حقائق الاصول
وهى
تعليقة على (كفاية) الاستاذ الاعظم المحقق الخراساني قدس سره
تأليف
المحقق الاوحدي علم الشريعة ومرجع الشيعة
السيد محسن الطباطبائى الحكيم
قدس سره
الجزء الاول
من منشورات مكتبة بصيرتي
قم - ارم
تقديم
بسم الله الرحمن الرحيم
هذه صحف لم يقدر لها أن تنشر قبل اليوم (والامور مرهونة باوقاتها) أملاها سيدى الوالد - مد ظله العالي - منذ عهد بعيد لا يقل عن ستة وعشرين عاما يوم كان يدرس طلابه كتاب أستاذه الاعظم (كفاية الاصول) ذلك الكتاب الذى توفق كل التوفيق والذى عكف عليه طلاب أصول الفقه قراءة وتفهما، وكل ماكان يريده - مد ظله - يومئذ أن يشرح كلمات استاذه، ويكشف القناع عن معمياتها، ولم يشأ أن يعرض لآراء أساتذته الآخرين وغيرهم ومناقشتها الحساب على أنه - مد ظله - لم يظن على قرائه من إبداء ملاحظاته ومآخذه على الكتاب المذكور وتحقيق ما يراه حقا لا محيد عنه.
أما اليوم وقد آن لهذه الصحف أن تنشر، فلم يكن في مقدور سيدنا أن ينظر فيها مجددا، نظرا للظروف والملابسات التى تحيط به من كل جانب وفى كل وقت، ولم يكن منه تجاهها سوى الاذن في نشرها، تقريبا لها من الانتفاع، وتبعيدا لها من الضياع. على انها - مع اختصارها - والاختصار عادة لسيدي - مد ظله العالي - في جميع مؤلفاته - حاوية لحقائق الاصول، خالية من كل فضول، والله سبحانه ولى العصمة والسداد وهو حسبنا ونعم الوكيل.
١٧ محرم الحرام ١٣٧٢ ه يوسف الطباطبائى الحكيم
بسم الله الرحمن الرحيم
نحمدك اللهم يامن اضاء على مطالع العقول والالباب وانار عليها بسواطع السنة والكتاب فاحكم الفروع باصولها في كل باب ونصلي على افضل من أوتي الحكمة وفصل الخطاب وعلى آله الطاهرين الاطياب لا سيما المخصوص بالاخوة سيد اولى الالباب ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول وآل الرسول فاغفر لنا ذنوبنا وقنا سوء الحساب واللعنة على اعدائهم من اليوم إلى يوم الحساب (وبعد) فالعلم على تشعب شؤنه وتفنن غصونه مفتقر إلى علم الاصول افتقار الرعية إلى السلطان ونافذ حكمه عليها بالوجدان ولا سيما العلوم الدينية وخصوصا الاحكام الشرعية فلولا الاصول لم تقع في علم الفقه على محصول فبه استقرت قواعد الدين وبه صار الفقه كشجرة طيبة تؤتي اكلها كل حين فلذا بادر علماء الامصار وفضلاء الاعصار في كل دور من الادوار إلى تمهيد قواعده وتقييد شوارده وتبيين ضوابطه وتوضيح روابطه وتهذيب اصوله واحكام قوانينه وترتيب فصوله لكنه لما فيه من محاسن النكت والفقر ولطائف معان تدق دونها الفكر جل عن ان يكون شرعة لكل وارد أو ان يطلع على حقايقه إلا واحد بعد واحد فنهض بها من اولى البصائر كابر بعد كابر فلله درهم من عصاتة تلقوا
______________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.
واذعنوا وبرعوا فاتقنوا وأجادوا فجادوا وصنفوا وأفادوا اثابهم الله برضوانه وبوأهم بحبوحات جنانه حتى انتهى الامر إلى اوحد علماء العصر قطب فلك الفقاهة والاجتهاد ومركز دائرة البحث والانتقاد الطود الشامخ والعلم الراسخ محي الشريعة وحامى الشيعة النحرير الاواه والمجاهد في سبيل الله خاتم الفقهاء والمجتهدين وحجة الاسلام والمسلمين الوفي الصفى مولانا الاخوند ملا محمد كاظم الهروي الطوسي النجفي مد الله اطناب ظلاله على رؤس الانام وعمر بوجوده دوارس شرع الاسلام فقد فاز دام ظله منه بالقدح المعلى وجل عن قول اين وانى وجرى بفكر صائب تقف دونه الافكار ونظر ثاقب يكاد سنا برقه يذهب بالابصار فلذا اذعن بفضله الفحول وتلقوه بانعم القبول واظهر صحفا هي المنتهى في التبيان ذوات نكت لم يطمثهن قبله انس ولا جان ويغنيك العيان عن البيان والوجدان عن البرهان فما قدمته لك احدى مقالاته الشافية ورسائله الكافية فقد اخذت بجزئيها على شطري الاصول الاصلية من مباحث الالفاظ والادلة العقلية واغنت بالاشارة عن المطولات فهي النهاية والمحصول فحري بان يسمى بكفاية الاصول فاين من يعرف قدرها ولا يرخص مهرها وعلى الله قصد السبيل وهو حسبي ونعم الوكيل قال - ادام الله ظله - بعد التسمية والتحميد والتصلية: وبعد فقد رتبته على مقدمة ومقاصد وخاتمة اما المقدمة ففي بيان أمور (الاول) ان موضوع كل علم
______________________________
(قوله قدس سره: الاول أن موضوع كل علم) جرت عادة المصنفين على ذكر أمور تسمى بالمبادئ، وهي القول الشارح لموضوع العلم، وأجزائه وجزئياته، وأعراضها التي هي موضوعات مسائله، والمقدمات التي تبتني عليها قياسات العلم، وأدلته، وتسمى الاول بالمبادئ التصورية، والثانية بالمبادئ التصديقية فجرى المصنف (ره) على ذلك أيضا، فساق الامر الاول لبيان موضوع علم الاصول، ولما كان نوعا من مطلق الموضوع ناسب تعرضه لبيان
وهو الذى يبحث فيه عن عوارضه الذاتية أي بلا واسطة في العروض
______________________________
*
مطلق موضوع العلم فقال: إن موضوع... الخ (قوله: وهو الذي يبحث) هذا تعريف المشهور لموضوع العلم (قوله: عن عوارضه الذاتية) العوارض جمع العارض وهو - كما ذكر بعض المحققين - مطلق الخارج عن الشئ المحمول عليه، فيشمل العرض المعبر عنه في لسان أهل المعقول بالعرضي المقابل في باب الكليات بالذاتي، المنقسم إلى الخاصة والعرض العام، ويشمل غيره مثل كل من الجنس والفصل بالاضافة إلى الآخر والنوع بالاضافة اليهما، وقيل: العرض المبحوث عنه في الفنون هو الاول بشرط كونه ذاتيا بالمعنى الآتي بيانه (قوله: بلا واسطة في العروض) أشار بهذا إلى انقسام الواسطة إلى اقسامها الثلاثة أعني (الواسطة في العروض) وهي التي يقوم بها العرض حقيقة، وينسب إلى ذيها عناية ومسامحة من قبيل وصف الشئ بحال متعلقه، وهي قد تكون جلية على نحو تكون نسبة العرض إلى ذيها مجازا عرفا مثل الحركة والبياض الواسطتين في نسبة السرعة والشدة إلى الجسم، وقد تكون خفية بحيث لا يخرج التوصيف عن كونه حقيقة في نظر العرف وان كان مجازا بتعمل من العقل مثل السطح الذي هو واسطة في نسبة البياض إلى الجسم، فان البياض إنما يقوم حقيقة بالسطح لا بالجسم لكنه ينسب إلى الجسم حقيقة بنظر العرف وان كان مجازا بالنظر الدقيق (والواسطة في الثبوت) وهي علة ثبوت العرض حقيقة لمعروضه سواء أكان العرض قائما بها أيضا كالنار والشمس العلتين لثبوت الحرارة للماء أم لا كالحركة التي هي علة لعروض الحرارة على الجسم (والواسطة في الاثبات) وهي التي يكون العلم بها علة للعلم بالثبوت كالوسط في القياس، والاولتان بالنسبة إلى عرض واحد متباينتان لاعتبار القيام حقيقة في الثانية وعدمه في الاولى، ويتصادقان بالنسبة إلى عرضين، إذ لا مانع من ان تكون الواسطة في العروض علة لثبوت عرض آخر لمعروض آخر غير ذيها، واما الثالثة فتتحد مع كل واحدة منهما بالاضافة إلى خصوص ذلك العرض بعينه، وتفترق عن الاخرى، إذ قد يكون الوسط في القياس علة لثبوت الاكبر
للاصغر، وقد يكون واسطة في عروضه له، وقد تفترق عنهما معا، كما إذا كان الوسط لازما لثبوت الاكبر للاصغر أو ملازما له. ثم إن العرض قسمان ذاتي وغريب، لانه إما ان يلحق الشئ لذاته. أو لجزئه المساوي، أو للخارج المساوي، أو لجزئه الاعم، أو للخارج الاعم، أو للخارج الاخص، والثلاثة الاول أعراض ذاتية على المشهور، بل أدعي عليه الاتفاق، ولذا اشتهر تعريف العرض الذاتي بأنه ما يلحق الشئ لذاته أو لما يساويه، والاخيران عرضان غريبان بالاتفاق أيضا، وأما الرابع فالمنسوب إلى مشهور المتأخرين أنه من الاعراض الذاتية، وهو ظاهر الشمسية وصريح شرحيها للرازي والتفتازاني، وعن جماعة من المتأخرين - تبعا للقدماء - أنه من الاعراض الغريبة، بل نسبه في الفصول إلى المشهور، وظاهر المصنف (ره) حيث عدل عن تعريف المشهور المتقدم للعرض الذاتي فعرفه - تبعا للفصول - بما يلحق الشئ بلا واسطة في العروض خلاف ذلك، إذ عليه يكون القسم الثالث من الاعراض الغريبة كالاخيرين لكون الاقسام الثلاثة عندهم كلها مما يكون بواسطة في العروض، كما صرح به بعض الاجلة، ويظهر من كلماتهم وأمثلتهم، وكأن الوجه فيه ما أشار إليه في الفصول وغيره من أن ما يلحق الشئ بواسطة الخارج المساوي ينبغي أن يبحث عنه في فن يكون موضوعه تلك الواسطة ولا ينبغي ان يبحث عنه في فن يكون موضوعه غيرها، وفيه - مع انه قد لا تكون لتلك الاعراض أهمية صالحة لتدوينها في فن مستقل - وانه ينافي ما ذكره من كون الجامع بين شتات المسائل اشتراكها في الغرض، إذ قد يكون البحث عن العارض بواسطة المساوي دخيلا في الغرض المقصود من العلم - أنه إنما يتم لو فرض انحصار العرض المبحوث عنه في الفنون بما ذكر، إلا أن دعوى الانحصار لا بينة ولا عليها بينة، بل ظاهر كلام غير واحد المفروغية عن أنه قد يكون موضوع بعض مسائل الفنون عوارض نفس الموضوع فيكون محمولها من قبيل عرض الموضوع بواسطة في العروض، فلاحظ كلماتهم في تعريف موضوع العلم وفى الخاتمة، والالتزام بالاستطراد في البحث
هو نفس موضوعات مسائله عينا وما يتحد معها خارجا وان كان يغايرها مفهوما تغاير الكلي ومصاديقه والطبيعي وافراده والمسائل عبارة عن جملة من قضايا متشتة جمعها اشتراكها في الدخل في الغرض الذى لاجله دون هذا العلم
______________________________
عن تلك المسائل لا ملزم به (قوله: هو نفس) هذا خبر (إن) يعني أن موضوع العلم هو الجامع بين موضوعات... الخ وهذا راجع إلى تعريف المشهور، والعدول إليه بقصد الايضاح. هذا ولا يخفى ان مقتضى ما صرحوا به من ان موضوع المسألة إما نفس موضوع العلم أو جزؤه أو جزئيه أو عرضه الذاتي عدم تمامية التعريفين كليهما إذ ليس هناك امر واحد يبحث عن عوارضه، ولا جامع مطرد بين موضوعات تلك المسائل إلا بنحو من الاعتبار مثل: أحد الموضوعات، ونحوه، ولذا التجأ المحقق الدواني - على ما حكي عنه - إلى دعوى طي في العبارة، وأن المراد ما يبحث في العلم عن عوارضه، أو عوارض أجزائه أو عوارض جزئياته أو عوارض أعراضه، وما حكي عن الشيخ الرئيس من ارجاعها إلى كل واحد موقوف على فرض الجامع بين تلك الموضوعات المختلفة ولا سيما في خصوص بعض الفنون كفن الفقه الذي يكون موضوع مسائله أحد النقيضين من الفعل والترك على أنه لا يرتفع به التنافي بين تعريف الموضوع وما ذكروه هناك كما هو ظاهر بملاحظة الضمائر المجرورة في قولهم: أو جزئه أو جزئيه أو عرضه، إذ لا يعقل ان يكون الشئ جامعا بين نفسه وغيره هذا - مضافا إلى أن عوارض جزئيات الموضوع أعراض غريبة بالاتفاق فكيف تصح دعوى كون الموضوع هو الجامع بين الموضوعات وأنه يبحث في العلم عن عوارضه الذاتية، وارجاع عوارض الجزئيات إلى عوارض الكلي بعيد جدا إذ البحث في تلك المسائل كان عن نفس الجزئيات بخصوصيتها لا بما هي كلي والامر سهل في أمثال المقام (قوله: وما يتحد) عطف تفسير (قوله: والطبيعي) عطف تفسير أيضا (قوله: في الدخل في الغرض) ليس المراد من الدخل دخل العلية إذ ليس نفس المسائل مما له مقدمية لحصول الغرض وانما العلم بها له دخل في حصول العلم بحصول الغرض، بل الدخيل
فلذا قد يتداخل بعض العلوم في بعض المسائل مما كان له دخل في مهمين لاجل كل منهما دون علم على حدة فيصير من مسائل العلمين (لا يقال): على هذا يمكن تداخل علمين في تمام مسائلهما فيما كلا هناك مهمان متلازمان في الترتب على جملة من القضايا لا يكاد يمكن انفكاكهما (فانه يقال): مضافا إلى بعد ذلك بل امتناعه عادة لا يكاد يصح لذلك تدوين علمين وتسميتهما باسمين بل تدوين علم واحد يبحث فيه تارة لكلا المهمين وأخرى لاحدهما وهذا بخلاف التداخل في بعض المسائل فان حسن تدوين علمين كانا مشتركين في مسألة أو أزيد في جملة مسائلهما المختلفة لاجل مهمين مما لا يخفى، وقد انقدح
______________________________
في حصول الغرض إرادة تطبيق العمل على المسائل المعلومة. مثلا علمنا بأن الفاعل مرفوع له نحو دخل في علمنا بمطابقة كلامنا لكلام العرب أما نفس المطابقة فانما تكون ناشئة عن ارادة المتكلم لها. فاثبات الدخل لها بهذا الاعتبار فتأمل (قوله: فلذا قد يتداخل) هذا تفريع على قوله: جمعها اشتراكها... الخ لكنه انما يتفرع عليه بخصوصه لو لم يكن جامع آخر بين المسائل غير وحدة الغرض أما لو كان جامع آخر إما لكونه جامعا بين موضوعاتها - كما فرضه - أو بين محمولاتها بنحو الجامع بين الموضوعات فيمكن التداخل ايضا، وليس الجامع الغرضي بأولى من غيره في ترتب التداخل عليه إذ من المعلوم ان كل واحدة من المسائل انما يترتب عليها شخص خاص من الغرض لا يترتب على غيرها فاعتبار جامع بين تلك الاغراض كما يكون جامعا لشتات المسائل ويترتب عليه التداخل في العلوم يصح مثله في الموضوعات والمحمولات، ويكون كذلك في كونه جامعا لشتات المسائل وترتب التداخل (قوله: مما كان) بيان لبعض المسائل يعني: إذا كان بعض المسائل يترتب عليه غرضان لعلمين يدخل ذلك البعض في كل من العلمين فيشترك العلمان فيه (قوله: وهذا بخلاف) إذ ليس المدعى ان تعدد العلوم بتعدد الاغراض حتى يلزم كون المسائل التي يترتب عليها غرضان متلازمان علمين: بل المدعى ان
بما ذكرنا أن تمايز العلوم انما هو باختلاف الاغراض الداعية إلى التدوين لا الموضوعات ولا المحمولات وإلا كان كل باب بل كل مسألة من كل علم علما على حدة كما هو واضح لمن كان له أدنى تأمل فلا يكون الاختلاف بحسب الموضوع أو المحمول موجبا للتعدد كما لا يكون وحدتهما سببا لان يكون من الواحد (ثم) انه ربما لا يكون لموضوع العلم وهو الكلي المتحد مع موضوعات المسائل عنوان خاص واسم مخصوص فيصح أن يعبر عنه بكل ما دل عليه بداهة عدم دخل ذلك في موضوعيته أصلا. وقد انقدح بذلك أن موضوع علم الاصول هو الكلي المنطبق على موضوعات مسائله المتشتة
______________________________
*
المميز للعلوم بعضها عن بعض هو الاغراض وفى الفرض لا اثنينية حتى يرجع إلى المميز بل أمر واحد يترتب عليه غرضان طوليان أو عرضيان بخلاف ما إذا اشتركت ببعض المسائل فانه يكفي في الاثنينية الاختلاف في بعض المسائل الاخر (قوله: بما ذكرنا) يعني في تعريف المسائل من أن الجامع بينها اشتراكها في الدخل في الغرض (قوله: باختلاف الاغراض) قد أشرنا إلى انه يمكن التمييز بالموضوعات بالمعنى المتقدم في كلام الدواني، أو بالمعنى المتقدم في كلام المشهور، والمصنف. نعم قد يشكل حيث لا يكون الجامع له مفهوم محصل واضح بعد امكان فرضه فيكون التمييز حينئذ بالمحمولات أو بالاغراض، وقد يكون الامر بالعكس، وقد يكون التمييز عن طائفة من العلوم بالموضوع وعن طائفة أخرى بالمحمول كما في العلوم العربية فان امتياز بعضها عن بعض بالمحمولات وامتيازها أجمع بالموضوعات أمر ممكن (قوله: لا الموضوعات) قد اشتهر أن تمايز العلوم بتمايز الموضوعات فاشكل بأنه قد يكون الامر الواحد موضوعا لعلوم متعددة مثل العلوم العربية لكنهم دفعوا هذا الاشكال بقولهم: ان تمايز الموضوعات بتمايز الحيثيات، يعنون بها الاضافات إلى محمولاتها مثل كون الكلمة من حيث الاعراب والبناء موضوعا لعلم النحو وهي من حيث المعنى موضوع لعلم اللغة، وهكذا لكنه راجع إلى التمييز بالمحمولات كما عرفت (قوله: والا كان كل باب... الخ)
هذا انما يترتب لو قيل بالتمييز بالموضوعات أو المحمولات بعناوينها الخاصة في المسائل فان موضوع مسائل باب الفاعل غير موضوع مسائل باب المفعول كما ان محمول مسائل باب المرفوعات غير محمول مسائل باب المنصوبات مثلا، أما لو أريد الجامع بين موضوعات المسائل فلا يرد عليه ذلك، وإنما يرد عليه ما عرفت مما تنبهوا له وأجابوا عنه. ثم ان ترتب هذا اللازم على ما ذكر ليس على الاطلاق بل يختلف باختلاف كيفية التبويب فان كان من قبيل (باب الفاعل) (باب المفعول) مما تشترك فيه المسائل موضوعا وتختلف محمولا لزم أن يكون كل باب علما لو كان التمييز بالموضوعات اما لو كان بالمحمولات لزم أن يكون كل مسألة من باب مع ما يتحد معها محمولا من مسائل الابواب الاخر علما، وان كان التبويب من قبيل (باب المرفوع) (باب المنصوب) ترتب على القولين ما ذكر على العكس، ومنه يظهر أن ترتب ان يكون كل مسألة علما على كل من القولين لا يكون إلا مع اختلاف جميع المسائل في الموضوع والمحمول معا بحيث تكون كل مسألة بابا مستقلا فلاحظ. ثم انك قد عرفت الاشارة إلى أن كل مسألة يترتب عليها غرض خاص لا تشاركها فيه أختها من المسائل وإنما الاشتراك بملاحظة جامع بين الاغراض وهذا الجامع يختلف سعة وضيقا باختلاف المناسبات التي يلحظها واضعوا الفن فقد يلحظ الواضع جامعا واسع الدائرة فتكثر مسائل الفن المسمى باسم كذا وقد يلحظه ضيق الدائرة فتقل مسائله، مثلا قد يلحظ الجامع بين الاغراض المترتبة على مسائل باب الفاعل فقط فيسمي مسائل باب الفاعل فنا كذائيا في قبال مسائل باب المفعول، وهكذا، وقد يكون أوسع كالغرض المترتب على مسائل باب المرفوعات أو مسائل النحو أو مع الصرف أو هما مع سائر مسائل العلوم العربية فيسميه الفن العربي وتكون مسائل النحو كباب من أبوابه أو فصل من فصوله فالتحديد بالغرض انما هو يتبع اعتباره ضيقا أو واسعا حسب الاعتبارات والجهات المقتضية لذلك في نظر مدوني الفنون.
لا خصوص الادلة الاربعة بما هي أدلة بل ولا بما هي هي ضرورة أن البحث في غير واحد من مسائله المهمة ليس من عوارضها وهو واضح لو كان المراد بالسنة منها هو نفس قول المعصوم أو فعله أو تقريره كما هو المصطلح فيها لوضوح عدم البحث في كثير من مباحثها المهمة
______________________________
موضوع علم الاصول
(قوله: لا خصوص الادلة) يعني كما هو المشهور يعنون بها الكتاب والسنة والاجماع والعقل (قوله: ولا بما هي هي) كما ذكر في الفصول فرارا عما قيل على ما هو ظاهر المشهور: من أن البحث في كثير من مسائل الاصول عن كون الشئ دليلا مثل مسألة حجية الخبر وظاهر الكتاب ونحوهما ليس هو بحثا عن عارض الادلة بل بحث عن نفس دليليتها فلا يكون من مسائل الفن بل من مباديه التصديقية فتأمل، وطريق فرار الفصول ان الموضوع المبحوث عن احواله في علم الاصول ذوات الادلة أعني نفس الكتاب واخوته معراة عن صفة الدليلية وتكون هي حينئذ من العوارض المبحوث عنها فيه كغيرها من العوارض (قوله: ضرورة ان البحث في غير) هذا شروع في بيان بطلان ما هو المشهور وما هو صريح الفصول وحاصله أن السنة التي هي أحد الادلة إما أن يراد منها ما هو المصطلح فيها أعني نفس قول المعصوم وفعله وتقريره أو ما هو أعم منها ومن الطريق الحاكي عنها كالخبر وغيره من الطرق، فان كان المراد منها الاول توجه الاشكال بأن مسألة حجية الخبر ونحوها وجملة من مسائل مبحث باب التعارض لا يبحث فيها عن عوارض الادلة لا بما هي ادلة ولا بما هي هي بل انما يبحث فيها عن عوارض الخبر الحاكي عنها وليس هو أحد الادلة الاربعة - كما هو ظاهر - لا بما هي أدلة ولا
كعمدة مباحث التعادل والتراجيح بل ومسألة حجية خبر الواحد لا عنها ولا عن سائر الادلة (ورجوع) البحث فيهما في الحقيقة إلى البحث عن ثبوت السنة بخبر الواحد في مسألة حجية الخبر كما افيد وبأي الخبرين في باب التعارض فانه ايضا بحث في الحقيقة عن حجية الخبر في هذا الحال (غير مفيد) فان البحث عن ثبوت الموضوع وما هو مفاد كان التامة ليس بحثا عن عوارضه فانها مفاد
______________________________
بما هي هي ومثله البحث عن حجية الشهرة ومطلق الظن، وكأن الاقتصار في كلام المصنف على هاتين المسألتين لمزيد الاهتمام بهما، وان كان المراد منها الثاني فسيأتي ما فيه (قوله: كعمدة مباحث... الخ) مثل البحث عن حجية أحدهما وعدمها وانها على التخيير أو الترجيح والبحث عن المرجحات. نعم في مسائلها ما كان بحثا عن حال الدليل مثل البحث عن تعيين الظاهر والاظهر ونحوه. (قوله: ورجوع البحث فيهما... الخ) اشارة إلى ما أجاب به شيخنا الاعظم " قده " عن هذا الاشكال وحاصله انه يمكن ارجاع البحث في هاتين المسألتين وما يشبههما إلى البحث عن أحوال السنة بالمعنى المتقدم لان مرجع البحث عن الحجية إلى البحث عن ثبوت قول المعصوم عليه السلام أو فعله أو تقريره بالخبر في مسألة حجية الخبر، أو بأحد الخبرين في باب التعارض وعدمه فيكون الموضوع حينئذ نفس السنة وجعل (ره) ذلك مغنيا عن تجشم الفصول في دفع الاشكال (قوله: مفاد كان التامة... الخ) يراد به معنى: كان زيد، أي وجد، وهو نسبة الوجود إلى الماهية ومفاد: كان الناقصة، يراد به نسبة بقية العوارض الزائدة على الوجود إلى الماهية مثل: كان زيد قائما، وكذا ما يقال: مفاد ليس التامة، وليس الناقصة، يعنون بهما نفي الوجود ونفي ما عداه من العوارض وإن كانت ليس لا تستعمل في لغة العرب إلا ناقصة وتوضيح الاشكال على شيخنا الاعظم (ره) أن المراد من الثبوت الذي هو مرجع البحث في مسألة حجية الخبر ونحوها إن كان هو الثبوت الحقيقي فهو - مع انه ليس محلا للنزاع ضرورة - أنه ليس
كان الناقصة (لا يقال): هذا في الثبوت الواقعي (وأما) الثبوت التعبدى كما هو المهم في هذه المباحث فهو في الحقيقة يكون مفاد كان الناقصة (فانه يقال): نعم لكنه مما لا يعرض السنة بل الخبر الحاكي لها فان الثبوت التعبدي يرجع إلى وجوب العمل على طبق الخبر كالسنة المحكية به وهذا من عوارضه لا عوارضها كما لا يخفى (وبالجملة) الثبوت الواقعي ليس من العوارض والتعبدي وان كان منها إلا انه ليس للسنة بل للخبر فتأمل جيدا، واما إذا كان المراد من السنة ما يعم حكايتها فلان البحث في تلك المباحث وان كان عن أحوال السنة بهذا المعنى الا ان البحث في غير واحد
______________________________
من العوارض التي يبحث عنها في العلوم، وان كان هو الثبوت التعبدى الظاهري فهو راجع في الحقيقة إلى جعل أحكام ثبوت السنة الحقيقي لما هو مشكوك الثبوت ومن المعلوم ان هذا ليس من عوارض السنة بل من عوارض الخبر الحاكي عنها فيرجع الاشكال بحاله. هذا ويمكن الخدش فيه أولا من جهة حصر العوارض بغير الوجود وهو لا يساعده التعريف المتقدم للعارض، ولا ما صرح به بعض المحققين من علماء المعقول من عموم العوارض المبحوث عنها له، وثانيا من جهة ارجاع البحث إلى البحث عن عوارض الخبر الحاكي فانه غير ظاهر بل هي حينئذ من عوارض مؤداه إلا أن يكون الخبر ملحوظا طريقا إليه. ثم ان بعض الاعيان من مشايخنا المعاصرين دفع الاشكال من أصله بأن مرجع النزاع في الحجية إلى النزاع في أن السنة هل تعلم بالخبر أولا ؟ لان مرجع حجية شئ بعنوان الطريقية إلى انه علم بالمؤدى تنزيلا - كما سيأتي في محله انشاء الله - ولكن لا يخفى انه لا يدفع الاشكال في كلام المصنف (ره) إذ يقال حينئذ: ليس النزاع في انها تعلم حقيقة بالخبر قطعا بل النزاع في أنها تعلم تعبدا أولا، وهو راجع إلى جعل احكام العلم بالسنة للخبر الحاكي عنها، فهو أولى بالاشكال من جواب شيخنا الاعظم (ره) (قوله: كان الناقصة) لان الثبوت التعبدي زائد على ثبوت السنة الحقيقي فيكون من عوارضها (قوله: بل الخبر) قد عرفت انه لمؤداه (قوله: واما إذا كان المراد.. الخ) هذا هو مراد الفصول (قوله: الا ان البحث في غير)
من مسائلها كمباحث الالفاظ وجملة من غيرها لا يخص الادلة بل يعم غيرها وان كان المهم معرفة احوال خصوصها كما لا يخفى ويؤيد ذلك تعريف الاصول بانه العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الاحكام الشرعية وان كان الاولى تعريفه بأنه صناعة يعرف بها القواعد التي يمكن ان تقع في طريق استنباط الاحكام
______________________________
يعني فيكون البحث عن العارض بواسطة الخارج الاعم لكنه تنبه لذلك في الفصول وأجاب عنه بأن البحث عنها باعتبار وقوعها في الكتاب والسنة ولا يقدح في ذلك بيانهم لوضعه اللغوي أو العرفي، إذ المقصود بيان مداليل تلك الالفاظ بأي وجه كان.. الخ كما أشار إليه المصنف (ره) بقوله: وان كان المهم.. الخ إذ من المعلوم أن عموم النزاع وخصوصه تابع لعموم الغرض وخصوصه (قوله: وجملة من مباحث) أي من غير مباحث الالفاظ كما يذكر في المباحث العقلية من حسن العقاب وقبحه فانه لا يخص الادلة بل يعم المباحث الكلامية (قوله: ويؤيد ذلك) أي كون البحث في الاصول ليس عن خصوص الادلة ووجه التأييد عدم تقييد القواعد بأن موضوعها الادلة.
تعريف الاصول
(قوله: تعريفه بأنه صناعة.. الخ) هذا التعريف يخالف التعريف المشهور من وجوه (الاول) خلوه من ذكر العلم وهو في محله لما عرفت من ان الفن نفس المسائل التي تكون موضوعا للعلم تارة وللجهل أخرى، وقد صرح بما ذكرنا جماعة منهم التفتازاني في بعض كلماته، ولعل الباعث على ذكره في التعريف كونه منشأ الاثر في الفنون دون نفس المعلوم، والمصحح لهذا الاستعمال وحدة العلم والمعلوم حقيقة وان اختلفا اعتبارا (الثاني) جعله نفس الصناعة التي يعرف بها القواعد، وهذا شئ تفرد به المصنف (ره) فيما أعلم ولازمه كون
أو التي ينتهى إليها في مقام العمل
______________________________
المتون المشتملة على نفس القواعد ليست من الاصول مع ان الاقيسة ليست من الفن بل من مباديه التصديقية (الثالث) خلوه عن اعتبار التمهيد للاستنباط، ولازمه دخول اكثر مسائل الفنون التي يتوقف عليها الاستنباط كالعلوم العربية في علم الاصول. وهو كما ترى، إلا ان يراد من طريق الاستنباط خصوص القياس المنتج للوظيفة العملية لكنه يلزم منه خروج جملة من مسائل الاصول أيضا، إذ ليست هي في رتبة واحدة وكيف كان فيعم الممهدة وغيرها، أما تعريف المشهور فابعد عن الاشكال المتقدم لان مسائل تلك الفنون لم تمهد للاستنباط وانما مهدت لغايات أخر فيختص الاصول بالمسائل التي لم تمهد لغاية اخرى بحيث يلزم الاصولي تمهيدها للاستنباط. هذا ولكنه لا ينطبق على ما لم يمهد أصلا إلا ان يراد من الممهدة الاعم من الشأنية والفعلية لكن عليه يرجع الاشكال الاول، إلا ان يراد شأنية نفس التمهيد لا شأنية كونه للاستنباط، وكيف كان فذكر الممهدة اولى فتأمل جيدا (الرابع) خلوه عن تقييد الاحكام بقيد الشرعية كما في تعريف المشهور ولابد منه. ولعله اكتفى بتعريفها بلام العهد (الخامس) اضافة قوله: أو التي ينتهى.. الخ وقد اشار إلى وجهه، وتوضيحه انهم اختلفوا في تقرير مقدمات الانسداد من حيث أن مقتضاها الكشف أو الحكومة على قولين (أحدهما) الكشف بمعنى ان مقدمات الانسداد تكشف عن حكم الشارع الاقدس بحجية الظن فيكون كسائر الحجج الشرعية غاية الامر انه يفارقها في طريق اثبات الحجيته فان طريق ثبوت حجيته هو المقدمات المذكورة وطريق حجيتها هو غيرها من الكتاب والسنة وغيرهما (ثانيهما) الحكومة بمعنى انها تكون منشأ لحكم العقل بوجوب العمل على طبق الظن ويكون حال الظن حال العلم في كون حجيته عقلية، ويترتب على الاول ان مؤداه حكما شرعيا ظاهريا كسائر الحجج الشرعية وليس كذلك على الثاني وحينئذ فمسألة حجية الظن لا تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي على الحكومة فتخرج عن الاصول بمقتضى
بناء على أن مسألة حجية الظن على الحكومة ومسائل الاصول العملية في الشبهات الحكمية من الاصول - كما هو كذلك - ضرورة أنه لا وجه لالتزام الاستطراد في مثل هذه المهمات (الامر الثاني) الوضع
______________________________
*
تعريف المشهور، وكذا الحال في مسائل الاصول العملية العقلية كالبراءة والاشتغال والتخيير في الشبهات الحكمية فانه لا يتوصل بها إلى حكم شرعي، بل وبعض الاصول الشرعية كحديث الرفع بناء على اقتضائه مجرد نفي الالزام بلا جعل للاباحة فان نفي الالزام وان كان شرعيا الا انه ليس حكما شرعيا وإلا كانت الاحكام عشرة لا خمسة إلا ان يراد من الحكم هنا ما يعمه، وهذه كلها تدخل في علم الاصول على تعريف المصنف (ره) لانها ينتهي إليها المكلف في مقام العمل (قوله: بناء) متعلق بقوله: أو التي ينتهى... الخ (قوله: على الحكومة) قيد للحجية (قوله: مسائل الاصول) معطوف على مسألة حجية الظن اما الاصول الشرعية مثل كل شئ لك حلال... الخ ونحوه فتقع في طريق استنباط الاحكام الشرعية (قوله: في الشبهات الحكمية) وهي الشبهات في الحكم الكلي أما الجارية في الشبهات الموضوعية كالشك في ان المايع خمر أو خل فليست من الاصول لانها لا يستفاد منها حكم كلي بل جزئي، ولذا لا يختص اجراؤها بالمجتهد (قوله: من الاصول) خبر (إن) في قوله: على أن (قول: الوضع) الاضافة على نحوين منها ما يكون فيها للمتضايفين هيئة خاصة كالفوقية والتحتية ونحوهما فان لزيد مع السقف الذي يكون فوقه هيئة خاصة مباينة لهيئته مع الارض التي تكون تحته ومنها مالا يكون كذلك كالملكية والزوجية ونحوهما فان الهيئة الحاصلة لزيد مع فرسه قبل ان تكون ملكا له هي هيئته معها بعد ما صارت ملكا له، وفى كون النحو الاول مما له حظ من الخارج بحيث لا يتوقف على وجود لاحظ أولا ؟ خلاف كما قيل، أما الثاني فلا اشكال في انه لاحظ له من الخارج بل يكون بمحض الاعتبار، وانما يكون الخارج
ظرفا لمنشأ اعتباره ونسبته إلى منشأ اعتباره ليست نسبة المتأثر إلى المأثر.
*
هذا ولا ريب في أن الوضع من النحو الثاني إذ ليس للفظ مع معناه هيئة خاصة بل هو معه بعده كحاله معه قبله، كما لا ريب في انه ليس من الاضافات الناشئة عن خصوصية في المتضايفين كاضافة التلازم بين المتلازمين بل له منشأ آخر وانما الاشكال في انه مجعول قصدا بحيث يعتبر من مجرد جعله أو منتزع من ارادة ذكر اللفظ عند ارادة تفهيم المعنى، وهذا الخلاف فيه ربما يأتي في مثله من الاحكام الوضعية (المختار) لبعض الاكابر هو الثاني وقد يستدل له (تارة) بالوجدان، فان الانسان لا يجد من نفسه عند إرادة تسمية ولده أو كتابه إلا ارادة ذكر الاسم عند إرادة تفهيم المعنى (وأخرى) بان تفهيم المعنى باللفظ انما يكون بتوسط الملازمة الذهنية بينهما وحيث أنه لا ملازمة ذاتية ذهنية كما هو المفروض، ولا يمكن جعلها أيضا لانها خارجة عن الاختيار فلم يبق إلا تحقيق ما يؤدي إليها من الملازمة بين ذكر اللفظ وإرادة المعنى، فإذا تحققت هذه الملازمة بارادة ذكر اللفظ عند ارادة تفهيم المعنى حصلت الملازمة الذهنية بتوسط العلم بالارادة، وإلا فلا طريق إلى حصولها أصلا، وهذه الارادة هي منشأ اعتبار الوضع (واورد) عليه بعض الاعيان بما توضيحه أن الارادة المتعلقة باللفظ ارداة غيرية ناشئة عن إرادة تفهيم المعنى، والارادة الغيرية تابعة للمقدمية، إذ لو لم يكن الشئ مقدمة لم يكن مرادا بارادة غيرية فلا بد من ثبوت المقدمية للفظ في رتبة سابقة على الارادة وهذه المقدمية يمتنع نشؤها من هذه الارادة للزوم الدور، ولا من غيرها لانه خلاف الوجدان (أولا) وللزوم اجتماع المثلين في محل واحد وهو ممتنع (ثانيا) فان قلت: لا مانع من اجتماعهما على أن تكون إحداهما مؤكدة للاخرى (قلت): يمتنع التأكد في المقام لاختلاف الرتبة إذ الوجود المتأكد في رتبة واحدة، ولانه يقال في الارادة الاخرى التي تنشأ عنها المقدمية هي إما نفسية، - وهو خلاف الوجدان - وإما غيرية فلابد من ثبوت مقدميتها في رتبة سابقة عليها فيجري فيها ذلك أيضا وهكذا فتأمل، فيتعين الالتزام بأن المقدمية مجعولة
هو نحو اختصاص اللفظ بالمعنى وارتباط خاص بينهما ناشئ من تخصيصه به (تارة) ومن كثرة استعماله فيه (أخرى) وبهذا المعنى صح تقسيمه إلى التعييني والتعيني كمالا يخفى. ثم
______________________________
مع قطع النظر عن الارادة وذلك بجعل اللفظ للمعنى (ودعوى) امتناع ذلك لان ما ليس بينهما العلاقة يمتنع جعل العلاقة بينهما (مدفوعة) بأن ذلك يتم في الامور الحقيقة لا الاعتبارية التي منها ما نحن فيه وهي وان لم توجب اللزوم بين اللفظ والمعنى ذهنا مستقلة إلا أنها بضميمة الاعلام بها توجب ذلك والمفروض انه لابد منه على كل من القولين. هذا ويمكن ان يقال: مقدمية ذكر اللفظ لتفهيم المعنى ذاتية لان المقدمية كما سيأتي منتزعة من صدق قولنا: لولا كذا لم يكن كذا، ويصدق في المقام: لولا اللفظ لم يفهم المعنى، غاية الامر ليس هو تمام المقدمة بل يتوقف على مقدمة اخرى مثل العلم بالارادة فلا مجال للاشكالات المذكورة نعم المانع عن كونه نفس الارادة كونه خلاف المرتكزه ؟ من معناه فيقال: أردت أن أضع لفظ كذا، كما يقال: أردت أن افعل كذا، وذلك مما يابى عن كونه نفس الارادة (فالتحقيق) انه منتزع من الالتزام النفسي بذكر اللفظ عند ارادة التفهيم، وهذا الالتزام فعل اختياري للنفس كغيره من أفعالها، فان تحقق صح اعتبار الاضافة المذكورة عند العقلاء، وإن لم يجعل شئ أصلا، وان لم يتحقق امتنع اعتبارها عندهم وإن جعل اللفظ للمعنى. وهذا الدوران شاهد ما ذكرنا. هذا كله في الوضع التعييني وسيأتي انشاء الله في الاحكام الوضعية ما له نفع تام في المقام والله سبحانه أعلم (قوله: هو نحو اختصاص) الانسب تعريفه بتخصيص اللفظ بالمعنى لانه من مقولة الفعل والاختصاص من مقولة الانفعال، والباعث له على ذلك تقسيمه إلى التعييني والتعيني كما سيأتي (قوله: من تخصيصه به) سواء أكان بالقول كسميت ولدي عليا، أم بالفعل باستعماله فيه بقصد جعله له، إذ الانشاء يكون بالفعل كالقول عند المشهور على تأمل ذكرناه في محله (قوله: وبهذا المعنى صح)
إن الملحوظ حال الوضع إما يكون معنى عاما فيوضع اللفظ له تارة ولافراده ومصاديقه اخرى، وإما يكون معنى خاصا لا يكاد يصح إلا وضع اللفظ له دون العام فتكون الاقسام ثلاثة، وذلك لان العام يصلح لان يكون آلة للحاظ أفراده ومصاديقه بما هو كذلك، فانه من وجوهها ومعرفة وجه الشئ معرفته بوجه، بخلاف الخاص فانه - بما هو خاص - لا يكون وجها للعام ولا لسائر الافراد فلا يكون معرفته وتصوره
______________________________
*
أقول: يمكن تقسيمه إلى القسمين بناء على كونه التخصيص أيضا بأن يراد منه ما هو أعم مما كان عن قصد كما في التعييني أولا كما في التعيني (قوله: ان الملحوظ حال) الظاهر عدم الفرق في مجيئ الاقسام بين الوضع التعييني والوضع التعيني، غاية الامر لحاظ العام والخاص يكون في الثاني لاجل الاستعمال الذي هو المصحح لاعتبار الوضع. ثم إن لحاظ الموضوع له " تارة " يكون تفصيليا " وأخرى " يكون إجماليا ببعض وجوه الملحوظة والمراد بوجه الشئ ما يكون لحاظه مميزا للموجه عما عداه ويكون النظر إليه نظرا إليه في الجملة (قوله: فيوضع اللفظ) وحينئذ يكون الوضع عاما والموضوع له عاما (قوله: أخرى) فيكون الوضع عاما والموضوع له خاصا (قوله: إلا وضع) فيكون الوضع خاصا والموضوع له خاصا (قوله: وذلك لان) بيان لوجه انحصار الاقسام في الثلاثة (قوله: بما هو كذلك) أي بما هو عام (قوله: فانه من وجوهها) العام بما هو عام لا يكون وجها للخاص، وإنما يصلح لذلك بتوسط تحديده وتضييق دائرته، كما أن دلالته على الخاص إنما تكون بذلك أيضا، لان العام صالح لان يكون وجها لكل واحد من أفراده فكونه وجها لواحد منها بخصوصه إنما يكون بتقييده بنحو لا ينطبق إلا عليه، فالعام الحاكي عن تمام أفراده بخصوصيتها ليس عاما في الحقيقة بل يكون خاصا مرادفا لقولنا: تمام الافراد فتأمل (قوله: معرفته) أي معرفة الشئ ذي الوجه (قوله: فانه بما هو خاص) يعني أن الخاص بما أنه خاص يمتنع أن يكون حاكيا عن العام، لان العام صالح للانطباق علي
معرفة له ولا لها اصلا - ولو بوجه - نعم ربما يوجب تصوره تصور العام بنفسه فيوضع له اللفظ فيكون الوضع عاما كما كان الموضوع له عاما، وهذا بخلاف ما في الوضع العام والموضوع له الخاص فان الموضوع له وهي الافراد لا يكون متصورا إلا بوجهه وعنوانه، وهو العام، وفرق واضح بين تصور الشئ بوجهه وتصوره بنفسه ولو كان بسبب تصور أمر آخر ولعل خفاء ذلك على بعض الاعلام وعدم تمييزه بينهما كان موجبا لتوهم امكان ثبوت قسم رابع، وهو ان يكون الوضع خاصا مع كون الموضوع له عاما مع انه واضح لمن كان له ادنى تأمل ثم إنه لا ريب في ثبوت الوضع الخاص والموضوع له الخاص كوضع الاعلام، وكذا الوضع العام والموضوع له العام، كوضع أسماء الاجناس، وأما الوضع العام والموضوع له الخاص فقد توهم أنه وضع الحروف وما ألحق بها من الاسماء، كما توهم أيضا أن المستعمل فيه فيها خاصا مع كون الموضوع له كالوضع عاما (والتحقيق) حسبما يؤدي إليه النظر الدقيق
______________________________
ما يباين الخاص من أفراده فكيف يصلح الخاص للحكاية عنه، بل عرفت أن العام كذلك وانما يفترقان في ان العام يصلح للحكاية عنه بواسطة تحديده والخاص لا يصلح للحكاية عن العام بكل وجه (قوله: معرفة له) أي للعام (قوله: ولا لها) أي ولا للافراد (قوله: نعم ربما يوجب) يعني قد يتفق أن لحاظ الخاص يلازم لحاظ العام بنفسه بلحاظ مباين للحاظه نظير الدلالة الالتزامية، أو يقتضي لحاظ العام بوجهه فيكون دخل لحاظ الخاص في لحاظ العام كونه محددا لوجه العام كما إذا نظرت شبحا فوضعت اللفظ لنوعه فان نوعه ليس ملحوظا بنفسه بل بوجهه وهو عنوان النوع إلا أن عنوان النوع لما كان أعم من نوع الشبح ونوع غيره والعام قد عرفت انه لا يكون وجها للخاص بنفسه احتيج في تقييد عنوان النوع ليكون وجها لنوع الشبح إلى ملاحظة الشبح الخارجي في المثال، فتصور الخاص - وان كان دخيلا في تصور نوعه - إلا انه بالكيفية المذكورة أعني كونه محددا لوجه نوعه لا كونه وجها لنوعه، ومنه يظهر أن من اثبت قسما رابعا -
أن حال المستعمل فيه والموضوع له فيها حالهما في الاسماء، وذلك لان الخصوصية المتوهمة ان كانت هي الموجبة لكون المعنى المتخصص بها جزئيا خارجيا فمن الواضح ان كثيرا ما لا يكون المستعمل فيه كذلك، بل كليا ولذا التجأ
______________________________
ممثلا له بمثال الشبح - لم يثبت قسما رابعا للمقسم في كلام النافين، إذ هم منعوا من كون الخاص وجها للعام لا كونه محددا لوجهه فلعل النزاع في ثبوت القسم الرابع لفظي (قوله: وذلك لان الخصوصية) من المعلوم أن الوضع والاستعمال إنما يتعلقان بالصور الذهنية لا الخارجية إذ قد لا يكون المعنى خارجيا اصلا فضلا عن أن يكون جزئيا فالترديد في كلام المصنف (ره) لا بد ان يكون راجعا إلى أن الصور الذهنية التي تستعمل فيها الحروف إن كان المراد من كونها جزئية انها حاكية عن الجزئيات الخارجية يلزم ما ذكر من المحذور، وان كان المراد أنها حاكية عن الجزئيات الذهنية فتكون الصور المستعمل فيها الحروف معقولات ثانوية ففيه أيضا ما ذكره (قوله: كذلك) يعني جزئيا، بل يكون كليا كما في قولك: سر من البصرة إلى الكوفة، فان الابتداء والانتهاء المقيد بهما السير ليسا جزئيين لعدم تحقق السير المقيد بهما ليتشخصا (أقول): المعاني الحرفية اضافات اعتبارية فجزئيتها بجزئية الاعتبار وحينئذ لابد أن تكون جزئية والجامع بينها وان كان كليا الا انه لا يحكي عنها بما أنه معنى حرفي فمن والى في المثال المذكور حاكيتان عن شخص اضافة قائمة بين السير والبصرة، وشخص آخر قائم بينه وبين الكوفة لا عن الكلي الجامع بين الاضافات المتماثلة، فانه وان كان عنوانا كليا إلا انه ليس مدلولا عليه بمن والى بل بمثل الابتداء والانتهاء (ولا بأس)
*
بالاشارة إلى معنى الحرف فنقول: اشتهر تعريف الحرف بأنه ما دل على معنى في غيره، وبأنه مادل على معنى غير مستقل بالمفهومية، وتوضيح المراد منهما هو أن تصور الامور المتكثرة (تارة) بنحو لا يكون بينها ربط كما لو سمعنا قائلا يقول: ثوب، تمر، جبل، زيد، فان مفاهيم الالفاظ المذكورة تحضر في الذهن بلا ربط لبعضها ببعض (واخرى) بنحو يكون بينها ربط خاص كما إذا سمعنا القائل يقول:
زيد قائم،
*
فان مفهوم كل من زيد وقائم يحضر في الذهن على ربط خاص يعبر عنه في كلامهم بالنسبة الحملية، وكما إذا سمعنا قوله: قام زيد، فان مفهوم كل من قام وزيد يحضر في الذهن على ربط خاص يعبر عنه بالنسبة الصدورية مثلا. وهكذا الحال في جميع الجمل فان لمفرداتها ارتباطا خاصا فيما بينها ربما يعبر عنه بعبارة تخصه، وربما لا يكون كذلك، وهذا الربط اعتبار محض يكون تحت لحاظ الذهن إلا أنه يختلف لحاظه مع لحاظ كل من طرفيه، فان كلا من زيد، وقائم في المثال الاول ملحوظ في نفسه في قبال صاحبه وليس كذلك حال الربط فانه ملحوظ تبعا لا استقلالا، ونظيره في المحسوسات أن تنظر إلى نقطة في الكتاب فتقول: هي أحسن من غيرها، فانك في حال النظر إلى النقطة ترى ما حولها من الكلمات والسطور، ولكن النظرين يختلفان فان نظر النقطة أصلي ونظر ما حولها تبعي، وكذلك حال الربط المعبر عنه بالاضافة والنسبة فان لحاظه ليس كلحاظ طرفيه بل لحاظه تبعي ولحاظهما أصلي، وهذا هو المراد من كونه غير مستقل بالمفهومية، وكذا كونه في غيره، فإذا المعنى الحرفى ما كان لحاظه تبعيا على النحو المذكور فلو لوحظ الربط المذكور بالاصالة والاستقلال خرج عن كونه معنى حرفيا وصار معنى اسميا فلو قلت: نسبة القيام إلى زيد حملية أو صدورية، كان ما يحكي عنه لفظ النسبة معنى اسميا لا حرفيا بل المعنى الحرفي هو الربط الخاص القائم بين النسبة والقيام يعبر عنه بالنسبة الاضافية، وأوضح ما قيل في تعريفه: إنه ما يكون ملحوظا بنحو لا يصح الحكم عليه ولا به، بخلاف الاسم فانه يكون ملحوظا بنحو يصح الحكم عليه وبه، ولعل هذا هو مراد المصنف (قده) في قوله: لوحظ حالة لمعنى آخر، وأنه في الذهن لا يكون إلا في مفهوم آخر كالعرض الذي لا يكون في الخارج إلا في الجوهر لا ما قد يتراءى من العبارة، وإلا فجميع النسب لا تكون في الذهن إلا كذلك ولو لوحظت بذاتها مستقلة - مع أنها بذلك تكون معاني اسمية قطعا يصح الحكم عليها وبها ضرورة، وكذا لعله ايضا مراد من قال: انه ما يكون عبرة لملاحظة حال الغير، وإلا فربما يكون المفهوم الاسمي آلة لملاحظة
بعض الفحول إلى جعله جزئيا إضافيا - هو كما ترى - وإن كانت هي الموجبة لكونه جزئيا ذهنيا
______________________________
غيره كما في العناوين المرآتية مع أنها معان اسمية غاية الامر أنها ما لوحظت بذاتها لذاتها، بل لوحظت بذاتها بنظر الاستطراق إلى غيرها، والمعنى الحرفي ليس كذلك بل يلحظ تبعا لغيره بلا استطراق منه إليه " فإذا قلت ": سرت من البصرة، ف (من) حاكية عن الربط الخاص بين السير والبصرة المعبر عنه بالابتداء وهكذا الحال في سائر الحروف فانها أبدا حاكية عن الاضافات الخاصة الملحوظة حسبما ذكرناه (إذا عرفت) هذا نقول: إما أن تكون الحروف موضوعة لهذه الاضافات الخاصة الملحوظة على النحو الخاص سواء أكان طرفاها جزئيين أم كليين أم مختلفين، أو للجامع بينها، وعلى الثاني فاما أن تكون مستعملة فيه أو في نفس تلك الاضافات الجزئية، المشهور هو الاول والذي عليه المصنف (قده) هو الثاني والثالث حكاه المصنف (قده) وجعله توهما " أقول ": أما دعوى الاستعمال في الكلي فليس عليها شاهد، بل هو على خلافها إذ المفهوم من الحروف دائما هو تلك الاضافات الجزئية لا الجامع بينها " ودعوى " أنها قد لا تكون جزئية (فيها) أن جزئية الاضافة بجزئية الاعتبار الحاصلة من تعين طرفي الاضافة في قبال العنوان الجامع بين الاضافات المتعددة، وليست جزئيتها بتشخص خارجي لتكون كلية بكلية طرفيها فهي نظير مفهوم قولنا: المفهوم، فأنه كلي وأفراده مفهوم زيد ومفهوم الانسان، ونظير مفهوم المشار إليه فان أفراده كل ما يشار إليه سواء أكان كليا أم جزئيا (فدعوى) الاستعمال في الجامع (مساوقة) لدعوى كون لفظ الحرف حاكيا عن الجامع بين الاضافات وليس كذلك ضرورة فان المفهوم منه هو الاضافات الخاصة لا غير. ثم بعد ما عرفت من كون الاستعمال في تلك الاضافات الخاصة لا مجال لدعوى كونها موضوعة للكليات لانها حينئذ تكون مجازات بلا حقيقة وهو كما ترى (قوله قده: بعض الفحول) حكي عن المحقق التقي في حاشيته (قوله: وهو كما ترى) إذ المناقشة ترجع إلى
حيث أنه لا يكاد يكون المعنى حرفيا الا إذا لوحظ حالة لمعنى آخر ومن خصوصياته القائمة به ويكون حاله كحال العرض فكما لا يكون في الخارج إلا في الموضوع كذلك هو لا يكون في الذهن الا في مفهوم آخر، ولذا قيل في تعريفه بانه ما دل على معنى في غيره، فالمعنى وإن كان لا محالة يصير جزئيا بهذا اللحاظ بحيث يباينه إذا لوحظ ثانيا كما لوحظ أولا ولو كان اللاحظ واحدا، إلا أن هذا اللحاظ لا يكاد يكون مأخوذا في المستعمل فيه وإلا فلابد من لحاظ آخر متعلق بما هو ملحوظ بهذا اللحاظ، بداهة أن تصور المستعمل فيه مما لابد منه في استعمال الالفاظ - وهو كما ترى - مع أنه يلزم أن لا يصدق على الخارجيات لامتناع صدق
______________________________
التعبير. هذا ولكن عرفت معنى كونه جزئيا (قوله: حيث أنه) بيان للخصوصية المقتضية لكونه جزئيا ذهنيا (قوله: جزئيا بهذا اللحاظ) يعني جزئيا ذهنيا بواسطة أخذ اللحاظ قيدا فيه لان اللحاظات وجودات ذهنية متباينة تباين الوجودات الخارجية (قوله: مأخوذا في المستعمل) كان الانسب أن يقول: لانه يتعذر الاستعمال فيه حينئذ وإلا لزم تعدد اللحاظ أحدهما المأخوذ في المستعمل فيه والآخر مصحح الاستعمال (قوله: وهو كما ترى) أولا من جهة تحقق الاستعمال للحروف في معانيها بلحاظ واحد بلا عناية أصلا وثانيا بأن اللحاظين ان كانا موجودين في آن واحد لزم اجتماع المثلين - وهو ممتنع - وان كانا موجودين في آنين ففي آن اللحاظ الاستعمالي لا لحاظ للمعنى الحرفي بالنحو المميز له عن الاسم، وقد يستشكل بأن الاستعمال في المعنى الملحوظ لا يوجب تعدد اللحاظ إذ الاستعمال كالوضع انما يتوقف على تصور المستعمل فيه وهو المعنى الملحوظ نظير تصور الكلي العقلي بمعنى احضار صورة الموجود الذهني ولا يتوقف على احضاره أولا ثم إحضاره ثانيا (وفيه) أن ذلك خلف لكون المفروض أن الاستعمال في الموضوع له وهو نفس المعنى الملحوظ حال الاستعمال لا الملحوظ آنا ما فلابد في مقام الاستعمال من تحقق لحاظين فيرجع الاشكال. نعم
الكلي العقلي عليها حيث لا موطن له الا الذهن فامتنع امتثال مثل: سر من البصرة، إلا بالتجريد وإلغاء الخصوصية هذا مع انه ليس لحاظ المعنى حالة لغيره في الحروف الا كلحاظه في نفسه في الاسماء، وكما لا يكون هذا اللحاظ معتبرا في المستعمل فيه فيها كذلك ذاك اللحاظ في الحروف كما لا يخفى (وبالجملة): ليس المعنى في كلمة (من) ولفظ الابتداء مثلا إلا الابتداء، فكما لا يعتبر في معناه لحاظه في نفسه ومستقلا كذلك لا يعتبر في معناها لحاظه في غيره وآلة، وكما لا يكون لحاظه فيه موجبا لجزئيته فليكن كذلك فيها " إن قلت ": على هذا لم يبق فرق بين الاسم والحرف في المعنى (ولازم) ذلك كون مثل كلمة (من) ولفظ الابتداء مترادفين صح استعمال كل منهما في موضع الاخر وهكذا ساير الحروف مع الاسماء الموضوعة لمعانيها وهو باطل بالضرورة كما هو واضح " قلت ": الفرق بينهما إنما هو في اختصاص كل منهما بوضع حيث انه وضع الاسم ليراد منه معناه بما هو هو وفى نفسه والحرف ليراد منه معناه لا كذلك بل بما هو حالة لغيره - كما مرت الاشارة إليه غير مرة - فالاختلاف بين الاسم والحرف في الوضع يكون موجبا لعدم جواز استعمال
______________________________
يمكن أن يستشكل فيه بأن اللحاظ المأخوذ قيدا فيه متعلق بالامر الاعتباري أعني نفس الاضافة، واللحاظ المصحح للاستعمال متعلق بالوجود الذهني وهما متغايران فلا مانع من اجتماعهما من حيث كونهما مثلين لتغاير متعلقهما. نعم اللحاظ الاول لما كان فانيا في الملحوظ الاعتباري امتنع أن يكون موضوعا للحاظ ثانيا لانه لا يكون كذلك حتى يلحظ مستقلا، فتأمل (قوله: الكلي العقلي) كان الاولى أن يقول: الجزئي الذهني، لان المعنى الحرفي في نفسه ليس كليا طبيعيا ولو كان لا يكون بقيد وجوده الذهني كليا عقليا، لان الكلي العقلي هو الطبيعي المقيد بوصف الكلية وتقييده باللحاظ غير وصف الكلية فلاحظ (قوله: إلا بالتجريد) تجريده إنما يكون بملاحظته خارجيا وإلا فالكلي العقلي لا ينطبق على الخارج (قوله: حيث انه وضع الاسم) هذا الاختلاف اختلاف في
احدهما في موضع الاخر وان اتفقا فيما له الوضع، وقد عرفت بما لا مزيد عليه أن نحو إرادة المعنى لا يكاد يمكن أن يكون من خصوصياته ومقوماته. ثم لا يبعد أن يكون الاختلاف في الخبر والانشاء أيضا كذلك فيكون الخبر موضوعا ليستعمل في حكاية ثبوت معناه في موطنه والانشاء ليستعمل في قصد تحققه وثبوته وان اتفقا فيما استعملا فيه فتأمل. ثم إنه قد انقدح مما حققناه أنه يمكن أن يقال: إن المستعمل فيه في مثل أسماء الاشارة والضمائر أيضا عام وأن تشخصه إنما نشأ من قبل طور استعمالها
______________________________
غاية الوضع لا في الموضوع له فلا يدفع الاشكال " فالتحقيق ": ما عرفت من أن الحرف موضوع لتلك الاضافات المتعينة بتعين طرفيها، والاسم موضوع للمفاهيم الكلية وعدم صحة استعمال أحدهما في مقام الآخر لاجل توقفه على ملاحظة المناسبة الموقوفة على ملاحظة المعنيين مستقلا فيخرج المعنى الحرفي عن كونه كذلك، والتجوز فيما بينهما ان كان بملاحظة المناسبة بين متعلقاتها (قوله: ارادة المعنى) يعني الارادة الاستعمالية التي هي لحاظ المعنى فانيا فيه اللفظ.
الخبر والانشاء
(قوله قده: في الخبر والانشاء أيضا) الخبر في الاصطلاح هو الكلام الذي يكون لنسبته خارج تطابقه أو لا تطابقه، والانشاء كلام ليس لنسبته خارج كذلك، وكلاهما قسمان من المركب التام وهو ما يصح الاكتفاء به في مقام الافهام ويقابله الناقص. ثم إن المفهوم على قسمين حقيقي واعتباري " والاول " لا يقبل ورود الانشاء عليه بلا ريب، بل وجوده تابع لوجود علته سواء أكان جوهرا أم عرضا، وكذا ما كان من الاضافات التي تكون لطرفيها هيئة كالفوقية والتحتية فانه لا يتوهم كونه موردا للانشاء بل اعتباره من منشأ معين يخصه.
واما الاضافات التي لا تكون كذلك فهي التي يدعى كونها موردا للانشاء بمعنى أنها تعتبر من مجرد الانشاء بلا حاجة إلى أمر آخر وقد يكون منشأ اعتبارها غيره كالاتلاف الذي يكون منشأ لاعتبار الضمان، وموت الموروث الذي يكون منشأ لاعتبار ملك الوارث لتركته وغير ذلك من الاسباب العرفية والشرعية. نعم لا يبعد القول بأن الامور الاعتبارية التي يدعى كونها موردا للانشاء أمور حقيقية تكون موردا للانشاء الادعائي فيكون انشاؤها من قبيل الانشاء الادعائي للامر الحقيقي لا من قبيل الانشاء الحقيقي للامر الاعتباري، والمصحح لهذا الادعاء هو المصحح لاعتبارها فمنشأ اعتبارها ليس هو الانشاء، بل هو مصحح ادعاء إنشاءها، مثلا القضاوة التي يدعي اعتبارها من مجرد إنشاء السلطان الذي بيده الامر ليس المصحح لاعتبارها نفس انشائها بل المصحح التزام السلطان بتنفيذ قضاء من جعلت له فإذا التزم السلطان بتنفيذ قضاء زيد صح اعتبار كونه قاضيا، ولو قال: جعلتك قاضيا، ولم يلتزم بذلك أو التزم برد قضائه لا يصح اعتبار كونه قاضيا، فدوران الاعتبار وعدمه مدار الالتزام وعدمه كاشف عن ان الانشاء مما لا دخل له في اعتبارها، واما انشاء القضاوة فهو من أجل تحقق الالتزام النفسي المصحح لادعاء كونه قاضيا، ومنه يظهر أن إنشاء الطلب، والوجوب، والبعث، والزجر، والكراهة، والالزام، وكثير من عناوين العقود والايقاعات من الطلاق، والنكاح، والصلح، والرهن، والمساقات، والمزارعة والاجارة، والوديعة، والوقف، إلى غير ذلك من قبيل الانشاء الادعائي للامر الحقيقي لا من قبيل الانشاء الحقيقي لامر اعتباري (وكيف كان) فانشاء هذه العناوين ونحوها قد يكون بصيغ تخصه كصيغ الامر التي هي مستعملة في انشاء المادة على التحقيق، ومثلها صيغ النهي، وقد يكون بصيغ يشترك فيها الخبر فيتوقف دلالتها عليه على القرينة كصيغ العقود والايقاعات التي هي بهيئة الماضي أو المضارع أو الخبر، ولعل منها صيغة النهي أعني: لا تقعل، وحينئذ يقع الكلام في أنها إنشاء موضوعة لنفس معناها إذا استعملت خبرا فالمعنى الموضوع
حيث أن أسماء الاشارة وضعت ليشار بها إلى معانيها
______________________________
له في (بعت) إنشاء وخبرا واحد، والاختلاف جاء من قبل الاستعمال من حيث قصد الحكاية أو قصد الايجاد - كما لم يستبعده المصنف - أو أنها موضوعة للجامع بين المعاني المقصود ايجادها، والخبر موضوع للجامع بين المعاني المقصود حكايتها عن الواقع، أو انها موضوعة للمعاني الجزئية، لان المنشأ موجود بالانشاء فيكون جزئيا ؟ أقوال أو وجوه، ويبطل الاخير أن الجزئية الآتية من قبل الانشاء يمتنع أن تؤخذ في المنشأ، ويبطل الثاني لزوم تعدد الوضع بلا مقتض فيتعين الاول. هذا في الصيغ المشتركة، وأما المختصة فلا مجال للكلام فيها. نعم لدعوى وضعها للجزئيات مجال لكن عرفت انه محال ولعله إلى هذا اشار بقوله فتأمل
*
(قوله: حيث أن أسماء الاشارة) لا ينبغي التأمل في أن الاشارة التي يتوهم دخلها في معنى أسماء الاشارة هي الاشارة الذهنية إلى ما هو متعين عند المخاطب بنحو يكون كالمتعين الخارجي بالاشارة الخارجية الحسية لا الاشارة الخارجية، وإلا فكثيرا ما تستعمل في معان لا يشار إليها خارجا، بل يمتنع أن يشار إليها كذلك بلا عناية في استعمالها كذلك، بل هو كاستعمالها في المشار إليه خارجا. نعم التعين اللازم في معانيها المتوقف عليه الاشارة المذكورة قد يكون مستندا إلى الاشارة الخارجية كما قد يكون مستندا إلى تقدم ذكره في كلام المتكلم أو المخاطب أو غيرهما، ولا جل ذلك صارت معدودة في المعارف كالمعرف باللام والمضاف، ومنه يظهر أن المراد من كونها موضوعة للجزئيات أنها موضوعة لجزئيات مفاهيمها الكلية أعني جزئيات المفرد المذكر المشار إليه أو المؤنث أو الجمع أو غير ذلك سواء أكانت جزئيات في نفسها أم كليات لما عرفت من صحة الاشارة إلى ما ليس جزئيا حقيقا خارجيا بلا تصرف ولا عناية، وعلى هذا تشكل دعوى أنها موضوعة للمعنى العام كما ذكر المصنف (ره) إذ لا يفهم منها ذلك ولا تحكي عنه في الاستعمالات الجزئية لا بنفسه ولا مرآة للفرد بل
وكذا بعض الضمائر، وبعضها ليخاطب بها المعنى، والاشارة والتخاطب يستدعيان التشخص كما لا يخفى (فدعوى) أن المستعمل فيه في مثل هذا، أو هو، أو اياك، إنما هو المفرد المذكر، وتشخصه إنما جاء من قبل الاشارة أو التخاطب بهذه الالفاظ إليه، فان الاشارة أو التخاطب لا يكاد يكون الا إلى الشخص أو معه (غير مجازفة) فتلخص مما حققناه أن التشخص الناشئ من قبل الاستعمالات لا يوجب تشخص المستعمل فيه سواء كان تشخصا خارجيا كما في مثل أسماء الاشارة أو ذهنيا كما في أسماء الاجناس، والحروف، ونحوهما من غير فرق في ذلك أصلا بين الحروف وأسماء الاجناس، ولعمري هذا واضح، ولذا ليس في كلام القدماء من كون الموضوع له أو المستعمل فيه خاصا في الحرف عين ولا أثر،
______________________________
المحكي بها نفس المعنى المتعين بالاشارة " وملاحظة " موارد الاستعمال كافية في الشهادة بما ذكرنا كيف ولعل استعمالها في المفهوم الكلي بأن يراد من لفظ (هذا) مفهوم المفرد المذكر المشار إليه ليس من الاستعمالات الصحيحة. نعم يصح استعمالها فيه بما انه مفهوم متعين يصح الاشارة إليه كما يشار إلى غيره من المفاهيم المتعينة ثم ان الكلام في الضمائر والموصولات هو الكلام في اسم الاشارة بعينه فتأمل جيدا (قوله: وكذا بعض) كضمير الغائب لكن كون المراد من الاشارة فيه الاشارة الذهنية مما لا ينبغي التأمل فيه (قوله: يستدعيان التشخص) قد عرفت ان الاشارة الذهنية لا تستدعي التشخص وانما الذي يستدعيه هو الاشارة الخارجية غير المعتبرة في استعمال أسماء الاشارة (قوله: إلى الشخص أو معه) (الاول) راجع إلى الاشارة (والثاني) راجع إلى التخاطب (قوله: كما في مثل أسماء) كيف تصح دعوى كون تشخص المشار إليه آتيا من قبل الاستعمال مع أنه أمر حقيقي يتوقف عليه الاستعمال بناء على اعتبار الاشارة الخارجية فتأمل (قوله: ونحوهما) من جميع المعاني الكلية إذ الاستعمال لا بد فيه من لحاظ المعنى من دون فرق بين كون المستعمل فيه كليا أو جزئيا وهذا اللحاظ هو الموجب
وإنما ذهب إليه بعض من تأخر، ولعله لتوهم كون قصده بما هو في غيره من خصوصيات الموضوع له أو المستعمل فيه، والغفلة عن أن قصد المعنى من لفظه على انحائه لا يكاد يكون من شئونه وأطواره، وإلا فليكن قصده بما هو هو وفي نفسه كذلك، فتأمل في المقام فانه دقيق وقد زل فيه اقدام غير واحد من أهل التحقيق والتدقيق (الثالث) صحة استعمال اللفظ فيما يناسب ما وضع له هل هو بالوضع أو بالطبع ؟ وجهان، بل قولان أظهرهما أنه بالطبع، بشهادة الوجدان بحسن الاستعمال فيه ولو مع منع الواضع عنه، وباستهجان الاستعمال فيما لا يناسبه ولو مع ترخيصه، ولا معنى لصحته إلا حسنه، والظاهر أن صحة استعمال اللفظ في نوعه أو مثله من قبيله كما تأتي الاشارة إلى تفصيله (الرابع) لا شبهة في صحة اطلاق اللفظ وإرادة نوعه به كما إذا قيل: ضرب مثلا فعل ماض أو صنفه كما إذا قيل: زيد في (ضرب زيد) فاعل، إذا لم يقصد به شخص القول،
______________________________
*
للجزئية الذهنية (قوله: وإنما ذهب إليه) قد عرفت أنه الظاهر من الاستعمالات العرفية في الحروف والضمائر وأسماء الاشارة والموصولات. نعم لولا ذلك كان المتعين القول بان الموضوع له فيها عام حيث يدور الامر بين ان يكون كذلك وان يكون خاصا إذ الثاني يحتاج إلى عناية لا داعي إليها والله سبحانه أعلم (قوله: لتوهم كون) بل لما عرفت مما لا مجال لدعوى غيره (قوله: بل قولان) المحكي عن الجمهور هو الاول لكنه نوعي ولم يتضح وجهه غير القياس على الحقيقة وفي اثبات مثله لذلك ولا سيما مع الفارق لتوقف الحقيقة على الوضع والاكتفاء بالمناسبة في المجاز وهي ذاتية منع واضح (قوله: من قبيله) يعني بالطبع (قوله: كما إذا قيل) في كونه من المستعمل في نوعه تأمل إذ المحكي به اللفظ الدال على الحدث ولا ينطبق على الحاكي كما سيظهر من آخر عبارة المتن، ولو قال بدله: ضرب كلمة، لكان أجود، وكذا الحال في المثال الثاني ولو قال بدله: زيد في ضرب زيد مرفوع، لكان مما استعمل في
أو مثله ك (ضرب) في المثال فيما إذا قصد، وقد أشرنا إلى ان صحة الاطلاق كذلك وحسنه إنما كان بالطبع لا بالوضع، وإلا كانت المهملات موضوعة لذلك لصحة الاطلاق كذلك فيها، والالتزام بوضعها كذلك كما ترى، وأما اطلاقه وإرادة شخصه كما إذا قيل: زيد لفظ، وأريد منه شخص نفسه ففى صحته بدون تأويل، لاستلزامه اتحاد الدال والمدلول أو تركب القضية من جزئين - كما في الفصول - بيان ذلك أنه إن اعتبر دلالته على نفسه حينئذ
______________________________
صنفه (قوله: أو مثله) معطوف على نوعه وصنفه (قوله: كضرب) تمثيل لما استعمل في مثله يعني كما إذا قيل: ضرب فعل ماض، ويقصد شخص (ضرب) الواقع في (ضرب زيد) فانه شخص مماثل له (قوله: وقد اشرنا) يعني في الامر الثالث (قوله: صحة الاطلاق) أما الدلالة فهي بالقرائن الحالية أو المقالية (قوله: كما ترى) يعني يلزم خلف المفروض إلا أن يكون المراد بالمهمل ما لم يوضع لمعنى غير سنخ لفظه ولازمه نفي المهمل مطلقا بل كون الالفاظ مشتركة بين المعنى الموضوع له وبين سنخ اللفظ وذلك ما لم يقل به احد - كما في الفصول - والعمدة انه لا حاجة إلى الوضع لمثل هذه المعاني بعد صحة الاستعمال ضرورة جواز ان يخترع الواضع لفظا ويقول: أضع هذا اللفظ لمعنى كذا، فيستعمل اللفظ قبل وضعه لمعنى في نوعه أو صنفه ولا ريب في صحته (قوله: بدون تأويل) قد يشعر بجواز ارادة شخصه مع التأويل بان يكون المراد من قوله: زيد لفظ، زيد هذا اللفظ لفظ، فيكون الموضوع مقدرا لكن هذا كله ليس من ارداة شخص اللفظ من اللفظ بل عدم ارادة شئ منه (قوله: لاستلزامه اتحاد الدال) فان قلت: أي مانع من اتحاد الدال والمدلول (قلت): الدال بمعنى فاعل الدلالة لا مانع من اتحاده مع المدلول كما تقول: أنا قمت: أما الدال بمعنى الحاكي الفاني في المدلول فيمتنع اتحاده معه لان الدال ملحوظ باللحاظ الآلي والمدلول ملحوظ باللحاظ الاستقلالي ويمتنع اجتماع اللحاظين لشئ واحد
لزم الاتحاد والا لزم تركبها من جزئين لان القضية اللفظية على هذا إنما تكون حاكية عن المحمول والنسبة لا الموضوع فتكون القضية المحكية بها مركبة من جزئين - مع امتناع التركيب إلا من الثلاثة، ضرورة استحالة ثبوت النسبة بدون المنتسبين (قلت): يمكن أن يقال: إنه يكفي تعدد الدال والمدلول اعتبارا وإن اتحدا ذاتا، فمن حيث انه لفظ صادر عن لافظه كان دالا، ومن حيث أن نفسه وشخصه مراده كان مدلولا - مع أن حديث تركب القضية من جزئين لولا اعتبار الدلالة في البين إنما يلزم إذا لم يكن الموضوع نفس شخصه والا كان اجزاؤها الثلاثة
______________________________
*
(قوله: لزم الاتحاد) يعني بين الدال والمدلول (قوله: ضرورة استحالة) وعليه فتمتنع الحكاية عن النسبة لانها لا تقوم بطرف واحد (قوله: يكفي تعدد الدال) يعني أن شخص اللفظ وان كان واحدا ذاتا إلا انه متعدد بالاعتبار فانه بلحاظ كونه صادرا عن اللافظ غيره بلحاظ كونه مرادا له فهو باللحاظ الاول دال وباللحاظ الثاني مدلول فلا يتحد الدال والمدلول (أقول): حيثية كونه صادرا من اللافظ لا تتقوم بها صفة الدالية لان الدلالة اللفظية انما تكون باللفظ من حيث هو، وكذا المدلولية لا تتقوم بحيثية كونه مرادا للافظ لان المحكي باللفظ ذات المعنى ولو مع عدم كونه مرادا كما سيأتي - مع أنه لو فرض كون الحيثيتين المذكورتين دخيلتين في الدلالة فالذات لا تكون خارجة عن كونها دالة ومدلولا عليها إذ لا مجال لتوهم كون الحيثية الاولى تمام موضوع الدالية، والحيثية الثانية تمام موضوع المدلولية ليتعدد الموضوع ذاتا أيضا ومجرد التعدد بالحيثيات مع اشتراك ذات واحدة بينهما موجب لاجتماع اللحاظين الآلي والاستقلالي (قوله: كان اجزاؤها الثلاثة) توضيح ذلك ان القضية الذهنية لابد ان تكون أجزاؤها ثلاثة، موضوع ومحمول ونسبة بينهما، لامتناع تقوم النسبة بطرف واحد، إلا ان الحاكي عنها قد يكون لفظا أو كتابة أو اشارة وقد يكون صورة خارجية كما لو صورت أسدا مفترسا رجلا فوضعته على قبر لتحكي أن الميت
تامة وكان المحمول فيها منتسبا إلى شخص اللفظ ونفسه غاية الامر انه نفس الموضوع لا الحاكى عنه، فافهم فانه لا يخلو عن دقة، وعلى هذا ليس من باب استعمال اللفظ بشئ، بل يمكن أن يقال: إنه ليس أيضا من هذا الباب ما إذا اطلق اللفظ
______________________________
افترسه سبع، وقد يكون مؤلفا من سنخين من المذكورات كما لو أومأت إلى شخص فقلت: صديقي، ونحوه من انحاء التأليف، وتشترك جميع هذه الانواع في كون الحاكي فيها غير المحكي خارجا وذهنا فانيا فيه فناء الحاكي في محكيه وقد يكون بعض أجزاء القضية غير محتاج إلى حاك يحكي عنه لحضور صورته في الذهن بتوسط وقوع الحس على وجوده الخارجي ويكون الجزء الآخر للقضية لفظا كما ترى الحاسب للحيوانات أو غيرها يقول - كلما مر به واحد منها -: واحد، اثنان، ثلاثة، فان القضية الاولى يحكيها الفرد الخارجي من الغنم مثلا مع قول الحاسب: واحد، والثانية يحكيها الفردان من الغنم مع قوله: اثنان، وهكذا وقد يكون الجزء الآخر كتابة كما ترى الجندي مكتوبا على (قلنسوته) اسم منصبه فتكون القضية مركبة من جزء بنفسه حاك عن نفسه وجزء آخر محكي بالكتابة، وقد يكون بتوسط لفظ حاك عنه في كلام غير المتكلم كما إذا قيل: من هذا، فتقول: زيد، فان (زيد) خبر عن المشار إليه الحاكي عنه اسم الاشارة في كلام السائل، ولا حاجة في امثال هذه المقامات إلى التقدير، ومنها موارد حذف الفعل والفاعل والمبتدأ والخبر والافعال المستتر فيها الضمير وجوبا، والتقدير في كلام النحاة في امثال هذه المقامات من باب المحافظة على قواعد الفن، ففي المقام نقول: إذا قال: زيد لفظ، ولم يقصد من زيد معنى وقصد حمل اللفظ عليه فهو قضية مؤلفة من وجود الموضوع خارجا الموجب لحضور صورته ذهنا ولفظ المحمول، هذا في القضية الحاكية أما القضية الذهنية فاجزاؤها الثلاثة تامة وليس هذا من استعمال لفظ في معنى ولا من اتحاد الدال والمدلول، بل من باب ايجاد شئ بقصد احضار صورته في الذهن لتكون موضوعا للقضية الذهنية (قوله: بل يمكن ان يقال)
وأريد به نوعه، أو صنفه، فانه فرده ومصداقه حقيقة لا لفظه وذاك معناه كي يكون مستعملا فيه استعمال اللفظ في المعنى، فيكون اللفظ نفس الموضوع الملقى إلى المخاطب خارجا قد احضر في ذهنه بلا وساطة حاك وقد حكم عليه ابتداء بدون واسطة اصلا لا لفظه كما لا يخفى فلا يكون في البين لفظ قد استعمل في معنى، بل فرد قد حكم في القضية عليه بما هو مصداق لكلي اللفظ لا بما هو خصوص جزئيه. نعم فيما إذا أريد به فرد آخر مثله كان من قبيل استعمال اللفظ في المعنى، اللهم إلا ان يقال: إن لفظ (ضرب) وان كان فردا له الا انه إذا قصد به حكايته وجعل عنوانا له ومرآته كان لفظه المستعمل فيه، وكان حينئذ كما إذا قصد به فرد مثله (وبالجملة) فإذا اطلق واريد به نوعه كما إذا اريد به فرد مثله كان من باب استعمال اللفظ في المعنى وإن كان فردا منه وقد حكم في القضية بما يعمه، وإن اطلق ليحكم عليه بما هو فرد كليه ومصداقه لا بما هو لفظه وبه حكايته فليس من هذا الباب لكن الاطلاقات المتعارفة ظاهرا ليست كذلك كما لا يخفى وفيها ما لا يكاد يصح ان يراد منه ذلك مما كان الحكم في القضية لا يكاد يعم شخص اللفظ كما في مثل ضرب فعل ماض (الخامس) لا ريب في كون الالفاظ موضوعة بازاء معانيها من حيث هي لا من حيث هي مرادة للافظها لما عرفت بما لا مزيد عليه من أن قصد المعنى
______________________________
هذا خلاف الظاهر من امثال هذه الاستعمالات (قوله: بما هو مصداق لكلي) لا يخفى أن الحكم على الشئ بما هو مصداق كليه وان كان لا يخرج عن كونه حكما على الشخص ولاجله تكون القضية شخصية لكن الحكم المذكور يدل بالالتزام على ثبوت الحكم للكلي (قوله: اللهم الا ان يقال) استدراك على قوله: بل يمكن أن يقال.. الخ (قوله: إذا قصد به) قد عرفت أنه الظاهر من هذه الاستعمالات كما سيأتي منه (قوله: وفيها ما لا يكاد... الخ) قد أشرنا إلى ان الحكم في المثال ليس حكما على النوع فكلما كان حكما على النوع
على أنحائه من مقومات الاستعمال فلا يكاد يكون من قيود المستعمل فيه هذا مضافا إلى ضرورة صحة الحمل والاسناد في الحمل بلا تصرف في الفاظ الاطراف - مع انه لو كانت موضوعة لها بما هي مرادة لما صح بدونه، بداهة أن المحمول على زيد في زيد قائم
______________________________
يجوز فيه الامران بلا خلف نعم يمتنع شمول الحكم لنفس اللفظ لانه ملحوظ باللحاظ الآلي فيمتنع ان يكون للحكم اطلاق يشمله نظير قوله: كل خبري كاذب، (قوله: فلا يكاد يكون... الخ) لما تقدم من لزوم تعدد اللحاظ وعدم الانطباق على الخارج ولا يرد اشكال التفكيك بين الاسم والحرف لعدم اختصاص الدعوى في المقام بنوع دون نوع هذا لو أريد أنه موضوع للمراد الذهني بما هو كذلك ولو أريد أنه موضوع للمعنى الواقعي الذي له مطابق ذهني لم يرد عليه اشكال عدم الانطباق على الخارج لجواز انطباق المعنى المذكور على الخارج إذا كان له مطابق في الذهن. هذا كله لو كان المراد من الارادة المتوهم أخذها في الموضوع له الارادة الاستعمالية التي هي لحاظ المعنى فانيا فيه اللفظ كما هو مقتضى الجمود على ظاهر تحرير محل النزاع هنا وفي الفصول ولو أريد من الارادة تفهيم ارادة المعنى التي هي علة الاستعمال يرد عليه نظير الاشكال الاول أعني لزوم تعدد الارادة لو اريد استعماله فيما وضع له - مضافا - إلى أن إرادة تفهيم المعنى علة للوضع للمعنى نفسه فلو وضع للمعنى المقيد بالارادة لزم انفكاك المعلول عن علته وهذا الاشكال يرد في الحروف لو اخذ اللحاظ قيدا في معانيها وكذا يرد هنا على تقدير ارادة المعنيين السابقين
*
(قوله: ضرورة صحة الحمل) لم يورد هذا الايراد في معاني الحروف لانها لا تقع طرفا للنسبة الحملية وصورة القياس المؤلف من مقدمات هذا الاشكال هكذا: لو كانت الالفاظ موضوعة للمعاني المرادة لم يصح الاسناد والحمل بلا تصرف، لكنه يصح كل منهما بلا تصرف، فليست موضوعة للمعاني المرادة، أما المقدمة الاولى فظاهرة لان المعاني المرادة جزئيات ذهنية، لما عرفت من معنى الارادة الاستعمالية، والجزئيات الذهنية لا يصح اسناد مثل (قام) إليها سواء
والمسند إليه في ضرب زيد، مثلا هو نفس القيام والضرب، لا بما هما مرادان - مع أنه يلزم كون وضع عامة الالفاظ عاما والموضوع له خاصا لمكان اعتبار خصوص إرادة اللافظين فيما وضع له اللفظ، فانه لا مجال لتوهم أخذ مفهوم الارادة فيه كما لا يخفى وهكذا الحال في طرف الموضوع
______________________________
أكان المراد منه القيام الخارجي ام الذهني لعدم النسبة، وكذا لا يصح حمل بعضها على بعض لتباينها فالاسناد إليها والحمل عليها يتوقف على التصرف فيها بملاحظتها خارجية وهذا تجريد لها عن قيد اللحاظ، وأما أنه يصح الحمل والاسناد بلا تصرف فلضرورة صدق قولنا: ضرب زيد، وزيد قائم، بلا تصرف ولا عناية فتصدق النتيجة، ويمكن أن يقرر الاشكال بنحو آخر فيقال: لا ريب في أن قول القائل: ضرب زيد أو زيد قائم إنما يراد به نسبة الضرب بما هو إلى زيد، وحمل القيام بما هو أيضا على زيد كذلك، كما لا ريب في كون الاسناد والحمل المذكورين بلا تصرف وتجوز في الالفاظ فلا بد ان تكون الالفاظ موضوعة لنفس الذوات المذكورة بما هي هي لا بما هي مرادة، وعبارة المتن إلى التقريب الثاني أقرب وعليه يجري على جميع محتملات الارادة بخلاف التقريب الاول فانه لا يجري إلا على الاول " وكيف كان " فقوله: مع أنه لو، من متممات الاشكال لا اشكال آخر (قوله: والمسند إليه) معطوف على المحمول والضمير المجرور راجع إلى زيد لا إلى الموصول (قوله: مع انه يلزم كون.. الخ) هذا اشكال آخر على القول المذكور (ووجه) اللزوم أن الموضوع له إذا كان المقيد بالارادة تمتنع دعوى التقييد بمفهوم الارادة ضرورة أنه لا تفهم من اللفظ فلا بد أن يكون التقييد بالارادات الجزئية فيكون الموضوع له خاصا سواء أكان من قبيل أسماء الاجناس أم من قبيل الاعلام أما الاول فلان المعنى في نفسه وإن كان كليا إلا أنه بعد تقييده بالارادة يكون عين تلك الافراد المقيدة، وأما الثاني فلان المعنى في نفسه وإن كان جزئيا خارجا لكن بعد تقييده بالارادات
(وأما) ما حكي عن العلمين الشيخ الرئيس والمحقق الطوسي من مصيرهما إلى أن الدلالة تتبع الارادة، فليس ناظرا إلى كون الالفاظ موضوعة للمعاني بما هي مرادة - كما توهمه بعض الافاضل - بل ناظرا إلى أن دلالة الالفاظ على معانيها بالدلالة التصديقية: أي دلالتها على كونها مرادة للافظها، تتبع ارادتها منها، وتتفرع عليها تبعية
______________________________
المتعددة المتباينة يتعدد وينحل إلى المتباينات (قوله: وأما ما حكي عن العلمين) بل حكي عن اكثر المحققين من علماء المعقول والمنقول (قوله: فليس ناظرا إلى) قال بعض مشايخنا " قده " في كلام له في هذا المقام -: ليس للنزاع في كون الالفاظ موضوعة للمعاني المرادة عين ولا أثر في كلام القدماء، وإنما حكي عن العلمين القول بأن الدلالة تتبع الارادة فظن صاحب الفصول (ره) أنهما يقولان بأن الالفاظ موضوعة للمعاني المرادة، انتهى ملخصا (قوله: بعض الافاضل) يعني صاحب الفصول لكن ظاهره نوع خاص منها فليلحظ،
*
(قوله: بل ناظرا إلى أن دلالة) توضيح ما ذكره المصنف (ره) في محمل كلام العلمين أن الكلام الصادر من المتكلم له دلالتان إحداهما الدلالة التصورية وهي دلالته على نفس المعنى التى هي عبارة عن خطوره وحضوره في الذهن (ثانيتهما) الدلالة التصديقية، وهي دلالته على أن المتكلم أراد من الكلام معناه (والاولى) منهما لا تتوقف على ارادة المعنى بل ولا على الوضع كما في دلالته الالتزامية حيث لا يكون المدلول الالتزامي موضوعا ولا مرادا لللافظ، وكذا في اللفظ الصادر ممن لا شعور له، فان المعنى يخطر في البال بمجرد سماع اللفظ ولو علم بعدم ارادة اللافظ له (وأما) الثانية فهي التي تتوقف على الارادة توقف العلم على المعلوم لتعلقها بالارادة فكيف تكون بدونها فمراد العلمين من تبعية الدلالة للارادة تبعية الدلالة الثانية لها وهو في محله (أقول): قال الشيخ الرئيس في محكي الشفاء، إن اللفظ بنفسه لا يدل البتة، ولولا ذلك لكان لكل لفظ حق من المعنى
مقام الاثبات للثبوت، وتفرع الكشف عن الواقع المكشوف، فانه لولا الثبوت في الواقع لما كان للاثبات والكشف والدلالة مجال، ولذا لا بد من إحراز كون المتكلم بصدد الافادة في إثبات ارادة ما هو ظاهر كلامه، ودلالته على الارادة، وإلا لما كانت لكلامه هذه الدلالة وإن كانت له الدلالة التصورية: أي كون سماعه موجبا لاخطار معناه الموضوع له، ولو كان من وراء الجدار أو من لافظ بلا شعور ولا اختيار (إن قلت): على هذا يلزم أن لا يكون هناك دلالة عند الخطأ
______________________________
لا يجاوزه، بل انما يدل بارادة اللافظ... إلى أن قال: فالمتكلم باللفظ المفرد لا يريد أن يدل بجزئه على جزء من معنى الكل... إلى أن قال: وبالجملة فانه إن دل فانما يدل لا حين ما يكون جزءا من اللفظ المفرد بل إذا كان لفظا قائما بنفسه، فاما وهو جزء فلا يدل على معنى البتة. انتهى، وقال العلامة " ره " في جوهر النضيد في البحث عن اشكال انتقاض تعريفات الدلالات الثلاث بعضها ببعض فيما لو كان اللفظ مشتركا بين الكل والجزء أو اللازم: ولقد أوردت عليه - يعنى المحقق الطوسي - " قدس روحه " هذا الاشكال، وأجاب بأن اللفظ لا يدل بذاته على معناه بل باعتبار الارادة والقصد واللفظ حينما يراد منه المعنى المطابقي لا يراد منه المعنى التضمني فهو انما يدل على معنى واحد لا غير وفيه نظر انتهى، والتأمل في كلامهما يقضي بأن المراد أن الدلالة على المعنى التي هي الدلالة التصورية تابعة للارادة، بل كلام الثاني صريح في ذلك ولا سيما بملاحظة ظهوره في تبعية الدلالة الالتزامية للارادة إذ من المعلوم ان الدلالة الالتزامية تصورية لا تصديقية (قوله: مقام الاثبات) أي مقام العلم بالثبوت الواقعي (قوله: ولذا لا بد) هذا لا يقتضي التفريع إذ الاحتياج إليه لاجل تحقق الظهور النوعي الصالح للدلالة فتأمل (قوله: ودلالته) معطوف على إثبات (قوله: ولو كان من وراء الجدار) لو أبدله بقوله: ولو كان من الجدار، لكان أولى
والقطع بما ليس بمراد، والاعتقاد بارادة شئ ولم يكن له من اللفظ مراد (قلت): نعم لا يكون حينئذ دلالة، بل يكون هناك جهالة وضلالة يحسبها الجاهل دلالة ولعمري ما أفاده العلمان من التبعية على ما بيناه واضح لا محيص عنه، ولا يكاد ينقضي تعجبي كيف رضي المتوهم أن يجعل كلامهما ناظرا إلى ما لا ينبغي صدوره عن فاضل فضلا عمن هو علم في التحقيق والتدقيق. (السادس) لا وجه لتوهم وضع للمركبات غير وضع المفردات ضرورة عدم الحاجة إليه بعد وضعها
______________________________
*
(قوله: والقطع بما) أي عند القطع بارادة المتكلم ما ليس مرادا له في الواقع (قوله: لا تكون حينئذ دلالة بل) أقول إنكار تحقق دلالة اللفظ مع عدم الارادة واقعا أو مع العلم بعدمها مجال إشكال، فان سند الانكار إن كان مقدمية وجود الارادة واقعا للدلالة (ففيه) أن الوجود الواقعي لا صلاحية فيه للمقدمية للوجود العلمي، وان كان مقدمية العلم بالارادة للعلم بالدلالة فهو - لو سلم - لا يقتضي توقف الدلالة على الارادة - مضافا إلى أن دلالة اللفظ على شئ إرادة كان أو غيرها متقومة بظهوره في المدلول، ومن المعلوم تحقق الظهور للفظ وإن لم تكن ارادة في الواقع. نعم مطابقة الظهور للواقع موقوفة على الارادة لكنه خارج عن محل الكلام، كما أن العلم الحقيقي بالارادة ملازم للارادة لكنه ليس من مقتضيات الكلام إذ العلم بالارادة إنما يحصل من أسباب خاصة لا من نفس الكلام فلا وجه لدعوى دلالة الكلام على الارادة بل اللازم نسبة الدلالة على الارادة إلى تلك الاسباب الموجبة للعلم بها لا إلى الكلام فلاحظ، (قوله: على ما بيناه واضح) قد عرفت أنه مشكل في نفسه، وأشكل منه حمل كلامهما عليه والتأمل في كلامهما يقضي بأن مرادهما نفي الدلالة التصورية اللفظية التي هي اصطلاحا من عوارض اللفظ المستعمل في معنى (قوله: لا وجه لتوهم وضع) كأنه لا اشكال في ثبوت وضع مواد المركبات وهيئاتها القائمة بالمركب
بموادها في مثل: زيد قائم، و: ضرب عمرو بكرا شخصيا، وبهيئاتها المخصوصة من خصوص إعرابها نوعيا، ومنها خصوص هيئات المركبات الموضوعة لخصوصيات النسب والاضافات بمزاياها الخاصة من تأكيد وحصر وغيرهما نوعيا، بداهة أن وضعها كذلك واف بتمام المقصود منها كما لا يخفى من غير حاجة إلى وضع آخر لها بجملتها - مع استلزامه الدلالة على المعنى (تارة) بملاحظة وضع نفسها (وأخرى) بملاحظة وضع مفرداتها
______________________________
أو بمفرداته وإنما الاشكال في ثبوت وضع للمركب بمادته وهيئته زائد على الوضعين المذكورين فالمحكي عن جماعة ذلك وقد أبطله المصنف (ره) بوجهين (أحدهما) لزوم اللغوية بالوضع إن كان بلا غرض أو تحصيل الحاصل إن كان بقصد التوصل إلى التفهيم لحصوله بالوضع الاول (وثانيهما) لزوم الدلالة على المعنى مرتين إحداهما بملاحظة وضع المواد والهيئات (وثانيتهما) بملاحظة وضع المركب - مع أن الوجدان قاض بانه ليس الا دلالة واحدة، ويمكن دفع (الاول) بصلاحية كل من الوضعين للمقدمية مع العلم به ولو مع الجهل بالآخر (والثاني) بأن حكومة الوجدان بوحدة الدلالة لا تمنع من ثبوت وضعين لامكان كونه من قبيل اجتماع علتين على معلول واحد فيستند الاثر اليهما أو إلى الجامع بينهما، فالعمدة في الاشكال على القول المذكور أنه قول بلا بيان ودعوى بلا برهان (قوله: بموادها) أي بمواد المركبات لا المفردات (قوله: شخصيا) الوضع الشخصي ما يكون الموضوع فيه جامعا بين أشخاص كلفظ زيد والنوعي ما يكون الموضوع فيه جامعا بين أنواع كهيئة الفاعل المشتركة بين كثير من المواد مثل ضارب وقاتل وشارب... إلى غير ذلك، ومنه يظهر أن هيئات مفردات المركبات ليست داخلة في كلام المصنف (ره) في المفردات (قوله: وبهيئاتها) معطوف على قوله: بموادها (قوله: ومنها) يعني من هيئات المركبات (قوله: نوعيا) مفعول مطلق لقوله: الموضوعة، على حذف الموصوف
ولعل المراد من العبارات الموهمة لذلك هو وضع الهيئات على حدة غير وضع المواد، لا وضعها بجملتها علاوة على وضع كل منهما. (السابع) لا يخفى ان تبادر المعنى من اللفظ وانسباقه إلى الذهن من نفسه وبلا قرينة علامة كونه حقيقة فيه بداهة أنه لولا وضعه له لما تبادر (لا يقال): كيف يكون علامة مع توقفه على العلم بانه موضوع له - كما هو واضح - فلو كان العلم به موقوفا عليه لدار (فانه يقال): الموقوف عليه غير الموقوف عليه،
______________________________
(قوله: ولعل المراد) لا ينبغي التأمل في كون ذلك هو المراد فلتلحظ عباراتهم
التبادر
(قوله: وبلا قرينة) مقالية أو حالية ولو كانت مقدمات الحكمة (ومنه) يظهر أن فهم الوجوب النفسي العيني التعييني من صيغة (افعل) لا يقتضي كونها حقيقة فيه لان فهم ذلك بواسطة مقدمات الحكمة كما سيأتي بيانه انشاء الله تعالى (قوله: لو لا وضعه له لما) التبادر عبارة عن انسباق المعنى من اللفظ بحيث يكون سماع اللفظ موجبا لحضور المعنى في الذهن وهذا الانسباق هو الدلالة التصورية وحينئذ يشكل ترتبه على الوضع أو العلم به (اما) على الاول فواضح (واما) على الثاني فلان حضور المعنى حاصل من جهة العلم بالوضع لا من جهة اللفظ نعم قد يترتب على العلم بالوضع الدلالة التصديقية المتقدم بيانها لكنها غير التبادر فلا يبعد إذا أن يقال: إن تبادر المعنى من اللفظ إنما يكون بتوسط الملازمة الذهنية بينهما الحاصلة من كثرة استعماله فيه سواء أكان عن وضع اللفظ له أم مجازا بقرينة حتى يبلغ حدا يوجب فهم المعنى عند سماع اللفظ فالتبادر دائما يكون علامة لهذه الملازمة الذهنية التي هي وضع تعيني لو لم يكن اللفظ قد وضع للمعنى (قوله: مع توقفه على العلم) قد عرفت أنه لا يرتبط بالعلم بالوضع (قوله: الموقوف عليه) يعنى العلم الموقوف على التبادر غير العلم الموقوف عليه التبادر فضمير (عليه) الاول
فان العلم التفصيلي بكونه موضوعا له موقوف على التبادر، وهو موقوف على العلم الاجمالي الارتكازي به لا التفصيلي فلا دور هذا إذا كان المراد به التبادر عند المستعلم وأما إذا كان المراد به التبادر عند أهل المحاورة فالتغاير أوضح من ان يخفى ثم إن هذا فيما لو علم استناد الانسباق إلى نفس اللفظ، وأما فيما احتمل استناده إلى قرينة فلا يجدي اصالة عدم القرينة في احراز كون الاستناد إليه لا إليها - كما قيل - لعدم الدليل على اعتبارها الا في إحراز المراد لا الاستناد (ثم) إن عدم صحة سلب اللفظ بمعناه المعلوم المرتكز في الذهن اجمالا
______________________________
راجع إلى التبادر (والثاني) راجع إلى الموصول المراد به العلم (قوله: فان العلم التفصيلي) العلم التفصيلي بالوضع بمعنى التخصيص لا يحصل من مجرد التبادر لما عرفت من ان التبادر إنما يدل على الملازمة الذهنية الحاصلة من كثرة الاستعمال ولو عن تخصص لا على التخصيص نعم لو انحصر الوجه في الاستعمال بالتخصيص دل عليه (قوله: وهو موقوف على) قد عرفت أنه لا يتوقف على العلم بالوضع بل هو مستحيل فتأمل، وإنما يتوقف عليه الدلالة التصديقية ولا فرق فيما ذكرنا بين تبادر المستعلم وغيره (قوله: لعدم الدليل) تعليل لقوله: لا يجدى... الخ يعني لا تجري اصالة عدم القرينة لاثبات كون التبادر من حاق اللفظ لان الدليل ان كان أدلة الاستصحاب فهي مختصة بما إذا كان المستصحب حكما شرعيا أو موضوعا لحكم شرعي وليس كذلك عدم القرينة، وإن كان بناء العقلاء - كما اشتهر من حجية الاصول المثبتة في الالفاظ لبناء العقلاء عليها - فذلك مسلم إلا أنه في غير المقام فان الشك في القرينة (تارة) يكون مع الشك في المعنى الحقيقي (واخرى) مع الشك في المراد مع وضوح المعنى الحقيقي فان كان الشك من قبيل الثاني جرت اصالة عدم القرينة وان كان من قبيل الاول - ومنه المقام - لم تجر لعدم بناء العقلاء على جريانها، ولذا اشتهر أن الاستعمال أعم من الحقيقة (قوله: إحراز المراد) يعني مراد المتكلم
عن معنى كذلك يكون علامة كونه حقيقة فيه، كما ان صحة سلبه علامة كونه مجازا في الجملة (والتفصيل) أن عدم صحة السلب عنه وصحة الحمل عليه بالحمل الاولي الذاتي الذي كان ملاكه الاتحاد مفهوما علامة كونه نفس المعنى وبالحمل الشايع الصناعي الذى ملاكه الاتحاد وجودا بنحو من انحاء الاتحاد علامة كونه من مصاديقه وافراده(١) الحقيقية، كما أن صحة سلبه كذلك علامة أنه ليس منها وان لم نقل بأن اطلاقه عليه من باب المجاز في الكلمة،
______________________________
صحة السلب
(قوله: عن معنى كذلك) يعني كالتبادر يكون علامة الحقيقة (قوله: في الجملة) متعلق بقوله: مجازا، يعني صحة السلب علامة كونه مجازا في الجملة إما في الكلمة - كما هو المشهور - أو في غيرها كما يراه السكاكي وياتي تفصيله (قوله: ملاكه الاتحاد) كما في حمل أحد المترادفين على الآخر مع الجهل بمعنى المحمول تفصيلا (مثلا) إذا شككنا في أن البشر هو الانسان أو غيره نجعل البشر محمولا على الانسان فنقول: الانسان بشر، فان صح الحمل دل على كون البشر موضوعا للانسان، وأما حمل الحد التام على المحدود فليس مما نحن فيه لان الحد التام يجب أن يكون أجلى من المحدود لتتضح به حقيقته (قوله: الاتحاد وجودا) كما في جميع موارد حمل الكلي على الفرد أو على كلي آخر (قوله: علامة كونه) كما تقول: هذا البليد إنسان، لتعرف أن البليد من افراد الانسان، أما مثل: زيد بشر، فليس داخلا في كلام المصنف (ره) إذ الشك فيه في مفهوم الكلي لا في فردية فرده (قوله: وافراده الحقيقية) يعني حيث يكون الحمل بين الفرد والكلي أما لو كان بين كليين فيدل الحمل على اتحادهما خارجا وان اختلفا مفهوما وكان بينهما عموم من وجه كما اشار إليه
______________
(١) فيما إذا كان المحمول والمحمول عليه كليا وفردا لا فيما إذا كان كليين متساويين أو غيرهما كما لا يخفى. من الماتن قدس سره (*)
بل من باب الحقيقة وان التصرف فيه في أمر عقلي - كما صار إليه السكاكي - واستعلام حال اللفظ وأنه حقيقة أو مجاز في هذا المعنى بهما ليس على وجه دائر، لما عرفت في التبادر من التغاير بين الموقوف والموقوف عليه بالاجمال والتفصيل، أو الاضافة إلى المستعلم والعالم فتأمل جيدا (ثم) إنه قد ذكر الاطراد وعدمه علامة للحقيقة والمجاز أيضا، ولعله بملاحظة نوع العلائق المذكورة في المجازات حيث لا يطرد صحة استعمال اللفظ معها والا فبملاحظة خصوص ما يصح معه الاستعمال فالمجاز مطرد كالحقيقة، وزيادة قيد:
______________________________
المصنف (ره) في حاشيته (فعلى) هذا تكون الاقسام ثلاثة حمل احد المترادفين على الآخر، وحمل الكلي على الفرد، وحمل أحد الكليين على الآخر (والاول) يدل على كون الموضوع نفس المعنى (والثاني) يدل على انه من افراده (والثالث) لا يدل على حقيقة أو مجاز وإنما يدل على الاتحاد في الخارج سواء أكانا متساويين كالنوع والفصل أم بينهما عموم مطلق كالنوع أو الفصل والجنس، أو عموم من وجه كالحيوان والابيض (قوله: الحقيقة) يعني في الكلمة (قوله: لما عرفت في التبادر) مما عرفت هناك تعرف حقيقة الحال هنا فانهما من باب واحد والكلام في المقامين مطرد
الاطراد
(قوله: قد ذكر الاطراد) الاطراد عبارة عن كون اللفظ المستعمل في مورد بلحاظ معنى بحيث يصح استعماله في ذلك المورد وفي غيره من الموارد بلحاظ ذلك المعنى كما في لفظ الانسان الذي يطلق على زيد بلحاظ كونه حيوانا ناطقا فانه يصح إطلاقه على جميع افراد الحيوان الناطق بلحاظه ويقابله عدم الاطراد ثم إن هذه العلامة ليست مذكورة في كلام الاكثر وإنما نص عليها بعض من تأخر كما قيل (قوله: ولعله بملاحظة) دفع للاشكال على العلامة المذكورة
من غير تأويل، أو: على وجه الحقيقة، وان كان موجبا لاختصاص الاطراد كذلك بالحقيقة الا انه حينئذ لا يكون علامة لها الا على وجه دائر، ولا يتأتى التفصي عن الدور بما ذكر في التبادر هنا ضرورة أنه مع العلم بكون الاستعمال على نحو الحقيقة لا يبقى مجال لاستعلام حال الاستعمال بالاطراد أو بغيره
______________________________
(اما الاشكال) فهو أن الاطراد بالمعنى المتقدم حاصل في المجاز ايضا فان كل لفظ يصح استعماله في غير معناه مطردا مع تحقق العلاقة فلفظ الاسد يصح استعماله في كل من يشابه الاسد في الشجاعة وهكذا غيره ولاجل ذلك قيل: إن المجازات موضوعة بالوضع النوعي (واما الدفع) فلان الاطراد في المجاز إنما كان بلحاظ العلاقة المصححة لا مطلقا وإلا فلا يجوز استعمال كل لفظ في كل معنى له نحو من المشابهة فلا يجوز استعمال لفظ الاسد في الجبان بملاحظة المشابهة في البخر، فجعل الاطراد من علائم الحقيقة كان بملاحظة نوع العلائق في المجاز فانه لا اطراد فيه بملاحظته وان كان بملاحظة خصوص العلاقة المصححة للاستعمال يكون مطردا كالحقيقة كما ذكر في الاشكال (قوله: من غير تأويل) يعني وان كان حقيقة في الكلمة فهو اشارة إلى مذهب السكاكي (قوله: على وجه الحقيقة) يعني في الكلمة فهو بلحاظ مذهب المشهور (قوله: ضرورة انه مع) تعليل لعدم تاتي التفصي السابق في التبادر (وتوضيح) الفرق بين المقامين أن كون الاطراد على نحو الحقيقة قد أخذ بنفسه قيدا لكون الاطراد علامة فلا يمكن الاستعلام به حتى يعلم أنه على وجه الحقيقة ومع هذا العلم لا مجال للاستعلام لانه تحصيل للحاصل وفى التبادر لم يؤخذ العلم بالوضع قيدا للتبادر الذي هو علامة بل أخذ نفس التبادر علامة، غاية الامر أنه لا يتحقق الا مع العلم بالوضع ولو اجمالا. ثم إن ههنا علامتين أخريين إحداهما تنصيص الواضع أو اهل اللغة، ثانيتهما صحة الاستعمال فيه بلا عناية كما تكرر تمسك المصنف (ره) بها على نحو الحقيقة، والله سبحانه أعلم.
(الثامن) انه للفظ احوال خمسة وهي التجوز والاشتراك والتخصيص والنقل والاضمار لا يكاد يصار إلى احدها فيما إذا دار الامر بينه وبين المعنى الحقيقي الا بقرينة صارفة عنه إليه، وأما إذا دار الامر بينها فالاصوليون - وان ذكروا لترجيح بعضها على بعض وجوها - إلا أنها استحسانية لا اعتبار بها الا إذا كانت موجبة لظهور اللفظ في المعنى لعدم مساعدة دليل على اعتبارها بدون ذلك كما لا يخفى (التاسع) انه اختلفوا في ثبوت الحقيقة الشرعية وعدمه على أقوال، وقبل الخوض في تحقيق الحال لا بأس بتمهيد مقال وهو أن الوضع التعييني كما يحصل بالتصريح بانشائه كذلك يحصل باستعمال اللفظ في غير ما وضع له كما إذا وضع له، بان يقصد الحكاية عنه
______________________________
احوال اللفظ
(قوله: إذا دار الامر بينه وبين) العبارة لا تخلو عن حزازة إذ المراد الدوران بين كل واحد منها وعدمه غاية الامر ان البناء على العدم في بعضها يقتضي الحمل على المعنى الحقيقي. ثم إن الظاهر من العقلاء البناء على عدم كل واحد من المذكورات عند الشك فيه فيجب العمل على بنائهم لحجيته حيث لا يكون رادع - كما في المقام - كما أن وظيفة اصالة العدم في مثل الاشتراك والنقل تشخيص ظهور الكلام وفى الباقي وجوب العمل بالظاهر فالاول نظير اصالة عدم القرينة والثاني نظير اصالة الحقيقة فتدبر
الحقيقة الشرعية
(قوله: بالتصريح بانشائه) يعني انشاءه بالقول كأن يقول: سميت ولدي عليا (قوله: كذلك يحصل) الظرف متعلق بقوله: يحصل، (قوله: باستعمال اللفظ) يعني انشاءه بالفعل، فان الوضع بناء على كونه انشائيا يكون
والدلالة عليه بنفسه لا بالقرينة وان كان لا بد حينئذ من نصب قرينة إلا أنه للدلالة على ذلك لا على ارادة المعنى كما في المجاز (فافهم) وكون استعمال اللفظ فيه كذلك في غير ما وضع له بلا مراعات ما اعتبر في المجاز فلا يكون بحقيقة ولا مجاز غير ضائر بعد ما كان مما
______________________________
كسائر الانشائيات التي تنشأ بالفعل تارة، وبالقول أخرى كالمعاطاة والفسخ والرجوع في الطلاق وغيرها. نعم يعتبر في انشائه بالفعل أن يكون بقصد الانشاء، فنفس الاستعمال لا بقصد انشاء الوضع لا يكون انشاء له. ثم إنه يمكن الاشكال في تحقق الانشاء بالفعل كليا من جهة ان الافعال ليست مما يتسبب بها عند العقلاء إلى تحقق المفاهيم الانشائية، والافعال في المعاطاة وغيرها مما ذكر ليست صادرة بقصد الانشاء بها أصلا، بل صادرة جريا على الالتزامات النفسية فلا تصلح الا للحكاية عنها (ويشكل) في خصوص المقام من جهة أن قصد وضع اللفظ للمعنى يتوقف على ملاحظة كل من اللفظ والمعنى مستقلا والاستعمال يتوقف على ملاحظة اللفظ عبرة وآلة لملاحظة المعنى بحيث يكون فانيا فيه فالاستعمال الصادر عن قصد تحقق الوضع يؤدي إلى اجتماع لحاظين للفظ آلي واستقلالي في زمان واحد (فتأمل) (قوله: والدلالة عليه بنفسه) كيف يمكن قصد الدلالة على المعنى بنفس اللفظ مع ان اللفظ لا يصلح لذلك إلا بالوضع (قوله: للدلالة على ذلك) أي على كون الاستعمال بقصد الحكاية عن المعنى بنفس اللفظ لا بالقرينة لكن عرفت أن مجرد ذلك غير كاف في تحقق الوضع ما لم يكن عن قصد الوضع، فلا بد أيضا من قرينة دالة على ذلك، وقد تفيد ذلك كله قرينة واحدة، ولعله إلى بعض ما ذكرنا اشار بقوله: فافهم، (قوله: في غير ما وضع له) إذ الوضع انما يكون بالاستعمال فالمعنى قبله غير موضوع له فلا يكون الاستعمال فيه استعمالا فيما وضع له (قوله: مراعات ما اعتبر في المجاز) يعني من ملاحظة المناسبة بين المستعمل فيه المعنى الحقيقي فانه قد لا يكون له معنى حقيقي أصلا، وقد يكون لكن الاستعمال بلا مناسبة أو بلا ملاحظتها (قوله: غير ضائر) خبر كون الاستعمال (قوله: بعد ما كان مما) أقول: إذا بني على صحة الانشاء بالفعل فلا يعتبر في صحة إنشاء
يقبله الطبع ولا يستنكره، وقد عرفت سابقا أنه في الاستعمالات الشايعة في المحاورات ما ليس بحقيقة ولا مجاز، إذا عرفت هذا فدعوى الوضع التعييني في الالفاظ المتداولة في لسان الشارع هكذا قريبة جدا ومدعي القطع به غير مجازف قطعا، ويدل عليه تبادر المعاني الشرعية منها في محاوراته، ويؤيد ذلك أنه ربما لا يكون علاقة معتبرة
______________________________
الوضع بالاستعمال أن يكون صحيحا، فلو فرض أن الاستعمال المذكور ليس بحقيقة ولا مجاز ولا مما يقبله الطبع أمكن انشاء الوضع به، فينبغي ان يكون قبول الطبع مصححا للاستعمال لا لانشاء الوضع به ثم إن هذا الاشكال مبني على أن الوضع منتزع من مجرد الانشاء أما لو كان منتزعا من الالتزام النفسي فالاستعمال يكون فيما وضع له لانه جار على طبق ذلك الالتزام النفسي كغيره من الاستعمالات، كما أن هذا الاشكال بعينه قد أورد على الفسخ بالتصرف المتوقف على الملك كوطئ الجارية التي باعها بخيار له، ولازمه حرمة الوطء لانه في غير الملك، وقد أجيب عنه بوجوه، وقد ذكرنا في محله أن الفسخ إنما يتحقق بنفس الالتزام النفسي لا بالوطئء فالوطء يكون جاريا على مقتضى الفسخ، غاية الامر أن هذا الالتزام النفسي لا يكون فسخا إلا بمظهر له والفعل يكون هو المظهر، والباعث على منع كون الوطء فسخا كونه غير صادر بعنوان الانشاء بل صادر جريا على الالتزام، فلو بنى على عدم كون الالتزام النفسي فسخا كان اللازم منع تحقق الفسخ بالفعل ايضا والله سبحانه أعلم (قوله: هكذا) قيد لقوله: وضع، يعني انشاءه بالفعل (قوله: قريبة جدا) لاقتضاء العادة ذلك فانه بعد فرض كون معانيها ماهيات مخترعة للشارع، وأنه في مقام تفهيمها للمخاطبين، وأنه كان يستعمل تلك الالفاظ فيها دون غيرها يحصل الاطمئنان بانه قد وضع تلك الالفاظ لتلك المعاني ولا سيما مع عدم استعماله تلك الالفاظ إلا فيها أو ندرة استعمالها في غيرها هذا وبضميمة بعد إنشائه بالقول لعدم نقله لنا وعدم الحاجة إليه يثبت الوضع بالفعل لا بالقول (قوله: وبدل عليه) يعني على أصل الوضع التعييني لا كونه بالقول (قوله: تبادر المعاني)
بين المعاني الشرعية واللغوية فأي علاقة بين الصلاة شرعا والصلاة بمعنى الدعاء ومجرد اشتمال الصلاة على الدعاء لا يوجب ثبوت ما يعتبر من علاقة الجزء والكل بينهما كما لا يخفى هذا كله بناء على كون معانيها مستحدثة في شرعنا وأما بناء على كونها ثابتة في الشرايع السابقة كما هو قضية غير واحد من الايات مثل قوله تعالى (كتب عليكم الصيام كما كتب... الخ) وقوله تعالى (وأذن في الناس بالحج) وقوله (تعالى): (وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا)... إلى غير ذلك، فالفاظها حقايق لغوية لا شرعية، واختلاف الشرايع فيها جزءا أو شرطا لا يوجب اختلافها في الحقيقة والماهية، إذ لعله كان من قبيل الاختلاف في المصاديق والمحققات كاختلافها بحسب الحالات في شرعنا كما لا يخفى (ثم) لا يذهب عليك أنه مع هذا الاحتمال لا مجال لدعوى الوثوق فضلا عن القطع بكونها حقايق شرعية، ولا لتوهم دلالة الوجوه التي ذكروها على ثبوتها لو سلم دلالتها على الثبوت لولاه (ومنه) انقدح
______________________________
لم يعلم كون التبادر في زمان الشارع كان مستندا إلى نفس اللفظ أو القرينة وأصالة عدم القرينة غير مجدية كما تقدم (قوله: والصلاة بمعنى الدعاء) لم يثبت كون الصلاة في اللغة بمعنى الدعاء مطلقا وما حكي مبني على المسامحة (قوله: ومجرد اشتمال) هذا الاشتمال في بعض الاحوال ولا يعتبر في الماهية الصحيحة قطعا (قوله: كما هو قضية... الخ) المقدار المستفاد من الآيات الكريمة هو ثبوت هذه الحقائق في الشرايع السابقة، أما كون الالفاظ المذكورة موضوعة لها فيها فلا، أما مثل الآية الاولى فظاهر، وأما مثل: (وأوصاني بالصلاة) فالاستدلال بها موقوف على كونه نقلا باللفظ، ولعله قطعي العدم فان هذه الالفاظ عربية ولغات الشرائع السابقة غير عربية. ثم لو تم الاستدلال كانت حقائق شرعية لكنها في الشرائع السابقة لا لغوية إلا أن يكون المراد من اللغوية ما هو أعم من ذلك كما هو الظاهر (قوله: لولاه) قيد للدلالة، والضمير راجع إلى هذا الاحتمال
حال دعوى الوضع التعينى معه، ومع الغض عنه فالانصاف أن منع حصوله في زمان الشارع في لسانه ولسان تابعيه مكابرة (نعم) حصوله في خصوص لسانه ممنوع فتأمل، وأما الثمرة بين القولين فتظهر في لزوم حمل الالفاظ الواقعة في كلام الشارع بلا قرينة على معانيها اللغوية مع عدم الثبوت، وعلى معانيها الشرعية على الثبوت فيما إذا علم تأخر الاستعمال، وفيما إذا جهل التاريخ ففيه اشكال، واصالة تأخر الاستعمال - مع معارضتها باصالة تأخر الوضع - لا دليل على اعتبارها تعبدا إلا على القول
______________________________
(قوله: حال الوضع التعيني) يعني أيضا لا مجال لدعواه إذا كانت الالفاظ المذكورة حقائق في هذه المعاني قبل حدوث شريعتنا المقدسة (قوله: الغض عنه) يعني عن هذا الاحتمال (قوله: حصوله) اي حصول الوضع التعيني (قوله: تابعيه) المراد بهم من كان يتبعه في استعمال الالفاظ المذكورة في المعاني الشرعية ممن كان في عصره سواء أكان صحابيا أم غيره، وليس المراد من تابعيه ما يقابل الصحابة إذ محل الدعوى خصوص زمان الشارع (قوله: في خصوص لسانه) يعني ثبوت الوضع التعيني في خصوص الالفاظ التي يستعملها هو ممنوع بعد البناء على عدم الوضع التعييني وكان قوله: فتأمل، إشارة إلى اشكال في المنع المذكور، فان استعمال الشارع تلك الالفاظ في تلك المعاني في مدة تقارب عشرين سنة مما يؤدي إلى حصول الوضع التعيني (قوله: على الثبوت) يعني على تقدير القول بثبوت الحقيقة الشرعية (أقول): يمكن ان يشكل بان ذلك يتوقف ايضا على هجر المعاني اللغوية وإلا كانت من قبيل اللفظ المشترك يحتاج في الحمل على أحدهما بعينه إلى القرينة - مضافا إلى أن الثمرة المذكورة فرضية علمية لا عملية، وإلا فقد قيل: إن هذه المعاني مما يعلم كونها مرادة للشارع في جميع الاستعمالات فان للتتبع شاهد بانه لم يستعمل في غيرها (قوله: تأخر الاستعمال) يعني عن زمان الوضع (قوله: جهل التاريخ) يعني فلا يدرى أن الاستعمال قبل الوضع أو بعده (قوله: وأصالة تأخر) يعني ربما يدعى أنه يمكن إثبات كون
بالاصل المثبت ولم يثبت بناء من العقلاء على التأخر مع الشك، واصالة عدم النقل إنما كانت معتبرة فيما إذا شك في أصل النقل لا في تأخره فتأمل. (العاشر) انه وقع الخلاف في أن الفاظ العبادات أسامي لخصوص الصحيحة أو للاعم منها، وقبل الخوض في ذكر أدلة القولين يذكر أمور (منها) انه لا شبهة في تأتي الخلاف على القول بثبوت الحقيقة الشرعية، وفى جريانه
______________________________
الاستعمال بعد الوضع ليحمل اللفظ على المعنى الشرعي، وطريق الاثبات إعمال القاعدة المشهورة: أعني أصالة تأخر الحادث، فان الاستعمال حادث فيثبت تأخره بالاصل المذكور (والاشكال) على هذا الوجه من وجوه (الاول) أنه معارض باصالة تأخر الوضع فانه شئ حادث ايضا (الثاني) أن التأخر ليس حكما شرعيا ولا موضوعا لحكم شرعي فجريان الاصل فيه موقوف على القول بالاصل المثبت وهو الاصل الجاري فيما ليس موضوعا لحكم شرعي ولا حكما شرعيا وكان يترتب عليه حكم شرعي بواسطة كما في المقام، فانه إذا كان الاستعمال متأخرا كان اللفظ محمولا على المعنى الشرعي، وإذا حمل عليه ثبت حكم شرعي، لكن لا دليل على حجية الاصل المثبت إلا بناء العقلاء في موارد مخصوصة ليس المقام منها - مع أن التأخر ليس في نفسه مجرى للاصل، وإنما هو من لوازم عدم الاستعمال إلى زمان الوضع ويأتي في محله انشاء الله أن الاصل لا يجري في كل من عدمي مجهولي التاريخ ولو كان العدم موضوعا للاثر الشرعي فانتظر (قوله: واصالة عدم) يعني قد يقال: انه تجري اصالة عدم النقل في زمان الاستعمال، الذي يكون لازمه الحمل على المعنى اللغوي، لكن فيه أن اصالة عدم النقل انما تجري إذا شك في حدوث النقل وعدمه لا ما إذا علم النقل وشك في تقدمه وتأخره كما في المقام (أقول): لا يبعد جريان اصالة عدم النقل لو علم تاريخ الاستعمال، والعلم بالنقل في الجملة مع الجهل بكونه قبله أو بعده غير ضائر، ولعله إلى هذا اشار بقوله: فتأمل.
على القول بالعدم إشكال، وغاية ما يمكن أن يقال في تصويره: أن النزاع وقع على هذا في أن الاصل في هذه الالفاظ المستعملة مجازا في كلام الشارع هو استعمالها في خصوص الصحيحة أو الاعم بمعنى أن أيهما قد اعتبرت العلاقة بينه وبين المعاني اللغوية ابتداء وقد استعمل في الآخر بتبعه ومناسبته ؟ كي ينزل كلامه عليه مع القرينة الصارفة عن المعاني اللغوية وعدم قرينة اخرى معينة للآخر، وأنت خبير بانه لا يكاد يصح هذا الا إذا علم أن العلاقة إنما اعتبرت كذلك، وأن بناء الشارع في محاوراته استقر - عند عدم نصب قرينة أخرى - على ارادته بحيث كان هذا قرينة عليه من غير حاجة إلى قرينة معينة أخرى
______________________________
الصحيح والاعم
(قوله: على القول بالعدم اشكال) هذا الاشكال لا يجري بناء على كون الالفاظ حقائق لغوية بالمعنى الذي استشهد عليه بالآيات الشريفة المتقدمة فانه يجري عليه النزاع كما يجري بناء على الحقيقة الشرعية (قوله: أن يقال) هذا ذكره في التقريرات وجعله أولى (قوله: بمعنى أن أيهما قد اعتبرت) هذا التحرير يترتب عليه سبك مجاز في مجاز، ويمكن تحريره بنحو لا يلزم منه ذلك، فيقال: بعد ما كانت هذه الالفاظ مجازا في المعاني المستحدثة فهل مقتضى القرينة النوعية حملها على المعنى الصحيح حتى تقوم قرينة شخصية على ارادة الاعم أو مقتضاها الحمل على الاعم حتى تقوم القرينة الشخصية على ارادة الصحيح ؟ والقائل بالصحيح يذهب إلى الاول والقائل بالاعم يذهب إلى الثاني، ويكون النزاع على هذا نظير النزاع في الامر الواقع عقيب توهم الحظر وفي النهي الواقع عقيب توهم الوجوب، ونحوهما (قوله: بتبعه ومناسبته) هذا لا يلزم أحد المذهبين، إذ يمكن الالتزام بكون الاستعمال بملاحظة العلاقة بينه وبين المعنى الحقيقي الاصلى حتى لا يلزم سبك مجاز في مجاز (قوله: كلامه عليه) أي كلام الشارع على المعنى
وأنى لهم باثبات ذلك، وقد انقدح بما ذكرنا تصوير النزاع على ما نسب إلى الباقلانى وذلك بأن يكون النزاع في أن قضية القرينة المضبوطة التي لا يتعدى عنها الا بالاخرى
______________________________
الملاحظ فيه العلاقة أولا (قوله: وأنى لهم) أي لكل من القائلين بالصحيح والقائلين بالاعم (قوله: باثبات ذلك) هذا غير ظاهر إذ يمكن للقائل بالصحيح الالتزام به إما لعدم امكان تصوير الجامع - كما يراه المصنف (ره) فيمتنع ملاحظة العلاقة بينه وبين المعاني الاصلية، أو يكون الصحيح هو محط الآثار والاغراض فيكون ذلك قرينة على إرادته إلا أن تقوم قرينة على خلافها، أو لكونه المتبادر من اللفظ بمجرد وجود القرينة الصارفة فيستكشف به وجود قرينة نوعية ارتكازية مقتضية له، ويمكن للقائل بالاعم دعوى الاستقراء الحاصل من ملاحظة المعاني الموضوع لها والمستعمل فيها أو خصوص الموضوع لها على نحو يكشف عن ضابط مطرد حتى في المعاني المجازية أو دعوى التبادر على النحو المتقدم، وليس هذا ونحوه بأضعف من أدلة القولين بناء على القول بالحقيقة الشرعية فتأمل، (قوله: ما نسب إلى الباقلاني) المنسوب إليه أن الالفاظ باقية على معانيها اللغوية والخصوصيات الزائدة عليها معتبرة في موضوع الامر لا في المستعمل فيه فتكون نسبة المعاني المستحدثة إلى المعاني اللغوية نسبة المقيد إلى المطلق فان كان تقييد المطلق يوجب التجوز فيه كانت الالفاظ مجازا من قبيل مجاز الاطلاق الوارد عليه التقييد، وإلا كانت حقيقة وعلى القول بنفي الحقيقة الشرعية تكون الالفاظ مستعملة في المعاني المستحدثة بعلاقة الجزء والكل أو نحوها، ومنه يظهر لك الفرق بين قول الباقلاني والقول بنفي الحقيقة الشرعية، كما منه يظهر الاشكال في تصوير النزاع على مذهبه بناء على كون المطلق الوارد عليه التقييد حقيقة إذ ليست هي إلا مستعملة في نفس المعاني اللغوية لا في الصحيح ولا في الاعم، (فان قلت): المعاني اللغوية تكون صحيحة وفاسدة فيمكن تأتي النزاع عليه أيضا (قلت): صحة المعاني اللغوية ليست موضوعا للنزاع كصحة سائر المعاني
الدالة على أجزاء المأمور به وشرائطه هو تمام الاجزاء والشرائط أو هما في الجملة فلا تغفل (ومنها) أن الظاهر أن الصحة عند الكل بمعنى واحد وهو التمامية وتفسيرها باسقاط القضاء - كما عن الفقهاء - أو بموافقة الشريعة - كما عن المتكلمين - أو غير ذلك انما هو بالمهم من لوازمها، لوضوح اختلافه بحسب اختلاف الانظار، وهذا لا يوجب تعدد المعنى، كما لا يوجبه اختلافها
______________________________
اللغوية التى لا تكون موضوعا للآثار. نعم لو كان المراد من المعاني اللغوية ما تقدم الاستدلال عليه بالآيات فقد عرفت تأتي النزاع حينئذ بلا محذور، وأما ما ذكره المصنف (ره) في تحرير النزاع على مذهبه فليس نزاعا في معاني تلك الالفاظ الحقيقية ولا المجازية بل نزاع في امر خارج عن الصحيح والاعم. نعم بناء على أن المطلق مجاز فيمكن النزاع على النحو المتقدم بناء على نفي الحقيقة الشرعية، (قوله: الدالة على اجزاء) صفة القرينة (قوله: هو تمام الاجزاء) خبر كلمة (أن) وعلى هذا يكون النزاع في الالفاظ الحاكية عن أجزاء المأمور به وشرائطه.
معنى الصحة
(قوله: هو التمامية) يعني تمامية الاجزاء والشرائط، وعن الوحيد (ره) تفسيرها بالتمامية للاجزاء فقط وهو غير ظاهر (قوله: إنما هو بالمهم) يعني أن الصحة عند الجميع بمعنى واحد والاختلاف في تعريفها ليس للاختلاف في معناها بل للاختلاف في الاثر المقصود الاشارة إليها به، فالفقهاء لما كان الاثر المقصود من الصحة عندهم سقوط القضاء عرفوا الصحة باسقاط القضاء، والمتكلمون لما كان الاثر المقصود لهم موافقة الشريعة وعدمها لانها هي التي تكون موضوعا للثواب والعقاب عرفوها بموافقة الشريعة، فمقتضى الجمود على ظاهر التعريفات وان كان هو الاختلاف في معناها، إلا أن التأمل في كلماتهم يقتضي إرادة ما ذكرنا من قصد الاشارة إلى
بحسب الحالات من السفر والحضر والاختيار والاضطرار.. إلى غير ذلك كما لا يخفى، ومنه ينقدح أن الصحة والفساد أمران اضافيان فيختلف شئ واحد صحة وفسادا بحسب الحالات فيكون تاما بحسب حالة وفاسدا بحسب أخرى فتدبر جيدا (ومنها) انه لا بد على كلا القولين من قدر جامع في البين كان هو المسمى بلفظ كذا، ولا إشكال في وجوده بين الافراد الصحيحة، وإمكان الاشارة إليه بخواصه وآثاره، فان الاشتراك في الاثر كاشف عن الاشتراك في جامع واحد يؤثر الكل فيه بذاك الجامع، فيصح تصوير المسمى بلفظ الصلاة مثلا بالناهية عن الفحشاء، وما هو معراج المؤمن ونحوهما (والاشكال فيه) بأن الجامع لا يكاد يكون أمرا
______________________________
مفهومها بالاثر المناسب لوظائفهم (قوله: بحسب الحالات) فانه من اختلاف المصداق لا المفهوم.
القدر الجامع على القول بالصحيح
(قوله: لا بد على كلا القولين) للمفروغية عن انها موضوعة بالوضع العام والموضوع له عام لا خاص ولا من المشترك اللفظي وإلا كفى في الاول الجامع الاعتباري مثل عنوان الجامع بين الافراد التامة والناقصة والثاني لا يحتاج إلى جامع (قوله: كاشف عن الاشتراك) الكشف بذلك ربما يمنع لو كان تأثيرها في القابلية إذ لا يعتبر في المؤثرات في القابلية أن يكون بينها جامع حقيقي فان كلا من وجود الشرط وعدم المانع مؤثر في القابلية - مع أنه لا جامع بين الوجود والعدم. نعم لو كانت الافراد الصحيحة مؤثرة في الجامع حقيقة أمكن تمامية البرهان (قوله: وما هو معراج) تعدد الآثار يمكن أن يكون لاجل تعدد جهات الجامع فيؤثر في كل واحد منها بجهة من جهاته، ويمكن أن يكون لاجل أنها آثار طولية (قوله: والاشكال فيه بأن) هذا الاشكال مذكور
مركبا إذ كل ما فرض جامعا يمكن أن يكون صحيحا وفاسدا لما عرفت، ولا أمرا بسيطا لانه لا يخلو إما أن يكون هو عنوان المطلوب، أو ملزوما مسلوبا له، والاول غير معقول لبداهة استحالة أخذ ما لا يأتي الا من قبل الطلب في متعلقه - مع لزوم الترادف بين لفظة الصلاة والمطلوب وعدم جريان البراءة مع الشك في أجزاء العبادات وشرائطها لعدم الاجمال حينئذ في المأمور به فيها وإنما الاجمال فيما يتحقق به وفى مثله لا مجال لها - كما حقق في محله
______________________________
في تقريرات درس شيخنا الاعظم (قده) وقد استنتج منه كون الالفاظ موضوعة لتمام الاجزاء والشرائط الثابتة في حق القادر المختار العامد العالم فتكون الصلاة الواقعة من غيره بدلا مسقطا للواقع وليست بصلاة ويكون استعمال لفظ الصلاة فيها مجازا. هذا ولكن لا يخفى وقوع الاختلاف بين أفراد فعل القادر المختار العامد العالم من حيث الوقت والسفر والحضر ومن حيث اليومية والآيات والنافلة... إلى غير ذلك، والالتزام بالاشتراك اللفظي كما ترى، وبالاشتراك المعنوي يتوقف على وجود الجامع ودفع الاشكال المذكور عنه، وحينئذ فما به يدفع الاشكال عن تصوير الجامع بينها يدفع به الاشكال عن تصوير الجامع بين مطلق الافراد الصحيحة لعدم فرق ظاهر بين المقامين (قوله: يمكن أن يكون) يعني فلا يختص بالافراد الصحيحة (قوله: لما عرفت) يعني من كون الشئ الواحد صحيحا بلحاظ حال فاسدا بلحاظ حال أخرى (قوله: بسيطا) يعني ماهية واحدة في مقابل المركب من ماهيات مختلفة (قوله: ما لا يتأتى إلا من قبل) إذ من المعلوم أن عنوان المطلوب إنما ينتزع بعد تعلق الطلب بالماهية وقبله لا مجال لاعتباره، وإذا كان عنوان المطلوب متأخرا عن الطلب امتنع ان يؤخذ في موضوعه كما سيأتي تفصيله في التعبد والتوصل انشاء الله تعالى (قوله: لزوم الترادف) يعني وبطلانه ضروري (قوله: وعدم جريان) معطوف على الترادف (قوله: لعدم الاجمال) تعليل لعدم جريان البراءة يعني إذا كان التكليف
- مع أن المشهور القائلين بالصحيح قائلون بها في الشك فيها، وبهذا يشكل لو كان البسيط هو ملزوم المطلوب أيضا (مدفوع) بأن الجامع انما هو مفهوم واحد منتزع عن هذه المركبات المختلفة زيادة ونقيصة بحسب اختلاف الحالات متحد معها نحو اتحاد وفى مثله تجرى البراءة، وإنما لا تجرى فيما إذا كان المأمور به امرا واحدا خارجيا مسببا عن مركب
______________________________
متعلقا بالمفهوم البسيط كان التكليف معلوما والشك يكون شكا في الفراغ الذي هو مجرى الاحتياط لا في التكليف الذي هو مجرى البراءة وليس كذلك لو كان مركبا مجملا إذ المقدار المتيقن منه قد علم التكليف به فيجب فعله عقلا والمقدار الزائد مما شك في تعلق التكليف به والاصل فيه البراءة فتأمل (قوله: مع أن المشهور) الظاهر أن القول بالصحيح منسوب إلى المشهور والقول بالبراءة منسوب إلى المشهور ايضا لا أن القائلين بالصحيح قائلون بالبراءة وبالعكس، (قوله: وبهذا يشكل) يعني ايضا يكون لازمه القول بالاحتياط (قوله: مدفوع) خبر لقوله: والاشكال، وتوضيح الدفع: أن المفهوم البسيط الذي يدعى وضع اللفظ له (تارة) يكون موجودا بوجود ممتاز عن الوجود المردد بين الاقل والاكثر (وأخرى) يكون موجودا بعين وجوده بحيث يصح حمله عليه فان كان من قبيل الاول نظير الطهارة من الحدث بالاضافة إلى نفس الوضوء (مثلا) فلا ريب في أن مرجع الشك فيه هو الاحتياط إذ الشك في اعتبار شئ في الوضوء شطرا أو شرطا لما كان ملزوما للشك في سقوط التكليف بالطهارة فهو وان لم يقتض الاحتياط في نفسه الا أن لازمه كاف في اقتضاء الاحتياط، لان الشك في سقوط التكليف المعلوم مما لم يناقش أحد في اقتضائه الاحتياط، أما إذا كان من قبيل الثاني فالشك بين الاقل والاكثر شك في التكليف زائدا على المقدار المعلوم الثابت لمعلوم الجزئية فالمرجع فيه البراءة، وليس من لوازم كون الموضوع بسيطا أن
يكون مرجع الشك فيه الاحتياط، ولا من لوازم كونه مركبا أن يكون مرجع الشك فيه البراءة، بل المعيار ما ذكرنا وانه مهما كان الشك في نفس التكليف - ولو من حيث الزيادة والنقيصة - فالمرجع فيه البراءة ولو كان الموضوع بسيطا، ومهما كان الشك في سقوط التكليف المعلوم للشك في تحقق موضوعه، فالمرجع فيه الاحتياط ولو كان الموضوع مركبا " فنقول " في المقام: الاجزاء الخارجية وان كانت متباينة بحسب الماهية لكنها مشتركة في مفهوم واحد عرضي ينطبق على كل فرد من أفراد الصحيح بنحو انطباقه على الباقي، وتفاوت الافراد في الاجزاء لا يوجب تفاوتها في انطباقه عليها واتحاده معها خارجا كما ترى عنوان الدواء يختلف مطابقه في الخارج باختلاف الاشخاص والازمنة والامكنة فيكون الدواء بلحاظ حال سما بلحاظ حال أخرى، ولا يكون هذا الاختلاف موجبا لاختلاف الافراد في انطباق العنوان المذكور عليها ولا اختلافا في كيفية الانطباق (ومنه) يظهر ايضا انه يمكن الالتزام بكون الجامع مركبا ومع ذلك ينطبق على القليل والكثير بأن يكون القليل في بعض الاحوال واجدا لجهات يكون بها مصداقا للمفهوم المركب بعين مصداقية الكثير له فكما جاز ان يكون التراب أحد الطهورين عند فقد الماء جاز أن يكون القليل قائما مقام الكثير في فرديته للجامع بلا قصور فيه. نعم جعله مركبا من خصوص الاجزاء المعنونة في كلماتهم من التكبير والقراءة ونحوهما مانع من انضباطه بنحو يصدق على القليل والكثير صحيحين، لكنه لا ملزم به في مقام تصوير الجامع بين افراد الصحيح ثبوتا (إذا) عرفت هذا فنقول: إذا كان الجامع مفهوما واحدا عرضيا منطبقا على الافراد المركبة من أجزاء متباينة بحسب الذات والماهية مختلفة باختلاف الحالات والخصوصيات وشك في الاقل والاكثر كان الشك راجعا إلى الشك في كمية مقدار ذلك المفهوم العرضي وأن موضوع التكليف أي مرتبة منه ؟ المرتبة التي لا تحصل الا بانضمام مشكوك الجزئية أو المرتبة التي تحصل بدونه، فيكون الشك في ثبوت التكليف لما به امتياز إحدى
مردد بين الاقل والاكثر كالطهارة المسببة عن الغسل والوضوء فيما إذا شك في أجزائهما هذا على الصحيح، وأما على الاعم فتصوير الجامع في غاية الاشكال فما قيل في تصويره أو يقال وجوه
______________________________
المرتبتين عن الاخرى وقد عرفت انه موضوع للبراءة، ومثله الحال لو كان مركبا من ماهيات متباينة تتحد مع الاجزاء المذكورة حسبما عرفت بيانه. نعم لو كان المأمور به بسيطا في الخارج امتنع انطباقه على نفس الاجزاء لامتناع انطباق الواحد على الكثير، فلا بد ان يكون ممتازا عنها وجودا، ولازمه الرجوع إلى الاحتياط عند الشك في الاقل والاكثر إذ الشك حينئذ في حصول المكلف به لا في التكليف، لكن المراد من البسيط في تقرير الاشكال ما كان ماهية واحدة في قبال المركب من الماهيات المختلفة لا البسيط في الخارج، وإلا توجه عليه الاشكال بانه لا ينحصر الجامع بين ان يكون مركبا وبسيطا بالمعنى المذكور بل يجوز ان يكون ماهية واحدة صالحة للانطباق على المتكثر فيجري فيه ما عرفت من الرجوع إلى البراءة فتأمل والله سبحانه اعلم (قوله: مردد بين الاقل) بحيث لا يكون التردد إلا في السبب، أما لو كان التردد في المسبب والسبب جميعا فالمرجع فيه البراءة ايضا
تصوير الجامع على القول بالاعم
(قوله: في غاية الاشكال) هذا غير ظاهر، كيف والتقابل بين الصحة والفساد نظير التقابل بين الصحة والعيب من تقابل العدم والملكة الذي لا يكون إلا مع وحدة الذات فموضوع الملكة هو موضوع عدم الملكة - مضافا إلى أن المرتكز من قولنا: صحيح وفاسد، كون مرجع الضمير المتحمل له وصف الصحيح والفاسد أمرا واحدا لا أن مرجع ضمير أحدهما غير مرجع ضمير الآخر فتكون
(أحدها) ان يكون عبارة عن جملة من أجزاء العبادة كالاركان في الصلاة مثلا وكان الزائد عليها معتبرا في المأمور به لا في المسمى (وفيه) ما لا يخفى فان التسمية بها حقيقة لا تدور مدارها ضرورة صدق الصلاة مع الاخلال ببعض الاركان، بل وعدم الصدق عليها مع الاخلال بساير الاجزاء والشرائط عند الاعمي - مع انه يلزم أن يكون الاستعمال فيما هو المأمور به باجزائه وشرائطه مجازا عنده وكان من باب استعمال اللفظ الموضوع للجزء في الكل لا من باب اطلاق الكلي على الفرد والجزئي - كما هو واضح - ولا يلتزم به القائل بالاعم فافهم " ثانيها " ان تكون موضوعة لمعظم الاجزاء التي تدور مدارها التسمية عرفا فصدق الاسم كذلك يكشف عن وجود المسمى وعدم صدقه عن عدمه " وفيه " - مضافا إلى ما أورد على الاول
______________________________
هناك ذات واحدة معروضة للصحة تارة وللفساد أخرى يتبادل عليها الوصفان تبادل العمى والبصر على ذات الحيوان فتكون تلك الذات هي الجامع بين الصحيح والفاسد ومضافا إلى أنه إذا أمكن تصور الجامع الصحيح بالاشارة إليه بمثل: عنوان الناهي عن الفحشاء، أمكن تصور الجامع الاعم بالاشارة إليه بمثل عنوان: ماله اقتضاء التأثير، الاعم من الفعلية الملازمة للصحيح والشأنية الملازمة للاعم، وعليه فلا حاجة إلى هذه التقريرات الآتية (قوله: أحدها ان يكون عبارة عن جملة) هذا التصوير حكاه في التقريرات عن المحقق القمي (ره) بتفاوت يسير فالمراد من الجملة جملة معينة كالاركان مثلا (قوله: لا في المسمى) يعنى لا في الموضوع له (قوله: حقيقة) هذا جار على مذاق صاحب التصوير لا على مذاق المصنف (ره) (قوله: بل وعدم الصدق) كذا استشكل في التقريرات ولكنه غير ظاهر، بل ربما تصح الصلاة حينئذ فضلا عن أن تكون صلاة (قوله: للجزء في الكل) لان اللفظ موضوع - حسب الفرض - لخصوص الاجزاء الركنية فاستعماله في تمام الاجزاء التي هي عين الكل يكون من استعمال لفظ الجزء في الكل (قوله: لا من باب إطلاق) لان الاركان لا تنطبق في الخارج إلا
أخيرا، أنه عليه يتبادل ما هو المعتبر في المسمى فكان شئ واحد داخلا فيه تارة وخارجا عنه أخرى بل مرددا بين أن يكون هو الخارج أو غيره عند اجتماع تمام الاجزاء وهو كما ترى، لاسيما إذا لوحظ هذا مع ما عليه العبادات من الاختلاف الفاحش بحسب الحالات (ثالثها) ان يكون وضعها كوضع الاعلام الشخصية كزيد
______________________________
على نفس الاجزاء الركنية والاجزاء الباقية مباينة لها في الخارج فيمتنع ان تكون من أجزاء الفرد حتى يكون من إطلاق الكلي على الفرد (فان قلت): هذا يتم لو كان الموضوع له اللفظ نفس الاركان لا غير أعني (بشرط لا) أما إذا اخذت (لا بشرط) بمعنى أن لو انضم إليها شئ كان داخلا في الموضوع له فلا بد من أن يكون المسمى منطبقا على تمام ما يوجد منضما إلى الاركان " قلت ": الاجزاء الزائدة إما أن تكون داخلة أولا، أو داخلة في حال خارجة في أخرى، والاول خلاف المدعى، والثاني موجب لتوجه الاشكال، والثالث موجب لعدم تشخص معنى اللفظ إلا بملاحظة الانضمام وعدمه بل يكون معناه مختلفا باختلاف حالي الانضمام وعدمه فيكون موضوعا لكل من المعنيين في ظرف غير ظرف الوضع للآخر وهو مستغرب وان كان معقولا (قوله: اخيرا) يعني من كون الاستعمال في التمام من استعمال لفظ الجزء في الكل إذا لا ريب ان المعظم بعض التمام (قوله: انه عليه يتبادل) المراد بالمعظم إما مفهومه، أو مصداقه المعين، أو المردد، أو الموجود في الخارج، فعلى الاول يكون لفظ الصلاة مرادفا للفظ المعظم، وعلى الثاني يرجع الاشكال، وعلى الثالث لا ينطبق على الخارج لان كل ما في الخارج معين لا مردد، وعلى الرابع يرد عليه - مضافا إلى ما اورده المصنف (ره) في المتن من لزوم التبادل في الاجزاء بحيث يكون تارة جملة معينة وأخرى جملة غيرها، بل يكون مرددا بين الجمل المتعينة مع اجتماع جميع الاجزاء، انه لا يصح ان يضاف إليه الوجود إذ لا وجود للموجود بما هو موجود فتأمل (قوله: وهو كما ترى) لوضوح فساد ذلك كله (قوله: لا سيما إذا) فانه
فكما لا يضر في التسمية فيها تبادل الحالات المختلفة من الصغر والكبر، ونقص بعض الاجزاء وزيادته كذلك فيها (وفيه) ان الاعلام إنما تكون موضوعة للاشخاص والتشخص إنما يكون بالوجود الخاص، ويكون الشخص حقيقة باقيا ما دام وجوده باقيا وان تغيرت عوارضه من الزيادة والنقصان وغيرهما من الحالات والكيفيات، فكما لا يضر اختلافها في التشخص لا يضر اختلافها في التسمية، وهذا بخلاف مثل الفاظ العبادات مما كانت موضوعة للمركبات والمقيدات ولا يكاد يكون موضوعا له الا ما كان جامعا لشتاتها وحاويا لمتفرقاتها كما عرفت في الصحيح منها (رابعها) أن ما وضعت له الالفاظ ابتداء هو الصحيح التام الواجد لتمام الاجزاء والشرائط إلا أن العرف يتسامحون - كما هو ديدنهم - ويطلقون تلك الالفاظ على الفاقد للبعض تنزيلا له منزلة الواجد
______________________________
لا مجال حينئذ لدعوى كون ارتكاز فساد ذلك ناشئا من غلبة الانضباط لا لمخالفته لوضع اللفظ فتأمل (قوله: وفيه أن الاعلام إنما) توضيح الفرق بين الاعلام وما نحن فيه أن الاعلام موضوعة للحصص الخاصة من الطبيعة المتعينة بوجودها الخاص، ولما كانت العوارض الطارئة عليها غير موجبة لتعدد وجودها فانها على اختلافها طارئة على وجود واحد لم يكن اختلافها موجبا لاختلاف معنى اللفظ فهناك معنى واحد قد وضع له اللفظ بلحاظ جميع الحالات من الزيادة والنقصان وغيرها، وأما ألفاظ العبادات فلا يمكن ان يدعى ذلك في معانيها المركبة المقيدة حيث لا تجد مركبا ومقيدا موجودا في ضمن جميع أفرادها الصحيحة وغيرها، لما عرفت من اخلافها بالاجزاء والشرائط على نحو لا يكون بينها اشتراك في جملة من الاجزاء. هذا ولا يبعد أن يكون المراد من هذا التصوير ما ذكرناه في تصوير الجامع، ويكون غرضه التنظير بالاعلام الشخصية فكما أن الزيادة والنقصان الطارئين على معانيها لا توجب اختلافا في معناها بل يكون أمر واحد معروضا للتمام والزيادة والنقصان كذلك الصحة والفساد الطارئان على الماهيات حسبما عرفت
فلا يكون مجازا في الكلمة على ما ذهب إليه السكاكي في الاستعارة، بل يمكن دعوى صيرورته حقيقة فيه بعد الاستعمال فيه كذلك دفعة أو دفعات من دون حاجة إلى الكثرة والشهرة، للانس الحاصل من جهة المشابهة في الصورة أو المشاركة في التأثير كما في أسامي المعاجين الموضوعة ابتداء لخصوص مركبات واجدة لاجزاء خاصة حيث يصح اطلاقها على الفاقد لبعض الاجزاء المشابه له صورة والمشارك في المهم أثرا تنزيلا أو حقيقة (وفيه) أنه انما يتم في مثل أسامي المعاجين وسائر المركبات الخارجية مما يكون الموضوع فيها ابتداء مركبا خاصا، ولا يكاد يتم في مثل العبادات التي عرفت أن الصحيح منها يختلف حسب اختلاف الحالات وكون الصحيح بحسب حالة فاسدا بحسب حالة اخرى كما لا يخفى فتأمل جيدا
______________________________
فلاحظ (قوله: فلا يكون مجازا) هذا ذكره في التقريرات، لكنه ليس تصويرا للجامع الاعم بل هو تصوير للجامع الصحيح أجنبي عن قول الاعمي (قوله: بعد الاستعمال فيه كذلك) هذا بظاهره يقتضي الاشتراك اللفظي لا المعنوي الذي بصدده الاعمي إلا أن يكون المقصود الاستعمال في الاعم، لكنه يتوقف على فرض جامع أعم ولو فرض فلا حاجة إلى هذا التصوير ثم قد يستشكل في دعوى الوضع التعيني بالاستعمال على مذهب السكاكي من حيث أن اللفظ لم يستعمل الا في معناه ولم يجعل حاكيا الا عنه فكيف تحدث مناسبة بينه وبين معنى آخر ؟ حتى يكون حقيقة فيه (ويندفع) بالنقض بحصوله من استعمال اللفظ الموضوع للكلي في الفرد لا بقيد الخصوصية، وبالحل بأن عدم التصرف في اللفظ لا يمنع من تحقق المناسبة بينه وبين الفرد المجازي المؤدية إلى انسباقه منه انسباق المعنى الحقيقي فتأمل جيدا (قوله: تنزيلا أو حقيقة) يعني إما مجازا على مذهب السكاكي في أول الامر أو حقيقة بعد تحقق الوضع التعيني هذا وقد عرفت أن هذا أجنبي عن مراد الاعمي (قوله: إنما يتم في مثل أسماء المعاجين) يعني لا يصح قياس المقام بالمعاجين لان المعاجين لصحيحة لها أجزاء معينة وليست كذلك في المقام
(خامسها) ان يكون حالها حال أسامي المقادير والاوزان مثل المثقال والحقة والوزنة إلى غير ذلك مما لا شبهة في كونها حقيقة في الزائد والناقص في الجملة، فان الواضع وان لاحظ مقدارا خاصا الا انه لم يضع له بخصوصه بل للاعم منه ومن الزائد والناقص، أو أنه وإن خص به أولا الا أنه بالاستعمال كثيرا فيهما بعناية انهما منه قد صار حقيقة في الاعم ثانيا (وفيه) أن الصحيح كما عرفت في الوجه السابق يختلف زيادة ونقيصة فلا يكون هناك ما يلحظ الزائد والناقص بالقياس إليه كي يوضع
______________________________
لما عرفت من اختلاف أجزاء الصحيح على نحو تكون كل جملة من الاجزاء صلاة صحيحة بحسب حالة فاسدة بحسب حالة أخرى فكيف يصح دعوى الوضع للصحيح أولا ثم استعماله ثانيا في ما يشابهه صورة حتى يبلغ حد الحقيقة، لكن هذا يتم لو أريد التمثيل باسماء المعاجين بلحاظ جميع الخصوصيات (أما) لو أريد التمثيل بلحاظ الوضع للصحيح - ولو بمعنى الجامع - كما تقدم تصويره في كلام المصنف (ره) ثم الاستعمال فيما يماثل الصحيح بحسب الصورة حيث أن الفاسد مماثل للصحيح في الاجزاء والاختلاف في الصحة والفساد إنما كان بلحاظ الاحوال ولا يعتبر في المشابهة المصححة للادعاء والتنزيل أن تكون فيما هو من خواص الماهية بل يكفي كونه من خواص الفرد (فيصح) إطلاق الانسان على صورة زيد لمشابهتها لزيد في الهيئة التي لا تخص الماهية بل تخص الفرد (قوله: مما لا شبهة في) لم يظهر وجهه ان لم يظهر نفي الشبهة في خلافه، فان ظاهر الفقهاء فيما كان المقدار موضوعا للحكم الشرعي كيلا أو وزنا أو مساحة اعتبار التام اعتمادا على كون اللفظ حقيقة فيه مجازا في الناقص فلاحظ كلماتهم في الطهارة والصلاة والزكاة والكفارات وغيرها (قوله: بل للاعم منه ومن) بهذا يظهر الفرق بين هذا التصوير وما قبله فان الوضع في هذا واحد وفيما قبله متعدد كما عرفت (قوله: أو انه وإن خص به) بهذا يرجع إلى ما قبله، ولا يظهر الفرق بينهما فيرد عليه ما أورد عليه (قوله: يختلف زيادة ونقيصة) كان الاولى التعبير بأنه يختلف أجزاء وليس مما يشترك في اجزاء
اللفظ لما هو الاعم فتدبر جيدا (ومنها) ان الظاهر ان يكون الوضع والموضوع له في الفاظ العبادات عامين، واحتمال كون الموضوع له خاصا بعيد جدا لاستلزامه كون استعمالها في الجامع في مثل: الصلاة تنهى عن الفحشاء، و: الصلاة معراج المؤمن، وعمود الدين، و: الصوم جنة من النار، مجازا أو منع استعمالها فيه في مثلها وكل منهما بعيد إلى الغاية كما لا يخفى على اولي النهاية (ومنها) ان ثمرة النزاع اجمال الخطاب على القول الصحيحي وعدم جواز الرجوع إلى اطلاقه
______________________________
معينة حتى يلحظ الزائد والناقص بالقياس اليهما، أما الاختلاف بالزيادة والنقيصة فلا يمنع عن ذلك (ثم) إنه ينبغي الا يراد على هذا التصوير بأنه لو فرض اشتراك افراد الصحيح باجزاء معينة فالمراد من الاعم من الزائد والناقص ان كان الجامع الحقيقي فلا بد حينئذ من تصويره أولا ليترتب عليه هذا البيان ولا يكون هذا تصويرا له، وإن كان المفهوم الاعتباري كان لفظ الصلاة حاكيا عن ذلك المفهوم الاعتباري مرادفا للفظه فتأمل جيدا، ومنه يظهر أنه لا مجال في تصوير الجامع لان يقال: الواضع للفظ الصلاة لاحظ أولا الجامع بين أفراد الصحيح ثم وضع اللفظ للاعم منه ومن الفاسد، فانه مخدوش بما تقدم بعينه (قوله: فيه في مثلها) يعني في الجامع في مثل تلك الامثلة المذكورة
*
(قوله: ثمرة النزاع إجمال) يعني أن الثمرة المترتبة على الخلاف في هذه المسألة أنه على القول بالصحيح تكون الخطابات التى يكون موضوعها العبادة كالصلاة مجملة، وعلى القول بالاعم تكون مبينة (ووجه) ذلك ما تقدم من عدم انضباط أجزاء الصحيح لاختلافها بحسب الحالات والخصوصيات، والجامع بينها وان كان متعينا في نفسه إلا أنه غير متعين عندنا، ومع إجمال الموضوع يسقط الخطاب عن الحجية، لان التمسك به فرع العلم بانطباق موضوعه وهو غير حاصل مع إجماله ولا كذلك على القول بالاعم، ويترتب على ذلك أنه لو شك في جزئية شئ أو شرطيته للصلاة الواجبة مثلا تعذر الرجوع إلى اطلاق قوله تعالى: اقيموا الصلاة، لنفي الشك المذكور على القول بالصحيح
في رفع ما إذا شك في جزئية شئ للمأمور به أو شرطيته أصلا لاحتمال دخوله في المسمى كما لا يخفى، وجواز الرجوع إليه في ذلك على القول الاعمي في غير ما احتمل دخوله فيه مما شك في جزئيته أو شرطيته. نعم لابد في الرجوع إليه فيما ذكر من كونه واردا مورد البيان كما لا بد منه في الرجوع إلى ساير المطلقات وبدونه لا مرجع ايضا الا البراءة أو الاشتغال على الخلاف في مسألة دوران الامر بين الاقل والاكثر
______________________________
لما عرفت من عدم العلم بانطباق الصلاة على فاقد الجزء مثلا لاحتمال كونه فاسدا فيمتنع تطبيقه بخلاف القول بالاعم فان فاقد مشكوك الجزئية عليه يكون صلاة قطعا، وحينئذ فاطلاق قوله تعالى: اقيموا الصلاة، يقتضي كون الموضوع نفس الصلاة مطلقا لا مقيدا بمشكوك الجزئية فيلغى به احتمال الجزئية (نعم) يتوقف التمسك به على تمامية مقدمات الحكمة التي هي شرط التمسك بالاطلاق في جميع المقامات ومع فقد المقدمات أو بعضها يسقط الدليل عن المرجعية كما يسقط على القول بالصحيح، ويكون المرجع الاصول العملية من البراءة أو الاشتغال (قوله: رفع ما إذا شك) يعني رفع الشك ولعل أصل العبارة ذلك (قوله: للمأمور به) يعني الذي هو نفس العبادة وأما المأمور به المركب من العبادة وغيرها فلا بأس بالرجوع إلى إطلاق الدليل في نفي جزئيته (مثلا) إذا وجب عمل مركب من صوم وصلاة واحتمل اعتبار شي آخر فيه زائد عليهما فاطلاق دليل وجوبه - لو كان - رافع لجزئيته (قوله: لاحتمال) تعليل للاجمال (قوله: إليه في ذلك) يعني إلى الاطلاق في رفع الشك في الجزئية أو الشرطية (قوله: في غير ما احتمل) يعني قد يكون محتمل الجزئية للمأمور به مما يحتمل كونه مقوما للماهية التي هي الاعم، وحينئذ لا يكون الاطلاق رافعا لاحتمال جزئيته لان احتمال كونه مقوما مانع من العلم بانطباق الماهية على فاقده فيمتنع التمسك بالاطلاق كما يمتنع على القول بالصحيح (قوله: فيه) أي في المسمى (قوله: مما شك) بيان لقوله: غير (قوله: وارادا مورد) يعني يكون الكلام صادرا من المتكلم في مقام بيان
الارتباطيين، وقد انقدح بذلك أن الرجوع إلى البراءة والاشتغال في موارد إجمال الخطاب أو إهماله على القولين، فلا وجه لجعل الثمرة هو الرجوع إلى البراءة على الاعم والاشتغال على الصحيح، ولذا ذهب المشهور إلى البراءة مع ذهابهم إلى الصحيح، وربما قيل بظهور الثمرة في النذر أيضا (قلت): وإن كان يظهر فيما لو نذر لمن صلى اعطاء درهم
______________________________
تمام الاجزاء والشرائط وهذه إحدى المقدمات التي يتوقف عليها الاطلاق فلا بد من انضمام الباقي إليها ايضا وتخصيصها بالذكر لمزيد الاهتمام (قوله: الارتباطيين) المركب الارتباطي ما لا يمكن التفكيك بين أجزائه في الامتثال (قوله: على القولين) خبر (أن) (قوله: ولذا ذهب) تعليل لقوله: فلا وجه، ثم انه قد يستشكل في الحكم بالاجمال على القول بالصحيح من جهة وجود الاخبار الكثيرة الوافية ببيان تلك الماهيات فيرتفع عنها الاجمال، كما قد يستشكل في الرجوع إلى الاطلاق على القول بالاعم لما دل على امتناع تعلق الوجوب بالفاسد واختصاصه بالصحيح ولا فرق في سقوط الدليل عن المرجعية بين كون المقيد داخلا في نفس المسمى أو داخلا في موضوع الامر فإذا ورد: أكرم العالم، وعلم من الخارج إرادة العادل وشك في اعتبار اجتناب الصغيرة في العدالة لم يجز التمسك بالدليل المذكور (ويندفع) الاول بأن موارد الشك في الجزئية مما لا تدخل تحت عد والتتبع شاهد بذلك - مع أن ذلك لا يمنع من تحقق اجمال الخطاب في نفسه وان كان يندفع بالنظر إلى الاخبار، لكن عليه تكون الثمرة فرضية لا عملية فتأمل (ويندفع) الثاني بأن حكم العقل بأن المأمور به لا بد أن يكون هو الصحيح لا يمنع من التمسك بالاطلاق، بل يكون الاطلاق دالا على أن المطلق هو الصحيح ومنشأ الاشتباه الخلط بين الجهات التقييدية والتعليلية مع وضوح الفرق بينهما فان الاولى تكون قيد الموضوع الاثر الشرعي كالعدالة في المثال المتقدم، والثانية لا تكون كذلك بل تكون داعية إلى تعلق الاثر بالموضوع كمصلحة الفعل التي
في البرء فيما لو اعطاه لمن صلى ولو علم بفساد صلاته لاخلاله بما لا يعتبر في الاسم على الاعم وعدم البرء على الصحيح، إلا أنه ليس بثمرة لمثل هذه المسألة، لما عرفت من أن ثمرة المسألة الاصولية هي أن تكون نتيجتها واقعة في طريق استنباط الاحكام الفرعية فافهم (وكيف) كان
______________________________
تكون داعية إلى وجوبه، ولاجل ذلك اختلفت في الاحكام، فالاولى يجب تحصيلها لو كان الاثر الزاميا، والثانية لا يجب تحصيلها، ويكون الشك في الاولى مانعا من التمسك بالاطلاق لانها بحكم نفس الموضوع فكما يكون الشك فيه مانعا عن التمسك به يكون الشك فيها كذلك، ولا يكون الشك في الثانية كذلك بل الاطلاق رافع له، والصحة في المقام من قبيل الثانية لا الاولى إذ منشأ انتزاعها نفس المأمور به واقعا لا أمر زائد عليه حتى تؤخذ قيدا فيه (قوله: في البرء) متعلق بقوله: يظهر (قوله: لاخلاله) متعلق بقوله: فساد (قوله: على الاعم) متعلق بالبرء (قوله، من أن ثمرة) الاولى إسقاط لفظ (ثمرة) فان ثمرة المسألة الاصولية نفس الحكم المستنبط لا وقوع المسألة في طريق استنباطه (قوله: واقعة في طريق) الشك في الحكم الشرعي تارة يكون ناشئا عن عدم الدليل أو اجماله أو تعارض الدليلين، ولابد أن يكون الحكم كليا مثل الشك في حرمة التتن ووجوب الاستعاذة (واخرى) يكون ناشئا من اشتباه الموضوع الخارجي ولا بد أن يكون جزئيا لجزئية موضوعه مثل الشك في حرمة المائع المردد بين الخل والخمر والمسائل الاصولية هي التي تقع في طريق استنباط القسم الاول - كما تقدمت الاشارة إليه في تعريف علم الاصول - أما ما يتوقف على استنباط القسم الثاني فليس من مسائل الاصول، والحكم المشكوك في المثال من قبيل الثاني لان الشك فيه ناشئ عن الشك في كون إعطاء الدرهم للمصلي المذكور، وفاء بالنذر وعدمه، إذ على الاول لا يجب اعطاء شئ على الناذر، وعلى الثاني يجب عليه اعطاء درهم، فما يتوقف عليه استنباط الحكم المذكور ليس من مسائل الاصول وإلا كان البحث عن أكثر
فقد استدل للصحيحح بوجوه (أحدها) التبادر ودعوى أن المنسبق إلى الاذهان منها هو الصحيحي، ولا منافاة بين دعوى ذلك وبين كون الالفاظ على هذا القول مجملات فان المنافاة انما تكون فيما إذا لم تكن معانيها على هذا مبينة وقد عرفت كونها مبينة بغير وجه (ثانيها) صحة السلب عن الفاسد بسبب الاخلال ببعض أجزائه أو شرائطه بالمداقة وان صح الاطلاق عليه بالعناية (ثالثها) الاخبار الظاهرة في إثبات بعض الخواص والآثار للمسميات مثل: الصلاة عمود الدين، أو: معراج المؤمن، والصوم جنة من النار، إلى غير ذلك، أو نفي ماهيتها وطبايعها مثل:
______________________________
*
الموضوعات الخارجية من وظائف للاصول فتأمل. نعم وجوب الوفاء بالنذر من الاحكام الكلية فما يتوقف عليه استنباطه يكون من مسائل الاصول (قوله: فقد استدل) القائل بالصحيح في رفاهية عن الاستدلال فانه بعد امتناع الجامع الاعم وتصوير الجامع الصحيح يتعين القول بالصحيح (قوله: أحدها التبادر) دعوى التبادر دعوى وجدانية لا برهانية والانصاف أنه لا يساعدها الوجدان ولا سيما مع إمكان كونه على تقديره ناشئا عن انصراف الذهن إلى الصحيح لكونه موضوع الآثار ومحط الاغراض غالبا بل ما ذكرناه في تصوير الجامع الاعم موجب لحمله على ذلك (قوله: ولا مناقاة) إذ يكفي في التبادر كون المعنى محصلا في الذهن ولو إجمالا (قوله: بغير وجه) يعني أكثر من وجه، والمراد بالوجوه الآثار المتقدم ذكرها المشار بها إليه (قوله: بالمداقة) متعلق بصحة السلب (قوله: الصلاة عمود) تقريب الاستدلال أن الذي هو عمود الدين خصوص الصحيح دون الفاسد فلو كانت موضوعة للاعم لزم التصرف في هذه الالفاظ في هذه المقامات بارادة الخاص من لفظ العام ولو ادعاء وهو خلاف الاصل فيتعين القول بانها موضوعة للصحيح " وفيه " إمكان دعوى كون القضية فيها مهملة لا طبيعية
لا صلاة الا بفاتحة الكتاب، ونحوه مما كان ظاهرا في نفي الحقيقة بمجرد فقد ما يعتبر في الصحة شطرا أو شرطا
______________________________
- مضافا إلى ما يأتي منه (ره) في الحاشية على قوله: فافهم (قوله: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) قد يشكل الاستدلال بهذه الجملة على القول بالصحيح لعدم تمامية ظاهرها سواء أكان المراد بها نفي الحقيقة أم نفي الصحة لصحة الصلاة بدون الفاتحة في كثير من المقامات كما في الجاهل والناسي بل والمأموم على احتمال، وصلاة الاموات لو كانت صلاة حقيقية، بل من ذلك يظهر الاشكال فيها سواء أكان المراد من الصحيح الشخصي أم النوعي إلا أن تكون القضية مهملة أو مطلقة ولكن قيدت في جملة من المقامات وحينئذ يكون اللازم حملها على نفي الحقيقة ولو بالنظر إلى بعض الحالات فيتم الاستدلال بها (قوله: مما كان ظاهرا في نفي الحقيقة) لا ريب في هذا الظهور، لكنه قد يشكل الاستدلال به لتوقفه على إحراز كون نفي الحقيقة حقيقيا لا ادعائيا وإلا لم ينفع في نفي فردية الفاقد، " فان قلت ": اصالة الحقيقة شأنها إحراز كون النفي حقيقيا لا ادعائيا، " قلت ": نعم لكنه مختص بما إذا كان الشك في المراد وأنه المعنى الحقيقي أو الادعائي لا ما إذا علم المعنى وشك في كونه حقيقيا أو ادعائيا فانه مجرى ما اشتهر من أن الاستعمال أعم من الحقيقة، والمقام من الثاني لكون المعلوم أن المراد من الكلام المذكور نفي الحقيقة عن الفاقد وإنما الشك في أنه نفي حقيقي أو ادعائي، وان شئت قلت: الظاهر من أمثال هذا الكلام - بقرينة صدوره من الشارع - كونه في مقام جعل الآثار والاحكام وبيان خروج الفاقد عن كونه موضوعا واختصاص الحكم بالواجد فلا يصلح لاثبات الفردية أو نفيها. نعم لو كانت قرينة على صدوره في مقام شرح الماهية وتمييز أفرادها عن غيرها كان حجة على ذلك - كما هو كذلك - لو كان صادرا من بعض اللغويين - وكذا الحال في الاثبات
(وإرادة) خصوص الصحيح من الطائفة الاولى ونفي الصحة من الثانية لشيوع استعمال هذا التركيب في نفي مثل الصحة أو الكمال (خلاف الظاهر) لا يصار إليه مع عدم نصب قرينة عليه، واستعمال هذا التركيب في نفي الصفة ممكن المنع حتى في مثل: لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد، مما يعلم أن المراد نفي الكمال بدعوى استعماله في نفي الحقيقة في مثله ايضا بنحو من العناية لا على الحقيقة، وإلا لما دل على المبالغة(١) فافهم (رابعها) دعوى القطع بان طريقة الواضعين وديدنهم وضع الالفاظ للمركبات التامة - كما هو قضية
______________________________
كما في قوله عليه السلام: الفقاع خمر استصغره الناس (قوله: وارادة خصوص) هذا نقض لتقريب الاستدلال المبتني على ظهور الالفاظ في الحقيقة من حيث هي فيكون هذا منعا لذلك الظهور لشهرة الاستعمال في خلافه (قوله: المبالغة فافهم) ذكر في الحاشية أنه اشارة إلى بطلان الاستدلال بالاخبار المثبتة من جهة ما عرفت من أن اصالة الحقيقة إنما تكون حجة في اثبات المراد لا في اثبات كون الاستعمال فيه حقيقة أو مجازا بعد العلم به (قوله: دعوى القطع) عهدة هذه الدعوى على مدعيها كيف وقد عرفت أن التمام والنقصان كالصحة والعيب تطرآن على الماهيات المسماة بكذا فيقال: سرير ناقص وسرير تام، وبيت ناقص وبيت تام، وثوب ناقص وثوب تام، كما يقال: انه صحيح وانه معيب، بلا تصرف ولا عناية فلابد من الالتزام بكون المسميات بهذه الاسماء الاعم من التام والناقص الذي يطرأ عليه النقصان كما يطرأ عليه التمام، وكذا الحال فيما نحن فيه. نعم أسماء المقادير وأسماء الاوزان موضوعة للتمام لانها موضوعة لنفس المحدود
______________
(١) اشارة إلى أن الاخبار المثبتة للآثار وان كانت ظاهرة في ذلك لمكان اصالة الحقيقة ولازم ذلك كون الموضوع للاسماء هو الصحيح ضرورة اختصاص تلك الآثار به إلا انه لا يثبت باصالتها كما لا يخفي لاجرائها العقلاء في اثبات المراد لا في انه على نحو الحقيقة أو المجاز فتأمل جيدا. من الماتن قدس سره (*)
الحكمة الداعية إليه - والحاجة وإن دعت أحيانا إلى استعمالها في الناقص أيضا إلا انه لا يقتضي أن يكون بنحو الحقيقة، بل ولو كان مسامحة تنزيلا للفاقد منزلة الواجد، والظاهر ان الشارع غير متخط عن هذه الطريقة، ولا يخفى أن هذه الدعوى وان كانت غير بعيدة الا انها قابلة للمنع فتأمل، وقد استدل للاعمي أيضا بوجوه (منها) تبادر الاعم (وفيه) أنه قد عرفت الاشكال في تصوير الجامع الذي لا بد منه فكيف يصح معه دعوى التبادر (ومنها) عدم صحة السلب عن الفاسد (وفيه) منع لما عرفت (ومنها) صحة التقسيم إلى الصحيح والسقيم (وفيه) أنه إنما يشهد على انها للاعم لو لم تكن هناك دلالة على كونها موضوعة للصحيح، وقد عرفتها، فلا بد أن يكون التقسيم بملاحظة ما يستعمل فيه اللفظ ولو بالعناية (ومنها) استعمال الصلاة وغيرها في غير واحد من الاخبار
______________________________
بالحد الخاص في قبال ما عداه (قوله: الحكمة الداعية) يعني التفهيم لكن في اقتضائه الوضع لخصوص الصحيح منع كيف والجامع يكون محط الغرض ايضا فالوضع له ربما يكون أفود وأعود وتيسر الاستعمال في الفاسد بنحو العناية - مع أنه لا يمنع من الوضع له لكفاية أدنى غاية ولا يتوقف على الاضطرار إليه - أن غاية ما يقتضيه المنع من الوضع له زائدا على الوضع للصحيح لا من الوضع للجامع كما هو المدعى (قوله: غير بعيدة) بل هي ممنوعة لما عرفت - مضافا إلى انه لا مجال لقياس المقام بالمركبات لما عرفت عند الكلام في تصوير الجامع من امتناع كونه من قبيل المركب موضوعا لنفس الاجزاء على كل من القول الصحيحي والاعمي من جهة عدم الضابط، بل لابد من الالتزام بكونه موضوعا لمفهوم واحد عرضي له مراتب مختلفة، ولعله اشار إليه بقوله: فتأمل
*
(قوله: وقد استدل للاعمي) الصحيحي في رفاهية عن الجواب عن هذه الوجوه بعد تعذر الجامع الاعمي كما سيشير إليه المصنف (ره) (قوله: قد عرفت الاشكال) لكن عرفت التأمل فيه (قوله: لما عرفت) يعني من امتناع تصوير الجامع (قوله: وقد عرفتها)
في القاسدة كقوله عليه الصلاة والسلام: بني الاسلام على الخمس، الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، والولاية، ولم يناد أحد بشئ كما نودى بالولاية فاخذ الناس باربع وتركوا هذه فلو أن أحدا صام نهاره وقام ليله ومات بغير ولاية لم يقبل له صوم ولا صلاة، فان الاخذ بالاربع لا يكون بناء على بطلان عبادات تاركي الولاية الا إذا كانت اسامي للاعم، وقوله (ع): دعي الصلاة أيام أقرائك، ضرورة أنه لو لم يكن المراد منها الفاسدة لزم عدم صحة النهي عنها لعدم قدرة الحائض على الصحيحة منها (وفيه) أن الاستعمال أعم من الحقيقة - مع ان المراد في الرواية الاولى هو خصوص الصحيح بقرينة أنها مما بني عليها الاسلام ولا ينافي ذلك بطلان عبادة منكري
______________________________
يعني امتناع تصوير الجامع، لكن عرفت التأمل فيه فالاخذ بمقتضى التقسيم لا مفر عنه، ولا وجه لصرفه إلى ما يستعمل فيه اللفظ - مع ان الظاهر كونه بلا عناية ولا تصرف في اللفظ (قوله: في الفاسدة) يعني في الاعم وإرادة الفاسدة لا في الفاسدة بنحو الخصوصية وإلا فهو خلاف المدعى من الوضع للاعم ولا يقتضيه الدليل أيضا وسيشير إليه في آخر التقريب (قوله: فاخذ الناس بأربع) يعني لابد أن يكون المراد من الصلاة وما عطف عليها خصوص الفاسدة إذ لو كان المراد منها الصحيحة لم يصح قوله (عليه السلام): فاخذ الناس بأربع، بل كان اللازم ان يقول: لم يأخذ الناس بشئ منها، لان الاربع التي أخذ الناس بها فاسدة بناء على بطلان عبادة تارك الولاية فلا تكون من الخمس المذكورة في صدر الحديث، وحيث أن الظاهر من الحديث كون ما أخذ به الناس أربعا من الخمس فلا بد أن يكون المراد منها الاعم (قوله: ضرورة أنه لو لم) لعل الاولى في تقريب الاستدلال أن يقال: لو كان المراد الصلاة الصحيحة فاما أن تكون قادرة عليها أولا، فعلى الاول يمتنع النهي لان القدرة عليها تتوقف على مشروعيتها والنهي يضاد المشروعية وكذا على الثاني أيضا لامتناع التكليف بغير المقدور (قوله: مع ان المراد في الرواية) هذا معارضة للدليل يعني يجب حمل الصلاة وما عطف عليها على الصحيح
الولاية إذ لعل أخذهم بها انما كان بحسب اعتقادهم لا حقيقة، وذلك لا يقتضي استعمالها في الفاسد أو الاعم، والاستعمال في (قوله: فلو أن احدا صام نهاره... الخ) كان كذلك أي بحسب اعتقادهم، أو للمشابهة والمشاكلة، وفى الرواية الثانية النهي للارشاد إلى عدم القدرة على الصلاة وإلا كان الاتيان بالاركان وساير ما يعتبر في الصلاة بل بما يسمى في العرف بها، ولو أخل بما لا يضر الاخلال به بالتسمية عرفا محرما على الحائض ذاتا وان لم تقصد به القربة، ولا اظن أن يلتزم به المستدل بالرواية فتأمل جيدا
______________________________
لانه الذي بني عليه الاسلام ويتعين التصرف في قوله (عليه السلام): فاخذ الناس بأربع، بارادة غير الاربع من الخمس وجعلها أربعا من الخمس جريا على اعتقاد الناس لا على الواقع فيكون دليلا على القول بالصحيح " ويمكن " أن يناقش بان بناء الاسلام على الاربع الصحيحة لا يقتضي استعمال الفاظها في خصوص الصحيح بل يجوز ان يكون المستعمل فيه الاعم وارادة خصوص الصحيح تكون من ارادة الفرد من الكلي نظير قوله تعالى: وجاء رجل من أقصى المدينة، فلا تجوز فيه ولا في الاربع فيتم الاستدلال من أنه لو كان الوضع للصحيح لزم التصرف في لفظ الاربع (قوله: في قوله (عليه السلام): فلو أن احدا) هذا الذيل ينبغي أن يتمسك به المستدل على دعوى الوضع للاعم في قبال الاستدلال بالصدر، ولهذا تعرض المصنف (ره) في الجواب عنه بما ذكر (قوله: وفى الرواية الثانية) معطوف على قوله: في الرواية الاولى، يعنى المراد من النهي في الرواية الثانية الارشاد إلى مانعية حدث الحيض الموجب لسلب قدرة الحائض على الصلاة حينئذ فالمراد من الصلاة الصحيحة لانها التي يمنع عنها الحدث (قوله: وإلا كان) يعني وإن لم يكن النهي للارشاد بل كان مولويا موضوعه الاعم من الصحيح والفاسد كان مقتضاه حرمة فعل ما يسمى صلاة صحيحا كان أو فاسدا (قوله: أن يلتزم به المستدل) فان المصنف (ره) وان التزم أن حرمة العبادة على الحائض ذاتية لا
(ومنها) انه لا شبهة في صحة تعلق النذر وشبهه بترك الصلاة في مكان تكره فيه وحصول الحنث بفعلها ولو كانت الصلاة المنذور تركها خصوص الصحيحة لا يكاد يحصل به الحنث اصلا لفساد الصلاة المأتي بها لحرمتها كما لا يخفى بل يلزم المحال فان النذر حسب الفرض قد تعلق بالصحيح منها
______________________________
تشريعية، وربما نسب إلى ظاهر المشهور الا أن موضوع التحريم العبادة التامة الاجزاء والشرائط حتى حيثية التقرب لا مطلق المسمى ولو كانت ناقصة (أقول): يمكن توجيه هذا الاشكال بعينه على المصنف حيث التزم بالحرمة الذاتية استنادا إلى نصوص المنع عن العبادة الظاهرة في المولوية فيقال: المراد من العبادة المنهي عنها اما الصحيحة أو الاعم والاول ممتنع لما ذكره المستدل من عدم القدرة، والثاني يوجب الالتزام بحرمة ما يسمى عبادة عرفا، فان اجاب بان ظاهر تلك النصوص حرمة العبادة على النحو الذي يؤتى بها في حال الطهر كان بعينه جوابا عن الاشكال المذكور هنا إلا أن يكون غرضه إلزام المستدل فتأمل جيدا وسيأتى في الدليل الآتي بعض الكلام (قوله: لا شبهة في صحة) يعني مع إمكان الصلاة في غيره من الامكنة وإلا فلا ينبغي التأمل في البطلان (ثم) إنه قد يشكل تصحيح النذر من جهة ان كراهة العبادة لا تقتضي مرجوحيتها بالاضافة ولا يكفي في صحة نذر ترك شئ أن يكون مرجوحا بالاضافة وان كان راجحا في نفسه الا أن يكون مقصود الناذر تضييق دائرة الامتثال فيرجع إلى نذر الامتثال في غيره من الافراد " وفيه " أنه ليس معنى كراهة العبادة المرجوحية بالاضافة وإلا كانت الصلاة في المسجد مكروهة بالاضافة إلى الصلاة في الحرم، بل معنى الكراهة وجود منقصة حقيقية فيها غاية الامر انها لا توجب رجحان الفعل على الترك مطلقا وإنما تقتضي رجحانه عليه في ظرف امتثال التكليف بغيره من الافراد وحيث أن فيها مرجوحية حقيقة كان نذر تركها في محله وللكلام مقام آخر (قوله: وشبهه) يعني العهد واليمين (قوله: وحصول) معطوف على قوله: صحة (قوله: لا يكاد) يعنى فلا يكون المنذور تركها خصوص الصحيحة (قوله: يلزم المحال) يعني من
ولا تكاد تكون معه صحيحة وما يلزم من فرض وجوده عدمه محال (قلت): لا يخفى انه لو صح ذلك لا يقتضي الا عدم صحة تعلق النذر بالصحيح لا عدم وضع اللفظ له شرعا - مع أن الفساد من قبل النذر لا ينافي صحة متعلقه فلا يلزم من فرض وجودها عدمها، ومن هنا انقدح ان حصول الحنث انما يكون
______________________________
كون المنذور تركها خصوص الصحيحة (قوله: ولا تكاد تكون معه صحيحة) يعني لا يمكن ان تكون الصلاة الصحيحة المنذور تركها صحيحة بعد تعلق النذر بها لان مقتضى نفوذ النذر وصحته حرمة المنذور تركه، وإذا حرمت الصلاة كانت فاسدة لان حرمة العبادة تقتضي فسادها ولازم عدم صحة الصلاة بتعلق النذر عدم تعلق النذر بترك الصحيح فيلزم من فرض تعلق النذر بترك الصحيح عدم تعلقه بترك الصحيح، وإن شئت قلت: يلزم من فرض صحة العبادة الماتي بها عدمها لان صحتها توجب تعلق النذر بتركها وهو يقتضي عدم صحتها، وإن شئت قلت: يلزم من تحقق الحنث بها عدمه لان تعلق الحنث بها يوجب فسادها وهو يوجب عدم تحقق الحنث بها لان الحنث إنما يكون بفعل الصحيح المنذور تركه ثم إن ظاهر العبارة أن مراد المصنف (ره) التقريب الاول لكن ظاهر قوله: في الجواب: وما يلزم... الخ إرادة التقريب الثاني (قوله: محال) لانه يكون موجودا ومعدوما في زمان واحد (قوله لا عدم وضع) إلا أن يكون المقصود التمسك باصالة كون الاستعمال حقيقة التي يذهب إليها السيد المرتضى لكن عرفت أن التحقيق كون الاستعمال أعم (قوله: مع ان الفساد من قبل) يعني لا ريب في أن الصلاة في الحمام لولا نذر تركها صحيحة كسائر الصلوات فإذا نذر ترك الصلاة في الحمام فهذه الصلاة التي وقعت موضوعا للنذر هي تلك الصلاة الصحيحة التي هي كالصلاة في المسجد غاية الامر أنها بتوسط طروء عنوان النذر تكون فاسدة لكن الفساد الآتي من قبل النذر ليس ماخوذا في موضوع النذر لامتناع أخذ ما يأتي من قبل الحكم
لاجل الصحة لولا تعلقه
______________________________
في موضوعه، فليس موضوع النذر إلا الصلاة الصحيحة في نفسها (وبالجملة) ذات الصلاة في رتبة سابقة على النذر مصداق للصلاة الصحيحة لا غير، كما أنها في الرتبة اللاحقة للنذر مصداق للصلاة الفاسدة لا غير، وهكذا حال سائر الموضوعات التي تتوارد عليها العناوين الثانوية، مثلا شرب النجس حرام فإذا اضطر إليه صار حلالا فتراه في رتبة سابقة على الاضطرار حراما، وفي رتبة لاحقة له حلالا ولاجل ذلك يصح ان يقال: الاضطرار كان إلى شرب الحرام، فلفظ الصلاة الواقع في حيز النذر لا يحكي الا عن صلاة هي مصداق الصحيح فليس الاستعمال إلا فيه، ومن ذلك يظهر اندفاع جميع تقريرات الاستحالة المتقدمة المبنية على خلط إحدى الرتبتين بالاخرى فان عدم الصحة بملاحظة النذر إذا كانت لا تنافي الصحة بملاحظة ما قبله لم يتم ما ذكر في التقرير الاول من ان لازم عدم صحة... الخ ولا ما في التقرير الثاني من قوله: وهو يقتضي عدم صحتها، ان كان المراد به عدم كونها مصداقا للصحيح قبل النذر، وان كان المراد عدم كونها مصداقا للصحيح بعده فليس ذلك من لزوم الشئ لعدمه، ولا ما في التقرير الثالث من قوله: وهو يوجب عدم تحقق الحنث، لان الفساد الآتي من قبل الحنث يمتنع أن يكون موجبا لعدم الحنث وكون الحنث بفعل الصحيح مسلم إلا أن المراد به الصحيح بالنظر إلى ذاته (قوله: لاجل الصحة) يعنى لاجل كونها مصداقا للصحيح في رتبة سابقة على النذر إذ النذر لم يتعلق الا بما هو كذلك ثم ان من هنا يظهر لك الجواب عن الاستدلال بقوله صلى الله عليه وآله: دعي الصلاة أيام أقرائك، فان النهي لو حمل على المولوي لم يتعلق إلا بالصحيح المقدور، وكون الصحيح غير مقدور إنما هو بملاحظة كونه منهيا عنه وإلا فنفس الفعل الذي هو معروض للنهي ومصداق للصحيح مقدور لم يخرج بالنهي عن كونه مقدورا وإن خرج عن كونه مصداقا للصحيح، وكأن المصنف (ره) إنما لم يجب بذلك بناء على كون النهي مولويا من جهة ان صلاة الحائض ليست صحيحة من جهة مانعية حدث الحيض ولو في رتبة قبل النهي، وإلا
نعم لو فرض تعلقه بترك الصلاة المطلوبة بالفعل(١) لكان منع حصول الحنث بفعلها بمكان من الامكان
______________________________
فلو بني على عدم مانعيته وضعا وإنما يقتضي التحريم فلا مانع من كون النهي واردا على ما هو مصداق الصحيح فلاحظ (قوله: نعم لو فرض تعلقه) يعني لو كان مقصود الناذر نذر ترك الصلاة المطلوبة بعد النذر منعنا قول المستدل: انه لا شبهة في حصول الحنث، بل اللازم القول بعدم حصول الحنث بفعل الصلاة لعدم كونها مطلوبة (أقول): إذا لم يحصل الحنث بها لا بد من القول بكونها مطلوبة إذ لا مانع من تعلق الطلب بها إلا كونها محرمة لانها مما نذر تركها وإذا كانت مطلوبة كان الحنث حاصلا بفعلها فيلزم من فرض عدم الشئ وجوده وهو محال كالعكس (فالاولى) في الجواب أن يقال (أولا) لا يعقل ان يتعلق النذر بترك الصلاة المطلوبة بالفعل حتى بلحاظ النذر لان الطلب بلحاظ النذر متاخر رتبة عنه فلا يؤخذ في موضوعه (وثانيا) أن الصلاة المطلوبة حتى بلحاظ النذر خارجة عن اختيار المكلف لامتناعها بعد ما كان دليل نفوذ النذر موجبا لعدم كونها مطلوبة فلا معنى لنذر تركها كنا اشار المصنف (ره) في حاشيته على المتن فلا يتم حينئذ قول المستدل: لا شبهة في صحة تعلق... الخ (فان قلت): قد تقدم أن الصلاة المنذور تركها صحيحة بالفعل ولازمه أنها مطلوبة كذلك (قلت): لا شك في أنها فرد من الصحيح في رتبة سابقة على النذر - كما تقدم - كما لا نشك في أنها مطلوبة أيضا لكن النذر كما يرفع صحتها وتكون به فاسدة يرفع مطلوبيتها وتكون به محرمة نظير الكسر الوارد على الاناء الصحيح الذي له قيمة فانه يصير مكسورا بعد ما كان صحيحا كما يخرجه عن كونه ذا قيمة بعد ما كانت له قيمة. ثم يمكن أن يورد على المستدل - مضافا إلى ما ذكر - بالنقض بما لو صرح
______________
(١) اي ولو مع النذر ولكن صحته كذلك مشكل لعدم كون الصلاة معه صحيحة مطلوبة فتأمل جيدا من الماتن قدس سره (*)
(بقي أمور الاول) ان أسامي
______________________________
بالصحة فنذر أن لا يصلي صلاة صحيحة فان صححه المستدل لم يتم له الدليل، وان أبطله فلا مانع من القول بالبطلان في المقام، وبانه يلزم القول بالحنث ولو صلى صلاة فاسدة إذا كانت صلاة عرفا كما تقدم من المصنف (ره) في الجواب على الدليل السابق فتأمل
*
(قوله: الاول أن أسامي المعاملات) الكلام في المقام يقع في أمور (الاول) ابتناء النزاع في كون الفاظ المعاملات موضوعة للصحيح أو للاعم على كونها اسماء للاسباب لا للمسببات، وحاصل الكلام فيه أنك قد عرفت أن صفتي الصحة والفساد تطرآن على ذات واحدة ذات مراتب مختلفة كما أو كيفا فيكون التمام منها صحيحا والناقص فاسدا وهذا المعنى ينطبق على الاسباب أعني الانشاءات الخاصة فان انشاء مثل البيع أو الصلح أو الاجارة أو غيرها يمكن أن يكون صحيحا جامعا لجميع ما يعتبر فيه في ترتب الاثر عليه ونفوذه كما يمكن أن يكون فاسدا فاقدا لما له الدخل في ترتب الاثر عليه فالاول مثل البيع الصادر من البالغ السلطان على التصرف مع العلم بالعوضين وكونه باللفظ العربي، والثاني مثل بيع الصبي أو المجنون أو العبد أو الواقع على مجهول أو باللفظ الفارسي فحينئذ يصح أن يقع النزاع في أن لفظ البيع أو غيره من الالفاظ موضوعة للصحيح أو للاعم منه ومن الفاسد ولا ينطبق هذا المعنى على المسببات أعني الآثار المترتبة عليها مثل علقة البدلية في البيع والزوجية في النكاح وغيرهما في غيرهما فان هذه الآثار ليست مختلفة كما أو كيفا بحيث يكون التام مؤثرا في أثر كذا والناقص ليس مؤثرا فيه لتتصف بالصحة والفساد، بل هي في ظرف وجود السبب تكون موجودة وفى ظرف عدمه تكون معدومة فهي إما موجودة أو معدومة فلا معنى للنزاع في وضع الفاظها للصحيح أو الاعم (الثاني) في تنقيح المبنى المذكور وحاصل الكلام فيه أنك قد عرفت فيما سبق أن الانشاء والخبر موضوعان لمعنى واحد وان الفرق بينهما بمجرد قصد الحكاية والانشاء فلفظ البيع والصلح والاجارة والملكية والمبادلة موضوعة للمعاني المنشأة بلفظ (بعت)
المعاملات ان كانت موضوعة للمسببات فلا مجال للنزاع في كونها موضوعة للصحيحة أو للاعم لعدم اتصافها بهما كما لا يخفى بل بالوجود تارة وبالعدم اخرى واما ان كانت موضوعة للاسباب فللنزاع فيه مجال لكنه لا يبعد دعوى كونها موضوعة للصحيحة ايضا وان الموضوع له هو العقد المؤثر لاثر كذا شرعا وعرفا والاختلاف بين الشرع والعرف
______________________________
و (صالحت) و (آجرت) و (ملكت) و (بادلت) وكذا الحال في غيرها من معاني ألفاظ العقود والايقاعات انما تكون موضوعة لنفس المعاني التي يقصد المتكلم ايجادها ادعاء أو حقيقة حسبما عرفت فمعانيها هي التي تكون معلولة للانشاء وموجودة به فان كان الانشاء جامعا لما يعتبر في ترتبها عليه ترتب عليه وكان صحيحا والا لم يترتب عليه وكان فاسدا فليست تلك الالفاظ إلا موضوعة لنفس المسببات التي لا تتصف بالصحة والفساد (الثالث) في أنها - بناء على انها موضوعة للاسباب - موضوعة للصحيح أو للاعم فنقول: لا ريب في إمكان تصوير الجامع في المقام ولو منعنا تصويره في العبادات للفرق بين المقامين من جهة اختلاف مراتب الصحيح والفاسد وافرادهما بنحو لا تدخل تحت ضابط هناك، بخلاف المقام إذ يمكن تصور مفهوم انشاء البدلية بين المالين في البيع ومفهوم إنشاء علقة الزوجية بين الزوجين في النكاح فيوضع له لفظ البيع والنكاح مطلقا كان جامعا لما يعتبر في ترتب الاثر عليه أولا، ومن هنا لم يجزم المصنف (ره) هنا بالوضع للصحيح حيث قال: لا يبعد دعوى... الخ ولكن عرفت الاشارة إلى أن تبادل وصفي الصحة والفساد على أمر واحد يعبر عنه بلفظ خاص دليل قطعي على كونه موضوعا للاعم وتبادر الصحيح ناشئ من الاطلاق لا من حاق اللفظ - مع أن الشك في أنه مستند إلى نفس اللفظ أو القرينة مانع من التمسك به على دعوى الحقيقة كما تقدم (قوله: المعاملات) الظاهر أن المراد بها ما يقابل العبادات فيشمل مفاهيم جميع العقود والايقاعات (قوله: المؤثر لاثر كذا شرعا وعرفا) الاحتمالات في بدو النظر ثلاثة (الاول) أن تكون موضوعة
للسبب المؤثر شرعا (الثاني) أن تكون موضوعة للسبب المؤثر عرفا (الثالث) أن تكون موضوعة للسبب المؤثر شرعا وعرفا (فعلى) الاول يكون بين البيع الشرعي والعرفي مثلا عموم من وجه إذ قد لا يكون المؤثر عرفا مؤثرا شرعا كما في بيع الصبي المميز وقد يكون المؤثر شرعا ليس بيعا عرفا كما في بيع الولي فتأمل (وعلى الثاني) يكونان متساويين ويكون اعتبار بعض الخصوصيات في ترتب الاثر شرعا لا في المسمى (وعلى الثالث) يكون البيع الشرعي أخص مطلقا من البيع العرفي إذ كل ما هو مؤثر شرعا وعرفا مؤثر عرفا ولا عكس، وظاهر المصنف (ره) أن المؤثر شرعا هو المؤثر عرفا لان المراد من المؤثر المؤثر واقعا والاختلاف بين الشرع والعرف ليس في نفس المؤثر بل في اعتقاد المؤثرية فقد يعتقد العرف أن البيع الفلاني مؤثر كبيع المجهول ولا يكون كذلك في نظر الشارع فلا يكون الاختلاف حينئذ في معنى اللفظ بل الاختلاف في تطبيق المعنى لا غير فلا مجال حينئذ للاحتمالات الثلاثة لانها مبنية على مغايرة المؤثر واقعا عند العرف للمؤثر واقعا عند الشرع وهو كلام متين لكنه يتوقف على أن يكون التأثير والتأثر واقعيا والاختلاف نظريا اعتقاديا لكن الظاهر انه ليس كذلك لان مؤثرية الانشاء في الامر الاعتباري ليس من قبيل مؤثرية العلة في المعلول بحيث يكون وجوده تابعا لوجودها واقعا جامعا لما يعتبر في فعلية التأثير بلا توقف على الاعتبار بل مؤثرية المنشأ في الامر الاعتباري بمعنى أن يكون منشأ للاعتبار في نظر المعتبر وهذا المعنى مما لا يقبل التصويب والتخطئة، وعدم صلاحية المنشأ للاعتبار في نظر الشارع لا ينافي كونه منشأ عندهم واقعا بحيث يكون وجوده منشأ الاعتبار عندهم لان الاعتبار تابع لكون الشئ منشأ في نظر المعتبر لا كونه منشأ واقعا فإذا للاحتمالات المتقدمة مجال والمتعين من بينها هو الثاني لاصالة عدم النقل لو كان المدعى الوضع لغيره وأصالة الحقيقة لو كان المدعى الاستعمال في غيره وليست ألفاظ المعاملات إلا كسائر الالفاظ الحاكية عن سائر الموضوعات اللغوية والعرفية مثل لفظ التمر والخمر والماء في وجوب حملها على معانيها
فيما يعتبر في تأثير العقد لا يوجب الاختلاف بينهما في المعنى بل الاختلاف في المحققات والمصاديق وتخطئة الشرع العرف في تخيل كون العقد بدون ما اعتبره في تأثيره محققا لما هو المؤثر كما لا يخفى فافهم. (الثاني) أن كون الفاظ المعاملات أسامي للصحيحة لا يوجب إجمالها كالفاظ العبادات
______________________________
إلا أن تقوم قرينة على خلافها وحينئذ يكون اعتبار بعض الخصوصيات فيها لاجل ترتب الاثر لا في المسمى كما عرفت " فتلخص " أنه لو كانت الالفاظ موضوعة للاسباب لا للمسببات وكانت موضوعة لخصوص الصحيح لا للاعم فالمراد من الصحيح الصحيح العرفي فافهم (قوله: فيما يعتبر) متعلق بالاختلاف (قوله: في تخيل) متعلق بتخطئة (قوله: ما اعتبره) يعنى الشارع (قوله: محققا) خبر (كون) يعني مصداقا (قوله: فافهم) لعله اشارة إلى ما عرفت. ثم إنه لو كانت الالفاظ موضوعة للمسببات فلا ريب في أن معانيها عند الشارع هي معانيها عند العرف ويكون الاختلاف بين الشرع والعرف في تحققها ببعض الاسباب وعدم تحققها فمع تحققها في نظر الشارع واعتباره تترتب آثارها ومع عدمه لا تترتب ولا اعتبار بتحققها عند العرف أصلا (قوله: لا يوجب إجمالها) لا ينبغي الاشكال في جواز التمسك بالاطلاقات عند الشك في صحة معاملة أو إيقاع إذا أحرز انطباق عنوان المطلق على مشكوك الصحة بناء على أنها موضوعة للصحيح عرفا فانه بعد إحراز صحته عرفا يحرز موضوع المطلق فيرجع إلى الاطلاق في اثبات حكمه وأثره. نعم يتسجل الاشكال بناء على الوضع للصحيح الشرعي نظير الاشكال في إطلاق أدلة العبادات فانه إذا شك في صحة البيع شرعا فقد شك في كون العقد الخارجي بيعا فلا مجال للتمسك في مثل قوله تعالى: أحل الله البيع، مع أن بناء الاصحاب على التمسك بها لاثبات الصحة كما يظهر بأدنى مراجعة، وقد دفعه المصنف " ره " بأن مقتضى ذلك عدم جواز التمسك
كي لا يصح التمسك باطلاقها عند الشك في اعتبار شئ في تأثيرها شرعا وذلك لان اطلاقها لو كان مسوقا في مقام البيان ينزل على أن المؤثر عند الشارع هو المؤثر عند أهل العرف ولم يعتبر في تأثيره عنده غير ما اعتبر فيه عندهم كما ينزل عليه اطلاق كلام غيره حيث انه منهم ولو اعتبر في تأثيره ما شك في اعتباره كان عليه البيان ونصب القرينة عليه وحيث لم ينصب بان عدم اعتباره عنده ايضا ولذا يتمسكون بالاطلاق في أبواب المعاملات مع ذهابهم إلى كون الفاظها موضوعة للصحيح نعم لو شك في اعتبار شئ فيها عرفا
______________________________
باطلاق لفظ المعاملة أما الاطلاق المقامي للكلام فلا مانع منه، وتوضيح ذلك أنا إذا احرزنا بيعا عرفيا صح قولنا: هذا بيع عرفا، وان لم يصح قولنا: هذا بيع شرعا، للشك في كونه كذلك مع الشك في صحته كما تقدم في تقرير الاشكال إلا أن ورود الكلام المذكور في مقام البيان يدل على أن كل بيع عرفي بيع شرعي فانه لولا ذلك لزم الاجمال فيلزم نقض الغرض ولاجل ذلك ثبتت الصحة بعد تأليف قياسين أحدهما مركب من الصغرى الوجدانية أعني قولنا: هذا بيع عرفا، وكبرى شرعية دل عليها الاطلاق وهي: كل بيع عرفي بيع شرعى فينتج: هذا بيع شرعي، فتكون صغرى للكبرى المستفادة من الآية الشريفة أعني قولنا: كل بيع حلال، فينتج: هذا بيع حلال (أقول) يمكن دفع الاشكال في مثل المثال بانه لو كان البيع موضوعا لما هو صحيح شرعا كما هو المفروض امتنع حمله عليه لان الحل يكون داخلا في المراد من لفظ البيع لا حكما له فلو جاز عقلا جعله حكما له كان لغوا فيمتنع فلابد أن يحمل على البيع العرفي فلا مجال للاشكال المذكور إذ لا مانع حينئذ من التمسك به بمجرد إحراز كون العقد الخارجي بيعا نعم يختص الاشكال بالاحكام الزائدة على وصف الصحة، كما أنه أيضا يندفع بناء على ما عرفت من كونها أسامي للمسببات بالاطلاق المقامي الذي ذكره المصنف " ره " فلاحظ (قوله: كي لا يصح) مترتب على اجمالها (قوله: وذلك لان) تعليل لنفى التمسك (قوله: ولو اعتبر)
فلا مجال للتمسك باطلاقها في عدم اعتباره بل لابد من اعتباره لاصالة عدم الاثر بدونه فتأمل جيدا (الثالث) ان دخل شئ وجودي أو عدمي في المأمور به تارة بأن يكون داخلا فيما يأتلف منه ومن غيره وجعل جملته متعلقا للامر فيكون جزءا له وداخلا في قوامه واخرى بأن يكون خارجا عنه لكنه كان مما لا يحصل الخصوصية المأخوذة فيه بدونه كما إذا أخذ شئ مسبوقا أو ملحوقا به أو مقارنا له متعلقا للامر فيكون من مقدماته لا مقوماته
______________________________
*
يعني الشارع (قوله: فلا مجال للتمسك) لعدم إحراز عنوان المطلق بناء على الوضع عند العرف للصحيح (قوله: في عدم) يعني لاثبات عدم... الخ (قوله: إن دخل شئ وجودي) الحكم إما يتعلق بامر واحد لا تكثر فيه أو بامور متكثرة على نحو ينبسط عليها فينحل إلى حصص ضمنية يختص كل منها بحصة وكيف كان فموضوع الحكم إما أن يكون مطلقا أو مقيدا بحال وجودي آخر أو عدمي سابق أو لاحق أو مقارن، فان كان الموضوع من الاول فهو البسيط الذي لا جزء له، وان كان من الثاني فهو المركب، وكل واحد من الامور المتكثرة جزء له وإن أخذ مطلقا فهو الذي لا شرط له وان اخذ مقيدا فذلك القيد شرطه وبهذا يظهر الفرق بين الجزء والشرط فان الاول موضوع لحصة من الحكم والثاني خارج عن الموضوع ثم إن الجزء والشرط تارة يلحظان بالاضافة إلى نفس الماهية وأخرى بالاضافة إلى الفرد أعني الحصة المتشخصة من الماهية، فان لوحظا على النحو الاول كان انتفاء كل منهما موجبا لانتفاء الماهية نفسها وان لوحظا على النحو الثاني كان انتفاء كل منهما موجبا لانتفاء الفرد مع امكان وجود الماهية بفرد آخر سواه (قوله: وجعل) معطوف على يأتلف (قوله: فيه بدونه) يعني في المأمور به بدون ذلك الشئ (قوله: شئ مسبوقا) المراد من الشئ موضوع الامر ومن ضمير (به) و (له) الشئ الدخيل يعني الشرط، مثال المسبوق
(وثالثة) بأن يكون مما يتشخص به المأمور به بحيث يصدق على المتشخص به عنوانه وربما يحصل له بسببه مزية أو نقيصة، ودخل هذا فيه أيضا طورا بنحو الشطرية وآخر بنحو الشرطية فيكون الاخلال بما له دخل باحد النحوين في حقيقة المأمور به وماهيته موجبا لفساده لا محالة بخلاف ماله الدخل في تشخصه وتحققه مطلقا شطرا حيث لا يكون الاخلال به الا اخلالا بتلك الخصوصية مع تحقق الماهية بخصوصية أخرى غير موجبة لتلك المزية بل كانت موجبة لنقصانها كما اشرنا إليه كالصلاة في الحمام ثم إنه ربما يكون الشئ مما يندب إليه فيه بلا دخل له أصلا لا شطرا ولا شرطا في حقيقته ولا في خصوصيته وتشخصه بل له دخل ضرفا في مطلوبيته بحيث لا يكون مطلوبا الا إذا وقع في أثنائه فيكون مطلوبا نفسيا في واجب أو مستحب كما إذا كان مطلوبا كذلك قبل احدهما أو بعده فلا يكون الاخلال به موجبا للاخلال به ماهية ولا تشخصا وخصوصية اصلا إذا عرفت هذا كله فلا شبهة في عدم دخل ما ندب إليه في العبادات نفسيا في التسمية باساميها وكذا فيما له دخل في تشخصها مطلقا، وأما
______________________________
الطهارات الثلاث بناء على أنها نفس العمل الخارجي لا الاثر الحاصل منها والا كانت كالستر والاستقبال من المقارن ومثال الملحوق سجود السهو (قوله: وثالثة) إشارة إلى ماله دخل في الفرد (قوله: عنوانه) (أي) عنوان المأمور به (قوله: باحد النحوين) يعنى الشطرية والشرطية (قوله: بتلك الخصوصية) يعني بالفرد سواء أكان جزءا كما في جميع موارد التخيير بين الاقل والاكثر أم شرطا ككون الصلاة في المسجد أو في البيت أو في الحمام (قوله: كما أشرنا إليه) يعني في قوله سابقا مزية أو نقيصة (قوله: ثم إنه ربما يكون... الخ) يعني أن ما تقدم كله في صورة دخل شئ في المأمور به على أحد الانحاء وقد يكون الشئ غير دخيل في المأمور به اصلا بل يكون المأمور به دخيلا فيه بان يكون ظرفا له ويكون الشارع قد أمر بفعل ذلك الشئ في المأمور به فيكون المأمور به شرطا له بذاته عكس الصورة السابقة أو شرطا للامر به (قوله: به موجبا) الضمير الاول راجع إلى الشئ
ماله الدخل شرطا في أصل ماهيتها فيمكن الذهاب أيضا إلى عدم دخله في التسمية بها مع الذهاب إلى دخل ماله الدخل جزءا فيها فيكون الاخلال بالجزء مخلا بها دون الاخلال بالشرط لكنك عرفت ان الصحيح اعتبارهما فيها (الحادي عشر) الحق وقوع الاشتراك للنقل والتبادر وعدم صحة السلب بالنسبة إلى معنيين أو اكثر للفظ واحد وان احاله بعض لاخلاله بالتفهم المقصود من الوضع لخفاء القرآئن لمنع الاخلال (اولا) لامكان الاتكال على القرآئن الواضحة ومنع كونه مخلا بالحكمة (ثانيا) لتعلق الغرض بالاجمال احيانا، كما ان الاستعمال المشترك في القرآن ليس بمحال
______________________________
والثاني إلى المأمور به (قوله: فيمكن الذهاب) قد تقدمت حكايته عن البهبهاني (ره) (قوله: أن الصحيح اعتبارهما) لتوقف الصحة على وجود الشرط كتوقفها على وجود الجزء، ولعل الباعث على هذا المذهب ان الشرط ليس مؤثرا في المصلحة وإنما المؤثر تمام الاجزاء وإنما يكون دخله فيها بملاحظة توقف تأثيرها فيها عليه فيمكن الوضع له والاشارة إليه بمفهوم: المقتضي للتأثير، كما يمكن الاشارة إلى الصحيح با (لمؤثر فعلا) وحيث أمكن الوضع له كما أمكن الوضع للصحيح أمكن إثبات ذلك ببعض الادلة المتقدمة للقول بالاعم، لكن التحقيق ما عرفت ومنه سبحانه نستمد التوفيق.
الاشتراك
(قوله: للنقل) يعني من أهل اللغة حيث نقلوا أن (قرء) للطهر والحيض، و (البيع) و (الشراء) لكل من فعل الموجب والقابل " وعين " للنابعة وغيرها و " وعسعس " لا " أقبل " و " أدبر " إلى غير ذلك (قوله: والتبادر) يعني تبادر كل من المعنيين بخصوصه على نحو يكشف عن خصوصية للفظ مع كل منهما (قوله: لاخلاله) تعليل للمنع (قوله: لخفاء)
كما توهم لاجل لزوم التطويل بلا طائل مع الاتكال على القرائن والاجمال في المقال لولا الاتكال عليها وكلاهما غير لائق بكلامه تعالى جل شأنه كما لا يخفى، وذلك لعدم لزوم التطويل فيما كان الاتكال على حال أو مقال أتى به لغرض آخر ومنع كون الاجمال غير لائق بكلامه تعالى مع كونه مما يتعلق به الغرض والا لما وقع المشتبه في كلامه وقد اخبر في كتابه الكريم بوقوعه فيه قال الله تعالى: (فيه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات) وربما توهم وجوب وقوع الاشتراك في اللغات لاجل عدم تناهي المعاني وتناهي الالفاظ المركبات فلا بد من الاشتراك فيها (وهو فاسد) بوضوح امتناع الاشتراك في هذه المعاني لاستدعائه الاوضاع غير المتناهية، ولو سلم لم يكد يجدي الا في مقدار متناه مضافا إلى تناهي المعاني الكلية، وجزئياتها وان كانت غير متناهية الا أن وضع الالفاظ بازاء كلياتها يغني عن وضع لفظ بازائها كما لا يخفى - مع أن المجاز باب واسع فافهم
______________________________
تعليل للاخلال (قوله: كما توهم) لكن الوجدان يمنعه كما عرفت من الامثلة (قوله: بلا طائل) هذا غير ظاهر إذ قد يقتضي المقام التطويل (قوله: والاجمال) معطوف على التطويل (قوله: وذلك لعدم) تعليل لقوله: ليس بمحال، (قوله: وتناهي) تناهي الالفاظ ممنوع وتناهي الحروف لا يقتضي تناهي ما يتركب منها كما في الاعداد فكأن المراد تناهي ما يمكن أن يسهل معه الاستعمال (قوله: في هذه المعاني) يعني غير المتناهية (قوله: ولو سلم) يعني لو سلم عدم اقتضائه الاوضاع غير المتناهية أو عدم استدعائه لذلك (قوله: مقدار متناه) لانه محل الحاجة إلى الاستعمال فيلغو الوضع لغيره حتى يلزم الاشتراك (قوله: واسع فافهم) لعله اشارة إلى دعوى عدم تيسر المناسبة المصححة للاستعمال في جميع المعاني، والله سبحانه أعلم
(الثاني عشر) انه قد اختلفوا في جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى على سبيل الانفراد والاستقلال بأن يراد منه كل واحد كما إذا لم يستعمل إلا فيه على أقوال أظهرها عدم جواز الاستعمال في الاكثر عقلا (وبيانه) أن حقيقة الاستعمال ليس مجرد جعل اللفظ علامة لارادة المعنى بل جعله وجها وعنوانا له بل بوجه نفسه كأنه الملقى ولذا يسري
______________________________
استعمال المشترك في اكثر من معنى
(قوله: بأن يراد منه كل واحد كما... الخ) الاستعمال في اكثر من معنى يتصور على وجوه أشار إليها في الفصول فانه (تارة) يستعمل في معنى يتناول جميع المعاني (وأخرى) يستعمل في كل واحد على سبيل الترديد والبدل كالنكرة " وثالثة " يستعمل في المجموع " ورابعة " يستعمل في كل واحد منها كما لو لم يستعمل الا فيه، وفى الفصول جعل الاخير محل النزاع في المقام دون ما قبله، وكذا ظاهر المصنف " ره "، وهو بالنسبة إلى الاولين في محله، بل في كونهما من الاستعمال في المعنى المتعدد نظر ظاهر، لكنه بالنسبة إلى الثالث محل تأمل إذ الظاهر من بعض أدلة المجوزين والمانعين والمفصلين دخوله في محل النزاع، بل هو الذي يقتضيه ظاهر العنوان (قوله: كما إذا لم يستعمل) يعني بحيث يكون كل واحد منهما مدلولا مطابقيا للفظ لا تضمنيا كما في الصورة الثالثة (قوله: وبيانه أن حقيقة الاستعمال) لا ينبغي التأمل في أن استعمال اللفظ في المعنى عبارة عن ملاحظة اللفظ والمعنى معا على نحو يكون اللفظ مرآة للمعنى وحاكيا عنه فيكون اللفظ ملحوظا باللحاظ الآلي والمعنى ملحوظا باللحاظ الاستقلالي ثم إن المفهوم المحكي باللفظ قد يكون واحدا كمفهوم النقطة المحكي بلفظها، وقد يكون متعددا كمفهوم العشرة المحكي بلفظها فان لفظ العشرة تحكي آحادا متعددة متكثرة هي تمام العشرة الذي يدل عليه بالمطابقة لفظ العشرة، فلفظ العشرة عند استعماله في تمام العشرة
إليه قبحه وحسنه كما لا يخفى ولا يكاد يمكن جعل اللفظ كذلك الا لمعنى واحد ضرورة ان لحاظه هكذا في ارادة معنى ينافي لحاظه كذلك في ارادة الآخر حيث ان لحاظه كذلك لا يكاد يكون الا بتبع لحاظ المعنى فانيا فيه فناء الوجه في ذى الوجه والعنوان في المعنون ومعه كيف يمكن ارادة معنى آخر كذلك في استعمال واحد مع استلزامه للحاظ آخر غير لحاظه كذلك في هذا الحال (وبالجملة) لا يكاد يمكن في حال استعمال واحد لحاظه وجها لمعنيين وفانيا في الاثنين إلا أن يكون اللاحظ
______________________________
مستعمل في المعنى المتكثر المتعدد في نفسه وبواسطة طروء الاستعمال والحكاية عليه يكون المعنى واحدا فهو قبل الاستعمال معنى متكثر وبعده معنى واحد، ومنه يظهر أن كل لفظ مستعمل له معنى واحد بعد الاستعمال أما قبله فقد يكون واحدا وقد يكون متكثرا متعددا، وحينئذ نقول: استعمال اللفظ في معنيين إن كان المراد منه استعماله في معنيين قبل الاستعمال وان كان بالاستعمال يكون معنى واحدا يدل عليه اللفظ بالمطابقة وعلى كل منهما بالتضمن فذلك مما لا مانع منه عقلا، وإن كان المراد منه استعماله في معنيين بلحاظ ما بعد الاستعمال بحيث يكون دالا على كل منهما بالمطابقة فذلك مما لا يعقل لان اثنينيتهما بالاستعمال تتوقف على تعدد الاستعمال لشخص اللفظ وهو ممتنع لانه يتوقف على تعدد اللحاظ له في زمان واحد فوحدة الاستعمال - كما هو المفروض في العنوان - تقتضي وحدة المعنى المستعمل فيه (فتحصل) أن المراد من المعنيين في محل النزاع ان كان المعنيين بالنظر إلى ما قبل الاستعمال فلا مانع عقلا من الاستعمال فيهما، وإن كان المعنيين بالنظر إلى ما بعد الاستعمال فهو ممتنع " ولعل " من هنا يظهر إمكان كون النزاع في جوازه عقلا وعدمه لفظيا ناشئا من الخلط بين الوحدة والتعدد بلحاظ ما قبل الاستعمال وما بعده (قوله: إليه قبحه) الضمير الاول راجع إلى اللفظ والثاني إلى المعنى (قوله: كذلك) يعني وجها وعنوانا لتمام المعنى (قوله: مع استلزامه) بيان لعدم
أحول العينين فانقدح بذلك امتناع استعمال اللفظ مطلقا مفردا كان أو غيره في أكثر من معنى بنحو الحقيقة أو المجاز ولولا امتناعه فلا وجه لعدم جوازه فان اعتبار الوحدة في الموضوع له واضح المنع
______________________________
الامكان (قوله: احول العينين) يعني فيرى اللفظ الواحد اثنين فيجعل كل واحد منهما فانيا في معنى واحد (قوله: أو غيره) يعنى التثنية والجمع فان علامتهما تقتضي التكرار في المفهوم المراد من مدخولها فالتكرار من ماهيتين ان كان بنحو يجعل فيه مدخول العلامة حاكيا عن ماهيتين بما هما معنى واحد فلا مانع منه عقلا وإن كان حاكيا عن كل واحدة منهما امتنع عقلا لما تقدم (قوله: بنحو الحقيقة أو المجاز) لاطراد المانع المتقدم من لزوم اجتماع اللحاظين (قوله: امتناعه) يعني عقلا (قوله: جوازه) يعني لغة حقيقة (قوله: فان اعتبار الوحدة) تنبيه على وجه عدم الجواز على الحقيقة وحاصل الوجه ان اللفظ موضوع للمعنى بقيد الوحدة فإذا استعمل في المعنيين فقد الغي فيه القيد واستعمل في غير معناه (قوله: واضح المنع) إذ الوحدة المحتمل بدوا أخذها قيدا للمعنى ليست إلا الوحدة اللحاظية في مقام استعمال اللفظ فيه إذ هي التي ينافيها الاستعمال في المعنيين ومن الواضح عدم أخذ هذه الوحدة في الموضوع له لان ذلك يستدعي أخذ اللحاظ الاستعمالي في المعنى المستعمل فيه فيرد عليه ما تقدم في مبحث تبعية الدلالة للارادة، أما الوحدة الخارجية فلا تقتضي كون الاستعمال في المعنيين مجازا لان المعنى إن كان وحده في الخارج فقيده حاصل ولا تجوز وإلا كان الاستعمال مجازا ولو لم يستعمل اللفظ الا فيه هذا ويمكن أن يقال: ان اعتبار الوحدة اللحاظية كذلك قيدا في المعنى لا توجب التجوز إذا كان الاستعمال في كل من المعنيين بالنحو الذي هو مورد النزاع حسبما ذكر المصنف إذ اللفظ لم يستعمل الا في كل من المعنيين وحده وامتناع الاستعمال كذلك حسبما تقدم لا يقدح، إذ المفروض التنزل عنه فالاستعمال في المعنيين إنما يوجب المجاز
وكون الوضع في حال وحدة المعنى وتوقيفيته لا يقتضى عدم الجواز بعد ما لم تكن الوحدة قيدا للوضع ولا للموضوع له كما لا يخفى. ثم لو تنزلنا عن ذلك فلا وجه للتفصيل بالجواز على نحو الحقيقة في التثنية والجمع وعلى نحو المجاز في المفرد مستدلا على كونه بنحو الحقيقة فيهما لكونهما بمنزلة تكرار اللفظ وبنحو المجاز فيه لكونه موضوعا للمعنى بقيد الوحدة فإذا استعمل في الاكثر لزم إلغاء قيد الوحدة فيكون مستعملا في جزء المعنى بعلاقة الكل والجزء فيكون مجازا
______________________________
لو كان في مجموع المعنيين الذي هو خارج عن محل النزاع عند المصنف " ره " فتأمل (قوله: وكون الوضع) هذا اشارة إلى ما ذكره بعض المحققين من ان اللفظ وإن لم يوضع للمعنى بقيد الوحدة إلا أنه موضوع له في حال الوحدة فإذا استعمل في المعنى في حال الانضمام إلى غيره كان استعمالا في غير ما وضع له، ودفعة المصنف (ره) بان الوحدة لما لم تكن قيدا للوضع ولا للموضوع له لم يخرج الاستعمال عن كونه استعمالا في المعنى الموضوع له " أقول ": إن كان مقصود المصنف (ره) انكار الواسطة بين الاطلاق والتقييد فإذا لم يكن المعنى الموضوع له مقيدا بالوحدة كان مطلقا (ففيه) أولا أن الاهمال نوع في قبال الاطلاق والتقييد قد تكون عليه الماهية كما تكون مطلقة أو مقيدة، وثانيا أنه كما يمتنع التقييد في المقام يمتنع الاطلاق ايضا لامتناع تعلق الاستعمال بالمعنى المطلق بلحاظ ذلك الاستعمال، وإن كان مقصوده أن الوضع للمعنى في حال لا يقتضي أن يكون الاستعمال فيه في غير ذلك الحال مجازا (ففيه) المنع إذ الاستعمال الحقيقي ما يكون مطابقا للوضع حتى بلحاظ الحال، اللهم إلا أن يكون مقصوده لا يقتضي عدم الجواز مطلقا ولو مجازا فتأمل (قوله: وتوقيفيته) يعني توقيفية الوضع (قوله: تنزلنا عن ذلك) يعني عن منع أخذ الوحدة قيدا في الموضوع له فقلنا انها قيد له فاللازم القول بالمنع مطلقا ولا وجه للتفصيل... الخ (قوله: للتفصيل) هذا التفصيل للمعالم،
وذلك لوضوح أن الالفاظ لا تكون موضوعة إلا لنفس المعاني بلا ملاحظة قيد الوحدة وإلا لما جاز الاستعمال في الاكثر لان الاكثر ليس جزء المقيد بالوحدة بل يباينه مباينة الشئ بشرط شئ والشئ بشرط لا كما لا يخفى، والتثنية والجمع وان كانا بمنزلة التكرار في اللفظ إلا أن الظاهر ان اللفظ فيهما كأنه كرر واريد من كل لفظ فرد من أفراد معناه لا أنه أريد منه معنى من معانيه فإذا قيل مثلا: جئني بعينين، أريد فردان من العين الجارية لا العين الجارية والعين الباكية،
______________________________
(قوله: وذلك لوضوح) الانسب بما نزلنا عليه عبارة المتن أن يقال: لوضوح امتناع الاستعمال في الاكثر لان الاكثر... الخ إذ ما ذكره قد فرض التنزل عنه، (قوله: بل يبانه مباينة) قد عرفت الاشارة إلى أن هذا لا يتم بناء على امكان كون اللفظ مستعملا في كل واحد من المعنيين كما لو استعمل فيه وحده فهذا مجارات من المصنف (ره) للمفصل الذي لا يتصور دليله إلا في الاستعمال في مجموع المعنيين (قوله: بشرط شئ والشئ) فان قلت: كيف يكون كذلك إذا كان الاستعمال في مجموع المعنيين بملاحظة الوضع لكل منهما مقيدا بالوحدة فان كل واحد يكون جزءا للمعنى الموضوع له. نعم يتم لو كان الاستعمال في المجموع بملاحظة الوضع لاحدهما بعينه بقيد الوحدة " قلنا ": إذا كان الاستعمال في المجموع فالعلاقة إنما تلحظ بين المجموع وأحد المعنيين، ولا وجه لملاحظة العلاقة بين أحدهما في حال الانضمام وبينه مقيدا بالوحدة لان أحدهما حينئذ جزء المعنى المستعمل فيه والجزء ليس موردا لملاحظة علاقة المجاز بل موردها تمام المعنى وهو في المقام مجموع المعنيين - مع أن النسبة بين أحدهما في هذه الحال وبين المعنى المقيد بالوحدة هي النسبة المذكورة بعينها فتأمل جيدا، (قوله: كما لا يخفى) هذا مسلم لكنه انما يقتضي بطلان كون العلاقة علاقة الكل والجزء لا بطلان المجاز من أصله لامكان العلاقة بين المعنيين بنحو آخر (قوله: والتثنية والجمع) شروع في الرد على دعوى الحقيقة فيهما (قوله: الا أن الظاهر) هذا لا ينبغي التأمل فيه لان العلامة إنما تدل على تعدد أفراد
والتثنية والجمع في الاعلام إنما هو بتأويل المفرد إلى المسمى بها - مع أنه لو قيل بعدم التأويل وكفاية الاتحاد في اللفظ في استعمالها حقيقة بحيث جاز ارادة عين جارية وعين باكية من تثنية العين حقيقة لما كان هذا من باب استعمال اللفظ في الاكثر لان هيئتها انما تدل على ارادة المتعدد مما يراد من مفردهما فيكون استعمالهما وارادة المتعدد من معانيه استعمالا لهما في معنى واحد كما إذا استعملا واريد المتعدد عن معنى واحد منهما كما لا يخفى. نعم لو أريد مثلا من عينين فردان من الجارية وفردان من الباكية كان من استعمال العينين في المعنيين إلا أن حديث التكرار لا يكاد يجدي في ذلك أصلا فان فيه إلغاء قيد الوحدة المعتبرة أيضا ضرورة ان التثنية عنده انما تكون لمعنيين أو لفردين بقيد الوحدة، والفرق بينها وبين المفرد انما يكون في انه موضوع للطبيعة وهى موضوعة لفردين منها أو معنيين كما هو أوضح من أن يخفى، (وهم ودفع) لعلك تتوهم أن الاخبار الدالة على أن للقرآن بطونا سبعة أو سبعين تدل على وقوع استعمال اللفظ في اكثر من معنى واحد فضلا عن جوازه ولكنك غفلت عن انه
______________________________
المدخول بما له من المفهوم (قوله: والتثنية والجمع في الاعلام) اشارة إلى اشكال على ما ذكر وهو أنه لو كان مفاد العلامة تعدد المدخول لاختصت بالمفاهيم ذوات الافراد ولم تدخل على الاعلام التي لا تكون كذلك " وتوضيح " الجواب أن الاعلام المدخولة للعلامة ليست مستعملة في معانيها الحقيقية التي لا تقبل التعدد وانما تستعمل في معنى مجازي وهو مفهوم المسمى بزيد مثلا فإذا قلت: زيدان، فالمراد مسميان بزيد (قوله: في معنى واحد) يعني فتكون خارجة عما نحن فيه من الاستعمال في المعنيين، وربما يمكن أن يقال: ان استعمالها في فردين أو أفراد من حقيقتين أو حقائق ليس من الاستعمال في معنيين بل في معنى آخر غير معناها فتأمل (قوله: حديث التكرار) اشارة إلى ما ذكره المستدل من أنهما بمنزلة تكرار اللفظ (قوله: إلغاء قيد) ومنه يظهر امتناع الجمع بين أخذ قيد الوحدة في الموضوع له مطلقا حتى في التثنية والجمع وكون الاستعمال في المعنيين فيهما حقيقة
لا دلالة لها أصلا على ان ارادتها كان من باب ارادة المعنى من اللفظ فلعله كان بارادتها في انفسها حال الاستعمال في المعنى لا من اللفظ كما إذا استعمل فيها أو كان المراد من البطون لوازم معناه المستعمل فيه اللفظ وان كان افهامنا قاصرة عن إدراكها (الثالث عشر): انه اختلفوا في أن المشتق حقيقة في خصوص ما تلبس بالمبدأ في الحال أو فيما يعمه وما انقضى عنه على أقوال بعد الاتفاق على كونه مجازا فيما يتلبس به في الاستقبال وقبل الخوض في المسألة وتفصيل الاقوال فيها وبيان الاستدلال عليها ينبغى تقديم أمور (أحدها) أن المراد بالمشتق هاهنا ليس مطلق المشتقات بل
______________________________
بطون القرآن
(قوله: لا دلالة لها أصلا) لو فرض الدلالة لها لوجب التصرف فيها لامتناع المدلول عقلا (قوله: فلعله كان) ويحتمل أن يكون الاستعمال في مجموع المعاني الذي لا مانع عنه عقلا. " فائدة ": حدث بعض الاعاظم دام تأييده - أنه حضر يوما منزل الآخوند (ملا فتح علي قدس سره) مع جماعة من الاعيان منهم السيد اسمعيل الصدر (ره) والحاج النوري صاحب المستدرك (ره) والسيد حسن الصدر دام ظله فتلا الآخوند (ره) قوله تعالى: (واعملوا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الامر لعنتم ولكن الله حبب اليكم الايمان... الآية) ثم شرع في تفسير قوله: تعالى فيها: حبب اليكم... الآية وبعد بيان طويل فسرها بمعنى لما سمعوه منه استوضحوه واستغربوا من عدم انتقالهم إليه قبل بيانه لهم، فحضروا عنده في اليوم الثاني ففسرها بمعنى آخر غير الاول فاستوضحوه ايضا وتعجبوا من عدم انتقالهم إليه قبل بيانه، ثم حضروا عنده في اليوم الثالث فكان مثل ما كان في اليومين الاولين ولم يزالوا على هذه الحال كلما حضروا عنده يوما ذكر لها معنى إلى ما يقرب من ثلاثين يوما فذكر لها ما يقرب من ثلاثين معنى وكلما سمعوا منه
خصوص ما يجرى منها على الذوات مما يكون مفهومه منتزعا عن الذات بملاحظة اتصافها بالمبدأ واتحادها معه بنحو من الاتحاد كان بنحو الحلول أو الانتزاع أو الصدور أو الايجاد كأسماء الفاعلين والمفعولين والصفات المشبهات بل وصيغ المبالغة وأسماء الازمنة والامكنة والآلات كما هو ظاهر العنوانات وصريح بعض المحققين مع عدم صلاحية ما يوجب اختصاص النزاع بالبعض الا التمثيل به وهو غير صالح كما هو واضح فلا وجه لما زعمه بعض الاجلة من الاختصاص باسم الفاعل وما بمعناه من الصفات المشبهة وما يلحق بها وخروج سائر الصفات (ولعل) منشأه توهم كون
______________________________
معنى استوضحوه، وقد نقل الثقات لهذا المفسر كرامات قدس الله روحه،
المشتق
(قوله: خصوص ما يجري) فيخرج مثل الفعل والمصادر كما سيأتي (قوله: بنحو الحلول) كالصفات مثل الموت والحياة والحسن والقبح (قوله: أو الانتزاع) كما في صفات الباري جل وعلا حسبما يأتي في التنبيه الخامس (قوله: أو الصدور) المراد به ظاهرا ما كان المبدأ فيه قائما بغير الفاعل وان كان صادرا منه مثل الكسر والقتل، والمراد بالايجاد ما كان المبدأ فيه قائما بالفاعل مثل الجلوس والاكل، (قوله: ظاهر العنوانات) لاطلاق لفظ المشتق فيها (قوله: بعض الاجلة) هو صاحب الفصول حيث قال: فهل المراد به ما يعم بقية المشتقات من اسمي الفاعل والمفعول والصفة المشبهة وما بمعناها وأسماء الزمان والمكان والآلة وصيغ المبالغة كما يدل عليه إطلاق عناوين كثير منهم كالحاجبي وغيره أو يختص باسم الفاعل وما بمعناه كما يدل عليه تمثيلهم به واحتجاج بعضهم باطلاق اسم الفاعل عليه دون اطلاق بقية الاسماء على البواقي مع امكان التمسك به ايضا ؟ وجهان أظهرهما الثاني لعدم ملائمة جميع ما أورده في المقام على الاول... الخ (قوله: ولعل منشأه توهم) قد صرح في الفصول بمنشأ التخصيص - مع أنه عين دعوى
ما ذكره لكل منها من المعنى مما اتفق عليه الكل وهو كما ترى، واختلاف انحاء التلبسات حسب تفاوت مبادئ المشتقات بحسب الفعلية والشأنية والصناعة والملكة حسبما يشير إليه لا يوجب تفاوتا في المهم من محل النزاع هاهنا كما لا يخفى (ثم) إنه لا يبعد أن يراد بالمشتق في محل النزاع مطلق ما كان مفهومه ومعناه جاريا على الذات ومنتزعا عنها بملاحظة اتصافها بعرض أو عرضى ولو كان جامدا كالزوج والزوجة والرق والحر، فان أبيت الا عن اختصاص النزاع المعروف بالمشتق - كما هو قضية الجمود على ظاهر لفظه - فهذا القسم من الجوامد ايضا محل النزاع كما يشهد به ما عن الايضاح في باب الرضاع في مسألة من كانت له زوجتان كبيرتان ارضعتا زوجته الصغيرة ما هذا لفظه:
______________________________
التخصيص فلا يكون منشأ له لمغايرة المنشأ لذي المنشأ فتأمل (قوله: ما ذكره لكل منها) فانه في الفصول ذكر لكل واحد من بقية المشتقات معنى، (قوله: واختلاف انحاء التلبسات) الظاهر أنه تعريض آخر بالفصول فانه ذكر أنه قد يطلق المشتق ويراد به المتصف بشأنية المبدأ كما يقال: هذا الدواء نافع، وقد يطلق ويراد به المتصف بملكة المبدأ وباتخاذه حرفة وصناعة. ثم قال: ويعتبر في المقامين حصول الشأنية والملكية والاتخاذ حرفة في الزمان الذي أطلق المشتق على الذات باعتباره... الخ إذ قد يقتضي قوله: ويعتبر... الخ الاتفاق على اعتبار زمان الحال فتأمل، ويحتمل إرادة التعريض بما ذكره في معنى اسم المفعول والتعريض بالتفتازاني (قوله: لا يبعد أن يراد) لان عموم النزاع وخصوصه تابع لعموم الغرض وخصوصه وحيث أن الغرض يعم الجوامد فالنزاع ينبغي أن يعمه ايضا (قوله: بعرض أو عرضي) الظاهر من العرض الحال مقابل الجوهر كالبياض، ومن العرضي المشتق منه كالابيض والاسود إذ الفرق بينهما كالفرق بين المشتق ومبدئه، لكن عليه لا يناسب جعله في قبال العرض بل يكون المشتق هو العرضي وكأن المصنف (ره) يريد من الاول العرض الحقيقي
تحرم المرضعة الاولى والصغيرة مع الدخول بالكبيرتين واما المرضعة الآخرة ففي تحريمها خلاف فاختار والدي المصنف (ره) وابن ادريس تحريمها لان هذه يصدق عليها أم زوجته لانه لا يشترط في المشتق بقاء المشتق منه هكذا هاهنا
______________________________
ومن الثاني الاعتباري بقرينة ما بعده (قوله: تحرم المرضعة الاولى والصغيرة) وعلل تحريم الاولى بأنها بالرضاع تكون أم زوجة وتحريم الصغيرة بانها به تكون بنت زوجة مدخول بها، لكن التقييد بالدخول انما يحتاج إليه لو لم يكن الرضاع بلبنه وإلا حرمت الصغيرة وان لم يكن قد دخل بالمرضعة لانها بالرضاع تكون بنتا له، واستشكله المصنف (ره) - بناء على اعتبار الحال في صدق المشتق - بأن إرضاع الكبيرة للصغيرة يوجب ثبوت الامومة للكبيرة وارتفاع زوجية الصغيرة في رتبة واحدة فلا يصدق على الكبيرة أنها أم زوجة، إلا أن يقال: انها يصدق عليها أنها أم زوجة عرفا وإن لم يصدق عليها ذلك دقة " فتأمل " ولعله اشار بالامر بالتأمل إلى انه لا عبرة بالمسامحة العرفية لان العرف مرجع في المفهوم لا في تطبيق المفهوم على الخارج، إلا أن يقال: المفهوم من دليل تحريم أم الزوجة كون موضوعه ما هو أعم من اقتران الامومة والزوجية واتصالهما نظير اتصال وجود الشئ بعدمه، لكنه خلاف الظاهر أو يقال: إن الخروج عن الزوجية إنما كان بالتحريم المتأخر رتبة عن صدق البنتية فهي في رتبة صدق بنت الزوجة عليها يصدق عليها انها زوجة وإنما تخرج عنها بالتحريم الناشئ من صدق بنت الزوجة، لكنه يتوقف على عدم التضاد بين عنوان الزوجية وعنوان بنت الزوجة، وهو خلاف المرتكز شرعا، بل الظاهر أن التحريم إنما جاء من جهة ارتفاع الزوجية بطروء عنوان بنت الزوجة لا العكس، وللكلام مقام آخر، وكيف كان فالاشكال على تقديره مختص بتحريم المرضعة أما المرتضعة فلا إشكال في حرمتها لانها بنت زوجة ولو في الماضي لقيام الدليل الخاص على حرمتها كذلك لعدم اختصاص حرمة الربيبة بحال زوجية أمها (قوله: الدخول بالكبيرتين) بل يكفي الدخول في
وما عن المسالك في هذه المسألة من ابتناء الحكم فيها على الخلاف في مسألة المشتق فعليه كلما كان مفهومه منتزعا من الذات بملاحظة اتصافها بالصفات الخارجة عن الذاتيات كانت عرضا أو عرضيا كالزوجية والرقية والحرية وغيرها من الاعتبارات والاضافات كان محل النزاع وان كان جامدا وهذا بخلاف ما كان مفهومه منتزعا عن مقام الذات والذاتيات فانه لا نزاع في كونه حقيقة في خصوص ما إذا كانت الذات باقية بذاتياتها (ثانيها) قد عرفت انه لا وجه لتخصيص النزاع ببعض المشتقات الجارية على الذوات الا انه ربما يشكل بعدم إمكان جريانه في اسم الزمان لان الذات فيه وهي الزمان بنفسه ينقضي وينصرم فكيف يمكن ان يقع النزاع في ان الوصف الجاري عليه حقيقة
______________________________
إحداهما في حرمة الصغيرة ولعل في النسخة غلطا (قوله: وما عن المسالك) قال في المسالك: بقي الكلام في تحريم الثانية من الكبيرتين فقد قيل: إنها لا تحرم واليه مال المصنف (ره) حيث جعل التحريم أولى وهو مذهب الشيخ (ره) وابن الجنيد لخروج الصغيرة عن الزوجية إلى البنتية، وأم البنت غير محرمة على أبيها خصوصا على القول باشتراط بقاء المعنى المشتق منه في صدق الاشتقاق كما هو رأي جمع من الاصوليين ولرواية علي ابن مهزيار... إلى أن قال: وذهب ابن ادريس والمصنف في النافع واكثر المتأخرين إلى تحريمها ايضا... إلى أن قال: لان هذه يصدق عليها أنها أم زوجة وإن كان عقدها قد انفسخ لان الاصح انه لا يشترط في صدق المشتق بقاء المعنى فيدخل تحت قوله: وأمهات نسائكم، ولمساوات الرضاع النسب وهو محرم سابقا ولاحقا فكذا مساويه وهذا هو الاقوى (قوله: عن مقام الذات والذاتيات) الاول المنتزع عن تمام الذات والثاني المنتزع عن بعضها (قوله: فانه لا نزاع في كونه) ولا يمكن تصوير النزاع فيه كتصويره في اسم الزمان لان فرض الذات فيه عين فرض التلبس بالمبدأ بخلاف اسم الزمان. نعم لو اريد من الذات مطلق موضوع الحمل امكن النزاع بل يمكن فرض الثمرة فيه كما في الممسوخات والاموات فتأمل (قوله: ربما يشكل بعدم) يمكن دفع الاشكال بأن الزمان
في خصوص المتلبس بالمبدأ في الحال أو فيما يعم المتلبس به في المضي (ويمكن) حل الاشكال بأن انحصار مفهوم عام بفرد - كما في المقام - لا يوجب أن يكون وضع اللفظ بازاء الفرد دون العام وإلا لما وقع الخلاف فيما وضع له لفظ الجلالة مع أن الواجب موضوع للمفهوم العام مع انحصاره فيه تبارك وتعالى (ثالثها) انه من الواضح خروج الافعالا والمصادر المزيد فيها عن حريم النزاع لكونها غير جارية على الذوات ضرورة أن المصادر المزيد فيها كالمجردة في الدلالة على ما يتصف به الذات ويقوم بها كما
______________________________
يمكن فرض البقاء فيه كيوم وشهر ونحوهما وذلك إذا اخذ بمعنى ما بين المبدأ والمنتهى، ولاجل ذلك جرى فيه الاستصحاب. نعم إذا لوحظ في نفسه فهو مما لا بقاء له، اللهم إلا ان يقال: اسم الزمان كمقتل إنما يحكي عن الزمان الثاني بلا لحاظ ما بين الحدين فيه، وحمله على ما اعتبر فيه الحدان لا يخلو من عناية فمعنى: هذا اليوم مقتل، أنه فيه زمان القتل، لا أنه زمان القتل فتأمل جيدا (قوله: ويمكن حل الاشكال) لكن يمكن ابرامه أيضا بأن ما ذكر إنما يتم لو كان مقصود المستشكل منع امكان النزاع عقلا أما لو كان مقصوده عدم النزاع فيه لما تقدم من أن عموم النزاع وخصوصه تابع لعموم الغرض وخصوصه فلا يتم، لعدم الثمرة للنزاع فيه إلا أن يكون المقصود مجرد العلم لا العمل فتأمل (قوله: الخلاف فيما) يعني اختلفوا في معنى لفظ الجلالة أنه الذات المقدسة فيكون اللفظ علما أو مفهوم الواجب المقابل للممكن فيكون اسم جنس (أقول) يمكن كون النزاع المذكور مما يترتب عليه العمل (قوله: مع أن الواجب) يعني لفظ الواجب موضوع لمفهوم واجب الوجود المنحصر مصداقه بذات الباري جل شأنه (قوله: والمصادر المزيد) لا فرق بين المزيد فيها وغيرها في كونها مشتقة كما سيأتي في الاوامر وتخصيص الاول بالذكر لان التوهم فيها أقرب لكون صدق المشتق عليها أظهر (قوله: ضرورة أن) تعليل لامتناع جريانها على الذات وسيأتي انشاء الله توضيحه في التنبيهات (قوله: ما يتصف) وهو المبدأ
لا يخفى، وأن الافعال انما تدل على قيام المبادئ بها قيام صدور أو حلول أو طلب فعلها أو تركها منها على اختلافها (ازاحة شبهة) قد اشتهر في ألسنة النحاة دلالة الفعل على الزمان حتى اخذوا الاقتران بها في تعريفه، وهو اشتباه ضرورة عدم دلالة الامر ولا النهى عليه بل على إنشاء طلب الفعل أو الترك غاية الامر نفس الانشاء بهما في الحال كما هو الحال في الاخبار بالماضي أو المستقبل أو بغيرهما كما لا يخفى، بل يمكن منع دلالة غيرهما من الافعال على الزمان لا بالاطلاق والاسناد إلى الزمانيات وإلا لزم القول بالمجاز والتجريد عند الاسناد إلى غيرها من نفس الزمان والمجردات نعم لا يبعد ان يكون لكل من الماضي والمضارع
______________________________
(قوله: ضرورة عدم) هذا منع لعموم دعوى النحاة لا منع لاصلها (قوله: الامر ولا النهى) يعني مع كونهما نوعين من الفعل (قوله: إنشاء طلب) تقدمت الاشارة إلى أنهما لانشاء نفس الفعل أو عدمه (قوله: بهما في الحال) لكن الحال المذكور ليس مدلولا عليه بالكلام الانشائي ولو فرضت فليست هي مقصودة للنحاة (قوله: في الاخبار بالماضي) فان الاخبار انشاء للخبر في الحال ايضا (قوله: أو بغيرهما) كالجمل الاسمية (قوله: بل يمكن منع) هذا منع لاصل الدعوى (قوله: بالاطلاق والاسناد) الواو للمعية يعني أن الدلالة انما تكون بشرطين أحدهما إطلاق الكلام، وثانيهما كون المسند إليه من الزمانيات المحتاجة في وجودها إلى الزمان لا مثل الزمان نفسه ونحوه من المجردات فلو ارتفع الاطلاق لم تكن دلالة على الزمان كما سيأتي مثاله أو كان المسند إليه من غير الزماني فكذلك. هذا ولكن يمكن منع الدلالة على الزمان حينئذ أيضا لامكان كون فهم الزمان لاجل ملازمته للخصوصية المفهومة من الفعلين كما سيأتي (قوله: وإلا لزم القول بالمجاز) يعني وان كان الفعل دالا بنفسه على الزمان لزم التصرف فيه عند اسناده إلى غير الزماني وهو خلاف الوجدان (أقول): هذا يتم لو كان المراد من الزمان الحركة الفلكية أما لو كان المراد منه الامد الموهوم فلا اشكال،
بحسب المعنى خصوصية أخرى موجبة للدلالة على وقوع النسبة في الزمان الماضي في الماضي وفى الحال أو الاستقبال في المضارع فيما كان الفاعل من الزمانيات " ويؤيده " أن المضارع يكون مشتركا معنويا بين الحال والاستقبال ولا معنى له الا ان يكون له خصوص معنى صح انطباقه على كل منهما لا انه يدل على مفهوم زمان يعمهما، كما أن الجملة الاسمية كزيد ضارب يكون لها معنى صح انطباقه على كل واحد من الازمنة مع عدم دلالتها على واحد منها أصلا فكانت الجملة الفعلية مثلها، وربما يؤيد ذلك ان الزمان الماضي في فعله وزمان الحال أو الاستقبال في المضارع لا يكون ماضيا أو مستقبلا حقيقة لا محالة بل ربما يكون في الماضي مستقبلا حقيقة وفي المضارع ماضيا كذلك وانما يكون ماضيا أو مستقبلا في فعلهما بالاضافة كما يظهر من مثل قوله: يجيئني زيد بعد عام وقد ضرب قبله بايام، وقوله: جاء زيد في شهر كذا وهو
______________________________
والظاهر أن مرادهم الثاني كما يشهد به عدهم (قبل) و (بعد) من ظروف الزمان - مع أنه لا يظن التزامهم بالمجاز في مثل قولنا: وجد الزمان بعد العدم، وقولنا: لا زمان قبل الزمان، كما أن الظاهر منه عرفا ذلك (قوله: بحسب المعنى خصوصية) فخصوصية الماضي أن الحدث المدلول به عليه خارج من القوة إلى الفعل، ومن العدم إلى الوجود، وخصوصية المضارع أن الحدث المدلول عليه به لم يخرج في الماضي من القوة إلى الفعل بل يخرج بعده، ومن المعلوم ملازمة الخصوصية الاولى للوقوع في الزمان الماضي، والثانية للوقوع في الحال أو الاستقبال ثم إنه لا ينبغي التأمل في ثبوت هاتين الخصوصيتين لمعنى الفعلين وبهما امتاز احدهما عن الآخر. نعم إطلاق الخروج من القوة إلى الفعل وعدمه يقتضي كونه بالاضافة إلى زمان النطق، وقد تكون قرينة على خلاف ذلك وانه بالاضافة إلى زمان آخر كما سيأتي في الامثلة (قوله: ولا معنى له) هذا غير ظاهر الوجه إذ يمكن تصور الجامع بين الزمانين كما يمكن تصور الجامع بين خصوصيتي الحال والاستقبال - مع أنه إذا كان لا معنى له كان دليلا على المدعى لا مؤيدا له (قوله: لا محالة) قيد للمنفي
يضرب في ذلك الوقت أما فيما بعده مما مضى، فتأمل جيدا ثم لا بأس بصرف عنان الكلام إلى بيان ما به يمتاز الحرف عما عداه بما يناسب المقام لاجل الاطراد في الاستطراد في تمام الاقسام (فاعلم) أنه وان اشتهر بين الاعلام ان الحرف مادل على معنى في غيره وقد بيناه في الفوائد بما لا مزيد عليه الا انك عرفت فيما تقدم عدم الفرق فيما بينه وبين الاسم بحسب المعنى وانه فيهما لم يلحظ فيه الاستقلال بالمفهومية ولا عدم الاستقلال بها، وانما الفرق هو انه وضع ليستعمل وأريد منه معناه حالة لغيره وبما هو في الغير، ووضع غيره ليستعمل واريد منه معناه بما هو هو وعليه يكون كل من الاستقلال بالمفهومية وعدم الاستقلال بها انما اعتبر في جانب الاستعمال لا في المستعمل فيه ليكون بينهما تفاوت بحسب المعنى فلفظ الابتداء لو استعمل في المعنى الآلي ولفظة (من) في المعنى الاستقلالي لما كان مجازا واستعمالا له في غير ما وضع له وان كان بغير ما وضع له فالمعنى في كليهما في نفسه كلي طبيعي يصدق على كثيرين، ومقيدا باللحاظ الاستقلالي أو الآلي
______________________________
(قوله: فتأمل جيدا) يمكن أن يكون اشارة إلى ضعف التأييد لامكان دعوى كون المراد من الزمان الماضي الذي يدل عليه الفعل الماضي ما كان ماضيا بالاضافة إلى غيره لكن إطلاقه يقتضي كونه بالاضافة إلى زمان النطق، وقد تقوم قرينة على خلافه، وكيف كان فالمدلول هو الزمان الماضي في الحالين، وكذا الكلام في المضارع فتلخص أن كلا من الفعل الماضي والمضارع دال بمادته على المبدأ وبهيئته على نسبة خاصة أعني القائمة بمبدأ خارج من العدم إلى الوجود أو يخرج وأن تلك الخصوصية هي منشأ فهم الزمان منه، والامر سهل (قوله: فلفظ الابتداء لو استعمل) قد عرفت سابقا أن لفظ (الابتداء) حاك عن نوع من الربط أعني ربط الشئ بمبدئه ملحوظا بالاستقلال في نفسه ولفظ (من) حاك في كل مورد من موارد استعماله عن اضافة خاصة مباينة لغيرها المحكية بها في مورد آخر فإذا قلت: سرت من البصرة، ف (- من) حاكية عن اضافة قائمة بين السير والبصرة فإذا
قلت أيضا: ثم سرت من الكوفة، فهي حاكية عن اضافة أخرى قائمة بين السير والكوفة فهما اضافتان متماثلتان فردان لمفهوم الاضافة القائمة بين الشئ ومبدئه وليست في الموردين مستعملة في معنى واحد وهو الجامع المذكور إذ لا يفهم منها الجامع أصلا بل المفهوم منها في كل مورد شخص من الاضافة مباين لما يفهم منها في المورد الآخر والمراد من كون الاضافة شخصا انها فرد من الجامع بينها وبين غيرها الذي لا يحكيه الحرف أصلا بل هي لا تصدق على الكثير بن (ودعوى) أنه لا ريب في تحقق امتثال: سر من البصرة، بالسير من الجانب الشرقي وبالسير من الجانب الغربي وغيرهما فهذه الاضافات القائمة بين السير وكل واحد من جوانب البصرة هي افراد للاضافة القائمة بين السير والبصرة (مدفوعة) بأن الاضافات المذكورة مباينة للاضافة القائمة بين السير ونفس البصرة كما انها متباينات في انفسها وتحقق الامتثال في أنواع السير المذكورة من جهة أن كل واحد من تلك الانواع كما يكون منشأ للاضافة القائمة بين السير وأحد الجوانب يكون منشأ لانتزاع الاضافة القائمة بين السير ونفس البصرة أيضا فالعموم ليس للاضافة بل لمنشأ انتزاعها الذي هو في الحقيقة موضوع التكليف، وإلا فالاضافات متباينة باختلاف بعض أطرافها ولو بالكلية والجزئية (ولعل) من هنا يشكل كون الاضافات المتباينة من قبيل أفراد الجامع الواحد وهو مفهوم إضافة الشئ إلى مبدئه مثلا فان اضافة الشئ إلى مبدئه كلية أيضا تباين الاضافات المستعمل فيها لفظ (من) فلا عموم لها فيه وإنما العموم للمتضايفين والاضافة القائمة بين العامين تباين الاضافة القائمة بين الخاصين فالاختلاف بين معني الاسم والحرف ليس بالعموم والخصوص بل بالاستقلالية والتبعية لا غير ولو قلت: سرت من البصرة، فقال آخر لك: سرت من البصرة، فما استعملت فيه (من) في المقامين واحد لان الصور الذهنية وان تعددت بتعدد الاستعمال الا أن محكيها واحد وهو المستعمل فيه كما لو استعملت لفظ زيد في ذاته مرتين أو اكثر فان المستعمل فيه واحد وهو الذات وان كان الاستعمال لباقي الصور الحاكية عنها إلا انها لما كانت ملحوظة باللحاظ الآلي كان
أو الآلي كلي عقلي، وان كان بملاحظة أن لحاظه وجوده ذهنا كان جزئيا ذهنيا فان الشئ ما لم يتشخص لم يوجد وإن كان بالوجود الذهني (فافهم وتامل) فيما وقع في المقام من الاعلام من الخلط والاشتباه وتوهم كون الموضوع له أو المستعمل فيه في الحروف خاصا بخلاف ما عداه فانه عام، وليت شعرى إن كان قصد الآلية فيها موجبا لكون المعنى جزئيا فلم لا يكون قصد الاستقلالية فيه موجبا له، وهل يكون ذلك إلا لكون هذا القصد ليس مما يعتبر في الموضوع له ولا المستعمل فيه بل في الاستعمال ؟ فلم لا يكون فيها كذلك كيف والا لزم أن يكون معاني المتعلقات غير منطبقة على الجزئيات الخارجية لكونها - على هذا - كليات عقلية والكلي العقلي لا موطن له إلا الذهن، فالسير والبصرة والكوفة في: سرت من البصرة إلى الكوفة، لا يكاد يصدق على السير والبصرة والكوفة لتقيدها بما اعتبر فيه القصد فتصير
______________________________
المنظور إليه نفس المحكي ثم إن البناء على كون الاستعمال كذلك يقتضي البناء على كون الوضع لنفس المستعمل فيه والبناء على التفكيك بينهما يقتضي المجاز بلا حقيقة وهو مما لا داعي إليه بل لا وجه له فان تبادر المعاني الجزئية منها يقتضي الوضع لها ولو تعينا ودعوى الوضع التعييني لنفس الجامع الكلي غير مهمة بل دعوى الوضع مطلقا كذلك إذ المهم بيان معناها في موارد الاستعمال وقد عرفته والله سبحانه أعلم (قوله: كلي عقلي) الكلي العقلي هو الكلي الطبيعي المقيد بكونه لا يمتنع مفهومه عن الصدق على الكثيرين لا الكلي المقيد باللحاظ (قوله: لحاظه وجوده) الاول اسم (إن) والثاني خبرها يعني أن لحاظ الشئ وجود ذهني له فيكون به جزئيا ذهنيا (قوله: وليت شعري إذا) قد عرفت أن جزئية المعنى الحرفي ليس لانه مقيد باللحاظ الذهني بل لان معروض اللحاظ أعني الاضافة الخاصة المتشخصة بطرفيها جزئية وهي المحكية بالحرف (قوله: وإلا لزم أن يكون) يعني وان كان اللحاظ قيدا في المعنى الحرفي كان قيدا في المعنى الاسمي لان المعنى الحرفي قيد للمعنى الاسمي وقيد القيد قيد وإذا كان قيدا للمعنى الاسمي
عقلية فيستحيل انطباقها على الامور الخارجية وبما حققنا(١) يوفق بين جزئية المعنى الحرفي بل الاسمى والصدق على الكثيرين وأن الجزئية باعتبار تقييد المعنى باللحاظ في موارد الاستعمالات آليا أو استقلاليا وكليته بلحاظ نفس المعنى، ومنه ظهر عدم اختصاص الاشكال والدفع بالحرف بل يعم غيره، فتأمل في المقام فانه دقيق ومزال الاقدام للاعلام وقد سبق في بعض الامور بعض الكلام والاعادة مع ذلك لما فيها من الفائدة والافادة (فافهم) (رابعها) أن اختلاف المشتقات في المبادئ وكون المبدأ في بعضها حرفة وصناعة وفى بعضها قوة وملكة وفي بعضها فعليا لا يوجب اختلافا في دلالتها بحسب الهيئة أصلا، ولا تفاوتا في الجهة المبحوث عنها كما لا يخفى (غاية الامر) أنه يختلف التلبس به في المضى أو الحال فيكون التلبس به فعلا لو أخذ حرفة أو ملكة ولو لم يتلبس به إلى الحال أو انقضى عنه، ويكون مما مضى أو يأتي لو أخذ فعليا فلا يتفاوت فيها انحاء التلبسات وانواع التعلقات كما أشرنا إليه
______________________________
امتنع انطباقه على الخارج، ويمكن أن يقال: المعاني الحرفية اعتبارية فيمتنع أن تكون قيدا للمعاني الاسمية الحقيقية بل التقييد في الحقيقة قائم بين المعنى الاسمي ومنشأ الاعتبار وهو مما لم يقيد باللحاظ فتأمل (قوله: يوفق بين جزئية المعنى) هذا ظاهر في ثبوت دعويين متنافيتين في الظاهر إحداهما كون معانيها جزئية وثانيتهما كون معانيها تصدق على الكثيرين وقد عرفت أن المعروف كون الموضوع له في الحروف خاصا وفي الاسماء عاما (قوله: فيكون التلبس به) مثلا شاعر وكاتب وصائغ وتاجر، ان اريد منها الملكة والصنعة والحرفة فالذات متلبسة
______________
(١) ثم انه قد انقدح بما ذكرنا ان المعنى بما هو معنى اسمى وملحوظ استقلالي أو بما هو معنى حرفي وملحوظ آلي كلي عقلي في غير الاعلام الشخصية وفيها جزئي كذلك وبما هو هو أي بلا احد اللحاظين كلى طبيعي أو جزئي خارجي وبه (نسخه بدل) (*)
(خامسها) أن المراد بالحال في عنوان المسألة هو حال التلبس لا حال النطق ضرورة أن مثل: كان زيد ضاربا امس، أو: سيكون غدا ضاربا، حقيقة إذا كان متلبسا بالضرب في الامس في المثال الاول، ومتلبسا به في الغد في الثاني، فجري المشتق حيث كان بلحاظ حال التلبس وان مضى زمانه في أحدهما ولم يأت بعد في آخر
______________________________
بها ولو في حال النوم وإن اريد منها فعليتها فالذات غير متلبسة بها وان كانت متلبسة بها في الماضي أو تتلبس بها في المستقبل (قوله: المراد بالحال) إذا قيل: زيد عالم، فهناك أحوال ثلاث حال النطق وحال التلبس اعني تلبس زيد بالعلم، وحال الجري وهو حال النسبة الايقاعية ولا اشكال في كون المشتق حقيقة مع اتفاق هذه الاحوال كما إذا قلت: زيد عالم الآن، وكان زيد عالما في حال النطق، أما لو اختلفت هذه الاحوال فقد يكون حقيقة بالاتفاق وقد يكون مجازا بالاتفاق وقد يكون محل الخلاف في هذه المسألة وقد وقع الخلاف في معيار الاختلاف والاتفاق، فالتحقيق الذي بنى عليه المصنف " ره " وغيره أن المعيار هو اختلاف زمان الجري مع زمان التلبس واتفاقهما فان اتفقا كان حقيقة بالاتفاق، وان تقدم زمان الجري على زمان التلبس فهو مجاز بالاتفاق أيضا كما إذا قلت: زيد قائم أمس، إذا كان ليس بقائم أمس وإنما كان قائما حال النطق، وإن تأخر زمان الجري عن زمان التلبس فهو محل الخلاف في هذا المبحث، ولا عبرة بزمان النطق أصلا والمحكي عن صريح بعض أن العبرة بزمان النطق فان اتفق مع زمان التلبس كان حقيقة بالاتفاق وإن تقدم عليه كان مجازا بالاتفاق وان تأخر عنه كان محل الخلاف في المقام (قوله: حال التلبس) الظاهر أن أصل العبارة حال الجري، لان التلبس مذكور في العنوان. نعم لو كانت عبارة العنوان هكذا: المشتق حقيقة في خصوص ما جرى عليه المبدأ في الحال، كان المتعين حمل الحال على التلبس وهو ظاهر (قوله: ضاربا أمس) أمس وغد في المثالين زمانا الجري (قوله: حقيقة) يعني بلا تصرف ولا عناية، وبذلك يتم الاثبات
كان حقيقة بلا خلاف، ولا ينافيه الاتفاق على أن مثل: زيد ضارب غدا، مجاز فان الظاهر أنه فيما إذا كان الجري في الحال كما هو قضية الاطلاق والغد إنما يكون لبيان زمان التلبس فيكون الجري والاتصاف في الحال والتلبس في الاستقبال، ومن هنا ظهر الحال في مثل: زيد ضارب أمس، وأنه دخل في محل الخلاف والاشكال ولو كانت لفظة (أمس) أو (غد) قرينة على تعيين زمان النسبة والجرى ايضا كان المثالان حقيقة (وبالجملة): لا ينبغى الاشكال في كون المشتق حقيقة فيما إذا جرى على الذات بلحاظ حال التلبس ولو كان في المضي أو الاستقبال، وإنما الخلاف في كونه حقيقة في خصوصه أو فيما يعم ما إذا جرى عليها في الحال بعد ما انقضى عنه التلبس بعد الفراغ عن كونه مجازا فيما إذا جرى عليها فعلا بلحاظ التلبس في الاستقبال
______________________________
(قوله: مجاز) يعني وان كان يتلبس بالضرب غدا فيتحد زمان الجري مع زمان التلبس (قوله: فان الظاهر) كان الاولى منع هذا الاتفاق على مدعيه لعدم تصريح بذلك في كلماتهم لا تسليمه وحمله على ما ذكر إذ لا يمكن جعل (غدا) قيدا لامر مقدر، والظاهر أن المستند في دعوى الاجماع توهم أن المراد من الحال حال النطق (قوله: قضية الاطلاق) يعني إذا أطلق قول القائل: زيد قائم، ولم يقيد بزمان فالظاهر منه إرادة حال النطق لكن لا مجال لقياس المقام عليه بعد وجود القيد (قوله: وانه داخل) يعني لو كان المراد الجري حال النطق وتكون كلمة (أمس) قيدا للتلبس فانه يكون زمان التلبس متقدما على زمان الجري الذي هو محل الخلاف في المقام (قوله: المثالان حقيقة) لاتحاد زمان الجري مع زمان التلبس (قوله: عليها في الحال) لو نكر كلمة الحال لكال أولى ليعم ما لو كان الجري في الماضي أو المستقبل مع كون التلبس قبله، وكذا الحال في قوله: فعلا، إذ لو أبدله بقوله: في زمان، بلحاظ التلبس فيما بعده لعم،
ويؤيد ذلك اتفاق أهل العربية على عدم دلالة الاسم على الزمان ومنه الصفات الجارية على الذوات ولا ينافيه اشتراط العمل في بعضها بكونه بمعنى الحال أو الاستقبال ضرورة أن المراد الدلالة على أحدهما بقرينة، كيف لا وقد اتفقوا على كونه مجازا في الاستقبال (لا يقال): يمكن أن يكون المراد بالحال في العنوان زمانه كما هو الظاهر منه عند اطلاقه وادعي انه الظاهر في المشتقات إما لدعوى الانسباق من الاطلاق أو بمعونة قرينة الحكمة (لانا نقول): هذا الانسباق وإن كان مما لا ينكر إلا أنهم في هذا العنوان بصدد تعيين ما وضع له المشتق لا تعيين ما يراد بالقرينة منه. (سادسها) أنه لا أصل في نفس هذه المسألة يعول عليه عند الشك، وأصالة عدم ملاحظة الخصوصية - مع
______________________________
(قوله: ويؤيد ذلك) لعل وجه التأييد أنه لو كان المشتق دالا على الزمان دلالة الفعل عليه تعين ان يكون المراد بالحال المدلول عليه حال النطق لانه المراد به في مدلول الفعل أما إذا لم يكن دالا عليه فلا وجه لدعوى ارادة حال النطق من لفظ الحال من العنوان (قوله: عند اطلاقه) يعنى إطلاق لفظه (قوله: الظاهر في المشتقات) الظاهر انه لا خصوصية للمشتقات بل هو مطرد في جميع الجمل الاسمية فكما أن ظاهر قولنا: زيد عادل، أنه عادل حال النطق كذلك ظاهر قولنا: هذا زوج، و: هذه زوجة، و: هذا رطب، و: هذا تمر، أنه كذلك حال النطق (قوله: هذا الانسباق... الخ) يعني ان لفظ الحال يذكر في مقامين أحدهما مقام ما وضع له المشتق، وثانيهما مقام ما يكون المشتق دالا عليه ولو بالقرينة وظهور لفظ الحال في المقام الثاني في حال النطق لا يقتضي ظهور لفظ الحال في المقام الاول فيه (وإن شئت) قلت: الانسباق أو قرينة الحكمة إنما يقتضيان تعيين زمان الجري في زمان النطق لان العبرة في الاتفاق والاختلاف هو اتفاق زمان التلبس مع زمان النطق، وان شئت قلت: إن لفظ الحال في العنوان وإن كان ظاهرا في زمان النطق إلا أن التعبير به لاتحاده
معارضتها باصالة عدم ملاحظة العموم - لا دليل على اعتبارها في تعيين الموضوع له، وأما ترجيح الاشتراك المعنوي على الحقيقة والمجاز إذا دار الامر بينهما لاجل الغلبة فممنوع لمنع الغلبة (أولا) ومنع نهوض حجة على الترجيح بها (ثانيا)
______________________________
مع زمان الجري بمقتضى الانسباق أو قرينة الحكمة فحال النطق ملحوظ عبرة لحال الجري لا أنه ملحوظ لنفسه وبما أنه زمان النطق، ومنه يظهر اندفاع ما يتراءى من التنافي في عبارة الفصول فانه ذكر أنه بناء على أن العبرة في كونه حقيقة بالاتفاق اتفاق حال الجري مع حال التلبس يكون قولنا: أكرمت أو سأكرم قائما، حقيقة إذا كان الاتصاف حال الاكرام فان حال الاكرام أجنبي عن حال الجري والاطلاق، لكن التعبير به عنه لاجل انه يكون حال الجري غالبا بمقتضى الاطلاق (قوله: معارضتها باصالة) لان كلا من لحاظ العموم والخصوص مجرى لاصالة العدم لكونه حادثا مسبوقا بالعدم وليس أحدهما أثرا للآخر. ثم إن ذلك بناء على بساطة مفهوم المشتق واضح لتباين العام والخاص حينئذ، أما بناء على تركبه فقد يتوهم أن العام والخاص من قبيل الاقل والاكثر فملاحظة الخاص تقتضي ملاحظة العام وخصوصية الخاص، وحينئذ لا تجري أصالة عدم ملاحظة العام للعلم بملاحظته وحده أو مع الخصوصية، لكنه يندفع بأن ملاحظة ذات العام مهملا من دون ملاحظته عاما لا يكفي في إثبات عموم الموضوع له فلا بد من ملاحظة العموم والاصل عدمه (قوله: لا دليل على اعتبارها) يعني إلا بناء على القول بالاصل المثبت، إذ لا أثر شرعي لعدم ملاحظة الخصوصية إلا بتوسط إثبات الوضع ليثبت به الظهور فيثبت به الاثر الشرعي (قوله: وأما ترجيح) إشارة إلى أصل آخر يقتضي الوضع للاعم وتقريبه أن المشتق يستعمل فيما انقضى عنه المبدأ فيدور الامر بين الوضع للاعم منه ومن المتلبس فيكون مشتركا معنويا بينهما والوضع لخصوص المتلبس فيلزم المجاز، والاشتراك أولى من المجاز للغلبة (قوله: لمنع الغلبة) كيف وقد قيل: إن اكثر لغة العرب
وأما الاصل العملي فيختلف في الموارد فاصالة البراءة في مثل: أكرم كل عالم، يقتضى عدم وجوب اكرام ما انقضى عنه المبدأ قبل الايجاب كما أن قضية الاستصحاب وجوبه لو كان الايجاب قبل الانقضاء فإذا عرفت ما تلونا عليك (فاعلم) أن الاقوال في المسألة وان كثرت إلا أنها حدثت بين المتأخرين بعد ما كانت ذات قولين بين المتقدمين لاجل توهم اختلاف المشتق باختلاف مبادئه في المعنى أو بتفاوت ما يعتريه من الاحوال، وقد مرت الاشارة إلى أنه لا يوجب التفاوت فيما نحن بصدده ويأتي له مزيد بيان في أثناء الاستدلال على ما هو المختار وهو اعتبار التلبس في الحال وفاقا لمتأخري الاصحاب والاشاعرة وخلافا لمتقدميهم والمعتزلة، ويدل عليه
______________________________
مجاز (قوله: الاصل العملي) ما تقدم كان من الاصل اللفظي (قوله: فاصالة البراءة) يعني إذا انقضى التلبس بالمبدأ أعني العلم ثم ورد: أكرم كل عالم، فحينئذ يشك في وجوب إكرام من انقضى عنه العلم للشك في كونه عالما فيرجع إلى أصالة البراءة عن وجوب اكرامه، ولو ورد حال التلبس: أكرم العالم، فوجب اكرام المتلبس ثم انقضى عنه العلم فالمرجع استصحاب وجوب إكرامه للعلم بوجوب إكرامه سابقا والشك فيه لاحقا " أقول ": الاولى الرجوع في الفرض الاول إلى استصحاب عدم وجوب الاكرام عكس الفرض الثاني لا أصالة البراءة " فان قلت ": لا مجال للاصول المذكورة لجريان استصحاب كونه عالما الثابت حال التلبس فانه حاكم أو وارد عليها " قلت ": لا يصح استصحاب المفهوم المردد لانه ليس موضوعا للاثر ولا استصحاب كل من طرفي الترديد لان أحدهما معلوم الارتفاع، والآخر معلوم البقاء (قوله: باختلاف مباديه) مثل التفصيل بين ما كان المبدأ من المصادر السيالة كالكلام والاخبار فلا يعتبر البقاء فيه وبين غيره فيعتبر، والتفصيل بين المبادئ الحدوثية كالقيام والقعود فيعتبر البقاء فيها وغيرها فلا يعتبر (قوله: أو بتفاوت ما يعتريه) كالتفصيل بين كون المشتق محكوما عليه وكونه محكوما به فاشترط البقاء في الثاني
تبادر خصوص المتلبس بالمبدأ في الحال، وصحة السلب مطلقا عما انقضى عنه كالمتلبس به في الاستقبال وذلك لوضوح أن مثل القائم والضارب والعالم وما يرادفها من سائر اللغات لا يصدق على من لم يكن متلبسا بالمبادئ وان كان متلبسا بها قبل الجري والانتساب ويصح سلبها عنه كيف وما يضادها بحسب ما ارتكز من معناها في الاذهان يصدق عليه، ضرورة صدق القاعد عليه في حال تلبسه بالقعود بعد انقضاء تلبسه بالقيام مع وضوح التضاد بين القاعد والقائم بحسب ما ارتكز لهما من المعنى كما لا يخفى، وقد يقرر هذا وجها على حدة ويقال: لا ريب في مضادة الصفات المتقابلة المأخوذة من المبادئ المتضادة على ما ارتكز لها من المعاني فلو كان المشتق حقيقة في الاعم لما كان بينها مضادة بل محالفة لتصادقها فيما انقضى عنه المبدأ وتلبس بالمبدأ الآخر، ولا يرد على هذا التقرير ما أورده بعض الاجلة من المعاصرين من عدم التضاد على القول بعدم الاشتراط لما عرفت من ارتكازه بينها كما في مبادئها (إن قلت)
______________________________
*
دون الاول (قوله: تبادر خصوص) من الواضح أن الذات التي يعرضها المبدأ ثم تنفك عنه لما كانت مستمرة أمكن تحليلها إلى قطعتين قطعة تساوي المبدأ زمانا وقطعة أخرى بعدها، فمحل النزاع هنا أن مفهوم المشتق حاك عن الجامع بين القطعتين أو عن خصوص القطعة الاولى المساوية للمبدأ التي لا تنفك عنه ؟ الثاني هو مختار المصنف (ره) وهو الذي ادعى تبادره، والوجدان مساعده إذ لا يفهم من المشتق عند اطلاقه إلا ذات لابسة للمبدأ غير منفكة عنه (قوله: السلب مطلقا) أي غير مقيد بما يوجب صرفه عن معناه بل يصح سلبه بما له من المعنى المرتكز (قوله: كالمتلبس) يعني كما يصح سلبه عن المتلبس به في الاستقبال الذي أجمعوا على كونه مجازا فيه (قوله: كيف وما) يعني كيف يصدق المشتق على غير المتلبس مع صدق ضده عليه فيلزم من صدقه اجتماع الضدين (قوله: يصدق) فاعله ضمير راجع إلى (ما) (قوله: عليه) أي على غير المتلبس (قوله: هذا) يعني برهان التضاد (قوله: على حدة)
ارتكازها لاجل الانسباق من الاطلاق لا الاشتراط (قلت): لا يكاد يكون لذلك لكثرة استعمال المشتق في موارد الانقضاء لو لم يكن باكثر (ان قلت): على هذا يلزم أن يكون في الغالب أو الاغلب مجازا وهذا بعيد ربما لا يلائمه حكمة الوضع (لا يقال): كيف وقد قيل بان أكثر المحاورات مجازات (فان) ذلك - لو سلم - فانما هو لاجل تعدد المعاني المجازية بالنسبة إلى المعنى الحقيقي الواحد نعم ربما يتفق ذلك بالنسبة إلى معنى مجازى لكثرة الحاجة إلى التعبير عنه لكن أين هذا مما إذا كان دائما كذلك فافهم (قلت): مضافا إلى أن مجرد الاستبعاد غير ضائر بالمراد بعد مساعدة الوجوه المتقدمة عليه، أن ذلك إنما يلزم لو لم يمكن استعماله فيما انقضى بلحاظ حال التلبس مع أنه بمكان من الامكان فيراد من: جاء الضارب، أو الشارب - وقد انقضى عنه الضرب والشرب -: جاء الذى كان ضاربا وشاربا قبل مجيئه حال التلبس بالمبدأ
______________________________
يعني في مقابل صحة السلب (قوله: من الاطلاق) يعنى من عدم تقييده بما يدل على إرادة الاعم من المنقضي (قوله: لا الاشتراط) يعني لا من حاق اللفظ الملزوم لاشتراط التلبس في معناه (قوله: لكثرة استعمال) كثرة الاستعمال في المنقضي لا تمنع من الانسباق للاطلاق إذ يمكن أن يكون الوجه في الانسباق عند الاطلاق كون الملتبس أولى الفردين في الانتساب، فتأمل (قوله: فانما هو لاجل) يعني لا لاجل أن الاستعمال في كل معنى مجازي أكثر من الاستعمال في المعنى الحقيقي (قوله: ان ذلك) يعني غلبة المجاز (قوله: بلحاظ حال) يعني يكون زمان الجري هو زمان التلبس الذي هو حقيقة بالاتفاق كما تقدم (قوله: بمكان من الامكان) وان كان الظاهر فيما لو كان محمولا مثل. زيد عادل، أن الجري في حال النطق كما تقدم في الامر الخامس، وفي ما لو كان موضوعا أن الجري حال الحكم كما في مثل: أكرمت
لا حينه بعد الانقضاء كى يكون الاستعمال بلحاظ هذا الحال وجعله معنونا بهذا العنوان فعلا بمجرد تلبسه قبل مجيئه ضرورة أنه لو كان للاعم لصح استعماله بلحاظ كلا الحالين (وبالجملة): كثرة الاستعمال في حال الانقضاء تمنع عن دعوى انسباق خصوص حال التلبس من الاطلاق، إذ مع عموم المعنى وقابلية كونه حقيقة في المورد ولو بالانطباق لا وجه لملاحطة حالة أخرى كما لا يخفى، بخلاف ما إذا لم يكن له العموم فان استعماله حينئذ مجازا بلحاظ حال الانقضاء وان كان ممكنا إلا أنه لما كان بلحاظ حال التلبس على نحو الحقيقة بمكان من الامكان
______________________________
عادلا (قوله: لا حينه بعد) أي لا حين المجيئ بعد انقضاء المبدأ (قوله وجعله) معطوف على الاستعمال والضمير راجع إلى الموصول (قوله: بمجرد) متعلق بجعله والباء للسببية (قوله: لصح استعماله) يعني حقيقة وحيث ثبت انه لخصوص المتلبس فلا وجه لحمله على المجاز، لكن عرفت أن الظاهر كون زمان الجري حال المجئ فلابد من الالتزام بالمجاز (قوله: وبالجملة كثرة الاستعمال) كأنه يشير بهذا الكلام إلى دفع توهم أن حمل الاستعمالات الكثيرة على كونها بملاحظة حال التلبس هدم لما تقدم من كثرة الاستعمال في موارد الانقضاء المانعة من احتمال كون الانسباق للاطلاق " وتوضيح " الدفع أن حمل الاستعمالات على كونها بلحاظ حال التلبس انما كان من جهة البناء على الوضع لخصوص المتلبس لان الحمل على الحقيقة أولى من الحمل على المجاز حيث يدور الامر بينهما، أما بناء على الوضع للاعم مما انقضى عنه المبدأ فلا موجب لحملها على انها بملاحظة حال التلبس لانها بملاحظة حال الانقضاء ايضا تكون حقيقة، وإذا حملت على أنها بملاحظة حال الانقضاء منع ذلك عن احتمال كون الانسباق للاطلاق (قوله: إذ مع) تعليل لقوله (تمنع) (قوله: لا وجه لملاحظة) ظاهره أنه لا يجوز الجري بملاحظة حال أخرى يعني حال التلبس، لكنه غير ظاهر الوجه إذ كون الجري بلحاظ حال الانقضاء حقيقة لا يمنع من الجري بلحاظ حال التلبس، وان كان
فلا وجه لاستعماله وجريه على الذات مجازا وبالعناية وملاحظة العلاقة، وهذا غير استعمال اللفظ فيما لا يصح استعماله فيه حقيقة كما لا يخفى فافهم (ثم) إنه ربما أورد على الاستدلال بصحة السلب بما حاصله أنه إن أريد بصحة السلب صحته مطلقا فغير سديد، وإن أريد مقيدا فغير مفيد، لان علامة المجاز هي صحة السلب المطلق
*
(وفيه) أنه ان أريد بالتقييد تقييد المسلوب الذى يكون سلبه أعم من سلب المطلق - كما هو واضح - فصحة سلبه وان لم تكن علامة على كون المطلق مجازا فيه إلا ان تقييده ممنوع، وإن أريد تقييد السلب فغير ضائر بكونها علامة ضرورة صدق المطلق على افراده على كل حال مع طمكان منع تقييده أيضا بأن يلحظ حال الانقضاء
______________________________
المراد أنه لا يجوز حمله على ملاحظة حال أخرى فيكون منعا في مقام الاثبات فلا وجه له الا إذا كان ظاهر الكلام كون الجري بلحاظ حال الانقضاء - كما عرفت - وعليه فلا بد من الالتزام بالمجاز لان اصالة الحقيقة ليست أصلا في قبال أصالة الظهور مقدمة عليها، بل هي نوع منها فمع فرض ظهور الكلام في ملاحظة الانقضاء يتعين حمل الكلام عليه والالتزام بالمجاز كما أشرنا إليه سابقا (قوله: فلا وجه لاستعماله) الكلام فيه يعرف مما سبق في نظيره (قوله: غير استعمال اللفظ) فان الالتزام بالمجاز فيه لتعينه لا يقتضي الالتزام بالمجاز في المقام لامكان حمله على الحقيقة (قوله: فافهم) لعله اشارة إلى ما عرفت (قوله: صحته مطلقا) يعني غير مقيد بحال الانقضاء كما يظهر من آخر العبارة (قوله: فغير سديد) لصحة قولنا: زيد قائم في حال قيامه (قوله: كما هو واضح) إذ لولا ذلك لخرج الاعم عن كونه أعم (قوله: تقييد السلب) كما هو ظاهر المعترض وحينئذ يكون المسلوب مسلوبا بما له من المعنى المرتكز في الذهن (قوله: ضرورة صدق المطلق) فإذا جاز سلبه عن شئ في زمان امتنع ان يكون فردا له وصحة قولنا: زيد قائم في حال قيامه، إنما كانت لاتحاد زمان الجري مع زمان التبلس الذي هو حقيقة بالاتفاق (قوله: مع إمكان منع) يعني مع إمكان
في طرف الذات الجاري عليها المشتق فيصح سلبه مطلقا بلحاظ هذا الحال كما لا يصح سلبه بلحاظ حال التلبس فتدبر جيدا (ثم) لا يخفى انه لا يتفاوت في صحة السلب عما انقضى عنه المبدأ بين كون المشتق لازما وكونه متعديا لصحة سلب الضارب عمن يكون فعلا غير متلبس بالضرب وكان متلبسا به سابقا، وأما إطلاقه عليه في الحال فان كان بلحاظ حال التلبس فلا اشكال كما عرفت، وإن كان بلحاظ الحال فهو وان كان صحيحا الا انه لا دلالة على كونه بنحو الحقيقة لكون الاستعمال اعم منها كما لا يخفى، كما لا يتفاوت في صحة السلب عنه بين تلبسه بضد المبدأ وعدم تلبسه لما عرفت من وضوح صحته مع عدم التلبس أيضا وان كان معه اوضح، ومما ذكرنا ظهر حال كثير من التفاصيل فلا نطيل بذكرها على التفصيل (حجة القول بعدم الاشتراط، وجوه) (الاول) التبادر وقد عرفت أن المتبادر هو خصوص حال التلبس (الثاني) عدم صحة السلب في مضروب ومقتول عمن انقضى عنه المبدأ (وفيه) أن عدم صحته في مثلهما انما هو لاجل انه أريد من المبدأ معنى يكون التلبس به باقيا في الحال ولو مجازا وقد انقدح من بعض المقدمات انه لا يتفاوت الحال
______________________________
*
إطلاق السلب والمسلوب معا فيرجع القيد إلى الذات المسلوب عنها فيقال: زيد في حال الانقضاء ليس بقائم، فلا تصح الشرطية الاولى في كلام المورد (قوله: مطلقا بلحاظ) يعني في جميع الازمنة بالنظر إلى الذات في حال الانقضاء أعني الصحة الملازمة للانقضاء (قوله: لا يصح سلبه) لثبوته للذات الملازمة للمبدأ (قوله: لا يتفاوت في صحة) تعريض بتفصيل الفصول بين المشتق من المصادر المتعدية فيكون أعم من المنقضي عنه المبدأ واللازمة فيكون مجازا في المنقضي (قوله: كما عرفت) يعني أنه حقيقة واعترف به في الفصول (قوله: صحته مع) يعني صحة السلب (قوله: ولو مجازا) لكنه تجوز في المادة لا في
فيما هو المهم في محل البحث والكلام ومورد النقض والابرام اختلاف ما يراد من المبدأ في كونه حقيقة أو مجازا، وأما لو أريد منه نفس ما وقع على الذات مما صدر عن الفاعل فانما لا يصح السلب فيما لو كان بلحاظ حال التلبس والوقوع كما عرفت لا بلحاظ الحال أيضا لوضوح صحة ان يقال: إنه ليس بمضروب الآن بل كان (الثالث) استدلال الامام (عليه السلام) تأسيا بالنبي - صلوات الله عليه - كما عن غير واحد من الاخبار بقوله تعالى: (لا ينال عهدي الظالمين) على عدم لياقة من عبد صنما أو وثنا لمنصب الامامة والخلافة تعريضا بمن تصدى لها ممن عبد الصنم مدة مديدة ومن الواضح توقف ذلك على كون المشتق موضوعا للاعم والا لما صح التعريض لانقضاء تلبسهم بالظلم وعبادتهم للصنم حين التصدي للخلافة (والجواب) منع التوقف على ذلك بل يتم الاستدلال ولو كان موضوعا لخصوص المتلبس، وتوضيح ذلك يتوقف على تمهيد مقدمة وهي أن الاوصاف العنوانية التي تؤخذ في موضوعات الاحكام تكون على أقسام (أحدها) أن يكون أخذ العنوان لمجرد الاشارة إلى ما هو في الحقيقة موضوعا للحكم لمعهوديته بهذا العنوان من دون دخل لاتصافه به في الحكم اصلا (ثانيها) ان يكون لاجل الاشارة إلى علية المبدأ للحكم مع كفاية مجرد صحة جري المشتق عليه ولو فيما مضى (ثالثها) ان يكون لذلك مع عدم الكفاية بل كان الحكم دائرا مدار صحة الجرى عليه واتصافه به حدوثا وبقاء إذا عرفت هذا فنقول: إن الاستدلال بهذا الوجه انما يتم لو كان أخذ العنوان في الآية الشريفة على النحو الاخير ضرورة انه لو لم يكن المشتق للاعم لما تم بعد عدم التلبس بالمبدأ ظاهرا حين التصدي فلا بد أن يكون للاعم ليكون حين التصدي
______________________________
الهيئة فلا ينافي عدم صحة السلب عن المنقضي (قوله: لو كان بلحاظ) يعني لو كان الجري بلحاظ (قوله: لمجرد الاشارة) فيكون تمام الموضوع للحكم هو المشار إليه والعنوان ملحوظا باللحاظ الآلي (قوله: الاشارة إلى) فيكون
حقيقة من الظالمين ولو انقضى عنهم التلبس بالظلم، وأما إذا كان على النحو الثاني فلا كما لا يخفى ولا قرينة على انه على النحو الاول لو لم نقل بنهوضها على النحو الثاني فان الآية الشريفة في مقام بيان جلالة قدر الامامة والخلافة وعظم خطرها ورفعة محلها وأن لها خصوصية من بين المناصب الا لاهية ومن المعلوم ان المناسب لذلك هو ان لا يكون المتقمص بها متلبسا بالظلم أصلا كما لا يخفى (ان قلت): نعم ولكن الظاهر أن الامام (عليه السلام) انما استدل بما هو قضية ظاهر العنوان وضعا لا بقرينة المقام مجازا فلا بد ان يكون للاعم والا لما تم (قلت): لو سلم لم يكن يستلزم جري المشتق على النحو الثاني كونه مجازا بل يكون حقيقة لو كان بلحاظ حال التلبس كما عرفت
______________________________
حدوث جري المشتق في زمان علة لثبوت الحكم إلى الابد (قوله: على النحو الثاني فلا) إذ يكون جري الظالم عليهم في وقت مانعا من صلاحية الامامة، والمفروض عند الخصم تحقق الجري قبل الاسلام فثبت المطلوب وان لم يكن المشتق حقيقة في الاعم (قوله: ولا قرينة على أنه على النحو الاول) يعني الثالث لكن عرفت سابقا أن إثبات الثالث لا يحتاج إلى قرينة لانه مقتضى إطلاق الجملة التركيبية كما يظهر من ملاحظة النظائر مثل: الماء المتغير نجس، والحاضر يتم، والمسافر يقصر، إلى غير ذلك فان الجميع ظاهر في كون زمان الجري زمان الحكم فصرف الكلام عنه يحتاج إلى قرينة كما في مثل آيتي السرقة والزنا (قوله: فان الآية الشريفة) الانصاف عدم ظهور الآية فيما ذكر على نحو يعول عليه في مقام الاحتجاج، فالاولى في إثبات الثاني دعوى ظهور صدر الآية فيه وهو قوله: تعالى: (واذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فاتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين) إذ من الممتنع سؤال ابراهيم الامامة لذريته حال تلبسهم بالظلم، بل المسئول لهم الامامة من عداهم سواء لم يتلبس اصلا أو تلبس في وقت وانقضى عنه، وحينئذ يكون قوله تعالى: لا ينال... الآية إخراجا للقسم الثاني (قوله: ولكن الظاهر ان) هذا غير ظاهر (قوله: قلت لو سلم) من المعلوم ان استعمال
فيكون معنى الآية - والله العالم -: من كان ظالما ولو آنا في زمان سابق لا ينال عهدي ابدا، ومن الواضح ان ارادة هذا المعنى لا يستلزم الاستعمال لا بلحاظ حال التلبس، ومنه قد انقدح ما في الاستدلال على التفصيل بين المحكوم عليه والمحكوم به باختيار عدم الاشتراط في الاول بآية حد السارق والسارقة والزانى والزانية وذلك حيث ظهر انه لا ينافى ارادة خصوص حال التلبس دلالتها على ثبوت القطع والجلد مطلقا ولو بعد انقضاء المبدأ - مضافا إلى وضوح بطلان تعدد الوضع حسب وقوعه محكوما عليه أو به كما لا يخفى، ومن مطاوى ما ذكرنا ههنا وفى المقدمات ظهر حال سائر الاقوال وما ذكر لها من الاستدلال ولا يسع المجال لتفصيلها ومن اراد الاطلاع عليها فعليه بالمطولات (بقي أمور الاول) أن مفهوم المشتق على ما حققه المحقق
______________________________
المشتق في كل من الاقسام الثلاثة حقيقة إذا كان الجري حال التلبس فتعيين واحد منها لا يمكن أن يكون بالوضع فلا يتوجه السؤال لو كان مقصود السائل إنكار الوضع للمتلبس لانه عليه يلزم المجاز في الاستدلال، أما إذا كان مقصوده أن الظاهر عدم الاحتياج في الاستدلال إلى قرينة اصلا بل كان الاستدلال بنفس ظاهر الكلام محضا وعلى تقدير الوضع للمتلبس يحتاج إلى قرينة ولو معينة لبعض الاقسام بخلاف القول بالاعم فلا يندفع السؤال حقيقة على تقدير ارادة القسم الثاني للاحتياج إلى القرينة في تعيينه كما ذكر المصنف (ره) بل يتوقف اندفاعه على منع تسليم الظهور الذي ادعاه لا تسليمه والجواب عنه بما ذكر، أو دعوى أن الوضع للاعم لا يمنع من استعماله بلحاظ حال التلبس كما تقدم في دليل التضاد وحينئذ فنفيه كاثباته يحتاج إلى قرينة فلا يتم استظهار عدم الاحتياج إلى قرينة على كل من القولين فيسقط، لكن الدفع الثاني خلاف ظاهر المصنف (ره) كما تقدم (قوله: حيث ظهر) تعليل للانقداح (قوله: إرادة خصوص) لو ظهر منافاة إرادة خصوص المتلبس لدوام الحكم لم ينفع في صحة الاستدلال لان الاستعمال أعم من الحقيقة (قوله: بطلان تعدد الوضع) إذ يلزم أن لا يكون له معنى لو جرد
الشريف في بعض حواشيه بسيط منتزع عن الذات باعتبار تلبسها بالمبدأ واتصافها به غير مركب، وقد أفاد في وجه ذلك أن مفهوم الشئ لا يعتبر في مفهوم الناطق مثلا والا لكان العرض العام داخلا في الفصل، ولو اعتبر فيه ما صدق عليه الشئ انقلبت مادة الامكان الخاص ضرورة، فان الشئ الذى له الضحك هو الانسان وثبوت الشئ لنفسه ضروري. هذا ملخص ما افاده الشريف على ما لخصه بعض الاعاظم، وقد أورد عليه في الفصول بأنه يمكن أن يختار الشق الاول ويدفع
______________________________
*
عن الوضعين وهو خلاف الضرورة مع أن الكلام فيما وضع له هيئة المشتق لا في معنى الهيئة التركيبية (قوله: بسيط منتزع) سيجئ في آخر التنبيه التعرض لمعنى البسيط (قوله: وقد أفاد في وجه) ذكر هذا في حاشيته على شرح المطالع بعد ما عرف ماتنه النظر بأنه ترتب أمور... الخ فذكر الشارح: إنما قال أمور، لان الترتيب لا يتصور في الامر الواحد... إلى أن قال: والاشكال الذي استصعبه قوم من انه لا يشمل التعريف بالفصل وحده أو بالخاصة وحدها فليس في تلك الصعوبة في شئ لان التعريف بالمفردات انما يكون بالمشتقات والمشتق وان كان في اللفظ مفردا الا أن معناه شئ له المشتق فيكون من حيث المعنى مركبا، فاورد الشريف في حاشيته عليه بأن مفهوم الشئ لا يعتبر... الخ، وحاصل الاشكال: ان الشئ الذي ينحل إليه مفهوم المشتق إما ان يراد به مفهومه أو مصداقه، فان كان الاول لزم دخول العرض العام في الفصل لان مفهوم الشئ عرض عام بشهادة صدقه على المتباينات من جميع الجهات فإذا كان معنى الناطق الذي هو فصل الانسان شئ له النطق لزم ما ذكر، وان كان الثاني لزم انقلاب القضية الممكنة ضرورية فان قولنا: الانسان ضاحك، قضية ممكنة خاصة فلو كان معنى الضاحك المصداق الذي له الضحك كان ذلك المصداق عين الانسان، وحمل الشئ على نفسه ضروري (قوله: داخلا في الفصل) يعني وانه محال لان الفصل مقوم للنوع والعرض خارج عنه غير مقوم له (قوله: انقلبت مادة الامكان) يعني فيلزم انتفاء
الاشكال بأن كون الناطق - مثلا - فصلا مبنى على عرف المنطقيين حيث اعتبروه مجردا عن مفهوم الذات وذلك لا يوجب وضعه لغة كذلك (وفيه) أنه من المقطوع أن مثل الناطق قد اعتبر فصلا بلا تصرف في معناه اصلا بل بما له من المعنى كما لا يخفى " والتحقيق " أن يقال: إن مثل الناطق ليس بفصل حقيقي بل لازم ما هو الفصل واظهر خواصه وانما يكون فصلا مشهورا منطقيا يوضع مكانه إذا لم يعلم نفسه بل لا يكاد يعلم كما حقق في محله ولذا ربما يجعل لا زمان مكانه إذا كانا متساوييى النسبة إليه كالحساس والمتحرك بالارادة في الحيوان، وعليه فلا بأس بأخذ مفهوم الشئ في مثل الناطق فانه وان كان عرضا عاما لا فصلا مقوما للانسان الا انه بعد تقييده بالنطق واتصافه به كان من اظهر خواصه " وبالجملة ": لا يلزم من أخذ مفهوم الشئ في معنى المشتق إلا دخول العرض في الخاصة التي هي من العرضي لا في الفصل الحقيقي الذي هو من الذاتي فتدبرا جيدا
______________________________
الممكنة الخاصة وهو باطل بالضرورة (قوله: مبني على عرف) يعني أن مفهوم الناطق عند المنطقيين غير مفهومه عند اللغويين فعند الاولين تدخل فيه الذات وعند الآخرين تخرج عنه، لكن هذا لا يدفع الاشكال عن شارح المطالع لان كلامه كان في الفصل المنطقي الذي يكون معرفا، فافهم (قوله: قد اعتبر فصلا بلا) هذا غير ظاهر بل الظاهر منهم كون الفصل هو النطق وكون العرض العام والخاص هو المشي والضحك، والتعبير عنها بالمشتقات لتصحيح الحمل في التعريف حدا أو رسما مع الاشارة بها إلى مباديها التي هي اجزاء الماهية أو اعراضها في الحقيقة (قوله: كما حقق في محله) فقد ذكر الشريف نفسه في بعض حواشيه على شرح الشمسية: ان الحقائق الموجودة يتعسر الاطلاع على ذاتياتها والتمييز بينها وبين عرضياتها تعسرا تاما واصلا إلى حد التعذر (قوله: ولذا ربما يجعل) يعني مع بنائهم على امتناع فصلين لنوع واحد في عرض واحد (قوله: في مثل الناطق) الاشكال لا يختص بالناطق بل هو جار في جميع المشتقات التي لا يتميز
ثم قال: إنه يمكن ان يختار الوجه الثاني أيضا ويجاب بأن المحمول ليس مصداق الشئ والذات مطلقا بل مقيدا بالوصف وليس ثبوته للموضوع حينئذ بالضرورة لجواز أن لا يكون ثبوت القيد ضروريا. انتهى، ويمكن أن يقال: إن عدم كون ثبوت القيد ضروريا لا يضر بدعوى الانقلاب فان المحمول إن كان ذات المقيد وكان القيد خارجا وان كان التقييد داخلا بما هو معنى حرفي، فالقضية لا محالة تكون ضرورية ضرورة ضرورية ثبوت الانسان الذى يكون مقيدا بالنطق للانسان، وان كان المقيد بما هو مقيد على ان يكون القيد داخلا فقضية: الانسان ناطق، تنحل في الحقيقة إلى قضيتين إحداهما قضية: الانسان انسان، وهي ضرورية والاخرى قضية: الانسان له النطق، وهى ممكنة وذلك لان الاوصاف قبل العلم
______________________________
الفصل منها عن الخاصة ولا الجنس عن العرض العام فيرجع الاشكال لا على التفصيل بل على الاجمال فتأمل (قوله: ثم قال) يعني في الفصول (قوله: وليس ثبوته للموضوع) سيأتي بيانه في الايراد عليه (قوله: داخلا بما هو معنى حرفي) حمل المقيد يتصور على وجوه (احدها) ان يكون ملحوظا عبرة إلى نفس الذات فالنسبة الحملية قائمة بنفس الذات لا غير (ثانيها) أن يكون ملحوظا بما هو مضاف إلى القيد فالمحمول يكون هو الذات المضافة إلى القيد مع خروج القيد ودخول التقيد (ثالثها) ان يكون المقيد ملحوظا بنحو يكون القيد داخلا في المحمول وتتقوم به النسبة الحملية فقوله: بما هو معنى، ان كان اشارة إلى الاول فما ذكره من ان لازمه انقلاب القضية الممكنة إلى الضرورية واضح لما عرفت من أن المحمول نفس ذات الموضوع وحمل الشئ على نفسه ضروري وان كان اشارة إلى الثاني فلا يتم كما سيأتي (قوله: على أن يكون القيد داخلا) ظاهره ارادة الصورة الثالثة، وعليه تكون القضيتان المنحلة اليهما القضية الممكنة قضيتين عرضيتين موضوعهما واحد ومحمولهما متعدد، وهما المصداق المأخوذ في المشتق ونفس الوصف نظير قولنا زيد شاعر كاتب وبكر عالم عادل، لكن ظاهر قوله: لان الاوصاف... الخ
بها اخبار كما ان الاخبار بعد العلم بها تكون أوصافا، فعقد الحمل ينحل إلى القضية كما أن عقد الوضع ينحل إلى قضية مطلقة عامة عند الشيخ وقضية ممكنة عند الفارابى " فتأمل " لكنه قدس سره تنظر فيما افاده بقوله: وفيه نظر
______________________________
وقوله: فعقد الحمل... الخ ارادة التصوير الثاني فتكون القضية الاولى قائمة بين الذات والوصف والاخرى قائمة بين الذات الموصوفة وذات الموضوع نظير قولنا: زيد قائم الاب، ثم انه لم يتضح إشكال المصنف (ره) على الفصول على كل من التقديرين إذ مرجع الاشكال ان كان إلى ان الانحلال لا يقول به في الفصول فهو غير ظاهر وان كان إلى انه لا يقول به احد لان الانحلال عندهم في عقد الوضع لا عقد الحمل، ففيه ان بناءهم على عدمه كان من جهة بنائهم على كون المحمول في جميع القضايا هو المفهوم لا المصداق، والكلام هنا مع الشريف بعد فرض كون المحمول هو المصداق. وكيف كان فالظاهر أن مراد الفصول هو التصوير الثاني وان الانحلال يكون إلى قضيتين إحداهما ينحل إليها نفس مفهوم المشتق نظير انحلال عقد الوضع إلى الفعلية أو الممكنة، وثانيتهما تتقوم بالنسبة التامة القائمة بين الموضوع وذات المحمول المضافة إلى الوصف بقيد كونها كذلك، وجهة القضية الثانية هي جهة فعلية القيد لذات المقيد فان كانت فعلية القيد للذات بالامكان ففعلية المقيد للذات كذلك ولا يلزم انقلاب الممكنة إلى الضرورية لان ذات زيد المقيدة بفعلية العدالة ليست عين زيد، كما أن الكلي المقيد بقيد ليس عين ذلك الكلي فالانسان المقيد بالضحك ثبوته للانسان بالامكان كثبوت نفس الضحك للانسان، وزيد المقيد بالعدالة ثبوته لزيد بالامكان كما أن ثبوت نفس العدالة له كذلك، والوجه في ذلك: ان الذات المقيدة بقيد حاكية عن فعلية المبدأ لها فإذا كانت فعلية المبدأ للذات بالامكان امتنع ثبوت الذات المقيدة بالضرورة لان ثبوتها كذلك عين فعلية المبدأ للذات بالضرورة، وهو خلف (قوله: بها أخبار) يعني تفيد فائدة الخبر (قوله: تكون اوصافا) يعني تفيد فائدة التوصيف لان
لان الذات المأخوذة مقيدة بالوصف قوة أو فعلا ان كانت مقيدة به واقعا صدق الايجاب بالضرورة، وإلا صدق السلب بالضرورة مثلا لا يصدق: زيد كاتب
______________________________
المحمول يصح به الاشارة إلى الموضوع كالوصف (قوله: لان الذات المأخوذة مقيدة) من المعلوم اختلاف مادة القضية واقعا باختلاف كون الوصف ملحوظا فعليا أو ملكة فيصدق قولنا: زيد كاتب بالضرورة بمعنى ان له ملكة الكتابة ولا يصدق زيد كاتب بالضرورة بمعنى ان له فعلية الكتابة، كما اشار إليه المصنف (ره) سابقا، ولاجل ذلك يصدق زيد كاتب بالامكان بالضرورة، بمعنى ان الكتابة بالامكان ضرورية الثبوت لزيد، ولا يصدق زيد كاتب بالضرورة، بمعنى ان فعلية الكتابة ضرورية لزيد فمراد الفصول، الرد على قوله سابقا: وليس ثبوته للموضوع حينئذ بالضرورة، بأنه لا يتم لو اخذ الوصف مقيدا بمادة نسبته الواقعية قيدا للذات، فان ذات الموضوع ان كانت واجدة للوصف المذكور صدق الايجاب بالضرورة والا صدق السلب بالضرورة فيلزم الانقلاب الذي ذكره الشريف مثلا ذات زيد إذا كانت كاتبة بالامكان صدق زيد كاتب بالامكان ولازمه صدق قولنا: زيد الكاتب بالامكان بالضرورة، وإذا لم تكن كاتبة بالامكان لم يصدق انه كاتب بالامكان فيصدق زيد ليس بكاتب بالامكان بالضرورة وهذا معنى قوله: ان كانت مقيدة به واقعا... الخ يعني إن كانت الذات واجدة للوصف المقيد بمادته الواقعية من القوة أو الفعل صدق ايجاب الذات المقيدة بذلك الوصف بالضرورة وان كانت فاقدة له واقعا صدق السلب بالضرورة وهذا الكلام متين جدا إلا انه لا دخل له باخذ الذات في مفهوم المشتق إذ ليس انقلاب الممكنة إلى الضرورية جاء من قبل اخذ الذات في مفهوم المشتق وانما جاء من قبل تقييد الوصف بمادة نسبته واقعا، ولذا لو فرض اخلاء القضية من لفظ المشتق كان اللازم ذلك إذ كلما صدق زيد له الكتابة بالامكان يصدق زيد له الكتابة الممكنة بالضرورة واين هذا مما نحن فيه (قوله: قوة أو فعلا) قيد للوصف (قوله: لا يصدق زيد)
بالضرورة، لكن يصدق زيد الكاتب بالقوة أو بالفعل بالضرورة. انتهى، - ولا يذهب عليك أن صدق الايجاب بالضرورة بشرط كونه مقيدا به واقعا لا يصحح دعوى الانقلاب إلى الضرورية ضرورة صدق الايجاب بالضرورة بشرط المحمول في كل قضية ولو كانت ممكنة كما لا يكاد يضربها صدق السلب كذلك بشرط عدم كونه مقيدا به واقعا لضرورة السلب بهذا الشرط، وذلك لوضوح أن المناط في الجهات
______________________________
لعدم كون فعلية الكتابة ضرورية (قوله: لكن يصدق) لكون الكتابة بالقوة أو بالفعل ضرورية لزيد (قوله: ولا يذهب عليك) قد عرفت مراد الفصول، لكن حمله المصنف (ره) على إرادة الضرورية بشرط المحمول فاورد عليه بأنه خارج عن محل البحث في المقام إذ البحث في أن اخذ الذات في مفهوم المشتق يوجب انقلاب القضية الممكنة ضرورية، والانقلاب إلى الضرورية فيما ذكره ليس من جهة أخذ الذات في مفهوم المشتق بل من جهة اخذ المحمول شرطا في الموضوع إذ لا ريب في انه يوجب انقلاب القضية ولو كانت ممكنة إلى الضرورية ولو لم يؤخذ الذات في مفهوم المشتق لان الشئ بشرط ثبوته ضروري الثبوت، كما ان أخذ عدم المحمول شرطا يوجب انقلاب كل قضية إلى السالبة الضرورية لان الشئ في ظرف عدمه ممتنع الثبوت، وكأن الباعث للمصنف (ره) على هذا الحمل قوله: إن كانت مقيدة به، إذ لو كان مراده ما ذكرنا كان المناسب أن يقول: إن كانت واجدة له... الخ، لكن قوله: (واقعا) آب عن ذلك إذ لو اراد القضية بشرط المحمول كان اللازم أن يقول ان كانت مقيدة به في القضية وكذا قوله (ره): وإلا صدق... الخ كان اللازم أن يقول بدله: وان كانت مقيدة بعدمه... الخ، وبالجملة: ظاهر اكثر فقرات العبارة - ولا سيما التمثيل ولا سيما تقييد الوصف المذكور في صدر العبارة بقوله: قوة أو فعلا - إرادة ما ذكرنا وان توجه عليه الاشكال ايضا (قوله: وذلك لوضوح) تعليل
ومواد القضايا انما هو بملاحظة ان نسبة هذا المحمول إلى ذلك الموضوع موجهة بأي جهة منها ومع أية منها في نفسها صادقة ؟ لا بملاحظة ثبوتها له واقعا أو عدم ثبوتها له كذلك والا كانت الجهة منحصرة بالضرورة ضرورة صيرورة الايجاب أو السلب بلحاظ الثبوت وعدمه واقعا ضروريا ويكون من باب الضرورة بشرط المحمول. (وبالجملة): الدعوى هو انقلاب مادة الامكان بالضرورة فيما ليست مادته واقعا في نفسه وبلا شرط غير الامكان وقد انقدح بذلك عدم نهوض ما أفاده (ره) بابطال الوجه الاول كما زعمه - قدس سره - فان لحوق مفهوم الشئ والذات لمصاديقهما انما يكون ضروريا مع اطلاقهما لا مطلقا ولا مع التقيد إلا بشرط تقيد المصاديق به ايضا وقد عرفت حال الشرط فافهم، ثم إنه
______________________________
لعدم صحة دعوى الانقلاب بمجرد أخذ المحمول شرطا في الموضوع، يعني: ان المراد من الممكنة وغيرها من القضايا المواجهة ما كانت نسبة المحمول إلى نفس الموضوع موجهة بجهتها المعينة من الامكان أو غيره من دون أخذ المحمول شرطا فيها، فأخذ المحمول شرطا يوجب خروجها عن كونها ممكنة (قوله: ومواد القضايا) المراد من مادة القضية كيفية النسبة الواقعية، ومن الجهة اللفظ الدال عليها كلفظ الضرورة والامكان وغيرهما (قوله: ثبوتها له) هذا التعبير جار على تعبير الفصول والا فالثبوت الواقعي وعدمه إنما يكونان معيارين للصدق والكذب لا لكون القضية ضرورية سلبية أو ايجابية بل المعيار في ذلك شرط الثبوت وشرط عدمه (قوله: وبلا شرط) يعني والانقلاب الذي ذكرناه انما هو بالشرط (قوله: عدم نهوض ما افاده) قال في الفصول بعد كلامه المتقدم -: ولا يذهب عليك انه يمكن التمسك بالبيان المذكور على ابطال الوجه الاول ايضا لان لحوق مفهوم الذات أو الشئ لمصاديقهما ايضا ضروري ولا وجه لتخصيصه بالوجه الثاني. انتهى، والمصنف (ره) لما حمل عبارته المتقدمة على ارادة شرط المحمول حمل هذه العبارة ايضا على ذلك فأورد عليها بما تقدم من أن
لو جعل التالى في الشرطية الثانية لزوم أخذ النوع في الفصل ضرورة أن مصداق الشئ الذي له النطق هو الانسان كان أليق بالشرطية الاولى بل كان الاولى لفساده
______________________________
الانقلاب إلى الضرورية بشرط المحمول وان كان صحيحا الا انه خارج عن محل الكلام، وحيث عرفت مراده مما سبق تعرف مراده هنا وان الانقلاب إلى الضرورية لا يختص باخذ المصداق بل يتم ولو اخذ مفهوم الشئ المقيد بالوصف المقيد بمادته الواقعية إذ يصدق الانسان شئ كاتب بالامكان بالضرورة لان الشئ الممكن له الكتابة ضروري الثبوت للانسان، لكنه سابقا ردد بين الايجاب الضروري والسلب الضروري لتردد الذات بين الواجدة للوصف الخاص والفاقدة له، وهنا عين الانقلاب إلى الايجاب الضروري لتعين كون الشئ واجدا للوصف المذكور، " وفيه " - مضافا إلى ما عرفت من خروجه عن محل الكلام - أن مفهوم الشئ مما لا يقبل الوصف المذكور فاللازم الانقلاب إلى الضرورية السالبة، اللهم إلا أن يقال: هذا الانقلاب مبني على صدق الممكنة مع أخذ الشئ في مفهوم المشتق المتوقف ذلك على البناء على اقتضاء مفهوم الشئ للكتابة بالامكان، ومنه يظهر أن أخذ مفهوم الشئ في المشتق يوجب بطلان جميع القضايا أو اكثرها إذ الاوصاف المحمولة فيها مما لا تثبت لمفهوم الشئ فتأمل جيدا (قوله: لو جعل التالي) أقول: يمكن جعل التالي في الشرطية الاولى قولنا: لزم عدم صحة التعبير عن مفهوم الناطق بموجود له النطق أو ذات لها النطق أو نحو ذلك، لمباينة هذه المفاهيم لمفهوم الشئ والتالي باطل، أو لزم دخول الامر الاعتباري في الفصل بناء على أن الشئ من المفاهيم الاعتبارية ودخول الاعتباري في الفصل أشكل من دخول العرضي فيه، أو قولنا: لكان اما داخلا في مفهوم المادة أو في مفهوم الهيئة أو في مفهوم المركب والتالي باطل باقسامه (أما الاول) فلان لازمه دخوله في مفهوم جميع المشتقات حتى الفعل والمصدر لوجود المادة فيها (وأما الثاني) فلان الهيئة موضوعة وضع الحروف للنسبة الخاصة (وأما الثالث) فلان لازمه خروجه عن كونه مشتقا بل يكون موضوعا وضع الجوامد بوضع واحد لمادته وهيئته (قوله: ضرورة أن مصداق)
مطلقا ولو لم يكن مثل الناطق بفصل حقيقي ضرورة بطلان أخذ الشئ في لازمه وخاصته فتأمل جيدا. ثم إنه يمكن أن يستدل على البساطة بضرورة عدم تكرار الموصوف في مثل: زيد كاتب، ولزومه من التركب وأخذ الشئ مصداقا أو مفهوما في مفهومه (إرشاد) لا يخفى أن معنى البساطة بحسب المفهوم وحدته إدراكا وتصورا بحيث لا يتصور عند تصوره إلا شئ واحد لا شيئان وان انحل بتعمل من العقل إلى شيئين كانحلال مفهوم الشجر أو الحجر إلى شئ له الحجرية أو الشجرية مع وضوح بساطة مفهومهما (وبالجملة): لا تنثلم بالانحلال إلى الاثنينية بالتعمل العقلي وحدة المعنى وبساطة المفهوم كما لا يخفى، والى ذلك يرجع الاجمال والتفصيل الفارقين بين المحدود والحد مع ما هما عليه من الاتحاد ذاتا فالعقل بالتعمل يحلل النوع ويفصله إلى جنس وفصل بعد ما كان أمرا واحدا ادراكا وشيئا فاردا تصورا فالتحليل يوجب فتق ما هو عليه من الجمع والرتق.
______________________________
*
مفهوم الشئ كمفهوم لفظ المفهوم حاك عن معنى يصدق على الكلي بعين صدقه على الجزئي ويحمل على كل منهما بالحمل الشائع فيقال: زيد شئ والانسان شئ والحيوان شئ... وهكذا، فجميع هذه الاشياء مصاديقه، فإذا جعل كناية عن المصداق فالمصداق المكنى به عنه، ان كان نفس الانسان في قولنا: الانسان ناطق، لزم دخول النوع في مفهوم الفصل، وان كان نفس الجنس لزم دخول الجنس في مفهوم الفصل، وان كان نفس الفرد الخارجي لزم دخوله في مفهوم الفصل... وهكذا، ومن هنا يظهر الاشكال في صحة الانقلاب إلى الضرورية لجواز أن يراد من المصداق غير ذات الموضوع بل مفهوم لا يأبى الاتحاد مع الذات. فتأمل جيدا (قوله: بضرورة عدم تكرار) هذه الضرورة غير ظاهرة بعد ما اشتهر وارتكز في الاذهان: أن معنى المشتق ذات لها المبدأ (قوله: البساطة بحسب المفهوم) يعني ان البساطة (تارة) تكون بحسب المفهوم فيراد بها كون حضور المفهوم حضورا لمعنى واحد في قبال المركب المفهوم
وهو الذي يكون حضوره حضورا للمتعدد (واخرى) تكون بحسب الحقيقة فيراد بها كون المفهوم الواحد بحيث لا ينحل إلى اثنين ولو بالتعمل العقلي ولو كانا جنسا وفصلا في قبال المركب بحسب الحقيقة وهو ما يمكن أن ينحل بنظر العقل وتعمله إلى اثنين، والبساطة بحسب الثاني أخص منها بحسب الاول فمفهوم الانسان بسيط بالمعنى الاول ومركب بالمعنى الثاني، كما أن مفهوم قولنا: حيوان ناطق، مركب بالمعنيين، ثم إن الظاهر من دليل الشريف كون مفهوم المشتق بسيطا بمعنى آخر وهو مجرد عدم دخول الذات فيه لا بالمعنى الاول والا فوضوح كونه كذلك يغني عن إقامة الدليل، وكذا ما ذكره المصنف (ره) في قوله: ويمكن ان يستدل.. الخ. فلاحظ " والذي " ينبغي ان يقال - جريا على المتفاهم عرفا من لفظ المشتق: انه مركب من مادة وهيئة فمادته المشتركة بين جميع المشتقات حاكية عن المعنى المشترك بينها المعبر عنه في لسان العرف بالعلم والضرب وغيرهما وان كان يأتي أنها ايضا مشتقات، الا أن الوجه في التعبير بها عنها كونها اقرب إلى اداء تلك المفاهيم المشتركة من عيرها من المشتقات (وهيئته) حاكية عن انتساب مادته إلى الموصوف وهذا الانتساب المحكي بالهيئة لما كان معنى حرفيا لا يتصور الا بتصور طرفيه كانت الهيئة حاكية عن الذات فالذات ليست داخلة في معنى المشتق وانما تفهم لتكون مقومة لمعناه الملحوظ تبعا لها ودلالته عليها اشبه بالدلالة الالتزامية وهذا هو المطابق للارتكاز العرفي، ومنه يظهر أن الفعل ايضا لا يخلو من الدلالة على الذات لعين الوجه المذكور وان اختلف مع المشتق في كيفية الدلالة من جهة أخرى يأتي الاشارة إليها في التنبيه الآتي انشاء الله، ثم لما كان الاحتياج إلى الذات في الدلالة من الجهة المذكورة وكان يكفي في تقوم النسبة كل أمر ولو كان مبهما لم يفهم من المشتق الا أمر مبهم فيصح ان يعبر عنه بذات لها الوصف وشئ له الوصف وغيرهما، كما اشرنا إلى ذلك سابقا والله سبحانه أعلم.
(الثاني)
الفرق بين المشتق ومبدئه
مفهوما أنه بمفهومه لا يأبى عن الحمل على ما تلبس بالمبدأ ولا يعصي عن الجري عليه لما هما عليه من نحو من الاتحاد بخلاف المبدأ فانه بمعناه يأبى عن ذلك بل إذا قيس ونسب إليه كان غيره لا هو هو، وملاك الحمل والجري انما هو نحو من الاتحاد والهوهوية، والى هذا يرجع ما ذكره أهل المعقول في الفرق بينهما من أن المشتق يكون لا بشرط والمبدأ يكون بشرط (لا) أي يكون مفهوم المشتق غير آب عن الحمل ومفهوم المبدأ يكون آبيا عنه: وصاحب الفصول (ره) حيث توهم ان مرادهم انما هو بيان التفرقة بهذين الاعتبارين
______________________________
التنبيه الثاني (الفرق بين المشتق ومبدئه) (قوله: الفرق بين المشتق ومبدئه) إعلم ان هنا اشكالا وهو أن المشتق إذا كان بمادته للمبدأ وبهيئته للنسبة كيف صح حمله على الذات مع انه لا يصح حمل المبدأ عليها إذ كما لا يصح حمل المبدأ عليها ينبغي أن لا يصح حمل المبدأ المنتسب، وقد دفع المصنف (ره) الاشكال بنحو لا يخلو عن اجمال واشكال فقال: الفرق بين المبدأ والمشتق ان المبدأ مفهومه لا يقبل الحمل على الذات بل يأبى الجري عليها وليس كذلك مفهوم المشتق فانه يقبل الحمل والجري ثم بين الوجه في الفرق المذكور وهو أن مفهوم المشتق متحد مع الذات في الوجود نحوا من الاتحاد ومفهوم المبدأ ليس كذلك، وحيث ان المعيار في صحة الحمل هو الاتحاد في الوجود أمكن حمل مفهوم المشتق على الذات ولم يمكن حمل مفهوم المبدأ عليها (قوله: وصاحب الفصول) قال فيه: زعم جماعة من أهل المعقول أن الفرق بين المشتق ومبدئه هو الفرق بين الشئ لا بشرط وبينه بشرط لا فحدث الضرب ان اعتبر بشرط لا كان مدلولا للفظ الضرب وامتنع حمله على الذات الموصوفة به وان اعتبر لا بشرط كان مدلولا للفظ الضارب وصح حمله عليها وعلى هذا القياس
بلحاظ الطوارئ والعوارض الخارجية مع حفظ مفهوم واحد أورد عليهم بعدم استقامة الفرق بذلك لاجل امتناع حمل العلم والحركة على الذات وإن اعتبرا لا بشرط وغفل عن ان المراد ما ذكرنا كما يظهر منهم
______________________________
فجعلوا الفرق بين العرض والعرضي كالفرق بين الهيولى والجنس وبين الصورة والفصل، وهذا عندي غير مستقيم... إلى أن قال: إذا تبين عندك هذا فنقول أخذ العرض لا بشرط لا يصحح حمله على موضوعه... إلى أن قال: فيمتنع حمل العلم والحركة عليه وان اعتبرا لا بشرط. انتهى (قوله: بلحاظ الطوارئ والعوارض) اعتبارات الماهية الثلاثة اعني لا بشرط وبشرط شئ وبشرط لا (تارة) تكون بلحاظ الخارج كما يقال: الماء لا بشرط أو بشرط البرودة أو بشرط عدم الحرارة رافع للعطش (وأخرى) تكون بلحاظ الاعتبار فيكون معنى بشرط شئ: الشئ الملحوظ معه شئ، ومعنى بشرط لا الشئ الملحوظ وحده، ومعنى لا بشرط: الشئ الملحوظ مع تجويز كونه وحده ولا وحده، قال الشيخ الرئيس: إن الماهية قد تؤخذ بشرط لا شئ بأن يتصور معناها بشرط أن يكون ذلك المعنى وحده بحيث يكون كل ما قارنه زائدا عليه فيكون جزءا لذلك المجموع مادة له متقدما عليه في الوجودين فيمتنع حمله على المجموع لانتقاء شرط الحمل وهو الاتحاد في الوجود، وقد تؤخذ لا بشرط بأن يتصور معناها مع تجويز كونه وحده وكونه لا وحده بأن يقترن مع شئ آخر فيحمل على المجموع وعلى نفسه وحده... الخ " وحاصل " اشكال المصنف (ره) على الفصول: ان المراد من لا بشرط وبشرط لا المذكورين في الفرق بين المشتق ومبدئه ليس معناهما الجاري على الاصطلاح الاول ولا الاصطلاح الثاني بل المراد منهما الاشارة إلى اختلاف نفس المفهومين بنحو يكون أحدهما متحدا مع الذات وصالحا للحمل عليها والآخر ليس كذلك (أقول): هذا خلاف ظاهر العبارة المحكية عنهم (قوله: مع حفظ مفهوم واحد) يعني مع كون مرادهم أن
من بيان الفرق بين الجنس والفصل وبين المادة والصورة فراجع. (الثالث): ملاك الحمل كما أشرنا إليه
______________________________
المفهوم متعدد من غير جهة الاعتبارين (قوله: من بيان الفرق بين الجنس.. الخ) حيث فرقوا بين الجنس والمادة بأن الجنس كالحيوان مأخوذ لا بشرط فصح حمله، والمادة مأخوذة بشرط لا فلا يصح حملها، وكذا الفصل والصورة (اقول) الظاهر من من كلماتهم هو ما فهمه في الفصول قال المحقق السبزواري في شرح قوله:
جنس وفصل لا بشرط حملا |
فمدة وصورة بشرط لا |
: وفيه اشارة إلى أن كلا من هاتين مع كل من هذين متحد ذاتا مختلف اعتبارا، (وقال) القوشجي في كلام له في الفرق بين الاصطلاحين: ولذلك يقال: الجنس بشرط شئ هو عين النوع فالحيوان بشرط الناطق هو عين الانسان وبشرط الصاهل عين الفرس وهكذا وليس معنى اخذه هاهنا بشرط لا شئ أن يكون مجردا عن كل شئ على ما ذكر في الماهية المجردة بل معناه أن يؤخذ من حيث أنه قد انضم إليه شئ خارج عنه وقد حصل منهما أمر ثالث وبهذا الاعتبار يكون كل واحد منهما جزءا له وجزء الشئ من حيث هو جزء له لا يكون محمولا عليه مواطاة إذ لا يصح أن يقال: هذا الكل هو هذا الجزء فلذلك قيل: الحيوان بشرط لا شئ جزء ومادة لما تركب منه وغير محمول عليه... إلى أن قال: أما اخذ الحيوان لا بشرط شئ فهو أن يعتبر من حيث هو من غير أن يتعرض لشئ آخر أي لا يؤخذ معه شئ من حيث هو داخل فيه ولا من حيث انه خارج عنه ينضم إليه بل يؤخذ من حيث هو فيكون صالحا لكل واحد من الاعتبارين ويكون محمولا على الانواع المندرجة تحته، وقس على ذلك حال الناطق وكذا حال غيرهما من الاجزاء المحمولة على الماهيات. انتهى، فان ظاهر هذين الكلامين - مضافا إلى المحكي عن الشيخ سابقا - يعطى ما ذكره في الفصول لا غيره " وكيف كان " فالظاهر أن الفارق بين المشتق ومبدئه أن المبدأ حاك عن المعنى المنحاز عن الذات في مقام اللحاظ الذي لو نسب إلى الذات كانت نسبته إليها نسبة الصادر إلى المصدور عنه والمضاف
هو الهوهوية والاتحاد من وجه والمغايرة من وجه آخر كما يكون بين المشتقات والذوات ولا يعتبر معه ملاحظة التركيب بين المتغايرين واعتبار كون مجموعهما بما هو كذلك واحدا،
______________________________
إلى المضاف إليه والمشتق بهيئته يحكي عن مبدأ منتسب إلى الذات نسبة العنوان إلى المعنون بحيث يكون للذات نحو جلوة في مقام اللحاظ يرى بها المبدأ طورا من اطوارها فيكون مؤدى المشتق ذاتا لها القيام لا قيام صادر عن الذات فيرجع حمل المشتق على الذات إلى حمل الذات على الذات لا حمل العرض على معروضه هذا هو المطابق للمرتكزات العرفية والله سبحانه أعلم التنبيه
الثالث
(قوله: هو الهوهوية والاتحاد) إذ مع الاتحاد من جميع الجهات لا اثنينية ليصح الحمل الذي هو نسبة بين شيئين كما انه مع المغايرة من جميع الجهات يكون الحمل بينهما حكما بوحدة الاثنين ومنه يظهر ان هذا مختص بالحمل الايجابي أما السلبي فلا مانع من مغايرة طرفيه من جميع الجهات (قوله: كما يكون بين المشتقات) قد عرفت المصحح لحمل المشتقات على الذوات الموجب لاتحاد مؤدياتها مع الموضوعات في ظرف الحمل واوضح منه حمل النوع على افراده كحمل الانسان على زيد وحمل كل من الجنس والفصل على النوع وان كان منشأ اعتبار احدهما غير منشأ اعتبار الآخر واقعا كما ان منشأ اعتبار تحصص الحصص الافرادية غير منشأ اعتبار الكلي إلا انه لما لم يمنع ذلك من كون المحمول فيها عنوانا للموضوع صح الحمل (قوله: ولا يعتبر معه ملاحظة) قال في الفصول بعد تحقيق ما يعتبر في صحة حمل المتغايرات: فقد تحقق مما قررنا ان حمل احد المتغايرين بالوجود على الآخر بالقياس إلى ظرف التغاير لا يصح الا بشروط ثلاثة، أخذ المجموع من حيث المجموع واخذ الاجزاء لا بشرط، واعتبار الحمل بالنسبة إلى المجموع من حيث المجموع، إذا تبين عندك هذا فنقول: اخذ العرض لا بشرط لا يصحح حمله على موضوعه ما لم يعتبر المجموع المركب منهما شيئا واحدا ويعتبر الحمل بالقياس إليه،
ولا خفاء في أنا إذا قلنا: زيد عالم أو متحرك لم نرد بزيد المركب من الذات وصفة العلم أو الحركة وانما نريد به الذات وحدها فيمتنع حمل العلم والحركة عليه وان اعتبر لا بشرط بل التحقيق ان مفاد الهيئة مفاد (ذو) ولا فرق بين قولنا: ذو بياض وقولنا: ذو مال، فكما ان المال إن اعتبر لا بشرط لا يصح حمله على صاحبه كذلك البياض... الخ وقد اورد المصنف (ره) عليه بانه مع تحقق الاتحاد من وجه لا يعتبر في صحة الحمل ملاحظة المجموع امرا واحدا مع ان ذلك يوجب المغايرة بين الموضوع والمحمول بالكلية والجزئية لان الكلية قائمة بالمجموع فيكون الحمل حملا للجزء على الكل مضافا إلى صحة الحمل في القضايا الحملية مع عدم ملاحظة المجموع فيها امرا واحدا فان الموضوع في قولنا: زيد قائم، نفس زيد بلا ملاحظة المجموع منه ومن القيام (اقول): ظاهر كلام المصنف (ره) لا يخلو من اشكال من جهة ان ما ذكره في الفصول من التحقيق إنما كان في تحقيق الاتحاد المعتبر في صحة حمل المتغايرات وجودا بعضها على بعض لا في مطلق الحمل زائدا على اعتبار الاتحاد ومنه يظهر انه لا مجال للاشكال عليه بعدم ملاحظة التركيب في التحديدات وسائر القضايا العرفية فان الحمل فيها ليس من حمل احد المتغايرين على الاخر، واما لزوم المغايرة بالكلية والجزئية فهو غير ظاهر أيضا إذ هو انما يتم لو اخذ الجزء بشرط لا لا ما لو اخذ لا بشرط فان الجزء لا بشرط عين الكل وقد صرح في الفصول أيضا باعتبار لا بشرط في الجزء المحمول. نعم يمكن الاشكال عليه بأنه يكفي في صحة الحمل بين المتغايرين ملاحظة كل منهما لا بشرط ولا يحتاج إلى ملاحظة التركيب في الموضوع الراجع إلى ملاحظته بشرط الآخر مثلا كل من زيد وعمرو إذا كان بشرط لا الاعتباري امتنع حمله على الآخر لمباينته له خارجا وإذا لوحظ كل منهما مع الآخر صح الحمل بينهما لتحقق الاتحاد إذ زيد وعمرو عمرو وزيد بالضرورة فإذا لوحظ احدهما لا بشرط صح حمله على الآخر بشرط كما ذكره في الفصول وتقدم في كلام الشيخ الرئيس لان بشرط شئ اخص من لا بشرط وصحة حمل الاخص تستدعي صحة حمل الاعم في الجملة ولازم دلك جواز حمل كل منهما على الآخر أيضا لو اخذا
بل يكون لحاظ ذلك مخلا لاستلزامه المغايرة بالجزئية والكلية، ومن الواضح أن ملاك الحمل لحاظ بنحو الاتحاد بين الموضوع والمحمول مع وضوح عدم لحاظ ذلك في التحديدات وسائر القضايا في طرف الموضوعات بل لا يلحظ في طرفها الا نفس معانيها كما هو الحال في طرف المحمولات ولا يكون حملها عليها إلا بملاحظة ما هما عليه من نحو من الاتحاد مع ما هما عليه من المغايرة ولو بنحو من الاعتبار، فانقدح بذلك فساد ما جعله في الفصول تحقيقا للمقام، وفى كلامه موارد للنظر تظهر بالتأمل وإمعان النظر
______________________________
معا لا بشرط والمتحصل من ذلك ان صحة حمل احد المتغايرين على الآخر تتوقف على عدم اعتبار احدهما بشرط لا لا غير، ثم انه ينبغي ان يراد من المتغايرين في الخارج ما يعم مثل زيد وعمرو ومثل نقطتين من خط واحد فانه لا يجوز حمل احداهما على الاخرى الا مع عدم ملاحظتهما بشرط لا والله سبحانه اعلم (قوله: لاستلزامه المغايرة) يعنى والمغايرة كذلك مانعة من صحة الحمل (قوله: بنحو الاتحاد) يعني في الظرف الذي يكون الحمل بالقياس إليه من ذهن أو خارج كما في الفصول (قوله: لحاظ ذلك) يعني ملاحظة المجموع امرا واحدا (قوله: في التحديدات) يعني التعريفات مثل الانسان حيوان ناطق (قوله: في طرف) متعلق بلحاظ (قوله: المحمولات) يعني مع اعتراف الفصول بعدم ملاحظة التركيب فيها (قوله: موارد للنظر) لعل (أحدها) جعله الناطق والحساس من قبيل المتغايرين اعتبارا المتحدين حقيقة مع ان التغاير بينهما بحسب المفهوم فتأمل (وثانيها) جعله حمل كل واحد من الاجراء على الكل من الحمل بين المتغايرين حقيقة المتحدين اعتبارا مع أنهما من المتحدين حقيقة ايضا بالتقريب الذي ذكره (وثالثها) دعواه كون الانسان مركبا من البدن والنفس وقد قيل انه لم يتوهمه احد فتأمل (ورابعها) ما يظهر من كلامه من عدم الفرق بين الجسم والبدن، وبين النفس والناطق، الا باعتبار لا بشرط، وبشرط لا مع أن الاوليين اعم من الاخرين مفهوما فتأمل
(الرابع)
لا ريب في كفاية مغايرة المبدأ مع ما يجرى المشتق عليه مفهوما وان اتحدا عينا وخارجا فصدق الصفات مثل العالم والقادر والرحيم والكريم... إلى غير ذلك من صفات الكمال والجلال عليه تعالى على ما ذهب إليه أهل الحق من عينية صفاته يكون على الحقيقة فان المبدأ فيها وان كان عين ذاته تعالى خارجا الا انه غير ذاته تعالى مفهوما (ومنه) قد انقدح ما في الفصول من الالتزام بالنقل أو التجوز في الفاظ الصفات الجارية عليه تعالى - بناء على الحق من العينية - لعدم المغايرة المعتبرة بالاتفاق، وذلك لما عرفت من كفاية المغايرة مفهوما ولا اتفاق على اعتبار غيرها ان لم نقل بحصول الاتفاق على عدم اعتباره كما لا يخفى وقد عرفت ثبوت المغايرة كذلك بين الذات ومبادئ الصفات
______________________________
*
التنبيه الرابع (قوله: في كفاية مغايرة) يعني في صحة الجري. ثم الظاهر من كلمات الاشاعرة ابتناء اعتبار المغايرة خارجا بين المبدأ والذات على اعتبار قيام المبدأ في صدق المشتق فانهم استنتجوا امورا منها زيادة الصفات على الذات فكان الانسب جعل هذا التنبيه من متعلقات التنبيه الآتي ومما ذكرنا يظهر عدم تأتي دعوى الاتفاق على عدم اعتبار المغايرة عينا كما قد يشعر به قوله: ان لم نقل بحصول الاتفاق... الخ (قوله: من عينية صفاته) بحيث تكون ذاته المقدسة بما هي مصداق لكل واحدة من الصفات بلا تعدد ولو بالحيثية (قوله: المعتبرة بالاتفاق) قال في الفصول: إذ الظاهر اطباق الفريقين على ان المبدأ لابد ان يكون مغايرا لذي المبدأ وانما اختلفوا في وجوب قيامه به وعدمه، فالوجه التزام وقوع النقل في تلك الالفاظ بالنسبة إليه تعالى.
(الخامس)
انه وقع الخلاف - وبعد الاتفاق على اعتبار المغايرة كما عرفت بين المبدأ وما يجرى عليه المشتق - في اعتبار قيام المبدأ به في صدقه على نحو الحقيقة وقد استدل من قال بعدم الاعتبار بصدق الضارب والمؤلم مع قيام الضرب والالم بالمضروب والمؤلم - بالفتح - والتحقيق أنه لا ينبغى أن يرتاب من كان من أولي الالباب في أنه يعتبر في صدق المشتق على الذات وجريه عليها من التلبس بالمبدأ بنحو خاص على اختلاف انحائه الناشئة من اختلاف المواد تارة واختلاف الهيئات أخرى من القيام صدورا أو حلولا أو وقوعا عليه أو فيه أو انتزاعه عنه مفهوما مع اتحاده معه خارجا كما في صفاته تعالى - على ما أشرنا إليه آنفا - أو مع عدم تحقق الا للمنتزع عنه كما في الاضافات والاعتبارات التى لا تحقق لها ولا يكون بحذائها في الخارج شئ وتكون من الخارج المحمول لا المحمول بالضميمة، ففى صفاته الجارية عليه تعالى يكون المبدأ مغايرا له تعالى مفهوما وقائما به عينا لكنه بنحو من القيام لا بأن يكون هناك اثنينية وكان ما بحذائه غير الذات بل بنحو الاتحاد والعينية وكان ما بحذائه عين الذات (وعدم) اطلاع العرف على مثل هذا التلبس من الامور الخفية (لا يضر) بصدقها عليه تعالى على نحو الحقيقة إذا كان لها مفهوم صادق عليه تعالى حقيقة ولو بتأمل وتعمل من العقل (والعرف) إنما يكون مرجعا في تعيين المفاهيم لا في تطبيقها على مصاديقها و (بالجملة) يكون مثل العالم والعادل وغيرهما من الصفات الجارية عليه تعالى وعلى غيره جارية عليهما بمفهوم واحد ومعنى فارد وان اختلفا فيما
______________________________
التنبيه الخامس (قوله: اختلاف المواد) كضارب وجائع (قوله: واختلاف الهيئات) مثل ذاهب ومذهب وضارب ومضروب (قوله: في الاضافات والاعتبارات) كالزوجية والملكية (قوله: مثل هذا التلبس) يعني الذي هو بنحو العينية
يعتبر في الجري من الاتحاد وكيفية التلبس بالمبدأ حيث انه بنحو العينية فيه تعالى وبنحو الحلول أو الصدور في غيره (فلا وجه) لما التزم به في الفصول من نقل الصفات الجارية عليه تعالى عما هي عليها من المعنى كما لا يخفى كيف ولو كانت بغير معانيها العامة جارية عليه تعالى كانت صرف لقلقة لسان والفاظ بلا معنى، فان غير تلك المفاهيم العامة الجارية على غيره تعالى غير مفهوم ولا معلوم إلا بما يقابلها ففى مثل مااذا قلنا: انه تعالى عالم، إما أن يعني أنه من ينكشف لديه الشئ فهو ذاك المعنى العام، أو أنه مصداق لما يقابل ذاك المعنى فتعالى عن ذلك علوا كبيرا، وإما أن لا يعني شيئا فتكون كما قلناه من كونها صرف اللقلقة وكونها بلا معنى كما لا يخفى (والعجب) أنه جعل ذلك علة لعدم صدقها في حق غيره وهو كما ترى وبالتأمل فيما ذكرنا ظهر الخلل فيما استدل من الجانبين
______________________________
*
فان عدم احاطة العرف به الموجب لعدم تطبيق المشتق بلحاظ لا يقدح في كون التطبيق بلحاظه حقيقيا واقعا لان المعيار في الحقيقة كون الصدق ولو عقليا بلحاظ مفهوم اللفظ عرفا فالعرف مرجع في تحديد المفهوم لا في تحديد المصداق (قوله: صرف لقلقة) هذا انما يلزم لو كان مراد الفصول التصرف في المادة بالنقل أو التجوز أما لو كان بالهيئة لا غير فلا يلزم ذلك ولا يظن من الفصول احتمال التصرف في المادة فضلا عن دعواه فلتلحظ عبارته السابقة (قوله: فهو ذلك المعنى العام) يعني فيكون حقيقة بلا نقل ولا تجوز لكن عرفت ان المراد من العالم مثلا من ينكشف لديه الشئ انكشافا بعين ذاته لا بغيره كما هو المفهوم عرفا فلا يكون حقيقة (قوله: انه جعل) حيث قال بعد كلامه المتقدم: ولهذا لا تصدق في حق غيره، لكن مراده انها لا تصدق في حق غيره بالنحو الذي تصدق به في حقه سبحانه (قوله: كما ترى) يعني لوضوح انها تصدق في حق غيره أيضا
والمحاكمة بين الطرفين فتأمل
(السادس)
الظاهر أنه لا يعتبر في صدق المشتق وجريه على الذات حقيقة التلبس بالمبدأ حقيقة وبلا واسطة في العروض كما في الماء الجارى، بل يكفى التلبس به ولو مجازا ومع هذه الواسطة كما في الميزاب الجارى فاسناد الجريان إلى الميزاب وان كان إسنادا إلى غير ما هو له وبالمجاز إلا أنه في الاسناد لا في الكلمة، فالمشتق في مثل المثال بما هو مشتق قد استعمل في معناه الحقيقي وان كان مبدؤه مسندا إلى الميزاب بالاسناد المجازى ولا منافاة بينهما اصلا كما لا يخفى، ولكن ظاهر الفصول بل صريحه اعتبار الاسناد الحقيقي في صدق المشتق حقيقة
______________________________
التنبيه السادس (قوله: والمحاكمة بين) يعني إن اراد من يدعي اعتبار قيام المبدأ بالذات ما يعم القيام بنحو العينية فهو في محله وإن اراد ما لا يعمه ففيه المنع (قوله: لا يعتبر في صدق المشتق) لفظ المشتق تارة يستعمل في المفهوم واخرى في المصداق كقولك جاءني عالم تريد زيدا (والاول) تارة يكون موضوعا كقولنا العالم من تلبس بالعلم واخرى محمولا كما يقال زيد عالم ثم إن الذات المجرى عليها المشتق في الاول والمحمول عليها في الثاني ان كانت متلبسة بالمبدأ حقيقة فلا اشكال في كون استعمال المشتق حقيقة وان لم تكن متلبسة به حقيقة فاجراء المشتق أو حمله عليها بما له من المعنى الحقيقي لا يمكن ان يكون حقيقة بل لا بد من التصرف في لفظه بأن يراد منه معنى مجازي أو في اسناده بادعاء كون الذات مصداقا لمفهومه كما يراه السكاكي في باب الاستعارة وحينئذ فيصح أن يقال لا يعتبر في استعمال لفظ المشتق حقيقة تلبس الذات بالمبدأ حقيقة لامكان استعماله حقيقة مع التصرف في جريه وحمله وهذا ظاهر جدا (قوله: في الميزاب الجاري) إذ الجريان ليس قائما بالميزاب بل بالماء لكن في كون الماء من الواسطة في العروض تأملا عرفته سابقا (قوله: ولا منافاة)
وكأنه من باب الخلط بين المجاز في الاسناد والمجاز في الكلمة. قد انتهى هاهنا محل الكلام بين الاعلام والحمد لله وهو خير ختام المقصد الاول في الاوامر وفيه فصول (الاول) فيما يتعلق بمادة الامر من الجهات وهي عديدة (الاولى) أنه قد ذكر للفظ الامر معاني متعددة، منها (الطلب) كما يقال: أمره بكذا، ومنها " الشأن " كما يقال: شغله أمر كذا، ومنها " الفعل " كما في قوله تعال: (وما أمر فرعون برشيد) ومنها " الفعل العجيب " كما في قوله تعالى: " فلما جاء أمرنا " ومنها " الشئ " كما تقول: رأيت اليوم أمرا عجيبا، ومنها " الحادثة " ومنها " الغرض " كما تقول: جاء زيد لامر كذا، ولا يخفى أن عد بعضها من معانيه من اشتباه المصداق بالمفهوم
______________________________
إذ قد عرفت ان الاستعارة عند السكاكي من هذا القبيل (قوله: وكأنه من باب الخلط) هذا يتم لو اراد الفصول من صدق المشتق استعمال لفظه اما لو اراد حمله وجريه كما هو الظاهر منه فلا اشكال عليه ولا خلط منه بل ينبغى توجه الاشكال على المصنف (ره) حيث صدر العنوان بقوله: لا يعتبر في صدق المشتق وجريه على الذات... الخ فان التزامه (ره) بكون التجوز في الاسناد في المثال المذكور لا في الكلمة التزام منه باعتبار التلبس حقيقة في كون الجري حقيقة فلاحظ والحمد لله رب العالمين كما هو اهله
المقصد الاول في الاوامر
(قوله: منها الطلب) الطلب عرفا هو السعي نحو الشئ كما يظهر من ملاحظة موارد استعماله مثل طلب الماء والغريم والضالة، وقوله عليه السلام اطلبوا العلم ولو بالصين، ونحوها قول الشريف الرضي (ره):
ضرورة أن الامر في: جاء زيد لامر كذا، ما استعمل في معنى الغرض بل اللام قد دلت على الغرض. نعم يكون مدخوله مصداقه (فافهم) وهكذا الحال في قوله تعالى: (فلما جاء أمرنا) يكون مصداقا للتعجيب لا مستعملا في مفهومه وكذا في الحادثة والشأن، وبذلك ظهر ما في دعوى الفصول من كون لفظ الامر حقيقة في المعنيين الاولين ولا يبعد دعوى كونه حقيقة
______________________________
*
لو على قدر ما يحاول قلبي |
طلبي لم يقر في الغمد عضبي |
ولم يستعمل في الكتاب المجيد الا في ذلك فلا يبعد أن يكون المصحح لاستعماله في الامر كون الامر نحوا من السعي نحو المأمور به، وعليه فعد الطلب من معاني الامر يكون من قبيل اشتباه المفهوم بالمصداق، اللهم الا أن يكون الاستعمال فيه بلغ حد الحقيقة التعينية فتأمل. ثم انه يشكل جعل الطلب من معاني الامر من جهة اختلاف المتعلقات الكاشف عن اختلاف المعنى فيقال -: طلب منه كذا، ولا يقال -: أمر منه كذا، ويقال: أمرته بكذا، ولا يقال: طلبته بكذا (قوله: ضرورة أن الامر) تعليل لكون عد المعاني المذكورة من اشتباه المصداق بالمفهوم وحاصل مراده ان عد الشئ معنى للفظ يقتضي كون اللفظ مستعملا فيه، وليس الحال في المعاني المذكورة كذلك فان لفظ الامر لم يستعمل في مفهوم الغرض أو الفعل العجيب أو غيرهما وانما هو مستعمل في معنى واحد يكون مصداقا للغرض تارة وللفعل العجيب أخرى... وهكذا، كما أن معنى زيد تارة يكون مصداقا لمفهوم العالم، واخرى مصداقا لمفهوم العادل... وهكذا، ولا يصح عد العالم والعادل من معاني زيد (قوله: مصداقه فافهم) يمكن أن يكون اشارة إلى أن اللام قد تدخل على نفس المصداق وقد تدخل على نفس المفهوم المضاف إلى مصداقه كما تقول: جئتك لغرض كذا، فالامر في المقام مستعمل استعمال لفظ الغرض بقرينة اضافته إلى (كذا) نعم قولك: جئتك لامر، مستعمل في المصداق. فتأمل (قوله: في الحادثة والشأن) كان الانسب عطف الفعل عليهما لوحدة الجميع
في الطلب في الجملة والشئ. هذا بحسب العرف واللغة، وأما بحسب الاصطلاح فقد نقل الاتفاق على أنه حقيقة في القول المخصوص ومجاز في غيره ولا يخفى انه عليه لا يمكن منه الاشتقاق فان معناه حينئذ لا يكون معنى حدثيا - مع أن الاشتقاقات منه ظاهرا تكون بذلك المعنى المصطلح عليه بينهم لا بالمعنى الآخر (فتدبر) ويمكن ان يكون مرادهم به هو الطلب بالقول لا نفسه تعبيرا عنه بما يدل عليه. نعم القول المخصوص أي صيغة الامر إذا أراد العالي بها الطلب يكون من مصاديق الامر لكنه بما هو طلب مطلق أو مخصوص (وكيف كان) فالامر سهل لو ثبت النقل ولا مشاحة في الاصطلاح، وإنما المهم بيان ما هو معناه عرفا ولغة ليحمل عليه فيما إذا ورد بلا قرينة، وقد استعمل في غير واحد من المعاني في الكتاب والسنة ولا حجة على أنه على نحو الاشتراك اللفظي أو المعنوي أو الحقيقة والمجاز، وما ذكر في الترجيح عند تعارض هذه الاحوال - لو سلم ولم يعارض بمثله - فلا دليل على الترجيح به فلا بد مع التعارض من الرجوع إلى الاصل في مقام العمل. نعم لو علم ظهوره في أحد معانيه - ولو احتمل انه كان للانسباق من الاطلاق - فليحمل عليه وان لم يعلم انه
______________________________
(قوله: في الطلب في الجملة) يعني المخصوص بالخصوصيات المبحوث عنها في الجهات الآتية (قوله: لا يمكن منه الاشتقاق) قال في الفصول: لو ارادوا بالقول المخصوص نفس اللفظ أعني الملفوظ كما هو الظاهر من كلماتهم لكان بمنزلة الاسم والفعل والحرف في مصطلح علماء العربية فكان اللازم عدم صحة الاشتقاق منه لعدم دلالته حينئذ على معنى حدثي... الخ " أقول ": الظاهر منهم ارادة نفس اللفظ بمعناه المصدري وهو التلفظ بالقول المخصوص فلا اشكال، ولعله أشار إليه بقوله: فتدبر (قوله: هو الطلب) كما أصر عليه في الفصول (قوله: بما هو طلب) يعني لا بما هو قول مخصوص والا رجع إلى المعنى الاول (قوله: لو ثبت النقل) يعني إلى القول المخصوص (قوله: فليحمل عليه) عملا
حقيقة فيه بالخصوص أو فيما يعمه كما لا يبعد أن يكون كذلك في المعنى الاول، (الجهة الثانية) الظاهر اعتبار العلو في معنى الامر فلا يكون الطلب من السافل أو المساوى أمرا، ولو أطلق عليه كان بنحو من العناية، كما أن الظاهر عدم اعتبار الاستعلاء فيكون الطلب من العالي أمرا ولو كان مستخفضا لجناحه، وأما احتمال اعتبار أحدهما فضعيف وتقبيح الطالب السافل من العالي المستعلي عليه وتوبيخه بمثل انك لم تأمره ؟ إنما هو على استعلائه لا على أمره حقيقة بعد استعلائه وانما يكون اطلاق الامر على طلبه بحسب ما هو قضية استعلائه (وكيف كان) ففى صحة سلب الامر عن طلب السافل ولو كان مستعليا كفاية (الجهة الثالثة) لا يبعد كون لفظ الامر حقيقة في الوجوب لانسباقه عنه عند اطلاقه، ويؤيده قوله تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره) وقوله - صلى الله عليه وآله -: (لولا أن أشق على امتى لامرتهم بالسواك) وقوله - صلى الله عليه وآله - لبريرة بعد قوله:
______________________________
*
باصالة الظهور التي استقر عليها بناء العقلاء (قوله: كما لا يبعد ان يكون) قد تقدم منه انه لا يبعد كون لفظ الامر حقيقة في الطلب وفى الشئ، وحينئذ فدعوى ظهوره في الاول غير ظاهرة الوجه، والذي يهون الخطب ندرة فرض التردد على نحو يترتب عليه الاثر لاختلاف المعنيين في كيفية الاستعمال من حيث الاشتقاق والجمود والاحتياج إلى المتعلقات وعدمه، فان الامر بمعنى الطلب يتعلق به المطلوب والمطلوب منه وليس كذلك ما كان بمعنى الشئ، وفي الجمع حيث أن جمع الاول أوامر وجمع الثاني أمور فهذا الاختلاف يرفع التردد غالبا (قوله: اعتبار أحدهما) بحيث يكفي في صدق الامر أحد الامرين من كون الطالب عاليا وكونه مستعليا (قوله: وتقبيح الطالب) يعني تقبيح طلب الطالب. ثم إن التقبيح والتوبيخ انما يتعلقان باستحقاق اللوم والعقاب لا باثبات كون الامر حقيقة في طلب المستعلى غير العالي. نعم يثبت ذلك باستعمال الامر فيه في قوله: لم تأمره، لولا أن الاستعمال أعم (قوله: المستعلي) صفة للطالب (قوله: ويؤيده قوله تعالى)
أتأمرني يارسول الله ؟: (لا بل إنما أنا شافع)... إلى غير ذلك، وصحة الاحتجاج على العبد، ومؤاخذته بمجرد مخالفة أمره، وتوبيخه على مجرد مخالفته كما في قوله تعالى: (ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك) وتقسيمه إلى الايجاب والاستحباب إنما يكون قرينة على ارادة المعنى الاعم منه في مقام تقسيمه، وصحة الاستعمال في معنى أعم من كونه على نحو الحقيقة كما لا يخفى (وأما) ما أفيد من أن الاستعمال فيهما ثابت فلو لم يكن موضوعا للقدر المشترك بينهما لزم الاشتراك أو المجاز فهو غير مفيد، لما مرت الاشارة إليه في الجهة الاولى وفي تعارض الاحوال فراجع، والاستدلال بأن فعل المندوب طاعة وكل طاعة فهو فعل المأمور به، فيه ما لا يخفى من منع الكبرى - لو أريد من المأمور به معناه الحقيقي - وإلا لا يفيد المدعى (الجهة الرابعة) الظاهر أن الطلب الذى يكون هو
______________________________
جعل المذكورات مؤيدات لا أدلة لعله من جهة عدم صلاحيتها للاثبات إذ ليس الا استعمال الامر في الوجوب والاستعمال أعم من الحقيقة، ولعل فهمه في الاول مستند إلى مادة الحذر، والثاني إلى المشقة، وفي الثالث إلى مقابلته بالشفاعة. فتأمل (قوله: وصحة الاحتجاج) معطوف على الانسباق، (قوله: وتقسيمه) هذا دليل للقول بالاعم من الوجوب والاستحباب كما تقدم نظيره في الصحيح والاعم (قوله: أعم من كونه) إلا أن يكون التقسيم بلا تصرف ولا عناية كما هو الظاهر في المقام فيكون حقيقة في الاستحباب ايضا نعم الوجوب مقتضى اطلاقه من دون ترخيص في خلافه، كما سيأتي انشاء الله تعالى
الطلب والارادة
(قوله: الظاهر أن الطلب الذي) يعني ان مفهوم الطلب مقول بالاشتراك بين نوعين (أحدهما) الطلب الذي يكون صفة قائمة بالنفس (وثانيهما) الطلب الانشائي المنتزع من مقام اظهار الارادة بالقول كافعل أو بغيره كالاشارة إلى
معنى الامر ليس هو الطلب الحقيقي الذي يكون طلبا بالحمل الشايع الصناعي بل الطلب الانشائي الذي لا يكون بهذا الحمل طلبا مطلقا بل طلبا انشائيا سواء انشئ بصيغة إفعل أو بمادة الطلب، أو بمادة الامر، أو بغيرهما. ولو أبيت إلا عن كونه موضوعا للطلب فلا أقل من كونه منصرفا إلى الانشائي منه عند اطلاقه كما هو الحال في لفظ الطلب ايضا، وذلك لكثرة الاستعمال في الطلب الانشائي، كما أن الامر في لفظ الارادة على عكس لفظ الطلب والمنصرف عنها عند اطلاقها هو
______________________________
المخاطب بأن يفعل، والاول هو الطلب الحقيقي الذي يكون له وجود عيني في النفس، والثاني هو الطلب الانشائي فقولنا: الامر معناه الطلب يراد منه ان الامر معناه الطلب الانشائي الايقاعي لا الطلب الحقيقي، فإذا قال المولى لعبده: افعل، ولم يكن في نفسه طلب للفعل كما في الاوامر الامتحانية صدق ان المولى آمر ولا يتوقف صدق ذلك على كون المولى طالبا في نفسه للفعل (قوله: معنى الامر) يعني معنى مادة الامر (قوله: الذي يكون) كان الاولى أن يقول: المعبر عنه بلفظ الطلب مطلقا مقابل الطلب الاعتباري المعبر عنه بلفظ الطلب الانشائي، لما عرفت من أن لفظ الطلب مشترك بين نحوي الطلب فالطلب الحقيقي عين الطلب لا انه يحمل عليه بالحمل الشايع وانما الذي يحمل عليه الطلب بالحمل الشايع هو الطلب الخارجي الحقيقي، وهكذا الحال في قوله: الذي لا يكون... الخ، إذ الفرق بين الطلب الحقيقي والانشائي الاعتباري هو الفرق بين الماء المطلق والمضاف، لكن ظاهر العبارة كون لفظ الطلب موضوعا للجامع بين النحوين فيكون مشتركا معنويا لا لفظيا وهو غير ظاهر. هذا بناء على كون الطلب الانشائي نحوا آخر من انحاء الطلب في قبال الطلب الحقيقي أما لو كان هو الطلب الحقيقي إنشاء ادعاء فلفظ الطلب ليس موضوعا الا للطلب الحقيقي لا غير إذ ليس هناك نحو آخر للطلب سواه، (قوله: سواء انشئ) سيأتي أن الظاهر ان صيغة افعل موضوعة لانشاء المادة لا انشاء الطلب (قوله: موضوعا للطلب) يعني الجامع بين الحقيقي
الارادة الحقيقية، واختلافهما في ذلك ألجأ بعض أصحابنا إلى الميل إلى ما ذهب إليه الاشاعرة من المغايرة بين الطلب والارادة خلافا لقاطبة أهل الحق والمعتزلة من اتحادهما، فلا بأس بصرف عنان الكلام إلى بيان ما هو الحق في المقام وان حققناه في بعض فوائدنا إلا أن الحوالة لما لم تكن عن المحذور خالية والاعادة بلا فائدة ولا إفادة كان المناسب هو التعرض هاهنا أيضا " فاعلم " أن الحق - كما عليه اهله وفاقا للمعتزلة وخلافا للاشاعرة هو اتحاد الطلب والارادة بمعنى أن لفظيهما موضوعان بازاء مفهوم واحد وما بازاء أحدهما في الخارج يكون بازاء الآخر والطلب المنشأ بلفظه أو بغيره عين الارادة الانشائية (وبالجملة): هما متحدان مفهوما وانشاء وخارجا لا ان الطلب الانشائي الذى هو المنصرف إليه باطلاقه - كما عرفت - متحد مع الارادة الحقيقية التي ينصرف إليها اطلاقها ايضا ضرورة أن المغايرة بينهما أظهر من الشمس وأبين من الامس، فإذا عرفت المراد من حديث العينية والاتحاد ففي مراجعة
______________________________
والانشائي (قوله: الارادة الحقيقية) يعني التي هي صفة قائمة بالنفس، (قوله: والاعادة) معطوف بلحاظ المعنى على اسم تكن وبلحاظ قواعد التركيب على الحوالة إلا انه فاسد المعنى (قوله: هو اتحاد الطلب والارادة) قد عرفت الاشكال في كون الطلب من الصفات النفسانية وان المستفاد من ملاحظة موارد استعماله: انه السعي نحو المطلوب وأن البناء على كونه موضوعا ايضا لغير هذا المعنى يقتضي كونه مفهوما منتزعا عن مقام اظهار الارادة وابرازها ولا يرتبط بالارادة وليس قائما بالنفس قيام الارادة بها، فالبناء على مغايرته للارادة حينئذ لا يشد عضد الاشعري القائل بانه صفة في النفس غير الارادة مدلول للكلام اللفظي ليثبت مدعاه من قدم الكلام النفسي الذي هو مدلول الكلام اللفظي كما لا يخفى، (قوله: مفهوم واحد) فهما مترادفان (قوله: وما بازاء أحدهما) يعني الفرد الخارجي لاحدهما هو الفرد الخارجي للآخر (قوله: لا أن الطلب) معطوف على قوله: ان لفظيهما... الخ (قوله: اظهر من الشمس) إذ
الوجدان عند طلب شئ والامر به حقيقة كفاية فلا يحتاج إلى مزيد بيان واقامة برهان، فان الانسان لا يجد غير الارادة القائمة بالنفس صفة أخرى قائمة بها يكون هو الطلب غيرها سوى ما هو مقدمة تحققها عند خطور الشئ، والميل وهيجان الرغبة إليه، والتصديق بفائدته، وهو الجزم بدفع ما يوجب توقفه عن طلبه لاجلها (وبالجملة) لا يكاد يكون غير الصفات المعروفة والارادة هناك صفة اخرى قائمة بها يكون هو الطلب فلا محيص عن اتحاد الارادة والطلب وان يكون ذاك الشوق المؤكد المستتبع لتحريك العضلات في ارادة فعله بالمباشرة، أو المستتبع لامره عبيده به فيما لو اراده لا كذلك مسمى بالطلب والارادة كما يعبر به تارة وبها اخرى كما لا يخفى. وكذا الحال في سائر الصيغ الانشائية والجمل الخبرية فانه لا يكون غير الصفات المعروفة القائمة بالنفس من الترجي والتمني والعلم... إلى غير ذلك صفة أخرى كانت قائمة بالنفس وقد دل اللفظ عليها كما قيل:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما |
جعل اللسان على الفؤاد دليلا |
وقد انقدح مما حققناه
______________________________
الارادة الحقيقة كما ذكر صفة في النفس والطلب الانشائي اعتبار محض منتزع عن مقام اظهار الارادة فكيف يشتبه أحدهما بالآخر (قوله: فان الانسان) بيان للوجدان (قوله: هو الطلب) يعني كما يدعيه الاشاعرة (قوله: وهو الجزم) بيان لما هو، يعني ان الجزم بدفع ما يمنع عن طلب الشئ لاجل الفائدة وان كان من صفات النفس الا انه مقدمة للارادة لا انه الطلب النفسي الذي يدعيه الاشعري " أقول ": كون الجزم مقدمة للارادة غير ظاهر بل الظاهر كونه معلولا لها. نعم هو مقدمة لطلبه من الغير. فتأمل (قوله: في ارادة فعله) وهي الارادة التكوينية (قوله: لو اراده لا كذلك) وهي الارادة التشريعية (قوله: به تارة) قد عرفت انه محل اشكال (قوله: صفة اخرى) اسم يكون (قوله: كما قيل) هذا البيت استشهد به الاشاعرة على مدعاهم
ما في استدلال الاشاعرة على المغايرة بالامر مع عدم الارادة كما في صورتي الاختبار والاعتذار: من الخلل، فانه كما لا إرادة حقيقية في الصورتين لا طلب كذلك فيهما، والذى يكون فيهما إنما هو الطلب الانشائي الايقاعى الذى هو مدلول الصيغة أو المادة ولم يكن بينا ولا مبينا في الاستدلال مغايرته مع الارادة الانشائية، (وبالجملة): الذى يتكفله الدليل ليس الا الانفكاك بين الارادة الحقيقية والطلب المنشأ بالصيغة الكاشف عن مغايرتهما وهو مما لا محيص عن الالتزام به - كما عرفت - ولكنه لا يضر بدعوى الاتحاد أصلا لمكان هذه المغايرة والانفكاك بين الطلب الحقيقي والانشائي كما لا يخفى (ثم) إنه يمكن مما حققناه ان يقع الصلح بين الطرفين ولم يكن نزاع في البين بان يكون المراد بحديث الاتحاد ما عرفت من العينية مفهوما ووجودا حقيقيا وانشائيا ويكون المراد بالمغايرة والاثنينية هو اثنينية الانشائي من الطلب - كما هو كثيرا ما يراد من إطلاق لفظه - والحقيقي من الارادة - كما هو المراد غالبا منها حين اطلاقها -
______________________________
وحمله القوشجي على اعتقاد الشاعر ثبوت كلام نفسي تقليدا أو على كون المقصود الاصلى من الكلام هو الدلالة على ما في الضمير، وبهذا الاعتبار يسمى كلاما فاطلق اسم الدال على المدلول وحصره تنبيها على انه آلة يتوصل بها إليه فكأنه هو المستحق لاسم تلك الآلة... الخ (قوله: ما في استدلال الاشاعرة) يعني أن الاشاعرة ادعوا ان الطلب غير الارادة واستدلوا عليه بانه قد يأمر الرجل بما لا يريده كالمختبر لعبده انه يطيعه أو لا وكمن يريد أن يعتذر عن ضرب عبده فانه يأمر عبده فيعصيه العبد فيضربه معتذرا بانه عصاه إذ الامر في هذين المقامين ليس عن ارادة نفسية (قوله: من الخلل) بيان لما في قوله: مافى الاستدلال (قوله: فانه كما لا إرادة) بيان لوجه الخلل (قال) القوشجي: واعترض عليه بان الموجود في هاتين الصورتين صيغة الامر لا حقيقته إذ لا طلب فيهما أصلا كما لا ارادة قطعا (قوله: بين الطلب)
فيرجع النزاع لفظيا. فافهم (دفع وهم) لا يخفى انه ليس غرض الاصحاب والمعتزلة من نفي غير الصفات المشهورة وأنه ليس صفة أخرى قائمة بالنفس كانت كلاما نفسيا مدلولا للكلام اللفظى كما يقول به الاشاعرة أن هذه الصفات المشهورة مدلولات للكلام " فان قلت ": فماذا يكون مدلولا عليه عند الاصحاب والمعتزلة " قلت ": أما الجمل الخبرية فهى دالة على ثبوت النسبة بين طرفيها أو نفيها في نفس الامر من ذهن أو خارج
______________________________
متعلق بالمغايرة والانفكاك (قوله: فيرجع النزاع لفظيا فافهم) لعله اشارة إلى امتناع كون النزاع لفظيا وتوضيحه: انه لا خلاف ظاهرا في انه سبحانه متكلم وانما الخلاف في المراد من كلامه وفى انه حادث أو قديم فالمحكي عن المعتزلة والحنابلة والكرامية ان كلامه أصوات وحروف وان اختلفوا في انه قائم بغيره لا بذاته كما يقول المعتزلة أو بذاته كما يقول الحنابلة والكرامية، وعن الاشاعرة ان كلامه ليس من جنس الاصوات والحروف بل معنى قائم بذاته يسمى الكلام النفسي، ثم المحكي عن المعتزلة والكرامية أنه حادث وعن الاشاعرة والحنابلة أنه قديم فمذهب الاشاعرة في الكلام انه معنى قائم بذاته تعالى قديم وحيث تعذر عليهم تفسيره بالعلم والارادة والكراهة ونحوها ضرورة انها ليست كلاما اضطروا إلى تفسيره في الخبر بالنسبة وفي الانشاء بالطلب والمنع ونحوهما فالطلب عندهم صفة قائمة بذاته سبحانه قديم فلا مجال لان يريدوا به الطلب الانشائي إذ ليس هو من صفات النفس ولا هو قديم (قوله: المشهورة) وهي العلم والارادة واخواتهما مما تقدمت إليه الاشارة (قوله: ان هذه الصفات) خبر ليس الاولى (قوله: اما الجمل الخبرية فهي دالة) قد تقدم سابقا انه لا اختلاف بين الخبر والانشاء في المعنى فالمعنى المدلول عليه بالخبر هو المعنى المدلول عليه بالانشاء وانما الاختلاف بينهما في كيفية الاستعمال، فالخبر يستعمل في معناه بقصد حكايته عنه والانشاء يستعمل في معناه بقصد ايجاده فمعنى زيد حر خبرا وانشاء واحد فما يدل
كالانسان نوع أو كاتب. وأما الصيغ الانشائية فهي - على ما حققناه في بعض فوائدنا - موجدة لمعانيها في نفس الامر، أي (قصد ثبوت معانيها وتحققها بها) وهذا نحو من الوجود وربما يكون هذا منشأ لانتزاع اعتبار مترتب عليه شرعا وعرفا آثار كما هو الحال في صيغ العقود والايقاعات (نعم) لا مضايقة في دلالة مثل صيغة الطلب والاستفهام والترجى والتمنى بالدلالة الالتزامية على ثبوت هذه الصفات حقيقة إما لاجل وضعها لايقاعها فيما إذا كان الداعي إليه ثبوت هذه الصفات أو انصراف إطلاقها إلى هذه الصورة، فلو لم تكن هناك قرينة كان إنشاء الطلب أو الاستفهام أو غيرهما بصيغتهما لاجل قيام الطلب والاستفهام وغيرهما بالنفس وضعا أو اطلاقا
*
(اشكال ودفع) أما الاشكال فهو انه يلزم - بناء على اتحاد الطلب والارادة - في تكليف الكفار بالايمان بل مطلق أهل العصيان في العمل بالاركان إما أن لا يكون هناك تكليف
______________________________
عليه من المعنى حال كونه خبرا هو الذي يدل عليه حال كونه انشاء وصدوره في مقام الحكاية دال على كون المتكلم قاصدا به ثبوت النسبة كما ان صدوره في مقام الانشاء دال على كون المتكلم به قاصدا به ايجاد مضمونه ومعناه فالدلالة اللفظية الكلامية للخبر والانشاء واحدة لاتحاد المعنى والمدلول وانما الاختلاف في الدلالة غير اللفظية، ومنه يظهر ان الاولى عدم التفصيل بين الجمل الخبرية والصيغ الانشائية في مدلول الكلام اللفظي (قوله: كالانسان نوع) مثال لما كان ظرف الحمل هو الذهن لان النوعية ظرفها الذهن بخلاف الكتابة فان ظرفها الخارج (قوله: موجدة لمعانيها) قد عرفت ان هذا ليس مدلولا للكلام اللفظي (قوله: نحو من الوجود) لانه وجود انشائي في قبال الوجود الحقيقي في الذهن أو في الخارج (قوله: يكون هذا) يعني الانشاء وقصد ثبوت المعنى (قوله: كما في صيغ العقود) فانها يترتب عليها انتزاع عنوان مثل الملكية والزوجية والحرية وغيرها التي يترتب عليها آثار شرعية وعرفية (قوله: نعم لا مضايقة) يعنى
جدي إن لم يكن هناك ارادة حيث انه لا يكون حينئذ طلب حقيقي، واعتباره في الطلب الجدي ربما يكون من البديهي، وإن كان هناك ارادة
______________________________
ان ما تقدم كان في بيان المدلول المطابقي للانشاء والا فيمكن دعوى دلالة الصيغ الانشائية بالدلالة الالتزامية على الصفات المذكورة، اما باللزوم العقلي نظير دلالة العمى على البصر بان كانت الصفة مأخوذة قيدا في الموضوع له بأن تكون (لعل) مثلا موضوعة لانشاء الترجي المقيد بكونه عن ترج نفساني وهكذا حال الباقيات، واما باللزوم العرفي الناشئ من كثرة الاستعمال المؤدية إلى انصراف الذهن إلى صورة وجود الصفة فتكون الصفات الحقيقية المذكورة مدلولا عليها بالصيغ المستعملة في انشائها وايقاعها دلالة التزامية عقلية وضعية أو عرفية اطلاقية
تنبيه
حيث عرفت ان الانشاء مستعمل في معنى الخبر بقصد ايجاده اعتبارا الذي هو نحو آخر من الوجود يعبر عنه بالوجود الانشائي كما هو ظاهر المصنف (ره) أو ايجاده ادعاء بما له من الوجود نقول: تارة يكون المقصود بالانشاء جعل محض النسبة بين المنتسبين الحاصل بجعل احدهما للآخر كما في قولك: عبدي حر وهند طالق، فان المقصود جعل الحرية للعبد والطلاق لهند، واخرى يكون المقصود جعل نسبة خاصة مثل: أزيد حر، وهل هند طالق، فان المتكلم لم يقصد جعل محض النسبة بين الحرية والطلاق لزيد وهند وإنما قصد جعل نسبة خاصة بينهما وخصوصيتها انها نسبة مجهولة الثبوت يراد العلم بتحققها بطرفيها، وهكذا الحال في مثل لعل زيدا قائم فان المقصود جعل نسبة خاصة بين القيام وزيد وخصوصيتها انها متوقعة عند المتكلم وقس عليه نظائره، فمفاد الهيئة دائما نسبة قد يتقوم انشاؤها بانشاء المادة وقد لا يتقوم بذلك (قوله: جدى) يعني فيكون التكليف صوريا نظير الامر الامتحاني (قوله: واعتباره) يعني الطلب الحقيقي
فكيف تتخلف عن المراد ؟ ولا يكاد يتخلف (إذا اراد الله شيئا يقول له كن فيكون) (واما الدفع) فهو ان استحالة التخلف إنما يكون في الارادة التكوينية
______________________________
*
الذي هو عين الارادة (قوله: تتخلف عن) لكون المفروض عدم تحقق المراد (قوله: في الارادة التكوينية) الارادة التكوينية والتشريعية من سنخ واحد وانما الاختلاف في كيفية التعلق بالمراد (وتوضيح ذلك): ان الوجود إذا كان له مقدمات يتوقف على كل واحدة منها فكل واحدة من المقدمات لها دخل في جهة من جهات ذلك الوجود ولو كانت دخيلة في جهة واحدة امتنع ان تكون مقدمات متعددة بل كانت مقدمة واحدة، ثم المصلحة الداعية إلى ارادة الوجود المذكورة قد تكون بحيث تقتضي حفظ الوجود من جميع الجهات وبلحاظ جميع المقدمات وقد تكون بحيث تقتضي حفظه بلحاظ جهة دون جهة، فان كانت المصلحة على النحو الاول اقتضت تعلق الارادة به من جميع الجهات بحيث ينشأ من تلك الارادة النفسية ارادة غيرية بعدد المقدمات تتعلق كل واحدة من الارادات بواحدة من المقدمات، وان كانت على النحو الثاني اقتضت تعلق الارادة به من الجهة الخاصة دون غيرها فينشأ من تلك الارادة النفسية ارادة غيرية تتعلق بالمقدمة الحافظة للوجود من تلك الجهة لا غير، وحيث ان صدور الفعل من المكلف في فرض عدم الداعي النفسي إليه يتوقف على امور: (منها) تشريع الحكم الشرعي وجعله، (ومنها) علم المكلف به الموجب لحدوث الداعي العقلي إلى فعله، (ومنها) عدم مزاحمة الداعي العقلي بالداوعي الشهوية إلى خلافه، كان تشريع الحكم من مقدمات وجود الفعل من المكلف ووجوده حافظ لبعض جهات وجود الفعل وكانت ارادة الشارع المتعلقة بالفعل بلحاظ جهة وجوده من حيث التشريع ارادة له تشريعية، فالارادة التشريعية هي ارادة الشئ بلحاظ وجوده من حيث التشريع وتقابلها الارادة التكوينية وهي المتعلقة بالفعل من جميع جهات وجوده وكونه، ومنه يظهر أن امتناع تخلف المراد عن الارادة إنما هو في المراد بالارادة التكوينية لا التشريعية إذ الثانية لم تتعلق بالمراد من جميع جهات وجوده وإنما تعلقت به من
وهو العلم بالنظام على النحو الكامل التام دون الارادة التشريعية وهو العلم بالمصلحة في فعل المكلف، وما لا محيص عنه في التكليف إنما هو هذه الارادة التشريعية لا التكوينية فإذا توافقتا فلا بد من الطاعة والايمان وإذا تخالفتا فلا محيص عن ان يختار الكفر والعصيان (ان قلت): إذا كان الكفر والعصيان والطاعة والايمان بارادته تعالى التي لا تكاد تتخلف عن المراد فلا يصح ان يتعلق بها التكليف لكونها خارجة عن الاختيار المعتبر فيه عقلا (قلت): إنما يخرج بذلك عن الاختيار لو لم
______________________________
*
جهة تشريع حكمه فكيف يكون عدم وجود المراد تخلفا له عن الارادة بل يكون وجوده تخلفا للارادة عنه وهو ممتنع كتخلف المراد عن الارادة نعم لو لم يحفظ وجود المراد من قبل التشريع يلزم تخلف المراد عن الارادة لكن المفروض حفظه كذلك بتحقق التشريع كما هو ظاهر (قوله: وهو العلم بالنظام) سيأتي أن اتحاد الارادة مع العلم خارجي لا مفهومي (قوله: بالمصلحة في فعل) يعني الداعية إلى إرادته من حيث تشريع حكمه لا مطلقا وإلا كانت تكوينية كما عرفت (قوله: في التكليف) يعني في كون التكليف جديا حقيقيا لا صوريا (قوله: فإذا توافقتا) يعني إذا توافقت الارادة التكوينية مع الارادة التشريعية في المتعلق بأن كان الواجب الشرعي مرادا بالارادة التكوينية فلا بد من تحقق الواجب لامتناع تخلف المراد عن الارادة (قوله: وإذا تخالفتا) يعني بأن تعلقت الارادة التكوينية بالكفر والعصيان فلابد من تحققهما لامتناع تخلف المراد بها عنها. ثم ان الكفر والعصيان إذا كانا عدميين لم يتوقف تحققهما على تعلق الارادة التكوينية بهما بل يكفي فيه عدم ارادة الطاعة والايمان فالتخالف يكون بمجرد عدم تعلق الارادة التكوينية بما تتعلق به الارادة التشريعية لا بتعلقها بغيره (قوله: خارجة عن الاختيار) لكون الفعل الاختياري ما يكون ناشئا عن ارادة الفاعل والمفروض أنها صادرة عن إرادة الله سبحانه التكوينية (قوله: قلت: انما يخرج بذلك) يعني أن تعلق الارادة التكوينية بالعناوين المذكورة
يكن تعلق الارادة بها مسبوقة بمقدماتها الاختيارية، وإلا فلا بد من صدورها بالاختيار والا لزم تخلف ارادته عن مراده تعالى عن ذلك علوا كبيرا (ان قلت): إن الكفر والعصيان من الكافر والعاصي ولو كانا مسبوقين بارادتهما الا انهما منتهيان إلى مالا بالاختيار كيف وقد سبقهما الارادة الازلية والمشية الآلهية ؟ ومعه كيف تصح المؤاخذة على ما يكون بالاخرة بلا اختيار ؟ (قلت): العقاب إنما يستتبعه الكفر والعصيان التابعان للاختيار الناشئ عن مقدماته الناشئة عن شقاوتهما الذاتية اللازمة لخصوص ذاتهما، فان السعيد سعيد في بطن أمه والشقي شقي في بطن أمه
______________________________
*
يكون على نحوين: (أحدهما) أن تتعلق بها بلا توسط إرادة العبد كتعلقها بسائر الممكنات الموجودة، (وثانيهما) أن تتعلق بها بتوسط إرادة العبد، مثلا يكون خصوص الكفر الصادر عن إرادة الكافر متعلقا للارادة التكوينية الالاهية لا مطلق الكفر، فان كان التعلق على النحو الاول أوجب كون صدور العناوين المذكورة من العباد بلا اختيار منهم - كما ذكر في الاشكال - أما لو كان التعلق على النحو الثاني وجب أن يكون صدورها عن إرادة العبد واختياره لئلا يلزم تخلف المراد عن الارادة وهو ممتنع، ومنه يظهر فساد ما زعمه الجبري من عدم صدور فعل العبد عن ارادته بعد تسليم وجود الارادة له (قوله: مسبوقة) حال من الضمير في (بها) (قوله: بمقدماتها الاختيارية) كان الاولى ان يقول: بمقدماتها الموجبة لكونها اختيارية، إذ مقدمات الفعل ليست اختيارية بل نفس الفعل اختياري (قوله: منتهيان إلى مالا بالاختيار كيف) يعني أن ارادة العبد للكفر والعصيان وإن كانت هي المؤثرة فيهما إلا أنها لما كانت من الممكنات كانت بالآخرة مستندة إلى إرادة الواجب سبحانه التي هي واجبة لانها عين ذاته سبحانه فتكون واجبة بوجوب ذاته، وإذا كانت ارادة العبد كذلك كانت غير اختيارية، وحينئذ لا يصح العقاب على الكفر والعصيان لانه بالآخرة يكون بلا اختيار (قوله: قلت العقاب إنما يستتبعه) حاصله: ان العقاب في
والناس معادن كمعادن الذهب والفضة - كما في الخبر - والذاتى لا يعلل فانقطع سؤال انه لم جعل السعيد سعيدا والشقي شقيا، فان السعيد سعيد بنفسه والشقي شقي كذلك، وإنما أوجدهما الله تعالى (قلم اينجا رسيد وسر بشكست) قد انتهى الكلام في المقام إلى ما ربما لا يسعه كثير من الافهام ومن الله الرشد والهداية وبه الاعتصام (وهم ودفع) لعلك تقول إذا كانت الارادة التشريعية منه تعالى عين علمه بصلاح الفعل لزم - بناء على أن تكون عين الطلب - كون المنشأ بالصيغة في الخطابات الآلهية هو العلم وهو بمكان من البطلان، لكنك غفلت
______________________________
*
الآخرة على المعصية ليس ناشئا عن الاستحقاق حتى يتوجه الاشكال المذكور من عدم الاستحقاق على ما لا يكون بالاختيار بل هو من اللوازم الذاتية لها، وحينئذ فيكون وجودها علة وجوده فيترتب عليها ترتب المعلول على علته (أقول): الاشكال المذكور ان تم كان مانعا عن حسن التكليف أيضا ولا يختص منعه بحسن العقاب إذ التكليف والعقاب توأمان لا يحسن أحدهما في ظرف قبح الآخر فإذا كان مجرد كون الفعل اختياريا موجبا لحسن التكليف كان موجبا لحسن العقاب. مضافا إلى ان اندفاع الاشكال بما ذكره (قدس سره) يوجب ثبوت الاشكال في حسن العقاب بالنسبة إلى الموالي العرفية إذ لا مجال لدعوى كون عقابهم للعبد كان من جهة الملازمة الذاتية بينه وبين المعصية كما هو ظاهر إذ لا ريب في كونه فعلا اختياريا للموالي ناشئا عن ترجيح وجوده على عدمه، مع ان دعوى كون العقاب في الآخرة كذلك خلاف ظاهر الآيات والروايات بل لعله خلاف المرتكزات الضرورية الاسلامية (فالاولى) ان يقال: إن ارادة العبد لو كانت مخلوقة فيه بلا توسط العقل والقدرة تم الاشكال، بل لم يحسن التكليف أيضا كما هو الحال في افعال الصبيان والمجانين والحيوانات كافة أما لو كانت بتوسط العقل والقدرة فلا مانع عقلا من حسن التكليف، ولا من حسن العقاب على مخالفته والرجوع إلى العقلاء أوضح شاهد بما ذكرناه (قوله: هو العلم) لان المنشأ فيها هو الطلب وهو عين العلم بمقتضى قياس المساوات
عن أن اتحاد الارادة مع العلم بالصلاح إنما يكون خارجا لا مفهوما، وقد عرفت أن المنشأ ليس الا المفهوم لا الطلب الخارجي ولا غر واصلا في اتحاد الارادة والعلم عينا وخارجا، بل لا محيص عنه في جميع صفاته تعالى لرجوع الصفات إلى ذاته المقدسة قال (أمير المؤمنين) صلوات الله وسلامه عليه: (وكمال توحيده الاخلاص له، وكمال الاخلاص له نفى الصفات عنه)
الفصل الثاني
فيما يتعلق بصيغة الامر وفيه مباحث (الاول) أنه ربما يذكر للصيغة معان قد استعملت فيها وقد عد منها الترجي والتمني والتهديد والانذار والاهانة والاحتقار
______________________________
(قوله: أن اتحاد الارادة) يعني اتحاد الارادة والعلم إنما يكون في الخارج لان صفاته تعالى عين ذاته، لا ان مفهوم الارادة عين مفهوم العلم وان كان المحكي عن كثير من المعتزلة ذلك، بل هو ظاهر المحقق الطوسي (ره) في التجريد حيث قال: ومنها - أي الكيفيات النفسانية - الارادة والكراهة وهما نوعان من العلم. انتهى، لكن المحكي عن بعض المعتزلة انها الميل المتعقب لاعتقاد النفع وهو المراد من الشوق في كلام المصنف (ره) فيما تقدم كما ان المحكي عن بعض الاشاعرة أنها غير العلم والميل، بل قد تتحقق بدونهما فضلا عن ان تكون عين أحدهما (قوله: الا المفهوم) يعني وهو غير مفهوم العلم
صيغة الامر
(قوله: التمني) نحو ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي (قوله: التهديد) نحو قوله تعالى: اعملوا ما شئتم (قوله: الانذار) نحو قوله تعالى: تمتعوا في داركم (قوله: الاهانة) نحو قوله تعالى: ذق إنك أنت العزيز الكريم (قوله: الاحتقار) نحو قوله تعالى: بل ألقوا ما أنتم ملقون
والتعجيز والتسخير... إلى غير ذلك. وهذا كما ترى ضرورة ان الصيغة ما استعملت في واحد منها، بل لم تستعمل إلا في إنشاء الطلب إلا أن الداعي إلى ذلك كما يكون تارة هو البعث والتحريك نحو المطلوب الواقعي يكون أخرى أحد هذه الامور كما لا يخفى، وقصارى ما يمكن أن يدعى أن تكون الصيغة موضوعة لانشاء الطلب فيما إذا كان بداعي البعث والتحريك لا بداع آخر منها فيكون إنشاء الطلب بها بعثا حقيقة وإنشاؤه بها
______________________________
(قوله: والتعجيز) نحو قوله تعالى: فأتوا بسورة من مثله (قوله: والتسخير) نحو قوله تعالى: كونوا قردة خاسئين (قوله: إلى غير ذلك) كالارشاد، والتكوين والامتنان، والتسوية، والاباحة (قوله: إلا في إنشاء الطلب) قد تقدمت الاشارة إلى أن هيئة (إفعل) موضوعة وضع الحروف للنسب والاضافات، فالمراد من كونها موضوعة للطلب مستعملة فيه أنها موضوعة للنسبة الطلبية القائمة بين الطالب والمطلوب، فهي حاكية عن تلك النسبة ومستعملة فيها، إلا أن في كونها كذلك تأملا، بل الظاهر أنها موضوعة للنسبة التكوينية القائمة بين المكون والمكون فمعنى (اضرب): كن ضاربا، ومعنى: كن ضاربا، جعله ضاربا فهي لانشاء المادة المنتسبة إلى المتكلم نسبة التكوين، واستفادة الطلب منها من جهة ملازمة التكوين لتحقق إرادته في نفس المكون فهى تحكي عن الطلب النفسي بالالتزام على النحو المذكور وهي في جميع الموارد مستعملة في التكوين حقيقة كما في قوله تعالى: (إن الله إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) أو ادعاء كما في سائر موارد استعمالها، لا في إنشاء النسبة الطلبية كما قد يظهر بالتأمل (قوله: هو البعث والتحريك) يعني الاعتبار بين الادعائيين المترتبين على إظهار الارادة بالصيغة لدلالتها عليها كما عرفت (قوله: هذه الامور) يعني التي عدت معاني للصيغة فان الظاهر أنها دواع إلى تكوين المادة وإنشائها (قوله: بداعي البحث والتحريك) فيكون الداعي المذكور قيدا في الموضوع
تهديدا مجازا وهذا غير كونها مستعملة في التهديد وغيره فلا تغفل (إيقاظ) لا يخفى أن ما ذكرناه في صيغة الامر جار في سائر الصيغ الانشائية فكما يكون الداعي إلى انشاء التمنى أو الترجي أو الاستفهام بصيغها (تارة) هو ثبوت هذه الصفات حقيقة يكون الداعي غيرها (أخرى) فلا وجه للالتزام بانسلاخ صيغها عنها واستعمالها في غيرها إذا وقعت في كلامه تعالى لاستحالة مثل هذه المعاني في حقه تبارك وتعالى مما لازمه العجز أو الجهل، وأنه لا وجه له فان المستحيل إنما هو الحقيقي منها لا الانشائى الايقاعى الذى يكون بمجرد قصد حصوله بالصيغة كما عرفت، ففى كلامه تعالى قد استعملت في معانيها الايقاعية الانشائية ايضا لا لاظهار ثبوتها حقيقة بل لامر آخر - حسبما يقتضيه الحال - من إظهار المحبة أو الانكار أو التقرير... إلى غير ذلك (ومنه) ظهر أن ما ذكر من المعاني الكثيرة لصيغة الاستفهام ليس كما ينبغي ايضا (المبحث الثاني) في ان الصيغة
______________________________
*
(قوله: تهديدا مجازا) لانه غير الموضوع له (قوله: في سائر الصيغ) قد عرفت أن سائر الصيغ الانشائية إنما تكون موضوعة للنسب والاضافات الخاصة أعني النسبة القائمة بين المتمنى والمتمني والمترجى والمترجي والمستفهم عنه والمستفهم أو غير ذلك فالمراد من إنشائها ينبغي أن يكون إنشاء النسب المخصوصة (قوله: لاستحالة) متعلق بالالتزام (قوله: العجز أو الجهل) الاول في الترجي والتمني والثاني في الاستفهام (قوله: وانه لا وجه له) تأكيد لقوله: لا وجه للالتزام، (قوله: فان المستحيل) يعني أن المستحيل عليه تعالى هو الحقيقي من التمني والترجي والاستفهام لا الانشائي الذي هو ايجاد النسب الخاصة (قوله: لا لاظهار ثبوتها) وإن كان إظهار ثبوتها غير ممتنع عليه سبحانه بل الممتنع نفس ثبوتها إلا أن الكلام المشتمل على أدواتها ليس مما قصد منه إظهار ثبوتها بل قصد منه أمر آخر (قوله: ومنه ظهر) لا يبعد ان يكون مقصودهم ما ذكره المصنف (ره)
حقيقة في الوجوب أو في الندب أو فيهما أو في المشترك بينهما " وجوه " بل " أقوال " لا يبعد تبادر الوجوب عند استعماله بلا قرينة، ويؤيده عدم صحة الاعتذار عن المخالفة باحتمال ارادة الندب مع الاعتراف بعدم دلالته عليه بحال أو مقال وكثرة الاستعمال فيه في الكتاب والسنة وغيرهما لا يوجب نقله إليه أو حمله عليه لكثرة استعماله في الوجوب أيضا - مع ان الاستعمال وإن كثر فيه إلا أنه كان مع القرينة المصحوبة، وكثرة الاستعمال
______________________________
*
وان كانت كلماتهم غير وافية به (قوله: حقيقة في الوجوب) الوجوب الحقيقي (أعني الثبوت) ليس معنى الصيغة ضرورة وكذا الوجوب الادعائي الاعتباري فالمراد من كون الصيغة حقيقة في الوجوب أنها حقيقة في معنى يكون منشأ لاعتبار الوجوب وادعائه وذلك المعنى هو النسبة الطلبية - حسبما هو المشهور - أو التكوينية - حسبما عرفت - وحيث أن الوجوب ينتزع من مقام إظهار الارادة مع عدم الترخيص في ترك المراد بشهادة عدم اعتباره من الامر بالشئ مع الترخيص في تركه مع أن الامر المذكور لا قصور فيه من حيث كونه مظهرا للارادة فدعوى كونها حقيقة في الوجوب تتوقف على دلالتها على الارادة وعلى عدم الترخيص في ترك المراد كان اللازم القول بعدم كونها حقيقة في الوجوب فاستعمالها في موارد الترخيص في ترك المراد لا يكون مجازا نعم مع الشك في الترخيص يبنى على عدمه عند العقلاء، فيكفي الشك فيه في اعتبار الوجوب عقلا ولا يحتاج إلى ثبوت عدم الترخيص فهي من حيث هي مشتركة بين الوجوب والاستحباب لكن ما لم يثبت الترخيص يحكم بالوجوب (قوله: لا يبعد تبادر) قد عرفت أن دعوى تبادر الوجوب مساوقة لدعوى دلالة الصيغة على عدم الترخيص في ترك المادة وهو غير ظاهر بل ممنوع (قوله: باحتمال ارادة) قد عرفت أن مجرد عدم ثبوت الترخيص كاف في اعتبار الوجوب عند العقل (قوله: دلالته عليه) يعني على الندب (قوله: مع القرينة المصحوبة) ولا ينافيه كون
كذلك في المعنى المجازى لا يوجب صيرورته مشهورا فيه ليرجح أو يتوقف - على الخلاف في المجاز المشهور - كيف وقد كثر استعمال العام في الخاص حتى قيل: ما من عام إلا وقد خص، ولم ينثلم به ظهوره في العموم، بل يحمل عليه ما لم تقم قرينة بالخصوص على ارادة الخصوص (المبحث الثالث) هل الجمل الخبرية التى تستعمل في مقام الطلب والبعث مثل يغتسل ويتوضأ ويعيد ظاهرة في الوجوب ؟ أولا لتعدد المجازات فيها وليس الوجوب بأقواها بعد تعذر حملها
______________________________
اكثر المستحبات قد استفيد استحبابها من الجمع العرفي بين دليلي الالتزام والترخيص كما يظهر بأدنى ملاحظة للكتب الفقهية الاستدلالية، فان دليل الترخيص يكشف عن ثبوت القرينة الصارفة المتصلة لا أنه بنفسه قرينة حتى تكون القرينة مصحوبة بل هو حجة على القرينة لا أقل من احتمال ذلك فتأمل (قوله: كذلك) يعني مع القرينة المصحوبة (قوله: صيرورته مشهورا) لان المناسبة لا تكون بين اللفظ مطلقا والمعنى بل بين اللفظ المصحوب للقرينة وبين المعنى فلا موجب للانتقال إلى المعنى المجازي من مجرد اللفظ حتى يحصل الاجمال أو الظهور في غير المعنى الحقيقي (قوله: كيف وقد) استشهاد لما ذكره يعني أن العمومات على اختلافها من المعرف باللام، وكل، وجميع، وغيرها قد كثر استعمالها في الخصوص حتى قيل: ما من عام إلا وقد خص، ولم تمنع هذه الكثرة عن حملها على العموم إذا لم تكن قرينة على الخصوص " أقول ": التخصيص في قولهم: ما من عام... الخ يراد به التخصيص بالمنفصل بقرينة فرض العام، ولاجل ذلك أيضا لا مجال لما تقدم من كون الخاص حجة على القرينة المصحوبة لان القرينة مانعة عن كونه عاما ويظهر منه (ره) الاعتراف بذلك في فصل تعيين الظاهر من مبحث التعارض وعليه فلا يكون نظيرا لما نحن فيه بل قد يشكل في الحمل على العموم لان الاستعمال بالخصوص كان بلا قرينة مصحوبة - مضافا إلى أن اقتضاء التخصيص للتجوز بالعام محل الكلام كما يأتي فلا يشبه المقام فتأمل (قوله: قرينة بالخصوص) بل
على معناها من الاخبار بثبوت النسبة والحكاية عن وقوعها الظاهر الاول، بل يكون أظهر من الصيغة، ولكنه لا يخفى أنه ليست الجمل الخبرية الواقعة في ذلك المقام " أي الطلب " مستعملة في غير معناها بل تكون مستعملة فيه الا أنه ليس بداعي الاعلام بل بداعي البعث بنحو أءكد
______________________________
*
تكفي القرينة بالعموم كما لعله كذلك في مثل قاعدة الحرج والضرر ونحوهما مما كان مخصصا لكثير من العمومات بلسان الحكومة وقد يكون بغير ذلك ايضا. (قوله: على معناها من الاخبار) قد تقدم أن الاخبار والانشاء من طوارئ الاستعمال لا من قيود المعنى المستعمل فيه وحينئذ فاستعمال هذه الجمل في الانشاء لا الاخبار ليس استعمالا لها في غير معناها. نعم يبقى الاشكال في أنه لو استعملت في الانشاء كيف تكون لانشاء الطلب - مع أن الطلب ليس معنى للمادة إذ مادة (يعيد) و (يتوضأ) الاعادة والوضوء وليس معنى للهيئة لما عرفت من أنه ليس معنى نسبيا، وكون معنى الهيئة النسبة الطلبية كما في هيئة (افعل) على المشهور غير ممكن بشهادة عدم دلالة الهيئة على النسبة المذكورة عند استعمالها خبرا " فالتحقيق " أنها لو استعملت إنشاء فهي لانشاء النسبة الصدورية ادعاء نظير إنشاء النسبة الحملية في قول المولى لعبده: انت حر، و: زوجتي طالق، وهذا الانشاء لما كان مظهرا للارادة كان موجبا للبعث، ومنه - بضميمة عدم ثبوت الترخيص - ينتزع عنوان الوجوب في نظر العقلاء (قوله: الظاهر الاول) يعني أنها ظاهرة في الوجوب (قوله: معناها) يعني الاخبار لكن عرفت التأمل فيه (قوله: مستعملة فيه) يعني مستعملة في الخبر لكن لا يبعد انها مستعملة في معناها بقصد انشائه ادعاء، ويحتمل ان يكون بقصد الاخبار عنه ادعاء لا حقيقة فلا يتوجه الاشكال الآتي (قوله: الا انه ليس بداعي) يعني أن الاخبار عن شئ قد يكون المقصود منه إعلام المخاطب بمضمونه كما في غالب الجمل الخبرية، وقد يكون المقصود
حيث أنه أخبر بوقوع مطلوبه في مقام طلبه إظهارا بأنه لا يرضى إلا بوقوعه فيكون أءكد في البعث من الصيغة كما هو الحال في الصيغ الانشائية على ما عرفت من أنها أبدا تستعمل في معانيها الايقاعية لكن بدواع أخر كما مر (لا يقال): كيف ويلزم الكذب كثيرا لكثرة عدم وقوع المطلوب كذلك في الخارج تعالى الله وأولياؤه عن ذلك علوا كبيرا (فانه يقال): إنما يلزم الكذب إذا أتي بها بداعي الاخبار والاعلام لا لداعي البعث، كيف وإلا يلزم الكذب في غالب الكنايات فمثل: زيد كثير الرماد، أو مهزول الفصيل، لا يكون كذبا إذا قيل كناية عن وجوده ولو لم يكن له رماد وفصيل أصلا، وإنما يكون كذبا إذا لم يكن بجواد فيكون الطلب بالخبر في مقام التأكيد أبلغ فانه مقال بمقتضى الحال. هذا
______________________________
إعلامه بأن المخبر عالم بمضمون الخبر كما في قولك: قد حفظت القرآن، وقد يكون المقصود إعلامه بالارادة وعدم الرضا بالترك ليترتب عليه البعث كما في الامثلة المتقدمة فلا تكون مجازا بل حقيقة لانها مستعملة في الاخبار عن الغسل والوضوء والاعادة بداعي البعث لا بداعي الاعلام (قوله: حيث انه اخبر) تعليل لكونه أءكد في الاخبار عن الطلب، ووجه ما ذكره أن الوقوع يلازم الطلب غير المزاحم بالدواعي الشهوية، فيدل الوقوع على ثبوت الطلب المذكور فضلا عن أصل الطلب (قوله: كما هو الحال) تمثيل لاستعمالها في الاخبار لغير داعي الاعلام (قوله: كيف ويلزم) يعني لو كانت مستعملة في الاخبار لا الانشاء يلزم الكذب لعدم تحقق المخبر عنه غالبا (قوله: إذا أتي بها بداعي) يعني أن الكذب والصدق ليسا من صفات مطلق الخبر بل خصوص الخبر المقصود به الاعلام فإذا فرض أن الجمل المذكورة لم يقصد منها الاعلام فلا تتصف بالكذب ليلزم من حملها على الخبر الكذب الممتنع " أقول ": هذا خلاف ظاهرهم من حصر الخبر في الصادق والكاذب ومن تعريف كل من الصدق والكذب فراجع، (قوله: في غالب الكنايات) المعنى المكنى به في الكنايات لم يقصد الاخبار
مع أنه إذا أتي بها في مقام البيان فمقدمات الحكمة مقتضية لحملها على الوجوب فان تلك النكتة ان لم تكن موجبة لظهورها فيه فلا أقل من كونها موجبة لتعينه من بين محتملات ما هو بصدده فان شدة مناسبة الاخبار بالوقوع مع الوجوب موجبة لتعين ارادته إذا كان بصدد البيان مع عدم نصب قرينة خاصة على غيره (فافهم) (المبحث الرابع) انه إذا سلم أن الصيغة لا تكون حقيقة في الوجوب هل لا تكون ظاهرة فيه أيضا أو تكون ؟ قيل بظهورها فيه إما لغلبة الاستعمال فيه أو لغلبة وجوده
______________________________
عنه ولا الحكاية بل المقصود فيها الاخبار والحكاية عن المعنى المكنى عنه فالكلام الكنائي بالنسبة إلى المعنى المكنى به لا إخبار ولا انشاء بل محض استعمال لفظ في معناه لينتقل إلى لازمه فلا يتصف بالصدق والكذب وبالنسبة إلى المكنى عنه خبر يتصف بالصدق والكذب فلا مجال للاستشهاد على المقام بباب الكنايات، ولعل مقصود المصنف (ره) من كون الجمل المذكورة مستعملة في الاخبار أنها مستعملة في معانيها بلا قصد الاخبار نظير باب الكنايات فلا يرد عليه الاشكال. نعم إذا كانت الجمل موضوعة للاخبار فليس استعمالها كذلك استعمالا لها في الاخبار فلا يتم كونها حقيقة (قوله: مع أنه إذا أتي) يعني أنه لو بني على عدم اقتضاء ما ذكرناه ظهور الجملة في الوجوب فلا أقل من كونها صالحة لان يعتمد عليها في تفهيم الوجوب فإذا وردت الجملة في مقام البيان ودار الامر بين الوجوب والندب وجب أن يحمل الكلام على ارادة تفهيم الوجوب اعتمادا على تلك الجهة الصالحة للاعتماد عليها في تفهيمه إذ لو أراد المتكلم تفهيم الندب كان بلا قرينة ولو لم يرد تفهيم أحدهما بعينه كان خلفا لان المفروض كونه في مقام تفهيم أحدهما (قوله: غيره فافهم) يمكن أن يكون اشارة إلى ما عرفت من أن الوجوب منتزع من الطلب وعدم الترخيص في تركه وأنه يكفي في الحكم بعدم الترخيص مجرد عدم ثبوت الترخيص (قوله: إما لغلبة الاستعمال) يعني ولو مع قلة الوجود بدعوى تكرر الاستعمال في الوجوب للتأكيد (قوله: أو لغلبة وجوده) يعني ولو مع قلة الاستعمال
أو أكمليته، والكل - كما ترى - ضرورة أن الاستعمال في الندب وكذا وجوده ليس بأقل لو لم يكن بأكثر، وأما الاكملية فغير موجبة للظهور إذ الظهور لا يكاد يكون الا لشدة أنس اللفظ بالمعنى بحيث يصير وجها له ومجرد الاكملية لا يوجبه كما لا يخفى (نعم) فيما كان الآمر بصدد البيان فقضية مقدمات الحكمة هو الحمل على الوجوب فان الندب كأنه يحتاج إلى مؤنة بيان التحديد والتقييد بعدم المنع من الترك بخلاف الوجوب فانه لا تحديد فيه للطلب ولا تقييد فاطلاق اللفظ وعدم تقييده مع كون المطلق في مقام البيان كاف في بيانه فافهم (المبحث الخامس)
______________________________
بأن يكون الندب مع قلة وجوده يكون استعمال الصيغة فيه أكثر للتأكيد (قوله: أو أكمليته) هذا مبني على ما هو المشهور بين المتأخرين من أن المايز بين الوجوب والاستحباب هو المايز بين الضعيف والقوي لان الوجوب هو الطلب الاكيد والاستحباب هو الطلب الضعيف، لكن عرفت ان ليس المايز بينهما إلا الترخيص في المخالفة وعدمه فالطلب غير المرخص في مخالفته منتزع منه الوجوب عقلا والطلب المرخص في مخالفته منتزع منه الاستحباب كذلك فالطلب الحقيقي وان كان ذا مراتب مختلفة متفاوتة بتفاوت الدواعي في القوة والضعف إلا أن الضعيف منه ينتزع الوجوب عقلا من مقام إظهاره إذا لم يكن ترخيص في مخالفته ومجرد ضعفه لا يكون عذرا للعبد في مخالفته في نظر العقل (قوله: إذ الظهور لا يكاد) مضافا إلى أن ذلك موجب للحمل على أعلى مراتب الطلب لانها أكمل، كما أنه لو قامت قرينة على الاستحباب فاللازم حمله على أعلى مراتب الاستحباب لانها أكمل ايضا مع أن التفاوت بين أعلى مراتب الندب وأدنى مراتب الوجوب ليس باكثر من التفاوت بين أدنى مراتب الوجوب وأعلاها (قوله: نعم فيما كان الآمر) يعني أن الطلب المستفاد من الصيغة وان كان في نفسه أعم من القوي والضعيف إلا أن الضعيف لما كان محتاجا إلى تحديده ببيان عدم المنع من الترك والقوي غير محتاج إلى بيان لان المميز له هو الشدة التي هي من سنخ الطلب ويمكن الاعتماد في بيانها على بيان ماهية الطلب المنطبقة عليها كان صدور الكلام في مقام
أن إطلاق الصيغة هل يقتضى كون الوجوب توصليا ؟ فيجزئ إتيانه مطلقا ولو بدون قصد القربة أولا ؟ فلا بد من الرجوع فيما شك في تعبديته وتوصليته إلى الاصل لا بد في تحقيق ذلك من تمهيد مقدمات (إحداها) الوجوب التوصلى هو ما كان الغرض منه
______________________________
البيان مع عدم بيان عدم المنع من الترك موجبا لحمله على القوي إذ لو أريد الندب كان بلا قرينة ولو أريد المردد بينهما كان خلفا لان المفروض كونه في مقام بيان أحدهما بعينه " أقول ": لازم هذا التقرير الحمل على الاستحباب لانه منتزع عن صرف الطلب المحكي بالصيغة، والوجوب منتزع عن تأكد الطلب وهو لا تحكيه الصيغة كما هو الحال في قوله: أنا طالب منك كذا، ولعله أشار إلى هذا بقوله: فافهم، فالعمدة في استفادة الوجوب ما ذكرناه.
التعبدي والتوصلى
(قوله: ان اطلاق الصيغة) الكلام في المسألة (تارة) من حيث الاصل اللفظي (وأخرى) من حيث الاصل العملي (والاول) تارة يكون بالنظر إلى غير الصيغة من الادلة، وأخرى بالنظر إلى نفس الصيغة ولم يتعرض المصنف (رحمة الله) لمقتضى الاصل اللفظي بالنظر إلى غير الصيغة - مع أن المشهور تمسكوا لاثبات أصالة التعبد بالايات التي منها قوله تعالى: (وما امروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) وبالروايات التي منها: لا عمل إلا بنية، لان التعرض لذلك يناسب الفقيه ولذا تعرض له الفقهاء في مباحث النية (قوله: ما كان الغرض منه) أي ما كان الغرض الاصلي من الوجوب وهو الاثر المترتب على الواجب فان الغرض من الوجوب توصليا كان أو تعبديا وان كان هو احداث داع عقلي للمكلف إلى فعل الواجب إذ هو الذي يترتب على الوجوب إلا أن هذا الغرض لما كان مقصودا بداعي حصول الاثر المترتب على الواجب الذي كان بوجوده العلمي داعيا إلى ارادته النفسيه كان أثر الواجب غرضا أصليا للوجوب ايضا،
يحصل بمجرد حصول الواجب ويسقط بمجرد وجوده بخلاف التعبدي فان الغرض منه لا يكاد يحصل بذلك بل لا بد في سقوطه وحصول غرضه من الاتيان به متقربا به منه تعالى (ثانيتها) أن التقرب المعتبر في التعبدى (إن كان) بمعنى قصد الامتثال والاتيان بالواجب بداعي أمره كان مما يعتبر في الطاعة عقلا لا مما أخذ في نفس العبادة شرعا، وذلك لاستحالة أخذ ما لا يكاد يتأتى الا من قبل الامر بشئ في متعلق ذاك الامر مطلقا شرطا أو شطرا
______________________________
*
(قوله: بمجرد حصول الواجب) يعني من دون حاجة في حصوله إلى قصد التقرب (قوله: من الاتيان به) يعني بالواجب (قوله: التقرب المعتبر) التقرب عبارة عما يترتب على الاطاعة من القرب المعنوي الشبيه بالقرب المكاني، فهو قد يكون من العلل الغائية المقصودة للمتعبد، ولا ينبغي التأمل في أنه لا يعتبر قصده في مقام الاطاعة، بل لعل قصده لا يخلو عن إشكال نظير قصد الثواب، وما وقع في كلمات الفقهاء من اعتبار القربة في العبادة لابد أن يكون محمولا على اعتبار أن يكون الفعل مأتيا به بنحو يكون مقربا، لا أنه يعتبر قصد التقرب إذ لا إشكال في صحة الفعل المأتي به بداعي الامر مع الغفلة عن التقرب بالمرة (قوله: في التعبدي) يعني في ترتب الغرض منه (قوله: إن كان بمعنى) يعني أن المعنى الذي يترتب عليه التقرب (تارة) يفسر بكون الفعل ناشئا عن داعي أمره (وأخرى) يفسر بمعنى آخر كما سيأتي التعرض له في كلام المصنف (ره) فان فسر بالاول امتنع أن يؤخذ قيدا في موضوع الوجوب الشرعي لان داعوية الامر للفعل متأخرة عن الامر ويستحيل أخذ ما لا يتأتي إلا من قبل الامر قيدا في متعلق ذلك الامر لان الامر بحسب اعتبار العقل متأخر عن موضوعه رتبة فما يتأتى منه متاخر عن الموضوع بمرتبتين فلو أخذ في الموضوع كان الشئ الواحد بحسب اعتبار العقل متقدما متأخرا بالاضافة إلى شئ واحد وهو ممتنع، ولان الامر معلول للمصلحة فيمتنع أن يكون مقوما لها فإذا صدق قولنا: الصلاة لكونها مصلحة
فما لم تكن نفس الصلاة متعلقة للامر لا يكاد يمكن اتيانها بقصد امتثال أمرها (وتوهم) إمكان تعلق الامر بفعل الصلاة بداعي الامر وإمكان الاتيان بها بهذا الداعي ضرورة امكان تصور الآمر لها مقيدة والتمكن من اتيانها كذلك بعد تعلق الامر بها، والمعتبر من القدرة المعتبرة عقلا في صحة الامر إنما هو في حال الامتثال لا حال
______________________________
*
كانت مأمورا بها، امتنع صدق قولنا: الصلاة لكونها مأمورا بها صارت مصلحة، ولان اعتبار داعوية الامر بالشئ لذلك الشئ مبني على فرض كون الشئ بنفسه موضوعا للامر، فلو كانت الداعوية المذكورة ملحوظة قيدا لذلك الشئ كان خلفا إذا الامر - على هذا - لا يكون أمرا بذلك الشئ بنفسه بل بقيد الداعوية المذكورة، ولان الامر يدعو إلى متعلقه بقيوده فلو كان من قيود متعلقه داعويته يلزم أن يكون الامر داعيا إلى داعويته فيكون علة لعليته والشئ إنما يكون علة لمعلوله لا لعليته، ولان الامر إذا لم يتعلق بذات المأمور به بل بها مقيدة بداعي الامر امتنع الاتيان بها لامرها لعدم الامر بها فيكون التكليف بالاتيان بها لامرها تكليفا بغير المقدور وهو قبيح أو ممتنع على ما يأتي وهذا هو الذي أشار إليه (ره) بقوله: فما لم تكن نفس... الخ كما أن الظاهر إرادة الوجه الاول من صدر عبارته كما قد يظهر مما يأتي (قوله: وتوهم إمكان تعلق) إشكال على الوجه الاول (قوله: وإمكان الاتيان) إشكال على الوجه الاخير (قوله: ضرورة امكان تصور) تعليل للتوهم الاول يعني أن التكليف إنما يتوقف على تصور الآمر للمأمور به ومن المعلوم إمكان أن يتصور الآمر الصلاة المقيدة بكونها عن داعي الامر فيورد عليها التكليف فيكون التكليف الوارد موضوعه الصلاة المقيدة، فلفظ الآمر اسم فاعل ولها - باللام - كما هو الظاهر متعلق بتصور (قوله: والتمكن من اتيانها كذلك) تعليل للتوهم الثاني يعني أنا نمنع ما ذكرت من أن التقييد بما ذكر يوجب عدم القدرة على الامتثال المعتبرة في صحة التكليف إذ القدرة المعتبرة في صحة التكليف في نظر
الامر (واضح الفساد) ضرورة انه وان كان تصورها كذلك بمكان من الامكان إلا أنه لا يكاد يمكن الاتيان بها بداعي أمرها لعدم الامر بها فان الامر حسب الفرض تعلق بها مقيدة بداعي الامر ولا يكاد يدعو الامر الا إلى ما تعلق به لا إلى غيره (ان قلت): نعم ولكن نفس الصلاة أيضا صارت مأمورة بها بالامر بها مقيدة (قلت): كلا لان ذات المقيد لا تكون مأمورا بها فان الجزء التحليلي العقلي لا يتصف بالوجوب أصلا فانه ليس إلا وجود واحد واجب بالوجوب النفسي كما ربما يأتي في باب المقدمة
______________________________
*
العقل هي القدرة في ظرف الفعل لا في ظرف التكليف وهي في المقام حاصلة لانه بعد الامر بالصلاة المقيدة تكون الصلاة مأمورا بها فيمكن المكلف أن يأتي بها لامرها (قوله: واضح الفساد) خبر توهم (قوله: إلا أنه لا يكاد يمكن) ظاهره الاضراب عن دفع الاشكال الاول والتعرض لخصوص دفع الاشكال الثاني - مع انك قد عرفت تقريب المنع بوجه لا يتوجه الاشكال المذكور عليه فان إمكان تصور فعل الصلاة عن أمرها لا يصحح ترتب الشئ على نفسه ولا غيره من وجوه المنع كما يظهر بالتأمل فيها (وتوضيح) ما ذكره في دفع الثاني: أن المعتبر في صحة التكليف وإن كان هو القدرة حال الفعل إلا أن هذه القدرة غير حاصلة إلى الابد فان الامر إذا كان متعلقا بذات الصلاة المقيدة بداعي الامر فلا يدعو إلا إلى الصلاة المقيدة بداعي الامر لا إلى نفس الصلاة إذ الامر إنما يدعو إلى ما تعلق به وإذا لم يدع إلى نفس الصلاة تعذر الاتيان بها لامرها إلى الابد (قوله: نعم ولكن نفس) يعني أن الامر بالمقيد ينحل إلى الامر بالذات المعروضة للتقييد والامر بنفس التقييد وإذا تعلق الامر بالذات أمكن الاتيان بها بداعي أمرها (قوله: كلا لان ذات المقيد) يعني أن المقيد لما كان في الخارج أمرا واحدا لا تكثر فيه وإنما يعرضه التكثر في الذهن بتحليله إلى أجزاء هي الذات والتقيد امتنع تحليل الامر به إلى أمرين ليكون أحدهما متعلقا بالذات وباعثا إليها والآخر
(ان قلت): نعم لكنه إذا أخذ قصد الامتثال شرطا، وأما إذا أخذ شطرا فلا محالة نفس الفعل الذي تعلق الوجوب به مع هذا القصد يكون متعلقا للوجوب إذ المركب ليس إلا نفس الاجزاء بالاسر ويكون تعلقه بكل بعين تعلقه بالكل ويصح أن يؤتى به بداعي ذاك الوجوب ضرورة صحة الاتيان باجزاء الواجب بداعي وجوبه (قلت): مع امتناع اعتباره كذلك فانه يوجب تعلق الوجوب بامر غير اختياري فان الفعل وان كان بالارادة اختياريا الا ان ارادته حيث لا تكون بارادة أخرى وإلا لتسلسلت ليست باختيارية كما لا يخفى
______________________________
متعلقا بالتقييد وباعثا إليه ولو بمنشأ انتزاعه وإذ لا يكون أمر بالذات يمنع الاتيان بها بداعي أمرها (أقول): يكفي في الدعوة إلى نفس الذات الامر التحليلي ولو بلحاظ الذهن ولا يتوقف على الانحلال خارجا فالعمدة في الجواب عن الاشكال المذكور ما يأتي في الجواب عن أخذ التقرب جزءا (قوله: نعم لكنه إذا) يعني ان ما ذكرت من عدم انحلال الامر إلى الامر بنفس الذات إنما يتم لو أخذ قصد التقرب شرطا أما لو كان جزءا للمأمور به فلابد من الانحلال لان الامر بالكل عين الامر بالاجزاء لان الكل عين اجزائه فينحل الامر بالكل إلى أو امر ضمنية يتعلق كل واحد منها بواحد من الاجزاء فإذا كانت نفس الذات جزءا للمأمور به كانت موضوعا للامر الضمني فيمكن الاتيان بها بداعي أمرها (قوله: يوجب تعلق الوجوب) يعني لو كان قصد امتثال الامر موضوعا للوجوب يلزم التكليف بغير الاختياري لان القصد المذكور عين إرادة الفعل عن الامر بحيث يكون هو الداعي إليها والارادة ليست اختيارية وإلا لتسلسل لان اختياريتها تقتضي أن تكون موضوعا للارادة ثانيا، وهكذا في الارادة الثانية فلا بد من الانتهاء إلى ما ليس بالاختيار وإذا كانت الارادة غير اختيارية امتنع تعلق التكليف بها عقلا (أقول): إن تم هذا الاشكال امتنع اخذ قصد الامتثال شرطا إذ كما لا يجوز التكليف بغير الاختياري لا يجوز التكليف بما هو مقيد بغير الاختياري أيضا بل امتنع أن تكون
انما يصح الاتيان بجزء الواجب بداعي وجوبه في ضمن اتيانه بهذا الداعي ولا يكاد يمكن الاتيان بالمركب من قصد الامتثال بداعي امتثال أمره (ان قلت): نعم لكن هذا كله إذا كان اعتباره في المأمور به بأمر واحد وأما إذا كان بأمرين تعلق أحدهما بذات الفعل وثانيهما باتيانه بداعي أمره فلا محذور أصلا كما لا يخفى فللآمر أن يتوسل بذلك في الوصلة إلى تمام غرضه ومقصده بلا منعة (قلت): - مضافا إلى القطع بانه ليس في العبادات إلا أمر واحد كغيرها
______________________________
قيدا للاطاعة الواجبة عقلا إذ لا فرق بين موضوع الحكم الشرعي والعقلي في لزوم كونه اختياريا (وحله) أن التسلسل إنما يقتضي لزوم الانتهاء إلى ما ليس بالاختيار بمعنى أن الارادة لابد أن تكون مستندة إلى مالا بالاختيار ولو بواسطة ولا يقتضي أن كل ارادة خارجة عن الاختيار فيمكن تكليف العبد بأن يكون فعله عن إرادة موافقة الامر لا عن ارادة رضا الناس فيكون رياء أو عن إرادة التبريد مثلا في الوضوء فيكون بلا إخلاص (قوله: إنما يصح الاتيان) هذا مقول قوله: قلت، فهو الجواب عن الاشكال وما تقدمه ضميمة إليه (وتوضيحه) أن انحلال الامر بالكل إلى الامر بكل واحد من الاجزاء من جهة أن الكل عين الاجزاء يقتضي أن تكون داعوية كل من الاوامر الضمنية التحليلية المتعلقة بالاجزاء عين داعوية الامر بالكل، ويمتنع أن يكون الامر بالكل داعيا إلى ذات الصلاة وإلى الاتيان بها بداعي أمرها لانه يلزم منه أن يكون الامر داعيا إلى داعوية نفسه وقد عرفت أن الشئ لا يكون علة لعليته فتتوقف صحته على تعلق أمر بذات الصلاة غير الامر بالكل والمفروض عدمه (قوله: فلا محذورا أصلا) أما انتفاء المحاذير المتقدمة في صدر المبحث فظاهر ولكن اندفاع محذور التكليف بما هو مقيد بغير الاختيار غير ظاهر لان الامر الاول يتعلق بذات الصلاة، والامر الثاني يتعلق بالاتيان بها عن إرادة الامر الاول فإذا كانت الارادة غير اختيارية يكون التكليف بالمقيد بها تكليفا بغير المقدور (قوله: مضافا إلى القطع) وقد استدل عليه
من الواجبات والمستحبات غاية الامر يدور مدار الامتثال وجودا وعدما فيها المثوبات والعقوبات بخلاف ما عداها فيدور فيه خصوص المثوبات وأما العقوبة فمترتبة على ترك الطاعة ومطلق الموافقة - ان الامر الاول إن كان يسقط بمجرد موافقته ولو لم يقصد به الامتثال - كما هو قضية الامر الثاني -
______________________________
في تعليقته على مباحث القطع بما لا يخلو من تأمل فلاحظ، ويمكن الاستدلال عليه بما أوضحناه فيما علقناه على مباحث الانسداد من امتناع كون أوامر الاطاعة شرعية فراجع (قوله: من الواجبات) يعني التوصلية (قوله: ما عداها) أي ما عدا العبادات من الواجبات (قوله: ومطلق الموافقة) معطوف على الطاعة عطف تفسير ولا بد منه لئلا يوهم ترتب العقاب على ترك الطاعة ولو مع الموافقة ولا يكون في التوصليات (قوله: ان الامر الاول) هذا مقول قوله: قلت، والامر الاول الامر بذات العبادة (قوله: إن كان يسقط بمجرد) الامر ان المتعلق أحدهما بذات العبادة والآخر بفعلها عن داعي الامر (تارة) يكونان ناشئين عن غرضين مستقلين أحدهما قائم بذات العبادة والآخر قائم بفعلها عن داعي الامر (وأخرى) يكونان ناشئين عن غرض واحد، وعلى الاولى فهما إما متلازمان أو غير متلازمين وعلى الثانية فاما أن يكون موضوع الغرض الواحد هو الحصة الملازمة لفعلها عن الداعي أو الفعل المقيد بالداعى فعلى الصورتين الاوليين يكون الامران مولويين حقيقيين، وعلى الثالثة يكون الامر بالمقيد ارشاديا إلى ضيق موضوع الامر الاول، وعلى الرابعة يكون الامر الاول تهيئيا ناشئا عن مصلحة في نفسه فالالتزام بسقوط الامر مبني على الصورة الثانية بأن يكون الامر الاول ناشئا عن مصلحة في ذات العبادة مستقلة تحصل بمجرد فعل ذات العبادة دون بقية الصور إذ على الاولى يمتنع سقوطه بعد ملازمته لغرض الامر الثاني غير حاصل لعدم حصول موضوعه، وكذا على الثالثة لعدم كون الماتي به هو الحصة الملازمة للداعي ومع عدم الموضوع يمتنع حصول الغرض ومثله الحال في الرابعة (قوله: كما هو قضية)
فلا يبقى مجال لموافقة الثاني مع موافقة الاول بدون قصد امتثاله، فلا يتوسل الآمر إلى غرضه بهذه الحيلة والوسيلة، وإن لم يكد يسقط بذلك فلا يكاد يكون له وجه الا عدم حصول غرضه بذلك من أمره لاستحالة سقوطه مع عدم حصوله والا لما كان موجبا لحدوثه، وعليه فلا حاجة في الوصول إلى غرضه إلى وسيلة تعدد الامر لاستقلال العقل مع عدم حصول غرض الآمر بمجرد موافقة الامر بوجوب الموافقة على نحو يحصل به غرضه فيسقط امره. هذا كله إذا كان التقرب المعتبر في العبادة بمعنى قصد الامتثال،
______________________________
تمثيل للمنفي، (قوله: فلا يبقى مجال لموافقة) لانها تكون باطاعة الاول الموقوف على ثبوته والمفروض سقوطه (قوله: فلا يتوسل الآمر إلى) لكون المفروض العجز عن تحصيله (أقول): الامر الثاني باطاعة الامر الاول (تارة) يكون منوطا بوجود الاول بحيث يكون وجوده شرط ثبوته (وأخرى) يكون قيدا لموضوعه، فعلى الاولى يتم ما ذكره المصنف (ره) أما على الثانية فيشكل لان عدم حصول الغرض يكون بالعصيان بتفويت الشرط ومثله لا ينافي الغرض من الامر الثاني كما هو الحال في سائر موارد العصيان فتدبر (قوله: وإن لم يكد يسقط) يعني إذا كان الامر لا يسقط بمجرد موافقته فلا بد أن يكون بقاؤه لاجل عدم حصول الغرض وحينئذ لا حاجة إلى الامر الثاني لكفاية حكم العقل بوجوب تحصيل الغرض ولو بالاتيان بالمأمور به بداعي أمره (أقول): هذا يتم مع العلم بعدم حصول الغرض وكذا مع الشك لو قيل بحكم العقل بالاحتياط، اما لو قيل بحكمه بالبراءة في المقام كما سيأتي فلا مانع من الامر الثاني مولويا ليكون رافعا لحكم العقل كما في سائر موارده بل لو قيل بان حكم العقل بالاحتياط تعليقي على عدم البيان من قبل الشارع الاقدس صح الامر مولويا وكان واردا على حكم العقل، ثم إن سوق عبارة المتن يقتضي إرادة الصورة الرابعة من الصور المتقدمة التي قد عرفت أن لازمها عدم السقوط، فترديد المصنف (ره) في الجواب بين
واما إذا كان بمعنى الاتيان بالفعل بداعي حسنه أو كونه ذا مصلحة أو له تعالى فاعتباره في متعلق الامر وان كان بمكان من الامكان الا أنه غير معتبر فيه قطعا لكفاية الاقتصار على قصد الامتثال الذى عرفت عدم امكان أخذه فيه بديهة، تأمل فيما ذكرناه في المقام تعرف حقيقة المرام كيلا تقع فيما وقع فيه من الاشتباه بعض الاعلام (ثالثها) انه إذا عرفت بما لا مزيد عليه عدم امكان أخذ قصد الامتثال في المأمور
______________________________
القول بالسقوط وعدمه لاجل تسجيل الاشكال على كل حال (والتحقيق) منها هو الصورة الثالثة إذ الاولتان لازمهما تعدد العقاب ولا يظن إمكان الالتزام به، بل لازم الثانية منها صحة ذات العبادة لو أتى بها لا بداعي الامتثال واشكاله ظاهر وأما الرابعة فقد عرفت أن لازمها أن يكون الامر بذات العبادة تهيئيا ناشئا عن مصلحة في نفسه وهي مقدميته لامكان الاتيان بالمأمور به وليس حاكيا عن الارادة النفسية، ومثله لا يصلح للداعوية إلى متعلقه، فالمتعين هي الثالثة فيكون المأمور به بالامر العبادي هو الحصة الخاصة من المأمور به الملازمة للداعوية خارجا لا المقيدة بها ولا المطلقة بحيث تشمل حال عدمها (قوله: وأما إذا كان بمعنى) معطوف على قوله (ره) في صدر التنبيه: إن كان بمعنى، يعني وإن فسر المعنى الذي يترتب عليه التقرب بكون الفعل مأتيا به بداعي حسنه أو كونه ذا مصلحة أو بداعي ذاته تعالى فلا مانع من اعتباره قيدا في موضوع الامر، إلا أنه لا يصح تفسيره بذلك لعدم اعتبار الداعي بالمعنى المذكور في صحة العبادة، بشهادة صحة العبادة إذا أتي بها بداعي امتثال الامر لا بداعي ذاته تعالى أو حسن الفعل أو مصلحته، فان ذلك كاشف عن عدم اعتبارها في الغرض فضلا عن اعتبارها في المأمور به (قوله: بمكان من الامكان) لم يتضح الفرق بين داعي الامر والدواعي المذكورة، لان داعي المصلحة إذا كان مقوما للمصلحة لزم خلو الفعل في نفسه عن المصلحة فيمتنع الاتيان به بداعي المصلحة، وهكذا الحال في داعي الحسن وداعي ذاته تعالى (قوله: إلا أنه غير معتبر فيه قطعا) بل في الاكتفاء به
به أصلا فلا مجال للاستدلال باطلاقه ولو كان مسوقا في مقام البيان
______________________________
مجال إشكال، أما داعي المصلحة أو الحسن فلعدم اقتضائه المقربية المعتبرة في العبادة وليست نسبة الفعل المأتي به بالداعي المذكور إليه سبحانه الا كنسبته إلى سائر العقلاء فكما لا يكون عبادة لهم لا يكون عبادة له تعالى، وكما لا يستحق به عليهم ثوابا لا يستحق عليه تعالى ثوابا أيضا. نعم لا يبعد الاكتفاء به بما أنه طريق إلى لب ارادته تعالى، وبما أنه مناط لها، وحينئذ يرجع الاشكال، وأما داعي ذاته تعالى فالظاهر عدم امكانه في نفسه فضلا عن الاكتفاء به فان نسبة ذاته تعالى إلى الفعل الخاص كنسبتها إلى سائر أفعال العبد فلا تصلح للدعوة إلى شئ منها (قوله: فلا مجال للاستدلال باطلاقه) أما بناء على أن الاطلاق مستفاد من مقدمات الحكمة فلان من جملة المقدمات أن يكون المتكلم في مقام البيان بالخطاب فإذا امتنع أن يكون في مقام بيانه فلا مجال للاطلاق وأما بناء على أن الاطلاق مستفاد من نفس اللفظ (أعني المادة) لكونه موضوعا للماهية الملحوظ فيها الاطلاق والارسال، فلان امتناع التقييد موجب لامتناع لحاظ الاطلاق من حيث القيد الملحوظ بحسب اعتبار العقل في الرتبة اللاحقة لرتبة المطلق فكما يمتنع أن يقول: افعل فعلا ناشئا عن امري، يمتنع أن يقول: افعل فعلا سواء أكان ناشئا عن أمري أم لا عن أمري، لجريان المحاذير المتقدمة فيه ايضا (فان قلت): إذا تعلق الامر بشئ دل على كونه واجبا بالمطابقة، وعلى كونه موضوعا للمصلحة بالالتزام، فإذا قام دليل عقلي أو غيره على امتناع إطلاقه من حيث كونه موضوعا للوجوب فلا مانع من الاخذ باطلاقه من حيث كونه موضوعا للمصلحة لان الدلالة الالتزامية إنما تتبع الدلالة المطابقية في مقام الثبوت لا في مقام الحجية ولذا بني على حجية الخبرين المتعارضين في نفي الحكم الثالث مع سقوطهما عن الحجية في مضمونهما، وحينئذ فاللازم في المقام الاخذ باطلاق المادة في اثبات كونها مطلقا تمام موضوع المصلحة (قلت): هذا يتم لو دل الكلام بالمطابقة على إطلاق موضوع الوجوب ليترتب عليه دلالته على إطلاق موضوع
على عدم اعتباره كما هو أوضح من أن يخفى، فلا يكاد يصح التمسك به إلا فيما يمكن اعتباره فيه، فانقدح بذلك انه لا وجه لاستظهار التوصلية من اطلاق الصيغة بمادتها ولا لاستظهار عدم اعتبار مثل الوجه مما هو ناشئ من قبل الامر من اطلاق المادة في العبادة لو شك في اعتبار فيها. نعم إذا كان الآمر في مقام بصدد بيان تمام ماله دخل في حصول غرضه وان لم يكن
______________________________
المصلحة أما لو لم يدل على الاول لامتناع الاطلاق امتنع ان يدل على الثاني ايضا فلا مجال لاستفادة التوصلية من إطلاق المادة (قوله: على عدم اعتباره) متعلق بالاستدلال (قوله: لاستظهار التوصلية) تعريض بشيخنا الاعظم (ره) حيث قال: إن ظاهر الامر يقتضي التوصلية، إذ ليس المستفاد من الامر إلا تعلق الطلب الذي هو مدلول الهيئة للفعل على ما هو مدلول المادة وبعد ايجاد المكلف نفس الفعل في الخارج لا مناص من سقوط الطلب لامتناع طلب الحاصل، " أقول ": ذكر هذا الاستظهار بعد بيان امتناع الاطلاق كما ذكر المصنف (ره) والظاهر ان مراده وجوب الحكم بعدم تقييد موضوع المصلحة بمجرد عدم بيان تقييده لاصالة عدمه كما صرح به فلاحظ (قوله: عدم اعتبار مثل الوجه) يعني لو شك في اعتبار نية الوجه وهو الوجوب أو الندب في صحة العبادة ومثله التمييز بين الواجب من الاجزاء وغيره لا مجال للرجوع إلى الاطلاق في نفيه لورود المحذور السابق من التقييد به لان اعتبارهما يرجع إلى اعتبار قصد الامتثال على نحو خاص فإذا امتنع اعتباره امتنع اعتبارهما ايضا (قوله: نعم إذا كان الآمر في) يعني يمكن التمسك لنفي اعتبار قصد الامتثال في موضوع المصلحة بالاطلاق المقامي ولا ريب في صحته لو تمت مقدماته فان المتكلم إذا كان في مقام بيان تمام ما له دخل في موضوع المصلحة ولم يبين دخل شئ فيه علم عدم دخل ذلك الشئ فيه وإلا كان نقضا للغرض وهو ممتنع إلا أن الشأن في إثبات مقدمتيه وهما كونه في مقام البيان وعدم البيان، ويمكن إثبات عدم البيان باصالة عدمه المعول عليها عند العقلاء في
له دخل في متعلق أمره ومعه سكت في المقام ولم ينصب دلالة على دخل قصد الامتثال في حصوله كان هذا قرينة على عدم دخله في غرضه والا لكان سكوته نقضا له وخلاف الحكمة، فلا بد عند الشك وعدم احراز هذا المقام من الرجوع إلى ما يقتضيه الاصل ويستقل به العقل (فاعلم) أنه لا مجال هاهنا الا لاصالة الاشتغال ولو قيل باصالة البراءة فيما إذا دار الامر بين الاقل والاكثر الارتباطيين وذلك لان الشك هاهنا في الخروج عن عهدة التكليف المعلوم
______________________________
أمثال المقام، وأما المقدمة الاولى فيمكن الاشكال فيها بالاتكال على حكم العقل بلزوم الاحتياط فلا يلزم من ترك البيان تفويت الغرض الاصلي للامر المترتب على المأمور به، لكن حيث تعرف عدم حكم العقل بالاحتياط فلا مجال للاشكال فيها ايضا فلاحظ (قوله: له دخل) لامتناعه كما عرفت (قوله: كان هذا) يعني السكوت في مقام البيان، والفرق بين الاطلاق المقامي والاطلاق اللفظي المتقدم منه: أن الاول إطلاق حال والثاني إطلاق مقال، وأن إحراز كونه في مقام البيان في الاول يتوقف على قرائن خاصة، ويكفي في إحراز كونه كذلك في الثاني الاصل العقلائي فانه مهما شك في كون المتكلم في مقام البيان يحكم بانه كذلك، كما سيأتي في محله.
تأسيس الاصل
(قوله: وذلك لان الشك ها هنا في) يعني أن المقام يفترق عن مسألة الشك بين الاقل والاكثر بان الشك هناك شك في نفس التكليف فإذا ترددت الصلاة الواجبة بين المشتملة على السورة وغيرها فالشك في الحقيقة يرجع إلى الشك في التكليف بالسورة والشك في التكليف موضوع للبراءة عقلا بخلاف الشك في المقام فان قصد الامتثال ليس جزءا أو شرطا في الواجب لما تقدم من امتناعه بل موضوع التكليف معلوم وهو ذات العبادة وإنما الشك في سقوط أمرها بمجرد الفعل لحصول
مع استقلال العقل بلزوم الخروج عنها فلا يكون العقاب مع الشك وعدم احراز الخروج عقابا بلا بيان والمؤاخذة عليه بلا برهان ضرورة أنه
______________________________
الغرض به أو عدم سقوطه لعدم حصول الغرض به وسيأتي في محله أنه مهما كان الشك في سقوط التكليف فالمرجع فيه الاحتياط " وبالجملة ": الشك في المقام في سقوط التكليف المعلوم وفي تلك المسألة في ثبوته والاول مجرى الاحتياط والثاني مجرى البراءة " أقول ": الغرض الاصلي للوجوب الارتباطي إنما يحصل بفعل الواجب بتمام ما يعتبر فيه من الاجزاء والشرائط فإذا كان الواجب واقعا هو الاكثر لم يحصل الغرض بفعل الاقل فإذا شك في وجوب السورة فقد شك في حصول الغرض بفعل الاقل فيشك في سقوط التكليف المعلوم بالاقل فلا يبقى فرق بين المقام وبين تلك المسألة، وقد اعترف المصنف بوجوب الاحتياط عقلا لذلك في تلك المسألة فلا يناسب ابداءه الفرق بينهما بما ذكرو، البناء على البراءة في تلك المسألة لا يكون إلا مع البناء على عد الاعتناء باحتمال عدم سقوط الغرض بفعل ما علم التكليف به كما سيأتي توضيحه في محله، ولازمه القول بالبراءة هنا عقلا ايضا " وبالجملة ": إن كان الشك في حصول الغرض أو سقوط التكليف المعلوم هو الموجب للاحتياط في المقام فمثله حاصل في الاقل والاكثر، وإن كان مثله لا يوجب الاحتياط هناك لان العلم بالتكليف إنما يصلح حجة على فعل متعلقه لا غيره والشك في حصول الغرض انما يقتضي الاحتياط لو كان راجعا إلى الشك في سقوط التكليف المعلوم ولا يقتضي الاحتياط زائدا عليه فلا يجب في المقام ايضا فلاحظ وتأمل " نعم " يفترق المقام عن تلك المسألة بأن ما يحتمل دخله في الغرض في تلك المسألة مما يحتمل كونه جزءا أو شرطا للواجب فيكون مجرى للبراءة الشرعية وهنا لا يحتمل فيه ذلك فلا يكون مجرى لها لكنه لا يصلح فارقا في وجوب الاحتياط وعدمه في نظر العقل لما سنشير إليه هنا ويأتي تحقيقه في محله، والله سبحانه أعلم (قوله: مع استقلال) يعني والحالة أن العقل يستقل،
بالعلم بالتكليف تصح المؤاخذة على المخالفة وعدم الخروج عن العهدة لو اتفق عدم الخروج عنها بمجرد الموافقة بلا قصد القربة وهكذا الحال في كل ما شك في دخله في الطاعة والخروج به عن العهدة مما لا يمكن اعتباره في المأمور به كالوجه والتمييز (نعم) يمكن أن يقال: ان كل ما يحتمل بدوا دخله في الامتثال وكان مما يغفل عنه غالبا العامة كان على الآمر بيانه ونصب قرينة على دخله واقعا وإلا لاخل بما هو همه وغرضه، أما إذا لم ينصب دلالة على دخله كشف عن عدم دخله وبذلك يمكن القطع بعدم دخل الوجه والتمييز في الطاعة بالعبادة حيث ليس منهما عين ولا أثر في الاخبار والآثار وكانا مما يغفل عنه العامة وان احتمل اعتباره بعض الخاصة فتدبر جيدا " ثم " إنه لا أظنك أن تتوهم وتقول: ان ادلة البراءة الشرعية مقتضية لعدم الاعتبار وان كان قضية الاشتغال عقلا هو الاعتبار
______________________________
(قوله: بالعلم بالتكليف) يعني والمفروض حصوله (قوله: لو اتفق عدم) يعني ولو اتفق عدم الخروج عن العهدة كان لاجل فقد القربة مع الاتيان بذات العبادة، (قوله: وهكذا الحال) يعني يجب الاحتياط فيه ايضا لما ذكر (قوله: وكان مما يغفل) إذ الغفلة مانعة من اتكال الشارع الاقدس على حكم العقل حينئذ إذ لا حكم للعقل حينئذ فاما أن لا يكون غرض الشارع يتوقف على ما ذكر أو يكون له غرض ولم يعتن هو بفوته وحيث أن الثاني ممتنع فيتعين الاول (أقول) يتم هذا في حق الغافل لا في حق الملتفت ولو كان نادرا فاستكشاف عدم الغرض مطلقا غير ظاهر إلا أن يعد ذلك طريقا عرفا إلى عدمه وهو كما ترى (قوله: لا أظنك أن تتوهم) حيث أن المصنف (ره) في باب الاقل والاكثر بنى على الاحتياط عقلا والبراءة شرعا لحديث الرفع ونحوه من أدلة البراءة الشرعية فقد يتوهم إلحاق المقام بذلك فيدعى أن العقل وان كان يحكم بالاحتياط في المقام إلا أنه يمكن التمسك بمثل حديث الرفع لاثبات البراءة وحصول الامن من العقاب المحتمل، لكنه مندفع بما أشار إليه من أن حديث الرفع إنما يجري في رفع ما يكون وضعه شرعيا
لوضوح أنه لا بد في عمومها من شئ قابل للرفع والوضع شرعا وليس هاهنا فان دخل قصد القربة ونحوها في الغرض ليس بشرعي بل واقعى ودخل الجزء والشرط فيه وان كان كذلك إلا أنهما قابلان للوضع والرفع شرعا فدليل الرفع ولو كان اصلا يكشف انه ليس هناك أمر فعلى بما يعتبر فيه المشكوك يجب الخروج عن عهدته عقلا بخلاف المقام فانه علم بثبوت الامر الفعلى كما عرفت فافهم (المبحث السادس) قضية إطلاق الصيغة كون الوجوب نفسيا تعيينيا عينيا لكون كل واحد مما يقابلها يكون فيه تقييد الوجوب وتضييق دائرته، فإذا كان في مقام البيان ولم ينصب قرينة عليه فالحكمة تقتضي كونه مطلقا وجب هناك شئ آخر أولا أتي بشئ آخر أولا أتى به آخر أولا
______________________________
*
وليس المقام كذلك فان المرفوع إن كان دخل قصد الامتثال في الواجب فقد عرفت أنه مما يمتنع دخوله فلا يدخل تحت حديث رفع ما لا يعلمون، وإن كان دخله في الغرض والمصلحة فذلك الدخل واقعي من قبيل دخل العلة في المعلول فلا يصح رفعه من الشارع (قوله: لوضوح) تعليل لقوله: لا أظنك (قوله: ودخل الجزء) يعني قد يقال: ان دخل الجزء والشرط في الغرض ليس شرعيا أيضا فكيف جاز رفعه بالحديث (والجواب) أن دخلهما فيه وان كان كذلك الا أن دخلهما في الواجب لما كان شرعيا جرى الحديث لرفعه وإذا ارتفع دخلهما في الواجب انكشف عدم دخلهما في الغرض الموجب للامر الفعلي ولا مجال لجريان ذلك في المقام لما عرفت (قوله: عرفت فافهم) يمكن أن يكون اشارة إلى ان الغرض الواحد المترتب على الواجب المردد بين الاقل والاكثر مما لا يمكن الحكم بعدم فعليته مع الحكم بوجوب فعل الاقل لتنافيهما واستكشاف تعدد الغرض بحديث الرفع ممتنع لانه ليس في رتبة الادلة الواقعية حتى يصلح للحكومة عليها كما أوضحنا ذلك كله في محله فيما علقناه على مباحث البراءة (قوله: قضية إطلاق) يعني إذا شك في وجوب شئ من حيث انه نفسي أو غيري، أو تعييني أو تخييري، أو عينى أو كفائي، فاطلاق
كما هو واضح لا يخفى (المبحث السابع) انه اختلف القائلون بظهور صيغة الامر في الوجوب وضعا أو اطلاقا فيما إذا وقع عقيب الحظر أو في مقام توهمه على أقوال نسب إلى المشهور ظهورها في الاباحة، والى بعض العامة ظهورها في الوجوب، والى بعض تبعيته لما قبل النهى
______________________________
الصيغة يقتضي كونه نفسيا لا غيريا، تعيينيا لا تخييريا، عينيا لا كفائيا، وذلك لان كل واحدة من الغيرية والتخييرية والكفائية تقييد في الوجوب إذ معنى كونه غيريا أنه منوط بوجوب شئ آخر، كما أن معنى كونه تخييريا أنه منوط بعدم فعل شئ آخر ومعنى كونه كفائيا أنه منوط بعدم فعل مكلف آخر، وهذه الاناطة تقييد في الوجوب ينفيه اطلاق دليله (قوله: كما هو واضح لا) في وضوحه تأمل فان المولى إذا قال: يجب على زيد أن يقوم، فظاهر الهيئة الكلامية دخل كل من خصوصيتي القيام وزيد في موضوع الوجوب على نحو لا يكفي القعود عن القيام، ولا عمرو عن زيد، فيكون الوجوب تعيينيا عينيا ولا يتوقف على مقدمات الاطلاق، وأما كون الوجوب نفسيا ناشئا عن مصلحة في متعلقه أو غيريا ناشئا عن مصلحة في غيره فلا دلالة للكلام ولا لمقدمات الحكمة على أحدهما نعم اطلاق البعث نحو الشئ يكون حجة عند العقلاء على وجوبه، واحتمال عدم ارادته لعدم القدرة على ما يحتمل كونه واجبا لاجله لا يصلح عذرا في نظر العقلاء، ولعل هذا هو المراد بالاطلاق لكن في اسناده إلى الصيغة تأمل
الامر عقيب الحظر
(قوله: وضعا أو اطلاقا) قيد لقوله: ظهور (قوله: فيما إذا) متعلق بقوله: اختلف، يعني أن القائلين بظهور الامر في الوجوب اختلفوا فيه إذا وقع عقيب الحظر أو عقيب ما يتوهم منه الحظر من حيث انه ظاهر في الوجوب أو في الاباحة أو غير ذلك (قوله: في الاباحة) يعنى بالمعنى الاخص المقابل للوجوب (قوله: لما قبل النهى) يعنى من وجوب أو اباحة أو غيرهما
ان علق الامر بزوال علة النهى... إلى غير ذلك (والتحقيق) أنه لا مجال للتشبث بموارد الاستعمال فانه قل مورد منها يكون خاليا عن قرينة على الوجوب أو الاباحة أو التبعية، ومع فرض التجريد عنها لم يظهر بعد كون عقيب الحظر موجبا لظهورها في غير ما تكون ظاهرة فيه غاية الامر يكون موجبا لاجمالها غير ظاهرة في واحد منها الا بقرينة أخرى كما أشرنا (المبحث الثامن) الحق أن صيغة الامر مطلقا لا دلالة لها على المرة ولا التكرار، فان المنصرف عنها ليس الا طلب إيجاد الطبيعة المأمور بها فلا دلالة لها على أحدهما لا بهيئتها ولا بمادتها، والاكتفاء بالمرة فانما هو
______________________________
(قوله: إن علق النهي بزوال) كما في قوله تعالى: فإذا انسلخ الاشهر الحرم فاقتلوا المشركين، وقوله تعالى: فإذا تطهرن فأتوهن، وقوله تعالى: وإذا حللتم فاصطادوا (قوله: لا مجال للتشبث) اشارة إلى إبطال استدلال بعضهم على مدعاه ببعض موارد الاستعمال كالايات المتقدمة (وحاصله) أن الكلام في المقام في أن وقوع الامر عقيب الحظر هل هو من القرائن العامة التي لا يجوز العدول عن مقتضاها إلا بدليل الموجبة لظهور الصيغة في الاباحة مطلقا أو الوجوب أو رجوع الحكم السابق على النهي أو غير ذلك ؟ والاستعمال لا يدل على شئ من ذلك لامكان استناد الظهور فيه إلى قرينة خاصة غير الوقوع عقيب الحظر فلا يصح الاستناد إليه في اثبات الدعوى (قوله: ومع فرض) يعني لو فرض التجريد عن القرائن الخاصة لم يظهر أن الوقوع عقيب الحظر من القرائن الموجبة لظهور الصيغة في غير الوجوب الذي تكون ظاهرة فيه لولا الوقوع عقيب الحظر (قوله: لاجمالها) وعليه فلا تحمل على الوجوب بناء على وضعها له الا بناء على كون حجية أصالة عدم القرينة من باب التعبد لا من باب حجية الظهور
المرة والتكرار
(قوله: مطلقا) يعنى حيث لا يقيد بمرة أو تكرار (قوله: على المرة والتكرار) سيأتي منه شرحهما (قوله: لا بهيئتها ولا بمادتها) إذ
لحصول الامتثال بها في الامر بالطبيعة كما لا يخفى (ثم) لا يذهب عليك أن الاتفاق على أن المصدر المجرد عن اللام والتنوين لا يدل الا على الماهية - على ما حكاه السكاكي - لا يوجب كون النزاع ههنا في الهيئة - كما في الفصول - فانه غفلة وذهول عن أن كون المصدر كذلك لا يوجب الاتفاق على أن مادة الصيغة لا تدل إلا على الماهية، ضرورة أن المصدر ليس مادة لسائر المشتقات بل هو صيغة مثلها
______________________________
الهيئة موضوعة وضع الحروف للنسبة الخاصة والمادة موضوعة لصرف الماهية لا بشرط، وكل من المرة والتكرار خارج عن مدلولهما (قوله: لحصول الامتثال) إذ الامتثال يحصل بوجود المأمور به فإذا كان المأمور به صرف الطبيعة وكان يتحقق بالمرة كانت امتثالا للامر، ومنه يظهر بطلان استدلال القائل بالمرة بصدق الامتثال بها (قوله: لا يذهب عليك) قال في الفصول: الحق أن هيئة الامر لا دلالة لها على مرة ولا على تكرار... إلى أن قال: وانما حررنا النزاع في الهيئة لنص جماعة عليه، ولان الاكثر حرروا النزاع في الصيغة وهي ظاهرة بل صريحة فيها، ولانه لا كلام في أن المادة وهي المصدر المجرد عن اللام والتنوين لا تدل الا على الماهية من حيث هي على ما حكى السكاكي وفاقهم عليه... الخ فأشكل عليه المصنف (ره) بان الاتفاق على عدم دلالة المصدر المجرد الا على الماهية لا يدل على كون النزاع في المقام في الهيئة لا في المادة إذ المصدر ليس مادة للمشتقات التي منها صيغة الامر بل هو مشتق مثلها، والمادة هي الامر المشترك بينه وبينها حسبما حققه (أقول): ما في الفصول يرجع إلى أمرين أحدهما أن المصدر مادة للمشتقات وثانيهما ان الاتفاق على عدم دلالته على المرة والتكرار يقتضي الاتفاق على عدم دلالة مادة (افعل) عليه ويكون النزاع في مدلول الهيئة أما الاول فيمكن أن يكون جاريا على المشهور، وأما الثاني فلا غبار عليه لان المصدر إذا لم يدل على المرة والتكرار دل ذلك عدم دلالة مادته عليهما فيصح الاستدلال به على عدم دلالة مادة (افعل) عليهما فيلزم الاتفاق على الاول الاتفاق على الاخير (قوله: غفلة وذهول) قد عرفت أنه في محله (قوله: ضرورة أن)
كيف وقد عرفت في باب المشتق مباينة المصدر وسائر المشتقات بحسب المعنى ؟ فكيف بمعناه يكون مادة لها ؟ فعليه يمكن دعوى اعتبار المرة أو التكرار في مادتها كما لا يخفى (إن قلت): فما معنى ما اشتهر من كون المصدر أصلا في الكلام (قلت): - مع أنه محل الخلاف - معناه أن الذى وضع اولا بالوضع الشخصي ثم بملاحظته وضع نوعيا أو شخصيا ساير الصيغ التى تناسبه مما جمعه معه مادة لفظ متصورة في كل منها ومنه بصورة ومعنى كذلك، هو المصدر أو الفعل فافهم (ثم) المراد بالمرة والتكرار هل هو الدفعة والدفعات أو الفرد والافراد ؟ والتحقيق أن يقعا بكلا المعنيين محل النزاع
______________________________
هذا لا يثبت الاشكال على الفصول إلا من جهة ظهور كلامه في كون المصدر مادة للمشتقات، وقد عرفت إمكان حمله على الاصطلاح المشهوري (قوله: فعليه يمكن) قد عرفت أنه لا يمكن (قوله: مع أنه محل) هذا لا دخل له في دفع السؤال إذ قول الكوفيين: ان الفعل هو الاصل في الاشتقاق أءكد في توجه الاشكال فتأمل (قوله: معناه أن) إذا كان هذا معنى كلامهم فليكن هو معنى كلام الفصول (قوله: جمعه معه) الضمير الاول راجع إلى (ما) التي هي عبارة عن سائر الصيغ والثاني راجع إلى (الذي) ويمكن العكس (قوله: ومعنى) معطوف على قوله: لفظ، يعني ومادة معنى متصورة في كل منها ومنه (قوله: هو المصدر) خبر أن (قوله: أو الفعل فافهم) لعله اشارة إلى وجوب حمل كلامهم على ما ذكر بقرينة دعوى الكوفيين ان الفعل هو الاصل إذ لا يراد منه أن الفعل مادة للمشتقات بالمعنى الحقيقي " ثم " ان الموجود في بعض النسخ الضرب على لفظة: وهو أولى (قوله: الدفعة والدفعات) الفرق بين الدفعة والفرد أن الدفعة تصدق على الافراد المتعددة الموجودة في وقت واحد ولا يصدق عليها أنها فرد واحد، وأن الفرد الموجود تدريجا مثل الكلام الممتد المتصل فرد واحد وليس دفعة فبينهما عموم من وجه كما بين الافراد والدفعات ايضا (قوله: والتحقيق أن يقعا) الذي استظهره في الفصول أن النزاع
وان كان لفظهما ظاهرا في المعنى الاول (وتوهم) أنه لو أريد بالمرة الفرد لكان الانسب بل اللازم أن يجعل هذا المبحث تتمة للمبحث الآتي من أن الامر هل يتعلق بالطبيعة أو بالفرد ؟ فيقال عند ذلك: وعلى تقدير تعلقه بالفرد هل يقتضي التعلق بالفرد الواحد أو المتعدد أو لا يقتضي شيئا منهما ؟ ولم يحتج إلى إفراد كل منهما بالبحث - كما فعلوه - وأما لو أريد بها الدفعة فلا علقة بين المسألتين كما لا يخفى (فاسد) لعدم العلقة بينهما لو أريد بها الفرد أيضا فان الطلب - على القول بالطبيعة - إنما يتعلق بها باعتبار وجودها في الخارج ضرورة أن الطبيعة من حيث هي
______________________________
*
فيهما بالمعنى الاول، ونسب إلى القوانين كونه فيهما بالمعنى الثاني، والظاهر ان مراد المصنف (ره) امكان كون النزاع فيهما بالمعنيين لا تحقق النزاع فيهما بهما معا إذ ليس له وجه ظاهر (قوله: وان كان لفظهما) هذا من القرائن التي اعتمد عليها في الفصول لاثبات ما استظهره (قوله: وتوهم انه لو أريد) هذا التوهم للفصول والباعث له عليه ظهور لفظ الفرد المذكور في المسألتين بمعنى واحد وهو ما يقابل الطبيعة (قوله: فاسد لعدم العلقة) حاصله أن المراد بالفرد هنا غير المراد به في تلك المسألة إذ المراد به في تلك المسألة ما يتقوم بالخصوصية المميزة له عن بقية الافراد والمراد به هنا الوجود الواحد للمأمور به فان كان المأمور به هو الطبيعة يقع النزاع في أن صيغة الامر تدل على وجوب وجود واحد للطبيعة أو وجود متعدد لها أو مطلق وجودها فيتأتى النزاع على القول بتعلق الامر بالطبيعة بعين ما يتأتى به على القول بتعلقه بالفرد، والقرينة على إرادة هذا المعنى من الفرد جعله في قبال الدفعة (قوله: باعتبار وجودها) هذا ذكره المصنف (رحمه الله) تمهيدا لتأتي النزاع على القولين لا ردا على الفصول إذ لم يتوهم خلافه في الفصول كما يشهد به دعواه تأتي النزاع على القولين بناء على كون المراد الدفعة إذ لا يخفى أن القائل بالطبيعة لو كان مراده الطبيعة من حيث هي لا معنى لتأتى النزاع في المقام بكل معنى (قوله: ضرورة ان الطبيعة من) قد يقال: الماهية
ليست الا هي لا مطلوبة ولا غير مطلوبة، وبهذا الاعتبار كانت مرددة بين المرة والتكرار بكلا المعنيين فيصح النزاع في دلالة الصيغة على المرة والتكرار بالمعنيين وعدمها، أما بالمعنى الاول فواضح، وأما بالمعنى الثاني فلوضوح أن المراد من الفرد أو الافراد وجود واحد أو وجودات، وإنما عبر بالفرد لان وجود الطبيعة في الخارج هو الفرد غاية الامر خصوصيته وتشخصه - على القول بتعلق الامر بالطبايع - يلازم المطلوب وخارج عنه بخلاف القول بتعلقه بالافراد فانه مما يقومه (تنبيه) لا إشكال - بناء على القول بالمرة - في الامتثال وأنه لا مجال للاتيان بالمأمور به ثانيا على أن يكون أيضا به الامتثال فانه من الامتثال بعد الامتثال (وأما) على المختار من دلالته على طلب الطبيعة من دون دلالة على المرة ولا على التكرار فلا يخلو الحال إما أن لا يكون هناك إطلاق الصيغة في مقام البيان بل في مقام الاهمال أو الاجمال
______________________________
من حيث هي ليست الا هي، ويراد منه معنى أن كل ما هو خارج عنها فليس هو هي لا عينها ولا جزؤها، وبهذا المعنى يقال: الماهية من حيث هي لا موجودة ولا معدومة ولا واحد ولا كثير ولا غيرها، وقد يقال ذلك بمعنى أن الخارج عنها ليس عارضا لها بما هي هي بل بشرط الوجود، ويختص النفي بعوارض الوجود كالكتابة والحركة وبهذا المعنى يقال: الماهية من حيث هي لا كاتبة ولا متحركة ولا لا كاتبة ولا لا متحركة، فان الكتابة لما كانت في الرتبة اللاحقة للوجود كان نقيضها هو العدم في الرتبة اللاحقة له أيضا لوحدة رتبة النقيضين فجاز ارتفاع النقيضين في غير تلك الرتبة وحيث أن الطلب ليس من عوارض الماهية من حيث هي بل بشرط الوجود صح أن يقال: الماهية من حيث هي لا مطلوبة ولا لا مطلوبة فتأمل (قوله: وبهذا الاعتبار) أي اعتبار الوجود (قوله: في الامتثال) يعني يتحقق بالمرة (قوله: من الامتثال بعد الامتثال) يعني وهو ممتنع لان الامتثال فعل المأمور به وبالامتثال الاول يسقط الامر فلا يكون فعله ثانيا امتثالا وسيجئ له
فالمرجع هو الاصل، وإما أن يكون اطلاقها في ذاك المقام فلا اشكال في الاكتفاء بالمرة في الامتثال، وإنما الاشكال في جواز ان لا يقتصر عليها فان لازم اطلاق الطبيعة المأمور بها هو الاتيان بها مرة أو مرارا لا لزوم الاقتصار على المرة كما لا يخفى (والتحقيق) أن قضية الاطلاق انما هو جواز الاتيان بها مرة في ضمن فرد أو افراد فيكون ايجادها في ضمنها نحوا من الامتثال كايجادها في ضمن الواحد لا جواز الاتيان بها مرة ومرات فانه مع الاتيان بها مرة لا محالة يحصل الامتثال ويسقط به الامر فيما إذا كان امتثال الامر علة تامة لحصول الغرض الاقصى بحيث يحصل بمجرده فلا يبقى معه مجال لاتيانه ثانيا بداعي امتثال آخر أو بداعي أن يكون الاتيانان امتثالا واحدا لما عرفت من حصول الموافقة باتيانها وسقوط الغرض معها وسقوط الامر بسقوطه فلا يبقى مجال لامتثاله أصلا، وأما إذا لم يكن الامتثال علة تامة لحصول الغرض
______________________________
تتمة (قوله: فالمرجع هو الاصل) يعني الاصل العملي فلو تردد الامر بين الطبيعة والتكرار فالاصل البراءة عن وجوب الزائد على المرة مع تعدد الوجود أما مع اتصاله - بناء على تحقق التكرار به - فاستصحاب الوجوب هو المرجع، ولو تردد بين الطبيعة والمرة فلا أثر للشك، ولو تردد بين المرة والتكرار والطبيعة فالحكم كما لو تردد بين الطبيعة والتكرار، وكذا لو تردد بين المرة والتكرار، وربما يختلف الاصل باختلاف تفسير المرة من حيث كونها لا بشرط أو بشرط لا فلاحظ (قوله: في ذاك المقام) أي في مقام البيان (قوله: في الاكتفاء بالمرة) لصدق الطبيعة على المرة (قوله: في جواز ان لا يقتصر) يعني في جواز الاتيان ثانيا بقصد امتثال الامر لا مجرد الاتيان ثانيا بلا قصد الامر فانه لا ريب في جوازه (قوله: أو مرارا) فيجوز الاتيان ثانيا وثالثا بقصد الامتثال (قوله: فرد أو أفراد) يعني افرادا دفعية (قوله: فانه مع الاتيان بها) هذا تعليل لعدم كون مقتضى الاطلاق جواز الاتيان زائدا على المرة، ومرجعه إلى ابداء المانع العقلي عن ثبوت
كما إذا أمر بالماء ليشرب أو يتوضأ فأتى به ولم يشرب أو لم يتوضأ فعلا فلا يبعد صحة تبديل الامتثال باتيان فرد آخر أحسن منه بل مطلقا كما كان له ذلك قبله على ما يأتي بيانه في الاجزاء (المبحث التاسع) الحق انه لا دلالة للصيغة
______________________________
اطلاق المذكور لان الوجود الاول إذا كان علة تامة لسقوط الغرض كان علة تامة لسقوط الامر ايضا فيمتنع كون الوجود اللاحق موضوعا للامر كي يجوز الاتيان به بقصد امتثال الامر، وإذا امتنع كون الاتيان الثاني موضوعا للامر امتنع ان يكون اطلاق الصيغة شاملا للمرة والمرات " أقول ": يمكن منع الاطلاق المذكور مع قطع النظر عن المانع العقلي وذلك لان اطلاق المادة يقتضي أن يكون المراد بها صرف الوجود الصادق على القليل والكثير وهو لا ينطبق على الوجود اللاحق فانه وجود بعد وجود لا صرف الوجود الذي هو بمعنى خرق العدم فتأمل، وأما المانع الذي ذكره فهو يتوقف على امتناع التخيير بين الاقل والاكثر بكل وجه، وسيأتي الكلام فيه (قوله: كما إذا امر بالماء ليشرب) الغرض من الامر باحضار الماء: تارة يكون مجرد تمكن الآمر من شربه ولا ريب في حصوله بمجرد احضاره، واخرى يكون هو الشرب الفعلي فيشكل الامتثال ثانيا من جهة امتناع بقاء الامر مع حصول موضوعه الذي هو صرف الاحضار، فلا بد اما من الالتزام بأن موضوع الامر ليس مطلق الاحضار بل الاحضار المترتب عليه الشرب، والباعث على هذا الالتزام لزوم المساواة عقلا بين الغرض وموضوع الامر سعة وضيقا لامتناع التفكيك بينهما، وعليه فلا يتعين الاحضار الحاصل لان يكون مأمورا به الا بعد ترتب الغرض عليه، ولازمه ان المكلف في مقام الامتثال انما يأتي بالاحضار الاول رجاء كونه مأمورا به لا بقصد ذلك، وحينئذ فللمكلف الاتيان ثانيا وثالثا بهذا القصد بعينه ولا يكون فرق بين الوجود الاول وبقية الوجودات اللاحقة في كيفية الامتثال لكن لازم ذلك القول بالمقدمة الموصلة، واما من الالتزام بأن الغرض كما يبعث إلى الامر اولا بالاحضار يبعث ثانيا إلى صرف الاحضار المنطبق على بقاء الفرد الاول واحضار فرد آخر إذ لا يتعين للدخل في
لا على الفور ولا على التراخي (نعم) قضية إطلاقها جواز التراخي والدليل عليه تبادر طلب ايجاد الطبيعة منها بلا دلالة على تقيدها باحدهما فلا بد في التقييد من دلالة أخرى كما ادعي دلالة غير واحد من الآيات على الفورية، وفيه منع الضرورة أن سياق آية: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم) وكذا آية: (واستبقوا الخيرات) انما هو البعث نحو المسارعة إلى المغفرة والاستباق إلى الخير من دون استتباع تركهما للغضب والشر ضرورة أن تركهما لو كان مستتبعا للغضب والشر كان البعث بالتحذير عنهما أنسب كما لا يخفى " فافهم " مع لزوم كثرة تخصيصه في المستحبات وكثير من الواجبات بل أكثرها فلا بد من حمل الصيغة فيهما على خصوص الندب أو مطلق الطلب ولا يبعد دعوى استقلال العقل بحسن المسارعة والاستباق وكان ما ورد من الآيات والروايات في مقام البعث نحوه ارشادا إلى ذلك كالآيات والروايات الواردة في البعث على اصل الاطاعة فيكون الامر فيها لما يترتب على المادة بنفسها ولو لم يكن
______________________________
الغرض الفرد الاول بخصوصه بمجرد وجوده بل كما لم يتعين أولا قبل وجوده لم يتعين بعد وجوده، ولازم ذلك الالتزام باوامر طولية بحسب الزمان مادام الغرض باقيا ويكون المراد من بقاء الامر هذا المعنى لا بقاء الامر الشخصي بحدوده لامتناع بقائه بحصول موضوعه فتأمل جيدا.
الفور والتراخى
(قوله: لا على الفور ولا على) كما هو المشهور وعن الشيخ (ره) وجماعة القول بالفور، وعن السيد (ره) الاشتراك بين الفور والتراخي، وعن آخرين التوقف، والتحقيق الاول ويظهر ذلك بملاحظة ما تقدم في المرة والتكرار (قوله: قضية اطلاقها) يعني اطلاق المادة بالاضافة إلى الزمان (قوله: تبادر طلب) يعني ولو كان الوجه في التبادر مقدمات الاطلاق (قوله: ضرورة ان تركهما) يعني أن ظاهر تعليق المسارعة والاستباق بالمغفرة والخير كون تركهما
هناك أمر بها كما هو الشأن في الاوامر الارشادية " فافهم " (تتمة) بناء على القول بالفور فهل قضية الامر الاتيان فورا ففورا بحيث لو عصى لوجب عليه الاتيان به فورا ايضا في الزمان الثاني أولا ؟ وجهان مبنيان على أن مفاد الصيغة - على هذا القول - هو وحدة المطلوب
______________________________
لا ينافي تحقق المغفرة والخير كما هو الحال في كل فعل متعلق بمفعوله، ولازم ذلك عدم وجوب المسارعة والاستباق والا كان تركهما موجبا للغضب والشر كما هو شأن ترك الواجب وهو خلف، بل كان الانسب حينئذ أن يقال: احذروا من الغضب والشر بالمسارعة والاستباق، لا التعبير بما في الآية، إلا أن يقال: ان الغضب الحاصل بترك المسارعة لا يضاد المغفرة التي هي موضوع المسارعة فوجوب المسارعة لا ينافي كون تركها لا يؤدي إلى الغضب بل إلى المغفرة، وكذا الحال في الآية الاخرى، ولكن هذا لو سلم لا ينافي ظهور السياق فيما ذكره المصنف (ره) فتأمل جيدا (والاولى) أن يقال: المغفرة في الآية الاولى يراد منها سببها وهو الاطاعة وكما يمتنع اخذ الاطاعة قيدا للواجب الشرعي يمتنع أخذ المسارعة إليها كذلك وكما أن الامر بالاطاعة ارشادي كذلك الامر بالمسارعة فيها، مع أن الآية على تقدير دلالتها على وجوب المسارعة لا تدل على تقييد الواجب بالفورية بل هي على خلاف ذلك أدل لان مادة المسارعة إلى الشئ إنما تكون فيما هو موسع كما لا يخفى، وكذا الحال في الآية الاخرى على تقدير كون المراد من الخيرات الخيرات الاخروية كما هو الظاهر، ولعله إلى بعض ما ذكرنا اشار بقوله: فافهم (قوله: الارشادية فافهم) لعله اشارة إلى لزوم الالتزام به لما عرفت، (قوله: فهل قضية الامر) ينبغي ان يجعل الاحتمال ثلاثي الاطراف فيقال: هل ظاهر الامر الاتيان به فورا فلو تركه عصى وسقط الامر أو الاتيان به فورا على نحو لو تركه في الزمان الاول عصى في ترك الفورية وبقي الامر بصرف الطبيعة أو الاتيان به فورا ففورا فلو تركه في الزمان الاول عصى ووجب الاتيان به بعد ذلك
أو تعدده ولا يخفى أنه لو قيل بدلالتها على الفورية لما كان لها دلالة على نحو المطلوب من وحدته أو تعدده فتدبر جيدا
الفصل الثالث
الاتيان بالمأمور به على وجهه يقتضى الاجزاء في الجملة بلا شبهة، وقبل الخوض في تفصيل المقام وبيان النقض والابرام ينبغي تقديم أمور (أحدها) الظاهر ان المراد من (وجهه) في العنوان هو النهج الذى ينبغي أن يؤتى به على ذاك النهج شرعا
______________________________
فورا أيضا... وهكذا، ومبنى الاحتمال الاول ان الفورية في الزمان الاول مقومة لاصل المصلحة فتفوت بفوتها وهذا هو المراد من وحدة المطلوب، ومبنى الثاني ان يكون مصلحتان احداهما قائمة بذات الفعل مطلقا والاخرى قائمة بالفورية في الزمان الاول لا غير، ومبنى الثالث كذلك الا ان مصلحة الفورية ذات مراتب مختلفة يكون ترك الفورية في كل زمان مفوتا لمرتبة من مصلحتها لا لاصلها كما هو مبنى الثاني (قوله: أو تعدده) قد عرفت ان تعدده على نحوين يكونان مبنيين لاحتمالين (قوله: لو قيل بدلالتها على) اما لو كان الدليل على الفورية غير الصيغة فيختلف باختلاف تلك الادلة، وفي المعالم بنى القول بالسقوط على الاستناد لغير الآيتين والقول بعدمه على الاستناد اليهما، ولا يخلو من تأمل ليس هذا محل ذكره والله سبحانه اعلم، ثم انه حيث كان اطلاق يعتمد عليه في نفي الفور والتراخي فلا اشكال واما إذا لم يكن اطلاق كذلك فالمرجع الاصل فلو كان التردد بين الفور والتراخي فالواجب الجمع بين الوظيفتين للعلم الاجمالي بالتكليف باحدهما، ولو كان بين الفور والطبيعة فالمرجع اصل البراءة لو كان وجوب الفورية على نحو تعدد المطلوب ولو كان بنحو وحدة المطلوب فالحكم هو الحكم مع الشك بين الاقل والاكثر، وكذا الحكم لو كان التردد بين الطبيعة والتراخي والله سبحانه أعلم
وعقلا مثل أن يؤتى به بقصد التقرب في العبادة، لا خصوص الكيفية المعتبرة في المأمور به شرعا فانه عليه يكون (على وجهه) قيدا - توضيحيا - وهو بعيد - مع أنه يلزم خروج التعبديات عن حريم النزاع بناء على المختار كما تقدم من ان قصد القربة من كيفيات الاطاعة عقلا لا من قيود المأمور به شرعا، ولا الوجه المعتبر عند بعض الاصحاب فانه - مع عدم اعتباره عند المعظم، وعدم اعتباره عند من اعتبره إلا في خصوص العبادات لا مطلق الواجبات، لا وجه لاختصاصه به بالذكر على تقدير الاعتبار فلا بد من ارادة ما يندرج فيه من المعنى وهو ما ذكرناه كما لا يخفى
______________________________
الكلام في الاجزاء
(قوله: مثل ان يؤتى به) بيان للنهج اللازم عقلا بناء على خروج قصد التقرب عن موضوع الامر (قوله: لا خصوص) معطوف على النهج وفيه تعريض بما قد يظهر من عبارة التقريرات فتأملها (قوله: قيدا توضيحيا) لان ذكر المأمور به يغني عنه ثم إن كون القيد توضيحيا لازم للقائلين بأن قصد التقرب داخل في المأمور به (قوله: مع انه يلزم خروج) إذ لا إشكال في عدم الاجزاء لو كان المأمور به في العبادات فاقدا لقصد التقرب وان كان واجدا لجميع ما يعتبر فيه شرعا (قوله: بناء على المختار) أما على القول بكون قصد التقرب قيدا للمأمور به فهي داخلة في محل النزاع لدخولها في العنوان ويكون عدم الاجزاء مع فقد التقرب لعدم الاتيان بالمأمور به شرعا (قوله: ولا الوجه المعتبر) يعني الوجوب والندب (قوله: عند المعظم) فلا وجه لذكره في العنوان في كلام المعظم إلا أن يكون المقصود من ذكره الاحتياط في ذكر القيود لكنه بعيد (قوله: لا مطلق الواجبات) فلا وجه لاخذه قيدا في دعوى الاجزاء مطلقا (قوله: لاختصاصه) يعني من دون سائر القيود المعتبرة في الاطاعة مثل التقرب والتمييز إلا أن يدعى الاكتفاء به عنهما على بعض
(ثانيها) الظاهر ان المراد من الاقتضاء ههنا الاقتضاء بنحو العلية والتأثير لا بنحو الكشف والدلالة، ولذا نسب إلى الاتيان لا إلى الصيغة (ان قلت): هذا إنما يكون كذلك بالنسبة إلى أمره وأما بالنسبة إلى أمر آخر كالاتيان بالمأمور به بالامر الاضطراري أو الظاهرى بالنسبة إلى الامر الواقعي فالنزاع في الحقيقة في دلالة دليلهما على اعتباره بنحو يفيد الاجزاء أو بنحو آخر لا يفيده (قلت): نعم لكنه لا ينافى كون النزاع فيها كان في الاقتضاء بالمعنى المتقدم غايته ان العمدة في سبب الاختلاف فيهما انما هو الخلاف في دلالة دليلهما هل انه على نحو يستقل العقل بان الاتيان به موجب للاجزاء ويؤثر فيه وعدم دلالته، ويكون النزاع فيه صغرويا أيضا بخلافه في الاجزاء بالاضافة إلى أمره فانه لا يكون الا كبرويا لو كان هناك نزاع
______________________________
التقادير فتأمل (قوله: المراد من الاقتضاء ههنا) الواقع في القوانين والفصول وغيرهما في تحرير العنوان قولهم: الامر بالشئ هل يقتضي الاجزاء أولا ؟، وحيث أن ظاهر الاقتضاء فيه الكشف والدلالة كما في قولهم: الامر يقتضي الوجوب، والنهي يقتضي التحريم، نبه المصنف (ره) على ان الاقتضاء في العنوان المذكور في المتن ليس بمعنى الكشف والدلالة بل بمعنى العلية والتأثير كما في قولهم: الامر بالشئ يقتضي النهي عن ضده، والوجه في ذلك نسبة الاقتضاء في عنوان المتن إلى الاتيان وفي عنوان غيره إلى الامر وحيث أنه لا معنى لتأثير الامر في الاجزاء وجب حمله على الدلالة يعني يدل الامر على أن موضوعه واف بتمام المصلحة بخلاف الاتيان فان تأثيره في الاجزاء ظاهر إذ لولا كونه علة لحصول الغرض لما كان مامورا به (قوله: هذا إنما يكون) يعني أن حمل الاقتضاء على العلية إنما يصح بالاضافة إلى نفس الامر المتعلق بالماتي فان إجزاءه يلازم سقوط امره لا بالنسبة إلى الامر المتعلق بغيره إذ النزاع في الحقيقة يكون في دلالة الدليل فالاقتضاء فيه بمعنى الدلالة (قوله: نعم) يعني كما ذكرت من أن النزاع في دلالة الدليل (قوله: صغرويا) صورة القياس في المقام هكذا: المأمور به
كما نقل عن بعض (فافهم) (ثالثها) الظاهر ان الاجزاء ههنا بمعناه لغة وهو الكفاية وان كان يختلف ما يكفى عنه فان الاتيان بالمأمور به بالامر الواقعي يكفى فيسقط به التعبد به ثانيا، وبالامر الاضطراري أو الظاهرى الجعلي فيسقط به القضاء لا انه يكون ههنا اصطلاحا بمعنى اسقاط التعبد أو القضاء فانه بعيد جدا
______________________________
*
بالامر الاضطراري مأمور به بالامر الواقعي - ولو تنزيلا - والمامور به بالامر الواقعي يقتضي الاجزاء، ينتج: المأمور به بالامر الاضطراري يقتضي الاجزاء. والنزاع في هذه المسألة بالنسبة إلى الامر الواقعي في الكبرى وبالنسبة إلى الامر الاضطراري في الصغرى بالنسبة إلى الامر الواقعي، وفي الكبرى بالنسبة إلى أمر نفسه والمحكم في الكبرى مطلقا العقل والمحكم في الصغرى الدليل الشرعي فإذا كان الاقتضاء في الكبرى بمعنى العلية كان في النتيجة كذلك، ومنه يظهر أن إثبات الاجزاء في الفعل الاضطراري والظاهري بالنسبة إلى الامر الواقعي يتوقف على إثبات الصغرى والكبرى معا، وفي الفعل الواقعي على اثبات نفس الكبرى لانه عينها (قوله: فافهم) يمكن ان يكون اشارة إلى ان النزاع في مثل هذه الصغرى ليس نزاعا في المسألة الاصولية لان شأن المسائل الاصولية تنقيح الكبريات وأما الصغريات فوضيفة الفقيه، ولذا لم يتعرض في هذا المبحث لصغريات الافعال الاضطرارية والظاهرية تفصيلا فلاحظ (قوله: الظاهر ان الاجزاء) قد تضمنت جملة من العبارات كون الاجزاء له معنيان (احدهما) إسقاط التعبد بالفعل ثانيا (وثانيهما) إسقاط القضاء، وأن المراد هنا أي المعنيين ؟ وقد دفع المصنف (ره) ذلك - تبعا للتقريرات - بان لفظ الاجزاء لم يستعمل في المقام إلا بمعناه اللغوي وهو الكفاية غاية الامر أن ما يكفي عند الماتي به تارة يكون هو التعبد به ثانيا فيكون مسقطا للتعبد به واخرى الامر به قضاء فيكون مسقطا للقضاء لا أن له معنى اصطلاحيا ليتردد في أنه إسقاط التعبد أو إسقاط القضاء (قوله: يكفي فيسقط) يعنى يكفي في حصول الغرض فلا يحتاج إلى التعبد به ثانيا لتحصيله (قوله: فيسقط به) يعنى يكفي أيضا في حصول
(رابعها) الفرق بين هذه المسألة ومسألة المرة والتكرار لا يكاد يخفى، فان البحث ههنا في ان الاتيان بما هو المأمور به يجزئ عقلا بخلافه في تلك المسألة فانه في تعيين ما هو المأمور به شرعا بحسب دلالة الصيغة بنفسها أو بدلالة اخرى (نعم) كان التكرار عملا موافقا لعدم الاجزاء لكنه لا بملاكه، وهكذا الفرق بينها وبين مسألة تبعية القضاء للاداء فان البحث في تلك المسألة في دلالة الصيغة على التبعية وعدمها بخلاف هذه المسألة فانه كما عرفت في ان الاتيان بالمأمور يجزئ عقلا عن اتيانه ثانيا اداء أو
______________________________
*
الغرض فلا يثبت الامر بالقضاء ثم إن إجزاء المأمور به الواقعي لما كان بلحاظ الامر به ناسب التعبير باسقاط التعبد به ثانيا وإجزاء المأمور به بالامر الاضطراري والظاهري لما كان بلحاظ الامر به قضاء ناسب التعبير باسقاط القضاء (قوله: الفرق بين هذه) قد يتوهم أن القول بالمرة قول بالاجزاء والقول بالتكرار قول بعدم الاجزاء (قوله: بما هو المأمور به) يعني بعد الفراغ عن تعيين تمام المأمور به (قوله: فانه في تعيين) وحينئذ فيكون النزاع في الاجزاء مترتبا على النزاع في المرة والتكرار لا أن النزاع فيهما نزاع في الموضوع والنزاع فيه نزاع في الحكم (قوله: بحسب دلالة) يعني فيكون النزاع في أمر لفظي (قوله: عملا) متعلق بقوله: موافقا، يعني هما من حيث العمل سواء لكنه موقوف على أن المراد بالتكرار فعل كل فرد ممكن بعد آخر أما لو كان المراد ما يشمل تكرار الصلاة اليومية وصوم رمضان كما يقتضيه استدلال بعضهم فلا ملازمة بينهما عملا ثم إن هذا بالنسبة إلى أمره أما بالنسبة إلى أمر غيره فلا مجال للتوهم ولا للموافقة عملا (قوله: لا بملاكه) إذ ملاك عدم الاجزاء عدم وفاء المأمور به بالغرض المقصود منه وملاك التكرار عدم حصول تمام المأمور به (قوله: وهكذا الفرق) يعني قد يتوهم أن القول بعدم الاجزاء عين القول بتبعية القضاء للاداء، والقول بالاجزاء قول بعدم تبعية القضاء للاداء (قوله: فان البحث حينئذ) يعني أن البحث في تبعية القضاء للاداء بحث في ان الامر بشئ في وقت
قضاء أولا يجزئ فلا علقة بين المسألة والمسئلتين اصلا (إذا) عرفت هذه الامور فتحقيق المقام يستدعي البحث والكلام في موضعين (الاول) أن الاتيان بالمأمور به بالامر الواقعي بل بالامر الاضطراري أو الظاهري أيضا يجزئ عن التعبد به ثانيا، لاستقلال العقل بانه لا مجال مع موافقة الامر باتيان المأمور به على وجهه لاقتضائه التعبد به ثانيا. نعم لا يبعد ان يقال بأنه يكون للعبد تبديل الامتثال والتعبد به ثانيا بدلا عن التعبد به أولا لا منضما إليه كما اشرنا إليه في المسألة السابقة، وذلك فيما علم ان مجرد امتثاله لا يكون علة تامة لحصول الغرض وان كان وافيا به لو اكتفى
______________________________
*
هل يدل على لزوم فعله في خارج الوقت على تقدير عدم الاتيان به في الوقت بحيث يرجع إلى الامر به مطلقا لكونه في الوقت أولا يدل ؟ فيكون النزاع في تعيين المأمور به من حيث دلالة الامر، وأين هو من النزاع في المسألة ؟ (قوله: فلا علقة بين) أولا من جهة أن إحداهما متضمنة لتعيين نفس المأمور به والاخرى متضمنة لتعيين مقتضاه (وثانيا) من جهة أن النزاع في إحداهما لفظي وفى الاخرى عقلي " وثالثا " من جهة ان القول بعدم الاجزاء انما في ظرف الاتيان بالمأمور به والقول بالتبعية انما هو في ظرف عدم الاتيان به (قوله: بالامر الاضطراري) يعني بالاضافة إلى أمره (قوله: أو الظاهري) يعني بالاضافة إلى أمره (قوله: لاستقلال العقل بأنه) قد عرفت أن الامر الحقيقي لابد ان يكون حاكيا عن الارادة وأن الارادة حدوثا وبقاء تتوقف على العلم بالمصلحة المعبر عنها بالداعي تارة وبالغرض أخرى فالماتي به في الخارج إما أن لا يترتب عليه الغرض فلا يكون مامورا به فهو خلف أو يترتب عليه الغرض فبقاء الامر حينئذ إن كان بلا غرض فهو مستحيل كما عرفت وان كان عن غرض آخر غير الغرض الحاصل من الماتي به أولا فيلزمه أن يكون المأمور به فردين في الخارج يترتب على كل منهما غرض خاص فيكون الامر منحلا إلى أمرين يسقط كل منهما بالاتيان بمتعلقه وهو عين الاجزاء المدعى غاية الامر أنه لا يكون فعل أحدهما مسقطا لامر الآخر ومجزئا عنه ولكنه غير محل الكلام إذ الكلام - كما عرفت - في أن فعل المأمور به مجزئ عن الامر به ثانيا (قوله: لا منضما إليه)
به كما إذا اتى بماء امر به مولاه ليشربه فلم يشربه بعد فان الامر بحقيقته وملاكه لم يسقط بعد ولذا لو اهرق الماء واطلع عليه العبد وجب عليه اتيانه ثانيا كما لم يأت به أولا ضرورة بقاء طلبه ما لم يحصل غرضه الداعي إليه والا لما اوجب حدوثه فحينئذ يكون له الاتيان بماء آخر موافق للامر كما كان له قبل اتيانه الاول بدلا عنه. نعم فيما كان الاتيان علة تامة لحصول الغرض فلا يبقى موقع التبديل كما إذا أمر باهراق الماء في فمه لرفع عطشه فاهرقه، بل لو لم يعلم أنه من أي القبيل فله التبديل باحتمال ان لا يكون علة فله إليه السبيل، ويؤيد ذلك بل يدل عليه ما ورد من الروايات في باب اعادة من صلى فرادى جماعة وان الله تعالى يختار احبهما إليه (الموضع الثاني) وفيه مقامان (المقام الاول) في ان الاتيان بالمأمور به بالامر الاضطراري هل يجزئ عن الاتيان بالمأمور به بالامر الواقعي ثانيا بعد رفع الاضطرار في الوقت اعادة وفى خارجه قضاء أولا يجزئ ؟ تحقيق الكلام فيه يستدعي التكلم فيه (تارة) في بيان ما يمكن ان يقع عليه الامر الاضطراري من الانحاء وبيان ما هو قضية كل منها من الاجزاء وعدمه (وأخرى) في تعيين ما وقع عليه فاعلم انه يمكن
______________________________
*
قد يمكن أن يكون منضما إليه كما في الافراد الدفعية التى تكون امتثالا واحدا لعدم المرجح. فتأمل (قوله: وجب عليه) يعني بعين وجوبه أولا كما تقدم الكلام فيه (قوله: بدلا عنه) قد عرفت أنه يمكن أن يكون منضما إليه (قوله: فلا يبقى موقع) إذ الثاني مما يعلم بعدم ترتب الاثر عليه (قوله: ما ورد من الروايات) كرواية أبي بصير قلت لابي عبد الله (عليه السلام): أصلي ثم أدخل المسجد فتقام الصلاة وقد صليت فقال (عليه السلام): صل معهم يختار الله أحبهما إليه، ورواية هشام عنه (عليه السلام): في الرجل يصلي الصلاة وحده ثم يجد جماعة قال (عليه السلام): يصلي معهم ويجعلها الفريضة انشاء الله، ونحوها رواية حفص، وفي مرسلة الصدوق: يحسب له أفضلهما وأتمهما
ان يكون التكليف الاضطراري في حال الاضطرار كالتكليف الاختياري في حال الاختيار وافيا بتمام المصلحة وكافيا فيما هو المهم والغرض ويمكن ان لا يكون وافيا به كذلك بل يبقى منه شئ امكن استيفاؤه أو لا يمكن، وما أمكن كان بمقدار يجب تداركه أو يكون بمقدار يستحب، ولا يخفى انه ان كان وافيا به فيجزئ فلا يبقى مجال اصلا للتدارك لا قضاء ولا اعادة، وكذا لو لم يكن وافيا ولكن لا يمكن تداركه ولا يكاد يسوغ له البدار في هذه الصورة الا لمصلحة كانت فيه لما فيه من نقض الغرض وتفويت مقدار من المصلحة لولا مراعاة ما هو فيه من الاهم فافهم
______________________________
الامر الاضطراري
(قوله: ان يكون التكليف) يعني موضوعه (قوله: كالتكليف الاختياري) يعني كموضوعه (قوله: وما أمكن كان) يعني أن المقدار الباقي من المصلحة الذي يمكن استيفاؤه قسمان فانه تارة يكون واجب التدارك وأخرى يكون مستحب التدارك (أقول): ما لا يمكن استيفاؤه ايضا قسمان تارة يكون محرم التفويت وأخرى لا يكون كذلك فالاقسام خمسة وإنما لم يتعرض للقسمين المذكورين لعدم اختلافهما في الاجزاء وإن كانا يختلفان في جواز البدار وعدمه (قوله: ولا يخفى) شروع في حكم الاقسام من حيث الاجزاء (قوله: اصلا للتدارك) لان التدارك إنما يكون في ظرف الفوت والمفروض عدمه (قوله: ولا يكاد يسوغ) يعني حيث يكون الفائت مما يحرم تفويته أما إذا لم يكن فلا تحريم للبدار كما أن نسبة التحريم إلى البدار لا تخلو من مسامحة إذ المحرم هو تفويت ذلك المقدار والبدار ليس تفويتا ولا مقدمة له وإنما هو ملازم له فلا ينسب إليه التحريم إلا بالعرض والمجاز ولذا لم تفسد العبادة، ولعله إلى هذا اشار بقوله: فافهم (قوله: إلا لمصلحة) يعني إذا كانت مصلحة في البدار تصلح لمزاحمة المقدار الفائت لم يحرم التفويت الملازم للبدار حينئذ (قوله: لما فيه من)
(لا يقال): عليه فلا مجال لتشريعه ولو بشرط الانتظار لامكان استيفاء الغرض بالقضاء (فانه يقال): هذا كذلك لولا المزاحمة بمصلحة الوقت، وأما تسويغ البدار أو ايجاب الانتظار في الصورة الاولى فيدور مدار كون العمل بمجرد الاضطرار مطلقا أو بشرط الانتظار أو مع اليأس عن طرؤ الاختيار ذا مصلحة ووافيا بالغرض، وان لم يكن وافيا وقد امكن تدارك الباقي في الوقت أو مطلقا ولو بالقضاء خارج
______________________________
تعليل لعدم جواز البدار لكن عرفت أن البدار لا تفويت فيه لغرض المولى وإنما هو يلازم التفويت (قوله: فلا مجال لتشريعه) يعني إذا كان البدل الاضطراري غير واف بمصلحة المبدل الاختياري كيف جاز تشريعه ولو في آخر الوقت ؟ لان في تشريعه تفويتا للمصلحة (قوله: هذا كذلك) (أقول): تشريع الاضطراري إنما جاز لاشتماله على المصلحة مع عدم كونه مقدمة للتفويت فالمنع عن تشريعه غير ظاهر الوجه الا ان يكون المراد من تشريعه الامر بفعله في الوقت أو الاذن كذلك الملازمين للاذن في التفويت (قوله: لولا المزاحمة) يعنى انما يكون تفويت التشريع ممنوعا عنه حيث يؤدي إلى تفويت المصلحة مع عدم مزاحمتها بمصلحة أخرى وإلا فلو فرض كون خصوصية الفعل في الوقت مشتملة على مصلحة تزاحم المقدار الفائت لم يكن مانع عن تشريعه كما تقدم مثل ذلك في جواز البدار ثم إنه حيث كان في خصوصية الوقت مصلحة يتدارك بها ما يفوت جاز البدار أول الوقت إذا علم الاضطرار في تمام الوقت ولا موجب للانتظار فتأمل (قوله: في الصورة الاولى) وهي ما كان الاضطراري فيها وافيا بتمام المصلحة (قوله: الاضطرار مطلقا) وعليه يجوز البدار مطلقا (قوله: أو بشرط الانتظار) وعليه فلا يجوز البدار (قوله: أو مع اليأس) فلا يجوز البدار الا مع اليأس ثم إن هذه الاقسام لا تختص بالصورة الاولى بل تجري في الثانية أيضا إذ قد تكون خصوصية الوقت مطلقا ذات مصلحة تزاحم المقدار الفائت. وقد تكون بشرط الانتظار، وقد تكون بشرط اليأس وقد يكون بغير ذلك فيتبع كلا حكمه (قوله: وان لم يكن وافيا)
الوقت فان كان الباقي مما يجب تداركه فلا يجزئ فلا بد من ايجاب الاعادة أو القضاء وإلا فاستحبابه ولا مانع عن البدار في الصورتين غاية الامر يتخير في الصورة الاولى بين البدار والاتيان بعملين العمل الاضطراري في هذا الحال والعمل الاختياري بعد رفع الاضطرار أو الانتظار والاقتصار باتيان ما هو تكليف المختار، وفي الصورة الثانية يتعين عليه استحباب البدار واعادته بعد طروء الاختيار. هذا كله فيما يمكن أن يقع عليه الاضطراري من الانحاء، وأما ما وقع عليه فظاهر إطلاق دليله مثل قوله تعالى: (فان لم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) وقوله (عليه السلام): (التراب أحد الطهورين ويكفيك عشر سنين) هو الاجزاء وعدم وجوب الاعادة أو القضاء ولا بد في ايجاب الاتيان به ثانيا من دلالة دليل بالخصوص (وبالجملة):
______________________________
*
معطوف على قوله: إن كان وافيا (قوله: فلا بد من ايجاب) لاجل تدارك الباقي (قوله: والا فاستحبابه) الظاهر أن أصل العبارة: والا فيجزئ، بمعنى عدم وجوب الاعادة والقضاء وان كان يستحب (قوله: ولا مانع عن) إذ لا تفويت فيهما (قوله: في الصورة الاولى) وهي ما يكون الباقي فيها مما يجب تداركه (قوله: وفى الصورة الثانية) وهي ما كان الباقي فيها مما يستحب تداركه (قوله: استحباب البدار) هذا الاستحباب بنحو الكلية غير ظاهر الوجه إلا أن يستند فيه إلى مثل آيتي المسارعة والاستباق فتأمل (قوله: وأما ما وقع عليه) التعرض لذلك ينبغي أن يكون في الفقه لا هنا إذ ليس لدليله ضابطة كلية فقد يختلف الدليل باختلاف قرينة الحال أو المقال من حيث الدلالة على الوفاء وعدمه وكأن مقصود المصنف (ره) الاشارة إلى ما يكون كالانموذج لادلة البدل الاضطراري (قوله: هو الاجزاء) أما اقصاء ما كان بلسان البدلية مثل: أحد الطهورين، ونحوه فظاهر، فان اطلاق البدلية يقتضي قيام البدل مقام المبدل منه بلحاظ جميع الآثار والخواص فلا بد من أن يفى بما يفي به المبدل من المصلحة بمرتبتها ويترتب عليه الاجزاء " فان قوله ": هذا الاطلاق
وان كان ثابتا الا انه معارض باطلاق دليل المبدل منه فانه يقتضي تعينه في جميع الاحوال ولازمه وجوب حفظ القدرة عليه الكاشف عن عدم وفاء البدل بمصلحته والا جاز تفويت القدرة عليه، وكما يمكن الجمع بينهما برفع اليد عن اطلاق دليل المبدل فيحمل على تعينه في ظرف القدرة عليه جاز رفع اليد عن اطلاق دليل البدل فيحمل على وفائه ببعض مراتب المصلحة التي يفي بها المبدل واذ لا مرجح يرجع إلى الاصل ويسقط الاطلاق عن المرجعية " قلت ": نسبة دليل البدل إلى دليل المبدل منه نسبة الحاكم إلى المحكوم لانه ناظر إليه موسع لموضوعه فيجب تقديمه عليه وجوب تقديم الحاكم على المحكوم. هذا كله بالنظر إلى طبع الكلام نفسه أما بملاحظة كون البدلية في حال الاضطرار فلا يبعد كون مقتضى الجمع العرفي كون البدل من قبيل الميسور للتام ولاجل ذلك نقول: لا يجوز تعجيز النفس اختيارا لانه تفويت للتام، فتأمل جيدا. وأما ما كان بلسان الامر فقد يشكل اطلاقه المقتضي للاجزاء إذ الامر انما يدل على وفاء موضوعه بمصلحة مصححة للامر به أما أنها عين مصلحة المبدل أو بعضها فلا يدل عليه الامر ولا يصلح لنفي وجوب الاعادة أو القضاء. نعم لو كان المتكلم في مقام بيان تمام ما له دخل في حصول الغرض المترتب على الاختياري مع عدم الامر بالاعادة أو القضاء أمكن الحكم بالاجزاء حينئذ اعتمادا على هذا الاطلاق المقامي المقدم على اطلاق دليل المبدل للحكومة، أو كون الامر واردا مورد جعل البدل فيجري فيه ما تقدم، اللهم إلا أن يقال: دليل المبدل ظاهر في التعيين في حال التمكن وعدمه ودليل البدل ظاهر في تعينه في حال عدم التمكن من المبدل وهما متنافيان للعلم بعدم تعينهما معا فيدور الامر (بين) رفع اليد عن ظهور دليل البدل في التعيين ودليل المبدل فيه بالاضافة إلى بعض مراتب المصلحة ولازمه الحكم بتعين المبدل في تحصيل تمام مرتبة الغرض والتخيير بينه وبين البدل في تحصيل بعضها ويترتب عليه عدم الاجزاء (وبين) رفع اليد عن اطلاق دليل المبدل بالاضافة إلى حالتي التمكن وعدمه وحيث أن الثاني أقرب يكون هو المتعين ولازم ذلك اشتراط وجوب المبدل بحال التمكن فيترتب
فالمتبع هو الاطلاق لو كان والا فالاصل وهو يقتضى البراءة من ايجاب الاعادة لكونه شكا في أصل التكليف، وكذا عن ايجاب القضاء
______________________________
عليه الاجزاء فتأمل جيدا (قوله: فالمتبع هو الاطلاق) ينبغي أن يكون المراد من الاطلاق اطلاق دليل البدل لو كان ومع عدمه فاطلاق دليل المبدل الذي قد عرفت اقتضاءه عدم الاجزاء لدلالته على تعين المبدل في مقام الوفاء بالغرض كما أنه لو فرض قيام الدليل على عدم وجوب عبادتين في وقت واحد أو في الوقت وخارجه فدليل البدل يدل على نفي وجوب الاعادة في الاول ونفي وجوب القضاء في الثاني (قوله: لكونه شكا في أصل التكليف) يمكن أن يدعى كون أصل البراءة محكوما باستصحاب تعليقي فانه قبل فعل البدل لو صار مختارا وجب عليه الفعل الاختياري فيستصحب ويحكم به بعد فعل البدل ايضا ولا فرق بين كون الاضطرار شرعيا وعقليا " ودعوى " أن الملازمة في الثاني عقلية فلا مجال لاستصحاب التعليقي معها " مدفوعة " بأن التصرف العقلي انما كان في رفع التكليف حال الاضطرار لا ثبوته حال الاختيار بل هو شرعي فيستصحب، " فان قلت ": الاختيار مما لم تثبت إناطة التكليف به في السابق حتى تستصحب تلك الاناطة وانما الثابت مجرد التكليف حاله " قلت ": يكفي في الاستصحاب التعليقي ثبوت التكليف في حال الاختيار وان لم يكن سببا لثبوته فتأمل، بل يمكن أن يرجع إلى الاستصحاب التنجيزي لان الاضطرار كالجهل لا يرفع نفس التكليف، وانما يرفع باعثيته فإذا كان المبدل منه قبل طروء الاضطرار واجبا تعيينيا يبنى على بقائه كذلك إلى زمان طروء الاختيار. نعم إذا كان الاضطرار ثابتا من أول الوقت اشكل جريان الاستصحاب المذكور فافهم. كما قد يدعى أن المقام من الدوران بين التعيين والتخيير لكون الشك في أن موضوع التكليف هو الجامع بين البدل والمبدل أو خصوص المبدل فيلحقه حكمه من البراءة أو الاحتياط. نعم مع استمرار الاضطرار إلى آخر الوقت يعلم بوجوب البدل على التعيين ويشك في وجوب القضاء فلا يكون من الدوران بين التعيين والتخيير أما مع ارتفاع الاضطرار
بطريق أولى. نعم لو دل دليله على أن سببه فوت الواقع ولو لم يكن هو فريضة كان القضاء واجبا عليه لتحقق سببه وان أتى بالغرض لكنه مجرد الفرض (المقام الثاني) في إجزاء الاتيان بالمأمور به بالامر الظاهري وعدمه " والتحقيق " أن ما كان منه يجري
______________________________
فهو من صغرياته. نعم يفترق عن سائر موارده بأن الفرد غير المحتمل التعيين مما يشك في وجوبه في ظرف عدم محتمل التعيين فيجري فيه اصالة عدم وجوبه وفي المقام يعلم بوجوبه إذ لا ريب في وجوب البدل ووفائه بمقدار من المصلحة - كما هو محل الفرض - فلا مجال لاصالة عدم وجوبه، ومن هنا يمكن الفرق بينهما في الحكم إذ يعلم بوجوب الجامع بين البدل والمبدل منه بنحو يكون كل منهما فردا للواجب ويشك في وجوب خصوصية في المبدل زائدة على ذلك الجامع والاصل البراءة، ومن هنا يظهر عدم صحة القول بالاحتياط من جهة الشك في حصول الغرض حتى لو قيل بالاحتياط لاجله في باب الاقل والاكثر، وفى باب التعيين والتخيير لكون الشك في المقام في أصل ثبوت الغرض زائدا على المقدار الحاصل في الجامع لا في حصوله بعد العلم بثبوته نظير موارد الاقل والاكثر الاستقلاليين فتأمل جيدا (قوله: بطريق أولى) لان القضاء تابع للاداء ولا عكس فإذا جاز ترك الاعادة في الوقت جاز ترك القضاء بطريق أولى (قوله: فوت الواقع) يعني الواقع الاختياري وكان الاولى التعبير بعدم فعل الواقع لاختصاص صدق الفوت بفوت المصلحة والمفروض خلاف ذلك (قوله: مجرد الفرض) لعدم وفاء أدلة القضاء به.
تنبيه
ابتناء وجوب الاعادة وعدمه على كون البدل غير واف بالغرض أو وافيا به إنما هو بعد الفراغ عن مشروعية البدار إليه أما لو لم تثبت مشروعيته فلو بادر إليه كان اللازم وجوب الاعادة للشك في بدليته حينئذ فلا مجال لاحتمال وفائه بتمام الغرض
حتى يرجع إلى اطلاق دليله أو اصالة البراءة وحينئذ نقول: إن دل على جواز البدار دليل بالخصوص فهو المتبع وإلا فلا يبعد صلاحية اطلاق دليله في الجملة لاثباته " وتوضيح " ذلك أن الواجب الموسع لما أمكن فرض أفراد تدريجية له بحسب حصص الزمان الممتد كفى في تعلق القدرة به القدرة على بعض تلك الافراد فلا يصح سلب القدرة عليه إلا مع عدم القدرة بالاضافة إلى كل فرد من تلك الافراد التدريجية كما هو الحال ايضا في القدرة على الماهية ذات الافراد العرضية الدفعية فإذا دل الدليل على أن من لم يقدر على الركوع أومأ برأسه " فتارة " يقيد بزمان معين مثل أول الوقت، أو تمام الوقت، أو نحوهما " وأخرى " يطلق بأن تجتمع مقدمات الحكمة المقتضية للاطلاق " وثالثة " يهمل بفقد بعضها، ففي الاول يتبع ظاهر التقييد فيعمل عليه، وفى الثاني يجوز البدار بلا فرق بين أن يكون متعلق القدرة مطلقا ومهملا، أما في الاول فلان العاجز عن الركوع أول الوقت يصدق عليه أنه عاجز في تلك الحال عن صرف الماهية فيثبت حكمه من مشروعية البدل " ودعوى " أنه إذا ارتفع الاضطرار في آخر الوقت يصدق انه قادر على الركوع في آخر الوقت والقدرة على بعض الافراد قدرة على صرف الماهية فلا يصدق عدم القدرة المأخوذة في موضوع المشروعية " مندفعة " بأن القدرة على الركوع إنما تكون - على الفرض - في آخر الوقت أما في أوله فهو عاجز عن الماهية بجميع أفرادها حتى الفرد الذي يكون في آخر الوقت، وأما في الثاني " يعني ما لو أخذ موضوع القدرة مهملا " فلان غاية ما يقتضيه الاهمال احتمال ارادة خصوص حصة من تلك الحصص التدريجية وهو لا يمنع من صدق عدم القدرة عليه أول الوقت إذ كل ما يفرض من الحصص المذكورة فهو غير مقدور في أول الوقت فيترتب حكمه بعد فرض إطلاق القدرة، وأما في الثالث " أعني فرض إهمال القدرة " فاللازم عدم الحكم بالمشروعية لاحتمال كون عدم القدرة المأخوذ موضوعا لتشريع البدل هو خصوص عدم القدرة في آخر الوقت ولا رافع لهذا الاحتمال بعد فرض الاهمال، ولا فرق في ذلك بين إطلاق متعلق القدرة واهماله
في تنقيح ما هو موضوع التكليف وتحقيق متعلقه وكان بلسان تحقق ما هو شرطه أو شطره كقاعدة الطهارة أو الحلية بل واستصحابهما
______________________________
الامر الظاهرى
(قوله: في تنقيح ما هو موضوع التكليف) يعني أن الحكم الظاهري على نحوين (أحدهما) ما يكون مفاد دليله جعل نفس موضوع الحكم الشرعي حقيقة (وثانيهما) ما يكون مفاد دليله ثبوت موضوعه الواقعي " والاول " هو الاصل مثل قاعدتي الطهارة والحلية واستصحابهما ونحوها مما يكون مفاده جعل مؤداه فان مفاد قوله - عليه السلام -: كل شئ نضيف حتى تعلم أنه قذر، جعل النظافة حقيقة، وكذا قوله (عليه السلام): كل شئ لك حلال حتى تعلم أنه حرام، فان مفاده جعل الحلية حقيقة (والثانى) الامارات الشرعية فان مفاد البينة القائمة على طهارة شئ ثبوت نفس الطهارة الواقعية المشهود بها فدليل الحجية إنما يقتضي امضاء مضمونها لا غير فيدل على ثبوت الطهارة الواقعية أيضا، ويترتب على هذا الاختلاف في المؤدى الاختلاف في ناحية الاجزاء وعدمه، فان لازم الاول هو الاجزاء لثبوت موضوع الواقع حقيقة وقد عرفت استقلال العقل بالاجزاء في اتيان المأمور به بالامر الواقعي، ولازم الثاني عدم الاجزاء لان مقتضى الدليل الواقعي أن موضوع المصلحة الواقعية هو الموضوع الواقعي وقد انكشف عدم حصوله وليس لدليل الحجية دلالة على تدارك مصلحة الواقعي بالماتي به الظاهري لكي يجزئ عنه (قوله: بلسان تحقق) يعني بلسان جعل ما هو شطر أو شرط (قوله: كقاعدة الطهارة) يعني قوله (عليه السلام): كل شئ نضيف... الخ وما ذكره لا يخلو من خفاء فانه يتوقف على أمرين (الاول) كون الموضوع للاثر الشرعي الاعم من الواقع والظاهر (والثاني) كون مفاد القاعدة جعل الطهارة حقيقة، وكلاهما محل تأمل (اما الاول) فهو خلاف الظاهر جدا، ودعوى أنه مقتضى الاطلاق مدفوعة
بانصرافه إلى خصوص الطهارة الواقعية، ويشهد به ارتكاز التساوي عملا بين شرطية الطهارة ومانعية النجاسة - مع أن مقتضى الاخذ باطلاق شرطية الطهارة الاكتفاء باحدى الطهارتين، ومقتضى الاخذ باطلاق مانعية النجاسة مانعية كل منهما وهما مختلفان عملا جدا، بل اكثر الادلة الدالة على آثار الطهارة إنما تضمنت مانعية النجاسة تكليفا أو وضعا فلاحظها (وأما الثاني) فلان صدر الحديث وان تضمن جعل الطهارة حقيقة إلا أن ذيله لما كان دالا على ثبوت القذارة واقعا في زمان الشك وكانت القذارة والطهارة من قبيل المتضادين في نظر العرف اللذين يمتنع اجتماعهما في زمان واحد ولو في رتبتين وجب التصرف إما في الذيل بحمله على القذارة الاقتضائية أو في الصدر بحمله على الطهارة التنزيلية، (والثاني) أولى لامور (منها) ظهور الدليل في التوسعة وجعل المؤمن عن احتمال النجاسة ومن المعلوم ان العلم بالقذارة الاقتضائية لا أثر له فضلا عن احتمالها (ومنها) ظهور الذيل في انتهاء الحكم بالعلم بالقذارة مع أن العلم بالقذارة الاقتضائية لا يصلح لرفع الطهارة الواقعية فضلا عن الظاهرية - مع أن ذلك مما لم يقل به أحد (ومنها) أن القذارة ملحوظة في رتبة سابقة على الطهارة فظهورها في الفعلية مقدم على ظهور الطهارة في الحقيقية والتقدم الذكري مما لا أثر له في قبال الاخير فضلا عما قبله - مع أنه لو بني على عدم التضاد بين الطهارة والقذارة أو على جواز اجتماعهما فجعل الطهارة حقيقة لا يجدي في البناء على صحة العمل ولو ظاهرا بعد ما عرفت من أن موضوع الاحكام الواقعية الطهارة الواقعية فاحتمال عدمها لا رافع له الا بجعل الطهارة الواقعية في ظرف الشك تنزيلا ادعاء لا حقيقة لامتناعه فيتعين حمل الكلام عليه لانه ناظر إلى تلك الاحكام ثم إن إطلاقه التنزيل وان اقتضى القيام بالمصلحة والوفاء بالغرض الا أن الارتكاز في الاصول العقلائية مانع من الاخذ بهذا الظهور فان الشك في جميع الاصول العقلائية مما لا يوجب كسب المشكوك عنوانا ذا مصلحة يتدارك بها الواقع. نعم هو منشأ للاخذ باحد الاحتمالين بعينه من حيث جواز العمل لا غير فلا وجه للاجزاء، وأما مثل: كل شئ لك حلال، فلا ريب في اقتضائه الحلية الظاهرية سواء أكان
في وجه قوي ونحوها بالنسبة إلى كل ما اشترط بالطهارة أو الحلية يجزئ: فان دليله
______________________________
مفاده جعل الحلية في قبال الحلية الواقعية أم جعل الحلية الواقعية في ظرف الشك ادعاء، أما على الاول فواضح، واما على الثاني فلان أدنى مراتب التنزيل المذكور هو الترخيص في العمل على خلاف الواقع وهو عين الحلية وحينئذ فان كان موضوع الاثر الواقعي مطلق الحلية الشامل للظاهرية فلا ريب في الاجزاء لان المحمول فرد حقيقي لموضوع الاثر كالفرد الواقعي، وإن كان موضوعه خصوص الحلية الواقعية فعلى الاول لا يجوز العمل لعدم ثبوت موضوع الاثر لا حقيقة ولا تنزيلا فلا مجال لاحتمال الاجزاء، وعلى الثاني يجوز العمل، أما الاجزاء فيتوقف على دلالته على التنزيل حتى بلحاظ الغرض وقد عرفت وجه الاشكال فيه، ولا تبعد دعوى ظهور الرواية في الاول وأما الاستصحاب - فلا يظهر من دليله جعل المؤدى حقيقة بل ولا جعله تنزيلا مطلقا بل بلحاظ العمل لا غير فلا موجب للاجزاء ومثله حال بقية الاصول مثل قوله (عليه السلام): فشكك ليس بشئ، في قاعدة التجاوز، وقوله (عليه السلام): إذا شككت فابن على الاكثر، في قاعدة البناء على الاكثر في الصلاة، وقوله (عليه السلام): فأمضه كما هو، في قاعدة الفراغ، وغيرها فان ظاهر الجميع عدم الاعتناء باحتمال الخلاف من حيث العمل لا غير بلا نظر إلى تدارك الواقع ولذا لا مجال لتوهم التنافي بينهما وبين ما دل على وجوب ترتيب آثار الواقع من أول الامر لو انكشف الخطأ، وأما حديث رفع ما لا يعلمون فالمرفوع فيه هو الآثار لا نفس المجهول وإلا كان خلفا - مضافا إلى وحدة السياق مع الباقي وليس المرفوع فيها إلا آثارها ويمتنع التفكيك بينها عرفا لان نسبة الرفع إلى التسعة نسبة واحدة وهذا المقدار من الرفع أجنبي عن الاجزاء وتفصيل الحال في جميع ما ذكرنا يطلب من محله فلاحظ وتأمل (قوله: في وجه قوي) يعنى أنه من جعل المؤدى حقيقة لا تنزيلا بلحاظ العمل، ولا من جعل اليقين (قوله: ونحوها) كقواعد الفراغ والتجاوز وغيرهما مما أشرنا إليه (قوله: أو الحلية)
يكون حاكما على دليل الاشتراط ومبينا لدائرة الشرط وانه اعم من الطهارة الواقعية والظاهرية فانكشاف الخلاف فيه لا يكون موجبا لانكشاف فقدان العمل لشرطه، بل بالنسبة إليه يكون من قبيل ارتفاعه من حين ارتفاع الجهل وهذا بخلاف
______________________________
يعنى أو غيرهما مما هو مفاد الاصل (قوله: يكون حاكما على دليل) الحكومة عند شيخنا الاعظم (ره) كون الدليل الحاكم متفرعا على المحكوم وناظرا إليه موسعا لموضوعه أو مضيقا تنزيلا، وعند المصنف (ره): سوق الدليل الحاكم بنحو يصلح للنظر إلى كمية موضوع الآخر فقوله (ره): ومبينا لدائرة الشرط، تفسير للحاكم (قوله: وأنه أعم من) (أقول): إن كان موضوع الشرطية الاعم من الشرط الواقعي والظاهري فإذا كان مفاد القاعدتين والاستصحاب ونحوها جعل الشرط حقيقة فهي واردة على دليل الشرطية وليس فيها تعرض لبيان عموم موضوع الشرطية، بل عمومه مستفاد من دليل الشرطية لا غير نعم لو كان موضوعه خصوص الشرط الواقعي وكان مفاد القواعد جعل الشرط الواقعي تنزيلا كانت حاكمة على دليل الشرطية لكنه خلاف ما اختاره ثم ان في اطلاق الورود والحكومة في المقام مسامحة لاختصاصهما بالدليلين المتحدين رتبة (قوله: من قبيل ارتفاعه) لما ذكره قدس سره من جعل الشرط حقيقة في حال الجهل فيرتفع بارتفاعه (أقول): لو سلم ذلك فلا دليل على ثبوت الشرط حقيقة من أول الامر بعد ارتفاع الجهل، والحكم بثبوته حال الجهل لا ينافي عدم الحكم بثبوته في حال الجهل بعد ارتفاعه " مثلا " إذا كان الماء مشكوك النجاسة يوم الجمعة فجعل الشارع طهارته يوم الجمعة فإذا انكشف يوم السبت نجاسته يوم الجمعة فلا دليل على الحكم يوم السبت بطهارته يوم الجمعة كيف ونجاسته يوم الجمعة معلومة يوم السبت، ولا مجال للتعبد مع العلم فليس الا النجاسة الواقعية يوم الجمعة فيترتب آثارها من أول الامر ونظيره الكشف المشهورى على التحقيق في العقد الفضولي فان العين بعد العقد قبل الاجازة ملك للمالك الاول وبعد الاجازة يحكم بانها من حين العقد ملك للمشتري، بل لا يظن التأمل فيما ذكرنا لو فرض الشك في طهارة أمر مستقبل له
ما كان منها بلسان أنه ما هو الشرط واقعا - كما هو لسان الامارات - فلا يجزئ فان دليل حجيته حيث كان بلسان انه واجد لما هو الشرط الواقعي فبارتفاع الجهل ينكشف انه لم يكن كذلك بل كان لشرطه فاقدا. هذا على ما هو الاظهر الاقوى في الطرق والامارات مع ان حجيتها ليست بنحو السببية، وأما بناء عليها وأن العمل بسبب اداء امارة إلى وجدان شرطه أو شطره يصير حقيقة صحيحا كأنه واجد له مع كونه فاقده فيجزئ لو كان الفاقد له في هذا الحال كالواجد في كونه وافيا بتمام الغرض، ولا يجزئ لو لم يكن كذلك، ويجب الاتيان بالواجد لاستيفاء الباقي ان وجب وإلا لاستحب هذا مع امكان استيفائه وإلا فلا مجال لاتيانه كما عرفت في الامر الاضطراري
______________________________
له أثر حالي فانه يرجع إلى قاعدة الطهارة فيه فيحكم في الحال بطهارته في المستقبل ثم لو علم بعد ذلك بنجاسته قبل مجيئ زمانه يحكم في ذلك الوقت بنجاسته في وقته فتأمل جيدا (قوله: ما كان منها) يعنى من الاوامر الظاهرية (قوله: انه ما هو) يعنى إذا كان لسان الامر الظاهري أن الشئ - كالماء مثلا - هو الطاهر واقعا (قوله: كما هو لسان الامارات) قد عرفت أن مفاد حجية الامارة إمضاء مفاد الامارة وإنشاء ما تحكيه الامارة فإذا كانت البينة مثلا تحكي أن الماء المتوضأ به طاهر فدليل حجيتها ينشئ الطهارة الواقعية في حال الشك وحيث امتنع ذلك وجب حمله على التنزيل فلا يكون من إنشاء الشرط حقيقة كما في الاصول ثم إن هذا التنزيل يمكن ان يكون بلحاظ العمل لا غير فلا يقتضي إلا ترخيصا في مخالفة الواقع مادامت الامارة قائمة على خلافه، ويمكن أن يكون بلحاظ الغرض والمصلحة بحيث يكون قيام الامارة على خلاف الواقع من العناوين الموجبة لطرؤ مصلحة يتدارك بها مصلحة الواقع أو بعضها، وهذا هو القول بالسببية والاول هو القول بالطريقية وحيث أن الاول هو المختار للمصنف (ره) بل للمشهور بنى على عدم الاجزاء (قوله: ليست بنحو) يعنى بل على الطريقية كما عرفت (قوله: وان العمل بسبب) تفسير للسببية (قوله: فيجزئ) جواب إما
ولا يخفى أن قضية إطلاق دليل الحجية - على هذا - هو الاجتزاء بموافقته ايضا. هذا فيما إذا أحرز ان الحجية بنحو الكشف والطريقية أو بنحو الموضوعية والسببية، وأما إذا شك ولم يحرز أنها على أي الوجهين فاصالة عدم الاتيان بها يسقط معه التكليف مقتضية للاعادة في الوقت،
______________________________
(قوله: قضية إطلاق) الكلام في مقتضي الاطلاق هنا بعينه الكلام في مقتضى اطلاق دليل البدل الاضطراري فراجع (قوله: على هذا) يعني السببية (قوله: فاصالة عدم الاتيان) قد عرفت أن الشك في دليل البدل إنما يقتضي الرجوع إلى الاصل العملي لو لم يكن اطلاق لدليل المبدل يقتضي تعينه في مقام حصول الغرض وإلا فهو المرجع لا الاصل. ثم لو بني على الرجوع إلى الاصل العملي فلا مجال لاصالة عدم الاتيان بما يسقط معه التكليف لتردد المسقط بين معلوم الثبوت لو كان هو المأتي به ومعلوم العدم لو كان الفعل الواقعي، وفى مثله لا يجري الاصل كما حقق في محله - مضافا إلى ما ربما يقال من أن السقوط وعدمه ليس من الآثار الشرعية لوجود الموضوع وعدمه بل من الآثار العقلية حيث أن ثبوت الارادة تابع للعلم بالمصلحة فمع حصولها تسقط بذاتها وإذا لم يكن من الآثار الشرعية كانت اصالة ثبوت الموضوع وسقوطه من الاصول المثبتة، لكنه مندفع (بالنقض) بالاصول المثبتة للموضوع كقواعد الطهارة والحلية والتجاوز والفراغ والصحة ونحوها فانها لا ريب في أنها ليست من الاصول المثبتة، كما أنه لا ريب في عدم الفرق بينها وبين اصالة عدم الاتيان " وبالحل " بأن مرجع الاصول المثبتة للموضوع أو النافية له إلى توسعة موضوع الامر وتضييقه الراجع إلى جعل الاثر للمشكوك فيترتب عليه السقوط عقلا، أو نفيه عنه فيترتب عليه عدمه كذلك بل المرجع أصالة البراءة من وجوب الاعادة أو أصالة عدم التكليف بالواقع بلا فرق بين أن تقوم الامارة على تنقيح الصغرى - كما لو قامت على طهارة الماء المتوضأ به - أو تنقيح الكبرى - كما لو قامت على عدم اعتبار طهارة محال الوضوء مثلا -
واستصحاب عدم كون التكليف بالواقع فعليا في الوقت لا يجدي ولا يثبت كون ما اتي به مسقطا إلا على القول بالاصل المثبت
______________________________
(وتوهم) أنه في القسم الاول يعلم بالكبرى فتكون فعلية وتتنجز فالشك يكون في الخروج عن عهدة التكليف المنجز والمرجع فيه الاحتياط (مدفوع) بما عرفت في دفع التوهم السابق من أن الاصل الجاري في تنقيح الصغرى لا بد ان يرجع مفاده إلى توسعة في موضوع الاثر فيشك في فعلية الاثر لخصوص الواقع ويكون كما لو شك في نفس الكبرى من احتمال فعلية الواقع - على أن الامارة الدالة على ثبوت الاصغر تدل بالالتزام على ثبوت الاكبر فتوسع بمدلولها الالتزامي فلا يكون الواقع بخصوصه مما يعلم بثبوت الاثر له حتى يكون فعليا منجزا والاصل البراءة منه بعد انكشاف الخلاف. نعم لو طرأ الجهل في اثناء الوقت أمكن الرجوع إلى استصحاب تعيين الواقع كما تقدم في البدل الاضطراري إلا أن يقال: إن الشك في التكليف ناشئ من الشك في وجود المزاحم والمرجع فيه الاحتياط، لكنه غير ظاهر الا في الاعذار العقلية عند الشك فيها كما في موارد الشك في القدرة اما الشك في المزاحم الذي يوجب تبدل عنوان الحسن بالقبيح مثلا فلا موجب للاحتياط فيه فتأمل، ومنه يظهر أنه لا مجال لاصالة عدم الاتيان بما يسقط معه التكليف لكون الشك في ثبوت التكليف لا في سقوطه مضافا إلى ما سبق (قوله: واستصحاب عدم كون) يعني قد يقال: انه لو انكشف الخلاف في الوقت يرجع إلى استصحاب عدم فعلية التكليف الثابت ذلك العدم حال الجهل بالتكليف وقيام الحجة على خلافه ومقتضاه عدم وجوب الاعادة، ويدفعه أن الاصل المذكور لا يجدي في اثبات كون المأتي به مسقطا لان ذلك من اللوازم غير الشرعية فيتوقف اثباته له على القول بالاصل المثبت الذي لا نقول به، وإذا لم يثبت به كونه مسقطا يكون الشك في سقوط ما اشتغلت به الذمة والمرجع في مثله اصالة عدم الاتيان، " أقول ": إن جرى استصحاب عدم فعلية التكليف لاجتماع اركانه من
وقد علم اشتغال ذمته بما يشك في فراغها عنه بذلك المأتي. وهذا بخلاف ما إذا علم انه مأمور به واقعا وشك في أنه يجزئ عما هو المأمور به الواقعي الاولي كما في الاوامر الاضطرارية أو الظاهرية بناء على أن يكون الحجية على نحو السببية فقضية الاصل فيها - كما أشرنا إليه - عدم وجوب الاعادة للاتيان بما اشتغلت به الذمة يقينا واصالة عدم فعلية التكليف الواقعي بعد رفع الاضطرار وكشف الخلاف، وأما القضاء فلا يجب بناء على انه فرض جديد وكان الفوت المعلق عليه وجوبه لا يثبت باصالة عدم الاتيان
______________________________
اليقين والشك كفى نفسه في ترتب الاثر عليه عقلا نظير استصحاب عدم التكليف ولا يحتاج إلى اثبات كون المأتي به مسقطا - مع أن الجمع بينه وبين دعوى كون الشك شكا في المسقط لما اشتغلت به الذمة لا يخلو من إشكال لان الاشتغال المعلوم إن كان حال الجهل فالمفروض العلم بعدم فعلية التكليف حينئذ وان كان حال الانكشاف فلا مقتضي له كيف والكلام في اثبات الاشتغال وعدمه في حال الانكشاف ؟ وإن لم يجر لفقد بعض أركانه فاللازم منعه لذلك لا لانه من الاصل المثبت فلاحظ، (قوله: وقد علم) تحقيق لكون الشك في المسقط (قوله: وهذا بخلاف) يعني الشك في الاجزاء للشك في الطريقية والموضوعية ليس مثله الشك في الاجزاء للشك في وفاء المأمور به بالامر الاضطراري أو الظاهري بناء على السببية فان المرجع فيه البراءة بعد ارتفاع الاضطرار أو انكشاف الخلاف كما سبق، لكن عرفت تحقيق الحال فيهما (قوله: كما في الاوامر) يعني المأمور به بالاوامر الاضطرارية (قوله: بناء على) قيد للظاهرية (قوله: وأما القضاء فلا) يعني ما سبق كان حكم انكشاف الخلاف في اثناء الوقت أما لو كان بعد خروج الوقت فالقضاء المحتمل وجوبه إما أن يكون بفرض جديد وإما ان يكون بالفرض الاول فان كان بالفرض الاول فحكمه حكم الاعادة، وان كان بفرض جديد فان كان موضوعه وهو الفوت يثبت باصالة عدم الفعل في الوقت لانه مجرد ترك الواجب فاللازم الحكم بوجوبه
إلا على القول بالاصل المثبت والا فهو واجب كما لا يخفى على المتأمل فتأمل جيدا. ثم إن هذا كله فيما يجري في متعلق التكاليف من الامارات الشرعية والاصول العملية، وأما ما يجري في إثبات أصل التكليف كما إذا قام الطريق أو الاصل على وجوب صلاة الجمعة يومها في زمان الغيبة فانكشف بعد أدائها وجوب صلاة الظهر في زمانها فلا وجه لاجزائها مطلقا غاية الامر ان تصير صلاة الجمعة فيها أيضا ذات مصلحة لذلك، ولا ينافى هذا بقاء صلاة الظهر على ما هي عليه من المصلحة كما لا يخفى
______________________________
اعتمادا على أصالة عدم فعل الواجب المحرزة لموضوعه وان كان لا يثبت موضوعه بالاصل لان الفوت حقيقة ذهاب المطلوب فهو كناية عن ترك ما من شأنه أن يفعل مع عدم إمكان فعله فلا يصدق إلا في آخر الوقت فلا حالة له سابقة ليستصحب فاللازم الحكم بعدم وجوبه اعتمادا على اصالة البراءة " أقول ": قد عرفت الاشكال في جريان اصالة عدم الاتيان (قوله: إلا على القول بالاصل) فان عدم الاتيان في تمام الوقت يلازمه عدم امكان التدارك في الوقت فيثبت المعنى الكنائي للفوت (أقول): موضوع القضاء لا يختص بالفوت بل المذكور في جملة من نصوصه نسيان الفريضة أو النوم عنها أو نحو ذلك مما يفهم منه كون الموضوع تركها في تمام الوقت فلو جرت اصالة عدم الاتيان في نفسها كفت في وجوب القضاء فراجع (قوله: وجوب صلاة الجمعة) يعني على نحو لا تكون الامارة متعرضة لنفي وجوب صلاة الظهر أما لو كانت متعرضة لذلك ولو لاجل أنها في مقام تعيين الواجب أو في مقام آخر فتدل ولو بالدلالة الالتزامية العقلية على نفيه كان مقتضى القول بالسببية عدم وجوب الاعادة أو القضاء كما سبق وكذا لو كان المعتمد في نفي وجوب صلاة الظهر الاصل الشرعي (قوله: لاجزائها مطلقا) يعني سواء أقلنا بالطريقية أم بالسببية (قوله: ولا ينافى هذا بقاء) لان المفروض عدم تعرض الاصل أو الامارة لنفي وجوب الظهر ليكون
إلا أن يقوم دليل بالخصوص على عدم وجوب صلاتين في يوم واحد (تذنيبان) (الاول) لا ينبغي توهم الاجزاء في القطع بالامر في صورة الخطأ فانه لا يكون موافقة للامر فيها وبقي الامر بلا موافقة أصلا وهو أوضح من أن يخفى. نعم ربما يكون ما قطع بكونه مأمورا به مشتملا على المصلحة في هذا الحال أو على مقدار منها ولو في غير الحال غير ممكن مع استيفائه استيفاء الباقي منه ومعه لا يبقى مجال لامتثال الامر الواقعي وهكذا الحال في الطرق فالاجزاء ليس لاجل اقتضاء امتثال الامر القطعي أو الطريقي
______________________________
*
ذلك موجبا لانقلاب الحكم الواقعي (قوله: إلا أن يقوم دليل) وحينئذ فإذا ثبت وجوب إحداهما بالاصل أو الامارة ثبت عدم وجوب الاخرى للتلازم بين وجوب إحداهما وعدم وجوب الاخرى (قوله: لا ينبغي توهم الاجزاء) لان منشأ توهم الاجزاء كشف الامر الشرعي عن مصلحة في متعلقه يتدارك بها مصلحة الواقع فحيث لا أمر شرعي بل اعتقاد الامر لا طريق إلى الاجزاء بعد انكشاف خطئه (قوله: في هذا الحال) يعني حال القطع وانما قيده بذلك لانه لو كان مشتملا على المصلحة مطلقا كان واجبا في عرض الواقع ويكون الاتيان به اتيانا باحد فردي الواجب الواقعي (فان قلت): إذا كان مشتملا على المصلحة في حال القطع يكون ايضا أحد فردي الواجب فلا يكون من إجزاء غير الواقع عن الواقع الذي هو محل الكلام (قلت): يمتنع أن يكون واجبا حينئذ لانه يمتنع أخذ القطع في موضوع متعلقه على ما يأتي في مبحث القطع انشاء الله تعالى (قوله: ولو في غير الحال) يعني غير حال القطع (فان قلت): إذا كانت المصلحة كذلك كان واجبا مطلقا (قلت): المضادة بينه وبين تمام مصلحة الواقع مانعة من الامر به في عرض الامر بالواقع بل وعلى نحو الترتب على مختار المصنف (ره) (قوله: ومعه لا يبقى مجال) يعني مع كون ما قطع بكونه مأمورا به على الوصف المذكور لا بد من الاجزاء (قوله: الحال في الطرق) يعني إذا قطع بطريقية
للاجزاء بل انما هو لخصوصية اتفاقية في متعلقهما كما في الاتمام والقصر والاخفات والجهر (الثاني): لا يذهب عليك أن الاجزاء في بعض موارد الاصول والطرق والامارات على ما عرفت تفصيله لا يوجب التصويب المجمع على بطلانه في تلك الموارد فان الحكم الواقعي بمرتبة محفوظ فيها، فان الحكم المشترك بين العالم والجاهل والملتفت والغافل ليس إلا الحكم الانشائي المدلول عليه بالخطابات المشتملة على بيان الاحكام للموضوعات بعناوينها الاولية بحسب ما يكون فيها من المقتضيات، وهو ثابت في تلك الموارد كسائر موارد الامارات وإنما المنفى فيها ليس الا الحكم الفعلى البعثي وهو منفي في غير موارد الاصابة وان لم نقل بالاجزاء، فلا فرق بين الاجزاء وعدمه إلا في سقوط التكليف بالواقع بموافقة الامر الظاهري وعدم سقوطه بعد انكشاف عدم الاصابة وسقوط التكليف بحصول غرضه أو لعدم امكان تحصيله غير التصويب المجمع على بطلانه وهو خلو الواقعة عن الحكم غير ما ادت إليه الامارة
______________________________
*
شئ فعمل على طبقه (قوله: للاجزاء) متعلق باقتضاء (قوله: كما في الاتمام والقصر) فان المعروف أن من أتم في موضع القصر جاهلا أجزأه ويعاقب لو كان مقصرا، وكذا لو جهر في موضع الاخفات أو بالعكس والمستند في ذلك النصوص المعتبرة في المقامين ولهم في ذلك اشكال وفي التفصي عنه وجوه تذكر في شرائط الاصول (قوله: فان الحكم الواقعي بمرتبة) هذا مناسب تقريبا لعدم التنافي بين تضاد الاحكام الواقعية والظاهرية وبين التخطئة فان لازم التخطئة ثبوت الحكم المشترك بين العالم والجاهل ومثله لا يضاد الاحكام الظاهرية لانه إنشائي وهي فعلية، ولا تضاد بين الحكم الانشائي والفعلي لاختلاف المرتبة، وأما ما يناسب المقام من عدم منافاة الاجزاء للتخطئة فهو ما أفاده بقوله في آخر بيانه: وسقوط التكليف... الخ (قوله: أو لعدم إمكان) كما في بعض الصور المشار إليها في الامر الاضطراري وفي الظاهري (قوله: غير التصويب) بل ينافيه لان السقوط فرع الثبوت والثبوت غير التصويب الذي هو عدم الثبوت
كيف وكان الجهل بها بخصوصيتها أو بحكمها ماخوذا في موضوعها فلا بد من ان يكون الحكم الواقعي بمرتبة محفوظا فيها كما لا يخفى
فصل في مقدمة الواجب
وقبل الخوض في المقصود ينبغي رسم أمور (الاول) الظاهر أن المهم المبحوث عنه في هذه المسألة البحث عن الملازمة بين وجوب الشئ ووجوب مقدمته فتكون مسألة اصولية لا عن نفس وجوبها كما هو المتوهم من بعض العناوين كى تكون فرعية، وذلك لوضوح أن البحث كذلك لا يناسب الاصولي، والاستطراد لا وجه له بعد إمكان ان يكون البحث على وجه تكون من المسائل الاصولية ثم الظاهر أيضا أن
______________________________
اصلا لغير مؤدى الامارة (قوله: كيف وكان) هذا يشبه أن يكون ردا على التصويب لا عدم المنافاة بين الاجزاء والتخطئة (قوله: بخصوصيتها) اي بخصوصية الواقعة فتكون موردا للاصل الموضوعي (قوله: أو بحكمها) فتكون مجرى للاصل الحكمي (قوله: في موضوعها) أي موضوع الامارات. والله سبحانه أعلم.
مقدمة الواجب
(قوله: فتكون مسألة) لوقوعها في طريق استنباط الحكم الفرعي فيقال مثلا: الصلاة واجبة، وكل واجب تجب مقدماته، فالصلاة تجب مقدماتها (قوله: تكون فرعية) لان موضوعها فعل المكلف ومحمولها أحد الاحكام التكليفية إلا أن يقال: عنوان المقدمية لما كان من الجهات التعليلية كان الموضوع مصداق المقدمة وحيث كان متعددا لم تكن فرعية لاعتبار وحدة الموضوع في المسألة الفرعية بل تكون المسألة كمسألة جواز خلو الواقعة عن الحكم بملاحظة عموم البحث لمقدمة الحرام والمكروه والمستحب فتأمل جيدا (قوله: ثم الظاهر أيضا أن)
المسألة عقلية والكلام في استقلال العقل بالملازمة وعدمه لا لفظية كما ربما يظهر من صاحب المعالم حيث استدل على النفي بانتفاء الدلالات الثلاث - مضافا إلى أنه ذكرها في مباحث الالفاظ ضرورة انه إذا كان نفس الملازمة بين وجوب الشئ ووجوب مقدمته ثبوتا محل الاشكال فلا مجال لتحرير النزاع في الاثبات والدلالة عليها باحدى الدلالات الثلاث كما لا يخفى (الامر الثاني) انه ربما تقسم المقدمة إلى تقسيمات (منها) تقسيمها إلى داخلية وهي الاجزاء المأخوذة في الماهية المأمور بها والخارجية وهي الامور الخارجة عن ماهيته مما لا يكاد يوجد بدونه (وربما) يشكل كون الاجزاء مقدمة له وسابقة عليه بأن المركب ليس الا نفس الاجزاء بأسرها (والحل) أن المقدمة هي
______________________________
*
يعني بعد البناء على كونها أصولية فالظاهر كونها عقلية لا لفظية إذ مرجع البحث فيها أن العقل يحكم بالملازمة بين وجوب الشئ ووجوب مقدماته لا أن اللفظ الدال على وجوب شئ يدل على وجوب مقدماته (قوله: بانتفاء الدلالات) إذ المراد من الدلالات الثلاث هي الدلالات اللفظية المطابقة والتضمن والالتزام، ومن المعلوم أن انتفاء هذه الدلالات إنما يقتضي نفي الدلالة اللفظية لا الدلالة العقلية والفرق بين الدلالة الالتزامية اللفظية وبين اللزوم العقلي المدعى كونه محل النزاع أن الدلالة الالتزامية يعتبر فيها إما اللزوم العرفي أو العقلي البين بالمعنى الاخص بحيث يلزم من تصور الملزوم تصور اللازم واللزوم العقلي في كلام المصنف (ره) أعم من ذلك ومن البين بالمعنى الاعم وهو ما يجب معه الحكم باللزوم عند تصور الطرفين ومن غير البين وهو ما لا يكون كذلك (قوله: مضافا إلى انه) لكن هذا لا يختص به (قوله: ضرورة انه) تعليل لقوله: ثم الظاهر... الخ (قوله: في الاثبات) لانه متفرع على الثبوت فالكلام فيه ينبغي ان يكون بعد الكلام في الثبوت (قوله: الخارجة) كالشروط (قوله: وسابقة عليه) يعني في الوجودين الذهنى والخارجي كما نص عليه بعض المحققين من أهل المعقول (قوله: بأسرها) وعليه فلا اثنينية بينهما خارجا فضلا عن تقدم أحدهما على الآخر
نفس الاجزاء بالاسر وذو المقدمة هو الاجزاء بشرط الاجتماع فيحصل المغايرة بينهما وبذلك ظهر انه لا بد في اعتبار الجزئية من اخذ الشئ بلا شرط كما لا بد في اعتبار الكلية من اعتبار اشتراط الاجتماع
______________________________
(قوله: بشرط الاجتماع) يعنى انضمام بعضها إلى بعض (قوله: فتحصل المغايرة) ولو بالاعتبار، وكذا يظهر وجه تقدم الجزء على الكل فان الاجتماع من قبيل الاضافة المتأخرة عن المتضايفين فإذا كان الاجتماع دخيلا في الكل كان متاخرا عن الجزء تأخر المقيد بما هو مقيد عن الذات التي هي معروض التقييد (اقول): ما ذكر في رفع الاشكال وان سبقه إليه بعض المحققين من أهل المعقول إلا أن هذا المقدار من التغاير الاعتباري المحض لو سلم لا يجدي في صحة مقدمية الجزء للكل خارجا لانها تتوقف على الاثنينية في الخارج فكما لا يكفي في العلية والمعلولية التغاير الاعتباري مع الاتحاد خارجا كذلك لا يكفي في المقدمية ذلك مع الاتحاد وجودا فيبقى الاشكال بحاله وسيأتي التنبيه عليه في حاشية المصنف (ره) (قوله: وبذلك ظهر انه لابد) التحقيق أن الجزئية والكلية اعتباران متضايفان بحيث متى صح اعتبار الكلية للكل صح اعتبار الجزئية للجزء ومنشأ اعتبارهما معا أمر واحد وهو طروء وحدة للمتكثرات فالامور المتكثرة إذا لوحظت في نفسها فلا كلية لها ولا جزئية لابعاضها فإذا لوحظت مجتمعة تحت وحدة ما يعتبر حينئذ للمجموع عنوان الكلية وللابعاض عنوان الجزئية (وما) يظهر من عبارة المتن من تضاد منشأ اعتبار الجزئية لمنشأ اعتبار الكلية (غير ظاهر) لما عرفت من اتحاد منشئهما كما عرفت أن التغاير بين الجزء والكل من جهة ان الكل نفس تمام الاجزاء والجزء نفس أحدها فالجزء ان لوحظ بشرط الباقي الذي هو معنى (بشرط شئ) كمفهوم لفظ اثنين يكون كلا لانه عين تمام الاجزاء " وبشرط " لا الاعتباري كمفهوم لفظ أحد الاثنين يكون جزءا، وإذا أخذ (لا بشرط) أمكن ان يتحد مع الكل كما يمكن أن يتحد مع الجزء، ومنه
وكون الاجزاء الخارجية كالهيولى والصورة هي الماهية المأخوذة بشرط لا، لا ينافي ذلك فانه انما يكون في مقام الفرق بين نفس الاجزاء الخارجية والتحليلية من الجنس والفصل وان الماهية إذا اخذت بشرط لا تكون هيولى أو صورة وإذا اخذت لا بشرط تكون جنسا أو فصلا
______________________________
يظهر أن الاجتماع أجنبي عن معنى الكل كما عرفت أن الاجزاء باسرها عين الكل وهي ذو المقدمة، وأما المقدمة - بناء على ثبوت المقدمية بين الجزء والكل - فهو نفس أحد الاجزاء لا الاجزاء بالاسر (قوله: وكون الاجزاء الخارجية) هذا إشارة إلى اشكال ودفع (أما الاول) فهو أن المذكور في فن المعقول أن الاجزاء الخارجية ماخوذة بشرط لا وهو ينافي ما ذكرت من أن الجزء ماخوذ لا بشرط " واما الثاني " فلان تنافي لا بشرط وبشرط لا إنما يكون بالاضافة إلى شئ واحد مع كونهما جاريين على اصطلاح واحد، وليس الامر هنا كذلك فان المراد من " بشرط لا " فيما ذكر أهل المعقول (بشرط لا) الاعتباري في مقابل الجزء التحليلي المأخوذ " لا بشرط " الاعتباري بشهادة ذكر ذلك في مقام الفرق بين الجزء التحليلي والجزء الخارجي في صحة الحمل وعدمه - كما تقدم في مبحث المشتق - والمراد مما ذكرنا هنا من " لا بشرط " اللا بشرط خارجي في مقابل " بشرط الاجتماع " فاحد الاعتبارين جار على اصطلاح وثانيهما جار على اصطلاح آخر فلا تنافي بينهما " أقول ": بل مقتضى ما ذكره في مبحث المشتق أن قولهم: الاجزاء الخارجية ماخوذة لا بشرط، ليس جاريا على أحد الاصطلاحين بل بمعنى ان مفهومها يأبى عن الحمل، وحينئذ فلا مجال لتوهم التنافي بينه وبين ما ذكره هنا لكن عرفت الاشكال فيه فتأمل جيدا (قوله: كالهيولى والصورة) يعنى الذي يتركب منهما الجسم عند المشائيين، والهيولى - وتسمى المادة والطينة وغير ذلك - هي الجوهر الذي يكون محل الصورة أعني الصورة الجسمية وهو الجوهر المتصل (قوله: الخارجية والتحليلية) يعنى بين كل
لا بالاضافة إلى المركب فافهم ثم لا يخفى أنه ينبغى خروج الاجزاء عن محل النزاع كما صرح به بعض وذلك لما عرفت من كون الاجزاء بالاسرعين المأمور به ذاتا وانما كانت المغايرة بينهما اعتبارا فتكون واجبة بعين وجوبه ومبعوثا إليها بنفس الامر الباعث إليه فلا تكاد تكون واجبة بوجوب آخر لامتناع اجتماع المثلين ولو قيل بكفاية تعدد الجهة وجواز اجتماع الامر والنهي
______________________________
جزء خارجي وجزء تحليلي (قوله: لا بالاضافة إلى) يعني لا في مقام الفرق بين تمام الاجزاء الخارجية وبين نفس المركب كما هو محل الكلام هنا " أقول ": قد عرفت في الحاشية السابقة حقيقة الحال، وبالتأمل فيه يظهر عدم المنافاة ايضا فتأمل (قوله: عن محل النزاع) يعنى لا يقع النزاع في انها واجبة بالوجوب الغيري أولا بل هي واجبة بالوجوب النفسي لا غير (قوله: المغايرة بينهما اعتبارا) والجهة الاعتبارية وهو الاجتماع لو سلم أخذه قيدا في معنى الكل فلا نسلم دخله في موضوع الامر لانه إنما يطرأ على ذوات الاجزاء بلحاظ امر آخر زائد عليها وهي جهة الوحدة إذ لا يقال: اجتمع زيد وعمرو، إلا بلحاظ أمر ثالث زائد عليهما فتكون الاجزاء مجتمعة إما بلحاظ الامر أو الغرض أو اللحاظ أو الوجود أو المكان أو الزمان أو غيرها. والاجتماع في الامر مما لا يعقل أخده في موضوعه لما تقدم في قصد الامتثال، وكذا الاجتماع في اللحاظ لما تقدم في معنى الحرف وكذا الاجتماع في الغرض لان الامر إنما يتعلق بموضوع الغرض لما سيأتي في الفرق بين الجهات التعليلية والتقييدية من بيان امتناع اخذ الاول قيدا ومن المعلوم أن الغرض منها لا من الجهات التقييدية، واما الاجتماع في الوجود فان أريد به نفس وجود الاجزاء بتمامها فليس هو امرا زائدا على ذوات الاجزاء كي يعتبر قيدا فيها، وإن أريد به اتصال الوجودات بمعنى الموالاة بين الاجزاء فهو كالاجتماع في الزمان والمكان وغيرهما مما يمكن أن يؤخذ قيدا بل أخذ قيدا في كثير من المركبات، إلا أنه لم يؤخذ في كثير منها فليس معيارا للفرق بين الكل
معه لعدم تعددها هاهنا لان الواجب بالوجوب الغيرى - لو كان - إنما هو نفس الاجزاء لا عنوان مقدميتها والتوسل بها إلى المركب المأمور به ضرورة ان الواجب بهذا الوجوب ما كان بالحمل الشايع مقدمة لانه المتوقف عليه لا عنوانها. نعم يكون هذا العنوان علة لترشح الوجوب على المعنون، فانقدح بذلك فساد توهم اتصاف كل جزء من اجزاء الواجب بالوجوب النفسي والغيري باعتبارين فباعتبار كونه في ضمن الكل واجب نفسي وباعتبار كونه مما يتوسل به إلى الكل واجب غيري، اللهم إلا أن يريد أن فيه ملاك الوجوبين وان كان واجبا بوجوب واحد نفسي
______________________________
والجزء ولا تصح دعوى كونه قيدا في المركبات مطلقا كما هو محل الكلام هذا كله - مضافا إلى أن قيد الاجتماع بلحاظ جملة مما ذكر ليس دخيلا في الغرض فان محصل الغرض نفس ذوات الاجزاء في حال الاجتماع لا مقيدة بالاجتماع فكيف يؤخذ قيدا في موضوع الوجوب، ولو سلم ذلك كله فقد تقدم في مبحث التوصلي أن التقييد لما كان اعتباريا لم يكن موضوعا للوجوب فليس الموضوع الا ذات المقيد وهو نفس الاجزاء فلا مجال لتعلق الوجوب الغيرى لامتناع اجتماع المثلين وهذا الاخير هو مصب كلام المصنف (ره) فتأمل جيدا (قوله: معه) يعنى تعدد الجهة (قوله: هو نفس) الذي هو موضوع الوجوب النفسي (قوله: لا عنوان مقدميتها) لما سيأتي تفصيله انشاء الله من ان العنوان التعليلي مما لم يؤخذ في موضوع الوجوب بخلاف العنوان التقييدى وعنوان المقدمية من الاول وهكذا كل ما له دخل في كون الشئ ذا مصلحة وغرض مقصود بخلاف ما كان له دخل في ترتب المصلحة على ما هو مصلحة فانتظر (قوله: فباعتبار) وجه فساده أنه إن أريد من هذا أن الاعتبار بنفسه موضوع للوجوب فقد عرفت ان اعتبار كونه مما يتوسل به إلى الواجب يمتنع ان يكون موضوعا للوجوب، وان أريد أنه علة
لسبقه(١) فتأمل هذا كله في المقدمة الداخلية واما المقدمة الخارجية فهى ما كان خارجا عن المأمور به وكان له دخل في تحققه لا يكاد يتحقق بدونه وقد ذكر لها أقسام وأطيل الكلام في تحديدها بالنقض والابرام الا انه غير مهم في المقام (ومنها) تقسيمها إلى العقلية والشرعية والعادية، فالعقلية هي ما استحيل واقعا وجود ذي المقدمة بدونه، والشرعية - على ما قيل - ما استحيل وجوده بدونه شرعا، ولكنه لا يخفى رجوع الشرعية إلى العقلية ضرورة انه لا يكاد يكون مستحيلا
______________________________
*
للوجوب يلزم اجتماع المثلين (قوله: لسبقه) كان الاولى تعليله بأن الوجوب النفسي يمتنع في المقام كونه علة للوجوب الغيرى لان الشئ لا يكون علة لمضاده وليس له علة سواه فينتفي ويثبت الوجوب النفسي بوجود علته بلا مانع، واما التعليل بالسبق فيتوقف على العلية وقد عرفت امتناعها (قوله: فتأمل) وجهه ما صرح به في حاشيته من منع الملاكين لان المقدمية تتوقف على تعدد الوجود والجزء عين الكل وجودا فلا يكون مقدمة له كما اشرنا إليه سابقا (قوله: لها اقسام) كالعلة والمقتضي والسبب والشرط وعدم المانع والمعد، واطال في التقريرات الكلام في تحديدها وصرح بأن الباعث له على ذلك معرفة مراد المفصل بين السبب وغيره (قوله: ولكنه لا يخفى رجوع) كذا ذكر في التقريرات أيضا، لكن لا يخفى انه إن اريد التنبيه على ما في ظاهر التعريف فحسن، وإن أريد الرجوع حقيقة فغير ظاهر في التقسيم لان المراد من العقلية ما يحكم العقل باستحالة وجود الواجب بدونها بالنظر إلى ذاتيهما وهذا المعنى لا ينطبق على الشرعية التي
______________
(١) وجهه انه لا يكون فيه ايضا ملاك الوجوب الغيرى حيث انه لا وجود له غير وجوده في ضمن الكل يتوقف على وجوده وبدونه لا وجه لكونه مقدمة كى يجب بوجوبه اصلا كما لا يخفى، وبالجملة لا يكاد يجدي تعدد الاعتبار الموجب للمغايرة بين الاجزاء والكل في هذا الباب وحصول ملاك الوجوب الغيرى المترشح من وجوب ذى المقدمة عليها لو قيل بوجوبها فافهم منه قدس سره
ذلك شرعا إلا إذا أخذ فيه شرطا وقيدا واستحالة المشروط والمقيد بدون شرطه وقيده يكون عقليا، وأما العادية فان كانت بمعنى أن يكون التوقف عليها بحسب العادة بحيث يمكن تحقق ذيها بدونها الا أن العادة جرت على الاتيان به بواسطتها، فهي وإن كانت غير راجعة إلى العقلية الا أنه لا ينبغى توهم دخولها في محل النزاع (وإن كانت) بمعنى ان التوقف عليها وان كان فعلا واقعيا كنصب السلم ونحوه للصعود على السطح - إلا أنه لاجل عدم التمكن عادة من الطيران الممكن عقلا (فهي) أيضا راجعة إلى العقلية ضرورة - استحالة الصعود بدون مثل النصب عقلا لغير الطاير فعلا وإن كان طيرانه ممكنا ذاتا (فافهم) " ومنها " تقسيمها إلى مقدمة الوجود، ومقدمة الصحة، ومقدمة الوجوب.
______________________________
*
يتوقف وجود الواجب عليها بالنظر إلى جعل الشارع الوجوب للواجب مقيدا بها وان أريد المناقشة في الاصطلاح فلا مشاحة فيه (قوله: ذلك شرعا) قد عرفت المراد من الشرعية لا ما يكون وجود الواجب بدونها مستحيلا شرعا (قوله: يكون عقليا) هذا مسلم لكن الوجه في حكم العقل حكم الشارع لا نفس الشيئين (قوله: يمكن تحقق ذيها) يعنى عادة لكنه خلاف المتعارف وذلك مثل الصعود على السطح المنصوب عليه سلم فان العادة جرت على الصعود إليه بالسلم المنصوب لا نصب سلم آخر عليه (قوله: غير راجعة) لعدم التوقف عقلا أصلا (قوله: لا ينبغي توهم) إذ لا توقف عليها (قوله: كنصب السلم) مع عدم إمكان الطيران لعدم الجناح ونحوه (قوله: ضرورة استحالة) قد عرفت أن هذا المقدار لا يكفي في رجوعها إلى العقلية (قوله: ممكنا ذاتا) وهو الفارق بينها وبين العقلية، ولعله إلى هذا اشار بقوله: فافهم، ثم إنه في التقريرات أرجع الشرعية إلى العقلية لما ذكر المصنف " ره " ولم يتعرض في العادية لذلك مع عدم الفرق بينهما كما أن الظاهر أن العقل في العقلية واسطة في اثبات التوقف، والعادة في العادية واسطة في الثبوت والشرع في الشرعية محتمل
ومقدمة العلم. لا يخفى رجوع مقدمة الصحة إلى مقدمة الوجود - ولو على القول بكون الاسامي موضوعة للاعم - ضرورة أن الكلام في مقدمة الواجب لا في مقدمة المسمى باحدها كما لا يخفى، ولا اشكال في خروج مقدمة الوجوب عن محل النزاع وبداهة عدم اتصافها بالوجوب من قبل الوجوب المشروط بها، وكذلك المقدمة العلمية وان استقل العقل بوجوبها إلا أنه من باب وجوب الاطاعة ارشادا ليؤمن من العقوبة على مخالفة الواجب المنجز لا مولويا
______________________________
للامرين وان كان الاول أظهر (قوله: ومقدمة العلم) وتسمى بالمقدمة العلمية وهي التي يتوقف العلم بالواجب على العلم بها كالصلاة في الثوبين المشتبهين المتوقف على العلم بهما العلم بالصلاة بالثوب الطاهر (قوله: ولو على القول) أما على الصحيح فمقدمة الصحة مقدمة الوجود الوجود إذ لا وجود للماهية إلا وهو صحيح (قوله: لا في مقدمة المسمى) هذا مسلم إلا أن مقدمة المسمى مقدمة للواجب لان الواجب هو المسمى الصحيح فهذا الاشكال محل نظر كما تقدم نعم بناء على تقوم الذات بالصحة لا يكون إلا قسم واحد (قوله: المشروط بها) فانه على المشهور يحدث بعد وجودها فلا يمكن ان يترشح منه وجوب لها لانه تحصيل للحاصل (قوله: وكذلك المقدمة العلمية) يعنى خارجة عن محل النزاع لانها ليست مقدمة للواجب الشرعي بل مقدمة للواجب العقلي وهو العلم بتحقق الاطاعة الذي استقل العقل بوجوبه للامن من خطر العقاب على مخالفة الواجب المنجز فتجب وجوبا عقليا لا غير نعم لو وجب العلم بفعل الواقع شرعا وجبت المقدمة العلمية كذلك، لكنه خلاف الفرض إذ تكون حينئذ مقدمة وجودية لا علمية " فان قلت ": لم لا تكون المقدمة العلمية مقدمة للواجب " قلت ": يمتنع ذلك لانها دائما يحتمل كونها نفس الواجب وكونها غيره على نحو لو انكشف الحال لم يتوقف وجود الواجب عليها بل قد تكون ضدا كما في الصلاة إلى الجهات الاربع (قوله: وجوب الاطاعة) بل وجوب العلم بالاطاعة المتوقف عليها
من باب الملازمة وترشح الوجوب عليها من قبل وجوب ذى المقدمة " ومنها " تقسيمها إلى المتقدم والمقارن والمتأخر بحسب الوجود بالاضافة إلى ذى المقدمة وحيث أنها كانت من أجزاء العلة - ولا بد من تقدمها بجميع أجزائها على المعلول - أشكل الامر في المقدمة المتأخرة كالاغسال
______________________________
*
فتجب بالملازمة (قوله: من باب الملازمة) يعنى بين الوجوب المولوي النفسي والغيري (قوله: وترشح) معطوف على الملازمة (قوله: بالاضافة إلى ذى) فيكون ذو المقدمة متأخرا في الاول، مقارنا في الثاني، متقدما في الثالث (قوله: وحيث انها) يعني المقدمة المنقسمة إلى الاقسام الثلاثة (قوله: ولا بد من تقدمها) امتناع تأثير المعدوم في الموجود لا يقتضي لزوم تقدم العلة زمانا على المعلول بل لعله يمتنع لانه يلزم انفكاكها عنه وهو خلف وانما يقتضي كون وجود المعلول عن امر موجود بحيث يقال: وجدت العلة فوجد المعلول. نعم هذا في العلة بمعنى المقتضي الذي يكون منه الاثر أما بمعنى ما له دخل ما في الوجود وان كان لحفظه قابلية المحل المؤثر أو المتأثر مع عدم كونه مؤثرا فقد صار موردا للانكار من جماعة من الاعيان إذ لا مانع عندهم من كون العدم حافظا لقابلية المحل بشهادة أن عدم المانع من أجزاء العلة التامة نظير الشرط ومع ذلك هو عدم ليس بوجود فإذا جاز مثل ذلك في عدم المانع جاز في الشرط ايضا، " أقول ": على هذا يكون الشرط مقارنا لا متأخرا(١) كما انه يصح ذلك لو كان الوجود المتأخر على تقدير كونه مقارنا مانعا من وجود المعلول إذ لو كان حافظا لوجوده كان المؤثر هو الجامع بين الوجود والعدم وهو محال إذ لا جامع بينهما، وان شئت قلت: لو كان العدم مقدمة للوجود كان الوجود علة للعدم لان المقدمة ما يلزم من عدمها العدم وحينئذ فيختص العدم الذي يكون مقدمة للوجود بعدم
______________
(١) لان تأثير الشرط حال عدمه راجع إلى تأثير العدم وهو مقارن فينقلب المتأخر متقدما ويكون وجود الشرط مانعا لما سيأتي فينقلب الشرط مانعا. منه مد ظله (*)
الليلية المعتبرة في صحه صوم المستحاضة عند بعض، والاجازة في صحة العقد على الكشف كذلك، بل في الشرط أو المقتضى المتقدم على المشروط زمانا المتصرم حينه كالعقد في الوصية، والصرف والسلم، بل في كل عقد بالنسبة إلى غالب اجزائه لتصرمها حين تأثيره مع ضرورة اعتبار مقارنتها معه زمانا، فليس إشكال انخرام القاعدة العقلية مختصا بالشرط المتأخر في الشرعيات - كما اشتهر في الالسنة - بل يعم الشرط والمقتضى المتقدمين المتصرمين حين الاثر (والتحقيق) في رفع هذا الاشكال (أن يقال): إن الموارد التى توهم انخرام القاعدة فيها لا يخلو إما يكون المتقدم والمتأخر شرطا للتكليف، أو الوضع، أو المأمور به (أما الاول) فكون أحدهما شرطا له ليس الا أن للحاظه دخلا في تكليف الآمر كالشرط المقارن بعينه فكما أن اشتراطه بما يقارنه
______________________________
*
المانع لا غير (قوله: الليلية) يعني للعشائين (قوله: صحة صوم) يعني صوم النهار السابق (قوله: الكشف كذلك) يعني عند بعض والمراد من الكشف الكشف الحقيقي بأن يكون وجود الاجازة كاشفا عن ثبوت أثر العقد من حين وقوعه، أما على النقل أعني ثبوت الاثر من حين الاجازة فلا يكون مما نحن فيه. نعم يكون العقد من المقدمة المتقدمة حال وجود الاثر (قوله: كالعقد في الوصية والصرف والسلم) إذ ملك الموصى له والمشتري إنما يكون مقارنا للموت في الاول وللقبض في الاخيرين العقد المؤثر متصرم في الجميع (قوله: غالب أجزائه) فانه من التدريجيات التي لا يوجد جزء منها إلا بعد انصرام ما قبله والاثر لما كان مقارنا للجزء الاخير كان مقارنا لانعدام ما قبله من الاجزاء (قوله: مقارنتها معه) أي مقارنة الاجزاء مع الاثر لان جزء المؤثر مؤثر لان الكل عين أجزائه (قوله: بل يعم الشرط) فانهما معدومان حال الاثر فيلزم تأثر المعدوم في الموجود (قوله: اما الاول فكون أحدهما) توضيحه أن هذا الاشكال نشأ من إطلاق لفظ الشرط على الوجود المتأخر وتخيل أنه من قبيل
ليس إلا أن لتصوره دخلا في أمره بحيث لولاه لما كاد يحصل له الداعي إلى الامر، كذلك المتقدم أو المتأخر (وبالجملة) حيث كان الامر من الافعال الاختيارية كان من مبادئه - بما هو كذلك - تصور الشئ بأطرافه ليرغب في طلبه والامر به بحيث لولاه لما رغب فيه ولما أراده واختاره فيسمى كل واحد من هذه الاطراف التي لتصورها دخل في حصول الرغبة فيه وارادته شرطا لاجل دخل لحاظه في حصوله كان مقارنا له أو لم يكن كذلك متقدما أو متأخرا فكما في المقارن يكون لحاظه في الحقيقة شرطا كان فيهما كذلك، فلا اشكال،
______________________________
اطلاقه على سائر الشروط الدخيلة في وجود المشروط مع أنه ليس كذلك اما في شرط التكليف فلان التكليف من الافعال الاختيارية للمكلف - بالكسر - والفعل الاختياري معلول للارادة وهي علته التامة بحيث لا يتوقف وجوده منها على شرط غاية الامر انها لا تتعلق بوجود الشئ إلا بعد ترجحه على عدمه في نظر المريد، وهذا الترجح قد يكون بملاحظته بذاته وقد يكون بملاحظة ما سواه من متقدم أو متأخر أو مقارن فيكون ملاحظته مقرونا بشئ أو مسبوقا أو ملحوقا به موجبا لترجحه في نظره على عدمه فتتعلق به إرادته فيوجد، فشرط التكليف يراد به ما يكون ملاحظة التكليف - مضافا إليه - شرطا في ترجح التكليف لا ما يكون وجوده العيني شرطا في وجود التكليف ليتوجه الاشكال المذكور ولزوم تأثير المعدوم في الموجود فالمسامحة واقعة في مقامين (في اطلاق) الشرط على الوجود الخارجي مع أن الشرط هو الوجود العلمي (وفي) جعله شرطا للتكليف وإنما هو شرط لترجح وجوده على عدمه الموجب لارادته والمصحح للمسامحة في الاول كون الوجود العلمي حاكيا عن الخارج فانيا فيه فيسري إليه وصفه وفى الثاني كونه من مقدمات وجود التكليف ولو بالواسطة (قوله: ليس إلا ان) سبك العبارة يقتضي كون المراد من الاول شرط التكليف وما في نسختي من قوله: وأما الثاني، يقتضي أن يكون أصله: وأما الثالث (قوله: لتصوره)
وكذا الحال في شرائط الوضع مطلقا - ولو كان مقارنا - فان دخل شئ في الحكم به وصحة انتزاعه لدى الحاكم به ليس إلا ما كان بلحاظه يصح انتزاعه وبدونه لا يكاد يصح اختراعه عنده فيكون دخل كل من المقارن وغيره بتصوره ولحاظه وهو مقارن وأين انخرام القاعدة العقلية في غير المقارن ؟ فتأمل تعرف (وأما الثاني) فكون شئ شرطا للمأمور به ليس الا ما يحصل لذات المأمور به بالاضافة إليه وجها وعنوانا به يكون حسنا ومتعلقا للغرض بحيث لولاه لما كان كذلك، واختلاف الحسن والقبح والغرض باختلاف الوجوه والاعتبارات الناشئة من الاضافات مما لا شبهة فيه ولا شك يعتريه، والاضافة كما تكون إلى المقارن تكون إلى المتأخر أو المتقدم بلا تفاوت اصلا كما لا يخفى على المتأمل، فكما تكون اضافة شئ إلى مقارن له موجبا لكونه معنونا بعنوان يكون بذلك العنوان حسنا ومتعلقا للغرض كذلك
______________________________
لا لوجوده (قوله: وكذا الحال في شرائط) إذ الوضع كالملكية ونحوها اعتبارات من المعتبر والاعتبار ايضا فعل اختياري ينشأ عن الارادة فلا يكون الوجود المتأخر شرطا فيه بل لحاظه شرط في ترجحه حسبما تقدم في التكليف بعينه (قوله: في الحكم به) يعني بالوضع كالملكية ونحوها من الوضعيات (فان قلت): ترجح التكليف أو الوضع بنظر المكلف والجاعل وان كان ناشئا عن ملاحظة الامر المتأخر لا عن نفسه إلا أنه ما لم يكن ذلك الامر المتأخر دخيلا في ترتب أثر مرغوب فيه عليه لم تكن ملاحظة وجوده المتأخر موجبة لاعتقاد الرجحان وحينئذ يرجع الاشكال (قلت): ترجح الوجود على العدم أمر اعتباري يكفي فيه كون الوجود مما يترتب عليه اثر محتاج إليه ولو في المستقبل (مثلا): نزول الضيف غدا موجب لكون تهيئة الاواني اليوم راجحا حيث انه يوجب ترتب اثر مرغوب فيه ولو بعد نزول الضيف ولاجله تكون تهيئة الاواني قبل نزول الضيف فعلا راجحا فتتعلق به الارادة ولا يتوقف الرجحان على ترتب أثر محتاج إليه حال الفعل (قوله: ليس إلا ما يحصل) يعني ليس
بمعنى كونه شرطا لوجود ذات المأمور به بحيث لولاه لم توجد بل بمعنى أن المأمور به في مقام موضوعيته للامر قد اخذ مقيدا به ومضافا إليه إضافة التقارن أو التقدم أو التأخر (فان قلت): اخذ المأمور به مضافا إليه في مقام موضوعيته للامر لا يكون جزافا لقبح الترجيح بلا مرجح (قلت): لا بد أن تكون اضافته إليه موجبة لترجح وجود المأمور به وحسنه كما اشتهر أن الحسن والقبح بالاضافات والاعتبارات (فان قلت): هذا - مع أنه راجع إلى ما ذكر صاحب الفصول من أن الشرط نفس التعقب لا الوجود المتعقب به وظاهر المصنف (ره) مغايرته له يرد عليه ما أورده في فوائده على الفصول من أن التعقب ونحوه من الامور الاعتبارية لا تصلح للتأثير فلا بد أن يكون دخلها بدخل منشأ الانتزاع وهو الوجود المتأخر فيرجع الاشكال (قلت): ظاهر الفصول جعل التعقب شرطا بالمعنى المشهور أعني ما له الدخل في نفس الوجود المشروط (فتأمل) لا بمعنى ما يكون طرفا للاضافة الموجبة للحسن كما اشتهر أنه بالاضافات والاعتبارات، وأيضا فان الاضافة ملحوظة بالمعنى الاسمي على ظاهر الفصول وبالمعنى الحرفي عند المصنف (ره) فتأمل (فان قلت): الالتزام بتأثير الاضافة في الحسن يتوقف إما على الالتزام بأن للاضافة نحو خارجية تصلح للتأثير وهو محل اشكال أو بتأثير الامر المتأخر فيرجع الاشكال (قلت): إنه لا مانع من تأثير الاضافة في حسن المتقدم لان الحسن ايضا من الامور الاعتبارية (فان قلت): الحسن وإن كان من الامور الاعتبارية إلا انه ناشئ عن خصوصية في الموضوع واقعية حقيقية فدخل الاضافة فيه لابد أن يكون لدخل منشأ الاضافة أعني الوجود المتأخر في وجود تلك الخصوصية وإلا كان أخذه قيدا للمأمور به بلا وجه مصحح، وحينئذ يلزم أن يكون المتأخر دخيلا في وجود الخصوصية المتقدمة ويرجع الاشكال (قلت): لا مانع من الالتزام بكون الخصوصية مقارنة لوجود الشرط ولا يعتبر في حسن الشئ أن يكون ذا أثر مقارن له بل يكفي في حسنه كونه مما يترتب عليه أثر محتاج إليه ولو في المستقبل، فالصوم النهاري إذا كان يترتب عليه أثر في المستقبل يكون حسنا راجحا - كما عرفت سابقا -
اضافته إلى متأخر أو متقدم، بداهة أن الاضافة إلى احدهما ربما توجب ذلك أيضا فلو لا حدوث المتأخر في محله لما كانت للمتقدم تلك الاضافة الموجبة لحسنه الموجب لطلبه والامر به كما هو الحال في المقارن ايضا، ولذلك أطلق عليه الشرط مثله بلا انخرام للقاعدة اصلا لان المتقدم أو المتأخر كالمقارن ليس إلا طرف الاضافة الموجبة للخصوصية الموجبة للحسن، وقد حقق في محله أنه بالوجوه والاعتبارات، ومن الواضح أنها تكون بالاضافات، فمنشأ توهم الانخرام اطلاق الشرط على المتأخر وقد عرفت أن اطلاقه عليه فيه كاطلاقه على المقارن انما يكون لاجل كونه طرفا للاضافة الموجبة للوجه الذى يكون بذلك الوجه مرغوبا ومطلوبا كما كان في الحكم لاجل دخل تصوره فيه كدخل تصور ساير الاطراف والحدود التى لولا لحاظها لما حصل له الرغبة في التكليف، أو لما صح عنده الوضع، وهذه خلاصة ما بسطناه من المقال في دفع هذا الاشكال في بعض فوائدنا، ولم يسبقنى أحد إليه فيما أعلم فافهم
______________________________
بلا فرق بينهما إلا في أن المتأخر يوجب الاحتياج إلى الاثر المفروض الترتب فيما سبق، ويوجب نفس ترتب الاثر المفروض الاحتياج إليه هنا، كما هو الفارق بين شرط الوجوب وشرط الواجب " فالمتحصل " في دفع الاشكال أن الشرط في المقام ليس بالمعنى المعروف أعني ما له الدخل في قابلية الفاعل أو القابل، بل بمعنى ما كان لحاظه دخيلا في ثبوت المشروط بنحو الداعي إلى ارادة ثبوته أو بمعنى ما لوحظ قيدا للمشروط حين أخذه موضوعا للحكم، ومنشأ الاشكال توهم أن الرضا المتأخر شرط في تأثير العقد في الملكية نظير يبوسة الحطب التي هي شرط في تأثير النار في الاحتراق، وقد عرفت أن الملكية من مجعولات الشارع لا من آثار العقد. نعم لم يجعل الشارع الملكية عند العقد مطلقا بل خصوص العقد المرضي بمضمونه ولو بالرضا اللاحق فتأمل تعرف حقيقة الحال انشاء الله والله سبحانه أعلم (قوله: لما كانت) لان المتأخر مقوم للاضافة فلا تكون بدونه، (قوله: أنها تكون) يعني الوجوه والاعتبارات (قوله: دخل تصوره)
واغتنم، ولا يخفى أنها بجميع أقسامها داخلة في محل النزاع وبناء على الملازمة يتصف اللاحق بالوجوب كالمقارن والسابق إذ بدونه لا يكاد يحصل الموافقة ويكون سقوط الامر باتيان المشروط به مراعى باتيانه فلولا اغتسالها بالليل - على القول بالاشتراط - لما صح الصوم في اليوم (الامر الثالث) في تقسيمات الواجب " منها " تقسيمه إلى المطلق والمشروط، وقد ذكر لكل منهما تعريفات وحدود تختلف بحسب ما أخذ فيها من القيود وربما اطيل الكلام بالنقض والابرام في النقض على الطرد والعكس مع انها - كما لا يخفى - تعريفات لفظية لشرح الاسم، وليست بالحد ولا بالرسم
______________________________
اختلاف البيان حيث ذكر هنا ذلك وفي شرط المأمور به كونه طرفا للاضافة من حيث أن الشرط في الثاني أخذ قيدا للمأمور به وفي الاولين يمتنع أخذه قيدا فيه فلا يكون طرفا للاضافة إليه والا ففي الجميع الدخل إنما هو للحاظ والتصور كما يظهر بملاحظة الفوائد (قوله: إذ بدونه) تعليل لانصاف اللاحق يعني أن المناط في الوجوب الغيري - وهو المقدمية - حاصل في الجميع بنحو واحد، (قوله: لما صح الصوم) إذ لا يكون حينئذ مطابقا للمأمور به فيبطل، والله سبحانه اعلم.
المطلق والمشروط
(قوله: تعريفات وحدود) مثل ماعن عميد الدين من أن الواجب (المطلق) ما لا يتوقف وجوبه على أمر زائد على الامور المعتبرة في التكليف من العلم والعقل والقدرة والبلوغ، (والمشروط) بخلافه، وما عن التفتازانى والشريف من أنه ما لا يتوقف وجوبه على ما يتوقف عليه وجوده (والمشروط) بخلافه وما عن آخر من زيادة قيدا الحيثية في الحدين، وما عن رابع من أنه ما لا يتوقف تعلقه بالمكلف على أمر غير حاصل والمشروط بخلافه (قوله: تعريفات لفظية) هذا في الجملة مسلم إلا أن عدول بعض عن تعريف آخر معتذرا بعدم المنع أو الطرد
والظاهر أنه ليس لهم اصطلاح جديد في لفظ المطلق والمشروط، بل يطلق كل منهما بما له من معناه العرفي، كما أن الظاهر أن وصفي الاطلاق والاشتراط وصفان اضافيان لا حقيقيان والا لم يكد يوجد واجب مطلق ضرورة اشتراط وجوب كل واجب ببعض الامور لا أقل من الشرائط العامة كالبلوغ والعقل، فالحري أن يقال: إن الواجب مع كل شئ يلاحظ معه (إن) كان وجوبه غير مشروط به (فهو) مطلق بالاضافة إليه، وإلا فمشروط كذلك وان كان بالقياس إلى شئ آخر كانا بالعكس ثم الظاهر ان الواجب المشروط كما أشرنا إليه أن نفس الوجوب فيه مشروط بالشرط بحيث لا وجوب حقيقة ولا طلب واقعا قبل حصول الشرط
______________________________
*
يدل على خلاف ذلك ولا سيما بملاحظة الاهتمام في تكثير القيود (قوله: والظاهر انه ليس) هذا خلاف ظاهر جملة من التعريفات فلاحظ (قوله: من معناه العرفي) وهو ما يكون الوجوب فيه مطلقا غير منوط بشئ آخر وما يكون مشروطا منوطا (قوله: وصفان اضافيان) بحيث يثبت كل منهما بالاضافة إلى شئ بعينه كما سيأتي بيانه في المتن (قوله: لا حقيقيان) بأن يكون الاطلاق عبارة عن عدم اشتراط الوجوب بشئ أصلا ويكون الاشتراط بخلافه (قوله: لم يكد يوجد) يعنى ولا يمكن الالتزام به (أقول): مقتضى تعريف ابن العميد وغيره عدم لزوم ذلك (قوله: كل شئ) يعنى بعينه، مثلا الصلاة الملحوظة مع الطهارة لما لم يكن وجوبها مشروطا بوجودها فوجوبها مطلق بالاضافة إليها وان كان بالاضافة إلى البلوغ مشروطا (قوله: كذلك) يعنى بالاضافة إليه أيضا (قوله: كانا بالعكس) بأن يكون المطلق مشروطا بالنسبة إلى الشئ الآخر والمشروط مطلقا بالنسبة إليه فضمير (كانا) راجع إلى المطلق والمشروط واسم (كان) الاولى ضمير الشأن (قوله: بحيث لا وجوب حقيقة) هذا يصح لو كان الجزاء معلقا على الشرط بوجوده العيني الخارجي أما لو كان معلقا عليه بوجوده الفرضى اللحاظى الذى يكون موضوع الاستعمال والارادة والكراهة
كما هو ظاهر الخطاب التعليقي ضرورة ان ظاهر خطاب: إن جاءك زيد فأكرمه، كون الشرط من
______________________________
وغيرها فانها لا تتعلق بالخارج إذ قد لا يكون المستعمل فيه له وجود خارجي، ولان الوجود الخارجي في الارادة والكراهة ملازم لسقوطهما لا مقوم لهما، بل موضوع هذه الامور نفس الوجود اللحاظى الذي يرى خارجيا غير ملتفت إلى كونه لحاظيا فهو فان فيه فناء الحاكي في المحكي، وكذلك حال الشرط المنوط به الجزاء في القضايا الشرطية فانه بوجوده الفرضي اللحاظي قد أنيط به الجزاء ولازمه ثبوت الجزاء فعلا ثبوتا منوطا معلقا لا مطلقا غير معلق، بل هو الحال في سائر القضايا الحملية الانشائية أو الخبرية مثل: يحرم الخمر، ويحل التمر، فان الحرمة والحل قائمان بالخمر والتمر بوجودهما اللحاظي لا الخارجي وإلا فقد لا يكون خمر أو تمر ومع ذلك يحكم بثبوت الحرمة والحل لموضوعيهما ولا فرق بين النسب الحملية والشرطية، إذ كما ان الجزاء منوط بشرطه كذلك المحمول منوط بموضوعه، وكما أن المحمول منوط بموضوعه الفرضي اللحاظي كذلك الجزاء منوط بشرطه كذلك، فالوجوب حينئذ يكون ثابتا حقيقة قبل حصول الشرط لكنه على نحو خاص من الثبوت أعني ثبوتا منوطا لا مطلقا، ولاجل ذلك جرى فيه الاستصحاب كما سيأتي في محله انشاء الله. نعم مثل هذا الوجوب الثابت على النحو المذكور لا يصلح للبعث إلى متعلقه إلا بعد ثبوت الشرط المناط به لا قبله، لكنه لا ينافى ما ذكرنا من ثبوت الوجوب قبله إلا أن يدعى أن الوجوب إنما يكون منتزعا عن مقام المحركية التحقيقية التي عرفت توقف تحققها على وجود الشرط كذلك لكنه غير ظاهر كما لعله يأتي توضيحه فانتظر (قوله: كما هو ظاهر الخطاب التعليقي) اعلم أن مفهوم قولنا: ان كانت الشمس طالعة فالنهار موجود. يحتمل بدوا أمورا (الاول) محض الملازمة بين الشرط والجزاء نظير قولنا: طلوع الشمس ملزوم لوجود النهار (الثاني) تعليق الاخبار بالجزاء على وجود الشرط نظير قولنا: إذا طلعت الشمس أخبرتك بوجود النهار (الثالث) تعليق المخبر - به عليه أعنى
قيود الهيئة وأن طلب الاكرام وايجابه معلق على المجئ لا أن الواجب فيه يكون مقيدا به بحيث يكون الطلب والايجاب في الخطاب فعليا ومطلقا وإنما الواجب يكون
______________________________
*
إناطة النسبة الخبرية بالشرط نظير قولنا: يوجد النهار على تقدير طلوع الشمس (الرابع) تقييد النسبة الخبرية بالشرط فيكون المخبر به نسبة خاصة نظير قولنا: يوجد النهار بعد طلوع الشمس (الخامس) تقييد موضوع الجزاء به نظير قولنا: النهار الكائن عند طلوع الشمس موجود وهكذا الحال لو كان الجزاء إنشاء مثل: ان جاءك زيد فأكرمه فيجوز ان يكون لانشاء الملازمة وتعليق الانشاء وتعليق المنشأ، وتقييده وتقيد موضوعه، والمنسوب للمنطقيين هو الاول والمختار لبعض الاعيان هو الثاني، وظاهر بعض المنطقيين والمنسوب لاهل العربية هو الثالث - وهو ظاهر المصنف (ره) - والمختار لشيخنا الاعظم (ره) هو الخامس، ولم أعرف من بنى على الرابع، والتحقيق مختار المصنف (ره) لانه الظاهر (والابراد) عليه بأنه يستلزم الكذب في مثل قوله تعالى: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، لان صدق الخبر يتوقف على ثبوت النسبة الواقعية وهو باطل - مع أنه خلاف المقصود، ولاجل ذلك اختار بعض الاعيان الثاني وغيره الاول (مندفع) بالخلط بينه وبين الرابع فان الكذب في مثل ذلك إنما يلزم عليه وعلى الخامس لا على الثالث إذ عليه تكون القضية حاكية عن الوجود التقديري ويكفي في صدقها ان تكون جهة مصححة للتقدير وان لم يصر فعليا إلى الابد مع أن البناء على كونه من تعليق الخبر يقتضي كونه قبل وجود الشرط غير خبر مع أنه محتمل للصدق والكذب اللهم الا ان يكون منوطا بالوجود اللحاظي كما عرفت (قوله: من قيود الهيئة) يعني قيدا لها بنحو التعليق والاناطة لا مثل تقييدها بالمادة كما هو مفاد الاحتمال الرابع الذي عرفت بطلانه (قوله: وان طلب) بيان لمفاد الهيئة لكن عرفت سابقا ان الظاهر من مفاد الهيئة هو النسبة التكوينية لا الطلبية (قوله: لا ان الواجب) الذي هو مفاد الاحتمال الخامس
خاصا ومقيدا وهو الاكرام على تقدير المجئ فيكون الشرط من قيود المادة لا الهيئة كما نسب ذلك لى شيخنا العلامة أعلى الله مقامه مدعيا لامتناع كون الشرط من قيود الهيئة واقعا ولزوم كونه من قيود المادة لبا مع الاعتراف بأن قضية القواعد العربية أنه من قيود الهيئة ظاهرا، أما امتناع كونه من قيود الهيئة فلانه لا إطلاق في الفرد الموجود من الطلب المتعلق بالفعل المنشأ بالهيئة حتى يصح القول بتقييده بشرط ونحوه فكل ما يحتمل رجوعه إلى الطلب الذي يدل عليه الهيئة فهو عند التحقيق راجع إلى نفس المادة، وأما لزوم كونه من قيود المادة لبا فلان العاقل إذا توجه إلى شئ والتفت إليه فاما ان يتعلق طلبه به أو لا يتعلق به طلبه أصلا، لا كلام على الثاني، وعلى الاول فاما أن يكون ذاك الشئ موردا لطلبه وأمره مطلقا على اختلاف طوارئه أو على تقدير خاص، وذلك التقدير (تارة) يكون من الامور الاختيارية (وأخرى) لا يكون كذلك، وما كان من الامور الاختيارية قد يكون ماخوذا فيه على نحو يكون موردا للتكليف، وقد لا يكون كذلك على اختلاف الاغراض الداعية إلى طلبه والامر به من غير فرق في ذلك بين القول بتبعية الاحكام للمصالح والمفاسد والقول بعدم التبعية كما لا يخفى هذا موافق لما افاده بعض الافاضل المقرر لبحثه بأدنى تفاوت، ولا يخفى ما فيه، أما حديث عدم الاطلاق في مفاد الهيئة
______________________________
(قوله: مع الاعتراف) صرح بذلك في غير موضع من كلامه " أقول ": إذا امتنع تقييد الهيئة كيف يكون مقتضى القواعد العربية ؟ (قوله: لا إطلاق في) لذهابه " قدس سره " إلى أن الموضوع له في الحروف خاص (قوله: الاختيارية) ومثل له بقولك: إن دخلت الدار فافعل كذا (قوله: من غير فرق) إذ على القول بالتبعية يقرر الترديد المذكور بالنسبة إلى المصلحة التي تتبعها الارادة، وعلى القول بعدم التبعية يقرر بالنسبة إلى الارادة نفسها كما قرر المصنف " ره " (قوله: موافق لما أفاده) ذكر ذلك في التقريرات في ذيل هداية عقدها
فقد حققناه سابقا أن كل واحد من الموضوع له والمستعمل فيه في الحروف يكون عاما كوضعها وإنما الخصوصية من قبل الاستعمال كالاسماء، وإنما الفرق بينهما أنها وضعت لتستعمل وقصد بها المعنى بما هو هو، والحروف وضعت لتستعمل وقصد بها معانيها بما هي آلة وحالة لمعاني المتعلقات فلحاظ الآلية كلحاظ الاستقلالية ليس من طوارئ المعنى بل من مشخصات الاستعمال كما لا يخفى على أولى الدراية والنهى، والطلب المفاد من الهيئة المستعملة فيه مطلق قابل لان يقيد - مع أنه لو سلم أنه فرد فانما يمنع عن التقييد لو أنشئ أولا غير مقيد لا مااذا أنشئ من الاول مقيدا غاية الامر قد دل
______________________________
لدفع الاشكال في وجوب مقدمات الواجب المشروط قبل وقته (قوله: فقد حققنا سابقا) لكن عرفت ان مختار شيخنا الاعظم " قدس سره " أن الموضوع له فيها خاص لا عام فالاشكال المذكور يكون في المبنى (قوله: يكون عاما) لكنك عرفت إشكاله سابقا. نعم يمكن الاشكال على شيخنا الاعظم " ره " بان كلامه لا يتم لو كان الطلب مستفادا من مادته أو نحوها مثل: إذا زالت الشمس وجب الطهور والصلاة، لعدم المانع حينئذ من تقييد الطلب (قوله: مع انه لو سلم انه) ينبغي ان يكون مراده انه لو سلم كون المستعمل فيه خاصا وهو خصوص النسبة الطلبية إلا ان تخصص النسب إنما هو بتخصص أطرافها فالنسبة المستعمل فيها هيئة " اكرم زيدا " غير النسبة المستعمل فيها هيئة " علم زيدا " وهما غير النسبة المستعمل فيها هيئة (اضرب زيدا) فهذه المغايرة إنما جاءت من خصوصيات الاطراف فإذا كان تخصص النسبة بتخصص اطرافها جاز تخصصها بخصوصية الشرط وكما أن تخصصها بخصوصية الاكرام أو العلم أو الضرب لا يمنع من كون المستعمل فيه خاصا كان تخصيصها بالشرط كذلك، وأما ما قد يظهر من العبارة من أن كون المعنى فردا إنما يمنع عن تقييده بعد الانشاء لا قبله، وأنه قبل الانشاء قابل للاطلاق والتقييد فلا ينبغي ان يكون مرادا لما عرفت من ان المعنى الحرفي على رأي شيخنا الاعظم غير قابل للاطلاق والتقييد لا قبل الاستعمال ولا بعده أو انه اشار إلى ما ذكر، بقوله: فافهم
عليه بدالين وهو غير انشائه أولا ثم تقييده ثانيا فافهم (فان قلت) على ذلك يلزم تفكيك الانشاء عن المنشأ حيث لا طلب قبل حصول الشرط (قلت): المنشأ إذا كان هو الطلب على تقدير حصوله فلا بد أن لا يكون قبل حصوله طلب وبعث والا لتخلف عن انشائه، وإنشاء أمر على تقدير كالاخبار به بمكان من الامكان كما يشهد به الوجدان فتأمل جيدا، وأما حديث لزوم رجوع الشرط إلى المادة لبا ففيه أن الشئ إذا توجه إليه وكان موافقا للغرض بحسب ما فيه من المصلحة
______________________________
(قوله: عليه بدالين) دل أحدهما على نفس المطلق وهو الهيئة وثانيهما على التقييد وهو الشرط بل جميع خصوصيات النسب إنما تدل عليه اطرافها (قوله: على ذلك يلزم) يعني على ما ذكرت من كون الشرط قيدا للطلب (قوله: لا طلب قبل) قد عرفت الاشارة إلى ان هذا انما يلزم لو كان المعلق عليه الشرط بوجوده الخارجي أما لو كان بوجوده الذهني الحاكي عن الخارجي بنحو لا يلتفت إلى ذهنيته يكون الطلب حاصلا قبل حصول الشرط لكن معلقا عليه لا مطلقا وهو نحو خاص من الثبوت نظير الثبوت المطلق كما صرح به في الاستصحاب التعليقي (قوله: المنشأ إذا كان) يعني ان التفكيك بين الانشاء والمنشأ انما يمتنع حيث يؤدي إلى عدم وجود المنشأ بالانشاء وهو غير لازم في المقام لان المفروض كون المنشأ هو الطلب بعد الشرط فلو حصل قبله كان خلفا ممنوعا لان ما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد. نعم يبقى الاشكال في انه كيف يمكن إنشاء الامر المتأخر عن زمان الانشاء لانه إن وجد بعد الشرط يلزم تأثير المعدوم في الموجود وان لم يوجد يلزم التفكيك. ويندفع بأن المنشأ لما كان أمرا اعتباريا جاز أن يكون منشؤه متقدما كما جاز ان يكون متأخرا كما تقدم في الشرط المتأخر بيانه (قوله: كالاخبار به) لا مجال لقياس الانشاء بالخبر لان الاخبار غير موثر بالمخبر به والانشاء موثر بالمنشأ فلا بد من التعرض لدفع الاشكال بما عرفت (قوله: كما يشهد به الوجدان) يظهر ذلك بملاحظة الوصية التمليكية والتدبير بناء على أنهما تمليك وتحرير بعد الموت، واشتراط الخيار المتأخر، والنذر
أو غيرها كما يمكن ان يبعث فعلا إليه ويطلبه حالا لعدم مانع عن طلبه كذلك يمكن أن يبعث إليه معلقا ويطلبه استقبالا على تقدير شرط متوقع الحصول لاجل مانع عن الطلب والبعث فعلا قبل حصوله فلا يصح منه الا الطلب والبعث معلقا بحصوله لا مطلقا ولو متعلقا بذاك على التقدير، فيصح منه طلب الاكرام بعد مجئ زيد، ولا يصح منه الطلب المطلق الحالي للاكرام المقيد بالمجيئ هذا بناء على تبعية الاحكام لمصالح فيها في غاية الوضوح، وأما بناء على تبعيتها للمصالح والمفاسد في المأمور بها والمنهى عنها فكذلك، ضرورة ان التبعية كذلك انما تكون في الاحكام الواقعية بما هي واقعية لا بما هي فعلية فان المنع عن فعلية تلك الاحكام غير عزيز
______________________________
المعلق على شرط غير حاصل وغير ذلك (قوله: أو غيرها) يعني مطلق الجهة الموجبة للبعث والطلب وان لم تكن مصلحة كما يراه الاشعري (قوله: كما يمكن أن يبعث) يعنى أن الطلب من الافعال الاختيارية وكما أن وجوده يتوقف على عدم المانع كذلك وجوده الخاص أعني كونه مطلقا أو معلقا فإذا كان مقتض لوجوده ومنع مانع عن وجوده مطلقا يوجد حينئذ معلقا ولا يكفي في جوده مطلقا مجرد وجود مقتض له وان كان مع المانع (قوله: على تقدير) متعلق بقوله: (يطلبه) (قوله: لاجل مانع) متعلق بقوله: (معلقا) (قوله: بحصوله) يعنى على حصول الشرط (قوله: لا مطلقا) مدخول (لا) معطوف بها على قوله: (معلقا) يعني لا يصح منه الطلب مطلقا غير معلق سواء أكان متعلقا بالفعل مطلقا أم بالفعل مقيدا بتقدير الشرط فقوله: (ولو معلقا) ليس بيانا للاطلاق بل هو بيان لاطلاق المنفي وهو صحته مطلقا وقوله: (بذاك) اشارة إلى الفعل المطلوب، وقوله: على التقدير، قيد له (قوله: في غاية الوضوح) لوضوح امكان وجود المانع عن طلبه مطلقا (قوله: فكذلك) يعنى في غاية الوضوح ايضا (قوله: ضرورة ان التبعية) يعني لو قلنا بتبعية الاحكام للمصالح والمفاسد في متعلقاتها فالمراد بها الاحكام
كما في موارد الاصول والامارات على خلافها وفي بعض الاحكام في اول البعثة بل إلى يوم قيام القائم - عجل الله فرجه - مع ان حلال محمد صلى الله عليه وآله حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة، ومع ذلك ربما يكون المانع عن فعلية بعض الاحكام باقيا مر الليالى والايام إلى أن تطلع شمس الهداية ويرتفع الظلام كما يظهر من الاخبار المروية عن الائمة عيهم السلام (فان قلت): فما فائدة الانشاء إذا لم يكون المنشأ به طلبا فعليا وبعثا حاليا (قلت): كفى فائدة له أنه يصير بعثا فعليا بعد حصول الشرط بلا حاجة إلى خطاب آخر
______________________________
الواقعية الانشائية أما الفعلية فتابعة لما فيها من المصالح وحينئذ فقد يمنع من فعلية الطلب مانع فلا يكون فعليا بل يكون تعليقيا كما تقدم فلا يتم ما ذكره شيخنا الاعظم (ره) (قوله: كما في موارد) فان مصلحة الترخيص - ولو كانت هي التسهيل - مانعة من فعلية الحكم الواقعي وكذا الحال في بعض الاحكام في اول البعثة فانها لم تكن فعليته لمانع منع عن فعليتها، وكذا الحال في بعض الاحكام من أول البعثة إلى زمان ظهور الحجة - عجل الله تعالى فرجه - فانها عند ظهوره (عليه السلام) تكون فعلية بعد ما لم تكن، ولا يتوهم أن زمان ظهوره زمان ثبوت تلك الاحكام لا زمان فعليتها لان ذلك يستلزم تبدل الاحكام بظهوره وهو خلاف مادل على أن حلال محمد صلى الله عليه وآله حلال... الخ (أقول): هذا وان سلم من جهة ان المقتضيات في المتعلقات ليست عللا تامة لفعلية الاحكام بل يمكن ان يكون مقدار اقتضائها مجرد انشاء الحكم فلا موجب لفعليته أو تكون مقتضيات لفعليتها الا انه منع عنها مانع ولو كانت مصلحة التسهيل إلا أن البناء على كون الاحكام الواقعية تابعة للمقتضيات في متعلقاتها كاف في تمام برهان شيخنا الاعظم بالنسبة إلى الحكم الواقعي إذ يعلم حينئذ أن الطلب الواقعي ليس معلقا على الشرط وإذا علم ذلك كان فعليا وهو المطلوب ولا مجال لجعل حكم على خلافه للزوم التناقض فان الحكم الواقعي وان كان لا ينافيه الحكم الظاهري الا أنه مادام الجهل بالحكم
بحيث لولاه
______________________________
الواقعي لا ما لو علم به. هذا مضافا إلى أن ما ذكره من الاشكال انما يتم بالاضافة إلى الطلب الذي هو فعل اختياري لا بالاضافة إلى الارادة فانها ليست بارادته وحينئذ فإذا كان الفعل مشتملا على المصلحة بلا مزاحم كما هو المفروض تعلقت به الارادة فعلا ولا مجال لتعلقها معلقة على شرط غير حاصل والبناء على امتناع تعلق الارادة بالامر الاستقبالي خلاف ما سيصرح به عن قريب (فالتحقيق) في وجه الاشكال على شيخنا الاعظم أن ما ذكره (ره) مبني على عدم الفرق بين شرط الواجب وشرط الوجوب في إمكان الاخذ قيدا للواجب مع ثبوت الفرق بينهما فان الاول ما يكون دخيلا في ترتب أثر الواجب عليه، والثاني ما يكون دخيلا في الاحتياج إلى ذلك الاثر مثلا: المرض شرط في وجوب استعمال المسهل واستعمال المنضج شرط لنفس استعمال المسهل فشرطية الاول للوجوب ناشئة من دخله في ثبوت الاحتياج إلى استعمال المسهل وشرطية الثاني في الواجب ناشئة من دخله في ترتب الاثر المحتاج إليه عليه فموضوع الاثر المحتاج إليه شرب المسهل المسبوق بشرب المنضج، والعلة في ثبوت هذا الاحتياج هو المرض ولاجل هذا الاختلاف اختلفا في موضوع التقييد فكان أحدهما قيدا للوجوب والاخر قيدا للواجب حيث أن تعلق الارادة بالمراد إنما يكون في ظرف ثبوت الحاجة إلى أثره فتكون منوطة بعلل الحاجة ومقدماتها ومعلولة لها بحيث لا تكون الارادة في الخارج إلا في ظرف الفراغ عن ثبوتها بخلاف مقدمات ثبوت الاثر المحتاج إليه فان الارادة تكون علة لها، ولاجل ذلك امتنع اخذ مقدمات الاحتياج قيدا في موضوع الارادة كما امتنع اخذ مقدمات الاثر قيدا لنفس الارادة أما امتناع الاول فلانه تحصيل الحاصل لان الارادة تكون بعد حصولها فإذا تعلقت بها حينئذ لزم المحذور، واما امتناع الثاني فلانه في ظرف ثبوت الاحتياج لا بد من تعلق الارادة بها قهرا لانه علة للارادة وفى ظرف عدمه تكون الارادة بلا مرجح وهو ممتنع (قوله: بحيث لولاه)
لما كان فعلا متمكنا من الخطاب هذا - مع شمول الخطاب كذلك للايجاب فعلا بالنسبة إلى الواجد للشرط فيكون بعثا فعليا بالاضافة إليه وتقديريا بالنسبة إلى الفاقد له فافهم وتأمل جيدا. ثم الظاهر دخول المقدمات الوجودية للواجب المشروط في محل النزاع ايضا فلا وجه لتخصيصه بمقدمات الواجب المطلق غاية الامر تكون في الاطلاق والاشتراط تابعة لذى المقدمة كاصل الوجوب بناء على وجوبها من باب الملازمة وأما الشرط المعلق عليه الايجاب في ظاهر الخطاب فخروجه مما لا شبهة فيه ولا ارتياب أما على ما هو ظاهر المشهور والمنصور فلكونه مقدمة وجوبية، وأما على المختار لشيخنا العلامة - أعلى الله مقامه - فلانه وان كان من المقدمات الوجودية للواجب الا انه أخذ على نحو لا يكاد يترشح عليه الوجوب منه فانه جعل الشئ واجبا على تقدير حصول ذاك الشرط فمعه كيف يترشح عليه الوجوب ويتعلق به الطلب ؟ وهل هو إلا طلب الحاصل ؟ نعم على مختاره - قدس سره - لو كانت له مقدمات وجودية غير معلق عليها وجوبه لتعلق بها
______________________________
يعني الانشاء قبل الشرط (قوله: كان فعلا) يعني بعد حصول الشرط (قوله: مع شمول) يعني قد يترتب عليه فائدة ثانية وهي فعلية الطلب بالنسبة إلى المكلف الواجد للشرط (قوله: الظاهر دخول) لاطلاق عنوان المبحث مع وجود ملاك البحث ومساواتها لمقدمات الواجب المطلق في المقدمية للواجب (قوله: فلا وجه لتخصيصه) يعني ان بعضهم اعتبر الاطلاق في عنوان النزاع (قوله: تكون في) يعني تكون واجبة مطلقة أو واجبة مشروطة كذي المقدمة فيكون وجوبها الغيري مطلقا أو مشروطا كالوجوب النفسي (قوله: مقدمة وجوبية) يعني وإذا كانت مقدمة للوجوب كان وجوده بعد وجودها فتعلقه بها يلزم منه تحصيل الحاصل (قوله: فانه جعل الشئ) ضمير إن للشأن يعني: ان الشرط لم يؤخذ شرطا للواجب
بها الطلب في الحال على تقدير اتفاق وجود الشرط في الاستقبال وذلك لان ايجاب ذي المقدمة على ذلك حالى والواجب إنما هو استقبالي كما يأتي في الواجب المعلق، فان الواجب المشروط على مختاره هو بعينه ما اصطلح عليه صاحب الفصول من المعلق فلا تغفل. هذا في غير المعرفة والتعلم من المقدمات، وأما المعرفة فلا يبعد القول بوجوبها حتى في الواجب المشروط بالمعنى المختار قبل حصول شرطه لكنه لا بالملازمة بل من باب استقلال العقل بتنجز الاحكام على الانام بمجرد قيام احتمالها الا مع الفحص واليأس عن الظفر بالدليل على التكليف فيستقل
______________________________
*
بمعنى أن الشئ المقيد به واجب، بل بمعنى أن الشئ على تقدير حصوله واجب ففي ظرف التقدير يكون حاصلا فيمتنع ان يتعلق به وجوب غيري لانه تحصيل للحاصل " أقول ": إذا قيد به الواجب لا بد ان يكون واجبا غيريا ولا فرق بين معنيي التقييد في ذلك، بل ليس للتقييد الا معنى واحد ولازمه وجوب التحصيل فالاولى ان يوجه بأن الشرط ليس وجوده المطلق بل وجوده من باب الاتفاق لا عن داعي الامر، وحينئذ يمتنع تعلق الوجوب الغيري به لان وجوده حينئذ يكون عن داعى الامر فلا يكون شرطا فيلزم الخلف، لكن لازم هذا التقرير أن يكون الوجود من باب الاتفاق واجدا لجميع مبادئ الارادة غير أنه لا يصح البعث إليه فيكون حاله حال سائر الشرائط الا في صحة البعث إليه، مع أنه قد يكون مبغوضا بحتا مثل: ان ظاهرت أو أفطرت أو قتلت مؤمنا فكفر. فتأمل (قوله: الطلب في الحال) يعني كما تعلق الطلب في الحال بذى المقدمة (قوله: على ذلك) يعني على مختاره (قوله: هذا في غير) ما ذكرناه من وجوب مقدمة الواجب المشروط بناء على وجوب المقدمة وان وجوبها يكون مشروطا كوجوب ذيها يجري في جميع مقدمات الواجب المشروط عدا المعرفة والتعلم (قوله: وأما المعرفة فلا يبعد) لا ينبغي التأمل في أن معرفة الاحكام
بعده بالبراءة
______________________________
وتعلمها في الجملة مما لا يتوقف عليهما وجود الواجب فليستا من المقدمات الوجودية ليلحقهما حكم المقدمة الوجودية وانما يتوقف عليهما الموافقة التفصيلية فلو قيل بوجوب الموافقة عقلا وجبتا كذلك، كما أنه قد يتوقف عليهما الموافقة القطعية لعدم إمكان الاحتياط من باب الاتفاق كما لو علم بوجوب أحد امرين لا يمكنه فعلهما معا فان الموافقة الواقعية غير متوقفة على العلم بالواجب لامكان فعل أحدهما فيصادف كونه الواجب الواقعي ولكن الموافقة العلمية موقوفة عليه فانه إذا علم الواجب الواقعي امكنه حينئذ العلم بالموافقة، وحيث أن الموافقة القطعية في مثل الفرض واجبة عقلا فالتعلم واجب كذلك ايضا، كما انه ايضا قد يتوقف فعل الواجب عليهما كما لو أدى تركهما إلى الغفلة عن الواقع المؤدية إلى تركه فيكونان حينئذ من المقدمات الوجودية ومقتضى ما تقدم أن يكون وجوبهما تابعا لوجوب الواجب المتوقف عليهما في الاطلاق والاشتراط فإذا كان وجوبه مشروطا كان وجوبهما كذلك ولازمه عدم وجوبهما قبل الوقت المشروط به وجوب الواجب لعدم ثبوت الوجوب حينئذ فيجوز تركهما المؤدي إلى ترك الواجب في وقته، ولهم (قدس الله سرهم) في التفصي عن هذا الاشكال وجوه كثيرة لا يخلو اكثرها من اشكال " والتحقيق " في التفصي عنه ان وجوب المعرفة قبل الوقت عقلي لقبح تعجيز العبد نفسه عن القيام بالواجب في نظر العقل بلا فرق بين الواجب المطلق والمشروط ولا بين ما قبل الشرط وبعده، وقد تعرض المصنف (ره) للاشكال والتفصي عنه في شرائط العمل بالاصول وعلقنا عليه ما يناسب المقام فراجع، واما ما ذكره في المتن فغير ظاهر المناسبة للمقام إذ الكلام في المعرفة التي هي من المقدمات الوجودية وحكم العقل بتنجز الاحكام بمجرد احتمالها الا بعد الفحص واليأس لا يقتضي وجوبهما وانما يقتضي عدم جواز الرجوع إلى اصل البراءة أو نحو مما يسوغ ترك الواقع بل يجب الاحتياط فيستحق العقاب على ترك الواقع حينئذ، واين هذا من وجوب المعرفة قبل حصول الشرط الذي ادعاه ؟ (قوله: بعده) أي بعد اليأس،
وأن العقوبة على المخالفة بلا حجة وبيان والمؤاخذة عليها بلا برهان فافهم (تذنيب) لا يخفى أن اطلاق الواجب على الواجب المشروط بلحاظ حال حصول الشرط على الحقيقة مطلقا وأما بلحاظ حال قبل حصوله فكذلك على الحقيقة على مختاره - قدس سره - في الواجب المشروط لان الواجب وان كان أمرا استقباليا عليه إلا أن تلبسه بالوجوب في الحال ومجاز على المختار حيث لا تلبس بالوجوب عليه قبله كما عن البهائي لتصريحه بأن لفظ الواجب مجاز في المشروط بعلاقة الاول أو المشارفة، وأما الصيغة مع الشرط فهى حقيقة على كل حال لاستعمالها على مختاره - قدس سره - في الطلب المطلق وعلى المختار في الطلب المقيد على نحو تعدد الدال والمدلول كما هو الحال فيما إذا اريد منها المطلق المقابل للمقيد لا المبهم المقسم فافهم (ومنها) تقسيمه إلى المعلق والمنجز قال في الفصول: إنه ينقسم باعتبار آخر إلى ما يتعلق وجوبه بالمكلف ولا يتوقف حصوله على أمر غير مقدور له
______________________________
*
(قوله: وان العقوبة) معطوف على البراءة (قوله: مطلقا) حتى على القول المشهور من حدوث الوجوب بعد الشرط، والوجه في كونه حقيقة ما تقدم من ان اطلاق المشتق بلحاظ حال التلبس حقيقة (قوله: على الحقيقة) بيان لقوله: (كذلك) (قوله: ومجاز على المختار) لان التلبس به في الاستقبال. نعم لو كان المنوط به الوجوب الشرط بوجوده الفرضي اللحاظي لكان حقيقة ايضا لما عرفت من انه نحو من الوجوب (قوله: في الطلب المطلق) يعنى من المطلق غير المقيد بالشرط والا فقد تقدم انه ليس مطلقا حتى يصلح لتقييده (قوله: المقابل للمقيد) وهو المقيد بالاطلاق والارسال فان معروض الاطلاق مستفاد من دال والاطلاق مستفاد من دال آخر كمقدمات الحكمة ولا يكون بالاطلاق مجازا بل هو حقيقة (قوله: المبهم المقسم) يعني الذي يكون معروضا للاطلاق والتقييد فينقسم إلى المطلق والمقيد وانما نفاه لانه لا يناسب المورد.
كالمعرفة وليسم منجزا والى ما يتعلق وجوبه به فيتوقف حصوله على أمر غير مقدور له وليسم معلقا كالحج فان وجوبه يتعلق بالمكلف من أول زمن الاستطاعة أو خروج الرفقة ويتوقف فعله على مجئ وقته وهو غير مقدور له، والفرق بين هذا النوع وبين الواجب المشروط هو أن التوقف هناك للوجوب وهنا للفعل. انتهى كلامه رفع مقامه، لا يخفى أن شيخنا العلامة أعلا الله مقامه حيث اختار في الواجب المشروط ذاك المعنى وجعل الشرط لزوما من قيود المادة ثبوتا واثباتا حيث ادعى امتناع كونه من قيود الهيئة كذلك أي اثباتا وثبوتا على خلاف القواعد العربية وظاهر المشهور كما يشهد به ما تقدم آنفا عن البهائي أنكر على الفصول هذا التقسيم ضرورة أن المعلق بما فسره يكون من المشروط بما اختار له من المعنى على ذلك كما هو واضح حيث لا يكون حينئذ هناك معنى آخر معقول كان هو المعلق المقابل للمشروط ومن هنا انقدح أنه في الحقيقة إنما أنكر الواجب المشروط بالمعنى الذي يكون هو ظاهر المشهور والقواعد العربية لا الواجب المعلق بالتفسير المذكور، وحيث قد عرفت بما لا مزيد عليه إمكان رجوع الشرط إلى الهيئة كما هو ظاهر القواعد وظاهر المشهور
______________________________
المعلق والمنجز
(قوله: كالمعرفة) يعني المعرفة في اصول الدين (قوله: ثبوتا واثباتا) أي لبا ودليلا، فهو اشارة إلى الوجهين في كلام الشيخ " ره " (قوله: على خلاف) متعلق بامتناع (قوله: وظاهر المشهور) معطوف على القواعد (قوله: يشهد به) أي بأنه خلاف ظاهر المشهور (قوله: ما تقدم) يعني من انه مجاز على المشهور (قوله: انكر) خبر (ان) في صدر كلامه (قوله: ضرورة) بيان لوجه الانكار (قوله: فسره) يعني في الفصول (قوله: بما اختار) يعني الشيخ (قوله: على ذلك) يعني على البيان المتقدم في كلامه، ولو اسقطه لكان اولى (قوله: لا الواجب المعلق)
فلا يكون مجال لانكاره عليه. نعم يمكن أن يقال: إنه لا وقع لهذا التقسيم لانه بكلا قسميه من المطلق المقابل للمشروط، وخصوصية كونه حاليا أو استقباليا لا يوجبه ما لم يوجب الاختلاف في المهم والا لكثر تقسيماته لكثرة الخصوصيات ولا اختلاف فيه فان ما رتبه عليه من وجوب المقدمة فعلا كما يأتي انما هو من أثر اطلاق وجوبه وحاليته لا من استقبالية الواجب فافهم (ثم) إنه ربما حكي عن بعض أهل النظر من أهل العصر اشكال في الواجب المعلق وهو ان الطلب والايجاب انما يكون بازاء الارادة المحركة للعضلات نحو المراد فكما لا تكاد تكون الارادة منفكة عن المراد فليكن الايجاب غير منفك عما يتعلق به فكيف يتعلق بأمر استقبالي ؟ فلا يكاد يصح الطلب والبعث فعلا نحو أمر متأخر (قلت): فيه أن الارادة تتعلق بامر متأخر استقبالي كما تتعلق بأمر حالي وهو أوضح من أن يخفى على عاقل فضلا عن فاضل، ضرورة أن تحمل المشاق في تحصيل المقدمات فيما إذا كان
______________________________
بل التزم به ولكن سماه واجبا مشروطا (قوله: في المهم) يعني في الاثر المهم (قوله: اختلاف فيه) يعني في المهم (قوله: فان ما رتبه) بيان لوجه عدم الاختلاف في المهم (قوله: لا من استقبالية) يعني والتقسيم إلى القسمين انما كان بلحاظ استقبالية الواجب وحاليته (قوله: فافهم) يمكن أن يكون اشارة إلى ان التقسيم كان لدفع الخلط بين المعلق والمشروط وعدم التمييز بينهما المؤدي ذلك إلى الاشكال في وجوب بعض المقدمات قبل الوقت (قوله: بعض أهل النظر) بل هو الذي اصر عليه جماعة من الاعيان (قوله: فليكن الايجاب) لان الوجوب منتزع من مقام الداعي العقلي الحاصل من العلم بالارادة التشريعية ويمتنع تحقق الداعي المذكور لعدم قدرة المدعو على المدعو إليه مع فرض كونه استقباليا (قوله: يصح الطلب والبعث) أما البعث فهو عين ايجاد الداعي العقلي فإذا امتنع الداعي امتنع، واما الطلب فانما يصح بداعي البعث فإذا امتنع امتنع ايضا (قوله: ضرورة ان تحمل المشاق) يعني ان الشئ قد يكون
المقصود بعيد المسافة وكثير المؤنة ليس إلا لاجل تعلق ارادته به، وكونه مريدا له قاصدا إياه لا يكاد يحمله على التحمل الا ذلك، ولعل الذي أوقعه في الغلط ما قرع سمعه من تعريف الارادة بالشوق المؤكد المحرك للعضلات نحو المراد وتوهم أن تحريكها نحو المتأخر مما لا يكاد، وقد غفل عن أن كونه محركا نحوه يختلف حسب اختلافه في كونه مما لا مؤنة له كحركة نفس العضلات أو مما له مؤنة ومقدمات قليلة أو كثيرة، فحركة العضلات تكون أعم من ان تكون بنفسها مقصودة أو مقدمة له، والجامع أن يكون نحو المقصود، بل مرادهم من هذا الوصف في تعريف الارادة بيان مرتبة الشوق الذي يكون هو الارادة وان لم يكن هناك فعلا تحريك لكون المراد وما اشتاق إليه كمال الاشتياق أمرا استقباليا غير محتاج إلى تهيئة مؤنة أو تمهيد مقدمة
______________________________
له مقدمات شاقة فيتكلفها الفاعل لاجل التوصل بها إليه فهي مرادة بارادة غيرية ناشئة من الارادة النفسية لذي المقدمات مع كون ذي المقدمة متأخرا عن زمان الارادة " أقول ": يمكن منع نشؤ الارادة الغيرية من الارادة النفسية بل هي تنشأ من عنوان المقدمية لذي غرض مقصود ولو في ظرف القدرة عليه إذا كان مقدورا ولو بعد فعل المقدمة (قوله: المقصود) يعني المقصود الاصلي، (قوله: وكونه مريدا) معطوف على اجل (قوله: لا يكاد يحمله) تلخيص بعد التفصيل (قوله: مما لا يكاد) يعني مما لا يكاد يمكن إذا كان المراد من التحريك نحو المراد التحريك نحو نفسه (قوله: كحركة نفس) يعني كما لو كان المراد نفس حركة العضلات (قوله: نحو المقصود) هذا ليس بجامع بين فردي الحركة بل يتحد مع الثاني لا غير والجامع هو الحركة المقصودة نفسيا أو غيريا، ولازم هذا البيان انتفاء الارادة مع عدم الحركة أصلا كما لو كان المراد متأخرا وليس له مقدمات (قوله: بيان مرتبة الشوق) يعني بيان أن الارادة مرتبة اكيدة من الشوق تبعث على حركة العضلات نحو المراد
ضرورة أن شوقه إليه ربما يكون أشد من الشوق المحرك فعلا نحو أمر حالى أو استقبالي محتاج إلى ذلك. هذا - مع أنه لا يكاد يتعلق البعث إلا بأمر متأخر عن زمان البعث ضرورة أن البعث إنما يكون لاحداث الداعي للمكلف إلى المكلف به بأن يتصوره بما يترتب عليه من المثوبة وعلى تركه من العقوبة، ولا يكاد يكون هذا إلا بعد البعث بزمان فلا محالة يكون البعث نحو أمر متأخر عنه بالزمان ولا يتفاوت طوله وقصره فيما هو ملاك الاستحالة والامكان في نظر العقل الحاكم في هذا الباب، ولعمري ما ذكرناه واضح لا سترة عليه والاطناب إنما هو لاجل رفع المغالطة الواقعة في أذهان بعض الطلاب (وربما) اشكل على المعلق ايضا بعدم القدرة على المكلف به في حال البعث مع أنها من الشرائط العامة (وفيه) أن الشرط إنما هو القدرة على الواجب في زمانه لا في زمان الايجاب والتكليف غاية الامر يكون من باب الشرط المتأخر وقد عرفت بما لا مزيد عليه انه كالمقارن من غير انخرام للقاعدة العقلية اصلا فراجع (ثم) لا وجه
______________________________
في وقته حاليا كان أو استقباليا، هذا ولكن في كون الارادة من مراتب الشوق الاكيدة تأمل ظاهر فانه ربما يكون الشوق إلى المستحيل اقوى بمراتب كثيرة من الشوق إلى المقدور ولا يكون الاول مرادا مع كون الثاني مرادا بل هي صفة اخرى في النفس زائدة على الشوق يكون هو من مباديها (قوله: ضرورة أن) تعليل لقوله: هو الارادة وان لم... الخ (قوله: أشد من) لكن عرفت أن الشدة مهما بلغت لا تكون ارادة ولا ملزومة لها (قوله: الا بأمر متأخر عن) البعث والانبعاث واحد كانا خارجيين أو اعتباريين وانما يختلفان بالاعتبار نظير الكسر والانكسار فكيف يكون البعث متقدما والانبعاث متأخرا فالمتقدم ليس الا مبادئ البعث وانما ينتزع منها البعث في زمان الانبعاث العقلي، وهكذا الحال في الايجاب والوجوب، كما اشرنا إليه سابقا (قوله: بان يتصوره) بيان للداعى (قوله: من باب الشرط المتأخر) لان القدرة ليست شرطا للارادة بوجودها الخارجي بل بوجودها العلمي فإذا علم بان الشئ الكذائي
لتخصيص المعلق بما يتوقف حصوله على أمر غير مقدور، بل ينبغى تعميمه إلى امر مقدور متأخر أخذ على نحو لا يكون موردا للتكليف ويترشح عليه الوجوب من الواجب
______________________________
مقدور له اراده وان لم يكن مقدورا واقعا، وإذا علم بأنه غير مقدور له لم يرده وان كان مقدورا واقعا والعلم بالقدرة حاصل حين الارادة وان كانت هي متاخرة عن زمان الارادة. نعم القدرة الخارجية شرط تأثير الارادة في المراد، ولاجل ذلك يكون تأثيرها في المراد الاستقبالي استقباليا لانه ظرف القدرة الخارجية فتأمل(١) ولاجل ذلك يصح بلا عناية قولنا: اريد السفر غدا، واريد الصوم في رمضان ونحو ذلك (قوله: لتخصيص المعلق) كما في الفصول (قوله: على أمر غير مقدور) كالوقت مثلا (قوله: مقدور متأخر) كما إذا قيل: يجب عليك الآن ان تكرم زيدا بعد زيارتك له غدا، فان الزيارة المعلق عليها الفعل امر مقدور للمكلف وهي متأخرة عن زمان الوجوب " أقول ": صرح في الفصول بعدم الفرق بين غير المقدور والمقدور ومثل للثاني بما لو توقف الحج المنذور على ركوب الدابة المغصوبة فراجع (قوله: موردا للتكليف) بأن كان وجود الزيارة مطلقا قيدا للواجب نظير الطهارة للصلاة (قوله: اولا) يعني أو لم تؤخذ موردا للتكليف بأن كان المعلق عليها الاكرام الزيارة من باب الاتفاق (أقول): قد ضرب في بعض النسخ على قوله: (اولا) مع زيادة (لا) بين نحو ويكون،
______________
(١) اشارة إلى ان الزمان المأخوذ قيدا في الواجب كسائر القيود إذا كان خارجا عن الاختيار يمتنع تعلق الارادة بالمقيد به لان تعلق الارادة بالمقيد به يستلزم تعلقها به اعني بالمقيد المستلزم تعلق الارادة بما هو خارج عن الاختيار وهو ممتنع من دون فرق بين الارادة النفسية والغيرية، وانما يصح تعلق الارادة بالمقيد به بعد حصول القيد، ومنه يظهر ان شرطية القدرة للارادة ليست بنحو الشرط المتأخر بل هي بالاضافة إلى نفس المراد أو بالاضافة إلى بعض المقدمات من الشرط المقارن، فتأمل جيدا (منه مد ظله)
لعدم تفاوت فيما يهمه من وجوب تحصيل المقدمات التى لا يكاد يقدر عليها في زمان الواجب على المعلق دون المشروط لثبوت الوجوب الحالى فيه فيترشح منه الوجوب على المقدمة - بناء على الملازمة - دونه لعدم ثبوته فيه إلا بعد الشرط (نعم) لو كان الشرط على نحو الشرط المتأخر وفرض وجوده كان الوجوب المشروط به حاليا أيضا فيكون وجوب سائر المقدمات الوجودية للواجب أيضا حاليا، وليس الفرق بينه وبين المعلق حينئذ إلا كونه مرتبطا بالشرط بخلافه وان ارتبط به الواجب (تنبيه) قد انقدح من مطاوي ما ذكرناه أن المناط في فعلية وجوب المقدمة الوجودية وكونه في الحال بحيث يجب على المكلف تحصيلها هو فعلية وجوب ذيها ولو كان أمرا استقباليا كالصوم في الغد، والمناسك في الموسم كان وجوبه (مشروطا)
______________________________
*
فيكون مؤدى العبادة صورة واحدة المطابق لها مثال الفصول (قوله: لعدم تفاوت) تعليل لقوله: لا وجه... الخ (قوله: على المعلق) متعلق بوجوب، أي على تقدير كون الوجوب معلقا (قوله: دونه) اي دون المشروط (قوله: نعم لو كان الشرط) يعنى لو كان الشرط الذي يكون الواجب بعده قد اخذ شرطا للتكليف بنحو الشرط المتأخر ثبت الوجوب حالا قبل زمان الواجب ويكون وجوب المقدمات كذلك فيجب فعلها عقلا قبل زمانه (قوله: بينه وبين المعلق) بل قد صرح (ره) في دفع الاشكال المتقدم بأن الوجوب المعلق مشروط بالقدرة بنحو الشرط المتأخر فهو دائما من الواجب المشروط بالشرط المتأخر (قوله: بخلافه) يعنى بخلاف الواجب المعلق فانه غير مرتبط بالشرط بل المرتبط به الواجب (أقول): قد عرفت ان الواجب المعلق أيضا مرتبط بالشرط المتأخر نعم الارتباط بالشرط، تارة يكون شرعيا فيدل على اناطة المصلحة به أيضا، وأخرى عقليا فلا يدل على ذلك بل قد يكون اطلاق المادة دالا على اطلاق موضوع المصلحة وحينئذ فان كان الواجب المشروط بالاصطلاح خصوص ما كانت الاناطة فيه شرعية كان الوجوب الحالي المشروط بالشرط المتأخر غير الواجب المعلق وان كان أعم من
بشرط موجود أخذ فيه ولو متأخرا " أو مطلقا " منجزا كان أو معلقا فيما إذا لم يكن مقدمة للوجوب أيضا أو ماخوذة في الواجب على نحو يستحيل ان يكون موردا للتكليف كما إذا أخذ عنوانا للمكلف كالمسافر والحاضر والمستطيع... إلى غير ذلك أو جعل الفعل المقيد باتفاق حصوله وتقدير وجوده بلا اختيار أو باختياره موردا للتكليف، ضرورة أنه لو كان مقدمة الوجوب أيضا لا يكاد يكون هناك وجوب الا بعد حصوله وبعد الحصول يكون وجوبه طلب الحاصل، كما انه إذا اخذ على احد النحوين يكون كذلك فلو لم يحصل لما كان الفعل موردا للتكليف ومع حصوله لا يكاد يصح تعلقه به (فافهم) إذا عرفت ذلك فقد عرفت انه لا اشكال اصلا في
______________________________
ذلك وما كانت الاناطة فيه عقلية كان الواجب المعلق نوعا منه بلا فرق اصلا (قوله: موجود) يعني موجود في ظرفه متقدما أو مقارنا أو متأخرا (قوله: أو مطلقا) معطوف على قوله: مشروطا (قوله: للوجوب ايضا) يعني مع كونها مقدمة للواجب (قوله: أو مأخوذة) معطوف على (مقدمة) وكان الاولى ان يقول بدله: ولا ماخوذة في الواجب، لان الشرط في وجوب التحصيل على المكلف انتفاء الجميع لا انتفاء احدها كما هو مفاد كلمة (أو) (قوله: كالمسافر والحاضر) لا يخلو هذا من تأمل فان جميع العناوين المأخوذة في المكلف مما يناط بها نفس التكليف كما اشرنا إليه سابقا، فلا فرق بين قولنا: المسافر يقصر، أو: البالغ ان سافر يقصر، وكما ان السفر في الثاني شرط في وجوب القصر كذلك في الاول (قوله: باتفاق حصوله) يعني بلا دعوة من الامر (قوله: ضرورة انه) بيان لوجه تقييد وجوب التحصيل بانتفاء هذه الامور (قوله: إلا بعد حصوله) بل إلا بعد فرض حصوله، والا فهو غير حاصل حقيقة حال الوجوب كما عرفت (قوله: طلب الحاصل) ولو فرضا فانه مثل الحاصل حقيقة في امتناع طلبه (قوله: لما كان الفعل) اما في الاول منهما فلما عرفت واما في الثاني فلما تقدم من امتناع البعث إليه لانه خلف (قوله: لا يكاد يصح)
لزوم الاتيان بالمقدمة قبل زمان الواجب إذا لم يقدر عليه بعد زمانه فيما كان وجوبه حاليا مطلقا ولو كان مشروطا بشرط متأخر كان معلوم الوجود فيما بعد كما لا يخفى، ضرورة فعلية وجوبه وتنجزه بالقدرة عليه بتمهيد مقدمته فيترشح منه الوجوب عليها - على الملازمة - ولا يلزم منه محذور وجوب المقدمة قبل وجوب ذيها وانما اللازم الاتيان بها قبل الاتيان به، بل لزوم الاتيان بها عقلا ولو لم نقل بالملازمة لا يحتاج إلى مزيد بيان ومؤنة برهان كالاتيان بسائر المقدمات في زمان الواجب قبل اتيانه، فانقدح بذلك أنه لا ينحصر التفصي عن هذه العويصة بالتعلق بالتعليق أو بما يرجع إليه من جعل الشرط من قيود المادة في المشروط، فانقدح بذلك انه لا اشكال في الموارد التي يجب في الشريعة الاتيان بالمقدمة قبل زمان الواجب كالغسل في الليل في شهر رمضان وغيره
______________________________
لانه تحصيل للحاصل (قوله: لم يقدر عليه) يعني على الاتيان بالمقدمة (قوله: ولو كان مشروطا) بيان لوجه الاطلاق يعني سواء كان معلقا ام مشروطا بشرط حاصل أو غير حاصل لكنه كان بنحو الشرط المتأخر (قوله: ضرورة) تعليل لنفي الاشكال (قوله: بتمهيد) متعلق بالقدرة (قوله: بالملازمة) يعنى بين الوجوب النفسي والغيري الشرعيين (قوله: كالاتيان) فانه واجب عقلا بلا ريب (قوله: عن هذه العويصة) يعني اشكال لزوم فعل المقدمة قبل زمان ذيها (قوله: بالتعليق) يعني كما يقول الفصول (قوله: من قيود المادة) يعني كما يقوله شيخنا الاعظم، ومراد المصنف (ره) امكان وجه آخر وهو الالتزام بالوجوب المشروط بالمعنى المشهور لكن بنحو الشرط المتأخر (أقول) قد عرفت فيما سبق الفرق بين شرطي الوجوب والواجب وحينئذ فالقيد المتأخر زمانا كان أو غيره ان كان شرطا في كون الفعل مصلحة تعين كونه شرطا للوجوب وحينئذ فثبوت الوجوب قبله وعدم ثبوته مبنيان على كونه شرطا له بوجوده الفرضي اللحاظي والعيني الخارجي كما تقدم، وان كان شرطا في ترتب المصلحة تعين كونه
مما وجب عليه الصوم في الغد إذ يكشف به بطريق الان عن سبق وجوب الواجب، وإنما المتأخر هو زمان اتيانه ولا محذور فيه اصلا، ولو فرض العلم بعدم سبقه لاستحال اتصاف مقدمته بالوجوب الغيري فلو نهض دليل على وجوبها فلا محالة يكون وجوبها نفسيا ولو تهئيا ليتهيأ باتيانها ويستعد لايجاب ذي المقدمة عليه فلا محذور أيضا (ان قلت): لو كان وجوب المقدمة في زمان كاشفا عن سبق وجوب ذي المقدمة لزم وجوب جميع مقدماته ولو موسعا وليس كذلك بحيث يجب عليه المبادرة لو فرض
______________________________
شرطا للواجب، وحينئذ فثبوت الوجوب قبله وعدم ثبوته مبنيان على امكان الواجب المعلق وعدمه - كما تقدم أيضا - واما جعله شرطا للوجوب بنحو الشرط المتأخر - كما ذكره المصنف (ره) فغير ظاهر، لان ذلك إنما يكون فيما إذا تأخر زمان الشرط عن زمان الواجب لا في مثل ما نحن فيه بل هو مردد بين كونه شرطا للوجوب بنحو الشرط المقارن والمعلق لا غير، واما ما تقدم من كون القدرة في الوجوب المعلق شرطا بنحو الشرط المتأخر فالمراد كونها شرطا لفعليته لا لاقتضائه كما في سائر شرائط الوجوب - مضافا إلى انه لا وجه حينئذ لعد المعلق في مقابل المشروط بالشرط المتأخر (قوله: مما وجب) متعلق بالغسل يعني من المكلف الذي وجب (قوله بطريق الان) وهو الاستدلال بالمعلول على العلة فان الوجوب الغيري معلول للوجوب النفسي (قوله: ولو تهيئيا... الخ) هذا محكي عن المحقق التقي في حاشيته على المعالم، يعنى يكون وجوب المقدمة قبل وقتها وجوبا نفسيا لا غيريا، ويمكن ان تكون المصلحة النفسية فيه التهيؤ والاستعداد لورود الوجوب النفسي المتعلق بذى المقدمة بعد الوقت، لكن ارادة التهيؤ ارادة غيرية فالوجوب الناشئ منها غيري فيرجع الاشكال لامتناع انفكاك الارادة الغيرية عن الارادة النفسية، الا ان هذا التقريب مبني على لزوم التفكيك بينهما في مثل الفرض لكن عليه يلزم ان تكون جميع الواجبات الغيرية المتقدمة على الواجب النفسي زمانا واجبات تهيئية (قوله: لزم وجوب) لان الوجوب الغيرى معلول للوجوب النفسي فإذا ثبت النفسي قبل
عدم تمكنه منها لو لم يبادر (قلت): لا محيص عنه إلا إذا اخذ في الواجب من قبل سائر المقدمات قدرة خاصة وهي القدرة عليه بعد مجئ زمانه لا القدرة عليه في زمانه من زمان وجوبه فتدبر جدا (تتمة) قد عرفت اختلاف القيود في وجوب التحصيل وكونه موردا للتكليف وعدمه فان علم حال القيد فلا اشكال، وإن دار أمره ثبوتا بين ان يكون راجعا إلى الهيئة نحو الشرط المتأخر أو المقارن وأن يكون راجعا إلى المادة على نهج يجب تحصيله أو لا يجب، فان كان في مقام الاثبات ما يعين حاله وأنه راجع إلى أيهما من القواعد العربية فهو وإلا فالمرجع هو الاصول العملية وربما قيل في الدوران بين الرجوع إلى الهيئة أو المادة بترجيح الاطلاق في طرف الهيئة وتقييد المادة بوجهين " أحدهما " أن اطلاق الهيئة يكون شموليا كما في شمول العام لافراده فان وجوب الاكرام على تقدير الاطلاق
______________________________
*
الوقت ثبت الغيري كذلك ولا تختلف المقدمات في ذلك (قوله: لا محيص عنه) يعني عن الالتزام بوجوب جميع المقدمات وجوبا غيريا قبل الوقت (قوله: الا إذا اخذ في) يعني لو قام دليل على شرطية القدرة على الواجب في خصوص زمانه فانه لا تجب المقدمات قبل الوقت لو علم بعدم التمكن منها بعد دخوله لان العلم المذكور يوجب العلم بانتفاء التكليف لانتفاء شرطه فيتبعه التكليف الغيري (قوله: لا القدرة عليه) يعني لا ما لو قام الدليل على أن الشرط في الواجب القدرة عليه في زمانه ولو كانت ناشئة عن القدرة على بعض مقدماته قبل زمانه، فان ذلك لا يمنع عن ثبوت الوجوب الغيري للمقدمات قبل الوقت إذا علم بعدم القدرة عليها بعده، لان القدرة عليها قبله توجب القدرة على الواجب في وقته لان المقدور بالواسطة مقدور فيحصل الشرط ويثبت الوجوب النفسي ويتبعه الوجوب الغيري (قوله: فان وجوب الاكرام) توضيح المثال انه إذا وجب اكرام زيد في الجملة وشك في ان الطهارة شرط للوجوب أو للواجب فإذا كانت قيدا للواجب وبقي الوجوب على إطلاقه فاطلاقه شمولي لان مدلوله ثبوت الوجوب في حال الطهارة وفي حال الحدث معا ولا
يشمل جميع التقادير التي يمكن ان يكون تقديرا له، واطلاق المادة يكون بدليا غير شامل لفردين في حالة واحدة (ثانيهما) ان تقييد الهيئة يوجب بطلان محل الاطلاق في المادة ويرتفع به مورده بخلاف العكس وكلما دار الامر بين تقييدين كذلك كان التقييد الذى يوجب بطلان الآخر أولى (أما الصغرى) فلاجل انه لا يبقى مع تقييد الهيئة محل حاجة وبيان لاطلاق المادة لانها لا محالة لا تنفك عن وجود قيد الهيئة بخلاف تقييد المادة فان محل الحاجة إلى اطلاق الهيئة على حاله فيمكن الحكم بالوجوب على تقدير وجود القيد وعدمه (واما الكبرى) فلان التقييد وان لم يكن مجازا الا أنه خلاف الاصل، ولا فرق في الحقيقة بين تقييد الاطلاق وبين أن يعمل عملا يشترك مع التقييد في الاثر
______________________________
يختص باحدهما لا على التعيين ولا على البدل وإذا كانت قيدا للوجوب وبقي الواجب على إطلاقه فاطلاقه بدلي فانه يدل على كون الواجب صرف الطبيعة الصادق على الاكرام فإذا وجد في حال الطهارة مثلا صدق عليه وامتنع صدقه على فرد آخر سواء أكان في حال الطهارة أم حال الحدث (قوله: يشمل جميع التقادير) يعني تقديري وجود الشرط وعدمه لانه يكون ثابتا قبل الشرط وبعده أيضا مستمرا إلى ان يحصل الواجب فالشمول جاء من جهة الاستمرار، أما بلحاظ كل آن فالاطلاق حينئذ بدلي إذ يثبت مع صرف الحال الموجود ولا تكون الا واحدة لامتناع اجتماع الضدين أو النقيضين في زمان واحد، واما سائر التقادير فليست محل الكلام، إذ قد يكون مقيدا ببعضها دون بعض (قوله: في حالة واحدة) بل وحالتين كما عرفت (قوله: اما الصغرى) يعني بطلان محل الاطلاق في المادة (قوله: لانها لا محالة لا تنفك) يعني بما هي موضوع الامر وذلك لان الامر إذا كان ملازما لشرطه كان موضوعه كذلك بما هو موضوعه وان كان بذاته صالحا للانفكاك وعدمه (قوله: فيمكن الحكم) هذا بيان فائدة إطلاق الهيئة ومحل الحاجة إليه يعني أن تقييد المادة لا يمنع من ترتب فائدة الاطلاق عليه
وبطلان العمل به، وما ذكرناه من الوجهين موافق لما افاده بعض مقرري بحث الاستاد العلامة (أعلى الله مقامه) وانت خبير بما فيهما (اما في الاول) فلان مفاد اطلاق الهيئة وان كان شموليا بخلاف المادة إلا انه لا يوجب ترجيحه على اطلاقها لانه أيضا كان بالاطلاق ومقدمات الحكمة غاية الامر أنها تارة تقتضي العموم الشمولى وأخرى البدلى كما ربما يقتضى التعيين احيانا كما لا يخفى، وترجيح عموم العام على اطلاق المطلق إنما هو لاجل كون دلالته بالوضع لا لكونه شموليا بخلاف المطلق فانه بالحكمة فيكون العام أظهر منه فيقدم عليه، فلو فرض أنهما في ذلك على العكس
______________________________
*
(قوله: بطلان العمل) كما هو الحال في اطلاق المادة على تقدير تقييد الهيئة (قوله: وان كان شموليا) (أقول) إذا كان القيد المحتمل تقييد الوجوب به قد لوحظ بعنوان الحدوث مثل: إذا افطرت فكفر، فاطلاق الوجوب بالاضافة إليه يكون بدليا لامتناع اجتماع الافطار وعدمه حتى يثبت الوجوب في الحالين فهو يثبت اما في حال الافطار أو في حال عدمه فتقييده باحدهما تقييد للاطلاق البدلي. نعم ما يلحظ دواميا مثل إن سافرت فقصر، فاطلاق الوجوب بالاضافة إليه يكون شموليا لامكان اجتماعه مع ضده على التبادل ويثبت الوجوب في كلتا الحالتين فتأمل (قوله: إلا أنه لا يوجب) يعني ان الاطلاق الشمولي ليس أقوى من الاطلاق البدلي حتى يرجح عليه عند التعارض بل هما متساويان لاستفادة كل منهما من مقدمات الحكمة ودلالتها عليهما واحدة لا تختلف بالقوة والضعف (قوله: تقتضي العموم) لان شأن الطلب المحكي بالهيئة الثبوت مستمرا في جميع الاحوال المتبادلة إلى أن يسقط بالطاعة أو المعصية (قوله: البدلي) لان إطلاق المادة يقتضي صرف الوجود وهو لا يتكرر بل ينطبق على الوجود الاول لا غير (قوله: يقتضي التعيين) كما تقدم في المبحث السادس (قوله: لا لكونه شموليا) حتى يستفاد منه في المقام تقديم اطلاق الهيئة على اطلاق المادة (قوله: فيقدم عليه) لكن في اطلاقه تأمل إذ قد يكون المطلق أقوى من
فكان عام بالوضع دل على العموم البدلى ومطلق باطلاقه دل على الشمول لكان العام يقدم بلا كلام (واما في الثاني) فلان التقييد وان كان خلاف الاصل الا أن العمل الذى يوجب عدم جريان مقدمات الحكمة وانتفاء بعض مقدماته لا يكون على خلاف الاصل اصلا إذ معه لا يكون هناك اطلاق كى يكون بطلان العمل به في الحقيقة مثل التقييد الذى يكون على خلاف الاصل (وبالجملة) لا معنى لكون التقييد خلاف الاصل الا كونه خلاف الظهور المنعقد للمطلق ببركة مقدمات الحكمة ومع انتفاء المقدمات لا يكاد ينعقد له هناك ظهور ليكون ذاك العمل المشارك مع التقييد في الاثر وبطلان العمل باطلاق المطلق مشاركا معه في خلاف الاصل أيضا وكأنه توهم أن اطلاق المطلق كعموم العام ثابت ورفع اليد عن العمل به تارة لاجل التقييد وأخرى بالعمل المبطل للعمل به، وهو فاسد لانه لا يكون اطلاق إلا فيما جرت هناك المقدمات. نعم إذا كان التقييد بمنفصل ودار الامر بين الرجوع إلى المادة أو الهيئة كان لهذا التوهم مجال
______________________________
عموم العام فيكون هو المقدم (قوله: فلان التقييد) هذا رد على قوله: ولا فرق في الحقيقة، (قوله: ومع انتفاء) يعني الحاصل من تقييد الهيئة (قوله: المقدمات) يعني المثبتة لاطلاق المادة (قوله: في الاثر) متعلق بقوله: المشارك (قوله: وبطلان) تفسير لقوله: الاثر (قوله: مشاركا) خبر لقوله: يكون ذلك العمل (قوله: الا فيما جرت) والمفروض عدم جريانها في المادة بعد تقييد الهيئة وعليه فلا إطلاق للهيئة أيضا في الفرض لاقتران الكلام بما يصلح للقرينية المانع من تمامية مقدمات الحكمة، ومنه يظهر أنه لا إطلاق للمادة من حيث كونها موضوعا للمصلحة لاقترانها أيضا بما يصلح للقرينية - مضافا إلى العلم بعدم ترتب المصلحة على ذات المادة مع عدم القيد لان القيد إن كان شرطا للوجوب فهو شرط في كون الاثر مصلحة، وإن كان شرطا للواجب فهو شرط في ترتب المصلحة عليها وعلى كل حال لا مصلحة بفقده هذا كله إذا كان
حيث انعقد للمطلق اطلاق وقد استقر له ظهور ولو بقرينة الحكمة فتأمل (ومنها) تقسيمه إلى النفسي والغيري وحيث كان طلب شئ وايجابه لا يكاد يكون بلا داع فان كان الداعي فيه هو التوصل به إلى واجب لا يكاد يمكن التوصل بدونه إليه لتوقفه عليه فالواجب غيرى، وإلا فهو نفسي سواء كان الداعي محبوبية الواجب بنفسه كالمعرفة بالله تعالى، أو محبوبيته بما له من فائدة مترتبة عليه كأكثر الواجبات من العبادات والتوصليات. هذا لكنه لا يخفى أن الداعي لو كان هو محبوبيته كذلك (أي بما له من الفائدة المترتبة عليه) كان الواجب في الحقيقة واجبا غيريا فانه لو لم يكن وجود هذه الفائدة لازما لما دعا إلى ايجاب ذي الفائدة
______________________________
القيد متصلا (قوله: العقد للمطلق) وهو كل من الهيئة والمادة فإذا ورد المنفصل المقيد فقد علم بسقوط إطلاق المادة في كونها موضوعا للامر وموضوعا للمصلحة ويشك في اطلاق الهيئة فاصالة الاطلاق فيها محكمة (قوله: الحكمة فتأمل) يمكن أن يكون اشارة إلى أن تحكيم اصالة الاطلاق في الهيئة لا يجدي في إثبات كون القيد قيدا للمادة لعدم ثبوت بناء العقلاء عليه وإذا لم يثبت ذلك لا يجب فعله عقلا لاصالة البراءة فلا ثمرة حينئذ لتقديم اطلاق الهيئة اللهم إلا ان يجب فعله للعلم بعدم الاثر بدونه كما سبق
النفسي والغيري
(قوله: فان كان الداعي) بهذا عرفهما في التقريرات (قوله: إلى واجب) يعني على المكلف (قوله: كالمعرفة بالله تعالى) في كون المعرفة كذلك تأمل ظاهر لان المحبوب بنفسه هو الذي يكون محبوبا بمجرد تصور ذاته بلا حاجة إلى تصور عنوان خارج عن ذاته منطبق عليه وليست المعرفة كذلك بل حسنها بما أنها شكر له تعالى أو نحو ذلك (قوله: كاكثر الواجبات) ولذا قيل: إن الواجبات السمعية ألطاف في الواجبات العقلية (قوله: لما دعا إلى)
(فان قلت): نعم وإن كان وجودها محبوبا لزوما إلا أنه حيث كانت من الخواص المترتبة على الافعال التي ليست داخلة تحت قدرة المكلف لما كاد يتعلق بهذا الايجاب (قلت): بل هي داخلة تحت القدرة لدخول أسبابها تحتها، والقدرة على السبب قدرة على المسبب وهو واضح، وإلا لما صح وقوع مثل التطهير والتمليك والتزويج والطلاق والعتاق إلى غير ذلك من المسببات موردا لحكم من الاحكام التكليفية (فالاولى) أن يقال: إن الاثر المترتب عليه وإن كان لازما إلا أن ذالاثر لما كان معنونا بعنوان حسن يستقل العقل بمدح فاعله بل ويذم تاركه صار متعلقا للايجاب بما هو كذلك، ولا ينافيه كونه مقدمة لامر مطلوب واقعا بخلاف الواجب الغيرى لتمحض وجوبه في انه لكونه مقدمة لواجب نفسي، وهذا أيضا
______________________________
لان الوجوب الغيري تابع للوجوب النفسي فإذا كانت الفائدة غير لازمة التحصيل في نظر الآمر كيف تجب مقدماتها ؟ وإذا كانت لازمة صدق على وجوب ذي الفائدة أنه وجوب للتوصل إلى واجب آخر، ويمكن أن يقال: المراد من الواجب في التعريف ما يكون موضوعا للارادة لا ما يكون من قبيل الداعي إليها وان قلنا بوجوب العلم بحصوله - مع أنه محل اشكال اشرنا إليه في مبحث الاقل والاكثر من التعليقة (قوله: قدرة على المسبب) هذا مسلم الا انه قد لا يكون ذو الفائدة تمام السبب للفائدة وحينئذ يمتنع التكليف بالفائدة لعدم القدرة عليها ويكون التكليف بذي الفائدة لقيامه ببعض جهات الفائدة ولو بنحو الاعداد لحصولها (قوله: بما هو كذلك) يعني بما أنه معنون بالعنوان الحسن وليس وجوبه لما يترتب عليه من الفائدة حتى يكون غيريا (قوله: مقدمة لامر) وحينئذ يكون واجبا نفسيا وغيريا ايضا (قوله: في أنه لكونه مقدمة) أقول: العنوان الحسن المنطبق على الواجب المقتضي لوجوبه إن كان المراد به خصوص العنوان الذاتي فمن المعلوم خلاف ذلك ولا سيما بملاحظة اختلاف الواجبات النفسية بالذات، وان كان المراد به الاعم من العرضي فهو صادق على عنوان كون الشئ
لا ينافي أن يكون معنونا بعنوان حسن في نفسه الا انه لا دخل له في ايجابه الغيرى ولعله مراد من فسرهما بما أمر به لنفسه وما أمر به لاجل غيره فلا يتوجه عليه الاعتراض بان جل الواجبات لولا الكل يلزم أن يكون من الواجبات الغيرية فان المطلوب النفسي قل ما يوجد في الاوامر فان جلها مطلوبات لاجل الغايات التي هي خارجة عن حقيقتها فتأمل (ثم) إنه لا إشكال فيما إذا علم باحد القسمين وأما إذا شك في واجب انه نفسي أو غيرى فالتحقيق أن الهيئة وان كانت موضوعة لما يعمهما الا ان اطلاقها يقتضى كونه نفسيا فانه لو كان شرطا لغيره لوجب التنبيه عليه على المتكلم الحكيم (وأما) ما قيل من أنه لا وجه للاستناد إلى اطلاق الهيئة لدفع الشك المذكور بعد كون مفادها الافراد التي لا يعقل فيها التقييد. نعم لو كان مفاد الامر هو مفهوم الطلب صح القول بالاطلاق لكنه بمراحل من الواقع إذ لا شك في اتصاف الفعل بالمطلوبية بالطلب المستفاد من الامر، ولا يعقل اتصاف المطلوب بالمطلوبية بواسطة مفهوم الطلب فان الفعل يصير مرادا بواسطة تعلق واقع
______________________________
*
مقدمة لواجب فيدخل الواجب الغيري في الواجب النفسي ويرجع الاشكال (قوله: معنونا بعنوان) يعني فيكون واجبا نفسيا (قوله: فلا يتوجه عليه) وجهه أن كونها مطلوبات للغايات المشار إليها لا ينافي انطباق عنوان حسن عليها يكون هو الوجه في كون طلبها نفسيا (أقول): الالتزام بالعنوان المذكور لو فرض جوازه عقلا فلا دليل عليه أصلا بل ظاهرهم خلافه وان وجوبها كان لتلك الغايات وأن التقسيم إلى النفسي والغيري لم يكن بملاحظة العنوان المذكور، ولعله إلى هذا أشار بقوله: فتأمل (قوله: الاعتراض بأن) هذا الاعتراض أورده في التقريرات على التعريف المذكور (قوله: لوجب التنبيه) قد تقدم الكلام فيه في المبحث السادس (قوله: وأما ما قيل) القائل شيخنا الاعظم " ره " على ما في تقريرات درسه (قوله: مفادها الافراد) يعني مفاد الهيئة أفراد الطلب الخارجية (قوله: إذ لا شك في اتصاف) تعليل لكونه بمراحل عن
الارادة وحقيقتها لا بواسطة مفهومها. ذلك واضح لا يعتريه ريب (ففيه) أن مفاد الهيئة - كما مرت الاشارة إليه - ليس الافراد بل هو مفهوم الطلب كما عرفت تحقيقه في وضع الحروف ولا يكاد يكون فرد الطلب الحقيقي والذى يكون بالحمل الشايع طلبا والا لما صح إنشاؤه بها ضرورة انه من الصفات الخارجية الناشئة من الاسباب الخاصة. نعم ربما يكون هو السبب لانشائه كما يكون غيره أحيانا واتصاف الفعل بالمطلوبية الواقعية والارادة الحقيقية الداعية إلى ايقاع طلبه وانشاء ارادته بعثا نحو مطلوبه الحقيقي وتحريكا إلى مراده الواقعي لا ينافي اتصافه بالطلب الانشائي ايضا والوجود الانشائي لكل شي ليس إلا قصد حصول مفهومه بلفظه كان هناك طلب حقيقي أو لم يكن، بل كان إنشاؤه بسبب آخر، ولعل منشأ الخلط والاشتباه تعارف التعبير عن مفاد الصيغة بالطلب المطلق
______________________________
الواقع، يعني أن الفعل المأمور به يتصف بكونه مطلوبا بالطلب الذي هو مدلول الامر والمطلوب بمعنى ما تعلق به الطلب والمتعلق بالفعل من الطلب هو الطلب الخارجي لا المفهوم فيدل على أنه مدلول الامر لا المفهوم (قوله: عرفت تحقيقه) وعرفت التأمل فيه (قوله: والا لما صح انشاؤه) أقول: قد عرفت الاشارة إلى أن الهيئة موضوعة للنسبة الطلبية أو التكوينية وليست موضوعة لنفس الطلب لتقتضي انشاءه خارجيا أو مفهوميا فان الطلب ليس من المعاني الحرفية النسبية فالهيئة إذا لا تدل إلا على نفس النسبة الجزئية الطلبية أو التكوينية فراجع، (قوله: الاسباب الخاصة) قد عرفت أن هذا لا يمنع من الانشاء الادعائي الثابت في عامة الوضعيات (قوله: هو السبب) يعني الطلب الحقيقي (قوله: غيره أحيانا) كالتهديد ونحوه (قوله: واتصاف) رد على قوله: إذ لا شك... الخ يعني أنه لا ريب في اتصاف الفعل بالمطلوبية بواسطة تعلق الطلب الخارجي به كما ذكر لكنه لا ينافي اتصافه ايضا بالمطلوبية بواسطة تعلق الطلب الانشائي به الذي قصد انشاؤه بالصيغة فيكون هذا الطلب هو معنى الامر (قوله: لا ينافي) خبر اتصاف (قوله: بالطلب المطلق) يعني من
فتوهم منه أن مفاد الصيغة يكون طلبا حقيقيا يصدق عليه الطلب بالحمل الشايع، ولعمري انه من قبيل اشتباه المفهوم بالمصداق، فالطلب الحقيقي إذا لم يكن قابلا للتقييد لا يقتضي أن لا يكون مفاد الهيئة قابلا له وان تعارف تسميته بالطلب ايضا، وعدم تقييده بالانشائي لوضوح ارادة خصوصه وأن الطلب الحقيقي لا يكاد ينشأ بها كما لا يخفى. فانقدح بذلك صحة تقييد مفاد الصيغة بالشرط كما مر هاهنا بعض الكلام وقد تقدم في مسألة اتحاد الطلب والارادة ما يجدى في المقام. هذا إذا كان هناك اطلاق وأما إذا لم يكن فلا بد من الاتيان به فيما إذا كان التكليف بما احتمل كونه شرطا له فعليا للعلم بوجوبه فعلا وان لم يعلم جهة وجوبه والا فلا، لصيرورة الشك فيه بدويا كما لا يخفى (تذنيبان) الاول: لاريب
______________________________
غير تقييد له بالانشائي (قوله: بالمصداق) فان الطلب الحقيقي مصداق لمفهوم الطلب (قوله: وعدم) معطوف على قوله: تسمية (قوله: لوضوح) متعلق بقوله: تعارف (قوله: كما مر هاهنا) يعني في الوجوب المطلق والمشروط (قوله: واما إذا لم يكن فلابد) يعني حيث لا تتم مقدمات الحكمة المقتضية للاطلاق يلزم الرجوع إلى الاصل العملي " وتوضيحه " أنه لو علم بوجوب نصب السلم وشك في كونه واجبا لاجل الصعود أو لنفسه (فتارة) يعلم بعدم وجوب الصعود (وأخرى) يعلم بوجوبه (وثالثة) يشك في وجوبه، ففي الاولى يرجع إلى أصالة البراءة عن وجوب نصب السلم للعلم بعدم وجوبه على تقدير كونه غيريا فمع احتمال ذلك يكون التكليف به مشكوكا، وفي الثانية يعلم بوجوبه فيجب فعله بلا شبهة، وفي الثالثة كذلك ايضا غاية الامر يشكل إجراء اصالة البراءة في وجوب الصعود بما يأتي بيانه مفصلا في الاقل والاكثر من مباحث البراءة (قوله: فيما إذا كان) اشارة إلى الصورة الثانية (قوله: كونه شرطا له) ضمير (كون) راجع إلى الواجب المردد وجوبه، وضمير (له) راجع إلى ما احتمل (قوله: وإلا فلا) يعني وإن لم يكن التكليف به فعليا
في استحقاق الثواب على امتثال الامر النفسي وموافقته واستحقاق العقاب على عصيانه ومخالفته عقلا، وأما استحقاقهما على امتثال الغيرى ومخالفته ففيه اشكال وان كان التحقيق عدم الاستحقاق على موافقته ومخالفته بما هو موافقة ومخالفة ضرورة استقلال العقل بعدم الاستحقاق إلا لعقاب واحد أو لثواب كذلك فيما خالف الواجب ولم يأت بواحدة من مقدماته على كثرتها أو وافقه وأتاه بما له من المقدمات. نعم لا بأس باستحقاق العقوبة على المخالفة عند ترك المقدمة وبزيادة المثوبة على الموافقة فيما لو اتى بالمقدمات
______________________________
*
فلا يلزم الاتيان به لكن عرفت أن له صورتين يجب الاتيان به في إحداهما ولا يجب في الاخرى (قوله: في استحقاق الثواب) الاستحقاق بمعنى وجوب فعل الثواب على إطاعة الامر النفسي محل خلاف وإشكال كما يظهر من مراجعة كتب الكلام، وبمعنى كون الثواب في محله مما لا إشكال فيه (قوله: التحقيق عدم الاستحقاق) إذا كان الامر الغيري أمرا حقيقا لا بد أن يكون صادرا بداعي البعث والبعث المترتب عليه عين الانقياد، والانقياد مناط للثواب فلا بد من القول بترتب الثواب على موافقته، والقول بخلاف ذلك قول بعدم كونه أمرا حقيقيا كما هو كذلك فانه لا شأن له في قبال الامر النفسي لا في مبادئه ولا في غاياته المقصودة منه ولا في وجوده فان مرجحية المقدمية انما جاءت من قبل المرجح للواجب النفسي كما أن نفسه انما كان من قبل الامر النفسي والغرض منه - وهو البعث إلى متعلقه - إنما كان غرضا من جهة غرض الامر النفسي فهو على هذا شأن من شئون الامر النفسي ليس له طاعة ولا معصية في قبال طاعته ومعصيته ولا ثواب ولا عقاب في قبال ثوابه وعقابه (قوله: بما هو موافقة ومخالفة) يعني من حيث أنها موافقة ومخالفة للامر الغيري في قبال الامر النفسي (قوله: على المخالفة عند ترك) يعنى مخالفة الواجب النفسي الحاصلة بترك واحدة من
بما هي مقدمات له من باب أنه يصير حينئذ من أفضل الاعمال حيث صار أشقها، وعليه ينزل ما ورد في الاخبار من الثواب على المقدمات، أو على التفضل فتأمل جيدا، وذلك لبداهة أن موافقة الامر الغيرى بما هو أمر لا بما هو شروع في اطاعة الامر النفسي لا يوجب قربا ولا مخالفته بما هو كذلك بعدا والمثوبة والعقوبة انما يكونان من تبعات القرب والبعد (اشكال ودفع) أما الاول فهو أنه إذا كان الامر الغيري - بما هو - لا إطاعة له ولا قرب في موافقته ولا مثوبة على امتثاله فكيف حال بعض المقدمات كالطهارات حيث لا شبهة في حصول الاطاعة والقرب والمثوبة بموافقة امرها ؟ هذا - مضافا إلى أن الامر الغيرى لا شبهة في كونه توصليا
______________________________
*
المقدمات (قوله: بما هي مقدمات له) يعني للواجب والوجه في زيادة الثواب بذلك زيادة الانقياد التي هي المناط في زيادة الثواب في نظر العقل وعليه ينزل ما ورد من الاخبار: أفضل الاعمال أحمزها، لا على التفضل (قوله: ما ورد في الاخبار) كالواردة في زيارة الحسين عليه السلام من أن لكل قدم ثواب عتق عبد من أولاد اسمعيل وغيرها (أقول): ومثلها قوله تعالى: ذلك بأنهم لا يصيبهم ضمأ ولا نصب... الآية (قوله: أو على التفضل) هذا يتم لو لم يحكم العقل به (قوله: بما هو أمر) يعني أمر في قبال الامر النفسي (قوله: لا بما هو شروع) فان الامر النفسي كما يدعو إلى متعلقه يدعو إلى مقدماته فيمكن فعل المقدمة بدعوة الامر النفسي ويكون طاعة له (قوله: بعض المقدمات) يعنى المقدمات العبادية (قوله: بموافقة أمرها) أقول: الاشكال إنما يتوجه لو كان المراد من أمرها أمرها الغيري في قبال الامر النفسي أما لو كان المراد منه الامر الغيري بما انه من شئون الامر النفسي فلا توجه له أصلا لما عرفت من أنه لا بد أن يكون باعثا ومقربا بنحو يكونان من شئون بعث الامر النفسي ومقربيته (قوله: لا شبهة في كونه توصليا) يعنى بحيث يترتب الاثر المقصود من متعلقه وهو التوصل إلى ذي المقدمة بمجرد حصول متعلقه والا لم يكن متعلقه مقدمة للواجب
وقد اعتبر في صحتها اتيانها بقصد القرية، وأما الثاني فالتحقيق أن يقال: إن المقدمة فيها بنفسها مستحبة وعبادة وغاياتها إنما تكون متوقفة على إحدى هذه العبادات فلا بد أن يؤتى بها عبادة والا فلم يؤت بما هو مقدمة لها، فقصد القربة فيها انما هو لاجل كونها في نفسها أمورا عبادية ومستحبات نفسية لا لكونها مطلوبات غيرية، والاكتفاء بقصد أمرها الغيرى فانما هو لاجل انه يدعو إلى ما هو كذلك في نفسه حيث انه لا يدعو الا إلى ما هو المقدمة فافهم وقد تفصي عن الاشكال
______________________________
*
(قوله: وقد اعتبر) يعني فيدل ذلك على أن أمرها تعبدي، (قوله: واما الثاني) يعني الدفع (قوله: بنفسها مستحبة) هذا دفع للاشكال من الجهة الاولى يعني ان حصول الاطاعة وما يترتب عليها من القرب والمثوبة ليس بموافقة الامر الغيري بل هي في انفسها عبادات مستحبة شرعا مع قطع النظر عن الوجوب الغيري وتكون الاطاعة بها من جهة الانقياد إلى الاستحباب النفسي (فان قلت): إذا صارت واجبة للغير يزول الاستحباب فتتعين الاطاعة للامر الغيري " قلت ": ان كان الاستحباب من مراتب الوجوب والاختلاف بينهما بالضعف والشدة فطروء الوجوب يوجب تأكد أحدهما بالآخر ويزول حد الاستحباب وهو حد القلة لكن الحد لا يرتبط بالداعوية وانما الداعي ذات الرجحان وهي باقية، وان كان الاستحباب متقوما بالترخيص بالترك كما عرفت فزوال الترخيص بطروء عنوان المقدمية للواجب لا يقدح في داعوية الارادة الاستحبابية فالانبعاث يكون منها على كل حال (قوله: وغاياتها انما) هذا دفع للجهة الثانية يعني أن مقدميتها للواجب ليست قائمة بذوات الافعال مطلقا حتى يكون الاتيان بها - ولو لا على نحو العبادية - موجبا للتوصل إلى الواجب ومسقطا لامرها، بل هي قائمة بذوات الافعال بما أنها عبادة فلا بد من الاتيان بها كذلك والا فلم يؤت بالمقدمة ولا بما هو الواجب الغيري (قوله: فقصد القربة) رجوع لدفع الجهة الاولى (قوله: والاكتفاء بقصد) هذا دفع اشكال وهو
ان الموجب لعبادية هذه المقدمات لو كان هو الامر النفسي - كما ذكر - لا وجه للاكتفاء بقصد الامر الغيري " وتوضيح " الدفع أن قصد الامر الغيري ليس لانه باعث على ذات العمل الموجب لعباديته بل لانه باعث على اطاعة الامر النفسي الاستحبابي لان الامر الغيري قد عرفت انه يتعلق بما هو مقدمة والمقدمة من هذه الافعال ما كان في نفسه عبادة فالعبادية مفروضة في رتبة سابقة على الامر الغيري وليست آتية من قبله حتى يكون هو المقصود لذات العمل بل هو المقصود للاتيان به بنحو عبادي اعني بقصد امتثال امره النفسي (فان قلت): إذا كان الامر الغيري يدعو إلى موافقة الامر النفسي كان في غير رتبة الامر النفسي فيمتنع ان يكون احدهما مؤكدا للآخر لان الوجود المتأكد وجود واحد في رتبة واحدة وقد تقدم ان الوجوب الغيرى يؤكد الوجوب النفسي (قلت): ذات الافعال من حيث هي مقدمة للغاية كما ان صدورها عن دعوة الامر الشرعي مقدمة أخرى فيتعلق الوجوب الغيرى بكل منهما فالوجوب المتعلق بذوات الافعال يكون مؤكدا للاستحباب والوجوب المتعلق بطاعته يكون بمنزلة الحكم له فيكون في غير رتبته. ثم قد يستشكل على المصنف (ره) " تارة " بأن الدفع بذلك لا يطرد في التيمم لعدم استحبابه النفسي (وأخرى) بأنه يقتضي نية الندب بعد دخول الوقت كما قبله مع أن المعروف تعين نية الوجوب، بل عن العلامة (ره) في جملة من كتبه لزوم الاستئناف لو دخل الوقت في الاثناء، بل الظاهر أن نية الوجوب لا إشكال فيها ومرادهم منها بنحو الداعي لا داعي الداعي، ويمكن دفع الاول بأنه مصادرة فليكن هذا الاشكال كاشفا عن استحبابه، والثاني بانه لا يجدي ما لم يكن اجماعا معتبرا مع أن المحكي عن جماعة خلافه، وعن المدارك انه لم يقم دليل على نفي الاجزاء، ومثله ما عن غيره فراجع نعم يمكن الاشكال عليه بأن الامر الغيرى لا يعقل أن يدعو إلى طاعة الامر النفسي الاستحبابي بل الفعل الواقع في الخارج إما أن يكون عن دعوة الامر النفسي أو عن دعوة الامر الغيرى، وداعي الداعي في باب الاطاعة ممتنع كما أوضحناه فيما علقناه على مباحث
بوجهين آخرين (أحدهما) ما ملخصه أن الحركات الخاصة ربما لا تكون محصلة لما هو المقصود منها من العنوان الذي يكون بذاك العنوان مقدمة وموقوفا عليها فلا بد في اتيانها بذاك العنوان من قصد أمرها لكونه لا يدعو الا إلى ما هو موقوف عليه فيكون عنوانا اجماليا ومرآة لها فاتيان الطهارات عبادة واطاعة لامرها ليس لاجل أن امرها المقدمي يقضي بالاتيان كذلك، بل إنما كان لاجل إحراز نفس العنوان الذي يكون بذاك العنوان موقوفا عليها (وفيه) مضافا إلى أن ذلك لا يقتضي الاتيان بها كذلك لامكان الاشارة إلى عناوينها التي تكون بتلك العناوين موقوفا عليها بنحو آخر ولو بقصد أمرها وصفا
______________________________
الانسداد من الكتاب في إثبات أن أوامر الاطاعة ارشادية لا مولوية (فالاولى) في الجواب عن الاشكال المذكور بأن قصد الامر الغيرى بما انه من شؤون الامر النفسي الذي هو علة له لا مانع من كونه حافظا لعبادية المقدمات العبادية فيجوز فعلها بعد الوقت بقصد الامر الغيرى على النحو المذكور كما يجوز قصد الامر الاستحبابي النفسي كما سيجئ منه (ره) التعرض لذلك (قوله: بوجهين آخرين) ذكرهما في التقريرات مضافا إلى ما ذكره المصنف (ره) (قوله: ما ملخصه ان الحركات) ومحصله ان المقدمات العبادية ليست بذواتها مقدمة بل بمالها من العنوان الخاص وحيث انه لا يعلم بحصول ذلك العنوان بمجرد فعل المقدمات فلا بد من قصده في مقام فعلها وحيث انه لا طريق إلى قصده غير الامر إذ لا تعين له عند المكلف الا بذلك فيجب قصد الامر ليكون قصده قصدا للعنوان المأمور به بالامر الغيري (قوله: بالاتيان كذلك) يعني فيكون حينئذ عباديا فينافي ما سبق (قوله: الذي يكون) اسم يكون راجع إلى الاتيان (قوله: وفيه مضافا إلى) يعني ان قصد العنوان لا يتوقف على قصد الامر بنحو يوجب عبادية الفعل، بل يمكن ان يكون بواسطة قصد الامر وصفا بأن يقصد المكلف فعل العنوان الواجب بالوجوب الغيري وان كان الباعث له على فعله غير الامر الشرعي
لا غاية وداعيا بل كان الداعي إلى هذه الحركات الموصوفة بكونها مأمورا بها شيئا آخر غير أمرها، غير واف بدفع إشكال ترتب المثوبة عليها كما لا يخفى (ثانيهما) ما محصله ان لزوم وقوع الطهارات عبادة إنما يكون لاجل ان الغرض من الامر النفسي بغاياتها كما لا يكاد يحصل بدون قصد التقرب بموافقته كذلك لا يحصل ما لم يؤت بها كذلك لا باقتضاء أمرها الغيرى (وبالجملة) وجه لزوم اتيانها عبادة إنما هو لاجل ان الغرض في الغايات لا يحصل الا باتيان خصوص الطهارات من بين مقدماتها أيضا بقصد الاطاعة (وفيه) أيضا أنه غير واف بدفع اشكال ترتب المثوبة عليها (واما) ما ربما قيل في تصحيح اعتبار قصد الاطاعة في العبادات: من الالتزام بأمرين أحدهما كان متعلقا بذات العمل والثانى باتيانه بداعي امتثال الاول (لا يكاد) يجدي في تصحيح اعتبارها في الطهارات إذ لو لم تكن بنفسها مقدمة لغاياتها لا يكاد
______________________________
فلا يكون عبادة مع أنه إشكال في وجوب الاتيان بها بعنوان العبادة (قوله: لا غاية وداعيا) حتى تكون عبادة (قوله: شيئا آخر) من دواع شهوية أو غيرها فلا تكون عبادة (قوله: غير واف) الظاهر ان اصل العبارة: انه غير واف، والوجه في عدم وفائه ان غاية ما يقتضيه لزوم قصد الامر داعيا فتكون بذلك عبادة فيبقى اشكال ترتب الثواب عليها مع أن الامر الغيرى لا يترتب على موافقته الثواب (قوله: بموافقته) متعلق بقوله: يحصل (قوله: غير واف بدفع اشكال) كما تقدم في الجواب السابق بل ولا واف بدفع الجهة الاولى أعني عدم صلاحية الامر الغيري للمقربية، بل إنما يقتضي الفرق بين هذه المقدمات وغيرها من سائر المقدمات في أن عباديتها دخيلة في ترتب الغرض على ذي المقدمة دون غيرها من المقدمات (قوله: من الالتزام بأمرين) كما تقدم في مبحث التوصلي والتعبدي (قوله: لا يكاد يجري) جواب اما (قوله: بنفسها مقدمة) قد عرفت أن المعيار في مقدمية شئ لآخر كونه يلزم من عدمه العدم ومن المعلوم أن ذات العبادة يلزم من عدمها العدم فلابد أن يتعلق بها الامر الغيرى
يتعلق بها امر من قبل الامر بالغايات فمن اين يجيئ طلب آخر من سنخ الطلب الغيرى متعلق بذاتها ليتمكن به من المقدمة في الخارج ؟ هذا مع ان في هذا الالتزام ما في تصحيح اعتبار قصد الطاعة في العبادة على ما عرفته مفصلا سابقا فتذكر (الثاني) انه قد انقدح مما هو التحقيق في وجه اعتبار قصد القربة في الطهارات صحتها ولو لم يؤت بها قصد التوصل بها إلى غاية من غاياتها. نعم لو كان المصحح لاعتبار قصد القربة فيها أمرها الغيري لكان قصد الغاية مما لا بد منه في وقوعها صحيحة فان الامر الغيرى لا يكاد يمتثل الا إذا قصد التوصل إلى الغير حيث لا يكاد يصير داعيا الا مع هذا القصد، بل في الحقيقة يكون هو الملاك لوقوع المقدمة عبادة ولو لم يقصد أمرها بل ولو لم نقل بتعلق الطلب بها اصلا، وهذا هو السر في اعتبار قصد التوصل في وقوع المقدمة عبادة (لا ما توهم) من ان المقدمة إنما تكون مأمورا بها بعنوان
______________________________
(قوله: فمن أين يجئ) قد عرفت انه يجئ لكن مجيئه لا يفي بدفع الاشكال لان الامر الغيرى لا يصلح للمقربية ولا يوجب عبادية متعلقه حتى يتمكن به من المقدمة (قوله: مع ان في هذا) يعني برد عليه ما تقدم بيانه سابقا في مبحث التوصلي والتعبدي (قوله: في وجه اعتبار) يعني من كونها مستحبات نفسية ويكون الامر الاستحبابي هو الموجب لكونها عبادة (قوله: ولو لم يؤت بها) لان الامر الاستحبابي لا يرتبط بالغاية كي يتوهم دخل قصد التوصل إليها في تحقق الانقياد إليه (قوله: لكان قصد الغاية) قد عرفت ان الامر الغيرى لا يدعو إلى موضوعه بما أنه في قبال الامر النفسي بل إنما يدعو إليه بما انه من شئونه نظير الواسطة في التبليغ فالدعوة في الحقيقة للامر النفسي وبالتبع للامر الغيري وحيث أن الانبعاث من قبل الامر النفسي إنما يكون بقصد موضوعه كان الانبعاث من قبل الامر الغيرى كذلك المؤدي إلى قصد التوصل بالمقدمة إلى ذيها فصح حينئذ ان يقال: عبادية الامر الغيرى منوطة بقصد التوصل بموضوعه إلى موضوع الامر النفسي الذي هو الغاية (قوله: وهذا هو السر) يعني
المقدمية فلا بد عند ارادة الامتثال بالمقدمة من قصد هذا العنوان، وقصدها كذلك لا يكاد يكون بدون قصد التوصل إلى ذى المقدمة بها، فانه فاسد جدا، ضرورة ان عنوان المقدمية ليس بموقوف عليه الواجب ولا بالحمل الشايع مقدمة له وإنما كان المقدمة هو نفس المعنونات بعناوينها الاولية والمقدمية إنما تكون علة لوجوبها (الامر الرابع) لا شبهة في ان وجوب المقدمة - بناء على الملازمة - يتبع في الاطلاق والاشتراط وجوب ذي المقدمة كما اشرنا إليه في مطاوى كلماتنا ولا يكون مشروطا بارادته كما يوهمه ظاهر عبارة صاحب المعالم - رحمه الله - في بحث الضد قال: وأيضا فحجة القول بوجوب المقدمة على تقدير تسليمها إنما ينهض دليلا على الوجوب في حال كون المكلف مريدا للفعل المتوقف عليها كما لا يخفى على من أعطاها حق النظر وأنت خبير بأن نهوضها على التبعية واضح لا يكاد يخفى وان كان نهوضها على اصل الملازمة لم يكن
______________________________
*
كونه الملاك في وقوع المقدمة عبادة (قوله: لا يكاد يكون بدون) قصد التوصل مساوق لقصد الوصول، وأما قصد المقدمية فلا يلازم قصد الوصول لان صفة المقدمية ذاتية ولو في غير حال الوصول إلى ذى المقدمة، ولذا بنى المشهور على وجوب مطلق المقدمة ولو لم تكن موصلة لوجود صفة المقدمية فيها مطلقا. نعم لو أريد من المقدمية الصفة التي تضائفها المؤخرية كانت ملازمة لذى المقدمة وقصدها مساوق لقصده (قوله: ضرورة ان عنوان) كما تقدم أيضا في أول المبحث (قوله: على الملازمة) يعني بين وجوب الشئ ووجوب مقدماته (قوله: يتبع في) لانه معلول للوجوب النفسي وكل ما هو شرط للعلة شرط للمعلول (قوله: بارادته) يعنى ارادة ذى المقدمة (قوله: فحجة القول) المراد بها ما سيأتي من الاحتجاج بأنه لو لم تجب لجاز تركها... الخ (قوله: على التبعية) يعني التبعية في الاطلاق والاشتراط ووجه وضوحها في الاول انه لولا التبعية في الاطلاق بأن يكون وجوب ذى المقدمة مطلقا ووجوبها
بهذه المثابة كما لا يخفى، وهل يعتبر في وقوعها على صفة الوجوب ان يكون الاتيان بها بداعي التوصل بها إلى ذى المقدمة ؟ كما يظهر مما نسبه إلى شيخنا العلامة - أعلى الله مقامه - بعض أفاضل مقرري بحثه، أو ترتب ذي المقدمة عليها بحيث لو لم يترتب عليها يكشف عن عدم وقوعها على صفة الوجوب - كما زعمه صاحب الفصول قدس سره - أولا يعتبر في وقوعها كذلك شئ منهما الظاهر عدم الاعتبار أما عدم اعتبار قصد التوصل فلاجل ان الوجوب لم يكن بحكم العقل الا لاجل المقدمية والتوقف وعدم دخل قصد التوصل
______________________________
مشروطا يلزم جواز تركها وهو فاسد كما تضمنته الحجة وأما التبعية في الاشتراط بمعنى انه إن كان وجوب ذى المقدمة مشروطا كان وجوبها كذلك فالحجة لا تنهض عليها إلا بملاحظة عدم صحة الاحتجاج بها على الوجوب حينئذ فتأمل جيدا (قوله: بهذه المثابة) كما سيأتي بيانه في الاحتجاج ثم إن مراد المعالم إن كان إناطة الوجوب بارادة ذى المقدمة (ففيه) أن ارادة ذي المقدمة علة لارادة المقدمة ومعها تكون واجبة الوجود بالعرض فلا مجال للتكليف بها وان شئت قلت: شأن التكليف ان يكون داعيا للارادة فلا يكون منوطا بها، وان كان تقييد الواجب بها بحيث يكون الوجوب ثابتا للمقدمة المراد ذوها فهو قريب مما نسب إلى شيخنا الاعظم وسيأتي ما فيه
قصد التوصل
(قوله: كما يظهر مما نسبه إلى) الذي يظهر من كلماته في نية الوضوء من كتاب الطهارة أن قصد التوصل شرط في عبادية الواجب الغيرى قال (ره) في كلام له: فان الامتثال بالواجب الغيرى والاتيان به لاجل أمر الشارع توصلا إلى إباحة الصلاة مع عدم قصد التوصل به إلى الغير بل لغرض آخر لا يعد اطاعة وموافقة لذلك الامر ولا يصلح أن يكون هذا الفعل اطاعة لذلك الامر الغيرى انتهى، وكلام التقريرات مضطرب فبعضه ظاهر في ذلك وبعضه ظاهر فيما ذكر
فيه واضح، ولذا اعترف بالاجتزاء بما لم يقصد به ذلك في غير المقدمات العبادية لحصول ذات الواجب فيكون تخصيص الوجوب بخصوص ما قصد به التوصل من المقدمة بلا مخصص فافهم. نعم إنما اعتبر ذلك في الامتثال لما عرفت من انه لا يكاد يكون الآتى بها بدونه ممتثلا لامرها وآخذا في امتثال الامر بذيها فيثاب بثواب أشق الاعمال فيقع الفعل المقدمى على صفة الوجوب ولو لم يقصد به التوصل كسائر الواجبات التوصلية لا على حكمه السابق الثابت له لولا عروض صفة توقف الواجب الفعلي المنجز عليه، فيقع الدخول في ملك الغير واجبا إذا كان مقدمة لانقاذ غريق
______________________________
المصنف (ره) (قوله: فيه واضح) إذ مع أنه خلاف الوجدان أنه لو كان دخيلا لزم الدور لان قصد التوصل أيضا موقوف على المقدمية إذ لا معنى للتوصل بما ليس بمقدمة فلو توقفت المقدمية على قصد التوصل كان دورا (قوله: اعترف بالاجزاء) هذا يدل على ما ذكرنا (قوله: بلا مخصص) بل هو ممتنع لان الفعل المقيد بالارادة واجب كما هو الحال في كل معلول بشرط علته فلا يكون موضوعا للتكليف، وقد عرفت ان قصد التوصل عين الارادة الغيرية للشئ مع أن قصد التوصل لو كان بنحو يجب تحصيله لزم التكليف بالارادة والقصد المذكور وهو ممتنع لخروجها عن الاختيار - مضافا إلى أن الارادة التكوينية الغيرية إنما تتعلق بذات المقدمة لا خصوص المقصود بها التوصل، ولا فرق بين الارادة التكوينية والتشريعية ولعله إلى هذا أشار بقوله: فافهم (قوله: نعم إنما اعتبر ذلك في) يعني أن قصد التوصل ليس قيدا في الواجب وإنما هو شرط في إطاعة الامر الغيرى كما هو ظاهر الكلام المتقدم في طهارته (قوله: لما عرفت) يعني في التذنيب الثاني (قوله: فيقع الفعل) تفريع على عدم اعتبار قصد التوصل في وجوب المقدمة (قوله: صفة الوجوب) يعني وإن لم يكن طاعة وعبادة (قوله: لا على حكمه) معطوف على صفة الوجوب (قوله: فيقع الدخول في ملك) تفريع على وقوع المقدمة بصفة الوجوب ولو مع عدم قصد
أو إطفاء حريق واجب فعلي لا حراما وان لم يلتفت إلى التوقف والمقدمية غاية الامر يكون حينئذ متجرئا فيه كما انه مع الالتفات يتجرأ بالنسبة إلى ذى المقدمة فيما لم يقصد التوصل إليه اصلا، وأما إذا قصده ولكنه لم يأت بها بهذا الداعي بل بداع آخر أكده بقصد التوصل فلا يكون متجرئا أصلا (وبالجملة) يكون التوصل بها إلى ذى المقدمة من الفوائد المترتبة على المقدمة الواجبة لا ان يكون قصده قيدا وشرطا لوقوعها على صفة الوجوب لثبوت ملاك الوجوب في نفسها بلا دخل له فيه أصلا والا
______________________________
التوصل (وتوضيحه) أنه إذا توقف إنقاذ غريق أو إطفاء حريق واجب فعلي على الدخول في ملك الغير بغير اذنه فالدخول المذكور (تارة) يكون مع عدم التفات المكلف إلى انه مما يتوقف عليه الواجب (وأخرى) يكون مع التفاته لذلك مع عدم قصد التوصل به إليه (وثالثة) يكون مع التفاته لذلك وقصده التوصل به إليه لكنه لم يكن ناشئا عن محض قصد التوصل بل عنه وعن داع آخر، ففي الصورة الاولى يكون الدخول واجبا بلا معصية له فيه ويكون متجرئا فيه لانه أقدم على ما يعتقد كونه حراما وان لم يكن محرما واقعا، وفى الثانية يكون الدخول واجبا بلا معصية فيه ولا تحريم نعم يكون متجرئا في عدم قصد التوصل به إلى الواجب، وأما على رأى شيخنا الاعظم (ره) فانه يقع حراما ويكون المكلف عاصيا به في الصورتين معا، وفي الثالثة يقع واجبا بلا معصية فيه ولا تجرء لا فيه ولا في غيره، أما على مذهب شيخنا الاعظم (ره) فان اعتبر استقلال قصد التوصل في صدور المقدمة يكون الدخول حراما ومعصية لكون المفروض صدور الدخول عن داع آخر منضم إلى قصد التوصل، وان لم يعتبر ذلك كان الدخول واجبا لا غير (قوله: وان لم يلتفت) اشارة إلى الصورة الاولى (قوله: فيما لم يقصد) اشارة إلى الصورة الثانية (قوله: وأما إذا قصده) اشارة إلى الصورة الثالثة (قوله: لثبوت ملاك) وهو عنوان المقدمية (قوله: له فيه أصلا) يعني للقصد في الملاك
لما حصل ذات الواجب ولما سقط الوجوب به كما لا يخفى، ولا يقاس على ما إذا اتى بالفرد المحرم منها حيث يسقط به الوجوب مع انه ليس بواجب وذلك لان الفرد المحرم انما يسقط به الوجوب لكونه كغيره في حصول الغرض به بلا تفاوت اصلا الا أنه لاجل وقوعه على صفة الحرمة لا يكاد يقع على صفة الوجوب وهذا بخلاف ما ها هنا فانه ان كان كغيره مما يقصد به التوصل في حصول الغرض فلا بد ان يقع على صفة الوجوب مثله لثبوت المقتضي فيه بلا مانع والا لما كان يسقط به الوجوب ضرورة والتالي باطل بداهة فيكشف هذا عن عدم اعتبار قصده في الوقوع على صفة الوجوب قطعا وانتظر لذلك مهمة توضيح، والعجب أنه شدد النكير على القول بالمقدمة الموصلة واعتبار ترتب ذي المقدمة عليها في وقوعها على صفة الوجوب على ما حرره بعض مقرري بحثه - قدس سره - بما يتوجه على اعتبار قصد التوصل
______________________________
(قوله: بالفرد المحرم منها) يعني حيث يكون للمقدمة فردان أحدهما مباح والآخر حرام فان الحرام يسقط به الوجوب الغيري مع أنه ليس بواجب (قوله: وذلك لان الفرد) توضيح الفرق بين المقامين أن ملاك التحريم في الفرد المحرم لما لم يصلح ملاك الوجوب الغيري الموجود فيه لمزاحمته لامكان تحصيله بالفرد المباح بقي أثره وهو التحريم بحاله فيكون الفرد المحرم باقيا على تحريمه من دون أن يطرأ عليه وجوب غيري وان كان يسقط به لحصول ملاكه، أما المقدمة التي لم يقصد بها التوصل فملاك الوجوب فيها بلا مزاحم فلا بد أن تكون واجبة، وقصد التوصل مما لا دخل له في حصول الملاك وإلا لم يحصل بدونه فلا يتوقف ثبوت الوجوب عليه (قوله: لاجل) متعلق بقوله: لا يكاد يقع (قوله: وإلا لما) يعني وإن لم يثبت فيه المقتضي بلا مانع (قوله: وانتظر لذلك) فسيأتي منه في الاشكال على الفصول ما يتعلق بهذا المقام فلاحظ قوله: إن قلت، الثانية وجوابها (قوله: بما يتوجه على اعتبار) فانه قد استشكل على الفصول من
في وقوعها كذلك فراجع تمام كلامه - زيد في علو مقامه - وتأمل في نقضه وإبرامه وأما عدم اعتبار ترتب ذي المقدمة عليها في وقوعها على صفة الوجوب فلانه لا يكاد يعتبر في الواجب الا ما له دخل في غرضه الداعي إلى ايجابه والباعث على طلبه وليس الغرض من المقدمة الا
______________________________
جهات ثلاث " ملخص الاولى " منها أن الوجه في حكم العقل بوجوب المقدمة ليس إلا أن عدمها يوجب العدم " وملخص الثانية " أن القول بوجوب المقدمة الموصلة يوجب القول بوجوب مطلق المقدمة لان الامر بالمقيد بقيد خارجي يستتبع الامر بذات المقيد " وملخص الثالثة " دعوى الوجدان بسقوط الطلب بعد وجودها من غير انتظار ترتب ذي المقدمة، ولو لا أن لوجودها بذاتها مدخلا في المطلوبية لم يكن وجه للسقوط، وهذه الجهات - كما ترى - واردة بعينها على دعوى اعتبار قصد التوصل.
المقدمة الموصلة
(قوله: لا يكاد يعتبر في الواجب) هذا هو الاشكال الاول الذي ذكره في التقريرات (وتوضيحه) أنه لا ريب في أن الشئ الواحد إذا كان له مقدمات متعددة توقف وجوده على وجود جميعها ويكفي في عدمه عدم واحدة منها ولازم ذلك أن أثر كل واحدة من المقدمات حفظ الوجود من قبلها وسد باب من أبواب عدمه بحيث لو وجدت واحدة منها كان عدم الشئ مستندا إلى عدم غيرها من المقدمات وحيث أن الغرض الباعث على الامر بالشئ. نفسيا كان أو غيريا هو الغرض المترتب على وجوده فلا بد أن يكون الغرض من الامر الغيري بالمقدمة هو حفظ وجود ذيها من قبلها وسد باب من أبواب عدمه، لا نفس وجود ذيها، إذ المفروض أن وجوده ليس أثرا لوجود المقدمة وإذ كان الغرض من الامر بالمقدمة ذلك لم يكن وجه لتخصيص الوجوب بخصوص الموصلة لان الغرض المذكور كما
حصول ما لولاه لما أمكن حصول ذي المقدمة ضرورة انه لا يكاد يكون الغرض الا ما يترتب عليه من فائدته وأثره ولا يترتب على المقدمة الا ذلك ولا تفاوت فيه بين ما يترتب عليه الواجب وما لا يترتب عليه اصلا وانه لا محالة يترتب عليهما كما لا يخفى. وأما ترتب الواجب فلا يعقل أن يكون الغرض الداعي إلى ايجابها والباعث على طلبها فانه ليس باثر تمام المقدمات فضلا عن إحداها في غالب الواجبات فان الواجب الا ما قل في الشرعيات والعرفيات فعل اختياري
______________________________
يترتب على الموصلة يترتب على غيرها أيضا فيتبعه التكليف لانه تابع لغرضه سعة وضيقا (قوله: حصول ما لولاه لما) ضمير (لولاه) راجع إلى (ما) يعني: الغرض من المقدمة أثر لولاه لما أمكن حصول ذي المقدمة، ولاجله أمكن حصوله " اقول ": إمكان حصول ذي المقدمة ليس ناشئا من أثر المقدمة بل من إمكان المقدمة لان إمكان المعلول ناشئ من امكان علته - مع أن ذلك يتم في معطي القابلية من المقدمات لا في معطي الوجود كالمقتضي فان أثره نفس الوجود لا شئ به يتحصل الوجود (قوله: الا ذلك) يعني الاثر الذي به يمكن حصول ذي المقدمة (قوله: وأنه لا محالة) يعني الاثر لا محالة يترتب على الموصلة وغيرها (قوله: فلا يعقل أن يكون الغرض) أقول: من الواضح - كما تقدم أيضا - أن الواجب الغيري ما يجب لغيره بخلاف الواجب النفسي الذي يجب لنفسه والمراد من الغير في قولهم: لغيره، هو الواجب النفسي فيدل ذلك على أن الغرض من الواجب الغيري هو نفس الواجب النفسي لا أمر آخر - مضافا إلى أنه لا ريب في كون الغرض من الوجوب النفسي وجود موضوعه وتسليم ذلك يستلزم تسليم اختصاص الوجوب الغيري بحال وجود موضوع الوجوب النفسي إذ هو قضية التلازم بين الوجوبين وكون أحدهما معلولا للآخر ومن شئونه وأطواره - مع أن لازم دعوى كون الغرض من الوجوب الغيري مجرد التمكن من الواجب النفسي هو القول بوجوب فعل المقدمة ولو مع تعذر بقية المقدمات
يختار المكلف تارة اتيانه بعد وجود تمام مقدماته وأخرى عدم اتيانه فكيف يكون اختيار اتيانه غرضا من ايجاب كل واحدة من مقدماته مع عدم ترتبه على عامتها فضلا عن كل واحدة منها (نعم) فيما كان الواجب من الافعال التسبيبية والتوليدية كان مترتبا لا محالة على تمام مقدماته لعدم تخلف المعلول عن علته، ومن هنا قد انقدح أن القول بالمقدمة الموصلة يستلزم انكار وجوب المقدمة في غالب الواجبات والقول بوجوب خصوص العلة التامة في خصوص الواجبات التوليدية (فان قلت):
______________________________
لترتب الغرض على فعلها حينئذ والوجوب منوط بغرضه ولا يلتزم به أحد (وكون) الواجب النفسي لا يترتب على كل واحدة من المقدمات بل المترتب عليها أثر يمكن به حصول الواجب النفسي (مسلم) إلا أنه لا ينافي كون الغرض من وجوب كل واحدة من المقدمات الوجود الفعلي للواجب النفسي إذ لا يعتبر في الغرض ان يكون مرتبا على موضوع الامر مستقلا بل يجوز أن يكون مرتبا عليه ضمنا، ومن المعلوم أن المقدمات في ظرف اجتماعها يترتب الاثر على مجموعها بنحو يكون لكل واحدة منها دخل ضمني نظير تحريك العشرة للحجر الواحد فان حركة الحجر مستندة إلى حركة كل واحد منهم ضمنا وإن كان كل واحد منهم لا يترتب على حركته مستقلا حركة الحجر (قوله: يختار المكلف تارة) وحينئذ يترتب على تمام مقدماته (قوله: وأخرى عدم) يعني فلا يترتب على تمام مقدماته (قوله: يكون اختيار اتيانه) هذا ما ادعاه القائل بالمقدمة الموصلة وإنما ادعى أن نفس اتيانه غرض للوجوب الغيري فإذا لم يؤت به لعدم اختياره لم يترتب الغرض (قوله: عدم ترتبه على عامتها) هذا لا ينافي كونه غرضا للامر بها إذ لا يعتبر في الغرض أن يكون مترتبا على ذات المأمور به مطلقا كما تقدم في الاوامر العبادية (قوله: يستلزم انكار) هذا الاستلزام انما يتم لو كان المراد من الموصلة الفاعلة للايصال أما لو كان المراد ما يترتب الواجب على وجودها ولو لاجتماع تمام ما له الدخل في وجوده فلا يتم فان مقدمات الافعال الاختيارية إذا اتفق ترتب الواجب عليها
ما من واجب الاوله علة تامة ضرورة استحالة وجود الممكن بدونها فالتخصيص بالواجبات التوليدية بلا مخصص (قلت): نعم وان استحال صدور الممكن بلا علة الا ان مبادئ اختيار الفعل الاختياري من اجزاء علته وهى لا يكاد تتصف بالوجوب لعدم كونها بالاختيار والا لتسلسل - كما هو واضح لمن تأمل - ولانه لو كان معتبرا فيه الترتب لما كان الطلب يسقط بمجرد الاتيان بها من دون انتظار لترتب الواجب عليها بحيث لا يبقى في البين
______________________________
ولو لتعلق إرادة المكلف به كلها واجبة بالوجوب الغيري (قوله: بلا مخصص) فيكون الواجب بالوجوب الغيري هو تلك العلة في التوليديات وغيرها (قوله: الا أن مبادئ اختيار) يعني ان الفعل الاختياري لما كان متوقفا على الارادة كانت الارادة من مقدماته مضافة إلى سائر مقدماته ويكون مجموعها هو العلة (قوله: وهي لا تكاد تتصف) يعني وما عداها ليس بموصل حتى يتصف بالوجوب الغيري فلا وجوب غيري لمقدمات الفعل الاختياري (أقول): عرفت أن المراد من الموصلة ما يترتب عليها الواجب ولو بضميمة تمام ماله دخل في وجوده وما عدا الارادة من المقدمات قد يكون كذلك (قوله: كونها بالاختيار) لو فرض كونها بالاختيار لامتنع تعلق الامر الغيري بها لان تأثير الامر الغيري بها بتوسط إحداثه الداعي الموجب لارادتها وقد عرفت أن تأثير الوجوب الغيري في ذلك بملاك كونه من شئون الوجوب النفسي فالتأثير في الحقيقة يكون له وتأثير الوجوب النفسي عين إحداثه الارادة لمتعلقة المؤدية إلى ارادة مقدماته، ومن الواضح أن الارادة يمتنع ان تؤثر في ارداة أخرى متعلقة بها لان ذلك دور - مع أن تعلق الارادة بالارادة الحاصلة ممتنع لانه من قبيل تحصيل الحاصل (قوله: ولانه لو كان معتبرا فيه) هذا اشكال آخر على دعوى الفصول أشار إليه في التقريرات، وحاصله أن المسقط للتكليف في نظر العقل أحد أمور ثلاثة الموافقة والعصيان وارتفاع موضوع التكليف، ولا ريب في أن التكليف الغيري يسقط باتيان المقدمة كما لا ريب في أنه ليس من الاخيرين فيتعين
الا طلبه وايجابه كما إذا لم تكن هذه بمقدمة أو كانت حاصلة من الاول قبل ايجابه - مع ان الطلب لا يكاد يسقط الا بالموافقة أو العصيان والمخالفة أو بارتفاع موضوع التكليف كما في سقوط الامر بالكفن أو الدفن بسبب غرق الميت أحيانا أو حرقه ولا يكون الاتيان بها - بالضرورة - من هذه الامور غير الموافقة (ان قلت): كما يسقط الامر في تلك الامور كذلك يسقط بما ليس بالمأمور به فيما يحصل به الغرض منه كسقوطه في التوصليات بفعل الغير أو المحرمات (قلت): نعم لكن لا محيص عن ان يكون ما يحصل به الغرض من الفعل الاختياري للمكلف متعلقا للطلب فيما لم يكن فيه مانع وهو كونه بالفعل محرما، ضرورة أنه لا يكون بينهما تفاوت أصلا فكيف يكون أحدهما متعلقا له فعلا دون الآخر ؟ وقد استدل صاحب الفصول على ما ذهب إليه بوجوه
______________________________
أن يكون الاول ولازمه تعلق التكليف بمطلق المقدمة إذ لو كان الواجب خصوص الموصلة لم تتحقق الموافقة إلا في حال الايصال - مع أنه لا ريب في السقوط بمجرد فعل المقدمة بلا نظر إلى ثبوت الايصال (قوله: طلبه وايجابه) الضمير راجع إلى الواجب النفسي (قوله: نعم لكن لا محيص) يعني وان سلمنا انه قد يسقط التكليف بغير الثلاثة المتقدمة إذا كان يحصل به الغرض لكنه مختص بما لا يجوز التكليف به إما لكونه فعل الغير فلا يكون اختياريا أو محرما فلا يتعلق به الوجوب للتضاد، ولا يجري في فعل المكلف الاختياري غير المشتمل على مانع من طلبه لانه إذا كان كذلك وجب تعلق الطلب به بعد كونه مشتملا على المصلحة وواجدا لملاك الطلب كغيره مما هو موضوع للطلب فلا يمكن الالتزام بان فعل المقدمة ليس موضوعا للطلب وان كان يسقط به لحصول غرضه (قوله: من الفعل الاختياري) يعني كفعل الغير (قوله: فيما لم يكن) كما هو المفروض في الاستدلال (قوله: ضرورة أنه) تعليل لوجوب تعلق الطلب به (قوله: فكيف يكون احدهما) (أقول): قد عرفت الوجه فيه وأن الامر تابع لغرضه
حيث قال - بعد بيان أن التوصل بها إلى الواجب من قبيل شرط الوجود لها لا من قبيل شرط الوجوب ما هذا لفظه -: والذى يدلك على هذا - يعنى الاشتراط بالتوصل - أن وجوب المقدمة لما كان من باب الملازمة العقلية فالعقل لا يدل عليه زائدا على القدر المذكور، وأيضا لا يأبى العقل ان يقول الآمر الحكيم: أريد الحج وأريد المسير الذي يتوصل به إلى فعل الواجب دون ما لم يتوصل به إليه بل الضرورة قاضية بجواز تصريح الآمر بمثل ذلك كما أنها قاضية بقبح التصريح بعدم مطلوبيتها له مطلقا أو على تقدير التوصل بها إليه وذلك آية عدم الملازمة بين وجوبه ووجوب مقدماته على تقدير عدم التوصل بها إليه، وأيضا حيث أن المطلوب بالمقدمة مجرد التوصل بها إلى الواجب وحصوله فلا جرم يكون التوصل بها إليه وحصوله معتبرا في مطلوبيتها فلا تكون مطلوبة إذا انفكت عنه وصريح الوجدان قاض بأن من يريد شيئا بمجرد حصول شئ آخر لا يريده إذا وقع مجردا عنه ويلزم منه ان يكون وقوعه على الوجه المطلوب منوطا بحصوله. انتهى موضع الحاجة من كلامه زيد في علو مقامه،
______________________________
ضيقا وسعة فإذا كان الغرض من الامر الغيري الوجود الفعلي للواجب النفسي اختص الامر بما يترتب عليه ذلك الوجود ولا يشمل ما سواه فلو سلم سقوط الطلب حقيقة بمجرد فعل المقدمة ولو مع عدم الترتب واقعا لم يكن بد من الالتزام بأنه سقوط بغير موضوعه كما هو الحال أيضا في الوجوبات النفسية القائمة بأجزاء المركب فانها لما كانت ناشئة عن غرض واحد اختص كل منها بالجزء الملازم للجزء الآخر لا بشرط الآخر ولا لا بشرط فإذا جئ ببعض الاجزاء دون بعض سقط وجوب ذلك الجزء بغير موضوعه، وإن منعنا السقوط هنا أيضا لتلازم الوجوبات الضمنية في مقام الثبوت والسقوط فيمتنع سقوط بعضها دون بعض نعم يترتب على فعل بعض الاجزاء سقوط اقتضاء الوجوب للبعث ثانيا كان اللازم الالتزام به في المقام فلا يتم قوله في صدر الاستدلال: يسقط بمجرد الاتيان بها (قوله: حيث قال) ذكر ذلك في التنبيه الاول (قوله: شرط الوجوب) إذ لو كان الوجوب مشروطا بوجود
وقد عرفت بما لا مزيد عليه أن العقل الحاكم بالملازمة دل على وجوب مطلق المقدمة لا خصوص ما إذا ترتب عليها الواجب فيما لم يكن هناك مانع عن وجوبه كما إذا كان بعض مصاديقه محكوما فعلا بالحرمة لثبوت مناط الوجوب حينئذ في مطلقها وعدم اختصاصه بالمقيد بذلك منها، وقد انقدح منه أنه ليس للآمر الحكيم غير المجازف بالقول ذلك التصريح وان دعوى ان الضرورة قاضية بجوازه مجازفة كيف يكون ذا مع ثبوت الملاك في الصورتين بلا تفاوت اصلا كما عرفت ؟ (نعم) إنما يكون التفاوت بينهما في حصول المطلوب النفسي في إحداهما وعدم حصوله في الاخرى من دون دخل لها في ذلك اصلا، بل كان بحسن اختيار المكلف وسوء اختياره، وجاز للآمر أن يصرح بحصول هذا المطلوب في إحداهما وعدم حصوله في الاخرى، وحيث أن الملحوظ بالذات هو هذا المطلوب وانما كان الواجب الغيرى ملحوظا اجمالا بتبعه كما يأتي أن وجوب المقدمة على الملازمة تبعي جاز في صورة عدم حصول المطلوب النفسي التصريح بعدم حصول المطلوب اصلا لعدم التفاوت إلى ما حصل من المقدمة فضلا عن كونها مطلوبة كما جاز التصريح بحصول الغيرى مع عدم فائدته لو التفت إليها كما لا يخفى فافهم (ان قلت): لعل التفاوت بينهما في صحة اتصاف احداهما بعنوان الموصلية دون الاخرى اوجب التفاوت بينهما في المطلوبية وعدمها
______________________________
ذى المقدمة كان مشروطا بوجود نفس المقدمة ووجوب الشئ بشرط وجوده ممتنع (قوله: لثبوت مناط) قد عرفت الاشكال فيه (قوله: ذلك التصريح) لان التصريح خلاف حكم العقل (قوله: من دون دخل) لا إشكال في أنه في ظرف الترتب يكون الوجود مستندا إلى جميع المقدمات بحيث يكون لكل منها أثر فعلي ضمني فيجوز أن يكون غرضا للتكليف بها (قوله: بل كان يحسن) ليس حسن الاختيار تمام الدخيل في الترتب (قوله: هذا المطلوب في) يعني المطلوب النفسي (قوله: حيث ان) الظاهر ان اصل العبارة:
وجواز التصريح بهما وان لم يكن بينهما تفاوت في الاثر كما مر (قلت): إنما يوجب ذلك تفاوتا فيهما لو كان ذلك لاجل تفاوت في ناحية المقدمة لا فيما إذا لم يكن في ناحيتها اصلا كما ههنا ضرورة أن الموصلية إنما تنتزع من وجود الواجب وترتبه عليها من دون اختلاف في ناحيتها وكونها في كلتا الصورتين على نحو واحد وخصوصية واحدة ضرورة ان الاتيان بالواجب بعد الاتيان بها بالاختيار تارة وعدم الاتيان به كذلك أخرى لا يوجب تفاوتا فيها كما لا يخفى، وأما ما أفاده قدس سره من ان مطلوبية المقدمة حيث كانت بمجرد التوصل بها فلا جرم يكون التوصل بها إلى الواجب معتبرا فيها ففيه انه انما كانت مطلوبيتها لاجل عدم التمكن من التوصل بدونها لا لاجل التصول بها لما عرفت من أنه ليس من آثارها بل مما يترتب عليه أحيانا بالاختيار بمقدمات أخرى وهى مبادئ اختياره ولا يكاد يكون مثل ذا غاية لمطلوبيتها وداعيا إلى إيجابها وصريح الوجدان إنما يقضى بأن ما أريد لاجل غاية وتجرد عن الغاية بسبب عدم حصول سائر ما له دخل في حصولها يقع على ما هو عليه من المطلوبية الغيرية كيف وإلا يلزم أن يكون وجودها من قيوده ومقدمة لوقوعه على نحو تكون الملازمة بين وجوبه بذاك النحو ووجوبها وهو - كما ترى - ضرورة أن الغاية لا تكاد تكون قيدا لذى الغاية بحيث كان تخلفها موجبا لعدم وقوع ذى الغاية على ما هو عليه من المطلوبية الغيرية والا يلزم أن تكون مطلوبة بطلبه كسائر قيوده فلا يكون
______________________________
وحيث، وقوله: جاز في صورة، بمنزلة الجواب له (قوله: من دون اختلاف) لا إشكال في عدم الاختلاف في الذات بين الموصلة وغيرها إلا أن هذا غير كاف في وجوب الاتفاق في الحكم، ولذا ترى الواجبات الضمنية كأجزاء الواجب لا يتصف واحد منها بالوجوب إلا في حال الانضمام إلى غيره ففي حال الانفراد لا واجب ولا ذو مصلحة فليكن المقام كذلك (قوله: لا يوجب) قد عرفت أنه يوجب ذلك (قوله: لما عرفت) وعرفت ما فيه (قوله: مطلوبة بطلبه)
وقوعه على هذه الصفة منوطا بحصولها كما افاده، ولعل منشأ توهمه خلطه بين الجهة التقييدية والتعليلية هذا مع ما عرفت من عدم التخلف ههنا وأن الغاية إنما هو حصول ما لولاه لما تمكن من التوصل إلى المطلوب النفسي فافهم واغتنم. ثم انه
______________________________
فليزم اجتماع الوجوب النفسي والغيري في موضوع واحد ولا يمكن أن يؤكد احدهما الآخر لان احدهما علة والآخر معلول والعلية والمعلولية تستدعي تعدد الوجود (أقول): بل يلزم التسلسل لان الغاية إذا كانت قيدا لذى الغاية اعتبر في وجوبها الغيري الايصال ايضا فيثبت لها وجوب غيري بشرط الايصال وحينئذ يكون ذوها قيدا لها أيضا فيثبت له وجوب غيري بشرط الايصال وهكذا (أقول): في ظرف ثبوت الغاية لابد ان يكون ذو الغاية محققا فلا معنى لاشتراط الايصال في موضوعيتها للوجوب الغيري فلا مجال للتسلسل (ثم) إذا كان الوجوب الغيري بمنزلة الضد للوجوب النفسي كيف يكون معلولا له إذ الشئ لا يكون علة لضده فلا تكون الغاية واجبة بالوجوب الغيري، وأيضا فغاية ما يقتضي الاشكال المذكور امتناع أخذ الايصال شرطا في المقدمة ولا يقتضي وجوب مطلق المقدمة لجواز ان يكون الواجب هو الحصة الملازمة لوجود الغاية لا بشرط الغاية ولا لا بشرط كما هو الحال في أجزاء الواجب النفسي فان كل واحد لا يتصف بالوجوب بشرط الانضمام إلى الآخر ولا لا بشرط بل يثبت له الوجوب في حال الانضمام لا غير، وكلام الفصول لا يابى ذلك فلاحظ (قوله: خلطه بين الجهة) قد عرفت سابقا الفرق بين شرط الوجوب وشرط الواجب وأن الاول ما يكون علة لثبوت الحكم لموضوعه المعبر عنه بشرط الاحتياج، والثاني ما يكون دخيلا في ترتب الاثر المحتاج إليه على مقتضيه فيمتنع اخذ الاول شرطا للواجب بخلاف الثاني، وترتب الغاية من النوع الاول فان العلة في وجوب المقدمة مقدميتها للواجب وترتب وجوده عليها فيمتنع أن يؤخذ قيدا للمقدمة الواجبة (أقول): قد عرفت أنه مسلم إلا انه لا يقتضي كون الواجب مطلق المقدمة بل مقتضى كونه علة الوجوب
لا شهادة على الاعتبار في صحة منع المولى عن مقدماته بانحائها الا فيما إذا رتب عليه الواجب لو سلم أصلا ضرورة أنه وان لم يكن الواجب منها حينئذ غير المواصلة الا أنه ليس لاجل اختصاص الوجوب بها في باب المقدمة، بل لاجل المنع عن غيرها لمانع عن الاتصاف بالوجوب ها هنا كما لا يخفى - مع أن في صحة المنع عنه كذلك نظرا وجهه أنه يلزم أن لا يكون ترك الواجب حينئذ مخالفة وعصيانا لعدم التمكن شرعا منه لاختصاص جواز مقدمته بصورة الاتيان به
______________________________
عدم ثبوت الوجوب بدونه (ودعوى) أنه بوجوده العلمي علة لا بوجوده الخارجي والوجود العلمي غير منفك عنه ولذا اشتهر أن تخلف القيود قادح دون تخلف الدواعي فإذا أذن المالك لشخص في دخول ملكه مقيدا بكونه صديقا له لم يجز له الدخول إذا لم يكن صديقا له في الواقع، ولو كان بداعي كونه صديقا له جاز له الدخول وان لم يكن صديقا له (مندفعة) بأن ذلك يتم لو أمكن تخلف الوجود العلمي عن الوجود الواقعي لا في مثل الاوامر الشرعية (قوله: لا شهادة على الاعتبار) يعني قد يستشهد على اعتبار الايصال في المقدمة الواجبة بصحة النهي عن غير الموصل من المقدمات فيختص الوجوب بالموصل، لكنه في غير محله لان الاختصاص نشأ عن النهي عن غير الموصل فان النهي المذكور لما كان تعيينيا والوجوب الغيري تخييريا لم يصلح الثاني لمزاحمة الاول بل كان الاول هو المؤثر ويختص الثاني بغير مورد النهي. وهذا غير محل الكلام في اختصاص الوجوب بذاته في الموصلة لا بواسطة وجود المزاحم " أقول ": الذي يدعيه المستشهد أنه لا مزاحمة بين الامر الغيري والنهي في الفرض المذكور بحسب ارتكاز العقلاء بحيث لا يكون في مورد النهي مقتضي الوجوب بارتكازهم لا أنه يكون ويقدم عليه مقتضي التحريم كما يدعيه المصنف (قوله: لاختصاص جواز) وإذا ثبت هذا الاختصاص توقف الجواز على الاتيان فقبل الاتيان لا جواز وإذ لا جواز للمقدمة يكون ذو المقدمة غير مقدور لان الممتنع شرعا كالممتنع عقلا فيسقط
(وبالجملة): يلزم أن يكون الايجاب مختصا بصورة الاتيان لاختصاص جواز المقدمة بها وهو محال فانه يكون(١) من طلب الحاصل المحال فتدبر جيدا (بقي شئ) وهو أن
______________________________
الوجوب النفسي فلا يكون ترك ذي المقدمة عصيانا " أقول ": أولا بطلان اللازم المذكور غير ظاهر إذ لا مانع عقلا من عدم المعصية بترك الواجب في صورة النهي الا أن يكون مما لا يلتزم به المستدل فتأمل (وثانيا) أن توقف الجواز على الاتيان راجع إلى جعل الايصال شرطا للوجوب وهو غير المدعى فالجائز من المقدمة ما بعدها الاتيان لا ان المقدمة تكون جائزة بشرط الاتيان حتى يتوقف الجواز على الاتيان وإذا كان الاتيان قيدا للجائز كان ممكنا لامكان مقدمته عقلا ولا منع عنها شرعا نظير ما لو أذن المالك في الوضوء بمائه مقيدا بكونه يصلي فيه فان الوضوء يقع صحيحا لعدم المانع عنه شرعا إذا كان عازما على الصلاة بعده (وثالثا) أنك عرفت أن الاتيان ليس شرطا للمقدمة الجائزة أو الواجبة بل هو ملازم لها فلا مجال للاشكال (قوله: وبالجملة يلزم) كان الاولى ان يقول: وببيان آخر، لمخالفته لما قبله فلا يكون اجمالا له (قوله: من طلب الحاصل) لان الايجاب يتوقف على جواز المقدمة وهو يتوقف على إيصالها وهو يتوقف على الاتيان بها وهو يتوقف على فعل المقدمة فيلزم توقف ايجاب المقدمة على فعلها وهو طلب تحصيل الحاصل كما أشار إليه في الحاشية، لكنه يتوقف على إناطة التحريم بعدم الايصال ليكون نقيضه أعني الجواز منوطا بنقيضه وهو الايصال أما لو كان المراد أن موضوع التحريم الذات في حال عدم الايصال وموضوع الجواز الذات في حال الايصال فلا
______________
(١) حيث كان الايجاب فعلا متوقفا على جواز المقدمة شرعا وجوازها كذلك كان متوقفا على ايصالها المتوقف على الاتيان بذي المقدمة بداهة فلا محيص الا عن كون ايجابه على تقدير الاتيان به وهو من طلب الحاصل الباطن. (منه قدس سره) (*)
ثمرة القول بالمقدمة الموصلة هو تصحيح العبادة التى يتوقف على تركها فعل الواجب بناء على كون ترك الضد مما يتوقف عليه فعل ضده فان تركها - على هذا القول - لا يكون مطلقا واجبا ليكون فعلها محرما فتكون فاسدة، بل فيما يترتب عليه الضد الواجب ومع الاتيان بها لا يكاد يكون هناك ترتب فلا يكون تركها مع ذلك واجبا فلا يكون فعلها منهيا عنه فلا تكون فاسدة، وربما أورد على تفريع هذه الثمرة بما حاصله أن فعل الضد وان لم يكن نقيضا للترك الواجب مقدمة بناء على المقدمة الموصلة إلا أنه لازم لما هو من أفراد النقيض حيث أن نقيض ذاك الترك الخاص رفعه
______________________________
*
اشكال لعدم التوقف، ومنه يظهر اندفاع إشكال آخر وهو أن الوجوب الغيري إنما يتعلق بما يتوقف عليه الواجب النفسي والايصال مما لا دخل له في مقدمية المقدمة بل هي بذاتها مقدمة فان الايصال لم يؤخذ قيدا لموضوع الوجوب الغيري وكأن المشهور لما لم يصححوا الواسطة بين الاطلاق والتقييد ورأوا أن التقييد بالايصال يلزمه الاشكال من هذه الجهات تعين عندهم الاطلاق، لكن عرفت أنه لا مانع من الواسطة فيتعين القول بها بعد ما عرفت من امتناع الاطلاق. والله سبحانه أعلم، (قوله: ثمرة القول بالمقدمة) ذكرها في الفصول في مبحث الضد في تحقيق له في ثمرة الخلاف (قوله: على هذا القول) يعنى القول بالمقدمة الموصلة، (قوله: لا يكون مطلقا واجبا) يعنى لو قلنا بوجوب مطلق المقدمة يكون ترك الصلاة واجبا حيث تتوقف عليه الازالة وإذا كان ترك الصلاة واجبا كان فعلها حراما فتفسد العبادة أما إذا قلنا بوجوب خصوص الموصلة فترك الصلاة في الفرض المذكور لا يكون واجبا مطلقا بل هو بشرط الايصال واجب يعني ترك الصلاة الموصل للازالة واجب دون ترك الصلاة غير الموصل فالصلاة المأتي بها تركها ليس تركا موصلا لكون المفروض ترك الازالة وإذ لا يكون تركها موصلا لا يكون فعلها حراما فلا تكون فاسدة (قوله: وربما أورد على) المورد شيخنا الاعظم " ره " على ما في التقريرات (قوله: لم يكن نقيضا للترك)
وهو أعم من الفعل والترك الآخر المجرد وهذا يكفي في اثبات الحرمة والا لم يكن الفعل المطلق محرما فيما إذا كان الترك المطلق واجبا لان الفعل ايضا ليس نقيضا للترك لانه أمر وجودي ونقيض الترك انما هو رفعه ورفع الترك انما يلازم الفعل مصداقا وليس عينه فكما أن هذه الملازمة تكفي في اثبات الحرمة لمطلق الفعل فكذلك تكفي في المقام غاية الامر أن ما هو النقيض في مطلق الترك انما ينحصر مصداقه في الفعل فقط وأما النقيض للترك الخاص فله فردان وذلك لا يوجب فرقا فيما نحن بصدده كما لا يخفى (قلت): وأنت خبير بما بينهما من الفرق فان الفعل في الاول لا يكون إلا مقارنا لما هو النقيض من رفع الترك المجامع معه تارة ومع الترك المجرد
______________________________
لامكان ارتفاعها في الترك غير الموصل والنقيضان لا يرتفعان (قوله: وهو أعم من) يعني عموما مورديا لا افراديا والا كان الفعل من أفراد النقيض لا ملازم لفرده (قوله: المجرد) يعني عن خصوصية الايصال (قوله: وهذا يكفي) يعني كونه لازما لفرد النقيض (قوله: ليس نقيضا للترك) إذا كان الترك نقيضا للفعل كان الفعل نقيضا للترك لان التناقض من العناوين المتكررة النسبة نظير عنوان التضاد والتمانع والتماثل والتخالف فإذا صدقت النسبة في أحد الطرفين صدقت في الطرف الآخر، وكونه أمرا وجوديا لا ينافي ذلك وكون نقيض الشئ رفعه إن كان بمعنى لا نفسه فمقتضاه أن يكون نقيض الوجود العدم ونقيض العدم عدم العدم، ونقيض عدم العدم عدم عدم العدم، لا نفس العدم الذي هو نقيض الوجود وان كان امرا عدميا لانه ليس رفعا لعدم العدم لكن المحقق في محله أن المراد من الرفع القدر المشترك بين المبني للفاعل كاللاإنسان الرافع للانسان، والمبني للمفعول كالانسان المرفوع به اللاإنسان، كما صرح بذلك المحقق السبزواري في شرح قوله:
نقيض كل رفع أو مرفوع |
تعميم رفع لهما مرجوع |
فراجع (قوله: فله فردان) أقول: حيث عرفت أن المراد من
أخرى ولا يكاد يسرى حرمة الشئ إلى ما يلازمه فضلا عما يقارنه أحيانا. نعم لا بد أن لا يكون الملازم محكوما فعلا بحكم آخر على خلاف حكمه إلا أن يكون محكوما بحكمه وهذا بخلاف الفعل في الثاني فانه بنفسه يعاند الترك المطلق وينافيه لا ملازم لمعانده ومنافيه فلو لم يكن عين ما يناقضه بحسب الاصطلاح مفهوما لكنه متحد معه عينا وخارجا فإذا كان الترك واجبا فلا محالة يكون الفعل منهيا عنه قطعا فتدبر جيدا
______________________________
الموصلة المقدمة الملازمة للايصال في الخارج لا المقيدة به فالترك في ظرف الايصال نقيضه الفعل في ذلك الظرف، أما في ظرف عدم الايصال فليس نقيضا ولا لازما للنقيض فلا موجب لفساده لو كان عبادة. نعم لو كان المراد منها المقيدة بالايصال فالترك الموصل لما كان منحلا إلى ذات وقيد كان نقيضه كل من نقيضي ذاته وقيده ولا مقتضي لجعله الجامع بينهما كيف ونقيض الذات الوجود ونقيض القيد العدم ولا جامع بين الوجود والعدم فكيف يكون نقيضه الجامع بينهما ؟ (فان قلت): لو كان نقيض ذاته نقيضا له لزم ارتفاع النقيضين وهكذا الحال في نقيض قيده (قلت): كونه نقيضا له مبني على المسامحة بل هو نقيض ذاته لا غير إلا أنه لما كان منحلا إليها نسب النقيض إليه، وهكذا الحال في المركبات فانها بما أنها متكثرة في ذاتها فلكل من أجزائها نقيضه، وبما أنها مجتمعة تحت وحدة اعتبارية بها صارت أمرا مقيدا بالوحدة فنقيضها نقيض تلك الوحدة ونقيض كل من أجزائها فتأمل جيدا (قوله: لا بد أن لا يكون) كما سيأتي انشاء الله في مبحث الضد (قوله: يعاند الترك) المعاندة لا تقتضي تحريم ما يعاند الواجب الا إذا كانت بنحو المناقضة ومقتضي ما ذكره من أن نقيض الترك رفعه لا يكون الفعل رفعا للترك فلا يكون نقيضا له في الاصطلاح وأما الاتحاد معه عينا فأعظم إشكالا فان عدم الترك كيف يكون عين الوجود خارجا مع ما بين الوجود
(ومنها) تقسيمه إلى الاصلي والتبعي، والظاهر أن يكون هذا التقسيم (بلحاظ) الاصالة والتبعية في الواقع ومقام الثبوت حيث يكون الشئ تارة متعلقا للارادة والطلب مستقلا للالتفات إليه بما هو عليه مما يوجب طلبه فيطلبه كان طلبه نفسيا أو غيريا وأخرى متعلقا للارادة تبعا لارادة غيره لاجل كون ارادته لازمة لارادته من دون التفات إليه بما يوجب ارادته (لا بلحاظ) الاصالة والتبعية في مقام الدلالة والاثبات
______________________________
والعدم من التباعد فالتحقيق ينبغي أن يكون ما عرفت فافهم
الاصلى والتبعى
(قوله: ومنها تقسيمه) هذا ينبغي أن يذكر في ذيل الامر الثالث الموضوع لتقسيم الواجب (قوله: في الواقع ومقام الثبوت) الاختلاف بين الوجوب الاصلي والتبعي (تارة) يكون لاختلاف خصوصية الارادة من حيث كونها ناشئة تبعا لارادة أخرى أولا (وأخرى) لاختلاف خصوصية اللحاظ من حيث كون المراد ملحوظا تفصيلا أولا (وثالثة) لاختلاف خصوصية الدلالة من حيث كونه مدلولا عليه بالاصالة أو التبعية، الذي استظهره المصنف هو الثاني وهو ظاهر في التقريرات ايضا فالواجب الاصلي عنده هو الذي يكون مرادا بالالتفات إليه تفصيلا، والواجب التبعي ما يكون مرادا ارتكازا مع عدم الالتفات إليه تفصيلا وحيث أن التقابل على هذا النحو يقتضي اتصاف كل من الوجوب النفسي والغيري بالاصالة والتبعية قيد الوجوب التبعي بما كانت ارادته تبعا لارادة غيره فمثل انقاذ ولد المولى من الغرق مع عدم الالتفات إليه تفصيلا ليس واجبا تبعيا لان مصلحته نفسية فلا يكون مرادا تبعا لارادة أخرى كما سيصرح به لكنه لا يدخل في الواجب الاصلي لعدم الالتفات إليه تفصيلا فلا يكون أصليا ولا تبعيا مع كون ظاهرهم الانحصار في القسمين (قوله: في مقام الدلالة والاثبات) كما هو
فانه يكون في هذا المقام تارة مقصودا بالافادة وأخرى غير مقصود بها على حدة إلا انه لازم الخطاب كما في دلالة الاشارة ونحوها. وعلى ذلك فلا شبهة في انقسام الواجب الغيري اليهما واتصافه بالاصالة والتبعية كلتيهما حيث يكون متعلقا للارادة على حدة عند الالتفات إليه بما هو مقدمة، وأخرى لا يكون متعلقا لها كذلك عند عدم الالتفات إليه كذلك فانه يكون لا محالة مرادا تبعا لارادة ذي المقدمة على الملازمة، كما لا شبهة في اتصاف النفسي ايضا بالاصالة ولكنه لا يتصف بالتبعية ضرورة أنه لا يكاد يتعلق به الطلب النفسي ما لم يكن فيه مصلحة نفسية ومعها يتعلق الطلب بها مستقلا ولو لم يكن هناك شئ آخر مطلوب أصلا كما لا يخفى. نعم لو كان الاتصاف بهما بلحاظ الدلالة اتصف النفسي بهما ايضا ضرورة انه قد يكون غير مقصود بالافادة بل افيد بتبع غيره المقصود بها لكن الظاهر - كما مر - أن الاتصاف بهما انما هو في نفسه لا بلحاظ حال الدلالة عليه والا لما اتصف بواحدة منهما إذا لم يكن بعد مفاد دليل وهو كما ترى. ثم إنه إذا كان الواجب التبعي ما لم يتعلق به ارادة مستقلة فإذا شك في واجب انه أصلي أو تبعي فبأصالة عدم تعلق ارادة مستقلة به
______________________________
ظاهر الفصول وحكاه عن القوانين لكن بشرط أن تكون الدلالة لفظية واستشكل عليه بعدم وضوحه (قوله: دلالة الاشارة) وهي ما يكون المدلول فيها غير مقصود بالخطاب كدلالة الآيتين على أقل الحمل (قوله: ونحوها) كدلالة المفاهيم كما صرح به في الفصول (قوله: وعلى ذلك) يعني ما ذكره أولا، (قوله: بها مستقلا) لكن عرفت بانه بلا التفات إليه تفصيلا فلا يدخل في الاصلي (قوله: اتصف النفسي) كما صرح به في الفصول (قوله: إذا لم يكن مفاد) بل لو كان مفاد دليل يكون اتصافه بهما بالعرض والمجاز (قوله: كما ترى) يعني خلاف ظاهرهم ولا يخلو من تأمل بعد نقل العلمين
يثبت انه تبعي ويترتب عليه آثاره إذا فرض له أثر شرعى كسائر الموضوعات المتقومة بأمور عدمية. نعم لو كان التبعى أمرا وجوديا خاصا غير متقوم بعدمي وان كان يلزمه لما كان يثبت بها الا على القول بالاصل المثبت كما هو واضح فافهم (تذنيب) في بيان الثمرة وهي في المسألة الاصولية كما عرفت سابقا ليست الا أن تكون نتيجتها صالحة للوقوع في طريق الاجتهاد واستنباط حكم فرعي - كما لو قيل بالملازمة في المسألة - فانه بضميمة مقدمة كون شئ مقدمة لواجب يستنتج انه واجب ومنه قد انقدح انه ليس منها مثل برء النذر باتيان مقدمة واجب عند نذر الواجب
______________________________
*
(رحمهما الله) المتقدمين ذلك (قوله: يثبت أنه تبعي) خلافا للتقريرات فانه بعد ما ذكر فيها أن التبعي ما لم تتعلق به إرادة مستقلة ذكر أن اصالة عدم تعلق الارادة المستقلة بالواجب لا تثبت أنه تبعي (قوله: إذا فرض) لم يظهر لهذا الفرض خارجية إلا في النذر ونحوه (قوله: كسائر الموضوعات) يعني يجري الاصل لاثباتها باثبات قوامها العدمي (فان قلت): الواجب قد علم تعلق الارادة به وإنما الشك في أنها مستقلة أو غير مستقلة ولا أصل يجري لاثبات احدهما لعدم اليقين السابق به (قلت): العلم بتعلق الارادة به لا يوجب انتقاض العلم بعدم تعلق الارادة المستقلة به أزلا فلا مانع من استصحابه (قوله: لما كان يثبت بها) وكأن هذا هو مراد التقريرات (قوله: وهي في المسألة) تقدم مثل هذا التعبير في الصحيح والاعم (قوله: يستنتج أنه واجب) ضم هذه المقدمة إلى النتيجة لا يكفي في استنباط الوجوب فانه يقال: الوضوء مثلا مقدمة للصلاة، وكل ما هو مقدمة لشئ لزم من وجوب الشئ وجوبه، ونتيجته: الوضوء يلزم من وجوب الصلاة وجوبه، وليس ذلك حكما فرعيا بل هو صغرى للمسألة الاصولية المذكورة إلا ان يؤلف مضمون النتيجة المذكورة مع مقدمة أخرى فيقال: إن كانت الصلاة واجبة فالوضوء واجب، لكنها واجبة فهو واجب، وهو الحكم الفرعي الكلي (قوله: مثل برء النذر) لانه ليس
وحصول الفسق بترك واجب واحد بمقدماته إذا كانت له مقدمات كثيرة لصدق الاصرار على الحرام بذلك وعدم جواز اخذ الاجرة على المقدمة مع أن البرء وعدمه انما يتبعان قصد الناذر فلا برء باتيان المقدمة لو قصد الوجوب النفسي كما هو المنصرف عند اطلاقه - ولو قيل بالملازمة - وربما يحصل البرء به لو قصد ما يعم المقدمة - ولو قيل بعدمها - كما لا يخفى، ولا يكاد يحصل الاصرار على الحرام بترك واجب ولو كانت له مقدمات غير عديدة لحصول العصيان بترك اول مقدمة لا يتمكن معه من الواجب ولا يكون ترك سائر المقدمات بحرام اصلا لسقوط التكليف حينئذ كما هو واضح لا يخفى، وأخذ الاجرة على الواجب لا بأس به إذا لم يكن ايجابه على المكلف مجانا وبلا عوض بل كان وجوده المطلق مطلوبا كالصناعات الواجبة كفائيا التى لا يكاد ينتظم بدونها البلاد ويختل لولاها معاش العباد، بل ربما يجب أخذ الاجرة عليها لذلك أي لزوم الاختلال وعدم الانتظام لولا اخذها هذا في الواجبات التوصلية
______________________________
حكما كليا فرعيا كما تقدم في الصحيح والاعم (قوله: وحصول الفسق) معطوف على قوله: برء النذر، يعني ليس هو ثمرة أيضا كما تقدم في النذر (قوله: لصدق) تعليل لحصول (قوله: وعدم جواز) معطوف على قوله: برء النذر، وهذه الثلاثة مترتبة على تقدير القول بالوجوب (قوله: مع ان البرء) هذا مسلم لكن لو قصد مطلق الواجب شرعا ترتب البرء وعدمه على الخلاف هنا (قوله: ما يعم المقدمة) بأن يكون المراد من الواجب ما لزم فعله ولو عقلا (قوله: ولا يكاد يحصل) قدح في الثمرة الثانية (قوله: لحصول العصيان) هذا لا يتم لو لم تكن مترتبة بل كانت كلها في آن واحد فان ترك الجميع إصرار إلا أن يكون المراد من الاصرار تكرر المعصية في زمانين ولا يكفي فيه تعددها في زمان واحد ولو ابدله بعدم الدليل على كون الاصرار القادح في العدالة يشمل ترك المقدمات لكان أولى (قوله: وأخذ الاجرة) قدح في
وأما الواجبات التعبدية فيمكن أن يقال بجواز أخذ الاجرة على اتيانها بداعي امتثالها لا على نفس الاتيان كي ينافي عباديتها فيكون من قبيل الداعي إلى الداعي غاية الامر يعتبر فيها كغيرها ان يكون فيها منفعة عائدة إلى المستأجر كيلا يكون المعاملة سفهية وأخذ الاجرة عليها اكلا بالباطل، (وربما) يجعل من الثمرة اجتماع الوجوب والحرمة إذا قيل بالملازمة فيما كانت المقدمة محرمة فيبتني على جواز اجتماع الامر والنهي وعدمه بخلاف ما لو قيل بعدمها وفيه (أولا) انه لا يكون من باب الاجتماع كي تكون مبتنية عليه لما اشرنا إليه غير مرة ان الواجب ما هو بالحمل الشايع
______________________________
الثمرة الثالثة يعني أن القول بوجوب المقدمة لا يقتضي القول بعدم جواز أخذ الاجرة عليها لعدم الدليل على ذلك مطلقا بل الثابت عدم جواز أخذها على الواجب فعله مجانا وحينئذ لا يجوز أخذ الاجرة عليه ولو لم نقل بالوجوب (قوله: على إتيانها بداعي) يعني أن الاجرة (تارة) تبذل بازاء نفس الفعل (واخرى) بازاء صدوره عن داعي امتثال الامر، والنحو الاول غير جائز لانه يمنع من تحقق الاطاعة للامر بل الفعل يكون إطاعة للمستأجر لا غير أما النحو الثاني فلا بأس به لان المستأجر عليه الفعل عن داعي الامر فلا بد في مقام الوفاء بالاجارة من قصد الفعل لله سبحانه ويكون الداعي إليه امره تعالى غاية الامر يقصد صدور الفعل عن داعي الامر بداعي أمر المستأجر فيكون من قبيل داعي الداعي ويكون الفعل واجدا لما يعتبر فيه من كونه طاعة وعبادة (أقول): بنى على هذا جماعة من الاكابر لكنه غير واضح لان داعي الامر المعتبر في صدق الطاعة والعبادة يعتبر أن يكون بنحو يستحق به على الآمر الجزاء وبه يكون متقربا إليه والفعل الصادر على النحو المذكور ليس كذلك ولذا لو أمر زيد بكرا باطاعة عمرو فاطاعه لم يستحق على عمرو ثوابا أصلا ولا يكون إلا مستحقا على زيد لا غير لانه إطاعة له دون عمرو، ولاجل هذا ونحوه كانت أوامر الاطاعة ارشادية لا مولوية كما اشرنا إليه سابقا وأوضحناه في محله وكفى شاهدا بما ذكرنا ما في مرتكز المتشرعة من كون العبادة
مقدمة لا بعنوان المقدمة فيكون على الملازمة من باب النهى في العبادة والمعاملة (وثانيا) أن الاجتماع وعدمه لا دخل له في التوصل بالمقدمة المحرمة وعدمه اصلا فانه يمكن التوصل بها ان كانت توصلية ولو لم نقل بجواز الاجتماع وعدم جواز التوصل بها ان كانت تعبدية على القول بالامتناع قيل بوجوب المقدمة أو بعدمه وجواز التوصل بها على القول بالجواز كذلك أي قيل بالوجوب أو بعدمه، وبالجملة لا يتفاوت الحال في جواز التوصل بها وعدم جوازه اصلا بين ان يقال بالوجوب أو يقال بعدمه كما لا يخفى.
______________________________
على النحو المذكور من أوضح المنكرات الشرعية وللكلام في المسألة مقام آخر (قوله: لا بعنوان المقدمية) لما عرفت من أن العنوان المذكور من العناوين التعليلية لا التقييدية فلا تكون موضوعا للحكم (قوله: من باب النهي في العبادة) هذا إذا كان النهي عن العنوان الاولي الذاتي وإلا فلو كان بعنوان ثانوي عرضي كان العنوان الذاتي موضوعا للوجوب ويكون من صغريات الاجتماع (قوله: ان الاجتماع وعدمه لا دخل) يعني أن مجرد صيرورة المقدمة من صغريات مسألة الاجتماع على القول بالوجوب لا يصلح أن يكون ثمرة للمسألة الاصولية إلا بلحاظ ترتب الثمرة المترتبة على تلك المسألة عليها - مع أنها لا تترتب عليها لان الوجوب الغيري - لو قيل به - لا يصحح عبادية المقدمة كما تقدم فلا ينفع القول به في صحتها على القول بالجواز أو الامتناع وتقديم جانب الامر، وإن قيل بالصحة هناك بناء على ذلك (قوله: ولو لم نقل بجواز) لان التوصل بها ذاتي غير مستند إلى الامر بها (أقول): هذا ليس فارقا بين المقام وتلك المسألة بل هو ثابت هناك أيضا (قوله: قيل بوجوب) لما عرفت من أن الوجوب الغيري لا يجدي في العبادية ولو بني على تقديمه على النهي وبهذا تفترق عن تلك المسألة (قوله: التوصل بها) يعني ان كانت تعبدية (قوله: أو بعدمه) لان عباديتها مستندة إلى غير الوجوب الغيري فهو المصحح لكونها عبادة كان وجوب
في تأسيس الاصل في المسألة
اعلم انه لا اصل في محل البحث في المسألة فان الملازمة بين وجوب المقدمة ووجوب ذى المقدمة وعدمها ليست لها حالة سابقة بل تكون الملازمة أو عدمها ازلية نعم نفس وجوب المقدمة يكون مسبوقا بالعدم حيث يكون حادثا بحدوث وجوب ذي المقدمة فالاصل عدم وجوبها (وتوهم) عدم جريانه لكون وجوبها على الملازمة من قبيل لوازم الماهية غير مجعولة
______________________________
غيري أو لم يكن. نعم التحريم مع الامر الحافظ لعباديتها يكونان موضوعا للامتناع والاجتماع لو كان لهما مجمع واحد
تأسيس الاصل
(قوله: نفس وجوب) لكن الوجوب المذكور ليس مبحوثا عنه في المسألة كما تقدم (قوله: فالاصل عدم) لكن لا يترتب على الاصل المذكور جواز الترك عقلا والامن من العقاب عليه كما يترتب عليه في سائر المقامات إذ لا ريب في لابدية فعل المقدمة في نظر العقل فرارا عن معصية الوجوب النفسي، ومنه يظهر أنه لا تجري البراءة العقلية في نفيه ولا ما هو نظيرها كحديث الرفع، والكلام في الارادة هو الكلام في الوجوب بعينه. نعم لو فرض ترتب أثر عملي على وجوبه جرت اصالة عدمه ويترتب عليها نفي ذلك الاثر حينئذ (قوله: من قبيل لوازم الماهية) المعروف ظاهرا في لوازم الماهية أنها أمور انتزاعية اعتبارية يكون منشأ انتزاعها واعتبارها نفس الماهية مع قطع النظر عن وجودها ذهنا أو خارجا كالزوجية للاربعة ولاجل ذلك كان جعلها عرضا بجعل الماهية حقيقة فالمجعول في الحقيقة هو منشأ الاعتبار دون الامر الاعتباري وإن نسب إليه الجعل بالعرض (قوله: غير مجعولة) يعني فلا يكون الوجوب امرا شرعيا فلا يكون عدمه كذلك لان العدم تابع للوجود
ولا اثر آخر مجعول مترتب عليه، ولو كان لم يكن بمهم ههنا (مدفوع) بأنه وان كان غير مجعول بالذات لا بالجعل البسيط الذي هو مفاد كان التامة ولا بالجعل التأليفي الذي هو مفاد كان الناقصة إلا أنه مجعول بالعرض ويتبع جعل وجوب ذى المقدمة وهو كاف في جريان الاصل
______________________________
في ذلك (قوله: ولا أثر آخر مجعول) يعني وليس له أثر آخر مجعول للشارع حتى يكون موضوعا للاثر الشرعي، وعلى هذا فلا يجري فيه الاستصحاب لانه يعتبر في مجراه أن يكون إما أثرا شرعيا أو موضوعا له كما تكرر بيانه (قوله: لم يكن بمهم ههنا) يعني في هذه المسألة الكلية بل يختص بذلك المورد الذي يكون له فيه أثر (قوله: بالذات) يعني حقيقة (قوله: لا بالجعل البسيط) الوجود ينقسم إلى نفسي ورابطي (والاول) وجود الشئ في نفسه ويقال له: الوجود المحمولي، وقد يسمى بالرابط في لسان بعض وهو مفاد كان التامة مثل قولنا: وجد زيد، (والثاني) وجوده لا في نفسه وهو مفاد كان الناقصة مثل قولنا: كان زيد قائما، فالجعل إن تعلق بالقسم الاول يسمى جعلا بسيطا وإن تعلق بالقسم الثاني يسمى جعلا مؤلفا (قوله: إلا انه مجعول بالعرض) يعني ينسب إليه الجعل بالعرض والمجاز (أقول): أما حال الارادة الغيرية بالاضافة إلى الارادة النفسية فليس حال لازم الماهية بالاضافة إليها فانهما معا أمران حقيقيان خارجيان غاية الامر أن يكون أحدهما معلولا للآخر وقد عرفت أن لازم الماهية دائما يكون من الاعتباريات وأما حال الوجوب الغيري بالاضافة إلى الوجوب النفسي فان أريد من الوجوب نفس إظهار الارادة بداعي البعث فاظهار الارادة الغيرية أجنبي عن إظهار الارادة النفسية فانه مثله وهما معا أمران حقيقيان معلولان للارادتين اللتين إحداهما معلولة للاخرى وأن أريد من الوجوب الامر الاعتباري المنتزع عن مقام إظهار الارادة فهو وإن كان أمرا اعتباريا لكنه أجنبي عن الوجوب النفسي بل جعله بجعل منشأ اعتباره، كما أن الوجوب النفسي كذلك، وبالجملة التوهم
(ولزوم) التفكيك بين الوجوبين مع الشك لا محالة لاصالة عدم وجوب المقدمة مع وجوب ذي المقدمة (لا ينافي) الملازمة بين الواقعيين وانما ينافي الملازمة بين الفعليين (نعم) لو كانت الدعوة هي الملازمة المطلقة حتى في المرتبة الفعلية لما صح التمسك بالاصل كما لا يخفى إذا عرفت ما ذكرنا فقد تصدى غير واحد من الافاضل لاقامة البرهان على الملازمة وما اتى منهم بواحد خال من الخلل والاولى احالة ذلك إلى الوجدان حيث انه اقوى شاهد على ان الانسان إذا اراد شيئا له مقدمات اراد تلك المقدمات لو التفت إليها بحيث ربما يجعلها في قالب الطلب مثله
______________________________
*
المذكور لا أساس له ظاهر يبتني عليه ليتكلف الجواب عنه (قوله: ولزوم التفكيك) اشارة إلى اشكال آخر وهو أن إجراء اصالة عدم وجوب المقدمة يقتضي الحكم بعدم وجوبها فيحصل العلم بالتفكيك بن الوجوب النفسي والوجوب الغيري والعلم المذكور ينافي احتمال الملازمة فإذا فرض ثبوت احتمال الملازمة ثبت امتناع العلم بالتفكيك الحاصل من جريان الاصل فيقتضي عدم جريانه (قوله: لا ينافي) دفع للاشكال يعني أن الاصل إنما يوجب العلم بالانفكاك ظاهرا وهو لا ينافي احتمال الملازمة بينهما واقعا وإنما ينافي احتمال الملازمة بينهما ظاهرا لكنها غير المدعى (قوله: اراد تلك المقدمات) الكلام تارة في الارادة الغيرية، وأخرى في البعث الغيرى مولويا، وثالثة في الوجوب الاعتباري الغيرى، أما ثبوت الارادة الغيرية فيكفي فيه وضوحا قياس الارادة التشريعية على الارادة التكوينية فان من أراد أن يفعل شيئا له مقدمات اراد مقدماته بارادة مثل إرادته للشئ غاية الامر أن احداهما نفسية والاخرى غيرية، وكذلك حال من أراد تشريعا فعل شئ له مقدمات بلا فرق بين المقامين أما صحة البعث مولويا إلى المقدمة زائدا على البعث إلى ذيها فيدفعها، ان البعث إلى ذيها كاف في البعث إليها في نظر العقل فيكون البعث إليها لغوا (وما يقال): من انه يكفي في رفع لغويته صلاحيته للدعوة بنفسه (مندفع) فانه كيف يصلح لذلك مع ما تقدم من أنه لا يوجب ثوابا ولا
ويقول مولويا: ادخل السوق واشتر اللحم، مثلا بداهة أن الطلب المنشأ بخطاب (ادخل) مثل المنشأ بخطاب: (اشتر) في كونه بعثا مولويا وانه حيث تعلقت ارادته بايجاد عبده الاشتراء ترشحت منها له ارادة اخرى بدخول السوق بعد الالتفات إليه وانه يكون مقدمة له كما لا يخفى، ويؤيد الوجدان بل يكون من اوضح البرهان وجود الاوامر الغيرية في الشرعيات والعرفيات لوضوح انه لا يكاد متعلق بمقدمة امر غيرى الا إذا كان فيها مناطه وإذا كان فيها كان في مثلها فيصح تعلقه به أيضا لتحقق ملاكه ومناطه والتفصيل بين السبب وغيره والشرط الشرعي وغيره سيأتي بطلانه وانه لا تفاوت في باب الملازمة بين مقدمة ومقدمة ولا بأس بذكر الاستدلال الذي هو كالاصل لغيره مما ذكره الافاضل من الاستدلالات وهو ما ذكره أبو الحسن البصري وهو انه لو لم يجب المقدمة لجاز تركها وحينئذ فان بقي الواجب على وجوبه يلزم التكليف بما لا يطاق وإلا خرج الواجب المطلق عن
______________________________
*
عقابا فان ذلك مانع عن ثبوت الداعوية له فلا يصلح للبعث والتحريك إلى متعلقه مع انه لو فرض كونه موجبا للثواب والعقاب فانما هو بملاحظة حكايته عن الارادة الكامنة في نفس المولى، ومن المعلوم ان البعث إلى الواجب النفسي كما يحكي عن الارادة النفسية يحكي عن الارادة الغيرية لمقدمته فالبعث إليها لا تترتب عليه الحكاية عنها. نعم مع الجهل بالمقدمية يحسن البعث إليها إرشادا إلى مقدميتها أما مولويا فقد عرفت أنه دائر مدار الثواب والعقاب غير المترتبتين على موافقته ومخالفته وأما نفس اعتبار الوجوب فهو ثابت قطعا لكن منشأ اعتباره الامر النفسي لا الغيري لعدم صلاحيته لاعتباره بعد عدم الداعوية فيه فتكون المقدمة واجبة للامر النفسي فيحصل ثبوت الارادة الغيرية للمقدمة وثبوت الوجوب لها وعدم صحة البعث إليها فتأمل جيدا (قوله: ويقول مولويا) قد عرفت إشكاله (قوله: وجود الاوامر الغيرية) في كونها مولوية تأمل ظاهر عرفته بل هي إرشادية كما يشهد به سياقها مساق أوامر الشرائط في المعاملات، بل استهجان الامر بالمقدمة المعلومة المقدمية إلا مع غرض آخر غير الارشاد والتحريك (قوله: كان في مثلها)
وجوبه، وفيه - بعد إصلاحه بارادة عدم المنع الشرعي من التالي في الشرطية الاولى لا الاباحة الشرعية وإلا كانت الملازمة واضحة البطلان، وإرادة الترك عما أضيف إليه الظرف لا نفس الجواز وإلا فمجرد الجواز بدون الترك لا يكاد يتوهم معه صدق القضية الشرطية الثانية - ما لا يخفى فان الترك بمجرد عدم المنع شرعا لا يوجب صدق إحدى الشرطيتين ولا يلزم منه أحد المحذورين فانه وان لم يبق له وجوب معه الا انه كان ذلك بالعصيان لكونه متمكنا من الاطاعة والاتيان وقد اختار تركه بترك مقدمته بسوء اختياره مع حكم العقل بلزوم اتيانها ارشادا إلى ما في تركها من العصيان المستتبع للعقاب
______________________________
يعني من المقدمات فيثبت عموم الحكم للجميع (قوله: من التالي) يعني قوله: لجاز تركها، فيراد منه أنه لم يكن منع شرعي عن تركها (قوله: واضحة البطلان) إذ انتفاء الوجوب لا يقتضي ثبوت الاباحة شرعا بل يتردد بين الاحكام الاربعة الباقية بناء على عدم خلو الواقعة عن الحكم (قوله: وإرادة الترك) معطوف على إرادة عدم (قوله: الظرف) وهو قوله: حينئذ، يعني أن حينئذ مضاف إلى أمر مقدر ناب عنه التنوين وتقديره - بحسب ظاهر العبارة - حين إذ جاز تركها، والاخذ بهذا الظاهر يوجب كذب الشرطية الثانية لان بقاء الواجب على وجوبه على تقدير جواز الترك لا يوجب التكليف بما لا يطاق وإنما يقتضي ذلك على تقدير الترك للمقدمة (قوله: الثانية) يعني قوله: فان بقي... الخ (قوله: ما لا يخفى) مبتدأ مؤخر لقوله: وفيه، (قوله: فان الترك بمجرد) ينبغي ان تكون صورة الايراد هكذا، إنا نختار أن لا يبقي الواجب على وجوبه، ولا دليل على بطلان خروج الواجب عن كونه واجبا فان ترك المقدمة يوجب ترك ذيها فيكون معصية ويسقط بها التكليف وقد اشتهر أن التكليف يسقط بالمعصية كما يسقط بالطاعة ولا ضير فيه فيكون محصل الايراد المنع من بطلان أحد اللازمين مع الالتزام بصدق الشرطيتين معا لا بطلان إحدى الشرطيتين كما قد يظهر من العبارة (قوله: ولا يلزم) بل يلزم احدهما
(نعم) لو كان المراد من الجواز جواز الترك شرعا وعقلا يلزم احد المحذورين الا ان الملازمة على هذا في الشرطية الاولى ممنوعة بداهة انه لو لم يجب شرعا لا يلزم ان يكون جائزا شرعا وعقلا لامكان ان لا يكون محكوما بحكم شرعا وان كان واجبا عقلا ارشادا وهذا واضح (وأما) التفصيل بين السبب وغيره فقد استدل على وجوب السبب بأن التكليف لا يكاد يتعلق الا بالمقدور والمقدور لا يكون الا هو السبب وإنما المسبب من آثاره المترتبة عليه قهرا ولا يكون من افعال المكلف وحركاته أو سكناته فلابد من صرف الامر المتوجه إليه عنه إلى سببه. ولا يخفى ما فيه من أنه ليس بدليل على التفصيل بل على ان الامر النفسي إنما يكون متعلقا بالسبب دون المسبب - مع وضوح فساده - ضرورة أن المسبب مقدور للمكلف وهو متمكن منه
______________________________
*
إلا انه ليس بمحذور كما عرفت (قوله: يلزم احد المحذورين) لا يخلو من مسامحة والمراد: يكون كل منهما محذورا أما الاول فواضح وأما الثاني فلانه إذا جاز ترك المقدمة عقلا كان ترك ذيها ليس معصية فيكون خروج الواجب عن كونه واجبا بلا طاعة ولا معصية وهو باطل (قوله: في الشرطية الاولى) يعني قوله: لو لم يجب (قوله: وهذا واضح) أقول: منه يظهر أن حمل ما أضيف إليه الظرف على الترك ليس اصلاحا للدليل بعد ما كان مستتبعا لهذا الاشكال الواضح بل كان الاولى ابقاءه على ظاهره من الجواز، والايراد عليه بمنع لزوم التكليف بما لا يطاق من مجرد بقاء التكليف، أو الترديد في الاشكال بأن يقال: إن أريد من المضاف إليه الجواز كما هو الظاهر لم يلزم التكليف بما لا يطاق لو بقي التكليف بذى المقدمة وأن اريد نفس الترك لم يكن اللازم الثاني باطلا فلاحظ (قوله: الامر النفسي إنما) لان السبب حينئذ لا يكون وجوبه للتوصل به إلى واجب آخر فيكون وجوبه نفسيا. نعم لو كان الوجوب النفسي ما يتعلق بالشئ لنفسه لا لغيره لكان وجوب السبب غيريا لكنه بلا وجوب نفسي (قوله: مقدور للمكلف) مع أنه لو سلم ذلك فلا يقتضي التفصيل المذكور
بواسطة السبب ولا يعتبر في التكليف ازيد من القدرة كانت بلا واسطة أو معها كما لا يخفى (واما) التفصيل بين الشرط الشرعي وغيره فقد استدل على الوجوب في الاول بأنه لولا وجوبه شرعا لما كان شرطا بحيث انه ليس مما لا بد منه عقلا أو عادة (وفيه) مضافا إلى ما عرفت من رجوع الشرط الشرعي إلى العقلي - أنه لا يكاد يتعلق الامر الغيرى الا بما هو مقدمة الواجب فلو كان مقدميته متوقفة على تعلقه بها لدار، والشرطية وإن كانت منتزعة عن التكليف الا انه عن التكليف النفسي المتعلق بما قيد بالشرط لا عن الغيرى فافهم (تتمة) لا شبهة في ان مقدمة المستحب كمقدمة الواجب فتكون مستحبة لو قيل بالملازمة، وأما مقدمة الحرام والمكروه
______________________________
*
بل يقتضي البناء على تعلق التكليف بكل ما هو فعل المكلف بالمباشرة سببا أو شرطا أو معدا فان الجميع تحت قدرة المكلف بلا واسطة (قوله: لولا وجوبه) هذا يقتضي ثبوت احد شقي التفصيل فيبقى الشق الآخر وهو النفي في غير الشرعي لم يسق له دليل (قوله: من رجوع الشرط) هذا مسلم كما تقدم لكنه لا يدفع الاستدلال لان رجوعه إليه بعد ثبوت الوجوب حسبما ذكر في الاستدلال (قوله: إلا بما هو مقدمة) لما عرفت من أن المقدمية علة للوجوب الغيري (قوله: مقدميته متوقفة) كما هو مقتضى الشرطية في الاستدلال (قوله: لدار) وعليه فالشرطية في الاستدلال كاذبة ولا موجب لوجوب الشرط الشرعي دون غيره كما ادعي (قوله: عن التكليف النفسي) مثلا إذا وجبت الصلاة عن طهارة انتزع للطهارة عنوان الشرط ولولا التكليف المذكور لم يكن مصحح للانتزاع هكذا اختيار المصنف (ره) في مبحث الاحكام الوضعية، لكن التحقيق أن الشرطية إما عين التقييد القائم بين الصلاة والطهارة مثلا المتقدم على التكليف وإما منتزعة عن دخل الشرط في ترتب الاثر على المشروط ولا دخل للتكليف فيه (قوله: لا من الغيري) يعني حتى يتوهم تمامية الدليل المذكور (قوله: كمقدمة الواجب) لاتحاد المنط في المقامين واعتبار الايصال جار
فلا يكاد يتصف بالحرمة أو الكراهة إذ منها ما يتمكن معه من ترك الحرام أو المكروه اختيارا كما كان متمكنا قبله فلا دخل له أصلا في حصول ما هو المطلوب من ترك الحرام أو المكروه فلم يترشح من طلبه طلب ترك مقدمتهما (نعم) ما لا يتمكن معه من الترك المطلوب لا محالة يكون مطلوب الترك ويترشح من طلب تركهما طلب ترك خصوص هذه المقدمة فلو لم يكن للحرام مقدمة لا يبقى معها اختيار تركه لما اتصف بالحرمة مقدمة من مقدماته (لا يقال): كيف ولا يكاد يكون فعل الا عن مقدمة لا محالة معها يوجد ضرورة ان الشئ ما لم يجب لم يوجد (فانه يقال):
______________________________
فيها ايضا (قوله: إذ منها ما يتمكن معه) قد عرفت أن الشئ الواحد إذا كان له مقدمات توقف وجوده على كل واحدة منها وتوقف عدمه على عدم واحدة منها وان وجدت الباقية فالحرام لما كان واجب الترك كان الواجب الغيري ما يتوقف عليه الترك الواجب فإذا كان يكفي فيه ترك واحدة كان الواجب الغيري ترك واحدة على البدل فيكون الواجب الغيري تخييريا بين تروك المقدمات فللمكلف فعل جميعها عدا واحدة (قوله: ما لا يتمكن معه) يعني المقدمة التي لا يتمكن مع فعلها من ترك الحرام كما لو فعل جميع المقدمات عدا واحدة منها فان فعلها يكون حراما حينئذ لانه علة تامة لحصول الحرام (قوله: لا يبقي معها اختيار) بان كان الحرام فعلا اختياريا فان من مقدماته الوجودية اختياره وارادته (قوله: لما اتصف) أما عدم اتصاف الاختيار بالحرمة الغيرية فلانه ليس بالاختيار، وأما عدم اتصاف بقية المقدمات بالحرمة فلان تركها لا يتوقف عليه ترك الحرام بالخصوص بل يكفي فيه ترك الاختيار (قوله: لا يقال كيف) ايراد على ما يستفاد من كلامه يعنى كيف يكون للشئ مقدمات توجد جميعها ويكون له فيه اختيار مع أن المقدمات لابد أن تكون علة تامة بحيث يجب معها وجود ذيها ولذا قيل: الشئ ما لم يجب لم يوجد، إذ المراد من وجوبه أن توجد علته التامة التي يمتنع أن لا يوجد معها
نعم لا محالة يكون من جملتها ما يجب معه صدور الحرام لكنه لا يلزم أن يكون ذلك من المقدمات الاختيارية بل من المقدمات غير الاختيارية كمبادئ الاختيار التي لا تكون بالاختيار والا لتسلسل فلا تغفل وتأمل.
فصل
(الامر بالشئ هل يقتضي النهي عن ضده أولا ؟)
فيه أقوال وتحقيق الحال يستدعي رسم أمور (الاول) الاقتضاء في العنوان أعم من أن يكون بنحو (العينية) أو (الجزئية) أو (اللزوم) من جهة التلازم بين طلب احد الضدين وطلب ترك الآخر أو (المقدمية) على ما سيظهر، كما أن المراد بالضد هاهنا هو مطلق المعاند والمنافي وجوديا كان أو عدميا (الثاني) أن الجهة المبحوث عنها في المسألة وان كانت انه هل يكون للامر اقتضاء
______________________________
(قوله: نعم لا محالة يكون) يعني ما ذكر مسلم لكن يمكن أن تكون المقدمة التي بها يجب وجود المعلول هي نفس الاختيار وهو لا يمكن أن يكون موضوعا للتكليف تعيينا أو تخييرا ولا غيره كما عرفت. والله سبحانه أعلم وله الحمد كما هو أهله.
الكلام في مسألة الضد
(قوله: الاقتضاء في العنوان) الموجب لهذا التعميم مضافا إلى اطلاق لفظ الاقتضاء أمران (أحدهما) ما تقدمت الاشارة إليه من أن عموم النزاع وخصوصه تابع لعموم الغرض وخصوصه ومن المعلوم أن فساد الضد إذا كان عبادة لا يختص ببعض أنواع الاقتضاء (وثانيهما) وجود الاقوال فقد حكي القول بالاقتضاء في الضد العام على نحو العينية، وعلى نحو التضمن: وعلى نحو الالتزام اللفظي، وعلى نحو الالتزام العقلي فانه لولا عموم الاقتضاء كانت الاقوال خارجة عن محل النزاع وهذا هو المشار إليه بقوله: سيظهر (قوله: المراد بالضد ها هنا)
بنحو من الانحاء المذكورة ؟، وإلا أنه لما كان عمدة القائلين بالاقتضاء في الضد الخاص إنما ذهبوا إليه لاجل توهم مقدمية ترك الضد كان المهم صرف عنان الكلام في المقام إلى بيان الحال وتحقيق المقال في المقدمية وعدمها فنقول وعلى الله الاتكال: إن توهم توقف الشئ على ترك ضده ليس إلا من جهة المضادة والمعاندة بين الوجودين وقضيتها الممانعة بينهما ومن الواضحات ان عدم المانع من المقدمات (وهو توهم فاسد) وذلك لان المعاندة والمنافرة بين الشيئين لا تقتضي الا عدم اجتماعهما في التحقق وحيث لا منافاة أصلا بين أحد العينين وما هو نقيض الآخر وبديله بل بينهما كمال الملائمة كان أحد العينين مع نقيض الآخر وما هو بديله في مرتبة واحدة من دون أن يكون في البين ما يقتضي تقدم أحدهما على الآخر كما لا يخفى فكما أن قضية المنافاة بين المتناقضين لا تقتضي تقدم ارتفاع أحدهما في ثبوت الآخر كذلك في المتضادين كيف ولو اقتضى التضاد توقف وجود الشئ على عدم ضده توقف الشئ على عدم
______________________________
*
يعني أن الضد باصطلاح أهل المعقول الامر الوجودي الذي لا يجتمع مع وجودي آخر في محل واحد في زمان واحد، لكن المراد منه هنا مطلق المنافر الاعم من الوجودي والعدمي بشهادة إطلاقهم الضد العام على الترك (قوله: عمدة القائلين) بل المنسوب إلى المشهور منهم (قوله: لان المعاندة والمنافرة) هذا أحد الايرادات الاربعة المحكية عن حاشية المحقق التقي (ره) يعني أن التضاد بين الشيئين يقتضي عدم اجتماعهما في محل واحد في زمان واحد، ولا يقتضي أن يكون عدم أحدهما مقدمة لوجود الآخر كما في المانع الذي يكون عدمه مقدمة للممنوع لتوقفه عليه (قوله: بين أحد) أي بين وجود أحدهما وعدم الآخر (قوله: تقدم أحدهما) يعني كما يقول المشهور القائلون بمقدمية ترك الضد لفعل ضده (قوله: ان قضية المنافاة بين) وكذا المنافاة بين لازم المانع وبين الممنوع لا تقتضي مقدمية عدم أحدهما لوجود الآخر (قوله: كيف ولو اقتضى) هذا أيضا أحد الايرادات الاربعة (قوله: توقف الشئ)
مانعه لا قتضى توقف عدم الضد على وجود الشئ توقف عدم الشئ على مانعه بداهة ثبوت المانعية في الطرفين وكون المطاردة من الجانبين وهو دور واضح، (وما قيل) في التفصي عن هذا الدور بان التوقف من طرف الوجود فعلي بخلاف التوقف من طرف العدم فانه يتوقف على فرض ثبوت المقتضي له مع شراشر شرائطه
______________________________
مفعول مطلق لقوله (ره): توقف وجود " وتوضيح " ما ذكر أن التضاد بين الشيئين لو كان راجعا إلى التمانع المؤدي إلى توقف وجود أحدهما على عدم الآخر لادى أيضا إلى توقف عدم كل منهما على وجود الآخر لان المانع يكون علة لعدم الممنوع وحينئذ يلزم الدور. لان وجود أحدهما متوقف على عدم الآخر الذي هو المؤدى الاول، وعدم الآخر يتوقف على وجوده الذي هو المؤدى الثاني ومنه يظهر امتناع ثبوت التمانع بين شيئين من الطرفين بل لا بد أن يكون من أحدهما دون الآخر فيقال مثلا: رطوبة الحطب مانعة من احتراقه، ولا يصح أن يقال: احتراقه مانع أيضا من رطوبته، للزوم الدور المذكور (قوله: وما قيل في التقصي) هذا منسوب إلى المحقق الخونساري (قوله: من طرف الوجود) يعني توقف وجود أحد الضدين على عدم الآخر فعلي غير تقديري بخلاف توقف العدم على الوجود فانه تقديري لانه معلق على وجود تمام أجزاء العلة التامة عدا عدم المانع إذ في ظرف اجتماعها ووجود المانع يستند العدم إلى وجوده أما لو فقد المقتضي للوجود أو الشرط يكون العدم مستندا إلى عدم المقتضي أو الشرط لا إلى وجود المانع واذ لا يستند العدم إلى وجود المانع لا يكون متوقفا عليه وإذا اختص التوقف بحال وجود سائر أجزاء العلة نقول: وجود سائر أجزاء العلة ربما يكون ممتنعا فالتوقف يكون ممتنعا أيضا، والوجه في امتناعه أن المقتضي لفعل الضد هو الارادة ويمتنع تعلقها به في ظرف إرادة ضده، مثلا في حال فعل الصلاة عن ارادة تمتنع إرادة الازالة لامتناع اجتماع إرادتي الضدين فعدم الازالة حين فعل الصلاة يستند إلى عدم ارادة الازالة لا إلى وجود الصلاة (قوله: مع شراشر)
غير وجود ضده ولعله كان محالا لاجل انتهاء عدم وجود أحد الضدين مع وجود الآخر إلى عدم تعلق الارادة الازلية به وتعلقها بالآخر حسب ما اقتضته الحكمة البالغة فيكون العدم دائما مستندا إلى عدم المقتضي فلا يكاد يكون مستندا إلى وجود المانع كي يلزم الدور (إن قلت): هذا إذا لوحظا منتهيين إلى ارادة شخص واحد، وأما إذا كان كل منهما متعلقا لارادة شخص فاراد - مثلا - أحد الشخصين حركة شئ وأراد الآخر سكونه فيكون المقتضي لكل منهما حينئذ موجودا فالعدم لا محالة يكون فعلا مستندا إلى وجود المانع (قلت): هاهنا أيضا يكون مستندا إلى عدم قدرة المغلوب منهما في ارادته وهي مما لا بد منه في وجود المراد ولا يكاد يكون بمجرد الارادة بدونها لا إلى وجود الضد لكونه مسبوقا بعدم قدرته كما لا يخفى (غير سديد) فانه وان كان قد ارتفع به الدور
______________________________
قال في المجمع: شرشرة الشئ تشقيقه وتقطيعه من شرشر بوله يشرشر (قوله: ولعله كان) يعني ثبوت المقتضي وشرائطه والتعبير بلعل لانه يكفي احتمال الاستحالة في رفع الاستدلال وإن كان احتمال عدم الاستحالة مانعا من الجزم بتوقف وجود أحدهما على عدم الآخر (قوله: الارادة الازلية) يعني ارادة الواجب سبحانه المؤدي عدم تعلقها بفعل المكلف إلى عدم تعلق إرادته به فيستند عدمه إلى عدم تعلق إرادة المكلف وهذا العدم يستند إلى عدم تعلق الارادة الازلية ولو قال: عدم تعلق إرادة المكلف، لكان أوضح (قوله: مستندا إلى عدم) يعني أن قدرة الفاعل شرط في تأثير إرادته في المراد وفى الفرض المذكور يستند العدم إلى عدم القدرة لا إلى وجود المانع (قوله: لا إلى وجود) معطوف على قوله: إلى عدم (قوله: لكونه مسبوقا) هذا دفع لاشكال يتوهم وروده في المقام وهو أن الشئ إذا كان له مقدمات متعددة وإن كان يكفي في عدمه عدم واحدة منها الا أنه في ظرف عدم الجميع يستند عدمه إلى عدم الجميع لان استناده إلى عدم واحدة بعينها ترجيح بلا مرجح ففي ظرف عدم المقتضي وعدم
الشرط ووجود المانع يستند العدم إلى الجميع فلا وجه لاستناد العدم إلى عدم المقتضي بعينه أو إلى عدم الشرط بعينه في ظرف وجود المقتضي ففي فرض فعل الصلاة وترك الازالة يستند عدم الازالة إلى عدم ارادة الازالة وفعل الصلاة معا فيرجع الدور " وحاصل " الجواب أن ذلك مسلم حيث لا يكون عدم بعضها متقدما بحسب الرتبة على عدم بعضها الآخر والا كان هو المتعين في الاستناد، وعدم الارادة وعدم القدرة متقدمان على وجود الضد لان الضدين مسبوقان بارادتين وقدرتين فارادة كل منهما في رتبة إرادة الآخر كما أن القدرة على كل منهما التي هي شرط له في رتبة القدرة على الآخر كذلك " أقول ": تضاد الارادتين لا يقتضي حفظ الرتبة بينهما كيف والارادتان متضادتان ولو في رتبتين ؟ فكون ارادة الضد متقدمة عليه رتبة لانها مقتض له لا يقتضي تقدمها رتبة على الضد الآخر فتكون في رتبة الآخر فعدمها والضد الآخر في رتبة واحدة فيستند العدم اليهما معا. نعم ذكر بعض الاعاظم أن عدم المعلول في ظرف عدم المقتضي ووجود المانع يستند إلى عدم المقتضي لا وجود المانع كما انه كذلك في الشرط، ويساعده نظر العرف فانه لا يصح ان يقال: لم يحترق الحطب لانه رطب إلا في فرض مماسة النار للحطب، وفي ظرف عدم النار أصلا يقال: لم يحترق لعدم النار، ولا يقال: وللرطوبة، ولعل الوجه فيه ترتب عنوان أجزاء العلة فان اعتبار المانعية إنما يكون في ظرف وجود المقتضي والشرط كما أن اعتبار الشرطية إنما يكون في ظرف وجود المقتضي فإذ لا مقتضي لا شرطية للشرط كي يصح التعليل، كما أنه إذ لا مقتضي ولا شرط لا مانعية للمانع كي يصح التعليل بها " أقول ": أما ترتب عناوين الاجزاء فممنوع جدا كيف ومنشأ اعتبارها أمور واقعية غير منوطة بما ذكر، وأما نظر العرف فالظاهر انه مبنى على المسامحة الناشئة من اختلاف أجزاء العلة في كيفية الدخل في المعلول من حيث كون بعضها فاعلا كالمقتضي وبعضها غير فاعل ولكنه موجب لقابلية الفاعل أو القابل، والثاني وجودي تارة وعدمي أخرى فاختلاف الجهات المذكورة ربما أوجب مزيد العناية والاهتمام وأما ما اشتهر فلا يخلو
الا أن غائلة لزوم توقف الشئ على ما يصلح ان يتوقف عليه على حالها لاستحالة أن يكون الشئ الصالح لان يكون موقوفا عليه الشئ موقوفا عليه ضرورة انه لو كان في مرتبة يصلح لان يستند إليه لما كاد يصح أن يستند فعلا إليه " والمنع " عن صلوحه لذلك بدعوى ان قضية كون العدم مستندا إلى وجود الضد لو كان مجتمعا مع وجود المقتضي وان كانت صادقة الا ان صدقها لا يقتضي كون الضد صالحا لذلك لعدم اقتضاء صدق الشرطية
______________________________
عن خفاء فارتفاع الدور المذكور غير ظاهر فتأمل جيدا (قوله: إلا أن غائلة لزوم) يعني أن ما ذكر وان كان يرفع استناد عدم الضد إلى وجود ضده المؤدي إلى الدور الا أنه لا يرفع صلاحية وجود الضد لاستناد العدم إليه لان المفروض ان الوجود موجب للعدم بذاته غاية الامر أن العدم استند إلى عدم المقتضي الذي هو أسبق العلتين فالوجود لا يخرج عن كونه علة للعدم بذاته وهذا ايضا مستحيل بعين استحالة الدور لانه يؤدي إلى كون الشئ بذاته علة لنفسه (قوله: أن يكون الشئ) يعنى فعل الضد في المقام (قوله: عليه الشئ) يعنى عدم الضد في المقام فهو اسم يكون (قوله: موقوفا عليه) خبر (يكون الشئ) وهذا التوقف الفعلي هو المدعى للمقتضي (قوله: ضرورة انه) بيان للاستحالة يعنى لو كان الشئ بذاته يصلح أن يستند إليه شئ آخر امتنع أن يستند إلى ذلك الشئ الآخر فعلا لانه يؤدي إلى كون الشئ بذاته علة لنفسه (قوله: والمنع عن صلوحه) يعنى قد يدعى منع صلاحية توقف وجود الضد على عدم ضده فلا موجب للاستحالة (قوله: بدعوى ان) هذه الدعوى إنما تجدي في رفع الصلاحية لو كانت الصلاحية معلقة على أمر غير حاصل وهو وجود المقتضي للضد مع تمام شرائطه مع أن الامر ليس كذلك بل المعلق على غير الحاصل هو الاستناد الفعلي والصلاحية منتزعة من هذا التعليق فصدق الشرطية كاف في ثبوت الصلاحية ولا يتوقف ثبوتها على صدق طرفي الشرطية فهذا المنع لا يرتبط بالتقضي ولا بالجواب عنه (قوله: قضية كون العدم) هذه هي القضية الشرطية
صدق طرفيها مساوق لمنع(١) مانعية الضد وهو يوجب رفع التوقف رأسا من البين ضرورة انه لا منشأ لتوهم توقف احد الضدين على عدم الآخر الا توهم مانعية الضد كما أشرنا إليه وصلوحه لها (ان قلت): التمانع بين الضدين كالنار على المنار بل كالشمس في رابعة النهار وكذا كون عدم المانع مما يتوقف عليه مما لا يقبل الانكار
______________________________
(قوله: صدق طرفيها) يعني والصلاحية تابعة لصدق الطرفين (قوله: مساوق لمنع) خبر لقوله: والمنع، يعني إذا لم يصلح وجود أحد الضدين لان يستند إليه عدم الآخر لم يكن وجه للحكم بكون وجود الضد مانعا عن الآخر لان المانعية منتزعة عن مقام مؤثرية وجود أحدهما في عدم الآخر فإذا منع ذلك فلا مجال لانتزاعها (أقول): المانعية الفعلية منتزعة من مقام استناد العدم إلى الوجود فعلا والمانعية الاقتضائية منتزعة من مقام صلاحية الوجود لاستناد العدم إليه فمنع الصلاحية بالمعنى الملازم لصدق طرفي الشرطية إنما يساوق المنع عن المانعية الفعلية لا مطلقا بل المساوق لمنعها مطلقا هو نفي الصلاحية بالمعنى الملازم لصدق الشرطية وهو غير المنع المذكور فان المانع يعترف بصدق الشرطية فتثبت عنده الصلاحية، لكن عرفت أن الصلاحية بهذا المعنى ممتنعة أيضا لادائها إلى علية الشي لنفسه بذاته فلعل الاولى في كيفية الايراد على المنع المذكور أن يقال:
______________
(١) مع ان حديث عدم اقتضاء صدق الشرطية لصدق طرفيها وان كان صحيحا الا ان الشرطية ههنا غير صحيحة فان وجود المقتضي للضد لا يستلزم بوجه استناد عدمه إلى ضده ولا يكون الاستناد مترتبا على وجوده ضرورة ان المقتضي لا يكاد يقتضي وجود ما يمنع عما يقتضيه اصلا كما لا يخفى فليكن المقتضي لاستناد عدم الضد إلى وجود ضده فعلا عند ثبوت مقتضي وجوده هو الخصوصية التى فيه الموجبة للمنع عن اقتضاء مقتضيه كما هو الحال في كل مانع وليست في الضد تلك الخصوصية كيف وقد عرفت انه لا يكاد يكون مانعا إلا على وجه دائر. نعم انما المانع عن الضد هو العلة التامة لضده لاقتضائها ما يعانده وينافيه فيكون عدمه كوجود ضده مستندا إليها. فافهم. منه قدس سره
فليس ما ذكر الا شبهة في مقابل البداهة
______________________________
ان كان المقصود المنع عن الصلاحية مطلقا حتى ما كان مساوقا لصدق الشرطية فذلك مساوق لمنع اصل المانعية وان كان المقصود المنع عن الصلاحية المساوقة لصدق طرفي الشرطية مع البناء على صدق الشرطية فصدق الشرطية أيضا يستلزم المحال كما عرفت، ويمكن الايراد على التقصي من أصله بأن البناء على استناد عدم الضد إلى عدم المقتضي لا إلى وجود الضد يمنع من البناء على حرمة الضد الموجود بمناط مقدمية عدمه لان مقدمية عدمه المؤدية إلى وجوبه مساوقة لمانعية وجوده فإذا فرض عدم المانعية فعلا لوجوده لاستناد عدمه إلى عدم المقتضي لم يكن عدمه حراما وقد تقدم ان الواجب إذا كان له مقدمات مترتبة اختص تحريم الترك بترك الاولى إذ في ظرفه لا يستند تركه إلى ترك غيرها فيحرم فالبناء على ثبوت مانعية الضد لضده لا يقتضي تحريم فعله بعد استناد عدمه إلى عدم المقتضي وهذا الكلام مطرد في جميع مقدمات الواجب المترتبة رتبة أو زمانا فانه لا يجب منها إلا ما يستند إلى تركه ترك الواجب فلا يجب الشرط إلا في ظرف وجود المقتضي لاستناد عدم الواجب إلى عدمه حينئذ لا ما لو فقد المقتضي فانه لا يستند عدم الواجب إلى عدمه بل إلى عدم المقتضي وهكذا الحال في المانع، ومنه يظهر أن البناء على مانعية الضد إما مستلزم للدور لو استند العدم في ظرف عدم المقتضي إلى وجود المانع ايضا أو لا يقتضي التحريم لو استند إلى عدم المقتضي لا غير. هذا وقد سلك بعض الاعيان مسلكا آخر في نفي التمانع بين الضدين ومحصله لزوم حفظ الرتبة بين النقيضين فان المعلول عدم في رتبة العلة كما أن العلة عدم في رتبة المعلول فلو كان مثل هذا العدم نقيضا للوجود لزم اجتماع النقيضين فدل ذلك على أن نقيض الشئ رفعه في رتبته وحينئذ فلو كان أحد الضدين مانعا عن الآخر كان عدمه شرطا في وجود الآخر فيكون متقدما عليه رتبة ولازمه أن يكون نقيضه وهو نفس الضد المانع متقدما أيضا للزوم حفظ الرتبة بين النقيضين وهكذا يقال في الضد الآخر فيكون كل منهما متقدما ومتأخرا رتبة عن الآخر وهو ممتنع (قوله: فليس ما ذكر)
(قلت): التمانع بمعنى التنافي والتعاند الموجب لاستحالة الاجتماع مما ريب فيه ولا شبهة تعتريه الا انه لا يقتضي إلا امتناع الاجتماع وعدم وجود احدهما الا مع عدم الآخر الذي هو بديل وجوده المعاند له فيكون في مرتبته لا مقدما عليه ولو طبعا والمانع الذي يكون موقوفا على عدم الوجود هو ما كان ينافي ويزاحم المقتضي في تأثيره لا ما يعاند الشئ ويزاحمه في وجوده (نعم) العلة التامة لاحد الضدين
______________________________
يعني مما يدل على نفي التمانع (قوله: التمانع بمعنى التنافي) يعني أن التمانع يقال على معنيين (أحدهما) مجرد التعاند بين الشيئين على نحو يمتنع اجتماعهما في الوجود (وثانيهما) أن يكون أحدهما مانعا عن الآخر بالمعنى المصطلح بحيث يكون لعدمه دخل في وجوده فان اريد الاول فوضوح وجوده بين الضدين مسلم لكنه لا يقتضي مقدمية عدم أحدهما للآخر كما في التناقض بين الشيئين وان أريد الثاني فهو وان كان يقتضي مقدمية عدم أحدهما للآخر الا ان ثبوته ممنوع (قوله: الذي هو) يعني عدم الآخر (قوله: المعاند له) صفة لوجوده وضمير له راجع إلى وجود احدهما (قوله: ولو طبعا) التقدم الطبعي في الاصطلاح تقدم العلة الناقصة على المعلول وأما تقدم العلة التامة فهو التقدم بالعلية (قوله: ما كان ينافي) مقتضى صيغة المانع أن يكون المراد به ما يمنع الوجود ويقتضي العدم لكن حيث أن المقرر عندهم امتناع تأثير كل من الوجود والعدم في الآخر بل العدم لا يعلل حتى في العدم لابد أن يكون المراد به ما له دخل في قابلية المقتضي للتأثير أو المعلول للتأثر إذ القابلية ليست وجودا ولا عدما فانها تكون مع كل كما يفهم من قولنا: قابل للوجود والعدم، وأما عبارة المتن فلا تخلو بظاهرها من شئ فان ما ينافي تأثير المقتضي عين ما ينافي وجود الشئ لان تأثير المقتضي عين وجود المقتضي - بالفتح - الذي هو الآثر فان الاثر والتأثير واحد خارجا والاختلاف بالاعتبار كالكسر والانكسار، ويمكن حملها على أن المانع في الاصطلاح ما لعدمه دخل في قابلية المقتضي للتأثير بخلاف الضد فان لعدمه دخلا في قابلية المقتضى - بالفتح - للوجود لكنه خلاف
ربما يكون مانعا عن الآخر ومزاحما لمقتضيه في تأثيره مثلا يكون شدة الشفقة على الولد الغريق وكثرة المحبة له تمنع عن ان تؤثر ما في الاخ الغريق من المحبة والشفقة لارادة انقاذه مع المزاحمة فينقذ به الولد دونه فتأمل جيدا، ومما ذكرنا ظهر أنه لا فرق بين الضد الموجود والمعدوم في أن عدمه الملائم للشئ المناقض لوجوده المعاند لذاك لابد ان يجامع معه من غير مقتض لسبقه، بل قد عرفت
______________________________
مصطلحهم في المانع ولا ينفي مقدمية ترك الضد لفعل ضده إذ لا فرق بين قابلية الفاعل والقابل في الاحتياج اليهما في وجود القابل، وكيف كان فالفارق بين المانع والضد ان المانع لعدمه دخل في قابلية الفاعل أو القابل والضد ليس كذلك فلا يكون عدمه دخيلا في ذلك بل قابلية كل واحد منهما للوجود في نفسه ذاتية بلا دخل لعدم الآخر فيها وعدم قابليتهما للاجتماع أيضا ذاتي لا يرتفع بعدم أحدهما (قوله: ربما تكون مانعا) يعني حيث تكون أقوى من علة الآخر (قوله: تمنع عن ان تؤثر) فان الشفقة على الاخ لا قصور في اقتضائها في نفسها لانقاذ الاخ الا أن زيادة الشفقة على الولد كانت مانعة عن تأثيرها في إنقاذ الاخ ولو لم تكن مانعة عنها لزم تخلف المعلول عن العلة بلا مانع وهو خلف الا ان يقال: زيادة الشفقة على الولد أجنبية عن مقام المنع عن تأثير الشفقة على الاخ في انقاذه وإنما اقتضت فعلية أثرها وهو انقاذ الولد ولما كان إنقاذ الولد مضادا لانقاذ الاخ وهما لا يقبلان الاجتماع ذاتا امتنع تأثير الشفقة على الاخ في انقاذه فعدم تأثير الشفقة على الاخ في انقاذه كان مستندا إلى عدم قبول الضدين ذاتا للاجتماع المانع عن تعلق الارادة بهما عرضا (قوله: ومما ذكرنا ظهر) الذي ذكره أمران وجدان وبرهان أشار إلى الاول بقوله: لان المعاندة... الخ والى الثاني بقوله: كيف ولو اقتضى... الخ (قوله: عدمه) يعني عدم الضد مطلقا (قوله: للشئ) يعني الضد الآخر (قوله: المناقض) صفة لعدمه (قوله: المعاندة) صفة لوجوده (قوله: لذاك) اشارة إلى الشئ (قوله: من غير مقتض)
ما يقتضي عدم سبقه فانقدح بذلك ما في تفصيل بعض الاعلام حيث قال بالتوقف على رفع الضد الموجود وعدم التوقف على عدم الضد المعدوم فتأمل في اطراف ما ذكرناه فانه دقيق وبذلك حقيق، فقد ظهر عدم حرمة الضد من جهة المقدمية وأما من جهة لزوم عدم اختلاف المتلازمين في الوجود في الحكم فغايته ان لا يكون احدهما فعلا محكوما بغير ما حكم به الآخر لا ان يكون محكوما بحكمه،
______________________________
*
إشارة إلى الوجدان (قوله: ما يقتضي) إشارة إلى البرهان (قوله: بعض الاعلام) هو المحقق الخوانساري قيل: ومال إليه شيخنا الاعظم (قده) (قوله: بالتوقف على) هذا تفصيل بين الرفع الذي هو نقيض البقاء والدفع الذي هو نقيض الحدوث بمقدمية الاول دون الثاني، مثلا إذا وجد السواد في الخارج توقف وجود البياض على ارتفاع السواد ولا يتوقف بقاء السواد على عدم حدوث البياض ولكنه مندفع بما سبق لعدم الفرق (قوله: وأما من جهة لزوم) هذه الجهة - لو تمت - اقتضت وجوب ترك الضد لكن لا بالوجوب الغيري كما هو مقتضى الجهة الاولى المعول عليها عند المشهور ومبنى هذه الجهة لزوم اتحاد المتلازمين في الحكم فإذا كان ترك أحد الضدين ملازما لفعل الآخر كان ملازما له في الحكم فإذا كان الضد واجبا كان ترك ضده كذلك (وحاصل) دفعها منع المبنى المذكور وإلا ثبت الحكم بلا ملاك يقتضيه وهو ممتنع بل الثابت امتناع أن يكون أحد المتلازمين محكوما عليه بغير حكم الآخر وهو إنما يقتضي عدم الحكم على ترك الضد بغير الوجوب إذا كان حكم ضده الوجوب فلا يكون محكوما بحكم اصلا لا بالوجوب لانه بلا ملاك - كما عرفت - ولا بالتحريم ولو كان فيه ملاكه لانه مع وجود الضد تكليف بما لا يطاق، ولا بغيرهما لانه لغو. والمتحصل في حكم المتلازمين أن حكم كل في نفسه ان كان الزاميا من سنخ واحد وجوبين أو تحرمين اكتفي باحدهما إلا مع عدم المرجح فيثبتان معا وان كانا من سنخين ثبت الاقوى منهما ملاكا، وان كان أحدهما الزاميا دون الآخر ثبت الالزامي
وعدم خلو الواقعة عن الحكم انما يكون بحسب الحكم الواقعي لا الفعلي فلا حرمة للضد من هذه الجهة أيضا بل على ما هو عليه لولا الابتلاء بالمضاد للواجب الفعلي من الحكم الواقعي (الامر الثالث) انه قيل بدلالة الامر بالشئ بالتضمن على النهى عن الضد العام بمعنى الترك حيث انه يدل على الوجوب المركب من طلب الفعل والمنع عن الترك (والتحقيق) أنه لا يكون الوجوب إلا طلبا بسيطا ومرتبة وحيدة أكيدة من الطلب
______________________________
دون الآخر ثبت الالزامي دون الآخر للغويته (قوله: وعدم خلو) يعني قد يشكل ما ذكر بانه يلزم خلو ترك الضد عن الحكم مع أن المعروف عدم خلو الواقعة عن الحكم (قوله: لا الفعلي) وإلا فجميع الافعال غير اختيارية خالية عن الحكم الفعلي (قوله: حيث انه يدل) ولازمه كون دلالته على طلب الفعل أيضا بالتضمن (قوله: والتحقيق انه لا) قد عرفت ان الوجوب من الاعتبارات العقلية المنتزعة عن مقام إظهار الارادة مع ثبوت الترخيص في الترك وأن الارادة لو اختلفت مراتبها باختلاف مراتب الشوق الناشئ من اختلاف الجهات المشوقة في المراد فاختلافها لا يرتبط بمقام اعتبار الوجوب والاستحباب فالوجوب لا مركب من المنع عن الترك ولا مدلول عليه باللفظ نعم يصح اعتبار المنع من الترك من منشأ اعتبار الوجوب كما يصح اعتبار الوجوب فانه مثل الوجوب اعتباري عقلي ومثلهما كثير من عناوين الاحكام التكليفية مثل التحريم والالزام والاباحة كما اشرنا إلى ذلك سابقا واما كراهة الترك التي هي من الكيفيات النفسانية فهل تلزم ارادة الفعل أو عينها أو لا هذا ولا ذاك ؟ أقوال وبطلان القول بالعينية واضح إذ الارادة تخالف الكراهة والفعل يناقض الترك فكيف تكون ارادة الفعل عين كراهة تركه ؟ ثم إن أريد من الكراهة الكراهة التفصيلية المتوقفة على الالتفات إلى الموضوع تفصيلا مع ما عليه من الجهات فالحق عدم الملازمة، وان أريد الكراهة الارتكازية فالحق هو الملازمة بينهما وعليه فاللفظ الدال على إحداهما بالمطابقة دال على الاخرى بالالتزام. نعم عرفت أن دلالة مثل الصيغة على الارادة ليست دلالة لفظية فلا تكون مطابقة ولا التزاما، بل تدل على إحداهما كما تدل
لا مركبا بين طلبين (نعم) في مقام تحديد تلك المرتبة وتعيينها ربما يقال: الوجوب يكون عبارة عن طلب الفعل مع المنع عن الترك، ويتخيل منه انه يذكر له حدا فالمنع عن الترك ليس من أجزاء الوجوب ومقوماته بل من خواصه ولوازمه بمعنى انه لو التفت الآمر إلى الترك لما كان راضيا به لا محالة وكان يبغضه البته. ومن هنا انقدح انه لا وجه لدعوى العينية ضرورة ان اللزوم يقتضي الاثنينية، لا الاتحاد والعينية (نعم) لا بأس بها بان يكون المراد بها انه يكون هناك طلب واحد وهو كما يكون حقيقة منسوبا إلى الوجود وبعثا إليه كذلك يصح ان ينسب إلى الترك بالعرض والمجاز ويكون زجرا وردعا عنه فافهم (الامر الرابع) تظهر الثمرة في أن نتيجة المسألة وهي النهي عن الضد بناء على الاقتضاء - بضميمة ان النهى في العبادات يقتضي الفساد - ينتج فساده إذا كان عبادة، وعن البهائي (رحمه الله) أنه أنكر الثمرة بدعوى انه لا يحتاج في استنتاج الفساد إلى النهي عن الضد بل يكفي عدم الامر به لاحتياج العبادة إلى الامر، وفيه انه يكفي مجرد الرجحان والمحبوبية للمولى كي يصح ان يتقرب به منه كما لا يخفى والضد بناء على عدم حرمته يكون كذلك فان المزاحمة - على هذا - لا توجب الا ارتفاع الامر المتعلق به فعلا مع
______________________________
على الاخرى فافهم (قوله: مركبا من طلبين) والا كان قائما بالوجود والعدم مع أنه قائم بالوجود لا غير بالبديهة (قوله: ان اللزوم) فانه إضافة بين شيئين لازم وملزوم فلا يقوم بامر واحد (قوله: ينسب إلى الترك) الطلب لا ينسب إلى الترك أصلا بل المنسوب إليه المنع والزجر، فالعبارة لا تخلو من مسامحة وكأن المراد أن الطلب المتعلق بالفعل بما انه متعلق بالفعل منسوب إلى الترك فيكون زاجرا عنه لما عرفت أن الزجر عن الترك ينتزع من مقام إظهار الارادة كما ينتزع الوجوب للفعل (قوله: بضميمة ان النهي) فان النهي الغيري وان لم يوجب قربا ولا بعدا لنفسه الا ان الاتيان بالواجب الغيري بما انه
بقائه على ما هو عليه من ملاكه (من المصلحة) كما هو مذهب العدلية، أو (غيرها) أي شئ كان كما هو مذهب الاشاعرة وعدم حدوث ما يوجب مبغوضيته وخروجه عن قابلية التقرب به كما حدث بناء على الاقتضاء (ثم) انه تصدى جماعة من الافاضل لتصحيح الامر بالضد بنحو الترتب على العصيان وعدم اطاعة الامر بالشئ
______________________________
شروع في إطاعة الوجوب النفسي يكون مقربا كما ان الاتيان بمقدمة الحرام بما أنها شروع في عصيان التحريم يكون مبعدا وان لم تكن مقدمة الحرام محرمة اصلا فإذا كان ترك الصلاة مقدمة للازالة الواجبة كان فعلها علة لترك الازالة المحرم لان عدم المقدمة يقتضي عدم ذيها فيكون مبعدا فيمتنع التعبد به المعتبر في صحته إلا أن يقال: عدم المعلول لا يستند إلى عدم العلة فان العدم لا يعلل بل ملازم له لا غير الا ان يقال: الامر بالازالة إذا اقتضى البعث إلى ترك الصلاة فقد اقتضى الزجر عن فعلها ففعلها عصيان للامر بالازالة فلا يمكن التعبد به، هذا لو كان النهي عن الضد بمناط مقدمية الترك - كما هو المشهور - ولو كان بمناط التلازم بين الارادة والكراهة للضدين أو التلازم بين المتلازمين في الحكم فلا اشكال إلا أن يجعل النهي أيضا كالنهي الغيري فتأمل جيدا (قوله: بقائه على ما) لعدم التضاد بين ملاكي الوجوب في الضدين لا ذاتا كما بينهما ولا عرضا كما بين الوجوبين (قوله: أو غيرها اي شئ) المعروف من مذهب الاشاعرة ان الافعال كلها على السواء ولا فرق بين السجود لله سبحانه وللصنم ولا بين الصدق والكذب، ولا بين النكاح والسفاح، وإنما الفارق أمر الشارع ونهيه نعم التزم بعضهم بغير ذلك (قوله: وعدم حدوث) معطوف على بقائه
الترتب
(قوله: بنحو الترتب على العصيان) يعني بجعل التكليف بالمهم مشروطا
بنحو الشرط المتأخر أو البناء على المعصية بنحو الشرط المتقدم أو المقارن بدعوى أنه لا مانع عقلا عن تعلق الامر بالضدين كذلك أي بان يكون الامر بالاهم مطلقا والامر بغيره معلقا على عصيان ذاك الامر أو البناء والعزم عليه بل هو واقع كثيرا عرفا (قلت): ما هو ملاك استحالة طلب الضدين في عرض واحد آت في طلبهما كذلك فانه
______________________________
بعصيان التكليف بالاهم أو بالبناء على عصيانه مثلا يقول: أزل النجاسة عن المسجد وإن عصيت الامر بالازالة فصل أو إن بنيت على عصيان الامر بالازالة فصل (قوله: بنحو الشرط المتأخر) إذ لو كان مشروطا بالعصيان بنحو الشرط المتقدم كان خارجا عما نحن فيه من الامر بالضدين في وقت واحد لانه إذا تحقق العصيان في الزمان السابق سقط الامر بالاهم ويثبت بعده الامر بالمهم وحده فيكون الامر بهما في زمانين وكذا لو كان بنحو الشرط المقارن لان العصيان إذا قارن الامر بالمهم كان سقوط الامر بالاهم الملازم للعصيان مقارنا للامر بالمهم فلا يقترن الامران بهما في زمان واحد أما البناء على المعصية فلما لم يكن ملازما لسقوط الامر كان اشتراط الامر بالمهم به متقدما أو متأخرا أو مقارنا لا يمنع من اقتران الامرين في زمان واحد ولا يكون من الترتب في شئ ولا يظهر الوجه لما ذكره في المتن من كونه من الترتب في بعض الصور (قوله: بدعوى انه لا مانع عقلا) وذلك لان الوجه في امتناع الامر بالضدين في عرض واحد أن الضدين لما لم يقدر المكلف عليهما معا لامتناع الجمع بينهما بل كان يقدر على أحدهما دون الآخر فكان فعل أحدهما ملازما لترك الآخر كان الامر بكل منهما مضادا للامر بالآخر لان الجري على مقتضى أحدهما يستلزم الجري على خلاف مقتضى الآخر فثبوتهما إما أن يكون بداعي البعث إلى متعلقهما معا أو بداعي البعث إلى واحد منهما بعينه أولا بعينه أولا بداعي البعث أصلا، والجميع ممتنع (أما الاول) فلامتناع متعلقهما فيمتنع حدوث داعي الانبعاث إليه (وأما الثاني) فلانه يثبت الامر بأحدهما لانه بداع
وان لم يكن في مرتبة طلب الاهم اجتماع
______________________________
لا بهما لانه بلا داع والامر بلا داع ليس أمرا حقيقيا وهو خلف ومنه يظهر امتناع (الثالث) و (الرابع) والسبب في ذلك كله أن الجري على مقتضى أحد الامرين يستلزم الجري على خلاف مقتضى الآخر وهذا غير جار في الامرين بالضدين على نحو الترتب لان فعل الضد الاهم جريا على مقتضى الامر به ليس جريا على خلاف مقتضى الامر بالمهم لان الامر بالمهم لما كان مشروطا بعدم فعل الاهم أو بالبناء على عدم فعله لم يكن في فعل الاهم مخالفة له لان الواجب المشروط لا يقتضي حفظ شرطه، بل اقتضاؤه إنما يكون في ظرف الفراغ عن وجود الشرط فلا ينافيه الامر بتفويت الشرط، ولازم ذلك ان لا يكون في الجري على مقتضى الامر بالمهم مخالفة للامر بالاهم أيضا لامتناع التنافي من طرف واحد (وان شئت) قلت: الضدان لما لم تسع قدرة المكلف الا أحدهما امتنع الامر بهما في عرض واحد لان كل واحد من الامرين يقتضي صرف القدرة إلى متعلقه وصرفها إلى كل من المتعلقين إبطال لمقتضى الامر بالآخر أما الامر بهما على الترتب بالنحو المتقدم فلا ابطال فيه لاحد الامرين لان صرفها في الاهم ليس إبطالا لمقتضى الامر بالمهم، لان الامر المذكور لا يقتضي صرف القدرة من الاهم إلى المهم وإنما يوجب صرف القدرة عن غير الاهم من سائر الاضداد إلى المهم فيكون صرفها في الاهم إعمالا للامر بالاهم بلا إهمال للامر بالمهم وصرفها عن سائر الاضداد غير الاهم إلى المهم ليس إهمالا للامر بالاهم، إذ الامر بالاهم لا يمنع عن ذلك وإنما يمنع عن صرف القدرة من الاهم إلى المهم أو غيره من سائر الاضداد فإذا كان إعمال كل من الامرين في مقتضاه لا يكون إهمالا للآخر كيف ينافي أحدهما الآخر ؟ فلاحظ (قوله: وان لم يكن في مرتبة) لان الامر بالمهم مشروط بالعصيان فيكون متأخرا عنه تأخر المشروط عن شروطه، والعصيان متاخر رتبة عن الامر لانه منتزع عن مقام متاخر عن الامر نظير الاطاعة فيكون الامر بالمهم متاخرا رتبة عن الامر بالاهم بمرتبتين، ففي رتبة الاهم لا أمر بالمهم،
طلبهما الا انه كان في مرتبة الامر بغيره اجتماعهما بداهة فعلية الامر بالاهم في هذه المرتبة وعدم سقوطه بعد بمجرد المعصية فيما بعد ما لم يعص أو العزم عليها مع فعلية الامر بغيره أيضا لتحقق ما هو شرط فعليته فرضا (لا يقال): نعم لكنه بسوء اختيار المكلف حيث يعصي فيما بعد بالاختيار فلولاه لما كان متوجها إليه إلا الطلب بالاهم ولا برهان على امتناع الاجتماع إذا كان بسوء الاختيار (فانه يقال): استحالة طلب الضدين ليس الا لاجل استحالة طلب المحال واستحالة طلبه من الحكيم
______________________________
وهكذا الحال فيما لو كان مشروطا بالبناء على المعصية بل يكون متأخرا عنه بثلاث مراتب لان البناء متأخر عن العصيان لانه موضوعه (قوله: إلا انه كان في مرتبة) هذا بظاهره غير معقول لان التقدم الرتبي للامر بالاهم يستلزم التأخر الرتبي للامر بالمهم، وكأن المراد من عدم كون الامر بالمهم في رتبة الامر بالاهم أنه ليس مقارنا له في حدوث التنجز واقتضائه حدوث الداعي العقلي الا انه حينما يتنجز الامر بالمهم لا يسقط الامر بالاهم عن التنجز بل هو على تنجزه كما يظهر من عبارته في حاشيته على الرسائل (قوله: أو العزم) معطوف على المعصية، يعني مجرد تحقق المعصية في المستقبل أو العزم عليها فعلا لا يوجب سقوط الامر بالاهم عن مقام البعث وحينئذ يضاد الامر بالمهم " أقول ": قد عرفت عدم التضاد بين الامرين وعدم التزاحم بينهما. نعم لو كان حدوث البناء على المعصية شرطا في ثبوت الامر بالمهم إلى الابد وان ارتفع البناء وعزم على موافقة الامر بالاهم كان التزاحم بينهما في محله لانه بحدوث البناء على المعصية يثبت الامر بالمهم مطلقا ويكون موجبا لصرف القدرة إليه من الاهم وهو خلاف مقتضى الامر بالاهم لكنه خلف إذ المفروض أن الامر بالمهم منوط بالبناء على معصية الامر بالاهم حدوثا وبقاء (قوله: نعم لكنه بسوء اختيار) يعني سلمنا ثبوت الامر بالضدين لكنه كان ناشئا عن سوء الاختيار إذ لو لا عصيانه الذي كان شرطا للامر بالمهم لما ثبت الامر به مع الامر بالاهم (قوله: لاجل استحالة)
الملتفت إلى محاليته لا تختص بحال دون حال والا لصح فيما علق على أمر اختياري في عرض واحد بلا حاجة في تصحيحه إلى الترتب مع انه محال بلا ريب ولا اشكال (إن قلت): فرق بين الاجتماع في عرض واحد والاجتماع كذلك فان الطلب في كل منهما في الاول يطارد الآخر بخلافه في الثاني فان الطلب بغير الاهم لا يطارد طلب الاهم فانه يكون على تقدير عدم الاتيان بالاهم فلا يكاد يريد غيره على تقدير اتيانه وعدم عصيان امره (قلت): ليت شعرى كيف لا يطارده الامر بغير الاهم ؟ وهل يكون طرده له إلا من جهة فعليته ومضادة متعلقه للاهم ؟ والمفروض فعلية ومضادة متعلقه له، وعدم ارادة غير الاهم على تقدير الاتيان به لا يوجب عدم طرده لطلبه مع تحققه على تقدير عدم الاتيان به وعصيان امره فيلزم اجتماعهما على هذا التقدير مع ما هما عليه من المطاردة من جهة المضادة بين المتعلقين - مع أنه يكفي الطرد من طرف الامر بالاهم فانه - على هذا الحال - يكون طاردا لطلب الضد كما كان في غير هذا الحال فلا يكون له معه اصلا بمجال (ان قلت) فما الحيلة فيما وقع كذلك من طلب الضدين
______________________________
لما تقدم من أن الطلب الحقيقي إنما يكون بداعي البعث إلى متعلقه ويمتنع ثبوت الداعي إلى المحال (قوله: والا لصح فيما علق) كأن يقول: إذا ضربت زيدا فقم واقعد في آن واحد، ولا ريب في امتناعه (قوله: كذلك) يعني على نحو الترتب (قوله: وهل يكون طرده) قد عرفت ان الامر بالمهم وان كان فعليا الا انه لما كان منوطا بعدم فعل الاهم فلا يقتضي عدم فعله ولا صرف قدرة المكلف منه إلى متعلقه ومجرد المضادة بين المتعلقين لا يقتضي التنافي بينهما إذا كانا ثابتين على نحو الترتب (قوله: يكون طاردا لطلب الضد) قد عرفت أن طلب الاهم انما يقتضي إفناء شرط الامر بالمهم وبذلك لا يكون طاردا له لانه لا يقتضي حفظ شرطه فإذا كان الامر بالاهم يقتضي ما لا
في العرفيات (قلت): لا يخلو إما أن يكون الامر بغير الاهم بعد التجاوز عن الامر به وطلبه حقيقة، وإما أن يكون الامر به ارشادا إلى محبوبيته وبقائه على ما هو عليه من المصلحة والغرض لو لا المزاحمة وان الاتيان به يوجب استحقاق المثوبة فيذهب بها بعض ما استحقه من العقوبة على مخالفة الامر بالاهم لا أنه امر مولوي فعلي كالامر به. فافهم وتأمل جيدا (ثم) انه لا أظن أن يلتزم القائل بالترتب بما هو لازمه من الاستحقاق في صورة مخالفة الامرين لعقوبتين ضرورة قبح العقاب على ما لا يقدر عليه العبد ولذا كان سيدنا الاستاد - قدس سره - لا يلتزم به على ما هو ببالي وكنا نورد به على الترتب وكان بصدد تصحيحه فقد ظهر انه لا وجه لصحة العبادة مع مضادتها لما هو أهم منها إلا ملاك الامر
______________________________
يقتضي خلافه الامر بالمهم كيف يكون طاردا له. نعم الامر بالاهم يقتضي نفي الامر بالمهم ذاتا لا اقتضاء وليس ذلك طردا له. ثم إذا سلم المصنف (ره) كون الامر بالمهم ليس طاردا للامر بالاهم كيف يكون الامر بالاهم طاردا له والطرد لا يعقل قيامه بطرف واحد فإذا كان أحدهما طاردا للآخر كان الآخر طاردا له ايضا (قوله: في العرفيات) كما يقول الاب لولده: اذهب هذا اليوم إلى المعلم فان عصيت فاكتب في الدار ولا تلعب مع الصبيان، وببالي اني سمعته (ره) يمثل بذلك في مجلس درسه الشريف (قوله: بعد التجاوز) هذا خلاف ما عليه ارتكازهم من بقاء الامر بالاهم كما يظهر من ملاحظة المثال واشباهه (قوله: ارشادا) هذا ممنوع كما قبله لجواز الامر به مولويا (قوله: كالامر به) يعني بالاهم (قوله: ضرورة قبح) بل ضرورة حسن العقاب على مخالفة التكليف الفعلي تقتضي الالتزام بترتب عقابين بعد ما عرفت من إمكان التكليف بهما وفرض معصيتهما معا وقبح العقاب على ما لا يقدر عليه لا أصل له ما لم يرجع إلى قبح العقاب على ما لا تكليف به فلا يكون العقاب عليه عقابا على المعصية (قوله: تصحيحه) يعني الترتب (قوله: إلا ملاك الامر) يعني بلا أمر فعلي
(نعم) فيما إذا كانت موسعة وكانت مزاحمة بالاهم ببعض الوقت لا في تمامه يمكن أن يقال انه حيث كان الامر بها على حاله وان صارت مضيقة بخروج ما زاحمه الاهم من افرادها من تحتها أمكن أن يؤتى بما زوحم منها بداعي ذاك الامر فانه وان كان خارجا عن تحتها بما هي مأمور بها الا انه لما كان وافيا بغرضها كالباقي تحتها كان عقلا مثله في الاتيان به في مقام الامتثال والاتيان به بداعي ذلك الامر بلا تفاوت في نظره بينهما أصلا (ودعوى) أن الامر لا يكاد يدعو الا إلى ما هو من أفراد الطبيعة المأمور بها وما زوحم منها بالاهم وان كان من أفراد الطبيعة لكنه ليس من أفرادها بما هي مأمور بها (فاسدة) فانه إنما يوجب ذلك إذا كان خروجه عنها بما
______________________________
(قوله: نعم فيما إذا كانت) يعني إذا كانت العبادة موسعة الوقت واتفق لها ضد واجب أهم في بعض وقتها يسقط الامر بها في وقته ويبقى الامر بها بعد وقته لعدم المضادة فحينئذ لو عصى المكلف الامر بالاهم وجاء بالعبادة في وقته أمكنه أن يأتي بها بقصد الامر المتعلق بها فيما بعد وقت الاهم لا بقصد ملاك الامر مثلا لو ابتلي بانقاذ غريق في اول الزوال فتركه واشتغل بصلاة الظهر فانه يصح ان يقصد الامر بصلاة الظهر فيما بعد وقت الانقاذ (قوله: مضيقة بخروج) يعني يختص وقتها بغير وقت الاهم لان الفرد الواقع في وقت الاهم خارج عن دائرة المأمور به إذ لو كان داخلا ايضا بحيث يعمه الامر يلزم الامر بالضدين في وقت واحد ومجرد وجود المندوحة في احدهما لا يرفع التزاحم بين الامرين في مقتضاهما فان الامر بالاهم يقتضي صرف القدرة من المهم إلى متعلقه والامر بالمهم يقتضي خلاف ذلك فلا بد من الالتزام بخروجه عن حيطة الامر (قوله: في الاتيان به في) يعني كما يصح أن يؤتى بالفرد الباقي بداعي الامر بحيث يكون هو الباعث إليه كذلك يصح ان يؤتى بالفرد المزاحم بالاهم الخارج عن الطبيعة بداعي الامر، " أقول ": قد عرفت في البحث التعبدي والتوصلي أن ملاك الامر لا يصلح
هي كذلك تخصيصا لا مزاحمة فانه معها وان كان لا تعمها الطبيعة المأمور بها الا انه ليس لقصور فيه بل لعدم امكان تعلق الامر بما يعمه عقلا وعلى كل حال فالعقل لا يرى تفاوتا في مقام الامتثال وإطاعة الامر بها بين هذا الفرد وسائر الافراد أصلا. هذا على القول بكون الاوامر متعلقة بالطبايع وأما بناء على تعلقها بالافراد فكذلك وان كان جريانه عليه اخفى كما لا يخفى فتأمل (ثم) لا يخفى انه بناء على إمكان الترتب وصحته لا بد من الالتزام بوقوعه من دون انتظار دليل آخر عليه وذلك لوضوح ان
______________________________
للمقربية بما هو هو وانما يصلح لذلك بما انه ملاك الامر بحيث يكون طريقا إلى الامر في مقام الانبعاث من قبله وحينئذ لا يختلف الفرض عما قبله غاية الامر انه في الفرض يكون الامر موجودا وسعته للمأتي به اقتضائية وفيما قبله لا يكون موجودا فالباعث في المقامين امر واحد لبا وهو الامر الاقتضائي وأما لو كانت داعوية الملاك في قبال داعوية نفس الامر فيمتنع الانبعاث من قبل الامر في المقام مع عدم تعلقه بالمأتي به. نعم ربما يكون الامر موجبا لحدوث الداعي إلى فعله من باب كونه مسقطا له لكن هذا ليس من الاطاعة للامر والانقياد إليه الذي هو محل الكلام فانه لا بد في ذلك من كون المأتي به موضوعا للامر (قوله: هي كذلك) يعني مأمور بها (قوله: تخصيصا) يعني لا يكون ملاك الامر موجودا في الفرد الخارج (قوله: لا يرى تفاوتا) هذا مسلم بناء على ما ذكرنا لا غير (قوله: فكذلك) إذ المصحح للامتثال من كون المأتي به واجدا لملاك الامر مع تعلق الامر بغيره حاصل في المقامين. نعم يختلفان في أن المأمور به على القول بالافراد مباين للمأتي به بحيث لا يمكن شموله له بذاته وعلى القول بالطبايع يمكن شموله له بذاته وان لم يشمله بما انه مأمور به ولاجل هذا المقدار من الاختلاف كان جريانه على الاول أخفى (قوله: لابد من الالتزام) يعنى حيث يحرز ملاك الامر في كل منهما مطلقا والا فالمرجع الاصول العملية ولا مجال
المزاحمة على صحة الترتب لا تقتضي عقلا الا امتناع الاجتماع في عرض واحد لا كذلك، فلو قيل بلزوم الامر في صحة العبادة ولم يكن في الملاك كفاية كانت العبادة مع ترك الاهم صحيحة لثبوت الامر بها في هذا الحال كما إذا لم تكن هناك مضادة.
فصل
(لا يجوز أمر الآمر مع علمه بانتفاء شرطه)
خلافا لما نسب إلى أكثر مخالفينا ضرورة أنه لا يكاد يكون الشئ مع عدم علته كما هو المفروض ها هنا فان الشرط من اجزائها وانحلال المركب بانحلال بعض أجزائه مما لا يخفى، وكون الجواز في العنوان بمعنى الامكان الذاتي
______________________________
لحكم العقل بالترتب (قوله: المزاحمة) يعني بين الامرين في الاقتضاء، (قوله: على صحة الترتب) يعني بناء على القول بصحة الترتب ومعقوليته (قوله: لا كذلك) يعنى لا تقتضي امتناع الاجتماع بنحو الترتب فيرفع اليد عن اقتضاء ملاك المهم بالمقدار اللازم في مقام الجمع بينهما فيحكم بعدم ترتب اثره عليه من البعث إليه في ظرف فعل الاهم ويحكم بترتبه عليه في ظرف عدم فعله الاهم
أمر الآمر مع علمه بانتفاء شرطه
(قوله: بانتفاء شرطه) يعني شرط وجود الامر (قوله: مخالفينا) لكن عن جماعة منهم نقل الاتفاق على عدم الجواز (قوله: وكون الجواز في) يعني قد يقال بان انتفاء شرط وجود الامر وان كان يقتضي امتناع الامر كما ذكرت الا ان الامتناع المذكور امتناع بالعرض ويسمى امتناعا بالغير والامتناع بالغير لا ينافي الامكان بالذات فان كل ممكن بالذات في ظرف عدم علته ممتنع بالغير وعلى هذا يصح ان يقال: يجوز الامر مع العلم بانتفاء شرطه،
بعيد عن محل الخلاف بين الاعلام (نعم) لو كان المراد من لفظ الامر الامر ببعض مراتبه ومن الضمير الراجع إليه بعض مراتبه الاخر بان يكون النزاع في أن أمر الآمر يجوز انشاء مع علمه بانتفاء شرطه بمرتبة فعليته (وبعبارة أخرى) كان النزاع في جواز إنشائه مع العلم بعدم بلوغه إلى المرتبة الفعلية لعدم شرطه لكان جائزا وفى وقوعه في الشرعيات والعرفيات غنى وكفاية ولا تحتاج معه إلى مزيد بيان أو مؤونة برهان، وقد عرفت سابقا أن داعي إنشاء الطلب لا ينحصر بالبعث والتحريك جدا حقيقة بل قد يكون صوريا امتحانا وربما يكون غير ذلك، ومنع كونه أمرا إذا لم يكن بداعي البعث جدا واقعا وان كان في محله إلا أن إطلاق الامر عليه إذا كانت هناك قرينة على انه بداع آخر غير البعث توسعا مما لا باس به اصلا كما لا يخفى، وقد ظهر بذلك حال ما ذكره الاعلام في المقام من النقض والابرام وربما يقع به التصالح بين الجانبين ويرتفع النزاع من البين فتأمل جيدا.
______________________________
بمعنى انه يجوز في ذاته وان كان ممتنعا بالنظر إلى انتفاء شرطه، ولكنه مندفع بان ظاهر الجواز في العنوان ما يقابل الامتناع ولو بالغير لا خصوص الامكان الذاتي المقابل للامتناع الذاتي والا فلا مجال للخلاف فيه بين الاعلام لوضوح ان الامر بالنظر إلى ذاته لا مانع عند العقل من وجوده (قوله: بعيد عن) بل لا مجال لاحتماله بقرينة ذكر انتفاء الشرط (قوله: نعم لو كان المراد) وكذا لو كان المراد من الامر ما يعم المشروط ومن الشرط شرط الامر المعبر عنه بشرط الوجوب كأن يقول مع علمه بعدم الاستطاعة: حج ان استطعت، وقد يظهر من بعض أدلة المجوزين ان المراد من الشرط شرط المأمور به كما يقتضيه ظاهر تحرير العنوان في كلام بعض بمثل (هل يجوز الامر بالشئ مع العلم بانتفاء شرطه ؟) فان الظاهر من الضمير في (مثله) رجوعه إلى الشئ لانه أقرب (قوله: وربما يقع به التصالح) لكن قد يأباه بعض كلماتهم مضافا إلى ما عرفت فراجع
فصل
(الحق أن الاوامر والنواهي تكون متعلقة بالطبايع دون الافراد)
ولا يخفى أن المراد ان متعلق الطلب في الاوامر هو صرف الايجاد كما أن متعلقه في النواهي هو محض الترك ومتعلقهما هو نفس الطبيعة المحدودة بحدود
تعلق الاوامر والنواهي بالطبايع أو الافراد
______________________________
(قوله: ولا يخفى أن المراد أن) اعلم انه إذا وجد ماء في اناء كان أمور ثلاثة (فرد) من الماء وهو تمام الماء الموجود المحدود الوجود بالحدود الخاصة (وحصة) من الماء وهو كل ما يفرض من نقاط الماء التي يصح انتزاع مفهوم الماء منها كما يصح انتزاعه من تمام الماء الموجود في الاناء فان كل نقطة منه ليست فردا للماء بل جزء الفرد ولكن حصة من الماء (وطبيعة) وهي الجهة المشتركة بين تمام الحصص التي هي منشأ الاثر ومحط الغرض في أي حصة من الحصص المذكورة وجدت أو في أي فرد من الافراد بلا تفاوت بين الافراد ولا بين الحصص. ثم ان الطبيعة المذكورة قد تلحظ بما هي هي بالنظر إلى ذاتها لا غير كما يقال: الماء موجود أو معدوم فترى معروضا للوجود والعدم. وقد تلحظ حاكية عن صرف الوجود وهي المعبر عنها بصرف الوجود كما يقال: النار محرقة. وقد تلحظ حاكية عن كل من الوجودات الخارجية وهي المعبر عنها بالطبيعة السارية، وقد تلحظ حاكية عن احد الوجودات لا بعينة كما في النكرة أو بعينه كما في الفرد المعرف وقد تلحظ على أنحاء أخر (إذا عرفت) ذلك نقول: قد يشعر التقابل بين الطبيعة والفرد في العنوان بان المراد من الطبيعة لحاظها على النحو الاول ومن الفرد ما عرفت من الوجود الواحد المحدود بالحدود الخاصة فيكون مراد القائل بالطبيعة أن موضوع الامر نفس الطبيعة من حيث هي ومراد القائل بالفرد أن موضوعه الوجود الخاص بدخل الخصوصيات في موضوعه وحيث أن الخصوصيات المقومة للفرد ليست دخيلة في الغرض الباعث على الامر فيمتنع أخذها
في موضوعه أورد المصنف (ره) على القائلين بالفرد بذلك، وحيث أن الطبيعة من حيث هي ليست أيضا موضوعا للغرض ولا محطا للاثر المقصود منها وجه القول بالطبيعة - تبعا للفصول - بأن الامر ليس هو الطلب مطلقا كي يمتنع تعلقه بالماهية من حيث هي بل هو طلب الوجود، وكذلك النهي ليس هو الزجر عن الماهية كذلك بل هو طلب العدم فالوجود والعدم المأخوذان في موضوع الامر والنهي متعلقان بالماهية من حيث هي ولا اشكال فيه " أقول ": كان الاولى في توجيه القول بالطبيعة حمل الطبيعة في كلامهم على الملحوظة حاكية عن الوجود لا جعل الوجود داخلا في مفهوم الامر ولا جعل العدم داخلا في مفهوم النهي إذ الامر - كما تقدم - نفس الطلب. والنهي - كما يأتي - نفس المنع والزجر لا طلب العدم فهما ضدان يتعلقان بالوجود كما يتعلقان بالعدم - مع أن التوجيه المذكور لا يتم لو صرح بمادة الطلب كما لو قال: أطلب القيام، نعم استدلال القائلين بالطبيعة بأن المصادر المجردة عن اللام والتنوين موضوعة للطبيعة من حيث هي يأبى ما ذكرناه، وأيضا فان الرد على القول بالفرد بما ذكره أخذا بظاهر لفظ الفرد غير ظاهر الوجه بعد ظهور أدلتهم في خلافه فان استدلالهم بأن الطبيعة من حيث هي لا وجود لها في الخارج ظاهر في نفي الطبيعة من حيث هي لا في اعتبار الخصوصيات في موضوع الامر كيف ولا يحسن الظن بقول أحد منهم بذلك - مع أن الاولى - حسبما ذكره هو الرد عليهم بأن الفرد هو الوجود الخاص فيلزم من تعلق الامر بالفرد بعد البناء على دخل الوجود في مفهوم الامر أن يكون معنى الامر بالفرد طلب وجود الوجود وهو مما لا معنى له كما اشار إلى ذلك في الفصول في ذيل كلامه فتأمل جيدا، فالمتحصل إذا أنه لا مجال لاحتمال كون الماهية من حيث هي أو الخصوصيات الفردية مقومة لموضوع الطلب بل موضوعه الماهية الحاكية عن الوجود فان أراد كل من القائل بالطبيعة والفرد ذلك ففي محله ويكون النزاع لفظيا وإن أراد غيره فهو ساقط. والله سبحانه أعلم
والمقيدة بقيود تكون بها موافقة للغرض والمقصود من دون تعلق غرض باحدى الخصوصيات اللازمة للوجودات بحيث لو كان الانفكاك عنها باسرها ممكنا لما كان ذلك مما يضر بالمقصود اصلا كما هو الحال في القضية الطبيعية في غير الاحكام، بل في المحصورة على ما حقق في غير المقام وفى مراجعة الوجدان للانسان غنى وكفاية عن اقامة البرهان على ذلك حيث يرى إذا راجعه انه لا غرض له في مطلوباته الا نفس الطبايع ولا نظر له الا إليها من دون نظر إلى خصوصياتها الخارجية وعوارضها العينية وأن نفس وجودها السعي بما هو وجودها تمام المطلوب وان كان ذاك الوجود لا يكاد ينفك في الخارج عن الخصوصية (فانقدح) بذلك أن المراد بتعلق الاوامر بالطبايع دون الافراد انها بوجودها السعي بما هو وجودها - قبالا لخصوص الوجود - متعلقة للطلب لا أنها بما هي هي كانت متعلقة له كما ربما يتوهم فانها كذلك ليست الا هي (نعم) هي كذلك تكون متعلقة للامر فانه طلب الوجود
______________________________
(قوله: والمقيدة بقيود) ذاتية مثل: الحيوان الناطق، أو غيرها مثل: الرجل العالم (قوله: الخصوصيات) يعني المقومة لفردية الفرد (قوله: في القضية الطبيعية) فان الحكم فيها على نفس الطبيعة من حيث هي مثل الانسان كلي، (قوله: بل في المحصورة) يعني التي هي قسيمة للطبيعية فانها وان ذكر في تحديدها أنها ما يكون الحكم فيها على الافراد إلا أن المحقق في محله أن الحكم فيها ايضا على الطبيعة الملحوظة سارية في الافراد لا من حيث هي كما في الطبيعية، (قوله: وجودها السعي) يعني الذي فيه سعة حيث انه يتحد مع وجود كل فرد بخلاف وجود الفرد (قوله: لا يكاد ينفك) لانه يتحد مع الفرد المتقوم بالخصوصية (قوله: لخصوص الوجود) يعني وجود الفرد (قوله: ليست الا هي) من المعلوم ان كل شئ بما هو هو ليس الا هو، ولكن لا ينافي ذلك كونه معروضا لعوارضه فان زيدا من حيث هو لا صحيح ولا مريض بمعنى أنه ليست الصحة والمرض من مقوماته وذاتياته وان كان بلحاظ طروء الصحة
فافهم (دفع وهم) لا يخفى ان كون وجود الطبيعة أو الفرد متعلقا للطلب انما يكون بمعنى ان الطالب يريد صدور الوجود من العبد وجعله بسيطا الذي هو مفاد كان التامة وافاضته لا أنه يريد ما هو صادر وثابت في الخارج كي يلزم طلب الحاصل كما توهم ولا جعل الطلب متعلقا بنفس الطبيعة وقد جعل وجودها غاية لطلبها وقد عرفت ان الطبيعة بما هي هي ليست الا هي لا يعقل ان يتعلق بها طلب لتوجد أو تترك وأنه لابد في تعلق الطلب من لحاظ الوجود أو العدم معها فيلاحظ وجودها فيطلبه ويبعث
______________________________
عليه أو المرض يكون صحيحا أو مريضا فكون الطبيعة من حيث هي لا مطلوبة ولا غير مطلوبة لا ينافي كونها بلحاظ تعلق الطلب بها تكون مطلوبة أو عدم تعلقه فلا تكون مطلوبة فالعمدة في عدم تعلق الطلب بالطبيعة من حيث هي انها كذلك ليست موضوعا للاثر ومحطا للغرض كما ذكر (قوله: فافهم) لعله اشارة إلى الاشكال في الفرق بين الطلب والامر من حيث دخل الوجود في مفهوم الثاني دون الاول كما عرفت (قوله: دفع وهم لا يخفى) تقريب الوهم ان الطلب إذا كان متعلقا بالوجود كان عارضا عليه وحينئذ فاما أن يكون عروضه عليه قبل تحققه أو بعده فعلى الاول يلزم وجود العارض بدون المعروض وعلى الثاني يلزم تحصيل الحاصل وما ذكره المصنف (ره) دفعا له من أن موضوع الطلب ليس الوجود بل صدوره وجعله غير دافع لانه يقرر أيضا في الصدور كما يقرر في الوجود - مع أن الفرق بين الصدور والوجود بمحض الاعتبار فان الوجود عين الصدور حقيقة (فالدافع) للاشكال أن الموضوع للطلب ليس هو الوجود الخارجي بل الذهني اللحاظي الذي لا يلتفت إلى ذهنيته فيرى خارجيا ولذا يسري إلى كل منهما عارض الآخر فيرى موضوعا للغرض مع أن موضوعه هو الوجود الخارجي ويرى الوجود الخارجي موضوعا للطلب فيقال: جاء بالمطلوب، مع ان الطلب لم يتعلق به حقيقة وقد أشرنا إلى ذلك في الوجوب التعليقي (قوله: وجعله بسيطا) تقدم شرحه في تأسيس الاصل من مبحث المقدمة (قوله: الوجود أو العدم) إشارة إلى الامر والنهي
إليه كى يكون ويصدر منه هذا بناء على أصالة الوجود وأما بناء على أصالة الماهية فمتعلق الطلب ليس هو الطبيعة بما هي أيضا بل بما هي بنفسها في الخارج فيطلبها كذلك لكي يجعلها بنفسها من الخارجيات والاعيان الثابتات لا بوجودها كما كان الامر بالعكس على أصالة الوجود، وكيف كان فيلحظ الآمر ما هو المقصود من الماهية الخارجية أو الوجود فيطلبه ويبعث نحوه ليصدر منه ويكون ما لم يكن فافهم وتأمل جيدا
فصل
(إذا نسخ الوجوب فلا دلالة لدليل الناسخ ولا المنسوخ على بقاء الجواز)
بالمعنى الاعم ولا بالمعنى الاخص كما لا دلالة لهما على ثبوت غيره من الاحكام ضرورة ان ثبوت كل واحد من الاحكام الاربعة الباقية بعد ارتفاع الوجوب واقعا ممكن ولا دلالة لواحد من دليلي الناسخ أو المنسوخ باحدى الدلالات على تعيين واحد منها
______________________________
(قوله: على أصالة الوجود) اشارة إلى الخلاف المعروف في فن المعقول من أن الاصل في التحقيق هو الوجود فهو الصادر حقيقة والماهية أمر اعتباري محض - كما هو المنسوب إلى المحققين من المشائين أو أن الاصل هو الماهية فهي الصادر حقيقة والوجود أمر اعتباري كما هو مذهب شيخ الاشراق شهاب الدين السهروردي وغيره (قوله: اصالة الماهية) يعني لا مجال - على هذه الدعوى - لاحتمال كون متعلق الطلب هو الوجود إذ المطلوب لابد أن يكون أمرا حقيقيا فيكون متعلق الطلب نفس الماهية لا من حيث هي بل من حيث كونها خارجية فانها كذلك تكون موضوعا للاثر ومحطا للغرض على أن يكون الموضوع حقيقة للطلب الماهية الذهنية الحاكية عن الخارجية كما عرفت
كما هو أوضح من ان يخفى فلا بد للتعيين من دليل آخر ولا مجال لاستصحاب الجواز إلا بناء على جريانه في القسم الثالث من اقسام استصحاب الكلي وهو ما إذا شك في حدوث فرد كلي مقارنا لارتفاع فرده الآخر وقد حققنا في محله أنه لا يجرى الاستصحاب فيه ما لم يكن الحادث المشكوك من المراتب القوية أو الضعيفة المتصلة بالمرتفع بحيث عد عرفا - لو كان - أنه باق لا أنه أمر حادث غيره ومن المعلوم ان كل واحد من الاحكام مع الآخر عقلا وعرفا من المباينات والمتضادات غير الوجوب والاستحباب فانه
______________________________
نسخ الوجوب
(قوله: هو أوضح) لوضوح عدم المنشأ للدلالة المذكورة أما في الناسخ فظاهر وأما في المنسوخ فلانه وان دل على الجواز لكن خصوص الجواز المتحصل بالوجوب فبعد ارتفاع الوجوب لا يكون الجواز على تقدير ثبوته متحصلا بالوجوب بل بغيره فلا يدل عليه (قوله: لا مجال لاستصحاب) يعني قد يتوهم أنه بعد سقوط الادلة عن الحجية لعدم الدلالة يرجع إلى الاصل العملي وهو الاستصحاب فان الفعل حين كان واجبا كان جائزا فإذا ارتفع وجوبه يشك في ارتفاع جوازه فيستصحب ولكنه مندفع بأن الجواز لا يثبت إلا في ضمن أحد الاحكام الاربعة غير التحريم والاحكام الاربعة متباينات فإذا كان ثابتا في ضمن الوجوب وعلم بارتفاع الوجوب واحتمل ثبوت الجواز في ضمن الاباحة مثلا فقد علم بارتفاع الوجود الاول للكلي وشك في وجود آخر له مقارن لارتفاع الاول وهذا هو القسم الثالث من اقسام الشك في وجود الكلي المحقق فيما يأتي إنشاء الله عدم جريان الاستصحاب فيه لانه مع تعدد الوجود لا يصدق الشك في البقاء الذي هو مجرى الاستصحاب (قوله: وهو ما إذا) تفسير للقسم الثالث لكن سيجئ أن له صورة أخرى (قوله: من المراتب القوية) كما لو كان الثوب ضعيف
وان كان بينهما التفاوت بالمرتبة والشدة والضعف عقلا الا انهما متباينان عرفا فلا مجال للاستصحاب إذا شك في تبدل احدهما بالآخر فان حكم العرف ونظره يكون متبعا في هذا الباب
فصل
إذا تعلق الامر بأحد الشيئين أو الاشياء ففي وجوب كل واحد على التخيير
______________________________
السواد فوضع في الشمس مثلا وعلم بعدم بقائه على السواد الضعيف بل إما زال سواده بالمرة أو اشتد سواده فانه يستصحب بقاء سواده في الجملة أو كان الثوب شديد السواد فغسل بالماء وعلم بعدم بقائه على سواده القوي بل إما زال بالمرة أو بقي له سواد ضعيف فان الاستصحاب يجري في السواد أيضا لصدق الشك في البقاء عرفا (أقول): بل الظاهر صدقه حقيقة ودقة لان الضعيف لا يباين القوي وجودا بل هو من مراتبه وإنما يباينه حدا ومثله لا يمنع من صدق الشك في البقاء حقيقة فلا ينبغي عد هذا من القسم الثالث وإن صدر من كثير من الاعاظم (قوله: وان كان بينهما التفاوت) قد عرفت فيما سبق أنهما أيضا متباينان (قوله: فلا مجال للاستصحاب) (أقول): يكفي في إثبات الجواز استصحاب الرضا بالفعل الثابت حال وجوبه إذ لو ثبت الرضا به بعد ارتفاع الوجوب لا يكون وجودا آخر للرضا بل يكون الرضا الاول باقيا وإذا ثبت الرضا به - ولو بالاستصحاب - كان جائزا عقلا لان الاحكام التكليفية إنما تكون موضوعا للعمل في نظر العقل بمناط حكايتها عن الارادة والكراهة والرضا لا بما هي هي ويكفي في اثبات الاستحباب استصحاب نفس الارادة النفسانية إذ مجرد رفع الوجوب لا يدل على ارتفاعها وإذا ثبتت الارادة المذكورة ثبت الاستحباب لانه يكفى فيه الارادة للفعل مع الترخيص في الترك الثابت قطعا بنسخ الوجوب
بمعنى عدم جواز تركه إلا إلى بدل، أو وجوب الواحد لا بعينه، أو وجوب كل منهما مع السقوط بفعل أحدهما، أو وجوب المعين عند الله أقوال (والتحقيق) ان يقال: انه (ان كان) الامر باحد الشيئين بملاك أنه هناك غرض واحد يقوم به كل واحد منهما بحيث إذا أتي بأحدهما حصل به تمام الغرض ولذا يسقط به الامر كان الواجب في الحقيقة هو الجامع بينهما وكان التخيير بينهما بحسب الواقع عقليا لا شرعيا وذلك لوضوح أن الواحد لا يكاد يصدر من الاثنين بما هما اثنان ما لم يكن بينهما جامع في البين لاعتبار نحو من السنخية بين العلة والمعلول وعليه فجعلهما متعلقين للخطاب الشرعي لبيان ان الواجب هو الجامع بين هذين الاثنين (وان كان)
______________________________
الواجب التخييري
(قوله: بمعنى عدم جواز) تفسير للتخيير فيكون الوجوب التخييري على هذا المذهب الالزام بالفعل والمنع من تركه إلى غير بدل فيكون كل واحد من عدلي الوجوب التخييري واجبا على النحو المذكور وبهذا يتضح الفرق بين هذا القول والقول الثاني إذ عليه يكون الواجب واحدا لا غير، وأما الفرق بينه وبين الثالث فهو ان الوجوب - على الثالث - تعييني بالنسبة إلى كل من الافراد غايته أن امتثال واحد منها مسقط لغيره كما يسقط الواجب بغير الواجب مثل قراءة الامام المسقطة لقراءة المأموم على احتمال (قوله: المعين عند الله تعالى) المفسر كلام قائله بأنه ما يفعله المكلف وهو بظاهره في غاية الوهن إذ لو كان تعينه بذلك لزم عدم العقاب على ترك الافراد جميعها - مع انه قد يفعل الجميع فلا تميز للواجب حينئذ واقعا، ولذا حكي أن القول المذكور تبرأ كل من المعتزلة والاشاعرة منه (قوله: لا شرعيا) يمكن أن يكون جعل الافراد متعلقا للخطاب الشرعي على التخيير هو المصحح لتسميته تخييرا شرعيا فتأمل (قوله: نحو من السنخية) وإلا لاثر كل شئ في كل شئ كما قيل (قوله: لا يكاد يحصل) عدم حصول
بملاك أنه يكون في كل واحد منهما غرض لا يكاد يحصل مع حصول الغرض في الآخر كان كل واحد واجبا بنحو من الوجوب يستكشف عنه تبعاته من عدم جواز تركه إلا إلى الآخر وترتب الثواب على فعل الواحد
______________________________
الغرضين من الفردين (تارة) يكون بشرط اجتماعهما في زمان واحد وحكمه أنه لا يجوز الجمع بينهما كذلك بل يفعلهما المكلف على التعاقب لئلا يفوت الغرض الواجب التحصيل (وأخرى) يكون مطلقا ولو كانا في زمانين، وحينئذ (فتارة) لا يترتب عليهما غرض اصلا في ظرف الاجتماع فلا يجوز الجمع بينهما أيضا كما سبق (وأخرى) يترتب غرض على أحدهما دون الآخر وحكمه جواز الجمع بينهما ولا يجب لعدم الغرض فيه (قوله: واجبا بنحو من الوجوب) يعني ليس على نحو الوجوب التعييني ليجب الجمع بينهما عقلا لان ثبوت الوجوب التعييني مطلقا لكل منهما يتوقف على ثبوت الغرض فيه مطلقا والمفروض أنه لا غرض في كل منهما مطلقا بل الغرض يكون في ظرف عدم الآخر فلا بد أن يكون الوجوب ثابتا لكل منهما في ظرف عدم الآخر لانه تابع للغرض سعة وضيقا كما يكون تابعا له وجودا وعدما فيكون كل واحد منهما - بما هو هو لا بما هو فرد للجامع - واجبا لا مطلقا بل في حال عدم فعل الآخر وهذا هو الوجوب التخييري نعم لازم ذلك أن لا يكون أحدهما واجبا في ظرف الجمع بينهما لان تلك الحال ليست حال عدم الآخر وهو إنما يتم في الصورة الاولى إذ في الثانية يكون ما يترتب عليه الغرض منهما واجبا في حال الاجتماع الا ان يكون ما يترتب عليه الغرض خصوص السابق منهما فيكون وجوبه في حال عدم الآخر بنحو الشرط المتقدم صحيحا فتأمل جيدا (قوله: وترتب الثواب) أما إذا فعل واحدا منهما دون الآخر فترتب الثواب ظاهر ولو فعلهما معا ففي الصورة الاولى ينبغي عدم ترتب الثواب أصلا لان كل واحد منهما ليس واجبا لعدم ترتب الغرض عليه وفى الصورة الثانية يترتب الثواب
منهما والعقاب على تركهما فلا وجه في مثله للقول بكون الواجب هو(١) احدهما لا بعينه مصداقا ولا مفهوما كما هو واضح الا ان يرجع إلى ما ذكرنا فيما إذا كان الامر بأحدهما بالملاك الاول من ان الواجب هو الواحد الجامع بينهما
______________________________
على فعل ما يترتب عليه الغرض بخصوصه دون الآخر (قوله: والعقاب على تركهما) ظاهره لا سيما بملاحظة ما سبق إرادة عقاب واحد على مجموع التركين لا عقابين على ترك كل واحد منهما لكن عرفت فيما سبق أن اللازم القول بترتب عقابين لتفويته كل واحد من الغرضين بلا عذر (قوله: كما هو واضح) إذ مصداق أحدهما لا بعينه لا خارجية له ليكون موضوعا للغرض فيمتنع ان يتعلق به الامر ولاجل ذلك يمتنع تعلق الامر بمفهومه أيضا - مضافا إلى أن مفهوم الوحدة من الامور الاعتبارية التي لا تكون موضوعا للتكليف ولاجل ذلك يمتنع التكليف بمفهوم الواحد بعينه وان جاز التكليف بمصداقه، ومن هنا يظهر الاشكال في حاشية المصنف (ره) في المقام حيث جوز تعلق العلم الذي هو من الصفات الحقيقية بالامر المردد فضلا عن مثل الوجوب الذي هو من الصفات الاعتبارية، وأما تعلق العلم بالمردد فأعظم إشكالا لان التردد والعلم ضدان فالمعلوم يمتنع ان يكون مرددا نعم قد يكون انطباقه على الخارج مرددا وأين هذا من تعلق العلم بالمردد ؟ مع انه إذا بني على جواز تعلق الوجوب به فلا مجال لانكار صحة البعث إليه وهل الوجه في تعلق الوجوب به الا البعث نحو فعله واحداث الداعي لارادته
______________
(١) فانه وان كان مما يصح ان يتعلق به بعض الصفات الحقيقية ذات الاضافة كالعلم فضلا عن الصفات الاعتبارية المحضة كالوجوب والحرمة وغيرهما مما كان من خارج المحمول الذي ليس بحذائه في الخارج شئ غير ما هو منشأ انتزاعه الا انه لا يكاد يصح البعث حقيقة إليه والتحريك نحوه كما لا يكاد يتحقق الداعي لارادته والعزم عليه ما لم يكن مائلا إلى ارادة الجامع والتحرك نحوه فتأمل جيدا. منه قدس سره
ولا احدهما معينا مع كون كل منهما مثل الآخر في أنه واف بالفرض ولا كل واحد منهما تعينا مع السقوط بفعل احدهما بداهة عدم السقوط مع امكان استيفاء ما في كل منهما من الغرض وعدم جواز الايجاب كذلك مع عدم امكانه فتدبر (بقي الكلام) في أنه هل يمكن التخيير عقلا أو شرعا بين الاقل والاكثر أولا ؟ ربما يقال بأنه محال فان الاقل إذا وجد كان هو الواجب لا محالة ولو كان في ضمن الاكثر لحصول الغرض به وكان الزائد عليه من أجزاء الاكثر زائدا على الواجب لكنه ليس كذلك فانه إذا فرض ان المحصل للغرض فيما إذا وجد الاكثر هو الاكثر لا الاقل الذي في ضمنه بمعنى ان يكون لجميع أجزائه حينئذ دخل في حصوله وان كان الاقل لو لم يكن في ضمنه كان وافيا به أيضا فلا محيص عن التخيير بينهما إذ تخصيص الاقل بالوجوب حينئذ كان بلا مخصص فان الاكثر بحده يكون مثله على الفرض مثل ان يكون الغرض الحاصل من رسم الخط مترتبا على الطويل إذا رسم بماله من الحد لا على القصير في ضمنه، ومعه كيف يجوز
______________________________
فكلامه (قدس سره) محتاج إلى مزيد التأمل (قوله: ولا أحدهما معينا) معطوف على قوله: ولا وجه، يعني لا وجه لهذا القول ايضا (قوله: مع كون) بيان لنفي الوجه (قوله: ولا كل) هذا ايضا معطوف على ما سبق (قوله: الايجاب كذلك) يعني تعيينيا (قوله: فتدبر) يمكن ان يكون اشارة إلى إمكان كون مراد القائل بذلك وجوب كل منهما في الجملة بنحو يقتضي المنع عن تركه إلا إلى الآخر كما تقدم في الفصول التصوير الثاني (قوله: لا محالة) لانه أحد الفردين حسب الفرض (قوله: زائدا على الواجب) يعني ولا يكون بعض الواجب حتى يكون الواجب هو تمام الاكثر كما هو معنى التخيير بين الاقل والاكثر (قوله: فانه إذا فرض) يعني أن ما ذكر إنما يتم لو كان الواجب صرف وجود الطبيعة لانه يصدق على الاقل بمجرد حصوله فيسقط الامر فلا يجب الزائد عليه أما إذا كان الواجب هو الوجود الخاص (أعني وجودا واحدا
تخصيصه بما لا يعمه ومن الواضح كون هذه الفرض بمكان من الامكان (ان قلت): هبه في مثل ما إذا كان للاكثر وجود واحد لم يكن للاقل في ضمنه وجود على حدة كالخط الطويل الذي رسم دفعة بلا تخلل سكون في البين لكنه ممنوع فيما كان له في ضمنه وجود كتسبيحة في ضمن تسبيحات ثلاث أو خط طويل رسم مع تخلل العدم في رسمه فان الاقل قد وجد بحده وبه يحصل الغرض على الفرض ومعه لا محالة يكون الزائد عليه مما لا دخل له في حصوله فيكون زائدا على الواجب لا من أجزائه (قلت): لا يكاد يختلف الحال بذاك فانه مع الفرض لا يكاد يترتب الغرض على الاقل في ضمن الاكثر وإنما يترتب عليه بشرط عدم الانضمام ومعه كان مترتبا على الاكثر بالتمام (وبالجملة) إذا كان كل واحد من الاقل والاكثر بحده مما يترتب عليه الغرض فلا محالة يكون الواجب هو الجامع بينهما وكان التخيير بينهما عقليا ان كان هناك غرض واحد وتخييرا شرعيا فيما كان هناك غرضان على ما عرفت (نعم) لو كان الغرض مترتبا على الاقل من دون دخل للزائد لما كان الاكثر مثل الاقل وعدلا له بل كان فيه اجتماع الواجب وغيره
______________________________
تاما من الطبيعة) فهذا المفهوم لا ينطبق على الاقل بمجرد حصوله مطلقا بل يتوقف على كونه تمام الفرد فإذا شرع في الواجب فحصلت ذات الاقل لم يصدق أنه تمام الفرد حتى ينقطع الوجود فان انقطع عليه كان هو الواجب وان لم ينقطع لم يصدق الواجب الا على تمام الوجود إلى آخره (قوله: تخصيصه بما) يعني تخصيص الوجوب بالاقل الذي لا يعم الاكثر (قوله: هذا الفرض) يعني فرض دخل خصوصية الوجود في الغرض لتكون مقومة للمأمور به (قوله: فيما كان له في ضمنه) يعني ما ذكر لا يتم فيما لو كان الاكثر عبارة عن وجودات متعددة متباينة لان الاقل وجود خاص محدود فيصدق عليه الواجب ويسقط به الامر (قوله: على الفرض) يعني فرض دخل خصوصية الوجود في الغرض (قوله: فانه مع الفرض) يعني يمكن اجراء ما ذكرنا في مورد النقض أيضا بأن تكون
مستحبا كان أو غيره حسب اختلاف الموارد فتدبر جيدا
فصل في وجوب الواجب الكفائي
والتحقيق انه سنخ من الوجوب وله تعلق بكل واحد بحيث لو اخل بامتثاله الكل
______________________________
الخصوصية المعتبرة زائدة على الطبيعة عدم انضمام الزائد فالاقل إنما يكون مصداقا للواجب ومحصلا للغرض بشرط عدم انضمام الزائد عليه، وفى حال الانضمام لا يترتب عليه الاثر وإنما يترتب على تمام الاكثر (أقول): قد عرفت ان ما يعتبر عدمه في ترتب الاثر على الشئ هو المانع فإذا كان الانضمام مانعا من ترتب الاثر على الاقل كيف يكون دخيلا في ترتب الاثر عليه معه كما هو معنى جعل الاثر مستندا إلى تمام الاكثر مع أن استناد الاثر إلى الاكثر ان كان بلحاظ الجهة الواحدة المشتركة بينه وبين الاقل فاللازم الاستناد إلى الاقل لانه أسبق وان كان بلحاظ جهة التكثر امتنع ان يستند إلى الاقل بشرط عدم الانضمام لعدم التكثر فيه (اللهم) إلا أن يقال: ان الوجودات المتعاقبة وان تخلل بينهما العدم ربما تكون تحت وحدة عرضية بها تكون مؤثرة وهذه الوحدة كما تقوم بالاقل تقوم بالاكثر بتمامه مثل مفهوم الورد فانه يصدق على القليل وعلى الكثير بنحو واحد فإذا كان المؤثر في الغرض هو منشأ انتزاع هذا المفهوم وفرض انه يحصل بالقليل كما يحصل بالكثير بعينه كان المكلف مخيرا بين الاقل والاكثر فتأمل (قوله: مستحبا كان) يعني أن الزائد على الواجب قد يكون مستحبا شرعا وقد لا يكون ثم إن هذا كله في الاكثر التدريجي وأما الدفعي فلا مجال للاشكال فيه لان صرف الوجود كما ينطبق على القليل ينطبق على الكثير فان الكثير صرف الوجود كالقليل
الوجوب الكفائي
(قوله: والتحقيق انه سنخ) هذا السنخ نظير سنخ الوجوب التخييري وإنما يفترقان من حيث أن التعدد هناك في فعل مكلف واحد مع توجه الخطاب إليه
لعوقبوا على مخالفته جميعا وان سقط عنهم لو اتى به بعضهم وذلك لانه قضية ما إذا كان هناك غرض واحد حصل بفعل واحد صادر عن الكل أو البعض كما أن الظاهر هو امتثال الجميع لو أتوا به دفعة واستحقاقهم للمثوبة وسقوط الغرض بفعل الكل كما هو قضية توارد العلل المتعددة على معلول واحد.
فصل
لا يخفى انه وان كان الزمان مما لابد منه عقلا في الواجب الا انه (تارة) مما له دخل فيه شرعا فيكون موقتا (وأخرى) لا دخل له فيه أصلا فهو غير موقت والموقت إما أن يكون الزمان المأخوذ فيه بقدره فمضيق، وإما أن يكون أوسع منه فموسع ولا يذهب عليك ان الموسع كلي كما كان له أفراد دفعية كان له افراد تدريجية يكون التخيير بينهما كالتخيير بين أفرادها الدفعية عقليا
______________________________
وحده فيقتضي فعل كل منها في ظرف عدم فعل ما عداه والتعدد هنا في المكلف فيكون فعل كل واحد من المكلفين مما يقتضيه الوجوب في ظرف عدم فعل الآخر (قوله: لعوقبوا) لمخالفة كل منهم التكليف المتوجه إليه (قوله: به بعضهم) إذ لا اقتضاء له إلا في ظرف عدم الفعل من بعض (قوله: غرض واحد) يمكن تصويره في الغرضين المتنافيين حسبما تقدم في الوجوب التخييري الا أن يمنع منه وحدة السنخية بين جميع أفعال المكلفين فتأمل (قوله: كما هو قضية توارد) فان العلل المجتمعة يترتب عليها المعلول ويستند الاثر إلى صرف الجامع بينها ببرهان امتناع استناد الاثر إلى كل منها بما أنه غير الآخر وفى المقام كذلك فان فعل كل مكلف إذا كان علة لحصول الغرض فعند فعل الجميع يكون من قبيل اجتماع العلل
الموقت
(قوله: فيه شرعا) بأن أخذ قيدا لموضوع الحكم الشرعي (قوله: بقدره) كصوم رمضان (قوله: اوسع) كالصلاة اليومية ويمتنع أن يكون الزمان أضيق لان التكليف بالفعل فيه
ولا وجه لتوهم أن يكون التخيير بينها شرعيا ضرورة أن نسبتها إلى الواجب نسبة أفراد الطبايع إليها كما لا يخفى، ووقوع الموسع فضلا عن امكانه مما لا ريب فيه ولا شبهة تعتريه ولا اعتناء ببعض التسويلات كما يظهر من المطولات (ثم) انه لا دلالة
______________________________
تكليف بالمحال. نعم قد يكون الزمان وقتا لبعضه كما فيمن أدرك ركعة من الوقت - بناء على كون خارج الوقت ليس وقتا لباقي الفعل كما هو الظاهر لعدم التلازم بين التنزيلين كما ذكرناه في محله (قوله: ولا وجه لتوهم) هذا التوهم محكي عن العلامة (ره) وجماعة وكأن المنشأ فيه أن الزمان الموسع لما امتنع تطبيق الواجب عليه كان معنى تقييد الواجب به تقييده بكل جزء منه على البدل ويكون معنى: صل في الوقت الكذائي، صل في أوله أو بعده أو بعده... وهكذا فيكون تخييرا شرعيا بين الافراد " أقول ": إن كان المايز بين التخيير الشرعي والعقلي وحدة الغرض وتعدده فكون التخيير في المقام شرعيا أو عقليا تابع لذلك وإن صرح بالتقييد بكل قطعة من الزمان على البدل، وإن كان المايز وقوع التخيير في لسان الشارع فالتخيير في المقام بين القطع الزمانية ليس في لسان الشارع، ومجرد الامر بالطبيعة فيما بين أول الوقت وآخره لا يقتضي التخيير بين القطع الزمانية وليس حال الطبيعة بالنسبة إلى الافراد التدريجية إلا كحالها بالنسبة إلى الافراد الدفعية كما ذكر المصنف " ره " (قوله: ببعض التسويلات) كما يحكى عن جماعة من القدماء فاحالوه عقلا ومنعوا من وقوعه شرعا مستندين في ذلك إلى أنه يلزم جواز الترك من وقت إلى آخر فيلزم جواز ترك الواجب وأنه ينافي وجوبه - وهو كما ترى - إذ جواز الترك إلى بدل لا ينافي الوجوب كما في الوجوب التخييري (قوله: ثم إنه لا دلالة) الكلام يكون تارة في مقام الثبوت وأخرى في مقام الاثبات أما الاول فهو أن الزمان المعين (تارة) يكون دخيلا في تمام مراتب مصلحة الواجب بحيث تفوت المصلحة من أصلها بفوات الزمان ويعبر عنه بوحدة المطلوب، (وأخرى) يكون دخيلا في بعض مراتبها دون بعض بحيث يترتب على
للامر بالموقت بوجه على الامر به في خارج الوقت بعد فوته في الوقت لو لم نقل بدلالته على عدم الامر به (نعم) لو كان التوقيت بدليل منفصل لم يكن له اطلاق على التقييد بالوقت وكان لدليل الواجب اطلاق لكان قضية اطلاقه ثبوت الوجوب بعد انقضاء الوقت وكون التقييد به بحسب تمام المطلوب لا أصله (وبالجملة)
______________________________
الفعل في خارج الوقت بعض المصلحة (ففي الاول) لا يجب الفعل في خارج الوقت لعدم المصلحة فيه ولو دل دليل على وجوبه كان من قبيل التدارك والجبران لما فات نظير بعض الكفارات المترتبة على ترك بعض الواجبات خطأ (وفى الثاني) يجب الفعل ان كان الباقي من المصلحة مما يجب تداركه، ويستحب إن كان مما يستحب تداركه (وأما) الكلام في الثاني فهو أن التوقيت (تارة) يكون بدليل متصل مثل: اغتسل في الجمعة (وأخرى) بدليل منفصل مثل أن يقول: اغتسل، ثم يجئ دليل آخر يتضمن وجوب الغسل في الجمعة، ففي الاول لا دلالة للدليل على كون الوقت دخيلا في تمام مراتب مصلحة الواجب أو بعضها فالمرجع في وجوب الفعل خارج الوقت هو الاصل العملي ان لم يقم دليل على وجوبه وإلا كان عليه المعول (وفى الثاني) تارة يكون لدليل وجوب الفعل إطلاق يقتضي وجوبه بعد الوقت ولدليل التقييد اطلاق يقتضي دخل الوقت في تمام مراتب المصلحة وتارة يكون لاحدهما اطلاق دون الآخر وثالثة لا يكون لاحدهما أصلا إطلاق فعلى الاول يؤخذ باطلاق دليل التقييد وعلى الثاني يؤخذ بالاطلاق الثابت لاحدهما، وعلى الثالث يرجع إلى الاصل العملي. هذا لو لم يقم دليل على القضاء وإلا فعليه المعول نعم قد يقتضي الجمع بينه وبين إطلاق دليل التقييد حمله على الجبران لا على استيفاء بعض مراتب المصلحة (قوله: للامر بالموقت) اشارة إلى التقييد بالمتصل (قوله: لو لم نقل بدلالته) كأن القول بالدلالة على ذلك للاخذ بمفهوم القيد الذي هو نظير مفهوم الوصف (قوله: له إطلاق) يعني الاطلاق الدال على تقييد جميع مراتب المصلحة بالوقت (قوله: وكون التقييد) معطوف
التقييد بالوقت كما يكون بنحو وحدة المطلوب كذلك ربما يكون بنحو تعدد المطلوب بحيث كان أصل الفعل ولو في خارج الوقت مطلوبا في الجملة وان لم يكن بتمام المطلوب الا انه لا بد في اثبات انه بهذا النحو من دلالة ولا يكفى الدليل على الوقت الا فيما عرفت ومع عدم الدلالة فقضية اصالة البراءة عدم وجوبها في خارج الوقت ولا مجال لاستصحاب وجوب الموقت بعد انقضاء الوقت فتدبر جيدا
______________________________
على (ثبوت) يعني مقتضى الاطلاق حمل التقييد على كونه تقييدا لبعض مراتب المصلحة لا أصل المصلحة (قوله: بهذا النحو) يعني نحو تعدد المطلوب وكذا النحو الاول ايضا إذ لابد في البناء عليه من دلالة (قوله: فيما عرفت) يعني فيما يكون لدليل الواجب إطلاق ولا يكون اطلاق لدليل التقييد وكان الانسب التعبير بقوله: ولا يكفي الدليل على الواجب الموقت (قوله: ولا مجال لاستصحاب) والوجه فيه ما سيأتي في تنبيهات الاستصحاب من أن الزمان إذا أخذ قيدا للفعل كان الفعل المقيد به غير الفعل الواقع في خارجه فتسرية الحكم من الاول إلى الثاني من قبيل تسرية الحكم من موضوع إلى آخر فيكون من القياس لا من الاستصحاب لانه يعتبر في صحة الاستصحاب وحدة الموضوع ليتحقق الابقاء الذي هو قوام الاستصحاب، مثلا الصوم يوم الجمعة غير الصوم يوم السبت فإذا ثبت الوجوب للاول وشك في وجوب الثاني لا يكون رفع اليد عن وجوبه نقضا لليقين السابق فيرجع في وجوب الثاني إلى اصالة البراءة " أقول ": هذا وإن ذكره المصنف (ره) وشيخنا الاعظم (ره) في ذلك المقام، لكن قد يشكل بأنه مبني على الرجوع في اتحاد موضوع الاستصحاب إلى الدليل أما لو كان المرجع فيه العرف فالموضوع في نظره واحد ويصح ان يقال: كانت الصلاة واجبة فهي على ما كانت، وسيأتي انشاء الله توضيح ذلك في محله.
فصل
الامر بالامر بشئ أمر به لو كان الغرض حصوله ولم يكن له غرض في توسيط أمر الغير به الا بتبليغ امره به كما هو المتعارف في أمر الرسل بالامر أو النهي وأما لو كان الغرض من ذاك يحصل بامره بذلك الشئ من دون تعلق غرضه به أو مع تعلق غرضه به لا مطلقا بل بعد تعلق أمره به فلا يكون أمرا بذاك الشئ كما لا يخفى وقد انقدح بذلك أنه لا دلالة بمجرد الامر بالامر على كونه أمرا به ولابد في الدلالة عليه من قرينة عليه
______________________________
الامر بالامر
(قوله: حصوله) يعني حصول ذلك الشئ الذي أمر بالامر به (قوله: ولم يكن له غرض) يعني ولم يكن للآمر بالامر غرض في أمر الغير المأمور بالامر (أقول): مجرد وجود غرض في الامر الثاني لا يمنع من كون الامر الاول امرا بالفعل ما لم يكن الغرض من الفعل منوطا بالامر الثاني كما سيشير (ره) إليه (قوله: يحصل بامره) بحيث يكون الامر تمام موضوع الغرض (قوله: بعد تعلق) بحيث تكون نسبة الامر إلى الغرض في الفعل نسبة شرط الوجوب إليه (قوله: فلا يكون أمرا بذاك) اما في الاول فظاهر لعدم الغرض في الفعل اصلا وأما في الثاني فيكون مأمورا به بشرط الامر من المأمور بالامر. ثم ان الثمرة المترتبة على النزاع المذكور شرعية عبادة الصبي بمجرد قوله صلى الله عليه وآله: مروهم بالصلاة وهم ابناء سبع سنين، ونحو مما ورد في أمر الولي للصبي " أقول ": يمكن اثبات شرعية عبادة الصبي بعموم أدلة التشريع مثل قوله تعالى: كتب عليكم الصيام، واقيموا الصلاة، ونحوهما مما يعم البالغ وغيره، وحديث: رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم لا يقتضي اكثر من رفع الالزام لانه وارد مورد الامتنان وحينئذ فيكتفي بعبادته لو فعلها في الوقت ثم بلغ ولا يحتاج إلى الاعادة (قوله: من قرينة عليه) الظاهر ثبوت القرينة النوعية على كون الامر بالامر من قبيل الامر بالتبليغ
فصل
إذا ورد أمر بشئ بعد الامر به قبل امتثاله فهل يوجب تكرار ذاك الشئ أو تأكيد الامر الاول والبعث الحاصل به ؟ قضية إطلاق المادة هو التأكيد فان الطلب تأسيسا لا يكاد يتعلق بطبيعة واحدة مرتين من دون أن يجيئ تقييد لها في البين ولو كان بمثل مرة أخرى كى يكون متعلق كل منهما غير متعلق الآخر كما لا يخفى، والمنساق من اطلاق الهيئة وان كان هو تأسيس الطلب لا تأكيده إلا أن الظاهر هو انسباق التأكيد عنها فيما كانت مسبوقة بمثلها ولم يذكر هناك سبب، أو ذكر سبب واحد.
______________________________
الملحوظ فيه التبليغ طريقا وليس جاريا مجرى الاوامر في كون الغرض في متعلقاتها (قوله: أو تأكيد الامر) يعني فيكفي في الامتثال وجود واحد (قوله: اطلاق المادة) يعني مادة الامر الثاني فان اطلاقها يقتضي اتحادها مع مادة الامر الاول فيكون المأمور به فيهما مفهوما واحدا يتحقق بوجود واحد (قوله: ولو كان بمثل) (لو) وصلية يعني بأن يقول: افعله مرة أخرى (قوله: كي يكون) فان متعلق الاول الوجود الاول ومتعلق الثاني الوجود الثاني (قوله: من اطلاق الهيئة) يعنى بالاطلاق الاصل المعول عليه في باب دلالة الكلام مع عدم القرينة على خلافه (قوله: هو تأسيس) يعني طلبا آخر غير الطلب الاول فيكون موضوعه غير موضوع الاول وامتثاله بغير امتثاله (قوله: أو ذكر سبب واحد) يعني فيهما أما لو ذكر سبب في أحدهما دون الآخر حمل على التأسيس ووجب التكرار كما لو قيل: اعتق رقبة، ثم قيل: إذا فطرت فاعتق رقبة، وكذا لو ذكر سببان مثل: ان ظاهرت فاعتق رقبة، وإن افطرت فاعتق رقبة، وسيأتي ذلك في مفهوم الشرط.
المقصد الثاني في النواهي
(فصل)
الظاهر أن النهي بمادته وصيغته في الدلالة على الطلب مثل الامر بمادته وصيغته غير أن متعلق الطلب في أحدهما الوجود وفى الآخر العدم فيعتبر فيه
______________________________
المقصد الثاني في النواهي
(قوله: بمادته وصيغته) المراد من مادة النهي مادة الاشتقاق ل (نهى) ينهى نهيا، ومن صيغته: لا تفعل، ونحوه مما هو بمعناه يعنى كما أن مادة الامر وصيغته دالتان على الطلب كذلك مادة النهي وصيغته وانما الفرق بينهما أن الطلب المدلول عليه بالاولتين متعلق بالوجود والمدلول عليه بالاخرتين متعلق بالعدم " أقول ": قد عرفت الاشارة إلى أن الوجود ليس مأخوذا في مفهوم الامر فانه قد يتعلق بالعدم كما يتعلق بالوجود فيقال: أمره بالترك كما يقال: أمره بالفعل، وكذلك صيغته فانها قد تكون مادتها الترك مثل: اترك، وكذلك العدم ليس مأخوذا في مفهوم النهي فانه يتعلق بالوجود كما يتعلق بالعدم فيقال: نهاه عن الفعل كما يقال: نهاه عن الترك، وكذلك صيغته فيقال: لا تفعل، كما يقال: لا تترك فالتحقيق أن النهي بمادته ضد الامر يتوارد معه على أمر واحد وجود أو عدم فهو يقتضي الزجر عنه والامر يقتضي البعث إليه. نعم لا بد أن يراد من متعلقه سواء أكان فعلا أم تركا، ما هو بالحمل الشايع فعلا أو تركا لا نفس المفهومين من حيث هما فمعنى النهي عن القيام الزجر عنه والمنع عن القيام الخارجي الذي هو الوجود القيامي ويلازمه طلب عدمه، كما أن معنى الامر بالقيام البعث إليه ويلازمه النهي عن عدمه كما تقدم في مبحث الضد، وأما صيغته فقد عرفت أن معنى الخبر والانشاء واحد وإنما الاختلاف بينهما بقصد الحكاية عن ثبوته في الخبر وقصد اثباته في الانشاء فيكون معنى لا تفعل - خبرا
ما استظهرنا اعتباره فيه بلا تفاوت اصلا. نعم يختص النهي بخلاف وهو أن متعلق الطلب فيه هل هو الكف أو مجرد الترك وان لا يفعل ؟ والظاهر هو الثاني (وتوهم) أن الترك ومجرد أن لا يفعل خارج عن تحت الاختيار فلا يصح ان يتعلق به البعث
______________________________
وانشاء - واحدا وحيث انها إذا استعملت خبرا كانت حاكية عن النسبة السلبية المقابلة للنسبة الايجابية مقابلة نسبة الفصل بين الشيئين لنسبة الوصل بينهما فإذا كانت انشاء تكون موجدة للنسبة السلبية المذكورة فحقيقة: لا تفعل، على هذا جعل النسبة السلبية بين المخاطب وبين فعله كما أن حقيقة: تفعل، ونحوها من الجمل الخبرية المستعملة في مقام الطلب جعل النسبة الثبوتية غاية الامر أن الجعل في المقامين ادعائي لا حقيقي وكما أن جعل النسبة الثبوتية - ولو ادعاء - ظاهر ولو بقرينة المقام في إرادة الفعل المثبت ولاجل ذلك يجب عقلا، كذلك جعل النسبة السلبية ظاهر في كراهة الفعل المسلوب ولاجل ذلك يحرم عقلا، ومن ذلك يظهر أن النهي بمادته وهيئته انما يحكي عن كراهة المنهي عنه وان كان يلزمها ارادة نقيضه كما أن الامر بمادته وهيئته يحكي عن ارادة المأمور به الملزومة لكراهة نقيضه كما تقدم في الضد العام (وتوهم) أن جعل النسبة السلبية يحكي عن تعلق الارادة بها ويلزمها كراهة المسلوب عكس ما ذكرنا (مندفع) بأن النسبة السلبية معنى حرفي لا يكون موضوعا للارادة أو الكراهة وإنما موضوعهما المثبت والمسلوب كما يظهر بالتأمل والله سبحانه أعلم (قوله: ما استظهرنا) يعني ما تقدم من اعتبار العلو والوجوب في مفهوم الامر المقتضي لاعتبارهما في مفهوم النهي ايضا (قوله: هل هو الكف) المراد بالكف فعل ما يوجب انزجار النفس عن ارادة الشئ فهو أمر وجودي بخلاف الترك فانه عدم محض. ثم إن مقتضى ما عرفت من معنيي المادة والصيغة أن هذا الخلاف ينبغي أن يكون في لازم مدلولهما أو في مدلول الامر لو تعلق بالترك (قوله: وتوهم ان الترك) هذا دليل القول الاول (وتوضيحه) أنه يعتبر في متعلق التكليف عقلا أن يكون مقدورا والترك ليس مقدورا لان القدرة صفة في القادر يترتب عليها الاثر والترك عدم محض لا يصلح أن يكون
والطلب (فاسد) فان الترك أيضا يكون مقدورا والا لما كان الفعل مقدورا وصادرا بالارادة والاختيار وكون العدم الازلي لا بالاختيار لا يوجب ان يكون كذلك بحسب البقاء والاستمرار الذي يكون بحسبه محلا للتكليف (ثم) إنه لا دلالة لصيغته على الدوام والتكرار كما لا دلالة لصيغة الامر وان كان قضيتهما عقلا تختلف ولو مع وحدة متعلقهما بأن يكون طبيعة واحدة بذاتها وقيدها تعلق بها الامر مرة والنهي أخرى ضرورة أن وجودها يكون بوجود فرد واحد وعدمها لا يكاد يكون إلا بعدم الجميع كما لا يخفى
______________________________
أثرا للقدرة مترتبا عليها فان العدم لا يترتب على الوجود كيف والعدم الازلي سابق على القدرة فكيف يستند إليها مع حدوثها وتأخرها (قوله: فان الترك أيضا) حاصله ان نسبة القدرة إلى الوجود والعدم نسبة واحدة بمعنى انه إذا كان أحدهما مقدورا لابد ان يكون الآخر كذلك والقدرة على احدهما خاصة دون الآخر اضطرار لا قدرة، فإذا اعترف المستدل بأن الوجود مقدور لزمه الاعتراف بأن العدم كذلك، فيصح كونه موردا للتكليف، ومنشأ هذا التوهم تخيل أن اعتبار القدرة عقلا في متعلق التكليف بمعنى لزوم كونه أثرا للقدرة وليس كذلك بل بمعنى كونه أحد عدلي القدرة وان كان تأثيرها يختص باحدهما وهو الوجود، وأما ما في الفصول من أن دعوى أن العدم المحض لا يصلح اثرا للقدرة مصادرة... الخ فغير ظاهر (قوله: بحسب البقاء) فان العدم بحسبه عدل للقدرة وان لم يكن الازلي كذلك (قوله: ضرورة ان وجودها) قد عرفت أن الحصص المتكثرة وجودا لما كانت مجتمعة تحت وحدة مشتركة بينها هي الطبيعة فكل وجود من تلك الوجودات يصح أن يضاف إلى الجهة الواحدة كما يصح أن يضاف إلى الحصة الخاصة فوجود زيد وجود لحصة من الانسان ووجود للانسان الطبيعي ولاجل ذلك صار يكفي في وجود الطبيعة وجود فرد ولا يكفي في عدمها
ومن ذلك يظهر أن الدوام والاستمرار إنما يكون في النهي إذا كان متعلقه طبيعة مطلقة
______________________________
*
عدم فرد بل لابد من عدم جميع الافراد إذ لو وجد بعض الافراد وعدم البعض الآخر فصدق وجود الطبيعة وعدمها لزم اجتماع النقيضين فلابد اما ان لا يصدق على وجود الفرد أنه وجود للطبيعة أو يصدق ولا يكون عدمها الا بعدم جميع الافراد وحيث انه يصدق ضرورة فلا يكون عدم الطبيعة الا بعدم تمام افرادها فيكفي في امتثال الامر وجود واحد للطبيعة ولا يكفي في امتثال النهي الا ترك جميع الافراد ليتحقق عدمها (أقول): حيث عرفت أن النهي - مادة وهيئة - دال على كراهة الطبيعة فمقتضى اطلاقه كراهة كل فرد فيقتضي الزجر عن كل فرد ولا يتحقق امتثاله إلا بترك كل فرد (قوله: ومن ذلك يظهر) يعني إذا ثبت أن عدم الطبيعة انما يكون بعدم جميع الافراد فإذا كان النهي متعلقا بالطبيعة مطلقا من دون تقييد لها بزمان بعينه كان مقتضى اطلاقها ارادة ما يعم الافراد الدفعية والتدريجية فعدمها إنما يكون بعدم جميع أفرادها الدفعية والتدريجية فلا يتحقق امتثال النهي إلا بترك جميع الافراد الدفعية والتدريجية وهذا عين الدوام والاستمرار (أقول): إذا كان المطلوب بالنهي عدم الطبيعة فعدم الافراد الدفعية والتدريجية حاصل في الزمان الاول فالترك في أول الازمنة ترك لجميع الافراد المذكورة فيكون امتثالا للنهي ومسقطا له فلا موجب للاستمرار، بل التحقيق ما عرفت الاشارة إليه من أن مادة النهي وهيئته حاكيتان عن الكراهة وكراهة الطبيعة المطلقة كراهة لجميع افرادها فإذا كان اطلاق الطبيعة يقتضي شمول الافراد الدفعية والتدريجية فالكراهة لها تقتضي كراهة جميع الافراد الدفعية والتدريجية فيتوقف امتثال النهي على ترك الافراد في تمام الازمنة لان كل ما يفرض من الافراد في الازمنة اللاحقة معروض للكراهة ففعله مخالفة وتركه موافقة للنهي (وان شئت) قلت: مادة النهي مفادها الزجر فالاطلاق يقتضي الزجر عن الطبيعة المطلقة والزجر عن المطلق زجر عن جميع افراده فالافراد التدريجية إذا كانت افرادا
غير مقيدة بزمان أو حال فانه حينئذ لا يكاد يكون مثل هذه الطبيعة معدومة إلا بعدم جميع أفرادها الدفعية والتدريجية (وبالجملة) قضية النهي ليس الا ترك تلك الطبيعة التي تكون متعلقة له كانت مقيدة أو مطلقة وقضية تركها عقلا انما هو ترك جميع افرادها (ثم) انه لا دلالة للنهي على ارادة الترك لو خولف أو عدم ارادته بل لابد في تعيين ذلك من دلالة
______________________________
للطبيعة المطلقة المنهي عنها فكل واحد منها لابد أن يكون موضوعا للزجر مطلقا وهو عين الاستمرار، وهيئة النهي مفادها جعل النسبة السلبية بين المكلف وبين الطبيعة فإذا كانت الطبيعة مطلقة شاملة للافراد التدريجية والدفعية افادت الهيئة انشاء النسبة السلبية بين المكلف وبين كل فرد من أفراد تلك الطبيعة فلا يتحقق إلا بترك الجميع في جميع تلك الازمنة إذ فعل فرد في زمان ما يقتضي نسبة ثبوتية لا سلبية وبالجملة معنى: لا تفعل، السلب المحصل وطلب العدم من قبيل الايجاب المعدول والذي يحصل امتثاله بالترك في الزمان الاول هو الثاني لا الاول، والذي يقتضي الاستمرار هو الاول لا الثاني فلا بد من التأمل كي لا يختلط أحدهما بالآخر ولعل عبارة المتن غير آبية عن الحمل على ما ذكرنا فتأمل (قوله: مقيدة بزمان أو حال) أما لو كانت مقيدة باحدهما كما لو قال: لا تضرب يوم الجمعة، أو عند قيام زيد، اقتضى النهي الاستمرار في ذلك الزمان أو في تلك الحال لا غير أما الاستمرار فيهما فلما تقدم وأما سقوط النهي في غيرهما فلانه مقتضى التوقيت (قوله: لا دلالة للنهي على) يعني إذا عصى المكلف وخالف النهي بفعل المنهي عنه في زمان فهل يجب عليه تركه في الازمنة اللاحقة أولا ؟ لا دلالة للنهي على أحد الامرين بل لابد من الرجوع في الدلالة على أحدهما إلى دليل آخر ولو كان إطلاق المنهي عنه (توضيح ذلك) أن الطبيعة المنهي عنها (تارة) تلحظ بنحو صرف الوجود بمعنى نقض العدم وقلبه إلى الوجود (وأخرى) بنحو الطبيعة السارية، فان لوحظت على النحو الاول سقط النهي بالمخالفة لان صرف الوجود
ولو كان إطلاق المتعلق من هذه الجهة ولا يكفى إطلاقها من سائر الجهات فتدبر جيدا
فصل
اختلفوا في جواز اجتماع الامر والنهي في واحد وامتناعه على أقوال (ثالثها) جوازه عقلا وامتناعه عرفا وقبل الخوض في المقصود يقدم امور (الاول) المراد بالواحد مطلق ما كان ذا وجهين ومندرجا تحت عنوانين باحدهما كان موردا للامر
______________________________
لا يتعدد انطباقه فإذا انطبق أولا على الفعل الذي هو مخالفة وعصيان امتنع انطباقه ثانيا على غيره فلا معنى لبقاء النهي بعد امتناع موضوعه، وان لوحظت على النحو الثاني كانت كل حصة من الطبيعة تحت كراهة مستقلة في قبال الحصة الاخرى فإذا عصى المكلف بالفعل كان عصيانه في الحقيقة عصانا للكراهة المتعلقة بذلك الفرد الماتي به فتسقط هي أما الكراهة المتعلقة ببقية الحصص فهي على حالها في اقتضائها المنع عنها فيكون حال النهي حال العام الافرادي في اقتضائه كل فرد من نفسه مع قطع النظر عن غيره والطريق إلى معرفة أنها ملحوظة على أي النحوين يمكن أن يكون إطلاق المادة فان مقتضاه كونها ملحوظة بنحو صرف الوجود كما تقدم بيانه في المرة والتكرار فكما أن إطلاق قوله: اضرب، يقتضي البعث إلى صرف الوجود ولا يقتضي التكرار كذلك إطلاق قوله: لا تضرب، يقتضي الزجر عن صرف الوجود فإذا خولف بالوجود لم يقتض الزجر عن الوجود بعد ذلك فانه وجود بعد وجود لا وجود بعد العدم الذي هو صرف الوجود كما عرفت. نعم الغالب في المفسدة أن تكون قائمة بكل حصة بحيالها وفي المصلحة أن تكون قائمة بصرف الوجود فلعل هذه الغلبة تقتضي كون مقتضى الاطلاق هو الثاني لان الاول حينئذ يحتاج إلى بيان فتأمل (قوله: ولو كان اطلاق) الظاهر ارادة ما ذكرنا من الاطلاق وله الحمد
اجتماع الامر والنهى
(قوله: المراد بالواحد مطلق) هذا رد لما عن العضدي من أن المراد
وبالآخر للنهي وان كان كليا مقولا على كثيرين كالصلاة في المغصوب وإنما ذكر لاخراج ما إذا تعدد متعلق الامر والنهى ولم يجتمعا وجودا ولو جمعهما واحد مفهوما كالسجود لله تعالى والسجود للصنم مثلا لا لاخراج الواحد الجنسي أو النوعي كالحركة والسكون الكليين المعنونين بالصلاتية والغصبية (الثاني) الفرق بين هذه المسألة ومسألة النهى في العبادات هو أن الجهة المبحوث عنها فيها التي بها تمتاز المسائل هي أن تعدد الوجه والعنوان في الواحد يوجب تعدد متعلق الامر والنهي - بحيث
______________________________
*
من الواحد الواحد بالوحدة الشخصية وأما الواحد بالوحدة الجنسية فلا نزاع في جواز الاجتماع فيه كما في السجود فانه مامور به إذا كان لله تعالى ومنهي عنه إذ كان للصنم وحاصل الرد أنه لا وجه لتخصيص النزاع بذلك فانه يعم الكلي أيضا نوعا أو جنسا إذا كان مندرجا تحت عنوانين أحدهما مأمور به والآخر منهي عنه مثل كلي الصلاة في المغصوب المعنونة بالصلاة المأمور بها والغضب المحرم (أقول): الظاهر أن مراد العضدي من الوحدة الشخصية الوحدة الوجودية في مقابل الوحدة الجنسية مع تعدد الوجود كما يظهر من ملاحظة تمثيله للواحد بالجنس السجود المأمور به المنهي عنه بلحاظ وجودين له متباينين لا الشخص المقابل للكلي فلاحظ - مع أن خروج الكلي عن محل النزاع لا ضير فيه لان الغرض تصحيح العبادة الشخصية لا الكلية فتأمل (قوله: المعنونين بالصلاتية) يعني المعنون كل منهما بأنه صلاة وغصب فيكون كليا تحت عنوانين (قوله: التي بها تمتاز المسائل) يعني أن ما به الامتياز بين المسائل ليس مجرد تعدد الموضوع بل تعدد الجهة المقصودة بالبحث ولو مع وحدة الموضوع والجهة المقصودة بالبحث في المقام أن النهي عن عنوان متحد مع عنوان آخر بحسب الوجود يسري إلى العنوان الآخر أولا ؟ ومن المعلوم ضرورة أن الجهة المذكورة أجنبية عن الجهة المقصودة بالبحث في مسألة دلالة النهي على الفساد من اقتضاء النهي للفساد وعدمه فالفرق بين المسألتين في غاية الوضوح (قوله: تعدد متعلق) يعني فلا يكون متعلق أحدهما متعلقا للآخر
يرتفع به غائلة استحالة الاجتماع في الواحد بوجه واحد - أولا يوجبه بل يكون حاله حاله ؟ فالنزاع في سراية كل من الامر والنهى إلى متعلق الآخر لاتحاد متعلقيهما وجودا وعدم سرايته لتعددهما وجها وهذا بخلاف الجهة المبحوث عنها في المسألة الاخرى فان البحث فيها في أن النهي في العبادة أو المعاملة يوجب فسادها بعد الفراغ عن التوجه إليها (نعم) لو قيل بالامتناع مع ترجيح جانب النهي في مسألة الاجتماع يكون مثل الصلاة في الدار المغصوبة من صغريات تلك المسألة فانقدح أن الفرق بين المسألتين في غاية الوضوح
______________________________
(قوله: من صغربات تلك) لان مبنى الامتناع سراية كل من الامر والنهي إلى متعلق الآخر فيكون متعلق كل منهما موضوعا للامر والنهي معا وهو ممتنع فإذا رجح جانب النهي وسقط الامر يكون موضوع الامر موضوعا للنهي لا غير فيقع الكلام في ان النهي عنه يقتضي الفساد اولا فتكون هذه المسألة متعرضة لتنقيح صغرى للمسألة الآتية ويمكن ان يشكل بأن الفساد المدلول عليه بالنهي في تلك المسألة شامل لجميع حالات المكلف من الاختيار والاضطرار والالتفات والغفلة عن قصور أو تقصير، وفساد العبادة - على القول بالامتناع - لا يكون كذلك بل يختص ببعض الصور كما سيأتي التعرض له في المتن، وأيضا فقوام هذه المسألة إحراز المقتضي للامر والنهي الملحق لها بباب التزاحم على تقدير الامتناع وقوام تلك المسألة التخصيص الملحق لها بباب التعارض، ويمكن أن يدفع بان اطلاق الفساد في تلك المسألة وان كان يقتضي عدم الفرق بين الحالات المشار إليها لكن يلزم حمله على بعض الحالات كما يقتضيه جعل ثمرة مسألة أن الامر بالشئ يقتضي النهي عن ضده أن تكون العبادة التي هي ضد الواجب الاهم من صغريات مسألة دلالة النهي على الفساد - مع أن الفساد في العبادة التي هي ضد لا يشمل جميع الاحوال بل هو نظير المقام ومنه يظهر المنع من اختصاص مسألة الفساد بصورة عدم المقتضي الملحق بها بباب
(واما) ما افاده في الفصول من الفرق بما هذه عبارته: ثم اعلم أن الفرق بين المقام والمقام المتقدم هو أن الامر والنهي هل يجتمعان في شئ واحد أولا ؟ أما في المعاملات فظاهر وأما في العبادات فهو ان النزاع هناك فيما إذا تعلق الامر والنهي بطبيعتين متغايرتين بحسب الحقيقة وان كان بينهما عموم مطلق وهنا فيما إذا اتحدتا حقيقة وتغايرتا بمجرد الاطلاق والتقييد بان تعلق الامر بالمطلق والنهي بالمقيد انتهى موضع الحاجة (فاسد) فان مجرد تعدد الموضوعات وتغايرها بحسب الذوات لا يوجب التمايز بين المسائل ما لم يكن هناك اختلاف الجهات ومعه لا حاجة أصلا إلى تعددها بل لابد من عقد مسألتين مع وحدة الموضوع وتعدد الجهة المبحوث عنها وعقد مسألة واحدة في صورة العكس كما لا يخفى. ومن هنا انقدح أيضا فساد الفرق بأن النزاع هنا في جواز الاجتماع عقلا وهناك في دلالة النهي لفظا فان مجرد ذلك
______________________________
التعارض فان العبادة التي هي ضد واجدة للملاك قطعا كما تقدم (قوله: واما ما افاده في الفصول) ذكره في مسألة دلالة النهي على الفساد (قوله: أما في المعاملات فظاهر) كأن الوجه فيه أنه لا مجال لاحتمال الفساد في المعاملة مطلقا لو كانت من صغريات مسألة الاجتماع بخلاف العبادة فانها قد تكون فاسدة فيحتاج إلى إبداء الفرق بين المسألتين (قوله: وان كان بينهما عموم) كالانسان والضاحك وهذا رد على المحقق القمي (ره) حيث اعتبر في محل النزاع أن يكون بين العنوانين اللذين هما مورد الامر والنهي عموم من وجه (قوله: بمجرد الاطلاق) بأن يكون أحدهما مطلقا والآخر مقيدا مثل: صل ولا تصل في الدار المغصوبة (قوله: لا يوجب التمايز) كما في صغريات المسألة الواحدة فان موضوع كل واحدة منها يغاير موضوع الاخرى مع ان الجميع مسألة واحدة لاتحاد الجامع بين الموضوعات المبحوث عنه في جميعها، وكما في بعض المسائل التي اختلف تحرير عنوانها في كلامهم كمسألة الاجزاء ومقدمة الواجب فان عنوان كل في كلام بعض وان كان يغاير عنوانها في كلام آخر لاختلاف الموضوع أو المحمول أو اختلافهما لكنها لا تخرج
ما لم يكن تعدد الجهة في البين لا يوجب الا تفصيلا في المسألة الواحدة لا عقد مسألتين هذا مع عدم اختصاص النزاع في تلك المسألة بدلالة اللفظ كما سيظهر (الثالث) انه حيث كانت نتيجة هذه المسألة مما تقع في طريق الاستنباط كانت المسألة من المسائل الاصولية لا من مباديها الاحكامية ولا التصديقية
______________________________
عن كونها مسألة واحدة (أقول): ظاهر الفصول إبداء الفرق بين المسألتين من حيث المورد ردا على المحقق القمي (ره) لا بيان أن المايز بينهما تعدد الموضوع كي يتوجه هذا التحقيق ردا عليه بل كان المناسب الايراد عليه بمنع اختصاص المسألة الآتية بما ذكر كما يظهر من ملاحظة كون هذه المسألة على بعض التقادير من صغريات المسألة الآتية كما تقدم في كلام المصنف (ره) وايضا فهذا الاهتمام الشديد في إبداء الفرق بين المسألتين إنما يكون مناسبا لو كان موضوع المسألتين أو محمولهما واحدا لا مع الاختلاف الظاهر بينهما الموجب لرفع التباس إحداهما بالاخرى - مضافا إلى ان سراية الامر والنهي إلى متعلق الآخر لا يظهر كونها الجهة المقصودة بالبحث، بل الظاهر كونها مبنى للبحث في هذه المسألة عن جواز الاجتماع وامتناعه فتدبر (قوله: ما لم يكن تعدد) ظاهر الفرق المذكور تعدد الجهة المبحوث عنها في المسألتين فالاشكال عليه غير ظاهر إلا بمنع انحصار الجهة المبحوث عنها في ما ذكره (قوله: تفصيلا في المسألة) إنما يوجب ذلك لو كان المختار في الاول الجواز وفى الثاني الدلالة لكنه في الحقيقة اختيار في مسألتين (قوله: في طريق الاستنباط) يعني استنباط صحة العبادة وفسادها اللذين هما من الاحكام الفرعية (قوله: من المسائل) لما سبق في تعريف الاصول (قوله: لا من مباديها الاحكامية) يعني المسائل المتعلقة بالحكم الشرعي إذ من المناسب عقيب ذكر الحكم وتعريفه وتقسيمه إلى تكليفي وغيره أن يذكر أنه هل يجوز اجتماع حكمين مع تضادهما في وجود واحد كما صنع العضدي وشيخنا البهائي (ره) ذلك على ما حكي ؟ (قوله: ولا التصديقية) وهي المسائل التي يتوقف عليها قياسات العلم وكون المسألة منها
ولا من المسائل الكلامية ولا من المسائل الفرعية وان كانت فيها جهاتها كما لا يخفى ضرورة أن مجرد ذلك لا يوجب كونها منها إذا كانت فيها جهة اخرى يمكن عقدها معها من المسائل إذ لا مجال حينئذ لتوهم عقدها من غيرها في الاصول وان عقدت كلامية في الكلام وصح عقدها فرعية أو غيرها بلا كلام وقد عرفت في اول الكتاب أنه لا ضير في كون مسألة واحدة يبحث فيها عن جهة خاصة من مسائل علمين لانطباق جهتين عامتين على تلك الجهة كانت باحداهما من مسائل علم وبالاخرى من آخر فتذكر (الرابع) انه قد ظهر من مطاوي ما ذكرناه أن المسألة عقلية ولا اختصاص للنزاع في جواز الاجتماع والامتناع فيها بما إذا كان الايجاب والتحريم باللفظ كما ربما يوهمه التعبير بالامر والنهى الظاهرين في الطلب بالقول الا انه لكون الدلالة عليهما غالبا بهما كما هو اوضح من ان يخفى وذهاب البعض إلى الجواز عقلا والامتناع عرفا ليس بمعنى
______________________________
*
بملاحظة ابتناء مسألة اصولية عليها وهي ان الامر والنهي هل يتعارضان في مورد الاجتماع ليجب رفع اليد عن أحدهما أو لا ؟ فان التعارض وعدمه مبنيان على امتناع الاجتماع عقلا وجوازه في المقام (قوله: ولا من المسائل الكلامية) وهى التي يبحث فيها عن احوال المبدأ والمعاد وكون المسألة منها بملاحظة جعل النزاع فيها نزاعا في فعله تعالى وأنه يجوز أن يجعل حكمين لفعل واحد إذا كان ذا عنوانين (قوله: من المسائل الفرعية) هذا باعتبار كون النزاع فيها نزاعا في صحة الصلاة في المغصوب (قوله: عقدها معها من المسائل) الضمير الاول راجع إلى المسألة والثاني راجع إلى الجهة والمراد من المسائل الاصولية والجار متعلق بقوله: عقدها (قوله: من غيرها في الاصول) الظرف الاول حال من ضمير عقدها والثاني متعلق بعقد (قوله: وان عقدت) على هذا كان المناسب أن يقول: هذه المسألة من المسائل الاصولية وان كانت كلامية وفرعية وغير ذلك لا نفي كونها فرعية أو كلامية (قوله: انه لكون) ضمير (أن)
دلالة اللفظ بل بدعوى ان الواحد بالنظر الدقيق العقلي اثنان وأنه بالنظر المسامحي العرفي واحد ذو وجهين والا فلا يكون معنى محصلا للامتناع العرفي غاية الامر دعوى دلالة اللفظ على عدم الوقوع بعد اختيار جواز الاجتماع فتدبر جيدا (الخامس) لا يخفى ان ملاك النزاع في جواز الاجتماع والامتناع يعم جميع اقسام الايجاب والتحريم كما هو قضية اطلاق لفظ الامر والنهى ودعوى الانصراف إلى النفسيين التعيينيين العينيين في مادتهما غير خالية عن الاعتساف وان سلم في صيغتهما - مع أنه فيها ممنوع نعم لا يبعد دعوى الظهور والانسباق من الاطلاق بمقدمات الحكمة غير الجارية في المقام لما عرفت من عموم الملاك لجميع الاقسام وكذا ما وقع في البين من النقض والابرام (مثلا) إذا أمر بالصلاة والصوم تخييرا بينهما وكذلك نهى عن التصرف في الدار والمجالسة مع الاغيار فصلى فيها مع مجالستهم كان حال الصلاة فيها حالها كما إذا أمر بها تعيينا ونهى عن التصرف
______________________________
*
راجع إلى التعبير، والظرف خبر (أن) (قوله: دلالة اللفظ) يعني على الامتناع (قوله: للامتناع العرفي) إذ الامتناع من الاحكام العقلية ولو بتبع نظر العرف (قوله: دعوى دلالة) بطلان الدعوى ظاهر إذ هي خلاف اطلاق موضوع كل من الامر والنهي ولو فرض عدم تمامية مقدمات الاطلاق فلا دلالة للفظ لا انه دال على العدم (قوله: على عدم الوقوع) يعني لا على الامتناع ليتوهم كون المسألة لفظية (قوله: قضية اطلاق) قد عرفت الاشكال في هذا الاطلاق بالنسبة إلى التعييني العيني فراجع وتأمل (قوله: مع مجالستهم) إذ لو ترك مجالستهم فقد امتثل النهي التخييري ولا يكون التصرف في الدار حراما عكس امتثال الامر التخييري (قوله: فيها حالها) يعني في انها تجمع عنوانين أحدهما واجب وهو الصلاة والآخر حرام وهو التصرف في الدار
فيها كذلك في جريان النزاع في الجواز والامتناع ومجيئ أدلة الطرفين وما وقع من النقض والابرام في البين فتفطن (السادس) انه ربما يؤخذ في محل النزاع قيد المندوحة في مقام الامتثال بل ربما قيل بأن الاطلاق إنما هو للاتكال على الوضوح إذ بدونها يلزم التكليف بالمحال ولكن التحقيق مع ذلك عدم اعتبارها في ما هو المهم في محل النزاع من لزوم المحال وهو اجتماع الحكمين المتضادين وعدم الجدوى في كون
______________________________
*
(قوله: فيها كذلك) أي في الدار تعيينا (قوله: ربما يؤخذ في محل) بل حكي اتفاق كلمتهم عليه (قوله: قيد المندوحة) هي الفسحة والسعة فيختص النزاع بما إذا كان المكلف في سعة بحيث يقدر على موافقة الامر والنهي معا بان كان موضوع الامر اعم مطلقا أو من وجه من موضوع النهي مع قدرة المكلف على امتثال الامر بغير مورد الاجتماع والا فلا مندوحة (قوله: ولكن التحقيق مع) توضيح المراد ان عدم جواز اجتماع الامر والنهي تارة يكون من جهة عجز المكلف عن موافقتهما معا مع كون موضوع الامر واجدا لملاك الامر بحيث يكون وجوده ارجح من عدمه وموضوع النهي واجدا لملاك النهي بحيث يكون عدمه ارجح من وجوده فيكون عجز المكلف مانعا عن الجمع بينهما لان الجمع بينهما تكليف بالمحال نظير الامر بالضدين المتزاحمين (واخرى) يكون من جهة تضاد الامر والنهي نفسيهما الموجب لامتناع الجمع بينهما ويكونان معا تكليفا محالا نظير الامر والنهي المتعلقين بشئ واحد بعنوان واحد والكلام في هذه المسألة في جواز اجتماعهما وعدمه من الجهة الثانية وان الامر والنهي بشئ واحد بعنوانين جمع بينهما في شئ واحد فيكون في نفسه محالا لانه جمع بين الضدين كالامر والنهي بشئ واحد بعنوان واحد أو ليس جمعا بينهما في شئ واحد فلا يكون محالا كالامر والنهي بشيئين ؟ والمندوحة انما تعتبر في جواز اجتماعهما من الجهة الاولى إذ مع المندوحة يقدر المكلف على امتثالهما معا لكنها ليست محلا للكلام في المقام ولذا قيل بالامتناع حتى مع وجود المندوحة (قوله: وعدم الجدوى) معطوف
موردهما موجها بوجهين في رفع غائلة اجتماع الضدين أو عدم لزومه وأن تعدد الوجه يجدي في رفعها ولا يتفاوت في ذلك اصلا وجود المندوحة وعدمها، ولزوم التكليف بالمحال بدونها محذور آخر لا دخل له بهذا النزاع (نعم) لا بد من اعتبارها في الحكم بالجواز فعلا لمن يرى التكليف بالمحال محذورا ومحالا كما ربما لا بد من اعتبار أمر آخر في الحكم به كذلك ايضا (وبالجملة) لا وجه لاعتبارها إلا لاجل اعتبار القدرة على الامتثال وعدم لزوم التكليف بالمحال ولا دخل له بما هو المحذور في المقام من التكليف المحال فافهم واغتنم (السابع) أنه ربما يتوهم تارة أن النزاع في الجواز والامتناع يبتني على القول بتعلق الاحكام بالطبايع، وأما الامتناع - على القول بتعلقها بالافراد - فلا يكاد يخفى ضرورة لزوم تعلق الحكمين بواحد شخصي ولو كان
______________________________
*
على لزوم وبيان لوجه اللزوم ونظيره قوله: وان تعدد.. الخ فانه معطوف على عدم وبيان له (قوله: محذور آخر) يعني غير كون نفس التكليف محالا الذي هو محل الكلام (قوله: نعم لا بد من) يعني لو بنينا على الجواز في المسألة من الجهة الثانية لابد من اعتبار المندوحة في الحكم بالجواز من الجهة الاولى بناء على امتناع التكليف بالمحال اما بناء على جوازه الغاء للجهة الاولى عن المانعية فلا تعتبر ايضا (قوله: أمر آخر) وهو كل ما له دخل في حصول القدرة على الامتثال (قوله: به كذلك) يعني بالجواز فعلا (قوله: التكليف المحال) يعني الذي لا يجوزه من جوز التكليف بالمحال (قوله: بواحد شخصي ولو) لان الخصوصيات المقومة لفردية الفرد إذا كانت دخيلة في موضوع الامر والنهي معا فقد اجتمع الامران فيها وهي أمر واحد ذاتا ووجودا فيلزم اجتماع الضدين. نعم لو اريد من الفرد الحصة الخاصة من الطبيعي التي هي منشأ انتزاع الطبيعي فهي في الخارج متعددة إذ ما يكون منشأ انتزاع أحدهما غير ما يكون منشأ انتزاع الآخر فيكون موضوع الامر غير موضوع النهي وان اتحدا
ذا وجهين على هذا القول وأخرى أن القول بالجواز مبني على القول بالطبايع لتعدد متعلق الامر والنهي ذاتا عليه وان اتحد وجودا والقول بالامتناع على القول بالافراد لاتحاد متعلقهما شخصا خارجا وكونه فردا واحدا (وأنت خبير) بفساد كلا التوهمين فان تعدد الوجه ان كان يجدى بحيث لا يضر معه الاتحاد بحسب الوجود والايجاد لكان يجدي ولو على القول بالافراد فان الموجود الخارجي الموجه بوجهين يكون فردا لكل من الطبيعتين فيكون مجمعا لفردين موجودين بوجود واحد فكما لا يضر وحدة الوجود بتعدد الطبيعتين لا يضر بكون المجمع اثنين بما هو مصداق وفرد لكل من الطبيعتين وإلا لما كان يجدي أصلا حتى على القول بالطبايع كما لا يخفى لوحدة الطبيعتين وجودا واتحادهما خارجا فكما أن وحدة الصلاتية والغصبية في الصلاة في الدار المغصوبة وجودا غير ضائر بتعددهما وكونهما طبيعتين كذلك وحدة
______________________________
وجودا ولا فرق بينه وبين القول بالطبايع (قوله: ذا وجهين) لانه فرد لماهيتين (قوله: واخرى أن القول) هذا التوهم راجع إلى الاول ويفترق عنه بأنه لا وجه للقول بالامتناع على القول بالطبايع (قوله: فان تعدد الوجه) حاصله انه يمكن القول بالجواز على القول بالافراد لان الفرد الخارجي بملاحظة كونه ذا وجهين صار مجمعا لفردين يكون أحدهما موضوعا للامر والآخر موضوعا للنهي فلا يتم التوهم الاول كما يمكن القول بالامتناع على القول بالطبايع لان الطبايع وان تعددت ذهنا لكنها متحدة خارجا فيلزم اجتماع الامر والنهي مع كونهما ضدين في واحد خارجي فلا يتم التوهم الثاني (قوله: فان الموجود الخارجي) قد تقدم من المصنف (ره) في مبحث الطبايع ان القول بالافراد قول باعتبار الخصوصيات المفردة في موضوع الامر ولاجل ذلك أبطله بأنها غير دخيلة في الغرض فكيف تكون دخيلة في المأمور به فإذا تم ذلك فالخصوصيات المفردة ليست متعددة فيلزم الاجتماع في واحد ذاتا فلا مجال للقياس على القول بالطبايع فتأمل. (قوله: مجمعا لفردين) هذا غير ظاهر. نعم مجمع لمنشأ انتزاع الماهتين فان
ما وقع في الخارج من خصوصيات الصلاة فيها وجودا غير ضائر بكونه فردا للصلاة فيكون مأمورا به وفردا للغصب فيكون منهيا عنه فهو - على وحدته وجودا - يكون اثنين لكونه مصداقا للطبيعتين فلا تغفل (الثامن) أنه لا يكاد يكون من باب الاجتماع الا إذا كان في كل واحد من متعلقي الايجاب والتحريم مناط حكمه مطلقا حتى في مورد التصادق والاجتماع كي يحكم على الجواز بكونه فعلا محكوما بالحكمين وعلى الامتناع بكونه محكوما بأقوى المناطين أو بحكم آخر غير الحكمين فيما لم يكن هناك أحدهما أقوى كما يأتي تفصيله، وأما إذا لم يكن للمتعلقين مناط كذلك فلا يكون من هذا الباب ولا يكون مورد الاجتماع محكوما الا بحكم واحد منهما إذا كان له مناطه أو حكم آخر غيرهما فيما لم يكن لواحد منهما قيل بالجواز أو الامتناع. هذا بحسب مقام الثبوت وأما بحسب مقام الدلالة والاثبات فالروايتان الدالتان على الحكمين متعارضتان إذا أحرز أن المناط من قبيل الثاني فلا بد
______________________________
*
كان هو المراد من الفرد تم ما ذكره (قوله: لا يكاد يكون من باب) يعني ان النزاع في هذه المسألة مختص بما إذا كان العنوانان المجتمعان في وجود واحد واجدا أحدهما لملاك الامر والآخر لملاك النهي لان الثمرة المقصودة بالبحث انما تترتب في خصوص ذلك لا غير (قوله: بكونه فعلا) يعني يكون مورد التصادق (قوله: قيل بالجواز) لان القول بالجواز انما يسوغ الاجتماع في ظرف وجود المقتضي لكل منهما فإذا فقد المقتضي لهما أو لاحدهما فلا مجال للاجتماع (قوله: من قبيل الثاني) وهو ما لم يكن المناط موجودا في العنوانين معا والوجه في حصول التعارض حينئذ هو العلم الاجمالي بكذب إحدى الروايتين الموجب للتنافي بينهما عرضا حسبما يأتي انشاء الله في مبحث التعارض وان كان التحقيق أن الوجه في حصول التعارض ان العلم المذكور يوجب دلالة كل من الروايتين على ثبوت الحكم الذي هو مضمونها بالمطابقة وعلى انتفاء الحكم الذي هو مضمون الاخرى بالالتزام فيحصل التنافي بين المدلول المطابقي لكل منهما والمدلول الالتزامي للاخرى
من عمل المعارضة حينئذ بينهما من الترجيح والتخيير والا فلا تعارض في البين بل كان من باب التزاحم بين المقتضيين فربما كان الترجيح مع ما هو أضعف دليلا لكونه أقوى مناطا فلا مجال حينئذ لملاحظة مرجحات الروايات اصلا بل لا بد من ملاحظة مرجحات المقتضيات المتزاحمات كما يأتي الاشارة إليها (نعم) لو كان كل منهما متكفلا للحكم الفعلي لوقع بينهما التعارض فلا بد من ملاحظة مرجحات باب المعارضة لو لم يوفق بينهما بحمل أحدهما على الحكم الاقتضائي بملاحظة مرجحات باب المزاحمة
______________________________
كما اوضحناه فيما علقناه على ذلك المقام (قوله: من عمل المعارضة) يعني من العمل على طبق أحكام المتعارضين (قوله: والا فلا تعارض) يعني وإلا يحرز أنه من قبيل الثاني بل احتمل انه من قبيل الثاني وأنه من قبيل الاول فلا تعارض بينهما حينئذ لاحتمال صدقهما معا (قوله: بل كان من باب التزاحم) يعني بل يجب الحكم بكون المناط من قبيل الاول أعني موجودا في كل من العنوانين لانه مقتضي حجية الروايتين معا لان كلا من الروايتين تحكي عن وجود المناط المقتضي للحكم الذي تضمنته فدليل حجيتها يقتضي ترتب اثر وجود المناطين معا فيقع بينهما التزاحم على القول بالامتناع (قوله: لكونه أقوى) يعني حيث تحرز اقوائيته بدليل (قوله: فلا مجال حينئذ) إذ المرجحات انما دل الدليل على اعتبارها في مقام التعارض لا التزاحم (قوله: لوقع بينهما) لانه على القول بالامتناع تمتنع فعلية الحكمين على طبق المناطين فإذا دل كل منهما على الحكم الفعلي فقد علم إجمالا بكذب أحدهما فيحصل التعارض حسبما سبق وجهه (قوله: لو لم يوفق بينهما) أما لو أمكن الجمع بينهما في نظر العرف بحمل أحدهما بعينه على الاقتضائي فلا مجال للرجوع إلى أحكام التعارض لانها مختصة بغير موارد الجمع العرفي كما سيأتي إنشاء الله تعالى (قوله: بملاحظة مرجحات) متعلق بقوله: يوفق، يعني يكون الوجه في الجمع بينهما بحمل أحدهما على الاقتضائي دون الآخر هو أن المقتضي فيه أضعف وفي الآخر أقوى فيكون الترجيح بينهما في مقام الثبوت موجبا
فتفطن (التاسع) أنه قد عرفت أن المعتبر في هذا الباب ان يكون كل واحد من الطبيعة المأمور بها والمنهي عنها مشتملة على مناط الحكم مطلقا حتى في حال الاجتماع فلو كان هناك ما دل على ذلك من اجماع أو غيره فلا اشكال ولو لم يكن الا اطلاق دليلي الحكمين ففيه تفصيل وهو ان الاطلاق لو كان في بيان الحكم الاقتضائي لكان دليلا على ثبوت المقتضي والمناط في مورد الاجتماع فيكون من هذا الباب ولو كان بصدد الحكم الفعلي فلا اشكال في استكشاف ثبوت المقتضي في الحكمين على القول بالجواز الا إذا علم اجمالا بكذب احد الدليلين فيعامل معهما معاملة المتعارضين (وأما) على القول بالامتناع فالاطلاقان متنافيان من غير دلالة على ثبوت المقتضي للحكمين في مورد الاجتماع أصلا فان انتفاء أحد المتنافيين كما يمكن أن يكون لاجل المانع مع ثبوت المقتضي له يمكن ان يكون لاجل انتفائه (إلا) أن يقال: إن
______________________________
*
للترجيح بينهما في مقام الاثبات عرفا (قوله: فتفطن) يمكن أن يكون إشارة إلى أن الجمع العرفي يتوقف على كون أحدهما أظهر من الآخر ومجرد كون أحدهما أقوى مناطا من الآخر لا يجدي في كونه أقوى ظهورا (قوله: أو غيره) يعني مما يوجب العلم بثبوت المناط فيهما أما لو كان ظنا جاء فيه ما يأتي في الاطلاق (قوله: فلا إشكال) يعنى في دخوله في منشأ الاجتماع (قوله: متنافيان) لامتناع صدقهما معا على القول بالامتناع (قوله: من غير دلالة) يعني مع التنافي المذكور (قوله: فان انتفاء) بيان لوجه عدم الدلالة مع التنافي يعني إذا علم بكذب أحدهما في دلالته على الحكم الفعلي لانتفاء الحكم الفعلي في أحدهما جاز أن يكون المقتضي في كل منهما موجودا مع انتفاء مجرد الفعلية في أحدهما وجاز أن لا يكون المقتضي في أحدهما موجودا ولا معين لاحد الاحتمالين فلا يمكن إدخال الفرض في مسألة الاجتماع (أقول): كل واحد من الاطلاقين إذا كان دالا على فعلية الحكم بالمطابقة فقد دل على ثبوت المناط بالالتزام والتنافى بين الدليلين في دلالتهما على الفعلية إنما يوجب سقوطهما عن الحجية في اثبات فعلية
قضية التوفيق بينهما هو حمل كل منهما على الحكم الاقتضائي لو لم يكن أحدهما أظهر وإلا فخصوص الظاهر منهما (فتلخص) أنه كلما كانت هناك دلالة على ثبوت المقتضى في الحكمين كان من مسألة الاجتماع وكلما لم تكن هناك دلالة عليه فهو من باب التعارض مطلقا إذا كانت هناك دلالة على انتفائه في أحدهما بلا تعيين ولو على الجواز وإلا فعلى الامتناع (العاشر) أنه لا اشكال في سقوط الامر وحصول الامتثال باتيان المجمع
______________________________
*
الحكمين لا سقوطهما في إثبات المناطين مع عدم التنافي بينهما فحجية الاطلاق في ثبوت المناطين بلا مزاحم " فان قلت ": الدلالة على ثبوت المناط إذا كانت التزامية فهى تابعة للدلالة المطابقية على فعلية الحكم فإذا سقطت الدلالة المذكورة عن الحجية سقطت الدلالة الالتزامية ايضا " قلت ": الدلالة الالتزامية لابد أن تكون تابعة للدلالة المطابقية ثبوتا ووجودا ولا يجب أن تكون تابعة لها حجية واثباتا إذ لا مانع من التفكيك بينهما في الجملة إذا ساعده الجمع العرفي كما في بعض الامارات التي لا يكون المثبت منها حجة فان ذلك انما هو لعدم حجية الدلالة الالتزامية مع حجية الدلالة المطابقية وكما في باب المتعارضين فانه سيأتي انشاء الله تعالى في مبحث التعارض أن الوجه في بناء الاصحاب على حجية المتعارضين في الدلالة على نفي الحكم الثالث في مورد التعارض مع البناء على اصالة سقوط المتعارضين عن الحجية هو إمكان التفكيك بين الدلالة المطابقية والالتزامية في الحجية (قوله: قضية التوفيق) يعني الجمع العرفي (قوله: فخصوص الظاهر) يعني فيحمل خصوص الظاهر على الاقتضائي ويبقى الاظهر حجية في الفعلية (قوله: ولو على الجواز) بيان لوجه الاطلاق (قوله: وإلا فعلى الامتناع يعني وإن لم تكن دلالة على انتفاء المناط في أحدهما ولم يحرز ثبوت المناط فيهما فعلى الامتناع يكون من التعارض إذ لا طريق إلى ثبوت المناطين، " أقول ": لكن عرفت الطريق إلى ذلك وعليه فلا يكون من التعارض إلا إذا
بداعي الامر على الجواز مطلقا ولو في العبادات وان كان معصية للنهي أيضا وكذا الحال على الامتناع مع ترجيح جانب الامر إلا أنه لا معصية عليه وأما عليه وترجيح جانب النهي فيسقط به الامر به مطلقا في غير العبادات لحصول الغرض الموجب له وأما فيها فلا مع الالتفات إلى الحرمة
______________________________
كانت دلالة على انتفاء أحد المناطين (قوله: بداعي الامر على الجواز) قد تقدم أن القول بالجواز قول بعدم كون التكليف في نفسه محالا وإن جاز أن يكون تكليفا بالمحال وعليه فقد تقوم في ذيل مسألة الضد أن عموم الامر بالعبادة الموسعة للفرد المأتي به في وقت الضد الاهم ممتنع لانه تكليف بالمحال ولا فرق بينه وبين المقام وحينئذ فقصد الامر في المقام عند إتيان مورد التصادق يتوقف على صحة قصد الامر بالعبادة الموسعة عند الاتيان بها في وقت الضد الاهم كما سيأتي (قوله: وكذا الحال) يعني في سقوط الامر باتيان المجمع بداعي الامتثال (قوله: لا معصية) لعدم النهي (قوله: وأما عليه) يعني على الامتناع (قوله: لحصول الغرض) لان الغرض في غير العبادة يحصل بنفس فعل موضوع الامر وان لم يكن مأمورا به فعلا للتزاحم (قوله: وأما فيها فلا) يعني وأما في العبادات فلا يسقط الامر مع الالتفات إلى الحرمة لانه يكون الفعل معصية ولا يمكن قصد التقرب بالمعصية ولابد في العبادة منه " فان قلت ": قصد التقرب المعتبر في العبادة ليس إلا بمعنى قصد امتثال الامر والتقرب يترتب على الفعل بالقصد المذكور قهرا وان لم يقصد هو ولا مانع من قصد امتثال الامر على القول بالامتناع فان الفعل وإن لم يكن مأمورا به إلا أنه يمكن قصد الامر المتعلق بغيره من الافراد كما تقدم لا أقل من إمكان الفعل بداعي ملاك الامر لا بداعي نفسه وهو كاف في صحة العبادة " قلت ": يمتنع الانبعات من قبل الامر إلى ما هو معصية باعتقاد الفاعل وبذلك افترق المقام عن فعل الضد الموسع فان فعل الضد ليس معصية وانما هو يلازم المعصية فيمكن الانبعاث من قبل الامر إليه
أو بدونه تقصيرا فانه وإن كان متمكنا مع عدم الالتفات من قصد القربة وقد قصدها إلا أنه مع التقصير لا يصلح لان يتقرب به أصلا فلا يقع مقربا وبدونه لا يكاد يحصل به الغرض الموجب للامر به عبادة كما لا يخفى (وأما) إذا لم يلتفت إليها قصورا وقد قصد القربة باتيانه فالامر يسقط لقصد التقرب بما يصلح أن يتقرب به لاشتماله على المصلحة مع صدوره حسنا لاجل الجهل بحرمته قصورا فيحصل به الغرض من الامر
______________________________
بخلاف المقام فان نفس الفعل فيه معصية فلا يبعث إليه الامر لان الموجب في بعث الامر كون ترك الفعل معصية فإذا كان تركه طاعة كيف يبعث إليه الامر مع أنه لو فرض إمكان الانبعاث من قبل الامر فمجرد ذلك غير كاف في صحة العبادة ما لم يكن فعلها طاعة محضة كما سيأتي (قوله: أو بدونه تقصيرا) يعني أو بدون الالتفات إلى الحرمة مع كونه مقصرا في ذلك (قوله: لا يصلح لان يتقرب) لانه بسبب التقصير في عدم الالتفات إلى الحرمة يكون الفعل معصية يستحق عليه العقاب وما يكون كذلك لا يصلح أن يكون مقربا بل يكون مبعدا محضا، " أقول ": قد عرفت الاشارة إلى أن القرب والبعد من تبعات الطاعة والمعصية والانقياد والتجري، وكون الفعل في نفسه صالحا للمقربية مما لا أصل له فاعتبار صلاحيته لذلك في صحة العبادة إن كان بمعنى أن لا يكون معصية فهو في محله لانه يعتبر في العبادة أن تكون طاعة لله سبحانه محضة وان كان بمعنى آخر فقد عرفت الاشكال فيه ثبوتا فيكون الاشكال فيه إثباتا أولى (قوله: لاشتماله على) تعليل للصلاحية للقرب لكن عرفت أن المصلحة والمفسدة الواقعيتين لا توجبان صلاحية الفعل للقرب والبعد أصلا. بل الوجه في صلاحية الفعل للمقربية بالمعنى المعتبر في صحة العبادة كونه ليس معصية من جهة عدم الالتفات الذي هو عذر في مخالفة الحرمة (قوله: مع صدوره حسنا) يعني في الفعل - مضافا إلى الحسن الذاتي الناشئ من اشتماله على المصلحة حسن آخر قائم بحيثية صدوره، (أقول): الصدور والصادر واحد في الخارج فان أراد من الحسن القائم بحيثية الصدور
فيسقط به قطعا وان لم يكن امتثالا له بناء على تبعية الاحكام لما هو الاقوى من جهات المصالح والمفاسد واقعا لا لما هو المؤثر منها فعلا للحسن أو القبح
______________________________
كونه صادرا بعنوان الاطاعة فهو عين قصد التقرب ولا يترتبط بمقام صلاحية الفعل للمقربية وإن أراد غيره فلا موجب له والجهل بحرمته قصورا إنما أوجب عدم كون الفعل معصية كما أشرنا إليه لا الحسن الصدوري وكأن المراد أن قصد التقرب أوجب كون الفعل طاعة والجهل أوجب كونه غير معصية وبذلك يكون طاعة محضة فيكون حسنا لا غير (قوله: وان لم يكن امتثالا له) يعني ليس فعلا للمأمور به بداعي الامر وإن كان يسقط به الامر (قوله: بناء على تبعية) قيد للنفي يعني كونه ليس مامورا به في حال الجهل بالحرمة مبني على تبعية... الخ وتوضيح المراد أن موضوعات الاحكام (تارة) تتصف بكونها ذات مصلحة أو مفسدة (وأخرى) تتصف بكونها حسنة أو قبيحة والاتصاف بالاوليين ليس مشروطا بعلم المكلف بكونها ذات مصلحة أو مفسدة بل هي تكون كذلك في حالي علم المكلف وجهله والاتصاف بالاخريين مشروط بعلمه فلا يكون فعل المكلف حسنا إلا في حال علمه بكونه ذا مصلحة كما لا يكون قبيحا الا في حال علمه بكونه ذا مفسدة وأما ثبوت الاحكام لها (فتارة) نقول: إنه تابع للمصالح والمفاسد الواقعية فإذا كان ذا مفسدة كان حراما شرعا وإن جهل كونه كذلك، وإذا كان ذا مصلحة كان واجبا وإن جهل كونه كذلك، وإذا كان ذا مصلحة ومفسدة وكانت إحداهما أقوى كان الحكم تابعا للاقوى منهما وإن جهلها المكلف (واخرى) نقول: إنه تابع للحسن والقبح الفعليين فلو كانت المفسدة أقوى من المصلحة وجهل المكلف ذلك كان واجبا، وان كانت المصلحة أقوى من المفسدة وجهلها المكلف كان حراما وحينئذ نقول: مورد تصادق العناوين إذا كان المكلف جاهلا بحرمته فعلى المذهب الاول يكون حراما محضا ولا يكون مأمورا به إذا كانت المفسدة اقوى كما هو محل الفرض من تقديم جانب النهي، وعلى المذهب الثاني يكون مأمورا به لان كونه مصلحة مع الجهل بالمفسدة يوجب كونه حسنا فيكون واجبا لا غير (أقول): التحقيق أن هناك حسنين وقبحين يختلف كل منهما عن الآخر
لكونهما تابعين لما علم منهما كما حقق في محله - مع أنه يمكن أن يقال بحصول الامتثال مع ذلك
______________________________
من جهات متعددة حسن وقبح ذاتيان ناشئان عن اشتمال الفعل على المصلحة والمفسدة وحسن وقبح عرضيان طارئان على الفعل بتوسط طروء عنوان الاطاعة والمعصية والاولان قائمان بذات الفعل التي هي موضوع الامر والنهي والاخيران قائمان بذات الفعل التي هي منشأ انتزاع عنواني الاطاعة والمعصية المعلولين للامر والنهي والاولان من دواعي الامر والنهي فهما بمنزلة علل الامر والنهي فيتقدمان عليهما والاخيران معلولان للامر والنهي إذ لولاهما لما كانت إطاعة ولا معصية فهما متأخران عنهما، والاولان لا يكونان منشأ للقرب والبعد ولا للثواب والعقاب، والاخيران هما مناط القرب والبعد والثواب والعقاب (إذا) عرفت ذلك نقول، لا ينبغى التأمل في كون الاحكام الشرعية تابعة للحسن والقبح الاولين لان الاخيرين إذا كانا قائمين بالاطاعة والمعصية فلو كان الامر والنهي تابعين لهما كانا متعلقين بالاطاعة والمعصية وهو - مع أنه ممتنع كما تقدم في التعبدي والتوصلي توضيحه مفصلا أن المعروف أن وجوب الاطاعة وحرمة المعصية ارشاديان كما نبه عليه المصنف (ره) في مباحث الانسداد وأوضحناه فيما علقناه على ذلك المقام، بل لا يظن من أحد توهم كونها مولوية لو أمكن عقلا ذلك كما يظهر بأدنى تأمل ومن هنا يظهر لك التأمل فيما يظهر من المتن من كون المؤثر في الحسن والقبح التابعين للعلم هو المصالح والمفاسد القائمة بذات الفعل لما عرفت من أن الحسن والقبح الذاتيين ناشئان من المصالح والمفاسد الواقعية بلا دخل للعلم بهما اصلا، والحسن والقبح العرضيان - مع أنهما اجنبيان عن المصالح والمفاسد لا يتوقفان على العلم بل يتوقفان على تحقق موضوعيهما أعني الانقياد والتجري الحاصلين ولو بمجرد الاحتمال والله سبحانه أعلم (قوله: لكونهما) أي الحسن والقبح (قوله: لما علم) فالمجهول لا يكون مؤثرا (قوله: مع ذلك) أي مع أنه لا يشمله
فان العقل لا يرى تفاوتا بينه وبين سائر الافراد في الوفاء بغرض الطبيعة المأمور بها وان لم تعمه بما هي مأمور بها لكنه لوجود المانع لا لعدم المقتضى، ومن هنا انقدح انه يجزى ولو قيل باعتبار قصد الامتثال في صحة العبادة وعدم كفاية الاتيان بمجرد المحبوبية كما يكون كذلك في ضد الواجب حيث لا يكون هناك امر يقصد اصلا (وبالجملة) مع الجهل قصورا بالحرمة موضوعا أو حكما يكون الاتيان بالمجمع امتثالا وبداعي الامر بالطبيعة لا محالة غاية الامر انه لا يكون مما تسعه بما هي مأمور بها لو قيل بتزاحم الجهات في مقام تأثيرها للاحكام الواقعية، وأما لو قيل بعدم التزاحم إلا في مقام فعلية الاحكام لكان مما تسعه وامتثالا لامرها بلا كلام وقد انقدح بذلك الفرق بين ما إذا كان دليلا الحرمة والوجوب متعارضين وقدم دليل الحرمة تخييرا أو ترجيحا حيث لا يكون معه مجال للصحة اصلا وبين ما إذا كانا من باب الاجتماع وقيل بالامتناع وتقديم جانب الحرمة حيث يقع صحيحا في غير مورد من موارد الجهل والنسيان لموافقته للغرض بل للامر ومن هنا علم أن الثواب عليه من قبيل
______________________________
الامر (قوله: فان العقل) قد تقدم الكلام فيه في مسألة الضد (قوله: ولو قيل باعتبار) بل لو كان المراد اعتبار نفس القصد فهو حاصل مع الغفلة عن الحرمة ولا حاجة إلى الالتزام بما ذكره في مسألة الضد وإنما يحتاج إليه لو كان المراد اعتبار وجود الامر في الجملة نعم قد يشكل تصحيح عبادة الجاهل بأنه يقصد الامر المتعلق بذات الفعل وهو لا وجود له، ويندفع بأنه من قبيل الجهل بالتطبيق فلا يقدح مثله (قوله: في ضد الواجب) يعني الضد المضيق أما الموسع فقد تقدم أنه يمكن قصد الامر فيه (قوله: وأما لو قيل بعدم) إشارة إلى المذهب الثاني (قوله: حيث لا يكون معه) لان سقوط دليل الوجوب عن الحجية يقتضي عدم وجود الملاك في الفعل بناء على ما ذكره في التنبيه التاسع فلا يكون من أفراد المأمور به لا بذاته ولا بوصف كونه مأمورا به لكن عرفت اشكاله (قوله: بل للامر) يعني بناء على ما ذكره في مسألة الضد (قوله:
الثواب على الاطاعة لا الانقياد ومجرد اعتقاد الموافقة وقد ظهر بما ذكرناه وجه حكم الاصحاب بصحة الصلاة في الدار المغصوبة مع النسيان أو الجهل بالموضوع بل أو الحكم إذا كان عن قصور مع أن الجل لولا الكل قائلون بالامتناع وتقديم الحرمة ويحكمون بالبطلان في غير موارد العذر فلتكن من ذلك على ذكر (إذا) عرفت هذه الامور فالحق هو القول بالامتناع - كما ذهب إليه المشهور - وتحقيقه على وجه يتضح به فساد ما قيل أو يمكن ان يقال من وجوه الاستدلال لسائر الاقوال يتوقف على تمهيد مقدمات (إحداها) انه لا ريب في أن الاحكام الخمسة متضادة في مقام فعليتها وبلوغها إلى مرتبة البعث والزجر ضرورة ثبوت المنافاة والمعاندة التامة بين البعث نحو واحد في زمان والزجر عنه في ذاك الزمان وان لم يكن بينها مضادة ما لم تبلغ إلى تلك المرتبة لعدم المنافاة والمعاندة
______________________________
*
لا الانقياد) كما هو مبنى القول بالبطلان (قوله: مع النسيان) للحكم أو الموضوع أو لهما تقصيرا أو قصورا (قوله: ويحكمون) هذا شاهد على قولهم بالامتناع إذ لا وجه للبطلان إلا ذلك فتأمل فان الظاهر أنه خلاف في البطلان حتى ممن يقول بالجواز وأن الصحة والبطلان ليسا مبنيين على الجواز والامتناع فراجع وتأمل (قوله: ضرورة ثبوت المنافاة) لا اشكال في ثبوت المنافاة بين البعث والزجر الخارجيين أما البعث والزجر الاعتباريان المعبر عنهما بالايجاب والتحريم فالتنافي والتعاند إنما هو بين ملاكيهما مثلا ملاك وجوب الشئ كونه ذا مصلحة بلا مزاحم فإذا كان الشئ كذلك ترجح وجوده على عدمه فتعلقت به الارادة فإذا تعلقت به الارادة أمر به بداعي حفظ وجوده فإذا امر به كذلك انتزع عنه عنوان البعث والايجاب والوجوب والالزام ونحوها من الاعتبارات، وملاك حرمة الشئ كونه ذا مفسدة بلا مزاحم فإذا كان كذلك ترجح عدمه على وجوده فتعلقت به الكراهة فإذا تعلقت به الكراهة نهي عنه بداعي حفظ عدمه فإذا نهى عنه كذلك انتزع عنوان الزجر والتحريم والمنع وغير ذلك من الاعتبارات
بين وجوداتها الانشائية قبل البلوغ إليها كما لا يخفى فاستحالة اجتماع الامر والنهي في واحد لا يكون من باب التكليف بالمحال بل من جهة انه بنفسه محال فلا يجوز عند من يجوز التكليف بغير المقدور أيضا (ثانيتها) أنه لا شبهة في أن متعلق الاحكام هو فعل المكلف
______________________________
فتنافي عناوين الاحكام التكليفية وتعاندها إنما هو لتنافي ملاكاتها وإلا فلو فرض محالا كون الشئ الواحد ذا مصلحة بلا مزاحم وذا مفسدة كذلك لابد أن تتعلق به الارادة والكراهة معا والامر والنهي فينتزع حينئذ منها العناوين المذكورة ولا تنافي بينها أصلا ومنه يظهر حال بقية الاحكام التكليفية فان التنافي بين الجميع لذلك فنسبة التنافي إليها إنما هي بالعرض (اما) ما هو مورد التنافي أولا وبالذات فهو الملاكات لا غير ولذلك يظهر الفرق بين اجتماع الوجوب والحرمة في موضوع واحد وبين التكليف بالمحال فان الثاني لا قصور في ملاكه فلو ثبت كان بملاك وإنما القصور في القدرة عليه لا غير والاول يمتنع لعدم الملاك حتى لو فرض محالا ثبوت القدرة على الامتثال كما اشرنا إلى ذلك في صدر المبحث أما لو كان التنافي بين نفس البعث والزجر على ما هو ظاهر المتن فيشكل الفرق بينهما إذ التنافي المذكور وان كان يوجب امتناع الجمع بينهما لكن لا يوجب الفرق لامتناع البعث إلى المحال أيضا لان استحالة الحال عين استحالة الانبعاث إليه هي عين استحالة البعث إليه لان البعث عين الانبعاث فإذا جاز ثبوت التكليف مع امتناع البعث إلى متعلقه جاز ثبوت الوجوب والحرمة مع امتناع اجتماع البعث والزجر فتأمل جيدا (قوله: وجوداتها الانشائية) لان الاحكام الانشائية إنما تجعل على طبق مقتضياتها وان كانت مقرونة بالمانع فإذا كان في الشئ مصلحة تقتضي وجوبه ومفسدة تقتضي تحريمه ينشأ له وجوب وحرمة معا وان كان حكمه الفعلي أحدهما أو غيرهما (قوله: من باب التكليف بالمحال) ووجهه أنه تكليف بالوجود والعدم وهما نقيضان يستحيل اجتماعهما (قوله: بنفسه محال) لما عرفت لكنه موقوف على اعتبار الملاك في الاحكام وإلا فلا تنافي بينها ويكون
وما هو في الخارج يصدر عنه وهو فاعله وجاعله لا ما هو اسمه - وهو واضح - ولا ما هو عنوانه مما قد انتزع عنه بحيث لولا انتزاعه تصورا واختراعه ذهنا لما كان بحذائه شئ خارجا ويكون خارج المحمول كالملكية والزوجية والرقية والحرية والمغصوبية إلى غير ذلك من الاعتبارات والاضافات، ضرورة ان البعث ليس نحوه والزجر لا يكون نحوه وانما يؤخذ في متعلق الاحكام آلة للحاظ متعلقاتها والاشارة إليها بمقدار الغرض منها والحاجة إليها لا بما هو هو وبنفسه وعلى استقلاله وحياله (ثالثتها)
______________________________
الامر والنهي بالشئ من قبيل التكليف بالمحال (قوله: وما هو في الخارج يصدر) قد تكرر بيان ان الافعال الخارجية ليست موضوعة للاحكام فان ظرف الفعل سقوط الحكم لا ثبوته بل موضوعها الصور الذهنية الحاكية عن الخارج بنحو لا ترى إلا خارجية فلذا يسري إلى كل منهما ما للاخرى فترى الصور الذهنية موضوعات للغرض مع أن موضوعه حقيقة هو الخارجي ويرى الخارجي موضوعا للحكم والارادة والكراهة مع أن موضوعها حقيقة هو نفس الصورة (قوله: لا ما هو اسمه) يعني اسم الفعل وهذا مما لا يتوهم فلا يناسب ذكره (قوله: ولا ما هو عنوانه) قد تقدم أن العناوين المنطبقة على ذات واحدة تارة تنتزع عن الذات أو الذاتي وأخرى تنتزع عن الذات بملاحظة تلبسها بمبدأ حقيقي عيني كالضارب والشارب وثالثة تنتزع عن الذات بملاحظة تلبسها بمبدأ اعتباري غير عيني كالملك والزوج والحر والمغصوب المنتزعة عن الملكية والزوجية والحرية والغصبية وحيث أن هذه الاعتبارات ليس لها تأصل خارجي فلا تكون ذات مصلحة أو مفسدة أو محطا للغرض فإذا وقعت موضوعة للبعث أو الزجر فهى ملحوظة عنوانا لفعل المكلف ففعل المكلف الخارجي تارة يلحظ بعنوان ذاتي وأخرى بعنوان اعتباري مثلا الغصب عبارة عن كون التصرف في ملك الغير بغير رضا منه فالنهي عن المغصوب حقيقة نهي عن نفس التصرف الوارد على مال الغير (قوله: وإنما يؤخذ في) هذا مما لا يختص بالعناوين الانتزاعية بل يجري في
أنه لا يوجب تعدد الوجه والعنوان تعدد المعنون ولا ينثلم به وحدته فان المفاهيم المتعددة والعناوين الكثيرة ربما تنطبق على الواحد وتصدق على الفارد الذي لا كثرة فيه من جهة بل بسيط من جميع الجهات ليس فيه حيث غير حيث وجهة مغايرة لجهة اصلا كالواجب تبارك وتعالى فهو على بساطته ووحدته وأحديته تصدق عليه مفاهيم الصفات الجلالية والكمالية له الاسماء الحسنى والامثال العليا لكنها باجمعها حاكية عن ذاك الواحد الفرد الاحد
عباراتنا شتى وحسنك واحد |
وكل إلى ذاك الجمال يشير |
(رابعتها) أنه لا يكاد يكون للموجود بوجود واحد إلا ماهية واحدة وحقيقة فاردة لا يقع في جواب السؤال عن الحقيقة بما هو الا تلك الماهية فالمفهومان المتصادقان على
______________________________
العناوين التي لها مبادئ حقيقية فانها بعد ما كانت تحمل على الذوات كما تقدم في مبحث المشتق لابد ان تكون حاكية عنها وليس موضوع الحكم نفس المبدأ وإنما هو قيد لموضوع الحكم خارج عنه (قوله: لا يوجب تعدد الوجه) فان شأن الوجه والعنوان أن يكون حاكيا عن الموجه المعنون ومرآة له فيجوز أن تكون الامور المتكثرة حاكية عن أمر واحد ويكون كل واحد منها مرآة له نعم العناوين المتعددة ان كانت ذاتية بمعنى أن مبادئها عين الذات لم تستدع في الحكاية عن الذات إلى فرض أمر آخر وإن كانت غير ذاتية عرضية أو اعتبارية استدعت إلى فرض أمر آخر زائد على الذات وهو نفس المبدأ في العرضية أو منشأ اعتبار المبدأ في الاعتبارية (قوله: ربما تنطبق) يعني وربما لا تنطبق كما لو كانت مبادؤها متضادة (قوله: تصدق عليه مفاهيم) فان جميع صفاته سبحانه منتزعة عن نفس ذاته المقدسة كما هو محرر في محله (قوله: إلا ماهية واحدة) لتباين الماهيات من حيث هي ولو لتباين الفصول المحصلة لها فلا يمكن اجتماعها في وجود واحد فلذا لا يصح حمل بعضها على بعض وأما حمل العارض على المعروض فلما عرفت من ان المشتق عنوان لذات المعروض حاك عنها فصح حمله عليها
على ذاك لا يكاد يكون كل منهما ماهية وحقيقة وكانت عينه في الخارج كما هو شأن الطبيعي وفرده فيكون الواحد وجودا واحدا ماهية وذاتا لا محالة فالمجمع وان تصادقا عليه متعلقا الامر والنهي الا انه كما يكون واحدا وجودا يكون واحدا ماهية وذاتا ولا يتفاوت فيه القول باصالة الوجود أو اصالة الماهية. ومنه ظهر عدم ابتناء القول بالجواز والامتناع في المسألة على القولين في تلك المسألة كما توهم في الفصول
______________________________
أو من جهة أخذ المبدأ لا بشرط حسبما تقدم (قوله: لا يكاد يكون كل) بل اما ان يكون كل منهما عرضيا حاكيا عن ذات المعروض وعنوانا لها أو يكون احدهما ذاتيا والآخر عرضيا أو يكون كل منهما ذاتيا علي ان يكون حاكيا عن بعض الذات كما في الجنس والفصل (قوله: كما توهم في الفصول) قال في الفصول بعد ذكر الدليل الاول للامتناع: واعلم ان هذا الدليل يبتني على أصلين (أحدهما) أن لا تمايز بين الجنس والفصل ولو احقهما العرضية في الخارج كما هو المعروف واما لو قلنا بالتمايز لم يتحد المتعلق فلا يتم الدليل (الثاني) أن للوجود حقائق خارجية ينتزع منها هذا المفهوم الاعتباري كما هو مذهب اكثر الحكماء وبعض محققي المتكلمين واما إذا قلنا بأنه مجرد هذا المفهوم الاعتباري ينتزعه العقل من الماهيات الخارجية ولا حقيقة له في الخارج أصلا كما هو مذهب جماعة فلا يتم الدليل ايضا... الخ وصريح العبارة ابتناء الدليل الاول على الاصلين لا ابتناء الخلاف في المسألة عليهما ومن هنا قال بعد ذلك: ولنا أن نقرر الدليل على وجه لا يبتني على هذا الاصل، يعني الاصل الثاني فلاحظ وكيف كان فان كان المراد أن الخلاف في المقام يبتني على الخلاف المذكور حتى أن القول بالامتناع يبتني على القول باصالة الوجود لانه - على هذا القول - يكون متعلق الامر والنهي أمرا واحدا وهو الوجود ولا كذلك لو قلنا باصالة الماهية لان موضوع الامر ماهية وموضوع النهي ماهية أخرى فلا يكون متعلقهما أمرا واحدا حتى يمتنع اجتماعهما (ففيه) أن القول باصالة الماهية لا ينفع في تعدد موضوع الامر والنهي لان المفهومين
كما ظهر عدم الابتناء على تعدد وجود الجنس والفصل في الخارج وعدم تعدده ضرورة عدم كون العنوانين المتصادقين عليه من قبيل الجنس والفصل له وأن مثل الحركة في دار من أي مقولة كانت لا يكاد يختلف حقيقتها وماهيتها ويتخلف ذاتياتها وقعت جزءا للصلاة أو لا كانت تلك الدار مغصوبة أولا(١) إذا عرفت ما مهدناه عرفت أن المجمع حيث كان واحدا وجودا وذاتا كان تعلق الامر والنهي به محالا ولو كان تعلقهما به بعنوانين لما عرفت من كون فعل المكلف بحقيقته وواقعيته الصادرة عنه متعلقا للاحكام لا بعناوينه الطارية عليه وأن غائلة اجتماع الضدين فيه لا تكاد ترتفع بكون الاحكام تتعلق بالطبايع لا الافراد فان غاية تقريبه أن يقال: إن الطبايع من حيث هي هي وان كانت ليست الا هي ولا يتعلق بها الاحكام الشرعية كالآثار العادية والعقلية الا انها - مقيدة بالوجود بحيث كان القيد خارجا والتقييد داخلا - صالحة لتعلق الاحكام بها. ومتعلقا الامر والنهي على هذا لا يكونان متحدين أصلا لا في مقام تعلق البعث والزجر
______________________________
المأخوذين موضوعا للامر والنهي حاكيان عن ماهية واحدة في الخارج لا ماهيتين وان كان المراد ابتناء الدليل حيث أخذ فيه الوجود فالابتناء في محله، (قوله: كما ظهر عدم الابتناء) هذا ايضا تعريض بالفصول كما عرفت، (قوله: ضرورة عدم كون) يعني أن القول بتعدد الجنس والفصل لا يجدي في تعدد موضوع الامر والنهي الا إذا كان موضوع أحدهما الجنس وموضوع الآخر الفصل وليس كذلك فان عنواني الغصب والصلاة ليسا من العناوين الذاتية
______________
(١) وقد عرفت ان صدق العناوين المتعددة لا يكاد تنثلم به وحدة المعنون لا ذاتا ولا وجودا غايته ان يكون له خصوصية بها يستحق الاتصاف بها، ومحدودا بحدود موجبة لانطباقها عليه كما لا يخفى وحدوده ومخصصاته لا توجب تعدده بوجه اصلا فتدبر جيدا (منه قدس سره) (*)
ولا في مقام عصيان النهي وإطاعة الامر باتيان المجمع بسوء الاختيار (أما) في المقام الاول فلتعددهما بما هما متعلقان لهما وان كانا متحدين فيما هو خارج عنهما بما هما كذلك (وأما) في المقام الثاني فلسقوط أحدهما بالاطاعة والآخر بالعصيان بمجرد الاتيان ففي أي مقام اجتمع الحكمان في واحد ؟ وأنت خبير بانه لا يكاد يجدي بعد ما عرفت من أن تعدد العنوان لا يوجب تعدد المعنون لا وجودا ولا ماهية ولا تنثلم به وحدته اصلا، وأن المتعلق للاحكام هو المعنونات لا العنوانات، وأنها إنما تؤخذ في المتعلقات بما هي حاكيات كالعبارات لا بما هي على حيالها واستقلالها. كما ظهر مما حققناه أنه لا يكاد يجدي ايضا كون الفرد مقدمة لوجود الطبيعي المأمور به أو المنهي عنه وأنه لا ضير في كون المقدمة
______________________________
ليكون أحدهما جنسا والآخر فصلا بل هما معا خارجان عن الحقيقة فان أي نوع من الحركة يفرض له حقيقة معينة لا يفارقها دائما حينما يكون صلاة أو غصبا أولا فلا تختلف حقيقته بطروء أحد العناوين عليه وعدمه " أقول ": لم يقتصر في الفصول على ذكر الجنس والفصل بل عطف عليهما اللواحق العرضية وحينئذ فان كان العنوان من اللواحق العرضية كالغصب والصلاة جاء فيه الكلام المذكور من كونه متحدا مع الذات أو ممتازا عنها في الخارج (قوله: ولا في مقام عصيان) فان موضوع العصيان غير موضوع الاطاعة ولا يكون الامتثال بالمبعد حتى لا تصح العبادة (قوله: كالعبارات) يعني الحاكية عن المعاني فان صورها فانية فيها (قوله: لا بما هي على حيالها) يعني كما يظهر من تقريب الاجتماع نعم لو كانت الطبايع المأخوذة موضوعا للامر والنهي ولو بلحاظ الوجود لم تؤخذ عنوانا لامر واحد بل أخذت كلا في قبال الاخرى جاز أن يكون بعضها موضوعا للامر وبعضها موضوعا للنهي فيختلف قولنا: أكره الاسود وأحب الحلو، عن قولنا: أكره السواد وأحب الحلاوة، فلا يجوز الاجتماع في مثل الاول لحكاية العنوانين فيه عن ذات واحدة في الخارج ويجوز في الثاني لحكاية الطبيعتين
محرمة في صورة عدم الانحصار بسوء الاختيار، وذلك - مضافا إلى وضوح فساده وأن الفرد هو عين الطبيعي في الخارج كيف والمقدمية تقتضي الاثنينية بحسب الوجود ولا تعدد كما هو واضح ؟ أنه انما يجدي لو لم يكن المجمع واحدا ماهية وقد عرفت بما لا مزيد عليه انه بحسبها ايضا واحد. ثم إنه قد استدل على الجواز بامور (منها) انه لو لم يجز اجتماع الامر والنهي لما وقع نظيره وقد وقع كما في العبادات المكروهة كالصلاة في مواضع التهمة وفى الحمام والصيام في السفر وفى بعض الايام (بيان) الملازمة انه لو لم يكن تعدد الجهة مجديا في امكان اجتماعهما لما جاز اجتماع حكمين
______________________________
*
عن شيئين في الخارج فان منشأ انتزاع مفهوم السواد في الخارج غير منشأ انتزاع مفهوم الحلاوة فيه فلا مانع من اختلافهما في الاحكام (قوله: محرمة في صورة) يعني ولا تكون واجبة حينئذ أو تكون واجبة بوجوب توصلي لا مانع من اجتماعه مع الحرام " أقول ": تقدم أنه لا فرق في امتناع الاجتماع على تقديره بين الوجوب التوصلي والتعبدي (قوله: بسوء الاختيار) متعلق (بكون) ومثاله السير إلى الحج بركوب الدابة المغصوبة فانها محرمة ويترتب عليها الغرض وكذلك حال الفرد فانه مقدمة للواجب وليس موضوعا للامر العبادي حتى يمتنع التعبد به مع كونه محرما وعلى هذا فلا ثمرة لهذا الخلاف (قوله: وذلك) بيان لقوله: كما ظهر... الخ (قوله: تقتضي الاثنينية) هذا مسلم في المقدمات الخارجية دون الداخلية لكن الفرد ليس مقدمة داخلية للطبيعة لعدم كونه جزءا منها مع أنه لو كان مقدمة داخلية لم يكن موضوعا للوجوب التوصلي الذي ادعاه المستدل لعدم المغايرة بالوجود المصححة لذلك (قوله: انه إنما يجدي لو لم) يعني ان ذلك انما ينفع لو كان المجمع فرد الماهيتين إحداهما موضوع للامر والاخرى موضوع للنهي وليس كذلك إذ الفرد بما له من الماهية موضوع للامر والنهي معا لما تقدم من أن العنوانين المأخوذين موضوعا للامر والنهي حاكيان عن معنون واحد هو الموضوع لهما حقيقة فيرجع الاشكال وهو اجتماع الحكمين في موضوع
آخرين في مورد مع تعددها لعدم اختصاصهما من بين الاحكام بما يوجب الامتناع من التضاد بداهة تضادها بأسرها والتالي باطل لوقوع اجتماع الكراهة والايجاب أو الاستحباب في مثل الصلاة في الحمام والصيام في السفر وفي عاشوراء - ولو في الحضر - واجتماع الوجوب أو الاستحباب مع الاباحة أو الاستحباب في مثل الصلاة في المسجد أو الدار (والجواب) عنه أما إجمالا فبأنه لا بد من التصرف والتأويل فيما وقع في الشريعة مما ظاهره الاجتماع بعد قيام الدليل على الامتناع ضرورة أن الظهور لا يصادم البرهان - مع أن قضية ظهور تلك الموارد اجتماع الحكمين فيها بعنوان واحد ولا يقول الخصم بجوازه كذلك بل بالامتناع ما لم يكن بعنوانين وبوجهين فهو ايضا لا بدله من التفصي عن اشكال الاجتماع فيها لا سيما إذا لم يكن هناك مندوحة كما في العبادات المكروهة التي لا بدل لها فلا يبقى له مجال للاستدلال بوقوع الاجتماع فيها على جوازه أصلا كما لا يخفى (وأما) تفصيلا فقد أجيب عنه بوجوه يوجب ذكرها بما فيها من النقض والابرام طول الكلام بما لا يسعه المقام فالاولى الاقتصار على ما هو التحقيق في حسم مادة الاشكال فيقال وعلى الله الاتكال: إن العبادات المكروهة على ثلاثة أقسام (أحدها) ما تعلق به النهي بعنوانه وذاته ولا بدل له كصوم يوم عاشوراء والنوافل المبتدأة في بعض
______________________________
*
واحد (قوله: مع تعددها) أي الجهة (قوله: اختصاصهما) يعني الامر والنهي بمعنى الوجوب والحرمة (قوله: بعنوان واحد) لان النهي المقتضي للكراهة وقع عن نفس الصلاة والصيام الموضوعين للامر لا بعنوان آخر وكذا الامر الاستحبابي تعلق بنفس الصلاة في المسجد التي هي موضوع الامر الوجوبي (قوله: كذلك) يعني يجوز الاجتماع مع وحدة العنوان (قوله: فالاولى الاقتصار) ومن أراد التفصيل فعليه بمراجعة التقريرات (قوله: كصوم يوم عاشوراء) فان صوم غيره من الايام مستحب في نفسه
الاوقات (ثانيها) ما تعلق به النهي كذلك ويكون له البدل كالنهي عن الصلاة في الحمام (ثالثها) ما تعلق النهي به لا بذاته بل بما هو مجامع معه وجودا أو ملازم له خارجا كالصلاة في مواضع التهمة بناء على كون النهي عنها لاجل اتحادها مع الكون في مواضعها (أما القسم الاول) فالنهي تنزيها عنه بعد الاجماع على انه يقع صحيحا ومع ذلك يكون تركه ارجح كما يظهر من مداومة الائمة عليهم السلام على الترك إما لاجل انطباق عنوان ذي مصلحة على الترك فيكون الترك كالفعل ذا مصلحة موافقة للغرض وان كان مصلحة الترك اكثر فهما حينئذ يكونان من قبيل المستحبين المتزاحمين فيحكم بالتخيير بينهما لو لم يكن أهم في البين والا فيتعين الاهم وان كان الآخر يقع صحيحا حيث انه كان راجحا وموافقا للغرض كما هو الحال في سائر المستحبات المتزاحمات بل الواجبات وارجحية الترك من الفعل
______________________________
*
وليس بدلا عنه وكذا النافلة في غير الاوقات المكروهة (قوله: النهي كذلك) يعنى بعنوانه وذاته (قوله: بل بما هو مجامع) فالنهي يكون عن العنوان المجامع كالكون في مواضع التهمة في المثال المذكور (قوله: تنزيها عنه بعد) يعني أن النهي محمول على الكراهة لا التحريم بقرينة الاجماع على صحته لامتناع صحة ما هو حرام بنفسه (قوله: كما يظهر من) تعليل لكون تركه أرجح من فعله فان مداومتهم (عليهم السلام) على تركه دليل على ذلك (أقول): اطلاق النهي عنه أدل على ذلك لامكان دعوى الاجمال في فعلهم وان كانت بعيدة (قوله: على الترك) وأما الترك فهو في نفسه مرجوح لانه ترك للراجح لان المفروض كون الفعل ذا مصلحة (قوله: ذا مصلحة) يعني بالعرض من جهة انطباق العنوان الراجح (قوله: فيحكم بالتخيير) فان قلت: يمتنع الاستحباب التخييري بين الوجود والعدم كالوجوب التخييري إذ أحد الامرين لا بد منه فلا فائدة في البعث " قلت ": انما يمتنع في التوصليين لا في التعبديين أو فيما لو كان أحدهما تعبديا لامكان تركهما معا حينئذ (قوله: كما هو الحال في) نعم يفترق المقام
عنها ان المستحبات المتزاحمة كل واحد منها فعله أرجح من تركه فلا مجال للاشكال في صحة التقرب بفعله بخلاف المقام إذ مع تساوي مصلحة الفعل ومصلحة الترك يتساوى الفعل والترك في نظر المولى فقد يشكل إمكان التقرب بأحدهما إليه، ومع رجحان مصلحة الترك على مصلحة الفعل يكون الترك أرجح في نظره من الفعل فيشكل إمكان التقرب بالفعل إليه ومن هنا تعرض لدفع ذلك بقوله: وارجحية الترك... الخ (وتوضيحه) أن رجحان الترك الناشئ من الاهتمام بمصلحته زائدا على مصلحة الفعل ليس كالرجحان الناشئ عن وجوده مفسدة في الفعل فان الاول لا يمنع من صحة التقرب بالفعل لاشتماله على المصلحة الموافقة للغرض بخلاف الثاني فان المفسدة في الفعل تكون مانعة عن امكان التقرب به " فان قلت ": رجحان الترك على الفعل وان لم يكن عن منقصة في الفعل إلا أنه لما أوجب الامر بالترك فقد أوجب النهي عن الفعل لملازمة أحدهما للآخر - كما تقدم في مبحث الضد - ومع النهي المذكور يمتنع التقرب بالفعل " قلت ": قد أجاب المصنف (ره) في حاشيته على المقام بالفرق بين النهي التحريمي والنهي التنزيهي وأن الاول يقتضي الفساد لامتناع التقرب بما هو معصية والثاني لا يقتضيه لعدم كون الفعل معصية. نعم لو كان النهي ناشئا عن منقصة في الفعل امتنع التقرب حينئذ لامتناع التقرب بما كان ذا منقصة ولذلك لا تفسد العبادة إذا كانت ضدا لمستحب أهم اتفاقا " أقول ": النهي التحريمي والنهي التنزيهي وإن اختلفا في اقتضاء مخالفتهما البعد وعدمه إذ مخالفة النهي التحريمي معصية وهي موجبة للعبد ومخالفة النهي التنزيهي ليست معصية فلا توجب بعدا إلا أنهما لا يختلفان في مانعيتهما من إمكان التقرب حيث أنه لا يتأتي قصد التقرب بما هو مبغوض للمولى ويزجر عنه والاتفاق على صحة العبادة إذا كانت ضدا للمستحب الاهم ينبغي أن يكون دليلا على مختاره من عدم اقتضاء الامر بالشئ النهي عن ضده لا على عدم قدح النهي التنزيهي في إمكان التقرب. ولعل من هنا يشكل هذا التصوير - مضافا إلى أن العنوان الراجح ان كان وجوديا امتنع انطباقه على الترك الذي هو عدمي
لا توجب(١) حزازة ومنقصة فيه أصلا كما يوجبها ما إذا كان فيه مفسدة غالبة على مصلحته ولذا لا يقع صحيحا على الامتناع فان الحزازة والمنقصة فيه مانعة عن صلاحية التقرب به بخلاف المقام فانه على ما هو عليه من الرجحان وموافقة الغرض كما إذا لم يكن تركه راجحا بلا حدوث حزازة فيه أصلا (وإما) لاجل ملازمة الترك لعنوان كذلك من دون انطباقه عليه فيكون كما إذا انطبق عليه من غير تفاوت إلا في أن الطلب المتعلق به حينئذ ليس بحقيقي بل بالعرض والمجاز فانما يكون في الحقيقة متعلقا
______________________________
وان كان عدميا امتنع أن يكون ذا مصلحة. نعم يصح أن يكون الترك شرطا لعنوان وجودي ذي مصلحة وعليه يرتفع الاشكال لان نقيض ذلك العنوان عدمه والنهي عنه لا يمنع من صحة التقرب بالفعل لكنه ليس من انطباق العنوان على الترك في شئ (قوله: وإما لاجل ملازمة) أو لاجل ملازمة الفعل لعنوان ذي مفسدة موجبة لكراهته وهذا أقرب مما ذكره إذ النهي حاك عن المفسدة بحسب طبعه وحيث امتنع حمله على الحقيقة للاجماع على الصحة حمل على انه بالعرض والمجاز وأنه في الحقيقة نهي عن الملازم. نعم ما ذكره أقرب لو كان
______________
(١) ربما يقال: أن أرجحية الترك وان لم توجب منقصة وحزازة في الفعل اصلا إلا انه يوجب المنع منه فعلا والبعث إلى الترك قطعا كما لا يخفى ولذا كان ضد الواجب بناء على كونه مقدمة له حراما ويفسد لو كان عبادة مع انه لا حزازة في فعله وانما كان النهي عنه وطلب تركه لما فيه من المقدمية له وهو على ما هو عليه من المصلحة فالمنع لذلك كاف في فساده لو كان عبادة (قلت): يمكن أن يقال: ان النهي التحريمي لذلك وان كان كافيا في ذلك بلا اشكال إلا أن التنزيهي غير كاف إلا إذا كان عن حزازة فيه وذلك لبداهة عدم قابلية الفعل للتقرب منه تعالى مع المنع عنه وعدم ترخيصه في ارتكابه بخلاف التنزيهي عنه إذا كان لا لحزازة فيه بل لما في الترك من المصلحة الراجحة حيث انه معه مرخوص فيه وهو على ما هو عليه من الرجحان والمحبوبية له تعالى ولذلك لم تفسد العبادة إذا كانت ضد المستحبة اهم اتفاقا فتأمل. (منه قدس سره) (*)
بما يلازمه من العنوان بخلاف صورة الانطباق لتعلقه به حقيقة كما في سائر المكروهات من غير فرق الا ان منشأه فيها حزازة ومنقصة في نفس الفعل وفيه رجحان في الترك من دون حزازة في الفعل أصلا غاية الامر كون الترك أرجح (نعم) يمكن أن يحمل النهي في كلا القسمين على الارشاد إلى الترك الذي هو ارجح من الفعل أو ملازم لما هو الارجح واكثر ثوابا لذلك وعليه يكون النهي على نحو الحقيقة لا بالعرض والمجاز فلا تغفل (وأما القسم الثاني) فالنهي فيه يمكن ان يكون لاجل ما ذكر في القسم الاول طابق النعل بالنعل كما يمكن أن يكون بسبب حصول
______________________________
الترك قد أخذ موضوعا للطلب (قوله: كما في سائر) تمثيل للتعلق الحقيقي (قوله: نعم يمكن أن) لكنه خلاف الظاهر لا داعي إليه (قوله: الارشاد إلى الترك) بل إلى مصلحة غالبة في الترك أو في ملازمه الموجب ذلك للبعث إلى الترك (قوله: لا بالعرض والمجاز) هذا غير ظاهر لان الفرق بين الامر والنهي المولويين والامر والنهي الارشاديين أن الاولين يقصد منهما البعث والزجر عن متعلقهما وإن دلا على مصلحة أو مفسدة فيه والاخيرين يقصد منهما الحكاية عن المصلحة والمفسدة فيه لا غير وان ترتب على ذلك البعث والزجر فالبعث والزجر في الاولين معلولان لنفس الامر والنهي وفى الاخيرين معلولان للعلم بالمصلحة والمفسدة كما في أمر الطبيب الذي هو أحد الرعية للملك بشرب الدواء إذ يمتنع قصد تحريك الملك بالامر لعدم صلاحية أمره لذلك فالنهي الحقيقي ارشاديا كان أو مولويا ما يكون حاكيا عن مفسدة في متعلقه كما أن الامر الحقيقي مطلقا ما يكون حاكيا عن مصلحة في متعلقه فالنهي عن العبادة لا يكون حقيقيا على التصويرين وإن كان ارشاديا، ولو عم النهي الحقيقي لما يكون حاكيا عن مصلحة في نقيض متعلقه لما كان النهي حقيقيا ايضا على التصوير الثاني ولو جعل إرشاديا ثم إن المراد من النهي بالعرض النهي عما هو مبغوض بالعرض لا أنه منسوب إليه النهي بالعرض فان العبادة قد تعلق النهي عنها بذاتها فيكون منسوبا إليها بالذات لا بالعرض
منقصة في الطبيعة المأمور بها لاجل تشخصها في هذا القسم بمشخص غير ملائم لها كما في الصلاة في الحمام فان تشخصها بتشخص وقوعها فيه لا يناسب كونها معراجا وان لم يكن نفس الكون في الحمام في الصلاة بمكروه ولا حزازة فيه اصلا بل كان راجحا كما لا يخفى وربما يحصل لها لاجل تخصصها بخصوصية شديدة الملائمة معها مزية فيها كما في الصلاة في المسجد والامكنة الشريفة، وذلك لان الطبيعة المأمور بها في حد نفسها إذا كانت مع تشخص لا يكون له شدة الملائمة ولا عدم الملائمة لها مقدار من المصلحة والمزية كالصلاة في الدار مثلا وتزداد تلك المزية فيما كان تشخصها بما له شدة الملائمة وتنقص فيما إذا لم تكن له ملائمة ولذلك ينقص ثوابها تارة ويزيد أخرى ويكون النهي فيه لحدوث نقصان في مزيتها فيه
______________________________
(قوله: منقصة في الطبيعة) يعني نقصا في وفاء الطبيعة المأمور بها بالمرتبة الخاصة من المصلحة التي تفي بها لو لم تكن متشخصة بذلك المشخص ولا بد من أن يكون المقدار الفائت مما لا يجب تداركه وإلا كان النهي تحريميا لو لم يمكن تداركه. أولا يصح النهي أصلا لو أمكن تداركه بل يكون المكلف مخيرا بين فعل الفرد المذكور مع التدارك وبين فعل غيره من الافراد، ومن أن يكون المقدار الباقي الذي يحصله الفرد ملزما وإلا كان مستحبا لا فردا للواجب (قوله: وربما يحصل) شروع في دفع اشكال اجتماع الوجوب والاستحباب في العبادات المستحبة (قوله: ولذلك ينقص) قد تقدم ان الثواب والعقاب بمراتبهما ليسا تابعين لمراتب المصلحة والمفسدة بل هما تابعان لمراتب الانقياد والتجري نعم مراتب التجري تختلف باختلاف مراتب الاهتمام المختلفة باختلاف مراتب المصلحة والمفسدة وأما مراتب الانقياد فتختلف باختلاف مراتب المشقة فزيادة العقاب تدل على تأكد المصلحة الفائتة والمفسدة المرتكبة وأما زيادة الثواب فلا تدل عليه نعم الوعد بزيادة الثواب يدل على مزيد الاهتمام الناشئ عن زيادة المصلحة (ومنه) يظهر أنه لا يصح نقص الثواب عن مقدار الاستحقاق الا ان يكون المراد النقص عن المرتبة
إرشادا إلى ما لا نقصان فيه من سائر الافراد ويكون أكثر ثوابا منه وليكن هذا مراد من قال: إن الكراهة في العبادة بمعنى أنها تكون أقل ثوابا، ولا يرد عليه بلزوم اتصاف العبادة التي تكون أقل ثوابا من الاخرى بالكراهة ولزوم اتصاف ما لا مزية فيه ولا منقصة بالاستحباب لانه أكثر ثوابا مما فيه المنقصة، لما عرفت من أن المراد من كونه أقل ثوابا إنما هو بقياسه إلى نفس الطبيعة المتشخصة بما لا يحدث معه مزية لها ولا منقصة من المشخصات، وكذا كونه أكثر ثوابا. ولا يخفى أن النهي في هذا القسم لا يصح الا للارشاد بخلاف القسم الاول فانه يكون فيه مولويا وان كان حمله على الارشاد بمكان من الامكان
______________________________
الموعود بها لا المستحقة (قوله: ارشادا إلى مالا) بل ارشادا إلى المنقصة في متعلقه فيوجب ذلك بعثا إلى مالا نقصان فيه وكانه المراد كما تقدم نظيره (قوله: بلزوم اتصاف) هذا يرد لو كان المراد أقل ثوابا من بعض الافراد مطلقا وكذا لزوم اتصاف... الخ، فانه يرد لو كان المراد من الاستحباب أكثرية الثواب بالنسبة إلى بعض الافراد مطلقا (قوله: في هذا القسم) يعني بالنسبة إلى التوجيه المختص به لا بالنظر إلى توجيهه بما مر في القسم الاول فانه لا يتعين فيه ذلك (قوله: إلا للارشاد) لان كونه مولويا ولو تنزيهيا كراهتيا يتوقف على ثبوت مفسدة في متعلقه أو مصلحة في نقيضه مزاحمة لمصلحته والمفروض انه ليس كذلك إذ كان متعلقه ذا مصلحة وليس في نقيضه مصلحة كما في القسم الاول إلا ان يقال: إن ترك العبادة وإن لم يكن ملازما لعنوان ذي مصلحة أو متحدا معه إلا أن فعلها ملازم لفوات مقدار من المصلحة وحيث أن فوات ذلك المقدار مبغوض حقيقة كان ملازمه مبغوضا عرضا فيصح النهي عنه بالعرض والمجاز. نعم لو لم يكن فعل الفرد ملازما لفوات ذلك المقدار لامكان تداركه ولو بالاعادة في فرد آخرتم ما ذكر ثم إنك عرفت في القسم الاول إمكان أن يكون النهي لمفسدة في ملازمه ويمكن ذلك أيضا في هذا القسم لكن لازمه خروج الفرد عن كونه
(وأما القسم الثالث) فيمكن ان يكون النهى فيه عن العبادة المتحدة مع ذاك العنوان أو الملازمة له بالعرض والمجاز وكان المنهي عنه به حقيقة ذاك العنوان ويمكن أن يكون على الحقيقة ارشادا إلى غيرها من سائر الافراد مما لا يكون متحدا معه أو ملازما له إذ المفروض التمكن من استيفاء مزية العبادة بلا ابتلاء بحزازة ذاك العنوان اصلا. هذا على القول بجواز الاجتماع، وأما على الامتناع فكذلك في صورة الملازمة، وأما في صورة الاتحاد وترجيح جانب الامر - كما هو المفروض -
______________________________
واجبا لما عرفت من أنه لا مزاحمة بين المقتضي التعييني والمقتضي التخييري فان الاول يؤثر ولو كان استحبابيا والثاني يسقط ولو كان وجوبيا إذ لا تزاحم حقيقة بينهما لامكان الجمع بينهما بفعل غير المكروه من الافراد فيثبت النهي عن الملازم وتخرج العبادة عن كونها فردا للمأمور به بما هو كذلك نعم يكون التقرب بملاك الامر كما تقدم والله سبحانه اعلم (قوله: فيمكن أن يكون) يعني بعد ما كان المبغوض حقيقة هو العنوان المتحد مع العبادة فتعلق النهي بنفس العبادة يمكن أن يكون عرضيا بالمعنى المتقدم ويكون مولويا ويمكن ان يكون حقيقا ويكون إرشاديا إلى ثبوت مفسدة في العنوان المتحد مع العبادة أو الملازم لها لكن عرفت أن الحقيقي - ولو كان إرشاديا - ما يدل على ثبوت مفسدة في متعلقه لا في غيره ولو كان متحدا معه، فلو حمل النهي على الارشاد كان عرضيا أيضا، ومنه يظهر تعين جعله مولويا عرضيا لا ارشاديا كذلك لان الاول أوفق بظاهر النهي نعم لو كان حمله على الارشاد يقتضي كونه حقيقيا دار الامر بين كل من التصرفين ولا معين لاحدهما (قوله: ارشادا إلى) قد تقدم مثل هذا التعبير المبني على المسامحة وسيأتي أيضا (قوله: مما لا يكون) بيان للافراد يعني الافراد التي لا تتحد مع العنوان المنهي عنه حقيقة ولا تلازمه (قوله: هذا على القول) يعني هذا الذي ذكرناه من أن العبادة بنفسها مأمور بها وأن العنوان المتحد معها أو الملازم لها هو المنهي عنه حقيقة يتم على الاجتماع إذ مبنى الاجتماع عدم التنافي
حيث أنه صحة العبادة فيكون حال النهي فيه حاله في القسم الثاني فيحمل على ما حمل عليه فيه طابق النعل بالنعل حيث أنه بالدقة يرجع إليه، إذ على الامتناع ليس الاتحاد مع العنوان الآخر إلا من مخصصاته ومشخصاته التي تختلف الطبيعة المأمور بها في المزية زيادة ونقيصة بحسب اختلافها في الملائمة كما عرفت وقد انقدح بما ذكرناه أنه لا مجال أصلا لتفسير الكراهة في العبادة باقلية الثواب في القسم الاول مطلقا وفي هذا القسم على القول بالجواز،
______________________________
بين الامر والنهي بعنوانين ويتم ايضا على الامتناع إذا كان العنوان ملازما للعبادة لا متحدا معها لان القول بالامتناع يختص بصورة اتحاد العنوانين ولا يجري في صورة تلازمهما غاية الامر أن امتناع اختلاف المتلازمين في الحكم يؤدي إلى امتناع فعليتهما معا لكن يصح الاتيان بالعبادة حينئذ ولو لملاك الامر كما تقدم في الضد وكذا يتم أيضا على الامتناع وترجيح جانب الامر في صورة الاتحاد فتصح العبادة للامر بها فعلا (قوله: حيث انه صحة) ضمير (أن) راجع إلى المفروض يعني حيث أن المفروض صحة العبادة فهو ملازم لتقديم جانب الامر إذ مع تقديم النهي لا مجال للصحة كما تقدم (قوله: فيكون حال النهي) يعني حيث كان المفروض صحة العبادة الملازم لتعلق الامر الفعلي بها على الامتناع فالنهي المتعلق بها يمتنع أن يكون مولويا لمنافاته لصحتها فيحمل على الارشاد إلى نقص في مصلحتها من جهة اقترانها بالخصوصية الخاصة كما تقدم في القسم الثاني (قوله: إذ على الامتناع) هذا التخصيص غير ظاهر (قوله: في القسم الاول) إذ لا قصور في مصلحة العبادة ليقل ثوابها ومنه يظهر عدم صحة التفسير المذكور في القسم الثاني أيضا بناء على توجيهه بما في القسم الاول (قوله: على القول بالجواز) فانه أيضا لا قصور في المصلحة وكذا على القول بالامتناع في صورة الملازمة. نعم على الامتناع والاتحاد لابد من الالتزام بنقص المصلحة كما ذكر فتكون أقل ثوابا بناء على ما تقدم منه من تبعية كمية الثواب لكمية المصلحة
كما انقدح حال اجتماع الوجوب والاستحباب فيها وان الامر الاستحبابي يكون على نحو الارشاد إلى أفضل الافراد مطلقا على نحو الحقيقة، ومولويا اقتضائيا كذلك، وفعليا بالعرض والمجاز فيما كان ملاكه ملازمتها لما هو مستحب أو متحد معه على القول بالجواز (ولا يخفى) أنه لا يكاد يأتي القسم الاول ههنا فان انطباق عنوان راجح على الفعل الواجب الذي لا بدل له إنما يؤكد ايجابه لا أنه يوجب استحبابه أصلا ولو بالعرض والمجاز
______________________________
(قوله: كما انقدح حال) العبادة المستحبة (تارة) تكون أكثر مصلحة لتشخصها بما له دخل في ذلك (وأخرى) ينطبق عليها عنوان ذو مصلحة ويتحد معها (وثالثة) يلازمها عنوان كذلك ولا ريب في امكان كون الامر في الجميع إرشاديا حقيقيا كما في الاولى وعرضيا كما في الاخيرتين وأما كونه مولويا فهو ممتنع في الاولى للزوم اجتماع الاستحباب والوجوب في شئ واحد بعنوان واحد وكذا في الثانية - بناء على الامتناع - أما على الجواز فلا ضير فيه لانه بعنوانين ويكون تعلقه بالعبادة عرضيا، وفى الثالثة يجوز لو جاز اختلاف المتلازمين في الحكم ويكون تعلقه بالعبادة عرضيا أيضا ويمتنع لو امتنع. نعم لا بأس بتعلق الارادة الاستحبابية به فتتأكد مع الوجوبية في الاولى وفى الثانية على القول بالامتناع لاتحاد المتعلق حينئذ ولا كذلك على الجواز لتعدده فلا مجال للتأكد كالثالثة (قوله: مطلقا على) الاطلاق في قبال التقييد الآتي ذكره في المولوي الفعلي فيعم جميع الصور التي أشرنا إليها (قوله: على نحو الحقيقة) قد عرفت الاشكال فيه في الاخيرتين (قوله: كذلك) يعني مطلقا على نحو الحقيقة وعرفت أيضا التأمل فيه (قوله: فيما كان ملاكه) يعني في مورد كان ملاك الامر الاستحبابي ملازمة العبادة لعنوان مستحب (قوله: على القول بالجواز) قيد للمتحد إذ على الامتناع تمتنع فعلية الاستحباب مع فعلية الوجوب لتضادهما وعرفت الامتناع في الملازم أيضا (قوله: يؤكد إيجابه)
إلا على القول بالجواز، وكذا فيما إذا لازم مثل هذا العنوان فانه لو لم يؤكد الايجاب لما يصحح الاستحباب الا اقتضائيا بالعرض والمجاز فتفطن (ومنها) أن أهل العرف يعدون من أتى بالمأمور به في ضمن الفرد المحرم مطيعا وعاصيا من وجهين فإذا امر المولى عبده بخياطة ثوب ونهاه عن الكون في مكان خاص كما مثل به الحاجبي والعضدي فلو خاطه في ذاك المكان عد مطيعا لامر الخياطة وعاصيا للنهي عن الكون في ذلك المكان (وفيه) - مضافا إلى المناقشة في المثال بأنه ليس من باب الاجتماع ضرورة أن الكون المنهي عنه غير متحد مع الخياطة
______________________________
يعني يكون حينئذ واجبا وجوبا أكيدا ناشئا عن مصلحة اكيدة ولا يكون مستحبا لا فعليا ولا اقتضائيا كما هو الحال في سائر موارد الوجوب الاكيد بخلاف القسمين الاخيرين فان العبادة المستحبة لما كان لها بدل غير مستحب صح ان يقال: انها واجبة ومستحبة، ولو كان الاستحباب اقتضائيا لا فعليا (أقول): لا فرق بين ما له بدل وما لا بدل له لان المصلحة القائمة بالعنوان إذا كان يجوز الترخيص في تركها حيث لم تكن لزومية فضمها إلى المصلحة اللزومية لا يوجب تأكد الوجوب فيكون في الموضوع وجوب فعلى واستحباب اقتضائي نعم يوجب تأكد الارادة وليست هي الوجوب ولا منتزع منها - مع أنه لو أوجبت تأكد الوجوب اقتضت ذلك حتى فيما له بدل لعدم الفرق فتكون العبادة المتحدة مع العنوان واجبة وجوبا أكيدا والبدل واجبا وجوبا غير أكيد (فالتحقيق) مجئ الاقسام الثلاثة بلا فرق بين العبادة المكروهة والمستحبة (قوله: إلا على القول) إذ على هذا القول يكون موضوع المصلحة الوجوبية غير موضوع المصلحة الاستحبابية فيمتنع تأكد الوجوب لتعدد الموضوع وكذا في صورة تلازم العنوان المستحب فانه أيضا يمتنع التأكد وحينئذ يثبت وجوب لموضوع المصلحة الزومية واستحباب لموضوع المصلحة الاستحبابية لكن الاستحباب لا يكون فعليا لامتناع اختلاف المتلازمين في الحكم بل يكون اقتضائيا لا غير (قوله: إلا اقتضائيا) وكذا في المتحد على القول بالجواز (قوله: غير متحد مع الخياطة) إذ الخياطة صفة
وجودا اصلا كما لا يخفى (المنع) إلا عن صدق احدهما إما الاطاعة بمعنى الامتثال فيما غلب جانب الامر أو العصيان فيما غلب جانب النهي لما عرفت من البرهان على الامتناع (نعم) لا بأس بصدق الاطاعة بمعنى حصول الغرض والعصيان في التوصليات وأما في العبادات فلا يكاد يحصل الغرض منها إلا فيما صدر من المكلف فعلا غير محرم وغير مبغوض عليه كما تقدم (بقي) الكلام في حال التفصيل من بعض الاعلام والقول بالجواز عقلا والامتناع عرفا (وفيه) أنه لا سبيل للعرف في الحكم بالجواز أو الامتناع إلا طريق العقل فلا معنى لهذا التفصيل إلا ما اشرنا إليه من النظر المسامحي غير المبتنى على التدقيق والتحقيق وأنت خبير بعدم العبرة به بعد الاطلاع على خلافه بالنظر الدقيق وقد عرفت فيما تقدم أن النزاع ليس في خصوص مدلول صيغة الامر والنهي بل في الاعم فلا مجال لان يتوهم أن العرف هو المحكم في تعيين المداليل ولعله كان بين مدلوليهما حسب تعيينه تناف لا يجتمعان في واحد ولو
______________________________
قائمة بالثوب فكيف تكون متحدة مع الكون القائم بالمكلف إلا أن يراد من الخياطة حركة اليد المؤدية إليها ومن الكون في المكان ما يعم الحركة فيه (قوله: المنع إلا عن) يعني نمنع صدق الاطاعة والمعصية معا بل تصدق إحداهما لا غير (قوله: من بعض الاعلام) هو السيد الطباطبائي (ره) وربما استظهر من السلطان والمحقق القمي (ره) في بعض كلماته ونسب إلى الاردبيلي (قوله: إلا طريق) إذ الجواز والامتناع من أحكام العقل (قوله: بل في الاعم) يعني الاعم مما كان مدلولا عليه بالصيغة اللفظية أو بغيرها من أنواع الدال (اقول): عموم الدال لا ينفع بعد اتحاد المدلول فإذا بني على الامتناع في مدلول الصيغة لابد أن يبنى على الامتناع في غيره لان الامتناع من ذاتيات المدلول لا لخصوصية الدال فتأمل جيدا (قوله: المداليل) يعني اللفظية (قوله: ولعله كان) هذا من تتمة التوهم (قوله: حسب تعيينه) يعني تعيين العرف والله سبحانه ولي التوفيق وله الحمد فانه به حقيق
بعنوانين وان كان العقل يرى جواز اجتماع الوجوب والحرمة في واحد بوجهين فتدبر
وينبغى التنبيه على أمور
(الاول) أن الاضطرار إلى ارتكاب الحرام وان كان يوجب ارتفاع حرمته والعقوبة عليه مع بقاء ملاك وجوبه - لو كان - مؤثرا له كما إذا لم يكن بحرام
______________________________
تنبيهات الاجتماع
(قوله: وان كان يوجب ارتفاع) لقبح التكليف حال الاضطرار بل امتناعه لما عرفت من أن قوام التكليف إحداث الداعي العقلي ليترتب عليه صرف العبد قدرته في موافقته من فعل أو ترك وهذا مما لا يتأتى مع الاضطرار - مضافا إلى أدلة رفع الاضطرار من الآيات والروايات فإذا ارتفع التكليف تبعه العقاب نعم يبقى الاشكال في صحة العبادة حينئذ مع كون الفعل مبغوضا في نفسه ومحرما لولا الاضطرار وسيأتي (قوله: مع بقاء ملاك وجوبه) إذ من المعلوم ان الاضطرار ليس من العناوين الموجبة ذاتا لارتفاع ملاك التكليف اعني المصلحة والمفسدة بل يجوز أن يكون الملاك مشروطا بالاختيار فبطروء الاضطرار يرتفع لارتفاع شرطه وان لا يكون مشروطا بالاختيار فبطروء الاضطرار لا يرتفع بل يبقى الفعل على ما هو عليه من المصلحة أو المفسدة (قوله: لو كان موثرا) كان تامة فاعلها ضمير الملاك (وموثرا) حال من ملاكه يعني بعد سقوط التحريم يبقى ملاك الوجوب موثرا في الوجوب ومقتضيا له لسقوط ملاك التحريم عن صلاحية المزاحمة له فيترتب عليه أثره فعلا (فان قلت): الاضطرار كما يرفع التحريم يمنع من ثبوت الوجوب فان الاختيار شرط في التكليف مطلقا بلا فرق بين الوجوب والتحريم
بلا كلام الا انه إذا لم يكن الاضطرار إليه بسوء الاختيار بأن يختار ما يؤدى إليه لا محالة فان الخطاب بالزجر عنه حينئذ وان كان ساقطا الا أنه حيث يصدر عنه مبغوضا عليه وعصيانا لذاك الخطاب ومستحقا عليه العقاب لا يصلح لان يتعلق به الايجاب، وهذا في الجملة مما لا شبهة فيه ولا ارتياب وإنما الاشكال فيما إذا كان ما اضطر إليه بسوء اختياره مما ينحصر به التخلص عن محذور الحرام كالخروج عن الدار المغصوبة فيما إذا توسطها بالاختيار
______________________________
وغيرهما فكيف يثبت الوجوب لثبوت ملاكه بعد ارتفاع التحريم (قلت): محل الكلام ما إذا كان ملاك الوجوب ثابتا في فرد من الطبيعة المحرمة لا في نفس الطبيعة مطلقا والاضطرار إلى الطبيعة لا يكون اضطرارا إلى خصوص الفرد الواجد لملاك الوجوب فيجوز تعلق الوجوب به ويكون باعثا إليه. نعم يشكل ذلك لو كانت المفسدة أقوى لان الفعل يكون مرجوحا حينئذ ولا يجوز الامر بما هو مرجوح والاضطرار لا يوجب رجحان الوجود على العدم كي يكون الفعل راجحا ولو بالعرض نعم يكون واجبا عقلا لا شرعا نظير ارتكاب أقل القبيحين (قوله: بلا كلام) متعلق بقوله: يوجب، (قوله: الا انه إذا لم يكن) يعني ان ثبوت الوجوب يختص بغير هذه الصورة (قوله: بأن يختار) بيان للاضطرار بسوء الاختيار وضمير (إليه) راجع إلى الاضطرار (قوله: وان كان ساقطا) لان الزجر مساوق للانزجار كما عرفت فيمتنع بامتناعه (قوله: ومستحقا عليه) لانه مخالفة مستندة إلى الاختيار (قوله: لا يصلح لان يتعلق) لان الملاك المصحح لتعلق التحريم به قبل الاضطرار إليه مناف لملاك الوجوب فثبوت الوجوب له يكون بلا ملاك فيمتنع، ومنه يظهر اندفاع توهم أن ثبوت الوجوب له بعد الاضطرار لا يستدعي اجتماع الحكمين المتضادين لان المفروض سقوط التحريم بمجرد الاضطرار فالوجوب - على تقدير ثبوته - لا يكون مجتمعا مع التحريم ووجه الاندفاع ما عرفت الاشارة إليه من ان تضاد الاحكام إنما هو لتنافي ملاكاتها
في كونه منهيا عنه أو مأمورا به مع جريان حكم المعصية عليه أو بدونه فيه أقوال. هذا على الامتناع، وأما على القول بالجواز فعن أبى هاشم انه مأمور به ومنهي عنه واختاره الفاضل القمي ناسبا له إلى اكثر المتأخرين وظاهر الفقهاء (والحق) أنه منهي عنه بالنهي السابق الساقط بحدوث الاضطرار إليه وعصيان له بسوء الاختيار ولا يكاد يكون مأمورا به كما إذا لم يكن هناك توقف(١) عليه أو بلا انحصار به
______________________________
ففرض ثبوت ملاك التحريم - كما هو لازم القول بكونه معصية - كاف في المنع عن تعلق الوجوب وسيأتي انشاء الله لذلك مزيد توضيح (قوله: في كونه منهيا عنه) ظرف مستقر خبر الاشكال (قوله: حكم المعصية) يعني استحقاق الذم والعقاب (قوله: أو بدونه) يعني أو مأمورا به بلا حكم المعصية (قوله: هذا على الامتناع) هذا التخصيص غير ظاهر فان أدلة الاقوال تقتضي عدم الفرق في كل قول منها بين الجواز والامتناع فلاحظها (قوله: وظاهر الفقهاء) لم يتضح وجه الاستظهار المذكور مع أن المشهور بين اصحابنا القول بالامتناع نعم ظاهر كثير منهم صحة صلاة الغاصب حال الخروج بل عن المنتهى الاجماع عليه لكنه لا يدل على كون الخروج مامورا به ومنهيا عنه فراجع (قوله: لم يكن هناك توقف) لا يخفى أن من توسط أرضا غصبا صار مضطرا إلى ارتكاب الحرام بمقدار أقل زمان يمكنه فيه الخروج ويكون مختارا فيما زاد على ذلك المقدار لامكان الخروج فلا يكون مرتكبا للحرام، وظاهر المتن توقف ترك التصرف الزائد على المقدار المضطر إليه على الخروج فيكون الخروج مقدمة له لكن صرح
______________
(١) لا يخفى انه لا توقف هاهنا حقيقة بداهة ان الخروج انما هو مقدمة للكون في خارج الدار لا مقدمة لترك الكون فيها الواجب لكونه ترك الحرام نعم بينهما ملازمة لاجل التضاد بين الكونين ووضوح الملازمة بين وجود الشئ وعدم ضده فيجب الكون في خارج الدار عرضا لوجوب ملازمه حقيقة فتجب مقدمته كذلك وهذا هو الوجه في المماشاة والجري على ان مثل الخروج يكون مقدمة لما هو الواجب من ترك الحرام فافهم. منه قدس سره (*)
وذلك ضرورة انه حيث كان قادرا على ترك الحرام رأسا لا يكون عقلا معذورا في مخالفته فيما اضطر إلى ارتكابه بسوء اختياره ويكون معاقبا عليه كما إذا كان ذلك بلا توقف عليه أو مع عدم الانحصار به ولا يكاد يجدي توقف انحصار التخلص عن الحرام به لكونه بسوء الاختيار
______________________________
في حاشيته على المقام بمنع ذلك (وتوضيح) ما ذكر أن من المعلوم امتناع ان يكون الشئ الواحد في زمان واحد في مكانين لتضاد الكونين وحينئذ فكون المكلف في الزمان المعين في مكان ملازم لعدم كونه في مكان آخر - على ما عرفت في مبحث الضد من ملازمة احد الضدين لعدم الآخر من دون مقدمية بينهما أصلا - فكون المكلف في الزمان الزائد على زمان الخروج في المكان المباح ملازم لعدم كونه في المكان المغصوب لا أنه مقدمة له وإذا لم يكن مقدمة له لم يكن الخروج مقدمة له أيضا لان الخروج مقدمة إعدادية للكون في المكان المباح وما يكون مقدمة لاحد الضدين لا يكون مقدمة لعدم الآخر لان ما يكون مقدمة لاحد المتلازمين لا يكون مقدمة للملازم الآخر. نعم تصح نسبة المقدمية إليه بالعرض لا بالحقيقة (قوله: وذلك ضرورة أنه) هذا لا يصلح تعليلا إلا لاحد جزئي الدعوى (أعني كونه منهيا عنه وأنه عصيان للنهي) لا للجزء الآخر (أعني كونه ليس مأمورا به) فهو ينفي القول الثالث لا الثاني الا بملاحظة ما تقدم من أن ما يصدر مبغوضا وعصيانا لا يصلح لان يتعلق به الوجوب (قوله: كان قادرا على) يعني كان قبل الدخول في الارض المغصوبة قادرا على ترك التصرف الحرام لقدرته على ترك الدخول فان من لم يدخل في الارض لم يتصرف فيها أصلا لا بالدخول ولا بالخروج وإذا كان قادرا على ذلك كان التصرف في الارض بنحو الدخول أو بالخروج بعد الدخول حراما مقدورا على تركه فيكون معصية (قوله: فيما اضطر إلى) وهو التصرف بعد الدخول (قوله: بسوء اختياره) يعني اختياره للدخول (قوله: بلا توقف) يعني بلا أن يتوقف عليه التخلص (قوله: أو مع عدم) فان مقدمة الواجب إذا كانت محرمة ولا ينحصر التوصل إلى
(ان قلت): كيف لا يجديه ومقدمة الواجب واجبة ؟ (قلت) إنما تجب المقدمة لو لم تكن محرمة ولذا لا يترشح الوجوب من الواجب إلا على ما هو المباح من المقدمات دون المحرمة مع اشتراكهما في المقدمية، واطلاق الوجوب بحيث ربما يترشح منه الوجوب عليها مع انحصار المقدمة بها إنما هو فيما إذا كان الواجب أهم من ترك المقدمة المحرمة والمفروض ههنا
______________________________
الواجب بفعلها لا تكون واجبة (قوله: إن قلت كيف) يعني ان الحكم بوجوب المقدمة عقلي والحكم العقلي لا يقبل التخصيص فكيف يحكم بعدم وجوب الخروج مع أنه مقدمة للتخلص الواجب ؟ (قوله: إلا على ما هو المباح) مقدمة الواجب (تارة) تكون منحصرة بالمباح (وأخرى) منحصرة بالحرام (وثالثة) غير منحصرة باحدهما بأن تكون ذات فردين مباح وحرام (فان كانت) من الاول فلا ريب في ترشح الوجوب عليها - بناء على وجوب المقدمة - فتكون حينئذ مباحة بالذات واجبة بالعرض لكن وجوبها فعلي إن كانت اباحتها لا اقتضائية لعدم التزاحم بين المقتضي واللا مقتضي وإذا كانت اباحتها اقتضائية تزاحم مقتضيها مع مقتضي الوجوب فيكون الاثر للاقوى منهما، وان كانت من الثاني وقع التزاحم بين مقتضي الحرمة في المقدمة وبين مقتضي الوجوب في ذيها فيؤخذ بالاقوى منهما فان كان مقتضي الحرمة فيها أقوى بقيت على تحريمها وسقط وجوب ذيها، وإن كان مقتضي الوجوب فيها أقوى سقط تحريمها ووجبت مطلقا على المشهور أو في حال فعل الواجب بعدها بناء على المقدمة الموصلة، ومع تساوي المقتضيين تثبت الاباحة لكل منهما لا مطلقا بل بنحو يلازم إعمال احد المقتضيين فيجوز فعل المقدمة في ظرف فعل الواجب أعني ذاها على القول بالمقدمة الموصلة، وعلى المشهور يجوز فعل المقدمة المحرمة وان لم يفعل بعدها الواجب كما تقدم في مبحث المقدمة (وان كانت) من الثالث ثبت الوجوب للفرد المباح تعيينا ولا يثبت للمحرم لان مناط الوجوب تخييري ومناط التحريم تعييني والاول وإن كان
وإن كان ذلك الا انه كان بسوء الاختيار ومعه لا يتغير عما هو عليه من الحرمة والمبغوضية والا لكانت الحرمة معلقة على ارادة المكلف واختياره لغيره وعدم حرمته مع اختياره له وهو كما ترى - مع أنه خلاف الفرض
______________________________
أقوى لا يزاحم الثاني وإن كان أضعف (قوله: وإن كان ذلك) يعني أهمية الواجب وهو التخلص عن الغصب من ترك الحرام وهو الخروج لكنه لا يخلو من تأمل لان الخروج نوع من الغصب فحرمته تثبت بمناط حرمة الغصب لا بمناط آخر فلا مقتضي للاهمية، وطول الزمان وان كان له دخل في زيادة الاهتمام لكنه لا يطرد إذ قد يكون زمان الخروج أطول من زمان التخلص المتوقف عليه كما لو علم بموت المالك بعد الخروج في زمان أقصر من زمان الخروج مع كونه وارثا له فالوجه في ترجح الخروج كونه أقل المحذورين وأهون القبيحين كما سيأتي (قوله: والا لكانت الحرمة) ظاهر العبارة أن المراد هو أنه لو كان الخروج واجبا بعد الدخول لزم كون حرمته معلقة على الكون في المكان المباح الملازم لترك الدخول، وعدمها معلقا على إرادته أي الخروج لكن لزوم اللازم الثاني غير ظاهر إذ الوجوب إنما يناط - عند القائل به - بمجرد الدخول ولو مع إرادة المكث فانه بالدخول حيث يتردد أمر الداخل بين المكث والخروج يكون الخروج واجبا ليتخلص به عن الغصب فلا يكون عدم حرمته معلقا على ارادته. نعم يتم ما ذكر لو كان أمر المكلف دائرا بين ترك الدخول وبين الدخول مع الخروج فهو إما أن يريد ترك الدخول أو يريد الدخول والخروج فمع الاول يكون الخروج حراما ومع الثاني لا يكون حراما، لكن محل الكلام ما إذا أمكنه المكث بعد الدخول (قوله: وهو كما ترى) يعني به بطلان كلا اللازمين (أما الاول) فلانه مع الكون في المكان المباح وترك الدخول يكون الخروج خارجا عن محل الابتلاء لمضادته للكون المذكور فلا معنى لحرمته حينئذ (وأما الثاني) فلما تقدم من أن وظيفة التكليف إحداث الارادة فيكون كالعلة لها فلا يكون معلولا لها، وإن شئت قلت: إن الشئ في ظرف
وأن الاضطرار يكون بسوء الاختيار (ان قلت): إن التصرف في أرض الغير بدون اذنه بالدخول والبقاء حرام بلا إشكال ولا كلام وأما التصرف بالخروج الذي يترتب عليه رفع الظلم ويتوقف عليه التخلص عن التصرف الحرام فهو ليس بحرام في حال من الحالات بل حاله حال مثل شرب الخمر المتوقف عليه النجاة من الهلاك في الاتصاف بالوجوب في جميع الاوقات، ومنه ظهر المنع عن كون جميع أنحاء التصرف في أرض الغير مثلا حراما قبل الدخول وأنه يتمكن من ترك الجميع حتى الخروج، وذلك لانه لو لم يدخل لما كان متمكنا من الخروج وتركه وترك الخروج بترك الدخول رأسا ليس في الحقيقة الا ترك الدخول فمن لم يشرب الخمر لعدم وقوعه في المهلكة التي يعالجها به مثلا لم يصدق عليه الا انه لم يقع في المهلكة لا أنه مما ما شرب الخمر فيها إلا على نحو السالبة المنتفية بانتفاء الموضوع كما لا يخفى (وبالجملة) لا يكون الخروج - بملاحظة كونه مصداقا للتخلص عن الحرام أو سببا له - إلا مطلوبا
______________________________
إرادته يكون واجبا فالتكليف به من قبيل تحصيل الحاصل (قوله: وان الاضطرار) بيان للفرض لان كونه بسوء الاختيار يقتضي كونه محرما وإلا كان من حسن الاختيار (قوله: من الحالات) يعني لا قبل الاضطرار ولا بعده (قوله: وذلك لانه لو) بيان لظهور المنع يعني أن المنع عن الخروج نوع من التكليف والتكليف بجميع أنواعه مشروط بالقدرة وقبل الدخول لا قدرة على الخروج حتى يصح المنع عنه فالمنع عنه حينئذ تكليف بغير المقدور ممتنع، (قوله: وترك الخروج) دفع لتوهم أن ترك الخروج مقدور قبل الدخول فلا وجه لدعوى عدم القدرة عليه (قوله: ليس في الحقيقة) إذ نسبة القدرة إلى الوجود والعدم نسبة واحدة فإذا لم يقدر على الخروج قبل الدخول لم يقدر على تركه أيضا (قوله: لا أنه ما شرب) يعني لا يصدق عليه أنه ممن لم يشرب الخمر في التهلكة (قوله: مصداقا للتخلص) لم يتوهم أحد كونه مصداقا
ويستحيل أن يتصف بغير المحبوبية ويحكم عليه بغير المطلوبية (قلت): هذا غاية ما يمكن أن يقال في تقريب الاستدلال على كون ما انحصر به التخلص مأمورا به وهو موافق لما أفاده شيخنا العلامة - أعلى الله مقامه - على ما في تقريرات بعض الاجلة، لكنه لا يخفى أن ما به التخلص عن فعل الحرام أو ترك الواجب إنما يكون حسنا عقلا ومطلوبا شرعا بالفعل وان كان قبيحا ذاتا إذا لم يتمكن المكلف من التخلص بدونه ولم يقع بسوء اختياره إما في الاقتحام في ترك الواجب أو فعل الحرام، وإما في الاقدام على ما هو قبيح وحرام لولا أن به التخلص بلا كلام
______________________________
للتخلص بل لا ريب عندهم في كونه مصداقا للغصب (قوله: ويستحيل أن) لان الاتصاف بغير المحبوبية يكون بلا منشأ مصحح (قوله: لكنه لا يخفى أن ما به) حاصل الاشكال أنه إذا توقف فعل الواجب أو ترك الحرام على فعل محرم بحيث دار أمر المكلف بين فعل ذلك المحرم الذي هو المقدمة، وبين تفويت ما يتوقف على ذلك المحرم من فعل الواجب وترك الحرام الذي هو ذو المقدمة فان كان هذا الدوران بغير اختيار المكلف صح دعوى انقلاب ذلك المحرم إلى كونه واجبا من جهة مقدميته لفعل الواجب أو لترك الحرام، أما إذا كان الدوران بسوء اختيار المكلف بحيث كان يمكن المكلف أن يفعل الواجب الذي هو ذو المقدمة بدون فعل الحرام الذي هو المقدمة أو كان يمكنه أن يترك الحرام بدون فعل المحرم الذي هو المقدمة وباختياره أوقع نفسه في الدوران المذكور لا ينقلب المحرم إلى الوجوب بل يبقى على تحريمه (قوله: ولم يقع) يعني ولم يضطر بسوء اختياره إلى الاقتحام في ترك ذي المقدمة أو الاقتحام في فعل الحرام الذي هو المقدمة، (قوله: أو فعل الحرام) معطوف على ترك الواجب وأحدهما على البدل يكون ذا المقدمة (قوله: ما هو قبيح) وهو المقدمة المحرمة (قوله: لو لا أن به التخلص) قيد لقوله: قبيح وحرام، وكذا قوله: بلا كلام، إذ المقدمة محرمة بلا كلام من الخصم لو لا جهة توقف التخلص عليها كالخروج فيما نحن
كما هو المفروض في المقام ضرورة تمكنه منه قبل اقتحامه فيه بسوء اختياره، (وبالجملة) كان قبل ذلك متمكنا من التصرف خروجا كما يتمكن منه دخولا غاية الامر يتمكن منه بلا واسطة ومنه بالواسطة ومجرد عدم التمكن منه إلا بواسطة لا يخرجه عن كونه مقدورا كما هو الحال في البقاء فكما يكون تركه مطلوبا في جميع الاوقات فكذلك الخروج - مع أنه مثله في الفرعية على الدخول فكما لا تكون الفرعية مانعة عن مطلوبيته قبله وبعده كذلك لم تكن مانعة عن مطلوبيته وان كان العقل يحكم بلزومه إرشادا إلى اختيار أقل المحذورين وأخف القبيحين، ومن هنا ظهر حال شرب الخمر علاجا وتخلصا عن المهلكة وانه انما يكون مطلوبا على كل حال لو لم يكن الاضطرار إليه بسوء الاختيار وإلا فهو على ما هو عليه من الحرمة وان كان العقل يلزمه ارشادا إلى ما هو أهم وأولى بالرعاية من تركه
______________________________
فيه فانه حرام قطعا لو لا شبهة توقف التخلص من الغصب عليه (قوله: كما هو المفروض) قيد لقوله: يتمكن المكلف (قوله: تمكنه منه) أي من التخلص (قوله: اقتحامه فيه) يعني في الحرام (قوله: وبالجملة كان) رد على قول السائل: لانه لو لم يدخل... الخ (قوله: ذلك) اشارة إلى الاقتحام في الحرام بالدخول في الارض (قوله: يتمكن منه) يعني من الدخول (قوله: ومنه) يعني من الخروج (قوله: في جميع الاوقات) حتى قبل الدخول (قوله: مطلوبيته قبله) ضمير مطلوبيته راجع إلى البقاء وضمير (قبله وبعده) راجع إلى الدخول (قوله: وإن كان العقل) يعني بعد ما كان الخروج كالبقاء تصرفا محرما يدور الامر بينه وبين البقاء ويترجح هو عليه في نظر العقل لانه أقل المحذورين. ثم ان الطبعة البغدادية لا تخلو من نقص في المقام وأصل العبارة - كما في بعض النسخ الصحيحة - هكذا: يحكم بلزومه إرشادا إلى اختيار أقل المحذورين وأخف القبيحين، ومن هنا ظهر حال شرب الخمر علاجا وتخلصا عن المهلكة وأنه انما يكون مطلوبا على كل حال لو لم يكن
لكون الغرض فيه أعظم فمن ترك الاقتحام فيما يؤدى إلى هلاك النفس أو شرب الخمر لئلا يقع في أشد المحذورين منهما فيصدق انه تركهما ولو بتركه ما لو فعله لادى لا محالة إلى أحدهما كسائر الافعال التوليدية حيث يكون العمد إليها بالعمد إلى اسبابها واختيار تركها بعدم العمد إلى الاسباب. وهذا يكفي في استحقاق العقاب على الشرب للعلاج وإن كان لازما عقلا للفرار عما هو اكثر عقوبة، ولو سلم عدم الصدق إلا بنحو السالبة المنتفية بانتفاء الموضوع فهو غير ضائر بعد تمكنه من الترك ولو على نحو هذه السالبة ومن الفعل بواسطة تمكنه مما هو من قبيل الموضوع في هذه السالبة فيوقع نفسه بالاختيار في المهلكة أو يدخل الدار فيعالج بشرب الخمر
______________________________
الاضطرار إليه بسوء الاختيار وإلا فهو على ما هو عليه من الحرمة وان كان العقل يلزمه إرشادا إلى ما هو أهم وأولى... الخ (قوله: لكن الغرض) كذا في النسخة البغدادية والصحيح: لكون الغرض: وضمير فيه راجع إلى الاهم (قوله: من ترك الاقتحام) كذا في النسخة البغدادية والصحيح: فمن ترك، وجواب الشرط قوله: فيصدق وهذا رد على قول المستدل: فمن لم يشرب... الخ يعني أن من ترك الاقتحام فيما يؤدي إلى أحد الامرين من هلاك النفس وشرب الخمر بأن لم يعرض نفسه للهلاك الذي لا يندفع إلا بشرب الخمر يصدق عليه أنه تارك للهلاك وتارك لشرب الخمر (قوله: كسائر الافعال التوليدية) كان الاولى أن يقول: نظير الافعال التوليدية، فان شرب الخمر ليس من الافعال التوليدية (قوله: بالعمد إلى أسبابها) وان لم يتعلق العمد بها فان العمد المعتبر في ترتب العقاب غير العمد المعتبر في ترتب الثواب إذ يكفي في ترتب العقاب على المسبب العمد إلى السبب مع العلم بترتب المسبب عليه ولا يكفي ذلك في ترتب الثواب بل لا بد من العمد إلى المسبب نفسه (قوله: وان كان لازما) يعني الشرب لاجل العلاج (قوله: الا بنحو السالبة) كما اعترف به المستدل (قوله: فيوقع نفسه) بيان لكيفية التمكن من الفعل،
ويتخلص بالخروج أو يختار ترك الدخول والوقوع فيهما لئلا يحتاج إلى التخلص والعلاج (إن قلت): كيف يقع مثل الخروج والشرب ممنوعا عنه شرعا ومعاقبا عليه عقلا مع بقاء ما يتوقف عليه على وجوبه لسقوط الوجوب مع امتناع المقدمة المنحصرة ولو كان بسوء الاختيار والعقل قد استقل بأن الممنوع شرعا كالممتنع عادة أو عقلا (قلت): أولا إنما كان الممنوع كالممتنع إذا لم يحكم العقل بلزومه إرشادا إلى ما هو أقل المحذورين وقد عرفت لزومه بحكمه فانه مع لزوم الاتيان بالمقدمة عقلا لا بأس في بقاء ذي المقدمة على وجوبه فانه حينئذ ليس من التكليف بالممتنع كما إذا كانت المقدمة ممتنعة (وثانيا) لو سلم فالساقط إنما هو الخطاب فعلا بالبعث والايجاب لا لزوم اتيانه عقلا خروجا عن عهدة ما تنجز عليه سابقا ضرورة أنه لو لم يأت به لوقع في المحذور الاشد ونقض الغرض الاهم حيث
______________________________
(قوله: أو يختار ترك) بيان لكيفية التمكن من الترك (قوله: مع بقاء ما يتوقف) يعني فإذا امتنع الجمع بين حرمة المقدمة ووجوب ذيها فاما أن يسقط الوجوب فلا باعث على الخروج أو يسقط التحريم وهو المطلوب (قوله: قلت أولا) يعني أن الممنوع شرعا انما كان كالممتنع عقلا من جهة أن المنع الشرعي موجب لمنع العقل وفى ظرف المنع العقلي عن المقدمة لا يترتب البعث العقلي على التكليف بذيها لتضادهما كما لو كانت ممتنعة أما إذا كان العقل لا يمنع من فعل المقدمة بل كان يبعث إلى فعلها لانها أقل المحذورين فلا مانع من التكليف بذي المقدمة ففي الحقيقة لا جمع بين حرمة المقدمة ووجوب ذيها بل ليس إلا وجوب ذيها لا غير وحرمة المقدمة ساقطة بالاضطرار إلى مخالفتها أو مخالفة الوجوب بضميمة كون مخالفتها أهون المحذورين، لكن سقوط مثل هذا التحريم نظير السقوط بالامتناع لا ينافي كون الفعل ممنوعا عنه شرعا لو لا الامتناع ويستحق العقاب على مخالفته ولو لاجل الامتناع وليس المدعى الا ذلك (قوله: إنما هو الخطاب) التكليف الذي يصلح للسقوط والثبوت ليس الا التكليف الاعتباري وهو جعل الكلفة المساوق للبعث العقلي
أنه الآن كما كان عليه من الملاك والمحبوبية بلا حدوث قصور أو طروء فتور فيه أصلا وانما كان سقوط الخطاب لاجل المانع وإلزام العقل به لذلك إرشادا كاف لا حاجة معه إلى بقاء الخطاب بالبعث إليه والايجاب له فعلا فتدبر جيدا، وقد ظهر مما حققناه فساد القول بكونه مأمورا به مع إجراء حكم المعصية عليه نظرا إلى النهي السابق - مع ما فيه من لزوم اتصاف فعل واحد بعنوان واحد بالوجوب والحرمة ولا يرتفع غائلته باختلاف زمان التحريم والايجاب قبل الدخول أو بعده كما في الفصول مع اتحاد زمان الفعل المتعلق لهما وإنما المفيد اختلاف زمانه ولو مع اتحاد زمانهما وهذا أوضح من أن يخفى كيف ولازمه وقوع الخروج بعد الدخول عصيانا للنهي السابق وإطاعة للامر اللاحق فعلا ومبغوضا ومحبوبا كذلك بعنوان واحد. وهذا
______________________________
وأما الخطاب فهو لا يقبل ذلك لانه تدريجي متصرم. نعم يصلح للاتصاف بالحسن والقبح فيقال: يحسن الخطاب ويقبح، لكن حسنه وقبحه أيضا منوطان بترتب البعث العقلي عليه وعدمه ولا ينفك أحدهما عن الآخر فمع فرض أهمية الواجب يكون هو المبعوث إليه والواجب والمكلف به والذي يحسن الخطاب به (قوله: انه الآن) يعني بعد الاضطرار والدوران كما كان عليه قبلهما (قوله: السابق) يعني الساقط حين حدوث الاضطرار قبل الخروج ولذا كان الخروج بحكم المعصية لا معصية (قوله: كما في الفصول) واستدل عليه بانه لو كانت مبغوضية شئ في زمان مضادة لمطلوبيته في زمان آخر لامتنع البداء في حقنا مع وضوح جوازه وإنما لا يترتب هنا أثر الاول لرفع البداء له بخلاف المقام... الخ (أقول): المناسب تمثيل المقام بالبداء الحقيقي في حقه سبحانه فإذا كان مستحيلا كانت المحبوبية والمبغوضية في زمان لشئ واحد في زمان واحد كذلك لا بالبداء في حقنا إذ المصحح له في حقنا الجهل بالخصوصيات التي عليها الشئ واقعا والمقام ليس كذلك (قوله: مع اتحاد زمان) فان الفعل الواحد في زمان واحد لا يجتمع فيه ملاكا المحبوبية والمبغوضية ولو في زمانين (قوله: عصيانا للنهي)
مما لا يرضى به القائل بالجواز فضلا عن القائل بالامتناع كما لا يجدي في رفع هذه الغائلة كون النهي مطلقا وعلى كل حال وكون الامر مشروطا بالدخول ضرورة منافات حرمة شئ كذلك مع وجوبه في بعض الاحوال (وأما) القول بكونه مأمورا به ومنهيا عنه ففيه - مضافا إلى ما عرفت من امتناع الاجتماع فيما إذا كان بعنوانين فضلا عما إذا كان بعنوان واحد كما في المقام حيث كان الخروج بعنوانه سببا للتخلص وكان بغير اذن المالك وليس التخلص الا منتزعا عن ترك الحرام المسبب(١) عن الخروج لا عنوانا له - أن الاجتماع هاهنا لو سلم انه لا يكون بمحال لتعدد العنوان وكونه مجديا في رفع غائلة التضاد كان محالا لاجل كونه طلب
______________________________
قد عرفت أن تضاد هذه الامور بتوسط تنافي ملاكاتها (قوله: وكون الامر مشروطا) هذا ذكره في الفصول لا بقصد رفع الاشكال بحيثيتي الاطلاق والاشتراط بل لتحقيق اختلاف زماني الحكمين وعليه فلا بد أن يكون المراد بالاطلاق عدم الاشتراط بالدخول لا الشامل لما بعد الدخول بقرينة قوله: فهما غير مجتمعين، وبنائه على سقوط النهي بالاضطرار المسقط له عقلا فكيف يكون له إطلاق يشمل حال الاضطرار ؟ (قوله: بعنوانه سببا) يعني بعنوانه الاولي فيكون واجبا بعنوانه الاولي كما تقدم في مبحث المقدمة (قوله: وكان بغير) يعني وكان بعنوانه الاولي بغير إذن المالك فيكون المحرم الخروج غير
______________
(١) قد عرفت مما علقت على الهامش ان ترك الحرام غير مسبب عن الخروج حقيقة وانما المسبب عنه هو الملازم له وهو الكون في خارج الدار. نعم يكون مسببا عنه مسامحة وعرضا وقد انقدح بذلك انه لا دليل في البين إلا على حرمة الغصب المقتضي لاستقلال العقل بلزوم الخروج من باب انه اقل المحذورين وانه لا دليل على وجوبه بعنوان آخر فحينئذ يجب اعماله ايضا بناء على القول بجواز الاجتماع كاحتمال النهي عن الغصب ليكون الخروج مأمورا به ومنهيا عنه فافهم. (منه قدس سره) (*)
المحال حيث لا مندوحة هنا وذلك لضرورة عدم صحة تعلق الطلب والبعث حقيقة بما هو واجب أو ممتنع ولو كان الوجوب أو الامتناع بسوء الاختيار (وما قيل) أن الامتناع أو الايجاب بالاختيار لا ينافي الاختيار (انما) هو في قبال استدلال الاشاعرة للقول بأن الافعال غير اختيارية بقضية أن الشئ ما لم يجب لم يوجد. فانقدح
______________________________
المأذون فيه فيتحد العنوان، ويمكن أن يقال: كون الخروج غير مأذون فيه بعنوانه الاولي لا يقتضي كونه محرما كذلك بل المحرم عنوان التصرف في مال الغير بغير اذنه وعنوان التصرف ليس عنوانا أوليا للخروج فيكون الوجوب والتحريم بعنوانين (قوله: ولو كان الوجوب) لان المانع من تعلق التكليف بالواجب والممتنع ليس إلا أن قوام التكليف قصد إحداث الداعي العقلي للفعل أو الترك وهذا انما يكون في ظرف القدرة الذي هو ظرف الامكان لا في ظرف الوجوب أو الامتناع ولو كانا بسوء الاختيار (قوله: في قبال استدلال) لا في مقام جواز تعلق التكليف بالواجب أو الممتنع كما يتعلق بالممكن (قوله: ما لم يجب لم يوجد) من الواضح أن مقتضى علية شئ لآخر امتناع التفكيك بينهما فإذا وجدت العلة وجب وجود المعلول وإلا لم تكن علة وهو خلف وإذا عدمت العلة امتنع وجود المعلول وإلا لم يكن معلولا وهو خلف وحيث أن العلة مرددة بين الوجود والعدم فالمعلول مردد بين الوجوب والامتناع فصح أن يقال: إن الشئ ما لم يجب لم يوجد، إذ معناه أن الشئ إما أن يجب أولا يوجد، ومنه يظهر وجه الاستدلال به على كون الافعال غير اختيارية ومحصل دفعه بقولهم: إن الوجوب أو الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار، هو أن مثل هذا الوجوب أو الامتناع المستند إلى وجود العلة وعدمها لما كان مستندا إلى الاختيار - ولو لان العلة اختيارية - لا ينافي الاختيار المعتبر في صحة التكليف بل يؤكده لان المفروض كونهما مستندين إلى الاختيار وانما المنافي للتكليف الوجوب أو الامتناع غير المستندين إلى الاختيار وحينئذ يظهر أن ليس المقصود من عدم منافاته للاختيار ان الشئ في حال وجوبه أو امتناعه اختياري يصح التكليف به بل المقصود من
بذلك فساد الاستدلال لهذا اقول بان الامر بالتخلص والنهي عن الغصب دليلان يجب إعمالهما ولا موجب للتقييد عقلا لعدم استحالة كون الخروج واجبا وحراما باعتبارين مختلفين إذ منشأ الاستحالة إما لزوم اجتماع الضدين وهو غير لازم مع تعدد الجهة وإما لزوم التكليف بما لا يطاق وهو ليس بمحال إذا كان مسببا عن سوء الاختيار وذلك لما عرفت من ثبوت الموجب للتقييد عقلا ولو كانا بعنوانين وأن اجتماع الضدين لازم ولو مع تعدد الجهة مع عدم تعددها ههنا والتكليف بما لا يطاق محال على كل حال (نعم) لو كان بسوء الاختيار لا يسقط العقاب بسقوط التكليف بالتحريم أو الايجاب. ثم لا يخفى أنه لا إشكال في صحة الصلاة مطلقا في الدار المغصوبة على القول بالاجتماع (وأما) على القول بالامتناع فكذلك مع الاضطرار إلى الغصب
______________________________
*
ذلك جواز تعلق التكليف به في الجملة ولو في رتبة قبل الاختيار المؤدي إلى الوجوب أو الامتناع لما عرفت من أن قوام التكليف قصد اعمال المكلف اختياره وصرفه في موضوع التكليف وهذا المعنى يستحيل ثبوته في ظرف صرف الاختيار وإعماله (قوله: فساد الاستدلال) هذا الاستدلال ذكر في القوانين باختلاف يسير (قوله: إذا كان مسببا) قال في القوانين: كما يظهر من الفقهاء في كون المستطيع مكلفا بالحج إذا أخره اختيارا وان فاتت استطاعته انتهى (أقول): المراد من الاستطاعة الفائتة هي الاستطاعة الشرعية لا العقلية فلا يتم الاستشهاد (قوله: وان اجتماع) بيان لثبوت الموجب (قوله: بسقوط التكليف) لان سقوط إنما كان لاجل المعصية التي هي منشأ استحقاق العقاب (قوله: الصلاة مطلقا) يعني في حالتي الاضطرار والاختيار (قوله: على القول بالاجتماع) نفي الاشكال في الصحة على هذا القول غير ظاهر فان بطلان الصلاة في المغصوب مما حكى الاجماع عليه جماعة صريحا أو ظاهرا كالسيدين والعلامة والشهيدين وصاحب المدارك وغيرهم والقول بالصحة من الفضل ابن شاذان - كما حكي - محمول على إرادة إلزام العامة على مقتضى قياسهم كما في الجواهر فتأمل (قوله: فكذلك مع الاضطرار)
لما تقدم في صدر التنبيه من ان الاضطرار مانع من تأثير ملاك التحريم فيه فيكون ملاك الوجوب فيه بلا مزاحم فيكون واجبا شرعا ويكون الاتيان به بقصد الوجوب عبادة محضة فيصح لكن عرفت الاشكال فيه بأن الاضطرار وإن كان كذلك إلا أنه لا يوجب غلبة المصلحة على المفسدة فإذا كانت المفسدة غالبة لولا الاضطرار فهي على غلبتها فيكون الفعل راجح العدم فيمتنع قصد التقرب به إذ لا مجال للتقرب بما هو مرجوح في نظر المولى فلا يصح لو كان عبادة كما في المقام، ومن هنا يفترق المقام عن الجاهل القاصر فانه لما أمكن له قصد الامتثال لجهله فقد حصل التقرب المعتبر في عبادته فتصح عبادته بخلاف المضطر فانه لمكان علمه بالمبغوضية الذاتية لا يتأتى له قصد التقرب بالفعل (وقد) يدفع الاشكال بأن التقرب ليس بذات الفعل بل بتوصيفه بعنوان الصلاة وليس هو بمحرم (وفيه) أن المعتبر في الصلاة قصد التقرب بذات الافعال لا بالتوصيف المذكور إلا أن يدعى أن ذلك في حال الاختيار لا في حال الاضطرار بل يكتفى في حاله بما ذكر لقاعدة الميسور (وفيه) أنه لا دليل على جريان القاعدة في مثل التقرب مما لا يكون واجبا شرعا لان قوله صلى الله عليه وآله: الميسور لا يسقط بالمعسور، إنما يدل على وجوب الميسور شرعا وقصد التقرب ليس واجبا شرعا، وقد يدفع أيضا بأن التقرب ليس بالفعل بل بالمصلحة الموجودة فيه وفيه ما في سابقه، وهناك وجوه أخر أضعف مما ذكر فتصحيح عبادة المضطر مشكل بالنظر إلى القواعد. نعم لو قام إجماع على الصحة امكن ان يستكشف منه غلبة المصلحة على المفسدة فيكون وجود الفعل أرجح من عدمه ولا ينافي تحريمه على المختار لان المصلحة من قبيل المقتضي التخييري الذي يحصل بصرف وجود الطبيعة في أي فرد فرض والمفسدة من قبيل المقتضي التعييني لحصولها في كل فرد فرد فمع وجود المندوحة للمكلف لا يكون بين المقتضيين المذكورين تزاحم لكفاية الفرد غير المحرم في حصول المصلحة فيكون الفرد المشتمل على المفسدة وان كانت ضعيفة محرما ومع الاضطرار وعدم المندوحة يقع التزاحم فيكون التأثير للمصلحة لانها أقوى لكن ذلك يختص
لا بسوء الاختيار أو معه ولكنها وقعت في حال الخروج على القول بكونه مامورا به بدون إجراء حكم المعصية عليه أو مع غلبة ملاك الامر على النهي مع ضيق الوقت أما مع السعة فالصحة وعدمها مبنيان على عدم اقتضاء الامر بالشئ للنهي عن الضد واقتضائه فان الصلاة في الدار المغصوبة وان كانت مصلحتها غالبة على ما فيها من المفسدة الا انه لا شبهة في ان الصلاة في غيرها تضادها بناء على أنه لا يبقى مجال مع إحداهما للاخرى مع كونها
______________________________
بحال الضيق إذ في حال السعة لا تزاحم بينهما (قوله: أو معه ولكنها) يعني أو مع سوء الاختيار (قوله: في حال الخروج) فتكون صلاته بالايماء للركوع والسجود ماشيا بلا جلوس ولا طمأنينة لمنافاتها للخروج (فان قلت): وجوب الخروج من باب المقدمة لا يقتضي وجوب مقارناته من الايماء والقراءة والذكر ونحوها لعدم كونها مقدمة للتخلص عن الغصب وحينئذ فحرمتها لانها غصب تمنع من صحة التقرب بها (قلت): ليست هي تصرفا زائدا على التصرف الخروجي إذ البدن في جميع الحالات المذكورة وغيرها لا يشغل إلا مقدارا معينا من الفضاء والخروج على حالة معينة لا مقتضي لوجوبه بل الواجب صرف الخروج على أي حال كانت (قوله: أو مع غلبة) الظاهر أنه معطوف على قوله: ولكنها، فيكون من جملة صور الاضطرار بسوء الاختيار وحينئذ يشكل القول بالصحة لان الاضطرار بسوء الاختيار يقتضي حرمة الفعل الماتي به وكونه معصية يستحق عليه العقاب فكيف يمكن التقرب به ؟ وغلبة ملاك الامر إنما تقتضي كونه واجبا عند التزاحم وقد عرفت انه لا مزاحمة بين الملاك التعييني والملاك التخييري فلا يجدي ضيق الوقت في كون الصلاة مأمورا بها كما لا تجدي مقدمية الخروج لواجب أهم في كونه مأمورا به إذا كان الاضطرار إليه بسوء الاختيار حسبما أوضحه سابقا، ومنه يظهر الاشكال فيما ذكره بقوله: اما مع السعة فالصحة وعدمها مبنيان... الخ فان مقتضى ما ذكرنا البطلان في السعة بطريق أولى - مضافا
أهم منها لخلوها من المنقصة الناشئة من قبل اتحادها مع الغصب لكنه عرفت عدم الاقتضاء بما لا مزيد عليه فالصلاة في الغصب اختيارا في سعة الوقت صحيحة وان لم تكن مامورا بها
______________________________
إلى انه لو سلم أن غلبة ملاك الامر على ملاك النهي موجبة للامر بالصلاة في المغصوب في الضيق فلا نسلم انها موجبة له في السعة لعدم التزاحم بين الملاكين في السعة لما اشرنا إليه من أن المقتضي التعييني - ولو كان أضعف - لا يصلح لمزاحمته المقتضي التخييري - ولو كان أقوى - وأيضا فالمقام أجنبي عن اقتضاء الامر بالشئ للنهي عن ضده لان ذلك إنما يكون فيما لو كان واجبان متضادان يشتمل كل منهما على مصلحة تكون في أحدهما أهم وليس المقام كذلك إذ الصلاة في خارج المغصوب والصلاة في المغصوب فردان لواجب واحد بلا تضاد بينهما بل يقوم كل منهما بما يقوم به الآخر من المصلحة فالطلب المتعلق بهما بنحو طلب صرف الوجود لا بنحو طلب الطبيعة السارية كما في تلك المسألة ولو بني على إجراء حكم المتضادين عليهما - لو كان احدهما أهم - فكون الملاك في الصلاة في خارج المغصوب أهم من الملاك في الصلاة في المغصوب ممنوع ومجرد اشتمال الثانية على المنقصة لا يقتضي أهمية الملاك في الاولى لان أهمية الملاك عبارة أخرى عن قوته وتأكده والصلاة في جميع الامكنة لها مرتبة معينة من الملاك غاية الامر انها تنضم إليها في بعض الافراد منقصة وهي لا توجب نقصا في ملاك ذلك الفرد ليكون ملاك الفرد الآخر أهم وأأكد (قوله: أهم منها لخلوها) قد تقدم التأمل فيه (قوله: فالصلاة في الغصب اختيارا) المراد من الاختيار ما يقابل الاضطرار والوجه في الصحة حينئذ هو الوجه في الصحة في السعة اضطرارا من ابتناء البطلان على كون الامر بالشئ يقتضي النهي عن ضده لانه بعد البناء على غلبة ملاك الامر في الصلاة في المغصوب وسقوط النهي عن الغصب لا يكون الوجه للبطلان إلا النهي الملازم للامر بالصلاة في المكان المباح التي هي من قبيل الضد الاهم فمع البناء على عدم الاقتضاء تكون الصلاة صحيحة. نعم لا تكون مامورا
(الامر الثاني) قد مر في بعض المقدمات أنه لا تعارض بين مثل الخطاب (صل) وخطاب (لا تغصب) على الامتناع تعارض الدليلين بما هما دليلان حاكيان كي يقدم الاقوى منهما دلالة أو سندا، بل إنما هو من باب تزاحم المؤثرين والمقتضيين
______________________________
بها لامتناع الامر بالضدين ولو مع البناء على عدم اقتضاء أحدهما النهي عن الآخر (وفيه) - مضافا إلى ما عرفت من أن الغلبة إنما تقتضي سقوط النهي مع عدم المندوحة، عدم ثبوت غلبة ملاك الامر والاجماع على صحة صلاة المحبوس في المكان المغصوب لو اقتضى الغلبة امكن الاقتصار على مورده وعدم التعدي عنه إلى غيره والا جاز الغصب مقدمة لتحصيل الصلاة التامة ولا يظن الالتزام به من أحد بل عرفت حكاية الاجماع مستفيضا على بطلان الصلاة في المغصوب اختيارا مع العلم بالغصب فتأمل وللكلام مقام آخر
التنبيه الثاني
(قوله: لا تعارض بين مثل خطاب صل... الخ) ليعلم ان مقتضيات الاحكام (تارة) تكون غير متنافية مثل مقتضي حرمة شرب الخمر ومقتضي وجوب الصلاة (وأخرى) تكون متنافية، والمتنافية (تارة) تكون في موضوع واحد (وأخرى) تكون في موضوعين (والمتنافية) في موضوعين (تارة) يكون الموضوعان متميزين في الوجود كباب الضدين (وأخرى) لا يكونان كذلك كباب اجتماع الامر والنهي - بناء على الجواز - ثم ان المقتضيين المتنافيين في موضوع واحد إذا كان احدهما اقوى من الآخر كان التأثير له في تحقق ملاك الحكم دون الآخر - ونعني من الملاك بلوغ المقتضي حدا يوجب ترجح الوجود على العدم أو ترجح العدم على الوجود - وإذا كانا متكافئين في القوة والضعف سقطا معا عن التأثير في تحقق ملاكي الحكمين لئلا يلزم الترجيح بلا مرجح والدليلان الدالان على الحكمين في كلتا الصورتين متعارضان للعلم بكذب أحدهما في الدلالة على ثبوت الحكم في مقام الجعل لان ثبوت الحكم الثبوتي في مقام الجعل
تابع لترجح الوجود على العدم في نظر الجاعل وثبوت الحكم العدمي في مقام الجعل تابع لترجح العدم على الوجود في نظره ومن الواضح امتناع اجتماعهما فيمتنع جعل الحكمين معا على طبقهما، فإذا دل الدليلان على ثبوتهما معا فقد علم بكذب أحدهما، وهذا هو مناط التعارض (مثلا) شرب الخمر واجد لمصلحة ومفسدة لكن مفسدته اكبر من مصلحته كما ذكر في الكتاب الكريم: (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما اثم كبير ومنافع للناس واثمهما اكبر من نفعهما) واذ كانت مفسدته أقوى من مصلحته كان عدمه ارجح من وجوده وهذا هو ملاك الحرمة فكان المجعول هو حكم الحرمة لا غير إذ لا ملاك فيه الاملاك الحرمة فلو فرض قيام دليل على وجوب شرب الخمر كان - لا محالة - معارضا لدليل الحرمة لا مزاحما وعلى هذا فالفارق بين التزاحم والتعارض ليس مجرد إحراز المقتضي للحكمين اللذين يدل عليهما الدليلان وعدمه بل الفارق بينهما إحراز الملاك في كل من الحكمين وعدمه فإذا أحرز الملاكان كانا متزاحمين وإذا لم يحرز الملاكان كانا متعارضين وان احرز المقتضيان للحكمين. ومنه يظهر ان مناط التعارض هو التكاذب في مقام الحكاية عن ثبوت ملاكات الاحكام وان أحرزت المقتضيات وليس مناطه التكاذب في مقام الحكاية عن ثبوت مجرد المقتضيات من دون ان تبلغ حدود الملاكات كي يكون المورد الذي تحرز فيه المقتضيات من باب التزاحم لا التعارض. ومنه يظهر ان مورد اجتماع الامر والنهي - بناء على الامتناع - من موارد باب التعارض لا التزاحم لتكاذب الدليلين في مقام الحكاية عن وجود الملاكين في مجمع العنوانين وقد تقدم منا ان تضاد الاحكام إنما هو لتضاد ملاكاتها حقيقة ونسبة التضاد إليها انفسها بالعناية والمجاز أما التزاحم فمناطه التكاذب في مقام الدلالة على ما زاد على الملاك كما في باب الضدين وباب الاجتماع - بناء على الجواز - وكذا كل مورد كان المانع من ثبوت الحكمين معا قصور المكلف وعجزه بلا قصور في الملاك بل الملاك تام الملاكية. هذا هو المفهوم من كلمات الاصحاب في مقام التفرقة بين باب التعارض وباب التزاحم. ومنه يظهر ان ما ذكره المصنف (ره)
من نفي التعارض بين مثل خطاب: صل، وخطاب: لا تغصب - بناء على الامتناع - جار على خلاف الاصطلاح في تمييز باب التعارض عن باب التزاحم لما عرفت من (أن) الخطابين المذكورين - بناء على الامتناع - يكونان متعارضين لتكاذبهما في مقام الدلالة على وجود ملاكي الحكمين فان الاول يدل على ترجح وجود الصلاة حتى لو كانت غصبا والثاني يدل على ترجح عدم الغصب ولو كان صلاة ولا بد من كذب أحدهما. نعم يصح نفي التعارض بينهما في مقام الحكاية عن اصل ثبوت المقتضيين اعني المصلحة الموجودة في الصلاة مطلقا والمفسدة الموجودة في الغصب كذلك إذ لا مانع من اجتماعهما في موضوع واحد بل الامر كذلك قطعا إذ لا ريب في ترتب المصلحة المقتضية لوجوب الصلاة على الصلاة الجامعة لجميع ما يعتبر فيها من الاجزاء والشرائط حتى قصد القربة وان انطبق عليها عنوان الغصب كما ان المفسدة المقتضية لحرمة الغصب مترتبة على الغصب الصلاتي كترتبها على الغصب غير الصلاتي وفي هذه المرتبة من الاقتضاء يقع التزاحم في مقام الجعل ويكون الحكم المجعول ما يطابق المقتضي الاقوى فان كانت مصلحة الصلاة اقوى من مفسدة الغصب كان وجود الصلاة راجحا على عدمها مطلقا وتم ملاك الوجوب مطلقا وكان هو المجعول لا محالة وسقطت مفسدة الغصب عن التأثير وان كان الامر بالعكس كان الحكم كذلك فلو فرض إحراز غلبة احد المقتضيين على الآخر فقد أحرز ان الحكم المجعول ما يطابقه كما هو شأن المتزاحمين ولا مجال للرجوع حينئذ إلى احكام التعارض من الاخذ بأقوى الدليلين دلالة أو سندا وان كان المقتضي في مورده أضعف، وإذا فرض احراز التكافؤ بين المقتضيين سقطا معا عن التأثير ولا مجال حينئذ للنظر في دليلهما. ومنه يظهر ان الدليلين في باب الاجتماع - بناء على الامتناع - وان كانا متعارضين بالنظر إلى الاصطلاح لتكاذبهما في مقام الدلالة على ثبوت الملاكين معا لكن المرجع فيهما قواعد التزاحم لا قواعد التعارض إذا أحرز وجود المقتضيين كما هو كذلك في الجملة ويتعين الاخذ بما يوافق المقتضي الغالب لو احرز ويسقطان معا لو احرز التكافؤ بين المقتضيين ولا
فيقدم الغالب منهما وان كان الدليل على مقتضى الآخر أقوى من دليل
______________________________
يلاحظ قوة الدلالة أو الطريق. ولعل المصنف إنما نفى التعارض بين الدليلين في المقام نظرا إلى هذه الجهة من عدم جريان احكام التعارض وتعين الاخذ باحكام التزاحم لفرض وجود المقتضين معا وان لم يبلغا حد الملاكية لا أنه يريد نفي التعارض الاصطلاحي لوضوح تكاذبهما في الدلالة على وجود الملاكين جميعا كما عرفت وما ذكرناه مطرد الجريان في جميع موارد التعارض بين الدليلين مع إحراز المقتضي في كل من موردهما، وأما احكام التعارض فتختص بالمتعارضين المتكاذبين في ثبوت الملاك إذا لم يحرز المقتضي فيهما، أما إذا أحرز المقتضي فالمرجع قواعد التزاحم لا غير (فان قلت): إذا كان المقام من قبيل التعارض امتنع إحراز المقتضي في الموردين لانه إذا خصص احد الدليلين بالآخر فمورد التخصيص لا يخرج من أحدهما ولا طريق إلى إحراز المقتضي في مورده لان الدلالة عليه انما كانت تبعا للدلالة على الحكم (قلت) يمكن إحراز المقتضي في الموردين وان سقطت حجية الدلالة على الحكم إذا ساعد ذلك الجمع العرفي فتكون الدلالة الالتزامية على ثبوت المقتضي حجة دون الدلالة المطابقية على الحكم كما ذكرنا ذلك في دليل نفي الحرج ونفي الضرر ونحوهما، والتفكيك بين الدلالتين المطابقية والالتزامية ثابت في الجملة كما اشرنا إليه آنفا، ومما ذكرنا يظهر ان التعبير بالملاك بدلا عن التعبير بالمقتضي في بعض المقامات مبني على المسامحة بعناية كون المقتضي للحكم ملاكا له لولا المزاحمة. هذا وحيث عرفت وجود المقتضي في مجمع العنوانين يتضح وجه الحكم بصحة الصلاة في المكان المغصوب مع العذر من غفلة أو نسيان - بناء على الامتناع وترجيح جانب الحرمة - لما عرفت من إحراز المقتضي في الصلاة وحصول التقرب بلا نقص عن غيرها من أفراد الصلاة، والمانع من الصحة في حال الالتفات وعدم العذر ليس الا فوات جهة المقربية وهذا المانع مفقود في حال العذر ومنه يظهر الوجه في تسالم الاصحاب رضوان الله عليهم - على صحة الصلاة حينئذ سواء في ذلك القائلون بالجواز والقائلون بالامتناع فلاحظ وتأمل (قوله: الغالب) يعني الاقوى اقتضاء (قوله: أقوى)
مقتضاه هذا فيما إذا أحرز الغالب منهما وإلا كان بين الخطابين تعارض فيقدم الاقوى منهما دلالة أو سندا وبطريق الان يحرز به أن مدلوله أقوى مقتضيا. هذا لو كان كل من الخطابين متكفلا لحكم فعلي وإلا فلابد من الاخذ بالمتكفل لذلك منهما لو كان وإلا فلا محيص عن الانتهاء إلى ما تقتضيه الاصول العملية. ثم لا يخفى أن ترجيح أحد الدليلين وتخصيص الآخر به في المسألة لا يوجب خروج مورد الاجتماع عن تحت الآخر رأسا كما هو قضية التقييد والتخصيص في غيرها مما لا يحرز فيه المقتضي لكلا الحكمين بل قضيته ليس إلا خروجه فيما كان الحكم الذي هو مفاد الآخر فعليا وذلك لثبوت المقتضي في كل واحد من الحكمين فيها فإذا لم يكن المقتضي لحرمة الغصب مؤثرا لها لاضطرار أو جهل أو نسيان
______________________________
يعني دلالة أو سندا (قوله: مقتضاه) يعني مقتضى الغالب (قوله: تعارض) للعلم الاجمالي بكذب أحدهما في دلالته على فعلية مؤداه فيكون التنافي في نفس الدلالة ومقام الاثبات على ما يأتي في مبحث التعارض تحقيقه انشاء الله تعالى (قوله: وبطريق الان يحرز) ليس المراد كون قوة الدليل معلولة لقوة المدلول أو هما معا معلولان لعلة ثالثة كما هو المصطلح في الطريق الاني لعدم اللزوم بينهما ولا كون الامر بالعمل بالاقوى حاكيا عن شدة الاهتمام بمدلوله وعدم الاهتمام بمدلول الاضعف إذ قد يكون الامر بالعمل بالاقوى ناشئا عن مصلحة اجنبية عن الواقع كما يشهد به لزوم الاخذ بالاقوى وان لم يكن مدلوله اقتضائيا كما لو كان دالا على الاباحة، بل كان المراد أن الاقوى لما كان دالا على فعلية مؤداه مطابقة فقد دل على اقوائية ملاكه التزاما كما أن الاضعف كذلك فإذا دل دليل الترجيح على حجية الاقوى وعدم حجية الاضعف فقد دل على ثبوت مدلولي الاقوى المطابقي والالتزامي معا فتثبت اقوائية ملاكه ظاهرا (قوله: وإلا فلا محيص) يعني حيث لم يكن أحدهما دالا على الحكم الفعلي يكون المرجع الاصل العملي الذي يرجع إليه إذ لا دليل على حكم الواقعة (قوله: رأسا) يعني فعلية واقتضاء (قوله: فيما كان) يعني فيكون الخروج عن مجرد
كان المقتضي لصحة الصلاة مؤثرا لها فعلا كما إذا لم يكن دليل الحرمة أقوى أو لم يكن واحد من الدليلين دالا على الفعلية أصلا فانقدح بذلك فساد الاشكال في صحة الصلاة في صورة الجهل أو النسيان ونحوهما فيما إذا قدم خطاب (لا تغصب) كما هو الحال فيما إذا كان الخطابان من أول الامر متعارضين ولم يكونا من باب الاجتماع أصلا وذلك لثبوت المقتضي في هذا الباب كما إذا لم يقع بينهما تعارض ولم يكونا متكفلين للحكم الفعلي فيكون وزان التخصيص في مورد الاجتماع وزان التخصيص العقلي الناشئ من جهة تقديم أحد المقتضيين وتأثيره فعلا المختص بما إذا لم يمنع عن تأثيره مانع المقتضى لصحة مورد الاجتماع مع الامر أو بدونه فيما كان هناك مانع عن تأثير المقتضي للنهي له أو عن فعليته كما مر تفصيله (وكيف كان) فلا بد في ترجيح أحد الحكمين من مرجح وقد ذكروا لترجيح النهي وجوها " منها " أنه أقوى دلالة لاستلزامه انتفاء جميع الافراد بخلاف الامر وقد أورد عليه بأن ذلك فيه من جهة اطلاق متعلقه بقرينة الحكمة كدلالة الامر على الاجتزاء بأي فرد كان، وقد أورد عليه بأنه لو كان العموم المستفاد من النهي بالاطلاق بمقدمات الحكمة وغير مستند إلى دلالته عليه بالاستلزام لكان استعمال مثل (لا تغصب)
______________________________
*
الفعلية لا الاقتضاء (قوله: كان المقتضي لصحة) قد تقدم الكلام في وجه الصحة في الموارد المذكورة (قوله: كما هو الحال) تمثيل للاشكال إذ مع التعارض لا يحرز المقتضي ليمكن تصحيح العبادة (قوله: ولم يكونا) بيان بعدم التعارض كما تقدم (قوله: المختص بما) بيان لجهة الاتحاد في الموازنة (قوله: مع الامر أو بدونه) فالاول كما في الاضطرار الرافع لاصل النهي فيثبت الامر والثاني كما في الجهل والنسيان الرافعين لفعلية النهي لا غير فلا يثبت الامر لئلا يلزم اجتماع الحكمين (قوله: للنهي له) له متعلق بتأثير والضمير للنهي (قوله: كدلالة الامر) وحينئذ فيستويان في قوة الدلالة وضعفها
في بعض افراد الغصب حقيقة. وهذا واضح الفساد فتكون دلالته على العموم من جهة أن وقوع الطبيعة في حيز النفي أو النهي يقتضي عقلا سريان الحكم إلى جميع الافراد ضرورة عدم الانتهاء عنها أو انتفائها إلا بالانتهاء عن الجميع أو انتفائه (قلت): دلالتهما على العموم والاستيعاب ظاهرا مما لا ينكر لكنه من الواضح أن العموم المستفاد منها كذلك إنما هو بحسب ما يراد من متعلقهما فيختلف سعة وضيقا فلا يكاد يدل على استيعاب جميع الافراد الا إذا أريد منه الطبيعة مطلقة وبلا قيد ولا يكاد يستظهر ذلك مع عدم دلالته عليه بالخصوص الا بالاطلاق وقرينة الحكمة بحيث لو لم يكن هناك قرينتها بأن يكون الاطلاق في غير مقام البيان لم يكد يستفاد استيعاب أفراد الطبيعة وذلك لا ينافي دلالتهما على استيعاب أفراد ما يراد من المتعلق إذ الفرض عدم الدلالة على انه المقيد أو المطلق اللهم إلا أن يقال: إن في دلالتهما على الاستيعاب كفاية ودلالة على أن المراد من المتعلق هو المطلق كما ربما يدعى ذلك في مثل: " كل رجل " وأن مثل لفظة (كل) تدل على استيعاب جميع أفراد الرجل من غير حاجة إلى ملاحظة اطلاق مدخوله وقرينة الحكمة بل يكفي ارادة ما هو معناه من الطبيعة المهملة (ولا بشرط) في دلالته على الاستيعاب وان كان لا يلزم مجاز أصلا لو أريد منه خاص بالقرينة
______________________________
(قوله: دلالتهما) يعني النفي والنهي (قوله: مما لا ينكر) هذا على ظاهره لا يخلو من تأمل فان أداتي النفي والنهي انما تدلان على النسبة السلبية وعموم النسبة وخصوصها تابع لعموم المنتسبين وخصوصهما فاستفادة العموم لابد أن يكون باجراء مقدمات الحكمة في المتعلق حسبما ذكر (قوله: عدم دلالته) الظاهر ان أصل العبارة: عدم دلالة (قوله: وذلك لا ينافي) يعني الاحتياج إلى مقدمات الحكمة في استفادة الاطلاق لا ينافي دلالة النفي والنهي على العموم والاستيعاب إذ الاستيعاب امر اضافي يختلف باختلاف موضوعه فتعيينه يجوز ان
(لا فيه) لدلالته على استيعاب أفراد ما يراد من المدخول (ولا فيه) إذا كان بنحو تعدد الدال والمدلول لعدم استعماله الا فيما وضع له والخصوصية مستفادة من دال آخر فتدبر " ومنها " أن دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة. وقد أورد عليه في القوانين بأنه - مطلقا - ممنوع لان في ترك الواجب ايضا مفسدة إذا تعين، ولا يخفى ما فيه فان الواجب ولو كان معينا ليس إلا لاجل أن في فعله مصلحة يلزم استيفاؤها من دون أن يكون في تركه مفسدة كما أن الحرام ليس إلا لاجل المفسدة في فعله بلا مصلحة في تركه ولكن يرد عليه أن الاولوية - مطلقا - ممنوعة
______________________________
يستند إلى قرينة الحكمة " أقول ": لازم دلالة النفي والنهي على العموم كون موضوعه مهملا صالحا للعموم والخصوص لا مطلقا نعم لا بد أن يكون له نحو من التعين مثل كونه رجلا أو امرأة أو انسانا أو حيوانا أو غير ذلك، وهذا التعين قد يكون بلفظه وقد يكون بغيره من صفة أو صلة أو اضافة أو قرينة خارجية وكل ذلك اجنبي عن حيثية عمومه وخصوصه بل لا بد أن يكون صالحا لكل منهما كي يستفاد العموم من النفي أو النهي، ولو كان العموم مستفادا من المقدمات امتنع افادتهما العموم للزوم اجتماع المثلين، فالتحقيق ما عرفت من أن العموم انما يستفاد من مقدمات الحكمة في المدخول لا غير على العكس في مدخول (كل) فان العموم انما يستفاد منها لا غير (قوله: لا فيه) الضمير راجع إلى لفظ (كل) والضمير في قوله: ولا فيه، راجع إلى المدخول (قوله: فتدبر) يمكن ان يكون اشارة إلى ما ذكرنا في النفي والنهي أو إلى احتمال الحاق (كل) بهما (قوله: ليس إلا لاجل أن) لان الوجوب والتحريم المتعلقان بشئ واحد يحكيان عن الارادة والكراهة، والارادة انما تكون لاجل المصلحة، والكراهة انما تكون لاجل المفسدة، فاجتماع الواجب والحرام في واحد يقتضي اجتماع المصلحة والمفسدة فيه فيكون في فعله مفسدة وفي تركه ترك المصلحة (قوله: مطلقا ممنوعة) بل تختلف باختلاف مراتبها، فرب مصلحة قوية ارجح من مفسدة ضعيفة، ولذا
بل ربما يكون العكس أولى كما يشهد به مقايسة فعل بعض المحرمات مع ترك بعض الواجبات خصوصا مثل الصلاة وما يتلو تلوها ولو سلم فهو أجنبي(١) عن المقام فانه فيما إذا دار بين الواجب والحرام، ولو سلم فانما يجدي فيما
______________________________
ترى بعض العقلاء يقدمون على بعض الاضرار لاجل ما يترتب عليها من المنافع، (قوله: بل ربما يكون العكس أولى كما يشهد به) كما لو توقف انقاذ الغريق أو اطفاء الحريق أو حفظ بيضة الدين على التصرف في مال الغير بغير اذنه فانه لا اشكال في وجوبه كما عرفت سابقا (قوله: فهو أجنبي عن المقام) قال في حاشيته على المقام: فان الترجيح به انما يناسب ترجيح المكلف واختياره للفعل أو الترك بما هو أوفق بغرضه لا المقام وهو مقام جعل الاحكام فان المرجح هناك ليس إلا حسنها أو قبحها العقليان لا موافقة الاغراض ومخالفتها تأمل تعرف. انتهى، (أقول): الحسن والقبح تابعان للمصلحة والمفسدة فإذا كان دفع المفسدة أولى في نظر العقل من جلب المصلحة كان دفع القبيح أولى من فعل الحسن وتسليم ذلك بالنظر إلى الفاعل يقتضي تسليمه بالنظر إلى الآمر بنحو واحد، مع أن ترجيح الفاعل ترك الواجب على فعل الحرام حيث يدور الامر بينهما تابع لترجيح الشارع والا فلا وجه له إذ لو فرض ترجيح الشارع للوجوب على التحريم حرم عقلا ترجيح ترك الواجب قطعا، ولو بني على تساويهما في نظر الشارع فلا وجه لترجيح ترك الواجب على فعل الحرام عقلا إلا أن يكون المقصود ترجيح ترك الواجب على فعل الحرام في نظر الفاعل بدواع غير عقلية وان كانا متساويين في نظر العقل كما في جميع موارد التخيير العقلي لكن ذلك - مع أنه ليس بنحو القاعدة
______________
(١) فان الترجيح به انما يناسب ترجيح المكلف واختياره للفعل أو الترك بما هو أوفق بغرضه لا المقام وهو جعل الاحكام فان المرجح هناك ليس الا حسنها وقبحها العقليان لا موافقة الاغراض ومخالفتها كما لا يخفى تأمل تعرف. (منه قدس سره) (*)
لو حصل القطع، ولو سلم انه يجدي ولو لم يحصل فانما يجدي فيما لا يكون هناك مجال لاصالة البراءة أو الاشتغال كما في دوران الامر بين الوجوب والحرمة التعينيين لا فيما يجري كما في محل الاجتماع لاصالة البراءة عن حرمته فيحكم بصحته ولو قيل بقاعدة الاشتغال في الشك في الاجزاء والشرائط فانه لا مانع عقلا الا فعلية الحرمة المرفوعة
______________________________
الكلية مما لا يدعيه القائل بالترجيح فلاحظ (قوله: لو حصل القطع) وإلا كانت الاولوية ظنية لا يعتمد عليها في الترجيح لكن ظاهر المدعى كونها ظنية، (قوله: ولو سلم انه) يعني الظن بالاولوية (قوله: والحرمة التعينيين) فانه لا مجال للبراءة فيه للعلم بالتكليف، ولا للاشتغال لتعذر المخالفة القطعية والموافقة كذلك فلا أثر للاشتغال العقلي بل يحكم العقل بالتخيير بين الفعل والترك لعدم المرجح لاحدهما على الآخر فإذا كان أحدهما محتمل الاهمية والاولوية أمكن الحكم بترجحه عقلا (قوله: كما في محل الاجتماع) الفرق بينه وبين مورد الدوران بين الوجوب والحرمة أنه في ذلك المورد يعلم بثبوت أحد الحكمين واقعا والشك في الثابت منهما، وفى المقام لا يعلم بذلك بل يحتمل أن يكون أحدهما أقوى مقتضيا فيثبت وان يكونا متساويين فيسقطان معا لعدم المرجح فحيث لم يعلم الالزام كان احتمال ثبوت الحرمة لغلبة مقتضيها مجرى لاصالة البراءة فمجرد الظن بالاولوية، والغلبة هنا لا يعول عليه عند العقل كما في سائر موارد الشك في التكليف ويمكن أن يعول عليها هناك لانه أقرب إلى موافقة التكليف المعلوم (قوله: ولو قيل بقاعدة الاشتغال) يعني يفترق المقام عن مورد الشك في الجزئية والشرطية بأن إجراء البراءة لنفي الجرئية أو الشرطية لا يوجب الجزم بالصحة بل يحتمل معه بطلان العمل المأتي به واقعا على تقدير الجزئية أو الشرطية واقعا فيمكن القول بوجوب الاحتياط فيه للشك في سقوط التكليف فيه الناشئ من الشك في الاتيان بموضوعه وإجراء البراءة عن الحرمة في المقام يوجب العلم بصحة المجمع فيعلم بسقوط وجوبه لان المانع من صحة المجمع هو الحرمة الفعلية الموجبة لصدق عنوان
عقلا ونقلا باصالة البراءة عنها (نعم) لو قيل(١) بأن المفسدة الواقعية الغالبة مؤثرة في المبغوضية ولو لم تكن الغلبة بمحرزة فاصالة البراءة غير جارية بل كانت اصالة الاشتغال بالواجب لو كان عبادة محكمة ولو قيل باصالة البراءة في الاجزاء والشرائط لعدم تأتي قصد القربة
______________________________
المعصية على فعل المجمع فلا يمكن التقرب المعتبر في العبادة فإذا جرى أصل البراءة لنفي الحرمة أمكن التقرب بالمجمع لعدم كونه معصية واقعا (قوله: في المبغوضية) يعني الفعلية المانعة من إمكان التقرب (قوله: غير جارية) لان مجراها عدم البيان على التكليف وهو غير محرز إذ على هذا المبنى يكون العلم بالمفسدة بيانا على الحرمة على تقدير غلبة المفسدة فمع احتمال الغلبة يحتمل ثبوت البيان على الحرمة ولا يحرز عدم البيان، وإن شئت قلت: الحرمة المشكوكة على تقدير ثبوتها مما قام عليها البيان وهو العلم بالمفسدة فلا تجري البراءة لنفيها لعدم إحراز موضوعها (قوله: لعدم تأتي) وحينئذ يعلم ببقاء التكليف، ومنه يظهر أنه لا مجال
______________
(١) كما هو غير بعيد كله بتقريب ان احراز المفسدة والعلم بالحرمة الذاتية كاف في تأثيرها بما لها من المرتبة ولا يتوقف تأثيرها كذلك على احرازها بمرتبتها ولذا كان العلم بمجرد حرمة شئ موجبا لتنجز حرمته على ما هي عليه من المرتبة ولو كانت في أقوى مراتبها ولاستحقاق العقوبة الشديدة على مخالفتها حسب شدتها كما لا يخفى. هذا لكنه انما يكون إذا لم يحرز ايضا ما يحتمل أن يزاحمها ويمنع عن تأثيرها المبغوضية وأما معه فيكون الفعل كما إذا لم يحرز انه ذو مصلحة أو مفسدة مما لا يستقل العقل بحسنه أو قبحه وحينئذ يمكن أن يقال بصحته عبادة لو اتى به بداعي الامر المتعلق بما عليه من الطبيعة بناء على عدم اعتبار ازيد من اتيان العمل قربيا في العبادة وامتثالا للامر بالطبيعة وعدم اعتبار كونه ذاتا راجحا كيف ويمكن أن لا يكون جل العبادات ذاتا راجحا بل انما يكون كذلك فيما إذا أتي بها على نحو قربي. نعم المعتبر في صحة العبادة انما هو أن لا يقع منه مبغوضا عليه كما لا يخفى. وقولنا: فتأمل، اشارة إلى ذلك. " منه قدس سره " (*)
مع الشك في المبغوضية فتأمل " ومنها " الاستقراء فانه يقتضي ترجيح جانب الحرمة على جانب الوجوب كحرمة الصلاة في أيام الاستظهار وعدم جواز الوضوء من الاناءين المشتبهين (وفيه) أنه لا دليل على اعتبار الاستقراء
______________________________
أيضا لاصالة الاشتغال لان مجراها الشك في سقوط التكليف ولا شك في المقام، (قوله: مع الشك في المبغوضية) يعني الفعلية المنجزة الموجب لذلك الشك لصدق عنوان التجري المضاد للتقرب (قوله: فتأمل) اشارة إلى أن هذا القول وان كان في نفسه غير بعيد كما يشهد به أن العلم بالحرمة يوجب تنجزها بمالها من المرتبة الشديدة فيستحق العقاب على مرتبتها الشديدة وإن لم يعلم بمرتبتها الشديدة لكنه لا ينفع مع إحراز المصلحة المحتمل مزاحمتها للمفسدة وغلبتها عليها إذ حينئذ يكون الفعل كما إذا لم يحرز أنه ذو مصحلة أو مفسدة فلا يستقل العقل بحسنه أو قبحه ولا مانع من التقرب به. هذا محصل ما ذكره في حاشيته على المقام " أقول ": يشكل ما ذكر (أولا) بأن العلم بالمفسدة لا يصلح للمنجزية حتى مع العلم بكونها غالبة وانما المنجز هو العلم بالحرمة فمع عدمه - كما هو المفروض - لا مانع من تأتي التقرب لاصالة البراءة، ومنه يظهر عدم وضوح قياس العلم بالمفسدة على العلم بالحرمة (وثانيا) بمنع الحكم في المقيس عليه لما عرفت من أن اختلاف مراتب العقاب تابع لاختلاف مراتب التجري لا اختلاف مراتب الحكم الناشئ من اختلاف مراتب المصلحة أو المفسدة لعدم دخلهما في العقاب بوجه فما لم يعلم المرتبة الشديدة من الحكم لا تحسن شدة العقاب وما ورد في بيان عقاب بعض المحرمات مما يدل على شدة عقابه ولو لم يعلم بمرتبته الخاصة لا ينافي ذلك لامكان كون شدته بالاضافة إلى غيره وان كان دون الاستحقاق (وثالثا) بأن ما ذكره ردا على القول المذكور خلاف المفروض إذ المفروض احتمال أولوية المفسدة من حيث كونها مفسدة في قبال المصلحة فلا مجال لاحتمال غلبة المصلحة على المفسدة كما لعله ظاهر بالتأمل فتأمل جيدا والله سبحانه أعلم (قوله: في أيام الاستظهار) وهي الايام التي يرى فيها الدم بعد أيام العادة، ومثلها أول
ما لم يفد القطع ولو سلم فهو لا يكاد يثبت بهذا المقدار ولو سلم فليس حرمة الصلاة في تلك الايام ولا عدم جريان الوضوء منهما مربوطا بالمقام لان حرمة الصلاة فيها إنما تكون لقاعدة الامكان والاستصحاب المثبتين لكون الدم حيضا فيحكم بجميع أحكامه ومنها حرمه الصلاه عليها لا لاجل تغليب جانب الحرمة كما هو المدعى. هذا لو قيل بحرمتها الذاتية في أيام الحيض وإلا فهو خارج عن محل الكلام. ومن هنا انقدح انه ليس منه ترك الوضوء من الاناءين فان حرمة الوضوء من الماء النجس ليس إلا تشريعيا ولا تشريع فيما لو توضأ منهما احتياطا فلا حرمة في البين غلب جانبها فعدم جواز الوضوء منهما ولو كذلك بل اراقتهما
______________________________
رؤية الدم في أيام العادة أو مطلقا (قوله: ما لم يفد القطع) يعني القطع بأن وجه الحكم في الموارد المتفرقة هو الجهة المشتركة ليعلم بثبوت الحكم في المورد الذي يقصد اثبات الحكم فيه بالاستقراء (قوله: ولو سلم) يعني عدم اعتبار افادة القطع فلا يتم الاستقراء إلا بتتبع موارد كثيرة توجب الظن ولا يحصل الظن بهذا المقدار (قوله: لقاعدة الامكان و) بل الظاهر أنه للنصوص الخاصة الموافقة للقاعدة وللاستصحاب لا لهما وإلا كان اللازم الرجوع إلى ما دل من النصوص على لزوم الاخذ بايام العادة لا غير لحكومتها عليهما. ثم إن مفاد اكثر النصوص الاول ما بين أمر بالاستظهار وأمر بالكف عن العبادة وأمر بالاحتياط ونحو ذلك وليس فيها تعرض لكون الدم حيضا فتأمل وراجع (قوله: وإلا فهو خارج) يعني وان كانت الحرمة تشريعية كما لعله المشهور كان أجنبيا عن المقام لان موضوع الحرمة التشريعية هو التشريع وهو لا يحصل بمجرد الفعل بل لابد من الاتيان به بعنوان كونه عبادة وحينئذ يكون مخالفة قطعية بلا موافقة ولو احتمالية وان لم يؤت بالفعل الا برجاء الواقع كان احتياطا بلا مخالفة ولو احتمالية وكيف كان فلا دوران بين موافقة الوجوب أو التحريم ولا تقديم لاحدهما على الآخر كما هو محل الكلام (قوله: الا تشريعيا) حيث
كما في النص ليس إلا من باب التعبد أو من جهة الابتلاء بنجاسة البدن ظاهرا بحكم الاستصحاب للقطع بحصول النجاسة حال ملاقات المتوضئ من الاناء الثانية إما بملاقاتها أو بملاقات الاولى وعدم استعمال مطهر بعده ولو طهر بالثانية مواضع الملاقات بالاولى (نعم) لو طهرت على تقدير نجاستها بمجرد ملاقاتها بلا حاجة إلى التعدد أو انفصال الغسالة لا يعلم تفصيلا بنجاستها وان علم بنجاستها حين ملاقات الاولى أو الثانية إجمالا فلا مجال لاستصحابها بل كانت قاعدة الطهارة محكمة (الامر الثالث) انه باطل لانتفاء شرطه وهو طهارة الماء فقصد التعبد به يكون تشريعا (قوله: كما في النص) وهو حديث عمار عن الصادق (عليه السلام): سئل عن رجل معه اناءان فيهما ماء وقع في أحدهما قذر لا يدري أيهما هو وليس يقدر على ماء غيرهما ؟ قال عليه السلام: يهريقهما جميعا ويتيمم، ونحوه حديث سماعة ثم إن ظاهر النص عدم صحة الوضوء بهما والامر بالاراقة إرشاد إلى عدم صلاحيتهما للانتفاع بهما نظير ما ورد في الدهن المتنجس من قوله عليه السلام: ألقه وما حوله (قوله: للقطع بحصول) يعني إذا توضأ بالاول ثم طهر أعضاء وضوئه بالاناء الثاني ثم توضأ به يعلم بنجاسة الاعضاء حال ملاقاتها للاناء الثاني بقصد التطهير قبل تحقق شرائط التطهير من التعدد والانفصال ووجه العلم بنجاستها في تلك الحال أنه إن كان الاناء الاول هو النجس فالاعضاء نجسة بملاقاته فإذا علم بنجاسة الاعضاء في أول ازمنة ملاقاتها للاناء الثاني وجب استصحابها بعد ذلك للشك في ارتفاعها فيلزم من الوضوء بكل منهما على النحو المذكور نجاسة الاعضاء ظاهرا المانعة من صحة الصلاة فيكون ذلك هو الوجه في الامر باراقتهما معا والتيمم (أقول): يمكن إحراز الصلاة بالطهارة من الحدث والخبث بتكرار الصلاة بأن يصلي بعد الوضوء بالاول ثم يصلي بعد التطهير بالثاني والوضوء به فتأمل (قوله: من الاناء) متعلق بملاقاة (قوله: عدم استعمال) يعني وعدم العلم باستعمال... الخ (قوله: بلا حاجة) كما لو كان كل منهما كرا ولكن كان أحدهما نجسا (قوله: فلا مجال لاستصحابها)
الظاهر لحوق تعدد الاضافات بتعدد العنوانات والجهات في أنه لو كان تعدد الجهة والعنوان كافيا مع وحدة المعنون وجودا في جواز الاجتماع كان تعدد الاضافات مجديا ضرورة أنه يوجب أيضا اختلاف المضاف بها بحسب المصلحة والمفسدة والحسن والقبح عقلا وبحسب الوجوب والحرمة شرعا فيكون مثل: (أكرم العلماء) و
______________________________
إما لمعارضته باستصحاب الطهارة أو لعدم جريانه بذاته - كما هو المختار للمصنف (ره) على ما يأتي بيانه في محله انشاء الله - ومثله ما لو علم بالطهارة والحدث ولم يعلم المتقدم منهما والمتأخر، والفارق بين هذا الفرض وما قبله هو العلم بتاريخ النجاسة فيما قبله المصحح لاستصحابها، ولو بني على تعارض الاستصحابين فيما لو علم تاريخ احد الحادثين وجهل تاريخ الآخر تعارض في الفرض الاول استصحاب النجاسة واستصحاب الطهارة فيرجع إلى قاعدة الطهارة أيضا كالثاني هذا ولا يخفى أن الترجيح بما ذكر أو بغيره يختص بما إذا كان كل من مقتضي الامر والنهي تعيينيا أما لو كان مقتضي أحدهما تعيينيا ومقتضي الآخر تخييريا فقد عرفت أنه لا مجال فيه للترجيح بوجه فان الاول هو المؤثر ولا يصلح الثاني لمزاحمته
التنبيه الثالث
(قوله: كان تعدد الاضافات مجديا) يمكن منع ذلك بان الاضافات اعتبارات انتزاعية يمتنع ان تكون موضوعا للمصلحة أو المفسدة الموجبتين للحسن والقبح أو مقوما لموضوعهما نعم لا مانع من ان تكون الاضافة محددة لموضوع المصلحة أو المفسدة لكن يمتنع أن يكون الشئ الواحد مقتضيا للمصلحة المفسدة معا ولو باضافتين كما يمتنع أن يقتضيهما شئ واحد بلا تعدد في الاضافة. نعم يمكن تعدد العناوين بتعدد الاضافات كما في عنواني الموافقة والمخالفة فمع اختلاف موضوع الامر والنهي بمحض الاضافة لا بد من الالتزام بكون المحدود بهما موضوعا لعنوانين مختلفين أحدهما ذو مصلحة والآخر ذو مفسدة ولعل هذا هو مراد المصنف (ره) (قوله: مثل أكرم العلماء) فان موضوع الامر والنهي
(لا تكرم الفساق) من باب الاجتماع (كصل ولا تغصب) لا من باب التعارض إلا إذا لم يكن للحكم في أحد الخطابين في مورد الاجتماع مقتض كما هو الحال أيضا في تعدد العنوانين فما يترآئى منهم من المعاملة مع مثل (أكرم العلماء) (ولا تكرم الفساق) معاملة تعارض العموم من وجه انما يكون بناء على الامتناع أو عدم المقتضي لاحد الحكمين في مورد الاجتماع
فصل في ان النهى عن الشئ هل يقتضى فساده أم لا ؟
وليقدم أمور (الاول) أنه قد عرفت في المسألة السابقة الفرق بينها وبين هذه المسألة وانه لا دخل للجهة المبحوث عنها في إحداهما بما هو جهة البحث في الاخرى وان البحث في هذه المسألة في دلالة النهي - بوجه يأتي تفصيله - على الفساد بخلاف تلك المسألة فان البحث فيها في أن تعدد الجهة يجدي في رفع غائلة اجتماع الامر والنهي في مورد الاجتماع (الثاني) انه لا يخفى ان عد هذه المسألة من مباحث الالفاظ انما هو لاجل انه في الاقوال قول بدلالته على الفساد في المعاملات
______________________________
واحد وهو الاكرام وإنما الاختلاف بالاضافة إلى العلماء والفساق ونظيره السجود لله سبحانه والسجود للصنم (قوله: مع مثل اكرم) يعني مما كان موضوع الامر والنهي واحدا ذاتا والاختلاف بالاضافة (قوله: على الامتناع) وكذا على الجواز لان مثل اكرم العلماء من العام السرياني الذي لا يكون فيه مندوحة فالمجمع مما لا يمكن الاخذ بالدليلين فيه لانه تكليف بما لا يطاق فلا بد من إعمال قواعد التعارض بينهما فتأمل جيدا والله سبحانه اعلم
النهى عن الشئ هل يقتضى فساده ام لا ؟
(قوله: من مباحث الالفاظ) مما يقتضي ذلك جعل عنوان المسألة في لسان بعض: (دلالة النهي على فساد المنهي عنه) إذ من المعلوم ان الدلالة
مع انكار الملازمة بينه وبين الحرمة التي هي مفاده فيها ولا ينافي ذلك ان الملازمة على تقدير ثبوتها في العبادة انما تكون بينه وبين الحرمة ولو لم تكن مدلولة بالصيغة وعلى تقدير عدمها تكون منتفية بينهما لامكان ان يكون البحث معه في دلالة الصيغة بما تعم دلالتها بالالتزام فلا تقاس بتلك المسألة التي لا يكاد يكون لدلالة اللفظ بها مساس فتأمل جيدا (الثالث) ظاهر لفظ النهي وان كان النهي التحريمي الا أن ملاك البحث يعم التنزيهى ومعه لا وجه لتخصيص العنوان،
______________________________
من أحوال اللفظ وأما مثل عنوان المتن فهو كذلك لو حمل الاقتضاء على الدلالة - بقرينة نسبته إلى النهي - أما لو حمل على ظاهره وحمل النهي على التحريم لم تكن من مباحث الالفاظ (قوله: مع انكار الملازمة) فلو كان البحث في المقام عن الملازمة التي لا مساس لها باللفظ لا عن الدلالة التي هي من أحواله كان اللازم عد القول المذكور من القول بالنفي لا قولا بالاثبات كما صنعوا إلا ان يقال: إذا كان ثبوت الملازمة محل اشكال كيف يقع النزاع في الاثبات ؟ كما تقدم نظيره في الرد على المعالم في مبحث المقدمة إلا أن يفرق بين المقامين بانه لا نزاع في عدم الدلالة على تقدير عدم الملازمة بين وجوب الشئ ووجوب مقدمته بخلاف المقام لثبوت القول بالدلالة مع انكار الملازمة وحينئذ فالبحث عن الملازمة هنا من قبيل البحث عن بعض مبادئ المسألة فلاحظ (قوله: مفاده فيها) الضمير الاول راجع إلى النهي والثاني راجع إلى المعاملات والظرف متعلق بالملازمة (قوله: ولا ينافي ذلك) وجه توهم المنافات أنه إذا كان القائل بالملازمة بين الحرمة والفساد في العبادة يقول بها مطلقا ولو لم تكن الحرمة مدلولا عليها بالصيغة يكون النزاع في العبادة منحصرا في ثبوت الملازمة وعدمها ولا يرتبط باللفظ (قوله: لامكان ان يكون) تعليل لنفي المنافاة يعني يمكن إرجاع النزاع إلى حال اللفظ بأن يكون النزاع في الدلالة اللفظية ولو كانت التزامية متفرعة على ثبوت الملازمة (قوله: ملاك البحث) المراد به الجهة المقصودة بالبحث وهي التنافي بين مفاد النهي والصحة
واختصاص عموم ملاكه بالعبادات لا يوجب التخصيص به كما لا يخفى، كما لا وجه لتخصيصه بالنفسي فيعم الغيري إذا كان أصليا وأما إذا كان تبعيا فهو وان كان خارجا عن محل البحث لما عرفت أنه في دلالة النهي، والتبعي منه من مقولة المعنى الا أنه داخل فيما هو ملاكه فان دلالته على الفساد - على القول به فيما لم يكن للارشاد إليه - إنما يكون لدلالته على الحرمة من غير دخل لاستحقاق العقوبة على مخالفته في ذلك كما توهمه القمي قدس سره ويؤيد ذلك أنه جعل ثمرة النزاع في أن الامر بالشئ يقتضي النهي عن ضده فساده إذا كان عبادة فتدبر جيدا (الرابع) ما يتعلق به النهي إما أن يكون عبادة أو غيرها،
______________________________
فان ذلك يعم النهي التنزيهي كما أن الغرض المقصود بالبحث (أعني صحة العبادة وفسادها) لا يختص بالنهي التحريمي (قوله: واختصاص عموم) هذا الاختصاص لا وجه له إلا الاجماع على صحة المعاملة المكروهة ولولاه لامكن النزاع في صحة المعاملة المكروهة كالنزاع في صحة المعاملة المحرمة (قوله: التخصيص به) يعني بالتحريمي (قوله: عرفت انه) يعني البحث (قوله: من مقولة المعنى) كما تقدم في مبحث المقدمة فلا يكون داخلا في محل الكلام (أقول): على هذا يكون توصيف النهي بالاصلي على نحو المسامحة إذ معروض الوصفين المذكورين أمر غير اللفظ فقد يكون مدلولا عليه باللفظ وقد لا يكون فراجع (قوله: فيما لم يكن للارشاد) أما لو كان ارشادا إلى الفساد كالنواهي الواردة في مقام بيان شرح الماهيات بشروطها وموانعها فدلالته على الفساد مما لا كلام فيها وإلا كان خلفا (قوله: من غير دخل لاستحقاق) يعنى حتى يتوهم اختصاصه بالنفسي لان الغيري لا يقتضي الاستحقاق كما تقدم ولو بني على دخل الاستحقاق في الفساد لم يكن فرق بين الغيري الاصلي والتبعي في خروجهما عن محل الكلام (قوله: ويؤيد ذلك) ووجهه أن النهي عن الضد الآتي من قبل الامر بضده نهي غيري لا يوجب استحقاق العقاب مع أنه يقتضي الفساد (أقول): قد تقدم في مسألة الضد ما له نفع في
والمراد بالعبادة ههنا (ما) يكون بنفسه وبعنوانه عبادة له تعالى موجبا بذاته للتقرب من حضرته لولا حرمته كالسجود والخضوع والخشوع له وتسبيحه وتقديسه، (أوما) لو تعلق الامر به كان أمره امرا عباديا لا يكاد يسقط الا إذا أتي به بنحو قربي كسائر امثاله نحو صوم العيدين والصلاة في ايام العادة، لا (ما) أمر به لاجل التعبد به ولا (ما) يتوقف صحته على النية
______________________________
المقام فراجع (قوله: والمراد بالعبادة ههنا) قال الشيخ الطبرسي قدس سره: العبادة غاية الخضوع والتذلل ولذلك لا تحسن الا لله تعالى الذي هو مولي أعظم النعم فهو حقيق بغاية الشكر، انتهى. وفى الاصطلاح تطلق على معنيين (أحدهما): ما أمر به بنحو لا يسقط أمره إلا إذا جئ به بعنوان قربي وتسمى العبادة بالمعنى الاخص (وثانيهما) مطلق ما أمر به بنحو يمكن اتيانه بنحو قربي وتسمى العبادة بالمعنى الاعم وبالمعنى الاول تختص بالعباديات المقابلة للتوصليات، وبالمعنى الثاني تشمل العباديات والتوصليات معا وليس المراد من العبادة المذكورة في العنوان أحد هذين المعنيين بل المراد بها المعنى المذكور في كلام الشيخ الطبرسي (ره) المنسوب إلى العرف واللغة، أو ما لو تعلق به أمر كان عبادة بالمعنى الاول من المعنيين (قوله: موجبا بذاته) يعني مع قطع النظر عن الامر لكن لا يخلو عن اشكال أشرنا إليه في المسألة السابقة فلا يبعد إذا القول بأن مقربيتها بتوسط وجود ملاك الامر ولا فرق بينها وبين سائر العباديات الا في ان العقل يدرك ملاك الامر فيها بالنظر إلى ذاتها وان كان قد يزاحم بملاك النهي أو غيره في بعض الاحوال أو الافراد وليس كذلك في غيرها بل يكون ادراكه له بتوسط الامر بها فانه حاك عن وجود ملاك ذاتي لها أو عرضي فتأمل جيدا (قوله: لولا حرمته) يعني الآتية من قبل النهي عنه (قوله: أو ما لو تعلق) يعني مع عدم التعلق ولذلك افترق هذ المعنى عما سبق (قوله: لا ما أمر به) جعله في التقريرات هو الاجود (قوله: ولا ما يتوقف صحته) نسبه في التقريرات لغير واحد
ولا (ما) لا يعلم انحصار المصلحة فيه في شئ كما عرف بكل منها العبادة ضرورة انها بواحد منها لا يكاد يمكن ان يتعلق بها النهي - مع ما أورد عليها بالانتقاض طردا أو عكسا أو بغيره كما يظهر من مراجعة المطولات وإن كان الاشكال بذلك فيها في غير محله لاجل كون مثلها من التعريفات ليس بحد ولا برسم بل من قبيل شرح الاسم كما نبهنا عليه غير مرة فلا وجه لاطالة الكلام بالنقض والابرام في تعريف العبادة ولا في تعريف غيرها كما هو العادة (الخامس) انه لا يدخل في عنوان النزاع الا ما كان قابلا للاتصاف بالصحة والفساد بان يكون تارة تاما يترتب عليه ما يترقب عنه من
______________________________
(قوله: ولا مالا يعلم) ذكره القمي (ره) في القوانين (قوله: لا يكاد يمكن) لان ظاهر التعريفات المذكورة كون العبادة مأمورا بها فيلزم اجتماع الامر والنهي فلا بد أن تكون العبادة المأخوذة في العنوان غير مأمور بها ولذا عدل المصنف (ره) عن المعنى الاصطلاحي إلى ما ذكره (أقول): الظاهر منهم ارادة تعريف العبادة بالمعنى الاخص من حيث هي لا خصوص الواقعة في العنوان (قوله: مع ما أورد عليها) أما تعريف المحقق القمي فاورد عليه في الفصول بانتقاضه (عكسا) بالوضوء الذي علم انحصار المصلحة فيه في الطهارة مع أنه عبادة (وطردا) بالتوصليات التي لا يعلم مصلحتها كتوجيه الميت إلى القبلة وأما التعريف المنسوب إلى غير واحد فناقش فيه في التقريرات بما يطول شرحه، ويمكن دفعه بأن المراد من الصحة ترتب الاثر الذي هو المقصود الاصلي للآمر وأما التعريف الاول فيمكن المناقشة فيه بشموله لجميع الواجبات التوصلية إذ كل أمر بشئ ليس الغرض منه إلا التحريك إلى متعلقه وهو عين التعبد خارجا وسقوط الامر في التوصليات بمجرد حصول الفعل ولو لا بداعي الامتثال لا ينافي ذلك كما لعله ظاهر بالتأمل (قوله: في غير محله لاجل) قد عرفت الاشكال فيه في مبحث المقدمة من أنه إنما يتم لو لم يكن الوجه في العدول عن تعريف إلى آخر أنه غير مطرد أو غير منعكس أما إذا كان الوجه في العدول ذلك فلا يتم (قوله: ما كان قابلا)
الاثر وأخرى لا كذلك لاختلال بعض ما يعتبر في ترتبه أما ما لا اثر له شرعا أو كان أثره مما لا يكاد ينفك عنه كبعض اسباب الضمان فلا يدخل في عنوان النزاع لعدم طروء الفساد عليه كى ينازع في أن النهي عنه يقتضيه اولا فالمراد بالشى في العنوان هو العبادة بالمعنى الذي تقدم والمعاملة بالمعنى الاعم مما يتصف بالصحة والفساد عقدا كان أو إيقاعا أو غيرهما فافهم (السادس) أن الصحة والفساد وصفان إضافيان يختلفان بحسب الآثار والانظار فربما يكون شئ واحد صحيحا بحسب أثر أو نظر وفاسدا بحسب آخر ومن هنا صح أن يقال: إن الصحة في العبادة والمعاملة لا تختلف بل فيهما بمعنى واحد وهو التمامية وإنما الاختلاف فيما هو المرغوب منهما من الآثار التي بالقياس عليها تتصف بالتمامية وعدمها
______________________________
المراد ما يكون متصفا بالفساد على تقدير اقتضاء النهي لا مجرد القابلية فانها أعم من الفعلية (قوله: كبعض أسباب) مثل الغصب والاتلاف فانهما يترتب عليهما الرد والضمان دائما (أقول): قد لا يترتبان عليهما كما في غصب مال الكافر واتلافه فالوجه في عدم اتصافهما بالصحة والفساد أن معروض الوصفين لابد أن يكون ذا أثر مرغوب فيه بحيث يقصد التوصل به إليه وليس الغصب والاتلاف كذلك ومثلهما الاسباب الموجبة للحدث فانها قد يترتب عليها الاثر وقد لا يترتب كما في المسلوس والمبطون على وجه ومع ذلك لا تتصف بالصحة والفساد (قوله: أو غيرهما فافهم) يمكن أن يكون اشارة إلى امكان دعوى عموم النزاع لما لو أمر به لصح اتيانه عبادة وان ترتب عليه أثره التوصلي بمجرد اتيانه إذ عدم الاتصاف بالصحة والفساد بالاضافة إلى الاثر التوصلي لا يمنع من دخوله في محل النزاع بالاضافة إلى الاثر التعبدي (قوله: أو نظر) كما لو كانت الآثار مختلفة باختلاف الانظار مثل نظر العرف ونظر الشرع (قوله: وهو التمامية) على هذا لا يكون الاتصاف بالصحة بالاضافة إلى الاثر إذ التمامية عبارة عن كون الشئ واجدا لجميع ما يعتبر فيه مقابل الناقص الفاقد لبعض ما يعتبر فيه والآثار
وهكذا الاختلاف بين الفقيه والمتكلم في صحة العبادة انما يكون لاجل الاختلاف فيما هو المهم لكل منهما من الاثر بعد الاتفاق ظاهرا على أنها بمعنى التمامية كما هي معناها لغة وعرفا ولما كان غرض الفقيه هو وجوب القضاء أو الاعادة أو عدم الوجوب فسر صحة العبادة بسقوطهما وكان غرض المتكلم هو حصول الامتثال الموجب عقلا لاستحقاق المثوبة فسرها بما يوافق الامر تارة وبما يوافق الشريعة أخرى
______________________________
لا دخل لها في ذلك نعم الآثار المختلفة ربما تكون مقتضياتها مختلفة بحسب المرتبة فتكون الآثار ملحوظة طريقا إلى تعيين تلك المرتبة لا أنها بنفسها ملحوظة معيارا للاتصاف بالصحة والفساد بل المعيار تلك المرتبة الخاصة المؤثرة في أثر كذا ومن هنا يشكل قوله: التي بالقياس... الخ فلاحظ (قوله: وهكذا الاختلاف) هذا تعريض بمن نسب الاختلاف إلى الفقهاء والمتكلمين في معنى الصحة وأنها عند الفقهاء إسقاط الاعادة والقضاء، وعند المتكلمين موافقة الامر أو الشريعة وحاصل التعريض ان اختلافهم في تعريف الصحة ليس لاختلافهم في معناها بل هي عند الجميع بمعنى واحد لكن لما كان المقصود بتعريفها الاشارة إليها ببعض لوازمها وآثارها وكان الاثر المترتب عليها مختلفا باختلاف مقاصدهم اختلفت تعريفاتها باختلاف الاثر المقصود فعرفها الفقهاء باسقاط الاعادة والقضاء لانه الاثر المقصود في البحث عن فعل المكلف من حيث الاقتضاء والتخيير، وعرفها المتكلمون بموافقة الامر أو الشريعة لكونه أنسب بمقصدهم بالبحث عن حيثية استحقاق الثواب والعقاب، قال في الفصول: وكأن منشأ اختلافهم في ذلك اختلاف محل انظارهم فان الانسب بمقاصد الكلام البحث عن الفعل من حيث قصد الامتثال به ولو في الجملة، والانسب بمقاصد الفقه البحث عنه من حيث تعلق الخطاب بقضائه وعدمه انتهى، أقول: إذا كان المراد من موافقة الامر موافقة نفس المأمور به كما سيأتي في التنبيه الآتي لا إطاعة الامر فهو عين الصحة بمعنى التمامية - حسبما عرفت -
وحيث أن الامر في الشريعة يكون على اقسام من الواقعي الاولي، والثانوي، والظاهري، والانظار تختلف في أن الاخيرين يفيدان الاجزاء أو لا يفيدان كان الاتيان بعبادة موافقة لامر ومخالفة لآخر ومسقطا للقضاء والاعادة بنظر وغير مسقط لهما بنظر آخر فالعبادة الموافقة للامر الظاهري تكون صحيحة عند المتكلم والفقيه بناء على ان الامر في تفسير الصحة بموافقة الامر أعم من الظاهري مع اقتضائه للاجزاء وعدم اتصافها بها عند الفقيه بموافقته بناء على عدم الاجزاء
______________________________
لا أنه لازمها نعم اسقاط الاعادة من اللوازم جزما (قوله: وحيث ان الامر في الشريعة) شروع في تحقيق ما اشتهر من ان النسبة بين التعريفين عموم مطلق لان كل ما يسقط الاعادة يوافق الامر ولا عكس كما في الصلاة بالطهارة المستصحبة فانها موافقة للامر وليست مسقطة للاعادة وحاصل ما ذكره في تحقيق ذلك أن ما ذكر إنما يتم لو كان المراد من الامر المذكور في تعريف الصحة عند المتكلم الاعم من الامر الظاهري وبنينا على عدم الاجزاء بموافقته أما لو انتفى أحدهما كما لو بنينا على الاجزاء بموافقته فالتعريفان متساويان إذ الصلاة بالطهارة المستصحبة تكون مسقطة للاعادة حينئذ وكذا يكونان متساويين لو كان المراد بالامر المذكور في تعريف الصحة هو الامر الواقعي وقلنا بعدم الاجزاء بموافقة الامر الظاهري إذ الصلاة المذكورة لا تكون موافقة للامر الواقعي كما لا تكون مسقطة للاعادة (ومنه) يظهر انه لو كان المراد بالامر المذكور في تعريف الصحة هو الامر الواقعي وقلنا بالاجزاء بموافقة الامر الظاهري كان تعريف الفقهاء أعم من تعريف المتكلمين (قوله: بموافقة الامر) متعلق بتفسير (قوله: أعم) خبر (أن) (قوله: مع اقتضائه) يعني مع البناء على اقتضاء الامر الظاهري للاجزاء (قوله: وعدم اتصافها) مبتدأ خبره (بناء) والجملة معطوفة على قوله: تكون صحيحة، يعني لا تكون العبادة صحيحة عند الفقيه والمتكلم معا بناء على عدم اقتضاء الامر الظاهري للاجزآء وعلى كون الامر المذكور في التعريف هو
وكونه مراعى بموافقة الامر الواقعي عند المتكلم بناء على كون الامر في تفسيرها خصوص الواقعي (تنبيه) وهو انه لا شبهة في أن الصحة والفساد
______________________________
الامر الواقعي (قوله: وكونه) مبتدأ خبره (بناء) وضميره راجع إلى الاتصاف (قوله: لا شبهة في أن الصحة) شروع في تحقيق أن صفتي الصحة والفساد من الاحكام الشرعية الوضعية المجعولة استقلالا أو تبعا أو من الاحكام العقلية أو من الاعتباريات التي لا دخل للشارع ولا للعقل فيها اصلا، وحاصل ما ذكره (قدس سره) أن الصحة عند المتكلم - حيث فسرها بموافقة الامر - تكون من الاضافات القائمة بين الماتي به والمأمور به منتزعة من كون المأتي به واجدا لجميع الخصوصيات المأخوذة في المأمور به شرطا أو شطرا فتكون الصحة نظير المشاكلة والمشابهة والمماثلة والمطابقة القائمة بين المتشاكلين والمتشابهين والمتماثلين والمتطابقين التي لا يتوقف اعتبارها على جعل جاعل وليست من قبيل الاحكام العقلية (وأما) عند الفقيه - حيث فسرها بسقوط القضاء - فيختلف حالها باختلاف الموصوف بها فان كان الموصوف بها هو الفعل المطابق للمأمور به بالامر الواقعي فهى من الاحكام العقلية وان كان الموصوف بها الفعل المطابق للمأمور به بالامر الاضطراري أو الظاهري فهى بالاضافة إلى الامر الاضطراري والظاهري أيضا كذلك أما بالاضافة إلى الامر الواقعي فان كان المأتي بها وافيا بتمام الغرض الاصلي للامر المذكور فهى أيضا من الاحكام العقلية وان لم يكون وافيا به فهى من الاحكام الشرعية المجعولة للشارع إذ العقل لا يستقل بسقوط الاعادة والقضاء في الفرض المذكور وإنما يكون بجعل الشارع لا غير. هذا بالنسبة إلى طبيعة الفعل المأمور به وأما بالنسبة إلى الافعال الجزئية الصادرة من المكلف فصحتها بمعنى مسقطيتها للامر الواقعي عقلية لا غير ناشئة من انطباق الكلي عليها لا غير. هذا كله في العبادات (وأما) في المعاملات فصحتها بمعنى ترتب الاثر عليها ليست إلا من المجعولات الشرعية حيث أن ترتب الاثر انما يكون بجعل الشرع لا غير. هذا بالنسبة إلى
عند المتكلم وصفان اعتباريان ينتزعان من مطابقة المأتي به مع المأمور به وعدمها وأما الصحة بمعنى سقوط القضاء والاعادة عند الفقيه فهي من لوازم الاتيان بالمأمور به بالامر الواقعي الاولي عقلا حيث لا يكاد يعقل ثبوت الاعادة أو القضاء معه جزما فالصحة بهذا المعنى فيه وان كان ليس بحكم وضعي مجعول بنفسه أو بتبع تكليف الا انه ليس بامر اعتباري ينتزع كما توهم بل مما يستقل به العقل كما يستقل باستحقاق المثوبة به وفي غيره فالسقوط ربما يكون مجعولا وكان الحكم به تخفيفا ومنة على العباد مع ثبوت المقتضي لثبوتهما كما عرفت في مسألة الاجزاء كما ربما يحكم بثبوتهما فيكون الصحة والفساد فيه حكمين مجعولين لا وصفين انتزاعيين (نعم) الصحة والفساد في الموارد
______________________________
طبيعة المعاملة وأما بالنسبة إلى المعاملات الجزئية فصحتها عقلية ناشئة عن انطباق الطبيعة المجعولة سببا على المعاملة الجزئية الخارجية كما تقدم نظيره في العبادات، " أقول ": يأتي التنبيه على موقع النظر في كلامه (قوله: عند المتكلم) هذا هدم لما حققه هو (ره) وغيره من كون الصحة عند الجميع بمعنى واحد كما سبق فكأنه مبني على ما اشتهر من اختلاف معنى الصحة عند المتكلم والفقيه أخذا بظاهر التعريفين (قوله: ينتزعان من مطابقة) بل هما حينئذ عين المطابقة والمخالفة ينتزعان من كون المأتي به واجدا لما يعتبر في المأمور به شطرا أو شرطا لا من المطابقة وعدمها (قوله: بمعنى سقوط) السقوط لا يصح جعله صفة للمأتي به وانما وصفه الاسقاط فيكون منتزعا من السقوط الذي هو من اللوازم الاعتبارية للازم العقلي لا عين اللازم العقلي فتأمل (قوله: كما توهم) يعني في التقريرات فتأمل (قوله: في غيره) يعني الاتيان بالمأمور به الاضطراري أو الظاهري والضمير راجع إلى الاتيان بالمأمور به بالامر الواقعي (قوله: يكون مجعولا) يعني حيث لا يكون وافيا بالغرض يعني وربما لا يكون مجعولا حيث يكون وافيا به (قوله: لثبوتهما) يعني الاعادة والقضاء (قوله: فيكون الصحة والفساد) إذ الصحة عين سقوط الاعادة والقضاء والفساد عين
الخاصة لا يكاد يكونان مجعولين بل انما هي يتصف بهما بمجرد الانطباق على ما هو المأمور به. هذا في العبادات، وأما الصحة في المعاملات فهى تكون مجعولة حيث كان ترتب الاثر على معاملة إنما هو بجعل الشارع وترتيبه عليها ولو إمضاء ضرورة أنه لو لا جعله لما كان يترتب عليه لاصالة الفساد (نعم) صحة كل معاملة شخصية وفسادها ليس الا لاجل انطباقها مع ما هو المجعول سببا وعدمه كما هو الحال في التكليفية من الاحكام ضرورة ان اتصاف المأتي به بالوجوب أو الحرمة أو غيرهما ليس الا لانطباقه مع ما هو الواجب أو الحرام (السابع) لا يخفى أنه لا أصل في المسألة يعول عليه لو شك في دلالة النهي على الفساد. نعم كان الاصل في المسألة الفرعية الفساد لو لم يكن هناك اطلاق أو عموم يقتضي الصحة في المعاملة وأما العبادة
______________________________
ثبوتهما وهما شرعيان (قوله: بمجرد الانطباق) أقول: إذا كان الانطباق حقيقيا فالاثر الثابت للمنطبق إذا كان شرعيا كان للمنطبق عليه كذلك فأثره ليس عقليا بل الانطباق عقلي لا غير (قوله: نعم صحة كل معاملة) كما تقدم ذلك في العبادات " أقول ": إذا كانت الصحة بمعنى التمامية فحيث عرفت أن التمامية إنما تكون بالاضافة إلى مرتبة معينة امتنع ان يتصف بها نفس الطبيعة بلا فرق بين العبادة والمعاملة حيث لا مرتبة يكون الاتصاف بلحاظها بل لا بد أن يكون المتصف بها نفس الافعال الجزئية الخارجية بلحاظ موافقتها للطبيعة المأمور بها أو المجعول لها الاثر فلاحظ. والله سبحانه أعلم (قوله: لا أصل في المسألة) أما اصالة عدم دلالة النهي أو عدم حجيته في الفساد فيتوقف جريانهما على الشك في الدلالة المستتبع للشك في الحجية لكنه ممتنع لان الدلالة كالعلم من الامور الوجدانية التي لا تقبل الشك فيمتنع الشك في الحجية ايضا. نعم يمكن الشك في الدلالة بالنسبة إلى غير أهل اللسان لكن جريان أصالة عدم الدلالة يتوقف على كون الاثر العملي أثرا للدلالة الواقعية فيجري أصالة عدم الدلالة لنفيه (وكيف كان) فلو جرت أصالة عدم الدلالة على الفساد لم تصلح لاثبات الصحة إذ الصحة ليست من
فكذلك لعدم الامر بها مع النهى عنها كما لا يخفى (الثامن) ان متعلق النهي إما أن يكون نفس العبادة أو جزءها أو شرطها الخارج عنها أو وصفها الملازم لها كالجهر(١) والاخفات للقراءة أو وصفها غير الملازم كالغصبية لا كون الصلاة
______________________________
*
اللوازم الشرعية لعدم الدلالة بل ولا العقلية فلا بد من إعمال الاصل في المسألة الفرعية وهو في المعاملة يقتضي الفساد لاصالة عدم ترتب الاثر مع الشك في ترتبه إلا أن يكون إطلاق أو عموم يقتضي ترتب الاثر على المعاملة فيكون هو المرجع لانه حاكم على الاصل (قوله: فكذلك) يعني الاصل فيها الفساد لان صحة العبادة موقوفة على الامر ولا أمر مع النهي المفروض تعلقه بالعبادة " أقول ": ملاك الامر كاف في صحة العبادة مع أن لازم ذلك الفساد واقعا لا الفساد ظاهرا الذي هو مقتضى الاصل في محل البحث. ولاجل ذلك يظهر الاشكال في تعليل الفساد بالنهي الموجب لامتناع التقرب المعتبر فيها. نعم لو شك في كون مقتضى النهي الفساد للشك في منع المبغوضية الفعلية عن التقرب المعتبر في العبادة فقد تقدم أن الاصل فيه الاحتياط والفساد أو البراءة والصحة في مبحث التعبدي والتوصلي ثم ان في بعض النسخ بدل قوله: واما العبادة فكذلك لعدم الامر بها مع النهي عنها، قوله: وأما العبادة فكذلك لو كان الشك في اصل ثبوت الامر أو في صحة المأتي به... الخ وقد ضرب عليها في بعض النسخ ولعل الوجه فيه أن الصور المذكورة فيها كلها مشتركة في كون الشك في الصحة من جهة الشك في المشروعية وهو خارج عن محل الكلام لان الكلام في الشك في اقتضاء النهي فلاحظ، (قوله: كالجهر والاخفات للقراءة) يعني كما لو كان المنهي عنه خصوص الجهر بالقراءة أو الاخفات بها لا مطلق الجهر أو الاخفات وإلا كان منفكا عن الصلاة كالغصب
______________
(١) فان كل واحد منهما لا يكاد ينفك عن القراءة وان كانت هي تنفك عن أحدهما فالنهي عن أيهما يكون مساوقا للنهي عنها كما لا يخفى. (منه قدس سره) (*)
المنفكة عنها لا ريب في دخول القسم الاول في محل النزاع وكذا القسم الثاني بلحاظ أن جزء العبادة عبادة الا أن بطلان الجزء لا يوجب بطلانها الا مع الاقتصار عليه لا مع الاتيان بغيره مما لا نهى عنه الا أن يستلزم محذورا آخر (وأما) القسم الثالث فلا يكون حرمة الشرط والنهي عنه موجبا لفساد العبادة الا فيما كان عبادة كى يكون حرمته موجبة لفساده المستلزم لفساد المشروط به (وبالجملة) لا يكاد يكون النهي عن الشرط موجبا لفساد العبادة المشروطة به لو لم يكن موجبا لفساده كما إذا
______________________________
(قوله: وكذا القسم الثاني) لا يخفى أن تقسيم متعلق النهي إلى الاقسام المذكورة (تارة) يكون لاجل التعرض لدخول جميعها في محل النزاع وأن النهي عن كل واحد منها يقتضي فساده أولا ؟ (وأخرى) لاجل التعرض لان النهي فيما عدا القسم الاول يسري إلى نفس العبادة أو لا ؟ (وثالثة) لاجل التعرض لان بطلان المنهي عنه فيما عدا القسم الاول أو حرمته يقتضي بطلان العبادة أولا ؟ وقد اضطرب كلام المصنف (ره) في التعرض لهذه الجهات فقد جرى في بعض الاقسام على غير ما جرى عليه في البعض الآخر كما يظهر بأدنى تأمل في العبارة (قوله: بلحاظ أن جزء العبادة عبادة) إذ الكل عين أجزائه فإذا كان الامر بالكل عباديا كان كل واحد من الاوامر الضمنية المتعلقة بكل واحد من الاجزاء كذلك. نعم تعليل دخول النهي عن الجزء في محل النزاع بذلك لا يخلو من خفاء إذ يكفي فيه كون الجزء مما يتصف بالصحة والفساد وان لم يكن عبادة وليس النزاع مختصا بالنهي عن العبادة فتأمل (قوله: إلا مع الاقتصار) إذ حينئذ يكون الكل كأن لم يؤت بجزئه وعدم الجزء عدم الكل (قوله: لا مع الاتيان) يعني لا مع الاتيان بالجزء ثانيا صحيحا إذ الكل حينئذ واجد لجزئه (قوله: إلا أن يستلزم محذورا) كما لو كان الاتيان بالجزء ثانيا موجبا لزيادة الجزء وكانت الزيادة مانعة من صحة الكل فانه يبطل الكل حينئذ على كل حال (قوله: موجبا لفساد العبادة) إذ توهم ايجابه لذلك إما لان حرمة الشرط تسري إلى نفس المشروط
كانت عبادة (وأما) القسم الرابع فالنهي عن الوصف اللازم مساوق للنهي عن موصوفه فيكون النهي عن الجهر في القراءة مثلا مساوقا للنهى عنها لاستحالة كون القراءة التي يجهر بها مأمورا بها مع كون الجهر بها منهيا عنه فعلا كما لا يخفى.
______________________________
(ففيه) أنه لا وجه له مع تمايز الوجودين (وإما) لان حرمته تقتضي فساده الموجب لفساد المشروط (ففيه) أن ذلك ممنوع إذا لم يكن عبادة (وإما) لان حرمته تمنع من كونه شرطا ويكون الشرط غيره من الافراد المباحة لئلا يلزم اجتماع الامر المقدمي والنهي (ففيه) أن عدم تعلق الامر المقدمي به لا يوجب ارتفاع ملاكه وهو كاف في ترتب المشروط عليه (قوله: مساوق للنهي) ان كان ذلك للتلازم بين الصفة والموصوف فقد تقدم عدم وجوب اتحاد المتلازمين في الحكم. نعم يمتنع الامر بالموصوف مع النهي عن الوصف لامتناع اختلاف المتلازمين في الحكم لكن امتناع الامر لا يقتضي البطلان لكفاية ملاك الامر في الصحة كما تقدم في مبحث الضد وان كان ذلك لاتحادهما في الوجود فسراية النهي تبتني على القول بالامتناع كالوصف المفارق ومجرد المفارقة وعدمها لا يقتضيان الفرق بينهما كما تقدم في المبحث السابق في اعتبار المندوحة (قوله: فيكون النهي عن الجهر) اعلم أن الجهر شدة في الصوت وتأكد في وجوده والوجود المتأكد لما كان منحلا إلى مراتب متكثرة هي حصص للطبيعي جاز اجتماع الامر والنهي فيه لان موضوع الامر غير موضوع النهي فالقراءة الجهرية جاز أن تكون بذاتها مأمورا بها وبوصفها منهيا عنها نظير ما لو أذن المالك أن يستعمل من طعامه مثقال فاستعمل مثقالان استعمالا واحدا إذ يكون استعمال مثقال مباحا واستعمال مثقال محرما وعليه فلو جهرت المرأة في القراءة والاذان بنحو يسمع صوتها الاجنبي متلذذا بنحو يؤدي إلى حرمة الجهر صح أذانها وقراءتها وأثمت بالجهر كما هو مذهب جماعة كالوحيد البهبهاني وصاحب الحدائق وغيرهما، (قوله: مأمورا بها) لكن استحالة الامر لا تقتضي النهي ولا الفساد
وهذا بخلاف ما إذا كان مفارقا كما في القسم الخامس فان النهي عنه لا يسرى إلى إلى الموصوف الا فيما إذا اتحد معه وجودا بناء على امتناع الاجتماع، وأما بناء على الجواز فلا يسري إليه كما عرفت في المسألة السابقة. هذا حال النهى المتعلق بالجزء أو الشرط أو الوصف (وأما) النهي عن العبادة لاجل أحد هذه الامور فحاله حال النهي عن أحدها إن كان من قبيل الوصف بحال المتعلق وبعبارة أخرى كان النهي عنها بالعرض وان كان النهي عنه على نحو الحقيقة والوصف بحاله وان كان بواسطة أحدها الا أنه من قبيل الواسطة في الثبوت لا العروض كان حاله حال النهي في القسم الاول فلا تغفل. ومما ذكرنا في بيان أقسام النهي في العبادة يظهر حال الاقسام في المعاملة فلا يكون بيانها على حدة بمهم كما أن تفصيل الاقوال في الدلالة على الفساد وعدمها التي ربما تزيد على العشرة - على ما قيل - كذلك إنما المهم بيان ما هو الحق في المسألة ولا بد في تحقيقه على نحو يظهر الحال في الاقوال من بسط المقال في مقامين (الاول) في العبادات فنقول وعلى الله الاتكال: إن النهي المتعلق بالعبادة بنفسها ولو كانت جزء عبادة بما هو عبادة كما عرفت مقتض لفسادها لدلالته
______________________________
(قوله: وهذا بخلاف) قد عرفت الاشكال في الفرق (قوله: من قبيل الوصف) بأن لا يكون ناشئا عن مبغوضية العبادة بل كان عن بغض أحد هذه الامور وان كانت نفس العبادة واقعة في حيز النهي اللفظي (قوله: عنها بالعرض) يعني عن بعض بالعرض (قوله: وإن كان النهي) معادل قوله: إن كان من قبيل (قوله: والوصف بحاله) يعني بحال نفسه بأن يكون عن بعض نفس العبادة وان كان الوجه في بعضها أحد تلك الامور فيكون من قبيل الواسطة في الثبوت التي هي علة ثبوت العارض للمعروض لا الواسطة في العروض التي يكون العروض عليها أولا وبالذات وبتوسطها يكون لغيرها ثانيا وبالعرض (قوله: حاله حال النهي) إذ مناط الفساد هو المبغوضية التي لا فرق فيها بين الذاتية والعرضية
على حرمتها ذاتا ولا يكاد يمكن اجتماع الصحة بمعنى موافقة الامر أو الشريعة مع الحرمة. وكذا بمعنى سقوط الاعادة فانه مترتب على اتيانها بقصد القربة وكانت مما يصلح لان يتقرب بها ومع الحرمة لا يكاد يصلح لذلك ويأتي قصدها من الملتفت إلى حرمتها كما لا يخفى (لا يقال):
______________________________
*
لاحد هذه الامور (قوله: على حرمتها ذاتا) لا ريب في أن طبع النهي مجردا عن القرائن يقتضي ذلك. نعم قد تقوم قرينة على خلافه فيكون ظاهرا في نفي الوجوب أو نفي المشروعية أو ارشادا إلى خلل موجب للفساد وعلى الاول فان كان دليل يقتضي مشروعيتها من عموم أو إطلاق أو أصل شرعي جاز الاتيان بها بعنوان كونها عبادة مشروعة وإلا جاز الاتيان بها كذلك رجاء مشروعيتها وعلى الاخيرين فان كان النهي قطعيا امتنع الاتيان بها بعنوان كونها عبادة أصلا وإن كان ظنيا أمكن الاتيان بها رجاء (قوله: بمعنى موافقة الامر) إذ الحرمة موجبة لكون الفعل معصية وذلك مانع من تحقق الموافقة سواء أكان المراد بها إطاعة الامر بالمعنى المعتبر في العبادة أم موافقة نفس المأمور به إذ التحريم يوجب انطباق عنوان المعصية على الفعل المنافي لعباديته حسبما تقدم في المبحث السابق ويشير إليه المصنف (ره) هنا فلا يكون الفعل مأمورا به لمضادته للنهي ولا واجدا لمقتضيه لما عرفت سابقا من أن مصلحة الامر العبادي ملازمة لاتيانه بعنوان عبادي فمع امتناع اتيانه كذلك يمتنع كونه مصلحة وعليه فلا يكون المأتي به حينئذ موافقا للمأمور به لان موضوع الامر بمقتضى تبعية الامر للمصلحة أن يكون خصوص الحصة الملازمة للداعي لا غير فحيث لا يكون الفعل المحرم موضوعا للامر ولا للمصلحة لا يكون مصداقا للمأمور به وبهذا يظهر عدم سقوط الاعادة، ومن ذلك يظهر أيضا أن الانسب التعرض لتعليل مانعية الحرمة عن الصحة بمعنى الموافقة ثم إيكال وجه مانعيتها عنها بمعنى السقوط إلى ذلك لا اهماله والتعرض لخصوص الثاني (قوله: ويأتي قصدها) معطوف على قوله: يصلح، يعني يمتنع
هذا لو كان النهي عنها دالا على الحرمة الذاتية ولا يكاد يتصف بها العبادة لعدم الحرمة بدون قصد القربة وعدم القدرة عليها مع قصد القربة بها الا تشريعا ومعه تكون محرمة بالحرمة التشريعية لا محالة ومعه لا تتصف بحرمة أخرى لامتناع اجتماع المثلين كالضدين (فانه يقال): لا ضير في اتصاف ما يقع عبادة - لو كان مأمورا به - بالحرمة الذاتية مثلا صوم العيدين كان عبادة منهيا عنها بمعنى انه لو أمر به كان عبادة لا يسقط الامر به الا إذا اتي به بقصد القربة كصوم سائر الايام هذا فيما إذا لم يكن
______________________________
قصد القربة من الملتفت أما الغافل بل مطلق المعذور فلا مانع من صحة عبادته. نعم تتوقف على وجود جهة مصححة للتقرب ويمكن اثباتها بعموم أو اطلاق يقتضي وجود مصلحة في الفعل مطلقا وقد تقدم الكلام في ذلك في مقدمات المسألة السابقة والتنبيه الاول منها فراجع وتأمل (قوله: هذا لو كان النهي) كما اعترف به المستدل حيث اخذ ذلك في مقدمات الاستدلال (قوله: لعدم الحرمة بدون) لان الفعل بدون قصد القربة ليس عبادة فلا يكون موضوعا للنهي المفروض كون موضوعه العبادة (قوله: إلا تشريعا) حيث لا أمر بها ليقصد التقرب به فلا بد أن يكون التقرب بالامر التشريعي " أقول ": سيأتي أن هذا اعتراف بفساده العبادة حينئذ (قوله: لامتناع اجتماع) أقول: الممتنع اجتماعهما بحديهما ليكونا وجودين ممتازين أما اجتماعهما بذاتيهما على نحو يكون أحدهما مؤكدا للآخر فلا امتناع فيه بل هو واقع كثيرا (قوله: لا ضير في اتصاف) راجع إلى منع قول المعترض: لعدم الحرمة بدون قصد القربة، وأنه إنما يتم لو كان المراد بالعبادة التي هي موضوع الحرمة الذاتية خصوص ما كان معنونا بعنوان العبادية وليس كذلك إذ المراد بها ما لو تعلق به أمر لكان أمرا تعبديا ومثله ينطبق على الفعل وان لم يؤت به بعنوان العبادة " أقول ": إن أريد امكان ذلك فهو في محله وان أريد أن محل الكلام ذلك فهو بعيد فان محل الكلام النواهي الواردة في الكتاب والسنة المتعلقة بالعبادة بعنوان كونها عبادة كالنهي عن صوم يوم العيد
ذاتا عبادة كالسجود لله تعالى ونحوه وإلا كان محرما مع كونه فعلا عبادة مثلا إذا نهي الجنب والحائض عن السجود له تبارك وتعالى كان عبادة محرمة ذاتا حينئذ لما فيه من المفسدة والمبغوضية في هذا الحال مع انه لا ضير في اتصافه بهذه الحرمة مع الحرمة التشريعية بناء على أن الفعل فيها لا يكون في الحقيقة متصفا بالحرمة بل انما يكون المتصف بها ما هو من أفعال القلب كما هو الحال في التجرى والانقياد فافهم. هذا مع أنه لو لم يكن النهي فيها دالا على الحرمة لكان دالا على الفساد لدلالته على الحرمة التشريعية فانه لا أقل من دلالته على انها ليست بمأمور بها وان عمها اطلاق دليل الامر بها أو عمومه (نعم) لو لم يكن النهي عنها إلا عرضا كما إذا نهى عنها فيما كانت ضدا لواجب مثلا لا يكون مقتضيا للفساد بناء على عدم الاقتضاء للامر بالشئ للنهي عن الضد الا كذلك (أي عرضا)
______________________________
وصلاة الحائض وغيرهما فلاحظ (قوله: ذاتا عبادة) قد تقدم الكلام فيه (قوله: فعلا عبادة) يعني بدون قصد القربة (قوله: ما هو من افعال القلب) كون التشريع من أفعال القلب (أعني البناء على كون حكم الواقعة كذا) هو المطابق للمفهوم منه كما يظهر بملاحظة موارد استعماله في الكتاب والسنة ومراجعة كتب اللغة إلا أن في اختصاص القبح العقلي به وعدم كونه في الفعل تأملا أو منعا بل الظاهر من بناء العقلاء كون القبح الحاصل في الفعل الجاري على طبق التشريع أأكد منه في نفس التشريع وفي مراجعة العقلاء شهادة بذلك، (قوله: كما هو الحال) سيأتي في محله انشاء الله تعالى ان التجري والانقياد ينتزعان من الفعل الخارجي الصادر من المكلف في مقام الاطاعة والعصيان لا من نفس فعل القلب (قوله: ليست بمأمور بها) فانه كاف في الفساد ولو لم نقل بالحرمة التشريعية ولا بدلالة النهي عليها (قوله: وان عمها اطلاق) فيكون النهي مخصصا أو مقيدا (قوله: إلا عرضا) بالمعنى المتقدم (قوله: بناء على عدم) الانسب وقوع هذا الكلام قبل قوله: لا يكون مقتضيا للفساد فانه
فيخصص به أو يقيد (المقام الثاني) في المعاملات ونخبة القول: أن النهي الدال على حرمتها لا يقتضي الفساد لعدم الملازمة فيها لغة ولا عرفا بين حرمتها وفسادها اصلا كانت الحرمة متعلقة بنفس المعاملة بما هو فعل المباشرة أو بمضمونها بما هو فعل بالتسبيب
______________________________
لا يصح علة له بل لما قبله (قوله: فيخصص به أو يقيد) الظاهر ان هذا في اصل العبارة واقع قبل قوله: نعم لو لم... الخ (قوله: بنفس المعاملة) المراد من المعاملة وجود السبب كالعقد ومن مضمونها وجود المسبب كالملكية ومن التسبيب ايجاد السبب بما أنه سبب إلى مسببه ومن التسبب ايجاد المسبب بما انه مسبب عن سببه فالفرق بين المعاملة والتسبيب اعتباري كما ان الفرق بين مضمونها والتسبب كذلك وعليه كان المناسب إما ترك ذكر التسبب اكتفاء بذكر المضمون لانه عينه أو ذكر التسبيب كما ذكر التسبب لانه غير نفس المعاملة اعتبارا، وكيف كان فما ذكره من أن تحريم السبب أو المسبب لا يقتضي الفساد في محله ويكفي في وضوح الاول ما ثبت بالضرورة من تحريم بعض الاسباب مع ترتب مسبباتها كالغصب والاتلاف المترتب عليهما الضمان وعدم اتصافهما بالصحة والفساد كما تقدم لا دخل له فيما نحن فيه، وأما الثاني فوضوحه في المؤثرات الحقيقة كالافعال التوليدية ظاهر وأما في المؤثرات الاعتبارية التي هي محل الكلام فقد يشكل من جهة أن مبغوضية المسبب تمنع من اعتبار الشارع السببية لاسبابها لان اعتبار السببية ناشئ من اعتبار نفس المسبب مترتبا على وجود السبب وحيث أن الاعتبار لابد أن يكون عن ارادة امتنع تحققه في ظرف كراهة المسبب لكن هذا الاشكال لو تم اقتضى المنع من تحريم المسبب لانه فعل الشارع لا المكلف، فلو بني على صحة تحريمه بما أنه فعل للمكلف ولو بالتسبيب لم يتوجه إذ يكون حينئذ ناشئا عن ارادة المكلف لا إرادة الجاعل (فلابد) أولا من بيان أنها من أفعال المكلف - ولو التوليدية - ليصح كونها موضوعا للتكليف من الحرمة وغيرها ثم يحكم بان تحريمها لا يقتضي الفساد فنقول: الامور الاعتبارية إنما تكون بالاعتبار الذي هو فعل المعتبر شارعا
أو بالتسبب بها إليه وان لم يكن السبب ولا المسبب - بما هو فعل من الافعال - بحرام وانما يقتضي الفساد فيما إذا كان دالا على حرمة ما لا يكاد يحرم مع صحتها مثل النهي عن أكل الثمن أو المثمن
______________________________
*
كان أو غيره وليست من الآثار المترتبة على أسبابها وقد تقدم أن دخل منشأ الاعتبار في الامر الاعتباري ليس كدخل المؤثر في المتأثر والسبب في المسبب بل دخله إنما هو من قبيل دخل الداعي في تحقق المراد فيكون بوجوده العلمي شرطا في تحقق الارادة التي هي العلة التامة لحصول الاعتبار من المعتبر الذي به يكون الامر الاعتباري فيمتنع أن تكون من أفعال فاعل المعاملة وكان التكليف بها تكليفا بفعل الغير شارعا كان أو غيره وهو ممتنع فالنواهي المتعلقة بمثل هذه الامور الاعتبارية الموجهة لفاعل المعاملة لابد من صرفها إلى نفس المعاملة أو صرفها إلى جهة من جهات وجود الامر الاعتباري لان المعاملة إذا كانت شرطا في تحقق الاعتبار توقف عليها الامر الاعتباري وكان لوجودها نحو دخل في وجوده فيكون النهي عن الامر الاعتباري راجعا إلى النهي عن حفظ وجوده من قبل المعاملة لا حفظ وجوده مطلقا فتأمل وهذا أيضا راجع إلى الاول تقريبا فلا يقتضي الا حرمة نفس المعاملة فلاحظ (قوله: أو بالتسبب) معطوف على نفس المعاملة لا على التسبيب ثم ان تحريم المضمون أو التسبب بالمعاملة إليه ليس من محل الكلام في المسألة أذ محله النهي عن المعاملة لا غير (قوله: وان لم يكن) بيان للفرق بين تحريم التسبب وتحريم ما قبله ومبنى الفرق اختلاف مفهوم التسبب مع مفهوم المعاملة ذاتا ومع مفهوم المضمون اعتبارا كما عرفت (قوله: حرمة ما لا يكاد يحرم) هذا أيضا ليس مما نحن فيه. ثم ان اقتضاء تحريم ذلك للفساد (تارة) يكون لاجل التلازم بينهما واقعا إما لقيام الدليل على ذلك أو من جهة أن المحرم هو الاثر المصحح لاعتبار المضمون بحيث لو حرم كان اعتبار المضمون لغوا (وأخرى) يكون التلازم عرفيا بحيث يجوز اجتماع تحريمه مع الصحة فالنهي حينئذ يدل باللزوم العرفي على الفساد والنهي عن أكل الثمن أو المثمن يجوز ان يكون من
في بيع أو بيع شئ. نعم لا يبعد دعوى ظهور النهى عن المعاملة في الارشاد إلى فسادها كما أن الامر بها يكون ظاهرا في الارشاد إلى صحتها من دون دلالته على ايجابها أو استحبابها كما لا يخفى لكنه في المعاملات بمعنى العقود والايقاعات لا المعاملات بالمعنى الاعم المقابل للعبادات فالمعول هو ملاحظة القرائن في خصوص المقامات ومع عدمها لا محيص عن الاخذ بما هو قضية صيغة النهي من الحرمة وقد عرفت انها غير مستتبعة للفساد لا لغة ولا عرفا. نعم ربما يتوهم استتباعها له شرعا من جهة دلالة غير واحد من الاخبار عليه منها ما رواه في الكافي والفقيه عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) سأله عن مملوك تزوج بغير إذن سيده فقال: ذلك إلى سيده إن شاء اجازه وان شاء فرق بينهما، قلت: أصلحك الله تعالى إن الحكم بن عيينة وإبراهيم النخعي واصحابهما يقولون: إن أصل النكاح فاسد ولا يحل اجازة السيد له، فقال ابو جعفر (عليه السلام): إنه لم يعص الله إنما عصى سيده فإذا أجاز فهو له جائز) حيث دل بظاهره على ان النكاح لو كان مما حرمه الله تعالى عليه كان فاسدا، ولا يخفى أن
______________________________
الاخير (قوله: في بيع) كبيع الربا (قوله: أو بيع شئ) كبيع الميتة (قوله: لا المعاملات بالمعنى) لا يبعد عدم الفرق بين العبادات، والمعاملات بالمعنى الاخص، والمعاملات بالمعنى الاعم فيما ذكر كما أن الظاهر انه بلغ من الكثرة حدا صارت به من القرائن العامة على كون الامر والنهي فيها للارشاد إلى الشرطية والجزئية والمانعية بحيث يعمل عليه ما لم تقم قرينة على خلافه لا أن الحمل على الانشاء يتوقف على القرينة الخاصة كما قد يظهر من عبارة المتن (قوله: منها ما رواه في الكافي) ومنها ما رواه ايضا فيه عنه عليه السلام سألته عن رجل تزوج عبده امرأة بغير اذنه فدخل بها ثم اطلع على ذلك مولاه قال عليه السلام: ذاك لمولاه إن شاء فرق بينهما وإن شاء أجاز نكاحهما فان فرق بينهما فللمرأة ما أصدقها إلا أن يكون اعتدى فاصدقها صداقا كثيرا وان أجاز نكاحهما فهما على نكاحهما الاول فقلت لابي جعفر عليه السلام: فانه في اصل النكاح كان عاصيا
الظاهر أن يكون المراد بالمعصية المنفية ههنا ان النكاح ليس مما لم يمضه الله ولم يشرعه كي يقع فاسدا ومن المعلوم استتباع المعصية بهذا المعنى للفساد كما لا يخفى ولا بأس باطلاق المعصية على عمل لم يمضه الله ولم يأذن به كما اطلق(١) عليه بمجرد عدم اذن السيد فيه انه معصية وبالجملة لو لم يكن ظاهرا في ذلك لما كان ظاهرا فيما توهم وهكذا حال سائر الاخبار الواردة في هذا الباب فراجع وتأمل (تذنيب) حكي عن أبى حنيفة والشيبانى دلالة النهي على الصحة وعن الفخر انه وافقهما في ذلك (والتحقيق) أنه
______________________________
فقال أبو جعفر عليه السلام: إنما أتى شيئا حلالا وليس بعاص لله إنما عصى سيده ولم يعص الله تعالى إن ذلك ليس كاتيان ما حرم الله عليه من نكاح في عدة وأشباهه (قوله: الظاهر ان يكون المراد بالمعصية) هذا الجواب نسب إلى جماعة منهم الوحيد البهبهاني (ره) والمحقق القمي (وتوضيحه) أن حقيقة المعصية الجري على خلاف مقتضى التكليف مقابل الاطاعة التي هي الجري على وفق مقتضاه والوضع لما لم يكن له اقتضاء لم يكن له طاعة ولا معصية فالعاقد فضولا على مال الغير ليس عاصيا لله تعالى. نعم الجري على مقتضى العقد وترتيب آثار الصحة من دفع المال إلى المشتري وقبض المشتري له معصية لحرمة التصرف في مال الغير وحينئذ نقول: عقد العبد بدون اذن سيده المفروض في مورد السؤال في الرواية إن كان من التصرف في ملك الغير المحرم شرعا ففعله معصية لله تعالى وليس
______________
(١) وجه ذلك أن العبودية تقتضي عدم صدور العبد إلا عن أمر سيده واذنه حيث انه كل عليه لا يقدر على شئ فإذا استقل بأمر كان عاصيا حيث أتى بما ينافيه مقام عبوديته لا سيما مثل التزوج الذي كان خطرا، واما وجه انه لم يعص الله فيه فلاجل كون التزوج بالنسبة إليه ايضا كان مشروعا مطلقا غايته انه يعتبر في تحقيقه إذن سيده ورضاه وليس كالنكاح في العدة غير مشروع من أصله فان أجاز ما صدر عنه بدون اذنه فقد وجد شرط نفوذه وارتفع محذور عصيانه فعصيانه لسيده. منه قدس سره
في المعاملات كذلك إذا كان عن المسبب أو التسبب لاعتبار القدرة في متعلق النهي كالامر ولا يكاد يقدر عليهما الا فيما كانت المعاملة مؤثرة صحيحة واما إذا كان عن
______________________________
معصية للسيد لعدم نهيه عنه وان لم يكن منه فليس معصية لله تعالى ولا للسيد فقوله عليه السلام: إنه لم يعص الله تعالى وإنما... الخ لابد أن يكون تطبيق معصية السيد فيه على نكاح العبد ونفي معصية الله تعالى عنه مبنيا على ان يكون المراد من المعصية عدم الاذن فمعنى قوله عليه السلام: لم يعص الله، أن عقده في نفسه مأذون فيه من قبله سبحانه وقوله: عصى سيده، أن عقده غير مأذون فيه من قبل السيد فتكون أجنبية عن الدلالة على دلالة النهي على الفساد، ويشهد له قوله عليه السلام في الرواية الاخرى: إنما أتى شيئا حلالا وليس بعاص لله ان ذلك ليس... الخ فاطلاق نفي معصية الله تعالى بلحاظ الحل ونفي الحرمة الوضعيين وإطلاق معصية السيد في قبال اجازته، وقد يظهر ذلك أيضا من صحيحة منصور ابن حازم أو حسنته في مملوك تزوج بغير اذن مولاه أعاص لله ؟ قال: عاص لمولاه قلت: حرام هو ؟ قال: ما أزعم أنه حرام قل له أن لا يفعل الا باذن مولاه، واقتضاء هذا المعنى من المعصية للفساد مما لا ريب فيه لكنه ليس من محل الكلام. ثم إنه قد اعترض ما ذكرنا في التقريرات بما لا يوجب رفع اليد عنه فراجع وتأمل (قوله: في المعاملات كذلك إذا كان) ظاهر المصنف (ره) أن ما ذكره تفصيل في محل الكلام وانه يقتضي الصحة إذا كان نهيا عن المسبب أو التسبب ولا يقتضيها إذا كان نهيا عن السبب (أقول): الكلام في المسألة في اقتضاء النهي عن شئ فساده فالقول باقتضائه الصحة لابد أن يراد به اقتضاءه الصحة في متعلقه لا في غيره فكون النهي عن المسبب أو التسبب يقتضي صحة المعاملة لا يكون تفصيلا في المقام ولا دالا على صحة القول المذكور في الجملة وقد تقدمت الاشارة إلى ان تعرض المصنف (ره) لعدم اقتضاء تحريم المسبب أو التسبب فساد المعاملة وكذا مثل تحريم أكل الثمن من باب الاستطراد وأنه خارج عن مورد كلام النافين والمثبتين (قوله: مؤثرة صحيحة) إذ لو كانت فاسدة ما كانت سببا والقدرة
السبب فلا لكونه مقدورا وان لم يكن صحيحا. نعم قد عرفت ان النهي عنه لا ينافيها، وأما العبادات فما كان منها عبادة ذاتية كالسجود والركوع والخشوع والخضوع له تبارك وتعالى فمع النهي عنه يكون مقدورا كما إذا كان مأمورا به وما كان منها عبادة لاعتبار قصد القربة فيه لو كان مأمورا به فلا يكاد يقدر عليه إلا إذا قيل باجتماع الامر والنهي في شئ ولو بعنوان واحد وهو محال. وقد عرفت أن النهى في هذا القسم انما يكون نهيا عن العبادة بمعنى انه لو كان مأمورا به كان الامر به أمر عبادة لا يسقط الا بقصد القربة فافهم
______________________________
على المسبب انما تكون بالقدرة على السبب في فرض سببيته فعدم كونه سببا يوجب عدم القدرة على المسبب (قوله: السبب فلا) يعني فلا يدل على الصحة لان النهي وان توقف على القدرة على متعلقه الا أن القدرة على ذات السبب لا تتوقف على سببيته (قوله: لا ينافيها) فيجوز في السبب المحرم ان يكون صحيحا وان يكون فاسدا (قوله: يكون مقدورا) إذ عباديته لما كانت ذاتية لم تتوقف صحته على الامر به حتى يمتنع عنها النهي كما تقدم (قوله: وما كان منها عبادة لاعتبار) العبادة بهذا المعنى لا تتوقف القدرة عليها على القول بالاجتماع بل التي تتوقف القدرة عليها على ذلك العبادة بمعنى المأتي بها بداعي الامر، ولعل ذلك هو المراد كما تقتضيه بقية العبارة فلاحظ (قوله: قيل بالاجتماع) إذ لو قيل بالامتناع فالنهي مانع من صحتها كما سبق فلا تكون بما هي عبادة مقدورة فيمتنع تعلق النهي بالعبادة (قوله: وقد عرفت) دفع لتوهم انه إذا امتنع تعلق النهي بالعبادة كيف وقع النزاع في المسألة في النهي المتعلق بالعبادة ؟ ووجه الدفع أن المراد من العبادة ليس ذلك المعنى بل معنى لا يمتنع تعلق النهي به كما تقدم في بيان معنى لفظ العبادة في العنوان والله سبحانه أعلم وله الحمد
المقصد الثالث في المفاهيم
(مقدمة) وهي ان المفهوم كما يظهر من موارد إطلاقه هو عبارة عن حكم إنشائي أو اخباري تستتبعه خصوصية المعنى الذي أريد من اللفظ بتلك الخصوصية ولو بقرينة الحكمة وكان يلزمه لذلك وافقه في الايجاب والسلب أو خالفه فمفهوم (إن جاءك زيد فأكرمه) مثلا - لو قيل به - قضية شرطية سالبة بشرطها وجزائها لازمة للقضية الشرطية التي تكون معنى القضية اللفظية ويكون لها خصوصية بتلك الخصوصية كانت مستلزمة لها فصح ان يقال: إن المفهوم انما هو حكم غير مذكور لا أنه حكم لغير مذكور - كما فسر به - وقد وقع فيه النقض والابرام بين
______________________________
المقصد الثالث في المفاهيم
(قوله: بتلك الخصوصية) يعنى بحيث تكون تلك الخصوصية مدلولا عليها باللفظ وبذلك تخرج المداليل الالتزامية مثل وجوب المقدمة وحرمة الضد فان اللفظ انما يدل على ذي الخصوصية لا غير وهي تستفاد من خارج اللفظ بخلاف خصوصية المنطوق المستتبعة للمفهوم فانها مدلول عليها باللفظ (قوله: ولو بقرينة) متعلق بقوله: أريد، يعني ولو كانت الدلالة على الخصوصية مستندة إلى قرينة الحكمة لا الوضع (قوله: لذلك) أي للخصوصية (قوله: وافقه في) اشارة إلى قسمي المفهوم أعني مفهومي الموافقة والمخالفة (قوله: لها خصوصية) مثل أن شرطها علة تامة منحصرة للجزاء (قوله: فصح ان يقال) يعني إذا كان المفهوم حكما تستتبعه خصوصية المعنى وليس معنى اللفظ كان بنفسه غير مذكور بل هو تابع لما هو مذكور (فان قلت): الحكم في مفهوم الموافقة مذكور (قلت) المذكور مثله لا نفسه إذ الموضوع من مشخصات الحكم وموضوع حكم المنطوق فيه غير موضوع حكم المفهوم فالحرمة الثابتة للتأفيف غير الحرمة الثابتة للضرب والايذاء (قوله: لا أنه حكم لغير) إذ قد يكون
الاعلام - مع أنه لا موقع له كما أشرنا إليه في غير مقام لانه من قبيل شرح الاسم كما في التفسير اللغوي ومنه قد انقدح حال غير هذا التفسير مما ذكر في المقام فلا يهمنا التصدي لذلك كما لا يهمنا بيان انه من صفات المدلول أو الدلالة وان كان بصفات المدلول أشبه وتوصيف الدلالة احيانا كان من باب التوصيف بحال المتعلق وقد انقدح من ذلك أن النزاع في ثبوت المفهوم وعدمه في الحقيقة انما يكون في ان القضية الشرطية أو الوصفية أو غيرهما
______________________________
الموضوع المثبت له حكم المفهوم مذكورا في المنطوق كزيد في قولنا: إن جاء زيد فأكرمه، فان موضوع المنطوق لابد أن يكون غير موضوع المفهوم وإلا لزم كونه موضوعا للمثلين أو النقيضين فصح أن يقال: المفهوم حكم لغير مذكور (قلت): يكفي في المغايرة المصححة لاجتماع النقيضين والمثلين المغايرة بمثل الزمان والمكان والوصف ونحوها وهي لا توجب تعدد الموضوع ولا تقدح في وحدته ولذا اعتبر في ثبوت التناقض بين القضيتين وحدات زائدة على وحدة الموضوع والمحمول وإن ارجعها بعض إليها فنظر الاولين إلى الوحدة من حيث الوجود ونظر البعض إلى الوحدة من كل حيث (أقول): على هذا يصح تعريفه بأنه حكم لغير مذكور لو أريد أنه بتمام خصوصياته غير مذكور لا بذاته كما يصح تعريفه بما ذكر المصنف (ره) (قوله: لانه من قبيل شرح) قد تقدم الاشكال عليه في نظيره (قوله: بصفات المدلول اشبه) (أقول): صفات المدلول هي التي يوصف بها ذات المدلول مع قطع النظر عن الدلالة ويكون توصيف الدلالة بها من قبيل التوصيف بحال المتعلق كالكلية والجزئية فان المعنى من حيث هو كلي (تارة) وجزئي أخرى وصفات الدلالة على العكس منها فانها التي توصف بها الدلالة مع قطع النظر عن المدلول مثل الصراحة والظهور والنصوصية ويكون توصيف المدلول بها من قبيل التوصيف بحال المتعلق وعليه فوصفا المنطوقية والمفهومية من صفات الدلالة لا من صفات المدلول حيث لا يتصف بهما المعنى من حيث هو وإنما
هل تدل بالوضع أو بالقرينة العامة على تلك الخصوصية المستتبعة لتلك القضية الاخرى أم لا ؟
فصل
الجملة الشرطية هل تدل على الانتفاء عند الانتفاء - كما تدل على الثبوت عند الثبوت بلا كلام - ام لا ؟ فيه خلاف بين الاعلام لا شبهة في استعمالها وارادة الانتفاء
______________________________
يتصف بهما بلحاظ نفس الدلالة فان كانت دلالته متبوعة كان منطوقا وان كانت تابعة كان مفهوما (فان قلت): المذكور في كلماتهم تفسير المنطوق والمفهوم بالحكم والحكم هو المدلول لا الدلالة فهما من صفات المدلول (قلت): قد عرفت صحة توصيف المدلول بهما بأن يشتق من مادتيهما ما ينطبق على نفس المدلول إلا أن التوصيف بهما لم يكن بلحاظ ذات المدلول من حيث هو بل بلحاظ نفس الدلالة واختصاص صحة التوصيف بلحاظ وصف الدلالة كاشف عن انها من صفات نفس الدلالة لا المدلول، ومن الغريب ما في التقريرات حيث جعلهما من صفات المدلول من حيث هو مدلول خلافا لظاهر الحاجبي والعضدي والمحكي عن الشهيد الثاني (ره) حيث جعلوها من أوصاف الدلالة وذكر أنه لا وجه لذلك مستدلا على ذلك بتفسير الموصول الواقع في تعريفهما بالحكم والدلالة ليست هي الحكم (أقول): قد عرفت أن صفات المدلول من حيث هو مدلول عين صفات الدلالة فلا وجه لانكاره ذلك وعرفت الاشكال في استشعاره فلاحظ (قوله: هل تدل بالوضع) وليس النزاع هنا في حجية الدلالة وعدمها بعد الفراغ عن ثبوتها كما قد يترائى من مثل قولهم: مفهوم الشرط حجة، ومفهوم اللقب مثلا ليس بحجة، إذ لا كلام في الحجية على تقدير الدلالة
مفهوم الشرط
(قوله: لا شبهة في استعمالها) كما لا شبهة في استعمالها بلا ارادة
عند الانتفاء في غير مقام، إنما الاشكال والخلاف في أنه بالوضع أو بقرينة عامة بحيث لا بد من الحمل عليه لو لم يقم على خلافه قرينة من حال أو مقال ؟ فلا بد للقائل بالدلالة من إقامة الدليل على الدلالة باحد الوجهين على تلك الخصوصية المستتبعة لترتب الجزاء على الشرط نحو ترتب المعلول على علته المنحصرة وأما القائل بعدم الدلالة ففي
______________________________
الانتفاء عند الانتفاء وعن الفوائد الطوسية انه استقصى مائة مورد أو اكثر من القرآن الكريم لا دلالة فيها على المفهوم (قوله: أو بقرينة) هذا مع الوضع عدل واحد والعدل الآخر أن تكون الدلالة بقرينة خاصة ليترتب عليه عدم ثبوت المفهوم (قوله: نحو ترتب المعلول على) اعلم أن ترتب المعلول على العلة المنحصرة متقوم بامور (الاول) اللزوم بينهما بأن يكون بينهما علاقة بنحو يمتنع في نظر العقل أن يوجد الشرط ولا يوجد معه الجزاء (الثاني) الترتب بأن يكون الشرط سابقا مقدما والجزاء لاحقا مؤخرا (الثالث) كون الترتب بالعلية وهو ما يكون المتقدم فيه فاعلا مستقلا بالتأثير لا بنحو آخر كالترتب بالطبع وهو ما يكون المتقدم فيه من العلل الناقصة بحيث يجوز فيه وجود المتقدم مع عدم وجود المتأخر ويمتنع العكس، أو بالرتبة وهو ما يكون الترتب بين السابق واللاحق معتبرا فيه حسيا كان كما بين الامام والمأموم أو عقليا كما بين الاجناس والانواع، أو بالزمان وهو ما لا يجتمع فيه المترتبان، أو بالشرف وهو ما يكون للمتقدم كمال ليس للمتأخر (الرابع) أن تكون العلة منحصرة بحيث لا يكون للجزاء علة غير وجود الشرط. ولا يخفى أن الخصوصية المستتبعة للمفهوم لا تتوقف على ثبوت هذه الامور كلها بل يكفي فيها ما يمنع من انفكاك الجزاء عن الشرط سواء أكان لمجرد الاتفاق أم للزوم ولو بنحو يكونان معلولي علة واحدة فلا يكون بينهما ترتب فضلا عن أن يكون الشرط علة للجزاء، ومنه يظهر أن مجرد منع الدلالة على اللزوم أو على الترتب أو كونه على نحو الترتب على العلة لا يقتضي نفى المفهوم لان هذه الامور لا تقوم الخصوصية المستتبعة للمفهوم حتى يكون نفي واحد منها نفيا لها " فالتحقيق " إذا أن مرجع
فسحة فان له منع دلالتها على اللزوم بل على مجرد الثبوت عند الثبوت - ولو من باب الاتفاق - أو منع دلالتها على الترتب، أو على نحو الترتب على العلة، أو العلة المنحصرة - بعد تسليم اللزوم أو العلية - لكن منع دلالتها على اللزوم (ودعوى) كونها اتفاقية (في غاية) السقوط لانسباق اللزوم منها قطعا، وأما المنع عن أنه بنحو الترتب على العلة فضلا
______________________________
النزاع في ثبوت المفهوم وعدمه إلى النزاع في أن مفاد القضية الشرطية عدم انفكاك الجزاء عن الشرط أولا وحيث أنه لا ريب في عدم انفكاك شخص الجزاء عن الشرط لتشخصه به الموجب لعدمه بعدمه إلا أن عدم انفكاك شخص الجزاء عن الشرط لا يقتضي ثبوت المفهوم بوجه فالنزاع لابد أن يكون راجعا إلى أن المعلق على الشرط سنخ الجزاء بمعنى طبيعته المطلقة أولا فالقائل بالمفهوم يدعي دلالة القضية على الاول والنافي له يدعى دلالة القضية على الثاني ويكون مفاد القضية على الاول مفاد " زيد القائم " وعلى الثاني مفاد " زيد قائم " والله سبحانه أعلم (قوله: فان له منع) قد عرفت أن منع أحد هذه الامور لا ينفي ثبوت المفهوم (قوله: في غاية السقوط) " أقول ": الاتفاق المقابل للزوم إن أريد به أن لا يكون بين الشرط والجزاء علاقة تقتضي اقترانهما فذلك مما أحاله جماعة لان كل موجودين إما أن يكون أحدهما علة للآخر أو يكونا معا معلولي علة واحدة ولو بوسائط لامتناع تعدد الواجب ولذلك أنكر هؤلاء ثبوت الاتفاقية بهذا المعنى التي هي أحد قسمي المتصلة وإن أريد به أن لا يكون بينهما علاقة ظاهرة في نظر العقل كما هو معنى الاتفاقية عند هؤلاء الجماعة فالمراد من اللزومية حينئذ ما يكون بينهما علاقه ظاهرة وعليه فدعوى ظهور القضية الشرطية في اللزومية بهذا المعنى في غاية السقوط لا دعوى كونها اتفاقية كما ذكره " قدس سره " (قوله: بنحو الترتب) (أقول): ظهور الشرطية في الترتب مما لا ينبغي أن ينكر بشهادة دخول الفاء في الجزاء وأما كونه بنحو العلية لا بنحو آخر فلانه لا مجال لدعوى كونه من الترتب بالرتبة أو الشرف أو الزمان فيدور الامر بين كونه بنحو الترتب الطبعي وأن يكون بنحو
عن كونها منحصرة فله مجال واسع (ودعوى) تبادر اللزوم والترتب بنحو الترتب على العلة المنحصرة مع كثرة استعمالها في الترتب على نحو الترتب على غير المنحصرة منها بل في مطلق اللزوم (بعيدة) عهدتها على مدعيها كيف ولا يرى في استعمالها فيها عناية ورعاية علاقة ؟ بل إنما تكون ارادته كارادة الترتب على العلة المنحصرة بلا عناية كما يظهر على من أمعن النظر وأجال البصيرة في موارد الاستعمالات وفي عدم الالزام والاخذ بالمفهوم في مقام المخاصمات والاحتجاجات وصحة الجواب بانه لم يكن لكلامه مفهوم (وعدم) صحته لو كان له ظهور فيه (معلوم) وأما دعوى الدلالة بادعاء انصراف إطلاق العلاقة اللزومية إلى ما هو اكمل افرادها وهو اللزوم
______________________________
العلية وإطلاق الشرط يقتضي كونه من الثاني فان مقتضى الاطلاق عدم الحاجة في ترتب الجزاء إلى أمر آخر زائد على الشرط وهذا المعنى خلاف مقتضى الترتب بالطبع (قوله: عن كونها منحصرة) يمكن دعوى ظهور القضية في الانحصار لاجل ظهورها في دخل خصوصية الشرط في وجود الجزاء إذ لو ناب منابه شرط آخر كان الجزاء مستندا إلى الجامع بينهما بلا دخل للخصوصية كما تقدم (قوله: مع كثرة استعمالها) كثرة الاستعمال في معنى لا تنافي تبادر غيره فان استعمال الاسد في الشجاع ربما كان أكثر من استعماله في الحيوان المفترس ولا ينافي تبادر ذلك الحيوان منه ولا كونه حقيقة فيه (قوله: ولا يرى في استعمالها) هذا غير ظاهر والرجوع إلى العرف في مقام تشخيص مفاد القضية الشرطية يقتضي خلافه فانهم لا يزالون على البناء على الانتفاء عند الانتفاء، بل الظاهر أنه في بعض الادوات لا كلام فيه من أحد فتراهم لا يختلفون في أن (لو) تدل على امتناع الثاني لامتناع الاول ويسمونها (لو الامتناعية) والظاهر أنها جميعها على نسق واحد من إفادة تعليق سنخ الجزاء على الشرط، وإن كان بينها الاختلاف في أن الشرط يكون مقطوع الانتفاء أو مشكوكه (قوله: وصحة الجواب) معطوف على عدم الالزام والاشكال فيهما يظهر مما سبق (قوله: وعدم صحته) مبتدأ
بين العلة المنحصرة ومعلولها (ففاسدة) جدا لعدم كون الاكملية موجبة للانصراف إلى الاكمل لا سيما مع كثرة الاستعمال في غيره كما لا يكاد يخفى. هذا مضافا إلى منع كون اللزوم بينهما اكمل مما إذا لم تكن العلة بمنحصرة فان الانحصار لا يوجب ان يكون ذاك الربط الخاص الذي لابد منه في تأثير العلة في معلولها أءكد وأقوى (ان قلت): نعم ولكنه قضية الاطلاق بمقدمات الحكمة كما ان قضية اطلاق صيغة الامر هو الوجوب النفسي (قلت): أولا هذا فيما تمت هناك مقدمات الحكمة ولا تكاد تتم فيما هو مفاد الحرف كما هاهنا وإلا لما كان معنى حرفيا كما يظهر وجهه بالتأمل (وثانيا) تعينه من بين انحائه بالاطلاق المسوق في مقام البيان بلا معين، ومقايسته مع تعين الوجوب النفسي باطلاق صيغة الامر مع الفارق فان النفسي هو الواجب على كل حال بخلاف الغيرى فانه واجب على تقدير دون تقدير فيحتاج بيانه إلى مؤونة التقييد بما إذا وجب الغير فيكون الاطلاق في الصيغة مع مقدمات الحكمة محمولا عليه. وهذا بخلاف اللزوم والترتب بنحو الترتب على العلة المنحصرة ضرورة ان كل واحد من انحاء اللزوم والترتب محتاج في تعينه إلى
______________________________
*
خبره قوله: معلوم (قوله: مضافا إلى منع كون) بل الظاهر أن اللزوم لا يتصف بالكمال والنقصان فضلا عن أن يكون الانحصار موجبا لكماله (قوله: ان قلت: نعم) يعني سلمنا أنها ليست موضوعة للترتب على العلة المنحصرة لكنها تدل على ذلك بالاطلاق (قوله: كما يظهر وجهه) إن كان من أجل أن معنى الحروف جزئيا لا يقبل الاطلاق والتقييد فقد تقدم منه في معاني الحروف وفي الواجب المشروط وغيرهما خلافه وأنه كلي لا جزئي وإن كان من جهة أن الاطلاق يتوقف على لحاظ المعنى مستقلا والمعنى الحرفي لا يلحظ كذلك فقد تقدم في الواجب المشروط إمكان ارجاع القيد في القضايا الشرطية إلى هيئة الجزاء مع أنها موضوعة وضع الحروف وقد أشار المعترض إلى ذلك بقياس المقام باطلاق صيغة الامر في اقتضاء الوجوب النفسي (قوله: فان النفسي) قد تقدم الكلام في ذلك،
القرينة مثل الآخر بلا تفاوت أصلا كما لا يخفى (ثم) إنه ربما يتمسك للدلالة على المفهوم باطلاق الشرط بتقريب انه لو لم يكن بمنحصر يلزم تقييده ضرورة انه لو قارنه أو سبقه الآخر لما أثر وحده وقضية اطلاقه انه يؤثر كذلك مطلقا (وفيه) أنه لا تكاد تنكر الدلالة على المفهوم مع اطلاقه كذلك الا انه من المعلوم ندرة تحققه لو لم نقل بعدم اتفاقه (فتلخص) بما ذكرناه أنه لم ينهض دليل على وضع مثل (إن) على تلك الخصوصية المستتبعة للانتفاء عند الانتفاء ولم تقم عليها قرينة عامة أما قيامها أحيانا كانت مقدمات الحكمة أو غيرها مما لا يكاد ينكر فلا يجدي القائل
______________________________
(قوله: لما أثر وحده) يعني بل أثر مع غيره في صورة المقارنة ولم يؤثر أصلا فيما لو سبقه الآخر ويستند الاثر إلى السابق فتأمل (قوله: وقضية اطلاقه انه) هذا يتم لو كان مفاد القضية الشرطية ثبوت المؤثرية للشرط فان إطلاق المؤثرية له يقتضي ما ذكر - حسبما قرر - لكن تقدم منه الاشكال في دلالة الشرطية على العلية، كما أنه يتوقف استناد المفهوم على عدم صلاحية الجزاء للتكرار وإلا أمكن أن يكون مؤثرا مطلقا سبقه غيره مما يحتمل مؤثريته أو قارنه وكان غيره مؤثرا كذلك بل أمكنت دعوى توقف استفادة المفهوم منه على عدم صلاحية الجزاء للتأكد إذ لو أمكن التأكد كان الشرط مؤثرا في مرتبة منه مطلقا وان سبقه غيره أو قارنه وكان غيره كذلك إلا أن يستظهر من الشرطية الاستقلال في المؤثرية كما سيأتي في التنبيه الثاني (قوله: ندرة تحققه) بأن يكون المتكلم في مقام بيان مؤثرية الشرط وعليته للجزاء بلحاظ وجود أمر آخر وعدمه، بل الظاهر كون المتكلم في مقام بيان المؤثرية الاقتضائية بمعنى عدم قصور الشرط في نفسه عن مقام التأثير نظير قولنا: النار علة تامة للحرارة، فانه لا ينافي كون الشمس ايضا علة تامة لها فلا يمكن استفادة المفهوم (قوله: كانت المقدمات) اسم (كان) ضمير راجع إلى القرينة (قوله: فلا يجدي القائل) لانه يدعي ثبوت المفهوم بنحو القضية الكلية مع عدم القرينة الخاصة
بالمفهوم انه قضية الاطلاق في مقام من باب الاتفاق (وأما) توهم انه قضية اطلاق الشرط بتقريب ان مقتضاه تعينه كما أن مقتضى اطلاق الامر تعين الوجوب) ففيه) أن التعين ليس في الشرط نحوا يغاير نحوه فيما إذا كان متعددا كما كان في الوجوب كذلك وكان الوجوب في كل منهما متعلقا بالواجب بنحو آخر لابد في التخييري منهما من العدل وهذا بخلاف الشرط واحدا كان أو متعددا كان نحوه واحدا ودخله في المشروط بنحو واحد لا تتفاوت الحال فيه ثبوتا كى تتفاوت عند الاطلاق إثباتا وكان الاطلاق مثبتا لنحو لا يكون له عدل لاحتياج ماله العدل إلى زيادة مؤونة وهو ذكره بمثل (أو كذا) واحتياج ما إذا كان الشرط متعددا
______________________________
لا ثبوته من باب الاتفاق لاجل القرينة الخاصة فانه لا نزاع فيه من أحد (قوله: وأما توهم أنه قضية إطلاق) الفرق بين هذا التقريب وما قبله أن هذا بلحاظ ظهور كلمة (إن) في كون الشرط شرطا بذاته للجزاء وإن لم يكن مؤثرا فعلا، وما قبله بلحاظ ظهورها في كونه علة تامة مؤثرا فعلا (قوله: تعينه) أي تعين الشرط في الشرطية وهذا التعين يلازم المفهوم إذ لو ناب منابه شرط آخر كان الشرط أحدهما على التخيير (قوله: ففيه أن التعين) يعني أن صفة الشرطية ليست مما تتصف بالتخيير لانها منتزعة من خصوصية ذاتية محضة والذاتيات لا تقبل التخيير لانها لا تتخلف فشرطية الشرط حين يكون واحدا هي شرطيته حين يكون متعددا وكما أن معنى شرطيته حين يكون واحدا أنه له خصوصية بها يكون له نحو دخل في المشروط كذلك يكون معنى شرطيته حين يكون متعددا فان كل واحد من المتعدد له نحو دخل بالمشروط بنحو الدخل الذي يكون له حين ما يكون واحدا لا أنه مع التعدد يكون الدخل تخييريا ومع الاتحاد يكون تعيينيا كي يكون الاطلاق مقتضيا للثاني بخلاف صفة الوجوب بل وصفة المؤثرية الفعلية (قوله: بنحو آخر) يعنى بنحو يخالف تعلقه به بنحو آخر (قوله: من العدل) بخلاف التعييني فانه تعلق به بلا عدل (قوله: واحد) وهو
إلى ذلك انما يكون لبيان التعدد لا لبيان نحو الشرطية فنسبة اطلاق الشرط إليه لا تختلف كان هناك شرط آخر أم لا حيث كان مسوقا لبيان شرطيته بلا إهمال ولا إجمال بخلاف اطلاق الامر فانه لو لم يكن لبيان خصوص الوجوب التعييني فلا محالة يكون في مقام الاهمال أو الاجمال تأمل تعرف. هذا مع أنه لو سلم لا يجدي القائل بالمفهوم لما عرفت انه لا يكاد ينكر فيما إذا كان مفاد الاطلاق من باب الاتفاق. ثم إنه ربما استدل المنكرون للمفهوم بوجوه " أحدها " ما عزي إلى السيد من أن تأثير الشرط انما هو تعليق الحكم به وليس بممتنع ان يخلفه وينوب منابه شرط آخر يجري مجراه ولا يخرج عن كونه شرطا فان قوله تعالى: " فاستشهدوا شهيدين من رجالكم " يمنع من قبول الشاهد الواحد حتى ينظم إليه شاهد آخر فانضمام الثاني إلى الاول شرط في القبول ثم علمنا أن ضم امرأتين إلى الشاهد الاول شرط في القبول ثم علمنا ان ضم اليمين يقوم مقامه ايضا فنيابة بعض الشروط عن بعض أكثر من أن تحصى مثل الحرارة فان انتفاء الشمس لا يلزم انتفاء الحرارة لاحتمال قيام النار مقامها
______________________________
التعييني لا غير (قوله: إلى ذلك) يعني إلى البيان (قوله: التعدد) إذ بيان التعدد يكون ببيان المتعدد (قوله: نحو الشرطية) يعني أنها تخييرية لا تعيينية إذ قد عرفت أنها لا تكون تخييرية (قوله: حيث كان الشرط) متعلق بقوله: لا تختلف (قوله: فلا محالة يكون) إذ لو كان في مقام بيان الوجوب التخييري لوجب أن يذكر العدل (قوله: مع أنه لو سلم) يعني كون الشرطية مما تتصف بالتخيير كما لو أريد منها خصوص الشرطية المترتب عليها الوجود (قوله: من باب الاتفاق) إذ المتكلم قد لا يكون في مقام بيان ثبوت هذا المعنى من الشرطية مطلقا أو مقيدا بل في مقام بيان ثبوتها في الجملة كما تقدم في المؤثرية الفعلية (قوله: من أن تأثير الشرط) الظاهر أن مراده هو أن مفاد أداة الشرط كون مدخولها شرطا للجزاء ولازم شرطيته له اناطته به بحيث يتوقف عليه وليس يمتنع أن يكون للجزاء شروط متعددة ينوب بعضها عن بعض
والامثلة لذلك كثيرة شرعا وعقلا " والجواب " انه - قدس سره - إن كان بصدد إثبات امكان نيابة بعض الشروط عن بعض في مقام الثبوت وفي الواقع فهو مما لا يكاد ينكر ضرورة ان الخصم يدعى عدم وقوعه في مقام الاثبات ودلالة القضية الشرطية عليه، وإن كان بصدد ابداء احتمال وقوعه فمجرد الاحتمال لا يضره ما لم يكن بحسب القواعد اللفظية راجحا أو مساويا وليس فيما افاده ما يثبت ذلك أصلا كما لا يخفى " ثانيها " أنه لو دل لكان باحدى الدلالات والملازمة - كبطلان التالي - ظاهرة، وقد أجيب عنه بمنع بطلان التالي وان الالتزام ثابت وقد عرفت بما لا مزيد عليه ما قيل أو يمكن ان يقال في اثباته أو منعه فلا تغفل، " ثالثها " قوله تبارك وتعالى: (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا) وفيه ما لا يخفى ضرورة أن استعمال الجملة الشرطية فيما لا مفهوم له أحيانا وبالقرينة لا يكاد ينكر كما في الآية وغيرها وانما القائل به يدعي ظهورها فيما له المفهوم وضعا أو بقرينة عامة كما عرفت (بقي هاهنا أمور الامر الاول) أن المفهوم هو انتفاء سنخ الحكم المعلق على الشرط عند انتفائه لا انتفاء شخصه ضرورة انتفائه عقلا بانتفاء موضوعه ولو ببعض قيوده ولا يتمشى الكلام في أن للقضية الشرطية مفهوما أو ليس لها مفهوم الا في مقام كان هناك ثبوت سنخ الحكم في الجزاء وانتفاؤه عند انتفاء الشرط ممكنا وانما وقع النزاع في أن لها دلالة على الانتفاء أو لا يكون لها دلالة. ومن هنا انقدح أنه ليس من المفهوم ودلالة القضية على الانتفاء عند الانتفاء في الوصايا والاوقاف
______________________________
كما في الموارد المذكورة (قوله: الاثبات) يعني لا في مقام الثبوت حتى يكون منكرا ويقصد السيد (ره) رده بما ذكر (قوله: ظاهرة) يعني فيبطل اللزوم (قوله: وان الالتزام) قد تقدم ان المفهوم ليس مدلولا التزاميا (قوله: بسنخ الحكم) يعني الطبيعة المطلقة لا المهملة المعبر عنها بشخص الحكم (قوله: ولو ببعض) وهو الشرط (قوله: ولا يتمشى) إذ من المعلوم
والنذور والايمان - كما توهم - بل عن الشهيد - قدس سره - في تمهيد القواعد انه لا اشكال في دلالتها على المفهوم وذلك لان انتفاءها عن غير ما هو المتعلق لها من الاشخاص التي يكون بالقابها أو بوصف شئ أو بشرطه مأخوذة في العقد أو مثل العهد ليس بدلالة الشرط أو الوصف أو اللقب عليه بل لاجل انه إذا صار شئ وقفا على أحد أو أوصى به أو نذر له... إلى غير ذلك لا يقبل ان يصير وقفا على غيره أو وصية أو نذرا له وانتفاء شخص الوقف أو النذر أو الوصية عن غير مورد المتعلق قد عرفت انه عقلي مطلقا ولو قيل بعدم المفهوم في مورد صالح له " اشكال ودفع " لعلك تقول: كيف يكون المناط في المفهوم هو سنخ الحكم لا نفس شخص الحكم في القضية ؟ وكان الشرط في الشرطية انما وقع شرطا بالنسبة إلى الحكم
______________________________
تفرع مقام الاثبات على مقام الثبوت فإذا لم يكن الثبوت ممكنا كان معلوم الانتفاء فلا تكون الدلالة عليه موردا للنزاع (قوله: بل عن الشهيد (قده) في تمهيد القواعد) قال (ره) في محكي تمهيد القواعد: لا إشكال في دلالتها في مثل الوقف والوصايا والنذر والايمان كما إذا قال: وقفت هذا على أولادي الفقراء، أو إن كانوا فقراء، أو نحو ذلك ولعل الوجه في تخصيص المذكور هو عدم دخول غير الفقراء في الموقوف عليهم وفهم التعارض فيما لو قال بعد ذلك: وقفت على أولادي مطلقا. انتهى (قوله: وذلك لان انتفاءها) تعليل لقوله: ومن هنا انقدح، ومحصل الكلام فيه أن قول القائل: وقفت داري على أولادي الفقراء مثلا (تارة) يكون في مقام الاخبار والاعتراف (وأخرى) في مقام إنشاء الوقف وايجاده فان كان على النحو الاول جاء فيه الكلام في المفهوم فعلى القول به يحكم بعدم كون الدار وقفا إلا على الفقراء من أولاده لا غيرهم وعلى القول بعدمه كان غير أولاده الفقراء مشكوك الدخول في الموقوف عليهم فلابد من الرجوع فيه إلى قواعد أخر من الاحتياط بتخصيصه بالفقراء لو كان الوقف بنحو المصرف أو التنصيف أو الرجوع إلى الاصل لو كان بنحو البسط (وإن) كان على النحو الثاني
الحاصل بانشائه دون غيره فغاية قضيتها انتفاء ذاك الحكم بانتفاء شرطه لا انتفاء سنخه وهكذا الحال في سائر القضايا التى تكون مفيدة للمفهوم " ولكنك " غفلت عن أن المعلق على الشرط انما هو نفس الوجوب الذي هو مفاد الصيغة ومعناها " وأما " الشخص والخصوصية الناشئة من قبل استعمالها فيه لا تكاد تكون من خصوصيات معناها المستعملة فيه كما لا يخفى كما لا تكون الصخوصية الحاصلة من قبل الاخبار به من خصوصيات ما أخبر به واستعمل فيه إخبارا لا إنشاء (وبالجملة) كما لا يكون المخبر به المعلق على الشرط خاصا بالخصوصيات الناشئة من قبل الاخبار به كذلك المنشأ بالصيغة المعلق عليه وقد عرفت بما حققناه في معنى الحرف وشبهه ان ما استعمل فيه الحرف عام كالموضوع له وأن خصوصية لحاظه بنحو الآلية والحالية لغيره من خصوصية الاستعمال كما أن خصوصية لحاظ المعنى بنحو الاستقلال في الاسم كذلك فيكون اللحاظ الآلي كالاستقلالي من خصوصيات الاستعمال لا المستعمل فيه، وبذلك قد انقدح فساد ما يظهر من التقريرات في مقام التفصي عن هذا الاشكال من التفرقة
______________________________
فان علم قصد الواقف الوقف على خصوص الفقراء وجب العمل عليه لانه بالقصد المذكور يكون وقفا على خصوص الفقراء ولا يكون وقفا على غيرهم لا بهذا الشخص من الوقف لانتفائه بانتفاء موضوعه ولا بشخص آخر من الوقف لامتناع اجتماع وقفين على مال واحد. وهذا هو المراد من عبارة المتن " وإن " جهل قصد الواقف فلم يعلم أنه قصد الوقف على خصوص الفقراء من أولاده أو كان ذكرهم لمزيد الاهتمام بهم لم يبعد القول بانه لا اشكال في دلالة القضية على المفهوم وان لم نقل به في سائر الموارد ومثله القيود الواقعة في التعريفات وفي تحديد موضوعات الاحكام في لسان مدوني الفنون ونحو ذلك والظاهر أن هذا هو محل كلام الشهيد (ره) لا الاول ليرد عليه ما ذكر فلاحظ والله سبحانه أعلم (قوله: الحاصل بانشائه) وهو شخص خاص من الحكم (قوله: لكنك غفلت) شروع في الدفع (قوله: نفس الوجوب) يعني الوجوب الكلي المطلق (قوله: من قبل الاخبار به) كما
بين الوجوب الاخباري والانشائي بانه كلي في الاول وخاص في الثاني حيث دفع الاشكال بانه لا يتوجه في الاول لكون الوجوب كليا وعلى الثاني بان ارتفاع مطلق الوجوب فيه من فوائد العلية المستفادة من الجملة الشرطية حيث كان ارتفاع شخص الوجوب ليس مستندا إلى ارتفاع العلة المأخوذة فيها فانه يرتفع ولو لم يوجد في حيال أداة الشرط كما في اللقب والوصف، وأورد على ما تفصي به عن الاشكال بما ربما يرجع
______________________________
لو قيل: إن جاء زيد يجب إكرامه، فان المادة مستعملة في المعنى الكلي وان تخصص باللحاظ الاستعمالي (قوله: وخاص في الثاني) لانه معنى للهيئة الموضوعة وضع الحروف (قوله: حيث دفع) تقرير للتفصي (قوله: من فوائد العلية المستفادة) فان أداة الشرط تدل على انحصار علة سنخ الجزاء في الشرط سواء أكان المنشأ نفس الطبيعة أم فردا منها أو تدل على انحصار طبيعة الجزاء في نفس الجزاء سواء أكان الانشاء متعلقا بالطبيعة - بناء على أن الحرف مستعمل في المعنى الكلي - أم متعلقا بالشخص - بناء على انه مستعمل في المعنى الجزئي - غاية الامر أنه على الاول تدل على انحصار الطبيعة في الايجاد المتعلق بالطبيعة وعلى الثاني تدل على الانحصار في الايجاد المتعلق بالفرد. وكون الصيغة مستعملة في المعنى الكلي أو الجزئي مما لا يرتبط بالدلالة على الانتفاء عند الانتفاء، ولذا ترى أن انشاء طبيعة الوجوب بمادته في القضايا اللقبية مثل: يجب اكرام زيد، يقتضي الانتفاء عند الانتفاء وأن المشهور مع بنائهم على أن الصيغة مستعملة في المعنى الجزئي قائلون بدلالة القضايا الشرطية على الانتفاء عند الانتفاء فهي عندهم نظير قولك: زيد كل الرجل، وعند مثل المصنف (ره) نظير: زيد الرجل (قوله: حيث كان) بيان لكون فائدة العلية ارتفاع المطلق يعني لو كان مفادها ارتفاع الشخص لزم عدم حصوله بدونها وليس كذلك لارتفاع الشخص في اللقب والوصف ايضا (قوله: وأورد) معطوف على دفع الاشكال (قوله: ما تفصي) الصلة مبنية للمفعول (قوله: بما ربما) الظاهر أن
إلى ما ذكرناه بما حاصله أن التفصي لا يبتني على كلية الوجوب لما أفاده وكون الموضوع في الانشاء عاما لم يقم عليه دليل لو لم نقل بقيام الدليل على خلافه حيث أن الخصوصيات بانفسها مستفادة من الالفاظ وذلك لما عرفت من أن الخصوصيات في الانشاءات والاخبارات انما تكون ناشئة من الاستعمالات بلا تفاوت اصلا بينهما ولعمري لا يكاد ينقضي تعجبي كيف تجعل خصوصيات الانشاء من خصوصيات المستعمل فيه مع انها كخصوصيات الاخبار تكون ناشئة من الاستعمال ولا يكاد يمكن أن يدخل في المستعمل فيه ما ينشأ من قبل الاستعمال كما هو واضح لمن تأمل، (الامر الثاني) أنه إذا تعدد الشرط مثل: إذا خفى الاذان فقصر، وإذا خفي الجدران فقصر، فبناء على ظهور الجملة الشرطية في المفهوم لا بد من التصرف ورفع اليد عن الظهور (إما) بتخصيص مفهوم كل منهما بمنطوق الآخر فيقال بانتفاء وجوب القصر عند انتفاء الشرطين (وإما) برفع اليد عن المفهوم فيهما فلا دلالة لهما على عدم مدخلية شئ آخر في الجزاء بخلاف الوجة الاول
______________________________
*
أصل العبارة (مما ربما) ليكون بيانا لما تفصي (قوله: لما أفاده) تعليل لعدم الابتناء (قوله: وذلك لما عرفت) هذا كلام المصنف (ره) وهو تعليل لقوله: وبذلك انقدح فساد.. الخ (قوله: كيف تجعل) قد عرفت وجهه سابقا فراجع (قوله: إذا خفي الاذان) قد يوهم التمثيل بذلك اختصاص الكلام بما إذا قامت قرينة على امتناع تكرر الجزاء بل هو الذي ادعاه بعض وليس له وجه ظاهر مع إطلاق كلامهم في العنوان وورود جميع ما يذكر من الاحتمالات ووجوهها في غيره مما أمكن تكرر الجزاء فيه فلاخظ (قوله: لابد من التصرف) إذ بناء على المفهوم يكون مفاد كل من القضيتين نفي الحكم عند انتفاء شرطها وان وجد شرط الاخرى وهو ينافي منطوق الاخرى فلا بد من التصرف جمعا عرفيا فالاشكال يقع في تعيين التصرف الذي به يكون الجمع عرفيا وحيث أن القضية الشرطية - بناء على المفهوم - مشتملة على ظهورات متعددة
فان فيهما الدلالة على ذلك (وإما) بتقييد إطلاق الشرط في كل منهما بالآخر فيكون الشرط هو خفاء الاذان والجدران معا فإذا خفيا وجب القصر ولا يجب عند انتفاء خفائهما ولو خفى احدهما (وإما) بجعل الشرط هو القدر المشترك بينهما بأن يكون تعدد الشرط قرينة على أن الشرط في كل منهما ليس بعنوانه الخاص بل بما هو مصداق لما يعمهما من العنوان. ولعل العرف يساعد على الوجه الثاني كما أن العقل ربما يعين
______________________________
*
وهي ظهورها في المفهوم، وظهورها في عموم المفهوم، وظهورها في استقلال الشرط، وظهورها في دخل خصوصيته، وكان رفع اليد عن واحد منها كافيا في رفع التنافي بين القضيتين فالكلام يقع في تعيين الاضعف من هذه الظهورات ليتعين للسقوط ويجب الاخذ بما سواه فمرجع الوجه الاول إلى سقوط الظهور الثاني، والثاني إلى سقوط الاول، والثالث إلى سقوط الثالث، والرابع إلى سقوط الرابع، (قوله: فان فيهما الدلالة) ولذا بني على ثبوت المفهوم وكان رفع اليد عن عمومه فقط (قوله: وإما بتقييد اطلاق الشرط) فترجع القضيتان إلى قضية واحدة شرطها تمام الشرطين معا (قوله: وإما بجعل الشرط) وهناك وجه خامس محكي عن الحلي وهو التصرف في إحدى الجملتين بعينها مع المحافظة على تمام ظهورات الاخرى (قوله: ولعل العرف يساعد) أقول: أما سقوط الوجه الخامس فظاهر إذ هو ترجيح بلا مرجح وبعده في السقوط الاول لان المفهوم لا استقلال له في قبال المنطوق ليصلح للتصرف فيه بنفسه بل انما استفيد من الخصوصية المدلول عليها في المنطوق فلابد أن يكون التصرف بتلك الخصوصية وحيث أن الخصوصية هي كون سنخ الجزاء معلقا على الشرط بخصوصيته مستقلا فلابد من رفع اليد اما عن تعليق السنخ فيتعين الثاني، أو عن خصوصية الشرط فيتعين الرابع أو عن استقلاله فيتعين الثالث، وأما التفكيك في السنخ بان يكون المعلق كل فرد منه عدا واحد فانه يثبت مع شرط الآخر فهو وان كان في نفسه معقولا الا انه ممتنع عرفا مع تعدد القضيتين - كما هو محل الكلام - إذ لا معنى لتعليق سنخ الحكم على كل من الشرطين عدا فرد منه. بل يكون المعلق في إحداهما السنخ وفي الاخرى فرد منه. نعم ربما يصح لو كانت
هذا الوجه بملاحظة أن الامور المتعددة - بما هي مختلفة - لا يمكن أن يكون كل منها مؤثرا في واحد فانه لا بد من الربط الخاص بين العلة والمعلول ولا يكاد يكون الواحد بما هو واحد مرتبطا بالاثنين - بما هما اثنان - ولذلك أيضا لا يصدر من الواحد الا الواحد فلا بد من المصير إلى ان الشرط في الحقيقة واحد وهو المشترك بين الشرطين بعد البناء على رفع اليد عن المفهوم وبقاء اطلاق الشرط في كل منهما على حاله وإن كان بناء العرف والاذهان العامية على تعدد الشرط وتأثير كل شرط بعنوانه الخاص فافهم (الامر الثالث) إذا تعدد الشرط
______________________________
القضية واحدة وعلم بثبوت جزائها مع الشرط الآخر حال انتفاء شرطها وبعده في السقوط الثالث فان ظهور الشرط في الاستقلال ولو بالاطلاق أقوى من غيره فيتعين رفع اليد عن غيره فيدور الامر بين رفع اليد عن ظهور القضية في تعليق السنخ ليتعين الثاني ورفع اليد عن ظهور الشرط في الخصوصية (فان قلت): لا دوران بينهما للعلم بسقوط اصالة الظهور في الخصوصية حسبما يقتضيه برهان السنخية المذكور في المتن ويتعين الاخذ باصالة الظهور في تعليق السنخ (قلت): ذلك إنما يتم لو كانا في كلامين لا ما لو كانا في كلام واحد إذ حينئذ لما كان كل واحد منهما في نفسه صالحا للقرينية على التصرف في الآخر فإذا كان احدهما أقوى اقتضى انعقاد الظهور على طبقه فيجب الاخذ به، والانصاف يقتضي الاخذ بما ذكره المصنف (ره) من ترجيح التصرف في ظهور الشرط في الخصوصية فانه - كما ذكر - مما يساعد عليه العرف جدا ولا سيما في مثل كلمة (إذا) مما كان من الظروف المتضمنة لمعنى الشرط (قوله: هذا الوجه) يعني الرابع (قوله: فلا بد من المصير) تفريع على قوله: ولعل العرف، وقوله: كما ان العقل... الخ يعني بعد مساعدة العرف على الثاني وبناء العقل على امتناع تأثير كل من الشرطين بخصوصه في الجزاء لابد من الجمع بين القول بعدم المفهوم للقضية الشرطية عند التعدد والقول بأن الشرط هو الجامع بين الشرطين (قوله: إطلاق الشرط)
واتحد الجزاء فلا إشكال على الوجه الثالث وأما على سائر الوجوه فهل اللازم الاتيان بالجزاء متعددا حسب تعدد الشروط أو يتداخل ويكتفى باتيانه دفعة واحدة ؟ فيه أقوال والمشهور عدم التداخل، وعن جماعة منهم المحقق الخوانساري التداخل وعن الحلي التفصيل بين اتحاد جنس الشروط وتعدده (والتحقيق) أنه لما كان ظاهر الجملة الشرطية حدوث الجزاء عند حدوث الشرط بسببه أو بكشفه عن سببه وكان قضيته تعدد الجزاء عند تعدد الشرط كان الاخذ بظاهرها إذا تعدد الشرط حقيقة أو وجودا محالا ضرورة ان لازمه ان يكون الحقيقة الواحدة مثل الوضوء - بما هي واحدة - في مثل: إذا بلت فتوضأ، وإذا نمت فتوضأ، أو فيما إذا بال مكررا أو نام كذلك محكوما بحكمين متماثلين وهو واضح الاستحالة كالمتضادين فلا بد على القول بالتداخل من التصرف فيه (إما) بالالتزام بعدم دلالتها في هذا الحال على
______________________________
*
يعني المقتضي للاستقلال فيكون كل شرط - مستقلا - مؤثرا في الجزاء بلا اعتبار انضمام الشرط الآخر إليه (قوله: واتحد الجزاء) يعني اتحد موضوعه (قوله: فلا إشكال على الوجه) يعني الاشكال في التداخل وعدمه لانه إذا كان الشرط مجموع الشرطين - كما هو مقتضى الوجه الثالث - لا يكون الشرط متعددا ليقع الاشكال في تعدد مقتضاه وعدمه (قوله: وعن الحلي التفصيل) هذا ليس تفصيلا فيما عقد له البحث - وهو فرض تعدد الشرط - لان المراد منه تعدده جنسا لا خارجا (قوله: قضيته تعدد) يعني تعدد الحكم في الجزاء ووجه الاقتضاء ظاهر لو كان الشرطان مترتبين في الوجود لان حدوث الجزاء مع كل منهما يقتضي تعدد الوجود أما لو كانا مقترنين فالاقتضاء غير ظاهر لان حدوث الجزاء عند حدوث كل منهما لا يقتضي تعددا في الوجود. نعم لو كان ظاهر القضية حدوث الجزاء مستقلا من قبل حدوث الشرط كذلك اقتضى التعدد مطلقا لان تعدد الحدوث ملزوم لتعدد الوجود (قوله: الحقيقة الواحدة) وهي موضوع الجزاء المفروض كونه واحدا (قوله: محكوما بحكمين) يحدث كل منهما
الحدوث عند الحدوث بل على مجرد الثبوت (أو) الالتزام بكون متعلق الجزاء وان كان واحدا صورة إلا أنه حقائق متعددة - حسب تعدد الشرط - متصادقة على واحد فالذمة وان اشتغلت بتكاليف متعددة حسب تعدد الشروط إلا أن الاجتزاء بواحد، لكونه مجمعا لها كما في: أكرم هاشميا، وأضف عالما، فأكرم العالم الهاشمي بالضيافة، ضرورة انه بضيافته بداعي الامرين يصدق انه امتثلهما ولا محالة يسقط الامر بامتثاله وموافقته وان كان له امتثال كل منهما على حدة كما إذا أكرم الهاشمي بغير الضيافة واضاف العالم غير الهاشمي (ان قلت): كيف يمكن ذلك ؟ (أي الامتثال بما تصادق عليه العنوانان) مع استلزامه محذور اجتماع الحكمين المتماثلين فيه (قلت): انطباق عنوانين واجبين على واحد لا يستلزم اتصافه بوجوبين بل غايته ان انطباقهما عليه يكون منشأ لاتصافه بالوجوب وانتزاع صفته له مع انه على القول بجواز الاجتماع لا محذور في اتصافه بهما بخلاف ما إذا كان بعنوان
______________________________
للموضوع حين حدوث الشرط (قوله: مجرد الثبوت) الذي هو أعم من الحدوث والبقاء ففي صورة تعدد الشرط يكون حكم واحد مستندا إلى السابق منهما مع ترتبهما والى الجامع بينهما في صورة الاقتران ومرجع هذا التصرف إلى رفع اليد عن ظهور القضية في وجود الجزاء من قبل الشرط مستقلا فقد لا يكون الاثر مستندا إلى الشرط أصلا كما لو سبقه شرط آخر وقد يكون مستندا إليه بلا استقلال كما لو اقترن الشرطان (قوله: إلا انه حقائق متعددة) هذا التصرف راجع إلى رفع اليد عن ظهور الجزاء في كون موضوعه بعنوانه موضوعا للحكم بل يكون موضوع الجزاء حقيقة إحدى تلك الحقائق المنطبقة على ما أخذ جزاء في القضية وحينئذ يكون كل شرط مؤثرا مستقلا في حكم إحدى تلك الحقائق بحيث يحدث بحدوثه ويكون حينئذ كل شرط مؤثرا ضمنا في تمام الوجود الاكيد (قوله: لاتصافه بالوجوب) يعني بوجوب واحد أكيد (قوله: في اتصافه بهما) يعني بلا تأكيد من احدهما للآخر (قوله: بخلاف ما إذا)
واحد فافهم (أو) الالتزام بحدوث الاثر عند وجود كل شرط الا انه وجوب الوضوء في المثال عند الشرط الاول وتأكد وجوبه عند الآخر (ولا يخفى) أنه لا وجه لان يصار إلى واحد منها فانه رفع اليد عن الظاهر بلا وجه مع، ما في الاخيرين من الاحتياج إلى اثبات ان متعلق الجزاء متعدد متصادق على واحد وان كان - صورة - واحدا سمي باسم واحد كالغسل، والى اثبات ان الحادث بغير الشرط الاول ما حدث بالاول ومجرد الاحتمال لا يجدي ما لم يكن في البين ما يثبته (ان قلت) وجه ذلك هو لزوم التصرف في ظهور الجملة الشرطية لعدم إمكان الاخذ بظهورها حيث ان قضيته اجتماع الحكمين في الوضوء في المثال كما مرت الاشارة إليه
______________________________
كما هو مقتضى ظاهر القضية (قوله: واحد فافهم) لعله اشارة إلى ان هذا التصرف انما يجدى بناء على خروج الكليين المتصادقين على موضوع واحد عن هذا النزاع والا فبناء على دخولهما فيه وأن القائل بعدم التداخل لا يرى الاكتفاء بالمجمع في مقام الامتثال كما في المثال المذكور بل لابد من امتثال كل من الحكمين بغير امتثال الآخر فلا ينفع هذا التصرف في شئ فتأمل (قوله: أو الالتزام بحدوث) هذا راجع إلى رفع اليد عن ظهور القضية في كون كل شرط مؤثرا مستقلا في وجود الجزاء بل يكون كل شرط مؤثرا في الجملة في وجوده ولو ضمنا بأن يكون كل مرتبة من وجوده مستندة إلى احد الشرطين مع المحافظة على ظهورها في كون موضوع الجزاء بعنوانه موضوعا له (قوله: مع ما في الاخيرين) يعني يرد إشكال آخر على القائل باحد الاخيرين وهو انه لو بني على وجوب رفع اليد عن الظهور يدور الامر بين المحتملات المذكورة، وتعيين واحد منها كما يدعيه القائل به يحتاج إلى دليل وهو مفقود وانما خصه بالاخيرين لان الاول راجع إلى دعوى الظهور فيه كما وهو يظهر من ملاحظة عبارته بخلاف الاخيرين فان ظاهر عبارتهما تسليم عدم الظهور فيهما فتأمل جيدا (قوله: إلى اثبات) راجع إلى أول الاخيرين (قوله: والى اثبات) راجع إلى ثانيهما (قوله: وجه ذلك) ايراد على قوله: ولا يخفى أنه لا وجه... الخ يعني أن الموجب للالتزام
(قلت): نعم إذا لم يكن المراد بالجملة فيما إذا تعدد الشرط كما في المثال هو وجوب الوضوء مثلا بكل شرط غير ما وجب بالآخر ولا ضير في كون فرد محكوما بحكم فرد آخر اصلا كما لا يخفى (ان قلت): نعم لو لم يكن تقدير تعدد الفرد على خلاف الاطلاق (قلت): نعم لو لم يكن ظهور الجملة الشرطية في كون الشرط سببا أو كاشفا عن السبب مقتضيا لذلك (أي لتعدد الفرد) وبيانا لما هو المراد من الاطلاق (وبالجملة) لا دوران بين ظهور الجملة في حدوث الجزاء وظهور الاطلاق ضرورة ان ظهور الاطلاق يكون معلقا على عدم البيان وظهورها في ذلك صالح لان يكون بيانا فلا ظهور له مع ظهورها فلا يلزم على القول بعدم التداخل تصرف أصلا بخلاف القول بالتداخل
______________________________
بأحد الانحاء المتقدمة - مع أنها خلاف الظاهر - لزوم الخروج عن ظاهر الشرطية لكونه محالا كما تقدم فكون كل واحد خلاف الظاهر مسلم لكنه يجب الاخذ به بعد ما كان الظاهر محالا (قوله: قلت نعم) يعني ما ذكرت مسلم حيث لا يكون هناك احتمال آخر أقرب عرفا وإلا وجب حمل الكلام عليه، ومن المحتمل أن يكون الوجوب الحادث بحدوث أحد الشرطين ثابتا لفرد من الجزاء غير الفرد الذي يثبت له الوجوب الحادث بحدوث الشرط الآخر فيحدث بحدوث الشرطين وجوبان لفردين من الجزاء لا ميز بينهما الا في كون أحدهما غير الآخر نظير وجوب صوم يومين ولا يلزم محذور اجتماع الحكمين في موضوع واحد (قوله: خلاف الاطلاق) يعني خلاف اطلاق موضوع الجزاء فان مقتضى اطلاقه في القضيتين أن يكون المراد به صرف الطبيعة المنطبق على كل ما يفرض من الوجود لا أن أحدهما يصدق على وجود والآخر يصدق على وجود آخر فإذا كان ذلك المحتمل خلاف الاطلاق كان الحمل عليه محتاجا إلى قرينة وهي مفقودة (قوله: قلت نعم لو لم) يعني ما ذكرت مسلم لو كانت اصالة الاطلاق محكمة وليس كذلك لان الاطلاق يتوقف على تمامية مقدمات الحكمة وهي غير حاصلة لان من جملة المقدمات
كما لا يخفى، فتلخص بذلك ان قضية ظاهر الجملة الشرطية هو القول بعدم التداخل عند تعدد الشرط، وقد انقدح مما ذكرناه أن المجدي للقول بالتداخل هو احد الوجوه التي ذكرناها لا مجرد كون الاسباب الشرعية معرفات لا مؤثرات، فلا وجه لما عن الفخر وغيره من ابتناء المسألة على انها معرفات أو مؤثرات، مع أن الاسباب الشرعية حالها حال غيرها في كونها معرفات تارة ومؤثرات أخرى ضرورة أن الشرط للحكم الشرعي في الجملة الشرطية ربما يكون مما له دخل في ترتب الحكم بحيث لولاه لما وجدت
______________________________
أن لا يكون قرينة وظهور القضية الشرطية في تعدد الجزاء بتعدد الشرط يصلح للقرينية على عدم ارادة إطلاق الجزاء بنحو ينافي ما ذكرنا وإن كان إطلاقه من الجهات الاخرى بحاله فاطلاقه من حيث كون الواجب باحد الشرطين عين الواجب بالآخر أو غيره ساقط، وإطلاقه من حيث الافراد أو الاحوال بحاله (قوله: كما لا يخفى) ذكر في الحاشية انه يتم ذلك بناء على مذهب شيخنا الاعظم (ره) من أن القرائن المنفصلة مانعة من ثبوت الاطلاق أما بناء على أنها غير مانعة - كما سيأتي - فتعدد الشرط لما كان منها كان اطلاق الجزاء محكما ويكون ما ذكر من الحمل على تعدد نوع الجزاء على خلافه فيدور الامر بينه وبين غيره من أنحاء التصرف المتقدمة وتعينه محتاج إلى معين وحيث أنه أقرب من غيره في نظر العرف كان هو المتعين، ويشهد له ان القضايا المتعددة لو كانت في كلام واحد فقد عرفت أن التصرف المذكور فيها هو المتعين لعدم الاطلاق فكذا لو كانت في كلام متعدد فان ذلك هو الميزان في الجمع العرفي (قوله: بعدم التداخل) فلا بد من تعدد الامتثال (قوله: لما عن الفخر وغيره من ابتناء) (أقول): المحكي عن فخر المحققين " ره " وبعض من تأخر عنه ابتناء مسألة التداخل وعدمه على كون الاسباب الشرعية معرفات أو مؤثرات فعلى الاول لابد من القول بالتداخل لامكان أن تكون الامور المتعددة حاكية عن امر واحد ومع احتمال وحدة السبب الحقيقي المحكي بتلك الاسباب الشرعية لا وجه للحكم بتعدد
له علة كما انه في الحكم غير الشرعي قد يكون امارة على حدوثه بسببه وان كان ظاهر التعليق أن له الدخل فيهما كما لا يخفى. نعم لو كان المراد بالمعرفية في الاسباب الشرعية انها ليست بدواعي الاحكام التي هي في الحقيقة علل لها وان كان لها دخل في تحقق موضوعاتها بخلاف الاسباب غير الشرعية فهو وان كان
______________________________
المسبب، وعلى الثاني لابد من القول بعدم التداخل إذ مقتضى سببية كل واحد من الامور المتعددة أن يكون لكل منها مسبب ولو كان لها مسبب واحد لزم اجتماع العلل المتعددة على المعلول الواحد وحاصل ما ذكره المصنف " ره " أمران (أحدهما) راجع إلى المناقشة في الابتناء وأن البناء على كون الاسباب الشرعية معرفات لا يقتضي القول بالتداخل لجواز أن تكون الاسباب الشرعية المتعددة حاكية عن اسباب حقيقية متعددة فإذا كان ظاهر الشرطية تعدد المسبب بتعدد السبب فقد دلت على تعدد السبب الحقيقي (وثانيهما) راجع إلى فساد المبنى وأن كون الاسباب الشرعية معرفات لا غير أو مؤثرات كذلك لا وجه له بل هي على نوعين مؤثرات ومعرفات وما اشتهر من ان الاسباب الشرعية معرفات من المشهورات التي لا أصل لها إذ لا نعني من السبب المؤثر إلا ما لولاه لم يوجد الحكم وهذا المعنى صادق على كثير من الاسباب الشرعية كما انه قد لا يصدق في كثير من الاسباب غير الشرعية فتكون معرفات لا غير (قوله: له علة) وهي المصلحة والمفسدة كما يأتي (قوله: حدوثه بسببه) يعني حدوث الحكم بسبب ما له الدخل فيه كما في قولك: إذا وجد الدخان فقد احترق الحطب (قوله: له الدخل) كما هو مبنى البحث في المقام (قوله: ليست بدواع) لان الداعي ما يكون موجبا لترجح الوجود على العدم أو العدم على الوجود وهو - عند العدلية - المصالح والمفاسد التي تحكي عنها الاسباب الشرعية الواقعة في حيز أداة الشرط أو غيره وقد يكون لها دخل في وجود موضوعاتها كما تقدم التنبيه عليه في الواجب المشروط (قوله: علل لها) في كون الدواعي عللا للاحكام تأمل فانها بوجودها
له وجه الا انه مما لا يكاد يتوهم انه يجدي فيما هم واراد (ثم) إنه لا وجه للتفصيل بين اختلاف الشروط بحسب الاجناس وعدمه واختيار عدم التداخل في الاول والتداخل في الثاني الا توهم عدم صحة التعلق بعموم اللفظ في الثاني لانه من أسماء الاجناس فمع تعدد أفراد شرط واحد لم يوجد الا السبب الواحد بخلاف الاول لكون كل منها سببا فلا وجه لتداخلها (وهو فاسد) فان قضية إطلاق الشرط في مثل: إذا بلت فتوضأ، هو حدوث الوجوب عند كل مرة لو بال مرات والا فالاجناس المختلفة لابد من رجوعها إلى واحد فيما جعلت شروطا واسبابا لواحد لما مرت إليه الاشارة من أن الاشياء المختلفة بما هي مختلفة لا تكون اسبابا لواحد. هذا كله فيما إذا كان
______________________________
الخارجي غير مؤثرة فيها. نعم بوجودها العلمي تكون من علل الارادة التي هي علة الاحكام (قوله: له وجه) لصحة دعوى كون جميع الاسباب الشرعية ليست هي من قبيل المصالح والمفاسد بل هي حاكية عنها معرفة لها وهذا لا ينافي كونها معرفات تارة ومؤثرات أخرى كما تقدم لان المراد من كونها مؤثرات في الاحكام أنها مؤثرات في المصالح والمفاسد التي هي مؤثرات في الاحكام والمراد من كونها معرفات أنها غير دخيلة في المصالح والمفاسد وإنما تحكي عما هو دخيل فيها (قوله: انه يجدى) لما تقدم من أن كونها معرفة بهذا المعنى لا يستلزم التداخل بعد ظهور الشرطية في تعدد المسبب بتعدد الشرط فان ذلك كاشف عن تعدد السبب الحقيقي المحكي (قوله: التعلق بعموم) يعني بالنسبة إلى كل فرد ليثبت به الجزاء بالنسبة إلى كل فرد (قوله: من اسماء الاجناس) فلا يدل على العموم (قوله: لكون كل) كما هو مقتضى تعدد القضية (قوله: هو حدوث الوجوب) كون مقتضى الاطلاق ذلك محل اشكال فانه موقوف على ملاحظة الشرط بنحو الطبيعة السارية وهو محتاج إلى قرينة إذ الاصل في المطلقات ان تكون بنحو صرف الوجود الناقض للعدم الا ان يكون المرتكز في أذهان العرف كون الشرط بنحو الطبيعة السارية جريا على الغالب في الاسباب الحقيقية الواقعية (قوله: لابد من رجوعها) يعني فإذا رجعت إلى الواحد جاء الكلام
موضوع الحكم في الجزاء قابلا للتعدد وأما ما لا يكون قابلا لذلك فلابد من تداخل الاسباب فيما لا يتأكد المسبب ومن التداخل فيه فيما يتأكد
فصل
الظاهر أنه لا مفهوم للوصف وما بحكمه
______________________________
السابق من انه مع تعدد الافراد لم يوجد الا السبب الواحد (أقول): ما ذكرناه في الواحد لا يطرد في المقام إذ مع التعدد لا مجال لاحتمال أن يكون السبب هو الجامع بنحو صرف الوجود بل لا بد أن يكون بنحو الطبيعة السارية فلا بد من تعدد المسبب (قوله: من تداخل) بأن تكون الاسباب المتعددة سببا واحدا لئلا يلزم اجتماع العلل المتعددة على المعلول الواحد ورجوعها إلى السبب الواحد بمعنى كون المؤثر هو الجامع بينها المنطبق على الجميع انطباقا واحدا هذا مع اقتران الاسباب في الوجود كما لو عقد الوكيلان في زمان واحد على مال واحد أو امرأة واحدة لشخص واحد فان الملكية والزوجية تنتزعان من صرف وجود العقد الصادق على الكثير والقليل بنحو واحد واما لو تقدم بعضها على بعض فالسابق هو السبب واللاحق ليس بسبب لئلا يلزم تحصيل الحاصل (قوله: فيه فيما يتأكد) يعني في السبب إذا أمكن التأكد فيه بأن يكون كل سبب مؤثرا في مرتبة من وجوده بلا فرق بين اقتران الاسباب وتعددها كما لو مات في البئر بعير ووقع فيها مسكر فانه - بناء على النجاسة - يتأكد المسبب لامكانه والله سبحانه أعلم
الكلام في مفهوم الوصف
(قوله: وما بحكمه) وهو الوصف الضمني كما في قوله صلى الله عليه وآله: لان يمتلئ بطن الرجل قيحا خير من أن يمتلئ شعرا، فان امتلاء البطن كناية عن الشعر الكثير فيدل بمفهومه - لو قيل به - على عدم البأس بالشعر القليل
مطلقا لعدم ثبوت الوضع وعدم لزوم اللغوية بدونه لعدم انحصار الفائدة به وعدم قرينة أخرى ملازمة له، وعليته - فيما إذا استفيدت - غير مقتضية له كما لا يخفى، ومع كونها بنحو الانحصار وان كانت مقتضية له إلا أنه لم يكن من مفهوم الوصف ضرورة أنه قضية العلة الكذائية المستفادة من القرينة عليها في خصوص مقام وهو مما لا إشكال فيه ولا كلام، فلا وجه لجعله تفصيلا في محل النزاع وموردا للنقض والابرام ولا ينافي ذلك ما قيل من أن الاصل في القيد ان يكون احترازيا لان الاحترازية لا توجب الا تضييق دائرة موضوع الحكم في القضية مثل ما إذا كان بهذا الضيق بلفظ واحد، فلا فرق أن يقال:
______________________________
(قوله: مطلقا) سواء اعتمد على موصوف أو لا (قوله: لعدم ثبوت الوضع) بل الثابت خلافه لان البناء على ثبوت الوضع يقتضي الالتزام بالمجاز في جميع الموارد التي لا يكون فيها تعليق السنخ وهو خلاف ارتكاز المستعملين (قوله: لعدم انحصار) لامكان ان تكون الفائدة زيادة الاهتمام بالموصوف ولا ينبغي التأمل في صحة الاستعمال حينئذ (قوله: وعليته) يعني قد يتوهم أن الوجه في استفادة المفهوم ظهور التوصيف في علية الوصف ولذا اشتهر أن تعليق الحكم على وصف يشعر بالعلية (وفيه) أن مجرد العلية لا تقتضي ثبوت المفهوم لجواز أن يكون للحكم علتان تنوب إحداهما مناب الاخرى، والعلية المنحصرة وان كانت مقتضية له إلا أن التوصيف لا يقتضيها. نعم قد تقوم قرينة من الخارج عليها لكن ذلك خارج عن محل الكلام إذ الكلام في اقتضاء نفس التوصيف للمفهوم (قوله: فلا وجه لجعله تفصيلا) اشارة إلى الرد على ما نسب إلى العلامة (ره) من التفصيل بين ما كان الوصف علة فيثبت المفهوم وبين ما لا يكون كذلك فينتفي وتوضيح الرد أن المراد من العلة ان كان مطلق العلة فلا وجه للقول بالمفهوم وان كان العلة المنحصرة فالقول بالمفهوم في محله الا انه ليس تفصيلا في محل الكلام لان استفادة انحصار العلة انما يكون بقرينة خارجة عن التوصيف ويكون القول بذلك قولا بالنفي مطلقا (قوله: ولا ينافي ذلك) يعني قد يتوهم
جئني بانسان، أو بحيوان ناطق، كما أنه لا يلزم في حمل المطلق على المقيد فيما وحد شرائطه إلا ذلك من دون حاجة فيه إلى دلالته على المفهوم فانه من المعلوم ان قضية الحمل ليس الا أن المراد بالمطلق هو المقيد وكأنه لا يكون في البين غيره، بل ربما قيل: انه لا وجه للحمل لو كان بلحاظ المفهوم فان ظهوره فيه ليس بأقوى من ظهور المطلق في الاطلاق كي يحمل عليه لو لم نقل بأنه الاقوى لكونه بالمنطوق كما لا يخفى
______________________________
أن ما ذكرناه من انتفاء المفهوم ينافي ما اشتهر من أن الاصل في القيود أن تكون احترازية لان معنى كونها احترازية انها دالة على خروج الفاقد للقيد عن الحكم وهو عين انتفاء الحكم عن فاقد الوصف (وفيه) أن المراد من كونها احترازية خروج الفاقد عن شخص الحكم لا عن سنخه فيجوز أن يثبت له شخص آخر من سنخ الحكم (أقول): بل الظاهر ما ذكره المتوهم الا أن الظاهر أن هذه القاعدة ليست كلية بل في خصوص القيود التي تذكر في مقام تحديد موضوعات مسائل العلوم ونحو ذلك مما كان المتكلم فيه في مقام كل من الاثبات والنفي فالدلالة على المفهوم إنما تكون بقرينة المقام (قوله: جئني بانسان) الذي هو من قبيل القضية اللقبية (قوله: كما انه لا يلزم) يعني قد يتوهم أن التقييد بالوصف لو لم يقتض المفهوم لم يكن وجه للجمع بين المطلق والمقيد لعدم التنافي بينهما فليس التنافي إلا من جهة الدلالة على المفهوم وانتفاء الحكم عن غير مورد القيد فانه ينافي ثبوته له بمقتضى دلالة المطلق (وفيه) أن التنافي بينهما إنما يكون لقرينة خارجية دالة على وحدة الحكم فان الحكم الواحد ثبوته للمطلق ينافي ثبوته للمقيد ولو لم تكن هذه القرينة فلا تنافي ولا جمع بينهما كما هو الحال في المستحبات حسبما يأتي انشاء الله (قوله: شرائطه) ومنها وحدة الحكم (قوله: الا ذلك) يعني اقتضاء التقييد تضييق دائرة موضوع الحكم (قوله: قضية الحمل) يعني مقتضى حمل المطلق على المقيد (قوله: بأنه الاقوى) يعني ظهور المطلق في
" واما " الاستدلال على ذلك - أي عدم الدلالة على المفهوم - بآية: " وربائبكم اللاتى في حجوركم " ففيه أن الاستعمال في غيره احيانا مع القرينة مما لا يكاد ينكر كما في الآية قطعا مع انه يعتبر في دلالته عليه - عند القائل بالدلالة - أن لا يكون واردا مورد الغالب كما في الآية، ووجه الاعتبار واضح لعدم دلالته معه على الاختصاص وبدونها لا يكاد يتوهم دلالته على المفهوم فافهم (تذنيب) لا يخفى انه لا شبهة في جريان النزاع فيما إذا كان الوصف أخص من موصوفه ولو من وجه في مورد الافتراق من جانب الموصوف وأما في غيره ففى جريان
______________________________
الاطلاق (قوله: وأما الاستدلال) وجه الاستدلال أن الوصف لو دل على المفهوم اقتضى عدم حرمة الربيبة لو لم تكن في حجر الزوج الذي هو كناية عن كونها في تربيته مع انه لا خلاف في حرمتها مطلقا (قوله: لا يكاد ينكر) لكنه أعم من الحقيقة (قوله: كما في الآية) تمثيل للمنفي (قوله: لعدم دلالته) بل يكون الوجه في ذكر المقيد كونه الفرد الغالب حتى كأنه لا فرد سواه كما عن الرازي التعليل بذلك (قوله: المفهوم فافهم) يمكن أن يكون اشارة إلى أن ذلك إنما يتم لو كان الوجه في دلالة الوصف على المفهوم لزوم اللغوية أو القول بان أصالة الحقيقة حجة إذا كانت مفيدة للظن أما لو كانت الدلالة بالوضع مع البناء على حجية أصالة الحقيقة مطلقا فلا وجه له كما اعترضه في التقريرات (أقول): يمكن دفعه بدعوى الوضع لافادة المفهوم في خصوص عدم الغلبة فتأمل (قوله: لا شبهة في جريان) لما عرفت من ان التقابل بين المفهوم والمنطوق تقابل النقيضين الا في الاتحاد في الوصف أو الشرط أو نحوهما فان المنطوق حكم في حال الشرط أو الوصف (مثلا) والمفهوم عدم الحكم في غير حال الوصف أو الشرط ففي مورد افتراق الموصوف عن الوصف بالفرد الفاقد له يصح النزاع في الدلالة على انتفاء الحكم عنه الذي هو المفهوم وعدمها الذي هو عين عدمه (قوله: ولو من وجه) كما في الغنم السائمة (قوله: وأما في غيره)
اشكال أظهره عدم جريانه وان كان يظهر مما عن بعض الشافعية حيث قال: قولنا: في الغنم السائمة زكاة، يدل على عدم الزكاة في معلوفة الابل. جريانه فيه ولعل وجهه استفادة العلية المنحصرة منه وعليه فيجري فيما كان الوصف مساويا أو أعم مطلقا ايضا فيدل على انتفاء سنخ الحكم عند انتفائه فلا وجه في التفصيل بينهما وبين ما إذا كان اخص من وجه فيما إذا كان الافتراق من جانب الوصف بانه لا وجه للنزاع فيهما معللا بعدم الموضوع واستظهار جريانه من بعض الشافعية فيه كما لا يخفى فتأمل جيدا.
فصل
هل الغاية في القضية تدل على ارتفاع الحكم عما بعد الغاية ؟ بناء على دخول الغاية في المغيى ؟ أو عنها وبعدها بناء على خروجها أولا فيه خلاف وقد نسب إلى المشهور
______________________________
وهو مورد افتراق الصفة والموصوف معا كالابل المعلوفة في المثال المتقدم (قوله: إشكال أظهره عدم) لان انتفاء الحكم عن الابل المعلوفة ليس نقيضا بالمعنى المتقدم ليكون مفهوما بل هو انتفاء للحكم عن موضوع آخر غير موضوع المنطوق وقد عرفت أنه لا بد من الاتحاد فيه (قوله: استفادة العلية) يعني يستفاد من التوصيف كون الوصف علة لسنخ الحكم مطلقا ولو بالاضافة إلى غير موضوعه لكنه - لو تم - لم يكن مفهوما اصطلاحا فتأمل (قوله: انتفاء سنخ) يعني عن غير الموصوف من الموضوعات المباينة له (قوله: فلا وجه في التفصيل) الظاهر انه تعريض بالتقريرات حيث ذكر انه لا وجه للنزاع في الوصف المساوي والاعم لعدم الموضوع وهل يجري فيما لو كان أخص من وجه بالنسبة إلى مورد الافتراق من جانب الوصف كما يظهر من بعض الشافعية أو لا يجري كما يظهر من جماعة ؟ الظاهر هو الثاني لاختلاف الموضوع انتهى، لكن ما ذكره ليس تفصيلا في جريان النزاع بل هو تفصيل في الجزم والاستظهار. والله سبحانه أعلم
الدلالة على الارتفاع والى جماعة منهم السيد والشيخ عدم الدلالة عليه (والتحقيق) انه إذا كانت الغاية بحسب القواعد العربية قيدا للحكم كما في قوله: (كل شئ حلال حتى تعرف أنه حرام) و (كل شئ طاهر حتى تعلم أنه قذر) كانت دالة على ارتفاعه عند حصولها لانسباق ذلك منها كما لا يخفى وكونه قضية تقييده بها وإلا لما كان ما جعل غاية له بغاية وهو واضح إلى النهاية وأما إذا كانت بحسبها قيدا للموضوع مثل:
______________________________
مفهوم الغاية
(قوله: بحسب القواعد) بل وكذا لو كان بحسب القرينة الخاصة وإن لم يكن مقتضى القواعد إذ التفصيل غير ظاهر الوجه (قوله: كما في قوله - عليه السلام: كل) ظهور الكلام في كون الغاية في الروايتين الشريفتين قيدا للحل والطهارة مما لا اشكال فيه لاتصالهما بها وانفصال الموضوع عنها - مع الاحتياج في ارجاعها إلى الموضوع من تقدير المتعلق ليكون وصفا له وهو خلاف القواعد (قوله: وهو واضح) وضوحه مشكل حيث أن ما ذكر انما يتم لو كان المغي ؟ سنخ الحكم أما لو كان شخصا منه فلا يدل على انتفاء شخص آخر - مضافا إلى ما قيل من أن كون الغاية قيدا للحكم يقتضي أن يكون هو المجعول ومن المعلوم ان جعل الحكم المقيد بقيد الموضوع لا يقتضي عدم الحكم المطلق عنه فدعوى المفهوم تتوقف على تعرية الحكم عن القيد بالغاية بل تجعل قيدا للنسبة ويكون الملحوظ في الحكم سنخه فيكون مفاد القضية المغياة أن الحكم المطلق ثبوته وانتسابه للموضوع مغيى بالغاية فتدل على انتفاء الحكم بعدها ولعل الاصل في القيود المذكورة في الجمل أن تكون قيودا للنسبة لا للموضوع ولا للحكم، فيتحصل أن الغاية إن كانت قيدا للموضوع أو الحكم لم تقتض المفهوم وان كانت قيدا للنسبة اقتضته، ولو شك في ذلك كانت قيدا للنسبة فتأمل جيدا (قوله: مثل:
سر من البصرة إلى الكوفة، فحالها حال الوصف في عدم الدلالة وان كان تحديده بها بملاحظة حكمه وتعلق الطلب به وقضيته ليس إلا عدم الحكم فيها الا بالمغيى من دون دلالة لها أصلا على انتفاء سنخه عن غيره لعدم ثبوت وضع لذلك وعدم قرينة ملازمة لها ولو غالبا دلت على اختصاص الحكم به وفائدة التحديد بها كسائر انحاء التقييد غير منحصرة بافادته كما مر في الوصف. ثم إنه في الغاية خلاف آخر كما أشرنا إليه وهو أنها هل هي داخلة في المغيى بحسب الحكم أو خارجة عنه ؟ والاظهر خروجها لكونها من حدوده فلا تكون محكومة بحكمه ودخوله فيه في بعض الموارد إنما يكون بالقرينة وعليه يكون كما بعدها بالنسبة إلى الخلاف الاول كما انه على القول الآخر تكون محكومة بالحكم منطوقا. ثم لا يخفى أن هذا الخلاف لا يكاد يعقل جريانه فيما إذا كان قيدا للحكم فلا تغفل
______________________________
سر من البصرة) فان (من) و (إلى) متعلقتان بالسير لا بالهيئة إذ ليس ما بين المبدأ والمنتهى مكانا للحكم (قوله: لكونها من حدوده) بهذا استدل نجم الائمة (ره) على مختاره وهو الخروج لكنه يتوقف على كون الاصل في (إلى) وأخواتها من أدوات الغاية أن تكون داخلة على الحد الذي من المعلوم خروجه عن المحدود والا فهي قد تكون داخلة على الحد كما تكون داخلة على المحدود وكون معناها الغاية لا يلازم الاول إذ قد يراد بالغاية ما به ينتهي الشئ كما قد يراد بها ما عنده ينتهي الشئ وهو الحد، والاول داخل والثاني خارج بلا كلام فلا بد في اثبات دعوى الخروج من اثبات كون الاصل فيها أن تكون داخلة على الغاية بالمعنى الثاني وهو الظاهر (قوله: وعليه) يعني على الخروج (قوله: كما بعدها) يعني فعلى القول بالمفهوم ينتفي الحكم عنها وعلى القول بعدمه لا دليل على انتفائه ولا على ثبوته (قوله: القول الآخر) يعني الدخول (قوله: لا يكاد يعقل) إذ لا معنى لدخول الغاية في الحكم لعدم السنخية، لكن هذا بعينه جار فيما كانت غاية للموضوع في المثال المتقدم إذ لا معنى لدخول الكوفة في السير
فصل
لا شبهة في دلالة الاستثناء على اختصاص الحكم سلبا أو ايجابا بالمستثنى منه ولا يعم المستثنى ولذلك يكون الاستثناء من النفي إثباتا ومن الاثبات نفيا وذلك للانسباق عند الاطلاق قطعا فلا يعبأ بما عن أبي حنيفة من عدم الافادة محتجا بمثل: لا صلاة الا بطهور، ضرورة ضعف احتجاجه (أولا) بكون المراد من مثله أنه لا تكون الصلاة التي كانت واجدة لاجزائها وشرائطها المعتبرة فيها صلاة الا إذا كانت واجدة للطهارة وبدونها لا تكون صلاة
______________________________
وانما يصح أن تدخل في مكانه " وبالجملة " الغاية إما زمانية أو مكانية والاولى انما يصح أن تدخل في الزمان والثانية انما يصح أن تدخل في المكان فلو بني على الاخذ بظاهر عنوان النزاع كان اللازم المنع عن معقوليته بالاضافة إلى الحكم وموضوعه معا الا إذا كان زمانا في الزمانية أو مكانا في المكانية، وان بني على الاخذ بالمراد من العنوان من كونها داخلة فيما قبلها أمكن النزاع فيما كانت غاية للحكم ايضا فيتنازع في العلم الذي اخذ غاية للطهارة هل هو بحكم ما قبله فتثبت الطهارة حاله أو لا فلا تكون الطهارة حاله ؟
مفهوم الاستثناء
(قوله: اختصاص الحكم) يعني سنخه (قوله: محتجا بمثل) وجهه أنه لو كان للاستثناء مفهوم كان مفهومه في المثال أن الصلاة مع الطهارة صلاة مطلقا، مع أنه ليس كذلك إذ قد تكون فاقدة للاجزاء والشرائط عدا الطهارة ولا تكون حينئذ صلاة (قوله: بكون المراد) يعني أن المراد من مثل الصلاة في أمثال هذه التراكيب تمام الاجزاء والشرائط عدا الطهارة ومن المعلوم أن الصلاة بهذا المعنى لو انضمت إليها الطهارة فهي صلاة صحيحة ولا اشكال في
على وجه وصلاة تامة مأمورا بها على آخر (وثانيا) بأن الاستعمال مع القرينة كما في مثل التركيب مما علم فيه الحال لا دلالة له على مدعاه أصلا كما لا يخفى. ومنه قد انقدح انه لا موقع للاستدلال على المدعى بقبول رسول الله - صلى الله عليه وآله - إسلام من قال كلمة التوحيد لامكان دعوى أن دلالتها على التوحيد كان بقرينة الحال أو المقال " والاشكال " في دلالتها عليه بأن خبر (لا) اما يقدر " ممكن " أو " موجود " وعلى كل تقدير لا دلالة لها على التوحيد اما على الاول فانه حينئذ لا دلالة لها إلا على اثبات امكان وجوده تبارك وتعالى لا وجوده واما على الثاني فلانها وان دلت على وجوده تعالى الا انه لا دلالة لها على عدم امكان إله آخر " مندفع " بأن المراد من الآله هو واجب الوجود ونفي ثبوته ووجوده في الخارج واثبات فرد منه فيه وهو الله يدل بالملازمة البينة على امتناع تحققه في ضمن غيره تبارك وتعالى ضرورة أنه لو لم يكن ممتنعا لوجد
______________________________
مفهوم التركيب ويشهد لذلك أن الكلام المذكور وارد في مقام جعل الطهارة شرطا للصلاة والصلاة المجعول لها الطهارة شرطا هي التامة لا غير (قوله: على وجه) يوافق القول بالصحيح (قوله: على آخر) يوافق القول بالاعم (قوله: لامكان دعوى) هذه الدعوى جعلها في التقريرات في غاية السخافة (قوله: بقرينة الحال) وحينئذ فلا مجال للاستدلال بها على المفهوم بنحو القاعدة الكلية (قوله: لا دلالة لها الا على) لان المستثنى منه يقتضي نفي الامكان فالاستثناء منه انما يدل على ثبوت الامكان للمستثنى وهو لا يلازم الوجود والفعلية لانه أعم فلا تدل الكلمة إلا على الاعتقاد بالامكان لا غير وهو غير كاف في التوحيد، (قوله: إلا انه لا دلالة) من أجل أن عقدها الايجابي دل على اعتقاد وجوده وعقدها السلبي دل على عدم وجود ما سواه وكل منهما لا يقتضي نفي امكان ما سواه وهو معتبر في التوحيد فتأمل (قوله: المراد من الاله هو واجب) هو محل تأمل لانه خلاف وضعه واستعماله بل الظاهر منه مستحق العبادة كما يظهر من ملاحظة كتب اللغة وموارد استعماله وورود هذه الكلمة ردا على المشركين ونفيا لمعتقدهم
لكونه من أفراد الواجب ثم ان الظاهر ان دلالة الاستثناء على الحكم في طرف المستثنى بالمفهوم وانه لازم خصوصية الحكم في جانب المستثنى منه التي دلت عليها الجملة الاستثنائية. نعم لو كانت الدلالة في طرفه بنفس الاستثناء لا بتلك الجملة كانت بالمنطوق كما هو
______________________________
فانهم لم يكونوا قد اعتقدوا وجوب الوجود لآلهتهم فالمراد من الكلمة أنه لا مستحق للعبادة موجود إلا الله سبحانه وعدم اقتضائها نفي امكان ما سواه لا يقدح في اقتضائها التوحيد في مقابل اعتقاد المشركين " وحاصل " الدفع أن المراد من الاله واجب الوجود والخبر المقدر قولنا: موجود، فتدل على انحصار الواجب بذاته تعالى (وتوهم) أنها لا تدل على نفي امكان ما سواه (مندفع) بانه إذا كان ما سواه ممكنا كان موجودا لان المراد من الواجب هنا ما يكون واجبا بذاته، ومعناه ما يكون وجوده واجبا بذاته فإذا كان ممكنا كان موجودا وإلا لم يكن واجبا وجوده بذاته وهو خلف (أقول): إن أريد أن كلمة التوحيد تدل على نفي امكان فرد آخر للواجب بالتقرير المذكور " ففيه " أن الواجب يمتنع صدقه على ما هو معدوم ممكنا كان أو ممتنعا فان مفهوم واجب الوجود أخص من مفهوم الموجود فكيف يصدق على المعدوم مطلقا ولا يحتاج في نفي امكان غيره إلى التقرير المذكور وأن أريد أنها تدل على نفي امكان فرد آخر غير واجب الوجود فلم يظهر من التقرير المذكور (فالمتحصل) أن حمل الاله على واجب الوجود وان اقتضى دلالة كلمة التوحيد على انحصار الواجب في ذاته تعالى إلا أنها لا تدل على نفي امكان مستحق للعبادة سواه وان لم يكن واجب الوجود (قوله: لكونه من) قد عرفت أن المعدوم ممكنا أو ممتنعا ليس من أفراد الواجب (قوله: ثم ان الظاهر) هذا اشارة إلى الخلاف في أن الدلالة على انتفاء حكم المستثنى منه عن المستثنى هل هي من المفهوم أو المنطوق ؟ واختار المصنف (ره) الاول كما هو ظاهر المشهور فأداة الاستثناء تقتضي تضييق دائرة موضوع سنخ حكم المستثنى منه ولازم التضييق المذكور انتفاء سنخ الحكم عن المستثنى لان مفاد الاداة نفي حكم المستثنى منه
ليس ببعيد وان كان تعيين ذلك لا يكاد يفيد ومما يدل على الحصر والاختصاص (انما) وذلك لتصريح أهل اللغة بذلك وتبادره منها قطعا عند أهل العرف والمحاورة، (ودعوى) أن الانصاف أنه لا سبيل لنا إلى ذلك فان موارد استعمال هذه اللفظة مختلفة ولا يعلم بما هو مرادف لها في عرفنا حتى يستكشف منها ما هو المتبادر منها (غير مسموعة) فان السبيل إلى التبادر لا ينحصر بالانسباق إلى أذهاننا فان الانسباق إلى أذهان أهل العرف أيضا سبيل، وربما يعد مما دل على الحصر كلمة (بل) الاضرابية (والتحقيق) أن الاضراب على انحاء منها ما كان لاجل ان المضرب عنه إنما أتى به
______________________________
عن المستثنى لتكون الدلالة بالمنطوق (قوله: ليس ببعيد) بل هو المتعين في مثل (ليس) و (لا يكون) ونحوهما والبعيد في مثل (لا) و (غير) ونحوهما، (قوله: لا يكاد يفيد) يمكن تصوير ثمرة للنزاع المذكور بناء على ما اشتهر من أن دلالة المفهوم أضعف من دلالة المنطوق فيما لو تعارض الاستثناء ودليل آخر فعلى الاول يقدم الدليل الآخر وعلى الثاني يرجع إلى قواعد التعارض فتأمل (قوله: ودعوى ان الانصاف) هذه الدعوى ادعاها في التقريرات (قوله: فان موارد استعمال) يعني في العرف السابق (قوله: ولا يعلم بما) يعني ليست هذه الكلمة مستعملة في عرفنا اليوم ليرجع إليه في تشخيص معناها من الحصر وعدمه ولم يعلم بما يرادفها في عرفنا اليوم حتى يرجع إليه في تشخيص المرادف فيتشخص معناها (قوله: فان الانسباق) إن أراد انسباق عرفنا اليوم فهو متفرع على استعمالها فيه وقد تقدم انتفاؤه وان أراد العرف السابق فلم يثبت انسباقه إلى شئ لان موارد استعماله مختلفة كما ذكر المدعي وكأنه حمل ضمير (عرفنا) على العرف الخاص - مع أن الظاهر منه العرف العام اليوم كما عرفت فالاولى منع عدم استعمالها في عرفنا اليوم بل هي مستعملة فيه كثيرا وتبادر الحصر منها يقتضي وضعها لذلك فتأمل (قوله: على الحصر) يعني حصر الحكم فيما بعدها ونفيه
غفلة أو سبقه به لسانه فيضرب بها عنه إلى ما قصد بيانه فلا دلالة له على الحصر أصلا فكأنه اتى بالمضرب إليه ابتداء كما لا يخفى ومنها ما كان لاجل التأكيد فيكون ذكر المضرب عنه كالتوطئة والتمهيد لذكر المضرب إليه فلا دلالة له عليه ايضا (ومنها) ما كان في مقام الردع وإبطال ما أثبت أولا فيدل عليه(١) وهو واضح، ومما يفيد الحصر - على ما قيل - تعريف المسند إليه باللام (والتحقيق) أنه لا يفيده إلا فيما اقتضاه المقام لان الاصل في اللام أن تكون لتعريف الجنس كما أن الاصل في الحمل في القضايا المتعارفة هو الحمل المتعارف الذى ملاكه مجرد الاتحاد في الوجود فانه الشايع فيها الا الحمل الذاتي الذي ملاكه الاتحاد بحسب المفهوم كما لا يخفى، وحمل شئ على جنس وماهية كذلك لا يقتضي اختصاص تلك الماهية به وحصرها عليه " نعم " لو قامت قرينة على أن اللام للاستغراق أو أن مدخوله أخذ بنحو
______________________________
عما قبلها (قوله: غفلة أو سبق به) مثل: خرج زيد بل عمرو، واشتريت زيدا بل فرسا (قوله: ما كان لاجل) الظاهر أن المراد بها المستعملة في مقام الترقي (قوله: في مقام الردع) كقوله تعالى: (وقالوا اتخذ الرحمان ولدا سبحانه بل عباد مكرمون) (قوله: فتدل عليه) لكن تعينها محتاج إلى قرينة (قوله: لان الاصل في اللام) توضيح الاشكال أن صناعة التركيب لا تقتضي افادة الحصر لان الاصل في اللام الداخلة على المسند إليه أن تكون لتعريف الجنس فيقصد منها الاشارة إلى نفس الماهية من حيث هي والاصل المتعارف في الحمل أن يكون شائعا صناعيا حاكيا عن اتحاد الموضوع والمحمول في الوجود واتحاد زيد المحمول في قولنا: (القائم زيد) مع الموضوع وهو (القائم) في الوجود ليس ملزوما للحصر كما لا يلزم من اتحاد زيد مع الانسان
______________
(١) إذا كان بصدد الردع عنه ثبوتا أما إذا كان بصدده إثباتا كما إذا كان مثلا بصدد بيان انه انما اثبته أولا بوجه لا يصح معه الاثبات اشتباها فلا دلالة على الحصر ايضا. فتأمل جيدا. منه " قدس سره " (*)
بنحو الارسال والاطلاق أو على أن الحمل عليه كان ذاتيا لافيد حصر مدخوله على محموله واختصاصه به. وقد انقدح بذلك الخلل في كثير من كلمات الاعلام في المقام وما وقع منهم من النقض والابرام ولا نطيل بذكرها فانه بلا طائل كما يظهر للمتأمل فتأمل جيدا
فصل
لا دلالة لللقب ولا للعدد على المفهوم وانتفاء سنخ الحكم عن غير موردهما أصلا وقد عرفت أن انتفاء شخصه ليس بمفهوم كما أن قضية التقييد بالعدد منطوقا عدم جواز الاقتصار على ما دونه لانه ليس بذاك الخاص والمقيد، وأما الزيادة فكالنقيصة إذا
______________________________
في الوجود انحصار الانسان في زيد فافادة الحصر تتوقف على قرينة خاصة دالة على كون اللام للاستغراق أو للطبيعة المطلقة أو كون الحمل أوليا ذاتيا ومع عدم القرينة على ذلك لا يكون مجرد التعريف مقتضيا للحصر " أقول ": ظهور قولنا: القائم زيد، في الحصر أقوى من كثير من الظهورات التي بنى عليها المصنف (ره) وغيره، والرجوع إلى العرف شاهد عليه وكفى باجماع البيانيين مؤيدا له فلا مجال للتأمل فيه بل الظاهر من كلام جماعة ممن تعرض للمقام المفروغية عن ثبوت المفهوم وان الكلام في وجهه، فالنقض والابرام انما يكون فيه لا في أصل ثبوت المفهوم (قوله: الارسال والاطلاق) الفرق بينه وبين ما قبله هو الفرق بين المطلق والعام فان خصوصيات الافراد المقومة لها غير ملحوظة في الاول وملحوظة في الثاني
مفهوم اللقب والعدد
(قوله: لللقب ولا للعدد) المراد من الاول ما كان طرفا للنسبة الكلامية فاعلا كان أو مفعولا أو مبتدءا أو خبرا أو زمانا أو مكانا أو غيرها فقولنا: زيد قائم: لا يدل على نفي القيام عن عمرو ولا على نفي القعود عن زيد كما أن المراد من الثاني ما يعم الواحد وإن قيل أنه ليس من العدد فقولنا: جاءني واحد، لا بدل على عدم مجئ آخر (قوله: عدم جواز الاقتصار) فإذا أمر بصوم ثلاثين
كان التقييد به للتحديد بالاضافة إلى كلا طرفيه (نعم) لو كان لمجرد التحديد بالنظر إلى طرفه الاقل لما كان في الزيادة ضير أصلا بل ربما كان فيها فضيلة وزيادة كما لا يخفى (وكيف كان) فليس عدم الاجتزاء بغيره من جهة دلالته على المفهوم بل إنما يكون لاجل عدم الموافقة مع ما أخذ في المنطوق كما هو معلوم.
المقصد الرابع في العام والخاص
(فصل)
قد عرف العام بتعاريف وقد وقع من الاعلام فيها النقض بعدم الاطراد تارة والانعكاس أخرى بما لا يليق بالمقام فانها تعاريف لفظية تقع في جواب السؤال عنه (ما) الشارحة لا واقعة في جواب السؤال عنه (ما) الحقيقية " وكيف كان " المعنى المركوز منه في الاذهان
______________________________
*
يوما لم يجز الاقتصار على العشرين لان العشرة الثالثة مأمور بها فلا يجوز تركها لكنه بالدلالة المنطوقية (قوله: للتحديد) بأن لوحظ بشرط، لا فتمتنع الزيادة لانها تفويت للشرط (قوله: مع ما أخذ) هذا قيد للموافقة وبيان لطرفها.
العام والخاص
(قوله: تعاريف لفظية) قد تقدم الاشكال في نظائر المقام وأن ظاهر من عرفه بتعريف كونه تعريفا بما هو مطرد ومنعكس فالايراد بعدم الطرد أو العكس في محله (قوله: بما الشارحة) قال بعض المحققين (ره): إن التعريف اللفظي قول يقصد به بيان مفهوم اللفظ تفصيلا بعد العلم بوضعه له إجمالا وإلا تعين في الطلب السؤال " بهل " الموضوعة لطلب التصديق فيقال: هل اللفظ الفلاني موضوع ؟ فإذا صح وضعه سئل عن معناه " بما " الشارحة فإذا صح مفهومه
أوضح مما عرف به مفهوما ومصداقا، ولذا يجعل صدق ذاك المعنى على فرد وعدم صدقه المقياس في الاشكال عليها بعدم الاطراد أو الانعكاس بلا ريب فيه ولا شبهة تعتريه من أحد والتعريف لا بد أن يكون بالاجلى كما هو أوضح من أن يخفى فالظاهر أن الغرض من تعريفه إنما هو بيان ما يكون بمفهومه جامعا بين ما لا شبهة في انها أفراد العام ليشار
______________________________
سئل عن حقيقته " بما " الحقيقة أو " بأي " للاطلاع على كنهه أو على مميزه مما عداه فإذا صح ذلك سئل " بهل " عن وجوده وعدمه (قوله: أوضح مما عرف) يعني وذلك ممتنع في التعريف الحقيقي لما اشتهر من أنه لا يجوز التعريف بالاخفى فدل ذلك على أنها تعريفات لفظية حيث لا يعتبر فيها أن تكون أخفى أو أجلى " أقول ": يمكن أن يشكل (أولا) بأن هذا مانع ايضا من كون التعريف لفظيا لان معنى اللفظ إذا كان متركزا في الذهن بنحو أوضح لم يحتج إلى تعريف لفظي فلابد أن يكون الغرض من التعريف تميزه عن جميع ما عداه الذي لا ينافي وضوح المعنى في الجملة (وثانيا) أن وضوح المعنى عند أهل الفن غير مانع من تعريفه تعريفا حقيقيا لغيرهم الجاهل بالاصطلاح كما أن وضوح المعنى عند المسؤول لا يمنع من كون التعريف حقيقيا عند السائل (قوله: فالظاهر أن الغرض) يعني أن أفراد العام ليست محتاجة إلى التمييز كي يقصد من تعريفه تمييزها فيكون تعريفه رسما ولا حقيقته من حيث هي موضوعا للحكم كي يقصد من تعريفه بيانها ويكون تعريفه حدا وإنما المقصود من تعريفه بيان مفهوم يشار به إلى الافراد التي هي موضوع الاحكام في مثل قولهم: إذا خصص العام فهل يكون حجة في الباقي ؟ أو أن العام يخصص بالخاص ؟ أو نحو ذلك، ويكفي في هذا المقدار تعريفه لفظيا لامكان الاشارة به إلى تلك الافراد التي هي موضوع الاحكام " أقول ": هذا المقدار لا يمنع من كون التعريف حقيقيا ولو كان رسما مع أن جواز كون التعريف اللفظي أعم من المعرف مانع من صحة الاشارة به إلى الافراد
به إليه في مقام إثبات ماله من الاحكام لا بيان ما هو حقيقته وماهيته لعدم تعلق غرض به بعد وضوح ما هو محل الكلام بحسب الاحكام من افراده ومصاديقه حيث لا يكون بمفهومه العام محلا لحكم من الاحكام (ثم) الظاهر ان ما ذكر له من الاقسام من الاستغراقي والمجموعي والبدلي إنما هو باختلاف كيفية(١) تعلق إلاحكام به وإلا فالعموم في الجميع بمعنى واحد وهو شمول المفهوم لجميع ما يصلح ان ينطبق عليه غاية الامر أن تعلق الحكم به (تارة) بنحو يكون كل فرد موضوعا على حدة للحكم (وأخرى) بنحو يكون الجميع موضوعا واحدا بحيث لو أخل باكرام واحد في (أكرم كل فقيه) مثلا لما امتثل أصلا بخلاف الصورة الاولى فانه اطاع وعصى (وثالثة) بنحو يكون كل واحد موضوعا على البدل بحيث لو اكرم واحدا منهم لقد أطاع وامتثل
______________________________
بتمامها لا غير فتأمل جيدا (قوله: به إليه) الضمير الاول راجع إلى " ما " الاولى والثاني راجع إلى (ما) الثانية وكذا ضمير له (قوله: من أفراده) بيان لما هو محل (قوله: من الاستغراقي والمجموعي والبدلي) توضيحه أن العام ينقسم (أولا) إلى قسمين بدلي وشمولي والاول ما يكون الحكم فيه لواحد من أفراده على البدل والثاني ما يكون الحكم فيه لجميع الافراد وهو على قسمين (الاول) الاستغراقي وهو ما يكون كل واحد من افراده تحت حكم مستقل في مقام الثبوت والسقوط (والثاني) المجموعي وهو ما يكون مجموع الافراد فيه تحت حكم واحد بحيث يكون كل واحد من الافراد تحت حكم ضمني ملازم لحكم غيره من الافراد في مقام الثبوت والسقوط ولازم الاول أن يطاع حكمه بفعل واحد من الافراد ويعصى بترك الجميع، ولازم الثاني أن يطاع بفعل واحد ويعصى بترك آخر، ولازم الثالث عكس الاول فيطاع بفعل الجميع ويعصى بترك واحد ولا إشكال في شئ من ذلك وإنما الاشكال
______________
(١) ان قلت: كيف ذلك ولكل واحد منها لفظ غير ما للآخر مثل أي رجل للبدلي وكل رجل للاستغراقي قلت: نعم ولكنه لا يقتضي ان تكون هذه الاقسام له ولو بملاحظة اختلاف كيفية تعلق الاحكام لعدم امكان تطرق هذه الاقسام إلا بهذه الملاحظة فتأمل جيدا. منه " قدس سره " (*)
كما يظهر لمن أمعن النظر وتأمل. وقد انقدح أن مثل شمول عشرة وغيرها لاحادها المندرجة تحتها ليس من العموم لعدم صلاحيتها بمفهومها للانطباق على كل واحد منها فافهم
______________________________
في أن الفرق بين هذه الاقسام تابع لاختلاف لحاظ مادة العموم مع قطع النظر عن الحكم أو تابع للحكم فيكون الاتصاف بالبدلية والجمعية والاستغراقية متأخرا رتبة عن الحكم ؟ الذي اختاره المصنف (ره) هو الثاني كما يقتضيه البيان المتقدم في كيفية التقسيم وملاحظة عبارة المتن (قوله: كما يظهر لمن أمعن) الذي يظهر بعد إمعان النظر أن الفرق بين العام البدلي والشمولي ليس تابعا للحكم بل هو متقوم بنفس المفهومين مع قطع النظر عن الحكم لاختلاف مفهوم قولنا: رجل أي رجل، مع قولنا: كل رجل، فان الاول ملحوظ بنحو لا يصدق على الجميع بل يصدق على واحد من الافراد على البدل بمعنى أنه يرى في ظرف صدقه على واحد غير صادق على غيره، والثاني ملحوظ بنحو يصدق على الجميع فيكون صادقا على كل واحد من الافراد في فرض صدقه على غيره، وأما الفرق بين الاخيرين فقد يكون متقوما بنفس المفهومين كما إذا كان كل واحد من الافراد ملحوظا مطلقا من حيث وجود الباقي وعدمه وقد يكون ملحوظا مهملا. فان كان الاول فالعام استغراقي وإن كان الثاني فالعام مجموعي، وقد يكون تابعا للحكم كما إذا كان كل واحد من الافراد قد أخذ مهملا في العام الاستغراقي لكون كل فرد موضوعا لمصلحة مستقلة في حال وجود بقية الافراد فان العام يكون حينئذ استغراقيا ولا إطلاق في الافراد فيكون الفرق بينهما حينئذ في مجرد كون المصلحة في كل فرد ضمنية أو استقلالية فعلى الاول يكون العام مجموعيا " وعلى الثاني يكون استغراقيا وهذا معنى التبعية للحكم ومنه يظهر أن ما ذكره في المتن من الفرق بين الاستغراقي والمجموعي غير مطرد إذ في الفرض المذكور لا يطاع حكم الفرد في حال ترك بقية الافراد بل يكون الاخلال بفرد مانعا من حصول الامتثال بغيره مع أنه من العام الاستغراقي. نعم يفترق عن العام المجموعي في موضوع الاطاعة عند الاتيان بجميع الافراد فان كل فرد موضوع للاطاعة مستقلا لو كان العام استغراقيا وضمنا لو كان مجموعيا فتأمل جيدا (قوله: وقد انقدح أن مثل) تنبيه على أن أسماء الاعداد كعشرة ومائة ونحوهما ليست
فصل
لا شبهة في أن للعموم صيغة تخصه لغة وشرعا كالخصوص كما يكون ما يشترك بينهما ويعمهما ضرورة ان مثل لفظ (كل) وما يرادفه في أي لغة كان تخصه ولا يخص الخصوص ولا يعمه ولا ينافي اختصاصه به استعماله في الخصوص عناية بادعاء أنه العموم أو بعلاقة العموم والخصوص. ومعه لا يصغى إلى أن ارادة الخصوص المتيقنة ولو في ضمنه بخلافه وجعل اللفظ حقيقة في المتيقن أولى، ولا إلى أن التخصيص قد اشتهر وشاع حتى قيل: ما من عام إلا وقد خص، والظاهر يقتضي كونه حقيقة لما هو الغالب تقليلا للمجاز
______________________________
*
من أفراد العام يعني مما ذكرنا في معنى العموم من أنه لابد أن يكون له مفهوم واحد صالح للانطباق على كل واحد يظهر أن مثل العشرة ليس من افراد العام إذ ليس له مفهوم واحد ملحوظ بنحو يصلح للانطباق على كل واحد من الافراد كما كان العام كذلك فان مفهوم (كل رجل) وإن كان لا ينطبق على واحد من الافراد بل يختص انطباقه على الجميع إلا أن انطباقه على الجميع كان بلحاظ مفهوم واحد أعني مفهوم الرجل الساري في كل واحد من الافراد وليس كذلك الحال في العشرة فقولنا: جاءني عشرة، ليس من الحكم على العام وقولنا: جاءني كل واحد من العشرة، من الحكم على العام والسر في ذلك ان العموم صفة طارئة على مفهوم صالح في نفسه له وللخصوص وليس كذلك الحال في العدد فلا يتصف إذا بالعموم (قوله: كالخصوص) في ان له أيضا صيغة تخصه كالاعلام الشخصية (قوله: ما يشترك) كالمعرف (باللام) فانه مع العهد يكون للخصوص ومع عدمه يكون للعموم (قوله: ولا يعمه) يعني ليست مما يشترك بين العموم والخصوص (قوله: استعماله في) إذ المراد من الاختصاص بالعموم ليس عدم الاستعمال الا فيه بل المراد عدم الظهور إلا فيه فيكون استعماله فيه بلا عناية واستعماله في الخصوص يحتاج إلى عناية (قوله: ومعه لا يصغى) يعني مع
- مع أن تيقن إرادته لا يوجب اختصاص الوضع به مع كون العموم كثيرا ما يراد واشتهار التخصيص لا يوجب كثرة المجاز لعدم الملازمة بين التخصيص والمجازية كما يأتي توضيحه ولو سلم فلا محذور فيه اصلا إذا كان بالقرينة كما لا يخفى (فصل) ربما عد من الالفاظ الدالة على العموم (النكرة) في سياق النفي أو النهى ودلالتها عليه لا ينبغي أن تنكر عقلا لضرورة انه لا يكاد يكون طبيعة معدومة الا إذا لم يكن فرد منها بموجود وإلا كانت موجودة، لكن لا يخفى أنها تفيده إذا أخذت مرسلة(١) لا مبهمة قابلة للتقيد والا فسلبها لا يقتضى إلا استيعاب السلب لما أريد منها يقينا لا استيعاب ما يصلح
______________________________
قيام الضرورة على اختصاص بعض الصيغ بالعموم لا مجال لدعوى كون ذلك البعض مختصا بالخصوص بتقريب أن الخصوص متيقن الارادة سواء أكانت مستعملة في العموم أم في الخصوص أما على الثاني فظاهر، وأما على الاول فلان الخصوص بعض العموم وإرادة الكل تقتضي ارادة البعض وإذا كان الخصوص متيقنا كان أولى بالوضع من العموم ووجه عدم الاصغاء إلى ذلك أنه خلاف الضرورة (قوله: مع ان تيقن) الخصوص ضد للعموم فلا يكون متيقنا (قوله: إذا أخذت مرسلة) سيأتي انشاء الله أن صفتي الاطلاق والتقييد طارئتان على ذات واحدة تسمى بالطبيعة المهملة فإذا طرأ عليها الاطلاق سميت الطبيعة المطلقة تارة والمرسلة أخرى كما أنها إذا طرأ عليها التقييد سميت الطبيعة المقيدة (وتوضيح) المراد من المتن أن ما ذكرنا من أن عدم الطبيعة إنما يكون بعدم جميع الافراد إنما يقتضي كون النكرة في سياق النفي للعموم لو كان المراد بها الطبيعة المطلقة فان نفى الطبيعة المطلقة إنما يكون بنفي جميع الافراد أما لو كان المراد بها الطبيعة المقيدة فدخول النفي عليها لا يقتضي
______________
(١) وإحراز الارسال فيما أضيفت إليه انما هو بمقدمات الحكمة افلولاها كانت مهملة وهي ليست الا بحكم الجزئية فلا تقييد لا نفي هذه الطبيعة في الجملة ولو في ضمن صنف منها فافهم فانه لا يخلو من دقة. منه قدس سره (*)
انطباقها عليه من افرادها وهذا لا ينافى كون دلالتها عليه عقلية فانها بالاضافة إلى افراد ما يراد منها لا الافراد التى يصلح لانطباقها عليها، كما لا ينافى دلالة مثل لفظ (كل) على العموم وضعا كون عمومه بحسب ما يراد من مدخوله ولذا لا ينافيه تقييد المدخول بقيود كثيرة (نعم) لا يبعد أن يكون ظاهرا عند اطلاقها في استيعاب حميع أفرادها وهذا هو الحال في المحلى باللام جمعا كان أو مفردا - بناء على افادته للعموم - ولذا لا ينافيه تقييد المدخول بالوصف وغيره وإطلاق التخصيص على تقييده ليس إلا من قبيل (ضيق فم
______________________________
عموم النفي لافراد الطبيعة المطلقة وإنما يقتضي نفي أفراد ذلك النوع المقيد لا غير، كما أنه لو أريد بها الطبيعة المهملة كان نفيها مجملا صالحا لان يكون لعموم النفي لجميع الافراد وأن يكون لنفي بعض الافراد حيث لا يعلم المراد بها وأنه الطبيعة المطلقة أو المقيدة (قوله: انطباقها عليه) يعني لو أخذت مطلقة (قوله: كما لا ينافي دلالة) يعني أن مثل أداة النفي والنهي كلمة (كل) فانهما وان اختلفتا من حيث أن دلالة الاداة عقلية ودلالة (كل) لفظية لكنهما تشتركان في أن العموم المدلول لهما إنما هو بالاضافة إلى ما يراد من المدخول فيجري فيه ما تقدم في مدخول الاداة، ولذا لم يتوهم أحد ان كلمة (كل) لو اضيفت إلى ماهية مقيدة مثل قولنا: أكرم كل رجل عالم، اقتضت عموم الحكم لجميع أفراد الرجل حتى ما ليس بعالم بل تقتضي عموم الحكم لافراد العالم لا غير (قوله: أن يكون ظاهرا) يعني تفترق (كل) عن الاداة بان الاداة مع إهمال مدخولها يكون النفي مهملا من حيث العموم والخصوص (وكل) مع إهمال مدخولها وعدم اقترانه بما يقتضي تقييده أو إطلاقه تكون رافعة لاهماله وموجبة لاطلاقه (قوله: هو الحال في المحلى) فان العموم المستفاد منه عموم أفراد ما يراد منه لا عموم جميع الافراد التي يصلح للانطباق عليها كما يشهد به جواز تقييده بالوصف بلا منافاة لعمومه (قوله: واطلاق التخصيص) يعني قد يتوهم منافاة التقييد للعموم من جهة
الركية) لكن دلالته على العموم وضعا محل منع بل انما يفيده فيما إذا اقتضت الحكمة أو قرينة اخرى وذلك لعدم اقتضائه وضع (اللام) ولا مدخوله ولا وضع آخر للمركب منهما كما لا يخفى وربما يأتي في المطلق والمقيد بعض الكلام مما يناسب المقام
فصل
لا شبهة في ان العام المخصص بالمتصل أو المنفصل حجة فيما بقي فيما علم عدم دخوله في المخصص مطلقا ولو كان متصلا وما احتمل دخوله فيه ايضا إذا كان منفصلا كما هو المشهور بين الاصحاب بل لا ينسب الخلاف إلا إلى بعض اهل الخلاف وربما فصل بين المخصص المتصل - فقيل بحجيته فيه - وبين المنفصل فقيل بعدم حجيته واحتج النافي بالاجمال
______________________________
*
تسميته تخصيصا فان التخصيص عبارة عن تضييق دائرة العموم في فرض ثبوته فيكون منافيا له (ويندفع) بأن المراد من التخصيص حدوثه مخصصا نظير قولهم: ضيق فم الركيه، يعني (أحدثه ضيقا) لا أنه يطرأ التخصيص بعد العموم ليكون منافيا له (قوله: الركية) الركية كعطية البئر يجمع على ركايا كعطايا (قوله: وضعا) يعني فيكون مثل كل (قوله: يفيده فيما) فيكون مثل مدخول النفي (قوله: لا شبهة) هذا التعبير لا يناسب وجود الخلاف (قوله: ولو كان) بيان لوجه الاطلاق (قوله: وما احتمل) معطوف على (ما علم) يعني يكون العام حجة في الفرد الذي احتمل دخوله في المخصص إذا كانت الشبهة مفهومية وإذا كان المخصص منفصلا لا في الشبهة المصداقية ولا إذا كان المخصص متصلا لما سيأتي في الفصل الآتي (قوله: بعض أهل الخلاف) كأبي ثور على ما قيل (قوله: وربما فصل) هذا التفصيل منسوب إلى جماعة منهم البلخي ووجه عدم تأتي شبهة النفي في المتصل لان التخصيص به يوجب انعقاد
لتعدد المجازات حسب مراتب الخصوصيات وتعيين الباقي من بينها بلا معين ترجيح بلا مرجح (والتحقيق) في الجواب أن يقال: إنه لا يلزم من التخصيص كون العام مجازا اما في التخصيص بالمتصل فلما عرفت من أنه لا تخصيص اصلا وأن أدوات العموم قد استعملت فيه وان كان دائرته سعة وضيقا تختلف باختلاف ذوى الادوات فلفظة (كل) في مثل (كل رجل) (وكل رجل عالم) قد استعملت في العموم وان كان أفراد أحدهما بالاضافة إلى الآخر بل في نفسها في غاية القلة. وأما في المنفصل فلان إرادة الخصوص واقعا لا تستلزم استعماله فيه وكون الخاص قرينة عليه بل من الممكن - قطعا - استعماله معه في العموم قاعدة وكون الخاص مانعا عن حجية ظهوره تحكيما للنص أو الاظهر على الظاهر لا مصادما لاصل ظهوره ومعه لا مجال للمصير إلى أنه قد استعمل فيه مجازا كي يلزم الاجمال (لا يقال): هذا مجرد احتمال ولا يرتفع به الاجمال لاحتمال الاستعمال في خصوص مرتبة من مراتبه
______________________________
الظهور في الباقي ولا يكون مرددا بين المعاني المجازية ليكون مجملا (قوله: لتعدد المجازات) يعني بعد أن كان العام حقيقة في العموم إذا تعذر حمله على العموم من جهة الخاص يدور الامر بين حمله على تمام الباقي وحمله على بعضه وكلاهما مجاز وحيث لا مرجح لاحدهما على الآخر يكون مجملا ويسقط عن الحجية (قوله: لا يلزم من) يعني فلا مجال لورود الشبهة بتعدد المجازات (قوله: ذوي الادوات) يعني الموضوعات التي تدخل عليها الادوات فتقتضي عمومها (قوله: أفراد أحدهما بالاضافة) فان أفراد الرجل العالم أقل من أفراد مطلق الرجل (قوله: إرادة الخصوص) يعني الارادة الواقعية الجدية الباعثة على جعل الاحكام (قوله: استعماله فيه) يعني في الخصوص في ظرف الانشاء (قوله: في العموم قاعدة) بان ينشأ حكما عاما على الموضوع العام وهذا الانشاء وان كان ظاهرا في تعلق الارادة الجدية بنحو العموم إلا أنه يرفع اليد عن هذا الظاهر بالخاص الذي هو نص أو أظهر (قوله: لا مصادما لاصل) يعني لا يكون
(فانه يقال): مجرد احتمال استعماله فيه لا يوجب إجماله بعد استقرار ظهوره في العموم والثابت من مزاحمته بالخاص انما هو
______________________________
الخاص موجبا لانقلاب ظهور العام في العموم إلى ظهوره في الخصوص المردد بين مراتبه كي يكون مجملا حسبما يدعيه النافي للحجية (قوله: بعد استقرار) فان العام قبل ورود الخاص يستقر ظهوره في العموم ويحكم بأنه مستعمل فيه فإذا ورد الخاص فمقتضى دليل حجيته أن يحكم بعدم مطابقة الارادة الجدية للحكم العام ويرفع بذلك اليد عن اصالة مطابقة الكلام الانشائي بما له من المعنى الظاهر للارادة الجدية أما أصالة كون اللفظ مستعملا في المعنى الظاهر - وهو العموم - فلا موجب لرفع اليد عنها بل يجب الاخذ بها وبالجملة إذ اورد (أكرم كل عالم) فلا بد أولا من معرفة معنى هذا الكلام وما يعد الكلام قالبا له، وثانيا من معرفة انه مستعمل فيه أو في غيره ولو بلا قرينة عليه، وثالثا من معرفة أن هذا المستعمل فيه الكلام مطابق للارادة الجدية بأن يكون في نفس المتكلم إرادة إكرام جميع العلماء أو مخالف لها، والمتكفل لمعرفة الاول هو العرف فانهم المرجع في تشخيص معنى الكلام والمتكفل لمعرفة الاخيرين هو الاصول العقلائية إذ الاصل في كل كلام أن يكون مستعملا في معناه لا في غيره كما ان الاصل في كل كلام مستعمل في معنى أن يكون معناه هو المطابق لارادة المتكلم فإذا ورد الخاص بعد ذلك مثل: لا يجب اكرام العالم الفاسق، فمقتضى دليل الحجية وجوب رفع اليد عن المقام الثالث فيحكم بعدم كون الارادة الجدية متعلقة بنحو العموم، أما وجوب رفع اليد عن المقام الثاني ليحكم بعدم كون الكلام مستعملا في العموم فلا موجب له كما أنه لا موجب لرفع اليد عن المقام الاول ليحكم بعدم كون العموم معنى للفظ ولا ظاهرا هو فيه فان ذلك مما لا يقتضيه دليل حجية الخاص كيف وكون المعنى معنى للكلام وظاهرا له مما لا مجال للتعبد فيه ؟ لكونه من الامور الوجدانية كما هو ظاهر (قوله: استعماله فيه) يعنى في الخصوص (قوله: ظهوره في العموم)
بحسب الحجية تحكيما لما هو الاقوى كما اشرنا إليه آنفا " وبالجملة ": الفرق بين المتصل والمنفصل وان كان بعدم انعقاد الظهور في الاول الا في الخصوص وفي الثاني الا في العموم الا انه لا وجه لتوهم استعماله مجازا في واحد منهما اصلا وإنما اللازم الالتزام بحجية الظهور في الخصوص في الاول وعدم حجية ظهوره في خصوص ما كان الخاص حجة فيه في الثاني فتفطن " وقد اجيب " عن الاحتجاج بان الباقي أقرب المجازات (وفيه) أنه لا اعتبار في الاقربية بحسب المقدار وإنما المدار على الاقربية بحسب زيادة الانس الناشئة من كثرة الاستعمال وفى تقريرات بحث شيخنا الاستاذ " قدس سره " في مقام الجواب عن الاحتجاج ما هذا لفظه: والاولى أن يجاب - بعد تسليم مجازية الباقي - بان دلالة العام على كل فرد من أفراده غير منوطة بدلالته على فرد آخر من أفراده
______________________________
يعني ظهوره في استعماله في العموم (قوله: بحسب الحجية) يعني على الارادة الواقعية الجدية فيقدم الخاص عليه في دلالته عليها لا غير كما عرفت (أقول): ما ذكر لا يتم في الكلام الخبري إذ الكلام إذا كان مستعملا في العموم فاما أن يقصد الحكاية به عن العموم فيلزم الكذب أو يقصد الحكاية به عن الخصوص فيلزم خروج الكلام عن كونه خبرا حيث لم يقصد به الحكاية عن معناه المراد منه، وأما في الانشاء فهو وإن كان في نفسه معقولا إلا أنه محتاج إلى شاهد لتعارض أصالة كون الظاهر مستعملا فيه مع أصالة كون المعنى المستعمل فيه مطابقا للارادة الجدية للعلم بكذب إحداهما (وتوهم) أن الاصل الثاني لا أثر له للعلم بعدم الارادة الجدية بنحو العموم فلا تجدي أصالة كون المعنى المستعمل فيه مطابقا للارادة (مندفع) بأن ذلك يتم لو كان مجرى الاصلين كلامين مستقلين أما لو كان مجراهما كلاما واحدا فلا لاقتضائه الاجمال ولا طريق إلى اثبات استعماله في العموم (قوله: بأن دلالة العام) الظاهر أن مراده هو أن العام وان كان يدل بالدلالة التصديقية على تمام الافراد دلالة واحدة لكنها منحلة إلى دلالات ضمنية متعددة بتعدد الافراد
ولو كانت دلالة مجازية إذ هي بواسطة عدم شموله للافراد المخصوصة لا بواسطة دخول غيرها في مدلوله فالمقتضي للحمل على الباقي
______________________________
فيدل على كل فرد دلالة ضمنية في قبال دلالته كذلك على بقية الافراد ومرجع هذه الدلالة الضمنية إلى أن الفرد مستعمل فيه ضمنا ومراد للمتكلم بالارادة الاستعمالية ضمنا وهذه الدلالات الضمنية كل واحدة منها حجة لو لم يرد الدليل المخصص فإذا ورد المخصص فاقتضى عدم حجية الدلالات الضمنية للعام على أفراد المخصص وأن المتكلم بالعام لم يرد منه بالارادة الاستعمالية تلك الافراد لم يكن وجه لرفع اليد عن حجية الدلالات الضمنية للعام على استعماله في الافراد الباقية، لان الموجب لذلك (ان) كان انتفاء الدلالة على الافراد الباقية (فلا وجه له) إذ الدلالة على جميع الافراد - حتى أفراد المخصص - بحالها والمخصص ليس من القرائن المتصلة حتى يوجب انقلاب الدلالة (وإن) كان تلازم الدلالات الضمنية في الحجية بحيث يمتنع انتفاء حجية الدلالة الضمنية على الافراد الخارجة وثبوت حجية الدلالة على الافراد الباقية (ففيه) المنع عن هذا التلازم حدا لما عرفت من عدم التلازم في الجملة بين الدلالة المطابقية والالتزامية في الحجية فضلا عن التلازم فيما بين الدلالات الضمنية فإذا كانت الدلالات الضمنية على إرادة الباقي بالارادة الاستعمالية على حجيتها وجب الحكم بمقتضاها من ارادة الباقي واستعمال اللفظ فيه وان كان مجازا (قوله: ولو كانت) الضمير راجع إلى دلالة العام على كل فرد و (لو) وصلية يعني الدلالة على كل فرد الاعم من المجازية غير منوطة بالدلالة على غيره بل المنوطة بذلك هي الدلالة الحقيقة (قوله: أذ هي) يعني أن الدلالة المجازية إنما كانت مجازية بواسطة عدم شمول العام لافراد المخصص الناشئ من تقدم الدليل المخصص عليه وليست مجازيتها من جهة أن المدلول بها مباين للمعنى الحقيقي وليس من أفراد العام حتى يقال: إنها غير ثابتة لا في ضمن الدلالة على تمام الافراد لكون المفروض انتفاء الدلالة على التمام بواسطة الخاص ولا مستقلا لعدم القرينة بل هي ثابتة على كل حال اما في ضمن الدلالة على التمام أولا في
موجود والمانع مفقود لان المانع في مثل المقام إنما هو ما يوجب صرف اللفظ عن مدلوله والمفروض انتفاؤه بالنسبة إلى الباقي لاختصاص المخصص بغيره فلو شك فالاصل عدمه انتهى موضع الحاجة. " قلت ": لا يخفى أن دلالته على كل فرد إنما كانت لاجل دلالته على العموم والشمول فإذا لم يستعمل فيه واستعمل في الخصوص - كما هو المفروض - مجازا وكان إرادة كل واحدة من مراتب الخصوصيات مما جاز انتهاء التخصيص إليه واستعمال العام فيه مجازا ممكنا كان تعين بعضها - بلا معين ترجيحا بلا مرجح ولا مقتضي لظهوره فيه ضرورة ان الظهور إما بالوضع وإما بالقرينة والمفروض أنه ليس بموضوع له ولم يكن هناك قرينة وليس له موجب آخر ودلالته على كل فرد على حدة حيث كانت في ضمن دلالته على العموم لا يوجب ظهوره في تمام الباقي بعد عدم استعماله في العموم إذا لم تكن هناك قرينة على تعيينه فالمانع عنه وان كان مدفوعا بالاصل الا أنه لا مقتضي له بعد رفع اليد عن الوضع. نعم إنما يجدي إذا لم يكن مستعملا إلا في العموم كما فيما حققناه في الجواب فتأمل جيدا
______________________________
في ضمنه (قوله: موجود) وهو الدلالة المتقدمة (قوله: ما يوجب) وهو المخصص (قوله: فلو شك) يعني في وجود مخصص آخر (قوله: بلا معين) قد عرفت المعين وأنه وجوب التفكيك بين الدلالات الضمنية في مقام الحجية (قوله: ليس بموضوع له) يعني للخصوص لكن عرفت أن الوضع للعموم يقتضي ظهور العام في العموم وعرفت أن المخصص إنما يزاحم ظهوره في بعض الافراد دون بعض فيبنى على عدم حجية الظهور الضمني بالاضافة إلى افراد الخاص لا غير مع البناء على حجيته بالاضافة إلى الباقي وانه لا تلازم بين الظهورات الضمنية في الحجية. نعم لو كان المخصص يوجب ارتفاع الظهور بذاته بالاضافة إلى افراد المخصص - كما تعطيه عبارة التقريرات - كان الاشكال محكما إذ الظهور في تمام الافراد المستند إلى الوضع ارتباطي متلازم الثبوت
" فصل " إذا كان الخاص بحسب المفهوم مجملا بأن كان دائرا بين الاقل والاكثر وكان منفصلا فلا يسرى إجماله إلى العام لا حقيقة ولا حكما بل كان العام متبعا فيما لا يتبع فيه الخاص لوضوح أنه حجة فيه بلا مزاحم أصلا ضرورة أن الخاص إنما يزاحمه فيما هو حجة على خلافه تحكيما للنص أو الاظهر على الظاهر لا فيما لا يكون كذلك كما لا يخفى وإن لم يكن كذلك بأن كان دائرا بين المتباينين
______________________________
فإذا انتفى بالاضافة إلى فرد انتفى بالاضافة إلى الجميع حسبما افاد في المتن لكن الظاهر أن مراد التقريرات ما ذكرنا أعني انتفاء حجية الظهور بالنسبة إلى أفراد المخصص - كما هو التحقيق - لا ارتفاع ذاته وان كان لا يهم تحقيق المراد بعد وضوح الحال ومنه تعرف الحال في قول المصنف (ره): ودلالته على كل فرد... الخ وأنه يتوجه لو بني على انتفاء الدلالة بذاتها بالاضافة إلى أفراد المخصص ولا يتوجه لو بني - كما هو التحقيق - على ثبوت الدلالة وأن المنتفي هو الحجية والدليلية لا غير والله سبحانه ولي التوفيق (قوله: إذا كان الخاص) الخاص إما أن يكون مبين المفهوم والمصداق أولا، والثاني إما أن يكون إجماله في المفهوم أو في المصداق وكل منهما إما مردد بين الاقل والاكثر أو بين المتباينين، وكل منهما إما متصل أو منفصل فصوره ثمان (أربع) لمجمل المفهوم (وأربع) لمجمل المصداق (قوله: لا حقيقة) بارتفاع ظهوره ولا حكما بارتفاع حجية ظهوره (قوله: فيما لا يتبع فيه) وهو الفرد المحتمل الدخول تحت الخاص مثلا إذا ورد: أكرم كل عالم، وورد منفصلا: لا يجب اكرام العالم الفاسق، وشك في المراد بالفاسق وأنه مرتكب المعصية مطلقا أو خصوص مرتكب الكبيرة فمرتكب الكبيرة حيث يعلم دخوله في الخاص يرجع فيه إلى الخاص ومرتكب الصغيرة حيث لا يعلم دخوله في الخاص لا يكون الخاص مرجعا فيه بل يرجع فيه إلى العام لانه حجة فيه بلا مزاحم (قوله: فيما هو حجة) يعني في مورد يكون الخاص حجة فيه على خلاف العام وهو الفرد المعلوم الدخول تحت الخاص لا
مطلقا أو بين الاقل والاكثر فيما كان متصلا فيسرى إجماله إليه حكما في المنفصل المردد بين المتباينين وحقيقة في غيره " أما الاول " فلان العام على ما حققناه كان ظاهرا في عمومه إلا أنه لا يتبع ظهوره في واحد من المتباينين اللذين علم تخصيصه باحدهما. وأما الثاني فلعدم انعقاد ظهور من رأس للعام لاحتفاف الكلام بما يوجب احتماله لكل واحد من الاقل والاكثر أو لكل واحد من المتباينين لكنه حجة في الاقل لانه المتيقن في البين. فانقدح بذلك الفرق بين المتصل والمنفصل وكذا في المجمل بين المتباينين، والاكثر والاقل فلا تغفل. وأما إذا كان مجملا بحسب المصداق بأن اشتبه فرد وتردد بين أن يكون فردا له أو باقيا تحت العام فلا كلام في عدم جواز التمسك بالعام لو كان متصلا به ضرورة عدم انعقاد ظهور للكلام إلا في الخصوص كما عرفت وأما إذا كان منفصلا عنه ففي جواز التمسك به خلاف،
______________________________
فيما يكون كذلك وهو الفرد المشكوك الدخول فيه (قوله: مطلقا) يعني ولو منفصلا (قوله: ظاهرا في عمومه) يعني فلا إجمال فيه حقيقة (قوله: لا يتبع) وهو معنى إجماله حكما (قوله: الذي علم) فان الخاص يكون حجة على تخصيص أحدهما إجمالا فتسقط أصالة ظهور العام في الفردين معا فيرجع في كل من الفردين إلى الاصول العملية فان كان حكم العام إلزاميا وحكم الخاص غير إلزامي أو بالعكس وجب الاحتياط في الفردين للعلم الاجمالي بالتكليف وإن كان كل من حكمي العام والخاص الزاميا دار الامر في كل من الفردين بين الوجوب والحرمة فيلحقه حكمه من التخيير ابتداء أو واستمرارا حسبما يأتي انشاء الله تعالى في محله (قوله: وأما الثاني) يعني المتصل المردد بين المتباينين أو الاقل والاكثر، (قوله: لاحتفاف الكلام) لما تقدم من أن المخصص المتصل مانع من انعقاد ظهور الكلام فيما يعم أفراده بل يوجب انعقاد ظهوره فيما عداها فالتردد في أفراده يوجب التردد في أفراد العام ويوجب انعقاد ظهوره في القدر المتيقن (قوله: فلا كلام في عدم) قد يظهر من التقريرات دخوله في محل الخلاف الآتي حيث
(والتحقيق) عدم جوازه إذ غاية ما يمكن أن يقال في وجه جوازه: ان الخاص إنما يزاحم العام فيما كان فعلا حجة ولا يكون حجة فيما اشتبه أنه من أفراده فخطاب لا تكرم فساق العلماء، لا يكون دليلا على حرمة إكرام من شك في فسقه من العلماء، فلا يزاحم مثل: أكرم العلماء، ولا يعارضه فانه يكون من قبيل مزاحمة الحجة بغير الحجة، وهو في غاية الفساد فان الخاص وإن لم يكن دليلا في الفرد المشتبه فعلا إلا أنه يوجب اختصاص حجية العام في غير عنوانه من الافراد فيكون: أكرم العلماء، دليلا وحجة في العلم غير الفاسق فالمصداق المشتبه وان كان مصداقا للعام بلا كلام إلا انه لم يعلم أنه من مصاديقه بما هو حجة لاختصاص حجيته بغير الفاسق (وبالجملة): العام المخصص بالمنفصل وان كان ظهوره في العموم كما إذا لم يكن مخصصا بخلاف المخصص بالمتصل كما عرفت إلا أنه في عدم الحجية - إلا في غير عنوان الخاص -
______________________________
قال في صدر البحث: وكيف كان فلنا في المقام دعويان إحداهما التعويل عند وجود أصل رافع للاشتباه كما إذا قيل: أكرم العلماء إلا فساقهم... الخ فان تمثيله بالمتصل وكذا تمثيله به مكررا في بيان الدعوى الثانية وعدم تنبيهه على اختصاص النزاع الآتي بالمنفصل شاهد بعموم النزاع فتأمل. نعم لا ينبغي كونه محلا للنزاع بناء على ما ذكره المصنف (ره) من انقلاب عنوان العام في المخصص المتصل إلى عنوان الخاص فإذا شك في فرد أنه من أفراد الخاص فقد شك في كونه مصداقا لعنوان العام ومثل هذا الشك مانع عن التمسك بالعام وسيأتي أن التمسك بالدليل إنما يصح بعد إحراز عنوان موضوعه فإذا قيل: أكرم كل عالم، وشك في فرد أنه عالم امتنع تطبيق العام عليه من غير فرق بين التردد بين الاقل والاكثر وبين المتباينين (قوله: من شك في فسقه) لان مشكوك الفسق لما لم يحرز انطباق عنوان الفاسق عليه امتنع التمسك فيه بقوله: لا تكرم فساق العلماء، وإذا لم يكن الخاص حجة كان العام فيه محكما لان المانع عنه ليس إلا الدليل الخاص والمفروض عدم صلاحيته للمنع لعدم حجيته (قوله: فان الخاص وإن لم يكن) توضيحه
أن الخاص - بعد ما وجب تقديمه على العام في مدلوله - إذا كان مدلوله - مثلا - حرمة إكرام الفاسق الواقعي، كان العام حجة فيما عداه وهو الباقي بعد التخصيص فإذا تردد الفرد بين كونه من أفراد الخاص وكونه من غيرها كانت نسبة العام والخاص إليه نسبة واحدة فإذا لم يكن الخاص حجة فيه للشك في كونه من أفراده كان العام كذلك للشك في كونه من الباقي، ومجرد العلم بكونه من أفراد عنوان العام أعني عنوان العالم (مثلا) لا يجدي في التمسك بالعام لاثبات حكمه لان المفروض كون العام ليس حجة في ثبوت حكمه لعنوانه مطلقا بل في ثبوت حكمه للباقي لا غير فقولنا: مشكوك الفسق عالم، وإن كان صادقا إلا أن كبراه وهي قولنا: كل عالم يجب إكرامه، ليست صادقة لصدق قولنا: بعض العالم يحرم إكرامه، وإذا لم تصدق الكبرى الكلية امتنع الاستنتاج من القياس، فعدم حجية الخاص في مشكوك الفسق للشك في كونه من أفراده لا يوجب حجية العام فيه للشك ايضا في كونه من الباقي الذي لا يكون العام حجة إلا فيه (فان قلت): الخاص انما يوجب رفع اليد عن العام لو علم انطباقه على بعض أفراد العام أما لو علم بعدم انطباقه على أفراد العام أصلا أو احتمل عدم انطباقه فلا وجه لاقتضائه تضييق دائرة موضوع حجية العام لان احتمال مطابقة العام للواقع بحالها ومهما احتمل مطابقة الكلام للواقع وجب الاخذ به فإذا ورد: أكرم العلماء كلهم، وورد: لا يجب اكرام العالم الفاسق، واحتمل أن لا يكون من أفراد العالم من هو فاسق فلا موجب لرفع اليد عن العام مع احتمال مطابقته للواقع فإذا اتفق انه علم بانطباقه على بعض أفراد العام واحتمل عدم انطباقه على فرد آخر فاحتمال مطابقة العام للواقع بالاضافة إلى ذلك الفرد بحاله فيجب الاخذ به (قلت): احتمال مطابقة العام للواقع في ظرف ورود الخاص إنما يكون لو كان العام ملحوظا بنحو القضية الخارجية والخاص ملحوظا بنحو القضية الحقيقية بأن يكون معنى: اكرم كل عالم، أكرم كل عالم موجود، ومعنى: لا تكرم العالم الفاسق، لا تكرم ما لو وجد كان عالما فاسقا، إذ في مثله يحتمل أن يكون كل عالم موجود مما لا ينطبق عليه
مثله فحينئذ يكون الفرد المشتبه غير معلوم الاندراج تحت إحدى الحجتين فلا بد من الرجوع إلى ما هو الاصل في البين. هذا إذا كان المخصص لفظيا وأما إذا كان لبيا فان كان مما يصح أن يتكل عليه المتكلم إذا كان بصدد البيان في مقام التخاطب فهو كالمتصل حيث لا يكاد ينعقد معه ظهور للعام الا في الخصوص وان لم يكن كذلك فالظاهر بقاء العام في المصداق المشتبه على حجيته كظهوره فيه (والسر) في ذلك أن الكلام الملقى من السيد
______________________________
الفاسق فيجعل العام دليلا على عدم انطباق عنوان الخاص على فرد من أفراده لو شك في انطباقه على بعض أفراد العام أما لو كانا ملحوظين جميعا بنحو القضية الحقيقية أو الخارجية فالعام لا يصلح أن يكون دليلا على عدم انطباق الخاص على فرد من أفراده بل هما متكاذبان بنفسيهما والاخذ باحدهما مناف للاخذ بالآخر فإذا بني على تقديم الخاص على العام واختصاص حجيته فيما عدا أفراد الخاص فالفرد المشكوك كونه من أفراد الخاص أو من غيرها مما يمتنع الاخذ فيه بكل من الخاص والعام على نحو واحد كما تقدم وكذا لو كان العام ملحوظا بنحو القضية الحقيقية والخاص ملحوظا بنحو القضية الخارجية كما يظهر بأدنى تأمل. ثم إن التفكيك بين العام والخاص بحمل أحدهما على القضية الخارجية والآخر على الحقيقية خلاف الاصل الا أن تقوم قرينة عليه فيعمل عليها حينئذ (قوله: كان لبيا) يعني قطعيا لا لفظيا، (قوله: مما يصح أن يتكل) بأن يكون عرفا من القرائن المتصلة الموجبة لصرف الكلام عن العموم إلى الخصوص (قوله: فهو كالمتصل) يعني لا كلام في عدم جواز التمسك بالعام فيه لاثبات حكم الفرد المشكوك فتأمل (قوله: وان لم يكن كذلك) يعني بحيث لا يصلح أن يكون قرينة على صرف الكلام عن العموم إلى الخصوص بل يكون الكلام قد انعقد ظهوره في العموم وان وجب رفع اليد عنه لاجل الخاص، ويختص هذا القسم بما يكون العلم بالخاص موقوفا على مقدمات نظرية يتوقف حصوله منها على نظر وتأمل (قوله: كظهوره فيه) يعني كما أن ظهور العام في حكم الفرد ثابت كذلك حجيته فيجب الاخذ
حجة ليس إلا ما اشتمل على العام الكاشف بظهوره عن ارادته للعموم فلا بد من اتباعه ما لم يقطع بخلافه (مثلا) إذا قال المولى: أكرم جيراني، وقطع بأنه لا يريد اكرام من كان عدوا له منهم كان أصالة العموم باقية على الحجية بالنسبة إلى من لم يعلم بخروجه عن عموم الكلام
______________________________
به لاثبات حكم الفرد (قوله: حجة) متعلق بقوله: الملقى، وخبر (ان) ليس وما بعدها (قوله: ليس إلا ما) حاصل ما ذكر من الفرق بين المخصص اللفظي واللبي أنه في المخصص اللفظي قد ألقى السيد إلى عبده حجتين احداهما العام وثانيتهما الخاص، وفى المخصص اللبي قد ألقى السيد إلى عبده حجة واحدة وهي العام لا غير لان المخصص اللبي بعد ما كان علما لا يكون حجة ملقاة من السيد بل هي حجة عند العقل لا غير فالفرد المشكوك في الاول يكون نسبته إلى الحجتين الملقاتين من السيد نسبة واحدة فيمتنع الاخذ باحداهما بعينها فيه لاحتمال دخوله تحت الاخرى، وفى الثاني لما لم يكن الحجة من السيد إلا العام كان رفع اليد عنه في المشكوك بلا حجة على خلافة وهو ممتنع (فان قلت): العلم بحرمة إكرام الفاسق أيضا حجة على الحرمة فالمشكوك مما يحتمل دخوله تحت الحجة الاخرى فلا فرق بين المقامين " قلت ": الفرد المشكوك كونه عادلا أو فاسقا مما يحتمل كونه موضوعا للحجة على خلاف العام في المخصص اللفظي بخلاف المخصص اللبي إذ المخصص فيه لما كان هو العلم امتنع حصوله في المشكوك للتضاد بين العلم والشك فالمشكوك الفسق مما لم يعلم كونه محرم الاكرام فهو حينئذ مما يعلم بانه ليس موضوعا للحجة على خلاف العام أعني العلم بحرمة الاكرام وحينئذ لا يجوز رفع اليد عن العام لانه بلا وجه. هذا على التحقيق من عدم سراية العلم إلى الخارج أما على ما قد يظهر من المصنف في الاستصحاب من سرايته إلى الخارج فالفرد المشكوك الفسق مما يحتمل كونه موضوعا للعلم بحرمة الاكرام الذي هو حجة على خلاف العام فلا يظهر الفرق بين المخصص اللفظى واللبي فلاحظ (قوله:
للعلم بعداوته لعدم حجة أخرى بدون ذلك على خلافه بخلاف ما إذا كان المخصص لفظيا فان قضية تقديمه عليه هو كون الملقى إليه كأنه كان - من رأس - لا يعم الخاص كما كان كذلك حقيقة فيما كان الخاص متصلا. والقطع بعدم ارادة العدو لا يوجب انقطاع حجيته الا فيما قطع أنه عدوه لا فيما شك فيه كما يظهر صدق هذا من صحة مؤاخذة المولى لو لم يكرم واحدا من جيرانه لاحتمال عداوته له وحسن عقوبته على مخالفته وعدم صحة الاعتذار عنه بمجرد احتمال العداوة كما لا يخفى على من راجع الطريقة المعروفة والسيرة المستمرة المألوفة بين العقلاء التي هي ملاك حجية أصالة الظهور (وبالجملة): كان بناء العقلاء على حجيتها بالنسبة إلى المشتبه هاهنا بخلاف هناك ولعله لما أشرنا إليه من التفاوت بينهما بالقاء حجتين هناك تكون قضيتهما بعد تحكيم الخاص وتقديمه على العام كأنه لم يعمه حكما من رأس وكأنه لم يكن بعام بخلاف هاهنا فان الحجة الملقاة ليست الا واحدة والقطع بعدم ارادة اكرام العدو في: أكرم جيراني، مثلا لا يوجب رفع اليد عن عمومه الا فيما قطع بخروجه من تحته فانه على الحكيم القاء كلامه على وفق غرضه ومرامه فلابد من اتباعه ما لم تقم حجة أقوى على خلافه بل يمكن أن يقال: ان قضية عمومه للمشكوك أنه
______________________________
مثلا إذا قال) الظاهر أن العام في المثال ملحوظ بنحو القضية الخارجية والخاص ملحوظ بنحو القضية الحقيقية وقد عرفت أنه لا مانع من التمسك بالعام في مثله ولو كان المخصص لفظيا (قوله: للعلم بعداوته) متعلق بقوله: يعلم بخروجه، (قوله: لعدم حجة) متعلق بقوله: باقية على الحجية (قوله: بدون ذلك) يعني بدون العلم بالخروج (قوله: كأنه كان) لما تقدم من سقوط حجية ظهور العام في أفراد الخاص وان كان نفس الظهور محققا (قوله: حقيقة) لارتفاع الظهور بذاته في المتصل (قوله: إلا فيما قطع) فانه مورد الخاص لا غير (قوله: لا فيما شك) لما عرفت من أن المشكوك ليس مما يحتمل كونه موضوعا للحجة على خلاف العام (قوله: يظهر صدق) بل صدقه أظهر من صدق الشاهد لما عرفت من حاله (قوله: ولعله لما أشرنا
ليس فردا لما علم بخروجه من حكمه بمفهومه فيقال في مثل: (لعن الله بني أمية قاطبة): ان فلانا وإن شك في إيمانه يجوز لعنه لمكان العموم وكل من جاز لعنه لا يكون مؤمنا فينتج أنه ليس بمؤمن فتأمل جيدا (إيقاظ) لا يخفى أن الباقي تحت العام بعد تخصيصه بالمنفصل أو كالاستثناء من المتصل لما كان غير معنون بعنوان خاص بل بكل عنوان
______________________________
إليه) قد عرفت توضيحه (قوله: ليس فردا) وحينئذ يترتب عليه سائر أحكام عدم فرديته للخاص - مضافا إلى ثبوت حكم العام (قوله: أو كالاستثناء من المتصل) من المعلوم ان المخصص المتصل " تارة " يكون موجبا لتعنون العام بعنوان وجودي كما في التخصيص بالوصف الوجودي مثل: أكرم العلماء العدول، فان التخصيص اقتضى كون موضوع العام هو العالم العادل، فمع الشك في العلم أو العدالة فان كان أصل موضوعي وجودي مثبت لعنوان العام أو عدمي ناف له كان هو المرجع واقتضى الاول ثبوت حكم العام والثاني انتفاءه وإن لم يكن أصل موضوعي لا وجودي ولا عدمي فالمرجع الاصول العملية (وتارة) يقتضي كونه معنونا بعنوان عدمي كما في الوصف العدمي مثل: أكرم العلماء الذين هم ليسوا بفساق، فالحكم فيه كما سبق أيضا بعينه بلا فرق إلا في أن الاصل العدمي في المقام يثبت عنوان العام والوجودي ينفيه - عكس ما سبق - وهذا مما لا اشكال فيه وإنما الاشكال في المخصص المنفصل أو كالاستثناء من المتصل كما لو قيل: أكرم العلماء إلا الفساق، أو: ولا تكرم الفساق، وانه هل يقتضي تعنون موضوع العام بعنوان خاص وجودي مضاد لعنوان الخاص مثل (العدول) في المثال المذكور، أو بكل عنوان مغاير لعنوان الخاص مناف له ضدا كان له أو نقيضا، أو بعنوان عدمي نقيض عنوان الخاص مثل (الذينهم ليسوا بفساق) في المثال المذكور، أو لا يقتضي شيئا من ذلك ؟ المترائى من بعض عبارات التقريرات هو الاول، وظاهر المصنف هو الثاني، وصريح آخر
لم يكن ذلك بعنوان الخاص كان إحراز المشتبه منه بالاصل الموضوعي في غالب الموارد - الا ما شذ - ممكنا
______________________________
هو الثالث، وآخر هو الرابع، وعلى الاول لا يجدي في إثبات حكم العام الا الاصل الوجودي المثبت للعنوان الطارئ على موضوع العام من قبل المخصص وعلى الثاني يجدي كل أصل مثبت لكل عنوان مناف لعنوان الخاص، وعلى الثالث لا يجدي الا الاصل العدمي النافي لعنوان الخاص، وعلى الرابع لا ينفع شئ منهما فيه أصلا لعدم كون الوصف - وجودا أو عدما - موضوعا لحكم العام فإذا قيل. أكرم العلماء إلا الفساق، فالفرد المشكوك المتيقن العدالة سابقا يجري فيه خصوص استصحاب العدالة على الاول فيترتب عليه حكم العام وهو أو استصحاب عدم الفسق على الثاني وخصوص استصحاب عدم الفسق على الثالث فيترتب عليه حكم العام ولا مجال لاستصحابهما على الرابع. ثم إن الاول بعيد عن المذاق العرفي، وأبعد منه الثاني، والاخير أقرب إليه من الثالث لان الخاص ليس له وظيفة أكثر من إخراج أفراده عن حكم العام فلا يقتضي اكتساء موضوع حكم العام وصفا وجوديا ولا عدميا فضلا عن اكتسائه كل عنوان كما هو ظاهر المتن هذا إذا لم يكن حكم الخاص نقيضا لحكم العام أما لو كان نقيضا له كما إذا قيل: لا يحرم إكرام العلماء إلا الفساق، أو: لا يجب إكرام العلماء إلا العدول، فأصالة عدم عنوان الخاص كافية في ثبوت حكم العام لان لازم ارتفاع الموضوع بالاصل ارتفاع حكمه (قوله: لم يكن ذلك بعنوان) قد عرفت أن الظاهر أن المراد أن موضوع حكم العام كل عنوان مناف لعنوان الخاص لا مجرد المغاير له كما يقتضيه ظاهر التعبير والالزم اجتماع الحكمين فان موضوع عنوان الخاص واجد لجملة من العناوين المغايرة لعنوان الخاص فيلزم اجتماع حكمي العام والخاص فيه. كما عرفت أيضا أن دعوى كون موضوع حكم العام كل عنوان مناف لعنوان الخاص لا مجال لاثباتها، ويحتمل أن يكون المراد الوجه الثالث أعني كون موضوع حكم العام
فبذلك يحكم عليه بحكم العام وإن لم يجز التمسك به بلا كلام ضرورة أنه قلما لم يوجد عنوان يجري فيه أصل ينقح به أنه مما بقي تحته مثلا إذا شك ان امرأة تكون قرشية فهي وان كانت وجدت إما قرشية أو غيرها فلا أصل يحرز أنها قرشية أو غيرها
______________________________
عنوان العام المقيد بعدم عنوان الخاص لكن لا تساعد عليه العبارة (قوله: فبذلك) يعني بالاصل الجاري لاثبات العنوان المنافي لعنوان الخاص (قوله: قرشية أو غيرها) لان الوصفين المذكورين من الاوصاف الوجودية التي لا تكون إلا في ظرف وجود موضوعها فقبل وجوده لا حالة لها سابقة ليجري فيها الاستصحاب نعم لو كان المراد من غير القرشية من لم تكن قرشية كان استصحاب عدم كونها قرشية موقوفا على جريان الاستصحاب في العدم الازلي (وتوضيح) ذلك أن العدم الذي يكون موضوعا للاثر الشرعي (تارة) يكون بمعنى عدم الموضوع (وأخرى) يكون بمعنى عدم الوصف وكل منهما (تارة) يكون بنحو مفاد ليس التامة مثل عدم زيد وعدم الحمرة لزيد (وأخرى) يكون بنحو مفاد ليس الناقصة مثل عدم كون الماء ذا مادة وعدم كون زيد احمر، فان كان العدم ملحوظا على النحو الاول فالظاهر أنه لا إشكال في جريان الاستصحاب لاثباته فإذا فرض ان لوجود زيد أو لحمرته أثرا كان استصحاب عدم زيد أو عدم حمرته موجبا لانتفاء ذلك الاثر ظاهرا، وإن كان ملحوظا على النحو الثاني فقد اختلفت فيه انظار المحققين فهم ما بين مثبت له وناف وشبهة النفي أن العنوان الملحوظ قيدا وجوديا كان أو عدميا لما كان موضوعه المقيد به حاكيا عن الوجود الخارجي بنحو لا يرى إلا خارجيا كان التقييد به في عالم الاعتبار ملحوظا في الرتبة اللاحقة للوجود فيكون معنى قولنا: أكرم الرجل العالم، (أكرم الرجل الذي إن وجد كان عالما) كما أن معنى قولنا: لا يجب إكرام الذي ليس بعالم، (لا يجب إكرام الرجل الذي إن وجد لم يكن عالما)، فالعدم المأخوذ قيدا هو الملحوظ في الرتبة اللاحقة للوجود المنوط به فعدم الوصف المقارن
لعدم الموضوع مباين للعدم المذكور المأخوذ قيدا ومع هذه المباينة يمتنع الاستصحاب لانه يعتبر فيه اتحاد المتيقن والمشكوك فزيد قبل وجوده وإن لم يكن أحمر إلا أن عدم الحمرة حينئذ ليس منوطا بوجوده بل هو مقارن لعدمه فاثباته بعد وجود الموضوع ليس اثباتا لموضوع الاثر بتا. كذا ذكر بعض الاعاظم (وأورد) عليه بانه لا ريب في أن مفهوم قولنا: أكرم الرجل العالم، ليس مفهوم قولنا: اكرم الرجل الذي ان وجد كان عالما، كما ان مفهوم قولنا: لا تكرم الرجل الذي ليس بعالم، مباين لمفهوم قولنا: لا تكرم الرجل الذي ان وجد لم يكن عالما، وإرجاع أحدهما إلى الآخر في غير محله، ومجرد حكاية الموصوفات عن الوجودات الخارجية تصورا لا يجدي ما لم يكن الوجود ملحوظا بنحو القضية التصديقية، ولذلك ترى موضوع الارادة والكراهة حاكيا عن الوجود التصوري ومع ذلك لا مجال لتوهم إناطتهما بالوجود الخارجي فان الوجود الخارجي ظرف سقوط الارادة والكراهة لا ظرف ثبوتهما فالتقييد بالوصف الوجودي أو العدمي ليس قائما بنفس الوجود الخارجي ومنوطا به بنحو يكون مفروغا عنه كي تتوجه الشبهة بل هو قائم بنفس ذات المقيد كما يرشد إليه صحة قولنا: وجد الرجل العالم، أو الذي ليس بعالم، ولو كان التقييد منوطا بالوجود الخارجي امتنع ذلك إذ الموجود بما هو موجود ليس له وجود (فان قلت): وجود الوصف إذا كان منوطا بوجود الموصوف وكان متأخرا عنه رتبة فإذا فرض أن له اثرا شرعيا كان نقيض ذلك الاثر أثرا لنقيض ذلك الوجود ومقتضى وجوب حفظ الرتبة بين النقيضين أن يكون موضوع نقيض الاثر هو العدم المنوط بالوجود فلا مجال لاثباته باستصحاب العدم المقارن لعدم وجود الموضوع لانه مباين له (قلت): تأخر وجود الوصف خارجا عن ذات الموصوف رتبة لا دخل له في لزوم ملاحظة التقييد بين وجود الموصوف ونفس الوصف ليكون متاخرا عنه في لحاظ جاعل الاثر بل من الممكن أن يكون التقييد ملحوظا بين نفس الذاتين بلا ملاحظة تقدم وجود الموصوف بنحو يكون مفروغا عنه في مقام اللحاظ كما
إلا ان اصالة عدم تحقق الانتساب بينها وبين قريش يجدي في تنقيح أنها ممن لا تحيض الا إلى خمسين لان المرأة التي لا يكون بينها وبين قريش انتساب ايضا باقية تحت ما دل على ان المرأة إنما ترى الحمرة إلى خمسين والخارج عن تحته هي القرشية فتأمل تعرف (وهم وإزاحة) ربما يظهر من بعضهم التمسك بالعمومات فيما إذا شك
______________________________
يرشد إليه أيضا ما عرفت من صحة قولنا: وجد الرجل العالم، فالوصف قد أخذ وصفا لذات الموصوف لا لوجوده ولا منوطا بوجوده - مع أن الترتب الخارجي بين الوصف والموصوف لو اقتضى كون موضوع الاثر خصوص الوجود والعدم المنوطين بوجود الموصوف لامتنع جريان استصحاب العدم الازلي ولو كان ملحوظا بنحو مفاد ليس التامة مثل عدم الحمرة الذي قد عرفت أنه لم يعرف الاستشكال في جريان الاستصحاب لاثباته وأيضا فلو تم الاشكال المذكور لاختص بما لو أخذ الوجود قيدا لموضوع الاثر الشرعي أما لو أخذ العدم ابتداء قيدا له فلا موجب لتخصيصه بما هو منوط بوجود الموصوف بعد ما كان له فردان عدم لعدم الموضوع وعدم في حال وجوده فان مقتضى الاطلاق كون الجامع بينهما موضوعا للاثر ولا مجال للشبهة المذكورة كما لا مجال لها أيضا فيما لو كان القيد من قبيل الذات مثل الماء الذي له مادة فان المادة ليست من قبيل وصف الماء كي يتأتى فيها ما ذكر من الاشكال. نعم الشبهة الاولى من كون الموضوع المقيد لما كان حاكيا عن الوجود كان التقييد منوطا به جارية في جميع ما ذك بلا فرق وحيث عرفت أنه لا مجال لكل من الشبهتين فالقول بجريان الاستصحاب في الجميع في محله. نعم لا مجال لجريانه في لوازم الماهية لانها لا تنفك عنها ولو قبل وجودها فليس العدم حالة سابقة لها كما لا مجال لجريانه في الذاتيات فان ثبوت الشئ لنفسه ضروري ولا معنى لسلبه عنه (قوله: إلا أن أصالة عدم تحقق) هذا منه مبني على عدم جريان الاصل في العدم الازلي بنحو مفاد ليس الناقصة، وعلى أنه يكفي في ترتيب حكم العام ثبوت أي عنوان مناف لعنوان الخاص إذ من المعلوم منافاة عنوان المرأة التي ليس بينها وبين قريش انتساب لعنوان المرأة القرشية لكن عرفت أنه لا مانع من
في فرد لا من جهة احتمال التخصيص بل من جهة اخرى كما إذا شك في صحة الوضوء أو الغسل بمايع مضاف فيستكشف صحته بعموم مثل: (أوفوا بالنذور) فيما إذا وقع متعلقا للنذر بأن يقال: وجب الاتيان بهذا الوضوء وفاء للنذر للعموم، وكل ما يجب الوفاء به لا محالة يكون صحيحا، للقطع بأنه لولا صحته لما وجب الوفاء به، وربما يؤيد ذلك بما ورد من صحة الاحرام والصيام قبل الميقات وفى السفر إذا تعلق بهما النذر كذلك (والتحقيق) أن يقال: إنه لا مجال لتوهم الاستدلال بالعمومات المتكفلة لاحكام العناوين الثانوية فيما شك من غير جهة تخصيصها إذا أخذ في موضوعاتها أحد الاحكام المتعلقة بالافعال بعناوينها الاولية
______________________________
جريان أصالة عدم كون المرأة قرشية كما عرفت أن الجمع بين العام والخاص لا يقتضي تعنون الباقي بالعنوان المنافي لعنوان الخاص وإن يكفي في انتفاء حكم الخاص انتفاء موضوعه ولو بالاصل فإذا جرى أصالة عدم كون المرأة قرشية انتفى كونها ممن تحيض إلى الستين فتأمل جيدا (قوله: في فرد) أي في حكم فرد (قوله: لا من جهة احتمال) يعني لا من جهة الشك في ثبوت حكم العام بل من جهة الشك في ثبوت حكم آخر فيتمسك بالعموم لاثبات ذلك الحكم (قوله: صحته) يعني حال كونه منذورا فتثبت صحته مطلقا (قوله: ربما يؤيد ذلك) وجه التأييد احتمال كشف النص الخاص عن صلاحية عموم الوفاء بالنذر لاقتضاء الصحة ولو في حال النذر (قوله: كذلك) بان قيد الاحرام المنذور بكونه قبل الميقات والصوم بكونه في السفر أما لو اطلقا في النذر لم يصحا (قوله: والتحقييق أن يقال) توضيحه أن العناوين التي تؤخذ في موضوعات الاحكام الشرعية على نوعين (الاول) العناوين الاولية وهي التي تثبت للشئ بالنظر إلى ذاته مثل عنوان التمر والخمر لو قيل: أحل التمر وحرمت الخمر (والثاني) العناوين الثانوية التي تثبت للشئ بالنظر إلى ما هو خارج عن ذاته مثل عنوان العسر والحرج والنذر والشرط والنفع والضرر
والغصب إلى غير ذلك (والثاني) تارة يكون موضوعا لحكمه مطلقا (وأخرى) يكون موضوعا لحكمه بشرط كون العنوان الاولي للموضوع محكوما بحكم خاص فان كان الثاني وشك في حكم العنوان الاولي الذي أخذ قيدا له في موضوعيته لحكمه امتنع التمسك بعموم دليل حكمه مثلا إذا أخذ في موضوع وجوب الوفاء بالنذر كون النذر نذرا لراجح في نفسه فقد صار موضوع وجوب الوفاء بالنذر خصوص نذر الراجح فإذا شك في رجحان المنذور في نفسه فقد شك في كون نذره نذر الراجح ولا مجال للتمسك بالعموم في مثله لان الشك حينئذ في ثبوت عنوان العام لا في حكمه بعد إحراز عنوانه وكذا إذا شك في كون الصلح محرما للحلال أو محللا للحرام أو كون الشرط موافقا للكتاب أو مخالفا له ففي الفرض المذكور إذا شك في صحة الوضوء بالمضاف فإذا تعلق به النذر لا مجال للتمسك بعموم وجوب الوفاء بالنذر لاثبات صحته لان الشك في صحته يوجب الشك في كون نذره نذرا لراجح فيكون الشك في عنوان العام فيمتنع التمسك به لان العمومات من قبيل الكبريات الشرعية فيتوقف استنتاج الحكم منها على إحراز الصغرى ومع الشك في الصغرى لا ينفع العلم بالكبرى في حصول العلم بالنتيجة. ثم إنه لا ينبغي الاشكال في صحة أخذ حكم العنوان الاولي قيدا في موضوع حكم العنوان الثانوي من جهة لزوم اجتماع الحكمين في موضوع واحد فيلزم إما اجتماع المثلين أو الضدين وهو ممتنع ووجه عدم ورود الاشكال أن المقصود من أخذ الحكم قيدا في الموضوع أن يكون ماخوذا قيدا بنحو القضية التعليقية لا الفعلية مثلا أخذ الاباحة قيدا في موضوع وجوب إطاعة الوالد إنما هو بمعنى وجوب إطاعة الوالد فيما هو مباح لولا كونه إطاعة للوالد وثبوت الاباحة لولا الاطاعة لا ينافي وجوبه لكونه اطاعة وإنما المنافي له ثبوت الاباحة بقول مطلق حتى في حال كونه اطاعة لانه يكون فعليا والحكمان الفعليان متضادان كما تقدم في مبحث الاجتماع. نعم قد يشكل المراد من كون الشرط مخالفا للكتاب ومثله كون الصلح محرما للحلال لان كل شرط لابد أن يكون مبدلا لحكم المشروط عليه فيكون مخالفا للكتاب، وقد دفعه شيخنا الاعظم
كما هو الحال في وجوب إطاعة الوالد والوفاء بالنذر وشبهه في الامور المباحة أو الراجحة ضرورة أنه - معه - لا يكاد يتوهم عاقل إذا شك في رجحان شئ أو حليته جواز التمسك بعموم دليل وجوب الاطاعة أو الوفاء في رجحانه أو حليته. نعم لا بأس بالتمسك به في جوازه بعد إحراز التمكن منه والقدرة عليه فيما لم يؤخذ في موضوعاتها حكم اصلا فإذا شك في جوازه صح التمسك بعموم دليلها في الحكم بجوازها وإذا كانت محكومة بعناوينها الاولية بغير حكمها بعناوينها الثانوية
______________________________
(ره) واستاذنا المصنف (ره) بما لا يخلو من اشكال كما اوضحنا ذلك فيما علقناه على مباحث الشرط من المكاسب وذكرنا ما به يندفع الاشكال في ذلك المجال فراجع (وان) كان العنوان الثانوي من قبيل الاول فان شك في ثبوت حكم العام للفرد صح التمسك بالعموم لاثباته كما في العناوين الاولية وحينئذ فإذا كان الفرد بعنوانه الاولي محكوما بحكم مغاير لحكم العنوان الثانوي فان أحرز المقتضي لكل منهما وقع التزاحم فان غلب أحدهما كان له الاثر وإن تساويا سقط كلاهما عن التأثير لئلا يلزم الترجيح بلا مرجح وحيئنذ يكون المرجع في حكم ذلك الموضوع هو الاصول العملية وإن لم يحرز المقتضيان كان الدليلان متعارضين يرجع في إعمالهما إلى قواعد التعارض إن لم يكن بينهما جمع عرفي والا كان عليه العمل ايضا، ولو شك في ثبوت حكم العنوان الاولي للفرد لم يصلح دليل العنوان الثانوي لاثباته بوجه نعم لو شك في ثبوت حكم ملازم لحكم أحد العنوانين أمكن إثباته بالعموم المتكفل لاثبات ذلك الحكم الملازم بالدلالة الالتزامية (قوله: كما هو الحال) تمثيل لحكم العناوين الثانوية (قوله: المباحة أو الراجحة) الاول حكم موضوع إطاعة الوالد والثاني حكم موضوع النذر (قوله: ضرورة أنه) قد عرفت السر فيه (قوله: في جوازه) يعني حيث يكون حكم العام هو الجواز (قوله: بعد إحراز) بل الشك في القدرة كاف في جواز التمسك بالعام، (قوله: فيما لم يؤخذ) يعني القسم الاول (قوله: فإذا شك) هذا
وقع المزاحمة بين المقتضيين ويؤثر الاقوى منهما لو كان في البين وإلا لم يؤثر أحدهما وإلا لزم الترجيح بلا مرجح فليحكم عليه حينئذ بحكم آخر كالاباحة إذا كان أحدهما مقتضيا للوجوب والآخر للحرمة مثلا. وأما صحة الصوم في السفر بنذره فيه - بناء على عدم صحته فيه بدونه وكذا الاحرام قبل الميقات - فانما هو لدليل خاص كاشف عن رجحانهما ذاتا في السفر وقبل الميقات وانما لم يأمر بهما استحبابا أو وجوبا
______________________________
كأنه تكرار غير مناسب (قوله: وقع المزاحمة) يعني حيث يحرز المقتضي فيهما (قوله: وإلا لم يؤثر) يعني إن لم يكن أحدهما أقوى ولو احتملت أقوائية أحدهما بعينه أخذ بمقتضاه لو كان إلزاميا (قوله: للحرمة) وكذا لو كان أحدهما مقتضيا للاستحباب بحده أو الكراهة كذلك والآخر مقتضيا للحرمة أو الوجوب وأما لو كان أحدهما مقتضيا للاستحباب في الجملة وآخر مقتضيا للوجوب تأكد الطلب وكذا الحال في الكراهة والحرمة والله سبحانه أعلم (قوله: وأما صحة الصوم) قد استفاضت النصوص بانه لابد في صحة النذر من أن يقول الناذر: لله علي كذا، وعليه إجماعهم ظاهرا والظاهر من اللام المذكورة أن تكون للملك نحو اللام في قولك: لزيد علي مال كذا، أو فعل كذا، ولا مانع من اعتبار ملكية الله تعالى للفعل نحو ملكيته لسدس الخمس كما يقتضيها ظاهر قوله تعالى: (فإن لله خمسه وللرسول.. الآية) ولو بقرينة السياق ولا ريب في أنه لا مجال لاعتبار الملكية للفعل غير الراجح سواء أكان مرجوحا أم متساوي الطرفين، إذ لا معنى لقولك - مثلا -: لزيد علي أن أصفقه أو اهتك حرمته أو أقف على قدمي ساعة، أو غير ذلك مما كان مبغوضا لزيد أو غير محبوب له. ومنه يظهر أنه لابد في صحة النذر من كون المنذور راجحا في نظر الشارع الاقدس هذا مضافا إلى بعض النصوص الدالة على اعتبار ذلك بالخصوص ومنه يظهر الاشكال في صحة نذر الاحرام قبل الميقات والصوم الواجب في السفر للاجماع على عدم انعقاد الاحرام المذكور وبه استفاضت النصوص كما استفاضت على بطلان الصوم الواجب في السفر الذي هو المعروف من المذهب فان ذلك كاشف عن عدم الرجحان الموجب لفساد النذر فلابد في رفع
لمانع يرتفع مع النذر. وإما لصيرورتهما راجحين بتعلق النذر بهما بعد ما لم يكونا كذلك كما ربما يدل عليه ما في الخبر من كون الاحرام قبل الميقات كالصلاة قبل الوقت (لا يقال): لا يجدي صيرورتهما راجحين بذلك في عباديتهما ضرورة كون وجوب الوفاء توصليا لا يعتبر في سقوطه الا الاتيان بالمنذور باي داع كان " فانه يقال ": عباديتهما إنما تكون لاجل كشف دليل صحتهما عن عروض عنوان راجح عليهما
______________________________
الاشكال المذكور من المصير إلى أحد الوجوه المذكورة في المتن (قوله: لمانع يرتفع) مجرد منع المانع عن الامر بهما لا يمنع من مشروعيتهما لكفاية الملاك فيهما فلا بد أن يكون المانع موجبا لمرجوحيتهما عرضا بنحو لا يكونان مشروعين ولا يصح الامر بهما ولو لم يمنع عنه مانع (قوله: مع النذر) أي مقارنا لوجوده لا معلولا له إذ لو كان معلولا له لزم تعلقه بالمرجوح فيرجع الاشكال كما سيشير إليه (قوله: وإما لصيرورتهما) بأن لا يكون في ذاتيهما رجحان أصلا وانما يطرأ عليهما الرجحان بطروء عنوان ملازم لطروء النذر بحيث يكون طروء النذر عليهما كاشفا عن طروء العنوان الراجح قبل النذر فيشترك الوجهان في تلازم الرجحان الفعلي مع النذر ويفترقان في ثبوت الرجحان الاقتضائي على الاول وعدمه على الثاني (قوله: كالصلاة قبل) يعني لا رجحان فيه. ثم ان هذا إنما يدل على الثاني دون الاول لو كان المراد من الاول ما هو ظاهر العبارة من كون المانع مانعا عن مجرد الامر لا عن الملاك فيكون الفعل واجدا للملاك فلا يكون كالصلاة قبل الوقت لكن عرفت انه ليس رافعا للاشكال وبعد توجيهه بما عرفت من كون المانع مانعا عن الرجحان الفعلي بحيث يكون الفعل مرجوحا لولا النذر فكون الاحرام قبل الميقات كالصلاة قبل الوقت يصلح لكل من الوجهين ولا يختص بالاول إذ الصلاة قبل الوقت يحتمل أن لا تكون ذات رجحان أصلا لا اقتضاء ولا فعلا ويحتمل أن لا تكون ذات رجحان فعلي وان كان ذات رجحان اقتضائي (قوله: لا يقال) هذا الاشكال متوجه على ما يظهر من قوله: راجحين بتعلق، من
ملازم لتعلق النذر بهما. هذا لو لم نقل بتخصيص عموم دليل اعتبار الرجحان في متعلق النذر بهذا الدليل والا أمكن أن يقال بكفاية الرجحان الطارئ عليهما من قبل النذر في عباديتهما بعد تعلق النذر باتيانهما عباديا ومتقربا بهما منه تعالى فانه وان لم يتمكن من اتيانهما كذلك قبله إلا أنه يتمكن منه بعده ولا يعتبر في صحة النذر الا التمكن
______________________________
أن الرجحان آت من قبل النذر وقد عرفت وجه الاشكال فيه من أن الرجحان إذا كان آتيا من قبل النذر يلزم أن يكون موضوع النذر مرجوحا لا راجحا وهو خلاف مبنى أصل الاشكال وأما ما ذكره بقوله: ضرورة كون.. الخ فلا يتضح دخله في تقريب الاشكال لان المراد من كون وجوب الوفاء توصليا أنه لا يتوقف سقوطه على قصد امتثاله بل يكفي في سقوطه الاتيان بالمنذور بقصد الوفاء وان لم يقصد امتثال وجوب الوفاء كما هو الحال في وجوب الوفاء بالشرط أيضا فلو فرض كون وجوب الوفاء عباديا لم ينفع في رفع الاشكال لو كان المنذور مرجوحا. ثم انه قد أوضحنا فيما علقناه على مكاسب شيخنا الاعظم (ره) أن وجوب الوفاء بالعقد والشرط ليس مولويا بل هو ارشادي إلى نفوذ مضمونهما فلا يجب على البائع والمشتري دفع المثمن والثمن بقصد الوفاء بالعقد بل يحرم على كل منهما التصرف في مال صاحبه لحرمة التصرف في مال المسلم الا بطيب نفسه وهكذا الحال في عمل الاجير والمشروط عليه والظاهر أن وجوب الوفاء بالنذر كذلك غاية الامر أن الامور الذمية عينا كانت أو منفعة لا يمكن افراغ الذمة منها الا بقصدها حين الاداء فالناذر لا تفرغ ذمته عما ثبت فيها لله سبحانه حتى يقصد حين فعل المنذور الفعل الذي في ذمته له سبحانه وهكذا المشروط عليه والاجير لا تفرغ ذمتهما عن العمل المستأجر عليه والمشروط إلا بقصد العمل الذي للمستأجر وللشارط في ذمتهما ولا يلزم عليهم الالتفات إلى النذر والاجارة والشرط فضلا عن قصد الوفاء بها وهكذا المشتري في بيع النسيئة والبائع في بيع السلف فتأمل جيدا (قوله: ملازم) كما عرفت (قوله: لو لم نقل بتخصيص) هذا ممتنع مع التفات الناذر إلى عدم الرجحان
من الوفاء ولو بسببه فتأمل جيدا " بقي شئ " وهو أنه هل يجوز التمسك باصالة عدم التخصيص في إحراز عدم كون ما شك في انه من مصاديق العام مع العلم بعدم كونه محكوما بحكمه مصداقا له مثل ما إذا علم أن زيدا يحرم إكرامه وشك في أنه عالم فيحكم عليه - باصالة عدم تخصيص إكرام العلماء - أنه ليس بعالم بحيث يحكم عليه بسائر ما لغير العالم من الاحكام ؟ فيه اشكال لاحتمال اختصاص حجيتهما بما إذا شك في كون فرد العام محكوما بحكمه كما هو قضية عمومه والمثبت من الاصول اللفظية وان كان حجة الا أنه لابد من الاقتصار على ما يساعد عليه الدليل ولا دليل هاهنا الا السيرة وبناء العقلاء ولم يعلم استقرار بنائهم على ذلك فلا تغفل.
______________________________
لتعذر القصد إلى جعل شئ للغير مع عدم محبوبيته كما تقدم. نعم يمكن ذلك مع اعتقاد الجاعل للرجحان خطأ كما هو مورد نصوص الاحرام قبل الميقات وجملة من نصوص الصوم في السفر وحينئذ فلو بني على وفاء النصوص بعموم الحكم للملتفت فلا بد من أن يكون حكما تعبديا لما هو بصورة النذر لا نذر جدي (قوله: فتأمل جيدا) يمكن أن يكون اشارة إلى أن هذا لا ينافي ما تقدم في السؤال من كون أمر الوفاء توصليا لا عباديا فان كونه توصليا وان اقتضى سقوطه بمجرد الاتيان بمتعلقه الا أن متعلقه إذا كان عبادة كالاحرام والصوم امتنع تحققه إلا مع الاتيان به بنحو قربي. نعم قد يستشكل عليه بان قصد امتثال الامر ان أخذ قيدا للمنذور في حال النذر جاء إشكال أن الامر المقصود امتثاله ان كان عين وجوب الوفاء بالنذر فهو ممتنع وإن كان غيره فالمفروض عدمه وان لم يؤخذ قيدا أصلا كان على خلاف قصد الناذر إذ المفروض كون منذوره عبادة (قوله: هل يجوز) قد عرفت جواز الرجوع إلى العام لاثبات حكمه للفرد مع احراز فرديته أما إذا احرز حكم الفرد وأنه خلاف حكم العام وشك في فرديته للعام كما إذا ورد: أكرم العلماء، وعلم بعدم وجوب اكرام زيد وشك في أنه من العلماء فهل يرجع إلى أصالة عدم التخصيص في اثبات أنه جاهل لانه على تقدير كونه عالما يلزم تخصيص
اكرام العلماء حيث أنه منهم ولا يجب اكرامه أو لا يرجع فيبقى الشك بحاله ؟ الذي يظهر من غير واحد من المقامات من طهارة شيخنا الاعظم (ره) وكذا من التقريرات جواز الرجوع إليها وعليه بنى بعض من تأخر عنه من المحققين بل قيل انه جرى عليه ديدنهم في الاستدلالات الفقهية، ولكنه لم يثبت عند المصنف (ره) ووجه الاشكال فيه أن مرجع أصالة عدم التخصيص إلى أصالة العموم في العام ومن المعلوم أن العام انما يدل على ثبوت حكمه لكل واحد من أفراده فإذا شك في ثبوت حكمه لفرده كان العام نافيا لذلك الشك أما إذا علم الحكم وشك في أن موضوعه من أفراد العام أولا فلا يدل العموم على نفي ذلك الشك لان المشكوك خارج عن مدلوله " فان قلت ": عكس النقيض من لوازم القضية بحيث يلزم من صدقها صدقه - كما برهن عليه في محله - فإذا كان كل انسان حيوانا كان كل ما ليس بحيوان ليس بانسان فقولنا: كل عالم يجب اكرامه ينعكس بعكس النقيض إلى قولنا: كل ما لا يجب اكرامه ليس بعالم، فإذا ثبت أن زيدا لا يجب اكرامه وجب الحكم عليه بانه ليس بعالم - كما يقتضيه عموم العكس - وحيث أن الظهور من الامارات فهو حجة في المدلول الالتزامي كما هو حجة في المدلول المطابقي فيكون العموم دائما دالا بالالتزام على أن كل ما لا يكون محكوما بحكمه ليس من أفراده " قلت ": وان اشتهر أن المثبت من الامارات حجة بمعنى أن الامارات تكون حجة في المدلول الالتزامي الا انه ليس ذلك بنحو الكلية بل يختلف باختلاف مقدار دلالة دليل الحجية فإذا كان مطلقا كان مقتضيا للحجية على اللازم مطلقا وان كان مهملا اقتصر على المتيقن من دلالته وحيث أن دليل حجية الظهور بناء العقلاء الذي هو من الادلة اللبية كان اللازم الاقتصار على المتيقن من دلالته ولم يثبت بناء العقلاء على حجية الظهور بالاضافة إلى عكس نقيض القضية فلا يحكم بحجيته فيه بل يرجع إلى أصالة عدم الحجية ونظيره اليد وأصالة الصحة بناء على أنهما من الامارات فانهما لا يكونان حجة على لوازم الملكية والصحة
فصل
هل يجوز العمل بالعام قبل الفحص عن المخصص ؟ فيه خلاف وربما نفي الخلاف عن عدم جوازه بل ادعي الاجماع عليه (والذي) ينبغي أن يكون محل الكلام في المقام أنه هل يكون أصالة العموم متبعة مطلقا ؟ أو بعد الفحص عن المخصص واليأس عن الظفر به بعد الفراغ من اعتبارها بالخصوص في الجملة من باب الظن النوعي للمشافه وغيره ما لم يعلم بتخصيصه تفصيلا ولم يكن من أطراف ما علم تخصيصه إجمالا وعليه فلا مجال لغير واحد مما استدل به على عدم جواز العمل به قبل الفحص واليأس (فالتحقيق) عدم جواز التمسك به قبل الفحص فيما إذا كان
______________________________
العمل بالعام قبل الفحص عن المخصص
(قوله: وربما نفي) حكي عن الغزالي والآمدي (قوله: الاجماع عليه) كما عن النهاية (قوله: فلا مجال لغير) هذا تعريض بجماعة من القائلين بعدم جواز العمل بالعام قبل الفحص حيث استدل بعض منهم على ذلك بعدم حصول الظن بالمراد إلا بعد الفحص - كما عن الوافية حكايته عن بعض - وآخر بعدم الدليل على حجية أصالة العموم بالنسبة إلى غير المشافه أو من قصد تفهيمه إلا بعد الفحص - كما عن المحقق القمي (ره) - وثالث بالعلم الاجمالي بورود مخصصات كثيرة بين الامارات الشرعية الموجب لسقوط أصالة العموم عن الحجية وبعد الفحص يخرج العام عن كونه طرفا للعلم المذكور فلا مانع من إجراء أصالة العموم فيه (وحاصل) التعريض أن هذه الاستدلالات كلها خارجة عن محل الكلام فان المدعي لوجوب الفحص يدعيه بعد البناء على أن أصالة الظهور حجة من باب الظن النوعي لا الشخصي وأنها حجة في حق المشافهين وغيرهم وأن العام ليس من أطراف العلم الاجمالي وهذه الدعوى لا تثبتها الادلة المذكورة كما لعله ظاهر هذا ولكن
في معرض التخصيص كما هو الحال في عمومات الكتاب والسنة وذلك لاجل أنه لولا القطع باستقرار سيرة العقلاء على عدم العمل به قبله فلا أقل من الشك كيف وقد
______________________________
في كون محل الكلام في المقام ما إذا لم يكن العام طرفا للعلم الاجمالي بالتخصيص تأملا إذ لازم ذلك خروج عمومات الكتاب والسنة عن محل الكلام لانها طرف للعلم الاجمالي المذكور فلا تعمها دعوى عدم لزوم الفحص وهو كما ترى والامر سهل (قوله: في معرض التخصيص) الظاهر من كون العام في معرض التخصيص كونه بحيث لا يؤمن تخصيصه فيرجع إلى اعتبار الوثوق بعدم التخصيص في حجية أصالة العموم (قوله: القطع باستقرار) هذا ممنوع جدا بل الظاهر استقرار السيرة على العمل بالعام وإن ظن بالتخصيص كما جاز العمل بالظاهر مع الظن بارادة خلافه فحينئذ لا موجب للفحص الا العلم الاجمالي بالتخصيص (والاشكال) بأن لازم ذلك عدم وجوب الفحص بعد العثور على التخصيص بمقدار يساوي المعلوم بالاجمال لانحلال العلم الاجمالي بالعلم التفصيلي الحاصل بالعثور على المقدار المذكور (مندفع) بأنه مبني على انحلال العلم الاجمالي السابق بالعلم التفصيلي اللاحق لكنه ممنوع كما هو محقق في محله من مبحث الانحلال وإنما ينحل بالعلم التفصيلي اللاحق لو كان موجبا لتعيين المعلوم بالاجمال في المقدار المعلوم بالتفصيل والعلم التفصيلي اللاحق في المقام غير موجب لتعيين المعلوم بالاجمال فلا يقتضي انحلاله. نعم لازم الاستناد في وجوب الفحص إلى العلم الاجمالي عدم جواز العمل بالعام بعد الفحص الا إذا علم بعدم تخصيصه ليكون خارجا عن أطراف العلم الاجمالي لكن يندفع ذلك أيضا بان العلم الاجمالي بالتخصيص في الجملة منحل بعلم اجمالي آخر مقارن له وهو العلم بثبوت تخصيصات بنحو لو فحصنا عنها لعثرنا عليها فيكون هذا العلم الثاني هو المانع عن العمل باصالة العموم وحينئذ فإذا فحصنا عن المخصص للعام فان عثرنا عليه كان العمل على المخصص وان لم نعثر عليه فقد علم بخروج العام عن كونه طرفا للعلم الاجمالي الثاني ويجب العمل باصالة العموم فيه (قوله: فلا أقل من الشك) بل لا مجال للشك كما تقدم ويشهد بذلك عدم صحة الاعتذار عن ترك العمل بالعام بالظن
ادعي الاجماع على عدم جوازه ؟ فضلا عن نفي الخلاف عنه وهو كاف في عدم الجواز كما لا يخفى وأما إذا لم يكن العام كذلك - كما هو الحال في غالب العمومات الواقعة في ألسنة أهل المحاورات - فلا شبهة في أن السيرة على العمل به بلا فحص عن مخصص وقد ظهر لك بذلك أن مقدار الفحص اللازم ما به يخرج عن المعرضية له كما أن مقداره اللازم منه بحسب سائر الوجوه التى استدل بها من العلم الاجمالي به أو حصول الظن بما هو التكليف أو غير ذلك رعايتها فيختلف مقداره بحسبها كما لا يخفى (ثم) إن الظاهر عدم لزوم الفحص عن المخصص المتصل باحتمال أنه كان ولم يصل
______________________________
بوجود المخصص (قوله: ادعي الاجماع) دعوى الاجماع ونفي الخلاف أعم مما ذكر إذ يجوز أن يكون من جهة العلم الاجمالي (قوله: العام كذلك) يعني في معرض التخصيص (قوله: في غالب العمومات) لا فرق بين هذه العمومات وعمومات الكتاب والسنة إلا في العلم الاجمالي المذكور وعدمه كما اشرنا إليه (قوله: يخرج عن المعرضية) ويكون ذلك بالفحص إلى ان يحصل اليأس عن وجود المخصص (قوله: فيختلف مقداره) قد عرفت الاشارة إلى أنه لو كان الموجب للفحص هو العلم الاجمالي بالتخصيص مطلقا فاللازم الفحص إلى أن يعلم بعدم التخصيص إذ به يخرج العام عن كونه طرفا للعلم الاجمالي المذكور وان كان الموجب له هو العلم الاجمالي بوجود مخصصات لو فحصنا عنها عثرنا عليها فمقدار الفحص تابع لتعيين مرتبة الفحص المأخوذ قيدا للمعلوم بالاجمال والظاهر أنه يكفى فيه الفحص عنه في مظانه من الموارد المعدة لذلك فان العلم بوجود مخصصات في تلك الموارد كاف في انحلال العلم الاجمالي بالتخصيص مطلقا فعدم العثور على التخصيص في تلك الموارد موجب لخروج العام عن أطراف المعلوم بالاجمال وأما لو كان الموجب للفحص عدم حصول الظن بالمراد قبل الفحص فمقدار الفحص حينئذ أن يحصل الظن بعدم التخصيص فتأمل ولو كان الموجب له عدم الدليل على حجية الخطاب لغير
بل حاله حال احتمال قرينة المجاز وقد اتفقت كلماتهم على عدم الاعتناء به مطلقا ولو قبل الفحص عنها كما لا يخفى (إيقاظ) لا يذهب عليك الفرق بين الفحص ههنا وبينه في الاصول العملية حيث انه ههنا عما يزاحم الحجية بخلافه هناك فانه بدونه لا حجة ضرورة أن العقل بدونه يستقل باستحقاق المؤاخذة على المخالفة فلا يكون العقاب بدونه بلا بيان والمؤاخذة عليها من غير برهان والنقل وإن دل على البراءة والاستصحاب في موردهما مطلقا إلا أن الاجماع بقسميه على تقييده
______________________________
المشافه فمقداره أن يفحص إلى أن يقوم الاجماع على الحجية (قوله: بل حاله حال احتمال) إذ كل منهما مانع من انعقاد الظهور فالاصل الجاري في عدمه من قبيل أصالة عدم القرينة من الاصول التي تكون وظيفتها تنقيح الظهور بخلاف أصالة عدم المخصص المنفصل وكذا أصالة عدم المقيد فان وظيفتها إيجاب العمل بالظاهر في ظرف الفراغ عن ثبوت ظهوره (قوله: وقد اتفقت) لا عبرة بالاتفاق في أمثال المقام ما لم يرجع إلى بيان ما عليه سيرة أهل اللسان والظاهر عدم الفرق بينه وبين الشك في التخصيص في وجوب الفحص مع العلم الاجمالي وعدمه مع عدمه كما ذكره في التقريرات (قوله: وبينه في الاصول) فانه لا يجوز إجراء الاصول العملية كالبراءة والاستصحاب في الشبهات الحكمية قبل الفحص عن الدليل على الحكم الالزامي وإنما يجوز إجراؤها بعده (قوله: ههنا عما يزاحم) يعني أن العام قبل الفحص عن المخصص واجد لمقتضي الحجية والفحص إنما يكون عن وجود المزاحم الاقوى وهو الخاص حيث أن ظهوره أقوى من ظهور العام بخلاف الاصول العملية قبل الفحص فانها غير واجدة لمقتضي الحجية أما الاصول العقلية منها كالبراءة العقلية فالحال فيها ظاهر حيث أن مرجع البراءة العقلية إلى قبح العقاب بلا بيان وعدم البيان المأخوذ موضوعا لحكم العقل بالقبح هو عدم البيان بعد الفحص لا قبله كما سيأتي بيانه في محله وكذا الحال في أصالة التخيير العقلي وأما الاصول النقلية كالاستصحاب والبراءة الشرعية فلان أدلتها وإن كانت شاملة لما قبل
به فافهم
فصل
هل الخطابات الشفاهية مثل: (يا أيها المؤمنون) يختص بالحاضر مجلس التخاطب أو يعم غيره من الغائبين بل المعدومين ؟ فيه خلاف ولا بد قبل الخوض في تحقيق المقام من بيان ما يمكن أن يكون محلا للنقض والابرام بين الاعلام فاعلم أنه يمكن أن يكون النزاع في أن التكليف المتكفل له الخطاب هل يصح تعلقه بالمعدومين كما صح تعلقه بالموجودين أم لا ؟ أو في صحة المخاطبة معهم بل مع الغائبين عن مجلس الخطاب بالالفاظ الموضوعة للخطاب أو بنفس توجيه الكلام إليهم وعدم صحتها، أو في عموم الالفاظ الواقعة عقيب أداة الخطاب للغائبين بل المعدومين وعدم عمومها لهما بقرينة تلك الاداة ولا يخفى أن النزاع - على الوجهين الاولين
______________________________
الفحص - كما هو مقتضى إطلاقها - إلا أن الاجماع منقولا ومحصلا اقتضى تقييدها بما بعد الفحص فلا مقتضي لها قبله (قوله: به فافهم) يمكن أن يكون إشارة إلى المناقشة في كون المستند في تقييد أدلة الاصول الشرعية هو الاجماع بل المستند فيه الآيات والاخبار الدالة على وجوب التفقه كما سيأتي منه (قدس سره) في محله أو أن المستند فيه هو العلم الاجمالي بالتكاليف الالزامية وجوبية أو تحريمية فيكون كما نحن فيه لو كان المستند في وجوب الفحص فيه هو العلم الاجمالي أيضا بلا فرق بينهما فإذا الفرق بين المقامين في وجوب الفحص يختلف باختلاف الانظار في مستند الوجوب فيهما فلاحظ
الخطابات الشفاهية
(قوله: أو في صحة) معطوف على قوله في: أن التكليف يعني، يمكن أن يكون النزاع في صحة خطاب المعدومين (قوله: الموضوعة للخطاب) مثل ضمير الخطاب وحرفه (قوله: أو بنفس) معطوف على قوله: بالالفاظ (قوله: وعدم صحتها) معطوف على صحة المخاطبة (قوله: أو في عموم)
يكون عقليا وعلى الوجه الاخير لغويا إذا عرفت هذا فلا ريب في عدم صحة تكليف المعدوم عقلا بمعنى بعثه أو زجره فعلا ضرورة أنه بهذا المعنى يستلزم الطلب منه حقيقة ولا يكاد يكون الطلب كذلك الا من الموجود ضرورة. نعم هو بمعنى مجرد إنشاء الطلب بلا بعث ولا زجر لا استحالة فيه اصلا فان الانشاء خفيف المؤونة فالحكيم تبارك وتعالى ينشئ على وفق الحكمة
______________________________
معطوف أيضا على قوله: في أن التكليف (قوله: يكون عقليا) لان المرجع في صحة التكليف أو صحة الخطاب هو العقل بخلاف المرجع في عموم الالفاظ وعدمه فانه اللغة (قوله: بمعنى بعثه أو زجره) لا ريب في امتناع البعث والزجر الخارجيين للمعدوم نظير الدفع إلى الشئ والمنع عنه وكذا البعث والزجر الاعتباريان العقليان بمعنى أن يحصل للمكلف داع عقلي إلى الفعل أو الترك بمعنى حكم عقله برجحان الفعل أو الترك لان الحكم العقلي نوع من العلم غير الحاصل للمعدوم إلا أن امتناعهما بهذا المعنى لا يختص بالمعدوم ولا بالغائب بل يعم الموجود الجاهل فان العلم بالتكليف موضوع لحكم العقل المذكور فينتفي بانتفائه وعليه فلا تكون حيثيتا الوجود والعدم دخيلتين في الفرق نعم المعدوم بما أنه معدوم يمتنع أن يحصل له العلم والموجود بما أنه موجود قابل لان يحصل له لكن الفرق بهذا المقدار خارج عن محل الكلام من الفرق بين الموجود والمعدوم في صحة التكليف وعدمه إذ الفرق بينهما في قابلية العلم وعدمه فرق في أمر متأخر عن التكليف كما لعله يظهر بالتأمل (قوله: ضرورة أنه بهذا) يعني أن البعث والزجر الفعليين يستلزمان الطلب النفسي الحقيقي ويمتنع الطلب الحقيقي من المعدوم (أقول): إن كان الوجه في امتناع الطلب من المعدوم هو عدم قدرته على المطلوب فهو مانع عن طلب الفعل منه حال العدم ولا يمنع عن طلب الفعل منه على أن يكون زمان الفعل حال الوجود كما يدعيه القائل بجواز تكليف المعدوم وإن كان أمرا آخر فغير ظاهر فتأمل جيدا (قوله: مجرد إنشاء الطلب) يعني مجرد الطلب الانشائي بلا طلب حقيقي (أقول): فيكون التكليف حينئذ صوريا نظير التكليف الامتحاني (قوله: خفيف المؤونة) يكفي
والمصلحة طلب شئ قانونا من الموجود والمعدوم حين الخطاب ليصير فعليا بعد ما وجد الشرائط وفقد الموانع بلا حاجة إلى إنشاء آخر فتدبر. ونظيره من غير الطلب إنشاء التمليك في الوقف على البطون فان المعدوم منهم يصير مالكا للعين الموقوفة بعد وجوده بانشائه ويتلقى لها من الواقف بعقده فيؤثر في حق الموجود منهم الملكية الفعلية ولا يؤثر في حق المعدوم فعلا الا استعدادها لان تصير ملكا له بعد وجوده. هذا إذا أنشئ الطلب مطلقا وأما إذا أنشئ مقيدا بوجود المكلف ووجد انه الشرائط فامكانه بمكان من الامكان وكذلك لا ريب في عدم صحة خطاب المعدوم بل الغائب حقيقة وعدم امكانه ضرورة عدم تحقق توجيه الكلام نحو الغير حقيقة الا إذا كان موجودا وكان بحيث يتوجه إلى الكلام ويلتفت إليه. ومنه قد انقدح أن ما وضع للخطاب مثل أدوات النداء لو كان موضوعا للخطاب الحقيقي لاوجب استعماله فيه تخصيص ما يقع في تلوه
______________________________
في صحته وجود غرض يقتضيه فلا يكون لغوا (قوله: والمصلحة) يعني الموجودة في المطلوب (قوله: ونظيره من غير) الظاهر أن المقصود التنظير في الوقوع لا في الامتناع إذ الظاهر أنه لا امتناع في كون المالك معدوما كما لا امتناع في كون المملوك معدوما والاول مثل ملك الحمل للميراث والثاني مثل ملك الثمرة فان الملكية من الاضافات الاعتبارية التي يصح أن تقوم بالمعدوم كما تقوم بالموجود (قوله: بانشائه) يعني بانشاء التمليك (قوله: من الواقف) يعني لا من الطبقة السابقة (قوله: فامكانه) يعني امكان انشاء الطلب (قوله: حقيقة) قيد لخطاب المعدوم (قوله: وكان بحيث يتوجه) هذا يتم لو كان قصد إفهام المخاطب مأخوذا في مفهوم الخطاب كما في المجمع وعن غيره أما لو لم يعتبر قصد الافهام في مفهوم الخطاب فاعتبار كون المخاطب بحيث يتوجه إلى الكلام ويلتفت إليه غير ظاهر. نعم قد يلغو الخطاب مع من لا يتوجه وإن كان جائزا عقلا كما أنه قد يدعو غرض إليه فلا يكون لغوا (قوله: لاوجب) يعني لو
بالحاضرين كما أن قضية إرادة العموم منه لغيرهم استعماله في غيره لكن الظاهر ان مثل أدوات النداء لم يكن موضوعا لذلك بل للخطاب الايقاعي الانشائي فالمتكلم ربما يوقع الخطاب بها تحسرا وتأسفا وحزنا مثل: " أيا كوكبا ما كان أقصر عمره " أو شوقا ونحو ذلك كما يوقعه مخاطبا لمن يناديه حقيقة فلا يوجب استعماله في معناه الحقيقي حينئذ التخصيص بمن يصح مخاطبته. نعم لا يبعد دعوى الظهور انصرافا في الخطاب الحقيقي كما هو الحال في حروف الاستفهام والترجي والتمني وغيرها - على ما حققناه في بعض المباحث السابقة - من كونها موضوعة للايقاعي منها بدواع مختلفة مع ظهورها في الواقعي منها انصرافا إذا لم يكن هناك ما يمنع عنه كما يمكن دعوى وجوده غالبا في كلام الشارع ضرورة وضوح عدم اختصاص الحكم في مثل: (يا أيها الناس اتقوا) و (يا أيها المؤمنون) بمن حضر مجلس الخطاب بلا شبهة ولا ارتياب ويشهد
______________________________
كان قصد الافهام مأخوذا في الخطاب الحقيقي (قوله: بالحاضرين) لانهم الذين يصح كونهم مخاطبين بالخطاب الحقيقي (قوله: في غيره) يعني غير الخطاب الحقيقي (قوله: لم يكن موضوعا) بل لا يبعد كونه موضوعا للخطاب بلا أخذ قصد الافهام فيه فان الظاهر من حال المتكلم في المثال المذكور في المتن وفى قول القائل: أيا شجر الخابور مالك مورقا ؟ وغيرهما مما هو كثير في النظم والنثر كونه متوجها إلى مخاطب لا مجرد لقلقة لسان بقصد انشاء الخطاب. هذا إن ثبت عدم العناية والتنزيل وإلا كانت مستعملة في توجيه الكلام نحو الغير بقصد الافهام تنزيلا لما لا يفهم منزلة من يفهم كما ذكره بعض المحققين لكنه خلاف الظاهر (قوله: كما يوقعه) متعلق بقوله: يوقع الخطاب (قوله: فلا يوجب) لصحة إبقاع الخطاب بالنسبة إلى المعدوم كما يصح بالنسبة إلى الموجود (قوله: يمنع عنه) يعني عن الانصراف (قوله: وجوده) يعني وجود ما يمنع عن الانصراف والوجه فيه كون أحكام الشارع الاقدس قانونية ليست مبنية على ملاحظة خصوصية
لما ذكرنا صحة النداء بالادوات مع ارادة العموم من العام الواقع تلوها بلا عناية ولا للتنزيل والعلاقة رعاية " وتوهم " كونه ارتكازيا " يدفعه " عدم العلم به مع الالتفات إليه التفتيش عن حاله مع حصوله بذلك لو كان ارتكازيا والا فمن أين يعلم بثبوته كذلك كما هو واضح ؟ وإن أبيت إلا عن وضع الادوات للخطاب الحقيقي فلا مناص عن التزام اختصاص الخطابات الالهية بأداة الخطاب أو بنفس توجيه الكلام بدون الاداة كغيرها بالمشافهين فيما لم يكن هناك قرينة على التعميم " وتوهم " صحة التزام التعميم في خطاباته تعالى لغير الموجودين فضلا عن الغائبين لاحاطته بالموجود في الحال
______________________________
حضور مجلس الخطاب في موضوعاتها حتى أن بناء الفقهاء - رضي الله تعالى عنهم - على إلغاء الخصوصية إذا كان قد صرح بها في لسان الدليل فتراهم يتمسكون على الحكم العام بالدليل الدال على ثبوته في حق رجل بعينه فتأمل (قوله: لما ذكرنا) يعني أنها موضوعة للخطاب الايقاعي (قوله: العموم) يعني العموم لمن لم يحضر مجلس الخطاب (قوله: كونه) يعني كون التنزيل (قوله: يدفعه عدم) يعني لو كان التنزيل منزلة الصالح للافهام ارتكازيا لزم اتضاحه بعد التأمل والتفتيش مع أنه ليس كذلك فيدل ذلك على عدم التنزيل أصلا (قوله: كذلك) يعني ارتكازيا (قوله: اختصاص الخطابات) هذا يتم لو كانت دلالة مدخول الاداة على العموم بالاطلاق ودلالة الاداة بالوضع فان الاداة تكون حينئذ قرينة على التخصيص أما لو كانت دلالتهما معا بالوضع وجب الحكم بالاجمال لصلاحية كل منهما لصرف الآخر كما أنه لو كانت دلالتها بالاطلاق ودلالته بالوضع وجب الحكم بالعموم. هذا بالنظر إلى نفس الكلام أما بالنظر إلى القرائن الخارجة عنه فيختلف الحكم باختلاف مقتضاها (قوله: بأداة الخطاب) متعلق بالخطابات وقوله: أو بنفس، معطوف عليه (قوله: كغيرها) الضمير راجع إلى الخطابات الالهية (قوله: بالمشافهين) متعلق باختصاص
والموجود في الاستقبال " فاسد " ضرورة أن احاطته لا توجب صلاحية المعدوم بل الغائب للخطاب وعدم صحة المخاطبة معهما لقصورهما لا يوجب نقصا في ناحيته تعالى كما لا يخفى كما أن خطابه اللفظى لكونه تدريجيا ومتصرم الوجود كان قاصرا عن أن يكون موجها نحو غير من كان بمسمع منه ضرورة. هذا لو قلنا بان الخطاب بمثل: (يا أيها الناس اتقوا) في الكتاب حقيقة إلى غير النبي - صلى الله عليه وآله - بلسانه وأما إذا قيل بانه المخاطب والموجه إليه الكلام حقيقة وحيا أو إلهاما فلا محيص إلا عن كون الاداة في مثله للخطاب الايقاعي ولو مجازا وعليه لا مجال لتوهم اختصاص الحكم المتكفل له الخطاب بالحاضرين بل يعم المعدومين فضلا عن الغائبين.
فصل
ربما قيل: إنه يظهر لعموم الخطابات الشفاهية للمعدومين ثمرتان " الاولى " حجية ظهور الخطابات في الكتاب لهم كالمشافهين (وفيه) أنه مبني على اختصاص حجية الظواهر بالمقصودين بالافهام وقد حقق
______________________________
*
(قوله: والموجود) لتساوي نسبة الممكنات إليه (قوله: في ناحيته) يعني في ناحية قدرته (قوله: ومتصرم الوجود) يعني ولو كان أبديا لامكن توجهه إلى المعدوم ولو بعد وجوده (قوله: وأما إذا قيل بأنه المخاطب) يعني إذا قلنا بأن النبي صلى الله عليه وآله هو المخاطب فالعنوان المذكور في الخطاب لما لم يرد منه المخاطب الحقيقي لعدم انطباقه عليه صلى الله عليه وآله فلابد أن يجعل الخطاب المدلول عليه باداته هو الخطاب الايقاعي ويعم الحاضرين والغائبين والمعدومين إذ الجميع غير موجه إليه الخطاب فيكون شمول بعض دون بعض بلا مخصص (قوله: الاولى حجية ظهور) يعني جواز الرجوع إلى ظهور الخطاب في تشخيص مراد المتكلم بناء على عموم الخطابات لهم وعدم الجواز بناء على عدم العموم،
عدم الاختصاص بهم ولو سلم فاختصاص المشافهين بكونهم مقصودين بذلك ممنوع بل الظاهر أن الناس كلهم إلى يوم القيامة يكون كذلك وان لم يعمهم الخطاب كما يومئ إليه غير واحد من الاخبار (الثانية) صحة التمسك باطلاقات الخطابات القرآنية بناء على التعميم لثبوت الاحكام لمن وجد وبلغ من المعدومين وان لم يكن متحدا مع المشافهين في الصنف وعدم صحته على عدمه لعدم كونها حينئذ متكفلة لاحكام غير
______________________________
(قوله: عدم الاختصاص) فالكلام المقصود به إفهام شخص يكون ظهوره حجة في حق كل احد (قوله: بذلك) يعني بالافهام (قوله: وإن لم يعمهم الخطاب) إذ لا ملازمة بين تخصيص الخطاب بشخص وتخصيصه بقصد إفهامه (قوله: كما يومئ إليه غير) مثل خبر الثقلين المروي في كتب الفريقين، وخبر عبد الاعلى مولى آل سام لقول الصادق عليه السلام فيه: هذا وأشباهه يؤخذ من كتاب الله، وما دل على عرض مطلق الخبر على الكتاب وما دل على الاخذ بالخبر الموافق للكتاب من الخبرين المتعارضين وغير ذلك مما هو كثير لكن الجميع ظاهر في الحجية بالنسبة إلى المعدومين أما انهم مقصودون بالافهام فلم أجد ما يدل عليه ولعل المتتبع يعثر عليه (قوله: الثانية صحة التمسك) يعني أنه بناء على عموم الخطاب للمعدومين يكون اثبات الحكم الذي تضمنه الخطاب لهم بنفس ذلك الخطاب لان الخطاب إذا تضمن ثبوت الحكم للعنوان المنطبق عليهم مثل: الذين آمنوا، في قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا، والناس في: يا أيها الناس، فقد دل بنفسه على ثبوت الحكم لهم أما بناء على عدم شموله لهم فالخطاب إنما يتضمن إثبات الحكم لغيرهم فاثباته لهم يتوقف على ثبوت قاعدة الاشتراك والاجماع - وان قام على ثبوتها - الا أن المتيقن من معقد الاجماع هو اشتراك المعدومين مع الموجودين في جميع الخصوصيات التي كانوا عليها حال الحكم ومع فقدهم لبعض خصوصيات الموجودين لا طريق إلى ثبوت الحكم ولا يكفي الاشتراك في العنوان المأخوذ موضوعا في الخطاب (قوله: لثبوت) متعلق بالتمسك (قوله: على عدمه)
المشافهين فلا بد من اثبات اتحاده معهم في الصنف حتى يحكم بالاشتراك مع المشافهين في الاحكام حيث لا دليل عليه حينئذ إلا الاجماع ولا اجماع عليه الا فيما اتحد الصنف كما لا يخفى ولا يذهب عليك أنه يمكن إثبات الاتحاد وعدم دخل ما كان البالغ الآن فاقدا له مما كان المشافهون واجدين له باطلاق الخطاب إليهم من دون التقييد به وكونهم كذلك لا يوجب صحة الاطلاق مع ارادة المقيد معه فيما يمكن ان يتطرق الفقدان وان صح فيما لا يتطرق إليه ذلك
______________________________
يعني بناء على عدم التعميم (قوله: اتحاده) الضمير راجع إلى غير (قوله: لا دليل عليه) يعني عدم الاشتراك (قوله: يمكن اثبات الاتحاد) يعني أن فقد المعدوم لبعض الخصوصيات التي كانت للموجود وان كان مانعا عن الاخذ بقاعدة الاشتراك لاحتمال دخل الخصوصية في ثبوت الحكم الا أنه يتم إذا لم يكن دليل على عدم دخل الخصوصية التي يفقدها المعدوم ويكفي في الدلالة على ذلك اطلاق عنوان الموضوع فان اطلاق الذين آمنوا، في قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا، دليل على كون تمام موضوع الحكم هو المؤمن إذ لو كان الموضوع هو المؤمن الواجد لخصوصية كذا كان اللازم تقييده بذلك فعدم التقييد دليل على عدم دخل الخصوصية (قوله: وكونهم كذلك لا يوجب) يعني قد يتوهم عدم جواز التمسك بالاطلاق لعدم تمامية مقدماته إذ من مقدماته أن لا يوجد قرينة على التقييد، وكون الموجودين على صفة خاصة مما يصح أن يكون قرينة عليه فيصح الاطلاق مع إرادة التقييد ويكون وجدان الصفة قرينة عليه. ولكنه يندفع بانه لا يتم في الصفات التي يمكن أن يتطرق إليها الفقدان فان وجدان الصفات المذكورة لا يصلح قرينة على التقييد بها فلو كان المتكلم في مقام بيان اعتبارها لوجب عليه التقييد بها فترك التقييد بها يدل على عدم اعتبارها (أقول): ترك التقييد بها انما يدل على عدم اعتبارها حدوثا وبقاء في ثبوت الحكم ولا يدل على عدم اعتبار حدوثها في ثبوته لان الحدوث مما لا يتطرق إليه الفقدان ويكفي هذا المقدار في ثبوت الثمرة
وليس المراد بالاتحاد في الصنف الا الاتحاد فيما اعتبر قيدا في الاحكام لا الاتحاد فيما كثر الاختلاف بحسبه والتفاوت بسببه بين الانام بل في شخص واحد بمرور الدهور والايام وإلا لما ثبت بقاعدة الاشتراك للغائبين فضلا عن المعدومين حكم من الاحكام ودليل الاشتراك إنما يجدي في عدم اختصاص التكاليف باشخاص المشافهين فيما لم يكونوا مختصين بخصوص عنوان أو لم يكونوا معنونين به للشك في شمولها لهم ايضا فلولا الاطلاق واثبات عدم دخل ذلك العنوان في الحكم لما افاد دليل الاشتراك ومعه كان الحكم يعم غير المشافهين ولو قيل باختصاص الخطابات بهم فتأمل جيدا فتلخص أنه لا يكاد تظهر الثمرة الا على القول باختصاص حجية الظواهر لمن قصد إفهامه مع كون غير المشافهين غير مقصودين بالافهام وقد حقق عدم الاختصاص به في غير المقام واشير إلى منع كونهم غير مقصودين به في خطاباته تبارك وتعالى في المقام
______________________________
العملية (قوله: وليس المراد) يعني مرادهم من الاتحاد في الصنف الذي هو شرط في جريان قاعدة الاشتراك هو الاتحاد في الخصوصيات التي لها الدخل في الحكم لا في كل خصوصية وإن لم تكن دخيلة فيه ففقد المعدوم لبعض خصوصيات الموجود لا يقدح في الاشتراك في الحكم (قوله: بل في شخص واحد) فيرى واجدا تارة وفاقدا اخرى (قوله: وإلا لما ثبت) لكثرة الاختلاف في الخصوصيات الاجنبية عن الحكم (قوله: أو لم يكونوا) الظاهر أنه بالواو بدل (أو) (قوله: في شمولها لهم) أي شمول التكاليف للغائبين والمعدومين وقد تقدم أن الشك المذكور لا رافع له لان الاجماع على الاشتراك مختص بصورة الاتحاد في الصنف (قوله: وإثبات عدم) لتحقق الاتحاد في الصنف
فصل
(هل تعقب العام بضمير يرجع إلى بعض افراده يوجب تخصيصه به اولا ؟) فيه خلاف بين الاعلام وليكن محل الخلاف ما إذا وقعا في كلامين أو في كلام واحد مع استقلال العام بما حكم عليه في الكلام كما في قوله تبارك وتعالى: (والمطلقات يتربصن) إلى قوله: (وبعولتهن أحق بردهن) وأما ما إذا كان مثل: والمطلقات ازواجهن أحق بردهن، فلا شبهة في تخصيصه به (والتحقيق) أن يقال: إنه حيث دار الامر بين التصرف في العام بارادة خصوص ما أريد من الضمير الراجع إليه والتصرف في ناحية الضمير إما بارجاعه إلى بعض ما هو المراد من مرجعه أو إلى تمامه مع التوسع في الاسناد باسناد الحكم المسند إلى البعض حقيقة إلى الكل توسعا وتجوزا كانت أصالة الظهور في طرف العام سالمة عنها في جانب
______________________________
تعقب العام بضمير
(قوله: ما إذا وقعا في) يعني محل الكلام ما لو استقل العام عن الضمير في الحكم سواء أكانا في كلامين أم في كلام واحد (فالاول) كالضمير في الآية الشريفة فان جملة: (المطلقات يتربصن) غير جملة (بعولتهن أحق بردهن) والثاني كما في قوله: أكرم العلماء وواحدا من جيرانهم، مع قيام القرينة على كون المراد من الضمير خصوص العدول (قوله: مثل والمطلقات) يعني مما كان حكم العام هو حكم الضمير (قوله: فلا شبهة) لان المفروض أن الحكم واحد وأن موضوعه الخاص لا العام (قوله: بارجاعه إلى بعض) وإنما كان هذا تصرفا في الضمير لان وضع الضمير أن يكون المراد به ما يراد من الظاهر (قوله: مع التوسع) فلا يكون تصرف في الضمير ولا في مرجعه إذ يراد من الضمير المعنى العام الموضوع له الظاهر (قوله: سالمة عنها في جانب) يعني لا تصلح لمعارضتها أصالة الظهور
الضمير وذلك لان المتيقن من بناء العقلاء هو اتباع الظهور في تعيين المراد لا في تعيين كيفية الاستعمال وانه على نحو الحقيقة أو المجاز في الكلمة أو الاسناد مع القطع بما يراد كما هو الحال في ناحية الضمير (وبالجملة) أصالة الظهور إنما تكون حجة فيما إذا شك فيما أريد لا فيما إذا شك في انه كيف اريد ؟ فافهم لكنه إذا عقد للكلام ظهور في العموم بان لا يعد ما اشتمل على الضمير مما يكتنف به عرفا والا فيحكم عليه بالاجمال ويرجع إلى ما يقتضيه الاصول الا أن يقال باعتبار اصالة الحقيقة تعبدا حتى فيما إذا احتف بالكلام ما لا يكون ظاهرا معه في معناه الحقيقي كما عن بعض الفحول
______________________________
في جانب الضمير لان أصالة الظهور حجة في تنقيح المراد وتعيينه عند الشك فيه لا في تعيين أنه حقيقة أو مجاز مع العلم به وحيث أن الشك بالاضافة إلى العام شك في المراد به وأنه العموم أو الخصوص كانت أصالة الظهور فيه حجة وأن الشك بالاضافة إلى الضمير شك في أنه حقيقة أو مجاز مع العلم بالمراد به وأن موضوع حكمه هو الخاص لا غير كانت أصالة الظهور فيه ليست بحجة ولا مجال للتعارض (قوله: اريد فافهم) يمكن أن يكون إشارة إلى أنه لو بني على حجية أصالة الظهور حتى مع العلم بالمراد فاللازم تقديم أصالة الظهور في العام على أصالة الظهور في الضمير لان التصرف في العام تصرف في الضمير أيضا والتصرف في الضمير لا يستلزم التصرف في العام فالتصرف في الضمير معلوم ولا مجال للرجوع فيه إلى أصالة الظهور والتصرف في العام مشكوك فالمرجع فيه اصالة الظهور فتأمل (قوله: فيحكم عليه) لاقتران الكلام بما يصلح للقرينية فيمنع من انعقاد الظهور له (قوله: ما يقتضيه الاصول) يعني في حكم الافراد المغايرة للمراد من الضمير ان لم يكن دليل على الحكم المذكور (قوله: باعتبار اصالة) بان يكون حمل اللفظ على معناه الحقيقي ليس من باب الاخذ بالظاهر حتى يمنع عنه من انعقاد الظهور بل هو أصل براسه يجب العمل عليه عند الشك في ارادة المعنى الحقيقي وان لم ينعقد له
فصل
قد اختلفوا في جواز التخصيص بالمفهوم المخالف مع الاتفاق على الجواز بالمفهوم الموافق على قولين وقد استدل لكل منهما بما لا يخلو عن قصور وتحقيق المقام انه إذا ورد العام وماله المفهوم في كلام أو كلامين ولكن على نحو يصلح أن يكون كل منهما قرينة متصلة للتصرف في الآخر ودار الامر بين تخصيص العموم أو الغاء المفهوم فالدلالة على كل منهما ان كانت بالاطلاق بمعونة مقدمات الحكمة أو بالوضع فلا يكون هناك عموم ولا مفهوم لعدم تمامية مقدمات الحكمة في واحد منهما لاجل المزاحمة كما في مزاحمة ظهور أحدهما وضعا لظهور الآخر كذلك فلا بد من العمل بالاصول العملية فيما دار فيه بين العموم والمفهوم إذا لم يكن مع ذلك أحدهما أظهر وإلا كان مانعا عن انعقاد الظهور أو استقراره في الآخر ومنه قد انقدح الحال فيما إذا لم يكن بين ما دل على العموم وماله المفهوم ذاك الارتباط والاتصال وانه لابد ان يعامل مع كل منهما
______________________________
*
ظهور فيه لاقترانه بما يصلح للقرينية على المجاز (قوله: مع الاتفاق) والوجه في هذا الاتفاق رجوع التعارض في الحقيقة إلى التعارض بين المنطوق والعموم حيث لا يمكن رفع اليد عن مفهوم الموافقة مع البناء على المنطوق للقطع بثبوت المفهوم على تقدير ثبوت المنطوق وإلا لم يكن مفهوم الموافقة فيكون التعارض بينهما من قبيل التعارض بين الخاص المنطوق والعام ولا ريب في وجوب تقديم الخاص على العام أما مفهوم المخالفة فيمكن رفع اليد عنه فقط مع الحكم بثبوت المنطوق فيدور الامر بين رفع اليد عنه ورفع اليد عن العموم (قوله: لعدم تمامية) راجع إلى دلالتهما بالاطلاق وقوله: كما في مزاحمة - راجع إلى دلالتهما بالوضع (قوله: أحدهما أظهر) يعني بالنظر إلى الامور الخارجة عن الكلام (قوله: انعقاد) راجع إلى صورة كونهما في كلام واحد والاستقرار راجع إلى صورة كونهما في كلامين (قوله: ذاك الارتباط) بان كان أحدهما منفصلا عن الآخر على نحو لا يصلح
معاملة المجمل لو لم يكن في البين أظهر والا فهو المعول والقرينة على التصرف في الآخر بما لا يخالفه بحسب العمل.
فصل
الاستثناء المتعقب لجمل متعددة هل الظاهر هو رجوعه إلى الكل أو خصوص الاخيرة أولا ظهور له في واحد منهما بل لا بد في التعيين من قرينة ؟ اقوال والظاهر أنه لا خلاف ولا اشكال في رجوعه إلى الاخيرة على أي حال ضرورة أن رجوعه إلى غيرها بلا قرينة خارج عن طريقة أهل المحاورة وكذا في صحة رجوعه إلى الكل وان كان المتراءى من كلام صاحب المعالم - رحمه الله - حيث مهد مقدمة لصحة رجوعه إليه أنه محل الاشكال والتأمل وذلك ضرورة ان تعدد المستثنى منه
______________________________
أن يكون قرينة على التصرف فيه (قوله: معاملة المجمل) فانه وان انعقد لكل منهما ظهور مستقر إلا أنه بعد تعارض الظهورين يرجع إلى الاصول أيضا نظير تعارض العامين من وجه لا إلى المرجحات كما يأتي بيانه في محله (قوله: في البين أظهر) فان كان أحدهما أظهر من الآخر قدم الاظهر وكان الجمع عرفيا
الاستثناء المتعقب للجمل
(قوله: الاستثناء المتعقب) أما المخصص المنفصل فانه موجب لسقوط الجميع عن الحجية للعلم الاجمالي بتخصيص بعضها (قوله: هل الظاهر هو رجوعه) هذا مع صلاحية رجوعه إلى الجميع أما لو لم يكن كذلك وإن تردد بين رجوعه إلى الاخير وما قبله كما لو كان مشتركا لفظيا مثل: أكرم العلماء وبني تميم إلا زيدا، مع اشتراك زيد بين شخصين يدخل كل منهما تحت أحد العنوانين فالظاهر تعين رجوعه إلى الاخير لا غير لقربه إليه كما انه لو لم يصلح إلا لتخصيص واحد بعينه
كتعدد المستثنى لا يوجب تفاوتا اصلا في ناحية الاداة بحسب المعنى كان الموضوع له في الحروف عاما أو خاصا وكان المستعمل فيه الاداة فيما كان المستثنى منه متعددا هو المستعمل فيه فيما كان واحدا كما هو الحال في المستثنى بلا ريب ولا اشكال وتعدد المخرج أو المخرج عنه خارجا لا يوجب تعدد ما استعمل فيه أداة الاخراج مفهوما وبذلك يظهر أنه لا ظهور لها في الرجوع إلى الجميع أو خصوص الاخيرة وان كان الرجوع إليها متيقنا على كل تقدير (نعم) غير الاخيرة أيضا من الجمل لا يكون ظاهرا في العموم لاكتنافه بما لا يكون معه ظاهرا فيه فلا بد في مورد الاستثناء فيه من الرجوع إلى الاصول اللهم الا أن يقال بحجية اصالة الحقيقة تعبدا لا من باب الظهور فيكون المرجع عليه أصالة العموم إذا كان وضعيا لا ما إذا كان بالاطلاق ومقدمات الحكمة فانه لا يكاد تتم تلك المقدمات مع صلوح الاستثناء للرجوع إلى الجميع فتأمل(١)
______________________________
تعين تخصيصه به (قوله: كتعدد المستثنى) من المعلوم ان أداة الاستثناء مستعملة في نسبة الاخراج سواء أكانت النسبة المذكورة قائمة بين المتحدين أم المتعددين والقيام بالمتعدد لا يخرجها عن كونها نسبة شخصية وان كانت منحلة إلى نسب ضمنية متعددة بتعدد طرف النسبة لكن هذا الانحلال لا يمنع من صحة الاستعمال ولو كان الحرف موضوعا للجزئيات ومستعملا فيه لان جزئية النسبة لا تنافي انحلالها إلى متعدد بشهادة صحة تعدد المستثنى (قوله: إلا أن يقال بحجية) كما تقدم (قوله: مع صلوح) فان صلاحية الاستثناء للقرينية
______________
(١) اشارة إلى انه يكفى في منع جريان المقدمات صلوح الاستثناء لذلك الاحتمال اعتماد المطلق حينئذ في التقييد عليه لاعتقاد انه كاف فيه اللهم ان يقال: ان مجرد صلوحه لذلك بدون قرينة عليه غير صالح للاعتماد ما لم يكن بحسب متفاهم العرف ظاهرا في الرجوع إلى الجميع فاصالة الاطلاق مع عدم القرينة محكمة لتمامية مقدمات الحكمة فافهم منه قدس سره (*)
(فصل) الحق جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد المعتبر بالخصوص كما جاز بالكتاب أو بالخبر المتواتر أو المحفوف بالقرينة القطعية من خبر الواحد بلا ارتياب لما هو الواضح من سيرة الاصحاب على العمل باخبار الآحاد في قبال عمومات الكتاب إلى زمن الائمة عليهم السلام واحتمال أن يكون ذلك بواسطة القرينة واضح البطلان مع أنه لولاه لزم إلغاء الخبر بالمرة أو ما بحكمه ضرورة ندرة خبر لم يكن على خلافه عموم الكتاب لو سلم وجود ما لم يكن كذلك وكون العام الكتابى قطعيا صدورا وخبر الواحد ظنيا سندا لا يمنع عن التصرف في دلالته غير القطعية قطعا والا لما جاز تخصيص المتواتر به ايضا مع انه جائز جزما والسر أن الدوران في الحقيقة بين أصالة العموم ودليل سند الخبر مع أن الخبر بدلالته وسنده صالح للقرينية على التصرف فيها بخلافها فانها غير صالحة لرفع اليد عن دليل اعتباره
______________________________
موجب لانتفاء إحدى مقدمات الاطلاق (اعني أن لا يكون قدر متيقن في مقام التخاطب) فان الاستثناء يوجب كون الخاص متيقنا في مقام التخاطب نعم لو لم يعتبر في الاطلاق هذه المقدمة ثبت الاطلاق لما عدا الاخيرة ووجب العمل له والى هذا أشار بقوله: فتأمل.
تخصيص العام الكتابي بخبر الواحد
(قوله: المعتبر بالخصوص) يعني الذي قام دليل على اعتباره بخصوصه لا ما ثبت اعتباره بدليل الانسداد فتأمل (قوله: القرينة) يعني القطعية (قوله: أو ما بحكمه) يعني بحكم الالغاء بالمرة فان النادر بحكم المعدوم والالغاء بالمرة مبني على عدم وجود خبر لا يعارضه عموم الكتاب (قوله: وكون العام الكتابي) هذا شروع في بيان أدلة المانعين من التخصيص (قوله: به ايضا) يعني بخبر الواحد (قوله: بين اصالة العموم الخ) يعني وهما معا ظنيان (قوله: غير صالحة لرفع) لان حجية اصالة الظهور مشروطة بعدم قيام حجة أقوى على خلافها
ولا ينحصر الدليل على الخبر بالاجماع كى يقال بانه فيما لا يوجد على خلافه دلالة ومع وجود الدلالة القرآنية يسقط وجوب العمل به كيف وقد عرفت أن سيرتهم مستمرة على العمل به في قبال العمومات الكتابية ؟ والاخبار الدالة على أن الاخبار المخالفة للقرآن يجب طرحها أو ضربها على الجدار أو انها زخرف أو انها مما لم يقل بها الامام عليه السلام وان كانت كثيرة جدا وصريحة الدلالة على طرح المخالف الا انه لا محيص عن ان يكون المراد من المخالفة في هذه الاخبار غير مخالفة العموم إن لم نقل بانها ليست من المخالفة عرفا كيف وصدور الاخبار المخالفة للكتاب بهذه المخالفة منهم عليهم السلام كثيرة جدا ؟ مع قوة احتمال أن يكون المراد أنهم لا يقولون بغير ما هو قول الله تبارك وتعالى واقعا وان كان هو على خلافه ظاهرا شرحا لمرامه تعالى وبيانا لمراده من كلامه فافهم
______________________________
والمفروض كون الخبر حجة بدليل اعتباره فوجوده رافع لحجية أصالة الظهور (قوله: ولا ينحصر الدليل) هذا دليل ثان للمنع وحاصله ان الدليل على حجية الخبر هو الاجماع ولا اجماع مع وجود العام الكتابي على الحجية وإلا لم يقع الخلاف هنا (قوله: ما يقال بانه) ضمير (ان) راجع إلى الاجماع وضمير (خلافه) راجع إلى الخبر (قوله: والاخبار الدالة) هذا دليل ثالث للمنع وحاصله أن دليل حجية الخبر وان اقتضى جواز التخصيص به الا انه يجب رفع اليد عنه بالاخبار الدالة على عدم جواز العمل بالخبر المخالف للكتاب وهي كثيرة صريحة الدلالة والجواب عنه من وجوه (الاول) أن المراد بالمخالفة المانعة من حجية الخبر هي المخالفة العرفية والمخالفة بالعموم والخصوص ليست مخالفة عرفية (الثاني) أنه وان كانت مخالفة عرفية الا انه لابد من حمل المخالفة المانعة على غير هذا النحو من المخالفة للقطع بصدور الاخبار المخالفة بالعموم والخصوص فلو بقيت المخالفة على عمومها لزم تخصيص تلك الاخبار وهي آبية عنه الا ان يقال: إن أخبار المنع عن العمل بالخبر المخالف واردة في غير ما علم صدوره فلا يلزم من العلم بصدور الاخبار
والملازمة بين جواز التخصيص وجواز النسخ به ممنوعة وان كان مقتضى القاعدة جوازهما لاختصاص النسخ بالاجماع على المنع مع وضوح الفرق بتوافر الدواعي إلى ضبطه ولذا قل الخلاف في تعيين موارده بخلاف التخصيص
فصل
لا يخفى أن الخاص والعام المتخالفين يختلف حالهما ناسخا ومخصصا ومنسوخا فيكون الخاص مخصصا تارة وناسخا مرة ومنسوخا أخرى وذلك لان الخاص ان
______________________________
المخالفة تخصيصها (الثالث) أنه يحتمل أن يكون المراد بها عدم صدور ما هو مخالف للكتاب واقعا نظير ما ورد في المايز بين الشرط الصحيح والباطل إذ المراد بالكتاب هناك مطلق ما كتبه الله سبحانه على عباده وهو الحكم الواقعي الالهي لا ما يتضمنه ظاهر الكتاب فلا يمكن الحكم على الخبر المخالف لظاهر الكتاب أنه مخالف للكتاب مع احتمال تخصيص الكتاب به واقعا بل يمكن أن يدعى أنه بدليل اعتبار الخبر يحرز أنه موافق للكتاب واقعا لا مخالف الا أن يقال: إن ذلك خلاف الظاهر بل لا مساغ لاحتماله بالنسبة إلى جميعها لورود جملة منها في مقام إبداء الضابط الفارق بين الخبر الصادق والكاذب وما يجوز العمل به وما لا يجوز ولعله إلى هذا اشار بقوله: فافهم (قوله: والملازمة بين جواز) هذا دليل رابع للمنع وحاصله دعوى الملازمة بين جواز النسخ وجواز التخصيص فكما لا يجوز النسخ لا يجوز التخصيص والجواب عدم ظهور وجه الملازمة بينهما وان كان مقتضى القاعدة جوازهما معا لكن قام الاجماع على عدم جواز النسخ ولم يقم اجماع على عدم جواز التخصيص فيبقى على مقتضى القاعدة من الجواز (قوله: بتوافر الدواعي) الموجب لعدم الوثوق بصدق حاكيه بالخبر الواحد (قوله: قل الخلاف) لتواتر ثبوته غالبا
كان مقارنا مع العام أو واردا بعده قبل حضور وقت العمل به فلا محيص عن كونه مخصصا وبيانا له وان كان بعد حضوره كان ناسخا لا مخصصا لئلا يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة فيما إذا كان العام واردا لبيان الحكم الواقعي والا لكان الخاص ايضا مخصصا له كما هو الحال في غالب العمومات والخصوصات في الآيات والروايات وان
______________________________
تعارض العام والخاص
(قوله: مقارنا مع العام) بان صدرا من المعصوم في زمان واحد أحدهما بالقول والآخر بغيره أو صدرا من معصومين في وقت واحد كما قيل، (قوله: فلا محيص عن) أما في صورة الاقتران فلعدم الترتب الذي هو شرط في النسخ وأما في صورة التعاقب فمبني على ما يأتي من امتناع النسخ قبل حضور وقت العمل (قوله: إذا كان العام واردا) إذ لو كان الخاص مخصصا كان خلفا لان المخصص كاشف عن عدم كون العام مطابقا للارادة الجدية والمفروض أن العام بعمومه مطابق لها ووارد لبيان عموم الحكم الواقعي ولو بلحاظ ما قبل زمان ورود الخاص (قوله: والا لكان) يعني وإن لم يكن العام واردا لبيان الحكم الواقعي فان أحرز كونه واردا لبيان غيره فقد علم كون الخاص مخصصا إذ لو كان ناسخا كان خلفا ايضا لان النسخ يتوقف على كون الحكم المنسوخ حكما واقعيا في الجملة ولو بالنظر إلى ما قبل زمان الناسخ والمفروض العلم بانه ليس كذلك وان لم يحرز أحد الامرين دار الامر بين التخصيص والنسخ ولا يبعد البناء على كونه ناسخا عملا باصالة كون العام واردا لبيان الحكم الواقعي لافراد الخاص ولو بالنسبة إلى ما قبل زمان وروده المعول عليها عند العقلاء ولذا يحكم بكون حكم العام بالنسبة إلى غير أفراد الخاص حكما واقعيا ولا تعارضها اصالة ظهوره في الاستمرار للقطع بانتفاء حكم العام في زمان ورود الخاص وما بعده بالنسبة إلى أفراد الخاص فلا أثر لها في اثبات الحكم الشرعي فتأمل وانتظر (قوله: كما هو الحال) تمثيل لما لم يكن العام واردا لبيان الحكم الواقعي ولا يخلو من تأمل
كان العام واردا بعد حضور وقت العمل بالخاص فكما يحتمل أن يكون الخاص مخصصا للعام يحتمل أن يكون العام ناسخا له وان كان الاظهر أن يكون الخاص مخصصا لكثرة التخصيص حتى اشتهر " ما من عام إلا وقد خص " مع قلة النسخ في الاحكام جدا وبذلك يصير ظهور الخاص في الدوام ولو كان بالاطلاق أقوى من ظهور العام ولو كان بالوضع كما لا يخفى. هذا فيما علم تأريخهما وأما لو جهل وتردد بين أن يكون الخاص بعد حضور وقت العمل بالعام وقبل حضوره فالوجه هو الرجوع إلى الاصول العملية وكثرة التخصيص وندرة النسخ هاهنا وإن كانا يوجبان الظن بالتخصيص ايضا وانه واجد لشرطه إلحاقا له بالغالب إلا أنه لا دليل
______________________________
وان كان بناء الاصحاب على الجمع بالتخصيص كاشفا عن بنائهم اما على ذلك أو على كون العام مقرونا بالقرينة المطابقة للخاص على سبيل منع الخلو (قوله: واردا بعد حضور) ولو كان واردا قبل حضور وقت العمل بالخاص تعين كونه مخصصا بناء على امتناع النسخ قبل حضور وقت العمل ولو بني على جوازه حينئذ دار الامر بين النسخ والتخصيص كما يأتي انشاء الله (قوله: فكما يحتمل... الخ) لعدم المانع من كل منهما (قوله: وبذلك يصير ظهور) يعني أن كثرة التخصيص وقلة النسخ منشأ لاقوائية دلالة الخاص على الدوام على دلالة العام على العموم فيقدم الاقوى ظهورا على الاضعف كما هو الوجه في تقديم الخاص على العام عند التعارض بينهما (أقول): هذا مبني على أن النسخ تخصيص في الازمان وسيأتي خلافه. هذا كله لو لم يعلم ورود العام لبيان الحكم الواقعي أو لبيان الحكم الظاهري وإلا بني على النسخ في الاول والتخصيص في الثاني جزما كما تقدم (قوله: الرجوع إلى الاصول) يعني بالنسبة إلى ما بين زمان العام وزمان الخاص لو كان موردا لابتلاء المكلف لا بالنسبة إلى الازمنة المتأخرة عن زمان ورود الخاص إذ لا شك في ثبوت حكم الخاص لافراده في تلك الازمنة سواء أكان ناسخا أم مخصصا (قوله: وأنه واجد لشرطه) يعني وأن التخصيص
على اعتباره وإنما يوجبان الحمل عليه فيما إذا ورد العام بعد حضور وقت العمل بالخاص لصيرورة الخاص بذلك في الدوام أظهر من العام كما اشير إليه فتدبر جيدا (ثم) ان تعين الخاص(١) للتخصيص إذا ورد قبل حضور وقت العمل بالعام أو ورد العام قبل حضور وقت العمل به انما يكون مبنيا على عدم جواز النسخ قبل حضور وقت العمل والا فلا يتعين له بل يدور بين كونه مخصصا وناسخا في الاول ومخصصا ومنسوخا في الثاني الا ان الاظهر كونه مخصصا ولو فيما كان ظهور العام في عموم الافراد اقوى من ظهور الخاص في الخصوص لما اشير إليه
______________________________
واجد لشرطه وهو الورود قبل حضور وقت العمل (قوله: على اعتباره) يعني اعتبار الظن في ترجيح التخصيص على النسخ (قوله: أظهر من العام) فالترجيح مستند إلى قوة الدلالة الناشئة من الظن لا إلى الظن محضا حتى يعمل عليه في المقام " فان قلت ": فهلا كان الظن في المقام ايضا موجبا لقوة الدلالة كي يؤخذ بما دلالته أقوى ؟ " قلت ": ليس الدوران هنا بين ظهورين كي يقوى أحدهما بالظن المذكور بل الدوران بين ورود الخاص قبل حضور وقت العمل وبعده وليس أحدهما مؤدى ظهور كي يقوى بالظن " أقول ": قد عرفت أنه لا يبعد البناء على النسخ في المقام عملا باصالة كون العام واردا لبيان الحكم الواقعي لافراد الخاص ولو بلحاظ ما قبل زمان وروده (قوله: ثم ان تعين الخاص) قد اشتهر في كلامهم امتناع النسخ قبل حضور وقت العمل بالدليل المنسوخ كما اشتهر امتناع التخصيص بعد حضور وقت العمل والوجه في الاول أن النسخ رفع الحكم الثابت وقبل حضور وقت العمل لا ثبوت للحكم كما أن الوجه في الثاني قبح تأخير البيان
______________
(١) لا يخفى ان كونه مخصصا بمعنى كونه مبينا بمقدار المرام عن العام وناسخا بمعنى كون حكم العام غير ثابت في نفس الامر في مورد الخاص مع كونه مرادا ومقصودا بالافهام في مورده بالعام كسائر الافراد والا فلا تفاوت بينهما عملا اصلا كما هو واضح لا يكاد يخفى. " منه قدس سره " (*)
من تعارف التخصيص وشيوعه وندرة النسخ جدا في الاحكام ولا بأس بصرف الكلام إلى ما هو نخبة القول في النسخ
______________________________
عن وقت الحاجة وقد يستشكل في وجه الاول بأن الحكم قبل وقت العمل وان لم يكن فعليا من جميع الجهات لكن له نحو من الثبوت في مقابل عدمه وهو كاف في صدق الرفع والمحو اللذين هما قوام النسخ فكما يصدق على جعله أنه ايجاد للحكم يصدق على رفعه انه نسخ له كما قد يستشكل في وجه الثاني بان المراد من الحاجة إن كان حاجة المولى فالتأخير مستحيل بملاك استحالة نقض الغرض لا أنه قبيح مع أن مورد الحاجة ان كان هو البيان فهو أول الكلام بل التأخير للبيان دليل على عدم الحاجة إليه وان كان فعل المكلف فهو مما لا يصح أن يتوهم لضرورة بطلانه وان كان حاجة العبد فثبوت الحاجة أول الكلام ايضا سواء أكان مورد الحاجة هو البيان أم الفعل كما يظهر من ملاحظة باب نصب الطرق غير العلمية " وبالجملة " قيام المصلحة في عدم البيان في الجملة مما لا مساغ لانكاره وهو كاف في امكان التخصيص بعد حضور وقت العمل وقد أشار المصنف " ره " إلى منع الثاني بقوله سابقا: إذا كان العام واردا... الخ والى منع الاول بما سيأتي في تحقيق معنى النسخ، (قوله: من تعارف التخصيص) قد تقدم أن مجرد ذلك لا يجدي في ترجيح التخصيص وانما يجدي فيه حيث يوجب اقوائية أحد الدليلين على الآخر وثبوت ذلك فيما لو ورد العام قبل حضور وقت العمل بالخاص غير ظاهر إذ ليس التعارض فيه بين عموم العام ودوام الخاص كي يوجب التعارف قوة دلالة الخاص على الثاني لان عموم العام مناف لاصل الخاص لا لدوامه فنسخ الخاص بالعام لا تنافيه دلالة الخاص كي يؤخذ بها وكذا فيما لو ورد الخاص قبل حضور وقت العمل بالعام فان الحكم في زمان ورود الخاص وما بعده هو حكم الخاص على كل من تقديري النسخ والتخصيص والشك انما هو بالاضافة إلى ثبوت حكم العام لافراد الخاص قبل وروده فعلى تقدير التخصيص يكون الحكم الثابت لها حينئذ هو حكم الخاص وعلى تقدير النسخ يكون الحكم الثابت لها هو حكم العام ومن المعلوم أن ليس للخاص دلالة على
فاعلم أن النسخ وان كان
______________________________
*
ثبوت حكمه لها في الزمان المذكور كي تقوى بالتعارف فيشكل الترجيح بالشيوع في كلتا الصورتين فتأمل جيدا (قوله: فاعلم أن النسخ وان) قد اشتهر في كلام جماعة أن النسخ تخصيص في الازمان ويشكل على ظاهره إذ قد لا يكون للدليل المنسوخ عموم زماني مثل أمر ابراهيم عليه السلام بذبح ولده وقد يكون له عموم يأبى التخصيص لكونه نصا في العموم، ولانه يلزم كونه من تخصيص الاكثر المستهجن إذ نسبة الزمان الباقي إلى الزمان الخارج نسبة النادر إلى الكثير، ولزم جواز اتصال الناسخ بالمنسوخ كسائر أفراد المخصص المتصل فيقال مثلا: أكرم العالم دائما إلا بعد غد إلى الابد، ولزم كون جميع العمومات الزمانية المخصصة في الزمان اللاحق منسوخة مثل عمومات اللزوم المخصصة بأدلة بعض الخيارات غير الفورية لو بني على بقاء الخيار فيها والجميع كما ترى " فالتحقيق " أن النسخ أجنبي عن التخصيص وليس هو من التصرف في الطريق واصالة الظهور بل تصرف في ذي الطريق وأصالة الجهة وتوضيح ذلك ملخصا أن الحكم المجعول " تارة " يكون جاريا على مقتضى العناوين الاولية للموضوع وهو الحكم الواقعي الاولي مثل: الخمر حرام " وأخرى " يكون جاريا على مقتضى العناوين الثانوية الطارية على العناوين الاولية وهو الحكم الواقعي الثانوي مثل: الغنم الموطوءة حرام " وثالثة " يكون جاريا على خلاف مقتضى العناوين الاولية والثانوية معا لمصلحة في نفسه والفرض الاخير على نحوين (الاول) أن يؤخذ في موضوعه الشك في الحكم الواقعي على أحد النحوين فيكون في طول الحكم الواقعي وهذا هو الحكم الظاهري مثل: كل مشكوك الحل الحلال " الثاني " أن لا يؤخذ في موضوعه الشك في الحكم الواقعي ولا يكون في طوله بوجه أصلا بل يجعل في قبال الحكم الواقعي وهذا هو الحكم المنسوخ مثل أن يقول المولى لعبده: يجب عليك السفر غدا، مع كون السفر خاليا عن المصلحة المقتضية لوجوبه لا بالذات ولا بالعرض ثم قبل مجيئ وقت السفر يرفع وجوبه المجعول أولا وتشترك الثلاثة الاول في اتصاف موضوعها بها حال وجوده ولا كذلك الاخير فان السفر لو وجد
في الخارج لم يكن واجبا لوجوب النسخ قبل حضور وقت العمل والاجماع على جواز النسخ بعد حضور وقت العمل لا يراد به العمل بالحكم المنسوخ حقيقة بل العمل بمثله لان الحكم المنسوخ المستمر لما كان منحلا إلى احكام متعددة بتعدد آنات العمل فالناسخ الوارد في اثناء تلك الآنات وارد بعد حضور وقت العمل بالاضافة إلى الاحكام التي سقطت بالامتثال أو بغيره وقبل حضور وقت العمل بالاضافة إلى الاحكام التي لم يحضر زمان امتثالها وهو إنما يقتضي رفع الثانية لا الاولى ويشترك الاولان مع الاخير في عدم الترتب بينهما بخلاف الثالث فانه متأخر عنهما رتبة لاخذ الشك فيها قيدا في موضوعه. ومن هنا يتضح الفرق بين التخصيص والنسخ فان الاول مناف للحكم الظاهري المستفاد من دليل حجية أصالة الظهور القائم بالعام وبه ينقطع أمده لو كان الخاص واردا بعد العام والثاني مناف للحكم الواقعي الذي يحكيه ظهور العام وبه ينقطع أمده المستفاد من حجية ظهوره والاول مستلزم للتصرف في نفص الطريق المجعول إلى الحكم وحاك عن خطئه وعدم ايصاله والثاني مستلزم للتصرف في نفس الحكم المجعول وأنه ليس مجعولا على مقتضى الجهات الموجودة في موضوعه المقتضية له وعلى هذا فالفرق بين التخصيص والنسخ في الانشاء نظير الفرق بين التورية والكذب في الاخبار والله سبحانه الهادي ومن هذا يظهر لك الحكم في الفروض السابقة التي يتردد الامر فيها بين النسخ والتخصيص (فنقول): إذا ورد العام بعد الخاص وبعد حضور وقت العمل به (فان) كان الخاص نصا في الدوام دار الامر بين تخصيص العام الموجب للتصرف في اصالة ظهوره وكون العام ناسخا للخاص الموجب للتصرف في نفس الحكم الخاص وأنه ليس ناشئا عن الجهات المقتضية له بالاضافة إلى ما بعد زمان العام ولا ريب في أن التصرف في الظهور أولى من التصرف في أصالة الجهة نظير ما لو دار الامر بين تخصيص العام بالخاص وبين حمل الخاص على التقية (وإن) لم يكن الخاص نصا في الدوام دار الامر بين ما ذكر من التصرف في اصالة الظهور في العام واصالة الجهة في الخاص وبين التصرف في أصالة ظهور الخاص في الدوام، وحيث ان التصرف في اصالة الجهة مرجوح بالاضافة إلى التصرف في اصالة الظهور دار الامر بين التصرف في أصالة العموم في العام وأصالة الدوام
رفع الحكم الثابت اثباتا إلا أنه في الحقيقة دفع الحكم ثبوتا وانما اقتضت الحكمة اظهار دوام الحكم واستمراره أو أصل انشائه وإقراره مع انه بحسب الواقع ليس له قرار أو ليس له دوام واستمرار وذلك لان النبي - صلى الله عليه وآله - الصادع للشرع ربما يلهم أو يوحى إليه أن يظهر الحكم أو استمراره مع اطلاعه على حقيقة الحال وأنه ينسخ في الاستقبال أو مع عدم اطلاعه على ذلك لعدم احاطته بتمام ما جرى في علمه تبارك وتعالى ومن هذا القبيل
______________________________
في الخاص وحيث لا مرجح فالمرجع الاصول (وإن) ورد العام قبل حضور وقت العمل بالخاص فحيث أن الاخذ بعموم العام رافع لاصل الخاص لا لدوامه كان الدوران دائما بين التصرف في أصالة الجهة في الخاص وأصالة العموم في العام وحيث أن الثاني أولى تعين القول بالتخصيص (وإذا) رود الخاص بعد العام قبل حضور وقت العمل به فلا ريب في ثبوت حكم الخاص لافراده من حين وروده فما بعده سواء أكان ناسخا أم مخصصا أما ثبوته لهما فيما بين زماني ورود العام والخاص فيتوقف على كونه مخصصا إذ لو كان ناسخا كان الثابت حكم العام في ذلك الزمان فيدور الامر بين رفع اليد عن ظهور العام في العموم ليثبت التخصيص وبين رفع اليد عن اصالة الجهة فيه وقد عرفت ان الاول الاولى (ولو) ورد الخاص بعد حضور وقت العمل بالعام دار الامر بين رفع اليد عن اصالة العموم ليثبت التخصيص من أول الامر، وبين رفع اليد عن ظهور العام في الدوام ليثبت التخصيص من حين ورود الخاص، وبين رفع اليد عن اصالة الجهة في العام ليثبت النسخ والثاني أولى أولوية التقييد من التخصيص عند الدوران بينهما فيثبت التخصيص من حين ورود الخاص الذي هو بمنزلة النسخ عملا فتأمل جيدا والله سبحانه أعلم (قوله: رفع الحكم الثابت اثباتا) يعني رفعا للحكم الواقعي الاولي أو الثانوي في مقام الاثبات وبالنظر إلى أصالة الجهة إلا أنه في الحقيقة دفع للحكم حيث لا مقتضي في موضوعه لثبوته وإن كان بالنظر إلى تبدل مقتضيات جعل الحكم يكون محوا ورفعا (قوله: دوام الحكم) يعني لو كان النسخ بعد حضور وقت العمل (قوله: أو أصل انشائه)
لعله يكون أمر إبراهيم بذبح اسماعيل وحيث عرفت أن النسخ بحسب الحقيقة يكون دفعا وان كان بحسب الظاهر رفعا بلا بأس به مطلقا ولو كان قبل حضور وقت العمل لعدم لزوم البداء المحال في حقه تبارك وتعالى بالمعنى المستلزم لتغير ارادته تعالى مع اتحاد الفعل ذاتا وجهة وإلا لزم امتناع النسخ أو الحكم المنسوخ فان الفعل ان كان مشتملا على مصلحة موجبة للامر به امتنع النهى عنه والا امتنع الامر به وذلك لان الفعل أو دوامه لم يكن متعلقا لارادته فلا يستلزم نسخ أمره بالنهي تغيير ارادته ولم يكن الامر بالفعل من جهة كونه مشتملا على مصلحة وإنما كان إنشاء الامر به أو اظهار دوامه عن حكمة ومصلحة (وأما) البداء في التكوينيات بغير ذاك المعنى فهو مما دل عليه الروايات المتواترات كما لا يخفى ومجمله ان الله تبارك وتعالى إذا تعلقت مشيته تعالى باظهار ثبوت ما يمحوه لحكمة داعية إلى اظهاره ألهم أو أوحي إلى نبيه أو وليه أن يخبر به مع علمه بأنه يمحوه أو مع عدم علمه به لما اشير إليه من عدم الاحاطة بتمام ما جرى في علمه وإنما يخبر به لانه حال الوحى أو الالهام لارتقاء نفسه الزكية واتصاله بعالم لوح المحو الاثبات اطلع على ثبوته ولم يطلع على كونه معلقا على أمر غير واقع أو عدم الموانع قال الله تبارك وتعالى: (يمحو الله ما يشاء ويثبت) الآية. نعم - من شملته العناية الآلهية واتصلت نفسه الزكية بعالم اللوح المحفوظ الذي هو من
______________________________
يعني لو كان قبل حضور وقت العمل (قوله: لعله يكون) اشار باداة الترجي إلى المناقشات في كونه من النسخ مثل ما قيل: إن المراد من الذبح مقدماته بقرينة قوله تعالى: قد صدقت الرؤيا (قوله: مع اتحاد الفعل) قيد للتغير المستحيل إذ مع تغير الفعل ذاتا أو جهة لا يكون تغير الارادة مستحيلا (قوله: وإلا لزم) الموجود في بعض النسخ (ولا لزوم) بدل (وإلا لزم) والظاهر انه الصحيح ويكون معطوفا على قوله: لعدم لزوم البداء (قوله: وذلك لان) تعليل لعدم لزوم البداء (قوله: بغير ذاك المعنى) يعني المحال في حقه تعالى
أعظم العوالم الربوبية وهو أم الكتاب يكشف عنده الواقعيات على ما هي عليها كما ربما يتفق لخاتم الانبياء ولبعض الاوصياء كان عارفا بالكائنات كما كانت وتكون. نعم مع ذلك ربما يوحى إليه حكم من الاحكام (تارة) بما يكون ظاهرا في الاستمرار والدوام مع أنه في الواقع له غاية وأمد يعينها بخطاب آخر (وأخرى) بما يكون ظاهرا في الجد مع أنه لا يكون واقعا بجد بل لمجرد الابتلاء والاختبار كما انه يؤمر وحيا أو إلهاما بالاخبار بوقوع عذاب أو غيره مما لا يقع لاجل حكمة في هذا الاخبار أو ذاك الاظهار فبدا له تعالى انه يظهر ما أمر نبيه أو وليه بعدم اظهاره أولا ويبدي ما خفي ثانيا وإنما نسب إليه تعالى البداء مع انه في الحقيقة الابداء لكمال شباهة إبدائه تعالى كذلك بالبداء في غيره وفيما ذكرنا كفاية فيما هو المهم في باب النسخ ولا داعي بذكر تمام ما ذكروه في ذاك الباب كما لا يخفى على اولى الالباب (ثم) لا يخفى ثبوت الثمرة بين التخصيص والنسخ ضرورة انه على التخصيص يبنى على خروج الخاص عن حكم العام رأسا وعلى النسخ على ارتفاع حكمه عنه من حينه فيما دار الامر بينهما في المخصص واما إذا دار بينهما في الخاص والعام فالخاص على التخصيص غير محكوم بحكم العام اصلا وعلى النسخ كان محكوما به من حين صدور دليله كما لا يخفى
______________________________
*
(قوله: يبنى على خروج) فتكون أفراد الخاص محكومة بحكم الخاص من حين ورود العام قبل ورود الخاص (قوله: من حينه) يعني من حين ورود الخاص (قوله: في المخصص) وذلك إذا تأخر الخاص عن العام فانه إما مخصص أو ناسخ (قوله: في الخاص والعام) وذلك إذا تقدم الخاص على العام فان الدوران بين كون الخاص مخصصا وكون العام ناسخا (قوله: غير محكوم) فانه لازم التخصيص (قوله: محكوما به) يعني بحكم العام فانه مقتضى كون العام ناسخا للخاص (قوله: دليله) يعني دليل العام
المقصد الخامس في المطلق والمقيد والمجمل والمبين
فصل عرف المطلق بانه ما دل على شايع في جنسه وقد أشكل عليه بعض الاعلام بعدم الاطراد أو الانعكاس واطال الكلام في النقض والابرام وقد نبهنا في غير مقام على ان مثله شرح الاسم وهو مما يجوز ان لا يكون بمطرد ولا بمنعكس فالاولى الاعراض عن ذلك ببيان ما وضع له بعض الالفاظ التى يطلق عليها المطلق أو من غيرها مما يناسب المقام (فمنها) اسم الجنس كانسان ورجل وفرس وحيوان وسواد وبياض... إلى غير ذلك من اسماء الكليات من الجواهر والاعراض بل العرضيات ولا ريب انها موضوعة لمفاهيمها بما هي هي مبهمة مهملة بلا شرط اصلا ملحوظا معها
______________________________
فصل في المطلق والمقيد
(قوله: وقد نبهنا في) لكن عرفت الاشكال فيه (قوله: بل العرضيات) مثل الاسود والابيض (قوله: ولا ريب انها موضوعة) قد أشرنا سابقا إلى بعض اعتبارات الماهية ولا بأس بالاشارة هنا إلى ذلك شرحا لكلام المصنف (ره) (فنقول): الماهية (تارة) تلحظ بذاتها لا مع شئ زائد عليها (وأخرى) تلحظ مع شئ زائد عليها (والثاني) على نحوين لان ذلك الشئ قد يكون أجنبيا عن سنخ الماهية بالمرة وقد يكون من سنخها والاول إما أن يكون وجودا وإما أن يكون عدما فان لوحظت الماهية على النحو الاول منهما سميت الماهية " بشرط شئ " وان لوحظت على النحو الثاني سميت الماهية (بشرط لا شئ) وكلاهما نوعان من المقيدة وان كان من سنخ الماهية فان كان هو الشياع بنحو الاستيعاب فالماهية السارية وإن كان بنحو البدلية فالماهية على البدل والعام البدلي وإن لم يلحظ معها شئ فان لوحظت تفصيلا بحدودها الخاصة بها التي لا تحوي الا ذاتها فالماهية
حتى لحاظ انها كذلك (وبالجملة) الموضوع له اسم الجنس هو نفس المعنى وصرف المفهوم غير الملحوظ معه شئ اصلا الذي هو المعنى بشرط شئ ولو كان ذاك الشئ هو الارسال والعموم البدلي ولا الملحوظ معه عدم لحاظ شئ معه الذي هو الماهية اللا بشرط القسمي وذلك لوضوح صدقها بما لها من المعنى بلا عناية التجريد
______________________________
اللا بشرط القسمي والماهية بنحو صرف الوجود وهذا القسم مع ما قبله من القسمين نوعان للماهية المطلقة وان لوحظت مجملة من حيث الاطلاق والتقييد بما ذكر فهي الماهية المهملة والمبهمة واللا بشرط المقسمي وهذه هي الجامع بين بقية الانواع المذكورة والمنسوب للمشهور أن اسم الجنس موضوع للماهية المطلقة الجامعة بين الماهية السارية والماهية البدلية وبين صرف الوجود كما يظهر من ملاحظة بنائهم على كونه حقيقة في كل منها ومجازا في المقيدة والمنسوب للسلطان وغيره ولا سيما من تأخر عنه أنه موضوع للماهية اللا بشرط المقسمي واليه ذهب المصنف (ره) (قوله: حتى لحاظ أنها) كما هو مأخوذ في اللا بشرط القسمي (قوله: الذي هو المعنى) بيان للملحوظ لا لغير (قوله: هو الارسال) المأخوذ في الماهية المرسلة (قوله: والعموم البدلي) المأخوذ في الماهية على البدل، (قوله: الذي هو الماهية) بيان للملحوظ وسبقه إلى هذا في التقريرات حيث جعل الفارق بين اللا بشرط القسمي والمقسمي أن الاولى هي الماهية التي لم يلحظ معها شئ مقيدة بلحاظ أنها لم يلحظ معها شئ والثانية خالية من هذا القيد لكن الظاهر أنه خلاف مصطلحهم فانه ما أشرنا إليه من أن الاولى ما لوحظت تفصيلا خالية عن قيدي الوجود والعدم فتصلح للانطباق على كل منهما، والثانية ما لوحظت مهملة من حيث قيدي الوجود والعدم فلا تصلح للانطباق على ما هو واجد للقيد ولا على ما هو واجد لعدمه فراجع (قوله: لوضوح صدقها) يعني على فرد من الافراد ولعل ترك ذلك لوضوحه واكتفاء بقوله - فيما يأتي -: على فرد من الافراد، المتعلق بقوله: عدم صدق... الخ. ثم إنك عرفت امتناع صدق المهملة المبهمة على شئ لان الصدق يتوقف على اتحاد المحمول بما له من الصورة مع
عما هو قضية الاشتراط والتقييد فيها كما لا يخفى مع بداهة عدم صدق المفهوم بشرط العموم على فرد من الافراد وان كان يعم كل واحد منها بدلا أو استيعابا وكذا المفهوم اللا بشرط القسمي فانه كلي عقلي لا موطن له الا الذهن لا يكاد يمكن صدقه وانطباقه عليها بداهة ان مناطه الاتحاد بحسب الوجود خارجا فكيف يمكن ان يتحد معها ما لا وجود له الا ذهنا " ومنها " علم الجنس كاسامة والمشهور بين أهل العربية انه موضوع للطبيعة لا بما هي هي بل بما هي متعينة بالتعيين الذهني ولذا يعامل معه معاملة المعرفة بدون أداة التعريف لكن التحقيق انه موضوع لصرف المعنى بلا لحاظ شئ معه اصلا كاسم الجنس والتعريف فيه لفظي كما هو الحال في التأنيث اللفظي وإلا لما صح حمله على الافراد بلا تصرف وتأويل
______________________________
*
ما في الخارج ومع إهمال المحمول وإبهامه لا يمكن فرض الاتحاد فالمقصود من صدقها على الفرد أنه يمكن أن يلحظ المعنى بنحو يصح صدقه بأن تطابق صورته ما في الخارج فحاصل الاستدلال أنه لو كان اللفظ موضوعا للمعنى المأخوذ فيه قيد السريان أو العموم البدلى امتنع حمله على الفرد الا بتجريد معناه عن القيد المذكور الموجب للتجوز فيه مع انه يصح حمله بلا عناية التجريد (قوله: عما هو) متعلق بالتجريد (قوله: وكذا المفهوم) معطوف على قوله: عدم صدق... الخ (قوله: فانه كلي عقلي) يعني معقول ثانوي وموجود ذهني لاخذ لحاظ التجرد فيه قيدا حسبما ذكر. ومن هنا يمتنع انطباقه على الموجود الخارجي لاختلاف صقعي الوجود المانع من الاتحاد الذي هو شرط الحمل - كما تقدم - فقوله: كلي عقلي، لا يخلو من مسامحة إذ الكلي العقلي في اصطلاحهم ما يقابل الكلي المنطقي والكلي الطبيعي لا مطلق الامر الذهني وقد تقدم منه نظير ذلك في مبحث المشتق وأما بناء على ما ذكرنا من عدم أخذ القيد المذكور في اللا بشرط القسمي فالمانع من القول بالوضع له لزوم التجوز في استعماله في غيره من الاعتبارات وهو خلاف المرتكز في أذهان أهل العرف. ثم إن هذا المانع بعينه مانع من
لانه - على المشهور - كلي عقلي وقد عرفت أنه لا يكاد يصح صدقه عليها مع صحة حمله عليها بدون ذلك كما لا يخفى ضرورة ان التصرف في المحمول بارادة نفس المعنى بدون قيده تعسف لا يكاد يكون بناء القضايا المتعارفة عليه مع ان وضعه لخصوص معنى يحتاج إلى تجريده عن خصوصيته عند الاستعمال
______________________________
الوضع للماهية المهملة بالمعنى المتقدم لاقتضائه التجوز ايضا لو استعمل في غيره من الاعتبارات فلا بد من المصير إلى أن الماهية ملحوظة في مقام وضع اللفظ لها بنحو اجمالي ولو بعنوان الجامع بين جميع الاعتبارات فيجعل لها اللفظ بما أنها سارية في جميع تلك الاعتبارات من دون اختصاص باعتبار دون اعتبار ولحاظ دون لحاظ فتأمل جيدا (قوله: لانه على المشهور كلي عقلي) فيه مسامحة كما تقدم. ثم إن حمل كلام المشهور من أهل العربية على ما ذكر من أخذ اللحاظ الذهني قيدا فيما وضع له علم الجنس الموجب لكونه من المعقولات الثانوية والموجودات الذهنية غير مناسب لحسن الظن بهم ولا سيما وفيهم من أساطين هذا الفن وغيره من الفنون العقلية فالظاهر أن مرادهم من التعين الذهني في كلامهم كون المعنى له مطابق في الذهن فالموضوع له اللفظ نفس المعنى المقيد بكونه ذا مطابق ذهني موجب له نحوا من التعين نظير التعين الحاصل للمعهود الذكري والخارجي غاية الامر أن منشأ حضور المطابق الذهني (تارة) يكون تقدم ذكره (وأخرى) حضوره الخارجي (وثالثة) غير ذلك فاسامة - مثلا - موضوع لنفس الاسد بشرط أن يكون له نحو من التعين الحاصل من حضوره في ذهن السامع قبل الكلام وكذا الحال في المعرف بلام الجنس فانه من قبيل علم الجنس وانما الفرق بينهما في أن التعين المذكور مدلول عليه بنفس اللفظ في علم الجنس وباللام في المعرف بلام الجنس وكذا الحال في المعرف بلام العهد الذهني فانه مثل المعرف بلام الجنس والفرق بينهما في أن مدلول الاول الفرد المنتشر ومدلول الثاني نفس الجنس فليس معنى أخذ الحضور الذهني قيدا في معناه أنه موضوع للمعنى الموجود في الذهن بل
موضوع لنفس المعنى الذي له مطابق في الذهن وان كان كلامهم ربما يوهم الاول. قال ابن الحاجب: أعلام الجنس وضعت أعلاما للحقائق المتعينة كما أشير باللام في نحو: (اشتر اللحم) إلى الحقيقة الذهنية وكل واحد من هذه الاعلام موضوع لحقيقة في الذهن متحدة فهو ايضا غير متناول غيرها وضعا وإذا اطلق على فرد من الافراد الخارجية نحو: هذا أسامة مقبلا، فليس ذلك بالوضع بل لمطابقة الحقيقة الذهنية لكل فرد خارجي مطابقة كل كلي عقلي لجزئياته الخارجية نحو قولهم: الانسان حيوان ناطق، وقال ايضا: إن الحقيقة الذهنية والفرد الخارجي كالمتواطئين انتهى. فان قوله: حقيقة ذهنية وكلي عقلي، وان كان يوهم ذلك إلا أن ملاحظة خصوصيات عبارته تشهد بارادة الطبيعة من الكلي العقلي في قبال الافراد وبالحقيقة الذهنية ما ذكرنا لا ما ذكر المصنف (ره) ولاجل أن الشيخ نجم الائمة (ره) فهم ما ذكرنا اختار كون تعريف علم الجنس ولام التعريف في جميع أقسامها عدا المعهود الخارجي لفظيا كما ذكر المصنف (ره) من جهة أن الحضور الذهني مما يمتنع أن يستفاد من اللام فان كل لفظ يدل على معنى حاضر في ذهن السامع " قال " - بعد أن رسم المعرفة بما أشير به إلى خارج -: وإنما قلنا: إلى خارج، لان كل اسم فهو موضوع للدلالة على ما سبق علم المخاطب بكون ذلك الاسم دالا عليه ومن ثم لا يحسن أن يخاطب بلسان من الالسنة إلا من سبق معرفته بذلك اللسان فعلى هذا كل كلمة اشارة إلى ما ثبت في ذهن المخاطب أن ذلك اللفظ موضوع له فلو لم يقل: إلى خارج، لدخل في الحد جميع الاسماء معارفها ونكراتها فتبين مما ذكرنا أن قول المصنف: في قولك: اشرب الماء واشتر اللحم وقوله تعالى: أن يأكله الذئب، اشارة إلى ما في ذهن المخاطب من ماهية الماء واللحم والذئب ليس بشئ لان هذه الفائدة يقوم بها نفس الاسم المجرد عن اللام فالحق أن تعريف اللام في مثله لفظي كما أن العلمية في مثل أسامة لفظي كما سيجيئ في الاعلام انتهى، وقال في مبحث العلم: إذا كان لنا تأنيث لفظي كغرفة وبشرى وصحراء ونسبة لفظية نحو كرسي فلا بأس أن يكون لنا تعريف لفظي
إما باللام - كما ذكرنا قبل - وإما بالعلمية كما في اسامة.. الخ والمصنف (ره) وافقه في كون التعريف لفظيا ولم يوافقه في وجهه والظاهر ان كلا الوجهين غير تام أما وجه المصنف (ره) فلما عرفت من ابتنائه على كون التعريف الحقيقي في هذه المقامات عبارة عن الوجود الذهني وليس كذلك وأما وجه الرضي (ره) فلابتنائه على كون التعريف الحقيقي في هذه الموارد يراد به الاشارة إلى معنى حاضر في ذهن السامع وان من المعلوم عدم كفاية ذلك في التعريف إذ جميع الالفاظ حتى النكرات حاكية عن معنى حاضر في ذهن السامع وهو كما ترى إذ النكرات حاكية عن المفاهيم التي لها مطابق في الذهن لا بما انها كذلك والمعارف المذكورة حاكية عنها بما انها لها مطابق في الذهن والفرق بين المعنيين ظاهر وقد عثرت - بعد ما ذكرت ذلك - على كلام للسيد الشريف في حاشيته على المطول يشهد بما ذكرنا وقد استشهد هو بما نقله عن الزمخشري وابن الحاجب والسكاكي وغيرهم قال في اثنائه: إذا استقرأت كلامهم وتحققت محصوله استوثقت بما ذكرنا انتهى. ثم إن الاعلام الجنسية وان لم تكن مستعملة في عرفنا الحالي لنرجع إليه في تمييز معناها وانه أخذ فيها قيد الحضور أم لا إلا أن تتبع موارد استعمالها في كلام العرب كاف في معرفة ذلك فانهم يستعملونها في مقام المعرف فيقولون: أسامه أشجع من الثعلب، كما يقولون: الاسد أشجع من الثعلب، وبذلك افترقت عن اسم الجنس في بعض الاحكام من منعها عن الصرف وعدم دخول اللام عليها وغير ذلك ثم إن صاحب الفصول لما فهم من المشهور ما فهمه المصنف (ره) من كلامهم استشكله بان ذلك يوجب تصرفا في الالفاظ وأنه تعسف فبنى على أن المعرف بلام الجنس وعلم الجنس موضوعان لما وضع له اسم الجنس بما انه متعين بالتعين الجنسي فان كل جنس في نفسه متعين ممتاز عن غيره فوضع علم الجنس له بقيد هذا التعين ووضع اسم الجنس لا مع هذا القيد فإذا أدخلت عليه اللام كانت للدلالة على هذا التعين فلا فرق بين علم الجنس والمعرف بلام الجنس من حيث المعنى وإنما الفرق ان الدلالة على التعين الجنسي بجوهر اللفظ في الاول
لا يكاد يصدر عن جاهل فضلا عن الواضع الحكيم " ومنها " المفرد المعرف باللام والمشهور أنه على أقسام المعرف بلام الجنس أو الاستغراق أو العهد باقسامه على نحو الاشتراك بينها لفظا أو معنى والظاهر ان الخصوصية في كل واحد من الاقسام من قبل خصوص اللام أو من قبل قرائن المقام من باب تعدد الدال والمدلول لا باستعمال المدخول ليلزم فيه المجاز أو الاستراك فكان المدخول على كل حال مستعملا فيما يستعمل فيه غير المدخول والمعروف ان اللام تكون موضوعة للتعريف ومقيدة للتعيين في غير العهد الذهني وأنت خبير بانه لا تعيين في تعريف الجنس الا الاشارة إلى المعنى المتميز بنفسه من بين المعاني ذهنا ولازمه ان لا يصح حمل المعرف باللام بما هو معرف على الافراد لما عرفت من امتناع الاتحاد مع ما لا موطن له الا الذهن الا بالتجريد ومعه لا فائدة في التقييد مع ان التأويل والتصرف في القضايا المتداولة في العرف غير خال عن التعسف. هذا
______________________________
*
وباللام في الثاني وهو - كما ترى - بعيد عن الاذهان العرفية جدا (قوله: لا يكاد يصدر) وكأنه للزوم اللغوية لكنه لا يتم مع إمكان استعماله فيه فضلا عن وقوعه ولو نادرا (قوله: باقسامه) وهي العهد الذهني المشار به إلى فرد ما بقيد الحضور الذهني كما عرفت مثل ادخل السوق، والذكري المشار به إلى فرد متقدم في الذكر نحو قوله تعالى: وارسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول والخارجي المشار به إلى فرد متعين حاضر عند المخاطب خارجا وذهنا نحو اغلق الباب (قوله: الاشتراك بينها لفظا) بدعوى تعدد الوضع بتعدد الخصوصيات (قوله: أو معنى) بأن يكون الوضع للعهد الحاصل من أحد الاسباب المذكورة ويكون فهم الخصوصيات مستندا إلى القرينة (قوله: من قبل خصوص) ذلك على تقدير الاشتراك اللفظي (قوله: أو من قبل) بناء على الاشتراك المعنوي فتأمل (قوله: من باب تعدد) بأن يكون المدخول دالا على نفس المعنى واللام أو القرينة دالة على الخصوصية (قوله: في غير العهد الذهني) بل وفيه أيضا كما عرفت (قوله: ولازمه أن) قد عرفت ما فيه (قوله: عن التعسف) لبعده
مضافا إلى ان الوضع لما لا حاجة إليه بل لا بد من التجريد عنه وإلغائه في الاستعمالات المتعارفة المشتملة على حمل المعرف باللام أو الحمل عليه كان لغوا كما اشرنا إليه فالظاهر أن اللام مطلقا تكون للتزيين كما في الحسن والحسين واستفادة الخصوصيات انما تكون بالقرائن التي لابد منها لتعيينها على كل حال ولو قيل بافادة اللام للاشارة إلى المعنى ومع الدلالة عليه بتلك الخصوصيات لا حاجة الى تلك الاشارة لو لم تكن مخلة وقد عرفت إخلالها فتأمل جيدا وأما دلالة الجمع المعرف باللام على العموم مع عدم دلالة المدخول عليه فلا دلالة فيها على انها تكون لاجل دلالة اللام على التعيين حيث لا تعين الا للمرتبة المستغرقة لجميع الافراد وذلك لتعين المرتبة الاخرى وهي اقل مراتب الجمع كما لا يخفى فلا بد ان يكون دلالته عليه مستندة إلى وضعه كذلك لذلك لا إلى دلالة اللام على الاشارة إلى المعين ليكون به التعريف وإن أبيت إلا عن استناد الدلالة عليه إليه فلا محيص عن دلالته على الاستغراق بلا توسيط الدلالة على التعيين فلا يكون بسببه تعريف الا لفظا فتأمل جيدا (ومنها) النكرة مثل (رجل) في وجاء رجل من أقصى المدينة، أو في جئني برجل، ولا اشكال أن المفهوم منها في الاول - ولو بنحو تعدد الدال والمدلول - هو الفرد المعين في الواقع المجهول عند المخاطب المحتمل الانطباق على غير واحد من افراد الرجل كما انه في الثاني هي الطبيعة المأخوذة مع قيد الوحدة فيكون حصة من الرجل ويكون كليا ينطبق على كثيرين
______________________________
*
عن مذاق العرف (قوله: مضافا إلى) لم يظهر المراد به زائدا على ما أفاده بقوله: ومعه لا فائدة... الخ (قوله: للتزيين) هو خلاف المرتكز منه عرفا (قوله: ولو قيل) لو وصلية للاحتياج إلى القرائن على جميع الاقوال (قوله: عرفت إخلالها) لامتناع الحمل معها إلا بالتجريد (قوله: حيث لا تعين الا للمرتبة) المراد من تعين تلك المرتبة التعين المصحح للحمل على موضوعه إذ أفراد الجنس لما كان لها بتمامها نحو من التعين الذهني ولم يكن لبعضها تعين آخر زائد على ذلك التعين من تقدم ذكر أو حضور أو نحو ذلك موجب
لا فردا مرددا بين الافراد وبالجملة النكرة (أي ما بالحمل الشايع يكون نكرة عندهم) إما هو فرد معين في الواقع غير معين للمخاطب أو حصة كلية لا الفرد المردد بين الافراد وذلك لبداهة كون لفظ (رجل) في (جئني برجل) نكرة مع أنه يصدق على كل من يجيئ به من الافراد ولا يكاد يكون واحد منها هذا أو غيره كما هو قضية الفرد المردد لو كان هو المراد منها ضرورة ان كل واحد هو هو لا هو أو غيره فلابد ان تكون النكرة الواقعة في متعلق الامر هو الطبيعي المقيد بمثل مفهوم الوحدة فيكون كليا قابلا للانطباق فتأمل جيدا إذا عرفت ذلك فالظاهر صحة اطلاق المطلق عندهم حقيقة
______________________________
لتعيينه من بين الافراد فحمل الكلام على البعض واخراج البعض ترجيح بلا مرجح فلا بد من الحمل على الجميع لتساوي الافراد في ذلك النحو من التعين وليس المراد من التعين أن لا مرتبة فوق الجميع ليصح النقض باقل مراتب الجمع حيث لا مرتبة دونها فتعين تمام الافراد من قبيل تعين الجنس لا من قبيل آخر ومن هنا يظهر انه لا بأس بدعوى كون الدلالة على الاستغراق من قبل التعين المستفاد من اللام ولا وجه لقوله: فلا بد أن تكون دلالته... الخ كما يظهر ايضا المنع من قوله: فلا محيص عن دلالته... الخ حيث لا ملزم بما ذكر مع احتمال ما ذكرنا فضلا عن كونه الظاهر (قوله: لا فردا مرددا) وان اشتهر أن مفاد النكرة الفرد المردد (قوله: أي ما بالحمل) كرجل في المثالين لا لفظ نكرة (قوله: المقيد بمثل مفهوم الوحدة) لا يخفى أنه إذا أخذ مفهوم الوحدة قيدا للماهية صارت - كسائر المقيدات مثل الرجل العالم العادل - كليا طبيعيا صادقا على القليل والكثير بنحو واحد نظير الحيوان الناطق الصالح للانطباق على جميع الافراد انطباقا عرضيا وليس هذا من معنى النكرة في شئ فالمراد بلفظ الوحدة المأخوذة قيدا في معنى النكرة الاشارة إلى كم التشخص فيكون مفهوم النكرة الماهية التي لا تصلح للانطباق إلا على واحد من الافراد على البدل بحيث يرى مفهوما كأنه
على اسم الجنس والنكرة بالمعنى الثاني كما يصح لغة وغير بعيد ان يكون جريهم في هذا الاطلاق على وفق اللغة من دون ان يكون لهم فيه اصطلاح على خلافها كما لا يخفى. نعم لو صح ما نسب إلى المشهور من كون المطلق عندهم موضوعا لما قيد بالارسال والشمول البدلي لما كان ما اريد منه الجنس أو الحصة عندهم بمطلق الا ان الكلام في صدق النسبة. ولا يخفى ان المطلق
______________________________
ثوب لا يلبسه فرد الا ويعرو عنه بقية الافراد والظاهر أن هذا هو المراد من قولهم: النكرة موضوعة للفرد المردد فتأمل جيدا (قوله: على اسم الجنس) إذا كان اسم الجنس موضوعا للماهية المبهمة المهملة كيف يصح اطلاق المطلق عليه ؟ والمفهوم من المطلق ما يقابل المقيد والمبهم الا ان يلاحظ فيه الاطلاق بنحو الاستيعاب أو العموم البدلي أو غيرهما من انواع الاطلاق التي تأتي الاشارة إليها وكذا الحال في النكرة فانها وان كانت لبا لا تخلو عن تقييد ما للمهية إلا أن المتفاهم من المقيد ما يقيد بأمر أجنبي عنه مثل الرقبة المؤمنة والرجل العالم ولذا لا تكون الطبيعة السارية من المقيد فالنكرة ان لوحظ فيها الاطلاق سميت مطلقة وان قيدت بما هو أجنبي عن الماهية سميت مقيدة مثل جئني برجل عالم، والا فمبهمة مهملة فكل واحد من اسم الجنس والنكرة معروض للاطلاق تارة وللتقييد اخرى وليس في نفسه مطلقا ولا مقيدا ومنه يظهر الاشكال في قوله: وغير بعيد، (قوله: نعم لو صح ما نسب إلى) لم أجد هذا الخلاف مصرحا به في كلام وإنما المذكور الخلاف في معنى اسم الجنس والمنسوب إلى المشهور أنه موضوع للماهية المطلقة والى السلطان (ره) وجماعة انه موضوع للطبيعة المهملة. نعم اختلف في تعريف المطلق فالمشهور تعريفه بأنه مادل على شائع في جنسه وعرفه الشهيد (ره) بأنه اللفظ الدال على الماهية من حيث هي هي وعرفه غيره بغير ذلك وليس ذلك اختلافا في مفهوم المطلق ومعناه بل هو اختلاف في الطريق إلى المعنى مع كون المعنى محفوظا بلا اختلاف فيه والظاهر من ملاحظة كلامهم ان المطلق عندهم يقابل المقيد والمبهم كما ذكرنا (قوله: أو الحصة) اشارة إلى النكرة (قوله: إلا أن الكلام)
بهذا المعنى لطروء القيد غير قابل فان ماله من الخصوصية ينافيه ويعانده بل وهذا بخلافه بالمعنيين فان كلا منهما له قابل لعدم انثلامهما بسببه اصلا كما لا يخفى وعليه لا يستلزم التقييد تجوزا في المطلق لامكان ارادة معنى لفظه منه وارادة قيده من قرينة حال أو مقال وانما استلزمه لو كان بذاك المعنى. نعم لو أريد من لفظه المعنى المقيد كان مجازا مطلقا كان التقييد بمتصل أو منفصل
فصل
(قد ظهر لك انه لا دلالة لمثل رجل الا على الماهية المبهمة وضعا)
وان الشياع والسريان كسائر الطوارئ يكون خارجا عما وضع له فلا بد في الدلالة عليه من قرينة حال أو مقال أو حكمة وهي تتوقف على مقدمات (إحداها) كون المتكلم في مقام بيان تمام المراد لا الاهمال أو الاجمال (ثانيهما) انتفاء ما يوجب التعيين (ثالثها) انتفاء القدر المتيقن في مقام التخاطب ولو كان المتيقن بملاحظة
______________________________
*
قد عرفت تحقيق الحال (قوله: بهذا المعنى) يعني المنسوب إلى المشهور (قوله: غير قابل) يعني مع بقائه على اطلاقه بل لا بد من التصرف فيه وكأنه يريد من المطلق ما هو بالحمل الشايع مطلق (قوله: بخلافه بالمعنيين) يعني معنيي اسم الجنس والنكرة (قوله: قابل) لما عرفت من صلاحية ملاحظتهما مهملين ومطلقين (قوله: في المطلق) يعني ما هو بالحمل الشايع مطلق كاسم الجنس والنكرة وكأن العبارة لا تخلو من اضطراب والله سبحانه اعلم (قوله: وهي تتوقف) يعني قرينة الحكمة (قوله: لا الاهمال) يعني لا في مقام بيان المراد في الجملة مثل ان يكون في بيان سنخ موضوع الحكم كما إذا قال الطبيب للمريض: انك محتاج إلى شرب الدواء في أيام الربيع، فانه ليس في مقام بيان تمام مراده بل في مقابل بيان سنخ مراده في قبال ما سواه (قوله: ما يوجب التعيين) وهو القرينة (قوله: انتفاء القدر المتيقن في مقام) يعني أن
الخارج عن ذاك المقام في البين فانه غير مؤثر في رفع الاخلال بالغرض لو كان بصدد البيان كما هو الفرض فانه فيما تحققت لو لم يرد الشياع لاخل بغرضه حيث انه لم ينبه مع أنه بصدده وبدونها لا يكاد يكون هناك اخلال به حيث لم يكن مع انتفاء الاولى إلا في مقام الاهمال أو الاجمال. ومع انتفاء الثانية كان البيان بالقرينة ومع انتفاء
______________________________
لا يكون فرد أو أفراد يتيقن ثبوت الحكم لها بالنظر إلى مقام التخاطب بحيث يكون نفس الكلام ولو بلحاظ ما يكتنفه من الخصوصيات اللفظية والحالية موجبا لليقين بثبوت الحكم لتلك الافراد واما لو كان اليقين بثبوت الحكم لبعض الافراد مستندا إلى ما هو خارج عن الخطاب لم يقدح في الاطلاق إذ لو كان المراد الواقعي هو المقيد المنحصر بتلك الافراد لم يكن مبينا بالخطاب كما هو المفروض فإذا أحرز انه في مقام بيان مراده بالخطاب لابد أن يكون مراده المطلق (قوله: بصدد البيان) يعني بالخطاب (قوله: فانه فيما تحققت) ضمير ان راجع إلى المتكلم وضمير الفعل راجع إلى المقدمات يعني انه يجب الحكم بالاطلاق عند اجتماع المقدمات المذكورة إذ لو كان مراد المتكلم هو المقيد لم يكن مبينا بالخطاب فيكون اخلالا بالغرض وهو مستحيل فلا بد ان يكون المراد هو المطلق إذ لا ثالث لهما (فان قلت): الاطلاق إذا كان جهة زائدة على نفس المعنى وصرف المفهوم الموضوع له اللفظ امتنع ان يدل عليه فعلى أي شئ يعول المتكلم في بيانه (قلت): يعول على عدم ذكر القيد فانه طريق عقلائي إلى ارادة الاطلاق وبذلك افترق عن القيد فانه لما كان اجنبيا عن ذات المقيد لم يكن عدم ذكره طريقا إلى ارادته بل ينحصر الطريق إليه في ذكره (فان قلت): إذا كان ترك القيد طريقا إلى الاطلاق فما وجه الحاجة إلى المقدمة الاولى بل كان اللازم الحمل على الاطلاق وان لم يكن المتكلم في مقام البيان (قلت): إنما يعول العقلاء عليه بيانا على الاطلاق حيث يكون المتكلم في مقام البيان لا مطلقا (قوله: حيث لم يكن) بيان لوجه الحاجة إلى المقدمة الاولى وقد عرفت تحقيقه (قوله: كان البيان) كان الاولى ان
الثالثة لا إخلال بالغرض لو كان المتيقن تمام مراده فان الفرض انه بصدد بيان تمامه وقد بينه لا بصدد بيان انه تمامه كي اخل ببيانه فافهم(١)
______________________________
يقول بدله: كان المقيد هو المبين فيحكم بانه المراد (قوله: لا إخلال بالغرض لو كان) يعني تارة يحرز أن المتكلم في مقام بيان تمام مراده واخرى يحرز أنه في مقام بيان تمام مراده وبيان انه تمام مراده فان أحرز أن المتكلم في المقام الاول كان وجود القدر المتيقن مانعا من الاطلاق لان المقدار المتيقن إذا كان تمام مراده فهو مبين فلا مقتضي للحمل على الاطلاق وإذا أحرز أنه في المقام الثاني فوجود القدر المتيقن غير مانع عن الحكم بالاطلاق لان اليقين بوجوده ليس بيانا لكونه تمام المراد فلا بد ان يكون تمام المراد هو الطبيعة المطلقة. هذا ويمكن أن يقال: إذا كان اليقين بوجوده بيانا لتمام المراد فلا بد أن يدل بالالتزام على أنه تمام المراد فيكون بيانه بيانا لتمام المراد واليه اشار بقوله: فافهم، كما ذكر في الحاشية ثم إن المصنف (ره) ثلث المقدمات مع إمكان دعوى غناء احدى المقدمتين الاخيرتين عن الاخرى أما غناء أولاهما عن الثانية فلان ما يوجب القدر المتيقن لا بد أن يكون مما يصلح للقرينية فوجوده مانع من احراز عدم القرينة فاعتبار عدم القرينة مغن عن اعتبار عدمه (فان قلت): وجوده وإن كان موجبا للشك في القرينة الا ان أصالة عدم القرينة محكمة ويحرز بها عدمها (قلت): لا مجال لجريان اصالة عدم القرينة عند الشك في قرينية الموجود وإنما تجري عند الشك في وجود أصل القرينة ومن هنا كان المشهور الاكتفاء بالمقدمتين الاولتين لا غير وأما غناء الثانية عن الاولى فلان ما يصلح للقرينية يصدق على ما هو قرينة لان الصلاحية أعم من الفعلية فكما يكون
______________
(١) اشارة إلى انه لو كان بصدد بيان انه تمامه ما اخل ببيانه بعد عدم نصب قرينة على ارادة تمام الافراد فانه بملاحظته يفهم ان المتيقن تمام المراد والا كان عليه نصب القرينة على ارادة تمامها والا قد اخل بغرضه. نعم لا يفهم ذلك إذا لم يكن الا بصدد بيان ان المتيقن مراد ولم يكن بصدد بيان ان غيره مراد أو ليس بمراد قبالا للاجمال أو الاهمال المطلقين. فافهم فانه لا يخلو عن دقة. منه قدس سره (*)
(ثم) لا يخفى عليك ان المراد بكونه في مقام بيان تمام مراده مجرد بيان ذلك واظهاره وافهامه ولو لم يكن عن جد بل قاعدة وقانونا لتكون حجة فيما لم تكن حجة اقوى على خلافه
______________________________
وجود ما يصلح للقرينية موجبا للقدر المتيقن كذلك وجود القرينة ثم انه استشكل بعض المعاصرين على المصنف (ره) في اعتبار المقدمة الثالثة بأن لازمه سقوط أكثر المطلقات عن الاطلاق لانه إذا شك في التقييد فقد علم بثبوت الحكم للواجد للقيد وشك في ثبوته للفاقد فالواجد دائما يكون قدرا متيقنا نعم لو دار امر القيد بين اعتبار وجوده وعدمه وعدم اعتباره لم يكن قدر متيقن الا أن فرضه نادر جدا (وفيه) أنه ناشئ عن عدم التمييز بين القدر المتيقن من نفس الخطاب وبين المتيقن من غيره إذ الدوران بين اعتبار القيد وعدم اعتباره موجب لليقين لا من الخطاب بل من أمر خارج عنه وهو مما لا يقدح في الاطلاق والله سبحانه أعلم (قوله: ثم لا يخفى عليك أن المراد) اشارة إلى ما في التقريرات لبحث شيخنا الاعظم (ره) من أن نسبة المطلق إلى الدليل المقيد نسبة الاصل إلى الدليل لانه إذا كان الاطلاق مستندا إلى مقدمات الحكمة التي هي كون المتكلم في مقام البيان وعدم القرينة على التقييد فإذا ورد الدليل المقيد فقد دل على انتفاء أحدهما فيرتفع مقتضي الاطلاق من اصله لا أن الدليل المقيد من قبيل المعارض ويترتب على ذلك أنه لو دار الامر بين التقييد والتخصيص كان الاول متعينا لان وجود العام مانع عن ثبوت الاطلاق من أصله وحاصل اشكال المصنف (ره) عليه أن هذا يتم لو كانت المقدمة الاولى كون المتكلم في مقام بيان المراد الجدي أما لو كانت كونه في مقام بيان المراد الاستعمالي ولو لم يكن عن جد فوجود المقيد لا يكشف عن كون المتكلم في غير مقام البيان لعدم التنافي لامكان مخالفة المراد الاستعمالي للمراد الجدي ودليل المقيد إنما يكشف عن كون المراد الجدي هو التقييد لا المراد الاستعمالي وحينئذ لا يكون العلم بالمقيد موجبا لانتفاء مقتضي الاطلاق وانما يكون معارضا له مانعا عن الاخذ بمقتضاه هذا ولكن يمكن أن يقال: إن المرادات غير الجدية ليست موضوعا
لا البيان في قاعدة قبح تأخير البيان عن وقت الحاجة فلا يكون الظفر بالمقيد ولو كان مخالفا كاشفا عن عدم كون المتكلم في مقام البيان ولذا
______________________________
للآثار العقلائية وإنما الموضوع لها خصوص المرادات الجدية وحينئذ فإذا كان ورود المقيد دليلا على كون المتكلم في غير مقام بيان المراد الجدي لا مجال للحكم بالاطلاق ولا بغيره لخروج الكلام عن مورد الابتلاء فالمقدمة التي يتوقف عليها الاطلاق وبها يثبت هي كون المتكلم في مقام بيان المراد الجدي فيتم ما ذكره شيخنا الاعظم (ره) ويكون المقيد دائما واردا على المطلق رافعا لمقتضيه من أصله نعم ترتب الثمرة المذكورة غير ظاهر وتوضيح ذلك انه (تارة) يحرز المقدمتان بالعلم الوجداني الحقيقي وحينئذ يعلم بكون الاطلاق هو المراد الجدي فلو ورد الدليل المقيد وجب التصرف فيه (وأخرى) لا تكونان كذلك بل يكون الطريق اليهما أو إلى احداهما الظهور مثل أصالة كون المتكلم في مقام البيان وأصالة عدم القرينة اللذين هما نوعان من الظهور وحينئذ إذا ورد الدليل المقيد فان كان قطعيا كشف عن انتفاء إحدى المقدمتين ومخالفة أحد الدليلين عليهما للواقع ومنع عن ثبوت مقتضي الاطلاق من أصله وإن كان ظنيا وقع التعارض بينه وبين الطريق إلى المقدمات مثلا إذا ورد: أعتق رقبة، وورد بعده: لا بد أن تكون الرقبة مؤمنة، دار الامر بين رفع اليد عن أصالة الظهور في المقيد مع البناء على إطلاق المطلق وبين رفع اليد عن أصالة كون المتكلم في مقام البيان أو أصالة عدم القرينة وليس أحد الظهورين واردا على الآخر ومقدما عليه طبعا بل هما في مرتبة واحدة فيؤخذ بالاقوى منهما ويترك الاضعف فتكون نسبة المطلق إلى المقيد نسبة العام إلى الخاص ويكون ترجيح الثاني منهما على الاول بمناط ترجيح الاقوى على الاضعف نعم لو كانت حجية اصالة كون المتكلم في مقام البيان أو حجية أصالة عدم القرينة مشروطة بعدم ورود حجة على خلافها ولو كانت خارجة عن مقام التخاطب كان ورود المقيد على المطلق في محله لكنه غير ظاهر الوجه والله سبحانه اعلم (قوله: لا البيان في) حيث أن
لا ينثلم به اطلاقه وصحة التمسك به اصلا فتأمل جيدا وقد انقدح بما ذكرنا أن النكرة في دلالتها على الشياع والسريان أيضا تحتاج فيما لا يكون هناك دلالة حال أو مقال من مقدمات الحكمة فلا تغفل (بقي شئ) وهو انه لا يبعد ان يكون الاصل فيما إذا شك في كون المتكلم في مقام بيان تمام المراد هو كونه بصدد بيانه وذلك لما جرت عليه سيرة أهل المحاورات من التمسك بالاطلاقات فيما إذا لم يكن هناك ما يوجب صرف وجهها إلى جهة خاصة ولذا ترى ان المشهور لا يزالون يتمسكون بها مع عدم احراز كون مطلقها بصدد البيان وبعد كونه لاجل ذهابهم إلى انها موضوعة للشياع والسريان وان كان ربما نسب ذلك إليهم ولعل وجه النسبة ملاحظة انه لا وجه للتمسك بها بدون الاحراز والغفلة عن وجهه فتأمل جيدا (ثم) انه قد انقدح بما عرفت من توقف حمل المطلق على الاطلاق فيما لم يكن هناك قرينة حالية أو مقالية على قرينة الحكمة المتوقفة على المقدمات المذكورة انه لا اطلاق له فيما كان له الانصراف
______________________________
*
المراد به بيان المراد الجدي (قوله: لا ينثلم به اطلاقه) هذا لا يدل على خلاف ما اختاره شيخنا الاعظم (ره) لجواز أن لا يكون المتكلم في مقام البيان من جهة وفى مقامه من جهة أخرى فإذا ورد الدليل المقيد كشف عن عدم كون المتكلم في مقام البيان من حيث القيد المذكور وان كان في مقامه من حيث غيره من القيود فيكون مطلقا من ذلك الحيث ويجوز التمسك باطلاقه (قوله: تحتاج فيما) لما عرفت أنها تصلح لكل من الاطلاق والتقييد وليست في نفسها مطلقة ولا مقيدة والظاهر أن قوله: من مقدمات، متعلق بقوله: تحتاج (قوله: لا يبعد أن يكون الاصل) لا ينبغي التأمل فيه وكذا أصالة عدم القرينة. نعم لو شك في قرينية الموجود لم تجر لنفي كونها قرينة كما أشرنا إليه سابقا وتقدم منه في حجية ظهور اللفظ (قوله: كون مطلقها) يعني المتكلم (قوله: وبعد كونه) كيف وهو
لظهوره فيه أو كونه متيقنا منه ولو لم يكن ظاهرا فيه بخصوصه حسب اختلاف مراتب الانصراف كما انه منها ما لا يوجب ذا ولا ذاك بل يكون بدويا زائلا بالتأمل كما انه منها ما يوجب الاشتراك أو النقل (لا يقال): كيف يكون ذلك وقد تقدم ان التقييد لا يوجب التجوز في المطلق أصلا ؟ (فانه يقال): - مضافا إلى انه إنما قيل لعدم استلزامه له لا عدم امكانه فان استعمال المطلق في المقيد بمكان من الامكان أن كثرة ارادة المقيد لدى اطلاق المطلق ولو بدال آخر ربما تبلغ بمثابة توجب له مزية أنس كما في المجاز المشهور أو تعيينا واختصاصا به كما في المنقول بالغلبة فافهم (تنبيه) وهو انه يمكن ان يكون للمطلق
______________________________
سيرة من لا ينسب إليه القول المذكور كالسلطان وغيره ؟ (قوله: لظهوره فيه أو كونه) اشارة إلى أنواع الانصراف وهي كثيرة (الاول) الخطوري بمعنى محض ؟ حخطور بعض الافراد أو الاصناف في الذهن من دون أن يكون موجبا للشك والتردد أصلا كحضور ماء الفرات من لفظ الماء لمن كان نزيل الفرات وماء دجلة لمن كان نزيلها وهكذا (الثاني) التشكيك البدوي وهو ما يوجب الشك لكن يزول بالتأمل (الثالث) ما يوجب الشك المستقر وهذا يوجب الاجمال والتوقف عند المعارضة مع اصالة الحقيقة وفي المقام يوجب وجود القدر المتقين (الرابع) ما يوجب الظهور بحيث يرجح على أصالة الحقيقة وفى المقام يكون قرينة على التقييد (الخامس) ما يوجب الاشتراك (السادس) ما يوجب النقل وهذه الانواع مترتبة في القوة والضعف فالاولان لا يقدحان في الاطلاق والبواقي تقدح فيه والاخيران يوجبان مع ذلك رفع صلاحية اللفظ للاطلاق فافهم (قوله: كيف يكون) يعني كيف يؤدي الانصراف إلى خصوص بعض الافراد إلى الاشتراك أو النقل مع أن الاستعمال في المقيد حقيقة وليس معنى آخر كي يصح فرض الاشتراك والنقل فيه (قوله: لعدم استلزامه) يعني ان مرادهم عدم استلزام المجاز لا عدم إمكان المجاز فانه يمكن ان يكون مجازا حيث يستعمل فيه بلحاظ الخصوصية فانه
جهات عديدة كان واردا في مقام البيان من جهة منها وفي مقام الاهمال أو الاجمال من اخرى فلا بد في حمله على الاطلاق بالنسبة إلى جهة من كونه بصدد البيان من تلك الجهة ولا يكفى كونه بصدده من جهة اخرى إلا إذا كان بينهما ملازمة عقلا أو شرعا أو عادة كما لا يخفى
______________________________
غير المطلق وإنما يكون حقيقة حيث يستعمل فيه لا بعنوان الخصوصية بل بعنوان نفس الطبيعة (قوله: جهات عديدة كان) لا ريب في ان القيد المحتمل الاعتبار في موضوع الحكم تارة يكون واحدا وأخرى يكون متعددا فموضوع الحكم في الاول يكون ذا جهة واحدة وفي الثاني يكون ذا جهات متعددة بتعدد القيود فإذا كان المتكلم في مقام البيان بالنظر إلى جميع القيود ولم تكن قرينة على احدها كان الكلام مطلقا كذلك، وان كان في مقام البيان بالنظر إلى بعض القيود دون بعض كان مطلقا بالنظر إلى ذلك البعض دون غيره فلا يكون الكلام مطلقا بالنظر إلى جميع القيود بمجرد كون المتكلم في مقام البيان بالنظر إلى بعضها فإذا دل الدليل على العفو عما لا تتم الصلاة به من المتنجس لا يستفاد منه جواز الصلاة فيه إذا كان مما لا يؤكل لحمه أو كان مغصوبا أو حريرا حيث أنه ليس الا في مقام بيان العفو عن النجاسة لا غير وكذا ما دل على العفو عما دون الدرهم من الدم لا يدل على جواز الصلاة فيه إذا كان مما لا يؤكل لحمه (قوله: بينهما ملازمة) بأن كان ثبوت الحكم من الجهة المقصودة يقتضي ثبوته من الجهة غير المقصودة فان الكلام يكون حجة بالاضافة إلى الجهتين معا لان ما هو حجة على أحد المتلازمين يكون حجة على الملازم الآخر ومثل لذلك بما ورد من صحة الصلاة في ثوب فيه عذرة فانه يدل على صحة الصلاة في خرء ما لا يؤكل لحمه فان العفو عن النجاسة لو لم يستلزم العفو عن خرء ما لا يؤكل لحمه لم يكن فعليا حيث أن كل خرء نجس فهو مما لا يؤكل لحمه وظاهر
فصل
إذا ورد مطلق ومقيد متنافيين فاما يكونان مختلفين في الاثبات والنفى وإما يكونان متوافقين فان كانا مختلفين مثل (أعتق رقبة) (ولا تعتق رقبة كافرة) فلا اشكال في التقييد وان كانا متوافقين فالمشهور فيهما الحمل والتقييد وقد استدل بانه جمع بين الدليلين وهو أولى وقد أورد عليه بامكان الجمع على وجه آخر مثل حمل الامر في المقيد على الاستحباب واورد عليه بان التقييد ليس تصرفا في معنى اللفظ وانما هو تصرف في وجه من وجوه المعنى اقتضاه تجرده عن القيد مع تخيل وروده في مقام بيان تمام المراد وبعد الاطلاع على ما يصلح للتقييد نعلم وجوده على على وجه الاجمال فلا اطلاق فيه حتى يستلزم تصرفا فلا يعارض ذلك بالتصرف في المقيد بحمل امره على الاستحباب " وانت خبير " بان التقييد أيضا يكون تصرفا في المطلق لما عرفت من ان الظفر بالمقيد لا يكون كاشفا عن عدم ورود المطلق في مقام البيان بل عن عدم كون الاطلاق الذي هو ظاهر بمعونة الحكمة بمراد جدي غاية الامر ان التصرف
______________________________
*
الدليل كون نفي البأس فعليا فيدل على نفي البأس من الجهة الاخرى (قوله: فلا اشكال في التقييد) وكأنه من جهة أن ظهور النهي في الحرمة أقوى من ظهور كون المتكلم في مقام البيان أو اصالة عدم القرينة وان كان قد يتفق ما يوجب ضعف الظهور فيحمل على الكراهة مثل: لا تصل في الحمام أو السبخة أو وادي ضجنان بالاضافة إلى قوله صلى الله عليه وآله: جعلت لى الارض مسجدا وطهورا (قوله: واورد عليه بان) هذا أورده في التقريرات جريا على مبناه المتقدم (قوله: نعلم وجوده) قد عرفت أن العلم المذكور ان كان وجدانيا فهو غير محل الفرض وان كان من جهة أصالة الظهور في المقيد فهي معارضة بالاصول الجارية في المطلق المقتضية لاطلاقه وتقديمها عليها بقول مطلق غير ظاهر الوجه لعدم التقدم الرتبي فلا بد أن يكون المقدم هو الاقوى ايا ما كان (قوله: وانت خبير)
فيه بذلك لا يوجب التجوز فيه مع ان حمل الامر في المقيد على الاستحباب لا يوجب تجوزا فيه فانه في الحقيقة مستعمل في الايجاب فان المقيد إذا كان فيه ملاك الاستحباب كان من افضل افراد الواجب لا مستحبا فعلا ضرورة ان ملاكه لا يقتضى استحبابه إذا اجتمع مع ما يقتضي وجوبه. نعم فيما إذا كان احراز كون المطلق في مقام البيان بالاصل كان من التوفيق بينهما حمله على انه سيق في مقام الاهمال على خلاف مقتضى الاصل " فافهم " ولعل وجه التقييد كون ظهور اطلاق الصيغة في الايجاب التعييني أقوى من ظهور المطلق في الاطلاق وربما يشكل بانه يقتضى التقييد في باب المستحبات مع أن بناء المشهور على حمل الامر بالمقيد فيها على تأكد الاستحباب اللهم الا ان يكون الغالب في هذا الباب
______________________________
وقدم تقدم الكلام فيه (قوله: من أفضل أفراد) هذا مع قطع النظر عن ظهوره في التعيين والا فكونه من أفضل الافراد لا يصحح الامر به تعيينا فالامر به تعيينا لابد أن يحمل على الاستحباب (قوله: إذا اجتمع مع ما يقتضي) هذا إذا كان ملاك الوجوب تعيينيا أيضا أما لو كان تخييريا وملاك الاستحباب تعيينيا لابد أن يحمل الامر به تعيينيا على الاستحباب نعم يمكن ان يعارض ما ذكر المورد بأن حمل الامر على الاستحباب ايضا لا يستلزم تصرفا في اللفظ لان دلالة الامر على الوجوب بالاطلاق فلا وجه لتقديم تقييد الموضوع على تقييد اطلاق الصيغة (قوله: في مقام البيان) يعني المراد الاستعمالي (قوله: من التوفيق بينهما) وعليه فيدور الامر دائما بين التصرف في الاطلاق والتصرف في الاصل المذكور الذي هو من مبادئ الاطلاق والتصرف في المقيد بحمله على الاستحباب فتعين التوفيق المذكور يتوقف على المرجح ولعله اشار إليه بقوله: فافهم (قوله: أقوى من ظهور المطلق) وتوهم ان الوجوب التعييني لا ينافي الاطلاق لجواز أن يكون في المقيد ملاك الوجوب التعييني وملاك الوجوب التخييري مندفع بأن الكلام في فرض التنافي بينهما بالعلم بوحدة الحكم ولو بالعلم
هو تفاوت الافراد بحسب مراتب المحبوبية فتأمل أو أنه كان بملاحظة التسامح في أدلة المستحبات وكان عدم رفع اليد من دليل استحباب المطلق بعد مجئ دليل المقيد وحمله على تأكد استحبابه من التسامح(١) فيها " ثم " أن الظاهر انه لا يتفاوت فيما ذكرنا بين المثبتين
______________________________
بوحدة السبب فانه يمتنع أن يكون الحكم الواحد قائما بالمطلق والمقيد معا (قوله: تفاوت الافراد) فان غلبة التفاوت المذكور تمنع من احراز وحدة المسبب فيجوز أن يكون بعض مراتب الفضل قائما بالمطلق وبعضها قائما بالمقيد وبه يكون المقيد موضوعا للاستحباب التعييني مع كون المطلق باطلاقه موضوعا له ايضا، (فان قلت): غلبة تفاوت الافراد في الفضل لا تختص بالمستحبات بل هي في الواجبات ايضا فهلا يحمل الامر بالمقيد فيها على الاستحباب التعييني ؟ (قلت): الغلبة المذكورة لا تصلح للتصرف في الامر بحمله على الاستحباب وإنما صلحت في المستحبات للمنع عن احراز وحدة الحكم فقط وأما أصل الاستحباب فمستفاد من الخارج كما هو مقتضى فرض كون المورد مستحبا فمحصل الفرق بين الواجبات والمستحبات إحراز التنافي في الاولى بين المطلق والمقيد الموجب لحمل الاول على الثاني وعدم احرازه في الثانية فلا موجب للحمل (قوله: المحبوبية فتأمل) يمكن أن يكون اشارة إلى السؤال المتقدم وجوابه (قوله: من التسامح فيها) بان كان يصدق: من بلغه ثواب على... الخ بالنسبه إلى المطلق فيحكم باستحبابه لذلك لكن لازم ذلك الحكم باستحباب المطلق في الواجبات بعد التقييد لعين التقريب المذكور لكن الظاهر عدم تماميته في البابين معا لان المقيد من قبيل
______________
(١) ولا يخفى انه لو كان حمل المطلق على المقيد جمعا عرفيا كان قضيته عدم الاستحباب إلا للمقيد وحينئذ إن كان بلوغ الثواب صادقا على المطلق كان استحبابه تسامحيا والا فلا استحباب له وحده كما لا وجه بناء على هذا الحمل وصدق البلوغ يأكد الاستحباب في المقيد فافهم. " منه قدس سره " (*)
والمنفيين بعد فرض كونهما متنافيين كما لا يتفاوتان في استظهار التنافي بينهما من استظهار اتحاد التكليف من وحدة السبب وغيره من قرينة حال أو مقال حسبما يقتضيه النظر فليتدبر (تنبيه) لا فرق فيما ذكر من الحمل في المتنافيين بين كونهما في بيان الحكم التكليفي وفي بيان الحكم الوضعي فإذا ورد مثلا أن البيع سبب وأن البيع الكذائي سبب وعلم أن مراده إما البيع على اطلاقه أو البيع الخاص فلا بد من التقييد لو كان ظهور دليله في دخل التقييد أقوى من ظهور دليل الاطلاق فيه كما هو ليس ببعيد ضرورة تعارف ذكر المطلق وارادة المقيد بخلاف العكس الغاء القيد وحمله على انه غالبي أو على وجه آخر فانه على خلاف المتعارف (تبصرة) لا تخلو من تذكرة وهي أن قضية مقدمات الحكمة في المطلقات تختلف حسب اختلاف المقامات
______________________________
القرائن المتصلة المانعة من دليلية المطلق من حيث الدلالة فلا تجبره أدلة التسامح لانها ظاهرة في جبران السند لا الدلالة (قوله: والمنفيين) لا يخفى أن المطلق في المنفيين لما كان منحلا إلى أحكام متعددة بتعدد أفراده كان المقيد منهيا عنه تعيينا فحمل النهي في المقيد على انه من جهة ان المقيد أحد الافراد لا يستلزم تصرفا في صيغة النهي من حيث التعيين والتخيير كما كان يستلزمه في المثبتين غاية الامر انه لابد أن يكون وجه مقتض للتنصيص عليه وعليه فلا موجب للتقييد وحمل المطلق على المقيد مع احتمال أن يكون الوجه المصحح للتنصيص عليه الاهتمام به الناشئ من تأكد ملاك النهي فيه أو ندرة وجوده أو شيوعه أو غير ذلك من الوجوه المصححة للتنصيص عليه بالخصوص (قوله: من وحدة السبب و) والا فمقتضى الجمود على نفس المطلق والمقيد البناء على تعدد الطلب لتعدد المطلوب إذ المطلق يغاير المقيد غاية الامر أن يكون المقيد موضوعا لطلب متأكد لامتناع اجتماع المثلين فيه (قوله: ليس ببعيد) بل بعيد جدا كما عرفت وجهه في المنفيين (قوله: خلاف المتعارف) هذا ممنوع نعم هو خلاف الظاهر
فانها (تارة) يكون حملها على العموم البدلي (وأخرى) على العموم الاستيعابي (وثالثة) على نوع خاص مما ينطبق عليه حسب اقتضاء خصوص المقام واختلاف الآثار والاحكام كما هو الحال في سائر القرائن بلا كلام فالحكمة في اطلاق صيغة الامر تقتضي أن يكون المراد خصوص الوجوب التعييني العيني النفسي فان ارادة غيره تحتاج إلى مزيد بيان ولا معنى لارادة الشياع فيه فلا محيص عن الحمل عليه فيما إذا كان بصدد البيان كما انها قد تقتضي العموم الاستيعابي كما في (أحل الله البيع) إذا أراد البيع مهملا أو مجملا ينافي ما هو المفروض من كونه بصدد البيان وارادة العموم البدلي لا يناسب المقام ولا مجال لاحتمال ارادة بيع اختاره المكلف أي بيع كان مع انها تحتاج إلى نصب دلالة عليها لا يكاد يفهم بدونها من الاطلاق ولا يصح قيامه على ما إذا اخذ في متعلق الامر فان العموم الاستيعابي لا يكاد يمكن ارادته وارادة غير العموم البدلي وان كانت ممكنة الا انها منافية للحكمة وكون المطلق بصدد البيان.
______________________________
لكن يجوز ارتكابه في مقابل التصرف في المطلق بالتقييد (قوله: فانها تارة يكون) ضمير (انها) راجع إلى المطلقات وضمير (يكون) إلى قضية المقدمات (قوله: فان ارادة) قد تقدم بيان الحال في ذلك في مباحث الامر (قوله: كما انها قد تقتضي) الظاهر أن مقتضى المقدمات في جميع الموارد واحد وهو صرف الماهية وأما الاستيعاب والعموم البدلي وغيرهما فانما تستفاد من القرائن المكتنفة بالمقام مثل الورود مورد الامتنان في مثل: " أحل الله البيع " أو مناسبة الحكم للموضوع في مثل: " أكرم العالم " و " أهن الفاسق " أو غيرهما في غيرهما (قوله: لا يكاد يمكن) فانه تكليف بما لا يطاق غالبا (قوله: وارادة غير العموم) مثل ما يختاره المكلف (قوله: منافية للحكمة) لعدم القرينة عليه.
فصل في المجمل والمبين
والظاهر أن المراد من المبين في موارد إطلاقه الكلام الذي له ظاهر ويكون بحسب متفاهم العرف قالبا لخصوص معنى. والمجمل بخلافه فما ليس له ظهور مجمل وان علم بقرينة خارجية ما اريد منه كما ان ماله الظهور مبين وان علم بالقرينة الخارجية انه ما اريد ظهوره وأنه مأول ولكل منهما في الآيات والروايات وان كان أفراد كثيرة لا تكاد تخفى الا ان لهما أفرادا مشتبهة وقعت محل البحث والكلام للاعلام في انها من أفراد أيهما كآية السرقة
______________________________
فصل في المجمل والمبين
(قوله: وان علم بالقرينة) هذا تعريض بما في التقريرات من عده من المجمل واستشهد عليه بما تقدم من الحكم بسراية اجمال الخاص إلى العام ولا يخفى أنه ليس من الاجمال في الكلام بل في المراد الا أن يكون اصطلاح عليه كما قد يظهر منه فانه قسم المجمل على قسمين الاول ما لم تتضح دلالته والآخر ما له ظاهر غير مراد للمتكلم ومثل له بالعام الذي علم اجمالا تخصيصه والمطلق الذي علم اجمالا تقييده (قوله: كآية السرقة) وهي قوله تعالى: (السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) ووجه الاجمال إما لان اليد تستعمل في الانامل والاصابع ونفس الكف وما ينتهي إلى المرفق وما ينتهي إلى المنكب وليس في الآية الشريفة قرينة على تعيين المراد. وإما لان تعليق القطع باليد مجمل إذ لا ظهور له في محل القطع نظير قولك: قطعت الحبل، حيث يتردد محل القطع بين كل جزء من أجزائه ويمكن دفع الاول بأن اليد حقيقة في العضو المتصل بالمنكب والاستعمال في غيره اعم من الحقيقة والثاني بأن الظاهر من إيراد القطع على شئ متصل بغيره قطعه من محل الاتصال بالغير فالظاهر من الآية قطع اليد من المنكب ونحوه قطعت الاصبع والكف والذراع والعضد ولا وجه لقياسه بقطع الحبل ولو منع ذلك كان مقتضى الاطلاق الاكتفاء
ومثل (حرمت عليكم أمهاتكم) و (أحلت لكم بهيمة الانعام) مما اضيف التحليل إلى الاعيان ومثل (لا صلاة الا بطهور) ولا يذهب عليك أن اثبات الاجمال أو البيان لا يكاد يكون بالبرهان لما عرفت من أن ملاكهما أن يكون للكلام ظهور ويكون قالبا لمعنى وهو مما يظهر بمراجعة الوجدان فتأمل. ثم لا يخفى أنهما وصفان اضافيان ربما يكون مجملا عند واحد لعدم معرفته بالوضع أو لتصادم ظهوره بما حف به لديه ومبينا لدى الآخر لمعرفته وعدم التصادم بنظره فلا يهمنا التعرض لموارد الخلاف والكلام والنقض والابرام في المقام وعلى الله التوكل وبه الاعتصام.
______________________________
بالقطع من أي موضوع كان من اليد (قوله: ومثل حرمت عليكم) وجه الاجمال في آيات التحليل والتحريم امتناع تعلقهما بالاعيان فلابد من التقدير والصالح للتقدير متعدد وليس بعضه معينا إذ لا قرينة ويمكن دفعه بأن الاطلاق يقتضي تقدير كل ما هو صالح للتقدير من افعال المكلف المتعلقة بتلك الاعيان ولو بتقدير الجامع بينها الا ان يكون جهة ظاهرة ينصرف إليها الكلام كما في الآيتين الشريفتين ولذا لم يتوهم أحد من الصحابة إجمال آية تحريم الامهات من جهة احتمال كل من اللمس والنظر والكلام والتعظيم وغير ذلك (قوله: ومثل لا صلاة إلا بطهور) ووجه الاجمال أنه - بناء على الاعم - يمكن تقدير الصحة كما يمكن تقدير الكمال ولا قرينة معينة لاحدهما ويمكن دفعه بان الصحة أقرب عرفا واعتبارا إلى نفي الذات من نفي الكمال والاقرب كذلك يكون أظهر (قوله: ولا يذهب عليك) هذا تعريض بكل من تعرض لاثبات دعوى الاجمال والبيان بالبرهان كما صنعه جماعة إذ الظهور وعدمه من الوجدانيات التي لا يرجع فيها إلا إلى الوجدان إلا أن يكون المقصود من سوق البرهان تنبيه النفس على ما هو ثابت بالوجدان ولعله إليه أشار بقوله: فتأمل، والله سبحانه أعلم. إلى هنا انتهى ما أردنا ايراده تعليقا على كلام شيخنا واستاذنا المحقق العلامة - أعلى الله مقامه - والحمد لله أولا
وآخرا وظاهرا وباطنا وله جزيل الشكر على ما منحنا من التوفيق لذلك فنسأله أن يجعله خالصا لوجهه الكريم إنه خير مسؤول وهو حسبنا ونعم الوكيل. قد وقع الفراغ من تأليفه في (النجف الاشرف) بيمن الحضرة المقدسة على ساكنها أفضل السلام بتاريخ ثالث صفر المظفر من السنة الخامسة والاربعين بعد الالف والثلثمائة من الهجرة النبوية على مهاجرها أفضل الصلاة والسلام والتحية بقلم الفقير إلى رحمة ربه الغني (محسن) ابن العلامة المرحوم السيد (مهدى) الطباطبائي الحكيم طاب ثراه
فهرس الجزء الأوّل
تقديم ٣
موضوع العلم ٦
تمايز العلوم تمايز الموضوعات ١٠
موضوع علم الاصول ١٢
تعريف علم الاصول ١٥
الوضع ١٧
حقيقة الوضع ١٨
اقسام الوضع ٢٠
المعني الحرفي ٢٢
تحقيق المعني الحرفي ٢٣
الخبر والانشاء ٢٧
أسماء الاشارة ٢٩
اطلاق اللفظ وارادة نوعه أو صنفه أو مثله ٣١
اطلاق اللفظ واردة شخصه ٣٣
تبعية الدلالة للارادة ٣٦
توجيه ماحكي عن العلمين ٣٨
وضع المركبات ٤٠
التبادر ٤٢
صحة السلب ٤٤
الاطراد ٤٥
احوال اللفظ ٤٧
الحقيقة الشرعية ٤٧
الصحيح والاعم ٥٣
معنى الصحة ٥٥
القدر الجامع على القول بالصحيح ٥٦
تصوير الجامع على القول بالاعم ٦٠
ثمرة النزاع بين القول بالصحيح والقول بالاعم ٦٦
وجوه القول بالصحيح ٧٠
وجوه القول بالأعم ٧٣
اسماء المعاملات موضوعة للصحيحة أو للاعم؟ ٨٠
أقسام دخل الشيء في المأمور به ٨٥
الاشتراك ٨٧
استعمال المشترك في اكثر من معنى ٨٩
بطون القرآن ٩٥
المشتق ٩٦
أدلة المختار ١١٢
الاشكال على الاستدلال بصحة السلب ١١٥
حجة القول بالوضع للأعم ١١٦
بساطة المشتق ١٢٠
المراد من بساطة المفهوم ١٢٨
الفرق بين المشتق ومبدئه ١٣٠
ملاك الحمل ١٣٣
يكفي في الحمل المغايرة مفهوما ١٣٦
الصفات الجارية عليه تعالى ١٣٨
المقصد الاول في الاوامر ١٤٠
معني مادة الأمر ١٤١
اعتبار العلو في معني الأمر ١٤٣
الطلب والارادة ١٤٤
اشكال في التكليف ١٥٠
دفع الاشكال ١٥٢
الارادة التشريعية والتكوينية ١٥٣
اشكال العقاب على المعاصي ١٥٤
حل الاشكال ١٥٥
صيغة الامر و معانيها ١٥٦
الصيغ الانشائية ١٥٨
هل الصيغة حقيقة في الوجوب؟ ١٥٩
الجمل الخبرية في مقام الطلب ١٦١
التعبدي والتوصلى ١٦٥
معني قصد التقرب المعتبر في العبادة ١٦٦
تصوير أخذ قصد القربة في متعلق الأمر ١٦٧
الاشكال على تقييد المامور به بداعي الأمر ١٦٨
تأسيس الاصل في الشك في اعتبار قصد القربة ١٧٦
اقتضاء اطلاق الصيغة كون الوجوب نفسيا تعيينيا عينيا ١٧٩
وقوع الامر عقيب الحظر ١٨٠
المرة والتكرار ١٨١
الفرق بين المسألة ومسألة تعلق الأمر بالطبايع والافراد ١٨٤
الفور والتراخى ١٨٨
الاجزاء ١٩١
معني الاجزاء ١٩٣
الفرق بين مسألة الاجزاء ١٩٤
اجزاء الاتيان بالمأمور به عن امره ومسألة المرة والتكرار ١٩٥
اجزاء الاتيان بالمأمور به بالامر الاضطراري عن الأمر الواقعي ١٩٦
الكلام في المسألة ثبوتا ١٩٦
الكلام في المسألة اثباتا ١٩٩
اجزاء الاتيان بالمأمور به بالامر الظاهري عن الأمر الواقعي ٢٠٤
تحقيق في مفاد قوله (عليه السلام): كل شي نضيف ٢٠٤
عدم الاجزاء في صورة القطع بخلاف الواقع ٢١٣
الفرق بين التصويب والاجزاء ٢١٤
في مقدمة الواجب ٢١٥
تقسيم المقدمة إلى داخلية و خارجية ٢١٦
تقسيم المقدمة إلى عقلية وشرعية وعادية ٢٢١
تقسيم المقدمة إلى مقدمة الوجود والصحة والوجوب والعلم ٢٢٢
تقسيم المقدمة إلى متقدمة ومقارنة ومتأخرة ٢٢٤
تحقيق الشرط المتأخر ٢٢٥
تقسيم الواجب إلى المطلق والمشروط ٢٣٠
تحقيق في الوجوب التعليقي ٢٣١
في ان المقيد في الواجب المشروط هو المادة او الهيئة ٢٣٣
وجوب المعرفة والتعلم ٢٤١
تقسيم الواجب إلى معلق ومنجز ٢٤٣
وجوه دفع الاشكال في فعلية وجوب المقدمة قبل فعلية ذيها ٢٤٩
تردد القيد بين رجوعه للمادة او الهيئة ٢٥٣
ترجيح اطلاق الهيئة على اطلاق المادة ٢٥٣
اشكال على الترجيح المذكور ٢٥٥
تقسيم الواجب إلى نفسي وغيري ٢٥٧
دوران الامر بين كون الواجب نفسياً أو غيريا ٢٥٩
في ان الامر الغيري توصلي وان موافقته ومخالفته لا توجب ثوابا ولا عقابا ٢٦٢
اشكال التقرب في الطهارات الثلاث ٢٦٣
دفع الاشكال المذكور ٢٦٤
اشتراط وجوب المقدمة ٢٦٩
قصد التوصل باردة ذيها ٢٧٠
المقدمة الموصلة ٢٧٤
ثمرة المقدمة الموصلة ٢٨٥
الاصلى والتبعى ٢٨٨
ثمرة وجوب المقدمه ٢٩٠
تأسيس الاصل في وجوب المقدمة ٢٩٤
البرهان على وجوب المقدمة ٢٩٦
برهان أبي الحسن البصري والاشكال عليه ٢٩٧
التفصيل بين السبب وغيره ٢٩٩
التفصيل بين الشرط الشرعي و غيره ٣٠٠
مقدمة المستحب والحرام والمكروه ٣٠٠
في مسألة الضد ٣٠٢
في ان التحقيق عدم مقدمية ترك احد الضدين للآخر ٣٠٣
في ان التلازم لا يقتضي حرمة الضد ٣١٢
الترتب ٣١٥
أمر الآمر مع علمه بانتفاء شرطه ٣٢٣
تعلق الاوامر والنواهي بالطبايع أو الافراد ٣٢٥
نسخ الوجوب ٣٣٠
الواجب التخييري ٣٣٢
الواجب الكفائي ٣٣٧
الواجب الموقت ٣٣٨
الامر بالامر ٣٤٢
المقصد الثاني في النواهي ٣٤٤
مفاد صيغة النهي ٣٤٤
دلالة النهي على الدوام ٣٤٧
في اجتماع الامر والنهى ٣٤٩
الفرق بين مسألة الاجتماع ومسألة النهي في العبادة ٣٥٠
في ان مسألة الاجتماع عقليه ٣٥٤
في ان النزاع لا يختص بالوجوب والحرمة التعيينيين ٣٥٥
اعتبار المندوحة ٣٥٦
عدم ابتناء النزاع على القول بتعلق الاحكام بالطبائع ٣٥٧
اعتبار وجود المناط في مورد التصادق ٣٥٩
فيما يستكشف به المناط ٣٦١
الامتثال بالجمع على القولين وبالنسبة إلى حالات المكلف ٣٦٢
دليل الامتناع ٣٦٨
دليل الجواز من العلم والجهل قصورا و تقصيراً ٣٧٥
العبادات المكروهة ٣٧٦
دفع الشكال الكراهة في العبادات ٣٧٧
تنبيهات الاجتماع ٣٨٨
توسط الارض المغصوبة ٣٨٨
الصلاة في الدار المغصوبة اضطراراً ٤٠٢
التنبيه الثاني ٤٠٦
وجوه ترجيح النهي على الأمر في حال الاجتماع ٤١١
التنبيه الثالث ٤٢٠
النهى عن الشئ هل يقتضى فساده؟ ٤٢١
اقسام متعلق النهي ٤٣٢
النهي عن العبادة ٤٣٦
النهي عن المعاملة ٤٤٠
المقصد الثالث في المفاهيم ٤٤٥
مفهوم الشرط ٤٥١
فرض تعدد الشرط ٤٥٩
كيفية مع في تعدد الشرط ٤٦٠
اذا تعدد الشرط واتحد الجزاء ٤٦٢
الكلام في مفهوم الوصف ٤٦٩
مفهوم الغاية ٤٧٤
مفهوم الاستثناء ٤٧٦
مفهوم اللقب والعدد ٤٨١
المقصد الرابع في العام والخاص ٤٨٢
صيغ العموم ٤٨٦
العام المخصص حجة في الباقي ٤٨٩
العمل بالعام قبل الفحص عن المخصص ٥١٥
الخطابات الشفاهية تعم الغائبين بل المعدومين؟ ٥١٩
ثمرة القول بالعموم ٥٢٤
تعقب العام بضمير يرجع إلى بعض افراده ٥٢٨
التخصيص بالمفهوم المخالف ٥٣٠
الاستثناء المتعقب للجمل متعددة ٥٣١
تخصيص العام الكتابي بخبر الواحد ٥٣٣
تعارض العام والخاص ٥٣٦
حقيقة النسخ ٥٤٠
الثمرة المترتبة على النسخ والتخصيص ٥٤٤
المقصد الخامس في المطلق والمقيد والمجمل والمبين ٥٤٥
اسم الجنس ٥٤٥
علم الجنس ٥٤٧
المفرد المعرف باللام ٥٥١
النكرة ٥٥٢
مقدمات الحكمة ٥٥٥
اذا شك في كون المتكلم في مقام البيان ٥٦٠
المطلق والمقيد المتنافيان ٥٦٣
فصل في المجمل والمبين ٥٦٨