مرآة العقول- الجزء 4
التجميع متون حديثية
الکاتب الشيخ محمّد باقر بن محمّد تقي ( العلامة المجلسي )
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404





حمداً خالداً لوليّ النعم حيث أسعدني بالقيام بنشر

هذا السفر القيم في الملأ الثقافي الديني بهذه الصورة الرائعة.

و لروّاد الفضيلة الذين و ازرونافي انجاز هذا المشروع المقدّس شكر متواصل.

الشيخ محمد الاخوندي


بسم الله الرحمن الرحيم

( باب )

( الإشارة والنص إلى صاحب الدارعليه‌السلام )

١ ـ عليُّ بن محمّد ، عن محمّد بن عليّ بن بلال قال خرج إليَّ من أبي محمّد قبل مضيّه بسنتين يخبرني بالخلف من بعده ثمَّ خرج إليَّ من قبل مضيّه بثلاثة أيّام يُخبرني بالخلف من بعده.

________________________________________________________

باب الإشارة والنص إلى صاحب الدارعليه‌السلام

أقول : المراد بالدار دار أبيه وجدّهعليهم‌السلام ، وكان يكنّى عنه بذلك لأنّهعليه‌السلام غاب فيه ، وما قيل : أنّ المراد به دار الدنيا لأنّ الإمام مالك الأرض فهو بعيد ، وفي بعض النسخ صاحب الزمان.

الحديث الأول : مختلف فيه ، لأنّ ابن بلال وثّقه الشيخ في الرّجال ، وقال في كتاب الغيبة أنّه من المذمومين.

وقال الطبرسي في إعلام الورى والسيد بن طاوس في ربيع الشيّعة أمّا غيبة الصغرى منهما فهي الّتي كانت فيها سفراؤه موجودين وأبوابه معروفين ، لا تختلف الإماميّة القائلون بإمامة الحسن بن عليّعليهما‌السلام فيهم ، فمنهم أبو هاشم الجعفري ، ومحمّد بن عليّ بن بلال ، إلى آخر ما قالا.

قوله : خرج إلىّ من أبي محمّد ، أي من جهته ، والفاعل محذوف ، أي كتاب أو خبر « قبل مضيّه » أي وفاته « يُخبرني » حال عن أبي محمّد ، وما قيل : من أنّ « من » اسم بمعنى بعض ، وعبارة « عمّن(١) » تختصّ بأبي محمّد كاختصاص البعض بالكلّ في الثقّة والأمانة فهو من الغرائب.

____________________

(١) كذا في النسخ وأنت ترى أن عبارة « عمّن » غير موجود في المتن ، فلعلّه كان في نسخة القائل هكذا « بالخلف عمن بعده » والله العالم.


٢ - محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن إسحاق ، عن أبي هاشم الجعفريّ قال قلت لأبي محمّدعليه‌السلام جلالتك تمنعني من مسألتك فتأذن لي أن أسألك فقال سل قلت يا سيّدي هل لك ولدٌ ؟ فقال نعم فقلت : فإن حدث بك حدثٌ فأين أسأل عنه ؟ قال : بالمدينة.

٣ - عليٌّ بن محمّد ، عن جعفر بن محمّد الكوفيّ ، عن جعفر بن محمّد المكفوف ، عن عمرو الأهوازيّ قال : أراني أبو محمّد ابنه وقال هذا صاحبكم من بعدي.

٤ - عليٌّ بن محمّد ، عن حمدان القلانسيّ قال : قلت للعمريّ : قد مضى أبو محمّد ؟ فقال لي قد مضى ولكن قد خلّف فيكم من رقبته مثل هذه وأشار بيده.

________________________________________________________

الحديث الثاني : صحيح.

« قال : بالمدينة » أي الطيّبة المعروفة ، ولعلّهعليه‌السلام علم أنّه يدركه أو خبراً منه في المدينة ، وقيل : اللام للعهد ، والمراد بها سرّ من رأى يعني أنّ سفراءه من أهل سرّ من رأى يعرفونه فسلهم عنه.

الحديث الثالث : ضعيف على المشهور ، والمكفوف : الأعمى ، والأهواز : بالفتح : تسع كور بين بصرة وفارس.

الحديث الرابع : ضعيف على المشهور ، مختلف فيه لأن حمدان القلانسي ذمّه النجاشي ، وروى الكشّي توثيقه عن العياشي ، والقلانسي : بيّاع القلنسوة ، والعمري بفتح العين وسكون الميم هو أول السفراء الأربعة بين الحجة عليه‌السلام ، وهو أبو عمر وعثمان بن سعيد ، وثانيهم ابنه أبو جعفر محمّد بن عثمان ، وثالثهم أبو القاسم الحسين بن روح النّوبختي ، ورابعهم أبو الحسن عليّ بن محمّد السمّري ، فلمّا حضرته الوفاة سئل أن يوصي فقال : لله أمر هو بالغه ، ومات رحمه‌الله سنة تسع وعشرين وثلاثمائة فوقعت الغيبة الكبرى التي نحن فيها ، ونسأل الله تعجيل الفرج وكشف الغمة عن هذه الأمّة.

« وأشار بيده » أي فرّج من كلّ من يديه إصبعيه الإبهام والسّبابة وفرّج


٥ - الحسين بن محمّد الأشعري ، عن معلّى بن محمّد ، عن أحمد بن محمّد بن عبد الله قال : خرج عن أبي محمّدعليه‌السلام حين قتل الزبيريّ لعنه الله : هذا جزاء من اجترأ على الله في أوليائه يزعم أنّه يقتلني وليس لي عقبٌ ، فكيف رأى قدرة الله فيه ؟ و ولد له ولدٌ سمّاه « م ح م د » في سنة ستّ وخمسين ومائتين.

________________________________________________________

بين اليدين كما هو الشائع عند العرب والعجم في الإشارة إلى غلظ الرقبة ، أي شابّ قويّ رقبته هكذا ، ويؤيّده أنّ في رواية الشيخ : وأو مي بيده ، وفي رواية أخرى رواه : قال : : قد رأيتهعليه‌السلام وعنقه هكذا ، يريد أنّه أغلظ الرقاب حسناً وتماماً. الخبر.

وقال أكثر الشارحين لعدم أنسهم بمصطلحات الحديث وعدم سماعه من أهله المراد بالرقبة القد والقامة ، وأشار إلى طول قامته تسمية للكل باسم الجزء ، وقال : بعضهم : طول الرقبة يعبر به عن الاستقلال والاستبداد بالأمر.

أقول : ويخطر بالبال معنى آخر وهو أنه أشار إلى رقبة نفسه كما ورد في بعض روايات إكمال الدين وأشار بيده إلى رقبته ، وفي هذا الخبر أيضا هكذا وأشار بيديه جميعاً إلى عنقه ، وإن احتمل في هذا أيضاً إرجاع الضمير إلى الإمامعليه‌السلام لكنه بعيد.

الحديث الخامس : ضعيف على المشهور ، والزبيري : كان لقب بعض الأشقياء من ولد الزبير كان في زمانهعليه‌السلام فهدّده وقتله الله على يد الخليفة أو غيره ، وصحف بعضهم وقرأ بفتح الزاء وكسرّ الباء من الزبير بمعنى الداهية كناية عن المهتدي العباسي ، حيث قتله الموالي ، وتقطيع الحروف لعدم جواز التسمية.

وتاريخ الولادة الشريفة في هذا الخبر مناف لما سيأتي في أبواب التاريخ في كلام المصنف حيث قال : : ولدعليه‌السلام للنصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين ، ولعلّه لم يعبره بهذه لأنه من كلام الراوي ، ويمكن الجمع بينهما بما شاع بين أهل الحساب من أنهم يسقطون الكسور لا سيّما إذا كانت أقل من النصف ، وقد يعدونها تامة لا سيما


٦ - عليّ بن محمّد ، عن الحسين ومحمّد ابني عليّ بن إبراهيم ، عن محمّد بن عليّ بن عبد الرحمن العبدي من عبد قيس ، عن ضوء بن عليّ العجليّ ، عن رجل من أهل فارس سمّاه قال : أتيت سامرّا ولزمت باب أبي محمّدعليه‌السلام فدعاني فدخلت عليه وسلّمت

________________________________________________________

إذا كانت أكثر من النصف ، ففي هذا الخبر عدّ الكسرّ تامّاً لكونه أكثر من النصف ، والمصنف أسقط الكسر وهذا أحسن مما قيل إنّه يمكن الجمع بينهما بكون الأولى منهما مبنياً على جعل مبدأ التاريخ الهجري غرّة ربيع الأوّل ، لأنّ مهاجرة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى المدينة كانت فيه واستمرّ إلى زمان خلافة عمر ، وكون الثاني منهما مبنياً على جعل مبدأ التاريخ غرّة المحرم الذي بعدّ ربيع الأوّل بعشرة أشهر ، قال : ابن الجوزي في التلقيح : وكان التاريخ من شهر ربيع الأوّل إلّا أنّهم ردّوه إلى المحرّم لأنّه أوّل السّنة « انتهى » لأن ما ذكره لا يدل على اختلاف في التاريخ مستمرا كما لا يخفى.

الحديث السادس : مجهول « سمّاه » أي العجلي ونسبة محمّد بن عليّ وعليّ بن إبراهيم إن كان هو المشهور ففي رواية الكليني عنه بواسطتين بعيد لكن قد يكون الرواية عن المعاصر بوسائط ، لا سيّما في أمثال هذه الأمور النادرة ، ويؤيده أن رواية الكليني مع قرب عهده عن رأي القائمعليه‌السلام في صغره لا يحتاج بحسب المرتبة إلى تلك الوسائط الكثيرة ، وعندي كتاب العلل تأليف محمّد بن عليّ بن إبراهيم القمي المشهور ، لكن الظّاهر أنّ المذكور هنا هو محمّد بن عليّ بن إبراهيم بن محمّد الهمداني وكان من وكلاء الناحية المقدسة كما سيأتي.

و « سامرّاء » بفتح الميم وتشديد الرّاء ، قال : في القاموس : سرّ من رأى بضم السين والراء أي سرور وبفتحهما ، أو بفتح الأوّل وضم الثاني ، وسامرا ومده البختري في الشعر أو كلاهما لحن ، وساء من رأى : بلد لما شرع في بنائه المعتصم ثقل ذلك على عسكره ، فلمّا انتقل بهم إليها سرّ كل منهم برؤيتها فلزمها هذا الاسم ، والنسبة سرّ مريّ وسامرّيّ وسرّي ، ( انتهى ).


فقال : ما الّذي أقدمك قال : قلت رغبة في خدمتك قال : فقال : لي فالزم الباب.

قال : فكنت في الدّار مع الخدم ثمَّ صرت أشتري لهم الحوائج من السوق وكنت أدخل عليهم من غير إذن إذا كان في الدَّار رجال قال : فدخلت عليه يوماً وهو في دار الرّجال فسمعت حركة في البيت فناداني مكانك لا تبرح فلم أجسرّ أن أدخل ولا أخرج فخرجت عليَّ جارية معها شيء مغطّى ثمَّ ناداني ادخل فدخلت ونادى الجارية فرجعت إليه فقال : لها اكشفي عمّا معك ، فكشفت عن غلام أبيض حسن الوجه وكشف عن بطنه فإذا شعر نابت من لبّته إلى سرَّته أخضر ليس بأسود ، فقال : هذا صاحبكم ، ثمَّ أمرها فحملته فما رأيته بعدّ ذلك حتى مضى أبو محمّدعليه‌السلام .

( باب )

( في تسمية من رآهعليه‌السلام )

١ - محمّد بن عبد الله ومحمّد بن يحيى جميعاً ، عن عبد الله بن جعفر الحميري قال : اجتمعت أنا والشيخ أبو عمرورحمه‌الله عند أحمد بن إسحاق فغمزني أحمد بن إسحاق أن أسأله عن الخلف فقلت له يا أبا عمرو إنّي أريد أن أسألك عن شيء وما أنا بشاكّ

________________________________________________________

« ما الّذي أقدمك » أي صار سبب قدومك من فارس إلى هذا البلد ، قال : « رغبة » أي أقدمتني الرغبة « في خدمتك ».

« حركة » قيل : أي حركة غير مأنوسة كحركة الطست والماء لتغسيل مولود « مكانك » منصوب أي الزم مكانك « لا تبرح » تأكيد أي لا تتحركّ لا إلى داخل ولا إلى خارج ، « لم أجسرّ » أي لم أجترء ، واللبّة بفتح اللّام وتشديد الباء : الوهدة(١) فوق الصدر.

باب في تسمية من رآه (ع)

الحديث الأوّل : صحيح وسنده الآتي مرسل.

والغمز : العصر باليد ، والإشارة بالعين أو الحاجب.

__________________

(١) الوحدة : المكان المنخفض.


فيما اُريد أن أسألك عنه ، فإنَّ اعتقادي وديني أنَّ الأرض لا تخلو من حجّة إلّا إذا كان قبل يوم القيامة بأربعين يوماً فإذا كان ذلك رفعت الحجّةوأغلق باب التوبة فلم يك ينفع نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً فاُولئك أشرار من خلق الله عز وجل وهم الذين تقوم عليهم القيامة ولكنّي أحببت أن أزداد يقيناً وإنَّ إبراهيمعليه‌السلام سأل ربّه عزَّ وجلَّ أن يريه كيف يحيي الموتى قال : أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قال : بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي وقد أخبرني أبو عليّ أحمد بن إسحاق عن أبي الحسنعليه‌السلام قال : سألته وقلت من أعامل أو عمّن آخذ وقول من أقبل؟

________________________________________________________

« رفعت الحجّة » أي القرآن والكعبة والإمام ، وفي بعض النسخ ، وقعت الحجّة ، أي تمت الحجّة على العباد وارتفع تكليفهم ، ولعلّ الأربعين من مبادئ القيامة وتقع الفتن فيها كخروج الدّابة وغيره ، فما مرّ من أنه لو بقي في الأرض اثنان لكان أحدهما الحجّة ، مخصوص بزمان التكليف وكذا قولهم : لو بقيت الأرض بغير حجّة لساخت ، على أنه يمكن أن يكون السوخ كناية عن وقوع تلك الفتن ، ويمكن أيضاً تخصيص الأخبار بغير الأربعين وإن بقيت التكليف فيها ، والأوّل أظهر.

و «إِيمانُها » فاعل ينفع و «لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ » صفة و «أَوْ كَسَبَتْ » عطف على آمنت يعني إذا تحققت هذه الآية التي هي من آيات الساعة لا ينفع الإيمان حينئذ نفساً لم يؤمن من قبل هذه الآية أو آمنت ولم تكسب في إيمانها خيراً من قبل ارتفاع التكليف.

« فأولئك أشرار من خلق الله » من اسم موصول أو حرف جرّ للتبعيض « تقوم عليهم القيامة » أي بعدّ موتهم بنفخ الصور تقوم القيامة.

وقوله : « وأنّ إبراهيم » استشهاد لأنّ سؤاله ليس بسبب الشكّ ، بل لتحصيل زيادة اليقين ، ويدلّ على أنّ اليقين قابل للشدّة والضعف كما سيأتي تحقيقه في كتاب الإيمان والكفر « من أعامل » أي في أمور الدين أو عمّن آخذ؟ الترديد من الرّاوي


فقال له : العمري ثقتي فما أدَّى إليك عنّي فعنّي يؤدّي وما قال : لك عنّي فعنّي يقول ، فاسمع له وأطع ، فإنّه الثقة المأمون ، وأخبرني أبو عليّ أنّه سأل أبا محمّدعليه‌السلام عن مثل ذلك ، فقال : له العمريُّ وابنه ثقتان ، فما أدّيا إليك عنّي فعنّي يؤديّان وما قالا لك فعنّي يقولان فاسمع لهما وأطعهما فإنّهما الثقتان المأمونان ، فهذا قول إمامين قد مضيا فيك.

قال : فخرّ أبو عمرو ساجداً وبكى ثمَّ قال : سل حاجتك فقلت له أنت رأيت الخلف من بعدّ أبي محمّدعليه‌السلام فقال : إي والله ورقبته مثل ذا وأومأ بيده فقلت له فبقيت واحدة فقال : لي هات قلت فالاسم قال : محرَّم عليكم أن تسألوا عن ذلك ولا أقول هذا من عندي فليس لي أن أحلّل ولا أحرّم ، ولكن عنهعليه‌السلام ، فإنّ الأمر عند السلطان ، أنَّ أبا محمّد مضى ولم يخلف ولداً وقسم ميراثه وأخذه من لا حقَّ له فيه وهو ذا عياله يجولون ليس أحدٌ يجسر أن يتعرف إليهم أو ينيلهم شيئاً وإذا وقع الاسم وقع الطلب فاتّقوا الله وأمسكوا عن ذلك.

________________________________________________________

« وإبنه » يعني محمّد بن عثمان وهو ثاني السفراء الأربعة و « فيك » متعلق بقول ، والسجدة للشكر ، والبكاء للسرور أو للحزن لفوت الإمامينعليهما‌السلام .

« واحدة » أي مسألة واحدة « هات » اسم فعل بمعنى أعطني المسألة « فالاسم » أي فما الاسم « فليس لي » كان الفاء للتعليل وضمير « عنه » للحجّةعليه‌السلام أي مأخوذ عنه ، والسلطان المعتمد العباسي محمّد بن المتوكّل ، صار خليفة يوم الخميس الثاني عشر من رجب سنة ستّ وخمسين ومائتين ، « وأخذه » أي الميراث « من لا حقَّ له » أي جعفر الكذّاب « يجولون » أي يتردّدون لحاجتهم « يجسرّ » أي يجترئ « أن يتعرف إليهم » أي يظهر معرفتهم ويألف بهم « أو ينيلهم » أي يعطيهم وهذا التعليل يعطي اختصاص تحريم الاسم بزمان الغيبة الصغرى ، لكن علل الشرع معرّفات ، ويمكن أن يكون للتحريم علل كثيرة بعضها غير مختصّة بزمان ، مع وقوع التصريح بالحرمة إلى خروجهعليه‌السلام ، ولا ريب أن الأحوط ترك التسمية مطلقا.


قال : الكلينيُّرحمه‌الله وحدثني شيخ من أصحابنا ذهب عنّي اسمه أنَّ أبا عمرو سأل عن أحمد بن إسحاق عن مثل هذا فأجاب بمثل هذا.

٢ - عليُّ بن محمّد ، عن محمّد بن إسماعيل بن موسى بن جعفر وكان أسن شيخ من ولد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالعراق فقال : رأيته بين المسجدين وهو غلامعليه‌السلام .

٣ - محمّد بن يحيى ، عن الحسين بن رزق الله أبو عبد الله قال : حدَّثني موسى بن محمّد بن القاسم بن حمزة بن موسى بن جعفر قال : حدَّثتني حكيمة ابنة محمّد بن عليّ وهي عمة أبيه أنها رأته ليلة مولده وبعدّ ذلك.

________________________________________________________

الحديث الثاني مجهول « رأيته » أي القائمعليه‌السلام بين المسجدين أي بين المكة والمدينة ، أو بين مسجديهما ، والمال واحد ، أو بين مسجدي الكوفة والسهلة ، أو بين السهلة والصعصعة كما صرّح بهما في بعض الأخبار ، « وهو غلام » أي لم تنبت لحيته بعد.

الحديث الثالث مجهول ، وضمائر « أبيه » و « رأته » و « مولده » للقائمعليه‌السلام .

والكلينيُّرحمه‌الله أجمل القصّة وهي طويلة مشهورة مذكورة في كتب الغيبة.

فمنها ما رواه الصدوق في كتاب إكمال الدين بهذا السند ، حيث رواه عن محمّد بن الحسن بن الوليد عن محمّد بن عيسى ، عن الحسين بن رزق الله ، عن موسى بن محمّد بن القاسم ، قال : : حدَّثتني حكيمة بنت محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفرعليهما‌السلام ، قالت : بعث إلىّ أبو محمّد الحسن بن عليّعليهما‌السلام فقال : : يا عمّة اجعليّ إفطارك الليلة عندنا ، فإنها ليلة النصف من شعبان ، وإن الله تبارك وتعالى سيظهر في هذه الليلة الحجّة ، وهو حجّته في أرضه ، قالت : فقلت له : ومن أمّه ، قال : لي : نرجس ، قلت له : والله جعلني الله فداك ما بها أثر فقال : : هو ما أقول لك ، قالت : فجئت فلمّا سلّمت وجلست جاءت تنزع خفي وقالت لي : يا سيدتي كيف أمسيت؟ فقلت : بل أنت سيدتي وسيدة أهلي قالت : فأنكرت قولي وقالت : ما هذا يا عمة؟ قالت : فقلت لها : يا بنية إن الله سيهب لك في ليلتك هذه غلاماً سيّداً في الدنيا والآخرة ، قالت : فجلست واستحيت فلمّا أن فرغت من صلاة العشاء الآخرة أفطرت وأخذت مضجعي ، فرقدت فلمّا أن


________________________________________________________

كان في جوف الليل قمت إلى الصلاة ففرغت من صلاتي وهي نائمة ليس بها حادث ثمَّ جلست معقبة ثمَّ اضطجعت ثمَّ انتبهت فزعة وهي راقدة ، ثمَّ قامت فصلّت ونامت.

قالت حكيمة : فدخلتني الشكوك فصاح بي أبو محمّدعليه‌السلام من المجلس فقال : : لا تعجلي يا عمّة فإن الأمرّ قد قرب ، قالت : فقرأت : الم السّجدة ، ويس ، فبينما أنا كذلك إذا انتبهت فزعة فوثبت إليها فقلت : اسم الله عليك ثمَّ قلت لها : تحسين شيئاً؟ قالت : نعم يا عمّة فقلت لها : اجمعي نفسك واجمعي قلبك فهو ما قلت لك قالت حكيمة ثمَّ أخذتني فترة وأخذتها فترة فانتبهت بحسّ سيّدي ، فكشفت الثوب عنه فإذا أنا بهعليه‌السلام ساجداً يتلقى الأرض بمساجده ، فضممتهعليه‌السلام فإذا أنا به نظيف منظف ، فصاح بي أبو محمّدعليه‌السلام هلمي إلى ابني يا عمّة ، فجئت به إليه فوضع يده تحت أليته وظهره ، ووضع قدميه على صدره ، ثمَّ أدلى لسانه في فيه وأمرّ يده على عينه وسمعه ومفاصله ثمَّ قال : : تكلّم يا بنيّ ، فقال : : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ثمَّ صلى على أمير المؤمنين وعلى الأئمةعليهم‌السلام حتى وقف على أبيه ثمَّ أحجم(١) .

ثمَّ قال : أبو محمّدعليه‌السلام : يا عمّة اذهبي به إلى أمه ليسلم عليها وائتيني به ، فذهبت به فسلم عليها ورددته ووضعته في المجلس ، ثمَّ قال : : يا عمّة إذا كان يوم السابع فأتينا ، قالت : فلمّا أصبحت جئت لأسلم على أبي محمّدعليه‌السلام فكشفت الستر لأفتقد سيّديعليه‌السلام فلم أره فقلت له : جعلت فداك ما فعل سيّدي؟ قال : : يا عمّة استودعناه الّذي استودعته أم موسىعليه‌السلام .

قالت حكيمة : فلمّا كان اليوم السابع جئت وسلّمت وجلست فقالت : هلمي إلى ابنيّ ، فجئت بسيّدي في الخرقة ففعل به كفعلته الأولى ، ثمَّ أدلى لسانه في فيه كأنه يغذيّه لبناً أو عسلا ثمَّ قال : : تكلّم يا بنيّ ، فقال :عليه‌السلام : أشهد أن لا إله إلّا الله

__________________

(١) أحجم عن الشيء : كف.


٤ - عليُّ بن محمّد ، عن حمدان القلانسيّ قال : قلت للعمريّ : قد مضى أبو محمّدعليه‌السلام فقال : قد مضى ولكن قد خلف فيكم من رقبته مثل هذا وأشار بيده.

٥ - عليُّ بن محمّد ، عن فتح مولى الزراري قال : سمعت أبا عليّ بن مطهّر يذكر أنّه قد رآه ووصف له قدَّه.

٦ - عليُّ بن محمّد ، عن محمّد بن شاذان بن نعيم ، عن خادم لإبراهيم بن عبدة النيسابوري أنها قالت كنت واقفة مع إبراهيم على الصفا فجاءعليه‌السلام حتى وقف على إبراهيم وقبض على كتاب مناسكه وحدّثه بأشياء.

٧ - عليُّ بن محمّد ، عن محمّد بن عليّ بن إبراهيم ، عن أبي عبد الله بن صالح أنّه

________________________________________________________

وثنّى بالصلاة على محمّد وعلى أمير المؤمنين والأئمة صلوات الله عليهم أجمعين حتى وقف على أبيهعليه‌السلام ثمَّ تلا هذه الآية : «بسم الله الرحمن الرحيم وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ »(١) قال موسى : فسألت عقبة الخادم عن هذا فقال : صدقت حكيمة.

وفي روايات أخر عن حكيمة أنّها رأتهعليه‌السلام بعدّ ذلك مراراً ، وكانت تراهعليه‌السلام في أيّام إمامته أيضاً ، وكانت من السفراء وتسأل للناس المسائل ، وتأتي إليهم بجوابها ، وقد أوردت سائر الأخبار في ذلك في كتاب بحار الأنوار.

الحديث الرابع : مختلف فيه ، وقد مضى بعينه في الباب السابق.

الحديث الخامس : مجهول ، والقدّ : قامة الإنسان.

الحديث السادس : مجهول والنيسابور بالفتح معرّب نيشابور.

الحديث السابع : صحيح على الظاهر لأن محمّد بن عليّ هو ابن إبراهيم بن محمّد الهمداني وأبو عبد الله لعلّه هارون بن عمران ، لأنّ النجاشي قال : : محمّد بن عليّ بن إبراهيم بن محمّد الهمداني وهو وكيل الناحية وأبوه وكيل الناحية وجدّه وكيل

__________________

(١) سورة القصص : ٥.


رآه عند الحجر الأسود والناس يتجاذبون عليه وهو يقول ما بهذا أمروا.

٨ - عليٌ ، عن أبي عليّ أحمد بن إبراهيم بن إدريس ، عن أبيه أنه قال : رأيتهعليه‌السلام بعدّ مضيّ أبي محمّد حين أيفع وقبّلت يديه ورأسه.

٩ - عليٌ ، عن أبي عبد الله بن صالح وأحمد بن النضر ، عن القنبريّ - رجل من ولد قنبر الكبير - مولى أبي الحسن الرضاعليه‌السلام قال : جرى حديث جعفر بن عليّ فذمّه ، فقلت له فليس غيره فهل رأيته فقال : لم أره ولكن رآه غيري قلت :

________________________________________________________

الناحية وابنه القاسم وكيل الناحية قال : : وكان في وقت القاسم بهمدان معه أبو عليّ بسطام بن عليّ والعزيز بن زهير ثلاثتهم وكلاء في موضع واحد بهمدان وكانوا يرجعون في هذا إلى أبي محمّد الحسن بن هارون الهمداني وعن رأيه يصدرون ومن قبله عن رأي أبيه أبي عبد الله هارون وكان أبو عبد الله وابنه أبو محمّد وكيلين ، انتهى.

وفي كثير من أخبار الغيبة مكان أبي عبد الله بن صالح ، محمّد بن صالح بن محمّد ، وفي إعلام الورى أنه كان من وكلاء القائمعليه‌السلام ويحتمل أن يكون هذا هو القنبري الّذي سيأتي ولو كان أبو عبد الله غير الأولين فالحديث مجهول.

« يتجاذبون عليه » أي يتنازعون ويجذب بعضهم بعضاً للوصول إلى الحجر ، « ما بهذا أمروا » أي بهذا التجاذب والتنازع ، فإن أمكن بدون ذلك الوصول إليه وإلّا فليكتف بالإيماء.

الحديث الثامن : مجهول.

يفع الغلام وأيفع ارتفع أو راهق العشرين.

الحديث التاسع مجهول.

مولى أبي الحسن صفة القنبري ، وقنبر الكبير هو مولى أمير المؤمنينعليه‌السلام ولا يبعدّ بقاء مولى الرضا إلى هذا الزمان ، ويحتمل أن يكون صفة قنبر وفي إكمال الدين محمّد بن صالح بن عليّ بن محمّد بن قنبر الكبير.

« فليس غيره » أي ليس من يمكن ظنّ الإمامة به غير جعفر ، وضمير « رأيته »


ومن رآه : قال : قد رآه جعفرٌ مرَّتين وله حديثٌ.

________________________________________________________

راجع إلى غيره « قد رآه جعفر » أي الكذّاب « مرَّتين وله حديث » أي قصّة معروفة في رؤيته.

وهي ما رواه الصدوق في إكمال الدين بإسناده عن القنبري قال : : خرج صاحب الزّمان على جعفر الكذّاب من موضع لم يعلم به عند ما نازع في الميراث عند مضي أبي محمّدعليه‌السلام فقال : له : يا جعفر ما لك تعرض في حقوقي؟ فتحيّر جعفر وبهت ، ثمَّ غاب عنه فطلب جعفر بعدّ ذلك في الناس فلم يره ، فلمّا ماتت الجدَّة أمّ الحسن أمرت أن تدفن في الدّار فنازعهم وقال : : هي داري لا تدفن فيها ، فخرجعليه‌السلام فقال : له : يا جعفر دارك هي ، ثمَّ غاب فلم يره بعدّ ذلك ، فهاتان هما المرتان اللتان وردتا في هذا الخبر.

لكن ورد في بعض الأخبار أنه رآهعليه‌السلام مرة أخرى أيضاً وهو ما رواه الصدوقرحمه‌الله أيضاً عن أبي الأديان قال : : كنت أخدم الحسن بن عليّ العسكريعليه‌السلام وأحمل كتبه إلى الأمصار ، فدخلت إليه في علته الّتي توفي فيها صلوات الله عليه فكتب معي كتبا وقال : : تمضي بها إلى المدائن فإنك ستغيب خمسة عشر يوماً فتدخل إلى سرّ من رأى يوم الخامس عشر وتسمع الواعية(١) في داري ، وتجدني على المغتسل ، قال : أبو الأديان : فقلت : يا سيّدي فإذا كان ذلك فمن؟ قال : : من طالبك بجوابات كتبي فهو القائم بعدي ، فقلت : زدني فقال : : من يصلّي عليّ فهو القائم بعدي ، فقلت : زدني فقال : : من أخبر بما في الهميان فهو القائم بعدي ، ثمَّ منعتني هيبته أن أسأله ما في الهميان وخرجت بالكتب إلى المدائن وأخذت جواباتها ، ودخلت سرّ من رأى يوم الخامس عشر كما قال : ليعليه‌السلام ، فإذا أنا بالواعية في داره وإذا أنا بجعفر بن عليّ أخيه بباب الدّار والشيعة حوله يعزّونه ويهنّونه ، فقلت في نفسي : إن يكن الإمام فقد بطلت الإمامة لأني كنت أعرفه بشرب النبيذ ويقامرّ في الجوسق(٢)

__________________

(١) الواعية : الصراخ على الميّت.

(٢) الجوسق : القصر.


١٠ - عليُّ بن محمّد ، عن أبي محمّد الوجناني أنّه أخبرني عمّن رآه أنّه خرج من الدّار قبل الحادث بعشرة أيّام وهو يقول اللّهمّ إنّك تعلم أنّها من أحبّ البقاع لو لا الطرد ، أو كلام هذا نحوه

________________________________________________________

ويلعب بالطنبور فتقدّمت فعزّيت وهنّيت فلم يسئلني عن شيء ، ثمَّ خرج عقيد فقال : يا سيّدي قد كفّن أخوك فقم للصلاة عليه(١) فدخل جعفر بن عليّ والشيعة من حوله يقدّمهم السمان والحسن بن عليّ قتيل المعتصم المعروف بسلمة.

فلمّا صرنا بالدّار إذا نحن بالحسن بن عليّ صلوات الله عليه علىّ نعشه مكفّناً فتقدم جعفر بن عليّ ليصلّي على أخيه فلمّا هم بالتكبير خرج صبيّ بوجهه سمرة ،(٢) بشعره قطط بأسنانه تفليج فجبذ رداء جعفر بن عليّ وقال : : تأخر يا عم فأنا أحقَّ بالصلاة على أبي ، فتأخر جعفر وقد أربدّ وجهه(٣) فتقدّم الصبيّ فصلّى عليه ودفن إلى جانب قبر أبيه ، ثمَّ قال : : يا بصري هات جوابات الكتب التي معك فدفعتها إليه ، وقلت في نفسي : هذه اثنتان ، بقي الهميان ، ثمَّ خرجت إلى جعفر بن عليّ وهو يزفر(٤) فقال : له حاجز الوشاء : يا سيّدي من الصبيّ لنقيم عليه الحجة؟ فقال : : والله ما رأيته قط ولا عرفته ، إلى آخر الخبر.

الحديث العاشر : مجهول.

« عمّن رآه » أي القائمعليه‌السلام « قبل الحادث » أي وفاة أبي محمّدعليه‌السلام أو التجسس له من السلطان والتفحص عنه ووقوع الغيبة الصغرى « أنها » أي الدّار أو مدينة سرّ من رأى « لو لا الطرد » أي دفع الظالمين إياي.

__________________

(١) وفي المصدر « فقم فصلّ عليه ».

(٢) السمرة : ما بين السواد والبياض ، وبالفارسية « گندمگون ». وقط الشعر قط الشعر قططاً : كان قصيراً جعداً. والفلج - بالتحريك - تباعدّ ما بين الثنايا والرباعيات ، وفي وصف النبيّ (ص) كان مفلج الأسنان. وجبذ بمعنى جذب.

(٣) اربدّ وجهه : تغيّر.

(٤) زفر الرجل : أخرج نفسه مع مدّه يداه.


١١ - عليُّ بن محمّد ، عن عليّ بن قيس ، عن بعض جلاوزة السواد قال : شاهدت سيماء آنفاً بسرّ من رأى وقد كسرّ باب الدّار فخرج عليه وبيده طبرزين فقال : له - ما تصنع في داري فقال : سيماء إن جعفراً زعم أن أباك مضى ولا ولد له فإن كانت دارك فقد انصرفت عنك فخرج عن الدّار قال : : عليّ بن قيس فخرج علينا خادم من خدم الدّار فسألته عن هذا الخبر فقال : لي من حدَّثك بهذا ؟ فقلت له حدَّثني بعض جلاوزة السواد فقال : لي لا يكاد يخفى على الناس شيء.

١٢ - عليّ بن محمّد ، عن جعفر بن محمّد الكوفيّ ، عن جعفر بن محمّد المكفوف ، عن عمرو الأهوازي قال : أرانيه أبو محمّدعليه‌السلام وقال : هذا صاحبكم.

١٣ - محمّد بن يحيى ، عن الحسن بن عليّ النيسابوريّ ، عن إبراهيم بن محمد

________________________________________________________

الحديث الحادي عشر : مجهول أيضا.

« الجلاوزة » بفتح الجيم وكسرّ الواو جمع الجلواذ بالكسرّ وهو الشرطي كتركي وجهني ، وهم طائفة من أعوان الولاة ، أو هم أوّل كتيبة تشهد الحرب ، والظاهر أنهم الذين يقال : لهم بالفارسية « يسأوّل » ويقال : لأرض العراق « السواد » لخضرتها وكثرة الأشجار فيها ، وفي القاموس : السواد من البلدة قرأها ، واسم رستاق العراق ، « وسيماء » بالكسرّ والمد اسم بعض خدم الخليفة بعثه لضبط الأموال لجعفر الكذّاب ، أو لتفحص أنه هل لأبي محمّدعليه‌السلام ولد أو بعض خدم جعفر ، وفي غيبة الشيخ بسيم ، فلمّا لم يفتحوا الباب كسره ، والطبرزين آلة معروفة للحرب والضرب ، وتعجب الخادم من انتشار الخبر لأن أهل الدّار كانوا يخفون ذلك تقية ، وسيماء يخفيه لمصلحة مولاه عن غيره.

الحديث الثاني عشر : ضعيف وقد مرّ في الباب السابق.

الحديث الثالث عشر : مجهول ، والظاهر أن ظريفاً كان خادم أبيهعليهما‌السلام وتفصيل هذه القصّة مرويّ في كشف الغمّة قال : : رأيته وهو في المهد ، فقال : ائتني


بن عبد الله بن موسى بن جعفر ، عن أبي نصر ظريف الخادم أنه رآه.

١٤ - عليُّ بن محمّد ، عن محمّد والحسن ابنيّ عليّ بن إبراهيم أنّهما حدَّثاه في سنة تسع وسبعين ومائتين ، عن محمّد بن عبد الرحمن العبدي ، عن ضوء بن عليّ العجليّ ، عن رجل من أهل فارس سمّاه أن أبا محمّد أراه إياه.

١٥ - عليُّ بن محمّد ، عن أبي أحمد بن راشد ، عن بعض أهل المدائن قال : كنت حاجّاً مع رفيق لي فوافينا إلى الموقف فإذا شابٌّ قاعدّ عليه إزار ورداء وفي رجليه نعل صفراء قوّمت الإزار والرداء بمائة وخمسين ديناراً وليس عليه أثر السفر فدنا منا سائل فرددناه فدنا من الشاب فسأله فحمل شيئاً من الأرض وناوله فدعا له السائل واجتهد في الدعاء وأطال فقام الشاب وغاب عنّا فدنونا من السائل فقلنا له ويحك ما أعطاك فأرانا حصاة ذهب مضرسة قدَّرناها عشرين مثقالاً فقلت لصاحبي مولانا عندنا ونحن لا ندري ثمَّ ذهبنا في طلبه فدرنا الموقف كله فلم نقدر عليه فسألنا كل من كان حوله من أهل مكة والمدينة فقالوا شابٌّ علويٌّ يحج في كل سنة ماشياً.

________________________________________________________

بصندل(١) أحمرّ فأتيته به فقال : لي : أتعرفني؟ قلت : نعم أنت سيّدي وابن سيّدي ، فقال : : لم أسألك عن هذا ، فقلت : فسرّ لي فقال : أنا خاتم الأوصياء وبي يرفع الله البلاء عن أهلي وشيعتي.

الحديث الرابع عشر : مجهول وقد مرّ مفصلاً في الباب السابق واقتصر هنا على قدر الحاجة وفي السند السابق كان عن الحسين ومحمّد ابنيّ عليّ بن إبراهيم وهنا عن محمّد والحسن ، وأحدهما تصحيف من النساخ فتفطن.

الحديث الخامس عشر : مجهول أيضاً « فوافينا » أي انتهينا ، وأصل الموافاة أداء الحقَّ بتمامه « إلى الموقف » أي عرفات « ويحك » نداء للتعجب « مضرّسة » أي كانت على هيئة الحصاة التي أخذها ذات أضراس « مولانا » أي القائمعليه‌السلام وإنّما عرفوا ذلك لظهور المعجز على يده صلوات الله عليه.

__________________

(١) الصندل : خشبة طيّب الرائحة ومرغوب فيه جدّا وهو من الأدوية ، أحرّه الأحمرّ ثمَّ الأصفر وأبرده الأبيض.


( باب في النهي عن الاسم )

١ - عليُّ بن محمّد عمّن ذكره ، عن محمّد بن أحمد العلوي ، عن داود بن القاسم الجعفري قال : سمعت أبا الحسن العسكريعليه‌السلام يقول الخلف من بعدي الحسن فكيف لكم بالخلف من بعدّ الخلف فقلت ولم جعلني الله فداك قال : إنّكم لا ترون شخصه ولا يحل لكم ذكره باسمه فقلت فكيف نذكره فقال : قولوا الحجّة من آل محمّد صلوات الله عليه وسلامه.

٢ - عليُّ بن محمّد ، عن أبي عبد الله الصالحيّ قال : سألني أصحابنا بعدّ مضيّ أبي محمّدعليه‌السلام أن أسأل عن الاسم والمكان فخرج الجواب إن دللتهم على الاسم أذاعوه وإن عرفوا المكان دلّوا عليه.

________________________________________________________

باب في النهي عن الاسم

الحديث الأوّل : مجهول ، وقد مرّ بعينه في آخر باب النص على أبي محمّدعليه‌السلام .

الحديث الثاني : وأبو عبد الله الصالحي هو أبو عبد الله بن الصالح الّذي تكلمنا فيه ، ويدل على أنه كان من السفراء ويحتمل أن يكون السؤال بتوسّط السفراء « أذاعوه » أي أفشوه بحيث يضرّ بالعيال والموالي « دلّوا » أي الأعداء « عليه » وفي التعليل إيماء باختصاص النهي بالغيبة الصغرى.

وهذا الإيماء لا يصلح لمعارضة الأخبار الصّريحة في التّعميم ، مثل ما رواه الصدوق بإسناده عن عبد العظيم الحسني عن أبي الحسن الثالثعليه‌السلام أنه قال : في القائمعليه‌السلام : لا يحل ذكره باسمه حتى يخرج فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً ، الخبر.

وما رواه بسند حسن عن الكاظمعليه‌السلام أنه قال : عند ذكر القائمعليه‌السلام : لا تحل لكم تسميته حتى يظهره الله عزَّ وجلَّ فيملأ به الأرض قسطاً وعدلا « الحديث ».

وبإسناده عن جابر عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : : فسأل عمر أمير المؤمنينعليه‌السلام عن المهدي؟ فقال : : يا بن أبي طالب أخبرني عن المهدي ما اسمه؟ قال : : أمّا اسمه فلا ،


٣ - عدَّةٌ من أصحابنا ، عن جعفر بن محمّد ، عن ابن فضّال ، عن الريّان بن الصلت قال : سمعت أبا الحسن الرضاعليه‌السلام يقول وسئل عن القائم فقال : لا يرى جسمه ، ولا يسمّى اسمه.

٤ - محمّد بن يحيى ، عن محمّد بن الحسين ، عن الحسن بن محبوب ، عن ابن رئاب

________________________________________________________

إنّ حبيبي وخليلي عهد إلى أن لا أحدّث باسمه حتّى يبعثه الله عزَّ وجلَّ ، وهو مما استودعه الله عزَّ وجلَّ رسوله في علمه ، والأخبار في ذلك كثيرة.

وما ورد في الأخبار والأدعية من التصريح بالاسم فأكثره معلوم أنه إما من الرواة أو من الفقهاء المجوزين للتسمية في زمان الغيبة الكبرى ، كالشيخ البهائيقدس‌سره في مفتاح الفلاح وغيره ، فإنه لما زعم الجواز صرّح بالاسم وفي سائر الروايات والأدعية إما بالألقاب أو بالحروف المقطعة ، مع أن بعض الأخبار المتضمنّة للاسم إنما يدل على جواز ذلك لهم لا لنا ، وما ورد في الأخبار من الأمرّ بتسمية الأئمةعليهما‌السلام فيمكن أن يكون على التغليب أو التجوز بذكرهعليه‌السلام بلقبه وسائر الأئمة بأسمائهم ، وهذا مجاز شائع تعدل الحقيقة.

الحديث الثالث : موثق على الظاهر إذ الأظهر أن جعفر بن محمّد هو ابن عون الأسدي ، وربما يظنّ أنه ابن مالك فيكون ضعيفا وإن كان في ضعفه أيضاً كلام ، لأن ابن الغضائري إنّما قدح فيه لروايته الأعاجيب ، والمعجز كله عجيب ، وهذا لا يصلح للقدح.

« لا يسمى اسمه » نائب الفاعل الضمير في يسمى الراجع إليهعليه‌السلام « واسمه » منصوب مفعول ثان أو مرفوع نائب الفاعل من قبيل أعطي درهم أو منصوب بنزع الخافض ، يقال : : سميته كذا وسميته بكذا والظاهر أن الاسم في هذه الأخبار لا يشمل الكنية واللقب.

الحديث الرابع : صحيح.

وفيه مبالغة عظيمة في ترك التسمية ، وربما يحمل الكافر على من كان شبيها


عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : صأحبّ هذا الأمرّ لا يسميه باسمه إلّا كافر.

نادر في حال الغيبة

١ - عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن محمّد بن خالد عمّن حدثه ، عن المفضل بن عمرّ ومحمّد بن يحيى ، عن عبد الله بن محمّد بن عيسى ، عن أبيه ، عن بعض أصحابه ، عن المفضل بن عمرّ ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : أقرب ما يكون العباد من الله جل ذكره وأرضى ما يكون عنهم إذا افتقدوا حجّة الله جل وعزَّ ولم يظهر لهم ولم يعلموا

________________________________________________________

بالكافر في مخالفة أوامرّ الله ونواهيه اجتراء ومعاندة ، وهذا كما تقول لا يجترئ على هذا الأمرّ إلّا أسد وستعرف إطلاق الكافر في عرف الأخبار على مرتكب الكبائر ، وقد ورد في بعض الأخبار أن ارتكاب المعاصي التي لا لذة فيها تدعو النفس إليها يتضمن الاستخفاف وهو يوجب الكفر ، إذ بعدّ سماع النهي عن ذلك ليس ارتكابه إلّا لعدم الاعتناء بالشريعة وصاحبها ، وهذا عين الكفر ، وقيل : المراد بصأحبّ هذا الأمرّ مطلق الإمام ، وتسميته باسمه مخاطبته بالاسم كان يقول : يا جعفر ، يا موسى ، وهذا استخفاف موجب للكفر ، ولا يخفى ما فيه من التكلف.

باب نادر في حال الغيبة

الحديث الأوّل : ضعيف على المشهور.

« أقرب ما يكون العباد » لعلّ ما مصدريّة وكان تامّة ومن صلة لأقرب ، أي أقرب أحوال كونهم ووجودهم من الله وأرضى أحوال رضي الله عنهم « إذا افتقدوا » خبر ونسبة القرب والرضا إلى الأحوال مجاز ، وقيل : أقرب مبتدأ مضاف إلى « ما » ومدخولها ، والعباد اسم يكون وخبره محذوف بتقدير قريبين ومن صلة قريبين ، ونسبة القرب إلى كونهم قريبين للمبالغة ، نظير جدّ حدّه « وأرضى ما يكون » بتقدير : أرضي ما يكون راضيّاً ، والضمير المستتر لله « وإذا » ظرف مضاف إلى الجملة وهو خبر المبتدأ « افتقدوا حجّة الله » أي لم يجدوه ولم يظهر لهم ، والعطف للتفسير


مكانه وهم في ذلك يعلمون انّه لم تبطل حجّة الله جلّ ذكره ولا ميثاقه ،فعندها فتوقعوا الفرج صباحا ومساء فإن أشد ما يكون غضب الله على أعدائه إذا افتقدوا حجته ولم يظهر لهم وقد علم أن أولياءه لا يرتابون ولو علم أنهم يرتابون ما غيب

________________________________________________________

« وهم » الواو للحال « في ذلك » الزّمان « يعلمون انّه لم تبطل حجّة الله جلّ ذكره » بنصب الإمام « ولا ميثاقه » على الخلق بالإقرار بالإمام ، وقيل : إشارة إلى قوله تعالى «أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إلّا الْحقَّ »(١) وانّما كانوا أقرب وأرضى لكون الإيمان عليهم أشدّ والشبه عليهم أقوى لعدم رؤيتهم الأئمةعليهما‌السلام ومعجزاتهم ، وانّما يؤمنون بالنظر في البراهين والتفكر في الآثار والأخبار ، لا سيّما مع امتداد غيبة الإمامعليه‌السلام وعدم وصول خبره عليهم في الغيبة الكبرى ، وكثرة وساوس شياطين الجن والإنس في ذلك « فعندها » أي عند حصول تلك الحالة « توقعوا » أي انتظروا الفرج وهو التفصي من الهم والغم بظهور الإمامعليه‌السلام ، فانّه لما لم يوقت لكم فكل وقت من الأوقات يحتمل ظهوره فلا تيأسوا من رحمة الله ، وادعوا لتعجيل الفرج وانتظروه في جميع الأزمان ، فانّه قد شاع في التعبير عن جميع الأزمان بهذين الوقتين ، ويحتمل أن يكون المراد بالفرج إحدى الحسنيين ، إما لقاء الله أو ظهور الحجّة « فإن أشدّ ما يكون غضب الله » في أكثر نسخ إكمال الدين وغيره « وانّ » بالواو وهو أظهر ، وفي أكثر نسخ الكتاب بالفاء ، فيحتمل أن يكون بمعنى الواو أو يكون للتعقيب الذكري ، ولو كان للتعليل فيحتمل وجوها :

الأوّل : أن يكون التعليل من جهة أن غيبة الإمام للغضب على أعدائه وإذا كانوا مغضوبين فلا جرم يكونون في معرض الانتقام والانتقام منهم انّما يكون بأن يظهر الإمام ويهيئ أسباب غلبته حتّى ينتقم منهم.

الثاني : أن يكون الغرض حصر الغضب على الأعداء كما هو ظاهر السياق ، فيكون قوله : على أعدائه خبراً فالمعنى أن شدة الغضب عند اعتقاد الحجّة انّما هو

__________________

(١) سورة الأعراف : ١٦٩.


حجّته عنهم طرفة عين ولا يكون ذلك إلّا على رأس شرار الناس.

٢ - الحسين بن محمّد الأشعريّ ، عن معلّى بن محمّد ، عن عليّ بن مرداس ، عن صفوان بن يحيى والحسن بن محبوب ، عن هشام بن سالم ، عن عمار الساباطي قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام أيّما أفضل : العبادة في السرّ مع الإمام منكم المستتر في

________________________________________________________

على الأعداء لا الأولياء ، وأمّا بالنسبة إلى الأولياء فالغيبة رحمة لهم لأن الله يعلم أنّهم لا يرتابون وثوابهم على طاعتهم في الغيبة أكثر فإذا لم يكونوا مغضوبين فينبغي أن يكونوا راجين لرحمة الله ، وأعظم رحمات الله عليهم أن يظهر لهم الإمام ، حيث علم صلاحهم في ذلك.

الثالث : أن يكون المراد بالفرج أعم من لقاء الله وثوابه ، أو ظهور الإمام ، فالتعليل ظاهر بناء على الحصر المستفاد من الكلام.

الرابع : أن يكون المراد بالفرج الخلاص من شر الأعادي ، أعم من أن يكون بظهور الإمام أو بابتلاء المخالفين بما يشغلهم عنهم ، أو بغلبة الشيعة عليهم ، فالتعليل واضح لانّه إذا اشتدّ غضب الله عليهم فسوف يبتليهم ببلايا وآفات يندفع بها ضررهم عن الشيعة ، أو يظهر إمامهم فينتقم لهم منهم.

ثمَّ اعلم أنّ شدّة الغضب عليهم لأنهم صاروا سببا لغيبة الإمامعليه‌السلام بسوء سيرتهم وقبح سريرتهم « ولا يكون ذلك » أي ظهور الإمام إلّا إذا فسد الزمان غاية الفساد كما ورد في أخبار كثيرة انّه يملأ الأرض قسطاً وعدلا بعدّ ما ملئت ظلماً وجوراً ، ويحتمل أن يكون ذلك إشارة إلى أنّ الغضب في الغيبة مختصّ بالشرار تأكيداً لما مرّ والأوّل أظهر.

الحديث الثاني : ضعيف على المشهور.

« أيّما أفضل » أيّما مركب من أيّ الاستفهام ، وما معرّفة تامّة بمعنى الشيء أو نكرة تامّة بمعنى الشيء ، وأفضل خبر ، والعبادة أيضاً مبتدأ بتقدير الاستفهام ، وخبره محذوف وهو أفضل ، ولعلّ المراد بالإمام المستتر هنا من كان في التقيّة ولم يكن


دولة الباطل ،أو العبادة في ظهور الحقَّ ودولته مع الإمام منكم الظاهر فقال : يا عمار الصدقة في السرّ والله أفضل من الصدقة في العلانية وكذلك والله عبادتكم في السرّ مع إمامكم المستتر في دولة الباطل وتخوُّفكم من عدوّكم في دولة الباطل وحال الهدنة أفضل ممن يعبد الله عزَّ وجلّ ذكره في ظهور الحقَّ مع إمام الحقَّ الظاهر في دولة الحقَّ وليست العبادة مع الخوف في دولة الباطل مثل العبادة والأمن في دولة الحقَّ واعلموا

________________________________________________________

باسط اليد ، سواء كان ظاهراً أو غائباً وكون الصدقة في السرّ أفضل منها في العلانية إمّا مختص بالصدقة المندوبة كما هو مقتضى الجمع بين الأخبار وورد التفصيل في بعض الأخبار ، وظاهر أكثر الأصحاب أن السرّ مطلقاً أفضل ، وقيل : السرّ أفضل إذا لم يتهم بترك الصدقات وإلّا فالأفضل أن يعطيها علانية والأوّل أوجه ، والظاهر أن ذكر هاهنا للتنظير رفع الاستبعاد لأن القياس باطل.

ويمكن أن يقال : إنّما لا يجوز لنا القياس لعدم علمنا بالعلة الواقعية ، فأما مع العلم بالعلة الواقعية ، فيرجع إلى القياس المنطقي ، لانّه إذا علم الإمامعليه‌السلام أن علة كون صدقة السرّ أفضل كونه أقرب إلى الإخلاص وأبعدّ من الرياء أو كونه أشق وأصعب على النفس ، والعلة في العبادة في التقية وعدم غلبة الحقَّ موجودة فيرتب قياس هكذا : الصدقة في السرّ أشق ، وكلما كان أشق فهو أفضل فالصدقة في السرّ أفضل ، والأوّل أظهر لأنهمعليهم‌السلام غير محتاجين إلى ذكر الدليل ، وقولهم في نفسه حجة.

« حال الهدنة » أي حال المصالحة مع أئمة الجور وترك معارضتهم والتقية منهم بأمرّ الله تعالى للمصلحة ، وفي القاموس : الهدنة بالضم المصالحة كالمهادنة ، والدعة والسكون « ممّن يعبد الله » أي من عبادة من يعبد الله كقوله تعالى «وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى »(١) « وتخوفكم من عدوكم » كان فيه إشعاراً بأن للخوف في نفسه أجرا وثواباً والعبادة إذا انضمت معه يتضاعف ثوابه أيضاً ، فيكون قولهعليه‌السلام : وليست العبادة مع الخوف ، تأسيساً لا تأكيداً.

__________________

(١) سورة البقرة : ١٨٩.


أنَّ من صلّى منكم اليوم صلاة فريضة في جماعة مستتر بها من عدوه في وقتها فأتمها كتب الله له خمسين صلاة فريضة في جماعة ومن صلّى منكم صلاة فريضة وحده مستترا بها من عدوه في وقتها فأتمها كتب الله عزَّ وجلّ بها له خمسا وعشرين صلاة فريضة وحدانية ومن صلى منكم صلاة نافلة لوقتها فأتمها كتب الله له بها عشر صلوات نوافل ومن عمل منكم حسنة كتب الله عزَّ وجلّ له بها عشرين حسنة ويضاعف الله عزَّ وجلّ حسنات المؤمن منكم إذا أحسن أعماله ودان بالتقية على دينه وإمامه ونفسه وأمسك من لسانّه أضعافاً مضاعفة إن الله عزَّ وجلّ كريم.

________________________________________________________

« أنّ من صلّى منكم اليوم » أي زمانّهعليه‌السلام ، فانّه كان زمان هدنة وتقية فيكون ذكره على التمثيل لا التخصيص ويكون اللام لما عهد سابقاً من زمان الهدنة والتقيّة مطلقاً « في وقتها » أي في وقت فضيلتها ، واللام ظرفية كقوله تعالى : «أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ (١) » « فأتمها » أي أدى شروطها وواجباتها بل مستحباتها « خمسين صلاة » أي في دولة الحقَّ وكذا « خمسا وعشرين » ويدل على عدم سقوط الجماعة في زمان التقيّة إذا أمن الضرر وانّ تضاعف ثوابها ضعف تضاعف ثواب الصلاة وحداناً.

« وحدانية » قيل : بضمّ الواو نسبة إلى جمع واحد أي صادرة عن واحد واحد ، فهي نعت خمساً وعشرين ، أو بفتح الواو نسبة إلى وحدة بزيادة الألف والنون للمبالغة ، فهي نعت صلاة.

« أمسك من لسانّه » من للتبعيض أي سكت عمّا لا يعلم وعمّا ينافي التقية «أَضْعافاً مُضاعَفَةً » يعنّي أن ما ذكر قبل بيان لأقل مراتب الثواب ، وقد يكون أكثر منه بكثير بحسب مراتب قوة الإخلاص ورعاية الآداب ، وقيل : إذا قال : رجلّ لفلان عليّ دراهم مضاعفة فعليه ستّة دراهم ، فإن قال : أضعاف مضاعفة فله عليه ثمانية عشر ، لأن أضعاف الثلاثة ثلاثة ثلاث مرات ثمَّ أضعفناها مرة أخرى لقوله : مضاعفة ، ثم

__________________

(١) سورة الإسراء : ٧٨.


قلت جعلت فداك قد والله رغبّتني في العمل وحثثتني عليه ولكن أحبّ أن أعلم كيف صرنا نحن اليوم أفضل أعمإلّا من أصحاب الإمام الظاهر منكم في دولة الحقَّ ونحن على دين واحد فقال : إنكم سبقتموهم إلى الدخول في دين الله عزَّ وجلّ وإلى الصلاة والصوم والحج وإلى كلّ خير وفقه وإلى عبادة الله عزَّ ذكره سراً من عدوكم مع إمامكم المستتر مطيعين له صابرين معه منتظرين لدولة الحقَّ خائفين على إمامكم وأنفسكم من الملوك الظلمة تنتظرون إلى حقَّ إمامكم وحقوقكم

________________________________________________________

اتّسع فاستعمل لزيادة غير محصورة في عدد « إنّ الله » استيناف بيانيّ والحثّ : الحضّ والتحريص.

« فقال : إنّكم سبقتموهم » يمكن إرجاع الوجوه التي أومأعليه‌السلام إليها في تلك الفقرات إلى ثمانية أسباب :

الأوّل : سبقهم بالإيمان بالله وبرسوله ، والدخول في دين الله والإقرار به ، والسابقون أفضل من اللاحقين لقوله تعالى : «وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ »(١) «وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ »(٢) وقال :عليه‌السلام : لن تلحقَّ أواخر هذه الأمة أوائلها ، وأيضاً : لإيمانهم مدخل في أيمان اللاحقين وهم الحافظون للعلوم والآثار لهم.

الثاني : سبقهم إلى العمل بالأحكام مثل الصلاة والصوم والحج وغيرها من الخيرات على الوجوه المذكورة في الأوّل.

الثالث : عبادتهم سرّاً مع الإمام المستتر وطاعته لذلك خوفاً من الأعداء.

الرابع : صبرهم مع الإمام المستتر في الشدائد.

الخامس : انتظارهم لظهور دولة الحقَّ وهو عبادة.

السادس : خوفهم على إمامهم وأنفسهم من الملوك وخلفاء الجور وبغيهم وعداوتهم.

__________________

(١) سورة الواقعة : ١٠.

(٢) سورة التوبة : ١٠٠.


في أيدي الظلمة قد منعوكم ذلك واضطرّوكم إلى حرث الدنيا وطلب المعاش مع الصبر على دينكم وعبادتكم وطاعة إمامكم والخوف مع عدوّكم ، فبذلك ضاعف الله عزَّ وجلّ لكم الأعمال فهنيئا لكم.

قلت جعلت فداك فما ترى إذا أن نكون من أصحاب القائم ويظهر الحقُّ ونحن اليوم في إمامتك وطاعتك أفضل أعمالاً من أصحاب دولة الحقَّ والعدل فقال : سبحان الله أما تحبون أن يظهر الله تبارك وتعالى الحقَّ والعدل في البلاد ويجمع الله

________________________________________________________

السابع : نظرهم نظر تأسّف وتحسرّ إلى حقَّ إمامهم وهو الإمامة والفيء والخمس ، وحقوقهم وهي الزكاة والخراج وما غصبوا من الشيعة في أيدي الظلمة الغاصبين الذين منعوهم عن التصرّف فيها وأحوجوهم إلى حرث الدنيا وكسبها وطلب المعاش من وجوه شاقّة شديدة.

الثامن : صبرهم مع تلك البلايا والمصائب على دينهم وعبادتهم وطاعة إمامهم والخوف من عدوهم قتلاً وأسراً ونهبا وعرضاً ومالاً وليس لأصحاب المهديعليه‌السلام بعدّ ظهوره شيء من هذه الأمور ، وفي القاموس : الحرث : الكسب وجمع المال والزرع.

« فهنيئا » قيل : منصوب على الإغراء ، أي أدركوا هنيئاً أو بتقدير حرف النداء والهنيء : ما لا كدورة فيه من وجوه النفع ، وأقول : يحتمل أن يكون منصوباً بعامل محذوف أي ليكن ثوابكم هنيئاً لكم أو اطلبوا هنيئاً لكم أو اطلبوا الثواب حالكونه هنيئاً لكم ، ويقال : لمن شرب الماء : هنيئاً مريئاً ، وقال : تعالى : «فَكُلُوهُ هنيئاً مَرِيئاً »(١) وكل ما يأتيك من غير تعب فهو هنيء.

« فما ترى » ما نافية ، وقيل : استفهامية ، وترى من الرأي بمعنى الترجيح أو التمني ، وقيل : يعنّي ليس من رأينا ولا نتمنى ، وفي رواية الصدوق فما نتمنى إذن وهو أظهر « إذا » أي حينئذ « أن نكون » أن مصدريّة ، والمصدر مفعول ترى « ويظهر » عطف على نكون « ونحن » جملة حالية و « سبحان الله » للتعجب ويحتمل التنزيه وجمع

__________________

(١) سورة النساء : ٤.


الكلمة ويؤلّف الله بين قلوب مختلفة ولا يعصون الله عزَّ وجلّ في أرضه وتقام حدوده في خلقه ويرد الله الحقَّ إلى أهله فيظهر حتّى لا يستخفي بشيء من الحقَّ مخافة أحد من الخلق أما والله يا عمّار لا يموت منكم ميّت على الحال الّتي أنتم عليها إلّا كان أفضل عند الله من كثير من شهداء بدر وأحد فأبشروا.

٣ - عليّ بن محمّد ، عن سهل بن زياد ، عن ابن محبوب ، عن أبي أسامة ، عن هشام ومحمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن ابن محبوب ، عن هشام بن سالم ، عن أبي حمزة ، عن أبي إسحاق قال : حدَّثني الثقة من أصحاب أمير المؤمنينعليه‌السلام أنّهم سمعوا أمير المؤمنينعليه‌السلام يقول في خطبة له اللّهمَّ وإنّي لأعلم أنَّ العلم لا يأرز كلّه

________________________________________________________

الكلمة عبارة عن إتّفاق الخلق على الحقّ ظاهراً ، والتأليف بين القلوب بالاتفاق على الحقَّ واقعاً ، أو المراد التأليف بالمحبة « ولا يعصي الله في أرضه(١) » أي كثيرا « ويرد الله الحقَّ » أي حقَّ الإمامة « إلى أهله » أي أهل البيتعليهما‌السلام ، « فيظهر » أي الحقَّ أو صاحبه « حتّى لا يستخفي » على بناء المعلوم ، أي صأحبّ الحقَّ أو المجهول فيشمله وغيره « فأبشروا » على بناء الأفعال أي كونوا مسرورين بتلك الفضيلة ، في القاموس : أبشر فرح ، ومنه أبشر بخير.

الحديث الثالث : مجهول.

« لا يأرز » أي لا يخفى ولا يخرج من بين الناس ، قال : في النهاية : فيه أن الإسلام ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى حجرها أي ينضم إليها ، ويجتمع بعضه إلى بعض فيها ، ومنه كلام عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام : حتّى يأرز الأمرّ إلى غيركم « كله » فاعل أو تأكيد للمستتر ، والمراد بمواده إما الأئمة صلوات الله عليهم أو الأعم منهم ومن رواة أخبارهم ، وعلماء شيعتهم الذين يبثّون علومهم في الناس عند غيبتهم أو أصوله من الآيات والأخبار التي يستنبط منها الفقهاء أحكام الدين في زمان غيبتهم.

__________________

(١) وفي المتن « ولا يعصون الله » بصيغة الجمع.


ولا ينقطع موادُّه وإنّك لا تخلي أرضك من حجّة لك على خلقك ظاهر ليس بالمطاع أو خائف مغمور ، كيلا تبطل حججك.

________________________________________________________

« ظاهر ليس بمطاع » أي من الحسن إلى الحسنعليهما‌السلام ، فالمراد تقسيم الأئمّة بعدهعليه‌السلام ، ويحتمل شموله لهعليه‌السلام أيضاً لانّه لم يطع حقَّ الإطاعة « أو خائف مغمور » أي مستور وهو القائمعليه‌السلام ، من غمرة الماء إذا علاه ، وفي نهج البلاغة في حديث كميل بن زياد : اللهم بلى لا تخلو الأرض من قائم لله بحجّة إمّا ظاهراً مشهوراً أو خائفاً مغموراً ، لئلا تبطل حجج الله وبيّناته.

فالخائف المغمور يحتمل شموله لسائر الأئمّةعليهم‌السلام غير أمير المؤمنينعليه‌السلام ، ويحتمل دخول ما سوى القائمعليه‌السلام في الأوّل ، وقال : الشيخ البهائيرحمه‌الله : ظاهر مشهور كمولانا أمير المؤمنينعليه‌السلام في أيّام خلافته الظاهرة أو مستتر مغمور أي مستتر غير متظاهر بالدعوة إلّا للخواص كما كان من حالهعليه‌السلام في أيّام خلافة من تقدّم عليه ، وكما كان من حال الأئمّة من ولدهعليهم‌السلام وكما هو في هذا الزمان من حال مولانا المهديعليه‌السلام ، انتهى.

« كيلا تبطل حجّتك » إشارة إلى قوله تعالى : «لِئَلاَّ يَكُونَ عَلَى اللهِ حجّة بَعدّ الرُّسُلِ »(١) .

قال : بعض المحقّقين : أن الإماميّةرحمهم‌الله آووا إلى هذا الكلام ليدفعوا ما أورد مخالفوهم عليهم حيث قالوا : يجب نصب الإمام على الله تعالى لانّه إذا لم يكن لهم رئيس قاهر يمنعهم من المحظورات ويحثهم على الواجبات كانوا معه أقرب إلى الطاعة وأبعدّ عن المعاصي منهم بدونه واللطف واجب على الله ، فاعترض عليهم مخالفوهم وقالوا : انّما يكون منفعة ولطفا واجباً إذا كان ظاهراً قاهرا زاجراً عن القبائح ، قادراً على تنفيذ الأحكام وإعلاء لواء كلمة الإسلام ، وهذا ليس بلازم عندكم ، فالإمام الّذي ادعيتم وجوبه ليس بلطف ، والّذي هو لطف ليس بواجب ، فأجابوا : بأن وجود

__________________

(١) سورة النساء : ١٦٥.


________________________________________________________

الإمام لطف سواء تصرّف أو لم يتصرّف كما نقل عن أمير المؤمنينعليه‌السلام من الكلام المذكور ، وتصرّفه الظاهر لطف آخر.

وتوضيحه ما أورده الشيخ البهائيقدس‌سره في شرح الأربعين : حيث قال : : استقامة ما دلّ عليه هذا الحديث من عدم خلو الأرض من إمام موصوف بتلك الصفات ، وكذا ما يفيده الحديث المتفق عليه بين الخاصة والعامة من قوله : من مات ولم يعرف إمام زمانّه مات ميتة جاهليّة ، ظاهرة على ما ذهب إليه الإماميّة من أن إمام زماننا هذا هو مولانا الإمام الحجّة بن الحسن المهديعليه‌السلام ، ومخالفوهم من أهل السّنة يشنعون عليهم بانّه إذا لم يمكن التوصّل إليه ولا أخذ المسائل الدينية عنه فأي ثمرة تترتب على مجّرد معرفته حتّى يكون من مات وليس عارفاً به فقد مات ميتة جاهلية ، والإماميّة يقولون : ليست الثمرة منحصرة في مشاهدته وأخذ المسائل عنه ، بل نفس التصديق بوجودهعليه‌السلام وانّه خليفة الله في الأرض أمرّ مطلوب لذاته ، وركن من أركان الإيمان كتصديق من كان في عصر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بوجوده ونبوته.

وقد روي عن جابر بن عبد الله الأنصاري أن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذكر المهدي فقال : : ذلك الّذي يفتح الله عزَّ وجلّ على يديه مشارق الأرض ومغاربها يغيب عن أوليائه غيبة لا يثبت فيها إلّا من امتحن الله قلبه للإيمان ، قال : جابر فقلت : يا رسول الله هل لشيعته انتفاع به في غيبته؟ فقال :صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أي والله الّذي بعثني بالحقَّ إنهم ليستضيئون بنوره وينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وانّ علاها السحاب.

ثمَّ قالت الإماميّة أن تشنيعكم علينا مقلوب عليكم ، لأنكم تذهبون إلى أن المراد بإمام الزمان في هذا الحديث صاحب الشوكة من ملوك الدنيا كائناً من كان ، عالماً أو جاهلاً عدلاً أو فاسقاً فأي ثمرة تترتب على معرفة الجاهل الفاسق ليكون من مات ولم يعرفه فقد مات ميتة جاهليّة.


ولا يضلَّ أولياؤك بعد إذ هديتهم بل أين هم وكم أولئك الأقلون عددا والأعظمون عند الله جلّ ذكره قدرا المتبعون لقادة الدين الأئمّة الهادين.

________________________________________________________

ولـمّا استشعر هذا بعض مخالفيهم ذهب إلى أنّ المراد بالإمام في هذا الحديث الكتاب ، وقالت الإماميّة : أنّ إضافة الإمام إلى زمان ذلك الشخص يشعر بتبدل الأئمّة في الأزمنة ، والقرآن العزيز لا تبدل له بحمد الله على مرّ الأزمان.

وأيضاً فما المراد بمعرفة الكتاب التي إذا لم تكن حاصلة للإنسان مات ميتة جاهلية؟ إن اُريد بها معرفة ألفاظه أو الاطلاع على معانيه أشكل الأمرّ على كثير من الناس ، وانّ اُريد مجرد التصديق بوجوده فلا وجه للتشنيع علينا إذا قلنا بمثله ، انتهى.

وأقول : قد بسط الكلام في ذلك السيّدرضي‌الله‌عنه في الشافي وغيره وليست هذه التعليقة محل إيراده فليرجع إلى مظانه.

« ولا يضلّ أولياؤك » إشارة إلى قوله سبحانه : «وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعدّ إِذْ هَداهُمْ »(١) الآية كما مرّ آنفاً. « بل أين هم وكم؟ » بل ، إضراب عمّا تتوهم من السابق من كثرة الأولياء « أين » استفهام لبيان الندرة جدا و « كم » بتقدير « هم » كذلك أيضاً ، وما قيل : من انّه إشارة إلى قلة عدد الأئمّة ومستوريتهم بسبب ظلم الأعادي فلا يخفى انّه لا يوافق ما بعده.

وفي النهج : وكم وذا وأين أولئك؟ أولئك والله الأقلون عدداً والأعظمون قدرا ، بهم يحفظ الله حججه وبيناته حتّى يودعوها في قلوب أشباههم ، هجم بهم العلم ، إلخ ، فقولهعليه‌السلام : وكم وذا إشارة إلى طول مدة الغيبة وتبرم من امتداد دولة الباطل ، وعلى هذه الرواية ، الظاهر أن أولئك راجع إلى الأئمّةعليهم‌السلام أو إليهم وإلى خواص أصحابهم.

« المتبعون لقادة الدين » القادة جمع القائد أي القائدين في الدين ، الذين

__________________

(١) سورة التوبة : ١١٥.


الّذين يتأدّبون بآدابهم وينهجون نهجهم فعند ذلك يهجم بهم العلم على حقيقة الإيمان

________________________________________________________

يقودون أتباعهم إلى الغاية القصوى من الكمال ، و « الأئمّة » بدل أو بيان للقادة « الّذين » نعت « المتّبعون » وضمير آدابهم للقادة ، والتأدب قبول الأدب ، أي المتخلقون بأخلاقهم ، ولعلّ الاتباع في الأصول والتأدب في الأخلاق ، والنهج والمنهج الطريق الواضح ، يقال : : نهجت الطريق أي سلكته ويقال : أيضاً نهجت الطريق أبنته وأوضحته ، وما هنا يحتملهما وانّ كان الأوّل أظهر.

« فعند ذلك يهجم بهم العلم » يقال : : هجم عليه كنصر أي دخل عليه بغتة ، وقيل : أي دخل عليه بغير إذن وهجم به وأهجمه أي أدخله ، والمعنى أطلعهم العلم بالأصول الدينية « على حقيقة الإيمان » أي الإيمان اليقيني الواقعي الثابت الّذي لا يتغير ، أو ما يحقَّ أن يسمى إيماناً ، وقيل : أي محضة بدون شائبة شك ، ويحتمل أن يراد بحقيقة الإيمان الدلائل التي يتحقق بها الإيمان والتصديق ، أو الأعمال والأفعال التي تدل على حصول الإيمان كما سيأتي في قولهعليه‌السلام : لكل شيء حقيقة فما حقيقة يقينك؟

ويمكن أن يقال : : التعبير بالهجوم لأن علومهم إلهامية أو حدسية ليس فيها من التدريج والتراخي ما في علوم غيرهم.

وقيل : الباء في « بهم » بمعنى على ، أي يدخل عليهم العلم على حقائق الإيمان.

أقول : على هذا يحتمل أن يكون على بمعنى الباء صلة للعلم ، أو تعليلية أو يكون حالاً أي كائنين عليّ حقيقة الإيمان وقيل : أي يرد عليهم العلم وروداً من حيث لا يشعرون ، وفي النهج : هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة وباشروا روح اليقين واستلانوا ما استوعره المترفون ، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون ، وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالملأ الأعلى ، أولئك خلفاء الله في أرضه والدعاة إلى دينه ، آه آه شوقاً إلى رؤيتهم.

وبرواية الصدوق : هجم بهم العلم على حقائق الأمور ، وقال : الشيخ البهائي


فتستجيب أرواحهم لقادة العلم ، ويستلينون من حديثهم ما استوعر على غيرهم

________________________________________________________

(ره) : أي أطلعهم العلم اللدني على حقائق الأشياء ، محسوساتها ومعقولاتها ، وانكشفت لهم حجبها وأستارها ، فعرفوها بعين اليقين على ما هي عليه في نفس الأمرّ من غير وصمة ريب أو شائبة شك فاطمأنت بها قلوبهم ، واستراحت بها أرواحهم ، وهذه هي الحكمة الحقيقة التي من أوتيها فقد أوتي خيراً كثيرا ، وقيل على نسخة النهج : الكلام على القلب ، أي هجمت بهم عقولهم على حقيقة العلم ، والمباشرة في الأصل الملامسة بالبشرة والروح بالفتح : الراحة ونسيم الريح والمراد به وصولهم إلى اليقين حقَّ الوصول وإدراكهم لذته.

« فتستجيبها أرواحهم » استجابة الأرواح لقادة العلم عبارة عن التسليم لهم في كل صغير وكبير ، والإقرار بفضلهم وقبول كل ما سمعوا منهم « يستلينون » أي يعدون لينا « من حديثهم » من للتبعيض « ما استوعر » مفعول يستلينون وفي القاموس : الوعر ضد السهل ، وقد وعر المكان ككرم ووعدّ وولع وتوعر صار وعرا وأوعر به الطريق وعر عليه ، واستوعروا طريقهم : رأوه وعرا كأوعره ، انتهى.

فاستوعر هنا بمعنى وعر كاستقرّ بمعنى قر وما في النهج أظهر أي يسهل عليهم قبول ما صدر عنهم قولا وفعلا ، ممّا يصعب على غيرهم قبوله من العلوم الغامضة والأسرار الخفيّة والأعمال الشاقة وانّما خص المترفين كما في النهج والخصال لأنّهم كما يشق عليهم الأعمال الصعبة لنشوءهم في الرفاهية كذلك يشق عليهم قبول الغوامض والأسرار لبعدهم عن فهمها لعدم سعيهم في كسب العلوم والكمالات ، قال : الشيخ البهائي (ره) : المترف المنعم من الترفه بالضم وهي النعمّة ، أي استسهلوا ما استصعبه المتنعمون من رفض الشهوات البدنية وقطع التعلقات الدنيوية وملازمة الصمت والسهر والجوع والمراقبة ، والاحتراز من صرف ساعة من العمرّ فيما لا يوجب زيادة القرب منه تعالى جلّ شانّه وأمثال ذلك.


ويأنسون بما استوحش منه المكذّبون وأباه المسرفون أولئك أتباع العلماء صحبوا أهل الدنيا بطاعة الله تبارك وتعالى وأوليائه ودانوا بالتقيّة عن دينهم والخوف من

________________________________________________________

« ويأنسون » قولا وفعلا كما مرّ « بما استوحش منه المكذبون » من أحاديث أرباب العصمةعليهم‌السلام ، والمكذبون المخالفون الّذين لا يصدقون بأئمة الدين ، والمسرفون : المتنعّمون أو المجرمون الّذين أسرفوا على أنفسهم « أولئك أتباع العلماء » والعلماء : الأئمّةعليهم‌السلام ، وتعريف المسند إليه باسم الإشارة للدلالة على أن اتصافهم بالخير لأجلّ الصفات المذكورة كما قالوا في قوله تعالى : «أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ »(١) وكذا « أولئك » بعدّ ذلك.

« صحبوا » خبر بعدّ خبر أو جملة استينافية « أهل الدنيا » أي المخالفين أو الأعم منهم ومن سائر المغترين بها الراكنين إليها « بطاعة الله » أي بسبب طاعة الله ، لأن الله أمرهم بذلك لهدايتهم أو للتقية منهم ، أو الباء للملابسة والظرف حال عن فاعل صحبوا ، أي لم يدخلوا في باطل أهل الدنيا ولم تشغلهم تلك المصاحبة عن طاعة ربهم « ولأوليائه(٢) » أي بالطاعة لأوليائه واللام زائدة ، وقيل : عطف على « بطاعة » أي لحفظ أوليائه أو الباء واللام كلاهما للسببية أي صحبوهم لطاعة الله ولطاعة أوليائه ، والظاهر أن اللام زيد من النساخ ، وقيل : المعنى مشاركتهم معهم انّما هي في طاعة الله وطاعة أوليائه ظاهراً وأما في الاعتقاد فهم في واد وأولئك في واد.

« ودانوا » أي عملوا أو عبدوا الله « بالتقية عن دينهم » التعدية لتضمين معنى الدفع ، وقيل : أي مصروفين عن دينهم بحسب الظاهر « والخوف » عطف على التقية أي بمقتضى الخوف أو ذلوا بالتقية والخوف.

وفي القاموس : الدين بالكسرّ : الجزاء والعادة والعبادة والطاعة والذل والداء والحساب والقهر والغلبة والاستعلاء والحكم والسيرة والتدبير واسم لجميع ما يتعبد الله

__________________

(١) سورة البقرة : ٥.

(٢) وفي المتن « وأوليائه » وهو الصحيح كما صرّح به الشارح (ره).


عدوهم فأرواحهم معلّقة بالمحل الأعلى فعلماؤهم وأتباعهم خرس صمت في دولة الباطل منتظرون لدولة الحقَّوسيُحقَّ اللهُ الْحقَّ بِكَلِماتِهِ ويمحقَّ الباطل ها ، ها ،

________________________________________________________

عزَّ وجلّ به.

أقول : أكثر المعاني مناسبة هنا ، وفي بعض النسخ : وذابوا بالذال المعجمة والباء وهو أظهر.

« وأرواحهم معلّقة بالمحلّ الأعلى » أي متوجهة إلى عالم القدس ، قال : الشيخ البهائيرحمه‌الله في قولهعليه‌السلام في رواية الصدوق (ره) : صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحلّ الأعلى أي نفضوا عن أذيال قلوبهم غبار التعلق بهذه الخربة الموحشة الدنية ، وتوجهت أرواحهم إلى مشاهدة جمال حضرة الربوبية ، فهم مصاحبون بأشباحهم لأهل هذه الدّار وبأرواحهم للملائكة المقربين الأبرار ، وحسن أولئك رفيقاً.

« فعلماؤهم » أي الأئمّةعليهما‌السلام « وأتباعهم » من العلماء التابعين لهم ويكن تعميم الأوّل ليشمل خواص أصحابهم أيضاً ، والثاني بحيث يشمل سائر الشيعة التابعين لعلماء الدين ، والخرس بالضم : جمع الأخرس كالصمت جمع الأصمت ، والثاني تفسير للأوّل والمعنى أنهم يعملون بالتقية ولا يظهرون الحقَّ في غير محله « وسيحقَّ الله الحقَّ » السين للتقريب أو للتحقيق ، وإحقاق الحقَّ إثباته وجعله غالباً(١) على الباطل ، وقد مرّ تأويل الكلمات بالأئمّةعليهم‌السلام ، وفسرها المفسرون بالآيات القرآنية ، أو بتقدير الله تعالى ، وهذا تضمين لقوله سبحانّه : «وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحقَّ الْحقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ ، لِيُحقَّ الْحقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ »(٢) .

« ها » قيل : حرف تنبيه ينبه به المخاطب على ما يساق إليه من الكلام ، وتكريرها للتأكيد وقيل : ها ، ها ، حكاية البكاء بصوت عال.

أقول : ويحتمل أن يكون كناية عن التنفس العالي ليوافق نسخ النهج وغيره

__________________

(١) عالياً ، خ ل.

(٢) سورة الأنفال : ٨.


طوبى لهم على صبرهم على دينهم في حال هدنتهم ويا شوقاه إلى رؤيتهم في حال ظهور دولتهم وسيجمعنا الله وإيّاهم في جنّات عدنوَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ .

( باب في الغيبة )

١ - محمّد بن يحيى والحسن بن محمّد جميعاً ، عن جعفر بن محمّد الكوفيّ ، عن الحسن بن محمّد الصيرفي ، عن صالح بن خالد ، عن يمان التمّار قال : كنّا عند أبي عبد اللهعليه‌السلام جلوساً فقال : لنا إن لصاحب هذا الأمرّ غيبة المتمسّك فيها بدينه كالخارط للقتاد

________________________________________________________

« وطوبى » مؤنّث أطيب منصوب بتقدير حرف النداء ، أو مرفوع بالابتدائية ، وسيأتي أنّها اسم شجرة في الجنّة.

« ويا شوقاه » الهاء للاستغاثة كانّه طلب من شوقه الإغاثة ، والعدن : الإقامة ، إشارة إلى قوله تعالى : «الّذين يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ ، رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) » قوله «وَمَنْ صَلَحَ » ، هنا عطف على آبائهم.

باب في الغيبة

الحديث الأول : مجهول أو ضعيف على المشهور ، بناء على أن جعفر بن محمّد هو ابن مالك.

والجلوس جمع جالس « المتمسك فيها » الجملة استئناف أو نعت ، والخارط : من يضرب يده على الغصن ثمَّ يمدّها إلى الأسفل ليسقط ورقه ، والقتاد كسحاب : شجر صلب شوكة كالإبر ، وخرط القتاد ، مثل في ارتكاب صعاب الأمور ، قال : الجوهري : وفي المثل ومن دونه خرط القتاد « ثمَّ قال : هكذا بيده » أي أشار بيده تمثيلاً لخرط القتاد ، بأن يأخذ يده الأخرى أو إصبعه بيده ومدّه من الأعلى إلى الأسفل

__________________

(١) سورة الأنفال : ٨.


ثمَّ قال : هكذا بيده فأيّكم يمسك شوك القتاد بيده ثمَّ أطرق مليا ثمَّ قال : إن لصأحبّ هذا الأمرّ غيبة فليتق الله عبد وليتمسك بدينه.

٢ - عليُّ بن محمّد ، عن الحسن بن عيسى بن محمّد بن عليّ بن جعفر ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن عليّ بن جعفر ، عن أخيه موسى بن جعفرعليه‌السلام قال : إذا فقد الخامس من ولد السابع فالله الله في أديانكم - لا يزيلكم عنها أحد يا بنيّ انّه لا بد لصأحبّ هذا الأمرّ من غيبة حتّى يرجع عن هذا الأمرّ من كان يقول به انّما هي محنة من الله عزَّ وجلّ امتحن بها خلقه لو علم آباؤكم وأجدادكم دينا أصح من هذا

________________________________________________________

« ثمَّ أطرق » أي سكت ونظر إلى الأرض « مليّاً » أي زماناً طويلاً كمن يتفكر في أمرّ ثمَّ أعادعليه‌السلام الكلام تأكيداً.

الحديث الثاني : مجهول.

« إذا فقد » على بناء المجهول ، أي غاب ، والسابع هو نفسهعليه‌السلام ، والخامس من ولده المهديعليه‌السلام ، ولعلّهعليه‌السلام انّما عبر هكذا تعريضا بالواقفية فإنهم يزعمون أن المهدي صاحب الغيبة هو السابع مع انّه الخامس من ولده « فالله » منصوب على التحذير بتقدير اتقوا ، والتكرار للتأكيد نحو : الأسد ، الأسد ، والجمع في « أديانكم » باعتبار تعدد المخاطبين أو باعتبار أجزاء الدين « يا بنيّ » بضم الباء وفتح النون ، وسمّاه ابنا على وجه اللطف والشفقة ، والأخ الصغير كالابن ، وقد يقرأ بفتح الباء وكسرّ النون بأن يكون الخطاب لأولاده فقط أو لهم مع عليّ تغليباً والأوّل أظهر ، والمحنة بالكسرّ : الاسم من امتحنه إذا اختبره ونسبته إلى الله مجازا « آبائكم » أي رسول الله وأوصياؤهعليهم‌السلام « وأجدادكم » أي الأنبياء المتقدمين من أجدادهم ، أو المراد بالآباء الأب مع الأجداد القريبة ، وبالأجداد الأجداد البعيدة كالرسول وأمير المؤمنين والحسنينعليهم‌السلام فإن الحسنعليه‌السلام أيضاً من أجدادهم من قبل الأم والخطاب إلى عليّ وأضرابه وانّ لم يكونوا حاضر بن تغليباً ، وربمّا يؤيّد


لاتّبعوه قال : فقلت يا سيّدي من الخامس من ولد السابع فقال : يا بنيّ عقولكم تصغر عن هذا وأحلامكم تضيق عن حمله ولكن إن تعيشوا فسوف تدركونه.

٣ - محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن ابن أبي نجران ، عن محمّد بن المساور ، عن المفضّل بن عمر قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول إياكم والتنويه أما والله ليغيبنَّ إمامكم سنيناً من دهركم ولتمحصن حتّى يقال : مات قتل هلك ، بأيّ

________________________________________________________

الوجه الثاني بهذا.

« أصحّ من هذا » أي القول بوجوب الحجّة في كل زمان أو كون عدد الأئمّةعليهما‌السلام اثنا عشر « من الخامس » لعلّ المراد السؤال عن كيفيّة غيبته وخصوصياتها وامتدادها ولذا لم يجبعليه‌السلام ، فإنها مزلة للعقول والأحلام ، وكانوا لا يصبرون على كتمانها ، وإذاعتها ممّا يضرّ بالإمام بل بأكثر الأنام من الخواصّ والعوامّ ، وما قيل : أن المراد السؤال عن درجات الإمام وصفاته ومنازله فهو بعيد « فسوف تدركونه » أي زمانه أو نفسهعليه‌السلام قبل الغيبة لكونهم من الخواص والأوّل أظهر ، ولا استبعاد في إدراك بعض المقصودين بالخطاب ذلك الزمان ، مع أن صدق الشرطية لا يستلزم وقوع المقدم ولا إمكانه.

الحديث الثالث : مجهول ، وقيل ضعيف.

والتنويه : الرفع والتشهير ، أي تنويه أمر الإمام الثاني عشر وذكر غيبته وخصوصيات أمره عند المخالفين فيصير سبباً لكثرة إصرارهم على إضرار أئمّة الدين وشيعتهم وقيل : كانّه يعنّي لا تشهروا أنفسكم أو لا تدعوا الناس إلى دينكم.

أقول : وفي غيبة النعماني : إياكم والتنويه يعنّي باسم القائمعليه‌السلام .

« سنيناً من دهركم » سنين ظرف زمان وتنوينه على لغة بنيّ عامرّ قال : الأزهري في التصريح شرح التوضيح وبعضهم يجري بنين وباب سنين وانّ لم يكن علماً مجرى غسلين في لزوم الياء والحركات على النون منونة غالباً على لغة بنيّ عامرّ ، انتهى.

وفي بعض الروايات « سبتاً » والسبت : الدهر « ولتمحصنّ » في بعض النسخ بصيغة الخطاب المجهول مؤكّداً بنون الثقيلة من التمحيص وهو الابتلاء والاختبار ،


وادسلك ؟ ولتد معنَّ عليه عيون المؤمنين ، ولتكفأنَّ ؟ كما تكفأ السفن في أمواج البحر فلا ينجو إلّا من أخذ الله ميثاقه وكتب في قلبه الإيمانوأيّده بِرُوحٍ مِنْهُ ، ولترفعنّ

________________________________________________________

فإنّ الغيبة امتحان للشيعة وشدّة للتكليف عليهم ، وفي بعض النسخ بصيغة الواحد الغائب المجهول مع النون ، وفي بعضها بدونها ، وعلى التقديرين نسبة الاختبار إليهعليه‌السلام مجاز ، ويحتمل أن يكون على بناء المعلوم من محص الصبيّ كمنع : عداً ومحص مني هرب ذكرهما الفيروزآبادي ، وفي النعماني : وليخملن ، من قولهم خمل ذكره وصوته خمولاً : خفي ، وهو أظهر.

« حتّى يقال : » القائل الشيعة القائلون به عند امتداد الغيبة وغلبة اليأس « مات » الأفعال كلّها بتقدير الاستفهام « ولتكفأنّ » على بناء المجهول من المخاطب أو الغائب من قولهم : كفأت الإناء إذا كببته وقلبته كناية عن اضطرابهم وتزلزلهم في الدين لشدّة الفتن ، ولعلّ المراد بأخذ الميثاق قبوله يوم أخذ الله ميثاق ربوبيته ونبوة رسوله وإمامة أهل بيته كما ورد في الأخبار.

« وكتب في قلبه الإيمان » إشارة إلى قوله تعالى : «لا تَجدّ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ » وقد مرّ في باب الأرواح التي فيهمعليهم‌السلام : وأيدهم بروح الإيمان فبه خافوا الله ، وكتابة الإيمان ، قيل : كناية عن تثبيت الإيمان في قلوبهم بما فعل بهم من الألطاف فصار كالمكتوب ، وقيل : كتب في قلوبهم علامة الإيمان سمة لمن شاهدهم من الملائكة على أنهم مؤمنون «وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ » قيل : أي قواهم بنور الإيمان ، وقيل : بنور الحجج والبرهان ، وقيل : بالقرآن الّذي هو حياة القلوب ، وقيل : بجبرئيل في كثير من المواطن وقد مرّ ما في الخبر وهو أظهر.

« مشتبهة » أي على الخلق لا يدرون أهي حقَّ أم باطل أو متشابهة يشبه بعضها بعضاً ظاهراً ، « حتّى لا يدري » على بناء المجهول ، أي مرفوع به أي لا يدري « أي » منها حقَّ متميزا « من أي » منها وهو باطل ، أي لا يتميز الحقَّ منها من الباطل

__________________

(١) سورة المجادلة : ٢٢.


اثنتا عشرة راية مشتبهة ، لا يدرى أيٌّ من أي قال : فبكيت ثمَّ قلت فكيف نصنع قال : فنظر إلى شمس داخلة في الصفة فقال : يا أبا عبد الله ترى هذه الشمس قلت نعم فقال : والله لأمرنا أبين من هذه الشمس.

٤ - عليُّ بن إبراهيم ، عن محمّد بن الحسين ، عن ابن أبي نجران ، عن فضالة بن أيّوب ، عن سدير الصيرفي قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول إن في صاحب هذا الأمر شبهاً من يوسفعليه‌السلام قال : قلت له كأنك تذكره حياته أو غيبته قال : :

________________________________________________________

فهو تفسير لقوله : مشتبهة ، وقيل : أيّ مبتدأ ، ومن أي خبره ، يعنّي كل راية منها لا يعرف كونه من أي جهة من جهة الحقَّ أو من جهة الباطل وقيل : أي حتّى لا يدري أي رجلّ من أي راية لتبدو النظام فيهم ، أو لا يدري أيّ رأيه من أي رجلّ ، ولا يخفى أن ما ذكرنا أولا أظهر.

« قلت : كيف نصنع » على صيغة المتكلّم أو صيغة الغائب المجهول ، أي مع اشتباه الحقَّ بالباطل كيف يصنع الناس؟ فأجابعليه‌السلام بأن علامات الحقَّ واضحة ظاهرة لا يشتبه على من طلبه ، لتأيد القائمعليه‌السلام بالآيات الباهرات والمعجزات القاهرات وغير ذلك من علومه وأخلاقه وكمالاته ، فالاشتباه في بادئ النظر وعند من لا يطلب الحقَّ ويريد الشبهة في الدين ، وفي النعماني وإكمال الدين : قال : : فبكيت قال : : ما يبكيك يا أبا عبد الله؟ قلت : وكيف لا أبكي وأنت تقول : ترفع اثنتا عشرة رأيه لا يدري أي من أي فكيف نصنع؟ قال : فنظر. وأبو عبد الله كنية المفضل.

أقول : وروى الشيخ في كتاب الغيبة والمفيد في الإرشاد بإسنادهما عن أبي خديجة قال : قال : أبو عبد اللهعليه‌السلام : لا يخرج القائم حتّى يخرج اثنا عشر من بنيّ هاشم كلّهم يدعو إلى نفسه.

الحديث الرابع : حسن.

« والشبه » بالكسرّ وبالتحريك المشابهة والمماثلة « كأنك تذكر حياته ، أو غيبته »


فقال : لي وما ينكر من ذلك هذه الأمة أشباه الخنازيرإن إخوة يوسفعليه‌السلام كانوا أسباطاً أولاد الأنبياء تاجروا يوسف وبايعوه وخاطبوه وهم إخوته وهو أخوهم فلم يعرفوه حتّى قال : «أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي » فما تنكر هذه الأمة الملعونة

________________________________________________________

أي حياته مع دعوى الخصوم هلاكه ، أو غيبته عن وطنه على سبيل منع الخلوّ ، وفي النعماني : فكأنّك تخبرنا بغيبته أو حيرة ، وفي إكمال الدين : كأنك تذكر غيبة أو حيرة ، فالظاهر انّه كان حيرته بدل حياته أي تحيره في أمره ، وانغلاق الأمور عليه حتّى فرج الله عنه ، وما للاستفهام التعجبي ومفعول تنكر و « أشباه » مرفوع نعت لهذه الأمة ، أو منصوب على الذم نحو «حمّالة الحطب »(١) والأسباط جمع السبط بالكسرّ وهو ولد الولد أي كانوا أولاد أولاد الأنبياء ، وولد النبيّ أيضاً ، والسبط أيضاً الأمة أي كانوا جماعة كثيرة من أولاد الأنبياء وذوي العقول والأحلام الرزينة اشتبه عليهم أمرّ أخيهم بقدرة الله تعالى قال : في النهاية : فيه : الحسين سبط من الأسباط ، أي أمّة من الأمم ، في الخبر : والأسباط في أولاد إسحاق بن إبراهيم الخليلعليه‌السلام بمنزلة القبائل في ولد إسماعيل واحدهم سبط فهو واقع على الأمة والأمة واقعة عليه ، وقيل : الأسباط خاصة الأولاد ، وقيل : أولاد الأولاد ، وقيل : أولاد البنات ، انتهى.

فيحتمل أن يكون أولاد الأنبياء بيانا للأسباط ، وفي النعماني : فما ينكر هذا الخلق الملعون أشباه الخنازير من ذلك أن إخوة يوسف كانوا عقلاء ألباء أسباطا أولاد الأنبياء دخلوا عليه فكلموه وخاطبوه وتأجروه ورادوه وكانوا إخوته ، وهو أخوهم لم يعرفوه حتّى عرفهم نفسه وقال : لهم قوله.

« وبايعوه » تأكيد لقوله : تأجروه ، وقيل : إشارة إلى معاهدتهم معه في أن يأتوا بأخيه من أمه وأبيه « وهم إخوته » جملة حالية « فما تنكر » في إكمال الدين : فما تنكر هذه الأمة الملعونة أن يكون الله عزَّ وجلّ في وقت من الأوقات يريد أن يستر حجّته لقد كان

__________________

(١) سورة تبت : ٤.


أن يفعل الله عزَّ وجلّ بحجّته في وقت من الأوقات كما فعل بيوسف ، إنّ يوسفعليه‌السلام كان إليه ملك مصر وكان بينه وبين والده مسيرة ثمانية عشر يوماً فلو أراد أن يعلمه لقدر على ذلك لقد سار يعقوبعليه‌السلام وولده عند البشارة تسعة أيّام من بدوهم إلى مصر فما تنكر هذه الأمة أن يفعل الله جلّ وعزَّ بحجّته كما فعل بيوسف أن يمشي في أسواقهم ويطأ بسطهم حتّى يأذن الله في ذلك له كما أذن ليوسف قالوا «أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قال : أَنَا يُوسُفُ ».

٥ - عليّ بن إبراهيم ، عن الحسن بن موسى الخشاب ، عن عبد الله بن موسى ، عن عبد الله بن بكير ، عن زرارة قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول إن للغلام غيبة قبل أن يقوم قال : قلت ولم قال : يخاف وأومأ بيده إلى بطنه ثمَّ قال : يا زرارة وهو المنتظر وهو الّذي يشك في ولادته منهم من يقول مات أبوه بلا خلف

________________________________________________________

يوسف إليه ملك مصر « كما فعل » الكاف اسم بمعنى مثل ، « وما » موصولة وكذا فيما سيأتي « كان إليه » أي مفوضا إليه وهو خبر كان « من بدوهم » أي من طريق البادية غير المعمورة ، والثمانية عشر كان من الطريق المعمور « أن يمشي » بيان « كما فعل ».

« كما أذن » الكاف حرف تشبيه و « ما » مصدريّة ، وفي الإكمال : فما تنكر هذه الأمة أن يكون الله يفعل بحجّته ما فعل بيوسف أن يكون يسير في أسواقهم ويطأ بسطهم وهم لا يعرفونه حتّى يأذن الله عزَّ وجلّ أن يعرفهم نفسه كما أذن ليوسف حين قال : : «هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ » إلى قوله : «وَهذا أَخِي »(١) .

الحديث الخامس : مجهول « وأومأ بيده إلى بطنه » أي لو ظهر لشق بطنه ، وقيل : إلى بطنه يعنّي جسده أي يخاف قتل نفسه ، وهو المنتظر على بناء المفعول ، أي ينتظره المؤمنون « ومنهم من يقول حمل » أي عند موت أبيه حمل لم يولد بعدّ ، كما روي أن الخليفة وكل القوابل على نساء أبي محمّدعليه‌السلام وإمائه بعدّ وفاته ليفتشهن

__________________

(١) سورة يوسف : ٨٩ - ٩٠.


ومنهم من يقول : حمل ومنهم من يقول : إنّه ولد قبل موت أبيه بسنتين وهو المنتظر غير أنَّ الله عزَّ وجلّ يحبُّ أن يمتحن الشيعة فعند ذلك يرتاب المبطلون يا زرارة قال : قلت جعلت فداك إن أدركت ذلك الزمان أي شيء أعمل قال : يا زرارة إذا أدركت هذا الزّمان فادع بهذا الدعاء اللّهم عرفني نفسك فإنك إن لم تعرفني نفسك لم أعرف نبيّك ، اللّهم عرّفني رسولك فإنك إن لم تعرفني رسولك لم أعرف

________________________________________________________

« بسنتين » أي هذا أيضاً باطل كما ستعرف من تاريخهعليه‌السلام انّه ولد قبل ذلك بأكثر. « وهو المنتظر » من تتمة كلام القائل لئلا يكون تكرارا أو من كلامهعليه‌السلام تأكيداً وتوطئة لما بعده وهذا أظهر « فعند ذلك » أي الغيبة أو امتدادها يرتاب المبطلون أي التابعون للشبهات الواهية الّذين لم يتمسكوا في الدين بعرى وثيقة.

« لم أعرف نبيك » انّما يتوقف معرفة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على معرفة الله لأن من لم يعرف الله بانّه يجب عليه ما هو لطف للعباد ، وانّه عالم بجميع الأمور ، وانّه يقبح الإغراء بالقبيح ولا يصدر منه سبحانّه القبيح ، فلا يظهر المعجز على يد الكاذب لم يعرف النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ولم يصدق به ، ومن لم يعرف الله بانّه لا يفعل بانّه لا يفعل العبث وما لا حكمة فيه ، وخلق العباد من غير تكليف وأمرّ ونهي وثواب وعقاب عبث ، ومع ذلك الأمور لا بد من آمرّ وناه ومؤدب ومعلم من قبله تعالى لم يصدق بالنبيّ ، أو يقال : : عظمة الرسول تابع لعظمة المرسل ، فكلما كان المرسل ، أعلى شأنا كان رسوله أرفع مكانا ، وأيضاً من لم يصدق بوجود الصانع تعالى كيف يصدق برسوله ، وقيل : لأن من لم يعرف الله بانّه لا ينال ولا يرى لم يعرف انّه لا بد أن يكون بينه وبين الله واسطة مبلغ.

وتوقف معرفة الحجّة على معرفة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لانّه انّما تعلم حجيته بنص الرسول عليه ، أو أن عظم الخليفة انّما يعرف بعظم المستخلف فانّه نائبه والقائم مقامه ، والحاصل أن من عرف جهة الحاجة إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهو احتياج الخلق


حجّتك ، اللهم عرفني حجّتك ، فإنك إن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني ثمَّ قال : يا زرارة لا بد من قتل غلام بالمدينة قلت جعلت فداك أليس يقتله جيش السفياني قال : لا ولكن يقتله جيش آل بنيّ فلان يجيء حتّى يدخل المدينة فيأخذ الغلام فيقتله فإذا قتله بغيا وعدوانا وظلماً لا يمهلون فعند ذلك توقع الفرج إن شاء الله.

________________________________________________________

إليه في معرفة الله ومعرفة ما يرضيه ويسخطه ، وأن يكون سبباً لانتظام أمور الخلق داعياً لهم إلى الصلاح ، رادعاً إياهم عن الشر والفساد ، شارعا لهم الدين القويم ، مانعا لهم عن الخروج عن الصراط المستقيم ، علم انّه لا بد بعدّ وفاته ممن يقوم مقامه ، ويكون مثله في العلم والعمل والأخلاق والكمالات ، ليدعو الناس إلى ما كان يدعو إليه ، ويكون حافظا لدينه وشريعته معصوما عن الخطإ والزلل ، ولو لم يعرف النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كذلك بل زعمه سلطاناً من السلاطين يبنيّ أموره على الاجتهاد والتخمين لكان يجوز أن ينصب الناس آخر مقامه ، كما هو زعم المخالفين ، وانّ يكون خليفته عثمان ومعاوية ويزيد وبنيّ مروان من الفاسقين.

وقيل : لأن من لم يعرف الرسول بانّه لا بد من أن يكون بشراً لا يمكن أن يدوم وجوده ، لم يعرف انّه لا بد له من يستخلفه بعدّ موته.

وأما الضلال مع عدم معرفة الحجّة فهو ظاهر مما قدمنا ومبين في الأخبار التي أسلفناه ، وسيأتي هذا الدعاء مرويا عن زرارة أيضاً بوجه آخر ، وكانّه سمعهما في مقامين ، فإن مثل هذا الاختلاف منه أو من رواته بعيد.

« جيش آل بنيّ فلان » أي أصحاب بنيّ فلان ، وفي الإكمال : جيش بنيّ فلان ، والمراد ببنيّ فلان إما بنو العباس ويكون المراد غير النفس الزكيّة بل رجلاً آخر من آل رسول الله قتله بنو العباس مقارناً لانقراض دولتهم ، فيكون هذا من العلامات البعيدة.

وفي إرشاد المفيد عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : : ليس بين قيام القائمعليه‌السلام وبين


٦ - محمّد بن يحيى ، عن جعفر بن محمّد ، عن إسحاق بن محمّد ، عن يحيى بن المثنّى ، عن عبد الله بن بكير ، عن عبيد بن زرارة قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول يفقد الناس إمامهم يشهد الموسم فيراهم ولا يرونه.

٧ - عليُّ بن محمّد ، عن عبد الله بن محمّد بن خالد قال : حدَّثني منذر بن محمّد بن قابوس ، عن منصور بن السنديّ ، عن أبي داود المسترق ، عن ثعلبة بن ميمون ، عن مالك الجهني ، عن الحارث بن المغيرة ، عن الأصبغ بن نباتة قال : أتيت أمير المؤمنينعليه‌السلام فوجدته متفكراً ينكت في الأرض فقلت يا أمير المؤمنين ما لي أراك متفكرا تنكت في الأرض أرغبة منك فيها فقال : لا والله ما رغبت فيها ولا في الدنيا يوما

________________________________________________________

قتل النفس الزكيّة أكثر من خمسة عشر ليلة ويحتمل أن يكون المراد بنو مروانّ ، ويكون إشارة إلى انقراض دولة بنيّ أميّة وبالفرج الفرج منهم ومن شرّهم « توقّع الفرج » بصيغة المصدر [ أو الأمرّ ].

الحديث السادس : ضعيف.

« وموسم الحجّ » مجتمعة ذكره الفيروزآبادي « فيراهم ولا يرونه » لعلّ المراد يعرفهم ولا يعرفونه كما روى الصدوق عن محمّد بن عثمان العمريُّ قال : : والله إن صأحبّ هذا الأمرّ يحضر الموسم كل سنة فيرى الناس ويعرفهم ويرونه ولا يعرفونه ، فيشمل الغيبتين أو هو مختص بالكبرى ، إذ في الصغرى كان يعرفه بعض الناس ، وعلى الثاني يحتمل أن تكون الرؤية بمعناها.

الحديث السابع : مجهول.

وفي النهاية : فيه : بينا هو ينكت إذ انتبه. أي يفكر ويحدّث نفسه ، وأصله من النكت بالحصى ونكت الأرض بالقضيب وهو أن يؤثر فيها بطرفه فعل المفكّر المهموم ، ومنه الحديث : فجعل ينكت بقضيب أي يضرب الأرض بطرفه ، انتهى.

« أرغبة » أي أتنكت لرغبة ، وضمير « فيها » راجع إلى الأرض ، ومعلوم أنّه


قطّ ولكنّي فكّرت في مولود يكون من ظهري الحادي عشر من ولدي هو المهدي الّذي يملأ الأرض عدلا وقسطاً كما ملئت جورا وظلماً تكون له غيبة وحيرة يضل فيها أقوام ويهتدي فيها آخرون فقلت يا أمير المؤمنين وكم تكون الحيرة والغيبة قال : ستّة أيّام أو ستّة أشهر أو ست سنين فقلت وانّ هذا لكائن فقال :

________________________________________________________

ليس هذا الفعل لرغبة في نفس الأرض ، بل المعنى أن اهتمامك وتفكرك لأن تملك الأرض وتصير واليا فيها ، ويحتمل إرجاع الضمير إلى الخلافة ، وربما يحمل الكلام على المطايبة.

« من ظهر(١) الحادي عشر » كذا في أكثر النسخ فالمعنى من ظهر الإمام الحادي عشر « ومن ولدي » نعت « مولود » وربما يقرأ ظهر بالتنوين أي وراء ، والمراد انّه يولد بعدّ هذا الدهر ، والحادي عشر مبتدأ خبره المهدي ، وفي إكمال الدين وغيره وبعض نسخ الكتاب : ظهري ، فلا يحتاج إلى تكلف ، والعدل والقسط متقاربان وكذا الظلم والجور ، فالعطف فيهما للتفسير والتأكيد ، والعدل نقيض الظلم والقسط الإنصاف وهو ضد الجور.

« له حيرة » لعلّ المراد بها التحير في المساكن وانّه كل زمان في بلدة وناحية « يضل فيها » أي في الغيبة والحيرة وضلالتهم إنكارهم لوجود الإمام ورجوعهم عن مذهب الإمامية.

قولهعليه‌السلام : ستّة أيّام لعله مبنيّ على وقوع البداء في هذا الأمرّ ، ولذا رددعليه‌السلام بين أمور ، وأشار بعدّ ذلك إلى احتمال التغيير بقوله : ثمَّ يفعل الله ما يشاء ، وقوله : فإن له بداءات.

أو يقال : : أن السائل سأل عن الغيبة والحيرة معا فأجابعليه‌السلام بأن زمان مجموعهما أحد الأزمنة المذكورة ، وبعدّ ذلك ترتفع الحيرة وتبقى الغيبة ، ويكون الترديد باعتبار اختلاف مراتب الحيرة إلى أن استقر أمرهعليه‌السلام في الغيبة.

__________________

(١) وفي المتن « من ظهري » وسيأتي الإشارة إليه في كلام الشارح (ره) أيضا.


نعم كما انّه مخلوقٌ وأنّى لك بهذا الأمرّ يا أصبغ أولئك خيار هذه الأمة مع خيار أبرار هذه العترة ، فقلت ثمَّ ما يكون بعدّ ذلك فقال : ثمَّ «يَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ » فإن له بداءات وإرادات وغايات ونهايات.

________________________________________________________

ونقل المحدث الأسترآبادي ( ره) أن المراد أنّ آحاد مدة الغيبة هذا القدر ، فيكون ظهوره في السابع ليوافق الأحاديث الدالة على أن ظهوره في فرد السنين ، ( انتهى ).

« كما انّه » أي هذا الأمرّ وهو الغيبة « مخلوق » أي مقدر أو الضمير راجع إلى المهديعليه‌السلام أي كما أن خلقه محتوم فكذا غيبته « وأنى لك بهذا الأمرّ » استفهام إنكار وهو بمعنى أين أو بمعنى كيف ، والباء زائدة نحو : «كَفى بِاللهِ شَهِيداً »(١) بقرينة «أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى » والحاصل أنك لا تدرك هذا الأمرّ « أولئك » أي أنصار القائمعليه‌السلام أو رعيته الثابتون على القول بإمامته في غيبته « مع خيار أبرار هذه العترة » أي أشارف أولاد الرسول وخيارهم ، والجمعية لعلها إشارة إلى رجعة سائر الأئمّةعليهما‌السلام وفي غيبة الطوسي والإكمال ليس لفظ الخيار في الأخير وهو أظهر ، وقيل : خيار هذه الأمة إشارة إلى المؤمنين الراجعين في الرجعة ، وخيار الأبرار ، إلى الأحياء الّذين ينصرون أبرار العترة.

« ثمَّ ما يكون بعدّ ذلك » أي بعدّ وقوع الغيبة هل ترفع أم لا؟ « فإن له بداءات » أي يظهر من الله فيهعليه‌السلام أمور بدائية في امتداد غيبته وزمان ظهوره ، ولا يظهر للخلق المحتوم من ذلك للمصالح الجليلة التي سيأتي ذكر بعضها « وإرادات » في الإظهار والإخفاء والغيبة والظهور « وغايات » أي علل ومنافع ومصالح في تلك الأمور ، « ونهايات » مختلفة لغيبته وظهوره بحسب ما يظهر للخلق من ذلك بسبب البداء ، وقد مرّ تحقيقه في محله.

__________________

(١) سورة النساء : ٧٩.


٨ - عليُّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حنان بن سدير ، عن معروف بن خربوذ ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : انّما نحن كنجوم السماء كلما غاب نجم طلع نجم حتّى إذا أشرتم بأصابعكم وملتم بأعناقكم غيب الله عنكم نجمكم فاستوت بنو عبد المطلب فلم يعرف أي من أي فإذا طلع نجمكم فاحمدوا ربكم.

________________________________________________________

الحديث الثامن : موثق حسن.

« كنجوم السماء » شبّههمعليهم‌السلام بنجوم السماء في اهتداء الخلق بهم ، وفي انّه إذا غاب نجم في المغرب لا بدٌ من أن يطلع نجم عوضه من المشرق ، وكذا الأئمّةعليهم‌السلام لا بدّ من أن يكون أحد منهم فوق الأرض ، وإذا ذهب أحدهم قام مقامه آخر لكن إذا عمت الجور غاب الإمام عنهم كالشمس المستور بالسحاب ، وقيل : نجوم السماء عبارة عن البروج الاثني عشر ليتمّ التشبيه وهو تكلّف « حتّى إذا أشرتم بأصابعكم » كناية عن ترك التقية بتشهير إمامته عند المخالفين « وملتم بأعناقكم » كناية عن توقّع ظهوره وخروجه ، وقيل : أي خضعتم للسلطان الجائر لنيل ما عنده من الدنيا وهو بعيد ، وفي النعماني : وملتم بحواجبكم ، فيرجع إلى الأوّل.

وفي النعماني عن أبي الجارود عن أبي جعفرعليه‌السلام أنّه قال : : لا تزالون تمدّون أعناقكم إلى الرجل منّا تقولون : هو هذا ، فيذهب الله به حتّى يبعث الله لهذا الأمرّ من لا تدرون ولد أم لم يولد ، خلق أو لم يخلق.

« فاستوت بنو عبد المطلب » أي الّذين ظهروا منهم « فلم يعرف أيّ من أي » أي لم يتميّز أحد منهم عن سائرهم كتميز الإمام عن غيره ، لأن جميعهم مشتركون في عدم كونهم مستحقين للإمامة ، وقال : المحدث الأسترآبادي : هذا ناظر إلى الاختلاف المشاهد في هذا الزمان فإن أهل السّنة والزيدية يقولون : هو محمّد بن عبد الله ، ثمَّ اختلفوا في انه حسنيّ أو حسينيّ ، انتهى.

« فإذا طلع نجمكم » أي ظهر القائمعليه‌السلام وفي الإكمال بسند آخر عن ابن خربوذ قال : قلت لأبي جعفرعليه‌السلام : أخبرني عنكم؟ قال : : نحن بمنزلة النجوم إذا


٩ - محمّد بن يحيى ، عن جعفر بن محمّد ، عن الحسن بن معاوية ، عن عبد الله بن جبلة ، عن عبد الله بن بكير ، عن زرارة قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول إنَّ للقائمعليه‌السلام غيبة قبل أن يقوم قلت ولم قال : إنّه يخاف وأومأ بيده إلى بطنه يعنّي القتل.

١٠ - عليُّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن أبي أيّوب الخزّاز ، عن محمّد بن مسلم قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول إن بلغكم عن صأحبّ هذا الأمرّ غيبة فلا تنكروها.

١١ - الحسين بن محمّد ومحمّد بن يحيى ، عن جعفر بن محمّد ، عن الحسن بن معاوية ، عن عبد الله بن جبلة ، عن إبراهيم بن خلف بن عباد الأنماطي ، عن مفضّل بن عمر قال : كنت عند أبي عبد اللهعليه‌السلام وعنده في البيت أناس فظننت انّه انّما أراد بذلك غيري فقال : أما والله ليغيبن عنكم صاحب هذا الأمر وليخملنَّ هذا حتّى يقال :

________________________________________________________

خفي نجم بدا نجم مأمن وأمان ، وسلم وإسلام ، وفاتح ومفتاح حتّى إذا استوى بنو عبد المطلب ، فلم يدر أيّ من أي أظهر الله عزَّ وجلّ صاحبكم فاحمدوا الله عزَّ وجلّ وهو يخبر الصعب والذلول ، فقلت : جعلت فداك فأيّهما يختار؟ قال : يختار الصعب على الذلول.

الحديث التاسع : ضعيف أو مجهول.

الحديث العاشر : حسن ، وقيل : « عن » متعلق بغيبته بتضمين معنى الخبر ، والظاهر تعلقه بالفعل لكن بتضمين أو بتقدير مضاف أي خبر غيبته.

الحديث الحادي عشر : ضعيف أو مجهول.

« انّه انّما أراد بذلك » أي بما يذكره بعد ذلك لأنّي كنت عالما به وسمعته منه مراراً ، والظاهر انّه سقط من الكلام شيء كما يدل عليه ما مرّ منه في الخبر الثاني ، وهو هذا الخبر بأدنى تغيير ، ويؤيّده ما رواه النعماني عن المفضّل بن عمر


مات ، هلك في أيّ واد سلك ؟ ولتكفأنَّ كما تكفأ السّفينة في أمواج البحر ، لا ينجو إلّا من أخذ الله ميثاقه ، وكتب الإيمان في قلبهوأيّده بِرُوحٍ مِنْهُ ولترفعن اثنتا عشرة راية مشتبهة لا يدرى أي من أيُّ قال : فبكيت فقال : ما يبكيك يا أبا عبد الله فقلت جعلت فداك كيف لا أبكي وأنت تقول اثنتا عشرة راية مشتبهة لا يدرى أي من أي قال : وفي مجلسه كوة تدخل فيها الشمس فقال : أبيّنة هذه ؟ فقلت نعم قال : أمرنا أبين من هذه الشمس.

١٢ - الحسين بن محمّد ، عن جعفر بن محمّد ، عن القاسم بن إسماعيل الأنباريّ ، عن يحيى بن المثنّى ، عن عبد الله بن بكير ، عن عبيد بن زرارة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : للقائم غيبتان يشهد في إحداهما المواسم يرى الناس ولا يرونه.

١٣ - عليُّ بن محمّد ، عن سهل بن زياد ومحمّد بن يحيى وغيره ، عن أحمد بن محمّد وعليّ بن إبراهيم ، عن أبيه جميعاً ، عن ابن محبوب ، عن هشام بن سالم ، عن أبي حمزة ، عن أبي إسحاق السبيعي ، عن بعض أصحاب أمير المؤمنينعليه‌السلام ممن يوثق به أن أمير المؤمنينعليه‌السلام تكلّم بهذا الكلام وحفظ عنه وخطب به على منبر الكوفة : اللّهمّ

________________________________________________________

قال : كنت عند أبي عبد اللهعليه‌السلام في مجلسه ومعي غيري ، فقال لنا : إياكم والتنويه يعنّي باسم القائمعليه‌السلام وكنت أراه يريد غيري ، فقال لي : يا أبا عبد الله إيّاكم والتنويه ، والله ليغيبن ، إلى آخر الخبر ، قال الجوهري : الخامل الساقط الّذي لا نباهة له ، وقد خمل يخمل خمولا وأخملته أنا.

الحديث الثاني عشر : ضعيف أو مجهول ولعلّ المراد بإحداهما الكبرى ، وبالرؤية المعرفة ، أي لا يعرفه أحد من الناس بخلاف الصغرى ، فانّه كان يعرفهعليه‌السلام سفراؤه وبعض خواصّ مواليه ، وقيل : هي الصغرى ، « والناس » مرفوع ، والمراد خواص مواليه أي يراه بعض الناس ولا يراه عامتهم على وجه المعرفة.

الحديث الثالث عشر : مجهول ، والسبيعي : بفتح السين وكسرّ الباء نسبة إلى بطن من همدان واسمه عمرو بن عبد الله « حجّة » بدل تفصيل لقوله « حجج ».


انّه لا بد لك من حجج في أرضك حجّة بعدّ حجّة على خلقك يهدونهم إلى دينك ويعلمونهم علمك كيلا يتفرق أتباع أوليائك ظاهر غير مطاع أو مكتتم يترقب إن غاب عن الناس شخصهم في حال هدنتهم فلم يغب عنهم قديم مبثوث علمهم وآدابهم في قلوب المؤمنين مثبتة فهم بها عاملون.

ويقولعليه‌السلام في هذه الخطبة في موضع آخر فيمن هذا ولهذا يأرز العلم

________________________________________________________

« علمك » أي ما علمتهم « كيلا يتفرق » أي في الآراء والعقائد « ظاهر » إما مجرور فيكون نعت « حجّة » أو مرفوع بتقدير مبتدإ أي كل منهم « أو مكتتم » على بناء المفعول ، يقال : : كتمته واكتتمته أي سترته « يترقب » على بناء المجهول أي ينتظر ، وقيل : هو قائم مقام جزاء « إن غاب » بقرينة الفاء في قوله « فلم يغب ».

« شخصهم » أي الموجود من جملتهم « مبثوث علمهم » لعلّ المفعول بمعنى الفاعل ، فإني لم أره متعديا فيما عندنا من كتب اللغة ، وفي بعض النسخ بتقديم الباء على المثلثة أي منتشر علمهم وهو أظهر « وآدابهم » مبتدأ خبره : مثبتة ، والمراد بآدابهم أخلاقهم وسيرهم « فهم بها » أي بالعلوم والآداب ، وقيل : المراد بآدابهم قواعدهم الكلية الأصولية المتعلقة بكيفية عمل أهل الغيبة نحو جواز العمل بأخبار الآحاد.

« فيمن هذا » الاستفهام للتقليل أي العمل بآدابهم المثبتة في قلوب الناس ليس إلّا في قليل منهم « ولهذا » أي ولقلة ما ذكر ينقبض العلم وتقل الحملة ، وهو بالتحريك جمع حامل.

وقال : بعض الأفاضل « فيمن هذا » أي في شأن من تكلّم بغير معقول من الهذيان « ولهذا » أي ولأجلّ أن الناس يصيرون إلى مثل هذا ويتكلمون بالباطل « يأرز العلم » أي ينضم بعضه إلى بعض ويجتمع عند أهله ، انتهى.

وما أشبه هذا بالهذيان وانّ كان القائل أجلّ من ذلك ، وفي بعض النسخ : فمن هذا ، كما في رواية النعماني ، فمن بالكسرّ ولهذا تأكيد له ، وهذا في الموضعين إشارة إلى كلام أسقط من البين ويمكن أن يقرأ بالفتح على الاستفهام للقلة بالمعنى المتقدم.


إذا لم يوجدّ له حملة يحفظونه ويروونه كما سمعوه من العلماء ويصدقون عليهم فيه اللهم فإني لأعلم أن العلم لا يأرز كله ولا ينقطع مواده وإنك لا تخلي أرضك من حجّة لك على خلقك ظاهر ليس بالمطاع أو خائف مغمور كيلا تبطل حجتك ولا يضل أولياؤك بعدّ إذ هديتهم بل أين هم وكم هم أولئك الأقلون عددا الأعظمون عند الله قدرا.

١٤ - عليّ بن محمّد ، عن سهل بن زياد ، عن موسى بن القاسم بن معاوية البجلي ، عن عليّ بن جعفر ، عن أخيه موسى بن جعفرعليه‌السلام في قول الله عزَّ وجلّ «قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ »(١) قال : إذا غاب عنكم إمامكم فمن يأتيكم

________________________________________________________

وفي رواية النعماني : وهم بها عاملون يأنسون بما يستوحش منه المكذبون ويأباه المسرفون وبالله كلام يكال بلا ثمن ، من كان يسمعه بعقله فيعرفه ويؤمن به ، ويتبعه وينهج نهجه فيصلح به ، ثمَّ يقول : فمن هذا ولهذا يأزر العلم ، إذ لم يوجدّ حملة يحفظونه ويؤدونه كما يسمعونه من العالم ، ثمَّ قال : بعد كلام طويل في هذه الخطبة : اللهم وإني لأعلم إلى آخره.

« يحفظونه » أي على ظهر القلب وفي الكتب ، وقيل : يرعونه حقَّ الرعاية ويصدّقون على بناء المجرد أي هم صادقون فيما يروونه عنهم في العلم ، وربما يقرأ على مجهول باب التفعيل أي يصدّقهم الناس في الرواية لعلمهم بعدّ التهم.

الحديث الرابع عشر : ضعيف على المشهور « إن أصبح ماؤكم غوراً » أي غائراً في الأرض بحيث لا تناله الدلاء ، مصدر وصف به : بماء معين ، أي جار ظاهر سهل المأخذ ، فعلى التأويل الوارد في الخبر استعار الماء للعلم ، لانّه سبب لحياة الأرواح ، كما أن الماء سبب لحياة الأبدان ، واختفاء العالم يوجب اختفاء العلم « بإمام جديد » أي ظاهر بعد الغيبة فالجديد لازم للمعين باعتبار كونه بعد الغور والخفاء ومما يؤيد ما ذكرنا أن المراد تشبيه علم الإمام بالماء ، ما رواه عليّ بن

__________________

(١) سورة الملك : ٣٠.


بامام جديد.

١٥ - عدَّةٌ من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد ، عن عليّ بن الحكم ، عن أبي أيّوب الخزّاز ، عن محمّد بن مسلم قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول إن بلغكم عن صاحبكم غيبة فلا تنكروها.

١٦ - عدَّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد ، عن الحسن بن عليّ الوشّاء ، عن عليّ بن أبي حمزة ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : لا بد لصأحبّ هذا الأمرّ من غيبة ولا بد له في غيبته من عزلة ونعم المنزل طيبة وما بثلاثين من وحشة.

________________________________________________________

إبراهيم بإسناده قال : : سئل الرضاعليه‌السلام عن قول الله عزَّ وجلّ : «قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً » الآية فقال :عليه‌السلام : « ماؤكم » أبوابكم الأئمّة والأئمّة أبواب الله «فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ » يعني يأتيكم بعلم الإمام.

الحديث الخامس عشر : صحيح.

الحديث السادس عشر : ضعيف أو موثق.

والعزلة بالضمّ : اسم الاعتزال أي المفارقة عن الخلق « ولا بدّ له في غيبته » في بعض النسخ : ولا له في غيبته ، أي ليس في غيبته معتزلاً عن الخلق بل هو بينهم ولا يعرفونه ، والأوّل أظهر وموافق لما في سائر الكتب ، والطيّبة بالكسرّ اسم المدينة الطيّبة ، فيدل على انّهعليه‌السلام غالبا في المدينة وحواليها إما دائما أو في الغيبة الصغرى ، وما قيل : من أن الطيّبة اسم موضع يسكنهعليه‌السلام مع أصحابه سوى المدينة فهو رجم بالغيب ، ويؤيد الأوّل ما مرّ انّه لما سئل أبوهعليه‌السلام : أين أسأل عنه؟ قال : بالمدينة.

« وما بثلاثين من وحشة » أي هوعليه‌السلام مع ثلاثين من مواليه وخواصه ، وليس لهم وحشة لاستيناس بعضهم ببعض ، أو هوعليه‌السلام داخل في العدد فلا يستوحش هو أيضاً أو الباء بمعنى مع أي لا يستوحشعليه‌السلام لكونه مع ثلاثين ، وقيل : هو مخصوص بالغيبة الصغرىِّ ، وما قيل : من أن المراد انّهعليه‌السلام في هيئة من هو في سنّ ثلاثين سنة


١٧ - وبهذا الإسناد ، عن الوشاء ، عن عليّ بن الحسن ، عن أبان بن تغلب قال : قال : أبو عبد اللهعليه‌السلام كيف أنت إذا وقعت البطشة بين المسجدين - فيأرز العلم كما تأرز الحية في جحرها واختلفت الشيعة وسمى بعضهم بعضاً كذابين وتفل بعضهم

________________________________________________________

ومن كان كذلك لا يستوحش فهو في غاية البعد ، وفي غيبة الشيخ : لا بدّ لصأحبّ هذا الأمرّ من عزلة ولا بدّ في عزلته من قوّة ، الخبر.

الحديث السابع عشر : صحيح إذا لظاهر أن عليّ بن الحسن هو الطاطري ، وفي بعض النسخ عليّ بن الحسين فيكون مجهولاً.

والبطشة : الأخذ بالعنف ، والسطوة : الأخذ الشديد ، والمسجدان مسجد مكة ومسجد المدينة ، أو مسجد الكوفة ومسجد السهلة ، والأوّل أظهر وهو إشارة إلى واقعة عظيمة من حرب أو خسف أو بلاء تقع قريباً من ظهور المهديعليه‌السلام ، فالخير هو ظهور القائمعليه‌السلام أو قريباً من وجودهعليه‌السلام أو من غيبته الكبرى ، فالخير لكثرة الأجر وقوة الإيمان كما مر.

قال : المحدث الأسترآباديرحمه‌الله : كانّه إشارة إلى وقعة عسكر السفياني بين المسجدين ، وإلى الفتنة التي تظهر من عسكره في عراق العرب ، وظهور رجلّ مبرقع من الشيعة في العراق ، ودلالته عسكر السفياني على الشيعة ، والمراد من الخير كله ظهور القائمعليه‌السلام انتهى.

وفي قرب الإسناد في الصحيح عن البزنطي قال : : قال : الرضاعليه‌السلام : إن قدام هذا الأمرّ علامات حدث يكون بين الحرمين ، قلت : ما الحدث؟ قال : عصبة تكون ، ويقتل فلان من آل فلان خمسة عشر رجلاً ، وقيل : المراد ما وقع في خلافة المتوكّل في سويقة وهي قرية من أعراض المدينة في جنب الروحاء ، قال : صاحب القاموس : سويقة موضع بنواحي المدينة يسكنه آل عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، وقال : السمهودي في كتاب خلاصة الوفاء : سويقة عين عذبة كثيرة الماء لآل عليّ ، وكان محمّد بن صالح الحسيني خرج على المتوكّل فأنفذ إليه جيشاً ضخماً فظفروا به وبجماعة من أهله


في وجوه بعض ؟ قلت : جعلت فداك ما عند ذلك من خير فقال : لي الخير كله عند ذلك ثلاثاً.

١٨ - وبهذا الإسناد ، عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه محمّد بن عيسى ، عن ابن بكير ، عن زرارة قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : إنَّ للقائم غيبة قبل أن يقوم انّه يخاف وأومأ بيده إلى بطنه يعني القتل.

١٩ - محمّد بن يحيى ، عن محمّد بن الحسين ، عن ابن محبوب ، عن إسحاق بن عمّار قال : قال : أبو عبد اللهعليه‌السلام للقائم غيبتان إحداهما قصيرةٌ والأخرى طويلة الغيبة الأولى لا يعلم بمكانّه فيها إلّا خاصة شيعته والأخرى لا يعلم بمكانّه فيها إلّا خاصّة مواليه

________________________________________________________

فقتلوا بعضهم وأخربوا سويقة وعقروا بها نخلا كثيراً وما أفلحت السويقة بعدّ ، وجلّ سويقة لآل عليّ وكانت من صدقات عليّعليه‌السلام ، انتهى. وهذه الواقعة أفضت إلى غيبة صاحب الزمانعليه‌السلام ، وسمعت من رأى سويقة مرارا مع الشريف زيد وعسكره يقول : إن المشهور عند شيعة تلك الأماكن أن سويقة منزل صاحب الزمانعليه‌السلام ، انتهى.

أقول : وفي غيبة النعماني : يأتي على الناس زمان يصيبهم فيها سبطة يأرز العلم فيها كما تأرز الحيّة في جحرها فبينا هم كذلك إذ طلع عليهم نجم ، قلت : فما السبطة؟

قال : الفترة ، إلى آخر الخبر.

الحديث الثامن عشر : موثق كالصحيح.

الحديث التاسع عشر : موثق.

« إلّا خاصّة مواليه » أي خدمه وأهله وأولاده أو الثلاثين الّذين مضى ذكرهم ، وفي الغيبة الصغرى كان بعض خواص شيعته مطلعين على مكانّه كالسفراء وبعض الوكلاء.

واعلم أنّه كان لهعليه‌السلام غيبتان : أوّلهما : الصغرى وهي من زمان وفاة أبي محمّد العسكريعليه‌السلام ، وهو لثمان ليال خلون من شهر ربيع الأوّل سنة ستين ومائتين إلى


________________________________________________________

وقت وفاة رابع السفراء أبي الحسن عليّ بن محمّد السمّري وهو النصف من شعبان سنة تسع وعشرين وثلاثمائة فتكون قريباً من سبعين ، والعجب من الشيخ الطبرسي وسيد ابن طاوس أنّهما وافقا في التاريخ الأوّل وقالا في وفاة السمّري : توفي سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة ، ومع ذلك ذكراً أنّ مدّة الغيبة الصغرى أربع وسبعون سنة ولعلّهما عدّا ابتداء الغيبة من ولادتهعليه‌السلام .

وأمّا سفراؤهعليه‌السلام فأوّلهم أبو عمرّ وعثمان بن سعيد العمريُّ ، فلمّا توفّيرضي‌الله‌عنه نص على ابنه أبي جعفر محمّد بن عثمان ، فقام مقامه وهو الثاني من السفراء ، وتوفّيرضي‌الله‌عنه سنة أربع وثلاثمائة وقيل : خمس وثلاثمائة ، وكان يتولى هذا الأمرّ نحوا من خمسين سنة ، فلمّا دنت وفاته أقام أبا القاسم الحسين بن روح النوبختي مقامه ، وتوفي أبو القاسم قدس الله روحه في شعبان سنة ستّة وعشرين وثلاثمائة فلمّا دنت وفاته نص على أبي الحسن عليّ بن محمّد السمّري ، فلمّا حضرت السمّريرضي‌الله‌عنه الوفاة سئل أن يوصي فقال : لله أمرّ هو بالغه ، ومات روح الله روحه في النصف من شعبان سنة تسع وعشرين وثلاثمائة ، كل ذلك ذكره الشيخرحمه‌الله .

وقال الصدوق : حدَّثني الحسن بن أحمد المكتب قال : كنت بمدينة السلام في السّنة التي توفي فيها الشيخ أبو الحسن عليّ بن محمّد السمّري قدس الله روحه فحضرته قبل وفاته بأيّام فأخرج إلى الناس توقيعا نسخته : بسم الله الرحمن الرحيم يا عليّ بن محمّد السمّري أعظم الله أجر إخوانك فيك ، فإنك ميّت ما بينك وبين ستّة أيّام فاجمع أمرك ولا توص إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك ، فقد وقعت الغيبة التامّة ولا ظهور إلّا بعدّ إذن الله تعالى ذكره ، وذلك بعدّ طول الأمد وقسوة القلوب وامتلاء الأرض جوراً ، وسيأتي من شيعتي من يدعي المشاهدة ، إلّا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذاب مفتر ، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم.

قال : فنسخنا هذا التوقيع وخرجنا من عنده ، فلمّا كان يوم السادس وعدنا إليه وهو يجود بنفسه ، فقيل له : من وصيّك من بعدك؟ فقال : لله أمرّ هو بالغه وقضى ،


٢٠ - محمّد بن يحيى وأحمد بن إدريس ، عن الحسن بن عليّ الكوفيّ ، عن عليّ بن حسّان ، عن عمه عبد الرحمن بن كثير ، عن مفضل بن عمرّ قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول لصاحب هذا الأمرّ غيبتان إحداهما يرجع منها إلى أهله والأخرى يقال : هلك في أي واد سلك قلت كيف نصنع إذا كان كذلك قال : إذا ادعاها مدع فاسألوه عن أشياء يجيب فيها مثله.

٢١ - أحمد بن إدريس ، عن محمّد بن أحمد ، عن جعفر بن القاسم ، عن محمّد بن الوليد الخزاز ، عن الوليد بن عقبة ، عن الحارث بن زياد ، عن شعيب ، عن أبي حمزة قال : دخلت على أبي عبد اللهعليه‌السلام فقلت له أنت صاحب هذا الأمرّ فقال : لا فقلت فولدك فقال : لا فقلت فولد ولدك هو قال : لا فقلت فولد ولد ولدك فقال : لا قلت من هو قال : الّذي يملأها عدلا كما ملئت ظلماً وجوراً على فترة من الأئمّة كما أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بعث عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ.

________________________________________________________

وهذا آخر كلام سمع منه رضي الله عنه.

الحديث العشرون : ضعيف.

« يرجع منها إلى أهله » أي عيال أبيهعليه‌السلام أو إلى نوابه وسفرائه « كيف نصنع » أي إذا خرج أحد بعدّ غيبتهعليه‌السلام وادعى انّه المهدي كيف نعرف انّه صادق أو كاذب؟ « يجيب فيها مثله » أي مثل القائمعليه‌السلام عن مسائل لا يعلمه إلّا الإمام كالأخبار بالمغيبات لعامة الخلق ، والسؤال عن غوامض المسائل والعلوم المختصّة بهمعليه‌السلام فإن أجاب بالحقَّ فيها وموافقا لما وصل إليكم من آبائهمعليهم‌السلام فاعلموا انّه الإمام ، وهذا مختص بالعلماء.

الحديث الحادى و العشرون : مجهول.

والفترة بين الرسولين هي الزّمان الّذي انقطعت فيه الرسالة واختفى فيه الأوصياء والمراد بفترة من الأئمّة خفاؤهم وعدم ظهورهم في مدّة طويلة ، أو عدم إمام قادر قاهر فتشمل أزمنة سائر الأئمّة سوى أمير المؤمنينعليه‌السلام ، والأوّل أظهر.


٢٢ - عليُّ بن محمّد ، عن جعفر بن محمّد ، عن موسى بن جعفر البغدادي ، عن وهب بن شاذان ، عن الحسن بن أبي الربيع ، عن محمّد بن إسحاق ، عن اُمّ هاني قالت سألت أبا جعفر محمّد بن عليّعليه‌السلام عن قول الله تعالى «فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ »(١) قالت فقال : إمام يخنس سنة ستين ومائتين ثمَّ يظهر كالشهاب يتوقّد في اللّيلة الظلماء فإن أدركت زمانه قرت عينك.

٢٣ - عدَّة من أصحابنا ، عن سعدّ بن عبد الله ، عن أحمد بن الحسن ، عن عمر بن يزيد ، عن الحسن بن الربيع الهمداني قال : حدثنا محمّد بن إسحاق ، عن أسيد بن ثعلبة ، عن أم هانئ قالت لقيت أبا جعفر محمّد بن عليّعليه‌السلام فسألته عن هذه الآية «فَلا أُقْسِمُ

________________________________________________________

الحديث الثاني والعشرون : ضعيف أو مجهول.

« بالخنس » هو جمع خانس من خنس إذا تأخر ، والجواري جمع الجارية ، والكنس جمع كانس ، من كنس الظبي : إذا تغيب واستتر في الكناسة ، وهو الموضع الّذي يأوي إليه ، فقال : بعض المفسرين : هي الكواكب كلها فإنها تغيب بالنهار وتظهر بالليل ، وقال : بعضهم : هي الخمسة المتحيرة سوى النيرين من السيارات ، يريد به مسيرها ورجوعها ، وفسرهعليه‌السلام بإمام يخنس أي يتأخر عن الناس ويغيب.

« سنة ستين ومائتين » وهي سنة وفاة الحسن العسكريعليه‌السلام وابتداء إمامة القائم صلوات الله عليه ، وهي ابتداء غيبته بعد الإمامة ، والجمعية إما للتعظيم أو شموله لسائر الأئمّةعليهم‌السلام باعتبار الرجعة ، أو أن ظهورهعليه‌السلام بمنزلة ظهور الجميع ، وقيل : للمبالغة في التأخر ، وقيل : الخنس مفرد كسكر ، وكذا الكنس ، والجوار مفرد بمعنى الجار ، ولا يخفى بعده.

ويحتمل أن يكون المراد بها الكواكب ويكون ذكرها لتشبيه الإمام بها في الغيبة والظهور كما في أكثر بطون الآيات « فإن أدركت » أي على الفرض البعيد أو في الرجعة « زمانه » أي زمان استيلائه وتمكنه.

الحديث الثالث و العشرون : مجهول.

__________________

(١) سورة التكوير : ١٦ - ١٧.


بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ » قال : الخنس إمام يخنس في زمانّه عند انقطاع من علمه عند الناس سنة ستين ومائتين ثمَّ يبدو كالشهاب الواقد في ظلمة الليل فإن أدركت ذلك قرت عينك.

٢٤ - عليّ بن محمّد ، عن بعض أصحابنا ، عن أيوب بن نوح ، عن أبي الحسن الثالثعليه‌السلام قال : إذا رفع علمكم من بين أظهركم فتوقّعوا الفرج من تحت أقدامكم.

٢٥ - عدَّة من أصحابنا ، عن سعدّ بن عبد الله ، عن أيّوب بن نوح قال : قلت

________________________________________________________

« عند انقطاع من علمه عند الناس » أي لا يعلم المخالفون أو أكثر الناس وجوده ، ويحتمل أن يكون « من » تبعيضية.

الحديث الرابع و العشرون : مرسل.

« إذا رفع علمكم » بالتحريك أي إمامكم الهادي لكم إلى طريق الحقَّ وربما يقرأ بالكسرّ أي صاحب علمكم ، أو أصل العلم باعتبار خفاء الإمام فإن أكثر الخلق في ذلك الزّمان في الضلالة والجهالة ، والأوّل أظهر ، وتوقع الفرج من تحت الأقدام ، كناية عن قربّه وتيسرّ حصوله ، فإن من كان شيء تحت قدميه إذا رفعهما وجدّه ، فالمعنى انّه لا بد أن تكونوا متوقعين للفرج كذلك وانّ كان بعيداً ، أو يكون المراد بالفرج إحدى الحسنيين كما مر.

ويحتمل مع قراءة العلم بالكسرّ حمله على حقيقته ، فإن مع رفع العلم بين الخلق وشيوع الضلالة لا بد من ظهورهعليه‌السلام كما مرّ انّهعليه‌السلام يملأ الأرض قسطا وعدلاً بعدّ ما ملئت ظلماً وجوراً.

وقيل : توقع الفرج من تحت الأقدام كناية عن الإطراق وترك الالتفات إلى أهل الدنيا بالتواصي بالصبر فانّه مفتاح الفرج والخير كله ، وهو بعيد.

الحديث الخامس و العشرون : مرسل كالصحيح ، لأن هذه العدَّة غير معلوم رجالها ، لكنّ الظاهر أن فيهم محمّد بن يحيى العطار فانّه الراوي عن سعدّ غالباً في سند الصّدوق ، ورواية الكلينيُّ بواسطة عن سعدّ وانّ كان نادراً لانّه يروي عنه أحمد


لأبي الحسن الرضاعليه‌السلام إني أرجو أن تكون صاحب هذا الأمرّ وانّ يسوقه الله إليك بغير سيف فقد بويع لك وضربت الدراهم باسمك فقال : ما منا أحد اختلفت إليه الكتب وأشير إليه بالأصابع وسئل عن المسائل وحملت إليه الأموال إلّا اغتيل أو مات على فراشه حتّى يبعث الله لهذا الأمرّ غلاماً منّا - خفي الولادة والمنشإ غير خفي في نسبه.

٢٦ - الحسين بن محمّد وغيره ، عن جعفر بن محمّد ، عن عليّ بن العباس بن عامرّ ، عن موسى بن هلال الكنديّ ، عن عبد الله بن عطاء ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : قلت له إن شيعتك بالعراق كثيرة والله ما في أهل بيتك مثلك فكيف لا تخرج قال : :

________________________________________________________

بن محمّد بن عيسى الّذي يروي عنه الكلينيُّ بتوسّط العدَّة ، لكن يروي عنه محمّد بن يحيى الّذي هو داخل في عدَّة الكلينيُّ ، ويروي عنه عليّ بن بابويه وهو معاصر الكلينيُّ ، فرواية الكلينيُّ عنه بواسطة غير مستبعد.

« وان يسوقه الله » في الإكمال : وانّ يسد به الله عزَّ وجلّ إليك « فقد بويع لك » أي بولاية العهد للمأمون « وأشير إليه بالأصابع » كناية عن الشهرة وفي الإكمال : وأشارت إليه الأصابع.

« إلّا اغتيل » الاغتيال هو الأخذ بغتة ، والقتل خديعة ، ولعلّ المراد به القتل بالحديد وبالموت على الفراش القتل بالسم أو المراد بالأوّل الأعم ، وبالثاني الموت غيظا من غير ظفر على العدو كما سيأتي. و « أو » للتقسيم لا للشك.

« خفي الولادة » أي وقت ولادته خفي عند جمهور الناس وانّ اطلع عليه بعض الخواص ، والمنشأ : الوطن ومحل النشو أي لا يعلم جمهور الخلق في أي موضع نما ونشأ ، ومضت عليه السنون « غير خفي في نسبه » فانّه يعلم جميع الشيعة انّه ابن الحسن العسكريعليهما‌السلام ، بل المخالفون أيضاً يقولون انّه من ولد الحسينعليه‌السلام وقيل : أي معلوم بالبرهان انّه ولد العسكريعليهما‌السلام .

الحديث السادس و العشرون : ضعيف أو مجهول.


فقال : يا عبد الله بن عطاء قد أخذت تفرش أذنيك للنوكى إي والله ما أنا بصاحبكم قال : قلت له فمن صاحبنا قال : انظروا من عمي على الناس ولادته فذاك صاحبكم انّه ليس منّا أحد يشار إليه بالإصبع ويمضغ بالألسن إلّا مات غيظاً أو رغم أنفه.

٢٧ - محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن الحسين بن سعيد ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام بن سالم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : يقوم القائم وليس لأحد في عنقه عهد ولا عقدٌ ولا بيعة.

________________________________________________________

« أخذت » من أفعال المقاربة أي شرعت و « تفرش » خبره أي تفتح وتبسط و « النوكي » جمع أنوك كحمقى وأحمق وزناً ومعناً ، وهو مثل لكلّ من يقبل الكلام من كل أحد وانّ كان أحمق « أي » لتصديق الكلام السابق الدال على قبح الخروج وعدم الإذن فيه.

« من عمي على الناس » يقال : عمي عليه الأمرّ إذا التبس ، ومنه قوله تعالى : «فعميت عليهم الأنباء يومئذ (١) » والمضغ باللسان كناية عن تناوله وذكره بالخير والشر ، ورغم الأنف كناية عن الذل ، ولعلّ المراد هنا القتل بالسم وغيره ، ويحتمل كون الترديد من الراوي.

الحديث السابع و العشرون : صحيح.

والعهد والعقد والبيعة متقاربة المعاني وكان بعضها مؤكد بالبعض ، ويحتمل أن يكون المراد بالعهد الوعدّ مع خلفاء الجور برعايتهم أو وصيتهم إليه ، يقال : : عهد إليه إذا أوصى إليه أو العهد بولاية العهد كما وقع للرضاعليه‌السلام ، وبالعقد عقد المصالحة والمهادنة كما وقع بين الحسنعليه‌السلام وبين معاوية ، والبيعة الإقرار ظاهراً للغير بالخلافة مع التماسح بالأيدي على وجه المعروف ، وكانّه إشارة إلى بعض علل الغيبة وفوائدها كما روى الصدوقرحمه‌الله بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : صاحب هذا الأمرّ تغيب ولادته عن هذا الخلق لئلا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا خرج ، ويصلح الله عزَّ وجلّ أمره في ليلة.

__________________

(١) سورة القصص : ٦٦.


٢٨ - محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن ابن فضّال ، عن الحسن بن عليّ العطار ، عن جعفر بن محمّد ، عن منصور عمّن ذكره ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : قلت إذا أصبحت وأمسيت لا أرى إماما أئتم به ما أصنع قال : فأحبّ من كنت تحب وأبغض من كنت تبغض حتّى يظهره الله عزَّ وجلّ.

٢٩ - الحسين بن أحمد ، عن أحمد بن هلال قال : حدَّثنا عثمان بن عيسى ، عن خالد بن نجيح ، عن زرارة بن أعين قال : قال : أبو عبد اللهعليه‌السلام لا بدُّ للغلام من غيبة قلت ولم قال : يخاف وأومأ بيده إلى بطنه وهو المنتظر وهو الّذي يشكُّ الناس في ولادته فمنهم من يقول حمل ومنهم من يقول مات أبوه ولم يخلف ومنهم من يقول ولد قبل موت أبيه بسنتين قال : زرارة فقلت وما تأمرني لو أدركت ذلك الزّمان قال : ادع الله بهذا الدعاء - اللهمَّ عرفني نفسك فإنك إن لم تعرفني نفسك لم أعرفك اللهمَّ عرفني نبيك فإنك إن لم تعرفني نبيك لم أعرفه قط اللهمَّ عرفني حجتك فإنك إن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني : قال : أحمد بن الهلال سمعت هذا الحديث منذست

________________________________________________________

الحديث الثامن و العشرون : مرسل.

« فأحبّ من كنت تحبّه(١) » أي من الأئمّة ، ولا ترجع عن الاعتقاد بإمامتهم وحبهم يقتضي العمل بما بقي بينهم من آثارهم والرجوع إلى رواة أخبارهم ، ويحتمل تعميم من يشمل الرواة والعلماء الربانيين الّذين كانوا يرجعون إليهم عند ظهور الإمامعليه‌السلام ، إذا لم يمكن الوصول إليه « وأبغض من كنت تبغض » أي من أئمة الجور وأتباعهم ، وهو يستلزم الاجتناب عن طريقتهم من البدع والأهواء والقياسات والاستحسانات.

الحديث التاسع و العشرون : ضعيف وقد مرّ مثله بتغيير في الدعاء ويدل على أن المعارف موهبية وقد مرّ الكلام فيه « سمعت هذا الحديث » غرضه من هذا الكلام انّه ليس في هذا الحديث شائبة وضع وكذب لأني سمعت هذا الحديث قبل

__________________

(١) وفي المتن « من كنت تحبّ ».


وخمسين سنة.

________________________________________________________

ولادة القائمعليه‌السلام وغيبته بأكثر من خمسين سنة بل قبل ولادة جدّه ، فكان سماعة إمّا زمن الجوادعليه‌السلام أو زمن الرضاعليه‌السلام ، فهذا الحديث مشتمل على الإعجاز بوجوه شتى فكيف يشك فيه ، وذلك لأن العبرتائي كانت ولادته سنة ثمانين ، ووفاته سنة سبع وستين ومائتين ، فيكون عمره عند وفاته سبعاً وثمانين سنة ، فأدرك اثنتا عشرة سنة من عمرهعليه‌السلام ، وسبعا من أيّام إمامته وكانت روايته لهذا الحديث في تلك السنين فاستشهد على حقية الخبر بصدور الأخبار بهذه الأمور فيها قبل وقوعها ، وهذه حجّة قوية على حقية القائمعليه‌السلام وإمامته وغيبته للإخبار بجميع ذلك قبل وقوعها.

قال : الشيخ أمين الدين الطبرسيقدس‌سره في إعلام الورى ، بعدّ ما أورد أخبارا كثيرة في النص على الاثني عشر والنص على القائمعليهم‌السلام خصوصا ما هذا لفظه : يدل على إمامتهعليه‌السلام ما أثبتناها من أخبار النصوص وهي على ثلاثة أوجه : أحدهما : النص على عدد الأئمّة الاثني عشر ، والثاني النص عليه من جهة أبيه خاصة ، الثالث : النص عليه بذكر غيبته وصفتها التي يختصها ، ووقوعها على الحد المذكور من غير اختلاف حتّى لم يخرم منه شيئاً ، وليس يجوز في العادات أن يولد جماعة كثيرة كذباً يكون عن كائن فيتفق ذلك على حسب ما وصفوه ، وإذا كانت أخبار الغيبة قد سبقت زمان الحجّة بل زمان أبيه وجدّه حتّى تعلقت الكيسانية بها في إمامة ابن الحنفية والناووسية والمطمورية في أبي عبد الله وأبي الحسن موسىعليهما‌السلام ، وذكرها المحدثون من الشيعة في أصولهم المؤلفة في أيّام السيّدين الباقر والصادقعليهما‌السلام ، وآثروهما عن النبيّ والأئمّةعليهم‌السلام واحداً بعد واحد صح بذلك القول في إمامة صاحب الزّمانعليه‌السلام لوجود هذه الصفة له ، والغيبة المذكورة ودلائله وأعلام إمامته ، وليس يمكن أحدا دفع ذلك.

ومن جملة ثقات المحدثين والمصنفين من الشيعة الحسن بن محبوب الزراد وقد صنف كتاب المشيخة الّذي هو في أصول الشيعة أشهر من كتاب المزني وأمثاله قبل


٣٠ - أبو عليّ الأشعري ، عن محمّد بن حسّان ، عن محمّد بن عليّ ، عن عبد الله بن القاسم ، عن المفضّل بن عمرّ ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في قول الله عزَّ وجلّ «فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ »(١) قال : إن منا إماماً مظفّراً مستتراً ، فإذا أراد الله عزَّ ذكره إظهار أمره نكت في قلبه نكتة فظهر فقام بأمرّ الله تبارك وتعالى.

٣١ - محمّد بن يحيى ، عن جعفر بن محمّد ، عن أحمد بن الحسين ، عن محمّد بن عبد الله ، عن محمّد بن الفرج قال : كتب إلي أبو جعفرعليه‌السلام إذا غضب الله تبارك وتعالى على خلقه نحانا عن جوارهم.

________________________________________________________

زمان الغيبة بأكثر من مائة سنة ، فذكر فيه بعض ما أوردناه من أخبار الغيبة فوافق الخبر المخبر ، وحصل كل ما تضمّنه الخبر بلا اختلاف ، وأيضاً أخبروا عن الغيبتين الصّغرى والكبرى ، فوقعتا على ما أخبروا ، إلى آخر ما ذكرهرحمه‌الله في ذلك.

الحديث الثلاثون : ضعيف.

«فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ » قال : المفسّرون : أي نفخ في الصّور والناقور فاعول من النّقر بمعنى التصويت ، وأصله القرع الّذي هو سبب الصوت وبعده «فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ » وعلى تأويلهعليه‌السلام شبه قلب الإمامعليه‌السلام بالصور وما يلقى وينكت فيه بالإلهام من الله تعالى بالنفخ ، ففي الكلام استعارة مكنية وتخييلية ، والنكت التأثير في الأرض بعود وشبهه « ونكتة » مفعول مطلق للنوع.

الحديث الحادي و الثلاثون : ضعيف.

« على خلقه » أي أكثرهم « نحانا » أي أبعدنا « عن جوارهم » بكسرّ الجيم أي مجاورتهم ، ويدلّ على أن غيبة الإمامعليه‌السلام غضب على أكثر الخلق.

__________________

(١) سورة المدثر : ٨.


( باب )

( ما يفصل به بين دعوى المحق والمبطل في أمر الامامة )

١ - عليُّ بن إبراهيم بن هاشم ، عن أبيه ، عن ابن محبوب ، عن سلام بن عبد الله ومحمّد بن الحسن وعليّ بن محمّد ، عن سهل بن زياد وأبو عليّ الأشعريّ ، عن محمّد بن حسّان جميعاً ، عن محمّد بن عليّ ، عن عليّ بن أسباط ، عن سلام بن عبد الله الهاشميّ ، قال : محمّد بن عليّ وقد سمعته منه ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : بعث طلحة والزبير رجلاً من عبد القيس يقال : له خداش إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه وقالاله إنّا نبعثك إلى رجلّ طال ما كنا نعرفه وأهل بيته بالسحر والكهانة وأنت أوثق من بحضرتنا من أنفسنا

________________________________________________________

باب ما يفصل به بين دعوى المحقَّ والمبطل في أمرّ الإمامة

الحديث الأول : سنده الأوّل مجهول ، والثاني ضعيف ، ومحمّد بن الحسن عطف على عليّ بن إبراهيم ، والعطف على سلام كما توهّم بعيد ، وعليّ بن محمّد عطف على محمّد بن الحسن وهو ابن أبان الرازي المعروف بعلان ، وأبو عليّ الأشعريّ عطف على محمّد بن الحسن أو عليّ بن إبراهيم ، جميعاً : أي سهل ومحمّد بن حسّان رويا عن محمّد بن عليّ ، والظاهر انّه أبو سمينة لانّه الراوي لكتاب سلام.

« قال : محمّد بن عليّ وقد سمعته منه » أي من سلام بلا واسطة ابن أسباط أيضاً « وخداش » بكسرّ الخاء وتخفيف الدال « طال ما كنا » ما مصدريّة ، والمصدر فاعل طال.

وقيل : الساحر من له قوة على التأثير في أمرّ خارج عن بدنه آثاراً خارجة عن الشريعة مؤذية للخلق كالتفريق بين الزوجين ، وإلقاء العداوة بين رجلين ، وقيل : هو من يأتي بأمرّ خارق للعادة مسبّب عن سبب يعتاد كونه عنه ، فتخرج المعجزة والكرامة لأنّهما لا يحتاجان إلى تقديم أسباب وآلات وزيادة إغفال ، بل انّما تحصلان بمجرّد توجّه النّفوس الكاملة إلى المبدأ وقيل : هو من يتكلّم بكلام أو يكتبه


من أن تمتنع من ذلك ، وانّ تحاجه لنا حتّى تقفه على أمرّ معلوم واعلم انّه أعظم الناس

________________________________________________________

أو يأتي برقية أو عمل يؤثر في بدن آخر أو عقله أو قلبه من غير مباشرة ، والكاهن هو الّذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزّمان ، ويدعي معرفة الأسرار ، وقد كان في العرب كهنة كشق وسطيح(١) وغيرهما ، فمنهم من كان يزعم أن له تابعاً من الجن ورئياً(٢) يلقى إليه الأخبار ومنهم من كان يزعم انّه يعرف الأمور بمقدمات وأسباب يستدل بها على مواقعها من كلام من يسأله أو فعله أو حاله ، وهذا يخصونه باسم العراف كالّذي يدعي معرفة الشيء المسروق ومكان الضالة ونحوهما ، كذا قال : في النهاية.

وفي المغرب : كانت الكهانة في العرب قبل المبعث ، يروى أن الشياطين كانت تسترق السمع فتلقيه إلى الكهنة وتقبله الكفار منهم ، فلمّا بعثصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحرست السماء بطلت الكهانة ، انتهى.

وقيل : الكهانة عمل يوجب طاعة بعض الجان له فيما يأمره به وهو قريب من السحر أو أخص منه ، وفي الصحاح : الكاهن الساحر وغرضهما لعنهما الله من هذا الكلام أن لا يؤثر ما يراه ويسمعه خداش منهعليه‌السلام من المعجزات فيه فيصير سبباً لإيمانّه ، بل يحمل ما يشاهد من ذلك على السحر والكهانة المذمومين في الشرع « من أنفسنا » من للتبعيض أو بيان لمن أي من الّذين هم منا ومخصوصون بنا كأنفسنا وجارون مجرانا كقوله تعالى : «أَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ »(٣) وفي بعض النسخ في أنفسنا أي بزعمنا ، وكانّه أظهر. « من أن تمتنع » يحتمل أن يكون من بمعنى في أو للسببية ، وعلى التقديرين متعلق بأوثق وتعلقه بنبعثك كما قيل بعيد « من ذلك » أي من المذكور وهو السحر

__________________

(١) شق - بكسر الشين - وسطيح - بفتح السين - ، وقيل في وجه تسميته بسطيح انّه لم يكن بين مفاصله قصب تعمده فكانه ابداً منبسطاً منسطحاً على الأرض لا يقدر على قيام ولا قعود ويقال : : كان لا عظم فيه سوى رأسه.

(٢) الرئي - بفتح الراء وكسرها وتشديد الياء - : الجني.

(٣) سورة آل عمران : ٦١.


دعوى فلا يكسرنّك ذلك عنه ومن الأبواب التي يخدع الناس بها الطعام والشراب والعسل والدهن وانّ يخالي الرجلّ فلا تأكل له طعاماً ولا تشرب له شراباً ولا تمس له عسلا ولا دهنا ولا تخل معه واحذر هذا كلّه منه وانطلق على بركة الله فإذا رأيته فاقرأ آية السخرة وتعوذ بالله من كيده وكيد الشيطان فإذا جلست إليه فلا تمكنّه

________________________________________________________

والكهانة ، والظرف صلة تمتنع « وأن تحاجه » عطف على تمتنع ، وما قيل : انّه عطف على ذلك أي أوثق من أن تمتنع من أن تحاجّه فكانّه جعل « من ذلك » متعلقا بأوثق ، ومن صلة للتفضيل ، وذلك راجعاً إلى الذهاب إليهعليه‌السلام أو مبهما يفسره أن تحاجه ولا يخفى بعده « حتّى تقفه » من الوقف بمعنى الحبس أي تجسه وتوقفه على أمرّ معلوم من الصلح أو القتال ، وقيل : يريدان به كون الحقَّ معهما لا معه ، وقيل : هو من الوقف بمعنى الإيقاف ، أي تقيمه فيرجع إلى الأوّل وفي بعض النسخ بتقديم الفاء على القاف فهو من الفقه بمعنى العلم ، وتعديته بعلى لتضمين معنى الاطلاع ، أو يقرأ على بناء التفعل بحذف إحدى التائين. والتضمين كما مرّ.

والدعوى تميز غير منون قال : في المغرب : الدعوى اسم من الادعاء وألفها للتأنيث فلا تنون انتهى « فلا يكسرنك ذلك » أي الدعوى بتأويل المذكور ، أو عظمها عنه أي عن معارضتهعليه‌السلام أرادا عليهما اللعنة تشجيعه على منازعته ، وانّ لا ينكسرّ عن ذلك بدعواهعليه‌السلام الإمامة والخلافة ، والأولوية بالعلم والقرابة وسائر فضائلهعليه‌السلام « وانّ يخالي الرجلّ » أي يسأله الاجتماع معه في خلوة.

وآية السخرة هي التي في سورة الأعراف «إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الّذي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ » إلى قوله «رَبُّ الْعالَمِينَ » وقيل : إلى قوله «قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ »(١) فإطلاق الآية عليهما على إرادة الجنس ، من قرأها حفظ من شر شياطين الجن والإنس « فلا تمكنه من بصرك كله » أي لا تنظر إليه بكل بصرك كما يفعله المستأنس بشخص ، أي لا تنظر إليه كثيراً ، وانّما نهيا عن ذلك لئلاً يريا منه شمائله الحسنة وأخلاقه المرضيّة فيصير سبباً

__________________

(١) الآية : ٥٤ - ٥٦.


من بصرك كلّه ولا تستأنس به ثمَّ قل له إن أخويك في الدين وابنيّ عمك في القرابة يناشدانك القطيعة ويقولان لك أما تعلم أنا تركنا الناس لك وخالفنا عشائرنا فيك منذ قبض الله عزَّ وجلّ محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله فلمّا نلت أدنى منال ضيعت حرمتنا وقطعت رجاءنا

________________________________________________________

لحبه له ، كما أنّ النهي عمّا سبق أيضاً كان لذلك.

« إنّ أخويك في الدين » لأنّ المؤمن أخو المؤمن وهذا حقَّ إلّا أنهما لما خرجا على إمامهما خرجا من الدين ودخلا في الكفر « وابنيّ عمك » لأنهما بعدّ ارتفاع نسبهما ينتهيان إلى بعض أجدادهعليه‌السلام لأن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرّة ، وهما طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعدّ بن تيم بن مرّة ، وزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مرّة.

« ينأشد أنك القطيعة » أي ينأشدّ أنك بالله في قطيعة الرحم ، أي أن لا تقطع رحمهما ، وقيل : يقسمان عليك بقطيعة الرحم وعظم أمرها « أنا تركنا الناس » إشارة إلى إبطائهما عن بيعة الخلفاء الثلاثة وادعائهما كونهعليه‌السلام أحقَّ بذلك منهم ومبادرتهما إلى بيعتهعليه‌السلام بعد عثمان ، ثمَّ نقضا بيعتهما لأدنى غرض من الأغراض الدنيوية.

« فيك » أي بسببك « فلمّا نلت » بكسرّ النون أي أدركت المطلوب « أدنى » إدراك فيكون أدنى نائب المفعول والمنال مصدرا ، ويكون أدنى مفعولا به ، أي أدركت أدنى مرتبة تنال به المطالب « ضيعت حرمتنا » أي سويت بيننا وبين غيرنا في العطاء ، فإنهما كانا يرجوانّ منه أن يفضلهما عن غيرهما في العطاء وبذل المناصب الجليلة ، فلمّا قسمعليه‌السلام ما كان جمع في بيت المال ، أعطى الشريف والوضيع والصغير والكبير كلا منهم ثلاثة دنانير ، ولم يفضلهما على غيرهما ، ثمَّ قسمعليه‌السلام بعد ذلك ما جمع في أيّام قلائل على نحو ذلك حتّى أخذ عمّار بيد غلام له فقال : يا أمير المؤمنين هذا كان عبداً لي وقد أعتقته ، وأعطاه مثل ما أعطى عماراً وغيره ، فثقل ذلك عليهما.


ثمَّ قد رأيت أفعالنا فيك وقدرتنا على النأي عنك وسعة البلاد دونك وانّ من كان يصرفك عنا وعن صلتنا كان أقلّ لك نفعاً وأضعف عنك دفعا منا وقد وضح الصبح

________________________________________________________

وقولهما : وقطعت رجاؤنا ، إشارة إلى ما نقل من أنهما قإلّا لأمير المؤمنينعليه‌السلام : قد علمت جفوة عثمان لنا وميلة إلى بنيّ أمية مدة خلافته ، وطلبا منه أن يولّيهما الكوفة والبصرة فمنعهما فسخطا وفعلاً ما فعلاً ، وكان جميع الفتن التي وقعت بعد ذلك متفرعاً على نكثهما وبغيهما ، وكانا يلبسان على أهل البصرة وغيرهم ويقولان : نحن نطلب منه دم عثمان وانّه قتل ظلماً ، والحال أنهما كانا من قاتليه وخافا من أن يطلباً بدمه ، فأحالاه عليه صلوات الله عليه ، وصاراً من الطالبين بدمه ، وذكر ذلك أمير المؤمنينعليه‌السلام في مواضع كما هو مذكور في النهج وغيره.

وقد ذكر الفريقان أن طلحة حرض الناس على قتل عثمان وجمعهم في داره ، وانّه منع الناس ثلاثة أيّام من دفنه ، وانّ حكيم بن حزام وجبير بن مطعم استنجداً بهعليه‌السلام في دفنه ، وأقعدّ لهم طلحة في الطريق أناسا يرميهم بالحجارة ، فخرج نفر من أهله يريدون به حائطا في المدينة يعرف بحش كوكب ، وكانت اليهود تدفن فيه موتاهم ، فلمّا صار هناك رجم سريره فهموا بطرحه فأرسل إليهم عليّعليه‌السلام فكفهم عنه ثمَّ دفن بحش كوكب ، ونقلوا انّه جادل في دفنه بمقابر المسلمين وقال : : انّه ينبغي أن يدفن بمقابر اليهود ، ومن أراد تفصيل القول في ذلك فليراجع إلى كتابنا الكبير.

والنأي : البعدّ « دونك » منصوب بالظرفية ، أي ورائك من البلاد التي لست فيها « وانّ من كان يصرفنا زعمّا » أن بعض أصحابهعليه‌السلام منعه من إنجاح مطالبهما كعمار وأضرابه ، وهذا باطل لانّهعليه‌السلام كان يعمل بالكتاب والسّنة ، وبما يلهمه الله من العلوم اللدنية.

« وقد وضح الصبح » هذا مثل يضرب لمن غفل عن الواضح جدا ، فإن الصبح إذا أضاء يراه كل من له عين « انتهاك لنا » أي مبالغة في هتك حرمتنا ونسبة النكث


لذي عينين ، وقد بلغنا عنك انتهاك لنا ودعاء علينا فما الّذي يحملك على ذلك فقد كنا نرى أنك أشجع فرسان العرب أتتخذ اللعن لنا دينا وترى أن ذلك يكسرنا عنك.

فلمّا أتى خداش أمير المؤمنينعليه‌السلام صنع ما أمراه فلمّا نظر إليه عليّعليه‌السلام وهو يناجي نفسه ضحك وقال : هاهنا يا أخا عبد قيس وأشار له إلى مجلس قريب منه فقال : ما أوسع المكان اُريد أن أؤدي إليك رسالة قال : بل تطعم وتشرب وتحل ثيابك وتدهن ثمَّ تؤدي رسالتك قم يا قنبر فأنزله قال : ما بي إلى شيء مما ذكرت حاجة قال : فأخلو بك قال : كل سرّ لي علانية قال : فأنشدك بالله الّذي هو أقرب إليك من نفسك الحائل بينك وبين قلبك الّذي يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ

________________________________________________________

والكفر إلينا « فقد كنّا نرى » أي الشتم واللعن عادة الجبناء ، وكنّا نظنك من الشجعان « دينا » أي عادة والاستفهام للتوبيخ ، و « ترى » أي تظنّ.

« وهو يناجي نفسه » أي يتلفظ بكلام لا يسمعه غيره « وقال : هيهنا » أي أقبل وأت هيهنا « ما أوسع المكان » صيغة التعجب « أنشدك » أي أقسم عليك أو أسألك الّذي هو أقرب إليك من نفسك ، لأن قربّه سبحانّه إما بالعلية وهو تعالى خالق النفس والبدن وجميع العلل سواه ، فهو أقرب من هذه الجهة أو بالعلم وهو سبحاته أعلم بالإنسان وحقيقته وأحواله من نفسه وروحه.

« الحائل بينك » إشارة إلى قوله تعالى «وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ »(١) وقال : المفسرون : هذا تمثيل لغاية قربّه من العبد ، وإشعار بانّه مطلع على سرائر قلبه ما عسى أن يغفل صاحبه عنه ، أو حث على المبادرة إلى تخلية القلب وتصفيته قبل أن يحول الله بينه وبين صاحبه بالموت وغيره ، أو تخييل لتملكه على قلبه فيفسخ عزائمه ، ويغير مقاصده ويحول بينه وبين الكفر إن أراد سعادته ، وبينه وبين الإيمان إن أراد شقاوته ، وفيه تنبيه وإيماء إلى انّه تعالى سيحول قلبه عن تلك

__________________

(١) سورة الأنفال : ٢٤.


وَما تُخْفِي الصُّدُورُ أتقدَّم إليك الزبير بما عرضت عليك قال : اللهم نعم قال : لو كتمت بعدّ ما سألتك ما ارتد إليك طرفك فأنشدك الله هل علمك كلاما تقوله إذا أتيتني قال : اللهم نعم قال : عليّعليه‌السلام آية السخرة قال : نعم قال : فاقرأها فقرأها وجعل عليّعليه‌السلام يكررها ويرددها ويفتح عليه إذا أخطأ حتّى إذا قرأها سبعين مرة قال : الرجلّ ما يرى أمير المؤمنينعليه‌السلام أمره بترددها سبعين مرة ثمَّ قال : له أتجدّ قلبك اطمأن قال : إي والّذي نفسي بيده قال : فما قإلّا لك فأخبره فقال : قل لهما كفى بمنطقكما حجّة عليكما ولكن «اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ » زعمتما

________________________________________________________

الحالة إلى الخير والسّعادة ، والمراد بخائنة الأعين نظراتها إلى ما لا ينبغي ، وتحريك الجفون للغمز ونحوه ، وبمخفيات الصدور تصوراتها ومكنوناتها التي لم تجر على اللسان ، ولم ينطق بالبيان.

« أتقدم » أي أوصى ، والباء في بما بمعنى في أي أوصى إليك فيما عرضت عليك بشيء ، في القاموس : تقدم إليه في كذا : أمره وأوصاه به « بعدّ ما سألتك » ما ، مصدريّة « ما ارتد إليك طرفك » أي عينك وهو كناية عن الموت الدفعي فإن الميت تبقى عينه مفتوحة.

« آية السخرة » منصوب بتقدير هل علمك آية السخرة « وجعل عليّعليه‌السلام » أي شرع « يكررها » أي يأمره بتكريرها « ويرددها » من قبيل عطف أحد المترادفين على الآخر لبيان المبالغة في الفعل « يفتح عليه » أي يسدده ويذكره ما نسي وأخطأ « قال : الرجلّ » لعله قال : ذلك في نفسه « ما يرى » استفهام للتعجب « أمره » بالنصب أي في أمره ، والضمير للرجلّ « بترددها » متعلق بالأمرّ أي بترديدها وفي بعض النسخ يرددها بصيغة المضارع « اطمأن » أي استأنس بي واستقر على محبتي ، وهذا يدل على أن قراءة هذه الآية سبعين مرة يوجب رفع شر شياطين الجن والإنس ، واطمئنان النفس على الإسلام والإيمان وتنور القلب واليقين.

« بمنطقكما » أي بكلامكما والباء زائدة و « حجّة » تميز « لا يهدي » أي لا يوافق


أنّكما أخواي في الدين وابنا عمّي في النسب فأمّا النسب فلا أنكره وانّ كان النسب مقطوعاً إلّا ما وصله الله بالإسلام وأما قولكما إنكما أخواي في الدين فإن كنتما صادقين فقد فارقتما كتاب الله عزَّ وجلّ وعصيتما أمره بأفعالكما في أخيكما في الدين وإلّا فقد كذبتما وافتريتما بادعائكما أنّكما أخواي في الدين وأما مفارقتكما الناس منذ قبض الله محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله فإن كنتما فارقتماهم بحقَّ فقد نقضتما ذلك الحقَّ بفراقكما

________________________________________________________

للصواب « زعمتما » أي ادعيتما « وانّ كان النّسب » إن وصليّة « مقطوعاً » أي غير معتبر ولا تجب رعايته لقوله تعالى : «لا تَجدّ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ »(١) ولعلّ المراد النسب الظاهري أو سلمعليه‌السلام ذلك للمصلحة وإلّا فقد وردت أخبار في القدح في نسب طلحة وفيه إشارة إلى أنّهما خرجاً ببغيهما عن الإسلام.

« فإن كنتما صادقين » هذا الكلام يحتمل وجهين :

الأوّل : انّكما لم تؤمنا أصلاً بل كنتما منافقين ، فإن صدقتما في إنكما كنتما مؤمنين قبل البغي فقد خرجتما بعده وارتددتما باستحلالكما قتال من أوجب الله طاعته وإلّا فقد كذبتما بادّعائكما الإيمان رأساً.

الثاني : أنكّما قد أثبتما لي الدّين أوّلاًُ ولا تدعيان عليّ خروجاً عن الدين لكن ادعيتما إنكما أيضاً على الدين فإن كنتما صادقين في ذلك فقد خالفتما كتاب الله في عدم رعاية الأخ في الدين والخروج عليه ، وانّ كنتما كاذبين في ذلك فقد أقررتما بفسقكما وكذبكما ، وضمير أمره لله أو للكتاب ، والافتراء اختلاق الكذب عمدا « وأما مفارقتكما الناس » أي لي كما صرحا به في قولهما تركنا الناس لك « فإن كنتما » توسط كنتما بين إن الشرطية وبين الفعل لنقل الفعل إلى الماضي وحاصل الكلام انّه لا يخرج الحقَّ من أمرين إمّا أن يكون الإمامة والخلافة بالنصّ أو بالبيعة ، فإن كانت بالنص فمعلوم انّه لا نص إلّا عليّ فمفارقتكما الخلفاء السّابقين كان حقّاً ، لكن

__________________

(١) سورة المجادلة : ٢٢.


إيّاي أخيراً وانّ فارقتماهم بباطل فقد وقع إثمَّ ذلك الباطل عليكما مع الحدث الّذي أحدثتما مع أنَّ صفقتكما بمفارقتكما الناس لم تكن إلّا لطمع الدنيا

________________________________________________________

رجعتم عن ذلك الحقَّ بمفارقتكم إيّاي أخيراً لأنّي على ذلك كنت إماماً أولا وآخراً ، وانّ كانت الخلافة بالبيعة وكانت مفارقتكما لهم باطلا فقد صدر عنكم كفران بل أربعة لأنكم بادعائكما فارقتم هؤلاء الخلفاء وفارقتموني أيضاً بعدّ البيعة ولزوم الحجّة ، فقد كنتم منذ قبض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى الآن عاصين مخالفين للخلفاء والأئمّة وهذه حجّة تامّة لا محيص لهم عنها.

« وان فارقتماهم » أي وانّ كنتما فارقتماهم ، والحدث عبارة عن مفارقتهما إياه ومعصيتهما لله ولرسوله بإخراج عامله من البصرة وقتل مواليه ، وإخراج حرمة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن خدرها وإحداث الفتنة بين المسلمين « مع أن صفتكما(١) » من إضافة المصدر إلى الفاعل أو إلى المفعول ، والفاعل مقدر أي وصفتكما إياكما قيل وقوله : زعمتما ، جملة معترضة أو نعت للدنيا لأن لامها للعهد الذهني.

وأقول : الظاهر عندي أن العلاوة لاستدراك ما يتوهم من الكلام السابق أنّهما على تقدير كون مفارقتهما بحقَّ أخطئا خطأ واحداً وهو المفارقة عنهعليه‌السلام أخيراً ، وأما أوّل أمرهما فكان صواباً واستحقا أجراً فاستدركعليه‌السلام ذلك بأن أصل المفارقة وانّ كان حقا لكن لما اعترفا بأن ذلك لم يكن لله بل بطمع الدنيا فلم يكن فعلهما من هذه الجهة خيراً ، ولم يستحقا ثوابا ، بل استحقاقه(٢) عقاباً كصلاة المرائي كذا خطر بالبال في حل الكلام من أوله إلى هنا وهو في غاية الاستقامة.

ويحتمل عندي وجها آخر ، وانّ يكون بناء الوجهين في الكلام الأوّل كليهما على ما لاح من كلامهما من أن الحقَّ كان معه لا مع السابقين ، وكان ذلك مقررا معهودا بينهما وبينهعليه‌السلام ، فحاصل الترديد انّه إن فارقتماهم بحقَّ أي بسبب أمرّ حقَّ ونية صادقة وهو كوني على الحقَّ وكونهم على الباطل فقد أحبطتم ذلك

__________________

(١) وفي المتن « صفقتكما » وسيأتي الإشارة إليه في كلام الشارح (ره) أيضا.

(٢) كذا في النسخ والظاهر « استحقّا ».


زعمتما وذلك قولكما : « فقطعت رجاءنا » لا تعيبان بحمد الله من ديني شيئاً

________________________________________________________

بارتدادكما ومفارقتكما أخيراً ، وانّ كان فراقكما عنهم للأغراض الدنيوية ولأمرّ باطل وانّ كان أصله حقّاً فلمّا أوقعتموه بنية باطلة فعليكما وزر ذلك منضماً إلى أو زار الأعمال الأخيرة فالاستدراك لبيان أن الشق الأخير متعين باعترافكم ، والترديد انّما هو بحسب بادي النظر وقد يحمل الكلام على وجوه أخر : الأوّل : ما ذكره صاحب الوافي في قوله : مع الحدث الّذي أحدثتما وهو نصرتكما لي مع أني كنت على الباطل بزعمكما ، مع أن أي وصفكما أنفسكما بمفارقة الناس لأجلي قبل ذلك ، وانّما نسبه إلى وصفهما لأنهما لم يفارقا الناس في السرّ وانّما كانا يرائيان ذلك له نفاقاً وفي بعض النسخ : صفقتكما أي بيعتكما إياي فإن الصفق ضرب إحدى اليدين على الأخرى عند البيعة « زعمتما » أي زعمتما إنّكما تصيبانها بتلك المفارقة ، انتهى.

الثاني : ما ذكره بعض مشايخي وهو أن المعنى أنكم إن فارقتم الناس لأجلي مع كوني مبطلاً فقد لزمكم وزر تلك المفارقة وأنتم تعلمون واقعاً أني على الحقَّ ، فلزمكم وزر مفارقتي ، فلزمكم الإثمَّ من جهتين متناقضتين.

الثالث : ما ذكره بعضهم أيضاً وهو أن مفارقتهم وموافقتي إن كان باطلا فقد لزمكم هذا الإثمَّ مع إثمَّ سفك دماء المسلمين وإبراز زوجة الرسولعليه‌السلام وأمثال ذلك فإنها في أنفسها قبيحة وانّ كنت مبطلا ، ولا يخفى بعدّ تلك الوجوه لفظا ومعنى ، وظهور ما ذكرناه من الوجهين بل الأوّل منهما متعين فخذ وكن من الشاكرين.

« لا تعيبان بحمد الله » كانّه كالنتيجة لما مرّ أي يلزمكم الإثمَّ والعيب ونقص الدين على أي وجه كان ولا يمكنكم بحمد الله إلزامي بشيء من المعصية والنقص في الدين أو المعنى لم يكن قطع رجائكم مما يوجب لي نقصا وعيبا ، وقيل : هو لدفع دخل وهو أن يقولا كنا نرجو أن يكون دينك غير معيوب فقطعت رجاؤنا بشيء معيوب في دينك.


وأمّا الّذي صرفني عن صلتكما فالّذي صرفكما عن الحقَّ وحملكما على خلعه من رقابكما كما يخلع الحرون لجامه و «هُوَ اللهُ رَبِّي » لا أشرك به شيئاً فلا تقولا أقل نفعاً وأضعف دفعاً فتستحقاً اسم الشرك مع النفاق وأما قولكما إني أشجع فرسان العرب وهربكما من لعنّي ودعائي فإن لكل موقف عملا إذا اختلفت الأسنّة وماجت لبود الخيل وملأ سحراكما أجوافكما فثم

________________________________________________________

« وأما الّذي صرفني » أي نهاني ومنعنّي عن صلتكما ووفقني للعمل بمقتضى نهيه « فالّذي صرفكما عن الحقَّ » أي خذلكما ووكلكما إلى أنفسكما بسوء اختياركما حتّى اخترتم الباطل كقوله تعالى : «يُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ »(١) وأمثاله ، وقد مضي تأويل الأخبار والآيات الموهمة للجبر ، أو المراد أن صار في عن الصلة هو سوء عقيدتكم وسريرتكم التي حملكم على نقض البيعة والصارف عن الصلة في الحقيقة هو الله تعالى لانّه أمرّ بعدم صلة الكافر ، وبعبارة أخرى : إن كنتما تريدان الحالة الصارفة فهي ما أنتم عليه من النفاق ، وانّ كنتما تريدان الناهي عن ذلك فهو الله تعالى وقال : الجوهري : فرس حرون لا ينقاد ، وإذا اشتد به الجري وقف.

« وهربكما » أي فراركما وكانّه كان هزؤكما « إذا اختلفت » أي جاءت وذهبت والأسنة جمع سنان وهو نصل الرمح « وماجت » أي تحركت واضطربت وهذا من أحسن الاستعارات ، واللبود بالضم جمع اللبد بالكسرّ ، وهو الشعر المتراكم فوق عنق الفرس وبين كتفيه ، والسحر بالضم وبالتحريك الرية ويقال : للجبان قد انتفخ سحرة ذكره الجوهري.

وكمال القلب اطمئنانّه وعدم اضطرابه وشدة يقينه والغرض أن اللعن لا ينافي الشجاعة فإن كل موقف يناسبه عمل فعند الحرب والطعن والضراب وقبل الانتهاء إليها يناسب الوعظ والزجر والتخويف والتهديد ، فإن في النهي عن المنكر لا بد من الترقي من الأدنى إلى الأعلى ، وأيضاً كان يجب عليه صلوات الله عليه أن يظهر

__________________

(١) سورة إبراهيم : ٢٧.


يكفيني الله بكمال القلب ، وأمّا إذا أبيتما بأني أدعو الله فلا تجزعا من أن يدعو عليكما رجلّ ساحر من قوم سحرة زعمتما ؛ اللّهمَّ أقعص الزبير بشر قتلة واسفك دمه على ضلالة وعرف طلحة المذلة وادخر لهما في الآخرة شرّاً من ذلك إن كانا ظلماني وافتريا عليّ وكتما شهادتهما وعصياك وعصيا رسولك فيَّ ، قل آمين قال : خداش :

________________________________________________________

للنّاس كفرهم ووجوب البراءة عنهم « وأمّا إذا أبيتما بأنّي » الباء للسّببيّة أي إن كان إباؤكما عن اللعن لمنافاته لشجاعتي فقد بينت عدم المنافاة وانّ كان للخوف من استجابة دعائي عليكم فلا يناسب حالكم لأنكما تدعيان أني ساحر من جملة قوم سحرة ، لقولهما لعنة الله عليهما : طالما نعرفه وأهل بيته بالسحر والكهانة فنسبا الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أيضاً إلى السحر « فلا تجزعا » فإن الساحر لا يفلح حيث أتى.

« زعمتما » معترضة أي إدّعيتما ذلك والقعص والإقعاص القتل السّريع ، قال : الجوهري : يقال : ضربّه فأقعصه أي قتله مكانّه ، وفي القاموس : قعصه كمنعه قتله مكانّه كأقعصه ، انتهى.

واسفك أمر من باب ضرب « على ضلاله(١) » أي لضلاله أو كائناً على ضلاله وفي بعض النسخ على ضلالة بالتّاء ، وقد استجاب الله دعاءهعليه‌السلام فيهما ، فإن الزبير خرج من المعركة في ابتداء القتال ، فلحقه رجلّ من بنيّ تميم فقتله وطلحة قتل في ابتداء القتال في المعركة.

« إن كانا ظلماني » بمخالفتهما له ونكثهما بيعته وإنكارهما خلافته « وافتريا عليّ » بأن نسباً إليهعليه‌السلام قتل عثمان ونسباه إلى السّحر والكذب وغير ذلك وكتما شهادتهما بأن كتما ما سمعاه من الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيه كما روي انّهعليه‌السلام طلب الزّبير بين الصفين فقال : له : أما تذكر يا زبير يوم لقيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في بنيّ ضبّة وهو راكب على حمار ، فضحك إلىّ وضحكت إليه فقال : أتحبّه يا زبير؟ فقلت : والله إني

__________________

(١) وفي المتن « على ضلالة » بالتاء وسيأتي الإشارة إليه في كلام الشارح (ره) أيضا.


آمين.

ثمَّ قال : خداش لنفسه والله ما رأيت لحية قطُّ أبين خطأ منك حامل حجّة ينقض بعضها بعضاً لم يجعل الله لها مساكا أنا أبرأ إلى الله منهما قال : عليّعليه‌السلام ارجع إليهما وأعلمهما ما قلت قال : لا والله حتّى تسأل الله أن يردني إليك عاجلاً وانّ يوفقني لرضاه فيك ففعل فلم يلبث أن انصرف وقتل معه يوم الجملرحمه‌الله .

٢ - عليّ بن محمّد ومحمّد بن الحسن ، عن سهل بن زياد وأبو عليّ الأشعريّ ، عن محمّد بن حسّان جميعاً ، عن محمّد بن عليّ ، عن نصر بن مزاحم ، عن عمرو بن سعيد ، عن جراح بن عبد الله ، عن رافع بن سلمة قال : كنت مع عليّ بن أبي طالب صلوات الله

________________________________________________________

لأحبّه فقال : إنّك ستقاتله وأنت له ظالم ، ولينصرنّ عليك فقال : أستغفر الله ، لو ذكرت هذا ما خرجت ، ثمَّ نادىعليه‌السلام طلحة بعدّ أن رجع الزبير فقال : له : أما سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول في : اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وأنت أوّل من بايعنّي ثمَّ نكثت ، وقد قال : الله تعالى : «فَمَنْ نَكَثَ فَانّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ »(١) فقال : أستغفر الله ثمَّ رجع.

« لحية » أي ذا لحية « خطأ » تميز ، والمساك بالكسرّ مصدر باب المفاعلة ، والمراد به ما يتمسك به أي يمسك بعض أجزاء كلامه بعضاً ولا تتناقض ، وفي القاموس ما فيه مساك ككتاب ومسكة بالضم وكأمير : خير يرجع إليه « لرضاه » أي لما يرضيه « إن انصرف » إن زائدة لتأكيد الاتصال.

ثمَّ اعلم أن مناسبة هذا الخبر لهذا الباب باعتبار إخبارهعليه‌السلام بما جرى بين خداش وبينهما وصرف قلبه إلى الحقَّ سريعاً مع نهاية تعصبه ورسوخه في الباطل واستجابة دعائهعليه‌السلام فيهما وإتمامه الحجّة عليهما ، على وجه لم يبق للسامع شك ، وكل ذلك يفرق به بين المحقَّ والمبطل.

الحديث الثاني : ضعيف ، وفي القاموس : النهروانّ بفتح النون وتثليث الراء

__________________

(١) سورة الفتح : ١٠.


عليه يوم النهروانّ فبينا عليُّعليه‌السلام جالس إذ جاء فارس فقال : السلام عليك يا عليّ فقال : له عليّعليه‌السلام وعليك السلام ما لك ثكلتك أمّك لم تسلم عليّ بإمرة المؤمنين قال : بلى سأخبرك عن ذلك كنت إذ كنت على الحقَّ بصفين فلمّا حكمت الحكمين برئت منك وسميتك مشركاً فأصبحت لا أدري إلى أين أصرف ولايتي

________________________________________________________

وبضمّهما ثلاث قرى أعلى وأوسط وأسفل هن بين واسط وبغداد ، انتهى.

ويظهر من الخبر انّه يطلق على النهر الواقع فيها أيضاً وانّ احتمل تقدير مضاف فيه ، وفي النهاية : فيه انّه قال : لبعض أصحابه : ثكلتك أمك أي فقدتك والثكل فقد الولد والمرأة ثاكل وثكلى ورجلّ ثاكل وثكلان كانّه دعا عليه بالموت لسوء فعله أو قوله والموت يعم كل أحد ، فإذا الدعاء عليه كلا دعاء أو أراد إن كنت هكذا فالموت خير لك لئلا تزداد سوءاً ، ويجوز أن يكون من الألفاظ التي تجري على السّنة العرب ولا يراد بها الدعاء كقولهم : تربت يداك وقاتلك الله ، انتهى.

والإمرة بكسرّ الهمزة وسكون الميم اسم من أمرّ علينا إذا ولي ، أي لم تقل السلام عليك يا أمير المؤمنين و « بلى » مبنيّ على أن « مالك » بمعنى إلّا تخبرني « كنت » بصيغة الخطاب والخبر محذوف أي كنت أمير المؤمنين أو بصيغة المتكلّم أي كنت مسلما عليك بالأمارة « إذ كنت » بصيغة الخطاب واحتمال التكلّم كما قيل بعيد ، وإذ ظرف مضاف إلى الجملة ، وصفين كسكين موضع حرب أمير المؤمنينعليه‌السلام ومعاوية « فلمّا حكمت الحكمين برئت منك » قد بينا في كتابنا الكبير انّهعليه‌السلام لم يكن راضيّاً بالتحكيم وقد غلبه عليه أكثر أصحابه حتّى أذن لهم به كرها لما قامت الفتنة ولم يكن تسكينها إلّا بذلك فإن معاوية لعنه الله لما أحس بالغلبة لأمير المؤمنينعليه‌السلام ليلة الهرير فزع إلى عمرو بن العاص في ذلك وهو لما كان يعلم قلة عقل أكثر أصحاب أمير المؤمنينعليه‌السلام رأى له أن يكيدهم برفع المصاحف ليمهلوا في الحرب وتقع الفتنة والاختلاف بين أصحابهعليه‌السلام وكان الأشتررضي‌الله‌عنه صبيحة تلك الليلة قد أشرف على الظفر وظهرت له أمارات الفتح فلمّا أصبحوا رفعوا المصاحف على أطراف الرماح


والله لأن أعرف هداك من ضلالتك أحبُّ إليَّ من الدُّنيا وما فيها فقال : له عليّعليه‌السلام

________________________________________________________

وكان عددها خمسمائة مصحف ورفعوا مصحف المسجدّ الأعظم على ثلاثة رماح مشدودة يمسكها عشرة رهط ونادوا بأجمعهم : الله الله معشر العرب في النساء والبنات ، الله الله في دينكم ، هذا كتاب الله بيننا وبينكم! فاختلف أصحابهعليه‌السلام فقالت طائفة : القتال القتال ، وقال : أكثرهم : المحاكمة إلى الكتاب ولا يحل لنا القتال وقد دعينا إلى حكم الكتاب ، فقال :عليه‌السلام : أيها الناس إني أحقَّ من أجاب إلى الكتاب ، ولكن معاوية وعمرو بن العاص وابن أبي معيط ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن ، إني أعرف بهم منكم ويحكم إنها كلمة حقَّ يراد بها باطل ، وإنهم رفعوها للخديعة والمكر والوهن ، أعينوني ساعة واحدة فقد بلغ الحقَّ مقطعة ولم يبق إلّا أن يقطع دابر القوم الّذين ظلموا.

فجاء عشرون ألفا من أصحابهعليه‌السلام ونادوه باسمه دون أمير المؤمنين : أجب القوم إلى كتاب الله إذا دعيت وإلّا قتلناك كما قتلنا عثمان! فقال :عليه‌السلام : ويحكم أنا أوّل من أجاب إلى كتاب الله وأوّل من دعا إليه فكيف لا أقبله ، وانّما أقاتلهم ليدينوا بحكم القرآن ولكنّي قد أعلمتكم أنهم قد كادوكم وليس العمل بالقرآن يريدون؟ فقالوا : ابعث إلى الأشتر يأتيك فبعث إليه فرجع على كره منه وأكرهوهعليه‌السلام على الرضا بالحكمين ، فلمّا رضي بذلك قطعا للفتنة قال : أكثرهم : قد كفر حيث رضي بحكم غير الله ولا حكم إلّا لله فوعظهم واحتج عليهم فلم ينفعهم ذلك إلى أن حاربهم في النهروانّ وقتلوا إلّا تسعة منهم هربوا وانتشروا في البلاد ، وبقي آثارهم لعنهم الله إلى الآن.

وقيل : انهزم اثنان منهم إلى عمان ، واثنان إلى كرمان ، واثنان إلى سجستان واثنان إلى الجزيرة ، وأحد إلى تل موزن(١) وأصيب من أصحابهعليه‌السلام ثمانية ، وإليه أشار بقوله : مصارعهم دون النطفة لا يفلت منهم عشرة ولا يهلك منهم

__________________

(١) قال : ياقوت : « تل مَوزَن » - بفتح الميم وسكون الواو وفتح الزاي - بلد قديم بين « رأس عين » و « سروج » ، وهو بلد قديم يزعم أنّ جالينوس كان به.


ثكلتك أمك قف مني قريبا أريك علامات الهدى من علامات الضلالة فوقف الرجلّ قريبا منه فبينما هو كذلك إذ أقبل فارس يركض حتّى أتى علياعليه‌السلام فقال : يا أمير المؤمنين أبشر بالفتح أقر الله عينك قد والله قتل القوم أجمعون فقال : له من دون النهر أو من خلفه قال : بل من دونه فقال : كذبت والّذي فلق الحبة وبرأ النسمة لا يعبرون أبدا حتّى يقتلوا فقال : الرجلّ فازددت فيه بصيرة فجاء آخر يركض على فرس له فقال : له مثل ذلك فرد عليه أمير المؤمنينعليه‌السلام مثل الّذي رد على صاحبه

________________________________________________________

عشرة(١) .

« مني قريباً » الظرف متعلق بقريباً « أريك » استيناف بياني ، وفي بعض النسخ أرك مجزوما جوابا للأمرّ « من علامات الضلالة » أي مميزا منها ، والركض : تحريك الرجلّ حثا للفرس على العدو « أبشر » على بناء الأفعال يقال : : بشرته بمولود فأبشر إبشارا أي سر.

وإقرار العين كناية عن إدخال السرور التام ، والقوم عبارة عن الخوارج لعنهم الله « من دون النهر » بتقدير الاستفهام و « من » بمعنى في ودون النهر عبارة عن جانبه الّذي يلي أمير المؤمنينعليه‌السلام في ذلك اليوم وخلفه عن جانبه الآخر الّذي كانت فيه المحاربة بين العسكرين « فلق الحبة » أي شقها للإنبات « وبرء النسمة » أي خلق الحيوان وكثيراً ما كانعليه‌السلام يقسم بهما لأنهما من أخص صفاته تعالى.

« فازددت فيه بصيرة » أي فيما كنت توهمت من ضلالتهعليه‌السلام حيث كذب المخبر الّذي ظاهر كلامه الصدق لانّه كان من المسلمين ، ولقرب المسافة بينهما وبعدّ كذب مثله وقيل : انّما ازداد الرجلّ بصيرة بتكذيبهعليه‌السلام المخبر الأوّل لما رأي من جرأته

__________________

(١) قالهعليه‌السلام لمـّا عزم على حرب الخوارج وقيل له : إنّ القوم قد عبروا جسرّ النهروان. ذكره الشريف الرضيّ (ره) في نهج البلاغة ثمَّ قال : يعنّي بالنطفة ماء النهر وهي أفصح كناية عن الماء وانّ كان كثيراً جمّا.


قال : الرجلّ الشاك وهممت أن أحمل على عليّعليه‌السلام فأفلق هامته بالسيف ثمَّ جاء فارسان يركضان قد أعرقا فرسيهما فقإلّا أقر الله عينك يا أمير المؤمنين أبشر بالفتح قد والله قتل القوم أجمعون فقال : عليّعليه‌السلام أمن خلف النهر أو من دونه قإلّا لا بل من خلفه إنّهم لـمّا اقتحموا خيلهم النهروانّ وضرب الماء لبات خيولهم رجعوا فأصيبوا فقال : أمير المؤمنينعليه‌السلام صدقتما فنزل الرجلّ عن فرسه فأخذ بيد أمير المؤمنينعليه‌السلام وبرجله فقبلهما فقال : عليّعليه‌السلام هذه لك آية.

٣ - عليّ بن محمّد ، عن أبي عليّ محمّد بن إسماعيل بن موسى بن جعفر ، عن أحمد بن القاسم العجليّ ، عن أحمد بن يحيى المعروف بكرد ، عن محمّد بن خداهي ، عن عبد الله بن أيوب ، عن عبد الله بن هاشم ، عن عبد الكريم بن عمرو الخثعمي ، عن حبابة الوالبية قالت رأيت أمير المؤمنينعليه‌السلام في شرطة الخميس ومعه درة لها سبابتان يضرب

________________________________________________________

عليه‌السلام على تكذيب المدعى للمشاهدة المعطية لليقين بالغيب ، الدال على انّه على بينة من أمره ، ويحتمل أن يكون ازددت بمعنى استزدت ، يعنّي طلبت فيه زيادة بصيرة واستقصرت تلك البصيرة الحاصلة ، وهذا المعنى أولى لانّه لم تكن له بصيرة فيه قبل ذلك أصلا حتّى يكون قد ازدادها بذلك ، انتهى.

ولعلّ ما ذكرنا ، أولا أولى.

« وهممت » أي قصدت ، والهامة بالتخفيف الرأس « فلمّا اقتحموا » الظاهر أقحموا وعلى ما في الكتاب يحتمل أن يكون خيلهم مرفوعا بدلا من الضمير ، أي اقتحم فرسانهم ، قال : في القاموس : قحم الأمرّ كنصر قحوما : رمى بنفسه فيه فجأة بلا روية ، وقحمه تقحيما وأقحمته فانقحم واقتحم وأقحم فرسه النهر : أدخله ، انتهى.

وفي بعض النسخ فامتحنوا.

واللبة : الوهدة بين الصدر والعنق.

الحديث الثالث : مجهول.

وحبابة بفتح الحاء وتخفيف الباء ومنهم من يشدد ولعلّه تصحيف ، والوالبية


بها بيّاعي الجرّي والمارماهي والزمار ويقول لهم يا بيّاعي مسوخ بنيّ إسرائيل وجند بنيّ مروانّ فقام إليه فرات بن أحنف فقال : يا أمير المؤمنين وما جند بنيّ مروانّ قال : فقال : له أقوام حلقوا اللحى وفتلوا الشوارب فمسخوا فلم أر ناطقاً أحسن نطقاً

________________________________________________________

نسبة إلى والبة موضع بالبادية من اليمن ، وفي النهاية : الشرطة : أوّل طائفة من الجيش تشهد الواقعة ، والخميس : الجيش سمي به لانّه مقسوم بخمسة أقسام ، المقدمة ، والساقة ، والميمنة ، والميسرة ، والقلب ، وقيل : لانّه تخمس فيه الغنائم انتهى.

والدرة بكسرّ الدال وتشديد الراء : السوط ، والسبابة بالتخفيف : رأس السوط ، والجري بكسرّ الجيم وتشديد الراء والياء : نوع من السمك لا فلوس له وكذا المار ما هي بفتح الراء ، وكذا الزمار بكسرّ الزاء وتشديد الميم ، ويظهر من الخبر أن الجري غير المار ما هي ، ومن كلام بعض اللغويين أنهما واحد ، قال : في المغرب : الجري : الجريث وهو ضرب من السمك ، وفي النهاية ، الجريث نوع من السمك يشبه الحيات ، ويقال : لها بالفارسية : مارماهي.

والمسوخ بضم الميم والسين جمع المسخ بالفتح ، وانّما سموا بالمسوخ لكونها على خلقتها وليست من أولادها لأنهم ماتوا بعدّ ثلاثة أيّام كما ورد في الخبر.

« وجند بنيّ مروانّ » قوم كانوا في الأمم السالفة ، ويقال : فتله يفتله أي لواه.

واستدل به على حرمة حلق اللحية بل تطويل الشارب ، ويرد عليه انّه انّما يدل على حرمتهما أو أحدهما في شرع من قبلنا لا في شرعنا ، فإن قيل : ذكرهعليه‌السلام ذلك في مقام الذم يدل على حرمتهما في هذه الشريعة أيضا؟ قلنا : ليس الإمامعليه‌السلام في مقام ذم هذين الفعلين بل في مقام ذم بيع المسوخ بهذا السبب كما أن مسوخ بنيّ إسرائيل مسخوا لصيد السبت وذكرهم هنا لا يدل على تحريمه ، نعم يدل بعض الأخبار على التحريم وفي سندها أو دلالتها كلام ليس هذا المقام محل


منه ثمَّ اتبعته فلم أزل أقفو أثره حتّى قعدّ في رحبة المسجدّ فقلت له يا أمير المؤمنين ما دلالة الإمامة يرحمك الله قالت فقال : ائتيني بتلك الحصاة وأشار بيده إلى حصاة فأتيته بها فطبع لي فيها بخاتمه ثمَّ قال : لي يا حبابة إذا ادعى مدع الإمامة فقدر أن يطبع كما رأيت فاعلمي انّه إمام مفترض الطاعة والإمام لا يعزب عنه شيء يريده قالت ثمَّ انصرفت حتّى قبض أمير المؤمنينعليه‌السلام فجئت إلى الحسنعليه‌السلام وهو في مجلس أمير المؤمنينعليه‌السلام والناس يسألونه فقال : يا حبابة الوالبية فقلت نعم يا مولاي فقال : هاتي ما معك قال : فأعطيته فطبع فيها كما طبع أمير المؤمنينعليه‌السلام قالت ثمَّ أتيت الحسينعليه‌السلام وهو في مسجدّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقرب ورحب ثمَّ قال : لي إن في الدلالة دليلاً على ما تريدين أفتريدين دلالة الإمامة فقلت نعم يا

________________________________________________________

إيراده.

« أقفو أثره » أي أمشي خلفه ، وقال : في المغرب : رحبة المسجدّ : ساحته ، وأما ما في حديث عليّعليه‌السلام انّه وصف وضوء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في رحبة الكوفة فإنها دكان في وسط مسجدّ الكوفة كان يقعدّ فيه ويعظ ، انتهى.

والدلالة بتثليث الدال : البرهان « لا يعزب عنه شيء يريده » أي لا يغيب عنه ولا يمتنع عليه لانّه مكرم عند الله ولا يريد إلّا ما أراد الله ، ولا يشاء إلّا أن يشاء الله.

وقولها : نعم موضع لبيك ، مبنيّ على انّه لم تكن لها سابقه مع الحسنعليه‌السلام فحملت قوله على أن مراده هل أنت حبابة؟ « فقال : هاتي » أي أعطيني « فقرب » أي دعاني إلى مكان قريب منه « ورحب » أي قال : لي مرحبا ، أو وسع لي في المكان ، قال : في النهاية مرحبا أي لقيت رحبا وسعة ، وقيل : معناه رحب الله بك مرحبا فجعل الرحب موضع الترحيب ، انتهى.

« إن في الدلالة دليلا » هذا الكلام يحتمل وجوها :

الأوّل : أن المعنى أن ما رأيت من الدلالة من أبي وأخي تكفي لعلمك بإمامتي


سيّدي ؛ فقال : هاتي ما معك ، فناولته الحصاة فطبع لي فيها قالت ثمَّ أتيت عليّ بن الحسينعليه‌السلام وقد بلغ بي الكبر إلى أن أرعشت وأنا أعدّ يومئذ مائة وثلاث عشرة سنة فرأيته راكعاً وساجداً ومشغولاً بالعبادة فيئست من الدلالة فأومأ إلي بالسبابة فعاد إلي شبابي قالت فقلت يا سيّدي كم مضى من الدنيا وكم بقي فقال : أما ما مضى فنعم وأما ما بقي فلا قالت ثمَّ قال : لي هاتي ما معك فأعطيته الحصاة فطبع لي فيها

________________________________________________________

لنصّهم علىّ.

الثاني : أنّ المراد أنّ فيما جعله الله دليلاً على إمامتي من المعجزات والبراهين ما يوجب علمك بها.

الثالث : أن يكون المعنى أنّ في دلالتي على ما في ضميرك دلالة على الإمامة حيث أقول : إنّك تريدين دلالتها.

الرابع : ما ذكره بعض الأفاضل أنّ « في » بتشديد الياء خبر إن ، والدلالة اسمها ودليلا بدله « على ما تريدين » صفة دليلاً كقوله تعالى : «بِالنَّاصِيَةِ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ »(١) .

« فقد بلغ بي(٢) » الباء للتعدية « إلى أن أرعشت » على بناء المجهول ، وفي إكمال الدين إلى أن أعييت.

« أمّا ما مضى فنعم » أي لنا سبيل إلى معرفته ، أو السؤال عنه موجه أو أخبرك بأن يكونعليه‌السلام أخبرها ولم تذكر للراوي ، أو ذكره ولم يذكره الراوي ، وقس عليه قوله : أما ما بقي فلا ، والامتناع من الإخبار ، إما لاختصاص علمه بالله تعالى ، أو لعدم المصلحة في الإخبار ، وروي في إكمال الدين بإسناده عن محمّد بن إسماعيل بن موسى عن آبائهعليهم‌السلام عن محمّد بن عليّ الباقرعليه‌السلام أن حبابة الوالبية دعا لها عليّ بن الحسينعليه‌السلام فرد الله عليها شبابها ، وأشار إليها بإصبعه فحاضت لوقتها ولها يومئذ

__________________

(١) سورة العلق : ١٦.

(٢) وفي المتن « وقد بلغ » بالواو وفي بعض النسخ « لقد بلغ » بالّلام بدل الواو.


ثمَّ أتيت أبا جعفرعليه‌السلام فطبع لي فيها ثمَّ أتيت أبا عبد اللهعليه‌السلام فطبع لي فيها ثمَّ أتيت أبا الحسن موسىعليه‌السلام فطبع لي فيها ثمَّ أتيت الرضاعليه‌السلام فطبع لي فيها وعاشت حبابة بعدّ ذلك تسعة أشهر على ما ذكر محمّد بن هشام.

٤ - محمّد بن أبي عبد الله وعليّ بن محمّد ، عن إسحاق بن محمّد النخعي ، عن أبي هاشم داود بن القاسم الجعفري قال : كنت عند أبي محمّدعليه‌السلام فاستؤذن لرجلّ من أهل اليمن عليه فدخل رجلٌ عبلٌ ، طويل جسيمٌ ، فسلّم عليه بالولاية فرد عليه بالقبول وأمره

________________________________________________________

مأة سنة وثلاث عشرة سنة.

وقوله : وعاشت ، كلام عبد الكريم بن عمرو الراوي عن حبابة ، وانّه أدرك زمان الرضاعليه‌السلام وكان واقفيّاً ، ومحمّد بن هشام هو الخثعمي الراوي عن عبد الكريم في غير هذا الخبر ، وفيه روى عنه أخوه عبد الله وهو غير مذكور في الرّجال ، ولعلّ في أحد الموضعين تصحيفاً إما بأن يكون في الأوّل أيضاً محمداً أو في آخر الخبر عبد الله كما في إكمال الدين ، فإن فيه : على ما ذكره عبد الله بن هشام.

ثمَّ اعلم انّه على ما في هذا الخبر لا بد من أن يكون عمرّ حبابة مائتين وخمسة وثلاثين سنة أو أكثر على ما تقتضيه تواريخ الأئمّةعليهم‌السلام ومدة أعمارهم كما سيأتي ، إن كان مجيئها إلى عليّ بن الحسينعليهما‌السلام في أوائل إمامته كما هو الظاهر ، ولو فرضنا كونه في آخر عمره وإتيانها الرضاعليه‌السلام في أوّل إمامته فلا بد من أن يكون عمرها أزيد من مائتي سنة ولذا ذكرها علماؤنا في المعمرات والمعمرين رداً لاستبعاد المخالفين من طول عمرّ القائم صلوات الله عليه.

الحديث الرابع : ضعيف.

وعدي الاستئذان بعلى لتضمين معنى الدخول ، وفي الإكمال : من أهل اليمن فدخل عليه رجلّ عبل طويل ، وفي القاموس : العبل الضخم من كل شيء « فسلم عليه بالولاية » أي قال : : السلام عليك يا ولي الله ، أو ما يؤدّي معناه كالحجية والإمامة « بالقبول » بأن صدق كلامه ، أو رد عليه رداً حسناً يؤذن بتصديقه ، وقبول


بالجلوس ، فجلس ملاصقاً لي فقلت في نفسي ليت شعري من هذا فقال : أبو محمّدعليه‌السلام هذا من ولد الأعرابية صاحبة الحصاة التي طبع آبائيعليهم‌السلام فيها بخواتيمهم فانطبعت وقد جاء بها معه يريد أن أطبع فيها ثمَّ قال : هاتها فأخرج حصاة وفي جانب منها موضع أملس فأخذها أبو محمّدعليه‌السلام ثمَّ أخرج خاتمه فطبع فيها فانطبع فكأني أرى نقش خاتمه الساعة - الحسن بن عليّ فقلت لليماني رأيته قبل هذا قط قال : لا والله وإني لمنذ دهر حريص على رؤيته حتّى كان الساعة أتاني شاب لست أراه فقال : لي قم فادخل فدخلت ثمَّ نهض اليماني وهو يقول «رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ » أشهد بالله إن حقك لواجب كوجوب حقَّ أمير المؤمنينعليه‌السلام والأئمّة من بعده صلوات الله عليهم أجمعين ثمَّ مضى فلم أره بعدّ ذلك قال : إسحاق قال : أبو هاشم الجعفري وسألته عن اسمه فقال : اسمي مهجع بن الصلت بن عقبة بن سمعان - بن غانم ابن أم غانم وهي الأعرابية اليمانية صاحبة الحصاة التي طبع فيها أمير المؤمنينعليه‌السلام والسبط إلى وقت أبي الحسنعليه‌السلام

________________________________________________________

إيمانه.

« ليت شعري » بكسرّ الشين وفتحها أي ليتني شعرت أي عقلت « من هذا » استفهاميّة ، والدّهر الزّمان الطّويل.

« حتّى كان » كأنّها تامّة « أتاني شابّ » استيناف بياني ، ويحتمل أن يكون الشاب أتى به من اليمن في ساعة واحدة إلى سامراء ، وسؤال الجعفري لاستعلام ما ذكرهعليه‌السلام من أحوال الرجلّ مبنيّ على الإعجاز أو على معرفة سابقه ، فظهر الأول.

والسبط ولد الولد أي طبع فيها أسباط رسول الله أو أسباط أمير المؤمنين صلوات الله عليهما ، وأبو الحسن هو الثاني الرضاعليه‌السلام أو الثالث ، فعلى الأوّل المراد الختم لحبابة فانّه كان إلى زمن الرضاعليه‌السلام كما عرفت ، وعلى الثاني أعم من أن يكون لها أو لأولادها ولم يذكر أبا محمّدعليه‌السلام لأن الغرض بيان الحال السابقة على


٥ - محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن ابن محبوب ، عن عليّ بن رئاب ، عن أبي عبيدة وزرارة جميعاً ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : لـمّا قتل الحسينعليه‌السلام أرسل محمّد بن الحنفية إلى عليّ بن الحسينعليهما‌السلام فخلا به فقال : له يا ابن أخي قد علمت أنَّ

________________________________________________________

ما جرى في المجلس ولعلّ الأوّل أظهر ، والظاهر أن أم غانم هي حبابة الوالبية التي مرّ ذكرها في الخبر المتقدم.

وروى الشيخ أمين الدين الطبرسي (ره) في كتاب إعلام الورى هذه الرواية من كتاب أحمد بن محمّد بن عياش ثمَّ قال : بعدّ إتمام الرواية : وقال : أبو هاشم الجعفري في ذلك :

بدرب الحصى مولى لنا يختم الحصى

له الله أصفى بالدّليل وأخلصا

وأعطاه آيات الإمامة كلّها

كموسى وفلق البحر واليد والعصا

وما قمص الله النبيّين حجّة

ومعجزة إلّا الوصيّين قمّصا(١)

فمن كان مرتاباً بذاك فقصره

من الأمر أن يتلو الدليل ويفحصا

في أبيات.

قال : أبو عبد الله بن عيّاش : هذه أم غانم صاحبه الحصاة غير تلك صاحبة الحصاة وهي أم الندى حبابة بنت جعفر الوالبية الأسدية ، وهي غير صاحبة الحصاة الأولى التي طبع فيها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأمير المؤمنينعليه‌السلام فإنّها أم سليم وكانت وارثة الكتب فهن ثلاثة ولكلّ واحدة منهن خبر قد رويته ، ولم أطل الكتاب بذكره.

أقول : قد أوردت خبر أم سليم في الكتاب الكبير أخرجته من كتاب مقتضب الأثر لابن أبي عياش وهو خبر طويل مشتمل على معجزات غريبة.

الحديث الخامس : صحيح ، وسنده الآتي حسن كالصّحيح.

وقال الجوهري : إذا خرج نخلتان وثلاث من أصل واحد فكلّ منهنّ صنو ،

__________________

(١) قمصه : ألبسه القميص ، ويقال : على الاستعارة : تقمّص الولاية والإمارة.


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله دفع الوصيّة والإمامة من بعده إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام ثمَّ إلى الحسنعليه‌السلام ثمَّ إلى الحسينعليه‌السلام وقد قتل أبوكرضي‌الله‌عنه وصلّى على روحه ولم يوص وأنا عمك وصنو أبيك وولادتي من عليّعليه‌السلام في سني وقديمي أحقَّ بها منك في حداثتك فلا تنازعنّي في الوصيّة والإمامة ولا تحاجني فقال : له عليّ بن الحسينعليه‌السلام يا عم اتق الله ولا تدع ما ليس لك بحقَّ «إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ » إن أبي يا عم صلوات الله عليه أوصى إلي قبل أن يتوجه إلى العراق وعهد إلي في ذلك قبل أن يستشهد بساعة وهذا سلاح رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عندي فلا تتعرض لهذا فإني أخاف عليك نقص العمرّ وتشتت الحال إن الله عزَّ وجلّ جعل الوصيّة والإمامة في عقب الحسينعليه‌السلام فإذا أردت أن تعلم ذلك فانطلق بنا إلى الحجر الأسود حتّى نتحاكم إليه ونسأله عن ذلك قال : أبو جعفرعليه‌السلام وكان الكلام بينهما بمكة فانطلقا حتّى أتيا الحجر الأسود فقال : عليّ بن الحسين لمحمّد بن الحنفية ابدأ أنت فابتهل إلى الله عزَّ وجلّ وسله أن ينطق لك الحجر ثمَّ سل فابتهل محمّد في الدعاء وسأل الله ثم

________________________________________________________

وفي الحديث : عمّ الرجلّ صنوأبيه ، وفي القاموس : الصّنو بالكسرّ الأخ الشفيق والابن والعم و « في سني » أي أنا في سني كما في الاحتجاج وغيره « وقديمي » أي سابقتي وما صدر عنّي من الجهاد في وقعة جمل وصفين ونحوهما ، وفي بعض النسخ : وقدمتي أي في القرابة أو تقدم أيامي وعمري ، وكذا في الاحتجاج وغيره « أحقَّ بها » أي بالإمامة والخلافة.

« أوصى إلىّ » هذا رد لما ذكره من شهادة النفي المردود عند جميع الأمة انّه لم يوص.

« وهذا سلاح رسول الله » استدلال بما كان مقرّراً معلوماً عند أهل البيتعليهم‌السلام أن السلاح من علامات الإمامة « وتشتت الحال » أي تفريقها وعدم انتظامها ، والابتهال التضرع والمبالغة في الدعاء ، وسيأتي أن الحجر كان ملكاً أودعه الله ميثاق الخلائق.


دعا الحجر فلم يجبه فقال : عليُّ بن الحسينعليه‌السلام يا عم لو كنت وصيا وإماما لأجابك قال : له محمّد فادع الله أنت يا ابن أخي وسله فدعا الله عليّ بن الحسينعليه‌السلام بما أراد ثمَّ قال : أسألك بالّذي جعل فيك ميثاق الأنبياء وميثاق الأوصياء وميثاق الناس أجمعين لما أخبرتنا من الوصي والإمام بعدّ الحسين بن عليّعليه‌السلام قال : فتحرك الحجر حتّى كاد أن يزول عن موضعه ثمَّ أنطقه الله عزَّ وجلّ بلسان عربي مبين فقال : اللهم إن الوصيّة والإمامة بعدّ الحسين بن عليّعليه‌السلام إلى عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب وابن فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : فانصرف محمّد بن عليّ وهو يتولّى عليّ بن الحسينعليه‌السلام

عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حماد بن عيسى ، عن حريز ، عن زرارة ، عن

________________________________________________________

« لـمّا » إيجابية بمعنى إلّا ، و « مبين » اسم فاعل من الإبانة بمعنى الإظهار ورفع الاشتباه « وهو يتولى » أي يقر بإمامته.

واعلم أن الأخبار في حال محمّد بن الحنفية مختلفة ، فمنها ما يؤول على جلالة قدره كما هو المشهور عند الإماميّة ، ومنها ما يدل على صدور بعض الزلات منه وهذا الخبر منها ، فإن ادعاء الإمامة بغير حقَّ كفر ، لا سيّما مع العلم بالإمام ، فانّه ظاهر انّه كان قد سمع مراراً من أبيه وأخويهعليهم‌السلام النص على الاثني عشرعليهم‌السلام وقد مرّ انّه كان حاضرا عند وصية أمير المؤمنينعليه‌السلام وقد نص على عليّ بن الحسينعليه‌السلام بمحضره ، وقد يأوّل هذا بأن هذا الدعوى كان على سبيل المصلحة لئلاً تنخدع ضعفة الشيعة بانّه أكبر وأقرب وأولى بالإمامة ، وتأخره عن الحسين صلوات الله عليه أيضاً مما يطعن به فيه ، ويحتمل أن يكون رخصهعليه‌السلام لبعض المصالح ، وأما ادعاء المختار وأصحابه من الكيسانية إمامته ومهدويته وغيبته فالظاهر أنها كانت بغير رضاه بل بغير خبره واطلاعه ، وبالجملة حسن القول فيهم أو ترك التعرض لهم أحسن من القدح فيهم والله يعلم.

وروى الطبرسي وابن شهرآشوب عن المبرد في الكامل قال : قال : أبو خالد


أبي جعفرعليه‌السلام مثله.

٦ - الحسين بن محمّد ، عن المعلّى بن محمّد ، عن محمّد بن عليّ قال : أخبرني سماعة بن مهران قال : أخبرني الكلبيُّ النسابة قال : دخلت المدينة ولست أعرف شيئاً من هذا الأمرّ فأتيت المسجد فإذا جماعةٌ من قريش فقلت أخبروني عن عالم أهل هذا البيت

________________________________________________________

الكابلي لمحمّد بن الحنفيّة أتخاطب ابن أخيك بما لا يخاطبك بمثله؟ فقال : انّه حاكمني إلى الحجر الأسود وزعم انّه ينطقه ، فصرت معه إلى الحجر فسمعت الحجر يقول : سلم الأمرّ إلى ابن أخيك فانّه أحقَّ منك فصار أبو خالد إماميا.

الحديث السادس : ضعيف على المشهور ، والكلبي نسبة إلى قبيلة كلب ، وهو الحسن ابن علوان ثقة(١) ، روى عن الصادقعليه‌السلام ، وكان نسابة ، أي عالماً بالأنساب والتاء للمبالغة.

« من هذا الأمرّ » أي الإمامة وانّ لكل زمان إماماً لا بد من معرفته « أهل هذا البيت » أي أهل بيت الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله .

__________________

(١) وقال : بعض الأفاضل (ره) بل هو محمّد بن السائب الكلبيّ المفسرّ ، المعروف عند الخاصّة والعامّة ، وأمّا الحسن بن علوانّ فليس بهذه الشهرة بحيث ينصرف إليه إطلاق الكلبيّ النسّابة ، أقول : ويمكن تأييد هذا القول بما في آخر الحديث من قوله : فلم يزل الكلبي يدين الله بحبّ آل هذا البيت حتّى مات. فإنّ هذا يعطي انّه كان عاميّا في أوّل الأمرّ وهكذا قالوا في حقّه علماء السّنة وتركوا أحاديثه لحبّه آل محمّدعليهم‌السلام ورموه بالتشيع ، ومن عجيب ما قالوه في ذلك ما ذكره العسقلاني في تهذيب التهذيب فانّه ذكر في ترجمته عن يحيى بن يعلى المحاربي انّه قال : قيل لزائدة ثلاثة لا تروي عنهم : ابن أبي ليلى ، وجابر الجعفي ، والكلبي ، أمّا ابن أبي ليلى فلست أذكره ، وأما جابر فكان والله كذّابا يؤمن بالرجعة ، وأمّا الكلبيّ وكنت أختلف إليه فسمعته يقول مرضت فنسيت ما كنت أحفظ فأتيت آل محمّد فتفلوا في فيّ ، فحفظت ما كنت نسيت فتركته ، انتهى.

فانظر أيها القارىء الكريم بعين الإنصاف كيف تركوا حديث محدّث كبير ورموه بالكذب لانّه قال : : أتيت آل محمّد فتفلوا في فيّ فحفظت ما كنت نسيت وكيف حكموا بكذب عالم من علماء الإسلام وقالوا : بانّه كذّاب يؤمن بالرجعة!!.


فقالوا عبد الله بن الحسن فأتيت منزله فاستأذنت فخرج إلي رجلّ ظننت انّه غلام له فقلت له استأذن لي على مولاك فدخل ثمَّ خرج فقال : لي ادخل فدخلت فإذا أنا بشيخ معتكف شديد الاجتهاد فسلّمت عليه فقال : لي من أنت فقلت أنا الكلبي النسابة فقال : ما حاجتك فقلت جئت أسألك فقال : أمررت بابنيّ محمّد قلت بدأت بك فقال : سل فقلت أخبرني عن رجلّ قال : لامرأته أنت طالق عدد نجوم السماء فقال : تبين برأس الجوزاء والباقي وزر عليه وعقوبة فقلت في نفسي واحدة فقلت ما يقول الشيخ في المسح على الخفين فقال : قد مسح قوم صالحون ونحن أهل البيت لا نمسح فقلت في نفسي ثنتان فقلت ما تقول في أكل الجري أحلال هو أم حرام فقال : حلال إلّا أنا أهل البيت نعافه فقلت في نفسي ثلاث

________________________________________________________

« انّه غلام له » أي مملوكه ولهذا قلت(١) على مولاك « معتكف » أي جالس على مصلاه ملازم للعبادة ، لا الاعتكاف المصطلح لانّه لم يكن في المسجدّ ، في القاموس عكفه حبسه وعليه عكوفا : أقبل عليه مواظبا وفي المسجدّ اعتكف وتعكف تحبس كاعتكف ، انتهى.

والاجتهاد : الجدّ في العبادة.

« عدد » منصوب بنزع الخافض أي بعدد « برأس الجوزاء » أي بعدد الكواكب التي على رأس الجوزاء المعروفة في السماء وهي ثلاثة ، وقيل : المراد رأس اسم الجوزاء وهو الجيم وهو أيضاً ثلاثة ، والأوّل أظهر ، والحاصل انّه أجاب موافقا لرأي العامة فإنهم يجوزون ثلاث طلقات دفعة دون ما زاد فانّه يحتاج إلى المحلل ، فما زاد عندهم بدعة توجب الوزر والإثمَّ « واحدة » أي هذه العلامة واحدة من علامات جهله وانّه غير قابل للإمامة.

« قوم صالحون » أي خلفاء الجور المضلون وأتباعهم سماهم صالحين جهلا وضلالة ، أو تأليفا لقلوب الناس « أهل البيت » منصوب على الاختصاص « نعافه » أي

__________________

(١) كذا في النسخ والظاهر « قال : » بدل « قلت » لانّه كلام الشارح (ره) لا الراوي.


فقلت فما تقول في شرب النبيذ فقال : حلال إلّا أنا أهل البيت لا نشربّه فقمت فخرجت من عنده وأنا أقول هذه العصابة تكذب على أهل هذا البيت.

فدخلت المسجدّ فنظرت إلى جماعة من قريش وغيرهم من الناس فسلّمت عليهم ثمَّ قلت لهم من أعلم أهل هذا البيت فقالوا عبد الله بن الحسن فقلت قد أتيته فلم أجدّ عنده شيئاً فرفع رجلّ من القوم رأسه فقال : ائت جعفر بن محمّدعليهما‌السلام فهو أعلم أهل هذا البيت فلامه بعض من كان بالحضرة فقلت إن القوم انّما منعهم من إرشادي إليه أوّل مرة الحسد فقلت له ويحك إياه أردت فمضيت حتّى صرت إلى منزله فقرعت الباب فخرج غلام له فقال : ادخل يا أخا كلب فو الله لقد أدهشني فدخلت وأنا مضطرب ونظرت فإذا شيخ على مصلّى بلا مرفقة ولا بردعة فابتدأني بعدّ أن سلّمت عليه فقال : لي من أنت فقلت في نفسي يا سبحان الله غلامه يقول لي بالباب ادخل يا أخا كلب ويسألني المولى من أنت فقلت له أنا الكلبي النسابة

________________________________________________________

نكرهه « تكذب على أهل هذا البيت » أي في قولهم أن فيهم في كل عصر إماما عالما بجميع العلوم ، أو نسبتهم هذا الرجلّ إلى انّه أعلم أهل البيت « شيئاً » أي من العلم.

« فهو » الفاء للبيان « فلأمه » أي وبخه وعيره « إياه أردت » إما لسماع علمه سابقا أو لفهمه من حسد القوم ذلك « لقد أدهشني » أي كلام الغلام ، والمرفقة بكسرّ الميم وفتح الفاء : الّذي يوضع تحت الحذاء ويتكأ عليه ، والبرذعة بفتح الباء والذال المعجمة أو المهملة : الكساء الرقيق الّذي يلقى تحت الرحل ويلي ظهر البعير ، والمراد هنا الحلس الّذي [ يوضع تحت الحذاء و ](١) يبسط في البيت « يا سبحان الله » أي قوم سبحوا الله تسبيحا من هذا الأمرّ العجيب ، والحاصل أن النداء للتعجب من علم الغلام وسؤال المولى مع انّه أولى بالعلم ولم يتفطن لوجه السؤال وهو المؤاخذة على الجواب والإخبار بما لا يعلمه إلّا الإمام ، وقد يسأل العالم لمصلحة نحو : «وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ

__________________

(١) ما بين المعقفتين انّما هو في بعض النسخ دون بعض.


فضرب بيده على جبهته وقال : كذب العادلون بالله و «ضَلُّوا ضَلإلّا بَعِيداً » وخسروا «خُسْراناً مُبِيناً » يا أخا كلب إن الله عزَّ وجلّ يقول «وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً » أ فتنسبها أنت فقلت لا جعلت فداك فقال : لي أفتنسب نفسك قلت نعم أنا فلان بن فلان بن فلان حتّى ارتفعت فقال : لي قف ليس حيث تذهب ويحك أتدري من فلان بن فلان قلت نعم فلان بن فلان قال : إن فلان بن فلان ابن فلان الراعي الكردي انّما كان فلان الراعي الكردي على جبل آل فلان فنزل إلى فلانة امرأة فلان من جبله الّذي كان يرعى غنمه عليه فأطعمها شيئاً وغشيها فولدت فلانا وفلان بن فلان من فلانة وفلان بن فلان ثمَّ قال : أتعرف هذه الأسامي قلت :

________________________________________________________

يا مُوسى »(١) .

والضرب باليد على الجبهة لاعظام دعوى علم الأنساب الّذي لا يعلمها إلّا الله ومن انتهى علمه إليه من الأنبياء والأوصياء وللأسى على حالهم فكأنهم عدلوا أنفسهم بربهم في هذا الأمرّ المختص به تعالى ، ولذا قال : : كذب العادلون بالله « أفتنسبها » أي أفتعرف نسبها والله سبحانّه أجملها ولم يذكر نسبها وأسماءها وأعدادها فكيف أنساب هذه القرون الكثيرة.

« حتّى ارتفعت » أي بلغت إلى أجدادي العالية « الراعي الكردي » تفسير لفلان الأخير المضاف إليه وهو اسم آخر غير الّذي ذكره الراوي ، ويظهر منه أن القدح في النسب مع العلم به ليس بحرام مطلقاً أو إذا دعت إلى ذلك مصلحة من إظهار معجز أو ردع المخاطب عن باطل ، وقد روي مثله في كتب المخالفين عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : مسلم : وسأله ابن حذافة وكان يطعن في نسبه فقال : : من أبي؟ قال : : أبوك حذافة ، وقال : آخر : من أبي؟ قال : : أبوك فلان الراعي ، فنسبه إلى غير أبيه فنزل قوله تعالى : «لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ »(٢) .

وقوله : وفلان بن فلان من فلانة ، يحتمل أن يكون توضيحا للكلام الأوّل أو قدحا آخر في نسبه من جهة أخرى أو قدحا لنسب رجلّ آخر « وغشيها » أي

__________________

(١) سورة طه : ١٧.

(٢) سورة المائدة : ١٠١.


لا والله جعلت فداك فإن رأيت أن تكف عن هذا فعلت فقال : انّما قلت فقلت فقلت إني لا أعود قال : لا نعود إذا واسأل عمّا جئت له فقلت له أخبرني عن رجلّ قال : لامرأته أنت طالق عدد نجوم السماء فقال : ويحك أما تقرأ سورة الطلاق قلت بلى قال : فاقرأ فقرأت «فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعدَّة » قال : أترى هاهنا نجوم السماء قلت لا قلت فرجلّ قال : لامرأته أنت طالق ثلاثا قال : ترد إلى كتاب الله وسنة نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله ثمَّ قال : لا طلاق إلّا على طهر من غير جماع بشاهدين

________________________________________________________

جامعها « أن تكفّ » أي تصرف نفسك عن هذا «فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ » المشهور بين المفسّرين أن اللام فيه للتوقيت أي وقت عدتهن بأن يكون الطلاق في الطهر الّذي لم يواقعها فيه ، وقيل : اللام للسبب ، أي طلّقوهنّ لتعتدون ، ولعلّ مبنيّ الاستدلال على ما يظهر من الآية من تلازم الطلاق والعدَّة ، وفي الطّلقات الثلاث لا تتحقّق العدَّة بينها.

قال : المحقّق الأردبيلي قدّس الله روحه : يمكن الاستدلال بالآية على عدم صحّة الطّلاق ثلاثاً في مجلس واحد كما فعله في مجمع البيان لعدم وقوعها في العدَّة الواحدة ، وأيده بأخبار أهل البيتعليهم‌السلام ، وأقوال علمائهم ، انتهى.

ولا خلاف بين أصحابنا في عدم وقوع الثلاث وانّما اختلفوا في انّه هل تقع واحدة أم لا ، وسيأتي تمام القول فيه في محله إنشاء الله تعالى.

وقولهعليه‌السلام : تردّ إلى كتاب الله ، لا يأبى عن القولين « ثمَّ قال : لا طلاق إلّا على طهر » لعلهعليه‌السلام أفاد ذلك لبيان أن خطاء المخالفين ومخالفتهم للكتاب والسّنة في الطلاق كثير ، وليس بمنحصر في الطّلقات الثلاث والأزيد ، ويحتمل أن يكون أوّل الكلام أيضاً مبنياً على أنّهم يوقعون مثل هذا الطّلاق ، المشتمل على العدد في الحيض وفي طهر المواقعة ، وبغير شاهدين ، ويحكمون بصحتها مع نهيه تعالى عنها وحكمه باشتراط الطّلاق بكونه بمحضر الشاهدين ، وعدم كونه في الحيض وفي طهر المواقعة مع انعقاد الطّلاق ، وصحته عبارة عن ترتب آثار شرعية عليه ، ولا يعلم ذلك إلّا بالعلم


مقبولين ، فقلت في نفسي : واحدة ، ثمَّ قال : سل ، قلت ما تقول في المسح على الخفّين ؟ فتبسّم ثمَّ قال : إذا كان يوم القيامة ورد الله كل شيء إلى شيئه ورد الجلد إلى الغنم فترى أصحاب المسح أين يذهب وضوؤهم فقلت في نفسي ثنتان ثمَّ التفت إلي فقال : سل فقلت أخبرني عن أكل الجري فقال : إن الله عزَّ وجلّ مسخ طائفة من بنيّ إسرائيل فما أخذ منهم بحرّي فهو الجري والمارماهي والزمار وما سوى ذلك وما أخذ منهم برّاً فالقردة والخنازير والوبر والورك وما سوى ذلك فقلت في نفسي ثلاث

________________________________________________________

بوقوعه على الوجه الّذي أمرّ الشارع به فلا ينعقد إلّا إذا كان متلقى من الشارع ولم يتلق منه إلّا على الوجه الوارد في الآية ، فما خالفها يكون باطلا فقولهعليه‌السلام : أترى هيهنا نجوم السّماء ، أي على الوجه الّذي يوقعونها ، وهذا وانّ كان فيه بعدّ بحسب اللفظ لكن الاستدلال بالآية يكون أظهر والتتّمة تكون به أوفق.

« واحدة » أي علامة واحدة لعلمه وكونه إماماً « فتبسّم » لعله للإشارة إلى فساد جواب عبد الله بن الحسن ، أو هو تعجب عن تجويز مثل ذلك مع ظهور فساده.

« ورد كل شيء إلى شيئه » أي رد أجزاء كل حيوان إليه ، ولعلّ هذا تنبيه على أن آية الوضوء لا تشمل المسح على الخفين ، لانّه تعالى قال : «وَأَرْجُلَكُمْ » فلو كانت شاملة للمسح على الخف لكان يوم القيامة يرد الخف إلى أرجلهم لا إلى ظهر الغنم ، ويحتمل أن يكون إلزاماً عليهم بما اشتهر عندهم من استدلال عائشة وغيرها بذلك ، أو يكون الاستدلال به بانضمام الأخبار الواردة بأن آثار الوضوء في القيامة تظهر على الجوارح التي تقع عليها ، وقيل : ردّ كلّ شيء إلى شيئه ، أي ردّ الله كلّ مكلّف إلى ما يستحقّه من الجنّة والنّار ، وردّ الجلد إلى الغنم أي أظهر أن الجلد لم يكن من أرجلّ المخاطبين في آية الوضوء ، وانّ وضوء من مسح على الخفّين مخالف للكتاب ، « فترى أصحاب المسح » أي على الخفين « أين يذهب » أي يذهب إلى جهنّم مع أصحابه لأن العارض لا يكون بدون المعروض ، انتهى.


ثمَّ التفت إليَّ فقال : سل وقم فقلت ما تقول في النبيذ فقال : حلال فقلت إنا ننبذ فنطرح فيه العكر وما سوى ذلك ونشربّه فقال : شه شه تلك الخمرة المنتنة فقلت جعلت فداك فأي نبيذ تعنّي فقال : إن أهل المدينة شكوا إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله تغيير الماء وفساد طبائعهم فأمرهم أن ينبذوا فكان الرجلّ يأمرّ خادمه أن ينبذ له فيعمد إلى كف من التمرّ فيقذف به في الشن فمنه شربّه ومنه طهوره فقلت وكم كان عدد التمرّ الّذي كان في الكف فقال : ما حمل الكف فقلت واحدة وثنتان فقال : ربما كانت واحدة وربما كانت ثنتين فقلت وكم كان يسع الشن فقال : ما بين الأربعين إلى الثمانين إلى ما فوق ذلك فقلت بالأرطال فقال : نعم أرطال بمكيال العراق قال : سماعة قال : الكلبيّ : ثمَّ نهضعليه‌السلام وقمت فخرجت وأنا أضرب بيدي على الأخرى وأنا أقول إن كان شيء فهذا فلم يزل الكلبيُّ يدين الله بحبّ آل

________________________________________________________

والوبر بالفتح دابّة تشبه السنّور ، والورك محركة دابّة كالضب أو العظيم من أشكال الوزغ طويل الذنب صغير الرأس « فقال : حلال » حملعليه‌السلام النبيذ أولا على الحلال لإرادة بيان التفصيل ثانيا تنبيها على أن خطاء عبد الله انّما نشأ من اشتراك النبيذ بين الحلال والحرام ، وقال : الجوهري : العكر : دردي الزيت وغيره ، وقد عكر المسرجة بالكسرّ يعكر عكراً إذا اجتمع فيها الدردي ، انتهى.

وكأنّهم كانوا يجعلون فيه العكر ليصير مسكرا أو يشتدّ إسكاره ، وفي القاموس : شاه وجهه شوهاً وشوهة قبح كشوه كفرح فهو أشوه ، وفلانا أفزعه وأصابه بالعين وحسده ونفسه إلى كذا طمحت ، وشوهه الله قبح وجهه ، وقال : : شاهه يشيهه عابه وهو شيوه عيوب ، انتهى.

فقولهعليه‌السلام : شه ، كلمة تقبيح واستقذار ، والشّنّ بالفتح القربة الخلقة الصغيرة.

« فقلت واحدة » أي ما ذكرت كف واحدة أو اثنتان والرطل العراقي مائة وثلاثون درهماً « إن كان شيء » أي إمام فهو هذا ، وقيل : المعنى إن كان أمرّ مبهم يجب سؤال


هذا البيت حتّى مات.

٧ - محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن أبي يحيى الواسطي ، عن هشام بن سالم قال : كنّا بالمدينة بعدّ وفاة أبي عبد اللهعليه‌السلام أنا وصاحب الطاق والناس مجتمعون على عبد الله بن جعفر انّه صاحب الأمر بعد أبيه فدخلنا عليه أنا وصاحب الطاق والناس عنده وذلك أنّهم رووا عن أبي عبد اللهعليه‌السلام انّه قال : إنَّ الأمر في الكبير ما لم تكن به عاهة فدخلنا عليه نسأله عمّا كنّا نسأل عنه أباه فسألناه عن

________________________________________________________

أهل الذكر عنه فهذا له.

الحديث السابع : مجهول بأبي يحيى ، وقد يعد ضعيفاً ، وصاحب الطاق هو أبو جعفر محمّد بن النّعمان الأحول كان صرافا في طاق المحامل من الكوفة وكان مشهوراً بالفضل عند المخالف والمؤالف ، وكان يجتمع عنده في دكانّه علماء الفرق فيناظرهم فكانت الشيعة يلقبونه مؤمن الطاق ، وصاحب الطاق ، وشاه الطاق ، والمخالفون شيطان الطاق لعجزهم عن مناظراته.

« وذلك » أي اجتماع الناس عنده « أنهم » أي لأنّهم « ما لم تكن به عاهة » أي آفة إما في بدنه أو في دينه وعلمه ، وكلاهما كانا في عبد الله لانّه كان أفطح الرجلين ، عريضهما لا يمشي كما ينبغي ، ولا يكون في الإمام عيب يوجب شينه ، وكان مطعوناً في دينه جاهلاً.

قال : المفيد في إرشاده : كان أكبر إخوته بعدّ إسماعيل ولم تكن منزلته عند أبيه منزلة غيره من ولده في الإكرام وكان متهما بالخلاف على أبيه في الاعتقاد ، ويقال : انّه كان يخالط الحشوية ويميل إلى مذاهب المرجئة ، وادّعى بعدّ أبيه الإمامة واحتج بانّه أكبر إخوته الباقين ، فأتبعه جماعة ثمَّ رجع أكثرهم إلى القول بإمامة موسىعليه‌السلام لما تبيّنوا ضعف دعواه وقوة أمرّ أبي الحسنعليه‌السلام ودلائل حقيّته وبراهين إمامته ، وأقام نفر يسير منهم على إمامة عبد الله وهم الملقّبون بالفطحيّة ، لأنّ عبد الله كان أفطح الرّجلين ، أو لأنّ داعيهم إلى الإمامة رجل يقال له عبد الله


الزكاة في كم تجب ؟ فقال : في مائتين خمسة فقلنا ففي مائة فقال : درهمان ونصف فقلنا والله ما تقول المرجئة هذا ، قال : فرفع يده إلى السماء فقال : والله ما أدري ما تقول المرجئة قال : فخرجنا من عنده ضلّالاً لا ندري إلى أين نتوجّه أنا وأبو جعفر الأحول فقعدنا في بعض أزقة المدينة باكين حيارى لا ندري إلى أين نتوجّه ولا من نقصد ونقول إلى المرجئة ؟ إلى القدريّة ؟ إلى الزيديّة ؟ إلى المعتزلة ؟ إلى الخوارج فنحن كذلك إذ رأيت رجلاً شيخاً لا أعرفه يومي إلي بيده فخفت أن يكون عينا من عيون أبي جعفر المنصور وذلك انّه كان له بالمدينة جواسيس ينظرون إلى من اتفقت شيعة جعفرعليه‌السلام عليه فيضربون عنقه فخفت أن يكون منهم فقلت للأحول تنحّ فانّي خائف على نفسي وعليك ، وانّما يريدني لا يريدك ، فتنح َّعنّي لا تهلك

________________________________________________________

بن أفطح ، انتهى.

فالتعليل هنا لتمسّكهم بأوّل الخبر ، وذهولهم عن آخره ، ويحتمل أن يكون ذلك إشارة إلى دخولهم عليه ، فانّه كان للامتحان ، وانّه هل فيه عاهة أم لا ، ولعلّ المراد بالمرجئة هنا جميع أهل السّنة فإنهم أخروا أمير المؤمنينعليه‌السلام إلى المرتبة الرابعة ، والمعنى أنّهم مع غاية جهلهم بالدين وأحكامه لا يفتون بمثل هذا الفتوى الفاسد ، وقائلون بالنّصاب.

« ضلّالاً » بالضمّ والتشديد جمع ضالّ « لا ندري » استئناف بيانيّ ، والأزقّة بفتح الهمزة وكسر الزّاء وتشديد القاف جمع زقاق كغراب أي السّكك ، والحيارى جمع حيران « إلى المرجئة » بتقدير الاستفهام الإنكاريّ ، والمشهور أنّهم طائفة يعتقدون انّه لا يضّر مع الأيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة ، سموا مرجئة لاعتقادهم أن الله أرجأ تعذيبهم على المعاصي أي أخره عنهم ، وقد مرّ انّه يطلق القدريّة على الجبرية وعلى التفويضيّة أيضاً ، والعين : الجاسوس.

« تنحّ » أي اذهب إلى ناحية « لا تهلك » بلاء النافية مجزوماً في جواب الأمر ، أو بلاء الناهية « وتعين » منصوب بتقدير أن أو بالعطف على محلّ تهلك ، لانّه في


وتعين على نفسك فتنحّى غير بعيد وتبعت الشيخ وذلك أنّي ظننت أنّي لا أقدر على التخلص منه فما زلت أتبعه وقد عزمت على الموت حتّى ورد بي على باب أبي الحسنعليه‌السلام ثمَّ خلاني ومضى فإذا خادم بالباب فقال : لي ادخل رحمك الله فدخلت فإذا أبو الحسن موسىعليه‌السلام فقال : لي ابتداء منه لا إلى المرجئة ولا إلى القدريّة ولا إلى الزيديّة ولا إلى المعتزلة ولا إلى الخوارج إلي إلي فقلت جعلت فداك مضى أبوك قال : نعم قلت مضى موتا قال : نعم قلت فمن لنا من بعده فقال : إن شاء الله أن يهديك هداك قلت جعلت فداك إن عبد الله يزعم انّه من بعدّ أبيه قال : يريد عبد الله أن لا يعبد الله قال : قلت جعلت فداك فمن لنا من بعده قال : إن شاء الله أن يهديك هداك قال : قلت جعلت فداك فأنت هو قال : لا ما أقول ذلك قال : فقلت في نفسي لم أصب طريق المسألة ثمَّ قلت له جعلت فداك عليك إمام قال : لا فداخلني شيء لا يعلم إلّا الله عزَّ وجلّ إعظاماً له وهيبة أكثر مما كان يحل بي من أبيه إذا دخلت عليه ثمَّ قلت له جعلت فداك أسألك عمّا كنت أسأل أباك فقال : سل تخبر ولا تذع فإن أذعت فهو الذبح فسألته فإذا هو بحر لا ينزف قلت جعلت فداك شيعتك وشيعة أبيك

________________________________________________________

قوّة لئلاً تهلك « غير » منصوب بالحاليّة عن فاعل تنحّ أو نيابة المفعول المطلق ، وفي إعلام الورى فتنحّى عنّي بعيداً « وقد عزمت » أي وطنّت نفسي « حتّى ورد بي » الباء للتعدية أو للمصاحبة ، « ثمَّ خلّاني » بالتشديد أي تركني « فإذا أبو الحسن » أي حاضر.

« أن لا يعبد الله » علي المجهول لأنّ العبادة بغير معرفة الإمام كلا عبادة ولا تعرف أيضاً إلّا به.

« لا ما أقول » لا تمهيد للنفي الّذي يليه نحو قوله تعالى : «فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ »(١) « ما أقول ذلك » في الحال « إعظاماً » تميز لشيء « أكثر » منصوب نعت إعظاماً وهيبة ، ويقال : نزفت البئر فنزف ، أي فنى ماؤها يتعدّى ولا يتعدّى.

__________________

(١) سورة النساء : ٦٥.


ضلّال فألقي إليهم وأدعوهم إليك ؟ وقد أخذت عليَّ الكتمان ؟ قال : من آنست منه رشداً فألق إليه وخذ عليه الكتمان فإن أذاعوا فهو الذبح - وأشار بيده إلى حلقه - قال : فخرجت من عنده فلقيت أبا جعفر الأحول فقال : لي ما وراءك قلت الهدى فحدثته بالقصّة قال : ثمَّ لقينا الفضيل وأبا بصير فدخلا عليه وسمعا كلامه وساءلاه وقطعا عليه بالإمامة ثمَّ لقينا الناس أفواجاً فكل من دخل عليه قطع إلّا طائفة عمار وأصحابه وبقي عبد الله لا يدخل إليه إلّا قليل من الناس فلمّا رأى ذلك قال : ما حال الناس فأخبر أن هشاماً صدَّ عنك الناس ؛ قال هشام : فأقعدلي بالمدينة غير واحد ليضربوني.

٨ - عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن محمّد ، عن محمّد بن فلان الواقفي قال : كان لي ابن عم يقال : له الحسن بن عبد الله كان زاهداً وكان من أعبد أهل زمانّه وكان يتقيه السلطان لجدّه في الدين واجتهاده وربما استقبل السلطان بكلام صعب يعظه ويأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر وكان السلطان يحتمله لصلاحه ولم تزل هذه حالته حتّى كان يوم من الأيّام إذ دخل عليه أبو الحسن موسىعليه‌السلام وهو في المسجدّ فرآه فأومأ إليه فأتاه فقال : له يا أبا عليّ ما أحبّ إلي ما أنت فيه وأسرني إلّا أنه

________________________________________________________

« ما وراءك » ما استفهاميّة مبتدأ ، ووراءك منصوب بالظرفيّة خبر « إلّا طائفة عمّار » أي عمّار بن موسى السّاباطي.

الحديث الثامن : مجهول بسنديه.

« عن محمّد » كأنّه ابن أبي عمير « فلان » كناية عن رجلّ نسي الراوي إسمه وكونه إسماً كما ظنّ بعيد ، وفي البصائر وسائر الكتب : الرّافعي بالعين المهملة. « يتّقيه » أي يترك بحضرته القبائح وفي البصائر : يلقاه « السلطان يحتمله » أي يحلم عنه ، ويقبل منه « في المسجدّ » أي مسجدّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم « ما أحبّ إلىّ » صيغة تعجّب « وأسرّني » من السرّور ، وفي البصائر : وأسرّني بك معرفة أي بأصول الدين وفروعه ، لانّه لم يكن يعرف الإمام وكان أخذ معارفه ومسائله من أهل الضّلال ، وإنّما أحاله


ليست لك معرفة ، فاطلب المعرفة ، قال : جعلت فداك وما المعرفة ؟ قال : اذهب فتفقّه واطلب الحديث قال : عمن ؟ قال : عن فقهاء أهل المدينة ثمَّ اعرض عليّ الحديث قال : فذهب فكتب ثمَّ جاءه فقرأه عليه فأسقطه كله ثمَّ قال : له اذهب فاعرف المعرفة وكان الرجلّ معنيا بدينه فلم يزل يترصد أبا الحسنعليه‌السلام حتّى خرج إلى ضيعة له فلقيه في الطريق فقال : له جعلت فداك أنّي أحتج عليك بين يدي الله فدلني على المعرفة قال : فأخبره بأمير المؤمنينعليه‌السلام وما كان بعدّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأخبره بأمرّ الرجلين فقبل منه ثمَّ قال : له فمن كان بعدّ أمير المؤمنينعليه‌السلام قال : الحسنعليه‌السلام ثمَّ الحسينعليه‌السلام حتّى انتهى إلى نفسه ثمَّ سكت قال : فقال : له جعلت فداك فمن هو اليوم قال : إن أخبرتك تقبل قال : بلى جعلت فداك قال : أنا هو قال : فشيء أستدلُّ به ؟ قال : اذهب إلى تلك الشجرة وأشار [ بيده ] إلى أم غيلان فقل لها يقول لك موسى بن جعفر : أقبلي ، قال : فأتيتها فرأيتها والله تخدُّ الأرض خدّاً

________________________________________________________

عليه‌السلام أوّلاً على فقهاء المدينة ليعرفه جهالتهم وضلالتهم ، ويهتمّ بمعرفة من يجب أخذ الدين عنه.

« فأسقطه كله » أي قال : كل هذا باطل ، أو بيّن له بالدّليل والبرهان بطلان جميع ما أخذه « معنيا » بفتح الميم وسكون العين وكسرّ النون وشد الياء أي ذا عناية واهتمام بدينه ، من عناه الأمر يعنيه إذا أهمّه « واعرف المعرفة » وفي البصائر : واطلب المعرفة « يترصّد » أي يترقّب أن يراهعليه‌السلام في الخلوة « إلى ضيعة له » أي قرية.

« وما كان بعد رسول الله » أي من غصب الخلافة « بأمر الرّجلين » أي كفر أبو بكر وعمرّ وظلمهما وجورهما على أهل البيتعليهم‌السلام ، وفي البصائر فأخبره بأمير المؤمنينعليه‌السلام وقال : له : كان أمير المؤمنين بعدّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأخبره بأمرّ أبي بكر وعمر.

« قال : فشيء » أي يجب شيء أو هل يوجدّ شيء؟ و « أم غيلان » السّمر من شجر الطّلح ، وأمرّ غير الحيّ كثير في كلام الله تعالى نحو : «يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ »(١)

__________________

(١) سورة هود : ٢٤.


حتّى وقفت بين يديه ، ثمَّ أشار إليها فرجعت قال : فأقر به ثمَّ لزم الصمت والعبادة فكان لا يراه أحد يتكلّم بعد ذلك.

محمّد بن يحيى وأحمد بن محمّد ، عن محمّد بن الحسن ، عن إبراهيم بن هاشم مثله.

٩ - محمّد بن يحيى وأحمد بن محمّد ، عن محمّد بن الحسن ، عن أحمد بن الحسين ، عن محمّد بن الطيّب ، عن عبد الوهاب بن منصور ، عن محمّد بن أبي العلاء قال : سمعت يحيى بن أكثم - قاضي سامرّاء - بعد ما جهدت به وناظرته وحاورته وواصلته وسألته ، عن علوم آل محمّد فقال : بينا أنا ذات يوم دخلت أطوف بقبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فرأيت محمّد بن عليّ

________________________________________________________

فهو أمر تكويني من قبل الله ، والمؤثّر فيه هو الله تعالى « تخدّ الأرض » من باب نصر أي تشقّ « ثمَّ لزم الصّمت » لانّه علم أنّ ما يمكن أن يقال : بين الناس باطل ، وما هو حقَّ لا يمكن إظهاره غالباً ، ومن صمت نجا.

وفي بصائر الدرجات في آخر الخبر زيادة وهي هذه : وكان من قبل ذلك يرى الرؤيا الحسنة وترى له ، ثمَّ انقطعت عنه الرؤيا فرأى ليلة أبا عبد اللهعليه‌السلام فيما يرى النائم ، فشكى إليه انقطاع الرؤيا ، فقال : لا تغتمّ فإنّ المؤمن إذا رسخ في الإيمان رفع عنه الرؤيا.

الحديث التاسع : مجهول أو ضعيف بيحيى ، وهو من مشاهير العلماء المخالفين ومناظرات الجوادعليه‌السلام معه مشهور « بعد ما جهدت به » أي بالغت في امتحانّه ، وفي القاموس : جهد بزيد امتحنه ، وقال : المحاورة مراجعة النّطق ، وتحاوروا تراجعوا الكلام ، انتهى.

والمواصلة الموادّة ، والطّواف بالقبر انّما يتيسرّ من خارج العمارة ، وربما يستدل به على جواز الطواف بقبور النبيّ والأئمّةعليهم‌السلام ، وفيه نظر إذ حمله على الطّواف الكامل بعيد ، بل الظّاهر انّهعليه‌السلام كان يدور من موضع الزيارة إلى جانب الرّجل ليدخل بيت فاطمةعليها‌السلام كما هو الشائع الآن ، والمانع لا يمنع مثل هذا ، لكن ما ورد في بعض الأخبار لا تطف بقبر ، ليس بصريح في هذا المعنى ، إذ يحتمل أن


الرضاعليهما‌السلام يطوف به ، فناظرته في مسائل عندي فأخرجها إليَّ ، فقلت له : والله إنّي اُريد أن أسألك مسألة وإنّي والله لأستحيي من ذلك ، فقال لي : أنا أخبرك قبل أن تسألني ، تسألني عن الامام ؟ فقلت : هو والله هذا ، فقال : أنا هو ، فقلت : علامة ؟ فكان في يده عصا فنطقت وقالت : إنّ مولاي إمام هذا الزمان وهو الحجّة.

١٠ - محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد أو غيره ، عن عليّ بن الحكم ، عن الحسين بن عمرّ بن يزيد قال : دخلت على الرضاعليه‌السلام وأنا يومئذ واقف وقد كان أبي سأل أباه عن سبع مسائل فأجابه في ستّ وأمسك عن السابعة فقلت والله لأسألنّه عمّا سأل

________________________________________________________

يكون المراد بالطّواف الحدث ، قال في النهاية : الطّوف الحدث من الطّعام ، ومنه الحديث نهى عن متحدّثين على طوفهما أي عند الغايط ، وسيأتي تمام القول في ذلك في محلّ آخر إنشاء الله تعالى.

« فأخرجها » أي بيّن وجه الصّواب فيها « فقلت علامة » بالرّفع أي تجب علامة ، أو بالنّصب أي أريد علامة ، وقيل : على حرف جرّ دخلت على ما الاستفهاميّة ، وأوردت هاء السّكت بعد حذف الألف أي على أيّ شيء أنت الإمام؟ « إنّ مولاي » أي مالكي.

الحديث العاشر : مجهول.

« وأنا يومئذ واقف » أي اعتقد مذهب الواقفيّة ، وكنت أقف بالإمامة على أبيه لم أجاوز بها إليه صلوات الله عليهما ، لاعتقادي في أبيه الغيبة وانّه الحي القائم الّذي سيملأ الأرض قسطاَ وعدلا لما رووا عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أن من ولده من هو كذلك ، فأوله الضالون المضلون بالولد بلا واسطة ، ووثق الحسين الشيخ في الرّجال ولم يذكر واقفيّته والإمساك عن السّابعة إمّا لكونها من المسائل التي لا يعلمها إلّا الله كوقت قيام السّاعة وأشباهه ، أو لعدم المصلحة في ذكرها إمّا تقيّة أو لقصور فهم السائل عن إدراكها.


أبي أباه ، فإن أجاب بمثل جواب أبيه كانت دلالة ، فسألته فأجاب بمثل جواب أبيه أبي في المسائل الستّ ، فلم يزد في الجواب واواً ولا ياءّ وأمسك عن السابعة وقد كان أبي قال لأبيه : أنّي أحتجَّ عليك عند الله يوم القيامة أنّك زعمت أنّ عبد الله لم يكن إماماً ، فوضع يده على عنقه ، ثمَّ قال : له نعم احتجَّ عليَّ بذلك عند الله عزَّ وجلّ فما كان فيه من إثمَّ فهو في رقبتي ، فلمّا ودّعته قال : إنّه ليس أحد من شيعتنا يبتلى ببليّة أو يشتكي فيصبر على ذلك إلّا كتب الله له أجر ألف شهيد ، فقلت في نفسي : والله ما كان لهذا ذكر فلمّا مضيت وكنت في بعض الطريق خرج بي عرق المديني فلقيت منه شدّة ، فلمّا كان من قابل حججت فدخلت عليه وقد بقي من وجعي بقيّة فشكوت إليه وقلت له جعلت فداك عوّذ رجلي وبسطتها بين يديه فقال : لي ليس على رجلك هذه بأس ولكن أرني رجلك الصحيحة فبسطتها بين يديه فعوذها فلمّا خرجت لم ألبث إلّا يسيرا حتّى خرج بي العرق وكان وجعه يسيراً.

١١ - أحمد بن مهران ، عن محمّد بن عليّ ، عن ابن قياما الواسطيّ - وكان من الواقفة - قال : دخلت على عليّ بن موسى الرضاعليه‌السلام فقلت له يكون إمامان قال : لا إلّا وأحدهما صامت فقلت له هو ذا أنت ليس لك صامت - ولم يكن ولد له أبو جعفر بعد - فقال : لي والله ليجعلنّ الله منّي ما يثبت به الحقَّ وأهله ويمحق

________________________________________________________

« كانت دلالة » يحتمل التامّة والناقصة.

« يبتلي » على بناء المجهول ، أي يمتحن « أو يشتكي » أي يمرض « أجر ألف شهيد » أي من شهداء سائر الأمم ، أو المراد به الثواب الاستحقاقي أو هو مبنيّ على تضاعف أهل زمان مظلوميّة الإمام كما مرّ « ما كان لهذا ذكر » مبنيّ على جهله بسرّ هذا الكلام وتقريبه فظهر له بعد ذلك « وعرق المديني » مركب إضافي ، وهو خيط يخرج من الرجلّ تدريجا ويشتد وجعه.

الحديث الحادي عشر : ضعيف ، وابن قياما هو الحسين ، وقد مضى صدر الخبر في باب النصّ على أبي جعفر الثانيعليه‌السلام .


به الباطل وأهله ، فولد له بعد سنة أبو جعفرعليه‌السلام ، فقيل لابن قياما : ألا تقنعك هذه الآية ؟ فقال : أما والله إنّها لآية عظيمة ولكن كيف أصنع بما قال أبو عبد اللهعليه‌السلام في ابنه ؟.

١٢ - الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن الوشّاء قال : أتيت خراسان - وأنا واقفٌ - فحملت معي متاعاً وكان معي ثوب وشيُّ في بعض الرزم ولم أشعر به ولم أعرف مكانه ،

________________________________________________________

« بما قال : أبو عبد اللهعليه‌السلام » قال : المحدّث الأسترآباديرحمه‌الله : كأنّه إشارة إلى ما ذكره الكشيّ في ترجمة يحيى ابن القاسم أبي بصير حيث قال : قال محمّد بن عمران : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : منّا ثمانية محدّثون سابعهم القائم ، فقام أبو بصير بن قاسم وقبّل رأسه وقال : سمعته من أبي جعفرعليه‌السلام منذ أربعين سنة ، انتهى.

وأقول : هذا الخبر وأمثاله من مفتريات الواقفيّة وقد أورد الشيخرحمه‌الله أخبارهم في كتاب الغيبة ، وأجاب عنها على انّه لو صحّ لأمكن وروده في شأن الباقرعليه‌السلام إلى آخر الأئمّة ، وسابعهم القائم ، مع أنّ تشويش الخبر ظاهر ، وتصحيح الثمانية يحتاج إلى تكلّف شديد.

الحديث الثاني عشر : ضعيف على المشهور ، معتبر(١) والوشّاء هو الحسن بن عليّ بن زياد ، كان يعرف بالوشّاء لبيعه الثياب الوشية وكان خزازا ، ويقال : له : ابن بنت إلياس أيضاً وكان من عيون هذا الطائفة ووجوهها ، وكان خصيصا بالرضاعليه‌السلام ، وكان واقفيّاً في زمان قليل ثمَّ رجع كما يظهر من هذا الخبر أيضاً ، ولا يقدح ذلك في ثقته وجلالته.

وفي القاموس : الوشي نقش الثوب ، ويكون من كل لون ، وشى الثوب كوعي وشياً وشية حسنة نمنمه ونقّشه وحسّنه كوشاه ، انتهى.

والوشيّ كغنيّ الثوب المنقوش ، وربّما يقرأ بالتخفيف على بناء المصدر ، قال : في مصباح اللّغة : وشيت الثوب وشياً من باب وعدّ رقمته ونقشته فهو موشي ، والأصل على

__________________

(١) كذا في النسخ والظاهر أن المقصود : معتبر عندي.


فلمّا قدمت مرو ، ونزلت في بعض منازلها لم أشعر إلّا ورجل مدنيُّ من بعض مولّديها ، فقال لي : إنّ أبا الحسن الرضاعليه‌السلام يقول لك : ابعث إلي الثوب الوشي الّذي عندك قال : فقلت ومن أخبر أبا الحسن بقدومي وأنا قدمت آنفاً وما عندي ثوبٌ وشيٌ ؟! فرجع إليه وعاد إليَّ ، فقال : يقول لك : بلى هو في موضع كذا وكذا ورزمته كذا وكذا ، فطلبته حيث قال ، فوجدته في أسفل الرزمة ، فبعثت به إليه.

١٣ - ابن فضّال ، عن عبد الله بن المغيرة قال : كنت واقفاً وحججت على تلك

________________________________________________________

المفعول ، والوشي نوع من الثياب الموشية تسمية بالمصدر ، انتهى.

والرّزم جمع رزمة بالكسرّ فيهما ، وهي الثياب المشدودة في ثوب واحد « ولم أشعر به » بضمّ العين أي لم أعلم « من بعض مولّديها » الضّمير للمدينة الطيّبة ، أي أبواه ولداه بها ولم يكونا عنها.

والظاهر أنّ هذه المعجزة صارت سبباً لرجوعه عن الوقف مع سائر ما رآه من المعجزات والعلوم ، مثل ما رواه الصّدوق في العيون عن أبيه عن سعدّ بن عبد الله عن صالح بن حمّاد عن الحسن بن عليّ الوشاء قال : كنت كتبت معي مسائل كثيرة قبل أن أقطع على أبي الحسن الرضاعليه‌السلام وجمعتها في كتاب مما روى عن آبائهعليهم‌السلام وغير ذلك ، وأحببت أن أثبت في أمره وأختبره فحملت الكتاب [ في كمي ] وصرت إلى منزله وأردت أن آخذ منه خلوة فأناوله ، فجلست ناحية وأنا متفكر في طلب الإذن عليه وبالباب جماعة جلوس يتحدثون فبينا أنا كذلك في الفكرة في الاحتيال للدخول عليه إذا أنا بغلام وقد خرج من الدّار في يده كتاب فنادى : أيكم الحسن بن عليّ الوشّاء ابن بنت إلياس البغدادي؟ فقمت إليه وقلت : أنا الحسن بن عليّ فما حاجتك؟ فقال : هذا الكتاب أمرني بدفعه إليك فهاك خذه ، فأخذته وتنحّيت ناحية فقرأته فإذا والله فيه جواب مسألة مسألة ، فعند ذلك قطعت عليه وتركت الوقف.

الحديث الثالث عشر : موثق لكن في أوّل السّند إرسال لأن ابن فضّال هو الحسن بن عليّ ويروي عنه الكلينيُّ بوسائط ورواه الصّدوق في العيون عن عليّ بن


الحال ، فلمّا صرت بمكّة خلج في صدري شيء ، فتعلّقت بالملتزم ثمَّ قلت : اللّهمَّ قد علمت طلبتي وإرادتي فأرشدني إلى خير الأديان ، فوقع في نفسي أن آتي الرّضاعليه‌السلام ، فأتيت المدينة فوقفت ببابه وقلت للغلام قل لمولاك رجلّ من أهل العراق بالباب قال : فسمعت نداءه وهو يقول ادخل يا عبد الله بن المغيرة ادخل يا عبد الله بن المغيرة فدخلت فلمّا نظر إلي قال : لي قد أجاب الله دعاءك وهداك لدينه فقلت أشهد أنك حجّة الله وأمينه على خلقه.

١٤ - الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن أحمد بن محمّد بن عبد الله قال : كان عبد الله بن هُليّل يقول بعبد الله فصار إلى العسكر فرجع عن ذلك فسألته عن سبب رجوعه ، فقال : إنّي عرَّضت لأبي الحسنعليه‌السلام أن أسأله عن ذلك فوافقني في طريق

________________________________________________________

الحسين بن شاذويه عن محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميري عن أبيه عن محمّد بن عيسى بن عبيد عن الحسن بن عليّ بن فضّال ، عن ابن المغيرة ، ورواه المفيد في كتاب الاختصاص عن محمّد بن الحسن بن الوليد عن الصفّار عن أحمد بن محمّد عن ابن فضّال ، والظاهر أن الكلينيُّ أيضاً رواه عن الصفار عن أحمد عن ابن فضّال ، ويحتمل رجوعه إلى السند السابق بأن يكون المعلّى أو الوشاء روى عنه وهو غير مأنوس ، وبالجملة هذا من الكلينيُّ غريب نادر.

وفي القاموس : خلج يخلج جذب وغمز وانتزع وحرّك وشغل وطعن ، والعين طارت كاختجلت ، انتهى.

« شيء » أي شك في ديني ، وفي العيون وغيره : اختلج وهو أظهر ، والملتزم هو المستجار محاذي باب الكعبة من ظهرها يستحبّ إلصاق البطن والصّدر بحائطه والتزامه والدّعاء فيه مستجاب « طلبتي » بكسر اللّام أي مطلوبي.

الحديث الرابع عشر : ضعيف على المشهور.

وهليل مصغّر هلال « بعبد الله » أي بإمامة عبد الله الأفطح « إلى العسكر » أي سامراء وسمّي به لأنّه بنيّ للعسكر « أنّي عرضت لأبي الحسنعليه‌السلام » أي ظهرت


ضيّق ، فمال نحوي حتّى إذا حاذاني ، أقبل نحوي بشيء من فيه ، فوقع على صدري فأخذته فإذا هو رق فيه مكتوب ما كان هنالك ولا كذلك.

١٥ - عليّ بن محمّد ، عن بعض أصحابنا ذكر اسمه قال : حدثنا محمّد بن إبراهيم قال : أخبرنا موسى بن محمّد بن إسماعيل بن عبيد الله بن العباس بن عليّ بن أبي طالب قال : حدَّثني جعفر بن زيد بن موسى ، عن أبيه ، عن آبائهعليهم‌السلام قالوا جاءت أم أسلم يوماً إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو في منزل أم سلمة فسألتها عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقالت خرج في بعض الحوائج والساعة يجيء فانتظرته عند أم سلمة حتّى جاءصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقالت أم أسلم بأبي أنت وأمي يا رسول الله أنّي قد قرأت الكتب وعلمت كل نبي ووصي فموسى كان له وصي في حياته ووصي بعد موته وكذلك عيسى فمن وصيك يا رسول الله فقال : لها يا أم أسلم وصيي في حياتي وبعد مماتي واحد

________________________________________________________

له ووقفت في طريقه « أن أسأله » أي لأن أسأله. وقيل : أي أظهرت له أن أسأله وقيل : عرضت بمعنى تعرضت ، وقيل : أي بسطت وهيأت « وانّ أسأله » مفعوله ، وما ذكرنا أظهر من غير حاجة إلى تلك التكلفات ، وفي القاموس : عرض له كذا يعرض ظهر عليه وبدا كعرض كسمع ، والشيء له أظهره له ، وعليه أراه إياه ، وله القول ظهرت ، والشيء بدا ، انتهى.

« فوافقني » أي صادفني كما ذكره الجوهري « بشيء » الباء للتعدية ، والرق بفتح الراء وكسرها وتشديد القاف جلد رقيق كتب فيه شيء « ما كان » أي عبد الله « هناك » أي في مقام الإمامة « ولا » كان « كذلك » أي مستحقا للإمامة.

الحديث الخامس عشر : مجهول.

« في بعض الحوائج » في ، تعليلية ، والساعة منصوب « كل نبي » أي المشاهير منهم ، المذكورين في القرآن « في حياته » أي هارون « بعد وفاته » أي يوشععليهما‌السلام « وكذلك عيسى » أي كان له وصي ويحتمل أن يكون لهعليه‌السلام وصي آخر في حياته غير شمعون من الحواريين ، وفي رواية ابن عياش كالب بن يوفنا كما سيأتي ، من


ثمَّ قال لها : يا أمَّ أسلم من فعل فعليّ هذا فهو وصيّي ، ثمَّ ضرب بيده إلى حصاة من الأرض ففركها بإصبعه فجعلها شبه الدقيق ثمَّ عجنها ثمَّ طبعها بخاتمه ثمَّ قال : من فعل فعليّ هذا فهو وصيّي في حياتي وبعد مماتي فخرجت من عنده فأتيت أمير المؤمنينعليه‌السلام فقلت بأبي أنت وأمي أنت وصيُّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : نعم يا أمّ أسلم ثمَّ ضرب بيده إلى حصاة ففركها فجعلها كهيئة الدقيق ثمَّ عجنها وختمها بخاتمه ثمَّ قال : يا أمّ أسلم من فعل فعليّ هذا فهو وصيّي فأتيت الحسنعليه‌السلام وهو غلام فقلت له يا سيّدي أنت وصيُّ أبيك فقال : نعم يا أم أسلم وضرب بيده وأخذ حصاة ففعل بها كفعلهما فخرجت من عنده فأتيت الحسينعليه‌السلام - وأنّي لمستصغرّة لسنّه - فقلت له بأبي أنت وأمي أنت وصيُّ أخيك فقال : نعم يا أمّ أسلم ائتيني بحصاة ثمَّ فعل كفعلهم فعمرت أم أسلم حتّى لحقت بعليّ بن الحسين بعد قتل الحسينعليه‌السلام في منصرفه فسألته أنت وصيُّ أبيك فقال : نعم ثمَّ فعل كفعلهم صلوات الله عليهم أجمعين.

________________________________________________________

فعل فعلي » بالفتح مصدر للنوع ، أو بالكسرّ مفعول به ، أي مثل فعليّ والفرك الدّلك « فخرجت من عنده » تغيّر أسلوب الحديث من الغيبة إلى التكلّم « وأنّي لمستصغرّة » الواو للحال « بحصاة » الباء للتعدية « في منصرفه » أي انصرافه من الشّام أو إلى الشّام.

أقول : وجدت هذا الخبر بوجه أبسط وأفيد من ذلك في كتاب مقتضب الأثر لأحمد بن محمّد بن عياش فأحببت إيراده لكثرة فوائده ، روى عن سهل بن محمّد الطرسوسي القاضي ، عن زيد بن محمّد الرهاوي عن عمار(١) بن مطر عن أبي عوانة عن خالد بن علقمة عن عبيدة بن عمرو السّلماني عن عبد الله بن خباب بن الأرت عن سلمان الفارسي والبراء بن عازب قالا : قالت أم سليم.

قال : ومن طريق أصحابنا حدَّثني عليّ بن حبشي بن قوني عن جعفر بن محمد

__________________

(١) في الأصل « عماد » بالدال وكذا في المخطوطتين لكنّ الظاهر عمّار كما في المصدر.


________________________________________________________

الفرازي عن الحسين المنقري عن الحسن بن محبوب عن أبي حمزة الثمالي عن زرّ بن حبيش عن عبد الله بن خباب عن سلمان والبراء قإلّا : قالت أم سليم : كنت امرأة قد قرأت التوراة والإنجيل ، فعرفت أوصياء الأنبياء وأحببت أن أعلم وصيُّ محمّد ، فلمّا قدمت ركابنا المدينة أتيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وخلفت الركاب مع الحي فقلت : يا رسول الله ما من نبي إلّا وكان له خليفتان خليفة يموت قبله ، وخليفة يبقى بعده ، وكان خليفة موسى في حياته هارون فقبض قبل موسى ، ثمَّ كان وصيه بعد موته يوشع بن نون ، وكان وصيُّ عيسى في حياته كالب بن يوفنا(١) فتوفي كالب في حياة عيسى ووصيه بعد وفاته شمعون بن حمون الصفا ابن عمّة مريم ، وقد نظرت في الكتب الأولى فما وجدت لك إلّا وصيّاً واحداً في حياتك وبعد وفاتك فبين بنفسي أنت يا رسول الله من وصيّك؟ فقال : رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إن لي وصيّاً واحداً في حياتي وبعد وفاتي ، قلت له : من هو؟ فقال : ائتيني بحصاة ، فرفعت إليه حصاة من الأرض فوضعها بين كفيه ثمَّ فركها بيده كسحيق الدقيق ثمَّ عجنها فجعلها ياقوتة حمراء ، ختمها بخاتمه فبدا النقش فيها للناظرين ثمَّ أعطانيها وقال : يا أم سليم من استطاع مثل هذا فهو وصيّي ، قالت : ثمَّ قال : لي : يا أم سليم وصيّي من يستغني بنفسه في جميع حالاته كما أنا مستغن ، فنظرت إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد ضرب بيده اليمنى إلى السقف وبيده اليسرى إلى الأرض قائما لا ينحني في حالة واحدة إلى الأرض ، ولا يرفع نفسه يطرق قدميه(٢) .

قالت : فخرجت فرأيت سلمان يكنف عليا ويلوذ بعقويه دون من سواه من

__________________

(١) المشهور عند المورخين أنّ كالب بن يوفنا من أوصياء موسىعليه‌السلام أو نبيّ من أنبياء بنيّ إسرائيل قام بأمرهم بعد يوشع بن نون وانّه من أولاد يهودا ، فمن الممكن أنّ هذا رجلّ آخر سميّه وكان من أوصياء عيسىعليه‌السلام ، ويحتمل وقوع التصحيف في الاسم من بعض الناقلين أو النسّاخ ، والله أعلم.

(٢) كذا في النسخ وفي المصدر « بطرف قدميه ».


________________________________________________________

أسرة محمّد(١) وصحابته على حداثة من سنّه ، فقلت في نفسي : هذا سلمان صاحب الكتب الأولى قبلي صاحب الأوصياء وعنده من العلم ما لم يبلغني ، فيوشك أن يكون صاحبي ، فأتيت عليّاًعليه‌السلام فقلت : أنت وصيُّ محمد؟ قال : : نعم ما تريدين؟ قلت : وما علامة ذلك؟ فقال : : ائتيني بحصاة ، قالت : فرفعت إليه حصاة من الأرض ، فوضعها بين كفيه ثمَّ فركها بيده ، فجعلها كسحيق الدقيق ، ثمَّ عجنها فجعلها ياقوتة حمراء ثمَّ ختمها فبداً النقش فيها للناظرين ثمَّ مشى نحو بيته فاتبعته لأسأله عن الّذي صنع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فالتفت إلى ففعل(٢) فقلت : من وصيك يا أبا الحسن؟ فقال : من يفعل مثل هذا.

قالت أم سليم : فلقيت الحسن بن عليّعليه‌السلام فقلت : أنت وصيُّ أبيك؟ - وأنا أعجب من صغره وسؤالي إياه ، مع أنّي كنت عرفت صفتهم الاثني عشر إماماً وأبوهم سيدهم وأفضلهم فوجدت ذلك في الكتب الأولى فقال : لي : نعم أنا وصيُّ أبي ، فقلت : وما علامة ذلك؟ فقال : : ائتيني بحصاة ، قالت : فرفعت إليه حصاة فوضعها بين كفيه ثمَّ سحقها كسحيق الدقيق ثمَّ عجنها فجعلها ياقوتة حمراء ثمَّ ختمها فبدا النقش فيها ثمَّ دفعها إلى ، فقلت له : فمن وصيك؟ قال : : من يفعل مثل هذا الّذي فعلت ، ثمَّ مد يده اليمنى حتّى حازت سطوح المدينة وهو قائم ، ثمَّ طأطأ يده اليسرى فضرب بها الأرض من غير أن ينحني أو يتصعدّ ، فقلت في نفسي : من يرى وصيه؟

فخرجت من عنده فلقيت الحسينعليه‌السلام وكنت عرفت نعته من الكتب السالفة بصفته وتسعة من ولده أوصياء بصفاتهم غير أنّي أنكرت حليته لصغر سنّه ، فدنوت منه وهو على كسرة رحبة(٣) المسجد فقلت له : من أنت يا سيّدي؟ قال : أنا طلبتك يا أم سليم ، أنا وصيُّ الأوصياء ، وأنا أبو التسعة الأئمّة الهادية ، أنا وصيُّ أخي الحسن ،

__________________

(١) العقوة : الساحة ، وأسرة الرجل : أهله المعروفون بالعائلة.

(٢) وفي المصدر : ففعل مثل الذي فعله.

(٣) الكسرة : جانب البيت ، والرحبة : الساعة.


________________________________________________________

وأخي وصيُّ أبي عليّ ، وعليّ وصيّ جدّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فعجبت من قوله ، فقلت : ما علامة ذلك؟ فقال : : ائتيني بحصاة ، فرفعت إليه حصاة من الأرض قالت أم سليم : فلقد نظرت إليه وقد وضعها بين كفيه ، فجعلها كهيأة السحيق من الدقيق ، ثمَّ عجنها فجعلها ياقوتة حمراء ، فختمها بخاتمه فثبت النقش فيها ، ثمَّ دفعها إلى وقال : انظري فيها يا أم سليم ، فهل ترين فيها شيئاً؟ قالت أم سليم : فنظرت فإذا فيها رسول الله وعلى والحسن والحسين وتسعة أئمة صلوات الله عليهم أوصياء من ولد الحسين قد تواطأت أسماؤهم إلّا اثنين منهم ، أحدهما جعفر والآخر موسى وهكذا قرأت في الإنجيل ، فعجبت ثمَّ قلت في نفسي : قد أعطأنّي الله الدلائل ولم يعطها من كان قبلي ، فقلت : يا سيّدي أعدّ عليّ علامة أخرى ، قالت : فتبسّم وهو قاعدّ ، ثمَّ قام فمد يده اليمنى إلى السماء ، فو الله لكأنها عمود(١) من نار يخرق الهواء حتّى توارى عن عيني وهو قائم لا يعبأ بذلك ، ولا يتخفر ، فأسقطت وضعفت وما أفقت إلّا ورأيت في يده طاقة من آس يضرب بها منخري ، فقلت في نفسي : ما ذا أقول له بعد هذا وقمت.

وأنا والله أجدّ إلى ساعتي هذه رائحة هذه الطاقة من الآس ، وهي والله عندي لم تذو ولم تذبل(٢) ولا انتقص من ريحها شيء ، وأوصيت أهلي أن يضعوها في كفني ، فقلت : يا سيّدي من وصيك؟ قال : من فعل مثل فعلي.

قالت : فعشت إلى أيّام عليّ بن الحسين.

قال : زر بن حبيش خاصة دون غيره : وحدَّثني جماعة من التابعين سمعوا هذا الكلام من تمام حديثها ، منهم مينا مولى عبد الرحمن بن عوف ، وسعيد بن جبير مولى بنيّ أسد سمعاها تقول هذا ، وحدَّثني سعيد بن المسيب المخزومي ببعضه عنها.

قالت : فجئت إلى عليّ بن الحسينعليهما‌السلام وهو في منزله قائما يصلّي ، وكان يطول

__________________

(١) هذا هو الظاهر الموافق للمصدر ، وفي الأصل « عود » بدل « عمود ».

(٢) ذوي النبات : ذبل ، وذبل ، ذبولا النبات : قلّ ماؤه وذهبت نضارته.


________________________________________________________

فيها ولا يتحوّز فيها(١) وكان يصلّي ألف ركعة في اليوم والليّلة ، فجلست مليا(٢) فلم ينصرف عن صلاته فأردت القيام فلمّا هممت به حانت مني التفاتة إلى خاتم في إصبعه عليه فصّ حبشي(٣) فإذا هو مكتوب : مكانك يا أم سليم آتيك بما جئت له ، قالت : فأسرع في صلاته ، فلمّا سلم قال : لي : يا أم سليم ائتيني بحصاة من غير أن أسأله عمّا جئت له ، فدفعت إليه حصاة من الأرض فأخذها فجعلها بين كفيه فجعلها كهيأة الدقيق السحيق ، ثمَّ عجنها فجعلها ياقوتة حمراء ثمَّ ختمها فثبت فيها النقش ، فنظرت والله إلى القوم بأعيأنّهم كما كنت رأيتهم يوم الحسينعليه‌السلام فقلت له : فمن وصيك جعلني الله فداك؟ قال : : الّذي يفعل مثل ما فعلت ، ولا تدركين من بعدي مثلي.

قالت أمّ سليم : فأنسيت أن أسأله أن يفعل مثل ما كان قبله من رسول الله وعلى والحسن والحسين صلوات الله عليهم ، فلمّا خرجت من البيت ومشيت شوطا نادأنّي يا أم سليم! قلت : لبيك ، قال : ارجعي فرجعت ، فإذا هو واقف في صرحة داره وسطا ، ثمَّ مشى ودخل البيت وهو يتبسم ثمَّ قال : اجلسي يا أم سليم ، فجلست فمد يده اليمنى فانخرقت الدور والحيطان وسكك المدينة وغابت يده عنّي ثمَّ قال : خذي يا أم سليم فناولني والله كيسا فيه دنانير وقرط(٤) من ذهب ، وفصوص كانت لي من جزع في حقَّ لي(٥) في منزلي ، فقلت : يا سيّدي أما الحقَّ فأعرفه ، وأما ما فيه فلا أدري ما فيه غير أنّي أجدّه ثقيلاً ، قال : خذيها وامضى لسبيلك ، قالت : فخرجت

__________________

(١) تحرز : تنحى ، وقال الشارح (ره) في البحار : لعلّه كناية من عدم الفصل بين الصلوات وكثرة التشاغل بها.

(٢) أي طويلا.

(٣) الفص : ما يركب في الخاتم. وبالفارسية « نگين ».

(٤) الفرط : ما يعلق في شحمة الأذن من درّة ونحوها ، وبالفارسية « گوشواره ».

(٥) الجزع - بضم الجيم - خرز فيه سواد وبياض. حقَّ - بضم الحاء - جمع الحُقّة الوعاء الصغير.


١٦ - محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن الحسين بن سعيد ، عن الحسين بن الجارود ، عن موسى بن بكر بن دأب عمّن حدثه ، عن أبي جعفرعليه‌السلام أن زيد بن عليّ بن الحسينعليه‌السلام دخل على أبي جعفر محمّد بن عليّ ومعه كتب من أهل الكوفة يدعونه فيها إلى أنفسهم ويخبرونه باجتماعهم ويأمرونه بالخروج فقال : له أبو جعفرعليه‌السلام هذه الكتب ابتداء منهم أو جواب ما كتبت به إليهم ودعوتهم إليه فقال : بل ابتداء من القوم لمعرفتهم بحقنا وبقرابتنا من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ولما يجدون في كتاب الله عزَّ وجلّ من وجوب مودتنا وفرض طاعتنا ولما نحن فيه من الضيّق والضنك والبلاء فقال : له أبو جعفرعليه‌السلام إن الطاعة مفروضة من الله عزَّ وجلّ وسنة أمضاها في الأولين وكذلك يجريها في الآخرين والطاعة لواحد منا والمودة للجميع وأمرّ الله يجري

________________________________________________________

من عنده ودخلت منزلي وقصدت نحو الحقَّ فلم أجدّ الحقَّ في موضعه ، فإذا ألحقَّ حقي قالت : فعرفتهم حقَّ معرفتهم بالبصيرة والهداية فيهم من ذلك اليوم والحمد لله رب العالمين.

أقول : هذه أمّ سليم غير الحبابّة الوالبيّة ، والقصّتان متباينتان(١) .

الحديث السادس عشر : مجهول.

« إلى أنفسهم » أي إلى أن يأتيهم في الكوفة « بالخروج » أي على بنيّ أمية « هذه الكتب » حرف الاستفهام مقدر « من وجوب مودتنا » أي في قوله سبحانّه : «قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إلّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى »(٢) « وفرض طاعتنا » أي في قوله تعالى : «وَأُولِي الأمر مِنْكُمْ » وعطف الضنك على الضيّق من عطف المرادف على المرادف ، أو المراد بالضيّق ضيّق الصدر والحزن ، وبالضنك ضيّق المعاش ، وبالبلاء ضرر الأعادي وشرورهم « أنّ الطّاعة » أي طاعة نبي وإمام مخصوص في كل عصر وزمان « وسنّة » أي عادة وطريقة « أمضاها في الأولين » لم يخل زماناً من الأزمنة منهم « والطّاعة لواحد منّا » أي

__________________

(١) وقال : مؤلف كتاب مقتضب الأثر (ره) أيضاً : أمّ سليم صاحبة الحصاة ليست بحبابة الوالبيّة ولا بأمّ غانم صاحبتي الحصاة ، هذه أم سليم غيرهما وأقدم منهما.

(٢) سورة الشورى : ٢٣.


لأوليائه بحكم موصول ، وقضاء مفصول ، وحتم مقضيّ وقدر مقدور ، وأجل مسمّى

________________________________________________________

فرض الطاعة مخصوص بواحد منّا ، ووجوب المودّة لجميع أولاد الرسول وأقاربهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلّا أن يكونوا خارجين عن الدين « وأمرّ الله » أي الإمامة ووجوب الطاعة أو حكمه بخروجهم وقيامهم بأمرّ الإمامة ، أو الأعم منه ، ومنه صبرهم على الأذى وهدنتهم ومصالحتهم مع المخالفين ، وسائر ما يأتون به ، وقيل : أمرّ الله عبارة عن مظلوميّة أهل الحقَّ ، فاللام للانتفاع فإن كل ما يجري عليهم خير لهم « بحكم موصول » أي متصل بعضه ببعض ، أراد لواحد بعد واحد ، كما ورد في تأويل قوله سبحانّه : «وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ »(١) أي إمام بعد إمام « وقضاء مفصول » أي مفروغ عنه ، أو مبين غير مشتبه ، أو المراد بالحكم الموصول الإمضاء المتصل بالفعل ، والقضاء السابق على الفعل ، وقيل : بحكم موصول أي متتابع ليس فيه استثناء بعض أوليائه ، والقضاء المفصول الفصل بين الحقَّ والباطل ، ووصفه بمفصول للمبالغة كقوله تعالى : «حِجاباً مَسْتُوراً »(٢) « وحتم مقضي » إشارة إلى تأكيد القضاء ورفع احتمال البداء وقيل : الحتم الحكم ، والمقضي المحتوم ، والوصف للمبالغة « وقدر مقدور » إشارة إلى قوله تعالى : «وَكانَ أَمرّ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً »(٣) .

قال البيضاوي : أي قضاء مقضيّاً وحكماً مبتوتاً ، وقال : الطبرسيقدس‌سره : أي كان ما ينزله الله على أنبيائه من الأمر الّذي يريده قضاءاً مقضيّاً ، وقيل : معناه جاريا على مقدار لا يكون فيه تفاوت من جهة الحكمة ، وقيل : أن القدر المقدور هو ما كان على مقدار ما تقدم من غير زيادة ولا نقصان ، انتهى.

والأجل آخر المدة لوقت معلوم هو الوقت الذي قدر لتسبّب أسباب أمورهم كخروجهم وظهورهم وتسلّطهم على أعدائهم ، أو الأجلّ عبارة عن ابتداء تسلطّهم والوقت عن امتداده.

والحاصل أنّ هذه الأمور لا بدّ من حصولها حتّى يتحقّق ما قدّره الله لنا من

__________________

(١) سورة القصص : ٥١.

(٢) سورة الإسراء : ٤٥.

(٣) سورة الأحزاب : ٣٨.


لوقت معلوم، فلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الّذين لا يُوقِنُونَ أنّهم لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللهِ شيئاً ، فلا تعجلّ فإن الله لا يعجلّ لعجلة العباد ولا تسبقن الله فتعجزك البلية فتصرعك قال :

________________________________________________________

ظهورنا وخروجنا واستيلائنا على أعدائنا ، فالاستعجال قبل تحقق تلك الأمور لا فائدة له ، وما أشبه هذه الأمور بما مرّ في أبواب القضاء والقدر والمشية من الأخبار ، لا سيّما قولهعليه‌السلام : لا يكون شيء في الأرض ولا في السماء إلّا بمشية وإرادة وقدر وقضاء وإذن وكتاب وأجلّ ، فمن زعم انّه يقدر على نقض واحدة فقد كفر.

« فلا يستخفنك » إشارة إلى قوله تعالى : «فَاصْبِرْ إِنَّ وَعدّ اللهِ حقَّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الّذين لا يُوقِنُونَ »(١) أي فاصبر على أذى قومك إن وعدّ الله حقَّ بنصرتك وإظهار دينك على الدين كله لا بد من إنجازه ، ولا يستخفنك أي لا يحملنك على الخفة والقلق «الّذين لا يُوقِنُونَ » بتكذيبهم وإيذائهم ، وغرضهعليه‌السلام لا يحملك ما ترى من المخالفين من الإيذاء والضرر والإهانة على الخفة والعجلة والتسريع إلى أمرّ لم يأت وقته.

ويحتمل أن يكون الّذين لا يوقنون كناية عن أهل الكوفة الّذين يدعونه إلى الخروج ، لقوله : أنّهم لم يغنوا عنك من الله شيئاً ، وعلى الأوّل أيضاً يحتمل أن يكون ضمير أنّهم راجعاً إلى أهل الكوفة ، وهو تضمين من آية أخرى حيث قال : «وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الّذين لا يَعْلَمُونَ أنّهم لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللهِ شيئاً »(٢) .

ويحتمل أن يكون صدر الآية سقط من النساخ أي لن يدفعوا عنك شيئاً من العذاب والمكروه الّذي يريده الله بك « ولا تسبقن الله » أي لا تجعل إرادتك سابقه على إرادة الله والوقت الّذي عينه الله لنصرة آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله « فتصرعك » أي فتطرحك على الأرض ذليلاً مغلوباً مقتولاً.

وحاصل الجميع : أنك لست بإمام ، ولا تعلم حكم الله في القعود والقيام والجهاد وتركه ، إذ لو كان مأمورا من الله بالجهاد ولم يحصل له نصرة وظفر كان مأجورا غير

__________________

(١) سورة الروم : ٦٠.

(٢) سورة الجاثية : ١٩.


فغضب زيد عند ذلك ، ثمَّ قال : ليس الإمام منّا من جلس في بيته وأرخى ستره وثبّط عن الجهاد ولكن الإمام منا من منع حوزته وجاهد في سبيل الله حقَّ جهاده ودفع عن رعيّته وذبّ عن حريمه قال : أبو جعفرعليه‌السلام هل تعرف يا أخي من نفسك شيئاً ممّا نسبتها إليه فتجيء عليه بشاهد من كتاب الله أو حجّة من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله

________________________________________________________

ملوم ، ولكنّه كان غرضه محض الغلبة بظنّ انّه يتيسرّ له ذلك لإعانة القوم له ، ولم يكن عارفا بالحكم الواقعي في ذلك ، فلذا بينعليه‌السلام ذلك وانّه لا يتيسرّ مقصوده بتلك الأسباب ، لانّه لم يقدرّه الله تعالى ذلك بعد.

فلا يرد أنّ الحسينعليه‌السلام أيضاً خرج ولم يغلب لانّه كان مأموراً ولم يكن غرضه الغلبة بل إتمام الحجّة على الخلق ، وكان يعلم شهادته ومغلوبيّته ، والمأمور في جميع أحواله معذور.

قوله : من جلس في بيته ، أي لم يخرج للجهاد « وأرخى ستره » أي أسد له على باب داره كناية عن منعه الناس عن الدخول عليه ، والتثبيط : التعويق ، أي منع الناس عن الجهاد مع غيره ، وفي النهاية فيه : فحمي حوزة الإسلام أي حدوده ونواحيه ، وفلان مانع لحوزته أي لما في حيّزه ، والحوزة فعلة منه ، سميّت بها الناحية ، انتهى.

والحاصل منع مملكته عن أن يوصل إليها بسوء ، والذبّ : الدّفع ، والحريم ما يجب حفظه عن الفساد.

« هل تعرف » أي هل تعلم أنّ ما ذكرت من الأمور يتأتى منك و تتّصف بها وتقدر أن تفعل جميع ذلك في هذا الوقت والزّمان ، والحاصل انّه ظهر من كلامه أمران أحدهما : انّه متّصف بتلك الصفات ، وثانيهما : أن من لم يتصف بها فلا يستحقَّ الإمامة ، فأجابعليه‌السلام عن الأوّل بطلب دليل على استحقاقه للإمامة أو انّه يتأتى منه تلك الأمور في هذا الوقت من الكتاب أو السّنة المتواترة أو بضرب مثل كان يقول صار فلان إماماً من قبل نفسه من غير نصّ أو سأغلب كما غلب فلان من أمثالي.

وعن الثاني بأنّ الله تعالى جعل لكلّ شيء وقتاً ، فعدم خروج الإمام من قبل


أو تضرب به مثلاً ، فإنَّ الله عزَّ وجلّ أحلَّ حلالاً و حرّم حراماً و فرّض فرائض وضرب أمثالاً و سنّ سنناً ولم يجعل الإمام القائم بأمره شبهة فيما فرّض له من الطّاعة أن يسبقه بأمرّ قبل محلّه ، أو يجاهد فيه قبل حلوله وقد قال : الله عزَّ وجلّ في الصيد «لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حرّم »(١) أفقتل الصيد أعظم أم قتل النفس «الَّتِي حرّم اللهُ » وجعل لكلّ شيء محلاً وقال : الله عزَّ وجلّ «وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا »(٢) وقال : عزَّ وجلّ «لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ »(٣) فجعل الشهور عدَّة معلومة فجعل منها أربعة حرما وقال : «فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ »(٤) ثمَّ قال

________________________________________________________

الوقت المقدّر لا ينافي إمامته « أن يسبقه » أن مصدريّة ، والمصدر بدل من شبهة ، والضمير لله « قبل حلوله » أي حلول وقته.

« وقد قال الله » حاصله التنبيه على أنّ أحكام الله دقيقة وشرائطها كثيرة لا يعلمها إلّا الإمام كما أنّ قتل الصيّد الّذي هو أهون الأشياء حلال في حالة ، وحرام في حالة أخرى ، فالجهاد المتضمّن لقتل النفس أعظم من ذلك ، فلا بد من العلم بشرائط جوازه ووجوبه حتّى لا يكون قتل نفس بغير حقَّ وجعل الله للحلية والحرمة محلاً وأجلا ومدة ، والجهاد أيضاً مع وجوبه وكونه من أعظم الطاعات حرمه في بعض الأوقات كالأشهر الحرّم وهي ذو القعدَّة وذو الحجّة والمحرّم ورجب وكأشهر السيّاحة وهي عشرون من ذي الحجّة والمحرّم وصفر وربيع الأوّل ، وعشر من ربيع الآخر ، وذلك كان مخصوصاً بالسّنة التي بعث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أمير المؤمنين بسورة براءة إلى مكّة ليقرأها على المشركين.

والشعار جمع شعيرة وهي الأثر والعلامة ، أو جميع أعمال الحجّ ، وقيل : هي المعالم التي ندب الله إليها وأمرّ بالقيام عليها ، وقيل : هي الأشياء الّتي شرّفها الله

__________________

(١) سورة المائدة : ٩.

(٢) سورة المائدة : ٢.

(٣) سورة المائدة : ٢.

(٤) سورة التوبة : ٢.


تبارك وتعالى «فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحرّم فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ »(١) فجعل لذلك محلاً وقال : «وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حتّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ »(٢) فجعل لكلّ شيء أجلاً ولكلّ أجلّ كتابا فإن كنت على بينة من ربك ويقين من أمرك وتبيان من شأنك فشأنك وإلّا فلا ترومن أمرا أنت منه في شك وشبهة ولا تتعاط زوال ملك لم تنقض أكله ولم ينقطع مداه ولم يبلغ الكتاب أجله فلو قد بلغ مداه وانقطع أكله وبلغ الكتاب أجله لانقطع الفصل وتتابع النظام ولأعقب الله في التابع والمتبوع الذُّل

________________________________________________________

وعظمها « فجعل لذلك محلاً » أي فجعل للقتال مع المشركين محلاً ، فكذا جعل لظهور الإمام وخروجه محلاً لا يجوز له النهوض به قبله.

«وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ » أي لا تقصدوا عقدة نكاح المعتدّة المتوفى عنها زوجها «حتّى يَبْلُغَ الْكِتابُ » أي ما كتبه الله تعالى عليها من العدَّة «أَجَلَهُ » ونهايته.

« ولكلّ أجلّ كتابا » منها آجال دولة المخالفين ، وصبر الإمام على أذاهم « فشأنك » أي فالزم شأنك « فلا ترومن » أي لا تقصدن والتعاطي التنأوّل وتنأوّل ما لا يحقَّ ، والتنازع في الأخذ وركوب الأمر كالتعطي أو التعاطي في الرفعة ، والتعطي في القبيح ، كل ذلك ذكره الفيروزآبادي ، وقال : الأكل بالضم وبضمتين الرزق والحظ من الدنيا ، انتهى.

والمدى بالفتح الغاية ، ولعلّ المراد هنا زمان البقاء مجازاً ، أو يكون ظرفا والفاعل ضمير الملك أي لم ينقطع الملك في مداه وغايته « ولم يبلغ الكتاب » أي ما كتب من تقديرات الملك « أجله » وغايته ، والضمير للكتاب أي الأجلّ المكتوب فيه ، أو للملك « لا نقطع الفصل » أي الفصل الّذي بين دولتي الحقَّ ، أو الحكم المفصول المحتوم ببقاء دولة الباطل ، وربمّا يقرأ بالضّاد المعجمة أي البقية وتتابع مصدراً عطفاً على الفضل وهو بعيد ، والأظهر أن « تتابع » فعل والنظام انتظام دولة الحقَّ وأسبابه.

« ولأعقب الله » أي أورث قال : تعالى : «فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً »(٣) .

__________________

(١) سورة التوبة : ٥.

(٢) سورة البقرة : ٢٣٥.

(٣) سورة التوبة : ٧٧.


والصغار ، أعوذ بالله من إمام ضلَّ عن وقته فكان التّابع فيه أعلم من المتبوع أتريد يا أخي أن تحيي ملة قوم قد كفروا بآيات الله وعصوا رسوله واتبعوا أهواءهم بغير هدى من الله وادعوا الخلافة بلا برهان من الله ولا عهد من رسوله أعيذك بالله يا أخي أن تكون غداً المصلوب - بالكناسة ثمَّ ارفضت عيناه وسالت دموعه ثمَّ قال : الله بيننا وبين من هتك سترنا وجحدنا حقّنا وأفشى سرّنا ونسبنا إلى غير جدّنا.

________________________________________________________

« في التابع والمتبوع » أي من المنافقين « ضلّ عن وقته » أي لم يعرف وقته الّذي عين الله لخروجه « فكان التابع فيه » أي الّذي يتبعه جبراً وهو إمام الحقَّ وأتباعه في أمرّ وقت الخروج « أعلم من المتبوع » وقيل : الوقت بمعنى الموقوت أي المفروض ، فالمراد بالضلال عن وقته الجهل بفرضه ، وضمير فيه لوقته ، والمراد أن ذلك الإمام يحتاج البتّة إلى سؤال أهل مجلسه عن المشكلات ، كما كان أبو بكر وعمرّ يسألان فيكون التابع أعلم من المتبوع في بعض المسائل ، انتهى ، وما ذكرنا أظهر.

« ملّة قوم » أي خلفاء الجور الغاصبين لحقوق أهل البيتعليهم‌السلام وأتباعهم « قد كفروا بآيات الله » الدالة على إمامة أمير المؤمنين والأئمّة من ولده ، وعلى أن الإمام لا بد أن يكون أعلم الأمّة ، وانّ اختيار الإمامة إلى الله لا إلى الأمة « وعصوا رسوله » في أمره بولاية عليّ والخلفاء بعدهعليهم‌السلام بلا برهان ، بل بمحض البيعة الباطلة الناقصّة « أن تكون » أي من أن تكون ، وهذا إخبار بما وقع بعد ذلك من قتل زيد وصلبه في كناسة الكوفة ، وهي بالضّم اسم موضع بالكوفة ، وارفضاض الدّموع ترششها.

و « الله » مبتدأ والظرف خبره « هتك » أي خرق و « سترنا » لعله كناية عن هتك العرض أو الإذاعة وترك التقيّة ، وإفشاء ما يوجب ضررهم « وجحد حقّنا » وهي الإمامة « ونسبنا إلى غير جدّنا » كقول بعض المخالفين لعنهم الله : أنّهمعليهم‌السلام ليسوا بولد رسول الله حقيقة أو لم ينسبونا إليه بالنسبة المعنويّة وهي الخلافة والوصاية ، وقيل : الجدّ بمعنى الحظّ والعظمة ، أي لم ينسبونا إلى خمسنا الّذي جعله الله لنا ،


وقال : فينا ما لم نقله في أنفسنا.

________________________________________________________

وأعطوه غيرنا ، وإلى عظمتنا وهي إمامتنا ، ولا يخفى بعدهما « وقال : فينا ما لم نقله في أنفسنا » كالغلاة ، وقيل : ما لم نقله عبارة عن الخروج على ملوك المخالفين قبل حلول وقته.

ثمَّ اعلم أن الأخبار اختلفت في حال زيد فمنها ما يدل على ذمّه بل كفره لدلالتها على انّه ادعى الإمامة وجحد إمامة أئمة الحقَّ وهو يوجب الكفر كهذا الخبر ، وأكثرها يدل عليّ كونه مشكوراً ، وانّه لم يدع الإمامة ، وانّه كان قائلا بإمامة الباقر والصادقعليهما‌السلام ، وانّما خرج لطلب ثار الحسينعليه‌السلام وللأمرّ بالمعروف والنهي عن المنكر وكان يدعو إلى الرضا من آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وانّه كان عازما على انّه إن غلب على الأمر فوضه إلى أفضلهم وأعلمهم ، وإليه ذهب أكثر أصحابنا بل لم أر في كلامهم غيره.

وقيل : انّه كان مأذونا من قبل الإمامعليه‌السلام سراً ، ويؤيده ما استفيض من بكاء الصادق عليه ، وترحمه ودعائه له ، ولو كان قتل على دعوى الإمامة لم يستحقَّ ذلك.

وقد روى الصدوق بإسناده عن عمرو بن خالد قال : قال زيد بن عليّ في كلّ زمان رجلّ منا أهل البيت يحتج الله به خلقه ، وحجّة زماننا ابن أخي جعفر بن محمّد لا يضل من تبعه ولا يهتدي من خالفه.

وروي أيضاً عن الرضاعليه‌السلام أن زيد بن عليّ كان من علماء آل محمّد ، غضب لله عزَّ وجلّ فجاهد أعداءه حتّى قتل في سبيله ولقد حدَّثني أبي انّه سمع أباه جعفر بن محمّدعليه‌السلام يقول : رحم الله عمي زيداً انّه دعا إلى الرضا من آل محمّد ، ولو ظفر لو في بما دعا إليه ، وقد استشارني في خروجه فقلت له : يا عم إن رضيت أن تكون المقتول المصلوب بالكناسة فشأنك ، فلمّا ولى قال : جعفر بن محمّد : ويل لمن سمع واعيته فلم يجبه ، فقال : المأمون : يا أبا الحسن أليس قد جاء فيمن ادّعى الإمامة بغير حقّها


________________________________________________________

ما جاء؟ فقال : الرضاعليه‌السلام : إنّ زيد بن عليّ لم يدع ما ليس له بحقَّ ، انّه كان أتقى لله من ذلك ، انّه قال : أدعوكم إلى الرضا من آل محمّد ، وانّما جاء ما جاء فيمن يدعي أن الله نصّ عليه ثمَّ يدعو إلى غير دين الله ، ويضل عن سبيله بغير علم ، وكان زيد والله ممن خوطب بهذه الآية : «وَجاهِدُوا فِي اللهِ حقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ »(١) .

وروي أيضاً بإسناده عن الصّادقعليه‌السلام انّه لما قرأ الكتاب بقتل زيد بكى ، ثمَّ قال : إنا لله وإنا إليه راجعون عند الله أحتسب عمي ، انّه كان نعم العم ، إن عمي كان رجلاً لدنيانا وآخرتنا ، مضى والله عمي شهيدا كشهداء استشهدوا مع رسول الله وعلى والحسن والحسين صلوات الله عليهم.

وروى صاحب كتاب كفاية الأثر بإسناده عن محمّد بن مسلم قال : دخلت على زيد ابن عليّعليه‌السلام فقلت : إن قوماً يزعمون أنك صاحب هذا الأمر؟ قال : لا لكني من العترة ، قلت : فمن يلي هذا الأمر بعدكم؟ قال : سبعة من الخلفاء والمهدي منهم ، قال : ثمَّ دخلت على الباقرعليه‌السلام فأخبرته بذلك فقال : صدق أخي زيد ، سيلي هذا الأمر بعدي سبعة من الأوصياء والمهدي منهم ، ثمَّ بكى وقال : كأنّي به وقد صلب في الكناسة ، يا ابن مسلم حدَّثني أبي عن أبيه الحسين قال : وضع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يده على كتفي ، وقال : يا حسين يخرج من صلبك رجلّ يقال : له زيد ، يقتل مظلوما ، إذا كان يوم القيامة حشر هو وأصحابه إلى الجنة.

وروي أيضاً عن عبد الله بن العلاء قال : قلت لزيد : أنت صاحب هذا الأمر؟ قال : لا ولكنّي من العترة ، قلت : فإلى من تأمرنا؟ قال : عليك بصاحب الشعر وأشار إلى الصادقعليه‌السلام .

وروي بإسناده عن المتوكّل بن هارون قال : لقيت يحيى بن زيد بعد قتل أبيه وهو متوجه إلى خراسان ، فما رأيت مثله رجلاً في عقله وفضله ، فسألته عن أبيه؟

__________________

(١) سورة الحجّ : ٧٨.


________________________________________________________

فقال : انّه قتل وصلب بالكناسة ثمَّ بكى وبكيت حتّى غشي عليه ، فلمّا سكن قلت له : يا بن رسول الله وما الّذي أخرجه إلى قتال هذا الطاغي وقد علم من أهل الكوفة ما علم؟ فقال : نعم لقد سألته عن ذلك فقال : سمعت أبيعليه‌السلام يحدث عن أبيه الحسين بن عليّعليهما‌السلام قال : وضع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يده على صلبي فقال : يا حسين يخرج من صلبك رجلّ يقال : له زيد ، يقتل شهيداً فإذا كان يوم القيامة يتخطى هو وأصحابه رقاب الناس ويدخل الجنة ، فأحببت أن أكون كما وصفني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثمَّ قال : رحم الله أبي زيدا كان والله أحد المتعبدين ، قائم ليله صائم نهاره ، يجاهد في سبيل الله حقَّ جهاده ، فقلت : يا بن رسول الله هكذا يكون الإمام بهذه الصفة؟ فقال : يا أبا عبد الله إن أبي لم يكن بإمام ، ولكن كان من سادات الكرام وزهادهم ، وكان من المجاهدين في سبيل الله ، قلت : يا بن رسول الله أما إن أباك قد ادّعى الإمامة وخرج مجاهدا في سبيل الله؟ وقد جاء عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيمن ادّعى الإمامة كاذبا ما جاء؟ فقال : مه يا أبا عبد الله إن أبي كان أعقل من أن يدعى ما ليس له بحقَّ ، وانّما قال : أدعوكم إلى الرضا من آل محمّد ، عنى بذلك عمي جعفراً ، قلت : فهو اليوم صاحب الأمر؟ قال : نعم هو أفقه بنيّ هاشم ، ثمَّ ذكر كثيرا من فضل زيد وعبادته ، والأخبار في ذلك كثيرة أوردتها في كتابنا الكبير.

والحاصل أن الأنسب حسن الظنّ به وعدم القدح فيه ، بل عدم التعرض لأمثاله من أولاد الأئمّةعليهم‌السلام إلّا من ثبت الحكم بكفرهم والتبري منهم كجعفر الكذّاب وأضرابه ، لما رواه الراوندي في الخرائج عن الحسن بن رأشد قال : ذكرت زيد بن عليّ فتنقصته عند أبي عبد اللهعليه‌السلام فقال : لا تفعل رحم الله عمي ، أتى أبي فقال : أنّي اُريد الخروج على هذا الطاغية فقال : لا تفعل فأنّي أخاف أن تكون المقتول المصلوب على ظهر الكوفة ، أما علمت يا زيد انّه لا يخرج أحد من ولد فاطمة على أحد من السلاطين قبل خروج السّفياني إلّا قتل ، ثمَّ قال : إلّا يا حسن إن فاطمة


١٧ - بعض أصحابنا ، عن محمّد بن حسّان ، عن محمّد بن رنجويه ، عن عبد الله بن الحكم الأرمني ، عن عبد الله بن إبراهيم بن محمّد الجعفري قال : أتينا خديجة بنت عمرّ بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام نعزيها بابن بنتها فوجدنا عندها موسى بن عبد الله بن الحسن فإذا هي في ناحية قريباً من النساء فعزَّيناهم ،ثمَّ

________________________________________________________

حصّنت فرجها فحرّم الله ذريتها على النّار ، وفيهم نزلت : «ثمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الّذين اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ »(١) فإن الظالم لنفسه الّذي لا يعرف الإمام ، والمقتصد العارف بحقَّ الإمام ، والسابق بالخيرات هو الإمام ، ثمَّ قال : يا حسن إنا أهل بيت لا يخرج أحدنا من الدنيا حتّى يقرّ لكلّ ذي فضل بفضله.

وروى الصّدوق (ره) بإسناده عن أبي سعيد المكاري قال : كنا عند أبي عبد اللهعليه‌السلام فذكر زيد ومن خرج معه ، فهم بعض أصحاب المجلس أن يتناوله فانتهره أبو عبد اللهعليه‌السلام وقال : مهلاً ليس لكم أن تدخلوا فيما بيننا إلّا بسبيل خير ، انّه لم تمت نفس منا إلّا وتدركه السّعادة قبل أن تخرج نفسه ولو بفواق ناقة.

وقد بسطت الكلام فيهم وأكثرنا من الأخبار الدالة عليّ مدحهم أو ذمهم في كتابنا الكبير في باب أحوال زيد أو غيره ، فمن أراد تحقيق المقام فليرجع إليه.

الحديث السابع عشر : ضعيف.

« رنجويه(٢) » بفتح الراء والجيم مبنيّ على الكسرّ والأرمني بفتح الهمزة والميم نسبة إلى إرمنية بكسرّ الهمزة والميم وتشديد الياء كورة بالّروم « قريباً من النساء » حال عن ضمير المستتر في الظّرف ، والتذكير لما ذكره الجوهري حيث قال :

__________________

(١) سورة فاطر : ٣٢.

(٢) كذا في النسخ ولم أظفر على ترجمته في ما عندي من كتب الرّجال والظاهر أنّ محمّد هنا سهو والصحيح موسى فانّه المذكور في كتب الرجال ويروي عنه عبد الله بن الحكم الأرمنيّ ويروي هو عن محمّد بن حسّان والله أعلم. ثمَّ إنّ المذكور في نسخة الأصل والمخطوطتين « زنجويه » بالزاء المعجمة وصحّحناه على المتن.


أقبلنا عليه فإذا هو يقول لابنة أبي يشكر الراثية قولي فقالت :

اعدد رسول الله واعدد بعده

أسد الإله وثالثاً عبّاسا

واعدد عليّ الخير واعدد جعفراً

واعدد عقيلا بعده الرُّوَّاسا

فقال : أحسنت وأطربتني زيديني فاندفعت تقول :

ومنّا إمام المتّقين محمّد

وفارسه ذاك الإمام المطهّر

ومنّا عليٌّ صهره وابن عمّه

وحمزة منّا والمهذّب جعفر

________________________________________________________

وقوله تعالى : «إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ »(١) ولم يقل قريبة لانّه أراد بالرّحمة الإحسّان ، ولأن ما لا يكون تأنيثه حقيقيّاً جاز تذكيره ، وقال : الفرّاء : إذا كان القريب في معنى المسافة يذكّر ويؤنّث ، وإذا كان في معنى النّسب يؤنّث بلا اختلاف بينهم ، انتهى.

« فعزيناهم » تذكير الضمير على التغليب لدخول موسى بينهم « عليه » أي على موسى ، قال : الجوهري : رثيت الميت إذا بكيته وعددت محاسنّه ، وكذلك إذا نظمت فيه شعراً ، انتهى.

« اعدد » أمر بفكّ الإدغام من العدّ ، « وأسد الإله » حمزةرضي‌الله‌عنه ، « وعلى الخير » على الإضافة والمراد أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وعلى الخير على التأكيد أو هو زين العابدينعليه‌السلام ولا يخفى بعده « بعده » أي أعدد عقيلاً بعد جعفر والرؤاس بفتح الراء وتشديد الهمزة صفة للعقيل كما زعم وهو بعيد ، لأن الرؤاس بايع الرؤوس ، إلّا أن يقال : أطلق على الرئيس مجازاً ، والظاهر انّه بضم الراء جمع رأس صفة للجميع ، أو بضم الراء وفتح الهمزة فانّه ممدوداً جمع رئيس كشريف وشرفاء ، أسقطت الهمزة للقافية وفي بعض النسخ والرؤساء.

« أطربتني » على بناء الأفعال من الطّرب وهو الفرح والحزن ، والأخير أنسب « فاندفعت » أي شرعت ثانية وفي القاموس : اندفع في الحديث أفاض ، وقال : هذبه به

__________________

(١) سورة الأعراف : ٥٦.


فأقمنا عندها حتّى كاد اللّيل أن يجيء ، ثمَّ قالت خديجة سمعت عمّي محمّد بن عليّ صلوات الله عليه وهو يقول انّما تحتاج المرأة في المأتم إلى النوح لتسيل دمعتها ولا ينبغي لها أن تقول هجراً ، فإذا جاء الليل فلا تؤذي الملائكة بالنوح ثمَّ خرجنا فغدونا إليها غدوة فتذاكرنا عندها اختزال منزلها من دار أبي عبد الله جعفر بن محمّد فقال : هذه دار تسمى دار السرقة فقالت هذا ما اصطفى مهديّنا - تعني محمّد بن عبد الله

________________________________________________________

نقاه وأخلصه وأصلحه كهذبه ، وقال : الفارس الأسد ، وقال : المأتم كمقعدّ : كل مجتمع في حزن أو فرح أو خاص بالنساء ، انتهى.

وأقول : خص في العرف بالحزن والمصيبة ، والنوح والنوحة معروفان ، والنوح أيضاً النائحات على الميت « ولا ينبغي لها » أي للمرأة أو للنائحة ويدل على كراهة النوحة بالليل ، والهجر بالضم : الهذيان والقبيح من الكلام ، والمراد هنا الكذب في محاسن الميت أو القول بما ينافي الرضا بقضاء الله ، ونسبة الجور والظلم إلى الله وأمثال ذلك « فغدونا إليها » أي ذهبنا إليها بكرة في اليوم الثاني ، والغدوة بالضم التبكير أو البكرة أي أوّل النهار وعلى الأوّل مفعول مطلق ، وعلى الثاني ظرف زمان ، وفي القاموس : الاختزال الانفراد والاقتطاع.

قوله فقال : هذه دار ، أقول : هذا الكلام يحتمل وجوها :

الأوّل : ما خطر بالبال وهو أن فاعل قال : الجعفري الراوي للحديث ، أي انّما سألت عن دارها واختزالها لأن الدّار التي كانت خديجة تسكنها تسمى دار السرقة لكثرة وقوع السرقة فيها ، فقالت هذه الدّار اختارها محمّد بن عبد الله فبقينا فيها ولم نقدر على الخروج ، والتعبير عن محمّد بالمهدي كان على سبيل المزاح ، وضمير تمازحه للجعفري على الالتفات ، أو لموسى أو لمحمّد بن عبد الله أي تستهزئ به ، لانّه ادّعى المهدوية وقتل وتبين كذبه.

الثاني : ما سمعته من مشايخي وهو أن ضمير « قال : » لموسى ، وانّما سميّت دار السرقة لأن محمداً فيها سرق الخلافة وغصبها وادعاها بغير حقَّ ، والجواب


بن الحسن - تمازحه بذلك - فقال : موسى بن عبد الله والله لأخبرنكم بالعجب رأيت أبيرحمه‌الله لما أخذ في أمرّ محمّد بن عبد الله وأجمع على لقاء أصحابه فقال : لا أجدّ هذا الأمر يستقيم إلّا أن ألقى أبا عبد الله جعفر بن محمّد فانطلق وهو متك عليّ فانطلقت معه حتّى أتينا أبا عبد اللهعليه‌السلام فلقيناه خارجا يريد المسجدّ فاستوقفه أبي وكلمه فقال : له أبو

________________________________________________________

كما مرّ.

الثالث : ما ذكره بعض الأفاضل المعاصرين وهو أن يكون الضمير لموسى أيضاً وانّما سماها دار السّرقة لأنهّا ممّا غصبه محمّد بن عبد الله ممن خالفه ، وهو المراد بالاصطفاء.

والرابع : ما ذكره بعض المعاصرين أيضاً وهو أن ضمير « قال : » راجع إلى موسى أيضاً لكن الإشارة بهذه إلى دار أبي عبد اللهعليه‌السلام وسميّت دار السرقة لوقوع السرقة ونهب الأموال فيها ، لما سيجيء أن محمّد بن عبد الله لما حبسهعليه‌السلام في السجن اصطفى ما كان له من مال وما كان لقومهعليه‌السلام ممن لم يخرج معه ولم يبايعه.

الخامس : ما ذكره بعض المعاصرين أيضاً وهو أن المراد بالاختزال الاقتطاع ، وانّما أفزرت من دار أبي عبد اللهعليه‌السلام فقال : موسى : هذه دار سرقت من دارهعليه‌السلام وأخذت جبرا ، فقالت خديجة : هذا ما اصطفاه جبرا وأخذه لنفسه مهدينا عند استيلائه على دار أبي عبد اللهعليه‌السلام « تمازحه » أي خديجة موسى ، ولا يخفى أن ما ذكرنا أولا أظهر الوجوه ، ثمَّ الثاني ، وانّ الأخيرين أبعدها.

« لما أخذ » أي شرع في أمرّ محمّد بن عبد الله أي طلب البيعة له بالإمامة من الناس وهو محمّد بن عبد الله بن الحسن بن أمير المؤمنينعليهما‌السلام « وأجمع » أي عزم وجدّ في العزم « على لقاء أصحابه » الضمير للأب أي الجماعة الّذين كان بينه وبينهم قرابة ومعرفة وسابقه من المعروفين ، ويحتمل إرجاع ضمير أصحابه إلى محمّد أي الّذين يتوقع منهم أن يصيروا من أصحابه وأتباعه « وهو متك » أصله مهموز قلبت همزته ياء ثمَّ حذفت بالإعلال ، وبعض النسخ متكئ بالهمزة عليّ الأصل ، والاتكاء لضعف


عبد اللهعليه‌السلام : ليس هذا موضع ذلك نلتقي إن شاء الله فرجع أبي مسرورا ثمَّ أقام حتّى إذا كان الغد أو بعده بيوم انطلقنا حتّى أتيناه فدخل عليه أبي وأنا معه فابتدأ الكلام ثمَّ قال : له فيما يقول قد علمت جعلت فداك أن السن لي عليك وانّ في قومك من هو أسن منك ولكن الله عزَّ وجلّ قد قدم لك فضلاً ليس هو لأحد من قومك وقد جئتك معتمداً لما أعلم من برك وأعلم فديتك أنك إذا أجبتني لم يتخلف عنّي أحد من أصحابك ولم يختلف عليّ اثنان من قريش ولا غيرهم فقال : له أبو عبد اللهعليه‌السلام إنك تجدّ غيري أطوع لك مني ولا حاجة لك في فو الله إنك لتعلم أنّي اُريد البادية أو أهم بها فأثقل عنها واُريد الحج فما أدركه إلّا بعد كد وتعب ومشقة على نفسي فاطلب غيري وسله ذلك ولا تعلمهم أنك جئتني فقال : له الناس مادون أعناقهم إليك وانّ أجبتني لم يتخلف عنّي أحد ولك أن لا تكلف قتإلّا ولا مكروها قال : وهجم علينا ناس فدخلوا وقطعوا كلامنا فقال : أبي جعلت فداك ما تقول فقال : نلتقي إن شاء الله فقال : أليس على ما أحبّ فقال : على ما

________________________________________________________

الشيخوخة.

« فرجع أبي مسروراً » لانّهعليه‌السلام لم ينكر عليه ذلك صريحا ووعده اللقاء ، فظنّ بذلك الرضا منهعليه‌السلام ورجا قبول ما دعاه إليه « أن السن لي عليك » أي أنا أسن منك ، وغرضه من هذه الكلمات نفي إمامتهعليه‌السلام حتّى يصح تكليفه بالبيعة ، ولم يعلم أن هذه يدل على عدم إمامة ابنه أيضاً ، مع أن قوله : قدم لك فضلاً ، حجّة عليه ولم يشعر به « متعمداً » أي متّكلاً عليك واثقاً بك ، وفي بعض النسخ متعمداً ، أي قاصداً.

« واعلم فديتك » على صيغة المتكلّم ويحتمل على بعد الأمر أيضاً ، وفديتك جملة معترضة أي فديتك بنفسي ، يقال : فداه من الأمر أي استنقذه بمال « ولا حاجة لك في » أي ليس في ما تحتاج إليه من البيعة والمعونة « أو أهمّ بها » الهمّ فوق الإرادة ، ويحتمل أن يكون أو بمعنى بل أو الشك من الراوي.


تحبُّ إن شاء الله من إصلاحك ثمَّ انصرف حتّى جاء البيت فبعث رسولاً إلى محمّد في جبل بجهينة يقال : له الأشقر على ليلتين من المدينة فبشره وأعلمه انّه قد ظفر له بوجه حاجته وما طلب ثمَّ عاد بعد ثلاثة أيّام فوقفنا بالباب ولم نكن نحجب إذا جئنا فأبطأ الرسول ثمَّ أذن لنا فدخلنا عليه فجلست في ناحية الحجرة ودنا أبي إليه فقبل رأسه ثمَّ قال : جعلت فداك قد عدت إليك راجياً مؤملاً قد انبسط رجائي وأملي ورجوت الدرك لحاجتي فقال : له أبو عبد اللهعليه‌السلام يا ابن عم أنّي أعيذك بالله من التعرض لهذا الأمر الّذي أمسيت فيه وأنّي لخائف عليك أن يكسبك شرّاً فجرى الكلام بينهما حتّى أفضى إلى ما لم يكن يريد وكان من قوله بأي شيء كان الحسين أحقَّ بها من الحسن فقال : أبو عبد اللهعليه‌السلام رحم الله الحسن ورحم الحسين وكيف ذكرت هذا قال : لأن الحسينعليه‌السلام كان ينبغي له إذا عدل أن يجعلها في الأسن من ولد الحسن فقال : أبو عبد اللهعليه‌السلام إن الله تبارك وتعالى لما أن أوحى إلى محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله أوحى إليه بما شاء ولم يؤامرّ أحداً من خلقه وأمرّ محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله عليا

________________________________________________________

« من إصلاحك » أي من وعظك وصرفك عمّا تريد من الشّر في الدنيا والآخرة أو على ما تحبّ إذا كان موافقاً لصلاحك ومصلحتك ، أو المراد بما تحبّ ما يكون نافعاً له وانّ لم يعلم ذلك ، وعلى التقادير القيد لعدم الوعدّ بالباطل ، وفي القاموس جهينة بالضم قبيلة ، وقال : الأشاقر : جبال بين الحرمين شرفهما الله تعالى.

« قد ظفر » كعلم أي فاز « فوقفنا » على المعلوم المجرّد أو المجهول من باب التفعيل « ولم يكن نحجب » على المجهول والدرك بالتحريك : اللحاق.

« الّذي أمسيت فيه » أي كنت فيه من الصّباح إلى المساء « أن يكسبك » من باب ضرب أو الأفعال ، والضمير المستتر للأمرّ ، والضّمير في « يريد » لعبد الله « أحقَّ بها » أي أولى بأن تكون الوصيّة والإمامة في أولاده دون أولاد الحسن.

« لـمّا أن أوحى » أن زائدة لتأكيد الاتّصال أي حين أعلمه أوصياءه « بما شاء »


عليه‌السلام بما شاء ففعل ما اُمر به ؛ ولسنا نقول فيه إلّا ما قال : رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من تبجيله وتصديقه فلو كان أمرّ الحسين أن يصيّرها في الأسنّ أو ينقلها في ولدهما - يعني الوصيّة - لفعل ذلك الحسين وما هو بالمتّهم عندنا في الذخيرة لنفسه ولقد ولى وترك ذلك ولكنّه مضى لـمّا أمرّ به وهو جدُّك وعمّك - فإن قلت خيراً فما أولاك به وإن قلت

________________________________________________________

أي بتعيين أشخاص أن يكونوا أوصياء واحد بعد واحد « ولم يؤامرّ » أي لم يشاور « ولسنا نقول فيه » أي في عليّعليه‌السلام « من تبجيله » أي تعظيمه « وتصديقه » والضّمير ان لعليّعليه‌السلام وقيل : لـمّا أوحى الله ، والمعنى أنّا لا نقول في عليّ انّه يجوز له تبديل أحد من الأوصياء بغيره ، أو لا نقول ما ينافي تبجيله وتصديقه ، وهو انّه خان فيما أمرّ به وغيّر أمر الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله .

« فلو كان أمر » على بناء المعلوم أي عليّعليه‌السلام ، أو على بناء المجهول « أن يصيّرها » أي الوصيّة والإمامة « في الأسنّ » أي في الأسنّ من أولادهما أو في أولاد الأسنّ وهو الحسنعليه‌السلام « أو ينقلها في ولدهما » بأن يعطي تارة ولد هذا وتارة ولد هذا بشروط معينة ، أو بأن يكون مفوضا إليه يختار ولد أيهما أراد ، وقيل : يعنّي من ولده جميعاً كعبد الله وولده ، أو يكون في بمعنى من كما في بعض النسخ أيضاً أي ينقلها من أولادهما إلى غيرهم « يعنّي الوصيّة » كلام موسى أو الجعفري ، والواو في « ولقد » حالية أو عاطفة « ولى » بالتشديد أي أدبر ومضى « وترك » أي الإمامة والوصيّة أو الحياة ، أي كيف يظنّ به صلوات الله عليه انّه يدخر الإمامة « لنفسه » أي لأولاده في وقت يعلم انّه يقتل ويستشهد ويتركها لغيره ، وربما يقرأ ولي بالتخفيف أي الأمر وهو بعيد « ولكنّه مضى » استدراك للنفي في قوله : وما هو.

« وهو جدّك » لأن أم عبد الله كانت بنت الحسينعليه‌السلام أي لا ينبغي أن تقول فيه ذلك وهو من جهة الأم جدّك ، ومن جهة الأب عمك « فما أولاك به » أي بقول الخير فيه ، وقال : المطرزي في المغرب : لا آلوك نصحاً ، معناه لا أمنعكه ولا أنقصكه من إلّا في الأمر يألو إذا قصر ، انتهى.


هُجراً فيغفر الله لك أطعني يا ابن عمّ واسمع كلامي ، فو الله الّذي لا إله إلّا هو لا آلوك نصحا وحرصا فكيف ولا أراك تفعل وما لأمرّ الله من مرد فسرًّ أبي عند ذلك ، فقال : له أبو عبد الله والله إنّك لتعلم انّه الأحول الأكشف الأخضر المقتول بسدَّة أشجع عند بطن مسيلها فقال : أبي ليس هو ذلك والله ليحاربن باليوم يوماً وبالساعة

________________________________________________________

« وحرصاً » أي على إصلاحك ، وقد يقرأ بالفتح وهو الشق والقشر ، كناية عن التصريح بالحقَّ ، والأوّل أظهر ، وقوله فكيف ، من باب الاكتفاء ببعض الكلام ، أي كيف أقصر في نصحك مع ما يلزمني من مودّتك لقرابتك وسنّك ، وقوله : ولا أراك ، كلام مستأنف أو المعنى كيف يكون كلامي محمولا على غير النصح والحال أنّي أعلم أنك لا تفعل ما أدعوك إليه ، إذ لو لم يكن لله ولإطاعة أمره لكان ذكره مع عدم تجويز التأثير لغواً ، وقيل : أي فكيف تكون حالك؟ نظير قوله تعالى : «فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ »(١) والواو حالية ولعلّ الأوّل أظهر « وما لأمرّ الله » أي لقضائه ، وسروره لتوهمه أن أمرّ الله هنا استقلاله في الأمر وانّ كان باطلا ، والفاء في قوله : « فقال : » للتفريع على السرور ، ورد ما توهمه من الاستقلال.

« لتعلم » للاستقلال ودخول اللام لتحقق الوقوع كانّه واقع ، ويمكن أن يكون علم بأخبار آبائه وبأخبارهعليه‌السلام ومع ذلك يسعى في الأمر حرصاً على الملك ، أو لاحتمال البداء ، والأحول : المعوج العين ، وفي القاموس : الأكشف : من به كشف محركة أي انقلاب من قصاص الناصية كأنها دائرة ، وهي شعيرات تنبت صعداً ، وذلك الموضع كشفة محركة ، ومن ينهزم في الحرب ، ومن لا بيضة على رأسه ، والجبهة الكشفاء التي أدبرت ناصيتها ، وفي النهاية الأكشف الّذي تنبت له شعيرات في أقصى ناصيته ، ولا يكاد يسترسل والعرب تتشأم به ، انتهى.

وفي القاموس : الأخضر : الأسود ، أقول : ويحتمل أن يكون المراد هنا خضرة العين ، وهو أيضاً ممّا يتشأم به ، والسدة بالضم : باب الدّار ، وربما يقرأ بالفتح لمناسبتها للمسيل ، والأشجع اسم قبيلة من غطفان ، وضمير مسيلها للسدة أو للأشجع لانّه اسم القبيلة « ليس هو » أي محمّد « ذلك » الّذي ذكرت ، أو ليس الأمر كما ذكرت

__________________

(١) سورة النساء : ٤١.


ساعة وبالسنة سنة وليقومنُّ بثأر بنيّ أبي طالب جميعاً فقال : له أبو عبد اللهعليه‌السلام يغفر الله لك ما أخوفني أن يكون هذا البيت يلحقَّ صاحبنا منتك نفسك في الخلاء ضلالاً لا والله لا يملك أكثر من حيطان المدينة ولا يبلغ عمله الطائف إذا أحفل يعنّي إذا أجهد

________________________________________________________

« والله ليجازين(١) » أي محمّد « باليوم » أي بكلّ يوم ظلم لبنيّ أميّة وبنيّ العبّاس « يوماً » أي يوم انتقام ، والثأر بفتح الثاء وسكون الهمزة طلب الدّم « يغفر الله لك » إشارة إلى كذب يمينه « وهذا البيت » فاعل يلحقَّ و « صاحبنا » مفعوله والمراد بالبيت ما سيذكر مصرعاً منه ، وبالصّاحب عبد الله أو ابنه.

والبيت للأخطل يهجو جريراً صدره : « انعق بضأنك يا جرير فانّما » يقال : نعق بغنمه كضرب ومنع إذا صاح بها وزجرها ، أي انّه ضأنك عن مقابلة الذئب « منتك » أي جعلتك متيقّناً بالاماني الباطلة « ونفسك » فاعله ، والخلاء الخلوة « وضلالاً » مفعول ثان لمنتك أي محإلّا ، وهو أن يغلب الضأن على الذئب وهذا مثل يضرب للضعيف جدّاً إذا تمنى الغلبة على القويّ جدّاً.

« لا والله » لا تمهيد للنفي بعده ، والمراد بالطّائف الحجاز ، وقيل : المراد به ما أطاف بالمدينة من القرى وهو بعيد ، وفي المصباح المنير : الطّائف بلاد الغدر وعلى ظهر جبل غزوانّ ، وهو أبرد بلاد الحجاز ، والطائف بلاد ثقيف ، انتهى. وقيل : الطّائف موضع قرب المدينة يأتي منه سيل وادي قناة من أودية المدينة ، وفي القاموس : حفل الماء واللبن اجتمع كتحفل واحتفل ، والوادي بالسيل : جاء يملأ جنبيه كاحتفل ، والسّماء : إشتدّ مطهرها والقوم : اجتمعوا كاحتفلوا ، والاحتفال الوضوح والمبالغة وحسن القيام بالأمور ، ورجل حفيل وحفلة مبالغ فيما أخذ فيه ، واحتفل الفرس أظهر لفارسه انّه بلغ أقصى حفرة وفيه بقية ، انتهى.

وأكثر المعاني قريبة من تفسير موسى ، يقال : جهد دابته : كمنع إذا بلغ بها غاية طاقتها.

__________________

(١) كذا في النسخ وفي المتن « ليحارين ».


نفسه - وما للأمر من بدّ أن يقع ، فاتّق الله وارحم نفسك وبنيّ أبيك فو الله أنّي لأراه أشأم سلحة أخرجتها أصلاب الرّجال إلى أرحام النساء والله انّه المقتول بسدّة أشجع بين دورها والله لكأنّي به صريعا مسلوبا بزته بين رجليه لبنة ولا ينفع هذا الغلام ما يسمع قال : موسى بن عبد الله يعنيني وليخرجن معه فيهزم ويقتل صاحبه ثمَّ يمضي فيخرج معه راية أخرى فيقتل كبشها ويتفرق جيشها فإن أطاعنّي فليطلب الأمان عند ذلك من بنيّ العباس حتّى يأتيه الله بالفرج ولقد علمت بأن هذا الأمر لا يتم وإنك لتعلم ونعلم أن ابنك الأحول الأخضر الأكشف المقتول بسدّة أشجع بين دورها عند بطن مسيلها فقام أبي وهو يقول بل يغني الله عنك ولتعودنَّ أو ليقي الله بك وبغيرك وما أردت بهذا إلّا امتناع غيرك وانّ تكون ذريعتهم إلى ذلك

________________________________________________________

« وما للأمر » أي للأمر الّذي ذكرت من عدم استمرار دولته أو لقضاء الله ، وفي القاموس : السلاح كغراب النجو وفي المغرب السّلح التغوّط ، وفي مثل أسلح من حبارى ، وقول عمرّ لزياد في الشهادة على المغيرة : قم يا سلح الغراب ، معناه يا خبيث ، وفي المصباح : سلح الطّائر سلحاً من باب نفع وهو منه كالتغوّط من الإنسان ، وهو سلحة ، تسمية بالمصدر وشؤمه من حيث انّه كفر بادعاء الإمامة وصار سبباً لانقراض أقاربّه وابتلائهم بالحبس والقتل والذّل.

« بين دورها » أي الأشجع ، ويحتمل السّدة بعيداً ، في القاموس : البزّ الثياب والسّلاح كالبزة بالكسرّ ، والبزة بالكسرّ الهيئة ، انتهى.

« ويقتل صاحبه » أي محمّد « فيخرج معه » أي موسى ، والأظهر « مع » بلا ضمير والكبش بالفتح : سيّد القوم وقائدهم ، والمراد هنا إبراهيم بن عبد الله « لتعودنّ » أي عن الامتناع باختيارك عند ظهور دولتنا « أو ليفيء الله بك(١) » من الفيء بمعنى الرّجوع والباء للتعدية ، أي يسهل الله أن تذهب بك خيراً ، وكون الترديد من الراوي بعيد « إلّا امتناع غيرك » أي تريد أن لا يبايعنا غيرك بسبب امتناعك عن البيعة ، وانّ تكون وسيلتهم إلى الامتناع ، وقرأ بعضهم أردت بصيغة المتكلّم ، أي ما أردت بطلب بيعتك

__________________

(١) وفي المتن « ليقي الله بك » بالقاف.


فقال : أبو عبد اللهعليه‌السلام الله يعلم ما اُريد إلّا نصحك ورشدك وما عليّ إلّا الجهد فقام أبي يجرُّ ثوبه مغضباً فلحقه أبو عبد اللهعليه‌السلام فقال : له أخبرك أنّي سمعت عمك وهو خالك يذكر أنك وبنيّ أبيك ستقتلون فإن أطعتني ورأيت أن تدفع بالتي هي أحسن فافعل فو الله «الّذي لا إِلهَ إلّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ » على خلقه لوددت أنّي فديتك بولدي وبأحبهم إلي وبأحبّ أهل بيتي إليَّ وما يعدلك عندي شيء فلا ترى أنّي غششتك فخرج أبي من عنده مغضباً أسفاً قال : فما أقمنا بعد ذلك إلّا قليلاً - عشرين ليلة أو نحوها - حتّى قدمت رسل أبي جعفر فأخذوا أبي وعمومتي

________________________________________________________

إلّا رفع امتناع غيرك ، وانّ تكون وسيلتهم إلى المبايعة والمتابعة ولا يخفى بعده ، وفي بعض النسخ بهذا الامتناع غيرك ، أي غرضك من هذا الامتناع أن تخرج أنت وتطلب البيعة لنفسك ، وانّ تكون وسيلتهم إلى الخروج والجهاد ، والأوّل أظهر.

والجهد بالفتح السّعي بأقصى الطاقة « عمك » أي عليّ بن الحسينعليهما‌السلام ، وسمي ابن العم عمّا مجازاً وهو خاله حقيقة لأن أم عبد الله هي بنت الحسينعليه‌السلام « وبنيّ أبيك » أي إخوتك وبنيهم « ورأيت » أي اخترت « أن تدفع بالتي هي أحسن » أي تدفع ما زعمته مني سيئة بالصفح والإحسّان وأشار به إلى قوله سبحانّه : «ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ »(١) الآية أو المعنى تدفع القتل عنك بالتي هي أحسن وهي ترك الخروج بناء على احتمال البداء والأوّل أظهر « على خلقه » متعلق بالمتعال « لوددت » بكسرّ الدال وقد يفتح « فديتك » على بناء المعلوم أي صرت فداك ويحتمل أن يكون المراد هنا إنقاذه من الضلالة ومن عذاب الله « وما يعدلك » من باب ضرب أي ما يساويك « فلا ترى » نفي بمعنى النهي ، والغش إظهار خلاف ما في الضمير « أسفاً » بكسر السّين وهو محركة شدة الحزن « رسل أبي جعفر » أي الدوانيقي « فأخذوا » أي الرّسل أو حاكم المدينة وأعوانّه « فصفدوا » على المجهول من باب

__________________

(١) سورة فصلت : ٣٤.


سليمان بن حسن وحسن بن حسن وإبراهيم بن حسن وداود بن حسن وعليّ بن حسن وسليمان بن داود بن حسن وعليّ بن إبراهيم بن حسن وحسن بن جعفر بن حسن وطباطبا إبراهيم بن إسماعيل بن حسن وعبد الله بن داود قال : فصفدوا في الحديد ثمَّ حملوا في محامل أعراء لا وطاء فيها ووقفوا بالمصلّى لكي يشمتهم الناس قال : فكفَّ النّاس عنهم ورقّوا لهم للحال التي هم فيها ثمَّ انطلقوا بهم حتّى وقفوا عند باب مسجدّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

قال : عبد الله بن إبراهيم الجعفري فحدثتنا خديجة بنت عمرّ بن عليّ أنّهم لـمّا أوقفوا عند باب المسجدّ الباب الّذي يقال : له باب جبرئيل اطلع عليهم أبو عبد اللهعليه‌السلام وعامة ردائه مطروحٌ بالأرض ، ثمَّ اطلع من باب المسجدّ فقال : لعنكم الله يا معاشر

________________________________________________________

ضرب أو باب التفعيل من صفّده إذا شدّه وأوثقه ، والإعراء جمع عراء كسحاب وهو ما لا وطاء له ، فيكون لا وطاء فيها تفسيراً وبياناً والمراد بالعراء عدم الغشاء ، وبالثاني عدم الفرش تحتهم ، قال : في القاموس : العراء الفضاء لا يستتر فيه بشيء والجمع أعراء ، ونحن نعاري نركب الخيل أعراء ، وقال : الوطاء ككتاب وسحاب عن الكسائي خلاف الغطاء ، انتهى.

« لكي يشتمهم الناس » من باب علم من الشماتة وهي الفرح ببليّة العدوّ « عنهم » أي عن شماتتهم ، والرّقة الرّحمة « قال : » هذا كلام عبد الله بن الحسن « أنّهم » أي عبد الله بن الحسن وسائر المأخوذين « اطلع عليهم » من باب الأفعال ، أي رأسه وفي الثاني من باب الافتعال أي خرج من الباب وأشرف عليهم ، ويحتمل أن يكون كلاهما من باب الافتعال ويكون الاطلاع أولا من الروزنة المفتوحة من المسجدّ إلى الطّريق مقابل مقام جبرئيل قبل الوصول إلى الباب ، وثانياً عند الخروج من الباب أو يكون كلاهما من الباب ، ويكون الأوّل بمعنى الإشراف والثاني بمعنى الخروج ، وقيل الاطّلاع ثانياً على أهل المسجدّ والكلام معهم.

وأقول : يحتمل كون الاطّلاع أوّلاً من دارهعليه‌السلام وثانياً من باب المسجد


الأنصار - ثلاثاً - ما على هذا عاهدتم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ولا بايعتموه أما والله إن كنت حريصاً ولكنّي غلبت وليس للقضاء مدفعٌ ، ثمَّ قام وأخذ إحدى نعليه فأدخلها

________________________________________________________

« ينادي أهل المسجد » من الأنصار.

ويؤيّده ما رواه أبو الفرج في مقاتل الطّالبيين بأسانيده المتكثرة إلى الحسين بن زيد قال : إنّي لواقف بين القبر والمنبر إذا رأيت بنيّ الحسن يخرج بهم من دار مروانّ مع أبي الأزهر يراد بهم الربذة فأرسل إلى جعفر بن محمّد فقال : ما وراءك؟ قلت : رأيت بنيّ حسن يخرج في محامل ، فقال : اجلس فجلست قال : فدعا غلاماً له ، ثمَّ دعا ربّه كثيراً ثمَّ قال : لغلامه : اذهب فإذا حملوا فأت فأخبرني قال : فأتاه الرسول فقال : قد أقبل بهم فقام جعفرعليه‌السلام فوقف وراء ستر شعر أبيض وأنا من ورائه فطلع بعبد الله بن حسن وإبراهيم بن حسن وجميع أهلهم كل واحد معادله مسود ، فلـمّا نظر إليهم جعفرعليه‌السلام هملت عيناه تم جرت دموعه على لحيته ثمَّ أقبل عليّ فقال : يا أبا عبد الله والله لا تحفظ بعد هذا لله حرمة ، ما وفت الأنصار ولا أبناء الأنصار رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بما أعطوه من البيعة على العقبة ، ثمَّ قال : حدَّثني أبي عن أبيه عن جدّه عن عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام أن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : له : خذ عليهم البيعة بالعقبة فقال : كيف آخذ عليهم ، قال : خذ عليهم يبايعون الله ورسوله.

قال : ابن الجعد في حديثه : على أن يطاع الله فلا يعصى ، وقال : الآخرون : على أن يمنعوا رسول الله وذرّيته ممّا يمنعون منه أنفسهم وذراريهم ، قال : فو الله ما وفوا له حتّى خرج من بين أظهرهم ، ثمَّ لا أحد يمنع يد لامس ، اللّهمّ فاشدد وطأتك على الأنصار ، وطرح الرّداء وجرّه على الأرض للغضب ، وتذكير مطروح باعتبار أنّ عامّة مؤنث غير حقيقي أو باعتبار الرداء أو لأنهما بمعنى أكثر.

« ما على هذا عاهدتم » إشارة إلى ما ذكرنا سابقاً « إن كنت » إن مخفّفة من المثقلة ، وضمير الشأن محذوف « حريصاً » يعنّي على دفع هذا الأمر منهم بالنّصيحة لهم « ولكنّي غلبت » على المجهول أي غلبنيّ القضاء أو شقاوة المنصوح وقلّة عقله ، « و


رجله والأخرى في يده وعامّة ردائه يجرُّه في الأرض ثمَّ دخل بيته فحم عشرين ليلة لم يزل يبكي فيه الليّل والنّهار حتّى خفنا عليه فهذا حديث خديجة قال : الجعفري وحدثنا موسى بن عبد الله بن الحسن انّه لـمّا طلع بالقوم في المحامل قام أبو عبد اللهعليه‌السلام من المسجدّ ثمَّ أهوى إلى المحمل الّذي فيه عبد الله بن الحسن يريد كلامه فمنع أشدّ المنع وأهوى إليه الحرسي فدفعه وقال : تنحَّ عن هذا ، فإن الله سيكفيك ويكفي غيرك ثمَّ دخل بهم الزقاق ورجع أبو عبد اللهعليه‌السلام إلى منزله فلم يبلغ بهم البقيع حتّى ابتلي الحرسيُّ بلاء شديداً رمحته ناقته فدقّت وركه فمات فيها ومضى بالقوم فأقمنا بعد ذلك حيناً ، ثمَّ أتى محمّد بن عبد الله بن حسن ، فأخبر

________________________________________________________

الأخرى في يده » هذه حالة تناسب من غلب عليه غاية الحزن والأسف والاضطراب « حتّى خفنا عليه » أي الهلاك والموت.

« لـمّا طلع » على بناء المجهول من طلع فلان إذا ظهر ، والباء للتعدية « في المحامل » متعلّق بطلع أو حال عن القوم « ثمَّ أهوى » أي مال وفي القاموس : الحرسيّ واحد حرس السّلطان « سيكفيك » أي يدفع شرّك والزقاق بالضمّ السّكة « فلم يبلغ » على بناء المجهول أو المعلوم وقال : الجوهري : رمحه الفرس والحمار والبغل : إذا ضربّه برجله « فمات فيها » أي بسببها ، والضمير للرمحة أو الناقة « مضى » على بناء المجهول كأتي ، وأخبر.

وأعلم أنّ الحسن المجتبى صلوات الله عليه كان له ثلاثة عشر ذكراُ من الأولاد ، وقيل : أحد عشر لكن لم يبق الأولاد إلّا من أربعة زيد ، والحسن ، والحسين الأثرم وعمرّ ، إلّا أن عقب الحسين وعمر إنقرضا سريعاً وبقي عقب الحسنعليه‌السلام من زيد والحسن المثنى ، وقالوا : إنّ الحسن المثنّى كان مع عمه الحسينعليه‌السلام في كربلاء وأثخن بالجراح فلـمّا أرادوا أخذ الرؤوس وجدوه وبه رمق ، فقال : أسماء بن خارجة : دعوه لي فلـمّا حملوه إلى الكوفة وهبه اللعين ابن زياد له فعالجه حتّى برأ فبقي إلى أن سمه الوليد بن عبد الملك وزوّجه الحسينعليه‌السلام ابنته فاطمة.


أن أباه وعمومته قتلوا - قتلهم أبو جعفر - إلّا حسن بن جعفر وطباطبا وعليَّ بن إبراهيم وسليمان بن داود وداود بن حسن وعبد الله بن داود قال : فظهر محمّد بن عبد الله

________________________________________________________

فكان عقبه من خمسة أولاد ذكور من عبد الله المحض ، وهو والد محمّد وإبراهيم وموسى ، ومن إبراهيم الغمرّ والحسن المثلث هؤلاء الثلاثة أمّهم فاطمة ، ومن داود وجعفر وأمّهما أمّ ولد روميّة ، والعقب من إبراهيم في إسماعيل الدّيباج ، والعقب منه في رجلين الحسن وإبراهيم طباطبا.

وقال : في عمدة الطالب : لقّب بطباطبا لأنّ أباه أراد أن يقطع ثوباً وهو طفل فخيّره بين قميص وقباء ، فقال : طباطبا يعني قبا قبا ، وقيل : بل أهل السّواد لقّبوه بذلك وطباطبا بلسان النبطيّة سيّد السّادات ، وعقب حسن المثلّث علىّ العابد ، مات في حبس المنصور وهو والد الحسين بن عليّ الشهيد بفخ كما سيأتي ، وداود كان رضيع الصّادقعليه‌السلام وأطلق من حبس المنصور بدعاء الاستفتاح الّذي علّمه الصّادقعليه‌السلام أمّه ، وعقبه من ابنه سليمان بن داود وجعفر بن الحسن تخلّص من الحبس ، وعقبه من ابنه الحسن بن جعفر.

هؤلاء ذكرهم صاحب عمدة الطالب وهو انّما ذكر من أعقب منهم وذكر في مقاتل الطالبيّين في المحبوسين : عبد الله بن الحسن المثلّث ، والعباس بن الحسن المثلث ، وإبراهيم بن الحسن المثنّى والحسن المثلث ، وإسماعيل بن إبراهيم بن الحسن المثنّى.

وروى بإسناده عن محمّد بن إبراهيم قال : أتى بهم أبو جعفر(١) فنظر إلى محمّد بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن عليّعليه‌السلام فقال : أنت الديباج الأصغر؟ قال : نعم ، قال : أما والله لأقتلنك قتلة ما قتلتها أحد من أهل بيتك ، ثمَّ أمرّ بأسطوانة مبنيّة ففرّقت ، ثمَّ أدخل فيها فبنى عليه وهو حيّ فظهر في مقاتل الطالبيّين أنّ محمّد بن عبد الله خرج لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة خمس وأربعين ومائة وقتل قبل

__________________

(١) أي المنصور الدوانيقي لعنه الله.


عند ذلك ودعا النّاس لبيعته ، قال : فكنت ثالث ثلاثة بايعوه واستوسق الناس لبيعته ولم يختلف عليه قرشي ولا أنصاري ولا عربي قال : وشاور عيسى بن زيد وكان من ثقاته وكان على شرطه فشاوره في البعثة إلى وجوه قومه فقال : له عيسى بن زيد إن دعوتهم دعاء يسيراً لم يجيبوك أو تغلظ عليهم فخلني وإياهم فقال : له محمّد امض إلى من أردت منهم فقال : ابعث إلى رئيسهم وكبيرهم يعنّي أبا عبد الله جعفر بن محمّدعليه‌السلام فإنك إذا أغلظت عليه علموا جميعاً أنّك ستمرُّهم على الطريق التي أمررت عليها أبا عبد اللهعليه‌السلام قال : فو الله ما لبثنا أن أتي بأبي عبد اللهعليه‌السلام حتّى أوقف بين يديه فقال : له عيسى بن زيد أسلم تسلم فقال : له أبو عبد اللهعليه‌السلام أحدثت نبوُّة بعد محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال له محمّدٌ : لا ولكن بايع تأمن على نفسك ومالك وولدك ولا تكلّفنَّ حرباً ، فقال

________________________________________________________

العصر يوم الاثنين لأربع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان.

وفي القاموس وسقه يسقه : جمعه وحمله ، واستوسقت الإبل : اجتمعت ، انتهى.

وفي بعض النسخ بالثاء المثلّثة من قولهم استوثق منه أخذ الوثيقة فيحتمل رفع الناس ونصبه على الحذف والإيصال والسّين أظهر وقيل : الياء في الأنصاريّ ليست للنسبة بل للواحد من الجمع نحو أعرابي.

وعيسى بن زيد الظاهر انّه زيد بن عليّ بن الحسينعليه‌السلام كما صرّح به في مقاتل الطالبيّين وذكره الشيخ من أصحاب الصّادقعليه‌السلام وقال : عداده في الكوفيّين أسند عنه وانّ كان هو هذا فلازم أكثر من هذا له.

والشرط جمع شرطة بالضم وهو أوّل كتيبة تشهد للحرب وتتهيأ للموت ، وطائفة من أعوان الولاة « يسيراً » أي دقيقاً « أو تغلظ » أو بمعنى إلى أن أو إلّا أن من نواصب المضارع « وإيّاهم » الواو بمعنى مع « أسلم » من الإسلام وهو ترك الكفر والشرك أو الانقياد « تسلم » بفتح التاء من السّلامة.

وقولهعليه‌السلام أحدثت نبوّة ، على الأوّل ظاهر وعلى الثاني مبنيّ على أن تغيير الإمامة عمّا وضع عليه الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله لا يكون إلّا ببعثة نبي آخر ينسخ دينه « لا تكلفن »


له أبو عبد اللهعليه‌السلام : ما فيَّ حربٌ ولا قتال ولقد تقدمت إلى أبيك وحذرته الّذي حاق به ولكن لا ينفع حذر من قدر يا ابن أخي عليك بالشباب ودع عنك الشيوخ فقال : له محمّد ما أقرب ما بيني وبينك في السن فقال : له أبو عبد اللهعليه‌السلام أنّي لم أعازك ولم أجئ لأتقدَّم عليك في الّذي أنت فيه فقال : له - محمّد لا والله لا بد من أن تبايع فقال : له أبو عبد اللهعليه‌السلام ما في يا ابن أخي طلبٌ ولا حرب وأنّي لاُريد الخروج إلى البادية فيصدُّني ذلك ويثقل عليَّ حتّى تكلّمني في ذلك الأهل غير مرة ولا يمنعني

________________________________________________________

على بناء المجهول « ولا قتال » بكسرّ القاف أي مقاتلة وقوّة عليها من قبيل عطف أحد المترادفين على الأخرى ، أو بالفتح بمعنى القوة كما ذكره الفيروزآبادي ، أي ليس لي قوّة على الحرب ولا غيره ، وفي الصّحاح حاق به الشيء أي أحاط به ، وحاق بهم العذاب أي أحاط بهم ونزل ، انتهى.

والحذر بالتحريك الاحتراز و « من » متعلّق بحذر أو بينفع بتضمين معنى الإيحاء والشباب بالفتح والتخفيف جمع شابّ كالشبّان بضمّ الشين وتشديد الباء كما في بعض النّسخ « ما أقرب » فعل تعجّب حمل كلامهعليه‌السلام على أن غرضهعليه‌السلام إظهار كونه أسنّ وأولى بالإمامة والمعازة : المغالبة ومنه قوله تعالى : «وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ »(١) في القاموس : عزّه كمدّة غلبه في المعازة ، والاسم العزّة بالكسر ، وفي الخطاب : غالبة كعازّه ، وفي بعض النّسخ بالراء المهملة ، في القاموس : عرّه ساءه وبشرّ لطخه به ، والمعرة : الإثمَّ والأذى ، وعاره معارة وعرارا : صاح والعرة الشدة في الحرب ، انتهى ، والأوّل أظهر.

« في الّذي أنت فيه » أي من الحكومة « طلب ولا هرب » أي كرّ وفرّ في الحرب « فيصدّني ذلك » أي لا يتيسّر لي ذلك الخروج ، كانّه يمنعنّي ، أو يكون ذلك إشارة إلى الضعف المفهوم من الكلام السّابق أي يصدّني الضّعف عن الخروج « حتّى يكلمني » أي يلومني أهلي بترك السّعي لطلب المعاش أو غير ذلك.

__________________

(١) سورة ص : ٢٣.


منه إلّا الضعف والله والرَّحم أن تدبر عنّا ونشقى بك فقال : له يا أبا عبد الله قد والله مات أبو الدوانيق - يعني أبا جعفر - فقال : له أبو عبد اللهعليه‌السلام وما تصنع بي وقد مات قال : اُريد الجمال بك قال : ما إلى ما تريد سبيل لا والله ما مات أبو الدوانيق إلّا أن يكون مات موت النوم قال : والله لتبايعنّي طايعاً أو مكرهاً ولا تحمد في بيعتك فأبى عليه إباء شديدا وأمرّ به إلى الحبس فقال : له عيسى بن زيد أما إن طرحناه في السجن وقد خرب السجن وليس عليه اليوم غلق خفنا أن يهرب منه فضحك أبو عبد اللهعليه‌السلام ثمَّ قال : لا حول ولا قوة إلّا بالله العليّ العظيم أوتراك تسجنني ؟ قال : نعم والّذي أكرم محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله بالنبوة لأسجننك ولأشددن عليك فقال : عيسى بن زيد احبسوه في المخبأ - وذلك دار ريطة اليوم - فقال : له أبو عبد اللهعليه‌السلام أما والله إنّي سأقول ثمَّ أصدّق ، فقال

________________________________________________________

« والله والرّحم » بالجرّ أي أنشد بالله وبالرّحم في أن لا تدبر ، أو بالنّصب بتقدير أذكر أن تدبر أي لا تقبل نصحنا ونتعب بما يصيبنا من قتلك ومفارقتك ، أو المعنى لا تكلّفنا البيعة فتقتل أنت كما هو المقدّر ، وتقع في مشقّة وتعب بسبب مبايعتك وهذا أظهر ، والجمال الزّينة « إلّا أن يكون » استثناء منقطع ، فإن النوم ليس موتاً حقيقة بل شبيه بالموت « وموت النوم » من قبيل إضافة المشبه نحو لجين الماء « أما إن طرحناه » أما بالتخفيف « وقد خرب » الواو للحال « خفنا » جواب الشرط « أو تراك » الهمزة للاستفهام التعجبي والواو للعطف على مقدّر ، وهو ما صدر عنه سابقاً من سوء الأدب.

« دار ريطة » في بعض النّسخ بالياء المثّناة التحتانية وهي اسم نوع من الثياب أي دار ينسج فيها الريطة ، أو توضع فيها ، وفي بعضها بالباء الموحدة. أي دار تربط فيها الخيل ، والأظهر عندي انّه بالمثناة اسم ريطة بنت عبد الله بن محمّد بن الحنفية أمّ يحيى بن زيد ، وكانت ريطة في هذا اليوم تسكن هذه الدار.

« أنّي سأقول » السّين للتأكيد « ثمَّ أصدّق » على بناء المجهول من التفعيل أي يصدّقني الناس عند وقوع ما أقول ، ويمكن أن يقرأ على بناء المجرّد المعلوم فثمَّ منسلخ عن التراضي لبيان أنَّ الصدّق في ذلك عظيم دون القول ، والأزرق من في عينيه زرقة


له عيسى بن زيد : لو تكلّمت لكسرت فمك فقال : له أبو عبد اللهعليه‌السلام أما والله يا أكشف يا أزرق لكأنّي بك تطلب لنفسك جحراً تدخل فيه وما أنت في المذكورين عند اللقاء وأنّي لأظنك إذا صفق خلفك طرت مثل الهيق النافر فنفر عليه محمّد بانتهار احبسه وشدد عليه واغلظ عليه فقال : له أبو عبد اللهعليه‌السلام أما والله لكأنّي بك خارجاً من سدة أشجع إلى بطن الوادي وقد حمل عليك فارس معلم في يده طرادة نصفها أبيض ونصفها أسود على فرس كميت أقرح فطعنك فلم يصنع فيك شيئاً وضربت خيشوم فرسه فطرحته وحمل عليك آخر خارج من زقاق آل أبي عمّار الدّئلييّن عليه غديرتان

________________________________________________________

« عند اللّقاء » أي ملاقاة العدوّ « إذا صفق » على بناء المجهول ، والصّفق : الضّرب الّذي له صوت ، والهيق : ذكر النعام.

وقيل : انّما خص لانّه أجبن من الأنثى وأقول : يمكن أن يكون لكونه أشدّ عدواً « فنفر عليه » أي أمرّ بالقهر عليه في القاموس أنفره عليه ونفره عليه قضى له عليه بالغلبة « بانتهار » الباء للمصاحبة والانتهار الزجر ، والمخاطب عيسى أو السراقي الآتي ذكره ، وأعلم الفارس : جعل لنفسه علامة في الحرب علامة الشجعان فهو معلم ، وفي القاموس : الطراد ككتاب رمح قصير ، وقال : الجوهري : الكميت من الفرس يستوي فيه المذكّر والمؤنّث ولونه الكمتة وهي حمرة يدخلها قنوء ، قال : سيبويه : سألت الخليل من كميت فقال : انّه صفر لانّه بين السواد والحمرة كانّه لم يخلص له واحد منهما ، وقال : القرحة في الفرس ما دون الغرّة والفرس أقرح « فطرحته » الضمير للخيشوم أو للفارس ، وفي القاموس : الدئل بالضم وكسرّ الهمزة أبو قبيلة والنسبة دئلى ودولي بفتح عينهما ، ودولي كخيري ، وقال : الدئل بالكسرّ حي من عبد القيس أو هما ديلان ، ديل بن شن بن أقصى بن عبد القيس ، وديل بن عمرو بن وديعة بن أقصى بن عبد القيس ، انتهى.

ففي أكثر النسخ الديليني فهو نسبة إلى الديلين المذكورين ، وفي بعضها الديلي


مضفورتان ، وقد خرجتا من تحت بيضة كثير شعر الشاربين فهو والله صاحبك فلا رحم الله رمّته فقال : له محمّد يا أبا عبد الله حسبت فأخطأت وقام إليه السراقي بن سلخ الحوت فدفع في ظهره حتّى أدخل السجن واصطفي ما كان له من مال وما كان لقومه ممن لم يخرج مع محمّد قال : فطلع بإسماعيل بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وهو شيخ كبيرٌ ضعيفٌ ، قد ذهبت إحدى عينيه وذهبت رجلاه وهو يحمل حملا فدعاه إلى البيعة فقال : له يا ابن أخي أنّي شيخ كبير ضعيف وأنا إلى برك وعونك أحوج - فقال : له لا بد من أن تبايع فقال : له وأي شيء تنتفع ببيعتي والله أنّي لأضيّق عليك مكان اسم رجلّ إن كتبته قال : لا بدَّ لك أن تفعل وأغلظ له في القول فقال : له إسماعيل ادع لي جعفر بن محمّد فلعلنا نبايع جميعاً قال : فدعا جعفراًعليه‌السلام فقال : له إسماعيل جعلت فداك إن رأيت أن تبين له فافعل لعلّ الله يكفه عنا قال :

________________________________________________________

فهو نسبة إلى أحد ما ذكر ، والغديرة الذّؤابة ، والضفر : نسج الشعر « فهو والله صاحبك » أي قاتلك ، والرّمّة بالكسرّ : العظام البالية ، والمعنى لارحمه‌الله أبدا ولو بعد صيرورته رميماً « حسبت » من الحساب أي قلت ذلك بحساب النجوم وسيرها وعدّ درجاتها فأخطأت في الحساب أو من الحسبان بمعنى الظنّ أو قلت ذلك على الظنّ والتخمين وسلح الحوت بالحاء المهملة من الألقاب المذمومة التي تنابز بها تشبيهاً بعذرة الحوت كما مرّ في سلح الغراب ، وفي بعض النّسخ بالخاء المعجمة تشبيهاً بالحوت المسلوخ ، والأوّل أظهر.

« فدفع » أي ضرب بيده لعنه الله « حتّى أدخل » على المجهول ويحتمل المعلوم وكذا اصطفى يحتملهما أي غصب ونهب أموالهعليه‌السلام وأموال أصحابه « فطلع » على المجهول والباء للتعدية ، في القاموس : طلع فلان علينا كمنع ونصر : أتانا كأطلع « وذهبت رجلاه » أي قوّتهما « حملاً » مفعول مطلق للنوع « أحوج » أي مني إلى طلب البيعة « وأيّ شيء » منصوب بنيابة المفعول المطلق « لأضيّق عليك » أي في الدّفتر


قد أجمعت إلّا أكلّمه : أفليرفيّ برأيه فقال : إسماعيل لأبي عبد اللهعليه‌السلام أنشدك الله هل تذكر يوماً أتيت أباك محمّد بن عليّعليه‌السلام وعليّ حلتان صفراوان فدام النظر إلي فبكى فقلت له ما يبكيك فقال : لي يبكيني أنك تقتل عند كبر سنك ضياعاً لا ينتطح في دمك عنزان قال : قلت فمتى ذاك قال : إذا دعيت إلى الباطل فأبيته وإذا نظرت إلى الأحول مشوم قومه ينتمي من آل الحسن على منبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يدعو إلى نفسه ، قد تسمّى بغير اسمه ، فأحدث عهدك واكتب وصيتك فإنك مقتول

________________________________________________________

« أن تبيّن له » أي عاقبة أمره وانّه لا يتمّ له ما يروم ، ولا يجوز له ما يفعل « قد أجمعت » أي عزمت وجزمت على أن لا أكلّمه « وليرفيّ رأيه(١) » أي فليفعل بي ما يقتضي رأيه المشئوم.

وقال : الجوهري : قال : أبو عبيد : الحلل برود اليمن والحلة إزار ورداء لا يسمى حلة حتّى يكون ثوبين ، وفي القاموس : مات ضياعاً كسحاب أي غير مفتقد.

قولهعليه‌السلام : لا ينتطح ، كناية عن نفي وقوع التخاصم في طلب دمه ، أو عن قلة دمه لكبر سنة ، أي إذا ضرباً بقرنهما الأرض يفنى دمك ، والأوّل هو الظاهر ، قال : في المغرب : في الأمثال لا ينتطح فيها عنزان يضرب في أمرّ هين لا يكون له تغيير ولا نكير ، قال : الجاحظ : أوّل من تكلّم به النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : حين قتل عدي بن عمير عصماء ، وفي القاموس : نطحة كمنعه وضربّه : أصابه بقرنه ، وانتطحت الكباش : تناطحت ، وفي النهاية : في الحديث لا ينتطح فيها عنزان أي لا يلتقي فيها اثنان ضعيفان ، لأن النطاح من شأن التيوس والكباش لا العنوز ، وهو إشارة إلى قضية مخصوصة لا يجري فيها خلف ولا نزاع ، انتهى.

والمشوم مخفف مشؤوم بالهمزة ضد المبارك « ينتمي » أي يرتفع عن درجته ويدعي ما ليس له ، في القاموس : انتمى البازي ارتفع من موضعه إلى آخر كتنمى ، وفي بعض النسخ : يتمنى أي يرجو منزلة لا يدركها « قد تسمّى بغير اسمه » كالمهدي وصاحب النفس الزكيّة « فأحدث عهدك » أي جدّد إيمانك وميثاقك أو ما تريد أن

__________________

(١) وفي المتن « فلير في برأيه ».


في يومك أو من غد ، فقال : له أبو عبد اللهعليه‌السلام نعم وهذا - وربّ الكعبة - لا يصوم من شهر رمضان إلّا أقلّه فأستودعك الله يا أبا الحسن وأعظم الله أجرنا فيك وأحسن الخلافة على من خلفّتو إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ، قال : ثمَّ احتمل إسماعيل وردّ جعفر إلى الحبس قال : فو الله ما أمسينا حتّى دخل عليه بنو أخيه بنو معاوية بن عبد الله

________________________________________________________

تعهده إلى أهلك وأصحابك « أو من غد » إمّا تبهيم من الإمامعليه‌السلام للمصلحة ، لئلا ينسب إليهم علم الغيب ، أو ترديد من بعض الرّواة « وهذا » أي محمّد بن عبد الله « أستودعك » أي استحفظك « الله » وأجعلك وديعة عنده « على من خلفت » على التفعيل « ثمَّ احتمل » على بناء المجهول.

« بنو معاوية » أولاد معاوية كانوا رجال سوء على ما ذكره صاحب مقاتل الطالبيين منهم عبد الله والحسن ويزيد وعلى وصالح ، كلهم أولاد معاوية بن عبد الله بن جعفر ، وخرج عبد الله في زمان يزيد بن الوليد من بنيّ أمية ودعا الناس إلى بيعته على الرضا من آل محمّد ، ولبس الصوف وأظهر سيماء الخير ، فاجتمع إليه نفر من أهل الكوفة وبايعوه ، ثمَّ لـمّا لم يجتمع عليه جمهور أهل الكوفة فقاتل وإلى الكوفة من قبل يزيد وانهزم ، وجعل يجمع من الأطراف والنواحي من أجابه حتّى صار في عدَّة ، فغلب على مياه الكوفة ومياه البصرة وهمدان وقم والري وقومس وأصفهان وفارس ، وأقام هو بإصبهان واستعمل أخاه الحسن على إصطخر ، ويزيد على شيراز ، وعليا على كرمان ، وصالحاً على قم ونواحيها ، فلم يزل مقيما في هذه النواحي حتّى ولي مروانّ الحمار ، فسير إليه جيشا فانهزم وذهب إلى خراسان ، وقد ظهر أبو مسلم فأخذه وحبسه ثمَّ قتله.

قال : صاحب المقاتل : كان عبد الله جوادا فارسا شاعراً ولكنّه كان سيئ السيرة ، رديٌ المذهب ، قتالاً مستظهرا ًببطانة السوء ومن يرمي بالزندقة ، وكان يغضب على الرّجل فيأمر بضربه بالسيّاط وهو يتحدّث ويتغافل عنه حتّى يموت تحت السيّاط.

أقول : وكان الّذين بايعوا محمّداً من أولاد معاوية على ما ذكره صاحب المقاتل


بن جعفر فتوطّؤوه حتى قتلوه وبعث محمّد بن عبد الله إلى جعفر فخلّى سبيله قال : وأقمنا بعد ذلك حتّى استهللنا شهر رمضان فبلغنا خروج عيسى بن موسى يريد المدينة قال : فتقدّم محمّد بن عبد الله ، على مقدّمته يزيد بن معاوية بن عبد الله بن

________________________________________________________

الحسن ويزيد وصالحاً ، وذكر أحوالهم وحبسهم وقتلهم بعد قتل محمد.

وقال : ابن الأثير في الكامل : أرسل محمّد إلى إسماعيل بن عبد الله بن جعفر وكان شيخاً كبيراً فدعاه إلى بيعته فقال : ابن أخي أنت والله مقتول فكيف أبايعك ، فارتدع الناس عنه قليلاً ، وكان بنو معاوية بن عبد الله بن جعفر قد أسرعوا إلى محمّد فأتت حمادة ابنة معاوية إلى إسماعيل وقالت : يا عم إن إخوتي قد أسرعوا إلى ابن خالهم وإنك إن قلت هذه المقالة ثبطت الناس عنهم ، فقتل ابن خالي وإخوتي ، فأبى إسماعيل إلّا النهي عنه ، فيقال : إن حمادة عدت عليه فقتلته ، فأراد محمّد الصلاة عليه فمنعه عبد الله بن إسماعيل وقال : أتأمرّ بقتل أبي وتصلي عليه ، فنحاه الحرس وصلّى عليه محمّد ، انتهى.

« فتوطئوه » على باب التفعيل أي داسوه بأرجلهم « على مقدّمته » جملة حاليّة ، وعيسى هو ابن أخي منصور ، وهو عيسى بن موسى بن محمّد بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس.

قوله : ولد الحسن بن زيد ، الظاهر انّه كان هكذا ولد الحسن بن زيد بن الحسن قاسم وزيد وعلى وإبراهيم بنو الحسن بن زيد ، ولو كان في ولد الحسن بن زيد محمّد لاحتمل أن يكون ومحمّد وزيد لكن لم يذكره أرباب النّسب ، ومحمّد بن زيد لا يستقيم لانّه لم يكن لزيد ولد سوى الحسن كما ذكره أرباب النّسب ، ولم يذكروا أيضاً محمّد بن زيد بن الحسن بن زيد وذكروا انّه كان للحسن بن زيد بن الحسن سبعة أولاد ذكور : القاسم وإسماعيل وعلى وإسحاق وزيد وعبد الله وإبراهيم.

وقال : صاحب عمدة الطالب : إنّ زيد بن الحسن بن عليّعليهما‌السلام كان يتولّى صدقات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتخلّف عن عمّه الحسين ولم يخرج معه إلى العراق ، وبايع


جعفر ، وكان على مقدّمة عيسى بن موسى ولد الحسن بن زيد بن الحسن بن الحسن وقاسم ومحمّد بن زيد وعليُّ وإبراهيم بنو الحسن بن زيد فهزم يزيد بن معاوية وقدم عيسى بن موسى المدينة وصار القتال بالمدينة ، فنزل بذباب ودخلت علينا المسوّدة من

________________________________________________________

بعد قتل عمّه الحسين ، عبد الله بن الزبير لأنّ أخته لأمّه وأبيه كانت تحت عبد الله فلـمّا قتل عبد الله أخذ زيد بيد أخته ورجع إلى المدينة وعاش مائة سنة وقيل : خمساً وتسعين ، وقيل : تسعين ومات بين مكة والمدينة ، وابنه الحسن بن زيد كان أمير المدينة من قبل المنصور الدوانيقي ، وعينا له على غير المدينة أيضاً ، وكان مظاهراً لبنيّ العباس على بنيّ عمّه الحسن المثنى ، وهو أوّل من لبس السواد من العلويين وبلغ من السن ثمانين سنة ، وأدرك زمن الرشيد.

ثمَّ قال : وأعقب الحسن بن زيد سبعة رجال : القاسم وهو أكبر أولاده ، وكان زاهداً عابداً ورعاً إلّا انّه كان مظاهراً لبنيّ العبّاس على بنيّ عمّه الحسن المثنّى انتهى.

فظهر ممّا ذكرنا انّه لا يستقيم في هذه العبارة إلّا ما ذكرنا أو يكون هكذا : ولد الحسن بن زيد بن الحسن ومحمّد بن زيد وقاسم ومحمّد وإبراهيم بنو الحسن بن زيد فيكون محمّد بن زيد هو محمّد بن عليّ بن الحسين ويكون قاسم إلى آخره بياناً لولد الحسن بن زيد ، أو يكون محمّد بن زيد مؤخراً عن قوله : بنو الحسن بن زيد ، وقيل : ولد الحسن أي أولاد الحسن بن زيد بن الحسن لم يذكر اسمه لأن موسى لم يعرفه بخصوصه ، و « بنو » عطف بيان لقاسم ومحمّد وعليّ ، يعنّي أن قاسماً ابن الحسن بن زيد بلا واسطة زيد وعليّاً ابن الحسن بن زيد بواسطة إبراهيم ، انتهى ، وكان في نسخته وعليّ بن إبراهيم ، ويظهر وهنه ممّا ذكرنا.

« المدينة » أي متّصلاً بالمدينة خارجه ، ودخل عسكره المدينة ، والذباب بالضمّ : جبل بالمدينة ، والمسّودة بكسرّ الواو : جند بنيّ العبّاس لتسويدهم ثيابهم ، كالمبيضة لأصحاب محمّد لتبييضهم ثيابهم.


خلفنا وخرج محمّدٌ في أصحابه حتّى بلغ السوق ، فأوصلهم ومضى ثمَّ تبعهم حتّى انتهى إلى مسجدّ الخوامين فنظر إلى ما هناك فضاء ليس فيه مسوّد ولا مبيّضٌ ، فاستقدم حتّى انتهى إلى شعب فزارة ثمَّ دخل هذيل ثمَّ مضى إلى أشجع فخرج إليه الفارس الّذي قال : أبو عبد الله من خلفه من سكة هذيل فطعنه فلم يصنع فيه شيئاً وحمل على الفارس فضرب خيشوم فرسه بالسيف فطعنه الفارس ، فأنفذه في الدّرع وانثنى عليه محمّد فضربّه فأثخنه وخرج عليه حميد بن قحطبة وهو مدبرٌ على الفارس يضربّه من

________________________________________________________

« من خلفنا » أقول : هذا إشارة إلى ما ذكره ابن الأثير أنّ في أثناء القتال بعد انهزام كثير من أصحاب محمّد ، فتح بنو أبي عمرو الغفّاريون طريقاً في بني غفّار لأصحاب عيسى فدخلوا منه أيضاً وجاءوا من وراء أصحاب محمد.

قوله : ومضى ، أي لجمع سائر العساكر أو لغيره من مصالح الحرب « ثمَّ تبعهم » أي رجع أثرهم « حتّى انتهى إلى مسجدّ الخوامين » أي بياعي الخام « فلم ير فيه أحدا » لتفرّق أصحابه وانهزامهم ، وفي القاموس : الخام الجلد لم يدبغ أو لم يبالغ في دبغه والكرباس لم يغسل معرب والفجلّ ، وقوله : فضاء بالجر بدل أو بالرفع خبر مبتدإ محذوف ، وفي القاموس : المبيّضة كمحدّثة : فرقة من الثنويّة لتبييضهم ثيابهم مخالفة للمسودّة من العبّاسييّن ، انتهى.

« فاستقدم » أي تقدّم أو اجترأ وفي القاموس : المقدام الكثير الإقدام وقدم كنصر وعلم وأقدم وتقدّم واستقدم ، وقال : الشّعب بالكسر : الطريق في الجبل ومسيل الماء في بطن أرض ، أو ما انفرج بين الجبلين ، وقال : فزارة أبو قبيلة من غطفان ، وقال : هذيل ابن مدركة بن إلياس بن مضر أبو حي من مضر ، وقال : أشجع بن ريث بن غطفان أبو قبيلة انتهى.

والحاصل انّه تقدّم حتّى انتهى إلى شعب قبيلة فزارة ثمَّ دخل شعب هذيل أو محلتهم ، ثمَّ مضى إلى شعب أشجع أو محلّتهم ، والسكة : الزقاق « فأنفذه » أي الرّمح « في الدّرع » أي لم يصل إلى بدنه « وانثنى » أي انعطف « فأثخنه » أي أوهنه بالجراحة « وهو » أي محمّد « مدبر على الفارس » فيه تضمين معنى الإقبال أو الحملة من زقاق


زقاق العمّارييّن فطعنه طعنة ، أنفذ السنان فيه ، فكسرّ الرمح وحمل على حميد فطعنه حميد بزج الرمح فصرعه ثمَّ نزل إليه فضربّه حتّى أثخنه وقتله وأخذ رأسه ودخل الجند من كل جانب وأخذت المدينة وأجلينا هربا في البلاد قال : موسى بن عبد الله

________________________________________________________

العمارييّن » متعلّق بخرج ، والزجّ : بالضمّ والتشديد : الحديدة في أسفل الرّمح « فصرعه » أي أسقطه على الأرض.

ويقال : جلا القوم عن الموضع ومنه جلواً وجلاءاً وأجلواً : تفرقوا ، وأجلاً من الجدب وجلاه الجدب وأجلاه ، كذا ذكره الفيروزآبادي ، فيمكن أن يقرأ هنا على بناء المعلوم والمجهول « هربا » مفعول له أو بمعنى هاربين.

وإبراهيم هو أخو محمّد كان يهرب من المنصور في البلاد خمس سنين ، مرّة بفارس ، ومرّة بكرمان ، ومرّة ببابل ، ومرّة بالحجاز ، ومرّة باليمن ، ومرّة بالشام إلى أن قدم البصرة في السّنة التي خرج فيها أخوه في المدينة وبايعه من أهلها أربعة آلاف رجلّ ، فكتب إليه أخوه يأمره بالظهور فظهر أمره أوّل شهر رمضان سنة خمس وأربعين ومائة فغلب على البصرة ، ووجدّ في بيت مالها ألفي ألف درهم ، ووجّه جنوداً إلى أهواز والفارس ، وقوي أمره واضطرب المنصور ووصل إليه نعي أخيه محمّد قبل الفطر بثلاثة أيّام ، فاشتد في الأمر وكان قد أحصى ديوانه مائة ألف مقاتل ، وكان رأي أهل البصرة أن لا يخرج عنهم ويبعث الجنود إلى البلاد فلم يسمع منهم وخرج نحو الكوفة ، فبعث إليه المنصور عيسى في خمسة عشر ألفا ، وعلى مقدمته حميد بن قحطبة في ثلاثة آلاف.

فسار إبراهيم حتّى نزل باخمري وهي من الكوفة على ستّة عشر فرسخاً ، ووقع القتال فيه وانهزم عسكر عيسى حتّى لم يبق معه إلّا قليل ، فأتى جعفر وإبراهيم ابنا سليمان بن عليّ من وراء ظهور أصحاب إبراهيم وكانوا يتبعون المنهزمين فلـمّا رأوا ذلك رجعوا إلى قتال هؤلاء ، فرجع المنهزمون وأحاطوا بهم من الجانبين ، وقتل إبراهيم وتفرق أصحابه وأتى برأسه إلى المنصور.

وكان قتله يوم الاثنين لخمس بقين من ذي القعدَّة ، ومكث مذ خرج إلى أن قتل


فانطلقت حتّى لحقت بإبراهيم بن عبد الله فوجدت عيسى بن زيد مكمناً عنده ، فأخبرته بسوء تدبيره وخرجنا معه حتّى أصيبرحمه‌الله ، ثمَّ مضيت مع ابن أخي

________________________________________________________

ثلاثة أشهر إلّا خمسة أيّام.

قوله : مكمناً عنده ، أي أكمنه إبراهيم وأكمن هو نفسه لئلا يراه أحد خوفا من المنصور إن كان قبل الخروج أو من سائر الناس لسوء سريرته في أيّام استيلاء محمد.

« بسوء تدبيره » الظّاهر أن الضمير راجع إلى عيسى أو إلى محمّد وسوء تدبيرهما كان ظاهراً من جهات شتى لإضرارهم واستهانتهم بأشرف الذرّية الصادقعليه‌السلام وقتلهم إسماعيل وعدم خروجهم عن المدينة وحفرهم الخندق مع نهي الناس عنه ، وكل ذلك كان أسباب استيصالهم أو في أصل الخروج مع إخبار الصّادقعليه‌السلام بعدم ظفرهم وهو أظهر.

قوله : ثمّ مضيت مع ابن أخي قال : صاحب المقاتل : عبد الله الأشتر بن محمّد بن - عبد الله بن الحسن أمّه أمّ سلمة بنت محمّد بن الحسن بن الحسن بن عليّ ، كان عبد الله ابن محمّد بن مسعدَّة المعلم أخرجه بعد قتل أبيه إلى بلاد الهند فقتل بها ، ووجه برأسه إلى المنصور ، ثمَّ قدم بابنه محمّد بن عبد الله بن محمّد بعد ذلك وهو صغير على موسى بن عبد الله بن الحسن ، وابن مسعدة هذا كان مؤدّباً لولد عبد الله بن الحسن.

قال : عبد الله بن محمّد بن مسعدَّة ، لـمّا قتل محمّد خرجنا بابنه الأشتر عبد الله بن محمّد فأتينا الكوفة ثمَّ انحدرنا إلى البصرة ، ثمَّ خرجنا إلى السّند فلـمّا كان بيننا وبينها أيّام نزلنا خاناً فكتب فيه :

منخرق الخّفين يشكو لوحا

تنكبه أطراف مرو حداد

طرّده الخوف فأزرى به

كذاك من يكره حرّ الجلاد

قد كان في الموت له راحة

والموت حتم في رقاب العباد

وكتب اسمه تحتها ، ثمَّ دخلنا قندهار فأحللته قلعة لا يرومها رائم ولا يطور بها


الأشتر عبد الله بن محمّد بن عبد الله بن حسن حتّى أصيب بالسّند ، ثمَّ رجعت شريداً طريداً تضيّق عليّ البلاد فلـمّا ضاقت عليّ الأرض واشتد بي الخوف ذكرت ما قال : أبو عبد اللهعليه‌السلام فجئت إلى المهديّ وقد حجُّ وهو يخطب الناس في ظلّ الكعبة فما شعر إلّا وأنّي قد قمت من تحت المنبر فقلت لي الأمان يا أمير المؤمنين وأدلك على نصيحة لك عندي فقال : نعم ماهي ؟ قلت أدلك على موسى بن عبد الله بن حسن فقال : لي نعم لك الأمان فقلت له أعطني ما أثق به ، فأخذت منه عهوداً

________________________________________________________

طائر ، وكان أفرس من رأيت من عباد الله ما أخال الرّمح في يده إلّا قلـماً ، فنزلنا بين ظهراني قوم يتخلّقون بأخلاق الجاهليّة ، قال : فخرجت لبعض حاجتي وخلفي بعض تجّار أهل العراق ، فقالوا له : قد بايع لك أهل المنصورة ، فلم يزالوا به حتّى صار إليها.

فحدّثت أنّ رجلاً جاء إلى المنصور فقال : له : مررت بأرض السند فوجدت كتابا في قلعة من قلاعها فيه كذا وكذا فقال : لهو هو ، ثمَّ دعا هشام بن عمرو بن بسطام فقال : اعلم أن الأشتر بأرض السند وقد وليتك عليها فانظر ما أنت صانع ، فشخص هشام إلى السند فقتله ، وبعث برأسه إلى أبي جعفر.

قال : عيسى فرأيت رأسه قد بعث به أبو جعفر إلى المدينة وعليها حسن بن زيد ، فجعلت الخطباء تخطب وتذكر المنصور وتثني عليه ، والحسن بن زيد على المنبر ورأس الأشتر بين يديه ، قال : عيسى بن عبد الله : حدَّثني من أثق به وابن مسعدَّة أن الأشتر وأصحابه أغدوا السير ثمَّ نزلوا فناموا ، فنفشت خيلهم في زرع للزط(١) فخرجوا إليهم فقتلوهم بالخشب ، فبعث هشام فأخذ رؤوسهم فبعث بها إلى أبي جعفر ، قال : عيسى : قال : ابن مسعدَّة : ولم نزل في تلك القلعة أنا ومحمّد بن عبد الله حتّى توفي أبو جعفر وقام المهدي فقدمت به وبأمّه إلى المدينة ، انتهى.

والسّند بلاد معروفة منها قندهار ، وبعدها الهند ، أو هي منها أيضاً « شريداً طريداً » أي نافراً مدفوعاً ، والمهدي محمّد بن منصور صار خليفة بعد أبيه في ذي الحجة

__________________

(١) وفي المصدر « للرهط ».


ومواثيق ووثّقت لنفسي ثمَّ قلت أنا موسى بن عبد الله فقال : لي إذا تكرم وتحبى فقلت له أقطعنّي إلى بعض أهل بيتك يقوم بأمري عندك فقال : لي انظر إلى من أردت فقلت عمّك العبّاس بن محمّد فقال : العبّاس لا حاجة لي فيك فقلت ولكن لي فيك الحاجة أسألك بحقَّ أمير المؤمنين إلّا قبلتني فقبلني شاء أو أبى وقال : لي المهديٌّ

________________________________________________________

سنة ثمان وخمسين ومائة و « تحبى » على المجهول من الحباء وهو العطيّة قوله : أقطعني لعله من قولهم أقطعه قطيعة أي طائفة من أرض الخراج كناية عن انّه يحفظني ويقوم بما يصلحني كأنّي ملك له ، وقيل : أي أوصلني إلى مأمن مستعار من أقطع فلاناً إذا جاوز به نهراً ، وأوصله إلى الشاطئ.

« إلّا قبلتني » أي أسألك في جميع الأحوال إلّا حال القبول « شاء أو أبي » أي طوعا أو كرها « كذبة » بالكسرّ وكفرحة مفعول مطلق « مولاهم » أي عبدهم أو معتقهم أو محل نعمتهم ، أو محبهم أو تابعهم.

أقول : وروى صاحب المقاتل عن موسى بن عبد الله قال : لـمّا صرنا بالربذة أرسل أبو جعفر إلى أبي : أرسل إلى أحدكم واعلم انّه غير عائد إليك أبداً ، فابتدره بنو إخوته يعرضون أنفسهم عليه فجزاهم خيراً وقال : لهم : أنا أكره أن أفجعهم بكم ، ولكن اذهب أنت يا موسى ، قال : فذهبت وأنا يومئذ حديث السن فلـمّا نظر إلى قال : لا أنعم الله بك عينا السياط يا غلام ، قال : فضربت والله حتّى غشي عليّ فما أدري بالضرب ، ثمَّ رفعت السيّاط عنّي واستدناني فقربت منه ، فقال : أتدري ما هذا؟ هذا فيض فاض مني فأفرغت عليك سجلاً(١) لم أستطع رده ، ومن ورائه والله الموت أو تفتدي مني ، قلت : والله يا أمير المؤمنين ما كان لي ذنب وأنّي منعزل عن هذا الأمر ، قال : انطلق فأتني بأخويك ، قال : قلت : تبعثني إلى رباح بن عثمان فتضع على العيون والرصد ، فلا أسلك طريقا إلّا أتبعنّي ، ويعلم أخواي فيهربان مني ، قال : فكتب إلى رباح :

__________________

(١) السجلّ : النصيب.


من يعرفك ؟ - وحوله أصحابنا أو أكثرهم - فقلت هذا الحسن بن زيد يعرفني وهذا موسى بن جعفر يعرفني وهذا الحسن بن عبد الله بن العباس يعرفني فقالوا نعم يا أمير المؤمنين كانّه لم يغب عنّا ، ثمَّ قلت للمهديّ ؟ يا أمير المؤمنين لقد أخبرني بهذا المقام أبو هذا الرجلّ وأشرت إلى موسى بن جعفر قال : موسى بن عبد الله وكذبت على جعفر كذبة فقلت له وأمرني أن أقرئك السلام وقال : انّه إمام عدل وسخاء قال : فأمرّ لموسى بن جعفر بخمسة آلاف دينار فأمرّ لي منها موسى بألفي دينار ووصل عامة أصحابه ووصلني فأحسن صلتي فحيث ما ذكر ولد محمّد بن عليّ بن الحسين فقولوا صلّى الله عليهم وملائكته وحملة عرشه والكرام الكاتبون وخصوا أبا عبد الله بأطيب ذلك وجزى موسى بن جعفر عنّي خيراً فأنا والله مولاهم بعد الله.

________________________________________________________

لاسلطان لك على موسى وأرسل معي حرساً أمرهم أن يكتبوا إليه بخبري ، فقدمت المدينة فنزلت دار ابن هشام بالبلاط فأقمت بها شهوراً فكتب رباح إلى أبي جعفر أن موسى مقيم يتربّص بك الدّوائر وليس عنده شيء ممّا تحبّ ، فأمره أن يحمله إليه فحمله ، وبلغ محمداً(١) خبره فخرج من وقته.

وكان قد أوصى رباح القوم الّذين حملوا موسى إن رأيتم أحدا أقبل من المدينة ليأخذوا موسى فاضربوا عنقه ، فبعث محمّد بن خضير(٢) في طلب موسى وأنفذ معه فوارس فتقدَّموا القوم ثمَّ رجعوا من أمامهم كأنّهم أقبلوا من العراق ، فلم ينكروهم حتّى خالطوهم فأخذوا موسى منهم وأوصلوه إلى أخيه.

قال : وأخذ مرّة أخرى من البصرة وبعثوا به إلى المنصور فضربّه خمسمائة سوط وصبر ، وقد قيل : إن موسى لم يزل محبوساً حتّى أطلقه المهدي ، وقيل. انّه توارى بعد ذلك حتّى مات ، انتهى.

__________________

(١) أي محمّد بن عبد الله بن الحسن أخوه.

(٢) محمّد بن خضير من قوّاد عسكر محمّد بن عبد الله بن الحسن.


١٨ - وبهذا الإسناد ، عن عبد الله بن جعفر بن إبراهيم الجعفريّ قال : حدَّثنا عبد الله بن المفضّل مولى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال : لـمّا خرج الحسين بن عليّ المقتول بفخّ واحتوى على المدينة دعا موسى بن جعفر إلى البيعة ، فأتاه فقال

________________________________________________________

الحديث الثامن عشر : ضعيف.

والفخّ بفتح الفاء وتشديد الخاء : بئربين التنعيم وبين مكّة ، وبينه وبين مكّة فرسخ تقريباً.

والحسين هو الحسين بن عليّ بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن عليّعليهما‌السلام وأمه زينب بنت عبد الله بن الحسن وخرج في أيّام موسى الهادي ابن محمّد المهدي ابن - أبي جعفر المنصور ، وخرج معه جماعة كثيرة من العلوييّن وكان خروجه بالمدينة في ذي القعدَّة سنة تسع وستّين ومائة بعد موت المهدي بمكّة وخلافة الهادي ابنه.

روى أبو الفرج الأصبهأنّي في كتاب مقاتل الطّالبيّين بأسانيده عن عبد الله بن إبراهيم الجعفري وغيره أنّهم قالوا : كان سبب خروج الحسين بن عليّ بن الحسن أنّ موسى الهادي ولّي المدينة إسحاق بن عيسى بن عليّ ، فاستخلف عليها رجلاً من ولد عمرّ بن الخطاب يعرف بعبد العزيز بن عبد الله ، فحمل على الطالبيين وأساء إليهم وأفرط في التحامل عليهم وطالبهم بالعرض في كل يوم ، فكانوا يعرضون في المقصورة وأخذ كل واحد منهم بكفالة قريبه ونسيبه ، فضمن الحسين بن عليّ يحيى بن عبد الله بن الحسن والحسن بن محمّد بن عبد الله بن الحسن ، ووافى أوائل الحج.

وقدم من الشّيعة نحو من سبعين رجلاً فنزلوا دار ابن أفلح بالبقيع ، وأقاموا بها ولقوا حسيناً وغيره ، فبلغ ذلك العمري وأنكره وغلّظ أمرّ العرض وولى على الطالبيين رجلاً يعرف بأبي بكر بن عيسى الحائك مولى الأنصار ، فعرضهم يوم الجمعة فلم يأذن لهم في الانصراف حتّى بدأ أوائل الناس يجيئون إلى المسجدّ ، ثمَّ أذن لهم ، فكان قصارى أحدهم أن يغدو ويتوضّأ للصلاة ويروح إلى المسجد ، فلـمّا صلّوا حبسهم في المقصورة إلى العصر ، ثمَّ عرضهم فدعا باسم حسن بن محمّد فلم يحضر ، فقال : ليحيى وحسين


________________________________________________________

بن علي : لتأتيأني به أولأ حبسنّكما فإنّ له ثلاثة أيّام لم يحضر العرض ولقد خرج أو تغيّب.

وجرى بينهما وبينه في ذلك كلام طويل وأغلظا له القول إلى أن حلف العمريُّ على الحسين بطلاق امرأته وحرّيّة مماليكه انّه لا يخلي عنه أو يجيئه به باقي يومه وليلته ، وانّه إن لم يجيء به ليركبن إلى سويقة فيخربها أو يحرقها وليضربن الحسين ألف سوط وحلف بهذه اليمين أن عينه إن وقعت على الحسن ليقتلنه من ساعته ، فوثب يحيى مغضبا فقال : له : أنا أعطي الله عهداً وكل مملوك لي حرّ إن ذقت الليلة نوماً حتّى آتيك بحسن بن محمّد أو لأجدّه فأضرب عليك بابك حتّى تعلم أنّي قد جئتك وخرجاً من عنده وهما مغضبان وهو مغضب.

فقال : حسين ليحيى : بئس لعمرّ الله ما صنعت حين تحلف لتأتينه به ، وأين تجدّ حسناً؟ قال : لم أرد أن آتيه بحسن والله وإلّا فأنا نفي من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إن دخل عيني نوم حتّى أضرب عليه بابه ومعي السيف إن قدرت عليه قتلته ، فقال : له حسين : بئس ما تصنع تكسرّ علينا أمرنا. قال : له يحيى : وكيف اكسرّ عليك أمرك انّما بيني وبين ذلك عشرة أيّام حتّى تسير إلى مكّة.

فوجّه الحسين إلى الحسن بن محمّد فقال : يا بن عم قد بلغك ما كان بيني وبين هذا الفاسق فامض حيث أحببت ، قال : الحسن : لا والله يا بن عمّ بل أجيء معك الساعة حتّى أصنع يدي في يده ، فقال : له الحسين : ما كان الله ليطلع عليّ وأنا جاء إلى محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو خصمي وحجيجي في أمرك ولكن أفديك بنفسي لعلّ الله أن يقيني من النار.

قال : ثمَّ وجّه فجاء يحيى وسليمان وإدريس بنو عبد الله بن الحسن وعبد الله بن الحسن الأفطس ، وإبراهيم بن إسماعيل طباطبا ، وعمرّ بن الحسن بن عليّ الحسن بن الحسن بن عليّ ، وعبد الله بن إسحاق بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن ، وعبد الله بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ، ووجّهوا إلى فتيان من فتيأنّهم ومواليهم فاجتمعوا


________________________________________________________

ستّة وعشرين رجلاً من ولد عليّعليه‌السلام ، وعشرة من الحاج ونفر من الموالي ، فلـمّا أذن المؤذن بالصبح دخلوا المسجدّ ثمَّ نادوا أحد أحد وصعدّ عبد الله بن الحسن الأفطس المنارة التي عند رأس النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله عند موضع الجنائز فقال : للمؤذن : أذن بحي على خير العمل ، فلـمّا نظر إلى السيف في يده أذن بها وسمعه العمريُّ فأحس بالشر ودهش وصاح : أغلقوا البغلة بالباب وأطعموني حبتي ماء.

قالوا : ثمَّ اقتحم إلى دار عمرّ بن الخطاب وخرج في الزقاق المعروف بزقاق عاصم ابن عمرّ ، ثمَّ مضى هاربا على وجهه يسعى ويضرط حتّى نجا فصلّى الحسين بالناس الصبح ودعا بالشهود العدول الّذين كان العمريُّ أشهدهم عليه أن يأتي بالحسن إليه ، ودعا بالحسن وقال : للشهود : هذا الحسن قد جئت به فهاتوا العمريُّ وإلّا والله خرجت من يميني وممّا على ، ولم يتخلف عنه أحد من الطالبيين إلّا الحسن بن جعفر بن الحسن بن الحسن فانّه استعفاه ولم يكرهه ، وموسى بن جعفر بن محمّدعليهم‌السلام .

وروي بإسناد آخر عن عنترة العقبأنّي قال : رأيت موسى بن جعفر بعد عتمة وقد جاء إلى الحسين صاحب الفخ ، فانكب عليه شبه الركوع وقال : أحبّ أن تجعلني في سعة وحل من تخلفي عنك ، فأطرق الحسين طويلا لا يجيبه ثمَّ رفع رأسه إليه فقال : أنت في سعة.

وبالإسناد الأوّل قال : قال : الحسين لموسى بن جعفرعليه‌السلام في الخروج ، فقال : إنك مقتول فأجدّ الضراب فإن القوم فساق يظهرون إيمانا ويضمرون نفاقا وشكا «فإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ » ، وعند الله جلّ وعزَّ أحتسبكم من عصبة.

قال : وخطب الحسين بعد فراغه من الصلاة فحمد الله وأثنى عليه وقال : أنا ابن رسول الله على منبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وفي حرّم رسول الله أدعوكم إلى سنة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أيها الناس أتطلبون آثار رسول الله في الحجر والعود ، تمسحون بذلك وتضيعون بضعة منه ، قالوا : فأقبل حماد البربري وكان مسلحة للسلطان بالمدينة في السلاح ،


________________________________________________________

ومعه أصحابه حتّى وافوا باب المسجدّ الّذي يقال : له باب جبرئيل ، فنظرت إلى يحيى بن عبد الله قد قصده وفي يده السيف ، فأراد حماد أن ينزل فبدره يحيى فضربّه على جبينه وعلى البيضة والمغفر والقلنسوة فقطع ذلك كله وأطار قحف رأسه وسقط عن دابته وحمل على أصحابه فتفرقوا وانهزموا.

وحج في تلك السّنة المبرك التركي فبدأ بالمدينة فبلغه خبر الحسين فبعث إليه من الليل أنّي والله ما أحبّ أن تبتلي بي ولا أبتلي بك فابعث الليلة إلى نفرا من أصحابك ولو عشرة يبيتون عسكري حتّى أنهزم وأعتل بالبيات ، ففعل ذلك حسين ووجه عشره من أصحابه فجعجعوا بمبرك وسيحوا في نواحي عسكره ، فطلب دليلاً يأخذ به غير الطريق فوجدّه فمضى به حتّى انتهى إلى مكّة.

وحج في تلك السّنة العبّاس بن محمّد وسليمان بن أبي جعفر وموسى بن عيسى فصار مبرك معهم واعتل عليهم بالبيات.

وخرج الحسين قاصداً إلى مكّة ومعه ومن تبعه من أهله ومواليه وأصحابه وهم زهاء ثلاثة مائة واستخلف رجلاً على المدينة فلـمّا صاروا بفخ تلقتهم الجيوش ، فعرض العباس عليّ الحسين الأمان والعفو والصلة فأبى ذلك أشدّ الإباء.

وعن سليمان بن عباد قال : لـمّا أن لقي الحسين المسودة أقعدّ رجلاً على جمل معه سيف يلوح به والحسين يملي عليه حرفا حرفا يقول : ناد فنادى : يا معشر الناس يا معشر المسودة هذا حسين بن رسول الله وابن عمّه يدعوكم إلى كتاب الله وسنة رسول الله ، وفي رواية أخرى : قال : أبايعكم على كتاب الله وسنة رسول الله وعلى أن يطاع الله ولا يعصى وأدعوكم إلى الرضا من آل محمّد ، وعلى أن نعمل فيكم بكتاب الله وسنة نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والعدل في الرعية ، والقسم بالسوية ، وعلى أن تقيموا معنا وتجاهدوا عدونا فإن نحن وفينا لكم وفيتم لنا ، وانّ نحن لم نف لكم فلا بيعة لنا عليكم.

قال : ولقيته الجيوش بفخ وقادتها العباس بن محمّد وموسى بن عيسى وجعفر ومحمّد


________________________________________________________

إبنا سليمان ومبرك التركي والحسن الحاجب وحسين بن يقطين ، فالتقوا في يوم التروية وقت صلاة الصّبح فأمر موسى بن عيسى بالتعبية فصار محمّد بن سليمان في الميمنة وموسى في الميسرة وسليمان بن أبي جعفر والعباس بن محمّد في القلب ، فكان أوّل من بدأهم موسى فحملوا عليه فاستطرد لهم شيئاً حتّى انحدروا في الوادي وحمل عليهم محمّد بن سليمان من خلفهم ، فطحنهم طحنة واحدة حتّى قتل أكثر أصحاب الحسين وجعلت المسودة تصيح لحسين : يا حسين لك الأمان فيقول : لا أمان اُريد ، ويحمل عليهم حتّى قتل وقتل معه سليمان بن عبد الله بن الحسن وعبد الله بن إسحاق بن إبراهيم بن الحسن ، وأصابت الحسن بن محمّد نشابة في عينه فتركها في عينه ، وجعل يقاتل أشدّ القتال ، فناداه محمّد بن سليمان يا بن خال اتق الله في نفسك لك الأمان فقال : والله ما لكم أمان ولكن أقتل منكم ثمَّ كسرّ سيفا هنديا كان في يده ودخل إليهم فصاح العباس بابنه عبد الله قتلك الله إن لم تقتله أبعد تسع جراحات تنتظر هذا؟ فقال : له موسى بن عيسى : أي والله عاجلوه ، فحمل عليه عبد الله فطعنه فضرب العباس عنقه بيده صبرا ونشبت الحرب بين العباس بن محمّد ومحمّد بن سليمان ، وقال : أمنت ابن خالي فقتلتموه؟ فقالوا : نعطيك رجلاً من العشيرة تقتله مكانه.

قالوا : وجاء الجند بالرؤوس إلى موسى والعباس وعندهما جماعة من ولد الحسن والحسين ، فلم يسألا أحداً منهم إلّا موسى بن جعفرعليه‌السلام فقإلّا : هذا رأس حسين؟ قال : نعم ، إنا لله وإنا إليه راجعون ، مضي والله مسلـماً صالحاً صوّاماً آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر ، ما كان في أهل بيته مثله ، فلم يجيبوه بشيء ، وحملت الأسرى إلى موسى الهادي ، وفيهم الغذافر الصّيرفي وعليّ بن سائق القلانسي ، ورجلّ من ولد حاجب بن زرارة ، فأمرّ بهم فضربت أعناقهم وبين يديه رجلّ آخر من الأسرى واقف فقال : أنا مولاك يا أمير المؤمنين فقال : مولاي يخرج على ومع موسى سكّين فقال : والله لأقطعنك بهذا السكين مفصلاً مفصلاً قال : وقيل : غلبت عليه العلة فمكث


________________________________________________________

ساعة طويلة ثمّ مات ، وسلم الرجلّ من القتل.

قال : صاحب المقاتل نقلاً عن المدائني : قال : خرج مع الحسين صاحب الفخّ من أهل بيته يحيى وسليمان وإدريس بنو عبد الله بن الحسن بن الحسن ، وعليّ بن إبراهيم بن الحسن ، وإبراهيم بن إسماعيل طباطبا وحسن بن محمّد بن عبد الله بن الحسن وعبد الله وعمرّ ابنا الحسن بن عليّ بن الحسنّ وعبد الله بن إسحاق بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن ، وقال : قتل منهم سليمان بن عبد الله والحسن بن محمّد بن عبد الله ، وعبد الله بن إسحاق.

وروى بإسناده عن عمرو بن مساور قال : أخبرني جماعة من موالي محمّد بن سليمان انّه لـمّا حضرته الوفاة جعلوا يلقّونه الشهادة وهو يقول :

ألاليت أمّي لم تلدني ولم أكن

لقيت حسيناً يوم فخّ ولا الحسن

فجعل يردّدها حتّى مات.

وبإسناده عن محمّد بن إسحاق عن أبي جعفر محمّد بن عليّعليه‌السلام قال : مرّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بفخ فنزل فصلّى ركعة ، فلـمّا صلّى الثانية بكى وهو في الصلاة ، فلـمّا رأى الناس النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يبكي بكوا ، فلـمّا انصرف قال : ما يبكيكم؟ قالوا : لـمّا رأيناك تبكي بكينا يا رسول الله ، قال : نزل جبرئيل لـمّا صليّت الركعة الأولى فقال : لي : يا محمّد إنّ رجلاً من ولدك يقتل في هذا المكان ، وأجر الشهيد معه أجر شهيدين.

وبإسناده عن النضر بن قرواش قال : أكريت جعفر بن محمّدعليه‌السلام من المدينة ، فلـمّا رحلنا من بطن مرّ قال : لي : يا نضر إذا انتهيت إلى فخ فأعلمني ، قلت : أو لست تعرفه؟ قال : بلى ولكنّي أخشى أن تغلبنيّ عيني ، فلـمّا انتهينا إلى فخّ دنوت من المحمل فإذا هو نائم ، فتنحنحت فلم ينتبه فحركت المحمل فجلس فقلت : قد بلغت ، فقال : حلّ محملي ، ثمَّ قال : صل القطار فوصلته ثمَّ تنحيت به عن الجادة فأنخت بعيره ، فقال : ناولني الإداوة والركوة ، فتوضأ وصلّى ثمَّ ركب ، فقلت له : جعلت فداك رأيتك


له : يا ابن عمّ لا تكلفني ما كلف ابن عمك عمك أبا عبد الله فيخرج مني ما لا اُريد كما خرج من أبي عبد الله ما لم يكن يريد فقال : له الحسين انّما عرضت عليك أمرا فإن أردته دخلت فيه وانّ كرهته لم أحملك عليه «وَاللهُ الْمُسْتَعانُ » ثمَّ ودعه فقال : له أبو الحسن موسى بن جعفر حين ودَّعه يا ابن عمّ إنّك مقتول فأجدّ الضراب فإن القوم فساق يظهرون إيماناً ويسترون شركاً و «إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ » أحتسبكم

________________________________________________________

قد صنعت شيئاً أفهو من مناسك الحج؟ قال : لا ولكن يقتل هيهنا رجلّ من أهل بيتي في عصابة تسبق أرواحهم أجسادهم إلى الجنة ثمَّ ذكر أخباراً كثيرة في سخائه وسائر فضائله.

وروى مؤلف كتاب عمدة الطالب عن أبي نصر البخاري عن محمّد الجواد ابن عليّ الرّضاعليهما‌السلام انّه قال : لم يكن لنا بعد الطّف مصرع أعظم من فخّ.

وروى صاحب معجم البلدان عنهعليه‌السلام مثله.

وأقول : وانّ كان أكثر هذه الأخبار من روايات الزيديّة لكن لم أستبعد صحّة بعضها.

قوله : واحتوى على المدينة أي غلب عليها وأحاط بها « ما كلف ابن عمّك » أي محمّد بن عبد الله ، وسمى أبا عبد اللهعليه‌السلام عمّه مجازا « فأجدّ الضراب » من الإجادة أي أحسن ، يقال : جاد وأجاد أي أتى بالجيد ، وربما يقرأ بتشديد الدال أي اجتهد ، والضراب بالكسرّ مصدر باب المفاعلة القتال « فإن القوم » أي بنيّ العباس وأتباعهم « فساق » أي خارجون من الدّين ويسّرون شركا ، لأنّهم لو كانوا قائلون بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لاتبعوه في تقديم أوصيائه ومتابعتهم « أحتسبكم عند الله » أي أطلب أجر مصيبتكم من الله ، وأصبر فيها طلباً للأجر ، أو أظنكم عند الله في الدرجات العالية ، بناء على أن غرضهم النّهي عن المنكر لا دعوى الإمامة ، والأوّل أظهر ، ومن بيان للضمير البارز في أحتسبكم.


عند الله من عصبة ثمَّ خرج الحسين وكان من أمره ما كان قتلوا كلهم كما قال :عليه‌السلام .

١٩ - وبهذا الإسناد ، عن عبد الله بن إبراهيم الجعفري قال : كتب يحيى بن عبد الله بن الحسن إلى موسى بن جعفرعليه‌السلام أما بعد فأنّي أوصيُّ نفسي بتقوى الله وبها أوصيك فإنّها وصية الله في الأوّلين و وصيّته في الآخرين ، خبّرني من ورد عليَّ من أعوان الله على دينه ونشر طاعته بما كان من تحنّنك مع خذلانك ، وقد

________________________________________________________

وقال الجوهوي : عصبة الرجلّ بنوه وقرابته لأبيه وإنّما سمّوا عصبة لأنّهم عصبوا به أي أحاطوا به ، فالأب طرف ، والابن طرف ، والعم جانب ، والأخ جانب ، انتهى.

ويمكن أن يقرأ بضمّ العين وسكون الصّاد ، كما قال : تعالى حكاية عن إخوة يوسف : «وَنَحْنُ عُصْبَةٌ »(١) قال : الطبرسي (ره) : العصبة الجماعة التي يتعصّب بعضها لبعض ، ويقع على جماعة من عشرة إلى خمسة عشر ، وقيل : ما بين العشرة إلى الأربعين ولا واحد له من لفظه كالقوم والرّهط.

الحديث التاسع عشر ضعيف « فأنّي أوصيُّ » وصية النفس بالتقوى توطين النفس عليها قبل أمرّ الغير بها « فإنّها وصية الله » إشارة إلى قوله تعالى : «وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الّذين أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللهَ »(٢) .

« خبّرني » على بناء التفعيل « من تحننّك » أي ترحمك على وإشفاقك من قتلي مع خذلانك وعدم نصرتك لي ، وتوهّم أن الرحم والحزن على سفاهته المؤدّية إلى قتله ينافي ترك نصرته وهو باطل من وجوه ، إذ الحزن عليه انّما كان لتركه أمرّ الله في الخروج وإعانته على نفسه وهذا لا يوجب أن يرتكبعليه‌السلام ما نهى الله عنه من الخروج

__________________

(١) سورة يوسف : ٨.

(٢) سورة النساء : ١٣١.


شاورت في الدَّعوة للرضا من آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله وقد احتجبتها واحتجبها أبوك من قبلك وقديما ادعيتم ما ليس لكم وبسطتم آمالكم إلى ما لم يعطكم الله فاستهويتم وأضللتم وأنا محذرك ما حذرك الله من نفسه.

________________________________________________________

معه وأيضاً مع قطع النظر عن ذلك لو كانعليه‌السلام علم أن نصرته له تنفع لدفع ما يقع فيه لكان فيه توهم تناف ، وهوعليه‌السلام كان يعلم أنّ نصرته له وخروجه معه لا ينفع يحيى ويضرّ نفسه في الدين والدنيا وفي بعض النسخ من رحمتك ويؤل إلى ما ذكرنا.

وقيل من تحنّنك أي شوقك إلى الخلافة ، أو محبّتك وخذلانك لي لذلك أو خذلان الله إياك وعدم تيسرّ ذلك لك ، أو خذلان الناس لك ، وما ذكرنا أظهر كما لا يخفى.

« وقد شاورت » على صيغة المتكلّم أي شاورتك في الدعوة « للرضا » أي لمن هو مرضي « من آل محمّد » أي يجتمعون عليه ويرتضونه لا لنفسي ، ويحتمل أن يريد به ويدعي أن آل محمّد يرتضونه لذلك ، أو المعنى للعمل بما يرضى به آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم « وقد احتجبتها » لعلّ فيه حذفاً وإيصإلّا ، أي احتجبت بها والضمير للمشورة كناية عمّا هو مقتضى المشورة من الإجابة إلى البيعة ، أو الضمير راجع إلى البيعة بقرينة المقام أو إلى الدعوة أي إجابتها ، أو المعنى شاورت الناس في الدعوة فاحتجبت عن مشاورتي ولم تحضرها ، وصار ذلك سبباً لتفرق الناس عني.

« واحتجبها أبوك » أي عند دعوة محمّد بن عبد الله كما مرّ « وقديما » ظرف لقوله ادعيتم ، ومراده من زمن عليّ بن الحسينعليه‌السلام بزعمهم الفاسد كما مرّ « ما ليس لكم » أي الإمامة « فاستهويتم » أي ذهبتم بأهواء الناس وعقولهم ، في القاموس : استهوته الشياطين ذهبت بهواه وعقله ، أو استهامته وحيرته أو زينت له هواه.

« ما حذرك الله » إشارة إلى قوله تعالى «وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ »(١) .

__________________

(١) سورة آل عمران : ٢٨.


فكتب إليه أبو الحسن موسى بن جعفرعليه‌السلام من موسى بن أبي عبد الله جعفر وعليّ مشتركين في التذلل لله وطاعته إلى يحيى بن عبد الله بن حسن أما بعد فأنّي أحذرك الله ونفسي وأعلمك أليم عذابه وشديد عقابه وتكامل نقماته وأوصيك ونفسي بتقوى الله فإنها زين الكلام وتثبيت النعم أتأنّي كتابك تذكر فيه أنّي مدع وأبي من قبل وما سمعت ذلك منّي و سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ ولم يدع حرص الدنيا

________________________________________________________

« من موسى بن عبد الله(١) » وفي بعض النّسخ أبي عبد الله و « عليّ » كان المراد به أمير المؤمنين إنتساباً للشرف إلى الأب الأعلى أيضاً « مشتركين » بصيغة الجمع حال عن الجميع ويؤيده ما في بعض النسخ من عبدي الله جعفر وعلى ، وقيل : المراد بعليّ ابنه الرضاعليه‌السلام للإشارة إلى انّه الوصيُّ بعد أبيه ، وقيل : كانّهعليه‌السلام شرك أخاه عليّ بن جعفررضي‌الله‌عنه معه في المكاتبة ليصرف بذلك عنه ما يصرف عن نفسه من الدعوى ، لئلا يظنّ به الظنّ كما ظنّ بهعليه‌السلام مشتركين بصيغة التثنية حال عنهما ، انتهى.

ولعلّ فيه زيادة أو تحريفا من النساخ « في التذلل لله وطاعته » أي لسنا من عصيان الله سبحانّه ومخالفة أمره وادعائنا ما ليس لنا بحقَّ ، وإضلالنا الناس ، وعدم حذرنا ممّا حذر الله في شيء و « أعلمك » من الإعلام أي إنها واقعة لمن يستحقه فاحذرها ، وكانّه إشارة إلى وقوع المذكورات له « وتكامل نقماته » أي نقمات المتكاملة البالغة إلى النهاية ، والنقمة بالفتح والكسرّ كفرحة اسم للانتقام.

« فإنها » أي الوصيّة بالتقوى ، والزين خلاف الشين مصدر مضاف إلى المفعول « وتثبيت النعم » أي سبب له « أنّي مدع » ظاهره إنكار دعوى الإمامة تقية لعلمه بانّه سيقع في يد الرشيد ، وباطنه إنكار ادعاء ما ليس بحقَّ كما زعمّه ، مع انّهعليه‌السلام لم يصرّح بالنفي بل قال : ما سمعت ذلك مني « ويسألون » أي شهادتهم الزور ، هدده بذكر الآية وخوفه بالله تعالى « ومطالبها » بالرفع عطفا على الحرص ، أو بالجر

__________________

(١) وهو الظاهر.


ومطالبها لأهلها مطلبا لآخرتهم حتّى يفسد عليهم مطلب آخرتهم في دنياهم وذكرت أنّي ثبطت الناس عنك لرغبتي فيما في يديك وما منعنّي من مدخلك الّذي أنت فيه لو كنت راغبا ضعف عن سنة ولا قلة بصيرة بحجّة ولكن الله تبارك وتعالى خلق الناس أمشاجا وغرائب وغرائز فأخبرني عن حرفين أسألك عنهما ما العترف في بدنك وما الصهلج في الإنسان ثمَّ اكتب إلي بخبر ذلك وأنا متقدم إليك أحذرك

________________________________________________________

عطفاً على الدّنيا « في دنياهم » في للظرفية أو بمعنى مع.

والحاصل أن حرص الدنيا صار سبباً لأن لا يخلص لهم شيء للآخرة ، فإذا أرادوا عملا من أعمال الآخرة خلطوه بالأغراض الدنيوية والأعمال الباطلة كالأمر بالمعروف الّذي أردت خلطته بإنكار حقَّ أهل الحقَّ ومعارضتهم ، والافتراء عليهم ، فيحتمل أن يكون في سببيّة أيضاً ، وقيل : يعنّي أن حرصك على الدنيا ومطالبها صار سبباً لفساد آخرتك في دنياك.

والتثبيط التعويق والتأخير فيما في يديك ، أي ادعاء الإمامة « ضعف عن سنّه » أي عجز عن معرفتها ، بل صار علمي سبباً لعدم إظهار الأمر قبل أوانه.

« أمشاجاً » أي أخلاطاً شتى « وغرائب » أي ذوي عجائب فإنّك تدّعي هذا الأمر مع جهلك وضلالتك وأنا لا أدعية مع وفور علمي وهداي ، وأي غريبة أغرب من ذلك ، وأيّ أعجوبة أعجب منه « وغرائز » أي طبائع مختلفة أو جعل للإنسان أجزاء وأعضاء مختلفة ، فأخبرني عن هذين العضوين إن كنت صادقا في ادعاء الإمامة ، فإنّ الإمام لا يخفى عليه شيء.

قال : في الجوامع في قوله تعالى : «مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ » مشجه : مزجه يعنّي نطفة قد امتزج فيها الماءان ماء الرجلّ وماء المرأة ، أو أطوارا طورا نطفة وطوراً علقة ، وطوراً مضغة ، وطوراً عظاماً إلى أن صار إنساناً ، انتهى.

وهذان العضوان بهذين الاسمين غير معروفين عند الأطباء ، ويقال : تقدّم إليه


معصية الخليفة وأحثّك على برّه وطاعته وانّ تطلب لنفسك أمانا قبل أن تأخذك الأظفار ويلزمك الخناق من كل مكان فتروح إلى النفس من كل مكان ولا تجدّه حتّى يمن الله عليك بمنه وفضله ورقة الخليفة أبقاه الله فيؤمنك ويرحمك ويحفظ فيك أرحام رسول الله «وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ».

قال : الجعفريّ : فبلغني أنّ كتاب موسى بن جعفرعليه‌السلام وقع في يدي هارون فلـمّا قرأه قال : النّاس يحملوني على موسى بن جعفر وهو بريء ممّا يرمى به.

________________________________________________________

في كذا إذا أمره وأوصاه به « معصية الخليفة » أي خليفة الجور ظاهراً تقية ، وخليفة الحقَّ يعنّي نفسهعليه‌السلام واقعاً وتورية ، مع انّه يجب طاعة خلفاء الجور عند التقية لحفظ النفس ، وانّما كتبعليه‌السلام ذلك لعلمه بانّه سيقع في يد الملعون دفعاً لضرره عن نفسه وعشيرته وشيعته.

« قبل أن تأخذك الأظفار » كناية عن الأسرّ تشبيها بطائر صاده بعض الجوارح بحيث يقع بين أظفاره ولا يمكنه التخلص منه « ويلزمك الخناق » بفتح الخاء مصدر خنقه إذا عصر حلقه ، أو بالكسرّ وهو الحبل الّذي يخنق به ، أو بالضمّ كغراب وهو الداء الّذي يمتنع معه نفوذ النفس إلى الرية والقلب « فتروح » من باب التفعيل بحذف إحدى التائين ، أي تطلب الروح بالفتح وهو النسيم « إلى النفس » أي للنفس « من كل مكان » متعلق بتروح « فلا تجدّه » أي الروح أو النفس ، في القاموس : النفس بالتحريك واحد الأنفاس ، والسعة والفسحة في الأمر ، وأجدّ نفس ربكم من قبل اليمن اسم وضع موضع المصدر الحقيقي ، من نفس تنفيساً ونفساً أي فرح تفريحاً ، انتهى.

« ورقّة الخليفة » عطف على منه « يحملوني » أي يغرونني به ويحملوني على الإضرار به « وهو بريء ممّا يرمى به » أي ينسب إليه ويتّهم به ويطعن فيه.

أقول : ولنذكر بعض أحوال يحيى : اعلم أنّ الزيديّة أثبتوا له مدائح كثيرة


تمَّ الجزء الثاني من كتاب الكافي ويتلوه بمشيئة الله وعونه الجزء الثالث وهو باب كراهية التوقيت «وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ » والصلاة والسلام على محمّد وآله أجمعين.

________________________________________________________

حتّى رووا أن الصّادقعليه‌السلام لـمّا حضرته الوفاة أوصى إلى يحيى وإلى موسى وإلى أم ولد ، فكان يلي أمرّ تركاته والأصاغر من ولده جاريا على أيديهم ، وهذا باطل لـمّا عرفت من كيفيّة وصيّتهعليه‌السلام وانحراف بنيّ الحسن عن أئمتناعليهم‌السلام كان من أوضح الواضحات ، وانّما وضعوا ذلك تقوية لأمرهم.

وقال : مؤلف كتاب عمدة الطالب : يحيى صاحب الديلم ابن عبد الله المحض بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام قد هرب إلى بلاد الديلم وظهر هناك واجتمع عليه الناس وبائعه أهل تلك الأعمال وعظم أمره وخاف الرشيد لذلك وأهمه وانزعج منه غاية الانزعاج ، فكتب إلى الفضل بن يحيى البرمكي أن يحيى بن عبد الله قذاة في عيني فأعطه ما شاء واكفني أمره ، فسار إليه الفضل في جيش كثيف وأرسل إليه بالرفق والتحذير والترهيب ، فرغب يحيى في الأمان ، فكتب له الفضل أمانا مؤكدا وأخذ يحيى وجاء به إلى الرشيد ، ويقال : انّه صار إلى الديلم مستجيراً فباعه صاحب الديلم من الفضل بن يحيى بمائة ألف درهم ، ومضى يحيى إلى المدينة فأقام بها إلى سعي عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير إلى الرشيد إلى آخر ما رواه في ذلك.

وروى أبو الفرج في المقاتل بأسانيد عن جماعة أنّهم قالوا : إن يحيى بن عبد الله ابن الحسن لـمّا قتل أصحاب فخ كان في فلهم فاستتر مدة يجول في البلدان ويطلب موضعا يلجأ إليه ، وعلم الفضل بن يحيى بمكانّه في بعض النواحي فأمره بالانتقال : عنه وقصد الديلم ، وكتب له منشورا لا يعرض له أحد ، فمضى متنكرا حتّى ورد الديلم وبلغ الرشيد خبره وهو في بعض الطريق ، فولى الفضل بن يحيى نواحي المشرق وأمره بالخروج إلى يحيى ، فلـمّا علم الفضل بمكان يحيى كتب إليه أنّي أريد


________________________________________________________

أن أحدث بك عهداً وأخشى أن تبتلي بي وأبتلي بك ، فكاتب صاحب الديلم فأنّي قد كاتبته لك لتدخل إلى بلاده فتمتنع به ففعل ذلك يحيى ، وكان قد صحبه جماعة من أهل الكوفة وفيهم الحسن بن صالح بن حر كان يذهب مذهب الزيديّة في تفضيل أبي بكر وعمرّ وعثمان في ست سنين من إمارته ، وتكفيره في باقي عمره ، ويشرب النبيذ ويمسح على الخفين ، فكان يخالف يحيى في أمره ويفسد أصحابه فحصل بينهما بذلك تنافر ، وولى الرشيد الفضل بن يحيى جميع كور المشرق وخراسان وأمره بقصد يحيى والجدّ به وبذل الأمان له والصّلة إن قبل ذلك فمضى الفضل فيمن ندب معه وراسل يحيى بن عبد الله فأجابه إلى قبوله لـمّا رأى من تفرق أصحابه وسوء رأيهم فيه وكثرة خلافهم عليه ، إلّا أن لم يرض الشرائط التي شرطت له ولا الشهود الّذين شهدوا ، وبعث بالكتاب إلى الفضل ، فبعث به إلى الرشيد فكتب له على ما أراد وأشهد له من التمس.

قالوا : فلـمّا جاء الفضل إلى بلاد الديلم قال : يحيى : اللهم اشكر لي إخافتي قلوب الظالمين ، الّلهم إن تقض لنا النصرة فانّما نريد إعزاز دينك ، وانّ تقض لهم النصر فبما تختار لأوليائك وأبناء أوليائك من كريم المآب وسني الثواب ، فبلغ ذلك الفضل فقال : يدعو الله أن يرزقه السلامة فقد رزقها ، قالوا : فلـمّا ورد كتاب الرشيد على الفضل وقد كتب الأمان على ما رسم يحيى وأشهد الشهود الّذين التمسهم ، وجعل الأمان على نسختين إحداهما مع يحيى والأخرى معه ، ثمَّ شخص يحيى مع الفضل حتّى وافى بغداد ودخلها معادله في عمارية على بغل ، فلـمّا قدم يحيى أجازه الرشيد بجوائز سنية يقال : إن مبلغها مائتا ألف دينار وغير ذلك من الخلع والحملان.

فأقام على ذلك مدة وفي نفسه الحيلة على يحيى والتتبع له وطلب العلل عليه وعلى أصحابه حتّى أخذ رجلاً يقال : له فضالة ، بلغه انّه يدعو إلى يحيى فحبسه ، ثمَّ دعا به فأمره أن يكتب إلى يحيى بانّه قد أجابه جماعة من القواد وأصحاب


________________________________________________________

الرشيد ، ففعل ذلك ووجّه الرسول إلى يحيى فقبض عليه وجاء به إلى يحيى بن خالد فقال : له : هذا جاءني بكتاب لا أعرفه ودفع الكتاب إليه وطابت نفس الرشيد بذلك ، وحبس فضالة فقيل له : إنّك تظلمه في حبسك إياه ، فقال : أنا أعلم ذلك ولكن لا يخرج وأنا حيّ أبداً قال : فضالة : ولا والله ما ظلمني لقد كنت عهدت إلى يحيى إن جاءه منّي كتاب أن لا يقبله وانّ يدفع الرّسول إلى السّلطان وعلمت انّه سيحتال عليه بي.

قالوا : فلـمّا تبين يحيى بن عبد الله ما يراد به استأذن في الحج فأذن له ، وفي رواية أخرى انّه لم يستأذن للحج ولكنّه قال : للفضل ذات يوم : اتق الله في دمي واحذر أن يكون محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله خصمك غداً في فرق له وأطلقه ، وكان على الفضل عين للرشيد فذكر ذلك له فدعاً بالفضل فقال : ما خبر يحيى بن عبد الله؟ قال : في موضعه عندي مقيم ، قال : وحياتي؟ قال : وحياتك أنّي أطلقته ، سألني برحمة من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فرققت له ، قال : أحسنت قد كان عزمي أن أخلي سبيله ، فلـمّا خرج أتبعه طرفه وقال : قتلني الله إن لم أقتلك.

قالوا : ثمَّ إن نفرا من أهل الحجاز تحالفوا على السعاية بيحيى بن عبد الله والشهادة عليه بانّه يدعو إلى نفسه وأمانّه منتقض ، فوافق ، ذلك لـمّا كان في نفس الرشيد له ، وهم عبد الله بن مصعب الزبيري ، وأبو البختري وهب بن وهب ، ورجلّ من بنيّ زهرة ، ورجلّ من بنيّ مخزوم ، فوافوا الرشيد لذلك واحتالوا إلى أن أمكنهم ذكرهم له ، وأشخصه الرشيد إليه وحبسه عند مسرور الكبير في سرداب ، فكان في أكثر الأيّام يدعو به ويناظره إلى أن مات في حبسه رضوانّ الله عليه.

واختلف النّاس في أمره وكيف كانت وفاته ، فقيل : انّه دعاه يوماً وجمع بينه وبين عبد الله بن مصعب ليناظره فيما رفع إليه ، فجبهه ابن مصعب بحضرة الرّشيد وقال : نعم يا أمير المؤمنين إن هذا دعاني إلى بيعته فقال : له يحيى : يا أمير المؤمنين


________________________________________________________

أتصدق ذلك علىّ وتستنصحه وهو ابن عبد الله بن الزبير الّذي أدخل أباك وولده الشعب وأضرم عليهم النار حتّى تخلصه أبو عبد الله الجدلي صاحب عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، وهو الّذي بقي أربعين جمعة لا يصلّي على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في خطبته حتّى التاث عليه الناس؟ فقال : إن له أهل بيت سوء إذا ذكرته استرابت نفوسهم إليه وفرحوا بذلك فلا أحبّ أن أقر عينهم بذلك ، وهو الّذي فعل به عبد الله بن العباس ما لا خفاء به عليك وطال الكلام بينهما حتّى قال : يحيى ومع ذلك هو الخارج مع أخي على أبيك ، وقال : في ذلك أبياتا منها :

قوموا ببيعتكم تنهض بطاعتنا

إنّ الخلافة فيكم يا بني حسن

قال : فتغيّر وجه الرشيد عند سماع الأبيات فابتدأ ابن مصعب يحلف بالله الّذي لا إله إلّا هو وبإيمان البيعة إن هذا الشعر ليس له ، فقال : يحيى : والله يا أمير المؤمنين ما قاله غيره وما حلفت كاذباً ولا صادقاً بالله قبل هذا ، وانّ الله إذا مجدّه العبد في يمينه بقوله الرحمن الرحيم الطالب الغالب استحيا أن يعاقبه فدعنّي أحلفه بيمين ما حلف بها أحد قط كاذبا إلّا عوجلّ ، قال : حلفه ، قال : قل برئت من حول الله وقوته ، واعتصمت بحولي وقوتي وتقلدت الحول والقوة من دون الله استكباراً على الله واستغناء عنه واستعلاء عليه إن كنت قلت هذا الشعر ، فامتنع عبد الله من الحلف بذلك ، فغضب الرشيد وقال : للفضل بن الربيع : هنا شيء ما له لا يحلف إن كان صادقا؟ هذا طيلسأنّي عليّ وهذه ثيابي لو حلفني أنها لي لحلفت ، فرفس الفضل عبد الله برجله وصاح به : احلف ويحك وكان له فيه هوى ، فحلف باليمين ووجهه متغير وهو يرعدّ ، فضرب يحيى بين كتفيه ثمَّ قال : يا بن مصعب قطعت والله عمرك ، والله لا تفلح بعدها.

فما برح من موضعه حتّى أصابه الجذام فتقطع ومات في اليوم الثالث ، فحضر الفضل جنازته ومشى معها ومشى الناس معه ، فلـمّا جاءوا به إلى القبر ووضعوه في


________________________________________________________

لحده وجعل اللّبن فوقه انخسف القبر به ، وخرجت منه غبرة عظيمة ، فصاح الفضل التراب التراب ، فجعل يطرح وهو يهوي ودعا بأحمال شوك فطرحها فهوت فأمرّ حينئذ بالقبر فسقف بخشب وأصلحه وانصرف منكسراً ، فكان الرشيد بعد ذلك يقول للفضل : رأيت يا عباسي ما أسرع ما أديل يحيى من ابن مصعب؟

قالوا : ثمَّ جمع له الرشيد الفقهاء وفيهم محمّد بن الحسن صاحب أبي يوسف القاضي والحسن بن زياد اللؤلؤي وأبو البختري وهب بن وهب ، فجمعوا في مجلس وخرج إليهم مسرور الكبير بالأمان فبدأ بمحمّد بن الحسن فنظر فيه فقال : هذا أمان مؤكد لا حيلة فيه ، وكان يحيى قد عرضه في المدينة على مالك وابن الدراوردي وغيرهم فعرفوه انّه مؤكّد لا علّة فيه.

قال : فصاح عليه مسرور وقال : هاته فدفعه إلى الحسين بن زياد فقال : بصوت ضعيف : هو أمان واستلبه أبو البختري فقال : هذا باطل منتقض قد شق العصا وسفك الدم فاقتله ودمه في عنقي ، فدخل مسرور إلى الرشيد فأخبره ، فقال : اذهب فقل له خرقه إن كان باطلا بيدك؟ فجاءه مسرور فقال : له ذلك ، فقال : شقه يا أبا هاشم ، قال : له مسرور : بل شقه أنت إن كان منتقضا ، فأخذ سكينا وجعل يشقه ويده يرتعدّ حتّى صيره سيوراً ، فأدخله مسرور على الرشيد فوثب فأخذه من يده وهو فرح. ووهب لأبي البختري ألف ألف وستمائة ألف ، وولاه قضاء القضاة وصرف الآخرين ، ومنع محمّد بن الحسن من الفتيا مدة طويلة ، وأجمع على إنفاذ ما أراد في يحيى بن عبد الله.

قال : أبو الفرج وقد اختلف في مقتله كيف كان ، فروي عن رجلّ كان مع يحيى في المطبق قال : كنت قريباً منه فكان في أضيّق البيوت وأظلمها ، فبينا نحن ذات ليلة كذلك إذ سمعنا صوت الأقفال ، وقد مضى من الليلة هجعة ، فإذا هارون قد أقبل على برذون له ، فوقف ثمَّ قال : أين هذا؟ يعنّي يحيى قالوا : في هذا البيت ، قال : عليّ به فأدنى إليه فجعل هارون يكلمه بشيء لم أفهمه فقال : خذوه فأخذ فضربّه مائة عصا ويحيى يناشده


________________________________________________________

الله والرّحم والقرابة من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويقول : بقرابتي منك ، فيقول : ما بيني وبينك قرابة ، ثمَّ حمل فرد إلى موضعه ، فقال : كم أجريتم عليه؟ قالوا : أربعة أرغفة وثمانية أرطال ماء ، قال : اجعلوه على النصف.

ثمَّ خرج ومكث ليالي ثمَّ سمعنا وقعاً ، فإذا نحن به حتّى دخل فوقف موقفه فقال : عليّ به فاخرج ففعل به مثل فعله ذلك وضربّه مائة عصا أخرى ويحيى يناشده ، فقال : كم أجريتم عليه؟ قالوا : رغيفين وأربعة أرطال ماء ، قال : اجعلوه على النصف ، ثمَّ خرج وعاود الثالثة وقد مرض يحيى وثقل فلـمّا دخل قال : عليّ به قالوا : هو عليل مدنف به ، قال : كم أجريتم عليه؟ قالوا : رغيفا ورطلين ماء قال : اجعلوه على النصف ، ثمَّ خرج فلم يلبث يحيى أن مات ، فأخرج إلى الناس ودفن وعن إبراهيم بن رياح انّه بنى عليه أسطوانة بالرافقة وهو حي.

وعن عليّ بن محمّد بن سليمان انّه دس إليه في الليل من خنقه حتّى تلف ، قال : وبلغني انّه سقاه سما.

وعن محمّد بن أبي الحسناء انّه أجاع السباع ثمَّ ألقاه إليها فأكلته.

وعن عبد الله بن عمرّ العمريُّ قال : دعينا لمناظرة يحيى بن عبد الله بحضرة الرشيد لعنه الله ، فجعل يقول : يا يحيى اتق الله وعرفني أصحابك السبعين لئلا ينتقض أمانك ، وأقبل علينا فقال : إن هذا لم يسم أصحابه فكلـمّا أردت أخذ إنسان بلغني عنه شيء أكرهه ذكر انّه ممن أمنت ، فقال : يحيى : يا أمير المؤمنين أنا رجلّ من السبعين فما الّذي نفعنّي من الأمان؟ أفتريد أن أدفع إليك قوماً تقتلهم معي لا يحل لي هذا.

قال : ثمَّ خرجنا ذلك اليوم ودعانا له يوماً آخر فرأيته أصفر اللون متغيرا ، فجعل الرشيد يكلمه فلا يجيبه ، فقال : إلّا ترون إليه لا يجيبنيّ فأخرج إلينا لسانّه قد صار أسود مثل الفحمة يرينا انّه لا يقدر على الكلام ، فاستشاط الرشيد وقال


________________________________________________________

إنّه يريكم أنّي سقيته السمّ وو الله لو رأيت عليه القتل لضربت عنقه صبراً ، ثمَّ خرجنا من عنده فما صرنا في وسط الدّار حتّى سقط على وجهه لإصر(١) ما به.

وحدَّثني أحمد بن سعيد عن يحيى بن الحسن قال : كان إدريس بن محمّد بن يحيى بن عبد الله يقول : قتل جدي بالجوع والعطش في الحبس.

وعن الزبير بن البكار عن عمّه أنّ يحيى لـمّا أخذ من الرشيد المائتي ألف دينار قضى بها دين الحسين صاحب الفخّ ، وكان الحسين خلّف مائتي ألف دينار ديناً.

وقال : خرج مع يحيى عامرّ بن كثير السراج ، وسهل بن عامرّ البجلي ، ويحيى بن مساور ، وكان من أصحابه عليّ بن هاشم بن البريد ، وعبد ربّه بن علقمة ، ومخول بن إبراهيم النهدي ، فحبسهم جميعاً هارون في المطبق فمكثوا فيه اثنتي عشرة سنة.

انتهى ما أردت إيراده من كتاب المقاتل ، وإليه انتهى المجلد الثاني من كتاب مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وقد جمعت فيه ما كنت علقته في سالف الزّمان متفرّقاً على الكتاب ، وأخذه المعاصرون وأدخلوها في زبرهم ونسبوها إلى أنفسهم ، مع زيادات أضفتها إليها ، وكان ذلك في شهر ربيع الثاني من سنة المائة والألف بعد الهجرة المقدّسة النبويّة وكتبه مؤلفه الفقير إلى عفو ربّه الغني محمّد باقر ابن محمّد تقي عفا الله عن هفواتهما ، ويتلوه في المجلد الثالث باب كراهية التّوقيت ، وصلّى الله على محمّد وآله الطّاهرين.

__________________

(١) الاصر : الثقل.


بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(باب كراهية التوقيت)

١ - عليُّ بن محمّد ومحمّد بن الحسن ، عن سهل بن زياد ومحمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى جميعاً ، عن الحسن بن محبوب ، عن أبي حمزة الثماليّ قال : سمعت أبا جعفرعليه‌السلام يقول يا ثابت إن الله تبارك وتعالى قد كان وقت هذا الأمر في السبعين ،

________________________________________________________

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى محمّد وآله خيرة الورى ، أمّا بعد فهذا هو المجلّد الثالث من كتاب مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول صلّى الله عليه وعليهم أجمعين من كتاب الكافي.

باب كراهية التوقيت

أي لظهور القائمعليه‌السلام وكان المراد بالكراهية الحرمة إنّ كان من غير علم

الحديث الأوّل : صحيح.

وفي كتاب الغيبة للشيخ وإكمال الدّين للصّدوق هكذا : قال : قلت لأبي جعفرعليه‌السلام : إن علياعليه‌السلام كان يقول : إلى السّبعين بلاء ، وكان يقول : بعد البلاء رخاء ، وقد مضت السّبعون ولم نر رخاء؟ فقال : أبو جعفرعليه‌السلام : يا ثابت إن الله تعالى كان وقت ، إلى آخر الخبر.

« وقّت هذا الأمر » أي ظهور الحقَّ وغلبته على الباطل بيد إمام من الأئمّة ، لا ظهور الإمام الثاني عشر « في السّبعين » أي من الهجرة النبويّة أو الغيبة المهدويّة


فلـمّا أن قتل الحسين صلوات الله عليه اشتدَّ غضب الله تعالى على أهل الأرض ، فأخّره إلى

________________________________________________________

والأوّل أظهر ، وهذه من الأمور البدائية كما مرّ تحقيقها مراراً.

قيل : ويؤيّد كون ابتداء المدّة من الهجرة طلب أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام حقّه بحوالي السّبعين وظهور أمرّ أبي الحسن الرضاعليه‌السلام فيما بعد أربعين ومائة بقليل ، انتهى.

أقول : ما ذكره لا يستقيم بحساب التواريخ المشهورة إذا كانت شهادة الحسينعليه‌السلام في سنة إحدى وستين ، وخروج الرضاعليه‌السلام إلى خراسان في سنة مائتين ، ويمكن أن يكون ابتداء التّاريخ من البعثة ، وكان ابتداء خروج الحسينعليه‌السلام قبل فوت معاوية بسنين ، فإن أهل الكوفة خذلهم الله كانوا يراسلونهعليه‌السلام في تلك الأيّام ، ويكون الثاني إشارة إلى خروج زيد بن عليّ في سنة اثنتين وعشرين ومائة ، فمن ابتداء البعثة مائة وخمس وثلاثون ، وهو قريب ممّا في الخبر وقد مرّ انّه كان يدعو إلى الرضا من آل محمّد ، وانّه كان لو ظفر لوفى.

والأظهر على هذا أن يكون إشارة إلى انقراض دولة بنيّ أمية أو ضعفهم واستيلاء أبي مسلم على خراسان ، وقد كتب إلى الصادقعليه‌السلام كتبا يريد البيعة لهعليه‌السلام فلم يقبل لمصالح كثيرة ، فقد تسببت أسباب رجوع الأمر إليهمعليهم‌السلام لكن بسبب تقصير من كتمان الأمر والمتابعة الكاملة تأخر الأمر ، وقد كانت بيعة السفاح في سنة اثنتين وثلاثين ومائة ، وكان دخول أبي مسلم المرو وأخذ البيعة بها في سنة ثلاثين ومائة ، وخروج أبي مسلم إلى خراسان في سنة ثمان وعشرين ومائة ، كل ذلك من الهجرة ، فإذا انضم ما بين الهجرة والبعثة إليها يوافق ما في الخبر موافقة تامة.

ويمكن أن يكون ابتداؤه من الهجرة كما هو المشهور ، ويكون السبعون إشارة إلى ظهور أمرّ المختار ، فانّه كان مظنة استيصال بنيّ أمية وعود الحقَّ إلى أهله وانّ لم يكن مختار غرضه صحيحاً ، وكان قتله في سنة سبع وستين ، ويكون الثاني لظهور أمرّ الصادقعليه‌السلام في هذا التاريخ وانتشار شيعته في المشارق والمغارب ، وخروج


أربعين ومائة ، فحدّثناكم فأذعتم الحديث فكشفتم قناع الستر ولم يجعل الله له بعد ذلك وقتاً عندنا و «يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ ».

قال : أبو حمزة فحدثت بذلك أبا عبد اللهعليه‌السلام فقال : قد كان كذلك.

٢ - محمّد بن يحيى ، عن سلمة بن الخطاب ، عن عليّ بن حسّان ، عن عبد الرحمن بن كثير قال : كنت عند أبي عبد اللهعليه‌السلام إذ دخل عليه مهزم فقال : له جعلت فداك أخبرني عن هذا الأمر الّذي ننتظر متى هو فقال : يا مهزم كذب الوقاتون

________________________________________________________

جماعة من أقاربّه على الخلفاء مع انّه لا ضرورة في تصحيح هذا الخبر إلى ظهور أمرّ يدل على ذلك ، ولا موافقة السبعين لشهادة الحسينعليه‌السلام فانّه بيان للتقديرات المكتوبة في كتاب المحو والإثبات ، والتغييرات الواقعة فيها وانّ لم يعلم بكيفيتها وجهتها.

وقيل : هذا من الاستعارة التمثيلية والمقصود انّه لو لا علم الله تعالى الأزلي بقتل الحسينعليه‌السلام في وقت كذا لجعل هذا الأمر في السبعين من الهجرة ، ولو لا علمه تعالى بإذاعة الشيعة الأسرار لجعله في ضعف ذلك ، انتهى.

ولا يخفى عليك ما فيه بعد ما أحطت خبراً بما ذكرنا في تحقيق البداء.

« فحدثناكم » أي بالأوقات البدائية أو بغيرها من الأمور الآتية ، كظهور بنيّ العباس وامتداد دولتهم وأشباه ذلك ، فصار سبباً لطمعهم « وقتاً عندنا » أي لا نعلمه أو لا نخبر به ولم يؤذن لنا في الإخبار بالأمور البدائية فيه.

الحديث الثاني : ضعيف.

« كذب الوقاتون » أي على سبيل الحتم ، فلا ينافي ما ورد من الأخبار البدائية ، ويحتمل أن يكون المراد بالكذب انّه يحصل فيه البداء ، فتوهم الناس انّه كذب فينسبون الكذب إليهم لا أنّهم كاذبون واقعاً ، فيمكن أن يقرأ كذب على بناء المجهول من التفعيل والأوّل أظهر.

قال : الشيخرحمه‌الله في كتاب الغيبة : وأما وقت خروجه فليس بمعلوم لنا على


________________________________________________________

وجه التفصيل بل هو مغيب عناّ إلى أن يأذن الله بالفرج ، ثمَّ ذكر هذه الأخبار وأمثالها ثمَّ قال : فالوجه في هذه الأخبار أن نقول : إن صحت انّه لا يمتنع أن يكون الله تعالى قد وقت هذا الأمر في الأوقات التي ذكرت ، فلـمّا تجدد ما تجدد تغيرت المصلحة واقتضت تأخيره إلى وقت آخر ، وكذلك فيما بعد ، ويكون وقت الأوّل وكل وقت يجوز أن يؤخّر مشروطاً بأن لا يتجدد ما تقتضي المصلحة تأخيره إلى أن يجيء الوقت الّذي لا يغّيره شيء ، فيكون محتوماً.

وعلى هذا يتأوّل ما ورد في تأخير الأعمار عن أوقاتها والزيادة فيها عند الدعاء وصلة الأرحام ، وما روي في تنقيص الأعمار عن أوقاتها إلى ما قبله عند فعل الظلم وقطع الرّحم وغير ذلك وهو تعالى وانّ كان عالـمّا بالأمرين فلا يمتنع أن يكون أحدهما معلوما بشرط والآخر بلا شرط ، وهذه الجملة لا خلاف فيها بين أهل العدل.

وعلى هذا يتأوّل أيضاً ما روي من أخبارنا المتضمنة للفظ البداء ويبين أن معناها النسخ على ما يريده جميع أهل العدل فيما يجوز فيه النسخ أو تغير شروطها إن كان طريقها الخبر عن الكائنات ، لأن البداء في اللغة هو الظهور فلا يمتنع أن يظهر لنا من أفعال الله تعالى ما كنا نظنّ خلافه ، أو نعلم ولا نعلم شرطه ، فأما من قال : بأن الله تعالى لا يعلم الشيء إلّا بعد كونه فقد كفر وخرج عن التوحيد.

وقد روى الفضل بن شاذان عن محمّد بن عليّ عن سعدان عن أبي بصير قال : قلت له : ألهذا الأمر أمرّ تريح إليه أبداننا وننتهي إليه؟ قال : بلى ولكنكم أذعتم فزاد الله فيه.

فالوجه فيه وفي أمثاله ما قدمنا ذكره من تغير المصلحة فيه واقتضائها تأخير الأمر إلى وقت آخر على ما بيناه ، دون ظهور الأمر له تعالى فإنا لا نقول به ولا نجوزه تعالى الله عن ذلك علوا كبيراً.


وهلك المستعجلون ونجا المسلّمون.

٣ - عدَّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد بن خالد ، عن أبيه ، عن القاسم بن محمّد ، عن عليّ بن أبي حمزة ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سألته عن القائمعليه‌السلام فقال : كذب الوقّاتون ، إنّا أهل بيت لا نوقّت.

________________________________________________________

فإن قيل : هذا يؤدّي إلى أن لا نثق بشيء من أخبار الله تعالى.

قلنا : الإخبار على ضربين ، ضرب لا يجوز فيه التغير في مخبراته فإنا نقطع عليها لعلمنا بانّه لا يجوز أن يتغيّر المخبر في نفسه كالأخبار عن صفات الله تعالى وعن الكائنات فيما مضى وكالأخبار بانّه يثيب المؤمنين ، والضرب الآخر هو ما يجوز تغيره في نفسه لتغيّر المصلحة عند تغيّر شرطه ، فانّه يجوز جميع ذلك كالأخبار عن الحوادث في المستقبل إلّا أن يراد الخبر على وجه يعلم أن مخبره لا يتغيّر فحينئذ نقطع بكونه ، ولأجلّ ذلك قرن الحتم بكثير من المخبرات ، فأعلمنا انّه ممّا لا يتغيّر أصلاً فعند ذلك نقطع به ، انتهى كلامهقدس‌سره .

وهو في غاية المتانة والاستقامة ، وبه تنحلّ الإشكالات الواردة في هذه الأخبار.

« وهلك المستعجلون » أي الّذين يريدون تعجلّ ظهور الحقَّ ، ويعترضون على الله وعلينا في تأخيره ، ولا يرضون بقضاء الله في ذلك ، وأمّا ترقّب الفرج والدّعاء له فهما مطلوبان ، ولذا قال : « ونجا المسلّمون » بتشديد اللّام أي الرّاضون بقضاء الله ، الّذين لا يعترضون على أئمّتهم فيما يقولون ويفعلون ، أو المراد بالمستعجلين الّذين كانوا يخرجون قبل أوانّ ظهور الحقَّ على أئمّة الجور ، ويقتلون فيهلكون ويهلكون في الدنيا والآخرة ، وقيل : الاستعجال عدّ الشّيء عأجلاً بالخروج على أئمة الضلالة.

الحديث الثالث : صحيح.

« لا نوقّت » أي حتما أو بعد ذلك كما مرّ ، والتوقيت الإخبار بالوقت.


٤ - أحمد بإسناده قال : قال : أبى الله إلّا أن يخالف وقت الموقتين.

٥ - الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن الحسن بن عليّ الخزاز ، عن عبد الكريم بن عمرو الخثعميّ ، عن الفضيل بن يسار ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : قلت لهذا الأمر وقت فقال : كذب الوقّاتون كذب الوقّاتون كذب الوقّاتون إن موسىعليه‌السلام لـمّا خرج وافدا إلى ربّه واعدهم ثلاثين يوماً فلـمّا زاده الله على الثلاثين عشرا قال : قومه قد أخلفنا موسى فصنعوا ما صنعوا فإذا حدثناكم الحديث فجاء

________________________________________________________

الحديث الرابع : مرسل.

« إلّا أن يخالف وقت الموقّتين » أي في أمر ظهور الحقَّ أو مطلقاً ، غالباً ، والأوّل أظهر ، و « وقت » يمكن أن يقرأ بالرّفع والنّصب وعلى الأوّل المفعول محذوف ، أي وقت ظهور هذا الأمر.

الحديث الخامس : ضعيف على المشهور.

« وافداً » أي رسولاً وارداً عليه تعالى يعنّي ذاهبا إلى طور سيناء للمناجاة ، قال : الجوهري : وفد فلان على الأمير أي ورد رسولاً فهو وافد ، والجمع وفد ، وأوفدته أنا إلى الأمير أي أرسلته.

« واعدهم ثلاثين يوماً » اعلم انّه تعالى قال : في سورة البقرة : «وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً » وقال : في الأعراف : «وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ ربّه أَرْبَعِينَ لَيْلَةً » فاختلف المفسرون في ذلك فقيل : كان ما أخبر به موسى أربعين ليلة ، وانّما قال : سبحانّه ثَلاثِينَ لَيْلَةً وأفرد العشر لانّه تعالى واعده ثلاثين ليلة ليصوم فيها ويتقرب بالعبادة ، ثمَّ أتمت بعشر إلى وقت المناجاة ، وقيل : هي العشر التي نزلت التوراة فيها ، وقيل : إن موسى قال : لقومه : إنّي أتأخّر عنكم ثلاثين يوماً ليتسهّل عليهم ، ثمَّ زاد عليهم عشراً وليس في ذلك خلف ، لانّه إذا تأخر عنهم أربعين ليلة فقد تأخّر ثلاثين قبلها.


على ما حدَّثناكم [ به ] فقولوا صدق الله وإذا حدَّثناكم الحديث فجاء على خلاف ما حدّثناكم به فقولوا : صدق الله تؤجروا مرَّتين.

٦ - محمّد بن يحيى وأحمد بن إدريس ، عن محمّد بن أحمد ، عن السيّاري ، عن الحسن بن عليّ بن يقطين ، عن أخيه الحسين ، عن أبيه عليّ بن يقطين قال : قال : لي أبو - الحسنعليه‌السلام : الشيعة تربّى بالأمانيّ منذ مائتي سنة : قال : وقال : يقطين لابنه علي

________________________________________________________

وعلى هذا الأخير دلّت الأخبار الكثيرة منّا ومن المخالفين فيكون من الأخبار البدائيّة ، فكان الميعاد واقعاً أربعين ليلة ، وأخبر موسى بثلاثين ثمَّ زاد فيها عشراً لامتحان القوم وشدّة التكليف عليهم ، أو واعد الله موسى أربعين وأمره أن يخبر قومه بما في لوح المحو والإثبات ثلاثين لـمّا ذكرنا ، فاستشهدعليه‌السلام بذلك على انّه يجوز أن نخبر في أمرّ القائمعليه‌السلام بشيء من كتاب المحو والإثبات ، ثمَّ يتغيّر ذلك فيجيء على خلاف ما حدّثناكم به فلا تكذّبونا بذلك وقولوا صدق الله ، لانّه كان الخبر عن كتاب المحو والإثبات ، وكان ما كتب فيه مشروطاً بشرطه فقد صدق الله وصدق من أخبر عن الله.

و إنّما يؤجرون مرّتين لايمانهم بصدقهم أوّلاً ، وثباتهم عليه بعد ظهور خلاف ما أخبروا به ثانياً ، أو لكون هذا التّصديق صعباً على النفس فلذا يتضاعف أجرهم ، وهذا إحدى الحكم في البداء ، فإنّ تشديد التكليف موجب لعظيم الأجر.

الحديث السادس : ضعيف.

« تربّى » على بناء المفعول من التفعيل من التربية ، أي تصلح أحوالهم وتثبت قلوبهم على الحقَّ بالأمانّي بأن يقال : لهم الفرج ما أقربّه وما أعجله فإنّ كلّ ما هو آت فهو قريب ، كما قال : تعالى : «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ » أو بأن يخبروا بالأخبار البدائيّة لئلّا ييأسوا ويرجعوا عن الحقَّ ، والأمانّي جمع الأمنيّة وهو رجاء المحبوب أو الوعدّ به.

« منذ » مبنيّاً على الضمّ حرف جرّ بمعنى من ، وفيه إشكال وهو أنّ صدور


________________________________________________________

الخبر لو كان في أواخر زمان الكاظمعليه‌السلام كان أنقص من المائتين بكثير ، إذ وفاتهعليه‌السلام كان في سنة ثلاث وثمانين ومائة فكيف إذا كان قبل ذلك.

ويمكن أن يجاب عنه بوجوه :

الأوّل : أن يكون مبنيّاً على ما ذكرنا سابقاً من أنّ قواعد أهل الحساب إتمام الكسور إن كانت أزيد من النصف ، وإسقاطها إن كانت أقلّ منه ، فلـمّا كانت المائة الثانية تجاوزت عن النصف عدّت كاملة.

الثاني : أن يكون ابتدائهما من أوّل البعثة فانّه من هذا الزّمان شرع بالأخبار بالأئمّةعليهم‌السلام ومدّة ظهورهم وخفائهم ، فيكون على بعض التقادير قريباً من المائتين ولو كان كسرّ في العشر الأخير يستقيم على القاعدَّة السّابقة.

الثالث : أن يكون المراد التربية في الزّمان السابق واللاحقَّ معا ، ولذا أتى بالمضارع ، ويكون الابتداء من الهجرة فينتهي إلى ظهور أمرّ الرضاعليه‌السلام ، وولاية عهده ، وضرب الدنانير باسمه الشريف ، فإنّها كانت في سنة المائتين ، بأن يكونوا وعدوهم الفرج في ذلك الزّمان ، فانّه قد حصلت لهم رفاهيّة عظيمة فيه أو وعدوهم الفرج الكامل فبدا لله فيه كما مرّ.

الرابع : أن يكون تربّى على الوجه المذكور في الثالث شاملا للماضي والآتي ، لكن يكون ابتداء التربية بعد شهادة الحسين صلوات الله عليه ، فإنها كانت البلية العظمى والطّامّة الكبرى ، وعندها كانت الشيعة يحتاجون إلى التّسلية والأمنيّة لئلّا يزالوا ، وانتهاء المائتين أوّل إمامة القائمعليه‌السلام ، وهذا مطابق للمأتين بلا كسرّ إذ كانت شهادة الحسينعليه‌السلام في أوّل سنة إحدى وستين ، وإمامة القائمعليه‌السلام وابتداء غيبته الصّغرى لثمان خلون من ربيع الأوّل سنة ستّين ومائتين.

وإنّما جعل هذا غاية التمنية والتربية لوجهين :

الأوّل : أنّهم لا يرون بعد ذلك إماماً يمنّيهم.


ابن يقطين : ما بالنا قيل لنا فكان وقيل لكم فلم يكن قال فقال : له عليّ : إنَّ الّذي قيل لنا ولكم كان من مخرج واحد غير أن أمركم حضر فأعطيتم محضه ، فكان كما قيل لكم وإنَّ أمرنا لم يحضر فعلّلنا بالأمانّي فلو قيل لنا : إنّ هذا

________________________________________________________

والثاني : أنّهم بعد علمهم بوجود المهديعليه‌السلام يقوّى رجاؤهم ، فهم ينتظرون ظهوره ويرجون قيامه صباحاً ومساءاً ، فهذا وجه متين خطر بالبال مع الوجهين الأولين فخذها وكن من الشاكرين ، وقل من تعرض للإشكال وحلّه من الناظرين.

« قال : وقال : » ضمير قال : أولا لحسين بن عليّ ، ويقطين كان من شيعة بنيّ العبّاس وابنه عليّ كان من شيعة أهل البيتعليهم‌السلام ، فقوله : قيل لنا ، أي قال : أئمتكم في خلافة بنيّ العبّاس وأخبروا عنها ، فكان ووقع ، وقالوا لكم في قرب الفرج وظهور إمام الحقَّ فلم يقع ، فحمل القرب على القرب القريب ، ولم يكن أرادواعليهم‌السلام ذلك ، بل أرادوا تحقق وقوعه مع أنّ القرب أمر إضافيّ فكل بعيد قريب بالنسبة إلى ما هو أبعد منه.

ويحتمل أن يكون مراده ما صدر عنهم من الأخبار البدائيّة فتخلّف ظاهراً ، والأوّل أوفق بالجواب.

وقيل : ما قيل ليقطين انّما كان الإخبار بالإمام المستتر بعد الإمام المستتر ، وما قيل لابنه انّما كان الإخبار بالإمام الظّاهر بعد الإمام المستتر كما يستفاد من الجواب ، انتهى ولا يخفى ما فيه.

« من مخرج واحد » أي انّما ذكروه ممّا استنبطوه من القرآن ووصل إليهم من الرّسول ، وألقى إليهم روح القدس ، وبالجملة كلها من عند الله تعالى « غير أن أمركم » أي أمرّ خلافة بني العبّاس حضر وقته ، فأخبروكم بمحضه أي خالصة بتعيين الوقت والمدة من غير إبهام وإجمال « وانّ أمرنا لم يحضر » وقته « فعللنا » على بناء المفعول من التفعيل من قولهم علل الصبيّ بطعام أو غيره إذا شغله به ، وكونه من


الأمر لا يكون إلّا إلى مائتي سنة أو ثلاثمائة سنة لقست القلوب ولرجع عامّة الناس عن الإسلام ولكن قالوا : ما أسرعه وما أقربه تألّفاً لقلوب الناس وتقريباً للفرج.

٧ - الحسين بن محمّد ، عن جعفر بن محمّد ، عن القاسم بن إسماعيل الأنباريّ ، عن الحسن بن عليّ ، عن إبراهيم بن مهزم ، عن أبيه ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : ذكرنا عنده ملوك آل فلان فقال : انّما هلك الناس من استعجالهم لهذا الأمر إن الله لا يعجلّ لعجلة العباد إن لهذا الأمر غايةٌ ينتهي إليها ، فلو قد بلغوها لم يستقدموا ساعة ولم يستأخروا.

________________________________________________________

العلّ بعد النهل أي الشرب بعد الشرب كناية عن التكرار كما توهّم بعيد.

وقوله : عن الإسلام ، إشارة إلى شرك المخالفين « وتقريباً للفرج » أي حدّاً للفرج قريباً ، وهذا الّذي ذكره على وجه متين أخذه منهمعليهم‌السلام ، كما روى الصّدوق في كتاب العلل بإسناده عن عليّ بن يقطين قال : قلت لأبي الحسن موسىعليه‌السلام : ما بال ما روي فيكم من الملاحم ليس كما روي؟ وما روي في أعاديكم قد صحّ؟ فقال :عليه‌السلام : إن الّذي خرج في أعدائنا كان من الحقَّ فكان كما قيل ، وأنتم عللتم بالامانيّ فخرج إليكم كما خرج.

الحديث السابع : ضعيف « ملوك آل فلان » أي بنيّ العبّاس ، أي كنّا نرجو أن يكون انقراض دولة بني أميّة متّصلاً بدولتكم ، ولم يكن كذلك ، وحدثت دولة بنيّ العبّاس أو ذكرنا قوّة ملكهم وشدّته ، أو انّه هل يمكن السّعي في إزالته.

« إنّما هلك النّاس » أي الّذين يخرجون في دولة الباطل قبل انقضاء مدّتها كزيد ومحمّد وإبراهيم وأضرابهم « لهذا الأمر » أي لغلبة الحقَّ أو لإزالة دولة الباطل « فلو قد بلغوها » أي أهل الحقَّ أو أهل دولة الباطل « لم يستقدموا » أي لم يتقدّموا « ساعة » ولم يتأخّروا ساعة ، إشارة إلى قوله تعالى : «فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ »(١) .

__________________

(١) سورة الأعراف : ٣٤.


( باب التمحيص والامتحان )

١ - عليُّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن الحسن بن محبوب ، عن يعقوب السرَّاج وعليّ بن رئاب ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أنَّ أمير المؤمنينعليه‌السلام لـمّا بويع بعد مقتل عثمان صعد المنبر وخطب بخطبة ذكرها يقول فيها : ألا إنَّ بليّتكم قد عادت كهيئتها يوم

________________________________________________________

قال البيضاوي : أي لا يتقدّمون ولا يتأخّرون أقصر وقت ، أو لا يطلبون التأخّر والتقدّم لشدّة الهول.

باب التمحيص والامتحان

أقول : التمحيص ابتلاء الإنسان واختباره ليتميّز جيّده من رديّه ، من محّصت الذّهب بالنّار إذا خلّصته ، والامتحان الاختبار بالمحنة ، وهي ما يمتحن به الإنسان من بليّة ومشقّة وتكليف صعب من محنت البئر إذا أخرجت ترابها وطينها ليبقى ماؤها خالصاً صافياً ، وهو في حقّه تعالى مجاز كما عرفت مراراً.

الحديث الأوّل : حسن.

والمقتل مصدر ميميّ والضمير في « ذكرها » لأبي عبد اللهعليه‌السلام « الا إنّ بليتّكم قد عادت » أي إبتلاءكم واختباركم قد عادت ، فإنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد بعث في زمان ألف الناس بالباطل وجروا عليه ، ونشأوا فيه من عبادة الأصنام وعادات الجاهلية ، ثمَّ النّاس بعد الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رجعوا عن الدّين القهقرى إلى الكفر والرّدى ، وتبعوا أئمّة الضّلالة ونسوا عادات الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في القسم بالسّويّة والعدل في الرّعيّة وإقامة شرائع الدّين ، وألفوا بالبدع والأهواء ، فلـمّا أراد أمير المؤمنين صلوات الله عليه ردّهم إلى الحقّ قامت الحروب وعظمت الخطوب ، فعاد ما كان في ابتداء زمان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الفتن العظيمة ، فأشارعليه‌السلام بذلك إلى أنّ الخلفاء الثلاثة كانوا أهل كفر ونفاق ، وانّ أتباعهم كانوا أهل ضلال وشقاق.

وقيل : يعني صرتم أهل الجاهليّة حيارى في دينكم ، مضطرّين إلى من يحملكم


بعث الله نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله والّذي بعثه بالحقّ لتبلبلنَّ بلبلة ولتغربلنّ غربلة ، حتّى يعود

________________________________________________________

على الهدى ويسلك بكم طريق الاستقامة طوعاً وكرهاً كما كنتم حين بعث نبيّكمصلى‌الله‌عليه‌وآله كذلك.

« لتبلبلنّ بلبلة » بلبلة الصّدر وسواسه ، والبلابل هي الهموم والأحزان قال : في النهاية : البلابل الهموم والغموم والبلبلة أيضاً اختلاط الألسنة وتفرّق الآراء ، والظّاهر انّه إشارة إلى ما عرض لهم من تشتّت الآراء والوساوس الشيطانيّة في قتال أهل القبلة ، لا سيّما طلحة والزبير وعائشة وغير ذلك من الأمور الحقّة التي كان يصعب على الناس قبولها ، وما وقع في صفّين بينهم من الاختلاف بعد رفع المصاحف.

وقيل : أشار به إلى ما يوقع بهم بنو اميّة وغيرهم ، والخوارج وأمراء الجور من القتل والأذى ، وما عرض لهم من الهموم والأحزان ، وبلبلة الصّدر وسوسته ومنه حديث عليّعليه‌السلام : لتبلبلنّ ، إلخ.

« ولتغر بلن ّغربلة » غربلت الدّقيق وغيره بالغربال بالكسرّ أي نخلته حتّى يتميّز الجيّد من الرديّ ، وغربلت اللحم قطعته ، وقيل : الغربلة القتل ، والمغربل المقتول المنتفخ ، والأظهر هو المعنى الأوّل ، أي لتميزن بالفتن التي تردّ عليكم حتّى يتميّز خياركم من شراركم كما يميز الجيّد من الردي في الغربال ، وفيه إشارة إلى حكمة تلك الفتن كما قال : تعالى : «أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الّذين مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الّذين صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ »(١) .

أو يكون كناية عن اختلاطهم واضطرابهم بالفتن كما يختلط ما في الغربال بعضه ببعض ، فيكون تأكيداً للفقرة السابقة والأوّل أظهر ، وقيل : أي تذهب خياركم وتبقى أراذلكم وشراركم وهو باعث تسلّط الظّالمين كملوك بنيّ أمية وبنيّ العباس

__________________

(١) سورة العنكبوت : ٢ - ٣.


أسفلكم أعلاكم وأعلاكم أسفلكم و ليسبقنَّ سبّاقون كانوا قصّروا ، وليقصّرنَّ

________________________________________________________

وانحطاط المؤمنين ، وهو المراد بقوله : حتّى يصير أسفلكم أعلاكم ، وقيل : لفظ الغربلة مستعار لالتقاط آحادهم بالقتل والأذى كما فعلوا بكثير من الصّحابة والتابعين.

وفي نهج البلاغة وما سيأتي في الروضة بعد ذلك ولتساطنّ سوط القدر حتّى يعود ، والسّوط الخلط وساط القدر بالمسوط والمسواط وهو خشبة يحرك بها ما فيها ليختلط ، والمراد إما الاضطراب بالفتن حتّى يصير الأسفل بحسب الدّين في نظر الناس أعلى وبالعكس أو تصير الفتن سبباً لأن يصير العزيز في الدّين ذليلاً في الدّنيا وبالعكس.

وقيل : أشار به إلى ما يفعله بنو اميّة من خلط بعضهم ببعض ، ورفع أراذلهم وحطّ أكابرهم كما يفعل بالقدر سائطها.

« وليسبقنّ سبّاقون » وفي النهج : سابقون ، الظّاهر أن المراد بمن قصر ثمَّ سبق ، الّذين قعدوا عن نصرتهعليه‌السلام بعد وفاة الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ومالوا إلى غيره أو شكوا في أمره ممن كان لهم سوابق في الإسلام أو غيرهم ، ثمَّ هداهم الله إلى المحجّة البيضاء ونصروه في حروبه وأطاعوه في أوامره ونواهيه ، فتسميتهم سبّاقين بالنظر إلى السابق أو لـمّا يؤول إليه الحال ، وبالطائفة الثانية من أبطل سوابقه في الإسلام للتقصير في أمره كطلحة والزبر وأشباههما ، فانّه كانت لهم سوابق في زمن الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وبعده أيضاً كانوا مائلين إلى أهل البيتعليهم‌السلام لبعض الأغراض ، ثمَّ رجعوا في زمانّهعليه‌السلام لعدم حصول أمانيهم.

ويحتمل أن يراد كل ّمن انقلب حاله في الأزمنة المستقبلة لتقلّب الأحوال ، وقيل : إشارة إلى سبق من كان قاصراً في أوّل الإسلام عن الخلافة والإمارة في آخر الزّمان إليها ، وتقصير من سبق إليها عن بلوغها ، ولا يخفى بعده.

وقرء بعضهم قصّروا وسبقّوا على بناء المجهول من التفعيل ، وكذا يسبقنّ ويقصرنّ على المجهول من التفعيل من سبّقه إذا عدّه سابقاً ، وقصّره إذا عدّه قاصراً.


سبّاقون كانوا سبقوا ، والله ما كتمت وسمة ولا كذبت كذبة ولقد نبئت بهذا المقام وهذا اليوم.

٢ - محمّد بن يحيى والحسن بن محمّد ، عن جعفر بن محمّد ، عن القاسم بن إسماعيل الأنباري ، عن الحسين بن عليّ ، عن أبي المغرا ، عن ابن أبي يعفور قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول ويل لطغاة العرب من أمرّ قد اقترب قلت جعلت فداك كم مع القائم من العرب قال : نفرٌ يسيرٌ ، قلت والله إن من يصف هذا الأمر منهم لكثير

________________________________________________________

والمعنى أنّ الناس يتّخذون رؤساء جهّالاً يعدّونهم سابقين مع أنّهم كانوا يعدون قاصرين في زمن الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ويعدّون جماعة كانوا في زمنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سابقين ويعدّون منهم قاصرين ، ولا يخفى بعده أيضاً بل هو أبعد.

« ما كتمت وشمة(١) » قال : في النّهاية والصحاح أي كلمة ، وكذا في النهج بالشين المعجمة ، وفي بعض نسخ الكتاب بالمهملة أي ما سترت علامة تدل على سبيل الحقَّ ولكن عميتم عنها ، ولا يخفى لطف ضم الكتم إلى الوسمة ، فإن الكتم بالتحريك نبت يخلط بالوسمة يخضب به ، لكن الأوّل أصوب.

« ولا كذبت » كضربت « كذبة » بالفتح كما هو المضبوط في النهج ، وورد في اللغة به وبالكسرّ ، وككلمة والتنوين للتحقير ، وربمّا يقرأ كتمت وكذبت على بناء المجهول فيهما ، أي ما كتمني الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا كذبنيّ « ولقد نبّئت » على بناء التفعيل المجهول أي أخبرني الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بهذا المقام أي بيعة الناس لي بعد اللّتيا واللّتي « وهذا اليوم » أي يوم اجتماع الناس عليّ ، أو مقام الخلافة ويوم البيعة.

الحديث الثاني : ضعيف.

والطّغاة بالضمّ جمع الطّاغي وهو الّذي تجاوز الحدّ في العصيان « من أمر قد اقترب » أي ظهور القائمعليه‌السلام والوصف بالقرب لما مرّ « إنّ من يصف هذا الأمر » أي يدعي الاعتقاد بامامة أئمّة الهدى ويظهره ، ويدلّ على أنّ الغربال المشبه به

__________________

(١) وفي المتن « وسمة » بالسين وسيأتي في كلام الشارح (ره).


قال : لا بدَّ للناس من أن يمحّصوا ويميّزوا ويغربلوا ويستخرج في الغربال خلق كثير.

٣ - محمّد بن يحيى والحسن بن محمّد ، عن جعفر بن محمّد ، عن الحسن بن محمّد الصيرفيّ ، عن جعفر بن محمّد الصيقل ، عن أبيه ، عن منصور قال : قال : لي أبو عبد اللهعليه‌السلام يا منصور إن هذا الأمر لا يأتيكم إلّا بعد إياس ولا والله حتّى تميّزوا ولا والله حتّى تمحّصوا ولا والله حتّى يشقى من يشقى ويسعدّ من يسعد.

٤ - عدَّةٌ من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد ، عن معمر بن خلّاد قال : سمعت أبا الحسنعليه‌السلام يقول «الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ »(١)

________________________________________________________

هو الّذي يخرج الرديّء ويبقى الجيّد في الغربال.

والحاصل أنّ في الفتن الحادثة قبل قيام القائمعليه‌السلام يرتد أكثر العرب عن الدّين.

الحديث الثالث : ضعيف أيضا.

« إلّا بعد إياس » بالفتح أي قنوت لكثرة امتداد زمان الغيبة « حتّى يشقي » أي يرتد عن الدين.

الحديث الرابع : صحيح.

« أن يتركوا » قال : البيضاوي : معناه أحسبوا تركهم غير مفتونين لقولهم آمنّا ، بل يمتحنهم الله بمشاق التكاليف كالمهاجرة والمجاهدة ، ورفض الشهوات ووظائف الطاعات ، وأنواع المصائب في الأنفس والأموال ، ليميز المخلص عن المنافق ، والثابت في الدين من المضطرب فيه ، ولينالوا بالصبر عليها عوالي الدرجات «وَلَقَدْ فَتَنَّا الّذين مِنْ قَبْلِهِمْ » متصلة بأحسب أو بلا يفتنون ، والمعنى إن ذلك سنة قديمة جارية في الأمم كلها ، فلا ينبغي أن يتوقّع خلافه «فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الّذين صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ » أي فليتعلّق علمه بالامتحان تعلّقاً حالياً يتميّز به الّذين صدقوا في الإيمان ، والّذين كذبوا فيه ، وينوط به ثوابهم وعقابهم ، ولذلك قيل : المعنى وليميزنّ أو

__________________

(١) سورة العنكبوت : ٢.


ثمَّ قال : لي ما الفتنة قلت جعلت فداك الّذي عندنا الفتنة في الدين فقال : يفتنون كما يفتن الذهب ثمَّ قال : يخلصون كما يخلص الذهب.

٥ - عليُّ بن إبراهيم ، عن محمّد بن عيسى ، عن يونس ، عن سليمان بن صالح رفعه ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : قال : إن حديثكم هذا لتشمئزُّ منه قلوب الرّجال فمن أقر به فزيدوه ومن أنكره فذروه انّه لا بد من أن يكون فتنة يسقط فيها كلُّ بطانة ووليجة حتّى يسقط فيها من يشقُّ الشعر بشعرتين حتّى لا يبقى إلّا نحن

________________________________________________________

ليجازينّ ، انتهى.

قوله : والفتنة في الدّين ، أي إحداث شبهة تدعو إلى الخروج عن الإسلام ، وهذا احتراز عن الفتنة في الأموال والأنفس بنقص الثمرات والأمراض والطاعون ونحو ذلك « فقال : يفتنون » تقوية لـمّا قاله الراويّ « كما يفتن الذهب » بالنار لا بقاء الصافي وإذهاب الغش أو الامتحان انّه جيّد أو رديء ، فعلى الأوّل يخلصون على بناء المفعول تفسير للسابق ، في النهاية يقال : فتنة أفتنه فتناً وفتوناً إذا امتحنه.

الحديث الخامس : مرفوع.

وفي المغرب : اشمئزّ الرّجل اشمئزازاً تقبّض ، انتهى.

والمراد بالحديث غرائب أحوالهم وأسرارهم وشؤونهم ، ومنها أمرّ الغيبة وامتدادها ، ووقوع البداء فيها ، بل القدح في الخلفاء الغاصبين وإثبات كفرهم وارتداد أكثر الصّحابة ، فإنها كانت ممّا لا تقبله قلوب أكثر الناس في ذلك الزّمان ، والظّاهر أن المراد بالفتنة الغيبة وامتدادها « يسقط فيها » أي يخرج من الدّين ويزل ويضل « كل بطانة » بطانة الثوب بالكسرّ خلاف ظهارته ، استعيرت هنا لمن كان مخصوصاً بالأئمّةعليهم‌السلام ، وكان محلاً لأسرارهم ، قال : في المغرب : بطانة الرجلّ خاصته مستعارة من بطانة الثوب الباطنة ، وفي النهاية : وليجة الرّجل بطانته ودخلاؤه وخاصّته ، انتهى.

وشقّ الشّعر بشعرتين كناية شايعة بين العرب والعجم عن كمال تدقيق النظر


وشيعتنا.

٦ - محمّد بن الحسن وعليّ بن محمّد ، عن سهل بن زياد ، عن محمّد بن سنان ، عن محمّد بن منصور الصيقل ، عن أبيه قال : كنت أنا والحارث بن المغيرة وجماعة من أصحابنا جلوسا وأبو عبد اللهعليه‌السلام يسمع كلامنا فقال : لنا في أي شيء أنتم هيهات هيهات لا والله لا يكون ما تمدون إليه أعينكم حتّى تغربلوا لا والله لا يكون ما تمدُّون إليه أعينكم حتّى تمحصّوا ، لا والله لا يكون ما تمدُّون إليه أعينكم حتّى تميّزوا - لا والله ما يكون ما تمدون إليه أعينكم إلّا بعد إياس لا والله لا يكون ما تمدُّون إليه أعينكم حتّى يشقى من يشقى ويسعدّ من يسعد.

( باب )

( انه من عرف امامه لم يضره تقدم هذا الامر او تأخر )

١ - عليُّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حمّاد بن عيسى ، عن حريز ، عن زرارة قال : قال : أبو عبد اللهعليه‌السلام اعرف إمامك فإنّك إذا عرفت لم يضرّك ، تقدّم هذا الأمر أو تأخّر.

________________________________________________________

في الأمور « شيعتنا » أي المخلصون.

الحديث السادس : ضعيف على المشهور.

« يسمع كلامنا » كأنّ كلامهم كان في استبطاء ظهور الحقَّ أو في انّه كثرت الشيعة ، ولا بدّ من ظهور القائمعليه‌السلام « في أي شيء » استفهام للاستبعاد « هيهات » أيّ بعد ما تظنّون ، والتكرير للمبالغة ومدّ العين إلى الشيء كناية عن رجاء حصوله.

باب انه من عرف إمامه لم يضره تقدم هذا الأمر أو تأخر

الحديث الأول : صحيح.

« لم يضرّك تقدّم هذا الأمر » الجملة فاعل باعتبار مضمونها أو بتقدير أن ، والمقصود الحكم بالمساواة بين الأمرين ، فلا يرد أنّ الضّرر لا يتصوّر في صورة


٢ - الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن محمّد بن جمهور ، عن صفوان بن يحيى ، عن محمّد بن مروانّ ، عن الفضيل بن يسار قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن قول الله تبارك وتعالى «يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ » فقال : يا فضيل اعرف إمامك فإنك إذا

________________________________________________________

التقدّم أو ذكر التقدّم تبعاً و استطراداً كما قيل في قوله تعالى : «لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ »(١) ويمكن أن يكون الكلام محمولاً على ظاهره باعتبار مفهومه ، فإن من لم يعرف يتضرّر بالتقدّم أيضاً.

الحديث الثاني : ضعيف على المشهور.

«يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ »(٢) قال : الطّبرسيرحمه‌الله : فيه أقوال :

أحدهما : أن معناه نبيهم ، فيقال : هاتوا متبعي إبراهيم ، هاتوا متبعي موسى ، هاتوا متبعي محمّد ، فيقوم أهل الحقَّ الّذين اتبعوا الأنبياءعليهم‌السلام ، فيأخذون كتبهم بايمانهم ، ثمَّ يقال : هاتوا متبعي الشيطان ، هاتوا متبعي رؤساء الضلالة ، وهذا معنى ما رواه ابن جبير عن ابن عباس ، وروي أيضاً عن عليّعليه‌السلام أن الأئمّة إمام هدى وإمام ضلالة ، ورواه الوالبي عنه بأئمتهم في الخير والشر.

وثانيها : معناه بكتابهم الّذي أنزل عليهم من أوامرّ الله ونواهيه ، فيقال : يا أهل القرآن ويا أهل التوراة.

وثالثها : أن معناه بمن كانوا يأتمون به من علمائهم وأئمتهم ، ويجمع هذه الأقوال ما رواه الخاص والعام عن الرضاعليه‌السلام بالأسانيد الصّحيحة انّه روي عن آبائهعليهم‌السلام عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله انّه قال : فيه : يدعى كل أناس بإمام زمانهم وكتاب ربّهم وسنّة نبيهّم ، وروي عن الصّادقعليه‌السلام انّه قال : إلّا تحمدون الله إذا كان يوم القيامة فزع كل أناس إلى من يتولوّنه ، وفزعنا إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وفزعتم إلينا ، فإلى أين ترون؟ يذهب بكم إلى الجنّة وربّ الكعبة ، قالها ثلاثاً.

__________________

(١) سورة الإسراء : ٧١.

(٢) سورة الأعراف : ٣٤.


عرفت إمامك لم يضرّك ، تقدم هذا الأمر أو تأخر ومن عرف إمامه ثمَّ مات قبل أن يقوم صاحب هذا الأمر كان بمنزلة من كان قاعدا في عسكره لا بل بمنزلة من قعدّ تحت لوائه قال : وقال : بعض أصحابه بمنزلة من استشهد مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

٣ - عليُّ بن محمّد رفعه ، عن عليّ بن أبي حمزة ، عن أبي بصير قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام جعلت فداك متى الفرج فقال : يا أبا بصير وأنت ممّن يريد الدنيا ؟ من عرف هذا الأمر فقد فرّج عنه لانتظاره.

________________________________________________________

ورابعها : أنّ معناه بكتابهم الّذي فيه أعمالهم.

وخامسها : معناه بأمّهاتهم ، انتهى.

وتتمّة الآية : «فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً » وهذا الخبر يدل على أن المراد يدعون بإمام زمانهم وينسبون إليه ويحشرون معه ويردون مورده ، فمن كان عارفاً بإمامه معتقداً له لا تضره غيبته وعدم لقائه له « قاعداً في عسكره » أي ملازماً له مجاهداً معه ، لا يفارقه والقعود تحت اللواء أخص من ذلك لانّه يدل على غاية الاختصاص والامتياز بكثرة النصرة ، وانّه من أحوال الشجعان ولذا أضربعليه‌السلام عن الأوّل وترقى إليه ، وانّما يثابون ذلك باعتبار نياتهم ، لأنّهم إذا عزموا على انّه إذا ظهر إمامهم نصروه وجاهدوا معه وعرضوا أنفسهم للشهادة وعلم الله صدق ذلك من نيّاتهم يعطيهم ثواب ذلك بفضله ، كما قال : أمير المؤمنينعليه‌السلام في بعض غزواته : شاركوكم في ثوابكم قوم لم يحضروا عسكركم ، ولم يوجدوا بعدوهم يتمنون كونهم معكم ، ويعلم الله صدق نياتهم فيثيبهم عليها ، وقد ورد أن أهل الجنة انّما يخلدون في الجنّة بنياتهم أنّهم لو بقوا في الدنيا أبداً لكانوا مؤمنين ، وكذا أهل النار.

الحديث الثالث : ضعيف على المشهور.

« متى الفرج » بالتحريك أي كشف الغمّ بظهور دولة آل محمّدعليهم‌السلام « فقد فرج عنه » على بناء المجرّد أو التفعيل ، والحاصل أنّ من عرف إمامه أو أنّ القائم سيظهر


٤ - عليُّ بن إبراهيم ، عن صالح بن السندي ، عن جعفر بن بشير ، عن إسماعيل بن محمّد الخزاعيّ قال : سأل أبو بصير أبا عبد اللهعليه‌السلام وأنا أسمع فقال : ترأنّي أدرك القائمعليه‌السلام فقال : يا أبا بصير ألست تعرف إمامك فقال : إي والله وأنت هو وتنأوّل يده فقال : والله ما تبالي يا أبا بصير إلّا تكون محتبياً بسيفك في ظل رواق القائم صلوات الله عليه.

٥ - عدَّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد ، عن عليّ بن النعمان ، عن محمّد بن مروانّ ، عن فضيل بن يسار قال : سمعت أبا جعفرعليه‌السلام يقول من مات وليس له إمام فميتته ميتة جاهليّة ، ومن مات وهو عارف لإمامه لم يضرّه ، تقدّم هذا الأمر

________________________________________________________

يوماً ما ، فهو مفرّج عنه من جهة آخرته ، لانّه ينتظره وانتظاره إياه أفضل عباداته كما مرّ ، فهو مع ذلك إن أراد إدراكه فانّما يريده لأمرّ دنياه وتوسعة في معاشه ، ويحتمل أن يكون المراد بالانتظار ترقب إحدى الحسنيين كما مرّ ويحتمل أن يكونعليه‌السلام علم أن غرض أبي بصير من الفرج ومطلوبه المنافع الدنيوية ، ولذا خاطبه بذلك ، ولو كان المقصود رواج الدّين وكشف كرب المؤمنين كان حسنا ، وقد مرّ بعض القول في ذلك في باب ما ورد في حال الغيبة.

الحديث الرابع : مجهول.

والخزاعي بالفتح نسبة إلى قبيلة « ترأنّي » بتقدير الاستفهام « وتنأوّل » أي أبو بصير « يده » أي يد الإمامعليه‌السلام للتعيين أو للمحبّة والملاطفة ، أو لتجديد البيعة ، وفي القاموس : احتبى ثوبه اشتمل أو جمع بين ظهره وساقيه بثوب ، وقال : الرواق ككتاب وغراب سقف في مقدم البيت ، أو بيت كالفسطاط ، وقال : الجوهري : الرواق بالكسرّ ستر يمد دون السقف يقال : بيت مروق ، انتهى.

والمعنى أن لك ثواب من كان كذلك.

الحديث الخامس : مجهول.

« ليس له إمام » أي لم يعرف إمام زمانّه من أئمة الهدى ، والميتة بكسرّ الميم


أو تأخّر ومن مات وهو عارفٌ لإمامه كان كمن هو مع القائم في فسطاطه.

٦ - الحسين بن عليّ العلويّ ، عن سهل بن جمهور ، عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني ، عن الحسن بن الحسين العرنيّ ، عن عليّ بن هاشم ، عن أبيه ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : ما ضرَّ من مات منتظراً لأمرنا ألّا يموت في وسط فسطاط المهديّ وعسكره.

٧ - عليّ بن محمّد ، عن سهل بن زياد ، عن الحسين بن سعيد ، عن فضالة بن أيّوب ، عن عمرّ بن أبان قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول اعرف العلامة فإذا عرفته لم يضرَّك تقدم هذا الأمر أو تأخر إن الله عزَّ وجلّ يقول «يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ »

________________________________________________________

مصدر نوعي ، وميتة جاهليّة تركيب إضافيّ أو توصيفي ، والجاهلية الملة التي ليس فيها معرفة الله ولا معرفة رسوله ولا معرفة شرائع الدّين ، وكان أكثر الناس عليها قبل البعثة ، وصاروا إليها بعد وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهما الجاهلية الأولى والجاهلية الأخيرة ، وهذا الخبر متواتر معنى بين الخاصة والعامة ، وقد مرّ بعض القول فيه ، وسيأتي أيضاً ، وقال : الجوهري : الفسطاط بيت من شعر ، وفيه لغات فسطاط وفستاط وفسّاط وكسر الفاء لغة فيهنّ.

الحديث السادس : مجهول.

« أو عسكره(١) » كان الترّديد باعتبار اختلاف نيّات الخلق ، واختلاف ثوابهم بحسب ذلك ، أو المراد بالثاني شهادته في العسكر أو الأوّل إشارة إلى الاختصاص بهعليه‌السلام والتشرف بصحبته ، والثاني إلى جهاده بين يديه ، فإن لكلّ فضلاً ، ويحتمل على بعد كونه شكاً من الرّاوي.

الحديث السابع : ضعيف على المشهور ، والعلامة الإمامعليه‌السلام فانّه علامة سبيل الهدى ، وقد مرّ أن العلامات في قوله تعالى : «وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ »(٢) هم الأئمّةعليهم‌السلام ، وتذكير الضمير باعتبار المعنى أو علامة إمامته من حجتها ودليلها ، ونعته وصفاته ومعجزاته ، والنصوص عليه ، وقد يقرأ العلامة بتشديد اللام فالتاء

__________________

(١) وفي المتن « وعسكره » بالواو فيسقط الاحتمالات.

(٢) سورة النحل : ١٦.


فمن عرف إمامه كان كمن كان في فسطاط المنتظرعليه‌السلام .

( باب )

( من ادعى الإمامة وليس لها بأهل ومن جحد الأئمة أو بعضهم ومن )

( أثبت الإمامة لمن ليس لها بأهل )

١ - محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن محمّد بن سنان ، عن أبي سلام ، عن سورة بن كليب ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : قلت له قول الله عزَّ وجلّ «وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الّذين كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ »(١) قال : من قال : إنّي إمام وليس بإمام قال : قلت وانّ كان علويا قال : وان كان علويّاً ؟ قلت وانّ كان من ولد عليّ ابن أبي طالبعليه‌السلام قال : وانّ كان.

________________________________________________________

للمبالغة ، وفي بعض النّسخ الغلام بالغين المعجمة كناية عن المهديعليه‌السلام ، والمنتظر بفتح الظاء المهدي الّذي تنتظره شيعته صلوات الله عليه.

باب من ادعى الامامة وليس لها بأهل ومن جحد الأئمّة أو بعضهم ومن أثبت الإمامة لمن ليس لها بأهل

الحديث الأول : ضعيف على المشهور.

«تَرَى الّذين كَذَبُوا عَلَى اللهِ » المشهور بين المفسّرين أنّها فيمن إدّعى أنّ لله شريكاً ، أو ولداً ، والآية عامّة ، ولعلّ ما في الخبر بيان لبعض أفرادها بل عمدتها.

« وانّ كان من ولد عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام » لعلّ المراد بهذا ولده بلا واسطة والأوّل أعم ، أو سأل ذلك تأكيداً لرفع احتمال كون المراد بالعلويّ من ينسب إليهعليه‌السلام من مواليه أو من شيعته وسائر أقاربّه ، وسواد الوجه إمّا حقيقة ليكون علامة لكفرهم في القيامة ، وسبباً لمزيد فضيحتهم ، أو كناية عن ظهور كذبهم وخذلانهم.

__________________

(١) سورة زمر : ٦٠.


٢ - محمّد بن يحيى ، عن عبد الله بن محمّد بن عيسى ، عن عليّ بن الحكم ، عن أبان ، عن الفضيل ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : من ادّعى الإمامة وليس من أهلها فهو كافر.

٣ - الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن محمّد بن جمهور ، عن عبد الله بن عبد الرحمن ، عن الحسين بن المختار قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام جعلت فداك «وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الّذين كَذَبُوا عَلَى اللهِ » قال : كل من زعم انّه إمام وليس بإمام قلت وانّ كان فاطميا علويّاً قال : وان كان فاطميّاً علويّاً.

________________________________________________________

الحديث الثاني : مجهول.

« فهو كافر » لإنكاره الإمام والنصّ عليه مع افترائه على الله في كونه إماماً ، وصدّه عن إمام الحقَّ ، ودعوة الناس إلى الباطل وإضلالهم ومعارضته لأئمّة الحقَّ وتكذيبه لهم.

الحديث الثالث : ضعيف.

وذكر العلويّ بعد الفاطميّ للتأكيد ، ولبيان انّه لا ينفعه شيء من الشرفين المجتمعين فيه ، ولو كان بالعكس كان الثاني مقيّداً ومخصّصاً للأوّل كما ورد في سائر الأخبار.

مثل ما رواه عليّ بن إبراهيم في تفسيره بإسناده عن أبي المغراء عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في قوله تعالى : «وَيَوْمَ الْقِيامَةِ » الآية ، قال : من ادّعى انّه إمام وليس بإمام ، قلت : وانّ كان علويّاً فاطميّاً؟ قال : وانّ كان علويّاً فاطميا.

وروى النعماني في الغيبة بإسناده عن سورة بن كليب عن أبي جعفرعليه‌السلام في قوله تعالى : «وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الّذين كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ » قال : من قال : أنّي إمام وليس بإمام ، قلت : وانّ كان علويّاً فاطميّاً ؟ قال : وانّ كان علويّاً فاطميّاً ، قلت : وانّ كان من ولد عليّ بن أبي طالب؟ قال : وانّ كان من ولد عليّ بن أبي طالب ، ومنه يظهر انّه سقط من الخبر الأوّل شيء لكن السّند إلى سورة مختلف.


٤ - عدَّةٌ من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد ، عن الوشّاء ، عن داود الحمار ، عن ابن أبي يعفور ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سمعته يقول : ثلاثة لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ

________________________________________________________

الحديث الرابع : مجهول.

« لا يكلّمهم الله » إشارة إلى قوله تعالى في سورة البقرة : «إِنَّ الّذين يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قليلاً أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إلّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ »(١) وفي سورة آل عمران : «الّذين يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمأنّهم ثَمَناً قليلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ »(٢) وكل من الثلاثة داخل فيمن كتم ما أنزل الله من الكتاب ، لدلالة الآيات على إمامة أئمة الحقَّ عموماً وخصوصاً ، وعلى أن من لم يؤمن بما نزل في الكتاب فهو كافر ، وأيضاً داخل في الآية الثانية ، لأن الباعث له على ذلك ليس إلّا طمع الدنيا ، فلو ترك الأغراض الدنيوية لظهر له الحقَّ ولم يكتمه ، مع انّه ورد في الأخبار أن العهد عهد الإمامة.

وفي قوله : لا يكلّمهم الله ، وجوه : الأوّل : انّه لا يكلّمهم بما يحبون ، وفي ذلك دليل على غضبه عليهم وانّ كان يكلّمهم بالسؤال بالتوبيخ ، وبما يفهم كما قال : «فَلَنَسْئَلَنَّ الّذين أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ »(٣) «وقال : اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ (٤) » الثاني : انّه لا يكلّمهم أصلا فتحمل آيات المساءلة على أن الملائكة تسائلهم عن الله وبأمره ، الثالث : انّه ليس المراد حقيقة نفي الكلام ، بل هو كناية عمّا يلزمه من السخط.

وكذا قوله : ولا يزكيهم ، يحتمل وجوها : الأوّل : أن المعنى لا يطهرهم من دنس الذنوب والأوزار بالمغفرة ، بل يعاقبهم.

الثاني : انّه لا يثني عليهم ولا يحكم بأنّهم أزكياء ، ولا يسميهم بذلك ، بل

__________________

(١) الآية : ١٧٤.

(٢) الآية : ٧٧.

(٣) سورة الأعراف : ٦.

(٤) سورة المؤمنون : ١٠٨.


وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ من ادّعى إمامة من الله ليست له ، ومن جحد إماماً من الله ، ومن زعم أنّ لهما في الإسلام نصيباً.

٥ - محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن ابن سنان ، عن يحيى أخي أديم ، عن الوليد بن صبيح قال : سمعت أبا عبد الله يقول إنّ هذا الأمر لا يدَّعيه غير صاحبه إلّا بتر الله عمره.

٦ - محمّد بن يحيى ، عن محمّد بن الحسين ، عن محمّد بن سنان ، عن طلحة بن زيد ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : من أشرك مع إمام إمامته من عند الله من ليست إمامته

________________________________________________________

يحكم بأنّهم كفرة فجرة.

الثالث : انّه لا يزكّي أعمالهم ولا ينميها ، أو لا يستحسنها ولا يثني عليها ، بل يردّها عليهم ، وكذا عدم النظر في الآية الأخرى كناية عن ترك العطف والرحمة ، كما يقول القائل لغيره : انظر إلى أي ارحمني.

«وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ » أي مؤلم موجع ، والخبر يدلّ على كفر المخالفين ، بل على كفر من يقول بعدم كفرهم ، ولا ريب أنّهم في أحكام الآخرة بحكم الكفّار ، وأنّهم مخلّدون في النّار ، وأمّا في أحكام الدنيا فأنّهم كالمنافقين في أكثر الأحكام كالمسلمين ، ويظهر من كثير من الأخبار أن هذا الحكم مخصوص بحال الهدنة شفقة على الشيعة لاضطرارهم إلى مخالطتهم ومعاشرتهم ، فإذا ظهر الحقَّ فهم في الدنيا أيضاً في حكم الكفّار ، إلّا المستضعفين منهم كما سيأتي تفصيله.

الحديث الخامس : ضعيف على المشهور معتبر.

وأديم على التصغير ، وصبيح كأمير « إلّا بتر الله عمره » كنصر أي قطع ، كما قطع عمرّ محمّد وإبراهيم وأضرابهما.

الحديث السادس : (١)

__________________

(١) كذا في النسخ.


من الله كان مشركاً بالله.

٧ - محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن محمّد بن إسماعيل ، عن منصور بن يونس ، عن محمّد بن مسلم قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام رجلّ قال : لي اعرف الآخر من الأئمّة ولا يضرك أن لا تعرف الأوّل قال : فقال : لعن الله هذا فإنّي اُبغضه ولا أعرفه ، وهل عرف الآخر إلّا بالأوّل.

٨ - الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن محمّد بن جمهور ، عن صفوان ، عن

________________________________________________________

« كان مشركاً » لأنّ من أشرك مع إمام الحقَّ غيره فقد شارك الله في نصب الإمام فانّه لا يكون إلّا من الله ، وانّ تبع في ذلك غيره فقد جعل شريكاً لله ، بل كل من تابع غير من أمرّ الله بمتابعته في كلّ ما يكون(١) فهو مشرك ، لقوله تعالى : «اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبأنّهم أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ »(٢) وقد سمى الله طاعة الشيطان عبادة حيث قال : «لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ »(٣) .

الحديث السابع : موثق.

« إن لا تعرف الأوّل » أي أمير المؤمنينعليه‌السلام أو الأعم منه وممن بعده قبل الآخر « لعن الله » دعائيّة ويحتمل الخبرية « ولا أعرفه » أي بالتشيع أو مطلقاً ، وهو كناية عن عدم التشيع ، لـمّا سيأتي أنّهمعليهم‌السلام يعرفون شيعتهم ، ويحتمل أن يكون جملة حالية أي أبغضه مع أنّي لا أعرفه « وهل عرف » على المعلوم أو المجهول استفهام إنكاري ، والمعنى انّه انّما يعرف الآخر بنصّ الأوّل عليه ، فكيف يعرف إمامة الآخر بدون معرفة الأوّل وإمامته ، وقيل : أي إلّا بما عرف به الأوّل فإن دلائل الإمامة مشتركة ، وكما تدلّ على الآخر تدلّ على الأوّل.

الحديث الثامن : ضعيف.

__________________

(١) وفي نسخة « في كل ما يقول ».

(٢) سورة التوبة : ٣١.

(٣) سورة يس : ٦٠.


ابن مسكان قال : سألت الشيخ عن الأئمّةعليهم‌السلام قال : من أنكر واحداً من الأحياء فقد أنكر الأموات.

٩ - عدَّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد ، عن الحسين بن سعيد ، عن أبي وهب ، عن محمّد بن منصور قال : سألته عن قول الله عزَّ وجلّ : «وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا

________________________________________________________

والتعبير بالشيخ للتقيّة ، أي المعظّم المفتدي ، والظّاهر أنّ المراد به الكاظمعليه‌السلام لأن رواية ابن مسكان عن الصّادقعليه‌السلام نادر ، بل قيل : انّه لم يرو عنهعليه‌السلام إلّا حديث المشعر ، لكن رواه الصدوق في إكمال الدّين عن ابن مسكان عن أبي عبد اللهعليه‌السلام « فقد أنكر الأموات » أي لا ينفعه الإقرار بإمامتهم بدون الإقرار بإمامته وإنكاره مستلزم لإنكارهم ، لأنّهم أخبروا بإمامته أو دلائل الإمامة مشتركة ، فإذا لم يقر بالإمام الحي فلا يعرفهم بالدليل ، فلا ينفعه الإقرار بلا دليل ، أو المعنى أن إنكار الإمام الحي انّما يكون بالقول بإمام آخر غير معصوم جاهل بالأحكام ، فهذا دليل على انّه لم يعرف الأئمّة السابقين بصفاتهم التي لا بد من الإقرار بها.

الحديث التاسع : مجهول.

« وإذا فعلوا فاحشة » قال : الطّبرسيرحمه‌الله : كنى به عن المشركين الّذين كانوا يبدون سوآتهم في طوافهم ، فكان يطوف الرّجال والنساء عراة يقولون نطوف كما ولدتنا أمهاتنا ولا نطوف في الثياب التي قارفنا فيها الذنوب ، وهم الحمس(١) وفي الآية حذف تقديره : وإذا فعلوا فاحشة فنهوا عنها قالوا وجدنا عليها آباءنا ، قيل : ومن أين أخذ آباؤكم؟ قالوا : الله أمرنا بها وقال : الحسن : أنّهم كانوا أهل إجبار ، فقالوا : لو كره الله ما نحن عليه لنقلنا عنه ، فلهذا قالوا : والله أمرنا بها ، فرد الله سبحانه

__________________

(١) قارف الذنب : داناه ، والحمس : لقب قريش وكنانة وجديلة ومن تابعهم في الجاهلية.


عَلَيْها آباءَنا وَاللهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمرّ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ »(١) قال : فقال : هل رأيت أحداً زعم أن الله أمرّ بالزنا وشرب الخمرّ أو شيء من هذه المحارم فقلت لا فقال : ما هذه الفاحشة التي يدعون أن الله أمرهم بها قلت الله أعلم ووليّه قال : فإنّ هذا في أئمّة الجور ادعوا أن الله أمرهم بالائتمام بقوم لم يأمرهم الله بالائتمام بهم فرد الله ذلك عليهم فأخبر أنّهم قد قالوا عليه الكذب وسمى ذلك منهم فاحشة.

١٠ - عدَّةٌ من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد ، عن الحسين بن سعيد ، عن أبي وهب ، عن محمّد بن منصور قال : سألت عبداً صالحاً عن قول الله عزوجلّ «قُلْ انّما حرّم رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ »(٢) قال : فقال : إن القرآن له ظهر وبطن فجميع

________________________________________________________

قولهم بأن قال : «إِنَّ اللهَ لا يَأْمرّ بِالْفَحْشاءِ » ثمَّ أنكر عليهم من وجه آخر فقال : «أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ » لأنّهم إن قالوا لا لنقضوا مذهبهم ، وان قالوا : نعم افتضحوا في قولهم ، انتهى.

« وولّيه » أي من هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، أي أنت في أئمّة الجور أي في ولايتهم ادعوا أي الناس من أتباعهم ، وفي غيبة النعماني هذا في أولياء أئمّة الجور وهو أظهر ، وعلى ما في الكافي يحتمل أن يكون ضمير ادعوا راجعاً إلى أئمّة الجور بأن يكون المراد بهم أئمّة جور يتولون أئمّة جور آخرين كخلفاء بنيّ اميّة وبنيّ العبّاس.

الحديث العاشر : مجهول.

«الْفَواحِشَ » أي المعاصي والقبائح كلها ، «ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ » قيل : أي سرها وعلانيتها ، فأنّهم كانوا لا يرون بالزنا في السرّ بأساً ويمنعون منه علانية فنهى الله سبحانه عنه في الحالتين ، وقيل : ما ظهر : أفعال الجوارح وما بطن : أفعال القلوب ، وظاهر الخبر أن المراد بما ظهر المعاصي التي دلّ ظاهر القرآن عليّ تحريمه ، وبما بطن ما بين أئمّة الهدىعليهم‌السلام من تأويل الفواحش في بطن القرآن وهو ولاية أئمّة

__________________

(١) سورة الأعراف : ٢٧.

(٢) سورة الأعراف : ٣١.


ما حرّم الله في القرآن هو الظاهر والباطن من ذلك أئمّة الجور ، وجميع ما أحلّ الله تعالى في الكتاب هو الظاهر ، والباطن من ذلك أئمّة الحقّ.

________________________________________________________

الجور ومتابعتهم ، فإنّها أفحش الفواحش وهي الداعية إلى جميعها.

والحاصل أن كلّ ما ورد في القرآن من ذكر الفواحش والخبائث والمحرّمات والمنهيّات والعقوبات المترتّبة عليها ، فتأويله وباطنه أئمّة الجور ومن اتبعهم يعنّي دعوتهم للناس إلى أنفسهم من عند أنفسهم وتأمرّهم عليهم وإضلالهم إيّاهم ، ثمَّ إجابة الناس لهم وتدينهم بدينهم وطاعتهم إيّاهم ومحبتّهم لهم إلى غير ذلك.

وكلّ ما ورد فيه من ذكر الصّالحات والطيّبات والمحللات والأوامرّ والمثوبات المترتبة عليها فتأويله وباطنه أئمّة الحقَّ ومن اتبعهم يعنّي دعوتهم للناس إلى أنفسهم بأمرّ ربهم وإرشادهم لهم وهدايتهم إياهم ، ثمَّ إجابة الناس لهم وتدينهم بدينهم وطاعتهم إياهم ومحبتهم لهم إلى غير ذلك كما ورد عنهم في كثير من الآيات مفصلا.

وجملة القول في ذلك أن الله تعالى أمرّ بالإيمان والإسلام واليقين والتقوى والورع والصّلاة والزكاة والحجّ والصّوم وسائر الطّاعات ، ونهى عن الكفر والنفاق والشرك والزنا وشرب الخمرّ وقتل النفس وأمثالها من الفواحش ، وخلق أئمّة داعين إلى جميع الخيرات ، عاملين بها ، ناهين عن جميع المنكرات منتهين عنها ، فهم أصل جميع الخيرات وكملت فيهم بحيث اتحدت بهم ، بل صارت كأنّها روح لهم كالصّلاة فإنها كملت في أمير المؤمنين صلوات الله عليه حتّى صارت له بمنزلة الروح من الجسد ، وصار آمرا بها معلـمّا لها غيره ، داعيا إليها.

فبهذه الجهات يستعمل لفظ الصّلاة فيهعليه‌السلام كما ورد في قوله تعالى : «إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ »(١) إن الصّلاة أمير المؤمنين والأئمّة من ولدهعليهم‌السلام ، ولا ينافي ظاهر الآية فكلاهما مرادان منها ظهراً وبطناً.

__________________

(١) سورة العنكبوت : ٤٥.


________________________________________________________

وقال : «إِنَّ اللهَ يَأْمرّ بِالْعَدْلِ وَالْإِحسّان وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى »(١) فهم العدل والإحسّان في بطن القرآن بهذه الجهات المتقدّمة ، ولا ينافي ظاهرها.

وخلق سبحانّه أئمّة «يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ » فهم أصل جميع الفواحش والكفر والشرك والمعاصي ، وكملت فيهم حتّى صارت فيهم بمنزلة الروح من الجسد ، وهم الداعون إليها ، وموالاتهم سبب للإتيان بها ، فبتلك الجهات أطلق عليهم الشرك والكفر ، والفواحش في بطن القرآن وظاهرها أيضاً مراد.

فإذا عرفت ذلك لم تستبعد ما سيقرع سمعك من الأخبار الكثيرة الواردة في هذا الباب.

ويدلّ على جملة ما أومأنا إليه ما رواه الصفّار في بصائر الدّرجات عن عليّ بن إبراهيم عن القاسم بن الرّبيع عن محمّد بن سنان عن صباح المزني عن المفضّل بن عمر انّه كتب إلى أبي عبد اللهعليه‌السلام فجاءه هذا الجواب من أبي عبد اللهعليه‌السلام :

امّا بعد فانّي أوصيك ونفسي بتقوى الله وطاعته ، فإن من التّقوى الطّاعة والورع والتواضع لله والطّمأنينة والاجتهاد والأخذ بأمره والنصيحة لرسله ، والمسارعة في مرضاته ، واجتناب ما نهى عنه ، فانّه من يتق الله فقد أحرز نفسه من النّار بإذن الله ، وأصاب الخير كلّه في الدّنيا والآخرة ، ومن أمرّ بالتقوى فقد أبلغ الموعظة جعلنا الله من المتقيّن برحمته.

جاءني كتابك فقرأته وفهمت الّذي فيه ، فحمدت الله على سلامتك وعافية الله إيّاك ، ألبسنا الله وإيّاك العافية عافية الدّنيا والآخرة ، كتبت تذكر أنّ قوماً أنا أعرفهم كان أعجبك نحوهم وشأنهم ، وإنّك أبلغت عنهم أموراً تروي عنهم كرهتها لهم ، ولم تر بهم إلّا طريقاً حسناً وورعاً وتخشّعاً ، وبلغك أنّهم يزعمون أنّ الدّين انّما هو معرفة الرّجال ، ثمَّ بعد ذلك إذا عرفتهم فاعمل ما شئت ، وذكرت أنّك

__________________

(١) سورة النحل : ٩٠.


________________________________________________________

قد عرفت أنّ أصل الدّين معرفة الرّجال ، فوفقك الله.

وذكرت انّه بلغك أنّهم يزعمون أن الصلاة والزكاة وصوم شهر رمضان والحج والعمرّة والمسجدّ الحرام والمشعر الحرام والشهر الحرام هو رجلّ ، وانّ الطهر والاغتسال من الجنابة هو رجلّ ، وكل فريضة افترضها الله على عباده هو رجلّ ، وأنّهم ذكروا ذلك بزعمهم أن من عرف ذلك الرجلّ فقد اكتفى بعلمه من غير عمل ، وقد صلّى وآتى الزكاة وصام وحج واعتمرّ واغتسل من الجنابة وتطهر وعظم حرمات الله والشهر الحرام والمسجدّ الحرام.

وأنّهم ذكروا أن من عرف هذا بعينه وبحده وثبت في قلبه جاز له أن يتهاون وليس له أن يجتهد في العمل ، وزعموا أنّهم إذا عرفوا ذلك الرجلّ فقد قبلت منهم هذه الحدود لوقتها ، وانّ لم يعملوا بها ، وانّه بلغك أنّهم يزعمون أن الفواحش التي نهى الله عنها الخمرّ والميسرّ والربا والدم والميتة ولحم الخنزير هي رجلّ ، وذكروا أن ما حرّم الله من نكاح الأمهات والبنات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت ، وما حرّم على المؤمنين من النساء ممّا حرّم الله انّما عنى بذلك نكاح نساء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وما سوى ذلك مباح كله.

وذكرت انّه بلغك أنّهم يترادفون المرأة الواحدة ويشهدون بعضهم لبعض بالزور ، ويزعمون أن لهذا ظهراً وبطنا يعرفونه ، فالظّاهر ما يتناهون عنه يأخذون به مدافعة عنهم ، والباطن هو الّذي يطلبون وبه أمروا بزعمهم.

وكتبت تذكر الّذي عظم من ذلك عليك حين بلغك وكتبت تسألني عن قولهم في ذلك أحلال هو أم حرام ، وكتبت تسألني عن تفسير ذلك ، وأنا أبينه حتّى لا تكون من ذلك في عمى ولا شبهة ، وقد كتبت إليك في كتابي تفسير ما سألت عنه فاحفظه كله كما قال : الله في كتابه : «وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ »(١) وأصفه لك بحلاله وأنفي عنك

__________________

(١) سورة الحاقة : ١٢.


________________________________________________________

حرامه إنشاء الله كما وصفت ومعرفكه حتّى تعرفه إن شاء الله فلا تنكره إنشاء الله ، ولا قوة إلّا بالله والقوّة لله جميعاً.

أخبرك أنّ من كان يدين بهذه الصّفة التي كتبت تسألني عنها فهو عندي مشرك بالله تبارك وتعالى ، بيّن الشرك لا شكّ فيه ، وأخبرك أن هذا القول كان من قوم سمعوا ما لم يعقلوه عن أهله ولم يعطوا فهم ذلك ، ولم يعرفوا حد ما سمعوا ، فوضعوا حدود تلك الأشياء مقايسة برأيهم ومنتهى عقولهم ، ولم يضعوها على حدود ما أمروا كذباً وافتراءاً على الله ورسوله ، وجرأة على المعاصي ، فكفى بهذه لهم جهلاً ، ولو أنّهم وضعوها على حدودها التي حدت لهم وقبلوها لم يكن به بأس ، ولكنّهم حرّفوها وتعدوا وكذبوا وتهاونوا بأمرّ الله وطاعته.

ولكن أخبرك أنّ الله حدّها بحدودها لئلّا يتعدّى حدوده أحد ، ولو كان الأمر كما ذكروا لعذر الناس بجهلهم ما لم يعرفوا حد ما حد لهم ، ولكان المقصّر والمتعدي حدود الله معذوراً ، ولكن جعلها حدوداً محدودة لا يتعداها إلّا مشرك كافر ثمَّ قال : «تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعدّ حُدُودَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ »(١) فأخبرك بحقائقها.

إنّ الله تبارك وتعالى اختار الإسلام لنفسه دينا ، ورضي من خلقه ولم يقبل من أحد إلّا به ، وبه بعث أنبياءه ورسله ، ثمَّ قال : «وَبِالْحقَّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحقَّ نَزَلَ »(٢) فعليه وبه بعث أنبياءه ورسله ونبيّه محمّد صلّى الله عليه وعليهم فأفضل الدّين معرفة الرسل وولايتهم.

وأخبرك أنّ الله أحلَّ حلالاً وحرّم حراماً إلى يوم القيامة فمعرفة الرّسل

__________________

(١) سورة البقرة : ٢٢٩.

(٢) سورة الأسرى : ١٠٥.


________________________________________________________

وولايتهم(١) هو الحلال ، فالمحلل ما أحلّوا والمحرّم ما حرّموا ، وهم أصله ومنهم الفروع الحلال ، وذلك شيعتهم ومن فروعهم أمرهم شيعتهم وأهل ولايتهم بالحلال من أقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم شهر رمضان وحج البيت والعمرة وتعظيم حرمات الله وشعائره ومشاعره ، وتعظيم البيت الحرام [ والمسجدّ الحرام ] والشهر الحرام والطّهور والاغتسال من الجناية ومكارم لأخلاق ومحاسنها وجميع البرّ.

ثمَّ ذكر بعد ذلك في كتابه فقال : «إِنَّ اللهَ يَأْمرّ بِالْعَدْلِ وَالْإِحسّان وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ »(٢) فعدوهم هم الحرام المحرّم وأولياؤهم الداخلون في أمرهم إلى يوم القيامة فهم الفواحش ما ظهر منها وما بطن والخمرّ والميسرّ والزنا والربّا والدّم ولحم الخنزير فهم الحرام المحرّم وأصل كلّ حرام وهم الشرّ ، وأصل كلّ شرّ ، ومنهم فروع الشرّ كلّه ، ومن ذلك الفروع الحرام واستحلالهم إيّاها.

ومن فروعهم تكذيب الأنبياء وجحود الأوصياء وركوب الفواحش الزّنا والسّرقة وشرب الخمرّ وأكل مال اليتيم وأكل الرّبا ، والخدعة والخيانة وركوب الحرام كله وانتهاك المعاصي وانّما يأمرّ الله بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وابتغاء طاعتهم وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ، وهم أعداء الأنبياء وأوصياء الأنبياء ، وهم المنهي عن مودتهم وطاعتهم ، يعظكم بهذه لعلكم تذكرون.

وأخبرك أنّي لو قلت لك أن الفاحشة والخمرّ والميسرّ والزنا والميتة والدم ولحم الخنزير هو رجلّ وأنا أعلم أن الله قد حرّم هذا الأصل ، وحرّم فرعه ، ونهى عنه

__________________

(١) وفي المصدر بعد قوله : « وبه بعث أنبياءه ورسله ونبيّه محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله » هكذا : فاختل الذين لم يعرفوا الرسل وولايتهم وطاعتهم هو الحلال المحلل اه والظّاهر وقوع السقط والتصحيف فيه.

(٢) سورة النحل : ٩٠.


________________________________________________________

وجعل ولايته كمن عبد من دون الله وثناً وشركاً ، ومن دعا إلى عبادة نفسه فهو كفرعون إذ قال : أنا ربّكم الأعلى فهذا كلّه على وجه إن شئت قلت هو رجلّ وهوى إلى جهنّم هو ومن شايعه على ذلك فأنّهم مثل قول الله : «انّما حرّم عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ »(١) لصدقت.

ثمّ لو أنّي قلت إنّه فلان ذلك كلّه لصدقت ، إنّ فلاناً هو المعبود المتعدّي حدود الله التي نهى عنها أن يتعدّ ، ثمَّ أنّي أخبرك أنّ الدّين وأصل الدّين هو رجلّ وذلك الرجلّ هو اليقين وهو الإيمان وهو إمام أمته وأهل زمانّه ، فمن عرفه عرف الله ودينه ، ومن أنكره أنكر الله ودينه ، ومن جهله جهل الله ودينه ولا يعرف الله ودينه وحدوده وشرائعه بغير ذلك الإمام.

فذلك معنى أنّ معرفة الرّجال دين الله ، والمعرفة على وجهين معرفة ثابتة على بصيرة يعرف بها دين الله ، ويوصل بها إلى معرفة الله ، فهذه المعرفة الباطنة الثابتة بعينها الموجبة حقها المستوجب أهلها عليها الشكر لله الّذي من عليهم بها من من الله يمن به على من يشاء مع المعرفة الظاهرة ، ومعرفة في الظّاهر ، فأهل المعرفة في الظّاهر الّذين علموا أمرنا بالحقَّ على غير علم لا يلحقَّ بأهل المعرفة في الباطن على بصيرتهم ولا يصلون بتلك المعرفة المقصرة إلى حقَّ معرفة الله كما قال : في كتابه : «وَلا يَمْلِكُ الّذين يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إلّا مَنْ شَهِدَ بِالْحقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ »(٢) .

فمن شهد شهادة الحقَّ لا يعقد عليه قلبه ولا يبصر ما يتكلّم به لا يثاب عليه مثل ثواب من عقد عليه قلبه على بصيرة فيه ، كذلك من تكلّم بجور لا يعقد عليه قلبه لا يعاقب عليه عقوبة من عقد عليه قلبه وثبت على بصيرة.

فقد عرفت كيف كان حال رجال أهل المعرفة في الظّاهر ، والإقرار بالحقَّ على

__________________

(١) سورة النحل : ١١٥.

(٢) سورة الزخرف : ٨٦.


________________________________________________________

غير علم في قديم الدّهر وحديثه إلى أن انتهى الأمر إلى نبيّ الله وبعده صار إلى أوصيائه وإلى من انتهت إليه معرفتهم ، وانّما عرفوا بمعرفة أعمالهم ودينهم الّذين دان الله به المحسن بإحسانّه والمسيء بإساءته ، وقد يقال : انّه من دخل في هذا الأمر بغير يقين ولا بصيرة خرج منه كما دخل فيه رزقنا الله وإيّاك معرفة ثابتة على بصيرة.

وأخبرك أنّي لو قلت الصلاة والزكاة وصوم شهر رمضان والحج والعمرّة والمسجدّ الحرام والبيت الحرام والمشعر الحرام والطهور والاغتسال من الجنابة وكل فريضة كان ذلك هو النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الّذي جاء به من عند ربّه لصدقت ، لأن ذلك كله انّما يعرف بالنبيّ ولو لا معرفة ذلك النبيّ والإيمان به والتسليم له ما عرف ذلك ، فذلك من من الله على من يمن عليه ، ولو لا ذلك لم يعرف شيئاً من هذا.

فهذا كله ذلك النبيّ وأصله وهو فرعه ، وهو دعأنّي إليه ودلني عليه وعرفنيه وأمرني به ، وأوجب عليّ له الطّاعة فيما أمرني به ، ولا يسعنّي جهله ، وكيف يسعنّي جهل من هو فيما بيني وبين الله ، وكيف يستقيم لي لو لا أنّي أصف أن ديني هو الّذي أتأنّي به ذلك النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن أصف أن الدّين غيره ، وكيف لا يكون ذلك معرفة الرجلّ وانّما هو الّذي جاء به عن الله وانّما أنكر الّذين من أنكره بأن «قالُوا أَبَعَثَ اللهُ بَشَراً رسولاً » ، ثمَّ قالوا «أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا » فكفروا بذلك الرجلّ ، وكذبوا به «وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ »(١) فقال : الله : «قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الّذي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ »(٢) ثمَّ قال : في آية أخرى : «وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الأمر ثمَّ لا يُنْظَرُونَ وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رجلاً »(٣) .

إن الله تبارك وتعالى انّما أحبّ أن يعرف بالرّجال وانّ يطاع بطاعتهم ،

__________________

(١) سورة الأنعام : ٨.

(٢) سورة الأنعام : ٩١.

(٣) سورة الأنعام : ٨. وأقول : الظّاهر وقوع التقدّم والتأخّر في الآيتين ، والله أعلم.


________________________________________________________

فجعلهم سبيله ووجهه الّذي يؤتى منه ، لا يقبل الله من العباد غير ذلك لا يسأل عمّا يفعل وهم يسئلون ، فقال : فيما أوجب من محبته لذلك : «مَنْ يُطِعِ الرّسول فَقَدْ أَطاعَ اللهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً »(١) فمن قال : لك إن هذه الفريضة كلها انّما هي رجلّ ، وهو يعرف حد ما يتكلّم به فقد صدق ، ومن قال : على الصفة التي ذكرت بغير الطّاعة فلا يغني التمسك بالأصل بترك الفروع ، كما لا يغني شهادة أن لا إله إلّا الله بترك شهادة أن محمداً رسول الله ، ولم يبعث الله نبيا قط إلّا بالبر والعدل والمكارم ومحاسن الأخلاق ومحاسن الأعمال والنهي عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، فالباطن منه ولاية أهل الباطل ، والظّاهر منه فروعهم ، ولم يبعث الله نبيا قط يدعو إلى معرفة ليس معها طاعة في أمرّ ولا نهي ، فانّما يقبل الله من العباد العمل بالفرائض التي افترضها الله على حدودها مع معرفة من جاءهم به من عنده ، ودعاهم إليه ، فأوّل ذلك معرفة من دعا إليه ثمَّ طاعته فيما يقر به عن الطّاعة له ، وانّه من عرف أطاع ومن أطاع حرّم الحرام ظاهره وباطنه ، ولا يكون تحريم الباطن واستحلال الظّاهر ، انّما حرّم الظّاهر بالباطن والباطن بالظّاهر معا جميعاً ، ولا يكون الأصل والفروع وباطن الحرام حرام وظاهره حلال ، يحرّم الباطن ويستحل الظاهر.

وكذلك لا يستقيم أن يعرف صلاة الباطن ولا يعرف صلاة الظّاهر ، ولا الزكاة ولا الصوم ولا الحج ولا العمرّة ولا المسجد الحرام وجميع حرمات الله وشعائره ، أن يترك لمعرفة الباطن ، لأن بطنه ظهره ، ولا يستقيم أن يترك واحدة منها إذا كان الباطن حراماً خبيثا ، فالظّاهر منه انّما يشبه الباطن.

فمن زعم أن ذلك انّما هي المعرفة وانّه إذا عرف اكتفى بغير طاعة فقد كذب وأشرك ، ذاك لم يعرف ولم يطع وانّما قيل اعرف واعمل ما شئت من الخير ، فانّه لا

__________________

(١) سورة النساء : ٨٠.


________________________________________________________

يقبل ذلك منك بغير معرفة ، فإذا عرفت فاعمل لنفسك ما شئت من الطّاعة قل أو كثر ، فانّه مقبول منك.

وأخبرك أن من عرف أطاع إذا عرف وصلّى وصام واعتمرّ ، وعظم حرمات الله كلها ، ولم يدع منها شيئاً ، وعمل بالبر كله ومكارم الأخلاق كلها ، وتجنّب سيّئها وكل ذلك هو النبيّ والنبيّ أصله وهو أصل هذا كله ، لانّه جاء به ودل عليه وأمرّ به ، ولا يقبل من أحد شيء منه إلّا به ، ومن عرف اجتنب الكبائر وحرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، وحرّم المحارم كلها ، لأن بمعرفة النبيّ وبطاعته دخل فيما دخل فيه النبيّ ، وخرج ممّا خرج منه النبيّ ، ومن زعم انّه يحلل الحلال ويحرّم الحرام بغير معرفة النبيّ لم يحلل الله له حلالاً ولم يحرّم حراماً ، وانّه من صلّى وزكّى وحجّ واعتمرّ وفعل ذلك كله بغير معرفة من افترض الله عليه طاعته لم يقبل منه شيئاً من ذلك ولم يصل ولم يصم ولم يزك ولم يحج ، ولم يعتمرّ ولم يغتسل من الجنابة ولم يتطهر ولم يحرّم الله حراماً ، ولم يحلل الله حالا ، وليس له صلاة وانّ ركع وسجدّ ، ولا له زكاة وانّ أخرج لكلّ أربعين درهماً درهماً ، ومن عرفه وأخذ عنه أطاع الله.

وأمّا ما ذكرت أنّهم يستحلّون نكاح ذوات الأرحام التي حرّم الله في كتابه ، فأنّهم زعموا انّه انّما حرّم علينا بذلك فإن أحقَّ ما بدئ به تعظيم حقَّ الله وكرامة رسوله وتعظيم شانّه ، وما حرّم الله على تابعيه من نكاح نسائه من بعد قوله : «وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيماً »(١) وقال : الله تبارك وتعالى : «النبيّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ »(٢) وهو أب لهم ثمَّ قال : «وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إلّا ما قَدْ

__________________

(١) سورة الأحزاب : ٥٣.

(٢) » » : ٦.


________________________________________________________

سَلَفَ انّه كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلاً »(١) فمن حرّم نساء النبيّ لتحريم الله ذلك فقد حرّم الله في كتابه من الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت ، وما حرّم الله من الرضاعة ، لأن تحريم ذلك كتحريم نساء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله واستحلّ ما حرّم الله من نكاح سائر ما حرّم الله فقد أشرك إذا اتّخذ ذلك ديناً.

وأمّا ما ذكرت أنّ الشّيعة يترادفون المرأة الواحدة فأعوذ بالله أن يكون ذلك من دين الله ورسوله ، انّما دينه أن يحل ما أحلَّ الله ويحرّم ما حرّم الله وانّ ممّا أحلَّ الله المتعة من النساء في كتابه ، والمتعة من الحج أحلهما ، ثمَّ لم يحرمهما ، فإذا أراد الرجلّ المسلم أن يتمتع من المرأة فعلى كتاب الله وسنته نكاح غير سفاح ، تراضيّاً على ما أحبا من الأجر والأجلّ كما قال : الله : «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بعد الْفَرِيضَةِ »(٢) إن هما أحبا أن يمداً في الأجلّ على ذلك الأجر فآخر يوم من أجلها قبل أن ينقضي الأجلّ قبل غروب الشمس مد أو زاد في الأجلّ على ما أحبا ، فإن مضى آخر يوم منه لم يصلح إلّا بأمرّ مستقبل وليس بينهما عدَّة إلّا من سواه ، فإن أرادت سواه اعتدت خمسة وأربعين يوماً وليس بينهما ميراث ، ثمَّ إن شائت تمتعت من آخر فهذا حلال لهما إلى يوم القيامة إن هي شائت من سبعة ، وانّ هي شائت من عشرين ما بقيت في الدنيا كل ذلك حلال لهما على حدود الله ، ومن يتعدّ حدود الله فقد ظلم نفسه.

وإذا أردت المتعة في الحج فأحرّم من العقيق واجعلها متعة ، فمتى ما قدمت طفت بالبيت واستلمت الحجر الأسود وفتحت به وختمت به سبعة أشواط ثمَّ تصلي

__________________

(١) سورة النساء : ٢٢.

(٢) سورة النساء : ٢٤.


________________________________________________________

ركعتين عند مقام إبراهيم ، ثمَّ اخرج من البيت فاسع بين الصفا والمروة سبعة أشواط تفتح بالصّفا وتختم بالمروة ، فإذا فعلت ذلك قصرت حتّى إذا كان يوم التروية صنعت ما صنعت بالعقيق ، ثمَّ أحرم بين الركن والمقام بالحج ، فلم تزل محرماً حتّى تقف بالموقف ثمَّ ترمي الجمرات وتذبح وتحلق وتحلّ وتغتسل ، ثمَّ تزور البيت فإذا أنت فعلت ذلك فقد أحللت ، وهو قول الله : «فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمرّة إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسرّ مِنَ الْهَدْيِ »(١) أن يذبح.

وأمّا ما ذكرت أنّهم يستحلّون الشهادات بعضهم لبعض على غيرهم ، فإن ذلك ليس هو إلّا قول الله : «يا أَيُّهَا الّذين آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الوصيّة اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ »(٢) إذا كان مسافراً وحضره الموت اثنان ذوا عدل من دينه ، فإن لم يجدوا فآخران ممّن يقرءا القرآن من غير أهل ولايته «تَحْبِسُونَهُما مِنْ بعد الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ ، فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الّذين اسْتَحقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ » من أهل ولايته «فَيُقْسِمانِ بِاللهِ لَشَهادَتُنا أَحقَّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اعْتَدَيْنا إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظّالمين ، ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تردّ أَيْمانٌ بعد أَيْمأنّهم وَاتَّقُوا اللهَ وَاسْمَعُوا ».

وكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقضي بشهادة رجل واحد مع يمين المدّعي ، ولا يبطل حقَّ مسلم ولا يردّ شهادة مؤمن ، فإذا وجد يمين المدعي وشهادة الرّجل قضى له بحقه ، وليس يعمل بهذا ، فإذا كان لرجلّ مسلم قبل آخر حقَّ يجحده ولم يكن له

__________________

(١) سورة البقرة : ١٩٦.

(٢) سورة المائدة : ١٠٦.


________________________________________________________

شاهد غير واحد ، فانّه إذا رفعه إلى ولاة الجور أبطلوا حقه ولم يقضوا فيها بقضاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان الحقَّ في الجور أن لا يبطل حقَّ رجلّ فيستخرج الله على يديه حقَّ رجلّ مسلم ويأجره الله ويجيء عدلا كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يعمل به.

وأما ما ذكرت في آخر كتابك أنّهم يزعمون أن الله ربّ العالمين هو النّبي ، وأنك شبهت قولهم بقول الّذين قالوا في عيسى ما قالوا ، فقد عرفت السنن والأمثال كائنة لم يكن شيء فيما مضى إلّا سيكون مثله ، حتّى لو كانت شاة برشاء كان هيهنا مثله.

واعلم انّه سيضلّ قوم على ضلالة من كان قبلهم كتبت تسألني عن مثل ذلك ما هو وما أرادوا به ، أخبرك أنّ الله تبارك وتعالى هو خلق الخلق لا شريك له ، له الخلق والأمر والدنيا والآخرة ، وهو رب كل شيء وخالقه ، خلق الخلق وأحبّ أن يعرفوه بأنبيائه ، واحتج عليهم بهم ، فالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو الدليل على الله عبد مخلوق مربوب اصطفاه لنفسه برسالاته ، وأكرمه بها فجعله خليفته في خلقه ، ولسانّه فيهم وأمينه عليهم ، وخازنه في السماوات والأرضين ، قوله قول الله ، لا يقول على الله إلّا الحقَّ من أطاعه أطاع الله ، ومن عصاه عصى الله ، وهو مولى من كان الله ربّه وليه ، من أبى أن يقر له بالطّاعة فقد أبى أن يقر لربّه بالطّاعة وبالعبودية ، ومن أقر بطاعته أطاع الله وهداه ، فالنبيّ مولى الخلق جميعاً عرفوا ذلك أو أنكروه ، وهو الوالد المبرور فمن أحبه وأطاعه فهو الولد البار ومجانب للكبائر قد بينت لك ما قد سألتني عنه ، وقد علمت أن قوماً سمعوا صفتنا هذه فلم يعقلوها ، بل حرفوها ووضعوها على غير حدودها على نحو ما قد بلغك ، وقد بريء الله ورسوله من قوم يستحلون بنا أعمالهم الخبيثة ، وقد رمانا الناس بها والله يحكم بيننا وبينهم ، فانّه يقول : «إِنَّ الّذين يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ، يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ » أعمالهم السيئة «وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الْحقَّ الْمُبِينُ »(١) .

__________________

(١) سورة النور : ٢٣.


١١ - محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن الحسن بن محبوب ، عن عمرو بن ثابت ، عن جابر قال : سألت أبا جعفرعليه‌السلام عن قول الله عزَّ وجلّ «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ »(١) قال : هم والله أولياء فلان

________________________________________________________

وأمّا ما كتبت به ونحوه وتخوفت أن تكون صفتهم من صفته فأكرمه الله عن ذلك تعالى ربّنا عمّا يقولون علوّاً كبيراً ، صفتي هذه صفة صاحبنا الّذي وصفناه له ، وعنه أخذناه ، فجزاه الله عنّا أفضل الجزاء ، فإن جزاءه على الله ، فتفهم كتابي هذا والقوّة لله.

وأقول انّما أوردت الخبر بطوله وانّ كان لا يناسب الباب إلّا صدره لكثرة فوائده.

قوله : فجميع ما حرَّم القرآن من ذلك أئمّة الجور ، أقول : في بعض النسخ فجميع ما حرّم الله في القرآن هو الظّاهر والباطن من ذلك أئمّة الجور ، وكذا في البصائر أيضاً وهو الظاهر.

الحديث الحادي عشر : مجهول.

«مِنْ دُونِ اللهِ أَنْداداً » قال : الطبرسيرحمه‌الله : يعنّي آلهتهم من الأوثان التي كانوا يعبدونها ، وقيل : رؤساؤهم الّذين يطيعونهم طاعة الأرباب من الرّجال عن السدي وعلى هذا المعنى ما روى جابر عن أبي جعفرعليه‌السلام انّه قال : هم أئمّة الظلمة وأشباههم ، وقوله : «يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ » على هذا القول الأخير أدل لانّه يبعد أن يحبوا الأوثان كحبّ الله مع علمهم بأنّها لا تضر ولا تنفع ، ويدلّ أيضاً عليه قوله : «إِذْ تَبَرَّأَ الّذين اتُّبِعُوا مِنَ الّذين اتَّبَعُوا » ومعنى يحبّونهم يحبّون عبادتهم والتقرب إليهم أو الانقياد لهم أو جميع ذلك.

«كحبّ اللهِ » فيه ثلاثة أقوال : أحدهما : كحبّكم الله ، أي كحبّ المؤمنين الله ، والثاني : كحبّهم الله فيكون المعنى به من يعرف الله من المشركين ويعبد معه الأوثان

__________________

(١) سورة البقرة : ١٦٥.


وفلان ، اتّخذوهم أئمّة دون الإمام الّذي جعله الله للناس إماماً فلذلك قال : «وَلَوْ يَرَى الّذين ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جميعاً وانّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذابِ

________________________________________________________

ويستوي بينهما في المحبّة ، والثالث : كحبّ الله أي كالحبّ الواجب عليهم اللازم لهم لا الواقع ، وبعد ذلك : «وَالّذين آمَنُوا أشدّ حُبًّا لِلَّهِ » قال : يعني حبّ المؤمنين فوق حبّ هؤلاء.

وحبّهم أشدّ من وجوه : أحدها : إخلاصهم العبادة والتعظيم له ، والثناء عليه من الإشراك ، وثانيها ، أنّهم يحبّونه عن علم بانّه المنعم ابتداء وانّه يفعل بهم في جميع أحوالهم ما هو الأصلح لهم في التدبير ، وقد أنعم عليهم بالكثير فيعبدونه عبادة الشاكرين ويرجون رحمته على اليقين ، فلا بد أن يكون حبّهم له أشدّ ، وثالثها : أنّهم يعلمون أن له الصفات العليا ، والأسماء الحسنى وانّه الحكيم الخبير الّذي لا مثل له ولا نظير ، يملك النّفع والضرّ والثواب والعقاب ، وإليه المرجع والمآب ، فهم أشدّ حبّاً بذلك ممّن عبد الأوثان.

«وَلَوْ يَرَى الّذين ظَلَمُوا » أي يبصروا ، وقيل : يعلموا ، وقرأ نافع وغيره بالتاء أي ولو ترى أيّها السّامع «أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ » فيه حذف أي رأيت أن القوّة لله جميعاً ، فعلى هذا يكون متّصلاً بجواب لو ، ومن قرء بالياء فمعناه ولو يرى الظّالمون أنّ القوّة لله ، جميعاً لرأوا مضرّة فعلهم وسوء عاقبتهم.

ومعنى قوله : أنّ القوّة لله جميعاً : انّ الله سبحانه قادر على أخذهم وعقوبتهم «إِذْ تَبَرَّأَ الّذين اتُّبِعُوا » وهم القادة والرؤساء من مشركي الإنس ، وقيل : هم الشياطين الّذين اتبعوا بالوسوسة من الجنّ ، وقيل : هم شياطين الإنس والجنّ والأظهر هو الأوّل «مِنَ الّذين اتَّبَعُوا » أي من الاتباع «وَرَأَوُا » أي التابعون والمتّبعون «الْعَذابَ » أي عاينوه حين دخلوا النّار.

وقال : البيضاوي : أنّ القوة لله ، سادّ مسدّ مفعولي يرى وجواب لو محذوف ، أي لو يعلمون أنّ القدرة لله جميعاً إذ عاينوا العذاب لندموا أشدّ الندّم ، وقيل : هو


إِذْ تَبَرَّأَ الّذين اتُّبِعُوا مِنَ الّذين اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ .وَقال : الّذين اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ

________________________________________________________

متعلّق الجواب والمفعولان محذوفان ، والتقدير ولو يرى الّذين ظلموا أندادهم لا ينفعوا لعلموا أن القوّة لله كلها لا ينفع ولا يضرّ غيره ، انتهى.

«وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ » قال : الطبّرسي (ره) فيه وجوه : أحدهما : الوصلات التي كانوا يتواصلون عليها ، الثاني : الأرحام التي كانوا يتعاطفون بها ، الثالث : العهود التي كانوا يتوادون عليها ، الرابع : تقطعت بهم أسباب أعمالهم التي كانوا يوصلونها ، الخامس : تقطّعت بهم أسباب النجاة ، وظاهر الآية يحتمل الكلّ ، فينبغي أن يحمل على عمومه.

«وَقال : الّذين اتَّبَعُوا » يعنّي الاتباع «لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً » أي عودة إلى دار الدنيا وحال التكليف «فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ » أي من القادة في الدنيا «كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا » في الآخرة.

«كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ » فيه أقوال : أحدها : أن المراد المعاصي يتحسرون عليها لم عملوها ، والثاني : المراد الطاعات لم لم يعملوها وضيعوها ، الثالث : ما رواه أصحابنا عن أبي جعفرعليه‌السلام هو الرجلّ يكسب المال ولا يعمل فيه خيراً فيرثه من يعمل فيه عملاً صالحاً ، فيرى الأوّل ما كسبه حسرة في ميزان غيره ، الرابع : أنّ الله سبحانّه يريهم مقادير الثواب التي عرضهم لها لو فعلوا الطاعات ، فيتحسّرون عليه ، لِمَ فَرّطوا فيه ، والأولى العموم «وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ » أي يخلدون فيها ، انتهى.

وأقول : على تأويلهعليه‌السلام المراد بالأنداد أئمّة الضلالة ، فإن المخالفين جعلوهم أمثالاً لله ، حيث يتّبعونهم فيما خالف أمرّ الله ، وشاركوهم مع خليفة الله ويؤيده ضمير « هم » في قوله «يحبّونهم » فإن ظاهره كونّهم ذوي العقول ، وانّ كان قد يستعمل مثله في الأصنام لكنه خلاف الأصل ، ولعلّهعليه‌السلام لذلك لم يتعرض له ، واستشهد بقوله : «وَلَوْ يَرَى الّذين ظَلَمُوا » إذ الظّاهر أن المراد هؤلاء الأنداد وأتباعهم كما أومأ إليه الطبرسيرحمه‌الله .


عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ »(١) ثمَّ قال : أبو جعفرعليه‌السلام هم والله يا جابر أئمّة الظلمة وأشياعهم.

١٢ - الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن أبي داود المسترق ، عن عليّ بن ميمون ، عن ابن أبي يعفور قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة «وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ » من ادّعى إمامة من الله ليست له ومن جحد إماماً من الله ومن زعم أن لهما في الإسلام نصيباً.

( باب )

( فيمن دان الله عز وجل بغير إمام من الله جل جلاله )

١ - عدَّةٌ من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد ، عن ابن أبي نصر ، عن أبي الحسنعليه‌السلام في قول الله عزَّ وجلّ : «وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللهِ »(٢) قال : يعني من اتخذ دينه رأيه بغير إمام من أئمّة الهدى.

________________________________________________________

ويحتمل أن يكون المراد بقوله تعالى : «كحبّ اللهِ » كحبّ أولياء الله وبقوله : «أشدّ حُبًّا لِلَّهِ » أقوى حبّاً لهم ، وبقوله : «أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ » أن القوة لأولياء الله كما مرّ أن الله خلطهم بنفسه ، فنسب إلى نفسه ما ينسب إليهم كقوله : «إِنَّ الّذين يُبايِعُونَكَ انّما يُبايِعُونَ اللهَ ».

« أئمة الظلمة » في بعض النسخ أئمّة الظلم كما في النعماني ، ويدل الخبر على كفر المخالفين ، وأئمتهم الضالين وأنّهم مخلدون في النار.

الحديث الثاني عشر : ضعيف على المشهور ، وقد مرّ بسند آخر عن ابن أبي يعفور ، وكان فيه مكان « لا ينظر الله إليهم » لا يكلّمهم الله.

باب فيمن دان الله عزَّ وجلّ بغير إمام من الله جلّ جلاله

الحديث الأوّل : صحيح.

« من اتّخذ دينه » أي عقايده أو عبادته ، وهو مفعول أوّل لقوله « اتخذ » ورأيه

__________________

(١) سورة البقرة : ١٦٦ - ١٦٧.

(٢) سورة القصص : ٥٠.


٢ - محمّد بن يحيى ، عن محمّد بن الحسين ، عن صفوان بن يحيى ، عن العلاء بن رزين ، عن محمّد بن مسلم قال : سمعت أبا جعفرعليه‌السلام يقول كل من دان الله بعبادة يجهد فيها نفسه ولا إمام له من الله فسعيه غير مقبول وهو ضال متحير والله شانئ لأعماله ومثله كمثل شاة ضلت عن راعيها وقطيعها فهجمت ذاهبة وجائية يومها فلـمّا جنها الليل بصرت بقطيع مع غير راعيها فحنت إليها واغترت بها فباتت معها في ربضتها فلـمّا أن ساق الراعي قطيعه أنكرت راعيها وقطيعها فهجمت متحيرة تطلب راعيها وقطيعها فبصرت بغنم مع راعيها فحنّت إليها واغترت بها فصاح بها الراعي الحقي براعيك وقطيعك فإنك تائهة متحيرة عن راعيك وقطيعك فهجمت ذعرة متحيرة نادة لا راعي لها يرشدها إلى مرعاها أو يردها فبينا هي كذلك إذا اغتنم الذئب ضيعتها فأكلها وكذلك والله يا محمّد من أصبح من هذه الأمة لا إمام له من الله جلّ وعزَّ ظاهراً عادلا أصبح ضالّاً تائهاً وانّ مات على هذه الحال مات ميتة كفر و

________________________________________________________

مفعول ثان ، وهو تفسير لهواه ، يعنّي أن المراد بهواه ظنونه الفاسدة في تعيين الإمام ، وسائر أصول الدّين ، أو قياساته أو استحساناته في الفروع.

« بغير إمام » تفسير لقوله : بغير هدى ، لبيان أن الهداية من الله لا يكون إلّا من جهة الإمام.

الحديث الثاني : صحيح وقد مرّ في باب معرفة الإمام سندا ومتنا ، ومضى منا شرحه ، وفيما مضى مربضها.

والربض محركة مأوى الغنم ، وفيه : « ذعرة متحيرة تائهة لا راعي » قال : الجوهري : ند البعير نفر وذهب شاردا لوجهه ، قولهعليه‌السلام : ظاهراً عادلاً ، فيما مضى ظاهر عادل ، قال : المحدّث الأسترآباديرحمه‌الله : ظاهراً بالظاء المعجمة أي البين إمامته بنصّ صريح جلي من الله ورسوله ، انتهى.

وانما قال : ذلك لئلا ينتقض بالصاحبعليه‌السلام « مات ميتة كفر » أي مات على ما مات عليه الكفار من الضلال والجهل.


نفاق واعلم يا محمّد إن أئمّة الجور وأتباعهم لمعزولون عن دين الله قد ضلوا وأضلوا فأعمالهم التي يعملونها كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ ممّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ .

٣ - عدَّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن ابن محبوب ، عن عبد العزيز العبدي ، عن عبد الله بن أبي يعفور قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام أنّي أخالط الناس فيكثر عجبي من أقوام لا يتولونكم ويتولون فلانا وفلانا لهم أمانة وصدق ووفاء وأقوام يتولونكم ليس لهم تلك الأمانة ولا الوفاء والصدق قال : فاستوى أبو عبد اللهعليه‌السلام جالسا فأقبل عليّ كالغضبان ثمَّ قال : لا دين لمن دان الله بولاية إمام جائر ليس من الله ولا عتب على من دان بولاية إمام عادل من الله قلت لا دين لأولئك ولا عتب على هؤلاء قال : نعم لا دين لأولئك ولا عتب على هؤلاء ثمَّ قال : إلّا تسمع لقول الله عزَّ وجلّ «اللهُ وَلِيُّ الّذين آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ » يعني

________________________________________________________

الحديث الثالث : ضعيف.

« والعجب » بالتحريك مصدر باب علم التعجب « فلانا وفلانا » أي أبا بكر وعمرّ « لمن دان الله » أي عبد الله وأطاعه ، والعتب بالفتح : الغضب والملامة ، وبفتحتين الأمر الكريهة ، في القاموس : العتبة الشدّة والأمر الكرية ، كالعتب محركة ، والعتب الموجدة والملامة ، والمعاتبة مخاطبة الإذلال ، وفي المغرب : العتب الموجدة والغضب من باب ضرب ، ولعلّ المعنى انّه لا عتب عليهم يوجب خلودهم في النار أو العذاب الشديد ، وعدم استحقاق المغفرة وربما يحمل المؤمنون على غير المصرين على الكبائر.

«اللهُ وَلِيُّ الّذين آمَنُوا » قال : الطبرسيرحمه‌الله : أي نصيرهم ومعينهم في كل ما يهم إليهم الحاجة ، وما فيه لهم الصلاح في أمور دينهم ودنياهم وآخرتهم ، وقال : ولاية الله للمؤمنين على ثلاثة أوجه : أحدها ، انّه يتولاهم بالمعونة على إقامة الحجّة والبرهان لهم في هدايتهم ، كقوله : «وَالّذين اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً »(١) وثانيها : أنه

__________________

(١) سورة محمّد : ١٧.


[ من ] ظلمات الذُّنوب إلى نور التّوبة والمغفرة لولايتهم كلَّ إمام عادل من الله وقال : «وَالّذين كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ »(١) انّما عنى بهذا أنّهم كانوا على نور الإسلام فلـمّا أن تولّوا كلَّ إمام جائر ليس من الله عزّ وجلَّ

________________________________________________________

وليهم في نصرتهم على عدوّهم بإظهار دينهم على دين مخالفيهم ، وثالثها : انّه وليهم يتولاهم بالمثوبة على الطّاعة والمجازاة على الأعمال الصالحة.

«يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ » أي من ظلمات الضلال والكفر إلى نور الهدى والإيمان ، لأن الضلال والكفر في المنع من إدراك الحقَّ كالظلمة في المنع من إدراك المبصرات ، ووجه الإخراج هو انّه هداهم إليه ونصب الأدلة لهم عليه ، ورغبهم فيه ، وفعل بهم من الألطاف ما يقوي دواعيهم إلى فعله.

«وَالّذين كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ » أي يتولى أمورهم الطاغوت ، وهو هيهنا وأحد اُريد به الجمع ، والمراد به الشيطان وقيل : رؤساء الضلالة «يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ » أي من نور الإيمان والطّاعة والهدى إلى ظلمات الكفر والمعصية والضلال ، أي يغوونهم ويدعونهم إلى ذلك ، وهذا يدل على بطلان من قال : إن الإضافة الأولى تقتضي أن الإيمان من فعل الله تعالى في المؤمن ، لانّه لو كان كذلك لاقتضت الإضافة الثانية أن الكفر من فعل الشيطان ، وعندهم لا فرق بين الأمرين أنهما من فعله ، تعالى الله عن ذلك.

فإن قيل : كيف يخرجونهم من النور وهم لم يدخلوا فيه؟

قلنا : قد ذكر فيه وجهان : أحدهما ، أن ذلك يجري مجرى قول القائل أخرجني والدي من ميراثه فمنعه من الدخول فيه إخراج ، ومثله قوله سبحانّه في قصّة يوسفعليه‌السلام : «أنّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ »(٢) ولم يكن فيها قط والوجه الآخر انّه في قوم ارتدّوا عن الإسلام ، والأوّل أقوى ، انتهى.

وعلى تفسيرهعليه‌السلام لا حاجة إلى أكثر التكلّفات ، يعنّي ظلمات الذنوب ، كأنّه

__________________

(١) سورة البقرة : ٢٩٥.

(٢) سورة يوسف : ٣٢.


خرجوا بولايتهم [ إيّاه ] من نور الإسلام إلى ظلمات الكفر فأوجب الله لهم النار مع الكفار «فأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ».

________________________________________________________

عليه‌السلام استدّل بانّه تعالى لما أدّى آمنوا بصيغة الماضي ، ويخرجهم بصيغة المستقبل ، دل على أن المراد ليس الخروج بالإيمان ، ولـمّا كان الظلمات جمعا معرفا باللام يفيد العموم ، يشمل الذنوب كما يشمل الجهالات ، فإما أن يوفقهم للتوبة فيتوب عليهم ، أو يغفر لهم إن ماتوا بغير توبة ، ويحتمل التخصيص بالأوّل لكنه بعيد عن السياق.

وفي تفسير العياشي بعد قوله : «إِلَى الظُّلُماتِ » زيادة وهي : قال : قلت : أليس الله عنى بها الكفار حين قال : «وَالّذين كَفَرُوا »؟ قال : فقال : وأي نور للكافر وهو كافر فأخرج منه إلى الظلمات ، انّما عنى الله بهذا أنّهم كانوا على نور الإسلام أي فطرة الإسلام ، فإن كل مولود يولد على الفطرة ، أو الآية في جماعة كانوا على الإسلام قبل وفاة الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فارتدوا بعده باتباع الطواغيت ، وأئمّة الضلالة ، فاستدلعليه‌السلام على كونه نازلا فيهم بانّه لا بد من أن يكون لهم نور حتّى يخرجوهم منه ، وسائر الوجوه تكلفات ، فالآية نازلة فيهم كما اختاره مجاهد من المفسرين.

ويؤيده ما في تفسير العياشي ، وكان النكتة في إيراد النور بلفظ المفرد والظلمات بلفظ الجمع ، أن دين الحقَّ واحد ، والأديان الباطلة كثيرة ، فمن اختار الإيمان دخل في النور الّذي هو الملة القويمة وخرج من جميع الملل الباطلة.

وفي غيبة النعمأنّي : يخرجونهم من النور إلى الظلمات ، فأي نور يكون للكافر فيخرج منه ، انّما عنى ، إلى آخره.

« بولايتهم إيّاه » في العياشي : إيّاهم ، وهو أظهر « مع الكفّار » أي مع سائر الكفّار المنكرين للنبوّة أيضاً.

قولهعليه‌السلام : فأولئك ، في العياشي : فقال : أولئك وهو أصوب.


٤ - وعنه ، عن هشام بن سالم ، عن حبيب السجستانيّ ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : قال : الله تبارك وتعالى لأعذبن كل رعية في الإسلام دانت بولاية كل إمام جائر ليس من الله وانّ كانت الرعية في أعمالها برَّة تقيّة ؟ ولأعفونَّ عن كلَّ رعيّة في الإسلام دانت بولاية كل إمام عادل من الله وانّ كانت الرَّعيةّ في أنفسها ظالمة مسيئة.

٥ - عليُّ بن محمّد ، عن ابن جمهور ، عن أبيه ، عن صفوان ، عن ابن مسكان ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : قال : إن الله لا يستحيي أن يعذّب اُمّة

________________________________________________________

الحديث الرابع : صحيح إذ الظّاهر إرجاع ضمير عنه إلى ابن محبوب ، ويحتمل إرجاعه إلى أحمد ففيه إرسال ، وإرجاعه إلى العبدي كما توهم بعيد ، وسجستان بكسرّ السين والجيم معرب سيستان ، والرعية قوم تولوا إماماً برا كان أو فاجراً.

« في الإسلام » نعت لرعيته أي في ظاهر الإسلام « دانت » أي اعتقدت واتخذها دينا أو عبدت الله متلبّساً « بولاية كلّ إمام جائر » أي أي إمام جائر كان لا جميعهم ، وقيل : هو مبنيّ على أن من تولى جائراً فكانّما تولى كلّ جائر « برّة » أي محسنة « تقية » أي محررة عن سائر المعاصي « بولاية كل إمام عادل » أي أي إمام حقَّ كان في أي زمان أو جميعهم ، بأن يصدق بانّه لم يخل ولا يخلو زمان عن إمام مفروض الطّاعة ، عالم بجميع أمور الدّين ، سواء كان نبيّاً أو وصيّاً من لدن آدم إلى انقراض التكليف.

« في أنفسها » أي لا يتجاوز ظلمهم وإساءتهم إلى الغير ، بأن تكون ظالمة على نفسها ، أو المعنى عدم تعدّي ظلمها إلى الإمام بإنكار حقّه وإلى النبيّ بإنكار ما جاء به ، بل يكون ظلمهم على أنفسهم أو بعضهم على بعض.

وربمّا يحمل على عدم الإصرار على الكبيرة أو على انّه يوفّق للتوبة أو غيرهما ممّا مرّ أو المعنى احتمال العفو لا تحتّمه.

الحديث الخامس : ضعيف وقيل : الحياء انقباض النفس على القبيح مخافة الذمّ


دانت بإمام ليس من الله وإن كانت في أعمالها برّة تقيّة ، وانّ الله ليستحيي أن يعذّب أمّة دانت بإمام من الله وانّ كانت في أعمالها ظالمة مسيئة.

( باب )

( من مات وليس له إمام من أئمّة الهدى وهو من الباب الأول )

١ - الحسينُ بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن الحسن بن عليّ الوشّاء ، عن أحمد بن عائذ ، عن ابن أذينة ، عن الفضيل بن يسار قال : ابتدأنا أبو عبد اللهعليه‌السلام يوماً وقال : قال : رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من مات وليس عليه إمام فميتته ميتة جاهلية فقلت :

________________________________________________________

وإذا نسب إلى الله تعالى يراد به الترك اللازم للانقباض ، كما يراد بالرحمة والغضب إيصال المعروف والمكروه اللازمين لمعناهما الحقيقيين الممتنعين في حقّه سبحانه.

باب من مات وليس له إمام من أئمّة الهدى وهو من الباب الأوّل

أقول : الفرق بين البابين أنّ في الأوّل انّما حكم في الأخبار الواردة فيه بطلان عبادة من لم يعرف الإمام ، وعدم استئهاله للمغفرة والرحمة ، وهنا حكم بانّه يموت على الجاهلية والكفر ، ولـمّا كان ما لهما واحداً جعله من الباب الأوّل ، مع أن الظّاهر انّه لـمّا كانت هذه الأخبار متشابهة الألفاظ مشهورة بين المخالفين أيضاً أفرد لها بابا ، وإلّا فهي داخلة في عنوان الباب الأول.

الحديث الأول : ضعيف على المشهور.

وأذينة بضمّ الهمزة وفتح الذال المعجمة واسمه عمرّ ، والميتة بكسرّ الميم مصدر نوعي من باب نصر ، وهي مع الجاهليّة مركّب إضافي أو توصيفي ، أي كموت من كان قبل الإسلام عليه الناس من الكفر والشرك والضلال ، كما يدل عليه استبعاد السائل وتكريره السؤال واستعظامه ذلك ، قال : في النهاية : قد تكرر ذكر الجاهليّة في الحديث ، وهي الحال التي كانت عليها العرب قبل الإسلام من الجهل بالله ورسوله ، وشرائع الدّين والمفاخرة بالأنساب والكبر والتجبّر وغير ذلك.


قال ذلك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟ فقال : إي والله قد قال ، قلت : فكلُّ من مات وليس له إمامٌ فميتته ميتة جاهليّة ؟! قال : نعم.

٢ - الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن الوشّاء قال : حدَّثني عبد الكريم بن عمرو ، عن ابن أبي يعفور قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من مات وليس له إمام فميتته ميتة جاهليّة قال : قلت ميتة كفر قال : ميتة ضلال قلت فمن مات اليوم وليس له إمام فميتته ميتة جاهليّة فقال : نعم.

٣ - أحمد بن إدريس ، عن محمّد بن عبد الجبار ، عن صفوان ، عن الفضيل ، عن الحارث بن المغيرة قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام قال : رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من مات لا يعرف إمامه مات ميتة جاهليّة ؟ قال : نعم قلت جاهليّة جهلاء أو جاهليّة لا يعرف

________________________________________________________

قولهعليه‌السلام : وليس له إمام ، أي لا يعتقد ولا يفترض على نفسه طاعة من أوجب الله طاعته في زمانه نبيّاً كان أو وصيّاً.

الحديث الثاني : ضعيف على المشهور.

قوله : عن قول رسول الله ، أي حقيقة تلك الرواية ، فقوله « قال : فقلت » سؤال آخر بعد التصديق أو عن معناها ، فقوله : فقلت ، تفسير للسؤال.

« فقال : ميتة ضلال » لعلّهعليه‌السلام عدل عن تصديق كفرهم إلى إثبات الضلال لهم ، لأن السائل توهّم انه يجري عليهم أحكام الكفر في الدنيا كالنجاسة ونفي التناكح والتوارث وأشباه ذلك ، فنفى ذلك وأثبت لهم الضلال عن الحقَّ في الدنيا وعن الجنة في الآخرة ، فلا ينافي كونهم في الآخرة ملحقين بالكفّار مخلدين في النار كما دلت عليه سائر الأخبار ، ويحتمل أن يكون التوقف عن إثبات الكفر لشموله من ليس له إمام من المستضعفين ، إذ فيهم احتمال النجاة من العذاب كما سيأتي سائر الأخبار كالخبر الآتي محمولة على غيرهم ، ويمكن حمل هذا الخبر وأمثاله على نوع من التقية أيضاً.

الحديث الثالث : صحيح.

« لا يعرف إمامه » أي إمام زمانه أو أحد من أئمّته.


إمامه ؟ قال : جاهليّة كفر ونفاق وضلال.

٤ - بعض أصحابنا ، عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني ، عن مالك بن عامرّ ، عن المفضّل بن زائدة ، عن المفضّل بن عمرّ قال : قال : أبو عبد اللهعليه‌السلام من دان الله بغير سماع عن صادق ألزمه الله - البتّة - إلى العناء

________________________________________________________

قولهعليه‌السلام جاهلية كفر ، لعلّه اختيار للشقّ الأول وتصريح بمفاده ، ويحتمل أن يكون مراد السائل بالجاهليّة الجهلاء الكفر في الأحكام الدنيوية ، فيكون كلامهعليه‌السلام اختياراً للشق الثاني ، وبياناً لكون عدم معرفة الإمام كاف للكفر الأخروي والنفاق والضلال في الدنيا ، قال : الجوهري : قولهم كان في الجاهليّة الجهلاء ، هو توكيد للأوّل يشتقّ له من اسمه ما يؤكّد به ، كما يقال : وتد واتد ، وهمج هامج ، وليلة ليلاء ويوم أيوم.

الحديث الرابع مختلف فيه ، ضعيف على المشهور.

« من دان الله » أي عبد الله أو اعتقد أمور الدّين « بغير سماع عن صادق » أي معصوم إشارة إلى قوله تعالى : «يا أَيُّهَا الّذين آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ »(١) والسماع أعم من أن يكون بواسطة أو بغيرها « ألزمه الله البتة » في بعض النسخ بالباء الموحدة ثمَّ التاء المثناة الفوقانية المشددة أي قطعا قال : الجوهري : يقال : ما أفعله بتة والبتة لكلّ أمرّ لا رجعة فيه ، ونصبه عليّ المصدر ، وفي بعض النسخ التيه بالتاء المثناة الفوقانية ثمَّ الياء المثناة التحتانية ، والتيه بالكسرّ والفتح ، الصلف والكبر والضلال والحيرة ، فهو مفعول ثان لألزمه « إلى العناء » بمعنى مع أو ضمن الفعل معنى الوصول ونحوه ، كذا على النسخة الأولى ، والمراد بالعناء إما العذاب الأخروي والمعنى انّه لا يترتب على عمله إلّا المشقة والعناء في الدنيا بلا أجر ولا ثواب في الآخرة ، ولعلّ في الخبر هنا تصحيفا إذ روى الصفار في البصائر بإسناده عن جابر عن أبي جعفرعليه‌السلام انّه قال : من دان الله بغير سماع عن صادق ألزمه الله التيه إلى يوم القيامة فلعله كان هنا أيضاً كذلك فصحف.

__________________

(١) سورة التوبة : ١١٩.


ومن ادّعى سماعاً من غير الباب الّذي فتحه الله فهو مشرك وذلك الباب المأمون على سرّ الله المكنون.

( باب )

( فيمن عرف الحقَّ من أهل البيت ومن أنكر )

١ - عدَّةٌ من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن عليّ بن الحكم ، عن سليمان بن جعفر قال : سمعت الرّضاعليه‌السلام يقول إن عليّ بن عبد الله بن الحسين

________________________________________________________

« ومن ادّعى سماعاً » أي على وجه الإذعان والتصديق ، أو جوز ذلك السماع والعمل به « فهو مشرك » أي شرك طاعة كما مرّ مرارا وقد قال : سبحانّه : «اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبأنّهم أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ »(١) و « المأمون » خبر « ذلك » والغرض أن المراد بالباب ليس كل من يدعي الإمامة بل هو العالم بجميع الأحكام المخبر عن الغيوب المكنونة ، والظّاهر أن المكنون صفة سرّ الله ، ويحتمل أن يكون نعتا للمأمون أي هو الّذي لا يعرفه حقَّ معرفته إلّا الله ، ومن كان مثله في الفضل والجلالة.

باب فيمن عرف الحقَّ من أهل البيت ومن أنكر

أقول : المراد بأهل البيت ولد عليّ وفاطمةعليهما‌السلام أو الأعم منهم ومن سائر الهاشميين.

الحديث الاول : صحيح.

قولهعليه‌السلام : إن عليّ بن عبد الله في أكثر النسخ عبد الله مكبرا والظّاهر عبيد الله مصغّراً كما يدلّ عليه ما ذكره صاحب عمدة الطالب ، وصاحب مقاتل الطالبين وغيرهما قال : صاحب العمدة : أعقب عليّ بن الحسين صلوات الله عليه من ستّة رجال محمّد الباقرعليه‌السلام وعبد الله الباقر ، وزيد الشهيد ، وعمرّ الأشرف ، والحسين الأصغر ، وعلى الأصغر ثمَّ قال : أعقب الحسين الأصغر من خمسة رجال عبيد الله الأعرج ، وعبد الله ، وعلى وأبي محمّد الحسن ، وسليمان ، ثمَّ قال : وأما عبد الله فأعقب من ابنه جعفر ، وكان له ولد يسمى عبيد الله بن عبد الله ، ثمَّ قال : وأما عبيد الله الأعرج ابن الحسين الأصغر بن

__________________

(١) سورة التوبة : ٣١.


ابن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام وامرأته وبنيه من أهل الجنّة ، ثمَّ

________________________________________________________

زين العابدين فأعقب منه أربعة رجال : جعفر الحجّة ، وعليّ الصالح ومحمّد الجواني وحمزة مجلس الوصية ثمَّ قال : وأمّا عليّ الصالح بن عبيد الله الأعرج ، ففي ولده الرئاسة بالعراق ، ويكنّى بأبي الحسن وأمه أم ولد وكان كوفيا ورعا من أهل الفضل والزهد ، وكان هو وزوجته أم سلمة بنت عبد الله بن الحسين بن عليّ يقال : لهما الزوج الصالح ، وكان عليّ بن عبيد الله مستجاب الدعوة ، وكان محمّد بن إبراهيم طباطبا القائم بالكوفة قد أوصى إليه فإن لم يقبل فإلى أحد ابنيه محمّد وعبيد الله ، فلم يقبل وصيته ولا أذن لأبنية في الخروج ، وكان عقبه من رجلين عبيد الله الثاني وإبراهيم بن عليّ ، انتهى.

وذكر صاحب المقاتل أيضاً عند ذكر خروج أبي السرايا بالكوفة أيّام المأمون انّه لـمّا خرج أبو السرايا داعياً إلى محمّد بن إبراهيم وقاتل اعتل محمّد فأتاه أبو السرايا وهو يجود بنفسه وأمره بالوصيّة ، فقال : إن اختلفوا فالأمر إلى عليّ بن عبيد الله فأنّي قد بلوت طريقته ورضيت دينه ، ثمَّ اعتقل لسانّه ومات.

فلـمّا دفن بالغري حضروا لتعيين الإمام وأخبر أبو السرايا بانّه أوصى إلى شبيهه ومن اختاره وهو أبو الحسن عليّ بن عبيد الله ، فوثب محمّد بن محمّد بن زيد وهو غلام حدث السن ، وخطب وأظهر الرضا بعليّ بن عبيد الله وأراد بيعته فأبى ، وقال : لا أدع هذا نكولا عنه ، ولكن أتخوف أن اشتغل به عن غيره ممّا هو أحمد وأفضل عاقبة فامض رحمك الله لأمرك واجمع شمل ابن عمك فقد قلدناك الرئاسة علينا وأنت الرضا عندنا الثقة في أنفسنا ، انتهى.

وأقول : الظّاهر أن هذه اللواحقَّ من مفتريات الزيديّة وانّه كان أجلّ من أن يعين إماماً أو يرضي بالخروج بدون إذن الإمامعليه‌السلام .

قال : النجاشيرحمه‌الله في الفهرست : عليّ بن عبيد الله بن الحسين بن عليّ ابن الحسين كان أزهد آل أبي طالب وأعبدهم في زمانّه ، واختص بموسى والرضاعليهما‌السلام


قال : من عرف هذا الأمر من ولد عليّ وفاطمةعليها‌السلام لم يكن كالنّاس.

________________________________________________________

واختلط بأصحابنا الإماميّة وكان لما أراده محمّد بن إبراهيم طباطبا لأن يبايع له أبو السرايا بعده أبى عليه وردّ الأمر إلى محمّد بن محمّد بن زيد بن علي.

وقال : الكشّيقدس‌سره : قرأت في كتاب محمّد بن حسن بن بندار بخطّه : حدَّثني محمّد بن يحيى العطار عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن عليّ بن الحكم عن سليمان بن جعفر ، قال : قال : لي عليّ بن عبيد الله بن الحسين بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب أشتهي أن أدخل على أبي الحسن الرضاعليه‌السلام أسلّم عليه ، قلت : فما يمنعك من ذلك قال : الإجلال والهيبة واتقى عليه ، قال : فاعتل أبو الحسنعليه‌السلام علة خفيفة وقد عاده الناس فلقيت عليّ بن عبيد الله فقلت له : قد جاءك ما تريد قد اعتلّ أبو الحسنعليه‌السلام علة خفيفة ، وقد عاده الناس ، فإن أردت الدخول عليه فاليوم ، قال : فجاء إلى أبي الحسنعليه‌السلام عائداً فلقيه أبو الحسنعليه‌السلام بكل ما يجب من المنزلة والتعظيم ، ففرح بذلك عليّ بن عبيد الله فرحاً شديداً ، ثمَّ مرض عليّ بن عبيد الله فعاده أبو الحسن وأنا معه ، فجلس حتّى خرج من كان في البيت ، فلـمّا خرجنا أخبرتني مولاة لنا أن أم سلمة امرأة عليّ بن عبيد الله كانت من وراء الستر تنظر إليه ، فلـمّا خرج خرجت وانكبت على الموضع الّذي كان أبو الحسنعليه‌السلام فيه جالسا تقبله وتمسح به.

قال سليمان : ثمَّ دخلت على عليّ بن عبيد الله فأخبرني بما فعلت أم سلمة فخبرت به أبا الحسنعليه‌السلام قال : يا سليمان إن عليّ بن عبيد الله وامرأته وولده من أهل الجنة ، يا سليمان إن ولد عليّ وفاطمة إذا عرفهم الله هذا الأمر لم يكونوا كالناس.

وقال : النجاشي : له كتاب في الحج يرويه كله عن موسى بن جعفرعليه‌السلام وذكر سنده إليه.

قولهعليه‌السلام : لم يكن كالناس ، أي ثوابه أكثر من سائر الناس ، إما لشرافتهم من جهة النسب كما ذكر الله في أزواج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو لأن أسباب الحسد والبغض


٢ - الحسينُ بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد قال : حدَّثني الوشّاء قال : حدثنا أحمد بن عمرّ الحلال قال : قلت لأبي الحسنعليه‌السلام أخبرني عمّن عاندك ولم يعرف حقك من ولد فاطمة هو وسائر النّاس سواءٌ في العقاب فقال : كان عليّ بن الحسينعليه‌السلام يقول عليهم ضعفا العقاب.

٣ - الحسينُ بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن الحسن بن رأشدّ قال : حدثنا عليّ بن إسماعيل الميثمي قال : حدثنا ربعي بن عبد الله قال : قال : لي عبد الرحمن بن

________________________________________________________

في ذوي القربى أكثر فإنّ الإيمان منهم أشدّ وأصعب.

وقيل : لهم أجران باعتبار أن المعروف في توافقهم وتعاونهم أن يكون ضعف التوافق والتعاون فيمن عداهم ، كما أنّ المعروف في تعاندهم أن يكون ضعف تعاند من عداهم ، أو باعتبار أنّ الشيطان يوسوس إليهم في دعوى الإمامة كما فعله زيد(١) وبنو الحسن.

الحديث الثاني : ضعيف على المشهور.

والحلّال : بياع الحلّ بالفتح ، وهو دهن السّمسم والضعف بالكسرّ المثل « وضعفا العقاب » أي مثلاً عقاب غيرهم ، وربما قيل : ضعفا الشيء ثلاثة أمثاله لأنّ ضعفه مثله مرَّتين ، فضعفاه مثله مرّات ، ونقل صاحب المغرب عن الشافعي في رجلّ أوصى فقال : أعطوا فلاناً ضعف ما يصيب ولدي ، قال : يعطي مثله مرّتين ، ولو قال : ضعفي ما يصيب ولدي ، تنظر إن أصابه مائة أعطيته ثلاثمائة.

ونظيره ما روى أبو عبيدة في قوله تعالى : «يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ »(٢) قال : معناه تجعل لها للواحد ثلاثة أعذبه وأنكره الأزهري وقال : هذا الّذي يستعمله الناس في مجاز كلامهم وتعارفهم ، وانّما الّذي قال : حذاق النحويين انّها تعذّب مثلي عذاب غيرها.

الحديث الثالث : ضعيف

__________________

(١) هذا مخالف لـما قاله (ره) في زيد في زيد في باب ما يفص به بين المحقَّ والمبطل من من قوله أنّ الأنسب حسن الظنّ به اه فلا تغفل. (٢) سورة الأحزاب : ٣٠.


أبي عبد الله قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام المنكر لهذا الأمر من بني هاشم وغيرهم سواءٌ ؟ فقال لي : لا تقل : المنكر ، ولكن قل : الجاحد من بني هاشم وغيرهم ، قال : أبو الحسن فتفكرت

________________________________________________________

« المنكر لهذا الأمر » الكلام على الاستفهام الإنكاري ، والجحد الإنكار مع العلم ، والإنكار يقابل المعرفة ، ولـمّا كان بنو هاشم عارفين بأمرّ الأئمّة وإمامتهمعليهم‌السلام وانّما أنكروها حسداً أو لبعض الأغراض الدنيويّة قال :عليه‌السلام لا تقل فيهم المنكر الّذي ظاهره الجهل وعدم المعرفة ، بل قل الجاحد أو المعنى أن الّذي يوجب تضاعف العذاب وعدم المساواة انّما هو الجحود ، فأمّا الجهل وعدم العلم فلا فرق فيه بينهم وبين غيرهم ، وعلى التقديرين الكلام مشتمل على تصديق ما أفاده الاستفهام الإنكاري من نفي المساواة لكن في الجحود.

وأبو الحسن كنية لعليّ بن إسماعيل الميثمي ، وذكر الآية لبيان أنّ الإنكار يطلق في مقابل المعرفة.

ثمَّ اعلم أنّ مضاعفة العذاب عليهم إما لكون الحجّة عليهم أتم كما أشار إليه سبحانّه في أزواج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حيث قال : «وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ »(١) أو لأن النعمّة من الله تعالى عليهم أكمل فإخلالهم بالشكر أفحش ، أولأنّ الذنب من الأشراف أشدّ ، ولذلك جعل حدّ الحرّ ضعفي حدّ العبد ، وعوقب الأنبياء بما لا يعاقب غيرهم ، أو لأنّ ضلالهم يصير سبباً لضلال غيرهم ، وضلال الناس بهم أكثر من ضلالهم بغيرهم.

قال : الطبرسي -رحمه‌الله - في قوله تعالى : «يا نِساءَ النبيّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ » أي مثلي ما يكون على غيرهنّ لأنّ نعم الله سبحانه عليهن أكثر لمكان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منهن ، ونزول الوحي في بيوتهنّ ، فإذا كانت النعمّة عليهنّ أعظم وأوفر كانت المعصية منهنّ أفحش والعقوبة بها أعظم وأكثر «وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يسيراً » أي كان عذابها على الله هيّناً «وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ » أي ومن

__________________

(١) سورة الأحزاب : ٣٤.


[ فيه ] فذكرت قول الله عزَّ وجلّ في إخوة يوسف : «فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ».

٤ - عدَّةٌ من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد ، عن ابن أبي نصر قال : سألت الرّضاعليه‌السلام قلت له : الجاحد منكم ومن غيركم سواءٌ ؟ فقال : الجاحد منّا له ذنبان والمحسن له حسنتان.

( باب )

( ما يجب على الناس عند مضي الامام )

١ - محمّد بن يحيى ، عن محمّد بن الحسين ، عن صفوان ، عن يعقوب بن شعيب قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : إذا حدث على الإمام حدث كيف يصنع النّاس؟

________________________________________________________

يطع الله ورسوله «وَتَعْمَلْ صالِحاً » فيما بينها وبين ربّها «نُؤْتِها أَجْرَها مرَّتين » أي نعطها ثوابها مثلي ثواب غيرها.

وروى أبو حمزة الثمالي عن زيد بن عليّعليه‌السلام انّه قال : أنّي لأرجو للمحسن منا أجرين وأخاف للمسيء منّا أن يضاعف له العذاب ضعفين ، كما وعدّ أزواج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وروى محمّد بن أبي عمير عن إبراهيم بن عبد الحميد عن عليّ بن عبد الله بن الحسين عن أبيه عن عليّ بن الحسين زين العابدينعليه‌السلام ، انّه قال : له رجلّ : إنّكم أهل بيت مغفور لكم؟ قال : فغضب وقال : نحن أحرى أن يجري فينا ما جرى الله في أزواج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من أن يكون كما تقول ، إنّا نرى لمحسنناً ضعفين من الأجر ولمسيئنا ضعفين من العذاب ، ثمَّ قرء الآيتين.

الحديث الرابع : صحيح.

باب ما يجب على الناس عند مضي الإمام

الحديث الأول : صحيح.

والحدث بالتحريك المصيبة والمراد هنا الموت ، ويدلّ على الوجوب كفاية على النائين عن بلد الإمام أن ينفر جماعة منهم للعلم بتعيين الإمام بعد الإمام وأنّه لا بدّ من


قال : أين قول الله عزَّ وجلّ : «فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدّين وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ »(١) قال : هُم في عذر ما داموا في الطلب

________________________________________________________

العلم بالتعيين ، وأن لا يكفي العلم بوجود إمام بعده مجملا ، هذا مع القدرة وأمّا مع عدمها فيكفي ذلك كما فعل زرارةرضي‌الله‌عنه ، وكذا لو مات في الطلب أو الانتظار ، وبذلك يخرجون عن كون موتهم ميتة جاهليّة ، ثمَّ هذا مع العلم بعدم خلوّ العصر من الإمام ظاهر ، وأمّا مع عدم العلم بذلك ووجوب الطلب وعدم تمام الحجّة عليه في ذلك فمشكل.

وأمّا قوله سبحانه : «فَلَوْ لا نَفَرَ » فقال : الطبرسيقدس‌سره : اختلف في معناه على وجوه :

أحدها : أنّ معناه فهلّا خرج إلى الغزو من كل قبيلة جماعة ويبقى مع النبيّ جماعة ليتفقّهوا في الدين ، يعني الفرقة القاعدين يتعلمون القرآن والسنن والفرائض والأحكام ، فإذا رجعت السرايا وقد نزل بعدهم قرآن وتعلمه القاعدون قالوا لهم إذا رجعوا إليهم إن الله قد أنزل بعدكم على نبيّكم قرآنا وقد تعلمناه فيتعلمه السرايا ، فذلك قوله : «وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ » أي وليعلّموهم القرآن «لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ » فلا يعملون بخلافه عن ابن عباس وغيره ، وقال : الباقرعليه‌السلام : كان هذا حين كثر الناس فأمرهم الله أن تنفر منهم طائفة للتفقه ، ويكون الغزو نوباً.

وثانيها : أنّ التفقّه والإنذار يرجعان إلى الفرقة النافرة ، وحثّها الله على التفقّه لترجع إلى المتخلفة فتحذرها ، فمعنى ليتفقّهوا في الدّين ليتبصّروا ويتيقنّوا بما يريهم الله عزَّ وجلّ من الظهور على المشركين ونصرة الدّين ، ولينذروا قومهم من الكفّار إذا رجعوا إليهم من الجهاد ، فيخبرونهم بنصر الله النبيّ والمؤمنين ، ويخبرونهم أنّهم لا يدان لهم بقتال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والمؤمنين «لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ » أن يقاتلوا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فينزل بهم ما نزل بأصحابهم من الكفّار.

__________________

(١) سورة التوبة : ١٢٣.


وهؤلاء الّذين ينتظرونهم في عذر ، حتّى يرجع إليهم أصحابهم.

٢ - عليّ بن إبراهيم ، عن محمّد بن عيسى ، عن يونس بن عبد الرحمن قال : حدَّثنا حمّاد ، عن عبد الأعلى قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن قول العامة إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : من مات وليس له إمام مات ميتة جاهليّة فقال : الحقَّ والله - قلت فإن إماماً هلك ورجلٌ بخراسان لا يعلم من وصيه لم يسعه ذلك قال : لا يسعه إن الإمام إذا هلك وقعت حجّة وصيّه على من هو معه في البلد وحقَّ النفر على من ليس بحضرته إذا بلغهم إن الله عزَّ وجلّ يقول «فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدّين وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ » قلت فنفر قوم فهلك بعضهم قبل أن يصل فيعلم قال : إن الله جلّ وعزَّ يقول «وَمَنْ يَخْرُجْ

________________________________________________________

وثالثها : أنّ التفقّه راجع إلى المنافرة ، والتقدير ما كان لجميع المؤمنين أن ينفروا إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويخلو ديارهم ولكن ينفر إليه من كل ناحية طائفة لتسمع كلامه وتتعلّم الدّين منه ، ثمَّ ترجع إلى قومها وتتبين لهم ذلك وتنذرهم عن الجبائي ، قال : والمراد بالنّفر هنا الخروج لطلب العلم ، وانّما سمي ذلك نفراً لـما فيه من مجاهدة أعداء الدّين ، انتهى.

وما ذكرهعليه‌السلام هو المتّبع ويمكن أن يكون غرضهعليه‌السلام أنّ النفور لطلب العلم بالإمام داخل فيها بل هو أعظم مواردها ، فلا ينافي شمولها لطلب سائر العلوم الضروريّة ، فيرجع إلى المعنى الثالث ، وقد يستدلّ بها على حجيّة خبر الواحد وفي الخبر إشعار بعدم وجوب تحصيل العلم بالإمام اللاحقَّ عند وجود السّابق.

الحديث الثاني : حسن على الظاهر.

« الحقّ والله » أي هو الحقَّ « لم يسعه ذلك » بتقدير الاستفهام ، أي لم يجز له المقام على الجهالة يقال : وسعه الشيء كعلم إذا جاز له ذلك « وقعت حجّة وصيّه » أي برهان وصيّة وصيّه « وحقّ النفر » على المصدر عطفاً على حجّة أو فعل ماض من باب ضرب عطفاً على وقعت أي وجب وثبت «وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ » قال


مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ »(١) قلت فبلغ البلد بعضهم فوجدك مغلقاً عليك بابك ، ومُرخىّ عليك سترك لا تدعوهم إلى نفسك ولا يكون من يدلّهم عليك فبما يعرفون ذلك قال : بكتاب الله المنزل قلت فيقول الله جلّ وعزَّ كيف ؟ قال : أراك قد تكلّمت في هذا قبل اليوم ؟ قلت أجل ، قال : فذكّر

________________________________________________________

الطبرسيرحمه‌الله : أخبر سبحانّه أن من خرج من بلده مهاجراً من أرض الشرك فارّاً بدينه إلى الله ورسوله ثمَّ يدركه الموت قبل بلوغه دار الهجرة وأرض الإسلام فقد وقع أجره على الله ، أي ثواب عمله وجزاء هجرته على الله.

قال : وروى العياشي بإسناده عن محمّد بن أبي عمير قال : وجه زرارة بن أعين ابنه عبيداً إلى المدينة يستخبر له خبر أبي الحسن موسى بن جعفر وعبد الله ، فمات قبل أن يرجع إليه عبيداً ابنه ، قال : محمّد بن أبي عمير : حدَّثني محمّد بن حكيم قال : ذكرت لأبي الحسنعليه‌السلام في زرارة وتوجيهه عبيداً ابنه إلى المدينة فقال : أنّي لأرجو أن يكون زرارة ممن قال : الله فيهم : «وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً » الآية.

وإرخاء الستر إسداله كناية عن الاختفاء في البيت وعدم إذن الدخول للناس تقية « بكتاب الله المنزل » أي بالآيات الدالة على إمامة أمير المؤمنين صلوات الله عليه والآيات الدالة عليّ وجوب عصمة الإمام ، ثمَّ نصّ كل منهم على من بعده ، ووصية الإمام السابق إلى اللاحقَّ ، أو بالآيات الدالة على أن الله لا يكلف حتّى يتم الحجّة على الناس ، كقوله «وَالّذين جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا »(٢) وقوله «لا إِكْراهَ فِي الدّين قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِ »(٣) ، وقوله : «وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بعد إِذْ هَداهُمْ حتّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ »(٤) وأمثالها.

والأول أظهر ، لقوله : « قلت : فيقول الله جلّ وعزَّ كيف » أي كيف يقول الله ما يعرفون به الإمام « قال : أراك » أي قالعليه‌السلام اعلم أنّك قد كلّمتني وسائلتني عن هذا

__________________

(١) سورة النساء : ١٠١. (٢) سورة العنكبوت : ٦٩.

(٣) سورة البقرة : ٢٥٦. (٤) سورة التوبة : ١١٥.


ما أنزل الله في عليّعليه‌السلام وما قال : له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في حسن وحسينعليهما‌السلام وما خصَّ الله به علياعليه‌السلام وما قال : فيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من وصيّته إليه ونصبه إيّاه وما يصيبهم وإقرار الحسن والحسين بذلك ووصيّته إلى الحسن وتسليم الحسين له بقول الله «النبيّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ »(١) قلت فإن الناس تكلّموا في أبي جعفرعليه‌السلام ويقولون كيف تخطّت

________________________________________________________

قبل هذا اليوم أيضاً.

« قال : فذكّر ما أنزل الله في عليّعليه‌السلام » كآية «انّما وَلِيُّكُمُ اللهُ » ، وسائر ما مرّ « وما قال : له » أي أمره بالوصيّة إلى الحسن والحسينعليهما‌السلام « وما خص الله به عليا » من الآيات النازلة في فضله ، وكونه أعلم الناس وأشجعهم وأقربهم إلى الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وما قال : فيه في يوم الغدير وغيره « وما يصيبهم » عطف على وصيته « وإقرار الحسن » منصوب بالعطف على « ما » في قوله ما قال.

و « ذلك » إشارة إلى ما يصيبهم ، أو جميع ما تقدم « ووصيته » أي الرّسول أو عليّعليهما‌السلام « بقول الله » في بعض النسخ بالباء الموحدة فهو علة لتسليم الحسينعليه‌السلام للحسن وعدم ذكر ما بعده لقطع السائل كلامهعليه‌السلام أو لظهور حكم التقية من هذه الآية ، وفي بعضها بالياء المثناة على صيغة المضارع فالمراد أن انتهاء أمرّ الإمامة إلى الحسينعليه‌السلام ثبت بالآيات والأخبار المتواترة ، وبعد الحسينعليه‌السلام يعلم بآية أولي الأرحام أن الولاية للولد الأكبر ، ولا ينقض بعبد الله لانّه كان معيوباً جاهلا بيّناً جهله وقد قال : سبحانّه : «هَلْ يَسْتَوِي الّذين يَعْلَمُونَ وَالّذين لا يَعْلَمُونَ »(٢) ويحتمل على الأوّل أن يكون المعنى وتسليم الحسين له أي لأمرّ الإمامة إلى من بعده أي عليّ بن الحسينعليه‌السلام بآية أولي الأرحام.

« فإنّ الناس تكلّموا » لهذا الكلام وجهان : الأول : أن يكون الاعتراض في إمامة أبي جعفرعليه‌السلام ، والمراد بالنّاس الزيديّة « وتخطّت » على بناء التفعّل بمعنى

__________________

(١) سورة الأحزاب : ٣٦. (٢) سورة زمرّ : ٩.


من ولد أبيه من له مثل قرابته ومن هو أسنُّ منه وقصرت عمّن هو أصغر منه فقال : يعرف صاحب هذا الأمر بثلاث خصال لا تكون في غيره هو أولى الناس بالّذي قبله وهو وصيّه ، وعنده سلاح رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ووصيّته وذلك عندي لا أنازع فيه قلت : إنَّ ذلك مستور مخافة السلطان ؟ قال : لا يكون في ستر إلّا وله حجّة ظاهرة ،

________________________________________________________

تجاوزت والضمير للإمامة أو الوصاية ، فقوله : من له مثل قرابته المراد به زيد أخوه وضمير قرابته لأبي جعفرعليه‌السلام « ومن هو أسن منه » أي من قرابته كأولاد الحسن لا من ولد أبيه « وقصرت » أي لم تبلغ الوصيّة والإمامة من هو أصغر منه ويحتمل أن يكون الواو للحال بتقدير قد أي لِمَ لم تصل إلى الأسنّ والحال أنها قصرت عن الأصغر لكونه أصغر.

والثاني : أن يكون المراد تكلموا في أبي جعفر ووصيته إلى الصادقعليهما‌السلام كيف تخطت أي وصيّة أبي جعفرعليه‌السلام على تقدير إمامته من له مثل قرابته ، أي قرابة أبي جعفرعليه‌السلام يعنّي زيد أو من هو أسن منه يعنّي زيدا أيضاً ، وضمير منه لوصيُّ أبي جعفرعليه‌السلام ولم يقل منك لأن هذا الكلام منقول عن الناس الغائبين ، ولرعاية الأدب.

« هو أولى الناس » أي نسباً بأن يكون ولده الأكبر أو أخصّ الناس به وبأموره وإسراره كما كان أمير المؤمنينعليه‌السلام بالنسبة إلى الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكذا سائر الأوصيّاًء بالنسبة إلى من تقدّمه « وهو وصيّه » أي في السرّ والعلانية ، بحيث يعلم المؤالف والمخالف جميعاً انّه وصيّه وانّ لم يعرفه بالإمامة جميعاً.

« و وصيّته » أي الوصيّة المختومة النازلة من السماء أو الأعم منها ومن سائر الوصايا ، والكتب « لا أنازع فيه » أي لا يدعيها أحد بأخذهما مني أو لا نزاع لأحد من الأقارب في أنهما عندي « إن ذلك مستور » أي الإمام أو السلاح والوصيّة « إلّا وله حجّة ظاهرة » وهي الوصيّة الشّايعة.


إنَّ أبي استودعنّي ما هناك ، فلـمّا حضرته الوفاة قال : ادع لي شهوداً فدعوت أربعة من قريش فيهم نافع مولى عبد الله بن عمرّ قال : اكتب هذا ما أوصى به يعقوب بنيه «يا بنيّ إِنَّ اللهَ اصْطَفى لَكُمُ الدّين فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ »(١) وأوصى محمّد بن عليّ إلى ابنه جعفر بن محمّد وأمره أن يكفنه في برده الّذي كان يصلّي فيه الجمع وانّ يعمّمه بعمامته وانّ يربع قبره ويرفعه أربع أصابع ثمَّ يخلي عنه فقال : اطووه ثمَّ قال : للشهود انصرفوا رحمكم الله فقلت بعد ما انصرفوا ما كان في هذا يا أبت أن تشهد عليه فقال : أنّي كرهت أن تغلب وانّ يقال : انّه لم يوص فأردت أن تكون لك حجّة فهو الّذي إذا قدم الرجلّ البلد قال : من وصيُّ فلان قيل فلان قلت فإن

________________________________________________________

« استودعني ما هناك » أي ما كان عنه من الكتب والسّلاح وسائر أسرار النبوة والخلافة « ثمَّ يخلي عنه » أي لا يفعل بعد ذلك شيئاً من بناء على القبر أو رفعه أكثر من ذلك ، وقد مرّ هذا المضمون في باب الإشارة والنصّ على أبي عبد اللهعليه‌السلام ، وكان هناك مكان هذه الفقرة وانّ يحل عنه أطماره عند دفنه « ما كان هذا » وبعض النسخ في هذا ، والكلام يحتمل النفي والاستفهام « أن تغلب » أي في ادعاء الإمامة فيكون قوله : وانّ يقال : ، تفسيرا له ، أي تصير مغلوبا بأن يقال : لو كان إماماً لأوصى إليه ، أو المعنى أن تغلب فيما لم يوافق العامة من الأحكام المذكورة ، وقوله : وانّ يقال : إشارة إلى ما مر.

« فأردت أن تكون لك حجّة » حاصله أن الإمام السابق وانّ لم يوص إلى اللاحقَّ بالإمامة مخافة السلطان إلّا انّه أوجب له الوصاية المطلقة وعين له الإتيان ببعض الأمور التي لا بأس بذكرها لتستدل شيعته بذلك على انّه الإمام بعده ، حيث فوض إليه الوصيّة دون غيره وانّ لم يعرفه شهود الوصيّة بذلك « فهو الّذي » ضمير هو لصاحب هذا الأمر « قال : من وصيُّ فلان » قيل : معطوف على قدم بحذف العاطف قبل جواب إذا وفلان قائم مقام عائد الّذي تسألونه أي الوصيُّ الواقعي كما قيل ، أو الشريك أو أحدهما أو كلاهما عن المسائل المغامضة والأمور المغيبة أو عن الإمام

__________________

(١) سورة البقرة : ١٣٢.


اُشرك في الوصيّة ؟ قال : تسألونه فانّه سيبين لكم.

٣ - محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن محمّد بن خالد ، عن النضر بن سويد ، عن يحيى الحلبيّ ، عن بريد بن معاوية ، عن محمّد بن مسلم قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام أصلحك الله بلغنا شكواك وأشفقنا فلو أعلمتنا أو علمتنا من قال : إن علياعليه‌السلام كان عالـماً والعلم يتوارث فلا يهلك عالم إلّا بقي من بعده من يعلم مثل علمه أو ما شاء الله قلت أفيسع النّاس إذا مات العالم إلّا يعرفوا الّذي بعده فقال : أما أهل هذه البلدة فلا - يعني المدينة - وأما غيرها من البلدان فبقدر مسيرهم إن الله يقول «وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدّين وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ » قال : قلت أرأيت من مات في ذلك فقال : هو بمنزلة من خرج مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثمَّ يُدْرِكْهُ

________________________________________________________

« فانّه سيبيّن لكم » على بناء المجهول أو المعلوم.

الحديث الثالث : صحيح.

« والشكوى » بالفتح المرض « أشفقنا » أي خفنا أن تجيب داعي الله وتختار الآخرة على الدنيا ونبقي في حيرة من أمرنا ، ولو للتمني « أو علمنا » الترديد من الراوي ، أو المعنى أو علمنا من طريق آخر ، وفي بعض النسخ « أو علمتنا » فالأوّل متعيّن ، فأجابعليه‌السلام بانّه لا بد من عالم يعلم جميع ما تحتاج إليه الأمة في كل عصر يعلم علم الإمام السّابق أو ما شاء الله من الزيادة في ليلة القدر ، وما يحدث بالليل والنهار كما مرّ وقيل : أي ما شاء الله من إفناء العالم فلا بد من التفحّص حتّى يعلم عينه ، أو المعنى أن علامة الإمام اللاحقَّ أن يعلم جميع علم الإمام السابق ولا يجهل شيئاً من الأحكام ، وانّما لم يعيّنعليه‌السلام شخصه تقيّة.

« أرأيت من مات » أي أخبرني عن حال من مات « في ذلك » أي في الطلب ، والسكينة والوقار متقاربان معنى ، وهو الحلم والرزانة وعدم الطيش ، وقد يفسّر أحدهما باطمينان القلب ، والآخر باطمينان الجوارح ، ويمكن أن يراد بالسّكينة


الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ ، قال : قلت فإذا قدموا بأيّ شيء يعرفون صاحبّهم قال : يعطى السكينة والوقار والهيبة.

( باب )

( في أن الإمام متى يعلم أن الأمر قد صار إليه )

١ - أحمد بن إدريس ، عن محمّد بن عبد الجبّار ، عن صفوان بن يحيى ، عن أبي جرير القمّي قال : قلت لأبي الحسنعليه‌السلام جعلت فداك قد عرفت انقطاعي إلى أبيك ثمَّ إليك ثمَّ حلفت له وحقَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وحقَّ فلان وفلان حتّى انتهيت إليه بانّه لا يخرج مني ما تخبرني به إلى أحد من الناس وسألته عن أبيه أحيُّ هو أوميّت ؟ فقال : قد والله مات ، فقلت جعلت فداك إنّ شيعتك يروون : أنّ فيه سنّة

________________________________________________________

هنا إطمينان القلب بالعلوم ، وعدم الشك والتزلزل والاختلاف فيها ، وبالوقار عدم مبادرة الأعضاء إلى المعاصي والاختلاف في الأعمال ، وقيل : المراد بالسكينة سلاح رسول الله ،صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لانّه قد مرّ انّه فينا بمنزلة التابوت في بنيّ إسرائيل ، وقد قال : تعالى في التابوت : «فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ »(١) ولا يخفى ما فيه.

والمراد بالهيبة المهابة التي يلقيها الله منه في قلوب عباده بدون الأسباب التي تكون لسلاطين الجور من الاتباع والعساكر والجور والظّلم ، وقيل : المراد خوف الله وهو التقوى.

باب في أن الإمام متى يعلم أن الأمر قد صار إليه

الحديث الأول : حسن كالصحيح والظّاهر أن أبا جرير هو زكريا بن إدريس وأبو الحسن هو الرضاعليه‌السلام .

« بانّه لا يخرج » متعلّق بقوله : حلفت « انّ فيه سنّة أربعة أنبياء » كانّه إشارة إلى ما رواه الصدوق في إكمال الدّين بإسناده عن أبي بصير قال : سمعت أبا جعفر

__________________

(١) سورة البقرة : ٢٤٨.


أربعة أنبياء ، قال : قد والله الّذي لا إله إلّا هو هلك قلت هلاك غيبة أو هلاك موت قال : هلاك موت ، فقلت لعلّك منّي في تقيّة فقال : سبحان الله قلت فأوصى إليك قال : نعم قلت فأشرك معك فيها أحداً قال : لا قلت فعليك من إخوتك إمامٌ ؟ قال : لا قلت فأنت الإمام قال : نعم.

٢ - الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن عليّ بن أسباط قال : قلت للرّضاعليه‌السلام إنّ رجلاً عنى أخاك إبراهيم فذكر له أنّ أباك في الحياة ، وأنّك تعلم من ذلك ما يعلم فقال : سبحان الله يموت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ولا يموت موسىعليه‌السلام قد والله

________________________________________________________

عليه‌السلام يقول : في صاحب هذا الأمر أربع سنن من أربعة أنبياء : سنّة من موسى ، وسّنة من عيسى ، وسنّة من يوسف ، وسنّة من محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأما من موسى فخائف يترقّب ، وأما من يوسف فالسّجن والغيبة ، وأمّا من عيسى فيقال : انّه مات ولم يمت ، وأما من محمّد فالسيف فلـمّا توهّم الواقفيّة أنّ الكاظمعليه‌السلام هو القائم أثبتوها له.

« فقال : سبحان الله » تعجبا من إصراره على الباطل ، ومناسبته للباب باعتبار أن الرضاعليه‌السلام علم بموت أبيهعليهما‌السلام وانّ لم يكن حاضراً عنده وقيل : المراد بقوله : فأوصى إليك أي متّصلاً بموته فيكون أنسب بالباب وعلى التقديرين مناسبته للباب لا تخلو من كلفة.

الحديث الثاني : ضعيف على المشهور.

وفي المصباح عنيته عنيا من باب رمى قصدته « فذكر » أي إبراهيم « له » أي للرجلّ « من ذلك » أي من حياة أبيك « ما لا يعلم » أي إبراهيم أي أنت أعرف بهذا الأمر منه ، وفي بعض النسخ « ما يعلم » وقال : بعض الأفاضل : عنّي أخاك : أوقعه في العناء والتعب بتلبيسه الأمر عليه في أمرّ أخيه وفي بعض النسخ : غر أخاك ، بالغين المعجمة والراء وهو أوضح ، وكان الرجلّ قد دلس أو كان واقفيّاً يقول بحياة الكاظمعليه‌السلام وانّه الّذي يملأها عدلا كما ملئت جوراً.

« سبحان الله » تعجّب من إنكارهم بموت موسىعليه‌السلام مع تواتر الأخباربه ،


مضى كما مضى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ولكنّ الله تبارك وتعالى لم يزل منذ قبض نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله هلّم جرّاً يمنُّ بهذا الدين على أولاد الأعاجم ويصرفه عن قرابة نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله هلمَّ

________________________________________________________

ولـمّا لم يكن لهم في ذلك حجّة فكان مظنّة لأن يكون سبب هذا الإنكار جلالة قدرهعليه‌السلام واحتياج الناس إليه فلا يذهب الله به في هذا السن فأبطلعليه‌السلام ذلك بأن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان أجلّ قدراً وحاجة الناس إليه أكثر فكان أولى بطول العمرّ ، وهذا من أحسن الاحتجاج لبيان ضعف دعواهم وحجتهم كذا خطر بالبال.

وقال : في المصباح المنير : هلّم كلمة بمعنى الدعاء إلى الشيء كما يقال : تعال ، قال : الخليل أصله لم من الضمّ والجمع ، ومنه لم الله شعثه ، وكان المنادي أراد لم نفسك إلينا ، وهاء للتنبيّه ، وحذفت الألف لكثرة الاستعمال ، وجعلا اسما واحداً ، وقيل : أصلها هل أم أي أقصد فنقلت حركة الهمزة إلى اللام وأسقطت ، ثمَّ جعلا كلمة واحدة للدعاء وأهل الحجاز ينادون بها بلفظ واحد للمذكر والمؤنث والمفرد والجمع ، وعليه قوله تعالى : «وَالْقائِلِينَ لِإِخْوأنّهم هَلُمَّ إِلَيْنا »(١) وفي لغة نجدّ تلحقها الضمائر وتطابق ، فيقال : هلم وهلـمّا وهلموا وهلمن ، لأنّهم يجعلونها فعلا فيلحقونها الضمائر ، وقال : أبو زيد : استعمالها بلفظ واحد للجميع من لغة عقيل ، وإلحاق الضمائر من لغة بنيّ تميم ، وعليه أكثر العرب ، وتستعمل لازمة نحو هلم إلينا أي أقبل ، ومتعدية نحو هلم شهدائكم ، أي أحضروهم انتهى.

فيحتمل أن يكون جرا مفعولا به ، ومفعولا لأجله فلا تغفل.

« بهذا الدّين » أي التشيع « عن قرابة نبيّه » كبنيّ العبّاس وأكثر بنيّ الحسنعليه‌السلام ، بل أكثر بنيّ الحسينعليه‌السلام أيضاً ، وفيه إشعار بأن من لم يقل بإمامة الاثني عشرعليهم‌السلام فهو خارج عن الدّين ، وفيه دلالة على فضل العجم على العرب في الإيمان ، كما يدلّ عليه أخبار كثيرة أوردتها في الكتاب الكبير.

روى علي بن إبراهيم في تفسيره عند قوله تعالى : «وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ

__________________

(١) سورة الأحزاب : ١٨.


جرّاً فيعطي هؤلاء ويمنع هؤلاء لقد قضيت عنه في هلال ذي الحجّة ألف دينار بعد أن أشفى على طلاق نسائه وعتق مماليكه ولكن قد سمعت ما لقي يوسف من إخوته.

٣ - الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن الوشّاء قال : قلت لأبي الحسنعليه‌السلام إنّهم رووا عنك في موت أبي الحسنعليه‌السلام أن رجلاً قال : لك علمت ذلك

________________________________________________________

فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ »(١) عن الصادقعليه‌السلام انّه قال : لو نزل القرآن على العجم ما آمنت به العرب وقد نزل على العرب فآمنت به العجم.

وفي كتاب الغيبة للشيخ الطوسيقدس‌سره القدّوسي بإسناده عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : اتق العرب فإن لهم خبر سوء ، أما انّه لا يخرج مع القائم منهم أحد.

ومن طريق العامة عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : لو كان الدّين بالثّريا لنالته رجال من فارس.

قولهعليه‌السلام : لقد قضيت عنه ، أي عن إبراهيم « ألف دينار » أي دينا كان عليه « بعد أن أشفى » أي أشرف « على طلاق نسائه » لعجزه عن نفقاتهن ، وكذا عتق المماليك للعجز عن النفقة ، مع كون البيع لا يليق بذوي المروات والأشراف ، أو الطّلاق لجبر الحكام باستدعاء الزوجات.

وقال : بعض الأفاضل ضمير عنه راجع إلى الّذي عنى إبراهيم ، وانّما هم بطلاق نسائه وعتق مماليكه لانّه أراد أن يشرد من الغرماء ، فلا يختموا بيوت نسائه ولا يأخذوا مماليكه ، انتهى.

وقال : المحدّث الأسترآبادي (ره) أي قضيت عن الّذي غر إبراهيم وكانّه عباس أخوهما ، انتهى.

وقيل : كان حلف بطلاق نسائه وعتق مماليكه أن يؤدّ ديونهم في موعد قضىعليه‌السلام دينه قبل ذلك ، ولا يخفى بعد الجميع.

الحديث الثالث : ضعيف على المشهور.

« إنّهم رووا » أي الواقفية « إنّ رجلا قال : لك » غرضهم انّهعليه‌السلام انّما علم وفاة

__________________

(١) سورة الشعراء : ١٩٨.


بقول سعيد ، فقال : جاء سعيد بعد ما علمت به قبل مجيئه قال : وسمعته يقول طلّقت أمّ فروة بنت إسحاق في رجب بعد موت أبي الحسن بيوم قلت طلقتّها وقد علمت بموت أبي الحسن ؟ قال : نعم قلت : قبل أن يقدم عليك سعيد قال : نعم.

________________________________________________________

أبيه بقول سعيد ولا يحصل العلم بمحض قوله ، ولـمّا قال : الرجلّ ذلك له صدّقه ولم ينكره ، وهذا يدلّ على انّه حقَّ ، والظاهر أنّ سعيداً كان من خدمة الإمامينعليهما‌السلام وقد يقال : انّه أخت صفوان بن يحيى ، وأما طلاق أم فروة فالّذي سمعت من الوالد العلامةقدس‌سره نقلا عن مشايخه أن أم فروة كانت من نساء الكاظمعليه‌السلام ، وطلاقها بعد العلم بموته مبنيّ عليّ أن الرضاعليه‌السلام كان وكيلاً من قبل أبيهعليهما‌السلام في طلاق نسائه ، كما مرّ انّهعليه‌السلام فوض أمرّ نسائه إليه ، والعلم الّذي يكون مناطا للحكم الشرعي هو العلم بالأسباب الظاهرة ، لا العلم الّذي يحصل من طريق الإلهام وأمثاله.

فإن قيل : ما فائدة هذا الطّلاق الّذي ينكشف فساده بعد العلم بتاريخ الفوت؟

قلت : أمورهمعليهم‌السلام أرفع من أن تناوله عقولنا القاصرة فلعلهم رأوا فيه مصلحة لا نعلمها.

وقد يقال : انّهعليه‌السلام أخبرها بالموت وكانت عدَّة الوفاة من حين الخبر ، وانّما طلقها ظاهراً تقية ليمكنها التزويج بعد انقضاء عدَّة الوفاة ، لانّه لم يمكنهم ظاهراً بناء الأمر على العلم الخفي ، وكان يصير سبباً لتشنيع المخالفين ، وكان في تعجيل تزويجها أو إخراجها عن بيتهعليه‌السلام مصلحة.

وأقول : يخطر بالبال انّه يمكن أن يكون حكم أزواجهمعليهم‌السلام حكم أزواج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في عدم جواز تزويجهن بعد وفاتهمعليهم‌السلام إلّا بالطّلاق والخروج عن هذه الحرمة ، وهذا الطّلاق يكون بعد الوفاة أيضاً كما ورد أن أمير المؤمنينعليه‌السلام طلق عائشة بعد وفاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فخرجت من عداد أمهات المؤمنين ، فلعلّ الفائدة في هذا الطّلاق هذا لعلمه بأنها لا تطيعه في ترك التزويج لكن لم أر هذا في غير هذا الخبر.

ويمكن أن يكون المراد التطليق بالمعنى اللغوي أي أخرجتها من البيت لقطع


٤ - محمّد بن يحيى ، عن محمّد بن الحسين ، عن صفوان قال : قلت للرضاعليه‌السلام أخبرني عن الإمام متى يعلم انّه إمام حين يبلغه أنَّ صاحبه قد مضى أو حين يمضي مثل أبي الحسن قبض ببغداد وأنت ههنا ، قال : يعلم ذلك حين يمضي صاحبه ، قلت بأي شيء قال : يلهمه الله.

٥ - عليّ بن إبراهيم ، عن محمّد بن عيسى ، عن أبي الفضل الشهباني ، عن هارون بن الفضل قال : رأيت أبا الحسن عليّ بن محمّد في اليوم الّذي توفّي فيه أبو جعفرعليه‌السلام فقال : «إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ » مضى أبو جعفرعليه‌السلام فقيل له وكيف عرفت ؟ قال : لانّه تداخلني ذلة لله لم أكن أعرفها.

________________________________________________________

علاقة الزوجيّة وعدم وجوب الإسكان في عدَّة الوفاة ، وربمّا يقرأ طلعتها بالعين المهملة على بناء التفعيل أي اطلعتها وأخبرتها ، وهذا مخالف للمضبوط في النسخ ، وبالجملة هذا من غوامض الأخبار ، وليس شيء من تلك الوجوه ممّا تسكن إليه النفس.

الحديث الرابع : صحيح.

« ومثل » مرفوع خبر مبتدإ محذوف ، أي موضع المسألة مثل هذه الواقعة ، أو منصوب بنيابة المفعول المطلق ، أي مثل مضي أبي الحسن ، وجملة « قبض » استئناف بياني « وأنت هيهنا » جملة حالية.

الحديث الخامس : مجهول وأبو الحسن : الثالثعليه‌السلام ، وأبو جعفر الجوادعليه‌السلام « تداخلني » أي دخلني ، وفيه مبالغة ولـمّا كانت الإمامة منتهى درجات الكمال للبشر وهو يستلزم نهاية معرفة الله عزَّ وجلّ ، وهي مستلزمة لغاية الإخبات والخضوع والتذلّل له تعالى ، فلذا استدلّعليه‌السلام بحصولها عليّ حصول الإمامة ، وانّما قال :عليه‌السلام ذلك على وفق فهم السائل ، وإلّا فانّهعليه‌السلام كان اطلّع بإلهامه تعالى واطّلاعه على ملكوت السماوات والأرض ، بل حضر عند موته وغسله ودفنه والصلاة عليه كما ورد في الأخبار.


٦ - عليُّ بن إبراهيم ، عن محمّد بن عيسى ، عن مسافر قال : أمرّ أبو إبراهيمعليه‌السلام حين أخرج به - أبا الحسنعليه‌السلام أن ينام على بابه في كل ليلة أبدا ما كان حيا إلى أن يأتيه خبره قال : فكنا في كل ليلة نفرش لأبي الحسن في الدهليز ثمَّ يأتي بعد العشاء فينام فإذا أصبح انصرف إلى منزله قال : فمكث على هذه الحال أربع سنين فلـمّا كان ليلة من الليالي أبطأ عنا وفرش له فلم يأت كما كان يأتي فاستوحش العيال وذعروا ودخلنا أمرّ عظيم من إبطائه فلـمّا كان من الغد أتى الدّار ودخل إلى العيال وقصد إلى أم أحمد - فقال : لها هات التي أودعك أبي فصرخت ولطمت وجهها وشقت جيبها وقالت مات والله سيّدي ، فكفّها وقال : لها لا تكلمي بشيء ولا تظهريه حتّى يجيء الخبر إلى الوالي فأخرجت إليه سفطاً وألفي دينار أو أربعة آلاف دينار فدفعت ذلك أجمع إليه دون غيره وقالت انّه قال : لي فيما بيني وبينه وكانت أثيرة عنده احتفظي بهذه الوديعة عندك لا تطلعي عليها أحداً حتّى أموت فإذا مضيت فمن أتاك من ولدي فطلبها منك فادفعيها إليه واعلمي أنّي قد مت وقد جاءني والله علامة

________________________________________________________

الحديث السادس : حسن.

والدهليز بالكسر ما بين الباب والدّار ، « فمكث » أي استمرّ و « فرش له » على بناء المجهول و « ذعروا » عليّ بناء المعلوم أو المجهول ، في القاموس : الذعر بالضمّ الخوف ذعر كعنّي فهو مذعور ، وبالفتح التخويف كالإذعار وبالتحريك الدّهش ، وأمّ أحمد زوجة الكاظمعليه‌السلام الخطبة عنده « هات » اسم فعل بمعنى أعطني « فصرخت » أي صاحت صيحة شديدة « فكفها » أي منعها ، وفي القاموس : السفط محركة كالجوالق أو كالقفة ، وفي المغرب : السفط واحد الأسفاط وهو ما يصان فيه الطيّب وما أشبهه من آلات النساء ، ويستعار للتابوت الصغير ، انتهى.

وكانّه كان في السفط ودائع الإمامة وإسرارها « أو أربعة » الترديد من الراوي « وكانت أثيرة » معترضة من كلام مسافر والأثيرة المختارة الراجحة على غيرها ، في القاموس : فلان أثيري أي من خلصائي ، وضمير عنده لأبي إبراهيم « لا تطلعي » من باب


سيّدي ، فقبض ذلك منها وأمرهم بالإمساك جميعاً إلى أن ورد الخبر وانصرف فلم يعدّ لشيء من المبيت كما كان يفعل فما لبثنا إلّا أيّاماً يسيرة حتّى جاءت الخريطة بنعيه فعددنا الأيّام وتفقدنا الوقت فإذا هو قد مات في الوقت الّذي فعل أبو الحسنعليه‌السلام ما فعل من تخلفه عن المبيت وقبضه لـما قبض.

( باب )

( حالات الأئمةعليهم‌السلام في السن )

١ - عدَّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن ابن محبوب ، عن هشام بن سالم ، عن يزيد الكناسي قال : سألت أبا جعفرعليه‌السلام أكان عيسى ابن مريمعليه‌السلام حين تكلّم في المهد حجّة [ ا ] لله على أهل زمانه ؟ فقال : كان يومئذ نبيّاً حجّة الله

________________________________________________________

الأفعال ، والخريطة الكيس يصان فيه المكتوب ويشدّ رأسه ، والنعي خبر الموت ، والتفقد طلب الشيء عند غيبته.

وحاصل الخبر : أنّ الرضاعليه‌السلام في تلك الليلة ذهب بطي الأرض بأمرّ الله تعالى من المدينة إلى بغداد للحضور عند موت والده ودفنه والصلاة عليه ، ورجع في تلك الليلة كما وقع التصريح بجميع ذلك في أخبار أخرى أوردتها في الكتاب الكبير.

باب حالات الأئمة (ع) في السن

الحديث الأول : كالصحيح.

« حجّة الله » أي إماماً للناس مرسلاً إليهم أو كان نبيّاً يجب على الناس الإقرار بإمامته فعلى الأوّل حاصل الجواب انّه لم يكن حينئذ إماماً ولكن كان حجّة لمريمعليها‌السلام على الحاضرين عندها ، ولم يكن مرسلاً إلى قوم ، وعلى الثاني المعنى انّه كان نبيّاً وكان يجب على كل من سمع كلامه الإقرار بنبوّته ، لكن لم يكن مرسلاً إليهم مأموراً بتبليغ الرسالة إليهم ، أو كان حجّة الله على نفسه ولم يكن مبعوثاً على غيره ، وظاهر الخبر انّه لم يكن مأموراً حينئذ بأحكام الإنجيل وتبليغه ، فالمراد بالكتاب التوراة ، أو المعنى سيؤتيني الكتاب ، أو يكون مكلّفاً بالعمل بالإنجيل ولم يكن


غير مرسل أما تسمع لقوله حين قال : «أنّي عَبْدُ اللهِ آتأنّي الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا .وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصأنّي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا »(١) قلت فكان يومئذ حجّة لله على زكريّا في تلك الحال وهو في المهد فقال : كان عيسى في تلك الحال آية للناس ورحمة من الله لمريم حين تكلّم فعبّر عنها وكان نبيّاً حجّة على من سمع

________________________________________________________

مأموراً بالتبليغ ، فالمراد بقولهعليه‌السلام حين أوحى الله إليه ، الوحي بالتبليغ والرسالة.

قال : الطبرسيرحمه‌الله في قوله تعالى : «أنّي عَبْدُ اللهِ » قدمعليه‌السلام إقراره بالعبودية ليبطل به قول من يدعى له الربوبية وكان الله سبحانّه نطقه بذلك لعلمه بما تقوله الغالون فيه ، ثمَّ قال : «آتأنّي الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نبيّاً » أي حكم لي بإيتاء الكتاب والنبوة.

وقيل : إن الله سبحانّه أكمل عقله في صغره وأرسله إلى عباده وكان نبيّاً مبعوثاً إلى الناس في ذلك الوقت مكلفاً عاقلاً ، ولذلك كانت له تلك المعجزة عن الحسن والجبائي.

وقيل : انّه كلّمهم وهو ابن أربعين يوماً عن وهب ، وقيل : يوم ولد عن ابن عباس وأكثر المفسرين ، وهو الظاهر.

وقيل : إنّ معناه سيؤتيني الكتاب وسيجعلني نبيّاً ، وكان ذلك معجزة لمريمعليها‌السلام على براءة ساحتها «وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ » أي جعلني معلـمّا للخبر ، عن مجاهد وقيل : نفاعاً حيثما توجهت ، والبركة نماء الخير ، والمبارك الّذي ينمي الخير به ، وقيل :

ثابتا دائماً على الإيمان والطّاعة ، وأصل البركة الثبوت عن الجبائي «وَأَوْصأنّي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ » أي بإقامتهما «ما دُمْتُ حَيًّا » أي ما بقيت حيّاً مكلّفاً «آيَةً لِلنَّاسِ » أي علامة قدرة الله على كل شيء ، أو معجزة دالة على براءة مريم.

« فعبر عنها » على بناء التفعيل أي أعرب عمّا في ذهن مريم من براءتها ممّا قالوا فيها ، واحتج على الناس من قبلها ، وفي بعض النسخ فغيّر بالغين المعجمة والياء ،

__________________

(١) سورة مريم : ٣١.


كلامه في تلك الحال ، ثمَّ صمت فلم يتكلّم حتّى مضت له سنتان وكان زكريّا الحجّة لله عزَّ وجلّ على الناس بعد صمت عيسى بسنتين ثمَّ مات زكريا فورثه ابنه يحيى الكتاب والحكمة وهو صبيُّ صغيرٌ ، أما تسمع لقوله عزَّ وجلّ «يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً »(١) فلـمّا بلغ عيسىعليه‌السلام سبع سنين تكلّم بالنبوة والرسالة حين أوحى الله تعالى إليه فكان عيسى الحجّة على يحيى وعلى الناس أجمعين وليس تبقى الأرض يا أبا خالد يوماً واحداً بغير حجّة لله على الناس منذ يوم خلق الله آدمعليه‌السلام وأسكنه الأرض فقلت جعلت فداك أكان عليُّعليه‌السلام حجّة من الله ورسوله

________________________________________________________

أي غيّر وأزال التهمة عنها ، ولعلّه تصحيف « فلم يتكلّم » أي بالنبوة والرسّالة ثمّ تكلم بعد السنتين بالنبوة ، وبعد سبع بها وبالرسالة ، أو لم يتكلّم أصلا في محضر الناس ، لورود بعض الأخبار بتكلمه قبل ذلك.

«يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ » قال : الطبرسيرحمه‌الله تقديره : فوهبنا له يحيى وأعطيناه الفهم والعقل وقلنا يا يحيى خذ الكتاب ، يعنّي التوراة بما قواك الله عليه وأيدك به ، ومعناه وأنت قادر على أخذه قوي على العمل ، وقيل : معناه بجدّ وصحّة عزيمة على القيام بما فيه «وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا » أي آتيناه النبوّة في حال صباه ، وهو ابن ثلاث سنين عن ابن عباس ، وقيل : إن الحكم الفهم.

« الحجّة على يحيى » لانّه كان من أولي العزم ، وهم حجج على سائر الأنبياء ، والحجج الّذين في زمأنّهم ، وأبو خالد كنية ليزيد الكناسي ، والظّاهر انّه القماط الثقة ، فالظّاهر أن الخبر صحيح.

« كان عليّعليه‌السلام حجّة » أقول : يدل على أن إمامة عليّعليه‌السلام كان في حياة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أيضاً ، وهو لا ينافي كونه رعية للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، كالأنبياء الّذين كانوا في زمن أولوا العزم كما أومأنا إليه ، واختلف أصحابنا في ذلك فذهب الأكثر إلى أن الإمامة انّما تثبت لكلّ منهمعليهم‌السلام بعد وفاة من تقدمه ، وذهب بعضهم إلى أن جميعهم

__________________

(١) سورة مريم : ١٢.


على هذه الأمّة في حياة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : نعم يوم أقامه للناس ونصبه علـمّا ودعاهم إلى ولايته وأمرهم بطاعته قلت وكانت طاعة عليّعليه‌السلام واجبة على الناس في حياة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وبعد وفاته فقال : نعم ولكنّه صمت فلم يتكلّم مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وكانت الطّاعة لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على أمته وعلى عليّعليه‌السلام في حياة رسول

________________________________________________________

في كل الأزمنة أئمّة تجب طاعتهم لكن واحد منهم ناطق والباقي صامتون.

سئل السيد المرتضىرضي‌الله‌عنه في المسائل العكبرية : قد كان أمير المؤمنين والحسن والحسينعليهم‌السلام في زمان واحد ، جميعهم أئمّة منصوص عليهم فهل كانت طاعتهم جميعاً واجبة في وقت واحد؟ وهل كانت طاعة بعضهم على بعض فرّض طاعة من كان يجب منهم وكيف كانت الحال في ذلك؟ فأجابقدس‌سره أن الطّاعة في وقت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كانت له من جهة الإمامة دون غيره ، فلـمّا قبضصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صارت الإمامة من بعده لأمير المؤمنينعليه‌السلام ، ومن عداه من الناس رعية له ، فلـمّا قبض صارت الإمامة للحسن ابن عليّ والحسينعليهما‌السلام إذ ذاك رعية لأخيه الحسنعليه‌السلام ، فلـمّا قبض الحسنعليه‌السلام صار الأمر إلى الحسينعليه‌السلام ، وهو إمام مفترض الطّاعة على الأنام وهكذا حكم كل إمام وخليفة في زمانّه ، ولم يستند الجماعة في الإمامة بشيء إلى ما ذكرناه ، وقد قال : قوم من أصحابنا الإماميّة أن الإمامة كانت لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأمير المؤمنين والحسن والحسين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين في وقت واحد ، إلّا أن النطق والأمر والنهي كان لرسول الله مدة حياته دون غيره ، وكذلك كان الأمر لأمير المؤمنين صلوات الله عليه والحسن والحسينعليهما‌السلام ، وجعلوا الإمام في وقت صاحبه صامتا وجعلوا الأوّل ناطقا ، وهذا خلاف في عبارة والأصل ما قدمناه.

وقال : قدّس الله روحه في كتاب سياق الاستدلال بآية : انّما وليّكم الله ، على خلافة أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فإن قيل : لو كان المراد بالآية الإمامة لوجب أن تكون ثابتة في الحال ، وقد أجمع المسلمون على أن لا إمام مع النبي؟ قيل له : إنّا بينّا أنّ المراد بلفظ الوليّ فرض الطاعة والاستحقاق للتصرف بالأمر والنهي وهذا ثابت له في الحال فادّ عاء


اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكانت الطاعة من الله ومن رسوله على الناس كلّهم لعليّعليه‌السلام بعد وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وكان عليٌّعليه‌السلام حكيماً عالماً.

٢ - محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن صفوان بن يحيى قال : قلت للرضاعليه‌السلام قد كنّا نسألك قبل أن يهب الله لك أبا جعفرعليه‌السلام فكنت تقول يهب الله لي غلاماً فقد وهب الله لك فقر عيوننا فلا أرانا الله يومك فإن كان كون فإلى من فأشار بيده إلى أبي جعفرعليه‌السلام وهو قائم بين يديه فقلت جعلت فداك هذا ابن ثلاث سنين قال : وما يضّره من ذلك شيء قد قام عيسىعليه‌السلام بالحجّة وهو ابن ثلاث سنين.

________________________________________________________

الإجماع بخلاف ذلك ادّعاء الاتفاق لـمّا فيه الخلاف ، إلى آخر كلامهرحمه‌الله .

قولهعليه‌السلام : حليماً(١) ، قيل : أي عاقلا مراعيا للآداب اللازمة ، وأقول : لعله أرادعليه‌السلام أن عدم معارضته للغاصبين لخلافته لم يكن لعدم إمامته بل لكونه حليماً رزيناً عالـمّا بالمصالح وكان لا يرى المصلحة في معارضتهم فلذا صبر وسلم ظاهراً حتّى أمكنه الفرصة ، وفي بعض النسخ حكيماً عالـمّا ، وقد قال : تعالى : «وَانّه فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعليّ حَكِيمٌ »(٢) وورد في الخبر انّه إشارة إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام .

الحديث الثاني : صحيح.

وقد مرّ في باب الإشارة والنصّ على أبي جعفر الثانيعليه‌السلام ، وينافي بظاهره ما مرّ في الخبر السابق إلّا أن يقال : نزل عليه الكتاب في السّنة الثالثة ولم يؤمرّ بتبليغه إلى السّنة السابعة ، أو يكون المراد بالحجّة النبوة لا الرسالة ، ويكون المراد انّه كان حجّة في ثلاث سنين وانّ كان قبله أيضاً كذلك ، أو يكون تكلمه بعد صمته بالنبوة في هذا السن وبالرسالة بعد سبع سنين ، ويحتمل أن يكون ضمير هو راجعاً إلى أبي جعفرعليه‌السلام أي كان عيسى حجّة في المهد وأبو جعفر أكبر منه له ثلاث سنين.

__________________

(١) وفي المتن « حكيماً » وسيأتي في كلام الشارح (ره) أيضاً.

(٢) سورة زخرف : ٤.


٣ - محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن عليّ بن سيف ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي جعفر الثانيعليه‌السلام قال : قلت له إنّهم يقولون في حداثة سنّك ، فقال : إنَّ الله تعالى أوحى إلى داود أن يستخلف سليمان وهو صبيُّ يرعى الغنم ، فأنكر ذلك عباد بنيّ إسرائيل وعلماؤهم فأوحى الله إلى داودعليه‌السلام أن خذ عصا المتكلّمين وعصا سليمان واجعلها في بيت واختم عليها بخواتيم القوم فإذا كان من الغد فمن كانت عصاه قد أورقت وأثمرت فهو الخليفة فأخبرهم داود فقالوا قد رضينا وسلّمنا.

٤ - عليُّ بن محمّد وغيره ، عن سهل بن زياد ، عن يعقوب بن يزيد ، عن مصعب ، عن مسعدة ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : أبو بصير دخلت إليه ومعي غلام يقودني

________________________________________________________

الحديث الثالث : مرسل.

قال : الجوهري : العصا مؤنّثة والجمع عصا وعصي ، وهو فعول ، وانّما كسرت العين لـمّا بعدها من الكسرة ، والمتكلّمون هم الّذين تكلموا في نبوّة سليمان « فإذا كان من الغد » أي الزّمان الّذي هو من جملة الغد ، وقيل : من زائدة للدلالة على أن المراد أوّل الغد ، أو فاعله ضمير راجع إلى ما جرى ونحوه ، ومن بمعنى في « فقالوا » أي بعد ما فعلوا المأمور به وشاهدوا المعجز لا قبلها كما توهّم.

ويؤيّده ما رواه الصّدوقرحمه‌الله في إكمال الدّين بإسناده عن الصادقعليه‌السلام قال : إن داودعليه‌السلام أراد أن يستخلف سليمان لأنّ الله عزَّ وجلّ أوحى إليه يأمره بذلك ، فلـمّا أخبر بنيّ إسرائيل ضجّوا من ذلك وقالوا : يستخلف علينا حدثا وفينا من هو أكبر منه؟ فدعا أسباط بنيّ إسرائيل فقال : لهم : قد بلغتني مقالتكم فأروني عصيكم فأي عصا أثمرت فصاحبها ولي الأمر بعدي ، فقالوا : رضينا ، وقال : ليكتب كل واحد منكم اسمه على عصاه ، فكتبوا ثمَّ جاء سليمان بعصاه فكتب عليها ثمَّ أدخلت بيتا وأغلق الباب وحرسه رؤوس بنيّ إسرائيل ، فلـمّا أصبح صلّى بهم الغداة ثمَّ أقبل ففتح الباب فأخرج عصاهم ، وقد أورقت عصا سليمان وقد أثمرت فسلموا ذلك لداود ، الخبر.

الحديث الرابع : ضعيف.

وفي القاموس : غلام خماسي : طوله خمسة أشبار ، ولا يقال : سداسيّ ولا سباعيّ


خماسيَّ لم يبلغ ، فقال : لي كيف أنتم إذا احتج عليكم بمثل سنّه أو قال : سيلي عليكم بمثل سنه.

٥ - سهل بن زياد ، عن عليّ بن مهزيار ، عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع قال : سألته يعنّي أبا جعفرعليه‌السلام عن شيء من أمرّ الإمام فقلت يكون الإمام ابن أقلَّ من سبع سنين فقال : نعم وأقلَّ من خمس سنين ، فقال سهل : فحدَّثني عليُّ

________________________________________________________

لانّه إذا بلغ ستّة أشبار فهو رجلّ ، وكذا ذكره سائر اللغويّين ، وقد يطلق على من له خمس سنين ، ولم أجدّ بهذا المعنى في كتب اللغة ، فعلى الأوّل الظّاهر انّه إشارة إلى الجوادعليه‌السلام وعلى الثاني إلى القائمعليه‌السلام فإن سنةعليه‌السلام كان عند الإمامة قريباً من خمس سنين ، وأما الجوادعليه‌السلام فالمشهور انّه كان له حينئذ تسع سنين وكسرّ ، على انّه يحتمل أن يكون التشبيه في محض عدم البلوغ ، وقوله : لم يبلغ تأكيد أو لبيان انّه كان قصر قامته من جهة قلة السن فانّه قد يكون من بلغ أقل من خمسة أشبار ، لكن الظّاهر أن الخماسي انّما لم تطلق على غلام كان في سن النمو لم يبلغ لا مطلقاً.

الحديث الخامس : ضعيف على المشهور.

« من أمرّ الإمام » أي فضله وصفاته ، قولهعليه‌السلام : وأقل من خمس سنين ، الظّاهر انّه إشارة إلى القائمعليه‌السلام ويدل على انّه كان له عند إمامته أقل من خمس سنين ، وهو موافق لجميع التواريخ الآتية لأنّهم اتفقوا على أن وفاة أبي محمّدعليه‌السلام كانت في سنة ستين ومائتين والأكثر على أنها كانت في شهر ربيع الأوّل ، والأكثر على أن ولادة القائمعليه‌السلام كانت خمس وخمسين ومائتين ، وفي بعض الروايات ست وخمسون ، فعلى الأوّل كان عمرهعليه‌السلام عنه مضى أبيهعليه‌السلام أقل من خمس سنين بأشهر ، وعلى الثاني بستّة أشهر ، وهذا الخبر يؤيد الأوّل « قال : سهل » الظّاهر أن سهلاً كان حمل هذه الرواية في أوائل سنّه ، وكانت روايته لعليّ بن محمّد وغيره في أواخر عمره ، وكانت بعد تحقق ما ذكر في الخبر من إمامة القائمعليه‌السلام في هذا السن ، وانّما قال : ذلك لئلّا يتوهم


ابن مهزيار بهذا في سنة إحدى وعشرين ومائتين.

٦ - الحسين بن محمّد ، عن الخيرانّي ، عن أبيه قال : كنت واقفاً بين يدي أبي الحسنعليه‌السلام بخراسان فقال : له قائل يا سيّدي إن كان كون فإلى من قال : إلى أبي جعفر ابنيّ فكأن القائل استصغر سن أبي جعفرعليه‌السلام فقال : أبو الحسنعليه‌السلام إن الله تبارك وتعالى بعث عيسى ابن مريمعليه‌السلام رسولاً ، نبيّاً ، صاحب شريعة مبتدأة في أصغر من السن الّذي فيه أبو جعفر.

٧ - الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن عليّ بن أسباط قال : رأيت أبا جعفرعليه‌السلام وقد خرج عليَّ فأخذت النظر إليه وجعلت أنظر إلى رأسه ورجليه لأصف قامته

________________________________________________________

أن الراوي وضع الحديث بعد تحقق هذه الأحوال ، فنبه به على أن الرواية كانت قبلها ، وانّ الخبر مشتمل على الإعجاز ، ولا ريب في مضمونه ولا استبعاد في بقاء سهل إلى هذا الزّمان ، لأنّهم ذكروا انّه كاتب أبا محمّدعليه‌السلام سنة خمس وخمسين ومائتين ، فيمكن أن يكون بقي إلى وفاتهعليه‌السلام ، ويروي عنه وكلاء القائمعليه‌السلام وأصحاب التوقيعات منهعليه‌السلام .

الحديث السادس : مجهول وقد مضى بعينه في باب النصّ على أبي جعفر الثانيعليه‌السلام ، وربما يستدل به على حجية القياس بالطريق الأولى لأن ظاهر السياق انّهعليه‌السلام استدل بانّه إذا جازت النبوة والرسالة وابتداء الشريعة في السن الأقل فجواز الإمامة التي هي النيابة عن الرّسول في السن الأكثر ثابت بطريق أولى ، وفيه : أن هذا ليس باستدلال بل دفع استبعاد وإثبات الإمامة انّما هو بالنصوص والمعجزات وكون سنّهعليه‌السلام أكثر لانّه قد مرّ أن رسالة عيسى كان في سبع سنين وإمامة أبي جعفرعليه‌السلام كانت إما بعد تسع سنين مضى من عمرّة ، أو سبع سنين وخمسة أشهر على اختلاف الروايات كما سيأتي في أبواب التاريخ.

الحديث السابع : ضعيف على المشهور.

« فأخذت » أي شرعت في النظر إليه وفي بعض النسخ بالجيم والدال المهملة


لأصحابنا بمصر ، فبينا أنا كذلك حتّى قعدّ فقال : يا عليّ إنّ الله احتجّ في الإمامة بمثل ما احتجّ به في النبوَّة فقال : «وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً »(١) و «لـمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ

________________________________________________________

أي نظرت نظراً جيّداً باهتمام ، وفي بعضها : أحددت ، بالحاء المهملة كما في البصائر ، أي نظرت نظراً حادّاً.

قوله « ولـمّا بلغ أشده » أقول : هذا لا يوافق ما في المصاحف ، فإن مثل ذلك في القرآن في ثلاثة مواضع ، أحدها في سورة يوسف هكذا : «وَلـمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلـمّا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ »(٢) وثانيها في سورة الأحقاف هكذا : «وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حتّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قال : رَبِّ أَوْزِعنّي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عليّ وَعَلى والِدَيَّ وانّ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي أنّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَأنّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ »(٣) ثالثها في سورة القصص في قصّة موسى هكذا «وَلـمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلـمّا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ »(٤) .

وما في الخبر لا يوافق شيئاً منها ، ولعلّه من تصحيف النّساخ لانّه روى صاحب تأويل الآيات الباهرة عن العياشي بإسناده عن عليّ بن أسباط قال : قدمت المدينة وأنا اُريد مصر فدخلت على أبي جعفر محمّد بن عليّ الرضاعليهما‌السلام وهو إذ ذاك خماسي فجعلت أتأمله لأصفه لأصحابنا بمصر ، فنظر إلىّ وقال : يا عليّ إنّ الله أخذ في الإمامة كما أخذ في النبوة فقال : سبحانّه في يوسف : «وَلـمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلـمّا » وقال : عن يحيى : «وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا » وراوي الخبرين واحد.

ويحتمل أن يكونعليه‌السلام نقل الآية بالمعنى إشارة إلى آيتي سورة يوسف والأحقاف ، ليتمّ الاستدلال وحاصله انّه تعالى قال : في سورة يوسف «وَلـمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً » ، وفسرّ الأشدّ في الأحقاف بقوله «وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً » ، وعليه

__________________

(١) سورة مريم : ١٢. (٢) الآية : ٢٢.

(٣) الآية : ١٥. (٤) الآية : ١٤.


أَرْبَعِينَ سَنَةً » فقد يجوز أن يؤتى الحكمة وهو صبيّ ويجوز أن يؤتاها وهو ابن أربعين سنة.

٨ - عليُّ بن إبراهيم ، عن أبيه قال : قال : عليّ بن حسّان لأبي جعفرعليه‌السلام يا سيّدي إن النّاس ينكرون عليك حداثة سنك فقال : وما ينكرون من ذلك قول الله عزَّ وجلّ لقد قال : الله عزَّ وجلّ لنبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ

________________________________________________________

حمله جماعة من المفسرين.

قال : الطبرسي (ره) «حتّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ » وهو ثلاث وثلاثون سنة وقيل : بلوغ الحلم ، وقيل : وقت قيام الحجّة عليه ، وقيل : هو أربعون سنة وذلك وقت إنزال الوحي على الأنبياء ، وكذلك فسرّ به ، فقال : «وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً » فيكون هذا بيانا لزمان الأشدّ ، انتهى.

ويحتمل أن يكون إشارة إلى الآيات الثلاث جميعاً ، وقد ورد في الأخبار أن آية الأحقاف نزلت في الحسينعليه‌السلام .

الحديث الثامن : حسن.

قولهعليه‌السلام « وما ينكرون » العبارة تحتمل وجوها ، الأوّل : أن تكون « ما » نافية أي لا يمكنهم في هذا الباب إنكار قول الله تعالى وقد قال : ذلك ، الثاني : أن تكون استفهاميّة أي أي شيء ينكرون من ذلك و « قول الله » استفهام آخر أي أينكرون قول الله ، الثالث : أن تكون « ما » استفهاميّة و « قول الله » مبتدأ و « من ذلك » خبره ، الرابع : أن تكون « ما » موصولة مبتدأ و « ينكرون » بتقدير ينكرونه ، ومن للسببية ، وذلك إشارة إلى إنكار حداثة السن ، وقول خبر المبتدأ وقوله : « لقد » استئنافا بيانيا.

أقول : وفي تفسير العياشي قال : قلت : جعلت فداك أنّهم يقولون في الحداثة؟ قال : وأي شيء يقولون؟ إن الله تعالى يقول : «قُلْ هذِهِ سَبِيلِي » إلى قوله


عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعنّي »(١) فو الله ما تبعه إلّا عليّعليه‌السلام وله تسع سنين وأنا ابن تسع سنين.

________________________________________________________

فو الله ما كان اتّبعه إلّا علىّ وهو ابن سبع سنين ، ومضي أبي وأنا ابن تسع سنين ، فما عسى أن يقولوا؟ إن الله يقول : «فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ » إلى قوله «وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ».

قولهعليه‌السلام فو الله ما اتبعه أي أولا أو حين نزول الآية ، فلـمّا خصه الله بالدعوة إلى الله مع الرّسول ، وقرنه معه يدل على انّه تتأتى الدعوة إلى الله ممن لم يبلغ الحلم ، ويكون في هذا السن ، أو انّه تعالى لـمّا وصفه بالمتابعة ومدحه بها يدل على أن المتابعة معتبرة في هذا السن فيدل على أن الأحكام تختلف بالنظر إلى الأشخاص ، والمراد فجاز أن تحصل لي الإمامة في هذا السن ، ويدل على أن سنةعليه‌السلام في أوّل بيعته للرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان تسع سنين.

وما يفهم ممّا سيجيء في أبواب التاريخ من أن سنةعليه‌السلام حينئذ كان عشر سنين لا ينافي ذلك ، لـمّا بينا سابقا أن المحاسبين قد يسقطون الكسرّ بين العددين وقد يتمونه ، فهذا مبنيّ على الإسقاط ، وما سيأتي على الإكمال.

واختلف الخاصة والعامة في عمره في ذلك الوقت فقيل : سبع سنين كما هو في رواية العياشي في هذا الخبر ، وقيل : عشر سنين ، وقيل : ثمان سنين ، وقيل : اثنتا عشرة سنة ، وقيل : ثلاث عشرة سنة ، وقيل : خمس عشرة سنة ، وأوفق الأقوال بالتواريخ المشهورة هو العشر سنين ، لأن المشهور أن عمرهعليه‌السلام عند شهادته كان ثلاثاً وستين سنة ، منها ثلاثون بعد الرّسول ومن البعثة إلى وفاة الرّسول ثلاث وعشرون سنة ، فلا يبقى إلّا عشر سنين ، وأما من زاد على ذلك فقد زاد على عمرهعليه‌السلام فقد ذكر جماعة أن عمرهعليه‌السلام كان خمساً وستين كما رواه المفيد عن جماعة ، فيكون سنّهعليه‌السلام عند بيعته اثنتا عشرة سنة ، ومن قال : أن عمرهعليه‌السلام كان ستا

__________________

(١) سورة يوسف : ١٠٨.


________________________________________________________

وستّين فهو يقول كان سنّهعليه‌السلام حينئذ ثلاث عشرة سنة ، وأمّا خمس عشرة سنة وانّ رووا فيه روايات كثيرة لكنّه لا يوافق شيئاً من التواريخ.

وأما سبق إسلام أمير المؤمنينعليه‌السلام فممّا تواترت به روايات الخاصّة والعامّة وأوردت أكثرها في الكتاب الكبير.

وقال : ابن أبي الحديد بعد أن أورد روايات كثيرة في ذلك من كتاب الاستيعاب لابن عبد البر : واعلم أنّ شيوخنا المتكلّمين لا يكادون يختلفون في أنّ أوّل الناس إسلاماً عليّ بن أبي طالب إلّا من عساه خالف في ذلك من أوائل البصرييّن.

فأمّا الّذي تقرّرت المقالة عليه الآن فهو القول بانّه أسبق الناس إلى الإيمان لا نكاد نجدّ اليوم في تصانيفهم ، وعند متكلميهم والمحقّقين منهم خلافا في ذلك.

واعلم أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام ما زال يدعي ذلك لنفسه ويفتخر به ، ويجعله حجّة في أفضليّته ويصرّح بذلك ، وقد قال : غير مرّة إنا الصديق الأكبر والفاروق الأوّل أسلّمت قبل إسلام أبي بكر ، وصليت قبل صلاته.

وروى عنه هذا الكلام بعينه أبو محمّد ابن قتيبة في كتاب المعارف وهو غير متهم في أمره.

ومن الشعر المرويّ عنه في هذا المعنى الأبيات التي أولها :

محمّد النبيّ أخي وصنوي

وحمزة سيّد الشهداء عمّي

ومن جملتها :

سبقتكم إلى الإسلام طرّاً

غلاماً ما بلغت أوان حلمي

انتهى.

وقال : الشيخ المفيد قدس الله روحه في كتاب الفصول : أجمعت الأمة على أنّ أمير - المؤمنين أوّل ذكر أجاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم يختلف في ذلك أحد من أهل العلم إلّا أنّ العثمانية طعنت في أيمان أمير المؤمنين بصغر سنّه في حال الإجابة ، وقالوا : إنّه


________________________________________________________

لم يكن في تلك الحال بالغاً فيقع إيمانّه على وجه المعرفة ، وانّ إيمان أبي بكر حصل منه مع الكمال فكان على اليقين والمعرفة ، والإقرار من جهة التقليد والتلقين غير مساو للإقرار بالمعلوم المعروف بالدّلالة.

ثمَّ أجاب قدس الله روحه عن هذه الشبهة بوجوه :

الأوّل : منع كونهعليه‌السلام صبيّا في تلك الحال ، وذكر روايات تدلّ على انّه كان له خمس عشرة سنة ونحو ذلك.

الثاني : أنّا سلمنا انّه كان صغير السّن وكان له سبع سنين نقول : صغر السن لا ينافي كمال العقل ، وليس دليل وجوب التكليف بلوغ الحلم فيراعى ذلك ، هذا باتفّاق أهل النظر والعقول ، وانّما يراعى بلوغ الحلم في الأحكام الشرعية دون العقلية ، وقد قال : سبحانّه في قصّة يحيى : «وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا »(١) وقال : في قصّة عيسى : «قال : أنّي عَبْدُ اللهِ »(٢) الآية.

فلم ينف صغر سنّ هذين النبييّن كمال عقلهما ، والحكمة التي آتاهما الله سبحانّه ولو كانت العقول تحيل ذلك لإحالته في كلّ حالة وعلى كل حال ، وقد أجمع أهل التفسير إلّا من شذ منهم في قوله : «وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها »(٣) الآية انّه كان طفلا صغيراً في المهد أنطقه الله حتّى برأ يوسف من الفحشاء وأزال التهمة عنه.

الثالث : انّه لو لم يكن إيمانّهعليه‌السلام بالمعرفة والاستدلال وعلى غاية الكمال لـمّا مدحه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم به ، ولـمّا جعله من فضائله ومناقبه ، فانّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يفضّل أحداً بما ليس بفضل ، ولا يجعل في المناقب ما ليس في جملتها ، فلـمّا مدح رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمير المؤمنينعليه‌السلام بتقدّمه الإيمان. في قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لفاطمةعليها‌السلام أما ترضين أنّي زوّجتك أقدمهم سلماً.

وقوله : أوّل هذه الأمة وروداً على نبيّها الحوض أولّها إسلاماً عليّ بن

__________________

(١) سورة مريم : ١٢. (٢) سورة مريم : ٣١.

(٣) سورة يوسف : ٢٦.


________________________________________________________

أبيطالبعليه‌السلام .

وقوله : لقد صلّت الملائكة عليّ وعلى عليّ سبع سنين. وذلك انّه لم يكن من الرّجال أحد يصلّي غيري وغيره ، وأمثال ذلك.

ثبت أنّ إيمانهعليه‌السلام وقع بالمعرفة واليقين دون التقليد والتلقين ، لا سيّما وقد سمّاه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إيماناً وإسلاماً ، وما يقع من الصّبيان على وجه التلقين لا يسمّى على الإطلاق الديني إيماناً وإسلاما.

الرابع : أن أمير المؤمنينعليه‌السلام قد تمدّح به وجعله من مفاخره ، واحتجّ به على أعدائه وكرره في غير مقام من مقاماته ، فلو كان إيمانّه على ما ذهبت إليه النّاصبة لـمّا جاز منهعليه‌السلام أن يتمدّح به ، ولا أن يسميّه عبادة ، ولا أن يفخر به على القوم ، ولا أن يجعله تفضيلاً له على أبي بكر وعمرّ ، ولو انّه فعل من ذلك ما لا يجوز لردّه عليه مخالفوه ، واعترضه فيه مضادوه ، وفي عدول القوم من الاعتراض عليه في ذلك ، وتسليم الجماعة له ذلك ، دليل على ما ذكرناه ، وبرهان على فساد قول الناصبة.

الخامس : انّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دعا عليّاًعليه‌السلام في حال كان متسترا فيها بدينه كاتما لأمره ، خائفاً أن شاع من عدوّه ، فلا يخلو أن يكون قد كان واثقاً من أمير المؤمنينعليه‌السلام بكتم سرّه وحفظ وصيّته وامتثال أمره ، وحمله من الدّين ما حمله ، أو لم يكن واثقاً بذلك ، فإن كان واثقاً فلم يثق به إلّا وهو في نهاية كمال العقل وعلى غاية الأمانة وصلاح السريرة والعصمة والحكمة وحسن التدبير ، وانّ كان غير واثق منه بحفظ سرّه وغير آمن من تضييعه وإذاعة أمره ، فوضعه عنده من التفريط وضد الحزم والحكمة والتدبير ، وحاشى الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من ذلك ، ومن كل صفة نقص ، وقد أعلى الله عزَّ وجلّ رتبته وأكذب مقال : من ادّعى ذلك فيه ، وإذا كان الأمر عليّ ما وصفناه فما نرى الناصبة قصدت بالطعن في أيمان أمير المؤمنينعليه‌السلام إلّا عيب الرّسول والذم لأفعاله ، ووصفه بالعبث والتفريط ، انتهى خلاصة ما ذكره نور الله ضريحه في ذلك.


( باب )

( أن الإمام لا يغسله إلا إمام من الأئمةعليهم‌السلام )

١ - الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن الحسن بن عليّ الوشّاء ، عن أحمد بن عمر الحلال أو غيره ، عن الرضاعليه‌السلام قال : قلت له أنّهم يحاجونا يقولون إن الإمام لا يغسله إلّا الإمام قال : فقال : ما يدريهم من غسله فما قلت لهم قال : فقلت جعلت فداك قلت لهم إنّ قال : مولاي انّه غسله تحت عرش ربي فقد صدق وانّ قال : غسله في تخوم الأرض فقد صدق قال : لا هكذا قال : فقلت فما أقول لهم قال : قل لهم أنّي غسلته فقلت أقول لهم إنك غسّلته فقال : نعم.

________________________________________________________

باب أن الإمام لا يغسله إلا إمام من الأئمةعليهم‌السلام

الحديث الأوّل : ضعيف على المشهور.

« أنّهم » أي الواقفيّة ، والمحاجّة المغالبة بالحجّة ، وحاصل احتجاجهم أنّ الإمام لا يغسله إلّا إمام ، ومن تدّعون انّه إمام لم يكن حاضراً في بغداد ليغسله فهذا دليل على انّهعليه‌السلام لم يمت ، ويحتمل أن يكون الاحتجاج من المخالفين إلزاماً بأنّكم تعتقدون أن الإمام لا يغسله إلّا إمام ، ولم يغسل موسى الإمام بزعمكم ، فيدلّ على نفي إمامة أحد الإمامين.

« إن قال : » مولاي(١) أي الرضاعليه‌السلام وفي القاموس : التخوم بالضمّ الفصل بين الأرضين من المعالم والحدود مؤنثة ، والجمع تخوم أيضاً وتخم كعنق ، أو الواحد تخم بالضمّ وتخم وتخومة بفتحهما ، انتهى.

« قل لهم أنّي غسّلته » لـمّا كان جوابه على سبيل الفرّض والشك أمرهعليه‌السلام بالقول بالجزم واليقين وبعض الأفاضل حمل هذا الغسل على الغسل حال الحياة كما مرّ ، ولا يخفى بعده ، والأحاديث الصريحة واردة بانّهعليه‌السلام حضر بغداد عند غسل أبيه والصلاة عليه ودفنه.

__________________

(١) كذا في النسخ وليست هذه الجملة في المتن ويظهر منه أنّها كانت في نسخة الشارح (ره) كما هو موجودة في بعض النسخ التي عندنا من الكافي أيضاً.


٢ - الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن محمّد بن جمهور قال : حدّثنا أبو معمرّ قال : سألت الرضاعليه‌السلام عن الإمام يغسله الإمام ، قال : سنّة موسى بن عمرانعليه‌السلام .

________________________________________________________

الحديث الثاني : ضعيف ولعلّ سؤال السّائل أيضاً مبنيّ على الاعتراض أو رفع الشبهة في أمرّ الكاظمعليه‌السلام وغسله ، وقوله : سنّة موسى بن عمران ، أي غسله وصيّه في التيه ، وحضر حين موته أو المراد أنّ الملائكة غسّلوه كما هو المشهور في الكليمعليه‌السلام وظاهر الخبر الآتي.

روى الصدوق في المجالس بإسناده عن محمّد بن عمارة عن أبيه قال : قلت للصادق جعفر بن محمّدعليهما‌السلام أخبرني بوفاة موسى بن عمرانعليه‌السلام ؟ فقال : انّه لـمّا أتاه أجله واستوفى مدته وانقطع أكله أتاه ملك الموت فقال : له : السلام عليك يا كليم الله ، فقال : موسى : وعليك السلام من أنت؟ فقال : أنا ملك الموت ، فقال : ما الّذي جاء بك؟ قال : جئت لأقبض روحك ، فقال : له موسىعليه‌السلام : من أين تقبض روحي؟ قال : من فمك ، قال : له موسى : كيف وقد كلمت ربي جلّ جلاله؟ قال : فمن يديك ، قال : كيف وقد حملت بها التوراة؟ قال : فمن رجليك ، قال : كيف وقد وطئت بهما على طور سيناء؟ قال : فمن عينيك قال : كيف ولم تزل إلى ربي بالرجاء ممدودة ، قال : فمن أذنيك؟ قال : كيف وقد سمعت بهما كلام ربي تعالى؟ قال : فأوحى الله إلى ملك الموت أن لا تقبض روحه حتّى يكون هو الّذي يريد ذلك وخرج ملك الموت.

فمكث موسىعليه‌السلام ما شاء الله أن يمكث بعد ذلك ، ودعى يوشع بن نون فأوصى إليه وأمره بكتمان أمره بأن يوصيُّ بعده إلى من يقوم بالأمر ، وغاب موسى عن قومه فمرّ في غيبته برجلّ وهو يحفر قبراً فقال : له : إلّا أعينك على حفر هذا القبر؟ فقال : له الرجلّ : بلى ، فأعانه حتّى حفر القبر وسوّى اللّحد ، ثمَّ اضطجع فيه موسى بن عمران لينظر كيف هو ، فكشف له عن الغطاء فرأى مكانه من الجنة ، فقال : يا رب اقبضني إليك فقبض ملك الموت روحه مكانه ودفنه في القبر وسوى عليه التراب ، وكان الّذي يحفر القبر ملك في صورة بشر ، وكان ذلك في التيه ، فصاح صائح من السماء : مات موسى بن


٣ - وعنه ، عن معلّى بن محمّد ، عن محمّد بن جمهور ، عن يونس ، عن طلحة قال : قلت للرضاعليه‌السلام إنَّ الإمام لا يغسله إلّا الإمام فقال : أما تدرون من حضر لغسله قد حضره خير ممّن غاب عنه الّذين حضروا يوسف في الجبّ حين غاب عنه أبواه وأهل بيته.

________________________________________________________

عمران كليم الله ، فأيّ نفس لا تموت؟

ويحتمل أن يكون المراد بسنّة موسىعليه‌السلام انّه غسله معصوم ، فلا بدّ أن يغسل الإمام معصوم ، وقيل : المراد تغسيل موسى بن عمران الشعيبعليهما‌السلام ولا يخفى ما فيه.

الحديث الثالث : ضعيف على المشهور.

ويظهر منه أنّ غاسلهعليه‌السلام كان جبرئيل مع الملائكة ، لـمّا ورد انّه الّذي حضر يوسف في الجبّ ، ولعلّه محمول عليّ التقيّة إما من أهل السّنة بقرينة أنّ الرّاوي عامي ، أو من نواقص العقول من الشيعة كما أن الخيرية أيضاً محمولة على أحد الوجهين ، لأنّهمعليهم‌السلام أفضل من الملائكة مع انّهعليه‌السلام لم ينف صريحاً حضور الإمامعليه‌السلام ، وحضور الملائكة لا ينافي حضوره ، وقد روى الصدوق (ره) وغيره أن الرضاعليه‌السلام حضر بغداد وغسل والدهعليه‌السلام وكفنه ودفنه ، ورووا عن أبي الصلت الهروي انّه حضر الجوادعليه‌السلام خراسان في يوم وفاة الرضاعليه‌السلام وغسله وصلّى عليه ، وعن هرثمة بن أعين أيضاً رووا ذلك ، وفي الأخير انّه قال : الرضاعليه‌السلام لهرثمة : انّه سيشرف عليك المأمون ويقول لك : يا هرثمة أليس زعمتم أن الإمام لا يغسله إلّا إمام مثله فمن يغسل أبا الحسن عليّ بن موسى ، وابنه محمّد بالمدينة من بلاد الحجاز ونحن بطوس؟ فإذا قال : ذلك فأجبه وقل له : إنا نقول إن الإمام يجب أن يغسله الإمام ، فإن تعدى متعدّ فغسل الإمام لم تبطل إمامة الإمام لتعدي غاسله ، ولا بطلت إمامة الإمام الّذي بعده بأن غاب عن غسل أبيه ، ولو ترك أبو الحسن عليّ بن موسى بالمدينة لغسله ابنه محمّد ظاهراً مكشوفاً ، ولا يغسله الآن أيضاً إلّا هو من حيث يخفى.


( باب )

( مواليد الأئمةعليهم‌السلام )

١ - عليُّ بن محمّد ، عن عبد الله بن إسحاق العلويّ ، عن محمّد بن زيد الرزامي ، عن محمّد بن سليمان الدّيلميّ ، عن عليّ بن أبي حمزة ، عن أبي بصير قال : حججنا مع أبي عبد اللهعليه‌السلام في السّنة الّتي ولد فيها ابنه موسىعليه‌السلام فلـمّا نزلنا الأبواء وضع لنا الغداء وكان إذا وضع الطعام لأصحابه أكثر وأطاب قال : فبينا نحن نأكل إذ أتاه رسول حميدة فقال : له إن حميدة تقول قد أنكرت نفسي وقد وجدت ما كنت أجدّ إذا حضرت ولادتي وقد أمرتني أن لا أستبقك بابنك هذا فقام أبو عبد اللهعليه‌السلام فانطلق مع الرّسول فلـمّا انصرف قال : له أصحابه سرك الله وجعلنا فداك فما أنت صنعت من حميدة قال : سلمها الله وقد وهب لي غلاماً وهو خير من برأ الله في خلقه ولقد أخبرتني حميدة عنه بأمرّ ظنت أنّي لا أعرفه ولقد كنت أعلم به منها فقلت جعلت فداك وما الّذي أخبرتك به حميدة عنه قال : ذكرت انّه سقط من بطنها حين سقط واضعا يديه على الأرض رافعا رأسه إلى السماء فأخبرتها أن ذلك أمارة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأمارة الوصيُّ من بعده فقلت جعلت فداك وما هذا من أمارة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله

________________________________________________________

باب مواليد الأئمةعليهم‌السلام

الحديث الأول : ضعيف بسنديه.

ورزام أبو حيّ من تميم والأبواء بفتح الهمزة وسكون الباء : موضع بين الحرمين ، والغداء طعام الضحى ، وأطاب أي أتى بالطعام الطيب ، وإذ للمفاجاة « قد أنكرت نفسي » أي وجدتها متغيّرة كأنّي لا أعرف نفسي « أن لا أسبقك » أي لا أصنعه ولا أفعل به شيئاً قبل إعلامك وحضورك « من حميدة » كان من بمعنى الباء وقيل : من للسببيّة ، وفي محاسن البرقي ما صنعت حميدة « وهو خير من برأ الله » أي بعدي من أهل زمانه.

« إمارة رسول الله » أي علامة نبوتّه وإمامة الأوصياء من بعده ، « وما هذا » أي أيّ أمارة في موضع اليدين ورفع الرأس فأجاب بما سيجيء من قوله : فأمّا وضع يديه ، الخ ،


وأمارة الوصيّ من بعده ؟ فقال لي : انّه لـمّا كانت الليلة التي علق فيها بجدّي أتى آت جدَّ أبي بكأس فيه شربة أرقُّ من الماء وألين من الزبد وأحلى من الشهد وأبرد من الثلج وأبيض من اللبن فسقاه إيّاه وأمره بالجماع فقام فجامع فعلق بجدّي ولـمّا أن كانت الليلة التي علق فيها بأبي أتى آت جدي فسقاه كما سقى جدّ أبي وأمره بمثل الّذي أمره فقام فجامع فعلق بأبي ولـمّا أن كانت الليلة التي علق فيها بي أتى آت أبي فسقاه بما سقاهم وأمره بالّذي أمرهم به فقام فجامع فعلق بي ولـمّا أن كانت الليلة التي علق فيها بابنيّ أتأنّي آت كما أتاهم ففعل بي كما فعل بهم فقمت بعلم الله وأنّي مسرور بما يهب الله لي فجامعت فعلق بابنيّ هذا المولود فدونكم فهو والله صاحبكم من بعدي إن نطفة الإمام ممّا أخبرتك وإذا سكنت النطفة في الرحم أربعة أشهر وأنشئ فيها الروح بعث الله تبارك وتعالى ملكاً يقال : له حيوان فكتب

________________________________________________________

والباقي تمهيد وبيان لأسبابه أو معترضات « من إمارة » من تبعيضية مبنية على انّه ليست الأمارة منحصرة فيما ذكر « علق فيها » على بناء المجهول من باب علم ، يقال : علقت المرأة أي حبلت « بجدي » أي عليّ بن الحسينعليهما‌السلام « جدّ أبي » أي الحسين صلوات الله عليه ، وفي البصائر جدّ أبي وهو راقد فأتاه بكأس.

« أرق » أي ألطف ، والزبد بالضمّ ما يستخرج من اللبن بالمخض ، والشهد بالفتح العسل « وأبيض » أي أشدّ بياضاً وهو نادر لانّه من الألوان وضمير إيّاه لشربة والتذكير بتأويل المشروب.

« فقمت بعلم الله » أي بإذنه وتقديره ، أو بأمره وإلهامه أو متلبسا بما علمني الله من انّه يصير سبباً لحصول هذا الولد ، ويؤيّد الأخير ما في البصائر فقمت فرحا مسروراً بعلم الله بما وهب لي ، وفي المحاسن : فقمت بعلم الله مسروراً بمعرفتي بما يهب الله لي ، ويحتمل أن يكون قسماً.

« فكتب » الكتابة إمّا حقيقة أو كناية عن جعله مستعداً للإمامة والخلافة ، ومحلّا لإفاضة العلوم الربانيّة ومستنبطاً منه آثار العلم من جميع جهاته وحركاته


على عضده الأيمن «وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ » وإذا وقع من بطن أمّه وقع واضعاً يديه على الأرض رافعاً رأسه إلى السماء فأمّا وضعه يديه على الأرض فانّه يقبض كل علم لله أنزله من السماء إلى الأرض وأما رفعه رأسه إلى السماء فإنَّ منادياً ينادي به من بطنان العرش من قبل رب العزة من الأفق الأعلى باسمه واسم أبيه يقول : يا فلان بن فلان اثبت تثبت ، فلعظيم ما

________________________________________________________

وسكناته.

ثمَّ انّه لا ينافي هذا الخبر ما ورد في أخبار أخر من الكتابة على مواضع أخرى في أزمنة أخرى إذ يحتمل وقوع الجميع حقيقة ، أو تجوّزاً ويدلّ الخبر على أن المراد بالكلمة والكلمات في الآية الأئمّةعليهم‌السلام كما ورد في الأخبار الكثيرة تأويلها بهم في أكثر المواضع التي وردت فيها.

وقال : بعض المفسرين الكلمة هنا القرآن ، وقيل : دين الله وقيل : حجّة الله ، وقيل : أخباره وأحكامه ، صدقاً في الإخبار والمواعيد ، وعدلا في الأقضية والأحكام «لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ » قيل أي لا مغيّر لأحكامه ، أو لا نبيّ ولا كتاب بعد القرآن بغير أحكامه ، وهو على ما أوّلهعليه‌السلام في المعنى ، لا يقدر أحد على نصيب إمام آخر وعزل الإمام الّذي نصبه الله سبحانّه وتغييره.

« فأمّا وضعه » لعلّ تقديره فأمّا معنى وضعه فانّه بفتح الهمزة ، والتقدير فأمّا وضعه فانّه إشارة إلى انّه وقس عليه وأما رفعه ، ففي البصائر فإذا وضع يده عليّ الأرض فانّه يقبض وأما رفعه « من بطنان العرش » في النهاية أي من وسطه ، وقيل : من أصله وقيل : البطنان جمع بطن وهو الغامض من الأرض ، يريد من دواخل العرش من قبل رب العزة أي من جانبه والأفق بالضمّ وبضمتين الناحية.

« أثبت » أمرّ من باب نصر أي كن على علم ويقين ثابتا على الحقَّ في جميع أقوالك وأفعالك « تثبت » جواب للأمرّ ، وهو إمّا على بناء الفاعل من التفعيل ، أي لتثبت غيرك على الحقَّ ، أو على بناء المفعول منه أي يثبتك الله عليها ، أو على بناء المفعول من الأفعال لتثبت


خلقتك أنت صفوتي من خلقي وموضع سرّي وعيبة علمي وأميني على وحيي وخليفتي في أرضي لك ولمن تولاك أوجبت رحمتي ومنحت جنأنّي وأحللت جواري ثمَّ وعزتي وجلالي لأصلينّ من عاداك أشدَّ عذابي وانّ وسعت عليه في دنياي من سعة رزقي فإذا انقضى الصوت - صوت المنادي - أجابه هو واضعا يديه رافعا رأسه إلى السماء يقول «شَهِدَ اللهُ انّه لا إِلهَ إلّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إلّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » قال : فإذا قال : ذلك أعطاه الله العلم الأوّل والعلم الآخر واستحقَّ زيارة الروح في ليلة القدر قلت جعلت فداك الروح ليس هو جبرئيل قال : الروح هو أعظم من جبرئيل إن جبرئيل من الملائكة وانّ الروح هو خلق أعظم من الملائكة أليس يقول الله تبارك وتعالى «تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ ».

محمّد بن يحيى وأحمد بن محمّد ، عن محمّد بن الحسين ، عن أحمد بن الحسن ، عن المختار بن زياد ، عن محمّد بن سليمان ، عن أبيه ، عن أبي بصير مثله.

________________________________________________________

إمامتك بذلك عند الناس ، والإثبات أيضاً المعرفة ، أي تكن معروفاً بالإمامة بين الناس.

« فلعظيم » بالتنوين وما للإبهام و التّفخيم ، والصفوة مثلثة الصافي الخالص ، والعيبة ما يجعل فيها الثياب ، وهنا كناية عن موضع السرّ ، ومنحت أي أعطيت ، وأحللت أي جعلته حلالاً وقال : الجوهري : يقال : صليت الرجلّ نارا إذا أدخلته النار ، وجعلته يصليها ، فإن ألقيته فيها إلقاء كأنك تريد الإحراق قلت أصليته بالألف وصليته تصلية ، وصلّى فلان النار بالكسرّ يصلّي صليا احترق ، انتهى.

ولعلّ المراد بالعلم الأوّل علوم الأنبياء والأوصيّاًء السابقين ، وبالعلم الآخر علوم خاتم الأنبياء صلوات الله عليه وعليهم ، أو بالأوّل العلم بأحوال المبدأ وأسرار التوحيد وعلم ما مضى وما هو كائن في النشأة الأولى ، والشرائع والأحكام ، وبالآخر العلم بأحوال المعاد والجنة والنار وما بعد الموت من أحوال البرزخ وغير ذلك ، والأوّل أظهر ، ويؤيّده ما في البصائر علم الأوّل وعلم الآخر ، وفي بعض الروايات علم الأوّل علم رسول الله وعلم الآخر علم أمير المؤمنينعليه‌السلام .

« أليس يقول الله » استدلعليه‌السلام بأنّ ظاهر العطف المغايرة كما مرّ.


٢ - محمّد بن يحيى ، عن محمّد بن الحسين ، عن موسى بن سعدان ، عن عبد الله بن القاسم ، عن الحسن بن رأشدّ قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول إن الله تبارك وتعالى إذا أحبَّ أن يخلق الإمام أمر ملكاً فأخذ شربة من ماء تحت العرش فيسقيها أباه فمن ذلك يخلق الإمام فيمكث أربعين يوماً وليلة في بطن أمه لا يسمع الصوت ثمَّ يسمع بعد ذلك الكلام فإذا ولد بعث ذلك الملك فيكتب بين عينيه «وَتَمَّتْ كَلِمَةُ

________________________________________________________

الحديث الثاني : ضعيف. « فأخذ شربة من الماء » قيل : لعلّ الماء إشارة إلى مادّة الغذاء الّذي يكون منه النّطفة ، وانّما نسبه إلى ما تحت العرش لكونه ملكوتيّاً عذباً طيّباً من طيب إلى طيب ، والملك هو الموكل بالغذاء المبلغ له إلى كماله اللائق بحاله ، وانّما لم يسمع الصّوت قبل كمال الأربعين ليلة لانّه بعد في مقام النبات لم يلجه حياة الحيوان « ثمَّ يسمع بعد ذلك الكلام » أي الكلام النفسأنّي الإلهامي ، ويحتمل اختصاص الإمام باستماع الكلام الحسي أيضاً في بطن أمه قبل بلوغه الأوانّ الّذي يحصل فيه السمع لسائر الناس والكتابة بين العينين كأنها كناية عن ظهور نور العلم والولاية من ناصيته ، بل من جميع جهاته وفي كل حركاته وسكناته يسعى نورهم بين أيديهم وبإيمأنّهم ، فلا تناقض بين الأخبار وإطلاق الكلمة على أرواح الكمل أمرّ شائع في عرف الكتب المنزلة والأنبياءعليهم‌السلام ، كما ورد في شأن المسيحعليه‌السلام ، ومنار النور عبارة عن حدسه وفراسته وتوسمه ، كما قال : عزَّ وجلّ : «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ »(١) انتهى.

وأقول : إنكار ماء السّماء مبنيّ على الاعتقاد بقواعدّ الفلاسفة ، وأما المنار فسيأتي في بعض الأخبار انّه ملك ، وورد في بعضها انّه روح القدس ، وقيل : كناية عن جعله محلاللإ لهامات الربانيّة والإفاضات السبحانية ، وقال : الجوهري : المنارة موضع النور كالمنار ، والمسرجة والمأذنة ، والمنار العلم وما يوضع بين الشيئين من الحدود ومحجّة الطريق.

__________________

(١) سورة الحجر : ٧٥.


رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ » فإذا مضى الإمام الّذي كان قبله رفع لهذا منار من نور ينظر به إلى أعمال الخلائق فبهذا يحتجُّ الله على خلقه.

٣ - محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن عليّ بن حديد ، عن منصور بن يونس ، عن يونس بن ظبيان قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول إن الله عزَّ وجلّ إذا أراد أن يخلق الإمام من الإمام بعث ملكاً فأخذ شربة من ماء تحت العرش ثمَّ أوقعها أو دفعها إلى الإمام فشربها فيمكث في الرحم أربعين يوماً لا يسمع الكلام ثمَّ يسمع الكلام بعد ذلك فإذا وضعته أمه بعث الله إليه ذلك الملك الّذي أخذ الشربة فكتب على عضده الأيمن «وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ » فإذا قام بهذا الأمر رفع الله له في كل بلدة مناراً ينظر به إلى أعمال العباد.

٤ - عدَّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد ، عن ابن محبوب ، عن الرّبيع بن محمّد المسلي ، عن محمّد بن مروان قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول إنّ الإمام ليسمع في

________________________________________________________

قولهعليه‌السلام : فبهذا يحتج الله ، أي بمثل هذا الرجلّ المتّصف بهذه الأوصاف يحتج الله على خلقه ، ويوجب على الناس طاعته ، لا بمثل الضلال الفسقة الجهلة الّذين يسميهم المخالفون أئمّة وخلفاء ، أو المراد انّه لـمّا اطلع الله الإمام على أعمال خلقه احتج به عليهم يوم القيامة ، ليكون شاهداً عليهم كما مرّ ، ويؤيّده أن في تفسير عليّ بن إبراهيم فلذلك يحتجّ به عليهم.

الحديث الثالث : ضعيف.

« أوقفها » أي حبسها عند الإمام ليشرب « أو دفعها » التردّيد من الرّاوي ، وقيل : المنار القرآن لأنّ فيه تبيان كل شيء ، وقوله : في كلّ بلد ، من قبيل قوله تعالى : «وَهُوَ الّذي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ » وقد مضى الكلام فيه.

الحديث الرابع : مجهول والمسلي بالضمّ نسبة إلى مسلية كمحسنة وهو أبو بطن.


بطن اُمّه فإذا ولد خطّ بين كتفيه «وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ » فإذا صار الأمر إليه جعل الله له عمودا من نور يبصر به ما يعمل أهل كل بلدة.

٥ - الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن أحمد بن محمّد بن عبد الله ، عن ابن مسعود ، عن عبد الله بن إبراهيم الجعفري قال : سمعت إسحاق بن جعفر يقول سمعت أبي يقول الأوصيّاًء إذا حملت بهم أمّهاتهم أصابها فترة شبه الغشية فأقامت في ذلك يومها ذلك إن كان نهاراً أو ليلتها إن كان ليلاً ثمَّ ترى في منامها رجلاً يبشرها بغلام عليم حليم فتفرح لذلك ثمَّ تنتبه من نومها فتسمع من جانبها الأيمن في جانب البيت صوتا يقول حملت بخير وتصيرين إلى خير وجئت بخير أبشري بغلام حليم عليم وتجدّ خفة في بدنها ثمَّ لم تجدّ بعد ذلك امتناعاً من جنبيها وبطنها فإذا كان لتسع من شهرها سمعت في البيت حّساً شديداً ، فإذا كانت الليلة التي تلد فيها ظهر لها

________________________________________________________

« خطّ » على بناء المجهول أي كتب ، والمراد بالعمود الجنس ، أو بتأويل كلّ بلدة في الخبر السابق أو هذا العمود وغير تلك العمد ، فإنّ جهات علومهمعليهم‌السلام كثيرة.

الحديث الخامس : ضعيف

« أصابها » الضمير لكلّ واحدة من أمهاتهم ، والفترة الضعف والانكسار ، والشبه بالكسرّ وبالتحريك المشابه ، والغشية بالفتح الإغماء ، وضمير كان لمصدر أصابها. « أبشري » على بناء الأفعال أي كوني مسرورة « لم تجدّ » أي لا تجدّ بعد ذلك « من جنبيها وبطنها امتناعا » من تحمل ذلك المولود المبارك لارتفاع ثقله عنها ، وفي بعض النسخ ثمَّ تجدّ بعد ذلك اتساعا والمعنى واحد.

« فإذا كان » أي الغلام « لتسع » اللام بمعنى في أي تسع ليال « من شهرها » أي شهر ولادتها ، وفي بعض النسخ من شهورها أي الشهر التاسع وعلى هذا التسعة أظهر ، والحسّ الصّوت ، وقيل : صوت حركة من لا يرى « فإذا كانت الليلة » كانّه على


في البيت نور تراه لا يراه غيرها إلّا أبوه فإذا ولدته ولدته قاعداً وتفتّحت له حتّى يخرج متربعاً يستدير بعد وقوعه إلى الأرض فلا يخطئ القبلة حيث كانت بوجهه ثمَّ يعطس ثلاثاً يشير بإصبعه بالتحميد ويقع مسروراً مختونا ورباعيتاه من فوق وأسفل

________________________________________________________

المثال ، لأنّ الإمام قد يولد في النهار كما هو الظّاهر في الخبر الأوّل ، وقيل : ظهور النور في البيت للوالدّين دون غيرهما عبارة عن انكشاف الأشياء التي في البيت الظلماني بدون سراج لهما ، دون غيرهما ، نظير أن الخفاش يرى في الليل الظّلماني ما لا يراه في النهار والإنسان على العكس ، انتهى.

ويحتمل أن يكونا يشاهدان نوراً ظاهراً لا يشاهده غيرهما كما أنّ النبي يرى الملك ولا يراه غيره.

« قاعداً » أي على هيئة القاعد ليس يسبق برأسه « تفتحت » على بناء التفعل ثمَّ « يستدير ».

قيل : هذا مبنيّ على كون وجه أمّه إلى القبلة ، وكون وجهه إلى ظهر أمه فيستدير بقدر نصف الدائرة « حيث كانت بوجهه » الظرف متعلق بقوله : لا يخطئ ، أي لا يخطئ القبلة بوجهه حيث كانت القبلة ، وفي بعض النسخ حتّى كانت فهو غاية للاستدارة أي يستدير حتّى تصير القبلة محاذية لوجهه ، والأوّل أظهر.

« ثمَّ يعطس » من باب ضرب ونصر « يشير بإصبعه بالتحميد » أي بتحميده بالإشارة أو يجمع بينهما « مسروراً » أي مقطوع السرة ، قال : الجوهري سررت الصبيّ أسره سراً إذا قطعت سرّه ، والسرر بكسرّ السين وفتحها لغة في السرّ بالضمّ ، وهو ما تقطعه القابلة من سرة الصبيّ « مختونا » قيل : أي مقطوع الغلف وانّ لم يسقط الغلف ، فلا ينافي ما سيأتي في كتاب العقيقة من أن الأنبياء والأوصيّاًء من ولد إسماعيل تسقط غلفهم وبقية سرّتهم في اليوم السابع بدون حاجة إلى خيط وقطع ، بخلاف إسحاق وأولاده.


وناباه وضاحكاه ومن بين يديه مثل سبيكة الذهب نور ويقيم يومه وليلته تسيل يداه ذهباً وكذلك الأنبياء إذا ولدوا وانّما الأوصياء أعلاق من الأنبياء.

٦ - عدَّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد ، عن عليّ بن حديد ، عن جميل بن دراج قال : روى غير واحد من أصحابنا انّه قال : لا تتكلموا في الإمام فإن الإمام يسمع الكلام وهو في بطن أمه فإذا وضعته كتب الملك بين عينيه «وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ » فإذا قام بالأمر رفع له في كل بلدة منار ينظر منه إلى أعمال العباد.

________________________________________________________

والرباعيّة كثمانية السنّ التي بين الثنيّة والناب ، وهو بين الرباعية والضاحك ، وتقدير الكلام ومعه رباعيتاه أو نابتة ، وكان نبات خصوص تلك لمزيد مدخليتها في الجمال ، وعدم نبات الثنايا لمزيد إضرارها بثدي الأم ، ويحتمل أن يكون المراد نبات كل الأسنان والتخصيص بالذكر على المثال لـمّا ذكر « مثل سبيكة الذهب » أي نور أصفر أو أحمرّ شبيه بها وسيلان الذهب عن يديه أيضاً كناية عن إضاءتهما ولمعانهما وبريقهما ، وسطوع النور الأصفر منهما « وكذلك الأنبياء » إشارة إلى الأوصاف التي ذكرت من أوّل الحديث إلى هنا ، قيل : فالظّاهر استثناء إسحاق وأولاده فأنّهم لم يكونوا مسرورين مختونين ، ويمكن كونه إشارة إلى ما ذكر بعد الوصفّين فلا حاجة إلى استثناء ، والأعلاق جمع علق بالكسرّ وهو النفيس من كلّ شيء أي أشرف أولادهم ، أو خلقوا من أشرف أجزائهم وطينهم ، أو هم أشرف شيء اختاروه لأممهم.

الحديث السادس : ضعيف.

« لا تكلموا في الإمام » أي في نصبه وتعيينه بآرائكم أو في نعته وتوصيفه ، لأن أمره أرفع ممّا يصل إليه عقولكم وأحلامكم وفي البصائر : وهو جنين في بطن أمه أي فضلاً عن أن يكون مولوداً « ينظر منه » من للسببيّة وفي البصائر : رفع الله له في كل بلد مناراً ينظر به إلى أعمال الخلائق.


٧ - عليُّ بن إبراهيم ، عن محمّد بن عيسى بن عبيد قال : كنت أنا وابن فضّال جلوسا إذ أقبل يونس فقال : دخلت على أبي الحسن الرضاعليه‌السلام فقلت له جعلت فداك قد أكثر الناس في العمود قال : فقال : لي يا يونس ما تراه أتراه عموداً من حديد يرفع لصاحبك قال : قلت ما أدري قال : لكنه ملك موكّل بكلّ بلدة يرفع الله به أعمال تلك البلدة قال : فقام ابن فضّال فقبل رأسه وقال : رحمك الله يا أبا محمّد لا تزال تجيء بالحديث الحقَّ الّذي يفرّج الله به عنا.

٨ - عليّ بن محمّد ، عن بعض أصحابنا ، عن ابن أبي عمير ، عن حريز ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : للإمام عشر علامات يولد مطهّراً ، مختوناً ، وإذا وقع

________________________________________________________

الحديث السابع : صحيح ، وابن فضّال هو الحسن بن عليّ ، ويونس هو ابن عبد الرحمن.

و « جلوس » جمع جالس استعمل في الاثنين « قد أكثر الناس » أي القول أو الاختلاف « في العمود » أي في معنى العمود المذكور في الأخبار انّه يرفع للإمام ، وتسمية الملك عمودا على الاستعارة ، كانّه عمود نور ينظر فيه الإمام أو لأن اعتماده في كشف الأمور عليه « يا أبا محمّد » كنية ليونس « يفرج الله » أي الغم والكرب والحيرة.

الحديث الثامن : مرسل « يولد مطهرا مختونا » ، الظّاهر أن المختون تفسير للمطهر ، فإن إطلاق التطهير على الختان شائع ، والكلينيُّ عنون باب الختان بالتطهير. وروي عن الصادقعليه‌السلام قال : قال : رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : طهروا أولادكم يوم السابع فانّه أطيب وأطهر وأسرع لنبات اللحم ، وانّ الأرض تنجس من بول الأغلف أربعين صباحا.

وعنهمعليهم‌السلام : اختنوا أولادكم يوم السابع يطهروا و ، منهم من حمل التطهر هنا على سقوط السرة ليكون قوله مختونا تأسيسا.

أقول : ويحتمل أن يكون المراد بالتطهر عدم التلوث بالدم والكثافات ، وعلى


على الأرض وقع على راحته رافعاً صوته بالشهادتين ولا يجنب ، وتنام عيناه ولا ينام قلبه ، ولا يتثأب ولا يتمطّى ، ويرى من خلفه كما يرى من أمامه ، ونجوه كرائحة

________________________________________________________

الأخيرين عدّا علامة واحدة لتشابههما ورجوعهما إلى معنى واحد ، هو تطهره عمّا ينبغي تطهيره عنه.

« وإذا وقع » هي الثانية ، والراحة بطن الكفّ « ولا يجنب » هي الثالثة.

قال : الشهيد الثانيقدس‌سره : أي ولا يحتلم إذ من خواصّ الإمام انّه لا يحتلم كما صرّح به في بعض الأخبار ، ويمكن حمله على ظاهره لا بمعنى انّه لا يجب الغسل بل بمعنى انّه لا يلحقه خبث الجنابة ، انتهى.

أقول : ويؤيّد الأول انّه روي عن الرضاعليه‌السلام مثل هذا الخبر ، وفيه مكان : لا يجنب لا يحتلم ، وفي كشف الغمّة : انّه كتب محمّد بن الأقرع إلى أبي محمّدعليه‌السلام يسأله عن الإمام هل يحتلم؟ فورد الجواب : الأئمّة حالهم في المنام حالهم في اليقظة ، لا يغير النوم منهم شيئاً ، وقد أعاذ الله أولياءه من لمة الشيطان ، ويؤيد الثاني ما ورد في أخبار كثيرة أن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لـمّا سدّ الأبواب عن المسجدّ وفتح باب عليّعليه‌السلام قال : لا يحلّ لأحد أن يقرب النساء في مسجدي ولا بيت فيه جنب إلّا على وذرّيته.

وعن الرضاعليه‌السلام قال : قال : رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا يحل لأحد أن يجنب في هذا المسجدّ إلّا أنا وعلى وفاطمة والحسن والحسين ، ومن كان من أهلي فانّه مني.

وفي رواية أخرى عنهعليه‌السلام قال : قال : رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إلّا إن هذا المسجدّ لا يحلّ لجنب إلّا لمحمّد وآله.

« وتنام عينه » هي الرّابعة أي لا يرى الأشياء في النوم ببصره ولكن يراه ويعلمه بقلبه ، ولا يغيّر النوم منه شيئاً كما مرّ ، والتثأب مهموزاً من باب التفعّل كسل يتفتح الفم عنده ولا يسمع صاحبه حينئذ صوتاً ، والتمطيّ التمدد باليدين طبعاً وهنا من الشيطان وعدّهما معاً الخامسة لتشابههما في الأسباب.

« ويرى من خلفه » هي السادسة ، ويمكن أن يقرأ من في الموضعين بالكسر


المسك والأرض موكلّة بستره وابتلاعه ، وإذا لبس درع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كانت عليه

________________________________________________________

حرف جرّ ، وبالفتح اسم موصول ، وعلى الأوّل مفعول يرى محذوف أي الأشياء ، والظاهر أنّ الرؤية في الأوّل بمعنى العلم ، فإن الرؤية الحقيقية لا يكون إلّا بشرائطها ، وما قيل : من أن الرؤية بمعنى العلم يتعدّى إلى مفعولين والرؤية بالعين يتعدّى إلى مفعول واحد ، وهنا تعدّي إلى مفعول واحد؟ فهو إذا استعمل في العلم حقيقة ، وأما إذا استعمل في الرؤية بالعين ثمَّ أستعير للعلم للدّلالة على غاية الظهور والانكشاف فيتعدى إلى مفعول واحد ، كما مرّ من قول أمير المؤمنينعليه‌السلام لم أكن لا عبد ربّاً لم أره ، ثمَّ قال : لم تره العيون بمشاهدة الأبصار ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان ، وأمثال ذلك كثيرة.

وما قيل : منّ أن الله تعالى خلق له إدراكاً في القفا كما يخلق النطق في اليد والرّجل في الآخرة ، أو انّه كان ينعكس شعاع بصره إذا وقع على ما يقابله كالمرآة فهما تكلفان مستغنى عنهما ، والقول بأن يدرك بالعين ما ليس بمقابل لهما من باب خرق العادة بناء على أن شروط الإبصار انّما هي بحسب العادة فيجوز أن تنخرق فيخلق الله الإبصار في غير العين من الأعضاء فيرى المرئيّ ويرى بالعين ما لا يقابله فهو انّما يستقيم على أصول الأشاعرة المجوزّين للرؤية على الله سبحانّه ، وأما على أصول المعتزلة والإماميّة فلا يجري هذا الاحتمال ، والله أعلم بحقيقة الحال.

قال : الصدوقرضي‌الله‌عنه في كتاب الخصال : وأما رؤيته من خلفه كما يرى من بين يديه فذلك بما أوتي من التوسّم والتفرّس في الأشياء ، قال : الله عزَّ وجلّ «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ »(١) .

والسّابعة قولهعليه‌السلام : ونجوه كرائحة المسك ، والنجو الغائط ، وفيه تقدير مضاف : أي ورائحة نجوه ، والثامنة : « والأرض موكلة » ويمكن عدّه مع السابق علامة واحدة ، وعدّ التثأب ، والتمطّي والمطهّر والمختون على بعض الاحتمالات اثنتين.

« وإذا لبس » هي التاسعة « وفقا » أي موافقاً والظّاهر أن المراد بالدرع غير

__________________

(١) سورة الحجر : ٧٥.


وفقاً وإذا لبسها غيره من النّاس طويلهم وقصيرهم زادت عليه شبراً ، وهو محدَّث إلى أن تنقضي أيّامه.

( باب )

( خلق أبدان الأئمّة وأرواحهم وقلوبهمعليهم‌السلام )

١ - عدَّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد ، عن أبي يحيى الواسطيّ ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : إنّ الله خلقنا من علييّن وخلق أرواحنا من فوق ذلك وخلق أرواح شيعتنا من عليّين وخلق أجسادهم من دون ذلك ، فمن أجلّ ذلك

________________________________________________________

ذات الفضول التي إستواؤها من علامات القائمعليه‌السلام كما مرّ ، أو المعنى أنّ هذه العشر علامات للأئمةعليهم‌السلام ، و إنكان بعضها مختصّاً ببعضهم ، والأوّل أظهر « وهو محدّث » هي العاشرة أي يحدثّه الملك كما مرّ تحقيقه.

باب خلق أبدان الأئمة وأرواحهم وقلوبهمعليهم‌السلام

الحديث الأوّل : مجهول.

« إنّ الله خلقنا » أي أبداننا « من عليّين » العليّ بكسر العين واللام المشددة وتشديد الياء مبالغة في العالي ، وقيل : عليّون اسم للسّماء السابعة ، وقيل : إسم لديوان الملائكة الحفظة ترفع إليه أعمال الصالحين من العباد ، وقيل : أعلى الأمكنة وأشرف المراتب ، وأقربها من الله تعالى ، وكأنّ الأخير هنا أنسب.

« من فوق ذلك » أي أعلى عليّين « من دون ذلك » أي أدنى عليين « فمن أجلّ ذلك » أي من أجل كون أبداننا وأرواحنا مخلوقة من عليين وكون أرواحهم وأجسادهم أيضاً مخلوقة من عليين ، ويحتمل أن يكون من فوق ذلك أي من مكان أرفع من عليّين ، ومن دون ذلك أي مكان أسفل من عليّين ، فالقرابة من حيث كون أرواحنا وأبدانهم من عليّين ، والقرابة مبتدأ والظرف المقدّم خبره ، وبيننا متعلق بالقرابة « تحنّ » أي تهوي كما قال : تعالى «فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ »(١) قال

__________________

(١) سورة إبراهيم : ٣٧.


القرابة بيننا وبينهم وقلوبهم تحنُّ إلينا.

٢ - أحمد بن محمّد ، عن محمّد بن الحسن ، عن محمّد بن عيسى بن عبيد ، عن محمّد بن شعيب ، عن عمران بن إسحاق الزعفراني ، عن محمّد بن مروانّ ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سمعته يقول إنَّ الله خلقنا من نور عظمته ثمَّ صوَّر خلقنا من طينة مخزونة مكنونة من تحت العرش ، فأسكن ذلك النور فيه فكنا نحن خلقاً وبشراً نورانيّين

________________________________________________________

الجوهري : الحنين : الشوق وتوقان النفس ، تقول منه حنّ إليه يحنّ حنيناً فهو حانّ ، وفي البصائر : ومن أجل تلك القرابة بيننا وبينهم قلوبهم تحنّ ، وقيل : كان المراد بالعليينّ عالم الملكوت وما فوقه عالم الجبروت ، وبما دونه عالم الشهادة ، « فمن أجل ذلك » يعني من أجل أنّ أصل أجسادنا وأرواحهم واحد ، وانّما نسب أجسادهم إلى عليّين لعدم علاقتهمعليهم‌السلام إلى هذه الأبدان الحسيّة ، فكأنّهم بعد في هذه الجلابيب قد نفضوها وتجرّدوا عنها.

الحديث الثاني : مجهول.

« إنّ الله خلقنا » أي أرواحنا ، والضمير لمحمّد وأوصيائه صلوات الله عليهم « من نور عظمته » أي من نور يدلّ على كمال عظمته وقدرته « ثمَّ صور خلقنا » الناظرون في الخبر فسروا تصوير الخلق بخلق الأبدان الأصليّة ، والّذي أظنهّ أنّ المراد به انّه خلق لهم أجساداً مثالية شبيهة بالأجساد الأصلية فهي صور خلقهم ومثاله ، فيدلّ على أن لهمعليهم‌السلام أجساداً مثالية قبل تعلق أرواحهم المقدّسة بأجسادهم المطهّرة وبعد مفارقتها إياها بل معها أيضاً كما أن لنا بعد موتنا أجساداً مثالية تتعلّق بها أرواحنا كما سيأتي في كتاب الجنائز ، وبه ينحلّ كثير من الشبّه الواردة على الأخبار.

ويدلّ عليه قوله : فكنّا خلقاً وبشرا نورانيين فالخلق للروح والبشر للجسد المثالي فانّه في صورة البشر ، وكونهما نورانييّن بناء على كونهما جسمين لطيفين منوّرين من عالم الملكوت ، بناء على كون الروح جسماً وعلى القول بتجردّه


لم يجعل لأحد في مثل الّذي خلقنا منه نصيباً ، وخلق أرواح شيعتنا من طينتنا وأبدأنّهم من طينة مخزونة مكنونة أسفل من ذلك الطينة ولم يجعل الله لأحد في مثل الّذي خلقهم منه نصيباً إلّا للأنبياء ، ولذلك صرنا نحن وهم النّاس ، وصارسائرالناس همجٌ ، للنار وإلى النّار.

٣ - عليُّ بن إبراهيم ، عن عليّ بن حسان ؛ ومحمّد بن يحيى ، عن سلمة بن

________________________________________________________

كناية عن خلوّه عن الظلّمة الهيولانيّة ، وقبوله للأنوار القدسيّة والإفاضات الربانيّة.

« في مثل الّذي خلقنا » أي خلق أرواحنا منه « من طينتنا » أي طينة أجسادنا ، وقال : بعض الأفاضل : تعلق التصوير بالأبدان دون الأرواح مع كون الأرواح أيضاً أجساماً مبنيّ على أن الأبدان مرئية للناس بخلاف الأرواح ، فإنها كالملائكة وكالجنّ ، والطينة : المادّة ، وقوله : من تحت ، بدل من طينة وتحت العرش عبارة عن العليّين ، والعرش هنا عبارة من أعلى عليين.

وقوله : « فأسكن » مبنيّ على أن الأرواح أجسام « ذلك النور » أي المخلوق من نور عظمته « فيه » أي في خلقنا « فكنّا » خبر مقدّم « ونحن » مبتدأ « وخلقاً » منصوب بالاختصاص ، والبشر الإنسان يستوي فيه الواحد والجمع والنوراني نسبة إلى النّور بزيادة الألف والنون للمبالغة ، وقوله : لم يجعل ، استئناف بيأنّي ، انتهى.

ويدلّ على فضلهم على الأنبياءعليهم‌السلام ، بل يومئ إلى مساواة شيعتهم لهم ، والمراد بالناس أوّلا الناس بحقيقة الإنسانية ، وثانياً ما يطلق عليه الإنسان في العرف العام ، والهمج محرّكة ذباب صغير كالبعوض يسقط على وجوه الغنم والحمير ، ولعلّهعليه‌السلام شبّههم به لازدحامهم دفعة على كل ناعق ، ورواحهم عنه بأدنى سبب ، وفي أكثر النسخ همج بتقدير ضمير الشّأن وفي البصائر وفي بعض نسخ الكتاب همجاً وهو أصوب « للنّار » أي خلقوا للنار ، واللام للعاقبة « وإلى النار » أي مصيرهم إليها.

الحديث الثالث : مرفوع ، وآخره مجهول لرواية ابن رئاب عن أبي الحسنعليه‌السلام واشتراك عليّ بن حسان ، وقيل : ضمير قال : أوّلا في قوله : قال قال ، لأبي الحسن


الخطّاب وغيره ، عن عليّ بن حسّان ، عن علي بن عطيّة ، عن عليّ بن رئاب رفعه إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام قال : قال : أمير المؤمنينعليه‌السلام إن لله نهراً دون عرشه ودون النهر الّذي دون عرشه نور نورَّه وانّ في حافتي النهر روحين مخلوقين روح القدس وروح من أمره وانّ لله عشر طينات ، خمسة من الجنّة وخمسة من الأرض ، ففسرّ الجنان وفسّر الأرض ثمَّ قال : ما من نبيّ ولا ملك من بعده جبله إلّا نفخ فيه من

________________________________________________________

أي الكاظمعليه‌السلام ، والظاهر عوده إلى ابن رئاب.

« دون عرشه » أي عنده و « نورّه » ماضي باب التفعيل ، والمستتر فيه راجع إلى النّور ، والبارز إلى النهر أو العرش ، أو المستتر راجع إلى الله ، والبارز إلى النّور مبالغة في إضاءته ولمعانه ، وفي البصائر نور من نوره وكانّه أصوب ، أي من الأنوار التي خلقها الله سبحانّه ، وحافتا النهر بتخفيف الفاء جانباه.

« مخلوقين » إبطال لقول النصارى : إنّ عيسى روح الله غير مخلوق « روح القدس » أي هما روح القدس « وروح من أمره » أي الروح الّذي قال : الله فيه : «وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمرّ رَبِّي »(١) فقيل : المسؤول عنه الروح الّذي في بدن الإنسان فأبهم الأمر عليهم بانّه من أموره العجيبة ولم يبين لهم حقيقته ، لأنّهم لم يكونوا قابلين لفهمها ، وقيل : سألوه عن الروح أي مخلوقة محدثة أم ليست كذلك؟ فأجاب سبحانّه بانّه من أمره أي فعله وخلقه ، فعلى هذا الوجه يحتمل أن يكون المراد بالروح الروح الإنسأنّي أو جبرئيل أو ملك من الملائكة أو خلق أعظم من الملائكة كما دلّت عليه أخبارنا ، وقيل : الروح هو القرآن ، وظاهر الخبر إما الروح الإنساني أو الروح الّذي يؤيد الله به الأئمّةعليهم‌السلام كما مرّ في بابه.

« ففسّر الجنان » الظّاهر انّه كلام ابن رئاب ، والضمير المستتر لأمير المؤمنينعليه‌السلام وقيل : لأبي الحسنعليه‌السلام والتفسير إشارة إلى ما سيأتي في خبر أبي الصّامت « ثم قال : » أي أمير المؤمنينعليه‌السلام « ولا ملك » بالتحريك وقد يقرأ بكسر اللام أي إمام كما

__________________

(١) سورة الإسراء : ٨٥.


إحدى الروحين وجعل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله من إحدى الطينتين قلت لأبي الحسن الأوّلعليه‌السلام ما الجبل فقال : الخلق غيرنا أهل البيت ، فإنّ الله عزَّ وجلّ خلقنا من العشر

________________________________________________________

قال : تعالى : «وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً »(١) وهو بعيد.

وجملة « من بعده جبله » نعت ملك ، وضمير بعده للنبي وضمير جبله للملك إشارة إلى أن النبيّ أفضل من الملك ، فالمراد بالبعديّة ما هي بحسب الرتبة ، وإرجاع ضمير بعده إلى الله كما توهم بعيد ، وفي البصائر : ولا ملك إلّا ومن بعد جبله نفخ.

« وجعل النبيّ » انّما لم يذكر الملك هنا لذكره سابقا ، وقوله : « ما الجبل » هو بفتح الجيم وسكون الباء سؤال عن مصدر الفعل المتقدم ، وهو كلام ابن رئاب ففسرهعليه‌السلام بالخلق ، قال : الفيروزآبادي : الجبلة مثلثة ، ومحركة وكطمرّة الخلقة والطبيعة ، وككتاب الجسد والبدن ، وجبلهم الله يجبل ويجبل خلقهم ، وعلى الشيء طبعه وجبره كأجبله ، انتهى.

والأظهر عندي : أن « غيرنا » تتمة للكلام السابق على الاستثناء المنقطع ، وانّما اعترض السؤال والجواب بين الكلام قبل تمامه ، لا تتمة لتفسير الجبل كما توهمه الأكثر ، قال : الشيخ البهائي (ره) يعنّي مادة بدننا لا تسمى جبلة بل طينة ، لأنها خلقت من العشر طينات.

وقال : المحدّث الأسترآبادي (ره) : توضيح المقام أن كل نبي وكل ملك خلقه الله تعالى جعل فيه إحدى الروحين ، وجعل جسد كل نبي من إحدى الطينتين ، ولم يذكر الملك هنا لانّه ليس للملك جسد مثل جسد الإنسان ، وقوله : ما الجبل بسكون الباء سؤال عن مصدر الفعل المتقدم ، وقوله : الخلق جواب له ، وحاصله أن مصداق الجبل في الكلام المتقدم خلق غيرنا أهل البيت ، لأن الله خلق طينتنا من عشر طينات ، ولأجلّ ذلك شيعتنا منتشرة في الأرضين والسماوات وجبل فينا

__________________

(١) سورة النساء : ٥٤.


طينات ونفخ فينا من الرُّوحين جميعاً فأطيب بها طيباً.

وروى غيره ، عن أبي الصامت قال : طين الجنان جنّة عدن وجنّة المأوى وجنّة النعيم والفردوس والخلد وطين الأرض مكّة والمدينة والكوفة وبيت المقدس والحائر.

________________________________________________________

الرّوحين جميعاً « فأطيب بها » صيغة التعجّب والله يعلم ويعلم خلق نبّيناصلى‌الله‌عليه‌وآله من ذلك بطريق الأولويّة ، ولا تغفل من أنّ المراد بيان خلق الأشرار ، فطينتهم وخلقهم غير ذلك ، انتهى.

« وطيبا » منصوب على الاختصاص وفي بعض نسخ البصائر طيناً بالنون ، فالنصب على التميز ، أي ما أطيبها من طينة.

« وروى غيره » كانّه عليّ بن عطيّة ، ويحتمل بعض أصحاب الكتب قبله ، وليس كلام الكلينيُّ لانّه في البصائر أيضاً هكذا ، وضمير غيره لابن رئاب وأبو الصامت راوي الباقر والصادقعليهما‌السلام ، والظّاهر انّه رواه عن أحدهما « جنة عدن » أي جنة إقامة ، في النهاية الجنة من الاجتنان وهو الستر لتكاثف أشجارها وتظليلها بالتفاف أغصانها ، وجنّة المأوى لرجوع المؤمنين إليها ونزولهم فيها ، والنعيم عطف على المأوى ، أي وجنّة النعيم لاشتمالها على النعمّة الدأئمّة الغير المتناهية ، والفردوس اسم البستان الّذي فيه الكرم والأشجار ، وفي الصحاح : الفردوس حديقة في الجنة والخلد دوام البقاء.

والكوفة مشهد أمير المؤمنينعليه‌السلام ، والحيرة حائر الحسينعليه‌السلام ، وقال : بعض المحقّقين : كانّهعليه‌السلام شبه علم الأنبياءعليهم‌السلام بالنهر لمناسبة ما بينهما في كون أحدهما مادة حياة الروح والآخر مادة حياة الجسم ، وعبر عنه بالنور لإضائته ، وعبر عن علم من دونهم من العلماء بنور النور لانّه من شعاع ذلك النور ، وكما أن حافتي النهر يحفظان الماء في النهر ويحيطان به فيجري إلى مستقره كذلك الروحان يحفظان العلم ويحيطان به ليجري إلى مستقره ، وهو قلب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أو الوصيُّ ، والطينات الجنانية كأنها من الملكوت ، والأرضية من الملك ، فإن


٤ - عدَّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد ، عن محمّد بن خالد ، عن أبي نهشل قال : حدَّثني محمّد بن إسماعيل ، عن أبي حمزة الثماليّ قال : سمعت أبا جعفرعليه‌السلام يقول إن الله خلقنا من أعلى عليين - وخلق قلوب شيعتنا ممّا خلقنا وخلق أبدأنّهم من دون ذلك فقلوبهم تهوي إلينا لأنها خلقت ممّا خلقنا ثمَّ تلا هذه الآية «كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ .وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ .كِتابٌ مَرْقُومٌ .يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ »(١) وخلق عدوّنا من سجّين وخلق قلوب شيعتهم ممّا خلقهم منه

________________________________________________________

من مزجها خلق أبدان نبيّنا والأوصياءعليهم‌السلام من أهل البيت ، بخلاف سائر الأنبياء والملائكة فأنّهم خلقوا من إحدى الطينتين كما أنّ لهم أحد الرّوحين خاصّة ، من بعده جبله ، أي خلقه دون مرتبته ، انتهى.

وهذه الكلمات مبنيّة على الأصول المقرّرة عنده ، وهو أعلم بما قال.

الحديث الرابع : مجهول.

« خلقنا » أي قلوبنا « ممّا خلقنا » أي أبداننا منه ، وفيه اختصار كما يظهر من ملاحظة ما مرّ ، ويحتمل أن يكون المراد خلق أبداننا من أعلى عليين وخلق قلوب شيعتنا ممّا خلق أبداننا منه ، وهو أظهر.

واعلم أنّ المفسريّن اختلفوا في تفسير عليّين فقيل : هي مراتب عالية محفوفة بالجلالة ، وقيل : السماء السابعة ، وقيل : سدرة المنتهى ، وقيل : الجنة ، وقيل : لوح من زبرجدّ أخضر معلق تحت العرش أعمالهم مكتوبة فيه ، وقال : الفراء : أي في ارتفاع بعد ارتفاع لا غاية له ، فالمعنى أن كتابة أعمالهم أو ما يكتب منها في عليين أي في دفتر أعمالهم أو المراد أن دفتر أعمالهم في تلك الأمكنة الشريفة ، وعلى الأخير فيه حذف مضاف أي ما أدراك ما كتاب عليين ، هذا ما قيل في الآية الكريمة ، وأما استشهادهعليه‌السلام بها فهو إما لمناسبة كون كتاب أعمالهم في مكان أخذ منهم طينتهم ، أو هو مبنيّ على كون المراد بكتابهم أرواحهم إذ هي محل لارتسام علومهم « وخلق عدونا من سجيل » كذا في أكثر النسخ باللام ، والظّاهر سجين بالنون كما في بعض النسخ هنا ،

__________________

(١) سورة المطففين : ١٨ - ٢١.


وأبدانهم من دون ذلك فقلوبهم تهوي إليهم لأنّها خلقت ممّا خلقوا منه ثمَّ تلا هذه الآية : «كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ .وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ .كِتابٌ مَرْقُومٌ »(١)

( باب )

( التسليم وفضل المسلمين )

١ - عدَّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن ابن سنان ، عن ابن مسكان ، عن سدير قال : قلت لأبي جعفرعليه‌السلام أنّي تركت مواليك مختلفين يتبرأ بعضهم من بعض قال : فقال : وما أنت وذاك انّما كلّف النّاس ثلاثة معرفة الأئمّة والتسليم لهم فيما ورَّدُّ عليهم ، والرَّدُّ إليهم فيما اختلفوا فيه.

________________________________________________________

وفي نسخ البصائر ، وفي ما سيأتي في كتاب الإيمان والكفر أيضاً بهذا السند ، والاستشهاد بالآية أيضاً لا يستقيم إلّا عليه واختلفوا في تفسير السّجين أيضاً فقيل : الأرض السابعة ، وقيل : أسفل منها ، وقيل : جبّ في جهنّم ، وفي الصحاح سجين موضع فيه كتاب الفجّار ، وقال : ابن عباس : ودواوينهم ، قال : أبو عبيدة : هو فعيل من السجن كالفسّيق من الفسق ، ووجه الاستشهاد بالآية ما مرّ.

باب التسليم وفضل المسلمين

الحديث الأوّل : ضعيف بل مختلف فيه ، حسن عندنا.

« أنّي تركت مواليك » أي بالكوفة « مختلفين » أي في الفتاوى « ما أنت وذاك » الاستفهام للتوبيخ والإنكار والواو بمعنى مع ، والضمير المجرور في « عليهم » للناس وفي « لهم » و « إليهم » للأئمّة ، والمعنى انّه لا يضرك اختلافهم ، ولا ينبغي لك التعرض لهم ، والتسليم هو الانقياد التام فيما يصدر عنهمعليهم‌السلام قولا وفعلا ، وعدم الاعتراض عليهم في قيامهم بالأمر وقعودهم عنه ، وظهورهم وغيبتهم ، وما يصدر عنهم من الأحكام وغيرها على وجه التقية أو المصلحة أو غيرهما ، والرد إليهم استعلام الأمر منهم عند

__________________

(١) سورة المطففين : ٧ - ٩.


٢ - عدَّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد البرقيّ ، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر ، عن حمّاد بن عثمان ، عن عبد الله الكاهليّ قال : قال : أبو عبد اللهعليه‌السلام لو أنَّ قوماً عبدوا الله وحده لا شريك له وأقاموا الصّلاة وآتوا الزّكاة وحجّوا البيت وصاموا شهر رمضان ثمَّ قالوا لشيء صنعه الله أو صنعه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلّا صنع خلاف الّذي صنع أو وجدوا ذلك في قلوبهم لكانوا بذلك مشركين ثمَّ تلا هذه الآية : «فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً ممّا قَضَيْتَ

________________________________________________________

حضورهم ، أو العرض على سائر ما ورد عنهم من الأمور القطعية والقواعدّ الكلية التي بيّنوها في الجمع بين الأخبار المتعارضة عند غيبتهم ، أورد علمه إليهم مع صعوبته على الأفهام ، بأن يقال : لا نفهمه وانّ كان هذا منهم فهو حقَّ وهم أعلم بما قالوا ، ولا يبادر إلى رده ونفيه ، وقد صرّح بجميع ذلك في الأخبار ، وقد قال : لله تعالى : «يا أَيُّهَا الّذين آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرّسول وَأُولِي الأمر مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَردّوه إِلَى اللهِ وَالرّسول »(١) والرّد إليهم ردّ إلى الرسول ، لأنّ قولهم قوله وحكمهم حكمه ، مع انّه يظهر من الأخبار أن قوله : وإلى أولي الأمر منكم ، موجود في الأخير أيضاً.

الحديث الثاني : حسن.

« أو وجدوا ذلك في قلوبهم » بأن شكّوا في كونه على جهة الحكمة والمصلحة ، فالشرك محمول على ظاهره ، أو ثقل على طبعهم وان حكموا بكونه حقاً وموافقاً للحكمة فالشرك في مقابلة التوحيد الخالص الّذي هو كمال الإيمان «فَلا وَرَبِّكَ » أي فو ربك ولا مزيدة لتأكيد القسم أو النفي الآتي تأكيد له «لا يُؤْمِنُونَ » أي لا يتّصفون بالإيمان «حتّى يُحَكِّمُوكَ » ويجعلوك حاكماً «فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ » أي فيما اختلف بينهم واختلط ، ومنه الشجر لتداخل أغصانه «حَرَجاً ممّا قَضَيْتَ » أي ضيقاً ممّا حكمت به

__________________

(١) سورة النساء : ٥٩.


وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً »(١) ثمَّ قال : أبو عبد اللهعليه‌السلام عليكم بالتسليم.

٣ - محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن الحسين بن سعيد ، عن حمّاد بن عيسى ، عن الحسين بن المختار ، عن زيد الشحّام ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : قلت له إن عندنا رجلاً يقال : له كليب فلا يجيء عنكم شيء إلّا قال : أنا أسلم فسّميناه كليب تسليم قال : فترحّم عليه ، ثمَّ قال : أتدرون ما التسليم فسكتنا فقال : هو والله الإخبات قول الله عزَّ وجلّ : «الّذين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ »(٢)

________________________________________________________

أو من حكمك أوشكّاً من أجله ، فإنّ الشّاك في ضيق من أمره «وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً » أي ينقادوا لك انقيادا بظاهرهم وباطنهم.

قال : المحققّ الطوسي (ره) : قوله : ثمَّ لا يجدوا ، إشارة إلى مرتبة الرضا ، وقوله : ويسلموا ، إلى مرتبة التسليم وهي فوق الرّضا.

الحديث الثالث : موثق.

« وكليب » بصيغة التصغير « أسلّم » بصيغة المتكلّم من باب التفعيل « فترحم عليه » أي قال :رحمه‌الله ، والإخبات الخشوع في الظّاهر والباطن ، والتواضع بالقلب والجوارح ، والطّاعة في السرّ والعلن من الخبت وهي الأرض المطمئنة ، قال : الراغب : الخبت المطمئن من الأرض ، وأخبت الرجلّ قصد الخبت أو نزله ، نحو أسهل وأنجدّ ، ثمَّ استعمل الإخبات في استعمال اللين والتواضع ، قال : عزَّ وجلّ : «وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ »(٣) وقال : تعالى : «وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ »(٤) أي المتواضعين نحو «لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ »(٥) وقوله تعالى : «فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ »(٦) أي تلين وتخشع ، انتهى.

« وقول الله » خبر مبتدإ محذوف ، أي هو قول الله ، أو مبتدأ خبره محذوف ، أي قول الله من ذلك.

__________________

(١) سورة النساء : ٦٨. (٢) سورة هود : ٢٥.

(٣) سورة هود : ٢٣. (٤) سورة الحج : ٢٢.

(٥) سورة الأعراف : ٢٠٦. (٦) سورة الحج : ٥٤.


٤ - الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن الوشّاء ، عن أبان ، عن محمّد بن مسلم ، عن أبي جعفرعليه‌السلام في قول الله تبارك وتعالى «وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً » قال : الاقتراف التسليم لنا والصدق علينا وإلّا يكذب علينا.

٥ - عليُّ بن محمّد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد البرقيّ ، عن أبيه ، عن محمّد بن

________________________________________________________

الحديث الرابع : ضعيف على المشهور «وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً » قال : الطبرسيقدس‌سره : أي من فعل طاعة نزد له في تلك الطّاعة حسنى بأن نوجب له الثواب ، وذكر أبو حمزة الثمالي عن السدّي أنه قال : اقتراف الحسنة المودّة لآل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وصحّ عن الحسن بن عليّعليهما‌السلام انّه خطب الناس فقال : في خطبته : أنا من أهل البيت الّذين افترض الله مودتهم على كل مسلم ، فقال : «قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إلّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً » واقتراف الحسنة مودّتنا أهل البيت.

وروى إسماعيل بن عبد الخالق عن أبي عبد اللهعليه‌السلام انّه قال : إنّها نزلت فينا أهل البيت أصحاب الكساء ، انتهى.

وأقول : الأخبار في كون المراد بالحسنة فيها مودّتهمعليهم‌السلام كثيرة أوردتها في الكتاب الكبير ، ويؤيّده أنّها وقعت بعد قوله تعالى : «قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إلّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى » ولا ينافيه هذا الخبر بل هو تفسير للمودة بأنها هي التي تكون مع الإقرار بإمامتهم ، والتسليم لهم ، والصدق عليهم ، وانّ لا يرووا عنهم ما لم يقولوا ، ويحتمل تعميم الحسنة بحيث يشمل كلّ طاعة ، وتكون هذه الأخبار محمولة على أنها أفضل أفرادها ، ولا يتوهّم التكرار في الثاني والثالث ، لأن الصدق عليهم لا ينافي الكذب عليهم ، فالثاني رواية الأحاديث الصادقة عنهم ، والثالث ترك رواية الأخبار الكاذبة عليهم ولا يغني شيء منهما عن الآخر.

الحديث الخامس : مجهول.

___________________

(١) سورة الشورى : ٢٢.


عبد الحميد ، عن منصور بن يونس ، عن بشير الدّهان ، عن كامل التمّار قال : قال : أبو جعفرعليه‌السلام «قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ » أتدري من هم ؟ قلت أنت أعلم ، قال : قد أفلح المؤمنون المسلّمون ، إنَّ المسلّمين هم النجباء ، فالمؤمن غريب فطوبى للغرباء.

٦ - عليُّ بن محمّد ، عن بعض أصحابنا ، عن الخشّاب ، عن العبّاس بن عامرّ ، عن ربيع المسلي ، عن يحيى بن زكريّا الأنصاري ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سمعته يقول : من سرّه أن يستكمل الإيمان كلّه فليقل : القول منّي في جميع الأشياء

________________________________________________________

وقيّدعليه‌السلام الإيمان أو فسّره به ، لـما مرّ من قوله سبحانّه : «فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ».

« فالمؤمن غريب » أي فظهر صحّة قول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المؤمن غريب ، أي نادر لا يجدّ من صنفه من يأنس به إلّا نادراً فأنسه بالله وبأوليائه ، ولو لم يكن إشارة إلى الخبر فالتفريع أيضاً ظاهر ، لأنّ أرباب التسليم قليلون.

وقيل : التفريع مبنيّ على ما اشتهر في الروايّة من قلّة عدد النجباء نحو : ما من قوم إلّا وفيهم نجيب أو نجيبان ، وقيل : انّما فرّع غربة المؤمن على تفسيره بالمسلم ، ووصف المسلم بالنجيب لقلّة المسلم والنجيب فيما بين النّاس وشذوذه جداً وهذا معنى الغربة.

كما قيل :

وللناس فيما يعشقون مذاهب

ولي مذهب فرد أعيش به وحدي

أقول : وفي المحاسن : والمؤمن بالواو ، فلا يحتاج إلى تكلّف ، وفي البصائر ثمَّ قال : إن المسلمين هم المنتجبون يوم القيامة هم أصحاب الحديث ، والنجيب الكريم الحسيب وطوبى مؤنث أطيب ، وسيأتي في الرواية انّه اسم شجرة في الجنّة.

الحديث السادس : مرسل مجهول.

« فليقل » كذا في بعض النسخ وهو الظّاهر ، وفي أكثر النسخ فليقبل ، ولعلّه تصحيف ، وعلى تقديره يمكن أن يكون القول مبتدأ وقول آل محمّد خبره ، والجملة مفعولا للقبول ، أي فليقبل هذه العقيدة ويذعن بها ويعمل بمقتضاها ، أو القول منصوب وقول آل محمّد بدل منه لبيان أنّ قولهعليه‌السلام موافق لقول جميعهم ، ففي قوله : فيما بلغني ،


قول آل محمّد فيما أسرّوا وما أعلنوا وفيما بلغني عنهم وفيما لم يبلغني.

٧ - عليُّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن ابن أذينة ، عن زرارة أو بريد ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : قال : لقد خاطب الله أمير المؤمنينعليه‌السلام في كتابه قال : قلت في أيّ موضع ؟ قال : في قوله «وَلَوْ أنّهم إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرّسول لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيماً *فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ » فيما تعاقدوا عليه لئن أمات الله محمّداً إلّا يردُّوا هذا الأمر

________________________________________________________

إلتفات ، وقيل : فيه إشارة إلى وجوب قبول قوله ، سواء نقله عن آبائه الطاهرين أم لا ، ولا يخفى ما فيه « فيما أسرّوا » أي أخفوه تقيّة من المخالفين أو لقصور فهم الناس.

الحديث السابع : حسن.

« لقد خاطب الله » يعني أن المخاطب في جاؤك وأمثاله أمير المؤمنينعليه‌السلام بقرينة «وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرّسول » فإنّ الالتفات من الخطاب إلى الغيبة ثمَّ العود إلى الخطاب نادر جدّاً وتفسير « ما شجر بينهم » بما تعاقدوا عليه إمّا مبنيّ على أنّ المراد بالشجر الجريان كما قيل ، أو على انّه وقع ابتداء بينهم تشاجر ثمَّ اتفقوا ، أو على أن المراد التشاجر بينهم وبين المؤمنين ، أو انّه لـمّا كان الأمر عظيماً من شانّه أن يتشاجر فيه عبر عن وقوعه بالشجر ، وقيل : أرادعليه‌السلام أن المراد بظلمهم أنفسهم تعاقدهم فيما بينهم منازعين لله ولرسوله وللمؤمنين أن يصرفوا الأمر عن بنيّ هاشم ، وانّه المراد بقوله فيها شجر بينهم ، أي فيما وقع النزاع بينهم مع الله ورسوله والمؤمنين بهذا التعاقد ، فإن الله كان معهم وفيما بينهم كما قال : سبحانّه : «وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً »(١) والرسول أيضاً كان عالـماً بما أسرّوا من مخالفته فكانّه كان فيهم شاهداً على منازعتهم إيّاه.

ومعنى تحكيمهم أمير المؤمنينعليه‌السلام على أنفسهم أن يقولوا له : إنّا ظلمنا أنفسنا بظلمنا إيّاك وإرادتنا صرف الأمر عنك مخالفة لله ورسوله فاحكم علينا بما شئت وطهّرنا

___________________

(١) سورة النساء : ١٠٨.


في بنيّ هاشم : «ثمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً ممّا قَضَيْتَ » عليهم من القتل أو العفو «وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ».

٨ - أحمد بن مهرانرحمه‌الله ، عن عبد العظيم الحسنيّ ، عن عليّ بن أسباط ، عن عليّ بن عقبة ، عن الحكم بن أيمن ، عن أبي بصير قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن قول الله عزَّ وجلّ «الّذين يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسنّه » إلى آخر الآية قال : هم المسلّمون لآل محمّد ، الّذين إذا سمعوا الحديث لم يزيدوا فيه ولم ينقصوا منه جاؤوا به كما سمعوه.

( باب )

( أن الواجب على الناس بعد ما يقضون مناسكهم أن يأتوا الإمام )

( فيسئلونه عن معالم دينهم ويعلمونهم ولايتهم ومودتهم له )

_______________________________________________________

كما شئت إمّا بالقتل أو العفو جزاء لـمّا فعلنا ، وفي القاموس : اشتجروا : تخالفوا كتشاجروا وشجر بينهم الأمر شجوراً تنازعوا فيه ، والشيء شجرا : ربطه ، والرجلّ عن الأمر صرفه ونحاه ومنعه ودفعه ، والشجر : الأمر المختلف ، وشجر كفرح كثر جمعه.

الحديث الثامن : ضعيف على المشهور ، وقد مرّ مضمونه في كتاب العقل في باب رواية الكتب ، والمشهور بين المفسّرين أنّ ضمير أحسنه راجع إلى القول فاتّباع احسنه عبارة عن ترك التصرف فيه بزيادة أو نقص لإرادة النقل بالمعنى ، وهذا التصرف مناف للتسليم وقد مرّ انّه يحتمل أن يكون الضمير راجعاً إلى الأتباع المذكور في ضمن الفعل ، أي يتّبعون أحسن اتباع فينطبق ما ذكرهعليه‌السلام عليه بلا تكلّف.

باب أن الواجب على الناس بعد ما يقضون مناسكهم أن يأتوا الإمام

فيسئلونه عن معالم دينهم ويعلمونهم ولايتهم ومودتهم لهم

الفاء في قوله « فيسئلونه » للاستئناف ، والتقدير فهم يسألونه ، قال : في مغني اللبيب : قيل : تكون الفاء للاستئناف كقوله : « ألم تسئل الرّبع القواء فينطق » أي فهو ينطق لأنهّا لو كانت للعطف لجزم ما بعدها ، ولو كانت للسببيّة لنصب ، انتهى.


١ - عليُّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن ابن أذينة ، عن الفضيل ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : نظر إلى النّاس يطوفون حول الكعبة فقال : هكذا كانوا يطوفون في الجاهليّة انّما أمروا أن يطوفوا بها ثمَّ ينفروا إلينا فيعلمونا ولايتهم ومودتهم ويعرضوا علينا نصرتهم ثمَّ قرأ هذه الآية «فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ »(١)

________________________________________________________

الحديث الأول : حسن.

« هكذا كانوا يطوفون » أي في عدم المعرفة بأحكامه وآدابه وعدم تحقق شرائط القبول فيهم ، فإنّ من شرائطه الإسلام والإيمان وهؤلاء لإخلالهم بالولاية مثلهم في عدم الإيمان بل الإسلام ، وفيه إشعار بأن علة وجوب الحج إتيان الإمام وعرض الولاية والنصرة عليه وأخذ الأحكام منه ، فيحتمل أن يكون المراد بقوله : هكذا كانوا يطوفون ، أنّهم يطوفون من غير معرفة لهم بالمقصود الأصلي من الأمر بالإتيان إلى الكعبة والطواف ، فإن إبراهيم على نبينا وآله وعليه السلام حين بنى الكعبة وجعل لذريته عندها مسكنا قال : «رَبَّنا أنّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المحرّم رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ » فاستجاب الله دعاءه وأمرّ الناس بالإتيان إلى الحج من كل فج ليتحببوا إلى ذريته ويعرضوا عليهم نصرتهم وولايتهم ، ليصير ذلك سبباً لنجاتهم ووسيلة إلى رفع درجاتهم وذريعة إلى تعرف أحكام دينهم ، وتقوية أيمأنّهم ويقينهم وعرض النصرة أن يقولوا : نحن من شيعتكم متهيّئون لنصرتكم ، فإن أمرتمونا بالخروج والجهاد أو غير ذلك من الأمور نطيعكم.

ثمَّ اعلم أنّ في النسخ التي رأينا واجعل بالواو ، وفي المصاحف بالفاء ولعلّه من النّساخ أو نقل بالمعنى والأفئدة جمع فؤاد وهو القلب ، ومن للابتداء كقولك : القلب منّي سقيم ، أي أفئدة ناس ، أو للتبعيّض ولذلك ورد لو قال : أفئدة النّاس لازدحمت عليهم فارس والروم «تَهْوِي إِلَيْهِمْ » أي تسرع إليهم شوقاً وودّاً.

__________________

(١) سورة إبراهيم : ٣٧.


٢ - الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن عليّ بن أسباط ، عن داود بن النعمان ، عن أبي عبيدة قال : سمعت أبا جعفرعليه‌السلام - ورأى النّاس بمكّة وما يعملون - قال : فقال : فعال كفعال الجاهليّة أما والله ما أمروا بهذا وما أمروا إلّا أن يقضوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ فيمرّوا بنا فيخبرونا بولايتهم ويعرضوا علينا نصرتهم.

________________________________________________________

الحديث الثاني : ضعيف على المشهور.

وفعال بكسر الفاء جمع فعل ، وبالفتح مفرد « ما أمروا بهذا » أي وحده أو بهذا الوجه الّذي يفعلون كما مرّ ، قال : الله تعالى : «وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجإلّا وَعَلى كُلِّ ضامرّ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أيّام مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ ، ثمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ »(١) وقال : الطبرسي (ره) : ثمَّ ليقضوا تفثهم ، ليزيلوا تفث الحرام من تقليم ظفر وأخذ شعر وغسل واستعمال طيب ، وقيل : معناه ليقضوا مناسك الحجّ كلّها عن ابن عباس وابن عمرّ ، قال : الزجاج : قضاء التفث كناية عن الخروج من الإحرام إلى الإحلال «وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ » بقضائها أي وليتمّوا نذورهم وقضاءها قال : ابن عباس : هو نحر ما نذروا من البدن ، وقيل : هو ما نذروا من أعمال البر في أيّام الحج ، وربمّا نذر الإنسان أن يتصدق إن رزقه الله الحج ، وانّ كان على الرجلّ نذرا مطلقة فالأفضل أن يفي بها هناك أيضاً ، انتهى.

وأقول : قوله فيمرّوا بنا ، يحتمل أن يكون تفسيرا لقضاء التفث أو للإيفاء بالنذور ، فإن ولاية الإمام من أعظم العهود التي يجب الوفاء بها ، أو لا يكون تفسيرا لشيء منهما لبيان ما يجب عليهم الإتيان به بعد الحج وحكمة وجوب الحج كما مر. ويؤيد الأوّل ما روي عن عبد الله بن سنان عن ذريح المحاربي قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : إن الله أمرني في كتابه بأمرّ فأحبّ أن أعلمه ، قال : وما ذاك؟ قلت : قول الله : «ثمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ » قال : ليقضوا تفثهم لقاء الإمام ، وليوفوا نذورهم تلك المناسك ، قال : عبد الله سنان : فأتيت أبا عبد اللهعليه‌السلام فقلت : جعلت فداك قول الله

__________________

(١) سورة الحج : ٢٩.


٣ - عليُّ بن إبراهيم ، عن صالح بن السندي ، عن جعفر بن بشير ومحمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن ابن فضّال جميعاً ، عن أبي جميلة ، عن خالد بن عمار ، عن سدير قال : سمعت أبا جعفرعليه‌السلام وهو داخل وأنا خارج وأخذ بيدي ثمَّ استقبل البيت فقال : يا سدير انّما أمر النّاس أن يأتوا هذه الأحجار فيطوفوا بها ثمَّ يأتونا فيعلمونا ولايتهم لنا وهو قول الله «وَأنّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثمَّ اهْتَدى »(١) - ثمَّ أومأ بيده إلى صدره - إلى ولايتنا ثمَّ قال : يا سدير فاُريك

________________________________________________________

«ثمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ » قال : أخذ الشارب وقص الأظفار وما أشبه ذلك ، قال : قلت : جعلت فداك فإنّ ذريحاً المحاربي حدَّثني عنك أنّك قلت ثمَّ ليقضوا تفثهم : لقاء الإمام ، «وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ » تلك المناسك ، قال : صدق ذريح وصدقت ، إن للقرآن ظاهراً وباطناً ، ومن يحتمل ما يحتمل ذريح!

وعلى هذا فالمراد بالتفث أو قضائه تطهير البدن والقلب والروح من الأوساخ الظاهرة والباطنة ، فيدخل فيه المعنيان معاً إذ الغسل وحلق الشعر وقصّ الأظفار تطهير للبدن من الأوساخ الظاهرة ، ولقاء الإمام تطهير للقلب من الأدران والأوساخ الباطنة التي هي الجهل والضلال والصفات الرديّة والأخلاق الدنيّة ، وسيأتي مزيد توضيح لذلك في كتاب الحجّ إن شاء الله.

الحديث الثالث : ضعيف.

« وهو داخل » أي في المسجد الحرام « وأنا خارج » أي منه ، والواو الأولى للحال ، ومفعول سمعت محذوف يفسّره قوله يا سدير « وأخذ بيدي » عطف للجملة الفعليّة على الاسمية « يأتوا هذه الأحجار » كان التعبير بهذه العبارة للتنبيه على أن في أمرّ الحكيم العليم بإتيان هذه الأحجار لا بد من سرّ عظيم وحكمة جليلة هي إتيان الإمام وعرض الولاية عليهم ، فظاهره الأحجار وباطنه موالاة الأئمّة الأبرار « إلى ولايتنا » فيه تقدير القول ، أي وقال : ولايتنا ، والظرف متعلّق بقوله « اهتدى ».

« الصاديّن عن دين الله » أي المانعين الناس عنه.

__________________

(١) سورة طه : ٨٢.


الصادّين عن دين الله ، ثمَّ نظر إلى أبي حنيفة وسفيان الثوري في ذلك الزّمان وهم حلق في المسجد فقال : هؤلاء الصادُّون عن دين الله بلا هدى من الله ولا كتاب مبين إن هؤلاء الأخابث لو جلسوا في بيوتهم فجال الناس فلم يجدوا أحداً يخبرهم عن الله تبارك وتعالى وعن رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله حتّى يأتونا فنخبرهم عن الله تبارك وتعالى وعن رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

( باب )

( أن الأئمة تدخل الملائكة بيوتهم وتطأ بسطهم وتأتيهم )

( بالأخبارعليهم‌السلام )

١ - عدَّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد ، عن ابن سنان ، عن مسمع كردين البصري قال : كنت لا أزيد على أكلة بالليل والنّهار ، فربّما استأذنت على أبي عبد اللهعليه‌السلام وأجد المائدة قد رفعت ، لعلّي لا أراها بين يديه ، فإذا دخلت دعا بها فأصيب

________________________________________________________

« إلى أبي حنيفة » من فقهاء المخالفين « وسفيان الثوري » من صوفيّتهم ، وضمير « هم » للصاديّن أو للملعونين باعتبار أنّهما كانا مع أتباعهما ، والحلق كعنب جمع حلقة بالفتح وهم الجماعات ، يستدير كل جماعة منهم كحلقة الباب وغيرها كذا في النهاية ، وقال : الجوهري : جمع الحلقة ، حلق بفتح الحاء على غير قياس ، وحكي عن أبي عمرو أن الواحد حلقة بالتحريك والجمع حلق بالفتح « بلا هدى من الله » تأكيد والهداية بالوحي أو الإلهام أو السماع من أئمّة الهدى ، والأخابيث جمع أخبث « لو جلسوا » لو للتمني وقوله « فنخبرهم » منصوب أو للشرط وجزاؤه محذوف أي لكان خيراً لهم ، ويدلّ على أن الصوفية الّذين كانوا في أعصار الأئمّةعليهم‌السلام كانوا معارضين لهم صادين عنهم وعن دين الله عليهم لعنة الله.

باب أن الأئمة تدخل الملائكة بيوتهم وتطأ بسطهم ويأتيهم بالأخبارعليهم‌السلام

الحديث الأول : ضعيف على المشهور.

« وأجد المائدة » جملة حاليّة يعني إستأذنت عليه والحال أنّي أجد أي أرى


معه من الطعام ولا أتأذَّى بذلك وإذا عقّبت بالطعام عند غيره لم أقدر على أن أقر ولم أنم من النفخة فشكوت ذلك إليه وأخبرته بأنّي إذا أكلت عنده لم أتأذ به فقال : يا أبا سيّار إنّك تأكل طعام قوم صالحين تصافحهم الملائكة على فرشهم قال : قلت ويظهرون لكم ؟ قال : فمسح يده على بعض صبيانه فقال : هم ألطف بصبياننا منّا بهم.

٢ - محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن محمّد بن خالد ، عن محمّد بن القاسم ، عن الحسين بن أبي العلاء ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : قال : يا حسين - وضرب بيده إلى مساور في البيت - مساور طال ما اتّكت عليها الملائكة وربّما التقطنا من زغبها.

________________________________________________________

أو أجدفي نفسي واعلم أنّ المائدة قد رفعت ، وانّما فعلت ذلك لكي لا أرى المائدة بين يديهعليه‌السلام ، والمعنى كنت أتعمّد الاستئذان عليه بعد رفع المائدة لئلّا يلزمني الأكل لزعمي أنّي أتضرر به « فأصبت معه » أي تناولت عنده أو بشراكته ، بأن يكونعليه‌السلام يعيد الأكل لعدم احتشامه « وإذا عقبت » على بناء التفعيل أي أكلت بعد أكلتي « من النفخة » أي الريح المحبوس في البطن « هم ألطف بصبياننا » أي يظهرون لنا لخدمة صبياننا ولا ينافي هذا ما مرّ أن الإمام لا يعاين الملك إذ قد سبق انّه محمول على انّه لا يعاينه وقت التحديث لا مطلقاً ، أو لا يرونه في صورته الأصليّة أو غالباً ، والأوّل أظهر.

الحديث الثاني : حسن.

والمساور جمع مسور كمنبر وهو متّكأ من أدم « مساور » خبر مبتدإ محذوف أي هذه مساور ، وما في قوله : ما اتّكت ، مصدريّة ، والاتّكاء مهموز قلبت همزته ألفاً وأسقطت بالإعلال « وربمّا التقطنا » أي أخذنا وفي القاموس : الزغب صغار الشعر والريش ولينه وأوّل ما يبدو منهما ، انتهى.

والخبر يدلّ صريحاً على تجسّم الملائكة وأنّهم أولو أجنحة كما عليه إجماع المسلمين ردّاً على الفلاسفة ومن يتبعهم.


٣ - محمّد ، عن أحمد بن محمّد ، عن عليّ بن الحكم قال : حدَّثني مالك بن عطية الأحمسي ، عن أبي حمزة الثماليّ قال : دخلت على عليّ بن الحسينعليه‌السلام فاحتبست في الدّار ساعة ثمَّ دخلت البيت وهو يلتقط شيئاً وأدخل يده من وراء الستر فناوله من كان في البيت فقلت جعلت فداك هذا الّذي أراك تلتقطه أي شيء هو فقال : فضلة من زغب الملائكة نجمعه إذا خلونا نجعله سيحاً لأولادنا ، فقلت : جعلت فداك

________________________________________________________

الحديث الثالث : صحيح « فاحتبست » على بناء المعلوم أو المجهول ، لانّه لازم ومتعدّ أي حبسوني في صحن الدّار ساعة ثمَّ جاءني الإذن في دخول البيت ، وكان الاحتباس كان لالتقاط الزّغب « إذا خلّونا » بتشديد اللام أي تركونا وذهبوا عنا أو بتخفيفها والواو الأصليّة من الخلوة ، والمال واحد « نجعله سيحاً » في أكثر النسخ بالياء المثنّاة التحتانيّة ، وقال : الجوهري : السيح ضرب من البرود ، والسيح عباءة وبرد مسيّح ومسيّر أي مخطّط ، وعباءة مسيحية ، وفي بعضها بالباء الموحدة جمع سبحة وبالضمّ وهي خرزات يسبح بها ، قيل : لعله أرادعليه‌السلام بذلك جعلها منظومة في خيط كالخزرات التي يسبح بها ، وتعليقها على الأولاد للعوذة ، وذلك لأن اتخاذ التمائم والعوذات من الخرزات على هيئة السبحة كان متعارفا في سوالف الأزمنة كما هو اليوم ، وربما تسمى سبحة وانّ لم يسبح بها ، انتهى.

وأقول : في بصائر الدرجات سخابا لأولادنا في أخبار كثيرة ، والسخاب ككتاب خيط ينظم فيه خزر ويلبسه الصبيان والجواري ، وقيل : هو قلادة تتخذ من قرنفل ومسك ونحوه وليس فيها من اللؤلؤ والجوهر شيء ، كذا ذكره الجزري.

ويؤيده ما رواه في البصائر أيضاً عن مفضل بن عمرّ قال : دخلت على أبي عبد الله فبينا أنا جالس عنده إذ أقبل موسى ابنه وفي رقبته قلادة فيها ريش غلاظ ، فدعوت به فقبلته وضممته إلى ، ثمَّ قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : جعلت فداك أي شيء هذا الّذي في رقبة موسى؟ فقال : هذا من أجنحة الملائكة ، قال : فقلت : وإنها لتأتيكم؟ قال : نعم


وإنّهم ليأتونكم ؟ فقال : يا أبا حمزة إنّهم ليزاحمونا على تكأتنا.

٤ - محمّد عن محمّد بن الحسن ، عن محمّد بن أسلم ، عن عليّ بن أبي حمزة ، عن أبي الحسنعليه‌السلام قال : سمعته يقول ما من ملك يهبطه الله في أمرمّا يهبطه إلّا بدأ بالإمام فعرض ذلك عليه وانّ مختلف الملائكة من عند الله تبارك وتعالى إلى صاحب هذا الأمر.

( باب )

( أن الجن يأتيهم فيسألونهم عن معالم دينهم ويتوجهون في أمورهم )

١ - بعض أصحابنا ، عن محمّد بن عليّ ، عن يحيى بن مساور ، عن سعد الاسكاف قال : أتيت أبا جعفرعليه‌السلام في بعض ما أتيته فجعل يقول لا تعجلّ حتّى حميت الشمس عليّ وجعلت أتتبّع الأفياء ، فما لبث أن خرج عليَّ قوم كأنّهم الجراد الصفر ، عليهم

________________________________________________________

وإنها لتأتينا وتتعفّر في فرشنا ، وانّ هذا الّذي في رقبة موسى من أجنحتها « ليزاحمونا » أي يجلسون في مجلسنا وعليّ مساورنا بحيث يضيّق المجلس علينا ، والتّكأة كهمزة : ما يعتمد عليه حين الجلوس.

الحديث الرابع : ضعيف ، وأبو الحسن هو الكاظمعليه‌السلام « في أمرّ » كان في للتعليل وما للإبهام والتعميم ، ويحتمل أن يكون ما للنفي تأكيداً للنفي السّابق لتعميم الحكم كلّ ملك وكلّ إهباط ، وفي البصائر في أمرّ ممّا يهبط له ، والمختلف مصدر ميمي وعبارة عن المجيء والذهاب « هذا الأمر » أي الإمامة.

باب أن الجن يأتونهم فيسئلونهم عن معالم دينهم ويتوجهون في

أمورهمعليهم‌السلام

الحديث الأول : مجهول.

« في بعض ما أتيته » ما مصدريّة « فجعل يقول لا تجعل » أي كلّما استأذنت للدخول عليه يقول لا تعجل ، فلبثت على الباب حتّى حميت الشمس أي اشتدّ حرّها « أتتبع الأفياء » أي أمشي من فيء يزول إلى فيء يحدث مراراً « فما لبث أن خرج »


البتوت قد انتهكتهم العبادة ، قال : فو الله لأنسأنّي ما كنت فيه من حسن هيئة القوم فلـمّا دخلت عليه قال : لي أرأنّي قد شققت عليك قلت أجلّ والله لقد أنساني ما كنت فيه قوم مروا بي لم أرقوماً أحسن هيئة منهم في زيّ رجل واحد كأن ألوانهم الجراد الصفر قد انتهكتهم العبادة فقال : يا سعد رأيتهم ؟ قلت نعم قال : أولئك إخوانك من الجنّ ، قال : فقلت يأتونك قال : نعم يأتونا يسألونا عن معالم دينهم

________________________________________________________

الظاهر أنّ مراده أنّ خروجهم كان على فجأة بدون اطلاع مني عليه قبله ، أو حدث ذلك بعد يأسى من الدخول دفعة بلا مهلة ، وقيل : أن مصدريّة فاعل لبث ، أي كان خروجهم بدون تراخي بعضهم من بعض فكأنّهم خرجوا دفعة ، والجراد اسم جنس جرادة أقيم مقام الجمع بقرينة الصفر ، وفي سورة القمرّ : «كَأنّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ »(١) .

وقال الجوهري : البتّ الطيلسان من خز ونحوه والجمع البتوت ، وفي القاموس نهكه كمنعه غلبه ، والثوب لبسه حتّى خلق نهكا ونهكا ونهاكة ، والضرع نهكا استوفي جميع ما فيه ، والحمى أضنته وهزلته وجهدته كنهكته كفرح وانتهكته ، انتهى.

وكان فاعل أنسأنّي الضمير الراجع إلى أن خرج ومفعوله : ما كنت فيه ، أي المشقة الحاصلة من حرارة الشمس وتتبع الأفياء ومن للتعليل.

ويحتمل أن يكون من للتبعيض والظرف فاعلا لأنسأنّي ، أي شيء من حسن هيئتهم « قد شققت عليك » أي أوقعتك في المشقة « أجلّ » بالتحريك أي نعم « في زي رجلّ واحد » في الصحاح : الزي اللباس والهيئة وأصله زوي ، أي كان جميعهم على هيئة واحدة أو كانوا لاجتماعهم على طريقة واحدة كأنّهم رجلّ واحد كما قيل ، والأوّل أظهر.

« كان ألوانهم الجراد » أي ألوانّ الجراد ، وقيل الألوانّ الأنواع والمراد هنا الشركاء في تمام الحقيقة النوعية وهو بعيد « رأيتهم » استفهام تقريري « إخوانك » أي أهل دينك « عن معالم دينهم » أي ما يعلمون به دينهم.

ويدلّ على أن الجن يمكن للناس رؤيتهم حتّى لغير الأنبياء والأوصياءعليهم‌السلام

__________________

(١) الآية : ٧.


وحلالهم وحرامهم.

٢ - عليّ بن محمّد ، عن سهل بن زياد ، عن عليّ بن حسّان ، عن إبراهيم بن إسماعيل ، عن ابن جبل ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : كنا ببابه فخرج علينا قوم أشباه الزُّط ، عليهم أزر وأكسية فسألنا أبا عبد اللهعليه‌السلام عنهم فقال : هؤلاء إخوانكم من الجنّ.

٣ - أحمد بن إدريس ومحمّد بن يحيى ، عن الحسن بن عليّ الكوفيّ ، عن ابن فضّال ، عن بعض أصحابنا ، عن سعد الإسكاف قال : أتيت أبا جعفرعليه‌السلام اُريد الإذن عليه فإذا رحال إبل على الباب مصفوفة ، وإذا الأصوات قد ارتفعت ، ثمَّ خرج

________________________________________________________

وأنّهم أجسام لطيفة يتشكلون بإشكال الإنس وغيرهم ، إمّا بقدرة الله تعالى وإرادته أو أقدرهم الله تعالى على ذلك ، والآيات والأخبار دالة على ذلك أوردتها في كتاب السماء والعالم ، والقول بنفيهم أو عدم جواز رؤيتهم خروج عن الدّين ، وهو مذهب فلاسفة الملحدين ، ومنهم من ينكر رؤيتهم إذا كانوا بصورهم الأصليّة وهو أيضاً باطل والجنّ خلاف الإنس والواحد جنّي سميّت بذلك لاستتارها غالباً.

الحديث الثاني : ضعيف.

والزطّ بالضمّ جنس من السّودان والهنود ، والأزر جمع إزار ككتاب وكتب ، والأكسية جمع الكساء.

الحديث الثالث : مرسل.

« فإذا رحال إبل » وفي بعض النسخ : رحائل إبل عليها رحالها أو رحائلها ، وفي البصائر فإذا روأحلَّ على الباب وهو أظهر ، والرحال بالكسرّ جمع رحل بالفتح ، وهو للبعير كالسرج للفرس ، قال : الجوهري : الرحل رحل البعير وهو أصغر من القتب والجمع الرحال ، والراحلة الناقة التي تصلح لأن ترحل ويقال : الراحلة المركب من الإبل ذكرا كان أو أنثى ، والرحالة سرج من جلود ليس فيها خشب كانوا يتّخذونه للركض الشديد ، والجمع الرحائل ، انتهى.

ورحال مبتداء ، وعلى الباب خبره « مصفوفة » خبر ثان ، وارتفاع الأصوات إمّا


قوم معتمّين بالعمائم يشبهون الزُّط ، قال : فدخلت على أبي جعفرعليه‌السلام فقلت جعلت فداك أبطأ إذنك عليّ اليوم ورأيت قوماً خرجوا عليَّ معتميّن بالعمائم فأنكرتهم فقال : أوتدري من أولئك يا سعد قال : قلت : لا ، قال : فقال : اُولئك إخوانكم من الجنّ يأتونا فيسألونا عن حلالهم وحرامهم ومعالم دينهم.

٤ - محمّد بن يحيى ، عن محمّد بن الحسين ، عن إبراهيم بن أبي البلاد ، عن سدير الصيرفيّ قال : أوصاني أبو جعفرعليه‌السلام بحوائج له بالمدينة فخرجت فبينا أنا بين فج الروحاء على راحلتي إذا إنسان يلوي ثوبه قال : فملت إليه وظننت انّه عطشان فناولته الإداوة فقال : لي لا حاجة لي بها وناولني كتاباً طينه رطب قال : فلـمّا نظرت إلى الخاتم إذا خاتم أبي جعفرعليه‌السلام فقلت متى عهدك بصاحب الكتاب قال : الساعة وإذا في الكتاب أشياء يأمرني بها ثمَّ التفتُّ فإذا ليس عندي أحدٌ ، قال : ثمَّ قدم

________________________________________________________

عند السؤال أو عند الدعاء للخروج « فأنكرتهم » أي لم أعرفهم بأعيأنّهم « أو تدري من أولئك » أي من أيّ نوع هم؟ والهمزة للاستفهام والواو للعطف ، وقوله : لا ، لشكه بعد السؤال ، وإلّا كان قبل ذلك يظنّهم من الإنس ، وقد يقال : السؤال لإمكان حصول معرفة بعده أو لتنشيطه بها وتشويقه إليها ، وقيل : أي أنكرتهم قبل وتدري الآن بالتفكر ، والأصوب ما ذكرنا.

الحديث الرابع : حسن وآخره مرسل.

وقوله : بالمدينة ، إمّا متعلق بأوصاني بأن يكون الراوي خرج قبلهعليه‌السلام إلى مكّة فأوصاهعليه‌السلام بأشياء يعلمها في مكّة ، فالمراد بالقدوم دخول مكّة ، أو نعت للحوائج فالأمر بالعكس ، والفج : الطريق بين الجبلين أو الطريق الواسع ، والروحاء موضع بين الحرمين على ثلاثين أو أربعين ميلا من المدينة على ما ذكره الفيروزآبادي.

« إذا إنسان » أي في الصورة وفي القاموس : لوّاه يلويه ليّاً فتله وثناه ، وبرأسه أمال ، والناقة بذنبها حرّكت كالوت فيهما ، وألوى الرجلّ بثوبه أشار ، وقال : الإداوة بالكسر : المطهرة.


أبو جعفرعليه‌السلام فلقيته ، فقلت جعلت فداك رجلٌ أتاني بكتابك وطينه رطب فقال : يا سدير إن لنا خدماً من الجنّ فإذا أردنا السرعة بعثناهم.

وفي رواية أخرى قال : إن لنا أتباعاً من الجن كما أن لنا أتباعاً من الإنس فإذا أردنا أمراً بعثناهم.

٥ - عليّ بن محمّد ، ومحمّد بن الحسن ، عن سهل بن زياد عمّن ذكره ، عن محمّد بن جحرش قال : حدَّثتني حكيمة بنت موسى قالت رأيت الرضاعليه‌السلام واقفاً على باب بيت الحطب وهو يناجي ولست أرى أحدا فقلت يا سيّدي لمن تناجي فقال : هذا عامرّ الزهرائي أتاني يسألني ويشكو إلي فقلت يا سيّدي أحبّ أن أسمع كلامه فقال : لي إنك إن سمعت به حممت سنة فقلت يا سيّدي أحبّ أن أسمعه فقال : لي اسمعي فاستمعت فسمعت شبه الصفير وركبتني الحمى فحممت سنة.

٦ - محمّد بن يحيى وأحمد بن محمّد ، عن محمّد بن الحسن ، عن إبراهيم بن هاشم ، عن عمرو بن عثمان ، عن إبراهيم بن أيوب ، عن عمرو بن شمرّ ، عن جابر ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : بينا أمير المؤمنينعليه‌السلام على المنبر إذ أقبل ثعبان من ناحية باب من أبواب

________________________________________________________

قوله : طينه رطب ، أي الطين الّذي ختم عليه ، ويدلّ على أن الجنّ لهم حالة يرون فيها وأخرى لا يرون فيها.

الحديث الخامس : ضعيف.

وجحرش كجعفر ، وحكيمة بفتح الحاء وكسرّ الكاف أو بضمّ الحاء وفتح الكاف وهي أخت الرضاعليه‌السلام ، وعامرّ اسم الجني « حممت » بصيغة المجهول ويشكو إلى أي مرضاً أو ظلـمّا وقع عليه ، وركبتني من باب علم أي علتني.

الحديث السادس : ضعيف على المشهور ومضمونه من المتواترات ، وباب الثعبان في مسجد الكوفة مشهور ، ويذكر أن بنيّ اميّة لعنهم الله ربطوا على هذا الباب فيلا لمحو هذا الاسم عن الخواطر فاشتهر بباب الفيل بعد ذلك ، والثعبان الحيّة الضخمة الطويلة ، وإذ للمفاجأة.

« من أبواب المسجد » أي مسجد الكوفة « فهمّ الناس » أي قصدوا أن يقتلوه


المسجد ، فهمَّ الناس أن يقتلوه ، فأرسل أمير المؤمنينعليه‌السلام أن كفّوا ، فكفوا وأقبل الثعبان ينساب حتّى انتهى إلى المنبر فتطأوّل فسلم على أمير المؤمنينعليه‌السلام فأشار أمير المؤمنينعليه‌السلام إليه أن يقف حتّى يفرغ من خطبته ولـمّا فرغ من خطبته أقبل عليه فقال : من أنت فقال : عمرو بن عثمان خليفتك على الجنّ وإنَّ أبي مات وأوصأنّي أن آتيك فأستطلع رأيك وقد أتيتك يا أمير المؤمنين فما تأمرني به وما ترى ؟ فقال : له أمير المؤمنينعليه‌السلام أوصيك بتقوى الله وانّ تنصرف فتقوم مقام أبيك في الجنّ ، فإنك خليفتي عليهم قال : فودع عمرو أمير المؤمنين وانصرف فهو خليفته على الجن فقلت له جعلت فداك فيأتيك عمرو وذاك الواجب عليه ؟ قال : نعم.

٧ - عليُّ بن محمّد ، عن صالح بن أبي حمّاد ، عن محمّد بن أورمة ، عن أحمد بن النضر ، عن النعمان بن بشير قال : كنت مزاملاً لجابر بن يزيد الجعفيّ ، فلـمّا أن كنّا بالمدينة دخل على أبي جعفرعليه‌السلام فودَّعه وخرج من عنده وهو مسرورٌ حتّى وردنا الأخيرجة أوّل منزل نعدل من فيد إلى المدينة - يوم جمعة فصلينا الزوال

________________________________________________________

« أن كفّوا » أي أمسكوا ، وانّ مصدريّة وانّ الثانية مفسّرة لأن الإرسال يتضمّن معنى القول ، والانسباب مشي الحيّة وما أشبهها ، وفي القاموس : ساب جرى ومشى مسرعاً كأنساب ، انتهى.

« فتطاول » أي قام على ذنبه « فأشار » كانّه بعد رد السلام « أن يقف » أن مصدريّة بتأويل بأن « خليفتك » بالجر ّنعت أو بدل لعثمان ، وفي القاموس : استطلع رأي فلان : نظر ما عنده ، وما الّذي يبرز إليه من أمره « فيأتيك »؟ بتقدير الاستفهام ، أي للسؤال عن المشكلات « وذاك الواجب عليه » أي الإتيان إليك أمرّ واجب عليه

الحديث السابع : ضعيف أو مجهول.

والمزامل في المحمل ، وفي القاموس : أخرجه : بئر في أصل جبل ، انتهى ، وكذا في بعض النسخ ، وفي أكثرها الأخيرجة وكأنها تصغيرها و « أوّل » منصوب بدل الأخيرجة أو مرفوع بالخبريّة ، أي هي أوّل منزل يعدل من فيد ، ولعلّ المعنى أنّ


فلـمّا نهض بنا البعير إذا أنا برجل طوال آدم معه كتاب فناوله جابراً فتناوله فقبّله ووضعه على عينيه وإذا هو من محمّد بن عليّ إلى جابر بن يزيد وعليه طين أسود رطب ، فقال : له متى عهدك بسيّدي فقال : الساعة فقال : له قبل الصلاة أو بعد الصّلاة فقال : بعد الصّلاة ففك الخاتم وأقبل يقرؤه ويقبض وجهه حتّى أتى على آخره ثمَّ أمسك الكتاب فما رأيته ضاحكاً ولا مسروراً حتّى وافى الكوفة فلـمّا وافينا الكوفة ليلاً بتُّ ليلتي ، فلـمّا أصبحت أتيته إعظاماً له فوجدته قد خرج عليّ وفي عنقه كعاب قد علقها وقد ركب قصبة وهو يقول : « أجد منصور بن جمهور أميراً غير مأمور » وأبياتاً من نحو هذا فنظر في وجهي ونظرت في وجهه فلم يقل

________________________________________________________

فيداً منزل مشترك بين من يذهب من الكوفة إلى مكّة أو إلى المدينة ، وكذا ما قبله من المنازل ، فإذا خرج المسافر من فيد يفترق الطّريقان فإذا ذهب إلى المدينة فأوّل منزل ينزله الأخيرجة ، وقيل : أراد به أن المسافة بين الأخيرجة وبين المدينة كالمسافة بين فيد والمدينة ، وقيل : كانت المسافة بينها وبين الكوفة مثل ما بين فيد والمدينة وما ذكرنا أظهر كما لا يخفى ، وفي القاموس : الفيد : قلعة بطريق مكّة.

« يوم جمعة » ظرف لقوله : وردنا ، وفي القاموس : طال طولا امتد فهو طويل ، وطوال كغراب ، وقال : الأدمة ما فيها السّمرة ، أدم كعلم وكرم فهو أدم ، انتهى.

« قبل الصّلاة » أي صلاة الزوّال « ويقبض وجهه » أي كان كلـمّا يقرأ يزداد إنقباضاً وعبوساً « حتّى أتى على آخره » أي قرأه جميعاً « حتّى وافى الكوفة » أي دخلها « أجدّ » بصيغة المتكلّم من الوجدان أي أعلمه ، وقيل : أمرّ من الإجادة أي أحسن الضراب والقتل وهو بعيد « غير مأمور » أي لأحد في الكوفة ، كناية عن استقلاله وكان هذا ممّا سمعه من الإمامعليه‌السلام من الأخبار الآتية ، ومنصور بن جمهور كان واليا من قبل بنيّ اميّة على الكوفة ولاه يزيد بن وليد بعد عزل يوسف بن عمرّ في سنة ستّ وعشرين ومائة ، بعد وفاة الباقرعليه‌السلام باثنتي عشر سنة « وأقبلت » أي


لي شيئاً ولم أقل له وأقبلت أبكي لـمّا رأيته واجتمع عليّ وعليه الصبيان والناس وجاء حتّى دخل الرحبة وأقبل يدور مع الصبيان والناس يقولون جن جابر بن يزيد جن فو الله ما مضت الأيّام حتّى ورد كتاب هشام بن عبد الملك إلى واليه أن انظر رجلاً يقال : له - جابر بن يزيد الجعفيّ فاضرب عنقه وابعث إلي برأسه فالتفت إلى جلسائه فقال : لهم من جابر بن يزيد الجعفيّ ؟ قالوا أصلحك الله كان رجلاً له علم وفضل وحديث وحج فجنَّ وهو ذا في الرحبة مع الصبيان على القصب يلعب معهم قال : فأشرف عليه فإذا هو مع الصبيان يلعب على القصب فقال : الحمد لله الّذي عافأنّي من قتله قال : ولم تمض الأيّام حتّى دخل منصور بن جمهور الكوفة وصنع ما كان يقول جابر.

( باب )

( في الأئمّةعليهم‌السلام أنّهم إذا ظهر أمرهم حكموا بحكم داود وآل داود )

( ولا يسألون البينةعليهم‌السلام [ والرحمة والرضوان ] )

١ - عليُّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن منصور ، عن فضل الأعور ، عن أبي عبيدة الحذَّاء قال : كنّا زمان أبي جعفرعليه‌السلام حين قبض نتردُّد

________________________________________________________

شرعت « لـما رأيته » بكسرّ اللام وتخفيف الميم والضمير لـمّا ، أو بفتح اللام وشدّ الميم والضمير لجابر ، والرحبة فضاء واسع كان بالكوفة كالميدان ، وفي القاموس : رحبة المكان - ويسكن - : ساحته ، ومتسعه ، والرحبة محلّة بالكوفة ، انتهى.

« أن أنظر » أنّ مفسّرة لتضمّن الكتاب معنى القول ، وقيل : مصدريّة ذكره ابن هشام.

باب في الأئمّةعليهم‌السلام أنّهم إذا ظهر أمرهم حكموا بحكم داود وآل داود

ولا يسئلون البينةعليهم‌السلام والرحمة والرض وان

الحديث الأوّل : حسن أو موثق.

« كنّا زمان أبي جعفرعليه‌السلام » فيه توسّع بأن سمّي الزمان المتصل بزمانّهعليه‌السلام


كالغنم لا راعي لها ، فلقينا سالم بن أبي حفصة فقال : لي يا أبا عبيدة من إمامك فقلت : أئمّتي آل محمّد فقال : هلكت وأهلكت أما سمعت أنا وأنت أبا جعفرعليه‌السلام يقول من مات وليس عليه إمام مات ميتة جاهليّة ؟ فقلت : بلى لعمري ولقد كان قبل ذلك بثلاث أو نحوها دخلت على أبي عبد اللهعليه‌السلام فرزق الله المعرفة فقلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : إنَّ سالـماً قال لي كذا وكذا ، قال : فقال : يا أبا عبيدة انّه لا يموت

________________________________________________________

زمانه ، وربّما يحمل حين قبض على أنّ المعنى حين أشرف على قبض روحه ، ولعلّ ما ذكرنا أقرب « نتردّد » أي لمعرفة الإمام « فلقينا » على صيغة الغائب أو المتكلّم ، وسالم زيدي بتري لعنه الصادق وكذّبه وكفّره ، وكانّه كان يريد أن يدعو أبا عبيدة إلى زيد ، ويمكن أن يكون هذا قبل ضلالته لانّه كان لم يخرج زيد بعد « أئمّتي آل محمّد » الظّاهر أن أبا عبيدة انّما قال : ذلك للتقيّة أو لمصلحة ، لقوله « وقد كان قبل ذلك(١) » أي قبل مكالمة سالم « بثلاث » أي بثلاث ليال « دخلنا على أبي عبد اللهعليه‌السلام ورزق الله المعرفة(٢) » أي معرفته بالإمامة.

« فقلت » أي ثمَّ دخلت بعد ذلك على أبي عبد الله فقلت له ، وقيل : ضمير كان لمعرفة الإمام وذلك إشارة إلى لقاء سالم وكلامه « ودخلنا » استئناف بيانيّ وقال : المحدث الأسترآبادي : المناسب ثمَّ دخلنا ، وقال : غيره : دخلنا على أبي عبد اللهعليه‌السلام كلام مستأنف ، ويحتمل أن يكون قد سقط من صدره كلمة ثمَّ ، وانّ يكون متعلقا بكنا زمان أبي جعفر حين قبض ، ويكون ما بينهما معترضا ، وقال : آخر : أي وقد كان السماع قبل قبض أبي جعفر أو قبل لقاء سالم بثلاث سنين أو نحوها ، ودخلنا استئناف كانّه قيل : ما فعلت؟ فقال : دخلنا.

وأقول : لا يخفى بعد تلك الوجوه بالنظر إلى ما ذكرنا ، وفي البصائر : قلت : بل لعمري لقد كان ذاك ثمَّ بعد ذلك ونحوها دخلنا ، فلا يحتاج إلى تكلّف أصلا.

__________________

(١) وفي المتن « وقد كان ».

(٢) وفي المتن « دخلت على أبي عبد الله فرزق الله المعرفة ».


منّا ميت حتّى يخلف من بعده من يعمل بمثل عمله ويسير بسيرته ويدعو إلى ما دعا إليه يا أبا عبيدة انّه لم يمنع ما اُعطي داود أن أعطي سليمان ثمَّ قال : يا أبا عبيدة إذا قام قائم آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله حكم بحكم داود وسليمان لا يسأل بيّنة.

٢ - محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن محمّد بن سنان ، عن أبان قال : سمعت

________________________________________________________

« حتى يخلّف » على بناء التفعيل ، قال : الجوهري : خلّف فلاناً تخليفا جعله خليفة كاستخلفه.

وفي البصائر : دخلنا على أبي عبد اللهعليه‌السلام فرزق الله لنا المعرفة فدخلت عليه فقلت له : لقيت سالـماً فقال لي كذا وكذا ، وقلت له كذا وكذا ، فقال : له أبو عبد الله : يا ويل لسالم ثلاث مرّات أما يدري سالم ما منزلة الإمام؟ الإمام أعظم ممّا يذهب إليه سالم والناس أجمعون ، يا با عبيدة انّه لم يمت منّا ميّت حتّى يخلف من بعده من يعمل بمثل عمله ويسير بمثل سيرته ، ويدعو إلى مثل الّذي دعا إليه ، يا با عبيدة انّه لم يمنع الله ما أعطى داود أن أعطى سليمان أفضل ما أعطى داود ، ثمَّ قال : «هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ »(١) قال : قلت : ما أعطاه الله جعلت فداك؟ قال : نعم يا با عبيدة انّه إذا قام قائم آل محمّد حكم بحكم داود وسليمان ، لا يسئل الناس بيّنة.

فظهر أنّ الخبر مختصر ، و « ما » في ما أعطى داود إما مصدريّة أي لم يمنع إعطاء الأب إعطاء الابن ، بل اجتمعا معاً ، أو موصولة أي لم تمنع تلك الفضائل التي أعطيت داود أن أعطي مثلها سليمان ، والمراد نفي الاستبعاد من إعطاء الإمامة لهم بعد أن أعطيت آباؤهم ، والتنبيه على أن الإمامة لا تكون إلّا مع شرائطها التي منها العلم بأحوال الخلق ودواعيهم ، وما هو الحقَّ في دعاويهم حتّى يمكنه الحكم بحكم داود وسليمان ، ردّاً على سالم وأضرابه القائلين بإمامة زيد مع عدم اتّصافه بتلك الكمالات.

الحديث الثاني : ضعيف على المشهور.

__________________

(١) سورة ص : ٣٩.


أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : لا تذهب الدُّنيا حتّى يخرج رجل منّي يحكم بحكومة آل داود ولا يسأل بيّنة ، يعطي كلَّ نفس حقّها.

________________________________________________________

« رجل منّي » أي من أولادي وهو القائمعليه‌السلام ، والمراد بآل داود أهل بيته فيشمل داود أيضاً.

واعلم أنّ الظاهر من هذه الأخبار أن القائمعليه‌السلام إذا ظهر يحكم بما يعلم في الواقعة لا بالبينة ، وأما من تقدمه من الأئمّةعليهم‌السلام فقد كانوا يحكمون بالظّاهر ، وقد كانوا يظهرون ما كانوا يعلمون من باطن الأمر بالحيل ، كما كان أمير المؤمنينعليه‌السلام يفعله في كثير من الموارد ، وهذا الاختلاف في سيرهمعليهم‌السلام ليس من قبيل النسخ حتّى يرد أن لا نسخ بعد نبينا ، بل إما باعتبار التقية في بعضها ، أو اختلاف الأوضاع والأحوال في الأزمان فانّه يمكن أن يكون النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمرّ الإمام بالحكم بالواقع إذا لم يصر سبباً لتفرق الناس ورجوعهم عن الحقَّ وبالحكم بالظّاهر إذا صار سبباً لذلك ، أو يقال : انّهعليه‌السلام أمرّ بأمرّ الله سبحانّه كل إمام بحكم يخصه كما مرّ في خبر الصحيفة النازلة من السماء فإذا كان جميع ذلك بأخبار النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في وقت واحد لم يكن نسخاً ، وانّما النسخ تجدد حكم يوجب رفع حكم ظاهره الاستمرار.

قال : الشيخ المفيدقدس‌سره في كتاب المسائل : للإمامعليه‌السلام أن يحكم بظاهر الشهادات ومتى عرف من المشهود عليه ضد ما تضمنته الشهادة أبطل بذلك شهادة من شهد عليه ، وحكم فيه بما أعلمه الله تعالى ، وقد يجوز عندي أن تغيب عنه بواطن الأمور فيحكم فيها بالظواهر وانّ كانت على خلاف الحقيقة عند الله تعالى ، ويجوز أن يدله الله تعالى على الفرق بين الصادقين من الشهود وبين الكاذبين فلا تغيب عنه حقيقة الحال ، والأمور في هذا الباب متعلقة بالألطاف والمصالح التي لا يعلمها على حال إلّا الله عزَّ وجل.

ولأهل الإمامة في هذه المقالة ثلاثة أقوال : فمنهم من يزعم أن أحكام الأئمّة على الظواهر دون ما يعلمونه على كل حال ، ومنهم من يزعم أنّ أحكامهم انّما هي


________________________________________________________

على البواطن دون الظواهر الّتي يجوز فيها الخلاف ، ومنهم من يذهب إلى ما اخترته أنا من المقال : ، ولم أر لبنيّ نوبخترحمهم‌الله فيه ما أقطع على إضافته إليهم على يقين بغير ارتياب ، انتهى.

وقال : الشيخ الجليل أمين الدّين أبو علي الطّبرسي طاب مرقده في كتاب إعلام الورى :

فإن قيل : إذا حصل الإجماع على أن لا نبيّ بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأنتم قد زعمتم أن القائمعليه‌السلام إذا قام لم يقبل الجزية من أهل الكتاب وانّه يقتل من بلغ عشرين ولم يتفقه في الدّين ، ويأمرّ بهدم المساجد والمشاهد ، وانّه يحكم بحكم داود لا يسأل بينة وأشباه ذلك ممّا ورد في آثاركم ، وهذا يكون نسخاً في الشريعة وإبطالاً لأحكامها فقد أثبتم معنى النبوة ، وانّ لم تتلفظوا باسمها فما جوابكم عنها؟.

الجواب : إنا لم نعرف ما تضمنه السؤال من انّهعليه‌السلام لا يقبل الجزية من أهل الكتاب ، وانّه يقتل من بلغ العشرين ولم يتفقه في الدّين ، فإن كان ورد بذلك خبر فهو غير مقطوع به ، فأمّا هدم المساجدّ والمشاهد فقد يجوز أن يختص بهدم ما بنيّ من ذلك على غير تقوى الله تعالى وعلى خلاف ما أمرّ الله سبحانّه به ، وهذا مشروع قد فعله النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأما ما روي انّه يحكم بحكم آل داود ولا يسأل عن بينة فهذا أيضاً غير مقطوع به ، وانّ صح فتأويله أن يحكم بعلمه فيما يعلمه ، وإذا علم الإمام أو الحاكم أمرا من الأمور فعليه أن يحكم بعلمه ولا يسأل عنه وليس في هذا نسخ الشريعة على أن هذا الّذي ذكروه من ترك قبول الجزية واستماع البينة إن صح لم يكن نسخاً للشريعة لأن النسخ هو ما تأخّر دليله عن الحكم المنسوخ ولم يكن مصطحبا فأمّا إذا اصطحب الدليلان فلا يكون ذلك ناسخاً لصاحبه وانّ كان مخالفه في المعنى ، ولهذا اتّفقنا على أن الله سبحانّه لو قال : ألزموا السّبت إلى وقت كذا ثمَّ لا تلزموه لا يكون نسخاً لأن الدليل الرافع مصاحب للدليل الموجب ، وإذا صحّت هذه الجملة


٣ - محمّد ، عن أحمد بن محمّد ، عن ابن محبوب ، عن هشام بن سالم ، عن عمّار الساباطي قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : بما تحكمون إذا حكمتم ؟ قال : بحكم الله

________________________________________________________

وكان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد أعلمنا بأن القائم من ولده يجب اتّباعه وقبول أحكامه ، فنحن إذا صرنا إلى ما يحكم فينا وانّ خالف بعض الأحكام المتقدّمة غير عاملين بالنسخ لأنّ النسخ لا يدخل فيما يصطحب الدّليل.

الحديث الثالث : موثق « بما تحكمون » قيل : إثبات ألف « بما » شاذّ أو بإشباع الفتحة « إذا حكمتم » على بناء المجرّد المعلوم أو على بناء التفعيل المجهول والمال واحد ، أي قدرتم على الحكم بين الناس وجعل الحكم إليكم « وحكم داود » أي الحكم بالواقع.

والّذي يظهر من الأخبار هو أن داودعليه‌السلام لم يستمرّ على هذا بل حكم به في بعض الوقائع ، وسيأتي في كتاب القضاء عن أبي عبد اللهعليه‌السلام انّه قال : إن داودعليه‌السلام قال : يا ربّ أرني الحقَّ كما هو عندك حتّى أقضي به ، قال : إنك لا تطيق ذلك فألح على ربّه حتّى فعل ، فجاء رجلّ يستدعي على رجلّ فقال : إن هذا أخذ مالي فأوحى الله عزَّ وجلّ إلى داود أن هذا المستعدي قتل أبا هذا وأخذ ماله فأمرّ داود بالمستعدي فقتل وأخذ ماله ودفعه إلى المستعدى عليه ، قال : فعجب الناس وتحدثوا حتّى بلغ داودعليه‌السلام ودخل عليه من ذلك ما كره ، فدعا ربّه أن يرفع ذلك ففعل ، ثمَّ أوحى الله عزَّ وجلّ إليه أن احكم بينهم بالبيّنات وأضفهم إلى اسمي يحلفون به.

وروى الراوندي (ره) في القصص بإسناده الصحيح إلى هشام بن سالم عن أبي عبد الله قال : كان على عهد داودعليه‌السلام سلسلة يتحاكم الناس إليها ، وانّ رجلاً أودع رجلا جوهراً فجحده فدعاه إلى السلسلة فذهب معه إليها وقد أدخل الجوهر في قناة(١) فلـمّا أراد أن يتنأوّل السلسلة قال : له : أمسك هذه القناة حتّى آخذ السلسلة فأمسكها ودنا الرجلّ من السلسلة فتناولها وأخذها وصارت في يده ، فأوحى الله إلى داودعليه‌السلام أن احكم بينهم بالبيّنات وأضفهم إلى اسمي يحلفون به ورفعت السلسلة.

__________________

(١) القناة : العصا.


وحكم داود فإذا ورد علينا الشيء الّذي ليس عندنا ، تلقّانا به روح القدس.

٤ - محمّد بن أحمد ، عن محمّد بن خالد ، عن النضر بن سويد ، عن يحيى الحلبيّ ، عن عمران بن أعين ، عن جعيد الهمدانّي ، عن عليّ بن الحسينعليه‌السلام قال : سألته بأي حكم تحكمون قال : حكم آل داود فإن أعيانا شيء تلقّانا به روح القدس.

٥ - أحمد بن مهرانرحمه‌الله ، عن محمّد بن عليّ ، عن ابن محبوب ، عن هشام بن سالم ، عن عمار الساباطي قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام ما منزلة الأئمّة قال : كمنزلة ذي القرنين وكمنزلة يوشع وكمنزلة آصف صاحب سليمان قال : فبما تحكمون قال : بحكم الله وحكم آل داود وحكم محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ويتلقّانا به روح القدس.

________________________________________________________

« فإذا ورد علينا الشيء الّذي ليس عندنا » أي من أصل الأحكام أو من خصوص الوقائع التي نحكم فيها.

الحديث الرابع : مجهول « فإن أعيانا شيء » أي أعجزنا حكم أو واقعة لا نعلم حقيقتها.

الحديث الخامس : ضعيف على المشهور ، وقد مرّ مثل جزئه الأوّل في باب أن الأئمّةعليهم‌السلام بمن يشبهون ، وكان فيه مكان يوشع وصاحب موسى ، أي في عدم النبوة وكونهم مؤيّدين بروح القدس ملهمين معصومين ، فيدلّ على عدم نبوة يوشع وآصف لكن المشهور كون الأوصيّاًء السابقين أنبياء فيمكن أن يكون التشبيه في محض متابعة نبي آخر وسماع الوحي ، أو يقال : في زمان موسى وسليمان لم يكونا نبيين ، والتشبيه في تلك الحالة ، والحقَّ انّه لم يثبت نبوتهما بل ظاهر أكثر الأخبار وصريح بعضها عدم نبوتهما ، إذ قد ورد في الأخبار الكثيرة الواردة في عدد الأنبياء وعدد الأوصيّاًء مقابلتهما وظاهر المقابلة المغايرة.

وروي في البصائر بسند صحيح عن بريد عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهما‌السلام : كصاحب موسى وذي القرنين ، كانا عالمين ولم يكونا نبيين.

« وحكم محمّد » انّما نسب إليهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لئلا يتوهم أنّهم يعملون بشريعة داود


( باب )

( أن مستقى العلم من بيت آل محمّدعليهم‌السلام )

١ - عدَّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد ، عن ابن محبوب قال : حدَّثنا يحيى بن عبد الله أبي الحسن صاحب الدّيلم قال : سمعت جعفر بن محمّدعليهما‌السلام يقول - وعنده أناس من أهل الكوفة - عجبا للناس أنّهم أخذوا علمهم كلّه عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فعملوا به واهتدوا ويرون أنَّ أهل بيته لم يأخذوا علمه ، ونحن أهل بيته وذرّيّته

________________________________________________________

بل انّما يحكمون بالواقع بحكم محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والنسبة إلى داود على التشبيه ، أو في كيفيّة الحكم يحكمون بحكم داود وفي أصل الحكم بشريعة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أو قد يحكمون بالواقع كداود ، وقد يحكمون بالظاهر كمحمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، باعتبار أن القائمعليه‌السلام يحكم بالواقع وسائرهمعليهم‌السلام غالباً بالظّاهر ، أو يقال : أن القائمعليه‌السلام قد يحكم بالواقع وقد يحكم بالظّاهر لكنّه مخالف لظاهر أكثر الأخبار.

باب أن مستقى العلم من بيت آل محمّدعليهم‌السلام

أقول : الاستقاء إخراج الماء من البئر ونحوها ، أو طلب الماء للشرب والمستقي إما مصدر ميمي أو اسم مفعول ، وعلى الأوّل الإضافة من إضافة المصدر إلى المفعول ، وعلى الثاني من إضافة الصفة إلى الموصوف والأوّل أظهر ، وعلى التقديرين مبنيّ على تشبيه العلم بالماء في أنّ العلم حياة للأرواح كما أنّ الماء حياة للأجساد.

الحديث الأوّل : مجهول.

« صاحب الديلم » ، وهو يحيى بن عبد الله الحسن بن الحسن بن أمير المؤمنينعليهما‌السلام وقد أوردنا بعض أحواله في باب ما يفصل به بين دعوى المحقَّ والمبطل ، ويقال : له صاحب الديلم لالتجائه إليهم كما مرّ « عجباً للناس » أي عجبت عجباً أو هو بتقدير حرف النداء والمراد بالناس المخالفون « أنّهم » بالفتح أي من أنّهم ، وقيل : بدل لقوله عجبا « ويرون » الجملة حاليّة أي يظنّون أن أهل بيته الذين هم أخصّ


في منازلنا نزل الوحي ومن عندنا خرج العلم إليهم أفيرون أنّهم علموا واهتدوا وجهلنا نحن وضللنا إنّ هذا لمحال.

________________________________________________________

النّاس به وأشبههم خلقاً وخلقاً وطينة به ، وقد قال : فيهم : إنّي مخلف فيكم الثقلين الخبر وغيره.

« لم يأخذوا علمه ونحن » أي أنا وآبائي وذريتي وهو مبتدأ خبره « أهل بيته ».

« في منازلنا » استئناف بيانّي والمقصود أنا أعلم بما نزل في منازلنا « أفيرون » استفهام توبيخي « لمحال » بضم الميم اسم مفعول من باب الأفعال أي لممتنع.

قال : السيد بن طاوسرضي‌الله‌عنه في كتاب الطرائف : قال : ابن الخطيب وهو أعلم علماء الأشعرية في كتاب الأربعين في بيان أن علياعليه‌السلام أعلم الصّحابة : أن عليا كان في أصل الخلقة في غاية الذكاء والفطنة والاستعداد للعلم ، وكان محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أفضل الفضلاء وأعلم العلماء وكان عليّعليه‌السلام في غاية الحرص في طلب العلم ، وكان محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في غاية الحرص في تربيته وإرشاده إلى اكتساب الفضائل.

ثمَّ إن عليّاًعليه‌السلام ربي في صغره في حجر محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وفي كبره صار ختنا له وكان يدخل إليه في كل الأوقات ، ومن المعلوم أن التلميذ إذا كان في غاية الذكاء والحرص في التعلم وكان الأستاد في غاية الفضل وفي غاية الحرص على التعليم ، ثمَّ اتفق لمثل هذا التلميذ أن يتصل بخدمة هذا الأستاد من زمان الصغر وكان ذلك الاتصال بخدمته حاصلا في كل الأوقات ، فانّه يبلغ ذلك التلميذ مبلغا عظيما وهذا بيان إجمالي في أن علياعليه‌السلام كان أعلم الصّحابة ، فأمّا أبو بكر فانّه انّما اتصل بخدمته في زمان الكبر ، وأيضاً ما كان يصل إلى خدمته في اليوم والليلة إلّا مرّة واحدة زمانا يسيراً ، وأما عليّ فانّه اتصل بخدمته في زمان الصغر ، وقد قيل : العلم في الصغر كالنقش في الحجر ، والعلم في الكبر كالنقش في المدر ، فثبت لـمّا ذكرنا أن علياعليه‌السلام كان أعلم من أبي بكر ، انتهى.


٢ - عليًّ بن محمّد بن عبد الله ، عن إبراهيم بن إسحاق الأحمرّ ، عن عبد الله بن حمّاد ، عن صباح المزني ، عن الحارث بن حصيرة ، عن الحكم بن عتيبة قال : لقي رجلّ الحسين بن عليّعليه‌السلام بالثعلبيّة وهو يريد كربلاء فدخل عليه فسلمّ عليه فقال : له الحسينعليه‌السلام من أيّ البلاد أنت ؟ قال : من أهل الكوفة قال : أما والله يا أخا أهل الكوفة لو لقيتك بالمدينة لأريتك أثر جبرئيلعليه‌السلام من دارنا ونزوله بالوحي على جدّي يا أخا أهل الكوفة أفمستقى الناس العلم من عندنا فعلموا وجهلنا هذا ما لا يكون.

( باب )

( انه ليس شيء من الحق في يد الناس إلّا ما خرج من عند الأئمة )

(عليهم‌السلام وان كل شيء لم يخرج من عندهم فهو باطل )

١ - عليُّ بن إبراهيم بن هاشم ، عن محمّد بن عيسى ، عن يونس ، عن ابن مسكان ، عن محمّد بن مسلم قال : سمعت أبا جعفرعليه‌السلام يقول ليس عند أحد من الناس حقٌ ولا صوابٌ ولا أحدٌ من الناس يقضي بقضاء حقَّ إلّا ما خرج منّا أهل البيت وإذا تشعّبت

________________________________________________________

الحديث الثاني : ضعيف ، والمزني : بضمّ الميم وفتح الراء نسبة إلى مزينة قبيلة.

وقال : الجوهري : الثعلبية موضع بين الكوفة ومكّة « أثر جبرئيل » أي الموضع الّذي كان يقف فيه جبرئيل ويستأذن على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو معروف الآن ، ويقال : للباب القريب منه باب جبرئيل ، أو كان في أصل الدار موضع معروف بانّه موضع جبرئيل ، أو كان بقي أثر منه كمقام إبراهيم « ونزوله » عطف على جبرئيل أي أثر نزوله.

باب انه ليس شيء من الحق في أيدي الناس إلا ما خرج من عند الأئمة

عليهم‌السلام وان كل شيء لم يخرج من عندهم فهو باطل

الحديث الأوّل : صحيح.

« إلَّا ما خرج » استثناء عن كلّ من الثلاثة المذكورة « وإذا تشعبّت » أي


بهم الأمور كان الخطاء منهم والصواب من عليّعليه‌السلام .

٢ - عدَّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد ، عن ابن أبي نصر ، عن مثنّى ، عن زرارة قال : كنت عند أبي جعفرعليه‌السلام فقال : له رجلّ من أهل الكوفة يسأله عن قول أمير المؤمنينعليه‌السلام سلوني عمّا شئتم فلا تسألوني عن شيء إلّا أنبأتكم به قال : انّه ليس أحد عنده علم شيء إلّا خرج من عند أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فليذهب الناس حيث شاؤوا ، فو الله ليس الأمر إلّا من ههنا ، وأشار بيده إلى بيته.

________________________________________________________

تفرّقت « بهم الأمور » الباء للتعدية والضمير للصحابة المعروفين وتابعيهم أي فرّقتهم وو أبانتهم الأمور « من عليّعليه‌السلام » وكذا أولاده المعصومينعليهم‌السلام ، وقد روت العامّة بطرق كثيرة أن علياعليه‌السلام مع الحقَّ والحقَّ مع عليّ حيثما دار ، واعترف ابن أبي الحديد وغيره بصحته ورووا بطرق مستفيضة : أقضاكم علىّ.

الحديث الثاني : حسن.

« سلوني عمّا شئتم » هذا مقام لم يقم فيه أحد غيرهعليه‌السلام إلّا افتضح كما اعترف به المخالف والمؤالف ، وقد روى ابن عبد البرّ في الاستيعاب عن جماعة من الرواة والمحدثين قالوا : لم يقل أحد من الصحابة : سلوني ، إلّا علي بن أبيطالب.

وقال : ابن أبي الحديد روى شيخنا أبو جعفر الإسكافي في كتاب نقض العثمانية عن عليّ بن الجعد عن ابن شبرمة قال : ليس لأحد من الناس أن يقول على المنبر سلوني إلّا عليّ بن أبي طالب.

وقال : السيد (ره) : في الطرائف روى أحمد بن حنبل في مسنده عن سعيد قال : لم يكن أحد من أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : سلوني إلّا عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام .

« عنده علم » قيل : أي بمتشابه القرآن ونحوه من المسائل المختلف فيها بين الصّحابة « فليذهب » أمر على التهديد نحو «اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ »(١) .

« ليس الأمر » أي العلم الحقّ الذي لا ريب فيه « إلى بيته » المراد بيت النبوة لا خصوص البيت.

__________________

(١) سورة فصلت : ٤٠.


٣ - عدَّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد ، عن الوشّاء ، عن ثعلبة بن ميمون ، عن أبي مريم قال : قال : أبو جعفرعليه‌السلام لسلمة بن كهيل والحكم بن عتيبة شرّقا وغرّبا فلا تجدان علماً صحيحاً إلّا شيئاً خرج من عندنا أهل البيت.

٤ - محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن الحسين بن سعيد ، عن النضر بن سويد ، عن يحيى الحلبيّ ، عن معلّى بن عثمان ، عن أبي بصير قال : قال لي : إن الحكم بن عتيبة ممّن قال : الله «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ » فليشرّق الحكم وليغرّب ، أما والله لا يصيب العلم إلّا من أهل بيت نزل عليهم جبرئيل.

________________________________________________________

الحديث الثالث : صحيح.

وسلمة كان زيدياً بتريّاً(١) ، وكذا الحَكَم ، وكانا من فقهاء العامة وقد ورد لعنهما وذمّهما في أخبار كثيرة عن أهل البيتعليهم‌السلام « شرّقا وغرّبا » على بناء التفعيل أمران للتهديد كما مرّ ، والتشريق والتغريب كنايتان عن الخروج عن الطريقة الوسطى والصراط المستقيم ، أو هما على المثال ، والمراد اذهبا حيث شئتما ، وأهل البيت منصوب على الاختصاص ، والمقصود إبطال طريقة فقهاء العامّة والزيديّة الموافقين لهم في أكثر الفروع والأصول ، وذكر الشهرستاني أنّ زيداً طلب العلم من عند وأصل بن عطاء رئيس المعتزلة.

الحديث الرابع : صحيح.

وضمير « قال » لأبي جعفرعليه‌السلام ، لـمّا رواه الكشّي عن أبي بصير قال : سمعت أبا جعفرعليه‌السلام يقول : إنّ الحكم بن عتيبة وكثير النواء وأبا المقدام والتمار يعنّي سالـماً أضلّوا كثيراً ممن ضل هؤلاء وإنّهم ممّن قال : الله عزَّ وجلّ : «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ

__________________

(١) قال : الطريحي (ره) : البترية - بضم الموحدة فالسكون - فرق من الزيديّة ، قيل : نسبوا إلى المغيرة بن سعد ولقبه الأبتر ، وقيل البُترية هم أصحاب كثير النواء الحسن بن أبي صالح والحكم بن عتبة وسلمة بن كهيل وأبو المقدام ثابت الحداد وهم الذين دعوا إلى ولاية عليّعليه‌السلام فخلطوها بولاية أبي بكر وعمرّ ، ويثبتون لهم الإمامة ويبغضون عثمان وطلحة وزبير وعايشة ويرون الخروج مع ولد عليّعليه‌السلام .


٥ - عليّ بن إبراهيم ، عن صالح بن السنديّ ، عن جعفر بن بشير ، عن أبان بن عثمان ، عن أبي بصير قال : سألت أبا جعفرعليه‌السلام - عن شهادة ولد الزنا تجوز فقال : لا فقلت إن الحكم بن عتيبة يزعم أنّها تجوز فقال : اللّهمّ لا تغفر ذنبه ما قال : الله للحكم «انّه لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ »(١) فليذهب الحكم يميناً وشمالاً ، فو الله لا يؤخذ العلم إلّا من أهل بيت نزل عليهم جبرئيلعليه‌السلام .

٦ - عدَّة من أصحابنا ، عن الحسين بن الحسن بن يزيد ، عن بدر ، عن أبيه قال : حدَّثني سلام أبو عليّ الخراساني ، عن سلام بن سعيد المخزومي قال : بينا أنا جالس عند أبي عبد اللهعليه‌السلام إذ دخل عليه عباد بن كثير عابد أهل البصرة وابن شريح فقيه أهل مكّة وعند أبي عبد اللهعليه‌السلام ميمون القدّاح مولى أبي جعفرعليه‌السلام فسأله عباد بن كثير فقال : يا أبا عبد الله في كم ثوب كفّن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : في ثلاثة أثواب ثوبين صحاريين وثوب حبرة وكان في البرد قلّة ، فكانّما ازورَّ عباد بن كثير من

________________________________________________________

يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ »(٢) .

الحديث الخامس : مجهول.

« ما قال : الله » ما نافية « للحكم » أي لأجلّ أن يدخل الحكم في المراد من قومك وضمير «انّه » للقرآن والخطاب للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «لَذِكْرٌ لَكَ » أي مفيد للعلم بكل ما تحتاج إليه «وَلِقَوْمِكَ » أي أوصيائهعليهم‌السلام .

الحديث السادس : مجهول.

« وابن شريح » قيل : اسمه محمّد أو معاوية أو ثابت ، والقداح بالتشديد من يبري القداح أي السّهام ، قال : في النهاية : فيه كفّن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في ثوبين صحاريين صحار بالضمّ قرية باليمن نسب الثوب إليها ، وقيل : هو من الصحرة بالضمّ والسكون وهي حمرة خفيّة كالغبرة ، يقال : ثوب أصحر وصحاريّ ، انتهى.

والحبرة كعنبة ضرب من برود اليمن ذكره الفيروزآبادي ، وقال : البرد

__________________

(١) سورة الزخرف : ٤٣.

(٢) سورة البقرة : ٨.


ذلك ، فقال : أبو عبد اللهعليه‌السلام إنّ نخلة مريمعليها‌السلام إنّما كانت عجوة ونزلت من السماء فما نبت من أصلها كان عجوة وما كان من لقاط فهو لون فلـمّا خرجوا من عنده قال : عباد بن كثير لابن شريح والله ما أدري ما هذا المثل الّذي ضربّه لي أبو عبد الله ، فقال

________________________________________________________

بالضمّ ثوب مخطّط وكان المراد بالبرد هنا الحبرة وهو اعتذار عن عدم جعل الجميع حبرة فإنّها أفضل ، أو انّه مع قلتها كفن فيها لاستحبابها.

وقال الجوهري : الازورار عن الشيء العدول عنه ، وقد أزور عنه ازورارا وازوار عنه تزاوراً بمعنى عدل عنه وانحرف ، وازورار الملعون لا يعلم وجهه ، مع أنّهم أيضاً رووا هذا الخبر في كتبهم كما ذكره الجزري والزمخشري وغيرهما ، إلّا أن يكون لـمّا يفهم من كلامهعليه‌السلام من أن عدم جعل الجميع حبرة لقلتها.

وقيل : لما روي في طرقهم انّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كفن في ثلاثة أثواب سحولية وهو ضعيف ، ويمكن أن يكون عدم إذعانّه لعدم صحّة هذه الرواية عنده ، وانّه كان يزعم أن الأثواب كانت أكثر من ذلك كما يومئ إليه بعض الأخبار.

« انّما كانت عجوة » في النهاية : العجوة نوع من تمرّ المدينة أكبر من الصيحأنّي ، يضرب إلى السواد من غرس النبيّ ، وفي الصحاح ضرب من أجواد التمرّ بالمدينة ونخلتها تسمى لينة ، انتهى.

وقيل : اللقاط بالكسرّ جمع لقط بالتحريك وهو ما يلتقط من هيهنا وهيهنا من النوى ونحوه ، وبالضمّ الساقط الرديء ، وفي القاموس : لقطه أخذه من الأرض ، واللقاطة بالضمّ ما كان ساقطا ممّا لا قيمة له وكسحاب : السنبل الّذي تخطئه المناجلّ(١) والألقاط الأوباش.

وقال : اللون النوع والدقل من النخل ، وهو جماعة واحدتها لونة بالضمّ ولينة بالكسرّ ، وقال : الدقل محركة أردء التمرّ وفي المصباح المنير : اللون جنس من التمرّ وقال : بعضهم : أهل المدينة يسمون كله الألوان ما خلا البرني والعجوة.

__________________

(١) المناجل جمع المنجل : ما يحصد به الزرع ، وبالفارسية « داس ».


ابن شريح هذا الغلام يخبرك فانّه منهم يعنّي ميمون فسأله فقال : ميمون أما تعلم ما قال : لك قال : لا والله قال : انّه ضرب لك مثل نفسه فأخبرك انّه ولد من ولد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وعلم رسول الله عندهم ، فما جاء من عندهم فهو صواب وما جاء من عند غيرهم فهو لقاط.

( باب )

( فيما جاء أن حديثهم صعب مستصعب )

١ - محمّد بن يحيى ، عن محمّد بن الحسين ، عن محمّد بن سنان ، عن عمّار بن مروان ، عن جابر قال : قال : أبو جعفرعليه‌السلام قال : رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إنّ حديث آل محمّد صعب مستصعب لا يؤمن به إلّا ملك مقرّب أو نبيُّ مرسل أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان ،

________________________________________________________

وميمون القدّاح هو المكّي وقال : الشيخ في الرّجال : انّه مولى بنيّ هاشم ، وقال : ابن داود : هو ملعون ولا عبرة به ، وهذا الخبر يدلّ على مدحه وانّه كان من العارفين بفضلهمعليهم‌السلام .

وقوله : فانّه منهم ، أي من مواليهم وموالي القوم منهم ، أو من خواصهم العارفين بأسرارهم.

باب فيما جاء أن حديثهم صعب مستصعب

الحديث الأوّل : ضعيف على المشهور معتبر عندي.

« صعب مستصعب » : الصعب بالفتح العسرّ الآبي ، والمستصعب بكسرّ العين ، أو بفتحها مبالغة في الصعب ، أو الصعب ما يكون صعبا في نفسه ، والمستصعب ما يعدّه الناس صعباً ، قال : الفيروزآبادي : الصعب العسرّ والآبي ، واستصعب الأمر صار صعباً ، والشيء وجدّه صعباً لازم متعدّ.

وقال : في بصائر الدرجات قال : عمير الكوفي : معنى حديثنا صعب لا يحتمله ملك مقرب أو نبي مرسل ، فهو ما رويتم أن الله تبارك وتعالى لا يوصف ، ورسوله لا يوصف ،


فما ورد عليكم من حديث آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله فلانت له قلوبكم وعرفتموه فاقبلوه وما اشمأزّت منه قلوبكم وأنكرتموه فردُّوه إلى الله وإلى الرّسول وإلى العالم من آل

________________________________________________________

والمؤمن لا يوصف ، فمن احتمل حديثهم فقد حدّهم ، ومن حدهم فقد وصفهم ، ومن وصفهم بكمالهم فقد أحاط بهم وهو أعلم منهم ، وقال : نقطع عمّن دونه فنكتفي بهم لانّه قال : صعب على كل أحد حيث قال : صعب ، فالصعب لا يركب ولا يحمل عليه ، لانّه إذا ركب وحمل عليه فليس بصعب.

وقال : المفضّل قال : أبو جعفرعليه‌السلام : إن حديثنا صعب مستصعب ذكوانّ أجود(١) لا يحتمله ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا عبد امتحن الله قلبه للإيمان ، أما الصعب فهو الّذي لم يركب بعد ، وأما المستصعب فهو الّذي يهرب منه إذا رأى ، وأما الذكوانّ فهو ذكاء المؤمنين وأما الأجود فهو الّذي لا يتعلق به شيء من بين يديه ولا من خلفه ، هو قول الله : «نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ » فأحسن الحديث حديثنا ، لا يحتمل أحد من الخلائق أمره بكماله حتّى يحده ، لأن من حد شيئاً فهو أكبر منه ، وقد شرحنا الخبر في كتابنا الكبير.

وهذه الأحاديث أكثرها في غرائب شؤونهم ونوادر أحوالهم ومعجزاتهم ، وبعضها في غوامض علوم المبدأ والمعاد وعويصات مسائل القضاء والقدر وأمثال ذلك ممّا تعجز عن إدراكها العقول.

« فما ورد عليكم » من كلام أبي جعفرعليه‌السلام ، وقال : الجوهري : اشمأز انقبض واقشعر « فردّوه » أي قولوا الله ورسوله والعالم من آل محمّد يعلمون معناه وما أرادوا به ، ولا يبلغ فهمنا إليه أو المعنى سلوا معناه عنهم حتّى تفهموا وتلين له قلوبكم إشارة إلى قوله تعالى : «وَلَوْ ردّوه إِلَى الرّسول وَإِلى أُولِي الأمر مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الّذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ »(٢) .

__________________

(١) سيأتي تفسيره.

(٢) سورة النساء : ٧٣.


محمّد وانّما الهالك أن يحدّث أحدكم بشيء منه لا يحتمله ، فيقول : والله ما كان هذا والله ما كان هذا ، والإنكار هو الكفر.

________________________________________________________

« وانّما الهالك » أي هلاك الهالك ، وفي بعض النسخ انّما الهلاك ، وهو أصوب ، وفي البصائر بسند آخر فإن الشقي الهالك الّذي يقول والله ما كان هذا.

« أن يحدّث » على بناء المجهول من التفعيل قوله : والإنكار هو الكفر ، أي إنكاره مع العلم بانّه من المعصومعليه‌السلام أو المراد بالكفر ما يقابل كمال الإيمان وهو التسليم التّام ، وعلى التقادير لعلّه محمول على ما إذا لم يعلم قطعا بطلانه وعدم صدوره عنهمعليهم‌السلام .

كما روي في البصائر بإسناده عن سفيان بن السمط قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام جعلت فداك إن الرجلّ ليأتينا من قبلك فيخبرنا عنك بالعظيم من الأمر فيضيّق بذلك صدورنا حتّى نكذبه؟ فقال : أبو عبد اللهعليه‌السلام : أليس عنّي يحدثكم؟ قال : قلت : بلى ، قال : فيقول : لليل انّه نهار ولنهار انّه ليل؟ قال : فقلت له : لا ، قال : رده إلينا فإنك إن كذبت فانّما تكذبنا.

وروى الصدوق في العلل بإسناده الصحيح عن أبي بصير عن أحدهماعليهما‌السلام قال : لا تكذبوا بحديث أتاكم به مرجىء ولا قدري ولا خارجي نسبه إلينا ، فإنكم لا تدرون لعله شيء من الحقَّ فتكذبوا الله عزَّ وجلّ فوق عرشه.

ويؤيد التأويل الثاني ما رواه الصدوقرحمه‌الله في معأنّي الأخبار بإسناده عن عبد الغفار الجازي قال : حدَّثني من سأله يعنّي الصادقعليه‌السلام هل يكون كفر لا يبلغ الشرك؟ قال : إن الكفر هو الشرك ثمَّ قام فدخل المسجد فالتفت إلى وقال : نعم الرجلّ يحمل الحديث إلى صاحبه فلا يعرفه فيرده عليه فهي نعمّة كفرها ولم يبلغ الشرك.

ويحتمل أن يكون المراد بالخبر التكذيب الّذي يكون بمحض الرأي من غير أن يعرضه على الآيات والأخبار المتواترة ، وأيضاً فرق بين عدم رد الخبر وتكذيبه


٢ - أحمد بن إدريس ، عن عمران بن موسى ، عن هارون بن مسلم ، عن مسعدَّة بن صدقة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : ذكرت التقيّة يوماً عند عليّ بن الحسينعليه‌السلام فقال : والله لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله ولقد آخى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله

________________________________________________________

وبين قبوله والعمل به ، كما روى الصدوقرحمه‌الله في معأنّي الأخبار بإسناده عن إبراهيم قال : قال : رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إلّا هل عسى رجلّ يكذبنيّ وهو على حشإيّاه(١) متكئ قالوا : يا رسول الله ومن الّذي يكذبك؟ قال : الّذي يبلغه الحديث فيقول : ما قال : هذا رسول الله قط ، فما جاءكم عنّي من حديث موافق للحقَّ فأنا قلته ، وما أتاكم عنّي من حديث لا يوافق الحقَّ فلم أقله ولن أقول إلّا الحق.

وروى الصفار في البصائر بإسناده عن أبي عبيدة قال : قال : أبو جعفرعليه‌السلام : من سمع من رجل أمراً لم يحط به علـمّا فكذب به ومن أمره الرضا بنا والتسليم لنا ، فإن ذلك لا يكفره.

ولعلّ المعنى انّه إذا كان تكذيبه للمعنى الّذي فهمه وعلم انّه مخالف لـمّا علم صدوره عنا وكان في مقام الرضا والتسليم ويقر بانّه بأي معنى صدر من المعصوم فهو الحقَّ فذاك لا يصير سبباً لكفره.

الحديث الثاني : ضعيف.

« ذكرت » على بناء المجهول « ما في قلب سلمان » أي من مراتب معرفة الله ومعرفة النبيّ والأئمّة صلوات الله عليهم وغيرها ممّا ذكرنا سابقاً فلو كان أظهر سلمان له شيئاً من ذلك كان لا يحتمله ويحمله على الكذب والارتداد ، أو العلوم والأعمال الغريبة التي لو أظهرها له لحملها على السحر فقتله ، أو كان يفشيه فيصير سبباً لقتل سلمان ، وقيل : الضمير المرفوع راجع إلى العلم والمنصوب إلى أبي ذر أي لقتل ذلك العلم أبا ذر أي كان لا يتحمله عقله فيكفر بذلك ، أو المعنى لو ألقى إليه تلك الأسرار وأمرّ بكتمانها لمات من شدة الصبر عليها ، أو لا يتحمل سرّه وصيانته فيظهره للناس

__________________

(١) الحشايا - جمع الحشية - الفراش المحشو أي المملو قطناً أو نحوه.


بينهما ، فما ظنّكم بسائر الخلق ، إنَّ علم العلماء صعب مستصعب لا يحتمله إلّا نبي مرسل أو ملك مقرب أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان فقال : وانّما صار سلمان

________________________________________________________

فيقتلونه.

ويأبى عنه ما رواه الكشّي بإسناده عن جابر عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : دخل أبو ذر على سلمان وهو يطبخ قدرا له ، فبينا هما يتحدثان إذا انكبت القدر على وجهها على الأرض فلم يسقط من مرقها ولا من ودكها فعجب من ذلك أبو ذر عجباً شديداً وأخذ سلمان القدر فوضعها على حالها الأوّل على النار ثانية ، وأقبلا يتحدّثان فبينا هما يتحدثان إذا انكبت القدر على وجهها فلم يسقط منها شيء من مرقها ولا ودكها(١) ، قال : فخرج أبو ذر وهو مذعور من عند سلمان ، فبينما هو متفكّر إذ لقي أمير المؤمنينعليه‌السلام على الباب فلـمّا أن بصر به أمير المؤمنين قال : له : يا با ذر ما الّذي أخرجك من عند سلمان؟ وما الّذي ذعرك؟ فقال : أبو ذر : يا أمير المؤمنين رأيت سلمان صنع كذا وكذا فعجبت من ذلك! فقال : أمير المؤمنينعليه‌السلام : يا أبا ذر إنّ سلمان لو حدثك بما يعلم لقلت رحم الله قاتل سلمان ، إن سلمان باب الله في الأرض : من عرفه كان مؤمناً ومن أنكره كان كافراً ، وانّ سلمان منا أهل البيت.

وروى خطبة لسلمانرضي‌الله‌عنه قال : فيها : فقد أوتيت العلم كثيرا ، ولو أخبرتكم بكل ما أعلم لقالت طائفة لمجنون ، وقالت طائفة أخرى اللّهم اغفر لقاتل سلمان.

أقول : فظهر أن المعنى هو ما ذكرنا أولاً ، وقد قيل : وذلك لأن مكنون العلم عزيز المنال دقيق المدرك ، صعب الوصول يقصر عن وصوله الفحول من العلماء ، فضلاً عن الضعفاء ، ولهذا انّما يخاطب الجمهور بظواهر الشرع ومجملاته دون إسراره وأغواره لقصور إفهامهم عن إدراكها ، وضيّق حواصلهم عن احتمالها ، إذ لا يسعهم الجمع بين الظّاهر والباطن ، فيظنون تخالفهما وتنافيهما ، فينكرون فيقتلون ، انتهى.

وأقول : بل الظّاهر أن كلا من الخلق لا سيّما المقربين يحتمل علـمّا لا يحتمله

__________________

(١) الودك : الدسم والشحم.


من العلماء لانّه امرؤ منا أهل البيت فلذلك نسبته إلى العلماء.

٣ - عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن البرقي ، عن ابن سنان أو غيره رفعه إلى أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : إن حديثنا صعب مستصعب لا يحتمله إلّا صدور منيرة أو قلوب سليمة أو أخلاق حسنة إن الله أخذ من شيعتنا الميثاق كما أخذ على بنيّ آدم

________________________________________________________

الآخر ، كما روى الكشّي بإسناده عن أبي بصير قال : سمعت أبا عبد الله يقول : قال : رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا سلمان لو عرض علمك على مقداد لكفر ، يا مقداد لو عرض علمك على سلمان لكفر.

قوله : من العلماء ، أي الكاملين الربانيين أو علماء أهل البيتعليهم‌السلام لانّه أمرّ منا لفرط اختصاصه بنا وانقطاعه إلينا واقتباسه من أنوارنا ، ولذلك نسبته بصيغة المتكلّم أو المصدر ، فتدبر.

الحديث الثالث : ضعيف « إلّا صدور منيرة » بأنوار القابلية والهداية ، والكمال « أو قلوب سليمة » من الشك والشرك والحقد والنفاق ، كما قال : تعالى : «إلّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ »(١) « أو أخلاق حسنة » أي ذوو أخلاق ، ولعلّ أو هنا للتخيير في التعبير ، نحو «أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ »(٢) ويؤيده أن في بعض الروايات بالواو ، ويحتمل أن يكون المراد بالأوّل الملائكة وبالثاني الأنبياء والأوصيّاًءعليهم‌السلام ، وبالثالث العبد المؤمن الّذي امتحن الله قلبه للإيمان ، على سياق سائر الأخبار ، أو بالأوّل الأنبياء والأوصيّاًء ، وبالثاني الكمل من المؤمنين ، وبالثالث سائر الشيعة بأن يكون المراد بالحديث الولاية ومعرفتهم على الكمال في الجملة.

« إن الله أخذ من شيعتنا » أي ممن يمكن أن يكون منهم أو التخصيص بهم باعتبار أنّهم المنتفعون به ليصح التقسيم المذكور بعد ذلك ، وللأخبار الدالة على أن ميثاق الولاية مأخوذ عن الجميع ، وقيل : يعنّي أخذ من شيعتنا الميثاق بولايتنا ، واحتمال حديثنا بالقبول والكتمان ، كما أخذ على سائر بنيّ آدم الميثاق بربوبيته.

__________________

(١) سورة الشعراء : ٨٩.

(٢) سورة البقرة : ١٩.


«أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ » فمن وفى لنا وفى الله له بالجنّة ومن أبغضنا ولم يؤدّ إلينا حقّنا ففي النار خالداً مخلّداً.

٤ - محمّد بن يحيى وغيره ، عن محمّد بن أحمد ، عن بعض أصحابنا قال : كتبت إلى أبي الحسن صاحب العسكرعليه‌السلام جعلت فداك ما معنى قول الصادقعليه‌السلام حديثنا لا يحتمله ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان فجاء الجواب انّما معنى قول الصادقعليه‌السلام أي لا يحتمله ملك ولا نبي ولا مؤمن إن

________________________________________________________

وقال : المحدّث الأسترآباديقدس‌سره : أقول : قد وقع التصريح في كلامهمعليهم‌السلام بأن فعل الأرواح في عالم الأبدان موافق لفعلهم يوم الميثاق ، فالمراد : من وفى لنا في عالم الأرواح وعالم الأبدان بما كلفهم الله من التسليم لنا ، انتهى.

« ومن أبغضنا » الظّاهر أن المراد بالبغض عدم أداء حقهم وعدم الإقرار بإمامتهم ، فالعطف في قوله : « ولم يؤد » للتفسير ، أو الواو بمعنى أو فيدلّ على خلود المخالفين في النار ، وقوله : مخلدا تأكيد.

الحديث الرابع : مرسل.

« لا يحتمله » أي لا يصبر ولا يطيق كتمانّه لشدة حبه لهم وحرصه على ذكر فضائلهم ، حتّى ينقله إلى آخر فيحدّثه به والحاصل أن هذا الاحتمال غير الاحتمال الوارد في الأخبار المتضمنة للاستثناء ، فلا تنافي بينهما ، ويمكن أن يكون منشأ السؤال توهم التنافي أو استبعاد أن يكون هؤلاء غير قابلين لحمله وفهمه ، ويمكن أن يكون هذا الحديث أيضاً من العلوم التي لا تحتملها عقول أكثر الخلق ، فلذا أولهعليه‌السلام بما ترى لئلا يصير سبباً لإنكارهم ونفورهم.

وروى الصدوقرضي‌الله‌عنه في معأنّي الأخبار بإسناده عن سدير قال : سألت أبا عبد الله عن قول أمير المؤمنينعليه‌السلام إن أمرنا صعب مستصعب لا يقر به إلّا ملك مقرب أو نبي مرسل أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان؟ فقال : إن في الملائكة مقرّبين وغير مقرّبين ، ومن الأنبياء مرسلين وغير مرسلين ، ومن المؤمنين ممتحنين وغير


الملك لا يحتمله حتّى يخرجه إلى ملك غيره والنبيُّ لا يحتمله حتّى يخرجه إلى نبي غيره والمؤمن لا يحتمله حتّى يخرجه إلى مؤمن غيره فهذا معنى قول جديعليه‌السلام .

٥ - أحمد بن محمّد ، عن محمّد بن الحسين ، عن منصور بن العبّاس ، عن صفوان بن يحيى ، عن عبد الله بن مسكان ، عن محمّد بن عبد الخالق وأبي بصير قال : قال : أبو عبد اللهعليه‌السلام يا أبا محمّد إن عندنا والله سرّاً من سرّ الله وعلـمّا من علم الله والله ما يحتمله ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان والله ما كلف الله ذلك أحداً غيرنا ولا استعبد بذلك أحداً غيرنا وانّ عندنا سرّاً من سرّ الله وعلـمّا من علم الله أمرنا الله بتبليغه فبلغنا عن الله عزَّ وجلّ ما أمرنا بتبليغه فلم نجدّ له موضعاً ولا أهلا ولا حمالة يحتملونه حتّى خلق الله لذلك أقواماً ، خلقوا من طينة خلق منها

________________________________________________________

ممتحنين ، فعرض أمركم هذا على الملائكة فلم يقر به إلّا المقربون ، وعرض على الأنبياء فلم يقر به إلّا المرسلون ، وعرض على المؤمنين فلم يقر به إلّا الممتحنون ، فلعلّ المراد به الإقرار التام الّذي يكون عن معرفة تامّة بعلو قدرهم وغرائب شأنّهم ، فلا ينافي عدم إقرار بعض الملائكة والأنبياء هذا النوع من الإقرار عصمتهم وطهارتهم ، وكذا القول في الخبر الآتي.

الحديث الخامس : ضعيف على المشهور.

« ولا استعبد » تأكيد « فبلغناه عن الله » كذا في أكثر النسخ ، فقوله : ما أمرنا ، بدل من الضمير ، وفي بعض النسخ كما في غيره من الكتب بدون الضمير ، وفي بعض الكتب ليس ما أمرنا بتبليغه « فلم نجدّ » أي حين أردنا تبليغه « موضعا ولا أهلا ولا حمالة » بفتح الحاء وشد الميم جمع الحامل ، ويحتمل أن يكون التاء للمبالغة ، وفي كتاب رياض الجنان ولا حملة والكلّ بمعنى واحد على التأكيد ، أو المراد بالموضع القابل وبالأهل المستعدّ للقبول ، وبالحمالة طائفة يحفظون الألفاظ بلا زيادة ونقصان لمحض الرواية لغيرهم ، بدون إيمان بمعناه ، ولا استعداد للإيمان به كما سيأتي ، فرب حامل فقه غير فقيه.


محمّد وآله وذرّيّتهعليهم‌السلام ومن نور خلق الله منه محمداً وذريته وصنعهم بفضل رحمته التي صنع منها محمداً وذريته فبلغنا عن الله ما أمرنا بتبليغه فقبلوه واحتملوا ذلك فبلغهم ذلك عنا فقبلوه واحتملوه وبلغهم ذكرنا فمالت قلوبهم إلى معرفتنا وحديثنا فلو لا أنّهم خلقوا من هذا لـمّا كانوا كذلك لا والله ما احتملوه ثمَّ قال : إن الله خلق أقواما لجهنم والنار فأمرنا أن نبلغهم كما بلغناهم واشمأزوا من ذلك ونفرت قلوبهم وردّوه علينا ولم يحتملوه وكذبوا به وقالوا «ساحِرٌ كَذَّابٌ فطَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ ».

________________________________________________________

وقيل هذا الكلام إخبار عمّا وقع متّصلا بوفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من انحراف جميع الناس من الحقَّ إلى الباطل إلّا نادراً كالمعدوم « وأقواماً » عبارة عن الشيعة الّذين آمنوا بأهل البيتعليهم‌السلام بعد قتل عثمان وكثروا.

وأقول : يمكن أن يقول ضمير عندنا للأئمّةعليهم‌السلام ، والأربعة الّذين كانوا مؤمنين ولم يرتدوا كانوا من أصحاب الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والكاملون من أصحاب أمير المؤمنين وسائر الأئمّةعليهم‌السلام خلقوا بعد ذلك.

قولهعليه‌السلام فبلغهم ذلك عنا ، أي بواسطة الرواة الثقات كما في البعداء في زمان حضور الإمام ، وكما في جميع الشيعة في زمان غيبته ، وقيل : هو مطاوع بلغنا ذكر للتأكيد.

« لا والله ما احتملوه » تأكيد لقوله : ما كانوا كذلك « لجهنم » اللام للعاقبة كما قالوا في قوله تعالى : «وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ »(١) .

« كما بلغناهم » أي كما بلغنا الأولين لم يكن تفاوت بينهما ، وقيل : الضمير لأهل جهنم أي لم تقصر في التبليغ المأمور به وهو بعيد ، وفي الكلام حذف يعنّي فبلغناهم فما قبلوه.

__________________

(١) سورة الأعراف : ١٧٩.


وأنساهم ذلك ثمَّ أطلق الله لسانهم ببعض الحقَّ ، فهم ينطقون به و «قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ » ليكون ذلك دفعا عن أوليائه وأهل طاعته ولو لا ذلك ما عبد الله في أرضه ، فأمرنا بالكف عنهم والستر والكتمان فاكتموا عمّن أمرّ الله بالكف عنه واستروا عمّن أمر الله بالستر

________________________________________________________

وفي رياض الجنان وأمرنا أن نبلغهم ذلك فبلغناه فاشمأزت قلوبهم منه ونفروا عنه ، وهنا : ونفرت قلوبهم عطف تفسير لاشمأزوا وردّوه علينا ، ولو كانوا ردّوه إليهم لكان خيراً لهم ولكن لسوء طينتهم ردّوه عليهم وكذبوا به و «فَقالُوا ساحِرٌ كَذَّابٌ » قيل أي عالم بالغرائب التي لا نعلمها نحن ويروّج بها كذبه.

« فطبع الله » أي ختم كناية عن الخذلان ، وقال : المحدّث الأسترآباديرحمه‌الله : صريح في أن إضلال الله بعض عباده من باب المجازات لا ابتداء كما زعمته الأشاعرة ، انتهى.

« وأنساهم ذلك » أي إنكارهم للحقَّ أو تنافي ما يذكرونه ويروونه لـمّا يظهرون من معتقدهم « ثمَّ أطلق الله » أي أجرى على لسانهم بعض الحقَّ كما رواه محدثو المخالفين من الأخبار الدالة على إمامة أمير المؤمنينعليه‌السلام وعدم قابلية خلفائهم الضالين للخلافة واعترافهم بكون أمير المؤمنينعليه‌السلام أفضل وأعلم وأشجع وأعبد وأورع ممن قدموه عليه وأمثال ذلك ممّا احتجت الشيعة عليهم أخذا من كتبهم المعتبرة « ليكون ذلك » أي إطلاق ألسنتهم ببعض الحقَّ دفعا عن أوليائه شبه المخالفين وتشنيعهم وإفراط جدالهم ، وقال : بعض المحقّقين : نبه بذلك على أنّهم لو كانوا ذاكرين لـمّا سمعوه منهمعليهم‌السلام لـمّا نطقوا به أبدا لفرط عنادهم لهمعليهم‌السلام وبغضهم إيّاهم ولكنهم لـمّا أنساهم الله ذلك نطقوا ببعضه من طريق آخر بإنطاق الله إيّاهم وإطلاق لسانهم به لحكمة له سبحانه في ذلك ، وهو الدفع عن أوليائه فأنّهم إذا كانوا شركاء لهم في النطق به فلا يسعهم الأذى بهم بسببه.

« ليكون ذلك » أي ليكون نطقهم ببعض الحقَّ لا إنكارهم بقلوبهم فإنها جملة معترضة وانّما كانت قلوبهم منكرة لأهل هذا العلم والسرّ بأعيانهم حسداً منهم عليهم


والكتمان عنه ، قال : ثمَّ رفع يده وبكى وقال : اللهم «إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ » فاجعل محيانا محياهم ومماتنا مماتهم ولا تسلّط عليهم عدوا لك فتفجعنا بهم فإنك إن أفجعتنا بهم لم تعبد أبدا في أرضك وصلّى الله على محمّد وآله وسلم تسليما.

________________________________________________________

وعداوة لهم ، وليست منكرة للعلم نفسه ، ولهذا ينطقون ببعضه ، وهذا مثل طائفة من أهل الخلاف والناطقين ببعض الأسرار الإلهية المنكرين لفضل أهل البيت الجاهلين لعلومهم ورتبتهم ، وربما يوجد فيهم من يظنّ بنفسه انّه خير منهم وأعلم وأكمل. فأمروناعليهم‌السلام بالكف عنهم وستر ما أمرهم.

« أنّ هؤلاء » أي الشيعة القابلين لأمرهم ، المسلمين لهم ، والشر ذمة بالكسرّ القليل من الناس « فاجعل محيانا محياهم » أي صير محياهم كمحيانا ، والمحيا مصدر ميمي ، وقيل : أي ما نحيا عليه من الإيمان والعمل الصالح ، وكذا الممات مصدر ميمي ، وقيل : ما نموت عليه من لقاء الله ورضوانّه ، والمعنى صير مماتهم كمماتنا ويحتمل على بعد أن يكون المعنى اجعلهم بحيث يعدون حياتهم في حياتنا ، وموتهم في موتنا ، والإفجاع الإيلام والإيجاع ، قال : الفيروزآبادي : فجعه كمنعه والفجع أن يوجع الإنسان بشيء يكرم عليه فيعدمه وتفجع توجع للمصيبة.

« لم تعبد أبداً » لأن عبادة غير الشيعة ليست بصحيحة ، والمعصوم أيضاً مع فقد الشيعة لا تتأتى منه بعض العبادات المتعلقة بالرئاسة والهداية ، مع أن المقصود هنا غير المعصوم والتنبيه على عدم صحّة عبادة غير الشيعة.


( باب )

( ما أمرّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بالنصيحة لأئمّة المسلمين )

( واللزوم لجماعتهم ومن هم ؟ )

١ - عدَّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر ، عن أبان بن عثمان ، عن ابن أبي يعفور ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خطب الناس في مسجد الخيف فقال : نضّر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها وحفظها

________________________________________________________

باب ما أمر النبي (ص) بالنصيحة لأئمّة المسلمين واللزوم

لجماعتهم ومن هم

الحديث الأول : موثق كالصحيح بسنديه.

ومسجد الخيف بالفتح مسجد منى ، وانّما سمي الخيف لانّه مرتفع عن الوادي ، وما ارتفع عن الوادي يسمّى خيفاً « نضر الله عبداً » كنصر أو على بناء التفعيل أي سرّه وأبهجه ، قال : في النهاية : فيه : نضر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها ، نضرة ونضرة وأنضره ، أي نعمّه ويروى بالتشديد والتخفيف من النضارة وهي في الأصل حسن الوجه والبريق ، وانّما أراد حسن خلقه وقدره ، وفي المغرب عن الأزدي ليس هذا من الحسن في الوجه وانّما هو في الجاه والقدر.

وفي النهاية وعيت الحديث أعيه وعيا فأنا واع إذا حفظته وفهمته ، وفلان أوعى من فلان أي أحفظ وأفهم ، ومنه الحديث نضر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها فرب مبلغ أوعى من سامع ، انتهى.

« وحفظها » تأكيداً ، والوعي عند السّماع والحفظ بعده ، وظاهره حفظ اللفظ فيدلّ على رجحانّه ولا ريب فيه ، وأمّا ما استدلّ به على عدم جواز النقل بالمعنى فلا يخفى وهنه ، فإن الدعاء لمن فعل فعلا لا يدلّ على حرمة تركه ، مع انّه يحتمل أن يكون المعنى تغيير شيء يتغيّر به المعنى لكنه بعيد عن سياق ما سيأتي كما لا يخفى.


وبلّغها من لم يسمعها ، فرُبَّ حامل فقه غير فقيه وربَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه ثلاث لا يغلُ عليهنَّ قلب امرىء مسلم : إخلاص العمل لله والنصيحة لأئمّة

________________________________________________________

« وبلّغها من يسمعها » يدلّ على فضل رواية الحديث « فرب حامل فقه » قيل :

الفاء للبيان وربّ للتكثير ، وفيها ثمان لغات ضم المهملة وفتحها ، وشد الموحدة المفتوحة وتخفيفها ، وهو مبتدأ مضاف عند الكوفيّين ، وحرف جر مجرورها مبتدأ وهو مجرور لفظاً مرفوع محلاً عند البصريّين.

والفقه بالكسر العلم ، و « غير » مرفوع بالخبرية ، وكذا « إلى من » خبر المبتدأ بتأويل مؤدّ « ثلاث » مبتدأ أي ثلاث خصال والجملة التي تليها خبرها ، أو نعت والخبر إخلاص العمل ، وقال : في النهاية : في الحديث ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن ، هو من الأغلال الخيانة في كل شيء ، ويروى يغل بفتح الياء من الغل وهو الحقد ، أي لا يدخله حقد يزيله عن الحقَّ ، وروي يغل بالتخفيف من الوغول الدخول في الشر ، والمعنى أن هذه الخلال الثلاث تستصلح بها القلوب ، فمن تمسّك بها طهر قلبه من الخيانة والدغل والشر « وعليهن » في موضع الحال تقديره لا يغل كائناً عليهن قلب مؤمن ، انتهى.

وقال : الطيبي : أي لا يخون قلبه فيها ، قوله : ثلاث تأكيد لقوله نضر الله امرءا سمع مقالتي ، فانّه لـمّا حرض على تعليم السنن قفاه برد ما عسى أن تعرض مانعاً ، انتهى.

قوله : إخلاص العمل لله ، أي صونه عن الرياء والسمعة والأغراض الفاسدة ، « والنصيحة لأئمّة المسلمين » أي خلوص الاعتقاد فيهم والمودة لهم ومتابعتهم في جميع أقوالهم وأفعالهم ، قال : في النهاية : فيه : إن الدّين النصيحة لله ولرسوله ولكتابة ولأئمّة المسلمين وعامتهم ، النصيحة كلمة يعبر بها عن جملة هي إرادة الخير للمنصوح له ، وليس يمكن أن يعبر هذا المعنى بكلمة واحدة تجمع معناها غيرها ، وأصل النصح في اللغة الخلوص ، يقال : نصحه ونصحت له ومعنى نصيحته لله صحّة الاعتقاد في وحدانيته


المسلمين ، واللّزوم لجماعتهم ، فإنَّ دعوتهم محيطة من ورائهم.

________________________________________________________

وإخلاص النيّة في عبادته ، والنصيحة لكتاب الله هو التصديق والعمل بما فيه ، ونصيحة رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم التصديق بنبوته ورسالته والانقياد لـمّا أمرّ به ونهى عنه ، ونصيحته الأئمّة أن يطيعهم في الحقَّ ولا يرى الخروج عليهم إذا جاروا ونصيحة عامة المسلمين إرشادهم إلى مصالحهم ، انتهى.

وأقول : لـمّا كان الإمام عنده كلّ من اجتمع الناس عليه من خلفاء الحقَّ والجور فسرّ نصيحة الأئمّة بما ترى « واللزوم لجماعتهم » الضمير إما للأئمّة أي لـمّا اجتمعوا عليه فانّه ليس بينهم اختلاف ولا تفرق ، وكلهم على أمرّ واحد أو للقوم الّذين اتفقوا عليهم وهم الشيعة الإماميّة ، أو الضمير راجع إلى المسلمين ويرجع إلى المعنى الثاني فإن جماعة المسلمين هم أئمّة الحقَّ ومن اتفقوا عليهم فأنّهم على أمرّ واحد ليس فيهم اختلاف الآراء والأهواء.

كما روى الصدوق (ره) في معأنّي الأخبار عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سئل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما جماعة أمتك؟ قال : من كان على الحقَّ وانّ كانوا عشرة ، وفي رواية أخرى عن أبي حميد رفعه قال : جاء رجلّ إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام فقال : أخبرني عن السّنة والبدعة ، وعن الجماعة وعن الفرقة؟ فقال : أمير المؤمنينعليه‌السلام : السّنة ما سن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والبدعة ما أحدّث من بعده ، والجماعة أهل الحقَّ وانّ كانوا قليلاً والفرقة أهل الباطل وانّ كانوا كثيراً ، وقيل : المراد ملازمة صلاة الجماعة مع المسلمين ولا يخفى بعده.

« فإن دعوتهم محيطة من ورائهم » الظّاهر إرجاع الضميرين إلى المسلمين ، والدعوة المرّة من الدعاء وإضافتها إلى الضمير إضافة إلى المفعول ، أي دعاء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لهم محيطة بهم ، فإذا دخل فيهم ولزم جماعتهم شمله ذلك الدعاء ، أو إلى الفاعل أي دعاء المسلمين بعضهم لبعض يشمله ، ويحتمل إرجاع الضمير الأوّل إلى الأئمّة ، والثاني إلى المسلمين ، أي دعاء الأئمّةعليهم‌السلام بشيعتهم يشمله.


المسلمون إخوة تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمّتهم أدناهم.

ورواه أيضاً ، عن حمّاد بن عثمان ، عن أبان ، عن ابن أبي يعفور مثله وزاد فيه :

وهم يدّ على من سواهم وذكر في حديثه انّه خطب في حجّة الوداع بمنى في مسجدّ الخيف.

________________________________________________________

وقال : في النهاية : فإنّ دعوتهم تحيط من ورائهم أي تحوطهم وتكفهم وتحفظهم والدعوة المرّة الواحدة من الدّعاء.

« والمسلمون إخوة » أي من جهة الإسلام والإيمان لا يعتبر في الأحكام الظاهرة الجارية عليهم سوى ذلك ، فلذلك « تتكافأ » بالهمز وقد تخفّف أي تساوي « دماؤهم » فإذا قتل شريف وضيعاً أو جرحه يقتص منه ، وفي النهاية : فيه : المسلمون تتكافأ دماؤهم أي تتساوى في القصاص والديات ، والكفو النظير والمساوي « يسعى بذمتهم أدناهم » على بناء المعلوم أي يسعى أدنى المسلمين في عقد الأمان من قبلهم وإمضائه عليهم ، وكان يقرأ بعض مشايخنا : يسعى على بناء المجهول ، بأن يكون أدناهم بدلا من الضمير ، أي يجب أن يسعى في إمضاء ذمة أدنى المسلمين ، أو يكون أدناهم مفعولا مكان الفاعل أي يسعى الأدنى بسبب ذمة المسلمين الصادرة عن هذا الأدنى ولا يخفى ما فيهما من التكلف والأصوب ما ذكرنا أولا.

قال : في النهاية : قد تكرر في الحديث ذكر الذمة والذمام ، وهما بمعنى العهد والأمان والضمان والحرمة والحقَّ ، وسمى أهل الذمة لدخولهم في عهد المسلمين وأمأنّهم ، ومنه الحديث يسعى بذمتهم أدناهم ، أي إذا أعطى أحد الجيش لعدو أمانا جاز ذلك على جميع المسلمين ، وليس لهم أن يخفروا ولا أن ينقضوا عليه عهده ، انتهى.

وسيأتي في كتاب الجهاد قال : قلت لهعليه‌السلام : ما معنى قول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يسعى بذمتهم أدناهم ، قال : لو أن جيشا من المسلمين حاصروا قوما من المشركين فأشرف رجلّ فقال : أعطوني الأمان حتّى ألقى صاحبكم وأناظره ، فأعطاه أدناهم الأمان وجب


٢ - محمّد بن الحسن ، عن بعض أصحابنا ، عن عليّ بن الحكم ، عن الحكم بن مسكين ، عن رجلّ من قريش من أهل مكّة قال : قال : سفيان الثوري اذهب بنا إلى جعفر بن محمّد قال : فذهبت معه إليه فوجدناه قد ركب دابته فقال : له سفيان يا أبا عبد الله حدثنا بحديث خطبة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في مسجد الخيف قال : دعنّي حتّى أذهب في حاجتي فأنّي قد ركبت فإذا جئت حدثتك فقال : أسألك بقرابتك من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لـمّا حدَّثتني قال : فنزل فقال : له سفيان مرّ لي بدواة وقرطاس حتّى أثبته فدعا به ثمَّ قال : اكتب «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ » خطبة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في مسجدّ الخيف نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها وبلغها من لم تبلغه يا أيها الناس ليبلغ الشاهد الغائب فرب حامل فقه ليس بفقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم إخلاص العمل لله والنصيحة لأئمّة المسلمين واللزوم لجماعتهم فإن دعوتهم محيطة من ورائهم «الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ » تتكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم يسعى بذمتهم أدناهم فكتبه سفيان ثمَّ عرضه عليه

________________________________________________________

على أفضلهم الوفاء به ، وقال : في النهاية : هم يد على من سواهم ، أي هم مجتمعون على أعدائهم لا يسعهم التخاذل ، بل يعاون بعضهم بعضاً على جميع الأديان والملل ، كانّه جعل أيديهم يداً واحداً ، وفعلهم فعلاً واحداً.

الحديث الثاني : مرسل.

« لـما حدثتني » لـمّا بالتشديد حرف الاستثناء بمعنى إلّا دخلت على الماضي لفظا لا معنى ، يقال : أنشدك الله لـمّا فعلت ، أي لا أسألك إلّا فعلك قاله ابن هشام ، أو المعنى أسألك في جميع الأحوال إلّا في وقت فعلك.

« من لي(١) » بالفتح والتخفيف سؤال في صورة الاستفهام ، أو بالضمّ والتشديد صيغة أمرّ أي تفضل ، وفي بعض النسخ بالراء ، ويدلّ الخبر على استحباب الابتداء بالبسملة في كتابة الحديث بل مطلقاً.

« خطبة رسول الله » خبر مبتدإ محذوف أي هذه.

__________________

(١) وفى المتن « مرّ لي » بالراء وسيأتي في كلام الشارح (ره) أيضاً.


وركب أبو عبد اللهعليه‌السلام وجئت أنا وسفيان فلـمّا كنا في بعض الطريق قال : لي كما أنت حتّى أنظر في هذا الحديث فقلت له قد والله ألزم أبو عبد الله رقبتك شيئاً لا يذهب من رقبتك أبداً فقال : وأي شيء ذلك فقلت له ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم إخلاص العمل لله قد عرفناه والنصيحة لأئمّة المسلمين من هؤلاء الأئمّة الّذين يجب علينا نصيحتهم ؟ معاوية بن أبي سفيان ويزيد بن معاوية ومروان بن الحكم ؟ وكلّ من لا تجوز شهادته عندنا ولا تجوز الصلاة خلفهم وقوله واللزوم لجماعتهم فأيُّ الجماعة ؟ مرجئ يقول من لم يصل ولم يصم ولم يغتسل

________________________________________________________

« كما أنت » أي توقف وأصله ألزم ما أنت فيه ، فالكاف زائدة وما موصولة منصوبة المحل بالإغراء « شيئاً » أي غلا كما قيل ، وسفيان لـمّا كان من صوفية العامة قائلا بإمامة الثلاثة باعتبار أن أكثر الناس المدعين للإسلام اجتمعوا عليهم أبطل السائل مذهبه بأنّهم لو كانوا أئمّة المسلمين لكان هذه الثلاثة أيضاً منهم ، مع انّه معلوم بطلان ذلك.

« معاوية بن أبي سفيان » بتقدير حرف الاستفهام « وكل من لا تجوز » أي لا تقبل شهادته « عندنا » أي عند الشيعة القائلين بكفرهم وفسقهم وجورهم.

والمرجئة قوم يكتفون بالإيمان ويقولون لا مدخل للأعمال في الإيمان ، ولا تتفاوت مراتب الإيمان ولا يضرّ معه معصية.

قال : في الملل والنحل : الارتجاء على معنيين : أحدهما التأخير ، قوله تعالى : «أَرْجِهْ وَأَخاهُ »(١) أي أخره وأمهله ، والثاني : إعطاء الرجاء ، وأمّا إطلاق اسم المرجئة على الجماعة بالمعنى الأوّل فصحيح ، لأنّهم كانوا يؤخرون العمل عن النية والعقد وأما بالمعنى الثاني فظاهر ، فأنّهم كانوا يقولون لا يضر مع الأيمان معصية ولا ينفع مع الكفر طاعة ، وقيل : الإرجاء تأخير حكم صاحب الكبيرة إلى القيامة فلا يقضي عليه بحكم ما في الدنيا من كونه من أهل الجنة أو من أهل النار ، وعلى هذا المرجئة

__________________

(١) سورة الأعراف : ١١١.


من جنابة وهدم الكعبة ونكح أمّه فهو على إيمان جبرئيل وميكائيل ، أو قدريٌّ يقول لا يكون ما شاء الله عزَّ وجلّ ويكون ما شاء إبليس ، أو حروريٌّ يتبرَّأ من

________________________________________________________

والوعيديّة فرقتان متقابلتان ، وقيل : الإرجاء تأخير عليّعليه‌السلام عن الدرجة الأولى إلى الرابعة ، فعلى هذا المرجئة والشيعة فرقتان متقابلتان.

والمرجئة أصناف أربعة : مرجئة الخوارج ، ومرجئة القدريّة ، ومرجئة الجبريّة والمرجئة الخالصة ونحن هيهنا انّما نعدّ المقالات المرجئة الخالصة.

منهم اليونسية أصحاب يونس النميري ، زعم أن الإيمان هو المعرفة بالله والخضوع له وترك الاستكبار عليه والمحبة بالقلب ، فمن اجتمعت فيه هذه الخصال فهو مؤمن ، وما سوى المعرفة من الطّاعة فليس من الإيمان ولا يضر تركها حقيقة الإيمان ولا يعذب على ذلك إذا كان الإيمان خالصا واليقين صادقاً ، والمؤمن انّما يدخل الجنة بإخلاصه ومحبته لا بعمله وطاعته.

ومنهم العبيدية أصحاب عبيد المكتب حكي عنه انّه قال : ما دون الشرك مغفور لا محالة ، وانّ العبد إذا مات على توحيده لم يضره ما اقترف من الآثام ، وزعم أن الله على صورة إنسان.

ومنهم الغسانية أصحاب غسان الكوفيّ ، زعم أن الإيمان معرفة الله ورسوله والإقرار بما جاء به الرّسول في الجملة دون التفصيل ، والإيمان يزيد ولا ينقص ، وزعم أن قائلا لو قال : أعلم أن الله عزَّ وجلّ قد حرّم الخنزير ولا أدري هل الخنزير الّذي حرمه هذه الشاة أم غيرها؟ كان مؤمناً ، ولو قال : أعلم أن الله قد فرّض الحج إلى الكعبة غير أنّي لا أدري أين الكعبة ولعلها بالهند كان مؤمناً ، ومقصوده أن هذه الاعتقادات أمور وراء الإيمان.

ومنهم الثوبانية أصحاب أبي ثوبان المرجئ الّذين زعموا أن الإيمان هو المعرفة والإقرار بالله ورسلهعليهم‌السلام ، وبكل ما لا يجوز في العقل أن يفعله ، وما جاز في العقل تركه فليس من الإيمان.


عليّ بن أبي طالب وشهد عليه بالكفر أو جهميٌّ يقول : انّما هي معرفة الله وحده

________________________________________________________

ومنهم الصالحيّة أصحاب صالح بن عمرو قال : الإيمان هو المعرفة بالله على الإطلاق ، وزعم أن معرفة الله هي المحبة والخضوع له ، ويصح ذلك مع جحد الرّسول وزعم أن الصلاة ليست بعبادة الله تعالى ، وانّه لا عبادة له إلّا الإيمان به وهو معرفته وهو خصلة واحدة لا يزيد ولا ينقص ، وكذلك الكفر خصلة واحدة لا يزيد ولا ينقص ، انتهى ملخص كلامه.

وأمّا القدري فقد عرفت انّه يطلق على الجبرية وعلى التفويضية الّذين قالوا انّه ليس لله تعالى وقضاؤه وقدره مدخل في أعمال العباد ، بل قال : بعضهم : انّه لا يقدر الله تعالى على التصرف في أعمالهم وهذا الأخير هو مراد القائل ، فأنّهم عزلوا الرب تعالى عن ملكه ، وقالوا : لا يكون ما شاء الله ، فنفوا أن يكون لله سبحانّه مشية وإرادة وتدبير وتصرف في أفعال العباد ، وأثبتوا ذلك لإبليس.

والحرورية الخوارج أو فرقة منهم ، منسوبة إلى حروراء بالمد والقصر وفتح الحاء فيهما ، وهي قرية قريبة من الكوفة ، كان أوّل اجتماعهم وتحكيمهم فيها ، وانّما سموا بذلك لأنّهم لـمّا رجعوا عن صفّين وأنكروا التحكيم نزلوا بحروراء وتؤامروا فيها على قتال عليّعليه‌السلام فسموا حرورية.

قال : المطرزي رجلّ جهم الوجه عبوس ، وبه سمي جهم بن صفوان المنسوب إليه الجهمية وهي فرقة شايعة على مذهبه ، وهو صاحب القول بأن الجنة والنار تفنيان ، وانّ الإيمان هو المعرفة فقط دون الإقرار ودون سائر الطاعات ، وانّه لا فعل لأحد على الحقيقة إلّا لله وانّ العباد فيما ينسب إليهم من الأفعال كالشجر تحركها الريح ، فالإنسان لا يقدر على شيء انّما هو مجبور في أفعاله لا قدرة له ولا إرادة ولا اختيار ، انتهى.

وقال صاحب الملل : الجهميّة أصحاب جهم بن صفوان وهو من الجبرية الخالصة ، وافق المعتزلة في نفي الصفات الأزلية وزاد عليهم بأشياء ، منها قوله : لا يجوز


ليس الإيمان شيء غيرها ؟ ! ! قال : ويحك وأي شيء يقولون فقلت يقولون إن عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام والله الإمام الّذي يجب علينا نصيحته ولزوم جماعتهم أهل بيته قال : فأخذ الكتاب فخرقه ثمَّ قال : لا تخبر بها أحداً.

٣ - عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه ومحمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد جميعاً ، عن

________________________________________________________

أن يوصف الباري تعالى بصفة يوصف بها خلقة ، لأن ذلك يقتضي تشبيها فنفى كونه حيا عالـمّا ، وأثبت كونه قادراً فاعلاً خالقاً لانّه لا يوصف شيء من خلقه بالقدرة والفعل والخلق ، ومنها إثباته علوماً حادثة للبارئ تعالى لا في محل ، قال : لا يجوز أن يعلم الشيء قبل خلقه ، ومنها ، قوله : في القدرة الحادثة أن الإنسان لا يقدر على شيء ولا يوصف بالاستطاعة وانّما هو مجبور في أفعاله لا قدرة له ولا إرادة ولا اختيار ، وانّما يخلق الله تعالى الأفعال فيه عليّ حسب ما يخلق في سائر الجمادات ، وينسب إليه الأفعال مجازا كما ينسب إلى الجمادات ، كما يقال : أثمرت الشجرة وجرى الماء وتحرك الحجر وطلعت الشمس إلى غير ذلك ، والثواب والعقاب خير كما أن الأفعال خير ، قال : وإذا ثبت الخير فالتكليف أيضاً كان خيراً ، ومنها قوله : إن حركات أهل الخلدين منقطع ، والجنة والنار يفنيان بعد دخول أهلهما فيهما وتلذذ أهل الجنة بنعيمها ، وتألم أهل النار بحميمها ، إذ لا تتصور حركات لا تتناهى آخرا كما لا نتصور حركات لا تتناهى أولا ، ومنها قوله : من أتى بالمعرفة ثمَّ جحد بلسانّه لم يكفر بجحده ، لأن العلم والمعرفة لا يزول بالجحد فهو مؤمن ، وقال : الإيمان لا يتبعض أي لا ينقسم إلى عقد وقول وعمل ولا يتفاضل أهله فيه ، فإيمان الأنبياء وإيمان الأمة عليّ نمط واحد ، إذ المعارف لا تتفاضل ، انتهى.

« وأي شيء يقولون » أي الأئمّةعليهم‌السلام أو شيعتهم أو الأعم ، ولا يخفى أن الثوري اللعين الّذي هو رئيس الصوفية وإمامهم ، وبخرقة الكتاب أظهر كفره ، ودخل في الشرك قلبه ، وخالف النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الخصال الثلاث جميعاً.

الحديث الثالث : صحيح.


حمّاد بن عيسى ، عن حريز ، عن بريد بن معاوية ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : قال : رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ما نظر الله عزَّ وجلّ إلى ولي له يجهد نفسه بالطّاعة لإمامه والنصيحة إلّا كان معنا في الرفيق الأعلى.

٤ - عدَّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد ، عن ابن فضّال ، عن أبي جميلة ، عن محمّد الحلبيّ ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : من فارق جماعة المسلمين قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه.

________________________________________________________

« يجهد » عليّ بناء الأفعال ، أي يتعب وهو نعت « وليّ » للتوضيح ، والرفيق الأعلى هم الّذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

قال : في النهاية : في حديث الدعاء وألحقني بالرفيق الأعلى ، الرفيق جماعة الأنبياء الّذين يسكنون أعلى عليين ، وهو اسم جاء على فعيل ومعناه الجماعة كالصديق والخليط ، يقع على الواحد والجمع ، ومنه قوله تعالى : «وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً »(١) والرفيق الموافق في الطريق ، وقيل : معنى وألحقني بالرفيق الأعلى أي بالله تعالى ، يقال : الله رفيق بعباده ، من الرفق والرأفة ، وهو فعيل بمعنى فاعل ، ومنه حديث عائشة سمعته يقول عند موته : بل الرفيق الأعلى.

الحديث الرابع : ضعيف.

وفي المصباح المنير : قيد رمح بالكسرّ ، وقاد رمح أي قدر رمح ، انتهى.

وهو من قبيل تشبيه المعقول بالمحسوس ، وقد مرّ معنى الجماعة ، وقال : في النهاية فيه من فارق الجماعة قدر شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه ، مفارقة الجماعة ترك السّنة واتباع البدعة ، والربقة في الأصل عروة في حبل تجعل في عنق البهيمة أو يدها تمسكها ، فاستعارها للإسلام ، يعنّي ما يشد المسلم به نفسه من عرى الإسلام أي حدوده وأحكامه وأوامره ونواهيه ، ويجمع الربقة على ربق مثل كسرة وكسرّ ، ويقال : للحبل الّذي فيه الربقة : ربق ، وتجمع على رباق وأرباق ، وفي المصباح المراد بربقة الإسلام عقد الإسلام.

__________________

(١) سورة النساء : ٦٩.


٥ - وبهذا الإسناد ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : من فارق جماعة المسلمين ونكث صفقة الإمام جاء إلى الله عزَّ وجلّ أجذم.

________________________________________________________

الحديث الخامس : ضعيف أيضاً.

والنكث نقض البيعة ، والصفقة البيعة ، وفي بعض النسخ صفقة الإمام ، وفي بعضها الإبهام لمدخليّتها في البيعة ، أو لكون الابتداء بها ، قال : الجزري : النكث نقض العهد ، وقال : فيه : أكبر الكبائر أن تقاتل أهل صفقتك ، هو أن يعطي الرجلّ الرجلّ عهده وميثاقه ثمَّ يقاتله ، لأن المتعاهدين يصنع إحداهما يده على يد الآخر كما يفعل المتبايعان ، وهي المرّة من التصفيق باليدين ، وقال : فيه : من تعلم القرآن ثمَّ نسيه لقي الله يوم القيامة وهو أجذم ، أي مقطوع اليد من الجذم وهو القطع ، ومنه حديث عليّعليه‌السلام : من نكث بيعته لقي الله وهو أجذم ليست له يد.

قال : القتيبي : الأجذم هيهنا الّذي ذهبت أعضاؤه كلها وليست اليد أولى بالعقوبة من باقي الأعضاء ، يقال : رجلّ أجذم ومجذوم إذا تهافتت أعضاؤه من الجذام ، وهو الداء المعروف ، قال : الجوهري : لا يقال : للمجذوم أجذم ، وقال : ابن الأنباري ردا على ابن قتيبة : لو كان العقاب لا يقع إلّا بالجارية التي باشرت المعصية لـمّا عوقب الزأنّي بالجلد والرجم في الدنيا ، وبالنار في الآخرة.

وقال : ابن الأنباري : معنى الحديث ، : لقي الله وهو أجذم الحجّة لا لسان له يتكلّم ولا حجّة في يده ، وقول عليّعليه‌السلام : ليست له يد أي لا حجّة له ، وقيل : معناه لقيه منقطع السبب ، يدلّ عليه قوله : القرآن سبب بيد الله وسبب بأيديكم ، فمن نسيه قطع سببه.

وقال : الخطابي : معنى الحديث ما ذهب إليه ابن الأعرابي وهو أن من نسي القرآن لقي الله خالي اليد من الخير ، صفرها من الثواب ، فكني باليد عمّا تحويه وتشمل عليه من الخير.

قلت : وفي تخصيص عليّ بذكر اليد معنى ليس في حديث نسيان القرآن ،


( باب )

( ما يجب من حق الإمام على الرعية وحق الرعية على الإمام )

١ - الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن محمّد بن جمهور ، عن حمّاد بن عثمان ، عن أبي حمزة قال : سألت أبا جعفرعليه‌السلام ما حقَّ الإمام على الناس قال : حقّه عليهم أن يسمعوا له ويطيعوا قلت فما حقّهم عليهم ؟ قال : يقسم بينهم بالسويّة ويعدل في

________________________________________________________

لأنّ البيعة تباشرها اليد من بين الأعضاء ، وهو أن يضع المبايع يده في يد الإمام عند عقد البيعة وأخذها عليه.

باب ما يجب من حق الإمام على الرعية وحقَّ الرعية على الإمام

الحديث الأوّل : ضعيف على المشهور.

« أن يسمعوا له » لعلّ المراد بالسماع القبول والطّاعة والفقرة الثانية مفسرة لها أو المعنى الإنصات إليه وعدم الالتفات إلى غيره عند سماع كلامه ، أو المراد بالأولى الإقرار وبالثانية العمل.

قوله : يقسم ، على بناء التفعيل أو من باب ضرب وهو منصوب بتقدير أن ، والقسمة بالسوية أن يعطى الشريف والوضيع من الفيء وبيت المال سواء على عدد الرؤوس ، وهذه كانت سنة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وقد غيرها خلفاء الجور بعده تأليفا لقلب الرؤساء والأشراف ، ولذلك مال الناس إليهم واجتمعوا عليهم وعدلوا عن إمامهم ، فلـمّا ولى أمير المؤمنينعليه‌السلام الناس جدد سنة رسول الله وقام فيها على سيرتهصلى‌الله‌عليه‌وآله فاستوحش أكثر الناس من ذلك لألفتهم بالباطل ونسيأنّهم سنة الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فثار طلحة والزبير وأمثالهما عليه فاعتذرعليه‌السلام بأن الشرف انّما هو بحسب الدّين والتقوى وهما لا يصيران سبباً للتفضيل في الدنيا ، وانّما التفاضل في ذلك في الآخرة ، وهما في الدنيا في الحاجة سواء.

وأما ما فعله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله سلم في غنائم حنين والهوازن من تفضيل جماعة من أهل


الرعيّة ، فإذا كان ذلك في الناس فلا يبالي من أخذ هاهنا وهاهنا.

٢ - محمّد بن يحيى ، عن محمّد بن الحسين ، عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع ، عن منصور بن يونس ، عن أبي حمزة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام مثله إلّا انّه قال : هكذا وهكذا وهكذا وهكذا يعني [ من ] بين يديه وخلفه وعن يمينه وعن شماله.

٣ - محمّد بن يحيى العطّار ، عن بعض أصحابنا ، عن هارون بن مسلم ، عن مسعدة بن صدقة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : قال : أمير المؤمنينعليه‌السلام لا تختانوا ولاتكم ولا.

________________________________________________________

مكّة وأشراف العرب على الأنصار على ما نقل فانّما أمر بذلك في خصوص تلك الواقعة لمصلحة عظيمة في الدّين ، ولتأليف قلوب المنافقين ورسوخهم في الدّين ، وأرضى الأنصار بذلك واعتذر منهم ، مع انّه يحتمل أن يكون ذلك التفضيل من نصيبهصلى‌الله‌عليه‌وآله وسهم أهل بيتهعليهم‌السلام من الخمس.

والعدل في الرّعية الحكم بالحقَّ بين الناس وعدم الميل إلى أحد ، والانتصاف للمظلوم من الظالم وإجراء الحدود والأحكام فيهم من غير مداهنة « فإذا كان ذلك » أي القسم بالسويّة والعدل في الناس فلا يبالي بسخط الناس وخروجهم عن الدّين وتفرقهم عنه ، وذهاب كل منهم إلى ناحية كما لم يبال أمير المؤمنينعليه‌السلام بذهاب طلحة والزبير وعائشة إلى مكّة وخروجهم عليه ، ولم يترك العمل بسيرة الحقَّ ، وجاهد معهم وقيل : يعنّي إذا تحقق قضاء الحقَّ من الطرفين فلا يبالي من أخذ هيهنا وهيهنا أي ذهب أينما شاء وفعل ما شاء.

وقال : المحدث الأسترآبادي (ره) : يعنّي صاحب حقَّ اليقين في الدّين لا يحتاج إلى موافقة الناس إيّاه وانّما يحتاج إليها من يكون متزلزلا في دينه ، ومعنى من أخذ هيهنا وهيهنا أي مذاهب مختلفة.

الحديث الثاني : موثق « وهكذا » في بعض النسخ ثلاثة وفي بعضها أربعة والأخير أنسب بالتفسير.

الحديث الثالث : ضعيف.

والاختيان : ضدُ الوفاء ، والغشّ ضدّ النصح ، والولاة جمع الوالي ، والمراد


تغشّوا هداتكم ، ولا تجهّلوا أئمّتكم ، ولا تصدّعوا عن حبلكم فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ،

________________________________________________________

بهم الأئمّة أو الأعم منهم ومن المنصوبين من قبلهم ، خصوصا بل عموما أيضاً ، وكذا الهداة هم الأئمّةعليهم‌السلام أو الأعم منهم ومن العلماء الهادين إلى الحق.

« ولا تجهلوا » من باب علم أي اعرفوهم بصفاتهم وعلاماتهم ودلائلهم ، وميزوا بين ولاة الحقَّ وولاة الجور أو لا تجهلوا حقوقهم ورعايتهم وطاعتهم ، أو على بناء التفعيل أي لا تنسبوهم إلى الجهل « ولا تصدّعوا » بحذف إحدى التائين أي لا تتفرقوا ، قال : الجوهري : ما صدعك عن هذا الأمر أي ما صرفك ، والتصديع التفريق وتصدع القوم تفرقوا ، انتهى.

والحبل العهد والذّمة ، والأمان ، وكانّه هنا كناية عمّا يتوصل به إلى النجاة والمراد الكتاب وأهل البيتعليهم‌السلام كما قال : النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وقد مرّ في الأخبار أنّهمعليهم‌السلام حبل الله المتين ، ويحتمل أن يكون المراد عن عهدكم وبيعتكم ، والفشل : الضعف والجبن والفعل كعلم ، وفي القاموس : الريح الغلبة والقوّة والرحمة والنصرة والدولة ، وهنا يحتمل الجميع ، وهو إشارة إلى قوله تعالى : «أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ »(١) قال : البيضاوي : لا تنازعوا باختلاف الآراء كما فعلتم ببدر وأحد ، فتفشلوا جواب النهي ، والريح مستعار للدولة من حيث إنها في تمشي أمرها ونفاذه شبيهة بها في هبوبه ونفوذه.

وقيل : المراد بها الحقيقة فإن النصرة لا يكون إلّا بريح يبعثها الله ، وعلى هذا متعلق بالتأسيس قدم عليه لإفادة الحصر ، والتأسيس بناء الأسّ وهو أصل البناء ، والمقصود الحب على التزام الطريقة المذكورة ، والاجتناب عمّا يخالفها ، وجعل بناء دينهم وأعمالهم على التمسّك بحبل طاعتهمعليهم‌السلام .

__________________

(١) سورة الأنفال : ٤٦.


وعلى هذا فليكن تأسيس اُموركم ، والزموا هذه الطريقة فإنكم لو عاينتم ما عاين من قد مات منكم ممن خالف ما قد تدعون إليه لبدرتم وخرجتم ولسمعتم ولكن محجوب عنكم ما قد عاينوا وقريباً ما يطرح الحجاب.

٤ - عدَّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد ، عن عبد الرحمن بن حمّاد وغيره ، عن حنان بن سدير الصيرفي قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول نعيت إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله نفسه وهو صحيح ليس به وجع قال : نزل به الرُّوح الأمين قال : فنادىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الصلاة جامعة وأمرّ المهاجرين والأنصار بالسلاح واجتمع الناس فصعدّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله المنبر

________________________________________________________

« ما عاين » أي من العذاب « ما قد تدعون إليه » من الجهاد مع معاوية وأضرابه ، والاقتداء بأئمّة الحقَّ ومتابعتهم « لبدرتم » أي أسرعتم وعجلتم إلى الطّاعة « وخرجتم » إلى الجهاد « وسمعتم » أي أطعتم أمرّ أمامكم « وقريباً » ظرف زمان ، وما للإبهام « يطرح الحجاب » على بناء المجهول أي بعد الموت.

الحديث الرابع : مجهول كالموثق.

يقال : نعاه لي وإلى أي أخبرني بموته « ونفسه » نائب الفاعل « نزل » به الضمير لمصدر نعيت ، والروح الأمين جبرئيلعليه‌السلام « الصلاة جامعة » الصلاة منصوب بالإغراء أي احضروا الصلاة ، وجامعة حال ، أو الصلاة مبتدأ وجامعة خبره ، أي تجمع الناس لأدائها والأوّل هو المضبوط ، قال : في المصباح في قول المنادي : الصلاة جامعة حال من الصلاة والمعنى عليكم الصلاة في حالكونها جامعة لكلّ الناس ، وهذا كما قيل للمسجدّ الّذي تصلّى فيه الجمعة : الجامع ، لانّه يجمع الناس ، انتهى.

وهذا وضع لنداء الصلاة ثمَّ استعمل لكلّ أمرّ يراد الاجتماع له ، والظّاهر أن الخطبة كانت طويلة مشتملة على ذكر فضائل أهل بيته وتعيين الإمام منهمعليهم‌السلام كما يظهر من أخبار أخر ولـمّا كان ذلك مظنة لإثارة الفتنة من المنافقين الّذين لم يرضوا بذلك ، وتعاقدوا على أن لا يردوا الأمر إلى أهل بيته كما ورد في الأخبار أمرّ الأنصار بأخذ السلاح دفعا لذلك أو أن النعي لـمّا كان مظنة لذلك أمرهم بذلك ،


فنعى إليهم نفسه ثمَّ قال : « أذكر الله الوالي من بعدي على أمّتي ، إلّا يرحم على جماعة المسلمين فأجلّ كبيرهم ، ورحم ضعيفهم ، ووقّر عالمهم ، ولم يضرَّ بهم فيذلّهم،

________________________________________________________

والمنبر من النبر بمعنى الرفع « أذكّر الله » من التذكير ، والاسمان مفعولان والتذكير للإنذار والتحذير وتذكير عقاب الله وكان المراد بالوالي هنا أعم من العادل والجائر.

« إلّا يرحم » هذا يحتمل وجوها :

الأوّل : أنّ يكون بالفتح حرف تحضيض ، وفي أكثر النسخ بالياء على بناء المجرّد ، وفي بعضها بالتاء على بناء التفعّل فالتحضيض للتوبيخ كما قال : الرضي (ره) : كلمة التحضيض إذا دخلت على الماضي كانت للتوبيخ واللوم على ترك الفعل ، قيل : وهذا مبنيّ على انّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جعل كلامه هذا حكاية لـمّا يقع في المستقبل من قبح أعمال الوالي وتوبيخه للوالي بعد تلك الأعمال ، والتعبير عن المستقبل بالماضي لتحقق الوقوع شائع.

والثاني : أن يكون أن لا مركبا من أن الناصبة ولا النافية ، ويكون تقدير الكلام أذكره الله في أن لا يرحم أي في عدم الرحم.

الثالث : أن يكون بالكسرّ كلمة استثناء أي اذكرهم في جميع الأحوال إلّا حال الرحم كقولهم أسألك إلّا فعلت كذا ، وقيل : هو بتقدير لا أسأله ، نحو قول ابن عباس حين دخل مجلساً للأنصار وقاموا له بالنصر والإيواء : إلّا جلستم.

الرابع : أن تكون أن شرطية والفعل مجزوماً.

« فأجلّ » من الإجلال وهو التعظيم ، وقد روي عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انّه من إجلال الله إجلال ذي الشيبة المسلم ، قيل : وسرّ ذلك انّه أكبر سنا وأكثر تجربة وأكيس حزماً ، وأقرب من الرجوع إلى الله تعالى « ورحم ضعيفهم » يشمل الصغير والفقير والنساء ، والروايات الدالة على الرحم عليهم والإحسان إليهم أكثر من أن تحصى ، « ووقر عالمهم » في بعض النسخ عاملهم ، وفي بعضها عاقلهم ، وقد دلت الآيات والروايات على توقير جميعهم « ولم يضر بهم » من الإضرار ، ويحتمل المجرّد وإضرار المسلمين


ولم يفقرهم فيكفرهم ، ولم يغلق بابه دونهم فيأكل قويّهم ضعيفهم ولم يخبزهم في بعوثهم فيقطع نسل أمتي ثمَّ قال : قد بلغت ونصحت فاشهدوا وقال : أبو عبد اللهعليه‌السلام هذا آخر كلام تكلّم به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على منبره.

٥ - محمّد بن عليّ وغيره ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن عليّ بن الحكم ، عن رجلّ ، عن حبيب بن أبي ثابت قال : جاء إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام عسل وتين من همدان

________________________________________________________

إهانتهم أو عدم إعانتهم ورفع الظّلم عنهم ، وربّما يقرأ من الضرب « ولم يفقرهم » أي لم يدعهم فقراء ويأخذ أموالهم « فيكفرهم » أي يصير سبباً لكفرهم ، إذ كثيرا ما يصير الفقر سبباً للكفر لقلة الصبر ، وعليه حمل قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : كاد الفقر أن يكون كفرا « ولم يغلق بابه دونهم » على بناء الأفعال وبناء المجرّد لغة ردّية وهو كناية عن منع الوالي رعيته من الدخول إليه وعرض الأحوال عليه ، وعدم تفقّده لأحوالهم ، وأكل قويهم ضعيفهم أخذ أموالهم وظلمهم إيّاهم وتسلطهم عليهم.

« ولم يخبرهم » في بعض النسخ بالخاء المعجمة ثمَّ الباء الموحدة من الخبر وهو السوق الشديد ، وفي بعضها بالجيم والنون من قولهم جنزه يجنزه إذا ستره وجمعه ، وفي المغرب يقال : مرت عليهم البعوث أي الجيوش ، وعلى التقديرين التعليل لا يخلو من تكلف ، وربما يقرأ بالجيم والتاء والزاي المشدّدة من قولهم اجتز الحشيش إذا قطعه بحيث لم يبق منه شيء ، والأصوب ما في نسخ قرب الإسناد ولم يجمرهم في ثغورهم ، قال : في النهاية : في حديث عمرّ : لا تجمروا الجيش فتفتنوهم ، تجمير الجيش جمعهم في الثغور وحبسهم عن العود إلى أهلهم ، انتهى.

فالتعليل منطبق بغير تكلف « هذا آخر كلام » أي من جملة آخر خطبة لهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

الحديث الخامس : مرسل.

« عسل وتين » ذكر التين استطراداً ، فإن اللعق كان لازقاق العسل ، ويمكن أن يكون التين أيضاً في الأزقاق فاعتصر منها دبس يلعقونها ، وتكلّف بعضهم بجعل الواو جزء الكلمة ، وقال : الوتين الواتن وهو الماء المعين الدائم ، والمراد هنا الصافي


وحلوان فأمر العرفاء أن يأتوا باليتامى ، فأمكنهم من رؤوس الأزقاق يلعقونها وهو يقسمها للناس قدحاً قدحاً ، فقيل له : يا أمير المؤمنين ما لهم يلعقونها فقال : إنَّ الإمام أبو اليتامى وانّما ألعقتهم هذا برعاية الآباء.

٦ - عدَّةٌ من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد البرقي ، وعليُّ بن إبراهيم ، عن أبيه جميعاً ، عن القاسم بن محمّد الأصبهاني ، عن سليمان بن داود المنقري ، عن سفيان بن عيينة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أنَّ النبيَّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : أنا أولى بكلّ مؤمن من نفسه

________________________________________________________

المائع الكثير ، قال : ويجوز كونه بالثاء المثلّثة ، يقال : استوثن الرّجل من المال إذا استكثر منه ، وقد عرفت انّه لا حاجة إلى هذه التصحيفات والتكلفات ، وهمدان في النسخ بالدال المهملة ، والموافق لكتب اللغة الذّال المعجمة ، قال : في القاموس : همدان قبيلة باليمن وقال : همدان بلد بناه همدان الفلوج بن سام بن نوح ، ولا يخفى أن المناسب هنا البلد لا القبيلة ، لكنه شاع تسمية البلد أيضاً بالمهملة.

وحلوان بالضمّ من بلاد كردستان قريبة من بغداد ، وقال : في القاموس : العريف كأمير من يعرف أصحابه والجمع عرفاء ، ورئيس القوم ، سمّي به لانّه عرف بذلك أو النقيب وهو دون الرئيس ، وقال : الزقّ بالكسر السّقاء أو جلد يجزّ ولا ينتف للشراب وغيره والجمع أزقاق وزقاق ، انتهى.

« يلعقونها » من باب علم أي يلحسونها بألسنتهم « برعاية الآباء » أي برعاية تشبّه رعاية الآباء ، أو لرعاية آبائهم فإن رعاية الأولاد واحترامهم يوجب احترامهم ، وربما يقرأ الإباء بالفتح والمدّ الأبوّة ، وفي القاموس : الأبا لغة في الأب.

الحديث السادس : ضعيف.

وهذا الحديث مع تفسيره الآتي مذكور في كتب العامّة أيضاً ، روى مسلم بإسناده في باب خطبة الجمعة عن جابر بن عبد الله عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انّه قال : في آخرها : أنا أولى بكل مؤمن من نفسه من ترك مإلّا فلأهله ومن ترك ديناً أو ضياعاً فعليّ وإلىّ قال : الآبي : أولى إمّا من الولي بمعنى القرب أو المالكيّة كما في قوله تعالى


وعليُّ أولى به من بعدي فقيل له : ما معنى ذلك ؟ فقال : قول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله من ترك ديناً أوضياعاً فعليَّ ، ومن ترك مالاً فلورثته ، فالرَّجل ليست له على نفسه ولاية

________________________________________________________

«ثمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحقَّ »(١) أي مالكهم ، أو من الولاية بالكسرّ ومنه ولي اليتيم والقتيل ، أي من يتولّى أمرهما ، والوالي في البلد أو من الولاية بالفتح بمعنى النصرة ، ومنه قوله تعالى : «ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الّذين آمَنُوا »(٢) أي ناصرهم.

واستدلّ المازري وغيره بقوله : أنا أولى بكل مؤمن من نفسه ، على انّه لو اضطرصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى طعام أو غيره وربّه أيضاً مضطر إليه لكان أحقَّ به من ربّه ، ووجب عليّ ربّه بذله له ، وهذا وانّ جاز لكنه لم يقع ولم ينقل.

نقل محيي الدّين البغوي عن ابن قتيبة : أن الضياع بالكسرّ جمع ضائع كجياع جمع جائع ، والضيعة ما يكون منه عيش الرّجل من حرفة وتجارة ، وفي الصحاح : الضيعة العقار ، وقوله : فعليّ معناه فعليّ قضاء دينه وكفاية ضيعته ، قال : المازري : والأصح انّه ليس مختصا به بل يجب ذلك عليّ الأئمّة من بيت المال إن كان فيه سعة وليس ثمة ما هو أهم منه ، وقال : بعضهم : انّه من خصائصه فلا يجب على الأئمّة ، انتهى.

وقال : في النهاية فيه : من ترك ضياعا فإلي ، الضياع العيال ، وأصله مصدر ضاع يضيع ضياعاً فسمي العيال بالمصدر ، كما تقول : من مات وترك فقراً أي فقراء ، وانّ كسرت الضاد كان جمع ضائع كجائع وجياع ، وقال : في المغرب فيه : من ترك مإلّا فليرثه عصبته من كانوا ، ومن ترك ديناً أو ضياعاً وروي ضيعة فليأتني فأنا مولاه ، كلاهما على تقدير حذف المضاف أو تسمية بالمصدر ، والمعنى من ترك عيإلّا ضيعا أو من هو بعرض أن يضيع كالذرية الصغار فليأتني فأنا وليهم والكافل لهم أرزقهم من بيت المال ، انتهى

« فقال : قول النبيّ » أي معناه قول النبيّ أو سببه وقيل : هذا تفسير للشيء بمثال له لو عرف لعرف معنى ذلك الشيء.

« ليست له على نفسه ولاية » لعلّه كناية على انّه ملوم مخذول عنه نفسه ، أو

__________________

(١) سورة الأنعام : ٦٢.

(٢) سورة محمّد : ١١.


إذا لم يكن له مال ، وليس له على عياله أمرٌ ولا نهيٌ إذا لم يجرَّ عليهم النفقة والنبيُّ وأمير المؤمنينعليهما‌السلام ومن بعدهما ألزمهم هذا ، فمن هناك صاروا أولى بهم من أنفسهم

________________________________________________________

انّه لا يمكنه حمل نفسه على النوافل والآداب والإنفاق وأداء الديون وغيرها ممّا يتيسرّ بغير المال ، وقيل : انّما لم يكن لعديم المال على نفسه ولاية لعدم إنفاقه على نفسه ، وانّما الولاية لولي النعمّة ، وقيل : أي ليست له ولاية في أداء ديونه إذا عجز عنه ، انتهى.

وعدم الولاية على العيال بالأمر والنهي لانّه لا يمكنه أن يأمرهم بالجلوس في بيوتهم وينهاهم عن الخروج منها ، لانّه لا بد لهم من تحصيل النفقة أو أمرهم بالتقتير في النفقة ونهيهم عن إعطاء المال لأحد لانّه ليس له مال عندهم.

قولهعليه‌السلام : ألزمهم هذا ، لعلّ الضمير المستتر راجع إلى الله تعالى والضمير البارز إلى النبيّ والأئمّةعليهم‌السلام ، والإشارة إلى الإنفاق وأداء الديون ، وقيل : إلى الولاية المتقدمة ، ويحتمل أن يكون ألزم أفعل تفضيل وضمير الجمع راجعا إلى الناس ، وقيل : المستتر في ألزمهم راجع إلى النبيّ وأمير المؤمنين ومن بعدهما ، وانّما أفرد لانّه لا يتحقق الإلزام إلّا من الإمام الحي وهو لا يكون إلّا واحداً منهم ، والضمير المنصوب للرجلّ وعياله ، « وهذا » عبارة عن المال اللازم لهم لأجلّ النفقة ، والمراد بالإلزام إعطاء القدر اللازم من المال ، انتهى.

ولا يخفى بعده ، وأقول : ربما يتوهم التنافي بين هذا الخبر وبين ما ورد من الأخبار من طرق الخاصة والعامة من انّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ترك الصلاة على من توفي وعليه دين ، وقال : صلوا على صاحبكم ، وفي طريقنا : حتّى ضمنه بعض أصحابه ، وقد يجاب بأن هذا كان قبل ذلك عند التضييق وعدم حصول الغنائم ، وذلك كان بعد التوسع في بيت المال والفتوحات والغنائم ، ويؤيده ما روي من طرقهم انّه كان يؤتى بالمتوفى وعليه دين فيقولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : هل ترك لدينه قضاء فإن قيل ترك صلّى ، فلـمّا فتح الله تعالى الفتوح قال :صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، من توفي وترك دينا فعليّ ،


وما كان سبب إسلام عامّة اليهود إلّا من بعد هذا القول من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأنّهم آمنوا على أنفسهم وعلى عيالاتهم.

٧ - عدَّةٌ من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد ، عن عليّ بن الحكم ، عن أبان بن عثمان ، عن صباح بن سيابة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : قال : رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أيّما مؤمن أو مسلم مات وترك ديناً لم يكن في فساد ولا إسراف فعلى الإمام أن يقضيه فإن لم يقضه فعليه إثمَّ ذلك إنَّ الله تبارك وتعالى يقول «انّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ

________________________________________________________

ومن ترك مالا فلورثته.

وقال : النووي في شرح صحيح المسلم : كانصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أولا لا يصلّي على من مات مديونا زجراً له فلـمّا فتح الله تعالى الفتوح عليه كان يقضي دينه وكان من خصائصه ، واليوم لا يجب على الإمام ذلك ، انتهى.

وأقول : يحتمل أن يكون ترك الصلاة نادرا للتأديب ، لئلّا يستخف بالدّين وانّ كان يقضي آخرا دينه أو لا يقضي لهذه المصلحة أو يكون ترك الصلاة لمن استدان في معصية أو إسراف فانّه لا يجب أداء دينه حينئذ على الإمام كما يدلّ عليه الخبر الآتي ، أو لمن كان يتهاون به ولم يكن عازما على الأداء « وأنّهم أمنوا » من باب علم أي علموا أنّهم لا يضيعون مع الإسلام وأنفسهم وعيالهم في ضمان النبيّ والإمام.

الحديث السابع : مجهول.

« وصبّاح » بالفتح والتشديد وسيابة بالفتح والتخفيف ، و « أيّما » مركب من أيّ وما الزائدة لتأكيد العموم ، وهو مبتدأ مضاف إلى مؤمن ، والترديد إما من الراوي أو المراد بالمؤمن الكامل الإيمان ، وبالمسلم كلّ من صحّت عقائده ، أو المؤمن من صحّت عقائده والمسلم من أظهر الشّهادتين وسائر العقائد الحقّة وانّ كان منافقاً ، فإن الأحكام على الظّاهر ، وكان المنافقون مشاركين مع المؤمنين في الأحكام الظاهرة ، والفساد بالفتح اسم مصدر باب الأفعال أي الصرف في المعصية ، والإسراف بذل المال زائداً على ما ينبغي وانّ كان في مصرف حقَّ « فإن لم يقضه » أي على الفرّض المحال


وَالْمَساكِينِ » الآية(١) فهو من الغارمين وله سهم عند الإمام فإن حبسه فإثمه عليه.

٨ - عليُّ بن إبراهيم ، عن صالح بن السندي ، عن جعفر بن بشير ، عن حنان ، عن أبيه ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : قال : رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لا تصلح الإمامة إلّا لرجلّ فيه ثلاث خصال ورع يحجزه عن معاصي الله وحلم يملك به غضبه وحسن الولاية على من يلي حتّى يكون لهم كالوالد الرحيم.

وفي رواية أخرى حتّى يكون للرَّعية كالأب الرحيم.

٩ - عليّ بن محمّد ، عن سهل بن زياد ، عن معاوية بن حكيم ، عن محمّد بن أسلم ، عن رجل من طبرستان يقال : له محمّد قال : قال : معاوية ولقيت الطبريَّ محمداً بعد ذلك فأخبرني قال : سمعت عليّ بن موسىعليه‌السلام يقول المغرم إذا تديّن أو استدان في حقّ

________________________________________________________

أو هو مبنيّ على أن الإمام أعم من إمام الحقَّ والجور « الآية » منصوب بنزع الخافض أي إلى آخر الآية ، ويدلّ على أن الغارمين يشمل الأحياء والأموات.

الحديث الثامن : مجهول وآخره مرسل.

« لا تصلح » بفتح اللام أو ضمّها ، والخصال جمع خصلة وهي الفضائل والخلال ، والورع اجتناب المعاصي بل الشبهات أيضاً ، وفي القاموس حجزه يحجزه ويحجزه منعه وكفّه ، والولاية بالكسرّ الكلاءة والرّعاية.

الحديث التاسع : ضعيف.

وطبرستان بلاد واسعة بين جيلان وخراسان ، والنسبة طبري « وقال : » كلام عليّ بن محمّد ، والضمير لسهل « بعد ذلك » أي بعد رواية محمّد بن أسلم لمعاوية الحديث ، والمغرم بضم الميم وفتح الراء المديون « الوهم » أي الشكّ بين تديّن واستدان ، وهو كلام سهل أو على ، وقال : في القاموس : أدّان وأدان واستدان وتديّن أخذ ديناً ، انتهى.

__________________

(١) سورة التوبة : ٦٠.


- الوهم من معاوية - أجلّ سنة ، فإن اتّسع وإلّا قضى عنه الإمام من بيت المال.

( باب )

( أن الأرض كلها للإمامعليهم‌السلام )

١ - محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن ابن محبوب ، عن هشام بن سالم ، عن أبي خالد الكابلي ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : وجدنا في كتاب عليّعليه‌السلام «إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ »(١) أنا وأهل بيتي الّذين

________________________________________________________

« أجلّ » على بناء المفعول من التفعيل وهو على الاستحباب أو الوجوب ، وإلّا حرف استثناء أو مركّب من إن الشرطيّة وحرف النفي ، أي إن لم يتّسع والأخير أوفق.

باب أن الأرض كلها للإمامعليه‌السلام

الحديث الأول : حسن.

«إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ » افتتحعليه‌السلام كلامه بذكر الآية الكريمة وفرع عليه ما ذكره بعده ، والآية في سورة الأعراف هكذا «قال : مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ، قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بعد ما جِئْتَنا قال : عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ » والآية وانّ كانت مسوقة في قصّة بنيّ إسرائيل لكن الحكم عام ، وأيضاً ما ذكر في القصص وأحوال الماضين من المؤمنين والكافرين ظاهره لهم وباطنه لهذه الأمّة كما مرّ.

وسيأتي تأويل فرعون وهامان بالأوّلين وقارون بالثالث في قوله تعالى : «وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الّذين اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أئمّة وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ »(٢)

__________________

(١) سورة الأعراف : ١٢٩ - ١٣٠. (٢) سورة القصص : ٥.


أورثنا الله الأرض ونحن المتّقون والأرض كلّها لنا ، فمن أحيا أرضا من المسلمين فليعمرها وليؤد خراجها إلى الإمام من أهل بيتي وله ما أكل منها فإن تركها أو أخربها وأخذها رجلّ من المسلمين من بعده فعمرها وأحياها فهو أحقَّ بها من الّذي تركها يؤدّي خراجها إلى الإمام من أهل بيتي وله ما أكل منها حتّى يظهر القائم من أهل بيتي بالسيف فيحويها ويمنعها ويخرجهم منها ، كما حواها رسول الله

________________________________________________________

وغيرها من الآيات ، وقد قال : رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يكون في هذه الأمة ما كانت في بنيّ إسرائيل حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة ، و « أنا » إشارة إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لانّه كان المملي لكتاب عليّعليه‌السلام وهو كاتبه كما مر.

وقوله : فمن أحيا ، كانّه كلام أبي جعفرعليه‌السلام لقوله : كما حواها رسول الله ، أو فيه التفات والمجموع كلام الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال : الشهيد الثاني (ره) في الروضة : كل أرض فتحت عنوة وكان عند الفتح مواتاً وكذا كل ما لم يجر عليها يد مسلم فانّه للإمامعليه‌السلام ، ولا يجوز إحياؤه إلّا بإذنه مع حضوره ومع غيبته يباح الإحياء ، ومثله ما لو جرى عليه ملكه ثمَّ باد أهله ، ولو جرى عليه ملك مسلم معروف فهو له ولوارثه بعده ، ولا ينتقل عنه بصيرورته مواتاً مطلقاً ، وقيل : يملكها المحيي بعد صيرورتها مواتا وتبطل حقَّ السابق بصحيحة أبي خالد الكابلي ، وهذا هو الأقوى ، وموضع الخلاف ما إذا كان السابق ملكها بالإحياء ، فلو كان قد ملكها بالشراء ونحوه لم يزل ملكه عنها إجماعا على ما نقله العلامة في التذكرة ، ثمَّ قال : (ره) : وحكم الموات أن يتملكه من أحياه إذا قصد تملكه مع غيبة الإمامعليه‌السلام سواء في ذلك المسلم والكافر لعموم : من أحيى أرضاً ميتة فهي له ، ولا يقدح في ذلك كونها للإمامعليه‌السلام على تقدير ظهوره ، لأن ذلك لا يقصر عن حقه من غيرها كالخمس والمغنوم بغير إذنه ، فانّه بيد الكافر والمخالف على وجه الملك حال الغيبة ، ولا يجوز انتزاعه منه فهنا أولى ، وانّ لا يكن الإمام غائباً افتقر الإحياء إلى إذنه إجماعاً ، ثمَّ إن كان مسلـمّاً ملكها بإذنه ، وفي ملك الكافر مع الإذن قولان ، ولا إشكال فيه لو حصل ، إنّما


صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومنعها إلّا ما كان في أيدي شيعتنا فانّه يقاطعهم على ما في أيديهم ويترك الأرض في أيديهم.

٢ - الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد قال : أخبرني أحمد بن محمّد بن عبد الله عمّن رواه قال : الدنيا وما فيها لله تبارك وتعالى ولرسوله ولنا فمن غلب على شيء منها فليتق الله وليؤدّ حقَّ الله تبارك وتعالى وليبر إخوانه فإن لم يفعل ذلك فالله ورسوله ونحن برآء منه.

٣ - محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن ابن محبوب ، عن عمرّ بن يزيد قال : رأيت مسمعاً بالمدينة وقد كان حمل إلى أبي عبد اللهعليه‌السلام تلك السّنة مإلّا فرده أبو عبد اللهعليه‌السلام فقلت له لِمَ ردَّ عليك أبو عبد الله المال الّذي حملته إليه قال : فقال

________________________________________________________

الإشكال في جواز إذنهعليه‌السلام له نظراً إلى أنّ الكافر هل له أهليّة ذلك أم لا ، والمسئلة قليلة الجدوى ، انتهى.

وأقول : ظاهر الخبر إشتراط الإسلام في التملك بالإحياء بل ظاهره انّه لا يملك أحد أرضاً وانّما يصير أولى بها ما دام يعمرها ، والملك للإمام وكون الخمس وأضرابه ملكاً لمن بيده في زمن الغيبة غير معلوم ، بل انّما يعلم تجويز الأئمّةعليهم‌السلام شراءها ممن هي بيده واتهابها منهم وأمثال ذلك ، وهذه لا تدلّ على الملكيّة بل يمكن أن يكون ذلك إذنا للشيعة في التصرف في أموالهم بتلك الوسائل.

الحديث الثاني : ضعيف موقوف أو مضمر.

وكون من رواه عبارة عن الإمام كما قيل بعيد ، والمراد بحقَّ الله إما أداء الخراج إلى الإمام أو الزكاة والخمس الواجبين ، فيكون هذا تجويزاً للشيعة في التصرف في أموالهم وأراضيهم إذا أخذوها من سلاطين الجور بالشروط المذكورة ، ويقال : بررته كعلمت وضربت أي وصلته وأحسنت إليه ويقال : بريء منه كعلم براء كسحاب وهو بريء كعليم والجمع ككتاب وغراب وفقهاء.

الحديث الثالث : صحيح ومسمع كمنبر ابن عبد الملك.


لي : إنّي قلت له حين حملت إليه المال : إنّي كنت وليت البحرين الغوص فأصبت أربعمائة ألف درهم وقد جئتك بخمسها بثمانين ألف درهم وكرهت أن أحبسها عنك وانّ أعرض لها وهي حقّك الّذي جعله الله تبارك وتعالى في أموالنا ، فقال : أوما لنا من الأرض وما أخرج الله منها إلّا الخمس يا أبا سيّار ؟ إنَّ الأرض كلها لنا فما أخرج الله منها من شيء فهو لنا فقلت له وأنا أحمل إليك المال كلّه ؟ فقال : يا أبا سياّر

________________________________________________________

« وليت البحرين » بفتح الواو وكسر اللام المخفّفة يقال : ولي الأمر يليه وتولاه إذا فعله وارتكبه ، أو بضم الواو وتشديد اللّام المكسورة من قولهم ولّاه الأمير : عمل كذا فتولاه وتقلده ، والغوص إما بدل اشتمال للبحرين أو مفعول للولاية أو التولية ، والبحرين مفعول فيه.

« أن أعرض لها » أي التعّرض لها ، وقيل : أي أكون حجاباً بينك وبينها ، ويدلّ كغيره من الأخبار على انّه يجب إخراج جميع الخمس إلى الإمام ، وليس لصاحب المال إخراج النصف إلى سائر الأصناف ، بل على الإمام أن يعطيهم بقدر كفايتهم فإن زاد شيء فله ، وانّ نقص فعليه ، ويدلّ على أن لهعليه‌السلام العفو عن حصة الأصناف لكن إجراء ذلك في زمان الغيبة مشكل ، فإن في زمان حضورهمعليهم‌السلام يعطون عوض حصص الأصناف ، ومع غيبة الإمامعليه‌السلام لا يمكنه إيصال عوض حصصهم إليهم ، فلا بدّ من صرفها إلى الفقيه النائب لهعليه‌السلام ليوصلها إلى أربابها.

وقول مسمع : وهي حقّك ، وتقريرهعليه‌السلام لا يدلان على عدم استحقاق سائر الأصناف أصلاً ، بل يمكن أن يكون مراده بقوله : حقّك ، إنّك آخذه والمتولي لإخراجه ، لئلّا ينافي ظاهر الآية.

ويدلّ علي أنّ كلّ ما في أيدي الشيعة من الأراضي في زمان الهدنة والغيبة فقد أحلّوا لهم التصرف فيها وفي حاصلها ، ولا يلزمهم أداء خراجها وانّ كان للمسلمين فيه حقَّ ، لأن آخذ الخراج غير متمكن من أخذه ، أو لأن للإمام بالولاية العامة تحليل ذلك ، وانّه لا يجب الأداء إلى سلاطين الجور وانّ أحالوه على المستحقين.


قد طيّبناه لك وأحللناك منه فضمَّ إليك مالك ، وكلُّ ما في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محلّلون حتّى يقوم قائمنا فيجبيهم طسق ما كان في أيديهم ويترك الأرض في أيديهم وأما ما كان في أيدي غيرهم فإن كسبهم من الأرض حرامٌ عليهم حتّى يقوم قائمنا فيأخذ الأرض من أيديهم ويخرجهم صغرة :

قال : عمرّ بن يزيد فقال : لي أبو سيار ما أرى أحدا من أصحاب الضياع ولا ممّن يلي الأعمال يأكل حلالاً غيري إلّا من طيّبوا له ذلك.

________________________________________________________

« فيجبيهم » أي فيجبي منهم على الحذف والإيصال ، والجباية أخذ الخراج تقول : جبيت الخراج جباية أي أخذته ، والطسق بفتح المهملة وقد تكسرّ ، وفي النهاية في حديث عمر : خذ الطسق من أرضيهما ، الطسق الوظيفة من خراج الأرض المقررة عليهما ، وهو فارسي معرّب ، انتهى.

والمراد هنا خراج السنين الآتية لا الماضية ، بخلاف المخالفين فانّه يأخذ منهم خراج السنين الماضية لكن ليس هذا مصرّحاً في الخبر ، إذ يمكن أن يكون هذا حراماً عليهم ولم يؤمرّعليه‌السلام بأخذه منهم ، وفي القاموس : الصاغر الراضي بالذلّ والجمع صغرة ككتبة ، وفي الصحاح الضياع بالكسرّ جمع الضيعة وهي العقار أي الأرض والنخل.

فإن قيل : كيف خصّ أبو سيّار التحليل بنفسه مع انّهعليه‌السلام حلل جميع الشيعة من الأراضي؟ قلت : لعلّ التخصيص لعدم سماع سائر الشيعة ذلك منهعليه‌السلام ، والحلية انّما تحصل بعد العلم بالتحليل ، فقوله : إلّا من طيّبوا له ذلك ، أي سمعوا ذلك منه بواسطة أو بغير واسطة أو يقال : المراد بمن طيبوا له جميع الشيعة ، أو أن التحليل انّما كان للخراج فقط ، فلا ينافي عدم حلية خمس الزراعات ، مع انّه يحتمل أن يكون المراد سائر الحرف والصناعات قال : في النهاية : ضيعة الرّجل ما يكون منه معاشه كالصنعة والتجارة والزراعة وغير ذلك ، ومنه الحديث : أفشى الله عليه ضيعته أي أكثر عليه معاشه.


٤ - محمّد بن يحيى ، عن محمّد بن أحمد ، عن أبي عبد الله الرازي ، عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة ، عن أبيه ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : قلت له أما على الإمام زكاة فقال : أحلت يا أبا محمّد أما علمت أن الدنيا والآخرة للإمام يضعها حيث يشاء ويدفعها إلى من يشاء ، جائزٌ له ذلك من الله إن الإمام يا أبا محمّد لا يبيت ليلة أبداً ولله في عنقه حقَّ يسأله عنه.

٥ - محمّد بن يحيى ، عن محمّد بن أحمد ، عن محمّد بن عبد الله بن أحمد ، عن عليّ بن النعمان ، عن صالح بن حمزة ، عن أبان بن مصعب ، عن يونس بن ظبيان أو المعلّى بن خنيس قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام ما لكم من هذه الأرض فتبسّم ثمَّ قال : إن الله تبارك وتعالى بعث جبرئيلعليه‌السلام وأمره أن يخرق بإبهامه ثمانية أنهار في الأرض ،

________________________________________________________

الحديث الرابع : ضعيف.

« أحلت » أي أتيت بالمحال ، قال : في القاموس : المحال من الكلام بالضمّ ما عدل عن وجهه كالمستحيل ، وأحال : أتى به « يضعها حيث يشاء » أي من الأصناف « ويدفعها إلى من يشاء » أي من الأشخاص ، أو الأوّل يراد به الأماكن كبيت المال ، أو الثاني تأكيد للأوّل ، وظاهره نفي وجوب الزكاة عليهم ، وهو خلاف المشهور.

وقولهعليه‌السلام : لا يبيت كانّه تعليل لعدم الوجوب ، إذ لو وجبت الزكاة لزم أن يبيت ليلة أو أكثر « ولله في عنقه حقَّ يسأله عنه » وذلك لأن زكاة الغلات تجب عند بدو الصلاح ، ولا تخرج إلّا عند التصفية ، فلو وجبت عليه لزم اشتغال ذمته بإخراجها في تلك المدة ، وكذا الأنعام فإن مرعاها قد يكون بعيداً عن بلد الإمامعليه‌السلام ، ويحتمل أن يكون المعنى أن الدنيا كلها للإمام والناس كلّهم رعية الإمام ، فالحقوق اللازمة عليه أكثر من الزكاة وهو يعطي جميعها من غير تأخير ليلة والأوّل أظهر.

الحديث الخامس : ضعيف.

وكان التبسّم لأجلّ من التبعيضية « يخرق » كينصر ويضرب أي يشقّ ويحفر ، ومنهم من حمل الكلام على الاستعارة التمثيلية لبيان أن حدوث الأنهار ونحوها مستند


منها سيحان وجيحان وهو نهر بلخ والخشوع وهو نهر الشاش ومهران وهو نهر الهند ونيل مصر ودجلة والفرات فما سقت أو استقت فهو لنا وما كان لنا فهو

________________________________________________________

إلى قدرة الله تعالى ردّاً على الفلاسفة الّذين يسندونها إلى الطبائع ، وفي أكثر النسخ جيحان بالألف وفي بعضها بالواو ، وفي النهاية سيحان وجيحان نهران بالعواصم عند المصيصة وطرسوس ، وفي القاموس : سيحان نهر بالشام وآخر ببصرة ، وسيحون نهر بما وراء النهر ونهر بالهند ، وقال : جيحون نهر خوارزم وجيحان نهر بالشام والرّوم معرّب جهان ، انتهى.

فظهر أنّ الواو هنا أصوب ، وعلى الأوّل كان التفسير من بعض الرواة ، فيمكن أن يكون اشتباها منه ، ولو كان من الإمامعليه‌السلام وصحّ الضبط كان الاشتباه من اللغويين ، ويؤيد الأوّل ما رواه السيوطي في تفسيره الدرّ المنثور عن ابن عباس عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : أنزل الله من الجنة إلى الأرض خمسة أنهار ، سيحون وهو نهر الهند ، وجيحون وهو نهر بلخ ، ودجلة والفرات وهما نهرا العراق ، والنيل وهو نهر ، مصر ، الخبر.

والشّاش بلد بما وراء النهر كما في القاموس ، وقال : المولى عبد العليّ البيرجندي ، هو بقدر ثلثي الجيحون ومنبعه من بلاد الترك ويمرّ إلى المغرب مائلاً إلى الجنوب إلى أخجند ثمَّ إلى فاراب ثمَّ ينصبّ في بحيرة خوارزم ، وتسميته بالخشوع لم نجدها فيما عندنا من كتب اللغة وغيرها.

« فما سقت » أي سقته من الأشجار والأراضي والزروع ، أو استقت أي أخذت الأنهار منه وهو البحر المطيف بالدنيا أو بحر السماء ، فالمقصود أن أصلها وفرعها لنا ، أو ضمير استقت راجع إلى ما باعتبار تأنيث معناه ، والتقدير استقت منها ، وضمير منها المقدّر للأنهار ، فالمراد بما سقت ما جرت عليها من غير عمل ، وبما استقت ما شرب منها بعمل كالدولاب وشبهه ، ونسبة الاستقاء إليها على المجاز كذا خطر بالبال وهو أظهر.


لشيعتنا وليس لعدوّنا منه شيء إلّا ما غصب عليه وانَّ ولّينا لفي أوسع فيما بين ذه إلى ذه يعنّي بين السماء والأرض ثمَّ تلا هذه الآية «قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا »(١) المغصوبين عليها «خالِصَةً » لهم «يَوْمَ الْقِيامَةِ » بلا غصب.

٦ - عليُّ بن محمّد ، عن سهل بن زياد ، عن محمّد بن عيسى ، عن محمّد بن الريّان قال : كتبت إلى العسكريّعليه‌السلام جعلت فداك روي لنا أن ليس لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من

________________________________________________________

وقيل : ضمير استقت راجع إلى الأنهار على الإسناد المجازي ، لأنّ الاستقاء فعل لمن يخرج الماء منها بالحفر والدولاب ، يقال : استقيت من البئر أي أخرجت الماء منها ، وبالجملة يعتبر في الاستقاء ما لا يعتبر في السقي من الكسب والمبالغة في الاحتمال.

« إلّا ما غصب عليه » على بناء المعلوم والضمير للعدو أي غصبنا عليه ، أو على بناء المجهول أي إلّا شيء صار مغصوباً عليه يقال : غصبه على شيء أي قهره والاستثناء منقطع إن كان اللام للاستحقاق وانّ كان للانتفاع فمتّصل ، وذه إشارة إلى المؤنث أصلها ذي قلبت الياء هاء « المغصوبين عليها » الحاصل أن خالصة حال مقدرة من قبيل قولهم جاءني زيد صائداً صقره غدا قال : في مجمع البيان : قال : ابن عباس يعنّي أن المؤمنين يشاركون المشركين في الطيّبات في الدنيا ، ثمَّ يخلص الله الطيبات في الآخرة للذين آمنوا ، وليس للمشركين فيها شيء ، انتهى.

ثمَّ اعلم انّهعليه‌السلام ذكر في الأوّل ثمانية وانّما ذكر في التفصيل سبعة ، فيحتمل أن يكون ترك واحداً منها لانّه لم يكن في مقام تفصيل الجميع ، ولذا قال : منها سيحان ( إلخ ) وقيل : لـمّا كان سيحان إسماً لنهرين نهر بالشام ونهر بالبصرة أراد هنا كليهما من قبيل استعمال المشترك في معنييه وهو بعيد ، ولعلّه سقط واحد منها من الرواة وكانّه كان جيحان وجيحون ، فظنّ بعض النّساخ أو الرواة أحدهما فأسقط وحينئذ يستقيم التفسير أيضاً.

الحديث السادس : ضعيف والمكتوب إليه أبو الحسن الثالث الهاديعليه‌السلام وعدم

__________________

(١) سورة الأعراف : ٣٢.


الدنيا إلّا الخمس ، فجاء الجواب أنَّ الدُّنيا وما عليها لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

٧ - محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد رفعه ، عن عمرو بن شمرّ ، عن جابر ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : قال : رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خلق الله آدم وأقطعه الدنيا قطيعة فما كان لآدمعليه‌السلام فلرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وما كان لرسول الله فهو للأئمّة من آل محمّدعليهم‌السلام .

٨ - محمّد بن إسماعيل ، عن الفضل بن شاذان وعليّ بن إبراهيم ، عن أبيه جميعاً ، عن ابن أبي عمير ، عن حفص بن البختري ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : إنَّ جبرئيلعليه‌السلام كرى برجله خمسة أنهار ولسان الماء يتبعه : الفرات ودجلة ونيل مصر ومهران

________________________________________________________

ذكر أهل بيته لانّه كان معلوماً انّه ما كان له فهو بعده لهمعليهم‌السلام .

الحديث السابع : ضعيف على المشهور « وأقطعه » أي ملكه كما في سائر الأخبار ، وقال : في النهاية : الإقطاع يكون تمليكاً وغير تمليك.

الحديث الثامن : حسن كالصحيح بل أقوى منه.

وفي القاموس : كرى النهر كرضي استحدث حفره ، والفرات معروف وهو أفضل الأنهار بحسب الأخبار كما سيأتي في كتاب المزار.

وقال : البيرجندي يخرج من جبال أرزن روم ، ثمَّ يمرّ نحو المشرق إلى الملطية ثمَّ إلى الكوفة حتّى ينصب في البطائح ، ودجلة نهر بغداد معروف ، قال : البيرجندي يخرج من بلاد الروم من شمال ميافارقين من تحت حصار ذي القرنين ، ويذهب من جهة الشمال والمغرب إلى جهة الجنوب والمشرق ويمرّ بمدينة آمد والموصل وسرّ من رأى وبغداد ، ثمَّ إلى واسط ثمَّ ينصب في بحر فارس ، والنيل بمصر معروف ، وقال : البيرجندي : هو أفضل الأنهار لبعد منبعه ومروره على الأحجار والحصبات ، وليس فيه وحل ولا يخضر الحجر فيه كغيره ، ويمرّ من الجنوب إلى الشمال وهو سريع الجري وزيادته في أيّام نقص سائر المياه ، ومنبعه مواضع غير معمورة في جنوب خط الاستواء ، ولذا لم يعلم منبعه على التحقيق ، ونقل عن بعض حكماء اليونان أن ماءه يجتمع من عشرة أنهار بين كل نهرين منها اثنان وعشرون فرسخاً فتنصب تلك الأنهار في بحيرة ،


ونهر بلخ فما سقت أو سقي منها فللإمام والبحر المطيف بالدُّنيا [ للإمام ]

________________________________________________________

ثمَّ منها يخرج نهر مصر متوجّهاً إلى الشمال حتّى ينتهي إلى مصر ، فإذا جازها وبلغ شنطوف انقسم قسمين ينصبان في البحر ، وقال : مهران هو نهر السند يمرّ أولا في ناحية ملتان ثمَّ يميل إلى الجنوب ويمرّ بالمنصورة ثمَّ يمرّ حتّى ينصب في بحر ديبل من جانب المشرق ، وهو نهر عظيم وماؤه في غاية العذوبة وشبيه بنيل مصر ، ويكون فيه التمساح كالنيل ، انتهى.

ونهر بلخ هو جيحون ، وقال : البيرجندي : يخرج عموده من حدود بدخشان ثمَّ يجتمع معه أنهار كثيرة ويذهب إلى جهة المغرب والشمال إلى حدود بلخ ثمَّ يجاوزه إلى ترمد ، ثمَّ يذهب إلى المغرب والجنوب إلى ولاية زم ثمَّ يمرّ إلى المغرب والشمال إلى أن ينصب في بحيرة خوارزم ، انتهى.

« فما سقت » أي بأنفسها « أو سقي منها » أي سقي الناس منها ، وهذا الخبر رواه الصدوق في الفقيه بسند صحيح عن أبي البختري وزاد في آخره وهو أفسيكون ، ولعلّه من الصدوق فصار سبباً للإشكال ، لأن أفسيكون معرب آبسكون وهو بحر الخزر ، ويقال : له بحر جرجان وبحر طبرستان وبحر مازندران وطوله ثمانمائة ميل وعرضه ستمائة ميل ، وينصب فيه أنهار كثيرة منها نهر آمل ، وهذا البحر غير محيط بالدنيا ، بل محاط بالأرض من جميع الجوانب ، ولا يتصل بالمحيط.

وكانّه (ره) انّما تكلف ذلك لانّه لا يحصل من المحيط شيء وهو غير مسلم ، وقرأ بعض الأفاضل المطيف بضم الميم وسكون الطاء وفتح الياء اسم مفعول أو اسم مكان من الطواف ، ولا يخفى ضعفه ، فإن اسم المفعول منه مطاف بالضمّ أو مطوف ، واسم المكان كالأوّل ، أو مطاف بالفتح وربمّا يقرأ مطيف بتشديد الياء المفتوحة وهو أيضاً غير مستقيم ، لانّه بالمعنى المشهور واوي والمفعول من باب التفعيل مطوّف ، وأيضاً كان ينبغي أن يقال : المطيّف به الدنيا ، نعم قال : في القاموس : طيف به طيفاً يطيف أكثر الطواف ، انتهى.


٩ - عليُّ بن إبراهيم عن السري بن الربيع قال : لم يكن ابن أبي عمير يعدل بهشام بن الحكم شيئاً وكان لا يغبُّ إتيانه ، ثمَّ انقطع عنه وخالفه وكان سبب ذلك أن أبا مالك الحضرمي كان أحد رجال هشام ووقع بينه وبين ابن أبي عمير ملاحاة في شيء من الإمامة قال : ابن أبي عمير الدنيا كلها للإمامعليه‌السلام على جهة الملك وانّه أولى بها من الّذين هي في أيديهم ؛ وقال : أبو مالك [ ليس ] كذلك أملاك

________________________________________________________

لكن حمله على هذا أيضاً يحتاج إلى تكلف شديد وما في الكتاب أظهر وأصوب ، والمعنى أن البحر المطيف بالدنيا أي بالأرض أيضاً للإمامعليه‌السلام والله يعلم.

الحديث التاسع : مجهول موقوف.

« لا يعدل » كيضرب أي لا يوازن به أحد أو لا يسوّي بينه وبين غيره ، بل يفضله على من سواه أو لا يعدل بصحبته شيئاً بل يرجحها على كل شيء « وكان لا يغب إتيانّه » أي كان يأتيه كل يوم ولا يجعل ذلك غبا بأن يأتيه يوماً ولا يأتيه يوماً ، قال : في النهاية : فيه زر غبّاً تزدد حبّاً ، الغب من أوراد الإبل أن تردّ الماء وتدعه يوماً ثمَّ تعود ، فنقله إلى الزيارة وانّ جاء بعد أيّام يقال : غب إذا جاء زائرا بعد أيّام ، وقال : الحسن في كل أسبوع ، ومنه الحديث : اغبوا في عيادة المريض ، أي لا تعوده في كل يوم لـمّا يجدّ من ثقل العواد وسألت فلاناً حاجة فغب فيها ، أي لم يبالغ ، انتهى.

فظهر انّه يمكن أن يقرأ هنا على بناء الأفعال أو من باب نصر ، والملاحاة المنازعة على جهة الملك ، قيل : أي على جهة الاستقلال والاستبداد بلا مشاركة « وانّه أولى بها » عطف تفسير « وكذلك » إشارة إلى الجملة التي بعده ، والمراد بالفيء هنا الأنفال لقوله تعالى : «ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ »(١) ويدخل فيه ما انقرض أهله وبطون الأودية والآجام ورؤوس الجبال ، والمراد بالمغنم إما خمسه تخصيصا بعد التعميم ، أو ما غنم في جهاد وقع بغير إذنهعليه‌السلام ، فإن كل الغنيمة له على المشهور ، أو المراد به ما يصطفيه من الغنيمة ، أو المراد أنّ اختيار

__________________

(١) سورة الحشر : ٦.


النّاس لهم إلّا ما حكم الله به للإمام من الفيء والخمس والمغنم فذلك له وذلك أيضاً قد بين الله للإمام أين يضعه وكيف يصنع به ؛ فتراضيا بهشام بن الحكم وصاراً إليه فحكم هشام لأبي مالك على ابن أبي عمير فغضب ابن أبي عمير وهجر هشاماً بعد ذلك.

________________________________________________________

جميع ذلك بيده وقسمته على الأصناف إليه كالخمس ، وكان نزاعهما يرجع إلى اللفظ لأن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والإمامعليه‌السلام بعده أولى بأنفس الناس وأموالهم ، وله أن يتصرف في جميع ذلك لكن لا يتصرف إلّا في الأشياء المخصوصة التي ذكرها أبو مالك.

أو يقال : كون الأرض للإمام ، معناه أن الناس انّما يتصرفون فيها بإذنه وتمكينه وحكمه فانّه صلوات الله عليه عند بسط يده يخرج المخالفين له من الأرض ، والشيعة انّما يتصرفون في أموالهم بسبب ولايته وبحكمه فما حكم انّه ليس لهم يجب عليهم رفع أيديهم عنه ، وما حكم انّه لهم فيأخذ منهم الصدقات والأخماس وسائر الحقوق ، فهم بمنزلة عبيده وتحت يده يجري عليهم وعلى أموالهم حكمه ، ويأخذ الضريبة منهم ، ولا ينافي ذلك كونهم أولى بأموالهم بحكم الإمامعليه‌السلام ، كما أن كون الأرض لله لا ينافي كونها للإمام بالمعنى المذكور ، ولا ينافي كون الأملاك لأربابها بمعنى آخر ، فلا ينافي الآيات والأخبار الدالة على أن الناس مسلطون على أموالهم ، وأنّهم أولى بما في أيديهم من غيرهم ، وسائر أحكام الشريعة من البيع والشراء والإجارة والصلح والقرض وغيرها.

واعلم أن المشهور بين الأصحاب أن الأرضين على أربعة أقسام :

الأوّل : المفتوحة عنوة وهي ما أخذت من الكفّار بالغلبة والقهر والاستيلاء ، وحكمها على المشهور أنها للمسلمين قاطبة لا يختص بها الغانمون ، وعند بعضهم أنها كذلك بعد إخراج الخمس لأهله.

وفي بعض حواشي القواعدّ لـمّا ذكر المصنف يخرج منه الخمس : هذا في حال ظهور الإمام ، وأما في حال الغيبة ففي الأخبار ما يدلّ على انّه لا خمس فيه ، قال : في


________________________________________________________

المنتهى : الأرضون على أربعة أقسام : أحدها ما يملك بالاستغنام ويؤخذ قهرا بالسيف ، فإنها تكون للمسلمين قاطبة ، ولا يختصّ بها المقاتلة بل يشاركهم غير المقاتلة من المسلمين ، وكما لا يختصون بها كذلك لا يفضّلون ، بل هي للمسلمين قاطبة ذهب إليه علماؤنا أجمع.

ثمَّ قال : (ره) : وعلى الرواية التي رواها أصحابنا أن كل عسكر أو فرقة غزت بغير أمرّ الإمام(١) فغنمت تكون الغنيمة للإمام خاصة ، تكون هذه الأرضون وغيرها ممّا فتحت بعد الرّسول إلّا ما فتح في أيّام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، إن صح شيء من ذلك تكون للإمام خاصة ، وتكون من جملة الأنفال التي له خاصّة ، لا يشركه فيها غيره ، انتهى.

ثمَّ المعروف من مذهب الأصحاب حلّ الخراج(٢) في زمان غيبة الإمامعليه‌السلام في الجملة.

قال : المحقق (ره) في الشرائع : ما يأخذه السلطان الجائر من الغلات باسم المقاسمة أو الأموال باسم الخراج عن حقَّ الأرض ومن الأنعام باسم الزكاة يجوز ابتياعه وقبول هبته ، ولا يجب إعادته على أربابه وانّ عرف بعينه ، وقال : الشهيد الثانيقدس‌سره : المقاسمة حصة من حاصل الأرض تؤخذ عوضاً عن زراعتها ، والخراج مقدار من المال يضرب على الأرض أو الشجر حسب ما يراه الحاكم ، ونبه بقوله باسم المقاسمة واسم الخراج على أنهما لا يتحققان إلّا بتعيين الإمام العادل إلّا أن ما يأخذ الجائر في زمن تغلبه قد أذن أئمتناعليهم‌السلام في تناوله منه ، وأطبق عليه علماؤنا ، لا نعلم فيه مخالفا وانّ كان ظالـمّا في أخذه ، لاستلزام تركه والقول بتحريمه الضرر والحرج العظيم على هذه الطائفة ، ولا يشترط رضا المالك ولا يقدح فيه تظلمه ما لم يتحقق الظلم بالزيادة عن المعتاد أخذه من عامة المسلمين في ذلك الزمان.

__________________

(١) وفي نسخة « بغر إذن الإمام ».

(٢) وفي نسخة « حمل الخراج ».


________________________________________________________

واعتبر بعض الأصحاب في تحقّقها اتفاق السلطان والعمّال على القدر وهو بعيد الوقوع والوجه ، وكما يجوز ابتياعه واستيهابه يجوز سائر المعاوضات ولا يجوز تناوله بغير إذن الجائر ولا يشترط قبض الجائر له وانّ أفهمه قوله ما يأخذه الجائر ، فلو أحاله به أو وكله في قبضه أو باعه وهو في يد المالك أو ذمته حيث يصح البيع كفى ، ووجب على المالك الدفع ، وكذا القول فيما يأخذه باسم الزكاة ولا يختص ذلك بالأنعام كما أفادته العبارة ، بل حكم زكاة الأموال والغلات كذلك ، لكن يشترط هنا أن لا يأخذ الجائر زيادة عن الواجب شرعاً في مذهبه ، وانّ يكون صرفه لها على وجهها المعتبر عندهم ، بحيث لا يعدّ عندهم غاصبا أو يمتنع الأخذ منه عندهم أيضاً.

ويحتمل الجواز مطلقاً نظراً إلى إطلاق النصّ والفتوى ، ويجيء مثله في المقاسمة والخراج ، لأن مصرفها مصرف بيت المال وله أرباب مخصوصون عندهم أيضاً وهل تبرأ ذمة المالك من إخراج الزكاة مرّة أخرى يحتمله كما في الخراج والمقاسمة ، مع أن حقَّ الأرض واجب لمستحقَّ مخصوص ، والتعليل بكون دفع ذلك حقّاً واجباً عليه وعدمه ، لأن الجائر ليس من نائب المستحقين فيتعذر النية ولا يصح الإخراج بدونها ، وعلى الأوّل يعتبر النية عند الدفع إليه كما يعتبر في سائر الزكوات.

والأقوى عدم الاجتزاء بذلك بل غايته سقوط الزكاة عمّا يأخذه إذا لم يفرط ووجوب دفعه إليه أعم من كونه على وجه الزكاة أو المضي معهم في أحكامهم والتحرز عن الضرر بمباينتهم ، ولو أقطع الجائر أرضاً ممّا تقسم أو تخرج أو عاوض عليها فهو تسليط منه عليها فيجوز للمقطع والمعاوض أخذهما من الزارع والمالك ، كما يجوز إحالته عليه.

والظّاهر أن الحكم مختص بالجائر المخالف للحقَّ نظراً إلى معتقده من استحقاقه ذلك عندهم ، فلو كان مؤمناً لم يحل أخذ ما يأخذه منهما لاعترافه بكونه


________________________________________________________

ظالـماً فيه ، وانّما المرجع حينئذ إلى رأي الحاكم الشرعي مع احتمال الجواز مطلقاً ، نظراً إلى إطلاق النصّ والفتوى ، ووجه التقييد أصالة المنع إلّا ما أخرجه الدليل ، وتناوله للمخالف متحقق والمسؤول عنه للأئمّةعليهم‌السلام انّما كان مخالفاً للحقَّ فيبقى الباقي وانّ وجدّ مطلقاً فالقرائن دالة على إرادة المخالف منه التفاتاً إلى الواقع والغالب ، انتهى.

ثمَّ أنّهم قالوا : النظر في تلك الأراضي إلى الإمام وقال : بعضهم على هذا الكلام : هذا مع ظهور الإمامعليه‌السلام ، وفي الغيبة يختص بها من كانت بيده بسبب شرعيّ كالشراء والإرث ونحوهما ، لأنها وانّ لم يملك رقبتها لكونها لجميع المسلمين إلّا أنها تملك تبعاً لآثار المتصرف ويجب عليه الخراج أو المقاسمة ، ويتولاهما الجائر ولا يجوز جحدهما ولا منعهما ولا التصرف فيهما إلّا بإذنه باتفاق الأصحاب ، ولو لم يكن عليها يد فقضية كلام الأصحاب توقف جواز التصرف فيها على إذنه ، حيث حكموا بأن الخراج والمقاسمة منوطة برأيه ، وهما كالعوض من التصرف ، وإذا كان العوض منوطا برأيه فالمعوض كذلك ، ويحتمل جواز التصرف مطلقاً وقال : آخر من الأصحاب : هذا مع ظهوره وبسط يده ، أما مع غيبته كهذا الزّمان فكل أرض يدعي أحد ملكها بشراء وإرث ونحوهما ، ولا يعلم فساد دعواه يقر في يده كذلك لجواز صدقه ، وحملا لتصرفه على الصحّة ، فإن الأرض المذكورة يمكن تملكها بوجوه : منها إحياؤها ميتة ، ومنها شراؤها تبعاً لأثر التصرف فيها من بناء وغرس ونحوهما كما سيأتي ، وما لا يد مملكة لأحد فهو للمسلمين قاطبة إلّا أن من يتولاه الجائر من مقاسمتها وخراجها يجوز لنا تناوله منه بالشراء وغيره من الأسباب المملكة بإذن أئمتناعليهم‌السلام لنا في ذلك ، وقد ذكر الأصحاب انّه لا يجوز لأحد جحدهما ولا منعهما ولا التصرف فيهما إلّا بإذنه ، بل ادّعى بعضهم الاتفاق عليه.

وهل يتوقّف التصرّف في هذا القسم منها على إذن الحاكم الشرعي إن كان متمكّناً


________________________________________________________

من صرفها في وجهها بناء على كونه نائباً من المستحق(١) عليه‌السلام ومفوّضاً إليه ما هو أعظم من ذلك؟ الظاهر ذلك ، وحينئذ فيجب عليه صرف حاصلها في مصالح المسلمين ، ومع عدم التمكن أمرها إلى الجائر ، وأمّا جواز التصرّف فيها كيف اتفق لكلّ أحد من المسلمين فبعيد جداً ، بل لم أقف على قائل به لأن المسلمين بين قائل بأولوية الجائر وتوقف التصرف على إذنه ، وبين مفوض للأمرّ إلى الإمام العادل ، فمع غيبته يرجع الأمر إلى نائبه ، فالتصرف بدونهما لا دليل عليه ، انتهى.

ثمَّ المشهور انّه يجوز يبع تلك الأراضي وهبتها ومعاوضتها ووقفها ورهنها وإجارتها وغير ذلك ، تبعاً لآثار المتصرف فيها ، وتدلّ عليه أخبار كثيرة.

الثاني : من أقسام الأرضين : أرض من أسلم عليها أهلها طوعاً من غير قتال ، فهي تترك في أيديهم ملكاً لهم ، يصح لهم التصرف فيها بالبيع والشراء والوقف وسائر التصرفات إذا عمروها ، ويؤخذ منهم العشر أو نصف العشر على وجه الزكاة إذا بلغ النصاب ، فإن تركوا عمارتها فعن الشيخ وأبي الصلاح أن الإمام يقبلها ممن يعمرها ويعطي صاحبها طسقها وأعطي المتقبل حصته وما يبقى فهو متروك لمصالح المسلمين في بيت مالهم ، وعن ابن حمزة أنّهم إذا تركوا عمارتها حتّى صارت خراباً كانت حينئذ لجميع المسلمين يقبلها الإمام ممن يقوم بعمارتها بحسب ما يراه من نصف أو ثلث أو ربع ، وعلى متقبلها بعد إخراج مؤنة الأرض وحقَّ القبالة فيما يبقى من خاصة من غلتها إذا بلغ خمس أوسق أو أكثر من ذلك العشر أو نصف العشر.

وعن ابن إدريس أن الأولى ترك ما قاله الشيخ فانّه مخالف للأصول والأدلة العقلية والسمعية ، فإن ملك الإنسان لا يجوز لأحد أخذه ولا التصرف فيه بغير إذنه واختياره ، وقرب في المختلف قول الشيخ نظراً إلى انّه أنفع للمسلمين وأعود عليهم ، فكان سائغا ثمَّ قال : وأي عقل يمنع من الانتفاع بأرض ترك أهلها عمارتها

__________________

(١) وفي نسخة « نائبا للمستحقين ».


( باب )

( سيرة الإمام في نفسه وفي المطعم والملبس إذا ولي الأمر )

١ - محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن ابن محبوب ، عن حمّاد ، عن حميد وجابر العبدي قال : قال : أمير المؤمنينعليه‌السلام إن الله جعلني إماماً لخلقه ، ففرض عليّ التقدير في نفسي ومطعمي ومشربي وملبسي كضعفاء الناس كي يقتدي

________________________________________________________

وإيصال أربابها حقَّ الأرض ، مع أن الروايات متظافرة بذلك.

الثالث من أقسام الأرضين أرض الصلح فإن كان أربابها صولحوا على أن الأرض لهم فهي لهم ، وانّ صولحوا على أنها للمسلمين ولهم السكنى وعليهم الجزية فالعامرّ المسلمين قاطبة والموات للإمام خاصّة ، وإذا شرطت الأرض لهم فعليهم ما يصالحهم الإمام ويملكونها ويتصرفون فيها بالبيع وغيره ، ولو أسلم الذمّي ملك أرضه وسقط مال الصلح عنه.

الرابع من أقسام الأرضين الأنفال ، وهي كلّ أرض موات سواء ماتت بعد الملك أم لا ، وكل أرض أخذت من الكفّار من غير قتال سواء انجلى أهلها أو سلموها طوعاً ورؤوس الجبال وبطون الأودية والآجام ، وظاهر كلام أكثر الأصحاب اختصاص هذه الثلاثة بالإمامعليه‌السلام من غير تقييد.

وقال ابن إدريس : ورؤوس الجبال وبطون الأودية التي هي ملكه ، فأمّا ما كان من ذلك في أرض المسلمين ويد مسلم عليه فلا يستحقهعليه‌السلام ، بل ذلك في أرض المفتوحة عنوة والمعادن التي في بطون الأودية ممّا هي له.

أقول : هذا ما ذكره القوم في ذلك ، وظاهر هذه الأخبار غير منطبق عليها إلّا بتأويلات قد أومأنا إلى بعضها ، والله يعلم حقائق الأحكام وحججه الكرامعليهم‌السلام .

باب سيرة الإمام في نفسه وفي المطعم والملبس إذا ولي الأمر

الحديث الأوّل : مجهول.

« والتقدير » التضييق « في نفسي ومطعمي » كان العطف للتفسير ، وذكر النفس


الفقير بفقري ولا يطغي الغنَّي غناه.

٢ - عليُّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حمّاد بن عثمان ، عن المعلّى بن خنيس قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام يوماً جعلت فداك ذكرت آل فلان وما هم فيه من النعيم فقلت لو كان هذا إليكم لعشنا معكم فقال : هيهات يا معلّى أما والله أن لو كان ذاك ما كان إلّا سياسة الليل وسياحة النهار ولبس الخشن وأكل

________________________________________________________

للإشارة إلى انّه مخصوص بهعليه‌السلام في مطمعه وهو اسم مكان أو مصدر ، والحاصل في أكله أو في كيفية أكله أو في طعامه ، وقس عليه جارية ، وقيل : في نفسي ، أي في ارتكاب أموري المتعلقة بكسب المعاش وضبط المملكة ونحوهما ، بأن لا أكون كالمتكبرين المترفين الّذين يخدمهم الخدمة في كل أمورهم أو أكثرها « كضعفاء الناس » أي كالّذين لا مال لهم « كي يقتدي الفقير » أي يسلك مسلك الفقراء اقتداء بي أو هو كناية عن الرضا بالفقر.

والحاصل أن الفقير لـمّا رأى إمامه قد رضي بالدون من المعيشة ، رضي بفقره ، وكذا الغني إذا رآه فقيرا لم يطغه غناه ، وعلم انّه لو كان في الغناء خيراً لكان الإمام أولى به.

الحديث الثاني : مختلف فيه.

« آل فلان » هم بنو العبّاس « لعشنا » أي لتنعمنا « معكم » أي مع تنعمكم « والله أن لو كان » أن زائدة لربط جواب القسم بالقسم ، وكان تامّة « إلّا سياسة الليل » أي سياسة الناس وحراستهم عن الشر بالليل أو سهر الليل ومحافظته مجازا ، وقيل : هي رياضة النفس فيها بالاهتمام لأمور الناس وتدبير معاشهم ومعادهم مضافا إلى العبادات البدنية لله ، وفي النهاية : السياسة القيام على الشيء بما يصلحه.

« وسياحة النهار » رياضة النفس فيه بالدعوة والجهاد والسعي في حوائج المؤمنين ابتغاء مرضات الله ، وقيل : الصوم ، ولا يخفى عدم الاختصاص بهذا الزمان وانّ ورد بهذا المعنى ، قال : في النهاية : فيه لا سياحة في الإسلام ، يقال : ساح في الأرض


الجشب ، فزوي ذلك عنّا فهل رأيت ظلامة قطُّ صيّرها الله تعالى نعمّة إلّا هذه.

٣ - عليُّ بن محمّد ، عن صالح بن أبي حمّاد ؛ وعدَّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد وغيرهما بأسانيد مختلفة في احتجاج أمير المؤمنينعليه‌السلام على عاصم بن زياد حين لبس

________________________________________________________

يسيح ساحة إذا ذهب فيها وأصله من السيح وهو الماء الجاري المنبسط على الأرض ، أراد مفارقة الأمصار وسكنى البراري وترك شهود الجمعة والجماعات.

وقيل : أراد الذين يسيحون في الأرض بالشر والنميمة والإفساد بين الناس ، ومن الأوّل الحديث : سياحة هذه الأمة الصيام ، قيل : للصائم سائح لأن الّذي يسيح في الأرض متعبداً يسيح ولا زاد معه ولا ماء فحين يجدّ يطعم والصائم يمضي نهاره ولا يأكل ولا يشرب شيئاً فشبه به ، والخشن ضد الناعم ، والجشب الطعام الغليظ ، قال : الجوهري : طعام جشب أي غليظ ، ويقال : هو الّذي لا أدم معه.

قولهعليه‌السلام : فزوي ، أي صرف وأبعد ذلك عنا « فهل رأيت » تعجب منهعليه‌السلام في صيرورة الظلم عليهم نعمّة لهم ، وحصر لمثله فيه ، وكان المراد بالظلامة هنا الظلم وفي القاموس : المظلمة بكسرّ اللام وكثمامة ما تظلمه الرّجل ، وفي المغرب يقال : عند فلان مظلمتي وظلامتي أي حقّي الذي أخذمنّي ظلماً.

الحديث الثالث : مرسل معتبر بل هو كالمتواتر روي بأسانيد وفي متنه اختلاف والمضمون مشترك.

منها ما رواه السيدرضي‌الله‌عنه في نهج البلاغة قال : من كلام له بالبصرة وقد دخل على العلاء بن زياد الحارثي يعوده وهو من أصحابه ، فلـمّا رأى سعة داره قال : ما كنت تصنع بسعة هذه الدّار في الدنيا وأنت إليها في الآخرة كنت أحوج ، وبلى إن شئت بلغت بها الآخرة تقرئ فيها الضيف ، وتصل فيها الرحم ، وتطلع منها الحقوق مطالعها فإذا أنت بلغت بها الآخرة ، فقال : له العلاء : يا أمير المؤمنين أشكو إليك أخي عاصم ابن زياد! قال : وما له؟ قال : لبس العباء وتخلّى من الدنيا ، قال : عليّ به فلـمّا جاء قال : يا عدّي نفسه لقد استهام بك الخبيث ، أما رحمت أهلك وولدك؟ أترى الله أحلّ


________________________________________________________

لك الطيّبات وهو يكره أن تأخذها أنت أهون على الله من ذلك ، قال : يا أمير المؤمنين هذا أنت في خشونة ملبسك وجشوبة مأكلك؟ قال : ويحك إنّي لست كانت إن الله فرّض على أئمّة الحقَّ أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس كيلاً يتبيغ بالفقير فقره. وقال : ابن أبي الحديد في الشرح : اعلم أن الّذي رويته عن الشيوخ ورأيته بخط عبد الله بن أحمد الخشابرحمه‌الله أن الربيع بن زياد الحارثي أصابته نشابة في جبينه فكانت تنتقض عليه في كل عام فأتاه عليّعليه‌السلام عائدا فقال : كيف تجدّك أبا عبد الرحمن؟ قال : أجدني يا أمير المؤمنين لو كان لا يذهب مآبي إلّا بذهاب بصري لتمنيت ذهابه ، قال : وما قيمة بصرك عندك؟ قال : لو كانت لي الدنيا لفديته بها قال : لا جرم ليعطينك الله على قدر ذلك ، إن الله يعطي على قدر الألم والمصيبة وعنده تضعيف كثير.

قال الربيع : يا أمير المؤمنين إلّا أشكو إليك عاصم بن زياد أخي؟ قال : ما له؟ قال : لبس العباء وترك الملإ ، وغم أهله وحزن ولده؟ فقال :عليه‌السلام : ادعوا لي عاصما ، فلـمّا أتاه عبس في وجهه وقال : ويلك يا عاصم أترى الله أباح لك اللذات وهو يكره ما أخذت أنت منها لأنت أهون على الله من ذلك أو ما سمعته يقول : «مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ » ثمَّ قال : «يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ »(١) وقال : «وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها »(٢) أمّا والله لابتذال نعم الله بالفعال أحبّ إليه من ابتذالها بالمقال : ، وقد سمعتم الله يقول : «وَأَمَّا بِنِعمّة رَبِّكَ فَحَدِّثْ »(٣) وقوله : «قُلْ مَنْ حرّم زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ »(٤) .

إن الله خاطب المؤمنين بما خاطب به المرسلين فقال : «يا أَيُّهَا الّذين آمَنُوا

__________________

(١) سورة الرحمن : ٢٢ - ١٩.

(٢) سورة فاطر : ٣٥.

(٣) سورة الضحى : ١١.

(٤) سورة الأعراف : ٣٢.


العباء وترك الملاء وشكاه أخوه الرَّبيع بن زياد إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام انّه قد غم أهله وأحزن ولده بذلك ، فقال : أمير المؤمنينعليه‌السلام عليّ بعاصم بن زياد فجيء به فلـمّا رآه عبس في وجهه فقال : له أما استحييت من أهلك ؟ أما رحمت ولدك ؟ أترى الله

________________________________________________________

كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ »(١) وقال : «يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً »(٢) وقال : رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لبعض نسائه : ما لي أراك شعثاء مرهاء سلتاء(٣) قال : عاصم : فلم اقتصرت يا أمير المؤمنين على لبس الخشن وأكل الجشب؟ قال : إن الله تعالى افترض على أئمّة العدل أن يقدروا لأنفسهم بالقوم كيلا يتبيّغ بالفقير فقره ، فما قام عليّعليه‌السلام حتّى نزع عاصم العباء ولبس ملاءة.

ولنرجع إلى شرح الحديث ، قوله : حين لبس العباء ، وهو جمع عباءة بالفتح فيهما ، وهي الكساء وكان المراد به جعلها شعارا والمواظبة عليّ لبس ثياب الصوف الخشنة ، وترك القطن ونحوه ، والاكتفاء بلبسها في الصيف والشتاء كما ورد في وصايا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأبي ذر : يجيء من بعدي أقوام يلبسون الصوف في صيفهم وشتائهم ، يرون لهم بذلك الفضل على غيرهم أولئك تلعنهم ملائكة السماء وملائكة الأرض.

والملاء بالضمّ والمدّ جمع ملاءة بهما أيضاً وهي الثوب اللين الرقيق « انّه » بفتح الهمزة أي بانّه ، « وعلى » اسم فعل بمعنى ائتوني ، وقال : ابن أبي الحديد يقول : عليّ بفلان أي أحضره والأصل أعجلّ به عليّ ، فحذف فعل الأمر ودل الباقي عليه « أما استحييت » استفهام توبيخي « أترى الله أحلَّ لك الطيّبات » أي في قوله : «قُلْ مَنْ حرّم زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ » وقوله : «يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا ممّا فِي الْأَرْضِ حلالاً طَيِّباً » وقوله : «يا أَيُّهَا الّذين آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ

__________________

(١) سورة المائدة : ٨٧.

(٢) سورة المؤمنون : ٥١.

(٣) الشعساء : التي أغبر رأسها وتلبّد شعرها وانتشر لقلّة تعهّده بالدهن ، والمرهاء : التي تركت الاكتحال حتّى تبيضّ بواطن أجفانها ، والسلتاء : التي لا تختضب.


أحلَّ لك الطيّبات وهو يكره أخذك منها ، أنت أهون على الله من ذلك أوليس الله يقول «وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ .فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ » أوليس الله يقول «مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ .بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ » إلى قوله «يَخْرُجُ مِنْهُمَا

________________________________________________________

ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إيّاه تَعْبُدُونَ » وقوله : «وَكُلُوا ممّا رَزَقَكُمُ اللهُ حلالاً طَيِّباً » وقوله : «الْيَوْمَ أحلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ » وغير ذلك.

« وهو يكره » الجملة حالية والهون الذل والحقارة والخفة والسهولة ، وهان عليه الشيء أي خف ، وقال : ابن أبي الحديد : فإن قيل : ما معنى قولهعليه‌السلام أنت أهون على الله من ذلك؟ قلت : لأن في الشاهد قد يحل الواحد منا لصاحبه فعلا مخصوصاً محاباة ومراقبة له ، وهو يكره أن يفعله ، والبشر أهون على الله تعالى من أن يحل لهم أمرا مجاملة واستصلاحاً للحال معهم وهو يكره منهم فعله ، انتهى.

والمعنى أن كراهية ذلك مختصّة بالأمراء وولاة الأمر وأنت أهون على الله من ذلك ، فلا تقس نفسك بهم كما سيأتي والأوّل أظهر ، والكم بالكسرّ وعاء الطلع وغطاء النور والجمع أكمة وأكمام ، ذكره الفيروزآبادي.

«مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ » قال : البيضاوي : أي أرسلهما من مرجت الدابّة إذا أرسلتها ، والمعنى أرسل البحر الملح والبحر العذب يلتقيان يتجاوران ويتماس سطوحهما ، أو بحري فارس والروم يلتقيان في المحيط لأنهما خليجان ينشعبان منه بينهما برزخ حاجز من قدرة الله ، أو من الأرض «لا يَبْغِيانِ » لا يبغي أحدهما الآخر بالممازجة وإبطال الخاصية ، أو لا يتجاوزان حدّيهما بإغراق ما بينهما «يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ » وقال : اللؤلؤ كبار الدّر والمرجان صغاره ، وقيل : المرجان الخرز الأحمر.

قيل : الدر يخرج من المالح لا من العذب فما وجه قوله : يخرج منهما؟ وأجيب


اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ »(١) فبالله لابتذال نعم الله بالفعال أحبّ إليه من ابتذالها بالمقال : وقد قال : الله عزَّ وجلّ و «أَمَّا بِنِعمّة رَبِّكَ فَحَدِّثْ »(٢) فقال : عاصم يا أمير المؤمنين فعلى ما اقتصرت في مطعمك على الجشوبة وفي ملبسك على الخشونة فقال : ويحك إن الله عزَّ وجلّ فرّض على أئمّة العدل أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس كيلا يتبيغ

________________________________________________________

بأّن المراد من مجتمعهما أو من أحدهما وهو الملح ، أي انّه لـمّا اجتمع مع العذب حتّى صار كالشيء الواحد كان المخرج من أحدهما كالمخرج منهما.

ووجه الاستدلال بالآية أن الامتنان بهما يدلّ على جواز الانتفاع منهما والتحلي بهما ، والابتذال ضد الصيانة وابتذال نعمّة الله بالفعال بفتح الفاء أن يصرفها فيما ينبغي ، متوسعا من غير ضيّق وبالمقال : أن يذكر نعم الله على نفسه ويشكره عليها « وقد قال : الله » أي إذا أمرّ الله بالشكر القولي وكان الشكر الفعليّ أقوى في إظهار النعمّة فيكون وجوبه ولزومه أولى وأحرى ، وما قيل : أن التحديث أعم من أن يكون بلسان الحال وهو بالاستعمال ، أو بلسان المقال : ، فبعيد عن السياق ، والجشوبة والخشونة مصدران بمعنى الفاعل للمبالغة ، والمطعم بالفتح ما يطعم والملبس بالفتح ما يلبس ، قال : ابن أبي الحديد : طعام جشب أي غليظ وكذلك مجشوب ، وقيل : انّه الّذي لا إدام معه.

قولهعليه‌السلام : أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس أي يشبهوا ويمثلوا وتبيغ الدم بصاحبه وتبوغ به أي هاج به ، وفي الحديث : عليكم بالحجامة لا تبيغ بأحدكم الدم فيقتله ، وقيل : أصل يتبيغ يبتغي فقلب مثل جذب وجبذ ، أي يجب على الإمام العادل أن يشبه نفسه في لباسه وطعامه بضعفة الناس جمع ضعيف كيلا يهلك الفقراء من الناس ، فأنّهم إذا رأوا إمامهم بتلك الهيئة وذلك المطعم كان ادّعى لهم إلى سلوانّ لذات الدنيا والصبر عن شهواتها ، انتهى.

وأقول : هذا وجه جمع بين الأخبار المختلفة في سيرة الأئمّةعليهم‌السلام وبين

__________________

(١) سورة الرحمن : ١٩ - ٢٢. (٢) سورة الضحى : ١١.


بالفقير فقره ، فألقى عاصم بن زياد العباء ولبس الملاء.

٤ - عدَّةٌ من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد البرقي ، عن أبيه ، عن محمّد بن يحيى الخزاز ، عن حمّاد بن عثمان قال : حضرت أبا عبد اللهعليه‌السلام وقال : له رجلّ أصلحك الله ذكرت أن عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام كان يلبس الخشن يلبس القميص بأربعة دراهم وما أشبه ذلك ونرى عليك اللباس الجديد فقال : له إن عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام كان يلبس ذلك في زمان لا ينكر [ عليه ] ولو لبس مثل ذلك اليوم شهر به فخير لباس

________________________________________________________

ما ورد من مدح التجمّل وخلافه ، وفيه ذمّ اتّخاذ التقّشف ولبس الصوف سنة كما ابتدعه المتصوّفة ، وسيأتي خبر دخول الصوفية على أبي عبد اللهعليه‌السلام وغيره في ذلك ، وقد زاد المتأخرون عن زمانّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على البدعة في المأكل والمشرب كثيرا من العقائد الباطلة كاتحاد الوجود وسقوط العبادات والجبر وغيرها ، وأثبتوا لمشائخهم من الكرامات ما كاد يربو على المعجزات ، وقبائح أقوالهم وأفعالهم وعقائدهم أظهر من أن يخفى على عاقل ، أعاذ الله المؤمنين من فتنتهم وشرهم فأنّهم أعدى الفرق للإيمان وأهله.

الحديث الرابع : صحيح.

« ونرى عليك اللباس الجديد » كان الجديد كناية عن النفيس العالي ، وقيل : هو من جدّ في عيني كمد أي عظم « في زمان لا ينكر » على بناء المجهول ، أي لا ينكر هذا الفعل فيه أما قبل رجوع الخلافة إليه فلقرب عهد الناس بزمن الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعدم تغير العادات كثيرا ، وأما في زمان خلافته فلانّه كان المقتدى في القول والفعل فلا ينكر عليه ذلك ، وقيل : الضمير للزمان أي كان في زمان حسن لانّه كان خليفة فيه « ولو لبس » أي عليّعليه‌السلام « مثل ذلك » أي الخشن « اليوم » أي في هذا الزّمان وهو زمان السلطان الجائر أو زمان تغير عادات الرّسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما ذكرنا أولا « شهر به » أي شنعة الناس ، وضمير « به » لمصدر لبس ، قال : في النهاية : فيه من لبس ثوب شهرة ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة ، الشهرة ظهور الشيء في شنعة حتّى يشهره


كل زمان لباس أهله غير أن قائمنا أهل البيتعليهم‌السلام إذا قام لبس ثياب عليّعليه‌السلام وسار بسيرة عليّعليه‌السلام .

( باب نادر )

١ - الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن أحمد بن محمّد بن عبد الله ، عن أيوب بن نوح قال : عطس يوماً وأنا عنده فقلت جعلت فداك ما يقال : للإمام إذا عطس ؟ قال : يقولون صلّى الله عليك.

٢ - محمّد بن يحيى ، عن جعفر بن محمّد قال : حدَّثني إسحاق بن إبراهيم الدينوري

________________________________________________________

الناس ، أقول : وهذا أيضاً وجه جمع بين الأخبار المختلفة كما سيأتي في محلّه إنشاء الله تعالى.

باب نادر

الحديث الأول : ضعيف على المشهور ، وأيوب بن نوح ثقة من أصحاب الرضا والجواد والهادي والعسكريعليهم‌السلام ، وروي انّه كان وكيلا للهادي والعسكريعليهما‌السلام وكان عظيم المنزلة عندهما ، فالضمير في عطس يحتمل رجوعه إلى كل من الأئمّة الأربعةعليهم‌السلام لكن رجوعه إلى أبي الحسن الهاديعليه‌السلام أظهر لكون أكثر رواياته ومسائله عنهعليه‌السلام .

الحديث الثاني : مجهول ، ويدلّ على عدم جواز إطلاق أمير المؤمنين على غيره صلوات الله عليه وانّ كان المعنى متحققاً فيهم ، ويدلّ على أن المراد ببقية الله الأئمّةعليهم‌السلام لأنّهم من بقايا حجج الله الّذين ببقائهم تبقى الدنيا ، وقد ورد ذلك في أخبار كثيرة ، والمفسرون فسروا البقية بالباقي أي ما أبقى الله لهم في الحلال بعد إيفاء الكيل والوزن ، وقيل : يعنّي إبقاء الله عليكم خير لكم ممّا يحصل من النفع بالتطفيف ، وقيل : طاعة الله خير لكم من الدنيا ، وقيل : رزق الله.

الحديث الثالث : ضعيف على المشهور مرسل آخره.


عن عمر بن زاهر ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سأله رجلٌ عن القائم يسلم عليه بامرة المؤمنين ؟ قال : لا ذاك اسم سمّى الله به أمير المؤمنينعليه‌السلام لم يسم به أحد قبله ولا يتسمّى به بعده إلّا كافر قلت جعلت فداك كيف يسلم عليه قال : يقولون السلام عليك يا بقية الله ثمَّ قرأ «بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ »(١) .

٣ - الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن الوشّاء ، عن أحمد بن عمرّ قال : سألت أبا الحسنعليه‌السلام لم سمي أمير المؤمنينعليه‌السلام قال : لانّه يميرهم العلم أما سمعت في كتاب الله «وَنَمِيرُ أَهْلَنا »(٢)

وفي رواية اُخرى قال : لأن ميرة المؤمنين من عنده يميرهم العلم.

٤ - عليّ بن إبراهيم ، عن يعقوب بن يزيد ، عن ابن أبي عمير ، عن أبي الربيع القزاز ، عن جابر ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : قلت له : لِمَ سمي أمير المؤمنين قال :

________________________________________________________

والميرة بالكسرّ طيب الطّعام ، يقال : مار عياله يمير ميرا وأمارهم وامتار لهم.

ويرد عليه أن الأمير فعيل من الأمر لا من الأجوف ، ويمكن التفصّي عنه بوجوه : الأوّل : أن يكون على القلب وفيه بعد من وجوه لا تخفى ، الثاني : أن يكونعليه‌السلام قد قال : ذلك ثمَّ اشتهر به كما في تأبط شرا ، الثالث : أن يكون المعنى أن أمراء الدنيا انّما يسمون أميراً لكونهم متكلفين لميرة الخلق وما يحتاجون إليه في معاشهم بزعمهم ، وأما أمير المؤمنينعليه‌السلام فإمارته لأمرّ أعظم من ذلك لانّه يميرهم ما هو سبب لحياتهم الأبدية ، وقوتهم الروحانية وانّ شارك سائر الأمراء في الميرة الجسمانيّة فعبّرعليه‌السلام عن هذا المعنى بلفظ مناسب في الحرف للفظ الأمير وهذا أظهر الوجوه.

الحديث الرابع : مجهول.

« لم سمّي أمير المؤمنين » أي هل كان ذلك من قبل الناس أو من الله أو أنّه

__________________

(١) سورة هود : ٨٦.

(٢) سورة يوسف : ٦٥.


الله سمّاه وهكذا أنزل في كتابه «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بنيّ آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ » وانّ محمّداً رسولي وأنَّ عليّاً أمير المؤمنين.

________________________________________________________

لـمّا أو هم كلامه أنّ التسمية كانت من الناس أجابعليه‌السلام بأنها كانت من الله أو انّهعليه‌السلام أجاب بما هو الأهم للتنبه على انّه لا فائدة كثيرة في العلم بعلة التسمية ، كما قيل في قوله تعالى : «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ »(١) مع انّه يظهر من الجواب العلة أيضاً ، فإنها لو كانت من الله فمعناه انّه منصوب من الله لإمارة المؤمنين وسياستهم ، وانّه خليفة الله في أرضه ، فهذه علة التسمية وظاهر الخبر كون التسمية موجودة في الآية فأسقطوها ، وقد يأوّل بأن المراد ذلك وانّ لم يذكر في الآية اختصاراً واكتفاء بالجزء الأعظم ولا يخفى بعده ، وسيأتي الكلام في ذلك في كتاب القرآن إن شاء الله تعالى.

__________________

(١) سورة البقرة : ١٨٩.


قد تمّ الجزء الرابع حسب تجزئتنا من هذه طبعة ويليه الجزء الخامس إن شاء الله تعالى وأوّله « باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية » وقد وقع الفراغ من تصحيحه ومقابلته والتعليق عليه في اليوم الخامس والعشرين من شهر محرّم الحرام سنة ١٣٩٥ والحمد لله أوّلاً وآخراً.

وأنا العبد المذنب الفاني :

السيد هاشم الرسولي المحلاتي


الفهرس

( باب ) ( الإشارة والنص إلى صاحب الدار عليه‌السلام ) باب الإشارة والنص إلى صاحب الدار عليه‌السلام ٦

( باب ) ( في تسمية من رآه عليه‌السلام ) باب في تسمية من رآه (ع) ١٠

( باب في النهي عن الاسم ) باب في النهي عن الاسم ٢١

نادر في حال الغيبة باب نادر في حال الغيبة ٢٣

( باب في الغيبة ) باب في الغيبة ٣٨

( باب ) ( ما يفصل به بين دعوى المحق والمبطل في أمر الامامة ) باب ما يفصل به بين دعوى المحقَّ والمبطل في أمرّ الإمامة ٦٧

(باب كراهية التوقيت) باب كراهية التوقيت ١٧٥

( باب التمحيص والامتحان ) باب التمحيص والامتحان ١٨٥

( باب ) ( انه من عرف امامه لم يضره تقدم هذا الامر او تأخر ) باب انه من عرف إمامه لم يضره تقدم هذا الأمر أو تأخر ١٩١

( باب ) ( من ادعى الإمامة وليس لها بأهل ومن جحد الأئمة أو بعضهم ومن ) ( أثبت الإمامة لمن ليس لها بأهل ) باب من ادعى الامامة وليس لها بأهل ومن جحد الأئمّة أو بعضهم ومن أثبت الإمامة لمن ليس لها بأهل ١٩٦

( باب ) ( فيمن دان الله عز وجل بغير إمام من الله جل جلاله ) باب فيمن دان الله عزَّ وجلّ بغير إمام من الله جلّ جلاله ٢١٨

( باب ) ( من مات وليس له إمام من أئمّة الهدى وهو من الباب الأول ) باب من مات وليس له إمام من أئمّة الهدى وهو من الباب الأوّل ٢٢٤


( باب ) ( فيمن عرف الحقَّ من أهل البيت ومن أنكر ) باب فيمن عرف الحقَّ من أهل البيت ومن أنكر ٢٢٧

( باب ) ( ما يجب على الناس عند مضي الامام ) باب ما يجب على الناس عند مضي الإمام ٢٣٢

( باب ) ( في أن الإمام متى يعلم أن الأمر قد صار إليه ) باب في أن الإمام متى يعلم أن الأمر قد صار إليه ٢٤٠

( باب ) ( حالات الأئمة عليهم‌السلام في السن ) باب حالات الأئمة (ع) في السن ٢٤٧

( باب ) ( أن الإمام لا يغسله إلا إمام من الأئمة عليهم‌السلام ) باب أن الإمام لا يغسله إلا إمام من الأئمة عليهم‌السلام ٢٦١

( باب ) ( مواليد الأئمة عليهم‌السلام ) باب مواليد الأئمة عليهم‌السلام ٢٦٤

( باب ) ( خلق أبدان الأئمّة وأرواحهم وقلوبهم عليهم‌السلام ) باب خلق أبدان الأئمة وأرواحهم وقلوبهم عليهم‌السلام ٢٧٦

( باب ) ( التسليم وفضل المسلمين ) باب التسليم وفضل المسلمين ٢٨٣

( باب ) ( أن الواجب على الناس بعد ما يقضون مناسكهم أن يأتوا الإمام ) ( فيسئلونه عن معالم دينهم ويعلمونهم ولايتهم ومودتهم له ) باب أن الواجب على الناس بعد ما يقضون مناسكهم أن يأتوا الإمام فيسئلونه عن معالم دينهم ويعلمونهم ولايتهم ومودتهم لهم ٢٨٩

( باب ) ( أن الأئمة تدخل الملائكة بيوتهم وتطأ بسطهم وتأتيهم ) ( بالأخبار عليهم‌السلام ) باب أن الأئمة تدخل الملائكة بيوتهم وتطأ بسطهم ويأتيهم بالأخبار عليهم‌السلام ٢٩٣

( باب ) ( أن الجن يأتيهم فيسألونهم عن معالم دينهم ويتوجهون في أمورهم ) باب أن الجن يأتونهم فيسئلونهم عن معالم دينهم ويتوجهون في أمورهم عليهم‌السلام ٢٩٦


( باب ) ( في الأئمّة عليهم‌السلام أنّهم إذا ظهر أمرهم حكموا بحكم داود وآل داود ) ( ولا يسألون البينة عليهم‌السلام [ والرحمة والرضوان] ) باب في الأئمّة عليهم‌السلام أنّهم إذا ظهر أمرهم حكموا بحكم داود وآل داود ولا يسئلون البينة عليهم‌السلام والرحمة والرضوان ٣٠٣

( باب ) ( أن مستقى العلم من بيت آل محمّد عليهم‌السلام ) باب أن مستقى العلم من بيت آل محمّد عليهم‌السلام ٣١٠

( باب ) ( انه ليس شيء من الحق في يد الناس إلّا ما خرج من عند الأئمة ) ( عليهم‌السلام وان كل شيء لم يخرج من عندهم فهو باطل ) باب انه ليس شيء من الحق في أيدي الناس إلا ما خرج من عند الأئمة عليهم‌السلام وان كل شيء لم يخرج من عندهم فهو باطل ٣١٢

( باب ) ( فيما جاء أن حديثهم صعب مستصعب ) باب فيما جاء أن حديثهم صعب مستصعب ٣١٧

( باب ) ( ما أمرّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بالنصيحة لأئمّة المسلمين ) ( واللزوم لجماعتهم ومن هم ؟ ) باب ما أمر النبي (ص) بالنصيحة لأئمّة المسلمين واللزوم لجماعتهم ومن هم ٣٢٨

( باب ) ( ما يجب من حق الإمام على الرعية وحق الرعية على الإمام ) باب ما يجب من حق الإمام على الرعية وحقَّ الرعية على الإمام ٣٣٩

( باب ) ( أن الأرض كلها للإمام عليهم‌السلام ) باب أن الأرض كلها للإمام عليه‌السلام ٣٥٠

( باب ) ( سيرة الإمام في نفسه وفي المطعم والملبس إذا ولي الأمر ) باب سيرة الإمام في نفسه وفي المطعم والملبس إذا ولي الأمر ٣٦٦

( باب نادر ) باب نادر ٣٧٤

الفهرس ٣٧٨