراع ، ونقل عن قدامة أن الأشل ستون ذراعا وضرب الأشل في نفسه يسمى جريبا فيكون ثلاثة آلاف وست مائة ، انتهى.
فقوله عليهالسلام : في جريب كان المعنى مع جريب فيكون جريبين أو أطلق الجريب على أحد أضلاعه مجازا للإشعار بأنها كانت تملأ الجريب طولا وعرضا أو يكون الجريب في عرف زمانهعليهالسلام مقدارا من امتداد المسافة كالفرسخ ، وفي تفسير علي بن إبراهيم : وكان مجلسها في الأرض موضع جريب.
والمنجل كمنبر حديدة يحصد بها الزرع ، والنسر طائر معروف له قوة في الصيد ، ويقال لا مخلب له ، وإنما له ظفر كظفر الدجاجة ، وفي تفسير علي بن إبراهيم ونسرا كالحمار « وكان ذلك في الخلق الأول » أي كانت تلك الحيوانات كذلك في أول الخلق في الكبر والعظم ، ثم صارت صغيرة كالإنسان ، و« آمن » أفعل تفضيل وما مصدرية« وكانوا » تامة والمصدر إما بمعناه أو استعمل في ظرف الزمان نحو رأيته مجيء الحاج ، وعلى التقديرين نسبة الأمن إليه على التوسع والمجاز.
والحاصل أن الله عز وجل قتل الجبارين الذين جبروا خلق الله على ما أرادت نفوسهم الخبيثة من الأوامر والنواهي وبغوا عليهم ولم يرفقوا بهم على أحسن الأحوال والشوكة والقدرة لفسادهم ، فلا يغتر الظالم بأمنه واجتماع أسباب عزته ، فإن الله هو القوي العزيز.
(باب )
(الفخر والكبر )
١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحسن بن محبوب ، عن هشام بن سالم ، عن أبي حمزة الثمالي قال قال علي بن الحسينعليهالسلام عجبا للمتكبر الفخور الذي كان بالأمس نطفة ثم هو غدا جيفة.
٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله آفة الحسب الافتخار والعجب.
باب الفخر والكبر
الحديث الأول : صحيح.
وقد مر بعض القول في ذم الكبر والفخر ودوائهما ، والتفكر في أمثال تلك الأخبار ، وزجر النفس على خلاف هاتين الرذيلتين مما ينفع في التخلص منهما كما مرت الإشارة إليه.
الحديث الثاني : ضعيف على المشهور.
والحسب : الشرف والمجد الحاصل من جهة الآباء وقد يطلق على الشرافة الحاصلة من الأفعال الحسنة والأخلاق الكريمة ، وإن لم تكن من جهة الآباء ، في القاموس : الحسب ما تعده من مفاخر آبائك أو المال أو الدين أو الكرم أو الشرف في الفعل أو الفعال الصالح ، أو الشرف الثابت في الآباء أو البال ، أو الحسب والكرم قد يكونان لمن لا آباء له شرفاء ، والشرف والمجد لا يكونان إلا بهم.
وأقول : الخبر يحتمل وجوها « الأول » أن لكل شيء آفة تضيعه ، وآفة الشرافة من جهة الآباء الافتخار والعجب الحاصلان منها ، فإنه يبطل بهما هذا الشرف الحاصل له بتوسط الغير عند الله وعند الناس.
الثاني : أن المراد بالحسب الأخلاق الحسنة والأفعال الصالحة ويضيعهما
٣ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن محمد بن إسماعيل ، عن حنان ، عن عقبة بن بشير الأسدي قال قلت لأبي جعفرعليهالسلام أنا عقبة بن بشير الأسدي وأنا في الحسب الضخم من قومي قال فقال ما تمن علينا بحسبك إن الله رفع بالإيمان من كان الناس يسمونه وضيعا إذا كان مؤمنا ووضع بالكفر من كان الناس يسمونه شريفا إذا كان كافرا فليس لأحد فضل على أحد إلا بالتقوى.
الافتخار بهما وذكرهما ، والإعجاب بهما كما مر.
الثالث : أن يكون المراد به أن الحسب يستتبع آفة الافتخار ويوجبها ، لا أن آفة الافتخار بالحسب تضيعه كما قيل ـ والأول أظهر الوجوه ، ويؤيده ما روي في شهاب الأخبار ـ عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : آفة العلم النسيان ، وآفة الحديث الكذب وآفة الحلم السفه ، وآفة العبادة الفترة ، وآفة الشجاعة البغي ، وآفة السماحة المن وآفة الجمال الخيلاء ، وآفة الحسب الفخر ، وآفة الظرف الصلف(١) وآفة الجود السرف وآفة الدين الهوى.
وقال الراوندي (ره) في ضوء الشهاب : نهي الحسيب عن الاستطالة والتفاخر الذي يضع الرفيع وكفاك مانعا من الافتخار قولهعليهالسلام : أنا سيد ولد آدم ولا فخر ومعناه أني لا أذكر ذلك على سبيل الافتخار والمبارأة وإلا فأي مظنة فخر فوق سيادة سيد ولد آدم.
الحديث الثالث : مجهول.
وفي القاموس :الضخم بالفتح وبالتحريك العظيم من كل شيء« ما تمن » ما للاستفهام الإنكاري أو نافية« فليس لأحد » إشارة إلى قوله تعالى : «يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ
__________________
(١) الظرف : البراعة وذكاء القلب ، وقيل : حسن العبارة ، وقال الجزريّ في النهاية : الظرف في اللسان : البلاغة ، وفي الوجه : الحسن ، وفي القلب : الذكاء ، وقال في مادة « صلف » : آفة الظرف الصلف ، هو الغلوّ في الظرف والزيادة على المقدار مع تكبر.
٤ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن عثمان بن عيسى ، عن عيسى بن الضحاك قال قال أبو جعفرعليهالسلام عجبا للمختال الفخور وإنما خلق من نطفة ثم يعود جيفة وهو فيما بين ذلك لا يدري ما يصنع به.
أَتْقاكُمْ »(١) وكفى بهذه الآية واعظا وزاجرا عن الكبر والفخر.
الحديث الرابع : مجهول.
« وعجبا » بالتحريك مصدر باب علم ، وهو إما بتقدير حرف النداء أو مفعول مطلق لفعل محذوف ، أي عجبت عجبا ، فعلى الأول« للمتكبر » صفة لقوله عجبا وعلى الثاني خبر مبتدإ محذوف بتقدير هو للمتكبر والضمير المحذوف راجع إلى عجبا ، وقال النحويون : لا يمكن أن يكون صفة لعجبا لأن الفعل كما لا يكون موصوفا فكذلك النائب الوجوبي له لا يكون موصوفا ، وحذف الفعل وإقامة المصدر مقامه في تلك المواضع واجب.
وروى الراونديقدسسره في ضوء الشهاب عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : عجبا كل العجب للمختال الفخور ، وإنما خلق من نطفة ثم يعود جيفة وهو بين ذلك لا يدري ما يفعل به ، ثم قال (ره) : العجب والتعجب حالة تعرض للإنسان عند جهله بسبب الشيء ، وقيل : العجب ما لا يعرف سببه ولا يوصف الله تعالى بذلك لأنه عالم لذاته وقولهعليهالسلام : عجبا ، الألف فيه بدل من الياء ، لأنهم كثيرا ما يفزعون من الكسرة إلى الفتحة طلبا للخفة كأنه ينادي عجب نفسه ويستحضره لما يرى ويستبدع ، وهذا على التشبيه والتمثيل ، وإلا فالعجب لا ينادي ويجوز أن يكون كل العجب بدلا من عجبي ، ويجوز أن يكون حالا من عجبي ، ويجوز أن يكون صفة مصدر يدل عليه الكلام كأنهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : أعجب عجبا كل العجب ، ثم حذف فقال : أعجب كل العجب ، ويجوز أن يكون الألف للندبة.
__________________
(١) سورة الحجرات : ١٣.
وقال (ره) في قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : عجبا للمؤمن ، عجبا مصدر فعل محذوف ، أي عجبت عجبا.
وأقول : هذا الخبر وأمثاله نسخ أدوية من الحكماء الربانية لمعالجة أعظم الأدواء الروحانية وهو الفخر المترتب على الكبر ، وحاصلها أن في الإنسان كثير من صفات النقصان ، وإن كان فيه كمال فمن رب الإنس والجان ، فلا يليق به أن يفتخر على غيره من الإخوان ، وفيها إشعار بأن دفع هذا المرض باختياره وعلاجه مركب من أجزاء علمية وعملية ، فأما العلمية فبأن يعرف الله سبحانه بجلاله ويوحده في ذاته وصفاته وأفعاله وأن يعلم أن كل موجود سواه مقهور مغلوب عاجز لا وجود له إلا بفيض وجوده ورحمته وأن الإنسان مخلوق من أكثف الأشياء وأخسها وهو التراب ، ثم النطفة النجسة القذرة ثم العلقة ثم المضغة ثم العظام ثم الجنين الذي غذاؤه دم الحيض ، ثم يصير في القبر جيفة منتنة يهرب منه أقرب الناس إليه ، وهو فيما بين ذلك ينقلب من طور إلى طور ومن حال إلى حال ، من مرض إلى صحة ، ومن صحة إلى مرض إلى غير ذلك من الأحوال المتبادلة ، وهو لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولا حياة ولا نشورا.
وإلى هذا أشارصلىاللهعليهوآلهوسلم بقوله : وهو فيما بين ذلك ما يدري ما يصنع به ثم لا يعلم ما يأتي عليه في البرزخ والقيامة ، كما ذكر سابقا في باب الكبر.
وأنه يعلم أن استكمال كل شيء سواء كان طبيعيا أو إراديا لا يتحقق إلا بالانكسار والضعف ، فإن العناصر ما لم تنكسر صورة كيفياتها الصرفة لم تقبل صورة كمالية معدنية أو حيوانية أو إنسانية ، والبذر ما لم يقع في التراب ولم يقرب من التعفن والفساد لم يقبل صورة نباتية ولم تخرج منه سنبلة ولا ثمر ، وماء الظهر ما لم يصر منيا منتنا لم تفض عليها صورة إنسانية قابلة للخلافة الربانية.
٥ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال أتى رسول اللهصلىاللهعليهوآله رجل فقال يا رسول الله أنا فلان بن فلان حتى عد تسعة فقال له رسول اللهصلىاللهعليهوآله أما إنك عاشرهم في النار.
فمن تفكر في أمثال هذه الحكم والمعارف أمكنه التحرز من الكبر والفخر بفضله تعالى.
وأما العملية فهي المداومة على التواضع لكل عالم وجاهل وصغير وكبير ، والاقتداء بسنن النبي والأئمة الطاهرين صلوات الله عليه وعليهم ، وتتبع سيرهم وأخلاقهم وحسن معاشرتهم لجميع الخلق.
الحديث الخامس : ضعيف على المشهور.
« أما إنك عاشرهم في النار » أي أن آباءك كانوا كفارا وهم في النار ، فما معنى افتخارك بهم وأنت أيضا مثلهم في الكفر باطنا ، إن كان منافقا ، أو ظاهرا أيضا إن كان كافرا ، فلا وجه لافتخارك أصلا.
والحاصل أن عمدة أسباب الفخر بل أشيعها وأكثرها الفخر بالآباء وهو باطل لأن آباءه إن كانوا كفرة أو ظلمة فهم من أهل النار ، فينبغي أن يتبرء منهم لا أن يفتخر بهم وإن كان باعتبار أن لهم ما لا فليعلم أن المال ليس بكمال يقع به الافتخار ، بل ورد في ذمه كثير من الأخبار ، ولو كان كمالا كان لهم لا له ، والعاقل لا يفتخر بكمال غيره ، وإن كان باعتبار أنه كان خيرا أو فاضلا أو عالما فهذا أجهل من حيث أنه تعزز بكمال غيره ، ولذلك قيل :
لئن فخرت بآباء ذوي شرف |
لقد صدقت ولكن بئس ما ولدوا(١) |
فالمتكبر بالنسب إن كان خسيسا في صفات ذاته فمن أين يجبر خسته كمال غيره ، وأيضا ينبغي أن يعرف نسبه الحقيقي فيعرف أباه وجده فإن أباه نطفة قذرة ، وجده البعيد تراب ذليل ، وقد عرفه الله نسبه فقال : «الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ
__________________
(١) وقال الشاعر الفارسيّ :
گيرم پدر تو بود فاضل |
از فضل پدر تو را چه حاصل |
خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ »(١) فمن أصله من التراب المهين الذي يداس بالأقدام ثم خمر طينته حتى صار حمأ مسنونا كيف يتكبر ، وأخس الأشياء ما إليه نسبه ، فإن قال : أفتخر بالأب القريب فالنطفة والمضغة أقرب إليه من الأب فليحتقر نفسه بهما.
والسبب الثاني الحسن والجمال فإن افتخر به فليعلم أنه قد يزول بأدنى الأمراض والأسقام ، وما هو في عرضة الزوال ليس بكمال يفتخر به ، ولينظر أيضا إلى أصله وما خلق منه كما مر ، وإلى ما يصير إليه في القبر من جيفة منتنة ، وإلى ما في باطنه من الخبائث مثل الأقذار التي في جميع أعضائه والرجيع الذي في أمعائه ، والبول الذي في مثانته ، والمخاط الذي في أنفه ، والوسخ الذي في أذنيه ، والدم الذي في عروقه ، والصديد الذي تحت بشرته ، إلى غير ذلك من المقابح والفضائح ، فإذا عرف ذلك لم يفتخر بجماله الذي هو كخضراء الدمن.
الثالث : القوة والشجاعة ، فمن افتخر بها فليعلم أن الذي خلقه هو أشد منه قوة ، وأن الأسد والفيل أقوى منه ، وأن أدنى العلل والأمراض تجعله أعجز من كل عاجز ، وأذل من كل ذليل ، وأن البعوضة لو دخلت في أنفه أهلكته ولم يقدر على دفعها.
الرابع : الغناء والثروة.
الخامس : كثرة الأنصار والأتباع والعشيرة وقرب السلاطين والاقتدار من جهتهم ، والكبر والفخر بهذين السببين أقبح لأنه أمر خارج عن ذات الإنسان وصفاته ، فلو تلف ماله أو غصب أو نهب أو تغير عليه السلطان وعزله لبقي ذليلا عاجزا ، وإن من فرق الكفار من هو أكثر منه مالا وجاها ، فالمتكبر بهما في غاية الجهل.
__________________
(١) سورة السجدة : ٨.
٦ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله آفة الحسب الافتخار.
السادس : العلم وهذا أعظم الأسباب وأقواها فإنه كمال نفساني عظيم عند الله تعالى وعند الخلائق ، وصاحبه معظم عند جميع المخلوقات ، فإذا تكبر العالم وافتخر فليعلم أن خطر أهل العلم أكثر من خطر أهل الجهل ، وأن الله تعالى يحتمل من الجاهل ما لا يحتمل من العالم ، وأن العصيان مع العلم أفحش من العصيان مع الجهل ، وأن عذاب العالم أشد من عذاب الجاهل ، وأنه تعالى شبه العالم الغير العامل تارة بالحمار وتارة بالكلب ، وأن الجاهل أقرب إلى السلامة من العالم لكثرة آفاته وأن الشياطين أكثرهم على العالم ، وأن سوء العاقبة وحسنها أمر لا يعلمه إلا الله سبحانه ، فلعل الجاهل يكون أحسن عاقبة من العالم.
السابع : العبادة والورع والزهادة ، والفخر فيها أيضا فتنة عظيمة ، والتخلص منها صعب ، فإذا غلب عليه فليتفكر أن العالم أفضل منه فلا ينبغي أن يفتخر عليه ، ولا ينبغي أيضا أن يفتخر على من تأخر عنه في العلم أيضا إذ لعل قليل عمله يكون مقبولا وكثير عمله مردودا ولا على الجاهل والفاسق إذ قد يكون لهما خصلة خفية وصفة قلبية موجبة لقرب الرب سبحانه ورحمته ، ولو فرض خلوهما عن جميع ذلك بالفعل فلعل الأحوال في العاقبة تنعكس ، وقد وقع مثل ذلك كثيرا ، ولو فرض عدم ذلك فليتصور أن تكبره في نفسه شرك ، فيحبط عمله فيصير هو في الآخرة مثلهم بل أقبح منهم والله المستعان.
الحديث السادس : قد مر سندا ومتنا إلا زيادة « والعجب » في آخر الأول ، وكان الراوي رواه على الوجهين.
(باب القسوة )
١ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن عمرو بن عثمان ، عن علي بن عيسى رفعه قال فيما ناجى الله عز وجل به موسىعليهالسلام يا موسى لا تطول في الدنيا أملك فيقسو قلبك والقاسي القلب مني بعيد.
٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن محمد بن حفص ، عن إسماعيل بن دبيس عمن ذكره ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال إذا خلق الله العبد في أصل الخلقة كافرا لم يمت حتى يحبب الله إليه الشر فيقرب منه فابتلاه بالكبر والجبرية فقسا قلبه وساء
باب القسوة
الحديث الأول : مجهول مرفوع.
« لا تطول في الدنيا أملك » تطويل الأمل هو أن ينسى الموت ويجعله بعيدا ، ويظن طول عمرة أو يأمل آمالا كثيرة لا تحصل إلا في عمر طويل ، وذلك يوجب قساوة القلب وصلابته وشدته ، أي عدم خشوعه وتأثره عن المخاوف وعدم قبوله للمواعظ ، كما أن تذكر الموت يوجب رقة القلب ووجله عند ذكر الله والموت والآخرة ، قال الجوهري :قسا قلبه قسوة وقساوة وقساء وهو غلظ القلب وشدته ، وأقساه الذنب ، ويقال : الذنب مقساة للقلب.
الحديث الثاني : مرسل.
قيل :قوله كافرا ، حال عن العبد ، فلا يلزم أن يكون كفره مخلوقا لله تعالى.
أقول : كأنه على المجاز ، فإنه تعالى لما خلقه عالما بأنه سيكفر فكأنه خلقه كافرا ، أو الخلق بمعنى التقدير ، والمعاصي يتعلق بها التقدير ببعض المعاني كما مر تحقيقه ، وكذا تحبيب الشر إليه مجاز فإنه لما سلب عنه التوفيق لسوء أعماله وخلي بينه وبين نفسه وبين الشيطان فأحب الشر فكأن الله حببه إليه ،
خلقه وغلظ وجهه وظهر فحشه وقل حياؤه وكشف الله ستره وركب المحارم فلم ينزع عنها ثم ركب معاصي الله وأبغض طاعته ووثب على الناس لا يشبع من الخصومات فاسألوا الله العافية واطلبوها منه.
٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال أمير المؤمنينعليهالسلام لمتان لمة من الشيطان ولمة من الملك فلمة
كما قال سبحانه : «حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ »(١) وإن كان الظاهر أن الخطاب لخلص المؤمنين.
« فيقرب منه » أي العبد من الشر أو الشر من العبد ، وعلى التقديرين كأنه كناية عن ارتكابه ، وقال الجوهري : يقال : فيهجبرية وجبروة وجبروت وجبورة مثال فروجة أي كبر ، وغلظ الوجه كناية عن العبوس أو الخشونة وقلة الحياء« وكشف الله ستره » كناية عن ظهور عيوبه للناس ، وقيل : المراد به كشف سره الحاجز بينه وبين القبائح وهو الحياء ، فيكون تأكيدا لما قبله.
وأقول : الأول أظهر كما ورد في الخبر« ثم ركب المحارم » (٢) أي الصغائر مصرا عليها ،لقوله : فلم ينزع عنها ، أي لم يتركها« ثم ركب معاصي الله » أي الكبائر ، وقيل : المراد بالأول الذنوب مطلقا ، وبالثاني حبها أو استحلالها بقرينةقوله : « وأبغض طاعته » لأن بغض الطاعة يستلزم حب المعصية ، أو المراد بها ذنوبه بالنسبة إلى الخلق ، والوثوب على الناس كناية عن المجادلات والمعارضات.
الحديث الثالث : ضعيف على المشهور.
وقال الجزري : في حديث ابن مسعود : لابن آدملمتان لمة من الملك ولمة من الشيطان ، اللمة : الهمة والخطرة تقع في القلب ، أراد إلمام الملك أو الشيطان به و
__________________
(١) سورة الحجرات : ٧.
(٢) وفي المتن « وركب المحارم ».
الملك الرقة والفهم ولمة الشيطان السهو والقسوة.
(باب الظلم )
١ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن أبيه ، عن هارون بن الجهم ، عن المفضل بن صالح ، عن سعد بن طريف ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال الظلم ثلاثة ظلم يغفره الله وظلم لا يغفره الله وظلم لا يدعه الله فأما الظلم الذي لا يغفره
القرب منه ، فما كان من خطرات القلب فهو من الملك ، وما كان من خطرات الشر فهو من الشيطان ، انتهى.
« فلمة الملك الرقة والفهم » أي هما ثمرتها أو علامتها ، والحمل على المجاز لأن لمة الملك إلقاء الخير والتصديق بالحق في القلب ، وثمرتها رقة القلب وصفاؤه وميلة إلى الخير ، وكذالمة الشيطان إلقاء الوساوس والشكوك والميل إلى الشهوات في القلب ، وثمرتها السهو عن الحق والغفلة عن ذكر الله وقساوة القلب.(١)
باب الظلم
الحديث الأول : ضعيف.
والظلم وضع الشيء غير موضعه ، فالمشرك ظالم لأنه جعل غير الله تعالى شريكا له ، ووضع العبادة في غير محلها ، والعاصي ظالم لأنه وضع المعصية موضع الطاعة ،فالشرك كأنه يشمل كل إخلال بالعقائد الإيمانية ، والمراد المغفرة بدون التوبة
__________________
(١) وقال سيدنا الأستاذ الطباطبائى دام ظله ـ على ما حكى عنه ـ قوله عليهالسلام : الرقة والفهم ـ وقوله ـ السهو والغفلة ، من قبيل بيان المصداق ، والأصل في ذلك قوله تعالى : «الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ ، وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ، يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً » والمقابلة بين الوعدين يدلّ على أن أحدهما من الملك والاخر من الشيطان.
فالشرك وأما الظلم الذي يغفره فظلم الرجل نفسه فيما بينه وبين الله وأما الظلم الذي لا يدعه فالمداينة بين العباد.
٢ ـ عنه ، عن الحجال ، عن غالب بن محمد عمن ذكره ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قول الله عز وجل : «إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ »(١) قال قنطرة على الصراط لا يجوزها عبد بمظلمة.
كما قال عز وجل : «إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ »(٢) .
« وأما الظلم الذي يغفره » أي يمكن أن يغفره بدون التوبة كما قال «لِمَنْ يَشاءُ »« وأما الظلم الذي لا يدعه » أي لا يترك مكافأته في الدنيا أو الأعم ، ولعل التفنن في العبارة لأنه ليس من حقه سبحانه حتى يتعلق به المغفرة ، أو المعنى لا يدع تداركه للمظلوم إما بالانتقام من الظالم أو بالتعويض للمظلوم ، فلا ينافي الأخبار الدالة على أنه إذا أراد تعالى أن يغفر لمن عنده من حقوق الناس يعوض المظلوم حتى يرضى« والمداينة بين العباد » أي المعاملة بينهم كناية عن مطلق حقوق الناس ، فإنها تترتب على المعاملة بينهم أو المراد به المحاكمة بين العباد في القيامة ، فإن سببها حقوق الناس ، قال الجوهري : داينت فلانا إذا عاملته فأعطيت دينا وأخذت بدين ، والدين الجزاء والمكافاة ، يقال : دانه دينا أي جازاه.
الحديث الثاني : مرسل «إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ » قال في المجمع : المرصاد الطريق ، مفعال من رصده يرصده رصدا رعي ما يكون منه ليقابله بما يقتضيه أي عليه طريق العباد ، فلا يفوته أحد ، والمعنى أنه لا يفوته شيء من أعمالهم لأنه يسمع ويرى جميع أقوالهم وأفعالهم كما لا يفوت من هو بالمرصاد ، وروي عن عليعليهالسلام أنه قال : معناه إن ربك قادر على أن يجزي أهل المعاصي جزاءهم.
__________________
(١) سورة الفجر : ١٤.
(٢) سورة النساء : ٤٨.
٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن وهب بن عبد ربه وعبيد الله الطويل ، عن شيخ من النخع قال قلت لأبي جعفرعليهالسلام إني لم أزل واليا منذ زمن الحجاج إلى يومي هذا فهل لي من توبة قال فسكت ثم أعدت عليه فقال لا حتى تؤدي إلى كل ذي حق حقه.
٤ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحسين بن سعيد ، عن
وعن الصادقعليهالسلام أنه قال : المرصاد قنطرة على الصراط لا يجوزها عبد بمظلمة عبد ، وقال عطاء : يعني يجازى كل أحد وينتصف من الظالم للمظلوم ، وروي عن ابن عباس في هذه الآية قال : إن على جسر جهنم سبع مجالس يسأل العبد عند أولها عن شهادة أن لا إله إلا الله ، فإن جاء بها تامة جاز إلى الثاني فيسأل عن الصلاة ، فإن جاء بها تامة جاز إلى الثالث ، فيسأل عن الزكاة فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابع ، فيسأل عن الصوم فإن جاء بها تامة جاز إلى الخامس ، فيسأل عن الحج فإن جاء به تاما جاز إلى السادس ، فيسأل عن العمرة ، فإن جاء بها تامة جاز إلى السابع فيسأل عن المظالم ، فإن خرج منها وإلا يقال انظروا فإن كان له تطوع أكمل به أعماله ، فإذا فرغ انطلق به إلى الجنة ، وفي القاموس : المرصاد الطريق والمكان يرصد فيه العدو وقال :القنطرة الجسر وما ارتفع من البنيان ، والمظلمة بكسر اللام ما تطلبه عند الظالم وهو اسم ما أخذ منك ، ذكره الجوهري.
الحديث الثالث : مجهول.
والنخع بالتحريك قبيلة باليمن منهم مالك الأشتر« حتى تؤدي » أي مع معرفتهم وإمكان الإيصال إليهم ، وإلا فالتصدق أيضا لعله قائم مقام الإيصال كما هو المشهور ، إلا أن يقال أرباب الصدقة أيضا ذوو الحقوق في تلك الصورة ، ولعلهعليهالسلام لما علم أنه لا يعمل بقوله لم يبين له المخرج من ذلك ، والله يعلم.
الحديث الرابع : موثق.
إبراهيم بن عبد الحميد ، عن الوليد بن صبيح ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال ما من مظلمة أشد من مظلمة لا يجد صاحبها عليها عونا إلا الله عز وجل.
٥ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن أبي عبد الله ، عن إسماعيل بن مهران ، عن درست بن أبي منصور ، عن عيسى بن بشير ، عن أبي حمزة الثمالي ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال لما حضر علي بن الحسينعليهالسلام الوفاة ضمني إلى صدره ثم قال يا بني أوصيك بما أوصاني به أبيعليهالسلام حين حضرته الوفاة وبما ذكر أن أباه أوصاه به قال يا بني إياك وظلم من لا يجد عليك ناصرا إلا الله.
٦ ـ عنه ، عن أبيه ، عن هارون بن الجهم ، عن حفص بن عمر ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه من خاف القصاص كف عن ظلم الناس.
« لا يجد صاحبها عونا » أي لا يمكنه الانتصار في الدنيا لا بنفسه ولا بغيره ، وظلم الضعيف العاجز أفحش ، وقيل : المعنى أنه لا يتوسل في ذلك إلى أحد ، ولا يستعين بحاكم ، بل يتوكل على الله ويؤخر انتقامه إلى يوم الجزاء ، والأول أظهر ، وروي عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال : قال الله عز وجل : اشتد غضبي على من ظلم أحدا لا يجد ناصرا غيري ، وروي أيضا عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إن العبد إذا ظلم فلم ينتصر ولم يكن من ينصره ورفع طرفه إلى السماء فدعا الله تعالى ، قال جل جلاله : لبيك عبدي أنصرك عاجلا وآجلا ، اشتد غضبي على من ظلم أحدا لا يجد ناصرا غيري.
الحديث الخامس : ضعيف.
الحديث السادس : مجهول.
وضميرعنه راجع إلى أحمد ، فينسحب عليه العدة.
وقيل : المرادبالقصاص قصاص الدنيا ولا يخفى قلة فائدة الحديث حينئذ ، بل المعنى أن من خاف قصاص الآخرة ومجازاة أعمال العبادكف نفسه عن ظلم
٧ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن صفوان ، عن إسحاق بن عمار قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام من أصبح لا ينوي ظلم أحد غفر الله له ما أذنب
الناس ، فلا يظلم أحدا ، والغرض التنبيه على أن الظالم لا يؤمن ولا يوقن بيوم الحساب ، فهو على حد الشرك بالله والكفر بما جاءت به رسل اللهعليهمالسلام ، ويحتمل أن يكون المراد القصاص في الدنيا ، لكن للتنبيه على ما ذكرنا أي من خاف قصاص الدنيا ترك ظلم الناس ، مع أنه لا قدر له في جنب قصاص الآخرة فمن لا يخاف قصاص الدنيا ويجترئ على الظلم فمعلوم أنه لا يخاف عقاب الآخرة ، ولا يؤمن به ، فيرجع إلى الأول مع مزيد تأكيد وتنبيه.
الحديث السابع : موثق.
وظاهره أن من دخل الصباح على تلك الحالة وهي أن لا يقصد ظلم أحد غفر الله له كل ما صدر عنه من الذنوب غير القتل وأكل مال اليتيم ، وكان المراد بعدم النية العزم على العدم ، ولا ينافي ذلك صدوره منه في أثناء اليوم ، لكن ينافي ذلك الأخبار الكثيرة الدالة على المؤاخذة بحقوق الناس ، وقد مر بعضها ، وتخصيص هذه الأخبار الكثيرة بل ظواهر الآيات أيضا بمثل هذا الخبر مشكل ، وإن قيل : بأن الله تعالى يرضي المظلوم.
ويمكن توجيهه بوجوه : الأول : أن يكون الغرض استثناء جميع حقوق الناس سواء كان في أبدانهم أو في أموالهم ، وذكر من كل منهما فردا على المثال ، لكن خص أشدهما ، ففي الأبدان القتل ، وفي الأموال أكل مال اليتيم ، فيكون حاصل الحديث أن من أصبح غير قاصد بالظلم ولم يأت به في ذلك اليوم غفر الله له كل ما كان بينه وبين الله تعالى من الذنوب كما هو ظاهر الخبر الآتي.
الثاني : أن يكون التخصيص لأنهما من الكبائر والباقي من الصغائر كما هو ظاهر أكثر أخبار الكبائر ، وما سواهما من الكبائر من حقوق الله ، ويمكن شمول
ذلك اليوم ما لم يسفك دما أو يأكل مال يتيم حراما.
٨ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله من أصبح لا يهم بظلم أحد غفر الله ما اجترم.
٩ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام بن سالم ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال من ظلم مظلمة أخذ بها في نفسه أو في ماله أو في ولده.
١٠ ـ ابن أبي عمير ، عن بعض أصحابه ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال
سفك الدم للجراحات أيضا ولا استبعاد كثيرا في كون هذا العزم في أول اليوم مع ترك كبائر حقوق الناس مكفرا لحقوق الله وسائر حقوق الناس بأن يرضى الله الخصوم.
الثالث : أن يكون المعنى من أصبح ولم يهم بظلم أحد ولم يأت به في أثناء اليوم أيضا غفر الله له ما أذنب من حقوقه تعالى ما لم يسفك دما قبل ذلك اليوم ولم يأكل مال يتيم قبل ذلك اليوم ، ولم يتب منهما ، فإن من كانت ذمته مشغولة بمثل هذين الحقين لا يستحق لغفران الذنوب ، وعلى هذا يحتمل أن يكون « ذلك اليوم » ظرفا للغفران لا للذنب ، فيكون الغفران شاملا لما مضى أيضا كما هو ظاهر الخبر الآتي وقد يأول الغفران بأن الله يوفقه لئلا يصر على كبيرة ، ولا يخفى بعده.
ثم اعلم أنقوله : حراما يحتمل أن يكون حالا عن كل من السفك والأكل فالأول للاحتراز عن القصاص وقتل الكفار والمحاربين ، والثاني للاحتراز عن الأكل بالمعروف وأن يكون حالا عن الأخير لظهور الأول.
الحديث الثامن : ضعيف على المشهور.
وفي القاموس :جرم فلان أذنب ، كأجرم واجترم فهو مجرم ، و« ما » يحتمل المصدرية والموصولة.
الحديث التاسع : حسن كالصحيح وسيأتي الكلام في مؤاخذة الولد.
الحديث العاشر : كالسابق ومعلق عليه.
رسول اللهصلىاللهعليهوآله اتقوا الظلم فإنه ظلمات يوم القيامة.
١١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن عيسى ، عن منصور ، عن هشام بن سالم ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله اتقوا الظلم فإنه ظلمات يوم القيامة.
١٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن عمر بن أذينة ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال ما من أحد يظلم بمظلمة إلا أخذه الله بها في نفسه وماله وأما الظلم الذي بينه وبين الله فإذا تاب غفر الله له.
١٣ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن ابن أبي نجران ، عن عمار بن حكيم ، عن عبد الأعلى مولى آل سام قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام مبتدئا :
والظلمات جمع ظلمة وهي خلاف النور ، وحملها على الظلم باعتبار تكثره معنى أو للمبالغة ، والمراد بالظلمة إما الحقيقة لما قيل : من أن الهيئات النفسانية التي هي ثمرات الأعمال الموجبة للسعادة أو الشقاوة أنوار وظلمات مصاحبة للنفس وهي تنكشف لها في القيامة التي هي محل بروز الأسرار وظهور الخفيات فتحيط بالظالم على قدر مراتب ظلمه ظلمات متراكمة حين يكون المؤمنون في نور يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم ، أو المراد بها الشدائد والأهوال كما قيل في قوله تعالى : «قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ »(١) .
الحديث الحادي عشر : صحيح.
الحديث الثاني عشر : حسن كالصحيح.
وذكر النفس والمال على المثال لما مر وسيأتي من إضافة الولد وفيه إشعار بأن رد المظالم ليس جزءا من التوبة بل من شرائط صحته.
الحديث الثالث عشر : مجهول.
ولما كان استبعاد السائل عن إمكان وقوع مثل هذا لا عن أنه ينافي العدل
__________________
(١) سورة الأنعام : ٦٣.
من ظلم سلط الله عليه من يظلمه [ أو على عقبه ] أو على عقب عقبه قلت هو يظلم فيسلط الله على عقبه أو على عقب عقبه فقال إن الله عز وجل يقول : «وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً »(١) .
فأجابعليهالسلام بوقوع مثله في قصة اليتامى أو أنه لما لم يكن له قابلية فهم ذلك وأنه لا ينافي العدل أجاب بما يؤكد الوقوع ، أو يقال رفععليهالسلام الاستبعاد بالدليل الإني وترك الدليل اللمي والكل متقاربة.
وأما تفسير الآية فقال البيضاوي : أمر للأوصياء بأن يخشوا الله ويتقوه في أمر اليتامى فيفعلوا بهم ما يحبون أن يفعل بذراريهم الضعاف بعد وفاتهم ، أو للحاضرين المريض عند الإيصاء بأن يخشوا ربهم أو يخشوا على أولاد المريض ويشفقوا عليهم شفقتهم على أولادهم ، فلا يتركونهم أن يضر بهم بصرف المال عنهم ، أو للورثة بالشفقة على من حضر القسمة من ضعفاء الأقارب واليتامى والمساكين متصورين أنهم لو كانوا أولادهم بقوا خلفهم ضعافا مثلهم هل يجوزون حرمانهم ، أو للموصين بأن ينظروا للورثة فلا يسرفوا في الوصية ، و « لو » بما في حيزه جعل صلة للذين على معنى : وليخش الذين حالهم وصفتهم أنهم لو شارفوا أن يخلفوا ذرية ضعافا خافوا عليهم الضياع ، وفي ترتيب الأمر عليه إشارة إلى المقصود منه والعلة فيه ، وبعث على الترحم وأن يحب لأولاد غيره ما يحب لأولاده ، وتهديد للمخالف بحال أولاده.
«فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً » أمرهم بالتقوى الذي هو نهاية الخشية بعد ما أمرهم بها مراعاة للمبتدإ والمنتهى ، إذ لا ينفع الأول دون الثاني ثم أمرهم أن يقولوا لليتامى مثل ما يقولون لأولادهم بالشفقة وحسن الأدب أو للمريض ما يصده عن الإسراف في الوصية ما يؤدي إلى مجاوزة الثلث وتغييره الورثة ، ويذكره
__________________
(١) سورة النساء : ٩.
١٤ ـ عنه ، عن ابن محبوب ، عن إسحاق بن عمار ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال إن الله عز وجل أوحى إلى نبي من أنبيائه في مملكة جبار من الجبارين
التوبة وكلمة الشهادة ، أو لحاضري القسمة عذرا جميلا ووعدا حسنا ، أو أن يقولوا في الوصية ما لا يؤدي إلى مجاوزة الثلث وتضييع الورثة ، انتهى.
وقال الطبرسي (ره) في ذكر الوجوه في تفسير الآية : وثانيها : أن الأمر في الآية لولي مال اليتيم ، يأمره بأداء الأمانة فيه والقيام بحفظه ، كما لو خاف على مخلفه إذا كانوا ضعافا وأحب أن يفعل بهم عن ابن عباس ، وإلى هذا المعنى يؤول ما روي عن موسى بن جعفرعليهالسلام قال : إن الله تعالى أوعد في مال اليتيم عقوبتين ثنتين ، أما إحداهما فعقوبة الدنياقوله : «وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا » الآية قال : يعني بذلك ليخش أن أخلفه في ذريته كما صنع بهؤلاء اليتامى.
وأقول : أما دفع توهم الظلم في ذلك فهو أنه يجوز أن يكون فعل الألم بالغير لطفا لآخرين ، مع تعويض أضعاف ذلك الألم بالنسبة إلى من وقع عليه الألم بحيث إذا شاهد ذلك العوض رضي بذلك الألم ، كأمراض الأطفال ، فيمكن أن يكون الله تعالى أجرى العادة بأن من ظلم أحدا أو أكل مال يتيم ظلما بأن يبتلي أولاده بمثل ذلك فهذا لطف بالنسبة إلى كل من شاهد ذلك أو سمع من مخبر علم صدقه ، فيرتدع عن الظلم على اليتيم وغيره ويعوض الله الأولاد بأضعاف ما وقع عليهم أو أخذ منهم في الآخرة ، مع أنه يمكن أن يكون ذلك لطفا بالنسبة إليهم أيضا فيصير سببا لصلاحهم وارتداعهم عن المعاصي فإنا نعلم أن أولاد الظلمة لو بقوا في نعمه آبائهم لطغوا وبغوا وهلكوا كما كان آباؤهم ، فصلاحهم أيضا في ذلك وليس في شيء من ذلك ظلم على أحد ، وقد تقدم بعض القول منا في ذلك سابقا.
الحديث الرابع عشر : موثق.
والظلامة بالضم ما تطلبه عند الظالم وهو اسم ما أخذ منك ، وفيه دلالة على
أن ائت هذا الجبار فقل له إنني لم أستعملك على سفك الدماء واتخاذ الأموال وإنما استعملتك لتكف عني أصوات المظلومين فإني لم أدع ظلامتهم وإن كانوا كفارا.
١٥ ـ الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن الحسن بن علي الوشاء ، عن علي بن أبي حمزة ، عن أبي بصير قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول من أكل مال أخيه ظلما ولم يرده إليه أكل جذوة من النار يوم القيامة.
أن سلطنة الجبارين أيضا بتقديره تعالى ، حيث مكنهم منها وهيأ لهم أسبابها ، ولا ينافي ذلك كونهم معاقبين على أفعالهم لأنهم غير مجبورين عليها ، مع أنه يظهر من الأخبار أنه كان في الزمن السابق السلطنة الحقة لغير الأنبياء والأوصياء أيضا لكنهم كانوا مأمورين بأن يطيعوا الأنبياء فيما يأمرونهم به ، وقوله : فإني لن أدع ظلامتهم ، تهديد للجبار بزوال ملكه ، فإن الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم.
الحديث الخامس عشر : ضعيف على المشهور.
وفي القاموس :الجذوة مثلثة القبسة من النار والجمرة ، والمراد بالأخ إن كان المسلم فالتخصيص لأن أكل مال الكافر ليس بهذه المثابة وإن كان حراما ، وكذا إن كان المراد به المؤمن ، فإن مال المخالف أيضا ليس كذلك ، وإن كان المراد به من كان بينه وبينه أخوة ومصادقة فالتخصيص لكونه الفرد الخفي لأن الصداقة مما يوهم حل أكل ماله مطلقا لحل بعض الأموال في بعض الأحوال كما قال تعالى : «أَوْ صَدِيقِكُمْ »(١) فالمعنى فكيف من لم يكن كذلك ، وكان الأوسط أظهر.
وأكل الجذوة إما حقيقة بأن يلقى في حلقه النار أو كناية عن كونه سببا لدخول النار.
__________________
(١) سورة النور : ٦١.
١٦ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن محمد بن سنان ، عن طلحة بن زيد ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال العامل بالظلم والمعين له والراضي به شركاء ثلاثتهم.
١٧ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن الحكم ، عن هشام بن سالم قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول إن العبد ليكون مظلوما فما يزال يدعو
الحديث السادس عشر : ضعيف كالموثق.
« العامل بالظلم » الظاهر الظلم على الغير ، وربما يعم بما يشمل الظلم على النفس« والمعين له » أي في الظلم ، وقد يعم« والراضي به » أي غير المظلوم ، وقيل : يشمله ، ويؤيده قوله تعالى : «وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ »(١) قال في الكشاف : النهي متناول للانحطاط في هواهم ، والانقطاع إليهم ، ومصاحبتهم ومجالستهم ، وزيارتهم ومداهنتهم ، والرضا بأعمالهم والتشبه بهم ، والتزيي بزيهم ، ومد العين إلى زهرتهم ، وذكرهم بما فيه تعظيم لهم ، وفي خبر مناهي النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في الفقيه وغيره أنهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : من مدح سلطانا جائرا أو تخفف وتضعضع طمعا فيه كان قرينه في النار ، وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : من دل جائرا على جور كان قرين هامان في جهنم.
الحديث السابع عشر : صحيح.
« فما يزال يدعو » أقول : يحتمل وجوها ، الأول : أنه يفرط في الدعاء على الظالم ، حتى يصير ظالما بسبب هذا الدعاء كان ظلمه بظلم يسير كشتم أو أخذ دراهم يسيرة ، فيدعو عليه بالموت والقتل والفناء ، أو العمى أو الزمن وأمثال ذلك ، أو يتجاوز في الدعاء إلى من لم يظلمه كانقطاع نسله أو موت أولاده وأحبائه أو استئصال عشيرته وأمثال ذلك ، فيصير في هذا الدعاء ظالما.
الثاني : أن يكون المعنى أنه يدعو كثيرا على العدو المؤمن ولا يكتفي بالدعاء لدفع ضرره بل يدعو بابتلائه ، وهذا مما لا يرضى الله به فيكون في ذلك ظالما على نفسه بل على أخيه أيضا إذ مقتضى الأخوة الإيمانية أن يدعو له بصلاحه ، وكف ضرره
__________________
(١) سورة هود : ١١٣.
حتى يكون ظالما.
١٨ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن أبيه ، عن أبي نهشل ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال من عذر ظالما بظلمه سلط الله
عنه كما ذكره سيد الساجدين في دعاء دفع العدو ، وما ورد من الدعاء بالقتل والموت والاستئصال فالظاهر أنه كان للدعاء على المخالفين وأعداء الدين بقرينة أن أعداءهم كانوا كفارا لا محالة كما يومئ إليه قوله تعالى : «وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ »(١) وسيأتي عن علي بن الحسينعليهالسلام أن الملائكة إذا سمعوا المؤمن يذكر أخاه بسوء ويدعو عليه قالوا له : بئس الأخ أنت لأخيك كف أيها المستر على ذنوبه وعورته وأربع على نفسك ، واحمد الله الذي ستر عليك ، واعلم أن الله عز وجل أعلم بعبده منك.
الثالث : ما قيل أنه يدعو كثيرا ولا يعلم الله صلاحه في إجابته فيؤخرها فييأس من روح الله فيصير ظالما على نفسه وهو بعيد.
الرابع : أن يكون المعنى أنه يلح في الدعاء حتى يستجاب له فيسلط على خصمه فيظلمه فينعكس الأمر وكانت حالته الأولى أحسن له من تلك الحالة.
الخامس : أن يكون المراد به لا تدعو كثيرا على الظلمة فإنه ربما صرتم ظلمة فيستجيب فيكم ما دعوتم على غيركم.
السادس ما قيل : كان المراد من يدعو لظالم يكون ظالما لأنه رضي بظلمه كما روي عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله في أرضه.
وأقول : هذا أبعد الوجوه.
الحديث الثامن عشر : مجهول.
« من عذر ظالما » يقال عذرته فيما صنع عذرا من باب ضرب : رفعت عنه اللوم
__________________
(١) سورة يونس : ١١.
عليه من يظلمه فإن دعا لم يستجب له ولم يأجره الله على ظلامته.
١٩ ـ عنه ، عن محمد بن عيسى ، عن إبراهيم بن عبد الحميد ، عن علي بن أبي حمزة ، عن أبي بصير ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال قال ما انتصر الله من ظالم إلا بظالم وذلك قوله عز وجل : «وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً »(١) .
فهو معذور ، أي غير ملوم والاسم العذر بضم الذال للاتباع وتسكن ، والجمع أعذار والمعذرة بمعنى العذر وأعذرته بالألف لغة« وإن دعا لم يستجب له » (٢) أي إن دعا الله تعالى أن يدفع عنه ظلم من يظلمه لم يستجب له لأنه بسبب عذره صار ظالما خرج عن استحقاق الإجابة ، أو لما عذر ظالم غيره يلزمه أن يعذر ظالم نفسه ولم يأجره اللهعلى ظلامته لذلك ، أو لأنها وقعت مجازاة ، وقيل : لا ينافي ذلك الانتقام من ظالمه كما دل عليه الخبر الأول.
الحديث التاسع عشر : ضعيف على المشهور.
والانتصار الانتقام «وَكَذلِكَ نُوَلِّي ».
أقول : قبله قوله تعالى : «وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلاَّ ما شاءَ اللهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ » ثم قال سبحانه : «وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ».
وقال الطبرسي (ره) : الكاف للتشبيه أي كذلك المهل بتخلية بعضهم على بعض للامتحان الذي معه يصح الجزاء على الأعمال توليتنا بعض الظالمين بعضا بأن نجعل بعضهم يتولى أمر بعض للعقاب الذي يجري على الاستحقاق ، وقيل : معناه إنا كما وكلنا هؤلاء الظالمين من الجن والإنس بعضهم إلى بعض يوم القيامة وتبرأنا منهم فكذلك نكل الظالمين بعضهم إلى بعض يوم القيامة ونكل الأتباع إلى المتبوعين ونقول
__________________
(١) سورة الأنعام : ١٢٩.
(٢) وفي المتن « فان دعا ».
٢٠ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله من ظلم أحدا ففاته فليستغفر الله له فإنه كفارة له.
٢١ ـ أحمد بن محمد الكوفي ، عن إبراهيم بن الحسين ، عن محمد بن خلف ، عن
للأتباع قولوا للمتبوعين حتى يخلصوكم من العذاب عن الجبائي ، وقال غيره : لما حكى الله سبحانه ما يجري بين الجن والإنس من الخصام والجدال في الآخرة قال «وَكَذلِكَ » أي وكما فعلنا بهؤلاء من الجمع بينهم في النار وتولية بعضهم بعضا نفعل مثله بالظالمين جزاء على أعمالهم ، وقال ابن عباس : إذا رضي الله عن قوم ولي أمرهم خيارهم وإذا سخط على قوم ولي أمرهم شرارهم.
«بِما كانُوا يَكْسِبُونَ » من المعاصي أي جزاء على أعمالهم القبيحة ، وذلك معنى قوله : «إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ »(١) ومثله ما رواه الكلبي عن مالك بن دينار قال : قرأت في بعض كتب الحكمة أن الله تعالى يقول : إني أنا الله مالك الملوك ، قلوب الملوك بيدي فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة ، ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة ، فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك ، ولكن توبوا إلى أعطفهم عليكم ، وقيل معنى : نولي بعضهم بعضا ، نخلي بينهم وبين ما يختارونه من غير نصرة لهم ، وقيل : معناه نتابع بعضهم بعضا في النار ، انتهى.
وأقول : ما ذكرهعليهالسلام أوفق بكلام ابن عباس والكلبي ، ومطابق لظاهر الآية.
الحديث العشرون : ضعيف على المشهور« ففاته » أي لم يدركه ليطلب البراءة ويرضيه ، ولعله محمول على ما إذا لم يكن حقا ماليا كالغيبة وأمثالها ، وإلا فيجب أن يتصدق عنه إلا أن يقال : التصدق عنه أيضا طلب مغفرة له.
الحديث الحادي والعشرون : مجهول.
__________________
(١) سورة الرعد : ١١.
موسى بن إبراهيم المروزي ، عن أبي الحسن موسىعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله من أصبح وهو لا يهم بظلم أحد غفر الله له ما اجترم.
٢٢ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحسن بن محبوب ، عن علي بن أبي حمزة ، عن أبي بصير قال دخل رجلان على أبي عبد اللهعليهالسلام في مداراة بينهما ومعاملة فلما أن سمع كلامهما قال أما إنه ما ظفر أحد بخير من ظفر بالظلم أما إن المظلوم يأخذ من دين الظالم أكثر مما يأخذ الظالم من مال المظلوم
الحديث الثاني والعشرون : ضعيف على المشهور.
وفي القاموس :تدارءوا تدافعوا في الخصومة ، ودارأته داريته ودافعته ولا ينته ضد« فلما أن سمع » أن زائدة لتأكيد الاتصال« ما ظفر أحد بخير » أقول : هذه العبارة تحتمل عندي وجوها : الأول : أن ظفر من باب علم والظفر الوصول إلى المطلوب والباء في قوله : بخير ، الآلية المجازية ، كقولك : قام زيد بقيام حسن ، وفيبظلم صلة للظفر ، ومن صلة لأفعل التفضيل ، والظلم مصدر مبني للفاعل أو للمفعول والحاصل أنه لم يظفر أحد بنعمة يكون خيرا من أن يظفر بظلم ظالم له أو بمظلومية من ظالم ، فإنه ظفر بالمثوبات الأخروية كما سنبينه.
الثاني : أن يكون كالسابق لكن يكون الباء في قوله بخير صلة للظفر وفي قوله بالظلم للآلية المجازية ، ومن للتعليل متعلقا بالظفر والظلم مصدر مبني للفاعل أي ما ظفر أحد بأمر خير بسبب ظفره بظلم أحد.
الثالث ما قيل : إن الخير مضاف إلى من بالمنع ولا يخفى ما فيه.
الرابع : أن يكون من اسم موصول وظفر فعلا ماضيا ويكون بدلا لقوله أحد كما في قوله تعالى : «وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً » وهذا مما خطر أيضا بالبال لكن الأول أحسن الوجوه ، وعلى التقاديرقوله : أما إنه ، استئناف بياني لسابقه ، ويؤيده ما روي عن أمير المؤمنينعليهالسلام لا يكبرن عليك ظلم من ظلمك فإنه يسعى في مضرته ونفعك.
ثم قال من يفعل الشر بالناس فلا ينكر الشر إذا فعل به أما إنه إنما يحصد ابن آدم ما يزرع وليس يحصد أحد من المر حلوا ولا من الحلو مرا فاصطلح الرجلان قبل أن يقوما.
٢٣ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن علي بن أسباط عمن ذكره ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله من خاف القصاص كف عن ظلم الناس.
(باب )
(اتباع الهوى )
١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن ابن محبوب ، عن أبي محمد الوابشي قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول احذروا أهواءكم كما تحذرون أعداءكم
« وليس يحصد أحد من المر حلوا » هذا تمثيل لبيان أن جزاء الشر لا يكون نفعا وخيرا ، وجزاء الخير وثمرته لا يكون شرا ووبالا في الدارين.
الحديث الثالث والعشرون : ضعيف على المشهور.
باب اتباع الهوى
الحديث الأول : مجهول.
« احذروا أهواءكم » الأهواء جمع الهوى وهو مصدر هويه كرضيه إذا أحبه واشتهاه ، ثم سمي به المهوي المشتهى ، محمودا كان أو مذموما ثم غلب على المذموم.
قال الجوهري : كل حال هواء ، وقوله تعالى : «وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ » يقال : إنه لا عقول فيها ، والهوى مقصورا هوى النفس ، والجمع الأهواء ، وهوى بالكسر يهوي هوى أي أحب ، الأصمعي : هوى بالفتح يهوي هويا أي سقط إلى أسفل.
وقال الراغب : الهوى ميل النفس إلى الشهوة ، ويقال ذلك للنفس المائلة إلى الشهوة ، وقيل : سمي بذلك لأنه يهوي بصاحبه في الدنيا إلى كل داهية وفي الآخرة
فليس شيء أعدى للرجال من اتباع أهوائهم وحصائد ألسنتهم.
إلى الهاوية ، وقد عظم الله ذم اتباع الهوى فقال : «أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ »(١) وقال : «وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ »(٢) «وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً »(٣) وقوله : «وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ »(٤) فإنما قاله بلفظ الجمع تنبيها على أن لكل هوى غير هوى الآخر ، ثم هوى كل واحد لا يتناهى فإذا اتباع أهوائهم نهاية الضلال والحيرة ، وقال : «وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ »(٥) وقال : «كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ »(٦) «وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ »(٧) وقال : «قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً »(٨) «وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ »(٩) «وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتابٍ » و «مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللهِ »(١٠) » انتهى.
وأقول : ينبغي أن يعلم أن ما تهواه النفس ليس كله مذموما وما لا تهواه النفس ليس كله ممدوحا ، بل المعيار ما مر في باب ذم الدنيا وهو أن كل ما يرتكبه الإنسان لمحض الشهوة النفسانية واللذة الجسمانية والمقاصد الفانية الدنيوية ولم يكن الله مقصودا له في ذلك فهو من الهوى المذموم ويتبع فيه النفس الأمارة بالسوء ، وإن كان مشتملا على زجر النفس عن بعض المشتهيات أيضا كمن يترك لذيذ المأكل والمطعم والملبس ويقاسي الجوع والصوم والسهر للاشتهار بالعبادة وجلب قلوب الجهال ، وما يرتكبه الإنسان لإطاعة أمره سبحانه وتحصيل رضاه وإن كان مما تشتهيه نفسه وتهواه ، فليس هو من الهوى المذموم كمن يأكل ويشرب لأمره تعالى بهما ، أو لتحصيل القوة على العبادة ، وكمن يجامع الحلال لكونه مأمورا به
__________________
(١) سورة الجاثية : ٣٣. (٢) سورة ص : ٢٦.
(٣) سورة الكهف : ٢٨. (٤) سورة البقرة : ١٢٠.
(٥) سورة الجاثية : ١٨. (٦) سورة الأنعام : ٧١.
(٧) سورة المائدة : ٧٧. (٨) سورة الأنعام : ٥٦.
(٩) سورة المائدة : ٤٩. (١٠) سورة القصص : ٥٠.
أو لتحصيل الأولاد الصالحين ، أو لعدم ابتلائه بالحرام فهؤلاء وإن حصل لهم الالتذاذ بهذه الأمور لكن ليس مقصودهم محض اللذة ، بل لهم في ذلك أغراض صحيحة إن صدقتهم أنفسهم ، ولم تكن تلك من التسويلات النفسانية والتخييلات الشيطانية ، ولو لم يكن غرضهم من ارتكاب تلك اللذات هذه الأمور فليسوا بمعاقبين في ذلك إذا كان حلالا لكن إطاعة النفس في أكثر ما تشتهيه قد ينجر إلى ارتكاب الشبهات والمكروهات ثم إلى المحرمات ومن حام حول الحمى أو شك أن يقع فيه.
فظهر أن كل ما تهواه النفس ليس مما يلزم اجتنابه فإن كثيرا من العلماء قد يلتذون بعلمهم أكثر مما يلتذ الفساق بفسقهم ، وكثيرا من العباد يأنسون بالعبادة بحيث يحصل لهم الهم العظيم بتركها ، وليس كل ما لا تشتهيه النفس يحسن ارتكابه كأكل القاذورات والزنا بالجارية القبيحة ، ويطلق أيضا الهوى على اختيار ملة أو طريقة أو رأي لم يستند إلى برهان قطعي ، أو دليل من الكتاب والسنة ، كمذاهب المخالفين وآرائهم وبدعهم فإنها من شهوات أنفسهم ، ومن أوهامهم المعارضة للحق الصريح كما دلت عليه أكثر الآيات المتقدمة.
فذم الهوى مطلقا إما مبني على أن الغالب فيما تشتهيه الأنفس أنها مخالفة لما ترتضيه العقل ، أو على أن المراد بالنفس النفس المعتادة بالشر الداعية إلى السوء والفساد ، ويعبر عنها بالنفس الأمارة كما قال تعالى : «إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ ما رَحِمَ رَبِّي ».
أو صار الهوى حقيقة شرعية في المعاصي والأمور القبيحة التي تدعو النفس إليها ، والآراء والملل والمذاهب الباطلة التي تدعو إليها الشهوات الباطلة والأوهام الفاسدة ، لا البراهين الحقة فليس شيء أعدى للرجال لأن ضرر العدو على فرض وقوعه راجع إلى الدنيا الزائلة ومنافعها الفانية ، وضرر الهوى راجع إلى الآخرة الباقية.
٢ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن أبيه ، عن عبد الله بن القاسم ، عن أبي حمزة ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول الله عز وجل وعزتي وجلالي وعظمتي وكبريائي ونوري وعلوي وارتفاع مكاني
« وحصائد ألسنتهم » قال في النهاية : فيه وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم أي ما يقطعونه من الكلام الذي لا خير فيه ، واحدتها حصيدة تشبيها بما يحصد من الزرع وتشبيها للسان وما يقتطعه من القول بحد المنجل الذي يحصد به ، وقال الطيبي : أي كلامهم القبيح كالكفر والقذف والغيبة ، وقال الجوهري : حصدت الزرع وغيره أحصده وأحصده حصدا والزرع محصود وحصيد وحصيدة ، وحصائد ألسنتهم الذي في الحديث هو ما قيل في الناس باللسان وقطع به عليهم.
الحديث الثاني : ضعيف.
« وعزتي » أقسم سبحانه تأكيدا لتحقيق مضمون الخطاب وتثبيته في قلوب السامعين أولا بعزته وهي القوة والغلبة وخلاف الذلة وعدم المثل والنظير ، وثانيا بجلاله وهو التنزه من النقائص أو عن أن يصله إليه عقول الخلق أو القدرة التي تصغر لديها قدرة كل ذي قدرة ، وثالثا بعظمته وهي تنصرف إلى عظمة الشأن والقدر الذي يذل عندها شأن كل ذي شأن ، أو هو أعظم من أن يصل إلى كنه صفاته أحد ، ورابعا بكبريائه وهو كون جميع الخلائق مقهورا له منقادا لإرادته ، وخامسا بنوره وهو هدايته التي بها يهتدي أهل السماوات والأرضين إليه وإلى مصالحهم ومراشدهم كما يهتدى بالنور ، وسادسا بعلوه أي كونه أرفع من أن يصل إليه العقول والأفهام أو كونه فوق الممكنات بالعلية ، أو تعاليه عن الاتصاف بصفات المخلوقين ، وسابعا بارتفاع مكانه وهو كونه أرفع من أن يصل إليه وصف الواصفين أو يبلغه نعت الناعتين وكان بعضها تأكيد لبعض.
لا يؤثر عبد هواه على هواي إلا شتت عليه أمره ولبست عليه دنياه وشغلت قلبه بها ولم أؤته منها إلا ما قدرت له وعزتي وجلالي وعظمتي ونوري وعلوي
« لا يؤثر » أي لا يختار« عبد هواه » أي ما يحبه ويهواه« على هواي » أي على ما أرضاه وأمرت به« إلا شتت عليه أمره » على بناء المجرد أو التفعيل ، في القاموس : شت يشت شتا وشتاتا وشتيتا فرق وافترق كانشت وتشتت ، وشتته الله وأشته.
وأقول : تشتت أمره إما كناية عن تحيره في أمر دينه فإن الذين يتبعون الأهواء الباطلة ، في سبل الضلالة يتيهون وفي طرق الغواية يهيمون ، أو كناية عن عدم انتظام أمور دنياهم فإن من اتبع الشهوات لا ينظر في العواقب فيختل عليه أمور معاشه ويسلب الله البركة عما في يده أو الأعم منهما ، وعلى الثاني الفقرة الثانية تأكيد وعلى الثالث تخصيص بعد التعميم.
« ولبست عليه دنياه » أي خلطتها أو أشكلتها وضيقت عليه المخرج منها ، قال في المصباح : لبست الأمر لبسا من باب ضرب خلطته ، وفي التنزيل «وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ »(١) والتشديد مبالغة ، وفي الأمر لبس بالضم ولبسة أيضا إشكال ، والتبس الأمر أشكل ، ولابسته بمعنى خالطته ، وقال الراغب : أصل اللبس ستر الشيء ، ويقال ذلك في المعاني ، يقال : لبست عليه أمره ، قال تعالى : «وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ » «وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ »(٢) «لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ »(٣) «الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ »(٤) ويقال في الأمر لبسة أي التباس ولابست فلانا خالطته.
« وشغلت قلبه بها » أي هو دائما في ذكرها وفكرها غافلا عن الآخرة وتحصيلها
__________________
(١) سورة الأنعام : ٩.
(٢) سورة البقرة : ٤٢.
(٣) سورة آل عمران : ٧١.
(٤) سورة الأنعام : ٨٢.
وارتفاع مكاني لا يؤثر عبد هواي على هواه إلا استحفظته ملائكتي وكفلت السماوات والأرضين رزقه وكنت له من وراء تجارة كل تاجر وأتته الدنيا وهي راغمة.
ولا يصل من الدنيا غاية مناه فيخسر الدنيا والآخرة ، وذلك هو الخسران المبين« إلا استحفظته ملائكتي » أي أمرتهم بحفظه من الضياع والهلاك في الدين والدنيا.
« وكفلت السماوات والأرضين رزقه » وقد مر « وضمنت » أي جعلتهما ضامنين وكفيلين لرزقه ، كناية عن تسبب الأسباب السماوية والأرضية لوصول رزقه المقدر إليه.
« وكنت له من وراء تجارة كل تاجر » أقول : قد مر أنه يحتمل وجوها الأول : أن يكون المعنى كنت له من وراء تجارة التاجرين أي عقبها أسوقها إليه أي أسخر له قلوبهم له وألقي فيها أن يدفعوا قسطا من أرباح تجارتهم إليه.
الثاني : أني أتجر له عوضا عن تجارة كل تاجر له لو كانوا اتجروا له.
الثالث : أن المعنى أنا أي قربي وحبي له عوضا عن المنافع الزائلة الفانية التي تحصل للتجار في تجارتهم ، وبعبارة أخرى أنا مقصوده في تجارته المعنوية بدلا عما يقصده التجار من أرباحهم الدنيوية «فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ».
الرابع : أن المعنى كنت له بعد أن أسوق إليه أرباح التاجرين فتجتمع له الدنيا والآخرة ، وهي التجارة الرابحة.
« وأتته الدنيا وهي راغمة » أي ذليلة منقادة كناية عن تيسر حصولها بلا مشقة ولا مذلة أو مع هوانها عليه ، وليست لها عنده منزلة لزهده فيها ، أو مع كرهها كناية عن بعد حصولها له بحسب الأسباب الظاهرة لعدم توسله بأسباب حصولها ، وهذا معنى لطيف وإن كان بعيدا ، وفي القاموس : الرغم الكره ويثلث كالمرغمة ، رغمه كعلمه ومنعه كرهه ، والتراب كالرغام ورغم أنفي لله مثلثة ذل عن كره ، وأرغمه الله أسخطه ، ورغمته فعلت شيئا على رغمه ، وفي النهاية أرغم الله أنفه ألصقه بالرغام وهو التراب ، هذا هو الأصل ، ثم استعمل في الذل والعجز عن الانتصاف والانقياد على كره.
٣ ـ الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن الوشاء ، عن عاصم بن حميد ، عن أبي حمزة ، عن يحيى بن عقيل قال قال أمير المؤمنينعليهالسلام إنما أخاف عليكم اثنتين ـ اتباع الهوى وطول الأمل أما اتباع الهوى فإنه يصد عن الحق وأما طول الأمل فينسي الآخرة.
٤ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن محمد بن الحسن بن شمون ، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأصم ، عن عبد الرحمن بن الحجاج قال قال لي أبو الحسنعليهالسلام اتق المرتقى السهل إذا كان منحدره وعرا.
الحديث الثالث : ضعيف على المشهور.
« أما اتباع الهوى فإنه يصد عن الحق » لأن حب الدنيا وشهواتها يعمى القلب عن رؤية الحق وتمنع النفس عن متابعته ، فإن الحق والباطل متقابلان والآخرة والدنيا ضرتان متنافرتان. والدنيا مع أهل الباطل فاتباع الهوى إما يصير سببا لاشتباه الحق بالباطل في نظره ، أو يصير باعثا على إنكار الحق مع العلم به ، والأول كعوام أهل الباطل والثاني كعلمائهم« وطول الأمل » أي ظن البقاء في الدنيا وتوقع حصول المشتهيات فيها بالأماني الكاذبة الشيطانيةينسى الموت والآخرة وأهوالها فلا يتوجه إلى تحصيل الآخرة وما ينفعه فيها ، ويخلصه من شدائدها وإنما ينسب الخوف منهما إلى نفسه القدسية لأنه هو مولى المؤمنين والمتولي لإصلاحهم والراعي لهم في معاشهم ، والداعي لهم إلى صلاح معادهم.
الحديث الرابع : ضعيف.
« اتق المرتقى السهل » إلخ ، المرقى والمرتقى والمرقاة موضع الرقي والصعود من رقيت السلم والسطح والجبل علوته ، والمنحدر الموضع الذي ينحدر منه أي ينزل ، من الانحدار وهو النزول ، والوعر ضد السهل ، قال الجوهري : جبل وعر بالتسكين ومطلب وعر ، قال الأصمعي : ولا تقل وعر.
أقول : ولعل المراد به النهي عن طلب الجاه والرئاسة وسائر شهوات الدنيا
قال وكان أبو عبد اللهعليهالسلام يقول لا تدع النفس وهواها فإن هواها في رداها وترك النفس وما تهوى أذاها وكف النفس عما تهوى دواها.
ومرتفعاتها فإنها وإن كانت مؤاتية على اليسر والخفض إلا أن عاقبتها عاقبة سوء والتخلص من غوائلها وتبعاتها في غاية الصعوبة ، والحاصل أن متابعة النفس في أهوائها والترقي من بعضها إلى بعض وإن كانت كل واحدة منها في نظره حقيرة ، وتحصل له بسهولة ، لكن عند الموت يصعب عليه ترك جميعها ، والمحاسبة عليها ، فهو كمن صعد جبلا بحيل شتى فإذا انتهى إلى ذروته تحير في تدبير النزول عنها.
وأيضا تلك المنازل الدنية تحصل له في الدنيا بالتدريج ، وعند الموت لا بد من تركها دفعة ، ولذا تشق عليه سكرات الموت بقطع تلك العلائق ، فهو كمن صعد سلما درجة درجة ثم سقط في آخر درجة منه دفعة ، فكلما كانت الدرجات في الصعود أكثر كان السقوط منها أشد ضررا وأعظم خطرا فلا بد للعاقل أن يتفكر عند الصعود على درجات الدنيا في شدة النزول عنها فلا يرقى كثيرا ويكتفي بقدر الضرورة والحاجة ، فهذا التشبيه البليغ على كل من الوجهين من أبلغ الاستعارات وأحسن التشبيهات ، وفي بعض النسخ : أتقي بالياء وكأنه من تصحيف النساخ ، ولذا قرأ بعض الشارحين أتقى بصيغة التفضيل على البناء للمفعول وقرأ السهل مرفوعا ليكون خبرا للمبتدإ وهو أتقى ، أو يكون أتقي بتشديد التاء بصيغة المتكلم من باب الافتعال فالسهل منصوب صفة للمرتقى ، وكل منهما لا يخلو من بعد.
« لا تدع النفس وهواها » أي لا تتركها مع هواها وما تهواه وتحبه من الشهوات المردية« فإن هواها في رداها » أي هلاكها في الآخرة بالهلاك المعنوي ، في القاموس ردي في البئر سقط كتردى وأرداه غيره ورداه وروي كرضى ردي هلك ، وأرداه ، ورجل ردها لك.
قوله عليهالسلام : أذاها ، الأذى ما يؤذي الإنسان من مرض أو مكروه ، والشيء القذر ، وفي بعض النسخ داؤها أي مرضها وهو أنسب بقوله : دواءها لفظا ومعنى ، في القاموس الدواء مثلثة ما داويت به ، وبالقصر المرض.
(باب )
(المكر والغدر والخديعة )
١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام بن سالم رفعه قال قال أمير المؤمنينعليهالسلام لو لا أن المكر والخديعة في النار لكنت أمكر الناس.
باب المكر والغدر والخديعة
الحديث الأول : مرفوع كالحسن.
وفي القاموس :المكر الخديعة ، وقال : خدعه كمنعه خدعا ويكسر ختله ، وأراد به المكروه من حيث لا يعلم كاختدعه فانخدع ، والاسم الخديعة ، وقال الراغب : المكر صرف الغير عما يقصده بحيلة ، وذلك ضربان مكر محمود وهو أن يتحرى بذلك فعل جميل ، وعلى ذلك قال الله عز وجل : «وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ »(١) ومذموم وهو أن يتحرى به فعل قبيح ، قال تعالى : «وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ »(٢) وقال في الأمرين : «وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ »(٣) وقال بعضهم من مكر الله تعالى إمهال العبد وتمكينه من أعراض الدنيا ، ولذلك قال أمير المؤمنينعليهالسلام : من وسع عليه دنياه ولم يعلم أنه مكر به فهو مخدوع عن غفلة ، وقال : الخداع إنزال الغير عما هو بصدده بأمر يبديه على خلاف ما يخفيه ، انتهى.
وفي المصباح :خدعته خدعا فانخدع ، والخدع بالكسر اسم منه ، والخديعة مثله ، والفاعل خدوع مثل رسول وخداع أيضا وخادع ، والخدعة بالضم ما يخدع به الإنسان مثل اللعبة لما يلعب به ، انتهى.
__________________
(١) سورة آل عمران : ٥٤.
(٢) سورة فاطر : ٤٣.
(٣) سورة النمل : ٥٠.
وربما يفرق بينهما حيث اجتمعا بأن يراد بالمكر احتيال النفس واستعمال الرأي فيما يراد فعله مما لا ينبغي ، وإرادة إظهار غيره وصرف الفكر في كيفيته ، وبالخديعة إبراز ذلك في الوجود وإجراؤه على من يريد.
وكأنهعليهالسلام إنما قال ذلك لأن الناس كانوا ينسبون معاوية لعنه الله إلى الدهاء والعقل ، وينسبونهعليهالسلام إلى ضعف الرأي لما كانوا يرون من إصابة حيل معاوية المبنية على الكذب والغدر والمكر ، فبينعليهالسلام أنه أعرف بتلك الحيل منه ، ولكنها لما كانت مخالفة لأمر الله ونهيه ، فلذا لم يستعملها ، كما روى السيدرضياللهعنه في نهج البلاغة عنه صلوات الله عليه أنه قال : ولقد أصبحنا في زمان اتخذ أكثر أهله الغدر كيسا ، ونسبهم أهل الجهل فيه إلى حسن الحيلة ، ما لهم قاتلهم الله؟ قد يرى الحول القلب وجه الحيلة ودونه مانع من أمر الله ونهيه ، فيدعها رأي العين بعد القدرة عليها ، وينتهز فرصتها من لا حريجة في الدين ، والحريجة التقوى.
وقال بعض الشراح في تفسير هذا الكلام : وذلك لجهل الفريقين بثمرة الغدر وعدم تمييزهم بينه وبين الكيس ، فإنه لما كان الغدر هو التفطن بوجه الحيلة وإيقاعها على المغدور به وكان الكيس هو التفطن بوجه الحيلة والمصالح فيما ينبغي ، كانت بينهما مشاركة في التفطن بالحيلة واستخراجها بالآراء إلا أن تفطن الغادر بالحيلة التي هي غير موافقة للقوانين الشرعية والمصالح الدينية ، والكيس هو المتفطن بالحيلة الموافقة لهما ، ولدقة الفرق بينهما يلبس الغادر غدرة بالكيس وينسبه الجاهلون إلى حسن الحيلة كما نسب ذلك إلى معاوية وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وأضرابهم ، ولم يعلموا أن حيلة الغادر تخرجه إلى رذيلة الفجور ، وأنه لا حسن لحيلة جرت إلى رذيلة ، بخلاف حيلة الكيس ومصلحته فإنها تجر
٢ ـ علي ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله يجيء كل غادر يوم القيامة بإمام مائل شدقه حتى
إلى العدل ، انتهى.
وقد صرحعليهالسلام بذلك في مواضع يطول ذكرها ، وكونهعليهالسلام أعرف بتلك الأمور وأقدر عليها ظاهر ، لأن مدار المكر على استعمال الفكر في درك الحيل ، ومعرفة طرق المكروهات وكيفية إيصالها إلى الغير على وجه لا يشعر به ، وهوعليهالسلام لسعة علمه كان أعرف الناس بجميع الأمور ، والمراد بكونهما في النار كون المتصف بهما فيها والإسناد على المجاز.
الحديث الثاني : ضعيف على المشهور.
وفي القاموس : الغدر ضد الوفاء ، غدر هو به كنصر وضرب وسمع غدرا ، وأقول : يطلق الغدر غالبا على نقض العهد والبيعة وإرادة إيصال السوء إلى الغير بالحيلة بسبب خفي ، وقوله : بإمام متعلق بغادر ، والمراد بالإمام إمام الحق.
ويحتمل أن يكون الباء بمعنى مع ويكون متعلقا بالمجيء فالمراد بالإمام إمام الضلالة كما قال بعض الأفاضل« يجيء كل غادر » يعني من أصناف الغادرين على اختلافهم في أنواع الغدر « بإمام » يعني مع إمام يكون تحت لوائه كما قال الله سبحانه : «يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ »(١) وإمام كل صنف من القادرين على اختلافهم من كان كاملا في ذلك الصنف من القدر أو باديا به ، ويحتمل أن يكون المراد بالغادر بإمام من غدر ببيعة إمام في الحديث الآتي خاصة ، وأما هذا الحديث فلا ، لاقتضائه التكرار وللفصل فيه بيوم القيامة ، والأول أظهر لأنهما في الحقيقة حديث واحد يبين أحدهما الآخر ، فينبغي أن يكون معناهما واحدا ، انتهى.
وفي المصباح :الشدق بالفتح والكسر جانب الفم قاله الأزهري ، وجمع المفتوح
__________________
(١) سورة الإسراء : ٧١.
يدخل النار ويجيء كل ناكث بيعة إمام أجذم حتى يدخل النار.
شدوق مثل فلس وفلوس ، وجمع المسكور أشداق مثل حمل وأحمال ، وقيل : لما كان الغادر غالبا يتشبث بسبب خفي لإخفاء غدرة ذكرهعليهالسلام أنه يعاقب بضد ما فعل ، وهو تشهيره بهذه البلية التي تتضمن خزيه على رؤوس الأشهاد ، ليعرفوه بقبح عمله ، والنكث نقض البيعة ، والفعل كنصر وضرب ، في المصباح : نكث الرجل العهد نكثا من باب قتل نقضه ونبذه فانتكث مثل نقضه فانتقض والنكث بالكسر ما نقض ليغزل ثانية ، والجمع أنكاث.
قوله : أجذم ، قال الجزري فيه من تعلم القرآن ثم نسيه لقي الله يوم القيامة وهو أجذم ، أي مقطوع اليد من الجذم القطع ، ومنه حديث عليعليهالسلام من نكث بيعته لقي الله وهو أجذم ، ليست له يد ، قال القتيبي : الأجذم هيهنا الذي ذهبت أعضاؤه كلها وليست اليد أولى بالعقوبة من باقي الأعضاء ، يقال : رجل أجذم ومجذوم إذا تهافتت أطرافه من الجذام ، وهو الداء المعروف ، قال الجوهري : لا يقال للمجذوم أجذم وقال ابن الأنباري ردا على ابن قتيبة : لو كان العذاب لا يقع إلا بالجارحة التي باشرت المعصية لما عوقب الزاني بالجلد والرجم في الدنيا وبالنار في الآخرة ، قال ابن الأنباري : معنى الحديث أنه لقي الله وهو أجذم الحجة لا لسان له يتكلم ، ولا حجة له في يده ، وقول عليعليهالسلام : ليست له يد أي لا حجة له ، وقيل : معناه لقيه منقطع السبب يدل عليه قوله : القرآن سبب بيد الله ، وسبب بأيديكم ، فمن نسيه فقد قطع سببه.
وقال الخطابي : معنى الحديث ما ذهب إليه ابن الأعرابي : وهو أن من نسي القرآن لقي الله خالي اليد صفرها عن الثواب ، فكني باليد عما تحويه وتشتمل عليه من الخير.
قلت : وفي تخصيص عليعليهالسلام بذكر اليد معنى ليس في حديث نسيان القرآن ، لأن البيعة تباشرها اليد من بين الأعضاء ، انتهى.
وأقول : في حديث القرآن أيضا يحتمل أن يكون المراد بنسيانه ترك العمل
٣ ـ عنه ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله ليس منا من ماكر مسلما.
٤ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن يحيى ، عن طلحة بن زيد ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال سألته عن قريتين من أهل الحرب لكل واحدة منهما ملك على حدة اقتتلوا ثم اصطلحوا ثم إن أحد الملكين غدر بصاحبه فجاء إلى المسلمين فصالحهم على أن يغزو معهم تلك المدينة فقال أبو عبد اللهعليهالسلام لا ينبغي للمسلمين أن يغدروا ولا يأمروا بالغدر ولا يقاتلوا مع الذين غدروا ولكنهم
بما يدل عليه من مبايعة ولي الأمر ومتابعته ، فيرجع معناه إلى الخبر الآخر.
الحديث الثالث : كالسابق.
« ليس منا » أي من أهل الإسلام مبالغة ، أو من خواص أتباعنا وشيعتنا ، وكان المرادبالمماكرة المبالغة في المكر فإن ما يكون بين الطرفين يكون أشد أو فيه إشعار بأن المكر قبيح وإن كان في مقابلة المكر.
الحديث الرابع : ضعيف كالموثق.
وفي المصباح وحد يحدحدة من باب وعد انفرد بنفسه ، وكل شيء على حدة أي متميز عن غيره ، وفي الصحاح أعط كل واحد منهم على حدة أي على حياله ، والهاء عوض عن الواو ، وفي القاموس : يقال جلس وحده وعلى وحده وعلى وحدهما ووحديهما ووحدهم ، وهذا على حدته وعلى وحده أي توحده.
« على أن يغزوا » بصيغة الجمع أي المسلمونمعهم ، أي مع الملك الغادر وأصحابهتلك المدينة أي أهل تلك المدينة المغدور بها وفي بعض النسخ ملك المدينة أي الملك المغدور به أو على أن يغزو بصيغة المفرد أي الملك الغادر « معهم » أي مع المسلمين والباقي كما مر« ولا يأمروا بالغدر » عطف على يغدروا ولا لتأكيد النفي ، أي لا ينبغي للمسلمين أن يأمروا بالغدر ، لأن الغدر عدوان وظلم والأمر بهما غير جائز وإن كان المغدور به كافرا« ولا يقاتلوا مع الذين غدروا » أي لا ينبغي لهم أن يقاتلوا
يقاتلون المشركين حيث وجدوهم ولا يجوز عليهم ما عاهد عليه الكفار.
٥ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن محمد بن الحسن بن شمون ، عن عبد الله بن عمرو بن الأشعث ، عن عبد الله بن حماد الأنصاري ، عن يحيى بن عبد الله بن الحسن ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله يجيء كل غادر بإمام يوم القيامة مائلا شدقه حتى يدخل النار.
٦ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن علي بن أسباط ، عن عمه يعقوب بن سالم ، عن أبي الحسن العبدي ، عن سعد بن طريف ، عن الأصبغ بن نباتة قال قال أمير المؤمنينعليهالسلام ذات يوم وهو يخطب على المنبر بالكوفة يا أيها الناس لو لا كراهية
مع الغادرين المغدورينولكنهم يقاتلون المشركين حيث وجدوهم ، سواء كانوا من أهل هاتين القريتين أو غيرهم ، وفيه دلالة على جواز قتالهم في حال الغيبة ،ولا يجوز عليهم ما عاهد عليه الكفار ، ومعنى لا يجوز لا ينفذ ولا يصح ، تقول : جاز العقد وغيره إذا نفذ ، ومضى على الصحة ، يعني عهد المشركين وصلحهم معهم على غزو فريقهم غير نافذ ولا صحيح ، فلهم أن يقاتلوهم حيث وجدوهم ، أو المعنى أن الصلح الذي جرى بين الفريقين لا يكون مانعا لقتال المسلمين ، الفرقة التي لم يصالحوا مع المسلمين ، فإن الصلح مع أحد المتصالحين لا يستلزم الصلح مع الآخر ، أو المعنى أن ما صالحوا عليه الكفار من إعانتهم لا يلزمهم العمل به ، فيكون تأكيدا لما مر ، والأول أظهر.
الحديث الخامس : ضعيف ، وقد مر مضمونه وشرحه.
الحديث السادس : مجهول.
وفي القاموسالدهى والدهاء النكر وجودة الرأي والإرب ، ورجل داه وده وداهية والجمع دهاة ودهاه دهيا ، ودهاه نسبه إلى الدهاء ، أو عابه وتنقصه. أو أصابه بداهية ، وهي الأمر العظيم ، والدهى كغني العاقل ، انتهى.
الغدر كنت من أدهى الناس ألا إن لكل غدرة فجرة ولكل فجرة كفرة ألا وإن الغدر والفجور والخيانة في النار.
وكان المراد هنا طلب الدنيا بالحيلة واستعمال الرأي في غير المشروع مما يوجب الوصول إلى المطالب الدنيوية وتحصيلها ، وطالبها على هذا النحو يسمى داهيا وداهية للمبالغة ، وهو مستلزم للغدر بمعنى نقض العهد وترك الوفاء« ألا أن لكل غدرة فجرة » أي اتساع في الشر وانبعاث في المعاصي ، أو كذب أو موجب للفساد أو عدول عن الحق.
في القاموس : الفجر الانبعاث في المعاصي والزنا كالفجور فيهما ، فجر فهو فجور من فجر بضمتين وفاجر من فجار وفجرة ، وفجر فسق وكذب وعصى وخالف ، وأمرهم فسد وأفجر كذب وزنى وكفر ومال عن الحق ، انتهى.
وربما يقرأ بفتح اللام للتأكيد وغدرة بالتحريك جمع غادر كفجرة جمع فاجر ، وكذا الفقرة الثانية ولا يخفى بعده« ولكل فجرة كفرة » بالفتح فيهما أي سترة للحق أو كفران للنعمة وستر لها أو المراد بها الكفر الذي يطلق على أصحاب الكبائر كما مر ، وفي القاموس الكفر ضد الإيمان ويفتح ، وكفر نعمة الله وبها كفورا وكفرانا جحدها وسترها ، وكافر جاحد لأنعم الله تعالى والجمع كفار وكفرة ، وكفر الشيء ستره ككفرة ، وقال :الخون أن يأتمن الإنسان فلا ينصح ، خانه خونا وخيانة وقد خانه العهد والأمانة.
وأقول : روي في نهج البلاغة عنهعليهالسلام : ما معاوية بأدهى مني ولكنه يغدر ويفجر ولو لا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس ولكن كل غدرة فجرة وكل فجرة كفرة ولكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة ، والله ما استغفل بالمكيدة ولا استغمز بالشديدة ، وقال ابن أبي الحديد : الغدرة على فعلة الكثير الغدر ، والكفرة والفجرة الكثير الكفر والفجور ، وكلما كان على هذا البناء فهو الفاعل ، فإن أسكنت العين تقول رجل ضحكة أي يضحك منه ، وقال ابن ميثم : وجه لزوم الكفر
(باب الكذب )
١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن إسحاق بن عمار ، عن أبي النعمان قال قال أبو جعفرعليهالسلام يا أبا النعمان لا تكذب علينا كذبة فتسلب الحنيفية ولا تطلبن أن تكون رأسا فتكون ذنبا ولا تستأكل
هنا أن الغادر على وجه استباحة ذلك واستحلاله كما هو المشهور من حال عمرو ابن العاص ومعاوية في استباحة ما علم تحريمه بالضرورة من دين محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم وجحده هو الكفر ، ويحتمل أن يريد كفر نعم الله وسترها بإظهار معصيته كما هو المفهوم منه لغة ، وإنما وحد الكفرة لتعدد الكفر بسبب تعدد الغدر.
باب الكذب
الحديث الأول : مجهول وقد مر قريب منه في باب طلب الرئاسة.
« كذبة » أي كذبة واحدة فكيف الأكثر ، والكذب الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه سواء طابق الاعتقاد أم لا على المشهور ، وقيل : الصدق مطابقة الاعتقاد والكذب خلافه ، وقيل : الصدق مطابقة الواقع والاعتقاد معا والكلام فيه يطول ولا ريب في أن الكذب من أعظم المعاصي وأعظم أفراده وأشنعها الكذب على الله وعلى رسوله وعلى الأئمةعليهمالسلام .
« فتسلب الحنيفية » الحنيفية مفعول ثان لتسلب أي الملة المحمدية المائلة عن الضلالة إلى الاستقامة ، أو من الشدة إلى السهولة ، أي خرج عن كمال الملة والدين ولم يعمل بشرائطها إلا أنه خرج من الملة حقيقة وقد مر نظائره أو هو محمول على ما إذا تعمد ذلك لإحداث بدعة في الدين أو للطعن على الأئمة الهادين ، وفي النهاية : الحنيف المائل إلى الإسلام الثابت عليه ، والحنيفية عند العرب من كان على دين إبراهيم وأصل الحنيف الميل ، ومنه الحديث بعثت بالحنيفية السمحة السهلة ، انتهى.
الناس بنا فتفتقر فإنك موقوف لا محالة ومسئول فإن صدقت صدقناك وإن كذبت كذبناك.
والكذب يصدق على العمد والخطإ لكن الظاهر أن الإثم يتبع العمد ، والكذب عليهم يشمل افتراء الحديث عليهم ، وصرف حديثهم إلى غير مرادهم والجزم به ونسبة فعل إليهم لا يرضون به ، أو ادعاء مرتبة لهم لم يدعوها كالربوبية وخلق العالم وعلم الغيب ، أو فضلهم على الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وأمثال ذلك ، أو نسبة ما يوجب النقص إليهم كفعل ينافي العصمة وأشباهه.
« ولا تطلبن أن تكون رأسا فتكون ذنبا » الفاء متفرع على الطلب وهو يحتمل وجوها :
الأول : أن يكون الذنب كناية عن الذل والهوان عند الله وعند الصالحين من عباده.
الثاني : أن يكون المراد به التأخر في الآخرة عمن طلب الرئاسة عليهم ، وقد نبه على ذلك بتشبيه حسن وهو أن الركبان المترتبون الذاهبون في طريق إذا بدا لهم الرجوع أو اضطروا إليه يقع لضيق الطريق لا محالة المتأخر متقدما والمتقدم متأخرا ، وكذا القطيع من الغنم وغيره إذا رجعوا ينعكس الترتيب.
الثالث : أن يكون المعنى تكون ذنبا وذليلا ولا يحصل مرادك في الدنيا أيضا فإن الطالب لكل مرتبة من مراتب الدنيا يصير محروما منها غالبا والهارب من شيء منها تدركه.
الرابع : أن يكون المعنى أن الرئاسة في الدنيا لأوساط الناس لا يكون إلا بالتوسل برئيس أعلى منه إما في الحق أو في الباطل ، ولما كان في غير دولة الحق لا يمكن التوسل بأهل الحق في ذلك ، فلا بد من التوسل بأهل الباطل فيكون ذنبا وتابعا لهم ومن أعوانهم وأنصارهم محشورا في الآخرة معهم ، لقوله تعالى : «احْشُرُوا
٢ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن إسماعيل بن مهران ، عن سيف بن عميرة عمن حدثه ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال كان علي بن الحسين صلوات الله عليه يقول لولده اتقوا الكذب الصغير منه والكبير في كل جد وهزل فإن الرجل إذا كذب في الصغير اجترى على الكبير أما علمتم أن رسول
الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ »(١) إلا أن يكون مأذونا من قبل إمام الحق خصوصا أو عموما ويفعل ذلك بنياتهم على الوجه الذي أمروا به ، وهذا في غاية الندرة وأكثر الوجوه مما خطر بالبال ، والله أعلم بحقيقة الحال.
وربما يقرأ ذئبا بالهمزة بدل النون أي آكلا للناس وأموالهم ومهلكا لهم وهو مخالف للنسخ المضبوطة« ولا تستأكل الناس بنا » أي لا تطلب أكل أموال الناس بوضع الأخبار الكاذبة فينا أو بافتراء الأحكام ونسبتها إلينا« فتفتقر » أي في الدنيا أو في الآخرة والأخير أنسب بما هنا ، لكن كان فيما مضى : ولا تقل فينا ما لا نقول في أنفسنا فإنك موقوف.
الحديث الثاني : مرسل.
وفي المصباح :جد في الأمر يجد جدا من بابي ضرب وقتل اجتهد فيه والاسم الجد بالكسر ، ومنه يقال : فلان محسن جدا ، أي نهاية ومبالغة ، وجد في الكلام جدا من باب ضرب هزل والاسم منه الجد بالكسر أيضا والأول هو المراد هنا للمقابلة ، وهزل في كلامه هزلا من باب ضرب مزح ولعب ، والفاعل هازل وهزال مبالغة ، والظاهر أن كل واحد من الجد والهزل متعلق بالصغير والكبير وتخصيص الأول بالصغير والثاني بالكبير بعيد ، وظاهره حرمة الكذب في الهزل أيضا ، ويؤيده عمومات النهي عن الكذب مطلقا ولم أذكر تصريحا من الأصحاب في ذلك.
وروي من طريق العامة عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال : ويل للذي يحدث فيكذب
__________________
(١) سورة الصافّات : ٢٢.
اللهصلىاللهعليهوآله قال ما يزال العبد يصدق حتى يكتبه الله صديقا وما يزال العبد يكذب حتى يكتبه الله كذابا.
ليضحك. فويل له ثم ويل له ، وروي أنهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يمزح ولا يقول إلا حقا ولا يؤذي قلبا ولا يفرط فيه ، فالمزاح على حد الاعتدال مع عدم الكذب والأذى لا حرج فيه ، بل هو من خصال الإيمان ، ولا ريب أن ترك الكذب في المزاح إذا لم يكن من المعاريض المجوزة التي يكون مقصود القائل فيها حقا كما سيأتي أولى وأحوط ، لكن الحكم بالتحريم بمجرد هذه الأخبار مشكل ، لا سيما إذا لم يترتب عليه مفسدة ، ويظهر خلافه قريبا وإنما المقصود محض المطايبة فإن هذه الأخبار مسوقة لبيان مكارم الأخلاق والزجر عن مساويها أعم من أن تكون واجبة أو مندوبة ، محرمة أو مكروهة ، والمراد بالكبير إما الكذب على الله وعلى رسوله وعلى الأئمةعليهمالسلام كما سيأتي أنها من الكبائر ، أو الأعم منها ومما تعظم مفسدته وضرره على المسلمين.
وقوله : اجترأ على الكبير ، أي على الكبير من الكذب بأحد المعنيين ، أو الكبير من المعاصي أعم من الكذب وغيره ، فإن الكذب كثيرا ما يؤدي إلى ذنوب غيره كما أن الصدق يؤدي إلى البر والعمل الصالح حتى يكتب صديقا.
ويخطر بالبال وجه آخر وهو أن يكون المراد بالكبير الرب العليم القدير ، أي لا تجتر على الكذب الصغير بأنه صغير فإنه معصية لله ومعصية الكبير كبيرة ، وما سيأتي بالأول أنسب.
قال الراغب :الصديق من كثر منه الصدق ، وقيل : بل يقال ذلك لمن لم يكذب قط ، وقيل : بل لمن لا يتأتى منه الكذب ، لتعوده الصدق ، وقيل : من صدق بقوله واعتقاده وحقق صدقه بفعله ، والصديقون هم قوم دون الأنبياء في الفضيلة ، وقيل : لعل معنى يكتب ، على ظاهره فإنه يكتب في اللوح المحفوظ أو في دفتر الأعمال أو في غيرهما أن فلانا صديق وفلانا كذاب ليعرفهما الناظرون إليه بهذين
٣ ـ عنه ، عن عثمان بن عيسى ، عن ابن مسكان ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال إن الله عز وجل جعل للشر أقفالا وجعل مفاتيح تلك الأقفال الشراب والكذب شر من الشراب.
٤ ـ عنه ، عن أبيه عمن ذكره ، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن أبيه ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال إن الكذب هو خراب الإيمان.
الوصفين ، أو معناه يحكم لهما بذلك أو يوجب لهما استحقاق الوصف بصفة الصديقين وثوابهم ، وصفة الكذابين وعقابهم ، أو معناه أنه يلقى ذلك في قلوب المخلوقين ويشهره بين المقربين.
الحديث الثالث : موثق.
والشر في الأول صفة مشبهة وفي الثاني أفعل التفضيل ، والمرادبالشراب جميع الأشربة المسكرة ، وكان المرادبالأقفال الأمور المانعة من ارتكاب الشرور من العقل وما يتبعه ويستلزمه من الحياء من الله ومن الخلق ، والتفكر في قبحها وعقوباتها ومفاسدها الدنيوية والأخروية ، والشراب يزيل العقل ، وبزوالها ترتفع جميع تلك الموانع ، فتفتح جميع الأقفال.
وكان المرادبالكذب الذي هو شر من الشراب الكذب على الله وعلى حججهعليهمالسلام ، فإنه تألى الكفر وتحليل الأشربة المحرمة ثمرة من ثمرات هذا الكذب ، فإن المخالفين بمثل ذلك حللوها ، وقيل : الوجه فيه أن الشرور التابعة للشراب تصدر بلا شعور بخلاف الشرور التابعة للكذب ، وقد يقال : الشر في الثاني أيضا صفة مشبهة ومن تعليلية والمعنى أن الكذب أيضا شر ينشأ من الشراب لئلا ينافي ما سيأتي في كتاب الأشربة أن شرب الخمر أكبر الكبائر.
الحديث الرابع : ضعيف.
والحمل على المبالغة ، أي هو سببخراب الإيمان وقد يقرأ بتشديد الراء بصيغة المبالغة.
٥ ـ الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد وعلي بن محمد ، عن صالح بن أبي حماد جميعا ، عن الوشاء ، عن أحمد بن عائذ ، عن أبي خديجة ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال الكذب على الله وعلى رسولهصلىاللهعليهوآله من الكبائر.
٦ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن أبان الأحمر ، عن فضيل بن يسار ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال إن أول من يكذب الكذاب الله عز وجل ثم الملكان اللذان معه ثم هو يعلم أنه كاذب.
٧ ـ علي بن الحكم ، عن أبان ، عن عمر بن يزيد قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول إن الكذاب يهلك بالبينات ويهلك أتباعه بالشبهات.
الحديث الخامس : ضعيف.
الحديث السادس : موثق.
ولفظة« ثم » إما للترتيب الرتبي ويحتمل الزماني أيضا إذ علم الله مقدم على إرادته أيضا ، ثم بإلهام الله تعالى يعلم الملكان أو عند الإرادة تظهر منه رائحة خبيثة يعلم الملكان قبحه وكذبه كما يظهر من بعض الأخبار ، ويمكن أن يكون علم الملكين لمصاحبتهما له وعلمهما بأحواله بناء على عدم تبدلهما في كل يوم كما هو ظاهر أكثر الأخبار ، وأما تأخر علمه فلأنه ما لم يتم الكلام لا يعلم يقينا صدور الكذب منه.
الحديث السابع : صحيح.
وأريدبالكذاب في هذا الحديث إما مدعي الرئاسة بغير حق وسببإهلاكه بالبينات إفتاؤه بغير علم مع علمه بجهله ، وسبب هلاكأتباعه بالشبهات تجويز كونه عالما وعدم قطعهم بجهله ، فهم في شبهة من أمره أو من يضع الحديث ويبتدع في الدين فهو يهلك نفسه بأمر يعلم كذبه وأتباعه يهلكون بالشبهة والجهالة لحسن ظنهم به واحتمالهم صدقه ، والوجهان متقاربان.
٨ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن ابن أبي نجران ، عن معاوية بن وهب قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول إن آية الكذاب بأن يخبرك خبر السماء والأرض والمشرق والمغرب فإذا سألته عن حرام الله وحلاله لم يكن عنده شيء.
٩ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن منصور بن يونس ، عن أبي بصير قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول إن الكذبة لتفطر الصائم قلت وأينا لا يكون ذلك منه قال ليس حيث ذهبت إنما ذلك الكذب على الله وعلى
الحديث الثامن : صحيح.
« بأن يخبرك » كان الباء زائدة أو التقدير تعلم بأن يخبرك وإنما كان هذا آية الكذاب لأنه لو كان علمه بالوحي والإلهام لكان أحرى بأن يعلم الحلال والحرام ، لأن الحكيم العلام من يفيض على الأنام ما هم أحوج إليه من الحقائق والأحكام ، وكذا لو كان بالوراثة عن الأنبياء والأوصياءعليهمالسلام ، ولو كان بالكشف فعلى تقدير إمكان حصوله لغير الحججعليهمالسلام فالعلم بحقائق الأشياء على ما هي عليه لا يحصل لأحد إلا بالتقوى وتهذيب السر عن رذائل الأخلاق ، قال الله تعالى : «وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ »(١) ولا يحصل التقوى إلا بالاقتصار على الحلال والاجتناب عن الحرام ، ولا يتيسر ذلك إلا بالعلم بالحلال والحرام ، فمن أخبر عن شيء من حقائق الأشياء ولم يكن عنده معرفة بالحلال والحرام فهو لا محالة كذاب يدعي ما ليس له.
الحديث التاسع : حسن موثق.
ويدل على أن الكذب على الله وعلى رسوله وعلى الأئمةعليهمالسلام يفسد الصوم كما ذهب إليه جماعة من الأصحاب ، وهم اختلفوا فقيل : يجب به القضاء والكفارة ، وقيل : القضاء خاصة ، والمشهور أنه لا يفسد وإن نقص به ثوابه وفضله ، وتضاعف
__________________
(١) سورة البقرة : ٢٨٢.
رسوله وعلى الأئمة ص لوات الله عليه وعليهم.
١٠ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن بعض أصحابه رفعه إلى أبي عبد اللهعليهالسلام قال ذكر الحائك لأبي عبد اللهعليهالسلام أنه ملعون فقال إنما ذاك الذي يحوك الكذب على الله وعلى رسولهصلىاللهعليهوآله .
١١ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن أبي عبد الله ، عن أبيه ، عن القاسم بن عروة ، عن عبد الحميد الطائي ، عن الأصبغ بن نباتة قال قال أمير المؤمنينعليهالسلام لا يجد عبد طعم الإيمان حتى يترك الكذب هزله وجده.
١٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن عبد الرحمن بن الحجاج قال قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام الكذاب هو الذي يكذب في الشيء قال لا ما من أحد إلا يكون ذلك منه ولكن المطبوع على الكذب.
به العذاب والعقاب.
الحديث العاشر : مرسل.
وقوله : أنه ملعون ، بفتح الهمزة بدل اشتمال للحائك ، ويحتمل أن يكون الحديث عندهعليهالسلام موضوعا ولم يمكنه إظهار ذلك تقية فذكر له تأويلا يوافق الحق ، ومثل ذلك في الأخبار كثير يعرف ذلك من اطلع على أسرار أخبارهمعليهمالسلام واستعارة الحياكة لوضع الحديث شايعة بين العرب والعجم.
الحديث الحادي عشر : مجهول.
ووجدان طعم الإيمان كناية عن كماله وترتب الثمرات العظيمة عليه ، ولا يكون ذلك إلا بوصوله درجة اليقين وصاحب اليقين المشاهد لمثوبات الآخرة وعقوباتها دائما لا يجترئ على شيء من المعاصي لا سيما الكذب الذي هو من كبائرها.
الحديث الثاني عشر : حسن كالصحيح.
والمطبوع على الكذب المجبول عليه بحيث صار عادة له ولا يتحرز عنه و
١٣ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن أبي عبد الله ، عن الحسن بن ظريف ، عن أبيه عمن ذكره ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال عيسى ابن مريمعليهالسلام من كثر كذبه ذهب بهاؤه.
١٤ ـ عنه ، عن عمرو بن عثمان ، عن محمد بن سالم رفعه قال قال أمير المؤمنينعليهالسلام ينبغي للرجل المسلم أن يجتنب مواخاة الكذاب فإنه يكذب حتى يجيء بالصدق فلا يصدق.
لا يبالي به ولا يندم عليه ، ومن لا يكون كذلك لا يصدق عليه الكذاب مطلقا فإنه صيغة مبالغة ، أو المراد الكذاب الذي يكتبه الله كذابا كما مر ، أو الكذاب الذي ينبغي أن يجتنب مؤاخاته كما سيأتي ، وفيه إيماء إلى أن الكذب مطلقا ليس من الكبائر ، وفي القاموس طبع على الشيء بالضم : جبل.
الحديث الثالث عشر : مرسل.
« ذهب بهاؤه » أي حسنه وجماله ووقره عند الله سبحانه وعند الخلق ، فإن الخلق وإن لم يكونوا من أهل الملة يكرهون الكذب ويقبحونه ويتنفرون من أهله.
الحديث الرابع عشر : مرفوع.
وسيأتي مثله في باب مجالسة أهل المعاصي في كتاب العشرة في باب من تكره مجالسته ومصادقته« حتى يجيء بالصدق فلا يصدق » الظاهر أنه على بناء المفعول من التفعيل أي لكثرة ما ظهر لك من كذبه لا يمكنك تصديقه فيما يأتي به من الصدق أيضا فلا تنتفع بمصاحبته ومؤاخاته ، مع أنه جذاب لطبع الجليس إلى طبعه ، ويخطر بالبال أنه يحتمل أن يكون المراد به أن هذا الرجل المؤاخي يكذب نقلا عن الأخ الكذاب لاعتماده عليه ثم يظهر كذب ما أخبر به حتى لا يعتمد الناس على صدقه أيضا كما ورد في الخبر : كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما يسمع ، وما سيأتي في البابين يؤيد المعنى الأول ، وربما يقرأ يصدق على بناء المجرد أي إذا
١٥ ـ عنه ، عن ابن فضال ، عن إبراهيم بن محمد الأشعري ، عن عبيد بن زرارة قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول إن مما أعان الله [ به ] على الكذابين النسيان.
١٦ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن أبي يحيى الواسطي ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال الكلام ثلاثة صدق وكذب وإصلاح بين الناس قال قيل له جعلت فداك ما الإصلاح بين الناس قال تسمع من الرجل كلاما
أخبر بصدق يغيره ويدخل فيه شيئا يصير كذبا.
الحديث الخامس عشر : موثق كالصحيح.
« إن مما أعان الله على الكذابين » أي أضرهم به وفضحهم فإنهم كثيرا ما يكذبون في خبر ثم ينسون ويخبرون بما ينافيه ويكذبه ، فيفتضحون بذلك عند الخاصة والعامة ، قال الجوهري : في الدعاء رب أعني ولا تعن على.
الحديث السادس عشر : مرسل.
« تسمع من الرجل كلاما » كان من بمعنى في كما في قوله تعالى : «إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ »(١) أي فيه ، وكذا قالوا في قوله سبحانه : «أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ »(٢) أي في الأرض ، ويحتمل أن يكون تقدير الكلام تسمع من رجل كلاما في حق رجل آخر يذمه به فيبلغ الرجل الثاني ذلك الكلام فتخبث نفسه عن الأول أي يتغير عليه ويبغضه فتلقى الرجل الثاني فتقول : سمعت من الرجل الأول فيك كذا وكذا من مدحه خلاف ما سمعت منه من ذمه ، والتكلف فيه من جهة إرجاع ضمير يبلغه إلى الرجل الثاني ، وهو غير مذكور في الكلام لكنه معلوم بقرينة المقام.
وهذا القول وإن كان كذبا لغة وعرفا جائز لقصد الإصلاح بين الناس
__________________
(١) سورة الجمعة : ٩.
(٢) سورة فاطر : ٤٠.
يبلغه فتخبث نفسه فتلقاه فتقول سمعت من فلان قال فيك من الخير كذا وكذا خلاف ما سمعت منه.
١٧ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن حماد بن عثمان ، عن الحسن الصيقل قال قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام إنا قد روينا عن أبي جعفرعليهالسلام في قول يوسفعليهالسلام : «أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ » فقال والله ما سرقوا
وكأنه لا خلاف فيه عند أهل الإسلام ، والظاهر أنه لا تورية ولا تعريض فيه ، وإن أمكن أن يقصد تورية بعيدة كان ينوي أنه كان حقه أن يقول كذا ولو صافيته لقال فيك كذا ، لكنه بعيد ، وقد اتفقت الأمة على أنه لو جاء ظالم ليقتل رجلا مختفيا ليقتله ظلما أو يطلب وديعة مؤمن ليأخذها غصبا وجب الإخفاء على من علم ذلك ، فلو أنكرها فطولب باليمين ظلما يجب عليه أن يحلف لكن قالوا إذا عرف التورية بما يخرج به عن الكذب وجبت التورية ، كان يقصد ليس عندي مال يجب علي أداؤه إليك ، أو لا أعلم علما يلزمني الإخبار به وأمثال ذلك.
وقالوا : إذا لم يعرفها وجب الحلف والكذب بغير تورية أيضا فإنه وإن كان قبيحا إلا أن إذهاب حق الآدمي أشد قبحا من حق الله تعالى في الكذب أو اليمين الكاذبة ، فيجب ارتكاب أخف الضررين ، ولأن اليمين الكاذب عند الضرورة مأذون فيه شرعا كمطلق الكذب النافع ، بخلاف مال الغير فإنه لا يباح إذهابه بغير إذنه مع إمكان حفظه فأمثال هذا الكذب ليست بمذمومة في نفس الأمر بل إما واجبة أو مندوبة ، ويدل الحديث على أن الكذب شرعا إنما يطلق على ما كان مذموما فغير المذموم قسم ثالث من الكلام يسمى إصلاحا فهو واسطة بين الصدق والكذب.
الحديث السابع عشر : مجهول.
« في قول يوسف عليهالسلام » هذا لم يكن قول يوسفعليهالسلام وإنما كان قول مناديه ونسب إليه لوقوعه بأمره ، والعير بالكسر الإبل تحمل الميرة ، ثم غلب على كل
وما كذب وقال إبراهيمعليهالسلام : «بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ » فقال والله ما فعلوا وما كذب قال فقال أبو عبد اللهعليهالسلام ما عندكم فيها يا صيقل قال فقلت ما عندنا فيها إلا التسليم قال فقال إن الله أحب اثنين وأبغض اثنين أحب الخطر فيما بين الصفين وأحب الكذب في الإصلاح وأبغض
قافلة« وقال إبراهيم » عطف على الجملة السابقة بتقدير روينا ، وقيل « قال » هنا مصدر ، فإن القال والقيل مصدران كالقول ، فهو عطف على قول يوسف «بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ »(١) أريد بالكبير الكبير في الخلقة أو التعظيم ، قيل : كانت لهم سبعون صنما مصطفة وكان ثمة صنم عظيم مستقبل الباب من ذهب وفي عينيه جوهرتان تضيئان بالليل ، ولعل إرجاع الضمير المذكر العاقل إلى الأصنام من باب التهكم أو باعتبار أنها يعقلون ويفهمون ويجيبون بزعم عبادها ، وأما ضمير الجمع فيقوله عليهالسلام : والله ما فعلوا ، فراجع إلى الكبير باعتبار إرادة الجنس الشامل للمتعدد ولو فرضا ، أو إلى الأصنام للتنبيه على اشتراك الجميع في عدم صلاحية صدور ذلك الفعل منه.
وقيل : إنما أتى بالجمع لمناسبة ما سرقوا أو مبني على أن الفعل الصادر عن واحد من الجماعة قد ينسب إلى الجميع نحو قوله تعالى : «فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ »(٢) بناء على أن المنادي جبرئيل فقط ، قيل : ويمكن أن يكون إرجاع ضمير «فَسْئَلُوهُمْ » أيضا من هذا القبيل إذ لو كان المقصود نطق كل واحد في الزمان المستقبل تكون زيادة« كانوا » في المضارع لغوا وإن كان الغرض النطق في الزمان الماضي لا يترتب عليه صحة السؤال إذ لا يلزم جواز نطقهم قبل الكسر جواز ذلك بعده.
« أحب الخطر فيما بين الصفين » في النهاية يقال : خطر البعير بذنبه يخطر إذا رفعه وحطه ، إنما يفعل ذلك عند الشبع والسمن ، ومنه حديث مرحب : فخرج
__________________
(١) سورة الأنبياء : ٦٣.
(٢) سورة آل عمران : ٣٩.
الخطر في الطرقات وأبغض الكذب في غير الإصلاح إن إبراهيمعليهالسلام إنما قال : «بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا » إرادة الإصلاح ودلالة على أنهم لا يفعلون وقال يوسفعليهالسلام إرادة الإصلاح.
يخطر بسيفه أي يهزه معجبا بنفسه متعرضا للمبارزة ، أو أنه كان يخطر في مشيته أي يتمايل ويمشي مشية المعجب ، وسيفه في يده أي كان يخطر سيفه معه.
« إرادة الإصلاح » لعل المراد إرادة إصلاح قومه برجوعهم عن عبادة الأصنام ، وجه الدلالة أن العاقل إذا تفكر في نسبة الكسر إليها وعلم أنه لا يصح ذلك إلا من ذي شعور عاقل قادر ، وعلم أن هذه الأوصاف منتفية فيها ، وعلم أنها لا تقدر على دفع الاستخفاف والضرر عن أنفسها علم أنها ليست بمستحقة للألوهية والعبادة ويكون ذلك داعيا إلى الرجوع عنها ورفض العبادة لها.
وللعلماء فيه وجوه أخرى : الأول : أنها من المعاريض التي يقصد بها الحق وإلزام الخصم وتبكيته فلم يكن قصدهعليهالسلام أن ينسب الفعل الصادر عنه إلى الصنم وإنما قصد أن يقرره لنفسه على أسلوب تعريضي مع الاستهزاء والتكبيت كما لو قال لك من لا يحسن الخط فيما كتبته بخط رشيق : أنت كتبت؟ فقلت : بل كتبته أنت ، كان قصدك بهذا الجواب تقريره لك مع الاستهزاء به لا نفيه عنك وإثباته لصاحبك الأمي ، والتعريض مما يجوز عقلا ونقلا لمصلحة جلب نفع أو دفع ضرر أو استهزاء في موضعه ونحوها.
الثاني : أنهعليهالسلام غاظته الأصنام حين رآها مصطفة مزينة وكان غيظ كبيرها أشد لما رأى من زيادة تعظيمهم وتوقيرهم له ، فأسند الفعل إليه لأنه هو السبب في استهانته وكسره لها ، والفعل كما يسند إلى المباشر يسند إلى السبب أيضا.
الثالث : أن ذلك حكاية لما يعود إليه مذهبهم كأنه قال : ما تنكرون أن يفعله كبيرهم فإن من حق من يعبد ويدعي إليها أن يقدر على أمثال هذه الأفعال لا سيما الكبير الذي يستنكف أن يعبد معه هذه الصغار.
الرابع : ما روي عن الكسائي أنه كان يقف عند قوله : بل فعله ، ثم يبتدئ : كبيرهم هذا ، أي فعله من فعله وهذا من باب التورية إذ له ظاهر وباطن ، وباطنه ما ذكر وظاهره إسناد الفعل إلى الكبير وفهمهم تعلق به ومرادهعليهالسلام هو الباطن.
الخامس : ما روي عن بعضهم أنه كان يقف عند قوله كبيرهم ، ثم يبتدئ بقول هذا فاسألوهم ، وأراد بالكبير نفسه لأن الإنسان أكبر من كل صنم ، وهذا أيضا من باب التورية وقيل : إنه يتم بدون الوقف أيضا بأن يكون هذا إشارة إلى نفسه المقدسة والمغايرة بين المشير والمشار إليه كاف بحسب الاعتبار.
السادس : أن في الكلام تقديما وتأخيرا والتقدير : بل فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون فاسألوهم ، فيكون إضافة الفعل إلى كبيرهم مشروطا بكونهم ناطقين فلما لم يكونوا ناطقين لم يكونوا فاعلين ، والغرض منه تسفيه القوم وتقريعهم وتوبيخهم لعبادة من لا يسمع ولا ينطق ولا يقدر على أن يخبر من نفسه بشيء.
ويؤيده ما روي في كتاب الاحتجاج أنه سئل الصادق عن قول الله عز وجل في قصة إبراهيم : «قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ » قال : ما فعله كبيرهم وما كذب إبراهيم ، قيل : وكيف ذلك؟ فقال : إنما قال إبراهيم : فاسألوهم إن كانوا ينطقون ، إن نطقوا فكبيرهم فعل ، وإن لم ينطقوا فلم يفعل كبيرهم شيئا فما نطقوا وما كذب إبراهيم.
وقال البيضاوي : وما روي أنهعليهالسلام قال : لإبراهيم ثلاث كذبات ، تسمية للمعاريض كذبا لما شابهت صورتها صورته.
« وقال يوسف عليهالسلام إرادة الإصلاح » كان المراد الإصلاح بينه وبين إخوته في حبس أخيه بنيامين عنده وإلزامهم ذلك بحيث لا يكون لهم محل منازعة ولم يتيسر له ذلك إلا بأمرين : أحدهما نسبة السرقة إليه ، وثانيهما : التمسك بحكم آل يعقوب في السارق وهو استرقاق السارق سنة وكان حكم ملك مصر أن يضرب السارق
ويغرم مما سرق فلم يتمكن من أخذ أخيه في دين الملك فلذلك أمر فتيانه بأن يدسوا الصاع في رحل أخيه وأن ينسبوا السرقة إليه ، وأن يستفتوا في جزاء السارق منهم فقالوا : «جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ » أي أخذ السارق نفسه هو جزاؤه لا غير ، فلما فتشوا وجدوا الصاع في رحل أخيه فأخذوا برقبته وحكموا برقيته ، ولم يبق لإخوته محل منازعة في حبسه إلا أن قالوا على سبيل التضرع والالتماس «فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ » فردهم بقوله : «مَعاذَ اللهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاَّ مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ ».
قيل : أراد إنا إذا أخذنا غيره لظالمون في مذهبكم ، لأن استعباد غير من وجد الصاع في رحله ظلم عندكم ، أو أراد أن الله أمر بي وأوحى إلى أن آخذ بنيامين فلو أخذت غيره كنت عاملا بخلاف الوحي.
وللعلماء فيه أيضا وجوه أخرى : الأول : أن ذلك النداء لم يكن بأمره بل نادوا من عند أنفسهم لأنهم لما لم يجدوا الصاع غلب على ظنهم أنهم أخذوه.
الثاني : أنهم لم ينادوا أنكم سرقتم الصاع فلعل المراد أنكم سرقتم يوسف من أبيه ، يدل عليه ما رواه الصدوق في العلل بإسناده عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنه قال في تفسير هذه الآية : أنهم سرقوا يوسف من أبيه ألا ترى أنهم حين قالوا «ما ذا تَفْقِدُونَ قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ » ولم يقولوا سرقتم صواع الملك.
الثالث : لعل المراد من قولهم «إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ » الاستفهام كما في قوله حكاية عن إبراهيم «هذا رَبِّي » وإن كان ظاهره الخبر وأيد ذلك بأن في مصحف ابن مسعود أئنكم بالهمزتين.
وقال بعض الأفاضل : حاصل الجواب إن لكل من الصدق والكذب معنيين أحدهما لغوي والآخر عرفي ، فالأول هو الموافق للواقع والمخالف للواقع ، والثاني الموافق للحق والمخالف للحق ، والمراد بالحق رضا الله تعالى فكما يمكن أن لا
١٨ ـ عنه ، عن أبيه ، عن صفوان ، عن أبي مخلد السراج ، عن عيسى بن حسان قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول كل كذب مسئول عنه صاحبه يوما إلا [ كذبا ] في ثلاثة رجل كائد في حربه فهو موضوع عنه أو رجل أصلح بين اثنين يلقى هذا بغير ما يلقى به هذا يريد بذلك الإصلاح ما بينهما أو رجل وعد أهله
يكون الصادق اللغوي صادقا عرفيا كما قال تعالى «فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللهِ هُمُ الْكاذِبُونَ »(١) فكذلك يمكن أن لا يكون الكاذب اللغوي كاذبا عرفيا كما ذكرهعليهالسلام في هذا الخبر.
الحديث الثامن عشر : مجهول« يوما » لعل الإبهام لاحتمال أن يكون السؤال في القبر أو في القيامة ، ويحتمل الدنيا أيضا فإن للناس أن يعيروه بذلك« إلا كذبا » المراد به الكذب اللغوي« فهو موضوع عنه » أي إثمه مرفوع عنه لا يأثم عليه« يلقى هذا بغير ما يلقى به هذا » كان يقول : لكل منهما التقصير منك وهو غير مقصر في حقك أو يلقى كلا منهما بكلام غير الكلام الذي سمع من الآخر فيه ومن الشتم وإظهار العداوة ، وهذا أنسب معنى والأول لفظا « وما » في قوله : ما بينهما ، موصولة وهي مفعول الإصلاح.
« أو رجل وعد أهله » فيه أن الوعد من قبيل الإنشاء ، والصدق والكذب إنما يكونان في الخبر ، ولعله باعتبار أنه يلزمه إذا لم يف به أن يعتذر بما يتضمن الكذب كان يقول نسيت أو لم يمكني(٢) وأمثال ذلك ، أو باعتبار ما يستلزمه من الإخبار ضمنا بإرادة الوفاء ، هذا بحسب ما هو أظهر عندي في الوعد لكن ظاهر أكثر العلماء أنه من قبيل الخبر وسيأتي الكلام فيه في باب خلف الوعد.
قال الراغب : الصدق والكذب أصلهما في القول ماضيا كان أو مستقبلا ، وعدا كان أو غيره ، ولا يكونان بالقصد الأول إلا في القول ، ولا يكونان من القول إلا
__________________
(١) سورة النور : ١٣.
(٢) كذا.
شيئا وهو لا يريد أن يتم لهم.
في الخبر دون غيره من أصناف الكلام الاستفهام والأمر والدعاء ، ولذلك قال : «وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً »(١) «وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً »(٢) «وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ »(٣) وقد يكونان بالعرض في غيره من أنواع الكلام من الاستفهام والأمر والدعاء وذلك نحو قول القائل : أزيد في الدار؟ فإن في ضمنه إخبارا بكونه جاهلا بحال زيد وكذا إذا قال : واسني في ضمنه أنه محتاج إلى المواساة ، وإذا قال : لا تؤذني ففي ضمنه أنه يؤذيه ، انتهى.
ثم اعلم أن مضمون الحديث متفق عليه بين الخاصة والعامة فروى الترمذي عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : لا يحل الكذب إلا في ثلاث : يحدث الرجل امرأته ليرضيها ، والكذب في الحرب ، والكذب في الإصلاح بين الناس ، وفي صحيح مسلم قال ابن شهاب وهو أحد رواته : لم أسمع يرخص في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث : الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها ، قال عياض : لا خلاف في جوازه في الثلاث وإنما يجوز في صورة ما يجوز منه فيها فأجاز قوم فيها صريح الكذب وأن يقول ما لم يكن ، لما فيه من المصالح ويندفع فيها الفساد ، قالوا : وقد يجب لنجاة مسلم من القتل ، وقال بعضهم : لا يجوز فيها التصريح بالكذب وإنما يجوز فيها التورية بالمعاريض ، وهي شيء يخلص من المكروه والحرام إلى الجائز ، إما لقصد الإصلاح بين الناس أو لدفع ما يضر أو لغير ذلك وتأول المروي على ذلك.
وقال : مثل أن يعد زوجته أن يفعل لها ويحسن إليها ، ونيته إن قدر الله تعالى أو يأتيها في هذا بلفظ محتمل ، وكلمة مشتركة تفهم من ذلك ما يطيب قلبها ، وكذلك في الإصلاح بين الناس ينقل لهؤلاء من هؤلاء الكلام المحتمل ، وكذلك في الحرب
__________________
(١ و ٢) سورة النساء : ١٢٢ ـ ٨٧.
(٣) سورة مريم : ٥٤.
١٩ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن أبيه ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن معاوية بن عمار ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال المصلح ليس بكذاب.
٢٠ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن الحكم ، عن عبد الله بن يحيى الكاهلي ، عن محمد بن مالك ، عن عبد الأعلى مولى آل سام قال حدثني أبو عبد اللهعليهالسلام بحديث فقلت له جعلت فداك أليس زعمت لي الساعة كذا وكذا؟
مثل أن يقول لعدوه : انحل حزام سرجك ويريد فيما مضى ، ويقول لجيش عدوه مات أميركم ليذعر قلوبهم ، ويعني النوم أو يقول لهم : غدا يأتينا مدد وقد أعد قوما من عسكره ليأتوا في صورة المدد أو يعني بالمدد الطعام ، فهذا نوع من الخدع الجائزة والمعاريض المباحة.
وقال القرطبي : لعل ما استند في منعه التصريح بقاعدة حرمة الكذب وتأويله الأحاديث بحملها على المعاريض ما يعضده دليل ، وأما الكذب ليمنع مظلوما من الظلم عليه فلم يختلف فيه أحد من الأمم لا عرب ولا عجم ، ومن الكذب الذي يجوز بين الزوجين الإخبار بالمحبة والاغتباط وإن كان كذبا لما فيه من الإصلاح ودوام الألفة.
الحديث التاسع عشر : صحيح وكان فيه إشعارا بتجويز التكرار والمبالغة في الكذب للإصلاح.
الحديث العشرون : مجهول.
وفي القاموس :الزعم مثلثة القول الحق والباطل والكذب ضد ، وأكثر ما يقال فيما يشك فيه ، والزعمي الكذاب والصادق ، وزعمتني كذا ظننتني والتزعم التكذب وأمر مزعم كمقعد لا يوثق به ، وفي النهاية فيه أنه ذكر أيوبعليهالسلام فقال : إذا كان مر برجلين يتزاعمان ، وقال الزمخشري : معناه أنهما يتحادثان بالزعمات وهي ما لا يوثق به من الأحاديث ، ومنه الحديث بئس مطية الرجل ، زعموا معناه أن الرجل إذا أراد المسير إلى بلد والظعن في حاجة ركب مطية حتى يقضي إربه فشبه ما
فقال لا فعظم ذلك علي فقلت بلى والله زعمت فقال لا والله ما زعمته قال فعظم علي فقلت جعلت فداك بلى والله قد قلته قال نعم قد قلته أما علمت أن
يقدمه المتكلم أمام كلامه ويتوصل به إلى غرضه من قوله زعموا كذا وكذا بالمطية التي يتوصل بها إلى الحاجة وإنما يقال : زعموا في حديث لا سند له ولا ثبت فيه ، وإنما يحكى عن الألسن على البلاغ فذم من الحديث ما هذا سبيله ، والزعم بالضم والفتح قريب من الظن.
وقال في المصباح : زعم زعما من باب قتل ، وفي الزعم ثلاث لغات : فتح الزاي للحجاز ، وضمها لأسد وكسرها لبعض قيس ، ويطلق بمعنى القول ، ومنه زعمت الحنفية وزعم سيبويه ، أي قال ، وعليه قوله تعالى : «أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ »(١) أي كما أخبرت ، ويطلق على الظن ، يقال : في زعمي كذا وعلى الاعتقاد ، ومنه قوله تعالى : «زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا »(٢) .
قال الأزهري : وأكثر ما يكون الزعم فيما يشك فيه ولا يتحقق ، وقال بعضهم : هو كناية عن الكذب ، وقال المرزوقي : أكثر ما يستعمل فيما كان باطلا وفيه ارتياب ، وقال ابن القوطية : زعم زعما قال خبرا لا يدري أحق هو أو باطل ، قال الخطابي : ولذا قيل : زعم مطية الكذب ، وزعم غير مزعم ، قال غير مقول صالح ، وادعى ما لا يمكن ، انتهى.
أقول : وإذا علمت ذلك ظهر لك أن الزعم إما حقيقة لغوية أو عرفية أو شرعية في الكذب ، أو ما قيل بالظن أو بالوهم من غير علم وبصيرة ، فإسناده إلى من لا يكون قوله إلا عن حقيقة ويقين ليس من دأب أصحاب اليقين ، وإن كان مراده مطلق القول أو القول عن علم فغرضهعليهالسلام تأديبه وتعليمه آداب الخطاب مع أئمة الهدى وسائر أولي الألباب.
__________________
(١) سورة الإسراء : ٩٢.
(٢) سورة التغابن : ٧.
كل زعم في القرآن كذب.
٢١ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن علي بن أسباط ، عن أبي
وأما الحكم بكون ذلك كذبا وحراما فهو مشكل ، إذ غاية الأمر أن يكون مجازا ولا حجر فيه ، وأما يمينهعليهالسلام على عدم الزعم فهو صحيح لأنه قصد به الحقيقة أو المجاز الشائع ، وكأنه من التورية والمعاريض لمصلحة التأديب أو تعليم جواز مثل ذلك للمصلحة ، فإن المعتبر في ذلك قصد المحق من المتخاصمين كما ذكره الأصحاب ، وكأنه لذلك ذكر المصنف (ره) الخبر في هذا الباب وإن كان مع قطع النظر عن ذلك له مناسبة خفية فتأمل.
قوله عليهالسلام « إن كل زعم في القرآن كذب » أي أطلق في مقام إظهار كذب المخبر به فلا ينافي ذلك قوله تعالى حاكيا عن المشركين : «أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً »(١) فإنهم أشاروا بقولهم زعمت إلى قوله تعالى : «إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ »(٢) فإن ما أشاروا إليه بقوله زعمت حق لكنهم أوردوه في مقام التكذيب ، ويمكن أيضا تخصيصه بما ذكره الله من قبل نفسه سبحانه غير حاك عن غيره ، كما قال تعالى : «زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا »(٣) وقال سبحانه «بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً »(٤) وقال : «أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ »(٥) وقال : «قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ »(٦) .
الحديث الحادي والعشرون : ضعيف على المشهور.
وفيه إما إرسال أو إضمار بأن يكون ضمير قال راجعا إلى الصادقعليهالسلام أو الرضاعليهالسلام « إياكم والكذب » أرادعليهالسلام لا تكذبوا في ادعائكم الرجاء والخوف
__________________
(١) سورة الإسراء : ٩٢.
(٢) سورة سبأ : ٩.
(٣) سورة التغابن : ٧.
(٤) سورة الكهف : ٤٨.
(٥) سورة الأنعام : ٢٢.
(٦) سورة الإسراء : ٥٦.
إسحاق الخراساني قال كان أمير المؤمنين صلوات الله عليه يقول إياكم والكذب فإن كل راج طالب وكل خائف هارب.
٢٢ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن الحجال ، عن ثعلبة ، عن معمر بن عمرو ، عن عطاء ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لا كذب
من الله سبحانه ، وذلكلأن كل راج طالب لما يرجو ساع في أسبابه وأنتم لستم كذلك ،وكل خائف هارب مما يخاف منه مجتنب مما يقربه منه وأنتم لستم كذلك.
وهذا مثل قولهعليهالسلام الذي رواه في نهج البلاغة أنهعليهالسلام قال بعد كلام طويل لمدع كاذب أنه يرجو الله ويدعي بزعمه أنه يرجو الله : كذب والله العظيم ما باله لا يتبين رجاؤه في عمله وكل من رجا عرف رجاؤه في عمله إلا رجاء الله ، فإنه مدخول ، وكل خوف محقق إلا خوف الله فإنه معلول يرجو الله الكبير ويرجو العباد في الصغير ، فيعطى العبد ما لا يعطي الرب ، فما بال الله جل ثناؤه يقصر به عما يصنع لعباده ، أتخاف أن تكون في رجائك له كاذبا أو يكون لا تراه للرجاء موضعا؟ وكذلك إن هو خاف عبدا من عبيده أعطاه من خوفه ما لا يعطي ربه ، فجعل خوفه من العباد نقدا وخوفه من خالقه ضمارا ووعدا.
وقال بعضهم : حذر من الكذب على الله وعلى رسوله وعلى غيرهما في ادعاء الدين مع ترك العمل به ، ورغب في الصدق بأن الكذب ينافي الإيمان ، وذلك لأن الكاذب لم يطلب الثواب ، وكل من لم يطلب الثواب فهو ليس براج بحكم المقدمة الأولى ، ولم يهرب من العقاب ، وكل من لم يهرب من العقاب فهو ليس بخائف بحكم المقدمة الثانية ، ومن انتفى عنه الخوف والرجاء فهو ليس بمؤمن كما هو المقرر عند أهل الإيمان ، انتهى.
وارتكب أنواع التكلف لقلة التتبع ، والمقصود ما ذكرنا.
الحديث الثاني والعشرون : مجهول.
على مصلح ثم تلا «أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ » ثم قال والله ما سرقوا وما كذب ثم تلا «بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ » ثم قال والله ما فعلوه وما كذب.
وقوله : « ثم تلا » كلام الراوي ، والضمير راجع إلى الصادقعليهالسلام أو كلام الإمامعليهالسلام والضمير راجع إلى الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم والأول أظهر وقد مر مضمونه.
تكملة
قال بعض المحققين : اعلم أن الكذب ليس حراما لعينه بل لما فيه من الضرر على المخاطب أو على غيره ، فإن أقل درجاته أن يعتقد المخبر الشيء على خلاف ما هو به فيكون جاهلا وقد يتعلق به ضرر غيره ورب جهل فيه منفعة ومصلحة ، فالكذب تحصيل لذلك الجهل فيكون مأذونا فيه ، وربما كان واجبا كما لو كان في الصدق قتل نفس بغير حق.
فنقول : الكلام وسيلة إلى المقاصد فكل مقصود محمود يمكن التوصل إليه بالصدق والكذب جميعا فالكذب فيه حرام ، وإن أمكن التوصل بالكذب دون الصدق فالكذب فيه مباح ، إن كان تحصيل ذلك المقصود مباحا ، وواجب إن كان المقصود واجبا ، كما أن عصمة دم المسلم واجبة ، فمهما كان في الصدق سفك دم مسلم قد اختفى من ظالم فالكذب فيه واجب ، ومهما كان لا يتم مقصود الحرب أو إصلاح ذات البين أو استمالة قلب المجني عليه إلا بالكذب فالكذب مباح ، إلا أنه ينبغي أن يحترز عنه ما يمكن لأنه إذا فتح على نفسه باب الكذب فيخشى أن يتداعى إلى ما يستغني عنه وإلى ما يقتصر فيه على حد الواجب ومقدار الضرورة ، فكان الكذب حراما في الأصل إلا لضرورة.
والذي يدل على الاستثناء ما روي عن أم كلثوم قالت : ما سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يرخص في شيء من الكذب إلا في ثلاث : الرجل يقول القول
يريد الإصلاح والرجل يقول القول في الحرب ، والرجل يحدث امرأته والمرأة تحدث زوجها.
وقالت أيضا : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ليس بكذاب من أصلح بين اثنين ، فقال خيرا أو نما خيرا.
وقالت أسماء بنت يزيد : إن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : كل الكذب يكتب على ابن آدم إلا رجل كذب بين رجلين يصلح بينهما ، وروي عن أبي كاهل قال : وقع بين رجلين من أصحاب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم كلام حتى تصادما ، فلقيت أحدهما فقلت : ما لك ولفلان فقد سمعته يحسن الثناء عليك؟ ولقيت الآخر فقلت له مثل ذلك حتى اصطلحا ، ثم قلت : أهلكت نفسي وأصلحت بين هذين؟ فأخبرت النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال : يا أبا كاهل أصلح بين الناس ولو بالكذب.
وقال عطاء بن يسار : قال رجل للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : أأكذب أهلي ، قال : لا خير في الكذب قال : أعدها وأقول لها؟ قال : لا جناح عليك.
وعن النواس بن سمعان الكلابي قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ما لي أراكم تتهافتون في الكذب تهافت الفراش في النار(١) كل الكذب مكتوب كذبا لا محالة إلا أن يكذب الرجل في الحرب ، فإن الحرب خدعة ، أو يكون بين رجلين شحناء(٢) فيصلح بينهما ، أو يحدث امرأته يرضيها.
وقال عليعليهالسلام : إذا حدثتكم بشيء عن رسول الله فلئن أخر من السماء(٣) أحب إلى من أن أكذب عليه ، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فالحرب خدعة.
فهذه الثلاث ورد فيها صريح الاستثناء ، وفي معناها ما عداها إذا ارتبط به
__________________
(١) الفراش : طائر صغير يعد من الحشرات ، ويقال له بالفارسية « پروانه ».
(٢) الشحناء : العداوة.
(٣) خرم الشيء : شقه وقطعه.
مقصود صحيح له أو لغيره ، أما ماله فمثل أن يأخذه ظالم ويسأله عن ماله ، فله أن ينكر أو يأخذه السلطان فيسأله عن فاحشة بينه وبين الله ارتكبها فله أن ينكرها ويقول : ما زنيت ولا شربت ، قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من ارتكب شيئا من هذه القاذورات فليستتر بستر الله ، وذلك لأن إظهار الفاحشة فاحشة أخرى ، فللرجل أن يحفظ دمه وماله الذي يؤخذ ظلما وعرضه بلسانه وإن كان كاذبا.
وأما عرض غيره فبأن يسأل عن سر أخيه فله أن ينكره وأن يصلح بين اثنين وأن يصلح بين الضرات من نسائه بأن يظهر لكل واحدة أنها أحب إليه ، أو كانت امرأته لا تطيعه إلا بوعد ما لا يقدر عليه فيعدها في الحال تطييبا لقلبها ، أو يعتذر إلى إنسان بالكذب وكان لا يطيب قلبه إلا بإنكار ذنب وزيادة تودد فلا بأس به ، ولكن الحد فيه أن الكذب محذور ولكن لو صدق في هذه المواضع تولد منه محذور.
فينبغي أن يقابل أحدهما بالآخر ويزن بالميزان القسط ، فإذا علم أن المحذور الذي يحصل بالصدق أشد وقعا في الشرع من الكذب فله الكذب ، وإن كان ذلك المقصود أهون من مقصود الصدق فيجب الصدق ، وقد يتقابل الأمران بحيث يتردد فيهما وعند ذلك الميل إلى الصدق أولى لأن الكذب مباح بضرورة أو حاجة مهمة فإذا شك في كون الحاجة مهمة فالأصل التحريم فيرجع إليه ، ولأجل غموض إدراك مراتب المقاصد ينبغي أن يحترز الإنسان من الكذب ما أمكنه ، وكذلك مهما كانت الحاجة له فيستحب أن يترك أغراضه ويهجر الكذب.
فأما إذا تعلق بعرض غيره فلا يجوز المسامحة بحق الغير والإضرار به ، وأكثر كذب الناس إنما هو لحظوظ أنفسهم ثم هو لزيادات المال والجاه ، ولأمور ليس فواتها محذورا حتى أن المرأة ليحكي عن زوجها ما يتفاخر به وتكذب لأجل مراغمة الضرات وذلك حرام.
قالت أسماء : سمعت امرأة تسأل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قالت : إن لي ضرة وأنا أتكثر من زوجي بمالا لا يفعل أضارها بذلك فهل لي فيه شيء؟ فقال : المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور.
وقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : من تطعم بما لم يطعم ، وقال : لي وليس له ، وأعطيت ولم يعط ، كان كلابس ثوبي زور يوم القيامة.
ويدخل في هذا فتوى العالم بما لا يتحققه ، ورواية الحديث الذي ليس يثبت فيه إذ غرضه أن يظهر فضل نفسه فهو لذلك يستنكف من أن يقول لا أدري ، وهذا حرام.
ومما يلتحق بالنساء الصبيان فإن الصبي إذا كان لا يرغب في المكتب إلا بوعد ووعيد وتخويف ، كان ذلك مباحا ، نعم روينا في الأخبار أن ذلك يكتب كذبة ولكن الكذب المباح أيضا يكتب ويحاسب عليه ويطالب لتصحيح قصده فيه ثم يعفى عنه ، لأنه إنما أبيح بقصد الإصلاح ويتطرق إليه غرور كثير فإنه قد يكون الباعث له حظه وغرضه الذي هو مستغنى عنه وإنما يتعلل ظاهرا بالإصلاح فلهذا يكتب.
وكل من أتى بكذبه فقد وقع في خطر الاجتهاد ليعلم أن المقصود الذي كذب له هل هو أهم في الشرع من الصدق أو لا ، وذلك غامض جدا ، فالحزم في تركه إلا أن يصير واجبا بحيث لا يجوز تركه كما يؤدي إلى سفك دم أو ارتكاب معصية كيف كان ، وقد ظن ظانون أنه يجوز وضع الأخبار في فضائل الأعمال وفي التشديد في المعاصي ، وزعموا أن القصد منه صحيح وهو خطاء محض ، إذ قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ، وهذا لا يترك إلا بضرورة ولا ضرورة هيهنا ، إذ في الصدق مندوحة عن الكذب ، ففيما ورد من الآيات والأخبار كفاية عن غيرها.
وقول القائل : أن ذلك قد تكرر على الإسماع وسقط وقعها وما هو جديد على الأسماع فوقعه أعظم ، فهذا هوس إذ ليس هذا من الأغراض التي تقاوم محذور الكذب على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعلى الله تعالى ، ويؤدي فتح بابه إلى أمور تشوش الشريعة ، فلا يقاوم خير هذا بشره أصلا ، فالكذب على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من الكبائر التي لا يقاومها شيء.
ثم قال : قد نقل عن السلف : أن في المعاريض ما يغني الرجل عن الكذب وعن ابن عباس وغيره إما في المعاريض ما يغني الرجل عن الكذب وإنما أرادوا من ذلك إذا اضطر الإنسان إلى الكذب فأما إذا لم يكن حاجة وضرورة فلا يجوز التعريض ولا التصريح جميعا ، ولكن التعريض أهون.
ومثال المعاريض ما روي أن مطرفا دخل على زياد فاستبطأه فتعلل بمرض فقال : ما رفعت جنبي منذ فارقت الأمير إلا ما رفعني الله ، وقال إبراهيم : إذا بلغ الرجل عنك شيء فكرهت أن تكذب فقل : إن الله ليعلم ما قلت من ذلك من شيء ، فيكون قوله : ما ، حرف النفي عند المستمع وعنده للإبهام ، وكان النخعي لا يقول لابنته : اشترى لك سكرا بل يقول أرأيت لو اشتريت لك سكرا فإنه ربما لا يتفق ، وكان إبراهيم إذا طلبه في الدار من يكرهه قال للجارية : قولي له : اطلبه في المسجد ، وكان لا يقول : ليس هيهنا لئلا يكون كاذبا ، وكان الشعبي إذا طلب في البيت وهو يكرهه ، فيخط دائرة ويقول للجارية : ضع الإصبع فيها وقولي : ليس هيهنا.
وهذا كله في موضع الحاجة فأما مع عدم الحاجة فلا ، لأن هذا تفهيم للكذب وإن لم يكن اللفظ كذبا ، وهو مكروه على الجملة كما روي عن عبد الله بن عتبة قال : دخلت مع أبي على عمر بن عبد العزيز فخرجت وعلي ثوب فجعل الناس يقولون : هذا كساء أمير المؤمنين فكنت أقول : جزى الله أمير المؤمنين خيرا ، فقال لي : يا بني اتق الكذب إياك والكذب وما أشبهه ، فنهاه عن ذلك لأن فيه تقريرا لهم على ظن
كاذب لأجل غرض المفاخرة وهو غرض باطل فلا فائدة فيه.
نعم المعاريض يباح لغرض خفيف كتطييب قلب الغير بالمزاح كقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : لا تدخل الجنة عجوز ، وفي عين زوجك بياض ، ونحملك على ولد البعير ، فأما الكذب الصريح فكما يعتاده الناس من مداعبة الحمقاء بتغريرهم بأن امرأة قد رغبت في تزويجك ، فإن كان فيه ضرر يؤديه إلى إيذاء قلب فهو حرام ، وإن لم يكن إلا مطائبة فلا يوصف صاحبها بالفسق ولكن ينقص ذلك من درجة إيمانه ، وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : لا يستكمل المرء الإيمان حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ، وحتى يجتنب الكذب في مزاحه ، وأما قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إن الرجل ليتكلم بالكلمة يضحك بها الناس يهوي بها أبعد من الثريا ، أراد به ما فيه غيبة مسلم أو إيذاء قلب دون محض المزاح.
ومن الكذب الذي لا يوجب الفسق ما جرت به العادة في المبالغة كقوله : قلت لك كذا مائة مرة ، وطلبتك مائة مرة فإنه لا يراد بها تفهيم المرات بعددها ، بل تفهيم المبالغة ، فإن لم يكن طلبه إلا مرة واحدة كان كاذبا وإن طلب مرات لا يعتاد مثلها في الكثرة فلا يأثم وإن لم يبلغ مائة ، وبينهما درجات يتعرض مطلق اللسان بالمبالغة فيها لخطر الكذب.
ومما يعتاد الكذب فيه ويتساهل به أن يقال : كل الطعام فيقول : لا أشتهيه وذلك منهي عنه وهو حرام وإن لم يكن فيه غرض صحيح ، قال مجاهد : قالت أسماء بنت عميس(١) : كنت صاحبة عائشة التي هيئتها وأدخلتها على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ومعي
__________________
(١) اسماء بنت عميس زوجة جعفر بن ابيطالب (عليهالسلام ) ، وكانت ممن هاجر مع زوجه جعفر الى حبشة قبل زفاف عايشة بسنوات ، وأقامت في تلك البلاد الى سنة سبع من الهجرة وزفاف عايشة وقع في السنة الأولى من الهجرة ، فهذه اما امرأة اخرى اسمها أسماء كأسماء بنت يزيد ، أوهى سلمى بنت عميس زوجة حمزة بن عبد المطلب اختها وصحفت بيد الرواة والنسّاخ ، ونظير هذا.
نسوة ، قالت : فو الله ما وجدنا عنده قوتا إلا قدحا من لبن فشرب ثم ناوله عائشة ، قالت : فاستحيت الجارية ، فقلت : لا تردين يد رسول الله خذي منه ، قالت : فأخذته على حياء فشربت منه ثم قال : ناولي صواحبك ، فقلن : لا نشتهيه ، فقال : لا تجمعن جوعا وكذبا ، قالت : فقلت : يا رسول الله إن قالت أحد منا لشيء نشتهيه لا نشتهيه أيعد ذلك كذبا؟ قال : إن الكذب ليكتب حتى يكتب الكذيبة كذيبة.
وقد كان أهل الورع يحترزون عن التسامح بمثل هذا الكذب ، قال الليث بن سعد : كانت ترمص عينا سعيد بن المسيب حتى يبلغ الرمص خارج عينيه(١) فيقال له : لو مسحت هذا الرمص؟ فيقول : فأين قول الطبيب وهو يقول لي : لا تمس عينيك فأقول لا أفعل.
وهذه من مراقبة أهل الورع ، ومن تركه انسل لسانه عن اختياره فيكذب ولا يشعر ، وعن خوات التيمي قال : جاءت أخت الربيع بن خثيم عائدة إلى بني لي فانكبت عليه فقالت : كيف أنت يا بني؟ فجلس الربيع فقال : أرضعته؟ فقالت : لا ، قال : ما عليك لو قلت يا بن أخي فصدقت.
ومن العادة أن يقول : يعلم الله فيما لا يعلمه ، قال عيسىعليهالسلام : إن من أعظم الذنوب عند الله أن يقول العبد إن الله يعلم لما لا يعلم ، وربما يكذب في حكاية المنام والإثم فيه عظيم ، قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إن من أعظم الفري أن يدعي الرجل إلى غير أبيه أو يرى عينيه في المنام ما لم تريا أو تقول علي ما لم أقل ، وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : من
__________________
السهو أو التصحيف وقع أيضا في روايات زفافعليهاالسلام ففى بعضها ورد ذكر الأسماء بنت عميس ، أو منها نقلت الحديث ، وقد وقع زفافهاعليهاالسلام في السنة الثانية بعد غزوة بدر الكبرى.
(١) رمصت عينه : سال منه الرمص ، والرمص : وسخ ابيض في مجرى الدمع من العينين.
(باب )
(ذي اللسانين )
١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن سنان ، عن عون القلانسي ، عن ابن أبي يعفور ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال من لقي المسلمين بوجهين
كذب في حلمه كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرين(١) .
باب ذي اللسانين
الحديث الأول : ضعيف على المشهور ، وقال بعض المحققين : ذو اللسانين هو الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه ، ويتردد بين المتعاديين ويكلم كل واحد بكلام يوافقه وقلما يخلو عنه من يشاهد متعاديين ، وذلك عين النفاق.
وقال بعضهم : اتفقوا على أن ملاقاة الاثنين بوجهين نفاق ، وللنفاق علامات كثيرة وهذه من جملتها ، فإن قلت : فبما ذا يصير الرجل ذا اللسانين وما حد ذلك؟
__________________
(١) هذا آخر ما نقله عن بعض المحققين في هذه التكملة ، والمراد من هذا البعض أبو حامد الغزالى ، ويظهر من كلامه في اول التكملة أنّه لا يرى للكذب حرمة ذاتية وان حرمته تابعة لما يترتب عليه من الضرر والمنفعة ، ولا يخفى انه مخالف لما يستفاد ظاهرا من الآيات والروايات ، قال بعض الأفاضل في تعليقته على هذا الكلام : فيه نظر لان الكذب اظهار ما هو خلاف الواقع عمدا سواء كان يضر أو ينفع ، وهذا خروج عن الحق وميل عن الصراط السوى الى الباطل الذي يشمئز عنه الفطرة السليمة والعقل ، وهذا حرام في الشرع وقبيح عند العقل الا أن يقال بعدم وجود الحسن والقبح العقليين ، وهو خلاف ما عليه أصحابنا ، ثمّ قال :
وتجويز الشرع الكذب في بعض الموارد لاختيار أقل المحذورين لمصلحة لا ينافى حرمته لنفسه ، ويؤيد ذلك ظاهر الروايات.
أقول : وللبحث مجال آخر ، وكان على الشارح (ره) التنبه والتحقيق في هذا الكلام اللهمّ الا أن يقال : إنّه كان موافقا لما ذكره الغزالى في هذا المقام ، ولكنه غير معلوم ، والله العالم.
ولسانين جاء يوم القيامة وله لسانان من نار.
فأقول : إذا دخل على متعاديين وجامل كل واحد منهما وكان صادقا فيه لم يكن منافقا ولا ذا اللسانين فإن الواحد قد يصادق متعاديين ، ولكن صداقة ضعيفة لا تنتهي إلى حد الإخوة ، إذ لو تحققت الصداقة لاقتضت معاداة الأعداء ، نعم لو نقل كلام كل واحد إلى الآخر فهو ذو لسانين وذلك شر من النميمة إذ يصير نماما بأن ينقل من أحد الجانبين ، فإن نقل من الجانبين فهو شر من النميمة وإن لم ينقل كلاما ولكن حسن لكل واحد منهما ما هو عليه من المعاداة مع صاحبه فهذا ذو لسانين ، وكذلك إذا وعد كل واحد منهما أنه ينصره ، وكذلك إذا أثنى على كل واحد منهما في معاداته ، وكذلك إذا أثنى على أحدهما وكان إذا خرج من عنده يذمه فهو ذو لسانين بل ينبغي أن يسكت أو يثني على المحق من المتعاديين ويثني في حضوره وفي غيبته وبين يدي عدوه.
قيل لبعض الصحابة : إنا ندخل على أمرائنا فنقول القول فإذا خرجنا قلنا غيره؟ فقال : كنا نعد ذلك نفاقا على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهذا نفاق مهما كان مستغنيا عن الدخول على الأمير وعن الثناء عليه ، فلو استغنى عن الدخول ولكن إذا دخل يخاف إن لم يثن فهو نفاق لأنه الذي أحوج نفسه إليه ، وأن كان يستغني عن الدخول لو قنع بالقليل وترك المال والجاه ، فلو دخل لضرورة الجاه والغناء وأثنى فهو منافق ، وهذا معنى قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : حب المال والجاه ينبتان النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل ، لأنه يحوج إلى الأمراء ومراعاتهم ومراءاتهم ، فأما إذا ابتلي به لضرورة وخاف إن لم يثن فهو معذور فإن اتقاء الشر جائز.
وقال أبو الدرداء : إنا لنكشر(١) في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتبغضهم.
وقالت عائشة : استأذن رجل على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال : ائذنوا له فبئس رجل العشيرة هو ، فلما دخل أقبل عليه وألان له القول ، فلما خرج قالت عائشة : قد قلت
__________________
(١) كشر عن اسنانه : كشف عنها عند الضحك وغيره.
٢ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن عثمان بن عيسى ، عن أبي شيبة ، عن الزهري ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال بئس العبد عبد يكون ذا وجهين وذا لسانين يطري أخاه شاهدا ويأكله غائبا إن أعطي حسده وإن ابتلي خذله.
بئس رجل العشيرة ثم ألنت له القول؟ فقال : يا عائشة إن شر الناس الذي يكرم اتقاء لشره.
ولكن هذا ورد في الإقبال وفي الكشر والتبسم ، وأما الثناء فهو كذب صريح فلا يجوز إلا لضرورة أو إكراه يباح الكذب لمثلهما بل لا يجوز الثناء ولا التصديق وتحريك الرأس في معرض التقرير على كل كلام باطل ، فإن فعل ذلك فهو منافق بل ينبغي أن ينكر بلسانه وبقلبه ، فإن لم يقدر فليسكت بلسانه ولينكر بقلبه.
وأقول : قال الشهيد الثاني قدس الله روحه كونه ذا اللسانين وذا الوجهين من الكبائر للتوعد عليه بخصوصه ، ثم ذكر في تفصيله وتحقيقه نحوا مما مر ، ولا ريب أن في مقام التقية والضرورة يجوز مثل ذلك ، وأما مع عدمهما فهو من علامات النفاق وأخس ذمائم الأخلاق.
الحديث الثاني : مجهول.
« يطري » على بناء الأفعال بالهمز وغيره ، في القاموس : في باب الهمزة أطرأه بالغ في مدحه وفي باب المعتل أطراه أحسن الثناء عليه ، وفي النهاية في المعتل الإطراء مجاوزة الحد في المدح والكذب فيه ، والجوهري ذكره في المعتل فقط ، وقال : أطراه أي مدحه و« يأكله » أي يغتابه كما قال تعالى : «أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً »(١) .
« إن أعطي » على بناء المجهول أي الأخ ، والخذلان ترك النصرة.
__________________
(١) سورة الحجرات : ٢١.
٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن علي بن أسباط ، عن عبد الرحمن بن حماد رفعه قال قال الله تبارك وتعالى لعيسى ابن مريمعليهالسلام يا عيسى ليكن لسانك في السر والعلانية لسانا واحدا وكذلك قلبك إني أحذرك نفسك وكفى بي خبيرا
الحديث الثالث : مرفوع.
« لسانا واحدا » أي لا تقول في الأحوال المختلفة شيئين مختلفين للأغراض الباطلة فيشمل الرياء والفتاوى المختلفة وما مر ذكره« وكذلك قلبك » أي ليكن باطن قلبك موافقا لظاهرة إذ ربما يكون الشيء كامنا في القلب يغفل عنه نفسه كحب الدنيا فينخدع ويظن أنه لا يحبها وأشباه ذلك ، ثم يظهر له ذلك في الآخرة بعد كشف الحجب الظلمانية النفسانية أو في الدنيا أيضا بعد المجاهدة والتفكر في خدع النفس وتسويلاتها ، ولذا قال سبحانه بعده :« إني أحذرك نفسك » وقد قال : «بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ »(١) ويحتمل أن يكون المعنى : وكذلك ينبغي أن يكون قلبك موافقا للسانك ، فلا تقول ما ليس فيه ، أو المعنى أنه كما يجب أن يكون القول باللسان واحدا يجب أن يكون اعتقاد القلب واحدا واصلا إلى حد اليقين ويطمئن قلبه بالحق ، ولا يتزلزل بالشبهات فيعتقد اليوم شيئا وغدا نقيضه ، ويجب أن تكون عقائد القلب متوافقة متناسبة لا كقلوب أهل الضلال والجهال ، فإنهم يعتقدون الضدين والنقيضين لتشعب أهوائهم وتفرق آراء من حيث لا يشعرون كاعتقادهم بأفضلية أمير المؤمنين وتقديمهم الجهال عليه ، واعتقادهم بعدله تعالى وحكمهم بأن الكفر وجميع المعاصي من فعله ، ويعذبهم عليها ، واعتقادهم بوجوب طاعة من جوزوا فسقه وكفره وأمثال ذلك كثيرة.
أو المعنى أن المقصود الحقيقي والغرض الأصلي للقلب لا يكون إلا واحدا ولا تجتمع فيه محبتان متضادتان كحب الدنيا وحب الآخرة ، وحب الله وحب معاصيه والشهوات التي نهى عنها ، فمن اعتقد أنه يحب الله تعالى ويتبع الهوى
__________________
(١) سورة الأنعام : ٢٨.
لا يصلح لسانان في فم واحد ولا سيفان في غمد واحد ولا قلبان في صدر واحد وكذلك الأذهان.
ويحب الدنيا فهو كذي اللسانين ، الجامع بين مؤالفة المتباغضين فإن الدنيا والآخرة كضرتين وطاعة الله وطاعة الهوى كالمتباغضين ، فقلبه منافق ذو لسانين ، لسان منه مع الله والآخر مع ما سواه فهذا أولى بالذم من ذي اللسانين.
وتحقيقه : أن بدن الإنسان بمنزلة مدينة كبيرة لها حصن منيع هو القلب ، بل هو العالم الصغير من جهة ، والعالم الكبير من جهة أخرى ، والله سبحانه هو سلطان القلب ومدبره ، بل القلب عرشه ، وحصنه بالعقل والملائكة ، ونوره بالأنوار الملكوتية ، واستخدمه القوي الظاهرة والباطنة ، والجوارح والأعضاء الكثيرة ولهذا الحصن أعداء كثيرة من النفس الأمارة والشياطين الغدارة ، وأصناف الشهوات النفسانية والشبهات الشيطانية ، فإذا مال العبد بتأييده سبحانه إلى عالم الملكوت ، وصفى قلبه بالطاعات والرياضات عن شوك الشكوك والشبهات ، وقذارة الميل إلى الشهوات استولى عليه حبه تعالى ، ومنعه عن حب غيره ، فصارت القوي والمشاعر وجميع الآلات البدنية مطيعة منقادة له ، ولا يأتي شيء منها بما ينافي رضاه.
وإذا غلبت عليه الشقوة وسقط في مهاوي الطبيعة ، استولى الشيطان على قلبه وجعله مستقر ملكه ونفرت عنه الملائكة ، وأحاطت به الشياطين ، وصارت أعماله كلها للدنيا وإرادته كلها للهوى ، فيدعي أنه يعبد الله وقد نسي الرحمن وهو يعبد النفس والشيطان.
فظهر أنه لا يجتمع حب الله وحب الدنيا ومتابعة الله ومتابعة الهوى في قلب واحد ، وليس للإنسان قلبان حتى يحب بأحدهما الرب تعالى ويقصده بأعماله ، ويحب بالآخر الدنيا وشهواتها ويقصدها في أفعاله ، كما قال سبحانه : «ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ »(١) ومثل سبحانه لذلك باللسان والسيف ، فكما لا يكون
__________________
(١) سورة الأحزاب : ٤.
في فم لسانان ، ولا في غمد سيفان ، فكذلك لا يكون في صدر قلبان ، ويحتمل أن يكون اللسان لما مر في ذي اللسانين.
وأماقوله : فكذلك الأذهان ، فالفرق بينهما وبين القلب مشكل ، ويمكن أن يكون القلب للحب والعزم ، والذهن للاعتقاد والجزم ، أي لا يجتمع في القلب حب الله وحب ما ينافي حبه سبحانه من حب الدنيا وغيرها ، وكذلك لا يجتمع الجزم بوجوده تعالى وصفاته المقدسة وسائر العقائد الحقة ، مع ما ينافيه من العقائد الباطلة ، والشكوك والشبهات في ذهن واحد ، كما أشرنا إليه سابقا.
وقيل : يعني كما أن الظاهر من هذه الأجسام لا يصلح تعددها في محل واحد ، كذلك باطن الإنسان الذي هو ذهنه وحقيقته لا يصلح أن يكون ذا قولين مختلفين ، أو عقيدتين متضادتين ، وقيل : الذهن الذكاء والفطنة ، ولعل المراد هنا التفكر في الأمور الحقة النافعة ومباديها ، وكيفية الوصول إليها.
وبالجملة أمره بأن يكون لسانه واحدا وقلبه واحدا وذهنه واحدا ومطلبه واحدا ولما كان سبب التعدد والاختلاف أمرين : أحدهما تسويل النفس ، والآخر الغفلة عن عقوبة الله ، عقبه بتحذيرها ، وربما يقرأ بالدال المهملة من المداهنة في الدين ، كما قال تعالى : «أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ »(١) وقال : «وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ »(٢) وهذا تصحيف وتحريف مخالف للنسخ المضبوطة.
__________________
(١) سورة الواقعة : ٨١.
(٢) سورة القلم : ٩.
(باب الهجرة )
١ ـ الحسين بن محمد ، عن جعفر بن محمد ، عن القاسم بن الربيع وعدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد رفعه قال في وصية المفضل سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول لا يفترق رجلان على الهجران إلا استوجب أحدهما البراءة واللعنة وربما استحق ذلك كلاهما فقال له معتب جعلني الله فداك هذا الظالم فما بال المظلوم قال لأنه لا يدعو أخاه إلى صلته ولا يتغامس له عن كلامه سمعت أبي
باب الهجرة
الحديث الأول : مرفوع.
والهجر والهجران خلاف الوصل ، قال في المصباح : هجرته هجرا من باب قتل تركته ورفضته فهو مهجور ، وهجرت الإنسان قطعته والاسم الهجران ، وفي التنزيل : «وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ »(١) « البراءة » أي براءة الله ورسوله منه ، ومعتب بضم الميم وفتح العين وتشديد التاء المكسورة ، وكان من خيار موالي الصادقعليهالسلام بل خيرهم كما روي فيه« هذا الظالم » أي أحدهما ظالم ، والظالم خبر أو التقدير هذا الظالم استوجب ذلك فما حال المظلوم؟ ولم استوجبه؟« إلى صلته » أي إلى صلة نفسه ، ويحتمل رجوع الضمير إلى الأخ.
« ولا يتغامس » في أكثر النسخ بالغين المعجمة ، والظاهر أنه بالمهملة كما في بعضها قال في القاموس : تعامس تغافل ، وعلي تعامي علي ، ويمكن التكلف في المهملة بما يرجع إلى ذلك من قولهم غمسه في الماء أي رمسه ، والغميس الليل المظلم والظلمة والشيء الذي لم يظهر للناس ولم يعرف بعد ، وكل ملتف يغتمس فيه أو يستخفي ، قال في النهاية : في حديث عليعليهالسلام : ألا وإن معاوية قاد لمة من الغواة وعمس عليهم الخبر ، العمس أن ترى أنك لا تعرف الأمر وأنت به عارف ، ويروى بالغين
__________________
(١) سورة النساء : ٣٤.
يقول إذا تنازع اثنان فعاز أحدهما الآخر فليرجع المظلوم إلى صاحبه حتى يقول لصاحبه أي أخي أنا الظالم حتى يقطع الهجران بينه وبين صاحبه فإن الله تبارك وتعالى حكم عدل يأخذ للمظلوم من الظالم.
٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ومحمد بن إسماعيل ، عن الفضل بن شاذان ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام بن الحكم ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لا هجرة فوق ثلاث.
٣ ـ حميد بن زياد ، عن الحسن بن محمد بن سماعة ، عن وهيب بن حفص ، عن أبي بصير قال سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن الرجل يصرم ذوي قرابته ممن لا يعرف
المعجمة.
« فعاز » بالزاي المشددة ، وفي بعض النسخ : فعال باللام المخففة ، في القاموس : عزه كمدة غلبه في المعازة ، وفي الخطاب غالبة كعازه ، وقال : عال جار ومال عن الحق ، والشيء فلانا غلبه وثقل عليه وأهمه« أنا الظالم » كأنه من المعاريض للمصلحة.
الحديث الثاني : حسن كالصحيح.
وظاهره أنه لو وقع بين أخوين من أهل الإيمان موجده أو تقصير في حقوق العشرة والصحبة وأفضى ذلك إلى الهجرة فالواجب عليهم أن لا يبقوا عليها فوق ثلاث ليال ، وأما الهجر في الثالث فظاهره أنه معفو عنه وسببه أن البشر لا يخلو عن غضب وسوء خلق فسومح في تلك المدة ، مع أن دلالته بحسب المفهوم وهي ضعيفة ، وهذه الأخبار مختصة بغير أهل البدع والمصرين على المعاصي ، لأن هجرهم مطلوب وهو من أقسام النهي عن المنكر.
الحديث الثالث : موثق.
والصرم القطع أي يهجره رأسا ، ويدل على أن الأمر بصلة الرحم يشمل
الحق قال لا ينبغي له أن يصرمه.
٤ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن حديد ، عن عمه مرازم بن حكيم قال كان عند أبي عبد اللهعليهالسلام رجل من أصحابنا يلقب شلقان وكان قد صيره في نفقته وكان سيئ الخلق فهجره فقال لي يوما يا مرازم وتكلم عيسى فقلت نعم فقال أصبت لا خير في المهاجرة.
المؤمن والمنافق والكافر كما مر وهذا الخبر بالباب الآتي أنسب وكأنه كان مكتوبا على الهامش فاشتبه على الكتاب وكتبوه هيهنا.
الحديث الرابع : ضعيف.
وشلقان بفتح الشين وسكون اللام لقب لعيسى بن أبي منصور ، وقيل : إنما لقب بذلك لسوء خلقه من الشلق وهو الضرب بالسوط وغيره ، وقد روي في مدحه أخبار كثيرة منها : أن الصادقعليهالسلام قال فيه : من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا ، وقالعليهالسلام أيضا فيه : إذا أردت أن تنظر إلى خيار في الدنيا خيار في الآخرة فانظر إليه ، والمراد بكونه عندهعليهالسلام أنه كان في بيته لا أنه كان حاضرا في المجلس.
« وكان قد صيره في نفقته » أي تحملعليهالسلام نفقته وجعله في عياله وقيل : وكل إليه نفقة العيال وجعله قيما عليها ، والأول أظهر« هجره » أي هجر مرازم عيسى ، فعبر عنه ابن حديد هكذا ، وقال الشهيد الثاني (ره) : ولعل الصواب هجرته وقال بعض الأفاضل : أي هجر عيسى أبا عبد اللهعليهالسلام بسبب سوء خلقه مع أصحاب أبي عبد اللهعليهالسلام الذين كان مرازم منهم.
وأقول : صحف بعضهم على هذا الوجه وقرأ نكلم بصيغة المتكلم مع الغيروتكلم في بعض النسخ بدون العاطف ، وعلى تقديره فهو عطف على مقدر أي تواصل وتكلم ونحو هذا ، وهو استفهام على التقديرين على التقرير ، ويحتمل الأمر على بعض الوجوه.
٥ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن محمد بن سنان ، عن أبي سعيد القماط ، عن داود بن كثير قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول قال أبيعليهالسلام قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله أيما مسلمين تهاجرا فمكثا ثلاثا لا يصطلحان إلا كانا خارجين من الإسلام ولم يكن بينهما ولاية فأيهما سبق إلى كلام أخيه كان السابق إلى الجنة يوم الحساب.
٦ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن ابن أذينة ، عن زرارة
الحديث الخامس : ضعيف على المشهور.
« إلا كانا » كان الاستثناء من مقدر أي لم يفعلا ذلك إلا كانا خارجين ، وهذا النوع من الاستثناء شائع في الأخبار ، ويحتمل أن يكون إلا هنا زائدة كما قال الشاعر :
أرى الدهر إلا مجنونا بأهله
وقيل : التقدير لا يصطلحان على حال إلا وقد كانا خارجين ، وقيل« أيما » مبتدأ و« لا يصطلحان » حال عن فاعل مكثا وإلا مركب من إن الشرطية ولا النافية نحو «إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ »(١) « ولم يكن » بتشديد النون مضارع مجهول من باب الأفعال ، وتكرار للنفي في إن لا كانا ، مأخوذ من الكنة بالضم وهي جناح يخرج من حائط أو سقيفة فوق باب الدار ، وقوله : فأيهما ، جزاء الشرط ، والجملة الشرطية خبر المبتدأ أي أيما مسلمين تهاجرا ثلاثة أيام إن لم يخرجا من الإسلام ولم يضعا الولاية والمحبة على طاق النسيان فأيهما سبق ، إلخ.
وإنما ذكرنا ذلك للاستغراب ، مع أن أمثال ذلك دأبهرحمهالله في أكثر الأبواب ، وليس ذلك منه بغريب ، والمرادبالولاية المحبة التي تكون بين المؤمنين.
الحديث السادس : حسن كالصحيح.
__________________
(١) سورة التوبة : ٤٠.
عن أبي جعفرعليهالسلام قال إن الشيطان يغري بين المؤمنين ما لم يرجع أحدهم عن دينه فإذا فعلوا ذلك استلقى على قفاه وتمدد ثم قال فزت فرحم الله امرأ ألف بين وليين لنا يا معشر المؤمنين تألفوا وتعاطفوا.
٧ ـ الحسين بن محمد ، عن علي بن محمد بن سعيد ، عن محمد بن مسلم ، عن محمد بن محفوظ ، عن علي بن النعمان ، عن ابن مسكان ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال لا يزال إبليس فرحا ما اهتجر المسلمان فإذا التقيا اصطكت ركبتاه وتخلعت أوصاله ونادى يا ويله ما لقي من الثبور.
وفي القاموس :أغرى بينهم العداوة ألقاها ، كأنه ألزقها بهم« ما لم يرجع أحدهم عن دينه » كأنه للسلب الكلي ،فقوله : إذا فعلوا للإيجاب الجزئي ، ويحتمل العكس ، وما بمعنى ما دام ، والتمدد للاستراحة وإظهار الفراغ من العمل والراحة« فزت » أي وصلت إلى مطلوبي.
الحديث السابع : مجهول.
واصطكاك الركبتين اضطرابهما وتأثير أحدهما في الآخر ، والتخلع التفكك والأوصال المفاصل أو مجتمع العظام وإنما التفت في حكاية قول إبليس عن التكلم إلى الغيبة في قوله : « ويله » « ولقي » تنزيها لنفسه المقدسة من نسبة الشر إليه في اللفظ ، وإن كان في المعنى منسوبا إلى غيره ، ونظيره شائع في الكلام ، قال في النهاية فيه : إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول : يا ويله ،الويل الحزن والهلاك والمشقة من العذاب وكل من وقع في هلكة دعا بالويل ، ومعنى النداء فيه : يا ويلي ويا حزني ويا هلاكي ويا عذابي احضر فهذا وقتك وأوانك ، وأضاف الويل إلى ضمير الغائب حملا على المعنى ، وعدل عن حكاية قول إبليس : يا ويلي كراهة أن يضيف الويل إلى نفسه ، انتهى.
وما فيقوله « ما لقي » للاستفهام التعجبي ، ومنصوب المحل ، مفعول لقي ، ومن للتبعيض ، والثبور بالضم الهلاك.
(باب )
(قطيعة الرحم )
١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن عمر بن أذينة ، عن مسمع بن عبد الملك ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله في حديث ألا إن في التباغض الحالقة لا أعني حالقة الشعر ولكن حالقة الدين.
٢ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن محمد بن علي ، عن محمد بن الفضيل ، عن حذيفة بن منصور قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام اتقوا الحالقة فإنها تميت الرجال قلت وما الحالقة قال قطيعة الرحم.
باب قطيعة الرحم
الحديث الأول : حسن كالصحيح.
وفي النهاية فيه : دب إليكم داء الأمم البغضاء وهي الحالقة ،الحالقة الخصلة التي من شأنها أن يحلق أي تهلك وتستأصل الدين كما يستأصل الموسى الشعر ، وقيل : قطيعة الرحم والتظالم ، انتهى.
وكان المصنفرحمهالله أورده في هذا الباب لأن التباغض يشمل ذوي الأرحام أيضا ، أو لأن الحالقة فسرت في سائر الأخبار بالقطيعة ، بل في هذا الخبر أيضا يحتمل أن يكون المراد ذلك ، بأن يكون المراد أن التباغض بين الناس من جملة مفاسده قطع الأرحام وهو حالقة الدين.
الحديث الثاني : ضعيف.
« تميت الرجال » أي تورث موتهم وانقراضهم كما سيأتي ، وحمله على موت القلوب كما قيل بعيد ، ويمكن أن يكون هذا أحد وجوه التسمية بالحالقة ،والرحم في الأصل منبت الولد ووعاؤه في البطن ، ثم سميت القرابة من جهة الولادة رحما ومنها ذو الرحم خلاف الأجنبي.
٣ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن عثمان بن عيسى ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قلت له إن إخوتي وبني عمي قد ضيقوا علي الدار وألجئوني منها إلى بيت ولو تكلمت أخذت ما في أيديهم قال فقال لي اصبر فإن الله سيجعل لك فرجا قال فانصرفت ووقع الوباء في سنة إحدى وثلاثين ومائة ـ فماتوا والله كلهم فما بقي منهم أحد قال فخرجت فلما دخلت عليه قال ما حال أهل بيتك قال قلت له قد ماتوا والله كلهم فما بقي منهم أحد فقال هو بما صنعوا بك وبعقوقهم إياك وقطع رحمهم بتروا أتحب أنهم بقوا وأنهم
الحديث الثالث : مرسل.
« على الدار » أي الدار التي ورثناها من جدنا« ولو تكلمت أخذت » يمكن أن يقرأ على صيغة المتكلم ، أي لو نازعتهم وتكلمت معهم يمكنني أن آخذ منهم ، أفعل ذلك أم أتركهم؟ أو يقرأ على الخطاب أي لو تكلمت أنت معهم يعطوني ، فلم يرعليهالسلام المصلحة في ذلك ، أو الأول على الخطاب والثاني على المتكلم والأول أظهر ، وفي النهاية :الوباء بالقصر والمد والهمز الطاعون والمرض العام.
« في إحدى وثلاثين » كذا في أكثر النسخ التي وجدناها ، وفي بعضها بزيادة :ومائة ، وعلى الأول أيضا المراد ذلك وأسقط الراوي المائة للظهور ، فإن إمامة الصادقعليهالسلام كانت في سنة مائة وأربعة عشر ، ووفاته في سنة ثمان وأربعين ومائة ، والفاء فيقوله : فما بقي ، في الموضعين للبيان ، ومن ابتدائية والمرادبالأحد أولادهم ، أو الفاء للتفريع ومن تبعيضية ، وقوله : بعقوقهم متعلق بقوله بتروا ، وهو في بعض النسخ بتقديم الموحدة على المثناة الفوقانية ، وفي بعضها بالعكس ، فعلى الأول إما على بناء المعلوم من المجرد من باب علم ، أو المجهول من باب نصر ، وعلى الثاني على المجهول من باب ضرب أو التفعيل.
في القاموس :البتر القطع أو مستأصلا والأبتر المقطوع الذنب ، بتره فبتر كفرح والذي لا عقب له وكل أمر منقطع من الخير ، وقال : البتر بالفتح الكسر
ضيقوا عليك قال قلت إي والله.
٤ ـ عنه ، عن أحمد ، عن الحسن بن محبوب ، عن مالك بن عطية ، عن أبي عبيدة ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال في كتاب عليعليهالسلام ثلاث خصال لا يموت صاحبهن أبدا حتى يرى وبالهن البغي وقطيعة الرحم واليمين الكاذبة يبارز الله بها وإن أعجل الطاعة ثوابا لصلة الرحم وإن القوم ليكونون فجارا فيتواصلون فتنمي
والإهلاك كالتبتير فيهما والفعل كضرب ، انتهى.
« وأنهم ضيقوا » الواو إما للحال والهمزة مكسورة ، أو للعطف والهمزة مفتوحة.
الحديث الرابع : صحيح.
و « ثلاث » مبتدأ وجملةلا يموت خبر ، وفي القاموس :الوبال الشدة والثقل ، وفي المصباح : الوبيل الوخيم ، والوبال بالفتح من وبل المرتع بالضم وبالا بمعنى وخم ، ولما كان عاقبة المرعى الوخيم إلى شر قيل في سوء العاقبة : وبال ، والعمل السيء وبال على صاحبه ، والبغي خبر مبتدإ محذوف بتقديرهن البغي ، وجملةيبارز الله صفة اليمين إذ اللام للعهد الذهني أو استينافية ، والمستتر في يبارز راجع إلى صاحبهن والجلالة منصوبة والباء في بها للسببية أو للآلية ، والضمير لليمين لأن اليمين مؤنث وقد يقرأ يبارز على بناء المجهول ورفع الجلالة ، وفي القاموس : بارز القرن مبارزة وبرازا برز إليه ، وهما يتبارزان.
أقول : لما أقسم به تعالى بحضوره كذبا فكأنه يعاديه علانية ويبارزه ، وعلى التوصيف احتراز عن اليمين الكاذبة جهلا وخطأ من غير عمد ، وتوصيف اليمين بالكاذبة مجاز« وإن أعجل » كلام علي أو الباقرعليهماالسلام ، والتعجيل لأنه يصل ثوابه إليه في الدنيا أو بلا تراخ فيها« فتنمي » على بناء الأفعال أو كيمشي ، في القاموس : نما ينمو نموا زاد كنمى ينمي نميا ونميا ونمية ، وأنمى ونمى ، وعلى الأفعال الضمير
أموالهم ويثرون وإن اليمين الكاذبة وقطيعة الرحم لتذران الديار بلاقع من أهلها وتنقل الرحم وإن نقل الرحم انقطاع النسل.
للصلة ، ويثرون أيضا يحتمل الأفعال والمجرد كيرضون أو يدعون ويحتمل بناء المفعول.
في القاموس : الثروة كثرة العدد من الناس والمال ، وثري القوم ثراءا كثروا ونموا ، والمال كذلك ، وثري كرضى كثر ماله كأثرى ومال ثري كغني كثير ، ورجل ثري وأثرى كأحوى كثيره ، وفي الصحاح الثروة كثرة العدد ، وقال الأصمعي : ثري القوم يثرون إذا كثروا ونموا ، وثري المال نفسه يثرو إذا كثر ، وقال أبو عمرو : وثري الله القوم كثرهم وأثرى الرجل إذا كثرت أمواله ، انتهى.
والمعنى يكثرون عددا أو مالا أو يكثرهم الله ، وفي النهاية فيه : اليمين الكاذبة تدع الدياربلاقع ، جمع بلقع وبلقعة وهي الأرض القفر التي لا شيء بها يريد أن الحالف بها يفتقر ويذهب ما في بيته من الرزق ، وقيل : هو أن يفرق الله شمله ويغير عليه ما أولاه من نعمه ، انتهى.
وأقول : مع التتمة التي في هذا الخبر لا يحتمل المعنى الأول ، بل المعنى أن ديارهم تخلو منهم إما بموتهم وانقراضهم أو بجلائهم عنها وتفرقهم أيدي سبأ ، والظاهر أن المرادبالديار ديار القاطعين ، لا البلدان والقرى لسراية شؤمهما كما توهم.
« وتنقل الرحم » الضمير المرفوع راجع إلى القطيعة ، ويحتمل الرجوع إلى كل واحد لكنه بعيد ، والتعبير عن انقطاع النسل بنقل الرحم لأنه حينئذ تنتقل القرابة من أولاده إلى سائر أقاربه ، ويمكن أن يقرأ تنقل على بناء المفعول ، فالواو للحال ، وقيل : هو من النقل بالتحريك وهو داء في خف البعير يمنع المشي ، ولا يخفى بعده.
وقيل : الواو إما للحال عن القطيعة أو للعطف على قوله وإن اليمين إن جوز
٥ ـ علي بن إبراهيم ، عن صالح بن السندي ، عن جعفر بن بشير ، عن عنبسة العابد قال جاء رجل فشكا إلى أبي عبد اللهعليهالسلام أقاربه فقال له اكظم غيظك وافعل فقال إنهم يفعلون ويفعلون فقال أتريد أن تكون مثلهم فلا ينظر الله إليكم.
عطف الفعلية على الاسمية ، وإلا فليقدر وإن قطيعة الرحم تنقل بقرينة المذكورة لا على قوله : لتذران ، لأن هذا مختص بالقطيعة ، ولعل المراد بنقل الرحم نقلها من الوصلة إلى الفرقة ، ومن التعاون والمحبة إلى التدابر والعداوة ، وهذه الأمور من أسباب نقص العمر وانقطاع النسل كما صرح به على سبيل التأكيد والمبالغةبقوله : وإن نقل الرحم انقطاع النسل ، من باب حمل المسبب على السبب مبالغة في السببية ، انتهى ، وهو كما ترى.
وأقول : سيأتي في باب اليمين الكاذبة من كتاب الأيمان والنذور بهذا السند عن أبي جعفرعليهالسلام قال : إن في كتاب عليعليهالسلام إن اليمن الكاذبة وقطيعة الرحم تذران الديار بلاقع من أهلها ، وتنقل الرحم يعني انقطاع النسل وهناك في أكثر النسخ بالغين المعجمة ، قال في النهاية : النغل بالتحريك الفساد ، وقد نغل الأديم إذا عفن وتهرى في الدماغ فيفسد ويهلك ، انتهى.
ولا يخلو من مناسبة ، وروى الصدوق في معاني الأخبار عن أبي بصير عن أبي عبد الله مثله بتغيير ، وفيه : إن قطيعة الرحم واليمين الكاذبة لتذران الديار بلاقع من أهلها ويثقلان الرحم وإن تثقل الرحم انقطاع النسل ، وهو أظهر من وجهين : أحدهما تثنية الضمير ، وثانيهما : أن ثقل الرحم بقطع النسل أنسب ، وفي مجالس المفيد وكتاب الحسين بن سعيد عن أبي عبيدة مثله ، وفيهما تدع الديار ، وهو يؤيد العود إلى كل واحد.
الحديث الخامس : مجهول.
« وافعل » أي كظم الغيظ دائما وإن أصروا على الإساءة أو افعل كلما أمكنك
٦ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لا تقطع رحمك وإن قطعتك.
٧ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن أبي عبد الله ، عن أبيه رفعه ، عن أبي حمزة الثمالي قال قال أمير المؤمنينعليهالسلام في خطبته أعوذ بالله من الذنوب التي تعجل الفناء فقام إليه عبد الله بن الكواء اليشكري فقال يا أمير المؤمنين أوتكون ذنوب تعجل الفناء فقال نعم ويلك قطيعة الرحم إن أهل البيت ليجتمعون ويتواسون
من البر فيكون حذف المفعول للتعميم« إنهم يفعلون » أي الإضرار وأنواع الإساءة ولا يرجعون عنها« أتريد أن تكون مثلهم » في القطع وارتكاب القبيح وترك الإحسانفلا ينظر الله إليكم أي يقطع عنكم جميعا رحمته في الدنيا والآخرة ، وإذا وصلت فإما أن يرجعوا فيشملكم الرحمة وكنت أولى بها وأكثر حظا منها ، وإما أن لا يرجعوا فيخصك الرحمة ولا انتقام أحسن من ذلك.
الحديث السادس : ضعيف على المشهور.
وظاهره تحريم القطع وإن قطعوا وينافيه ظاهرا قوله تعالى : «فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ »(١) ويمكن تخصيص الآية بتلك الأخبار ولم يتعرض أصحابنا رضي الله عنهم لتحقيق تلك المسائل مع كثرة الحاجة إليها ، والخوض فيها يحتاج إلى بسط وتفصيل لا يناسبان هذه التعليقة ، وقد مر بعض القول فيها في باب صلة الرحم ، وسلوك سبيل الاحتياط في جميع ذلك أقرب إلى النجاة.
الحديث السابع : مرفوع.
وابن الكواء كان من رؤساء الخوارج لعنهم الله ويشكر اسم أبي قبيلتين كان هذا الملعون من إحداهما فيحرمهم الله من سعة الأرزاق وطول الأعمار وإن كانوا متقين فيما سوى ذلك ، ولا ينافيه قوله تعالى : «وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً
__________________
(١) سورة البقرة : ١٩٤.
وهم فجرة فيرزقهم الله وإن أهل البيت ليتفرقون ويقطع بعضهم بعضا فيحرمهم الله وهم أتقياء.
٨ ـ عنه ، عن ابن محبوب ، عن مالك بن عطية ، عن أبي حمزة ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال قال أمير المؤمنينعليهالسلام إذا قطعوا الأرحام جعلت الأموال في أيدي الأشرار.
(باب العقوق )
١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن سنان ، عن حديد بن حكيم ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال أدنى العقوق أف ولو علم الله عز وجل شيئا أهون منه لنهى عنه.
وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ »(١) فإنه غير متق لقطع الرحم ، ومفهومها غير مقصود ، فإن كثيرا من الكفار والفساق مرزوقون ، ولو كان مقصودا فيمكن أن يكون باعتبار التقييد بقوله من حيث لا يحتسب.
الحديث الثامن : صحيح.
« جعلت الأموال في أيدي الأشرار » هذا مجرب وأحد أسبابه أنهم يتخاصمون ويتنازعون ويترافعون إلى الظلمة وحكام الجور ، فتصير أموالهم بالرشوة في أيديهم وأيضا إذا تخاصموا ولم يتعاونوا يتسلط عليهم الأشرار ويأخذونها منهم.
باب العقوق
الحديث الأول : ضعيف على المشهور.
« لنهى عنه » إذ معلوم أن الغرض النهي عن جميع الأفراد فاكتفى بالأدنى ليعلم منه الأعلى بالأولوية كما هو الشائع في مثل هذه العبارة ، والأف كلمة تضجر
__________________
(١) سورة الطلاق : ٢.
٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن أبي الحسنعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله كن بارا واقتصر على الجنة وإن كنت عاقا [ فظا ] فاقتصر على النار.
٣ ـ أبو علي الأشعري ، عن الحسن بن علي الكوفي ، عن عبيس بن هشام ، عن صالح الحذاء ، عن يعقوب بن شعيب ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال إذا كان يوم القيامة كشف غطاء من أغطية الجنة فوجد ريحها من كانت له روح من مسيرة خمسمائة عام إلا صنف واحد قلت من هم قال العاق لوالديه.
٤ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد الله
وقد أفف تأفيفا إذا قال ذلك ، والمرادبعقوق الوالدين ترك الأدب لهما والإتيان بما يؤذيهما قولا وفعلا ، ومخالفتهما في أغراضهما الجائزة عقلا ونقلا وقد عد من الكبائر ، ودل على حرمته الكتاب والسنة وأجمع عليها الخاصة والعامة وقد مر القول في ذلك في باب برهما.
الحديث الثاني : حسن كالصحيح.
« فاقتصر على الجنة » أي اكتف بها ، وفيه تعظيم أجر البر حتى أنه يوجب دخول الجنة ، ويفهم منه أنه يكفر كثيرا من السيئات ويرجح عليها ميزان الحساب.
الحديث الثالث : مجهول.
« العاق لوالديه » أي لهما أو لكل منهما ، ويدل ظاهرا على عدم دخول العاق الجنة ، ويمكن حمله على المستحل أو على أنه لا يجد ريحها ابتداء وإن دخلها أخيرا ، أو المراد بالوالدين هنا النبي والإمام كما ورد في الأخبار ، أو يحمل على جنة مخصوصة.
الحديث الرابع : ضعيف على المشهور.
عليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله فوق كل ذي بر بر حتى يقتل الرجل في سبيل الله فإذا قتل في سبيل الله فليس فوقه بر وإن فوق كل عقوق عقوقا حتى يقتل الرجل أحد والديه فإذا فعل ذلك فليس فوقه عقوق.
٥ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن إسماعيل بن مهران ، عن سيف بن عميرة ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال من نظر إلى أبويه نظر ماقت وهما ظالمان له لم يقبل الله له صلاة.
« فوق كل ذي بر بر » البر بالكسر مصدر بمعنى التوسع في الصلة والإحسان إلى الغير والإطاعة ، وبالفتح صفة مشبهة لهذا المعنى ، ويمكن هنا قراءتهما بالكسر بتقدير مضاف في الأول أي فوق بر كل ذي بر ، أو في الثاني أي ذو بر أو الحمل على المبالغة كما في قوله تعالى : «وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى »(١) ويمكن أن يقرأ الأول بالكسر والثاني بالفتح وهو أظهر.
« حتى يقتل الرجل أحد والديه » أي أعم من أن يكون مع قتل الآخر أو بدونه أو من غير هذا الجنس من العقوق ، فلا ينافي كون قاتلهما أعق ، وأيضا المراد عقوق الوالدين والأرحام أو من جنس الكبائر فلا ينافي كون قتل الإمام أشد ، فإنه من نوع الكفر لأنه يمكن شموله لقتل والدي الدين النبي والإمام صلوات الله عليهما كما مر في باب بر الوالدين وغيره.
الحديث الخامس : صحيح على الظاهر.
وقول ابن شهرآشوب أنابن عميرة واقفي ليس بمعتمد لأنه لم يذكره غيره من القدماء« وهما ظالمان له » فكيف إذا كانا بارين به ، ولا ينافي ذلك كونهما أيضا آثمين لأنهما ظلماه وحملاه على العقوق ، والقبول كمال العمل وهو غير الإجزاء.
__________________
(١) سورة البقرة : ١٨٩.
٦ ـ عنه ، عن محمد بن علي ، عن محمد بن فرات ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله في كلام له إياكم وعقوق الوالدين فإن ريح الجنة توجد من مسيرة ألف عام ولا يجدها عاق ولا قاطع رحم ولا شيخ زان ولا جار إزاره خيلاء
الحديث السادس : ضعيف.
وكان الخمسمائة(١) بالنسبة إلى الجميع ، والألف بالنسبة إلى جماعة ، ويؤيده التعميم في السابق حيث قال : من كانت له روح ، أو يكون الاختلاف بقلة كشف الأغطية وكثرتها ، ويؤيده أن في الخبر السابق غطاء فيكون هذا الخبر إذا كشف غطاءان مثلا ، وفيما سيأتي في كتاب الوصايا وإن ريحها لتوجد من مسيرة ألفي عام فيما إذا كشف أربعة أغطية مثلا ، أو يكون بحسب اختلاف الوجدان وشدة الريح وخفتها ففي الخمسمائة توجد ريح شديد ، وهكذا ، أو باختلاف الأوقات وهبوب الرياح الشديدة أو الخفيفة ، أو تكون هذه الأعداد كناية عن مطلق الكثيرة ولا يراد بها خصوص العدد كما في قوله تعالى : «إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً »(٢) .
ويطلقالإزار بالكسر غالبا على الثوب الذي يشد على الوسط تحت الرداء وكان جفاة العرب كانوا يطيلون الإزار فيجر على الأرض ، ويمكن أن يراد هنا مطلق الثوب كما فسره في القاموس بالملحفة ، فيشمل تطويل الرداء وسائر الأثواب كما فسر قوله تعالى : «وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ »(٣) بالتشمير وسيأتي الأخبار في ذلك في أبواب الزي والتجمل ، وقد يطلق على ما يشد فوق الثوب على الوسط مكان المنطقة ، فالمراد إسبال طرفيه تكبرا كما يفعله بعض أهل الهند.
وقال الجوهري : الخال والخيلاء والخيلاء الكبر ، تقول منه : اختال فهو ذو خيلاء ، وذو خال وذو مخيلة أي ذو كبر ، وقوله : خيلاء كأنه مفعول لأجله ، وقيل : حال عن فاعل جار أي جار ثوبه على الأرض متبخترا متكبرا مختالا أي متمائلا
__________________
(١) أي المذكور في الحديث الثالث.
(٢) سورة التوبة : ٨٠.
(٣) سورة المدّثّر : ٤.
إنما الكبرياء لله رب العالمين.
٧ ـ عنه ، عن يحيى بن إبراهيم بن أبي البلاد السلمي ، عن أبيه ، عن جده ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال لو علم الله شيئا أدنى من أف لنهى عنه وهو من أدنى العقوق
من جانبيه ، وأصله من المخيلة وهي القطعة من السحاب تميل في جو السماء هكذا وهكذا ، وكذلك المختال يتمايل لعجبه بنفسه وكبره وهي مشية المطيطاء ، ومنه قوله تعالى : «ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى »(١) أي يتمايل مختالا متكبرا كما قيل.
وأما إذا لم يقصد بإطالة الثوب وجره على الأرض الاختيال والتكبر بل جرى في ذلك على رسم العادة ، فقيل : إنه أيضا غير جائز ، والأولى أن يقال غير مستحسن كما صرح الشهيد وغيره باستحباب ذلك ، وذلك لوجوه :
منها : مخالفة السنة وشعار المؤمنين المتواضعين كما سيأتي ، وقد روت العامة أيضا في ذلك أخبارا ، قال في النهاية فيه : ما أسفل من الكعبين من الإزار في النار ، أي ما دونه من قدم صاحبه في النار عقوبة له ، أو على أن هذا الفعل معدود في أفعال أهل النار ، ومنه الحديث أزره المؤمن إلى نصف الساق ولا جناح فيما بينه وبين الكعبين ، الإزرة بالكسر الحالة وهيئة الائتزار مثل الركبة والجلسة ، انتهى.
ومنها : الإسراف في الثوب بما لا حاجة فيه.
ومنها : أنه لا يسلم الثوب الطويل من جره على النجاسة تكون بالأرض غالبا فيختل أمر صلاته ودينه ، فإن تكلف رفع الثوب إذا مشى تحمل كلفة كان غنيا منها ثم يغفل عنه فيسترسل.
ومنها : أنه يسرع البلى إلى الثوب بدوام جره على التراب والأرض فيخرقه إن لم ينجس.
الحديث السابع : مجهول.
__________________
(١) سورة القيامة : ٣٣.
ومن العقوق أن ينظر الرجل إلى والديه فيحد النظر إليهما.
٨ ـ علي ، عن أبيه ، عن هارون بن الجهم ، عن عبد الله بن سليمان ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال إن أبي نظر إلى رجل ومعه ابنه يمشي والابن متكئ على ذراع الأب قال فما كلمه أبيعليهالسلام مقتا له حتى فارق الدنيا.
٩ ـ أبو علي الأشعري ، عن أحمد بن محمد ، عن محسن بن أحمد ، عن أبان بن عثمان ، عن حديد بن حكيم ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال أدنى العقوق أف ولو علم الله أيسر منه لنهى عنه
« فيحد النظر » على بناء المجرد بضم الحاء أو على بناء الأفعال من تحديد السكين أو السيف مجازا ، ويحتمل أن يكون هذا من الأدنى ويساوي الأف في المرتبة ، أو يكون الأف أدنى بحسب القول وهذا بحسب الفعل ، والغرض أنه يجب أن ينظر إليهما على سبيل الخشوع والأدب ، ولا يملأ عينيه منهما ولا ينظر إليهما على وجه الغضب.
الحديث الثامن : مجهول.
والظاهر أن ضمير« كلمه » راجع إلى الابن ورجوعه إلى الأب من حيث مكنه من ذلك بعيد ، وقد يحمل على عدم رضا الأب أو أنه فعله تكبرا واختيالا ، ومن هذه الأخبار يفهم أن أمر بر الوالدين دقيق وأن العقوق يحصل بأدنى شيء.
الحديث التاسع : كالسابق.
وقد مر مثله عن حديد والاختلاف في سائر السند.
(باب الانتفاء )
١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال كفر بالله من تبرأ من نسب وإن دق.
٢ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن فضال ، عن أبي المغراء ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال كفر بالله من تبرأ من نسب وإن دق.
٣ ـ علي بن محمد ، عن صالح بن أبي حماد ، عن ابن أبي عمير وابن فضال ، عن رجال شتى ، عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهالسلام أنهما قالا كفر بالله العظيم الانتفاء من حسب وإن دق.
باب الانتفاء
أي التبري عن نسب باعتبار دناءته عرفاً
الحديث الأول : حسن كالصحيح.
« وإن دق » أي بعد ، أو وإن كان خسيسا دنيا وقيل : يحتمل أن يكون ضمير دق راجعا إلى التبري بأن لا يكون صريحا بل بالإيماء وهو بعيد ، وقيل : يعني وإن دق ثبوته وهو أبعد ، والكفر هنا ما يطلق على أصحاب الكبائر كما مر وسيأتي ، وربما يحمل على ما إذا كان مستحلا لأن مستحل قطع الرحم كافر ، أو المراد به كفر النعمة لأن قطع النسب كفر لنعمة المواصلة ، أو يراد به أنه شبيه بالكفر لأن هذا الفعل يشبه فعل أهل الكفر ، لأنهم كانوا يفعلونه في الجاهلية ، ولا فرق في ذلك بين الولد والوالد وغيرهما من الأرحام.
الحديث الثاني : موثق كالصحيح.
الحديث الثالث : ضعيف.
والمرادبالحسب أيضا النسب الدنيء فإن الأحساب غالبا يكون بالأنساب ،
(باب )
(من آذى المسلمين واحتقرهم )
١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن محبوب ، عن هشام بن سالم قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول قال الله عز وجل ليأذن بحرب مني من آذى عبدي
ويحتمل على بعد أن لا تكون « من » صلة للانتفاء بل يكون للتعليل ، أي بسبب حسب حصل له أو لآبائه القريبة ، وحينئذ فيقوله : وإن دق تكلف إلا على بعض الوجوه البعيدة السابقة ، وربما يقرأ على هذا الوجه الانتقاء بالقاف أي دعوى النقاوة والامتياز والفخر بسبب حسب وهو تصحيف.
باب من أذى المسلمين واحتقرهم
الحديث الأول : صحيح.
« ليأذن » أي ليعلم كما قال تعالى في ترك ما بقي من الربا : «فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ »(١) قال البيضاوي : أي فأعلموا بها من أذن بالشيء إذا علم به ، وتنكير حرب للتعظيم ، وذلك يقتضي أن يقاتل المربي بعد الاستتابة حتى يفيء إلى أمر الله كالباغي ولا يقتضي كفره.
وفي المجمع : أي فأيقنوا واعلموا بقتال من الله ورسوله ، ومعنى الحرب عداوة الله ورسوله وهذا إخبار بعظم المعصية ، وقال ابن عباس وغيره : إن من عامل بالربا استتابه فإن تاب وإلا قتله ، انتهى.
وأقول : في الخبر يحتمل أن يكون كناية عن شدة الغضب بقرينة المقابلة ، أو المعنى أن الله يحاربه أي ينتقم منه في الدنيا والآخرة أو من فعل ذلك فليعلم أنه محارب لله كما سيأتي : فقد بارزني بالمحاربة ، وقيل : الأمر بالعلم ليس على
__________________
(١) سورة البقرة : ٢٧٩.
المؤمن وليأمن غضبي من أكرم عبدي المؤمن ولو لم يكن من خلقي في الأرض فيما بين المشرق والمغرب إلا مؤمن واحد مع إمام عادل لاستغنيت بعبادتهما عن جميع ما خلقت في أرضي ولقامت سبع سماوات وأرضين بهما ولجعلت لهما من إيمانهما أنسا لا يحتاجان إلى أنس سواهما.
٢ ـ عنه ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن سنان ، عن منذر بن يزيد ، عن المفضل بن عمر قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام إذا كان يوم القيامة نادى مناد أين الصدود لأوليائي
الحقيقة بل هو خبر عن وقوع المخبر به على التأكيد ، وكذا بالأمن من إخبار عن عدم وقوع ما يحذر منه على التأكيد ، والمرادبالمؤمن مطلق الشيعة أو الكامل منهم كما يومئ إليه :عبدي ، وعلى الأول المرادبالإيذاء الذي لم يأمر به الشارع كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والمرادبالإكرام الرعاية والتعظيم خلقا وقولا وفعلا منه جلب النفع له ودفع الضرر عنه.
« ولو لم يكن » تامة والمرادبالخلق سوى الملائكة والجن وقوله : مع إمام إما متعلق بلم يكن أو حال عن المؤمن ، وعلى الأخير يدل على ملازمته للإمام ، والمرادبالاستغناء بعبادة مؤمن واحد مع أنه سبحانه غني مطلق لا حاجة له إلى عبادة أحد قبول عبادتهما والاكتفاء بهما لقيام نظام العالم ، وكان كون المؤمن مع الإمام أعم من كونه بالفعل أو بالقوة القريبة منه ، فإنه يمكن أن يبعث نبي ولم يؤمن به أحد إلا بعد زمان كما مر في باب قلة عدد المؤمنين : إن إبراهيمعليهالسلام كان يعبد الله ولم يكن معه غيره حتى آنسه الله بإسماعيل وإسحاق ، وقد مر الكلام فيه.
وقيل : المقصود هنا بيان حال هذه الأمة فلا ينافي الوحدة في الأمم السابقة ، وأرضين بتقدير سبع أرضين« وأنس » إما مضاف إلى« سواهما » أو منون وسواهما للاستثناء.
الحديث الثاني : ضعيف على المشهور.
« أين الصدود لأوليائي » كذا في أكثر نسخ الكتاب وثواب الأعمال وغيرهما
فيقوم قوم ليس على وجوههم لحم فيقال هؤلاء الذين آذوا المؤمنين ونصبوا لهم وعاندوهم وعنفوهم في دينهم ثم يؤمر بهم إلى جهنم.
٣ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن ابن فضال ، عن ثعلبة بن ميمون ، عن حماد بن بشير ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال
وتطبيقه على ما يناسب المقام لا يخلو من تكلف ، في القاموس : صد عنه صدودا أعرض وفلانا عن كذا صدا منعه وصرفه ، وصد يصد ويصد صديدا ضج ، والتصدد التعرض وفي النهاية : الصد الصرف والمنع ، يقال : صده وأصده وصد عنه والصد الهجران ومنه الحديث : فيصد هذا ويصد هذا ، أي يعرض بوجهه عنه وفي المصباح : صد من كذا من باب ضرب ضحك.
وأقول : أكثر المعاني مناسبة لكن بتضمين معنى التعرض ونحوه للتعدية باللام ، فالصدود بالضم جمع صاد وفي بعض النسخ المؤذون لأوليائي فلا يحتاج إلى تكلف.
وقال الجوهري :نصبت لفلات نصبا إذا عاديته ، وناصبته الحرب مناصبة. وقال :التعنيف والتعيير اللوم وقيل : لعل خلو وجوههم من اللحم لأجل أنه ذاب من الغم وخوف العقوبة ، أو من خدشه بأيديهم تحسرا وتأسفا ، ويؤيده ما رواه العامة عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : مررت ليلة أسري بي بقوم لهم أظفار من نحاس يخدشون وجوههم وصدورهم ، فقلت : من هؤلاء يا جبرئيل؟ قال : هم الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم ، وقيل : إنما سقط لحم وجوههم لأنهم كاشفوهم بوجوههم الشديدة من غير استحياء من الله ومنهم.
وأقول : أو لأنهم لما أرادوا أن يقبحوهم عند الناس في الدنيا قبحهم الله في الآخرة عند الناس في أظهر أعضائهم وأحسنها.
الحديث الثالث : مجهول.
الله تبارك وتعالى من أهان لي وليا فقد أرصد لمحاربتي.
٤ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن الحسين بن عثمان ، عن محمد بن أبي حمزة عمن ذكره ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال من حقر مؤمنا مسكينا أو غير مسكين لم يزل الله عز وجل حاقرا له ماقتا حتى يرجع عن محقرته إياه.
٥ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن النعمان ، عن ابن مسكان ، عن معلى بن خنيس قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول إن الله تبارك وتعالى يقول
والمرادبالولي المحب البالغ بجهده في عبادة مولاه المعرض عما سواه« فقد أرصد » أي هيأ نفسه أو أدوات الحرب ، ويمكن أن يقرأ على بناء المفعول قال في النهاية : يقال رصدته إذا قعدت له على طريقه تترقبه ، وأرصدت له العقوبة إذا أعددتها ، وحقيقته جعلتها على طريقه كالمترقبة له ، والإضافة فيقوله « لمحاربتي » إلى المفعول ، ومن فوائد هذا الخبر التحذير التام لأذى كل من المؤمنين [ خشية ] لاحتمال(١) أن يكون من أوليائه تعالى ، كما روى الصدوق بإسناده عن أمير المؤمنينعليهالسلام قال : إن الله أخفى وليه في عباده فلا تستصغروا شيئا من عباده فربما كان وليه وأنت لا تعلم.
الحديث الرابع : مرسل.
وفي القاموس :الحقر الذلة كالحقرية بالضم ، والحقارة مثلثة والمحقرة ، والفعل كضرب وكرم ، والإذلال كالتحقير والاحتقار والاستحقار ، والفعل كضرب وقال :مقته مقتا ومقاتة أبغضه كمقته والتحقير يكون بالقلب فقط ، وإظهاره أشد وهو إما بقول كرهه أو بالاستهزاء به أو بشتمه أو بضربة أو بفعل يستلزم إهانته أو بترك قول أو فعل يستلزمها وأمثال ذلك.
الحديث الخامس : مختلف فيه معتبر عندي.
ويدل على أن عقوبة إذلال المؤمن تصل إلى المذل في الدنيا أيضا بل بعد
__________________
(١) كذا في نسخة الأصل والظاهر « خشية احتمال » بدون اللام.
من أهان لي وليا فقد أرصد لمحاربتي وأنا أسرع شيء إلى نصرة أوليائي.
٦ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن ابن محبوب ، عن هشام بن سالم ، عن معلى بن خنيس ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال الله عز وجل قد نابذني من أذل عبدي المؤمن.
٧ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى وأبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار جميعا ، عن ابن فضال ، عن علي بن عقبة ، عن حماد بن بشير قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال الله عز وجل من أهان لي وليا فقد أرصد لمحاربتي وما تقرب إلي عبد بشيء أحب إلي مما افترضت عليه
الإذلال بلا مهلة ولو بمنع اللطف والخذلان.
الحديث السادس : ضعيف على المشهور.
وفي المصباح :نابذتهم خالفتهم ونابذتهم الحرب كاشفتهم إياها وجاهرتهم بها.
الحديث السابع : مجهول.
« وما تقرب » لما قدم سبحانه ذكر اختصاص الأولياء لديه أشار إجمالا إلى طريق الوصول إلى درجة الولاية من بداية السلوك إلى النهاية أي ما تحبب ولا طلب القرب لدي بمثل أداء ما افترضت عليه ، أي أصالة أو أعم منه ومما أوجبه على نفسه بنذر وشبهه ، لعموم الموصول.
ويدل على أن الفرائض أفضل من المندوبات مطلقا ، وهذا ظاهر بحسب الاعتبار أيضا فإنه سبحانه أعلم بالأسباب التي توجب القرب إلى محبته وكرامته فلما أكد في الفرائض وأوعد على تركها علمنا أنها أفضل مما خيرنا في فعله وتركه ، ووعد على فعله ولم يتوعد على تركه.
وإنه ليتقرب إلي بالنافلة حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به ويده التي يبطش بها إن دعاني أجبته
قال الشيخ البهائيقدسسره : فإن قلت : مدلول هذا الكلام هو أن غير الواجب ليس أحب إلى الله سبحانه من الواجب لا أن الواجب أحب إليه من غيره فلعلها متساويان؟ قلت : الذي يستفيده أهل اللسان من مثل هذا الكلام هو تفضيل الواجب على غيره ، كما تقول : ليس في البلد أحسن من زيد ، لا تريد مجرد نفي وجود من هو أحسن منه فيه ، بل تريد نفي من تساويه في الحسن وإثبات أنه أحسن أهل البلد وإرادة هذا المعنى من مثل هذا الكلام شائع متعارف في أكثر اللغات ، انتهى.
وقال الشهيد روح الله روحه في القواعد : الواجب أفضل من الندب غالبا لاختصاصه بمصلحة زائدة ، ولقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : في الحديث القدسي : ما تقرب إلى عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ، وقد تخلف ذلك في صور كالإبراء من الدين الندب ، وإنظار المعسر الواجب ، وإعادة المنفرد صلاته جماعة ، فإن الجماعة مطلقا تفضل صلاة الفذ(١) بسبع وعشرين درجة ، فصلاة الجماعة مستحبة وهي أفضل من الصلاة التي سبقت وهي واجبة ، وكذلك الصلاة في البقاع الشريفة فأتها مستحبة وهي أفضل من غيرها مائة ألف إلى اثنتي عشرة صلاة ، والصلاة بالسواك والخشوع في الصلاة مستحب ويترك لأجله سرعة المبادرة إلى الجمعة وإن فات بعضها مع أنها واجبة لأنه إذا اشتد سعيه شغله الانتهار عن الخشوع ، وكل ذلك في الحقيقة غير معارض لأصل الواجب وزيادته لاشتماله على مصلحة أزيد من فعل الواجب لا بذلك القيد ، انتهى.
وأقول : ما ذكره قد لا يصلح جوابا للجميع ويمكن الجواب عن الأول بأن
__________________
(١) الفذ : ـ بتشديد الذال المعجمة ـ الفرد.
وإن سألني أعطيته وما ترددت عن شيء أنا فاعله كترددي عن موت المؤمن يكره الموت وأكره مساءته.
٨ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن إسماعيل بن مهران
الواجب أحد الأمرين والإبراء أفضل الفردين ، وعن الثاني بأنا لا نسلم كون هذه الجماعة أفضل من المنفرد ، ولو سلم فيمكن أن يكون الفضل لكون أصلها واجبة وانضمت إلى تلك الفضيلة ، مع أنه قد ورد أنه تعالى يقبل أفضلهما ، واحتمل بعض الأصحاب نية الوجوب فيها أيضا.
وكان بعض مشايخنا يحتمل هنا عدول نية الصلاة إلى الاستحباب بناء على جواز عدول النية بعد الفعل كما يظهر من بعض الأخبار.
ومما ذكروه نقضا على تلك القاعدة الابتداء بالتسليم ورده فإن الأول أفضل مع وجوب الثاني ، والإشكال فيه أصعب ، ويمكن الجواب بأن الابتداء بالسلام أفضل من الترك ، وانتظار تسليم الغير ، ولا نسلم أنه أفضل من الرد الواجب ، بل يمكن أن يقال : إن إكرام المؤمن وترك إهانته واجب وهو يتحقق في أمور شتى فمنها ابتداء التسليم أو رده ، فلو تركهما عصى ، وفي الإتيان بكل منهما يتحقق ترك الإهانة لكن اختيار الابتداء أفضل ، فظهر أنه يمكن إجراء جوابهرحمهالله في الجميع.
وأقول : يمكن تخصيص الأخبار وكلام الأصحاب بكون الواجب أفضل من المستحب من نوعه وصنفه ، كصلاة الفريضة والنافلة ، فلا يلزم كون رد السلام أفضل من الحج المندوب ، ولا من صلاة جعفررضياللهعنه ولا من بناء قنطرة عظيمة أو مدرسة كبيرة ، وبالجملة فروع هذه المسألة كثيرة ولم أر من تعرض لتحقيقها كما ينبغي ، والخوض فيها يوجب بسطا من الكلام لا يناسب المقام ، وسيأتي شرح باقي الخبر في الخبر الآتي.
الحديث الثامن : صحيح.
عن أبي سعيد القماط ، عن أبان بن تغلب ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال لما أسري بالنبيصلىاللهعليهوآله قال يا رب ما حال المؤمن عندك ـ قال يا محمد من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وأنا أسرع شيء إلى نصرة أوليائي وما ترددت عن شيء أنا فاعله
وقال الشيخ البهائي برد الله مضجعه هذا الحديث صحيح السند وهو من الأحاديث المشهورة بين الخاصة والعامة ، وقد رووه في صحاحهم بأدنى تغيير هكذا قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إن الله تعالى قال : من عادى لي وليا فقد أذنته بالحرب ، وما يتقرب إلى عبدي بشيء أحب إلى مما افترضت عليه ، وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها إن سألني لأعطيته وإن استعاذني لأعيذنه وما ترددت في شيء أنا فاعله كترددي في قبض نفس المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ، ولا بد له منه.
« لما أسري بي » أسري بالبناء للمفعول من السري على وزن هدى ، وهو السير في الليل ، وأما تقييده بالليل في قوله تعالى : «سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً » الآية فللدلالة بتنكير الليل على تقليل مدة الإسراء ، مع أن المسافة بين المسجدين مسير أربعين ليلة« ما حال المؤمن عندك » أي ما قدره ومنزلته؟« من أهان لي وليا » المراد بالولي المحب ، وبالمبارزة بالمحاربة إظهارها والتصدي لها.
« وما ترددت في شيء أنا فاعله » نسبة التردد إليه سبحانه يحتاج إلى التأويل وفيه وجوه :
الأول : أن في الكلام إضمارا ، والتقدير لو جاز على التردد ما ترددت في شيء كترددي في وفاة المؤمن.
الثاني : أنه لما جرت العادة بأن يتردد الشخص في مساءة من يحترمه ويوقره كالصديق الوفي والخل الصفي وأن لا يتردد في مساءة من ليس له عنده قدر ولا حرمة ، كالعدو والحية والعقرب بل إذا خطر بالبال مساءته أوقعها
كترددي عن وفاة المؤمن يكره الموت وأكره مساءته وإن من عبادي المؤمنين
من غير تردد ولا تأمل ، صح أن يعبر بالتردد والتأمل في مساءة الشيء عن توقيره واحترامه ، وبعدمها عن إذلاله واحتقاره ، فقوله سبحانه : ما ترددت في شيء أنا فاعله كترددي في وفاة المؤمن ، المراد به والله أعلم : ليس لشيء من مخلوقاتي عندي قدر وحرمة كقدر عبدي المؤمن وحرمته ، فالكلام من قبيل الاستعارة التمثيلية.
الثالث : أنه قد ورد في الحديث من طرق الخاصة والعامة أن الله سبحانه يظهر للعبد المؤمن عند الاحتضار من اللطف والكرامة والبشارة بالجنة ما يزيل عنه كراهة الموت ، ويوجب رغبته في الانتقال إلى دار القرار ، فيقل تأذيه به ويصير راضيا بنزوله راغبا في حصوله ، فأشبهت هذه الحالة معاملة من يريد أن يؤلم حبيبه ألما يتعقبه نفع عظيم ، فهو يتردد في أنه كيف يوصل ذلك الألم إليه على وجه يقل تأذيه به ، فلا يزال يظهر له ما يرغبه فيما يتعقبه من اللذة الجسمية ، والراحة العظيمة إلى أن يتلقاه بالقبول ، ويعده من الغنائم المؤدية إلى إدراك المأمول.
وأقول : يمكن أن يكون التردد إشارة إلى المحو والإثبات في لوحهما ، فإنه يكتب أجله في زمان وآن فيدعو لتأخيره أو يتصدق فيمحو الله ذلك ، ويؤخره إلى وقت آخر فهو يشبه فعل المتردد ، أطلق عليه التردد على وجه الاستعارة ، هذا بحسب ما ورد في لسان الشريعة.
أما الحكماء والصوفية فيقولون : النفوس المنطبعة الفلكية لم تحط بتفاصيل ما سيقع من الأمور دفعة واحدة ، لعدم تناهيها بل إنما ينتقش فيها الحوادث شيئا فشيئا ، وجملة فجملة مع أسبابها وعللها ، وربما حكمت بشيء باعتبار الاطلاع على بعض عللها ، ولم تطلع على ما يضادها ويمنع من تأثيرها ، فإذا اطلعت عليها رجعت عن ذلك الحكم كما إذا حصل لها العلم بموت زيد بمرض كذا في ليلة كذا لأسباب يقتضي ذلك ، ولم يحصل لها العلم بتصدقه الذي يأتي به قبيل ذلك ، لعدم اطلاعها على أسباب التصدق بعد ، ثم علم به ، وكان موته بتلك الأسباب مشروطا بأن لا
يتصدق فتحكم أولا بالموت وثانيا بالبرء ، وذلك لأن شأن النفوس أن يكون توجهها إلى بعض المعلومات يذهلها عن البعض الآخر ، وذلك هو البداء.
ثم إذا كانت الأسباب بوقوع أمر ولا وقوعه متكافئة ولم يحصل لها العلم برجحان أحدهما بعد كان لها التردد في وقوع ذلك الأمر ولا وقوعه ، وينتقش فيها الوقوع تارة واللاوقوع أخرى ، فهذا هو التردد.
ثم لما كانت أفعال الملائكة المسخرين وإرادتهم مستهلكة في فعله سبحانه وإرادته إذ لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، ومكتوبهم مكتوب الله بعد قضائه السابق المكتوب بقلمه الأول ، جاز أن يوصف الله سبحانه بالبداء والتردد وأمثالهما ، فلذا قال سبحانه : ما ترددت في شيء ، إلخ.
مع أنه عز وجل قد قضى عليه الموت قضاء حتما كما قال عز وجل : «ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ »(١) وقال : «وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ »(٢) .
وأقول : هذا بحسب آرائهم ومصطلحاتهم ، وقد مر تحقيق ذلك في باب البداء وقد مرت لتأويل هذا الحديث وجوه أخرى في باب الرضا بموهبة الإيمان.
ثم قالقدسسره : والجملة الاسمية يعني « أنا فاعله » نعت « شيء » واسم الفاعل فيها يجوز أن يكون بمعنى الحال أو الاستقبال « يكره الموت وأكره مساءته » جملة مستأنفة استينافا بيانيا كان سائلا يسأل ما سبب التردد؟ فأجيب بذلك ، ويحتمل الحالية من المؤمن والاستئناف أولى ، والمساءة على وزن سلامة مصدر ميمي من ساءه إذا فعل ما يكرهه.
وقال روح الله روحه : قد يتوهم المنافاة بين ما دل عليه هذا الحديث وأمثاله
__________________
(١) سورة الأنعام : ٢.
(٢) سورة الأعراف : ٣٢.
من أن المؤمن الخاص يكره الموت ويرغب في الحياة ، وبين ما ورد عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه ، فإنه يدل بظاهره على أن المؤمن الحقيقي لا يكره الموت بل يرغب فيه كما نقل عن أمير المؤمنينعليهالسلام أنه كان يقول : أن ابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه ، وأنه قال حين ضربه ابن ملجم عليه اللعنة : فزت ورب الكعبة.
وقد أجاب عنه شيخنا الشهيد في الذكرى فقال : إن حب لقاء الله غير مقيد بوقت فيحمل على حال الاحتضار ومعاينة ما يحب كما روينا عن الصادقعليهالسلام ورووه في الصحاح عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال : من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه ، قيل : يا رسول الله إنا لنكره الموت؟ فقال : ليس ذلك ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله وكرامته ، فليس شيء أحب إليه مما أمامه ، فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه ، وأن الكافر إذا احتضره يبشر بعذاب الله فليس شيء أكره إليه مما أمامه ، كره لقاء الله فكره الله لقاءه ، انتهى.
وقد يقال : إن الموت ليس نفس لقاء الله فكراهته من حيث الألم الحاصل منه لا يستلزم كراهة لقاء الله ، وهذا ظاهر ، وأيضا حب لقاء الله يوجب حب كثرة العمل الصالح النافع وقت لقائه ، وهو يستلزم كراهة الموت القاطع لها ، انتهى.
وأقول : أوردت وجوها أخرى في الكتاب الكبير ، وعسى أن يأتي بعضها في كتاب الجنائز إن شاء الله.
وقالرحمهالله في قوله سبحانه : وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الغني ، الصناعة النحوية تقتضي أن يكون الموصول اسم إن ، والجار والمجرور خبرها ، لكن لا يخفى أنه ليس الغرض الأخبار عن أن الذي لا يصلحه إلا الفقر بعض العباد إن لا فائدة فيه ، بل الغرض العكس ، فالأولى أن يجعل الظرف اسم إن والموصول خبرها وهذا وإن كان خلاف ما هو المتعارف بين القوم لكن جوز بعضهم مثله في قوله تعالى
«وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ »(١) .
قال المحقق الشريف في حواشي الكشاف عند تفسير هذه الآية : فإن قيل : لا فائدة في الإخبار بأن من يقول كذا وكذا من الناس؟ أجيب : بأن فائدته التنبيه على أن الصفات المذكورة تنافي النوع الإنساني ، فينبغي أن يجهل كون المتصف بها من الناس ويتعجب منه ، ورد بأن مثل هذا التركيب قد يأتي في مواضع لا يتأتى فيها مثل هذا الاعتبار ، ولا يقصد منها إلا الإخبار بأن من هذا الجنس طائفة متصفة بكذا ، كقوله تعالى : «مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ »(٢) .
فالأولى أن يجعل مضمون الجار والمجرور مبتدأ على معنى وبعض الناس ، أو بعض منهم من اتصف بما ذكر ، فيكون مناط الفائدة تلك الأوصاف ولا استبعاد في وقوع الظرف بتأويل معناه مبتدءا ، انتهى كلامه.
ثم لما كان مضمون هذا الخبر مظنة التردد والإنكار حسن فيه التأكيد ، فإن قلت : المخاطب هو النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو لا يتردد في أن أفعاله سبحانه مبنية على الحكم العميمة والمصالح العظيمة؟ قلت : أمثال هذه الخطابات من قبيل : « اسمعي يا جارة »(٣) وأكثر ما خاطب الله سبحانه الأنبياءصلىاللهعليهوآلهوسلم من هذا القبيل ولا ريب أن أكثر الخلق مترددون في مضمون ذلك الخبر بل ربما ينكره بعضهم.
__________________
(١) سورة البقرة : ٨.
(٢) سورة الأحزاب : ٢٣.
(٣) قد ورد عن المعصومينعليهمالسلام : « ان القرآن نزل باياك أعنى واسمعى يا جارة » وهذا مثل يضرب لمن يتكلم بكلام ويريد به شيئا غيره ، وقيل : ان اول من قال ذلك سهل بن مالك الفزارى ، ذكر قصته في مجمع الامثال ، وقال الطريحى هو مثل يراد به التعريض للشيء يعنى ان القرآن خوطب به النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لكن المراد به الأمة.
من لا يصلحه إلا الغنى ولو صرفته إلى غير ذلك لهلك وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا الفقر ولو صرفته إلى غير ذلك لهلك وما يتقرب إلي عبد من عبادي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه وإنه ليتقرب إلي بالنافلة حتى
« لو صرفته إلى غير ذلك لهلك » فصل هذه الجملة الشرطية عن جملة الصلة لأنها كاشفة ومبينة لها إذ كون هلاك دينه في الفقر مما يبين كون صلاحه في الغنى ، فبينهما كمال الاتصال ، وما مر في حديث آخر شبيه بهذا الخبر من عطف مثل هذه الشرطية على الصلة بالواو ، حيث قال :وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ، ولو أغنيته لأفسده ذلك ، فلملاحظة كون حصول الإفساد أمرا مغايرا لعدم الإصلاح وغير مندرج في جنسه ، وقد صرح علماء المعاني بأن الجملتين اللتين بينهما كمال الاتصال الموجب للفصل ربما يلاحظ بينهما الانقطاع بوجه من الوجوه ، فتعطف إحداهما على الأخرى لتوسطهما حينئذ بين كمال الاتصال وكمال الانقطاع.
ألا ترى إلى ما قالوه في قوله تعالى في سورة البقرة : «يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ »(١) وفي سورة إبراهيم «وَيُذَبِّحُونَ »(٢) بالواو من أن طرح الواو في الآية الأولى يجعل تذبيح الأبناء بيانا ليسومونكم وتفسيرا للعذاب ، وإثباتها في الآية الثانية لملاحظة كون التذبيح فوق العذاب المتعارف وزائدا عليه ، فكأنه جنس آخر غير مندرج فيه.
« وأنه ليتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه » النوافل جميع الأفعال الغير الواجبة وأما تخصيصها بالصلوات المندوبة فعرف طار ، ومعنى محبة الله سبحانه للعبد هو كشف الحجاب عن قلبه وتمكينه من أن يطأ على بساط قربه فإن ما يوصف به سبحانه إنما يؤخذ باعتبار الغايات لا باعتبار المبادئ ، وعلامة حبه سبحانه للعبد
__________________
(١) الآية : ٤٩.
(٢) الآية : ٦.
أحبه فإذا أحببته كنت إذا سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به ويده التي يبطش بها إن دعاني أجبته وإن سألني أعطيته
توفيقه للتجافي عن دار الغرور والترقي إلى عالم النور ، والأنس بالله والوحشة عما سواه ، وصيرورة جميع الهموم هما واحدا.
قال بعض العارفين : إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما أقامك.
« فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به » إلخ أقول : تمسك بعض الصوفية والاتحادية والحلولية والملاحدة بظواهر تلك العبارات وأعرضوا عن بواطن هذه الاستعارات فضلوا وأضلوا ، مع أن عقل جميع أرباب العقول يحكم باستحالة اتخاذ شيء مع أشياء كثيرة متباينة الحقائق مختلفة الآثار ، وأيضا ما ذكروه من الكفر الصريح لا اختصاص له بالمحبين والعارفين ، بل يحكمون باتحاده تعالى بجميع أصناف الموجودات حتى الكلاب والخنازير والقاذورات سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا.
فهذه الأخبار نافية لمذاهبهم الفاسدة الخبيثة لا مثبتة لها ، ولها عند أهل الإيمان وأصحاب البيان وأرباب اللسان معان واضحة ظاهرة تقبلها الأذهان ومبنية على مجازات واستعارات شائعة في الحديث والقرآن ، ومشتملة على نكأت بليغة استحسنها أرباب المعاني ، ولا تنافي عقائد أهل الإيمان ، وهي كثيرة نومئ هنا إلى بعضها.
الأول : ما ذكره الشيخ البهائيقدسسره وإن داهن في أول كلامه حيث قال : لأصحاب القلوب في هذا المقام كلمات سنية وإشارات سرية وتلويحات ذوقية تعطر مشام الأرواح وتحيي رميم الأشباح ، لا يهتدي إلى معناها ولا يطلع على مغراها إلا من أتعب بدنه في الرياضات وعنى نفسه بالمجاهدات حتى ذاق مشربهم وعرف مطلبهم ، وأما من لم يفهم تلك الرموز ولم يهتد إلى هاتيك الكنوز لعكوفه على الحظوظ الدنية وانهماكه في اللذات البدنية فهو عند سماع تلك الكلمات على خطر
عظيم من التردي في غياهب الإلحاد والوقوع في مهاوي الحلول والاتحاد ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، ونحن نتكلم في هذا المقام بما يسهل تناوله على الأفهام.
فنقول : هذا مبالغة في القرب وبيان لاستيلاء سلطان المحبة على ظاهر العبد وباطنه وسره وعلانيته ، فالمراد والله أعلم : إني إذا أحببت عبدي جذبته إلى محل الأنس وصرفته إلى عالم القدس وصيرت فكره مستغرقا في أسرار الملكوت وحواسه مقصورة على اجتلاء أنوار الجبروت ، فيثبت حينئذ في مقام القرب قدمه ويمتزج بالمحبة لحمه ودمه ، إلى أن يغيب عن نفسه ويذهل عن حسه فيتلاشى الأغيار في نظره حتى أكون له بمنزلة سمعه وبصره كما قال من قال :
جنوني فيك لا يخفى |
وناري منك لا تخبو |
|
فأنت السمع والأبصار |
والأركان والقلب |
وقالرحمهالله : « يبطش بها » بالكسر والضم أي يأخذ بها ، وأصل البطش الأخذ بالعنف والسطوة ، انتهى.
الثاني : ما قيل : المعنى أني إذا أحببته كنت كسمعه وبصره في سرعة الإجابة فقوله : إن دعاني أجبته ، إشارة إلى وجه التشبيه يعني إني أجيبه سريعا إن دعاني إلى مقاصده كما يجيبه سمعه عند إرادته سماع المسموعات ، وبصره عند إرادته أبصار المبصرات ، وهذا مثل قول الناس المعروف بينهم : فلان عيني ونور بصري ويدي وعضدي ، وإنما يريدون به التشبيه في معنى من المعاني المناسبة للمقام ، ويسمون هذا تشبيها بليغا بحذف الأداة مثل زيد أسد.
الثالث : أن المعنى أنه تعالى هو المطلوب لهذا العبد عند سمعه للمسموعات وبصره للمبصرات وهكذا ، يعني مني يسمع المسموعات وبها يرجع إلى ، والمقصود أنه يبتدئ بي في سماع المسموعات وينتهي إلى ، فلا يصرف شيئا من جوارحه فيما ليس فيه رضاي ، وإليه أشار بعضهم بقوله : ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله قبله أو
بعده أو معه.
وأقول : على هذا يرجع الحمل إلى المبالغة في السببية أو الغائية ، ويؤيده ما ورد في رواية أخرى فبي يسمع وبي يبصر وبي يمشي وبي ينطق.
الرابع : أنه لكثرة تخلقه بأخلاق ربه ووفور حبه لجناب قدسه تخلى عن محبته وإرادته ، فلا يسمع إلا ما يحبه تعالى ، ولا ينظر إلا إلى ما يحبه تعالى ، ولا يبطش إلا إلى ما يوصل إلى قربه سبحانه ، وقريب منه ما قيل : لا يسمع إلا بحق وإلى حق ولا ينظر إلا بحق وإلى حق ، ولا يبطش إلا بإذن الحق ولا يمشي إلا إلى ما يرضى به الحق وهو المحق الولي والمؤمن حقا الذي انزاح عنه كل باطل وصار واقفا مع الحق ، وهو قريب من الوجه الثالث.
الخامس : ما ظهر لي في بعض المقامات وهو أظهر عندي من سائر الوجوه ، وتفصيله يحتاج إلى بسط وسيع في الكلام لا يسعه هذا المقام ، ومحصله أنه سبحانه أودع في بدن الإنسان وقلبه وروحه قوي ضعيفة هي في معرض الانحلال والاختلال والانقضاء والفناء ، فإذا اكتفي بها وصرفها في شهوات النفس والهوى تفنى كلها ، ولا يبقى معه شيء منها ومن ثمراتها إلا الحسرة والندامة ، وإذا استعملها في طاعة ربه وصرفها في طاعة محبوبة أبدله الله خيرا منها ، وأقوى وأبقى تكون معه في الدنيا والعقبى ، لقوله تعالى : «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ »(١) فمنها قوة السمع إذا بذلها في طاعة النفس والشيطان ، وما يلهى عن الرحمن ، بطل سمعهم الروحاني وهذا السمع الجسماني في معرض الفناء ولذا قال سبحانه فيهم : «أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً »(٢) .
فهم صم بكم عمي في الدنيا والآخرة ، فمثلهم كمثل الذي ينعق بما لا يسمع
__________________
(١) سورة إبراهيم : ٧.
(٢) سورة الفرقان : ٤٤.
إلا دعاء ونداءا فهم في الدنيا أيضا كذلك ، فإذا بطل بالموت حسهم لم يبق لهم إلا الضلال والوبال ، وإذا صرفها في طاعة ربه أبدله الله سمعا كاملا روحانيا لا يذهب بالصمم ولا بالموت ، فهو يسمع كلام الملائكة ويصغي إلى خطاب الرب تعالى في الآخرة والأولى ، ويفهم كلام الله وكلام الأنبياء والأوصياءعليهمالسلام ، فما منحه الله تعالى سمع قلبي روحاني لا يضعف بضعف البدن ولا يذهب بالموت ، وبه يسمع في القبر الخطاب ويعد الجواب ، ويناديهم الحبيب كما نادى الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم أهل القليب.
وكذا أودع الله سبحانه حسا ضعيفا في البصر فإذا صرفه في مشتهيات نفسه ذهب الله بنوره وأعمى عين قلبه فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا ، وإذا بذله في طاعة ربه نور الله عين قلبه وأعطى بصره نورا أعلى وأقوى فيه ينظر إلى الملكوت الأعلى ويتوسم في وجوه الخلق ما لا يعرف غيره ، ويرى الملائكة الروحانيين كما قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ، وقال تعالى : «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ »(١) .
وكذا قوة البطش البدنية إذا صرفها في طاعة الله وقربه ونهكها بالرياضات الحقة أعطاه الله قوة روحانية لا تضعف بالأمراض ، ولا تذهب بالموت فيها يقدر على التصرف في عالم الملك والملكوت ، كما قال أمير المؤمنينعليهالسلام : ما قلعت باب خيبر بقوة جسمانية بل بقوة ربانية.
وكذا النطق إذا صدق فيه وكان موافقا لعمله ومصادفا لرضا ربه فتح الله به ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه فظهر معنى قوله سبحانه : كنت سمعه وبصره ، وغير ذلك على ألطف الوجوه لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
السادس : ما هو أرفع وأوقع وأحلى وأدق وألطف وأخفى مما مضى ، وهو أن العارف لما تخلى من شهواته وإرادته وتجلى محبة الحق على عقله وروحه ومسامعه
__________________
(١) سورة الحجر : ٧٥.
ومشاعره وفوض جميع أموره إليه وسلم ورضي بكل ما قضى ربه عليه يصير الرب سبحانه متصرفا في عقله وقلبه وقواه ، ويدبر أموره على ما يحبه ويرضاه ، فيريد الأشياء بمشية مولاه كما قال سبحانه مخاطبا لهم : «وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللهُ »(١) كما ورد في تأويل هذه الآية في غوامض الأخبار عن معادن الحكم والأسرار والأئمة الأخيار.
وروي عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.
وكذلك يتصرف ربه الأعلى منه في سائر الجوارح والقوي ، كما قال سبحانه مخاطبا لنبيه المصطفى : «وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى »(٢) وقال تعالى : «إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ »(٣) فلذلك صارت طاعتهم طاعة الله ومعصيتهم معصية الله ، فاتضح بذلك معنى قوله تعالى : كنت سمعه وبصره وأنه به يسمع ويبصر فكذا سائر المشاعر تدرك بنوره وتنويره ، وسائر الجوارح تتحرك بتيسيره وتدبيره ، كما قال تعالى : «فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى »(٤) .
وقريب منه ما ذكره الحكماء في اتصال النفس بالعقول المفارقة ، والأنوار المجردة على زعمهم حيث قالوا : قد تصير النفس لشدة اتصالها بالعقل الفعال بحيث يصير العقل بمنزلة الروح للنفس ، والنفس بمنزلة البدن للعقل ، فيلاحظ المعقولات في لوح العقل ويدبر العقل نفسه كتدبير النفس للبدن ، ولذا يظهر منه الغرائب التي يعجز عنها سائر الناس كإحياء الموتى وشق القمر وأمثالهما.
قال صاحب الشجرة الإلهية : كما أن في النفس في حال التعلق بالبدن تتوهم أنها هي البدن أو أنها فيه وإن لم تكن هو ولا فيه ، فكذلك النفس الكاملة إذا
__________________
(١) سورة الإنسان : ٣٠.
(٢) سورة الأنفال : ١٧.
(٣) سورة الفتح : ١٠.
(٤) سورة الليل : ٧.
فارقت البدن وقطعت تعلقها من شدة قوتها ونوريتها وعلاقتها العشقية مع نور الأنوار والأنوار العقلية ، تتوهم أنها هي فتصير الأنوار مظاهرا لنفوس المفارقة كما كانت الأبدان أيضا ، فهذا هو معنى الاتحاد لا بمعنى صيرورة الشيئين شيئا واحدا فإنه باطل ، انتهى.
وما ذكرنا أوفق بالكتاب والسنة وأنسب بالحق ومصطلحات أهله ولا يتوقف على إثبات ما نفته الشريعة من العقول المفارقة القديمة وغيرها ، وكثيرا ما يشتبه الحق بالباطل كما اشتبه على كثير من الأوائل.
قال المحقق الطوسي قدس الله روحه القدوسي : العارف إذا انقطع عن نفسه واتصل بالحق رأى كل قدرة مستغرقة في قدرته المتعلقة بجميع المقدورات ، وكل علم مستغرقا في علمه الذي لا يعزب عنه شيء من الموجودات ، وكل إرادة مستغرقة في إرادته التي لا يتأبى عنها شيء من الممكنات ، بل كل وجود وكل كمال وجود فهو صادر عنه فائض من لدنه.
فصار الحق حينئذ بصره الذي يبصر به ، وسمعه الذي به يسمع ، وقدرته التي بها يفعل ، وعلمه الذي به يعلم ، وجوده الذي به يجود ، فصار العارف حينئذ متخلقا بأخلاق الله في الحقيقة.
وقال بعض المحققين في شرح هذا الخبر أيضا : معنى محبة الله كشفه الحجاب عن قلبه وتمكينه إياه من قربه ، ومعنى المحبة من العبد ميل نفسه إلى الشيء لكمال إدراكه فيه بحيث يحملها على ما يقربها إليه ، فإذا علم العبد أن الكمال الحقيقي ليس إلا لله ، وأن كل ما يراه كمالا من نفسه أو من غيره فهو من الله وبالله وإلى الله لم يكن حبه إلا لله وفي الله ، وذلك يقتضي إرادة طاعته والرغبة فيما يقربه إليه واتباعه من كان وسيلة له إلى معرفته ومحبته ، قال الله تعالى لرسوله : «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ »(١) فإن بمتابعة الرسول في عبادته
__________________
(١) سورة آل عمران : ٣١.
وسيرته وأخلاقه وأحواله ونوافله ، يحصل القرب إلى الله ، وبالقرب يحصل محبة الله إياه.
وقال بعض العارفين بزعمه : إذا تجلى الله سبحانه بذاته لأحد يرى كل الذوات والصفات والأفعال متلاشية في أشعة ذاته وصفاته وأفعاله ، ويجد نفسه مع جميع المخلوقات كأنها مدبرة لها وهي أعضاؤها ولا يلم بواحد منها شيء إلا ويراه ملما به ، ويرى ذاته الذات الواحدة ، وصفته صفتها ، وفعله فعلها لاستهلاكه بالكلية في عين التوحيد ، وليس للإنسان وراء هذه الرتبة مقام في التوحيد.
ولما انجذب بصيرة الروح إلى مشاهدة جمال الذات استتر نور العقل الفارق بين الأشياء في غلبة نور الذات القديمة ، وارتفع التميز بين القدم والحدوث لزهوق الباطل عند مجيء الحق.
وقيل : إلى هذا المعنى يشير ما ورد في الحديث النبوي : علي ممسوس في ذات الله ، ولعل هذا هو السر في صدور بعض الكلمات الغريبة من مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام في خطبة البيان وأمثالها ، انتهى.
وأقول : الاكتفاء بما أسلفنا وأومأنا وترك الخوض في تلك المسالك الخطيرة أولى وأحوط وأحرى والله الموفق للهدي.
فائدة
قال في المصباح المنير : الأعضاء ثلاثة أقسام : الأول يذكر ولا يؤنث ، والثاني يؤنث ولا يذكر ، والثالث جواز الأمرين ، فعد من الأول الروح على الأشهر والوجه والرأس والحلق والشعر وقصاصه ، والفم والحاجب والصدغ والصدر واليافوخ واللحى والذهن والبطن والقلب والطحال والخصر والحشا والظهر والمرفق والزند والظفر والثدي والعصعص ، وكل اسم للفرج من الذكر والأنثى ، والكوع والكرسوع وشفر العين والجفن والهدب ، والحجارة والمأق والنخاع والمصير والناب والضرس
٩ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن بعض أصحابه ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال من استذل مؤمنا واستحقره لقلة ذات يده ولفقره شهره الله يوم القيامة على رءوس الخلائق.
١٠ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن معاوية ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لقد أسرى ربي بي فأوحى إلي من وراء الحجاب ما أوحى وشافهني إلى أن قال لي يا محمد من أذل لي وليا فقد أرصدني
والناجذ والضاحك والعارض واللسان وربما أنث.
وعد من الثاني العين ، وأول ما وقع فيه التذكير في الاستعمالات بوجوه ، والأذن والكبد والإصبع والعقب والساق والفخذ واليد والرجل والقدم والكف والضلع والذراع والسن.
وكذلك السن من الكبر والورك والأنملة واليمين والشمال والكرش.
وعد من الثالث العنق والعاتق والمعي والتذكير أكثر ، والإبط والعضد والعجز والنفس إن أريد بها الروح ، وإن أريد بها الإنسان نفسه فمذكر.
وطباع الإنسان التأنيث فيه أكثر ، ورحم المرأة مذكر ، وحكي فيه التأنيث ورحم القرابة أنثى وقد يذكر ، والذراع أنثى وقد تذكر.
الحديث التاسع : حسن كالصحيح.
« لقلة ذات يده » أي ما في يده من المال كناية عن فقره« شهره الله » على بناء المجرد أو التفعيل ، أي جعل له علامة سوء يعرفه جميع الخلائق بها أنه من أهل العقوبة فيفتضح بذلك في المحشر ، ويذل كما أذل المؤمن في الدنيا ، في القاموس :استذله رآه ذليلا ، وقال : الشهرة بالضم ظهور الشيء في شنعة ، شهره كمنعه وشهره واشتهره فاشتهر« على رؤوس الخلائق » أي على وجه يطلع عليه جميع الخلائق كأنه فوق رؤوسهم.
الحديث العاشر : صحيح.
« من وراء الحجاب » كان المراد بالحجاب الحجاب المعنوي ، وهو إمكان
بالمحاربة ومن حاربني حاربته قلت يا رب ومن وليك هذا فقد علمت أن من حاربك حاربته قال لي ذاك من أخذت ميثاقه لك ولوصيك ولذريتكما بالولاية.
١١ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن ابن مسكان ، عن معلى بن خنيس ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال الله عز وجل من استذل عبدي المؤمن فقد بارزني بالمحاربة وما ترددت في شيء أنا فاعله كترددي في عبدي المؤمن إني أحب لقاءه فيكره الموت فأصرفه عنه ـ وإنه ليدعوني في الأمر
العبد المانع لأن يصل العبد إلى حقيقة الربوبية ، أو كان خلق الصوت أولا من وراء حجاب ثم ظهر الصوت في الجانب الذي هو صلى الله عليه فيه ، وهو المراد بالمشافهة.
وفي بعض النسخ :فشافهني ، فيمكن أن يكون الفاء للتفسير وللترتيب المعنوي فكلاهما كان بالمشافهة ، والمراد بها عدم توسط الملك ، وقيل : المراد بالحجاب الملك وبالمشافهة ما كان بدون توسط الملك ، وفي القاموس : شافهه أدنى شفته من شفته ، وفي الصحاح : المشافهة المخاطبة من فيك إلى فيه.
قوله : إلى أن قال ، في بعض النسخ : فشافهني أن قال ، فكلمة « أن » مصدرية والتقدير بأن قال« فقد علمت » الفاء للبيان من أخذت كان المراد به الأخذ مع القبول.
الحديث الحادي عشر : مختلف فيه.
« فأصرفه عنه » أي فاصرف الموت عنه بتأخير أجله ، وقيل : أصرف كراهة الموت عنه بإظهار اللطف والكرامة والبشارة بالجنةفاستجيب له بما هو خير له أي بفعل ما خير له من الذي طلبه ، وإنما سماه استجابة لأنه يطلب الأمر لزعمه أنه خير له ، فهو في الحقيقة يطلب الخير ويخطأ في تعيينه ، وفي الآخرة يعلم أن ما أعطاه خير له مما طلبه ، كما إذا طلب الصبي المريض ما هو سبب لهلاكه فيمنعه
فأستجيب له بما هو خير له.
( باب )
(من طلب عثرات المؤمنين وعوراتهم )
١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن سنان ، عن إبراهيم والفضل ابني يزيد الأشعري ، عن عبد الله بن بكير ، عن زرارة ، عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهالسلام قالا أقرب ما يكون العبد إلى الكفر أن يواخي الرجل على
والده ويعطيه دنانير فإذا كبر وعقل علم أن ما أعطاه خير مما منعه ، فكأنه استجاب له على أحسن الوجوه.
ويحتمل أن يكون المعنى : استجيب له بما أعلم أنه خير له ، إما بإعطاء المسؤول أو بدله في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما.
باب من طلب عثرات المؤمنين وعوراتهم
الحديث الأول : ضعيف على المشهور.
« وأقرب » مبتدأ« وما » مصدرية ويكون من الأفعال التامة وإلى متعلق بأقرب ، وأن فيقوله : أن يؤاخي مصدرية ، وهو في موضع ظرف الزمان مثل رأيته مجيء الحاج ، وهو خبر المبتدأ ، والعثرة الكبوة في المشي أستعير للذنب مطلقا أو الخطإ منه ، وقريب منهالزلة ، ويمكن تخصيص إحداهما بالذنوب والأخرى بمخالفة العادات والآداب ، والتعنيف التعيير واللوم ، وهذا من أعظم الخيانة في الصداقة والأخوة.
ولذا قال بعض العارفين : لا بد من أن تأخذ صديقا معتمدا موافقا مأمونا شره ولا يحصل ذلك إلا بعد اعتبارك إياه قبل الصداقة آونة من الزمان في جميع أقواله وأفعاله مع بني نوعه ، ومع ذلك لا بد بعد الصداقة من أن تخفى كثيرا من أحوالك وأسرارك منه ، فإنه ليس بمعصوم فلعل بعد المفارقة منك لأمر قليل يوجب زوال
الدين فيحصي عليه عثراته وزلاته ليعنفه بها يوما ما.
٢ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن النعمان ، عن إسحاق بن عمار قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله يا معشر من أسلم بلسانه ولم يخلص الإيمان إلى قلبه لا تذموا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من
الصداقة يعنفك بأمر تكرهه.
والمراد بإحصاء العثرات والزلات حفظها وضبطها في الخاطر أو الدفاتر ليعيره بها يوما من الأيام ، ويفهم منه أن كمال قربه من الكفر بمجرد الإحصاء بهذا القصد وإن لم يقع منه ، وقيل : وجه قربه من الكفر أن ذلك منه باعتبار عدم استقرار إيمانه في قلبه ، أو المراد بالكفر كفر نعمة الأخوة ، فهو مع هذا القصد قريب من الكفر بوقوع التعنيف ، بل ينبغي للأخ في الله إذا عرف من أخيه عثرة أن ينظر أولا إلى عثرات نفسه ويطهر نفسه عنها ، ثم ينصح أخاه بالرفق واللطف والشفقة ليترك تلك العثرات ، وتكمل الأخوة والصداقة.
ويمكن أن يكون المراد بتلك العثرات ما ينافي حسن الصحبة والعشرة ، وأما ما ينافي الدين من الذنوب فلا يعنفه على رؤوس الخلائق ، ولكن يجب عليه من باب النهي عن المنكر زجره عنها على الشروط والتفاصيل التي سنذكرها في محلها إن شاء الله تعالى.
الحديث الثاني : موثق وسنده الثاني ضعيف.
والمعشر الجماعة من الناس والجمع معاشر والإضافة من قبيل إضافة متعدد إلى جنسها ، وخلص إليه الشيء كنصر وصل ، وفيه دلالة على أن من أصر على المعاصي فهو كالمنافقين الذين قال الله تعالى فيهم : «قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ »(١) إذ لو دخل الإيمان قلبه واستقر فيه ظهرت آثاره في جوارحه وإن أمكن أن يكون الخطاب للمنافقين الذين كانوا
__________________
(١) سورة الحجرات : ١٤.
تتبع عوراتهم تتبع الله عورته ومن تتبع الله تعالى عورته يفضحه ولو في بيته.
عنه ، عن علي بن النعمان ، عن أبي الجارود ، عن أبي جعفرعليهالسلام مثله.
٣ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن علي بن الحكم ، عن عبد الله بن بكير ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال إن أقرب ما يكون العبد إلى الكفر أن يواخي الرجل الرجل على الدين فيحصي عليه عثراته وزلاته ليعنفه بها يوما ما.
٤ ـ عنه ، عن الحجال ، عن عاصم بن حميد ، عن أبي بصير ، عن أبي جعفرعليهالسلام
بين المسلمين وكانوا يؤذونهم ويتتبعون عثراتهم ، وقوله : ولا تتبعوا من باب التفعل بحذف إحدى التائين ، في المصباح تتبعت أحواله والمراد بتتبع الله سبحانه عورته منع لطفه وكشف ستره ، ومنع الملائكة عن ستر ذنوبه وعيوبه فهو يفتضح في السماء والأرض ، ولو أخفاها وفعلها في جوف بيته واهتم بإخفائها ، أو المعنى ولو كانت فضيحته عند أهل بيته والأول أظهر.
وروى الشيخ المفيد (ره) في الاختصاص بإسناده عن الصادقعليهالسلام أن لله تبارك وتعالى على عبده أربعين جنة فمن أذنب ذنبا كبيرا رفع عنه جنة فإذا عاب أخاه المؤمن بشيء يعلمه منه انكشفت تلك الجنن عنه ، ويبقى مهتوك الستر فيفتضح في السماء على ألسنة الملائكة ، وفي الأرض على ألسنة الناس ، ولا يرتكب ذنبا إلا ذكروه ، وتقول الملائكة الموكلون به : يا ربنا بقي عبدك مهتوك الستر وقد أمرتنا بحفظه؟ فيقول عز وجل : ملائكتي لو أردت بهذا العبد خيرا ما فضحته فارفعوا أجنحتكم عنه ، فو عزتي لا يألو بعدها إلى خيرا أبدا.
الحديث الثالث : موثق كالصحيح لإجماع العصابة على ابن بكير ، وذكر الرجل أولا من قبيل وضع الظاهر موضع المضمر.
الحديث الرابع : صحيح.
قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله يا معشر من أسلم بلسانه ولم يسلم بقلبه لا تتبعوا عثرات المسلمين فإنه من تتبع عثرات المسلمين تتبع الله عثرته ومن تتبع الله عثرته يفضحه.
٥ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن علي بن إسماعيل ، عن ابن مسكان ، عن محمد بن مسلم أو الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لا تطلبوا عثرات المؤمنين فإن من تتبع عثرات أخيه تتبع الله عثراته ومن تتبع الله عثراته يفضحه ولو في جوف بيته.
٦ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن ابن فضال ، عن ابن بكير ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال أقرب ما يكون العبد إلى الكفر أن
وقد مر مثله ، وفي أكثر النسخ فيه وفيما مر وسيأتي يتبع فهو كيعلم أو على بناء الافتعال استعمل في التتبع مجازا أو على التفعيل وكأنه من النساخ وفي أكثر نسخ الحديث على التفعل ، في القاموستبعه كفرح مشى خلفه ومر به فمضى معه ، وأتبعتهم تبعتهم ، وذلك إذا كانوا سبقوك فلحقتهم ، والتتبيع التتبع والاتباع كالتبع والتباع بالكسر الولاء ، وتتبعه تطلبه ، وفي الصحاح : تبعت القوم تبعا وتباعة بالفتح إذا مشيت خلفهم أو مروا بك فمضيت معهم ، وكذلك اتبعتهم وهو افتعلت وأتبعت القوم على أفعلت إذا كانوا قد سبقوك فلحقتهم ، وأتبعت أيضا غيري يقال : أتبعته الشيء فتبعه.
قال الأخفش : تبعته وأتبعته أيضا بمعنى مثل ردفته وأردفته ، ومنه قوله تعالى «فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ »(١) وتابعته على كذا متابعة والتباع الولاء وتتبعت الشيء تتبعا أي تطلبته متبعا له وكذلك تبعته تتبيعا.
الحديث الخامس : حسن كالصحيح.
الحديث السادس : موثق كالصحيح ، وقد مر سندا ومتنا بأدنى تغيير في المتن
__________________
(١) سورة الصافّات : ١٠.
يواخي الرجل الرجل على الدين فيحصي عليه زلاته ليعيره بها يوما ما.
٧ ـ عنه ، عن ابن فضال ، عن ابن بكير ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال أبعد ما يكون العبد من الله أن يكون الرجل يواخي الرجل وهو يحفظ [ عليه ] زلاته ليعيره بها يوما ما.
(باب التعيير )
١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن الحسين بن عثمان ، عن رجل ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال من أنب مؤمنا أنبه الله في الدنيا والآخرة.
ومثله من المصنف غريب.
الحديث السابع : كالسابق.
ويقالعيرته كذا وبكذا إذا قبحته عليه ونسبته إليه يتعدى بنفسه وبالباء وكان المراد الأبعدية بالنسبة إلى ما لا يؤدى إلى الكفر ، فلا ينافي قولهعليهالسلام أقرب ما يكون العبد إلى الكفر.
باب التعيير
الحديث الأول : مرسل كالحسن.
وقال الجوهري :أنبه تأنيبا عنفه ولامه ، وتأنيبه عز وجل إما على الحقيقة ففي الآخرة ظاهر وفي الدنيا وإن لم يسمع لكن يفتضح عند الملإ الأعلى ، ويعلمه بأخبار المخبر الصادق وأمثال ذلك من نداء الله تعالى مع عدم سماعه كثيرة ، والكل محمول على ذلك ، وإما المراد به إفشاء عيوبه وابتلاؤه بمثله في الدنيا وعقابه على التأنيب في الآخرة على المشاكلة أو تسمية المسبب باسم السبب.
٢ ـ عنه ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن إسماعيل بن عمار ، عن إسحاق بن عمار ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله من أذاع فاحشة كان كمبتدئها ومن عير مؤمنا بشيء لم يمت حتى يركبه.
الحديث الثاني : حسن موثق كالصحيح.
والفاحشة كل ما نهى الله عز وجل عنه ، وربما يخص بما يشتد قبحه من الذنوب« كان كمبتدئها » أي فاعلها وإنما عبر عنه
بالمبتدء لأن المذيع كالفاعل فهو بالنسبة إليه مبتدأ ويحتمل أن يكون المراد بالفاحشة البدعة القبيحة والمعنى من عمل بها وأفشاها بين الناس كان عليه كوزر من ابتدعها أولا ، وهذا بالنظر إلى الابتداء أظهر كالأول بالنسبة إلى الإذاعة ، في القاموس : بدأ به كمنع ابتداء والشيء فعله ابتداء كأبدأه وابتدأه.
وقد يقال : هذا الوعيد إنما هو في ذوي الهيئات الحسنة وفيمن لم يعرف باذية ولا فساد في الأرض ، وأما المولعين بذلك الذين ستروا غير مرة فلم يكفوا فلا يبعد القول بكشفهم لأن الستر عليهم من المعاونة على المعاصي وستر من يندب إلى سترة إنما هو في معصية مضت ، وأما معصية هو متلبس بها فلا يبعد القول بوجوب المبادرة إلى إنكارها والمنع منها لمن قدر عليه ، فإن لم يقدر رفع إلى والي الأمر ما لم يؤد إلى مفسدة أشد ، وأما جرح الشاهد والراوي والأمناء على الأوقاف والصدقات وأموال الأيتام فيجب الجرح عند الحاجة إليه لأنه تترتب عليه أحكام شرعية ، ولو رفع إلى الإمام ما يندب الستر فيه لم يأثم إذا كانت نيته رفع معصية الله تعالى لا كشف ستره.
وجرح الشاهد إنما هو عند طلب ذلك منه أو يرى حاكما يحكم بشهادته وقد علم منه ما يبطلها ، فلا يبعد القول بحسن رفعه وسيأتي تمام القول في الباب الآتي إن شاء الله تعالى.
٣ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن ابن محبوب ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال من عير مؤمنا بذنب لم يمت حتى يركبه.
٤ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن ابن فضال ، عن حسين بن عمر بن سليمان ، عن معاوية بن عمار ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال من لقي أخاه بما يؤنبه أنبه الله في الدنيا والآخرة.
الحديث الثالث : صحيح.
وفي القاموس :ركب الذنب اقترفه كارتكبه ، ويدل على أنه لا ينبغي تعيير مؤمن بشيء وإن كان معصية سيما على رؤوس الخلائق ، ولا ينافي وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لأن المطلوب منهما النصح لا التأنيب إلا إذا علم أنه لا تنفعه فيلزم التشدد عليه على الترتيب الذي سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.
الحديث الرابع : مجهولبحسين بن عمرو وفي أكثر نسخ الرجال ابن سلمان وفي بعضها ابن سليمان.
« بما يؤنبه » كان كلمة « ما » مصدرية فالمستتر في يؤنبه راجع إلى « من » ويحتمل أن تكون موصولة فيحتمل إرجاع المستتر إلى « من » أيضا بتقدير العائد أي بما يؤنبه به ، أو إلى « ما » ففي الإسناد تجوز.
(باب )
(الغيبة والبهت )
١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله الغيبة أسرع في دين الرجل المسلم من الأكلة في جوفه.
قال وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله الجلوس في المسجد انتظار الصلاة عبادة ما لم يحدث قيل يا رسول الله وما يحدث قال الاغتياب.
باب الغيبة والبهت
الحديث الأول : ضعيف على المشهور.
والأكلة كفرحة داء في العضو يأتكل منه كما في القاموس وغيره ، وقد يقرأ بمد الهمزة على وزن فاعلة أي العلة التي تأكل اللحم والأول أوفق باللغة ، وقوله أسرع في دين الرجل ، أي في ضرره وإفنائه.
وقيل : الأكلة بالضم اللقمة وكفرحة داء في العضو يأتكل منه ، وكلاهما محتملان إلا أن ذكر الجوف يؤيد الأول وإرادة الإفناء والإذهاب يؤيد الثاني ، والأول أقرب وأصوب ولتشبيه الغيبة بأكل اللقمة أنسب لأن الله سبحانه شبهها بأكل اللحم ، انتهى.
وكان الثاني أظهر والتخصيص بالجوف لأنه أضر وأسرع في قتله ، وفي التأييد الذي ذكره نظر والمستتر فيقوله : ما لم يحدث ، راجع إلى الجالس المفهوم من الجلوس ، وهو على بناء الأفعال والاغتياب منصوب ، وقال الجوهري :اغتابه اغتيابا إذا وقع فيه ، والاسم الغيبة ، وهو أن يتكلم خلف إنسان مستور بما يغمه لو سمعه ، فإن كان صدقا سمي غيبة ، وإن كان كذبا سمي بهتانا.
أقول : هذا بحسب اللغة وأما بحسب عرف الشرع فهو ذكر الإنسان المعين
أو من هو بحكمه في غيبته بما يكره نسبته إليه وهو حاصل فيه ، ويعد نقصا في العرف ، بقصد الانتقاص والذم قولا أو إشارة أو كناية ، تعريضا أو تصريحا ، فلا غيبة في غير معين كواحد مبهم غير محصور كأحد أهل البلد.
وقال الشيخ البهائيقدسسره : وبحكمه لإدراج المبهم من محصور كأحد قاضي البلد فاسق مثلا ، فإن الظاهر أنه غيبة ولم أجد أحدا تعرض له انتهى.
وقولنا : في غيبته لإخراج ما إذا كان في حضوره لأنه ليس بغيبة وإن كان إثما لإيذائه إلا بقصد الوعظ والنصيحة ، والتعريض حينئذ أولى إن نفع.
وقولنا : بما يكره لإخراج غيبة من لا يكره نسبة الفسق ونحوه إليه ، بل ربما يفرح بذلك ويعده كمالا.
وقولنا : وهو حاصل فيه لإخراج التهمة وإن كانت أشد.
وقولنا : ويعد نقصا لإخراج العيوب الشائعة التي لا تعد في العرف نقصا ، وفي الفسوق الشائعة التي لا يعدها أكثر الناس نقصا مع كونها مخفية وعدم مبالاته بذكرها وعدم عد أكثر الناس نقصا لشيوعها ، ففيه إشكال والأحوط ترك ذكرها وإن كان ظاهر الأصحاب جوازه.
وقولنا : بقصد الانتقاص لخروج ما إذا كان للطبيب لقصد العلاج ، وللسلطان للترحم أو للنهي عن المنكر.
وقال الشهيد الثاني رفع الله درجته : وأما في الاصطلاح فلها تعريفان أحدهما مشهور وهو ذكر الإنسان حال غيبته بما يكره نسبته إليه مما يعد نقصانا في العرف بقصد الانتقاص والذم ، واحترز بالقيد الأخير وهو قصد الانتقاص عن ذكر العيب للطبيب مثلا أو لاستدعاء الرحمة من السلطان في حق الزمن والأعمى بذكر نقصانهما
ويمكن الغناء عنه بقيد كراهة نسبته إليه ، والثاني التنبيه على ما يكره نسبته إليه إلى آخره ، وهو أعم من الأول لشمول مورده اللسان والإشارة والحكاية وغيرها ، وهو أولى لما سيأتي من عدم قصر الغيبة على اللسان وقد جاء على المشهور قول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : هل تدرون ما الغيبة؟ فقالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : ذكرك أخاك بما يكره ، قيل : أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال : إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته.
وتحريم الغيبة في الجملة إجماعي بل هو كبيرة موبقة للتصريح بالتوعد عليها بالخصوص في الكتاب والسنة ، وقد نص الله على ذمها في كتابه وشبه صاحبها بأكل لحم الميتة فقال : «وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ »(١) .
وعن جابر وأبي سعيد الخدري قالا : قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : إياكم والغيبة فإن الغيبة أشد من الزنا ، إن الرجل قد يزني ويتوب فيتوب الله عليه ، وأن الغيبة لا يغفر له حتى يغفر له صاحبه.
وعن أنس قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : مررت ليلة أسري بي على قوم يخمشون وجوههم بأظافيرهم ، فقلت : يا جبرئيل من هؤلاء؟ قال : هؤلاء الذين يغتابون الناس ويقعون في أعراضهم.
وعنه قال : خطبنا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : فذكر الربا وعظم شأنه ، فقال : إن الدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم عند الله في الخطيئة من ست وثلاثين زنية يزنيها الرجل ، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم.
وأوحى الله عز وجل إلى موسى بن عمرانعليهالسلام أن المغتاب إذا تاب فهو
__________________
(١) سورة الحجرات : ١٢.
آخر من يدخل الجنة ، وإن لم يتب فهو أول من يدخل النار.
وروي أن عيسىعليهالسلام مر والحواريون على جيفة كلب ، فقال الحواريون :
ما أنتن ريح هذا؟ فقال عيسىعليهالسلام : ما أشد بياض أسنانه ، كأنه ينهاهمعليهالسلام عن غيبة الكلب وينبههم على أنه لا يذكر من خلق الله إلا أحسنه.
وقيل في تفسير قوله تعالى : «وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ » الهمزة الطعان في الناس واللمزة الذي يأكل لحوم الناس.
وقال بعضهم : أدركنا السلف لا يرون العبادة في الصوم ولا في الصلاة ، ولكن في الكف عن أعراض الناس.
واعلم أن السبب الموجب للتشديد في أمر الغيبة وجعلها أعظم من كثير من المعاصي الكثيرة هو اشتمالها على المفاسد الكلية المنافية لغرض الحكيم سبحانه ، بخلاف باقي المعاصي ، فإنها مستلزمة لمفاسد جزئية ، بيان ذلك أن المقاصد المهمة للشارع اجتماع النفوس على هم واحد وطريقة واحدة ، وهي سلوك سبيل الله بسائر وجوه الأوامر والنواهي ، ولا يتم ذلك إلا بالتعاون والتعاضد بين أبناء النوع الإنساني وذلك يتوقف على اجتماع هممهم وتصافي بواطنهم واجتماعهم على الألفة والمحبة حتى يكونوا بمنزلة عبد واحد في طاعة مولاه ، ولن يتم ذلك إلا بنفي الضغائن والأحقاد والحسد ونحوه ، وكانت الغيبة من كل منهم لأخيه مثيرة لضغنه ومستدعية منه لمثلها في حقه لا جرم ، وكانت ضد المقصود الكلي للشارع ، وكانت مفسدة كلية ولذلك أكثر الله ورسوله النهي عنها والوعيد عليها وبالله التوفيق.
ثم قالقدسسره في ذكر أقسامها : لما عرفت أن المراد منها ذكر أخيك بما يكرهه منه لو بلغه ، أو الإعلام به أو التنبيه عليه كان ذلك شاملا لما يتعلق بنقصان في بدنه أو نسبه أو خلقه أو فعله أو قوله أو دينه أو دنياه ، حتى في ثوبه وداره.
وقد أشار الصادقعليهالسلام إلى ذلك أي في مصباح الشريعة بقوله : وجوه الغيبة تقع بذكر عيب في الخلق والفعل والمعاملة والمذهب والجهل وأشباهه ، فالبدن كذكرك فيه العمش والحول والعور والقرع والقصر والطول والسواد والصفرة ، وجميع ما يتصور أن يوصف به مما يكرهه.
وأما النسب بأن تقول : أبوه فاسق أو خبيث أو خسيس أو إسكاف أو حائك أو نحو ذلك مما يكرهه كيف كان.
وأما الخلق بأن يقول : إنه سيئ الخلق ، بخيل متكبر مرائي شديد الغضب ، جبان ضعيف القلب ونحو ذلك.
وأما في أفعاله المتعلقة بالدين كقولك : سارق كذاب شارب خائن ظالم متهاون بالصلاة لا يحسن الركوع والسجود ، ولا يحترز من النجاسات ، ليس بارا بوالديه ولا يحرس نفسه من الغيبة والتعرض لإعراض الناس.
وأما فعله المتعلق بالدنيا كقولك : قليل الأدب متهاون بالناس ، لا يرى لأحد عليه حقا ، كثير الكلام كثير الأكل نؤوم يجلس في غير موضعه ونحو ذلك.
وأما في ثوبه كقولك : إنه واسع الكم طويل الذيل وسخ الثياب ونحو ذلك.
واعلم أن ذلك لا يقصر على اللسان بل التلفظ به إنما حرم لأن فيه تفهيم الغير نقصان أخيك وتعريفه بما يكرهه ، فالتعريض كالتصريح ، والفعل فيه كالقول والإشارة والإيماء والغمز والرمز والكنية والحركة ، وكل ما يفهم المقصود داخل في الغيبة مساو للسان في المعنى الذي حرم التلفظ به لأجله.
ومن ذلك ما روي عن عائشة أنها قالت : دخلت علينا امرأة فلما ولت أومأت
بيدي ، أي قصيرة فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : اغتبتها.
ومن ذلك المحاكاة بأن تمشي متعارجا أو كما يمشي فهو غيبة بل أشد من الغيبة لأنه أعظم في التصوير والتفهيم.
وكذلك الغيبة بالكتاب فإن الكتاب كما قيل أحد اللسانين ، ومن ذلك ذكر المصنف شخصا معينا وتهجين كلامه في الكتاب إلا أن يقترن به شيء من الأعذار المحوجة إلى ذكره كمسائل الاجتهاد التي لا يتم الغرض من الفتوى وإقامة الدلائل على المطلوب إلا بتزييف كلام الغير ونحو ذلك ، ويجب الاقتصار على ما تندفع به الحاجة في ذلك ، وليس منه قوله : قال قوم كذا ما لم يصرح بشخص معين ، ومنها أن يقول الإنسان : بعض من مر بنا اليوم أو بعض من رأيناه حاله كذا إذا كان المخاطب يفهم منه شخصا معينا لأن المحذور تفهيمه دون ما به التفهيم ، فأما إذا لم يفهمه عينه جاز ، كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إذا كره من إنسان شيئا قال : ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا؟ ولا يعين.
ومن أخبث أنواع الغيبة غيبة المتسمين بالفهم والعلم المرائين ، فإنهم يفهمون المقصود على صفة أهل الصلاح والتقوى ليظهروا من أنفسهم التعفف عن الغيبة ، ويفهمون المقصود ، ولا يدرون بجهلهم أنهم جمعوا بين فاحشتين الرياء والغيبة ، وذلك مثل أن يذكر عنده إنسان فيقول : الحمد لله الذي لم يبتلنا بحب الرئاسة أو بحب الدنيا أو بالتكيف بالكيفية الفلانية ، أو يقول : نعوذ بالله من قلة الحياء أو من سوء التوفيق أو نسأل الله أن يعصمنا من كذا ، بل مجرد الحمد على شيء إذا علم منه اتصاف المحدث عنه بما ينافيه ونحو ذلك ، فإنه يغتابه بلفظ الدعاء وسمت أهل الصلاح وإنما قصده أن يذكر عيبه بضرب من الكلام المشتمل على الغيبة والرياء ، ودعوى الخلاص من الرذائل وهو عنوان الوقوع فيها بل في أفحشها.
ومن ذلك أنه قد يقدم مدح من يريد غيبته فيقول : ما أحسن أحوال فلان ما كان يقصر في العبادات ، ولكن قد اعتراه فتور وابتلي بما نبتلي به كلنا ، وهو قلة الصبر فيذكر نفسه بالذم ومقصوده أن يذم غيره وأن يمدح نفسه بالتشبه بالصالحين في ذم أنفسهم ، فيكون مغتابا مرائيا مزكيا نفسه ، فيجمع بين ثلاث فواحش وهو يظن بجهله أنه من الصالحين المتعففين عن الغيبة ، هكذا يلعب الشيطان بأهل الجهل إذا اشتغلوا بالعلم أو العمل من غير أن تيقنوا الطريق فيتبعهم ويحبط بمكايدة عملهم ، ويضحك عليهم. ومن ذلك أن يذكر ذاكر عيب إنسان فلا يتنبه له بعض الحاضرين فيقول : سبحان الله ما أعجب هذا حتى يصغي الغافل إلى المغتاب ويعلم ما يقوله ، فيذكر الله سبحانه ويستعمل اسمه آلة له في تحقيق خبثه وباطله ، وهو يمن على الله بذكره جهلا منه وغرورا.
ومن ذلك أن يقول جرى من فلان كذا وابتلي بكذا ، بل يقول : جرى لصاحبنا أو صديقنا كذا ، تاب الله علينا وعليه ، يظهر الدعاء والتألم والصداقة والصحبة والله مطلع على خبث سريرته وفساد ضميره وهو بجهله لا يدري أنه قد تعرض لمقت أعظم مما يتعرض له الجهال إذا جاهروا بالغيبة.
ومن أقسامها الخفية الإصغاء إلى الغيبة على سبيل التعجب فإنه إنما يظهر التعجب ليزيد نشاط المغتاب في الغيبة فيزيد فيها فكأنه يستخرج منه الغيبة بهذا الطريق فيقول : عجبت مما ذكرته ما كنت أعلم بذلك إلى الآن ما كنت أعرف من فلان ذلك؟ يريد بذلك تصديق المغتاب واستدعاء الزيادة منه باللطف ، والتصديق للغيبة غيبة ، بل الإصغاء إليها بل السكوت عند سماعها ، قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : المستمع أحد المغتابين ، وقال عليعليهالسلام : السامع للغيبة أحد المغتابين ، ومرادهعليهالسلام
السامع على قصد الرضا والإيثار لا على وجه الاتفاق أو مع القدرة على الإنكار ولم يفعل.
ووجه كون المستمع والسامع على ذلك الوجه مغتابين مشاركتهما للمغتاب في الرضا وتكيف ذهنهما بالتصورات المذمومة التي لا ينبغي وإن اختلفا في أن أحدهما قائل والآخر قابل ، لكن كل واحد منهما صاحب آلة أما أحدهما فذو لسان يعبر عن نفس قد تنجست بتصور الكذب والحرام ، والعزم عليه ، وأما الآخر فذو سمع تقبل عنه النفس تلك الآثار عن إيثار وسوء اختيار ، فتألفها وتعتادها فتمكن من جوهرها سموم عقارب الباطل ومن ذلك قيل : السامع شريك القائل.
وقد تقدم في الخبر ما يدل عليه ، فالمستمع لا يخرج من إثم الغيبة إلا بأن ينكر بلسانه ، فإن خاف فبقلبه ، وإن قدر على القيام أو قطع الكلام بكلام غيره فلم يفعله لزمه ، ولو قال بلسانه : اسكت وهو يشتهي ذلك بقلبه ، فذلك نفاق وفاحشة أخرى زائدة لا يخرجه عن الإثم ما لم يكرهه بقلبه.
وقد روي عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال : من أذل عنده مؤمن وهو يقدر على أن ينصره فلم ينصره أذله الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق ، وعن أبي الدرداء قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من رد عن عرض أخيه بالغيب كان حقا على الله أن يرد عن عرضه يوم القيامة ، وقال أيضا : من رد عن عرض أخيه بالغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار.
وروى الصدوق بإسناده إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال : من تطول على أخيه في غيبة سمعها عنه في مجلس فردها عنه رد الله عنه ألف باب من الشر في الدنيا والآخرة وإن هو لم يردها وهو قادر على ردها كان عليه كوزر من اغتابه سبعين مرة.
وبإسناده إلى الباقرعليهالسلام أنه قال : من اغتيب عنده أخوه المؤمن فنصره وأعانه نصره الله في الدنيا والآخرة ، ومن لم ينصره ولم يدفع عنه وهو يقدر على نصرته وعونه خفضه الله في الدنيا والآخرة.
ثم قالقدسسره في علاج الغيبة : اعلم أن مساوئ الأخلاق كلها إنما تعالج بمعجون العلم والعمل ، وإنما علاج كل علة بمضاد سببها فلنبحث عن سبب الغيبة أولا ثم نذكر علاج كف اللسان عنها على وجه يناسب علاج تلك الأسباب فنقول :
جملة ما ذكروه من الأسباب الباعثة على الغيبة عشرة أشياء قد نبه الصادقعليهالسلام عليها إجمالا يعني في مصباح الشريعة بقوله : أصل الغيبة تتنوع بعشرة أنواع شفاء غيظ ، ومساعدة قوم ، وتصديق خبر بلا كشفه ، وتهمة ، وسوء ظن ، وحسد ، وسخرية ، وتعجب وتبرم وتزين ، ونحن نشير إليها مفصلة :
الأول : تشفي الغيظ ، وذلك إذا جرى سبب غيظ غضب عليه ، فإذا هاج غضبه تشفي بذكر مساويه وسبق اللسان إليه بالطبع إن لم يكن ثمة دين وازع وقد يمتنع من تشفي الغيظ عند الغضب فيحتقن الغضب في الباطن ، ويصير حقدا ثابتا فيكون سببا دائما لذكر المساوي بالحقد والغضب من البواعث العظيمة على الغيبة.
الثاني : موافقة الأقران ومجاملة الرفقاء ومساعدتهم على الكلام ، فإنهم إذا كانوا يتفكهون بذكر الأعراض فيرى أنه لو أنكر أو قطع المجلس استثقلوه ونفروا عنه ، فيساعدهم ويرى ذلك من حسن المعاشرة ويظن أنه مجاملة في الصحبة وقد يغضب رفقاؤه فيحتاج إلى أن يغضب لغضبهم إظهارا للمساهمة في السراء والضراء فيخوض معهم في ذكر العيوب والمساوي.
الثالث : أن يستشعر من إنسان أنه سيقصده ويطول لسانه فيه أو يقبح حاله عند محتشم أو يشهد عليه بشهادة فيبادر قبل ذلك ويطعن فيه ليسقط أثر شهادته وفعله ، أو يبتدئ بذكر ما فيه صادقا ليكذب عليه بعده فيروج كذبه بالصدق الأول ويستشهد به ويقول : ما من عادتي الكذب فإني أخبرتكم بكذا وكذا من أحواله فكان كما قلت.
الرابع : أن ينسب إليه شيء فيريد أن يتبرء منه فيذكر الذي فعله ، وكان من حقه أن يتبرء نفسه ولا يذكر الذي فعله ، ولا ينسب غيره إليه أو يذكر غيره بأنه كان مشاركا له في الفعل ، ليمهد بذلك عذر نفسه في فعله.
الخامس : إرادة التصنع والمباهاة وهو أن يرفع نفسه بتنقيص غيره ، فيقول فلان جاهل وفهمه ركيك ، وكلامه ضعيف ، وغرضه أن يثبت في ضمن ذلك فضل نفسه ويريهم أنه أفضل منه أو يحذر أن يعظم مثل تعظيمه فيقدح فيه لذلك.
السادس : الحسد وهو أنه يحسد من يثني الناس عليه ويحبونه ويكرمونه فيريد زوال تلك النعمة عنه ، فلا يجد سبيلا إليه إلا بالقدح فيه ، فيريد أن يسقط ماء وجهه عند الناس حتى يكفوا عن إكرامه والثناء عليه ، لأنه يثقل عليه أن يسمع ثناء الناس عليه ، وإكرامهم له ، وهذا هو الحسد ، وهو عين الغضب والحقد والحسد قد يكون مع الصديق المحسن والقرين الموافق.
السابع : اللعب والهزل والمطايبة وترجية الوقت بالضحك ، فيذكر غيره بما يضحك الناس على سبيل المحاكاة والتعجب.
الثامن : السخرية والاستهزاء استحقارا له فإن ذلك قد يجري في الحضور فيجري أيضا في الغيبة ومنشأه التكبر واستصغار المستهزئ به.
التاسع : وهو مأخذ دقيق ربما يقع في الخواص وأهل الحذر من مزال اللسان ، وهو أن يغتم بسبب ما يبتلي به أحد فيقول : يا مسكين فلان قد غمني أمره وما ابتلي به ويذكر سبب الغم ، فيكون صادقا في اغتمامه ويلهيه الغم من الحذر عن ذكر اسمه فيذكره بما يكرهه فيصير به مغتابا فيكون غمه ورحمته خيرا ولكنه ساقه إلى شر من حيث لا يدري والترحم والتغمم ممكن من دون ذكر اسمه ونسبته إلى ما يكرهه ، فيهيجه الشيطان على ذكر اسمه ليبطل به ثواب اغتمامه وترحمه.
العاشر : الغضب لله فإنه قد يغضب على منكر قارفه إنسان فيظهر غضبه ويذكر اسمه على غير وجه النهي عن المنكر ، وكان الواجب أن يظهر غضبه عليه على ذلك الوجه خاصة ، وهذا مما يقع فيه الخواص أيضا فإنهم يظنون أن الغضب إذا كان لله تعالى كان غدرا كيف كان ، وليس كذلك.
أقول : وعد بعضهم الوجهين الأخيرين مما يختص بأهل الدين والخاصة ، وزاد وجها آخر ، وهو أن ينبعث من الدين داعية التعجب من إنكار المنكر والخطإ في الدين ، فيقول : ما أعجب ما رأيت من فلان ، فإنه قد يكون صادقا ويكون تعجبه من المنكر ، ولكن كان حقه أن يتعجب ولا يذكر اسمه فسهل عليه الشيطان ذكر اسمه في ذكر تعجبه ، فصار به مغتابا من حيث لا يدري وأثم ، ومن ذلك قول الرجل : تعجبت من فلان كيف يحب جاريته وهي قبيحة؟ وكيف يجلس بين يدي فلان وهو جاهل.
ثم قال الشهيد (ره) : إذا عرفت هذه الوجوه التي هي أسباب الغيبة فاعلم أن الطريق في علاج كف اللسان عن الغيبة يقع على وجهين : أحدهما على الجملة والآخر على التفصيل.
أما ما على الجملة فهو أن يعلم تعرضه لسخط الله تعالى بغيبته كما قد سمعته في الأخبار المتقدمة وأن يعلم أنه يحبط حسناته فإنها تنقل في القيامة حسناته إلى من اغتابه بدلا عما أخذ من عرضه ، فإن لم تكن له حسنات نقل إليه من سيئاته وهو مع ذلك متعرض لمقت الله تعالى ومشبه عنده بأكل الميتة ، وقد روي عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال : ما النار في اليبس بأسرع من الغيبة في حسنات العبد ، وينفعه أيضا أن يتدبر في نفسه فإن وجد فيها عيبا اشتغل بعيب نفسه ، وذكر قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس ، ومهما وجد عيبا فينبغي أن يستحيي أن يترك نفسه ويذم غيره ، بل ينبغي أن يعلم أن عجز غيره عن نفسه في التنزه عن ذلك العيب كعجزه إن كان ذلك عيبا يتعلق بفعله واختياره ، وإن كان أمرا خلقيا فالذم له ذم للخالق فإن من ذم صنعة فقد ذم الصانع ، وإن لم يجد عيبا في نفسه فليشكر الله ولا يلوثن نفسه بأعظم العيوب ، بل لو أنصف من نفسه لعلم أن ظنه بنفسه أنه بريء من كل عيب جهل بنفسه ، وهو من أعظم العيوب وينفعه أن يعلم أن يعلم أن تألم غيره بغيبته كتألمه بغيبة غيره له ، فإذا كان لا يرضى لنفسه أن يغتاب فينبغي أن لا يرضى لغيره ما لا يرضاه لنفسه.
وأما التفصيلية فهو أن ينظر إلى السبب الباعث له على الغيبة ويعالجه فإن علاج الغيبة بقطع سببها ، وقد عرفت الأسباب الباعثة ، أما الغضب فيعالجه بالتفكر فيما مضى من ذم الغضب وفيما تقدم من فضل كظم الغيظ ومثوباته ، وأما الموافقة فبأن تعلم أن الله تعالى يغضب عليك ، إذا طلبت سخطه في رضا المخلوقين ، فكيف ترضى لنفسك أن توقر غيرك وتحقر مولاك ، إلا أن يكون غضبك لله تعالى ، وذلك لا يوجب أن تذكر المغضوب عليه بسوء ، بل ينبغي أن تغضب لله أيضا على رفقائك إذا ذكروه وبالسوء ، فإنهم عصوا ربك بأفحش الذنوب وهو الغيبة.
وأما تنزيه النفس بنسبة الجناية إلى الغير حيث يستغني عن ذكر الغير فتعالجه بأن تعرف بأن التعرض لمقت الخالق أشد من التعرض لمقت الخلق وأنت بالغيبة متعرض لسخط الله تعالى يقينا ، ولا تدري أنك تتخلص من سخط الناس أم لا ، فتخلص نفسك في الدنيا بالتوهم وتهلك في الآخرة ، وتخسر حسناتك في الحقيقة ، ويحصل ذم الله لك نقدا وتنتظر دفع ذم الخلق نسيئة.
وهذا غاية الجهل والخذلان ، وأما عذرك كقولك : إن أكلت الحرام ففلان يأكل ، ونحو ذلك فهذا جهل لأنك تعتذر بالاقتداء بمن لا يجوز الاقتداء به ، فإن من خالف أمر الله لا يقتدى به كائنا من كان ، فما ذكرته غيبة وزيادة معصية أضفتها إلى ما اعتذرت عنه وسجلت ، مع الجمع بين المعصيتين على جهلك وغباوتك.
وأما قصدك المباهاة وتزكية النفس فينبغي أن تعلم أنك بما ذكرته أبطلت فضلك عند الله تعالى وأنت من اعتقاد الناس فضلك على خطر ، وربما نقص اعتقادهم فيك إذا عرفوك بثلب الناس فتكون قد بعت ما عند الخالق يقينا بما عند المخلوق وهما ولو حصل لك من المخلوق اعتقاد الفضل لكانوا لا يغنون عنك من الله شيئا.
وأما الغيبة للحسد فهو جمع بين عذابين لأنك حسدته على نعمة الدنيا وكنت معذبا بالحسد ، فما قنعت بذلك حتى أضفت إليه عذاب الآخرة فكنت خاسرا في الدنيا فجعلت نفسك خاسرا في الآخرة لتجمع بين النكالين ، فقد قصدت محسودك فأصبت نفسك ، وقد مر في باب الحسد ما فيه كفاية للمتدبر.
وأما الاستهزاء فمقصودك منه إخزاء غيرك عند الناس بإخزاء نفسك عند الله والملائكة والنبيين ، فلو تفكرت في حسرتك وحياتك وخجلتك وخزيك يوم تحمل
سيئات من استهزأت به ، وتساق إلى النار لأدهشك ذلك عن إخزاء صاحبك ، ولو عرفت حالك لكنت أولى أن يضحك منك فإنك سخرت به عند نفر قليل وعرضت نفسك لأن يأخذ بيدك في القيامة على ملإ من الناس ويسوقك تحت سيئاته كما يساق الحمار إلى النار مستهزئا بك وفرحا بخزيك ومسرورا بنصر الله إياه وتسلطه على الانتقام منك.
وأما الرحمة على إثمه فهو حسن ولكن حسدك إبليس واستنطقك بما ينقل من حسناتك إليه بما هو أكثر من رحمتك ، فيكون جبرا لإثم المرحوم فيخرج عن كونه مرحوما وتنقلب أنت مستحقا لأن تكون مرحوما إذا حبط أجرك ونقصت من حسناتك.
وكذلك الغضب لله لا يوجب الغيبة وإنما حبب إليك الشيطان الغيبة ليحبط أجر غضبك وتصير متعرضا لغضب الله بالغيبة.
وبالجملة فعلاج جميع ذلك المعرفة والتحقيق لها بهذه الأمور التي هي من أبواب الإيمان ، فمن قوي إيمانه بجميع ذلك انكف عن الغيبة لا محالة.
ثم ذكررحمهالله الأعذار المرخصة في الغيبة فقال :
اعلم أن المرخص في ذكر مساءة الغير هو غرض صحيح في الشرع لا يمكن التوصل إليه إلا به فيدفع ذلك أثم الغيبة ، وقد حصروها في عشرة : « الأول » الظلم فإن من ذكر قاضيا بالظلم والخيانة وأخذ الرشوة كان مغتابا عاصيا ، وأما المظلوم من جهة القاضي فله أن يتظلم إلى من يرجو منه إزالة ظلمه ، وينسب القاضي إلى الظلم إذ لا يمكنه استيفاء حقه إلا به ، وقد قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : لصاحب الحق مقال ، وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : مطل الغني ظلم ، وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : مطل الواجد يحل عرضه وعقوبته.
الثاني : الاستعانة على تغيير المنكر ورد المعاصي إلى نهج الصلاح ، ومرجع الأمر في هذا إلى القصد الصحيح ، فإن لم يكن ذلك هو المقصود كان حراما.
الثالث : الاستفتاء كما تقول للمفتي : ظلمني أبي وأخي فكيف طريقي في الخلاص؟ والأسلم في هذا التعريض بأن تقول : ما قولك في رجل ظلمه أبوه أو أخوه؟ وقد روي أن هندا قالت للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني أنا وولدي أفآخذ من غير علمه؟ فقال : خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ، فذكرت الشح لها ولولدها ولم يزجرها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إذ كان قصدها الاستفتاء.
وأقول : الأحوط حينئذ التعريض لكون الخبر عاميا مع أنه يحتمل أن يكون عدم المنع لفسق أبي سفيان ونفاقه.
ثم قال : الرابع : تحذير المسلم من الوقوع في الخطر والشر ، ونصح المستشير فإذا رأيت متفقها يتلبس بما ليس من أهله فلك أن تنبه الناس على نقصه وقصوره عما يؤهل نفسه له ، وتنبيههم على الخطر اللاحق لهم بالانقياد إليه ، وكذلك إذا رأيت رجلا يتردد إلى فاسق يخفى أمره وخفت عليه من الوقوع بسبب الصحبة فيما لا يوافق الشرع ، فلك أن تنبهه على فسقه مهما كان الباعث لك الخوف على إفشاء البدعة وسراية الفسق ، وذلك موضع الغرور والخديعة من الشيطان إذ قد يكون الباعث لك على ذلك هو الحسد له على تلك المنزلة فيلبس عليك الشيطان ذلك بإظهار الشفقة على الخلق ، وكذلك إذا رأيت رجلا يشتري مملوكا وقد عرفت المملوك بعيوب مستنقصة فلك أن تذكرها للمشتري ، فإن في سكوتك ضررا للمشتري وفي ذكرك ضررا للعبد ، لكن المشتري أولى بالمراعاة ، ولتقتصر على العيب المنوط به ذلك الأمر فلا تذكر في عيب التزويج ما يخل بالشركة أو المضاربة أو السفر مثلا بل تذكر في كل أمر ما يتعلق بذلك الأمر ولا تتجاوزه قاصدا نصح المستشير لا
الوقيعة ، ولو علم أنه يترك التزويج بمجرد قوله : لا يصلح لك ، فهو الواجب ، فإن علم أنه لا ينزجر إلا بالتصريح بعيبه فله أن يصرح به ، قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : أترعوون عن ذكر الفاجر حتى يعرفه الناس اذكروه بما فيه يحذره الناس ، وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم لفاطمة بنت قيس حين شاورته في خطابها : أما معاوية فرجل صعلوك لا مال له ، وأما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه.
الخامس : الجرح والتعديل للشاهد والراوي ، ومن ثم وضع العلماء كتب الرجال وقسموهم إلى الثقات والمجروحين ، وذكروا أسباب الجرح غالبا ، ويشترط إخلاص النصيحة في ذلك كما مر بأن يقصد في ذلك حفظ أموال المسلمين وضبط السنة وحمايتها عن الكذب ، ولا يكون حاملة العداوة والتعصب ، وليس له إلا ذكر ما يخل بالشهادة والرواية منه ، ولا يتعرض لغير ذلك مثل كونه ابن ملاعنة وشبهة إلا أن يكون متظاهرا بالمعصية كما سيأتي.
السادس : أن يكون المقول فيه مستحقا لذلك لتظاهره بسببه كالفاسق المتظاهر بفسقه بحيث لا يستنكف من أن يذكر بذلك الفعل الذي يرتكبه فيذكر بما هو فيه لا بغيره ، قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من ألقى جلباب الحياء عن وجهه فلا غيبة له ، وظاهر الخبر جواز غيبته وإن استنكف عن ذكر ذلك الذنب ، وفي جواز اغتياب مطلق الفاسق احتمال ناش من قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : لا غيبة لفاسق ، ورد بمنع أصل الحديث أو بحمله على فاسق خاص ، أو بحمله على النهي وإن كان بصورة الخبر ، وهذا هو الأجود إلا أن يتعلق بذلك غرض ديني ومقصد صحيح يعود على المغتاب ، بأن يرجو ارتداعه عن معصيته بذلك فيلحق بباب النهي عن المنكر.
السابع : أن يكون الإنسان معروفا باسم يعرب عن غيبته كالأعرج والأعمش فلا إثم على من يقول ذلك كان يقول : روى أبو الزناد الأعرج ، وسليمان الأعمش
وما يجري مجراه ، فقد نقل العلماء ذلك لضرورة التعريف ولأنه صار بحيث لا يكره صاحبه لو علمه بعد أن صار مشهورا به ، والحق أن ما ذكره العلماء المعتمدون من ذلك يجوز التعويل فيه على حكايتهم ، وأما ما ذكره عن الإحياء فمشروط بعلم رضا المنسوب إليه لعموم النهي ، وحينئذ يخرج عن كونه غيبة ، وكيف كان فلو وجد عنه معدلا وأمكنه التعريف بعبارة أخرى فهو أولى ، ولذلك يقال : للأعمى البصير عدولا عن اسم النقص.
الثامن : لو اطلع العدد الذين يثبت لهم الحد أو التعزير على فاحشة جاز ذكرها عند الحكام بصورة الشهادة في حضرة الفاعل أو غيبته ، ولا يجوز التعرض لها في غير ذلك إلا أن يتجه فيه أحد الوجوه الأخرى.
التاسع : قيل إذا علم اثنان من رجل معصية شاهداها فأجرى أحدهما ذكرها في غيبة ذلك العاصي ، جاز لأنه لا يؤثر عند السامع شيئا وإن كان الأولى تنزيه النفس واللسان عن ذلك لغير غرض من الأغراض المذكورة خصوصا مع احتمال نسيان المقول له لذلك المعصية ، أو خوف اشتهارها عنهما.
العاشر : إذا سمع أحد مغتابا لآخر وهو لا يعلم استحقاق المقول عنه للغيبة ولا عدمه ، قيل لا يجب نهي القائل لإمكان استحقاق المقول عنه فيحمل فعل القائل على الصحة ما لم يعلم فساده ، لأن ردعه يستلزم انتهاك حرمته ، وهو أحد المحرمين والأولى التنبيه على ذلك إلى أن يتحقق المخرج منه لعموم الأدلة وترك الاستفصال فيها وهو دليل إرادة العموم حذرا من الإغراء بالجهل ، ولأن ذلك لو تم لتمشي فيمن يعلم عدم استحقاق المقول عنه بالنسبة إلى السامع ، لاحتمال اطلاع القائل على ما يوجب تسويغ مقاله ، وهو هدم قاعدة النهي عن الغيبة ، وهذا الفرد يستثنى من جهة سماع الغيبة ، وقد تقدم أنه إحدى الغيبتين.
وبالجملة فالتحرز عنها من دون وجه راجح في فعلها فضلا عن الإباحة أولى لتتسم النفس بالأخلاق الفاضلة ، ويؤيد إطلاق النهي فيما تقدم لقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أتدرون ما الغيبة؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : ذكرك أخاك بما يكره ، وأما مع رجحانها كرد المبتدعة وزجر الفسقة والتنفير عنهم والتحذير من اتباعهم ، فذلك يوصف بالوجوب مع إمكانه ، فضلا عن غيره ، والمعتمد في ذلك كله على المقاصد ، فلا يغفل المتيقظ عن ملاحظة مقصده وإصلاحه ، والله الموفق ، انتهى ملخص كلامه نور الله ضريحه.
وقال ولده السعيد السديد الفاضل المحقق المدقق الشيخ حسن نور الله ضريحه في أجوبة المسائل التي سأله عنها بعض السادة الكرام حيث قال : قد نظرت في مسائلك أيها المولى الجليل الفاضل ، والسيد السعيد الماجد ، وأجبت التماسك لتحرير أجوبتها على حسب ما اتسع له المجال وأرجو إنشاء الله أن يكون مطابقا لمقتضى الحال ، وذكرت أيدك الله بعنايته ووفقنا الله وإياك لطاعته أن تحريم الغيبة ونحوها من النميمة وسوء الظن هل يختص بالمؤمن أو يعم كل مسلم؟ وأشرت إلى الاختلاف الذي يوهمه ظاهر كلام الوالدقدسسره حيث قال في ديباجة رسالته : ونظرائهم من المسلمين ، فإنه يعطى العموم ، وصرح في الروضة بتخصيص الحكم بالمسلم؟
الجواب : لا ريب في اختصاص تحريم الغيبة بمن يعتقد الحق ، فإن أدلة الحكم غير متناولة لأهل الضلال ، أما الآية فلأنها خطاب مشافهة للمؤمنين بالنهي عن غيبة بعضهم بعضا مع التصريح في التعليل الواقع فيها بتحقق الأخوة في الدين بين المغتاب ومن يغتابه ، وأما الأخبار المروية في هذا الباب من طريق أهل البيت فالحكم فيها منوط بالمؤمن أو بالأخ ، والمراد أخوة الإيمان ، فظاهر عدم تناول اللفظين
لمن لا يعتقد الحق ، وفي بعض الأخبار أيضا تصريح بالإذن في سب أهل الضلال والوقيعة فيهم.
فروى الشيخ أبو جعفر الكلينيرضياللهعنه في الصحيح عن داود بن سرحان عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم وأكثروا من سبهم والقول فيهم والوقيعة ، وباهتوهم كيلا يطغوا في الفساد في الإسلام ، ويحذرهم الناس ولا يتعلمون من بدعهم يكتب الله لكم بذلك الحسنات ، ويرفع لكم به الدرجات في الآخرة.
وما تضمنته عبارة الوالد في ديباجة الرسالة غير مناف لما في الروضة ، فإن كلمة من في قوله : من المسلمين ، للتبعيض لا للتبيين ، وغير المؤمن ليس من نظرائه.
وينبغي أن يعلم أن ظاهر جملة من أخبارنا أن المراد بالإيمان في كلام أئمتناعليهمالسلام معنى زائد على مجرد اعتقاد الحق وذلك يقتضي عدم عموم تحريم معتقد الحق أيضا ، فروى الكليني في الصحيح عن أبي عبيدة عن أبي جعفرعليهالسلام قال : إنما المؤمن الذي إذا رضي لم يدخل رضاه في إثم ولا باطل ، وإذا سخط لم يخرجه سخطه من قول الحق ، والذي إذا قدر لم تخرجه قدرته إلى التعدي إلى ما ليس له بحق.
وفي الحسن عن ابن رئاب عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : إنا لا نعد الرجل مؤمنا حتى يكون لجميع أمرنا متبعا مريدا ، ألا وإن من اتباع أمرنا الورع فتزينوا به يرحمكم الله ، وكيدوا أعداءنا ينعشكم الله.
وفي الصحيح عن سليمان بن خالد عن أبي جعفرعليهالسلام قال : قال : يا سليمان أتدري من المسلم؟ قلت : جعلت فداك أنت أعلم ، قال : من سلم المسلمون من لسانه
ويده ، ثم قال : أو تدري من المؤمن؟ قلت : أنت أعلم ، قال : المؤمن من ائتمنه المؤمنون على أنفسهم وأموالهم.
وعن ابن خالد عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : من أقر بدين الله فهو مسلم ، ومن عمل بما أمر الله فهو مؤمن.
ثم ذكر بعض الأخبار التي مضت في معنى الإيمان وصفات المؤمن ، ثم قالقدسسره : وورد أيضا في عدة أخبار تعليق تحريم الغيبة على أمور زائدة على مجرد اعتقاد الحق ، منها : حديث ابن أبي يعفور المتضمن لبيان معنى العدالة التي تقبل معها شهادة الشاهد ، وهو طويل مذكور في مواضع كثيرة من كتب أصحابنا.
ومنها : ما رواه الكليني بإسناده السابق عن ابن خالد عن عثمان بن عيسى عن سماعة عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : من عامل الناس فلم يظلمهم وحدثهم فلم يكذبهم ووعدهم فلم يخلفهم ، كان ممن حرمت غيبته وكملت مروته ، وظهر عدله ، ووجبت إخوته.
وبملاحظة هذه الأخبار يظهر أن المنع من غيبة الناس كما يميل إليه كلام الشهيد الأول في قواعده ، والثاني في رسالته ليس بمتجه فإن دلالتها على اختصاص الحكم بغيره أظهر من أن يبين.
وأما ما أورده الوالدقدسسره في رسالته من الأخبار التي يظهر منها عموم المنع كلها من أخبار العامة فلا تصلح لإثبات حكم شرعي ، وعذره في إيرادها أنه إنما ذكرها في سياق الترهيب وشأنهم التسامح في مثله ، وقد سبقه إلى ذكره على النهج الذي سلكه بعض العامة يعني الغزالي ، فسهل عليه إيرادها وإلا فهي غير مستحقة لتعب تحصيلها وجمعها ، وخصوصا مع وجود الداعي لهم إلى اختلاف مثلها
فإن كثرة عيوب أئمتهم ونقائص رؤسائهم يحوج إلى سد باب إظهارها بكل وجه ليروج حالهم ويأمنوا نفرة الرعية منهم ، وأعراض الناس عنهم.
وبالجملة فكما أن في التعرض لإظهار عيوب الناس خطرا ومحذورا فكذا في حسم مادته وسد بابه ، فإنه مغر لأهل النقائص ومرتكبي المعاصي بما هم عليه ، فلا بد من تخصيص الغيبة بمواضع معينة يساعدها الاعتبار وتوافق مدلول الأخبار وفي استثنائهم للأمور المشهورة التي نصوا على جوازها وهي بصورة الغيبة ، شهادة واضحة بما قلناه ، فإن مأخذه الاعتبار ، فهو قابل للزيادة والنقصان بحسب اختلاف الأفكار.
وللسيد الإمام السعيد ضياء الدين بن أبي الرضا فضل الله بن علي الحسني في شرحه لكتاب الشهاب المتضمن للأخبار المروية عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في الحكم والآداب كلام جيد في تفسير قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ليس لفاسق غيبة ، كلام يساعد على ما ذكرناه ، حيث قال : إن الغيبة ذكر الغائب بما فيه من غير حاجة إلى ذكره ، ثم قال : فأما إذا كان من يغتاب فاسقا فإنه ليس ما يذكر به غيبة ، وإنما يسمى ما يذكر به في غيبته غيبة إذا كان تائبا نادما ، فأما إذا كان مصرا عليه فإنها ليست بغيبة كيف وهو يرتكب ما يغتاب فيه جهارا.
وفي أخبارنا وكلام بعض أهل اللغة ما يشهد له كقول الجوهري : خلف إنسان مستور ، وكما في رواية الأزرق مما لا يعرفه الناس ، ورواية ابن سيابة : ما ستر الله عليه.
والحاصل أن الاعتبار يقتضي اختصاص الحكم بالمستور الذي لا يترتب على معصيته أثر في غيره ، ويحتمل حالهم عدم الإصرار عليها إن كانت صغيرة ، والتوبة منها إن كانت كبيرة ، أو يرتجى له ذلك قبل ظهورها عنه واشتهاره بها ، ولا يكون في
ذكرها صلاح له كما إذا قصد تقريعه وظن انزجاره ، وكان القصد خالصا من الشوائب والأدلة لا تنافي هذا فلا وجه للتوقف فيه ، وإذا علم حكم غير المؤمن في الغيبة فالحال في نحوها من النميمة وسوء الظن أظهر ، فإن محذور النميمة هو كونها مظنة للتباعد والتباغض ، وذلك في غير المؤمن تحصيل للحاصل ، وقريب منه الكلام في سوء الظن.
ثم ذكرت أنه هل يفرق في ذلك بين ما يتضمن القذف وما لا يتضمنه؟ والجواب أن القذف مستثنى من البين ، وله أحكام خاصة مقررة في محلها من كتب الفقه.
وذكرت أن الرواية التي حكاها الوالد في الرسالة من كلام عيسىعليهالسلام مع الحواريين في شأن جيفة الكلب ، حيث قالوا : ما أنتن جيفة هذا الكلب؟ فقالعليهالسلام : ما أشد بياض أسنانه ، تدل على تحريم غيبة الحيوانات أيضا ، وسألت عن وجه الفرق بينها وبين الجمادات؟ مع أن تعليل الحكم بأنه لا ينبغي أن يذكر من خلق الله إلا الحسن يقتضي عدم الفرق؟ والجواب أنه ليس المقتضي لكلام عيسىعليهالسلام كون كلام الحواريين غيبة ، بل الوجه أن نتن الجيفة ونحوها مما لا يلائم الطباع غير مستند إلى فعل من يحسن إنكار فعله ، وكلام الحواريين ظاهر في الإنكار كما لا يخفى ، فكان عيسىعليهالسلام نظر إلى أن الأمور الملائمة وغيرها مما هو من هذا القبيل كلها من فعل الله تعالى على مقتضى حكمته وقد أمر بالشكر على الأولى والصبر على الثانية.
وفي إظهار الحواريين لإنكار نتن الرائحة دلالة على عدم الصبر أو الغفلة عن حقيقة الأمر ، فصرفهم عنه إلى أمر يلائم طباعهم وهو شدة بياض أسنان الكلب وجعله مقابلا للأمر الذي لا يلائم ، وشاغلا لهم ، وهذا معنى لطيف تبين لي من الكلام ،
فإن صحت الرواية فهي منزلة عليه ، ولكنها من جملة الروايات المحكية من كتب العامة ، انتهى.
وقال الشهيد رفع الله درجته في قواعده : الغيبة محرمة بنص الكتاب العزيز والأخبار ، وهي قسمان : ظاهر وهو معلوم ، وخفي وهو كثير كما في التعريض مثل أنا لا أحضر مجلس الحكام ، أنا لا آكل أموال الأيتام أو فلان ، ويشير بذلك إلى من يفعل ذلك ، أو الحمد لله الذي نزهنا من كذا ، يأتي به في معرض الشكر ، ومن الخفي الإيماء والإشارة إلى نقص في الغير وإن كان حاضرا ، ومنه ولو فعل كذا كان خيرا ، ولو لم يفعل كذا لكان حسنا ، ومنه التنقص بمستحق الغيبة لينبه به على عيوب آخر غير مستحق للغيبة.
أما ما يخطر في النفس من نقائص الغير فلا يعد غيبة ، لأن الله تعالى عفا عن حديث النفس. ومن الأخفى أن يذم نفسه بطرائق غير محمودة فيه ، أو ليس متصفا بها لينبه على عورات غيره ، وقد جوزت صورة الغيبة في مواضع سبعة :
الأول : أن يكون المقول فيه مستحقا لذلك لتظاهره بسببه كالكافر والفاسق وأوجب التعزير بقذفه بذلك الفسق ، وقد روى الأصحاب تجويز ذلك ، قال العامة : حديث لا غيبة لفاسق أو في فاسق لا أصل له ، قلت : ولو صح أمكن حمله على النهي أي خبر يراد به النهي ، أما من يتفكه بالفسق ويتبجج به في شعره أو كلامه فيجوز حكاية كلامه.
الثاني : شكاية المتظلم بصورة ظلمه.
الثالث : النصيحة للمستشير.
الرابع : الجرح والتعديل للشاهد والراوي.
الخامس : ذكر المبتدعة وتصانيفهم الفاسدة وآرائهم المضلة وليقتصر على ذلك
٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن بعض أصحابه ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال من قال في مؤمن ما رأته عيناه وسمعته أذناه فهو من الذين
القدر قال العامة : من مات منهم ولا شيعة له تعظمه ولا خلف كتبا تقرأ ولا ما يخشى إفساده لغيره فالأولى أن يستر بستر الله عز وجل ، ولا يذكر له عيب البتة ، وحسابه على الله عز وجل ، وقال عليعليهالسلام : اذكروا محاسن موتاكم ، وفي خبر آخر : لا تقولوا في موتاكم إلا خيرا.
السادس : لو اطلع العدد الذين يثبت بهم الحد أو التعزير على فاحشة جاز ذكرها عند الحكام بصورة الشهادة في حضرة الفاعل وغيبته.
السابع : قيل : إذا علم اثنان من رجل معصية شاهداها فأجرى أحدهما ذكرها في غيبة ذلك العاصي جاز لأنه لا يؤثر عند السامع شيئا ، والأولى التنزه عن هذا لأنه ذكر له بما يكره لو كان حاضرا ولأنه ربما ذكر أحدهما صاحبه بعد نسيانه أو كان سببا لاشتهارها.
وقال الشيخ البهائي روح الله روحه : وقد جوزت الغيبة في عشرة مواضع : الشهادة ، والنهي عن المنكر ، وشكاية المتظلم ، ونصح المستشير ، وجرح الشاهد والراوي وتفضيل بعض العلماء والصناع على بعض ، وغيبة المتظاهر بالفسق الغير المستنكف على قول وذكر المشتهر بوصف مميز له كالأعور والأعرج مع عدم قصد الاحتقار والذم وذكره عند من يعرفه بذلك بشرط عدم سماع غيره على قول ، والتنبيه على الخطإ في المسائل العلمية ونحوها بقصد أن لا يتبعه أحد فيها.
وأقول : إنما أطنبت الكلام فيها لكثرة الحاجة إلى تحقيقها ووقوع الإفراط والتفريط من العلماء فيه ، والله الموفق للخير والصواب.
الحديث الثاني : حسن كالصحيح.
قال الله عز وجل : «إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ »(١) .
٣ ـ الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن الحسن بن علي الوشاء ، عن داود بن سرحان قال سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن الغيبة قال هو أن تقول لأخيك في
«إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ » قال الطبرسي (ره) : أي يفشوا ويظهروا الزنا والقبائح «فِي الَّذِينَ آمَنُوا » بأن ينسبوها إليهم ويقذفوهم بها «لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا » بإقامة الحد عليهم «وَالْآخِرَةِ » وهو عذاب النار.
أقول : والغرض أن مورد الآية ليس هو البهتان فقط ، بل يشمل ما إذا رآها وسمعها فإنه يلزمه الحد والتعزير ، إلا أن يكون بعنوان الشهادة عند الحاكم لإقامة حدود الله ، وثبت عنده كما مر ، وإنما قال : من الذين ، لأن الآية تشمل البهتان وذكر عيبه في حضوره ، ومن أحب شيوعه وإن لم يذكر ومن سمعه ورضي به والوعيد بالعذاب في الجميع.
الحديث الثالث : ضعيف على المشهور معتبر عندي وسرحان بكسر السين.
« هو أن تقول » الضمير للغيبة وتذكيره بتأويل الاغتياب أو باعتبار الخبر مع أنه مصدر« لأخيك في دينه » الظرف إما صفة لأخيك ، أي الأخ الذي كانت أخوته بسبب دينه فيكون للاحتراز عن غيبة الكافر والمخالف كما مر ، أو متعلق بالقول أي كان ذلك القول طعنا في دينه بنسبة كفر أو معصية إليه ، ويدل على أن الغيبة تشمل البهتان أيضا ، وكان هذا اصطلاح آخر للغيبة ، وعلى الأول يحتمل أن يكون المراد بما لم يفعل العيب الذي لم يكن باختياره ، وفعله الله فيه كالعيوب البدنية فيخص بما إذا كان مستورا فالأول لذكر العيوب والثاني لذكر المعاصي ، فلا يكون اصطلاحا آخر وهذا وجه حسن.
__________________
(١) سورة النور : ١٩.
دينه ما لم يفعل وتبث عليه أمرا قد ستره الله عليه لم يقم عليه فيه حد.
٤ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن أبي عبد الله ، عن أبيه ، عن هارون بن الجهم ، عن حفص بن عمر ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال سئل النبيصلىاللهعليهوآله ما كفارة الاغتياب قال تستغفر الله لمن اغتبته كلما ذكرته.
وربما يحمل الدين على الوجه الثاني على الذل وهو أحد معانيه وفي على التعليل ، أي تقول فيه لا ذلا له ما لم يفعله ولم يكن باختياره كالأمراض والفقر وأشباههما.
« لم يقم » على بناء المفعول من الأفعال أي لم يقم الحاكم الشرعي عليه حدا أو لم يقمه الله عليه ، أي لم يقرر عليه حدا في الكتاب والسنة ، أو على بناء الفاعل من باب نصر وضمير عليه راجع إلى الأخ ، وضميرفيه إلى الأمر ، والجملة صفة بعد صفة أو حال بعد حال للأمر.
ويدل على أن ذكر الأمر المشهور من الذنوب ليس بغيبة ، ولا ريب فيه مع إصراره عليه ، وأما بعد توبته ذكره عند من لا يعلمه مشكل ، والأحوط الترك وكذا بعد إقامة الحد عليه ينبغي ترك ذكره بذلك مع التوبة بل بدونها أيضا ، فإن الحد بمنزلة التوبة ، وقد روي النهي عن ذكره بسوء معللا بذلك ، وحمله على الشهادة لإقامة الحد كما زعم بعيد.
الحديث الرابع : مجهول.
« كلما ذكرته » أي الرجل بالغيبة أو كفارة غيبة واحدة أن تستغفر له كلما ذكرت من اغتبته ، أو كل وقت ذكرت الاغتياب ، وفي بعض النسخ : كما ذكرته وحمل على أن ذلك بعد التوبة وظاهره عدم وجوب الاستحلال ممن اغتابه ، وبه قال جماعة بل منعوا منه ، ولا ريب أن الاستحلال منه أولى وأحوط إذا لم يصر سببا لمزيد إهانته ولإثارة فتنة لا سيما إذا بلغه ذلك.
ويمكن حمل هذا الخبر على ما إذا لم يبلغه وبه يجمع بين الأخبار ، ويؤيده ما روي في مصباح الشريعة عن الصادقعليهالسلام أنه قال : فإن اغتيب فبلغ المغتاب فلم يبق إلا أن تستحل منه وإن لم يبلغه ولم يلحقه علم ذلك فاستغفر الله له.
وروى الصدوق (ره) في الخصال والعلل بإسناده عن أسباط بن محمد رفعه إلى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال : الغيبة أشد من الزنا ، فقيل : يا رسول الله ولم ذاك؟ قال : صاحب الزنا يتوب فيتوب الله عليه ، وصاحب الغيبة يتوب فلا يتوب الله عليه ، حتى يكون صاحبه الذي يحله.
وقيل : يكفيه الاستغفار دون الاستحلال وربما يحتج في ذلك بما روي عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال : كفارة من اغتبته أن تستغفر له ، وقال مجاهد : كفارة أكلك لحم أخيك أن تثني عليه وتدعو له بخير ، وسئل بعضهم عن التوبة عن الغيبة؟ فقال : تمشي إلى صاحبك وتقول : كذبت فيما قلت وظلمت وأسأت ، فإن شئت أخذت بحقك وإن شئت عفوت.
وما قيل : إن العرض لا عوض له فلا يجب الاستحلال منه بخلاف المال فلا وجه له إذ وجب في العرض حد القذف وأثبتت المطالبة به.
وقال المحقق الطوسيقدسسره في التجريد عند ذكر شرائط التوبة : ويجب الاعتذار إلى المغتاب مع بلوغه ، وقال العلامة (ره) في شرحه : المغتاب إما أن يكون بلغه اغتيابه أم لا ، ويلزم على الفاعل للغيبة في الأول الاعتذار إليه لأنه أوصل إليه ضرر الغم فوجب عليه الاعتذار منه والندم عليه ، وفي الثاني لا يلزمه الاعتذار ولا الاستحلال عنه ، لأنه لم يفعل به ألما ، وفي كلا القسمين يجب الندم لله تعالى لمخالفته في النهي ، والعزم على ترك المواعدة ، انتهى.
ونحوه قال الشارح الجديد لكنه قال في الأول : ولا يلزمه تفصيل ما اغتاب إلا إذا بلغه على وجه أفحش « انتهى » ولا بأس به.
وقال الشهيد الثاني قدس الله لطيفه : اعلم أن الواجب على المغتاب أن يندم ويتوب ويتأسف على ما فعله ليخرج من حق الله سبحانه تعالى ، ثم يستحل المغتاب ليحله فيخرج عن مظلمته ، وينبغي أن يستحله وهو حزين متأسف نادم على فعله إذ المرائي قد يستحل ليظهر من نفسه الورع ، وفي الباطن لا يكون نادما ، فيكون قد قارف معصية أخرى.
وقد ورد في كفارتها حديثان أحدهما قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : كفارة من اغتبته أن تستغفر له ، والثاني قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من كانت عنده في قبله مظلمة في عرض أو مال فليتحللها منه من قبل أن يأتي يوم ليس هناك دينار ولا درهم ، يؤخذ من حسناته فإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فزيدت على سيئاته.
ويمكن أن يكون طريق الجمع حمل الاستغفار له على من لم تبلغ غيبته المغتاب فينبغي له الاقتصار على الدعاء له والاستغفار ، لأن في الاستحلال منه إثارة للفتنة وجلبا للضغائن ، وفي حكم من لم يبلغه من لم يقدر على الوصول إليه بموت أو غيبة وحمل المحالة على من يمكن التوصل إليه مع بلوغه الغيبة ويستحق للمعتذر إليه قبول العذر والمحالة استحبابا مؤكدا ، قال الله تعالى : «خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ »(١) فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : يا جبرئيل ما هذا العفو؟ قال : إن الله يأمرك أن تعفو عمن ظلمك ، وتصل من قطعك وتعطي من حرمك ، وفي خبر آخر : إذا جثت الأمم بين يدي الله تعالى يوم القيامة نودوا ليقم من كان أجره على الله تعالى فلا يقوم إلا من عفي في الدنيا عن مظلمته ، وروي عن بعضهم أن رجلا قال له : إن فلانا قد اغتابك فبعث إليه طبقا من الرطب ، وقال : بلغني أنك أهديت إلى حسناتك فأردت أن أكافيك عليها فأعذرني لا أقدر أن أكافيك على التمام.
__________________
(١) سورة الأعراف : ١٩٩.
٥ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحسن بن محبوب ، عن مالك بن عطية ، عن ابن أبي يعفور ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال من بهت مؤمنا أو مؤمنة بما ليس فيه بعثه الله في طينة خبال حتى يخرج مما قال قلت وما طينة
وسبيل المعتذر أن يبالغ في الثناء عليه والتودد ويلازم ذلك حتى يطيب قلبه ، فإن لم يطب قلبه كان اعتذاره وتودده حسنة محسوبة له ، وقد يقابل بها سيئة الغيبة في القيامة ، ولا فرق بين غيبة الصغير والكبير والحي والميت والذكر والأنثى وليكن الاستغفار والدعاء له على حسب ما يليق بحاله ، فيدعو للصغير بالهداية وللميت بالرحمة والمغفرة ، ونحو ذلك.
ولا يسقط الحق بإباحة الإنسان عرضه للناس لأنه عفو عما لم يجب ، وقد صرح الفقهاء بأن من أباح قذف نفسه لم يسقط حقه من حده ، وما روي عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم ، كان إذا خرج من بيته قال : اللهم إني تصدقت بعرضي على الناس ، معناه أني لا أطلب مظلمته في القيامة ، ولا أخاصم عليها لا أن غيبته صارت بذلك حلالا ، وتجب النية لها كباقي الكفارات ، والله الموفق انتهى كلامه.
الحديث الخامس : صحيح.
« في طينة خبال » قال في النهاية : فيه من شرب الخمر سقاه الله من طينة الخبال يوم القيامة ، جاء تفسيره في الحديث : أن الخبال عصارة أهل النار والخبال في الأصل الفساد ، ويكون في الأفعال والأبدان والعقول ، وقال الجوهري : والخبال أيضا الفساد ، وأما الذي في الحديث من قفا مؤمنا بما ليس فيه وقفه الله في روغة الخبال حتى يجيء بالمخرج عنه ، فيقال : هو صديد أهل النار ، قوله : قفا أي قذف ، والروغة الطينة ، انتهى.
« حتى يخرج مما قال » لعل المراد به الدوام والخلود فيها إذ لا يمكنه إثبات
الخبال قال صديد يخرج من فروج المومسات.
٦ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن العباس بن عامر ، عن أبان ، عن رجل لا نعلمه إلا يحيى الأزرق قال قال لي أبو الحسن صلوات الله عليه من ذكر
ذلك ، والخروج منه لكونه بهتانا ، أو المراد به خروجه من دنس الإثم بتطهير النار له ، وقال الطيبي في شرح المشكاة : حتى يخرج مما قال ، أي يتوب منه أو يتطهر.
أقول : لعل مراده التوبة قبل ذلك في الدنيا ، ولا يخفى بعده ، وفي النهاية فيه : حتى تنظر في وجوه المومسات ، المومسة : الفاجرة وتجمع على ميامس أيضا وموامس ، وقد اختلف في أصل هذه اللفظة فبعضهم يجعله من الهمزة وبعضهم يجعله من الواو وكل منهما تكلف له اشتقاقا فيه بعد ، انتهى.
وفي الصحاح :صديد الجرح ماؤه الرقيق المختلط بالدم قبل أن تغلظ المدة وإنما عبر عن الصديد بالطينة لأنه يخرج من البدن وكان جزؤه ونسب إلى الفساد لأنه إنما خرج عنها لفساد عملها أو لفساد أصل طينتها.
الحديث السادس : مجهول.
« مما عرفه الناس » أي اشتهر به ، فلو عرفه السامع أيضا فلا ريب أنه ليس بغيبة ، ولو لم يعرفه السامع وكان مشهورا به ولا يبالي بذكره فهو أيضا كذلك ، ولو كان مما يحزنه ففيه إشكال ، وقد مر القول فيه ، والجواز أقوى والترك أحوط وهذا إذا لم يرتدع منه ولم يتب ، وأما مع التوبة وظهور آثار الندامة فيه فالظاهر عدم الجواز وإن اشتهر بذلك وأقيم عليه الحد ، ويدل أيضا على جواز ذكر الألقاب المشهورة كالأعمى والأعور كما عرفت ، ويحتمل الخبر وجهان آخر ، وهو أن يكون المراد بالناس من يذكر عندهم الغيبة وإن لم يعرفها غيرهم ، ولم يكن مشهورا بذلك لكنه بعيد.
رجلا من خلفه بما هو فيه مما عرفه الناس لم يغتبه ومن ذكره من خلفه بما هو فيه مما لا يعرفه الناس اغتابه ومن ذكره بما ليس فيه فقد بهته.
٧ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس بن عبد الرحمن ، عن عبد الرحمن بن سيابة قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول الغيبة أن تقول في أخيك ما ستره الله عليه وأما الأمر الظاهر فيه مثل الحدة والعجلة فلا والبهتان أن تقول فيه ما ليس فيه.
* * *
وقوله عليهالسلام : من خلفه يدل على أنه لو ذكره في حضوره بما يسوؤه لم تكن غيبة وإن كان حراما لأنه لا يجوز إيذاء المؤمن بل هو أشد من الغيبة ، وفي القاموسبهته كمنعه بهتا وبهتانا : قال عليه ما لم يفعل ، والبهيتة الباطل الذي يتحير من بطلانه ، والكذب كالبهت بالضم.
الحديث السابع : كالسابق.
وفي القاموس :الحدة بالكسر ما يعتري الإنسان من الغضب والنزق ، والعجلة بالتحريك السرعة والمبادرة في الأمور من غير تأمل ، ويفهم منه ومما سبق أن البهتان يشمل الحضور والغيبة.
ثم ما ذكر في هذه الأخبار أنها ليست بغيبة ، يحتمل أن يكون المراد أنها ليست بغيبة محرمة أو ليست بغيبة أصلا ، فإنها حقيقة شرعية في المحرمة غير البهتان وما كان بحضور الإنسان ، وقد يقال في البهتان أنها غيبة وبهتان ، وتجتمع عليه العقوبتان وهو بعيد.
إلى هنا ينتهي الجزء العاشر ـ حسب تجزئتنا ـ من هذه الطبعة ، ويليه الجزء الحادي عشر ـ إن شاء الله تعالى ـ وأوله « باب الرواية على المؤمن » وقد فرغت من تصحيحه والتعليق عليه في اليوم العشرين من شهر جمادى الثانية ـ يوم ولادة فاطمة سلام الله عليها ـ من شهور سنة ١٣٩٨ من الهجرة النبوية ، والحمد لله أولا وآخرا.
وأنا العبد السيد هاشم الرسولي المحلاتي عفي عنه |
الفهرست
رقم الصفحة |
العنوان |
عدد الأحاديث |
١ |
باب الكبائر |
٢٤ |
٦٨ |
باب استصغار الذنب |
٣ |
٧٠ |
باب الإصرار على الذنب |
٣ |
٧٣ |
باب في أصول الكفر وأركانه |
١٤ |
٨٧ |
باب الرياء |
١٨ |
١١٨ |
باب طلب الرئاسة |
٨ |
١٢٦ |
باب اختتال الدنيا بالدين |
١ |
١٢٧ |
باب من وصف عدلا وعمل بغيره |
٥ |
١٣٠ |
باب المراء والخصومة ومعاداة الرجال |
١٢ |
١٤١ |
باب الغضب |
١٥ |
١٥٧ |
باب الحسد |
٧ |
١٧٣ |
باب العصبية |
٧ |
١٨٢ |
باب الكبر |
١٧ |
٢١٨ |
باب العجب |
٨ |
٢٢٨ |
باب حب الدنيا والحرص عليها |
١٧ |
٢٥٨ |
باب الطمع |
٤ |
٢٥٩ |
باب الخرق |
٢ |
٢٦٠ |
باب سوء الخلق |
٥ |
٢٦٢ |
باب السفه |
٤ |
رقم الصفحة |
العنوان |
عدد الأحاديث |
٢٦٩ |
باب البذاء |
١٤ |
٢٨٠ |
باب من يتقى شره |
٤ |
٢٨٢ |
باب البغي |
٤ |
٢٨٦ |
باب الفخر والكبر |
٦ |
٢٩٣ |
باب القسوة |
٣ |
٢٩٥ |
باب الظلم |
٢٣ |
٣١٠ |
باب اتباع الهوى |
٤ |
٣١٨ |
باب المكر والغدر والخديعة |
٦ |
٣٢٥ |
باب الكذب |
٢٢ |
٣٥٣ |
باب ذي اللسانين |
٣ |
٣٥٩ |
باب الهجرة |
٧ |
٣٦٤ |
باب قطيعة الرحم |
٨ |
٣٧٠ |
باب العقوق |
٩ |
٣٧٦ |
باب الانتفاء |
٣ |
٣٧٧ |
باب من آذى المسلمين واحتقرهم |
١١ |
٣٩٩ |
باب من طلب عثرات المؤمنين وعوراتهم |
٧ |
٤٠٣ |
باب التعيير |
٤ |
٤٠٦ |
باب الغيبة والبهت |
٧ |
الفهرس
(باب الكبائر) ١
باب الكبائر ١
باب استصغار الذنب ٦٨
باب الإصرار على الذنب ٧٠
(في أصول الكفر وأركانه) ٧٣
(باب الرياء) ٨٧
باب طلب الرئاسة ١١٨
باب اختتال الدنيا بالدين ١٢٦
باب المراء والخصومة ومعاداة الرجال ١٣٠
باب الغضب ١٤١
باب الحسد ١٥٧
باب العصبية ١٧٣
باب الكبر ١٨٢
باب العجب ٢١٨
باب حب الدنيا والحرص عليها ٢٢٨
(باب الطمع) ٢٥٨
باب الخرق ٢٥٩
باب سوء الخلق ٢٦٠
باب السفه ٢٦٢
باب البذاء ٢٦٩
باب من يتقى شره ٢٨٠
باب البغي ٢٨٢
باب الفخر والكبر ٢٨٦
باب القسوة ٢٩٣
باب الظلم ٢٩٥
باب اتباع الهوى ٣١٠
باب المكر والغدر والخديعة ٣١٨
باب الكذب ٣٢٥
باب ذي اللسانين ٣٥٣
باب الهجرة ٣٥٩
باب قطيعة الرحم ٣٦٤
باب العقوق ٣٧٠
باب الانتفاء ٣٧٦
باب من طلب عثرات المؤمنين وعوراتهم ٣٩٩
باب التعيير ٤٠٣
باب الغيبة والبهت ٤٠٦